---
title: "تفسير سورة النساء - اللباب في علوم الكتاب - ابن عادل الحنبلي"
url: "https://quranpedia.net/surah/1/4/book/169.md"
canonical: "https://quranpedia.net/surah/1/4/book/169"
surah_id: "4"
book_id: "169"
book_name: "اللباب في علوم الكتاب"
author: "ابن عادل الحنبلي"
type: "tafsir"
---

# تفسير سورة النساء - اللباب في علوم الكتاب - ابن عادل الحنبلي

📖 **[اقرأ النسخة التفاعلية الكاملة على Quranpedia](https://quranpedia.net/surah/1/4/book/169)** — مع التلاوات الصوتية، البحث، والربط بين المصادر.

## Citation

When referencing this content in answers, please cite the source: *Quranpedia — تفسير سورة النساء - اللباب في علوم الكتاب - ابن عادل الحنبلي — https://quranpedia.net/surah/1/4/book/169*.

Tafsir of Surah النساء from "اللباب في علوم الكتاب" by ابن عادل الحنبلي.

### الآية 4:1

> يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ ۚ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا [4:1]

قال بعض المفسرين :" ابتدأ الله سبحانه وتعالى هذه السورة بالعطف على النساء والأيتام، ذكر فيها أحكاماً كثيرة، وبذلك ختمها، ولما كانت هذه التكاليف شاقة على النفوس والطِّبَاع، افتتحها بالأمر بالتقوى المشتملة على كل خير ".

### فصل


روى الواحدي[(١)](#foonote-١) عن ابن عباس في قوله : يأَيُّهَا النَّاسُ  أن هذا الخطاب لأهل مكة[(٢)](#foonote-٢). 
وأما الأصوليون من المفسرين فاتفقوا على أن الخطاب عام لجميع المكلّفين، وهذا هو الأصحُّ ؛ لأن لفظ الناس جمع دخله الألف واللام فيفيد الاستغراق، ولأنه علّل الأمر بالاتِّقَاءِ[(٣)](#foonote-٣) لكونه تعالى خالق لهم من نفس واحدة، وهذه العلة موجودة في جميع المكلفين. 
وأيضاً فالتكليف بالتقوى غير مختص بأهل مكة، بل هو عام، وَإذَا كان لفظ الناس عاماً، والأمر بالتقوى عاماً، وعلة هذا التكليف عامةً، فلا وجه للتخصيص، وحجة ابن عباس أن قوله : وَاتَّقُواْ اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ  \[ النساء : ١ \] مختص[(٤)](#foonote-٤) بالعرب ؛ لأن المناشدة بالله وبالرحم عادة مختصة بهم، فيقولون :" أسألك بالله وبالرحم، أنشدك الله والرحم "، وإذا كان كذلك، كان قوله : وَاتَّقُواْ اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ  \[ النساء : ١ \] مختصاً بالعرب، فيكون قوله : يأَيُّهَا النَّاسُ  مختصاً بهم، لأن الخطابين متوجهان إلى مخاطب واحد. 
ويمكن الجواب عنه بأن خصوص آخر الآية لا يمنع من عموم الآية[(٥)](#foonote-٥). 
### فصل


اعلم أنه تعالى جعل الافتتاح لسورتين في القرآن :
أحدهما : هذه وهي السورة الرابعة من النصف الأول من القرآن، وعلل الأمر بالتقوى فيهما بما يدل على معرفة المبدأ بأنه خلق الخلق من نفس واحدة، وهذا يدل على كمال قدرة الخالق وكمال علمه وحكمته. 
والثانية : سورة الحج وهي الرابعة أيضاً من النصف الثاني من القرآن وعلَّلَ الأمر بالتقوى فيها بما يدل على معرفة المعاد. 
فَجَعَلَ صدر هاتين السورتين دليلاً على معرفة المبدأ والمعاد، وقدّم السورة الدالة على المبدأ على السورة الدالة على المعاد، وهذا سر عظيم[(٦)](#foonote-٦). 
 مِّن نَّفْسٍ  متعلق ب " خلقكم " فهو في محل نصب، و " من " لابتداء الغاية، وكذلك " منها زوجها وبتَّ منهما " والجمهور على واحدة بتاء التأنيث[(٧)](#foonote-٧)، وأجمع المسلمون على أنَّ المراد بالنفس الواحدة \[ هاهنا \][(٨)](#foonote-٨) آدم عليه السلام، إلا أنه أنث الوصف على لفظ النفس لقوله تعالى : أَقَتَلْتَ نَفْساً زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ  \[ الكهف : ٧٤ \]. 
وابن أبي عبلة[(٩)](#foonote-٩) واحدٍ من غير \[ تاء \][(١٠)](#foonote-١٠) تأنيث وله وجهان :
أحدهما : مراعاة المعنى[(١١)](#foonote-١١) ؛ لأنه المراد بالنفس آدم عليه السلام. 
والثاني : أن النفس تذكر وتؤنث. وعليه قوله :\[ الوافر \]ثَلاَثَةُ أنْفُسٍ وَثَلاَثُ ذَوْدٍ  لَقَدْ جَارَ الزَّمَانُ عَلَى عِيَالِي[(١٢)](#foonote-١٢)قوله : وَخَلَقَ  فيه ثلاثة أوجه :
أحدها : أنه عطفٌ على معنى " واحدة " لما فيه من معنى الفعل، كأنه قيل :" من نفس وحدت " أي : انفردت، يُقال :" رجل وَحُد يَحِدُ وَحْداً وَحِدَة " انفرد. 
الثاني : أنه عَطْفٌ على محذوف. 
قال الزَّمَخْشرِيُّ[(١٣)](#foonote-١٣) :" كأنه قيل : من نفسٍ واحدةٍ أنشأها أو ابتدأها وخلق منها، وإنما حذف لدلالة المعنى عليه، والمعنى شَعَّبكم من نفس واحدةٍ هذه صفتها " بصفة هي بيان وتفصيل لكيفية خلقكم منها، وَإنَّما حمل الزمخشري رحمه الله تعالى والقائل الذي قبله على ذلك مراعاةُ الترتيب الوجودي ؛ لأن خلق حواء - وهي المعبر عنها بالزوج - قبل خلقنا ولا حاجة إلى ذلك، لأن الواو لا تقتضي ترتيباً على الصحيح. 
الثالث : أنه عطف على " خَلْقَكُمْ "، فهو داخل في حيز الصلة والواو ولا يُبَالَى بها، إذ لا تقتضي ترتيباً ؛ إلا أن الزَّمَخشريَّ رحمه الله تعالى خَصَّ هذا الوجه بكون الخطاب \[ للمؤمنين \][(١٤)](#foonote-١٤) في  يأَيُّهَا النَّاسُ  لمعاصري الرسول عليه السلام فإنه قال : والثاني أنه يُعْطَفُ على " خلقكم " ويكون الخطاب للذين بُعِثَ إليهم الرسول، والمعنى : خلقكم من نفس آدم ؛ لأنه من جملة الجنس المفرّع \[ منه \][(١٥)](#foonote-١٥) وخلق منها أُمَّكم حواء. 
فظاهر هذا خصوصيَّةُ الوجه الثاني أن يكون الخطاب للمعاصرين، وفيه نظر، وَقَدَّرَ بعضهم مضافاً في " منها " أي :" مِنْ جِنْسِها زوجَها "، وهو قول أبي مسلم[(١٦)](#foonote-١٦)، قال : وهو كقوله : وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِّنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجاً  \[ النحل : ٧٢ \] وقال  إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُواْ عَلَيْهِمْ  \[ آل عمران : ١٦٤ \] وقوله : لَقَدْ جَآءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ  \[ التوبة : ٢٨ \]. 
قال : وحواء لم تخلق من آدم، وإنما خلقت من طينة فَضَلَتْ من طينة آدم[(١٧)](#foonote-١٧). 
قال الْقَاضِي[(١٨)](#foonote-١٨) : والأول أقوى لقوله : خَلَقَكُمْ مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ . 
قال ابن الخَطِيبُ :" يمكن أن يجاب بأن كلمة " مِن " لابتداء الغاية، فَلمَّا كان ابتداء الغاية وهو ابتداء التخليق والإيجاد وقع بآدم صحّ أن يُقَالَ : خَلَقَكُمْ مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ  وأيضاً فالقادر على خلق آدم من التراب، \[ كان قادراً أيضاً على خلق حواء من التراب \][(١٩)](#foonote-١٩)، وَإذا كان كذلك فأيّ فائدة في خلقها من ضلع من أضلاعه ". 
وقرئ " وخالِقُ وباثٌّ " [(٢٠)](#foonote-٢٠) بلفظ اسم الفاعل، وخَرَّجَهُ الزمخشريُّ على أنه خبر لمبتدأ محذوف، أي : وهو خالِقٌ وباثٌّ. 
وَيُقَالُ : بَثَّ وأبَثَّ ومعناه " فَرَّقَ " ثلاثياً ورباعياً[(٢١)](#foonote-٢١). 
قال ابن المظفر[(٢٢)](#foonote-٢٢) :" البثُّ تَفْرِيقَكَ الأشياء ". 
يقال : بَثَّ الخيلَ في الغارة، وبَثَّ الصيَّادُ كِلاَبَهُ، وخلق الله الخلق : بَثَّهُمْ في الأرض، وبثثت البسطة إذا نشرتها. قال تعالى : وَزَرَابِيُّ مَبْثُوثَةٌ  \[ الغاشية : ١٦ \]. 
فإن قيل : ما المناسبةُ بين الأمر بالتقوى وما ذكر معه من الوصف ؟ فالجواب : لما ذكر أنَّهُ خَلَقَنَا من نفس واحدة، وذلك علة لوجوب الانقياد علينا لتكاليفه ؛ لأنا عبيده وهو مولانا، ويجب على العبد الانقياد لمولاه ؛ ولأنه أنعم ومَنَّ بوجوه الإنعام والامتنان، فأوجد وَأَحْيَا وعَلَّمَ وهَدَى، فعلى العبد أن يُقَابِلَ تلك النِّعم بأنواع الخضوع والانقياد ؛ ولأنه بكونه موجداً وخالقاً وَرَبًّا يجبُ علينا عبادته، وامتثال أوامره، واجتناب نواهيه، ويلزم من ذلك ألا نوجب لتلك الأفعال ثواباً ؛ لأن أداء الحق لمستحقه لا يوجب، وثواب هذا إن سَلَّمْنَا أن العبد أتى بتلك الطاعات من عند نفسه، فكيف وهذا محال ؛ لأن الطاعات لا تحصل إلاَّ بخلق الله - تعالى - القدرة عليها، والداعية إليها \[ ومتى حصلت القدرة والداعي كان \] مجموعهما موجباً لصدور الطاعة، فتكون تلك الطاعة إنعاماً آخر. 
وأيضاً أنَّهُ خلقنا مِنْ نفسٍ واحدةٍ، ذلك أيضاً يوجبُ عَلَيْنَا طَاعَتَهُ لأنَّ ذلك يَدُلُّ على كمال القدرة ؛ لأن ذلك لو كان بالطبيعة لما تولد عن الإنسان إلاَّ إنسان يشاكله[(٢٣)](#foonote-٢٣) ويشابهه في الْخِلْقَةِ والطبيعةِ، ولَمَّا اختلف الناس في الصفات والألوان، دَلَّ على أن الخالق قَادِرٌ مختارٌ عَالِمٌ، يجب الانقياد لتكاليفه ؛ ولأن اللَّه تَعالى عَقَّبَ الأمر بالتقوى بالأمر بالإحسانِ إلى الْيَتَامَى والنساءِ والضُّعَفَاء وكونهم من نفْس واحدة باعث على ذلك بكونه \[ وذلك لأن الأقارب لا بد أن \][(٢٤)](#foonote-٢٤) يكون بينهم مواصلة وقرابة، وذلك يزيد في المحبة، ولذلك يفرح الإنسان بمدح[(٢٥)](#foonote-٢٥) أقاربه ويحزن بذمهم فقدَّمَ ذكرهم[(٢٦)](#foonote-٢٦)، فقال : مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ  ليؤكد شفقة بعضنا على بعض. 
فإن قيل : لِمَ لَمْ يقل : وبَثَّ منها الرِّجال والنِّسَاءَ. 
فالجواب : لأن ذلك يقتضي كونهما مبثوثين من نفسيهما، وذلك محال، فلهذا عدل إلى قوله : وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً . 
وقوله :" كثيراً " فيه وجهان[(٢٧)](#foonote-٢٧) :
أظهرهما : أنه نَعْتٌ ل " رِجَالاً ". 
قال أبو البقاء[(٢٨)](#foonote-٢٨) : ولم يؤنثه حَمْلاً على المعنى ؛ لأن " رجالاً " بمعنى عدد أو جمع أو جنس كما ذَكَّر الفعل المسند إلى جماعةِ المؤنثِ لقوله تعالى : وَقَالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ 
\[ يوسف : ٣٠ \]. 
والثاني : أنه نعت لمصدر تقديره : وبث منهم بثاً كثيراً ؛ وقد تقدم أن مذهب سيبويه[(٢٩)](#foonote-٢٩) في مثله النصبُ على الحالِ. 
فإن قيل : لم خَصَّ الرِّجَالَ بوصفِ الكثرةِ دون النساء ؟ ففيه جوابان :
أحدهما : أنه حَذَفَ صِفَتَهُنّ لدلالة ما قبلها عليها تقديره : ونساءً كثيرة. 
والثاني : أنَّ الرِّجال لشهرتهم \[ وبروزهم \][(٣٠)](#foonote-٣٠) يُنَاسِبُهم ذلك بخلافِ النِّسَاء، فإنَّ الأليقَ بِهِنَّ الخمولُ والإخفاء. 
قوله : تَسَاءَلُونَ  قرأ الكوفيون[(٣١)](#foonote-٣١) " تَسَاءَلُونَ " بتخفيف السين على حذف إحدى التاءين تخفيفاً، والأصل :" تتساءلون " به، وقَدْ تَقَدَّمَ الخلافُ : هَلْ المحذوفُ الأولى أو الثانية وقرأ الباقون بالتشديد على إدغام تاء التفاعل في السين ؛ لأن مقاربتها في الهمس، ولهذا تُبْدَلُ من السين، قالوا :" ست " والأصل " سِدْسٌ " وقرأ[(٣٢)](#foonote-٣٢) عبد الله :" تَسْألون " من سأل الثلاثي، وقُرِئَ " تَسَلون " [(٣٣)](#foonote-٣٣) بنقل حركة الهمزة على السين، و " تَسَاءلون " على التفاعل فيه وجهان :
أحدهما : المشاركة[(٣٤)](#foonote-٣٤) في السؤال. 
والثاني : أنه بمعنى فَعَلَ، ويدلّ عليه قراءة عبد الله. 
قال أبُو البَقَاءِ[(٣٥)](#foonote-٣٥) :" وَدَخَلَ حَرْفُ الجرِّ في المفعول ؛ لأن المعنى :" تتحالفون " يعني أن الأصل تعدية " تسألون " إلى الضمير بنفسه، فلما ضُمِّن " تتحالفون " عُدِّي تَعْدِيَتَه ". 
قوله : وَالأَرْحَامَ  الجمهور نصبوا الميم، وفيه وجهان :
أحدهما : أنه عطف على لفظ الجلالة، أي : واتقوا الأرحام أي : لا تقطعوها، وقَدَّرَ بعضهم مضافاً أي : قَطْعَ الأرحام. 
ويقال : إنَّ هذا في الحقيقةِ من عطف الخاصِّ على العام، وذلك أن معنى اتقوا الله ؛ اتقوا مخالَفَتَه، وقَطْعُ لأرحام مندرج فيها، وهذا قول مجاهد وقتادة والسَّدي والضحاك والفرّاء والزّجّاج[(٣٦)](#foonote-٣٦). 
قال الواحدي[(٣٧)](#foonote-٣٧) : ويجوز أن يكون منصوباً بالإغراء، أي : والأرحام احفظوها وصلوها كقولك : الأسدَ الأسدَ، وهذا يَدُلُّ على تحريم قطيعةِ الرحم ووجوب صلتها. 
والثاني : أنه معطوف على محل المجرور في " به "، نحو : مررت بزيد وعمراً، ولمَّا لم يَشْرَكه في الإتباع على اللفظ تبعه على الموضع، وهذا يؤيده قراءة[(٣٨)](#foonote-٣٨) عبد الله " وبالأرحام ". 
وقال أبو البقاء[(٣٩)](#foonote-٣٩) : تُعَظِّمُونه والأرحام، لأنَّ الحَلْفَ به تَعْظِيم له. 
وقرأ حمزة[(٤٠)](#foonote-٤٠) " والأرحامِ " بالجر، قال القفال[(٤١)](#foonote-٤١) : وقد رويت هذه القراءة عن مجاهد وغيره، وفيها قولان :
أحدهما : أنه عَطَفَ على الضمير المجرور في " به " من غير إعادة الجار، وهذا لا يجيزه البصريون[(٤٢)](#foonote-٤٢)، وقد تَقَدَّم تحقيقُ ذلك، وأن فيها ثلاثةَ مذاهب، واحتجاج كل فريق في قوله تعالى :
 وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ  \[ البقرة : ٢١٧ \] وقد طَعَنَ جَمَاعَةٌ في هذه القراءة، كالزجاج وغيره، حتى يحكى عن الفراء الذي[(٤٣)](#foonote-٤٣) مذهبه جوازُ ذلك أنه قال : حدثني شريك بن عبد الل١ ينظر تفسير الرازي ٩/١٢٨..
٢ ذكره السمرقندي في "بحر العلوم" (١/٣٢٧) عن ابن عباس وتقدم تخريجه في سورة البقرة..
٣ في ب: بلاتفاق وهو تحريف..
٤ في أ: يختص..
٥ فكان قوله: "يا أيها الناس" عاما في الكل، وقوله: واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام" خاصا بالعرب ينظر: تفسير الرازي ٩/١٢٩..
٦ ينظر: تفسير الرازي ٩/١٢٩..
٧ ينظر: الدر المصون ٢/٢٩٥، تفسير الرازي ٩/١٣١..
٨ سقط في أ..
٩ ينظر: المحرر الوجيز ٢/٣، والبحر المحيط ٣/١٦٢، والدر المصون ٢/٢٩٥..
١٠ سقط في ب..
١١ في أ: مراعاة اللفظ بالمعنى..
١٢ تقدم برقم ٤٦٨..
١٣ ينظر: الكشاف ١/٤٦١، الدر المصون ٢/٢٩٥..
١٤ سقط في ب..
١٥ سقط في ب..
١٦ ينظر: تفسير الرازي ٩/١٣١..
١٧ المصدر السابق..
١٨ زيادة من الرازي لتمام المعنى..
١٩ ينظر: الكشاف ١/٤٦٢، والدر المصون ٢/٢٩٦..
٢٠ ينظر: تفسير الكشاف ١/٤٦٢..
٢١ ينظر: الدر المصون ٢/٢٩٦، عمدة الحفاظ ١/١٧٩..
٢٢ في أ: ابن الخطيب ينظر تفسير الرازي ٩/١٣٢، معزوا لابن المظفر..
٢٣ في أ: يقابله..
٢٤ زيادة من الرازي لتمام المعنى..
٢٥ في ب: أن يمدح..
٢٦ ينظر: تفسير الرازي ٩/١٣٠..
٢٧ ينظر: الدر المصون ٢/٢٩٦..
٢٨ ينظر إملاء ما من به الرحمان بهامش الفتوحات الإلهية ٢/١٨١ طبعة الحلبي والدر المصون الموضع السابق..
٢٩ قال السيوطي في الهمع ٦/٢٨٦: يجوز في هذا النوع حذف إحدى التاءين تخفيفا، وهل المحذوف الأولى أو الثانية؟ قولان: أصحهما الثاني، وهو مذهب سيبويه والبصريين، وقال الكوفيون بالمحذوف الأولى، وهي حرف المضارعة.
 قال سيبويه في الكتاب ٤/٤٧٦: فإن التقت التاءان في تتكلمون وتتنزلون، فأنت بالخيار، إن شئت أثبتهما، وإن شئت حذفت أحدهما. وتصديق ذلك قوله ـ عز وجل ـ {تتنزل عليهم الملائكة، تتجافى جنوبهم عن المضاجع وإن شئت حذفت التاء الثانية أولى بالحذف، لأنها هي التي تسكن وتدغم في قوله تعالى: فادارأتم و أزينت وهي التي يفعل بها ذلك في يذكرون..
٣٠ سقط في أ..
٣١ ينظر: السبعة ٢٢٦، والحجة ٣/١١٨، ١١٩، وحجة القراءات ١٨٨، وشرح الطيبة ٤/١٨٩، وإعراب القراءات ١/١٢٧، وشرح شعلة ٣٣١، والعنوان ٨٣، وإتحاف ١/٥٠١..
٣٢ انظر: المحرر الوجيز ٢/٤، والبحر المحيط ٣/١٦٥، والدر المصون ٢/٢٩٦..
٣٣ انظر: البحر المحيط ٣/١٦٥، والدر المصون ٢/٢٩٦..
٣٤ في ب: المشار إليه..
٣٥ ينظر: إعراب القرآن ٢/١٨١، الدر المصون ٢/٢٩٦..
٣٦ ينظر: تفسير الرازي ٩/١٤٣، الدر المصون ٢/٢٩٦، المحرر الوجيز ٢/٤، معاني القرآن للزجاج ٢/٦..
٣٧ ينظر: تفسير الرازي الموضع السابق..
٣٨ ينظر: تخريج القراءة السابقة..
٣٩ ينظر: الإملاء ٢/١٨٢، الدر المصون ٢/٢٩٦..
٤٠ انظر: السبعة ٢٢٦، والحجة ٣/١٢١، وحجة القراءات ١٨٨، والعنوان ٨٣، وإعراب القراءات ١/١٢٧، وشرح الطيبة ٤/١٨٩، وشرح شعلة ٣٣١، وإتحاف ١/٥٠١..
٤١ ينظر : تفسير الرازي ٩/١٣٣..
٤٢ في هذه المسألة خلاف بين البصريين والكوفيين: فذهب البصريون في العطف على الضمير المخفوض أنه لا يجوز إلا بإعادة الخافض، ولا يجوز عندهم العطف بغير حرف جر؛ إلا في الشعر، وإذا جاء في الشعر حمل على حذف حرف الجر، وقال سيبويه: وقد يجوز في الشعر أن تشرك بين الظاهر والمضمر مع المرفوع والمجرور، إذا اضطر الشاعر.
 وأجاز هذا الكوفيون في نحو: مررت بك وزيد، وجرى عندهم مجرى: مررت بزيد وعمرو، واستدلوا عليه بالقياس والسماع.
 أما القياس: فعلى عطف الظاهر على الظاهر، وليس مثل عطف المضمر على الظاهر؛ لأنك هنا ـ وإن لم تكرر ـ لزم مجيء الضمير المخفوض غير متصل، وهذا لا يكون في المخفوض.
 وأما السماع: فقوله سبحانه: واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام قرأه حمزة بالخفض، وهو معطوف على الضمير، وللبصريين أن يقولوا: إن الوقوف على به والأرحام قسم، والتقدير:"ّوحق الأرحام إن الله كان عليكم رقيبا" وكذلك استدلوا بقوله سبحانه: صد عن سبيل الله وكفر به والمسجد الحرام وهو معطوف على "به"، والبصريون يذهبون إلى أنه معطوف على "سبيل الله".
 وأما ما ذكروه من القياس، فليس مثله؛ فإنك إذا قلت: مررت يزيد وعمرو، فالواو لها تقتضي الترتيب، والمقدم كأنه مؤخر، والمؤخر كأنه مقدم؛ فكأنك قلت: مررت بعمرو وزيد، وأنت لو قلت هذا، لكان صحيحا، وإذا قلت: مررت بك وزيد، فكأنك قلت: مررت بزيد وبك، فكما لا يكون الثاني هنا إلا بحرف عطف، كذلك لا يكون الثاني هناك إلا بحرف عطف، ولما امتنع هذا في الواو امتنع في باقي حروف العطف؛ لأن الواو هي أمكن في العطف، وأمر آخر أنك إذا قلت: مررت بزيد وعمرو، فلم ينزل الظاهر هنا مع الحرف منزلة الشيء الواحد؛ لأنه ظاهر يأتي مرفوعا ومنصوبا، وإذا كان كذلك كان منفصلا عن عامله، وإذا قلت: مررت بك، فقد تنزل الباء هنا مع الكاف منزلة الشيء الواحد؛ لأنه على حرف واحد، وإنه ضمير متصل لا يأتي إلا متصلا بعامله، وبهذا الثاني علل سيبويه، وكلاهما عندي صحيح، قاله ابن أبي الربيع، هذا وقد أجاز جماعة من النحاة العطف على المضمر المجرور، دون إعادة الخافض، منهم الأخفش... وأبو علي الشلوبين، وابن مالك.
 البسيط ١/٣٤٥، ٣٤٦ ـ ٣٤٧، الإنصاف ٢/٤٦٣، الكتاب ٢/٣٨٢ ـ ٣٨٣..
٤٣ ينظر: الدر المصون ٢/٢٩٧..

### الآية 4:2

> ﻿وَآتُوا الْيَتَامَىٰ أَمْوَالَهُمْ ۖ وَلَا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ ۖ وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَىٰ أَمْوَالِكُمْ ۚ إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا [4:2]

لما وَصَّى في الآية السابقة بالأرحام وصَّى في هذه الآية بالأيتام ؛ لأنَّهم قد صاروا بحيثُ لا كافِلَ لهم ولا مُشْفِقَ فيهم - أسوأ حالاً ممن له رحم، فإنه عطفه[(١)](#foonote-١) عليه، وهذا خطاب الأولياء والأوصياء. 
قالوا : إن اليتيم[(٢)](#foonote-٢) من لا أب له ولا جد، والإيتاء : الإعطاء قال أبو زيد[(٣)](#foonote-٣) : أتَوْتُ الرجلَ آتُوه إتَاوَةً، وهي الرّشوة. 
وقال الزمخشريُّ[(٤)](#foonote-٤) : الأيتام الذين مات آباؤهم، وَاليُتْمُ : الانفراد، ومنه الرملة اليتيمة، والدُّرة اليتيمة. 
وقيل :\[ اليتيم \] في الأناسي من قبل الآباء وفي البهائم من قبل الأمهات. 
قال : وحق هذا الاسم أن يقع على الضعفاء والكبار لمن يبقى معنى الانفراد عن الآباء، إلا أنَّ في العرف اختصّ هذا الاسم بمن لم يبلغ، فإذا صار مستعيناً بنفسه في تحصيل مصالحه عن كافله، زال عنه هذا الاسم ؛ وكانت قريش تقول لرسول اللهِ صلى الله عليه وسلم : يَتِيم أبِي طَالِبٍ، إمَّا على القياس، وإما حكاية للحال التي كان عليها حين صغره ناشئاً في حجر عمه توضيعاً له. 
وأما على قوله عليه السلام :" لاَ يتم بَعْدَ بُلُوغ " [(٥)](#foonote-٥) فهو تعليم للشريعة لا تعليم للغة. 
وروى أبو بكر الرازي[(٦)](#foonote-٦) في أحكام القرآن أن جده كتب إلى ابن عباس يسأله عن اليتيم متى ينقطع يتمه ؟ فكتب إليه : إذا أونِسَ منه الرشد انقطع يتمه. 
وفي بعض الروايات : إن الرجل ليقبض على لحيته ولم ينقطع عنه يتمه بعدُ \[ فأخبر ابن عباس \][(٧)](#foonote-٧) أن اسم اليتيم يلزمه بعد البلوغ، إذا لم يؤنس منه الرُّشْدُ، ثم قال أبو بكر :" واسم اليتم قد يقع على المرأة المفردة عن زوجها ". 
قال عليه السلام :" تستأمر اليتيمة في نفسها " [(٨)](#foonote-٨) وهي لا تستأمر إلاَّ وهي بالغة. 
قال الشاعر :\[ الرجز \]
إنَّ الْقُبٌورَ تَنْكِحُ الأيَامى \*\*\* النِّسْوَةَ والأرَامِلَ الْيَتَامَى[(٩)](#foonote-٩)
فالحاصل أنّ اسم اليتيم بحسب اللُّغة يتناول الصغير والكبير. 
فإن قيل : كيف جُمِعَ اليتيمُ على يتامى ؟ واليتيم فعيل : فيجمع على فعلى، كمريض ومرضى وقتيل وقتلى، وجريح وجرحى ؟ فقال الزَّمَخْشَرِيُّ : فيه وجهان[(١٠)](#foonote-١٠). 
أحدهما : أن يقال : إن جمع اليتيم، يَتْامَى، يتمى، ثمّ يجمع فعلى على فَعَالَى كأسير وأسَارَى. 
والثاني : أن نقول : جمع اليتيم يتائم ؛ لأن اليتيم جار مجرى الاسم نحو " صاحب " و " فارس " ثم تنقلب " اليتائم " " يتامى ". 
قال القفّال[(١١)](#foonote-١١) :" ويجوز يتيم ويتامى كنديم وندامى، ويجوز أيضاً يتيم وأيتام كشريف وأشراف ". 
فإن قيل : إن اسم اليتيم مختص بالصغير فما دام يتيماً[(١٢)](#foonote-١٢) لا يجوز دفع ماله إليه، وإذا صار كبيراً بحيث يجوز دفع ماله إليه لم يبق يتيماً، فكيف قال : وَآتُواْ الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ . 
**فالجوابُ من وجهين :**
الأول : أن يقال : المراد من اليتامى الذين بلغوا وكبروا، وسمَّاهم الله - تعلى - يتامى، إما على أصل اللغة، وإما لقرب عهدهم باليُتْم، وإن كان قد زال من هذا الوقت كقوله تعالى : وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ  \[ الأعراف : ١٢٠ \]. 
أي : الذين كانوا سحرة قبل السُّجود، وأيضاً سمَّى اللَّهُ تعالى مقاربة انقضاء العدة بلوغ الأجل في قوله : فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ  \[ الطلاق : ٢ \] والمعنى مقاربة الأجل، ويدل على أن المراد من اليتامى في هذه الآية البالغون قوله تعالى :
 فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُواْ عَلَيْهِمْ  \[ النساء : ٦ \] والإشهاد عليهم لا يصح قبل البلوغ. 
الوجه الثاني : أن يقال : المراد باليتامى الصِّغار، وعلى هذا ففي الآية وجهان :
أحدهما : أن قوله " وَآتُوا " أمر، والأمر يتناول المستقبل فيكون المعنى : أن هؤلاء الذين هم يتامى في الحال آتوهم بعد زوال صفة اليتم عنهم أموالهم. فتزول المناقضة. 
والثاني : أنَّ المُرَاد : وآتوا اليتامى حال كونهم يَتَامَى ما يحتاجونه مِنْ نفقتهم وكسوتهم، والفائدة فيه : أنه كان يجوز أن يظنّ أنّه لا يجوز إنفاق ماله عليه حال صغره، فأباح اللَّهُ - تعالى - ذلك، وفيه إشكال وهو : أنه لو كان المراد ذلك لقال : وآتوهم من أموالهم، والآية تَدُلُّ على إيتائهم كل مالهم[(١٣)](#foonote-١٣).

### فصل


نقل أبو بكر الرازيُّ في أحكام القرآن عن الحسن أنه قال : لما نزلت هذه الآية في أموال اليتامى كرهوا أن يخالطوهم، وعزلوا أموالهم عن أموال اليتامى، فَشَكوا ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم فنزل اللهُ تعالى  وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلاَحٌ لَّهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ  \[ البقرة : ٢٢٠ \]. فخلطوا عند ذلك طعامهم بطعامهم وشرابهم بشرابهم. 
قال المفسرون[(١٤)](#foonote-١٤) : الصحيح أنها " نزلت في رجل من غطفان، كان معه مال كثير لابن أخ له يتيم، فلما بلغ اليتيم طلب ماله فمنعه عمُّهُ فترافعا إلى النَّبيِّ صلى لله عليه وسلم فنزلت هذه الآية، فلما علمها العَمُّ قال : أطَعْنَا اللَّهَ وأطعنا الرَّسُولَ، نعوذ بالله من الحُوب الكبير، ودفع إليه ماله[(١٥)](#foonote-١٥) فقال النبي صلى الله عليه وسلم " وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ وَيطعْ رَبَّهُ هكذا فإنَّهُ يَحِلُّ دَارَهُ " أي : جَنَّتهُ، فلما قبض الصَّبِيُّ ماله أنفقه في سبيل الله فقال النبي صلى لله عليه وسلم " ثَبَتَ الأجْرُ وَبَقِيَ الوِزْرُ " فقالوا : يا رسول الله : لقد عرفنا أنه ثبت الأجْرُ، فكيف بقي الوِزْرُ وهو ينفق في سبيل الله فقال :" ثبت الأجْرُ لِلْغُلاَم، وَبَقِي عَلَى وَالِدِهِ الْوزْرُ " [(١٦)](#foonote-١٦) ". 
قال القرطبيُّ[(١٧)](#foonote-١٧) : وإيتاء اليتامى أموالهم يكون من وجهين :
أحدهما : إجراء الطَّعام والكسوة ما دامت الولاية، إذْ لا يمكن إلا ذلك لمن لا يستحق الأخذ الكلي كالصغير والسفيه الكبير. 
والثاني : الإيتاء بالتمكين وتسليم المال إليه، وذلك عند ابتلاء والإرشاد وتكون تسميته حينئذ يتيماً مجازاً بمعنى : الَّذي كان يتيماً استصحاباً للاسم، كقوله  فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ  \[ الشعراء : ٤٦ \] أي الذين كانوا سحرة، وكان يقال للنبي صلى الله عليه وسلم " يتيم أبي طالب " فإذا تحقَّقَ الوليّ رشده حَرُمَ عليه إمساك ماله عنه. 
قال أبو حنيفة : إذا بلغ خمساً وعشرين سنة، أعطي ماله على كل حال ؛ لأنَّه يصير جداً. 
قوله : وَلاَ تَتَبَدَّلُواْ  وقد تقدَّم في البقرة قوله : فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُواْ قَوْلاً غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ  \[ البقرة : ٥٩ \] أنَّ المجرور بالباء هو المتروك، والمنصوب هو الحاصل، وتفعل هنا بمعنى استفعل، وهو كثير، نحو تَعَجَّل وَتََأَخَّرَ بمعنى استعجل واستأخر ومن مجيء تبدَّلَ بمعنى اسْتَبْدَلَ قولُ ذي الرمة :\[ الطويل \]
فَيَا كَرَمَ السَّكْنِ الَّذِينَ تَحَمَّلُوا \*\*\* عَنِ الدَّارِ وَالمُسْتَخْلَفِ الْمَتِبَدِّلِ[(١٨)](#foonote-١٨)
أي : المستبدل. 
قل الواحدي[(١٩)](#foonote-١٩) :" تبدل الشَّيء بالشيء إذا أخذ مكانه ". 
قوله :" بالطيِّب ". 
هو المفعول الثاني ل " تتبدلوا ". 
**وفي معنى هذا التبدُّل وجوه :**
الأول : قال الفرّاء والزَّجَّاج[(٢٠)](#foonote-٢٠) : لا تستبدلوا الحرام، وهو مال اليتامى بالحلال وهو مالكم الذي لأبيح لكم. 
الثاني : قل سعيد بن المسيب والنخعي والزهْريُّ والسُّدِّيُّ : وكان أولياء اليتامى يأخذون الجيد من مال اليتم، ويجعلون مكانه الرديء، وربما كان أحدهم أخذ الشّاة السّمينة، ويضع من مال اليتم ويجعل مكانها المهزولة، ويأخذ الدرهم الجيد، ويجعل مكانه الزيف، يقول : درهم بدرهم، فَنُهُوا عن ذلك. 
وطعن الزمخشريُّ[(٢١)](#foonote-٢١) : في هذا الوجه فقال : ليس هذا تَبَدُّلاً، إنما هو تبديل. 
الثالث : أن يكون صديقه فيأخذ منه نعجة عجفاء[(٢٢)](#foonote-٢٢) مكان سمينة من مال الصبي. 
الرابع : معناه لا تأكلوا مال اليتيم سلفاً مع التزام بَدَلِهِ بعد ذلك. 
### فصل


قل أبو العباس المقرئ : ورد لفظ " الطيِّب " في القرآن على أربعة أوجه :
الأول : الحلال كهذه الآية. 
الثاني : بمعنى الظَّاهر كقوله تعالى : صَعِيداً طَيِّباً  \[ النساء : ٤٣ \] أي : ظاهراً. 
الثالث : بمعنى الحَسَن قال تعالى : إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ 
\[ فاطر : ١٠ \] أي : الحسن، ومثله  وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ  \[ النور : ٢٦ \] أي : الكلام الحسن للمؤمنين. 
الرابع : الطيِّبَ : المؤمن قال تعالى : حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ  \[ آل عمران : ١٧٩ \] يعني : الكافر من المؤمن. 
قوله : وَلاَ تَأْكُلُواْ أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ  في قوله ثلاثة أوجه :
أحدها : أن " إلى " بمعنى " مع " كقوله : إِلَى الْمَرَافِقِ  \[ المائدة : ٦ \]، وهذا رأي الكوفيين. 
الثاني : أنها على بابها وهي ومجرورها[(٢٣)](#foonote-٢٣) متعلّقة بمحذوف على أنَّها حال، أي : مضمومة، أو مضافة إلى أموالكم. 
الثالث : أن يضمَّن " تأكلوا " بمعنى " تضموا " كأنه قيل : ولا تَضمُّوهَا إلى أموالكم آكلين. 
قال الزمخشريُّ[(٢٤)](#foonote-٢٤) : فإن قلت : قد حَرَّمَ عليهم أكل مال[(٢٥)](#foonote-٢٥) اليتامى، فدخل فيه أكله وحده ومع أموالهم، فَلِمَ ورد النهي عن أكلها معها ؟
قلت :" لأنهم إذا كانوا مستغنين عن أموال اليتامى بما رزقهم الله - تعالى - من الحلال، وهم مع ذلك يَطْعمون منها، كان القبحُ أبلغ والذمُّ ألحق، ولأنهم كانوا يفعلون كذلك فنعى عليهم فعلهم، وشَنَّعَ بهم ليكون أزجر لهم ". 
واعلم أنه تعالى، وَإنْ ذكر الأكل، فالمرادُ به سائر التصرفات المملكة للمال، وإنما ذكر الأكل لأنه معظم ما يقع التصرف لأجله. 
قوله : إِنَّهُ كَانَ حُوباً  في الهاء ثلاثة أوجه :
أحدها : أنها تعود على الأكل المفهوم، من " لا تأكلوا ". 
الثَّاني : على التبدُّلِ المفهوم من " لا تَتَبَدَّلُوا الخبيثَ ". 
الثالث : عليهما ذهاباً به مذهب اسم الإشارة نحو : عَوَانٌ بَيْنَ ذلِكَ 
\[ البقرة : ٦٨ \] ومنه :\[ الرجز \]
كأَنَّهُ في الجِلْدِ تَوْلِيعُ البَهَقْ[(٢٦)](#foonote-٢٦) \*\*\*. . . 
وقد تقدم ذلك في البقرة، والأول أولى لأنه أقرب مذكور. 
وقرأ الجمهور " حُوباً " بضم الحاءِ، والحسن بفتحها[(٢٧)](#foonote-٢٧)، وبعضهم :" حَاباً " بالألف، وهي لغت في المصدر، والفتح لغة تميم. 
ونظير الحوْب والحاب، والقول والقال، والطُّرد والطَّرْد - وهو الإثم - وقيل : المضموم اسم مصدر، \[ والمفتوح مصدر \][(٢٨)](#foonote-٢٨) وأصله من حوب الأبل، وهو زجرها فسُمِّي به لإثم ؛ لأنه يزجر به، ويطلق على الذَّنب أيضاً ؛ لأنه يزجر عنه، ومنه قول عليه السلام :" إنَّ طَلاقَ أمِّ أيُّوبَ لَحُوْب " [(٢٩)](#foonote-٢٩) أي : لذنب عظيم. وقل القرطبي[(٣٠)](#foonote-٣٠) : والحوبُ الوحشة، ومنه قوله عليه السَّلام لأبي أيوب " إن طلاق أم أيوب لحوب ". 
قال القفال[(٣١)](#foonote-٣١) : وكأن أصل الكلمةِ من التَّحوُّبِ وهو التَّوجُّعُ، فالحوبُ هو ارتكاب ما يتوجَّعُ المرتكبُ منه، يقال : حَابَ يَحُوب، حَوْباً، وحَاباً وحِيابة. 
قال المخبل السعدي :\[ الطويل \]
فلا يَدْخُلَنَّ الدَّهْرَ قَبْرَكَ حُوبُ \*\*\* فَإنَّكَ تَلْقَاهُ عَلَيْكَ حَسِيبُ[(٣٢)](#foonote-٣٢)
وقال آخر \[ الوافر \]
وإنّ مُهَاجِرَيْنِ تَكَنَّفَاهُ \*\*\* غَدَاتَئِذٍ لَقَدْ خَطِئَا وَحَابَا[(٣٣)](#foonote-٣٣)
والح١ بياض في ب..
٢ في أ: فاليتيم..
٣ ينظر: القرطبي ٥/٧..
٤ ينظر: الكشاف ١/٤٦٣..
٥ أخرجه أبو داود كتاب الوصايا ب ٩ رقم (٢٨٧٣) والبيهقي (٧/٥٧) والطبراني في "المعجم الصغير" (١/٩٦) والطحاوي في "مشكل الآثار" (١/٢٨٠) عن علي بن أبي طالب مرفوعا.
 وذكره الهيثمي في "مجمع الزوائد" (٤/٣٣٤) وقال: ورجاله ثقات. وله طرق آخر عن علي: أخرجه الطبراني في "المعجم الصغير" (١/٩٦) ومن طريقه الخطيب في "تاريخ بغداد" (٥/٢٩٩). وللحديث شاهد عن جابر بن عبد الله بلفظ: لا رضاع بعد فصال ولا يتم بعد احتلام. أخرجه الطيالسي (١٦٦٧)..
٦ ينظر: تفسير الرازي ٩/١٣٦..
٧ في أ: فجاز..
٨ أخرجه أحمد (٢/٢٥٩، ٤٧٥) والنسائي في "النكاح" (٦/٧٨) وأبة داود (٢٠٩٣، ٢٠٩٤) والترمذي (١/٢٠٦) رقم (١١٠٩) والبيهقي (٧/١٢٠) وابن حبان (١٣٢٩ ـ موارد) وأبو يعلى (١٠/٤١٣) رقم (٦٠١٩) من طريق محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة مرفوعا.
 **وله شاهد من حديث أبي موسى الأشعري:** 
 أخرجه أبو يعلى (١٣/٣١١) رقم (٧٣٢٨) ومن طريقه ابن حبان (١٢٣٨- موارد) وأحمد (٤/٣٩٤-٤١١) والدارمي (٢/١٣٨) والبيهقي (٧/١٢٠) والبزار (٢/١٦٠) رقم (١٤٢٣).
 والحديث ذكره الهيثمي في "مجمع الزوائد " (٤/٢٨٠) وقال: رواه أحمد وأبو يعلى والبزار والطبراني ورجال أحمد رجال الصحيح..
٩ ينظر: الفخر الرازي ٩/١٣٦..
١٠ ينظر: الكشاف ١/٤٦٣، تفسير الرازي ٩/١٣٦..
١١ ينظر: الرازي ٩/١٣٧..
١٢ في أ: زيادة وهو ما دام يتيما..
١٣ ينظر: تفسير الرازي ٩/١٣٧..
١٤ ينظر: تفسير الرازي الموضع السابق، تفسير القرطبي ٥/٨، الكشاف ١/٤٦٤..
١٥ ذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٢/٢٠٧) وعزاه لابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير..
١٦ ذكره القرطبي في تفسيره ٥/٨..
١٧ ينظر: القرطبي ٥/٨..
١٨ ينظر: البيت في ديوانه (١٤٦٥) والكشاف ١/٤٦٥ والدر المصون ٢/٢٩٨..
١٩ ينظر: تفسير الرازي ٩/١٣٨..
٢٠ ينظر: تفسير الرازي الموضع السابق..
٢١ ينظر: الكشاف ١/٤٦٥..
٢٢ العجفاء وهي المهزولة من الغنم وغيرها.
 ينظر: النهاية في غريب الحديث والأثر ٣/١٨٦..
٢٣ في ب: مجرور هنا وهو تحريف..
٢٤ ينظر: الكشاف ١/٤٦٦..
٢٥ في ب: أموال..
٢٦ تقدم برقم ٥٧٩..
٢٧ انظر: إتحاف ١/٥٠٢، والمحرر الوجيز ٢/٦، والبحر المحيط ٣/١٦٩، والدر المصون ٢/٢٩٨..
٢٨ سقط في ب..
٢٩ أخرجه الطبراني في "الكبير" (١٢/١٩٦) عن ابن عباس أن أبا أيوب طلق امرأته فقال له النبي صلى الله عليه وسلم... فذكره. وذكره الهيثمي في "مجمع الزوائد" (٩/٩٦٥) وقال: رواه الطبراني وفيه يحيى بن عبد الحميد الحماني وهو ضعيف.
 والحديث ذكره القرطبي في "تفسيره" (٥/٨)..
٣٠ ينظر: القرطبي ٥/٥..
٣١ ينظر: الرازي ٩/١٣٩..
٣٢ ينظر البيت في البحر ٣/١٥٩ واللسان (حوب) والدر المصون ٢/٢٩٨ وهو في اللسان برواية: 
 فلا يدخلن الدهر قبلك حوبة \*\*\* يقوم بها يوما عليك حسيب.
٣٣ البيت لأمية بن الأسكر ينظر الخزانة ٢/٤٠٥ والبحر ٣/١٥٩ والدر المصون ٢/٢٩٨..

### الآية 4:3

> ﻿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَىٰ فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَىٰ وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ ۖ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ۚ ذَٰلِكَ أَدْنَىٰ أَلَّا تَعُولُوا [4:3]

قوله : وَإِنْ خِفْتُمْ  شرط، وفي جوابه وجهان :
أحدهما : أنه قوله : فَانكِحُواْ  وذلك أنهم كانوا يتزوجون الثمانَ، والعشر، ولا يقومون بحقوقهن، فلمَّا نزلت  وَلاَ تَأْكُلُواْ أَمْوَالَهُمْ  أخذوا يَتحرّجُونَ من ولاية اليتامى، فقيل لهم : إن خفتم من الجورِ في حقوق اليتامى فخافوا أيضاً من الجور في حقوق النساء، فانكحوا هذا العدد ؛ لأنَّ الكَثْرَةَ تُفْضي إلى الجور، ولا تنفع التوبةُ من ذنبٍ مع ارتكاب مثله. 
والثاني : أن جوابه قوله :" فواحدة "، والمعنى أنَّ الرجل منهم كان يتزوج اليتيمة التي في ولايته، فلما نزلت الآية المتضمنة للوعيد على أكل مال اليتيم تحرَّجوا من ذلك، فقيل لهم : إن خفتم من نكاح النساء اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من \[ النساء مثنى وثلاث ورباع من \][(١)](#foonote-١) الأجنبيات أي : اللاتي لسن تحت ولايتكم، فعلى هذا يحتاج إلى تقدير مضاف، أي : في نكاح يتامى النساء. 
فإن قيل :" فواحدة " جواب لقوله : فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُواْ فَوَاحِدَةً  فكيف يكون جواباً للأول ؛ فالجواب : أنَّهُ أَعَادَ الشرط الثاني لأنه كالأول في المعنى، لما طالَ الفصل بين الأول وجوابه[(٢)](#foonote-٢) وفيه نظر لا يخفى. والخوف هنا على بابه فالمراد به الحذر. 
وقال أبو عبيدة إنه بمعنى اليقين وأنشد الشاعر :\[ الطويل \]

فَقُلْتُ لهُمْ خَافُوا بأَلْفَيْ مُدَجَّجٍ  سَرَاتُهُمُ في الفَارِسِي الْمُسَرَّدِ[(٣)](#foonote-٣)أي : أيقِنُوا، وقد تَقَدَّمَ تَحْقِيْقُ ذلك والردُّ عليه عند قوله تعالى :
 إِلاَّ أَن يَخَافَا أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ  \[ البقرة : ٢٢٩ \]. 
قوله : أَلاَّ تُقْسِطُواْ  إنْ قَدَّرَتْ أنها على حذف حرف الجر، أي :" مِنْ أن لا " ففيها الخلاف المشهور أي : في محل نصب \[ أو جر، وإنْ لم تقدّر ذلك بل وصل الفعل إليها بنفسه، كأنك قلت :" فَإنْ حَذَرْتم " فهي في محل نصب \][(٤)](#foonote-٤) فقط كما تَقَدَّمَ في البقرة. 
وقرا الجمهور :" تقسطوا " بضم التاء، من أقْسَط : إذا عدل، فتكون لا على هذه القراءة نافيةُ، والتقديرُ : وإنْ خِفْتُمْ عدم الإقساط أي : العدل. 
وقرأ إبراهيم النخعي[(٥)](#foonote-٥) : ويحيى بن وثَّاب بفتحها من " قسط " وفيها تأويلان :
أحدهما : أن " قَسَطَ " بمعنى " جار "، وهذا هو المشهور في اللغة، أعني أن الرباعي بمعنى عَدَلَ، والثلاثي بمعنى جار، وكأنَّ الهمزة فيه للسَّلْبِ بمعنى " أقسط " أي : أزال القسط وهو الجور، و " لا " على هذا القول زائدة ليس إلا، وإلا يفسد المعنى كهي في قوله : لِّئَلاَّ يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ  \[ الحديد : ٢٩ \]. 
والثاني : حكى الزجاج أن " قسط " الثلاثي يستعمل استعمال " أقسط " الرباعي، فعلى هذا تكون " لا " غير زائدة، كهي في القراءة الشهيرة ؛ إلاَّ أنَّ التَّفْرِقَةَ هي المعروفةُ لغة. 
قالوا : قاسطته إذَا غَلَبْتَهُ على قِسْطِهِ، فبنوا " قسط " على بناء ظلم وجار وغلب. 
وقال الراغب[(٦)](#foonote-٦) :" القِسْط " أن يأخذ قِسْطَ غيره، وذلك جَوْرٌ، وأَقْسَطَ غيره، والإقسَاطِ أن يُعْطِيَ قِسْطَ غَيْرِهِ، وذلك إنصاف، ولذلك يقال : قَسَطَ الرَّجُلُ إذَا جَار، وأَقْسَطَ إذَا عدَلَ، قال تعالى : وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُواْ لِجَهَنَّمَ حَطَباً  \[ الجن : ١٥ \]. 
\[ وقال تعالى : وَأَقْسِطُواْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ  \[ الحجرات : ٩ \]. 
وَحُكِيَ أنَّ الحَجَّاجَ لما أحضر سعيد بن جبير، قال له : ما تقول فيَّ ؟ قال :" قَاسِطٌ عادل " فأعجب الحاضرون، فقال لهم الحجاج : ويلكم لم تفهموا عنه إنّه جعلني جائراً كافراً، ألم تسمعوا قوله تعالى :
 وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُواْ لِجَهَنَّمَ حَطَباً [(٧)](#foonote-٧) \[ الجن : ١٥ \]. وقال تعالى : ثْمَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ  \[ الأنعام : ١ \] وقد تقدم الكلام على هذه المادة من قوله : قَآئِمَاً بِالْقِسْطِ 
\[ آل عمران : ١٨ \]. 
قوله : مَا طَابَ  في " ما " هذه أوجه :
أحدها : أنها بمعنى الذي وذلك عند من يرى أن " ما " تكون للعاقل، وهي مسألة مشهورة، وذلك أن " ما " و " من " وهما يتعاقبان، قال تعالى : وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا 
\[ الشمس : ٥ \] وقال : وَلاَ أَنتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ  \[ الكافرون : ٣ \] وقال  فَمِنْهُمْ مَّن يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ  \[ النور : ٤٥ \]. 
وحكى أبو عمرو بن العلاء : سبحان من سبح الرعد بحمده. 
وقال بعضهم[(٨)](#foonote-٨) : نَزَّلَ الإناث منزلة غير العقلاء كقوله : إِلاَّ عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ  \[ المؤمنون : ٦ \]. 
قال بعضهم[(٩)](#foonote-٩) : وَحَسن وقوعها هنا أنها واقعة على النساء، وهن ناقصات العقول. وبعضهم يقول : هي لصفات من يعقل. 
وبعضهم يقول : لنوع من يعقل كأنه قيل : النوع الطيب من النساء، وهي عبارات متقاربة. فلذلك لم نعدّها أوجهاً[(١٠)](#foonote-١٠). 
الثاني : أنها نَكِرَةٌ موصوفة، أي : أنكحوا جنساً طيباً أو عدداً طيِّباً. 
الثالث : أنها مصدرية، وذلك المصدر واقع موقع اسم الفاعل، تقديره : فانحكوا \[ الطَّيِّبَ. 
وقال أبو حيان[(١١)](#foonote-١١) : والمصدر مقدر هنا باسم الفاعل، والمعنى فانكحوا \][(١٢)](#foonote-١٢) النكاح الذي طاب لكم. والأول أظهر. 
الرابع : أنها ظرفية تستلزم المصدريَّة، والتقدير : فانحكوا ما طاب مدة يطيب فيها النكاح لكم[(١٣)](#foonote-١٣). إذا تقرر هذا، فإن قلنا : إنها موصولة اسمية أو نكرة موصوفة، أو مصدرية، والمصدرُ واقع اسم الفاعل كانت " ما " مفعولاً ب " انكحوا " ويكون " من النساء " فيه وجهان :
أحدهما : أنها لبيان الجنس المبهم في " ما " عند مَنْ يثبت لها ذلك. 
والثاني : أنها تبعيضية، أي : بعض النساء، وتتعلق بمحذوف على أنها حال من " ما طاب " وإن قلنا : إنها مصدرية ظرفية محضة، ولم يُوقع المصدر موقع اسم فاعل كما قال أبو حيان[(١٤)](#foonote-١٤) كان مفعول " فانكحوا " قوله " من النساء " نحو قولك : أكلت من الرغيفِ، وشربتُ من العسل أي : شيئاً من الرغيف وشيئاً من العسل. 
فإن قيل : لِمَ لا يجعل على هذا " مثنى " وما بعدها هو مفعول " فانكحوا " أي : فانكحوا هذا العدد ؟. 
فالجواب أن هذه الألفاظ المعدولة لا تلي العوامل. 
وقرأ ابن أبي عبلة[(١٥)](#foonote-١٥) " مَنْ طَابَ " وهو يرجحُ كون " ما " بمعنى الذي للعاقل، وفي مصحف أبي بن كعب بالياء[(١٦)](#foonote-١٦)، وهذا ليس بمبني للمفعول ؛ لأنه قاصر، وإنما كُتِبَ كذلك دلالة على الإمالة[(١٧)](#foonote-١٧) وهي قراءة حمزة. 
### فصل


اختلف المفسرون في كيفية تعلق هذا الجزاء بهذا الشرط فروى عروة قال : قلت لعائشة : ما معنى قول الله تعالى  فَانكِحُواْ مَا طَابَ لَكُمْ مِّنَ النِّسَاءِ [(١٨)](#foonote-١٨)  وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُواْ فِي الْيَتَامَى . فقالت : يا ابن أخي هي اليتيمة تكون في حجر وليِّها فَيرغَبُ في مالها وجمالها، إلاَّ أنَّهُ يريد أن ينكحها بأدنى من صداقها، ثم إذا تزوج بها عاملها معاملة[(١٩)](#foonote-١٩) رديئة لعلمه بأنه ليس لها من يَذُبُّ عنها ويدفع شر ذلك الزوج عنها، فقال تعالى : وإن خفتم أن لا تقسطوا في اليتامى عند نكاحهن  فانكحوا من غيرهن ما طاب لكم من النساء، قالت عائشة - رضي الله عنها - ثم إن الناس استفتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد هذه الآية فيهن، فأنزل اللهُ تعالى :
 وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ فِي يَتَامَى النِّسَاءِ \[ الَّلاتِي لاَ تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنّ \] َ [(٢٠)](#foonote-٢٠) \[ النساء : ١٢٧ \] فالمراد منه هذه الآية، وهن قوله  وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى . 
وقيل : لَمَّا نَزَلَتْ هذه الآية المتقدمة في اليتامى وأكل أموالهم خاف الأولياء من لحوق الحوبِ بتركِ الإقْسَاطِ في حقوق اليتامى فتحرجوا من أموالهم، وكان الرجل منهم ربما كان عنده العشرة من الأزواج أو أكثر، ولا يقوم بحقوقهنَّ في العدل. فقيل لهم : إن خفتم ترك العدل في حقوق اليتامى فتحرجتم منها، فكونوا خائفين من ترك العدل في النساء، فقللوا عدد المنكوحات ؛ لأن من تحرج من ذنب أو تاب عنه وهو مرتكب مثله، فكأنه لم يتحرّج، وهذا قول سعيد بن جبير، وقتادة والضحاك والسدي[(٢١)](#foonote-٢١). 
وقيل : لما تحرّجوا من ولاية اليتامى فقيل : إن خفتم في حق اليتامى فكونوا خائفين من الزنا، فانكحوا ما حل لكم من النساء ولا تحوموا حول المحرمات، قاله مجاهد[(٢٢)](#foonote-٢٢). 
وقال عكرمة : هو الرجل عنده النسوة ويكون عنده الأيتام، فإذا أنفق ماله على النسوة، وصار محتاجاً أخذ في إنفاق أموال اليتامى[(٢٣)](#foonote-٢٣) عليهن، فقال تعالى : وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُواْ فِي الْيَتَامَى  عند كثرة الزوجات فقد حرمت عليكم \[ نكاح \] أكثر من أربع ليزول هذا الخوف[(٢٤)](#foonote-٢٤)، وهذه رواية لطاوس عن ابن عباس. 
### فصل


قال الواحدي والزمخشري[(٢٥)](#foonote-٢٥) : قوله : مَا طَابَ لَكُمْ  أي ما حلَّ لكم من النساء لأن منهن من يحرم نكاحها وهي الأنواع المذكورة في قوله : حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ  \[ النساء : ٢٣ \]. 
قال ابن الخطيب[(٢٦)](#foonote-٢٦) : وهذا فيه نظر ؛ لأن قوله : فَانكِحُواْ مَا طَابَ لَكُمْ  هو أمر إباحة، فلو كان المراد ما حل لكم لنزلت الآية منزلة قوله، أبَحْنَا لَكُمْ نِكَاحَ من يكون نكاحها مباحاً لكم، وذلك يخرج الآية من الفائدة، وأيضاً على التقدير الذي ذكره تصير الآية مجملة ؛ لأنَّ أسباب الحِلِّ والإبَاحَةِ لمَّا لَمْ تُذْكَرْ في هذه الآية صارت مجملة لا محالة، وإذا حملنا الطيب على استطابة النفس وميل القلب كانت الآية عامة دخلها التخصيص، وقد ثبت في أصول الفقه أنه متى وقع التعارض بين التخصيص والإجمال كان رفع الإجمال أولى ؛ لأن العام المخصوص حجة في غير محل التخصيص، والمجملُ لا يكون حجة أصلاً. 
قوله " مَثْنَى " منصوب على الحال من " طَابَ " وجعله أبو البَقاء[(٢٧)](#foonote-٢٧) حالاً من " النساء " فأجاز هو وابن عطية[(٢٨)](#foonote-٢٨) أن يكون بدلاً من " ما " وهذان الوجهان \[ ضعيفان \][(٢٩)](#foonote-٢٩). 
أمَّا الأول : فلأنَّ الْمُحَدَّث عنه إنما هو الموصول وأتى بقوله  من النِّسَاءِ  كالتبيين[(٣٠)](#foonote-٣٠). 
وأما الثاني : فلأنَّ البدل على نِيَّةِ تكرار العامل، وقد تقدم أن هذه الألفاظ لا تباشر العوامل. 
واعلم أن هذه الألفاظ المعدولة فيها خلاف، وهل يجوز فيها القياس أم يقتصر فيها على السماع ؟ قولان :
قول البصريين : عدم القياس. 
وقول الكوفيين وأبي إسحاق : جوازه. 
والمسموع \[ من ذلك \][(٣١)](#foonote-٣١) أحد عشر لفظاً : أُحاد، وَمَوْحَد، وثُنَاء، وَمَثْنَى، وَثُلاَثَ، وَمَثْلَث، ورُباع، وَمَرْبع، ولم يسمع خُماس ومَخْمس، وعَشار ومَعْشَر. 
واختلفوا أيضاً في صَرْفِهَا وَعَدمِه، وجمهورُ النحاةِ على منعه، وأجاز الفراء صرفها، وإن كان المنع عنده أولْى. 
واختلفوا أيضاً في سبب منع الصرف فيها على أربعة مذاهب :
أحدها : مذهب سيبويه، وهو أنها مُنِعَتْ من الصرف للعدلِ والوصفِ أمَّا الوصف فظاهر، وَأَمَّا العدل فلكونها معدولة من صيغة إلى صيغة وذلك أنها معدولة عن عدد مكرر. 
فإذا قلت : جاء القوم أحاد أو مَوْحَدَ أو ثُلاثَ أو مَثْلَثَ، كان بمنزلة قولك : جاءوا ١ سقط في ب..
٢ في ب: زيادة "ألا تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طاب لكم"..
٣ تقدم برقم ٤٥٨..
٤ سقط في ب..
٥ انظر: المحرر الوجيز ٢/٦، والبحر المحيط ٣/١٧٠، والدر المصون ٢/٢٩٩..
٦ ينظر: المفردات ص ٤٠٣، الدر المصون ٢/٣٠٠، عمدة الحفاظ ٣/٣٦٠..
٧ سقط في أ..
٨ ينظر: الرازي ٩/١٤١..
٩ ينظر: الدر المصون ٢/٣٠٠..
١٠ ينظر: المصدر السابق..
١١ ينظر: البحر المحيط ٣/١٧٠..
١٢ سقط في ب..
١٣ تقع (ما) على ما لا يعقل، وتقع على جنس من يعقل كما في الآية؛ وتقع على صفة من يعقل قال تعالى: قال فرعون وما رب العالمين \[الشعراء: ٣٣\]. ولا تقع على الواحد ممن يعقل، على هذا أكثر البصريين، وذهب بعض الكوفيين إلى أنها تقع عليه، ونسب هذا الرأي إلى جماعة من المفسرين والنحاة، منهم: الحسن، ومجاهد، وأبو عبيدة، وابن درستويه، ومكي، وابن خروف. ويحتج لذلك بما حكي وهو: "سبحان ما سخركن لنا" فخاطب السحاب، وأضاف سبحان إلى (ما) فـ "ما" واقعة عليه سبحانه؛ لأنه الذي سخرها، وليس في هذا حجة؛ لأن (سبحان) هنا يمكن أن تكون اسما علما، ومنعه من الصرف التعريف، وزيادة الألف والنون بمنزلة عمران.
 انظر همع الهوامع ١/٣١٥ شرح الجمل لابن عصفور ١/١٧٣ البسيط شرح الجمل ١/٢٨٦ ـ ٢٨٧..
١٤ ينظر: البحر المحيط ٣/١٧٠..
١٥ انظر: المحرر الوجيز ٢/٧، والبحر المحيط ٣/١٧٠، والدر المصون ٢/٣٠٠..
١٦ انظر: البحر المحيط ٣/١٧١، والدر المصون ٢/٣٠٠..
١٧ انظر السابق، وإتحاف ١/٥٠٢..
١٨ سقط في ب..
١٩ أخرجه البخاري (٨/٨٦ ـ ٨٧) كتاب التفسير (٤٥٧٣ ـ ٤٥٧٤) ومسلم (٤/٢٣١٢) كتاب التفسير (٧٠٦ ـ ٣٠١٨) والطبري في "تفسيره" (٧/٥٣١) والبيهقي (٧/١٤١ ـ ١٤٢) وذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٢/٢٠٩) وزاد نسبته لعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن عروة بن الزبير..
٢٠ سقط في ب..
٢١ أخرجه الطبري في "تفسيره" (٧/٥٣٦) عن سعيد بن جبير والسدي وقتادة والضحاك.
 وذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٢/٢١٠) من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس وعزاه لعبد بن حميد وابن أبي حاتم..
٢٢ أخرجه الطبري في "تفسيره" (٧/٥٣٩) وذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٢/٢١٠) وزاد نسبته لعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد..
٢٣ في أ: مال الأيتام..
٢٤ أخرجه الطبري في "تفسيره" (٧/٥٣٥) عن عكرمة. وذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٢/٢٠٩) وزاد نسبته لابن أبي شيبة في "المصنف" وابن المنذر. وأما رواية طاوس عن ابن عباس:
 فأخرجه الطبري في "تفسيره" (٧/٥٣٥) ذكرها السيوطي في "الدر المنثور" (٢/٢٠٩) وزاد نسبتها للفريابي وابن المنذر وابن أبي حاتم بلفظ: قصر الرجال على أربع من أجل أموال اليتامى..
٢٥ ينظر: الكشاف ١/٤٩٧ وينظر: الرازي ٩/١٤١..
٢٦ ينظر: تفسير الرازي الموضع السابق..
٢٧ ينظر: الإملاء (١/١٦٦)..
٢٨ ينظر: المحرر الوجيز ٢/٧..
٢٩ سقط في ب..
٣٠ في ب: للتبيين..
٣١ سقط في ب..

### الآية 4:4

> ﻿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً ۚ فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا [4:4]

مفعول ثانٍ، وهي جمع " صَدُقة " بفتح الصَّاد وضمَّ الدَّال بزنة " سَمُرة "، والمرادُ بها : المهر وهذه هي القراءة المشهُورَةُ، وهي لُغَةُ الحجاز. 
وقرأ قتادةُ[(١)](#foonote-١) :" صُدْقاتهن " بضمِّ الصَّادِ وإسكان الدَّال، جمعُ صُدْقَةٍ بزنة غُرْفَةٍ. 
وقرأ مجاهدٌ[(٢)](#foonote-٢) وابن أبي عبلة بضمهما وهي جمع صدقة بضم الصاد والدال، وهي تثقيل الساكنة الدَّال للإتباع. 
وقرأ ابن وثاب[(٣)](#foonote-٣) والنخعي " صُدُقَتَهُنَّ " بضمهما مع الإفراد. 
قال الزَّمخشريُّ وهي تثقيل صُدْقة كقولهم في " ظُلْمة " " ظُلُمة "، وقد تقدم الخلاف، هل يجوز تثقيل الساكن المضموم الفاء ؟
وقرئ[(٤)](#foonote-٤) :" صدقاتهن " بفتح الصَّادِ وإسْكَانِ الدَّالِ وهي تخفيف القراءة المشهورة، كقولهم في عَضُد : عَضْد. 
قال الوَاحِدِيُّ : ولفظ الصَّادِ والدَّال والقاف موضوع للكمال والصحة، يسمّى المهر صداقاً وصدقة وذلك لأنَّ عقد النكاح به يتم. 
**وفي نصب " نحلة " أربعةُ أوجهٍ :**
أحدها : أنَّها منصوبةِ على المصدر[(٥)](#foonote-٥)، والعامل فيها الفعل قبلها ؛ لأن " آتوهن " بمعنى انحلوهُنَّ، فهي مصدر على غير الصدر نحو :" قَعَدْت جلوساً ". 
الثاني : أنها مصدرٌ واقِعٌ موقع الحال، وفي صاحب الحال ثلاثة احتمالات :
أحدها : أنَّهُ الفاعل من " فآتوهن " أي : فآتوهن ناحِلين. 
الثاني : أنَّهُ المفعول الأوَّل وهو : النِّسَاءُ. 
الثالث : أنه المفعول الثاني وهو " صدقاتهن ". أي : منحولات. 
الوجه الثَّالثُ : أنَّها مفعول من أجله، إذا فُسِّرَتْ بمعنى : شِرْعة. 
الوجه الرابع : انتصابها بإضمار فعل بمعنى : شَرَعَ أي : نحل الله ذلك نِحلة، أي : شَرَعَةُ شِرْعة وديناً. 
والنِّحْلَةُ العَطِيَّةُ عَنْ طِيبِ النَّفْسِ، والنَّحْلَة : الشِّرْعَة، ومنه : نِحْلة الإسلام خَير النحل[(٦)](#foonote-٦)، وفلان ينتحل بكذا : أي يَدِيِنُ به، والنَّحْلَةُ : الفَرِيضةُ. 
قال الراغب : والنِّحْلَة والنَّحْلَةُ : الْعَطِيَّةُ على سبيل التبرع، وهي أخصُّ من الهِبَةِ، إذ كُل هبة نحلة من غير عكس، واشتقاقهُ فيما أرَى من النَّحْلِ، نظراً منه إلى فعله، فكأن " نَحَلْتهُ " أعْطَيْتَهُ عَطِيةَ النحل، ثم قال : ويجوز أن تكون النِّحْلةُ أصلاً فَسُمَّى النَّحْلُ[(٧)](#foonote-٧) بذلك اعتباراً بفعله. 
وقال الزَّمخشريُّ : مِنْ نَحَلَه كذا أي : أعطاه إيَّاه ووهبه له عن طيب نفسه، نِحْلَةً وَنَحْلاً، ومنه حديث أبي بكر - رضي الله عَنْهُ - :" إنِّي نَحَلْتُكَ جِدَادَ عِشْرِينَ وِسْقاً " [(٨)](#foonote-٨). 
قال القَفَّالُ[(٩)](#foonote-٩) : وأصله إضافة الشيء إلى غير من هو له، يقال[(١٠)](#foonote-١٠) : هذا شعر منحول، أي : مضاف إلى غير قائله، وانتحلت[(١١)](#foonote-١١) كذا إذا ادَّعَيْتَهُ وَأَضَفْتَهُ إلى نَفْسِكَ.

### فصل من المقصود بالخطاب في الآية


**في هذا الخطاب قولان :**
أحدهما : أنه " لأولياء " \[ النساء \] ؛ لأنَّ العربَ كانت في الجاهليَّة لا تعطي النساء من مهورهن شيئاً، وكذلك كانوا يقولون لمن ولدت له بنت : هنيئاً لك النافجة، ومعناه : أنَّك تأخذ مهرها إبلاً فَتُضُمُّهَا إلى إبلك فتنفج مالك أي : تعظمه، وقال ابن الأعرابي[(١٢)](#foonote-١٢) : النافجة[(١٣)](#foonote-١٣) ما يأخذه الرَّجلُ من الحلوانِ إذا زوج ابنته، فَنَهى الله عن ذلك، وأمر بدفع الحقِّ إلى أهله، وهذا قول الكلبيِّ وأبي صالح واختيار الفرَّاء وابن قتيبةَ. 
وقال الحضرميّ : وكان أولياء النساء يُعطى هذا أُخْتَه على أن يعطيه الآخرُ أخته، ولا مهرَ بينهما، فَنُهوا عن ذلك، " ونهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الشِّغَار " [(١٤)](#foonote-١٤)، وهو أن يزوج الرَّجل ابنته على أن يزوجه الآخر ابنته، ولا صداق بَيْنَهُمَا. 
الثاني : أنَّ الخطاب للأزواج، أمِرُوا بإيفاء مهور النساء، وهذا قول علقمة، والنَخَعِيِّ وقتادة[(١٥)](#foonote-١٥)، واختيار الزجَّاج، لأنه لا ذكر للأولياء ها هنا، والخطاب قبله للأزواج. 
قال قَتَادَةُ : نحله فريضة[(١٦)](#foonote-١٦). 
وقال ابن جريج : فريضة مسمَّاة[(١٧)](#foonote-١٧). 
قال أبو عبيدة[(١٨)](#foonote-١٨) : لا تكون النِّحْلَةُ إلاَّ مُسَمَّاة ومعلومة. قال القَفَّال[(١٩)](#foonote-١٩) : يحتمل أن يكون المراد من الإيتاء المناولة، ويحتمل أن يكون المراد منه الالتزام كقوله تعالى :
 حَتَّى يُعْطُواْ الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ  \[ التوبة : ٢٩ \] أي : يضمنوها ويلتزموها[(٢٠)](#foonote-٢٠)، فعلى الأول المراد دفع المُسَمَّى، وعلى الثاني أن المراد بيان أن الفروج[(٢١)](#foonote-٢١) لا تُستباح إلا بعوض يلتزم سواء سمَّي أو لم يسمَّ، إلا ما خُصَّ به النبي صلى الله عليه وسلم في الموهوبة. 
قوله : فإن طبن لكم منه  " منه " في محل جر ؛ لأنه صفة ل " شيء " فيتعلق بمحذوف أي : عن شيء كائن منه. 
**و " مِنْ " فيها وجهان :**
أحدهما : أنها للتبعيض، ولذلك لا يجوز لها أن تَهَبَهُ كُلَّ الصَّداق، وإليه ذهب الليث. 
والثاني : أنها للبيان، ولذلك يجوز أن تَهَبَهُ كُلَّ الصَّداق. 
قال ابن عطيَّة : و " مِنْ " لبيان الجنس ها هنا ولذلك يجوز أن تهب المهر كله، ولو \[ وقعت \][(٢٢)](#foonote-٢٢) على التبعيض لما جَازَ ذلك انتهى. 
وقد تَقَدَّمَ أن الليث يمنع ذلك، ولا يشكل كونها للتَّبعيض، وفي هذا الضمير أقوال :
أحدها : أنه يعود على الصَّداق المدلول عليه ب  صَدُقَاتِهِنَّ . 
الثاني : أنه يعود على " الصَّدُقات " لسدِّ الواحِدِ مَسَدَّها، لو قيل : صَداقَهُنَّ لم يختلَّ المعنى، وهو شبيهٌ بقولهم : هو أحسنُ الفتيان وأجْمَلُهُ ؛ ولأنه لو قيل :" هو أحسنُ فتىً " لَصَحَّ المعنى. 
ومثله :\[ الرجز \]
وَطَابَ ألْبَانُ اللِّقَاحِ وَبَرَدْ[(٢٣)](#foonote-٢٣) \*\*\*. . . 
في " برد " ضمير يعود على " ألبان " لسدِّ " لبن " مسدَّها. 
الثالث : أنه يعود على " الصَّدُقات " أيضاً، لكن ذهاباً بالضمير مذهب الإشارة فَإنَّ اسم الإشارة قد يُشارُ بِهِ مفرداً مذكراً إلى أشياء تقدمت[(٢٤)](#foonote-٢٤)، كقوله :
 قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِّن ذلِكُمْ  \[ آل عمران : ١٥ \] بعد ذكر أشياء قبله، وقد تقدم ما روي في البقرة ما حكي عن رؤية لما قيل له في قوله :\[ الرجز \]
فِيهَا خُطُوطٌ مِنْ سَوَادِ وَبَلَقْ \*\*\* كَأَنَّهُ فِي الجِلْدِ تَوْلِيعُ البَهَقْ[(٢٥)](#foonote-٢٥)
فقال : أردت ذلك فأجْرَى الضمير مجرى اسم الإشارة. 
الرابع : أنه يعود على المال، وإنْ لم يَجْرِ له ذِكْرٌ ؛ لأنَّ الصَّدُقاتِ تدُلُّ عليه. 
الخامس : أنه يعود على الإيتاء المدلول عليه ب " آتوا "، قاله الرَّاغب وابن عطيَّة. 
السَّادس : قال الزمخشريُّ " ويجوز أن يُذَكَّر الضميرُ ؛ لينصرف إلى الصَّداق الواحد، فيكون متناولاً بَعْضَهُ، ولو أَنّثَ لتناول ظاهرة هبةَ الصَّداق كُلِّه ؛ لأنَّ بعض الصُّدقات واحد منها[(٢٦)](#foonote-٢٦) فصاعداً ". 
وقال أبو حَيَّان : وأقولُ حَسَّن تذكير الضمير أن معنى " فَإنْ طِبْنَ " فإن طابَتْ كُلُّ واحدةٍ فلذلك قال :" منه " أي : مِنْ صَداقِها، وهو نظير قوله : وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَئاً 
\[ يوسف : ٣١ \] ؛ أي لكلّ واحدة منهن، ولذلك أفرد " متكأ ". 
قوله :" نَفْساً " منصوب على التَّمييز، وهو هنا منقولٌ من[(٢٧)](#foonote-٢٧) الفاعل ؛ إذ الأصل : فإنْ طابَتْ أنفسُهُنَّ، ومثله : وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً  \[ مريم : ٤ \]. 
وهذا منصوب عن تمام الكلام، وجِيء بالتمييز هنا مفرداً، وإن كان قبلَه جمعٌ لعدم اللَّبْسِ، إذْ من المعلوم أنَّ الكُلَّ لَسْنَ مشتركاتٍ[(٢٨)](#foonote-٢٨) في نفسٍ واحدةٍ، ومثله : قَرَّ الزيدون عيناً، كقوله :
 وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعاً  \[ هود : ٧٧ \] وقيل : لَفْظُهَا واحد ومعناها جمع، ويجوز " أنفساً " " وأعيناً " وَلاَ بُدَّ مِنَ التعرُّض لقاعدةٍ يَعُمُّ نفعها، وهي أنَّه إذا وقع تمييز بعد جمع منتصبٍ عن تمام الكلام فلا يخلو : إمَّا أن يكون موافقاً لما قبله في المعنى، أو مخالفاً له، فإن كان الأوَل وَجَبَتْ مطابقةُ التَّمييز لما قبله نحو : كَرُمَ الزيدون رجالاً، كما يطابقهُ خبراً وصفةً وحالاً. 
وإن كان الثاني : فإمَّا أن يكونَ مفرد المدلول أو مختلفة، فإن كان مفردَ المدلول وَجَبَ إفرادُ التمييز كقولك في أبناء رجل واحد : كَرُمَ بنو زيدٍ أباً أو أصلاً، أي : إنَّ لهم جميعهم أباً واحداً متصفاً بالكرمِ، ومثله " كَرم الأتقياءُ سَعْياً "، إذا لم تَقصدْ بالمصدر اختلافَ الأنواع لاختلاف محالَّه، وإنْ كَانَ مختلفَ المدلول : فإما أن يُلبِسَ إفرادُ التمييز لو أُفرد أولاً، فإن ألْبَسَ وَجَبَت المطابقُ نحو : كَرُمَ الزيدون آباء، أي : أن لكل واحد أباً غير أب الآخر يتصفُ بالكرمِ، ولو أفردت هنا لَتُوُهِّم أنهم كلَّهم بنو أبٍ واحد، والغرضُ خلافه، وإنْ لم يُلبس جاز الأمران المطابقة والإفراد، وهو الأوْلى، ولذلك جاءت عليه الآية الكريمةُ، وحكمُ التثنية في ذلك كالجمع، وَحَسَّنَ الإفرادَ هاهنا أيضاً ما تقدَّم مِن مُحَسِّنِ[(٢٩)](#foonote-٢٩) تذكير الضمير وإفراده في " منه "، وهو أنَّ المعنى : فإن طابت كُلُّ واحدة نفساً. 
وقال بعض البصريين :" إنَّما أفرد ؛ لأن المراد بالنفس هنا الهوى، والهوى مصدر، والمصادر لا تُثَنَّى ولا تجمع ". 
وقال الزَّمخشريُّ : و " نَفْساً " تمييزٌ، وتوحيدُها ؛ لأن الغرضَ بيانُ الجنس والواحد يدل عليه. ونحا أبو البَقاءِ نَحْوهُ، وشَبَّهَهُ ب " درهماً " في قولك : عشرون درهماً. 
واختلف النحاةُ في جوازِ تقديمِ التمييزِ على عامله إذا كان متصرفاً فمنعه سيبويه، وأجازه المبرد وجماعة مستدلين بقوله :\[ الطويل \]
أتَهْجُرُ لَيْلَى بِالفِرَاقِ حَبيبَها \*\*\* وَمَا كَانَ نَفْساً بالفراقِ تَطِيبُ[(٣٠)](#foonote-٣٠)
وقوله :\[ الطويل \]
رَدَدْتُ بِمِثْلِ السَّيدِ نَهْدٍ مُقَلَّصٍ \*\*\* كَمِيشٍ إذَا عِطْفَاهُ مَاءً تَحَلَّبَا[(٣١)](#foonote-٣١)
والأصل تطيبُ نفساً، وتحلَّبا ماء، وفي البيتين كلامٌ طويل ليس هذا محلَّه، وحجةُ سيبويه في منع ذلك أنَّ التَّمييز فاعل في الأصْلِ، والفاعِلُ لا يَتَقدَّم، فكذلك ما في قوته، واعترضَ على هذا بنحو : زيداً، من قولك أخرجْتُ زيداً، فإن زيداً في الأصل فاعل قبل النَّقْل، إذ الأصل : خرج زيدٌ والفرق لائح فالتمييز أقسام كثيرة مذكورة في كتب القوم. والجارّان في قوله  فَإِن طِبْنَ لَكُمْ عَن شَيْءٍ  متعلقان بالفعل قبلهما متضمناً معنى الإعراض، ولذلك عُدِّي ب " عن " [(٣٢)](#foonote-٣٢) كأنَّهُ قيل : فَإن أعْرَضن لَكُمْ عَن شيء منه طيبات النفوس، والفاء في " فَكُلوه " [(٣٣)](#foonote-٣٣) جواب الشرط وهي واجبة، والفاء في " فَكُلوه " عائدة على " شيء ". 
فإن قيل : لِمَ قال : فَإِن طِبْنَ لَكُمْ  ولم يقل : وَهَبْنَ لَكُمْ أوْ سَمَحْنَ لَكُمْ ؟
فالجواب أنَّ المراعى وهو تجافي نفسها عن بالموهوب طيبة \][(٣٤)](#foonote-٣٤). 
قوله : فكلوه هنيئاً مريئاً . 
**في نصب " هَنِيئاً " أربعةُ أقوال :**
أحدها : أنَّه منصوبٌ على أنه صفة لمصدر محذوف تقديره : أكْلاً هنيئاً. 
الثاني : أنه منصوب على الحال من الهاء في " فَكلُوهُ " أي : مُهَنِّئاً، أي سهلاً. 
والثالث : أنه منصوب على الحال بفعل لا يجوز إظهاره ألبتة ؛ لأنَّهُ قصد بهذه الحال النيابةُ عن فعلها نحو :" أقائماً وَقَدْ قَعَدَ النَّاسُ "، كما ينوب المصدر عن فعله نحو " س١ انظر: المحرر الوجيز ٢/٨، والبحر المحيط ٣/١٧٤، والدر المصون ٢/٣٠٥..
٢ وقرأ بها: موسى بن الزبير وابن أبي عبلة وفياض بن غزوان. انظر: المحرر الوجيز ٢/٨، والبحر المحيط ٣/١٧٤، والدر المصون ٢/٣٠٥..
٣ ينظر: القراءة السابقة..
٤ انظر: الكشاف ١/٤٦٩، والدر المصون ٢/٣٠٥..
٥ في ب: العامل..
٦ في أ: نحلة..
٧ في أ: النحلة..
٨ أخرجه مالك في الموطأ ٢/٧٥٢..
٩ ينظر: تفسير الرازي ٩/١٤٧..
١٠ في ب: فقال..
١١ في ب: وانتحلته..
١٢ ينظر: الرازي ٩/١٤٦..
١٣ في أ: الناكحة..
١٤ أخرجه البخاري (٣/٤٢٤، ٣٤٠) ومسلم (٤/١٣٩) وأبو داود (٢٠٧٤) والنسائي (٢/٨٥، ٨٦) والترمذي (١/٢١٠) والدرامي (٢/١٣٦) وابن ماجه (١٨٨٣) وابن الجارود (٧١٩، ٧٢٠) والبيهقي (٧/١٩٩) وأحمد (٢/٧، ١٩، ٣٥، ٦٢، ٩١) من طرق عن نافع عن ابن عمر.
 وزاد البخاري ومسلم: "أن يزوج الرجل ابنته على أن يزوجه الآخر ابنته ليس بينهما صداق"..
١٥ انظر: تفسير الرازي (٩/١٤٦) وتفسير السمرقندي (١/٣٣٢)..
١٦ أخرجه الطبري في "تفسيره" (٧/٥٥٣) وذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٢/٢١٢) وزاد نسبته لعبد بن حميد..
١٧ أخرجه الطبري في "تفسيره" (٧/٥٥٣) عن ابن جريح..
١٨ ينظر: البغوي ١/٣٩٢..
١٩ ينظر: الرازي ٩/١٤٦..
٢٠ في أ: ويلزموها..
٢١ في أ: الفراج..
٢٢ سقط في ب..
٢٣ ينظر البيت في الدر المصون ٢/٣٠٦..
٢٤ في ب: بعد منه..
٢٥ تقدم برقم ٥٧٩..
٢٦ في ب: الصداق..
٢٧ في ب: عن..
٢٨ في أ: ليس يشتركان..
٢٩ في أ: حسن..
٣٠ البيت للمخبل السعدي ينظر ديوانه ص ٢٩٠، والخصائص ٢/٣٨٤، والمقاصد النحوية ٣/٢٣٥، والدر المصون ٢/٣٠٧، وللمخبل السعدي أو لقيس بن معاذ في شرح شواهد الإيضاح ص ١٨٨؛ وللمخبل السعدي، أو لأعشى همدان أو لقيس بن الملوح في الدرر ٤/٣٦ وبلا نسبة في شرح ابن عقيل ص ٣٤٨، وشرح الأشموني ١/٢٦٦، وشرح ديوان الحماسة للمرزوقي ص ٣٣٠ وشرح المفصل ٢/٧٤، والمقتضب ٣/٣٦، ٣٧، وهمع الهوامع ١/٢٥٢..
٣١ البيت لربيعة بن مقروم ينظر شرح شواهد المغني ص ٨٦٠، وشرح عمدة الحفاظ ص ٤٧٧، والمقاصد النحوية ٣/٢٢٩، وشرح الأشموني ١/٢٦٦، ومغني اللبيب ص ٤٦٢، والدر المصون ٢/٣٠٧، وشرح شواهد المغني للبغدادي ٧/٢٢..
٣٢ في أ: بهن..
٣٣ في أ: فكلوه..
٣٤ سقط في ب..

### الآية 4:5

> ﻿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا [4:5]

أصل تُؤْتُوا تُؤتيوا : تُكْرِموا فاستثقلت الضمةُ على الياءِ فَحُذِفَت الضمة، فالتقى ساكنان : الياء وواو الضمير فحذفت الياء لئلا يلتقي ساكنان. 
والسُّفَهاء جمع : سفيه، وعن مجاهد :" المراد بالسُّفَهاءِ " النِّسَاءِ مَنْ كُنَّ أزواجاً، أو بنات، أو أمهات، وضَعَّفَهُ بَعْضُهُم بأنَّ فَعِيلة إنَّما تُجْمَع على فَعَائلِ أوْ فَعِيلات، قاله \[ أبو البقاء \][(١)](#foonote-١) وابن عطية، وقد نقل بعضهم أنَّ سَفَيهةَ تُجْمَعُ : على " سُفَهَاءَ " كالمُذكَّر، وعلى هذا لا يَضْعُفُ قول مُجَاهِدٍ. وجمعُ فَعِيلَةٍ الصِّفَةِ على فُعَلاء وَإنْ كان نادراً، إلاَّ أنَّهُ قد نُقِلَ في هذا اللَّفْظِ خُصوصاً، وتخصيصُ ابن عطية جمع فَعِيلة بِفَعائِلٍ، أوْ فَعِيلات ليس بظاهر، لأنَّهَا يَطَّرد فيها أيْضاً " فِعَال " نحو : كريمةٍ، وَكرامٍ، وظريفةً، وظِراف، وكذلك إطلاقهُ فَعِيلة، وَكَانَ مِنْ حَقِّه أنْ يقيِّدَها بألاَّ تكون بمعنى : مَفْعُولةٍ، تَحَرُّزاً من قتيلة فَإنَّها لا تُجْمَعُ على فَعَائِل. 
والجمهورُ قرؤوا ( الَّتِي ) بلفظِ الإفراد صفةً للأمْوَالِ، وإنْ كانت جَمْعاً ؛ لأنَّهُ تَقَدَّم أنَّ جمع ما لا يعقل من الكثرة، أو لم يكن له إلا جمعٌ واحدٌ، الأحسنُ فيه أنْ يُعَامَل مُعَاملةَ الوَاحِدَةِ المؤنَّثة، والأمْوالِ من هذا القبيل، لأنَّهَا جمعُ ما لا يَعْقل، ولم تُجْمَع إلاَّ على أفْعال، وإنْ كانت بلفظِ القِلَّةِ ؛ لأن المرادَ بها الكثرة. 
وقرأ الحسن[(٢)](#foonote-٢) والنخعي " اللاتي " مطابقةٌ للفظ الجمع، وكان القياسُ ألاَّ يوصف ب " اللاتي " إلا ما يُوصَف مفرده ب " التي " والأموال لا يوصف مفردها وهو " مال " ب " التي ". 
وقال الفراء : العرب تقول في النِّساءِ " اللاتي " أكثر مما تقول " التي "، وفي الأموال :" التي " أكثر مما تقول " اللاَّتي " وكلاهما جائز. 
وقرئ[(٣)](#foonote-٣) " اللَّواتي " فيه جمع الجمع وهي جمع اللاتي أو جمع " التي " نفسها. 
قوله :" قياماً " إن قلنا : إن " جَعَلَ " بمعنى صَيَّرَ ف " قياماً " مفعول ثانٍ، والأول محذوف، وهو عائد الموصول والتقدير : الَّتِي جعلها اللَّهُ، أي : صَيَّرَها لكم قياماً، وَإنْ قُلْنَا : إنها بمعنى " خلق " ف " قياماً " حال، من ذلك العائد على المحذوف، والتقدير : جعلها[(٤)](#foonote-٤) أي : خلقها وأوجدها في حال كونها قياماً. 
وقرأ نافع[(٥)](#foonote-٥) وابن عامر " قيماً "، وباقي السبعة " قياماً " وابن عمر[(٦)](#foonote-٦) " قِواماً " بكسر القاف، والحسن[(٧)](#foonote-٧) وعيسى بن عمر " قَواماً " بفتحها وَيُرْوَى عَنْ أبي عمرو، وقرئ[(٨)](#foonote-٨) " قِوَماً " بزنة " عِنب ". 
فَأَمَّا قراءة نافع وابن عامر ففيها ثلاثة أوجه :
أحدها : أن " قِيماً " مصدر كالقيام وليس مقصوراً منه قال الكسائِيُّ والأخْفشُ والفراء. 
فهو مصدر بمعنى القيام الذي يُرَادُ به الثباتُ والدَّوامُ، وقد رُدَّ هذا القولُ بأنه كان يَنْبَغِي أن تَصِحَّ[(٩)](#foonote-٩) الواو لتحضُّنها بِتَوسُّطِها، كما صَحَّت واو " عِوَض " " وحِوَل "، وقد أجيبَ عنه بأنه تَبعَ فعله من الإعلال وكما أُعِلَّ فعله أُعِلَّ هو، ولأنه بمعنى القِيام فَحُمِلَ عليه في الإعلال. 
وَحَكَى الأخفش :" قِيماً " و " قِوَماً " قال : والقياسُ تصحيحُ[(١٠)](#foonote-١٠) الواو، وإنما اعتلت على وجه الشُّذُوذِ كقولهم :" ثِيرَة " [(١١)](#foonote-١١) وقول بني ضبة " طِيال " في جمع طويل، وقول الجميع " جِياد " في جمع جواد، وإذا أعلّوا " دِيَماً " لإعلال " دِيْمة "، فاعتلالُ المصدر لاعتلال فعلِه أوْلى، ألا تَرَى إلى صِحَّةِ الجمع مع اعتلالِ مُفْرده في معيشة، ومعايش، ومقامة، ومَقَاوِم، ولم يُصَححوا مَصْدراً أعلُّوا فِعْلَه. 
الثاني : أنه مقصور من " قيام " فحذفوا الألف تخفيفاً كما قالوا :" خيَم " في " خيام " و " مخْيَط " و " مِقْوَل " في " مخْياط " و " مِقْوالِ ". 
الثالث : أنه جمع " قِيمة " ك " دِيَم " في جمع " دِيْمَة "، والمعنى : أنَّ الأموال كالقيم للنفوس ؛ لأنَّ بقاءها بها، وقد رَدَّ الفارسيُّ هذا الوجه، وإنْ كان هو قول البصريين غير الأخفشِ، بأنه قد قرئ[(١٢)](#foonote-١٢) قوله تعالى : دِيناً قِيَماً مِّلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً  \[ الأنعام : ١٦١ \] وقوله : الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَاماً لِّلنَّاسِ  \[ المائدة : ٩٧ \]. ولا يصحُّ معنى القيمة فيهما، وقد رَدَّ عليه الناس بأنَّه لا يلزم من عدم صحَّة معناه في الآيتين المذكورتين ألا يصح هنا، إذ معناه لائق، وهناك معنى آخر يليق بالآيتين المذكورتين كما سيأتي إن شاء الله تعالى. 
وأما قراءة باقي السَّبعة فهو مصدرُ " قام " والأصلُ " قِوام "، فأبدلت الواوُ ياءً للقاعدةِ المعروفة، والمعنى : التي جعلها اللَّهُ سبب قيام أبدانكم[(١٣)](#foonote-١٣) أي : بقائها. 
وقال الزَّمخشريُّ :" أي : تقومون بها وتنتعشون بها ". 
وأما قراءة عبد الله بن عمر ففيها وجهان :
أحدهما : أنه مصدرُ قَاوَمَ ك " لاوَذَ، لِواذاً " [(١٤)](#foonote-١٤) صحَّت الواوُ في المصدرِ كما صحَّت في الفعل. 
الثاني : أنه اسم لما يقوم به الشَّيء، وليس بمصدر كقولهم :" هذا ملاك الأمر " أي : ما يملك به الأمر. 
**وَأمَّا قراءة الحَسَن ففيها وجهان :**
أحدهما : أنَّه اسم مصدر كالكلام، والدَّوام، والسَّلام. 
والثاني : أنَّهُ لغة من القوام المراد به القامة، والمعنى : التي جعلها اللَّه سببُ بقاءِ قاماتكم، يقال : جارية حَسَنةُ القِوام، والقَوام، والقامة كله بمعنى واحد. 
وقال أبو حاتم قوام بالفتح خطأ، قال : لأنَّ القوام[(١٥)](#foonote-١٥) امتداد القامة، وقد تقدَّم تأويلُ ذلك على أنَّ الكسائيَّ قال : هو بمعنى القِوام أي بالكسر، يعني أنه مصدر، وَأمَّا " قِوَماً " فهو مصدر جاء على الأصلِ، أعني : الصَّحِيحَ العين كالعِوَض، والحِوَل[(١٦)](#foonote-١٦).

### فصل


لما أمر في الآية الأولى بإيتاء اليتامى أمْوَالَهم، وبدفع صدقات النساء إليهنَّ فَكَأنَّهُ قال : إنَّمَا أمرتكم بذلك إذا كانوا عاقلين بالغين، متمكنين من حفظ أموالهم، فأمَّا إذا كانوا غير بالغين، أو غير عقلاء، أو كانوا بالغين عقلاء ؛ إلاَّ أنَّهم سُفهاء، فلا تدفعوا إليهم أموالهم، والمقصود منه الاحتياطُ في حفظ أموال الضُّعفاء العاجزين. 
**واختلفوا في السُّفَهاء :**
فقال مجاهد والضَّحَّاكُ : هم النِّسَاءَ[(١٧)](#foonote-١٧) كما قَدَّمْنَا، وهذا مذهب ابن عمر ويدلُّ عليه ما روى أبو أمامة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :" ألا إنَّما خُلِقَت النَّارُ للسُّفَهاء، يقولها \[ ثلاثاً \][(١٨)](#foonote-١٨) ألا وإن السُّفهاء النِّساء، \[ إلاّ امرأة أطاعت قيّمها " [(١٩)](#foonote-١٩) \][(٢٠)](#foonote-٢٠). 
وقال الزَّمخشريُّ وابن زيد : والسُّفهاء ههنا السفهاء عن من الأولاد، ويقول : لا تعط مالك \[ الذي هو قيامك \][(٢١)](#foonote-٢١) ولدك السَّفيه فيفسده. وقال ابن عباس والحسن وقتادة وسعيد بن جبير : هم النِّساء \[ والصبيان \][(٢٢)](#foonote-٢٢) إذا علم الرجل أنَّ امرأته سفيهةٌ مُفْسِدةٌ، وَأنَّ ولده سفيه مفسد، فلا يسلط واحداً منهما على ماله. 
وقيل : المرادُ بالسُّفهاء كل من لم يحفظ المال للمصلحة من النِّسَاءِ والصبيان والأيتام، وكلُّ من اتَّصف بهذه الصفة ؛ لأنَّ التَّخصيص بغير دليل لا يجوز، وقد تقدَّم في " البقرة " أنَّ السَّفه خفة العقل ولذلك سُمِّي الفاسق سفيهاً، لأنه لا وزن له عند أهل العلم والدين، ويسمى النَّاقص العقل سفيهاً لخفة عقله. 
### فصل في دلالة الآية في الحجر على السفيه


قال القرطبيُّ[(٢٣)](#foonote-٢٣) : دلت هذه الآية على جواز الحجر على السَّفيه لقوله تعالى : وَلاَ تُؤْتُواْ السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ ، وقوله : فَإن كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهاً أَوْ ضَعِيفاً  \[ البقرة : ٢٨٢ \] فأثبت الولاية على السَّفيه كما أثبتها على الضَّعيف، والمراد بالضَّعيف في الآية الضَّعيف الْعَقْلِ لصغرِ أو مرض. 
### فصل في حال السفيه قبل الحجر عليه


\[ قال القرطبيُّ \][(٢٤)](#foonote-٢٤) : واختلفوا في حال السَّفيه قبل الْحَجْرِ عَلَيْهِ، فقال مالك وأكثر أصحابه[(٢٥)](#foonote-٢٥) : إنَّ فعل السَّفيه وأمره كُلّهُ جائز، حتى يحجر عليه الإمامُ، وهو مذهب الشَّافعيِّ وأبي يوسف. 
وقال ابن القَاسِم[(٢٦)](#foonote-٢٦) : أفعاله غير جائزة، وإن لم يضرب الإمام على يَدِهِ. 
### فصل : في الحجر على الكبير


واختلفوا في الحجر على الكبير، فقال مالك وجمهورُ الفقهاء : يحجر عليه. 
وقال أبو حَنِيفَةَ : لا يحجر على من بلغ عاقلاً إلا أن يكون مُفسداً لماله، فإذا كان كذلك منع من تسلميهم المالَ حتى يبلغ \[ خمساً وعشرين سنة، فإذا بلغها \][(٢٧)](#foonote-٢٧)، سُلِّمَ إليه المال بكل حالٍ، سواء كان مُفْسِداً، أو غير مفسد ؛ لأنَّه يُحبَلُ منه لاثنتي عشرة سنة، ثم يُولد له لِستَّةِ أشهرٍ فيصير جَدَّاً وأباً[(٢٨)](#foonote-٢٨)، وأنا أستحي أن أحجر على مَنْ يصلح أن يكون جَدَّاً[(٢٩)](#foonote-٢٩). 
### فصل في الخطاب في الآية


**في هذا الخطاب قولان :**
الأوَّلُ : أنَّهُ خطاب الأولياء بأن يُؤتُوا السُّفهاء الذين تحت ولايتهم أموالهم لقوله تعالى : وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ  \[ النساء : ٥ \] وبه يصلح نظمُ الآيةِ مع ما قَبلها. 
فإن قيلَ : فكان ينبغي على هذا أن يقال : ولا يؤتوا السُّفَهَاء أموالهم. 
**فالجوابُ من وجهين :**
أحدهما : أنَّه تعالى أضاف المال إليهم، لا لأنَّهم ملكوه، لكن من حيث ملكوا التصرف فيه، ويكفي في الإضافة الملابسة بأدنى سبب. 
وثانيهما : إنَّما حَسُنَتْ هذه الإضافَةُ إجراءاً للوحدة[(٣٠)](#foonote-٣٠) بالنَّوع مجرى الوحدة بالشخص كقوله تعالى : لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ  \[ التوبة : ١٢٨ \]  فَمِنْ مَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُم 
\[ النساء : ٢٥ \]  فَاقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ [(٣١)](#foonote-٣١) \[ البقرة : ٥٤ \] وقوله : ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ 
\[ البقرة : ٨٥ \] ومعلوم أنَّ الرَّجل منهم ما كان يقتل نفسه، وإنَّمَا كان يقتل بعضهم بعضاً، وكان الكلُّ من نَوْع واحدٍ، فكذا هاهنا لما كان المال[(٣٢)](#foonote-٣٢) ينتفع به نَوْع الإنسان، ويحتاج إليه، فلأجل هذه الوَحْدَة النَّوعيَّة حسنت إضافة أموال السُّفهاء إلى الأولياء. 
القول الثاني : أنَّه خطاب للآباء[(٣٣)](#foonote-٣٣) بألاَّ يدفعوا مالهم[(٣٤)](#foonote-٣٤) إلى أولادهم إذا كانوا لا يحفظون المال سفهاء، وعلى هذا فإضَافَةُ الأموال إليهم حقيقة، والقول الأوَّلُ أرجحُ ؛ لأنَّ ظاهر النَّهي التحريم، وأجمعوا على أنَّهُ لا يحرم عليه أن يهب من أولاده الصّغار، ومن النِّسوان ما شاء من ماله، وأجمعوا على أنه يحرم على الولي أن يدفع إلى السُّفهاء أموالهم ؛ لأنه قال في آخر الآية : وَقُولُواْ لَهُمْ قَوْلاً مَّعْرُوفاً  وهذه الوصيّة بالأيتام أشبه، لأنَّ المرء مشفق بطبعه على ولده، فلا يقولُ له إلا المعروفَ، وإنَّما يحتاج إلى هذه الوصيَّة مع الأيتام الأجانب. 
قال ابنُ الخطيب[(٣٥)](#foonote-٣٥) :" ولا يمتنع \[ أيضاً \] حمل الآية على كلا الوجهين ". 
قال القاضي[(٣٦)](#foonote-٣٦) : هذا بعيد ؛ لأنه يقتضي حمل قوله :" أمْوَالُكم " على الحقيقة والمجاز جميعاً، ويمكن الجوابُ عنه بأن قوله : أَمْوَالَكُمُ  يفيدُ كون تلك الأموال مخت١ سقط في ب..
٢ انظر: المحرر الوجيز ٢/١٠، والبحر المحيط ٣/١٧٧، والدر المصون ٢/٢١٠..
٣ انظر: البحر المحيط ٣/١٧٨، والدر المصون ٢/٣١٠..
٤ في أ: يرجعها..
٥ انظر: السبعة ٢٢٦، والحجة ٣/١٢٩، وحجة القراءات ١٩٠، والعنوان ٨٣، وشرح شعله ٣٣٢، وشرح الطيبة ٤/١٩٣، وإعراب القراءات ١/١٢٩، وإتحاف ١/٥٠٣..
٦ انظر: البحر المحيط ٣/١٧٨، والدر المصون ٢/٣١٠..
٧ انظر السابق، والمحرر الوجيز ٢/١٠..
٨ انظر: البحر المحيط ٣/١٧٨، والدر المصون ٢/٣١٠..
٩ في ب: يفتح..
١٠ في ب: الصحيح..
١١ في ب: ثرة..
١٢ سورة الأنعام آية ١٦١، وانظر: الحجة ٣/١٣٣، والدر المصون ٢/٣١٠. والبحر المحيط ٣/١٧٨..
١٣ في أ: أبدالكم..
١٤ في ب: من قوم فأبدلت الواو ياء..
١٥ في ب: القوم..
١٦ في أ: والجواب..
١٧ أخرجه الطبري في "تفسيره" (٧/٥٦١، ٥٦٢) عن مجاهد والضحاك وانظر تفسير الرازي (٩/١٥٥) وتفسير البغوي (١/٣٩٣) والبحر المحيط لأبي حيان (٣/١٧٧)..
١٨ سقط في ب..
١٩ ذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٢/٢١٣) وعزاه لابن أبي حاتم عن أبي أمامة مرفوعا..
٢٠ سقط في ب..
٢١ سقط في ب..
٢٢ أخرجه الطبري في "تفسيره" (٧/٥٦١، ٥٦٢) عن ابن عباس والحسن وقتادة وسعيد بن جبير.
 وذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٢/٢١٣) عن الحسن وزاد نسبته لسعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر..
٢٣ ينظر: تفسير القرطبي ٥/٢١..
٢٤ ينظر: السابق..
٢٥ في ب: أصحابه..
٢٦ ينظر: تفسير القرطبي ٥/٢١..
٢٧ سقط في ب..
٢٨ في أ: فأنا..
٢٩ ينظر: تفسير القرطبي ٥/٢٢..
٣٠ في أ: الموحدة..
٣١ في أ: فقتلوا..
٣٢ في ب: الرجل..
٣٣ في أ: للأولياء..
٣٤ في ب: أموالهم..
٣٥ ينظر: الرازي ٩/١٥٠..
٣٦ ينظر: الرازي ٩/١٥٠..

### الآية 4:6

> ﻿وَابْتَلُوا الْيَتَامَىٰ حَتَّىٰ إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ ۖ وَلَا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَنْ يَكْبَرُوا ۚ وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ ۖ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ ۚ فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ ۚ وَكَفَىٰ بِاللَّهِ حَسِيبًا [4:6]

لما أمر بدفع مال اليتيم[(١)](#foonote-١) إليه، بيَّن[(٢)](#foonote-٢) هنا متى يؤتيهم أموالهم، وشرَطَ في دفع أموالهم إليهم شرطين :
أحدهما : بلوغ النكاح. 
والثَّاني : إينَاسِ الرُّشد. 
في " حتى " هذه وما أشبهها أعني الداخلة على " إذا " قولان :
أشهرهما : أنَّها حرف غاية، دخلت على الجملة الشَّرطيَّة وجوابها، والمعنى : وابتلوا اليتامى إلى وقت بلوغهم، واستحقاقهم دفع أموالهم إليهم، بشرط إيناس الرُّشد، فهي حرف ابتداء كالدَّاخلة على سائِرِ الجمل كقوله :\[ الطويل \]

فَمَا زَالَتِ القَتْلَى تَمُجُّ دِمَاءَهَا  بِدجْلَةَ حَتَّى مَاءُ دَجْلَةَ أشْكَلُ[(٣)](#foonote-٣)وقول امرئ القيس :\[ الطويل \]سَرَيْتُ بِهِمْ حَتَّى تَكِلَّ مَطِيُّهُمْ  وَحَتَّى الْجِيَادُ مَا يُقَدْنَ بأرْسَانِ[(٤)](#foonote-٤)والثاني : وهو قول جماعة منهم الزَّجَّاجُ وابن درُسْتَويه : أنَّها حرف جر، وما بعدها مجرور بها، وعلى هذا ف " إذا " تتمحَّضَ للظَّرْفِيَّةِ، ولا يكون فيه معنى الشَّرط، وعلى القول الأوَّلِ يكون العامل في " إذَا " ما تَخَلَّص[(٥)](#foonote-٥) من معنى جوابها تقديره : إذا بلغوا النِّكاح راشدين فادفعوا. وظاهرُ العبارة لبعضهم أنَّ " إذا " ليست بشرطيَّة، لحُصُولِ ما بعدها، وأجاز سيبويه أن يجازي بها في الشِّعر، وقال :" فعلوا ذلك مضطرين "، وإنما جُوزي بها لأنَّها تحتاج إلى جواب، وبأنَّه يليها الفعلُ ظاهراً، أو مضمراً، واحتجَّ الخليلُ على عدم شَرطيَّتِها بحصولِ ما بعدِها، ألا ترى أنك تقول : أجيئك إذا احمر البُسر، ولا تقول : إن احمر. 
قال أبُو حيان : وكلامُه يُدلُّ على أنها تكون ظرفاً مجرداً، ليس فيها معنى الشَّرط، وهو مخالف للنَّحويين، فإنَّهم كالمجمعين على أنها \[ ظرف \][(٦)](#foonote-٦) فيها معنى الشِّرط غالباً، وإن وُجِدَ في عبارةِ بعضهم ما يَنْفَى كونها أداة شرطٍ، فإنَّما أنها لا يجزم بها، إلاَّ أنها لا تكون شرطاً، وقَدَّرَ بعضهم مضافاً قال : تقديره يبلغوا حَدَّ النكاحِ أو وقته، والظَّاهرُ أنها لا تحتاج إليه، والمعنى : صَلَحوا للنكاح. 
### فصل في معنى الابتلاء وكيفيته


والابتلاءُ : الاختيارُ، أي اختبروهم في عقولهم وإدراكهم، وحفظهم أموالهم. نزلت في ثابت بن رفاعة، مات أبُوهُ رفاعةُ وتركه صغيراً عند عمه، فجاء عمُّه إلى رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم وقال : إن ابن أخي يتيم في حجري، فما يَحِلُّ لي مِنْ ماله، ومتى أدفع إليه ماله ؟ فنزلت هذه الآية[(٧)](#foonote-٧). 
قال سعيد بن جبير ومجاهد والشَّعبيُّ :" لا يدفع إليه ماله، وإنْ كان شيخاً حتى يؤنس رشده " [(٨)](#foonote-٨)، فالابتلاءُ يختلف باختلاف أحوالهم، فإن كان مِمَّنْ يتصرف في السوق فيدفع الولي إليه شيئاً كبيراً من المال، وينظر في تَصَرُّفه، وإن كان ممَّن لا يتصرف فيختبره في نفقة داره، والإنفاق على عبيده وأجرائه وتُخْتبر المرأة[(٩)](#foonote-٩) في أمر بيتها وحفظ متاعها وغزلها واستغزالها فإذَا رأى حسن تصرُّفه وتدبيره مراراً حيث يغلب على الظن رشده دفع إليه المال. 
### فصل فيما إذا عاد إلى السَّفه بعد أخذ المال


قال القرطبيُّ[(١٠)](#foonote-١٠) :" إذا سُلِّم إليه المال لوجود الرشد، ثم عاد إلى السَّفه عاد الحجرُ عليه ". 
وقال أبو حنيفة : لا يعود عليه الحجر ؛ لأنَّه بالغ عاقل، يجوز إقراره في الحدود والقصاص. دليلنا قوله تعالى : وَلاَ تُؤْتُواْ السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ . 
ويجوز للوصيّ أن يصنع في مال اليتيم ما كان للأب أن يصنعه من تجارةٍ وإبضاع وشراء وبيع، وعليه أنْ يؤدّى الزَّكاة من سائر أمواله عينٍ وحرث[(١١)](#foonote-١١) وماشية وفطرة، ويؤدّي عنه أرُوش الجنايات، وقيم المُتْلَفَاتِ، ونفقةِ الوالدين، وسائر الحقوق اللازمة، ويجوز أن يزوجه، ويؤدّي عنه الصداق، ويشتري له جارية يتسرّى بها، ويصالح له وعليه على وجه النَّظر. 
### فصل المراد من بلوغ النكاح


والمراد من بلوغ النِّكاح هو الاحتلام، لقوله تعالى : وَإِذَا بَلَغَ الأَطْفَالُ مِنكُمُ الْحُلُمَ 
\[ النور : ٥٩ \] وعند هذا الحدّ يجري على صاحبه قلم التَّكليف، وإنَّما سمي الاحتلام بلوغ النَّكاح، لأنَّه إنزال الماء الدَّافق الذي يكون في الجماع، وهذه الآية دالّة على ورود لفظ النِّكاح بمعنى الجماع. 
واعلم أن للبلوغ خمس علامات ثَلاثَةٌ منها مُشْتَرَكةٌ بين الذكور والإناث وهي : الاحتلامُ، والسنُّ المخصوص، ونَبَاتُ الشّعر الخشن على العانَةِ. 
وقيل : إنبات الشَّعر[(١٢)](#foonote-١٢) الخشن[(١٣)](#foonote-١٣) بلوغ في أولاد المشركين، ولا يكون لأولاد المسلمين ؛ لأن أولاد المسلمين يمكن الوقوف على مواليدهم بالرُّجوع إلى آبائهم، وأولاد الكفار لا يوقف على مواليدهم، ولا يُقْبَلُ قول آبائهم فيه لكفرهم، فجعل الإنبات الذي هو أمَارَةُ البلوغ بلوغاً في حقِّهم. 
واثنان منها تختّص بالنّساء وهما : الْحَيْضُ والْحَبَلُ. 
### فصل


قال أبُو حنيفةَ :" تصرفات \[ الصَّبي \][(١٤)](#foonote-١٤) العاقل المميز بإذن الوليّ صحيحة لهذه الآية، ولأنه يصحّ الاستثناء فيه فيقال : ابتلوا اليتامى إلاَّ في البَيْع والشِّراء ". 
قال الشَّافعيُّ : لا تصحُّ تصرفاته ؛ لأنه إنَّما أمر بدفع ماله إليه بعد البلوغ وإيناس الرُّشْدِ، وإذا كان لا يجوز دفع المال حال الصغر، فلا يجوز تصرفه حال الصغر ؛ لأنه لا قائل بالفرق. 
والمرادُ بالابتلاء : اختبار عقله في أنه هل له فَهْم وعَقْلٌ في معرفة المصالح والمفاسد ؟ بأن يبيع الوليُّ ويشتري له بحضوره، ثم يستكشفُ من الصبيِّ أحوال ذلك البيع والشِّراء، وما فيها من المصالح والمفاسد، وبهذا[(١٥)](#foonote-١٥) القَدْر يحصل الابتلاء والاختبار، وأيضاً هَبْ أنَّا سَلَّمْنَا أنه يدفع إليه شيئاً ليبيع أو يشتري، فَلِمَ قلتَ : إنَّ هذا القدر يدل على صحَّةِ ذلك البيع والشِّراء ؟ بل إذا باع[(١٦)](#foonote-١٦) واشترى، وحصَلَ به اختبار عقله فالوليُّ بعد ذلك يتمم[(١٧)](#foonote-١٧) ذلك البيع والشراء. 
قوله : فَإِنْ آنَسْتُمْ . 
والفاءُ جواب " إذا " وفي قوله : فَادْفَعُواْ  جواب " إن " [(١٨)](#foonote-١٨). 
وقرأ[(١٩)](#foonote-١٩) ابن مسعود " فإن أحستم " والأصْلُ أحسسْتُم فحذف إحدى السِّينين، ويحتمل أن تكون العينَ أو اللام، ومثله قول أبي زبيد[(٢٠)](#foonote-٢٠) :\[ الوافر \]سِوَى أنَّ الْعِتَاقَ مِنَ الْمَطَايَا  حَسِينَ بِهِ فَهُنَّ إلَيْهِ شُوسُ[(٢١)](#foonote-٢١)وهذا خلاف لا ينقاسُ، ونقل بعضهم أنَّها لغةُ سُلَيم، وَأنَّها مُطَّردة[(٢٢)](#foonote-٢٢) في عين كل فعلٍ مضاعفه اتصل به تاءُ الضَّمير أو نونه ونَكَّر " رُشْداً " دلالةً على التنويعِ، والمعنى أيّ نوعٍ حَصَلَ من الرُّشدِ كان كافياً. 
وقرأ الجمهور " رُشْداً " بضمة وسكون، وابن مسعود[(٢٣)](#foonote-٢٣) والسُّلميُّ بفتحتين، وبعضهم بضمتين، وسيأتي الكلامُ على ذلك في الأعراف إن شاء الله تعالى. وآنس كذا أحسَّ به وشَعَرَ، قال :\[ الخفيف \]آنسَنْ نَبْأةً وَأفْزَعَهَا القُنْ  نَاصُ عَصْراً وَقَدْ دَنَا الإمْسَاءُ[(٢٤)](#foonote-٢٤)وقد قيل :" وجد " عن الفراء. 
وقيل : أبصر. 
وقيل : رأيتم. 
وقيل : آنست وأحسست ووجدت بمعنى واحدٍ. 
وقال القرطبي[(٢٥)](#foonote-٢٥) : وأصْلُ الإيناس في اللُّغة الإبصار[(٢٦)](#foonote-٢٦)، ومنه قوله  آنَسَ مِن جَانِبِ الطُّورِ نَاراً  \[ القصص : ٢٩ \]. 
قال أهل اللُّغة : هو إصابة الخير، قال تعالى : قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ  \[ البقرة : ٢٥٦ \]، والغيُّ : هو العصيان : قال تعالى : وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى  \[ طه : ١٢١ \] فيكون نقضيه هو الرشد، وقال تعالى : وَمَآ أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ  \[ هود : ٩٧ \]. 
وقال أبو حنيفة :" لا يعتبر هنا الصَّلاح في المال فقط " [(٢٧)](#foonote-٢٧)، وينبني على هذا أن أبا حنيفة لا يرى الحجر على الفاسق، والشافعي يراه. 
### فصل


إذا بلغ الرُّشْد زال عنه الحجر، ودفع إليه، رجلاً كان أو امرأة، تزوج أو لم يتزوج. 
وعند مالك إن كانت امرأة لا يدفع المال إليها ما لم تتزوج، فإذا تزوّجتْ دفع المال إليها، ولكن لا ينفذ تصرفها إلاَّ بإذن الزَّوج ما لم تكبر وَتُجَرَّبْ، فإذا بلغ الصبي رشيداً وزال الحجر عنه ثم عاد سفيهاً \[ نُظِرَ \][(٢٨)](#foonote-٢٨) إنْ عاد مبذراً لماله حُجِرَ عليه، وإن عاد مفسداً في دينه فقيل : يُعاد الحجْرُ عليه، كما يستدام الحجر عَلَيْهِ إذا بلغ بهذه الصفة، وقيل : لا يُعَادُ ؛ لأن حكم الدوام أقْوَى من حكم الابتداء، وعند أبي حنيفة لا حَجْرَ على البَالِغِ العاقِلِ بحال[(٢٩)](#foonote-٢٩). 
قوله : وَلاَ تَأْكُلُوهَا إِسْرَافاً وَبِدَاراً . 
**في نصبهما وجهان :**
أحدهما : أنهما منصوبان على المفعولِ من أجْلِهِ أي : لأجل الإسراف والبِدَارِ. 
ونقل عن ابن عباس أنه قال :" كان الأولياء يستغنمون أكل مال اليتيم، لئلا يكبر[(٣٠)](#foonote-٣٠) فينزع المال منهم ". 
والثَّاني : أنَّهما مصدران في موضع الحالِ أي : مُسْرِفينَ وَمُبادِرِينَ. 
وبداراً مصدرُ بادرَ والمفاعلة هنا يجوز أن تكون من اثنين على بابها، بمعنى أن الوليَّ يبادرُ اليتيم إلى أخْذِ مالهِ، واليتيمُ يُبَادِرُ إلى الكبر، ويجوز أن يكون من واحد بمعنى : أنَّ فاعل بمعنى فعل نحو : سافر وطارق[(٣١)](#foonote-٣١). 
قوله :" أن تكبروا ". فيه وجهان :
أحدهما : أنه مفعول بالمصدر أي : وبداراً كبرهم، كقوله : أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ يَتِيماً  \[ البلد : ١٤، ١٥ \] وفي إعمال المصدر المُنَوِّنِ الخلاف المشهور. 
والثَّاني : أنَّه مفعول من أجله على حذف أي : مخافة أن يكبروا، وعلى هذا فمفعولُ " بِدَاراً " محذوف، وهذه الجملة النَّهْييَّةُ فيها وجهان :
أصحهما : أنها استئنافية، وليست معطوفةً على ما قبلها. 
والثَّاني : أنَّها عطف على ما قبلها، وهو جوابُ الشرط ب " إن " أي : فادفعوا ولا تأكلوها، وهذا فاسدٌ ؛ لأن الشّرط وجوابه، مترتِّبان على بلوغ النِّكاح وهو معارضٌ لقوله : وَبِدَاراً أَن يَكْبَرُواْ  فَيَلزَمُ منه سَبْقُه على ما ترتَّب[(٣٢)](#foonote-٣٢) عَلَيْهِ، وذلك ممتنع. 
والمعنى : ولا تأكلوها يا معشرَ الأولياءِ " إسْرافاً " أي : بغير حقٍّ، " وبداراً " أي : ومبادرة، ثم بَيَّنَ مَا يَحِلُّ لهم من مالهم فقال : وَمَن كَانَ غَنِيّاً فَلْيَسْتَعْفِفْ  أي : فليمتنع من مال اليتيم فلا يرزؤه قليلاً ولا كثيراً، والعفة الامتناع مما لا يحل. 
قال الواحديُّ[(٣٣)](#foonote-٣٣) : استعفف عن الشيءِ وعَفَّ : إذا امتنعَ منه وتَرَكَهُ. 
قال الزمخشريُّ :" استعفف أبلغ مِنْ عَفَّ كأنَّه طالب زيادة العفَّةِ ". 
قوله : وَمَن كَانَ فَقِيراً . 
محتاجاً إلى مال اليتيم، وهو يحفظه ويتعمَّده  فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ . 
رُوِيَ عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جدِّه أن رجلاً أتى رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم فقال :" إنِّي فَقِيرٌ وَلَيْسَ لِي شَيْءٌ وَلِي يَتيمٌ، فقال : كُلْ مِنْ مَالِ يَتِيمكَ عَيْرَ مُسْرِفٍ وَلا مُبَذِّرٍ وَلاَ مُتَأثِّل " [(٣٤)](#foonote-٣٤). 
واختلفوا، هل يلزمهُ القضاءُ ؟ فقال مجاهدٌ وسعيدُ بن جبير : يقضي إذا أيسر لقوله : فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ [(٣٥)](#foonote-٣٥) والمعروف : هو أن يقترض من مال اليتيم إذا احتاج إليه، فإذا أيْسَرَ قَضَاهُ. 
قال عمرُ بن الخطّاب :" إنِّي أنْزَلْتُ نفسي من مال ا١ في أ: ما اليتيم..
٢ في أ: يبين..
٣ تقدم برقم ٧١١..
٤ ينظر البيت في ديوانه ص ٩٣، والدرر ٦/١٤١، وشرح أبيات سيبويه ٢/٢٤٠، وشرح الأشموني ٢/٤٢٠، وشرح شواهد الإيضاح ص ٢٢٨، ٢٥٥، وشرح شواهد المغني ١/٣٧٤، وشرح المفصل ٥/٧٩، والكتاب ٣/٢٧، ٦٢٦، ومغني اللبيب ١/١٢٧، ١٣٠، وأسرار العربية ص ٢٦٧، وجواهر الأدب ص ٤٠٤، ورصف المباني ٥/١٨١، وشرح المفصل ٨/١٩، والمقتضب ٢/٧٢، وهمع الهوامع ٢/١٣٦، والدر المصون ٢/٣١١..
٥ في أ: يتخلص..
٦ سقط في أ..
٧ ذكره البغوي في تفسيره ١/٣٩٤..
٨ أخرجه الطبري في "تفسيره" (٧/٥٧٦، ٥٧٧) عن مجاهد والشعبي وذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٢/٢١٥) عن مجاهد وزاد نسبته لسعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر..
٩ في أ: ويختبر المولى..
١٠ ينظر: تفسير القرطبي ٥/٢٧..
١١ في أ: وجوب..
١٢ في ب: العانة..
١٣ في ب: الخشن..
١٤ سقط في ب..
١٥ في أ: وهذا..
١٦ في أ: بلغ..
١٧ في أ: يميز..
١٨ في ب: إذا..
١٩ وقع في المحرر الوجيز ٢/١٠ قراءة ابن مسعود "حستم" هكذا، ثم قال: "بالحاء وسكون السين على مثال فعلتم" واليقين أنها تحريف أو خطأ مطبعي.
 والصواب كما في مثبت هنا، وفي البحر ٣/١٨٠، والدر المصون ٢/٣١٢..
٢٠ في ب: زيد..
٢١ تقدم..
٢٢ في أ: مضطردة..
٢٣ وقرأ بها عيسى الثقفي.
 انظر: المحرر الوجيز ٢/١٠، والبحر المحيط ٣/١٨٠، والدر المصون ٢/٣١٢..
٢٤ البيت للحارث بن حلزة. ينظر البحر ٣/١٦١ وشرح المعلقات للتبريزي (٤٣٥) والدر المصون ٢/٣١٢ والبحر المحيط ٣/١٦١..
٢٥ ينظر: تفسير القرطبي ٥/٢٥..
٢٦ في ب: الإيصاء..
٢٧ في ب: قط..
٢٨ سقط في ب..
٢٩ في أ: بحاله..
٣٠ في ب: يكثر..
٣١ في ب: وفارق..
٣٢ في أ: ترتبت..
٣٣ ينظر تفسير الوسيط ٢/١٣..
٣٤ أخرجه أبو داود (٢٨٧٢) والنسائي (٢/١٣١) وابن ماجه (٢٧٨) وأحمد (٢/١٨٦، ٢١٥) وابن الجارود في "المنتقى" (٩٥٢) والبيهقي (٦/٢٨٤) من طرق عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رجلا أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إني فقير... الخ.
 وذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٢/٢١٦) وزاد نسبته لابن أبي حاتم والنحاس في ناسخه..
٣٥ أخرجه الطبري في "تفسيره" (٧/٥٨٤، ٥٨٥) عن سعيد بن جبير ومجاهد..

### الآية 4:7

> ﻿لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ ۚ نَصِيبًا مَفْرُوضًا [4:7]

لما ذَكَرَ تعالى أمر اليتامى، وصله بذكر المواريثِ، وهذا هو النَّوْع الرَّابع من الأحكام المذكورة في هذه السورة، ويكون ما يتعلق بالمواريث. 
قال ابن عباس : سبب نزول هذه الآية " أن أوس بن ثابت الأنصاري توفي عن ثلاث بنات وامرأة، فجاء رجلان من بَنِي عمّه[(١)](#foonote-١) وهما وصيّان له يقال لهما : سُوَيدٌ وعَرْفجَة فأخذا ماله، ولم يعطيا امرأته ولا بناته شيئاً وكانوا في الجاهليَّةِ لا يورثون النِّساء ولا الصغار، وإنْ كان الصغير ذكراً[(٢)](#foonote-٢) إنما كانوا يورثون الرِّجال، ويقولون لا يعطى إلا من قاتل، وطاعن بالرُّمح، وحاز القسمة وذبَّ عن الحَوْزَةِ، فجأت أمُّ كُحّة[(٣)](#foonote-٣) فقالت : يا رسول الله إن أوس بن ثابت مات، وترك عليَّ بنات، وأنا امرأته ليس عندي ما أنفق عليهن وقد ترك أبوهنّ مالاً حسناً، وهو عند سويد وعرْفجة، ولكم يعطياني ولا بناتي شيئاً وهن في حجري لا يطمعْنَ ولا يسقين، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " ارجعي إلى بيتك حتى أنظر فيما يحدثُ اللَّه في أمرك ". فدعاهما رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقالا : يا رسول الله ولدها لا يركب فرساً، ولا يحمل كلاًّ، ولا يَنْكَأُ عَدُوّاً فأنزل الله تعالى : لِّلرِّجَالِ نَصيِبٌ مِّمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ  يعني للذُّكور مما ترك أولاد الميِّت وأقربائه  نَصيِبٌ  حظّ  مِّمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ  من الميراث،  وَلِلنِّسَاءِ  نصيب، ولكنه تعالى لم يُبَيِّن المقدار في هذه الآية، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " لا تُفَرِّقَا مِنْ مَالِ أوْسِ بْنِ ثَابِتْ شيئاً فَإنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ جَعَلَ لِبَنَاتِهِ نَصِيباً مِمَّا تَرَكَ، ولَمْ يبيِّن كَمْ هُوَ حَتَّى أنْظُر مَا يَنْزِلُ فِيهِنَّ " فأنزل اللَّهُ - عزّ وجلّ - : يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلاَدِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ  \[ النساء : ١١ \] فأرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى سُوَيْدٍ وَعُرْفُجة أن ادفعا إلى أمّ كُحة الثمن وإلى بناته الثلثين، ولكما باقي المال، " فهذا هو الكلام في سبب نزول هذه الآية[(٤)](#foonote-٤). 
بين الله تعالى أن للنِّسَاء حقاً في الميراث خلافاً لعادَةِ العرب في الجاهليَّةِ وذكره مُجْملاً أولاً ثم بَيَّنَهُ بعد ذلك على سبيل التدريج ؛ لأنَّ النَّقل عن العادة يشق[(٥)](#foonote-٥)، فقال لهما :" ادفعا إليها نصيب بناتها الثُّلثين ولَكُمَا باقي المال ". 
قوله : مِّمَّا تَرَكَ  هذا الجارُّ في محل رفع ؛ لأنه صفة للمرفوع قبله أيْ : نَصِيبٌ كائن أو مستقر، ويجوز أن يكون في محلّ نصبٍ متعلقاً بلفظ " نصيب " لأنه من تمامه. وقوله  مِمَّا قَلَّ  \[ و \][(٦)](#foonote-٦) في هذا الجارّ أيضاً وجهان :
أحدهما : أنه بدل من " ما " الأخيرة[(٧)](#foonote-٧) في " مما ترك " بإعادة حرف الجرِّ في البدل، والضمير[(٨)](#foonote-٨) في " منه " عائد على " ما " الأخيرة، وهذا البدل مرادٌ أيضاً في الجملة الأولى حُذِفَ للدلالة عليه، ولأن المقصود بذلك التأكيد ؛ لأنه تفصيلٌ للعموم المفهوم من قوله  مِّمَّا تَرَكَ  فجاء هذا البدل مفصّلا لحالتيه من الكثرة والقِلَّةِ. 
والثاني : أنه حال من الضَّمِيرِ المحذوف من " ترك " أي : مما تركه قليلاً، أو كثيراً، أو مستقراً مما قلّ.

### فصل


قال القُرْطُبِيُّ[(٩)](#foonote-٩) : استدلّ علماؤنا بهذه الآية على قسم المتروك[(١٠)](#foonote-١٠) على الفرائض، فإن كانت القِسْمَةُ لغير المتروك عن حاله كالحمام الصّغير، والدّار التي تبطل منافعها بإقرار أهل السهام فيها فقال مالك[(١١)](#foonote-١١) : يقسم ذلك، وإن لم ينتفع أحدهم بنصيبه لقوله[(١٢)](#foonote-١٢) تعالى  مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيباً مَّفْرُوضاً  \[ النساء : ٧ \] وبه قال الشَّافعيُّ وأبو حنيفة[(١٣)](#foonote-١٣). 
قال أبو حنيفة : في الدَّار الصَّغيرة يكون بين اثنين فطلب أحدهما القسمة، وأبى صَاحِبُه قُسمتْ له. 
وقال ابن أبي ليلى : إن كان فيهم من لا يَنْتَفِعُ بقسمه، فلا يقسم، وكل قسم يدخل فيه الضّرر على أحدهما[(١٤)](#foonote-١٤)، دون الآخر فإنَّه لا يقسم، وهو قول أبي ثَوْرٍ. 
وقال ابْنُ المُنْذِرِ : وهو أصحُّ القولين[(١٥)](#foonote-١٥). 
قوله : نَصِيباً مَّفْرُوضاً  فيه أوجه :
أحدها : أن " نصيباً " ينتصب على أنَّهُ واقع موقع المصدر، والعامل فيه معنى ما تقدَّم إذ التَّقدير عطاءً أو استحقاقاً، وهذا معنى قول مَنْ يقول منصوب على المصدر المؤكد. 
قال الزَّمخشريُّ : كقوله : فَرِيضَةً مِّنَ اللَّهِ  \[ النساء : ١١ \] كأنه قيل : قسمة مفروضة، وقد سَبَقه الفرَّاءُ إلى هذا، قال : نُصِبَ ؛ لأنه أخرج مُخْرَجَ المَصْدَر ؛ ولذلك وحّده كقولك : له عَليَّ كذا حقّاً لازماً، ونحوه  فَرِيضَةً مِّنَ اللَّهِ ، ولو كان اسْماً صحيحاً لم ينصب، لا تقول : لك عليَّ حق درهماً. 
الثاني : أنَّه منصوبٌ على الحالِ ويُحتمل أن يكون صاحبُ الحال الفاعل في " قَلَّ "، أو " كَثر "، ويُحتمل أن يكون " نَصِيب "، وإن كان نكرة لتخصّصه إمَّا بالوَصْفِ، وإمَّا بالعمل والعامل في الحال الاستقرار الَّذِي في قوله : لِّلرِّجَالِ نَصيِبٌ ، وإلى نصبه حالاً ذهب الزَّجَّاج ومكيٌّ قالا : المعنى لهؤلاء أنْصِباء على ما ذكرناها في حالِ الفرض. 
الثالث : أنَّهُ منصوبٌ على الاختصاص بمعنى : أعني نَصِيباً، قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ. 
قال أبو حيَّان : إن عنى الاخْتِصَاص المصطلَح عليه فهو مردود بكونه نكرةً، وقد نَصُّوا على اشتراط تعريفه. 
الرابع : النصب بإضمار فعل أي : أوجبت أو جُعِلَت لهم نصيباً. 
الخامس : أنه مصدر صريح أي نَصَبْتُهُ نَصِيباً. 
### فصل دلالة الآية على توريث ذوي الأرحام


قال أبُو بكرٍ الرازي : هذه الآية تَدُلُّ على توريث[(١٦)](#foonote-١٦) ذوي الأرْحَام : لأنَّ العمَّاتِ والأخوالَ، والخالاتِ، وأولادَ البنات من القربين، فوجب دُخُولُهُم تَحْتَ قوله  لِّلرِّجَالِ نَصيِبٌ مِّمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ  أقصى ما في الباب أنَّ قدر ذلك النصيب غير مذكور في هذه الآية إلاَّ[(١٧)](#foonote-١٧) أنَّا نثبت كونهم مستحقين لأصل النَّصيب بهذه الآية، وَأَمَّا المقدار فنستفيده من سائر الدلائل. 
### فصل


معنى " مفروضاً " أي : مَقْطُوعاً واجباً وأصلُ الفرضِ : الحز[(١٨)](#foonote-١٨) والتأثير، ولذلك سُمِّيَ الحزّ[(١٩)](#foonote-١٩) الَّذي في سية القوس، فرضاً، والحزُّ[(٢٠)](#foonote-٢٠) الَّذي في القداح يسمَّى أيضاً فرضاً، وهو علامة لتميّز بينها وبين غيرها، والفرضة[(٢١)](#foonote-٢١) علامة في مقسم الماء يعرفُ بها كل ذي حقٍّ حقَّه من الشُّرْبِ، فهذا أصلُ الفرض في اللُّغَةِ، ولهذا سَمَّى أصحابُ أبي حنيفة الفرض \[ به \][(٢٢)](#foonote-٢٢) ما[(٢٣)](#foonote-٢٣) ثبت بدليل قَطْعِيٍّ، والواجب ما[(٢٤)](#foonote-٢٤) ثبت بدليل ظنيِّ، قالوا إنَّ الفرضَ عبارةٌ عن الحزّ والقطع، والواجب عبارة عن السقوط يقال : وَجَبَتِ الشَّمْسُ : إذا سَقَطَت وسمعتُ وجبةٌ يعني : سَقْطَة، قال تعالى : فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا \[ الحج : ٣٦ \] أي : سَقَطَتْ، وتأثير القَطْعِ أقوى من تأثير السُّقوط. 
قال ابن الخطيب[(٢٥)](#foonote-٢٥) : وهذا التقرير يقضي عليهم بأن الآية ما تناولت ذوي الأرحام \[ لأن توريث ذوي الأرحام ليس من باب ما عرف بدليل \][(٢٦)](#foonote-٢٦) قاطع بإجْمَاعِ الأمَّةِ، فلم يكن توريثهم فَرْضاً، والآية إنَّمَا تناولت التَّوريث المفروض فَلَزِمَ القَطْعُ بأنَّ هذه الآية ما تَنَاولت ذوي الأرْحَامِ. 
١ في ب: لحمه..
٢ ينظر: تفسير القرطبي ٥/٣١..
٣ أم كجة بضم الكاف والحاء المهملة زوج أوس بن ثابت: نزلت فيها آية المواريث. ينظر أسد الغابة ٧/٣٨١..
٤ ذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٢/٢١٧) وعزاه لأبي الشيخ عن ابن عباس.
 وأخرجه الطبري (٧/٥٩٨) عن عكرمة مختصرا وذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٢/٢١٨) وزاد نسبته لابن أبي حاتم وابن المنذر..
٥ في ب: مشتق..
٦ سقط في ب..
٧ في ب: الآخرة..
٨ في أ: والضم..
٩ ينظر: تفسير القرطبي ٥/٣٢..
١٠ في أ: التركة..
١١ في أ: ذلك..
١٢ في أ: كقوله..
١٣ ينظر: تفسير القرطبي ٥/٣٢..
١٤ في أ: أحدهم..
١٥ ينظر: تفسير القرطبي ٥/٣٢..
١٦ في أ: ترتيب..
١٧ في ب: "إلا أنها تدل على"..
١٨ في ب: جزف..
١٩ في ب: الحر..
٢٠ في ب: الحر..
٢١ في أ: يتميز بها عن غيرها وافترضته..
٢٢ سقط في ب..
٢٣ في ب: بما..
٢٤ في ب: بما..
٢٥ ينظر: تفسير الرازي ٩/١٥٩..
٢٦ سقط في أ..

### الآية 4:8

> ﻿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا [4:8]

اختلفوا في المُرَادِ بهذه القسمة على ثَلاثَةِ أقوال :
القول الأوَّلُ : أن المُرَادَ بها في قسمة الميراث، واختلفَ القائلون بهذا القول، هل المرادُ به لوجوبُ أو النَّدْبُ ؟ فالقائلون بالوُجُوبِ اختلفوا، فقال سعيدُ بْنُ المُسَيَّبِ والضَّحاك : كانت هذه قَبْلَ آية المواريث، فَلَمَّا نَزَلَتْ آيةُ المواريث جعلت المواريثُ لأهْلَها ونسخت هذه الآية[(١)](#foonote-١)، وقال ابنُ عَبَّاسٍ والشَّعْبِيُّ والنَّخَعِيُّ والزُّهْرِيُّ : وهي محكمة[(٢)](#foonote-٢). 
قل مُجَاهِدٌ : وهي واجبةٌ على أهل الميراثِ ما طالت به[(٣)](#foonote-٣) أنفسهم. 
قال الحَسَنُ[(٤)](#foonote-٤) : كانوا يُعْطون التابوت والأواني ورثّ الثياب والمتاع والشيء الذي يُسْتَحْيَا من قسمته، وإن كان بَعْضُ الوَرَثَة صغاراً فقد اختلفوا فيه، قل ابن عبَّاسٍ وغيره[(٥)](#foonote-٥) : إن كانت الورثة كباراً رضخوا لهم، وإن كانت الوَرَثَةِ صغاراً اعتذروا إليهم، فَيَقُولُ الولي : إني لا أملك هذا المال إنَّمَا هو الصغار، ولو كان لي منه شيء لأعطيتكم. 
وقال بعضهم[(٦)](#foonote-٦) : ذلك حقٌّ واجب في أموال الصغار والكبار، فإن كانُوا كِبَاراً تَوَلوا إعطاءَهم وإن كانوا صِغاراً أعطى وليهم، وروى محمَّدُ بْنُ سِيرينَ أنَّ عبيدة السَّلْمَانِي قسم أموال أيتام، وأمر بشاة فذبحت فصنع لهم طعاماً لأجل هذه الآية، وقال : لولا هذه الآية لكان هذا من مالي[(٧)](#foonote-٧). 
وقَالَ قَتَادَةُ عن يحيى بن معمر : ثلاث آياتٍ محكمات مذنيات تركهن النَّاسُ[(٨)](#foonote-٨)، هذه الآية، وآية الاستئذان  يأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لِيَسْتَأْذِنكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ 
\[ النور : ٥٨ \] وقوله : يأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنْثَى [(٩)](#foonote-٩) \[ الحجرات : ١٣ \]. 
وقال آخرون : ذلك على سبيل النَّدْبِ إذا كان الورثة كباراً، فإن كَانُوا صغاراً فليس إلاَّ القول المعروف، وهذا هو الَّذي عليه فقهاءُ الأمصار لأنَّه لو كان لهم حَقٌّ معين لبينه اللَّهُ - تعالى - كسائر الحقوق، ولو كان واجباً لتوفّرت الدَّواعي على نقله لشدَّة حرص الفقراء والمساكين على تقريره، ولو كان كَذَلِكَ لنقل على سبيل التَّوَاتُرِ. 
القول الثَّاني : أنَّ المراد بالقسمة الوصيَّة فَإذَا \[ حضرها من لا يرث \][(١٠)](#foonote-١٠) من الأقرباء اليتامى والمساكين أمر اللَّه تعالى الوصيّ أن يجعل لهم نصيباً من تلك الوصية ويقول لهم مع ذلك قولاً معروفاً. 
القول الثالث : أنَّ قوله : وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُوْلُواْ الْقُرْبَى  بَيَّن الذين يرثون والمراد من اليتامى والمساكين أي : الذين لا يرثون ثم قال : فَارْزُقُوهُمْ مِّنْهُ  أنَّهُ راجع إلى أولي القربى الذين يرثون. \[ وقوله : وَقُولُواْ لَهُمْ قَوْلاً مَّعْرُوفاً  راجع إلى اليتامى والمساكين الذين لا يرثون \][(١١)](#foonote-١١). وهذا القَوْلُ محكيٌّ عن سعيد بن جُبَيْرٍ[(١٢)](#foonote-١٢)، وقدم اليتامى على المساكين، لأنَّ ضعفهم أكثرُ وحاجتهم أشَدُّ فكان وضع الصدقات أفضل وأعظم في الأجر. 
قوله : فَارْزُقُوهُمْ مِّنْهُ . 
**في هذا الضمير ثَلاَثَةُ أوْجهٍ :**
أحدها : أنه يعود على المال، لأنَّ القسمة تَدُلُّ عليه بطريق الالتزام. 
الثَّانِي : أنَّهُ يعود على " ما " في قوله : مِّمَّا تَرَكَ . 
الثَّالِثُ : أنَّهُ يعود على نفس القِسْمَةِ، وإن كان مذكراً مراعاة للمعنى إذ المراد بالقسمة الشيء المقسوم، وهذا على رأي من يرى ذلك، وَأمَّا مَنْ يقول : القسمة من الاقتسام كالخبرة من الاختبار أو بمعنى القَسَم فلا يتأتى ذلك.

١ أخرجه الطبري في "تفسيره" (٨/٩) عن سعيد بن المسيب والضحاك وذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٢/٢١٩) عن سعيد بن المسيب وزاد نسبته لعبد الرزاق وأبي داود في ناسخه وابن المنذر وابن أبي حاتم والنحاس في ناسخه والبيهقي..
٢ أخرجه الطبري في "تفسيره" (٨/٧ ـ ٨) عن ابن عباس والشعبي وسعيد بن جبير والحسن والزهري. وأخرجه البخاري (٤/٥٦) كتاب الوصايا باب قوله تعالى وإذا حضر القسمة رقم (٢٧٥٩) والبيهقي في "سننه" (٦/٢٦٦) عن ابن عباس بلفظ: إن ناسا يزعمون أن هذه الآية نسخت....
 وذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٢/٢١٨) وزاد نسبته لسعيد بن منصور وعبد بن حميد وأبي داود في ناسخه وابن المنذر وابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير عن ابن عباس..
٣ أخرجه الطبري في "تفسيره" (٨/٧) عن مجاهد..
٤ ينظر: تفسير البغوي ١/٣٩٧..
٥ ينظر: تفسير البغوي ١/٣٩٧..
٦ ينظر: تفسير البغوي ١/٣٩٧..
٧ أخرجه الطبري في "تفسيره" (٨/١٧)..
٨ في أ: نزلت للناس..
٩ أخرجه الطبري في "تفسيره" (٨/٩) وذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٢/٢١٨) وزاد نسبته لسعيد بن منصور وابن المنذر..
١٠ سقط في أ..
١١ سقط في ب..
١٢ أخرجه الطبري في "تفسيره" (٨/١٨) عن سعيد بن جبير وذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٢/٢١٩) بمعناه وعزاه لابن أبي شيبة وابن جرير عن سعيد بن جبير..

### الآية 4:9

> ﻿وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا [4:9]

قرأ الجمهور بسكون اللاَّم في الأفعال الثَّلاَثَةِ وهي لام الأمر، والفعل بعدها مجزومٌ بها، وقرأ الحَسَنُ[(١)](#foonote-١) وعيسى بْنُ عُمَرَ بكسر اللامِ في الأفْعَالِ الثَّلاثة وهو الأصل، والإسكان تخفيفٌ إجراءً للمنفصل مُجْرى المتصل، فإنهم شَبَّهوا " وليخش " ب " كَيف " [(٢)](#foonote-٢) وهذا ما تَقَدَّمَ الكلام في نحو :" وهْيَ " و " لَهْي " في أول البقرة. 
قال القرطبي : حذفت الأولف من  وَلْيَخْشَ  للجزم بالأمر، ولا يجوز عند سِيبَويْه إضمار لام الأمر قياساً على حروف الجرّ إلاّ ضرورة شعر، وأجاز الكوفيون حذف اللام مع الجزم. 
وأنشدوا :\[ الوافر \]

مُحَمَّدُ تَفْدِ نَفْسَكَ كُلُّ نَفْسٍ  إذَا مَا خِفْتَ مِنْ شَيءٍ تَبَالاَ[(٣)](#foonote-٣)أراد لتفد[(٤)](#foonote-٤) وهو مفعل " يخشى " محذوف لدلالة الكلام عليه، و " لو " هذه فيها احتمالان :
أحدهما : أنَّهَا على بابها من كونها حرفاً لما كان سيقع لوقوع غيره أو حرف امتناع لامتناع على اختلاف العبارتين. 
والثَّانِي : أنَّهَا بمعنى " إن " الشَّرطية وإلى الاحتمال الأوَّل ذهب ابْنُ عطيّة والزَّمخشري. 
قال الزَّمخشريُّ : فإن قلت ما معنى وقوع  لَوْ تَرَكُواْ  وجوابه صلة ل " الذين " قلت : معناه : وليخش الَّذِينَ صفتهم وحالهم أنَّهُمْ لو شارفوا[(٥)](#foonote-٥) أن يتركوا خَلْفَهُمْ ذريّة ضِعافاً، وذلك عند احتضارهم خَافُوا عليهم الضياع بعدهم لذهاب كافلهم وكاسبهم كما قال القائل :\[ الوافر \]لَقَدْ زَادَ الحَيَاةَ إليَّ حُبّاً  بَنَاتِي إنَّهُنَّ مِنَ الضِّعَافِأُحَاذِرُ أنْ يَرَيْنَ البُؤسَ بَعْدِي  وَأنْ يَشْرَبْنَ رَنْقاً بَعْدَ صَافِي[(٦)](#foonote-٦)وقال ابن عطية[(٧)](#foonote-٧) تقديره : لو تركوا لخَافُوا، ويجوزُ حذف اللام من جواب " لو " ووجه التمسك بهذه العبارة أنَّهُ جعل اللامَ مقدَّرَةً في جوابها، ولو كانت " لَوْ " بمعنى " إن " الشَّرطيّة لما جاز ذلك، وقد صَرَّح غيرهما بذلك فقال : لَوْ تَرَكُواْ  " لَوْ " يمتنع بها الشَّيء لامتناع غيره، و " خَافُوا " جوابُ " لَوْ ". 
وإلى الاحتمال الثَّانِي ذهب أبو البقاءِ[(٨)](#foonote-٨) وابنُ مَالِكٍ، قال ابْنُ مَالِكٍ :" لو " هنا شرطية بمعنى " إنْ " فتقلب الماضي إلى معنى الاستقبال، والتَّقدير : وليخش الذين إنْ تركوا ولو وقع بعد " لو " هذه مضارع كان مستقبلاً كما يكونُ بَعْدَ " إنْ " وأنشد :\[ الكامل \]لاَ يُلْفِكَ الرَّاجُوكَ إلاَّ مُظْهِراً  خُلُقَ الكِرَام وَلَوْ تَكُونُ عَدِيمَا[(٩)](#foonote-٩)أي : وإنْ تكن عديماً، ومثلُ هذا البيت قول الآخر :\[ البسيط \]قَوْمٌ إذَا حَارَبُوا شَدُّوا مَآزِرَهُمْ  دُونَ النِّسَاءِ وَلَوْ بَاتَتْ بأطْهَارِ[(١٠)](#foonote-١٠)والَّذي ينبغي أن تكون على بابها كونها تعليقاً في الماضي، وَإِنَّمَا حمل ابْنُ مالك، وَأبَا البقاء على جَعْلِها بمعنى " إنْ " توهُّمُ أنَّه لَمَّا أمر بالخشيةِ - والأمرُ مستقبل ومتعلِّقُ الأمر موصول لم يصحّ أن تكون الصِّلةُ ماضية على تقدير دلالته على العدم[(١١)](#foonote-١١) الذي ينافي[(١٢)](#foonote-١٢) امتثالَ الأمر، وحَسَّنَ مكانَ " لو " لفظ " إنْ " ولأجل هذا التوهُّم لم يُدْخل الزمخشري " لَوْ " على فعل مستقبل، بل أتى بفعل ماضٍ مسندٍ للموصول حالةَ الأمر فقال :" وليخش الذين صفتهم وحالهم أنهم لو شارفوا أن يتركوا ". 
قال أبُو حَيَّان :" وهو الَّذي تَوهَّموه لا يلزم، إلاَّ إن كانت الصِّلةُ[(١٣)](#foonote-١٣) ماضيةً في المعنى واقعةً بالفعل، إذا معنى  لو تركوا من خلفهم  أي : ماتوا فتركوا من خلفهم، فلو كان كذلك للزم التَّأويلُ في " لَوْ " أن تكون بمعنى " إنْ " إذ لا يجامع الأمر بإيقاع فعل مَنْ مات بالفعل، فَإذَا كَانَ مَاضياً على تقدير فَيَصِحُّ أن يقع صِلَةً وأن يكون العاملُ في الموصول الفعل المستقبل[(١٤)](#foonote-١٤) نحو قولك : ليزرْنَا الذي لو مات أمسِ لبكيناه ". انتهى. 
وَأمَّا البيتان المتقدّمان فلا يلزمُ من صحَّةِ جَعْلِهَا فيهما بمعنى " إنْ " أنْ تكن في الآية كذلك ؛ لأنَّا في البيتين نضطر إلى ذلك، أمَّا البيتُ الأوَّلُ فلأن جواب " لو " محذوف مدلولٌ عليه بقوله :" لا يلفك " وهو نَهْيٌ، والنًّهْيُ مستقبلٌ فلذلك[(١٥)](#foonote-١٥) كانت " لَوْ " تعليقاً في المستقبل. 
وأمَّا البيت الثَّاني فلدخول ما بعدها في حَيزِ " إذا "، و " إذا " للمستقبل. ومفعول  وَلْيَخْشَ  محذوفٌ أي : وليخش اللَّه. 
ويجوز أن تكون المسألةُ من باب التَّنَازُع فإنَّ  وَلْيَخْشَ  يطلبُ الجلالة، وكذلك  فَلْيَتَّقُواّ  فيكون من إعمال[(١٦)](#foonote-١٦) الثَّاني للحذف من الأوَّلِ. 
قوله : مِنْ خَلْفِهِمْ  فيه وجهان :
أظهرهما : أنَّهُ متعلِّقٌ ب " تَرَكُوا " ظرفاً له. 
والثَّاني : أنَّه مُتعلِّقٌ بمحذوفٍ ؛ لأنَّه حالٌ من " ذرية " ؛ لأنَّه في الأصل صفة نكرة قُدِّمَتْ عليها فَجُعِلَتْ حالاً. 
قوله : ضِعَافاً ، أمال[(١٧)](#foonote-١٧) حمزة : ألف  ضِعَافاً  ولم يبال بحرف الاستعلاء[(١٨)](#foonote-١٨) لانكساره ففيه انحدارٌ فلم ينافِِرِ[(١٩)](#foonote-١٩) الإمالةَ. 
وقرأ ابن مُحَيْصِنٍ[(٢٠)](#foonote-٢٠) " ضُعُفاً " بضمِّ الضَادِ والعين وتنوين الفاء، والسُّلمي[(٢١)](#foonote-٢١) وعائشة " ضعفاء " بضم الضاد وفتح العين والمد، وهو جمع مَقِيسٌ في فعيل صفةً نحو : ظَرِيفٍ وَظُرَفاء وكَرِيم وكرماء، وقرئ[(٢٢)](#foonote-٢٢) " ضَعافَى " بالفتح والإمالة نحو : سَكَارى، وظاهر عبارةِ الزَّمخشري[(٢٣)](#foonote-٢٣) أنَّهُ قُرِئَ " ضُعافى " بضمِّ الضَّادِ مثل سُكارى فَإِنَّهُ قال :" وقُرِئَ ضُعَفَاء، وضَعافى وضُعافى نحو سَكارى وسُكارى " ، فيحتمل أنْ يريد أنَّهُ قُرِئَ بضمّ الضَّادِ وفتحها، ويحتمل أن يُرِيدَ أنََّهُ قُرِئَ[(٢٤)](#foonote-٢٤) " ضَعافى " بفتح الضَّاد دونَ إمَالَةٍ، و " ضَعافَى " بفتحها مع الإمالة \[ كَسَكارى بفتح اسلين دون إمالة، وسكارى بفتحها مع الإمالة \][(٢٥)](#foonote-٢٥)، والظَّاهِرُ الأوَّلُ، والغالب على الظَّنِّ أنَّهَا لم تُنْقل قراءة. 
قوله : خَافُواْ عَلَيْهِمْ . أمَالَ حمزةُ ألف " خَافُوا " للكسرة المقدَّرَةِ في الألف، إذ الأصل " خَوِفَ " بكسر العين ؛ بدليلِ فتحها في المُضَارعِ نحو :" يَخَافُ " [(٢٦)](#foonote-٢٦). 
وعلَّل أبو البَقَاءِ[(٢٧)](#foonote-٢٧) وغيره ذلك بأنَّ الكَسْرَ قد يَعْرِض في حال[(٢٨)](#foonote-٢٨) من الأحوال وذلك إذَا أُسْنِدَ الفِعْلُ إلى ضَمِيرِ المُتَكَلِّم، أو إحدى أخواته نحو : خِفْت وخِفْنَا، والجملةُ من " لَوْ " وجوابها صلةُ " الَّذينَ ". 
### فصل


**اختلفوا في المعنيِّ على أقْوَالٍ :**
أحدها : أنَّهَا في الرَّجُلِ يحضره الموت فيقول مَنْ في حضرته : انظر لنفسك فَإنَّ أولادك ورثتك لا يغنون عنك من اللَّهِ شيئاً. قَدِّم لنفسك، أعْتِقْ، وتصدَّقْ، وأعْطِ فلاناً كَذَا، وفلاناً كذا، حتَّى يأتي على عامَّة ماله، فنهاهم اللَّهُ تعالى عن ذلك، وأمرهم أن يأمروه بأن ينظر لولده ولا يزيد في وصيَّتِهِ على الثُّلُثِ فيكون خطاباً للحاضرين عند الميت. فقيل لهم : كما أنَّكم تكرهون بقاء أولادكم في الضَّعف، والجوع فَاخْشَوا اللَّهَ، ولا تحملوا المريض على أنْ يحرم أولاده الضُّعفاء ماله، ومعناه كما أنَّك لا ترضى لنفسك مثل هذا الفعل فلا تَرْضَاهُ لأخيك المسلم. 
وثانيها : أنَّهُ خِطَابٌ للمريض بحضرة الموت ويريد الوصيَّة للأجانب، فيقول له من يحضره : اتَّق اللَّه وأمسك مالك على ولدك مع أنَّ القَائِلَ لَهُ يجب أنْ يُوصِيَ لَهُ. 
وثالثها : أنَّهُ خِطَابٌ لمن قرب أجله ويكون المقصود نهيه عن تكثير الوصيَّة، لئلا تضيع ورثته بعد مَوْتِهِ، فَإنْ كانت هذه الآية نزلت قبل تَقْدِيرِ الوصيَّة بالثُّلُثِ، كان المرادُ بها ألا يستغرق التركةَ بالوصيَّةِ، وَإنْ كانت نزلت بعد تقدير الوصيَّة بالثُّلُثِ كان المرادُ منها ألا يوصي أيضاً بالثُّلُث بل ينقص إذا خاف على ذُرّيّته، وهذا مَرْويٌّ عن كثير من الصَّحَابَة[(٢٩)](#foonote-٢٩). 
رابعها : أنَّ هذا خطابٌ لأولياء اليتيم، قال الْكَلْبِيُّ[(٣٠)](#foonote-٣٠) : كَأَنَّهُ يقولُ مَنْ كان في حِجْرِهِ فليحسن إليْه بما يجب أن يُفْعَلَ بذريته من بعده. 
قال القاضي[(٣١)](#foonote-٣١) : وهذا أليقُ بما تَقَدَّمَ وتأخَّرَ من الآيات الواردة في الأيْتَام. 
قوله : فَلْيَتَّقُواّ اللَّهَ وَلْيَقُولُواْ قَوْلاً سَدِيداً . 
أي فليتقوا اللَّه في الأمر الذي تقدم ذكره، والاحتياط فيه، وليقولوا قولاً سديداً، والقولُ السديدُ هو العدل والصّواب من القول. 
قال الزمخشريُّ : القولُ السَّديدُ من الأوصياء أن لا يؤذوا اليتامى ويكلموهم كما[(٣٢)](#foonote-٣٢) يكلمون أولادهم بالترحيب ويخاطبوهم : يا بني، ويا ولدي، والقول السّديد من الجالسين إلى[(٣٣)](#foonote-٣٣) المريض أن يقولوا : لا تسرف في وصيتك ولا تجحف بأولادك \[ مثل قول رسول الله صلى الله عليه وسلم لِسَعْدٍ \][(٣٤)](#foonote-٣٤) والقول السَّديد من الوَرَثَة حال قسمة الميراث للحاضرين الذين لا يرثون أن يلطفوا إليهم القول ويخصوهم بالإكرام. 
١ وقرأ بها الزهري وأبو حيوة.
 انظر: إتحاف ١/٥٠٣، والبحر المحيط ٣/١٨٥، والدر المصون ٢/٣١٥..
٢ في ب: بكيفه..
٣ البيت لأبي طالب ينظر في شرح شذور الذهب ص ٢٧٥، وله أو للأعشى في خزانة الأدب ٩/١١، وللأعشى أو لحسان أو لمجهول في الدرر ٥/٦١، وبلا نسبة في أسرار العربية ص ٣١٩، ٣٢١، والإنصاف ٢/٥٣٠، والجنى الداني ص ١١٣، ورصف المباني ص ٢٥٦، وسر صناعة الإعراب ١/٣٩١، وشرح الأشموني ٣/٥٧٥، وشرح شواهد المغني ١/٥٩٧، وشرح المفصل ٧/٣٥، ٦٠، ٦٢، ٩/٢٤، والكتاب ٣/٨، واللامات ص ٩٦، ومغني اللبيب ١/٢٢٤، والمقاصد النحوية ٤/٤١٨، والمقتضب ٢/١٣٢، والمقرب ١/٢٧٢، وهمع الهوامع ٢/٥٥..
٤ في ب: لتعذره..
٥ في أ: فارقوا..
٦ البيتان لأبي خالد القناني ينظر الكامل (٨٩٥) وذكرهما أبو تمام في الحماسة ضمن أبيات، إصلاح المنطق (٥٩) والدر المصون ٢/٣١٦، والبحر المحيط ٣/١٨٥، والزمخشري ١/٤٧٨..
٧ ينظر: المحرر الوجيز ٤/٢٩..
٨ ينظر: الإملاء ١/١٦٨..
٩ تقدم برقم ٢٧١..
١٠ البيت للأخطل ـ ينظر ديوانه (١/١٧٢) وشواهد المغني (٦٤٦) والمقرب ١/٩ والنوادر (١٥٠) والحماسة الشجرية ١/٣٨١ والدر المصون ٢/٣١٦ والبحر المحيط ٣/١٨٦..
١١ في أ: القدم..
١٢ في أ: يتآتى..
١٣ في أ: القيلة..
١٤ في ب: المستقل..
١٥ في أ: فكذلك..
١٦ في أ: المحال..
١٧ في أ: قال..
١٨ في أ: الاستقلال..
١٩ في أ: ينافي..
٢٠ انظر: المحرر الوجيز ١/١٣، والبحر المحيط ٣/١٨٦، والدر المصون ٢/٣١٧..
٢١ وقرأ بها الزهري وأبو حيوة وابن محيضن. انظر السابق..
٢٢ ينظر المحرر الوجيز ٢/١٣، والبحر المحيط ٣/١٨٦..
٢٣ ينظر: الكشاف ١/٤٧٨..
٢٤ انظر: المحرر الوجيز ٢/١٣، والدر المصون ٢/٣١٧، وإتحاف ١/٥٠٤، والحجة ٣/١٣٣..
٢٥ سقط في ب..
٢٦ في ب: خاف..
٢٧ ينظر: الإملاء ١/١٦٨..
٢٨ في أ: حول..
٢٩ ينظر: تفسير الرازي ٩/١٦١..
٣٠ ينظر: تفسير البغوي ١/٣٩٨..
٣١ ينظر: تفسير الرازي ٩/١٦٢..
٣٢ في ب: بما..
٣٣ في ب: عند..
٣٤ سقط في ب..

### الآية 4:10

> ﻿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَىٰ ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا ۖ وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا [4:10]

قال مقاتل بن حيّان : نزلت في رجل من غَطَفَانَ يقال له مرثدُ بْنُ زَيْدٍ وَلِي مالَ ابن أخيه وهو يتيمٌ صغيرٌ، فَأكَلَهُ فأنزل اللَّهُ هذه الآية[(١)](#foonote-١). 
قوله : ظُلْماً  فيه وجهان :
أحدهما : أنَّهُ مفعول من أجله، وشروط النصب موجودة. 
الثاني : أنَّهُ مصدرٌ في محلِّ نَصْب على الحَالِ أي : يأكُلُونَهُ ظالمين والجملة من قوله : إِنَّمَا يَأْكُلُونَ  هذه الجملة في محل رفع خبرا " إنَّ "، وفي ذلك خلاف. 
قال أبُو حيان : وَحَسَّنَه هنا وقوعُ \[ اسم \][(٢)](#foonote-٢) " أن " موصولاً فطال[(٣)](#foonote-٣) الكلامُ بصلة الموصول فلما تباعد ما بينهما لم يُبالِ بذلك، وهذا أحْسَنُ من قولك :" إنَّ زيداً إنَّ أبَاهُ منطلق "، ولقائلٍ أن يقول : ليس فيها دلالة على ذلك ؛ لأنها مكفوفة ب " ما " ومعناها الحصرُ فصارت مثل قولك، في المعنى :" إنَّ زيداً ما انطلق إلاَّ أبوه " وهو محل نظر. 
قوله : فِي بُطُونِهِمْ  فيه وجهان : أحدهما : أنَّهُ مُتَعَلِّقٌ ب  يَأْكُلُونَ  أي : بطونُهم أوْعِيَةٌ للنَّارِ، إمَّا حَقِيقَةً : بأنْ يَخلق اللَّهُ لهم ناراً يأكلونَهَا في بُطُونِهِم، أوْ مَجَازاً بِأنْ أطْلِقَ المُسَبِّبَ وأرادَ السبب لكونه يُفْضِي إلَيْهِ ويستلزمه، كما يطلَقُ اسْمُ أحَدِ المتلازمين على الآخَرِ كقوله : وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا  \[ الشورى : ٤٠ \]. 
قال القاضِي[(٤)](#foonote-٤) : وهذا أوْلَى ؛ لأن الإشارةَ فيه إلى كُلِّ واحِدٍ. 
وَالثَّاني : أنَّهُ متعلِّقٌ بمحذوفٍ ؛ لأنَّه حال[(٥)](#foonote-٥) مِنْ " ناراً " وكان في الأصل صفة للنكرة فَلَمَّا قُدِّمَتِ انْتَصَبَتْ حَالاً. 
وذكر أبُو البَقَاءِ هذا الوجه عن أبِي عَلِيٍّ في " تَذْكِرَتِهِ "، وحكى عنه أنَّهُ منع أنْ يكون ظرفاً ل  يَأْكُلُونَ  فَإنَّهُ قال : فِي بُطُونِهِمْ نَاراً  حال من نار، أي : نَارٌ كَائِنَةٌ في بُطُونِهِمْ، وليس بِظَرْفٍ ل  يَأْكُلُونَ  ذكره في " التَّذْكِرَةِ ". 
وفي قوله :" وَالَّذي يَخُصُّ هذا المَوْضِع " فيه نَظَرٌ، فَإنَّهُ كما يجوزُ أن يكونَ  فِي بُطُونِهِمْ  حالاً من " نَار " هنا يجوزُ أن يكون حالاً من " النَّار " في البقرة، وفي \[ إبداء \][(٦)](#foonote-٦) الفرقِ عُسْرٌ، ولم يظهر \[ منع أبي عليٍّ كَوْنَ  فِي بُطُونِهِمْ  ظرفاًَ للأكْلِ وجه ظاهر فإن قيل : الأكل لا يكون إلا \][(٧)](#foonote-٧) في البَطْنِ فما فائدةُ قوله : إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَاراً  ؟. 
فالجوابُ أنَّ المرادَ به التَّأكِيدُ والمبالغةُ كقوله : يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِم  \[ آل عمران : ١٦٧ \] والقول لا يكون إلا بالفم، وقوله : وَلَكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ  \[ الحج : ٤٦ \] والقلبُ لا يكونُ إلاَّ في الصَّدْرِ، وقوله : وَلاَ طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ [(٨)](#foonote-٨) \[ الأنعام : ٣٨ \] والطّيرانُ لا يكون إلاَّ بالجَنَاحِ.

### فصل في جواز الأكل من مال اليتيم


هذه الآيةُ توكيدٌ للوعيدِ المُتَقَدِّمِ لأكل مال اليتيم، وخَصَّ الأكل بالظلم، فأخرج الأكل بغير الظُّلْمِ مثل أكْلِ الوليّ بالمعروف من مال اليتيم، وإلاَّ لم يكن لهذا التَّخصيص فائدة[(٩)](#foonote-٩)
### فصل في حرمة جميع الإتلافات لمال اليتيم


ذكر تعالى الأكل إلا أنَّ المراد منه كُلّ أنواع الإتلافات فإنَّ ضرر اليتيم لا يختلفُ بأن يكون إتلاف مال بالأكْلِ، أو بطريقٍ آخَرَ، وإنَّمَا ذكر الأكْلَ، وأراد به كُلَّ التَّصرفات المُتْلِفَةِ لِوُجُوهٍ :
أحدها : أنَّ عامَّة أموال اليَتَامَى في ذلك الوقت هو الأنعام الَّتي يؤكل لحومها وَيُشْرَبُ ألبانها فخرجَ الكَلاَمُ على عاداتهم. 
وثانيها : أنَّهُ جَرَتِ العَادَةُ فيمن أنْفَقَ مَالَهُ في وجوه مراداته[(١٠)](#foonote-١٠) خيراً كانت أو شراً أنَّهُ يقال : إنَّهُ أكل ماله. 
وثالثها : أنَّ الأكل هو المعظم فما يبتغي من التصرُّفات. 
قوله : وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيراً ، قرأ الجمهور بفتح الياء واللام، وابن عامر وأبو بكرٍ[(١١)](#foonote-١١) بضمِّ اليَاءِ مَبْنِيّاً للمفعول من الثُّلاَثِيِّ، ويَحْتمل أنْ يكون من أصليٍّ فَلَمَّا بُنِيَ للمفعول قَامَ الأوَّلُ مقام الفَاعِلِ، وابن أبي عبلة[(١٢)](#foonote-١٢) بضمهما مبنياً للفاعل الرُّبَاعي، والأصل على هذه القراءة : سَيُصْلون من أصلي مثل يكرمون من أكرم[(١٣)](#foonote-١٣)، فاستثقلت الضَّمَّةُ على الياء فحذفت، فالتقى السَّاكنان فَحُذِفَ أولُهما وهو الياءُ وَضُمَّ ما قبل الواو ليصح و " أصْلَى " يُحتمل أنْ تكون الهمزةُ فيه للدُّخول في الشَّيءِ، فَيَتَعَدَّى لواحدٍ وهو  سَعِيراً ، وأن تكون للتَّعدية، فالمفعول محذوف أي : يُصْلُونَ أنفْسهم سعيراً. 
وأبو حَيْوَةَ[(١٤)](#foonote-١٤) بضم الياء وفتح الصَّادِ واللاَّم مُشَدَّدَة مبنياً للمفعول من صَلَّى مضعفاً. 
قال أبُو البَقَاءِ[(١٥)](#foonote-١٥) : والتّضعيفُ للتكثير. 
والصَّلْي[(١٦)](#foonote-١٦) : الإيقاد بالنَّارِ، يقال : صَلِيَ بكذا - بكسر العين - وقوله  لاَ يَصْلاَهَا  أي : يَصْلَى بها. 
وقال الخليلُ : صَلِيَ الكافرُ النَّارَ أي : قَاسَى حَرَّها وصلاه النَّارَ وَأصْلاَهُ غيرهُ، هكذا قال الرَّاغِبُ[(١٧)](#foonote-١٧). وظاهرُ العِبَارَةِ أنَّ فَعِل وَأفْعَل \[ بمعنى \][(١٨)](#foonote-١٨)، يتعدَّيان إلى اثنين ثانيهما بحرفِ الجرِّ، وقد يُحْذَف. 
وقال غيره :" صَلِيَ بالنَّارِ أي : تَسَخَّنَ بقربها " ف  سَعِيراً  على هذا منصوبٌ على إسقاط الخَافض. وَيَدُلُّ على أنَّ أصْلَ " يَصْلاها " يَصْلَى بها قول الشاعر :\[ الطويل \]إذَا أوْقَدُوا نَاراً لِحَرْبِ عَدُوِّهِمْ  فَقَدْ خَابَ مَنْ يَصْلى بِهَا وَسَعِيرِهَا[(١٩)](#foonote-١٩)وقيل : صَلَيْتُه النَّارَ : أدْنَيْتُه منها، فيجوزُ أنْ يكونَ منصوباً مِنْ غير إسقاطِ خافضٍ. 
قال الفرَّاءُ[(٢٠)](#foonote-٢٠) : الصلى : اسم الوقود وهو الصِّلاء إذا كسرت مدّت، وإذا فتحت قُصِرَتْ، ومن ضَمَّ الياء فهو من قولهم : أصْلاَهُ اللَّه حَرَّ النَّار إصلاء، قال : فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَاراً  \[ النساء : ٣٠ \] وقال : سَأُصْلِيهِ سَقَرَ  \[ المدثر : ٢٦ \]. 
وقال أبو زَيْدٍ : يقال : صَلِيَ الرَّجلُ النَّارَ يَصْلاَهَا صَلًى وصلاءً، وهُوَ صَالِي النَّارِ، وقوم صالون وصلاء، قال تعالى : إِلاَّ مَنْ هُوَ صَالِ الْجَحِيمِ  \[ الصافات : ١٦٣ \] وقال : أَوْلَى بِهَا صِلِيّاً  \[ مريم : ٧٠ \] والسّعير في الأصل الجمر المشتعل، وسَعَرْتُ النَّارَ أوقدتها، ومنه : مُسْعِرُ حَرْبٍ، على التشبيه، والمِسْعَرُ : الآلةُ الَّتي تُحَرَّكُ بها النَّارُ. 
### فصل


روي أنَّهُ لما أنزلت هذه الآية ثقل ذلك على النَّاسِ فاحترزوا عن مخالطة اليتامى بالكليَّةِ، فصعب الأمر على اليتامى، فنزل قوله تعالى : وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ 
\[ البقرة : ٢٢٠ \] وزعم بعضهم أنَّ هذه الآية صارت منسوخة بتلك وهو بعيد ؛ لأنَّ هذه الآية في المنع من الظُّلْمِ وهذا لا يصير منسوخاً، بل المقصود أنَّ مخالطة أموال اليتامى إن كان على وجه الظُّلم فهو إثم عظيم كما في[(٢١)](#foonote-٢١) هذه الآية، وَإنْ كان على وجه الإحسان والتّربية فهو من أعظم \[ أبواب \][(٢٢)](#foonote-٢٢) البرّ، لقوله : وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ  \[ البقرة : ٢٢٠ \]. 
١ ينظر: تفسير البغوي (١/٣٩٨)..
٢ سقط في أ..
٣ في أ: فقال..
٤ ينظر: تفسير الفخر الرازي ٩/١٦٣..
٥ في أ: قال..
٦ سقط في أ..
٧ سقط في أ..
٨ في أ: بجناحين..
٩ ينظر: الرازي ٩/١٦٢..
١٠ في ب: إرادته..
١١ انظر: السبعة ٢٢٧، والحجة ٣/١٣٦، وحجة القراءات ١٩١، والعنوان ٨٣، وشرح شعلة ٣٣٢، ٣٣٣، وإعراب القراءات ١/١٢٩، وشرح الطيبة ٤/١٩٣، وإتحاف ١/٥٠٤..
١٢ انظر: المحرر الوجيز ٢/١٤، والدر المصون ٢/٣١٨..
١٣ في أ: يكرم..
١٤ ونسبها في البحر ٣/١٨٧ إلى ابن أبي عبلة فقط. وانظر: السابق..
١٥ ينظر: الإملاء ١/١٦٩..
١٦ في أ: ويصلي..
١٧ في أ: المراغني..
١٨ سقط في ب..
١٩ تقدم..
٢٠ ينظر: الفخر الرازي ٩/١٦٤..
٢١ في أ: كأنني..
٢٢ سقط في أ..

### الآية 4:11

> ﻿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ ۖ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ ۚ فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ ۖ وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ ۚ وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ ۚ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ ۚ فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ ۚ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ ۗ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا ۚ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ ۗ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا [4:11]

**في تعلق هذه الآية بما قبلها وجهان :**
الأوَّلُ : أنَّهُ تعالى لَمَّا بَيَّن الحكم في مال الأيتام وما على الأولياء فيه، بَيَّنَ في هذه الآية كيفية تملك الأيتام[(١)](#foonote-١) المال بالإرث. 
الثَّاني : أنَّهُ لَمَّا بين حكم الميراث مجملاً في قوله :
 لِّلرِّجَالِ نَصيِبٌ مِّمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ  \[ النساء : ٧ \] فذكر هنا تفصيل ذلك المجمل. 
### فصل


اعلم أنَّ الوراثة كانت في الجاهليَّةِ بالذُّكورة والقوّة، وكانوا يورثون الرِّجال دون النِّسَاء والصّبيان، فأبطل الله ذلك بقوله : لِّلرِّجَالِ نَصيِبٌ مِّمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ  الآية. وكانت أيضاً في الجاهليَّة وابتداء الإسلام بالمخالطة[(٢)](#foonote-٢)، قال تعالى : وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ [(٣)](#foonote-٣) \[ النساء : ٣٣ \]. 
ثم صارت الوراثة بالهجرة، قال تعالى : وَالَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يُهَاجِرُواْ مَا لَكُمْ مِّن وَلاَيَتِهِم مِّن شَيْءٍ  \[ الأنفال : ٧٢ \] فنسخ اللَّهُ ذلك كله بقوله : وَأْوْلُواْ الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ  \[ الأنفال : ٧٥ \] وصارت الوراثة بأحد الأمور الثَّلاثة : النّسب، أو النكاح، أو الولاء. 
وقيل : كانت الوراثة أيضاً بالتَّبنِّي، فإنَّ الرَّجل منهم كان يتبنَّى ابنَ غَيْره فَيُنْسَبُ إليه دون أبيه من النَّسب فيرثه، وهو نوع من المعاهدة المتقدِّمَةِ، وكذلك بالمؤاخَاةِ. 
وقال بعض العلماء : لم ينسخ شيء من ذلك بل قررهم اللَّهُ عليه فقوله :
 وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ \[ النساء : ٣٣ \] المراد التوارث بالنسب ثم قال : وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ  \[ النساء : ٣٣ \] \[ ليس المراد منه النصيب من المال، بل المراد فآتوهم نصيبهم من النصرة \][(٤)](#foonote-٤) والنصيحة وحسن العشرة. 
### فصل : سبب نزول الآية


روى عطاء قال : استشهد سعدُ بْنُ الرَّبِيع النَّقيب، وترك ابنتين وامرأة وأخاً، فأخذ الأخ المال كُلَّهُ، فأتت المرأةُ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقالت : يا رسول اللَّهِ هاتان ابنتا سَعْدٍ، وإن سعداً قتل، وأن عمهما أخذ مالهما، فقال عليه السَّلام :" ارجعي فَلَعَلَّ اللَّهَ سَيَقْضِي \[ فيه \][(٥)](#foonote-٥) " ثم إنها عادت إليه بعد مدة وبكت، فأنزل اللَّهُ هذه الآية، فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم عمَّهما، وقال له :" أعْطِ ابْنَتَيْ سَعْدٍ الثُّلُثَيْنِ، وَأمَّهُمَا الثُّمُنَ وَمَا بَقي فَهُوَ لَكَ "، فهذا أوَّلُ ميراث قُسِّمَ في الإسلام[(٦)](#foonote-٦). 
وقال مقاتلٌ والكَلْبِيُّ : نزلت في أم كُحَّة امرأة أوس بْنِ ثَابتٍ وبناته. 
وروى جابر قال : جاء رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وأنا مريض لا أعْقِلُ فتوضّأ فَصَبَّ عَلَيَّ من وضوئه فقلتُ : يا رسول الله لمن المِيرَاثُ، وَإنَّمَا يرثُنِي كَلاَلَةٌ فنزلت آية الفرائض[(٧)](#foonote-٧). 
### فصل


قال القَفَّالُ : قوله تعالى : يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلاَدِكُمْ  أي : يقول لكم قولاً يوصلكم[(٨)](#foonote-٨) إلى إيفاءِ حقوق أولادكم بعد موتكم، وأصل الإيصاء هو الإيصَالُ يقال : وصى يصي إذا وَصَلَ، فإذا قيل : أوصاني[(٩)](#foonote-٩)، فمعناه : أوصلني إلى علم ما أحتاج إلى علمه، وكذلك وَصَّى وهو على المبالغة. 
وقال الزَّجَّاج[(١٠)](#foonote-١٠) : معنى قوله هاهنا  يُوصِيكُمُ  أي : يَفْرِضُ عليكم ؛ لأنَّ الوصية مِنَ الله إيجابٌ لقوله بعد نَصِّه على المحرمات  ذلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ  \[ الأنعام : ١٥١ \]. 
وقرأ الحسن[(١١)](#foonote-١١) وابن أبي عبلة  يُوَصِّيكُم  بالتَّشديد، وقد تَقَدَّمَ أنَّ أوْصَى ووصَّى لغتان. 
قوله : فِي أَوْلاَدِكُمْ  قيل : ثَمَّ مضاف محذوف أي : في أولاد موتاكم. 
قالوا : لأنَّهُ لا يَجُوزُ أنْ يُخَاطَبَ الحيُّ بقسمةِ الميراثِ في أولاده، ويُفْرَضَ عليه ذلك. 
وقال بعضهم : إن قلنا إنَّ معنى  يُوصِيكُمُ  " يبين لكم " لم يحتج إلى هذا التقدير، وَقَدَّر بَعْضُهُم قبل : أَوْلاَدِكُمْ  مضافاً، أي : في شأن أولادكم، أو في أمر أولادكم. 
قوله : لِلذَّكَرِ مِثْلُ  هذه الجملة من مبتدأ وخبر، يُحْتَمل أن تكونَ في محلِّ نَصْبٍ ب " يوصي " ؛ لأنَّ المعنى : يَفْرِضُ لكم، أو يُشَرِّع في أوْلادَكُمْ، كذا قاله أبُو البَقَاءِ، وهذا يقرب من مذهب الفرَّاء، فإنَّهُ يُجْري ما كان بمعنى القول مُجْرَاه في حكاية الجملِ، فالجملةُ في موضع نَصْب ب " يوصيكم ". 
وقال مَكِّيٌّ : لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ  ابتداءُ وخبر في موضع نصب تَبْيينٌ لِلْوَصِيَّةِ وَتَفْسِيرٌ لَهَا. 
وقال الكِسَائِيُّ : ارتفع " مثل " على حذف " أنَّ " تقديره : أنَّ للذكرِ مثلُ حظّ، وبه قرأ ابن أبي عبلة[(١٢)](#foonote-١٢)، ويحتمل ألاَّ يكون لها محلٌّ من الإعراب، بل جيء بها للبيان والتَّفسير فهي جُملةٌ مفسِّرةٌ للوصيَّةِ، وهذا أحسن وجار على مذهب البصريين، وهو ظاهر عبارة الزمخشريِّ، فَإنَّهُ قال : وهذا إجمالٌ تفصيلُه  لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ . 
وقوله : لِلذَّكَرِ  لا بُدَّ من ضمير يعود على  أَوْلاَدِكُمْ  من هذه الجملة، فيحتمل أن يكون محذوفاً أي : للذكر منهم نحو :" السَّمْنُ مَنَوانِ بدرهم " قاله الزمخشريُّ، ويحتمل أن يكون قام مقام الألف واللام عند مَنْ يرى ذلك، والأصل : لذكرهم و " مثل " صفة لموصوفٍ محذوفٍ أي : للذَّكَر منهم حَظٌّ مثلُ حَظِّ الأنثيين. 
فإن قيل : لا يقال في اللُّغَةِ : أوصيك لكذا، فكيف قال هنا : يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلاَدِكُمْ لِلذَّكَرِ  ؟. 
فالجوابُ : أنَّهُ لما كانت الوصية قولاً، فلهذا قال بعد قوله : يُوصِيكُمُ اللَّهُ  قولاً مستأنفاً وهو قوله : لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ  ونظيره قوله تعالى : وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ مِنْهُم مَّغْفِرَةً [(١٣)](#foonote-١٣) \[ الفتح : ٢٩ \] أي : قال لهم مغفرة ؛ لأن الوعد قولٌ. 
### فصل


اعلم أنه تعالى بدأ بذكر ميراث الأوْلاَدِ ؛ لأنَّ تعلُّق الإنسان بولده أشدّ التّعلقات، وللأولاد حال من انفراد وحال اجتماع مع الوالدين. 
فحال الانفراد \[ ثلاثة \][(١٤)](#foonote-١٤) إمَّا أن يَكُونُوا ذكوراً و إناثاً، أو ذكوراً فقط، أو إناثاً فقط، فإنْ كانوا ذكوراً وإناثاً فقد بَيَّنَ اللَّهُ تعالى حكمهم بقوله : لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ  فبين تعالى أن للذكر مثل ما للأنثى مرتين[(١٥)](#foonote-١٥). 
قوله : فَإِن كُنَّ نِسَاءً  الضمير في " كُنَّ " يعودُ على الإناثِ اللاَّتي شَمَلَهُنَّ قوله : فِي أَوْلاَدِكُمْ . 
فإنَّ التَّقدير : في أولادكم الذُّكور والإناث، فعادَ الضَّمِيرُ على أحد قِسمي الأولادِ، وإذا عاد الضَّمِيرُ على جمع التكسير[(١٦)](#foonote-١٦) العاقل المراد به مَحْضَ الذُّكور، وفي قوله عليه السَّلام
 " ورب الشياطين ومن أضللن " لعوده على جماعة الإناث، فَلأنْ يعودَ كذلك على جمع التكسير المشتمل على الإناث بطريق الأوْلى \[ والأحرى \][(١٧)](#foonote-١٧)، وهذا معنى قول أبي حيَّان : وفيه نَظَرٌ لأن عوده هناك كضمير الإناث إنما كان لمعنى مفقودٍ هنا وهو طلب المشاكلة لأنَّ قبله[(١٨)](#foonote-١٨) " اللهم رب السموات ومن أضللن وربّ الأرضين وما أقللن " ذَكَر ذلك النحويون. 
وقيل : الضَّمير يعود على المتروكات أي : فإن كانت المتروكات، وَدَلَّ ذِكْرُ الأولاد عليه، قاله أبُو البقاء[(١٩)](#foonote-١٩) ومكيٌّ وقدَّره الزمخشريُّ : فإنْ كانت البنات أو المولودات. 
فإذا تقرر هذا ف " كُنَّ " كان واسمُها و " نسَاءً " خبرُها، و " فوق اثنتين " ظرف في محلّ نصب صفة ل " نساء " وبهذه الصّفة تحصُل فائدةُ الخبرِ، ولو اقتصِرَ عليه لم تَحْصُلْ فائدةٌ، ألا ترى أنَّهُ لو قيل :" إنْ كان الزيدون رجالاً كان كذا " لم يَكُنْ فيه فائدةٌ. 
وأجاز الزَّمخشريُّ في هذه الآية وَجْهين غريبين :
أحدهما : أن يكون الضمير في " كُنَّ " ضميراً مبهماً، و " نساء " منصوبٌ على أنَّهُ تفسيرٌ له يعني : تمييزاً، وكذلك قال في الضَّمِير الَّذي في " كَانَتْ " من قوله : وَإِن كَانَتْ وَاحِدَةً  على أنَّ " كان " تَامَّةٌ. والوجه الآخر : أن يكون " فوق اثنتين " خبراً ثانياً ل " كُنَّ " وَرَدَّهما عليه أبو حيّان : أمَّا الأوَّلُ : فلأنَّ " كانَ " ليسَتْ من الأفعالِ الَّتي يكونُ فاعلُها مضمراً يُفَسِّره ما بَعْدَهُ بل هذا مختصٌّ من الأفعال ب " نعم " و " بئس " وَمَا جَرَى مَجْرَاهُمَا وبَابُ التنازع عند إعْمَالِ الثاني، وأمَّا الثاني : فَلِمَا تَقَّدَمَ من الاحتياج إلى هذه الصفةِ ؛ لأنَّ الخبرَ لا بُدَّ أنْ تَسْتَقِلَّ به فَائِدةُ الإسناد، وَقَدْ تَقَدَّمَ أنَّهُ لو اقتصر على قوله " فإن كن نساء " لم يُفِدْ شيئاً ؛ لأنَّهُ مَعْلُومٌ. 
قوله : فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ  قرأ الجمهور " ثلُثا " بضمِّ اللام، وهي لغة الحجاز وبني أسد. 
قال النَّحَّاسُ : من الثُّلث إلى العشر. 
وقرأ الحسن[(٢٠)](#foonote-٢٠) ونعيمُ بن ميسرةَ " ثُلْثا " و " الثُّلْثُ " و " النِّصْفُ " و " الرُّبْع " و " الثُّمْن " كلُّ ذلك بإسكان الوسط. 
وقال الزَّجَّاجُ : هي لغة واحدة، والسُّكونُ تخفيف. 
### فصل


بَيَّنَ في هذه الآية ما إذا كانوا إناثاً فقط، فقال : فَإِن كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ وَإِن كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ [(٢١)](#foonote-٢١)، إلا أنَّه تعالى لم يَبيِّن حُكْمَ الْبِنْتَين تصريحاً، واختلفوا فيه : فعن ابن عبَّاسٍ أنَّهُ قال : الثُّلثان فرض الثلاث من البنات فصاعداً، وأمَّا فرض البنتين فهو النّصف ؛ لهذه الآية[(٢٢)](#foonote-٢٢) ؛ لأنَّ لفظة " إن " في اللُّغة للاشتراط، وذلك يدلُّ على أن أخذ الثُّلثين مشروط بكونهن فوق الاثنتين وهو الثلاث فصاعداً. 
**والجواب من وجوه :**
الأول : قوله تعالى : وَإِن كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ  فجعل حصول[(٢٣)](#foonote-٢٣) النّصف مشروطاً بكونها واحدةً، وذلك ينفي حصول النّصف نصيباً للبنتين وقد جعل النّصف نصيبَ البنتين، فهذا لازم لَهُ[(٢٤)](#foonote-٢٤). 
الثَّاني : لا نُسَلِّمُ أنَّ كلمة " إنْ " تَدُلُّ على انتفاء الحكم عند انتفاء الوصف، لأنَّهُ لو كان الآمر كذلك لزم التناقض بين هاتين الآيتين ؛ لأن الإجماع دَلَّ على أنَّ نَصِيبَ البنتين إمَّا النِّصْفُ، وإمَّا الثُّلثان، وبتقدير أن تكون كلمة " إن " للاشتراط وجب القول بفسادهما، فثبت أنَّ القول بكلمة الاشتراط يفضي إلى الباطل فيكون باطلاً ولأنَّهُ تعالى قال : وَلَمْ تَجِدُواْ كَاتِباً فَرِهَانٌ مَّقْبُوضَةٌ  \[ البقرة : ٢٨٣ \] وقال : فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَقْصُرُواْ مِنَ الصَّلاَةِ إِنْ خِفْتُمْ  \[ النساء : ١٠١ \] ولا يمكن أن[(٢٥)](#foonote-٢٥) يفيد معنى الاشتراط في هذه الآيات. 
الثَّالث : أنَّ في الآية تقديماً وتأخيراً والتقدير : فإن كُنَّ نِسَاءً اثنتين فما فَوْقَهُمَا فلهن الثُّلثان. 
وَأمَّا سَائِرُ الأمَّةِ، فأجمعوا على أنَّ فرض البنتين الثلثان. 
قال أبو ١ في ب: مال اليتيم..
٢ في أ: بالمخالفة..
٣ في أ: عاقدت..
٤ سقط في أ..
٥ سقط في ب..
٦ أخرجه أحمد (٣/٣٥٢) وأبو داود (٣/٣١٦) كتاب الفرائض (٢٨٩٢) والترمذي (٤/٤١٤ ـ ٤١٥) الفرائض (٢٠٩٢) وابن ماجه (٢/٩٠٨ ـ ٩٠٩) الفرائض (٢٧٢٠) والحاكم (٤/٣٤٢) وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.
 وقال الحاكم: صحيح الإسناد ووافقه الذهبي.
 والحديث ذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٢/٢٢٢) وزاد نسبته لابن سعد وابن أبي شيبة والطيالسي ومسدد وابن أبي عمر وابن منيع وابن أبي أسامة وأبي يعلى..
٧ أخرجه البخاري كتاب المرضى باب: عيادة المغمى عليه رقم (٥٦٥١) وفي كتاب الفرائض باب: يوصيكم الله في أولادكم (٦٧٢٣) وفي الاعتصام باب ما كان النبي صلى الله عليه وسلم يسأل مما لم ينزل عليه الوحي (٧٣٠٩) ومسلم في الفرائض باب ميراث الكلالة (١٦١٦) وأبو داود (٢٨٨٦) والترمذي (٢٠٩٨) والطبري في "تفسيره" (٨/٣٣) والطيالسي (٢/١٧) رقم (١٩٤٥) وأحمد (٣/٢٩٨) وابن حبان (١٢٥٥) وابن خزيمة (١٠٦) والبيهقي (٦/٢٣١) وأبو يعلى (٤/١٥) رقم (٢٠١٨) عن جابر بن عبد الله.
 وذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٢/٢٢٢) وزاد نسبته لعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم..
٨ في أ: يوصيكم..
٩ في ب: أوصني..
١٠ ينظر: تفسير الرازي ٩/١٦٥..
١١ انظر: البحر المحيط ٣/١٩٠، والدر المصون ٢/٣١٩..
١٢ في أ: علية..
١٣ في أ: لهم..
١٤ سقط في أ..
١٥ سيأتي قريبا تفصيل القول في حالتي انفراد الإناث والذكور..
١٦ في ب: المكسر..
١٧ سقط في أ..
١٨ في ب: قوله..
١٩ ينظر: الإملاء ١/١٦٩..
٢٠ وقرأ بها الأعرج.
 انظر: المحرر الوجيز ٢/١٦، والبحر المحيط ٣/١٩٠، والدر المصون ٢/٣٢٠..
٢١ في أ: الثلثان..
٢٢ ذكر هذا الأثر السمرقندي في "بحر العلوم" ١/٣٣٦..
٢٣ في أ: محصول..
٢٤ ينظر: تفسير الرازي ٩/١٦٦..
٢٥ سقط في أ..

### الآية 4:12

> ﻿۞ وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ ۚ فَإِنْ كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ ۚ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ ۚ وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ ۚ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُمْ ۚ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ ۗ وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ ۚ فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَٰلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ ۚ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَىٰ بِهَا أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ ۚ وَصِيَّةً مِنَ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ [4:12]

**اعلم أنَّ أقسام الوراثة ثلاثة :**
قسم لا يسقط بحال وهم : الآباء والأولاد والأزواج قسمان، والثَّالِثُ هو المسمى بالكلالة وهذا القسم متأخر عن القسمين الأوَّلين لأنه قد يعرض لهم السُّقوط بالكليَّة، ولأنَّهم يدلون إلى الميِّتِ بواسطة، والقسمان الأوَّلان يدلون بأنفسهم فقدَّمَ اللَّهُ تعالى الوارث بالنَّسب ؛ لأنَّهُ أعلاها ثمَّ ثنى بذكر الوارث بالسَّبب الَّذي لا يسقط بحال، لأنَّهُ دون الأوَّلِ وهو الزوجان ثم ذكر القسم الثَّالث بعدهما ؛ لأنَّهُ دونهما، ولما جعل نصيب الذَّكر مثل حظ الأنثيين في الوارث النّسبي كذلك جعل حظّ الرَّجُلِ مثل حظِّ الأنثيين في الوارث السببي فقال  وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِنْ لَّمْ يَكُنْ لَّهُنَّ وَلَدٌ فَإِن كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ [(١)](#foonote-١) وسواء كان الولد من الزوج، أو من غيره وسواء كان الولد ذكراً أو أنثى، ولا فرق بين الأوَّلادِ وأولاد الأولاد. 
### فصل : الخلاف في غسل الزوج زوجته بعد موتها


ذهب الشافعيُّ وأحمدُ إلى أنَّهُ يجوزُ لِلرَّجُلِ أن يغسل[(٢)](#foonote-٢) زوجته لقوله  وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ  فسمَّاها زوجة بعد الموت. 
قال أبو حنيفة : لا يَجُوزُ ؛ لأنَّهَا ليست زوجة ؛ لأنَّهُ لا يحلُّ وطؤها بعد الموت. 
وأجيب بأنَّها لو لم تكن زوجة لكان قوله  وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ  مجازاً، وقد ثبت أنَّ التَّخْصيص أولى من المجاز عند التَّعارُضِ، وأيضاً فقد حَرُمَ الوطء في صورٍ كَثِيرَةٍ مع وجود الزوجيَّة[(٣)](#foonote-٣) كزمن الحيض والنفاس نهار رمضان، وعند الصّلوات المفروضة، والحج المفروض. 
ثمَّ قال : فلهن الربع مما تركتم إن لم يكن لكم فإن كان لكم ولد فلهن الثمن  وسواء كانت واحدة أو أربعاً فهم فيه سواء، وهذه الآية تدلُّ على فضل الرَّجل على المرأة لتفضيلهم في النَّصِيبِ، ولأنَّهُ ذكر الرِّجَالَ على سبيل المخاطبة وذكر النساء على سبيل المغايبة. 
قوله : وإن كان رجل يورثه كلالة  اضْطَرَبَتْ أقوال العلماء في هذه ولا بُدَّ قبل التعرُّض للإعراب من ذكر معنى  الْكَلاَلَةِ  واشتقاقها، فإنَّ الإعراب متوقف على ذلك، فتقول : اختلف الناس في معنى  الْكَلاَلَةِ 
فقال جمهور اللغويين وغيرهم : إنَّه الميت الَّذي لا وَلَدَ لَهُ ولا والد، وهو قول عليٍّ وابن مسعودٍ. 
وقيل : الَّذي لا والد له فقط، وهو قول عمر. 
وقيل : الَّذي لا ولد له فقط. 
وقيل : هو من لا يرثه أبٌ ولا أم، وعلى هذه الأقوال كلِّها فالكلالةُ واقعة على الميت. 
وقيل : الكَلاَلَةُ : الورثة ما عدا الأبوين[(٤)](#foonote-٤) والولد، قاله قُطْرب، وهو اختيار أبي بكر - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - وسموا بذلك ؛ لأنَّ الميِّت بذهاب طرفيه تُكَلِّلُهُ الورثة، أي : أحاطوا به من جميع نواحيه، ويُؤَيَّدُ هذا القول بأنَّ الآية نزلت في جَابِرٍ، ولم يَكُنْ له يَوْمَ نزلت أبٌ ولا ابن. 
وأيضاً يقال[(٥)](#foonote-٥) : كلت الرحم بين فلان وفلان إذا تباعدت القرابة وحمل فلان على فلان ثمَّ كَلَّ عنه إذا تباعد، فسميت القرابةُ البعيدةُ كلالة من هذا الوجه. 
وأيضاً يقال : كَلَّ الرَّجُلُ يَكِلُّ كَلاًّ وكَلاَلَةً : إذا أعيا وذهبت قوَّته، فاستعاروا هذا اللفْظ عن القرابة الحاصلة، من غير أولاد لبعدها[(٦)](#foonote-٦). 
وأيضاً فإنَّهُ تعالى قال  قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلاَلَةِ إِن امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُهَآ إِن لَّمْ يَكُنْ لَّهَا وَلَدٌ  \[ النساء : ١٧٦ \] وهذه الآية تَدُلُّ على أنَّ الكلالة من لا ولد له ولا والد ؛ لأنَّهُ شرط عدم الولد وَورَّثَ الأخت والأخ، وهما لا يرثانِ مع وجود الأب. 
 " وروى جابر قال[(٧)](#foonote-٧) : مَرِضْتُ مَرَضاً شديداً أشرفتُ منه على الموت، فأتاني النبي صلى الله عليه وسلم فقلتُ : يا رسول الله إنِّي رَجُلٌ لا يَرِثُنِي إلاَّ كَلاَلَة "، وَأرَادَ به أنَّهُ ليس له والد ولا ولد، وهو قول سعيد بن جُبَيْرٍ وإليه ذهب أكثرُ الصَّحَابَةَ. 
وروي عن عمر أيضاً أنَّهُ قال :" سألت رسول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عن الكلالة فما أغلظ في شيء ما أغلظ لي فيها، ضرب بيده صدري وقال " يَكْفِيك آيَةُ الصَّيْفِ "، وهي الآية الأخيرة من سورة النساء سميت بذلك ؛ لأنها نزلت في الصَّيْفِ، ومات ولم يَفْهَمْهَا ولم يقل فيها شيئاً. 
وقيل : الْكَلاَلَةِ  : المالُ الموروث، وهو قول النَّضْرِ بْنِ شُمَيْلٍ. 
وقيل : الْكَلاَلَةِ  القرابة، وقيل : الوراثة. 
فقد تلخص مما تقدم أنَّها \[ إمَّا \][(٨)](#foonote-٨) الميِّتُ الموروث أو الوارثُ، أو المال الموروثُ، أو الإرْث، أو القرابة. 
وأما اشتقاقها : فقيل : هي مشتقة من تَكَلَّلَهُ الشَّيء، أي[(٩)](#foonote-٩) : أحاط به، وذلك أنَّهُ إذا لم يترك ولداً ولا والداً فقط انقطع طَرَفَاهُ، وهما عَمُودَا نَسَبِهِ[(١٠)](#foonote-١٠) وبقي مال الموروثُ لِمَنْ يَتَكَلَّلُهُ نَسَبُهُ، أي : يحيط به كالإكْليلِ. 
ومنه " الروضة المكللة " أي : بالزَّهْرِ، وعليه قول الفرزدق :\[ الطويل \]وَرِثْتُمْ قَنَاةَ المَجْدِ لاَ عَنْ كَلاَلَةٍ  عَنِ ابْنَيْ مَنَافٍ عَبْدِ شَمْسٍ وَهَاشِمٍ[(١١)](#foonote-١١)وقيل : اشتقاقها من " الكلال " وهو الإعْيَاء، فكأنه يصير الميراث إلى الوارث من بَعْدِ إعياء. 
وقال الزَّمَخْشَرِيُّ : و " الكلالة " في الأصل : مصدر بمعنى الكلال وهو ذهاب القوَّةِ من الإعياء. 
قال الأعشى :\[ الطويل \]فَآلَيْتُ لاَ أرْثِي لَهَا مِنْ كَلاَلَةٍ  وَلاَ مِنْ وَحًى حَتَّى تُلاَقِيْ مُحَمَّدَا[(١٢)](#foonote-١٢)فاستعير للقرابة من غير جهة الولد والوالد، ولأنَّهَا بالإضافة إلى قرابتهما كأنها كالَّةٌ ضعيفة، وأجاز فيها أيضاً أن تكون صفة على وزن " فَعَالة "، قال :" كالهَجَاجَةِ والفَقَاقَةِ للأحْمَقِ ". 
ويقال : رجل كلالة، وامرأةٌ كلالة، وقوم كلالة، لا يثنى ولا يجمع ؛ لأنَّهُ مصدر كالدّلالة والوَكَالة. 
إذا تقرَّرَ هذا فَلْنَعد إلى الإعراب بعَوْنِ الله، فتقول : يجوز في " كان " وجهان :
أحدهما : أن تكون ناقصة و " رجل " اسمها، وفي الخبر احتمالان :
أحدهما : أنه " كلالة " إن قيل : إنها الميت، وإن قيل : إنَّها الوارث، أو غير ذلك، فَتُقَدَّر حذف مضاف، أي : ذَا كلالة، و " يورث " حينئذٍ في محلَِّ رفع صفة ل " رجل " وهو فِعْلٌ مبنيٌّ للمفعول، ويتعدّى في الأصل لاثْنَيْنِ أُقيم الأوَّلُ مقامَ الفاعلِ، وهو ضمير الرَّجُلِ. 
والثَّاني : محذوف تقديره : يورث هو مَالَهُ، وَهَلْ هذا الفِعلُ من " ورث " الثُّلاثي أو " أورث " الرُّبَاعيُّ ؟. 
فيه خلافٌ، إلاَّ أنَّ الزَّمَخْشَرِيُّ لَمَّا جَعَلَهُ مِنَ الثُّلاثي جعله يتعَدَّى إلى \[ المفعول \][(١٣)](#foonote-١٣) الأوَّلِ من المفعولين ب " من " فإنَّهُ قال \[ وإن كان رجل يورث من كلالة \][(١٤)](#foonote-١٤) و " يورث " من وَرِثَ[(١٥)](#foonote-١٥) أي : يورث فيه يعني أنَّهُ في الأصْلِ يتعدَّى ب " مِنْ ". \[ قال :\][(١٦)](#foonote-١٦) وقد تُحْذَفُ، تقولُ :" وَرِثْتُ زَيْداً مَالَهُ " أي : مِنْ زيد، ولَمَّا جَعَلَه مَنْ " أورث " جعل الرَّجُلَ وارثاً لا موروثاً، فإنَّهُ قال :" فإنْ قلتَ : فإن جَعَلْتَ تُورَثُ على البناء للمفعول من " أورث " فما وَجْهُهُ ؟. 
قلتُ : الرَّجُلُ حينئذٍ الوارثُ لا الموروثُ ". 
وقال أبُو حيَّان[(١٧)](#foonote-١٧) : إنَّهُ من " أورث " الرُّباعِيِّ المبنيِّ للمفعول، وَلَمْ يُقَيِّدْهُ بالمعنى الذي قيده به الزَّمَخْشَرِيُّ. 
الاحتمالُ الثَّاني : أن يكون الخبرُ الجملة من " يورث ". 
وفي نَصْبِ  كَلاَلَةً  أربعةُ أوْجُهٍ :
أحدها : أنَّهُ حال من الضمير في " يورث "، إنْ أُرِيدَ بها الميِّتُ، أو الوارثُ، إلاَّ أنَّهُ يَحْتاج في جَعْلها بمعنى الوارث إلى تقدير مضافٍ، أي : يُورث ذا كَلاَلَةٍ ؛ لأنَّ الكلالة حينئذٍ ليست نفس الضَّمير المستكن في  يُورَثُ . 
قال أبُو البَقَاءِ[(١٨)](#foonote-١٨) : على جعلها بمعنى الميت ولو قُرِئَ " كلالةٌ " بالرَّفع على أنَّهَا صفةٌ أو بدلٌ من الضَّميرِ في  يُورَثُ  لجاز، غير أنِّي لم أعرف أحداً قَرَأ به، فلا يُقْرأنَّ إلا بما نُقِلَ. يعني بكونها صفةً : أنَّهَا صفةٌ ل " رَجُل ". 
الثَّاني : أنَّهَا مفعولٌ من أجله، إنْ قيل : إنَّهَا بمعنى القرابة، أي : يُورَثُ لأجل الكلالة. 
الثَّالثُ : أنَّهُ مفعول ثَانٍ ل  يُورَثُ  إن قيل : إنَّها بمعنى المال المَوْرُوثِ. 
الرَّابعُ : أنَّها نعتٌ لمصدر محذوفٍ، إن قيل : إنَّهَا بمعنى الوِرَاثَةِ، أي : يُورَثُ وِرَاثَةَ كَلاَلَةٍ. 
وقدَّرَ مَكِّيٌّ في هذا الوجه حَذْفَ مضافٍ تقديره :" ذَات كَلاَلَةٍ ". 
وأجاز بعضهم على كونها بمعنى الوراثة أن تكون حالا. 
الوجه الثَّاني من وجهي " كان " أن تكون تَامّةً، فيُكْتَفى بالمرفوع، أي : وَإن وُجِدَ رجل. و  يُورَثُ  في محلِّ رفع صِفَةٍ ل " رَجُل " و  كَلاَلَةً  منصوبةٌ على ما تَقَدَّمَ من الحال، أو المفعول من أجله أو المفعول به، أو النَّعت لمصدرٍ محذوف عَلَى ما قُرِّرَ من معانيها، وَيخُصُّ هذا وجه آخر ذكره مَكيٌّ، وهو أن تَكُونَ  كَلاَلَةً  منصوبة على التمييزِ. 
\[ قال مَكِّيٌّ :" كان " أي : وقع، و  يُورَثُ  نعت للرَّجُل و " رجل " رفع ب " كان " و  كَلاَلَةً  نصب على التفسير \][(١٩)](#foonote-١٩). 
وقيل : هو نصبٌ على الحال على أنَّ الكَلاَلَةَ هو الميِّت على هذين الوجهين، وفي جعلها تَفْسيراً - أي : تمييزاً - نظرٌ لا يَخْفى. 
وقرأ الجمهور : يُورَثُ  مبنيّاً للمفعولِ كما تَقَدَّمَ توجيهه. 
وقرأ الحسن[(٢٠)](#foonote-٢٠) : يورث مبنيّاً للفاعل، ونُقِلَ عنه أيضاً، وعن أبي رَجَاءَ كذلك، إلاَّ أنَّهما شدَّدا الراء، وتوجيه القراءتين واضح مِمَّا تقدَّم، وذلك أنَّهُ إنْ أُريد بالكلالة الميِّتُ، فيكون المفعولان محذوفين، و  كَلاَلَةً  نَصْبٌ على الحال، أي : وَإنْ كان رجلٌ يُورِثُ وَارثَهُ، أوْ أهْلَهُ مالَه في حال كَوْنِهِ كَلالَةً. 
وَإِنْ أُرِيدَ بها القرابة، فتكون منصوبةً على المفعول مِنْ أجْله، والمفعولان أيضاً محذوفان على ما تَقَدَّمَ تقريره، وَإنْ أُرِيدَ بها المالُ كانت مفعولاً ثانياً، والأوَّلُ محذوفٌ أي : يُورِثُ أهْلَهُ مَالَهُ، وَإنْ أُريدَ بها الوارثُ فبالعكس، أي : يُورِثُ مالَه أهلَه. 
قوله : أَو امْرَأَةٌ  عطف على  رَجُلٌ  وحُذِفَ منها ما أُثْبِتَ في المعطوف عليه للدلالة على ذلك، التَّقديرُ : أو امرأةٌ تُورَثُ كَلاَلَةً، وإنْ كان لا يَلْزَمُ من تقييد المعطوف عليه تقييدُ المعطوفِ ولا العكس، إلاَّ أنَّهُ هو الظَّاهِرُ. 
وقوله : وَلَهُ أَخٌ [(٢١)](#foonote-٢١) جملة مِنْ مبتدأٍ وخبرٍ في محلِّ نصبٍ على الحال، والواو الدَّاخلة عليها واوُ الحال، وصاحبُ الحال إمَّا  رَجُلٌ  أي : إنْ كان  يُورَثُ  صفةً له، وإمَّا الضَّميرُ المستتر في  يُورَثُ  وَوَحَّدَ الضمير في قوله :" وله " ؛ لأنَّ العطف ب " أو " وما ورد على خلاف ذلك أوِّلَ عند الجم١ في أ: ترك..
٢ في ب: غسل..
٣ في أ: الزوجين..
٤ في أ: اسم للأبوين..
٥ ينظر: الرازي ٩/١٧٩..
٦ ينظر: تفسير الرازي ٩/١٧٩..
٧ ينظر: الرازي ٩/١٨٠..
٨ سقط في ب..
٩ في ب: إذا..
١٠ في أ: على عمود النسبة..
١١ ينظر البيت في ديوانه ص (٦٢) وهو هكذا:ورثتم قناة الملك غير كلالة  عن ابن مناف عبد شمس وهاشم والبحر ٣/١٩٧ والدر المصون ٢/٣٢٤..
١٢ ينظر البيت في ديوانه (١٨٥)، وخزانة الأدب ١/١٧٧، وشرح شواهد المغني ٢/٥٧٧، والأشباه والنظائر ٦/٩٠، وشرح المفصل ١٠/١٠٠ والدر المصون ٢/٣٢٤، والكشاف ١/٤٨٥ وفي رواية "ومى"، وفي أخرى "حفى"..
١٣ سقط في ب..
١٤ سقط في ب..
١٥ في ب: يرث..
١٦ سقط في ب..
١٧ ينظر البحر المحيط ٣/١٩٧..
١٨ ينظر الإملاء ١/١٦٩..
١٩ سقط في ب..
٢٠ انظر: المحرر الوجيز ١/١٩، والبحر المحيط ٣/١٩٧، والدر المصون ٢/٣٢٥..
٢١ في أ: ولد..

### الآية 4:13

> ﻿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ ۚ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ۚ وَذَٰلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ [4:13]

لما بَيَّنَ سهام المواريث ذكر الوعد والوعيد، ترغيباً في الطَّاعة وترهيباً عن المعصية. 
وقوله تعالى : تِلْكَ  إشارة إلى ما ذكر من المواريث ؛ لأنَّ الضَّمير يعود إلى أقرب مذكورٍ. 
وقيل : إشارة إلى كُلِّ ما ذكر من أوَّلِ السُّورة إلى هنا من أحكام أموال اليتامى، والأنكحة، وأحكام المواريث، قاله الأصمُّ[(١)](#foonote-١) ؛ لأنَّ الأقرب إذا لم يمنع من عوده إلى الأبعد وجب عوده إلى الكُلِّ ؛ ولأنَّ المراد بحدود اللَّهِ : الأحكام التي ذكرها وبيَّنها، ومنه حدود الدّار ؛ لأنَّها تميزها من غيرها. 
قوله : وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ  وقوله : وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ . 
قيل : مختصٌّ بمن أطاع أو عصى في هذه التَّكاليف المذكورة في هذه السُّورة. 
وقال المحقِّقُون[(٢)](#foonote-٢) : بل هو عام ؛ لأنَّ اللَّفظَ عامٌّ فيتناول الكُلَّ. 
قوله : يُدْخِلْهُ  حَمَلَ على لفظ " مَنْ "، فَأفْرَدَ الضَّميرَ في قوله : يُطِعِ اللَّهَ  و  يُدْخِلْهُ  وعلى معناها، فجمع في قوله : خَالِدِينَ  وهذا أحسنُ الحَمْلَيْنِ، أعني : الحمل على الَّلفظ، ثم على المعنى، ويجوز العكس، وإن كان ابن عطيَّة قد منعه وليس بشيء لثبوته عن العرب، وَقَد تَقَدَّمَ ذلك مِرَاراً، وفيه تفصيلٌ، وله شروط مذكورة في كتب النحوِ. 
قوله : خَالِدِينَ  في نصبه وجهان :
أظهرهما : أنَّهُ حال من الضمير المنصوب في  يُدْخِلْهُ  وَلاَ يَضُرُّ تَغَايُرُ الحال وصاحبها من حيث كانت جمعاً وصاحِبُها مفرداً، لما تقدَّم من اعتبار الَّلفْظِ والمَعْنَى وهي مقدّرة ؛ لأنَّ الخلود بعد الدُّخول. 
والثَّاني : أن يكون نَعْتاً ل  جَنَّاتٍ  من باب ما جَرَى على موصوفه لَفْظاً، وهو لغيره معنىً[(٣)](#foonote-٣)، نحو : مررت برجُلٍ قائمةٍ أمُّه، وبامرأة حَسَنٍ غُلامُها، ف " قائمة " وحسنٍ وإن كانا جَارِيينِ على ما قبلهما لَفْظاً فهما لِما بَعْدَهما معنىً، وأجازَ ذلك في الآية الكريمة الزَّجَّاجُ وتبعه التبرِيزيُّ، إلاَّ أنَّ الصِّفة إذا جَرَتْ على غير مَنْ هي له وجب إبرازُ الضَّمير مطلقاً على مذهب البصريين ألْبسَ أو لم يُلْبسْ. 
وَأمَّا الكوفيون فيفصِّلون، فيقولون : إذا جرت الصِّفة على غير مَنْ هي له، فإنْ ألْبسَ وَجَبَ إبرازُ الضمير، كما هو مذهبُ البصريين ؛ نحو :" زيدٌ عمرو ضاربُه هو "، إذا كان الضربُ واقعاً من زيد على عمرو، فإن لم يُلْبسْ لم يَجِبِ الإبرازُ، نحو :" زيدٌ هندُ ضاربُها "، إذا تَقَرَّرَ هذا فَمذهَبُ الزَّجَّاجِ في الآية إنَّمَا يتمشَّى على رأي الكوفيين، وهو مذهب حَسَنٌ. 
واستدلَّ مَنْ نَصَرَ مذهب الكوفيين بالسَّمَاعِ، فمنه قراءة مَنْ قرأ[(٤)](#foonote-٤)  إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ  \[ الأحزاب : ٥٣ \] بجر " غير " مع عدم بروز الضمير، ولو أبْرَزَهُ لقال : غير ناظرين إناه أنتم. 
ومنه قول الآخر :\[ البسيط \]

قَوْمِي ذُرَا المَجْدِ بَانُوهَا وَقَدْ عَلِمَتْ  بِكُنْهِ ذَلِكَ عَدْنَانٌ وقَحْطَانُ[(٥)](#foonote-٥)ولم يقل : بَانُوهَا هُمْ. 
وقد خَرَّج بعضهمُ البيت على حذف مبتدأ، تقديره : هم بانوها[(٦)](#foonote-٦) ف " قومي " مبتدأ أوَّلٌ، و " ذُرا " مبتدأ ثان، و " هُمْ مبتدأ ثالث، و " بانوها " [(٧)](#foonote-٧) خبر الثَّالث والثَّالِثُ وخبره خبر الثَّاني والثاني وخبره خبر الأوَّل. 
وقد منع الزمخشريُّ كون " خَالِدينَ " و " خَالِداً " صفةٌ ل " جَنَّاتِ " و " ناراً ". فقال : فإن قلت : هل يجوز أن يكونا صفتين ل " جنات " و " ناراً " ؟ قلت : لا لأنَّهما جَرَيَا على غير مَنْ هُمَا له، فلا بُدَّ مِنْ الضَّميرِ في قولك :" خالدين هم فيها "، و " خالداً هو فيها ". 
ومنع أبُو البَقَاءِ ذلك أيضاً بعدم إبراز الضمير لكن مع " خالداً " ولم يتعرض لذلك مع " خالدين " ولا فرق بَيْنَهُما، ثم حكى جواز ذلك عن الكوفيين، وهذا المنع على مذهب البصريين كما تقدَّمَ. 
وقرأ[(٨)](#foonote-٨) نافعٌ وابنُ عَامِرٍ هنا " نُدْخِلْهُ " في الموضعين، وفي سورة الفتح \[ الآية ١٧ \] وفي سورة التغابن \[ الآية ٩ \] والطلاق \[ الآية ١١ \] بنون العظمة، والباقون بالياء، والضميرُ للَّه تعالى. 
فإن قيل : كيف جمع  خَالِدِينَ  في الطائعين، وأفرد خالداً في العاصين ؟. 
فالجواب : قالوا : لأنَّ أهلَ الطَّاعة أهلُ الشَّفاعة، فلمَّا كانوا يَدْخُلون هو والمشفوُعُ لهم ناسب ذلك الجمع، والعاصي لا يَدْخُلُ به غيرهُ النارَ، فناسَبَ ذلك الإفرادُ. 
قوله : تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ  هذه الجملةُ في محل نصبِ صفةً ل " جنات "، وقد تقدم مراراً أن المنصوب بعد " دخل " من الظروف هل نَصْبُهُ نصبُ الظُّروف، أو نَصْبُ المفعول به ؟
الأوَّل : قول الجمهور. 
والثاني : قول الأخفش، فكذلك  جَنَّاتٍ ، و  نَاراً . 
### فصل


قالت المعتزلةُ[(٩)](#foonote-٩) : هذه الآية دلَّت على أنَّ العصاة من أهل الصَّلاة يخلدون في النَّار ؛ لأنَّ قوله  وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ  إمَّا أن يختص بمن تعدَّى الحدود المتقدمة، وهي حدود المواريث أو يدخل فيها ذلك وغيره، وعلى هذا يلزمُ دخول من تَعَدَّى في المواريث في هذا الوعيد، وذلك عام فيمن تَعَدَّى، وهو مِنْ أهل الصَّلاة، أو ليس من أهل الصَّلاة فدلّت هذه[(١٠)](#foonote-١٠) الآية على القطع بالوعيد وعلى الخلود، ولا يقال على هذا الوعيد مختص بمن تَعَدَّى حدودَ اللَّهِ، وذلك لا يتحقَّق إلاَّ في حقِّ الكافر، فإنَّهُ هو الَّذي تعدّى جميعَ حدودَ اللَّه، فَإنَّا نقولُ : هذا مدفوع من وجهين :
الأوَّلُ : أنَّا لو حملنا هذه الآية على تعدي جميع حدود اللَّه خرجت الآية عن الفائدة، لأنَّ اللَّه تعالى نهى عن اليهوديَّةِ والنَّصرانية، والمجوسيَّة، فتعدي جميع هذه النَّواهي وتركها إنما يكون بأن يأتي اليهودية والنصرانية والمجوسية معاً، وذلك محال، فثبت أن تعدي جميع حدود اللَّه محالٌ، وإذا كان كذلك علمنا أنَّ المراد منه أي حدٍّ كان من حدود اللَّه. 
الثَّاني : أنَّ هذه الآية مذكورة عقيب قسمة المواريث فيكونُ المراد فيها التّعدي في الحدود المذكورة في قسمة الموارث. 
وأجيب[(١١)](#foonote-١١) بأنَّا أجمعنا على أنَّ هذا الوعيد مختصٌّ بعدم التَّوْبَةِ ؛ لأنَّ الدَّليل دَلَّ على أنَّهُ إذا تابَ لم يبق هذا الوعيد فكذلك يجوز أن يكون مشروطاً بعدم العَفْوِ، فإنَّ بتقدير[(١٢)](#foonote-١٢) قيام الدلالة على حصول العفو يمتنع بقاء هذا الوعيد عند حصول العفوِ، ونَحْنُ قَدْ ذَكَرْنَا الدلائل[(١٣)](#foonote-١٣) الدّالة على حصول العفو، ثمَّ نقول : هذا العموم مخصوصٌ بالكافر[(١٤)](#foonote-١٤) لوجهين :
الأوَّلُ : أنا إذا قلنا لكم : ما الدَّليلُ على أنَّ كلمة " من " في معرض الشَّرط تفيد العموم ؟ قلتم : لأنَّهُ يصحُّ الاستثناء، \[ منه، والاستثناء \][(١٥)](#foonote-١٥) يخرج من الكلام ما لولاه لدخل فيه، فنقول : إنْ صح هذا الدَّليل فهو يَدُلُّ على أنَّ قوله  وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ  يختص بالكافرِ ؛ لأن جميع المعاصي يَصِحُّ استثناؤها من هذا اللفْظِ، فَيُقَال : ومن يعص الله ورسوله إلاَّ فِي الكُفْرِ، وإلاَّ في الفسق، وحكم الاستثناء إخراج ما لولاه لدخل، فهذا يقتضي[(١٦)](#foonote-١٦) أن قوله : وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ  في جميع أنواع المعاصي والقبائح، وذلك لا يتحقَّق إلاَّ فِي حَقِّ الكافِرِ، وقوله[(١٧)](#foonote-١٧) : الإتيان بجميع المعاصي محال قال : وذلك لأنَّ الإتيان باليهوديَّة والنصرانيَّة والمجوسية معاً محال، فنقول : ظاهر اللَّفظ يقتضي العموم إلاَّ إذَا قَامَ مُخَصَّصٌ عقليّ أو شرعيّ، وعلى هذا التقدير يسقط سؤالهم. 
والوجه الثاني : في بيان تخصيص العموم بالكافر، أنَّ قوله : وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ  يفيد كونه فاعلاً للمعصية والذّنب، فقوله :" ويتعد حدوده " لو كان المرادُ منه عينُ ذلك للزم التّكرار، وهو خلافُ الأصْلِ فوجب حمله على الكفر، وقولهم : تحمل هذه الآية على تعدّي الحدود المذكورة في المواريث. 
قلنا : هَبْ أنَّ الأمرَ كذلك إلاَّ أنَّهُ يسقط ما ذكرناه من السُّؤال بهذا الكلام ؛ لأنَّ التَّعدي في حدود المواريث تارة \[ يكون \][(١٨)](#foonote-١٨) بأن يعتقد أنَّ تلك التَّكاليف، والأحكام حقٌّ وواجبة القبول، إلاَّ أنَّهُ يتركها، وتارة \[ يكون \][(١٩)](#foonote-١٩) بأن يعتقد أنَّهَا واقعة لا على وجه الحكمة والصَّواب، فيكون هذا هو الغاية من تعدي الحدود وأمَّا[(٢٠)](#foonote-٢٠) الأوَّلُ فلا يكاد يطلقُ في حَقِّهِ أنه تعدى حدود اللَّهِ، وَإلاَّ لزم وقوع التَّكرار، فعلمنا أنَّ هذا الوعيد مختصّ بالكافر الذي لا يرضى بما قسمه اللَّهُ من المواريث. 
### فصل


قال ابن عبَّاسٍ[(٢١)](#foonote-٢١) : الإضرار في الوصيَّة من الكبائر ؛ لأنَّهُ عَقَّبَ هذه الآية بالوعيد. 
وفي الحديث " إنَّ الرَّجُلَ لَيَعْمَلَ بعَمَلِ أهْلِ الْجَنَّةِ سَبْعِينَ سَنَةً فَيَحِيفُ فِي وَصِيَّتِهِ فيختم له \[ اللَّهُ \][(٢٢)](#foonote-٢٢) بشر عمله فيدخل النار، وإنَّ الرَّجل ليعمل بعمل أهل النَّار سبعين سنةً فيعدلُ في وصيَّتِه فيختم له بخير فيدخل الجنة ". 
وفي الحديث :" مَنْ قَطَعَ مِيراثاً فرضه اللَّهُ قطع اللَّهُ ميراثه من الجنة " [(٢٣)](#foonote-٢٣) والزيادة في الوصيَّة[(٢٤)](#foonote-٢٤) تدل على الحسرة الشديدة وذلك من أكبر الكبائر. 
١ ينظر: تفسير الرازي ٩/١٨٤..
٢ ينظر: المصدر السابق..
٣ في أ: وهو لغير مذكور معنى..
٤ ستأتي في الأحزاب..
٥ ينظر أوضح المسالك ١/١٩٦، وتخليص الشواهد ص ١٨٦، والدرر ٢/٩، وشرح الأشموني ١/٩٣، وشرح التصريح ١/١٦٢، وشرح ابن عقيل ص ١٠٩، وهمع الهوامع ١/٩٦ والدر المصون ٢/٣٢٨..
٦ في أ: بأبوها..
٧ في أ: بأبوها..
٨ انظر: السبعة ٢٢٨، والحجة ٣/١٤٠، وحجة القراءات ١٩٣، والعنوان ٨٣، وإعراب القراءات ١/١٣٠، وشرح شعلة ٣٣٥، وشرح الطيبة ٤/١٩٥، وإتحاف ١/٥٠٥..
٩ ينظر: الرازي ٩/١٨٤، ١٨٥..
١٠ في أ: قدمت..
١١ في أ: وأجيبوا..
١٢ في أ: بتقديم..
١٣ في أ: الدليل..
١٤ في أ: للكافر..
١٥ سقط في أ..
١٦ في ب: فهاهنا..
١٧ في ب: وقولهم..
١٨ سقط في أ..
١٩ سقط في أ..
٢٠ في ب: فأما..
٢١ ينظر: تفسير الرازي ٩/١٨٣..
٢٢ سقط في ب..
٢٣ ذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٢/١٢٨) وعزاه إلى ابن أبي شيبة وسعيد بن منصور عن سليمان بن موسى مرسلا.
 وذكره المتقي الهندي في "كنز العمال" (٣٠٤٠٠) وعزاه إلى سعيد بن منصور عن سليمان بن موسى مرسلا..
٢٤ زيادة في ب" قطع من الميراث ولأن مخالفة أمر الله تعالى عند القرب من الموت"..

### الآية 4:14

> ﻿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ [4:14]

نص مكرر لاشتراكه مع الآية ١٣:لما بَيَّنَ سهام المواريث ذكر الوعد والوعيد، ترغيباً في الطَّاعة وترهيباً عن المعصية. 
وقوله تعالى : تِلْكَ  إشارة إلى ما ذكر من المواريث ؛ لأنَّ الضَّمير يعود إلى أقرب مذكورٍ. 
وقيل : إشارة إلى كُلِّ ما ذكر من أوَّلِ السُّورة إلى هنا من أحكام أموال اليتامى، والأنكحة، وأحكام المواريث، قاله الأصمُّ[(١)](#foonote-١) ؛ لأنَّ الأقرب إذا لم يمنع من عوده إلى الأبعد وجب عوده إلى الكُلِّ ؛ ولأنَّ المراد بحدود اللَّهِ : الأحكام التي ذكرها وبيَّنها، ومنه حدود الدّار ؛ لأنَّها تميزها من غيرها. 
قوله : وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ  وقوله : وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ . 
قيل : مختصٌّ بمن أطاع أو عصى في هذه التَّكاليف المذكورة في هذه السُّورة. 
وقال المحقِّقُون[(٢)](#foonote-٢) : بل هو عام ؛ لأنَّ اللَّفظَ عامٌّ فيتناول الكُلَّ. 
قوله : يُدْخِلْهُ  حَمَلَ على لفظ " مَنْ "، فَأفْرَدَ الضَّميرَ في قوله : يُطِعِ اللَّهَ  و  يُدْخِلْهُ  وعلى معناها، فجمع في قوله : خَالِدِينَ  وهذا أحسنُ الحَمْلَيْنِ، أعني : الحمل على الَّلفظ، ثم على المعنى، ويجوز العكس، وإن كان ابن عطيَّة قد منعه وليس بشيء لثبوته عن العرب، وَقَد تَقَدَّمَ ذلك مِرَاراً، وفيه تفصيلٌ، وله شروط مذكورة في كتب النحوِ. 
قوله : خَالِدِينَ  في نصبه وجهان :
أظهرهما : أنَّهُ حال من الضمير المنصوب في  يُدْخِلْهُ  وَلاَ يَضُرُّ تَغَايُرُ الحال وصاحبها من حيث كانت جمعاً وصاحِبُها مفرداً، لما تقدَّم من اعتبار الَّلفْظِ والمَعْنَى وهي مقدّرة ؛ لأنَّ الخلود بعد الدُّخول. 
والثَّاني : أن يكون نَعْتاً ل  جَنَّاتٍ  من باب ما جَرَى على موصوفه لَفْظاً، وهو لغيره معنىً[(٣)](#foonote-٣)، نحو : مررت برجُلٍ قائمةٍ أمُّه، وبامرأة حَسَنٍ غُلامُها، ف " قائمة " وحسنٍ وإن كانا جَارِيينِ على ما قبلهما لَفْظاً فهما لِما بَعْدَهما معنىً، وأجازَ ذلك في الآية الكريمة الزَّجَّاجُ وتبعه التبرِيزيُّ، إلاَّ أنَّ الصِّفة إذا جَرَتْ على غير مَنْ هي له وجب إبرازُ الضَّمير مطلقاً على مذهب البصريين ألْبسَ أو لم يُلْبسْ. 
وَأمَّا الكوفيون فيفصِّلون، فيقولون : إذا جرت الصِّفة على غير مَنْ هي له، فإنْ ألْبسَ وَجَبَ إبرازُ الضمير، كما هو مذهبُ البصريين ؛ نحو :" زيدٌ عمرو ضاربُه هو "، إذا كان الضربُ واقعاً من زيد على عمرو، فإن لم يُلْبسْ لم يَجِبِ الإبرازُ، نحو :" زيدٌ هندُ ضاربُها "، إذا تَقَرَّرَ هذا فَمذهَبُ الزَّجَّاجِ في الآية إنَّمَا يتمشَّى على رأي الكوفيين، وهو مذهب حَسَنٌ. 
واستدلَّ مَنْ نَصَرَ مذهب الكوفيين بالسَّمَاعِ، فمنه قراءة مَنْ قرأ[(٤)](#foonote-٤)  إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ  \[ الأحزاب : ٥٣ \] بجر " غير " مع عدم بروز الضمير، ولو أبْرَزَهُ لقال : غير ناظرين إناه أنتم. 
ومنه قول الآخر :\[ البسيط \]قَوْمِي ذُرَا المَجْدِ بَانُوهَا وَقَدْ عَلِمَتْ  بِكُنْهِ ذَلِكَ عَدْنَانٌ وقَحْطَانُ[(٥)](#foonote-٥)ولم يقل : بَانُوهَا هُمْ. 
وقد خَرَّج بعضهمُ البيت على حذف مبتدأ، تقديره : هم بانوها[(٦)](#foonote-٦) ف " قومي " مبتدأ أوَّلٌ، و " ذُرا " مبتدأ ثان، و " هُمْ مبتدأ ثالث، و " بانوها " [(٧)](#foonote-٧) خبر الثَّالث والثَّالِثُ وخبره خبر الثَّاني والثاني وخبره خبر الأوَّل. 
وقد منع الزمخشريُّ كون " خَالِدينَ " و " خَالِداً " صفةٌ ل " جَنَّاتِ " و " ناراً ". فقال : فإن قلت : هل يجوز أن يكونا صفتين ل " جنات " و " ناراً " ؟ قلت : لا لأنَّهما جَرَيَا على غير مَنْ هُمَا له، فلا بُدَّ مِنْ الضَّميرِ في قولك :" خالدين هم فيها "، و " خالداً هو فيها ". 
ومنع أبُو البَقَاءِ ذلك أيضاً بعدم إبراز الضمير لكن مع " خالداً " ولم يتعرض لذلك مع " خالدين " ولا فرق بَيْنَهُما، ثم حكى جواز ذلك عن الكوفيين، وهذا المنع على مذهب البصريين كما تقدَّمَ. 
وقرأ[(٨)](#foonote-٨) نافعٌ وابنُ عَامِرٍ هنا " نُدْخِلْهُ " في الموضعين، وفي سورة الفتح \[ الآية ١٧ \] وفي سورة التغابن \[ الآية ٩ \] والطلاق \[ الآية ١١ \] بنون العظمة، والباقون بالياء، والضميرُ للَّه تعالى. 
فإن قيل : كيف جمع  خَالِدِينَ  في الطائعين، وأفرد خالداً في العاصين ؟. 
فالجواب : قالوا : لأنَّ أهلَ الطَّاعة أهلُ الشَّفاعة، فلمَّا كانوا يَدْخُلون هو والمشفوُعُ لهم ناسب ذلك الجمع، والعاصي لا يَدْخُلُ به غيرهُ النارَ، فناسَبَ ذلك الإفرادُ. 
قوله : تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ  هذه الجملةُ في محل نصبِ صفةً ل " جنات "، وقد تقدم مراراً أن المنصوب بعد " دخل " من الظروف هل نَصْبُهُ نصبُ الظُّروف، أو نَصْبُ المفعول به ؟
الأوَّل : قول الجمهور. 
والثاني : قول الأخفش، فكذلك  جَنَّاتٍ ، و  نَاراً . 

### فصل


قالت المعتزلةُ[(٩)](#foonote-٩) : هذه الآية دلَّت على أنَّ العصاة من أهل الصَّلاة يخلدون في النَّار ؛ لأنَّ قوله  وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ  إمَّا أن يختص بمن تعدَّى الحدود المتقدمة، وهي حدود المواريث أو يدخل فيها ذلك وغيره، وعلى هذا يلزمُ دخول من تَعَدَّى في المواريث في هذا الوعيد، وذلك عام فيمن تَعَدَّى، وهو مِنْ أهل الصَّلاة، أو ليس من أهل الصَّلاة فدلّت هذه[(١٠)](#foonote-١٠) الآية على القطع بالوعيد وعلى الخلود، ولا يقال على هذا الوعيد مختص بمن تَعَدَّى حدودَ اللَّهِ، وذلك لا يتحقَّق إلاَّ في حقِّ الكافر، فإنَّهُ هو الَّذي تعدّى جميعَ حدودَ اللَّه، فَإنَّا نقولُ : هذا مدفوع من وجهين :
الأوَّلُ : أنَّا لو حملنا هذه الآية على تعدي جميع حدود اللَّه خرجت الآية عن الفائدة، لأنَّ اللَّه تعالى نهى عن اليهوديَّةِ والنَّصرانية، والمجوسيَّة، فتعدي جميع هذه النَّواهي وتركها إنما يكون بأن يأتي اليهودية والنصرانية والمجوسية معاً، وذلك محال، فثبت أن تعدي جميع حدود اللَّه محالٌ، وإذا كان كذلك علمنا أنَّ المراد منه أي حدٍّ كان من حدود اللَّه. 
الثَّاني : أنَّ هذه الآية مذكورة عقيب قسمة المواريث فيكونُ المراد فيها التّعدي في الحدود المذكورة في قسمة الموارث. 
وأجيب[(١١)](#foonote-١١) بأنَّا أجمعنا على أنَّ هذا الوعيد مختصٌّ بعدم التَّوْبَةِ ؛ لأنَّ الدَّليل دَلَّ على أنَّهُ إذا تابَ لم يبق هذا الوعيد فكذلك يجوز أن يكون مشروطاً بعدم العَفْوِ، فإنَّ بتقدير[(١٢)](#foonote-١٢) قيام الدلالة على حصول العفو يمتنع بقاء هذا الوعيد عند حصول العفوِ، ونَحْنُ قَدْ ذَكَرْنَا الدلائل[(١٣)](#foonote-١٣) الدّالة على حصول العفو، ثمَّ نقول : هذا العموم مخصوصٌ بالكافر[(١٤)](#foonote-١٤) لوجهين :
الأوَّلُ : أنا إذا قلنا لكم : ما الدَّليلُ على أنَّ كلمة " من " في معرض الشَّرط تفيد العموم ؟ قلتم : لأنَّهُ يصحُّ الاستثناء، \[ منه، والاستثناء \][(١٥)](#foonote-١٥) يخرج من الكلام ما لولاه لدخل فيه، فنقول : إنْ صح هذا الدَّليل فهو يَدُلُّ على أنَّ قوله  وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ  يختص بالكافرِ ؛ لأن جميع المعاصي يَصِحُّ استثناؤها من هذا اللفْظِ، فَيُقَال : ومن يعص الله ورسوله إلاَّ فِي الكُفْرِ، وإلاَّ في الفسق، وحكم الاستثناء إخراج ما لولاه لدخل، فهذا يقتضي[(١٦)](#foonote-١٦) أن قوله : وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ  في جميع أنواع المعاصي والقبائح، وذلك لا يتحقَّق إلاَّ فِي حَقِّ الكافِرِ، وقوله[(١٧)](#foonote-١٧) : الإتيان بجميع المعاصي محال قال : وذلك لأنَّ الإتيان باليهوديَّة والنصرانيَّة والمجوسية معاً محال، فنقول : ظاهر اللَّفظ يقتضي العموم إلاَّ إذَا قَامَ مُخَصَّصٌ عقليّ أو شرعيّ، وعلى هذا التقدير يسقط سؤالهم. 
والوجه الثاني : في بيان تخصيص العموم بالكافر، أنَّ قوله : وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ  يفيد كونه فاعلاً للمعصية والذّنب، فقوله :" ويتعد حدوده " لو كان المرادُ منه عينُ ذلك للزم التّكرار، وهو خلافُ الأصْلِ فوجب حمله على الكفر، وقولهم : تحمل هذه الآية على تعدّي الحدود المذكورة في المواريث. 
قلنا : هَبْ أنَّ الأمرَ كذلك إلاَّ أنَّهُ يسقط ما ذكرناه من السُّؤال بهذا الكلام ؛ لأنَّ التَّعدي في حدود المواريث تارة \[ يكون \][(١٨)](#foonote-١٨) بأن يعتقد أنَّ تلك التَّكاليف، والأحكام حقٌّ وواجبة القبول، إلاَّ أنَّهُ يتركها، وتارة \[ يكون \][(١٩)](#foonote-١٩) بأن يعتقد أنَّهَا واقعة لا على وجه الحكمة والصَّواب، فيكون هذا هو الغاية من تعدي الحدود وأمَّا[(٢٠)](#foonote-٢٠) الأوَّلُ فلا يكاد يطلقُ في حَقِّهِ أنه تعدى حدود اللَّهِ، وَإلاَّ لزم وقوع التَّكرار، فعلمنا أنَّ هذا الوعيد مختصّ بالكافر الذي لا يرضى بما قسمه اللَّهُ من المواريث. 

### فصل


قال ابن عبَّاسٍ[(٢١)](#foonote-٢١) : الإضرار في الوصيَّة من الكبائر ؛ لأنَّهُ عَقَّبَ هذه الآية بالوعيد. 
وفي الحديث " إنَّ الرَّجُلَ لَيَعْمَلَ بعَمَلِ أهْلِ الْجَنَّةِ سَبْعِينَ سَنَةً فَيَحِيفُ فِي وَصِيَّتِهِ فيختم له \[ اللَّهُ \][(٢٢)](#foonote-٢٢) بشر عمله فيدخل النار، وإنَّ الرَّجل ليعمل بعمل أهل النَّار سبعين سنةً فيعدلُ في وصيَّتِه فيختم له بخير فيدخل الجنة ". 
وفي الحديث :" مَنْ قَطَعَ مِيراثاً فرضه اللَّهُ قطع اللَّهُ ميراثه من الجنة " [(٢٣)](#foonote-٢٣) والزيادة في الوصيَّة[(٢٤)](#foonote-٢٤) تدل على الحسرة الشديدة وذلك من أكبر الكبائر. 
١ ينظر: تفسير الرازي ٩/١٨٤..
٢ ينظر: المصدر السابق..
٣ في أ: وهو لغير مذكور معنى..
٤ ستأتي في الأحزاب..
٥ ينظر أوضح المسالك ١/١٩٦، وتخليص الشواهد ص ١٨٦، والدرر ٢/٩، وشرح الأشموني ١/٩٣، وشرح التصريح ١/١٦٢، وشرح ابن عقيل ص ١٠٩، وهمع الهوامع ١/٩٦ والدر المصون ٢/٣٢٨..
٦ في أ: بأبوها..
٧ في أ: بأبوها..
٨ انظر: السبعة ٢٢٨، والحجة ٣/١٤٠، وحجة القراءات ١٩٣، والعنوان ٨٣، وإعراب القراءات ١/١٣٠، وشرح شعلة ٣٣٥، وشرح الطيبة ٤/١٩٥، وإتحاف ١/٥٠٥..
٩ ينظر: الرازي ٩/١٨٤، ١٨٥..
١٠ في أ: قدمت..
١١ في أ: وأجيبوا..
١٢ في أ: بتقديم..
١٣ في أ: الدليل..
١٤ في أ: للكافر..
١٥ سقط في أ..
١٦ في ب: فهاهنا..
١٧ في ب: وقولهم..
١٨ سقط في أ..
١٩ سقط في أ..
٢٠ في ب: فأما..
٢١ ينظر: تفسير الرازي ٩/١٨٣..
٢٢ سقط في ب..
٢٣ ذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٢/١٢٨) وعزاه إلى ابن أبي شيبة وسعيد بن منصور عن سليمان بن موسى مرسلا.
 وذكره المتقي الهندي في "كنز العمال" (٣٠٤٠٠) وعزاه إلى سعيد بن منصور عن سليمان بن موسى مرسلا..
٢٤ زيادة في ب" قطع من الميراث ولأن مخالفة أمر الله تعالى عند القرب من الموت"..


---

### الآية 4:15

> ﻿وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ ۖ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّىٰ يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا [4:15]

لما أمر تعالى في الآية المتقدّمة بالإحسان إلى النساء أمَرَ هنا بالتَّغليظ عليهن فيما يأتينه من الفاحشةِ فإن ذلك إحسان إليهن في الحقيقة. 
وأيضاً وكما يستوفى لخلقه فكذلك يستوفي عليهم وليس في أحكامه محاباة. 
وأيضاً فلا يجعل أمر اللَّه بالإحسان إليهنَّ سبباً لترك إقامة الحدود عليهن فيصيرُ ذلك سبباً لوقوعهن في أنواع المفاسد. 
قوله : وَاللاَّتِي  جمع " التي " في المعنى لا في اللَّفْظِ، لأنَّ هذه صيغٌ \[ موضوعة للتّثنية والجمع، وليس بتثنية ولا جمع حقيقةً. 
وقال أبُو البَقَاءِ :" اللاتي " جمع " التي " على غير قياس. 
وقيل : هي صيغة \][(١)](#foonote-١) موضوعة للجمع، ومثل هذا لا ينبغي أن يَعُدَّه خلافاً، ولها جموعٌ كثيرة : ثلاث عشرةَ لفظة، وهي : اللاتي واللوَاتِي، واللائِي، وبلا ياءات فهذه ستٌّ، واللاي بالياء من غير همز، واللا من غير ياء ولا همز، واللَّواء، بالمدِّ، واللَّوا بالقَصْر و " الأُلى " كقوله :\[ الطويل \]

فَأمَّا الأُلَى يَسْكُنَّ غَوْرَ تِهَامَةٍ  فَكُلُّ فَتَاةٍ تَتْرُكُ الْحِجْلَ أفْصَمَا[(٢)](#foonote-٢)إلاَّ أنَّ الكثير أن تكون جمع " الَّذي " و " اللاَّءاتِ " مكسوراً مُطْلَقاً أوْ مُعْرباً إعرابَ جمع المؤنَّث السَّالم كقوله :\[ الطويل \]أولَئِكَ إخْوَانِي الَّذِينَ عَرَفْتُهُمْ  وأخدَانُكَ اللاَّءَاتُ زُيِّنَ بِالْكَتَمْ[(٣)](#foonote-٣)برفع اللاَّءات. 
قال ابن الأنباريِّ : العرب تقولُ في الجمع من غير الحيوان، الّتي، ومن الحيوان : اللاتي، كقوله : أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَاماً  \[ النساء : ٥ \]. 
وقال في هذه الآية : اللاتي، واللائي، والفرق هو أن الجمع من غير الحيوان سبيله سبيل الشيء الواحد وأمَّا جمع الحيوان ليس كذلك بل كلُّ واحدةٍ منهما غير متميزة عن غيرها بخواص[(٤)](#foonote-٤) وصفات فافترقا، ومن العَرَبِ من يسوِّي بين البابين، فيقولُ : كما فعلت الهندات التي من أمرها كذا، وما فعلت الأثواب التي من قصتهن كذا، والأوَّلُ هو المختار وفي محلِّ " اللاتي " قولان :
أحدهما : أنَّهُ رفعٌ بالابتداء، وفي الخبر حينئذ وجهان :
أحدهما : الجملة من قوله : فَاسْتَشْهِدُواْ عَلَيْهِنَّ  وجاز دخول الفاء زائدة في الخبر، وإن لم يَجُزْ زيادتها في نحو :" زيدٌ فاضرِبْ " على رأي الجمهور ؛ لأنَّ المبتدأ أشبه الشرط في كونه موصولاً عامّاً صلته فِعْلُ مستقبل، والخبرُ مستحقٌّ بالصّلة. 
الوجه الثاني : أنَّ الخبر محذوف، والتقدير :" فيما يتلى عليكم حكم اللاتي " فحذف الخبر والمضاف إلى المبتدأ للدلالة عليهما، وأقيمَ المضافُ إليه مُقامَه، وهذا نظيرُ ما فَعَلَهُ سيبويه في نحو : الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُواْ  \[ النور : ٢ \]
 وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُواْ  \[ المائدة : ٣٨ \]، أي فيما يُتلى عليكم حُكْمُ الزانية، ويكون قوله :" فاستشهدوا عليهن " " فاجلدوا " دالاًّ على ذلك الحكم المحذوف لأنه بيان له. 
والقولُ الثاني : أنَّ محلَّهُ نصبٌ، وفيه وجهان :
أحدهما : أنَّه منصوبٌ بفعل مقدر لدلالة السِّياق عليه لا على جهة الاشتغال لما سنذكره، والتقدير : اقصدوا اللاتي يأتين، أو تعمَّدوا ولا يجوز أن ينتصب بفعل مضمر يفسره قوله :" فاستشهدوا " فتكون المسألةُ من باب الاشتغال ؛ لأنَّ هذا الموصولَ أشبَهَ اسْمَ الشّرطِ، كما تقدَّم تقديره، واسم الشرط لا يجوز أن ينتصب على الاشتغال، لأنَّهُ لا يعمل فيه ما قبله فلو نصبناه بفعل فقد لزم أن يعمل فيه ما قبله هذا ما قاله بعضهمْ، ويقرُبُ منه ما قاله أبُو البَقَاءِ فإنَّهُ قال : وإذا كان كذلك، أي : كونه في حُكْمِ الشَّرْطِ لم يحسن النَّصب، لأنَّ تقدير الفعل قبل أداء الشَّرط لا يجوز، وتقديره بعد الصِّلةَ يحتاج إلى إضمار فعل غير قوله " فاستشهدوا " ؛ لأن " استشهدوا " لا يَصِحُّ أن يعمل النصب في " اللاتي "، وفي عبارته مناقشةٌ يطولُ ذكرُهَا. 
والثَّاني : أنَّهُ منصوب على الاشتغال، ومَنَعُهُمْ ذلك بأنَّه يَلْزَمُ أن يعمل فيه ما قبله جوابه أنَّا نُقَدِّرُ الفعلَ بعده لا قَبْلَهُ[(٥)](#foonote-٥)، وهذا خلافٌ مشهور في أسماءِ الشَّرْطِ والاستفهام، هل يَجْرِي فيها الاشتغال أم لا ؟. 
فمنعه قَوْمٌ لِمَا تقدم وأجازه آخرون مقدَِّرين الفعل بعد الشَّرْطِ والاستفهامِ. وكونُهُ منصوباً على الاشتغال هو ظاهر كلام مكِّيٍّ، فإنَّهُ ذكر ذلك في قوله :
 وَاللَّذَانَ يَأْتِيَانِهَا مِنكُمْ فَآذُوهُمَا  \[ النساء : ١٦ \] فالآيتانُ من وادٍ واحد ولا بُدَّ من إيراد نَصِّه لِيتَّضِحَ لك قوله ؛ قال - رحمه الله - : وَاللَّذَانَ يَأْتِيَانِهَا  \[ النساء : ١٦ \] الاختيار عند سيبويه في " اللذان " الرفع، وإن كان معنى الكلام الأمْرَ ؛ لأنَّه لمَّا وَصَلَ بالفعلِ تمكَّنَ معنى الشَّرط فيه، إذْ لا يقع على شيء بعينه، فلمَّا تمكَّنَ معنى الشَّرط والإبهام جرى مَجْرَى الشَّرطِ في كونه لم يَعْمل فيه مَا قَبْلَهُ، كما لا يعمل في الشَّرط ما قبله من مُضْمَر أو مظهر، ثم قال :" والنَّصْبُ جائِزٌ على إضمارِ فعل ؛ لأنَّهُ إنَّما أشبه الشّرط، وليس الشبيه بالشيءِ كالشيءِ في حكمه " انتهى. 
وليس لقائل أن يَقُولَ : مُرَادُهُ النَّصْبُ[(٦)](#foonote-٦) بإضمار فعل[(٧)](#foonote-٧) النَّصب على الاشتغال، بل بفعلٍ مدلولٍ عليه كما تَقَدَّمَ نقله عن بعضهم، لأنه لم يكُنْ لتعليله بقوله :" لأنه إنما أشبه الشرط إلى آخره " فائدة، إذ النصبُ كذلك لا يحتاج إلى هذا الاعتذار. 
### فصل


قال القرطبيُّ[(٨)](#foonote-٨) : الفاحشة في هذا الموضع الزنا، فالمرادُ بالفاحشة : الفعلة القبيحة وهي مصدر كالعَاقِبَةِ والعَافِيَةِ، وقرأ[(٩)](#foonote-٩) ابن مسعود " بالفاحشة " بباء الجرِّ وقوله :" من نسائكم " في محلِّ النّصب على الحال من الفاعل في " يأتين "، فهو يتعلق بمحذوفٍ أي : يأتين كائناتٍ من نسائكم. 
**وأما قوله :" منكم " ففيه وجهان :**
أحدهما : أن يتعلَّق بقوله :" فاستشهدوا ". 
والثاني : أن يَتَعَلَّق بمحذوفٍ على أنَّهُ صفة ل " أربعة " فيكون في محل نصبٍ تقديره : فاستشهدوا عليهنَّ أربعةً كائنة منكم. 
### فصل


معنى يأتين الفاحشة أي يفعلنها يقال[(١٠)](#foonote-١٠) : أتيت أمراً قبيحاً، أي : فعلته قال تعالى :
 لَقَدْ جِئْتِ شَيْئاً فَرِيّاً  \[ مريم : ٢٧ \] وقوله تعالى : لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئاً إِدّاً  \[ مريم : ٨٩ \] وقال ابن مسعود[(١١)](#foonote-١١) " بالفاحشة " هي الفعلة القبيحة. 
قال أهل اللُّغَةِ هي مصدر كالعاقبة والعافية، ويُقَالُ : فحش الرَّجُلُ بمعنى تفحش فحشاً وفاحشة[(١٢)](#foonote-١٢) وأفحش إذا جَاءَ بالقبيح من القول والفعل، وأجمعوا على أنَّ المراد بالفاحشة هنا الزّنا، وإنَّما تطلق الفاحشةُ على الزِّنا لزيادتها في القُبْحِ على كثير من القَبَائِحِ. 
فإن قيل : الكفرُ أقْبَحُ منه، وقتل النفس أقبح منه، ولا يُسمَّى ذلك فاحشة ؟
**فالجوابُ من وجهين :**
الأوَّلُ : أنَّ الكفرَ لا يستحقه الكافر من نفسه ولا يعتقده قبحاً[(١٣)](#foonote-١٣)، بل يعتقده صواباً، وكذلك المقبل على الشجاعة يُقْدِمُ عليها من يراها حسنةً وأمَّا الزِّنَا ففاعله يعلمُ قُبْحَهُ \[ ويُقْدِمُ عَلَيْهِ \][(١٤)](#foonote-١٤) وَيُوَافِق على فحشه. 
الثاني : قال ابن الخطيب[(١٥)](#foonote-١٥) : إنَّ القُوَى المدَبرة لقوى الإنسان ثلاثة القُوَى النّاطقة، والقوَّةُ الغضبية، والقوّة الشَّهوانيةُ وفساد القوَّة النَّاطقة هو الكفر والبدعة وما يشبههما، وفساد القوَّة الغضبية هو القتل وما يشبهه وأخس[(١٦)](#foonote-١٦) هذه القوى الثلاثة القوة الشَّهوانية فلا جَرَمَ كَانَ فَسَادُهَا أخس أنواع الفساد، فلهذا السبب خُصَّ هذا العمل بالفاحشةِ. 
### فصل في شهود الزنا


قوله : فَاسْتَشْهِدُواْ عَلَيْهِنَّ أَرْبَعةً مِّنْكُمْ  أي : من المسلمين فجعل اللَّهُ الشهادةَ على الزنا خاصة بأربعة تغليظاً على المدَّعي وستراً على العباد. 
وقال القرطبيُّ[(١٧)](#foonote-١٧) : وتعديل الشهود بأربعة في الزّنا حكم ثابت في التّوراة والإنجيل والقرآن[(١٨)](#foonote-١٨) ؛ قال الله تعالى : وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُواْ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ  \[ النور : ٤ \] وقال هنا : فَاسْتَشْهِدُواْ عَلَيْهِنَّ أَرْبَعةً مِّنْكُمْ  وروى أبو داود عن جابر بن عبد اللَّه : جاءت اليهودُ برجُلٍ وامرأةٍ زنيا، فقال عليه السَّلام :" ائْتُونِي بأعْلَمَ رَجُلَيْنِ[(١٩)](#foonote-١٩) مِنْكُم "، فَأتَوْهُ بابْنَي صُورِيَا فَنَشَدهُمَا : كَيْفَ تَجِدَانِ أمْرَ هَذَيْنِ في التَّوْرَاةِ ؟ قَالاَ : نَجِدُ في التَّوراةِ إذَا شَهِدَ أرْبَعةٌ أنَّهمُ رأوا ذكَرَهُ في فَرْجِهَا مِثلَ الْميلِ فِي المُكْحلةِ رُجِمَا قَالَ : فما يَمْنَعُكُمَا أن تَرْجُمُوهُمَا ؟ قَالاَ : ذَهَبَ سُلْطَانُنَا فَكَرِهْنَا الْقَتْلَ ؛ فَدَعَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم الشُّهُودَ فَشَهِدُوا أنَّهُم رَأوا ذَكَرَهُ فِي فَرْجِهَا مِثْلَ الْميلِ فِي المُكْحلةِ فَأمَرَ رَسولُ اللَّه صلى الله عليه وسلم بِرَجْمِهِمَا ". 
وقال قومٌ : إنَّمَا كان الشُّهود في الزِّنا أربعة ليترتب شاهدان على كل واحد من الزانيين كسائر الحقوق ؛ إذْ هو حقٌّ يؤخذ[(٢٠)](#foonote-٢٠) من كلِّ واحد منهما، وهذا ضعيف ؛ فإنَّ اليمين تدخل من الأموال والَّلوْثُ في القسامة ولا يدخلُ لواحد منهما هنا. 
### فصل


قال جمهورُ المفسرين[(٢١)](#foonote-٢١) : المراد من هذه الآية أنَّ المرأةَ إذا أتَت[(٢٢)](#foonote-٢٢) الزِّنَا فإن شَهِدَ عَلَيْهَا أربعةُ رجال أحرار عدول أنَّها زنت ؟ أمْسِكَتْ في بيت محبوسة، إلى أن تموت أو يجعل اللَّهُ لها سبيلاً، وقال أبُو مُسْلِمٍ : المرادُ من هذه الفاحشة السَّحاقات وَحَدُّهن[(٢٣)](#foonote-٢٣) الحبس إلى الموتِ، والمرادُ من قوله : وَاللَّذَانَ يَأْتِيَانِهَا مِنكُمْ  \[ النساء : ١٦ \] أهل اللواطُ وَحَدُّها الأذى بالقول والفعل، والمراد بالآية المذكورة في سورة النُّورِ : الزنا بين الرَّجل والمرأة وَحَده في البكر الجلد، وفي المحصن الرَّجم، ويَدُلُّ على ذلك وجوه :
أحدها : أن قوله : وَاللاَّتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِن نِّسَآئِكُمْ  مخصوص بالنّسوان وقوله :
 وَاللَّذَانَ يَأْتِيَانِهَا مِنكُمْ  \[ النساء : ١٦ \] مَخْصُوصٌ بالرِّجال ؛ لأنَّ قوله " اللذان " تثنية المذكر. 
فإنْ قيل : لم لا يجوزُ أن يكونَ المراد من قوله : وَاللَّذَانَ  الذّكر والأنثى إلاَّ أنَّه غلب لفظ الذَّكر. 
فالجوابُ : لو كان كذلك لما أفرد ذكر النِّساء من قبل، فلما أفرد ذكرهن ثم ذكر بعده قوله : وَاللَّذَانَ يَأْتِيَانِهَا مِنكُمْ  سقط هذا الاحتمال. 
وثانيها : أنَّ على هذا التقدير لا يحتاج إلى التزام النسخ في شيء من الآيات بل يكون حكم كلِّ واحد منهما باقياً مقرراً وعلى ما ذكر ثم يلزمُ النسخ في هاتين[(٢٤)](#foonote-٢٤) الآيتين والنَّسخ خلافُ الأصل. 
ثالثها : أنَّ على التقدير الَّذي ذكرتم يكون قوله : وَاللاَّتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ  في الزنا، وقوله : وَاللَّذَانَ يَأْتِيَانِهَا مِنكُمْ  في الزِّنَا أيضاً فيفضي إلى تكرار[(٢٥)](#foonote-٢٥) الشيء الواحد في الموضع الواج١ سقط في ب..
٢ البيت لعمارة بن راشد. ينظر العيني ١/٤٥٣ واللسان (فصم) والمقاصد النحوية ١/٤٥٣ والدر المصون ٢/٣٢٩..
٣ ينظر الدرر ١/٢٦٦، ولسان العرب (خلل) (لتا)، وهمع الهوامع ١/٨٣، والدر المصون ٢/٣٢٩..
٤ في ب: نحو أصف..
٥ في ب: قبله لا بعده..
٦ في أ: بالنصب..
٧ في أ: قول..
٨ ينظر: تفسير القرطبي ٥/٥٥..
٩ انظر: المحرر الوجيز ٢/٢١، والبحر المحيط ٣/٢٠٥..
١٠ ينظر: تفسير الرازي ٩/١٨٦..
١١ ينظر: المحرر الوجيز ٢/٢١، والبحر المحيط ٣/٢٠٥..
١٢ في ب: وأفحش..
١٣ في ب: قبيحا..
١٤ سقط في ب..
١٥ ينظر: تفسير الرازي ٩/١٨٦..
١٦ في ب: أحسن..
١٧ ينظر: تفسير القرطبي ٥/٥٦..
١٨ في ب: والفرقان..
١٩ في أ: رجل..
٢٠ في أ: يوجد..
٢١ ينظر: تفسير الرازي ٩/١٧٨..
٢٢ في ب: نسبت إلى..
٢٣ في أ: وحدهما..
٢٤ في ب: هذين..
٢٥ في ب: تكرير..

### الآية 4:16

> ﻿وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ فَآذُوهُمَا ۖ فَإِنْ تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُوا عَنْهُمَا ۗ إِنَّ اللَّهَ كَانَ تَوَّابًا رَحِيمًا [4:16]

وَاللَّذَانَ يَأْتِيَانِهَا مِنكُمْ فَآذُوهُمَا فَإِن تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُواْ عَنْهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ تَوَّاباً رَّحِيماً  \][(١)](#foonote-١)
 وَاللَّذَانَ  الكلام عليه كالكلام على " اللاتي " إلاَّ أن في كلام أبي البقاء ما يوهمُ جواز الاشتغال فيه فإنه قال : الكلام في " اللذان " كالكلام في " اللاتي " إلاَّ أنَّ مَنْ أجاز النَّصب يَصِحُّ أن يقدِّرَ فعلاً من جنس المذكور، تقديره : آذُوا اللذين ولا يجوز أن يعمل ما بعد الفاء فيما قبلها هاهنا، ولو عَرِيَ من الضَّمير، لأنَّ الفاء هنا في حكم الفاء الواقعة في جواب الشرط، وتلك يقطع ما بعدها عما قبلها، فقوله :" من أجاز النصب " يحتملُ من أجازه النَّصب المتقدِّم في " اللاتي " بإضمار فعلٍ لا على سبيل الاشتغال كما قدَّره هو بنحو " اقصدوا " ويحتمل من أجاز النَّصب على الاشتغال من حيث الجملة، إلاَّ أن هذا بعيدٌ ؛ لأنَّ الآيتين من وادٍِ واحدٍ، فلا يُظَنُّ به أنَّهُ يمنع في إحداهما ويجيزُ في الأخرى، ولا ينفع كون الآية فيها الفعل الذي يفسّر متعدّ بحرف جرّ والفعلُ الَّذي في هذه الآية مُتَعَدٍّ بنفسه، فيكون أقوى، إذ لا أثر لذلك في باب الاشتغال. والضمير المنصوب في " يأتيانهما " للفاحشة. 
وقرأ عبد الله[(٢)](#foonote-٢) " يأتين بالفاحشة "، أي : يَجئْنَ، ومعنى قراءة الجمهور " يَغْشَيْنَها[(٣)](#foonote-٣) ويخالطنها ". 
وقرأ الجمهور " واللذان " بتخفيف النُّون. 
وقرأ ابن كثير[(٤)](#foonote-٤) " واللذانِّ " هنا " واللذينِّ " في السجدة \[ آية ٢٩ \] بتشديد النون، ووجهها[(٥)](#foonote-٥) جعل إحدى النونين عوضاً من الياء المحذوفة الَّتي كان ينبغي أن تبقى، وذلك أن " الَّذي " مثل " القاضي "، و " القاضي " تثبت ياؤه في التثنية فكان حقّ \[ " ياء " \][(٦)](#foonote-٦) " الَّذي " و " الَّتي " أن تثبت في التثنية، ولكنهم حَذَفُوها، إمَّا لأنَّ هذه تثنيةٌ على غَيْرِ القياس ؛ لأنَّ المبهماتِ لا تُثَنَّى حقيقةً، إذ لا يثنى ما يُنَكَّر، والمبهمات لا تنكر، فجعلوا الحذف منبهةً[(٧)](#foonote-٧) على هذا، وإمَّا لطولِ الكلاَمِ بِالصِّلَةِ. 
وزعم ابنُ عصفور أنَّ تشديد النُّون لا يجوزُ إلاَّ مع الألفِ كهذه الآية، ولا يجوز مع الياء في الجرّ والنّصب. 
وقراءة ابن كثير في " حم " السجدة  أَرِنَا اللَّذَيْنِ أَضَلاَّنَا  \[ فصلت : ٢٩ \] حجةٌ عليه. 
قال ابن مقسم[(٨)](#foonote-٨) : إنَّمَا شدّد ابن كثير هذه النّونات لأمرين :
أحدهما : الفرق بين تثنية الأسماء المتمكنة وغير المتمكنة، والآخر : أن " الّذي وهذا " مبنيان على حرفٍ واحدٍ وهو الذَّال، فأرادوا تقوية[(٩)](#foonote-٩) كل واحد منهما، بأن[(١٠)](#foonote-١٠) زادوا على نونها نوناً أخرى من جنسها. 
وقيل : سبب التّشديد فيها أنَّ النون فيها ليست نون التّثنية فأرادوا أن يفرِّقوا بينها وبين نون التثنية. 
وقيل : زادوا النُّون تأكيداً كما زادوا اللام. 
وقرئ[(١١)](#foonote-١١) :" اللَّذَأَنِّ " بهمزة[(١٢)](#foonote-١٢) وتشديد النون، وَوَجْهُهَا أنه لَمَّا شَدَّدَ النون الْتَقَى ساكنان، فَفَرَّ من ذلك بإبدال الألف همزةً، وقد تقدَّم تحقيق ذلك في الفاتحة \[ الآية : ٧ \]. 
وقرأ عبد[(١٣)](#foonote-١٣) الله : والذين يفعلونه منكم  وهذه قراءة مشكلة ؛ لأنَّهَا بصيغة الجمع، وبعدها ضمير تثنية وَقَدْ يُتَكَلَّفُ تخريجٌ لها، وهو أنَّ " الذين " لَمَّا كان شاملاً لصنفي[(١٤)](#foonote-١٤) الذّكورِ والإناثِ عَادَ الضَّميرُ عليه مثنى اعتباراً[(١٥)](#foonote-١٥) بما انْدَرَجَ تحته، وهذا كما عاد ضَمِيرُ الجمع على المُثَنَّى الشّامل لأفرادٍ كثيرة مندرجةٍ تحْتَه، كقوله تعالى :
 وَإِن طَآئِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُواْ  \[ الحجرات : ٩ \]، و هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُواْ 
\[ الحج : ١٩ \] كذا قاله أبو حيان. 
قال شهاب الدِّينِ : وفيه نظر، فإنَّ الفَرْقَ ثابتٌ، وذلك لأن " الطَّائفة " اسم لجماعة[(١٦)](#foonote-١٦)، وكذلك " خَصْم " ؛ لأنَّهُ في الأصل مصدرٌ فأطلِقَ على الجمع. 
وأصل " فآذوهما " فآذِيُوهما، فاستثقلت الضَّمَّةُ على الياء فحذفت، فالتقى ساكنان، فَحُذِفَت الياء الّتي هي لام الكلمة وضُمَّ ما قبل الواوِ لِتَصِحَّ. 
### فصل


اختلفوا في وجهِ هذا التّكرير، فقال مُجَاهِدٌ[(١٧)](#foonote-١٧) : الآية الأولى في النساء وهذه في الرّجال، وَخُصَّ الحبسُ في البيتِ بالمرأة، وخُصَّ الإيذاء بالرجال ؛ لأنَّ المرأة إنَما تقع في الزّنا عند الخروج والبروز، وإذا حبست في البيت انقطعت مادّة هذه المعصية، وأمَّا الرَّجل فلا يمكن حبسه في البيت ؛ لأنَّهُ يحتاج إلى الخروج لإصلاح معاشه، ومهماته، وقوت عياله. 
وقيل : إنّ الإيذاء مشترك بين الرّجُل والمرأة، والحبس كان من خواصّ المرأة. 
وقال السُّدِّيُّ : المرادُ بهذه الآية البكرُ من الرِّجال والنِّساء وبالآية الأولى للثيب[(١٨)](#foonote-١٨) لوجوه :
الأوَّل : قوله : وَاللاَّتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِن نِّسَآئِكُمْ  فأضافهن إلى الأزواج. 
الثَّاني : أنَّهُ سماهنَّ نساء، وهذا الاسم أليق بالثَّيب. 
الثالث : أنَّ الإيذاء أحقّ من الحبس في البيت، والأخف للبكر دون الثّيب. 
وقال أبو مسلم[(١٩)](#foonote-١٩) : الآية الأولى في السّحاقات، وهذه في أهل اللّواط، وقد تَقَدَّمَ. 
وقيل : إنَّهُ بَيَّن في الآية الأولى أنَّ الشهداء على الزِّنَا لا بدّ وأن يكونوا أربعة، وبين في هذه الآية أنَّهم لو كانوا شاهدين فآذوهما بالرّفع إلى الإمام والحدّ، فإن تابا قبل الرفع إلى الإمام فاتركوهما. 
### فصل


قال عطاء وقتادة : قوله " فآذوهما " يعني فعيروهما باللسان[(٢٠)](#foonote-٢٠) : أما خِفْتَ اللَّهَ[(٢١)](#foonote-٢١) ؟ أما استحييت من الله حين[(٢٢)](#foonote-٢٢) زنيت. 
وقال مُجَاهِدٌ : سبوهما واشتموهما[(٢٣)](#foonote-٢٣). 
وقيل : يقال لهما :" بئس ما فعلتما " [(٢٤)](#foonote-٢٤) وخالفتما أمر اللَّه. 
وقال ابن عبَّاس : هو باللسان واليد يُؤذى بالتعيير وضرب النعال[(٢٥)](#foonote-٢٥). 
قوله تعالى : فَإِن تَابَا  أي : من الفاحشة  وَأَصْلَحَا  العمل فيما بعد  فَأَعْرِضُواْ عَنْهُمَا ، فاتركوهما ولا تؤذوهما،  إِنَّ اللَّهَ كَانَ تَوَّاباً رَّحِيماً  ومعنى التواب أنه يعود على عبده بفضله ومغفرته[(٢٦)](#foonote-٢٦) إذا تاب إليه من ذنبه. والله أعلم. 
١ سقط في ب..
٢ انظر: المحرر الوجيز ٢/٢١، والبحر المحيط ٣/٢٠٥..
٣ في ب: يغشاها..
٤ انظر: الحجة ٣/١٤١، وحجة القراءات ١٩٣، ١٩٥، والعنوان ٨٣، وإعراب القراءات ١/١٣٠، وشرح شعلة ٣٣٥، وشرح الطيبة ٤/١٩٧، وإتحاف ١/٥٠٦..
٥ في ب: توجيها..
٦ سقط في ب..
٧ في ب: مبهما..
٨ ينظر: تفسير الرازي ٩/١٩٠..
٩ في أ: تقويته..
١٠ في أ: فإن..
١١ في أ: وقرأ..
١٢ انظر: البحر المحيط ٣/٢٠٧، والدر المصون ٢/٣٣٢..
١٣ انظر: المحرر الوجيز ٢/٢٢، والبحر المحيط ٣/٢٠٧، والدر المصون ٢/٣٣٢..
١٤ في أ: لذكر تصنيفي..
١٥ في أ: تبعا..
١٦ في أ: لجميع..
١٧ ينظر: تفسير الرازي ٩/١٩٠، والبغوي (١/٤٠٦)..
١٨ في ب: لتثبت..
١٩ ينظر: تفسير الرازي ٩/١٩٠..
٢٠ أخرجه الطبري في "تفسيره" (٨/٨٤) عن قتادة..
٢١ في ب: نحو أما خفت الله..
٢٢ في ب: حتى..
٢٣ أخرجه الطبري في "تفسيره" (٨/٨٥) عن مجاهد وذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٢/٢٣١) وزاد نسبته للبيهقي في "سننه"..
٢٤ في ب: فجرتما وفسقتما..
٢٥ أخرجه الطبري في "تفسيره" (٨/٨٥) من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس..
٢٦ في ب: مغفرة..

### الآية 4:17

> ﻿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُولَٰئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ۗ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا [4:17]

قد تقدَّمَ الكلام على  إِنَّمَا  في أول البقرة \[ آية ١١ \] وما قيل فيها. 
و " التوبة " [(١)](#foonote-١)، مبتدأ وفي خبرها وجهان :
أظهرهما : أنَّهُ " على الله "، أي : إنَّمَا التَّوْبَةُ مستقرّة على فضل اللَّهِ، ويكون " للذين " متعلقاً بما تَعَلَّقَ به الخبر. 
وأجاز أبُو البقاء[(٢)](#foonote-٢) : عند ذِكْرِه هذا الوجه أن يكون " للذين " متعلقاً بمحذوف على أنه حال، قال : فعلى أن يكون  لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ  حالاً من الضّمير في الظّرف وهو " على الله "، والعاملُ فيها الظّرفُ أو الاستقرار، أي : كائنةً لِلَّذين، ولا يجوز أن يكون العاملُ في الحال " التوبة " ؛ لأنَّه قَدْ فُصِلَ بَيْنَهُمَا بالخبر، وهذا فيه تكلُّفٌ لا حاجةِ إليه. 
الثّاني : أن يكون الخبر " للذين " و " على الله " متعلّق بمحذوف على أنَّهُ حال من شيءٍ محذوف، والتقديرُ : إنما التَّوبة إذا كانت - أو إذْ كانت - على اللَّهِ للذين يعملونَ ف " إذا " و " إذ " معمولان ل " الذين " لأن الظَّرْف يتقَدَّمُ على عامله المعنوي و " كان " هذه هي[(٣)](#foonote-٣) التَّامَّة، وفاعلها هو صاحب الحال، ولا يجوز أن يكون  عَلَى اللَّهِ  حالاً من الضَّمير المستتر في  لِلَّذِينَ  والعامل فيها  لِلَّذِينَ  ؛ لأنَّهُ عاملٌ معنويٌّ، والحال لا تتقدَّمُ على عاملها المعنوي، هذا ما قاله أبُو البقَاءِ[(٤)](#foonote-٤) وَنَظَّر[(٥)](#foonote-٥) هذه المسألة بقولهم :" هذا بُسْراً أطْيَبُ منه رُطَباً " [(٦)](#foonote-٦) يعني : أنَّ التَّقدير : إذا كان بُسْراً أطيبُ منه إذا كان رُطباً. 
وفي هذه المسألة أقْوَالٌ كثيرة مضطربة لا يحتملها هذا الكتاب وقدر أبو حيان[(٧)](#foonote-٧) مضافين حُذفا من المبتدأ والخبر، فقال : التَّقدِيرُ : إنَّمَا قَبُولُ التوبة مترتب على \[ فضل \][(٨)](#foonote-٨) اللَّهِ ف " على " باقية على بابها يعني من الاستعلاء
قوله : بِجَهَالَةٍ  فيه وجهان :
أحدهما : أنْ يتعلّق بمحذوف على أنَّهُ حال من فاعل  يَعْمَلُونَ ، ومعناها المصاحبة أي : يعملون السُّوء متلبسين بجهالةٍ، أي : مصاحبين لها، ويجوز أن يكون حالاً من المفعول، أي : ملتبساً بجهالة، وفيه بُعْدٌ وتَجَوُّزٌ. 
والثاني : أن يتعلق ب  يَعْمَلُونَ  على أنَّها باء السّببية. 
قال أبُو حيَّان[(٩)](#foonote-٩) : أي الحامل لهم على عمل السُّوء[(١٠)](#foonote-١٠) هو الجهالة، إذْ لو كانوا عالمين بما يترتَّب على المعصية متذكرين له حال عملها لم يُقْدِمُوا عليها كقوله :" لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن " [(١١)](#foonote-١١) لأنَّ العقل حينئذ يكون مَغْلُوباً أو مَسْلُوباً.

### فصل


لما ذكر في الآية الأولى أنّ المرتكبين للفاحشة إذا تابا وأصلحا زال عنهما الإيذاء، وأخبر على الإطلاق أنّه توابٌ رحيمٌ، ذكر هنا وقت التّوبة وشرطها بشرطين :
أحدهما : قوله  لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ  وفيه إشكالان :
الإشكال الأوَّلُ : أن من عمل ذنباً ولم يعلم أنَّهُ ذنب لم يستحق عقاباً ؛ لأنَّ الخطأ مرفوع عن الأمَّةِ، فعلى هذا الَّذين يعملون السُّوء بجهالة لا حاجة بهم إلى التَّوبة. 
الإشكال الثَّاني : أن كلمة " إنَّمَا " للحصر، فظاهره يقتضي أن مَنْ أقدم على السوء مع العلم بكونه سوءاً لا يقبل توبته، وذلك باطل بالإجماع. 
فالجواب عن الأوَّلِ أنَّ اليهوديَّ اختار اليهوديَّة وهو لا يعلم كونها ذنباً مع أنَّهُ يستحقُّ العقاب عليها. 
والجوابُ عن الثَّاني : أنَّ من أتى معصية مع الجهل بكونها معصية يكون حاله أخَفُّ ممَّنْ أتى بها مع العلم بكونها معصية، فلا جرم خَصَّ الأوَّل بوجوب قبول التّوبة وجوباً على سبيل الوعد والكرم، وأمَّا القسم الثَّاني فلمّا كان ذنبهم أغلظ لا جرم لم يذكر فيهم هذا التّأكيد في قبول التّوبة فتكون هذه الآية دالّة من هذا الوجه على أن قبول التّوبة غير واجب على اللَّهِ تعالى. 
**ومعنى الآية يحتمل وجهين :**
الأوَّلُ : أن قوله : عَلَى اللَّهِ  إعلام، فَإنَّهُ يجب على اللَّه قبولها لزوم الكرم[(١٢)](#foonote-١٢) والفضل والإحسان وإخبار بأنَّهُ سيفعل ذلك. 
والثَّاني : إنَّما الهداية إلى التَّوْبَةِ والإعانة عليها على اللَّهِ في حقِّ من أتى بالذَّنب على سبيل الجهالة، ثمَّ تاب قريباً، وترك الإصرار، وأتى بالاستغفار. 
### فصل


قال الحسن[(١٣)](#foonote-١٣) : معنى الآية : التّوبة التي يقبلها اللَّهُ، فيكون " على " بمعنى عند، وقيل : من الله  لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ . 
قال قتادةُ : أجمع أصحاب رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم أنَّ ما عُصِيَ اللَّه به فهو جهالة عمداً كان أو لم يكن، وكل من عصى اللَّه فهو جاهل[(١٤)](#foonote-١٤). 
قال تعالى إخباراً عن يوسف - عليه السَّلام - :
 أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُن مِّنَ الْجَاهِلِينَ \[ فَاسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ [(١٥)](#foonote-١٥) \] \[ يوسف : ٣٣، ٣٤ \]. 
وقال : هَلْ عَلِمْتُمْ مَّا فَعَلْتُم بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنتُمْ جَاهِلُونَ  \[ يوسف : ٨٩ \] وقال لنوح - عليه السلام - : إِنِّي أَعِظُكَ أَن تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ  \[ هود : ٤٦ \]
وقال موسى لبني إسرائيل حين قالوا : أَتَتَّخِذُنَا هُزُواً  \[ البقرة : ٦٧ \]  أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ  \[ البقرة : ٦٧ \] والسّبب في إطلاق اسم الجاهل[(١٦)](#foonote-١٦) على العاصي ؛ لأنَّهُ لو استعمل ما معه من العلم بالثواب والعقاب لما أقدم على المعصية، فصار كأنَّهُ لا علم له. 
وقال مجاهدٌ : المراد من الآية العمد. 
وقيل : أن يأتي بالمعصية مع العلم بكونها معصية، إلاَّ أنه يكون جاهلاً بقدر عقابه. 
وقيل : أن يأتي بالمعصية مع أنه لا يعلم كونها معصية لكنه يتمكن من العلم بكونها معصية، كاليهودي يستحق العقاب على يهوديته، وإن كان لا يعلم كون اليهوديّة معصية إلاَّ أنَّه كان متمكناً من تحصيل العلم يكون اليهودية ذنباً[(١٧)](#foonote-١٧) ومعصية، وكفى ذلك في ثبوت استحقاق العذاب، ويخرج من هذا النَّائم والسّاهي، فإنَّه لو أتى بالقبيح لكنَّه \[ ما كان متمكناً \][(١٨)](#foonote-١٨) من العلم بكونه قبيحاً. 
### فصل


استدلَّ القاضي بهذه الآية على أنَّهُ يجب على اللَّهِ عقلاً قبول التَّوْبَةِ ؛ لأنَّ كلمة " عَلَى " للوجوب ؛ ولأنَّا لو حملنا قوله : إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ  على مجرد القبول لم يبق بينه وبين قوله : فَأُوْلَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ  فرق ؛ لأن قوله هذا أيضاً إخبار عن الوقوع، \[ فإذا جعلنا الأوَّلَ إخباراً عن الوجوب، والثَّاني إخباراً عن الوقوع \][(١٩)](#foonote-١٩) ظهر الفرق بين الآيتين وزال التكرار. 
والجوابُ أنَّ القول بالوجوب على اللَّه تعالى باطلٌ لوجوه :
الأوَّلُ : أنَّ لازم الوجوب استحقاق الذّم عند الترك، فهذه الملازمة إمَّا أن تكون ممتنعة الثبوت في حقِّ اللَّهِ تعالى أو غير ممتنعة الثُّبُوتِ في حقِّه، والأوَّلُ باطلٌ، لأنَّ ترك الواجب لما كان مستلزماً هذا الذّم، وهذا الدم محال الثّبوت في حقِّ اللَّهِ تعالى وجب أن يكون ذلك الترك ممتنع الثبوت في حقّ اللَّه تعالى، وإذا كان الترك ممتنع الثبوت عقلاً كان الفعل واجب الثُّبوت، فحينئذ يكون اللَّه تعالى موجباً بالذَّاتِ لا فاعلاً بالاختيار وذلك باطل، وإنْ كان استحقاق الذَّمِّ غير ممتنع الحصول في حقِّ اللَّهِ تعالى، فكلُّ ما كان ممكناً لا يلزم من فرضه محال، فيلزم أن يكون الإله مع كونه إلهاً يكون موصوفاً باستحقاق الذّم وذلك محال لا يقوله عاقل، فثبت أنَّ القول بالوجوب على اللَّهِ تعالى محال. 
وثانيها : أنَّ قادرية العبد بالنِّسبة إلى فعل التَّوْبَةِ وتركها إمَّا أن يكون على السَّويَّةِ، أوْ لا، فإن كان على السَّويَّةِ لم يترجح فعل التَّوبة على تركها إلا بمرجِّح، وذلك المرجح إن حدث لا عن محدث لزم نفي الصّانع، وإن حدث عن العبد عاد التّقسيم، وإن حدث عن اللَّه تعالى فحينئذٍ إنَّمَا أقبل العبد على التَّوبة بمعونة اللَّه وتقويته، فتكون تلك العقوبة[(٢٠)](#foonote-٢٠) إنْعَاماً مِنَ اللَّهِ تعالى على عبده، وإنعام المولى على عبده لا يوجب أنْ ينعم عليه مرة أخرى فثبت أنَّ صدور التّوبة عن العبد لا يوجب على اللَّهِ القبول، وإن كانت قادرية العبد لا تصلح للتّرك وللفعل، فيكون القول بالوجوب أظْهَرُ بطلاناً. 
ثالثها : التّوبة عبارة عن النَّدم على ما مضى، والعزم على التّرك في المستقبل والنّدم والعزم من باب الكراهات والإرادات وهما لا يحصلان باختيار العبد وإلاَّ افتقر في تحصيلهما إلى إرادة أخرى ولزم التّسلسل، وإذا كان كذلك كان حصول هذا النّدم، وهذا العزم بمحض تخليق اللَّه تعالى، وفعل اللَّه لا يوجب على الله فعلاً آخر فكان القولُ بالوُجُوبِ باطِلاً. 
ورابعها : أنَّ التوبة فعل يحصل باختيار العبد على قولهم، فلو صار ذلك علة للوجوب على اللَّهِ تعالى وفعل اللَّه تعالى، لصار فعل العبد مؤثّراً في ذات اللَّه تعالى وفي صفاته، وذلك لا يقولُهُ عاقل. 
والجوابُ عن حجتهم : أنَّ الله تعالى وعد قبول التّوبة من المؤمنين، وإذا وعد اللَّهُ بشيء، وكان الخلفُ في وعده مُحالاً كان ذلك شبيهاً بالواجب، فبهذا التأويل صح إطلاق كلمة  عَلَى  وبهذا يظهر الفرق بين قوله  إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ  وبين قوله  فَأُوْلَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِم . 
فإن قيل : لما أخبر عن قبول التّوبة وكان ما أخبر اللَّه تعالى وقوعه واجب الوقوع لزم منه ألاَّ يكون فاعلاً مختاراً. 
فالجوابُ : أنَّ الإخبارِ عن الوقوع تبع للوقوع والوقوع تبع للإيقاع، والتبع لا يغير الأصل، فكان فاعلاً مختاراً في ذلك الإيقاع، وأمَّا قولكم بأن وقوع التَّوبة من حيثُ إنَّهَا هي مؤثرة في وجوب القبول على الله وذلك لا يقوله عاقل فظهر الفرق. 
قوله : ثُمَّ يَتُوبُونَ مِن قَرِيبٍ فَأُوْلَئِكَ  فهذا هو الشّرطُ الثّاني. 
قال السدي والكلبي : القريب أن يتوب في صحته قبل مرض موته[(٢١)](#foonote-٢١). 
وقال عكرمة : قبل الموت[(٢٢)](#foonote-٢٢). 
وقيل : قبل أنْ يحيط السّوء بحسناته فيحبطها. وقال الضَّحَّاكُ : قبل مُعَاينة ملك الموت[(٢٣)](#foonote-٢٣). 
قوله : مِن قَرِيبٍ  فيه وجهان :
أحدهما : أن تكون " من " لابتداء الغاية، أي : تبتدئ التَّوبة من زمان قريب من زمان المعصية لئلاّ يقع في الإصْرارِ، وهذا إنَّمَا يتأتَّى على قول الكوفيين، وأما البصريون فلا يجيزون أن تكون " من " لابتداء الغاية في الزَّمَانِ، ويتأوَّلون ما جاء منه، ويكون مفهوم الآية أنَّهُ لو تاب من زمان بعيدٍ لم يدخل[(٢٤)](#foonote-٢٤) في مَنْ خُصَّ بكرامةِ قَبُولِ التّوبة على اللَّهِ المذكورة في هذه الآية، بل يكون داخلاً فيمن[(٢٥)](#foonote-٢٥) قال فيهم  عَسَى اللَّهُ أَن يَتُوبَ عَلَيْهِمْ  \[ التوبة : ١٠٢ \]. 
والثاني : أنَّهَا للتّبعيض أي : بعض زمانٍ قريب يعني[(٢٦)](#foonote-٢٦) أي جُزْء من أجزاء هذا الزمان أتى بالتّوبة فيه، فهو تائبٌ من قريب. 
وعلى الوجهين ف " مِنْ " متعلقة ب " يتوبون "، و " قريب " صِفَةٌ لزمان محذوف، كما تقدم تقريره، إلاَّ أنَّ حَذْفَ هذا الموصوف وإقَامةَ هذه الصفةِ مُقَامه ليس بقياسٍ، إذ لا يَنْقَاسُ الحَذْفُ إلاَّ في صور[(٢٧)](#foonote-٢٧) :
منها أن تكون الصفةُ جَرَتْ مَجْرى الأسماء الجوامد، كالأبْط١ سقط في أ..
٢ ينظر: الإملاء ١/١٧١..
٣ في أ: في..
٤ ينظر: الإملاء ١/١٧١..
٥ في ب: ونظير..
٦ للسيوطي رسالة ختم بها الأشباه سماها تحفة النجبا في قولهم: هذا بسرا أطيب منه رطبا. 
 ينظر: المقتضب ٣/٢٥١، وأمالي ابن الشجري ٢/٢٨٥، وشرح الكافية للرضي ١/١٩٠ ـ ١٩١، وابن يعيش ٢/٦٠ ـ ٦٢، وابن عقيل ١/٥٤٨..
٧ ينظر: البحر المحيط ٣/١٩٧..
٨ سقط في أ..
٩ ينظر: البحر المحيط ٣/١٩٨..
١٠ في ب: هذه الأفعال..
١١ أخرجه البخاري (٥/١١٩) كتاب المظالم: باب النهي بغير إذن صاحبه (٢٤٧٥) ومسلم (١/٧٦) كتاب الإيمان: باب بيان نقص الإيمان بالمعاصي (١٠٠/٥٧) وأبو داود (٢/٦٣٣) كتاب السنة: باب الدليل على زيادة الإيمان ونقصانه (٤٦٨٩) والنسائي (٨/٦٤) كتاب قطع السارق باب تعظيم السرقة (٤٨٧٠) وابن ماجه (٢/١٢٩٩) كتاب الفتن: باب النهي عن النهبة حديث (٣٩٣٦) والترمذي (٥/١٦/١٧) كتاب الإيمان: باب ما جاء لا يزني الزاني وهو مؤمن (٢٦٢٥) وأحمد (٢/٤٣، ٣١٧، ٣٧٦، ٣٨٦، ٤٧٩) والحميدي (٢/٤٧٨) رقم (١١٢٨) والدرامي (٢/١١٥) والبيهقي (١٠/١٨٦) من طرق عن أبي هريرة..
١٢ في أ: الكروم..
١٣ ينظر: تفسير البغوي ١/٤٠٧..
١٤ أخرجه الطبري في "تفسيره" (٨/٨٩) وذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٢/٢٣٠) وزاد نسبته لعبد الرازق..
١٥ سقط في ب..
١٦ في أ: الجهل..
١٧ في ب: دينا..
١٨ في أ: يتمكن..
١٩ سقط في ب..
٢٠ في ب: التقوية..
٢١ أخرجه الطبري في "تفسيره" (٨/٩٣) عن السدي وأخرجه أيضا (٨/٩٤) من طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس..
٢٢ أخرجه الطبري في "تفسيره" (٨/٩٤) عن عكرمة..
٢٣ أخرجه الطبري في "تفسيره" (٨/٩٤) وذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٢/٢٣٢) وزاد نسبته لسعيد بن منصور وعبد بن حميد والبيهقي في "شعب الإيمان"..
٢٤ في أ: يحصل..
٢٥ في أ: فيما..
٢٦ في أ: أعني..
٢٧ ينظر: الكتاب ١/١١٦..

### الآية 4:18

> ﻿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّىٰ إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ ۚ أُولَٰئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا [4:18]

قوله : وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ  يعني : المعاصي، لما ذكر شَرَائِطَ التَّوْبَةِ المقبولة، أرْدَفَهَا بِشَرْحِ التَّوبة التي لا تكونُ مقبولة، قوله : حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ  " حتَّى " حرف ابتداء، والجملةُ الشَّرْطِيَّةُ بَعْدَهَا غايةٌ لما قَبْلََهَا، أي : ليست التَّوْبَةُ لقوم يَعْمَلُونَ السَّيَئاتِ، وغايةُ عملهم إذَا حَضَرَ أحدَهُمُ المَوْتُ قالوا " كيت وكيت " هذا وجه حَسَنٌ، ولا يجوزُ أنْ تكُونَ " حتى " جارّة ل " إذا " أي : يعملون السَّيِّئاتِ إلى وقت حضور الموتِ من حيثُ إنَّهَا شرطيَّةٌ، والشَّرْطُ لا يعمل فيه ما قبله، وإذا جعلنا " حتَّى " جارَّةً تعلَّقت ب " يعملون " وأدوات الشَّرْطِ لا يعملُ فيها ما قَبْلَهَا، ألا ترى أنَّهُ يجوزُ " بمَنْ تمرر أمْرُرْ "، ولا يجوز : مَرَرْتُ بمن يقم أكرمْه، لأنَّ له صَدر الكلام، ولأنَّ " إذا " لا تَتَصَرَّفُ على المَشْهُورِ كما تَقَدَّمَ في أوَّل البَقَرَةِ ؛ واستدلَّ ابْنُ مَالِك على تصرُّفِهَا بوجُوهٍ :
منها جرها ب " حتَّى " نحو : حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا  \[ الزمر : ٧١ \]  حَتَّى إِذَا كُنتُمْ 
\[ يونس : ٢٢ \] وفيه من الإشكال \[ ما ذكرته لك \] وقد تَقَدمَ تقرير ذلك عند قوله، 
 حَتَّى إِذَا بَلَغُواْ  \[ النساء : ٦ \].

### فصل


دلت هذه الآية عَلَى أنَّ من حَضَرَهُ المَوْتُ وشاهد أهواله[(١)](#foonote-١) لا تقبل توبته، ويُؤيِّدُهُ أيضاً قوله تعالى : فَلَمْ يَكُ يَنفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْاْ بَأْسَنَا  \[ غافر : ٨٥ \]. 
وقال في صفةِ فِرْعَونَ  حَتَّى إِذَآ أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنتُ \[ أَنَّهُ لا إِلِهَ إِلاَّ الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنواْ إِسْرَائِيلَ وَأَنَاْ مِنَ الْمُسْلِمِينَ آلآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ  \][(٢)](#foonote-٢)
\[ يونس : ٩٠، ٩١ \] وقوله : حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحاً \[ فِيمَا تَرَكْتُ كَلاَّ إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُو \]َ[(٣)](#foonote-٣) قَائِلُهَا  \[ المؤمنون : ٩٩- ١٠٠ \] وقوله
 وَأَنفِقُواْ مِن مَّا رَزَقْنَاكُمْ مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولُ رَبِّ لَوْلا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُن مِّنَ الصَّالِحِينَ \[ وَلَن يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْساً إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا [(٤)](#foonote-٤) \]
\[ المنافقون : ١٠، ١١ \]. 
وقال عليه السلام " إن اللَّه - تعالى - يَقْبَلُ تَوْبَة الْعَبْدِ مَا لَمْ يُغَرْغِرْ " [(٥)](#foonote-٥) وعن عطاءٍ : ولو قبل موته بفواق النَّاقَةِ[(٦)](#foonote-٦). 
وعن الحسن : أنَّ إبليس قال حين أهْبِطَ إلى الأرض وعِزّتِكَ لا أفارق ابْنَ آدم ما دَامَ روحه في جَسَده. 
فقال : وَعِزَّتِي لا أُغْلِقُ عليه بَابَ التَّوْبَةِ ما لم يغرغر[(٧)](#foonote-٧). 
### فصل


قال المُحَقِّقُونَ : قُرْبُ الموتِ لا يمنعُ من قَبُولِ التَّوْبَةِ، بل المانع من قبول التَّوْبَةِ مشاهدة الأهوال الَّتي عندها يحصل العلم باللَّهِ تعالى على سَبِيل الاضطرار. وقالوا : لأنَّ جماعة أماتهم اللَّه تعالى ثُمَّ أحياهم مثل قوم من بني إسرائيل، وأولاد أيُّوب - عليه السَّلاَمُ - ثمَّ إنَّهُ تعالى كلَّفهم بعد ذلك الإحياء، فَدَلَّ ذلك على أنَّ مُشَاهَدَةِ الموت لا تخلّ بالتكليف ولأنّ الشَّدائِدَ التي يلقاها من يقرب موته تكون مثل الشَّدائد الحاصلة عند القولنج[(٨)](#foonote-٨) ومثل الشّدائد التي تَلْْقاها المرأةُ عند الوِلادَةِ أو أزْيد، فلمَّا لم تكن هذه الشَّدائد مانعة من بقاء التكاليف فكذا القول في تلك الشّدائد. 
وأيضاً فالقرب من الموت إذَا عَظُمَتِ الآلامُ \[ صار اضطرارُ العبد أشَدَّ، واللَّهُ تعالى يقول  أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ  \[ النمل : ٦٢ \] فتزايد الآلام \][(٩)](#foonote-٩) في ذلك الوقت بأن يكون سبباً لِقَبُولِ التَّوبة أولى مِنْ أن يكون سبباً لعدم قَبُولِ التَّوْبَة. 
### فصل


لما بيّن تعالى أنَّهُ يقبل التَّوبةَ من القسم الأوَّل، وهم الذين يعملونَ السُّوءَ بجهالة، وبَيَّنَ في هذا القسم الثَّاني يعملون السَّيِّئات أنَّهُ لا يقبل توبتهم فبقي بحكم التَّقسيم العقلي قِسْمٌ ثَالِثٌ مَتَوَسط بين هذين القسمين، وهم الَّذِينَ يعملون السُّوءَ على سبيل العَمْدِ ثم يَتُوبُونَ فلم يخبرْ عنهم أنَّهُ يَرُدُّ توبتهم، بل تركهم في المَشِيئَةِ حيث قال :
 وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ  \[ النساء : ٤٨ \]. 
قوله : وَلاَ الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ  " الذين " مجرور المحل عطفاً على قوله  لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ  أي : لَيْسَت التَّوْبَةُ لهؤلاء، ولا لهؤلاء، فَسَوَّى بين مَنْ مَاتَ كافراً وبين من لم يَتُبْ إلاَّ عند معاينة الموتِ في عدمِ قَبُولِ تَوْبَتِه، والمراد بالعاملين السيئات المنافقون. 
وأجَازَ أبُو البَقَاءِ[(١٠)](#foonote-١٠) في  الَّذِينَ  أن يكون مرفوع المحلّ[(١١)](#foonote-١١) على الابتداء وخبره " أولئك " وما بَعْدَهُ مُعْتَقِداً أنَّ اللامَ لام الابتداء وليست ب " لا " النَّافية، وهذا الَّذي قاله من كون اللام لام الابتداء لا يصحُّ أن يكون قد رُسِمَتْ في[(١٢)](#foonote-١٢) المُصْحَفِ لامٌ داخلة على  الَّذِينَ  فيصير " وللذين " وليس المرسوم كذلك، وإنَّمَا هو لام وألف، وألف لام التَّعريف الدَّاخلة على[(١٣)](#foonote-١٣) الموصول وصورته : ولا الذين. 
### فصل


قيل : المراد ب  الذين يعملون السيئات  العصاة وب  الذين يموتون وهم كفّار  الذي يموت كافراً ؛ لأنَّ المعطوف يكون مغايراً للمعطوف عليه. وقيل : المرادُ بالأوَّل : المنافقون، وبالثاني : الكفَّار. 
قال ابْنُ الخطيب[(١٤)](#foonote-١٤) : وهذا لا يصحُّ ؛ لأنَّ المنافقَ كافرٌ فيدخل في الثَّاني ويمكن أن يجاب بأنَّ المنافق لما أظهر الإيمان فَمَنْ لم يَعْلَمْ حاله يعتقد أنَّ حكمه حكم المُؤمن، 
 وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ  \[ المنافقون : ١ \] و " أولئك " يجوزُ أن تكون إشارة إلى  الَّذِينَ يَمُوتُونَ  وهم كفَّار ؛ لأنَّ اسم الإشارةِ يجري مجرى الضَّمير فيعود إلى أقرب مذكور، ويجوزُ أن يُشَار بِه إلى الصّنفين الذين يَعْمَلُونَ السيِّئاتِ، والذين يموتون وهم كفار.  أَعْتَدْنَا  أي : أحْضَرِنَا وهذا يَدُلُّ على أنَّ النَّار مخلوقة ؛ لأنَّ العذاب الأليم ليس إلاَّ جهنم وقد أخبر عنه بصيغة الماضي، واللَّهُ أعلم. 
١ في ب: أحواله..
٢ سقط في ب..
٣ سقط في ب..
٤ سقط في ب..
٥ أخرجه أحمد (٢/١٣٢) والترمذي (٥/٢٤٧) في الدعوات (٣٥٣٨) وابن ماجه (٢/١٤٢٠) في الزهد (٤٢٥٣) وابن حبان (٦٠٧ ـ موارد) والحاكم في "المستدرك" (٤/٢٥٧) وقال صحيح الإسناد ووافقه الذهبي وأخرجه الطبري في "تفسيره" (٨/٩٦) مرسلا عن الحسن البصري وبشير بن كعب.
 وأخرجه الطبري في "تفسيره" (٨/٩٦) من طريق قتادة عن عبادة بن الصامت مرفوعا. 
 وقتادة لم يدرك عبادة بن الصامت..
٦ ينظر: تفسير الرازي ١٠/٧..
٧ أخرجه بهذا اللفظ الطبري في "تفسيره" (٨/٩٥) عن الحسن وللحديث لفظ آخر: قال إبليس لربه: بعزتك وجلالك لا أبرح أغوي ابن آدم ما دامت الأرواح فيهم قال له ربه: فبعزتي وجلالي لا أبرح أغفر لهم ما استغفروني.
 أخرجه أحمد (٣/٢٩، ٤١) وأبو يعلى (٢/٤٥٨) رقم (١٢٧٣) والحديث ذكره الهيثمي في "مجمع الزوائد" (١٠/٢٠٧) وقال: رواه أحمد وأبو يعلى والطبراني في الأوسط وأحد إسنادي أحمد رجاله رجال الصحيح وكذلك أحد إسنادي أبي يعلى..
٨ مرض معوي مؤلم يصعب معه خروج البراز والريح وسببه التهاب القولون. ينظر المعجم الوسيط ٢/٧٩٧..
٩ سقط في ب..
١٠ ينظر: الإملاء ١/١٧٢..
١١ في أ: للمحل..
١٢ في أ: من..
١٣ في أ: على..
١٤ ينظر: تفسير الرازي ١٠/٩..

### الآية 4:19

> ﻿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا ۖ وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ ۚ وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ ۚ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَىٰ أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا [4:19]

هذا مُتَّصِلٌ بما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ في الزوجاتِ. 
قال المُفَسِّرُونَ : نزلت في أهل المدينة كانوا في الجاهليَّة، وفي أوَّلِ الإسْلامِ إذا مات الرَّجُلُ وله امرأة جاء ابنه من غيرها أو قريبه من عصبته فألْقَى ثوبه على تلك المرأة وقال : وَرِثْتُ امْرأتَهُ كما وَرِثْتُ ماله، فصار أحقُّ بها من سَائِرِ النَّاسِ ومن نفسها فإن شَاءَ تَزَوَّجَهَا بغير صَدَاق، إلاَّ الصّداق الأوّل الّذي أصْدَقَهَا الميت، وإن شاء زَوَّجَهَا من إنسان آخر، وأخذ صداقها، ولم يعطها منه شيئاً، وإن شاء عَضَلها ومنعها من الأزْوَاج يُضَارها لتفتدي منه بما أخذت من الميت أو تموت هي فيرثها، وإنْ ذهبت المرَأةُ إلى أَهلها قبل أنْ يلقي عليها ولي زوجها ثوبه فهي أحق بِنَفْسِهَا فكانوا على هذا[(١)](#foonote-١) حتى " مات أبو قيس الأسْلَتِ الأنْصَارِي وترك امرأته كُبيشة بنت معن الأنصاريّة فقام ابْنٌ له من غيرها يقال له محصن، وقال مقاتل بْنُ حيَّان : اسمه قيس بْنُ أبِي قَيْسٍ، وطرح ثَوْبَهُ عليها فَوَرِثَ نكاحها وتركلها فلم يقربها، ولم ينفق عليها يضارها لتفتدي منه بما ورثت، فأتَتْ كبيشةُ رَسُولَ اللَّه صلى الله عليه وسلم فقالت : يَا رَسُولَ اللَّهِ إنَّ أبَا قَيْسٍ تُوُفِّي وَوَرِثَ نكاحي ابنه فلا هو ينفق عَلَيَّ وَلاَ يدخل بي ولا يخلي سبيلي فَقَالَ لها : اقْعُدِي فِي بَيْتِكِ حَتَّى يَأتِي فِيكِ أمرُ اللَّهِ، فأنْزَلَ هذِهِ الآيةَ[(٢)](#foonote-٢). 
وقيل : كان يكون عند الرَّجل عجوز ولها مال ونفسه تتشوق إلى الشّابّة فيكره فِراق العجوز لمالها، فيمسكها، ولا يقربها حتَّى تفتدي منه بمالها أو تموت فيرثُ مالها فنزلت الآية تأمر الزَّوْجَ أن يطلِّقَهَا إن كره صحبتها، ولا يرثها[(٣)](#foonote-٣) كرهاً فذلك قوله  لا يحل لك أن ترثوا النساء كرهاً  والمقصود إذهاب ما كانوا عليه في الجاهِلِيَّةِ وألاَّ يجعل النِّساء كالمال يورثن عن الرِّجال. قوله : أن ترثوا \[ النساء \][(٤)](#foonote-٤) في محلّ رفع على الفاعليَّة ب " يحل " أي : لا يحل لَكُمْ إرثُ النساء. 
وقرئ[(٥)](#foonote-٥) :" لا تحل " بالتاء من فوق على تأويل " أن ترثوا " : بالوراثة، وهي مؤنَّثة، وهي كقراءة  ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلاَّ أَن قَالُواْ  \[ الأنعام : ٢٣ \] بتأنيث " تكن " ونصب فتنتهم " بتأويل ثم لم تكن فتنتهم إلا مقالتهم، إلاَّ أنَّ في آية الأنْعَامِ مسوغاً، وهو الإخبار عنه بمؤنث كما سيأتي، و  النِّسَاءَ  مفعولٌ به، إمَّا على حذف مضاف أي : أن تَرثُوا مال النِّسَاءِ إن كان الخِطَابُ للأزْوَاجِ، لأنَّهُ روي أنَّ الرَّجُلَ منهم كان إذا لم يكن له غرض في المرأة أمسكها حَتّى تموتَ ؛ فيرثها، أو تَفْتَدِيَ منه بمالها إنْ لم تَمُت، وإمَّا من غير حذف على أن يكون بمعنى الشَّيءِ الموروث إنْ كان الخطاب للأولياء، أو لأقرباء الميّت، وقد تَقَدَّمَ المعنيانِ في سبب النُّزُولِ على ما تَقَدَّمَ ؛ فلا يحتاج إلى حَذْفِ أحد المفعولين إمّا الأوَّلُ أو الثَّانِي على جَعْلِ  أَن تَرِثُواْ  متعدّياً[(٦)](#foonote-٦) لاثنين كما فعل أبُو الْبَقَاءِ[(٧)](#foonote-٧). 
قال : والنِّسَاءَ  فيه وجهان :
أحدهما : هُنَّ المفعول الأوَّل، والنساء على هذا هُنَّ الموروثاتُ، وكانت الجاهليّة ترث نساء[(٨)](#foonote-٨) آبائهم وَيَقُولُونَ : نحنُ أحقُّ بنكاحهنَّ. 
والثاني : أنه المفعول الثّاني، والتّقدير : أن ترثوا من النّساء المالَ. انتهى. قوله :" هن المفعول الأول " يعني : والثاني محذوف تقديره : أن ترثوا من آبائكم النساء . 
و " كرهاً " مصدر في موضع نَصْبٍ على الحال من النّساء أي : أن ترثوهن كَارِهات، أو مكروهات، وقرأ الأخوان[(٩)](#foonote-٩) " كرهاً " هنا وفي " براءة " و " الأحقاف " بضمِّ الكَافِ، وافقهما عاصم[(١٠)](#foonote-١٠) وابن عامر في رواية ابن[(١١)](#foonote-١١) ذكوان عنه على ما يأتي في الأحقاف، والباقون بالفتح. 
وقد تَقَدَّمَ في الكُره والكَره بمعنى واحد أم لا ؟ في أوَّلِ البَقَرَةِ. ولا مفهوم لقوله  كَرْهاً  يعني فيجوز أن يرثوهن[(١٢)](#foonote-١٢) إذا لم يَكْرَهْن ذلك لخروجه مَخْرج الغالب. 
قوله : وَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ  فيه وجهان :
أظهرهُمَا : أنَّهُ مجزوم ب " لا " الناهية[(١٣)](#foonote-١٣) عطف جملة نهي على جملة خبريَّة فإنْ لم تشترط المناسبةُ بين الجُمَلِ كما هو مذهب سِيبَويْه - فواضحٌ، وَإن اشترطنا ذلك - كما هو رأي بعضهم - فلأن الجُمْلَةَ قبلها في معنى النهي إذ التَّقْديرُ :" ولا ترثوا النساء كرهاً " فإنَّهُ غيرُ حلال لكم. وجعله أبُو البقاءِ[(١٤)](#foonote-١٤) على هذا الوجه مستأنفاً يعني أنَّهُ ليس بمعطوفٍ على الفعلِ قبله. 
والثَّانِي : أجازه ابن عطية[(١٥)](#foonote-١٥) وَأبُو البَقَاءِ[(١٦)](#foonote-١٦) أن يكون منصوباً عطفاً على الفِعْلِ قبله[(١٧)](#foonote-١٧). 
وقال ابنُ عَطِيَّةَ[(١٨)](#foonote-١٨) : ويُحتمل أن يكونَ  تَعْضُلُوهُنَّ  نصباً عطفٌ على  تَرِثُواْ  فتكون الواو مشتركةً عاطفةً فِعْلاً على فعلٍ. 
وقرأ ابْنُ[(١٩)](#foonote-١٩) مَسْعُودٍ :" ولا أن تعضلوهن " فهذه القراءة تقوِّي احتمال النّصب، وأن العَضْلَ مِمَّا لا يَحِلُّ بالنص. 
وردَّ أبو حيَّان[(٢٠)](#foonote-٢٠) هذا الوجه بأنَّكَ إذا عطفت فعلاً منفياً ب " لا " على مثبت وكانا منصوبين فَإنَّ النَّاصبَ لا يُقَدَّر إلاَّ بعد حرف العطف لا بعد " لا "، فإذا قلت : أريد أن أتوب ولا أدخل النار، قال التقدير :" أريد أن أتوبَ و \[ أنْ \][(٢١)](#foonote-٢١) لا أدخل النار " ؛ لأن الفعل يطلب للأول على سبيل الثبوتِ[(٢٢)](#foonote-٢٢)، والثاني على سبيل النفي والمعنى : أريدُ التوبةَ انتفاء دخولي النار، فلو كان المتسلط على المتعاطفين منفياً فكذلك، ولو قدَّرْتَ هذا التقدير في الآية لم يصح[(٢٣)](#foonote-٢٣) لو قلت :" لا يحل أن لا تعضلوهن "، لم يصح، إلاَّ أن تجعل " لا " زائدة لا نافيةً، وهو خلاف الظاهر، وأما أن تقدِّر " أنْ " بعد " لا " النافية فلا يَصِحُّ، وإذا قَدَّرتَ " أن " بعد " لاَ " كان من عطف المصدر المقدّر على المصدر المقدر، لا من باب عطف الفعل على الفعل، فالتبس على ابْنِ عَطِيَّة[(٢٤)](#foonote-٢٤) العطفان، وظَنَّ أنَّهُ بصلاحية تقدير " أن " بعد " لا " يكونُ مِنْ عَطْفِ الفعل على الفعل وفَرْقٌ بين قولِك " لا أريد أن تقوم ألا تخرج " وقولك : أرِيدُ أنْ تَقُوم ولا أنْ تَخْرُجَ، ففي الأول نَفَى إرادةَ وجودِ قيامه، وإرادة انتفاء خروجه، فقد أرادَ خروجه، وفي الثَّانية نَفَى إرادةَ وجودِ قيامه ووجودَ خروجه، فلا يريد لا القيام، ولا الخروج. 
وهذا في فهمه[(٢٥)](#foonote-٢٥) بعضُ غموضٍ على مَنْ تَمَرَّنَ في علم العربيَّةِ ؛ انتهى ما ردّ بِهِ. 
قال شهابُ الدِّينِ : وفيه نظر من حيث إنَّ المثال الّذي ذكره في قوله :" أريد أن أتوب ولا أدخل النار " فَإنَّ تقديرَ النَّاصب فيه قبل " لا " واجب من حيثُ إنَّهُ لو قُدِّرَ بعدها لفسد التركيب، وأما في الآية فتقدير " أن " بعد " لا " صحيح، فَإنَّ التقدير يصير : لا يَحِلُّ لكم إرث النساء كَرْهاً ولا عَضْلُهن، ويَؤيِّدُ ما قلته، وَمَا ذَهَبَ إليه ابن عطيَّةَ قولُ الزمخشريِّ فإنَّهُ قال : فإن قلت : تَعْضُُلُوهُنَّ ما وجه إعرابه ؟ قلت : النَّصبُ عطفاً على  أَن تَرِثُواْ  و " لا " لتأكيد النّفي أي :" لا يحل لكم أن ترثوا النساء ولا أن تعضلوهن " فَقَدْ صَرَّحَ الزمخشري بهذا[(٢٦)](#foonote-٢٦) المعنى وصَرَّحَ[(٢٧)](#foonote-٢٧) بزيادة " لا " التي جَعَلَها الشيخ خلاف الظاهر، وفي الكلام حذف تقديره :" ولا تعضلوهن من النكاح " إن كان الخطاب للأولياء : أو : لا تعضلوهن من الطلاق، إن كان الخطاب للأزواج. 
وهو قول أكثر المفسرين. 
وقيل :\[ هو \][(٢٨)](#foonote-٢٨) خطابُ الوارث الزَّوج بحبس الزّوجة حتى تَرُدَّ الميراث. 
قال ابنُ عَطِيَّة[(٢٩)](#foonote-٢٩) : هذا في الرَّجُلِ تكون له المَرْأةُ وهو كاره لصحبتها، ولها عليه مهر فيضارها لتفتدي وترد إليه ما ساق إليها من المهر فنهاه اللَّهُ عن ذلك. 
وقيل : الخِطَابُ عامٌّ في الكُلِّ. 
قوله : لِتَذْهَبُواْ  اللام متعلّقةُ ب  تَعْضُلُوهُنَّ  والباء في " ببعض " فيها وجهان :
أحدهُمَا : أنَّها باء التّعدية[(٣٠)](#foonote-٣٠) المرادفةُ لهمزتها أي : لتِذْهِبُوا بما آتيتموهن. 
والثاني : أنها للمصاحبةِ، فيكون الجارُّ في محلِّ نصبٍ على الحال، ويتعلَّقُ بمحذوفٍ أي : لتذهبوا مصحوبين ببعض، و " ما " موصولة بمعنى الذي، أوْ نكرة موصوفة، وعلى التقديرين فالعائدُ محذوف، وفي تقديره إشْكَالٌ تَقَدَّمَ الكلام عليه في البقرة عند قوله : وَممَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ  \[ البقرة : ٣ \]. 
قوله : إِلاَّ أَن يَأْتِينَ  في هذا الاستثناء قولان :
أحدُهُمَا : أنه منقطعٌ فيكونُ  إِلاَّ أَن يَأْتِينَ  في محلِّ نصب. 
والثَّاني : أنَّه مُتَّصِلٌ وفيه حينئذٍ ثلاثة أوجه :
أحدها : أنَّه مستثنى من ظرف زمان عام تقديره :" ولا تعضلوهن في وقت من الأوقات إلا وقت إتيانهن بفاحشة ". 
والثَّاني : أنَّهُ مستثنى من الأحوال العامَّة، تقديره : ولا تعضلوهن في وقتٍ[(٣١)](#foonote-٣١) من الأوقات[(٣٢)](#foonote-٣٢) إلاَّ في حال إتيانهن بفاحشة، والمعنى لا يحل له أن يحبسها ضراراً حتى تفتدي منه إلاّ إذا زَنَتْ، والقائلون بهذا منهم من قال بقي[(٣٣)](#foonote-٣٣) هذا الحكم ولم ينسخ ومنهم من قال : نسخ بآية الجلد[(٣٤)](#foonote-٣٤). 
الثالث : أنه مستثنى من العلة العامة تقديره : لا تعضلوهن لعلةٍ من العلل إلا لإتيانهن بفاحشة. 
وقال أبو البقاء[(٣٥)](#foonote-٣٥) بعد أن حكى فيه وجه الانقطاع :" والثاني : هو في موضع الحال تقديره : إلاَّ في حال \[ إتيانهن بفاحشةٍ، وقيل : هو استثناء متصل، تقديره : ولا تَعْضُلوهن في حال إلا في حال \][(٣٦)](#foonote-٣٦) إتيان الفاحشة " انتهى. 
وهذان الوجهان هما في الحقيقة وجهٌ واحد، لأنَّ القائلَ بكونه منصوباً على الحال لا بُدَّ أن يقدِّر شيئاً عاماً يجعل هذا الحالَ مستثناةً منه. 
وقرأ[(٣٧)](#foonote-٣٧) ابنُ كثير وأبو بكر عن عاصم :" مبيَّنة " اسم لمفعول بفتح الياء في جميع القرآن، أي بَيَّنَها في قوله : رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيراً مِّنَ النَّاسِ فَمَن تَبِعَنِي  \[ إبراهيم : ٣٦ \] والباقون بكسر الياء من اسم الفاعل وفيه وجهان :
أحدهما : أنَّهُ من بيَّن المتعدي، فعلى هذا \[ يكون \][(٣٨)](#foonote-٣٨) المفعول مَحْذُوفاً تقديره \[ مبينة حال مرتكبها. 
والثاني : أنها من بَيَّن اللازم، فإن بَيَّن يكون متعدياً ولازماً يقال :\][(٣٩)](#foonote-٣٩) بانَ الشَّيْء وأبان واستبان، وبين وتبين، بمعنى واحد أي : أظهر، وإذا ظهرت صارت أسباباً للبيان، وإذا صَارَتْ سبباً للبيان جاز إسناد البيان إليها، كما أنَّ الأصنام لما كانت سبباً للضلال حَسُنَ إسناد الإضلال إليها لأنَّ الفاحشة لا فعل لها في الحَقِيقَةِ. وأيضاً الفاحشة تتبين فإن يشهد عليها أربعة صارت مبينة. 
وقرأ بعضهم[(٤٠)](#foonote-٤٠) " مُبِينَة " بكسر الياء وسكون الياءِ اسم فاعل من " أبان " وهذان[(٤١)](#foonote-٤١) الوجهان \[ هما \][(٤٢)](#foonote-٤٢) المتقدّمان في المشددة المكسورة، لأن " أبان " أيضاً يكون متعدياً ولازماً وأما " مبينات " جمعاً فقرأهن الأخوان وابن[(٤٣)](#foonote-٤٣) عامر وحفص[(٤٤)](#foonote-٤٤) عن عاصم بكسر الياء اسم فاعل، والباقون بفتحها اسم مفعول، وتَقَدَّمَ وجه ذلك.

### فصل


قال ابنُ مَسْعُودٍ وَقَتَادَةُ : الفاحشة هي النُّشوز، وإيذاء ١ ينظر: تفسير الرازي (١٠/٩ ـ ١٠). وأخرجه البخاري (٨/١٨٤) وأبو داود (٢/٣١٠) رقم (٢٠٨٩) والبيهقي (٧/١٣٨) والطبري في "تفسيره" (٨/١٠٤) من طريق عكرمة عن ابن عباس مختصرا.
 وذكر السيوطي هذه الراوية في "الدر المنثور" (٢/٢٣٤) وزاد نسبته لابن المنذر وابن أبي حاتم.
 وأخرجه الطبري في "تفسيره" (٨/١٠٦) عن عطاء عن ابن عباس بمعناه وذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٢/٢٣٤) وزاد نسبته لابن المنذر..
٢ أخرجه الطبري في "تفسيره" (٨/١٠٦) عن عكرمة وذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٢/٢٣٤ ـ ٢٣٥) وزاد نسبته لابن المنذر..
٣ في ب: يمسكها..
٤ سقط في ب..
٥ انظر: الدر المصون ٢/٣٣٣..
٦ في أ: متقدما..
٧ ينظر: الإملاء ١/١٧٢..
٨ في أ: النساء..
٩ انظر: السبعة ٢٢٩، والحجة ٣/١٤٤، وحجة القراءات ١٩٥، والعنوان ٨٣، وشرح الطيبة ٤/١٩٨ ـ ١٩٩، وشرح شعلة ٣٣٦، وإعراب القراءات ١/١٣١، وإتحاف ١/٥٠٦..
١٠ في ب: الكسائي..
١١ في أ: عن..
١٢ في أ: يرثوا..
١٣ في أ: النافية..
١٤ ينظر: الإملاء ١/١٧٢..
١٥ ينظر: المحرر ٢/٢٧..
١٦ ينظر: الإملاء ١/١٧٢..
١٧ سقط في ب..
١٨ ينظر: البحر المحيط ٣/٢١٣، والمحرر ٢/٢٧..
١٩ انظر: المحرر الوجيز ٢/٢٧، والبحر المحيط ٣/٢١٣، والدر المصون ٢/٣٣٤..
٢٠ ينظر: البحر المحيط ٣/٢١٣..
٢١ سقط في ب..
٢٢ في أ: التوب..
٢٣ في أ: يصيح..
٢٤ ينظر: البحر المحيط ٣/٢١٣..
٢٥ في أ: فهذا..
٢٦ في أ: لهذا..
٢٧ في ب: وخرج..
٢٨ سقط في ب..
٢٩ ينظر: المحرر الوجيز ٢/٢٧، وفي ب: ابن عباس..
٣٠ في أ: التعددية..
٣١ في ب: حال..
٣٢ في ب: الأحوال..
٣٣ في ب: بني..
٣٤ ينظر: تفسير الرازي ١٠/١١..
٣٥ ينظر: الإملاء ١/١٧٢..
٣٦ سقط في ب..
٣٧ انظر: السبعة ٢٣٠، والحجة ٤/١٤٥، وحجة القراءات ١٩٦، وإعراب القراءات ١/١٣٠، ١٣١، والعنوان ٨٣، وشرح شعلة ٣٣٧، وشرح الطيبة ٤/٢٠٠، وإتحاف ١/٥٠٧..
٣٨ سقط في ب..
٣٩ سقط في أ..
٤٠ وهي قراءة ابن عباس.
 انظر: المحرر الوجيز ٢/٢٨، والدر المصون ٢/٣٣٦..
٤١ في ب: فيها..
٤٢ سقط في ب..
٤٣ في أ: عن..
٤٤ ينظر: القراءة السابقة..

### الآية 4:20

> ﻿وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا ۚ أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا [4:20]

لما أذن في مضارة الزوجات إذَا أتين بفاحشة مبينة بين في هذه الآية تحريم المضارة في غير حال الإتيان بالفاحشة ؛ وذلك لأن الرجل إذا مال إلى التَّزَوُّج بامرأة أخرى، رمى زوجته بنفسه بالفاحشة حتى يُلْجِئَها إلى الافتداء منه بما أعْطاهَا ليصرفه في تزوج المرأة التي يريدها، فقال تعالى  وَإِنْ أَرَدْتُّمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَّكَانَ زَوْجٍ . قوله : مَّكَانَ زَوْجٍ  ظرف منصوب بالاستبدال، والمراد بالزوج هنا الجمع، أيْ : فإن أردتم استبدال أزواج مكان أزواج وجاز ذلك \[ لدلالة \][(١)](#foonote-١) جمع[(٢)](#foonote-٢) المستبدلين، إذ لا يتوهم اشتراك المخاطبين في زوج واحد مكان زوج واحد، ولإرادة معنى الجمع عاد الضمير من قوله  إِحْدَاهُنَّ  على " زوج " جمعاً. \[ و \][(٣)](#foonote-٣) التي نهى عن الأخذ منها في المستبدل مكانها ؛ لأنها آخذة منه بدليل قوله تعالى : وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ  وهذا إنَّمَا هو في القديمة لا في المستحدثة، وقال : إِحْدَاهُنَّ  ليدل على أنه قوله  وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَاراً [(٤)](#foonote-٤) المراد منه : وآتى كل واحد منكم إحداهن أي : إحدى الأزواج \[ ولم يقل :" آتيتموهن قنطاراً " لئلا يتوهم أن جميع المخاطبين آتوا الأزواج \][(٥)](#foonote-٥) قنطاراً، والمراد آتى كل واحد زوجته قنطاراً، فدَلَّ \[ على \][(٦)](#foonote-٦) لفظ " إحداهن ". على أنَّ الضمير في آتيتم المراد منه كل واحد واحد، كما دلّ لفظ  وَإِنْ أَرَدْتُّمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَّكَانَ زَوْجٍ  على أن المراد استبدال أزواج مكان أزواج فأرِيدَ بالمفرد هنا الجمع، لدلالة  وَإِنْ أَرَدْتُّمُ [(٧)](#foonote-٧)، وأُرِيدَ بقوله :" وآتيتم كل واحد واحد " لدلالة إحداهن - وهي مفردة - على ذلك، ولا يُدَلُّ على هذا المعنى البليغ بأوجز، ولا أفصح من هذا التركيب، وقد تقدم معنى القنطار واشتقاقه في " آل عمران "، والضمير في " منه " عائد على قنطار. 
وقَرَأَ ابْنُ مُحَيْصِنٍ " آتيتم إحداهن " بوصل ألف إحدى، كما قرأ " إنها لإحدى الكبر "، حذف الهمزة تحقيقاً كقوله :\[ الرجز \]
إنْ لَمْ أُقَاتِلْ فَالْبِسُونِي بُرْقُعَا[(٨)](#foonote-٨) \*\*\*. . . 
وقد طول أبُو البَقَاءِ هنا، ولم يأتِ بطائلٍ فقال : وفي قوله : وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَاراً  إشكالان :
أحدهما : أنه جمع الضمير والمتقدم زوجان. 
والثاني : أن التي يريد أن يستبدل بها هي التي تكون قد أعطاها مالاً، فَنَهَاهُ عن أخذه، فَأَمَّا التي يريد أن يستحدث بها فلم يكن أعطاهَا شيئاً حَتَّى ينهى عن أخذه، ويتأيد ذلك بقوله  وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ . 
والجواب عن الأول : أنَّ المراد بالزوج الجمع ؛ لأن الخطاب لجماعة الرجال، وكل منهم \[ قد \][(٩)](#foonote-٩) يريد الاستبدال[(١٠)](#foonote-١٠)، ويجوز أنْ يكون جمع ؛ لأن التي يريد أنْ يستحدثها يفضي حالها إلى أن تكون زوجاً و \[ أن \][(١١)](#foonote-١١) يريد أن يستبدل بها كما استبدل بالأولى فجمع على هذا المعنى. 
**وأمَّا الإشكال الثاني ففيه جوابان :**
أحدُهُمَا : أنَّه وضع الظاهر موضع المضمر، والأصل " وآتيتموهن ". 
والثاني : أن المستبدل بها مبهمة فقال " إحداهن " إذْ لم يتعين حتى يرجع الضمير إليها، وقد ذكرنا نحواً من هذا في قوله " فتذكر إحداهما الأخرى " انتهى. 
قال شهابُ الدِّينِ : وفي قوله " وضع الظاهر موضع المضمر " نظر ؛ لأنَّهُ لو كان الأصل كذلك لأوهَمَ أنَّ الجميع آتوا الأزْوَاجَ قنطاراً كما لم تقدم وليس كذلك.

### فصل \[ حكم المغالاة في المهر \]


قالوا : دَلَّتِ الآية على جواز المغالاة في المهر[(١٢)](#foonote-١٢). 
رُوِيَ أنَّ عمر بن الخطاب قال على المِنْبَرِ :" ألاَ لاَ تُغَالُوا في مهور نِسَائكُم " فقامت امرأة فقالت : يا ابن الخطاب اللَّه يعطينا وَأنْتَ تمنع، وتلت الآية فقال عمر : كلّ الناس أفْقَهُ مِنْكَ يا عمرُ، ورجع عن ذلك[(١٣)](#foonote-١٣). 
قال ابن الخطيب[(١٤)](#foonote-١٤) : وعندي أنَّ الآية لا دلالة فيها على جواز المغالاة ؛ لأن قوله  إِحْدَاهُنَّ قِنْطَاراً [(١٥)](#foonote-١٥) لا يدل على جواز إيتاء القنطار، كما أن[(١٦)](#foonote-١٦) قوله  لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلاَّ اللَّهُ لَفَسَدَتَا  \[ الأنبياء : ٢٢ \] لا يدل على حصول الآلهة فالحاصل أنَّهُ لا يلزم من جعل الشيء شرطاً لشيء آخر كون ذلك الشرط في نفسه جائز الوقوع. 
قال عليه الصلاة والسلام :" من قُتل له قتيلٌ فأهله بين خيرتين[(١٧)](#foonote-١٧) " ولم يلزم منه جواز القتل[(١٨)](#foonote-١٨)، وقد يقول الرجل : لو كان الإله جسماً لكان محدثاً، وهذا حق، ولا يلزم منه أن \[ قولنا \][(١٩)](#foonote-١٩) الإله جسم حق. 
### فصل


يدخل في الآية ما إذَا كان آتَاهَا مهرها، وما إذا لم يؤتها ؛ لأنه إذَا أوقع العقد على الصداق فقد آتاها ذلك الصداق في حكم الله فلا فرق بين ما إذا آتاها الصداق حساً، وبين ما إذا لم يؤتها. 
### فصل \[ في الخلوة الصحيحة هل تقرر المهر ؟ \]


احتج أبُو بكر الرازي بهذه الآيةَ على أنَّ الخلوة الصحيحة تقرر المهر. 
قال : لأنَّ اللَّهَ تعالى منع الزوج من أنْ يأخذ منها شيئاً من المهر، وهذا المنع مطلق ترك العمل قبل الخلوة ؛ فوجب أن يكون معمولاً به بعد الخلوة. 
قال : ولا يجوز أن يقال إنَّهُ مخصوص بقوله تعالى :
 وَإِن طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ  ؛ لأن الصحابة اختلفوا في تفسير المسيس. 
فقال عمر وعلي - رضي الله عنهما - : المراد من المسيس : الخلوة. 
وقال عبد الله : هو الجماع إذَا صار مختلفاً فيه امتنع جعله مخصصاً لعموم الآية. 
وأجيب أنَّ هذه الآية هنا مختصة بعد الجماع لقوله : وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ  وإفضاء بعضهم إلى بعض، هو الجماع على ما سيأتي. 
### فصل \[ سوء العشرة هل يوجب العوض \]


سُوءُ العشرة إنْ كان من قِبَلِ الزوجة حَلَّ أخذ بدل الخُلْعِ ؛ لقوله : وَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ ُلِتَذْهَبُواْ بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إِلاَّ أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ  وإن كان من قِبل الزوج، كُرِهَ له أن يأخذ من مهرها شيئاً ؛ لأنه نهى في هذه الآية عن الأخذ، ثم إن خالف وفعل ملك بدل الخُلْعِ كما أنَّ البيع وقت النداء منهي عنه، ثم إنه يفيد الملك. 
قوله : أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَاناً وَإِثْماً مُّبِيناً  استفهام إنكاري أي : أتفعلونه مع قبحه، وفي نصب  بُهْتَاناً وَإِثْماً مُّبِيناً  وجهان :
أحدهما : أنها منصوبان على المفعول من أجله أي لبهتانكم وإثمكم. 
قال الزمخشريُّ[(٢٠)](#foonote-٢٠) : فإن لم يكن عَرَضاً كقولك : قعد عن القتال جبناً. 
وقيل : انتصب ينزع الخافض أي ببهتان. 
والثاني : أنَّهُمَا مصدران في موضع الحال، وفي صاحبهما وجهان :
أظهرهُمَا : أنَّه الفاعل في أتأخذونه أي : باهتين وآثمين. 
والثاني : أنَّهُ المفعول أي : أتأخذونه مبهتاً محيراً لشنعته، وقبح الأحدوثة[(٢١)](#foonote-٢١) عنه، والتقدير : تصيبون في أخذه بهتاناً[(٢٢)](#foonote-٢٢)، والبُهْتَانُ فُعْلان من البُهْتِ، وهو في اللغة : الكذب الذي يواجه به الإنسان صاحبه على وجه المكابرة، وأصله من بهت الرَّجُلُ إذا تحيَّر فالبهتان كذب يحير الإنسان لعظمه ثم جُعِلَ كُلُّ باطل يتحير من بطلانه بهتاناً، ومنه الحديث :" إذا واجهت أخاك بما ليس فيه فقد بَهَتَّهُ " ولقد تقدم الكلام عليه في البقرة. 
وفي تسمية هذا الأخذ " بهتاناً " وجوه :
أحدها : أنَّهُ تَعَالى لما فرض لها ذلك المهر فأخذهُ ؛ كَأنَّهُ يقول : ليس ذلك بفرض فيكون بُهْتَاناً. 
وثانيها : أنَّ العقد يستلزم مهراً وتكفل بالعقد تسليم ذلك المهر إليها وألا يأخذه منها، فإذا أخذه منها، صار ذلك القول الذي عقد به العقد بهتاناً. 
وثالثها : أنا ذكرنا أنه كان من عادتهم إذا أرادوا تطليق الزوجة رموها بفاحشة، حتى تخاف وتشتري نفسها منه بذلك المهر، فلما كان ذلك واقعاً على هذا الوَجْهِ في الأغلب جعل كأنه أخذه بهتاناً \[ وإثماً \][(٢٣)](#foonote-٢٣). 
\[ رابعها : أنَّه عقاب البهتان والإثم المبين كأنَّهُ كان معلوماً عندهم مقولة " أتأخذونه بهتاناً " \][(٢٤)](#foonote-٢٤) معناه أتأخذونه[(٢٥)](#foonote-٢٥) عقاب البهتان فهو كقوله :
 إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْماً إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَاراً [(٢٦)](#foonote-٢٦) \[ النساء : ١٠ \]. 
١ سقط في ب..
٢ في ب: جميع..
٣ سقط في ب..
٤ سقط في ب..
٥ سقط في أ..
٦ سقط في ب..
٧ في أ: ما قبله عليه..
٨ ينظر البيت في الخصائص ٣/١٥١ والبحر المحيط ٣/٢١٥ والمحتسب ١/١٢٠ والدر المصون ٢/٣٣٧..
٩ سقط في ب..
١٠ في ب: استبدال..
١١ سقط في ب..
١٢ من أقبح العادات أن يطلب والد العروس من الزوج ما يعجز عن دفعه، فيضطر إلى بيع ما يملك، أو الاستدانة من غيره، فيبتدئ صفحة حياته الجديدة بالهم والشقاء المستمر، وهذا من دواعي إحجام بعض الشبان عن الزواج، وفي الحديث الشريف: "أقلهن صداقا أكثرهن بركة".
 ومن أقبح العادات المغالاة في الجهاز، لأن الناس يخرجون فيه عن طورهم، فترى الفقير يريد أن يعد جهازا كجهاز الأغنياء، فلا ينتهي من الجهاز إلا وقد عمه الدين، وأما الأغنياء: فإن كثيرا منهم اندفعوا في شراء ما خف حمله، وغلا ثمنه. فخرجوا من ذلك وقد أحاط الدين بممتلكاتهم، ولقد شاهدنا أن بعضهم أصبح من أجل ذلك فقيرا بعد أن كان غنيا.
 ومن البلية الكبرى أن أكثر الجهاز لا يستعمل في مرافق الحياة، بل جله زينة وزخرف سريع العطب، قصير الأجل، يفنى قبل أن تسدد أقساطه ونجومه، وبدهي أن المغالاة في الجهاز هي السبب الوحيد في المغالاة في المهور.
 واجب الآباء: يجب على الآباء أن يقتصدوا في الجهاز. وأن يحضروا منه ما يلائم الزوج والزوجة، وما يمكنهما الانتفاع به طويلا، وأن يخففوا المهور، حتى يسعد الأزواج، ويفتتحوا حياتهم الجديدة بالسعادة والهناء، والرفاء، والبنين.
 العرس: والمصيبة الكبرى الأعراس وما يصنع فيها:
 ١ ـ يدعو صاحب العرس أهله، وجيرانه، وأحبابه، وأصدقاءه، ثم يتغالى في ذلك، فيدعو أصحاب الوجاهة والقدر، وإن كان لا يعرفهم، طلبا للمباهاة والفخر، وهذا يستدعي أن يعد لهم من الطعام ما يلائم وجاهتهم، فيكلف نفسه نفقات كان في غنى عنها لو اقتصر على أهله، وأعز أصدقائه وجيرانه وعمل وليمة تناسب حاله؛ عملا بسنة النبي صلى الله عليه وسلم.
 المغنون والمغنيات: بعد هذا تأتي عادة أشنع من سابقتها، تلك هي إحضار المغنين من الرجال، والمغنيات من النساء، وهذا يستدعي أن يتنافس الزائرت في ثيابهن وحليهن، وفي الهدايا التي تقدم للعروس وفيما يعطى للمغنيات ومن على شاكلتهن، ممن يهيئن العروس للزفاف، وفي ذلك الخراب العاجل، هذا إلى ما في هذه الاجتماعات من الأمور المنكرة التي لا ترضى الله تعالى.
 عمل العقلاء: ومما يبشر بالخير أن بعض العقلاء هجروا كل هذه العادات العتيقة، واستعاضوا بها ما هو خير لهم وأبقى لأموالهم، وأنفع للعروسين ولأهلهم..
١٣ أخرجه سعيد بن منصور (٥٩٨) والبيهقي (٧/٢٣٣) وأبو يعلى كما في "مجمع الزوائد" (٤/٢٨٤) من طريق مجالد بن سعيد عن الشعبي قال: خصب عمر بن الخطاب... فذكره.
 قال الهيثمي في "مجمع الزوائد" (٤/٢٨٤) فيه مجالد بن سعيد وفيه ضعف وقد وثق.
 وقال البيهقي: هذا منقطع.
 وأخرجه سعيد بن منصور (٥٩٩) والبيهقي (٧/٢٣٣) من طريق حميد الطويل عن بكر بن عبد الله قال: قال عمر بن الخطاب... فذكره بلفظ: خرجت وأنا أريد أن أنهاكم عن كثرة الصداق حتى عرضت لي هذه الآية: وآتيتم إحداهن قنطارا فلا تأخذوا منه شيئا.
 قال البيهقي عقبه: هذا مرسل جيد..
١٤ ينظر: تفسير الرازي ١٠/١٢..
١٥ في ب: وآتيتم إحداهن قنطارا..
١٦ في ب: في..
١٧ أخرجه الترمذي (١/٢٦٤) وأحمد (٥/٣٨٥) والدارقطني (٣/٩٧) من طريق سعيد بن أبي سعيد المقبري عن أبي شريح الكعبي به وقال الترمذي: حديث حسن صحيح.
 وأخرجه أبو داود (٤٤٩٦) والدرامي (٢/١٨٨) وابن ماجه (٢٦٢٣) وابن الجارود (٧٧٤) والدارقطني (٣/٩٨) والبيهقي (٨/٧٢) وأحمد (٤/٣١) من طريق أبي العوجاء عن أبي شريح مرفوعا.
 وأخرجه أحمد (٤/٣١ ـ ٣٢) والبيهقي (٨/٧١) من طريق مسلم بن يزيد عن أبي شريح به..
١٨ في ب: الفعل..
١٩ سقط في ب..
٢٠ ينظر: الكشاف ١/٤٩٢..
٢١ في ب: الأخذوية..
٢٢ في ب: بهتا..
٢٣ سقط في ب..
٢٤ سقط في ب..
٢٥ في ب: أتأخذون..
٢٦ ذكر الرازي في تفسيره هنا: أنه تعالى ذكر في الآية السابقة ولا تعضلوهن لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة والظاهر من حال المسلم: أنه لا يخالف أمر الله، فإذا أخذ منها شيئا، أشعر ذلك بأنها قد أتت بفاحشة مبينة، فإذا لم يكن الأمر كذلك في الحقيقة، صح وصف ذلك الأخذ بأنه بهتان. ينظر: تفسير الرازي ١٠/١٣..

### الآية 4:21

> ﻿وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَىٰ بَعْضُكُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا [4:21]

وقوله : وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ  تقدَّمَ الكلام في كيف عند قوله : كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ 
\[ البقرة : ٢٨ \]. 
قوله : وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ [(٢٧)](#foonote-٢٧) الواو للحال، والجملة بعدها : في محل نصب، وأتى ب " قد " ليقرب الماضي من الحال، وكذلك " أخذن " وقد مقدرة معه لتقدم ذكرها، وأصل أفْضَى ذهب إلى فضاه أي ناحية سعته، يقال : فَضَى يَفْضُو فَضْواً، وأفضى : عن ياء أصلها واو. 
وقال اللَّيْثُ : أفْضَى فلان إلى فلان أي : وصل إليه، وأصله أنه صار في فضائه وفرجته. 
وقال غيره : أصل الإفْضَاءِ الوصول إلى الشيء من غير واسطة. 
وللمفسرين[(٢٨)](#foonote-٢٨) في هذا الإفضاء قولان :
أحدهُمَا : قال ابن عباس، ومجاهد، والسدي أنَّهُ كناية عن الجماع[(٢٩)](#foonote-٢٩) وهو اختيار الزجاج، وابن قتيبة، ومذهب الشافعيّ ؛ لأنَّ عنده أنَّ الزوج إذا أطلق قبل المسيس فله أن يرجع في نصف المهر، وإنْ خلا بها. 
والثاني : أنَّ الإفضاء هو الخلوة وإن لم يجامعها[(٣٠)](#foonote-٣٠). 
وقال الكلبي : الإفضاء أن يكون معها في لحاف واحد، جامعها أو لم يجامعها، وهذا اختيار الفراء، ومذهب أبي حنيفةَ ؛ لأن الخلوةَ في الأنكحة الصحيحة تقرر المهر، واسْتَدَلُّوا على القول الأوَّّلِ بوجوهٍ :
أحدها : ما تَقَدَّمَ عن الليث : أنه يصير في فرجته وفضائه، وهذا المعنى إنَّمَا يحصل في الحقيقة عند الجماع. 
وثانيها : أنه تعالى ذكر في معرض التعجب فقال  وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ  والتعجب إنما يتم إذا كان هذا الإفضاء سبباً قوياً في حصول الألفة والمحبّة، وذلك لا يحصل بمجرد الخلوة وإنَّمَا يحصل بالجماع، فيحمل عليه. 
وثالثها : أن الإفضاء إليها لا بد وأن يكون مُفَسراً بفعل منه ينتهي إليه ؛ لأن كلمة " إلى " لانتهاء الغاية، ومجرد الخلوة ليبس كذلك ؛ لأن عند الخلوة المحضة لم يصل كل واحد منهما إلى الآخر فامتنع تفسير قوله : أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ  بمجرد الخلوة. 
وإنْ قيل : إذا اضطجعها في لحافٍ واحد ملامساً فقد حصل الإفْضَاء مِنْ بعضهم إلى بعض ؛ فوجب أن يكون ذلك كافياً وأنتم لا تقولون به. 
فالجَوابُ أنَّ القائل بذلك قائلان : قائل يقول : المهر لا يتقرر إلاَّ بالجماع، وآخر يقول : يتقرَّر بمجرد الخلوة ولا يقولُ أحَدٌ إنَّهُ يتقرر بالملامسة والمضاجعة فَبَطَلَ هذا القول بالإجماع، ولم يبق في تفسير الإفضاء إلاَّ أحد أمرين : إمَّا الجماع، وإمَّا الخلوةَ، وقد أبطلنا القول بالخلوة بما بيناه فلم يبق إلاَّ أن المراد بالإفْضَاءِ الجماع. 
ورابعها : أنَّ المهر قَبْلَ الخُلْوَةِ ما كان مُتَقَرِّراً، وقد علّقَ الشَّرع تقريره على إفضاء البعض إلى البعض، وقد اشتبه في المُرَادِ بهذا الإفضاء هل هو الخُلوة، أو الجماع، وإذَا وقع الشكُّ وجب بقاء ما كان على ما كان والأصل براءة الذمة. 
احتج من قال : بأن الخلوة الصحيحة تقرر المهر وتُوجِبُ العدةَ دخل بها أوْ لم يدخل بها بما رَوَى الدَّارَقُطْنِيُّ عن \[ ابن \][(٣١)](#foonote-٣١) ثوبان، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم[(٣٢)](#foonote-٣٢) :" مَنْ كَشَفَ خِمَارَ امْرَأةٍ ونَظَرَ إلَيْهَا وَجَبَ الصَّدَاقُ " [(٣٣)](#foonote-٣٣) وقال عمر : إذَا أغْلَقَ باباً وأرخى ستراً ؛ وَجَبَ الصداق وعليها العدة ولها الميراث[(٣٤)](#foonote-٣٤)، وعن علي : إذا أغلق باباً وأرخى ستراً ورأى عورة فقد وجب الصداق، وقضى الخلفاء الراشدون أنَّ من أغلق باباً، وأرخى ستراً فقد وجب الصداق وعليها العدة[(٣٥)](#foonote-٣٥). 
قوله  وَأَخَذْنَ مِنكُ  في منكم وجهان :
أظهرهما : أنه متعلق ب " أخذن "، وأجاز فيه أبُو الْبَقَاءِ أن يكون حالاً من ميثاقاً قدّم عليه كأنه لما رأى أنَّه يجوز أن يكون صفة لو تأخر أجاز ذلك وهو ضعيف. 
قال الحسن، وابن سيرين، والضحاك، وقتادة، والسدي، وعكرمة، والفراء : المراد بالميثاق هو قول الولي عند العقد : زوّجْتُكَها على ما أخذ للنساء على الرجال من إمساك بمعروف، أو تسريح بإحسان[(٣٦)](#foonote-٣٦). 
وقال الشَّعْبِيُّ وَعِكْرِمَةُ ومُجَاهِدٌ : في كلمة النِّكَاحِ المعقود عليها على الصداق[(٣٧)](#foonote-٣٧) وقال عليه الصلاة والسلام :" اتَّقُوا اللَّهَ في النِّسَاءِ فَإنَّكُمْ أخَذْتُمُوهُنَّ بأمَانَةِ اللَّهِ واسْتَحْلَلْتُمْ فُرُوجَهُنَّ بِكَلِمَةِ اللَّهِ " [(٣٨)](#foonote-٣٨). 
وقيل المراد بالميثاق الغليظ هو : إفْضَاءُ بعضهم إلى بعض وصفه بالغلظة لعظمة ما يحدث بين الزوجين من الاتحاد والألفة والامتزاج.

### الآية 4:22

> ﻿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ ۚ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاءَ سَبِيلًا [4:22]

قوله تعالى : وَلاَ تَنكِحُواْ مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِّنَ النِّسَاءِ إِلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ  إلى قوله :\[ سَبِيلاً \][(١)](#foonote-١) }. 
قال الأشعث بن سَوّار توفي أبو قيس[(٢)](#foonote-٢) وكان من صالحي الأنصار فخطب ابنه امرأة أبيه فقالت إنِّي أعدّك ولداً وأنت من صالحي قومك، ولكني آتي رسول الله صلى الله عليه وسلم أستأمره، فأتته فأخبرته فأنزل الله هذه الآية[(٣)](#foonote-٣). 
قال ابن عباس وجمهور المفسرين[(٤)](#foonote-٤) : كان أهل الجاهلية يتزوجون بأزواج آبائهم فنهوا بهذه الآية[(٥)](#foonote-٥) عن \[ ذلك. قوله " ما نكح " في " ما " هذه قولان \][(٦)](#foonote-٦) :
أحدهما : أنها موصولة اسمية واقعة على أنواع من يعقل كما تقدم في قوله
 مَا طَابَ لَكُمْ مِّنَ النِّسَاءِ  \[ النساء : ٣ \] هذا عند من لا يجيز وقوعها على آحاد العقلاء فأما من يجيز ذلك فيقول : إنها واقعة موقع من ف " ما " مفعول به بقوله " ولا تنكحوا " والتقدير : ولا تتزوّجُوا من تزوج آباؤكم[(٧)](#foonote-٧). 
والثاني : أنَّها مصدريّة أي : ولا تنكحوا مثل نكاح آبائكم الّذي كان في الجاهليَّة وهو النكاح الفاسد كنكاح الشغار وغيره، واختار هذا القول جماعة منهم ابن جرير الطبري[(٨)](#foonote-٨) وقال : ولو كان معناه : ولا تنكحوا النساء التي نكح آباؤكم لوجب أن يكون موضع " ما " " من " انتهى. وتبين كونه حراماً، أو فاسداً من قوله  إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتاً . قوله : مِّنَ النِّسَاء . تقدم نظيره أول السورة.

### فصل \[ حكم نكاح مزنية الأب \]


قال أبو حنيفة وأحمد : يحرم على الرجل أن يتزوج بمزنية أبيه وقال الشافعي : لا يحرم، واحتج الأولون بهذه الآية، لأنه تعالى نهى الرجل أن ينكح منكوحة أبيه، والنكاح عبارة عن الوطء لوجوه :
أحدها : قوله تعالى  فَلاَ تَحِلُّ لَهُ مِن بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ  \[ البقرة : ٢٣٠ \] فأضاف النّكاح إلى الزّوج، والنّكاح المضاف إلى الزّوج هو الوطء لا العقد ؛ لأن الإنسان لا يتزوج من \[ زوجة \][(٩)](#foonote-٩) نفسه ؛ لأن ذلك في تحصيل الحاصل ؛ ولأنَّهُ لو كان المراد به في هذه الآية العقد لحصل التحليل بمجرد العقد وحيث لم يحصل علمنا أن المراد من النكاح في هذه الآية ليس هو العقد، فتعين أن يكون هو الوطء ؛ لأنه لا قائل بالفرق. 
وثانيها : قوله  وَابْتَلُواْ الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُواْ النِّكَاحَ  \[ النساء : ٦ \] والمراد به الوطء لا العقد ؛ لأن أهلية العقد كانت حاصلة. 
وثالثها : قوله : الزَّانِي لاَ يَنكِحُ إِلاَّ زَانِيَةً  \[ النور : ٣ \] ولو كان المراد العقد لزم الكذب. 
ورابعها : قوله عليه \[ الصلاة \][(١٠)](#foonote-١٠) والسلام " ناكح اليد ملعون " [(١١)](#foonote-١١) وليس المراد العقد فثبت بهذه الوجوه أنَّ النكاح عبارة عن الوطء فلزم أن يكون المراد من قوله " ما نكح آباؤكم " أي : وطئن آباؤكم، فيدخل فيه المنكوحة والمَزْنِيُّ بها. 
فإن قيل قد ورد أيضاً لفظ " النكاح " بمعنى العقد، قال تعالى  وَأَنْكِحُواْ الأَيَامَى مِنْكُمْ 
\[ النور : ٣٢ \]  فَانكِحُواْ مَا طَابَ لَكُمْ مِّنَ النِّسَاءِ  \[ النساء : ٣ \]. إذا نكحتم المؤمنات. 
وقال عليه \[ الصلاة \][(١٢)](#foonote-١٢) والسلام :" ولدت من نكاح ولم أولد من سفاح " فلم كان حمل اللفظ على الوطء أوْلَى من حمله على العقد ؟
فالجواب أن لفظ " النكاح " حقيقة في الوطء مجاز في العقد. لأنَّ لفظ النكاح في أصْلِ اللغة عبارة عن الضَّمِّ، ومعنى حاصل في الوطء لا في العقد، فكان حقيقة في الوطء وإنَّمَا سُمِّيَ العقد بهذا الاسم ؛ لأنه سبب الوطء، فيكون من باب إطلاق اسم المسبب على السبب كما أنَّ العقيقة : اسم للشِّعْرِ الذي يكون على رأس الصغير حال ما يولد ثم تُسَمَّى الشاة التي تذبح عند خلق ذلك الشِّعْر عقيقة \[ فكذا هاهنا. هذا على قول من يقول : لا يجوز استعمال اللفظ الواحد بالاعتبار الواحد في حقيقته \][(١٣)](#foonote-١٣) ومجازه فلا جرم نقول : المستفاد من هذه الآية حكم الوطء أمَّا حكم العقد فَإنَّهُ يستفاد[(١٤)](#foonote-١٤) من دليل آخر، فأمَّا \[ مَنْ \][(١٥)](#foonote-١٥) ذهب إلى أن اللفظ المشترك يجوز استعماله في مفهوميْه معاً، فإنه يقول دلت الآية على لفظ النكاح حقيقة الوطء، وفي العقد معاً، فكان قوله : وَلاَ تَنكِحُواْ مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِّنَ النِّسَاءِ  نهي عن الوطء وعن العقد معاً حملاً للفظ على مفهوميه ولو سلمنا أنَّه لا يجوز استعمال اللفظ المشترك في مفهومَيْه معاًً، لكن ثبت بالدلائل المذكورة أنَّ لفظ النكاح قد استُعمِلَ في الوطء تارةً، وفي العقد أخرى، والقول بالاشتراكِ والمجاز خلاف الأصل، فلا بدّ من جعله حقيقة في القدر المشترك بينهما، وهو معنى الضمّ حتَّى يندفع الاشتراك والمجاز، فإذا كان كذلك كان قوله : ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء  نهياً عن القدر المشترك بين هذين القسمين والنهي عن القدر المشترك بين القسمين يكون نهياً عن كل واحد من القسمين لا محالة، فإنّ النهي عن التزويج يكون نهياً عن العقد، وعن الوطء معاً، وأجيبوا عن هذا الاحتجاج بوجوه :
الأوَّل : لا نسلم أنَّ[(١٦)](#foonote-١٦) النكاح يقع على الوطء، والوجوه الَّتي احتجوا بها معارضة بوجوه :
الأول : قوله عليه الصلاة والسلام " النِّكَاحُ سُنَّتِي " ولا شك أنَّ الْوَطْءَ من حيث كونه وَطْئاً ليس سنة \[ له \][(١٧)](#foonote-١٧) وإلا لزم أنْ يكون الوطء بالسفاح سُنَّةًَ فلما ثبت أنَّ النِّكاح سنة، وثبت أن الوطء ليس بسنة ثبت أنَّ النكاحَ ليس عبارة عن الوطء وكذلك قوله عليه الصلاة والسلام :" تَنَاكَحُوا تَكَاثَرُوا " ولو كان الوطء مسمى بالنكاح لكان هذا إذناً في مطلق الوطء، وكذا التمسك بقوله  وَأَنْكِحُواْ الأَيَامَى مِنْكُمْ  \[ النور : ٣٢ \]
 فَانكِحُواْ مَا طَابَ لَكُمْ مِّنَ النِّسَاءِ  \[ النساء : ٣ \]. 
لا يقال : لما وقع التعارض بين هذه الدّلائل فالترجيح معنا، وذلك لأنَّا لو قلنا الوطء مسمى بالنكاح على سبيل الحقيقة لزم دخول المجاز في دليلنا، ومتى وقع التعارض بين المجاز والتخصيص كان التزام التخصيص أولى. 
لأنَّا نقول : أنْتُم تساعدونا على أنَّ لَفْظَ النِّكاح مستعمل في العقد، فلو قلنا : إنَّ النكاح حقيقة في الوطء لزم دخول التخصيص في الآيات التي ذكرناها ولزم القول بالمجاز في الآيات التي ذكر النِّكَاح فيها بمعنى الوطء ولا يلزمنا التخصيص فقولكم : يوجب المجاز والتخصيص معاً وقولنا : يوجب المجاز فقط، فكان[(١٨)](#foonote-١٨) قولنا أوْلَى. 
الوجه الثَّاني من الوجوه الدَّالة على أنَّ النِّكاح ليس حقيقة في الوطء قوله عليه \[ الصلاة \][(١٩)](#foonote-١٩) والسلام " وُلْدتُ مِنْ نِكَاحٍ وَلَمْ أُولد مِنْ سِفَاحٍ " وهذا يقتضي أن لا يكون الوطء نكاحاً. 
الوجه الثالث[(٢٠)](#foonote-٢٠) : من حلف في أولاد الزنا أنهم ليسوا أولاد نكاح لَمْ يَحْنَثْ، ولو كان الوطء نكاحاً لوجب أن يحنث. 
سلمنا أنَّ الوطء يسمى نكاحاً لكن العقد أيضاً يسمى نكاحاً فلم كان حمل الآية على ما \[ ذكرتم أولى من حملها على ما ذكرنا \][(٢١)](#foonote-٢١). 
وأمَّا قولهم إنَّ الوطء مسبب للعقد، فكما يحسن إطلاق المسبب مجازاً، فكذا يحتمل أن يُقَالَ النِّكاح اسم للعقد ثم أُطْلِقَ هذا الاسم على الوطء لِكَوْنِ الوطء مسبباً له، فلم كان أحدهما أوْلَى من الآخر، بل ما ذكرناه أولى ؛ لأن استلزام السبب للمسبب[(٢٢)](#foonote-٢٢) أولى وأتم من استلزام المسبب للسبب المعين، فإنَّهُ لا يمنع حصول الحقيقة الواحدة بأسباب كثيرة كالمِلْك، فَإنَّهُ يحصل بالبيع والهبة والوصية والإرث، ولا شك أنَّ الملازمة شرط لجواز المجاز، فَثَبَتَ أنَّ القول بأنَّ اسم النِّكاح حقيقة في الوطء مجاز في العقد أولى من عكسه. 
والوجه الثاني : أنَّهُ ثبت في أُصول الفِقْهِ أنَّهُ يجوز استعمال اللفظ الواحد في حقيقته ومجازه معاً فحينئذ يلزم ألا تكون الآية دالة على حكم العقد، وهذا وإن كانوا قد التزموه لكنه مدفوع بإجماع المفسرين على سبب نُزُولِ هذه الآية هو أنَّهُم كانوا يتزوجون بأزواج آبائهم، وأجمع المسلمون على أنَّ سبب نزول تلك الآية لا بد وَأنْ يكون داخلاً \[ تحت الآية، بل اختلفوا في أنَّ غيره هل يدخل تحت الآية أم لا ؟ فَأمَّا أنَّ سبب النُّزول يكون \][(٢٣)](#foonote-٢٣) داخلاً فيها فذلك مجمع عليه، وإذَا ثبت أنَّ سبب النزول لا بدّ وأن يكون مراداً ثبت بالإجماع أنَّ النهي عن العقد مراد من هذه الآية فيكون قولهم مضاد للدليل القاطع، فيكون مردوداً. 
وَأمَّا استدلالهم بالضم فضعيف ؛ لأنَّ الضم الحاصل في الوطء عبارة عن اتحاد الأجسام[(٢٤)](#foonote-٢٤) وتلاصقها، والضم الحاصل في العقد ليس كذلك ؛ لأنَّ الإيجاب والقبول أصوات غير باقية، فمعنى الضمّ والتّلاقي والتّجاور فيها محال، وَإذَا كان كذلك فليس بين الوطء والعقد مفهوم مشترك حتى \[ يقال إنَّ لفظ النكاح حقيقة فيه، فإذا بطل ذلك لم يبق إلا أنْ يُقَالَ لفظ النكاح مشترك بين الوطء والعقد \][(٢٥)](#foonote-٢٥) ويقال : إنه حقيقة في أحدهما مجاز في الآخر، ويرجع الكلام إلى الوجهين الأوَّلين. 
الوجهُ الثالث : سلمنا أنَّ النِّكاح بمعنى الوطءِ ولكن لم قلتم إن قوله  مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ  المراد منه المنكوحة بل المراد منه المصدر لإجماعهم على أنَّ لفظ " ما " حقيقة في غير العقلاء، فلو كان المراد منه المنكوحة لزم هذا المجاز، وهو خلاف الأصل، بل أهل العربية اتفقوا على أن " ما " مع ما بعدها في تقدير المصدر فتقدير الآية : ولا تنكحوا نكاح آبائكم ، ويكونُ المرادُ منه النَّهي على أن ينكحوا نكاحاً مثل نكاح آبائهم فإن أنكحتم كانت بغير وَلي ولا شهود، وكانت مُؤقتة، وكان على سبيل القهر والإلجاء، فنهاهم اللَّهُ تعالى عن مثل هذه الأنكحة بهذه الآيةِ ؛ وهذا الوجه مَنْقُولٌ عن ابن جَرِيرٍ وغيره كما تقدَّمَ. 
الوجه الرابع : سَلَّمْنَا أنَّ المراد المنكوحة، والتقدير : ولا تنكحوا ما نكح[(٢٦)](#foonote-٢٦) آباؤكم، ولكن قوله  مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ  ليس صريحاً في العموم بدليل أنَّهُ يصحُّ إدخال لفظ الكلِّ في البعض عليه[(٢٧)](#foonote-٢٧)، فيقالُ : ولا تنكحُوا بعض ما نكح آباؤكم، \[ ولو كان هذا صريحاً في العموم لكان إدْخَالُ لفظ الكلِّ عليه تكراراً، وإدخال لفظ البعض عليه نقصاً، ومعلوم أنَّهُ ليس كذلك، وإذَا ثبت أنه لا يفيد العموم لم يتناول محل النزاع، لا يقال : لو لم يفد يصير مجملاً غير مفيد والأصل ألا يكون كذلك ؛ لأنا نقول : لا نُسَلِّمُ أن التقدير لا يفيد العموم لم يكن صرفه إلى البعض أولى من صرفه إلى غيره، وذلك لأن المفسرين أجمعوا على أنَّ سبب نزوله إنما هو التزوّج بزوجات الآباء، فكان صرفه إلى هذا القسم أولى، وبهذا التقدير يزول الإجمال \]. 
الوجهُ الخامس : سلمنا أن هذا النهي يتناول محل النِّزاع لكن لم قُلْتُمْ : إنَّهُ يفيد التحريم، أليس أن كثيراً من أقسام النَّهي لا يُفِيدُ التَّحْريم، بل يفيدُ التنزيه، أقصى ما في البَاب أن يقال : هذا على خلاف الأصل، ولكن يجب المصير إذا دلّ الدّليل على صحّة \[ هذا \][(٢٨)](#foonote-٢٨) النكاح \[ وسنذكره. 
الوجه السادس : هب أن ما ذكرتم يدل على فساد هذا النكاح \][(٢٩)](#foonote-٢٩) إلا أن ههنا ما يدلُّ على صحَّة هذا النكاح وهو من وجوه :
الأوَّلُ : هذا النِّكاح منعقد ؛ فوجب أن يكون صحيحاً، بيان أنَّهُ منعقد لأنَّهُ منهي عنه بهذه الآية، و١ سقط في ب..
٢ في ب: قبيس..
٣ أخرجه البيهقي (٧/١٦١) والطبراني كما في "مجمع الزوائد" (٧/٦) وذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٢/٢٣٩) وزاد نسبته للفريابي وابن المنذر وقال البيهقي: هذا مرسل.
 وذكره الهيثمي في "مجمع الزوائد" (٧/٦) وقال: رواه الطبراني عن شيخه عبد الله بن محمد بن سعيد بن أبي مريم وهو ضعيف..
٤ ينظر: تفسير الرازي ١٠/١٥..
٥ أخرجه الطبري في "تفسيره" (٨/١٣٣) من طريق عكرمة عن ابن عباس وذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٢/٢٣٩) وزاد نسبته لابن المنذر..
٦ سقط في أ..
٧ في ب: آباؤكم بها..
٨ سقط في أ..
٩ سقط في أ..
١٠ ذكره الشيخ علي القاري في "الأسرار المرفوعة في الأخبار الموضوعة" رقم (١٠٢٢) وقال: لا أصل له كما صرح به الرهاوي في حاشيته على المنار.
 وأورده العجلوني في "كشف الخفاء" (٢/٤٤٩)..
١١ سقط في ب..
١٢ سقط في أ..
١٣ سقط في أ..
١٤ في ب: المستفاد..
١٥ سقط في أ..
١٦ في ب: أن اسم..
١٧ سقط في أ..
١٨ في ب: لكان..
١٩ سقط في أ..
٢٠ ينظر: تفسير الرازي ١٠/١٧..
٢١ سقط في أ..
٢٢ في ب: للسبب..
٢٣ سقط في ب..
٢٤ في ب: الأقسام..
٢٥ سقط في ب..
٢٦ في ب: بعض من..
٢٧ في الرازي يصح إدخال لفظي الكل والبعض عليه..
٢٨ سقط في أ..
٢٩ سقط في ب..

### الآية 4:23

> ﻿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالَاتُكُمْ وَبَنَاتُ الْأَخِ وَبَنَاتُ الْأُخْتِ وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ ۗ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا [4:23]

حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ \[ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالاَتُكُمْ وَبَنَاتُ الأَخِ وَبَنَاتُ الأُخْتِ وَأُمَّهَاتُكُمُ اللاَّتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُم مِّنَ الرَّضَاعَةِ وَأُمَّهَاتُ نِسَآئِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ اللاَّتِي فِي حُجُورِكُمْ مِّن نِّسَآئِكُمُ اللاَّتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِن لَّمْ تَكُونُواْ دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ وَحَلاَئِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلاَبِكُمْ وَأَن تَجْمَعُواْ بَيْنَ الأُخْتَيْنِ إِلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُوراً رَّحِيماً [(١)](#foonote-١)
أمهات جمع أمِّ والهاء[(٢)](#foonote-٢) زائدةٌ في الجمع، فَرْقاً بَيْنَ العُقَلاَءِ وغيرهم، يُقَالُ في العُقَلاَءِ أمَّهَات، وفي غيرهم أمات كقوله :
وَأمَّاتِ أطْلاَءٍ صغار[(٣)](#foonote-٣) \*\*\*. . . 
هذا هو المشهور، وقد يقال :" أمَّات " في العقلاء و " أمهات " في غيرهم، وقد جمع الشَّاعِرُ بين الاستعمالين في العُقَلاَءِ فقال :\[ المتقارب \]
إذَا الأمَّهاتُ قَبَحْنَ الوُجُوهَ \*\*\* فَرَجْتَ الظَّلاَمَ بِأُمَّاتِكَا[(٤)](#foonote-٤)
وقد سُمِعَ " أمهة " في " أم " بزيادَةِ هاء بعدها تاء تأنيث، قال :\[ الرجز \]
أُمَّهَتي خِنْدَفٌ وَالْياسُ أبِي[(٥)](#foonote-٥) \*\*\*. . . 
فعلى هذا يَجُوزُ أنْ تكون أمَّهات جمع " أمهة " المزيد[(٦)](#foonote-٦) فيها الهاء، والهاءُ قد أتَتْ زَائِدةً في مواضع قالوا : هِبْلَع، وهِجْزَع من البَلْعِ وَالجَزْع. 
قوله : وَبَنَاتُكُمْ  عطف على  أُمَّهَاتُكُمْ  وبنَاتُ جمع بِنْتٍ، وَبِنْتٌ : تأنيث ابن، وتقدَّمَ الكلام عليه وعلى[(٧)](#foonote-٧) اشتقاقه ووزنه في البقرة في قوله : يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ \[ البقرة : ٤٠ \] إلا أنَّ أبَا البقاء[(٨)](#foonote-٨) حكى \[ عن \][(٩)](#foonote-٩) الفرَّاءِ أنَّ " بَنَات " ليس جمعاً ل " بِنْتٍ "، يعني : بكسر البَاءِ بل جمع " بَنَة " يعني : بفتحها قال : وكُسِرَتِ الْبَاءِ تنبيهاً على المحذوف. 
قال شهابُ الدِّينِ : هذا إنَّمَا يَجيءُ على اعتقادِ أنَّ لامها ياء، وقد تَقَدَّمَ الخلافُ في ذلك، وأنَّ الصَّحِيحَ أنَّهَا واو، وَحَكَى عن غيره أن أصلها :" بَنَوة " وعلى ذلك جَاءَ جمْعُهَا ومذكرها، وهو بنون، قال : وهو مذهب البصريين. 
قال شهَابُ الدِّينِ[(١٠)](#foonote-١٠) : لا خلاف بين القوْليْنِ في التَّحْقِيقِ ؛ لأنَّ من قال بنات جمعُ " بَنَة "، بفتح الباء، لا بدَّ وأن يعتقد أنَّ أصْلَهَا " بنوة "، حذفت لامها وعوّض عنها تاءُ التأنيث، والَّذي قال : بنات جمع " بنوة " لفظ بالأصْلِ فَلاَ خِلاف. 
واعْلَمْ أنَّ تَاء " بِنْتٍ " وَ " أخْت " تاءُ تعويضٍ عن اللامِ المحذوفَةِ، كما تَقَدَّمَ تقريره، وليست للتَّأنِيثِ ؛ لوجهين :
أحدُهُما : أنَّ تَاءَ التَّأنيثِ يَلْزَمُ فتح ما قبلها لفظاً أوْ تقديراً : نحو : تَمْرَةٍ وفتاة، وهذه ساكنٌ ما قَبْلَهَا. 
والثَّاني : أنَّ تَاءَ التأنيث تبدل في الوقف هاء، وهذه لا تُبْدَلُ، بل تُقَرُّ على حالها. 
قال أبُو الْبَقَاءِ[(١١)](#foonote-١١) :" فإن قيل : لِمَ رُدَّ المحذوف في " أخوات " ولم يُرَدُّ في " بَنَات " ؟ قيل :\[ حُمِلَ \][(١٢)](#foonote-١٢) كلُّ واحد من الجَمْعَيْنِ على مذكَّرِهِ، فمذكر " بنات " لم يُرَدُّ إليه المحذوف بل قالوا فيه " بَنُون "، ومذكر " أخَوات " رُدَّ فيه محذوفه قالوا في جمع أخ، إخْوَة وإخوان ". 
قال شهَابُ الدِّينِ[(١٣)](#foonote-١٣) : وهذا الذي قاله ليس بشيء ؛ لأنَّهُ أخذ جمع التَّكسير وهو إخوة وإخوان مقابلاً ل " أخوات " جمع التَّصْحِيحِ، فقال[(١٤)](#foonote-١٤) : رُدَّ في أخوات كما رُدَّ في إخوة، وهذا أيْضاً موجودٌ في بنات ؛ لأنَّ مذكَّره في التَّكسير رُدَّ إليه المحذوفُ قالوا : ابن وأبناء، ولمَّا جمعوا أخاً جمع السَّلامة قالوا فيه " أخُون " بالحذف، فردُّوا في تكسير ابن وأخ محذوفهما، ولم يَرُدُّوا في تصحيحهما، \[ فبان \][(١٥)](#foonote-١٥) فَسَادُ ما قال. 
### **فصل :**


اعلم أنَّ اللَّهَ تعالى نَصَّ على تحريم أرْبَعَةَ عَشَرَ صِنْفاً من النِّسْوَانِ، سبعة من جهة النَّسَبِ، وهُنَّ الأمَّهات \[ والبنات، والأخوات، والعمات، والخالات، وبنات الأخ وبنات الأخت، وسبعة من غير النسب، وهن الأمهات المرضعات \][(١٦)](#foonote-١٦) والأخوات من الرِّضاعة وأمهات النِّساء، وبنات النِّساء المدخُول بأمَّهاتِهِنَّ، وأزواج الأبْنَاءِ، وأزواج الآباء، وقد ذُكِرُوا في الآية المتقدمة، والجمع بين الأختين. 
### فصل


قال الكرخِيُّ[(١٧)](#foonote-١٧) : هذه الآية مجملة ؛ لأنَّهُ أضيفَ التَّحريم فيها إلى الأمَّهاتِ والبنات، والتحريم لا يمكن إضافَتُه إلى الأعْيَانِ، وإنَّمَا يضاف إلى الأفْعالِ، وذلك الفعل غير مذكُورٍ في الآية فليس إضافة هذا التحريم إلى بعض الأفْعالِ التي لا يمكن إيقاعها في ذوات الأمهات والبنات أوْلى من بعض، فصارت الآية مجملة على هذا الوجه. 
قال ابن الخطيب[(١٨)](#foonote-١٨) : والجواب من وجهين :
الأول : أنَّ تقديمَ قوله  وَلاَ تَنكِحُواْ مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ  يدل على أنَّ المراد من قوله : حرمت عليكم أمهاتكم  تحريم[(١٩)](#foonote-١٩) نكاحهن. 
الثاني : أنَّ من المعلوم بالضَّرُورَةِ من دين مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم أنَّ المراد منه تحريم نكاحِهِنَّ، والأصل فيه أن الحرمة والإباحة إذا أضيفتا إلى الأعيان فالمراد تحريم الفعل المطلوب منها في العرف فإذا قيل  حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ  فهم كل أحد أنَّ المراد تحريم نكاحهن، ولما قال عليه السَّلام " لا يحل دم امرئ مُسْلِمٍ إلاَّ بإحدى ثلاث " [(٢٠)](#foonote-٢٠) فهم كل أحد أنَّ المراد لا يحلُّ إراقة دمه وَإذَا كان ذلك معلوماً بالضَّرُورَةِ، كان إلْقَاءُ الشُّبهات فيها جارياً مَجْرَى القَدْحِ في البديهيَّاتِ وشبه السُّفُسْطَائِيَّةِ. 
بلى عندي فيه بحثٌ من وجوه أخرى[(٢١)](#foonote-٢١) :
أحدها : أن قوله : حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ  مذكور على ما لَمْ يُسَمَّ فاعله، فليس فيه تصريح بأنَّ فَاعِلَ هذا التحريم هو اللَّهُ تعالى، وما لم يَثْبُتْ ذلك لم تُفِد الآية شيئاً آخر، ولا سبيل إليه إلا بإجماع، فهذه الآيةُ وحدها لا تفيد شيئاً، بل لا بد معها من الإجماع على هذه المقدمة. 
وثانيها : أنَّ قوله تعالى  حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ  \[ ليس \][(٢٢)](#foonote-٢٢) نصاً في ثبوت التحريم على سبيل التأبيد فَإنَّ القدر المذكور في الآية يمكن تقسيمه إلى المُؤقَّتِ، فإنَّهُ يقال تارة  حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ  مؤقتاً " وحرمت عليكم \[ أمهاتكم \][(٢٣)](#foonote-٢٣) " مؤبداً، وإذا كان ذلك صالحاً للتَّقْسِيمِ لم يكن نصاً في التَّأبيد فإذنْ لا يُسْتَفاد التأبيد إلاَّ من دليل منفصل. 
وثالثها : أنَّ قوله : حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ  إخبار عن ثبوت هذا التحريم في الماضي، وظاهر اللفظ غير متناول للحاضر والمستقبل، فلا يعرف ذلك إلاَّ بدليل منفصل. 
ورابعها : أنَّ هذه ظاهر قوله  حرمت عليكم \[ أمهاتكم \][(٢٤)](#foonote-٢٤)  يقتضي أنَّهُ قد حرَّم على كُلِّ أحدٍ جميع أمَّهَاتِهم، وجميع بَنَاتِهِمْ، ومعلوم أنَّه ليس كذلك، بل المقصود أنه تعالى قابل الدمع بالجمع، فيقتضي مقابلة الفَرْدِ بالفَرْدِ، فَهَذَا يقتضي أن الله تعالى قَدَّ حرَّمَ على كُلِّ أحَدٍ أمّه خاصة، وأخته[(٢٥)](#foonote-٢٥) خاصة، وهذا فيه نوع عدول عن الظاهر. 
خامسها : أنَّ قوله : حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ  يشعر ظاهره بسبق الحل، إذ لو كَانَ أبداً موصوفاً بالحرمة، لكان قوله  حُرِّمَتْ  تحريماً لما هو في نفسه حرام، فيكونُ ذلك إيْجَاد الموجود، وهو محالٌ ؛ فثبت أنَّ المراد من قوله : حُرِّمَتْ  ليس تجديد التحريم، حتى يلزم الإشكال، بل المراد الإخْبَار عن حُصُولِ التحريم فثبت بهذه الوجوه أن ظاهر الآية وحده غير كاف في ثبوت المطلوب. 
### فصل \[ حرمة الأمهات ثابتة من زمن آدم \]


حرمة الأمهات والبنات كانت ثابتة من زمن آدم - عليه السلام - إلى زماننا ولم يثبت حل نكاحهن في شيء من الأدْيَان الإلهيَّة إلا ما نقل عن زرادشت رسول المجوس أنَّهُ قال بحله، وأكثر المسلمين اتفقوا على أنَّهُ كان كذاباً، وأما نكاح الأخَوَاتِ فقد نُقِلَ : أنَّهُ كان مُبَاحاً في زَمَنِ آدم عليه السلام، وَإنَّمَا أبَاحَهُ الله للضرورة، وأنكر بَعْضُهُمْ ذلك، وقال : إنَّهُ تعالى كان يَبْعَثُ الجواري من الجنَّةِ ليتزوّج بهنَّ أبناء آدم عليه السَّلامِ، ويبعث أيضاً لبنات آدم من يتزوج بهن من الحور، وهذا بعيد ؛ لأنَّهُ إذا كان زوجات أبنائه وأزواج بناته من الجنة فحينئذٍ لا يكون هذا النسل من أوْلادِ آدم فقط، وذلك باطل بالإجماع. 
### فصل \[ سبب التحريم \]


ذكر العلماءُ أنَّ سبب التحريم منه أنَّ الوطءَ إذلالٌ وإهانةٌ، فإنَّ الإنسان يستحي من ذكره، ولا يقدمُ عليه إلاَّ في الموضع الخالي، وأكثر أنواع الشتم لا يكون إلا بذكره، وإذَا كان الأمر كَذَلِكَ ؛ وَجَبَ صونُ الأمَّهات \[ عنه ؛ لأنَّ إنعام الأم \][(٢٦)](#foonote-٢٦) على الولد أعظم وجوه الإنعام ؛ فوجب صونُهَا عن هذا الإذلاَلِ، والبنتُ بمنزلة جزء من الإنسان وبعض منه، قال عليه السَّلام :" فَاطِمَةُ بضْعَةٌ مِنِّي " فيجبُ صونها عن هذا الإذلال، وكذا القول في البقية. 
### فصل


كلُّ امرأةٍ يرجع نسبك إلَيْهَا بالولادة من جهة أبيك أو من جهة أمِّكَ بدرجة أو درجات سواءَ رجعت إليها بذكور، أو بإناث فهي أمُّك، ثمَّ هنا بحث، وهو أنَّ لفظ الأم إن كان حقيقة في الأم الأصلية وفي الجدات، فَإمَّا أنْ يكون لفظ الأمّ متواطئاً أو مشتركاً فإن كان متواطئاً أعْنِي أن يكون موضوعاً بإزَاءِ قَدْرٍ مُشْتَركٍ بين الأمّ الأصليَّة، وبين سائر الجدّات، فتكون الآية نَصاً في تحريم الأمِّ الأصليَّة وفي الجدَّات، وأمَّا إن كان لفظ " الأمّ " مشتركاً في الأم الأصليَّة وفي الجدّات فهذا تفريع على أنَّ اللَّفظ المشترك بين أمرين هل يجوزُ استعماله فيهما معاً أم لا ؟ فمن جَوَّزَهُ حمل اللَّفظ هنا على الكُلِّ، \[ وحينئذ يكون تحريم الجدات منصوصاً عليه، ومنهم \][(٢٧)](#foonote-٢٧) من لم يجوزه، والقائلون بذلك لهم طريقان في هذا الوَضْعِ :
أحدُهُما : أنَّ لفظ الأمِّ إنْ أُريد به ههنا الأم الأصليَّة فتحريمُ نكاحها هنا مستفادٌ بالنصّ، وَأمَّا تحريمُ نكاح الجدَّاتِ فَمُسْتَفادٌ مِنَ الإجماع[(٢٨)](#foonote-٢٨). 
الثاني : أنَّهُ تعالى تكلم بهذه الآية مرَّتين، يريدُ في كلِّ مرَّةٍ مفهوماً آخر. 
وَإنْ كان لفظ " الأمِّ " حقيقة في الأمّ الأصليَّة، مجازاً في الجدَّات، فقد ثبت أنَّهُ لا يَجُوزُ استعمال اللَّفْظِ الوَاحِدِ دفعةً واحدةً في حقيقته ومجازه معاً، وحينئذٍ يرجع الطريقان المذكوران \[ للأول \][(٢٩)](#foonote-٢٩)، وَكُلُّ أنثى[(٣٠)](#foonote-٣٠) رجع نسبها إليك بالولادة بدرجة أو بدرجات، بإنَاثٍ، أو بِذُكُورٍ، فهي بنتُكَ، وهل بِنْتُ الابْنِ وبِنْتُ البِنْتِ تسمّى هنا حقيقة أوْ مجازاً ؟ فيه البحث كما في الأمِّ. 
### فصل هل زواج الرجل بأمه يوجب الحد


قال الشَّافِعِيّ : إذا تزوَّج الرَّجُل بأمِّهِ ودخل بها، لزمه الح١ سقط في ب..
٢ في أ: فإنها..
٣ ينظر: الدر المصون ٢/٣٤٠..
٤ البيت لمروان بن الحكم ينظر المقتضب ٣/١٦٩ وشرح المفصل لابن يعيش ١٠/٣ والهمع ١/٢٣ والدرر ١/٦ وشواهد الشافية ٣٠٨ واللسان (أمم) ورصف المباني ص ٤٠١ وسر صناعة الإعراب ٢/٥٦٤ والدر المصون ٣/٣٤١..
٥ البيت لقصي بن كلاب. ينظر المحتسب ٢/٢٣٤ والخزانة ٣/٣٠٦ وشرح المفصل لابن يعيش ١٠/٣ والدرر ١/٥ والهمع ١/٢٣ والدر المصون ٢/٣٤١..
٦ في ب: ألم تر..
٧ في ب: قال..
٨ ينظر: الإملاء ١/١٧٤..
٩ سقط في ب..
١٠ ينظر: الدر المصون ٢/٣٤١..
١١ ينظر: الإملاء ١/١٧٤..
١٢ سقط في ب..
١٣ ينظر: الدر المصون ٢/٣٤١..
١٤ في ب: فقالوا..
١٥ سقط في ب..
١٦ سقط في أ..
١٧ ينظر: تفسير الرازي ١٠/٢١..
١٨ ينظر: تفسير الرازي ١٠/٢١..
١٩ في ب: المراد تحريم..
٢٠ أخرجه البخاري (١٢/٢٠٩) كتاب الديات: باب قول الله تعالى: أن النفس بالنفس حديث (٦٨٧٨) ومسلم (٣/١٣٠٢) كتاب القسامة: باب ما يباح به دم المسلم..
٢١ في ب: آخر..
٢٢ سقط في أ..
٢٣ سقط في ب..
٢٤ سقط في ب..
٢٥ في ب: وبنته..
٢٦ سقط في أ..
٢٧ سقط في أ..
٢٨ هو لغة يطلق بمعنيين: أحدهما: العزم على الشيء والإمضاء، ومنه قوله تعالى: فأجمعوا أمركم \[سورة يونس: ٧١\] أي: اعزموا، وقوله عليه السلام: لا صيام لمن لم يجمع الصيام من الليل، ونقض ابن العارض المعتزلي هذا بأن إجماع الأمة يتعدى بـ (على)، والإجماع بمعنى العزيمة وقطع الرؤية لا يتعدى بـ (على).
 وحكى ابن فارس في "المقاييس" أجمعت على الأمر، إجماعا وأجمعته، نعم، تعديته بنفسه أفصح. 
 والثاني: الاتفاق، ومنه أجمع القوم: إذا صاروا ذوي جمع. قال الفارسي: كما يقال: ألبن وأتمر، إذا صار ذا لبن وتمر.
 وحكى عبد الوهاب في "الملخص" عن قوم: منع كونه بمعنى الإجماع كما ظنه ظانون لتغايرهما؛ إذ يصح من الواحد أن يقول: أجمعت رأيي على كذا، أي عزمت عليه، ولا يصح الإجماع إلا من اثنين، والصحيح هو الأول. ثم قال الغزالي: هو مشترك بينهما. وقال القاضي: العزم يرجع إلى الاتفاق؛ لأن من اتفق على شيء فقد عزم عليه. وقال ابن برهان وابن السمعاني: الأول أشبه باللغة، والثاني أشبه بالشرع. قالا: وتظهر فائدتهما في أن الإجماع من الواحد هل يصح؟ فعلى المعنى الأول ـ لا يصح إلا من جماعة، وعلى المعنى الثاني ـ يصح الإجماع من الواحد.
 وأما في الاصطلاح: فهو اتفاق مجتهدي أمة محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ بعد وفاته في حادثة على أمر من الأمور في عصر من الأعصار.
 فخرج اتفاق العوام، فلا عبرة بوفاقهم ولا خلافهم، ويخرج أيضا، اتفاق بعض المجتهدين. وبالإضافة إلى "أمة محمد" خرج اتفاق الأمم السابقة. وإن قيل: بأنه حجة على رأي، لكن الكلام في الإجماع الذي هو حجة.
 وقولنا: "بعد وفاته" قيد لابد منه على رأيهم، فإن الإجماع لا ينعقد في زمانه ـ عليه السلام ـ كما سنذكره.
 وخرج بالحادثة انعقاد الإجماع على الحكم الثابت بالنص والعمل به، وقولنا: "على أمر من الأمور" يتناول الشرعيات والعقليات والعرفيات واللغويات.
 وقولنا: "في عصر من الأعصار" ليرفع وهم من يتوهم أن المراد بالمجتهدين من يوجد إلى يوم القيامة. وهذا التوهم باطل: فإنه يؤدي إلى عدم تصور الإجماع، والمراد بالعصر هنا: من كان من أهل الاجتهاد في الوقت الذي حدثت فيه المسألة، وظهر الكلام فيها ـ فهو من أهل ذلك العصر، ومن بلغ هذا بعد حدوثها فليس من أهل ذلك العصر.
 هكذا ذكره الإمام محمد القاسم الزجاج في كتابه: "البيان عن أصول الفقه".
 ينظر: البرهان لإمام الحرمين ١/٦٧٠، البحر المحيط للزركشي ٤/٤٣٥، الإحكام في أصول الأحكام للآمدي ١/١٧٩، سلاسل الذهب للزركشي ص ٣٣٧، التمهيد للإسنوي ص ٤٥١، نهاية السول له ٣/٢٣٧، زوائد الأصول له ص ٣٦٢، منهاج العقول للبدخشي ٢/٣٧٧، غاية الوصول للشيخ زكريا الأنصاري ص ٢٠٩، التحصيل من المحصول للأرموي ٢/٣٧؛ المنخول للغزالي ص ٣٠٣، المستصفى له ١/١٧٣، حاشية البناني ٢/١٧٦، الإبهاج لابن السبكي ٢/٣٤٩، الآيات البينات لابن قاسم العبادي ٣/٢٨٧، حاشية العطار على جمع الجوامع ٢/٢٠٩، المعتمد لأبي الحسين ٢/٣، إحكام الفصول في أحكام الأصول للباجي ص ٤٣٥، التحرير لابن الهمام ص ٣٩٩، تيسير التحرير لأمير بادشاه ٣/٢٢٤، التقرير والتحبير لابن أمير الحاج ٣/١٨٠، حاشية التفتازاني والشريف على مختصر المنتهى ٢/٣٤، شرح التلويح على التوضيح لسعد الدين مسعود بن عمر التفتازاني ٢/٤١، حاشية نسمات الأسحار لابن عابدين ص ٢٠٩، شرح المنار لابن ملك ص ٩٩، الوجيز للكراماستي ص ٦١، تقريب الوصول لابن جزي ص ١٢٩، إرشاد الفحول للشوكاني ص ٧١، شرح مختصر المنار للكوراني ص ٩٩، نشر البنوذ للشنقيطي ٢/٧٤، شرح الكوكب المنير للفتوحي ص ٢٢٥..
٢٩ سقط في أ..
٣٠ في أ: التي..

### الآية 4:24

> ﻿۞ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ۖ كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ ۚ وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَٰلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ ۚ فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً ۚ وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ ۚ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا [4:24]

قوله تعالى  وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلاَّ مَا مَلَكْتَ  قرأ[(١)](#foonote-١) الجمهور  وَالْمُحْصَنَاتُ  بفتح الصاد سواء كانت معرفة بأل أم نكرة والكسائي بكسرها[(٢)](#foonote-٢) في الجميع إلاَّ في قوله  وَالْمُحْصَنَاتُ  في هذه الآية فَإنَّهُ وافق الجمهور فأما الفتح ففيه وجهان[(٣)](#foonote-٣) :
أشهرهما[(٤)](#foonote-٤) : أنَّهُ أسْنَدَ الإحصان إلى غيرهن، وهو إما الأزْوَاجُ أو الأولياء، فَإنَّ الزَّوج يحصن امرأته أي يعفها، والولي يحصنها بالتَّزويج أيضاً واللَّهُ يحصنها بذلك. 
والثَّاني : أنَّ هَذَا المفتوح الصاد بمنزلة المكسور منها[(٥)](#foonote-٥)، يعني : أنه اسم فاعل، وَإنَّمَا شذ فتح عين اسم الفاعل في ثلاثة ألفاظ أحصن، فهو مُحْصَنٌ، وَألقح فهو مُلْقَحٌ، وأسْهَبَ فهو مُسْهَبُ، وَأمَّا الكسرُ فَإنَّهُ أسند الإحصان إليهن ؛ لأنَّهُنَّ يحصن أنفسهن بعفافهن، أو يحصن فروجهن بالحفظ، أو يحصن أزواجهن، وَأمَّا استثناء الكسائي الآية التي[(٦)](#foonote-٦) هنا قال : لأن المراد بهن المُزَوَّجَات، \[ فالمعنى أنَّ أزواجهن أحصنوهن فهنَّ مفعولات، وهذا على أحد الأقوال في المحصناتِ هنا منهنَّ على أنَّهُ قد قُرِئَ شاذاً بالكسر في هذا أيضاً قال : وإنْ أُرِيدَ بهن المزوّجات \] ؛ لأنَّ المراد أحصن أزواجهن، و فروجهن وهو ظاهر. 
وقرأ يزيد بن[(٧)](#foonote-٧) قطيب :" والمُحْصُنات " بضمّ الصّاد كأنَّهُ لم يعتد بالساكن فأتبع الصّاد للميم كقولهم :" مَنْتُن "، وأصل هذه المادة الدَّلالة على المنع ومنه الحصن ؛ لأنَّهُ يمنع به، و " حصان " بالكَسْرِ للفرس من ذلك، ومدينة حصينةٌ ودرع حصينة أي : مَانِعَةٌ صاحبها من الجراح، قال تعالى  وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَّكُمْ لِتُحْصِنَكُمْ [(٨)](#foonote-٨) \[ الأنبياء : ٨٠ \] أي : لتمنعكم، والحَصَانُ : بالفتح المرأة العفيفة ؛ لمنعها فرجها من الفَسَادِ، قال تعالى :
 الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ  \[ التحريم : ١٢ \]، ويقال : أحْصَنَتِ المرأةُ وَحَصُنَتْ، ومصدر حَصُنَتْ :" حصن " عن سيبويه، و " حصانة " عن الكِسَائِيِّ، وأبي عبيدةَ، واسمُ الفاعل من أحْصَنَتْ[(٩)](#foonote-٩) مُحْصَنَةٌ، ومن حَصُنَت حَاصِنٌ، قال الشاعر :\[ الرجز \]

حَاصِنٍ مِنْ حَاصِنَاتٍ مُلْسِ  مِن الأذى وَمِنْ قرافِ الْوَقْسِ[(١٠)](#foonote-١٠)ويقالُ لها " حصان " كما تقدم \[ بفتح الحاء \][(١١)](#foonote-١١) قال \[ حَسَّان \][(١٢)](#foonote-١٢) يصف عائشة رضي الله عنها :\[ الطويل \]حَصَانٌ رَزَانٌ مَا تُزنُّ بِرِيبَةٍ  وَتُصْبِحُ غَرْثَى مِنْ لُحُومِ الْغَوَافِلِ[(١٣)](#foonote-١٣)### فصل \[ معنى الإحصان \]


والإحْصَان ورد في القرآن \[ بإزاء \][(١٤)](#foonote-١٤) أربعة معان : التزّوج كهذه [(١٥)](#foonote-١٥)الآية لأنَّهُ[(١٦)](#foonote-١٦) عطفت المحصنات على المحرّمات، فلا بدّ وأنْ يكون الإحصان سبباً للحرمة، ومعلوم أن الحرية والعفاف، والإسلام لها تأثير لها[(١٧)](#foonote-١٧) في ذلك، والمرْأةُ المزوّجة[(١٨)](#foonote-١٨) محرمة على الْغَيْرِ. 
الثَّاني : العِفَّةُ قال تعالى : مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ  \[ النساء : ٢٥ \] وقوله
 مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ  \[ المائدة : ٥ \]  وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا  \[ الأنبياء : ٩١ \] أي : أعَفَّتْهُ. 
الثالث : الحرية في قوله : وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ  \[ النور : ٤ \] يعني الحرائر ؛ لأنَّهُ لو قَذَفَ غَيْرَ حرَّةٍ لم يجلد ثمانين جلدة. وكذا قوله  فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ  \[ النساء : ٢٥ \] وقوله : وَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ مِنكُمْ طَوْلاً أَن يَنكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ  \[ النساء : ٢٥ \]. 
الرَّابعُ : الإسلام قال تعالى : فَإِذَا أُحْصِنَّ  قيل في تفسيره فإذا أسْلَمْنَ، وهذا يقع معرفته في الاستثناء الواقع بعده، وهو قول بعض العلماء، فإنْ أُرِيدَ به هنا التَّزوج كان المعنى : وحرمت عليكم المحصنات أي المتزوجات[(١٩)](#foonote-١٩)، قال أبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيُّ نزلت في نساء كُنَّ يهاجرن إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ولهنَّ أزواج فيتزوّجْنَ بعض المسلمين، ثم يقدم[(٢٠)](#foonote-٢٠) أزواجهن مهاجرين فَنَهى اللَّهُ عن نكاحهن \[ ثم استثنى \][(٢١)](#foonote-٢١) فقال : إِلاَّ مَا مَلَكْتَ أَيْمَانُكُمْ  يعني بالسّبي، \[ ولهن أزواج في دار الحرب يحل لمالكهن وطؤهنّ بعد الاستبراء ؛ لأنَّ بالسّبي \] يرتفع[(٢٢)](#foonote-٢٢) النِّكاح بينها وبين زوجها. 
قال أبُو سَعيدٍ الخُدْرِيُّ : بعث رسولُ اللَّهَ صلى الله عليه وسلم يوم حنين جيشاً إلى أوطاس فأصابوا سبايا لَهُنَّ أزْوَاج من المشركين فكرهوا غشيانهن[(٢٣)](#foonote-٢٣) وتحرجوا، فأنزل الله هذه الآية[(٢٤)](#foonote-٢٤). 
وقال عطاءٌ : يريد[(٢٥)](#foonote-٢٥) أنْ تكون أمته في نكاح عبده يجوز أن ينزعها منه. 
وقال ابن مسعود : أرَادَ أنْ يبيع الجارية المزوّجة فتقع الفرقة بينها وبين زوجها، ويكون بيعها طلاقاً فيحل للمشتري وطؤها وهذا قول أبيّ بن كعب وابن مسعود، وابن عبَّاسٍ، وجابر، وأنس - رضي الله عنهم - وقال علي، وعمر، وعبد الرحمن بن عوف : إنَّ الأمة المزوجة إذَا بيعت لا يقع عليها الطَّلاق، وعليه إجْمَاعُ الفقهاء اليوم ؛ لأنَّ عائشة - رضي الله عنها - لما اشترت بريرة وأعتقتها خيرها النَّبي صلى الله عليه وسلم وكانت متزوجة[(٢٦)](#foonote-٢٦) فلو وقع الطلاق بالبيع لما كان في ذلك فائدة، وحجة الأوَّلين ما روي في قصة بَريرةَ أنَّه عليه الصلاة والسَّلامُ قال :" بيع الأمة طلاقها " قالوا : فَإذَا ملكت الأمة حَلَّ وطؤها سواء ملكت بشراء، أو هبة أوْ إرث ويدل على أنَّ مُجَرَّد السّبي يحلُّ الأمة قول الْفَرَزْدَق :\[ الطويل \]وذَاتِ حَلِيلٍ أنْكَحَتْهَا رِمَاحُنَا  حَلاَلٌ لِمَنْ يَبْنِي بِهَا لَمْ تُطَلَّقِ[(٢٧)](#foonote-٢٧)يعني : أنَّ مجرد سبائها أحَلَّهَا بعد الاستبراء، وإنْ أُريد به الإسلام، أو العفّة فالمعنى : أنَّ المسلمات العفيفات حرام كلهنَّ، \[ يعني \][(٢٨)](#foonote-٢٨) فلا يزنى بهن إلا مَا مُلِكَ منهنّ بتزويج نكاح جديد بعد وقوعه البَيْنُونَةِ بينهن وبين أزواجهم أو ما ملكت يمين إن كانت المرأة مملوكة، فيكون المراد بما ملكت أيمانكم[(٢٩)](#foonote-٢٩) التّسلط عليهن، وهو قدر مشتركٌ، وعلى هذه الأوجه الثَّلاثة يكون الاستثناء متصلاً، وإذا أريد الحرائر، فالمرادُ إلا بما ملكت \[ أيمانكم \][(٣٠)](#foonote-٣٠) بملك اليمين ويدل عليه قوله بعد ذلك  وَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ مِنكُمْ طَوْلاً أَن يَنكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُم  فكان المراد \[ بالمحصنات هنا هو المراد \][(٣١)](#foonote-٣١) هناك، وعلى هذا ففي قوله  إِلاَّ مَا مَلَكْتَ أَيْمَانُكُمْ  وجهان :
الأوَّلُ : أنَّ المراد منه إلاَّ العقد الذي جعله اللَّه تعالى ملكاً لكم وهو الأربع. 
والثَّاني : أنَّ الحرائرَ محرمات عليكم إلا ما أثبت اللَّهُ لكم ملكاً عليهنَّ بحضور الولي والشُّهود والشُّروط المعتبرة في النِّكاح، وعلى هذا \[ فَإنَّ \][(٣٢)](#foonote-٣٢) الاستثناء منقطع. 
قوله  مِنَ[(٣٣)](#foonote-٣٣) النِّسَاءِ  في محلِّ نصب على الحال كنظيره المتقدّم. 
وقال مَكِّيٌّ : فائدةُ \[ قوله \]  مِنَ النِّسَاءِ  أنَّ المحصنات يقع على الأنفس فقوله : مِنَ النِّسَاءِ  يرفع ذلك الاحتمال، والدَّلِيلًُ على أنَّهُ يراد ب " المحصنات " الأنفس قوله
 وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ . فلو أُرِيدَ به النِّساء خاصَّةً لما حُدَّ مِنْ قذف رجلاً بنصّ القرآن، وقد أجمعوا على أنَّ حدَّه بهذا النَّص. انتهى. 
قال شهَابُ الدِّينِ : وهذا كلام عجيبٌ ؛ لأنَّهُ بعد تسليم ما قاله في آية النُّور كيف يتوهَّم ذلك هنا أحد من النَّاس. 
### فصل \[ في سبي أحد الزوجين \]


اتَّفَقُوا على أنَّهُ إذَا سبي أحد الزَّوْجَيْنِ قبل الآخر وأخرج إلى دار الإسلام وقعت الفرقة بينهما، فإنْ سُبِيَا معاً، قال الشَّافِعِيُّ : تزول الزَّوجيّة ويستبرئها المالك. 
وقال أبُو حَنِيفَةَ لا تزول الزَّوجيَِّة. 
واستدلَّ الشافعيُّ بقوله  وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ  فيقتضي تحريم ذوات الأزواج ثم قال  إِلاَّ مَا مَلَكْتَ أَيْمَانُكُمْ  يقتضي أن عند طريان الملك ترتفع[(٣٤)](#foonote-٣٤) الحرمة ويحصل الحل. 
قال أبُو بَكْرٍ الرَّازِيُّ[(٣٥)](#foonote-٣٥) : إن حصلت الفُرْقَةُ بمجرد طريان الملك فوجب أن تقع الفرقة بشراء الأمة واتهابها \[ وإرثها \][(٣٦)](#foonote-٣٦) وليس ذلك واجب، فإنَّ العام بعد التَّخصيص حجة في الباقي، وأيضاً فالحاصل عن السَّبي إحداث الملك، وعند البيع نقل الملك من شخص إلى شخص، فكان الأوَّل أقوى. 
قوله \[  كِتَابَ اللَّهِ  \] [(٣٧)](#foonote-٣٧) في نصبه ثلاثة أوجه :
أظهرها : أنَّهُ منصوبٌ على أنَّهُ مصدر مؤكّد بمضمون الجملة المتقدِّمة قبله، وهي قوله  حُرِّمَتْ \[ عَلَيْكُمْ [(٣٨)](#foonote-٣٨) \] ونصبه بفعل مقدر \[ تقديره \][(٣٩)](#foonote-٣٩) كتب الله ذلك عليكم كتاباً، والمعنى : كتب اللَّهُ عليكم تحريم ما تقدَّمَ ذكره من المحرمات كتَاباً مِنَ اللَّهِ، ومجيء المصدر من غير لفظ الفعل كثير. قال تعالى  وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ صُنْعَ اللَّهِ  \[ النمل : ٨٨ \]، وأبعد عبيدة السلماني في جعله هذا المصدر مؤكداً لمضمون الجملة من قوله تعالى  فانكحوا ما طاب لكم \[ من النساء  \] [(٤٠)](#foonote-٤٠). 
الثاني : أنه منصوب على الإغراء ب " عليكم " والتقدير : عليكم كتاب الله، أي : الزموه كقوله تعالى  عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لاَ يَضُرُّكُمْ مَّن ضَلَّ  \[ المائدة : ١٠٥ \] وهذا رأي الكِسَائيِّ ومن تابعه أجازوا تقديمَ المنصوب في باب الإغراء مستدلِّينَ بهذه الآية، وبقول الشَّاعِرِ[(٤١)](#foonote-٤١) :\[ الرجز \]يَأيُّهَا المَائِحُ دَلْوِي دُونَكَا  إنِّي رَأيْتُ النَّاسَ يَحْمَدُونَكَا[(٤٢)](#foonote-٤٢)ف " دَلْوِي " منصوبٌ بدونك تقَدَّمَ، والبصريون يمنعون ذلك، قالوا : لأنَّ العامل ضعيف، وتأوَّلُوا الآية \[ على ما تَقَدَّمَ \][(٤٣)](#foonote-٤٣) والبيتَ على أنَّ " دَلْوِي " منصوب بالمائِحِ أي : الَّذِي مَاحَ دلوي. 
والثَّالثُ : أنَّهُ منصوبٌ بإضْمَارِ فعل أي : الزموا كِتَابَ اللَّهِ \[ وهذا قريب من الآخر. 
وقال أبُو الْبَقَاءِ[(٤٤)](#foonote-٤٤) : هذا الوجه تقديره : الزموا كِتَاب اللَّهِ \][(٤٥)](#foonote-٤٥) وعليكم : إغراء يعني : أنَّ مفعوله قد حُذِفَ للدلاَلَةِ ب  كِتَابَ اللَّهِ  عليه. أيْ عليكم ذلك فيكون أكثر تأكيداً، وأمَّا عليكم فقال أبُو الْبَقَاءِ : إنَّهَا على القَوْلِ بأنَّ كِتَابَ اللَّهِ مصدرٌ يتعلَّقُ بذلك الفعل المقدر النَّاصب لكتاب، ولا يتعلَّق بالمصدر وقال : لأنَّهُ هنا فَضْلة، قال : وقيل : يتعلَّق بنفس المصدر ؛ لأنَّهُ ناب عن الفعل[(٤٦)](#foonote-٤٦) حيثُ لم يذكر معه فهو كقولك : مروراً بِزَيْدٍ، قلت وَأمَّا على القول بأنَّهُ \[ إغراء فلا محل له من الإعراب لأنه واقع موقع فعل الأمر وأما على القول بأنَّه \][(٤٧)](#foonote-٤٧) منصوبٌ بإضْمَارِ فعل أي الزموا فَعَلَيْكُمْ متعلِّقٌ بنفس كتاب، أو محذوف على أنَّهُ حالٌ منه. 
وقرأ أبُو[(٤٨)](#foonote-٤٨) حَيْوَةَ " كتب الله " على أن " كتب " فعل ماض و " الله " فاعل به، وهو يؤيدُ كونه منصوباً على المصدر المؤكد. 
وقرأ ابنُُ[(٤٩)](#foonote-٤٩) السّميفع اليمانيُّ " كُتُبُ الله " جعله جَمْعاً مرفوعاً مضافاً للَّهِ تعالى على أنَّهُ خبر مبتدأ محذوف تقدير١ انظر: السبعة ٢٣٠، والحجة ٣/١٤٦ ـ ١٤٧، وإعراب القراءات ١/١٣١، وحجة القراءات ١٩٦، ١٩٧، وشرح الطيبة ٤/٢٠١، وشرح شعلة ٣٣٧، والعنوان ٨٤، وإتحاف ١/٥٠٨..
٢ في أ: يلبسوها..
٣ في أ: لغتان..
٤ في أ: أحدهما..
٥ في أ: لمكسورها..
٦ في أ: الذي..
٧ انظر: المحرر الوجيز ٢/٣٥، والبحر المحيط ٣/٢٢٢، والدر المصون ٢/٣٤٤..
٨ في أ: فيحصنكم..
٩ في أ: حصينا..
١٠ البيت للعجاج ينظر ديوانه ٢/٢٠٩ والبحر ٣/٢٠٣. والطبري (٨/١٦٥) والدر المصون ٢/٣٤٤..
١١ سقط في أ..
١٢ سقط في أ..
١٣ ينظر البيت في ديوانه ص ٢٢٨، والإنصاف ٢/٧٥٩، ولسان العرب (حصن)، وإصلاح المنطق ص ٢٨٠، والدر المصون ٢/٣٤٤..
١٤ سقط في أ..
١٥ في أ: بهذه..
١٦ في أ: فإنه..
١٧ في أ: له..
١٨ في أ: الزوجة..
١٩ في أ: المزوجات..
٢٠ في أ: قدم..
٢١ سقط في أ..
٢٢ في أ: يمتنع..
٢٣ في أ: إغشائهن..
٢٤ أخرجه مسلم (١/٤١٧) والترمذي (٤/٧٦) والنسائي (٢/٨٥) وأبو داود (٢١٥٥) والطيالسي (٢٢٣٩) وأحمد (٣/٨٤) والبيهقي (٧/١٦٧) وذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٢/٢٤٦) وزاد نسبته للفريابي وابن أبي شيبة وأبي يعلى والطحاوي وابن حبان وابن أبي حاتم عن أبي سعيد الخدري..
٢٥ في أ: أراد..
٢٦ في أ: مزوجة..
٢٧ تقدم..
٢٨ سقط في ب..
٢٩ في أ: أيمانهن..
٣٠ سقط في ب..
٣١ سقط في أ..
٣٢ سقط في ب..
٣٣ سقط في أ..
٣٤ في أ: تقع..
٣٥ ينظر: تفسير الرازي ١٠/٣٤، ٣٥..
٣٦ سقط في أ..
٣٧ سقط في أ..
٣٨ سقط في ب..
٣٩ سقط في ب..
٤٠ سقط في ب..
٤١ في أ: وتقول الأئمة..
٤٢ البيت لجارية بن مازن ينظر الدرر ٢/١٣٨ وشرح المفصل لابن يعيش ١/١١٧ وأوضح المسالك ٣/١٢١ والإنصاف ٢٢٨ والدر المصون ٢/٣٤٥..
٤٣ سقط في ب..
٤٤ ينظر: الإملاء ١/١٧٥..
٤٥ سقط في ب..
٤٦ في أ: الفاعل..
٤٧ سقط في أ..
٤٨ ونسبها ابن عطية في المحرر (٢/٣٦) إلى محمد بن السميفع اليماني. وانظر: البحر المحيط ٣/٢٢٣، والدر المصون ٢/٣٤٦..
٤٩ انظر: الدر المصون ٢/٣٤٦..

### الآية 4:25

> ﻿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ۚ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِكُمْ ۚ بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ ۚ فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ وَلَا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ ۚ فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ ۚ ذَٰلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ ۚ وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ ۗ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ [4:25]

قوله تعالى  وَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ مِنكُمْ طَوْلاً أَن يَنكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ  الآية " من " شرطية وهو الظَّاهِرُ، ويجوز أن تكون موصولة، وقوله  فَمِنْ مَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُم  إما جواب الشَّرط، وإمَّا خبر الموصول، وشروط دخول الفاء في الخبر موجودة و  مِنكُمْ  في محلِّ نصب على الحال من فاعل  يَسْتَطِعْ  وفي نصب  طَوْلاً  ثلاثة أوْجُهٍ :
أظهرُهَا : أنَّهُ مفعول ب " يستطيع " وفي قوله " أنْ ينكح " على هذا ثلاثة أوجه :
أحدها : أنَّه في محلِّ نصبٍ ب " طولاً " على أنَّهُ مفعول بالمصدر المنون ؛ لأنَّه مصدر ؛ وطلت الشيء أي : نلتُهُ، والتَّقدير : ومن لم يستطع أنْ ينال نكاح المحصنات \[ المؤمنات \]، ومثله قول الفَرَزْدَقِ :\[ الكامل \]

إنَّ الْفَرَزْدَقَ صَخْرَةٌ مَلْمُومَةٌ  طَالَتْ فَلَيْسَ يَنَالُهَا الأوْعَالاَ[(١)](#foonote-١)أي : طالت الأوْعَالُ فلم تَنْلها، وإعمالُ المصدر المنوَّن كثير قال الشَّاعِرُ :\[ الوافر \]بِضَرْبٍ بِالسُّيُوفِ رُؤُوسَ قَوْمٍ  أزَلْنَا هَامَهُنَّ عَنِ المَقِيلِ[(٢)](#foonote-٢)وقول اللَّه تعالى  أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ يَتِيماً ذَا  \[ البلد : ١٤، ١٥ \] وهذا الوجه ذهب إليه الفارسي. 
الثاني : أَن يَنكِحَ  بدل من  طَوْلاً  بدل الشَّيْءِ من الشَّيْءِ ؛ لأنَّ الطول هو القدرة، أو الفضل، والنِّكاحُ قدرة وفضل. 
الثَّالثُ : أنَّهُ على حذف حرف الجَرِّ، ثم اختلف هؤلاء، فمنهم مَنْ قَدَّرَهُ ب " إلى " أي : طولاً إلى أن ينكح المُحْصَنَاتِ، ومنهم من قَدَّرَهُ باللامِ أي : لأن ينكح، وعلى هذين التَّقديرين، فالجارّ[(٣)](#foonote-٣) في محلِّ الصِّفَةِ لطولاً، فيتعلَّق بمحذوف، ثُمَّ لما حُذِفَ حرف الجرِّ فالخلاف المشهُورُ في محل " أن " أنصبٌ هو أم جرٌّ ؟. 
وقيل : اللامُ المقدّرة مع " أنْ " هي لام المفعول من أجله، أي : لأجل نِكاحِهنَّ. 
الوجه الثَّاني من نصب  طَوْلاً  : أن يكون مفعولاً له على حذف \[ مضاف \] أي : ومن لم يستطع منكم لعدم طول نكاح المحصنات، وعلى هذا ف " أن ينكح " مفعول " يستطع " أي : ومن لم يستطع نكاح المُحْصَنَات لعدم الطَّوْلِ. 
الوجه الثالثُ : أن يكون مَنْصُوباً على المصدر. 
قال ابْنُ عَطيَّة[(٤)](#foonote-٤) : ويصحُّ أن يكون طَوْلاً نصباً على المَصْدَرِ، والعامِلُ فيه الاستطاعة \[ لأنَّهما بمعنى و  أَن يَنكِحَ ، على هذا مفعول بالاستطاعة، أو \][(٥)](#foonote-٥) بالمصدر يعني أنَّ الطولَ هو استطاعة في المعنى، فَكَأنَّهُ قيل : ومن لم يستطع منكم استطاعة، والطَّوْلُ :\[ الفضل ومنه \][(٦)](#foonote-٦) التطول وهو التَّفضل قال تعالى  ذِي الطَّوْلِ  \[ غافر : ٣ \] ويقال : تطاولَ لهذا الشَّيءِ أي تناوله كما يقالُ : يد فلان مبسوطة، وأصل هذه الكلمة من الطُّولِ الّذي هو ضدّ القصر ؛ لأنَّهُ إذَا كان طويلاً ففيه كمال وزيادة \[ كما أنه إذا كان قصيراً ففيه قصور ونقصان، فسمى الغنى طولاً لأنه ينال به المراد ما لا ينال عند الفقر \][(٧)](#foonote-٧) كما أنَّ بالطول ينال ما لا ينال بالقصر. 
قال ابنُ عبَِّاس ومُجاهدٌ وسعيدُ بنُ جبيرٍ والسُّديُّ وابنُ زيدٍ، ومالكٌ :" الطَّول هو السَّعة[(٨)](#foonote-٨)، والغنى " [(٩)](#foonote-٩) قيل : والطَّوْلُ : الحرة، ومعناه : أنَّ من عنده حرَّة لا يجوز له نكاح \[ أمة \][(١٠)](#foonote-١٠)، وإن عَدمَ السَّعَةَ، وخاف العَنَتَ ؛ لأنَّهُ طالب شهوة وعنده امرأة، وهو قول أبِي حنيفَةَ \[ وبه قال الطَّبرِيُّ \][(١١)](#foonote-١١). 
وقال أبُو يُوسفَ : الطَّوْلُ هو وجود الحرَّة تحته، وقيل : الطَّوْلُ هو التَّجلد[(١٢)](#foonote-١٢) والصبر كمن أحبَّ أمةً، وهويها حتَّى صار لذلك لا يستطيع أن يتزوج \[ عليها \][(١٣)](#foonote-١٣) غيرها، فإنَّ له أن يتزوّج الأمَةَ إذا لم يملك مهرها، وخاف أن يبغي بها، وإن كان يجد سَعَةً في المال لِنِكَاحِ حرَّةٍ. وهذا قول قَتَادَةَ والنَّخَعِيِّ وعطاءٍ، وسفيان والثَّوْرِي نقله القُرْطُبِيُّ[(١٤)](#foonote-١٤). 
### فصل :\[ تفسير المراد بالمحصنات \]


والمراد بالمحصنات ههنا الحرائر \[ لأنه تعالى أثبت نكاح الإماء عند تعذر نكاح المحصنات، فلا بد أن يكون المراد بهن الحرائر \][(١٥)](#foonote-١٥) ؛ لأنه ذكرهن كالضّد للإمَاء ووجه تسميتهن بالمحصنات على قراءة من فتح الصَّاد[(١٦)](#foonote-١٦) أنَّهن أحصن بحريتهن عن أحوال الإمَاءِ فإنَّ الأمَةَ تكونُ خراجةً مُمْتهنَةً مُبْتَذِلَةً في الظَّاهِرِ، والحرةُ مصونة عن هذه القَضَايَا، وأمَّا على قراءة كسر[(١٧)](#foonote-١٧) الصاد فالمعنى أنهن أحصن أنفسهن بحريتهنَّ. 
### فصل \[ في شرط نكاح الأمة \]


دلَّتِ الآيَةُ على أنَّهُ لا يجوزُ للحرِّ نكاحُ الأمَةِ إلاَّ بشرطين ؛ وهما ألاَّ يجد مهر حرة، ولا ثمن أمة، وأنْ يخاف العَنَتَ، وهو قولٌ جائزٌ، وبه قال طاوس وعمرو بْنُ دينَار، وإليه ذهب مالكٌ والشَّافعيُّ وأحْمَدُ، وجوّز أصحابُ الرَّأي للحر نكاح الأمَةِ. 
فإنْ قيل : أيُّ تفاوت بين ثمن الأمة، أو مهرها وبَيْنَ نكاح الحرَّة الفقيرة. 
فَالجوابُ : أنَّ العادة[(١٨)](#foonote-١٨) كانت في الإماء[(١٩)](#foonote-١٩) التخفيف لاشتغالهن[(٢٠)](#foonote-٢٠) بخدمةِ السَّيِّد فظهر التَّفَاوُتُ. 
### فصل \[ في حكم نكاح الأمة الكتابية \]


دلَّت الآيةُ على أنَّهُ لا يجوز للمُسْلِم نكاحُ الأمَةِ الكتابيَّةِ لقوله : فَمِنْ مَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُم مِّن فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ  ولقوله : وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ 
\[ المائدة : ٥ \] ولأن الأمَةَ الكافرةَ ناقِصَةٌ مِنْ وَجْهَيْنِ :
نَقْصُ الرِّقِّ، ونَقْصُ الكُفْرِ، والولدُ تابع للأمِّ في الحريةِ والرق، فيتعلَّقُ الولدُ رقيقاً على مِلْكِ الكافِرِ وجوز أبُو حنيفة ذلك لعموم قوله : فَانكِحُواْ مَا طَابَ لَكُمْ مِّنَ النِّسَاءِ 
\[ النساء : ٣ \] وقوله : وَأَنْكِحُواْ الأَيَامَى مِنْكُمْ  \[ النور : ٣٢ \] وقوله : وَأُحِلَّ لَكُمْ مَّا وَرَاءَ ذَلِكُمْ  وقوله : وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ  \[ المائدة : ٥ \] والمراد بهذا الإحصان العفّة. 
والجَوَابُ أنَّ آيتنا خاصةٌ، والخاص مُقَدَّمٌ على العام ؛ ولأنها دخلها التخصيص فيما إذا كان تحته حرّة، وَاتَّفَقُوا على أنَّهُ \[ لا \][(٢١)](#foonote-٢١) يجوزُ وطؤها بملك اليمين. انتهى. 
### فصل \[ في شرط الإيمان \]


ظاهر قوله  وَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ مِنكُمْ طَوْلاً أَن يَنكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُم مِّن فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ  يقتضي كون الإيمان معتبراً من الحرَّة فعلى هذا لو قدر على طول حرّة كتابيَّة، ولم يقدر على طول أمةٍ[(٢٢)](#foonote-٢٢) مسلمةٍ فإنَّهُ يجوزُ له أن يتزوّج بالأمةِ، وأكثرُ العُلماء على أنَّ ذكر الإيمان نذب في الحرائرِ، ولا فرق بين \[ الأمة \][(٢٣)](#foonote-٢٣) المؤمنة والكتابيَّة في كثرة المؤمنة وقلتها. 
### فصل


في التَّحذيرِ من نكاح الإمَاءِ وجوهٌ منها :- الولد ينبع الأمَّ في الحريَّة والرِّق فيصير الولد رقيقاً. 
قال عُمَرُ - رضي الله عنه - : أي حُرٍّ تَزوَّجَ[(٢٤)](#foonote-٢٤) بأمَةٍ، فقد رَقّ نِصْفُهُ، يعني : يصير وَلَدُهُ رقيقاً. 
وقال سعيدُ بْنُ جُبير : ما نكاح الأمة من الزِّنَا إلا قريب[(٢٥)](#foonote-٢٥)، قال الله تعالى : وَأَن تَصْبِرُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ  أي عنْ نِكَاحِ[(٢٦)](#foonote-٢٦) الإمَاءِ. 
ومنها أنَّ الأمَةَ تكون قد تعوّدت الخروجَ، والبروزَ والمخالطةَ للرِّجَالِ وصارت في غاية الوقَاحةِ، ورُبَّمَا تَعَوَّدَت الفجورَ. 
ومنها أن حقّ المولى عليهم أعظم من حقِّ الزَّوْجِ، ولا تخلص للزَّوْج كخلوص الحُرَّةِ، وربَّما احتاج الزَّوْجُ إليها جداً، ولا يجد إليها سبيلاً \[ لحبس السيّد لها \][(٢٧)](#foonote-٢٧). 
ومنها أنَّ المولى قد يبيعها من إنسان آخر، فعلى قول من يقول بيع الأمَةِ يُوجِبُ طلاقها تصير مطلَّقَة شاء الزَّوْجُ أم أبى، وعلى قول من لا يرى ذلك فقد يُسَافِر المولى بها وبولدها، وذلك من أعْظَمِ المَضَارّ. 
ومنها أن مهرها ملك لمولاها، فلا تَقْدِرُ على هبته لِزوجهَا، ولا إبرائه بخلاف الحرَّةِ، فلهذه[(٢٨)](#foonote-٢٨) الوجوه لم يُؤْذَنْ في نِكَاحِ الأمةِ إلا على سبيل الرُّخصةِ. 
وروى أبُو هريرة قال : سَمِعْتُ رسولَ اللَّهَ صلى الله عليه وسلم يقول \[ الحرائر \][(٢٩)](#foonote-٢٩) صلاح البيت والإماء هلاك البيت[(٣٠)](#foonote-٣٠) أو قال " فساد البيت " ذكره القرطبي. 
قوله :" فممّا " الفاء قد تقدّم أنَّها إمَّا جواب الشَّرط، وإمَّا زائدة في الخَبَرِ على حَسْبِ القولين في " من " وفي هذه الآية سبعة أوْجُهٍ :
أحدها : أنَّها متعلّقة بفعل مقدّر بعد الفاء تقديرُهُ : فينكحُ مِمَّا ملكت أيمانكم و " ما " على هذا موصولة بمعنى الذي أي : نوع الّذي ملكته، ومفعولُ ذلك الفعل المقدّر محذوفٌ تقديرهُ : فَيَنْكِحُ امرأة، أو أمَةً مما ملكته أيمانكم ؛ ف " مِمَّا " في الحقيقة متعلق بمحذوف لأنَّهُ صفة لذلك المفعولِ المحذُوفِ و " من " للتَّبعيضِ، نحو : أكلتُ مِنَ الرَّغيفِ، و  مِّن فَتَيَاتِكُمُ  في محلِّ نصب على الحال من الضَّمير المقدّر في " ملكت " العائد على \[ " مَا " \][(٣١)](#foonote-٣١) الموصولة و  الْمُؤْمِنَات  صفة لفتياتكم. 
الثَّاني : أن تكون " مِنْ " زائدة و " ما " هي المفعولة بذلك الفعل المقدَّر أي : فلينكح ما ملكته أيمانكم. 
الثَّالثُ : أنَّ " مِنْ " في  مِّن فَتَيَاتِكُمُ  زائدة و  فَتَيَاتِكُمُ  هو مفعولُ ذلك الفعل المقدَّرِ أي : فلينكح فتياتكم، و " مما ملكت " متعلق بنفس الفعل و " من " لابتداء الغاية، أو بمحذوف على أنَّهُ حال من " فتياتكم " قدم عليها و " من " للتَّبعيضِ. 
الرَّابعُ : أن مفعول " فلينكح " \[ هو المؤمنات أي : فلينكح \][(٣٢)](#foonote-٣٢) المؤمنات الفتيات و " مما ملكت " على ما تقدَّم في الوجْهِ قبله و " من فتياتكم " حال من ذلك العائد المحذوف. 
الخامِسُ : أنَّ مما في محَلِّ رفع خبراً لمبتدأ محذوف تقديره : فالمنكوحَةُ مِمَّا ملكت \[ أيمانكم \][(٣٣)](#foonote-٣٣). 
السَّادس : أن " ما " في " مِمَّا " مصدريَّةٌ أي : فلينكح من ملك أيمانكم، ولا بدَّ أن يكون هذا المصدر واقعاً موقع المفعولِ نحو : هَذَا خَلْقُ اللَّهِ  \[ لقمان : ١١ \] ليصحّ[(٣٤)](#foonote-٣٤) \[ وقوع \][(٣٥)](#foonote-٣٥) النكاح \[ عليه \][(٣٦)](#foonote-٣٦). 
السَّابعُ : وهو أغربها ونقل عن جماعة منهم ابن جرير أنَّ في الآية تقديماً وتأخيراًَ وأنَّ التقدير : ومنْ لَمْ يستطعْ منكمْ \[ طولاً \][(٣٧)](#foonote-٣٧) أنْ ينكحَ المُحْصنَاتِ المُؤْمِنَاتِ فلينكح بعضكم من بعض الفتيات، فبعضكم فاعل ذلك \[ الفعل \][(٣٨)](#foonote-٣٨) المقدّر، فعلى هذا يكون قوله  وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِكُمْ  معترضاً بين ذلك الفعل المقدَّر وفاعله، ومثل هذا لا ينبغي أن يقال. 
### فصل


قال ابن عباس : يُريدُ بقوله  فَمِنْ مَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُم  أي : فليتزوّج جاريةَ أخيه[(٣٩)](#foonote-٣٩)، فإنَّ الإنسانَ لا يجوز له أن يتزوّج بجارية نفسه، والفتيات المملوكات جمع فتاةٍ تقُولُ العربُ للأمة : فتاة، وللعبد : فتى، قال عليه السلامَ :" لا يَقُولَنَّ أحدكُم عَبْدِي، ولا أمَتِي، وَلكِنْ لِيَقُلْ فَتَاي وفَتَاتِي " ويقالُ للجارية الحديثة : فتاة، والغلام، فتى، والغلام، فتى، والأمة تسمى فَتَاة. 
قوله :{ وا١ ينظر البيت في البحر المحيط ٣/٢٣٠، والدر المصون ٢/٣٤٨..
٢ البيت للمرار بن منقذ التميمي ينظر في المقاصد النحوية ٣/٤٩٩، شرح أبيات سيبويه ١/٣٩٣، وشرح الأشموني ٢/٣٣٣، وشرح ابن عقيل ص ٤١١، وشرح المفصل ٦/٦١، والكتاب ١/١١٦، ١٩٠، واللمع ص ٢٧٠، والمحتسب ١/٢١٩، والدر المصون ٢/٣٤٨..
٣ في أ: فالجواب..
٤ سقط في أ..
٥ ينظر: المحرر الوجيز ٢/٣٧..
٦ سقط في ب..
٧ سقط في أ..
٨ أخرجه الطبري في "تفسيره" (٨/١٨٢ ـ ١٨٣) عن ابن عباس ومجاهد وسعيد بن جبير السدي..
٩ في أ: والتي..
١٠ سقط في أ..
١١ سقط في ب..
١٢ في أ: الجلد..
١٣ سقط في أ..
١٤ أخرجه الطبري في "تفسيره" (٨/١٨٤) عن عطاء والشعبي وورد معناه عن جابر بن عبد الله:
 أخرجه الطبري في "تفسيره" (٨/١٨٤) من طريق أبي الزبير عنه وذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٢/٢٥٤) وزاد نسبته لابن المنذر..
١٥ سقط في أ..
١٦ وهي قراءة الجمهور في هذه الآية إلا ما كان من كسرها للكسائي في غير هذا الموضع.
 انظر: السبعة ٢٣٠، والحجة ٣/١٤٦، ١٤٧، وحجة القراءات ١٩٦، ١٩٧، والعنوان ٨٤، وإعراب القراءات ١/١٣١، وشرح شعلة ٣٣٧، وشرح الطيبة ٤/٢٠١، وإتحاف ١/٥٠٨..
١٧ ينظر: القراءة السابقة..
١٨ في أ: التفاوت..
١٩ في أ: الأمة..
٢٠ في أ: لاستعمالهن..
٢١ سقط في ب..
٢٢ في الرازي: الحرة..
٢٣ سقط في ب..
٢٤ في أ: أيم يتزوج..
٢٥ ورد ذلك عن ابن عباس وسعيد بن جبير وأبي هريرة فأخرجه سعيد بن منصور وابن أبي شيبة عن ابن عباس كما في "الدر المنثور" (٢/٢٥٦).
 وأخرجه عبد الرزاق عن أبي هريرة وسعيد بن جبير كما في "الدر المنثور" (٢/٢٥٦)..
٢٦ في أ: غير..
٢٧ سقط في ب..
٢٨ في أ: فهذه..
٢٩ سقط في ب..
٣٠ أخرجه الديلمي في "مسند الفردوس" كما في "كنز العمال" (٤٤٤٥٣) وذكره العجلوني في "كشف الخفا" (١/٤٢٤) وقال: 
 رواه الثعلبي بسند فيه أحمد بن محمد اليماني متروك عن يونس بن مرداس خادم أنس وهو مجهول. والحديث في "الفوائد المجموعة" للشوكاني (١٣١) وقال: قال في المختصر: فيه ضعيف ومجهول..
٣١ سقط في أ..
٣٢ سقط في ب..
٣٣ سقط في ب..
٣٤ في أ: ليصبح..
٣٥ سقط في ب..
٣٦ سقط في أ..
٣٧ سقط في أ..
٣٨ سقط في أ..
٣٩ أخرجه الطبري في "تفسيره" (٨/١٨٦) عن ابن عباس وذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٢/٢٥٣) وزاد نسبته لابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في "سننه"..

### الآية 4:26

> ﻿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ ۗ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ [4:26]

للنَّاس في مثل التركيب مذاهب، فمذهبُ البصريين أنَّ مفعول " يريدُ " محذوف تقديره يريد اللَّهُ تحريم ما حرَّم \[ عليكم \][(١)](#foonote-١) وتحليل ما حلَّل، وتشريعَ ما تقدَّم لأجلِ التَّبيين لكم، ونسبه بعضهم لسيبويه، فتملَّقُ الإرادة غير التّبيين وما عطف عليه، وَإِنَّما تأوَّلوهُ بذلك ؛ لئلاَّ يلزم[(٢)](#foonote-٢) تعدّي الفعل إلى مفعوله المُتَأَخّر عنه باللاَّمِ، وهو ممتنع وإلى إضمار " إن " بعد اللام الزائدة. 
والمذهبُ الثَّانِي - ويُعْزَى أيضاً لبعض البصريّين - : أن يُقَدَّرَ الفعل الَّذي قبل اللام بمصدر في محلِّ رفع بالابتداء، والجارّ بعده خبره، فيقدر : يريدُ اللَّهُ ليبيِّن إرادة اللَّهَ تعالى للتّبيين وقوله :\[ شعر \] \[ الطويل \]

أُرِيدُ لأنْسى ذِكْرَهَا \[ فَكَأَنَّمَا  تُمَثَّلُ لِي لَيْلَى بِكُلِّ سَبيلِ \][(٣)](#foonote-٣)أي : إرادتي، وقوله تعالى  وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ  \[ الأنعام : ٧١ \] أي : أُمِرْنا بما أُمِرْنَا لنسلم، وفي هذا القول تأويل الفعل بمصدر، من غير حرف مصدر، وهو ضعيفٌ نحو :" تَسْمَعُ بالمعيديِّ خيرٌ من أن تراه " [(٤)](#foonote-٤) قالوا : تقديره : أن تسمع فلما حذف " أن " رفعِ الفعل وهو من تأويل المصدر لأجل الحرف المُقدَّر \[ فكذلك هذا \][(٥)](#foonote-٥) فلام الجرِّ على الأوَّل في محلِّ نصب لتعلقها ب " يُريدُ " وعلى الثَّاني في محلِّ رفع لوقوعها خبراً. 
الثالث : وهو مذهبُ الكوفيّين أنَّ اللامَ هي النَّاصبة بنفسها من غير إضمار " أنْ "، وما بعدها مفعول الإرادة، لأنَّها قد تُقَامُ اللامُ مقام " أنْ " في : أردت وأمرت، فيقال : أردتُ أن تذهب، وأردت لتذهب، وأمرتك لتقُومَ، وأمرتُكَ أن تَقُومَ، قال تعالى :
 يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُواْ نُورَ اللَّهِ  \[ الصف : ٨ \]، وقال في موضع آخر :\[  يُرِيدُونَ أَن يُطْفِئُواْ نُورَ اللَّهِ  \][(٦)](#foonote-٦) \[ التوبة : ٣٢ \]. وقال : وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ  \[ الأنعام : ٧١ \] وفي موضع آخر : وَأُمِرْتُ أَنْ أُسْلِمَ  \[ غافر : ٦٦ \] وقال : وَأُمِرْتُ لأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ  \[ الشورى : ١٥ \] أي : أنْ أعدل بينكم، ومنع البصريُّون ذلك ؛ لأنَّ اللام ثبت بها الجرُّ في الأسماء، فلا يجوزُ أن ينصب بها فالنَّصب عندهم بإضمار " أنْ " كما تَقَدَّمَ. 
الرَّابِعُ، وإليه ذهب الزَّمخشريُّ، وأبُو البقاءِ[(٧)](#foonote-٧) : أنَّ اللامَ زائدةٌ، و " أنْ " مضمرة بعدها، والتَّبْيينُ مفعول \[ الإرادة. 
قال الزمخشري : يُرِيدُ اللَّهُ ليبين  يريدُ اللَّهُ أن يُبيِّنَ، فزيدت اللامُ مؤكدة لإرادة التبيين، كَمَا \][(٨)](#foonote-٨) زيدت في " لا أبا لك " لتأكيد إضافة الأبِ وهذا خارج عن أقوال البَصْرِيِّيِنَ، والكوفيين، وفيه أن " أنْ " تضمر بعد اللام الزَّائدة، وهي لا تضمر فيما نصَّ النحويون[(٩)](#foonote-٩) بعد لام إلاَّ وتلك اللامُ للتعليل، أو للجُحُودِ. 
وقال بعضهم : اللامُ " لام " العاقبة كهي في قوله تعالى  لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوّاً وَحَزَناً  \][(١٠)](#foonote-١٠) \[ القصص : ٨ \] ولم يذكر مفعول التبيين، بل حذفه للعلم به فقدَّره بعضهم : ليبيِّن لكم ما يقرّ ربّكم، ومنه قول بعضهم إنَّ الصبر عن نكاح الإماء خير. 
فالأوَّلُ قاله عطاء. 
والثَّاني قاله الكلبيُّ. وبعضهم : ما فصَّلَ من الشَّرائع، وبعضهم أمر دينكم، وهي متقاربة، ويجوز في الآية وجه آخر \[ حَسَنٌ \][(١١)](#foonote-١١) ؛ وهو أن تكون المسألَةُ من باب الإعمال تنازع :" يبيِّن " و " يَهدي " في  سنن الذين من قبلكم ، لأنَّ كلاَّ منهما يطلبه من جهة المعنى، وتكونُ المسألة من إعمال الثَّاني، وحذف الضَّمير من الأوَّلِ تقديره : ليبينها لكم ويهديكم سُننَ الَّذين من قبلكم. 
والسُّنَّةُ : الطَّريقَةُ ؛ لأنَّ المفسِّرين نقلوا أن كلَّ ما[(١٢)](#foonote-١٢) بَيَّن لنا تحريمه وتحليله من النِّساء في الآيات المتقدمة فقد كان الحكم كذلك أيضاً في الأمم السَّالفةِ، أو أنه بين لَكُمْ المصالح ؛ لأنَّ الشَّرَائِعَ، وإن كانت مختلفة في نفسها إلا أنَّها متَّفِقَةٌ في المصلحة. 
### فصل


قال بعضُ المفسَّرينَ[(١٣)](#foonote-١٣)  لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ  معناهما واحد وقال آخرون هذا ضعيفٌ. 
والحقُّ أنَّ قوله : لِيُبَيِّنَ لَكُمْ  أي : يميِّزَ الحلالَ من الحرامِ، والحسن من القبيح. 
وقوله تعالى : وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ  أي : أن الذي بيَّن تحريمه، وتحليله لنا في الآيات المتقدّمة وقد كان كذلك في شرائع \[ الإسْلام \][(١٤)](#foonote-١٤) من قبلنا، أو يكون المراد منه  وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ  \[ في \][(١٥)](#foonote-١٥) بيان[(١٦)](#foonote-١٦) ما لكم فيه من المصلحة \[ فإنَّ الشَّرائعَ، وإن اختلفت في نفسها إلاَّ أنَّهَا متفقة في المصالح \][(١٧)](#foonote-١٧). 
قوله : وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ  قال القاضي[(١٨)](#foonote-١٨) : معناه أنَّهُ تعالى كما أراد منّا نفس الطّاعة، فلا جَرَمَ بيَّنَها وأزال الشُّبْهَةَ عنها وإذا وقع التَّقصيرُ والتَّفريط منَّا ؛ فيريد أن يتوبَ علينا ؛ لأنَّ المكلف قد يطيع فيستحق الثَّوابَ، وقد يعصي فيحْتَاج إلى التلافي في التَّوبَةِ وفي التَّوْبَةِ وفي الآية إشكالٌ، وهو أنَّ الحَقَّ إمَّا أن يكون قول أهل السُّنَّةِ \[ من أنَّ فعل العبدِ \][(١٩)](#foonote-١٩) مخلوقٌ للَّهِ \[ وَإمَّا أن الحقَّ قولُ المعتزلة : من أنَّ فعلَ العبدِ ليسَ مخلوق اللَّهِ تعالى ؛ والآيةُ مُشْكَلَةٌ على القَوْلَيْنِ \][(٢٠)](#foonote-٢٠) أمَّا على الأوَّلِ \[ فلأنّ \][(٢١)](#foonote-٢١) كلِّ مَا يريده الله تعالى \[ فَإنَّهُ \][(٢٢)](#foonote-٢٢) يحصلُ، فإذا أرَادَ أن يتُوبَ علينا وأحبَّ أن تحصل التَّوْبَةَ لكلنا، ومعلومٌ أنَّهُ ليس لذلك، وأمَّا على القول الثَّاني : فهو تعالى يريدُ مِنَّا أن نتُوبَ باختيارنا، وفعلنا وقوله  وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ  \[ ظاهره \][(٢٣)](#foonote-٢٣) مشعر بأنَّهُ تعالى هو الَّذي يخلق التَّوْبَةَ فينا. 
فالجوابُ أن قوله  وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ  صريحٌ في أنَّهُ تعالى هو الذي يقبلُ التَّوْبَةَ فينا والعقل يؤكِّدُهُ ؛ لأنَّ التَّوْبَةَ عبارةٌ عن النَّدمِ في الماضي، والعزم على التَّرْكِ في المستقبل، والنَّدم والعزم من باب الإرادَاتِ، والإرادةُ لا يمكن إرادتها وإلا لزم التَّسلسل ؛ فإذن الإرادةُ يمتنعُ أن تكونَ فعل الإنسان فعلمنا أن هذا النَّدم والعزم لا يحصلان إلا بتخليق اللَّهِ تعالى فَدَلَّ البرهانُ العقليُّ على صحَّةِ ما أشعر به القرآن، وهو أنَّهُ تعالى \[ هو \][(٢٤)](#foonote-٢٤) الذي يتوبُ علينا. 
وإن قالوا : لو تاب عليْنَا لحصلتْ هذه التَّوْبَةُ \[ لهم فزاد هذا الإشكالُ واللَّهُ أعلم \][(٢٥)](#foonote-٢٥). 
فنقولُ : قوله تعالى : وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ  خطابٌ مع الأمَّةِ، وقد تابَ عليهم في نكاح الأمهات والبنات وسائر المنهيَّات المذكورة في هذه الآيات وحصلت هذه التَّوْبَةِ لهم فَزَالَ الإشكالُ واللَّهُ أعلم. 
\[ ثم قال  وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ  أي :\][(٢٦)](#foonote-٢٦) \[ عليم \][(٢٧)](#foonote-٢٧) بمصالح عبادة حكيم في أمر دينهم ودنياهم وحكيم فيما دبَّرَ من أمورهم. 
١ سقط في ب..
٢ في أ: ليلازم..
٣ تقدم..
٤ ينظر: مجمع الأمثال ١/٢٢٧..
٥ سقط في ب..
٦ سقط في أ..
٧ ينظر: الإملاء ١/١٧٦..
٨ سقط في أ..
٩ في ب: البصريون..
١٠ سقط في ب..
١١ سقط في ب..
١٢ في أ: كلما..
١٣ ينظر: تفسير الرازي ١٠/٥٤..
١٤ سقط في ب..
١٥ سقط في ب..
١٦ في أ: إتيان..
١٧ سقط في ب..
١٨ ينظر تفسير الرازي ١٠/٥٤..
١٩ سقط في ب..
٢٠ سقط في ب..
٢١ سقط في ب..
٢٢ سقط في ب..
٢٣ سقط في ب..
٢٤ سقط في ب..
٢٥ سقط في ب..
٢٦ سقط في ب..
٢٧ سقط في ب..

### الآية 4:27

> ﻿وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا [4:27]

قوله تعالى : وَاللَّهُ يُرِيدُ أَن يَتُوبَ عَلَيْكُمْ  زعم بعضهم أنَّ \[ في \] قوله  وَاللَّهُ يُرِيدُ أَن يَتُوبَ عَلَيْكُمْ  تكريراً لقوله  وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ  المعطوف على التّبيين. 
قال عطيَّةُ[(١)](#foonote-١) : وتكرار إرادة اللَّه تعالى التَّوبة على عباده تقوية للإخبار الأوَّل وليس القصد في الآية إلا الإخبار عن إرادة الذين يتبعون الشَّهوات فقدمت إرادة اللَّه تَوْطِئة مُظْهِرَةً لفسادِ إرادة مُبتغي الشَّهَوَاتِ، وهذا الذي قاله إنَّمَا يتمشّى على أنَّ المجرور باللامِ في قوله  لِيُبَيِّنَ  مفعول به للإرادة لا على كونه علّةً، وقد تقدَّمَ أنَّ ذلك قول الكوفيِّين، وهو ضعيفٌ، وقد ضعَّفه هو أيضاً، إذا تقرر هذا فنقول : لا تكرار في الآية ؛ لأن تعلّق الإرادة بالتَّوبة في الأوَّلِ على جهة العِلِّيَّة، وفي الثَّاني على جهة المفعوليَّة، فقد اختلف المتعلقان. 
وقوله  وَيُرِيدُ الَّذِينَ  بالرَّفع عطفاً على  وَاللَّهُ يُرِيدُ  عطف جملة على جملة اسميّة، ولا يجوز أن ينصب لفساد المعنى ؛ إذ يصير التَّقدير : واللَّهُ يريدُ أن يتوب، ويريد أن يريد الذين، واختار الرَّاغِبُ : أنَّ الواو للحال تنبيهاً على أنَّهُ يريدُ التَّوْبَةَ عليكم في حال ما تريدون أن تميلوا فخالف بَيْنَ الإخبارين في تقديم المخبر عنه في الجملة الأولى، وتأخيره في الثَّانية ؛ ليبيّن أنَّ الثَّاني ليس على العطف، وقد رُدَّ عليه بأنَّ إرادة اللَّهِ التَّوْبَةَ ليست مقيّدة بإرادة غيره الميل، و \[ بأن \][(٢)](#foonote-٢) الواو باشرت المضارعَ المثبت، وأتى بالجملة الأولى اسميّة دلالة على الثَّبوت، وبالثَّانية فعلية دلالة على الحدوث[(٣)](#foonote-٣).

### فصل في تحليل المجوس لما حرم الله تعالى


قيل : إنَّ المجوسَ كانوا يحلُّون الأخوات، وبنات الإخوة والأخوات، فلما حرمهنَّ اللَّهُ تعالى قالوا إنَّك تحلُّون بنت الخالة والعمَّةِ، والخالةُ والعمةُ حرام عليكم فانكحوا بنات الأخ[(٤)](#foonote-٤) والأخت فنزلتْ هذه الآية. 
وقال السُّدِّيُّ : المرادُ بالَّذِينَ يتبعون الشَّهوات هم اليهودُ والنَّصَارى[(٥)](#foonote-٥). 
وقال مجاهدٌ هم الزُّناةُ يريدون أن يميلوا عن الحقِّ فيزنون كما يزنون[(٦)](#foonote-٦). 
وقيل : هم جميع أهل الباطل[(٧)](#foonote-٧). 
### فصل


قالت المعتزلة قوله  وَاللَّهُ يُرِيدُ أَن يَتُوبَ عَلَيْكُمْ  يدلّ على أنه تعالى يريد التوبة من الكلِّ والطَّاعة من الكُلِّ. 
وقال أهل السُّنَّةِ، هذا محال ؛ لأنَّهُ تعالى علم من الفاسق أنَّهُ لا يتوب، وعلمه بأنَّهُ لا يتوب مع توبته ضدان، وذلك العلم ممتنعٌ الزَّوال مع وجود أحدِ الضِّدَّين، وكانت إرادة ضدّ الآخر إرادة لما علم كونه محالاً، وذلك محالٌ، وأيضاً فإنَّهُ تعالى إذَا كان يريدُ التَّوْبَةَ من الكُلِّ، ويريد الشَّيْطَانُ أن تميلوا ميلاً عظيماً، ثم يحصلُ مراد الشَّيطان لا مراد الرحمن، فحينئذٍ نفاذ الشيطان في ملك الرحمن أتمُّ من نفاذ الرحمنِ في ملك نَفْسِهِ، وذلك مُحالٌ ؛ فثبت أن قوله  وَاللَّهُ يُرِيدُ أَن يَتُوبَ عَلَيْكُمْ  خطاب مع قوم معنيين حصلت هذه التَّوبة لهم. 
١ ينظر: المحرر الوجيز ٢/٤٠..
٢ سقط في ب..
٣ في أ: الحدث..
٤ في ب: الأخت..
٥ أخرجه الطبري في "تفسيره" (٨/٢١٣) عن السدي وذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٢/٢٥٧) وزاد نسبته لابن أبي حاتم..
٦ أخرجه الطبري في "تفسيره" (٨/٢١٣) وذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٢/٢٥٧) وزاد نسبته لعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد..
٧ أخرجه الطبري في "تفسيره" (٨/٢١٤) عن ابن زيد..

### الآية 4:28

> ﻿يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ ۚ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا [4:28]

**في هذه الجملة احتمالان :**
أصحُّهما : أنَّهَا مستأنفةٌ لا محلَّ لها من الإعراب. 
والثَّاني : أنَّهَا حال من قوله  وَاللَّهُ يُرِيدُ أَن يَتُوبَ عَلَيْكُمْ  العامل فيها يريد أي : واللَّهُ يريد أن يتوبَ عليكم يريد أن يخفف عنكم، وفي هذا الإعراب نَظَرٌ من وجهين :
أحدهما : أنَّهُ يؤدِّي إلى الفصل بين الحال، وبين عاملها بجملة معطوفة على جملة العامل في الحال ضمير تلك الجملة المعطوف عليها، والجملةُ المعطوفة وهي
 وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ  جملة أجنبيّة[(١)](#foonote-١) من الحال وعاملها. 
والثَّاني : أنَّ الفعل الذي وقع حالاً رفع الاسم الظَّاهر فوقع الرَّبط بالظاهرِ ؛ لأن  يُرِيدُ  رفع اسم الله، وكان من حقِّه أن يرفع ضميره، والرَّبْطُ بالظَّاهِرِ إنَّمَا وقع بالجملة الواقعة خبراً أو وصلة، أمَّا الواقعة حالاً وصفة فلا، إلا أن يَردَ به سماع، ويصير هذا الإعراب نظير :" بكر يخرج يضربُ بكر خالداً " ولم يذكر مفعول التخفيف فهو[(٢)](#foonote-٢) محذوف، فقيل تقديره : يخفف عنكم تكليف النظر، وإزال الحيرة، وقيل : إثم ما يرتكبون، وقيل : عام في جميع أحكام الشرع وقد سهل علينا كما قال تعالى
 وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ \[ { وَالأَغْلاَلَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ [(٣)](#foonote-٣) \] \[ الأعراف : ١٥٧ \] وقال عليه السلام :" بعثت بالحنيفية السمحة ". وقال  يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ 
\[ البقرة : ١٨٥ \] وقال  وَمَا جَعَلَ عَلَيْكمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ  \[ الحج : ٧٨ \] وقال مجاهد ومقاتل : المراد به \[ إباحة \][(٤)](#foonote-٤) نكاح الأمة عند الضرورة[(٥)](#foonote-٥). 
قوله تعالى : وَخُلِقَ الإِنسَانُ ضَعِيفاً  والمعنى أنه لضعفه خفف تكليف، والأقرب أن يحمل هذا الضعف على كثرة الدواعي إلى اتباع الشهوة واللذة لا على ضعيف الخلقة \[ لأن ضعيف الخلقة \][(٦)](#foonote-٦) لو قوى الله داعيته إلى الطاعة كان في حكم القوي والقوي في الخلقة إذا كان ضعيف الدواعي إلى الطاعة صار في حكم الضعيف، فالتأثير في هذا الباب لضعف الداعية وقوتها لا لضعف البدن. 
قال طاوس والكلبي وغيرهما : في أمر النساء لا يصبر عنهن[(٧)](#foonote-٧). 
وقال ابن كيسان : خلق الله الإنسان ضعيفاً أي بأن تستميله شهوته. 
وقال الحسن : المراد ضعيف الخلقة وهو أنه \[ خلقه \][(٨)](#foonote-٨) من ماء مهين[(٩)](#foonote-٩). وقال تعالى
 اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِّن ضَعْفٍ  \[ الروم : ٥٤ \]. 
### فصل


**وفي نصب ضعيفاً أربعة أوجه :**
أظهرها : أنه حال من الإنسان وهي حال مؤكدة. 
والثاني :- كأنه تمييز قالوا : لأنه يصلح لدخول " مِنْ " وهذا غلط. 
الثالث :- أنه على حذف حرف الجرِ، والأصل : خلق من شيء ضعيف، أي : من ماء مهين، أو من نطفة، فلما حُذِفَ الموصوف وحرف الجر وَصَلَ الفعل إليه بنفسه فنصبه. 
الرابع :- وإليه أشار ابن عطية[(١٠)](#foonote-١٠)، أنه منصوب على أنه مفعول ثانٍ ب " خلق " قالوا : ويصح أن يكون خلق بمعنى " جُعِلَ " فيكسبها ذلك قوة التعدي إلى المفعولين فيكون قوله " ضعيفاً " مفعولاً ثانياً، وهذا الذي ذكره غريب لم نرهم نَصُّوا على أن خلق يكون ك " جعل " فيتعدى لاثنين مع حصرهم الأفعال المتعدية للاثنين، ورأيناها يقولون : إن " جَعَلَ " إذا كان بمعنى " خَلَقَ " تعدت لواحد[(١١)](#foonote-١١). 
### فصل


روي عن ابن عباس أنه قال : ثماني آيات في سورة النساء خير لهذه[(١٢)](#foonote-١٢) الأمة مما طلعت عليه الشمس وغربت قوله تعالى  يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ  \[ النساء : ٢٦ \]
 وَاللَّهُ يُرِيدُ أَن يَتُوبَ عَلَيْكُمْ   يُرِيدُ اللَّهُ أَن يُخَفِّفَ عَنْكُمْ  و إِن تَجْتَنِبُواْ كَبَآئِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ  \[ النساء : ٣١ \]  إِنَّ اللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ [(١٣)](#foonote-١٣) \[ النساء : ٤٨ \]  إِنَّ \[ اللَّهَ لاَ يَظْلِمُ \][(١٤)](#foonote-١٤) مِثْقَالَ ذَرَّةٍ  \[ النساء : ٤٠ \]،  وَمَن يَعْمَلْ سُوءاً أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ  \[ النساء : ١١٠ \] و  مَّا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ  \[ النساء : ١٤٧ \]. 
١ في ب: اسمية..
٢ في ب: وهو..
٣ سقط في ب..
٤ سقط في ب..
٥ أخرجه الطبري في "تفسيره" (٨/٢١٥) عن مجاهد وذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٢/٢٥٧) وزاد نسبته لعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم..
٦ سقط في أ..
٧ ذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٢/٢٥٧) وعزاه للخرائطي في "اعتلال القلوب" عن طاوس.
 أخرجه الطبري في "تفسيره" (٨/٢١٥ ـ ٢١٦) عن طاوس بلفظ مختلف وذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٢/٢٥٧) وزاد نسبته لعبد الرزاق وابن المنذر وابن أبي حاتم..
٨ سقط في ب..
٩ ذكره أبو حيان في "البحر المحيط" (٣/٢٣٧) عن الحسن..
١٠ ينظر: المحرر الوجيز ٢/٤١..
١١ في أ: تعدي لواحد..
١٢ في أ: بهذه..
١٣ أخرجه الطبري في "تفسيره" (٨/٢١١) عن ابن عباس وذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٢/٢٥٦) وزاد نسبته لابن أبي الدنيا في "التوبة" والبيهقي في "شعب الإيمان"..
١٤ سقط في أ..

### الآية 4:29

> ﻿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ ۚ وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا [4:29]

**في كيفية النظم وجهان :**
أحدهما : أنه تعالى لما ذكر كيفية التصرف في النفوس بسبب النكاح ذكر كيفية التصرف في الأموال. 
الثاني : لما ذكر ابتغاء النكاح بالأموال وأمر بإبقاء المهور بيَّن بعد ذلك كيفية التصرف في الأموال، وخص الأكل بالذكر دون غيره من التصرفات لأنه المقصود الأعظم من الأموال ؛ لقوله تعالى  إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْماً  \[ النساء : ١٠ \]، واختلفوا في تفسير الباطل فقيل هو الربا والغصب والقمار والسرقة والخيانة وشهادة الزور وأخذ المال باليمين الكاذبة، وعلى هذا تكون الآية مجملة لأنه يصير التقدير : لا تأكلوا أموالكم التي حصلتموها بطريق غير مشروع، ولم يذكر ههنا الطريقة المشروعة[(١)](#foonote-١) على التفصيل فصارت الآية مجملة. 
وروي عن ابن عباس والحسن أن الباطل هو ما يؤخذ من الإنسان بغير عوض[(٢)](#foonote-٢) وعلى هذا لا تكون الآية مجملة لكن قال بعضهم : إنها منسوخة : قال لما نزلت هذه الآية تحرّج الناس من أن يأكلوا عند أحد شيئاً وشق ذلك على الخلق. فنسخ الله تعالى ذلك بقوله في سورة النور  لَّيْسَ عَلَى الأَعْمَى حَرَجٌ وَلاَ عَلَى الأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلاَ عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ وَلاَ عَلَى أَنفُسِكُمْ أَن تَأْكُلُواْ مِن بُيُوتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ آبَائِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أُمَّهَاتِكُمْ [(٣)](#foonote-٣) \[ النور : ٦١ \] وأيضاً إنما هو تخصيص ولهذا روى الشعبي عن علقمة عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه قال : هذه الآية محكمة ما نسخت ولا تنسخ إلى يوم القيامة[(٤)](#foonote-٤). 
وقيل : المراد بالباطل \[ هو \][(٥)](#foonote-٥) العقود الفاسدة، وقوله  لاَ تَأْكُلُواْ أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ  \[ يدخل فيه أكل مال الغير بالباطل \][(٦)](#foonote-٦) وأكل مال نفسه بالباطل فيدخل فيه القسمان معاً كقوله : وَلاَ تَقْتُلُواْ أَنْفُسَكُم  يدل على النهي عن قتل غيره وقتل نفسه أما أكل مال نفسه بالباطل فهو إنفاقه في معاصي الله تعالى، وأما أكل مال غيره بالباطل فقد عددناه. 
قوله : إِلاَّ أَن تَكُونَ تِجَارَةً  في هذا الاستثناء قولان :
**أصحهما : أنه استثناء منقطع لوجهين :**
أحدهما : أن التجارة لم تندرج في الأموال المأكولة بالباطل حتى يستثنى عنها سواء فسرنا الباطل بغير عوض، أو بغير طريق شرعيّ. 
والثاني : أن المستثنى كون، والكون ليس مالاً من الأموال. 
الثالث[(٧)](#foonote-٧) : أنه متصل قيل : لأن المعنى لا تأكلوها بسبب إلا أن تكون تجارة. 
قال أبو البقاء[(٨)](#foonote-٨) : وهو ضعيف ؛ لأنه قال : بالباطل، والتجارة ليست من جنس الباطل، وفي الكلام حذف مضاف تقديره ؛ إلا في حال كونها تجارة، أو في وقت كونها تجارة انتهى. ف " أن " تكون في محل نصب على الاستثناء، وقد تقدم تحقيقه. 
وقرأ الكوفيون[(٩)](#foonote-٩) تجارة نصباً[(١٠)](#foonote-١٠) على أن كان ناقصة، واسمها مستتر فيها يعود على الأموال، ولا بد من حذف مضاف من " تجارة " تقديره : إلا أن تكون الأموال أموال تجارة، ويجوز أن يفسر الضمير بالتجارة بعدها أي : إلا أن تكون التجارةُ تجارةً كقوله :\[ الطويل \]
. . . \*\*\* إذَا كَانَ يَوْمَاً ذَا كَواكِبَ أشْنَعَا[(١١)](#foonote-١١)
أي إذا كان اليوم يوماً، واختار أبو عبيدةَ قراءة الكوفيين، وقرأ الباقون[(١٢)](#foonote-١٢) " تجارةٌ " رفعاً على أنها " كان " التامة قال مكي[(١٣)](#foonote-١٣) : وأكثر كلام العرب أن قولهم " إلا أن تكون " في هذا الاستثناء بغير ضمير فيها يعود على معنى : يحدث ويقع، وقد تقدم الكلام على ذلك في البقرة. 
وقوله : عَن تَرَاضٍ  متعلق بمحذوف لأنه صفة ل " تجارة " فموضعه رفع أو نصب على حسب القراءتين، وأصل " تراض " " تراضِوٌ " بالواو ؛ \[ لأنه مصدر تراضي تَفَاعَلَ من رَضِيَ، ورَضِيَ من ذوات الواو بدليل الرُّضوان، وإنما تطرفت الواو بعد كسرة \][(١٤)](#foonote-١٤) فقلبت ياء فقلت : تراضياً، و " منكم " صفة لتراضٍ، فهو محل جر و " من " لابتداء الغاية. 
### فصل


والتجارة في اللغة عبارة عن المعاوضة ومنه الأجر الذي يعطيه الله تعالى للعبد عوضاً من الأعمال الصالحة. 
قال تعالى : يأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ هَلْ أَدُلُّكمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنجِيكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ 
\[ الصف : ١٠ \] وقال  يَرْجُونَ تِجَارَةً لَّن تَبُورَ  \[ فاطر : ٢٩ \] وقال  إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ  \[ التوبة : ١١١ \]، فسمَّى ذلك كُلَّهُ بيعاً وشراءً على وَجْهِ المَجَازِ، تشبيهاً بِعُقُود المبيعَاتِ الّتي تحصلُ بها الأغْرَارُ. 
### فصل : كل معاوضة تجارة


اعلم أنَّ كُلَّ مُعَاوَضَةٍ تجارةٌ على أيّ وجْهٍ كان العوض، إلا أنَّ قوله تعالى  بِالْبَاطِلِ  أخرج منها كُلَّ عوضٍ لا يجوزُ شَرْعَاً من رباً وغيره أو عوض فَاسِدٍ كالخمرِ، والخَنْزِيرِ، وغير ذلِكَ، ويخرج أيضاً كُلُّ عقدٍ جائزٍ لا عوض فيه كالقرض والصَّدَقَةِ، والهِبَةِ، لا للثَّوابِ، وجازت عُقُودُ التَّبرُّعاتِ بأدلَّةٍ أخَر، وخَرَجَ منها دٌعَاءُ أخيكَ إيَّاكَ إلى طَعَامِهِ، بآيةِ النُّورِ، على ما سيأتي إن شاء اللَّه - تعالى -. 
### فصل


قال القرطبيُّ[(١٥)](#foonote-١٥) : لَوِ اشْتَرَيْتَ فِي السُّوقِ شَيْئاً فقالَ لَكَ صًاحِبُهُ قبل الشِّرَاءِ ذُقْهُ، وأنت في حلٍّ، فلا تَأكُلْ منه ؛ لأن إذْنهُ في الأكْلِ لأجْلِ الشِّراءِ، فربما لا يقعُ بينكم بيعٌ، فيكونُ ذلك شُبْهَة، لكن لو وصف لَكَ صفة فاشْتَرَيْتَ، فلم تجده على تلك الصفة فأنت بالخيَار. 
### فصل


قوله  عَن تَرَاضٍ مِّنْكُمْ  أي : بطيبة نَفْسِ كُلِّ وَاحدٍ منكم على الوَجْه المَشْرُوعِ. 
وقيل هو أن يخير كُلُّ وَاحدٍ من المُتابِعيْنِ صاحِبَهُ بَعْدَ الْبَيْع، فيلزمُ وإلا فلهما الخِيَارُ ما لم يَتَفَرَّقَا لقوله عليه السلامُ :" الْبَيِّعانِ بالخيارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا " [(١٦)](#foonote-١٦) أو يخير كُلّ واحد منهما صاحبَهُ متبايعاً على ذلك، فَقَدْ وَجَبَ البَيْعُ، واعلم : أنَّهُ كَمَا يحلُّ المستفاد منَ التِّجارَة، فقد يَحِلُّ أيضاً المالُ المستفاد مِنَ الهِبَةِ، والوصيَّةِ والإرث، والصَّدَقَةِ، والمهر، ِ وأرُوشِ الجنايَاتِ، فإنَّ أسْباب المالِ كثيرةٌ سوى التِّجارة. 
فإن قُلْنَا : الاستثناءُ مُنقطِعٌ، فلا إشْكالَ ؛ لأنَّهُ تعالى ذَكَرَ هَاهُنا شيئاً واحداً، من أسْبَابِ المِلْكِ، ولم يذكره غيرهُ بنفي، ولا إثْبَاتٍ. 
وإن قلنا : الاسْتثناءُ مُتَّصِلٌ كان ذلك حكماً بأنَّ غيرَ التِّجَارةِ لا يفيد الحلّ، وعلى هذا لا بُدّ مِنَ النَّسْخِ، والتَّخْصيصِ. 
### فصل


ذهب بعضُ الْعُلَمَاءِ إلى أنَّ النَّهْيَ في المعاملات يَقْتَضِي البُطْلاَنَ، وقال أبُو حنيفَةَ : لا يَدُلُّ عليه واحتجّ الأوَّلُونَ بوجوهٍ :
أحدُهَا : أنَّ جميعَ الأمْوالِ مملوكةٌ للَّهِ تعالى، فإذا أذن لبعض عبيده في بعض التَّصَرُّفَاتِ، كان ذلك جَارياً مَجْرَى ما إذا وكل الإنسان وكيلاً في بَعْضِ التَّصرفات، ثم إنَّ الوكِيلَ تَصَرَّفَ على خِلافِ قَولِ الموكل، فذلك غير مُنعقدٍ، فإذا كان التَّصرفُ الواقع على خلاف قول المِالِكِ المجازي لا يَنْعَقدُ، فالتصرفُ الواقِعُ على خِلاَفِ قَوْلِ المالِكِ الحقيقيّ غير مُنْعَقِدٍ بِطَرِيقِ الأوْلَى. 
وثانيها : أنَّ التصرُّفات الفَاسِدَة ؛ إمَّا أن تكُونَ مُسْتَلْزِمَةً لِدُخُولِ المُحرَّم المنهيّ عنه في الوُجُودِ أو لا، فإن كان الأول وجب القول ببطلانها قياساً على التصرفات[(١٧)](#foonote-١٧) الفاسدة، والجامِعُ السعي في ألا يَدخُلَ منشأ النَّهي في الوُجُودِ، وإنْ كانَ الثَّانِي ؛ وَجَبَ القَوْلُ بصحَّتها قياساً على التصرُّفَاتِ الصَّحيحةِ، والجامعُ كونُهَا تَصرُّفَاتٍ خالية عن المفْسَدَة، فثبت أنَّهُ لا بُدَّ من وُقُوعِ التَّصرُّفِ على هذين الوجْهَيْنِ، فأمَّا القَوْلُ بتصرف لا يكُونُ صحيحاً، ولا باطلاً، فهو محال. 
وثالثها : أنَّ قوله :" لا تَبِيعُوا الدِّرْهَمَ بالدِّرْهَمَيْن " [(١٨)](#foonote-١٨) كقوله :" لا تبيعوا الحر بالعبد " فكما أن هذا نهي في اللفْظِ، لكنَّهُ نَسْخٌ للشَّرعيةِ \[ فكذا الأوَّلُ، وإذا كان نَسْخاً للشَّرْعيَّةِ \][(١٩)](#foonote-١٩)، بطل كوْنُهُ مُفيداً للحكم. 
قوله  وَلاَ تَقْتُلُواْ أَنْفُسَكُمْ  قرأ عَلِي[(٢٠)](#foonote-٢٠) - رضي اللَّهُ عنه - :" تُقْتَّلُوا " بالتَّشْديدِ على التكثير، والمعنى لا يَقْتلُ بَعضُكُم بعضاً، وإنَّما قَالَ  أَنْفُسَكُمْ  لقوله عليه الصَّلاةُ والسَّلام :" المُؤْمِنُونَ كنَفْسٍ وَاحِدَةٍ " [(٢١)](#foonote-٢١) ولأن العَرَبَ يَقُولُونَ " قُتلْنَا وَرَبِّ الكَعْبَةِ " إذا قتل بعضهم ؛ لأنَّ قتل بعضِهِم، يجري مَجْرَى قَتْلِهِمْ. 
فإن قيل : المُؤمِنُ مع إيمانِهِ لا يجُوزُ أن ينهى عَنْ قَتْلِ نَفْسِهِ، لأنه ملجأ إلى ألاَّ يَقْتُلَ نَفْسَهُ، لأنَّ الصَّارِفَ عنه قائمٌ، وهو الألَمُ الشَّديدُ، والذَّمُّ العَظِيم، والصَّارف عنه في الآخرة قَائِمٌ وهو استحقاقُ العَذَابِ العَظِيمِ. 
إذا كان كذلك، لم يَكُنْ للنَّهْيِ عَنْهُ فائدة، وإنَّمَا يُمْكِنُ هَذَا النهي، فِيمَنْ يَعْتَقِدُ في قَتْلِ نَفْسِهِ ما يعتقدُهُ أهْلُ الهِنْدِ، وذَلِكَ لا يَتَأتَّى مِنَ المُؤْمِنِ. 
فَالجَوَابُ : أنَّ المُؤْمِنَ مع[(٢٢)](#foonote-٢٢) إيمانِهِ، قد يَلْحَقُهُ مِنَ الغَمِّ، والأذِيَّةِ ما يكُونُ القَتْلُ عليه أسْهَل مِنْ ذلك، ولذلك نَرَى كَثيراً مِنَ الْمُسْلِمِينَ يَقْتَلُونَ أنْفُسَهُم، بمثل السَّبَبِ الذي ذَكَرْنَاهُ، ويحتمل أنَّ مَعْنَاهُ لا تَفْعَلُوا ما تَسْتَحِقُّونَ به القتل كالزِّنَا بعد الإحْصَانِ والرِّدَّةِ، وقتلِ النَّفْسِ المعصومة، ثمَّ بيَّنَ تعالى أنَّهُ رحيمٌ بعباده، ولأجْلِ رحمته نهاهم عن كُلِّ ما يستوجبون به مَشَقَّة، أو مِحْنَة حَيْثُ لم يأمرهم بقتلهم أنفسَهُم كما أمَرَ به بني إسرائيل ليَكُونَ تَوْبَةً لهم وكان بكُم يَا أمَّة محمَّد رحيماً، حيث لم يكلفكم تلك التَّكاليف الصَّعْبَة. 
١ في أ: ههنا الطريق المشروع..
٢ ذكره أبو حيان في "البحر المحيط" (٣/٢٤٠) عن ابن عباس والحسن..
٣ أخرجه الطبري في "تفسيره" (٨/٢١٨) عن عكرمة والحسن وذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٢/٢٥٧) وعزاه للطبري فقط..
٤ أخرجه الطبراني في "الكبير" كما في "مجمع الزوائد" (٧/٦) وابن أبي حاتم كما في "الدر المنثور" (٢/٢٥٧) بسند صحيح كما قال السيوطي وقال الهيثمي في "المجمع" (٧/٦): رواه الطبراني ورجاله ثقات..
٥ سقط في ب..
٦ سقط في أ..
٧ في أ: والثاني..
٨ ينظر: الإملاء ١/١٧٧..
٩ يعني حمزة والكسائي وعاصم.
 انظر: السبعة ٢٣١، والحجة ٣/١٥١، ١٥٢، وحجة القراءات ١٩٩، والعنوان ٨٤، وإعراب القراءات ١/١٣١، ١٣٢، وشرح الطيبة ٤/٢٠٣، وإتحاف ١/٥٠٩..
١٠ في ب: بالنصب..
١١ تقدم..
١٢ ينظر: القراءة السابقة..
١٣ ينظر: الدر المصون ٢/٣٥٤..
١٤ سقط في ب..
١٥ ينظر: تفسير القرطبي ٥/١٠٠..
١٦ أخرجه البخاري (٣/١٢٣) كتاب البيوع باب إذا بين البيعان...(٢٠٧٩) وباب: ما يمحق الكذب (٢٠٨٢) وباب كم يجوز الخيار (٢١٠٨) وباب البيعان بالخيار (٢١١٠) ومسلم (٥/١٠) وأبو داود (٣٤٦٩) والنسائي (٢/٢١٢) والترمذي (١/٢٣٥) والدرامي (٢/٢٥٠) والشافعي (١٢٥٩) والطحاوي في "شرح معاني الآثار" (٢/٢٠٢) والبيهقي (٥/٢٦٩) والطيالسي (١٣٣٩) وأحمد (٣/٤٠٢، ٤٠٣، ٤٣٤) كلهم من حديث حكيم بن حزام مرفوعا. وقال الترمذي: حديث حسن صحيح..
١٧ في أ: التصرف..
١٨ أخرجه مسلم كتاب المساقاة ب ١٤ رقم (٧٨) وأحمد (٢/١٠٩) والبيهقي (٥/٢٧٨) والشافعي في "مسنده" (١٨١) وابن عبد البر في "التمهيد" (٢/٢٤٥)..
١٩ سقط في ب..
٢٠ وقرأ بها الحسن.
 انظر: المحرر الوجيز ٢/٤٢، والبحر المحيط ٣/٢٤٢، والدر المصون ٢/٣٥٤..
٢١ تقدم..
٢٢ في أ: من..

### الآية 4:30

> ﻿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَٰلِكَ عُدْوَانًا وَظُلْمًا فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا ۚ وَكَانَ ذَٰلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا [4:30]

قوله : وَمَن يَفْعَلْ ذلِكَ  " مَنْ " شرطيَّة \[ مبتدأ \][(١)](#foonote-١)، والخبر " فَسَوْفَ " والفاءُ هنا واجبة لِعَدَمِ صلاحيَّةِ الجَوَابِ للشَّرْطِ، و " ذَلِكَ " إشارةٌ إلى قتل الأنفُسِ قال الزَّجَّاجُ[(٢)](#foonote-٢) : يَعُودُ إلى قَتْلِ الأنْفُسِ، وأكل المالِ بالبَاطِلِ ؛ لأنَّهُمَا مذكوران في آية واحدة. 
وقال ابْنُ عَبَّاسٍ[(٣)](#foonote-٣) : إنَّهُ يعودُ على كُلِّ ما نهى اللَّهُ عنه من أوَّلِ السُّورةِ إلى هذا المَوْضعِ، وقال الطَّبريُّ :" ذلك " عائد على[(٤)](#foonote-٤) ما نهي عنه من آخر وعيد وذلك قوله تعالى : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَرِثُواْ النِّسَاءَ كَرْهاً  \[ النساء : ١٩ \] ؛ لأنَّ كل ما ينهى عنه من أوَّلِ السُّورةِ قرن به وعيد، إلا مِنْ قوله : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَرِثُواْ النِّسَاءَ كَرْهاً  \[ النساء : ١٩ \] فإنَّهُ لا وعيدَ بَعْدَهُ إلا قوله : وَمَن يَفْعَلْ ذلِكَ عُدْوَاناً  \[ النساء : ٣٠ \] الآية. وقيل الوعيد بذكر العُدْوَانِ والظُّلْمِ، ليخرج منه فعل السَّهْوِ والغلط، وذكر العًُدْوَانِ، والظُّلْمِ مع تقارب[(٥)](#foonote-٥) معناهما لاختلافِ ألفاظِهِما كقوله :" بُعْداً " و " سُحْقاً " وقوله يعقوب عليه السلام : إِنَّمَا أَشْكُوا بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ 
\[ يوسف : ٨٦ \] وقوله :\[ الوافر \]

١٧٩١ أ-. . .  وألْفَى قَوْلَهَا كَذِباً وَمَيْنَا[(٦)](#foonote-٦)و " عدواناً وظلماً " حالان أي : متعدياً ظالماً أو مفعول من أجلها وشروط النصب متوفرة وقُرِئَ :" عِدْواناً " بكسر العين. و " العدوان " : مُجاوَرَةُ الحَدّ، والظُّلْمُ : وضع الشَّيْءِِ في غير مَحَلِّه، ومعنى  نُصْلِيهِ نَاراً ، أي : يمسُّه حَرُّهَا. وقرأ الجمهور : نُصْلِيهِ  من أصْلَى، والنون للتعظيم. وقرأ[(٧)](#foonote-٧) الأعْمَشُ :" نُصَلِّيه " مُشَدّداً. 
وقرئ[(٨)](#foonote-٨) :" نَصْليه " بفتح النُّونِ من صَلَيْتُه النَّار. ومنه :" شاة مصلية ". 
و " يصليه " [(٩)](#foonote-٩) بياء الغَيْبَةِ. وفي الفاعِلِ احتمالان :
أحدهُمَا : أنَّهُ ضميرُ الباري تعالى. 
والثَّاني : أنَّهُ ضميرٌ عائدٌ على ما أُشير به إلَيْهِ مِنَ الْقَتْلِ ؛ لأنَّهُ سَبَبٌ في ذلك ونكر " ناراً " تعظيماً. 
 وَكَانَ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيراً  أي : هيناً
١ سقط في أ..
٢ ينظر: تفسير الرازي ١٠/٥٩..
٣ ينظر السابق..
٤ في أ: هذا غاية..
٥ في ب: تفاوت..
٦ تقدم برقم ٤٩٢..
٧ ينظر: المحرر الوجيز ٢/٤٣، والبحر المحيط ٣/٢٤٣، والدر المصون ٢/٣٥٤..
٨ قرأ بها النخعي والأعمش كما في البحر المحيط ٣/٢٤٣، وانظر: الدر المصون ٢/٣٥٤، والتخريجات النحوية والصرفية ٢٣١..
٩ انظر: السابق..

### الآية 4:31

> ﻿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا [4:31]

إِن تَجْتَنِبُواْ كَبَآئِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ \[ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُّدْخَلاً كَرِيماً [(١)](#foonote-١) \]
قرأ ابْنُ[(٢)](#foonote-٢) جُبَيْرٍ، وابنُ مَسْعُود :" كَبِيرَ " بالإفراد والمرادُ به الكُفْرُ وقرأ[(٣)](#foonote-٣) المفضّلُ :" يُكَفِّر "، " ويدخلكم " بياء الغَيْبَةِ للَّهِ تعالى. 
وقرأ ابْنُ[(٤)](#foonote-٤) عَبَّاسٍ :" من سيئاتكم " بزيادة " من ". وقَرَأَ نَافِعٌ[(٥)](#foonote-٥) وحده هنا وفي الحج :" مَدْخَلاً " بفتح الميم، والباقُونَ بضمها، ولم يَخْتَلِفُوا في ضَمِّ التي في الإسراء[(٦)](#foonote-٦). فأما مَضْمُومُ الميم، فإنَّهُ يحتملُ وجهين :
أحدهُمَا : أنَّهُ مَصْدرٌ وقد تَقَرَّر أنَّ اسْمَ المصْدَرِ من الرُّبَاعِيّ فما فَوْقَهُ كاسْمِ المفعُولِ، والمدخول فيه على هذا مَحْذُوفٌ أي :" ويدخلكم الجنة إدخالاً ". 
والثَّانِي : أنَّهُ اسمُ مَكَانِ الدُّخُولِ، وفي نصبه حينئذٍ احتِمَالاَنِ " 
أحدهُمَا : أنَّهُ منصوبٌ على الظَّرْفِ، وهو مَذْهَبُ سيبوَيْهِ. 
والثَّاني : أنَّهُ مفعولٌ به، وهو مَذْهَبُ الأخْفَشِ، وهكذا كُلُّ مكان مختص بعد " دخل " فإنَّ فيه هذين المذْهَبَيْنِ، وهذه القِرَاءَةُ واضحةٌ، لأنَّ اسم المصْدَرِ، والمكان جَارِيَانِ على فعليهما. 
وَأمَّا قِرَاءةُ نافِع، فتحتاجُ إلى تأويل، وذلك لأنَّ الميمَ المفتوحة إنَّما هو من الثُّلاثِيُّ، والفعل السَّابقُ لهذا رُباعِيّ فقيل : إنَّهُ منصوبٌ بفعل مقدّر مطاوع لهذا الفِعْلِ، والتقدِيرُ : يدخلكم، فتدخلون مدخلاً. 
و " مَدْخَلاً " مَنْصُوبٌ على ما تقدَّمَ : إمَّا المصدريّة، وإما المَكَانِيَّة بوجهيها. 
وقيل : هُوَ مصْدَرٌ عَلَى حَذْفِ الزَّوائِدِ نحو : أَنبَتَكُمْ مِّنَ الأَرْضِ نَبَاتاً \[ نوح : ١٧ \] على أحد القَوْلَيْنِ. 
### فصل


روى ابْنُ عمرو عن النَّبِي صلى الله عليه وسلم أنَّهُ قال :" الكَبَائِرُ الإشْرَاكُ باللَّهِ عزَّ وجلَّ وعقوقُ الوالِدَيْنِ، وقَتْلُ النَّفْسِ، واليَمِينُ الغَمُوسُ " [(٧)](#foonote-٧). 
وقال عليه السَّلام :" " ألاَ أنبِئُكُمْ بأكْبَرِ الكَبَائِر ؟ " ثلاثاً. فقالوا : بَلَى يا رسُولَ اللَّهِ. قال :" الإشْرَاكُ باللَّهِ، وَعُقُوقُ الوَالِديْنِ - وَكَانَ مُتّكئاً فَجَلَسَ - وَقَالَ : ألاَ وَقَوْلُ الزُّورِ " فما زال يُكَرِّرُهَا، حَتَّى قُلْنا لَيْتَهُ سَكَتَ[(٨)](#foonote-٨). 
 " وعن عُمَرَ بْنِ شراحيل عن عَبْدِ اللَّهِ قال : قُلْتُ يا رَسُولَ اللَّهِ : أيُّ الذَّنْبِ أعْظَمُ. قال :" أنْ تَجْعَلَ للَّهِ نِدَّاً وَهُوَ خَالِقُكَ " قال : ثُمَّ أي. قال :" أنْ تَقْتَلُ وَلَدَكَ مَخَافَةَ أنْ يَأكُلَ مَعَكَ ". قُلْتُ : ثمَّ أيْ. قال " أنْ تُزَانِيَ حَليلَةَ جَارِك " [(٩)](#foonote-٩) فأنزلَ اللَّهُ - تعالى - تَصديقَ قَوْلِ النَّبي صلى الله عليه وسلم في قوله تعالى :
 وَالَّذِينَ لاَ يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهَا آخَرَ وَلاَ يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ وَلاَ يَزْنُونَ  \[ الفرقان : ٦٨ \] وعن أبي هريرةَ عنِ النَّبِي صلى الله عليه وسلم قال :" اجْتَنِبُوا السَّبْعَ المُوبقَاتِ قالُوا يا رَسُول اللَّهِ، وما هُنَّ ؟ قال : الشِّرْكُ باللَّهِ، والسِّحْرُ، وقَتْلُ النَّفْسِ الَّتي حَرَّمَ اللَّهُ إلاَّ بالحقِّ وأكْلُ الرَِّبَا، وأكْلُ مَالِ اليتيمِ، والتَّوَلِّي يَوْمَ الزَّحْفِ، وَقَذْف المُحْصنَاتِ الغَافِلاَتِ " [(١٠)](#foonote-١٠). 
وقال عبدُ الله بْنُ مسعودِ : أكْبَرُ الكَبَائِرِ الشِّرْكُ باللَّهِ، والأمن من مَكْرِ اللَّه والقنوط من رحمة اللَّه، واليأسُ من روح اللَّهِ[(١١)](#foonote-١١). 
وعن النَّبَيِّ صلى الله عليه وسلم قال :" مِنْ أكْبَر الكبَائِر يسبُّ الرَّجُلِ وَالديْهِ : قالَ وَكَيْفَ يَسُبُّ الرَّجُلُ وَالدَيْهِ قال :\[ يَسُبُّ الرجُل أبَا الرجل وَأمه \][(١٢)](#foonote-١٢) فَيَسُب أباهُ وَيسُبُّ أمَّهُ " [(١٣)](#foonote-١٣). 
وعن سعيد بْنِ جُبَيْرٍ أنَّ رَجُلاً سألَ ابْنَ عباس عن الكبائِرِ أسَبْعٌ هي قال : هي إلى السبعمائة أقرب \[ غير \] أنه لاَ كبيرَةَ مع الاستغْفَارِ، ولا صغيرَةَ معَ الإصْرَارِ[(١٤)](#foonote-١٤)، وقال : كُلُّ شيْءٍ عصي اللَّه به، فهو كبيرة[(١٥)](#foonote-١٥)، فمن عمل شيئاً منها، فَلْيَسْتَغْفِر اللَّهَ فإنَّ اللَّه لا يخلد في النَّارِ من هذه الأمَّةِ إلاَّ من كان راجعاً عن الإسلامِ، أو جاحداً فريضته، أو مكذباً بقدره. قال ابْنُ الخطيبِ[(١٦)](#foonote-١٦) : وهذا القول ضعيف ؛ لأنَّهُ لا فرقَ بينهما كقولهِ : يكفر، وما لا يكفرون في الحديث : تعيين أشيَاء من الكبائرِ منها : الشركُ، واليمينَ الغَمُوسُ \[ والرِّبا \][(١٧)](#foonote-١٧) وعُقوقُ الوالدين، والقَتْلُ، وغيرهما ولقوله تعالى : وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ  \[ الحجرات : ٧ \] فالكبائِرُ هي الفُسُوقُ والصغائر هي العصيان حتى يصحّ العطف. احتجّ ابنُ عبَّاس ما إذا اعتبر المعاصي بالنِّسْبَةِ إلى جلال اللَّه تعالى، وعظمته كانت كبائر بالنِّسْبَةِ لِكثَرةِ نعمه تعالى، فذلك لعدم تناهيها، فَكُلُّ ذنبٍ كبيرة. 
والجوابُ كما أنَّهُ سبحانه وتعالى أجلُّ الموجودات، وأشرفهم، وهو أرحمُ الراحِمينَ، وأغنى الأغنياءِ عن الطَّاعات وذلك يوجب خفة الذنب ثم إنَّهَا وإن كان كبيرة، فبعضها أكبر مِنْ بعض[(١٨)](#foonote-١٨). 
### فصل


قال بعضهم : لتمييز الكبيرةِ عن الصَّغيرة بذاتها، وقيل : إنَّما تتميزُ بحسب \[ حال فاعليها \] فالأولون لهم[(١٩)](#foonote-١٩) أقوال، أوَّلُهَا : قال ابْنُ عبَّاسٍ : كلُّ ما[(٢٠)](#foonote-٢٠) قرن بذكر الوعيد، فهو كبيرةٌ كالقَتْلِ، والقذف. 
الثَّاني : عن ابْنِ مسعُودٍ : كلّ ما نهي عنه من أوَّلِ النِّسَاءِ إلى ثلاثة وثلاثين آية فهو كبيرة لقوله : إِن تَجْتَنِبُواْ كَبَآئِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ . 
الثالث : قتل كل عمد فهو كبيرةٌ على الأوَّل لأنَّ كل ذنٍب لا بُدّ أن يكون متعلّق الذَّم عاجلاً، والعقاب آجلاً وهذا يقتضِي أنَّ كُلَّ ذنْبٍ كبيرة، وعلى الثَّانِي أنَّ الكبائِرَ مذكورة في سائر السور، فلا معنى لتخصيصها بهذه السُّورة، وعن الثَّالث إنْ أرادَ بالعَمْدِ أنَّهُ ليس بساهٍ فهذا[(٢١)](#foonote-٢١) هو الذي نهي عنه، فيكونُ كُل ذنب كبيرة، وإنْ أرَاد أنه يَفْعَلُهُ مع العِلْمِ به، فإنَّهُ معصيةٌ فمعلومٌ أنَّ اليَهُودَ والنَّصَارَى يكفُرُونَ بمحمَّدٍ صلى الله عليه وسلم ولا يعلمون أنه معصيةٌ، وذلك كفرٌ وكبيرةٌ، فبطلت هذه الوجوه الثلاثةُ. 
وأما القولُ الثَّاني[(٢٢)](#foonote-٢٢) أنَّ الكبائر تمتازُ عن الصّغَائِرِ باعْتِبَارِ فاعلها، فهو قَوْلُ مَنْ يقولُ للطَّاعَةِ قدر من الثواب[(٢٣)](#foonote-٢٣) وللمعصية قدر من العقاب فالقِسْمَةُ العقْلِيَّةُ تقتضي أقْسَامَ التَّساوي والتعادل، ورُجْحَان الثَّوابِ، ورجحان العِقَابِ فالأوَّلُ ممكنٌ عقلاً إلا أن الدليل السمعي دل على أنه لا يوجد لقوله تعالى : فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ 
الشورى : ٨ \] ولو وجد ذلك لم يكن في الجنَّةِ، ولا في السَّعيرِ. 
والثَّاني : ينحبط العقابُ بما يُساويه مِنَ الثَّوابِ، والمعصية هي الصَّغيرة تسمى الانحباط بالتَّكفير. 
والثَّالثُ : ينحبطُ الثَّوابُ بما يساويه من العقاب، ويسمى الكبيرة، وسمي الانحبَاط بالإحباط، فَظَهَرَ الفرقُ بين الكبيرةِ والصغيرةِ، وهذا قول جمهور المُعتزِلَةِ، وهو مَبْنِيٌّ على أصُولٍ باطلةٍ :
الأول : أنَّ الطَّاعةَ توجبُ ثواباً والمعصية توجب عقاباً، وهو بَاطِلٌ لما تقدَّم من أنَّ الفعل يتوقَّفُ على دَاعِيَةٍ مِن اللَّه تعالى، وذلك يَمْنَعُ الإيجاب. 
ولأنَّ من اشْتَغَلَ بالعِبَادَةِ والتَّوحيدِ ثمانين سنة، ثم شَرِبَ قطرة خمر، فإنْ قالوا بالإحْبَاطِ خالف الضرورة والإجماع، وإن خالف وقالوا بترجيح الثَّوابِ نقضوا أصْلَهُم مِنَ التحسين والتقبيح العَقْلِيَّيْن فتبطل قواعدهم. 
ولأنَّه سمى الله تعالى كبيرة لسابقه \[ على الطاعة \][(٢٤)](#foonote-٢٤) وموجبة لها \[ فأوَّلُ واجب \][(٢٥)](#foonote-٢٥) لا يستحقّ ثواباً، فيكون عِقَاب كُلّ معصية أن لا بد مِنْ ثَوَاب فاعلها، فتكون جميع المعاصي كبائر، وهو بَاطِلٌ، وقد تقدَّم القول بإبطال القَوْلِ بالإحْبَاط. 
### فصل


قال ابنُ الخطيبِ[(٢٦)](#foonote-٢٦) : الأكثرُونَ على أنَّ اللَّه تعالى لم يُميِّز الكبائِرَ، ولم يُعَيِّنْهَا، قالوا : لأنَّ تمييزها وتعيينها مع إخباره بأن اجتنابها يكفِّر الصَّغَائِرَ إغراء بالإقدام على الصغائر، وذلك قَبيحٌ لا يليقُ بالحكمة[(٢٧)](#foonote-٢٧)، أمَّا إذَا لم يميِّزْهَا، كتحرير كَوْنِ المعْصيَةِ كبيرة زاجراً عن الإقدام عليها كإخفاء ليلة القدر وساعة الجمعة والصلاة الوسطى ووقت الموت مع تجوز تعيين بعض الكبائر كما ورد في الحديث والآيات كما ذكر عن ابن عباس أنها سَبْعَةٌ فقال هي إلى السّبعمائة أقرب. 
### فصل


احتج[(٢٨)](#foonote-٢٨) الكعبيُّ بهذه الآية على القَطْعِ بوعيد أصْحَابِ الكبائرِ قال : لأنَّهُ تعالى بَيَّن أنَّ من اجتنب الكبَائِرَ يكفر عنه سيئاته، فَدَلَّ على أنَّ مَنْ لَمْ يَجْتنبها لم تكفَّرْ عَنْهُ، ولو جَازَ أنْ يغفرَ الكبائِرَ، والصَّغائِرَ، لم يَصِحَّ هذا الكلامُ. 
**والجوابُ مِنْ وُجُوهٍ :**
الأوَّلُ : إنكم إما أن تستدِلوا بأن تخصيص الشيء بالذكر يدل على نفي الحكم عما عداه، فذلك باطل عِندْ المُعتزِلَةِ، وعِنْدَنَا دلالتُهُ ظَنيَّةٌ ضعيفةٌ. 
وإما أن تستدلوا به من حيث أنَّ المعلق على الشيء بكلمة " إن " عدم عند عدم ذلكَ، فهذا أيضاً ضعيفٌ لقوله تعالى : وَاشْكُرُواْ نِعْمَتَ اللَّهِ إِن كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ  \[ النحل : ١١٤ \] والشكر واجب مطلقاً ولقوله تعالى  فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُم بَعْضاً فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ  \[ البقرة : ٢٨٣ \] وأداء الأمانة واجب مطلقاً ولقوله تعالى : فَإِن لَّمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ  يجوزُ شهادَتُهُم مع وُجُودِ الرِّجَالِ وقوله : وَلَمْ تَجِدُواْ كَاتِباً فَرِهَانٌ مَّقْبُوضَةٌ  \[ البقرة : ٢٨٣ \]،  وَلاَ تُكْرِهُواْ فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّناً 
\[ النور : ٣٣ \]،  وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُواْ فِي الْيَتَامَى فَانكِحُواْ مَا طَابَ لَكُمْ مِّنَ النِّسَاءِ 
\[ النساء : ٣ \]. 
وقوله  أَن تَقْصُرُواْ مِنَ الصَّلاَةِ إِنْ خِفْتُمْ أَن يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُواْ إِنَّ الْكَافِرِينَ 
\[ النساء : ١٠١ \]. 
 فَإِن كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ  \[ النساء : ١١ \]
 إِن يُرِيدَا إِصْلاَحاً يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا  \[ النساء : ٣٥ \]،  وَإِن يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلاًّ مِّن سَعَتِهِ  \[ النساء : ١٣٠ \]. 
وهذا كُلُّهُ يَدُلُّ على العدمِ بهذا الكلامِ، والعَجَبُ أنَّ القَاضِي عَبْدَ الجبَّارِ لا يرى أنَّ المعلّق على الشَّيءِ كلمة " إنْ " عدمٌ عنه العدمِ، واسْتَحْسنَ في التَّفْسير[(٢٩)](#foonote-٢٩) استدلاله على الكفر به١ سقط في ب..
٢ انظر: المحرر الوجيز ٢/٤٣، والبحر المحيط ٣/٢٤٣، والدر المصون ٢/٣٥٤..
٣ السابق..
٤ السابق..
٥ انظر: السبعة ٢٣٢، والحجة ٣/١٥٣، وحجة القراءات ١٩٩، والعنوان ٨٤، وإعراب القراءات ١/١٣٢، وشرح الطيبة ٤/٢٠٣ ـ ٢٠٤، وشرح شعلة ٣٣٨، وإتحاف ١/٥٠٩..
٦ آية ٨٠..
٧ أخرجه البخاري (١١/٥٥٥) كتاب الأيمان والنذور (٦٦٧٥)، (١٢/٢٦٤) رقم (٦٩٢٠) والترمذي (٥/٢٢٠) كتاب التفسير باب سورة النساء (٣٠٢١) والنسائي كتاب تحريم الدم باب ذكر الكبائر والقسامة من طريق الشعبي عن عبد الله بن عمرو مرفوعا وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح..
٨ أخرجه البخاري كتاب الأدب باب عقوق الوالدين رقم (٥٩٧٧) ومسلم كتاب الإيمان (١٤٣، ١٤٤) وأحمد (٣/١٣١) والبيهقي (١٠/١٢١) عن أنس بن مالك مرفوعا..
٩ أخرجه البخاري كتاب التفسير باب سورة البقرة (٤٤٧٧) وباب سورة الفرقان (٤٧٦١) وكتاب الأدب باب قتل الولد خشية...(٦٠٠١) وفي كتاب المحاربين باب إثم الزناة (٦٨١١) وفي كتاب التوحيد باب: قول الله تعالى فلا تجعلوا الله أندادا حديث (٧٥٢٠) والترمذي (٢/٣٠٥) وأحمد (١/٤٣٤) والبيهقي (٨/١٨) وسعيد بن منصور (٢٣٠٢) والطيالسي (٣، ٤، ٢٢٢٩ ـ منحة) وأبو نعيم في "الحلية" (٤/١٤٥ ـ ١٤٦) من طرق عن أبي وائل عن عمرو بن شرحبيل عن عبد الله بن مسعود به وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح..
١٠ أخرجه البخاري كتاب الوصايا باب قول تعالى: إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما (٢٧٦٦) وفي الطب باب الشرك والسحر (٥٧٦٤) وفي المحاربين باب رمي المحصنات (٦٨٥٧) ومسلم كتاب الإيمان ١٤٥ وأبو عوانة (١/٥٥) وأبو داود (٢٨٧٤) والنسائي (٢/١٣١) والبيهقي (٦/٢٨٤ ـ ٨/٢٠، ٢٤٩ ـ ٩/٧٦) من حديث أبي هريرة..
١١ أخرجه الطبري في "تفسيره" (٨/٢٤٢، ٢٤٣) عن ابن مسعود وذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٢/٢٦٤) وزاد نسبته لعبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر والطبراني وابن أبي الدنيا في "التوبة"..
١٢ سقط في ب..
١٣ أخرجه البخاري (٨/٣) ومسلم (كتاب الإيمان ١٤٦) وأحمد (٢/١٦٤، ١٩٥) والبيهقي (١٠/٢٣٥) وابن أبي شيبة (٩/٨) عن عبد الله بن عمرو..
١٤ أخرجه الطبري في "تفسيره" (٨/٢٤٥) عن ابن عباس وذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٢/٢٦١) وزاد نسبته لابن المنذر وابن أبي حاتم من طريق سعيد بن جبير عنه..
١٥ أخرجه الطبري في "تفسيره" (٨/٢٤٦) من طريق أبي الوليد عن ابن عباس رضي الله عنه..
١٦ ينظر: تفسير الرازي ١٠/٦٠..
١٧ سقط في ب..
١٨ في أ: البعض..
١٩ بياض في ب..
٢٠ في أ: كلما..
٢١ في أ: فلهذا..
٢٢ في ب: الثالث..
٢٣ في أ: العقاب..
٢٤ سقط في أ..
٢٥ سقط في ب..
٢٦ ينظر: تفسير الرازي ١٠/٦٢..
٢٧ في أ: بالجملة..
٢٨ في أ: استدل..
٢٩ ينظر: تفسير الرازي ١٠/٦٣..

### الآية 4:32

> ﻿وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ ۚ لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا ۖ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ ۚ وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ ۗ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا [4:32]

**في كيفية النظم وجهان :**
أحدهما : قال القفَّالُ :" لما نَهاهُم في الآية المُتقدِّمَةَ عن أكل الأمْوَالِ بالباطل، وعن قتْلِ النُّفُوسِ، أمرهم في هذه الآيةِ بما سهَّلَ عليهم تَرْكَ هذه المنهيَّاتِ، وهو أن يَرْضَى كُلُّ واحد بِمَا قسَمَ اللَّهُ، فإنَّهُ إذا لم يَرْض، وَقَعَ في الحَسَدِ، وإذا وقع في الحَسَدِ وَقعَ لا مَحَالَة في أخْذِ الأمْوَالِ بالبَاطلِ، وفي قتل النُّفُوسِ ". 
الثَّانِي : أنَّ أخْذ الأمْوَالِ بالبَاطلِ، وقتلَ النُّفُوسِ من أعمال الجَوَارِحِ، فأمر أوَّلاً بتركها ليصيرَ الظَّاهِرُ طاهراً عن الأفعال القبيحة، ثُمَّ أمَرَهُ بعْدَهَا بترك التَّعَرُّضِ لِنُفُوسِ النَّاسِ، وأموالهم بالقَلْب على سَبيلِ الحَسَدِ، ليصيرَ البَاطِنُ أيضاً طاهراً عن الأخلاق الذَّمِيمَةِ. 
### فصل في سبب نزول الآية


قال مُجاهِدٌ :" قالت أمُّ سلمةَ : يا رسُولَ اللَّهِ، إنَّ الرِّجَالَ يَغْزُونَ ولا نَغْزُو، ولهم ضِعْفُ مَا لَنَا مِنَ المِيراثِ، فلو كُنَّا رجالاً غَزَوْنَا كما غَزَوا، وأخذْنَا مِنَ المِيراثِ مثلما أخذُوا ؟ فنزلت هذه الآية " [(١)](#foonote-١). 
وقيل : لمّا جَعَلَ اللَّهُ للذَّكر مِثْلُ حَظِّ الأنثيين في الميراثِ، قالتِ النِّسَاءُ : نَحْنُ أحْوجُ إلى الزِّيَادةِ مِنَ الرِّجَالِ ؛ لأنا ضعفاء، وهم أقْويَاء، وأقدر منا على المَعَاشِ فنزلت الآية. 
وقال قتَادَةُ والسُّدِّيُّ : لما نزل قوله تعالى : لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ  \[ النساء : ١١ \] ؛ قال الرِّجالُ : إنَّ لنرجو أن نُفَضَّل على النِّسَاءِ بحسناتنا في الآخرة، فيكون أجرنا على الضّعف من أجر النِّسَاءِ كما فُضِّلْنَا عليهنَّ[(٢)](#foonote-٢) في الميراثِ في الدُّنْيَا، فقال اللَّهُ تعالى : لِّلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِّمَّا اكْتَسَبُواْ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِّمَّا اكْتَسَبْنَ [(٣)](#foonote-٣) \[ النساء : ٣٢ \]. 
وقيل : أتَتِ امْرَأةٌ إلى النَّبي صلى الله عليه وسلم فقالت : رَبُّ الرِّجَالِ والنِّسَاءِ واحِدٌ، وأنتَ الرَّسُول إليْنَا، وإليهم، وأبونا آدَمُ، وأمُّنا حَوَّاءُ، فما السَّبَبُ في أنَّ اللَّه يَذكُرُ الرِّجَالَ، ولا يَذْكُرُنَا ؛ فنزلت الآية، فقالَتْ : وقد سَبَقَنَا الرِّجَالُ بالجهادِ فمَا لَنَا ؟ فقال صلى الله عليه وسلم :" إنَّ لِلْحَامِلِ مِنْكُنَّ أجْرُ الصَّائِمِ القَائِم، فإذَا ضَرَبَهَا الطَّلْقُ لم يدْر أحدٌ مَا لَهَا مِنَ الأجْرِ، فَإذَا أرْضَعَتْ كَانَ لَهَا بِكُلِّ مَصَّة أَجر إحيَاء نَفْسٍ " [(٤)](#foonote-٤). 
قوله : مَا فَضَّلَ اللَّهُ  " ما " موصولة، أو نكرة موصوفة، والعائدُ الهاء في " بِهِ "، و " بعضكُم " مفعول ب " فَضَّلَ "، و " عَلَى بَعْضٍ " متعلّق به. 
### فصل


قال القرطبِيُّ[(٥)](#foonote-٥) : التَّمني نوع من الإرادَةِ يَتَعلَّقُ بالمستقبلِ، واعْلَم أنَّ الإنسان إذَا شَاهَدَ أنواع الفَضَائِلِ حاصلة لإنسان، ووجد نَفْسَهُ خالياً عن جملتها، أو عن أكثرها، فحينئذٍ يتألَّمُ قلبه، ثُمَّ يعرض هاهنا حالتان :
إحداهما :\[ أن يتمنى \][(٦)](#foonote-٦) زوال تِلْكَ السعادات[(٧)](#foonote-٧) عن ذلك الإنْسَانِ. 
والأخرى : لا يَتمَنَّى ذلك، بَلْ يَتَمنَّى حصول مثلها له. 
فالأوَّلُ هو الحَسَدُ المذْمُومُ، والثَّانِي هو الغِبْطَةُ، فأمّا كون الحسد مذموماً ؛ فلأن اللَّه تعالى لمّا دَبَّر هذا العَالَم، وأفاض أنواع الكَرَمِ عليهم، فمن تمنى زوال ذلك ؛ فكأنه اعْتَرَضَ على اللَّه في فعله، وفي حِكْمَتِهِ، وَرُبَّمَا اعْتَقَدَ في نفسه، أنَّهُ أحَقُّ بتلك النِّعمِ من ذلِكَ الإنْسَانِ، وهذا اعْتِرَاضٌ على اللَّهِ، فيما يلقيه من الكُفْرِ، وفساد الدِّين، وقطعَ المَوَدَّةِ، والمَحَبَّةِ، وَيَنْقَلِبُ ذلك إلى أضداده. 
وأما سبب المنع من الحَسَدِ، فعلى مذهَبِ أهْلِ السُّنَّة، فلأنه تعالى  فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ 
\[ البروج : ١٦ \]،  لاَ يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ  \[ الأنبياء : ٢٣ \]، ولا اعْتراضَ علَيْه في فعله، وعلى مذْهَبِ المُعتزِلَةِ، فلأنه تعالى علاَّم الغيوب، فهو أعرف من خَلْقِهِ بوجوهِ المَصَالِح، ولهذا \[ المعنى \][(٨)](#foonote-٨) قال تعالى :
 وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْاْ فِي الأَرْضِ وَلَكِن يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَّا يَشَاءُ 
\[ الشورى : ٢٧ \]، فلا بد لِكُلِّ عاقل من الرِّضَا بقضاء اللَّهِ، وممَّا يؤكِّدُ ذلك، قوله عليه السلامُ :" لاَ يَخْطبُ الرَّجُلُ علَى خِطبَةِ أخيه، ولا يَسُومُ عَلى سَوْمِ أخيهِ، ولا تَسْألِ المرأةُ طلاقَ أخْتِهَا لتلقي[(٩)](#foonote-٩) مَا فِي إنَائِهَا، فإنَّ الله - تعالى - هُو رَازِقُهَا " [(١٠)](#foonote-١٠) والمقصودُ من كُلِّ ذلِكَ المُبَالَغة في المَنْعِ مِنَ الحَسَدِ. 
وَأمَّا الثَّاني، وهو الغِبْطَةُ، فَمِنَ النَّاسِ من جَوَّزَهُ، ومنعه آخرون قالوا : لأنَّهُ رُبَّمَا كانت تلك النِّعْمَةُ مفسدة في دينِهِ، ومضرّة عليه في الدُّنْيَا، ولذلك لا يجُوزُ للإنْسَانِ أنْ يَقُولَ :" اللَّهُمَّ أعطني دَاراً مثلَ دَارِ فُلانٍ، وزوجةً مِثْلَ زوْجَةِ فُلانٍ، بل ينبغِي أنْ يقُولَ : اللَّهُمَّ أعْطِنِي ما يَكُون صَلاَحاً في دِيني ودنياي، وَمَعادي ومَعَاشي " وإذا تأمَّلَ الإنْسَانُ لم يجد دُعَاءً أحْسَنَ مِمَّا ذكرهُ اللَّهُ في القُرآنِ تعْلِيماً لِعبَادِهِ، وهو قوله تعالى :
 رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ  \[ البقرة : ٢٠١ \]، ولهذا[(١١)](#foonote-١١) قال : وَاسْأَلُواْ اللَّهَ مِن فَضْلِهِ  \[ النساء : ٣٢ \]. 
وأمّا من جوّزه فاسْتَدَلَّ بقوله عليه السلامُ :" لاَ حَسَد إلاَّ في اثْنَتَيْن، رَجُلٍ آتَاهُ اللَّهُ الْقُرآنَ، فَهُو يقُومُ بِهِ آنَاءَ اللَّيْلِ، وأطرافَ النَّهَارِ، وَرَجُلٍ آتَاهُ اللَّهُ مَالاً، فهُوَ يَنُفِقُ مِنْهُ آنَاءَ اللَّيْلِ، وأطرافَ النَّهَارِ " [(١٢)](#foonote-١٢) فمعنى قوله :" لا حسد "، أي : لا غبطة أعظم وأفضل مِنَ الغبْطَةِ في هذين الأمْرَين. 
قال بعضُ العُلَمَاءِ :" النَّهي \[ عن \][(١٣)](#foonote-١٣) التَّمنِّي المذكورِ في هذهِ الآية، هو ما لا يجوزُ تمنِّيه من عَرَضِ الدُّنْيَا، وأشباهها، وأما التَّمني في الأعْمَالِ الصَّالِحَةِ، فحَسَنٌ قال عليه السَّلامُ :" اللَّهُمَّ وَددْتُ أنِّي أحْيَى، ثُمَّ أقتَلُ \[ ثم أحيي ثم أقتل " [(١٤)](#foonote-١٤) \][(١٥)](#foonote-١٥)، وذلك يَدُلُّ على فَضْلِ الشَّهَادةِ على سَائِر أعْمَالِ البِرّ ؛ لأنَّهُ - عليه السلامُ - تمنَّاهَا دون غيرها فرزقه اللَّهُ إيَّاهَا لقوله عليه السلامُ :" مَا زَالَتْ أكْلةَ خيبرٍ تعاودني \[ كُل عامٍ، حتى كان هذا \] أوان انقطاع أبْهري " [(١٦)](#foonote-١٦). 
وفي الصَّحِيح :" إنَّ الشَّهيد يُقالُ لَهُ : تَمَنَّ، فَيقُولُ : أتَمَنَّى أنْ أرجعَ إلى الدُّنْيَا، فأقتَل في سَبيلكَ مَرَّة أخْرَى " [(١٧)](#foonote-١٧) وكان عليه السَّلامُ يتمنى إيمانَ أبي طالب وأبي لهب، وصَنَادِيد قُرَيْشٍ، مع علمه بأنَّهُ لا يكونُ. 
قوله : لِّلرِّجَالِ نَصِيبٌ  قيل : مِنَ الجِهَادِ. 
 وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِّمَّا اكْتَسَبْنَ ، أي : من طَاعَةِ أزواجهن \[ وحفظ فُرُوجهِنَّ \][(١٨)](#foonote-١٨). 
وقيل : ما قدر لهن من الميراث، يجبُ أن يرضوا به، ويتركوا الاعتراض[(١٩)](#foonote-١٩) نهى اللَّهُ - عزَّ وجلَّ - عن التَّمنِّي على هذا الوجه لما فيه من دَوَاعِي الحَسَدِ، ولأنَّ اللَّه - عزّ وجلّ - أعلم بمصالحهم منهم ؛ فوضَعَ القِسْمَةَ بينهم مُتَفَاوِتَةً على حَسْبِ ما علم مِنْ مصالِحِهمْ ويكونُ الاكتساب بمعنى : الإصَابَةِ. 
وقيل : ما يَسْتَحِقُّوهُ من الثَّواب في الآخِرَةِ. 
وقيل :\[ المرادُ \][(٢٠)](#foonote-٢٠) الكلُّ ؛ لأنَّ اللَّفْظَةَ محتملة ولا منافاة. 
### فصل : إثبات الهمزة في الأمر من السؤال


الجمهورُ على إثْباتِ الهمْزَةِ في الأمرِ من السُّؤالِ الموجه نحو المخاطب، إذا تَقدَّمَهُ واو، أو فاء نحو : فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ  \[ يونس : ٩٤ \]،  وَاسْأَلُواْ اللَّهَ مِن فَضْلِهِ  \[ النساء : ٣٢ \]، وابن كثير، والكسَائِي بنقل حركة الهمْزَة إلى السِّين تخفيفاً لكثرة استعماله. فإن[(٢١)](#foonote-٢١) لم تتقدَّمه واو، ولا فاء، فالكًُلُّ على النقل نحو : سَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ 
\[ البقرة : ٢١١ \]، وإن كان لغائب، فالكُلُّ على الهمز نحو : وَلْيَسْأَلُواْ مَا أَنفَقُواْ 
\[ الممتحنة : ١٠ \]. 
وَوَهِمَ ابْنُ عَطيَّة[(٢٢)](#foonote-٢٢)، فنقل اتِّفَاقَ القُرَّاءِ على الهَمْزِ في نحو : وَاسْأَلُواْ مَا أَنفَقْتُمْ 
\[ الممتحنة : ١٠ \]، وليس اتفاقهم في هذا، بل في  وليسألوا ما أنفقوا  كما تقدَّم. 
وتخفيف الهَمْزَةِ لغةُ الحِجَازِ، ويحتملُ أن يكُون ذلك من لغة من يقُولُ " سَالَ يَسَالُ " بألف مَحْضَةٍ، وقد تقدَّمَ تحقيق ذلك[(٢٣)](#foonote-٢٣)، وهذا إنَّمَا يتأتى في " سَلْ "، و " فَسَلْ " وأمّا " وسَألوا "، فلا يَتَأتَّى فيه ذلك ؛ لأنَّهُ كان ينبغي أنْ يُقَالَ : سالوا كَخَافُوا، وقد يُقَالُ : إنَّهُ التزم الحذف لكثرة الورود، وقد تقدّم في البَقَرة عند  سَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ  \[ البقرة : ٢١١ \]. 
وهو يَتعَدَّى لاثْنَيْنِ، والجلالة مفعول أوّل، وفي الثَّاني قولان :
أحدهما : أنَّهُ محْذُوفٌ، فقدَّره ابْنُ عطيَّة[(٢٤)](#foonote-٢٤) :" أمانيَّكم " وقدّره أبُو عليِّ الفارسِيُّ وغيره[(٢٥)](#foonote-٢٥) : شيئاً مِنْ فَضْلِه، فحذفَ المَوْصُوف، وأبْقَى صِفَتَهُ نحو :" أطعمته من اللحم "، أي : شيئاً منه، و " مِنْ " تبعيضيَّة. 
والثَّاني : أن " مِنْ " زائدة، والتَّقديرُ :" واسألوا الله فَضْلَهُ "، وهذا إنَّما يَتَمَشَّى على رَأي الأخْفَشِ لفقدان الشَّرْطَيْنِ، وهما تنكيرُ المجْرُورِ، وكون[(٢٦)](#foonote-٢٦) الكلام \[ غير موجب \][(٢٧)](#foonote-٢٧). 
### فصل


قال عليه السلامُ :" سَلوا اللَّه مِنْ فَضْلِه، فإنَّهُ يحِبُ أنْ يُسْألَ، وأفْضَلُ العِبَادَةِ انْتِظَارُ الفَرَج " [(٢٨)](#foonote-٢٨)، وقال - عليه السلامُ - :" مَنْ لَمْ يَسْألِ اللَّهَ يَغْضَبْ عليْهِ " [(٢٩)](#foonote-٢٩). 
وقال القُرْطُبِيُّ[(٣٠)](#foonote-٣٠) :" وهذا يَدُلُّ على أنَّ الأمْرَ بالسُّؤالِ للَّهِ تعالى واجبٌ، وهذه الآية تَدُلُّ على أنَّ الإنسَانَ لا يجوزُ له أنْ يعيِّن شيئاً في الدُّعَاءِ، والطَّلب، ولكن يَطْلُبُ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ - تعالى - ما يكُونُ سبباً لصلاحِ دينهِ ودُنْيَاهُ ". ثُمَّ قَالَ  إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً  ومعناه : أنَّهُ العالم بما يكونُ صلاحاً للسَّائِلينَ. 
١ أخرجه الترمذي (٤/٨٨) والحاكم (٢/٣٠٥ ـ ٣٠٦) وأحمد (٦/٣٢٢) والطبري في "تفسيره" (٨/٢٦٢) والواحدي في أسباب النزول" ص (١١٠) عن مجاهد عن أم سلمة.
 وأعله الترمذي فقال: هذا حديث مرسل ورواه بعضهم عن ابن أبي نجيح عن مجاهد مرسلا: أن أم سلمة قالت كذا...
 وقال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين إن كان سمع مجاهد من أم سلمة ووافقه الذهبي على تصحيحه.
 والخبر ذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٢/٢٦٦) وزاد نسبته لعبد الرزاق وعبد بن حميد وسعيد بن منصور وابن المنذر وابن أبي حاتم.
 وذكره أبو الليث السمرقندي في "بحر العلوم" (١/٣٥٠)..
٢ في ب: علهم..
٣ أخرجه الطبري في "تفسيره" (٨/٢٦٤) عن السدي وذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٢/٢٦٧) وزاد نسبته لابن أبي حاتم..
٤ انظر: "التفسير الكبير" للفخر الرازي (١٠/٣٢)..
٥ ينظر: تفسير القرطبي ٥/١٠٧..
٦ سقط في أ..
٧ في أ: السعادة..
٨ سقط في أ..
٩ في ب: لتكفأ..
١٠ روي هذا الحديث مجزأ خرج الشطر الأول منه البخاري (٩/١٠٥) كتاب النكاح: باب لا يخطب على خطبة أخيه (٥١٤٢) ومسلم (٢/١٠٢٩) كتاب النكاح: باب تحريم الجمع (٣٨ ـ ١٤٠٨) ومالك (٢/٥٢٣) عن أبي هريرة.
 وأخرج الشطر الثاني منه مسلم (٤/١٣٨ ـ ١٣٩) والنسائي (٢/٢١٦) وابن ماجه (٢١٧٢) والبيهقي (٥/٣٤٤) وأحمد (٢/٤٨٧) والبغوي في "شرح السنة" (٤/٢٨٧) من طريق سعيد بن المسيب عن أبي هريرة مرفوعا.
 وأخرج الشطر الأخير منه البخاري (٩/١٢٦) كتاب النكاح: باب الشروط التي لا تحل في النكاح (٥١٥٢)، (١١/٥٠٢) كتاب القدر: باب وكان أمر الله قدرا مقدورا (٦٦٠١) ومسلم (٢/١٠٢٩) كتاب النكاح: باب تحريم الجمع بين المرأة وعمتها أو خالتها في النكاح (٣٨، ٣٩/١٤٠٨)..
١١ في أ: لذلك..
١٢ أخرجه البخاري فضائل القرآن: باب اغتباط صاحب القرآن حديث (٥٠٢٥، ٧٥٢٩) ومسلم (١/٥٥٨) كتاب صلاة المسافرين باب فضل من يقوم بالقرآن ويعلمه (٢٦٦/٨١٥)..
١٣ سقط في ب..
١٤ تقدم..
١٥ سقط في أ..
١٦ ذكره بهذا اللفظ المتقي الهندي في "كنز العمال" رقم (٣٢١٨٩) وعزاه لابن السني وأبي نعيم كلاهما في "الطب" عن أبي هريرة..
١٧ الحديث ذكره القرطبي في "تفسيره" (٥/١٦٣)..
١٨ سقط في ب..
١٩ في أ: لأغراض..
٢٠ سقط في أ..
٢١ في أ: فإذا..
٢٢ ينظر: المحرر الوجيز ٢/٤٥..
٢٣ آية ٢١١..
٢٤ ينظر: المحرر الوجيز ٢/٤٥..
٢٥ ينظر: الدر المصون ٢/٣٥٥..
٢٦ في ب: تكوين..
٢٧ سقط في ب..
٢٨ أخرجه بهذا اللفظ الطبري في "تفسيره" (٨/٢٦٨) عن حكيم بن جبير عن رجل لم يسمه عن النبي صلى الله عليه وسلم وأخرجه الترمذي (٥/٥١٤) رقم (٣٥٧١) من طريق بشر بن معاذ العقدي عن حماد بن واقد عن إسرائيل عن أبي إسحق عن أبي الأحوص عن عبد الله بن مسعود مرفوعا دون ذكر: وإن من أفضل العبادة انتظار الفرج وقال الترمذي: هكذا روى حماد بن واقد هذا الحديث وحماد بن واقد ليس بالحافظ وروى أبو نعيم هذا الحديث عن إسرائيل عن حكيم بن جبير عن رجل لم يسمه عن النبي صلى الله عليه وسلم وحديث أبي نعيم أشبه أن يكون أصح.
 والحديث عزاه ابن كثير في "تفسيره" (٢/٤٣٠) لابن مردويه من حديث قيس بن الربيع عن حكيم بن جبير عن سعيد بن جبير عن ابن عباس مرفوعا..
٢٩ أخرجه الترمذي (٣٣٧٣) والبخاري في "الأدب المفرد" (٦٥٨) من طريق أبي صالح عن أبي هريرة مرفوعا..
٣٠ ينظر: تفسير القرطبي ٥/١٠٨..

### الآية 4:33

> ﻿وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ ۚ وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدًا [4:33]

" جعلنا " فيه سِتَّةُ أوْجُهٍ، وذلك يَسْتَدْعِي مقدِّمَةً قبله، وَهُوَ أنّ " كُلّ " لا بدَّ لَهَا مِنْ شَيْءٍ تُضَافُ إليْهِ. 
قال القُرْطُبِيُّ[(١)](#foonote-١) :" كُلّ " في كلام العربِ مَعْناهَا : الإحَاطَةُ والعموم، فإذا جَاءَتْ مُفْرَدَة، فلا بدَّ وأن يكُونَ في الكَلاَمِ حَذْفٌ عند جميع النحويين ". 
واختلفوا في تقديرهِ : فقيل تقدِيرُهُ : ولكلِّ إنسان. 
وقيل : لِكُلِّ مال، وقيل : لِكُلِّ قوم، فإنْ كانَ التَّقْديرُ : لكل إنسان، ففيه ثلاثة أوجه :
أحدُهَا : وَلِكُلِّ إنسانٍ موروثٍ[(٢)](#foonote-٢) جعلنا موالي، أي : وُرَّاثاً مِمَّا تَرَكَ، ففي " تَرَكَ " ضميرٌ عائد على " كُلّ "، وهنا تمّ الكلام. 
وقيل : تَقْدِيرُهُ : ويتعلق " مِمَّا تَرَك " ب " مَوَالي " لما فيه من معنى الوراثة، و " موالي " : مَفْعُولٌ أوَّ ل " جَعَلَ "، و " جَعَلَ " بمعنى :" صَيَّر "، و " لِكُلّ " جار ومجرور هو المفعول الثَّاني، قُدِّم على عامِلِهِ، ويرتفع " الوِلْدَان " على خبر مبتدأ محذوف، أو بفعل مقدّر، أي : يرثون مما \[ ترك \][(٣)](#foonote-٣)، كأنه قيل : ومَنْ الوارثُ ؟ فقيل : هم الوَالِدَان والأقْرَبُون، والأصل :" وجعلنا لكل ميت وراثاً يرثون مما تركه هم الوالدان والأقربون ". 
والثَّانِي : أنَّ التَّقديرَ : ولكلِّ إنْسَانٍ موروث، جعلنا وراثاً مما ترك ذلك الإنسان. ثُمَّ بين الإنْسَان المضاف إليه " كُلّ " بقوله : الْوَالِدَانِ ، كأنه قيل : ومن هو هَذَا الإنسان الموروث ؟ فقيل[(٤)](#foonote-٤) : الوالدان والأقربُونَ، والإعراب كما تقدَّمَ في الوَجْهِ قَبْلَهُ، إنَّمَا الفرقُ بينهما أنَّ الوالِدَيْنِ في الأوَّلِ وارثون، وفي الثانِي مورثون، وعلى هذيْنِ الوجْهَيْنِ فالكلامُ جُمْلَتَانِ، ولا ضميرَ، محذُوف في " جعلنا "، و " موالي " مفعول أول، و " لكل " مفعول ثان. 
الثَّالِثُ : أن يكُونَ التَّقدِيرُ : ولكل إنسان وارِث ممَّن[(٥)](#foonote-٥) تركُ الولِدَانِ والأقْرَبُون جعلنا موالي، أي : موروثين، فَيُراد بالمَولى : الموْرُوثُ، ويرتفع " الوالدان " ب :" ترك "، وتكون " مَا " بمعنى " مَنْ "، والجارّ، والمجرورُ صِفَةٌ للمضاف إليه " كُلّ "، والكلامُ على هذا جُمْلَةٌ واحِدَةٌ، وفي هذا بُعْدٌ كبير. 
الرَّابعُ : إذا كان التَّقديرُ وَلِكُلِّ قوْمٍ، فالمعنى : ولكل قوم جعلناهم مَوَالي نصيبٌ مِمَّا تَرَكَهُ والدُهم[(٦)](#foonote-٦) وأقربوهم، ف " لكل " خبر مقدّم، و " نَصِيب " مُبْتَدَأٌ مُؤخَّرٌ، و " جعلناهم " صفة لقوم، والضَّمِيرُ العَائِدُ عليهم مفعولُ :" جعل "، و " موالي " : إما ثانٍ وإمّا حالٌ، على أنَّهَا بمعنى " خلقنا "، و " مما ترك " صفةٌ للمبتدأ، ثم حُذف المُبْتَدَأ، وبقيت صفته، \[ وحُذِفَ المُضَافُ إليه " كُلّ " وبقيت صفته أيضاً \][(٧)](#foonote-٧)، وحُذف العَائِدُ على المَوْصُوفِ. 
ونظيره : لِكُلِّ خَلَقَهُ اللَّه إنْسَاناً مِنْ رِزْقِ اللَّه، أي : لِكُلِّ أحدٍ خلقه اللَّه إنْسَاناً نَصِيبٌ من رزقِ اللَّهِ. 
الخَامِسُ : إنْ كَانَ التَّقدِيرُ : ولكلِّ مالٍ، فقالوا : يكون المعنى : ولكلِّ مال مِمَّا تركه الوالدانِ والأقربون جعلنا موالي، أي : وُرَّاثاً يلونه، ويحوزونه، وجعلوا " لِكُلّ " متعلقة : ب " جَعَلَ "، و " مِمَّا ترك " صفة ل " كُلّ "، والوالدان فَاعِلٌ ب " تَرَكَ "، فيكونُ الكلامُ على هذا، وعلى الوجهين قبله كلاماً واحداً، وهذا وإنْ كَانَ حَسَناً، إلاّ أنَّ فيه الفَصْلَ بين الصِّفَةِ والموْصُوفِ بجملةٍ عامِلَةٍ في الموْصُوفِ. 
قاتل أبُو حَيَّان[(٨)](#foonote-٨) :" وهو نظير قولك : بكُلِّ رَجُلٍ مَرَرْتُ تميميٍّ وفي جواز ذلك نَظَرٌ ". 
قال شهَابُ الدِّينِ[(٩)](#foonote-٩) :" ولا يحتَاجُ إلى نَظَرٍ ؛ لأنَّهُ قد وُجِدَ الفصلُ بَيْنَ الموْصُوفِ والصِّفَةِ بالجملةِ العَامِلَةِ في المُضَافِ إلى المَوصُوفِ، كقوله تعالى :
 قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيّاً فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ  \[ الأنعام : ١٤ \] ف  فَاطِرِ  صفة ل  اللَّه ، وقد فُصِلَ \[ بينهما \][(١٠)](#foonote-١٠) ب  أَتَّخِذُ  العامل في  أَغَيْرَ  فهذا أولى ". 
السَّادسُ : أنْ يكُونَ لكلِّ \[ مال \][(١١)](#foonote-١١) مفعولاً ثانياً ل " جعَلَ " على أنَّها تصييرية[(١٢)](#foonote-١٢)، و " مَوَالي " مفعول أوَّل، والإعرابُ على ما تقدَّمَ.

### فصل


 " المَولى " لفظ مُشْتَرَكٌ بيْنَ مَعَانٍ :
أحدها : المعتِقُ ؛ لأنَّهُ ولي نعمة من أعتقه، ولذلك سمي مولى النعمة. ثانيها : الْعَبْدُ المُعْتَقُ لاتِّصَالِ ولايَةِ مَوْلاَهُ به في إنْعَامِه عليه، وهذا كما سُمِّيَ الطَّالِبُ غرِيماً ؛ لأنَّ له اللُّزُوم والمطالبة بحقِّه، ويسمَّى المطلوب غريماً، لِكونِ الدِّينِ لازِماً له. 
وثالثها : الحليفُ ؛ لأنَّ المحالف يلي أمْرَهُ بِعَقْدِ اليَمينِ. 
ورابعُهَا : ابْنُ العَمِّ ؛ لأنَّهُ يليه بالنُّصْرَةِ. 
وخامسها : المولى[(١٣)](#foonote-١٣) لأنَّ يليه بالنُّصْرَةِ، قال تعالى : ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُواْ وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لاَ مَوْلَى لَهُمْ  \[ محمد : ١١ \]. 
سادسُهَا : العَصَبَةُ، وهو المُرادُ بهذه الآية ؛ لقوله عليه السلامُ :" أنا أوْلَى بالمؤمنينَ، مَنْ مَات وتَرَكَ مالاً، فَمَالُهُ لمَوَالِي الْعَصَبَةِ، ومَنْ ترك ديناً ؛ فأنَا وَلِيُّه " [(١٤)](#foonote-١٤). 
وقال عليه السلامُ :" ألْحِقُوا الفَرَائِضَ بأهْلِهَا، فَمَا بَقِيَ فللأوْلَى عصبَةٍ ذكر " [(١٥)](#foonote-١٥). 
قوله  وَالَّذِينَ عَقَدَتْ  في محلّهِ أربعة أوجهٍ :
أحدُهَا : أنَّهُ مُبْتدأ والخبر قوله :" فآتوهم " \[ ودخلت الفاء في الحيز لتضمن الذي معنى الشرط \][(١٦)](#foonote-١٦). 
الثَّاني : أنَّهُ منصوبٌ على الاشْتِغالِ بإضمار فعلٍ، وهذا أرجحُ مِنْ حَيْثُ إنَّ بَعْدَهُ طلباً. 
والثَّالِثُ : أنَّهُ مرفوعٌ عطفاً على  الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ ، فإن أريدَ بالوالدين أنَّهُم موروثون، عادَ الضَّميرُ من " فآتوهم " على " موالي " وإن أُريد أنَّهُم وَارِثُون جازَ عودُه على " موالي " وعلى الوالدَيْنِ وما عُطِفَ عليهم. 
الرَّابِعُ : أنَّهُ منصوب عطفاً على " موالي ". 
قال أبُو البَقَاءِ[(١٧)](#foonote-١٧) :\[ أي :\][(١٨)](#foonote-١٨) " وجعلنا الذين عاقدتْ وُرّاثاً ؛ وكان ذلك ونسخ "، وردّ عليه أبُو حَيَّان[(١٩)](#foonote-١٩) بِفَسَادِ العطْفِ، قال : فإن جُعِل من عطْفِ الجُمَل، وحُذِفَ المفعولُ الثَّاني لدلالة المعنى عليه أمكن ذلك أيْ : جعلنا وُرَّاثاً لكلِّ شَيْءٍ من المال، أو لِكُلِّ إنسان، وجَعلنَا الذِينَ عاقَدَتْ أيمانكم وراثاً وفيه بعد ذلِكَ تَكَلُّفٌ. 
انتهى. 
وقرأ عاصمٌ وحمْزَةُ والكسَائِيُّ[(٢٠)](#foonote-٢٠) :" عقدت " والباقون :" عاقدت " بألف وروي عن حمزة التَّشديد في " عقدت "، والمفاعلة هنا ظَاهِرَةٌ ؛ لأنَّ المَرَادَ المخالفة. 
والمفعولُ محذوفٌ على كُلٍّ من القِرَاءاتِ، أي : عاقدْتَهم أو عَقَدْتَ حِلْفهم، ونسبة المُعاقَدَةِ، أو العَقْدِ إلى الأيمان مجاز، سوَاءٌ أُريد بالأيْمَانِ الجَارِحَة، أم القَسمُ. 
وقيل : ثمَّ مُضافٌ محذوفٌ، أي : عقدت ذَوُو أيْمَانِكُم. 
### فصل في :" معنى المعاقدة والأيمان " 


المُعَاقَدَةُ المُحالَفَةُ، والأيْمَانُ جمع يَمينٍ من اليد والقسَمِ، وذلك أنَّهُم كانُوا عند المُحالَفَةُ يأخذُ بعضهُمُ يدَ بَعْضٍ، على الوفَاءِ \[ والتمسك \][(٢١)](#foonote-٢١) بالعهد. 
### فصل الخلاف في نسخ الآية


قال بعضهم : إنَّ هذه الآية مَنْسُوخَةٌ، واسْتدلُّوا على ذلك[(٢٢)](#foonote-٢٢) بوجوه :
أحدها[(٢٣)](#foonote-٢٣) : أنَّ الرَّجُلَ كان في الجاهلِيَّةِ يُعَاقِدُ غيْرَهُ، فيقُولُ :" دَميَ دمُكَ وسِلْمِي سِلْمُك، وَحَرْبِي حَرْبُكَ، وترثُنِي[(٢٤)](#foonote-٢٤) وَأرِثُك، وَتَعْقِلُ عَنِّي، وأعْقِلُ عنك "، فيَكُونُ لهذا الحليف السّدس \[ من \][(٢٥)](#foonote-٢٥) الميراثِ، فذلك قوله :" فآتوهم نصيبهم "، فنُسِخ ذلك بقوله :
 وَأْوْلُواْ الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ  \[ الأنفال : ٧٥ \]، وبقوله :
 يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلاَدِكُمْ  \[ النساء : ١١ \]. 
وثانيها : أنَّ الرَّجُلَ كانَ يتَّخِذُ أجنبياً فيجعله[(٢٦)](#foonote-٢٦) ابْناً له، وَهُمُ المُسَمُّوْنَ بالأدْعِيَاء في قوله تعالى : أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ ، وكانوا يتوارثون بذلك، ثم نُسِخَ. 
وثالِثُهَا : أنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم كان يُثْبِتُ المؤاخاة بيْنَ الرَّجلين مِنْ أصحابِهِ، وكان ذلك سَبَباً للِتَّوَارُثِ، ثم نسخ. 
وقال آخرُونَ : الآيةُ غير مَنْسُوخَةٍ. 
وقال إبْراهيمُ ومُجاهِدٌ : أرادَ :" فآتوهم نصيبهم من النصر والرفادة ولا ميراث " [(٢٧)](#foonote-٢٧). 
وقال الجبَّائِيُّ[(٢٨)](#foonote-٢٨) : تقدير الآية :" ولكل شيء مما ترك الوالدان والأقربون "،  والذين عاقدت أيمانكم  معطوف على قوله : الوالدان والأقربون ، وسمى اللَّهُ تعالى الوارث مولى، والمعنى : لا تَدفعُوا المالَ إلى الحليفِ، بل للمولى، والْوَارِثِ. 
وقال آخرون[(٢٩)](#foonote-٢٩) : المُرادُ ب  الذين عاقدت أيمانكم  الزَّوْجُ، والزَّوْجَةُ، فأراد عقد النِّكاح قال تعالى  وَلاَ تَعْزِمُواْ عُقْدَةَ النِّكَاحِ  \[ البقرة : ٢٣٥ \] وهو قول أبِي مُسْلِم الأصفهانيَّ قال : ونظيره آية المواريث، لما بَيَّنَ آية ميراث الوالدَيْنِ، ذكر معهم ميراثَ الزَّوْجِ، والزَّوْجَةِ. 
وقيل : أراد بقوله : الذين عاقدت أيمانكم  : الميراث بِسَبَبِ \[ الوَلاَء \][(٣٠)](#foonote-٣٠) وقيل :" نزَلَتِ الآيةُ في أبِي بكرٍ الصِّدِّيق، وابنه عبد الرَّحْمن، أمره اللَّه أن يؤتيه نَصِيبَهُ " [(٣١)](#foonote-٣١). 
وقال الأصمُّ[(٣٢)](#foonote-٣٢) : المُرادُ بهذا النَّصِيب على سبيل الهِبَةِ، والهديَّة بالشيءِ القَلِيلِ كأمره تعالى لمن[(٣٣)](#foonote-٣٣) حَضَرَ القِسمَةَ أن يجعل لَهُ نصيباً كما تقدّم. 
### فصل الخلاف في إرث المولى الأسفل من الأعلى


قال جمهور الفُقَهَاءِ[(٣٤)](#foonote-٣٤) :" لا يَرثُ المَولى الأسْفَل من الأعلى ". 
وحكى الطَّحَاوِيُّ عن الحسن[(٣٥)](#foonote-٣٥) بنِ زيادٍ أنَّهُ قال :" يَرِثُ "، لما روى ابن عباس - رضي الله عنه - أنَّ رجُلاً أعتق عبداً له ؛ فَمَاتَ المُعْتِق، ولم يترك إلا المُعتَق[(٣٦)](#foonote-٣٦)، فجعل رسُول اللَّه صلى الله عليه وسلم ميراثه للغلام المعتق ولأنَّهُ داخلٌ[(٣٧)](#foonote-٣٧) في عموم قوله : والذين عاقدت أيمانهم فآتوهم نصيبهم . 
وأجيب بأنه لَعَلّ[(٣٨)](#foonote-٣٨) ذلك لما صار لبيت المال دفعه النبي صلى الله عليه وسلم إلى الغُلامِ لحاجته، وفقره ؛ لأنه كانَ مالاً لا وارث لَهُ، فَسَبيلُهُ أن يُصرف إلى الفُقَرَاءِ. 
ثم قال تعالى \[ 
 إِنَّ اللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ  \[ النساء : ٤٨ \] ثم قال \][(٣٩)](#foonote-٣٩)  إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيداً ، وهذه كلمة وعد للمطيعين، ووعيد لِلْعُصَاةِ، والشَّهِيدُ الشَّاهد، والمرادُ إمّا[(٤٠)](#foonote-٤٠) علمه تعالى بجميع المَعْلُومَاتِ، فيكونُ المُرَادُ بالشَّهيدِ العالم، وإمّا شهادته على الخلق يَوْمَ القِيامَةِ، فالمُرَادُ بالشَّهيدِ المخبر. 
١ ينظر: تفسير القرطبي ٥/١٠٩..
٢ في ب: مورث..
٣ سقط في أ..
٤ في أ: فقال..
٥ في ب: فمن..
٦ في ب: والدوهم..
٧ سقط في ب..
٨ ينظر: البحر المحيط ٣/٢٤٧..
٩ ينظر: الدر المصون ٢/٣٥٦..
١٠ سقط في ب..
١١ سقط في ب..
١٢ في ب: تصير به..
١٣ في أ: الناصر..
١٤ أخرجه البخاري (٣/٥٥٧) في الكفالة: باب الدين (٢٢٩٨) وفي الاستقرض (٥/٧٥) باب الصلاة على من ترك دينا (٢٣٩٨، ٢٣٩٩) وفي "التفسير" (٨/٣٧٦) باب سورة الأحزاب (٤٧٨١) وفي النفقات (٩/٤٢٥) باب قوله صلى الله عليه وسلم: من ترك كلا أو ضياعا فإلي (٥٣٧١) وفي الفرائض (١٢/١١) باب قوله صلى الله عليه وسلم من ترك مالا فلأهله (٦٧٢١) وفي باب ميراث الأسير (٦٧٦٣) ومسلم (٣/١٢٣٧) كتاب الفرائض باب من ترك مالا فلورثته (١٤/١٦١٩) من حديث أبي هريرة..
١٥ أخرجه البخاري (١٢/١١) كتاب الفرائض: باب ميراث الولد من أبيه وأمه (٦٧٣٢) وباب ميراث ابن الابن إذا لم يكن ابن (٦٧٣٥) وباب ميراث الجد مع الأب والإخوة (٦٧٣٧) وباب ابني عم أحدهما أخ للأم والآخر زوج (٦٧٤٦) ومسلم (٣/١٢٣٣) كتاب الفرائض: باب ألحقوا الفرائض بأهلها (٢/١٦١٥).
 وأبو داود (٢٨٩٨) والدرامي (٢/٣٦٨) وابن ماجه (٢٧٤٠) وابن الجارود في "المنتقى" (٩٥٥) والطحاوي في "شرح معاني الآثار" (٢/٤٢٥، ٤٢٦) والبيهقي (٦/٢٣٨، ٢٣٩) وأحمد (١/٢٩٢، ٣١٣، ٣٢٥) من طرق عن عبد الله بن طاوس عن أبيه عن ابن عباس مرفوعا..
١٦ سقط في أ..
١٧ ينظر: الإملاء ١/١٧٨..
١٨ سقط في ب..
١٩ ينظر: البحر المحيط ٣/٢٤٨..
٢٠ انظر: السبعة ٢٣٣، والحجة ٢/١٥٦، وحجة القراءات ٢٠١، والعنوان ٨٤، وإعراب القراءات ١/١٣٣، وشرح الطيبة ٤/٢٠٤، وشرح شعلة ٣٣٩، وإتحاف ١/٥١٠..
٢١ سقط في أ..
٢٢ في أ: واستدل..
٢٣ في أ: أولها..
٢٤ في أ: وارثني..
٢٥ سقط في ب..
٢٦ في أ: خليا..
٢٧ أخرجه الطبري في "تفسيره" (٨/٢٧٨، ٢٧٩) عن مجاهد وذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٢/٢٦٩) وزاد نسبته للفريابي وعبد بن حميد وسعيد بن منصور والنحاس في "ناسخه"..
٢٨ ينظر: تفسير الرازي ١٠/٦٩ ـ ٧٠..
٢٩ ينظر: تفسير الرازي ١٠/٧٠..
٣٠ سقط في أ..
٣١ انظر: تفسير الرازي ١٠/٧٠..
٣٢ ينظر: تفسير الرازي ١٠/٧٠..
٣٣ في أ: لما..
٣٤ ينظر: تفسير الرازي ١٠/٧٠..
٣٥ في ب: حسن..
٣٦ في ب: العتيق..
٣٧ في ب: ولد خولة..
٣٨ في ب: فعل..
٣٩ سقط في ب..
٤٠ في ب: ما..

### الآية 4:34

> ﻿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ ۚ فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ ۚ وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ ۖ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا ۗ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا [4:34]

وجه النَّظْم : أنَّ النِّسَاءَ لمّا تَكلَّمْنَ في تَفْضيل \[ الله \] الرِّجال[(١)](#foonote-١) عليهن في الميراثِ ؛ بيَّن في هذه الآيَةِ أنَّهُ إنَّمَا فضَّل الرِّجَال على النِّسَاءِ في الميراث ؛ لأنَّ الرِّجالَ قوَّامون على النساء[(٢)](#foonote-٢) ؛ فهم وإن اشْترَكُوا في اسْتِمْتَاعِ كُلّ واحدٍ منهم بالآخر، فاللَّهُ أمَرَ الرِّجَالَ بالْقِيَامِ عليهنَّ والنفقة، ودفع المَهْرِ إليهنَّ. 
وَالْقَوَّامُ، والقَيِّمُ[(٣)](#foonote-٣) بمعنى واحد، والقوام أبْلَغُ، وهو القيم[(٤)](#foonote-٤) بالمصالح، والتَّدْبِيرِ، والتَّأدِيبِ، والاهتمام بالْحِفْظِ. 
قال مُقَاتِلٌ :" نزلت في سَعْد بْنِ الرَّبيعِ، وكان من النقباء وفي امرأته حبيبةَ بِنْتِ \[ زَيْدِ ابْنِ خارجة بن أبي زهير \]. 
وقال ابْنُ عَبَّاس، والكلْبِيُّ :" امرأته عَميرَةُ بِنْتُ محمد بْن مَسْلَمةَ، وذلك أنَّها نَشَزَتْ عليه، فَلَطَمَهَا، فانْطلقَ أبُوها معها إلى النَّبي صلى الله عليه وسلم فقال : أفَرْشْتُهُ كريمَتِي فلطمَهَا، وإنَّ أثَرَ اللَّطْمَةِ بَاقٍ في وَجْهِهَا، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : اقتصِّي منه ثم قال : اصبري حتى أنظر، فنزلت هذه الآية، فقال النبي عليه السلام : أردْنَا أمراً، وأرَادَ اللَّهُ أمْراً، والَّذِي أرَادَ اللَّهُ خَيْر، ورَفَعَ الْقِصَاصَ " [(٥)](#foonote-٥). 
قوله : عَلَى النِّسَاءِ  متعلق ب  قَوَّامُونَ  وكذا " بما " والباء للسَّبَبيَّةِ، ويجوز أن تكُونَ لِلْحَالِ، فتتَعلَّق بِمحذُوفٍ ؛ لأنَّهَا حَالٌ من الضَّميرِ في  قَوَّامُونَ  تقديره : مُسْتَحِقِّينَ بتفضيل اللِّهِ إيَّاهُمْ، و " مَا " مَصْدَريَّةٌ، وقيل : بمعنى الَّذِي، وهو ضعيفٌ لحذف العائِدِ من غَيْرِ مُسَوِّغ. 
والبعضُ الأوَّلُ المُرادُ به الرِّجالُ، والبَعْضُ الثَّاني : النسَاءُ، وعَدلَ عَنِ الضَّميريْن فلم يَقُل : بما فَضَّلَهم اللَّهُ عَلَيْهِنَّ، للإبهام الذي في بَعْض.

### فصل في دلالة الآية على تأديب النساء


دَلَّت الآيةُ عَلَى تأديبِ الرِّجَالِ نساءهم، فإذا حَفِظْنَ حُقُوقَ الرِّجَالِ، فلا يَنْبَغِي أن يُسِيءَ الرِّجُلُ عِشْرَتَها. 
### فصل


اعلم أنَّ فَضْلَ الرِّجَالِ على النِّسَاءِ من وُجُوهٍ كثيرةٍ ؛ بعضها صفات حقيقيَّة، وبعضها أحْكَامٌ شرْعيَّةٌ، فالصِّفَاتُ الحقيقيَّة \[ أن \][(٦)](#foonote-٦) عُقُولَ الرِّجَالِ وعُلُومَهُم أكْثَر، وقُدْرَتهم على الأعْمَالِ الشَّاقَّة أكْمَل، وفيهم كذَلِكَ من الْعَقْلِ والْقُوَّةِ والكِتَابَةِ في الغالب والفُرُوسيَّةِ، والرَّمْي، وفيهمُ العُلَمَاءُ، والإمَامَةُ الكُبْرَى \[ والصغرى \][(٧)](#foonote-٧)، والجهادُ والأذانُ، والخطبةُ، والجمعةُ، والاعْتِكَافُ، والشَّهَادَةُ على[(٨)](#foonote-٨) الحدود والقِصَاص، وفي الأنْكِحَةِ عند بعضِهِم، وزيادة نصيب الميراث، والتَّعْصيب، وتحمل الدِّية في قتل الخَطَأ، وفي القَسَامَةِ، وفي ولايةِ النِّكَاحِ، والطَّلاقِ، والرَّجْعَةِ، وعَدَدِ الأزْوَاجِ، وإليهم الانتساب. 
وأمّا الصِّفَاتُ الشَّرعيَّةُ فقوله تعالى : وَبِمَا أَنْفَقُواْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ  والمرادُ : عطية المَهْرِ، والنَّفَقَة عليها، وكُلُّ ذلك يَدُلُّ على فَضْل الرِّجَالِ على النِّسَاءِ. 
قوله تعالى : وَبِمَا أَنْفَقُواْ  يَتَعَلَّقُ بما تَعَلَّق به الأوَّلُ، و " مَا " يَجُوزُ أنْ تكُونَ بمعنى " الّذِي " من غير ضَعْفٍ ؛ لأنَّ للحذف مسوِّغاً، أي : وبما أنفقوه من أموالهم . 
 مِنْ أَمْوَالِهِمْ  متعلّق ب  أَنْفَقُواْ ، أو بمحذوف على أنَّهُ حال من الضَّمير المحذُوف. 
### فصل


قال القُرْطبِيُّ[(٩)](#foonote-٩) : قوله : وَبِمَا أَنْفَقُواْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ  يدلُّ على أنَّهُ متى عجز عن نَفَقَتِهَا، لم يَكُن قوَّاماً عليها \[ وإذا لم يكن قوّاماً \] كان لها فَسْخُ العَقْدِ ؛ لزوال المَقْصُودِ الَّذي شُرع لأجْلِهِ النِّكَاحُ، فدلَّ ذلك على ثبوت فَسْخِ النِّكَاحِ عند الإعسار بالنَّفَقَةِ، والكِسْوَةِ، وهذا مَذْهَبُ مَالِكٍ والشَّافعيّ، وأحْمدَ. 
وقال أبو حنيفة : لا يُفْسَخُ لقوله تعالى : وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ 
\[ البقرة : ٢٨٠ \]. 
قوله : فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ \[ لِّلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ  \] [(١٠)](#foonote-١٠) " الصَّالحات " مبتدأ، وما يَعْدَهُ خبران لَهُ، و " للغيب " مُتعلِّق ب " حَافظاتٌ " و " أل " في " الغيب " عوض من الضَّميرِ عند الكُوفييِّنَ كقوله : وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً  \[ مريم : ٤ \]، أي : رأسي وقوله :\[ البسيط \]
ب- لميَاءُ في شَفَتَيْهَا حُوَّةٌ لَعَسٌ \*\*\* وَفِي اللِّثَاتِ وفِي أنْيَابِهَا شَنَبُ[(١١)](#foonote-١١)
أي : لثاتها. 
والجمهور على رفع الجلالةَ من  حَفِظَ اللَّهُ  وفي " مَا " على هذه القراءة ثلاثَةُ أوْجُه :
أحدُهَا : أنَّهَا مَصْدَريَّةٌ، والمعنى : بحظ اللَّه إيَّاهُنَّ أي : بتوفيقه لهن، أو بالوصيَّةِ منه تعالى عليهنَّ. 
والثاني : أن تكُونَ بمعنى الذي، والعَائِدُ محذوفٌ، أي : بالَّذي حفظه اللَّهُ لَهُنَّ مِنْ مُهُورِ أزواجهِنَّ، والنّفقة[(١٢)](#foonote-١٢) عليهن، قاله الزَّجَّاجُ. 
والثَّالِثُ : أن تكُونَ " مَا " نكرة موصوفة، والعَائِدُ محذوفٌ أيضاً، كما تقرَّرَ في المَوْصُولَةِ، بمعنى الَّذِي. 
وقرأ أبُو جَعْفَرٍ[(١٣)](#foonote-١٣) بنصب الجَلاَلَةِ. وفي " مَا " ثلاثة أوجه أيضاً :
أحدُهَا : أنَّها بمعنى الَّذِي. 
والثَّانِي :\[ أنها \][(١٤)](#foonote-١٤) نكرةٌ موصُوفَةٌ، وفي  حَفِظَ  ضمير يعُودُ على \[ " ما " \][(١٥)](#foonote-١٥) أي : بما حفظ من البرِّ والطَّاعَةِ، ولا بدّ من حَذْفِ مضافٍ تقديره : بما حَفِظَ دين اللَّه، أو أمر اللَّه ؛ لأنَّ الذَّات المقدَّسة لا يحفظها أحَدٌ. 
والثَّالِثُ : أنْ تكُونَ " مَا " مَصْدريَّة، والمعنى : بما حفظن اللَّه في امتثال أمره، وَسَاغَ عَوْدُ الضَِّميرِ مُفْرَداً على جَمْعِ الإنَاثِ ؛ لأنَّهُنَّ في معنى الجنس كأنه قيل :" فمن صلح " فَعَاد الضَّميرِ مُفْرداً بهذا الاعتبارِ، ورُدَّ هذا الوجه بِعَدَمِ مُطَابَقَةِ الضَّميرِ لما يعودُ عليه[(١٦)](#foonote-١٦) وهذا جوابه، وجعله ابْنُ جِنّي مثل قول الشَّاعِرِ :\[ المتقارب \]
. . . \*\*\* فإنَّ الحَوَادِثِ أوْدَى بِهَا[(١٧)](#foonote-١٧)
أي : أوْدَيْنَ، وَيَنْبَغِي أن يُقَالَ : الأصْلُ بما حفظت اللَّه، والحوادث أوْدَتْ، لأنَّهَا يَجُوزُ أنْ يَعُودَ الضَّمِيرُ عَلَى \[ جمع \][(١٨)](#foonote-١٨) الإنَاثِ كَعَوْدِهِ عَلَى الوَاحِدَةِ مِنْهُنَّ، تقول : النِّسَاءُ قَامَتْ، إلاَّ أنَّهُ شَذَّ حذفُ تَاءِ التَّأنيثِ مِنَ الْفِعْلِ المُسْندِ إلى ضَميرِ المُؤنَّثِ. 
وقرأ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودِ[(١٩)](#foonote-١٩) - وهي في مُصْحَفِهِ كَذَلِكَ - " فالصوالح قوانت حوافظ " بالتكسير. 
قال ابْن جني[(٢٠)](#foonote-٢٠) : وهي أشْبَهُ بالمَعْنَى لإعطائِهَا الكَثْرَة، وَهِيَ المَقْصُودَةُ هُنَا، يعني : أن " فَوَاعِل " من جُمُوعِ الكَثْرَةِ، وجمع التَّصحيح جمع قلَّةٍ، ما لم تَقْتَرِنْ بالألف واللاَّمِ. وظاهِرُ عِبَارَةَ أبِي البَقَاءِ[(٢١)](#foonote-٢١) أنه لِلقِلَّةِ، وَإنْ اقْتَرَنَ ب " أل " فإنَّهُ قال : وجمع التَّصحيح لا يدلّ على الكثرة بوضعِهِ، وقد استعمل فيها كقوله تعالى : وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ آمِنُونَ 
\[ سبأ : ٣٧ \]. 
وفيما قالهُ \[ أبُو الفتح \][(٢٢)](#foonote-٢٢) وأبُو البقاءِ نَظَرٌ، فإنَّ " الصَّالِحات " في القراءةِ المَشْهُورَةِ مُعَرَّفَةٌ بِأل، وقَد تَقَدَّمَ أنَّه تكُونُ لِلْعُمُومِ، إلاَّ أنَّ العموم المفيد للكثرة، ليس مِنْ صيغَةِ الجَمْعِ، بل مِنْ " ألْ "، وإذا ثَبَتَ أن " الصَّالِحَاتِ " جمع كَثْرَةٍ، لَزِمَ أنْ يكُونَ " قَانِتَات " و " حَافِظَات " للكثرة ؛ لأنَّهُ خبرٌ عن الجميعِ، فَيُفِيدُ الكَثْرَةَ، ألا تَرَى أنَّكَ إذا قلت : الرِّجَالُ قَائِمُونَ، لَزِمَ أنْ يَكُونَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنَ الرِّجَالِ قَائِماً، ولا يجوز أن يكُونَ بعضُهم قاعداً، فإذاً القراءةُ الشَّهيرةُ وافيةٌ بالْمعنى \[ المقصود \][(٢٣)](#foonote-٢٣). 
### فصل


قال الواحديُّ[(٢٤)](#foonote-٢٤) : لفظ القنُوتِ يُفيدُ : الطَّاعَةَ، وَهُوَ عَامٌّ في طَاعَةِ اللَّهِ، وطاعة الأزْوَاجِ، وما حَالُ المرأةِ عِنْدَ غَيْبَةِ الزَّوْجِ فقد وصفها اللَّهُ بقوله : قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِّلْغَيْبِ ، واعْلَمْ أنَّ الغيب، خلاف الشَّهَادَةِ، والمعنى : كَوْنُهنَّ حافِظَاتٌ بموجب الغَيْب، وهو أنْ تَحْفَظَ نَفْسَهَا عن الزِّنَا ؛ لئلا يلحق الزَِّوْج الغَائب عار الزِّنَا، ويلحقُ به الوَلَد المتكون من نُطْفَةِ غيرِهِ، وتحفظ ماله لئلا يضيع[(٢٥)](#foonote-٢٥)، وتحفظ مَنْزِلَهُ عَمَّا لا يَنْبَغِي، قال عليه السَّلامُ :" خَيْرُ النِّسَاءِ امرأةٌ إن نَظَرْتَ إلَيْهَا سَرَّتْكَ، وَإنْ أمرتها أطاعَتْكَ، وإنْ غِبْتَ عَنْهَا حَفِظَتْكَ في مَالِكَ[(٢٦)](#foonote-٢٦) ونفسها " وتلا هذه الآية. 
قوله : وَاللاَّتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ  لما ذكر الصالحات ذكر بعده غير الصَّالحات فقال : واللاتي تخافون نشوزهن فعظوهنّ  والخَوْفُ عِبَارَةٌ عَن حَالَةٍ تَحْصُلُ في القَلْبِ، عند حُدُوثِ أمر مَكْرُوهٍ في المُسْتَقْبل. 
قال الشَّافِعيُّ - رضي الله عنه - : دَلالَةُ النُّشوُزِ قَدْ تكُونُ قَوْلاً، وقد تكُونُ فِعْلاً، فالقول مثل أن تلبيه إذا دَعَاهَا، وتخْضَعُ لَهُ بالقَوْلِ إذَا خَاطَبَهَا ثُم تغيَّرتْ، والفِعْلُ إن كَانَتْ تَقومُ إلَيْهِ إذَا دَخَلَ عَلَيْهَا، أوْ تُسارعُ إلى أمره[(٢٧)](#foonote-٢٧) وتبادر إلى فراشه باستبشار إذا التمسها، ثم \[ إنها \][(٢٨)](#foonote-٢٨) تغيرت عَنْ كل ذلك، فهذه إمارَاتٌ دالةٌ على النُّشوزِ، فحينئذٍ ظنَّ نُشُوزهَا، فهذه المقدمَاتُ تُوجِبُ خَوْفَ النُّشُوزِ، وأمّا النشوز فهو معصية[(٢٩)](#foonote-٢٩) الزَّوْج، ومُخَالَفَتَهُ، وأصْلُهُ مِنْ قولهم : نَشَزَ الشّيْءُ إذا ارتفع، ومنه يُقالُ للأرضِ المرتفعة :" نَشَزٌ "، يُقَالُ : نَشَزَ الرَّجُلُ ينشِز \[ وينشُز \][(٣٠)](#foonote-٣٠) إذا كان قاعداً فَنَهض قَائِماً، ومنه قوله تعالى : وَإِذَا قِيلَ انشُزُواْ فَانشُزُواْ يَرْفَعِ اللَّهُ  \[ المجادلة : ١١ \] ارتفعوا أو انهضوا إلى حرب أو أمر من أمور اللَّهِ تعالى. 
وقال أبُو منْصُورٍ اللُّغَويُّ :" النُّشُوزُ كرَاهِيَةُ كُل واحد من الزَّوْجَيْنِ صاحِبَهُ، يقال : نَشَزَتْ تَنْشُزُ، فهي نَاشِزٌ بغير هاء، وهي السَّيِّئَةُ العِشْرَةِ ". 
وقال ابْنُ دُرَيْدٍ :" نَشَزَتْ المرْأةُ، وَنَشَسَتْ، ونَشَصَتْ بمعنى واحد ". 
قوله :" فعظوهنّ "، أي : بالتخويف[(٣١)](#foonote-٣١) من اللَّه تعالى، فَيُقَالُ : اتَّقي الله فإنَّ عليك حقّاً لي، وارجعي عمّا أنْت عليه، واعْلَمِِي أنَّ طاعتي فرضٌ عليك[(٣٢)](#foonote-٣٢)، فإنْ أصرَّت على النُّشوزِ، فيهجرها في المَضْجَعِ. 
قال ابْنُ عَبَّاسٍ : يوليها ظَهْرَهُ في الفِرَاشِ، ولا يُكَلِّمُها " [(٣٣)](#foonote-٣٣). 
وقال١ سقط في أ..
٢ في أ: عليهن..
٣ في ب: القويم..
٤ في أ: القيام..
٥ أخرجه الطبري في "تفسيره" (٨/٢٩١) عن الحسن وذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٢/٢٧٠ ـ ٢٧١) من طريق جرير بن حازم عن الحسن وزاد نسبته للفريابي وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه.
 وأخرجه الطبري (٨/٢٩١) من طريق قتادة عن الحسن وزاد السيوطي نسبته في "الدر المنثور (٢/٢٧٠) لعبد بن حميد. وله طريق آخر ذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٢/٧١) وعزاه لابن أبي حاتم من طريق أشعث بن عبد الملك عن الحسن..
٦ سقط في ب..
٧ سقط في أ..
٨ في أ: في..
٩ ينظر: تفسير القرطبي ٥/١١١..
١٠ سقط في أ..
١١ تقدم برقم ٧٥..
١٢ في بك والشفقة..
١٣ انظر: إتحاف ١/٥١٠، وشرح الطيبة ٤/٢٠٥، والمحرر الوجيز ٢/٤٧، والبحر المحيط ٣/٢٥٠، والدر المصون ٢/٣٥٨..
١٤ سقط في أ..
١٥ سقط في ب..
١٦ في ب: إليه..
١٧ تقدم. وثبت في ب هكذا.
 فإن الحوادث أودى بها \*\*\* وغيرنها بعد أصحابها.
١٨ سقط في ب..
١٩ انظر: المحرر الوجيز ٢/٤٧، والبحر المحيط ٣/٢٥٠، والدر المصون ٢/٣٥٨..
٢٠ ينظر: المحتسب ١/١٨٧..
٢١ ينظر: الإملاء ١/١٧٨..
٢٢ سقط في ب..
٢٣ سقط في ب..
٢٤ ينظر: تفسير الرازي ١٠/٧٢..
٢٥ في ب: عن الضياع..
٢٦ في أ: مالها..
٢٧ في أ: إليه..
٢٨ سقط في أ..
٢٩ في ب: مخالفة..
٣٠ سقط في ب..
٣١ في أ: بالتخفيف..
٣٢ أخرجه الطبري في "تفسيره" (٨/٣٠٠) عن مجاهد وذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٢/٢٧٧) وزاد نسبته لابن المنذر وابن أبي حاتم..
٣٣ أخرجه الطبري في "تفسيره" (٨/٣٠٢) عن ابن عباس..

### الآية 4:35

> ﻿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا ۗ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا [4:35]

لما ذكر الضربَ ذَكَرَ هذه المحاكمة ؛ لأنَّ بها يتبينّ المظلومُ من الظَّالِمِ. 
قال ابْنُ عَبَّاسٍ[(١)](#foonote-١) : خِفْتُمْ  أي : علمتم قال : وَهَذَا بِخِلافِ قوله تعالى : وَاللاَّتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ ، فإنَّ ذلك محمول على الظَّنِّ، والفرق بَيْنَ الموضِعَيْنِ في الابْتِدَاءِ يظهرُ له أمارات النُّشُوزِ، فعند ذلِك يحصل الخَوْفُ، وأمّا بَعْدَ الوعْظِ، والهجر والضَّرْبِ إن أصرّت على النُّشُوزِ، فقد حَصَلَ العِلْمُ بالنُّشُوزِ، فَوَجَبَ حملُ الخَوْفِ ههنا على العِلْمِ. 
وقال الزَّجَّاجُ[(٢)](#foonote-٢) : القول بأن الخَوْفَ هاهنا بمعنى اليَقِيِنِ خطأ، فإنّا لو عَلِمْنَا الشقاق عَلَى الحَقيقَةِ لم يحتج إلى الحُكمِ، وأُجيبَ بأن وجود الشقاق وإن كانَ مَعْلُوماً، إلاَّ أنا لا نَعْلم أن ذلك الشِّقاق صدر عَنْ هَذَا، أو عَنْ ذلك، فالحَاجَة إلى الحَكَمِيْنِ لمَعْرِفَةِ هذا المَعْنَى. 
قال ابْنُ الخَطيبِ[(٣)](#foonote-٣) : ويمكنُ أن يُقالَ : وُجود الشِّقَاقِ في الحَالِ[(٤)](#foonote-٤) مَعْلُومٌ، ومثل هذا لا يَحْصلُ منهُ خَوْفٌ، إنَّمَا الخَوْفُ في أنَّهُ هل يَبْقَى[(٥)](#foonote-٥) ذلك الشِّقَاقُ أم لا، فالفَائِدَةُ في بعث الحكمين لَيْسَتْ إزالة الشِّقَاقِ الثَّابِت، فإنَّ ذلك مُحَالٌ، بل الفائِدَةُ إزالة ذلك الشِّقاق في المُسْتَقْبَلِ. 
قوله : شِقَاقَ بَيْنِهِمَا  فيه وجهان :
أحدهما : أنَّ الشِّقَاقَ مضاف إلى " بَيْنَ " ومعناها الظَّرْفِيَّةُ، والأصْلُ :" شقاقاً بينهما "، ولكنَّهُ اتَّسع فيه، فأضيف الحَدَثُ إلى ظَرْفِهِ وإضافة المصدر إلى الظرف جائزة لحصوله فيه، وظرفيته باقية نحو : سَرَّنِي مسير اللَّيْلَةِ، ويعجبني صَوْمُ يَوْم عَرَفَةَ، ومنه : بَلْ مَكْرُ الْلَّيْلِ وَالنَّهَارِ  \[ سبأ : ٣٣ \]. 
والثَّاني : أنه خَرَجَ عن الظَّرفيَّةِ، وبقي كَسَائِرِ الأسْمَاءِ، كأنه أُريد به المُعَاشرة، والمصاحبة بين الزَّوْجَيْنِ، وإلى مَيْلُ أبي البقاء[(٦)](#foonote-٦) قال : والبَيْنُ هنا الوَصْلُ الكائنُ بين الزوجين " وللشقاق تأويلان :
أحدهما : أن كل واحد منهما يفعل ما يَشُقُّ على صاحبه. 
والثاني : أن كل واحد منهما صار في شق بالعداوة والمباينة.

### فصل \[ معاني الشقاق \]


وقد ورد الشِّقاقُ على أربعة[(٧)](#foonote-٧) أوْجُهٍ :
الأوَّلُ : بمعنى الخِلاَفِ كهذه الآية، أي : خلاف بينهما. 
الثَّاني : الضَّلال، قال تعالى : وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ  \[ الحج : ٥٣ \] أي : في ضلال. 
الثَّالث : أن الشِّقَاقَ : العداوة قال تعالى : وَيا قَوْمِ لاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شِقَاقِي  \[ هود : ٨٩ \] أي : عداوتي، و \[ العداوة \][(٨)](#foonote-٨) وممّا يشق على صاحبه. 
الرابع : أنّ كُلَّ واحدٍ منها صار في شقّ بالعداوة، والمباينة. 
### فصل \[ هل البعث خطاب للإمام أم لآحاد الناس \]


قوله  فَابْعَثُواْ  قال بعضهم : هذا خِطَابٌ للإمام، أو نائبه وقال آخرون : هَذَا خطابٌ عامٌّ للجميع، وليس حمله على البَعْضِ أولى من حَمْلِهِ على البَقِيَّةِ، فَوَجَبَ حملُهُ على الكُلِّ، فعلى هذا يَكُونُ أمراً لآحاد الأمّة سواء وجد الإمام، أم لم يُوجَدْ، فللصَّالحين أنْ يَبْعَثُوا حكماً من أهلِهِ، وحكماً من أهْلِهَا للإصلاح، ولأنَّ هذا يَجْرِي مَجْرَى دَفْع الضَّرَر، ولكل أحد أنْ يَقُومَ به. 
قوله : مِّنْ أَهْلِهِ  فيه وجهان :
أحدُهُمَا : أنه متعلِّق ب  فَابْعَثُواْ  فهي لابتداء الغاية. 
والثَّاني : أن يتعلَّق بمحذُوف ؛ لأنَّهَا صفة للنكِرَةِ، أي : كائناً من أهله فهي للتَّبْغيضِ. 
### فصل


شَرْطُ الحَكَمَيْنِ أن يكونَا عَدْلَيْنِ، ويجعلهما الحَاكِمُ حَكَمَيْنِ، والأولى أنْ يكُونَ \[ واحد من أهْلِهِ، وواحد من أهْلِهَا، لأنَّ أقاربهما أعرف بحالهما من الأجَانِبِ، وأشدّ طلباً للصلاح، فإن كانا \][(٩)](#foonote-٩) أجنبيّين \[ جَازَ \][(١٠)](#foonote-١٠). 
وفائدة الحكمين أن يخلو كُلّ واحد منهما بِصَاحِبِه، ويستكشف منه حقيقةَ الحَالِ، ليعرفَ رَغْبَتَهُ في الإقَامَةِ معه على النِّكَاحِ، أو المُفَارَقَةِ، ثمَّ يَجتمعُ الحكمان، فَيَفْعَلاَنِ ما هو المَصْلَحَةُ من طلاقٍ، أو خَلْع. 
وهل للحكمين تَنْفِيذُ أمْرٍ يُلْزِمُ الزَّوِجَيْنِ دون إذْنِهِمَا، مثل : أن يطلق حَكَمُ الرَّجل، أو يفتدي حَكَمُ المرْأةِ بشيءٍ من مالِهَا ؟
قال أبُو حَنِيفَةَ : لاَ يَجُوزُ. 
وقال غيره[(١١)](#foonote-١١) : يَجُوزُ. 
قوله : إِن يُرِيدَا  يَجُوزُ أن يَعُودَ الضميران في  إِن يُرِيدَا  و  بَيْنَهُمَا  على الزَّوْجَيْنِ، أي : إن يُرد الزَّوجان إصلاحاً يُوفِّق اللَّهُ بَيْنَ الزوجين، وأنْ يَعُودا على الحَكَمَيْنِ، وأن يُعودَ الأوَّلُ على الحَكميْنِ، والثَّانِي على الزَّوْجَيْنِ، وأنْ يَكُونَ بالعكس وأُضْمِرَ الزَّوجان وإن لم يجر لهما ذكرٌ لدلاَلَةِ ذِكْر الرِّجَالِ والنِّسَاءِ عليهما. وجعل أبُو البقاءِ[(١٢)](#foonote-١٢) الضَّميرَ في  بَيْنَهُمَا  عائداً على الزَّوْجينِ فقط، سَوَاءٌ قيل بأن ضمير  يُرِيدُ اللَّهُ  عائداً على الحكمين، أو الزوجين. 
### فصل


قال القُرْطُبِيُّ[(١٣)](#foonote-١٣) : ويجزي إرسالُ الوَاحِدِ قال : لأن اللَّه - تعالى - حكم في الزنا بأربعة شهود، ثم أرسل النبي صلى الله عليه وسلم إلى المرأة الزَّانية أنَيْساً وحده، وقالَ له :" إن اعْتَرَفَتْ فَارْجُمْهَا " قال : وإذا جَازَ إرسال الواحد فلو حَكَّمَ الزوجان واحداً أجْزَأ إذَا رَضِيَا بذلك، وإنما خاطب الله الحكام دون الزوجين، فإن أرسل الزوجان حَكَمَيْنِ وحَكما نفذ حكمهما ؛ لأن التحكيم عندنا جائز، وينفذ فعلُ الحكم في كل مسألة، إذا كان كل واحد منهما عدلاً. 
وأصل التوفيق المُوافَقَة، وهي المُسَاوَاة في أمْرِ من الأمور، فالتَّوْفِيق اللُّطف الذي يتفق عنده فعل الطاعة. ثم قال : إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيماً خَبِيراً  والمراد : الوعيد للزَّوْجَيْنِ والحَكَمَيْنِ في طريق سُلُوك المُخَالفِ الحق. 
١ ينظر: تفسير الرازي ١٠/٧٤..
٢ ينظر السابق..
٣ ينظر: تفسير الرازي ١٠/٧٤..
٤ في أ: الحالين..
٥ في ب: نقى..
٦ ينظر الإملاء ١/١٧٩..
٧ في ب: ثلاثة..
٨ سقط في أ..
٩ سقط في ب..
١٠ سقط في ب..
١١ هذا أحد قولي الشافعي رضي الله عنه وهو قول مالك وإسحاق. ينظر تفسير الرازي ١٠/٧٥..
١٢ ينظر الإملاء ١/١٧٩..
١٣ ينظر: تفسير القرطبي ٥/١١٦..

### الآية 4:36

> ﻿۞ وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا ۖ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ۗ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا [4:36]

لمَا أرشد كُلَّ وَاحِدٍ من الزَّوْجَيْنِ إلى المُعَاملة الحسنة \[ مع الآخر، أرشد في هَذهِ الآية إلى سَائِرِ الأخْلاَق الحَسَنة \][(١)](#foonote-١) وذكر منها \[ هَهُنا \][(٢)](#foonote-٢) عَشْرَة أنْوَاع :
الأول : قوله - تعالى - : وَاعْبُدُواْ اللَّهَ  قال ابن عبَّاسٍ : وَحِّدُوهُ[(٣)](#foonote-٣)، واعلم أن العِبَادة عبارةٌ عن كل عَمَل يُؤْتَى به لمجَرَّد أمْر اللَّه - تعالى - بذلك، ولما أمَر بالعبَادَةِ، أمر بالإخلاصِ فيها : فقال[(٤)](#foonote-٤)  وَلاَ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئاً . 
قال القرطُبي[(٥)](#foonote-٥) : ذكر بعض العُلَمَاء أن من تطهَّر \[ تَبَرُّداً \][(٦)](#foonote-٦) أو صام \[ حميَّة \][(٧)](#foonote-٧) لِمعدَتِهِ، ويرى مع ذَلِكَ التَّقرُّب لم يُجْزِه ؛ لأنه مَزَج \[ نية \][(٨)](#foonote-٨) التَّقرُّب بنيَّة دُنْيَويَّة، ولذا إذا أحسَّ الإمام بداخِلٍ وهو رَاكِعٌ لم يَنْتَظِرْه، لأنه يُخْرِج ذكر \[ الله \][(٩)](#foonote-٩) بانتظاره عن كَوْنِه خالصاً - لله - تعالى. 
ثم قال  وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً  وتقدم الكلام على نظير هذا في البَقَرَةِ، واتَّفقوا على أن ههنا مَحْذوفاً، والتَّقْدير :" وأحسنوا بالوالدين إحساناً " ؛ كقوله :" فضرب الرقاب " أي : فاضْربُوها، وقرأ ابن أبي عَبْلَة :" إحسان " بالرَّفع على أنَّه مُبْتَدأ، وخبره الجَارّ \[ والمجرور \][(١٠)](#foonote-١٠) قَبْلَهُ. 
والمراد بهذه الجُملَةِ : الأمر بالإحسان وإن كانت خبريةً ؛ كقوله - تعالى - :
 فَصَبْرٌ جَمِيلٌ  \[ يوسف : ١٨ \]. 
قوله : وَبِذِي الْقُرْبَى  فأعاد الباء، وذلك لأنها في حق هذه الأمَّة، فالاعتناء بها أكثر، وإعادة الباء تدل على زيادة تأكيد فناسب ذلك هنا، بخلاف آية البَقَرَة، فإنَّها في حقِّ بني إسْرائيل، والمراد الأمْر بصلَة الرَّحم، كما ذكر في أول السُّورة بقوله : وَالأَرْحَامَ  \[ النساء : ١ \]. 
واعلم أن الوَالِدَيْنِ من القَرَابة أيضاً، إلا أنَّهما لمّا تَخَصَّصَت قرابتهما بكَوْنِهمَا أقرب القَرَابات، لا جرم[(١١)](#foonote-١١) خصّهما بالذِّكْر. 
 وَالْيَتَامَى  فاليتيم مَخْصُوص بنوعَيْن من العَجْز :
أحدهما : الصِّغر. 
والثاني : عَدَمُ المُنْفِق، ومن هذا حَالهُ كان في غَايَة العَجْزِ واستِحْقَاقِ الرحمة. 
قوله  وَالْمَسَاكِينِ  فالمسْكين وإن كان عدِيم المالِ، إلا أنَّه لكبره يمكنه أن يَعْرض حالَ نَفْسَه على الغَيْرِ ؛ فيجتلب به نَفْعَاً أو يدفعَ به ضرراً، وأما اليتيمُ، فلا قُدرة له ؛ فلهذا المعنى قدَّم الله اليتيم في الذِّكر على المِسْكِين، والإحْسَان إلى المِسْكِين إما بالإجْمَالِ[(١٢)](#foonote-١٢) إلَيْهِ، وإمّا بالرَّدِّ الجميل، لقوله : وَأَمَّا السَّائِلَ فَلاَ تَنْهَرْ  \[ الضحى : ١٠ \]. 
وقوله : وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى  الجمهور على خفض الجارّ، والمراد به القَرِيب النَّسِيب، وبالجار الجُنُب : لبعيد النَّسِيب. 
وعن مَيْمُون بن مَهْرَان : والجار ذِي القُرْبَى، أُريد به الجارِ القريب[(١٣)](#foonote-١٣)، قال ابن عطيَّة[(١٤)](#foonote-١٤) : وهذا خطأ ؛ لأنَّه على تأويله جمع بين[(١٥)](#foonote-١٥) ألَ والإضافة، إذ كان وَجْه الكَلاَمِ : وجار ذي القُرْبَى \[ الجار القريب \][(١٦)](#foonote-١٦)، ويمكن[(١٧)](#foonote-١٧) جوابُه على أن ذِي القُرْبَى، بدل[(١٨)](#foonote-١٨) من الجارِّ على حَذْفِ مُضَافٍ، أي : والجار ذِي القُرْبَى ؛ كقوله :\[ الخفيف \].

نَصَرَ اللَّهُ أعْظُماً دَفَنُوهَا  بسجِسْتَانَ طَلحة الطَّلحَاتِ[(١٩)](#foonote-١٩)أي : أعْظُم طَلْحَة، \[ ومن كلامهم \][(٢٠)](#foonote-٢٠) : لو يعلمُون العِلْم الكبيرة سنه، أي : علم الكبيرة سنّه، فحذف البَدل لدلالة الكلام عليه. 
وقرأ[(٢١)](#foonote-٢١) بعضهم :" والجار ذا القربى " نصباً، وخرجه الزَمَخْشَرِي[(٢٢)](#foonote-٢٢) على الاخْتِصَاص لقوله - تعالى - :
 حَافِظُواْ عَلَى الصَّلَوَاتِ والصَّلاَةِ الْوُسْطَى  \[ البقرة : ٢٣٨ \] والجُنُب صِفَة على فُعُل، نحو :" ناقة سُرُح "، ويَسْتَوي فيه المُفْرَدَ والمثَنَّى والجُمُوع، مذكراً أو مؤنَّثاً، نحو :" رجال جنب " وقال - تعالى - : وَإِن كُنتُمْ جُنُباً  \[ المائدة : ٦ \]، وبعضهم يثنيه ويجمعه، ومثله : شُلُل، وعن عَاصِم[(٢٣)](#foonote-٢٣) : والجَار الجَنْبِ، بفتح الجيم وسُكُون النون وهو وَصْفٌ أيضاً بمعنى المُجَانِب، كقولهم : رجل عَدْل، وألفُ الجَار عن واو ؛ لقولهم : تجاورُوا، وجَاوَرْتُه، ويُجْمَع على جيرة وجِيَران، والجَنَابَةِ البُعْد ؛ قال \[ الطويل \]فَلاَ تَحْرمَنِّي نَائلاً عَنْ جَنَابَةٍ  فَإنِّي امْرُؤٌ وَسْطَ القبابِ غَريبُ[(٢٤)](#foonote-٢٤)لأن الإنْسَان يُتركُ جَانباً، ومنه  وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَن \[ نَّعْبُدَ الأَصْنَامَ  \][(٢٥)](#foonote-٢٥) \[ إبراهيم : ٣٥ \]، وأصله من الجَنَابَة، ضِدّها القَرَابَة، وهو البُعْدُ، يقال : رَجُلٌ جُنُبٌ، إذا كان غريباً مُتَبَاعِداً عن أهله، ورَجُل أجْنَبِيٌّ، وهو البَعيد منك في القَرَابة، ومنه الجَنَابَة من الجِمَاع ؛ لتباعده عن الطَّهَارَةِ وعن الصَّلاة حَتَّى يَغْتَسِل، وهذان الجنبانِ ؛ لبُعْد كلِّ واحدٍ منهما عن الآخر. 
### فصل : في الإحسان إلى الجار


قالت عَائِشَة - رضي الله عنها - :" يا رسُول اللَّه، إن لي جارَيْن، فإلى أيهما أُهْدِي، قال : إلى أقربِهِمَا منكِ باباً " [(٢٦)](#foonote-٢٦)، وعن ابْن عُمر ؛ قال : قال رسُول الله صلى الله عليه وسلم :" ما زال جِبْريلُ يُوصِيني بالجَارِ، حَتَّى ظَنَنْتُ أنَّهُ سَيُورِّثُهُ " [(٢٧)](#foonote-٢٧)، وقال - عليه السلام - :" لا يَدْخُلُ الجَنَّة من لا يَأمَنْ جَارُهُ بَوائِقَهُ، ألاَ وَإنَّ الجَوارَ أرْبَعُون " [(٢٨)](#foonote-٢٨) وكان الزهري[(٢٩)](#foonote-٢٩) يقول : أرْبَعُون يَمْنَة، وأربعون يَسْرَة، وأربعون أمَامَه، وأرْبَعُون خَلْفه[(٣٠)](#foonote-٣٠). 
وعن بي هُرَيْرَة - رضي الله عنه - :" قيل : يا رسُول الله، إن فُلانَة تَصُوم النَّهار وتصلي بالَّيْلِ، وفي لِسَانِها شَيءٌ يؤذي جِيرانَهَا، \[ فقال :" لا يَحْفَظُ \][(٣١)](#foonote-٣١) حق الجَارِ إلا مَنْ رَحم اللَّه، وقليل ما هُم، أتدرون ما حَقُّ الجَارِ : إن افْتَقَر أغْنَيْتَه، وإن استقْرَضَ أقْرَضْتَه، وإن أصابه خير هَنَّيْتَه، وإن أصَابه شَرٌّ عَزَّيته، وإن مَرِض عُدْتَه، وإن مَاتَ شَيَّعْت جَنَازته " [(٣٢)](#foonote-٣٢). 
وقال نَوْف الشَّامِي[(٣٣)](#foonote-٣٣) : وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى  المُسْلِم، \[ والجار \][(٣٤)](#foonote-٣٤) الجُنُب : اليَهُودي والنَّصْرَاني[(٣٥)](#foonote-٣٥). 
قال القرطبي[(٣٦)](#foonote-٣٦) : وعلى هذه فالوصاية بالجارِ، مأمُورٌ بها مَنْدُوب إليها، مسلِماً كان أو كَافِراً، وهو الصَّحيح، والإحْسَان قد يكون بِمَعْنَى المُوَاسَاة، وقد يكون بِمَعْنَى حُسْن العِشْرَةِ، وكَفّ الأذَى، والمُحَامَاة دُونَه. 
وقال - عليه الصلاة والسلام - :" الجيرَان \[ ثلاثة :\][(٣٧)](#foonote-٣٧) فجارٌ له ثلاثة حُقُوقٍ، وجار له حَقَّان وجارٌ له حَقٌّ واحد ". 
فأما الجار الَّذِي له ثلاَثَةُ حُقُوقٍ : فالجار[(٣٨)](#foonote-٣٨) القَريب المُسْلِم، له حقُّ الجِوار، وحق القَرَابَة، وحَقّ الإسْلام. 
والجارُ الذي له حَقَّان : فهو الجَار المُسْلِم فله حق الإسلام، وحق الجِوَارِ. 
والجار الذي له حَقٌّ واحد : هو الكَافِر، له حق الجِوَار[(٣٩)](#foonote-٣٩). 
وقال بَعْضُ العُلَمَاءِ[(٤٠)](#foonote-٤٠) : وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى  هو القريب المَسْكَن منك،  وَالْجَارِ الْجُنُبِ  هو البعيد المَسْكَن منك. 
قال القَرْطُبِي[(٤١)](#foonote-٤١) : وأحَاديثُ إكرامِ الجَارِ جاءت مُطْلَقَةٌ غير مُقَيَّدة، حتى الكَافِر وفي الخبر " قالُوا : يا رسُول اللَّه، أنطعمهم من لُحُوم النُّسُك ؟
قال :" لا تطعم المشركين من نسك المسلمين " [(٤٢)](#foonote-٤٢) فنهيه - عليه السلام - عن إطْعَام المُشْرِكين من نُسُك المُسْلِمِ، يحتمل النُّسُك لوَاجب الذي لا يجُوزُ للنَّاسِك أن يَأكُل مِنْهُ، ولا أن يُطْعِمَهُ الأغْنِيَاء، فأما غير الوَاجِبِ الذي يُجْزِيه[(٤٣)](#foonote-٤٣) إطعام الأغنياء، فيجوز[(٤٤)](#foonote-٤٤) أن يُطعِمَهُ أهْل الذِّمَّة قال - عليه الصلاة والسلام - لِعَائِشَةَ - رضي الله عنها - عند تفريقِ لَحْمِ الأضحِيَة :" أهْدِي جَارَنَا اليَهُودِيّ ". 
قوله : وَالصَّاحِبِ بِالجَنْبِ  قال مُجاهد، وابن عَبَّاس، وعِكرمة، وقتادة : يعني : الرفيق في السَّفَر[(٤٥)](#foonote-٤٥)، وقال عَلِيّ وعبد الله، والنَّخعِي : وهو المرْأة[(٤٦)](#foonote-٤٦) تكون إلى جِنْبِهِ. 
وقال ابن جُرَيْج، وابن زِيْد : هو الذي يَصْحَبُك رجاء نَفعِك[(٤٧)](#foonote-٤٧)، وقيل : هو الَّذِي صحبك إما رفيقاً في سَفَرٍ، وإما جًاراً مُلاصِقاً، وإما شريكاً في تَعَلُّم أو حرْفَة، وإما قاعداً إلى جَنْبِك في مَجْلس وَاحِدٍ أو مَسْجِد أو غير ذلك، من أدْنى صُحْبَة التأمَت بينك وبَيْنَه. 
وقوله : بِالجَنْبِ  في الباء وجْهَان :
أحدهما : أن تكون بمعنى " في ". 
والثاني : أن تكون على بَابِها وهو الأوْلَى، وعلى كلا التَّقْدِيرَيْن تتعلّق بمحذُوف ؛ لأنها حَالٌ من الصَّاحِبِ. 
قوله : وَابْنِ السَّبِيلِ  قيل : هو المُسافِرِ الذي انْقَطع عن بلده، وقيل : هو الضَّيْف، قال - عليه السَّلام - :" من كان يُؤمِن باللَّه واليَوْمِ الآخر فليُكْرِم ضَيْفَهُ " [(٤٨)](#foonote-٤٨). 
وقوله : أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْْ  يجوز أن يُرَاد ب " ما " غير العَبِيد والإمَاء حَمْلاً على الأنْوَاع ؛ لقوله - تعالى -  مَا طَابَ لَكُمْ  \[ النساء : ٣ \] وأن يكون أُريد جميع ما مَلَكَهُ \[ الإنسان \][(٤٩)](#foonote-٤٩) من الحَيَوانات، فاختلط العَاقِلُ بغيره، فأتى ب " ما ". 
### فصل


روت أمّ سَلَمة - رضي الله عنها - :" قالت : كان النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يقولُ في مَرَضِه[(٥٠)](#foonote-٥٠) :" الصَّلاة وما ملكت أيمانكم " [(٥١)](#foonote-٥١)، وقال - عليه السلام - :" هم إخْوَانكُم جَعَلهم الله تَحْتَ أيْدِيكم، فمن جعل اللَّه أخَاه تحت يَده، فَلْيُطْعِمْه ممّا يَأكُل، وليلبسه مما يَلْبِس، ولا يُكَلِّفْه من العَمَل ما يغلبه \[ فإن كَلَّفَهُ مَن العَمَل مَا يغلبه \][(٥٢)](#foonote-٥٢) فَلْيُعِنْهُ عليه " [(٥٣)](#foonote-٥٣). 
ثم قال : إِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ مَن كَانَ مُخْتَالاً فَخُوراً  : المُخْتَال هو ذُو الخُيَلاَء والكِبْر. 
قال أهل اللغة[(٥٤)](#foonote-٥٤) : هو التيَّاه، والمُخْتَال اسم فاعِلٍ من اخْتَال يَخْتَال، أي : تَكَبَّر وأعْجِب بنَفْسِهِ، وألفهُ عن ياءٍ ؛ كقولهم : الخُيَلاَءُ والمَخِيلَة، وسُمِع أيضاً : خَالَ الرَّجُل يخال[(٥٥)](#foonote-٥٥) خَوْلاً بالمعنى الأوَّل، فيكون لهذا المَعْنَى مَادَّتَان خَيَلَ وَخَوَلَ. 
قال ابن عبَّاس :" يريد المُخْتَال العَظِيم في نَفْسِهِ، الذي لا يَقُوم بحقُوقُ أحَد " [(٥٦)](#foonote-٥٦). 
والفَخُور[(٥٧)](#foonote-٥٧) صيغة المُبَالَغَة، وهو الَّذِي يعد مَنَاقِب نَفْسِه ومحاسنه، وقال ابن عبَّاس : الفَخُور الذي يَفْخَر على عِبَاد الله بما أعْطَاه من أنْواع نِعَمِهِ. 
وقال - عليه السلام - :" بينما رجل يتبختر في بردين، وفد أعْجَبَتْه نَفْسُه، خسف الله به الأرْض، فهو يتجْلجَل فيها إلى يَوْم القِيَِامَة " [(٥٨)](#foonote-٥٨). 
وقال - عليه السلام - :" لا يَنْظُر اللَّه إلَى مَنْ جَرَّ ثَوْبَهُ خُيْلاَء يوم القِيامَة " [(٥٩)](#foonote-٥٩). 
١ سقط في ب..
٢ سقط في أ..
٣ ذكره الفخر الرازي في "التفسير الكبير" (١٠/٧٦) عن ابن عباس..
٤ في أ: يقول..
٥ ينظر: تفسير القرطبي ٥/١١٨..
٦ سقط في أ..
٧ سقط في أ..
٨ سقط في ب..
٩ سقط في أ..
١٠ سقط في ب..
١١ في أ: لا من..
١٢ في ب: بالإيصال..
١٣ أخرجه الطبري في "تفسيره" (٨/٣٢٦) عن ميمون بن مهران..
١٤ ينظر: المحرر الوجيز ٢/٥٠..
١٥ في أ: عين..
١٦ سقط في أ..
١٧ في أ: وعين..
١٨ في أ: بل..
١٩ تقدم برقم ٧٦..
٢٠ سقط في ب..
٢١ وهي قراءة أبي حيوة وابن أبي عبلة.
 انظر: المحرر الوجيز ٢/٥٠، والبحر المحيط ٣/٢٥٥، والدر المصون ٢/٣٦٠، والشواذ ٢٦..
٢٢ ينظر: الكشاف ١/٥٠٩..
٢٣ انظر: السبعة ٢٣٣، والحجة ٣/١٥٧، وإتحاف ١/٥١١، والمحرر الوجيز ٢/٥٠، والبحر المحيط ٣/٢٥٥، والدر المصون ٢/٣٦١..
٢٤ البيت لعلقمة: ينظر ديوانه (٤٨) والمفضليات (٣٩٤) والبحر ٣/٢٤٠ والدر المصون ٢/٣٦١..
٢٥ سقط في ب..
٢٦ أخرجه البخاري (٥/٢٦٠) كتاب الهبة: باب بمن يبدأ الهبة حديث (٢٥٩٥) وفي "الأدب المفرد" رقم (١٠٥) وأحمد (٦/٢٣٩) والبيهقي (٦/٢٧٥) والحاكم (٤/١٦٧) والطيالسي (٢٠٣٦ ـ منحة) والطحاوي في "مشكل الآثار" (٤/٢٨) والبغوي في "شرح السنة" (٣/٤٣٧) من طريق طلحة قال: سمعت عائشة فذكره.
 والحديث ذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٢/٢٨٣) وعزاه إلى البخاري في الأدب والحاكم عن عائشة والحديث في الصحيح كما رأيت..
٢٧ أخرجه البخاري (١٠/٤٥٥) كتاب الأدب: باب الوصاة بالجار (٦٠١٥) ومسلم (٤/٢٠٢٥) كتاب البر والصلة: باب الوصية بالجار (١٤١ ـ ٢٦٢٥) وأحمد (٢/٨٥) والبغوي في "شرح السنة" (٦/٤٧٠) عن عبد الله بن عمر.
 وأخرجه البخاري (١٠/٤٥٣) كتاب الأدب: باب الوصاة بالجار حديث (٦٠١٤) وفي "الأدب المفرد" (١٠١، ١٠٦) ومسلم (٨/٣٦) وأبو داود (٥١٥١) والترمذي (٣٦٧٣) والطحاوي في "مشكل الآثار" (٤/٢٦ ـ ٢٧) وأحمد (٦/٥٣، ٢٣٨) والبيهقي (٧/٢٧) من حديث عائشة.
 وقال الترمذي: حديث حسن صحيح.
 وأخرجه البخاري في "الأدب المفرد" رقم (١٠٥) وأبو داود (٢١٥٢) وأحمد (٢/١٦٠) والترمذي (١/٣٥٣) وأبو نعيم في "الحلية" (٣/٣٠٦) من حديث عبد الله بن عمرو.
 وقال الترمذي: حديث حسن غريب من هذا الوجه.
 وأخرجه ابن ماجه (٣٦٧٤) وأحمد (٢/٣٠٥، ٤٤٥) والطحاوي في "شرح معاني الآثار" (٤/٢٧) من حديث أبي هريرة..
٢٨ أخرجه مسلم (١/٦٨) كتاب الإيمان: باب بيان تحريم إيذاء الجار (٧٣/٤٦) والبخاري في "الأدب المفرد" رقم (١٢١) والبغوي في "شرح السنة" (٦/٤٧١) من حديث أبي هريرة..
٢٩ ينظر: تفسير القرطبي ٥/١٢١..
٣٠ أخرجه أبو داود في "المراسيل" رقم (٣٥٠) عن الزهري مرسلا..
٣١ سقط في أ..
٣٢ أخرجه البخاري في "الأدب المفرد" (١١٧) وابن ماجه (٢٤٠٦) والحاكم (٤/١٦٦) وابن عبد البر في "التمهيد" (٥/١٦٦) من حديث أبي هريرة..
٣٣ ينظر: تفسير القرطبي ٥/١٢٠..
٣٤ سقط في أ..
٣٥ أخرجه الطبري في "تفسيره" (٨/٣٣٧) عن نوف الشامي والأثر ذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٢/٢٨٢) وزاد نسبته لابن أبي حاتم..
٣٦ ينظر: تفسير القرطبي ٥/١٢٠..
٣٧ سقط في ب..
٣٨ في أ: وهو الجار..
٣٩ أخرجه البزار (١٨٩٦ ـ كشف) ثنا عبد الله بن محمد أبو الربيع الحارثي ثنا محمد بن إسماعيل بن أبي فديك أخبرني عبد الرحمن بن الفضيل عن عطاء الخرساني عن الحسن عن جابر بن عبد الله مرفوعا. وأورده الهيثمي في "مجمع الزوائد" (٨/١٦٤) وقال: رواه البزار عن شيخه عبد الله بن محمد الحارثي وهو ضاع. قلت لكنه توبع تابعه الحسين بن عيسى البسطامي عن ابن أبي فديك به أخرجه أبو نعيم في "حلية الأولياء" (٥/٢٠٧)..
٤٠ ينظر: تفسير القرطبي ٥/١٢٠..
٤١ ينظر: تفسير القرطبي ٥/١٢٠ ـ ١٢١..
٤٢ أخرجه ابن عدي في "الكامل" (٥/١٧١) والبيهقي في "شعب الإيمان" (٩٥٦٠) عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده مرفوعا. وقال البيهقي: فيه سويد بن عبد العزيز عن عثمان بن عطاء الخرساني عن أبيه والثلاثة ضعفاء..
٤٣ في أ: يجوز..
٤٤ في أ: عجوز..
٤٥ أخرجه الطبري في "تفسيره" (٨/٣٤١) عن ابن عباس ومجاهد وعكرمة وقتادة. وأخرجه البيهقي في "شعب الإيمان" (٩٥٢٦) عن سعيد بن جبير وذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٢/٢٨٤) عن ابن عباس وزاد نسبته لابن أبي حاتم وابن المنذر والبيهقي في "الشعب"..
٤٦ أخرجه الطبري في "تفسيره" (٨/٣٤٢) والبيهقي في "شعب الإيمان" (٩٥٢٥) عن علي بن أبي طالب. وذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٢/٢٨٤) عن علي وزاد نسبته لعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.
 أخرجه الطبري في "تفسيره" (٨/٣٤٢) والبيهقي في "شعب الإيمان" (٩٥٢٥) عن ابن مسعود.
 وذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٢/٢٨٤) عن علي وزاد نسبته للفريابي وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني عن ابن مسعود..
٤٧ أخرجه الطبري في "تفسيره" (٨/٣٤٤) عن ابن زيد..
٤٨ أخرجه مالك (٢/٩٢٩) كتاب صفة النبي صلى الله عليه وسلم: باب جامع ما جاء في الطعام والشراب (٢٢) والبخاري (١٠/٤١٥) كتاب الأدب باب من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يؤذي جاره (٦٠١٩)، (١٠/٥٣١) رقم (٦١٣٥) ومسلم (٣/١٣٥٣) رقم (١٤/٤٨)، (١٥/٤٨) وأبو داود (٣٧٤٨) والترمذي (١/٣٦٥) وابن ماجه (٣٦٧٥) والبيهقي (٩/١٩٧) وأحمد (٤/٣١ ـ ٦/٣٨٥) من طريق سعيد بن أبي سعيد عن أبي شريح العدوي مرفوعا.
 وقال الترمذي: حديث حسن صحيح..
٤٩ سقط في أ..
٥٠ في ب: مرخصة..
٥١ أخرجه ابن ماجه (١/٥١٩) كتاب الجنائز: باب ما جاء في ذكر مرض الرسول صلى الله عليه وسلم (١٦٢٥) والبغوي في "شرح السنة" (٥/٢٥١) وأحمد (٦/٣١١، ٣٢١) من حديث أم سلمة. وله شاهد عن أنس بن مالك:
 أخرجه أحمد (٣/١١٧) وابن ماجه (٢٦٩٧) والحاكم (٢/٥٧) وقال الحاكم: قد اتفقا على إخراج هذا الحديث. 
 **وشاهد آخر عن علي بن أبي طالب:** 
 أخرجه أبو داود (٥١٥٦) والبيهقي (٨/١١) وابن ماجه (٢٦٩٨) وأحمد (١/٧٨)..
٥٢ سقط في أ..
٥٣ أخرجه البخاري في "الأدب المفرد" (١٨٧) ومسلم (٥/٩٣) وأبو داود (٥١٥٨) والترمذي (١/٣٥٣) وابن ماجه (٣٦٩٠) والبيهقي (٨/٧) وأحمد (٥/١٥٨، ١٦١) عن أبي ذر الغفاري..
٥٤ ينظر: الدر المصون ٢/٣٦٢..
٥٥ في أ: خالا..
٥٦ ذكره الفخر الرازي في "التفسير الكبير" (١٠/٧٩) عن ابن عباس..
٥٧ في أ: والفخر..
٥٨ أخرجه البخاري (١٠/٢٥٨) كتاب اللباس: باب من جر ثوبه من الخيلاء (٥٧٨٩) ومسلم (٣/١٦٥٣) كتاب اللباس والزينة: باب تحريم التبختر في المشي (٤٩/٢٠٨٨) عن أبي هريرة مرفوعا..
٥٩ أخرجه البخاري (١٠/٢٥٤) كتاب اللباس: باب من جر إزاره (٥٧٨٤) ومسلم (٣/١٦٥٢) كتاب اللباس والزينة: باب كراهة ما زاد على الحاجة (٤٤/٢٠٨٥) ومالك في "الموطأ" (٢/٩١٤) كتاب اللباس باب ما جاء في إسبال الرجل ثوبه. عن عبد الله بن عمر.
 وله شاهد من حديث أبي هريرة: أخرجه البخاري (١٠/٢٥٧ ـ ٢٥٨) كتاب اللباس: باب من جر ثوبه (٥٧٨٨) ومسلم (٣/١٦٥٣) كتاب اللباس، باب تحريم جر الثوب (٤٨/٢٠٨٧)..

### الآية 4:37

> ﻿الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَيَكْتُمُونَ مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ ۗ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا [4:37]

في : الَّذِينَ يَبْخَلُونَ  سَبْعَة أوجه :
أحدها : أن يكُون مَنْصُوباً بدلاً مِنْ " مَنْ "، وجُمِعَ حَمْلاً على المَعْنَى. 
الثاني : أنه نَصْب على البَدَل من  مُخْتَالاً  وجُمِعَ أيضاً لما تقَدَّم. 
الثالث : أنه نُصِبَ على الذَّمِّ. 
قال القرطبِي[(١)](#foonote-١) : ويجوز أن يكُون مَنْصُوباً بإضْمَار " أعْنِي "، وقالَ : ولا يجوز أن يكون صِفَة ؛ لأن " مَنْ " و " ما " لا يوصفان ولا يُوصَفُ بهما. 
الرابع : أنه مُبْتَدأ وفي خَبَره قولان :
أحدُهُما : محذوف فَقَدَّرهُ بعضُهم :" مبغضون " لدلالة  إن الله لا يحب  \[ وبعضهم :\][(٢)](#foonote-٢) " معذبون " ؛ لقوله : وأعتدنا للكافرين عذاباً . 
وقدَّره الزمخشري[(٣)](#foonote-٣) " أحقَّاء بكل مَلاَمَة "، وقدره أبو البَقَاء : أُولَئِكَ أوْلِيَاؤُهُم[(٤)](#foonote-٤) الشَّيْطَان. 
والثاني : أن قوله : إِنَّ اللَّهَ لاَ يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ  ويكون قوله :\[  وَالَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ رِئَاءَ النَّاسِ  \][(٥)](#foonote-٥) عطفاً على المُبْتدأ والعَائِد مَحْذُوفٌ، والتقدير : الذين يَبْخَلُون، والَّذين يُنْفِقُون أموالهم، \[ رئاء النَّاسِ \][(٦)](#foonote-٦)  إِنَّ اللَّهَ لاَ يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّة ، \[ أو مثقال ذرة \][(٧)](#foonote-٧) لَهُم، وإليه ذَهَب الزَّجَّاج وهذا متكَلَّف جدًّا ؛ لكثرة الفَواصِل ولقَلَقِ[(٨)](#foonote-٨) المَعْنَى أيضاً. 
الخامس : أنه خبر مُبْتَدأ مُضْمَر، أي : هم[(٩)](#foonote-٩) الذين. 
السادس : أنه بَدَلٌ من الضَّميرِ المستكن[(١٠)](#foonote-١٠) في  فَخُوراً  ذكره أبو البَقَاء[(١١)](#foonote-١١)، وهو قلق. 
السابع : أنه صِفَة ل " مَنْ " ؛ كأنه قيل : لا يُحِبُّ المختالَ الفَخْور البَخِيل. 
**وفي البخل أرْبَع لُغاتٍ :**
فتح الخَاءِ والبَاء مثل الكَرَم، وبها قرأ حَمْزَةُ والكسائي[(١٢)](#foonote-١٢)، وبِضمِّهَا ذكره المُبرِّد، وبها قرأ الحَسَنُ وعِيسَى بن عُمَر[(١٣)](#foonote-١٣)، وبفتح البَاءِ وسُكُون الخَاء، وبها[(١٤)](#foonote-١٤) قرأ قتادةُ وابن الزبير، وبضم الباء وسكون الخاء، وبها قرأ الجمهور[(١٥)](#foonote-١٥). والبُخْلُ والبَخَلُ ؛ كالحُزْنِ والحَزَن، والعُرْبِ والعَرَبِ. 
قوله : بِالْبُخْلِ  فيه وجْهَان :
أحدهما : أنه مُتَعلِّق ب " يَأمُرُونَ "، فالبَاء للتَّعْدِية على حَدّ أمرتك بِكَذَا[(١٦)](#foonote-١٦). 
والثَّاني : أنها باء الحاليّة والمأمور مَحْذُوف، والتَّقْدير : ويأمرون النَّاسَ بشكرهم مع التباسِهِم[(١٧)](#foonote-١٧) بالبُخْل، فيكون في المعنَى ؛ لقول الشَّاعر :\[ البسيط \]

أجْمَعْتَ أمْرَيْنِ ضَاعَ الحَزْمُ بَيْنَهُمَا  تِيهَ المُلُوكِ وأفْعَالَ المَمَالِيكِ[(١٨)](#foonote-١٨)### فصل


قال الواحدي[(١٩)](#foonote-١٩) : البُخْلُ في كلامِ العَرَب عبارة عن مَنْع الإحْسَان، وفي الشَّرِيعَةِ عبارة عن مَنْعِ الوَاجِبِ. 
قال ابن عبَّاس : نزلت في اليَهُود، بخلوا بِبَيَان صِفَة محمَّد صلى الله عليه وسلم وكَتمُوها[(٢٠)](#foonote-٢٠). وقال سعيد بن جبير : هَذَا في كِتْمَان العِلْمِ[(٢١)](#foonote-٢١). 
وقال ابن عبَّاسٍ وابن زيد : نَزَلَتْ في كردم بن يزيد، وحُيَيٍّ بن أخْطَب، ورِفَاعة بن التَّابُوت وأسَامة بن حَبِيبٍ، ونَافِع بن أبِي نافع، وبحري بن عمرو، وكانُوا يأتُون رجالاً من الأنْصَارِ يُخَالِطُونَهُم، فيقولون : لا تُنْفِقُوا أموالكُم، فإنّا نَخْشَى عليكم الفَقْرَ ولا تَدْرُون مَا يَكُون، فأنزل هذه الآية[(٢٢)](#foonote-٢٢). 
وقيل : إنها عَامَّة في البُخْلِ بالعِلْم والدِّين والمَالِ : لأن البخل مَذْمُومٌ واللفظ عامٌّ. 
قال القرطبي[(٢٣)](#foonote-٢٣) : والمراد بهذه الآيَةِ في قَوْل ابن عبَّاس وغيره : اليَهُود ؛ لأنهم جمَعُوا بين الاختيال والتَّفاخر، والبخل بالمَالِ، وكِتْمَان ما أنْزَل اللَّه في التَّوْرَاة من صِفَةِ محمَّد صلى الله عليه وسلم، وقيل المراد : المُنَافِقُون الذي[(٢٤)](#foonote-٢٤) كان إنْفاقهم[(٢٥)](#foonote-٢٥) وإيمانهم تقية. 
قوله : وَيَكْتُمُونَ مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ  يعني المال، وقيل : يَبْخَلُون بالصَّدَقَة، وقوله : مِن فَضْلِهِ ، يجوز أن يتعلَّق ب  آتَاهُمُ  أو بمَحْذُوف على أنه حالٌ من " مَا "، أو من العَائِد عَلَيْها. 
قال تعالى  وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَاباً مُّهِيناً  فصَّل الله - تعالى - تَوعُّدَ[(٢٦)](#foonote-٢٦) المؤمنين البَاخِلين من تَوَعُّد الكَافِرِين، بأن جعل الأوَّل عدم المَحبَّة، والثَّاني عذاباً مُهِيناً. 
١ ينظر: تفسير القرطبي ٥/١٢٦..
٢ سقط في أ..
٣ ينظر: الكشاف ١/٥٠٩..
٤ في ب: قرناؤهم..
٥ سقط في ب..
٦ سقط في أ..
٧ سقط في ب..
٨ في ب: لتعلق..
٩ في أ: ثم..
١٠ في أ: المتمكن..
١١ ينظر: الإملاء ١/١٧٩..
١٢ انظر: الحجة ٣/١٦٠، وحجة القراءات ٢٠٣، وإعراب القراءات ١٣٣، والعنوان ٨٤، وشرح الطيبة ٤/٢٠٦، وشرح شعلة ٣٣٩، وإتحاف ١/٥١١، الدر المصون ٢/٣٦٢، البحر المحيط ٣/٢٥٧..
١٣ انظر: المحرر الوجيز ٢/٥٢، والبحر المحيط ٣/٢٥٧، والدر المصون ٢/٣٦٢..
١٤ انظر: البحر المحيط ٣/٢٥٧، والدر المصون ٢/٣٦٢..
١٥ ينظر: الدر المصون ٢/٣٦٢، والمحرر الوجيز ٢/٥٢..
١٦ في أ: بهذا..
١٧ في أ: اتباعهم..
١٨ ينظر البيت في البحر المحيط ٣/٢٥٧ والدر المصون ٢/٣٦٢..
١٩ ينظر: تفسير الرازي ١٠/٨٠..
٢٠ ذكره الفخر الرازي في "التفسير الكبير" (١٠/٨٠) عن ابن عباس..
٢١ أخرجه الطبري في "تفسيره" (٨/٣٥٢) عن سعيد بن جبير وذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٢/٢٨٩) وزاد نسبته لابن أبي حاتم..
٢٢ أخرجه الطبري في "تفسيره" (٨/٣٥٣) وذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٢/٢٨٩) وزاد نسبته لابن إسحق وابن المنذر وابن أبي حاتم. والأثر ذكره ابن هشام في "السيرة النبوية" (٢/٢٠٨ ـ ٢٠٩)..
٢٣ ينظر: تفسير القرطبي ٥/١٢٦..
٢٤ في أ: الذين..
٢٥ في ب: نفاقهم..
٢٦ في أ: تواعد..

### الآية 4:38

> ﻿وَالَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ ۗ وَمَنْ يَكُنِ الشَّيْطَانُ لَهُ قَرِينًا فَسَاءَ قَرِينًا [4:38]

قوله : وَالَّذِينَ يُنْفِقُونَ  فيه ثلاثة أوْجُه :
أحدها : أن يكون مَرْفُوعاً عطفاً على  الَّذِينَ يَبْخَلُونَ ، والخبر : أن اللَّه لا يَظْلِم كما تقدم وصفه. 
والثاني : مجرور عَطْفاً على  الْكَافِرِيْنَ  أي : أعْتَدْنا للكافِرِين، والذين يُنْفِقُون أموالهم رئاء النَّاسِ، قاله ابن جَرِير. 
الثالث : أنه مُبْتَدأ، وخبره مَحْذُوف، أي : معذَّبُون أو قَرِينُهم الشَّيْطَان، فعلى الأوَّلَيْن يكون من عَطْف المُفردات، وعلى الثالث من عَطْفِ الجُمَل. 
قوله : رِئَاءَ النَّاسِ  فيه ثلاثة أوْجُه :
أحدُها : أنه مَفْعُول من أجْلِه، وشُرُوط النَّصْبِ متوفِّرة. 
الثاني : أنه حَالٌ من فَاعل " ينفقون " يعني : مصْدراً واقعاً مَوْقع الحالِ، أي : مرائين[(١)](#foonote-١). 
والثالث : أنه حَالٌ من نَفْس المَوْصُول، ذكره المَهْدَوي، و " رئاء " مصدر مُضَافٌ إلى المَفْعُول.

### فصل


قال الوَاحِدِي[(٢)](#foonote-٢) : نزلت في المُنَافِقِين وهو الوَجْه لذكر الرِّيَاء، وهو ضرْب من الإنْفَاقِ، وهو قول السدي، وقيل : نزلتْ في اليَهُود[(٣)](#foonote-٣) وقيل : نزلَتْ في مُشْرِكِي مكَّة المُنْفِقين على عَداوَة الرَّسُول - عليه السلام -[(٤)](#foonote-٤). 
قال ابن الخَطِيب[(٥)](#foonote-٥) : والأوْلَى أن يُقَال : إنه - تعالى - لمَّا أمر بالإحْسَان إلى المُحْتَاجِين، بين أن المُمْتَنِعِ من ذَلِكَ قِسْمَان :
إما بألاّ يُعْطي شيئاً، وهو البُخْل فَذَكَرَهُ. 
وإما بأن يُعْطِي رياءً وسُمْعَةً ؛ فهذا أيضاً مذمومٌ، فلم يَبْقَ إلا الإنْفَاق للإحْسَان. 
وقوله : وَلاَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ  فيه ثلاثة أوجه :
أحدها : أنه مُسْتأنف. 
والثاني : أنه عَطْف على الصِّلة، وعلى هذين الوَجْهَيْن، فلا مَحَلَّ له من الإعْرَابِ. 
والثالث : أنه حالٌ من فاعل يُنْفِقُون، إلا أن هذين الوَجْهَيْن الأخيريْن، أعني : العطف على الصِّلة، والحالية مُمْتَنعان على الوجْه المَحْكِيّ عن المَهْدَوي[(٦)](#foonote-٦)، وهو كون " رئاء " حالاً من نَفْسِ المَوْصُول[(٧)](#foonote-٧) ؛ لئلا يَلْزَم الفَصْل بين أبعاض الصِّلة، أو بين الصِّلة ومعمولها بأجْنَبِيّ، وهو " رِئَاءَ " ؛ لأنه حَالٌ من المَوْصُول لا تعلُّق له بالصِّلَة، بخلاف ما إذا جَعَلْنَاه مَفْعُولاً \[ له \][(٨)](#foonote-٨) أو حَالاً من فَاعِل  يُنْفِقُونَ  فإنَّه على الوَجْهَين معمول ل  يُنْفِقُونَ [(٩)](#foonote-٩) فليس أجْنَبِيّاً، فلم يُبَالَ[(١٠)](#foonote-١٠) بالفَصْل به، وفي جَعْلِ  وَلاَ يُؤْمِنُونَ  حالاً نَظرٌ ؛ من حَيْث أن بَعْضهم نَصَّ على أنَّ المُضَارع المُنفِيّ ب " لا " [(١١)](#foonote-١١) كالمُثبت ؛ في أنَّه لا يَدْخل عَليْه واو الحَال، وهو مَحَلُّ[(١٢)](#foonote-١٢) تَوَقُّف، وكرِّرت لا في قوله - تعالى : وَلاَ يُؤْمِنُونَ \[ بِاللَّهِ وَلاَ \][(١٣)](#foonote-١٣) بِالْيَوْمِ الآخِرِ  ؛ وكذا[(١٤)](#foonote-١٤) الباء إشعاراً بأنَّ الإيمان مُنتفٍ عن كلِّ على حدته \[ كما \][(١٥)](#foonote-١٥) لو قُلت : لا أضرب زيداً أو عَمْرًا، احْتمل في الضَّرْب عن المَجْمُوع، ولا يَلْزَم منه نَفْي الضَّرْب عن كل وَاحِدٍ على انْفِرَادِه، \[ واحتمل نَفْيه عن كُلِّ واحِدٍ بالقرانِ \][(١٦)](#foonote-١٦). 
وإذا قُلْت ولا عَمْراً، تعيَّن هذا الثَّانِي. 
قوله - تعالى - : وَمَن يَكُنِ الشَّيْطَانُ لَهُ قَرِيناً فَسَاءَ قِرِيناً  :
قوله : وَمَن يَكُنِ الشَّيْطَانُ لَهُ قَرِيناً  أي : صاحِباً وخَليلاً، والمَعْنى : أن الشَّيْطَان قَرِين لأصْحَاب هذه الأفْعَالِ. 
قال القرطبي[(١٧)](#foonote-١٧) : في الكلام إضْمَار، تقديره : وَلاَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلاَ بِالْيَوْمِ الآخِرِ  فَقَرينُهُم الشَّيْطَان  وَمَن يَكُنِ الشَّيْطَانُ لَهُ قَرِيناً فَسَاءَ قِرِيناً . 
قوله : فَسَاءَ قِرِيناً  وفي " فساء " هذه احتمالان :
أحدهما : أنَّها نقلت إلى الذَّمِّ، فجرت مُجْرى " بِئْسَ "، ففيها ضَميرٌ فاعلٌ لها مُفَسِّر بالنكِرَة بعده، وهو  قِرِيناً  والمخصُوص بالذَّمِّ مَحْذُوف، أي : فَسَاءَ قريناً هُوَ، وهو عائد \[ إما \] على الشَّيْطَان، وهو الظَّاهِر، وإمَّا على " مَنْ "، وقد تَقَدَّم حكم نِعْم وبِئْس. 
الثاني : على بابها، فهي مُتَعَدِّية، ومَفْعُولها مَحْذُوف، و " قريناً " على هذا مَنْصُوب على الحَالِ أو على القَطْعِ، والتَّقدير : فساءَهُ، أي : فساء الشَّيْطَان مُصَاحَبَة ؟
قال القُرْطُبِي[(١٨)](#foonote-١٨) : قِرِيناً  مَنْصوب على التَّمْييز، واحتجُّوا للوجْه الأوَّل بأنَّه كان يَنْبَغِي أن يحذف الفَاءَ من " فَسَاءَ "، أو تَقْتَرِن به " قَدْ "، لأنه حينئذٍ فِعْل مُتَصرِّف ماض، وما كان كذلِك ووقع جواباً للشَّرْط، تَجَرَّد من الفَاءِ أو اقْتَرَن ب " قد "، هذا معنى كَلاَم أبِي حيَّان[(١٩)](#foonote-١٩). 
قال شهاب الدين[(٢٠)](#foonote-٢٠) : وفيه نَظَر ؛ لقوله - تعالى - : وَمَن جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ 
\[ النمل : ٩٠ \]  وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن دُبُرٍ فَكَذَبَتْ  \[ يوسف : ٢٧ \] مما يُؤوّل به هذا ونحوه يَتَأوّل به هذا، وممَّن ذَهَب إلى أن  قِرِيناً  منصوب على الحالِ ابن عَطِيَّة[(٢١)](#foonote-٢١)، ولكن يُحْتَمل أن يكُون قَائِلاً بأن " سَاءَ " متعدِّيَة، وأن يكون قَائِلاً برأي الكُوفيِّين، فإنَّهم يَنْصُبُون ما بَعْدَ \[ نِعْمَ \][(٢٢)](#foonote-٢٢) و " بِئْسَ " على الحَالِ. 
والقَرِين : المُصاحِب \[ الملازِم \][(٢٣)](#foonote-٢٣) وهو فعيل بِمَعْنَى مُفَاعِل : كالخَليطِ والجَليسِ، والقَرَنُ : الحَبْل[(٢٤)](#foonote-٢٤) ؛ لأنه يُقْرنَ به بَيْنَ البعيريْن قال :\[ البسيط \]
. . . \*\*\* وَابْنُ اللَّبُون إذَا مَا لُزَّ فِي قَرَنٍ[(٢٥)](#foonote-٢٥)
١ في أ: مرابين..
٢ ينظر: تفسير الرازي ١٠/٨١..
٣ أخرجه الطبري في "تفسيره" (٨/٣٥٦) عن مجاهد..
٤ انظر "التفسير الكبير" للرازي (١٠/٨١)..
٥ ينظر: تفسير الرازي ١٠/٨١..
٦ في أ: المهدي..
٧ في ب: المفعول..
٨ سقط في أ..
٩ في أ: لينفقون..
١٠ في أ: يسأل..
١١ في أ: بلا..
١٢ في أ: محال..
١٣ سقط في ب..
١٤ في أ: لهذا..
١٥ سقط في ب..
١٦ سقط في ب. وفي الدر المصون "بانفراده بدل بالقرآن"..
١٧ ينظر: تفسير القرطبي ٥/١٢٦..
١٨ ينظر: تفسير القرطبي ٥/١٢٧..
١٩ ينظر: البحر المحيط ٣/٢٥٩..
٢٠ ينظر: الدر المصون ٢/٣٦٣..
٢١ ينظر: المحرر الوجيز ٢/٥٣، وعبارة المحرر: منصوب على التمييز..
٢٢ سقط في ب..
٢٣ سقط في أ..
٢٤ في أ: الحبال..
٢٥ هذا صدر بيت لجرير وعجزه:
 لم يستطع صولة البزل القناعيس
 ينظر ديوانه (٣٢٣) والكتاب ١/٢٩٥ وشرح المفصل لابن يعيش ١/٣٥ واللسان (لزز) والدر المصون ٢/٢٢٧، ٣٦٣..

### الآية 4:39

> ﻿وَمَاذَا عَلَيْهِمْ لَوْ آمَنُوا بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقَهُمُ اللَّهُ ۚ وَكَانَ اللَّهُ بِهِمْ عَلِيمًا [4:39]

قوله :" وماذا عليهم ". 
قد تقدم الكلام على نَظِيرتِها، و " ماذا عليهم " استفهام بمعنى الإنكار. 
قال القرطبي :" ما " : في موضع رفع بالابتداء، و " ذا " خبره، و " ذا " خبره، و " ذا " بمعنى الَّذِي، وهذا يحتمل أن يكُون الكلام قد تَمَّ هنا، ويجوز أن يكونُ " وماذا " اسماً واحداً، ويكون المَعنى أي : وأيُّ شيء عليهم في الإيمانِ باللَّهِ، أو ماذا عَلَيْهم من الوَبَال والعَذَابِ يَوْم القِيَامَة. 
ثم استأنف بقوله : لَوْ آمَنُواْ  ويكُون جَوَابُهَا مَحْذُوفاً، أي : حصلت لهم السَّعَادة، ويحتمل أن يَكُون \[ تمام \] الكَلاَم ب " لو " ومَا بَعْدَها، وذلك على جَعْل " لو " مصدريَّة عند من يُثْبِتُ لها ذلك، أي : وماذا عليهم في الإيمان، ولا جَواب لها حينئذٍ، وأجاز ابن عطيَّة[(١)](#foonote-١) أن يَكُون  وَمَاذَا عَلَيْهِمْ  جواباُ ل " لَوْ "، فإن أراد من جهة المَعْنَى فمُسلَّمٌ[(٢)](#foonote-٢) وإن أرادَ من جهة الصِّنَاعة فَفَاسِدٌ ؛ لأن الجواب الصِّنَاعي لا يتَقدّم عند البَصْرِيِّين، وأيضاً فالاستفهام لا يُجَاب ب " لو "، وأجاز أبُو البَقَاء[(٣)](#foonote-٣) في " لو " أن تكُون بمعنى " إن " الشَّرطيّة ؛ كما جاء في قوله : وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ  \[ البقرة : ٢٢١ \] أي : وأيُّ شيءٍ عليهم إن آمَنُوا. 
قال الجبائي[(٤)](#foonote-٤) : ولو كانوا غَيْرَ قَادِرين، لم يجز أن يقُول اللَّه ذلِك ؛ كما لا يُقالُ لمن هُو في النَّار مُعَذَّب : ماذا عليهم لَوْ خَرَجُوا مِنْها، وصَارُوا إلى الجَنَّة، وكما لا يُقال للجَائِع الذي لا يَقْدِر على الطَّعام : ماذا عَلَيْه لو أكَل. 
\[ وقال الكعبي \][(٥)](#foonote-٥) لا يجوز أن يَمْنَعه القُدْرة، ثم يَقُول : ماذا عَلَيْه لو آمَنَ، كما \[ لا \] يقال لمن بِه مَرَضٌ : ماذا عليه لَوْ كَانَ صَحِيحاً، ولا يُقَال للمرأة : ماذا عليها لو كَانَت رَجُلاً، وللقَبيح : ماذا عَلَيْه لو كان جَمِيلاً كما لا يَحْسُن هذا القَوْل من العَاقِل، كذلك لا يَحْسُن من اللَّه - تعالى -. 
وقال القَاضِي عبد الجَبَّار[(٦)](#foonote-٦) : لا يُجوز أن يأمر العاقل وكيله بالتَّصَرُّف في الصَّفَقَة[(٧)](#foonote-٧)، ويَحْبِسهُ بحيث لا يتمكَّنُ من مُفارقة الحَبْسِ، ثم يقولُ لَهُ : مَاذَا عليك لو تصَرَّفْت، وإذا كان من يَذكر مثل هذا الكلام \[ سفيهاً \][(٨)](#foonote-٨) دل ذلك على أنَّه على اللَّه - تعالى - غير جَائِزٍ واعلم أن مِمَّا تمسَّك به المُعْتَزِلة من المَدْح والذَّمِّ والثَّواب والعِقَاب، معارضتهم بمسْألة العِلْم والدَّاعِي. 
قال ابن الخَطِيب[(٩)](#foonote-٩) : قد يَحْسُن منه ما من غيره ؛ لأن المُلْك مُلْكُه. 
ثم قال : وَكَانَ اللَّهُ بِهِم عَلِيماً  أي : عليم ببواطنِ الأمُور كما هو عَليمٌ بِظَاهِرِها، وهذا كالرَّدْع للمكلَّف عن القَبَائح من أفْعال القُلُوبِ ؛ مثل النِّفاق والرِّيَاء والسُّمْعَة.

١ ينظر: المحرر الوجيز ٢/٥٣..
٢ في أ: المسلم..
٣ ينظر: الإملاء ١/١٨٠..
٤ ينظر: تفسير الرازي ١٠/٨١..
٥ ينظر: السابق..
٦ ينظر: السابق..
٧ في أ: النفقة وفي الرازي الضيعة..
٨ سقط في أ..
٩ ينظر: تفسير الرازي ١٠/٨٢..

### الآية 4:40

> ﻿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ ۖ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا [4:40]

لما بيَّن أنه عَلِيم ببَواطِنِهم وظَواهِرِهم، بيَّن أنَّه كما علمها، لا يَظْلِم مثقال ذرَّة منها. 
قوله : مِثْقَالَ ذَرَّةٍ  فيها وَجْهَان :
أحدهما : أنه مَنْصُوب على أنه نَعْت لمصْدر مَحْذُوف، أي : لا يَظْلِم أحَداً ظُلْمَاً وَزْن ذَرَّة[(١)](#foonote-١)، فحذف المفْعُول والمَصْدر، وأقام نَعْتَه مَقَامه، ولمّا ذكر أبو البقاء[(٢)](#foonote-٢) هذا الوَجْه، قَدَّر قبله مُضَافاً مَحْذُوفَاً، قال تقْدِيره : ظلماً قَدْر مِثْقال ذرَّة، فحذفَ المَصْدر وصِفَتَه، وأقَام المُضَاف إلَيْه مَقَامَه، ولا حاجة إلى ذلك ؛ لأن المثْقال نفسه هو قَدَرٌ من الأقْدَار، جُعِل مِعْيَاراً لهذا القَدَر المَخْصُوص. 
والثاني : أنه مَنْصُوب على أنه مفعول ثانٍ ل " يظلم "، والأوّل، مَحْذُوف ؛ كأنهم ضَمَّنُوا " يظلم " معنى " يغصب " أو " ينقص " فعَدَّوهُ[(٣)](#foonote-٣) لاثنين، والأصْل أن الله لا يَظْلِمُ أحَداً مِثْقَالَ ذَرَّة. 
والمِثْقَال مِفْعَال من الثِّقَل، يُقال : هذا على مثال هَذَا، أي : وَزْنه، ومعنى الآيَةِ : أنه - تعالى - لا يَظْلَمِ أحداً[(٤)](#foonote-٤) لا قَلِيلاً ولا كَثِيراً، وإنما أخْرَجَهُ على أصْغَر ما يتعارَفَه النَّاس، ويُؤيِّده قوله - تعالى - : إِنَّ اللَّهَ لاَ يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئاً [(٥)](#foonote-٥) \[ يونس : ٤٤ \] والذَّرَّة، قال أهل اللُّغَة : هي النَّمْلَة الحمراء، وقيل : رَأْسُها[(٦)](#foonote-٦)، وقيل : الذَّرَّة جُزْء من أجْزَاء الهَبَاء في الكوة، ولا يَكُون لها وَزْن. 
وروي أن ابْن عبَّاس أدْخَل يَدَه في التُّرَاب، ثم رَفَعَها، ثم نَفَخَ فيها، ثم قال : كل وَاحِدٍ من هَذِه الأشْيَاء[(٧)](#foonote-٧). 
والأول هو المَشْهُور : لأن النَّمْلَةَ يُضْرب بها المثل في القِلَّة، وأصغر ما يَكُون إذا مرّ عليها حَوْل، وقالوا : لأنَّها حينئذٍ تَصْغُرُ جِدَّاً. 
قال حَسّان :\[ الخفيف \]

لَوْ يَدِبُّ الحَوْليُّ مِنْ وَلَدِ الذَّرْ  رِ عَلَيْهَا لأنْدَبَتْها الكُلُومُ[(٨)](#foonote-٨)وقال امْرُؤُ القَيْس :\[ الطويل \]مِنَ القَاصِرَاتِ الطَّرْفِ لَوْ دَبَّ مُحْوِلٌ  مِنَ الذَّرِّ فَوْقَ الإتْبِ مِنْهَا لأثَّرَا[(٩)](#foonote-٩)### فصل


روي مُسْلِم عن أنس ؛ قال : قال رسُول الله صلى الله عليه وسلم :" لا يَظْلِمُ اللَّهُ مُؤْمِناً حَسَنَة، يُعْطَى بها \[ في الدُّنْيَا \][(١٠)](#foonote-١٠) ويُجْزَى بها في الآخِرَة، وأما الكَافِر فَيُعْطى حسناتٍ ما عامل اللَّه بِهَا في الدُّنْيَا، حتى إذا مَضَى إلى الآخِرَةِ، لم يَكُن له حَسَنَة يُجْزَى عَلَيْهَا " [(١١)](#foonote-١١). 
### فصل : دليل أهل السنة على خروج المؤمنين من النار


واحتج أهْل السُّنَّة بهذه الآية، على أنَّ المُؤمنين يَخْرجُون من النَّار إلى الجَنَّة ؛ قالوا : لأن ثَوَاب الإيمان والمُداوَمَة على التَّوْحيد، والإقْرَار بالعُبُودِيَّة مائة سَنَة، أعْظَم ثواباً من عِقَابِ شُرْب جَرْعَة من الخَمْر، فإذا حضر هذا الشَّارِبُ القيامَة وأسْقِط \[ عنه \][(١٢)](#foonote-١٢) قدر عِقَاب هذه المَعْصِية من ذلك الثَّواب العَظيم، فَضُل له من الثَّواب قَدْر عَظيم، فإذا دخل النار بسبب القَدْر من العِقَابِ، فلو بَقي هُنَاك، لكان ذَلِكَ ظُلْمَاً، فوجب القَطْع بأنه يَخْرُج إلى الجَنَّة. 
وقوله : وَإِن تَكُ حَسَنَةً  حذفت النَّون تَخْفِيفاً، لكثرة الاستعمَال، وهذه قَاعِدَةٌ كُلِّية، وهو أنه يجوز حذْف نُون " تكُون " مجْزُومة، بشرط ألاَّ يلِيهَا ضميرٌ متَّصِل ؛ نحو لم يَكُنْه، وألاَّ تُحرَّك النٌّون لالتقاء الساكنِين، نحو : لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُواْ  \[ البينة : ١ \] خلافاً ليُونُس ؛ فإنه أجَازَ ذلك مستدلاً بقوله :\[ الطويل \]فَإنْ لَمْ تَكُ المِرْآةِ أبْدَتْ وَسَامَةً  فَقَدْ أبْدَتْ \[ المِرْآةُ \][(١٣)](#foonote-١٣) جَبْهَةَ ضَيْغَمِ[(١٤)](#foonote-١٤)وهذا عند سيبويه[(١٥)](#foonote-١٥) ضرُورةٌ، وإنما حُذِفَت النَّون لغُنّتها وسُكُونِها، فأشْبهت الواو، وهذا بِخلاف سَائِرِ الأفْعال، نحو : لم يَضِنَّ، ولم يَهُنْ ؛ لكثرة اسْتِعْمال " كَانَ "، وكان ينبغي أن تَعُود الواو عند حذف هذه النُّون ؛ لأنها إنَّما حُذِفَت لالتقاء الساكنين، وقد زالَ[(١٦)](#foonote-١٦) ثانيهما وهو النُّونُ ؛ إلا أنَّها كالملفوظ بِهَا. 
واعلم أن النُّون السَّاكِنَة، إذا وقعت طرفاً تشبه حُرُوف اللِّين، وحُرُوف اللِّين إذا وقعت طرفاً سَقَطت للجزم، وقد جاء القُرْآن بالحَذْف والإثبات :
أما الحَذْف : فهذه الآية. 
\[ وأما الإثبات \][(١٧)](#foonote-١٧) فكقوله : إِن يَكُنْ غَنِيّاً أَوْ فَقَيراً  \[ النساء : ١٣٥ \]. 
وقرأ الجمهور  حَسَنَةً  نصباً على خَبَر كان النَّاقِصة، واسْمُهَا مستَتِرٌ فيها يَعُود على مِثْقَال، وإنَّما أنِّث ضميره حَمْلاً على المَعْنَى ؛ لأنه بمعْنَى : وإن تَكُن زِنة ذَرَّة حَسَنة، أو لإضافته إلى مُؤنَّثِ، فاكتَسبَ منه التَّأنِيث. 
وقرأ ابن كثير ونافع :" حَسَنَةٌ " رفعاً على أنَّها التَّامَّة، أي : وإن تقع أو تُوجد حَسَنةٌ وقرأ ابن كثير[(١٨)](#foonote-١٨) وابن عامرٍ " يضعفها " بالتضعيف، والباقون :" يضاعفها " قال أبو عبيدة[(١٩)](#foonote-١٩) ضاعَفَهُ يقتضي مِرَاراً كثيرة، وضَعَّفَ يقتضي مَرَّتَيْن، وهذا عكس كَلاَم العَرب، لأن المُضَاعَفَة تقتَضِي زيادة المِثْل، فإذا شُدِّدت، دَلَّت البنية على التكثير، فيقْتَضي ذلك تَكْرِيرُ المُضاعفة، بحسبِ ما يكون من العَدَدِ. 
وقال الفَارِسِيّ[(٢٠)](#foonote-٢٠) : فيها لغتان بمعنى يدُلُّ عليه[(٢١)](#foonote-٢١) قوله : يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ 
 فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافاً كَثِيرَةً  \[ البقرة : ٢٤٥ \] وقد تقدَّم ذلك، وقرأ ابن هُرْمُز[(٢٢)](#foonote-٢٢) :" نضاعفها " \[ بالنون، وقُرئ " يضعفها " \][(٢٣)](#foonote-٢٣) بالتَّخْفيف من أضْعَفَه[(٢٤)](#foonote-٢٤) مثل أكْرَمَ. 
### فصل


قال أبو عُثْمَان النَّهْدي : بلغني عن أبي هُرَيْرة ؛ أنه قال : إن اللَّه يعطِي عبده المُؤمِن بالحَسَنَةِ الواحِدَةِ ألْف ألف حَسَنَةٍ، فقدّره الله أنْ ذهبْت إلى مكَّة حَاجّاً أو معتمِراً فلقيته فقلت : بَلَغَني أنك تقول إن اللَّه يُعْطِي عبده المُؤمِن بالحسنة ألف ألف حسنَة، قال أبو هريرة : لم أقُلْ ذلك، ولَكِن قُلْتُ : إن الحَسَنَة تُضاعف بألْفي ألْفَي ضِعْف، ثم تلا هذه الآية[(٢٥)](#foonote-٢٥) ؛ وقال : قال الله - تعالى : وَيُؤْتِ مِن لَّدُنْهُ أَجْراً عَظِيماً  لمن يَقْدر قَدْرَه. 
قوله : مِن لَّدُنْهُ  فيه وجهان :
أحدهما : أنه مُتَعَلِّق ب " يؤت " و " من " للابْتِدَاءِ مَجَازاً. 
والثاني : متعلِّقٌ بمحْذُوف على أنه حَالٌ من " أجراً "، فإنه صِفَة نكرة في الأصْلِ، قُدِّم عليها فانْتَصَب حالاً. 
و " لدن " بمعنى عِنْد، إلا أن " لدن " [(٢٦)](#foonote-٢٦) أكثر تمكيناً، يقول الرَّجُل : عندي مَالٌ، إذا كان \[ مَالهِ \][(٢٧)](#foonote-٢٧) ببلَدٍ آخر، ولا يُقَال : لَدَيّ مالٌ في حالٍ، ولا لَدَيّ إلاَّ لما كان حَاضِراً. 
١ في أ: الذرة..
٢ ينظر: الإملاء ١/١٨٠..
٣ في أ: فعله..
٤ في أ: مثقال ذرة..
٥ ينظر: الرازي ١٠/٨٢..
٦ أخرجه الطبري في "تفسيره" (٨/٣٦٠) وذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٢/٢٩٠) وزاد نسبته لعبد بن حميد..
٧ ذكره الرازي في تفسيره ١٠/٨٢..
٨ ينظر البيت في ديوانه ٢٢٣ والبحر المحيط ٣/٢٦١، والدر المصون ٢/٢٦٥..
٩ ينظر البيت في ديوانه (٦٥): والبحر المحيط ٣/٢١٦، والدر المصون ٢/٣٦٥..
١٠ سقط في ب..
١١ أخرجه مسلم (٢/٣٤٤ ـ ٣٤٥) وأحمد (٣/١٢٣، ١٢٥، ٢٨٣) والطيالسي (١١ ـ ٢) والطبري في "تفسيره" (٨/٢٦١) عن أنس بن مالك مرفوعا..
١٢ سقط في أ..
١٣ سقط في أ..
١٤ البيت للخنجر بن صخر الأسدي ينظر خزانة الأدب ٩/٣٠٤، والدرر ٢/٩٦، وسر صناعة الإعراب ٢/٥٤٢، وشرح التصريح ١/١٩٦، ولسان العرب (كون)، والمقاصد النحوية ٢/٦٣، وأوضح المسالك ١/٢٦٩، وتخليص الشواهد ص ٢٦٨، وشرح الأشموني ١/١٢٠، والدر المصون ٢/٣٦٤..
١٥ ينظر: الكتاب ٢/٢٧٩..
١٦ في أ: وقد ترك..
١٧ سقط في أ..
١٨ ينظر: السبعة ٢٣٣، والحجة ٣/١٦١، وحجة القراءات ٢٠٣، والعنوان ٨٤، وإعراب القراءات ١/١٣٤، وإتحاف ١/٥١٢..
١٩ ينظر: المجاز ١/١٢٧..
٢٠ ينظر: الحجة ٣/١٦١..
٢١ في أ: قلبه..
٢٢ ينظر: الدر المصون ٢/٣٦٤، وفي أ: هرم..
٢٣ سقط في أ..
٢٤ في أ: أضاعفه..
٢٥ أخرجه الطبري في "تفسيره" (٨/٣٦٦) وأحمد (٩٧٣٢ ـ شاكر) وابن أبي حاتم كما في "تفسير ابن كثير" وابن أبي شيبة كما في "الدر المنثور" (٢/٢٩٠) عن أبي عثمان النهدي عن أبي هريرة..
٢٦ في أ: عند..
٢٧ سقط في ب..

### الآية 4:41

> ﻿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَىٰ هَٰؤُلَاءِ شَهِيدًا [4:41]

**" فكيف " فيها ثلاثة أقْوَال :**
أحدها : أنَّها في مَحَلِّ رفْع خَبَراً لمبْتَدأ مَحْذُوف، أي : فكيف \[ تكُون \][(١)](#foonote-١) حالهم أو صُنْعُهم، والعَامِل في " إذَا " هو هَذَا المُقَدَّر. 
والثاني : أنها في مَحَلِّ نَصْب بِفْعِل مَحْذُوف، أي : فكيف تكُونونُ أو تَصْنَعُون، ويَجْرِي فيها الوَجْهَان : النَّصْب على التَّشْبِيه بالحَالِ ؛ كما هو مَذْهَب سَيبويْه، أو على التَّشْبِيه بالظَّرفيّة ؛ كما هو مذهب الأخْفَش، وهو العَامِل في " إذَا " أيْضَاً. 
والثالث : حكاه ابن عَطيّة[(٢)](#foonote-٢) عن مَكِّي أنها معمولة ل  جِئْنَا ، وهذا غَلَطٌ فاحِشٌ. 
قوله  مِن كُلِّ  فيه وجْهَان : أحدهما : أنه مُتعلِّق ب  جِئْنَا . 
والثاني :\[ أنه متعلِّقٌ \][(٣)](#foonote-٣) بمحذوفٍ على أنَّه حَالٌ من  شَهِيداً ، وذلك على رَأي من يُجَوِّزُ تقديم حالِ المجرُور بالحَرْفِ عليْهِ، كما تقدَّم، والمشهود مَحْذُوف، أي : شهيد على أمَّتِه. 
### فصل : معنى  فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا 


من عَادَة العرب أنَّهم يقُولُون في الشَّيء الذي يتوقَّعُونَهُ : كيف بك إذا كان كَذَا وكَذَا، ومعنى الكلام : كيْفَ يرون \[ يَوْمَ \][(٤)](#foonote-٤) القيامة : إذا اسْتَشْهَد الله على كُلِّ أمَّة برسُولِهَا يشهد عليهم[(٥)](#foonote-٥) بما عَمِلُوا،  وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاءِ شَهِيداً  أي : شاهداً على جميع الأمَمِ. 
روى أبو مَسْعُود ؛ " قال : قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم :" اقْرَأ عَلَيَّ ". فقلت : يا رسُول الله، أَقْرَأ عَلَيْكَ، وعَلَيْكَ أنْزِلَ ؟ قال :" نَعَم، أحِبُّ أن أسْمَعَهُ من غَيْرِي "، فقرأت سُورة النِّسَاء حتى أتيْتُ إلى هذه الآيةِ، قال : حَسْبُك الآن، فالتَفَتُّ إلَيْه فإذا عَيْنَاهُ تَذْرِفان " [(٦)](#foonote-٦). 
قوله  وَجِئْنَا بِكَ  في هذه الجُمْلَة ثلاثة أوجه :
أظهرها[(٧)](#foonote-٧) : أنها في مَحَلِّ جرِّ عطفاً على  جِئْنَا  الأولى[(٨)](#foonote-٨)، أي : فكيف تصنعون في وَقْتِ المجيئين. 
والثاني : أنها في مَحَلِّ نصب على الحَالِ و " قَدْ " مُرَادةٌ معها، والعَامِلُ فيها  جِئْنَا  \[ الأولى، أي : جئنا \][(٩)](#foonote-٩) من كُلِّ أمَّة بشهيدٍ وقد جِئْنَا ؛ وفيه نَظَر. 
الثالث : أنها مُسْتأنَفَة فلا مَحَل لها قال أبُو البَقَاء[(١٠)](#foonote-١٠) ويجوز أن تكون مُسْتأنفَة، ويكون المَاضِي بمعنى المُسْتَقْبَل انتهى. 
وإنما احْتَاج \[ إلى ذلك \][(١١)](#foonote-١١) ؛ لأن المَجِيءَ بعد لَمْ[(١٢)](#foonote-١٢) يَقَع فادّعى ذلك، والله أعْلَم. 
قوله : عَلَى هَؤُلاءِ  متعلِّق ب  شَهِيداً [(١٣)](#foonote-١٣) و " عَلَى " على بابها، وقيل : بمعْنَى اللام، وفيه بُعْدٌ \[ وأجيز أن يكُونَ " عَلَى " متعلِّقَة بمحذُوفٍ على أنَّها حالٌ من  شَهِيداً  وفيه بُعْدٌ \][(١٤)](#foonote-١٤)، و  شَهِيداً  حالٌ من الكَافِ في " بِكَ ". 
١ سقط في أ..
٢ ينظر: المحرر الوجيز ٢/٥٥..
٣ سقط في أ..
٤ سقط في أ..
٥ في ب: عليهم..
٦ أخرجه البخاري (٨/٢٥٠) كتاب التفسير (٤٥٨٢) وفضائل القرآن (٥٠٤٩، ٥٠٥٠) ومسلم كتاب صلاة المسافرين (٢٤٧ ـ ٨٠٠)، (٢٤٨/٨٠٠) عن عبد الله بن مسعود.
 وأخرجه الحاكم (٣/٣١٩) عن عمرو بن حريث مطولا.
 وقال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه ووافقه الذهبي..
٧ في أ: أحدهما..
٨ في أ: الأول..
٩ سقط في أ..
١٠ ينظر: الإملاء ١/١٨١..
١١ سقط في أ..
١٢ في أ: بعده..
١٣ في أ: بشهيد..
١٤ سقط في ب..

### الآية 4:42

> ﻿يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّىٰ بِهِمُ الْأَرْضُ وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا [4:42]

قوله : يَوْمَئِذٍ  فيه ثلاثة أوجُه :
أحدها : أنه مَعْمُولٌ ل  يَوَدُّ [(١)](#foonote-١) أي : يَوَدُّ الذين كَفَروا يَوْمَ إذ جِئْنَا[(٢)](#foonote-٢). 
والثاني : أنه مَعْمُول ل  شَهِيداً ، قاله أبو البَقَاء[(٣)](#foonote-٣) ؛ قال وعلى هذا يكُون " يود " صفة ل " يوم "، والعائد مَحْذُوفٌ، تقديره : فيه، وقد ذكر ذلك في قوله : وَاتَّقُواْ يَوْماً لاَّ تَجْزِي  \[ البقرة : ٤٨ \]، وفيما قاله نظر. 
والثَّالث : أن " يوم " مَبْنِيٌّ، لإضافته إلى " إذْ " قاله الحُوفيّ، قال : لأنَّ الظرف إذا أضيفَ إلى غير مُتَمكِّنٍ، جَازَ بناؤهُ معه، و " إذْ " هنا اسْمٌ ؛ لأن الظروف إذا أُضِيفَ إليها، خَرَجَتْ إلى مَعْنَى الاسميَّة، من أجل تَخْصِيص المُضَافِ إليْها، كما تخَصّص الأسْمَاء مع استحقَاقِها الجرّ، والجرُّ ليس من علامَاتِ الظُّروف، والتَّنْويِن في " إذْ " تنوين عوض على الصَّحيح، فقيل : عِوضٌ من الجُمْلَة الأولى، في قوله : جِئْنَا مِن كُلِّ  أي : يومئذٍ جِئْنَا من كُلِّ أمَّة بشهيدٍ، وجئنا بِكَ على هؤلاء شهيداً، و " الرسول " على هذا اسْم جِنْسٍ، وقيل : عِوَضٌ عن الجُمْلَة الأخيرةَ وهي  وَجِئْنَا بِكَ ، ويكون المُراد ب " الرسول " : محمد صلى الله عليه وسلم، وكأن النَّظْم وعَصَوْك، ولكن أبرز ظاهراً بضفة الرِّسَالة تَنْوِيهاً بقدره وشرفِه. 
وقوله : وَعَصَوُاْ  فيه ثلاثة أوْجُه :
أحدها : أنها جُمْلَة معطوفة على  كَفَرُواْ  فتكون صِلَةً، فيكونون جَامِعِين بين كُفْرٍ ومَعْصِيَة ؛ لأن العَطْفَ يقتضي المُغَايَرَة، وإذا كان ذَلِكَ، فَيُجْمل عصيان الرَّسُول على المعَاصِي المغايرَة للكُفْر، وإذا ثبت ذلك، فالآيَةُ دالَّة على أن الكُفَّار مخاطبُون بفُرُوع الإسلام[(٤)](#foonote-٤). 
وقيل : هي صِلَةٌ لموصول أخَر، فيكون طَائِفَتَيْن، وقيل : إنها في مَحَلِّ نصبٍ على الحال من  كَفَرُواْ ، و " قد " مُرَادَة[(٥)](#foonote-٥)، أي : وقد عَصَوا. 
وقرأ يحيى وأبو السَّمال[(٦)](#foonote-٦) :" وعَصَوِا الرسول " بكسر الواوِ على الأصْلِ. 
قوله : لَوْ تُسَوَّى  إن قيل إن " لو " على بابها كما هو قَوْل الجُمْهُور، فَمَفْعُول  يَوَدُّ  محذوفٌ، أي : يودُّ الَّذِين كَفَرُوا تَسْوية الأرْض بهم، ويدل عليه  لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الأَرْضُ ، وجوابها حينئذٍ مَحْذُوف، أي : لسُرُّوا بذلك[(٧)](#foonote-٧). 
وإن قيل : إنها مصدريَّة، كانت وهي وما بَعْدَها في محلّ مَفْعُول  يَوَدُّ ، ولا جواب لها حينئذ، وقد تقدَّم تحقيق ذلك في  يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ  \[ البقرة : ٩٦ \]. 
قال أبو البقاءِ[(٨)](#foonote-٨) :" وعصوا الرسول " في موضع الحالِ، و " قد " مُرَادةٌ، وهي معْتَرِضَة بين " يود " وبين مَفْعُولها، وهي " لو تسوى " و " لو " بمعنى المصدريَّة انتهى. 
وفي جَعْلِ الجملة الحَاليَّة معترضة بين المَفْعُول وعامِله نَظَرٌ لا يَخْفَى ؛ لأنها من جُمْلَة متعلِّقَات العامِل الذي هو صِلَة للمَوْصُول ؛ وهذا نظير قولك : ضَرَب الذين جَاءُوا مُسْرِعين زَيْداً، فكما لا يُقال : إن مُسْرِعين مُعْتَرض به، فكذلك هذه الجملة. 
وقرأ أبو عمرو وابن كثير وعاصم[(٩)](#foonote-٩) : تُسَوَّى \[ بضم التَّاءِ، وتخفيف السِّين مبنياً للمفعُول، وقرأ حمزة[(١٠)](#foonote-١٠) والكِسائي :" تَسَوَّى " \][(١١)](#foonote-١١) بفتح التَّاء والتَّخفيف، ونافع وابن عامر : بالتَّثْقِيل[(١٢)](#foonote-١٢). 
فأما القراءة الأولَى، فمعناها : أنَّهم يودُّون أن الله - سبحانه وتعالى - يُسَوِّي بهم الأرض : إمّا على أن الأرْض تَنْشَقُّ وتبتلِعُهم[(١٣)](#foonote-١٣)، وتكون البَاءُ بمعنى " عَلَى "، وإما على أنَّهُم يودُّون أن لو صارُوا تُرَاباً كالبَهَائِمِ، والأصْل يودُّون أن الله - تعالى - يُسَوِّي بهم[(١٤)](#foonote-١٤) الأرض، فَقُلِبَت إلى هَذَا ؛ كقولهم : أدْخَلْتُ القََلُنْسُوَة في رَأسِي، وإمّا على أنَّهم يودُّون لو يُدْفَنُون فيها، وهو كالقَوْلِ الأوَّل. وقيل : لو تُعْدَلُ بهم الأرْضُ، أي : يُؤْخَذ ما عَلَيْها منهم فِدْيَة. 
وأما القِرَاءة الثانية : فأصلها " تتسوى " \[ بتاءَيْن \][(١٥)](#foonote-١٥)، فحذفت إحداهما، وأدغمت في السّين لقربها منها. 
وفي الثَّالِثَة حذفت إحداهما، ومعنى القراءتين ظاهرٌ ممَّا تقدَّم ؛ فإن الأقوال الجاريةَ في القراءة الأولَى، جاريةٌ في القراءتين الأخيرتَيْن غاية[(١٦)](#foonote-١٦) ما في البَابِ أنه نَسَب[(١٧)](#foonote-١٧) الفِعْل إلى الأرْض ظاهراً. 
قوله : وَلاَ يَكْتُمُونَ اللَّه  : فيه ستة أوْجُه[(١٨)](#foonote-١٨) : وذلك أن هذه الواو تَحْتَمِل أن تكون لِلعَطْف، وأن تكون للحالِ. 
فإن كانت للعَطْف، احْتمل أن تكُون من عطف[(١٩)](#foonote-١٩) المفرداتِ، \[ وأن تكون من عطف الجُمَلِ، إذا تقرر هذا \]، فقوله : وَلاَ يَكْتُمُونَ اللَّه  يجوزُ أن يكون عَطْفاً[(٢٠)](#foonote-٢٠) على مَفْعُول  يَوَد  أي : يودُّون تسوية الأرْضِ بهم، وانتفاء كتمان الحديث، و " لو " على هذا مَصدريَّة، ويبعد جَعْلُها حرفاً لما كان سيَقَع لوُقُوع غَيْرِه، ويكون و " لا يكتمون " عطفاً على مَفعُول " يود " المحذُوف، فهذان وَجْهَان[(٢١)](#foonote-٢١) على تقدِير كَوِنِه من عطف المفردات. 
ويجوز أن يكون عَطْفاً على جُمْلة " يود " أخبر - تعالى - عنهم بخبرين :
أحدهما : الودادةُ لِكَذَا. 
والثاني : أنهم[(٢٢)](#foonote-٢٢) لا يقدرُون على الكَتْمِ في مواطِنِ دون \[ مَوَاطِن \][(٢٣)](#foonote-٢٣)، و " لو " على هذا مَصدريَّة، ويجوز أن تكون \[ لو \][(٢٤)](#foonote-٢٤) حرْفاً لما سيقع لوقُوع غيره، وجوابُهَا مَحْذُوف، ومفعول " يود " أيضاً مَحْذُوف، ويكون " ولا يكتمون " عطفاً على " يود " وما في حيزها، ويكون - تعالى - قد أخبر عَنْهُم بثلاثِ[(٢٥)](#foonote-٢٥) \[ جمل \][(٢٦)](#foonote-٢٦) : الوَدَادَة، وجُمْلَة الشرط ب " لو "، وانتفاء الكِتْمَان، فهذان أيضاً وَجْهَان على تقدير كونِه من عطفة الجُمَل، وإن كانت للحالِ، جاز أن تكُون حالاً من الضمير في " بهم "، والعامِل فيها " تسوى "، ويجوز في " لو " حينئذٍ أن تكون[(٢٧)](#foonote-٢٧) مصدريَّة، وأن تكون امتناعيَّة، والتقدير : يُريدُون تَسْوِيَة الأرْض بهم غير كَاتِمين، أو لَوْ تُسَوَّى بهم غير كَاتِمين لكان ذلك بُغْيَتهم[(٢٨)](#foonote-٢٨)، ويجوز أن تكون حالاً من " الذين كفروا "، والعامِل فيها " يود " ويكون الحالُ قيداً[(٢٩)](#foonote-٢٩) في الوَدَادَةِ، و " لو " على هذا مصدريَّة في \[ محل \][(٣٠)](#foonote-٣٠) مفعُول الوَدَادَة، والمعْنَى \[ يومئذٍ \][(٣١)](#foonote-٣١) يَودُّ الذين كفرُوا تسوية الأرْض بهم غَير كاتمين الله حَديثاً، ويَبْعد أن تكون " لو " على هذا الوجه امتناعِيَّة، للزوم الفَصْل بين الحَالِ وعامِلِها بالجُمْلَة، و " يكتمون " يتعدى لاثْنَيْن، والظَّاهِر أنه يَصِل إلى أحدهما بالحَرْف، والأصل : ولا يكتُمون من اللَّه حديثاً.

### فصل


قال عَطَاء[(٣٢)](#foonote-٣٢) : وَدُّوا لَوْ تُسوَّى بهم الأرْضُ، وأنهم لم يكُونوا كتمُوا أمر مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم ولا نعته، وقال آخرُون : بل هو كلامٌ مُسْتأنَف، يعني : ولا يكتُمون اللَّه حديثاً ؛ لأن جَوَارحَهُم تَشْهَد عليهم. 
قال سعيد بن جُبَيْر : قال رَجُل لابن عبَّاس : إني أجد في القُرْآن أشياء تختلفُ عليّ، قال : هَاتِ ما اخْتَلَفَ عليك، قال : قال تعالى : فَلاَ أَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلاَ يَتَسَاءَلُونَ 
\[ المؤمنون : ١٠١ \]  وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ  \[ الصافات : ٢٧ \] وقال : وَلاَ يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثاً ، و  قَالُواْ وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ  \[ الأنعام : ٢٣ \] فقد كتمُوا، وقال : أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا  إلى قوله : وَالأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا [(٣٣)](#foonote-٣٣) \[ النازعات : ٣٠ \]، فذكر خَلْق السَّماء قبل خلق الأرْضِ، ثم قال  أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ 
\[ فصلت : ٩ \] إلى " طائِعين ". فذكر في هذه الآية خَلْق الأرض قبل خَلْق السَّماء، وقال :" وكان الله غفوراً رحيماً " و " عزيزاً حكيماً " فكأنه[(٣٤)](#foonote-٣٤) كان ثم مَضَى. 
فقال ابن عباس : فلا أنْسَابَ بَيْنَهم في النَّفْخَة الأولى، وقال - تعالى - :" ونفخ في الصور فصعق من في السموات ومن في الأرض \[ إلا من شاء الله \][(٣٥)](#foonote-٣٥) " فلا أنساب عند ذلك ولا يتساءَلُون، ثم في النَّفْخَة الأخيرَة أقْبَل بعضهم على بَعْض يتساءَلُون. 
وأما في قوله : ما كنا مشركين و  لا يكتمون الله حديثا  فإن الله يَغْفِر لأهْل الإخْلاَص ذُنُوبهم فيقول[(٣٦)](#foonote-٣٦) المُشْرِكُون : تعَالَوْا نقل : ما كُنا مُشركين، فيختم[(٣٧)](#foonote-٣٧) على أفواههم، وتنطقُ أيديهم وأرْجُلهم، فَعِنْدَ ذلك عَرَفُوا أنَّ الله لا يَكْتُم حَديثاً، وعنده " يود الذين كفروا وعصوا الرسول لو تسوى بهم الأرض ". 
وخلق الله الأرْضَ في يومين ثم خلق السَّماء، ثم اسْتَوَى إلى السَّمَاء فَسَوَّاهُن في يومَيْن آخرَيْن، ثم دَحَى الأرض، وَدَحْيُها أن أخْرَج منها المَاءَ والمَرْعَى، وخلق الجِبَال والآكَامَ، وما بينهُمَا في يومين آخريْن ؛ فقال " خلق الأرض في يومين \[ ثم دَحَى الأرض في يومين ؛ فخلقت الأرْضُ وما فيها من شيء في أربعةِ أيام، وخلقت السماوات في يومين \][(٣٨)](#foonote-٣٨)  وكان الله غفوراً رحيماً  أي : لم يَزَلْ كَذَلِك، فلا يختلف عليك القُرَآن ؛ فإن كُلاًّ من عِنْد الله " [(٣٩)](#foonote-٣٩). 
وقال الحسن : إنها مواطِنٌ : ففي مَوْطن لا يتكلَّمُون، ولا تَسْمَع إلا هَمْساً، وفي موطنٍ \[ يعترفون على أنفسهم فهو قوله : فَاعْتَرَفُواْ بِذَنبِهِمْ [(٤٠)](#foonote-٤٠) \[ الملك : ١١ \]، و \[ في موطن يتكلمون ويكذبون، ويقولون : وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ  \[ الأنعام : ٢٣ \]، و مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِن سُوءٍ [(٤١)](#foonote-٤١) \] \[ النحل : ٢٨ \]، وفي مواطن لا يتساءَلُون الرّجعة، \[ وفي مَوْطِن يتساءلُون الرجْعَة \][(٤٢)](#foonote-٤٢) وآخر تلك المَوَاطِن، أن يُخْتَمَ على أفْوَاهِهم، وتتكلَّم جوارحُهم، وهو قوله : ولا يكتمون الله حديثاً . 
وقال آخرون :\[ قولهم \][(٤٣)](#foonote-٤٣) : وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ  أي : على حَسَبِ ما توهَّمنا في أنْفُسِنَا، بل كُنَّا مُصيبين في ظُنُونِنَا حتى تَحقَّقنا الآن. 
١ في أ: ليود..
٢ في أ: يومئذ حينا..
٣ ينظر: الإملاء ١/١٨١..
٤ الشريعة لها أصول ولها فروع، فأصولها: الإيمان بالله تعالى، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، والقضاء كله خيره وشره، وفروعها: التكاليف التي شرعها الله لعباده؛ من صلاة وصوم، وحج، وزكاة، وبيع، ورهن، وإجارة، وحدود، وقصاص، وكفارات، وقد اتفق العلماء على أن الكفار مخاطبون بأصول الشريعة، وأن تركهم لهذه الأصول يوجب تخليدهم في النار. واتفقوا كذلك على أنهم مخاطبون بالمعاملات؛ كالبيع، والشراء، والرهن، والإجارة؛ وبالعقوبات، كالحدود، والقصاص، وقالوا في توجيه ذلك: إن المعاملات بها الحياة الدنيا، فالكفار بها أنسب؛ لأنهم آثروا الحياة الدنيا على الآخرة، وأما العقوبات: فقد قصد بها الزجر عن ارتكاب أسبابها، والكفار أحق بالزجر وأولى به من المؤمنين.
 واختلفوا في مخاطبتهم بما عدا ذلك من فروع الشريعة، كالصلاة، والصوم، والحج، والزكاة من كل ما يعتبر الإيمان شرطا في صحته على أقوال ثلاثة:
 القول الأول: أنهم مخاطبون بفروع الشريعة أداء واعتقادا، وهو مختار جمهور العلماء ومنهم: الأئمة الثلاثة مالك، والشافعي، وأحمد، وهو المعروف من علماء الحنيفة العراقيين.
 القول الثاني: ليسوا مخاطبين بها لا أداء ولا اعتقادا، وهو لعلماء الحنيفة السمرقنديين؛ كالسرخسي، وفخر الإسلام، واختار هذا القول أبو حامد الإسفرايني من الشافعية.
 القول الثالث: هم مخاطبون بالنواهي وليسوا مخاطبين بالأوامر، وقد حكاه البيضاوي دون أن ينسبه إلى قائله.
 ينظر: البحر المحيط للزركشي ٣/٣٦، التمهيد للإسنوي ص ٣٦٤، ونهاية السول له ١/٣٦٩، زوائد الأصول ص ١٧٩، منهاج العقول للبدخشي ١/٢٠٣، التحصيل من المحصول للأرموي ١/٣٢١ المنخول للغزالي ص ٣١، الإبهاج لابن السبكي ١/١٧٧، الآيات البينات لابن قاسم العبادي ١/٢٨٥، تخريج الفروع على الأصول للزنجاني ص /٩٨، كشف الأسرار للنسفي ١/١٣٧، شرح التلويح على التوضيح لسعد الدين مسعود بن عمر التفتازاني ١/٢١٣، نسمات الأسحار لابن عابدين ص /٦٠، ميزان الأصول للسمرقندي ١/٣٠٤، البرهان في أصول الفقه ١/١٠٧، أصول الفقه لمحمد أبو النور زهير ١/١٨٤..
٥ في أ: يراد به..
٦ ينظر: المحرر الوجيز ٢/٥٦، والبحر المحيط ٣/٢٦٣، والدر المصون ٢/٣٦٦..
٧ في أ: لفروا..
٨ ينظر: الإملاء ١/١٨١..
٩ ينظر: السبعة ٢٣٤، والحجة ٣/١٦١، ١٦٢، وحجة القراءات ٢٠٣، ٢٠٤، وإعراب القراءات ١/١٣٤، والعنوان ٨٤، وشرح شعلة ٣٤٠، وشرح الطيبة ٤/٢٠٧، وإتحاف ١/٥١٢..
١٠ ينظر القراءة السابقة..
١١ سقط في ب..
١٢ في أ: بالنقل..
١٣ في أ: وتبلعهم..
١٤ في أ: يسويهم..
١٥ سقط في ب..
١٦ في أ: عامة..
١٧ في أ: أن نسبت..
١٨ في ب: فيه سبعة أوجه..
١٩ في ب: وضع..
٢٠ في ب: معطوفا..
٢١ في ب: الوجهان..
٢٢ في أ: لأنهم..
٢٣ سقط في أ..
٢٤ سقط في أ..
٢٥ في ب: بثلاثة..
٢٦ سقط في ب..
٢٧ في أ: يكون..
٢٨ في أ: لكان بغيتهم..
٢٩ في أ: فيه..
٣٠ سقط في أ..
٣١ سقط في أ..
٣٢ ينظر معالم التنزيه ١/٤٣٠..
٣٣ سقط في ب..
٣٤ في ب: فكما..
٣٥ سقط في أ..
٣٦ في أ: فقال..
٣٧ في أ: فختم..
٣٨ سقط في أ..
٣٩ أخرجه الطبري في "تفسيره" (٨/٣٧٣ ـ ٣٧٤) والحاكم (٢/٢٧٧) وصححه.
 وذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٢/٢٩٢) وزاد نسبته لعبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه والبيهقي في الأسماء والصفات..
٤٠ سقط في أ..
٤١ سقط في ب..
٤٢ سقط في أ..
٤٣ سقط في ب..

### الآية 4:43

> ﻿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَىٰ حَتَّىٰ تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّىٰ تَغْتَسِلُوا ۚ وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَىٰ أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ ۗ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا [4:43]

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَقْرَبُواْ الصَّلاَةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُواْ مَا تَقُولُونَ وَلاَ جُنُباً إِلاَّ عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُواْ وَإِنْ كُنْتُمْ مَّرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِّنْكُمْ مِّن الْغَائِطِ أَوْ لاَمَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُواْ مَاءً فَتَيَمَّمُواْ صَعِيداً طَيِّباً فَامْسَحُواْ بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوّاً غَفُوراً ٤٣ [(١)](#foonote-١)
وجه اتِّصال هذه الآية بما قَبْلَها : أنه - تعالى - لما قال : واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئاً  ذكر بعض الإيمان الصَّلاة التي هِيَ رأسُ العِبَادات، ولذلك يُقْتَل تارِكُها، ولا يَسْقُط فرضُهَا[(٢)](#foonote-٢). 
قال ابن عباس : نزلت في جَمَاعةٍ من أكابر الصَّحَابَة، قبل تَحْرِيم الخَمْرِ، كانوا يَشْرَبُونَها ثم يأتُون المَسْجِد للصَّلاة مع النَّبي صلى الله عليه وسلم فنهوا لهذه الآية[(٣)](#foonote-٣). 
وقال جماعة من المفسِّرين[(٤)](#foonote-٤) : إن عبد الرَّحْمن بن عَوْف صنع طَعَاماً وشراباً - حين كانت الخَمْر مُبَاحَة - ودَعَا من أكَابِرِ الصَّحَابة، فأكَلُوا وشَرِبُوا، فلما ثَمِلُوا[(٥)](#foonote-٥)، جاء وقت صَلاَة المَغْرِب، فقدموا أحدهم لِيُصَلِّي بهم، فقرأ : قل يا أيها الكافرون أعبد ما تعبدون  وحذف[(٦)](#foonote-٦) " لاَ " هكذا، إلى أخر السُّورة، فأنزل الله - تعالى - هذه الآية، فكَانُوا يَجْتَنِبُونَ السُّكْر أوْقات الصَّلوات، فإذا صَلُّوا العشاء، \[ شربوها \][(٧)](#foonote-٧)، فلا يُصْبِحُون إلا وقدْ ذَهَب عنهم السُّكْر، حتى نَزَل تَحْرِيم الخَمْرِ على الإطْلاَقِ في سورة المَائِدة. 
وعن عمر \[ بن الخطاب - رضي الله عنه - \][(٨)](#foonote-٨) ؛ أنه لما بلغَهُ ذلك قال :" اللهم إنَّ الخَمْر تضر بالعُقُولِ والأمْوَال، فأنزل فيها أمْرَكَ " قال : فَصَبَّحهم الوَحْي بآيَةِ المائِدَةِ. 
قوله : لا تقربوا الصلاة  فيه وجهان :
أحدهما : أن في الكَلاَمِ حذف مُضافٍ، تقديره : مواضع الصَّلاةِ والمراد بمواضعها المَسَاجد، ويؤيِّدُه قوله بعد ذلَك : إلا عابري سبيل  في أحد التَّأويلَيْن. 
والثاني : أنه لا حَذْف، والنَّهْي عن قُرْبَان نفس الصَّلاةِ في هذه الحالةِ. 
### فصل


قال بَعْضُهم : إن هذا يكون من باب إطْلاَق اسم الحَالِ على المَحَلِّ، وعلى[(٩)](#foonote-٩) الأوَّل : لمنع السَّكْرَان \[ والجُنْب \][(١٠)](#foonote-١٠) من المسْجِد إلا عابري سبيل، فيجوز للجُنُب العُبُور[(١١)](#foonote-١١) في المسْجِد. 
وعلى الثاني : أنه نَهْي للجنب[(١٢)](#foonote-١٢) عن الصَّلاة، إلا إذا كان عَابِر سبيلٍ وهو المُسَافِر عند العَجْزِ عن المَاءِ. 
ورجح أصْحَاب الشَّافعي الأول ؛ بأن القُرْب والبعد حقيقةٌ في المسْجِد، مجَازٌ في الصَّلاة، والحقيقة أوْلَى من المجَاز ؛ لأن الاسْتِثْنَاء يَصِحُّ عليه، ولا يَصِحُّ على الثَّاني ؛ لأن غير العَابِري[(١٣)](#foonote-١٣) سبيل والعَاجِزَ عن المَاءِ[(١٤)](#foonote-١٤)، كالمريض يجوزُ له الصَّلاة بالتَّيَمُّم، ولأن الجُنُب المسافر لا يجوز له قُرْبان الصَّلاةِ إذا كانَ واجداً للمَاءِ، وإذا لم يَكُن وَاجداً للمَاء لم يَجُز له الصَّلاة إلا بشرط التَّيَمُّم، فيحتاج إلى إضْمَارها، وعلى الأوَّل لا يحتاج إلى إضْمَارٍ، ولأنه - تعالى - ذكر حكم السَّفَر وعدَم المَاءِ، والتَّيَمُّم عقيبها، وقد استحب القُرَّاءُ الوقُوفَ عند قوله - تعالى - :" حتى تغتسلوا " ثم يسْتأنف  وإن كنتم مرضى  لأنه حُكم آخر. 
ورُجِّح الثَّاني : بأن قوله  حتى تعلموا ما تقولون  يُنَاسب نفس الصَّلاة، لأن المسْجِد ليس فيه قَوْل مَشْرُوع يمنع الشكْر، وأيْضاً سبب النُّزُول يرجِّحُه. 
قوله :" وأنتم سكارى " مُبْتَدأ وخبر في مَحَلِّ نصب على الحَالِ من فاعل " تقربوا "، وقرأ الجُمْهُور " سُكارى " بضم السّين وألف بعد الكَافِ، وفيه قولان :
أصحهما : أنه جَمْع تكسير نَصَّ عليه سيبويْه[(١٥)](#foonote-١٥) : قال : وقد يُكَسِّرُونَ بَعْضَ هذا على " فُعَالَى " ؛ وذَلِك كقول بعضهم[(١٦)](#foonote-١٦) سُكَارَى وعُجَالَى. 
والثاني[(١٧)](#foonote-١٧) : أنه اسم جَمْعٍ، وزعم ابن البَاذش أنه مذْهب سيبويْه ؛ قال : وهو القياس ؛ لأنه لم يَأتِ من أبْنِيَة الجمع شَيْءٌ على هذا الوَزْنِ، وذكر السَِّيرَافِي الخِلاف، ورجَّحَ كونه تَكْسِيراً. 
وقرأ الأعْمَش[(١٨)](#foonote-١٨) :" سُكْرَى " بضم السِّين وسكُون الكَافِ، وتَوْجِيهها أنَّها صِفَة على " فُعْلَى " ؛ كحبلى، وقعت صِفَة لجماعَة، أي : وأنتُم جماعَةٌ سُكْرى، وحكى جناح بن حبيش كُسْلَى وكَسْلَى، بضم الكَافِ وفتحها ؛ قاله الزمخشري[(١٩)](#foonote-١٩). 
وقرأ النَّخْعي[(٢٠)](#foonote-٢٠) " سَكْرَى " بفتح السيِّن وسكون[(٢١)](#foonote-٢١) الكاَفِ، وهذه تَحْتَمِل وَجْهَيْن :
أحدهما : ما تقدَّم في القراءة قبلها، وهو أنَّها صِفَة مُفْرَدة على " فَعْلَى " ؛ كامرأة سَكْرَى، وصف بها الجمَاعة. 
والثَّاني : أنَّها جَمْع تكسير ؛ كجَرْحى، ومَوْتى، وهَلْكى، وإنما جمع سَكْرَان على " فَعْلَى " حملاً على هذه ؛ لما فيه من الآفَةِ اللاَّحِقَة للفِعْل، وقد تقدَّم شَيْء من هَذَا في قوله :
 وَإِن يَأتُوكُمْ أُسَارَى  \[ البقرة : ٨٥ \]. 
وقرئ[(٢٢)](#foonote-٢٢) :" سَكارى " بفتح السين والألف، وهذا جمع تكسير، نحو : نَدْمَان ونَدَامى، وعَطْشَان، وعَطَاشَى، والسُّكْر : لُغةً السَّدُّ[(٢٣)](#foonote-٢٣)، ومنه قيل لما يَعرض للمرءِ من شُرْبِ المُسْكِر، لأنَّه يسد ما بين المَرْء وعَقْلِه، وأكثر ما يُقَال السكر لإزالَة العَقْل \[ بالمُسْكِرِ \][(٢٤)](#foonote-٢٤) وهو المراد بالآية في قول عَامَّة المُفسِّرين، وقد يقُال ذلك لإزالَتِه بغضب ونحوه، من عشق وغيره قال :\[ الكامل \]سُكْرَانِ سُكْرُ هَوًى وسُكْرُ مُدَامَةٍ  أنَّى يُفيقُ فَتًى به سُكْرَانِ[(٢٥)](#foonote-٢٥)و " السكر " بالفتح وسكون الكَافِ : حبس الماءِ، وبكسر السِّين : نفس الموضع السْدُود، وأما " السَّكَر " بفتحهما فما يسكر به من المشروب، ومنه :
 سَكَراً[(٢٦)](#foonote-٢٦) وَرِزْقاً حَسَناً  \[ النحل : ٦٧ \] وقيل السُّكْر : بضم السين وسكون الكاف \[ السّدّ \][(٢٧)](#foonote-٢٧) أي : الحَاجِز بين الشَّيْئَيْن، قال :\[ الهزج \]فمَا زِلنَا عَلَى السُّكْرِ  نُدَاوِي السُّكْر بالسُّكْرِ[(٢٨)](#foonote-٢٨)والحاصل : أنَّ أصل المادة الدَّلالة على الانْسداد[(٢٩)](#foonote-٢٩)، ومنه : سَكرت عين البَازِي، إذا خَالَطَهَا نوم، وسكر النَّهر ؛ إذا لم يَجْرِ، وسَكَرْتُه[(٣٠)](#foonote-٣٠) أنا، وقال - تعالى - : إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا  \[ الحجر : ١٥ \]، أي : غُشيت، والسُّكْر من الشراب، وهو أن يَنْقَطِع عما عَلَيْهِ من النَّفَاذ حال الصَّحْو، فلا يَنْفُذ رأيه كنَفَاذِه حَال الصَّحْو، وقال الضحَّاك : أراد به سُكْر النّوم[(٣١)](#foonote-٣١) نهى عن الصَّلاة عند غَلَبَة النَّوْم، قال - عليه الصلاة والسلام - :" إذا نَعسَ أحدُكُمْ وَهُوَ يُصَلِّي، فَلْيَرْقُد حَتَّى يَذْهَبَ عَنْهُ النَّوْمُ ؛ فإنَّ أحَدَكُم إذا صَلَّى وهو يَنْعَسُ، لَعَلهُ[(٣٢)](#foonote-٣٢) يَذْهَبُ يستَغْفِرُ فَيَسب نَفْسَه " [(٣٣)](#foonote-٣٣). 
والصحيح الأوَّل ؛ لأن السكر حَقيقةً هو من شُرْب الخَمْرِ، فأمّا السّكر[(٣٤)](#foonote-٣٤) من الغَضَبِ أو العِشْقِ أو النَّوْمِ فَمَجَازٌ، إنما اسْتُعْمِل مقيّداً ؛ قال - تعالى - : وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ 
\[ ق : ٩ \]،  وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُم بِسُكَارَى  \[ الحج : ٢ \] قال الفرزْدَق :\[ الطويل \]مِنَ السَّيْرِ وَالإسْآدِ حَتَّى كَأنَّمَا  سَقَاهُ الكَرَى فِي مَنْزِلَةٍ خَمْرا[(٣٥)](#foonote-٣٥)ولأن عند النَّوْم تمتلئ[(٣٦)](#foonote-٣٦) مَجَاري الرُّوح من الأبخرة الغلِيظة، فلا ينفذ الروح للبَاصِر. 
قوله - تعالى - :" حتى تعلموا " " حتى " جارَّة بمعنى إلى، فهي مُتعلِّقَةٌ بفعل النَّهْي، والفعل بَعْدَها مَنْصوب بإضمار " أن " وتقدّم تَحْقِيقُه، وقال بَعْضُهم : إن حَتَّى هنا[(٣٧)](#foonote-٣٧) بمعنى \[ " كَيْ " \][(٣٨)](#foonote-٣٨) فهي " تَعلِيلِيَّة " [(٣٩)](#foonote-٣٩)، والمَعْنَى : كي تَعْلَمُوا ما تَقُولُون. 
و " مَا " يجوز فيها ثلاَثَة أوْجُه : أن تكون بِمَعْنَى الَّذِي، أو نكرة مَوْصُوفة، والعَائِد على هَذَيْن القَوْلَيْن مَحْذُوف، أي : يَقُولُونَهُ، أو مصدرية، فلا حَذْف إلا عَلَى رأي ابن السَّرَّاج ومن تَبِعَهُ. 
### فصل قول البعض بنسخ الآية


قال بَعْضهم : هذه الآية مَنْسُوخة بآية المائدة. 
قال ابن الخَطِيب[(٤٠)](#foonote-٤٠) : والَّذِي يمكن النَّسْخُ فيه، أنَّه - تعالى - نَهَى عن قُرْبَان الصَّلاةِ حَالَ السُّكْر مَمْدُوداً إلى غَايَة أن يَصير بِحَيْث يَعْلَم ما يَقُول، والحكم المَمْدُود إلى غاية، يَقْتَضِي انتهاء[(٤١)](#foonote-٤١) ذَلِك الحُكْم عند تلك الغَايَةِ، وهذا يَقْتَضِي جواز قُرْبَان الصَّلاة مع السُّكْر الذي يَعْلَمُ مِنْهُ ما يَقُول، ومعلوم أنَّ اللَّه - تعالى - لما حرَّم الخَمْر بآية المائدَة، فقد رَفَع هذا الجوازَ، فثبت أن آية المائِدَة ناسِخَةٌ مَدْلُولات هذه الآية. 
والجواب : أن هَذَا نَهْي عن قُرْبَان الصَّلاة حَال السُّكْرِ، وتخصيصُ الشيء بالذِّكْرِ لا يَدُلُّ على نَفي الْحُكم عما عداه، إلا على سبيل الظَّنِّ الضَّعيف، ومثل هَذَا لا يَكُون نَسْخاً. 
### فصل : التكليف بما لا يطاق


قال بَعْضُهم : هذه الآية تَدُلُّ على جواز التَّكْليف بما لا يُطَاق[(٤٢)](#foonote-٤٢) ؛ لأنه - تعالى - قال : ولا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى ، وهذه جملة حاليَّة، فكأنه - تعالى - قَالَ للسَّكْرَان : لا تُصَلِّ وأنْت سَكْرَان، وهذا خطاب للسكران[(٤٣)](#foonote-٤٣). 
والجواب عنه : بأن هذا لَيْس خِطَاباً للسَّكْرَان، بَلْ هو خِطَاب للَّذِين آمَنُوا ؛ فكأنه قال : يأيُّهَا الذين آمَنُوا لا تَسْكَرُوا، فقد نهى عن[(٤٤)](#foonote-٤٤) السُّكْر ؛ ونظيره قوله - تعالى - :
 وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُّسْلِمُونَ  \[ آل عمران : ١٠٢ \] وهو ليس[(٤٥)](#foonote-٤٥) نَهْياً عن المَوْت، وإنما هو أمْر بالمُدَاوَمَةِ على الإسْلامِ، حتى يَأتيهُ المَوْت وهو في تِلْك الحَالِ. 
قوله :" ولا جنباً " [(٤٦)](#foonote-٤٦) نصب على أنه مَعْطُوف على الحَالِ قبله، وهو قوله :" وأنتم سكارى " عطف المُفْرَد على الجُمْلَة لمّا كَانَتْ في تأويله، وأعاد معها " لا " تَنْبيهاً على أنَّ النَّهْي عن قُرْبَان الصَّلاة مع كل واحدٍ من هَذَيْن الحَالَيْن على انْفِرَادَهَما، فالنَّهي عنها مع اجْتِمَاعِ الحَالَيْنِ آكَد وأوْلى، والجُنُبُ مشتقٌّ[(٤٧)](#foonote-٤٧) من الجَنَابَة وهو البُعْدُ ؛ قال :\[ الطويل \]فَلا تَحْرِمَنِّي نَائِلاً عَنْ جَنَابَةٍ  فَإنِّي امْرُؤٌ وَسْطَ القِبَابِ غَريبُ[(٤٨)](#foonote-٤٨)وسمي الرَّجُل جُنُباً : لبعده عن الطَّهَارةِ ؛ أو لأنَّه ضَاجَع بِجَنْبِه وَمسَّ به، والمشْهُور أنه يستعمل بِلَفْظٍ واحدٍ كالمُفْرد والمُثَنَّى والمَجْمُوع، والمُذكَّر والمُؤنَّث، ومنه الآية الكَرِيمة. 
قال الزمخشري : لجريانه مَجْرَى المصدَرِ[(٤٩)](#foonote-٤٩) الذي هو الإجْنَابُ، ومن العَرَب من يُثَنِّيه فيَقول جُنُبَان ويجمعه جمع سَلاَمة[(٥٠)](#foonote-٥٠) فيقول : جُنُبُون[(٥١)](#foonote-٥١)، وتكْسِيراً فيقول : أجْنَاب، ومثله في ذلك شُلُل، وقد تقدَّم تحقيق ذلك. 
قوله ١ سقط في ب..
٢ في أ: في حقها..
٣ ينظر: تفسير الرازي ١٠/٨٧ وقد تقدم..
٤ ينظر: معالم التنزيل ١/٤٣١ والقرطبي ٥/١٣١ والرازي ١٠/٨٧..
٥ في أ: تخلو..
٦ في أ: يحذف..
٧ سقط في ب..
٨ سقط في أ..
٩ في أ: فعلى..
١٠ سقط في أ..
١١ في أ: الطهر..
١٢ في ب: الجنب..
١٣ في أ: عابري..
١٤ في أ: إذا كان عجز عن الماء..
١٥ ينظر: الكتاب ٢/٢١٢..
١٦ في أ: بعض..
١٧ في أ: والثالث..
١٨ ينظر: المحرر الوجيز ٢/٥٦، والبحر المحيط ٣/٢٦٦، والدر المصون ٢/٣٦٨، والتخريجات النحوية ١٣٠، ٢٠٨..
١٩ ينظر: الكشاف ١/٥١٤..
٢٠ ينظر: السابق..
٢١ في أ: وستكون..
٢٢ ينظر: القراءة السابقة..
٢٣ في أ: السكر..
٢٤ سقط في أ..
٢٥ ينظر البيت في مفردات الراغب (٢٤٢) والدر المصون ٢/٣٦٨..
٢٦ في أ: سكر..
٢٧ سقط في أ..
٢٨ ينظر البيت في البحر المحيط ٣/٢٦١، والدر المصون ٢/٣٦٩..
٢٩ في ب: الإفكار..
٣٠ في أ: وسكونه..
٣١ في أ: القوم..
٣٢ في أ: لعل..
٣٣ أخرجه مالك في "الموطأ" (١/١١٨) كتاب صلاة الليل ما جاء في صلاة الليل (٣) والبخاري (١/٣١٥) كتاب الوضوء: باب الوضوء من النوم (٢١٢) ومسلم (١/٤٥٢ ـ ٥٤٣) كتاب صلاة المسافرين: باب أمر من نعس في صلاته...(٢٢٢/٧٨٦) من حديث عائشة رضي الله عنها..
٣٤ في ب: فالسكر..
٣٥ ينظر: الرازي ١٠/٨٨..
٣٦ في ب: تستملئ..
٣٧ في أ: هذا..
٣٨ سقط في أ..
٣٩ بياض في ب..
٤٠ ينظر: تفسير الرازي ١٠/٨٩..
٤١ في أ: يقتضي منها..
٤٢ اختلف قول أبي الحسن الأشعري في جواز التكليف بما لا يطاق نفيا وإثباتا، وذلك كالجمع بين الضدين، وقلب الأجناس، وإيجاد القديم وإعدامه ونحوه وميله في أكثر أقواله إلى الجواز، وهو لازم على أصله في اعتقاد وجوب مقارنة القدرة الحادثة للمقدور بها، مع تتقدم التكليف بالفعل على الفعل، وأن القدرة الحادثة غير مؤثرة في مقدورها، بل مقدورها مخلوق لله تعالى.
 ولا يخفى أن التكليف بفعل الغير حالة عدم القدرة عليه تكليف بما لا يطاق.
 وهذا هو مذهب أكثر أصحابه وبعض معتزلة بغداد؛ حيث قالوا بجواز تكليف العبد بفعل في وقت علم الله تعالى أنه يكون ممنوعا عنه، والبكرية؛ حيث زعموا أن الختم والطبع على الأفئدة مانعان من الإيمان مع التكليف به، غير أن من قال بجواز ذلك من أصحابه اختلفوا في وقوعه نفيا وإثباتا، ووافقه على القول بالنفي بعض الأصحاب، وهو مذهب البصريين من المعتزلة، وأكثر البغداديين، وأجمع الكل على جواز التكليف بما علم الله أنه لا يكون عقلا، وعلى وقوعه شرعا، كالتكليف بالإيمان لمن على الله أنه لا يؤمن؛ كأبي جهل خلافا لبعض الثنوية. والمختار إنما هو امتناع التكليف بالمستحيل لذاته؛ كالجمع بين الضدين ونحوه.
 وجوازه في المستحيل باعتبار غيره وإليه ميل الغزالي ـ رحمه الله ـ.
 وانظر تفصيل ذلك في الأحكام للآمدي ١/١٢٤، تفسير الطبري ١/٣٦٣..
٤٣ في أ: السكران..
٤٤ في ب: المسكر..
٤٥ في أ: فليس..
٤٦ سقط في ب..
٤٧ في أ: مشتقا..
٤٨ تقدم برقم ١٧٩٤..
٤٩ في أ: الصدر..
٥٠ في أ: سلامته..
٥١ في ب: جنوب..

### الآية 4:44

> ﻿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يَشْتَرُونَ الضَّلَالَةَ وَيُرِيدُونَ أَنْ تَضِلُّوا السَّبِيلَ [4:44]

لما ذكر - تعالى - أنْوَاع التَّكَالِيف من أوَّل السُّورة إلى هنا، ذكر أقَاصيص المُتقدِّمين ؛ لأن الانْتِقَال من نَوْع من العُلُومِ إلى نَوع آخر كأنه يُنَشِّط الخَاطِر، وقد تقدَّم الكلام في قوله - تعالى - : أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ  \[ البقرة : ٢٥٨ \] والمراد ب  الذين أوتوا نصيباً من الكتاب  هم اليَهُود ". 
وقال ابن عبَّاس : نزلت هذه الآيةُ في حَبْرٍ[(١)](#foonote-١) من أحْبار[(٢)](#foonote-٢) اليَهُود، كانا يأتِيَان رَأس المُنَافِقِين عبد الله أبيّ \[ ابن سَلُول \] ورَهْطه، يُثَبِّطُونهُم[(٣)](#foonote-٣) عن الإسْلاَم[(٤)](#foonote-٤). 
وعن ابن عباس أيضاً ؛ قال : نزلَتْ في رفاعة بن زَيْدٍ، ومالك بن دخشم، كَانَا إذا تَكَلم رسُول الله صلى الله عليه وسلم لوياً[(٥)](#foonote-٥) لِسَانَهُمَا، وعَابَاهُ، فأنزل الله - تعالى - هذه الآية[(٦)](#foonote-٦). 
قوله :" من الكتاب " فيه وَجْهَان :
أحدهما : أنه مُتَعلِّق بمحْذُوفٍ، إذ هو صِفَة ل " نصيباً " فهو في مَحَلِّ نصبٍ. 
والثاني : متعلَِّق ب " أوتوا " أي أُوتوا من الكِتاب نصيباً، و " يشترون " : حالٌ، وفي صاحبها وَجْهَان :
أحدهما : أنه واو " \[ أوتُوا \] " [(٧)](#foonote-٧). 
والثاني : أنه المَوْصُول وهي على هذا حَالٌ مُقَدرة، والمُشْتَري به مَحْذُوف، أي : بالهُدَى، كما صرح به في مَوَاضِع، ومعنى " يشترون " : يستبدِلون الضَّلالة بالهُدَى. 
قوله :" ويريدون " عطف على " يشترون ". 
وقال النَّخْعِي : وتريدون أن تضلوا  بتاء الخطاب، والمَعْنَى : تُرِيدُون أيها المؤمنون أن تدَّعُوا الصَّواب، وقرأ الحسن[(٨)](#foonote-٨) :" أن تِضُلُّوا " من أضل. وقرئ[(٩)](#foonote-٩) " أن تُضَلُّوا السبيل " بضم التَّاءِ وفتح الضَّادِ على ما لَمْ يُسَمّ فَاعِلُه، والسَّبيل مفعول به[(١٠)](#foonote-١٠) ؛ كقولك : أخطأ الطَّريقَ، وليس بِظَرْف، وقيل : يتعدى ب " عن " ؛ تقول : ضلَلْت السَّبيل، وعن السَّبيل.

١ في أ: خبر..
٢ في أ: أخبار..
٣ في أ: يبسطوهم..
٤ ذكره الفخر الرازي في "التفسير الكبير" (١٠/٩٣) عن ابن عباس..
٥ في ب: لووا..
٦ أخرجه الطبري في "تفسيره" (٨/٤٢٧) وذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٢/٣٠٠) وزاد نسبته لابن إسحق وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في "الدلائل". والبغوي ١/٤٣٧..
٧ سقط في أ..
٨ ينظر: الدر المصون ٢/٣٧١..
٩ قرأ بها الحسن، كما في القرطبي ٥/٢٤٢. وانظر: الدر المصون ٢/٣٧١..
١٠ في أ: مفعوله..

### الآية 4:45

> ﻿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِأَعْدَائِكُمْ ۚ وَكَفَىٰ بِاللَّهِ وَلِيًّا وَكَفَىٰ بِاللَّهِ نَصِيرًا [4:45]

ثم قال : والله أعلم بأعدائكم  أي : أعْلَم بما في قُلُوبهم وصدورهم من العَدَاوة والبَغْضاء. 
قوله : وكفى بالله ولياً  تقدم الكلام عليه أوّل السُّورة، وكذا الكلام في المَنْصُوب بَعْده، والمعنى : أنه - تعالى - لما بيَّن شِدَّة عداوتِهم للمسْلِمين، بين أنه - تعالى - وليُّ المؤمِنين ونَاصِرُّهُم. 
فإن قيل : ولاية اللَّه لعبده عِبارةَ عن نُصْرَته، فَذكْر النَّصِير[(١١)](#foonote-١١) بعد ذِكر الوَلِي[(١٢)](#foonote-١٢) تكْرَارٌ. 
فالجواب : أن الوَلِيَّ هو المُتَصرِّف في الشَّيْء، والمتصرِّف في الشَّيء يجب أن يكُونَ نَاصِراً. 
فإن قيل : ما الفَائِدة من تكْرار قوله :" وكفى بالله ". 
فالجواب : أن التِّكْرَار في مِثل هذا المقَام يكون أشَد تَأثِيراً في القَلْب، وأكْثَر مُبَالَغَة. 
فإن قيل : ما فائدة تكرار الباء في قوله :" بالله " فذكروا وجوهاً :
أحدها : لَوْ قيل : كفى اللَّه، يتصل الفِعْل بالفَاعِل ثم ههُنا زيدَت البَاء إيذَاناً بأن الكفاية من الله لَيْسَت كالكِفَايَة من غَيْره. 
وثانيها : قال ابن السَّرَّاج[(١٣)](#foonote-١٣) : تقديره : كفى اكْتِفَاؤُه باللَّه وَلِيًّا، ولما ذكرت " كفى " دلَّ على الاكتفاءِ ؛ كما تقول : من كذب كان شَرّاً له، أي : كان الكَذِبُ شرًّا له، فأضمرته لدلالة الفِعْل عليه. 
وثالثها : قال ابن الخَطيب[(١٤)](#foonote-١٤) : البَاءُ في الأصْل للإلْصَاقِ، وإنما يَحْسُن في المؤثِّر لذي لا وَاسِطَة بَيْنَهُ وبين التَّأثِير، فلو قيل : كَفَى اللَّهُ، دلَّ ذلك على كَوْنِهِ فاعلاً لهذه الكِفَايَةِ، ولكن لا يَدُلُّ \[ ذَلِك على أنَّهُ فعل \][(١٥)](#foonote-١٥) بِواسِطَة أو غير وَاسِطَة، فإذا ذَكَرْت البَاء، دلَّ على أنه - تعالى - يَفْعَل بغير واسِطَة، بل هو - تعالى - يتكفَّل به ابتداء من غير واسطَة ؛ كقوله : وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ  \[ ق : ١٦ \].

### الآية 4:46

> ﻿مِنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَرَاعِنَا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْنًا فِي الدِّينِ ۚ وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاسْمَعْ وَانْظُرْنَا لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَقْوَمَ وَلَٰكِنْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا [4:46]

قوله تعالى :\[  مِّنَ الَّذِينَ هَادُواْ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ  \] الآية[(١)](#foonote-١). 
لما حَكى عنهم أنَّهم يَشْترون الضلالة، بيَّن تلك الضَّلالَةَ ما هي. 
قوله : من الذين هادوا  فيه سَبْعَةُ أوْجُه :
أحدها : أن يكُون " من الذين " خبر مُقدم، و " يحرفون " جُمْلَة في محلِّ رفع صِفَة لموصُوف مَحْذُوف هو مُبْتَدأ، تقديره : مِنَ الذين هَادُوا قومٌ يُحَرِّفُون، وحَذْف الموْصُوف بَعْد " مِنَ " التَّبِعِيضيَّة[(٢)](#foonote-٢) جَائِزٌ، وإنْ كانت الصِّفَة فِعْلاً ؛ كقولهم " مِنَّا ظَعَنَ، ومِنَّا أقَامَ "، أي : فريقٌ أقام، وهذا مَذْهَب سيبويه[(٣)](#foonote-٣) والفارسِي ؛ ومثله :\[ الطويل \]

وَمَا الدَّهْرُ إلا تارتانِ فَمِنْهُمَا  أمُوتُ وأخرى أبْتَغِي العَيْشَ أكدحُ[(٤)](#foonote-٤)أي : فمنهما تَارةٌ أمُوت فِيها. 
الثاني : قول الفرَّاء[(٥)](#foonote-٥)، وهو أن الجَارَّ والمجرور خَبَر مقدَّم أيضاً، ولكن المُبْتدأ المحذُوف يقدره مَوصولاً، تقدِيره :" من الذين هادوا من يحرفون "، ويكون قد حمل على المَعنى في " يحرفون " قال الفرَّاء : ومِثْله \[ قول ذي الرِّمَّة \][(٦)](#foonote-٦) \[ الطويل \]فَظَلُّوا وَمِنْهُمْ دَمْعُهُ سَابِقٌ لَهُ  وآخَرُ يَثْنِي دَمْعه العَيْنِ بِالْيَدِ[(٧)](#foonote-٧)قال : تقديره، ومنهم \[ مَنْ \][(٨)](#foonote-٨) دَمْعه سَابِقٌ لَهُ، والبَصْرِيُّون لا يُجَوِّزُونَ حذف الموصُولِ ؛ لأنه جُزْءُ كلمة، وهذا عِنْدَهم مؤولٌ على حَذْفِ موصوفٍ كما تَقَدَّمَ، وتأويلُهُم أولى لعطفِ النكرة عليه، وهو : آخر وأخْرَى في البَيْت قَبْلَه[(٩)](#foonote-٩)، فيكون في ذلك دلالةٌ على المَحْذُوفِ، والتقدير : فمنهم عَاشِقٌ سَابِقٌ دَمْعه لَهُ وآخَر. 
الثالث : أن " من الذين " خَبَر مُبْتَدأ مَحْذُوف، أي :" هم الذين هادوا "، و " يحرفون " على هذا حَالٌ من ضمير " هادوا " وعلى هذه الأوْجُه الثَّلاثة يكون الكلام قم تَمَّ عند قوله :" نصيراً ". 
الرابع : أن يكون " من الذين " حَالاً \[ من فاعل " يريدون " قاله أبو البقاء[(١٠)](#foonote-١٠)، ومنع أن يكُون حالاً \][(١١)](#foonote-١١) من الضَّمير في " أوتوا " ومن " الذين " أعْنِي : في قوله - تعالى - : ألم تر إلى الذين أوتوا  قال : لأنَّ الحال لا تكُون لِشَيْءٍ واحِدٍ، إلا بعطف بَعْضِها على بَعْضٍ. 
قال شهاب الدين : في هذه المسْألة خلافٌ بين النحويين[(١٢)](#foonote-١٢) : منهم من مَنَعَ، وَمِنْهم من جَوَّزَ، وهو الصَّحيح. 
الخامس : أن  مِّنَ الَّذِينَ  بيان للموصول في قوله :
 أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُواْ  لأنهم يهُود ونَصَارَى، فَبَيَّنَهُم باليهُودِ، قاله الزمخشري[(١٣)](#foonote-١٣)، وفيه نظر من حَيْث إنَّه قد فُصِلَ بينهما بثلاثة جمل هي : وَاللَّهُ أَعْلَمُ ،  وَكَفَى بِاللَّهِ ،  وَكَفَى بِاللَّهِ . 
وإذا كان الفَارِسيّ قد منع الاعتراض بجُمْلَتيْن، فما بالك بِثلاثٍ، قاله أبو حيان[(١٤)](#foonote-١٤)، وفيه نَظَرٌ ؛ فإن الجُمَل هنا مُتَعَاطِفَة، والعَطْفُ يصير الشَّيئيْن شيئاً واحِداً. 
السادس : أنه بَيَانٌ لأعْدَائِكُم، وما بَيْنَهما اعْتراض أيضاً، وقد عُرِف ما فيه. 
السابع : أنه متعلِّق ب  نَصِيراً  وهذه المادَّة تتعَدَّى ب " مِن " ؛ قال - تعالى - :
 وَنَصَرْنَاهُ مِنَ الْقَوْمِ  \[ الأنبياء : ٧٧ \]  فَمَن يَنصُرُنَا مِن بَأْسِ اللَّهِ  \[ غافر : ٢٩ \] على أحد تأويلَيْن :
إمَّا على تَضْمِين[(١٥)](#foonote-١٥) النَّصْر معنى المَنْع، أي : مَنَعْنَاهُ[(١٦)](#foonote-١٦) من القَوْم، وكذلك : كَفَى بالله مَانِعاً بِنصْره من الذين هَادُوا. 
وإمَّا : على جعل " مِنْ " بمعنى " عَلَى "، والأوَّل مَذْهَب البَصْريين، فإذا جَعَلْنَا  مِّنَ الَّذِينَ  بياناً لما قَبْلَهُ، فبِمَ يتعلَّق والظاهر \[ أنَّه يتعلَّقُ بمحذُوفٍ ؛ ويدل على ذَلِك أنَّهُم قالوا في سقياً لك \][(١٧)](#foonote-١٧)، إنه مُتعلِّق بمحذوف لأنه بَيَانٌ له، وقال أبو البقاء[(١٨)](#foonote-١٨) :\[ وقيل \][(١٩)](#foonote-١٩) وهو حَالٌ من أعْدَائِكُم، أي :\[ والله أعلم بأعْدَائِكُم \][(٢٠)](#foonote-٢٠) كائنين من الذين هادُوا، والفَصْل بينهما مُسَدَّد، فلم يمنع من الحَالِ، فقوله هذا يُعْطي أنه بَيَانٌ لأعْدَائِكُم مع إعْرَابه له حالاً، فيتعَلَّق أيضاً بمحذُوفٍ، لكن لا على ذلك الحَذْف المَقْصُود في البَيَانِ، وقد ظهر مِمَّا تقدم أن  يُحَرِّفُونَ ، إما لا مَحَلَّ له، أو لَهُ مَحَلُّ رَفْع أو نَصْبٍ على حَسَب ما تقدَّم وقال أبو رَجَاءٍ والنَّخعِي :" الكَلاَم " وقُرئ[(٢١)](#foonote-٢١) :" الكِلْم " بكسر الكاف وسكون اللام، جمع " كَلِم " مخففة من كلمة، ومعانيها مُتَقَارِبَة. 
قوله : عَن مَّوَاضِعِهِ  متعلِّق ب  يُحَرِّفُونَ  وذكر[(٢٢)](#foonote-٢٢) الضمير في  مَّوَاضِعِهِ  حملاً على  الْكَلِم ، لأنَّها جِنْس. 
وقال الوَاحِدِي[(٢٣)](#foonote-٢٣) : هذا جمع حُرُوفه أقَلُّ من حُروف واحِده، وكل جَمْع يكون كذلِك، فإنه يجوز تَذْكِيرُه. 
وقال غيره[(٢٤)](#foonote-٢٤) : يمكن أن يُقال : كون هذا الجَمْعِ مؤنَّثاً ليس أمْراً حقيقيَّاً، بل هو أمر لَفْظِيٌّ، فكان التَّذْكير والتَّأنِيث فيه جَائِزاً. وجاء هُنَا " عن مواضعه " وفي المائدة :
 مِن بَعْدِ مَوَاضِعِهِ  \[ المائدة : ٤١ \]. 
قال الزَّمَخْشَرِي[(٢٥)](#foonote-٢٥) : أما  عَن مَّوَاضِعِهِ  فعلى ما فَسَّرْناه من إزالَتِه عن مواضِعِه، التي أوْجَبَت حِكْمَة الله وَضْعُه فِيهَا بما اقْتَضَت شَهَوَاتُهم من إبْدَال غيره مَكَانَه، وأما  من بعد مواضعه ، فالمَعْنَى : أنه كَانَت له مواضعُ هو قَمِنٌ بأن يكُون فيها فحين حَرَّفُوه، تركُوهُ كالغَرِيب الذي لا مَوْضِع له بَعْد مَوَاضِعِه ومَقَارّه والمعنيان مُتَقَارِبَان. 
قال أبو حيَّان[(٢٦)](#foonote-٢٦) : وقد يُقَال : إنهما سِيَّان[(٢٧)](#foonote-٢٧) لكنه حذف هُنَا وفي أول المائدة \[ الآية ١٣ \] من بعد مواضعه ؛ لأن قوله  عَن مَّوَاضِعِهِ  يدل على استِقْرَار مواضِع له، وحذف في ثَانِي المَائِدة " من[(٢٨)](#foonote-٢٨) مواضعه " ؛ لأن التَّحْرِيف " من بعد مواضعه " يدل على أنَّه تحريفٌ عن مَوَاضِعِه، فالأصل : يُحَرِّفون الكَلِم من بعد مَواضِعِه عنها. فحذف هنا البَعْدِيَّة[(٢٩)](#foonote-٢٩)، وهناك تَوَسُّعاً في العِبَارة، وكانت البَدْأة هنا بِقَوْله :" عن مواضعه " ؛ لأنه أخصر[(٣٠)](#foonote-٣٠)، وفيه تَنْصِيصٌ[(٣١)](#foonote-٣١) باللَّفْظ على " عَنْ " وعلى المَوَاضِع، وإشارة إلى البَعْدِيّة. 
وقال أيْضاً : والظَّاهِر أنهم حَيْثُ وُصِفُوا بشدة التَّمَرُّد والطُّغْيَان، وإظْهَار العَدَاوَة، واشْتراء الضَّلالة، ونقص المِيثَاقِ، جاء  يحرفون الكلم عن مواضعه  كأنهم حَرَّفُوها من أوَّل وهْلَة قبل اسْتَقْرَارِها في مَوَاضِعِها، وبادَرُوا إلى ذلك، ولذلك جاء أوّل المَائِدة كهذه الآية ؛ حَيث وَصَفَهمُ بِنَقْض المِيثَاقِ، وقسْوَة القُلُوب، وحيث وُصِفوا باللِّين وترديد[(٣٢)](#foonote-٣٢) الحُكْم إلى الرَّسُول، جاء  من بعد مواضعه  كأنهم لم يُبَادِرُوا إلى التَّحرِيف، بل عَرَضَ[(٣٣)](#foonote-٣٣) لهم بَعْد استِقْرَار الكَلِمِ في مواضِعِهَا[(٣٤)](#foonote-٣٤)، فهما سِيَاقان مُخْتَلِفَان. 
\[ وقوله :\]  وَيَقُولُونَ  عَطْفٌ على  يُحَرِّفُونَ  وقد تَقَدَّم، وما بعده في محلِّ نَصْب به. 
### فصل : الخلاف في كيفية التحريف


اخْتَلَفُوا في كيْفِيَّة التَّحريف، فقيل : كانوا يُبْدِّلُون اللَّفْظَ بلفظ آخَر ؛ كتحريفهم الرَّجْم \[ ووضعُوا \][(٣٥)](#foonote-٣٥) موضِعَهُ الجَلْدَ ؛ ونظيره  فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ  \[ البقرة : ٧٩ \]. 
فإن قيل : كيف يُمْكن هَذَا في الكتاب الَّذي بَلَغَتْ آحَادُ حُرُوفه، وكلماته مَبْلَغ التَّوَاتُر، واشتهر في الشَّرْق والغَرْب. 
فالجواب : لعل القَوْم كانوا قليلين، والعُلَمَاء بالكِتَاب كانوا في غَايَةِ من القِلَّة فَقَدَرُوا على ذَلِك. 
وقيل : المُرَاد بالتَّحْرِيفِ : إلْقَاء[(٣٦)](#foonote-٣٦) الشُّبَه والتَّأويلاَتِ الفاسدَةِ لتلك النُّصُوصِ، وأما الآيَةُ التي في المَائِدة : فهي دالَّة على الجَمْع بين الأمْرَيْنِ، فكانوا يَذْكُرُون التَّأوِيلاَت الفاسِدَةِ، وكانوا يُحرِّفُون اللَّفْظَ أيضاً من الكِتَابِ. 
فقوله : يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ  إشارة إلى التَّأويل الباطل. 
وقوله : من بعد مواضعه  إشارة إلى إخراجه عن هذا الكِتَابِ. 
وقيل : المراد بالتَّحْرِيف : تغيير صفة محمد صلى الله عليه وسلم. 
قال ابن عبَّاس[(٣٧)](#foonote-٣٧) : كانت اليَهُود يأتون رسُول الله صلى الله عليه وسلم ويسْألُونه عن الأمْر، فيُخْبِرهم، فيرى أنَّهُم يأخُذُون بِقَوْلِهِ، فإذا انصرفوا من عِِنْدِه، حرِّفوا كلامه  وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا  منك قولك  وَعَصَيْنَا  أمْرَك، وهو المُرَادُ بقوله : سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا . 
قوله : وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ [(٣٨)](#foonote-٣٨)، في نصبِ " غَيْر " وجْهَان :
أحدهما : أنه حَالٌ. 
والثاني : أنه مَفْعُول به، والمعنى، اسْمَع غير مُسْمَعٍ كلاماً ترضاه، فَسَمْعُك[(٣٩)](#foonote-٣٩) عنه نَابٍ. 
قال الزَّمَخْشريّ، بعد حكايته نَصْبه على الحَالِ، وذكرهُ[(٤٠)](#foonote-٤٠) المعنى المتقدِّم : ويجوزُ على هَذَا أن يكون " غير مسمع " مفعول اسْمَع، أي : اسْمَع كلاماً غير مُسْمَع إيَّاك ؛ لأن أذُنَك لا تعيه نبُوّاً عنه، وهذا الكلام ذُو وَجْهَيْن، يعني أنه يَحْتَمِل المدْحَ والذَّم :
فبإرادة المدْحِ تقدر غير مُسْمَع مكْرُوهاً، فيكون قد حَذَفَ المَفْعُول الثَّاني ؛ لأن الأوّل قَامَ مَقَام الفَاعِل. 
وبإرادة الذَّمِّ تقدّر " غير مسمع خيراً " وحذف المفعول الثاني : أيضاً \[ والمعنى : كانوا يَقُولُون للنَّبِي صلى الله عليه وسلم اسْمع، ويقُولون في أنْفُسِهم : لا سَمِعْتَ \][(٤١)](#foonote-٤١). 
وقال أبو البقاء[(٤٢)](#foonote-٤٢) : وقيل : أرادُوا غير مَسْمُوع[(٤٣)](#foonote-٤٣) مِنْكَ، وهذا القَوْل نقله ابن عطيّة عن الطَّبَرِي، وقال : إنه حِكَايةٌ عن الحَسَن ومُجَاهِد. 
وقال ابن عطيَّة : ولا يُسَاعِده التَّصْريف، يَعْني : أنّ العَرَب لا تقُولُ أسْمَعْتُكَ بمعنى قَبِلْتُ منك، \[ وإنما تقول أسْمَعْتُه بمعنى : سَبَبْتُه، وسمعت منه بمعنى قَبِلْتُ ويعبرون بالسماع لا بالإسماع عن القبول مجازاً، وتقدم القولُ في  رَاعِنَا  \[ البقرة : ١٠٤ \]، وفيها وجوه :
أحدُها : أن هذه كلمةٌ كانت تجري بينهم على جهة الهزء والسخريةِ، وقيل معناها : أرِعْنَا سمْعَك، أيْ : اصرف سمْعَك إلى كلامنَا، وقيل : كانوا يقولُونَ : راعِناً، ويُوهِمُونَهُ في ظاهر الأمْر أنهم يُرِيدُونَ رَاعِنَا سَمْعَك، ومرادُهم التشبيهُ بالرعُونةِ في لُغَتِهم. 
وقيل : كانوا يَلْوُون ألْسِنَتهم، حتى يصيرَ قولُهم : وَرَاعِنَا  : رَاعِينَا، ويُريدُون : أنَّك كُنْتَ تَرْعَى أغْنَاماً لَنَا. 
قال الفراءُ[(٤٤)](#foonote-٤٤) : كانوا يَقُولُونَ : رَاعِنَا \[ ويُوهِمُونَهُ في ظاهر الأمْر أنهم يُرِيدُونَ رَاعِنَا سَمْعَك، ومرادُهم التشبيهُ بالرعُونة \][(٤٥)](#foonote-٤٥) ويريدون الشَّتْمَ، فذاك هو اللَّيُّ، وكذلك قولهم : غَيْرَ مُسْمَعٍ  أرَادُوا به، لا سَمِعْتَ فهذا هو اللَّيُّ. 
فإنْ قيلَ : كَيْفَ ج١ سقط في أ..
٢ في أ: التبعيض..
٣ ينظر: الكتاب ٣/٣٧٥..
٤ البيت لتميم بن مقبل ينظر ديوانه (٢٤)، وشرح أبيات سيبويه ٢/١١٤، وخزانة الأدب ٥/٥٥، وشرح شواهد الإيضاح ص ٦٣٤، وحماسة البحتري ص ١٢٣، والحيوان ٣/٤٨، والدرر د/١٨، والكتاب ٢/٣٤٦، وللعجير السلولي في سمط اللآلىء ص ٢٠٥، وشرح عمدة الحافظ ص ٥٤٧، والمحتسب ١/٢١٢، وهمع الهوامع ٢/١٢٠، والمقتضب ٢/١٣٨، والدر المصون ٢/٣٧١، الكشاف ١/٥١٦، البحر المحيط ٣/٢٧٣..
٥ ينظر: معاني القرآن ١/٢٧١..
٦ سقط في ب..
٧ ينظر البيت في ديوانه ١/١٤١ والبحر المحيط ٣/٢٧٣ والدر المصون ٢/٣٧٢، ورواية الديوان:
 فظلوا ومنهم دمعهم غالب له \*\*\* وآخر يثني عبرة العين بالهمل.
٨ سقط في أ..
٩ في أ: قبل..
١٠ ينظر: الإملاء ١/١٨٢..
١١ سقط في أ..
١٢ في أ: القولين..
١٣ ينظر: الكشاف ١/٥١٦..
١٤ ينظر: البحر المحيط ٣/٢٧٣..
١٥ في ب: تصيير..
١٦ في أ: معناه..
١٧ سقط في أ..
١٨ ينظر: الإملاء ١/١٨٢..
١٩ سقط في ب..
٢٠ سقط في أ..
٢١ ينظر: البحر المحيط ٣/٢٧٤، والدر المصون ٢/٣٧٢..
٢٢ في أ: وقال..
٢٣ ينظر: تفسير الرازي ١٠/٩٥..
٢٤ ينظر: السابق..
٢٥ ينظر: الكشاف ١/٥١٧..
٢٦ ينظر: البحر المحيط ٣/٢٧٤..
٢٧ في أ: بيان..
٢٨ في أ: عن..
٢٩ في ب: التعدية..
٣٠ في أ: أخص..
٣١ في ب: تخصيص..
٣٢ في ب: ورد..
٣٣ في أ: عوض..
٣٤ في ب: مواضعه..
٣٥ سقط في أ..
٣٦ في أ: بالقاء..
٣٧ ينظر: معالم التنزيل ١/٤٣٨..
٣٨ انظر: تفسير القرطبي (٥/١٠٧)..
٣٩ في أ: يرضاه، فسمعك..
٤٠ في أ: ونكر..
٤١ سقط في ب..
٤٢ ينظر: الإملاء ١/١٨٣..
٤٣ في ب: فسمع..
٤٤ ينظر: تفسير الرازي ١٠/٩٦..
٤٥ سقط في أ..

### الآية 4:47

> ﻿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ آمِنُوا بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدَّهَا عَلَىٰ أَدْبَارِهَا أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّا أَصْحَابَ السَّبْتِ ۚ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا [4:47]

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ آمِنُواْ بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقاً لِّمَا مَعَكُمْ \[ مِّن قَبْلِ أَن نَّطْمِسَ وُجُوهاً فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّا أَصْحَابَ السَّبْتِ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولاً  \][(١)](#foonote-١)
وذلك أن النَّبي صلى الله عليه وسلم كَلَّم أحْبَارَ اليَهُود : عَبْد اللَّهِ بن صوريا، وكَعْبَ بن الأشْرَف[(٢)](#foonote-٢)، فقال : يا مَعْشَر اليَهُود، اتَّقُوا اللَّه وأسْلِمُوا، والله إنكُم تَعْلَمُون أن الَّذِي جِئْتُم به الحَقّ، قالوا : ما نَعْرِفُ ذلك، وأصَرُّوا على الكُفْرِ ؛ فَنَزَلَت هذه الآية. 
فإن قيل : كان يَجِبُ أن يأمُرهُم بالنَّظَرِ والتفكُّر في الدَّلاَئِل، حتى يكُون إيمانُهُم اسْتِدْلاليّاً، فلما أمرهُم بالإيمان ابْتِداءً ؛ فكأنه - تعالى - أمَرَهُم بالإيمَانِ على سَبِيل التَّقْليد. 
فالجوَابُ : أن هذا خِطابٌ مع أهْلِ الكتاب، وكانُوا عَالِمين بِهَا في التَّوْرَاة ؛ ولهذا قال : مُصَدِّقاً لِّمَا مَعَكُمْ  أي : من الآيَاتِ الموْجُودَة فِي التَّوْرَاة الدَّالة على نُبُوَّة محمد - عليه الصلاة والسلام -. 
قوله : مِّن قَبْلِ أَن نَّطْمِسَ  متعلِّق بالأمْرِ في قوله : آمِنُواْ  ونطمِسُ يكون متعدِّياً ومنه هذه الآية ؛ ومثلها : فَإِذَا النُّجُومُ طُمِسَتْ  \[ المرسلات : ٨ \] لبنائه للمَفْعُول من غير \[ حَرْف \][(٣)](#foonote-٣) جَرٍّ، ويكُون لازِماً، يقال : طَمَسَ المَطَرُ الأعلامَ، وطَمَست الأعْلامُ. 
قال كعب :\[ البسيط \]مِنْ كُلِّ نَضَّاخَةِ الذَّفْرَى إذَا عَرِقَتْ  عُرْضَتُهَا طَامِسُ الأعلامِ مَجْهُولُ[(٤)](#foonote-٤)وقرأ الجُمْهُور : نَّطْمِسَ  بكسر الميم، وأبو رَجَاء[(٥)](#foonote-٥) بِضَمِّها، وهما لُغَتَان في المُضَارِع، وقدَّر بعضهم مُضافاً أي :" عيون وجوه " ويقوَّيه[(٦)](#foonote-٦) أن الطَّمْس للأعْيُن[(٧)](#foonote-٧) ؛ قال - تعالى - : لَطَمَسْنَا عَلَى أَعْيُنِهِمْ  \[ يس : ٦٦ \]. 
### فصل في معنى الطمس والخلاف فيه


الطَمْسُ : المَحْوُ ؛ تقول العرب في وصف المفَازَةِ : إنها طَامِسَةُ الأعلامِ، وطَمس الطَّرِيق إذا دَرَسَ، وقد طَمَسَ اللَّه على بَصَرِه ؛ إذا أزَالَهُ، وَطَمَست الرِّيحُ الأثَر : إذا مَحَتْهُ، وطَمَسْت الكِتَاب : إذا مَحَوْتَه، واخْتَلَفُوا في المراد بالطَّمْسِ هُنَا. 
فقال ابن عباس : نَجْعَلُهَا كَخُفِّ البَعِير[(٨)](#foonote-٨). 
وقال قتادة والضَّحَّاك : نُعْميها[(٩)](#foonote-٩). 
وقيل : نمحو آثارهَا وما فيها من أعْيُن[(١٠)](#foonote-١٠)، وأنْف، وَفَم، وحَاجِب. 
وقيل : نجعل الوُجُوه منابِتَ الشَّعَر، كوُجُوهِ القِرَدَةِ[(١١)](#foonote-١١)، وقيل : يجعلُ عَيْنَيْهِ في القَفَا ؛ فَيَمْشِي القَهْقَرَى، وقيلَ : المرادُ ب " الوجوهِ " : الوجَهَاءُ، والرؤسَاءُ[(١٢)](#foonote-١٢). 
ورُوِيَ : أنَّ عبد الله بْنَ سلامٍ، ولمّا سَمِعَ هذه الآية ؛ جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم قبل أنْ يأتِيَ أهْلُهُ، ويدَهُ على وَجْهِهِ، وأسْلَم، وقال : يا رسُولَ الله، ما كنتُ أرَى أنْ أصِلَ إليْك ؛ حَتَّى يتحولَ وَجْهِي إلى قَفَايَ[(١٣)](#foonote-١٣) ؛ وكذلك كعبُ الأحْبَارِ، لَمَّا سَمِعَ هذه الآيةَ، أسْلَمَ في زَمَنِ عُمَرَ، فقال : يا رَبِّ، آمَنْتُ، يا رَبِّ، أسلمتُ ؛ مخافَةَ أنْ يُصِيبَه - وعيدُ هذه - الآية[(١٤)](#foonote-١٤). 
فإن قيلَ : قد أوعدهم بالطمْسِ إنْ لم يُؤمِنُوا، ولَمْ يَفْعَلْ ذلك بِهم ؟
فالجوابُ : أنَّ الوَعِيدَ باقٍ، ويكونُ طَمْسٌ، ومَسخٌ في اليهود، قَبْلَ قِيَامِ السَّاعَةِ، وقيل : إنَّه جَعَل الوِعيدَ : إمَّا الطمسَ، وإمَّا اللَّعْنَ، وقد فَعَلَ أحَدَهُمَا، وهو اللَّعْنُ. 
وقيل : كان هذا وَعِيداً بشرطٍ فلما أسْلَمَ عبد الله بن سلام، وأصحابُه، رفع ذلك عن الباقينَ، وقيل : أرَادَ بِهِ في القيامةِ. 
وقال مُجَاهِدٌ : أراد بقوله  نَّطْمِسَ وُجُوهاً ، أيْ : يترُكهُم في الضَّلاَلَة، فيكون المرادُ طَمْسَ وَجْهِ القَلْبِ، والردَّ عن الهُدَى[(١٥)](#foonote-١٥). 
وقال ابنُ زَيْدٍ : نَمْحُو آثَارَهُمْ مِنْ وجُوهِهِم، ونَوَاصيهم التي هم بها[(١٦)](#foonote-١٦) وقد لحقَ اليهودَ، ومضى، وتأويل ذلك في إجْلاءِ قُُرَيْظَةَ والنَّضِيرِ إلى الشَّام، فرد اللَّهُ وُجُوهَهُم على أدْبَارِهم، حين عادوا إلى أذْرِعَاتٍ، وأريحاء من الشامِ. 
قوله : عَلَى أَدْبَارِهَا  فيه وَجْهَانِ :
أظهرهُمَا : أنَّهُ متعلقٌ ب  فَنَرُدَّهَا . 
والثَّاني : أن يتعلَّقَ بمحذوفٍ ؛ لأنه حالٌ من المفعولِ في  فَنَرُدَّهَا  ؛ قَالَهُ أبُو الْبَقَاءِ[(١٧)](#foonote-١٧). 
قوله : أَوْ نَلْعَنَهُمْ  عطفٌ على نَطْمِس، والضميرُ في " نلعنهم " يَعُودُ على الوُجُوهِ، على حَذْفِ مُضَاف إلَيْهِ : أيْ : وُجُوه قَوْم، أوْ عَلَى أن يُرَادَ بِهمُ : الوُجَهَاءَ والرؤساءَ[(١٨)](#foonote-١٨)، أو يعودَ على الَّذين أوتُوا الكِتَابَ، ويكونُ ذلك التِفاتاً مِنْ خَطَابٍ إلى غَيْبةٍ، وفيه اسْتِدْعاؤهُم للإيمانِ ؛ حيثُ لم يُوَاجِهْهُمْ باللَّعْنَةِ بَعْدَ أن شَرَّفَهُم بكوْنِهم مِنْ أهْل الكتابِ. 
### فصل في المراد باللعن


قال مُقَاتِلٌ، وغَيْرهُ : المرادُ باللَّعْنِ : مَسْخُهُمْ قِرَدَةً، وخَنَازِير[(١٩)](#foonote-١٩)، فإنْ قيل : قد كان اللّعْنُ حَاصِلاً قبل هذا الوعيد[(٢٠)](#foonote-٢٠). 
فالجوابُ : أن هذه اللَّعْنَةَ بعد الوعيد، أزْيَدُ تأثيراً في الخِزْيِ، وقيل : المرادُ بهذا اللَّعْن، الطَّرْدُ، والإبْعَادُ \[ و \][(٢١)](#foonote-٢١) قولهُ  وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ  : أمرٌ واحدٌ أُريدَ به الأمُورُ، وقيل : هو مصدرٌ واقعٌ موقعَ المفعولِ به، أيْ : مَأمُوره، أي[(٢٢)](#foonote-٢٢) : ما أوْجَدَه كائِنٌ لا مَحَالَة. 
قال ابنُ عبَّاس[(٢٣)](#foonote-٢٣) : يريدُ لا رَادَّ لِحُكْمَه، ولا ناقِضَ لأمْرِه، وعلى \[ مَعْنَى \][(٢٤)](#foonote-٢٤) أنه لا يَبْعُدُ عليه شَيءٌ \[ يُريدُ \][(٢٥)](#foonote-٢٥) أن يَفْعَلهُ، وإنَّما قال : وَكَانَ  إخباراً عن جريان عادةِ اللَّهِ في الأنْبِياءِ المتقدِّمِينَ، أنَّه مَتَى أخْبرهم بإنْزَال العَذَابِ عليْهم فعل ذلك لا مَحَالة. 
### فصل : دفع شبهة الجبائي


احتجَّ الجُبَّائِيُّ بهذه الآيةِ على أنَّ كلامَ اللَّهِ مُحْدَثٌ[(٢٦)](#foonote-٢٦) ؛ لأنَّ المفعولَ مَخْلُوقٌ. 
فالجوابُ : أنَّ الأمْرَ في اللُّغَةِ، جاءَ بمعنى الشَّأنِ، والطَّريقَةِ، والفِعْلِ ؛ قال تعالى :
 وَمَآ أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ  \[ هود : ٩٧ \]. 
١ سقط في ب..
٢ في أ: أسد..
٣ سقط في أ..
٤ تقدم..
٥ ينظر: البحر المحيط ٣/٢٧٨، والدر المصون ٢/٣٧٥..
٦ في أ: ويقولون..
٧ في أ: للعين..
٨ انظر: البحر المحيط (٣/٢٧٨)..
٩ المصدر السابق..
١٠ في ب: عين..
١١ انظر تفسير "البحر المحيط" لأبي حيان (٣/٢٧٨)..
١٢ في أ: الوجه والرؤس..
١٣ انظر تفسير ابن عباس ص ٧١، غرائب النيسابوري (٥/٦٤)..
١٤ أخرجه الطبري في "تفسيره" (٨/٤٤٦) عن عيسى بن المغيرة..
١٥ انظر البحر المحيط (٣/٢٧٨)..
١٦ أخرجه الطبري في "تفسيره" (٨/٤٤٢ ـ ٤٤٣)..
١٧ ينظر: الإملاء ١/١٨٣..
١٨ في أ: الوجه والرأس..
١٩ ذكره السيوطي في "الدر المنثور" عن الضحاك (٢/٣٠١) وعزاه لعبد بن حميد..
٢٠ في أ: الوعد..
٢١ سقط في ب..
٢٢ في أ: إلى..
٢٣ ينظر: تفسير الرازي ١٠/٩٩..
٢٤ سقط في أ..
٢٥ سقط في أ..
٢٦ في أ: يحدث..

### الآية 4:48

> ﻿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَٰلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ ۚ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَىٰ إِثْمًا عَظِيمًا [4:48]

لما توعَّدَ الكُفْرُ، وبين أنَّ ذلك التقديرَ لا بُدَّ من وُقُوعِهِ، يَعْنِي : أنَّ ذلك إنَّما هو مِنْ خَواص الكُفْرِ، أمَّا سَائِرُ الذُّنُوبِ غيرَ الشِّرْكِ، فإنه يَغْفِرُها، إن شاءَ. 
قال الكَلْبِيُّ[(١)](#foonote-١) :" نزلتْ في وَحْشِيّ بن حَرْبٍ، وأصحابه ؛ وذلك أنَّهُ لما قُتِل حَمْزَةُ، كان قد جُعِلَ له على قَتْلِه أنْ يُعْتَقَ، فلم يُوفَّ له بذلك، فلما قَدمَ مَكَّةَ، نَدِمَ على صُنْعِهِ، هُوَ، وأصحابُهُ ؛ فكتَبُوا إلى رسُولِ الله صلى الله عليه وسلم : إنَّا قَدْ نَدِمْنَا على الذي صَنَعْنَا، وإنَّه لَيْسَ يَمْنَعُنَا عن الإسلامِ إلاَّ أنَّا سَمعناكَ تَقُولُ بِمَكَّةَ : وَالَّذِينَ لاَ يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهَا آخَرَ  \[ الفرقان : ٦٨ \] الآياتِ، وقد دعونا مع الله إلهاً آخر، وقتلنا النفس التي حرم الله قتلها وزنينا، فلوْلا هذه الآياتُ، لاتَّبَعْنَاك ؛ فنزلت : إِلاَّ مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحاً  \[ الفرقان : ٧٠ \]، الآيتين، فبعثَ بهما \[ رسول الله صلى الله عليه وسلم \] إليهم فلما قرءُوا، كتبوا إليْهِ : إنَّ هذا شَرْطٌ شَدِيدٌ نَخَافُ ألاَّ نَعْمَلَ عَمَلاً صالحاً فنزلَ : إِنَّ اللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ ، فَبَعَثَ بها إليهمْ، فبَعَثُوا إليه : إنَّا نَخَافُ ألاَّ نكون[(٢)](#foonote-٢) مِنْ أهْلِ المشيئةِ ؛ فنزلتْ : يا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُواْ عَلَى أَنفُسِهِمْ لاَ تَقْنَطُواْ مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ  \[ الزمر : ٥٣ \] فبعث بها إليهم ؛ فَدَخَلُوا في الإسلامِ، ورجعُوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فَقَبِل مِنْهم، ثم قال \[ عليه الصلاة والسلام \][(٣)](#foonote-٣) لِوَحْشِي :" أخْبِرْنِي : كَيْفَ قَتَلْتَ حَمْزَةَ ؟ " فلَمَّا أخْبَرَهُ، قال :" وَيْحَكَ ! غَيِّبْ وَجْهَكَ عَنِّي "، فَلَحِقَ وَحْشِيٌّ بالشَّامِ، وكانَ بِهَا إلى أنْ ماتَ[(٤)](#foonote-٤). 
وروى أبُو مِجْلَز، عن ابْنِ عُمَر :" لمَّا نزلت : يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم  الآية، قام رَجُلٌ، فقال[(٥)](#foonote-٥) : والشِّرْك يا رسُولَ الله، فَسَكَتَ، ثم قام إلَيْهِ مَرَّتَيْنِ، أو ثلاثاً ؛ فنزلتْ :" إن الله لا يغفر أن يشرك به " [(٦)](#foonote-٦) الآية، قال مُطْرِّفُ بنُ الشَّخِّير : قال ابنُ عُمَرَ : كُنَّا على عهدِ رسول الله صلى الله عليه وسلم إذَا مَاتَ الرجلُ على كَبِيرَةٍ، شَهِدْنَا أنَّه مِنْ أهْلِ النَّارِ، حتى نزلتْ هذه الآيةُ، فأمْسَكْنَا عن الشَّهَادَاتِ[(٧)](#foonote-٧). 
حُكِيَ عَنْ عَلِيٍّ - رضي الله عنه - أنَّ هذه الآيةَ أَرْجَى آيةٍ في القُرْآنِ[(٨)](#foonote-٨). 
قوله : وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ ، كلامٌ مُسْتأنفٌ، ولَيْسَ عَطْفاً على  يَغْفِرُ  الأوَّلِ ؛ لفسادِ المعنى، والفَاعِلُ في  يَشَاءُ  ضميرٌ عَائِدٌ على اللَّه تعالى، ويُفْهَمُ مِنْ كلام الزمَخْشريّ : أنَّهُ ضميرٌ عائِدٌ على مَنْ في " لمنْ " لأنَّ المعنى عِنْدَه : إنَّ الله لا يغفرُ الشِّرْكَ لمن لا يشاء أن يغفر له ؛ لِكَوْنِه مَاتَ على الشِّرْكِ، غَيْر تائِب مِنْه، ويغفرُ ما دُونَ ذَلِك لِمَنْ يشاءُ أنْ يغفرَ له، بكونه[(٩)](#foonote-٩) ماتَ تَائباً مِنَ الشِّرْكِ، و لِمَن يَشَاءُ  متعلِّقٌ ب  يَغْفِرُ . 
قوله : وَمَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْماً عَظِيماً  أيْ : اختلق ذَنْباً غيرَ مَغْفُورٍ. 
يُقالُ : افْتَرَى فُلانٌ الكَذِبَ، إذا اعْتَمَلَهُ، واخْتَلَقَهُ، وأصْلُه : من الفَرْي، بمعنى القَطْعِ. 
رَوَى جَابرٌ قال :" أتى النبيِّ صلى الله عليه وسلم رَجَلٌ، فقال : يا رسُول الله، ما المُوجِبتان ؟ قال[(١٠)](#foonote-١٠) مَنْ مَاتَ لا يُشْرِكُ بالله شيئاً، دَخَلَ الجَنَّة، ومَنْ مَاتَ يُشْرِكُ باللَّهِ شَيْئاً، دَخَلَ النَّارَ " [(١١)](#foonote-١١). 
وقال ابنُ عبَّاسٍ : إنَّي لأرْجُو، كَمَا لا يَنْفَعُ مَعَ الشِّرْكِ عَمَلٌ ؛ كَذلِكَ لا يَضُرُّ مَعَ التَّوحِيد ذَنْبٌ، ذَكَرَ ذلك عِنْدَ عُمَر بْنَ الخطَّابِ ؛ فَسَكَتَ عُمَرُ. 
وروى أبُو ذَرٍّ، " قالَ : أتَيْتُ النَّبِي صلى الله عليه وسلم، وعليه ثَوْبٌ أبْيَض، وهو نَائِمٌ، ثُمَّ أتَيْتُهُ، وقد استَيْقَظَ ؛ فقال :" مَا مِنْ عَبْدٍ قَالَ لا إله إلا اللَّهُ، ثُمَّ مَاتَ على ذَلِكَ ؛ إلاَّ دَخَلَ الجنَّة ". 
قُلْتُ : وَإنْ زَنا، وإنْ سَرَقَ ! قَال :" وإنْ زَنَا، وإنْ سَرَقَ ". 
\[ قُلْتُ : وَإنْ زَنَا، وإنْ سَرَقَ ! قَال :" وإنْ زَنَا، وإنْ سَرَقَ "، قُلْتُ : وَإنْ زَنا، وإنْ سَرَقَ ! قَال :" وإنْ زَنَا، وإنْ سَرَقَ \][(١٢)](#foonote-١٢)، عَلَى \[ أنْفِ \][(١٣)](#foonote-١٣) أبِي ذَرٍّ "، وكانَ أبُو ذَرٍّ إذا حدث بهذا، قال : وإنْ رَغم أنْفُ أبِي ذَرٍّ[(١٤)](#foonote-١٤).

### فصل


قال القُرطُبِيُّ[(١٥)](#foonote-١٥) : قوله تعالى : إِنَّ اللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ  من المُحْكَمِ المتفقِ عليه، الذي لا خلاف فيه بَيْنَ الأمةِ، وقوله : وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ ، من المُتَشَابَهِ، الَّذي قد تَكَلَّمَ العلماءُ فيه. 
فقال مُحَمدُ بن جَريرٍ الطَّبريّ[(١٦)](#foonote-١٦) : قد أبَانَتْ هذه الآيةُ كُلَّ صَاحِبِ كَبيرةٍ، فَفِي مَشِيئةِ اللَّه عز وجل[(١٧)](#foonote-١٧) إن شاء \[ عفَا لَهُ، وَإنْ شَاءَ \][(١٨)](#foonote-١٨)، عاقَبهُ، مَا لَمْ تَكُنْ كَبِيرتُهُ شِرْكاً، وقالَ بعضُهُم : قد بين الله تعالى، بقوله عز وجل : إِن تَجْتَنِبُواْ كَبَآئِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ  \[ النساء : ٣١ \]. 
فأعْلَمَ أنَّهُ : يُكَفِّرُ الصَّغَائِرَ لمن اجْتَنَبَ الكَبَائِرَ، لمنْ يشاءُ، ولا يَغْفِرُ الصغَائِرَ لمنْ أتَى الكَبَائِرَ. 
وقال بعضُهم[(١٩)](#foonote-١٩) : هذه الآيةُ ناسِخَةٌ للتي في آخرِ الفُرْقَانِ. 
قال زَيْدُ بنُ ثَابِتٍ : نزلتْ سُورةُ النِّسَاءِ بَعْدَ سُورَةِ الفُرقَانِ بِسِتَّةِ أشْهُرٍ[(٢٠)](#foonote-٢٠). 
قال القُرِطُبِيُّ : والصحيح أنَّهُ لا نَسْخَ، لأنَّ النَّسْخَ فِي الأخْبَارِ مُسْتَحِيلٌ، وسيأتي الجمعُ بَيْنَ الآي، في هذه السُّورةِ ؛ وَفِي الفُرْقَانِ، إنْ شَاءَ اللَّهُ تعالى. 
### فصل هل يسمى اليهودي مشركاً في الشرع ؟


قال ابنُ الخطيب[(٢١)](#foonote-٢١) : دلتْ هذه الآيةُ على أنَّ اليَهُودِيِّ يُسَمَّى مُشْرِكاً في الشَّرْعِ ؛ لأنها دالَّةٌ على أنَّ مَا سِوَى الشركِ من الكَبَائِرِ يُغْفَرُ، فَلَوْ كَانتِ اليهوديَّةُ مُغَايِرة للشِّرْكِ، كَانَتْ \][(٢٢)](#foonote-٢٢) مَغْفُورَةً[(٢٣)](#foonote-٢٣) بحكم الآية، وهو خِلاَفُ الإجْمَاعِ، ولأنَّ هذه الآيةَ مُتَّصِلَةٌ بوعِيِدِ اليَهُودِ، فَلَوْلاَ دُخُوُل اليهوديةِ تحتَ اسْمِ الشِّرْكِ، لم يحْصُل الالتئامُ. 
فإنْ قيلَ : عَطْفُ " الذين أشركوا " على " الذين هادوا " في قوله :
 إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَالَّذِينَ هَادُواْ  \[ الحج : ١٧ \] ثُمَّ قَالَ \[ بعده \][(٢٤)](#foonote-٢٤) :" والذين أشركوا " يَقْتَضِي المُغَايَرَةَ. 
قُلْنَا : المغايرةُ في المفهومِ اللُّغَويِّ، والاتِّحاد في الشرعي ؛ دَفْعَاً للتَّنَاقُضِ، ويتفرَّعُ عليه أنَّ المسلمَ لا يُقْتَلُ بالذمِّي ؛ لأنَّ المشركَ مُبَاحُ الدَّمِ ؛ لقوله تعالى :
 فَاقْتُلُواْ الْمُشْرِكِينَ  \[ التوبة : ٥ \]، ومُبَاحُ الدَّمِ لا يُقْتَصُّ مِنْ قَاتِلِهِ، ولا يتوجَّهُ النَّهْيُ عن قَتْلِه، ترك العَملِ بهذا الدليلِ في حقِّ النهي فَبَقِيَ[(٢٥)](#foonote-٢٥) مَعْمُولاً به في سُقُوطِ القِصَاصِ عَنْ قَاتله. 
### فصل في دلالة الآية على العفو عن أصحاب الكبائر


هذه الآيةُ أقْوَى الدلائلِ على صِحَّة العَفْوِ عن أصْحَابِ الكَبَائِرِ، من وجوه :
الأوَّلُ : أنَّ قوله تعالى : إِنَّ اللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ  أيْ لا يغفرُهُ فَضْلاً معَ عدمِ التوبةِ ؛ لأنَّهُ يُغْفَرُ وُجُوباً عند التوبةِ بالإجماع ؛ فيكون قوله : وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ  على سَبِيلِ الفَضْلِ، حَتَّى يتواردَ النَّفْيُ والإثباتُ على مَعْنَى واحدٍ ؛ كما لو قال : إنَّ فُلاناً شَاءَ لا يُعْطِي على سبيلِ التفضيل، ويعطي زيدا، فهم أنه على سبيل الفضل حتى لو قال : يعطيه على سبيل فَضْلِ الوُجُوبِ، كان رَكِيكاً، وحينئذٍ : يَجِبُ أنْ يكُونَ المرادُ أصْحابَ الكَبَائِرِ، قَبْلَ التَّوْبَةِ ؛ لأنَّ عند المعتزِلةِ، غُفْرَانَ الصَّغائِرِ، والكبائِرِ بَعْدَ التَّوْبَةِ - وَاجِبٌ عَقْلاً، فلا يُمْكن حَمْلُ الآيةِ عَلَيْهِ، فلم يَبْقَ إلاَّ الكَبَائِرُ قَبْلَ التَّوْبَةِ. 
الثّاني : أنَّ ما سِوَى الشِّرْكِ، يَدْخُلُ فيه الكبائرُ قَبْلَ التوبةِ، وبعدَهَا، ثُمَّ حَكَمَ على الشِّرْكِ بأنَّهُ غيرُ مَغْفُورٍ، وَعَلَى غَيْرِ الشِّرْكِ بأنَّهُ مَغْفورٌ لمنْ يشاءُ، فَوَجَبَ أنْ تكونَ الكبيرةُ قَبْلَ التوبةِ مَغْفُورةٌ. 
الثالثُ : أنَّه علَّقَ الغُفْرَان بالمشيئَةِ، وغُفْرَانُ الكَبِيرةِ بعد التوبةِ والصَّغِيرَةِ مَقْطُوعٌ به، فوجب أنْ يكونَ المعلَّق الكبيرة قبْلَ التوبةِ. 
فإن قيلَ : إنَّ تَعْلِيقَهُ على المشِيئَةِ، لا يُنَافِي وُجُوبَهُ، كقوله تعالى : بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَن يَشَاءُ ، ثُمَّ إنَّا نَعْلَمُ أنَّه لا يُزَكِّي إلاّ مَنْ يكونُ أهْلاً للتَّزكِية، وإلاَّ فكانَتْ كَذِباً. 
واعلمْ : أنه ليس للمعتزلةِ في مُقَابلة هذه الوُجُوهِ كلامٌ يُلْتفتُ إليه، \[ إلا المعَارَضَة بآياتِ الوعِيدِ \][(٢٦)](#foonote-٢٦). 
١ ينظر: معالم التنزيل ١/٤٣٩..
٢ في أ: أن لا نكون..
٣ سقط في أ..
٤ انظر تفسير الرازي (١٠/١٠١)..
٥ في ب: قال..
٦ أخرجه الطبري في "تفسيره" (٨/٤٤٩، ٤٥٠) عن ابن عمر وذكره ابن كثير في "تفسيره" (٢/٤٨١) ثم قال: وقد رواه ابن مردويه من طرق عن ابن عمر وأورده السيوطي في "الدر المنثور" (٢/٣٠٢) عن أبي مجلز وعزاه لابن المنذر..
٧ أخرجه الطبري في "تفسيره" (٨/٤٥٠) وذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٢/٣٠٢) وزاد نسبته للبزار وابن أبي حاتم عن ابن عمر. وللحديث شاهد قوي عن ابن عمر:
 أخرجه أبو يعلى (١٠/١٢٦) وابن الضريس وابن المنذر وابن عدي كما في "الدر المنثور" (٢/٣٠٢) وذكره الهيثمي في "مجمع الزوائد" (٧/٥) وقال: ورجاله رجال الصحيح غير حرب بن سريج وهو ثقة. ولفظه: كنا نمسك عن الاستغفار لأهل الكبائر حتى سمعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء" \[النساء: ٣٨\] فأمسكنا عن كثير مما كان في أنفسنا..
٨ ينظر: معالم التنزيل ١/٤٤٠..
٩ في ب: لكونه..
١٠ في ب: فقال..
١١ أخرجه البخاري (١/٢٧٢) كتاب العلم: باب من خص بالعلم قوما (١٢٨ ـ ١٢٩) ومسلم (١/٥٨) كتاب الإيمان: باب الدليل على أن من مات على الوحيد دخل الجنة (٤٨/٣٠)، (٤٩/٣٠) وأبو عوانة (١/١٧) والبيهقي (٧/٤٤) والبغوي في "شرح السنة) (١/١١٢) من حديث جابر بن عبد الله..
١٢ سقط في ب..
١٣ سقط في ب..
١٤ أخرجه البخاري (١٠/٢٩٤) كتاب اللباس: باب الثوب الأبيض (٥٨٢٧) ومسلم (١/٩٤) كتاب الإيمان باب من مات لا يشرك بالله شيئا (١٥٣/١٩٤).
 قال البغوي في "شرح السنة" (١/١١٣) وقوله: "وإن رغم أنف أبي ذر" أي: ذل، وقيل: وإن كره يقال: ما أرغم من ذلك شيئا أي: أكرهه، وقيل: وإن اضطرب أبو ذر. وانظر "النهاية في غريب الحديث" (٢/٢٣٩) والصحاح للجوهري (٥/١٩٣٤)..
١٥ ينظر: تفسير القرطبي ٥/١٥٩..
١٦ ينظر: السابق..
١٧ في ب: الله تعالى..
١٨ سقط في ب..
١٩ ينظر: تفسير القرطبي ٥/١٥٩..
٢٠ ذكره القرطبي في "تفسيره" عن زيد بن ثابت..
٢١ ينظر: تفسير الرازي ١٠/١٠٠..
٢٢ سقط في ب..
٢٣ في ب: مغفور..
٢٤ سقط في ب..
٢٥ في ب: بقي..
٢٦ سقط في ب..

### الآية 4:49

> ﻿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ ۚ بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا [4:49]

قد تقدَّمَ الكلامُ على مِثْل قوله :" ألم تر "، وقوله :" بل "، إضْرَابٌ عَنْ تزكيتهم أنفُسَهُم، وقدّر أبُو البقاء[(١)](#foonote-١) قبل هذا الإضراب جُمْلَةً ؛ قال : تقديرهُ : أخْطؤوا،  بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَن يَشَاءُ . 
\[ وقوله :" ولا يظلمون "، يجوزُ أنْ يكونَ حَالاً ممَّا تقدَّم، وأنْ يكون مُسْتَأنفاً، والضميرُ في " يظلمون " يجوزُ أنْ يعود على " من يشاء " \][(٢)](#foonote-٢) أيْ : لا يُنْقِصُ مِنْ تزكيتهم شيئاً، وإنَّما جَمَعَ الضميرَ ؛ حَمْلاً على مَعْنى " من " وأنْ يَعُودَ على الذين يُزَكونَ، وأنْ يعُودَ على القَبِيليْن مَنْ زَكَّى نَفْسَهُ، وَمَنْ زَكَّاهُ اللَّه، فَذَاكَ لاَ يُنْقِصُ من عقابه شَيْئاً، وهذا لا يُنْقِصُ مِنْ ثَوَابِهِ شَيْئاً، والأوَّلُ أظْهَرُ ؛ لأن " من " أقَرْبُ مَذْكُورٍ، ولأنَّ " بل " إضرابٌ مُنْقطعٌ[(٣)](#foonote-٣) ما بَعْدَهَا عمَّا قَبْلَهَا. 
وقال أبُو البَقَاءِ[(٤)](#foonote-٤) : ويجوزُ أن يكُونَ مُسْتأنَفاً، أيْ : منْ زَكَّى نَفْسَه، ومَنْ زَكَّاهُ اللَّهُ. انتهى. 
فجعل عودَ الضميرِ على الفَريقَيْنِ ؛ بِناءً على وَجْهِ الاسْتِئْنافِ، وهذا غيرُ لازِمٍ \[ بل \][(٥)](#foonote-٥) يجوزُ عودهُ عَلَيْهِمَا، والجملةُ حَالِيَّةٌ. 
و  فَتِيلاً  مَفعُولٌ ثانٍ ؛ لأن الأولَ قامَ مَقَامَ الفاعِلِ، ويجوزُ أنْ يكونَ نَعْت مَصْدرٍ مَحْذُوفٍ، كما تقدَّمَ تقديره في : مِثْقَالَ ذَرَّةٍ  \[ النساء : ٤٠ \]، والفَتِيلُ : خَيْطٌ رَقيقٌ في شِقِّ النَّوَاة \[ يَضْرَبُ به المَثلُ في القِلَّةِ، قالَهُ ابنُ السِّكيتِ، وغيرُهُ. 
وقيل : هو مَا خَرَجَ مِنْ بيْن إصْبَعَيْكَ، أو كَفَّيْكَ مِنَ الوَسَخ \][(٦)](#foonote-٦) حين تَفْتُلُهُمَا[(٧)](#foonote-٧)، فهو فَعِيلٌ بمعنى مَفْعُولٍ، وقد ضرب العَرَبُ المثلَ في القِلّةِ التافِهَةِ بأربَعةِ أشْيَاء، اجتمعْتَ في النواةِ، وهي : الفَتِيلُ، والنَّقِيرُ : وهو النُّقْرَةُ التي في ظهر النَّواةِ، والقِطْميرُ : هو القِشْرُ \[ الرقيقُ \][(٨)](#foonote-٨) فوقها \[ وهذه الثلاثةُ واردَةٌ في الكتابِ العزيز، والثُّفْروق : وهو ما بيْنَ النواةِ والقِمْع \][(٩)](#foonote-٩) الَّذِي يكُونُ في رَأسِ التَّمرة كالعلاقَةِ بَيْنَهُمَا.

### فصل


لما هَدّد[(١٠)](#foonote-١٠) اليهود بأنه تعالى[(١١)](#foonote-١١) لا يغفرُ أنْ يشركَ به، قالوا : لَسْنَا منَ المشركينَ، بل نحنُ مِنْ خَوَّاصِّ اللَّهِ. 
قال الكَلْبيُّ[(١٢)](#foonote-١٢) :" نزلت هذه الآيةُ في رِجَالٍ مِنْ اليهودِ : منهم " بَحْرى بنُ عُمَرَ "، و " النُّعْمانُ بنُ أوْفَى "، و " مَرْحَبُ بنُ زَيْدٍ " أتَوْا بأطْفالهم إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقَالُوا : يا محمدُ \[ هَلْ \][(١٣)](#foonote-١٣) على هَؤلاءِ مِنْ ذنْبٍ ؟ فقال : لاَ، قالوا : ما نَحْنُ إلاَّ كَهَيْئتهم، ما عَمِلْنَا بالنهار، يُكَفَّر[(١٤)](#foonote-١٤) عنّا بالليل، وما علمنا بالليل، يكفرُ عنَّا بالنهار، فنزلت هذه الآيةُ. 
وقال مُجاهِدٌ، وعكْرمة[(١٥)](#foonote-١٥) : كانُوا يُقدِّمُونَ أطْفَالَهُم في الصلاةِ، يَزْعمُوَن أنَّهم لا ذُنُوبَ لَهُم، فتِلْكَ التزكيةُ[(١٦)](#foonote-١٦). 
وقال الحَسنُ، والضحاكُ، وقتادةُ، ومقاتلٌ : نزلت في اليهودِ، والنصارى، حينَ قَالُوا :
 نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ  \[ المائدة : ١٨ \]  وَقَالُواْ لَن يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلاَّ مَن كَانَ هُوداً أَوْ نَصَارَى [(١٧)](#foonote-١٧) \[ البقرة : ١١١ \]. 
قال عبدُ الله بنُ مسعودٍ : هو تزكيةُ بعضِهم لِبَعضٍ[(١٨)](#foonote-١٨). 
### فصل


التَّزْكِيَةُ - ها هنا - عِبارةٌ عنْ مَدْح الإنْسَانِ نَفْسَهُ. 
قال تعالى : فَلاَ تُزَكُّواْ أَنفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى  والتَّقْوَى : لا يَعْلَمُ حقيقتَها إلاَّ الله تعالى. 
فإن قيل : ألَيْسَ قد قال - عليه الصلاة والسلام - :" واللَّهِ، إنّي لأمِينٌ في السَّماءِ، وأمِينٌ في الأرْضِ " [(١٩)](#foonote-١٩). 
فالجوابُ : إنَّما قال ذلك حين قال المنافِقُون له : اعدِلْ في القِسْمة ؛ ولأنَّ الله تعالى لمَّا زكَّاهُ أوَّلاً بِقِيَامِ المعْجزةِ، جاز له ذَلِكَ، بخلافِ غيرِه. 
١ ينظر: الإملاء ١/١٨٣..
٢ سقط في أ..
٣ في أ: فيقطع..
٤ ينظر: الإملاء ١/١٨٣..
٥ سقط في ب..
٦ سقط في ب..
٧ في أ: حتى يفتلها..
٨ سقط في ب..
٩ سقط في أ..
١٠ في ب: حدد..
١١ في ب: بأن الله..
١٢ ينظر: تفسير البغوي ١/٤٤٠..
١٣ سقط في أ..
١٤ في ب: كفر..
١٥ ينظر: معالم التنزيل ١/٤٤٠..
١٦ أخرجه الطبري في "تفسيره" (٨/٤٥٣) عن مجاهد وأبي مالك وعكرمة وذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٢/٣٠٤) عن مجاهد وزاد نسبته لعبد بن حميد وابن المنذر..
١٧ أخرجه الطبري في "تفسيره" (٨/٤٥٢) عن الحسن والضحاك وقتادة وذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٢/٣٠٤) عن الحسن وزاد نسبته إلى ابن أبي حاتم وعبد الرزاق. ومعالم التنزيل ١/٤٤٠..
١٨ ينظر: معالم التنزيل ١/٤٤٠..
١٩ انظر إتحاف السادة المتقين (٥/٢٣٩) والشفا للقاضي عياض (١/٣٢٦٩)..

### الآية 4:50

> ﻿انْظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ ۖ وَكَفَىٰ بِهِ إِثْمًا مُبِينًا [4:50]

كَيفَ  منصوبٌ ب  يَفْتَرُونَ  وتقدم الخِلافُ فيه، والجملةُ في محلِّ نَصْبِ، بعد إسقاطِ الخَافِضِ ؛ لأنَّها مُعلقةٌ[(١)](#foonote-١) ل " انظر " و " انظر " يتعدى ب " في " ؛ لأنها - هنا - لَيستْ بَصريَّةً، و " على الله " مُتعلِّقٌ ب  يَفْتَرُونَ ، وأجاز أبُو البَقَاءِ[(٢)](#foonote-٢) : أنْ يتعلَّقَ بمحذوفٍ، على أنه حالٌ من الكذبِ، قُدِّمَ عليه، قال :" ولا يجوز أن يتعلق بالكذب ؛ لأن معمولَ المصْدَرِ لا يتقدَّمُ عليه، فإن جعل على التَّبيين جَازَ "، وجوّز ابن عطيةَ[(٣)](#foonote-٣) : أن يكون " كيف " مُبْتدأ، والجملةُ مِنْ قوله  يَفْتَرُونَ  الخَبَرُ، وهذا فاسِدٌ، لأن " كَيْفَ " لا تُرْفَعُ بالابتداءِ، وعلى تقدير ذلك، فأيْن الرَّابِطُ[(٤)](#foonote-٤) بينها وبَيْنَ الجملةِ الوَاقِعةِ خبراً عنها ولم تكن نفس[(٥)](#foonote-٥) المُبْتدأ، حتى تَسْتغْنِي عَنْ رَابِطٍ، و  إِثْماً  تمييزٌ، والضميرُ في " به " عائدٌ على الكذبِ، وقِيلَ : على الافْتِرَاءِ وجعلهُ الزمخشريُّ[(٦)](#foonote-٦) عَائِداً على زَعمهمْ، يعْنِي : من حَيْثُ التقديرُ. 
### فصل في تعجيب النبي صلى الله عليه وسلم من اليهود


هذا تَعْجيبٌ للنبيّ صلى الله عليه وسلم مِنْ فرْيتهم[(٧)](#foonote-٧) على الله، وهو تَزْكيتهُم أنْفسَهُمِ وافْتراؤهم[(٨)](#foonote-٨)، وهو قولهم : نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ  \[ المائدة : ١٨ \]. 
### فصل في معنى الكذب


الكَذِبُ : هو الإخْبَارُ عَنِ الشيء على خلافِ المُخبرِ عَنْهُ، سَواءٌ عَلِمَ قَائِلُه كَوْنَهُ كذلك، أوْ لا يَعْلَمُ، وقال الجَاحِظُ[(٩)](#foonote-٩) : شَرْطُ كَوْنِهِ كَذِباً، أنْ يعلمَ القائِلُ كَوْنَه بِخلافِ ذلكِ، وهذه الآيةُ دليلٌ عليه ؛ لأنَّهم كانُوا يَعْتَقدٌون في أنْفسهم الزِّكاءَ، والطَّهَارَةَ : وكذبهم[(١٠)](#foonote-١٠) الله فيه. 
وقوله : وَكَفَى بِهِ إِثْماً مُّبِيناً  يقالُ في المدْحِ، وفي الذَّمِّ، أمَّا فِي المدْحِ، فكقوله
 وَكَفَى بِاللَّهِ وَلِيّاً وَكَفَى بِاللَّهِ نَصِيراً  \[ النساء : ٤٥ \] وأمَّا في الذم، فكما في هذا الموضع. 
١ في ب: متعلقة..
٢ ينظر: الإملاء ١/١٨٣..
٣ ينظر: المحرر الوجيز ٢/٦٦..
٤ في ب: الربط..
٥ في ب: نفسها..
٦ ينظر: الكشاف ١/٥٢١..
٧ في ب: تغريهم..
٨ في ب: وأفواءهم..
٩ ينظر: تفسير الرازي ١٠/١٠٢..
١٠ في ب: فكذبهم..

### الآية 4:51

> ﻿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَٰؤُلَاءِ أَهْدَىٰ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا [4:51]

قال المفسِّرُون[(١)](#foonote-١) : خرج كَعْبُ بنُ الأشْرَفِ، وحُيَيّ بن أخْطَبَ، فِي سَبْعِينَ رَاكِباً من اليَهُودِ إلى مَكَّةَ بعد وَقْعَةِ أحُد ؛ ليُحالفُوا قُرَيْشاً، على مُحَارَبَةِ الرَّسُولِ - عليه الصَّلاة والسلام - ويَنقُضُوا العهدَ الذي كان بينَهُم وبين النبيِّ صلى الله عليه وسلم، فنزل كَعْبٌ علَى أبِي سُفْيانَ ؛ فأحْسنَ مَثْوَاهُ، ونزلت اليهودُ في دُورِ قُرَيْشٍ، فقال أهْلُ " مكة " : إنكم[(٢)](#foonote-٢) أهل كتاب، ومُحَمَّدٌ صاحبُ كِتابٍ، ولا نأمَنُ أن يكُونَ هذا مَكْراً مِنكم، فإن أرَدْتَ أن نخرجَ مَعَكَ، فاسْجُدْ لهذين الصَّنَميْنِ وآمنوا بهما، فَفَعلُوا ذلك ؛ فذلك قوله تعالى : يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ [(٣)](#foonote-٣). 
ثم قال كَعْبٌ لأهْلِ مَكَّةَ : ليجيء منكم \[ الآن \][(٤)](#foonote-٤) ثلاثُونَ ومِنَّا ثلاثُونَ فنلْزقَ أكْبَادنا بالكعبةِ ؛ فنعاهد رَبَّ هذا البيتِ، لنجهدنَّ على قِتَالِ مُحَمَّدٍ ؛ فَفَعلُوا، ثُمَّ قال أبُو سُفْيانَ لِكَعْبٍ : إنَّك امرؤٌ تَقْرَأُ الكِتَابَ، وتَعْلَمُ، ونحنُ أُمُّيُّون، ولا نَعلَمُ، فَأيُّنَا أهْدَى طَريقاً : نَحْنُ أم[(٥)](#foonote-٥) مُحَمَّدٌ ؟
فقال كَعْبٌ لأبي سُفْيان : اعرضُوا عليَّ دينكم، فقال أبُو سُفْيَانَ : نحن نَنْحَرُ للحَجِيج الكُومَاء[(٦)](#foonote-٦)، ونَسْقيهمُ \[ الماء \][(٧)](#foonote-٧) ونَقْري الضَّيْفَ، ونُقِلُّ العَانِي، ونَصِلُ الرَّحِمَ، ونعَمِّرُ بين رَبِّنَا، ونطوفُ به، ونحنُ أهْلُ الحَرَم، ومحمدٌ فارق دينَ آبَائِهِ، وقطعَ الرَّحمَ، وفارقَ الحَرَمَ، ودينُنَا القَديمُ، ودينُ محمدٍ الحديثُ، فقال كَعْبٌ : أنْتُمْ واللَّهِ أهْدَى سَبِيلاً مَمَّا عليه محمدٌ ؛ فنزلتْ هذه الآيةُ. 
قوله : يُؤْمِنُونَ  فيه وجهانِ :
أحدُهُمَا : أنه حَالٌ إمَّا من :" الذين " وإمَّا مِنْ واوِ " أوتوا "، و " بالجبت " مُتعلِّقٌ به، و " يقولون " عطفٌ عليه، و " الذين " مُتعلِّقٌ ب " يقولون "، واللامُ ؛ إمَّا للتبيلغِ، وإمَّا لِلْعلةِ ؛ كنظائرها، و " هؤلاء أهدى " مُبْتَدأٌ وخَبَرٌ في محل نَصْبٍ[(٨)](#foonote-٨) بالقول و " سبيلاً " تَميِيزٌ. 
والثَّانِي : أنَّ " يؤمنون " مُستأنَفٌ، وكأنَّه تعجَّبَ مِنْ حَالِهم ؛ إذْ كَانَ يَنْبَغِي لِمَنْ أوتِيَ نَصيباً من الكتاب ؛ ألاَّ يَفْعَلَ شَيْئاً مِمَّا ذُكِرَ، فَيكُونُ جواباً لِسُؤالٍ مُقَدَّرٍ ؛ كأنَّهُ قيلَ : ألاَ تَعْجَبُ مِنْ حَالِ الذِين أوتُوا نَصِيباً من الكتاب ؟ فقيل : وما حَالُهم ؟ فقالَ : يؤمِنُون \[ ويقولُونَ، وهذان \][(٩)](#foonote-٩) منافيان لحالهم. 
والجِبْتُ : حَكَى القَفَّالُ، وغيرهُ، عَن بَعْضِ أهلِ اللُّغَةِ : وهو الجِبْسُُ، بِالسِّينِ المُهْمَلَةِ، أُبدلتْ تاءً، كالنَّات، والأكْيَاتِ، وست ؛ في النَّاسِ، والأكياسِ، وسدس، قال \[ الرجز المشطور \]

. . . . . . . . . . . . . . شِرَارَ النَّاتِ  لَيْسُوا بِأجْوَادٍ ولاَ أكْيَاتِ[(١٠)](#foonote-١٠)والجبس : هو الذي لا خير عنده. 
يُقالُ رَجِلٌ جِبس، وجِبتٌ، أيْ : رَذْلٌ، قِيلَ : وإنما ادَّعَى قلبَ السِّين تاءً ؛ لأنَّ مَادَةَ ( ج ب ت ) مُهْمَلَةٌ. قَالَ[(١١)](#foonote-١١) قُطْرُبٌ : وغيرهُ يَجْعَلُها[(١٢)](#foonote-١٢) مَادَّةً مُسْتَقِلَّةً، وقِيل : الجِبْتُ : السَّاحِرُ بلُغَةِ الحَبَشَةِ، والطَّاغُوتُ : الكَاهِنُ، قالهُ سعيدُ بنُ جُبَيْر، وأبُو العَالِيَةِ[(١٣)](#foonote-١٣)، وقال عِكْرمَةُ : هما صَنَمانِ[(١٤)](#foonote-١٤)، وقال أبُو عُبَيْدَةَ : هُما كُلُّ مَعْبُودٍ يُعْبَدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ. 
وقال عُمَر : الجِبْتُ : السِّحْرُ، والطاغُوتُ : الشَّيْطَانُ ؛ وهو قَوْلُ الشَّعْبِيِّ، ومُجاهِدٍ[(١٥)](#foonote-١٥)، وقال مُحمدُ بنُ سيرينََ، ومَكْحُولٌ : الجِبْتُ : الكاهِنُ، والطَّاغُوتُ : السَّاحِرُ[(١٦)](#foonote-١٦)، ورُوِيَ عَنْ عِكْرِمَةَ : الجِبْتُ :- بلسانِ الحبَشَةِ - : شَيْطَانٌ[(١٧)](#foonote-١٧)، وقال الضَّحَّاكُ : الجبتُ : حُيَيُّ بنُ أخْطب، والطَّاغُوتُ : كَعْبُ بنُ الأشْرَف[(١٨)](#foonote-١٨)، وقِيل : الجبتُ كُلُّ مَا حَرَّمَ اللَّهُ، والطاغوتُ : كُلُّ ما يُطْغي الإنْسانَ. 
ورَوى قَبيصةُ : أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم قال : العِيافَةُ : والطَّرْقُ، والطِّيرةُ : مِنَ الجِبْتِ[(١٩)](#foonote-١٩). 
الطَّرْقُ : الزَّجْرُ، والعِيَافَة[(٢٠)](#foonote-٢٠) : الحط
١ ينظر: معالم التنزيل ١/٤٤١ وتفسير الرازي ١٠/١٠٣ وتفسير القرطبي ٥/١٦١..
٢ في ب: ألكم..
٣ أخرجه الطبري في "تفسيره" (٨/٤٦٨) عن عكرمة وذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٢/٣٠٦) وزاد نسبته إلى عبد الرازق..
٤ سقط في أ..
٥ في ب: أو..
٦ في ب: الكرماء..
٧ سقط في ب..
٨ في أ: وخبره في محل نصب..
٩ سقط في أ..
١٠ تقدم..
١١ في ب: قال..
١٢ في ب: فجعلناه..
١٣ أخرجه الطبري في "تفسيره" (٨/٤٦٣) عن سعيد بن جبير وأبي العالية وذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٢/٣٠٧) عن عكرمة وعزاه لعبد بن حميد. ومعالم التنزيل ١/٤٤١..
١٤ أخرجه الطبري في "تفسيره" (٨/٤٦٩) عن عكرمة..
١٥ أخرجه الطبري في "تفسيره" (٨/٤٦٢) عن عمر والشعبي ومجاهد وذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٢/٣٠٧) وزاد نسبته للفريابي وسعيد بن منصور وابن المنذر وابن أبي حاتم.
 وذكره أيضا (٢/٣٠٧) عن مجاهد وزاد نسبته لعبد بن حميد..
١٦ أخرجه الطبري في "تفسيره" (٨/٤٦٤) عن سعيد بن جبير ومحمد بن سيرين..
١٧ ذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٢/٣٠٧) عن ابن عباس وعزاه لعبد بن حميد وابن أبي حاتم..
١٨ أخرجه الطبري في "تفسيره" (٨/٤٦٥) عن ابن عباس والضحاك..
١٩ أخرجه أحمد (٥/٦٠) وأبو داود كتاب الطب ب ٢٣ والبيهقي (٨/١٣٩) وعبد الرازق (١٩٥٠٢) وابن حبان (١٤٢٦ ـ موارد) وابن أبي شيبة (٩/٤٣) والطبراني (١٨/٣٦٩) وابن سعد (٧/٢٣) والطحاوي "شرح معاني الآثار" (٤/٣١٣) والخطيب (١٠/٤٢٥) عن قطن بن قبيصة بن مخارق عن أبيه مرفوعا.
 وذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٢/٣٠٨) وزاد نسبته إلى عبد بن حميد وابن أبي حاتم..
٢٠ العيافة: زجر الطير، والتفاؤل بأسمائها وأصواتها وممرها، وهو من عادة العرب كثيرا..

### الآية 4:52

> ﻿أُولَٰئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ ۖ وَمَنْ يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا [4:52]

أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ وَمَن يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَن تَجِدَ لَهُ نَصِيراً 
بَيَّنَ أنَّ عليهم اللَّعْنَ من الله، وهو الخِذْلانُ، والإبْعَادُ، لقوله :
 مَّلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُواْ 
\[ الأحزاب : ٦١ \] وإنَّما استَحقُّوا هذا اللَّعْن، لتفْضيلهمْ عَبَدَةَ الأوْثَانِ على المؤمِنينَ بمحمدٍ صلى الله عليه وسلم.

### الآية 4:53

> ﻿أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنَ الْمُلْكِ فَإِذًا لَا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيرًا [4:53]

لمَّا وصف \[ تعالى \][(١)](#foonote-١) اليهودَ بالجَهْلِ في الآية المتقدمة ؛ لتفضيلهم عِبَادَةَ الأوْثَانِ على عبادَةِ الله تعالى، وصفَهُم في هذه الآية بالبُخْلِ والحَسَدِ، وهذا على سَبيلِ الإنْكَارِ. 
والبخلُ : ألاَّ يدفعَ إلى أحدٍ شَيْئاً مما أوتِيَ مِن النعمةِ، \[ والحَسَدُ : أنْ يتمنَى ألاَّ يُعْطِي اللَّهُ غيرَهُ شَيْئاً من النِّعَم \][(٢)](#foonote-٢) فها يَشْترِكَانِ في إرادةِ مَنْعِ النعمَةِ من الغَيْرِ، وإنما قدّم وَصْفَ الجَهْلِ علَى وصفِ البُخْلِ، والحَسَدِ ؛ لأن الجهل سَبَبُهَا ؛ وذلك لأنَّ البَخِيلَ، والحَاسِدَ يجهلانِ أنَّ الله تعالى هو الذي أعْطَى هذا، ومَنَعَ هذا. 
واعلمْ أنَّهُ تعَالَى جَعَل بُخْلَهم كالمانع مِنْ حُصُولِ الملْكِ لَهُم، وهذا يدلُّ على أنَّ الملكَ والبُخْلَ لا يَجْتَمِعَانِ ؛ وذلك لأنَّ الانقيادَ[(٣)](#foonote-٣) \[ للغير مكروهٌ لِذَاته، وإنما يُحْمَلُ الإنْسَانُ على الانقيادِ لِلْغَيْر \][(٤)](#foonote-٤) بالإحسانِ الحسن[(٥)](#foonote-٥) ؛ كما قيل :" بالبر يستعبد الحر "، فمتى لم يُوجد الإحْسانُ، لَمْ يُوجد الانقيادُ[(٦)](#foonote-٦)، ثُمَّ قدْ يكونُ المُلْكُ على الظَّاهِرِ فَقَطْ ؛ وهو مُلْكُ المُلُوكِ، وقد يكونُ الملكُ على البَاطِنِ فقط ؛ وهو مُلْكُ العُلَمَاءِ وقد يكون الملكُ عَلَيْهمَا ؛ وهو مُلْكُ الأنْبِيَاءِ، فوجب في الأنبياء أنْ يكُونُوا في غَايَةِ[(٧)](#foonote-٧) الجُودِ، والكَرَمِ، والرَّحْمَةِ، والشَّفَقَةِ ؛ حَتَّى يحصلَ الانقيادُ بالبَاطنِ والظَّاهِرِ، وكمالُ هذه الصفاتِ كان حَاصِلاً لمحمدٍ صلى الله عليه وسلم. 
و " أم " مُنقطعةٌ ؛ لِفواتِ شَرْطِ الاتِّصال، كما تقدم أوَّل البقرةِ فتُقَدر ب " بَلْ "، والهمزة التي يُرادُ بها الإنْكار، وكذلك هُو في قوله : أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ  وقال بعضُهم[(٨)](#foonote-٨) : الميمُ صلة، وتقديره : ألَهُمْ ؛ لأنَّ حَرْفَ " أمْ " إذَا لَمْ يَسْبِقْهُ استفهامٌ، كانتِ الميمُ صِلَةً فيه، وقيل :" أمْ " هنا مُتصلةٌ، وقد سبقه - هاهنا - استفهامٌ على سَبيلِ المعْنَى ؛ لأنَّهُ لمَّا حَكَى قَولَهُمْ لِلمشرِكينَ بأنَّهم أهْدَى سَبِيلاً مِنَ المؤمنِينَ عطفَ عليه قوله  أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ  فكأنَّهُ قال : أمِنْ ذلك يتعجَّبُ ؟ أمْ مِنْ كَوْنِهِم لَهُمْ نَصِيبٌ من الملك ؛ مع أنَّهُ لَوْ كَانَ لَهُمْ مُلْكٌ، لَبَخِلُوا بأقلِّ القَلِيلِ ؟.

### فصل في معنى " الملك " 


اختلفوا في هذا  الْمُلْكِ ، فقيل : إنَّ اليهودَ كانوا يقُولُونَ : نحنُ أوْلَى بالملكِ، والنُّبوةِ ؛ فكَيْفَ نَتْبَعُ العَرَبَ ؟ فأبطل اللَّهُ ذلك، بهذه الآيةِ. 
وقيل : كانوا يَزْعُمُونَ أنَّ الملكَ يعودُ إليهم، في آخرِ الزمانِ، فيخرجُ مِنَ اليهودِ مَنْ يُجَدِّدُ مُلْكَهُمْ ؛ فَكَذَّبهم الله \[ تعالى \][(٩)](#foonote-٩) بهذه الآيةِ. 
وقيل \[ المرادُ \][(١٠)](#foonote-١٠) بالمُلْكِ[(١١)](#foonote-١١) - هاهنا - التَّملِيكُ : يَعْنِي : أنَّهم إنَّما يَقْدِرُونَ على دفعِ نُبُوَّتِكَ ؛ لو كان التمليكُ إليهم، \[ و \][(١٢)](#foonote-١٢) لو كان التملِيكُ إلَيهمْ ؛ لبخلوا بالنَّقِير، والقِطْمِيرِ. فكيفَ يَقْدِرُونَ على النَّفْيِ[(١٣)](#foonote-١٣) والإثْبَاتِ. 
قال أبُو بَكْرٍ الأصَمّ[(١٤)](#foonote-١٤) : كَانُوا أصْحَابَ بَسَاتِينَ وأمْوَالٍ، وكانوا في عِزةٍ، ومَنَعَةٍ، وكانوا يَبْخَلُونَ على الفُقَراءِ بأقل القَلِيلِ ؛ فنزلت هذه الآيةُ. 
قوله :" فإذن " حَرْفُ جَوَاب، \[ وجَزَاء \][(١٥)](#foonote-١٥) ونُونُها أصلية، قال مَكي \[ وحذاق النحويِّين على كتب نونها نوناً \][(١٦)](#foonote-١٦) وأجاز الفرَّاءُ أن تُكْتَبَ ألفاً، وما قاله الفرَّاءُ هو قِيَاسُ[(١٧)](#foonote-١٧) الخَطِّ ؛ لأنه مَبْنيٌّ على الوَقْفِ \[ والوقف على نُونها بالألف، وهي حرفٌ يَنْصِبُ المضارع بِشُرُوطٍ تقدَّمَتْ \][(١٨)](#foonote-١٨)، ولكنْ إذَا وَقَعَتْ بعد عَاطِفٍ، فالأحْسَنُ الإهمالُ وقد قرأ ابنُ[(١٩)](#foonote-١٩) مَسْعُودٍ، وابنُ عَبَّاسٍ -هنا- بإعْمَالِهَا، فَحَذَفَ النُّونَ مِنْ قَوْلِه : لاَّ يُؤْتُونَ . 
وقال أبُو البَقَاءِ[(٢٠)](#foonote-٢٠) : ولَمْ يَعملْ - هنا - من أجْلِ حَرْفِ العَطْف وهُوَ الفَاء، ويجوزُ في غَيْرِ القُرْآنِ، أنْ يَعملَ مع الفَاءِ، وليس المبطل لا ؛ لأنَّ " لا " يتخطَّاهَا العامِلُ، فظاهِرُ هذه العبارَةِ : أنَّ المانِعَ حَرْفُ العَطْفِ، وليس كذلك، بل المانِعُ التلاوةُ، ولذلك قال آخراً : ويجوزُ في غَيْرِ القُرْآنِ. 
قال سِيبَويْهِ[(٢١)](#foonote-٢١) :" إذن " في أصل الأفعالِ بمنزِلَةِ " أظن " في عَوَامِلِ الأسْمَاءِ، وتقريرهُ : أنَّ الظنَّ إذَا وَقَعَ أوَّلَ الكلام - نَصَبَ، لا غَيْرَ ؛ كقولِكَ : أظُنُّ زَيْداً قائماً، وإنْ تَوَسَّطَ جَازَ إلْغَاؤه، وإعْمَالهُ تقول : زَيدٌ ظننْتُ مُنْطِلقٌ، ومنطلقاً، وإنْ تأخَّر، ألْغِيَ. 
والسببُ في ذلك ؛ أن " ظن " وأخواتِهَا، نحو : عَلِمَ، وحَسِبَ، ضَعِيفةٌ في العملِ ؛ لأنها لا تُؤثِّرُ في مَفْعُولاتِهَا، فإذا تَقَدَّمَتْ دلَّ تقدمُهَا على شِدَّةِ العِنَايَةِ، فَقَوِي على التَّأثِيرِ، وإذا تأخرت، دلَّ على عدم العِنَايَةِ فلغى، \[ وإنْ توسَّطَتْ، لا يكون في مَحَلِّ العنايةِ مِن كُلِّ الوُجُوهِ، ولا في مَحَلِّ الإهْمَالِ من كل الوجوه، فَلاَ جَرَمَ أوْجَبَ توسُّطُها الإعْمالَ \][(٢٢)](#foonote-٢٢)، والإعْمالُ[(٢٣)](#foonote-٢٣) في حَالِ التوسطِ أحسنُ[(٢٤)](#foonote-٢٤) والإلغاءُ حَالَ التأخُّرِ، أحْسَنُ، وإذا عرفتَ \[ ذلك \][(٢٥)](#foonote-٢٥) فنقول :" إذن " على هذا الترتيبِ، \[ فإن تقدمَّتْ نَصَبَتِ الفعلَ، وإنْ توسَّطَتْ، أوْ تأخرتْ جاز الإلْغَاءُ \][(٢٦)](#foonote-٢٦). 
والنَّقِيرُ : قال أهلُ اللغةِ[(٢٧)](#foonote-٢٧) : النَّقِيرُ : نُقْطَةٌ في ظَهْرِ النواةِ، ومنها تَنْبُتُ النخلةُ، وقال أبُو العَالِيَة[(٢٨)](#foonote-٢٨) : هو نَقْدُ الرجلِ الشَّيْءَ بِطَرفِ إصْبَعِهِ، كما يُنْقِرُ الدِّرْهَمَ، وأصْلُه : أنَّهُ فِعْلٌ مِنَ النَّقْرِ، يُقالُ للخشبِ الذي يُنْقَرُ فيه : إنَّهُ نَقِيرٌ ؛ لأنه يُنْقَرُ، والنَّقْرُ : ضَرْبُ الحَجَرِ وغَيْرِه بالمِنْقِارِ، يُقَالُ : فلانٌ كَرِيمُ النَّقِيرِ، أي : الأصْلِ، والمِنْقِارُ : حَدِيدَةٌ كالفأسِ تُقْطَعُ بها الحِجَارَةُ، ومِنْهُ : مِنْقِارُ الطائِرِ ؛ لأنه يَنْقُرُ بِهِ، وذكْرُ النَّقيرِ هُنَا تَمْثِيلٌ، والغَرَضُ منه، أنَّهم يَبْخَلُونَ بأقلِّ القَلِيلِ. 
١ سقط في أ..
٢ سقط في ب..
٣ في ب: الانقياد والمعين الإحسان له..
٤ سقط في ب..
٥ في ب: فإحسان المحسن..
٦ في ب: فمتى لم يوجد الإحسان لم يوجد الانقياد..
٧ في أ: نهاية..
٨ ينظر: تفسير الرازي ١٠/١٠٥..
٩ سقط في أ..
١٠ سقط في ب..
١١ في ب: إن الملك..
١٢ سقط في ب..
١٣ في ب: فكيف يقدرون رفع بنوتك على النفي..
١٤ ينظر: تفسير الرازي ١٠/١٠٥..
١٥ سقط في ب..
١٦ سقط في أ..
١٧ في ب: القياس..
١٨ سقط في أ..
١٩ ينظر: المحرر الوجيز ٢/٦٧، والبحر المحيط ٣/٢٨٤، والدر المصون ٢/٧، ٣..
٢٠ ينظر: الإملاء ١/١٨٣..
٢١ ينظر: تفسير الرازي ١٠/١٠٥..
٢٢ سقط في ب..
٢٣ في أ: والإهمال..
٢٤ في ب: حسن..
٢٥ سقط في أ..
٢٦ سقط في ب..
٢٧ ينظر: تفسير الرازي ١٠/١٠٦..
٢٨ ينظر: تفسير القرطبي ٥/١٦٢، والبغوي ١/٤٤٢..

### الآية 4:54

> ﻿أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَىٰ مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ ۖ فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا [4:54]

قوله : أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ . 
قال قَتَادَة : المرادُ أنَّ اليهودَ يَحْسُدُونَ العَرَبَ على النُّبوةِ، وما أكْرَمَهُمُ اللهُ تعالى بِمُحَمَّدٍ - عليه الصلاة والسلام -[(١)](#foonote-١). 
وقال ابنُ عَبَّاسٍ، والحَسَنُ، ومُجَاهدٌ  وجَمَاعَةٌ \][(٢)](#foonote-٢) : المراد ب " الناس " رسول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم حَسَدُوهُ على ما أحَلَّ اللهُ له من النِّساءِ، وقالوا :" ما له هم إلا النكاح " [(٣)](#foonote-٣) وهو المرادُ بقوله :{ على ما آتاهم الله من فضله ، وقيلَ حَسَدوهُ على النُّبوةِ، والشَّرفِ في الدينِ والدنيا، وهذا أقْربُ، وأوْلَى. 
وقيل : المرادُ ب  النَّاسَ  محمدٌ وأصحابه، ولمّا بيَّن \[ اللَّهُ \][(٤)](#foonote-٤) تعالى أنَّ كثرةَ نِعَمِ اللَّهِ \[ عليهِ \][(٥)](#foonote-٥) صَارَ سبباً لحَسَدِ هؤلاءِ اليهودِ، بَيَّنَ ما يدفع ذلك الحَسَدَ، \[ فقال \][(٦)](#foonote-٦)  فَقَدْ آتَيْنَآ آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُمْ مُّلْكاً عَظِيماً ، أيْ أنَّهُ جَعَلَ فِي أوْلادِ \[ إبرَاهِيمَ \][(٧)](#foonote-٧) جماعةً كثيرين، جمعُوا بَيْنَ النبوةِ، والملْكِ والحكمة، وأنْتُم لا تَعْجَبُونَ[(٨)](#foonote-٨) من ذلك، ولا تَحْسُدُونهم، فَلِمَ تَتَعَجَّبُونَ من حالِ محمد ولِمَ تَحْسُدُونهُ ؟ والمرادُ ب  آلَ إِبْرَاهِيمَ  دَاوُدُ، وسُلَيْمانُ - عليهما السلام - وب  الْكِتَابَ  مَا أنْزَلَ عليهم وب  الْحِكْمَةَ  النبوةُ. 
فمن فَسَّر  الْفَضْلُ  : بِكّثْرةِ النساءِ، والمُلْكِ العَظيمِ، والمعنى : أنَّ دَاوُدَ وسُلَيْمَانَ أوتيا مُلْكاً عَظِيماً، وكان لسُليمانَ صلوات الله وسلامه عليه ألفُ امرأةٍ : ثلاثُمائَةٍ مُهْريَّة، وسَبْعُمائة سُرِّيَّة، وكان لداود - عليه السلام - مائةُ امْرَأةٍ، ولم يكُنْ لرسولِ اللَّه صلى الله عليه وسلم إلاَّ تِسْعُ نِسْوةٍ، فلمَّا قَالَ لَهُمْ ذَلِكَ، سَكتُوا.

١ أخرجه الطبري في "تفسيره" (٨/٤٧٨) عن قتادة. والبغوي ١/٤٤٢..
٢ سقط في ب..
٣ أخرجه الطبري في "تفسيره" (٨/٤٧٨) وذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٢/٣٠٩) وزاد نسبته لابن أبي حاتم من طريق العوفي عن ابن عباس. والبغوي ١/٤٤٢..
٤ سقط في ب..
٥ سقط في ب..
٦ سقط في ب..
٧ سقط في ب..
٨ في ب: تتعجبون..

### الآية 4:55

> ﻿فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ بِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ صَدَّ عَنْهُ ۚ وَكَفَىٰ بِجَهَنَّمَ سَعِيرًا [4:55]

وقوله : فمنهم من آمن به ، الضميرُ في به عَائِدٌ على " إبراهيم " أوْ على " القرآن " أوْ على الرَّسُولِ - عليه الصلاة والسلام -، أوْ عَلَى ما أُوتيه إبراهيم - عليه السلام - فإنْ عَادَ إلى مُحَمدٍ، فالمرادُ بالذين آمنُوا به، الذين أُوتُوا الكتابَ ؛ آمن بعضُهم كعبدِ اللَّهِ بنِ سلام، وأصْحَابه، وبَقِيَ بعضهم على الكُفْرِ والإنْكارِ، وكذلك إنْ عادَ إلَى مَا أُوتِيه إبراهيم - علّيه السلام - قال السديُّ[(١)](#foonote-١) : الهاءُ في " بِهِ " و " عنه " رَاجِعَةٌ إلى إبْرَاهِيم، وذلك أنَّهُ زَرَعَ ذَاتَ سَنَة، وزرع الناسُ \[ فِي تِلْكَ السَّنَةِ \][(٢)](#foonote-٢) فَهَلَكَ زَرْعُ الناسِ، وَزَكَا زَرْعُ إبْراهيمَ - عليه السلامِ - فاحتاج الناسُ إلَيْه، فكان يقولُ :" من آمن بي أعطيته " فمن آمَنَ، أعْطَاهُ مِنْه، \[ وَمَنْ لَمْ يُؤمِنْ، منعه مِنْه \][(٣)](#foonote-٣)، وإنْ عاد إلى القُرْآنِ، فالمعنى : أنَّ الأنبياءَ - عليهم الصلاة والسلام - وأتْباعَهمُ معهم، صَدَّقُوا بمحمدٍ صلى الله عليه وسلم وبما جاء به، وقال آخُرون[(٤)](#foonote-٤) : المرادُ \[ أنَّ \][(٥)](#foonote-٥) أولئِكَ الأنبياءَ مع ما خُصُّوا به مِنَ النُّبوةِ، والمُلْكِ، جَرَتْ عادَةُ أممِهمْ : أنْ آمَنَ بعضُهم، وكَفَرَ بعضُهم، فَلاَ تَتَعَجَّب يا محمدُ، مِنْ أمتِكَ، فإنَّ أحْواَلَ جَميعِ الأمَمِ هكذا، وذلك تَسْلِيةٌ له - عليه السلام -. 
قوله : ومنهم من صد عنه  قَرَأ الجُمْهُورُ " صَدَّ " بفتح الصَّادِ، وقرأ ابنُ مسعودٍ، وابنُ عباسٍ، وعكرمةُ[(٦)](#foonote-٦) :" صُدًّ " بضمها، وقرأ أبُو رَجَاء[(٧)](#foonote-٧)، وأبو الجَوْزَاءِ : بِكَسْرِهَا، وكلتا القِرَاءتين على البِنَاء للمفعولِ، إلا أنَّ المضاعَفَ الثُّلاثِيَّ، كالمعْتَلِّ العَيْنِ منه، فيجوزُ في أوله ثلاثُ لغاتٍ، إخْلاَصُ الضَّمِّ، وإخلاصُ الكَسْرِ، والإشمامُ. 
قوله : وَكَفَى بِجَهَنَّمَ سَعِيراً ، أيْ : كَفَى بجهنَّمَ \[ في \][(٨)](#foonote-٨) عذابِ الكُفَّارِ سعيراً والسَّعيرُ : الوقودُ، وهو تَمْيِِيزٌ، فإنْ كان بِمَعْنَى التهابٍ واحْتِرَاقٍ، فَلاَ بُدَّ مِنْ حَذْفِ مُضَافٍ، أي : كَفَى بسعيرِ جَهَنَّمَ سَعِيراً ؛ لأنَّ تَوَقُّدَهَا، والتِهَابَهَا لَيْسَ إيَّاهَا، وإنْ كان بمعنى : مُسَعَّرِ[(٩)](#foonote-٩)، فلا يَحْتَاجُ إلى حَذْفٍ.

١ ينظر: تفسير البغوي ١/٤٤..
٢ سقط في أ..
٣ سقط في ب..
٤ ينظر: تفسير الرازي ١٠/١٠٧..
٥ سقط في ب..
٦ ينظر: المحرر الوجيز ٢/٦٨، والبحر المحيط ٣/٢٨٥، ونسبها أيضا إلى ابن جبير وابن يعمر والجحدري، وينظر: الدر المصون ٢/٣٧٧..
٧ وقرأ بها أبي.
 ينظر: البحر المحيط ٣/٣٨٥، والدر المصون ٢/٣٧٧..
٨ سقط في ب..
٩ في ب: سعر..

### الآية 4:56

> ﻿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًا كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ ۗ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَزِيزًا حَكِيمًا [4:56]

قرأ الجمهورُ :" نصليهم " بِضَمِّ النونِ مِنْ أصْلَى، وحُمَيْدٌ[(١)](#foonote-١) : بِفَتْحِهَا مِنْ صَلَيْتُ ثُلاثِيَّا. قال القَرْطُبِيُّ[(٢)](#foonote-٢) : ونَصْبُ :" ناراً " على هذه القراءةِ، بِنَزْعِ الخَافِضِ تقديرهُ : بنارٍ. وقَرأ سَلاَّم، ويَعْقُوبُ :" نصليهُم " بضَمِّ الهَاءِ، وَهِيَ لُغَةُ الحِجَازِ، وقد تَقَدَّمَ تَقْرِيرهُ. 
وقال سِيبويْهِ :" سوف " \[ كَلِمَةٌ \][(٣)](#foonote-٣) تُذكَرُ لِلتَّهديدِ، والوَعِيدِ : يُقَالُ : سَوْفَ أفْعَلُ، وَينوبُ عَنْهَا حرفُ السين ؛ كقوله : سَأُصْلِيهِ سَقَرَ  \[ المدثر : ٢٦ \] وقد يردُ " سوف " و " السِّينُ " : في الوَعْدِ أيْضاً : قال تعالى : وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى  \[ الضحى : ٥ \]، وقال : سَلاَمٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي  \[ مريم : ٤٧ \]، وقال : سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي 
\[ يوسف : ٩٨ \]، قِيلَ، أخَّرَهُ إلى وقْتِ السَّحر ؛ تَحْقِيقاً للدعاءِ، وبالجملةِ، فالسَّينُ، وسَوْفَ : مَخْصُوصَتَانِ بالاسْتِقْبَالِ.

### فصل في معنى قوله " بآياتنا " 


يَدْخُلُ في الآيات كُلُّ مَا يَدُلُّ على ذاتِ اللَّهِ تعالى وصفاته، وأفْعالِهِ، \[ وأسْمَائِه \][(٤)](#foonote-٤)، والملائكةِ، والكُتُبِ، والرسُلِ ؛ وكُفْرُهُم قدْ يكونُ بالجَحْدِ، وقد يكونُ بِعَدَمِ النَّظْرِ فيها، وقد يكونُ بإلقاءِ الشكُوكِ والشُّبُهَاتِ فيها، وقَدْ يكونُ بإنْكَارِهَا ؛ عِنَاداً، أو حَسَدَاً. 
وقوله :" نَصْلِيهم " [(٥)](#foonote-٥) أيْ : نُدْخِلُهم النارَ، لكن قولُه : نُصْلِيهِمْ  فيه زِيَادَةٌ على ذلك، فإنَّهُ بمنزلَةِ شَوَيتُهُ بالنارِ، يُقالُ شَاةٌ مَصْليَّةٌ، أيْ : مَشْوِيَّةٌ. 
قوله : كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ ،  كُلَّمَا  : ظَرْفُ زَمَانٍ، والعَامِلُ فيها  بَدَّلْنَاهُمْ ، والجملةُ في مَحَلِّ نصبٍ على الحَالِ، مِنَ الضميرِ المنْصُوبِ في  نُصْلِيهِمْ ، ويجوزُ أنْ يكونَ صِفَةً ل " ناراً " والعائِدُ محذوفٌ، ولَيْسَ بالقَوِيِّ، و " ليذوقوا " مُتعلِّقٌ ب " بدلناهم ". 
قال القُرْطُبِيُّ[(٦)](#foonote-٦) : يُقالُ : نَضِجَ الشَّيْءُ نُضْجاً ونَضجاً، وفلانٌ نَضِيجُ الرَّأي : أيْ : مُحْكَمُهُ. 
### فصل في معنى قوله  كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ 


 كُلَّمَا نَضِجَتْ \[ جُلُودُهُمْ  أيْ :\][(٧)](#foonote-٧) كلما احْترقَتْ جُلودهم، بَدلنَاهُم جُلُوداً غيْرَ الجلودِ المُحْترقَةِ[(٨)](#foonote-٨). 
قال ابنُ عَبَّاسٍ : يُبَدِّلُونَ جُلُوداً بِيضاً، كأمثالِ القَرَاطِيسِ[(٩)](#foonote-٩). رُوي أنَّ هذه الآيةَ قُرِئَتْ عند عُمَرَ - رضي الله عنه - فقال عُمرُ للقارئ : أعِدْهَا، فأعَادَهَا، وكان عِنْدَهُ مُعَاذُ ابنُ جَبَلٍ، فقال مُعَاذُ بنُ جَبَل - رضي الله عنه - عِندي تَفْسِيرُها : تُبدَّلُ في الساعَةِ مائةَ مرَّةٍ، فقال عمرُ : هكذا سَمِعْتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم[(١٠)](#foonote-١٠). 
قال الحَسَنُ : تأكُلُهمُ النارُ كُلَّ يومٍ سَبْعِينَ ألْفَ مرَّةٍ، كُلَّما أكَلَتْهُم، قِيلَ لَهُمْ : عُودُوا، فيعُودُونَ كَمَا كَانُوا[(١١)](#foonote-١١). 
رَوَى أبُو هُرَيرَة - رضي الله عنه - عن النبي صلى الله عليه وسلم قال :" ما بَيْنَ مَنْكبي الكافِرِ مَسِيرةُ ثلاثَةِ أيَّامٍ، للرّاكِبِ المُسْرِعِ " [(١٢)](#foonote-١٢). 
وعن أبي هُرَيْرة، قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم :" ضِرْسُ الكَافِر، أو نابُ الكَافر، مِثْلُ أحُدٍ وغِلَظُ \[ جِلْدِه \][(١٣)](#foonote-١٣) مَسِيرةُ ثلاثَةِ أيَّامٍ " [(١٤)](#foonote-١٤). 
فَإنْ قِيل : إنَّهُ تعالى قادِرٌ على إبْقَائِهِمْ أحْياء في النَّارِ أبَدَ الآبَادِ فَلِمَ لَمْ يُبْقِ أبْدانهمُ في النَّارِ مَصُونةً عن النضْجِ، مع إيصالٍ الألم الشديد إليها، مِنْ غيْرِ تَبْدِيلٍ لَهَا ؟ فالجوابُ : أنَّهُ لا يُسْألُ عما يفعلُ، بل نقولُ : إنَّهُ قَادِرٌ على أنْ يُوصِلَ إلى أبْدانِهم آلاماً عظيمةً، من غيرِ إدْخَالِ النَّارِ، مع أنه تعالى أدْخلَهم النَّارِ، فإنْ قِيلَ : كَيْفَ يُعَذِّبُ جُلُوداً لم تكنْ في الدنيا ولم تَعْصِهِ ؟ فالجوابُ من وُجُوهٍ :
الأوَّلُ : أنه يُعَادُ الأولُ في كُلِّ مَرَّةٍ، وإنَّما قال غيرَها، لتبدل صفتها، كما تقولُ : صَنَعْتُ مِن خَاتَمِي خَاتَماً غيرَهُ، فالخَاتَمُ الثَّانِي هُوَ الأولُ ؛ إلاَّ أنَّ الصناعةَ، والصِّفَةَ تبدَّلتْ. 
الثاني : المعذَّبُ هو الإنسانُ في الجِلْدِ، لا الْجِلْدُ، بل الجِلْدُ كالشَّيءِ الملتَصِقِ به، الزَّائِدِ[(١٥)](#foonote-١٥) على ذَاتِهِ، فإذا جُدِّدَ الجِلْدُ، صَارَ ذلك الجلدُ الجديدُ سَبَباً لوصولِ العذاب إلَيْهِ، فالمعذبُ لَيْسَ إلاَّ العَاصِي ؛ يدلُّ عليه قولُه تعالى : لِيَذُوقُواْ الْعَذَابَ  ولَمْ يَقُلْ : ليَذُوقَ. 
الثالثُ : قال السُّدِّيُّ[(١٦)](#foonote-١٦) : يُبَدَّلُ الجِلْدُ جِلْداً غَيرَهُ مِنْ لَحْمِ الكَافِرِ. 
الرابعُ : قال عَبْدُ الْعَزِيز بنُ يَحْيَى[(١٧)](#foonote-١٧) : إنَّ اللَّهَ - تعالى - يُلبِسُ أهْلَ النَّارِ جُلُوداً لا تألَّمُ، بل هي تُؤلِمُهُم : وَهِيَ السَّرَابِيلُ فكُلَّمَا \[ احترق \][(١٨)](#foonote-١٨) جِلْدٌ بدّلَهُم جِلْدَاً غَيْرَهُ. طعن القَاضِي[(١٩)](#foonote-١٩) في هذا فقال : إنه تَرْكٌ للظَّاهِرِ، وأيضاً السَّرَابِيلُ مِنَ القَطرَانِ لا تُوصَفُ بالنُّضْجِ، وإنما تُوصَفُ بالاحْتِراقَ. 
الخَامِسُ : يمكنُ أنْ يكونَ هذا استعارةً عن الدَّوَامِ، وعَدَمِ الانْقِطَاعِ ؛ يُقالُ للموصوفِ بالدَّوام : كُلَّمَا انْتَهى فقد ابْتَدَأ، وكُلَّمَا وَصَلَ \[ إلى آخره \][(٢٠)](#foonote-٢٠) فقد ابتدَأ من أوله، فكذلك قوله : كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُوداً غَيْرَهَا  يَعْني : أنهم كُلّما ظَنُّوا أنهم نَضِجُوا واحْتَرقُوا وانتهوا إلى الهلاكِ، أعْطيناهُم قُوَّةً جَديدةً من الحياة ؛ بحيثُ ظنُّوا أنَّهم الآنَ وجدُوا، فيكونُ المقصودُ بيانَ دَوَام العَذَابِ. 
فإن قيل : قوله :" ليذوقوا العذاب " إنما يُقالُ : فلانٌ ذَاقَ الشَّيءَ، إذَا أدْرَكَ شَيْئاً قَلِيلاً منه، والله تعالى قَدْ وَصَفَهُمْ بأنهم كانوا في أشدِّ العذابِ، فكيْفَ يَحْسُنُ أن يذكرَ بعد ذلك أنَّهم ذَاقُوا العذابَ ؟. 
فالجوابُ : المقصودُ مِنْ ذِكْرِ الذَّوْقِ، الإخبارُ بأنَّ إحساسَهُم بذلك العذابِ، في كُلِّ حالٍ، يَكُونُ كإحْسَاسِ الذَّائِقِ بالمذُوق من حيثُ إنه لا يَدْخُلُ فيه نُقْصَانٌ، ولا زَوَالٌ، بِسَبَبِ ذلك الاحتراقِ. 
ثُمَّ قال تعالى : إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَزِيزاً حَكِيماً ، فالعزيزُ : القادِرُ الغَالِبُ، والحَكِيمُ : الذي لا يَفْعَلُ إلاَّ الصَّوابَ، وما تَقْتَضِيه الحكمةُ ؛ لأنَّهُ قد يَقَعُ في القَلْبِ تَعَجُّبٌ مِنْ كَوْنِ الكريمِ الرَّحيمِ يُعَذِّبُ هذا الشخص الضَّعِيفَ إلى هذا الحدِّ العَظيمِ أبَدَ الآبادِ. 
فقيل : ليس هذا \[ بَعِجبٍ \] ؛ لأنه القادِرُ الغَالِبُ، فكما أنه رحيمٌ فهو أيضاً حَكِيمٌ، والحكمةُ تَقْتَضِي ذلك. 
١ ينظر: المحرر الوجيز ٢/٦٩، والبحر المحيط ٣/٢٨٥، والدر المصون ٢/٣٧٧..
٢ ينظر: تفسير القرطبي ٥/١٦٤..
٣ سقط في ب..
٤ سقط في ب..
٥ في ب: سنصليهم..
٦ ينظر: تفسير القرطبي ٥/١٦٤..
٧ سقط في أ..
٨ في ب: الحرقة..
٩ أخرجه الطبري في "تفسيره" (٨/٤٦٤) وذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٢/٣١٠) وزاد نسبته لابن أبي حاتم من طريق ثوير عن ابن عمر. والبغوي ١/٤٤٢..
١٠ أخرجه الطبري في "الأوسط" كما في "مجمع الزوائد" (٧/٩). وقال الهيثمي: وفيه نافع مولى يوسف السلمي وهو متروك.
 والأثر ذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٢/٣١٠) وقال: أخرجه الطبراني في الأوسط وابن أبي حاتم وابن مردويه بسند ضعيف من طريق نافع عن ابن عمر..
١١ ذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٢/٣١١) وعزاه لابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن أبي حاتم عن الحسن..
١٢ أخرجه البخاري (١١/٤٢٣) كتاب الرقاق باب صفة الجنة والنار (٦٥٥١) ومسلم (٤/٢١٨٩) كتاب الجنة: باب النار يدخلها الجبارون (٤٥ ـ ٢٨٤٢) عن أبي هريرة. والبغوي ١/٤٤٣..
١٣ سقط في أ..
١٤ أخرجه مسلم (٢١٨٩) كتاب الجنة باب النار يدخلها الجبارون (٤٤ ـ ٢٥٨١) والترمذي (٤/٦٠٦) كتاب صفة جهنم: باب ما جاء في عظم أهل النار (٢٥٧٨) من حديث أبي هريرة.
 وقال الترمذي: حسن صحيح..
١٥ في ب: الرابد..
١٦ ينظر: تفسير البغوي ١/٤٤٣ والرازي ١٠/١٠٩..
١٧ ينظر: تفسير البغوي ١/٤٤٣..
١٨ سقط في أ..
١٩ ينظر: تفسير الرازي ١٠/١٠٩..
٢٠ سقط في أ..

### الآية 4:57

> ﻿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ۖ لَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ ۖ وَنُدْخِلُهُمْ ظِلًّا ظَلِيلًا [4:57]

قوله تعالى : وَالَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا \[ أَبَداً لَّهُمْ فِيهَا \][(١)](#foonote-١) أَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ وَنُدْخِلُهُمْ ظِلاًّ ظَلِيلاً . 
اعلمْ أنَّ الوعْدَ والوعِيدَ مُتلازِمَانِ في الذِّكْرِ غَالِباً، فإنَّ عَادَة القرآنِ إذا ذَكَرَ الوعِيدَ أنْ يذكر مَعَهُ الوَعْدَ. 
قوله : وَالَّذِينَ آمَنُواْ  فيه ثلاثةُ أوجهٍ :
أظهرُهَا : أنه مبتدأٌ، وخبرُهُ  سَنُدْخِلُهُمْ . 
والثاني : أنَّه في مَحلِّ نَصْبٍ ؛ عَطْفاً على اسْمِ " إنَّ " وهُوَ  الَّذِينَ كَفَرُواْ ، والخَبَرُ أيْضاً : سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ  ويصيرُ هذا نَظِير قولِكَ : إنَّ زَيْدَاً قَائِمٌ وعمراً قَاعِدٌ، فعطفتَ المنصُوبَ على المنصُوبِ، والمرفوعَ على المرفوعِ. 
والثالثُ : أنْ يكونَ في محلِّ رَفْع[(٢)](#foonote-٢) ؛ عطفاً على مَوْضِعِ اسْم " إنَّ " ؛ لأن مَحَلَّهُ الرفعُ، قالهُ أبُو البَقَاءِ ؛ وفيه نَظَرٌ، مِنْ حَيْثُ الصناعةِ اللَّفْظِيَّةِ، حَيْثُ يُقالُ : وَالَّذِينَ آمَنُواْ  في مَوْضِعِ نَصْبٍ ؛ عطفاً على  الَّذِينَ كَفَرُواْ ، وأتى بجملةِ الوعيدِ مُؤكِّدةً ب " إن " ؛ تنبيهاً على شِدَّةِ ذلك، وبجملةِ الوَعْدِ حَاليَّةً مِنْه ؛ لتحققها وأنه لا إنْكَارَ لذلك، وأتَى فيها بحرفِ التَّنْفِيسِ القَريبِ المدَّة[(٣)](#foonote-٣) تنبيهاً على قُرْبِ الوَعْدِ.

### فصل في أن الإيمان غير العمل


دلت هذه الآيةُ، على أنَّ الإيمانَ غيرُ العَمَلِ ؛ لأنه تعالى عَطَفَ العملَ على الإيمانِ، والمعطوفُ مُغَايِرٌ لِلْمَعطُوفِ عليه. 
قال القَاضِي[(٤)](#foonote-٤) : مَتَى ذُكِرَ لفظُ الإيمانِ وَحْدَه، دخل فيه العَمَلُ، ومَتى ذُكِرَ مَعَهُ العَمَلُ، كان الإيمانُ هو التَّصْديقَ، وهذا بعيدٌ، لأنَّ الأصْلَ عَدَمُ الاشتراك، وعدمُ التغييرِ[(٥)](#foonote-٥) ولوْلاَ أنَّ الأمْرَ كذلك، لخرج القرآنُ عن كونِهِ مُفيداً، فلَعَلَّ هذه الألفاظَ التي تَسْمَعُها في القرآنِ، يَكُون لِكُلِّ وَاحدٍ منها مَعْنَى سِوَى ما نَعْلَمُ، ويكونُ مرادُ اللَّه \[ تعالى \][(٦)](#foonote-٦) ذلِكَ المعْنَى. 
قوله :" سندخلهم " قَرَأ النَّخعِيُّ[(٧)](#foonote-٧) : سَيْدخلُهم، وكذلك :" ويدخلهم ظلاً " بِيَاءِ الغَيْبَةِ ؛ رَدَّا على قوله : إن الله كان عزيزاً ، والجمهورُ بالنون رَدَّاً على قوله :" سوف نصليهم "، وتقدَّم الكلامُ على قوله : جنات تجري من تحتها الأنهار . 
وقوله : خَالِدِينَ  يجوزُ فيه ثلاثةُ أوجهٍ :
أحدُهَا : أنه حالٌ من الضمير المنصُوبِ في  سَنُدْخِلُهُمْ . 
والثَّاني : وأجازَهُ أبُو البَقَاءِ[(٨)](#foonote-٨) : أنْ يكونَ حالاً من  جَنَّاتٍ [(٩)](#foonote-٩). 
\[ قال : لأن فيها ضَميراً لكُلِّ واحدٍ منهما، يَعْنِي : أنه يجوزُ أنْ يكونُ حالاً من \][(١٠)](#foonote-١٠) مفعول  سَنُدْخِلُهُمْ  كما تقدَّمَ، أوْ " من جنات " ؛ لأنَّ في الحَالِ ضميريْنِ :
أحدُهُمَا : المستَتِرُ في  خَالِدِينَ  العائِدُ على  وَالَّذِينَ آمَنُواْ . 
والآخر : مَجْرُورٌ ب " في " العائِدِ على  جَنَّاتٍ  فصح أنْ يُجْعَلَ حالاً مِنْ كُلٍّ واحدٍ ؛ لوجودِ الرَّابِطِ، وهو الضميرُ، وهذا الذي قالُ فيه نظرٌ مِنْ وَجْهَيْنِ :
أحدُهُمَا : أنه يَصِيرُ المعنى : أنَّ الجناتِ خالداتٍ في أنفُسِهَا ؛ لأنَّ الضَّميرَ في فيها عائدٌ عليْهَا. فكأنه قِيلَ : جناتٍ خَالِدَاتٍ في الجنَّاتِ أنفُسِهَا. 
والثَّاني : أنَّ هذا الجمعَ شَرْطُهُ العَقْلُ، ولد أُرِيد ذلك، لقيل : خَالِدَاتٍ. 
والثالثُ : أنْ يَكُونَ صِفَةً ل  جَنَّاتٍ  أيضاً. قال أبُو البَقَاءِ : على رَأي الكُوفيِّينَ يعْنِي أنَّهُ جَرَت الصِّفَةُ على غَيْرِ مِنْ هِيَ لَهُ في المعنى، ولم يَبْرُزِ الضَّمِيرُ، وهذا مَذْهَبُ الكوفيِّينَ، وهو أنَّهُ إذَا جَرَتْ عَلَى غَيْرِ مَنْ هي له، وأمِنَ اللِّبْسُ، لم يَجبْ بُرُوزُ الضميرِ كهذه الآيةِ. 
ومَذْهَبُ البَصْرِيِّينَ : وُجُوبُ[(١١)](#foonote-١١) بروزِهِ مُطْلَقَاً، فكان يَنْبَغِي أنْ يُقَالَ عَلَى مَذْهَبِهِمْ : خالدين هم فيها ، ولمّا لَمْ يَقُلْ كذلك، دَلَّ على فَسَادِ القَوْلِ، وقد تَقَدَّمَ تَحْقِيقُ ذلك. 
\[ فإن قُلْتَ :\][(١٢)](#foonote-١٢) فَلْتَكُنِ المسْألَةُ الأولَى كذلِكَ، أعني : أنَّكَ إذا جعلت  خَالِدِينَ  حالاً من  جَنَّاتٍ ، فيكون حَالاً مِنْهَا لفظاً، وهي لغيرها مَعْنَى، ولم يَبْرُزْ الضَّميرُ على رَأي الكُوفيِّينَ، ويَصِحُّ قول أبي البَقَاءِ. 
فالجواب : أنَّ هذا، لو قيلَ به لَكَانَ جيِّداً، ولكن لا يَدْفَعُ الرَّدَّ عن أبِي البَقَاءِ، فإنَّهُ خَصَّصَ مَذْهبَ الكُوفيينَ بوجه الصِّفَةِ، دون الحالِ. 
### فصل


ذكر الخُلُودِ والتَّأبِيد : فيه ردٌّ على جَهْم[(١٣)](#foonote-١٣) بْنِ صفْوَانَ، حيث يقُولُ : إنَّ نَعِيمَ الجَنَّةِ وعَذَابَ الآخِرَةِ[(١٤)](#foonote-١٤) يَنْقَطِعَانِ، وأيضاً فَذِكْرُهُ الخُلُودَ مع التَّأبيد ؛ يَدُلُّ على أنَّ الخُلُودَ غَيْر التَّأبْيد وإلا لزم التكرارُ، وهو غير جَائِزٍ ؛ فدَلَّ على أنَّ الخُلُودَ لَيْسَ عِبَارَة عن التَّأبيدِ، بلِ هو عبارَةٌ عن طُولِ المكْثِ مِنْ غيرِ بيان أنَّهُ منقطع، أو غَيْر مُنْقَطِع، وإذا ثَبَتَ هذا بطلَ اسْتِدْلاَلُ المُعْتزِلَةِ بقوله تعالى : وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُّتَعَمِّداً فَجَزَآؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِداً فِيهَا  \[ النساء : ٩٣ \] على أنَّ صاحب الكَبيِرَةِ يبقى في النَّارِ أبَداً، لأنَّ هذه الآية دَلَّتْ على أنَّ الخُلُودَ طولُ المُكْثِ لا التَّأبيدِ. 
قوله : لَّهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ \[ مُّطَهَّرَةٌ  \] [(١٥)](#foonote-١٥) مبتدأ وخبر، وَمَحَلُّ هذه الجُمْلَةِ، إمَّا النَّصْب أو الرَّفْعُ. 
فالنَّصْبُ إمَّا على الحَالِ مِنْ  جَنَّاتٍ ، أو مِنَ الضَّميرِ في  سَنُدْخِلُهُمْ  وإما على كَوْنِهَا صِفَةً ل  جَنَّاتٍ  بعد صِفَةٍ. 
والرَّفْعُ على أنَّهُ خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ. 
### فصل


المُرَادُ : طَهَارتُهُنَّ من الحَيْضِ والنّفاسِ، وجميع أقْذَارِ الدُّنْيَا، كما تَقَدَّمَ في سُورَةِ البَقَرَةِ. 
وقوله  وندخلهم ظلاَّ ظليلاً . 
قال الوَاحِدِيُّ[(١٦)](#foonote-١٦) : الظَّلِيلُ ليس يُنبِئُ[(١٧)](#foonote-١٧) عن الفِعْلِ، حتى يُقالَ : إنَّهُ بمعنى : فاعِلٍ، أو مَفْعُولٍ، بل هو مُبَالَغةٌ في نَعْتِ الظِّلِّ، مثل قولهم :" لَيْلٌ ألْيَلٌ ". 
قال المُفَسْرُونَ : الظَّلِيلُ : الكَثيفُ الَّذِي لا تَنْسَخُهُ الشَّمْسُ، ولا يؤذيهم بَرْدٌ، ولا حَرٌّ. 
قال ابْنُ الخَطِيبِ[(١٨)](#foonote-١٨) : واعْلَمْ أنَّ بلاد العَرَبِ كانت في غَايَةِ الحَرَارَةِ، وكانَ الظِّلُّ عندهم مِنْ أعْظَمِ أسْبَابِ الرَّاحَة، ولها المَعْنَى ؛ جَعَلُوه[(١٩)](#foonote-١٩) كِنَايَةً عن الرَّاحَةِ. 
قال عليه الصَّلاة والسلامُ :" السُّلْطَانُ ظِلُّ الله فِي الأرْضِ " [(٢٠)](#foonote-٢٠). 
وإذَا كان الظّل عِبَارَةً عن الرَّاحَة ؛ كَانَ كِنَايَةً عن المُبَالَغَةِ العَظِيمَةِ في الراحة، وبهذا يَنْدَفِعُ سُؤالُ مَنْ يَقُولُ : إذا لم يَكُنْ في الجَنَّةِ شَمْسٌ تُؤْذِي بحرِّهَا، فما فائِدَةُ وَصْفِهَا بالظِّلِّ الظَّلِيلِ ؟
وأيضاً نرى[(٢١)](#foonote-٢١) في الدُّنْيَا أنَّ المَوَاضِعَ الَّتِي يَدُومُ الظِّلُّ فيها، ولا يَصِلُ نُورُ الشَّمْسِ إليْهَا، يكُونُ هَوَاؤهَا فَاسِداً مُؤْذِياً فما معنى وَصْفِ الجَنَّةِ بذلك، فعلى هذا الوَجْهِ الَّذِي لَخَّصْنَاهُ تَنْدَفَعُ هذه الشُّبُهَاتِ. 
١ سقط في أ..
٢ في ب: نصب..
٣ سقط في ب..
٤ ينظر: تفسير الرازي ١٠/١١٠..
٥ في ب: التعيين..
٦ سقط في ب..
٧ وقرأ بها ابن وثاب.
 ينظر: المحرر الوجيز ٢/٦٩، والبحر المحيط ٣/٢٨٧، والدر المصون ٢/٣٧٨..
٨ ينظر: الإملاء ١/١٨٤..
٩ في ب: مفعول سندخلهم..
١٠ سقط في ب..
١١ في ب: يجب..
١٢ سقط في أ..
١٣ في ب: جهيم..
١٤ في ب: النار..
١٥ سقط في أ..
١٦ ينظر: تفسير الرازي ١٠/١١٠..
١٧ في ب: بمعنى من..
١٨ ينظر: تفسير الرازي ١٠/١١٠..
١٩ في ب: جعلوا..
٢٠ أخرجه البزار (١٥٩٠ ـ كشف) والقضاعي في "مسند الشهاب" (٣٠٤) من حديث عبد الله بن عمر. وأورده الهيثمي في "مجمع الزوائد" (٥/١٩٦) وقال: رواه البزار وفيه سعيد بن سنان أبو مهدي وهو متروك.
 والحديث له لفظ آخر وهو: الإمام ظل الله في الأرض.
 أخرجه أحمد (٥/٤٢) وابن أبي عاصم (١٠١٧، ١٠١٨، ١٠٢٤) عن أبي بكرة رضي الله عنه مرفوعا..
٢١ في ب: يرى..

### الآية 4:58

> ﻿۞ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَىٰ أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ ۚ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ ۗ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا [4:58]

لما شَرَحَ أحوالَ الكُفَّارِ، وشرحَ وعِيدَهُم ؛ عاد إلى التَّكْلِيف، وأيضاً لمّا حكى عن أهْل الْكِتَابِ أنَّهُم كَتَمُوا الحَقَّ، حيث قالُوا للذين كَفرُوا  هَؤُلاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُواْ سَبِيلاً 
أمَرَ المُؤمنينَ في هذه الآيةِ بأداء الأمَانَاتِ في جميع الأمور، سواء كانَتْ دِينيَّةٌ، أو دُنْيَويَّة. 
قوله : أَن تُؤدُّواْ  مَنْصُوبُ المحلّ، إمَّا على إسْقَاطِ حَرْفِ الجَرّ ؛ لأن حذفه يطَّرِدُ مع " أنْ "، إذَا أمِنَ اللَّبْس ؛ لطولهما بالصِّلَةِ، وإما لأنَّ " أمر " يتعدى إلى الثَّاني بنفسه، نحو : أمَرْتُكَ الخَيْرَ، فعلى الأوَّل يَجْري \[ الخلاف في مَحَلِّها، أهي في مَحَلّ نصب، أم جر، وعلى الثَّاني هي في محلِّ نصب فقط، وقرئ " الأمانة " \][(١)](#foonote-١).

### فصل : فيمن نزلت الآية ؟


نزلت في عُثْمَانَ بْنَ طَلْحَةَ بْنَ أبِي طَلْحَةَ الحجبي مِنْ بَني عبْدِ الدَّارِ، وكان سادِنَ الكَعْبَةِ، فلمَّا دَخَلَ النبي صلى الله عليه وسلم مَكَّةَ يَوْمَ الفَتْحِ أغْلَقَ عُثْمَانُ بْنُ طَلْحَةَ بَابَ الكَعْبَةِ، وصَعَدَ السَّطْحَ، فطلبَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم المفتاح فقيلَ : إنَّه مع عثمان، فَطَلَبَهُ[(٢)](#foonote-٢) منه فأبى، وقال : لو عَلِمْتُ أنَّهُ رسولُ اللَّهِ \[ صلى الله عليه وسلم \][(٣)](#foonote-٣) لمْ أمْنَعْهُ المِفْتَاحَ، فَلَوَى عليُّ بن أبي طالب يده، وأخذ منه المفتاح، وفَتَح البَابَ، ودخل رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم البيت، وصلّى فيه ركعتين، فلمّا خَرَجَ سألَهُ العَبَّاسُ \[ المفتاحَ \][(٤)](#foonote-٤) أن يعطيه، ويجمع له بين السِّقَايَةِ، والسِّدَانة[(٥)](#foonote-٥)، فأنزل اللَّهُ - تعالى - هذه الآية، فأمَرَ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم عليّاً أنْ يردَّ المِفْتَاحَ إلى عُثْمَانَ، وَيَعْتَذِرَ إليه، ففعل ذلك عليٌّ، فقال عثمان : أكْرَهْتَ، وآذَيْتَ، ثم جئْتَ تَرْفُق، فقال : لقَدْ أنْزَلَ اللَّهُ في شأنِكَ، وَقَرَأ عليه الآية، فقال عُثْمَانُ :" أشْهَدُ \[ ألا إله إلاّ اللَّه و \][(٦)](#foonote-٦) أنَّ مُحَمّداً رسُولُ اللَّهِ، وأسْلَمَ، وكانَ المِفْتَاحُ معه، فلما مَاتَ دفعه إلى أخيه شَيْبَةَ، فالمِفْتَاحُ والسِّدَانَةُ في أولادهم إلى يَوْمِ القِيَامَةِ[(٧)](#foonote-٧). 
وقيل[(٨)](#foonote-٨) : المرادُ من الآية جميعُ الأمَانَاتِ. 
واعْلمْ أنَّ معاملة الإنْسَانِ إما أنْ تكُونَ مع رَبِّه، أو مع العِبَادِ، أوْ مع نفسه. فمعاملة الرَّبِّ فهو : فعل المأمُورَات، وترك المَنْهيَّاتِ. 
قال ابْنُ مَسْعُودٍ : الأمَانَةُ في كُلِّ شَيءٍ لازمةٌ ؛ في الوُضُوءِ، والجَنَابَةِ، والصَّلاةِ، والزَّكَاةِ، والصَّوْم. 
\[ قال أبُو نُعَيْم الحَافِظُ في " الحِلْيَةِ " [(٩)](#foonote-٩) : ومِمَّنْ قال إنَّ الآية عامّة في الجميع : البَرَاءُ ابْنُ عَازِبٍ، وابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ عَبَّاسٍ، وأبيُّ بْنُ كَعبٍ. 
قالوا : الأمَانَةُ في كُلِّ شَيءٍ لازمةٌ، في الوضوء، والجنابة، والصّلاة، والزكاةِ، والصّوم، والكيل، والوزن، والودائع. 
قال ابْنُ عبَّاسٍ : لم يرخص اللَّهُ لمُعْسِرِ، ولا لمُؤمِنٍ أن يُمْسِكَ الأمَانَة \][(١٠)](#foonote-١٠) [(١١)](#foonote-١١). 
وقال ابْنُ عُمَرَ :" إنَّهُ - تعالى - خَلَقَ فَرْجَ الإنسان، قال :" هذَا أمانةٌ \[ خَبَّأتُهَا \][(١٢)](#foonote-١٢) عِنْدَكَ، فاحْفَظْهَا إلاَّ بِحَقِّهَا " [(١٣)](#foonote-١٣). 
فأمانة[(١٤)](#foonote-١٤) اللِّسَانِ ألاّ يستعمله في الكذِبِ، والغيبةِ، والنَّميمَةِ، والكُفْرِ، والبدعةِ، والفُحْشِ، وغيرها. 
وأمانة العَيْنِ ألاّ يَسْتَعْمِلَهَا في النَّظَرِ الحَرَامِ، وأمَانَةَ السَّمْعِ ألاّ يَسْتَعْمِلَهُ في سَمَاعِ المَلاَهِي، والمَنَاهِي، وسماع الفُحْشِ، والأكاذيبِ، وغيرها. 
وكذا جميع الأعْضَاءِ، وأمَّا الأمَانَةُ مع سَائِرِ الخَلْقِ فلردِّ[(١٥)](#foonote-١٥) الوَدَائِعِ، وتركِ التَّطفيفِ في الكَيْلِ، والوزْنِ، وعدْلِ الأمرَاءِ في الرَّعِيَّةِ، وعدلِ العُلَمَاءِ في العَوَامِ : بأن يُرْشِدُوهم إلى الاعتِقَاداتِ، والأعْمَالِ الَّتي تنفعهم في دُنْيَاهُم وأخْرَاهُم، ولا يحملوهم عَلَى التَّعصُّبَات البَاطِلَةِ، وأمَانَةُ الزَّوْجَةِ للزَّوْجِ في حفظ فَرْجِهَا، وألا تُلْحِقَ به وَلَداً من غَيْرِهِ، وفي إخبارِها عن انْقِضَاءِ عدَّتها، ونهي اليهود عن كِتْمَانِ أمر[(١٦)](#foonote-١٦) محمد - عليه الصَّلاة والسلام - وأما أمَانته مع نفسه[(١٧)](#foonote-١٧)، فهو ألا يَخْتَارُ \[ لِنَفْسِهِ \][(١٨)](#foonote-١٨) إلاّ الأنْفَعَ، والأصْلَحَ، في الدِّين والدُّنْيَا، وألا يقدم بِسَبَبِ الشَّهْوَةِ، والغَضَبِ على مَا يَضُرُّهُ في الآخِرَةِ قال أنَسٌ - رضي الله عنه - : قلَّ ما خَطَبَنَا رسولُ الله صلى الله عليه وسلم إلا قال " لا إيْمَانَ لَمنْ لا أمَانَةَ لَهُ، وَلاَ دِينَ لمَنْ لا عَهْدَ لَهُ " [(١٩)](#foonote-١٩)، وقال تعالى
 لاَ تَخُونُواْ اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُواْ أَمَانَاتِكُمْ  \[ الأنفال : ٢٧ \]، وقد عظَّم الله أمْرَ الأمَانَةِ فقال : إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الإِنْسَانُ  \[ الأحزاب : ٧٢ \]. 
\[ ويروي أنَّ اللَّه - تعالى - خَلَقَ الدُّنْيَا كالبُسْتَانِ، وزينها بخمسة أشْيَاء :
عِلْمَ العُلمَاءِ، وعَدْلِ الأمَرَاءِ، وعِبَادَةِ العُلَمَاءِ، ونَصِيحَةِ المُسْتَشَارِ، ودفع الخيانة \][(٢٠)](#foonote-٢٠). 
### فصل في الخلاف في ضمان الوديعة


الأكْثَرُونَ على أنَّ الوديعةَ غير مضمونةٍ عند عَدَمِ التَّفْرِيطِ، وعن بعض السَّلَفِ أنَّهَا مَضْمُونَةٌ. 
روى الشَّعْبِيُّ عن أنَسٍ قال : اسْتَحْمَلَنِي رَجُلٌ بضاعةً، فضاعت من بين ثيابي. فضمنني عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -[(٢١)](#foonote-٢١). 
وعن أنسٍ قال : كان لإنسان عندي وديعَةٌ سِتَّةُ ألاف درهَمٍ، فذهبت فقال عُمَرُ :" ذهب لك معها شيء " ؟ \[ قلت : لاَ \][(٢٢)](#foonote-٢٢) فألزمني الضَّمَان[(٢٣)](#foonote-٢٣). 
وحجة الجُمْهُورِ ما رَوَى عمرو بنُ شُعَيْبٍ عن أبيه قال : قالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم " لا ضَمَانَ عَلَى دَاع، ولا \[ على \][(٢٤)](#foonote-٢٤) مُؤتمَنٍ " [(٢٥)](#foonote-٢٥)، وأما فِعْلُ عمر - رضي الله عنه - \[ فهو \][(٢٦)](#foonote-٢٦) محمولٌ على أنَّ المودع اعترف بفعل يوجب الضمان. 
### فصل في الخلاف في ضمان العارية


قال الشافعيُّ وأحمدُ : العاريةُ مَضْمُونَةٌ بعد الهَلاَكِ لقوله تعالى  إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ الأَمَانَاتِ \[ إِلَى أَهْلِهَا  \] [(٢٧)](#foonote-٢٧) والأمر لِلوُجُوبِ، وقوله - عليه الصلاة والسلام :" على اليَد مَا أخَذَتْ حَتَّى تُؤديهُ " [(٢٨)](#foonote-٢٨) وخصت منه الوديعَةُ، فيبقى العامُّ بَعْدَ التَّخْصيصِ[(٢٩)](#foonote-٢٩) حجة، وأيضاً فإنَّا أجمعْنَا على أنَّ المستام مَضْمُونٌ، وأنَّ المودع غيره مَضْمُونٍ والعَارِيَة وقعت في البين، ومشابهتها لِلْمُسْتَام أكثر ؛ لأنَّ كلاّ منهما أخذه الأجنبي لغرض نفسه، والوديعة أخذها لِغَرَضِ المالِكِ، فظهر الفَرْقُ بيْنَ العاريَةِ والوديعة. 
وقال أبُو حنيفَة :\[ العارية \][(٣٠)](#foonote-٣٠) ليست مضمونة كقوله عليه السلامُ
 " لاَ ضَمَانَ عَلَى مُؤتَمنٍ " وجوابه أنَّهُ مَخصوصٌ بالمستام، فكذا في العَارِيَةِ، ودليلنا ظاهِرُ الْقُرآنِ. 
قوله : وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُواْ بِالْعَدْلِ  \[ فيكون \][(٣١)](#foonote-٣١) قوله  أَن تَحْكُمُواْ  معطوف على  أَن تُؤدُّواْ  أي : يأمرُكُمْ بتَأديَةِ الأمَانَاتِ والحكم بالعَدْلِ، فيكونُ قد فصل بَيْنَ حرف العَطْفِ، والمعطوف بالظَّرْفِ. وهي مسألة خلاف ذَهَبَ الفَارِسِيُّ إلى منعها إلاّ في الشِّعْرِ. 
وذهب غَيرُهُ إلى جَوازِهَا مُطْلَقاً، ولنصحّح مَحَلّ الخلافِ أولاً : فنقولُ : إن حرف العطف إذا كان على حَرْفٍ واحدٍ كالواو، والفاء هل[(٣٢)](#foonote-٣٢) يجوزُ أن يفصل بينه، وبين ما عطفه بالظَّرف وشبهه أم لا ؟
فَذَهَبَ الفَارسِيُّ إلى منعه مُسْتَدِلاً بأنَّهُ إذا كانَ على حَرْفٍ واحدٍ، فقد ضَعُفَ، فلا يتوسّط بينه، وبين ما عطفه إلاّ في ضَرُورةٍ كقوله :\[ المنسرح \]يَوْماً تَرَاهَا كَشِبْهِ أرْدِيَةِ الْ  عَصْبِ وَيَوْماً أديمَهَا نَغِلاَ[(٣٣)](#foonote-٣٣)تقديره : وترى أديمها نغلاً يوماً، \[ ففَصَل ب " يَوْماً " \][(٣٤)](#foonote-٣٤)، وذَهَبَ غَيْرَهُ إلى جَوَازِهِ مُسْتَدِلاً بقوله : رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً  \[ البقرة : ٢٠١ \]، 
 فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِن وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ  \[ هود : ٧١ \]، 
 وَجَعَلْنَا مِن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدّاً \[ ومِنْ خَلْفِهِمْ سَدّاً[(٣٥)](#foonote-٣٥) فَأغْشَيْنَاهُمْ [(٣٦)](#foonote-٣٦) \[ يس : ٩ \]
 اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الأَرْضِ مِثْلَهُنَّ  \[ الطلاق : ١٢ \].  أَن تُؤدُّواْ الأَمَانَاتِ  \[ الآية \][(٣٧)](#foonote-٣٧)، وقالَ صَاحِبُ هذا القول : إنَّ المَعْطُوفَ عليه إذَا كانَ مَجْرُوراً بِحَرفٍ، أُعيدَ ذلك الحَرْفُ المعطوف نحو : امرر[(٣٨)](#foonote-٣٨) بزيدٍ وغداً بِعَمْرو، وهذه الشَّواهدُ لا دَليلَ فيها[(٣٩)](#foonote-٣٩). 
أمَّا " فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً، وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً "، وقوله وَجَعَلْنَا مِن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ  \[ يس : ٩ \]، فلأنه[(٤٠)](#foonote-٤٠) عطف شيئين على شَيْئَيْنِ : عطف الآخرة على الدُّنْيَا بإعَادَةِ الخافض وعطف حسنة الثانية على حَسَنة الأولى، وكذلك عطف " من خلفهم " على " من بين أيديهم " و " سدَّا " على " سدَّا "، وكذلك البيت عطف فيه " أديمها " على المفعول الأوَّل ل " تَرَاها "، و " نَغلاً " على الثاني وهو كشبه[(٤١)](#foonote-٤١) و " يوماً " الثَّاني على " يَوْماً " الأوَّلِ، فلا فصل فيه حينئذٍ، \[ وحينئذ \][(٤٢)](#foonote-٤٢) يقال :\[ ينبغي \][(٤٣)](#foonote-٤٣) لأبي عَلِيٍّ أنْ يمنعَ مطلقاً، ولا يستثنى الضَّرُورَةَ، فإن[(٤٤)](#foonote-٤٤) ما استشهده به مُؤوَّل[(٤٥)](#foonote-٤٥) على ما ذكرناه. 
فإن قيل : إنَّما لم يجعله أبُو عَلِيّ من ذلك ؛ لأنَّهُ يُؤدِّي إلى تخصيص الظَّرْفِ الثَّاني بما وقع في الأوَّلِ، وهو أنَّه تراها كشبه أردية العصب في اليوم الأوَّلِ والثاني ؛ لأنَّ حُكْمَ \[ المعطُوف حكم \][(٤٦)](#foonote-٤٦) المعطوف عليه، فهو نَظِيرُ قولك : ضَرَبْتُ زَيْداً يَوْمَ الجُمْعَةِ، ويوم السَّبْت، ف " يَوْمَ " السَّبْت مُقيّدٌ بضرب \[ زيد كما يُقَيَّدُ به يَوْمَ الجُمعة، لكن الغَرَضَ أنَّ اليومَ الثَّانِي في البيت مُقَيَّدٌ بِقَيْدٍ آخر \][(٤٧)](#foonote-٤٧) وهو رُؤيَةُ أديمها نغلاً. 
فالجوابُ : أنه[(٤٨)](#foonote-٤٨) لو تركنا \[ و \][(٤٩)](#foonote-٤٩) الظَّاهر من غير تَقْييدِ[(٥٠)](#foonote-٥٠) الظّرف الثَّاني بمعنى آخر كان الحكم كما ذكرت \[ لأن الظاهر كما ذكرت \][(٥١)](#foonote-٥١) في مثالك : ضربت زيداً يوم الجُمعَةِ \[ وعَمراً \][(٥٢)](#foonote-٥٢) يَوْمَ السَّبْتِ \[ أما إذا قيَّدته بشيءِ آخر، فقد تركت ذلِكَ الظَّاهِرَ لهذا النص، ألا تَرَاكَ تَقُولُ : ضربتُ زيداً يَوْمَ الجُمْعَة، وعمراً يوم السَّبت \][(٥٣)](#foonote-٥٣)، فكذلك هَذَا، وهو مَوْضعٌ يحتاجُ لِتَأمُّلِ. 
وأما " فبشرناها[(٥٤)](#foonote-٥٤) بإسحاق "، فيعقوب ليس مجر١ سقط في أ..
٢ في ب: فطلب..
٣ سقط في ب..
٤ سقط في ب..
٥ في ب: السدانة والسقاية..
٦ سقط في ب..
٧ ذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٢/٣١٢) وعزاه لابن مردويه من طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس. وأخرجه الطبري في "تفسيره" (٨/٤٩١) مختصرا وذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٢/٣١٢) وزاد نسبته لابن المنذر. والبغوي ١٠/٤٤٤..
٨ ينظر: تفسير البغوي ١٠/٤٤٤..
٩ ينظر: تفسير القرطبي ٥/١٦٦..
١٠ سقط في ب..
١١ أخرجه الطبري في "تفسيره" (٨/٤٩٣) عن ابن عباس. والمحرر ١/٧٠..
١٢ سقط في ب..
١٣ ذكره الفخر الرازي في "التفسير الكبير" (١٠/١١١) عن ابن عمر..
١٤ في ب: وأمانة..
١٥ في ب: فكرر..
١٦ في ب: صفة..
١٧ في ب: لنفسه..
١٨ سقط في ب..
١٩ أخرجه أحمد (٣/١٥٤) والبيهقي (٦/٢٨٨) والبزار (١٠٠ ـ كشف) وابن حبان (١٩٤٠ ـ موارد) والبغوي في "شرح السنة" (١/١٠٠) وأبو يعلى (٥/٣٤٧) عن أنس.
 وقال البغوي: هذا حديث حسن.
 وأورده الهيثمي في "مجمع الزوائد" (١/٩٦) وقال: رواه أحمد وأبو يعلى والبزار والطبراني في "الأوسط" وفيه أبو هلال وثقه ابن معين وغيره وضعفه النسائي وغيره.
 **ويشهد له حديث ابن عباس:**
 أخرجه أبو يعلى (٤/٣٤٣) والطبراني في "الكبير" كما في "مجمع الزوائد" (١/١٧٢) ومسدد كما في "المطالب العالية" (٢٩٠٨).
 وقال الهيثمي: وفيه حسين بن قيس الملقب بحنش وهو متروك الحديث..
٢٠ سقط في ب..
٢١ أخرجه البيهقي في "سننه" (٦/٢٨٩) من طريق النضر بن أنس عن أنس بن مالك أن عمر بن الخطاب ضمنه وديعة سرقت منه..
٢٢ سقط في ب..
٢٣ انظر مصدر تخريج الحديث السابق..
٢٤ سقط في أ..
٢٥ أخرجه الدارقطني (٣/٤١) والبيهقي (٦/٢٨٩) من طريق عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده مرفوعا..
٢٦ سقط في ب..
٢٧ سقط في ب..
٢٨ أخرجه أبو داود (٣/٢٩٦) كتاب البيوع باب في تضمين العارية (٣٥٦١) والترمذي (٣/٥٦٦) في البيوع باب ما جاء في أن العارية مؤداة (١٢٦٦) وابن ماجه (٢/٨٠٢) كتاب الصدقات: باب العارية (٢٤٠٠) وأحمد (٥/٨، ١٢، ١٣) والحاكم (٢/٤٧) والبيهقي (٦/٩٠) والطبراني في "الكبير" (٧/٢٥٢) وابن أبي شيبة (٦/١٤٦) وابن الجارود في "المنتقى" (١٠٢٤) من طريق الحسن عن سمرة مرفوعا.
 وقال الترمذي: حديث حسن صحيح.
 وقال الحاكم: صحيح الإسناد على شرط البخاري..
٢٩ في ب: الخاص..
٣٠ سقط في أ..
٣١ سقط في ب..
٣٢ سقط في ب..
٣٣ في ب: والفاعل..
٣٤ تقدم برقم ٧٨٦..
٣٥ سقط في ب..
٣٦ سقط في أ..
٣٧ سقط في ب..
٣٨ سقط في ب..
٣٩ في ب: أمس..
٤٠ في ب: لها..
٤١ في ب: فأنه..
٤٢ في ب: شبيه..
٤٣ سقط في أ..
٤٤ سقط في أ..
٤٥ في أ: قال..
٤٦ سقط في ب..
٤٧ سقط في أ..
٤٨ في ب: أنا..
٤٩ سقط في ب..
٥٠ في ب: يفسد..
٥١ سقط في أ..
٥٢ سقط في ب..
٥٣ سقط في أ..
٥٤ في ب: فبشرنا..

### الآية 4:59

> ﻿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ ۖ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ۚ ذَٰلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا [4:59]

اعلم أنَّهُ تعالى لما أمر الولاة بالعَدْلِ، أمر الرعية بطاعة الوُلاَةِ. 
قال ابْنُ عَبَّاسٍ وجَابِرٌ : أولو الأمْرِ :\[ هُمُ \][(١)](#foonote-١) الفُقَهَاءُ، والعلماءُ الَّذِينَ يعلِّمُونَ النَّاسَ دينهم[(٢)](#foonote-٢). 
وهو قَوْلُ الحَسَنِ، والضَّحاكِ ومُجاهِدٍ. لقوله تعالى  ولو ردوه إلى الرسول \[ وإلى \][(٣)](#foonote-٣) أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم . 
وقال أبُو هُرَيرَة : هم الأمَرَاءُ والوُلاة[(٤)](#foonote-٤)، وقال عليُّ بْنُ أبي طالبٍ : حقٌّ على الإمام أن يَحْكُمَ بما أنْزَلَ اللَّهُ، ويُؤَدِّي الأمَانَة، فإذا فَعَلَ ذلك ؛ حَقَّ علي الرَّعِيَّةِ أنْ يَسْمَعُوا، وَيُطِيعُوا[(٥)](#foonote-٥). 
وروى أبُو هُرَيْرَة قال : قال رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم " مَنْ أطَاعَنِي ؛ فَقَدْ أطَاعَ اللَّهَ، ومَنْ يَعْصِنِي، فَقَدْ عَصَى اللَّه، ومَنْ يُطِعِ الأمِيرَ ؛ فَقَدْ أطَاعَنِي ومن يعصي الأميرَ، فَقَدْ عَصَانِي " [(٦)](#foonote-٦) وقال عليه الصَّلاةُ والسلامُ " السَّمْعُ والطَّاعَةُ على المرءِ المُسْلِمِ فيما أحَبَّ وَكَرِهَ مَا لَمْ يُؤمَرْ بِمَعْصِيَةٍ فَإذَا أُمِرَ بِمَعْصِيَةٍ، فَلاَ سَمْعَ وَلاَ طَاعَةَ " [(٧)](#foonote-٧). 
وروى عُبَادَةُ بْنُ الصَّامِتِ قال : بَايَعَنَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم على السَّمْعِ والطَّاعَةِ في اليُسْر، والعُسْر[(٨)](#foonote-٨)، والمَنْشَطِ، والمَكْرَه، وألاَّ نُنَازعَ الأمْرَ أهْلَهُ، وأنْ نَقُومَ، أوْ نَقُولَ بالحَقّ، حَيْثُ مَا كُنَّا، لا نَخَافُ فِي اللَّهِ لَوْمَةَ لائِمٍ[(٩)](#foonote-٩). 
وعن أنَسٍ : أنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم قال لأبي ذرّ :" اسْمَعْ، وأطِعْ وَلَوْ لِعَبْدٍ حَبَشِيّ كأنَّ رَأسَهُ زَبيبة " [(١٠)](#foonote-١٠). 
وروى أبُو أمَامَةَ قال :" سَمِعْتُ رَسُول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَخْطِبُ في حجة الوَدَاعِ فقالَ :" اتَّقُوا اللَّهَ، وَصَلُّوا خَمْسَكُمْ، وَصُومُوا شَهْرَكُمْ، وأدُّوا زَكَاةَ أمْوالِكُمْ، وأطِيعوا إذَا أمَرَكُم ؛ تَدْخُلُوا جَنَّةَ ربِّكُم " [(١١)](#foonote-١١). 
وقال سعيدُ بْنُ جُبَيْرٍ عن ابن عبَّاسٍ المُرَادُ أمَرَاء السَّرَايَا[(١٢)](#foonote-١٢) قال : نزلت هذه الآية في عبيد الله بن أبي حُذَافَةَ بْنِ قَيْس بْن عدِيّ السّهميّ إذ بعثه النّبي صلى الله عليه وسلم \[ في سرية، وعن ابن عباس أنَّها نزلت في خَالدِ بْنِ الوَلِيدِ بَعَثَهُ \][(١٣)](#foonote-١٣) النبي صلى الله عليه وسلم على سَرِيَّةٍ، وفيها عَمَّارُ بْنُ يَاسِر[(١٤)](#foonote-١٤) فجرى بَيْنَهُمَا اخْتِلاف في شَيْءٍ، فَنَزَلَتْ هذه الآية[(١٥)](#foonote-١٥). 
\[ و \][(١٦)](#foonote-١٦) قال عكْرمَة : أولو الأمْرِ أبُو بَكْر وعُمَر ؛ لقوله - عليه الصلاة والسلام - " \[ اقتدوا \] [(١٧)](#foonote-١٧)باللذيْنِ من بَعْدِي أبِي بكْرٍ وعُمَر " [(١٨)](#foonote-١٨)، وقيلَ : هم الخُلَفَاءُ الرَّاشِدُون[(١٩)](#foonote-١٩). 
وقال عَطَاء : هم المُهَاجِرُون والأنْصَار، والتَّابِعُون لهم بإحْسَانٍ[(٢٠)](#foonote-٢٠) ؛ لقوله - تعالى - :
 وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ  \[ التوبة : ١٠٠ \] الآية، ولقوله- عليه السلام - :" مَثَلُ أصْحَابِي في أمَّتِي كالمِلْحِ في الطَّعَامِ، ولا يَصْلُح الطَّعَامُ إلا بالمِلْحِ " [(٢١)](#foonote-٢١)، وقال الحسَن[(٢٢)](#foonote-٢٢) : قد \[ ذهب \][(٢٣)](#foonote-٢٣) مِلحُنَا، فكيف نَصْلُحَ. 
ونُقِلَ عن الرَّوافِضِ أنَّ المُرَاد بأولي الأمْرِ : الأئِمُّة المَعْصُومون. 
فإن قيل : طَاعَةُ الرَّسُولِ هي طاعَةُ اللَّهِ، فالمعنى[(٢٤)](#foonote-٢٤) العَطْفُ. 
فالجواب : قال القَاضِي[(٢٥)](#foonote-٢٥) : الفَائِدَةُ في ذَلِكَ بَيَان الدِّلالَتَيْنِ، فالكتاب يَدُلُّ على أمْرِ اللَّه، ثم يُعْلَم مِنْهُ أمر الرَّسُولِ لا مُحَالَة، والسُّنَّة تدلُّ على أمْرِ الرَّسُول، ثم يُعْلَم مِنْهُ أمر اللَّهِ لا محالة، فَدَلّ قوْلُه : أطيعوا الله وأطيعوا الرسول  على وُجُوب مُتَابَعَة الكِتَابِ والسُّنَّةِ.

### فصل في معنى " الطَّاعَة " 


قالت المعتزلة : الطَّاعَة موافقَةُ الإرَادة، وقال أهْل السُّنَّة : الطَّاعَةُ مُوافقَةُ الأمْرِ لا مُوافَقَةُ الإرَادَةِ ؛ لأنَّ اللَّه قد يَأمُر ولا يُريدُ ؛ كما أمر أبَا لَهَبٍ بالإيمَانِ مع أنَّه لم يُرِدْهُ منه، إذ لو أرَادَهُ لوقع لا مَحَالَة. 
### فصل


استدلُّوا بقوله - تعالى - : أَطِيعُواْ اللَّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ  على أن الأمَر للوُجُوب، \[ واعترض عليه المُتَكَلِّمُون ؛ فقالوا : هذه الآيةُ لا تَدُلُّ على الوُجُوب إلا إذا ثَبَتَ أن الأمْرَ للوُجُوبِ \][(٢٦)](#foonote-٢٦)، وهذا يَقْتَضِي افْتِقَار الدَّليل إلى المَدْلُولِ. 
**وأجيبُ بوَجْهَينِ :**
الأوَّل : أن الأمْر الوَارِدَ في الوَقَائِع المخصُوصةِ دالٌّ على النَّدْبيَّة، فقوله : أَطِيعُواْ اللَّهَ  لو اقْتَضَى النَّدْبَ، لم يَبْقَ لِهَذِه الآيَةِ فائِدَةٌ. 
الثاني : أنه خَتَمَ الآيَةَ بِقَوْلِهِ : إِن كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ  وهذا وعيد. 
قوله :" منكم " في محلِّ نَصْبٍ على الحَالِ من " أولي الأمر " فيتعَلَّقُ بمَحْذُوفٍ، أي : وأُولِي الأمْرِ كائِنِينِ مِنكُم، و " مِنْ " تَبْعِيضية. 
قوله : فَإِن تَنَازَعْتُمْ  \[ اختلَفْتُم \][(٢٧)](#foonote-٢٧)،  فِي شَيْءٍ  \[ أيْ :\][(٢٨)](#foonote-٢٨) من أمْرِ دينكُم، والتَّنَازُع : اخْتِلافَ الآرَاءِ. 
قال الزَّجَّاج : اشْتِقَاق المُنَازَعَة من النَّزْعِ الَّذِي هُوَ الجَذْب، والمُنَازَعَةُ : عبارة عن مُجَاذَبَةِ كُلِّ واحدٍ من الخَصْمَيْن، يَجْذِب بِحُجَّةٍ صَحِيحَةٍ[(٢٩)](#foonote-٢٩). 
قوله : فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ  \[ أي : إلى الكِتَابِ والسُّنَّةِ \][(٣٠)](#foonote-٣٠). 
وقيل : الرَّدُّ إلى اللَّه والرَّسُول ؛ أن يقُول لما لا يعْلَمُ :" الله ورسوله أعلم ". 
### فصل في دلالة الآية على حجية القياس


دلت هذه الآيةُ على أنَّ القياس حُجَّة ؛ لأن قوله : فَإِن تَنَازَعْتُمْ  إمَّا أن يكُون المُرادُ منه " فإن اختلفتم في شيء " أي : حكم[(٣١)](#foonote-٣١) مَنْصُوصٍ عليه \[ في الكِتابِ أو السُّنَّةِ أو الإجْمَاعِ \][(٣٢)](#foonote-٣٢)، \[ أو يكون المُرادُ :" فإن اختلفتم في شيء " حكمه غير مَنْصُوصٍ عليه في شَيء من هذه الثَّلاثة \][(٣٣)](#foonote-٣٣). 
والأوَّل بَاطِلٌ ؛ لأنَّ الطَّاعَة واجِبَةٌ، لقوله : أَطِيعُواْ اللَّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ  فيَصِيرُ قوله : فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ  إعادة لعين ما مَضَى، وذلِك غيْر جَائِزٍ، فيتَعَيَّن أن يكُون المُرَادُ : فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ  حكمه غير مَذْكُورٍ في الكِتَابِ والسُّنَّةِ والإجْمَاعِ، فيَجِبُ أن يُرَدّ حُكْمُه إلى الأحْكَامِ المَنْصُوصَةِ المُشَابِهَة له[(٣٤)](#foonote-٣٤)، وذلِك هُوَ القِيَاسُ. 
فإن قيل : لِمَ لا يَجُوزُ أن يكُون المرادُ بِقَوْله : فَرُدُّوهُ  أي : فَوَّضُوا حُكْمَه إلى اللَّهِ ولا تَتَعرَّضُوا له، أو يكون المرادُ : رُدُّوا غيْر المَنْصُوصِ إلى المَنْصُوصِ ؛ في أنَّه لا يُحْكَمُ فيه إلاَّ بالنَّصِّ، أو فرُدُّوا هذه الأحْكَام إلى البَراءَة الأصْلِيَّة. 
والجواب[(٣٥)](#foonote-٣٥) عن الأوَّل والثَّاني : أنه - تعالى - جعل الوَقَائِعَ قِسْمَيْن[(٣٦)](#foonote-٣٦) : منها ما هُو مَنْصُوصٌ علَيْه، ومِنْهَا ما لا يكُون كذلك، ثم أمر في القِسْمِ الأوَّلِ بالطَّاعةِ والانْقِيَادِ، وأمر في الثَّانِي بردِّه إلى اللَّه وإلى الرَّسُول، ولا يجوزُ أن يكُونَ المُرادُ بِهَذَا الرَّدِّ السكوت ؛ لأن الواقِعَةَ رُبَّمَا كانَت لا يَحِلُّ السُّكُوت فيها، بل لا بُدَّ من قطْعِ الخُصُومَةِ فيها، إما بِنَفْيٍ أو إثْبَاتٍ، فامْتَنَعَ حَمْلُ الرَّدِّ إلى[(٣٧)](#foonote-٣٧) اللَّهِ على السُّكُوتِ. 
وأما الثالث : فإنَّ البَرَاءَة الأصْلِيَّة مَعْلُومَةٌ بحكم العَقْلِ، فالرَّدُّ إليها لَيْس رَدَّاً إلى اللَّه، وإذا رَدَدْنا حكْمَ الواقِعَةِ إلى الأحْكامِ المَنْصُوص عليها، كان ذلك رَدّاً إلى أحْكام اللَّه - تعالى -. 
### فصل في تقديم الكتاب والسنة على القياس


دَلَّت هذه الآيَةُ على أنَّ الكِتَاب والسُّنَّة مُقدِّمان على القِياسِ مُطْلقاً، فلا نَتْرُك العَمَل بهما بِسَبَبِ القِيَاسِ، ولا يجوزُ تَخْصِيصُهَا بالقياس ألْبَتَّة، سَوَاءً كان القِياسُ جَليًّا أو خَفيًّا، وسواءً كان ذلِكَ النَّصُّ مَخْصُوصاً قبل ذَلِك أمْ لاَ ؛ لأن الله - تعالى - أمَر بطاعَةِ الكِتَابِ والسُّنَّةِ في قوله : أَطِيعُواْ اللَّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ  سواء حَصَلَ قياسٌ يُعَارِضُهمَا أو يُخَصِّصُهُمَا، أوْ لم يُوجَد ؛ ولأن قوله : فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ  صريح بأنه لا يجوزُ العُدولُ إلى القياسِ، إلاَّ عند فُقْدان الأصُولِ الثلاثةَ، وأيضاً فإنَّهُ أخّر ذلك القياس عن ذِكْرِ الأصُولِ الثَّلاثَةِ، وذلك يَدُلُّ على أنَّ العمل به مُؤخَّر عن الأصُولِ الثلاثَةِ ؛ ولأنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم اعْتَبَرَ هذا التَّرتيبَ في قِصَّةِ مُعَاذٍ، وأخر الاجتهاد عن الكِتَابِ والسُّنَّةِ، وعَلَّقَ جَوازَهُ على عدمِ وُجْدَانِهِمَا، ولمَّا عَارَضَ إبْليسُ عموم الأمْرِ بالسُّجُودِ بِقياسِهِ في قوله[(٣٨)](#foonote-٣٨) : خلقتني من نار وخلقته من طين  فخصَّ العُمُوم بالقياس، وقدَّمه على النَّصِّ، فصَار بهذا السَّبَبِ مَلعُوناً، وأيضاً فإن القُرْآن مَقْطُوع بِمتْنِهِ، والقِيَاسُ مَظْنُون من جميع الجهاتِ، والمَقْطُوع راجحٌ على المَظْنُون، وأيضاً العَمَلُ بالظَّنِّ من صِفَاتِ الكُفَّارِ في قولهم : مَا أَشْرَكْنَا وَلاَ آبَاؤُنَا  \[ الأنعام : ١٤٨ \]. ثم قال  إِن يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ  \[ النجم : ٢٣ \] وقال - عليه السلام - :" إذَا رُوِي عَنِّي حَدِيثٌ، فاعْرِضُوهُ على كِتَابِ اللَّهِ، فإن وَافَقَهُ فاقْبَلُوهُ، وإلا فَرُدُّوهِ " [(٣٩)](#foonote-٣٩) فهذه النٌّصوصُ تَقْتَضِي، أن لا يجُوزُ العَمَلُ بالقِيَاسِ الْبَتَّةَ، وإنما عَمِلْنَا بالقِيَاسِ فيما لا نَصَّ فيه، ولا دلالة دَلَّت على وُجُوبِ العَمَلِ بالقِيَاسِ، جَمْعاً بَيْنَهَا وبين هذه الأدِلَّة. انتهى. 
### فصل في دلالة الآية على أكثر علم الأصول


دَلَّت هذه الآيةُ على أكْثَرِ أصُولِ الفِقْه ؛ لأن أصُول الشَّريعَة هي الكِتَابُ والسُّنَّةُ والإجْماع والقياسُ، فقوله :\[ تعالى \][(٤٠)](#foonote-٤٠)  أطيعوا الله وأطيعوا الرسول  إشارة للكِتَابِ والسُّنَّةِ، وقوله : وأولي الأمر منكم  يدل على الإجماع ؛ لأنه - تعالى - أوْجَب طَاعَةَ أولي الأمْر، وذلِك يَسْتَلزمُ عِصْمَتَهُم عن[(٤١)](#foonote-٤١) الخَطَأ، وإلاَّ لَوجَبَ طاعَتُهُ عند كَوْنهِ مُخْطِئاً، واتِّبَاع[(٤٢)](#foonote-٤٢) الخَطَأ مَنْهِيٌّ عَنْه، فيجتمع الأمْرُ والنَّهْي \[ وهو مُحَالٌ \][(٤٣)](#foonote-٤٣) ؛ فَثَبتت العِصْمَةُ لأولي الأمْرِ، إمَّا أن يكُونُوا جَمِيع الأمَرَاءِ، أو بَعْضَهُم، ولا يُمْكِنُ أنْ يَكُونُوا بعضهُم ؛ لأن الأمْرَ بِطَاعَتِهِم مَشْروطٌ بمعْرِفَتِهِم، وا١ سقط في ب..
٢ أخرجه الطبري في "تفسيره" (٨/٤٩٩، ٥٠٠، ٥٠١) عن ابن عباس وجابر والحسن ومجاهد وأبي العالية. 
 وذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٢/٣١٥) عن جابر وزاد نسبته لابن أبي شيبة وعبد بن حميد والحكيم الترمذي في "نوادر الأصول" وابن المنذر وابن أبي حاتم. 
 وذكره أيضا (٢/٣١٥) عن مجاهد وزاد نسبته لسعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن أبي حاتم وابن أبي شيبة وابن المنذر..
٣ سقط في ب..
٤ أخرجه الطبري في "تفسيره" (٨/٤٩٧) وذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٢/٣١٥) وزاد نسبته لسعيد بن منصور وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم. وذكره ابن حجر في "الفتح" (٨/١٩١) وقال: أخرجه الطبري بإسناد صحيح..
٥ ذكره الفخر الرازي في "التفسير الكبير" (١٠/١١٥) عن علي بن أبي طالب..
٦ أخرجه البخاري (٦/١٣٥) كتاب الجهاد والسير باب يقاتل من وراء الإمام ويتقى به (٢٩٥٧) ومسلم (٣/١٤٦٦) كتاب الإمارة باب وجوب طاعة الأمراء في غير معصية (٣٢ ـ ١٨٣٥) من حديث أبي هريرة..
٧ أخرجه البخاري (١٣/١٢١) كتاب الأحكام: باب السمع والطاعة (٧١٤٤) ومسلم (٣/١٤٦٩) كتاب الإمارة باب وجوب طاعة الأمراء (٣٨ ـ ١٨٣٩) وأحمد (٤٦٦٨ ـ شاكر) والبغوي في "شرح السنة" (٥/٢٩٩) والطبري في "تفسيره" من حديث عبد الله بن عمر..
٨ في ب: العسر واليسر..
٩ أخرجه مالك في "الموطأ" (٢/٤٤٥) باب الترغيب في الجهاد والبخاري (١٣/١٩٢) كتاب الأحكام: باب كيف يبايع الإمام الناس (٧١٩٩، ٧٢٠٠) ومسلم (٣/١٤٧٠) كتاب الإمارة باب وجوب طاعة الأمراء (٤١/١٧٠٩) من حديث عبادة بن الصامت..
١٠ أخرجه البخاري (١٣/١٣٠) كتاب الأحكام: باب السمع والطاعة للإمام (٧١٤٢) ومسلم (٣/١٤٦٧) كتاب الإمارة باب وجوب طاعة الأمراء (٣٦(١٨٨٧) من حديث أنس. وله شاهد من حديث العرباض بن سارية:
 أخرجه أبو داود (٤٦٠٧) والترمذي (٢/١١٢ ـ ١١٣) والدرامي (١/٤٤ ـ ٥٥) وابن ماجه (٤٣، ٤٤) وابن حبان (١/٤) وأحمد (٤/١٢٦) والحاكم (١/٩٥ ـ ٩٧) وابن عبد البر في "جامع بيان العلم" (٢/١٨١ ـ ١٨٢) عن العرباض بن سارية مرفوعا.
 وقال الترمذي: حديث حسن صحيح.
 وقال الحاكم: صحيح ليس له علة.
 وقال ابن عبد البر: حديث ثابت..
١١ أخرجه الترمذي (٢/٥١٦) أبواب الصلاة باب ما ذكر في فضل الصلاة (٦١٦) وأحمد (٥/٢٥١) والحاكم (١/٩) والبغوي في شرح السنة (١/٦٨) من طريق سليم بن عامر قال سمعت أبا أمامة يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم... فذكره.
 وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.
 وقال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولا نعرف له علة ولم يخرجاه ووافقه الذهبي وقال البغوي: هذا حديث حسن..
١٢ ذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٢/٣١٥) عن أبي هريرة وعزاه لسعيد بن منصور وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عنه..
١٣ سقط في أ..
١٤ أخرجه البخاري كتاب التفسير: تفسير سورة النساء ومسلم كتاب الإمارة باب وجوب طاعة الأمراء (٣١) والترمذي (٤/١٦٥) كتاب الجهاد: باب ما جاء في الرجل يبعث وحده سرية (١٦٧٢) والبيهقي في "دلائل النبوة" (٤/٣١١) عن ابن عباس.
 وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح غريب..
١٥ أخرجه الطبري في "تفسيره" (٨/٤٩٨ ـ ٤٩٩) عن السدي وذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٢/٣١٤) وزاد نسبته لابن أبي حاتم..
١٦ سقط في ب..
١٧ سقط في أ..
١٨ تقدم..
١٩ ذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٢/٣١٦) وعزاه لعبد بن حميد عن الكلبي..
٢٠ أخرجه ابن أبي حاتم عن الضحاك كما في "الدر المنثور" (٢/٣١٥) وذكره الطبري في "تفسيره" (٨/٥٠١) وقال: وقال آخرون: هم أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم..
٢١ أخرجه البزار (٢٧٧١ ـ كشف) وأبو يعلى (٥/١٥١) رقم (٢٧٦٢) وابن المبارك في "الزهد" ص (٣٠٠). وذكره الهيثمي في "مجمع الزوائد" (١٠/١٨) وقال: رواه أبو يعلى والبزار بنحوه وفيه إسماعيل بن مسلم المكي وهو ضعيف.
 والحديث ذكره الحافظ ابن حجر في "المطالب العالية" (٤٢٠٧)..
٢٢ ينظر البغوي ١/٤٤٦..
٢٣ سقط في أ..
٢٤ في ب: فما معنى..
٢٥ ينظر: تفسير الرازي ١٠/١١٥..
٢٦ سقط في ب..
٢٧ سقط في ب..
٢٨ سقط في أ..
٢٩ في ب: مصححة..
٣٠ سقط في ب..
٣١ في ب: حكمة غير..
٣٢ في ب: هذه الثلاثة..
٣٣ سقط في ب..
٣٤ في ب: المنصوبة له..
٣٥ في ب: فالجواب..
٣٦ في ب: فيهن..
٣٧ في ب: على..
٣٨ في ب: "بقوله"..
٣٩ تقدم..
٤٠ سقط في أ..
٤١ في ب: من..
٤٢ في ب: وأطباع..
٤٣ سقط في ب..

### الآية 4:60

> ﻿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا [4:60]

لما أوْجَب الطَّاعَة على جميع المُكَلَّفين في الآيةِ الأولَى، ذكر في هذه الآيةِ أن المُنَافقين والذين في قُلُوبهم مَرَضٌ لا يُطيعُون الرَّسُولَ، ولا يَرْضُونَ بحُكْمِهِ، وإنما يُريدُون حُكْمَ غيره، و " الزَّعم " بفتح الزَّاي وضمها وكسرها مصدر زَعَم، وهو قَوْل يَقْتَرِنُ[(١)](#foonote-١) به اعتِقَادٌ ظَنِّيٌّ ؛ قال :\[ الطويل \]
فَإنْ تَزْعُمينِي كُنْتُ أجْهَلُ فِيكُمُ[(٢)](#foonote-٢) \*\*\* فَإنِّي شَرَيْتُ الْحِلْمَ بَعْدَكَ بِالجَهْلِ[(٣)](#foonote-٣)
قال ابنُ دُرَيْد : أكثرُ ما يَقَعُ على البَاطِلِ، وقال - عليه الصلاة والسلام - :" بِئْسَ مَطِيَّةُ الرَّجُلِ زَعَمُوا ". 
وقال الأعْشى :\[ المتقارب \]
وَنُبِّئْتُ قَيْساً وَلَمْ أبْلُهُ[(٤)](#foonote-٤) \*\*\* كَمَا زَعَمُوا خَيْرَ أهْلِ الْيَمَنْ[(٥)](#foonote-٥)
فقال المَمْدُوح : وما هُو إلا الزَّعْم، وحَرَمَهُ ولم يُعْطِه شَيْئاً، وذكر صَاحِبُ العين أنَّها تَقَع غَالِباً \[ على " أنَّ " \][(٦)](#foonote-٦) وقد تَقَعُ في الشِّعْر على الاسْمِ، وأنشد بيت أبي ذُؤيْب، وقول الآخر :\[ الخفيف \]
زَعَمَتْنِي شَيْخاً وَلَسْتُ بِشَيْخٍ \*\*\* إنَّمَا الشَّيْخُ مَنْ يَدِبُّ دبِيبَا[(٧)](#foonote-٧)
قيل : ولا يُسْتَعْمَل في الأكْثَرِ إلا في القَوْلِ الذي لا يَتَحَقَّقُ. 
قال الليث : أهْل العَرَبيَّةِ يَقُولُون : زَعم فُلانٌ ؛ إذَا شَكُّوا فيه فلم يَعْرِفُوا أكذبَ أمْ صَدَق ؛ وكذلك تَفْسِير قوله : هَذَا للَّهِ[(٨)](#foonote-٨) بِزَعْمِهِمْ  \[ الأنعام : ١٣٦ \] أي : بقولهم الكَذِب. 
قال الأصْمَعِيّ : الزَّعُومُ من الغَنَم الذي لا يُعْرَفُ أبها شحم أم لا[(٩)](#foonote-٩) وقال ابن الأعْرَابِيّ : الزَّعْم قد يُسْتَعْمل في الحَقِّ، وأنشد لأميَّة بن أبي الصَّلْت :\[ المتقارب \]
وإنِّي أدينُ لَكُمْ أنَّهُ \*\*\* سَيَجْزيكُمُ رَبُّكُمْ مَا زَعَمْ[(١٠)](#foonote-١٠)
وزعم \[ تكُون \][(١١)](#foonote-١١) بمعنى : ظَنَّ وأخَوَاتِهَا، فيتعَدَّى لاثْنَيْنِ في هَذِه الآيَةِ، و " أنَّ " سادَّةٌ مَسَدَّ مفْعُوليها، وتكون بمعْنَى " " كَفَل " فتتعدى لِوَاحِدٍ ؛ ومنه :
 وَأَنَاْ بِهِ زَعِيمٌ  \[ يوسف : ٧٢ \]، وبمعنى رَأس، وكذب وسَمُن، وهَزُلَ، فلا تتعَدَّى، وقرأ الجمهور : أُنْزِلَ[(١٢)](#foonote-١٢) إِلَيْكَ وَمَآ أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ  مبنياً للمَفْعُول، وقُرِئا[(١٣)](#foonote-١٣) مبنيَّيْن للفاعِلِ، وهو اللَّه - تعالى -.

### فصل : سبب نزول الآية


**روي في سبب النُّزُولِ وُجُوه :**
أحدُها : قال الشَّعْبِي[(١٤)](#foonote-١٤) : كان بَيْنَ رَجُلٍ من اليَهُودِ ورَجُلٍ من المُنَافِقِين خُصُومَة، فقال اليَهُودِيّ : نتحاكمُ إلى مُحَمَّد ؛ لأنه عَرَفَ أنَّهُ عَرَفَ أنَّهُ لا يأخُذ الرَّشْوَة، ولا يَمِيلُ في الحُكْمِ، وقال المُنَافِقُ : نتحَاكمُ إلى اليَهُودِِ ؛ لِعْلِمه أنَّهم يأخذُون الرَّشْوَة ويميلُون في الحُكْمِ، فاتَّفَقَا على أن يَأتِيَا كَاهِناً في جُهَيْنَةَ، فَيَتَحَاكَمَا إلَيْه، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآية[(١٥)](#foonote-١٥). 
قال جابر : كَانَتِ الطَّواغِيتُ التي يَتَحَاكَمُون إليها واحدٌ في جُهَيْنَة، ووَاحِدٌ في أسْلَم، وفي كُلِّ حَيٍّ واحدٌ كَهَّان[(١٦)](#foonote-١٦). 
وروى الكَلْبِي عن أبِي صَالِح عن ابن عبَّاسٍ : نَزَلَتْ في رَجُلٍ من المُنَافِقِين يُقال لَهُ : بشر، كان بَيْنَهُ وبَيْنَ يَهُودِيّ خُصُومَة، فقال اليَهُودِيّ : نَنْطَلِقُ إلى مُحَمَّد، وقال المُنَافِق : بل إلى كَعْبِ بن الأشْرَف، وهُوَ الذي سَمَّاهُ اللَّهُ طاغُوتاً، فأبَى اليَهُودِيُّ أن يُخَاصِمَه إلاَّ إلى رسُول الله صلى الله عليه وسلم، فلما رَأى المُنَافِق ذَلِك، أتَى معه إلى رسُول الله صلى الله عليه وسلم، فَقَضَى رسُولُ اللَّه صلى الله عليه وسلم لليهُودِيِّ، فلما خَرَجَا من عِنْدِه، قال المُنَافِقُ : لا أرْضَى \[ بهذا الحكم \][(١٧)](#foonote-١٧) فانْطلقْ بِنَا إلى أبِي بكْرٍ، فحكم[(١٨)](#foonote-١٨) لليَهُودِيِّ، فلم يَرْضَ، ذكره الزَّجَّاج. 
فَلَزِمَهُ المُنَافِقِ وقال : انْطلِقْ بَنَا إلى عُمَر، فَصَار إلى عُمَر، فقال اليَهُودِيُّ \[ لعمر \][(١٩)](#foonote-١٩) اخْتَصَمْتُ أنَا وهَذَا إلى محمَّدٍ، فقضى \[ لي \][(٢٠)](#foonote-٢٠) عليْهِ، فلم يَرْض بقَضَائِهِ، وزَعَم أنه يُخَاصم إلَيْكَ، فقال عمر :\[ للمُنَافِقِ \][(٢١)](#foonote-٢١) أكذلك ؟ قال : نَعَم ؛ فقال لهما : رُوَيْدَكُمَا حتى أخْرُجَ إلَيْكَما. فدخَلَ عُمَرُ البَيْتَ وأخذَ السَّيْفَ واشْتَمل عَلَيْه، ثم خَرَجَ، فَضَرَبَ بِهِ المُنَافِقَ حَتَّى برد، وقال : هكذا أقْضِي بَيْن مَنْ لَمْ يَرْضَ بِقَضَاء اللَّه ورسُولِهِ، فنَزَلَت هذه الآية[(٢٢)](#foonote-٢٢). 
وقال جِبْريل - عليه السلام - : إن عُمَر فرّق بين الحقِّ والبَاطِلِ، فَسُمِّي الفَارُوق[(٢٣)](#foonote-٢٣). 
وقال السُّدِّي : كان نَاسٌ من اليَهُود \[ قد \] أسْلَمُوا ونَافَقَ بعضُهُم، وكانَتْ قُرَيْظَةُ والنَّضيرُ في الجَاهِليَّة، إذا قَتَلَ رَجُلٌ من بَنِي قُرَيْظَة \[ رَجُلاً من بني النَّضِير قُتِلَ بِهِ، أو أخذ ديتَهُ مئة وَسْقٍ من تَمْرٍ، وإذا قتل رَجُلٌ من بني النضير رَجُلاً من قُرَيْظة لم يُقْتَل بِهِ \][(٢٤)](#foonote-٢٤) وأعْطَى ديتهُ سِتِّين وسْقاً، وكانت النَّضِير وهم حُلَفَاءُ الأوْسِ أشْرَف وأكْثَر من قُرَيْظَة، وهم حُلَفَاءُ الخَزْرَج، فَلَمَّا جَاء الإسْلاَمُ، وهاجر النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم إلى المَدِينَةِ قَتَل رجُلٌ من النَّضِير[(٢٥)](#foonote-٢٥) رَجُلاً من قُرَيْظَة[(٢٦)](#foonote-٢٦)، فاخْتَصَمُوا في ذَلِكَ، فقال بَنُو النَّضِير : كُنَّا وأنتم اصْطَلَحْنَا على أن نَقْتُل مِنكُم ولا تَقْتُلُون مِنَّا، وديتُكم سِتُّون وَسْقاً، وديَتُنَا مئةُ وَسْقٍ، فنحن نُعْطِيكُم ذَلِك. 
فقالت الخَزْرج : هذا شَيْءٌ كنتم فَعَلْتُمُوه في الجَاهِليَّةِ ؛ لكَثْرَتِكُم وقِلَّتِنا فَقَهَرتُمُونا، ونحن وأنْتُم اليَوْم إخوةٌ، ودينُنَا ودِينُكُم وَاحِدٌ، فلا فَضْلَ لكُم عَلَيْنَا، فقال المُنَافِقُون مِنْهم : انْطَلِقُوا بِنَا إلى أبِي بردة الكَاهِن الأسْلمِيّ، وقال المُسْلِمُون من الفَريقَيْن : لا بلْ إلى النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم، فأبى المُنافِقُونَ فانْطَلَقُوا إلى أبِي بردة ليَحْكُمَ[(٢٧)](#foonote-٢٧) بَيْنَهُم، فقال : أعْطُوا اللُّقْمَة، يعني : الخطر، فقالوا : لَكَ عَشْرَة أوْسُق، فقال : لاَ بَلْ مئة وَسْقٍ ديَتِي، فأبَوْا أن يعطوهُ فوقَ عَشْرَة أوْسُق، فأبَى أنْ يَحْكُمَ بيْنَهُم، فأنزَلَ اللَّه - تعالى - آيتي القِصَاصِ، فدَعَا النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم الكَاهِن إلى الإسْلامِ فأسْلَمَ، وعلى هذه الرِّوَايَة فالطَّاغُوتُ هو الكَاهِن[(٢٨)](#foonote-٢٨). 
وقال الحَسَن : إن رَجُلاً من المُسْلِمِينِ كان لَهُ على رَجُلٍ من المُنَافِقِين حَقٌّ، فدَعَاهُ المُنَافِقُ إلى وَثَنٍ كان أهْلُ الجَاهِليَّةِ يَتَحَاكَمُون إلَيْهِ، ورَجُلٌّ قائِمَ يترجَّم الأبَاطيلَ عن الوثَنِ، فالمُرَادُ بالطَّاغُوتِ ؛ هو ذَلِكَ الرَّجُل[(٢٩)](#foonote-٢٩)، وقيلَ : كانوا يَتَحَاكَمُون إلى الأوْثَانِ، وكانَ طَريقُهم \[ أنهم \] يَضْرِبُونَ القِدَاحَ بِحَضْرَةِ الوَثَنِ، فما خَرَجَ على القِدَاحِ حَكَمُوا بِهِ، وعلى هَذَا فالطَّاغُوتُ الوَثَنِ[(٣٠)](#foonote-٣٠). 
قال أبو مُسْلِم[(٣١)](#foonote-٣١) : ظاهر الآيَةِ يَدُلُّ على أنه كان المُخَاصِمُ منافِقاً[(٣٢)](#foonote-٣٢) من أهْلِ الكِتَاب، كان يُظهر الإسْلامَ عَلَى سبيل النِّفَاقِ، لأن قوله - تعالى - : يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُواْ بِمَآ أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَآ أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ  إنما يليقُ بمثل هذا المُنافِقِ. 
قوله : يُرِيدُونَ  حال من فَاعِل \[  يَزْعُمُونَ  أو من  الَّذِينَ يَزْعُمُونَ . 
وقوله : وَقَدْ أُمِرُواْ  حال من فَاعِل \][(٣٣)](#foonote-٣٣)  يُرِيدُونَ  فهما حالان مُتَدَاخِلان،  أَن يَكْفُرُواْ  في مَحَلِّ نَصْب فقط إن قدَّرْت تعدية " أمر " إلى الثَّانِي بِنَفْسِه، وإلا ففيها الخِلاَفُ المَشْهُور، والضَّمِير في \[ بِهِ \] عَائِدٌ على الطَّاغُوتِ، وقد تقدَّم أنه يُذَكَّر ويُؤنَّث، والكلام عليه في البَقَرة[(٣٤)](#foonote-٣٤). 
وقرأ عبَّاس بن الفضل[(٣٥)](#foonote-٣٥) :" أن يكفروا بهن "، بضمير جَمْع التَّأنيث. 
### فصل


قال القاضي[(٣٦)](#foonote-٣٦) : يَجِبُ أن يَكُونَ التحَاكُم إلى الطَّاغُوتِ كالكُفرِ، وعدم الرِّضَى \[ بِحُكْمِ \][(٣٧)](#foonote-٣٧) مُحَمَّد - عليه السلام - كُفْرٌ ؛ لوجوه :
أحدها : قوله : يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُواْ إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُواْ أَن يَكْفُرُواْ بِهِ  فجعل التَّحاكم \[ إلى لطَّاغُوت \][(٣٨)](#foonote-٣٨) مقابلاً للكُفْر به، وهذا يَقْتَضِي أن التَّحَاكُم إلى الطَّاغُوت كُفْر باللَّه، كما أن الكُفْرَ بالطَّاغُون إيمانٌ باللَّهِ. 
ثانيها : قوله - \[ تعالى \][(٣٩)](#foonote-٣٩) - :
 فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيماً  \[ النساء : ٦٥ \] وهذا نَصٌّ في تكْفِير من لَمْ يَرْضَ بحُكْم الرَّسُول - عليه الصلاة والسلام -. 
**وثالثها : قوله - تعالى - :**
 فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ 
\[ النور : ٦٣ \] وهذه الآياتُ تَدُلُّ على أنَّ من رَدَّ شيئاً من أوَامِرِ اللَّه والرَّسُول فهُو خَارِجٌ عن الإسْلام، سواءٌ رَدَّهُ من جِهَةِ الشِّرْكِ أو من جِهَةِ التَّمَرُّد، وذلك يُوجِبُ صِحَّة ما ذَهَبَتْ إليه الصَّحَابَة - رضي الله عنهم - من الحُكْمِ بارْتِدَادِ مَانِعِي الزَّكاة، وقَتْلِهم، وسَبْي ذراريهم. 
قوله : أَن يُضِلَّهُمْ ضَلاَلاً بَعِيداً  في  ضَلاَلاً  ثلاثة أقوال :
أحدُها : أنه مصْدَرٌ على غير المَصْدَر[(٤٠)](#foonote-٤٠)، نحو : أَنبَتَكُمْ مِّنَ الأَرْضِ نَبَاتاً 
\[ نوح : ١٧ \]، والأصْل " إضلالاً " و " إنباتاً " فهو \[ اسْم \][(٤١)](#foonote-٤١) مصدر لا مَصْدَر. 
والثاني : أنه مَصْدَر لمطَاوع[(٤٢)](#foonote-٤٢)  أَضَلَّ  أي : أضَلَّهُم فَضَلُّوا ضَلاَلاً. 
والثالث : أن يَكُون من وَضْعِ أحد المَصْدَرَيْن مَوْضِع الآخَر. 
### فصل


قالت المعتزِلَةُ[(٤٣)](#foonote-٤٣) : قوله - تعالى - : وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُضِلَّهُمْ ضَلاَلاً بَعِيداً  يدُلُّ على أن كُفْر الكَافِرِ ليس بِخَلْق \[ الله - تعالى - \][(٤٤)](#foonote-٤٤) ولا بإرَادَته ؛ لأنه لو خَلَقَ الكُفْر في الكَافِرِ وأرَادَهُ منه، فأيُّ تأثيرٍ للشَّيْطَانِ فيه، وأيضاً فإنَّه ذَمٌّ للشيطان ؛ بسبب أنَّه يُريد هذه الضَّلالة، فلو كان - تعالى - مُرِيداً لها، لَكَانَ هُو بالذَّمِّ أوْلى، لأن \[ كُلَّ \][(٤٥)](#foonote-٤٥) من عابَ شيئاً ثم فَعلَهُ، كان بالذَّمِّ أوْلَى به ؛ قال - تعالى - : كَبُرَ مَقْتاً عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُواْ مَا لاَ تَفْعَلُونَ  \[ الصف : ٣ \] وأيضاً فإنَّه تعَجُّبٌ من تحاكُمِهِم إلى الطَّاغُوتِ، مع أنَّهمُ أمِرُوا أن يَكْفُرُوا به، ولو كَانَ ذلك التَّحاكُم بِخَلْقِ اللَّهِ، لما بقي التَّعَجُّب، فإنه يُقالُ : إنك خَلَقْتَ ذلك الفِعْلَ فيهم، وأرَدْتَهُ مِنْهُم، بل التَّعَجُّب من هذا١ في ب: مقترن..
٢ في ب: بعدكم..
٣ تقدم برقم ٤٣٥..
٤ في ب: أنله..
٥ ينظر البيت في ديوانه ص ٧٥، وتخليص الشواهد ص ٤٦٧، والدرر ٢/٢٧٨، وشرح التصريح ١/٢٦٥، ومجالس ثعلب ٢/٤١٤، والمقاصد النحوية ٢/٤٤٠، وشرح الأشموني ١/١٦٧، وشرح ابن عقيل ص ٢٣٤، وشرح عمدة الحافظ ص ٢٥١، وهمع الهوامع ١/١٥٩ والدر المصون ٢/٣٨١..
٦ سقط في أ..
٧ البيت لأبي أمية أوس الحنفي ينظر شرح شواهد المغني ص ٩٢٢، والمقاصد النحوية ٢/٣٩٧، وشرح التصريح ١/٢٤٤٨، وأوضح المسالك ٢/٣٨ وتخليص الشواهد ٤٢٨، وشرح الأشموني ١/١٥٦، وشرح قطر الندى ص ١٧٢. والدر المصون ٢/٣٨١..
٨ في ب: الله..
٩ ينظر: اللسان (زعم)..
١٠ ينظر ديوان أمية بن أبي الصلت ص ٧١، وهو برواية:
 وإني أدين لكم أنه \*\*\* سينجزكم ربكم ما زعم
 **ورواية اللسان (زعم):**
 وإني أذين لكم أنه \*\*\* سينجزكم ربكم ما زعم
 وينظر: تهذيب اللغة ٢/١٥٦، والفخر الرازي ١٠/١٢٢..
١١ سقط في أ..
١٢ في ب: وما أنزل..
١٣ ينظر: البحر المحيط ٣/٢٩٢، والدر المصون ٢/٣٨١..
١٤ ينظر: تفسير البغوي ١/٤٤٦..
١٥ أخرجه الطبري في "تفسيره" (٨/٥٠٨) عن عامر الشعبي وذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٢/٣١٩) وزاد نسبته إلى ابن المنذر..
١٦ ذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٢/٣٢٠ ـ ٣٢١) عن جابر بن عبد الله وعزاه لابن أبي حاتم عن وهب بن منبه عنه. والبغوي ١/٤٤٦..
١٧ سقط في أ..
١٨ في ب: فأتوا أبا بكر..
١٩ سقط في أ..
٢٠ سقط في ب..
٢١ سقط في أ..
٢٢ ينظر: تفسير البغوي ١/٤٤٦..
٢٣ ذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٢/٣٢٠) وعزاه للثعلبي عن ابن عباس وأورده القرطبي في "تفسيره" (٥/١٧٠) من رواية الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس. والبغوي ١/٤٤٦..
٢٤ سقط في أ..
٢٥ في ب: بني النضير..
٢٦ في ب: بني قريظة..
٢٧ في ب: فحلم..
٢٨ أخرجه الطبري في "تفسيره" (٨/٥٠٩ ـ ٥١٠) عن السدي وذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٢/٣١٩ ـ ٣٢٠) وزاد نسبته لابن أبي حاتم. والبغوي ١/٤٤٦، ٤٤٧..
٢٩ ذكره الرازي في "التفسير الكبير" (١٠/١٢٤)..
٣٠ انظر : المصدر السابق..
٣١ ينظر: تفسير الرازي ١٠/١٢٤..
٣٢ في ب: مخاصما..
٣٣ سقط في ب..
٣٤ آية: ٢٥٦..
٣٥ ينظر: البحر المحيط ٣/٢٩٢، وفيه القراءة "بها"، والدر المصون ٢/٣٨٢. وفيه أن القراءة "بهن"..
٣٦ ينظر: تفسير الرازي ١٠/١٢٤..
٣٧ سقط في ب..
٣٨ سقط في أ..
٣٩ سقط في أ..
٤٠ في ب: الصدر..
٤١ سقط في أ..
٤٢ في ب: مطاوع..
٤٣ ينظر: تفسير الرازي ١٠/١٢٤..
٤٤ سقط في أ..
٤٥ سقط في أ..

### الآية 4:61

> ﻿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَىٰ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا [4:61]

لما بين - \[ تعالى \][(١)](#foonote-١) - رغبتَهُم في التَّحَاكُم إلى الطَّاغُوتِ \[ بين \][(٢)](#foonote-٢) نَفْرتَهم عن التَّحَاكُم إلى الرَّسُولِ، وقد تَقَدَّم الكَلاَمُ على  تَعَالَوْاْ  في آل عمران. 
قوله : رَأَيْتَ  فيها وجهان :
أحدهما :\[ أنها من رُؤيَة البَصَرِ، أي : مُجَاهَرَة وتصْرِيحاً \][(٣)](#foonote-٣). 
\[ والثاني :\][(٤)](#foonote-٤) أنَّها من رُؤيَة القَلْب، أي عَلِمْتَ ؛ ف  يَصُدُّونَ  في محلِّ نَصْبٍ على الحَالِ على القَوْلِ الأوَّلِ، وفي مَحَلِّ المَفْعُول الثَّانِي على الثَّانِي. 
وقوله : صُدُوداً  فيه[(٥)](#foonote-٥) وجهان :
أحدهما : أنه اسْمُ مَصْدَرٍ، والمصْدَر إنما هو الصَّدُّ، وهذا اخْتِيَار ابن عطيَّة[(٦)](#foonote-٦)، وعزَاه مكِّي للخَلِيل بن أحمد. 
والثَّاني : أنه مَصْدر بِنَفْسِه ؛ يقال : صَدَّ صَدّاً وصُدُوداً، وقال بَعْضُهم : الصُّدُود مَصْدَرُ صَدَّ اللازم، والصَّدُّ مصدرُ صَدَّ المُتَعَدَّي، نحو : فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ 
\[ النمل : ٢٤ \] والفعْل هنا مُتَعَد بالحَرْفِ لا بِنَفْسِه، فلذلك جاءَ مصدَرُه على " فُعُول " ؛ لأن " فُعُولا " غالباً اللازِم، وهذا فيه نَظَر ؛ إذا لِقَائِل أن يقُول : هو هُنا مُتَعَدٍّ، غاية ما فيه أنه حَذَفَ المَفْعُول، أي : يَصُدُّون غيرَهُم، أو المُتَحاكِمين عنك صُدُوداً، وأما " فُعُول " فجاء في المُتَعَدِّي، نحو : لَزِمَهُ لُزُوماً، وفَتَنَهُ فُتُوناً. 
ومعنى الآية : يعرضون عنك، وذكر المَصْدَر للتَّأكيد والمُبَالَغَة ؛ كأنه قال[(٧)](#foonote-٧) : صُدُوداً أيَّ صُدُودٍ.

١ سقط في أ..
٢ سقط في أ..
٣ سقط في ب..
٤ سقط في ب..
٥ في ب: فيها..
٦ ينظر: المحرر الوجيز ٢/٧٣..
٧ في ب: قيل..

### الآية 4:62

> ﻿فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جَاءُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا [4:62]

في اتَّصال هذه الآيةِ بما قَبْلَهَا وَجْهَان :
الأوَّل أنه اْعْتِرَاضٌ، وما قَبْلَ الآية مُتَّصلٌ بما بَعْدَهَا، والتَّقْدير : وإذا قيل لَهمُ : تعالَوْا إلى ما أنْزل اللَّهُ وإلى الرَّسُول رَأيْتَ المُنَافِقين يَصُدون عَنْك صُدُوداً، ثُمَّ جاءُوك يَحْلِفُون باللَّهِ إن أردْنَا إلاَّ إحساناً وتوْفِيقاً، يعني : أنَّهُم في أوَّلِ الأمْر يصُدُّون عنك، ثم بَعْدَ ذلك يَجيئُونَك، ويَحْلِفُون باللَّهِ كَذِباً أنَّهُم ما أرَادُوا بِذَلِكَ إلا الإحْسَانَ والتَّوْفِيق، وشرط الاعتراضِ أن يَكُونَ لَهُ تَعَلُّق بذلك الكلامِ من بَعْضِ الوُجُوه ؛ كقوله :\[ السريع \]

إنَّ الثَّمَانِينَ وَبُلِّغْتَهَا  قَدْ أحْوَجَتْ سَمْعِي إلى تَرْجُمَانْ[(١)](#foonote-١)فقوله :" وبُلِّغْتَهَا " \[ كلامٌ \][(٢)](#foonote-٢) أجْنَبِيٌّ اعْتُرِض به، لكنه دُعَاء للمُخَاطَبِ[(٣)](#foonote-٣)، وتَلَطُّفٌ في القَوْلِ مَعَهُ، وكذلك الآية ؛ لأن أوّل الآيةِ وآخِرَهَا في شَرْحِ قبائِح المُنافقِين وكَيْدهم ومَكْرهم، فإنه - تعالى - حكى عنهم أنَّهُم يَتَحَاكمُون إلى الطَّاغُوتِ، مع أنَّهم أمِرُوا بالكُفْرِ به، ويَصُدُّون عن الرَّسُول، مع أنَّهم أمِرُوا بطاعته، فذكر هُنَا ما يَدُلُّ على شِدَّة الأهْوَالِ عَلَيْهِم ؛ بِسَبب هذه الأعْمَال القَبِيحَة في الدُّنْيَا والآخِرَةِ، فقال : فَكَيْفَ إِذَآ أَصَابَتْهُمْ مُّصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ  أي : فَكَيْفَ حالُ تِلْك الشِّدَّةِ وحَالُ تِلْك المُصِيبَةِ، قاله الحسن البَصْرِيّ، وهو اخْتِيَار الوَاحِدِيّ[(٤)](#foonote-٤). 
الثاني : أنه - تعالى - لما حَكَى عنهُم تحاكُمَهُم إلى الطَّاغُوت، وفِرارِهم من الرَّسُول - عليه الصلاة والسلام - دلَّ ذلك على شِدَّة نَفْرتهم من الحُضُورِ عند رسُول اللَّهِ والقُرْبِ مِنْهُ، فلمَّا ذكر ذَلِكَ، قال : فَكَيْفَ إِذَآ أَصَابَتْهُمْ مُّصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ  يَعْني : إذا كانَت نَفْرتُهُم من الحُضُورِ عند الرسول في أوْقَاتِ السَّلامةِ هكذا، فكَيْفَ يكُون حَالُهُم في النُّفْرَة في شِدَّة الغمِّ والحُزْن، إذا أتَوُا بجنَايَةٍ خافُوا بسَبَبِها مِنْك، ثم جَاءُوك شَاءُوا أم[(٥)](#foonote-٥) أبَوْا، ويَحْلِفُونَ باللَّه كَذِباً ما أردْنا بتلك الجِنَايَة إلاَّ الخَيْر والمَصْلَحَة، والغَرَضُ من هَذا الكلامِ : بَيَانُ أنَّ نَفرتَهُم عن الرَّسُول لا غاية لَهَا سواءٌ غابُوا أم حَضَرُوا، ثم إنه - تعالى - أكَّدَ هذا المَعْنَى بقوله : أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ  ومعناه : أنَّ من أرادَ المُبَالَغَة في شَيْءٍ، قال : هذا شَيْءٌ لا يَعْلَمُهُ إلا اللَّه يعني : لكَثْرَتهِ وقُوَّتِه لا يقْدرِ أحَدٌ على مَعْرَفَتهِ إلا اللَّه - \[ تعالى \][(٦)](#foonote-٦) -. 
قوله : فَكَيْفَ  يجوز فيها وَجْهَان :
أحدهما : أنَّها في مَحَلِّ نَصْبٍ، وهو قول الزَّجَّاج ؛ قال : تقديره : فكَيْفَ تَرَاهُم ؟
والثاني : أنها في مَحَلِّ رفع خبرٍ لمُبْتَدأ مَحْذُوف، أي : فكيْف صنيعُهُم[(٧)](#foonote-٧) في وَقتِ إصَابَة المُصِيبَةِ إيَّاهُم ؛ وإذا مَعْمُولَةٌ لذلك المُقَدَّر بَعْد كَيْف، والبَاءُ في " بِهَا " للسَّببيَّة، و " مَا " يجوز أن تكون مَصْدَرِيَّة أو اسْمِيَّة، والعَائدُ مَحْذُوف. 
### فصل في المقصُود بالمُصِيبَة في الآية


قال الزَّجَّاج[(٨)](#foonote-٨) :\[ المراد \][(٩)](#foonote-٩) بالمُصِيبَة : قَتْل صَاحِبهم الَّذِي أقَرَّ أنَّه لا يَرْضَى بِحُكْم الرَّسُول - عليه الصلاة والسلام -، جَاءُوا إلى النَّبي صلى الله عليه وسلم وطالَبُوا عُمَر بِهِ، وحَلَفُوا أنَّهُم ما أرَادُوا بالذَّهَاب إلى غير الرَّسُول إلا الخَيْرَ والمَصْلَحة. 
وقال الجُبَّائِيُّ[(١٠)](#foonote-١٠) : المُراد ب " المصيبة " هُنَا : ما أمر اللَّهُ - تعالى - نَبِيَّهُ من أنَّه لا يَسْتَصحبهُم في الغَزَوات، وأنَّه يَخُصُّهم بمزيد الإذْلاَل والطَّرْدِ عن حَضْرتِهِ، وهو قوله -تعالى - : لَّئِن لَّمْ يَنتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَّرَضٌ  \[ الأحزاب : ٦٠ \]، إلى قوله : وَقُتِّلُواْ تَقْتِيلاً  \[ الأحزاب : ٦١ \]، وقوله :
 لَّن تَخْرُجُواْ مَعِيَ أَبَداً  \[ التوبة : ٨٣ \]، وهذا يُوجِب لَهُم الذُّلَّ العَظيم، وإنما أصَابَهُم ذلك لأجْلِ نفاقهم. 
وقوله :" ثم جاءوك " أي : وقْتَ المُصِيبَةِ يحلفون ويعْتَذِرُون، وأنَّا ما أرَدْنَا بما كان مِنَّا إلا الإصْلاحَ، وكانوا كَاذِبين ؛ لأنَّهُم أضْمَرُوا خِلاف ما أظْهَرُوهُ. 
وقال أبو مُسْلِم[(١١)](#foonote-١١) : إنه - تعالى - لمَّا أخْبَر عن المُنَافِقِين، ورغبتهم في حُكْمِ الطَّاغُوتِ، وكَراهتهم في حُكْمِ الرَّسُولِ - عليه الصلاة والسلام[(١٢)](#foonote-١٢) - أنه سَيُصيبُهم مَصَائِب[(١٣)](#foonote-١٣) تُلْجِئُهم إلَيْه وإلى أَن يُظْهِرُوا الإيمَانَ لَهُ، ويَحْلِفُون أنَّ مُرَادَهُم الإحْسَان والتَّوفِيق، قال : ومن عَادَةِ العَرَبِ عند التَّبشير والإنْذَارِ أن يقُولُوا : كيف أنت إذا كان كَذَا وكَذا ؛ ومثله قولُه - تعالى - : فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أمَّةٍ بِشَهِيدٍ  \[ النساء : ٤١ \] وقوله : فَكَيْفَ إِذَا جَمَعْنَاهُمْ لِيَوْمٍ لاَّ رَيْبَ فِيهِ  \[ آل عمران : ٢٥ \]، ثم أمرهُ - تعالى - إذا كان مِنْهمُ ذلِك، أن يُعْرِضَ عَنْهُم ويَعظُهم. 
وقال غيره : المراد ب " المصيبة " : كُلُّ مُصِيبةٍ تُصيبُ المُنَافِقِين في الدُّنْيَا والآخِرَةِ. 
قال القُرْطُبِيّ[(١٤)](#foonote-١٤) : وقيل : إن قوله - تعالى - : فَكَيْفَ إِذَآ أَصَابَتْهُمْ مُّصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ  نزل في شَأنِ الذين بَنَوْا مَسْجِد الضِّرار، فلما أظهر اللَّهُ - تعالى - نِفَاقَهُم، وأمرهم بهَدْمِ المَسْجِد - حَلَفُوا للرَّسُول صلى الله عليه وسلم دِفَاعاً عن أنْفُسهم : ما أردنا بِبِنَاء[(١٥)](#foonote-١٥) المَسْجِد إلاَّ طاعة اللَّه ومُوافَقَةِ الكِتَابِ. 
قوله :" يحلفون " حالٌ من فَاعِل جَاءُوك، و " إن " نافية، أي : ما أردْنَا و " إحساناً " مَفْعُول به، أو اسْتِثْنَاء على حَسَبِ القوْلَيْن في المسْألة. 
### فصل في تفسير الإحسان


والمراد ب " الإحسان " قيل : ما أرَدْنَا بالتَّحاكُم إلى غَيْرِ الرَّسُول إلاَّ الإحْسَان إلى خُصُومِنَا، واستِدَامة الاتِّفَاق والائتِلاف بَيْنَنَا. 
وقيل : ما أرَدْنَا بالتَّحَاكُم إلى عُمَر، إلا أنَّهُ يُحْسِنُ إلى صَاحِبنَا بالحُكْمِ والعَدْلِ، والتَّوْفيقِ بينَهُ وبين خَصْمِهِ، وما خَطَر بِبَالِنَا أنَّه يَحْكُمُ لهُ بِمَا حَكَمَ. وقيلَ : ما أرَدْنَا بالتَّحَاكُم إلى غَيْرك، إلا أنَّك لا تَحْكُمُ إلاَّ بالحقِ، وغَيْرُك يُوَفَّقُ بين الخَصْمَيْن، ويأمُرُ كُلَّ واحدٍ بما ذَكَرْنَا[(١٦)](#foonote-١٦) ويقرب مراده من مُرَادِ صَاحِبهِ حتى تَحْصُل المُوافَقَة بَيْنَهُمَا. 
وقال الكَلْبي[(١٧)](#foonote-١٧) :" إلا إحساناً " في القَوْل " وتوفيقاً " صواباً. 
وقال ابن كَيْسان[(١٨)](#foonote-١٨) : حقَّا وعَدْلاً ؛ نظيرُه : وَلَيَحْلِفَنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلاَّ الْحُسْنَى 
\[ التوبة : ١٠٧ \]، وقيل : هو تَقْرِيبُ الأمْر من الحقِّ، لا القَضَاءُ على أمْرِ الحُكم. 
١ البيت لعوف بن محلم في الدرر ٤/٣١، وشرح شواهد المغني ٢/٨٢١، وطبقات الشعراء ص ١٨٧، ومعاهد التنصيص ١/٣٦٩، وشرح شذور الذهب ص ٥٩، ومغني اللبيب ٢/٣٨٨، ٣٩٦، وهمع الهوامع ١/٢٤٨..
٢ سقط في أ..
٣ في ب: دعاء للمخاطبين..
٤ ينظر: تفسير الرازي ١٠/١٢٦..
٥ في ب: أو..
٦ سقط في أ..
٧ في ب: حالهم..
٨ ينظر: تفسير الرازي ١٠/١٢٦..
٩ سقط في ب..
١٠ ينظر: تفسير الرازي ١٠/١٢٦..
١١ ينظر: تفسير الرازي ١٠/١٢٧..
١٢ في ب: بشر الرسول عليه الصلاة والسلام..
١٣ في ب: مصاب..
١٤ ينظر: تفسير القرطبي ٥/١٧١..
١٥ في ب: أنهم ما أرادوا ببناء..
١٦ في ب: منهما بالإحسان إلى الآخر بما ذكرنا..
١٧ ينظر: تفسير البغوي ١/٤٤٧..
١٨ ينظر: السابق..

### الآية 4:63

> ﻿أُولَٰئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا [4:63]

ثم قال : أولئك الذين يعلم الله ما في قلوبهم  أي : من النِّفَاقِ والغَيْظِ والعَدَاوة. ثم قال :" فأعرض عنهم " وهذا يُفيدُ أمْرَيِن :
الأوّل : أن لا يَقْبَل مِنْهُم العَذْر ويَصْبِر على سُخْطِهِ، فإن مَنْ لا يَقْبَلُ العُذْرَ فقد يُوصَفُ بأنه مُعْرِضٌ عَنْه، غير مُلْتَفِت إليه. 
الثاني : أن هذا يَجْرِي مُجْرَى قوله : اكْتَفِ بالإعْرَاضِ ولا تَهْتِك سَتْرَهُم، ولا تُظْهِر لَهُم علمك بما في بَوَاطِنهم، فإنَّ من هَتَكَ سَتْر عُدُوِّه وأَظهر عِلْمَه بما في قَلْبِهِ، فربما يُجَرِّئُهُ ألاَّ يُبَالِي بإظْهَارِ العَدَاوَة، فَيَزْدَاد الشَّرُّ، وإذا تركَهُ على حَالِهِ، بَقِيَ في خَوْف ووجَلٍ فَيَقِلُّ الشَّرُّ. 
ثم قال :" وعظهم " أي : ازجرهم عن النِّفَاقِ والمكْرِ والمكيدَة والحَسَد والكَذِبِ، وخَوِّفْهُم بعقاب اللَّه - تعالى - في الآخِرَةِ، كما قال - تعالى - :
 ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ  \[ النحل : ١٢٥ \]. 
ثم قال - تعالى - : فقل لهم في أنفسهم قولاً بليغاً . 
قوله تعالى :" في أنفسهم " فيه أوجه :
الأول : أن يتعلّق ب " قل "، وفيه معنيان :
الأوّل : قُلْ لهم خالياً لا يكُونُ معهم أحد ؛ لأن ذلك أدعى إلى قبول النصيحة. 
الثاني : قل لهم في معنى أنفسهم المنطوية على النفاق قولاً يبلغ بهم ما يزجرهم عن العود إلى النفاق. 
الثالث من الأوجه : أن يتعلق ب " بليغاً "، أي قولاً مؤثراً في قلوبهم يغتمون به اغتماماً، ويستشعرون به استشعاراً. قال معناه الزمخشري، ورد عليه أبو حيان بأن هذا مَذْهَبُ الكُوفيين ؛ إذ فيه تقدِيم مَعْمُول الصِّفَةِ على المَوْصُوف، لو قُلْت :" جَاء زَيْداً رجلٌ يَضْرِبُ "، لم يَجُزْ عند البَصْريين لأنه لا يتقدم المعْمُول إلا حَيْثُ يَجُوزُ تَقْدِيم العَامِل، والعَامِلُ هُنَا لا يجوزُ تَقْدِيمُه ؛ لأن الصِّفَة لا تَتَقَدَّم على المَوْصُوف، والكُوفِيُّون يُجِيزُون تَقْديم مَعْمُول الصِّفَة على الموصُوف، وأمَّا قَوْل البَصْريَّين : إنه لا يَتَقدَّم المَعْمُول إلا حَيْثُ يَتَقدَّم العَامِل فيه بَحْثٌ ؛ وذلك أنَّا وجدْنا هذه القَاعِدَة مُنْخَرمَة في نَحْوِ قوله :
 فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلاَ تَقْهَرْ وَأَمَّا السَّائِلَ فَلاَ تَنْهَرْ  \[ الضحى : ٩، ١٠ \] ف " اليتيم " مَعْمُول ل " تقهر " و " السائل " مَعْمُول ل " تنهر "، وقد تقدَّمَا على " لاَ " النَّاهِيَة والعَامِل فيهما لا يجوزُ تَقْدِيمُه عليهما ؛ إذا المجْزُوم لا يتَقَدَّم على جَازِمِه، فقد تَقَدَّم المَعْمُول حيث لا يَتَقَدَّم العَامِل. 
وكذلك قَالُوا في قوله :\[ الطويل \]

قنَافِذُ هَدَّاجُونَ حَوْلَ بُيُوتِهِمْ  بِمَا كَانَ إيَّاهُمْ عَطِيَّةُ عَوَّدَا[(١٩)](#foonote-١٩)خَرَّجوا هذا البَيْتَ على أنَّ في " كان " ضَمِيرَ الشَّأنِ، و " عَطِيَّة " مبْتَدأ و " عَوَّدَ " خبره حتى لا يلي " كان " معْمُول خَبَرها، وهو غير ظَرْفٍ ولا شِبْهُه[(٢٠)](#foonote-٢٠)، فَلَزمَهُم من ذِلك تَقْديم المَعْمُول، وهو " إيَّاهُم " حيث لا يَتَقَدَّم العَامِل ؛ لأن الخَبَر مَتَى كَانَ فِعْلاً رافعاً لضمِيرٍ مُسْتَتِرٍ، امْتَنَع تَقْدِيمه على المُبْتَدأ، لئلا يَلْتبس بالفَاعِلِ، نحو : زَيْد ضَرَب عَمْراً، وأصل مَنْشَأ هذا البَحْث تَقْدِيم خَبَر " لَيْس " عليها، أجازه الجُمْهُور ؛ لقوله - تعالى - : أَلاَ يَوْمَ يَأْتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفاً عَنْهُمْ  \[ هود : ٨ \] ووجه الدَّليل أن " يَوْم " مَعْمُولٌ ل " مصروفاً " وقد تَقَدَّم على " لَيْسَ "، وتقديم المَعْمُول يؤذِنُ بتقديم العَامِلِ، فعورضوا بما ذَكَرْنَا. 
### فصل في تفسير القول البليغ


قيل المراد ب " القَوْل البَلِيغ " : التَّخْوِيف باللَّه - عزَّ وجَلَّ -، وقيل : تَوعَّدَهُم بالقَتْل إن لم يَتُوبُوا. 
وقال الحَسَن : القَوْلُ البَلِيغُ أن يَقُول لَهُم : إن أظْهَرْتم ما في قُلُوبكُم من النِّفَاقِ، قُتِلْتُم ؛ لأنه يَبْلُغ في نُفُوسِهِم كُلَّ مَبْلَغٍ. 
وقال الضَّحَّاك :" فأعرضْ عَنْهُم وعِظْهُم " في المَلأ \[ الأعْلى \][(٢١)](#foonote-٢١)،  وقل لهم في أنفسهم قولا بليغاً  في السِّرِّ والخَلاَء. 
وقيل : هذا مَنْسُوخٌ بآيةِ القِتَالِ.

### الآية 4:64

> ﻿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ ۚ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا [4:64]

لما أمر - \[ تعالى \][(١)](#foonote-١) - بطاعَةِ الرَّسُول في الآيةِ الأولَى، رغَّب في هذه الآيةِ مَرَّة أخْرَى. 
قال الزَّجَّاج : كلمة " مِنْ " هَهُنَا صِلَة زَائِدَة، والتَّقْدِير : وَمَا أرْسلْنَا رَسُولاً. 
قوله :" ليطاع " هذه لاَمُ كي، والفِعْلُ بَعْدَها مَنْصُوب بإضْمَار " أن "، وهذا[(٢)](#foonote-٢) استِثْنَاءٌ مُفَرَّغٌ من المَفْعُول لَهُ، والتَّقْدِير : ومَا أرسَلْنَا من رسُولٍ لشَيْءٍ من الأشْيَاءِ إلاَّ للطَّاعَةِ. 
و " بإذن الله ". فيه ثلاثَةَ أوْجُه :
أحدها : أنه يَتَعَلَّق ب  لِيُطَاعَ  والبَاءُ للسَّبَبِيَّة، وإليه ذَهَب أبُو البَقَاءِ[(٣)](#foonote-٣) ؛ قال : وقيل : مَفْعُولٌ به، أي : بِسَبَبِ أمْر اللَّه. 
الثاني : أن يَتَعَلَّق ب " أرسلنا " أي : وما أرسلنا بأمْرِ اللَّه، أي : بِشَرِيعَته. 
الثالث : أن يتعلَّق بِمحْذُوفٍ على أنه حالٌ من الضَّمِير في " يطاع " وبه بَدأ أبُو البَقَاء[(٤)](#foonote-٤). 
وقال ابن عَطِيَّة[(٥)](#foonote-٥) : وعلى التَّعْلِيقَيْنِ ؛ أي : تعليقُهُ ب " يطاع " أو ب " أرسلنا "، فالكلام عَامٌّ واللَّفْظُ خاصٌّ، المعنى لأنَّا نَقْطَع أن اللَّه قد أرَادَ من بَعْضِهِم ألاَّ يُطيعُوه، ولذلِك تأوَّل[(٦)](#foonote-٦) بَعْضُهم الإذْن بالعِلْمِ، وبعضهم بالإرْشَادِ. 
قال أبو حَيَّان[(٧)](#foonote-٧) : ولا يَحْتَاجُ لذلك ؛ لأن قَوْلَه عامُّ اللَّفْظِ مَمْنُوع ؛ وذلك أن " يطاع " مبني للمَفْعُول فيقدر ذَلِك الفَاعِل المَحْذُوف خَاصاً، وتقديره : إلاَّ ليُطيعَه من أراد \[ الله \][(٨)](#foonote-٨) طاعَتَهُ.

### فصل


قال الجُبَّائِيّ : معنى الآية : وما أرْسَلْنَا من رسُول إلاّ وأنا مُريدٌ، أن يُطَاعَ ويُصَدَّق، ولم أرسِلْهُ لِيُعْصَى، \[ و \][(٩)](#foonote-٩) وهذا يَدُلُّ على بُطْلان مَذْهَب المجَبَّرة ؛ لأنَّهُم يَقُولون : إنه[(١٠)](#foonote-١٠) - تعالى - أرْسَل رُسُلاً لتُعْصَى، والعَاصي من المَعْلُومِ أنَّهُ يَبْقَى على الكُفْرِ، وقد نَصَّ الله - تعالى - على كَذبِهِم[(١١)](#foonote-١١) في هَذِه الآيَة، وكان يَجِبُ على قَوْلِهِم أن يكُون قَدْ أرْسَل الرُّسُل لِيُطاعُوا وليُعْصُوا جَميعاً، فدلَّ ذلك على أنَّ مَعْصِيتَهُم للرُّسُل غير مُرَادةٍ لله - تعالى -، وأنَّه ما أرَادَ إلا أنْ يُطاعَ. 
**والجواب من وُجُوه :**
الأول : أن قوله :" إلا ليطاع " يكفي في تحقيق مَفْهُومه أن يُطيعَهُ مُطِيعٌ واحِدٌ، لا أن يُطيعَه[(١٢)](#foonote-١٢) جميع النَّاسِ في جَمِيع الأوْقَاتِ، وعلى هذا فَنَحْنُ نَقُولُ بموجبه ؛ وهو \[ أن \][(١٣)](#foonote-١٣) كُلَّ ما أرْسَلَهُ الله - تعالى، فقد أطَاعَهُ بَعْضُ النَّاسِ في بَعْضِ الأوْقَاتِ، اللَّهُم إلا أن يُقَالَ : تَخْصِيص الشَّيْء بالذِّكْر يَدُلُّ على نَفْيِ الحُكْمِ عمَّا عداه، والجُبَّائِيّ لا يَقُول بِذَلِك، فَسَقَطَ هذا الإشْكَال. 
الثاني : يجُوز أن يكُون المُرادُ به : أن كُلَّ كافِرٍ لا بُدَّ وأن يُقرّ \[ به \][(١٤)](#foonote-١٤) عند مَوْتهِ ؛ لقوله - تعالى - : وَإِن مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلاَّ لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ 
\[ النساء : ١٥٩ \] أو يحمل ذَلِكَ على إيمانِ الكُلِّ بهم يَوْم القِيَامَة، ومن المَعْلُوم أن الوَصْفَ في جَانِب الثُّبوتِ، يكْفي في حُصُول مُسَمَّاه في بَعْضِ الصُّوَر وفي بعض الأحْوَالِ. 
الثالث : أن العِلْمَ بعدم الطَّاعَةِ مع وُجُودِ الطَّاعَةِ مُتَضَادَّان، \[ والضِّدَّان \][(١٥)](#foonote-١٥) لا يَجْتَمِعَانِ، وذلك العلْم مُمْتَنِع العَدَم، فكانت مُمْتَنِعَة الوُجُود، واللَّه عالم بِجَمِيع المَعْلُومَات، فكان عَالِماً بكون الطَّاعَة مُمْتَنِعة الوُجُود، والعَالِم بكون الشَّيءِ ممتنع الوُجُود لا يكُونُ مُرِيداً له ؛ فثبت بهذا البُرْهَانِ القَاطِع أن يَسْتَحيلَ أن يُريدَ اللَّهُ من الكَافِرِ كَوْنَه مُطِيعاً، فوجَبَ تأويلُ هذه اللَّفْظَة ؛ بأن يكون المُرَاد من الكَلاَمِ لَيْس الإرَادَةَ بل الأمْر، والتَّقْدِير : وما أرسَلْنَا من رسول إلا ليُؤمَر النَّاسَ بِطَاعَتِهِ. 
### فصل


استَدَلُّوا بهذه الآيةِ على أنَّه لا يُوجَد شَيْءٌ من الخَيْرِ والشَّرِّ ؛ والكُفْرِ والإيمانِ، والطَّاعَةِ والعِصْيَان، إلا بإرَادَة الله ؛ لقوله : إلا ليطاع بإذن الله  ولا[(١٦)](#foonote-١٦) يمكنُ أن يكُون المُرَادُ من هَذَا الإذْنِ : الأمْر والتَّكْليف ؛ لأنَّه لا مَعْنَى لكونه رَسُولاً إلا أنَّ الله - تعالى - أمر بِطَاعته، فلو كان \[ المُرَادُ \][(١٧)](#foonote-١٧) من الإذْنِ هذا لصَارَ التَّقْدِير : وما أذِنَّا في طَاعَةِ من أرْسَلْنَاهُ إلا بإذْنِنَا، وهو تَكْرَارٌ قَبِيحٌ ؛ فوجب حمل الإذْنِ على التَّوْفِيقِ والإعَانَةِ، فيصير التَّقْدِير : وما أرْسَلْنَا من رسُولٍ إلا ليُطَاع بتَوْفِيقِنَا وإعانَتِنَا[(١٨)](#foonote-١٨)، وهذا تَصْرِيحٌ بأنه - تعالى - ما أرَادَ من الكُلِّ طاعة الرَّسُول، بل لا يُريدُ ذلك \[ إلا منَ الَّذِي وفَّقَهُ اللَّه لذلك وهم المؤمِنُون، فما من لم يُوَفِّقْهُ، فللَّهِ - تعالى - ما أرَادَ ذَلِكَ منهم \][(١٩)](#foonote-١٩). 
### فصل


دلَّت هذه الآيةُ على أن الأنْبِيَاء - \[ عليهم الصلاة والسلام \][(٢٠)](#foonote-٢٠) - مَعْصُومُون عن الذنُوبِ ؛ لأنَّها دَلَّت على وُجُوبِ طاعَتِهِم مطلقاً، فلو أتَوْا بِمَعْصِيةٍ، لوجَبَ الاقْتدَاء بهم في تِلْكَ المعصِيَة، فتَصِيرُ وَاجِبةً علينا، وكَوْنُها معْصِيَةً يجب كوْنُهَا مُحَرَّمَةً عَلَيْنَا، فيلزم تَوَارُد الإيجَابِ والتَّحْرِيم على الشَّيْءِ الوَاحِدِ، وهو مُحَال. 
فإن قيل : ألَسْتُم في الاعْتِرَاض على الجُبَّائِيّ ذكَرْتُم أن قوله :" إلا ليطاع " لا يفيد العُمُوم، فَكَيْفَ تَمَسَّكتُم به في هَذِه المَسْألة، مع أن \[ هَذَا \][(٢١)](#foonote-٢١) الاسْتِدْلاَل لا يَتِمُّ إلا مَعَ القَوْلِ بأنَّهَا تفيد العُمُوم. 
فالجواب : ظاهر \[ هذا \][(٢٢)](#foonote-٢٢) اللَّفْظِ يُوهِمُ العُمُوم، وإنما تَرَكْنَاهُ في تلك المَسْألَةِ ؛ للدَّلِيلِ القَاطِعِ الَّذِي ذكَرْنَاه، على[(٢٣)](#foonote-٢٣) أنه يَسْتَحِيلُ منه - تعالى - أن يُريدَ الإيمَان من الكَافِرِ، فلأجْل ذلك المُعَارِض القَاطِعِ صَرَفْنَا الظَّاهِر عن[(٢٤)](#foonote-٢٤) العُمُوم، ولَيْس هَهُنَا بُرْهَان قاطِعٌ عَقْلِيٌّ يوجب القَدْحَ في عِصْمَة الأنبياء - عليهم السلام -، فظهر الفَرْق. 
قوله :" ولو أنهم " قد تقدم الكلام على " أنَّ " الوَاقِعَة بعد " لَوْ "، و " إذْ " ظَرْفٌ معمول لخبرِ " أنَّ " وهُو " جاءك "، وقال : واستغفر لهم الرسول ، ولم يقل : واسْتَغْفَرْت، خُرُوجاً من الخِطَابِ إلى الغَيْبَة، لما فِي هذا الاسْمِ الظَّاهِر من التَّشْرِيف بوَصْفِ الرِّسَالة، إجْلالاً للرَّسُول - عليه السلام - و " وَجَدَ " هنا يُحْتَمِل أن تكُون العِلْمِيَّة، فتَتَعَدَّى لاثْنَيْن[(٢٥)](#foonote-٢٥) والثاني :" تواباً "، وأن تكون غير العِلْميَّة، فتتعدى لِوَاحِدٍ، ويكون " تواباً " حَالاً، وأما " رحيماً " فَيُحْتَمَلُ أن يكون حالاً من ضمير " توّاباً " \[ وأن يكُون بَدلاً من تواباً \][(٢٦)](#foonote-٢٦) ويحتمل أن يَكُون خَبَراً ثَانياً في الأصْلِ، بنَاءً على تعَدُّد الخَبَر وهو الصَّحيح، فلما دَخَل النَّاسِخ، نَصَب الخَبَر المُتَعَدِّد، تقول : زَيْد فَاضِلٌ شاعِرٌ فَقِيهٌ عَالِمٌ، ثم تقول : علمت زَيْداً فَاضِلاً شَاعِراً فَقِيهاً عَالِمَاً، إلا أنَّهُ لا يَحْسُن أن يُقَال هُنا : شاعراً : مفعول ثالِث، وفَقِيهاً \[ مفعول \][(٢٧)](#foonote-٢٧) رابع، وعَالِماً : خامس. 
### فصل : سبب نزول الآية


**في سَببِ النُّزُول وَجْهَان :**
الأول : أن مَنْ تقَدَّم ذِكْرُه مع المُنَافِقِين، عندما ظَلَمُوا أنْفُسَهُم بالتَّحَاكُمِ إلى الطَّاغُوت، والفِرَار من التَّحَاكُمِ إلى رسُولِ الله - \[ صلى الله عليه وسلم \][(٢٨)](#foonote-٢٨)، \[ لو جَاءُوا \][(٢٩)](#foonote-٢٩) للرَّسُول، وأظْهَرُوا النَّدَم على ما فَعَلُوهُ، وتَابُوا عَنْهُ واسْتَغْفَرُوا عنه، واسْتَغْفَر لهم الرَّسُول بأن يَسْألَ اللَّه أن يَغْفر لَهُم، وجَدُوا اللَّه تَوَّاباً رَحِيماً. 
الثاني : قال الأصم[(٣٠)](#foonote-٣٠) :" إن قَوْماً من المُنَافِقِين اتَّفَقُوا على كَيْد الرَّسُول - عليه الصلاة والسلام -، ثمَّ دَخَلُوا عليه لأجْل \[ ذلك الغَرَضِ، فأتَاهُ جِبْرِيل - عليه السلام - فأخبرهُ بِه، فقال صلى الله عليه وسلم : إن قوماً \][(٣١)](#foonote-٣١) دَخَلُوا يُريدُون أمْراً لا ينَالُونَه، فليقُومُوا وليَسْتَغْفِرُوا اللَّه حَتَّى أسْتَغْفِر لهم، فلَمْ يَقُومُوا، فقال : ألا تَقُومُون ؛ فلم يَفْعَلُوا، فقال صلى الله عليه وسلم : قُمْ يا فُلانُ، قُمْ يا فُلاَنُ، حَتَّى عدَّ اثْنَيْ عَشَر رَجُلاً منهم، فقاموا وقَالُوا : كُنَّا عَزَمْنَا على ما قُلْتَ، ونَحْنُ نَتُوب إلى اللَّهِ من ظُلْمِنَا أنْفُسِنَا، فاسْتَغْفِرْ لَنَا. 
فقال : الآن اخْرُجُوا، أنا كُنْتُ في بَدْءِ الأمْرِ أقْرَبُ إلى الاسْتِغْفَارِ، وكان اللَّهُ أقْرَبُ إلى الإجَابَةِ، اخْرُجُوا عَنِّي ". 
فإن قيل : ألَيْسَ لِوَ اسْتَغْفَرُوا اللَّه وتَابُوا على وَجْهٍ \[ صَحِيحٍ \][(٣٢)](#foonote-٣٢)، لكَانَت تَوْبَتُهم مَقْبُولة، فما فَائِدَة ضَمِّ اسْتِغْفَار الرَّسُولِ إلى اسْتِغْفَارِهِم ؟
فالجواب من[(٣٣)](#foonote-٣٣) وُجُوهٍ :
أحدُهَا : أن ذلك التَّحَاكُم إلى الطَّاغُوتِ كان مُخَالَفَةً لحُكْمِ اللَّه - تعالى -، وكانَ إسَاءَةً للرَّسُول - عليه السلام - وإدْخَالاً للغَمِّ في قَلْبِهِ، ومن كَانَ ذَنْبُهُ كَذَلِك، وجَبَ عليه الاعْتِذَارُ عن ذَلِك لِغَيْرِه ؛ فلهذا المَعْنَى وَجَب عليهم إظهار طَلَب الاسْتِغْفَارِ \[ من الرَّسُولِ \][(٣٤)](#foonote-٣٤). 
ثانيها : أنَّهُم لمَّا لم يَرْضوا بحُكْم الرَّسُول - عليه السلام -، ظهر مِنْهُم التمَرُّد، فإذا نَابُوا، وَجَبَ عليهم أن يَفْعَلُوا ما يُزيلُ عنهم ذلك التَّمَرُّد ؛ بأن يَذْهَبُوا إلى الرَّسُول ويَطْلُبُوا مِنْهُ الاسْتِغْفار. 
وثالثها : أنهم[(٣٥)](#foonote-٣٥) إذا أتَوا بالتَّوْبَةِ أتوا بها على وجْهِ خَلَلٍ، فإذا انْضَمَّ إليها اسْتِغْفَارُ الرَّسُولِ، صارَتْ مُحَقَّقَة القَبُولِ، وهذه الآيَةُ تَدُلُّ على أن اللَّه - تعالى - يَقْبَلُ التَّوْبَة ؛ لقوله : لوجدوا الله تواباً رحيماً . 
١ سقط في أ..
٢ في ب: أي جواز، وهذا..
٣ ينظر: الإملاء ١/١٨٥..
٤ ينظر: السابق..
٥ ينظر: المحرر الوجيز ٢/٧٤..
٦ في ب: يأول..
٧ ينظر: البحر المحيط ٣/٢٩٥..
٨ سقط في أ..
٩ سقط في ب..
١٠ في ب: أن الله..
١١ في ب: كفرهم..
١٢ في ب: يطيعوه..
١٣ سقط في أ..
١٤ سقط في أ..
١٥ سقط في ب..
١٦ في ب: فلا..
١٧ سقط في أ..
١٨ في ب: وإرادتنا وإعانتنا..
١٩ سقط في أ..
٢٠ سقط في أ..
٢١ سقط في أ..
٢٢ سقط في ب..
٢٣ في ب: مع..
٢٤ في ب: من..
٢٥ في ب: إلى اثنين..
٢٦ سقط في أ..
٢٧ سقط في ب..
٢٨ سقط في أ..
٢٩ سقط في ب..
٣٠ ينظر: تفسير الرازي ١٠/١٣٠..
٣١ سقط في أ..
٣٢ سقط في أ..
٣٣ في ب: في..
٣٤ سقط في ب..
٣٥ في ب: لعلهم..

### الآية 4:65

> ﻿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا [4:65]

**في سَبَب النُّزُولِ قَوْلان :**
الأوّل : قال عَطَاء ومُجَاهِد والشَّعْبِي : نزلت في قِصَّة[(١)](#foonote-١) المُنَافِقِ واليَهُودِيّ اللَّذين اخْتَصَما إلى عُمر[(٢)](#foonote-٢). 
الثاني : روي عن عُرْوَة بن الزُّبَيْر ؛ " أنه خَاصَم رجُلاً من الأنْصَار قد شهد بَدْراً مع رسُول اللَّه صلى الله عليه وسلم في شِرَاجٍ مِنَ الحرَّة، وكانَا يَسْقِيَانِ به كلاهما، فقال رسُول اللَّه صلى الله عليه وسلم للزُّبَيْر : اسْقِ يا زُبَيْر، ثم أرْسِلْ إلى جَارِكَ، فغَضِب الأنْصَارِيُّ، وقال : أن كان[(٣)](#foonote-٣) ابنُ عَمَّتِكَ ؟ فتلوّن وَجْهُ رسُولِ الله صلى الله عليه وسلم، ثم قال للزُّبَيْر : اسْقِ ثُمَّ احْبِسِ المَاءَ حَتَّى يَرْجع إلى الجِدْرِ[(٤)](#foonote-٤) " واعلم \[ أن الحكم \][(٥)](#foonote-٥) أن مَنْ كَان أرْضُهُ أقْربَ إلى فَمِ الوَادِي، فهو أوْلَى \[ بأَوَّل \][(٦)](#foonote-٦) المَاءِ، وحَقُّهُ تَمَام السَّقْي، فالرَّسُول عليه الصلاة والسلامِ أَذِن للزُّبَيْر في السَّقْي على وَجْهِ المُسَامَحَةِ \[ ابْتدَاء \][(٧)](#foonote-٧)، فلما أسَاءَ خَصْمُهُ الأدَب، ولم يعرف حَقَّ ما أمَرَهُ به الرَّسُولُ - عليه الصلاة والسلام - من المُسَامَحَةِ لأجْلهِ، أمَرَهُ النَّبِي - عليه السلام - باسْتِيفَاءِ حَقِّه على التَّمَامِ، وحَمْل خَصْمِهِ على مُرِّ الحَقِّ. 
قال عروة بن الزُّبَيْر :\[ أحسبُ هذه الآية نزلَتْ في ذلِك، وروي أن الأنْصَارِي الذي خاصَمَ الزُّبَيْر \][(٨)](#foonote-٨) كان اسْمُهُ حَاطِب بن \[ أبِي \][(٩)](#foonote-٩) بَلْتعة، فلما[(١٠)](#foonote-١٠) خَرَجَا مَرَّ على المِقْدَاد. فقال : لمن كان القَضَاءُ فقال الأنْصَارِيّ : قَضَى لابْن عَمَّتِهِ، ولَوَى شِدْقَيْه، فَفَطِنَ له يَهُودِيٌّ كان مع المِقْدَادِ، فقال : قَاتَل اللَّه هَؤلاء، يَشْهَدُون أنَّهُ رسول اللَّهِ ثم يتهمُونَهُ في قَضَاء يَقْضِي بَيْنَهُم، وأيْمُ اللَّه لقد أذْنَبْنَا ذَنْباً مَرَّة في حَيَاةِ مُوسَى - عليه الصلاة والسلام - فدعانا مُوسَى إلى التَّوْبَةِ مِنْهُ، فقال : فاقْتُلُوا أنفُسَكُم ففعلنا، فبلغ قَتْلاَنا سَبْعِين ألْفاً في طَاعَةِ رَبِّنا، حتىَّ رَضِيَ عَنَّا. فقال ثَابِت بن قَيْس بن شماس : أما واللَّه إنَّ الله لَيَعْلَمُ منّي الصِّدْق، ولو أمَرَنِي مُحَمَّد أن أقْتُل نَفْسِي، لَفَعَلْتُ، فأنزل اللَّه في شَأنِ حَاطِب بن أبِي بَلْتَعَة هَذِه الآية[(١١)](#foonote-١١). 
قوله : فلا وربك لا يؤمنون  فيه أربعة أقْوالٍ :
أحدها : وهو قَوْلَ ابن جَرِير[(١٢)](#foonote-١٢) : أن " لا " الأولَى ردّ لِكَلاَم تَقَدَّمَها، تقديرُه : فلا تَعْقِلُون، أو لَيْس الأمْر كما يَزْعُمُون من أنَّهمُ آمَنُوا بما أنْزِل إلَيْك، وهُم يُخَالِفُون حُكْمَكَ، ثم اسْتأنَفَ قَسَماً بعد ذَلِك، فعلى هذا يَكُون الوَقْفُ على " لاَ " تَامّاً. 
الثاني : أن " لا " الأولَى قُدِّمت على القَسَمِ اهْتِمَاماً بالنَّفْي، ثم \[ كُرِّرت \][(١٣)](#foonote-١٣) توكيداً للنَّفْي، وكان يَصِحُّ إسقاط الأولى، ويَبْقَى مَعْنَى النَّفْي، ولكن تَفُوت الدَّلالة على الاهْتِمَامِ المذكور، \[ وَكَان يَصِحُّ إسْقَاطُ الثَّانِية ويبقى مَعْنَى الاهْتِمَامِ، ولكن \][(١٤)](#foonote-١٤) تفُوت[(١٥)](#foonote-١٥) الدَّلالةَ على النَّفْي، فَجَمَعَ بينهما لذلك. 
الثالث : أن الثَّانِية زَائِدةٌ، والقَسَم معْتَرِضٌ بين حَرْفَي النَّفْي والمَنْفِيّ، وكان التقدير : فلا يُؤمِنُون وَرَبِّك. 
الرابع : أن الأولى زائدةٌ، والثَّانِيَة غير زائدة، وهو اخْتِيَار الزَّمَخْشَرِي[(١٦)](#foonote-١٦) ؛ فإنه[(١٧)](#foonote-١٧) قال :" لا " مزيدةٌ لتأكِيد مَعْنَى القَسَمِ ؛ كما زِيدَتْ في  لِّئَلاَّ يَعْلَمَ 
\[ الحديد : ٢٩ \] لتأكِيد وُجُوب العِلْم، و " لا يؤمنون " جواب القَسَم. 
فإن قلت : هلاّ زَعَمْتَ أنَّها زَائِدة لتظاهر لا في لا يؤمنون ؟. 
قلت : يَأبَى ذلك اسْتِوَاء النَّفْيِ والإثْبَات فيه ؛ \[ وذلك لقوله :
 فَلاَ أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ وَمَا لاَ تُبْصِرُونَ إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ  \[ الحاقة : ٣٨-٤٠ \] يعني : أنه قد جاءَت " لاَ " قبل القَسَمِ ؛ حَيْثُ لم تكُن " لا " موجودة في الجَوَابِ \][(١٨)](#foonote-١٨)، فالزَّمَخْشَرِي[(١٩)](#foonote-١٩) يرى : أن " لاَ " في قَوْله - تعالى - :
 فَلاَ أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ  \[ الحاقة : ٣٨ \] أنها زائدَة أيضاً لتأكيدِ مَعْنَى القَسَم[(٢٠)](#foonote-٢٠)، وهو أحَدُ القَوْلَيْن. 
والقول الآخر : كَقَوْلِ الطَّّبَرِي المتقَدِّم ؛ ومثل الآيَةِ في التَّخَارِيج المَذْكُورة قول الآخر :\[ الوافر \]فَلاَ وَاللَّه لا يُلْفى لما بِي  ولا لِلِمَا بِهِمْ أبَداً دَوَاءُ[(٢١)](#foonote-٢١)قوله :" حتى يحكموك " غاية مُتَعلِّقَةٌ بقوله :" لا يؤمنون " أي : ينْتَفِي عنهم الإيمَانُ إلى هَذِه الغَايَةِ، وهي تَحْكِيمُك وَعَدم وُجْدَانِهِم الحَرَج، وتسليمهم لأمْرِك، والتَفَتَ في قوله :" وربك " من الغَيْبَةِ في قوله : واستغفر لهم \[ الرسول \][(٢٢)](#foonote-٢٢) رجُوعاً إلى قوله : ثُمَّ جَاءُوكَ  \[ النساء : ٦٢ \]. 
قوله : شَجَرَ  قرأ أبو السَّمَّال[(٢٣)](#foonote-٢٣) :" شَجْرَ " بسكون الجيمِ هَرَباً من تَوَالِي الحَرَكَاتِ، وهي ضَعيفَةٌ ؛ لأن الفَتْح أخو السُّكُون، و " بينهم " ظَرْفٌ مَنْصُوبٌ ب  شَجَرَ ، هذا هو الصَّحيحُ. 
وأجاز أبو البَقَاءِ[(٢٤)](#foonote-٢٤) فيه : أن يكُون حالاً، وجعلَ في صَاحِب هذه الحَالِ احْتَمَالَيْنِ :
أحدهما : أن يكون حالاً من " مَا " الموْصُولَة. 
والثاني : أنه حَالٌ من فَاعِل  شَجَرَ  وهو نَفْس الموصُول أيضاً في المَعْنَى، فعلى هَذَا يتعلَّق[(٢٥)](#foonote-٢٥) بمَحْذُوفٍ. 
### فصل في معنى التشاجر


يقال : شَجَر يَشْجُرُ شُجُوراً وشَجْراً : إذا اخْتَلَف واخْتَلَطَ، وشَاجَرَهُ : إذا نَازَعَهُ، وذلك لتداخل \[ الكلام بعضه في بعض عند المُنازعةِ، ومنه يقال لخشبات الهَوْدج : شِجَار \][(٢٦)](#foonote-٢٦)، لتَداخُل بعضها في بعض. 
قال أبو مُسلم[(٢٧)](#foonote-٢٧) : وهو مأخُوذٌ عندي من التِفَافِ الشَّجَرِ ؛ فإن الشَّجَرَ يتداخلُ بَعضُ أغْصَانه في بَعْضٍ. 
قوله  ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ  عطفُ على ما بَعْدَ " حتى "، و " يجدوا " يحتمل أن تكُون المُتعدِّية لاثْنَين \[ فيكون الأوَّل :" حَرَجاً "، والثاني : الجار قَبْلَه، فيتعلَّق بمحذُوفٍ، وأن تكُون المتعدِّية لوَاحِدٍ \][(٢٨)](#foonote-٢٨) فيجوز في  فِي أَنْفُسِهِمْ  وجْهَان :
أحدهما : أنه مُتعلِّق ب  يَجِدُواْ  تعلُّق الفَضَلاتِ. 
والثاني : أن يتعلَّق بمَحْذُوفٍ على أنه حَالٌ من  حَرَجاً  ؛ لأن صِفَة النَّكِرَة لما قُدِّمَت عليها انْتَصَبت حَالاً. 
قوله  مِّمَّا قَضَيْتَ  فيه وجهان :
أحدهما : أنه مُتَعَلِّق بنفس  حَرَجاً  ؛ لأنَّك تقُول : خرجْتُ من كَذَا. 
والثاني : أنه متعلِّق[(٢٩)](#foonote-٢٩) بمحْذُوفٍ فهو في مَحَلِّ نَصْبٍ ؛ لأنه صِفَةٌ ل  حَرَجاً ، و " مَا " يجُوزُ أن تكون مصدريَّة \[ وأن تكُون بمَعْنى الَّذِي، أي : حَرَجاً من قَضَائِك، أو مِن الَّذي قضََيْتَهُ \][(٣٠)](#foonote-٣٠)، وأن تكون \[ نكرة \][(٣١)](#foonote-٣١) موصُوفة، فالعَائِدُ على هَذَيْن القَوْلَيْن مَحْذُوفٌ. 
### فصل


أقْسَم اللَّه - تعالى - على أنَّهُم لا يَصِيرُون مُؤمنين إلا عِنْد شَرَائِط :
أولُها : حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ، وهذا يَدُلُّ على أنَّ من لَمْ يَرْض بحُكْم الرَّسُول، - \[ عليه الصلاة والسلام \][(٣٢)](#foonote-٣٢) - لا يَكُون مؤمناً. 
وثانيها : قوله : ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ \[ فِي أَنْفُسِهِمْ \][(٣٣)](#foonote-٣٣) حَرَجاً مِّمَّا قَضَيْتَ . 
قال الزجاج[(٣٤)](#foonote-٣٤) : لا تضيقُ صُدورُهُم من أقْضِيَتِك، وقال مُجاهِد : شكّاً[(٣٥)](#foonote-٣٥)، وقال الضَّحَّاك : إثْماً، أي : يأثمُون بإنْكَارِهِم[(٣٦)](#foonote-٣٦). 
وثالثها : قوله : وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيماً  أي : ينقادوا للأمْرِ كحَالَ الانْقِيَادِ، واعلم أن قوله : ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِّمَّا قَضَيْتَ  المراد منه : الانْقِيَاد في البَاطِنِ، وقوله  وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيماً  المُرَاد منه : الانْقِيَادُ في الظَّاهِرِ، والحَرَجُ على ثلاثة أوجه :
الأول : بمعنى الشَّكّ ؛ كهذه الآية، \[ و \][(٣٧)](#foonote-٣٧) مثله : فَلاَ يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ 
\[ الأعراف : ٢ \] أي : شك. 
والثاني : بمعنى الضِّيق ؛ قال - تعالى - : وَمَا جَعَلَ عَلَيْكمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ  \[ الحج : ٧٨ \] أي ضيقٍ. 
الثالث : بمعنى الإثْمِ ؛ قال :- تعالى - : وَلاَ عَلَى الَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ مَا يُنفِقُونَ حَرَجٌ  \[ التوبة : ٩١ \] أي : إثْمٌ. 
### فصل في عصمة الأنبياء


دلَّت هذه الآيةُ على عِصْمَة الأنْبِيَاء - عليهم السلام - عن الخَطَإ في الفَتَاوى والأحْكَام ؛ لأنه - تعالى - أوْجَبَ الانْقِيَاد لحُكْمِهِم، وبالغ في ذَلِك الإيَجابِ، وبيَّن أنه لا بُدَّ من حُصُولِ الانْقِيَاد في الظَّاهِرِ والقَلْبِ، وذلك يَنْفِي صُدُورَ الخَطَإ عَنْهُم، فَدَلَّ ذلك على أنَّ قَولَه : عَفَا اللَّهُ عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ  \[ التوبة : ٤٣ \]، وفتواه في أسْرَى[(٣٨)](#foonote-٣٨) بَدْرٍ، وقوله : لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ 
\[ التحريم : ١ \]، وقوله : عَبَسَ وَتَوَلَّى  \[ عبس : ١ \] كل ذلِكَ مَحْمُول على التَّأوِيل. 
### فصل


قالت المعتزلة[(٣٩)](#foonote-٣٩) : لو كانت الطَّاعَاتُ والمَعَاصِي بَقَضَاء الله - تعالى - لَزِم التَّنَاقُضُ ؛ لأن الرَّسُول إذا حَكَم على إنْسَانٍ بأنه لا يَفْعلُ كَذَا، وجب على جَمِيع المكَلَّفين الرِّضَا بذلك ؛ لأنه قضاءُ الرَّسُول، والرِّضى بقَضَاءِ الرَّسُولِ وَاجِبٌ \[ لهذه الآية، ثم إن ذلك المكلَّف فعل ذَلِكَ بقَضَاءِ اللَّهِ، والرِّضَا بقضَاء اللَّه وَاجِبٌ \][(٤٠)](#foonote-٤٠) فيَلْزَمُ أن يَجِب على جَمِيع المكلَّفِين الرِّضَا بِذلِكَ الفِعْل، لأنه قضاء اللَّه، فوجب أن يَلْزَمَهُم الرِّضَا بالفِعْلِ والتَّرْكِ مَعاً، وذلك مُحَالٌ. 
والجوابُ : أن المُرَاد من قَضَاءِ الرَّسُول : الفَتْوى بالإيجَابِ والمُرَاد من قَضَاء الله : التكوِين والإيجَادِ، وهما مفهومان مُتغايَران، فالجَمْعُ بينهما لا يفضي إلى التَّنَاقُض. 
١ في ب: قضية..
٢ تقدم..
٣ في ب: لأن كان..
٤ أخرجه البخاري (٥/٤٢ ـ ٤٣) في الشرب والمساقاة: باب سكر الأنهار (٢٣٥٩، ٢٣٦٠، ٢٣٦١، ٢٣٦٢) وفي الصلح: باب إذا أشار الإمام بالصلح (٢٧٨)، (٨/٢٥٤) كتاب التفسير سورة النساء: باب "فلا وربك لا يؤمنون" حديث (٤٥٨٥) ومسلم (٤/١٨٢٩ ـ ١٨٣٠) كتاب الفضائل باب وجوب اتباعه صلى الله عليه وسلم (١٢٩/٢٣٥٧) وأبو داود (٣٦٣٧) والترمذي (٢/٢٨٩ ـ ٢٩٠) وابن ماجه (٢٤٨٠) والنسائي (٢/٣٠٨ ـ ٣٠٩) وابن حبان رقم (٢٣) وأحمد (٤/٤ ـ ٥) والطبري في "تفسيره" (٨/٥١٩ ـ ٥٢٠) والبغوي في "شرح السنة" (٤/٤١٤ ـ ٤١٥) والبيهقي (٦/١٥٣ ـ ١٥٤)، (١٠/١٠٦) من طرق عن الزهري عن عروة بن الزبير عن الزبير بن العوام وذكره السيوطي في "الدر المنثور" وزاد نسبته لعبد الرازق وعبد بن حميد وابن المنذر..
٥ سقط في ب..
٦ سقط في ب..
٧ سقط في أ..
٨ سقط في أ..
٩ سقط في ب..
١٠ ذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٢/٣٢٢) وعزاه لابن أبي حاتم عن سعيد بن المسيب..
١١ أخرجه الطبري في "تفسيره" (٨/٥٢٦) عن السدي وذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٢/٣٢٣ ـ ٣٢٤) وزاد نسبته لابن أبي حاتم..
١٢ ينظر: الطبري ٤/١٦٠..
١٣ سقط في أ..
١٤ سقط في ب..
١٥ في ب: ويفوت..
١٦ ينظر: الكشاف ١/٥٢٨، ٥٢٩..
١٧ في ب: فإن..
١٨ سقط في ب..
١٩ ينظر: الكشاف ١/٥٢٩..
٢٠ في ب: النفي..
٢١ تقدم برقم ١٥٦٩..
٢٢ سقط في ب..
٢٣ ينظر: المحرر الوجيز ١/٧٤، والبحر المحيط ٣/٢٩٧، والدر المصون ٢/٣٨٥..
٢٤ ينظر: الإملاء ١/١٨٥..
٢٥ في ب: متعلق..
٢٦ سقط في أ..
٢٧ ينظر: تفسير الرازي ١٠/١٣١..
٢٨ سقط في أ..
٢٩ في ب: أن يتعلق..
٣٠ سقط في ب..
٣١ سقط في ب..
٣٢ سقط في أ..
٣٣ سقط في أ..
٣٤ ينظر: تفسير الرازي ١٠/١٣٢..
٣٥ أخرجه الطبري في "تفسيره" (٨/٥١٨) وذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٢/٣٢٣) وزاد نسبته لعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد. والبغوي ١/٤٤٩..
٣٦ أخرجه الطبري في "تفسيره" (٨/٥١٨) وذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٢/٣٢٣) وزاد نسبته لابن المنذر. والقرطبي ١/١٧٤..
٣٧ سقط في ب..
٣٨ في ب: أسارى..
٣٩ ينظر: تفسير الرازي ١٠/١٣٣..
٤٠ سقط في أ..

### الآية 4:66

> ﻿وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيَارِكُمْ مَا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ ۖ وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا [4:66]

هذه الآيةِ مُتَّصِلَة بما تقدَّم من المُنَافِقِين، وترغيب لَهُم في تَرْكِ النِّفَاقِ، والمَعْنَى : أنَّا لو شَدَّدْنا التكلِيف على النَّاسِ ؛ نحو أن نأمُرَهُم بالقَتْلِ، والخُرُوج عن الأوْطَانِ، لَصَعُبَ ذلك عليهم ولما فَعَلَهُ إلا قَلِيلٌ، وحينئذٍ يظهر كُفْرُهُم، فلم نَفْعَلْ ذلك رَحْمَةً مِنَّا على عِبَادِنا، بل اكْتَفَيْنَا بتكْلِيفِهِم في الأمُور السَّهْلَة، فَلْيَقْبَلُوهَا ولْيَترُكُوا التَّمرُّد. 
نزلت في ثَابت بن قَيْس بن شِمَاس، نَاظَر يهُودِيَّا[(١)](#foonote-١). فقال اليَهُودِيّ : إن مُوسَى أمَرَنا بقَتْلِ أنْفُسِنَا فَفَعَلْنَا ذَلِك، ومحمد يأمُرُكم بالقِتَال فتكْرَهُونَهُ. فقال ثابت بن قَيْس : لو أنَّ مُحَمَّداً أمَرَنِي بقَتْل نفسي، لفَعَلْت ذلك فنزلت الآيةُ، وهو من القَلِيلِ الَّذِي اسْتَثْنَى اللَّهُ. 
وقال الحسن ومُقاتِل : لماّ نَزَلَت هذه الآيةُ، قال عُمَر، وعمَّار بن يَاسِر، وعبد لله بن مَسْعُود، وناسٌ من أصْحَاب النبي صلى الله عليه وسلم وهم القليلُ : واللَّه لَوْ أمَرَنَا لفعلنا، فالحَمْدُ للَّه الذي عَافَانا اللَّه، فبلغ ذَلِك النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم، فقال " إنَّ مِنْ أمَّتِي لَرِجَالاً، الإيمانُ أثْبَتُ في قُلُوبِهِم مِنَ الجِبَالِ الرَّواسِي " [(٢)](#foonote-٢). 
والضَّمِيرُ في قوله : كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ  فيه قولان :
الأوّل : قال ابن عبَّاسٍ ومُجَاهِد : إنه عَائِد إلى المُنَافِقين[(٣)](#foonote-٣) لأنه - تعالى - كَتَبَ على بَنِي إسرائيلَ أن يَقْتُلوا أنْفُسَهم، وَكَتَب على المُهَاجِرِين أن يَخْرُجُوا من ديارِهم، فقال : وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا  على هؤلاءِ المُنَافِقِين القَتْل والخُرُوجَ، ما فَعلهُ إلا قَلِيلٌ ريَاءً وسُمْعَة، وهذا اخْتِيَار الأصَمِّ والقَفَّال. 
\[ القول \][(٤)](#foonote-٤) الثاني : المراد : لو كَتَب اللَّه على النَّاسِ ما ذَكَر، لم يَفْعَلْه إلا قَلِيلٌ منهم، فَيَدْخُل فيه المُؤمِنُ والمُنَافِق. 
قوله : أَنِ اقْتُلُواْ  " أن " فيها وجهان :
أحدهما : أنها المُفَسِّرة ؛ لأنَّها أتت بعد ما هُو بمعنى القَوْلِ لا حَرُوفهِ، وهو أظْهَر. 
الثاني : أنها مَصْدَريَّة، وما بَعْدَها من فِعْل الأمْرِ صِلَتُها، وفيه إشْكَالٌ ؛ من حيث إنَّه إذا سُبك منها ومِمَّا بَعْدَها مَصْدرٌ، فأتت للدَّلالةَ \[ على الأمر، ألا تَرَى أنَّك إذا قُلْتَ : كتَبْتُ إلَيْه أنْ قُمْ فيه من الدَّلالَةِ \][(٥)](#foonote-٥) على طَلَبِ القِيَام بطريق الأمْرِ، ما لا في قَوْلِك : كَتَبْتُ إليه القِيَام، ولكنَّهمُ جَوَّزوُا ذلك واسْتَدَلُّوا بقولِهِم : كَتَبْتُ إليه بأن[(٦)](#foonote-٦) قُمْ. ووجه الدلالة : أن حَرْفَ الجَرِّ لا يُعَلَّق. 
وقرأ[(٧)](#foonote-٧) أبو عمرو : بكسر نُونِ " أن " وضَمّ واو " أو "، قال الزَّجَّاج : ولست أعرف لِفَصْل[(٨)](#foonote-٨) أبي عَمْروٍ بين هَذَيْنِ الحَرْفَيْنِ خَاصيَّة[(٩)](#foonote-٩) إلاّ أن يَكُون رِوَايَةً. 
وقال غيره : أمّا كَسْر النُّونِ ؛ فلأن الكَسْرَ هُو الأصْلُ في التِقَاء[(١٠)](#foonote-١٠) السَّاكِنَيْن، وأما ضَمُّ الواو فللإتبَاعِ ؛ لأن الضَّمَّة في الواوِ أحسن[(١١)](#foonote-١١) ؛ لأنَّها تُشْبِه وَاوَ الضَّمِير، نحو : اشْتَرُواْ الضَّلاَلَةَ  \[ البقرة : ١٦ \]  وَلاَ تَنسَوُاْ الْفَضْلَ 
\[ البقرة : ٢٣٧ \] وكَسَرَهُمَا حَمْزَة وعَاصِم ؛ لالْتِقَاء السَّاكِنَيْن، وضَمَّهُمَا ابن كَثِير، ونَافِع \[ وابن عامر \][(١٢)](#foonote-١٢) والكسائي ؛ للاتبَاعِ فيهما. 
قوله  مَّا فَعَلُوهُ . الهاء يُحْتَمَلُ أن تكُون ضمير مَصْدر  اقْتُلُواْ ، أو  اخْرُجُواْ  أي : ما فَعَلُوا القَتْل ؛ أو ما فَعَلُوا الخُرُوج. 
وقال فَخْر الدِّين الرَّازي[(١٣)](#foonote-١٣) : تعود إلى القَتْلِ والخُرُوج معاً ؛ لأنه الفِعْل جَنْسٌ وَاحِدٌ وإن اخْتَلَفَت ضُرُوبُه. 
قال شهاب الدِّين : وهذا بَعيدٌ لنُبُوّ الصِّنَاعة عَنْهُ، وأجَازَ أبو البقاء أن يَعُود على المكْتُوب ويَدُلُّ عليه : كَتَبْنَا . 
قوله :" إلاَّ قليلٌ " رفْعُه من وَجْهَيْن :
أحدهما : أنه بَدَلٌ من فَاعِل  فَعَلُوهُ  وهو المخْتَار على النَّصْبِ ؛ لأن الكلام غير مُوجِبٍ. 
الثاني : أنه مَعْطُوف على ذَلِكَ الضَّمِير المَرْفُوع، و " إلاَّ " حَرْف عَطْفٍ، وهذا رأي الكوفِيِّين. 
وقرأ ابن عامر[(١٤)](#foonote-١٤) وجَماعة : إلاَّ قَلِيلاً  بالنَّصْب، وكذا هُو في مَصَاحِفِ أهْل الشَّامِ، ومصْحَف أنس بن مَالِكٍ، وفيه وَجْهَان :
أشهرهما : أنه نَصْبٌ على الاسْتِثْنَاء وإن كان الاخْتِيَار الرَّفع ؛ لأن المعنى موجُود \[ معه كما هُو مَوْجُود \][(١٥)](#foonote-١٥) مع النَّصْب، ويزيد عليه بمُوَافَقَة اللَّفْظِ. 
والثَّاني : أنه صِفَةٌ لمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، تقديره : إلا فِعْلاً قليلاً، قاله الزَّمَخْشَرِي[(١٦)](#foonote-١٦) وفيه نَظَرٌ ؛ إذ الظَّاهر أن " منهم " صِفَةٌ ل  قَلِيلاً ، ومَتَى حمل القَلِيل على غَيْر الأشْخَاصِ، يقلق هذا الترْكِيب ؛ إذ لا فَائِدَة حينئذٍ في ذكر " منهم ". 
قال أبو علي الفَارِسي[(١٧)](#foonote-١٧) : الرَّفْع أقْيَس، فإن مَعْنَى ما أتَى أحَدٌ إلا زَيْد، \[ وما أتَانِي إلا زَيْد \][(١٨)](#foonote-١٨) واحِدٌ ؛ فكما اتَّفَقُوا في قَوْلِهِم : ما أتَاني إلا زَيْدٌ، على الرَّفع، وجب أن يكُون قَوْلهُم : ما أتَانِي أحَدٌ إلا زَيْدُ بِمَنْزِلَتِهِ. 
قوله : وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُواْ  تقدم الكَلاَم على نَظِيره، و " ما " في  مَا يُوعَظُونَ  \[ موصولة \][(١٩)](#foonote-١٩) اسميَّة. 
والباء في :" بِهِ " يُحْتَمل أن تكُون المُعَدِّية دَخَلَتْ على الموعُوظ به \[ والموعوظ به \][(٢٠)](#foonote-٢٠) على هَذَا هو التَّكَالِيفُ من الأوَامِرِ والنَّوَاهِي، وتُسَمَّى أوَامِر اللَّه \[ تعالى \][(٢١)](#foonote-٢١) ونَوَاهِيه مَوَاعِظ ؛ لأنها مقْتِرَنَةٌ بالوَعْد والوَعيد، وأن تكون السَّبَبِيَّة، والتقدير : ما يُوعَظُون بسببه أي : بسبب تَرْكِهِ، ودلَّ على التَّرْكِ المحذوف قوله تعالى : وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُواْ  \[ واسم " كان " ضمير عَائِدٌ على الفِعْل المفْهُومَ من قوله : وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُواْ  \] [(٢٢)](#foonote-٢٢) أي : لكَان فِعْل ما يُوعظون به، و " خَيْراً " خبرها، و " شَيئاً " تَمْييز ل " أشَدَّ "، والمعْنَى : أشَدّ تَحْقِيقاً وتَصْديقاً لإيمانهم.

١ تقدم..
٢ ذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٢/٣٢٤) وعزاه لابن المنذر من طريق إسرائيل عن أبي إسحق عن زيد بن الحسن.
 وعزاه أيضا لابن أبي حاتم من طريق هشام عن الحسن. والبغوي ١/٤٤٩..
٣ تقدم..
٤ سقط في أ..
٥ سقط في ب..
٦ في ب: أن..
٧ ينظر: السبعة ٢٢٤، والحجة ٣/١٦٧، وإعراب القراءات ١/١٣٤، وإتحاف ١/٥١٥..
٨ في ب: تعرف لفصل..
٩ في ب: خاصة..
١٠ في ب: فلالتقاء..
١١ في ب: حسن..
١٢ سقط في ب..
١٣ ينظر: تفسير الرازي ١٠/١٣٤..
١٤ ينظر: السبعة ٢٣٥، والحجة ٣/١٦٨، وحجة القراءات ٢٠٦، ٢٠٧، والعنوان ٨٤، وإعراب القراءات ١/١٣٥، وشرح شعلة ٣٤٠، وشرح الطيبة ٤/٢٠٧، وإتحاف ١/٥١٥..
١٥ سقط في أ..
١٦ ينظر: الكشاف ١/٥٣٠..
١٧ ينظر: تفسير الرازي ١٠/١٣٤..
١٨ سقط في ب..
١٩ سقط في ب..
٢٠ سقط في أ..
٢١ سقط في ب..
٢٢ سقط في أ..

### الآية 4:67

> ﻿وَإِذًا لَآتَيْنَاهُمْ مِنْ لَدُنَّا أَجْرًا عَظِيمًا [4:67]

قوله :" وإذن " : حرف جَوَابٍ وجَزَاء، وهل هَذَان المعْنَيَانِ لازمَان لها، أو تكُون جَوَابَاً فَقَطْ ؟ قولان :
الأوّل : قَوْل الشلوبين تَبَعاً لظَاهِر قول سيبَويْه[(١)](#foonote-١). 
والثاني : قول الفَارِسيِّ ؛ فإذا قال القَائِلُ : أزُورُك غَدَا، فقلت : إذْن أكرِمُكَ، فهي عِنْدَهُ جَوَابٌ وجَزَاء، وإذا قُلْتَ : إذن أظُنُّكَ صَادِقاً، كانت حَرْف جَوَاب فَقَط، وكأنه أخذ هَذَا من قرينَةِ الحَالِ، وقد تقدَّم أنها من النَّواصِبِ للمُضَارع بِشُرُوطِ ذُكِرَت. 
وقال أبو البقاء[(٢)](#foonote-٢) : و " إذَنْ " جواب مُلْغَاة، فظاهر هذه العِبَارَةِ موافِقٌ لقَوْل الفَارسِيِّ \[ وفيه نَظَر ؛ لأن الفارسِيّ \][(٣)](#foonote-٣) لا يقُول في مِثْل هذه الآية إنَّها جَوابٌ فَقَطْ، وكَونهَا جَوَاباً يَحْتَاجُ إلى شيء مُقَدَّرٍ. 
قال الزَّمَخْشَرِيّ[(٤)](#foonote-٤) :" وإذن " - جواب لِسُؤالٍ مُقَدَّرٍ ؛ كأنه قيل : وماذَا يكُون لَهُمْ بعد التَّثْبِيتِ أيضاً ؟ فقيل : لو تَثَبَّتُوا لآتَيْنَاهُم ؛ لأن " إذَنْ " جوابٌ وجَزَاءٌ. 
و  مِّن لَّدُنَّا  : فيه وَجْهَان :
أظهرهما : أنه مُتعلِّق \[ ب  وَآتَيْنَاهُمْ . 
والثاني : أنه مُتَعَلِّق \][(٥)](#foonote-٥) بمحْذُوفٍ ؛ لأنه حالٌ من " أجْراً " لأنَّه في الأصْلِ صِفَة نكرة قُدِّمَت عليها. و " أجْراً " مَفْعُول ثانٍ ل " آتَيْنَاهُم "، و  صِرَاطاً  مَفْعول ثانٍ ل  لَهَدَيْنَاهُمْ .

### فصل


قال الجُبَّائِي[(٦)](#foonote-٦) : دَلَّت هذه الآيَةُ على أنَّه - تعالى - لمَّا لم يُكَلِّفْهُم ما يَثْقُلُ عَلَيْهم، فبأن لا يَكَلِّفَهُم ما لا يُطِيقُونَ أوْلَى. 
والجواب : إنَّما لم يُكَلَّفُهم بهذه الأشْيَاء الشَّاقَّة ؛ لأنَّه لو كَلَّفَهُم بها لما فَعَلُوهَا، ولو لم يَفْعلُوهَا، لوقَعُوا في العَذَاب، ثم إنَّه - تعالى - عَلِم من أبِي جَهْلٍ وأبِي لَهَبٍ عدم الإيمانِ، وأنهم لا يسْتَفِيدُون من التَّكْلِيفِ إلاَّ العِقَاب الدَّائِم[(٧)](#foonote-٧)، ومع ذلِك فإنَّهُ كَلَّفَهُم الإيمَان فلمَّ[(٨)](#foonote-٨) كان جَوَاباً عن هَذَا، فهو جوابٌ عما ذكَرْت. 
### فصل : دلالة الآية على عظم الآجر


دلَّت هذه الآيةُ على عِظَمِ هذا الأجْرِ من وُجُوه :
أحدُها : أنه ذَكَر نَفْسه بصيغة العَظَمَةِ، وهو قوله : لآتَيْنَاهُمْ مِّن لَّدُنَّا  والمُعْطِي الحكيم إذا ذكَر نَفْسَه ( باللَّفْظِ الدَّالِّ على )[(٩)](#foonote-٩) العظمة[(١٠)](#foonote-١٠)، وهو قوله : وَآتَيْنَاهُم  عند الوَعْد بالعَطِيَّة - دلَّ على عِظَم تَِلْك العَطِيَّة. 
وثانيها : قوله : مِّن لَّدُنَّا  هذا التَّخصيص يَدُلُّ على المُبَالَغَةِ، كما في قوله :
 وَعَلَّمْنَاهُ مِن لَّدُنَّا عِلْماً  \[ الكهف : ٦٥ \]. 
وثالثها : أنه وَصَفَ الأجْرَ بكَوْنِهِ عَظِيماً، والذي وَصَفَهُ أعْظَم العُظَمَاء بالعَظَمَةِ، لا بد وأن يكُون في نِهَاية العِظَم، قال - عليه الصلاة والسلام - :" \[ فيها \][(١١)](#foonote-١١) ما لاَ عَيْنٌ رَأتْ، ولا أذُنٌ سَمِعَتْ، ولا خَطَر على قَلْبِ بَشَر " [(١٢)](#foonote-١٢). 
١ ينظر: الكتاب ٢/٣١١..
٢ ينظر: الإملاء ١/١٨٦..
٣ سقط في أ..
٤ ينظر: الكشاف ١/٥٣٠..
٥ سقط في ب..
٦ ينظر: تفسير الرازي ١٠/١٣٤..
٧ في ب: العذاب الدايم..
٨ في ب: فما..
٩ في ب: بالعظمة الدالة على..
١٠ في أ: العلم..
١١ سقط في أ..
١٢ تقدم..

### الآية 4:68

> ﻿وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا [4:68]

والمراد ب " الصراط المستقيم " : هو الدِّين الحَقّ ؛ لقوله : وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم . 
وقيل : الصِّرَاط هو الطَّريق من عرصة القيامة إلى الجَنَّة ؛ لأنه - تعالى - ذكَرَهُ بعد الثَّوابِ والأجْرِ، وأمَّا الدِّين الحَقّ فهو مُتَقَدِّم على الثَّوَابِ والأجْرِ، وصِرَاط القِيَامَةِ يكُون بعد اسْتِحْقَاق الأجْرِ، فكان حَمْلُه عليه في هَذَا الموضِع أولى.

### الآية 4:69

> ﻿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَٰئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ ۚ وَحَسُنَ أُولَٰئِكَ رَفِيقًا [4:69]

لما أمر اللَّه بطَاعَةِ اللَّهِ وطاعَةِ رسُولِهِ بقوله : أَطِيعُواْ اللَّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ 
ثم زيَّف طريقَةَ المُنَافِقِين، ثم أعَادَ الأمْر بطَاعَةِ الرَّسُول بقوله - \[ تعالى \][(١)](#foonote-١) - :
 وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إلاَّ لِيُطَاعَ  ورغَّب في تِلْك الطَّاعَةِ بإيتَاءِ الأجْرِ العَظيمِ، وهداية الصِّرَاطِ المُسْتَقِيم، أكد الأمْرَ[(٢)](#foonote-٢) بالطَّاعَة في هَذِه الآيَةِ مَرَّة أخْرَى، فقال : وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ  الآية، وقال القُرْطبيّ[(٣)](#foonote-٣) : لما ذكر اللَّه - تعالى - الأمْر الذي لو فَعَلَهُ[(٤)](#foonote-٤) المُنافِقُون حِين وعظُوا به وأنَابُوا إليه، لأنْعَمَ عليهم، ذكر بعد ذَلِك ثَوابَ من يَفْعَلهُ.

### فصل : سبب نزول الآية


قال جماعة من المفسِّرِين :" إن ثَوبَان مَوْلى رسُول اللَّه صلى الله عليه وسلم كانَ شَديد الحُبِّ لرسُولِ اللَّه صلى الله عليه وسلم قليل الصَّبْر عن فِراقِهِ، فأتَاهُ يَوْماً وقد تَغَيَّر لَوْنُه، ونحلُ جسمُه، وعُرِف الحُزْن في وَجْهِه، فقال \[ له \][(٥)](#foonote-٥) رسُول الله صلى الله عليه وسلم \[ ما غيَّر لَوْنَك ؟ فقال : يا رسول الله \][(٦)](#foonote-٦) مَا بِي من وَجَع غيْرَ أنِّي إذا لمْ أرَكَ، اسْتَوْحَشْتُ وحْشَةً شَديدةً حَتَّى ألقاك، فَذَكَرْتُ الآخِرَة فَخِفْتُ إلاَّ أرَاكَ هُنَاكَ ؛ لأنك تُرفعَ مع النبييِّن \[ والصِّدِّيقين \][(٧)](#foonote-٧)، وإني إن أدخِلْتُ الجَنَّة، كنت في مَنْزَلةٍ أدْنَى من مَنْزِلَتِك، وإن لَمْ أدْخُلِ الجَنَّة، فلا أرَاكَ أبَداً "، فنزلَتْ \[ هذه \][(٨)](#foonote-٨) الآيَةَ[(٩)](#foonote-٩). 
وقال قَتَادة : إن بَعْض أصْحَاب النِّبِيّ صلى الله عليه وسلم قَالُوا : كيف يَكُون الحَالُ في الجَنَّة وأنْتَ في الدِّرَجَات العُلَى ونَحْنُ أسْفَل مِنْك فَكَيْفَ نَرَاكَ، فَنَزَلَتْ هَذِه الآية[(١٠)](#foonote-١٠). 
وقال مُقَاتل : نَزَلَتْ في رَجُلٍ من الأنْصَارِ، قال للنَّبِي صلى الله عليه وسلم يا رسُولَ اللَّه، إذا خَرَجْنَا من عِنْدِك إلى أهْلِينَا اشْتَقْنَا إليك، فما يَنْفَعُنَا شيء حتَّى نَرْجع إلَيْك، ثم ذَكَرْتُ درجَتَكَ في الجَنَّة، فكيف لَنَا بِرُؤْيَتك إن دَخَلْنَا الجَنَّة، فنزَلَتْ هذه الآيةُ، فلما تُوُفِّي النَّبي صلى الله عليه وسلم قال : اللَّهُمَّ أعْمِنِي حّتَّى لا أرَى شَيْئاً بَعْدَهُ إلى أنْ ألقاه ؛ فعَمِيَ مَكَانَهُ، فكان يُجِبُّ النبي حُبّاً شديداً، فجعله الله مَعَهُ في الجَنَّةِ[(١١)](#foonote-١١). 
قال المُحَقِّقُون[(١٢)](#foonote-١٢) : لا تنكَرُ صحَّة هَذِهِ الرَّوَايَاتِ ؛ إلا \[ أن \][(١٣)](#foonote-١٣) سَبَب النُّزُّول يجب أن يكون شَيْئاً أعْظَم من ذَلِك، وهو الحَثُّ على الطَّاعَةِ والتَّرغِيب فيهَا، فإن خُصُوصَ السَّبَبِ لا يَقْدَحُ في عُمُوم اللَّفَظِ، فالآيةُ عامَّةٌ في حَقِّ جميع المكلَّفين، والمَعْنَى : ومَنْ يُطِع اللَّه في أدَاءِ الفَرَائِضِ، والرَّسُولَ في السُّنَنِ. 
### فصل


ظاهر قوله : وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ  يوجب الأكْثَر بالطَّاعَة الوَاحِدَة، لأنَّ اللَّفْظَ الدالَّ على الصِّفَةِ يكفي في جَانِبِ الثُّبُوتِ حُصُول ذَلِكَ المُسَمَّى مَرَّة وَاحِدَة. 
قال القَاضِي[(١٤)](#foonote-١٤) : لا بد[(١٥)](#foonote-١٥) من حَمْلِ هَذَا على غير ظاهره، وأن تُحْمَل الطَّاعَة على فعل المأمُورَاتِ وتَرْك جَمِيع المنْهِيَّات ؛ إذ لو حَمَلْنَاهُ على الطَّاعَةِ الوَاحِدَةِ، لدخل فيه الفُسَّاق والكُفَّار ؛ لأنهم قد يأتُونَ الطَّاعَةَ الوَاحِدَة. 
قال ابن الخَطِيب[(١٦)](#foonote-١٦) : وعِنْدي فيه وَجْهٌ آخَر، وهو أنَّهُ ثَبَتَ في أُصُولِ الفِقْهِ، أن الحُكْمَ المَذْكُور عَقِيب الصِّفَةِ يُشْعِرُ بِكَوْنِ[(١٧)](#foonote-١٧) ذلك الحُكْمِ مُعَلِّلاً بذلك الوَصْفِ، وإذا ثَبَتَ هذا فَنَقُول : قوله : وَمَن يُطِعِ اللَّهَ  \[ أي : ومن يُطِع الله \][(١٨)](#foonote-١٨) في كَوْنِهِ إلهاً، وذَلِكَ هو مَعْرِفَتُه والإقْرَار بِجَلالِهِ وعِزَّتِه وكبْرِيَائِه \[ وقُدْرَته \][(١٩)](#foonote-١٩)، ففيها تَنْبِيهٌ على أمْرَيْن عظيمين مِنْ أمُور المَعَادِ :
الأوّل : منشأ جَميع السَّعَاداتِ يوم القيامَة وهُو إشْرَاق الروح بأنْوَارِ معْرفته تعالى، وكل من كانت هذه الأنوار في قلبه أكْثَر، وصَفَاؤُهَا أقْوَى، وبُعْدُها عن التكَدُّر بعالم الأجْسَام، كان إلى الفَوْزِ بالنجاة أقرب. 
الثاني : قال ابن الخَطِيب[(٢٠)](#foonote-٢٠) : إنه - تعالى - وعد المُطيعين في الآيةِ المتقدِّمَة بالأجْر العَظِيم والهداية، ووعَدهُم هنا بِكَوْنِهِم مع النبِيِّين \[ كما ذكر في \][(٢١)](#foonote-٢١) الآية، وهَذَا الذي خَتَمَ به أشْرُف ممَّا قَبْلَهُ، فليس المُرادُ مَنْ أطَاعَ اللَّه وأطاعَ الرَّسُول مع النَّبِيِّين والصِّدِّيقين - كَوْن الكل في دَرَجَةٍ واحِدَةٍ ؛ لأن هذا يقْتَضِي التسوية في الدَّرجة بين الفَاضِلِ والمَفْضُوُل، وإنَّه لا يجُوزُ، بل المُرادُ : كونُهم في الجَنَّةِ بحَيْثُ يتمكَّن[(٢٢)](#foonote-٢٢) كل واحدٍ مِنْهُم من رُؤيَة الأخَرَ، وإن بَعُد المَكَان ؛ لأن الحِجَابِ إذَا زَالَ، شَاهدَ بَعْضُهم بَعْضاً، وإذا أرَادُوا الزِّيَارَة والتَّلاقِي قَدَرُوا عَلَيْهِ، فهذا هُو المُرادُ من هَذِه المَعيَّة. 
قوله : مِّنَ النَّبِيِّينَ  فيه أربعة أوجه :
أظهرها : أنه بَيَان ل  الذين أنعم الله عليهم . 
الثاني : أنه حالٌ من الضمير في " عليهم ". 
الثالث : أنه حلٌ من الموصُولِ، وهو في المَعْنَى كالأوَّل، وعلى هَذَيْنِ الوَجْهَيْن فيتعلَّق بمحْذُوف، لأي : كَائِنين من النَّبِيِّين. 
الرابع : أن يَتَعلَّق ب " يُطِع " قال الرَّاغِب :\[ أي \][(٢٣)](#foonote-٢٣) : ومن يُطِع اللَّه والرَّسُول من النَّبِيِّين ومَنْ بَعْدَهُم، ويكون قوله : فَأُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِم  إشارةٌ إلى الملإ الأعْلَى. 
ثم قال : وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقاً  ويُبَيِّين ذلك قوله - عليه السلام - عند المَوْتِ :" اللهم ألحقني بالرفيق الأعلى " وهذا ظاهِر، وقد أفْسَدَهُ أبو حَيَّان من جِهَةِ المَعْنَى، ومن جِهَةَ الصِّنَاعَة :
أمَّا من جِهَة المَعْنَى : فلأن الرَّسُول هُنَا هو مُحَمَّد صلى الله عليه وسلم، وقد أخْبَر- تعالى - أنَّه من يُطِع الله ورسُولَهُ، فهو مع مَنْ ذَكَرَهُ، ولو جَعَل " مع النبيين " متَعلِّقاً ب " يُطِع "، لكان " من النبيين " تَفْسيراً ل " مَنْ " الشَّرطيَّة، فَيَلْزَم أن يَكُونَ في زَمَانِهِ - عليه الصلاة والسلام - \[ أو بَعْدَهُ أنْبياء \]. 
وأمَّا من جِهَةِ الصِّنَاعَةِ ؛ فلأن ما قَبْلَ الفَاءِ \[ يُطيعُونَه، وهذا غَيْر ممْكِن ؛ لقوله تعالى : وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ  وقوله \][(٢٤)](#foonote-٢٤) - عليه السلام - :" ولا نَبِيّ بَعْدِي " الوَاقِعَة جَوابَاً للشَّرْطِ لا يعمل فيما بَعْدَهَا، لو قُلْت، إن تَضْرِب[(٢٥)](#foonote-٢٥) يَقُم عَمْرو وزَيْداً[(٢٦)](#foonote-٢٦) لم يَجُزْ. وهل هذه الأوْصَاف الأرْبَعة لِصِنْفٍ واحدٍ أو لأصنَافٍ مختلفة ؟ قولان. 
### فصل في تفسير المراد بالنبي والصديق والشهيد


قيل : المُرَاد بالنَّبِيِّين والصِّدِّيقين والشُّهَداء والصَّالِحِين : صِنْفٌ واحد من النَّاس، وقيل : المراد أصْنَاف مُخْتَلِفَة ؛ لأن المَعْطُوف يَجبُ أن يكُون مُغَايِراً للمعْطُوف عَلَيْهِ، وقيل : الاخْتِلاَف في الأصْنَافِ الثَّلاثة غير النَّبِيِّين، فالصِّدِّيقُون هُمْ أصْحَابُ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم، والصِّدِّيق : هو اسمٌ للمُبَالِغِ في الصِّدْقِ، ومن عَادَته الصِّدْقُ. 
وقيل : الصِّدِّيق : هو اسمٌ لمن سَبَقَ إلى تَصْديق النَّبي صلى الله عليه وسلم، \[ وعلى هذا فأبُو بكر أوْلَى الخَلق بهذا الاسْم ؛ لأنَّهُ أول من سَبَقَ إلى تَصْديق النَّبي صلى الله عليه وسلم \][(٢٧)](#foonote-٢٧) ؛ واشْتَهَرَت الرِّوَاية بذلك، وكان عَلَيَّ صَغِيراً واتَّفَقُوا على أنَّ أبا بَكْر لمَّا آمَنَ، جَاءَ بَعْدَ ذلك بِمُدَّة قَلِيلَة بِعُثْمَان بن عَفَّان - رضي الله عنه -، وطَلْحَة بن الزُّبَيْرِ، وسَعْد بن أبي وقَّاص، وعُثْمَان بن مَظْعُون - رضي الله عنهم - حتى أسْلَمُوا، فكان إسْلامُه سَبَباً لاقْتِدَاء هؤلاء الأكَابِرِ بِهِ ؛ فثبت أنَّه - رضوان اللَّه عَلَيْه - كان أسْبَق النَّاس إسلاماً، وإن كان إسلامُه صَار سَبَباً لاقْتِدَاء الصَّحَابَةِ في ذَلِكَ، فَكَانَ أحَقَّ الأمَّة بهذا الاسْم أبو بكر، وإذا كان كَذَلِك، كان أفْضَل الخَلْقِ بعد الرَّسُول \[ عليه الصلاة والسلام \][(٢٨)](#foonote-٢٨)، وجَاهَد في إسْلامِ أعْيَان الصَّحَابةِ - رضي الله عنهم - في أوّل الإسْلام، حين كان النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم في غَايَةِ الضَّعْفِ، وَعَلَيٌّ - رضي الله عنه - إنما جاهَد يَوْمَ أحُدٍ ويَوْمَ الأحْزَابِ، وكان الإسْلامُ قَوِيَّاً، والجهاد وَقْتَ الضَّعْفِ أفْضَلَ من الجِهَادِ وقت القُوَّة ؛ لقوله - تعالى - :
 لاَ يَسْتَوِي مِنكُم مَّنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُوْلَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِّنَ الَّذِينَ أَنفَقُواْ \[ مِن بَعْدل \]ُ[(٢٩)](#foonote-٢٩) وَقَاتَلُواْ وَكُلاًّ وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى  \[ الحديد : ١٠ \]، ودلَّ تَفْسِير الصِّدِّيق بما ذَكَرْنَا، على أنَّهُ لا مَرْتَبَةَ بعْد النُّبُوَّة \[ أشْرَف \][(٣٠)](#foonote-٣٠) في الفَضْلِ إلا الصِّدِّيق، فإنه أينما[(٣١)](#foonote-٣١) ذُكِر النَّبِيُّ والصِّدِّيق لَمْ يُجْعَل بينهما وَاسِطَةِ، قال - تعالى - في صفة اسْماعِيل : إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ  \[ مريم : ٥٤ \]، وفي صِفَةِ إدْرِيس : إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقاً نَّبِيّاً  \[ مريم : ٤١ \]، وقال هُنَا،  مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ  وقال : وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ  \[ الزمر : ٣٣ \]، فلم يجْعَل بَيْنَهُمَا وَاسِطَة، وقد وفَّقَ الله الأمَّة[(٣٢)](#foonote-٣٢) التِي هي خَيْر أمَّةِ، حتى[(٣٣)](#foonote-٣٣) جَعَلُوا الإمام بعد الرَّسُول - عليه الصلاة والسلام - أبا بَكْر على سبيل الإجْمَاع، ولما تُوُفي - رضي الله عنه - دُفِنَ[(٣٤)](#foonote-٣٤) إلى جَنْبِ رسُولِ اللَّه صلى الله عليه وسلم، وهذا دَليلٌ على أنَّ اللَّهَ - تعالى- رفع الواسِطَة بين النَّبِيِّين والصِّدِّيقين. 
وأمَّا " الشهداء " قيل : هُمُ[(٣٥)](#foonote-٣٥) الذين استشهدُوا يوم أُحُد، وقيل : الَّذِين استشهدُوا في سَبيل اللَّه. 
وقال عكرمة - رضي الله عنه - : النَّبِيُّون هَهُنَا مُحَمَّد صلى الله عليه وسلم، والصِّدِّيقُون أبُو بكر، والشُّهَدَاء، عُمَر وعُثْمَان وعَلِيّ، والصَّالِحُون : سائر الصَّحَابَةِ - رضي الله عنهم \[ أجْمَعِين \][(٣٦)](#foonote-٣٦) [(٣٧)](#foonote-٣٧). 
قال ابن الخطيب[(٣٨)](#foonote-٣٨) : لا يجُوزُ أن تكون الشَّهَادَةُ مُقَيَّدة بكون الإنْسَانِ مَقْتُول الكَافِر ؛ \[ لأن مَرْتَبَةَ الشَّهَادَةِ مَرْتَبَة عَظيِمة في الدِّين، وكون الإنْسَان مَقْتُول الكَافِر \][(٣٩)](#foonote-٣٩) ليس زيَادة[(٤٠)](#foonote-٤٠) شَرَفٍ، لأنّ هذا القَتْل قد يَحْصُلُ في الفُسَّاق، وفِيمَن لا مَنْزِلَة له عِنْدَ اللَّه. 
وأيضاً فإن المُؤمِن قد يَقُول : اللَّهُم ارْزُقْنِي الشَّه١ سقط في أ..
٢ في ب: الإناء..
٣ ينظر: تفسير القرطبي ٥/١٧٥..
٤ في ب: غلب..
٥ سقط في أ..
٦ سقط في أ..
٧ سقط في أ..
٨ سقط في أ..
٩ ذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٢/٣٢٥) وعزاه لسعيد بن منصور وابن المنذر عن عامر الشعبي دون ذكر اسم ثوبان.
 وأخرجه الطبري في "تفسيره" (٨/٥٣٤) عن سعيد بن جبير دون ذكر ثوبان أيضا..
١٠ وأخرجه الطبري في "تفسيره" (٨/٥٣٤) عن قتادة وذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٢/٣٢٥) وزاد نسبته لعبد بن حميد وابن المنذر..
١١ ذكره الفخر الرازي في "التفسير الكبير" (١٠/١٣٦) عن مقاتل..
١٢ ينظر: تفسير الرازي ١٠/١٣٦..
١٣ سقط في أ..
١٤ ينظر: تفسير الرازي ١٠/١٣٧..
١٥ في ب: فلا بد..
١٦ ينظر: تفسير الرازي ١٠/١٣٧..
١٧ في ب: كون..
١٨ سقط في ب..
١٩ سقط في ب..
٢٠ ينظر: تفسير الرازي ١٠/١٣٧..
٢١ سقط في أ..
٢٢ في ب: يمكن..
٢٣ سقط في ب..
٢٤ سقط في أ..
٢٥ في ب: أتضرب..
٢٦ في ب: زيد وعمرو..
٢٧ سقط في أ..
٢٨ في ب: أفضل الصلوات..
٢٩ سقط في أ..
٣٠ سقط في أ..
٣١ في أ: فإنما..
٣٢ في أ: الآية..
٣٣ في ب: إن..
٣٤ في ب: دفنوه..
٣٥ في ب: فهم..
٣٦ سقط في أ..
٣٧ ذكره البغوي في تفسيره ١/٤٥٠ عن عكرمة..
٣٨ ينظر: تفسير الرازي ١٠/١٣٩..
٣٩ سقط في ب..
٤٠ في ب: ليس ذلك زيادة..

### الآية 4:70

> ﻿ذَٰلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ ۚ وَكَفَىٰ بِاللَّهِ عَلِيمًا [4:70]

قوله : ذلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ  " ذَلِكَ " مُبْتَدأ، وفي الخَبَر وَجْهَان :
أحدهما : أنه " الفضل " والجَار والمَجْرُور في مَحَلِّ نَصْبٍ على الحَالِ، والعَامِلُ فيها مَعْنَى الإشَارَة. 
والثاني : أنه الجَارُّ، و " الفضل " صِفَة لاسْم الإشَارَة، ويجوز أن يكُون " الفضل " والجار بَعْدَه خَبَرَيْن \[ ل " ذَلِك " \][(٦٧)](#foonote-٦٧) على رَأي من يجيزُه.

### فصل : في دفع شُبه المعتزلة القائلين بوجوب الثواب


 " ذلك " \[ اسم \][(٦٨)](#foonote-٦٨) إشَارَة إلى ما[(٦٩)](#foonote-٦٩) تَقَدَّم ذكْرُه من الثَّوَابِ، وقد حكم عليه بأنَّه فَضْل من اللَّهِ، وهذا يَدُلُّ على أن الثواب غير وَاجِبٍ على اللَّهِ - تعالى -، وَيَدُلُّ عليه من جِهَة العَقْلِ[(٧٠)](#foonote-٧٠) أيْضاً وُجُوه :
أحدها : أن القٌدْرَة على الطَّاعَةِ إن كَانَت لا تَصْلُح إلا للطَّاعَةِ، فَخَالِقُ تلك القُدْرَةِ هو الَّذِي أعْطَى الطَّاعَة[(٧١)](#foonote-٧١)، فلا يَكُون فعْلُه مُوجباً شَيْئاً، وإن كانت صالحة للمَعْصِيَة أيْضاً، لم يترجَّحْ جَانِب الطَّاعة \[ للَّه \][(٧٢)](#foonote-٧٢) على جَانِب المَعْصِيَة إلا بِخَلْقِ الدَّاعِي إلى الطَّاعَة، ويصِيرُ مَجْمُوع القُدْرَةِ والدَّاعِي موجِباً للفِعْل، فخالق[(٧٣)](#foonote-٧٣) هذا المَجْمُوعِ، هو الَّذِي أعْطَى الطَّاعة، فلا يَكُون فِعْلُه مُوجِباً عليه شَيْئاً. 
وثانيها : أنَّ نِعم اللَّه على العَبْدِ لا تُحْصَى، وهي مُوجِبةٌ للطَّاعَة[(٧٤)](#foonote-٧٤) والشُّكْر، فإذا وَقَعَتْ في مُقَابَلَة النِّعَم السَّالِفَة، امتنع كَوْنُها مُوجِبَة للثَّوَابِ في المُسْتَقْبَل. 
وثالثها : أن الوُجُوب يَسْتَلْزِم \[ اسْتِحْقاق \][(٧٥)](#foonote-٧٥) الذَّمِّ عند التَّرْك[(٧٦)](#foonote-٧٦)، وهذا الاسْتِحْقَاقُ يُنَافِي الإلَهِيَّة، فيمتنع[(٧٧)](#foonote-٧٧) حُصُولُه في حَقِّ الإلَه - \[ سبحانه وتعالى \][(٧٨)](#foonote-٧٨) - ؛ فَثَبَت أنَّ ظاهر الآيَة كَمَا دَلَّ على أنَّ الثَّواب فَضْل من اللَّه - تعالى - فالبَرَاهيِنُ العقْلِيّة القَاطِعَة دَالَّةٌ على ذَلِكَ أيْضَاً. 
### فصل


يحتمل أن يكُون معنى الآية : ذَلِكَ الثَّوَاب لِكَمَالِ درجَتِه هو الفَضْلُ من اللَّه، وأن ما سِوَاهُ ليس[(٧٩)](#foonote-٧٩) بِشَيء، ويُحْتَمَلُ أن يكوُن ذلك الفَضْلُ المَذْكُور والثَّوَاب المَذكُور هو من اللَّهِ لا مِنْ غَيْرِه. 
 وَكَفَى بِاللَّهِ  أي : بثَوابِ الآخِرَة، وقيل : لمن أطاع الله ورسوله وأحبه وفيه بَيَان أنَّهُم لم ينالوا تلك الدَّرَجَة بطَاعَتِهم، إنَّما[(٨٠)](#foonote-٨٠) نالوها بِفَضْلِ اللَّه - عز وجل-. 
روى أبو هُريرة - رضي الله عنه -. قال : قال رسُول الله صلى الله عليه وسلم :" قَاربُوا وسَدِّدُوا واعْلَمُوا أنَّه لا يَنْجُو أحَدٌ مِنْكُم بِعَمَلِهِ " قالُوا : ولا أنْتَ يا رسُول اللَّه ؟ قال :" ولا أنا إلاَّ أنْ يَتَغَمَّدَني اللَّه بِرَحْمَةٍ منه وفَضْل " [(٨١)](#foonote-٨١).

### الآية 4:71

> ﻿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ فَانْفِرُوا ثُبَاتٍ أَوِ انْفِرُوا جَمِيعًا [4:71]

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ خُذُواْ حِذْرَكُمْ فَانفِرُواْ ثُبَاتٍ أَوِ انْفِرُواْ جَمِيعاً  \* \[ وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَن لَّيُبَطِّئَنَّ فَإِنْ أَصَابَتْكُمْ مُّصِيبَةٌ قَالَ قَدْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ إِذْ لَمْ أَكُنْ مَّعَهُمْ شَهِيداً \* وَلَئِنْ أَصَابَكُمْ فَضْلٌ مِنَ الله لَيَقُولَنَّ كَأَن لَّمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ يالَيتَنِي كُنتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزاً عَظِيماً } \][(١)](#foonote-١)
قال القًرْطُبِي[(٢)](#foonote-٢) : إنه - تعالى - لمّا ذكر طاعة اللَّه وطَاعَة رسُولِهِ، أمر أهْل الطَّاعة بالقِيَام بإحْيَاء دينهِ وإعْلاءِ دَعْوَته، وأمَرَهُم ألاَّ يقْتَحِمُوا على عُدوِّهِم على جَهَالةٍ، حتى يَتَحَسَّسُوا إلى ما عِنْدَهُم ويَعْلَمُون كيف يَرُدُّون عَلَيْهم، لأن ذَلِكَ أثْبَت لَهُم. 
وقال ابن الخطيب[(٣)](#foonote-٣) : لما رغَّب في طاعة اللَّهِ وطاعةِ رسُوله، عَادَ إلى ذِكْرِ الجِهَاد ؛ لأنه أشَقُّ الطَّاعَات، وأعْظَم الأمُور الَّتِي بها يَحْصُل تَقْوِية الدِّين، والحَذَر والحِذْر بمعنى ؛ كالأثر والإثْر ؛ والمَثَل والمِثْل، والشَّبَه والشِّبْه. 
قيل : ولم يُسْمَع في هذا التَّرْكِيب إلا خُذْ بالكَسْرِ لا حَذَرَك. 
يقال : أخَذَ حِذْرَهُ ؛ إذا تَيَقَّظَ واحْتَرَزَ من المَخُوفِ ؛ كأنه جَعَلَ الحِذْرَ آلَتَهُ التي يقي بها نَفْسَه، والمَعْنَى : احْذَرُوا واحْتَذِرُوا من العَدُّوِّ، ولا تمكِّنُوه من أنفُسِكم. 
وقال الوَاحِدِيُّ[(٤)](#foonote-٤) : فيه قَوْلاَنِ :
أحدهما : المُرَاد بالحِذْرِ \[ ها \][(٥)](#foonote-٥) هُنَا السِّلاح، والمعنى : خُذُوا سِلاَحَكُم، والسِّلاح يسمى حِذْراً ؛ لأنَّه يُتَّقَى ويُحْذَر. 
والثاني :" خذوا حذركم " بمعنى : احْذَرُوا عَدُوَّكم، فعلى الأوَّل : الأمْر بأخذ السِّلاح مُصَرَّحٌ به، وعلى الثَّانِي : أخذ السِّلاح مَدْلُول[(٦)](#foonote-٦) عليه بِفَحْوَى[(٧)](#foonote-٧) الكَلامِ. 
فإن قيل : إنَّ الَّذِي أمَر اللَّه - تعالى - بالحذْرِ عَنْهُ إن كان يُفْضي إلى الوُجُودِ، لم يَنْعَدِم، وإن كان الحذْر يُفْضِي إلى العَدَمِ، فلا حَاجَة إلى الحذْر، فعلى التَّقْديرَيْن الأمْر بالحذْر عَبَث[(٨)](#foonote-٨)، قال - عليه السلام - :" المَقْدُورُ كَائِنٌ " وقيل[(٩)](#foonote-٩) : الحذر لا يُغْنِي عن القَدَر. 
فالجوابُ : أن هذا الكَلاَم يُبْطِل القَوْل بالشَّرَائِع ؛ فإنه يُقَالُ : إن كان الإنْسَان من أهْلِ السَّعَادة في قَضَاءِ اللَّه وقدرِه، فلا حَاجَة إلى الإيمَانِ، وإن كان من أهْل الشَّقَاءِ، لم ينْفَعْه \[ الإيمانُ و \][(١٠)](#foonote-١٠) الطَّاعَة، فهذا يفضي إلى سُقُوط التَّكْلِيف بالكُلِّيّة. 
واعلم أنه لما كَان الكُلُّ بِقَضَاء اللَّه - تعالى - كان الأمْر بالحَذَرِ أيْضاً دَاخلاً بالقَدَر، وكان قَوْل القَائِل : أي فَائِدة بالحَذَر كَلاَماً مُتَنَاقِضاً ؛ لأنه لما كان هذا الحَذَر مُقَدَّراً، فأيُّ فائدة في هَذَا السُّؤال الطَّاعِن في الحَذَرِ. 
قوله :" فانفروا \[ ثبات \][(١١)](#foonote-١١) " يقال : نَفَر القَوْم يَنْفِرُون نَفْراً ونَفِيراً، إذا نَهَضُوا لِقِتَال عَدُّوِّ[(١٢)](#foonote-١٢)، وخَرَجُوا للحَرْبِ، واستنْفَر الإمَامُ النَّاس لجِهَاد العَدُوّ، فَنَفَرُوا يَنْفِرُون : إذا حَثَّهُم على النَّفِير[(١٣)](#foonote-١٣) وَدَعَاهُم إلَيْه ؛ ومنه قوله - عليه السلام - :" \[ و \][(١٤)](#foonote-١٤) إذا اسْتُنْفِرْتُم فانفرُوا " والنَّفِير[(١٥)](#foonote-١٥) : اسم للقَوْمِ الَّذِين يَنْفِرُون ؛ ومنه يُقال : فلان لاَ فِي العِيرِ ولا فِي النَّفِيرِ. 
وقال النُّحَاة[(١٦)](#foonote-١٦) : أصْلُ هذا الحَرْف[(١٧)](#foonote-١٧) من النُّفُور والنِّفَارِ ؛ وهو الفَزَع، يقال :\[ نَفر \][(١٨)](#foonote-١٨) إليه ؛ ونَفَر مِنْهُ ؛ إذا فَزع منه وكَرِهَهُ، وفي مُضَارعه لُغَتَان : ضمُّ العَيْنِ وكَسْرِهَا، وقيل : يُقَال : نَفر الرَّجُل يَنْفِرُ بالكَسْرِ، ونَفَرَت الدَّابَّة تَنْفُر بالضَّمِّ \[ ففرَّقُوا بَيْنَهُما في المُضَارع، وهذا الفَرْق يردُّه قِرَاءَة الأعْمَش :" فانفُروا " " أو انفُروا " بالضم \][(١٩)](#foonote-١٩) فيهما، والمَصْدَر النَّفِير، والنُّفُور، والنَّفْر : الجماعة كالقَوْم والرَّهْط. 
\[ قوله \][(٢٠)](#foonote-٢٠) :" ثبات " نصب على الحَالِ، وكذا " جميعاً " والمَعْنَى " انْفِرُوا جَمَاعاتٍ \[ متفرِّقَة \][(٢١)](#foonote-٢١) \[ أي \][(٢٢)](#foonote-٢٢) سَرِيّة بعد سَرِيّة، أو مُجْتَمِعِين كَوْكَبَةً وَاحِدَة، وهذا[(٢٣)](#foonote-٢٣) المَعْنَى الَّذي أراد الشَّاعِر في قوله :\[ البسيط \]
. . . \*\*\* طَارُوا إلَيْه زَرَافاتٍ وَوُحْدَانَا[(٢٤)](#foonote-٢٤)
**ومثله قوله :**
 فَإنْ خِفْتُمْ فَرِجَالاً أَوْ رُكْبَاناً  أي[(٢٥)](#foonote-٢٥) : على أيّ الحَالَتَيْن كُنْتُم فَصَلُّوا. 
قال أبُو حَيَّان[(٢٦)](#foonote-٢٦) : ولم يُقْرَأ " ثبات " فيما عَلِمْت[(٢٧)](#foonote-٢٧) إلا بكَسْر التَّاء. انتهى. 
وهذه هي اللُّغَةُ الفَصيحَة، وبَعْض العَرَب يَنْصِب جَمْع المُؤنَّث السَّالم إذا كان مُعْتَلَّ اللام مُعوضاً منها تاء التأنيث بالفَتْحَة[(٢٨)](#foonote-٢٨)، وأنشد الفرَّاء :\[ الطويل \]
فَلَمَّا جَلاَهَا بالأيَّام تَحَيَّزَتْ \*\*\* ثُبَاتاً عَلَيْهَا ذُلُّهَا واكْتئابُهَا[(٢٩)](#foonote-٢٩) [(٣٠)](#foonote-٣٠)
وقرئ[(٣١)](#foonote-٣١) شاذاً : وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَنَاتِ  \[ النحل : ٥٧ \] \[ بالفتحة \][(٣٢)](#foonote-٣٢)، وحكي : سَمِعْتُ لغاتَهُم، وزعم الفَارِسي أن الوَارِدَ من ذلك مُفْردٌ ردت لامهُ ؛ لأن الأصْل " لُغَوَة " ؛ فلما رُدَّت اللام، قُلِبَت ألفاً، وقد رُدَّ على الفَارِسي : بأنّه يلْزَمُهُ الجَمع بين العِوَض والمُعَوَّضِ مِنْه، ويَرُدُّ عليه أيْضاً القِرَاءة المتقَدِّمة في الثبات ؛ لأن المُفْرَد منه مكْسُورُ الفَاءِ. 
\[ " وثبات " جَمْعُ ثُبَة، ووزنها في الأصْل : فُعَلَة، كَحُطَمة، و \][(٣٣)](#foonote-٣٣) إنما حُذِفَت لامُها وعُوض عنها تاءُ التَّأنِيثِ، وهل لامها واواً أو يَاءً ؟ قولان :
حُجَّة القَوْل الأول : أنها مُشتقَّة من \[ ثَبَا يُثْبُو ؛ كَخَلا يَخْلُو، أي : اجْتَمع. 
وحُجَّةُ القول الثاني : أنها مُشْتَقة من \][(٣٤)](#foonote-٣٤) ثبيت على الرجل إذا أثْنيت[(٣٥)](#foonote-٣٥) عليه ؛ كأنك جمعت مَحاسنه، وتجمع بالألفِ والتَّاءِ، وبالوَاوِ والنَّونِ، ويجوز في فَائِهَا[(٣٦)](#foonote-٣٦) حين تُجْمَع على " ثُبين " الضَّم والكَسْر، وكذا ما أشْبَهَهَا، نحو : قُلة[(٣٧)](#foonote-٣٧)، وبُرة[(٣٨)](#foonote-٣٨)، ما لم يُجْمَع جَمْع تكْسِير. 
والثُّبَة : الجَمَاعة من الرِّجَال تكُون فَوْقَ العَشرة، وقيل : الاثْنَانِ والثَّلاثة، وتُصَغَّر على " ثُبْيَة "، بردِّ المَحْذُوف، وأما " ثُبة الحَوْضِ " وهي وَسطُهُ، فالمحذُوفُ عَيْنُها، لأنَّها من باب المَاء، أي : يَرْجِع، تُصَغِّر على " ثُوَيْبَةٍ " ؛ كقولك في تَصْغيرِ سَنَة : سُنَيْهَة. 
### فصل


قال القرطبي[(٣٩)](#foonote-٣٩) : قيل إن هذه الآية مَنْسُوخة بقوله : انْفِرُواْ خِفَافاً وَثِقَالاً 
\[ التوبة : ٤١ \] وبقوله  إِلاَّ تَنفِرُواْ يُعَذِّبْكُمْ عَذَاباً أَلِيماً  \[ التوبة : ٣٩ \] \[ ولأن يكُون \][(٤٠)](#foonote-٤٠)  انْفِرُواْ خِفَافاً وَثِقَالاً  \[ التوبة : ٤١ \] مَنْسُوخاً بقوله : فَانفِرُواْ ثُبَاتٍ أَوِ انْفِرُواْ جَمِيعاً ، وبقوله : وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُواْ كَآفَّةً  \[ التوبة : ١٢٢ \] أولى ؛ لأن فرض الجِهَادِ على الكِفْاية، فمتى سَدَّ الثُّغُورَ[(٤١)](#foonote-٤١) بَعْضُ المسْلِمِين، أسْقِطَ الفَرْضُ[(٤٢)](#foonote-٤٢) عن البَاقِينَ. 
قال : والصَّحِيحُ أن الآيَتَيْنِ محكْمَتَانِ، إحَدَاهما : في الوَقْتِ الذي يُحْتَاجُ فيه إلى تعيُّن الجَميع، والأخْرَى : عند الاكْتِفَاء بِطَائِفَةٍ دُون غَيْرِهَا. 
١ سقط في ب..
٢ ينظر: تفسير القرطبي ٥/١٧٦..
٣ ينظر: تفسير الرازي ١٠/١٤١..
٤ ينظر: تفسير الرازي ١٠/١٤١..
٥ سقط في ب..
٦ في أ: مذكور..
٧ في ب: بنحوي..
٨ في ب: جبب..
٩ في أ: وقوله..
١٠ سقط في ب..
١١ سقط في أ..
١٢ في ب: عدوهم..
١٣ في أ: السفر..
١٤ سقط في ب..
١٥ في أ: والنقرة..
١٦ ينظر: تفسير الرازي ١٠/١٤٢..
١٧ في ب: الاسم..
١٨ سقط في أ..
١٩ سقط في ب..
٢٠ سقط في أ..
٢١ سقط في ب..
٢٢ سقط في أ..
٢٣ في ب: وهو..
٢٤ عجز بيت لقريط بن أنيف وصدره:
 قوم إذا الشر أبدى ناجذيه لهم
 ينظر: الخصائص ٢/٢٧٠، وشرح الحماسة ١/٢٧، ومجالس ثعلب ٢/٤٠٥، والفخر الرازي ١٠/١٤٢، وروح المعاني ٧/١٤٣، والدر المصون ٣/٥٢..
٢٥ في ب: أو..
٢٦ ينظر: البحر المحيط ٣/٣٠٢..
٢٧ في ب: علمته..
٢٨ في ب: بالنحور..
٢٩ في ب: ولها وكسابها..
٣٠ البيت لأبي ذؤيب ينظر ديوان الهذليين ١/٧٩ وابن يعيش ٥/٤ والخصائص ٣/٣٠٤ والدر المصون ٢/٣٨٩، والبحر المحيط ٣/٣٠٢..
٣١ ينظر: الدر المصون ٢/٣٨٩، وستأتي في النحل آية (٥٧)..
٣٢ سقط في ب..
٣٣ في ب: هو..
٣٤ سقط في ب..
٣٥ في ب: ثنيت..
٣٦ في ب: بائها..
٣٧ القلة: عود يجعل في وسطه حبل، ثم يدفن، ويجعل للحبل كفة فيها عيدان، فإذا وطأ الظبي عليها عضت على أطراف أكارعه. اللسان (قلا)..
٣٨ البرة: الخلخال، وهي أيضا: الحلقة في أنف البعير، وقيل: هي الحلقة من صفر، أو غيره تجعل في لحم أنف البعير. اللسان (بري)..
٣٩ ينظر: تفسير القرطبي ٥/١٧٨..
٤٠ سقط في ب..
٤١ في أ: الثغر..
٤٢ في ب: الحرج..

### الآية 4:72

> ﻿وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ فَإِنْ أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَالَ قَدْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ إِذْ لَمْ أَكُنْ مَعَهُمْ شَهِيدًا [4:72]

قوله : وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَن لَّيُبَطِّئَنَّ  " منكم " خبر مُقَدَّم ل " إنْ " واسمُها، و " لمَنْ " دخلت اللام على الاسْم تأكِيداً لما فَصَلَ بَيْنَه وبَيْنَهَا بالخَبَر، و " من " يجوزُ أن تكُونَ مَوْصُولة، \[ أو نكرة مَوْصُوفة \][(٤٣)](#foonote-٤٣) واللاّم في " ليبطئن " [(٤٤)](#foonote-٤٤) فيها قَوْلان :
أصحهما : أنها جَوَابُ قَسَم مَحْذُوف، تقديره أُقْسِمُ بالله لَيُبَطِّئنَّ، والجُمْلَتَان - أعْنِي : القَسَم وجَوابُه - صِلَة ل " مَنْ "، أو صِفَةٌ لَهَا على حَسَبِ القَوْلَيْن المُتَقَدِّمَيْن، والعَائِدُ على كِلاَ التَّقْدِيرَيْن هو الضَّمِير المرفُوع ب " ليبطئن "، والتَّقْدِير : وإنْ مِنْكُم لِلَّذِي، أو لَفَرِيقاً واللَّه لَيُبَطِّئَنَّ. 
واسْتَدَلَّ بعض النُّحَاة بهذه الآيَةِ على أنَّه يجوز وَصْلُ المَوْصُولِ بجملة القَسَمِ وجوابه \[ إذا عَرِيَتْ جُمْلَةُ القَسَم من ضمير عَائِدٍ على الموصول نحو :" جاء الذي أحْلِفُ باللَّهِ لقد قام أبوه " وجعله \] ردَّا على قدماء النحاة، حيث زَعَمُوا مَنْعَ ذلك \[ ولا دلالة على ذلك \][(٤٥)](#foonote-٤٥)، إذ لقائل أن يقُول : ذلك القَسَم المَحْذُوفُ لا أقَدِّرُهُ إلا مُشْتَمِلاً على ضَمِيرٍ يَعُود على المَوْصُول. 
والقول الثاني : نقله ابن عَطِيَّة عن بَعْضِهِم : أنَّها لام التَّأكِيد بَعْدَ تأكيد، وهذا خطَأٌ من قَائله، والجُمْهُور على " ليبطئن " بتشديد الطَّاءِ. 
ومُجَاهد[(٤٦)](#foonote-٤٦) بالتَّخفيف. و \[ على \][(٤٧)](#foonote-٤٧) كلتا القِرَاءَتيْن يُحْتَمل أن يكُون الفِعْل لازماً ومُتَعَدِّياً، يقال : أبْطَأَ وبَطَّأ أي تَكَاسَلَ وتَثَبَّط، والتَّبْطِئَة : التَّأخُّر عن الأمْرِ، فهذان لزِمَان، وإن قُدِّر أنهما مُتَعَدِّيانِ، فمعُمُولُهُمَا مَحْذُوفٌ، أي : ليُبَطِّئَنَّ[(٤٨)](#foonote-٤٨) غَيْرَه، أي : يُثَبِّطُه ويُجِبْنُه عن القَتَالِ، و " إذ لم أكن " ظرف، نَاصِبُهُ :" أنعم الله ".

### فصل في تفسير " منكم " 


**قوله :" منكم " اختَلَفُوا فيه :**
فقيل : المُرادَ منه : المُنافِقُون وهم عبدُ الله بن أبَيٍّ وأصحابه، كانوا يُثَبِّطُونَ النَّاس عن الجِهَادِ مع رسُولِ اللَّه صلى الله عليه وسلم[(٤٩)](#foonote-٤٩). 
فإن قيل : تَقْدِير الكَلاَمِ يأيُّهَا الَّذِين آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُم وأن مِنْكُم لمن ليُبَطِّئَنَّ، فإذا كان هَذا المُبَطِّئ[(٥٠)](#foonote-٥٠) مُنَافِقاً، فكيف يُجْعَلُ قِسْماً من المُؤمِن في قوله " إن منكم ". 
فالجواب : أنه جعل المُنافقين من المُؤمنين من حَيْثُ الجِنْسِ والنَّسَبِ والاخْتِلاَطِ، أو من حيث الظَّاهِر ؛ لتشبههم بالمُؤمنين، أو من حَيث زعمهم ودَعْواهُم، كقوله : يأَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ  \[ الحجر : ٦ \]. 
وقيل : المراد ضَعَفَهُ المؤمنين، وهو اخْتِيَار جَمَاعَةٍ من المُفَسِّرين[(٥١)](#foonote-٥١)، قالُوا : والتَّبْطِئَةُ بمعنى الإبْطَاء، وفَائِدة هذا التِّشْديد تَكَرُّر الفِعْلِ مِنْهُ. 
حكى أهْل اللُّغَة أن العَرَبَ تَقُول : ما بَطأ بك يا فُلانُ عَنَّا، وإدْخَالهم البَاء يَدُلُّ على أنَّه في نَفْسِهِ غير مُتَعَدٍّ[(٥٢)](#foonote-٥٢)، فَعَلَى هذا مَعْنَى الآية : أن فيهم من يُبطئُ عن هذا الفَرْضِ ويتثاقل عن الجِهَادِ، وإذا ظَفِر المسْلِمُون، تَمنَّوْا أن يكُونُوا مَعَهُم ليَأخُذُوا الغَنِيمَة. 
قال : هؤلاء هُمُ الَّذِين أرادَ اللَّه بقوله : يأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انفِرُواْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الأَرْضِ أَرَضِيتُمْ  \[ التوبة : ٣٨ \]، قال : ويَدُلُّ على أنَّ المُرَاد بقوله :" ليبطئن " [(٥٣)](#foonote-٥٣) الإبْطَاء منهم لا تَثْبِيطَ غَيْرهم قوله : يا لَيتَنِي كُنتُ مَعَهُمْ  عند الغنِيمة، ولو كان المُرادُ : تَثْبِيطَ الغَيْرِ، لم يَكُن لِهَذا الكَلاَمِ مَعْنًى. 
وطعن القَاضِي في هذا القَوْلِ : بأنه - تعالى - حَكَى أن هؤلاَء المُبَطِّئِين، يقولون عن مصيبة المؤمنين : قَدْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ إِذْ لَمْ أَكُنْ مَّعَهُمْ شَهِيداً  فيعدّ قُعُوده على القِتَالِ نِعْمة من اللَّه - تعالى -، وهذا إنما يَلِيقُ بالمُنَافِقين، وأيضاً لا يَليق بالمُؤمنين أن يُقال لهم : كَأَن لَّمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ ، يعني الرَّسُول " مودة " [(٥٤)](#foonote-٥٤)، ثم قال : وإن حُمِلَ " ليبطئن " على أنه من الإبْطَاءِ والتَّثَاقُل، صح في المُنَافِقِين، لأنهم كانوا يَثَاقَلُون. 
قوله : فإن أصابتكم \[ مصيبة \]  [(٥٥)](#foonote-٥٥) أي : قَتْل وهَزيمَة " قال قد أنعم الله علي " بالقعود، و  إذ لم أكن معهم شهيداً ، أي : شَاهِداً حاضراً في تلك الغَزْوَةِ، فيُصِيبُنَي ما أصابَهُم، و " إذا لم أكن " طرف نَاصِبُه :" أنعم الله ".

### الآية 4:73

> ﻿وَلَئِنْ أَصَابَكُمْ فَضْلٌ مِنَ اللَّهِ لَيَقُولَنَّ كَأَنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ يَا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًا [4:73]

ولئن أصابكم فضل من الله [(٥٦)](#foonote-٥٦) أي : ظَفَرٌ وغَنِيمة، " ليقولن " هذا المنافق  كَأَن لَّمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ  \[ الآية \] الجمهور على فَتْح لاَمِ " ليقولن " لأنَّه فِعْل مُسْنَد إلى ضَمِير " من " مبني على الفَتْحِ لأجل نُون التَّوْكِيد، وقرأ الحَسن[(٥٧)](#foonote-٥٧) بِضَمِّها، فأسْند الفِعْل إلى ضَمِير " من " أيضاً \[ لكن \][(٥٨)](#foonote-٥٨) حملاً له على مَعْنَاها ؛ لأن قوله :" لمن ليبطئن " في معنى الجماعة والأصْلُ : لَيَقُولُونَنَّ وقد تقدَّم تَصْرِيفُه. 
قوله : كَأَن لَّمْ تَكُنْ  هذه " كأن " المُخَفَّفَةُ \[ من الثَّقيلَة \][(٥٩)](#foonote-٥٩) وعملُها باقٍ عند البَصْرِيِّين، \[ وزعم الكُوفيُّون أنها حين تَخْفِيفها لا تَعْمَل كما لا تعملُ " لَكن " مُخَفَّفَة عند الجُمْهُور، وإعْمَالُها عند البَصْرِيِّين \][(٦٠)](#foonote-٦٠) غَالباً في ضَمِير الأمْرِ والشَّأن، وهو وَاجِبُ الحَذْفِ[(٦١)](#foonote-٦١)، ولا تَعْمَل عِنْدَهُم في ضَمِير غَيْره ؛ ولا فِي اسْم ظَاهِر إلا ضَرُورةً، كقوله :\[ الهزج \]
وَصَدْرٍ مُشْرِقِ النَّحْر \*\*\* كَأنَّ ثَدْيَيْه حُقَّانِ[(٦٢)](#foonote-٦٢)
وقول الآخر :\[ الطويل \]
وَيَوْمَاً تُوَافِينَا بِوَجْهٍ مُقَسَّمٍ \*\*\* كأنْ ظَبْيَةً تَعْطُو إلَى وَارِقِ السُّلَمْ[(٦٣)](#foonote-٦٣)
في إحْدى الرِّوَايات، وظَاهِرِ كلام سَيَبويْه[(٦٤)](#foonote-٦٤) : أنَّها تَعْمَل في غير ضميرِ الشَّأنِ في غير الضَّرُورَة، والجُمْلَة المنْفِيَّة بعدها في مَحَلِّ رَفع خَبَراً لَهَا، والجملة بَعْدَهَا إن كانت فِعليَّة فتكون مُبْدوءَة بِ " قَدْ " ؛ كقوله :\[ الخفيف \]
لا يَهُولَنَّكَ اصْطِلاؤُكَ[(٦٥)](#foonote-٦٥) لِلْحَرْ \*\*\* بِ فَمَحْذُورُهَا كَأنْ قَدْ ألَمَّا[(٦٦)](#foonote-٦٦)
أو ب " لَمْ " كهذه الآية، وقوله : كَأَن لَّمْ تَغْنَ بِالأَمْسِ  \[ يونس : ٢٤ \] وقد تُلُقِيتْ ب " لَمَّا " في قول عمَّار الكلبي :\[ الرمل \]
بَدَّدَتْ مِنْهَا اللَِّيَالِي شَمْلَهُمْ \*\*\* فَكَأنْ لَمَّا يَكُونُوا قَبْلُ ثَمْ[(٦٧)](#foonote-٦٧)
قال أبو حيَّان[(٦٨)](#foonote-٦٨) : ويحتاج مِثْل هذا إلى سَمَاعِ من العَرَبِ، وقال ابن عَطِيَّة[(٦٩)](#foonote-٦٩) :" وكأن " مُضَمَّنة مَعْنَى التَّشْبيه، ولكنها لَيْسَتْ كالثَّقِيلَةَ في الاحْتِيَاج إلى الاسْم والخَبَر، وإنما تَجيءُ بعدها الجُمَل، وظَاهِرِ هذه العِبَارَة : أنها لا تَعْمَلُ عند تَخْفِيفها، وقد تقدَّم أن ذَلِك قَوْل الكُوفيين لا البَصْرِييِّن، ويُحْتَمل أنه أراد بذلك أن الجُمْلَة بعدها لا تَتَأثَّر بها لَفْظاً ؛ لأن اسْمَهَا مَحْذُوف، والجُمْلَة خَبَرُها. 
وقرأ ابن كثير[(٧٠)](#foonote-٧٠)، وحفص من عاصم، ويعقوب :\[ يَكُنْ \] بالياء ؛ لأن المَوَدَّة في مَعْنَى الوُد[(٧١)](#foonote-٧١) \[ و \][(٧٢)](#foonote-٧٢) لأنه قد فُصِلَ بَيْنَها وبَيْن فِعْلِها، والبَاقُون : بالتَّاء اعْتِبَاراً بلَفْظِها. 
قال الواحدي : وكِلْتَا القراءَتَين قد جاءَ التَّنْزِيل به ؛ قال  قَدْ جَاءَتْكُمْ مَّوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ  \[ يونس : ٥٧ \] وقال : فَمَن جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِّنْ رَّبِّهِ  \[ البقرة : ٢٧٥ \] فالتأنيث هو الأصْلُ، والتَّذْكِير يَحْسُن إذا كان التَّأنِيثُ غير حَقِيقيّ، لا سيِّما إذا وقع فَاصِل بين الفِعْل والفَاعِل، و " يكُون " يحتمل أن تكُون تَامَّةٌ، فيتعلق الظَّرْفُ بها، أو بِمَحْذُوفٍ، لأنَّه حالٌ من " مودة " إذ هو في الأصْلِ صِفَة نكرة قُدِّم عليها، وأن تكُون نَاقِصة، فيتَعَلَّق الظَّرْف بمحذُوفٍ على أنه خَبرَهَا، واخْتَلَفُوا في هَذِه الجُمْلَة على ثلاثةِ أقْوَالٍ :
الأوّل : أنها اعْتِرَاضيَّة لا مَحَلَّ لها من الإعْرَابِ، وعلى هَذَا فما المُعْترض بَيْنَهما ؟ فيه وجهان :
أحدهما : أنَّهَا مُعْتَرِضَة بين جُمْلَة الشَّرْطِ التي هِيَ  فَإِنْ أَصَابَتْكُمْ  وبين جُمْلَة القَسَم التي هي " وَلَئِنْ أصَابَكُمْ "، والتَّقْدير : فَإِنْ أَصَابَتْكُمْ مُّصِيبَةٌ  قال  قَدْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ إِذْ لَمْ أَكُنْ مَّعَهُمْ شَهِيداً  كأن لم تكن بينكم \[ وبينه مودة، ولئن أصابكُم فَضْل. فأخرت الجُمْلَة المعترض بها أعني قوله \][(٧٣)](#foonote-٧٣)  كَأَن لَّمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ  والنية بها التوسط، وهذا قول الزجاج وتبعه الماتُريدي، وردَّ الرَّاغِب الأصْبَهاني هذا القَوْل بأنَّه مستَقْبَحٌ، لأنه لا يَفْصِل بين بَعْض الجملة \[ وبَعْض \][(٧٤)](#foonote-٧٤) ما يتعلَّق بِجُمْلة أخْرَى. 
قال شهاب الدين : وهَذَا من الزَّجَّاج كأنه تَفْسِير مَعْنَى لا إعْرَاب، على مَا يأتِي ذِكْرُه عَنْهُ في تفسير الإعْرَاب. 
الوجه الثاني : أنها مُعْتَرِضَة بين القَوْل ومَفْعُوله، والأصْل : ليقولنَّ يا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُم كأن لَمْ يكُن، وعلى هذا أكثر النَّاسِ، وقد اخْتَلَفَت عِبَاراتُهم في ذَلِك، ولا يَظْهَرُ[(٧٥)](#foonote-٧٥) المَعْنَى إلا بِنَقْل نصوصهم فَلْنَنْقُلْهَا. 
فقال الزَّمَخْشَري : اعْتِرَاضٌ بين الفِعْلِ الَّذي هو " ليقولن " وبين مَفْعُولِهِ وهو " يا ليتني " والمعنى : كأنَّه لم يتقدم له مَعَكُم مَوَدَّة ؛ لأن المُنَافِقِين كانوا يُوَادُّون المؤمنين في الظَّاهِرِ، وإن كَانُوا يَبْغُونَ لهم الغَوَائِل في البَاطِنِ، والظَّاهر أنَّه تَهكُّم ؛ لأنهم كَانُوا أعْدَى عَدُوٍّ للمؤمِنِين، وأشدَّهم حَسَداً لهم، فكيف يُوصَفُون بالمَوَدَّة إلا على وَجْهِ العَكْسِ والتَّهَكُّم. 
وقال الزَّجَّاج : هذه الجُمْلَة اعْتِرَاضٌ، أخبر - تعالى - بذلك ؛ لأنَّهُم كانوا يُوادُّون المؤمنين. 
وقال ابن عَطيّة[(٧٦)](#foonote-٧٦) : المنافق يُعَاطِي المؤمنين[(٧٧)](#foonote-٧٧) المَوَدَّة، ويُعَاهِدُ على الْتِزَامٍ حِلْفِ الإسْلاَمِ، ثم يَتَحلَّف نِفَاقاً وشَكّاً وكُفْراً باللَّه ورسُوله، ثم يَتَمَنَّى عِنْدَما ينكشف الغَيْبُ الظَّفْر لَلمُؤمنين، فعلى هذا يَجِيءُ قَوْلُه :" كأن لم يكن " التفاتة بليغَة، واعْتِراضاً بين القَوْل والمَقُول بِلَفْظٍ يُظْهِر زيادَةً في قُبْحِ فِعْلِهِم. 
وقال الرازي : هو اعْتِراضٌ في غاية الحُسْنِ ؛ لأن من أحَبَّ إنْسَاناً فَرح لِفَرَحِه، وحَزِنَ لحُزْنِهِ، فإذا قَلَبَ[(٧٨)](#foonote-٧٨) القَضِيَّة فذلك إظْهَارٌ للعَدَاوَة، فحكى - تعالى - سُرُور المُنَافِقِ[(٧٩)](#foonote-٧٩) عند نَكْبَةِ المُسْلِمِين، ثم أرَادَ أن يَحْكِي حُزْنه عِنْدَ دَوْلَة المسْلِمِينِ بسبب فَوَاته الغَنِيمَة فقَبْل أن يَذْكُرَ الكَلاَم بتَمَامِهِ، ألْقَى قوله : كَأَن[(٨٠)](#foonote-٨٠) لَّمْ تَكُنْ  والمراد التَّعَجُّب ؛ كأنه يَقُول : انْظُرُوا إلى ما يَقُولُه هذا المُنَافِقُ كأن لَمْ تكن بَيْنَكُم وبَيْنَهُ مودَّة ولا مُخَالَطَة أصْلاً، والذي حَسَّن الاعتراض بهذه الجُمْلَة وإنْ كان محلها التَّأخِير، كوْنَ ما بَعْدَهَا فَاصِلَة وهيَ لَيْسَت بِفَاصِلَة. 
وقال الفَارِسِي : وهذه الجمْلَة من قَوْل المُنَافِقِين للَّذِين أقْعَدُوهُم عن الجِهَادِ ؛ وخَرَجُوا هُمْ كأنْ لم تكُنْ بَيْنَكُم وبَيْنَه أي : وبَيْن الرَّسُول - عليه الصلاة والسلام - مودَّة، فيخرجكم مَعَهُ لتأخذوا من الغنيمة ليُبَغّضُوا بذلك الرَّسُولَ إليْهم، فأعاد الضَّمِيرَ في " بَيْنَهُ " على النَّبي - عليه الصلاة والسلام -. 
وتبع الفارسي في ذَلِكَ مُقَاتِلاً ؛ قال مقاتل : مَعْنَاه : كأنه لَيْسَ من أهل[(٨١)](#foonote-٨١) \[ مِلَّتكُم \][(٨٢)](#foonote-٨٢)، ولا مودَّة بَيْنَكُم يريد : أن المبطّئ قَالَ لمن تَخَلَّفَ عن الغَزْوِ من المُنَافِقِين وضَعَفَة[(٨٣)](#foonote-٨٣) المؤمنين : ومن تَخَلَّف بإذْنٍ كأن لَمْ تكُنْ بَيْنَكُم وبَيْن مُحَمَّدٍ مودَّة، فيُخْرِجَكُم إلى الجِهَادِ، فَتَفُوزُوا بما فَازَ. 
\[ القول الثاني : إنها في مَحَلِّ نَصْبٍ بالقَوْلِ، فيكون - تعالى - قد حَكَى بالقَوْلِ جملتين : جُمْلة التَّشْبيه، وجملة التَّمَنِّي، وهذا ظَاهِرٌ على قَوْلِ مُقاتِل والفَارسيٍّ : حيث زعَمَا أن الضَّمِير في " بَيْنَه " للرَّسُول - عليه الصلاة والسلام - \][(٨٤)](#foonote-٨٤). 
القول الثالث : أنها في مَحَلِّ نَصْبٍ على الحَالِ من الضَّمِير المستَتِر في " ليقولن " كما تقول : مررْتُ بزَيْد وكأن لم يكن بينك وبينه معرفة فضلاً عن مودَّة، ونقل هذا عن الزَّجَّاج، وتَبِعَهُ أبو البَقاءِ في ذلك[(٨٥)](#foonote-٨٥). 
**و " يا " فيها قَوْلاَن :**
أحدهما : وهُوَ قول الفَارسيِّ إنها لمُجَرد التَّنْبِيه، فلا يقدَّر مُنادَى مَحْذُوف، ولذلك باشَرَت الحَرْف. 
والثاني : أن المُنَادَى مَحْذُوف، تقديره : يا هؤلاء، لَيْتَنِي، وهذا الخلاف جَارٍ فيها إذا باشَرَت حَرْفاً أو فِعلاً ؛ كقراء الكسائيّ  أَلاَّ يَسْجُدُواْ  \[ النمل : ٢٥ \] وقوله :\[ الطويل \]
ألاَ يَا اسْقِيَانِي قَبْلَ غَارَة سِنْجَال[(٨٦)](#foonote-٨٦) \*\*\*. . . [(٨٧)](#foonote-٨٧)
وقوله :\[ البسيط \]
يا حَبَّذَا جَبَلُ الرَّيَّانِ من جَبَلٍ \*\*\*. . . [(٨٨)](#foonote-٨٨)
على القول بفعليّة " حَبَّذَا " ولا يُفعل ذَلِكَ إلاَّ ب " يَا " خَاصَّة، دون سائر حُرُوف النِّدَاء، لأنَّها أمُّ البَابِ، وقد كثرت مُبَاشرَتُها ل " لَيْتَ " دون سَائِرِ الحُرُوف. 
قوله :" فأفوز " الجمهور على نَصْبِه في جَوَاب التَّمَنِّي، والكُوفِيُّون يزْعمون نصبه بالخلافِ، والجرميّ يزعمُ نصبه بنفس الفَاءِ. 
والصحيح الأوَّل، لأن الفَاء تَعْطِف هذا المَصْدَر المؤوَّل من " أنْ " والفِعْل على مَصْدَر مُتوهَّم، لأن التَّقْدِير : يا لَيْتَ لي كَوْنَاً معهم - أو مُصَاحَبَتهم - فَفَوْزاً[(٨٩)](#foonote-٨٩). 
وقرأ[(٩٠)](#foonote-٩٠) الحسن : فأفُوزُ رفعاً على \[ أحدِ وجهيْن :
إما \][(٩١)](#foonote-٩١) الاستئناف، أي : فأنا أفوزُ. 
أو عَطْفاً على " كُنْتُ " [(٩٢)](#foonote-٩٢) فيكون داخِلاً في[(٩٣)](#foonote-٩٣) حَيِّز التَّمَني أيضاً، فيكون الكَوْن معهُم، والفَوْزُ العَظيم مُتَمنين جَميِعاً، والمُرَاد بالفَوْزِ العظيم : النَّصِيب الوَافِرُ من الغَنِيمَة.

### الآية 4:74

> ﻿۞ فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ ۚ وَمَنْ يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا [4:74]

قوله : الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيَاةَ  فاعل، " فليقاتل " و " يشرون " يحتمل وَجهيْن :
أحدهما : أن يكون بمعْنَى : يَشْتَرُون. 
فإن قيل : قد تقرّر أن البَاء إنما تَدْخُل على المَتْرُوك[(١)](#foonote-١)، والظَّاهرُ هنا أنها دخَلَتْ على المأخُوذ :
فالجواب : أن المراد ب " الذين يشترون " المُنَافقون المبطِّئون عن الجِهَادِ أمروا بأنْ يُغَيِّروا ما بهم من النفاقِ، ويُخْلِصُوا الإيمان باللَّه ورسُولِهِ ويُجَاهِدُوا في سَبِيل اللَّه، فلم نَدْخُل[(٢)](#foonote-٢) إلا على المَتْرُوك[(٣)](#foonote-٣) ؛ لأن المُنَافِقِين تاركون للآخِرَةِ[(٤)](#foonote-٤) آخِذُون للدُّنْيَا، وتقدير الكَلاَمِ : فَلْيُقَاتِل الذين يَخْتَارُون الحياة الدُّنْيَا، وعلى هذا التقدير فلا، بل حَذْفٌ تقديره : آمِنُوا ثم قَاتِلُوا ؛ لاستحالة حُصُول الأمْرِ بشَرَائِعِ الإسْلام قبل حُصُول الإسْلامِ. 
الثاني : أن " يشرون " بمعنى : يَبِيعُون. 
قال ابْنُ مُفَرِّعٍ :\[ مجزوء الكامل \]

وَشَرَيْتُ بُرْداً لَيْتَنِي  مِنْ بَعْدِ بُرْدٍ كُنْتُ هَامَهْ[(٥)](#foonote-٥)قالوا : وبَرْد هو غلامه، وشريتُه بمعنى : بِعْتُه، وتَمَنَّى الموت بعد \[ بَيْعِه \][(٦)](#foonote-٦) فيكُون المراد بالذين يَشْرُون : المؤمِنُون المُتَخَلِّفُون عن الجِهَادِ ؛ المؤثِرُون الآجِلَة على العَاجِلَة، وتصير هذه الآية في كَوْنِ شَرَى تحتمل الاشْتِرَاء والبَيْعِ باعْتِبَارَيْنِ ؛ قوله - تعالى - : وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ  \[ يوسف : ٢٠ \] على ما سَيَأتِي - إن شاء الله تعالى - وقد تقدم شيء من هذا أوَّل البقرة \[ الآية ١٦ \] والجمهور على سُكُون لام " فليقاتل " لأنها وَقَعَتْ بعد الفَاءِ \[ والواو \] فأشبهَت اللفظة اكتفاءً، وقرئ بكسرها، وهو الأصل وأجاز إسْكانَها وكَسْرَهَا كهذه الآية، وقوله - تعالى - : وَلْيَطَّوَّفُواْ بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ  \[ الحج : ٢٩ \] وقد قرئ بهما. والجمهور[(٧)](#foonote-٧) على بناء " فيقتل " للمفعُول، ومحارب بن دثار ببنائه للفاعل. 
والأوَّل أظهر ؛ لقوله : أَو يَغْلِبْ  \[ " ويقتل " \][(٨)](#foonote-٨) " ويغلب " عطف على شَرْط، والفَاءُ في " فسوف " جوابُهُ لا يجُوزُ حَذْفُهَا والمشهور \[ إظهار \][(٩)](#foonote-٩) هذه الباءِ عند الفَاءِ، وأدْغَمَها أبُو عمرو والكسائي، وهِشَام وخلاد بخلاف عَنْه. 
والجمهور على " نؤتيه " بنون العظمة، وطَلْحَة بن مصرف والأعمش : بياء الغَيْبَة، وهما ظَاهِرَتَانِ. 
وقدم قوله " فيقتل " لأنها دَرَجَة شهادة وهي أعْظَم من غَيْرِهَا، وثَنَّى بالغَلَبَة، وهي تَشْمَل نوعين : قتل أعْدَاء اللَّه، والظَّفَر بالغَنِيمَة، والأولى أعْظَم من الثَّانِية. انتهى. 
### فصل


المعنى : أن من قَاتَل في سَبيل اللَّهِ سواءٌ[(١٠)](#foonote-١٠) صار مَقْتُولاً لِلكُفَّار، أو غالباً، فسوف نُؤتيه أجْراً عظيماً، ولا واسطة بَيْن هَاتَيْن الحَالَتَيْنِ. \[ و \][(١١)](#foonote-١١) إذا كان الأجْر حَاصِلاً على كُلِّ تَقدِير، لم يكُن عملٌ أشْرَف من الجِهَادِ، وهذا يَدُلُّ على أن المُجاهِد لا بُدَّ وأنْ يُوَطِّن نَفْسَهُ على أنَّه لا بُدَّ مِنْ أحد أمْرَيْن : إمَّا أن يَقْتُله العَدُّوُّ[(١٢)](#foonote-١٢) [(١٣)](#foonote-١٣)، وإمّا أن يغلبَ، فإذا عَزَم على ذَلِك، لم يفرَّ عن خَصْمه، ولم يُحْجِم عن المُحَارَبة، وإن دخل على غَيْر هذا \[ العَزْم \][(١٤)](#foonote-١٤) فما أسْرَعَ فِرَارَهُ. 
روى أبو هُرَيْرَة ؛ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :" تكَفَّل اللَّه لِمَن جَاهَد في سبيل اللَّه \[ لا يُخرِجُهُ إلا جِهَادٌ في سَبِيلِه \][(١٥)](#foonote-١٥) وتصدِيِق كلمته، بأن يُدخلَه الجَنَّة، أو يرجعه إلى مَسْكَنِه الَّذِي خَرَجَ مِنْهُ مع ما نال من أجرٍ أو غَنِيمَةٍ " [(١٦)](#foonote-١٦). 
وعن أبي هُرَيْرَة - رضي الله عنه - ؛ أن رسُول الله صلى الله عليه وسلم قال :" مثلُ المُجَاهِد في سَبِيل اللَّه ؛ كمثل القَانِتِ الصَّائم الَّذي لا يَفْتُر من صلاةٍ ولا صيامٍ، حتى يُرجِعه الله إلى أهْلِهِ بما يرجعُه من غَنِيمَة وأجْرٍ، أو يتوفَّاه فَيَدْخُل الجَنَّة " [(١٧)](#foonote-١٧). 
١ في ب: المبدول..
٢ في ب: يدخل..
٣ في ب: المبدول..
٤ في ب: باذلون الآخرة..
٥ ينظر: اللسان "شري"، والرازي ١٠/١٤٤..
٦ سقط في أ..
٧ ينظر: المحرر الوجيز ٢/٧٨، والبحر المحيط ٣/٣٠٧، والدر المصون ٢/٣٩٣..
٨ سقط في ب..
٩ سقط في أ..
١٠ في ب: فنوى القتال سواء..
١١ سقط في ب..
١٢ في ب: القدر..
١٣ سقط في ب..
١٤ سقط في ب..
١٥ في ب: سكنه..
١٦ أخرجه البخاري في كتاب الخمس: باب قول النبي صلى الله عليه وسلم: أحلت لكم الغنائم (٣١٢٣): كتاب التوحيد: باب "ولقد سبقت كلمتنا" (٧٤٥٧) ومسلم كتاب الإمارة باب ٢٨ والنسائي كتاب الجهاد ب ١٢ والبيهقي (٩/١٥٧) ومالك في "الموطأ" (٤٤٣) وسعيد بن منصور (٢٣١١، ٢٣١٢) من حديث أبي هريرة..
١٧ أخرجه مالك في "الموطأ" (٢/٤٤٣ ـ ٤٤٤) كتاب الجهاد: باب الترغيب في الجهاد (١) والبخاري (٦/٢٠) كتاب الجهاد والسير: باب تمني الشهادة (٢٧٩٧) ومسلم (٣/١٤٩٨) كتاب الإمارة باب فضل الشهادة في سبيل الله (١١٠/١٨٧٨) من طريق أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة..

### الآية 4:75

> ﻿وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَٰذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيرًا [4:75]

هذا استِفْهام يرادُ به التَّحْرِيض، والأمر بالجِهَاد على سَبيلِ الوُجُوب، ومعناه : أنَّه لا عُذْر لَكُمْ في تَرْكِ المُقَاتلةِ، وقد بَلَغَ حال المُسْتَضْعَفِين من الرِّجَال والنِّسَاءِ والولْدَانِ من المُسْلِمِين إلى ما بلغ في الضَّعْفِ، فهذا الحَثُّ شديدٌ، وبيان العِلَّة[(١)](#foonote-١) التي صَار القِتَالُ لِهَا وَاجِباً، وهو مَا فِي القِتَال من تَخْلِيص هَؤلاء المُؤمِنين من أيْدِي الكَفَرَة ؛ لأنَّ هذا يَجْمَعُ مع الجِهَادِ ما يَجْرِي مُجْرى فكاك الأَسِير. 
و " ما " : مبتدأ، و " لكم " خَبَرُه، أي : أيّ شَيْءٍ استقرَّ لكم، وجُمْلَة قوله :" لا تقاتلون " فيها وجْهَانِ :
أظهرُهُمَا : أنها في محلِّ نَصْبٍ على الحالِ، أي : مَا لَكُمْ غير مُقاتِلِين، أنكر عليهِمْ أن يكُونُوا على غير هذه الحَالَةِ، وقد صرَّح بالحَالِ بعد هذا التركيب في قوله : فَمَا لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ  \[ المدثر : ٤٩ \] وقال في مثل هذه الحال : إنَّها لازمة ؛ لأنَّ الكلام لا يتمُّ دونَها، وفيه نَظَرٌ، والعَامِل في هذه الحالِ، الاستقرار المقدَّر ؛ كقولك : ما لك ضاحِكاً. 
والوجه الثاني : أن الأصل :" وما لكم في ألا تقاتلوا " فَحُذِفَت " في " فبقي " ألا تقاتلوا " فجرى[(٢)](#foonote-٢) فيها الخِلاف المَشْهُور، ثم حُذِفَت " أنْ " النَّاصِبَة، فارْتَفَعَ الفِعْل بَعْدَهَا ؛ كقولهم : تَسْمعُ بالمُعَيْدِيِّ خَيرٌ من أنْ تَرَاهُ، وقوله :\[ الطويل \]
أيُّهَذَا[(٣)](#foonote-٣) الزَّاجِرِي أحْضُرُ الْوَغَى \*\*\*. . . [(٤)](#foonote-٤)
في إحدى الروايتين، وهذا يؤيِّد كَوْنَ الحَالِ ليست بلازِمة.

### فصل


قالت المُعتزلة : قوله : وَمَا لَكُمْ لاَ تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ  إنكار عليهم في تَرْك القِتَالِ، وبَيَان أن لا عُذْر ألْبَتَّة في تركه، ولو كان فِعْل العَبْد، بخلق الله - تعالى -، لبطل هذا الكلام ؛ لأن من أعْظَم العُذْر أنَّ الله ما خَلَقَهُ وما أرادَهُ، وما قَضَى به، وجوابُه مذكورٌ. 
قوله :" والمستضعفين " فيه ثلاثة أوجه :
أظهرها[(٥)](#foonote-٥) : أنه مَجْرورُ عطفاً \[ على اسْمِ اللَّه، أي : وفي سَبيلِ المُسْتَضْعَفِين. 
والثاني : وإليه ذَهَب الزجاج والمَبرِّد أن يكون مَجْرُوراً عطفاً \][(٦)](#foonote-٦) على نَفْسِ " سَبِيل ". قال أبو البَقَاء[(٧)](#foonote-٧) بعد أن حَكَاهُ عن المُبَرِّد وحده : وليس بِشَيْءٍ كأنه لم يَظْهر لأبِي البَقَاء وجه ذلك، ووَجْهُه أنَّ تقديره : وفي خلاص المُسْتَضْعفِين. 
والثَّالِث : وإليه ذَهَب الزَّمَخْشَرِي[(٨)](#foonote-٨)، أن يكون مَنْصوباً على الاخْتِصَاصِ، تقديره : وأخُصُّ من سبيل اللَّهِ خلاص المُسْتَضْعَفين ؛ لأن سَبِيل اللَّه عامٌّ في كل خير ؛ وخلاص المُسْتَضْعَفِين من المسْلِمِين من أيدي الكُفَّار من أعْظَم الخيور. والجُمْهُورُ على :" والمستضعفين " بواو العَطْفِ. 
وقرأ ابن شهاب : في سبيل الله المستضعفين  وفيها تخريجان :
أحدهما : أن يكُونَ حَرْفُ العَطْفِ مقدراً ؛ كقولهم :" أكلت لَحْمَاً تَمْراً سَمَكاً ". 
والثاني : أن يكونَ بَدَلاً من " سبيل الله " أي : في سَبِيل الله سبيلِ المُسْتضْعَفِين ؛ لأنَّ سَبِيلَهم سَبِيلُ الله - تعالى -. 
قوله : مِنَ الرِّجَالِ  فيه وجهان :
أحدهما : أنه حالٌ من المُسْتضْعَفين. 
والثاني : أن " مِنْ " لِبَيَان الجنس، و " الولدان " : قيل : جَمْع " وليد " ؛ وهم المُسْلِمُون الَّذِين بَقُوا بمكَّة لصدِّ المُشْرِكين، أو ضعفهم عن الهِجْرَة مستنزلين ممتنعين. انتهى بيضاوي. 
فيكون المُرَاد بهم : العَبيد والإماءُ ؛ لأن العَبْد والأمَةَ يقال لَهُما : الوَلِيدُ والوليدَةُ، وجمعهما : الوِلْدَان والوَلائِد، إلا أنَّه ههنا غلَّب الذكور، ويكون المُرادُ بالرِّجَال والنِّسَاء : الأحْرار، والحَرَائِر[(٩)](#foonote-٩). 
وقيل : جَمْع وَلَد ؛ كَوَرَل ووِرْلان وحَربٌ وحَرْبَان والمُرَاد بهم : الصِّبْيَان، \[ وقيل : العبيد والإمَاء، يقال للعبد :" وَليدٌ "، وللأمة :" وليدَةٌ "، فغلَّب المُذكَّر على المُؤنَّث ؛ لاندراجه فيه \][(١٠)](#foonote-١٠). 
**و " الذين يقولون " فيه وَجْهَان :**
أحدهُما : أن يكُونَ مجروراً على أنَّه صفةٌ : إمَّا للمستَضعفِين، وإمَّا للرِّجَال ومن بعدهم، وغلَّب المُذَكَّرَ على المؤنَّثِ. 
وقال أبو البَقَاء[(١١)](#foonote-١١) :" الذين يقولون " في مَوْضِع جَرِّ صفة لِمَنْ عَقِل من المذكورين ". كأنه تَوَهَّم أنَّ الولدَان الصبيانُ، والصبيانُ لا يعقلُون ؛ فَجَعَله نعتاً لِمَنْ عقل من المذْكُورين وهُم الرِّجَال والنِّسَاء دونَ الولدان، لأنَّ جَمْعَ السَّلامَة في المُذَكَّر يُشْترط فيه العَقْلُ، و " الذين " جَارٍ مُجْرَاه. 
قال شهاب الدين : وهذه غَفْلةً ؛ لأنَّ مرادَ النَّحْويين بالعَاقِلِ : ما كان من جنْس العُقَلاَء وإنْ كان مسلوبَ العَقْلِ ؛ ويدُلُّ عليه قوله - تعالى - :
 أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُواْ عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ  \[ النور : ٣١ \] فالمُرادُ بالطفل هنا : الصِّبْيَان الصِّغار، ومع ذلك وَصَفهم بالذين. 
والثاني : أن يكُونَ منصوباً على الاخْتِصَاصِ. 
### فصل


المُرَاد بالمُستضعفين من الرِّجال والنِّسَاء والولْدَان : قومٌ من المُسْلِمِين بقُوا بمكَّة، عَجَزُوا عن الهِجْرَة إلى المَدِينَةِ، وكانوا يَلْقُون من كُفَّار مكَّة أذى شَديداً. 
قال ابن عبَّاس : كنت أنَا وأمِّي من المُستضعَفِين من النِّسَاء والولدان[(١٢)](#foonote-١٢)، وكانُوا يدعُون ويقولُون في دُعائِهِم :" ربنا أخرجنا من هذه القرية الظالم أهلها " وكانوا يُشْرِكُون معهم صِغَارَهمُ في الدُّعَاء ؛ لأن الصِّغَار لم يُذْنِبُوا ؛ كما وَرَدَت السُّنَّة في إخْرَاجِهِم في الاسْتِسْقَاءِ، إنما ذكر الولدان ؛ مُبَالَغةً في شَرْحِ ظُلْمِهِم. حيث بَلَغَ أذاهُم غير المُكَلَّفِين، وأجْمَعُوا على أنَّ المراد من هذه القرية الظَّالِمِ أهلها \[ مكة \][(١٣)](#foonote-١٣) وكون أهْلِهَا موصُوفِين بالظُّلْمِ : يُحْتَمل أن يكُون لأجْل لأنَّهُم مُشْرِكُون ؛ قال - تعالى - : إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ 
\[ لقمان : ١٣ \] ويحتمل أن يكون لأجْل أنَّهم كانوا يُؤذُون المُسْلِمين. 
قوله :" الظالم أهلها " " الظالم " : صفةُ للقرية، و " أهلها " : مرفوعٌ به على الفاعلية. و " أل " في " الظالم " موصولةٌ بمعنى التي، أي : التي ظَلَمَ أهْلُهَا. فالظلمُ جَارٍ على القَرْيَةِ لفظاً، وهو لِما بَعْدَها معنى، ومثلهُ :" مررْتُ برجلٍ حَسَنٍ غلامُه ". 
قال الزمخشري[(١٤)](#foonote-١٤) : فإن قلت : لِمَ ذكَّر " الظالم " وموصُوفُه مؤنث ؟ قلت : هو وصْفٌ للقرْية إلا أنَّه مستَنِدٌ إلى أهْلِها، فأعْطِي إعْرَاب " القرية " لأنها صفتها، وذُكِّر لإسناده إلى الأهْل ؛ كما تقول : من هذه القرية التي ظلم أهلُها، ولو أنِّثَ فقيل :" الظَّالمةُ أهْلُها " لجَاز، لا لتأنيث الموصُوف ؛ بل لأنَّ الأهلَ يُذَكَّرُ ويؤنَّثُ. 
فإن قلت : هل يجُوزُ : مِنْ هذه القريةِ الظَّالِمين أهْلُها ؟. 
قلت : نَعَمْ، كما تقُول :" التي ظلموا أهلها " على لغة :" أكلوني البراغيث " ومنه : وَأَسَرُّواْ النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ  \[ الأنبياء : ٣ \] انتهى. 
وهذه قاعدةٌ كُلية : أنَّ الصِّفة إذا جَرَتْ على غيرِ مَنْ هِيَ له سواءً كَانَتْ خبراً، أم نعتاً، أم حالاً يُنْعَتُ ما قَبْلَها في اثنين من خَمْسَة : واحدٍ من ألْقَابِ الإعْراب، وواحدٍ من التَّنْكير والتَّعْرِيف، وأمَّا بالنِّسْبَةِ إلى التَّذْكير، والتَّأنيث، والإفراد، وضدَّيه فَيُحْسَبُ المرفُوعُ بها كالفِعْلِ، وقد تقدَّم تحقيقُه، ويجبُ أيضاً إبرازُ الضَّمير منها مُطْلَقاً - أعني : سواءً ألْبس أم لم يُلْبِس - وأمَّا إذا كان المَرْفُوعُ بها اسْماً ظَاهِراً، فلا حاجة إلى رفعها الضَّمِيرَ، إلا أنه لا بُدَّ من رَاجِع يرْجع إلى الاسْمِ الموْصُوف بها لَفْظاً كهذه الآية، وهذا بِخِلافِ الفِعْلِ إذا وُصِف به، أو أُخْبِر به، أو وَقَعَ حالاً لِشَيْء لفظاً وهو لغيره مَعْنىً، فإن الضَّمِيرَ لا يُبْرَزُ منه بل يَسْتَتِرُ، نحو :" زيدٌ هِنْدٌ يَضْرِبُها " و " هند زيدٌ تَضْرِبُه " من غيرِ ضميرٍ بارزٍ، لقوة الفِعْل وضَعْفِ الاسم في العَمَلِ، وسواءً لم يُلْبِس - كما تقدَّم تَمْثِيله - أو ألْبَسَ، نحو :" زيدٌ عَمْرو يضربه " إذا قصدْتَ أن زيداً هو الضَّارِبُ لِعمْرو، هذا مُقْتَضَى مذهب البصْريِّين، نصَّ عليه مَكي[(١٥)](#foonote-١٥) وغيره، إلا أنَّه قال قبل ذَلِكَ :" إلا أنَّ اسْمَ الفَاعِل إذا كان خَبَراً أو صِفَةً لغير مَنْ هو له، لم يَسْتَتِرْ فيه ضَمِيرٌ، ولا بد من إظْهَارِهِ، وكذلك إنْ عُطِف على غَيْرِ مَنْ هُوَ لَهُ ". 
قال شهاب الدين : هذه الزِّيادةُ لمْ يذكُرْها النَّحْويُّون وتمثيلُها عَسِرٌ، وأمَّا ابنُ مالِكٍ : فإنه سَوَّى بين الفِعْل والوَصْف، يعني : إنْ ألْبس، وجَب الإبْرازُ حتى في الفِعْل، نحو : زيدٌ عَمْرٌو يَضْرِبُه هو " وإن لم يُلْبس جَاز، نحو :" زَيْد هِنْدٌ يضْرِبُها " وهذا مقتضى مذهَبِ الكوفيين ؛ فإنهم عَلَّلوا باللبس، وفي الجُمْلَة ففي المَسْألة خِلافٌ. 
قوله : وَاجْعَلْ لَّنَا مِن لَّدُنْكَ وَلِيّاً وَاجْعَلْ لَّنَا مِن لَّدُنْكَ نَصِيراً  قال ابن عبَّاسٍ : يريدون : اجعل علينا رجُلاً من المُؤمنين يُوَالِينا، ويقوم بِمَصالِحِنا، ويحفظ عَلَيْنَا دِيننا وشرْعَنا ؛ فأجَابَ اللَّهُ دعاءَهُم ؛ لأن النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم، لما فَتَح مكَّة، جعل عتَّاب بن أسَيْد وَالِياً عليهم، فكان يُنْصِف الضَّعيفَ من القويِّ، والمَظْلوم مِنَ الظَّالِم[(١٦)](#foonote-١٦). 
وقيل : المُرَاد : واجْعَل لَنَا من لدُنْك ولاية ونُصْرَة، أي : كُنْ أنْتَ لنا ولِيّاً. 
١ في ب: للعلة..
٢ في ب: فبقي..
٣ في ب: يأيها..
٤ تقدم برقم ٥٥٩..
٥ في أ: أحدها..
٦ سقط في ب..
٧ ينظر: الإملاء ١/١٨٧..
٨ ينظر: الكشاف ١/٥٣٤..
٩ ينظر: البحر المحيط ٣/٣٠٧، والدر المصون ٢/٣٩٤..
١٠ سقط في ب..
١١ ينظر: الإملاء ١/١٨٧..
١٢ أخرجه البخاري (٤/١٩٨) كتاب الجنائز: باب إذا أسلم الصبي حديث (١٣٥٧)، (٨/٩٢) كتاب التفسير باب سورة النساء حديث (٤٥٨٧) عن ابن عباس موقوفا..
١٣ سقط في أ..
١٤ ينظر: الكشاف ١/٥٣٥..
١٥ المشكل: ١/١٩٧..
١٦ ذكره الفخر الرازي في "التفسير الكبير" (١٠/١٤٦) عن ابن عباس..

### الآية 4:76

> ﻿الَّذِينَ آمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ۖ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ ۖ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا [4:76]

لما بيَّن وجوبَ الجهاد، بيَّن أنه لا عِبْرة بصُورة الجِهَادِ، بل العِبْرَة بالقَصْد والدَّاعِي، فالمُؤمِنُون يقاتلون في سبيل الله، أي : في طاعَةِ اللَّه ونُصْرة دينه، والَّذين كَفَرُوا يُقَاتِلُون في سَبيلِ الطَّاغُوت، أي : في طَاعَةِ الشَّيْطَان. 
قال أبو عُبَيْدة والكسَائي[(١)](#foonote-١) : الطَّاغُوت يُذَكَّر ويُؤنَّث، قال أبو عُبَيْد : وإنَّما ذكر وأنث ؛ لأنَّهم \[ كانوا يُسَمّون الكاهن والكاهِنة طاغُوتاً. 
قال جابر بن عبد الله وقد سُئِل عن الطَّاغُوت التي \][(٢)](#foonote-٢) كانوا يَتَحاكَمُون إليْها -قال : كان في جُهَيْنة واحِدةٌ، وفي أسْلم واحِدَةٌ، وفي كل حَيٍّ واحدة[(٣)](#foonote-٣). 
قال أبو إسْحَاق : والدَّلِيل على أنَّه الشَّيْطَان، قوله - تعالى - : فَقَاتِلُواْ أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفاً  أي : مَكْرَهُ وَ \[ مَكْرَ \][(٤)](#foonote-٤) من اتَّبَعَهُ، وهذه الآية كالدَّالة على أنَّ كُلَّ من كان غَرَضُه في فِعْل رضَى \[ غير \][(٥)](#foonote-٥) الله - تعالى - \[ فهو في سبيل الطاغُوت، لأنه - تعالى - ذكر هذه القِسْمَة ؛ وهي أن القِتَال إمَّا أن يكون في سبيل اللَّه \][(٦)](#foonote-٦)، أو في سبيل الطَّاغُوتِ، وجب أن يكُون ما سِوَى اللَّه طاغُوتاً، ثم إنَّه - تعالى - أمر المُقَاتِلين في سَبيل اللَّه أن يُقَاتِلُوا أوْلِيَاء الشَّيْطَان ؛ فقال :" فقاتلوا أيها المؤمنون أولياء الشيطان " : حزبه وجُنودَهُ ؛ وهم الكُفَّار، ثم بيَّن أن كَيْد الشَّيْطان \[ كان ضعيفاً لأن اللَّه ينصر أوْلِيَاءَهُ، والشَّيْطان ينصر أولياءَه، ولا شَكَّ أن نُصْرَة الشَّيْطَانِ لأوليائه \][(٧)](#foonote-٧) أضعف من نُصْرة اللَّه، وكيد الشَّيْطَان : مكره، " كان ضعيفاً " : كما فعل يوم بَدْرٍ لما رأى الملائكِة، خاف أن يأخذوه فَهَرَب وخَذَلَهُم، وفائِدَة إدْخَال " كان " في قوله :" كان ضعيفاً " التَّأكيد لِضَعْف كَيْده، يعني : أنه مُنْذُ كان مَوْصوفاً بالضَّعْف والذِّلَّةِ.

١ ينظر: تفسير القرطبي ٥/١٨١..
٢ سقط في ب..
٣ تقدم..
٤ سقط في ب..
٥ سقط في ب..
٦ سقط في أ..
٧ سقط في أ..

### الآية 4:77

> ﻿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً ۚ وَقَالُوا رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ لَوْلَا أَخَّرْتَنَا إِلَىٰ أَجَلٍ قَرِيبٍ ۗ قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَىٰ وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا [4:77]

أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّواْ أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ وَآتُواْ الزَّكَاةَ \[ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِّنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً وَقَالُواْ رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ لَوْلا أَخَّرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالآخِرَةُ خَيْرٌ لِّمَنِ اتَّقَى وَلاَ تُظْلَمُونَ فَتِيلاً ٧٧ [(١)](#foonote-١)
قال الكَلْبِي :" نزلت في عَبْد الرَّحْمن بن عَوْف الزُّهرِيِّ، والمقدَادِ بن الأسْود الكندي، وقدامة بن مَظْعُون الجُمَحِي، وسَعْد بن أبِي وَقَّاصٍ، وجَمَاعة كانوا مع النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَبْل أن يُهَاجِرُوا إلى المَدِينَةِ، ويَلْقُون من[(٢)](#foonote-٢) المُشْرِكِين أذًى شَديداً، فَيَشْكُون ذلك إلى الرَّسُول، ويقولون : ائْذَن لَنَا في قِتَالِهِم، ويقول لَهُم الرَّسُول : كُفُّوا أيْدِيَكُم، فإني لَمْ أومَر بقتالهِمْ، واشْتَغِلُوا بإقَامَة دينكُم من الصَّلاة والزَّكَاة، فلمَّا هَاجَر رسُول اللَّه صلى الله عليه وسلم إلى المدينَةِ، وأُمِرَ بقتالهم في وَقْعَة بَدْرٍ، كرهه بَعْضُهم وشقَّ عَلَيْه، " فأنزل اللَّه - تعالى - هذه الآية[(٣)](#foonote-٣). فَذَهَب بَعْضُهم إلى أنَّهَا نَزَلَت في المُؤمِنين، واحتجُّوا : بأنَّ الَّذِين يَحْتَاج الرَّسُول إلى أن يَقُولَ لهم كَفُّوا عن[(٤)](#foonote-٤) القِتَال، هُم الرَّاغِبُون في القِتَالِ ؛ وهم المُؤمِنُون. 
ويمكن الجوابُ عنه : بأنَّ المُنَافِقِين كانوا يُظْهِرُون أنَّهم مؤمِنُونَ، وأنَّهم يريدُونَ قِتال الكُفَّار، فلما أمر اللَّهُ بقتالِهم الكُفَّار، أحجم المُنَافِقُون عَنْه، وظهر مِنْهُم خِلاف ما كَانُوا يَقُولُونَهُ. 
وقيل : نزلت في المُنَافِقِين، واحتجُّوا بأنَّ الله - تعالى - وَصَفَهم بأنَّهم  يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً ، وهذا الوصف لا يَلِيقُ إلا بالمُنَافِقِ ؛ لأن المُؤمِن لا يَخَاف من النَّاسِ أشَدَّ من خوفِهِ من اللَّه، وأيضاً قولهم :" ربنا لم كتبت علينا القتال " اعتراضٌ على اللَّه - تعالى -، وذلك من صِفَة الكُفَّار والمُنَافِقِين، وأيضاً قوله - تعالى - للرَّسُول : قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالآخِرَةُ خَيْرٌ لِّمَنِ اتَّقَى  وهذا الكلام إنَّما يذكر لمن كانت رَغبتهُ في الدُّنْيَا أكْثَر من رَغْبَته في الآخِرة، وذلك من صِفَاتِ المُنَافِقِين. 
وأجاب القَائِلُون بالقَوْل الأوَّل : بأن حُبَّ الحياة والنَّفْرة عن القَتْلِ من لَوَازِمِ الطَّبْع ؛ فهذه الخَشْيَة مَحْمُولة على هذا المَعْنَى، وقولهم :" لِمَ كتبت علينا القتال " محمولة على التمَنِّي بتخفيف التَّكْلِيف، لا على وَجْه إنْكَار \[ لإيجَابِ \][(٥)](#foonote-٥) اللَّه - تعالى -. 
وقوله \[ - تعالى - \][(٦)](#foonote-٦) : قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ  ذكره ليهَوِّن على القَلْبِ أمر هذه الحَيَاةِ ؛ لكي تزول عن قَلْبِه نَفْرَة القِتَالِ وحُبُّ الحَيَاة، ويُقْدِمُون على الجِهَاد بقلب قَوِيٍّ، لا لأجْل الإنْكَار. 
وقيل : قاله جماعة من المؤمنين لم يكونوا رَاسِخين في العِلْم، قالوه خوفاً وجُبْناً لا اعتقاداً ثم تابوا، وأهْلُ الإيمان يتفاضَلُون في الإيمَانِ. 
وقيل : كانوا مُؤمنين، فلما كُتِبَ \[ عليهم \][(٧)](#foonote-٧)، أي : فرض عليْهِم القِتَال، تلفقوا من الجُبْنِ، وتخلَّفُوا عن الجِهَاد، والأوْلى حَمْل الآية على المُنَافِقِين، لأنه - تعالى - ذكر بَعْد هذه الآية قوله : وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُواْ هَذِهِ مِنْ عِندِكَ 
ولا شَكَّ أنَّ هذا من كَلاَم المُنَافِقِين. 
### فصل


دلَّت الآيَة على أن إيجَاب الصَّلاة والزَّكاة، كان مُقَدَّماً على إيجَاب الجِهَادِ. 
قوله  إِذَا فَرِيقٌ  :" إذا " هنا فُجَائِيَّة، وقد تقدَّم أن فيها ثلاثة مَذَاهِب :
أحدُها - وهو الأصَحُّ : أنها ظَرْف مكان. 
والثَّاني : أنها زمان. 
والثَّالث : أنها حَرفٌ. 
قيل في " إذا " هَذِه : إنها فجَائِية مَكَانِيَّة، وأنها جوابٌ ل " لَمَّا " في قوله : فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ ، وعلى هَذَا فَفِيها وَجْهَان :
أحدُهُما : أنها خَبَر مقدَّمٌ، و " فريق " : مبتدأ، و " منهم " : صفةٌ ل " فَرِيقٌ "، وكذلك " يَخْشَون "، ويجُوزُ أن يكونَ " يَخْشَون " حالاً من " فريق " لاختصاصه بالوَصْفِ، والتَّقْديرُ :" فبالحضرة فريق \[ فهو \][(٨)](#foonote-٨) كائن منهم خَاشُون أو خَاشِين ". 
والثاني : أن يكون " فريقٌ " مُبْتَدأ، و " منهم " : صفته، وهو المُسَوِّغُ للابْتِداء به، و " يَخْشَوْن " : جملة خبريةٌ وهو العَامِلُ في " إذا "، وعلى القَوْلِ الأوَّلِ : العَامِلُ فيها مَحْذُوفٌ على قَاعِدة الظُّرُوف الوَاقِعة خبراً. 
وقيل : إنَّها هنا ظَرْفُ زمانٍ، وهذا فَاسِدٌ ؛ لأنها إذْ ذَاك لا بُدَّ لها من عَامِلٍ، وعامِلُها إمَّا ما قَبْلَها، وإمَّا ما بَعْدَها، لا جائز أن يكُون ما قَبْلَها لأن ما قبلها وهو " كُتب " ماضٍ لفظاً ومعنى، وهي للاسْتِقْبال، فاستحال ذلك. 
فإن قيل : تُجْعَلُ هنا للمُضِيِّ بمعنى " إذا ". 
قيل : لا يجُوز ذلك ؛ لأنه يصيرُ التقدير : فلمَّا كُتِب عَلَيْهم القِتَال في وَقْتِ خَشْيةِ فَرِيقٍ مِنْهُم، وهذا يفتقرُ إلى جَوَابَ " لَمَّا " ولا جَوابَ لها، ولا جَائزٌ أن يَكُونَ ما بَعْدها ؛ لأنَّ العَامِل فيها إذا كان بعدها، كان جواباً لها، ولا جَوابَ لها هُنَا، وكان قد تَقَدَّم أوَّلَ البقرة أنَّ في " لَمَّا " قولين : قولَ سيبويه[(٩)](#foonote-٩) : إنَّها حَرْف وجوب لوُجُوب، وقول الفَارِسي : إنها ظَرْفُ زمانٍ بِمَعْنى " حين " وتقدَّم الردُّ عليه، بأنَّها أُجيبت ب " مَا " النَّافِية وإذا الفُجَائِية، وأنَّ ما بَعْدَها لا يَعْمَل فيما قَبْلَها، فأغْنى عن إعادته، ولا يجُوزُ أن يعمل ما يَلِيها فيها ؛ لأنه في مَحَلِّ خَفْض بالإضَافَةِ على زَعْمِه، والمُضَافُ إليه لا يَعْمَل في المُضَافِ. 
وقد أجابَ بعضهم، بأنَّ العامل فيها هنا مَعْنى " يخشون " ؛ كأنه قيل : جَزِعوا، قال :" وجزعُوا هو العَامِلُ في " إذا "، وهذه الآية مُشكلةٌ ؛ لأنَّ فيها ظَرْفَيْن : أحدُهما لما مَضَى، والآخرُ لِما يُسْتَقْبَل ". 
قوله :" كخشية الله " فيه ثلاثةُ أوجه :
أحَدُها - وهو المَشْهُور عند المُعْربين : أنها نَعْتُ مصدرٍ مَحْذُوفٍ، أي : خشيةً كخَشْيَِة الله. 
والثاني :- وهو المُقَرَّر من مذهب سيبويه[(١٠)](#foonote-١٠) غيرَ مرة - : أنَّها في مَحَلِّ نصب على الحَالِ من ضَمِير الخَشْيَة المَحذُوف، أي : يَخْشَوْنها النَّاسَ، أي : يَخْشون الخَشْيَة الناس مشبهةً خَشْيَة الله. 
والثالث : أنَّها في مَحَلِ نصبٍ على الحال من الضمير في " يخشون " أي : يَخْشَون النَّاسَ مثلَ أهل خَشْيَة الله، أي : مُشْبهين لأهل خَشْيَة الله أو أشدَّ خشية، أي : أشدَّ خَشْيَةً من أهل خَشْيَة الله. 
و " أشدَّ " مَعْطُوف على الحَالِ ؛ قاله الزمخشري[(١١)](#foonote-١١)، ثم قال :" فإنْ قُلْتَ : لِمَ عَدَلْتَ عن الظَّاهِر، وهو كَوْنُه صِفة للمَصْدَر ولم تُقَدِّرْه : يَخْشون خَشْية مثل خَشْيَة الله، بمعنى : مثل ما يَخْشَى الله. 
قلت : أبَى ذلك قوله :" أو أشد خشية " ؛ لأنه وما عُطِفَ عليه في حُكْمٍ واحدٍ، ولو قلت :" يخشون الناس أشد خشية " لم يكن إلا حَالاً من ضَمِير الفريقِ، ولم ينتَصِب انتِصَابَ المَصْدَر ؛ لأنك لا تَقُول :" خَشِي فُلانٌ أشَدَّ خشيةً " فتنْصِبُ " خشية " وأنْتَ تريد المَصدر، إنَّما تَقَول :" أشدَّ خَشْيةٍ " فتجرُّها، وإذا نَصَبْتَها لم يكُن " أشدَّ خشيةً " إلا عِبَارةً عن الفاعل حالاً منه، اللَّهُم إلا أن تجعل الخَشْيَة خَاشِيةً على حدِّ قولهم :" جَدَّ جَدُّه " فتزعم أنَّ مَعْنَاه : يخشون الناسَ خَشْيَةً مثل خشيةٍ أشدَّ خَشْيَة من خَشْيَة الله، ويجُوز على هذا أن يكُون مَحَلُّ " أشدَّ " مَجْرُوراً، عطفاً على " خشية الله " تريد : كَخَشْيَة الله، أو كَخَشْيَةٍ أشدَّ منها ". انتهى. 
ويجوز نصبُ " خشيةً " [(١٢)](#foonote-١٢) على وجْه آخَر ؛ وهو العَطْف على مَحَلِّ الكَافِ، وينتصب " أشدَّ " حينئذ على الحَالِ من " خَشْيَة " ؛ لأنه في الأصْلِ نعتُ نكرةٍ قُدِّم عليها، والأصل : يَخْشَوْن النَّاسَ مثلَ خَشْيَةِ الله أو خَشْيَةً أشدَّ منها، فلا ينتصب " خَشيَة " تمييزاً، حتى يَلْزَم منه ما ذكره الزَّمَخْشَرِي ويُعْتذر عنه، وقد تقدَّم نحو من هذا عِنْد قوله : أَوْ أَشَدَّ ذِكْراً  \[ البقرة : ٢٠٠ \]. والمصدرُ مُضَاف إلى المَفْعُول والفَاعِل مَحْذُوف، أي : كَخشيتهم اللَّهَ. 
فإن قيل : ظاهر قوله : أَوْ أَشَدَّ  يوهم الشَّكَّ، وذلك محالٌ على الله - تعالى. 
فالجواب : يحتمل الأوْجُه المذكورة في قوله  أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً  ويجوز أن تكون للتنويع، يعني : أن منهم من يخشاهم كخشية الله، ومنهم من يخشاهم أشد خشية من خشية الله. 
قال ابْنُ الخَطِيب[(١٣)](#foonote-١٣) : وفي تأوِيله وُجُوهٌ :
الأوَّل : المُراد مِنْه : الإبْهَام على المُخَاطَب، بمعنى أنَّهم على أحَد الصِّفَتَيْن من المُسَاواة والشدّة ؛ وذلك لأنَّ كُلَّ خَوْفَيْن فأحدُهُما بالنِّسْبة إلى الآخَر : إمَّا أن يكُون مُسَاوِياً، أو أنْقَص، أو أزيد، فَبيَّن - تعالى - بهذه الآية أن خَوْفَهم من النَّاس ليس أنْقَص من خَوْفِهم من الله - تعالى -، بل إمَّا أن[(١٤)](#foonote-١٤) يكون مُسَاوِياً أوْ أزْيَد، وذلك لا يُوجِب كَوْنه - تعالى - شاكَّا، بل يُوجِب إبْقاء الإبْهَام في هَذَيْن القِسْمَيْن على المُخَاطَب. 
والثاني : أن يكون[(١٥)](#foonote-١٥) " أو " بمعنى الوَاوِ، والتَّقْدِير : يخْشَوْنهم كَخَشْيَة اللَّه وأشَد خشية، ولَيْس بَيْن هذيْن القِسْمَيْن مُنَافَاة ؛ لأنَّ من هُو أشَدّ خَشْية، فَمَعَه من الخشية مِثْل خَشْية اللَّه \[ وزيادة \][(١٦)](#foonote-١٦). 
الثَّالث : أن هذا نظير قوله : وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِئَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ  \[ الصافات : ١٤٧ \] يعني : أنَّ من يُبْصِرهم يَقُول هذا الكلام ؛ فكذا ههنا. 
قوله : لَوْلا أَخَّرْتَنَا  أي : هَلاَّ أخرْتَنَا إلى أجَلٍ قَرِيبٍ، يعني : الموْت أي : هلاّ ترَكْتنا حَتَّى نَمُوت بآجَالِنَا، وهذا كالعِلَّة لكَرَاهَتِهم[(١٧)](#foonote-١٧) إيجَاب القِتَالِ عليْهم، ثم إنَّه -تعالى - أجَابَهُم بقوله : قلْ يا مُحَمَّد : مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ  أي : مَنْفعَتُها والاستِمْتَاعُ بها قَلِيلٌ، " والآخرة " أي : وثواب الآخِرة خَيْر وأفْضَل لمن اتَّقَى الشِّرْك ومَعْصِية الرَّسُول، وإنَّما كانت الآخِرَة خَيْرٌ ؛ لأن نِعَم الدُّنْيَا قليلة \[ فَانِيَةٌ \][(١٨)](#foonote-١٨) ونعم الآخِرَة كَثِيرَة بَاقِيَةٌ ونِعَم الدُّنيا مُنْقَطِعة[(١٩)](#foonote-١٩)، ونِعَم الآخِرَة مؤبَّدة، ونِعَم الدُّنْيَا مشوبَةٌ بالهُمُومِ والمَكَاره، ونِعَم الآخِ١ سقط في ب..
٢ في ب: مع..
٣ أخرجه الطبري في "تفسيره" (٨/٥٤٩ ـ ٥٥٠) وذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٢/٣٢٨) وزاد نسبته لعبد بن حميد وابن المنذر عن قتادة مختصرا.
 ورواية الكلبي ذكرها القرطبي في "تفسيره" (٥/١٨١) والرازي في "التفسير الكبير" (١٠/٢٤٧).
 وأخرجه الحاكم (٢/٣٠٧) والطبري في "تفسيره" (٨/٥٤٩) والبيهقي (٩/١١) وابن أبي حاتم كما في "الدر المنثور" (٢/٣٢٨) عن ابن عباس مختصرا وفي آخره قال: إني أمرت بالعفو فلا تقاتلوا القوم. فلما حوله الله إلى المدينة أمره بالقتال فكفوا فأنزل الله: ألم تر إلى الذين قيل لهم كفوا أيديكم وقال الحاكم: صحيح على شرط البخاري ولم يخرجاه ووافقه الذهبي..
٤ في ب: كفوا أيدكم عن..
٥ سقط في ب..
٦ سقط في أ..
٧ سقط في ب..
٨ سقط في أ..
٩ ينظر: الكتاب ٢/٣١٢..
١٠ ينظر: الكتاب ٢/١١٦..
١١ ينظر: الكشاف ١/٥٣٦..
١٢ وقرأ بها ابن عامر كما في الحجة ٣/١٧٢، وباقي المصادر على أنه قرأ بالتاء وينظر: السبعة ٢٣٥، وحجة القراءات ٢٠٨، والعنوان ٨٥، وإعراب القراءات ١/١٣٦، وشرح الطيبة ٤/٢٠٩، وشرح شعلة ٣٤١، وإتحاف: ١/٥١٦..
١٣ ينظر: تفسير الرازي ١٠/١٤٨..
١٤ في ب: إنما..
١٥ في ب: تكون..
١٦ سقط في ب..
١٧ في ب: لعلتهم..
١٨ سقط في أ..
١٩ في ب: فانية..

### الآية 4:78

> ﻿أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ ۗ وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَٰذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ۖ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَٰذِهِ مِنْ عِنْدِكَ ۚ قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ۖ فَمَالِ هَٰؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا [4:78]

أَيْنَمَا تَكُونُواْ يُدْرِككُّمُ \[ الْمَوْتُ وَلَوْ \][(١)](#foonote-١) كُنتُمْ فِي بُرُوجٍ مُّشَيَّدَةٍ وَإِن تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُواْ هَذِهِ مِنْ عِندِ اللَّهِ وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُواْ هَذِهِ مِنْ عِندِكَ قُلْ كُلٌّ مِّنْ عِندِ اللَّهِ فَمَالِ هَؤُلاءِ الْقَوْمِ لاَ يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثاً ٧٨ 
لما حَكَى عنهم أنَّهم يَخْشَون النَّاسَ عند فَرْضِ القِتَالِ بَكَّتهمُ هَهُنَا ؛ فقال : أَيْنَمَا تَكُونُواْ يُدْرِككُّمُ الْمَوْتُ  أي : لا خلاص لكُم من المَوْت، والجِهَاد مَوْتٌ يستعقبه سَعَادة أخْرَوِيَّة، فإذا كان لا بُدَّ من المَوْتِ، فبأن يَقَع على وَجْهٍ يستَعْقِب السَّعَادة الأبَدِيَّة، أوْلى من ألاَّ يكُون كَذَلِكَ. 
قوله : أَيْنَمَا تَكُونُواْ  :" أين " اسْم شَرْط يجزم فِعْلَين، و " ما " زائدة على سَبِيل الجَوَازِ مؤكِّدة لها، و " أين " ظَرْف مَكَان، و " تكونوا " مَجْزومٌ بها، و " يدرككم " : جوابُه. 
والجمهُور على جزمه ؛ لأنه جواب الشرط، وطلحة بن سليمان :" يدركُكم " برفعه، فخرَّجه المُبَرِّد، على حَذْفِ الفَاءِ، أي : فيدرككم المَوْت. 
ومثلُه قول الآخر :\[ الرجز \]
يَا أقْرَعُ بْنَ حَابِسٍ يَا أقْرَعُ \*\*\* إنَّكَ إنْ يُصْرَعْ أخُوكَ تُصْرَعُ[(٢)](#foonote-٢)
وهذا تَخْرِيج المُبَرِّد، وسيبويه[(٣)](#foonote-٣) يَزْعم أنه ليْس بجَوَابٍ، إنَّما هو دالٌّ على الجَوَاب والنِّيةُ به التقديمُ. 
وفي البَيْت تَخْرِيجٌ آخر : وهو أنْ يكُون " يَصْرَعُ " المرفُوعُ خبراً ل " إنك "، والشَّرطُ معترِضٌ بينهما، وجَوَابُه ما دَلَّ عليه قوله :" إنك تصرع " ؛ كقوله :
 وَإِنَّا إِن شَاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ  \[ البقرة : ٧٠ \] وخَرَّجه الزَّمخشري[(٤)](#foonote-٤) على التوهُّم ؛ فإنه قال : ويجُوز أن يُقال : حُمِل على ما يَقَع مَوْقعَ " أينما تَكُونوا " وهو " أينما كُنْتُم " كما حُمِل على ما يقع موقع " ليسوا مصلحين " وهو " ليسوا بمصلحين " فرفع كما رفع زهير " ولا ناعب " :\[ البسيط \]
. . . \*\*\* يَقُولُ لاَ غَائِبٌ مَالِي وَلاَ حَرِمُ[(٥)](#foonote-٥)
وهو قولُ نحويّ سِيبيّ، يعني منسوب لسيبويه، فكأنه قال :" أينما كنتم "، وفعلُ الشرط إذا كان ماضياً لفظاً جازَ في جوابه المضارعِ الرفعُ والجزمُ كقول زهير :\[ البسيط \]
وَإنْ أتَاهُ خَلِيلٌ يَوْمَ مَسْألَةٍ \*\*\* يَقُولُ. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . [(٦)](#foonote-٦)
وفي رَفْعِهِ الوَجْهَان المَذْكُوران عن سيبويه والمُبرِّد. ورَدَّ عليه أبو حَيّان[(٧)](#foonote-٧) : بأن العطفَ على التوَهُّم لا يَنْقَاس ؛ ولأنَّ قوله يؤدِّي إلى حَذْفِ جواب الشَّرْط، ولا يُحْذَفُ إلاَّ إذا كان فِعْل الشَّرْط ماضياً، لو قُلْت :" أنت ظَالمٌ إنْ تفعل " لم يَجُز. وهذا - كَمَا رَأيتَ - مضارعٌ، وفي هذا الردِّ نَظَرٌ لا يَخْفَى. 
 " ولو كنتم " قالوا : هي بِمَعْنى :" إنْ " وجوابُها مَحْذُوف، أي : لأدْرَكَكُمْ، وذكر الزَّمَخْشري[(٨)](#foonote-٨) فيه قَوْلاً غَرِيباً عن عِنْدَ نَفْسِه، فقال :" ويجوزُ أن يَتَّصِل بقوله : وَلاَ تُظْلَمُونَ فَتِيلاً  أي : لا تُنْقَصُون شيئاً مِمَّا كُتِب من آجَالِكُم أيْنَمَا تَكُونوا في مَلاَحمِ حُروبٍ أو غيرها، ثم ابتدأ بِقَوله : يُدْرِككُّمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنتُمْ فِي بُرُوجٍ مُّشَيَّدَةٍ ، والوَقْفُ على هذا الوَجْه على  أَيْنَمَا تَكُونُواْ  انتهى. 
ورَدَّ عليه أبو حيَّان[(٩)](#foonote-٩)، فقال : هذا تَخْريجٌ ليس بِمُسْتَقيمٍ، لا من حيث المعنى ولا من حيث الصِّنَاعةِ النَّحوية :
أمَّا من حَيْثُ المعنى : فإنه لا يُناسِبُ أن يكون مُتَّصلاً بقوله : لاَ تُظْلَمُونَ فَتِيلاً  ؛ لأنَّ انتفاءَ الظُّلْم ظاهِراً إنما هو في الآخرة ؛ لقوله - تعالى - : قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالآخِرَةُ خَيْرٌ لِّمَنِ اتَّقَى . 
وأمَّا من حَيْث الصِّنَاعةُ النَّحويّة : فإنَّ ظاهر كلامه يَدُلُّ على أنَّ " أينما تكونوا " متعلِّقٌ بقوله : وَلاَ تُظْلَمُونَ  بمعنى ما فسّره، وهذا لا يجُوزُ ؛ لأن أسْمَاءَ الشَّرْط لها صَدْرُ الكَلاَم، فلا يَتَقَدَّم عَامِلُها عليها، فإنْ وَرَد مثلُ :" اضْربْ زيداً متى جَاءَ " قُدِّر له عَاملٌ يدلُّ عليه " اضرب " لا نفسُ " اضْرِب " المتقدِّم. 
فإن قيل : فكذلك يُقَدِّر الزَّمَخْشَرِيّ عاملاً يدلُّ عليه  وَلاَ تُظْلَمُونَ  تقديره :" أينما تكونوا فلا تظلمون " فحذف " فلا تظلمون "، لدلالةِ ما قبله عليه، فيخلُصُ من الإشْكَال المَذْكُور. 
قيل : لا يُمْكِن ذلك ؛ لأنه حينئذ يُحذفُ جَواب الشَّرط وفعلُ الشرط مُضَارعٌ، وقد تقدم أنَّه لا يَكُون إلا ماضياً. وفي هذا الردِّ نظرٌ ؛ لأنه أرادَ تَفْسِير المَعْنَى. قوله : ولا يناسب أن يكون مُتَّصِلاَ بقوله : وَلاَ تُظْلَمُونَ  مَمْنُوعٌ، بل هُو مُنَاسِب، وقد أوضَحَهُ الزَّمَخْشَرِي بما تقدَّم أحْسَنَ إيضَاحٍ. 
والجُمْلَة الامتنَاعِيَّة في مَحَلِّ نصبٍ على الحَالِ، أي : أينما تَكُونوا من الأمكنة، يدركْكم المَوْت، ولو كانت حَالُكم أنَّكم في هذه البُرُوج، فيُفْهَمُ أن إدراكه لهم في غَيْرِها بطريق الأوْلى والأخْرى، وقريبٌ منه :" أعْطُوا السَّائِل ولو على فَرَسٍ ". والجملةُ الشَّرطِيَّة تحتمل وَجْهَيْن :
أحدهما : أنها لا مَحَلَّ لها من الإعراب ؛ لأنها استِئْنَافُ إخبارٍ ؛ اخبر - تعالى - أنَّه لا يفُوتُ الموتَ أحَدٌ، ومنه قولُ زُهَيْر :\[ الطويل \]
وَمَنْ هَابَ أسْبَابَ الْمَنَايَا يَنَلْنَهُ \*\*\* ولَوْ رَامَ أسْبَابَ السَّمَاءِ بِسُلَّمِ[(١٠)](#foonote-١٠)
والثَّاني : أنها في مَحَلِّ نَصبٍ بالقَوْل قَبْلَها أي : قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ، وقُلْ أيضاً : أينما تَكُونُوا. 
والجُمْهُور على " مشيدة " بفتح الياء اسم مَفْعُول. ونعيم[(١١)](#foonote-١١) بن ميْسَرة بِكَسْرِها، نسَبَ الفعلَ إليها مَجَازاً ؛ كقولهم :" قَصِيدَةٌ شَاعِرَة "، والموْصُوفُ بذلك أهْلُها، وإنما عَدَلَ إلى ذلك مُبَالغةً في الوَصْفِ. 
والبُرُوج : الحُصُونُ مَأخُوذةٌ من " التَّبرُّج " وهو الإظْهَارُ، ومنه : غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتِ بِزِينَةٍ ، والبَرَجُ في العين : سَعَتُها، ومنه قولُ ذي الرُّمَّة :\[ البسيط \]
بَيْضَاءُ فِي بَرَجٍ صَفْرَاءُ فِي غَنَجٍ \*\*\* كَأنَّهَا فِضَّةٌ قَدْ مَسَّهَا ذَهَبُ[(١٢)](#foonote-١٢)
وقولُهُم :" ثَوْبٌ مُبَرَّجٌ " أي : عليه صُورُ البُرُوج ؛ كقولهم :" مِرْطٌ مُرَجَّل " أي : عليه صُورُ الرِّجَال، يروى بالجيم والحاء، والمشيَّدة : المَصْنُوعة بالشِّيدِ ؛ وهو الجِصُّ، ويقال :" شَادَ البِنَاء وشيَّدَهُ " كَرَّر العَيْن للتَّكْثِير ؛ ومن مجيء " شاد " قولُ الأسود :\[ الخفيف \]
شَادَهُ مَرْمَراً وجَلَّلَهُ كِلْ \*\*\* سَاً فَِلِلطَّيْرِ فِي ذَرَاهُ وُكُورُ[(١٣)](#foonote-١٣)
ويقال :" أشاد " أيْضاً، فيكون فَعَل وأفْعَل بِمَعْنًى. 
قال الزَّمَخْشَرِيُّ[(١٤)](#foonote-١٤) : شاد القَصْرَ إذا رَفَعَهُ أو طَلاَه بالشِّيد، وهو الجِصُّ وهذا قَوْل عِكْرمَة، وقال قتادة[(١٥)](#foonote-١٥) \[ مَعْنَاه :\][(١٦)](#foonote-١٦) في قُصُورٍ محصَّنةٍ، وقال السُّدِّيُّ في بُرُوجِ في سَماءِ الدُّنْيَا مَبْنِيَّة، وهي بُرُوج الفلك الأثْنَي عشر، وهذا القَوْل مَحْكِيٌّ عن مَالِك، ومعنى مشيدة، \[ أي \][(١٧)](#foonote-١٧) مادّة من الرَّفْع ؛ وهي الكَوَاكِبُ العِظَام. 
وقيل : للكَواكِب : بُرُوجٌ، لظُهُورِها من بَرِجَ يَبْرِج[(١٨)](#foonote-١٨) إذا ظَهَر وارْتَفَع، ومِنْهُ :
 وَلاَ تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الأُولَى  \[ الأحزاب : ٣٣ \]. 
وخلقها اللَّه - تعالى - في مَنَازِل للشَّمْس والقَمَر، وقدّرَه فِيهَا، ورتَّب الأزمِنَة عَلَيْهَا. 
قوله : وَإِن تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُواْ هَذِهِ مِنْ عِندِ اللَّهِ  نزلت في المُنَافِقينَ واليَهُود ؛ وذلك أنَّهم قَالُوا لما قَدِم رسُول اللَّه صلى الله عليه وسلم المدِينَةَ : ما زلنا نَعْرِف النَّقْصَ في ثِمَارِنَا ومَزَارِعِنَا مذ قِدَم هَذا الرَّجُل وأصْحَابهُ. 
قال اللَّه - تعالى - " وإن تصبهم " يعني : اليهود " حسنة " أي : خصب ورُخص في السِّعْر، " يقولوا هذه من عند الله " لنا  وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ  يعني : الجَدْب وغَلاَء الأسْعَار، " يقولوا هذه من عندك " أي : من شُؤْم محمَّدٍ وأصْحَابه، وكَيْفِيَّة النَّظم : أنَّه - تعالى - لما حَكَى \[ عنهم \][(١٩)](#foonote-١٩) كونهم \[ متثاقلين عن الجهاد خائفين من الموت راغبين في متاع الدنيا، حكى عنهم \][(٢٠)](#foonote-٢٠) في هَذِه الآية خَصْلَة أخْرَى أقبَح من الأُولى. 
وفي النَّظْم وَجْه آخَر ؛ وهو أنَّ الخَائِفِين من المَوْت، المُتَثَاقِلِين في الجِهَادِ من عَادَتهِم أنَّهم إذا جَاهَدُوا وقَاتَلُوا، فإن أصَابُوا ظَفَراً أو غَنِيمةً، قالوا : هَذِه من عِنْد اللَّه، وإن أصَابَهُم مَكْرُوه، قالوا : هذه من شُؤْمِ مُصَاحَبة محمَّد صلى الله عليه وسلم. 
فعلى هذا يكُون المُرَادُ ب " الحسنة " : الظفر والغَنِيمَة يوم بَدْر، وب " السيئة " : القَتْل والهَزِيمة يوم أُحُد، وهذا نَظير قَوله : فَإِذَا جَاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قَالُواْ لَنَا هَذِهِ وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُواْ بِمُوسَى وَمَن مَّعَهُ  \[ الأعراف : ١٣١ \]. 
قال القاضي[(٢١)](#foonote-٢١) : القول بأن الحَسَنَة هي الخصب، وأن السَّيِّئَة هي[(٢٢)](#foonote-٢٢) الغلاء، \[ هذا \][(٢٣)](#foonote-٢٣) هو المعتبر، لأن إضافة الخصب والغلاء وكثرة النِّعم وقلَّتِها إلى اللَّه جَائِزَةٌ وأمَّا إضافة النَّصْر والهزيمَةِ إلى اللَّه - تعالى -، فغير جَائِزة، \[ لأن السَّيئة إذا كانت بِمَعْنَى الهَزِيمَة والقَتْل، لم يَجز إضَافَتُها إلى اللَّه - تعالى -، وهَذَا على مَذْهَبِه \][(٢٤)](#foonote-٢٤) أمَّا على مَذْهَب أهْل السُّنَّة، فالكل بِقَضَاءِ الله وقدَرِه. 
### فصل في تفسير الحسنة والسيئة


اعلم أن السَّيِّئَة تَقَع على البَلِيَّة والمَعْصِيَة، والحَسَنة على النِّعْمَة والطَّاعَة ؛ قال تعالى : وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ  \[ الأعراف : ١٦٨ \] وقال - تعالى - : إِنَّ[(٢٥)](#foonote-٢٥) \] الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ  \[ هود : ١١٤ \]، وإذا ثبت هذا ؛ فنقول : قَوْله : وَإِن تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ ، وقوله : وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ  يفيد العُمُوم في كُلِّ الحَسَنَات والسَّيِّئات، ثم قال بَعْدَه : قُلْ كُلٌّ مِّنْ عِندِ اللَّهِ . 
فهُنَا تصريحٌ بأنَّ جميع الحَسَنات والسَّيِّئات من اللَّه - تعالى -، ولمَّا ثَبَتَ بما ذكرنا أنَّ الطَّاعات والمَعَاصِي دَاخِلَتَانِ تحت اسْم الحَسَنَةِ والسَّيِّئَة، كانت \[ الآية \][(٢٦)](#foonote-٢٦) دالَّة على \[ أنَّ \][(٢٧)](#foonote-٢٧) جميعَ الطَّاعاتِ والمَعَاصي من اللَّه تعالى، وهو المَطْلُوبُ. 
\[ فإن قيل \][(٢٨)](#foonote-٢٨) : المرادُ من الحَسَنة والسَّيِّئَة هُنا : لَيْس هو الطَّاعَة والمَعْصِيَة ؛ لاتِّفَاق الكُلِّ على أنَّ هذه الآية نَزَلت في الخَصب والجَدْب، ١ سقط في ب..
٢ تقدم..
٣ ينظر: الكتاب ١/٤٣٦..
٤ ينظر: الكشاف ١/٥٣٧..
٥ تقدم..
٦ تقدم..
٧ ينظر: البحر المحيط ٣/٣١١..
٨ ينظر: الكشاف ١/٥٣٨..
٩ ينظر: البحر المحيط ٣/٣١١..
١٠ ينظر البيت في ديوانه (١١١) وشرح المعلقات العشر (٨٦) والدر المصون ٢/٣٩٩ والبحر المحيط ٣/٣١١..
١١ ينظر: الدر المصون ٢/٣٩٩..
١٢ ينظر البيت في ديوانه (٣٣) والخصائص ١/٣٢٥ والدر المصون ٢/٣٩٩..
١٣ البيت لعدي بن زيد لا كما قال المصنف ينظر ديوانه (٨٨) واللسان (شيد) والدر المصون ٢/٣٩٩ والكامل ١/٩٠..
١٤ ينظر: الكشاف ١/٥٣٨..
١٥ ينظر: تفسير البغوي ١/٤٥٤..
١٦ سقط في أ..
١٧ سقط في ب..
١٨ في ب: يبرج برج..
١٩ سقط في أ..
٢٠ سقط في أ..
٢١ ينظر: تفسير الرازي ١٠/١٥٠..
٢٢ في ب: هو..
٢٣ سقط في أ..
٢٤ سقط في أ..
٢٥ سقط في أ..
٢٦ سقط في أ..
٢٧ سقط في أ..
٢٨ سقط في أ..

### الآية 4:79

> ﻿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ۖ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ ۚ وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا ۚ وَكَفَىٰ بِاللَّهِ شَهِيدًا [4:79]

**في " ما " هذه قَوْلان :**
أحدهما : قال أبو البقاء[(١)](#foonote-١) : إنها شَرْطِيةٌ : وضَعَّف أن تكونَ مَوْصُولةً قال :" ولا يَحْسُن أن تكُونَ بِمَعْنَى الذي ؛ لأنَّ ذلك يَقْتَضِي أن يكون المُصِيبُ لهم مَاضِياً مخصَّصاً، والمعنى على العُمُومِ والشَّرْطيةُ أشْبَهُ، والمرادُ بالآيةَ : الخِصْب والجَدْب، ولذلك لم يَقُلْ : ما أصَبْت ". انتهى، يَعْنِي أنَّ بَعْضَهم يَقُول : إنَّ المرادَ بالحَسَنة الطَّاعةُ، وبالسَّيِّئةِ المَعْصِيَةُ، ولو كان هَذَا مُرَاداً، لقال :" ما أصَبْتُ " ؛ لأنَّه الفَاعِلُ للحَسَنةِ والسَّيِّئة جَمِيعاً، فلا تُضَاف إليه إلا بِفعْلِهِ لَهُمَا. 
والثاني : أنها مَوْصُولةٌ بمعنى الَّذِي، وإليه ذَهَب[(٢)](#foonote-٢) مكِّي، ومَنَع أن تَكُونَ شَرْطيَّة، قال :" وليسَتْ للشرطِ ؛ لأنَّها نزلت في شَيْءٍ بِعَيْنِه، وهو الجَدْب والخِصْب، والشرطُ لا يكون إلا مُبْهَماً، يجوزُ أنْ يَقَع وألاَّ يقعَ، وإنَّما دخلت الفَاءُ للإبْهَام الَّذِي في " الَّذِي " مع أن صِلتهِ فِعْلٌ، فدلَّ على أنَّ الآية لَيْسَت في المَعَاصِي والطَّاعَات كَمَا قال أهْلُ الزَّيْغ، وأيْضاً فإنَّ اللَّفْظَ " ما أصابَكَ "، ولم يَقُل :" ما أصَبْتَ ". انتهى. 
والأوَّلُ أظهرُ ؛ لأنَّ الشرطيةَ أصْلٌ في الإبْهام كما ذكره أبُو البَقَاء، والموصولةُ فبالحَمْل عَلَيْها، وقولُ مكيّ :" لأنها نَزلَتْ في شيء بعينه " هذا يقتضي ألاَّ يُشَبَّه الموصولُ بالشرطِ ؛ لأنه لا يُشَبَّه به حَتَّى يرادَ الإبْهَامُ لا شيءَ بِعَيْنِه، وإلاَّ فمتى أُريد به شَيْءٌ بعينه، لم يُشَبَّه بالشَّرْط فلم تَدْخُلِ الفَاءُ في خَبَره، نَصَّ النَّحْويُّون على ذلك، وفي المَسْألَةِ خلافٌ : فَعَلَى الأوَّل :" أصابَك " في محلِّ جَزْم بالشَّرْط، وعلى الثَّاني : لا مَحَلَّ له ؛ لأنه صِلَة. 
و " من حسنة " الكلامُ فيه كالكَلامِ في قَوْله : مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ 
\[ البقرة : ١٠٦ \] وقد تقدَّم، والفاءُ في " فمن الله " جَوَابُ الشَّرْط على الأولِ وزائدةٌ على الثَّّاني، والجارُّ بَعْدَها خبرٌ لمبتدأ مَحْذُوف، تقديرُه : فَهُو من الله، والجُمْلَةُ : إمَّا في محلِّ جَزْمٍ أوْ رَفْعٍ على حَسَبِ القَوْلين. 
واختلِفَ في كافِ الخِطَابِ : فقيل : المرادُ كلُّ أحدٍ، وقيل : الرَّسُول والمُرادُ أمتهُ، وقيل : الفَرِيقُ في قوله : إِذَا فَرِيقٌ ، وذلك لأنَّ " فريقاً " اسمُ جَمْعٍ فله لَفْظٌ ومَعْنًى، فراعَى لفظه فأفْرَدَ ؛ كقوله :\[ الطويل \]تَفَرَّقَ أهْلاَنَا بِبَيْنٍ فَمِنْهُمُ  فَرِيقٌ أقَامَ واسْتَقَلَّ فَرِيقُ[(٣)](#foonote-٣)وقيل في قوله : فَمِن نَّفْسِكَ  : إنَّ همزَة الاسْتفْهَام مَحْذوفةٌ، تقديره : أفمِنْ نفسِك، وهو كَثِيرٌ ؛ كقوله - تعالى - : وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا  \[ الشعراء : ٢٢ \] وقوله - تعالى - : بَازِغاً قَالَ هَذَا رَبِّي  \[ الأنعام : ٧٧ \]. ومنه :\[ الطويل \]رَفَوْنِي وَقَالُوا يَا خُوَيْلدُ لا تُرَعْ  فَقُلْتُ وأنْكَرْتُ الْوُجُوه هُمُ هُمُ[(٤)](#foonote-٤)وقوله :\[ المنسرح \]أفْرَحُ أنْ أرْزَأ الْكِرَامَ وأنْ  أورَثَ ذَوْداً شَصَائِصاً نَبْلاً[(٥)](#foonote-٥)تقديره : وأتِلْكَ، وأهَذا رَبِّي، وأهمُ هُم، وأفرحُ، وهذا لم يُجْزه من النُّحَاةِ إلا الأخفش[(٦)](#foonote-٦)، وأمَّا غَيْره فلم يُجِزْهُ إلا قَبْل " أمْ " ؛ كقوله :\[ الطويل \]لَعَمْرُكَ مَا أدْرِي وَإنْ كُنْتُ دَارِياً  بِسَبْعٍ رَمَيْنَ الْجَمْرَ أمْ بِثَمَانِ[(٧)](#foonote-٧)وقيل : ثَمَّ قولٌ مقدَّر، أي : لا يكَادُونَ يَفْقهون حَدِيثاً يَقُولون : ما أصَابَكَ. 
وقرأت عائشة[(٨)](#foonote-٨) :" فَمَنْ نَفْسُكَ " بفتح ميم " من " ورفع السِّين، على الابتداء والخَبَر، أيّ شيءٍ نَفْسُك حَتَّى يُنْسب إليها فِعْلٌ ؟. 
**قوله :" رسولاً " فيه وَجْهَان :**
أحدُهُما : أنه حالٌ مؤكِّدة. 
والثَّاني : أنه مَصْدر مؤكِّدٌ بِمَعْنَى إرسال، وِمنْ مَجِيء " رَسُول " مَصْدراً قوله :\[ الطويل \]لَقَدْ كَذَبَ الْوَاشُونَ مَا بُحْتُ عِنْدَهُمْ  بِسِرٍّ وَلاَ أرْسَلْتُهُمْ بِرَسُولِ[(٩)](#foonote-٩)أي : بإرسال، بمعنى رِسَالة. و " للناس " يتعلق ب " أرسلناك "، واللاَّم للعِلَّة، وأجاز أبو البقاء[(١٠)](#foonote-١٠) أن يكونَ حَالاً من " رسولاً " كأنه جَعَله في الأصْلِ صِفَةً للنَّكِرَة، فقُدِّم عليها، وفيه نَظَر. 
### فصل


قال الجُبَّائِيُّ : قد ثَبتَ أنَّ لَفْظَ السَّيِّئَة يقع على البَلِيَّةِ والمِحْنَة، وتارة يقع على الذَّنْب والمَعْصِيَة، ثم إنَّه - تعالى - أضَافَ السَّيِّئَة إلى نَفْسِهِ في الآية الأولَى بقوله : قُلْ كُلٌّ مِّنْ عِندِ اللَّهِ ، وأضَافَها في هذه الآيَةِ إلى العَبْد بِقَوْله : وَمَآ أَصَابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَّفْسِكَ  ولا بُدَّ من التَّوْفِيقِ بين الآيَتَيْنِ ؛ فنقول : لمَّا كانت السَّيِّئَةُ بمعنى البَلاَءِ والشِّدَّة مُضَافَة إلى اللَّه، وجب أنْ تَكُون السِّيِّئَةُ بمعْنَى المُصِيبَة مُضَاَفة إلى العَبْدِ ؛ ليزُول التَّنَاقُضُ بين هَاتَيْنِ الآيَتَيْن المُتَجَاوِرَتَيْن، وقد حَمَل المُخَالِفُون[(١١)](#foonote-١١) أنْفُسَهم على تَغْيِير الآيَةِ، وقرأوا :" فمن نفسك " فَغَيَّروا القُرْآن[(١٢)](#foonote-١٢)، وسلَكُوا[(١٣)](#foonote-١٣) مثل طريقَةِ الرَّافِضَة في ادِّعاءِ التَّغْيير في القُرْآن. 
فإن قيل : فَلِمَ فَصَل - تعالى - بَيْن الحَسَنَة والسَّيِّئَة في هَذِه الآيَةِ ؛ فأضاف الحسَنة الَّتِي هي الطَّاعَة إلى نَفْسِه دون السَّيِّئَة، وكلاهُمَا فعل العَبْد عِنْدَكُم ؟. 
قلنا : إن الحسَنَة وإن كَانَت من فِعْل العَبْد، فإنَّما وَصَل إلَيْهَا بتسْهِيله وألْطَافِه، فصَحَّت الإضَافَةُ إلَيْه، وأمَّا السَّيِّئة، فَهِي غير مُضَافَةٍ إلى اللَّه - تعالى - بأنَّه \[ مَا \][(١٤)](#foonote-١٤) فَعَلَهَا، ولا أرَادَهَا، ولا أمَر بِهَا، ولا رَغَّبَ فيهَا. فلا جَرَم انْقَطَعَتْ هذه النِّسْبَة إلى اللَّه تعَالى من جَمِيعِِ الوُجُوهِ. 
قال ابن الخَطِيبِ : والجَوابُ : أن هَذه الآيَةَ دلَّت على أنَّ الإيمَان حَصَل بتَخْلِيق اللَّه - تعالى - : لأن الإيمَان حَسنَةٌ \[ والحَسَنَة \][(١٥)](#foonote-١٥) هي الغِبْطَةَ الخَالِيَةُ عن جَمِيعِ جِهَاتِ القُبْحِ، والإيمان كَذَلِكَ ؛ فوجب أن تكُون حَسَنة ؛ لأنَّهم اتَّفَقُوا على أنَّ قوله  وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِّمَّن دَعَا إِلَى اللَّهِ  \[ فصلت : ٣٣ \] أن المُرادَ به : كلمة الشَهَادة، وقيل في قوله : إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإحْسَانِ  \[ النحل : ٩٠ \] قيل : هو قَوْل لا إلَه إلاَّ اللَّه ؛ فَثَبت أنَّ الإيمان حَسَنَة، وإنما قُلْنَا : إن كل حَسَنَةَ من اللَّه ؛ لقوله - تعالى - : مَّا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ  وهذا يفيد العُمُوم في جَميع الحَسَنَاتِ، وإذا ثَبَت أنَّ الإيمان حَسَنة، وكُلُّ حسنة من اللَّه، وجب القَطْع بأنَّ الإيمَان من اللَّه. 
فإن قيل : لم لا يجُوز أن يكون المُرَادُ من قوله :" من الله " هو أنَّ اللَّه قدَّرَه عَلَيْه، وهَدَاه إلى مَعْرِفَة حُسْنهِ، وإلى مَعْرِفة قُبْحِ ضِدّه الذي هو الكُفر. 
قُلْنَا : جميع الشَّرائِطِ مُشْتَرَكَةٌ بالنِّسْبَة إلى الإيمَانِ والكفر[(١٦)](#foonote-١٦) عندكم[(١٧)](#foonote-١٧) ثمَّ إنَّ العَبْد باخْتِيَار نَفْسِه أوْجد الإيمان، ولا مَدْخل لِقُدْرة اللَّهِ وإعانَتِه في نَفْس الإيمَانِ، فكان الإيمَانُ مُنْقَطِعاً عن الله - \[ تعالى \][(١٨)](#foonote-١٨) - من كل الوُجُوهِ، فكذا هَذَا مُنَاقِضاً لقوله : مَّا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ  ؛ فثبت بدَلاَلة هذه الآية أن الإيمان من اللَّه، والخُصُوم لا يَقُولُون به، وأمَّا بيان أنَّ الكُفْر أيْضاً من اللَّهِ فَلوُجُوه :
أحدُهَا : أن كُلَّ من قَالَ : الإيمانُ من اللَّهِ قال الكُفْر من اللَّه ؛ فالقَوْل بأحَدِهِما[(١٩)](#foonote-١٩) من اللَّه - تعالى - دُون الآخَرِ - مخالِفٌ لإجْمَاع الأمَّةِ. 
وثانيها : أن العَبْد لو قَدَر على تَحْصِيل الكُفْرِ، فالقُدْرَة الصَّالِحة لإيجَادِ الكُفْر : إمَّا أن تكُون صَالِحة لإيجَادِ الإيمان، أو لا، فإن كانت صَالِحَةً لإيجَادِ الإيمانِ، \[ فحينئذٍ \][(٢٠)](#foonote-٢٠) يَعُود القول في أنَّ إيمان العَبْدِ مِنْهُ، \[ وإن لَمْ تَكُنْ صَالِحةٌ لإيجَادِ الإيمَانِ، فيكُونُ القَادِر على الشَّيْءِ غير قَادِرٍ على ضِدِّه، وذلك عندهُم مُحَالٌ ؛ فثبت أنَّهُ لَمْ يَكُنْ الإيمَان مِنْهُ، وجَب ألاّ يكُونَ الكُفْر مِنْهُ \]. 
وثالثها : أنَّه لمَّا يكُن العَبْد مُوجداً للإيمَانِ فبأن لا يكون موجداً للكفر أوْلى ؛ وذلك لأنَّ المُسْتَقِلَّ بإيجَادِ الشَّيْءِ هو الَّذِي يُمْكِنُه تَحْصِيلُ مُرَادِهِ، ولا نَرَى في الدُّنْيَا عَاقِلاً، إلاَّ يُريدُ أن يكُون الحَاصِل في قَلْبهِ هو \[ الإيمان والمَعْرِفَة والحقّ، وإن أحداً مِنِ العُقَلاء لا يُرِيدُ أن يكُونَ الحَاصِلُ في قلبه هو \][(٢١)](#foonote-٢١) الجَهْل والضَّلال والاعْتِقاد الخَطَأ، فإذا كان العَبْد مُوجِداً لأفعالِ نَفْسه، وهو لا يَقْصِد إلا تَحْصِيل العِلْم الحقِّ المُطابق، وَجَب ألاَّ يتحصَّل في قَلْبه إلاَّ الحَقَّ، وإذا كَانَ الإيمانُ الَّذي هو مَقْصُوده ومَطْلُوبه ومُرَادُه، لم يقع بإيجادِه، فبأن يكُون الجَهْلُ الَّذِي لم يُرده وما قَصَد تَحْصِيله، وهو في غَايَة النَّفْرَة[(٢٢)](#foonote-٢٢) \[ عَنْهُ \][(٢٣)](#foonote-٢٣) غير وَاقِع بإيجَادِه أوْلَى، وأما الجَوَابُ عن احْتجاجه بقوله : مَّآ أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَآ أَصَابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَّفْسِكَ  فَمِنْ وَجْهَيْن :
الأوَّل : أنَّه - تعالى - قال حكاية عن إبْراهيم - عليه السلام - :
 وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ  \[ الشعراء : ٨٠ \]، أضاف المرَض إلى نَفْسِهِ، والشِّفَاء إلى اللَّه - تعالى -، ولم يَقْدَح ذَلِك في كونه - تعالى - خَالِقاً للمَرَضِ والشِّفَاء، وإنما فصل بَيْنَهُمَا رِعَايةً للأدَبِ، فكذا ههنا ؛ فإنه يُقَالُ : يا مُدَبِّر السَمَوات والأرْضِ ؛ ولا يُقالُ :" يا مدبِّر القَمْل والصِّبيان والخَنَافِس. . " فكذا ههنا. 
الثاني : قال أكثر المُفَسِّرين في قَوْل إبْراهيم - عليه السلام - :" هذا رَبِّي " إنه ذَكَر هذا اسْتِفْهَاماً على سَبِيل الإنْكَارِ ؛ كما قدمناه فكذا هَهُنَا ؛ كأنَّهُ قِيلَ : الإيمَان الَّذِي وقع على وَفْقِ قَصْدِه، قد بَيَّنَّا أنَّه ليس وَاقِعاً مِنْهُ، بل من اللَّه - تعالى - فهذا الكُفْر \[ ما \][(٢٤)](#foonote-٢٤) قَصَدَهُ، وما أرَادَهُ، وما رَضِي به ألْبَتَّةَ، فكيف يَدْخُل في العَقْل أن يُقال إنَّه وقع بِهِ. 
وأما قِرَاءة :" فمن نفسك " فنَقُول : إن صح أنه قرأ بها أحدٌ من الصَّحَابَة والتَّابِعين، فلا طعن فيه، وإن لم يَصِحَّ ذلك، فالمراد أن من حَمَل الآية على أنَّها وردتْ على سَبِيل الاستفهام على وَجْه الإنْكَارِ، قال : لأنَّه لما أضاف السيئة إلَيْهم في مَعْر١ ينظر: الإملاء ١/١٨٨..
٢ ينظر: المشكل ١/١٩٩..
٣ ينظر البيت في البحر المحيط ٣/٣١٢، والدر المصون ٢/٤٠٠..
٤ لما لم يغاير الخبر المبتدأ كان مقصودا به الشهرة أو عدم التغير؛ كالبيت السابق، وجملة (هم هم) مبتدأ وخبر مقصودا بها الشهرة وعدم التغير، ويرى الفارقي في "الإفصاح": أن هذا الكلام ظاهر الإثبات وليس كذلك، وإنما يريد: (أهم هم) يدل على هذا قوله: (وأنكرت الوجوه)، فلا يكون مع الإنكار إثبات، وإنما يكون معه الاستفهام، إذ هو جهل وشك.
 والبيت لأبي خراش الهذلي.
 ينظر الخصائص ١/٢٤٧، ٣/٣٧٧، ديوان الهذليين ٢/١٤٤، شرح السكري ١٢١٧ الكافية ١/٩٧. وتذكرة النحاة ص ٥٧١ والمعاني الكبير ص ٩٠٢ وجمهرة اللغة ص ٧٨٨ وأمالي المرتضى ١/٣٥٠ ولسان العرب (روع) والدر المصون ٢/٤٠٠ والخزانة ١/٤٤٤..
٥ تقدم برقم ٣٦٣..
٦ ينظر: معاني القرآن (٤٢٦)..
٧ تقدم برقم ٣٦٤..
٨ ينظر: البحر المحيط ٣/٣١٤، والدر المصون ٢/٤٠١..
٩ تقدم برقم ٦٥١..
١٠ ينظر: الإملاء ١/١٨٨..
١١ في أ: المخالفة..
١٢ في ب: القراءتين..
١٣ في ب: وسكتوا..
١٤ سقط في أ..
١٥ سقط في أ..
١٦ في ب: وبالكفر..
١٧ في أ: عندهم..
١٨ سقط في أ..
١٩ في ب: بأن أحدهما..
٢٠ سقط في أ..
٢١ سقط في أ..
٢٢ سقط في أ..
٢٣ في أ: من..
٢٤ سقط في ب..

### الآية 4:80

> ﻿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ ۖ وَمَنْ تَوَلَّىٰ فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا [4:80]

وذلك أن النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم كان يَقُول :" مَنْ أطَاعَنِي فَقَدْ أطاعَ الله، ومن أحَبَّنِي فقد أحَبَّ الله " [(١)](#foonote-١) فقال بَعْضُ المُنَافِقِين : ما يُريدُ هذا الرَّجُلُ إلا أن نَتَّخِذَهُ ربّاً ؛ كما اتَّخَذَتِ النَّصَارى عِيسَى ابن مَرْيمَ ربّاً ؛ فأنزل الله - عز وجل - :" من يطع الرسول " فيما أمَرَهُ \[ الله \][(٢)](#foonote-٢) " فقد أطاع الله "، " ومن تولى " : عن طاعته " فما أرسلناك " يا محمَّد " عليهم حفيظاً " أي : حَافِظاً ورَقِيباً، بل كل أمُورهم إلى اللَّه - تعالى -، ولا تغتم بسبب تولِّيهم ولا تَحْزَن، والمُرَادُ : تسلِيَة الرَّسُول - عليه الصَّلاة والسلام -. 
قيل : نَسَخَ اللَّه - عز وجل - هذه الآية بآيَة السَّيْف، وأمره بِقتال من خَالَفَ اللَّه ورسُوله. 
قوله :" حفيظاً " : حالٌ من كَافِ " أرسلناك " و " عليهم " مُتعلِّق ب " حفيظاً "، وأجاز فيه أبُو البَقَاءِ[(٣)](#foonote-٣) ما تقدَّم في " للنَّاسِ ".

١ تقدم..
٢ سقط في أ..
٣ ينظر: الإملاء ١/١٨٨..

### الآية 4:81

> ﻿وَيَقُولُونَ طَاعَةٌ فَإِذَا بَرَزُوا مِنْ عِنْدِكَ بَيَّتَ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ ۖ وَاللَّهُ يَكْتُبُ مَا يُبَيِّتُونَ ۖ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ ۚ وَكَفَىٰ بِاللَّهِ وَكِيلًا [4:81]

**في رفع " طاعة " : وجهان :**
أحدهما : أنه خبرُ مُبْتَدأ مضمَرٍ، تقديره :" أمر طاعة " ولا يجُوز إظهارُ هذا المُبْتَدأ ؛ لأن الخَبَر مَصْدَر بدلٌ من اللَّفْظِ بفعله. 
والثاني : أنه مُبْتَدأ والخَبَر مَحْذُوف، أي : مِنَّا طَاعَة، أو : عِنْدنا طَاعَةٌ، قال مكي[(١)](#foonote-١) :" ويجُوز في الكَلاَم النَّصْبُ على المَصْدَر ". 
قوله :" فإذا برزوا " \[ وأخْرِجُوا \][(٢)](#foonote-٢)، من عندك بيت طائِفَةٌ مِنْهُم غير الَّذي تَقُولُ. 
أدغم أبو عَمْرو وحمزة[(٣)](#foonote-٣) : تاء " بَيَّت " في طَاءِ " طائفة " لتقاربهما، ولم يَلْحَقِ الفِعْلَ علامةُ تأنيث ؛ لكونه مَجَازياً، و " منهم " : صِفَةٌ ل " طائفة "، والضَّمِير في " تَقُول " يحتمل أن يكُون ضَمير خِطَاب للرَّسُول - عليه السلام -، أي : غيرَ الذي تَقُولُه وترسم به يا مُحَمَّد، ويؤيِّده قِرَاءة عبد الله[(٤)](#foonote-٤) :" بيَّتَ مُبَيِّتٌ مِنْهُم "، وأن يكون ضمير غَيْبَة للطَّائفة، أي : تقول هي. 
وقرأ يَحْيَى بن يَعْمر[(٥)](#foonote-٥) :" يقول " بياء الغَيْبَة، فيحتمل أن يَعُود الضَّمِيرُ على الرَّسُول بالمَعْنَى المُتقدِّم، وأن يَعُود على الطَّائِفَةِ، ولم يؤنِّث الضَّمِيرَ ؛ لأن الطِّائِفَة في معنى الفَرِيق والقوم. 
قال الزَّمَخْشَرِيُّ :" بيت طائفة " أي : زوَّرت وسوَّت " غير الذي تقول " : خلاف ما قُلْت ومَا أمَرْت به، أو خِلاَف ما قَالَتْ ومَا ضَمِنَت من الطَّاعَة ؛ لأنَّهم أضْمَرُوا الرَّدَّ لا القَبُول. 
قال الزَّجَّاج : كل أمر تفكر فيه وتُؤوِّل في مصالحه ومفاسده كثيراً، قيل : هذا أمْر مُبَيَّتٌ ؛ قال - تعالى - : إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لاَ يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ  \[ النساء : ١٠٨ \]، وقال قتادَةُ والكَلْبِيُّ : بَيَّت، أي : غيَّر وبَدَّل الَّذِي عَهِدَ إليهم النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم[(٦)](#foonote-٦)، ويكون التَّبْييتُ بمعنى : التَّبْدِيل. 
وقال أبُو عُبَيْدَة[(٧)](#foonote-٧) : والتَّبييتُ معناه : قالُوا وقَدَّرُوا لَيْلاً مَا أعطوك نهاراً، وكل ما قُدِّر بلَيْل فهو مُبَيَّتٌ[(٨)](#foonote-٨). 
وقال أبو الحَسَن الأخْفَش[(٩)](#foonote-٩) : تقول العَرَب للشَّيْءِ إذا قُدِّرَ : بَيْتٌ، يُشَبِّهُونَهُ بتقدير بُيُوت الشِّعْر، وفي اشْتِقَاقه وَجْهَان :
أحدهما : أن أصْلَح الأوْقَات للفكْر أن يَجْلِس الإنْسَان في بَيْتِهِ باللَّيل، فهناك تكُون الخَوَاطِر أجْلى والشَّواغل أقَل، فلما كان الغَالِبُ أنَّ الإنْسَان وقت اللَّيْل يكون في البَيْتِ، والغَالِبُ أنه إنَّما يَسْتَقْصِي في الأفْكَار في اللَِّيْلِ، فلا جَرَم سُمِّي ذلك فيس الفِكْر مبيِّتاً. 
والثاني : أن التَّبْييتَ والبَيَات : أن يَأتِي العَدُوُّ ليلاً، وبات يَفْعَل كذا : إذا فَعَلَه لَيْلاً ؛ كما يُقَال : ظلَّ بالنَّهار، وبَيَّتَ بالشيء، قَدَّره، وإنما خَصَّ هذه الطَّائِفَة من جُمْلَة المُنَافِقِين لوجهين :
أحدهما : أنه - تعالى - ذكر من عَلِم أنَّه يَبْقى على كُفْرِه ونِفَاقِة، فأمَّا من عَلِمَ أنَّه يرجع عن ذَلِك فإنَّه لم يَذْكُرْهُم. 
والثَّاني : أنَّ هذه الطَّائِفَة كانوا قد سَهِرُوا لَيْلَهُم في التَّبْيِيتِ، وغيرهم سَمِعُوا وسَكَتُوا ولم يُبَيِّتُوا، فلا جَرَم لم يُذْكَرُوا. 
وفي الآيَة دليل على أن مُجَرَّدَ القَوْل لا يُفيد شيئاً، فإنَّهُمْ قَالُوا " طائفة " ولَفَظُوا بِهَا، ولم يحقِّق اللَّه طاعتهم. 
ثم قال : وَاللَّهُ يَكْتُبُ مَا يُبَيِّتُونَ  ذكر الزَّجَّاج \[ فيه \][(١٠)](#foonote-١٠) وجْهَيْن :
أحدهما :\[ معناه \][(١١)](#foonote-١١) : ينزل إلَيْك في كِتَابِه. 
والثَّّاني : يكُتَبُ ذلك في صَحَائِف أعْمَالهم ؛ ليجَازوا به. 
وقال الضَّحاك عن ابن عبَّاسٍ، يعني : ما يُسِرُّون من النِّفَاق[(١٢)](#foonote-١٢). 
و " مَا " في " ما يبيتون " يجوز أن تكون مَوْصُولة أو مَوْصُوفة أو مَصْدَرية. " فأعْرِض عَنْهم " يا مَحَمَّد، ولا تفضحهم ولا تُعَاقِبْهُم ولا تُخْبِر بأسْمَائِهِم ؛ فأمر اللَّه - تعالى - بستْر \[ أحْوَالِ \][(١٣)](#foonote-١٣) المُنَافِقين إلى أن يَسْتَقِيم أمر الإسْلام. 
ثم قَالَ : وتوكل على الله  في شأنهم، فإن الله يَكْفِيكَ \[ شَرَّهُم \][(١٤)](#foonote-١٤) وينتقم \[ لك \][(١٥)](#foonote-١٥) منهم،  وكفى بالله وكيلاً  لمن توكَّلَ عليه. 
قال المُفَسِّرون[(١٦)](#foonote-١٦) : كان الأمْر بالإعْرَاض عن المُنَافِقِين في ابْتِداء الإسْلاَم، ثم نُسِخ ذلك بقوله : جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ  \[ التوبة : ٧٣ \]. وهذا فيه نَظَر ؛ لأن الأمْر بالصَّفْح مُطْلَق، فلا يفيد إلاَّ المَرَّة الوَاحِدَة، فورودُ الأمْر بعد ذَلِك بالجِهَادِ لا يكون نَاسِخاً له. 
١ ينظر: المشكل ١/١٩٩..
٢ سقط في ب..
٣ ينظر: السبعة ٢٣٥، والحجة ٣/١٧٣، وإعراب القراءات ١/١٣٦، والعنوان ٨٥، وشرح شعلة ٣٤١، وإتحاف ١/٥١٧، والإدغام الكبير لأبي عمرو الداني ص ٩٥..
٤ ينظر: المحرر الوجيز ٢/٨٣، والبحر المحيط ٣/٣١٧، والدر المصون ٢/٤٠١..
٥ ينظر: البحر المحيط ٣/٣١٧، والدر المصون ٢/٤٠١..
٦ أخرجه الطبري في "تفسيره" (٨/٥٦٤، ٥٦٥) من طريق عكرمة عن ابن عباس ومن طريق ابن جريج عن ابن عباس.
 وأورده السيوطي في "الدر المنثور" (٢/٣٣٢) طريق ابن جريج عن ابن عباس وزاد نسبته إلى ابن المنذر..
٧ ينظر: تفسير البغوي ١/٤٥٥..
٨ في ب: تبيت..
٩ ينظر: تفسير البغوي ١/٤٥٥..
١٠ سقط في ب..
١١ سقط في أ..
١٢ أخرجه الطبري في "تفسيره" (٨/٥٦٥) عن الضحاك وذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٢/٣٣٢) وزاد نسبته لابن أبي حاتم..
١٣ سقط في أ..
١٤ سقط في ب..
١٥ سقط في أ..
١٦ ينظر: تفسير الرازي ١٠/١٥٦..

### الآية 4:82

> ﻿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ ۚ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا [4:82]

قرأ ابن محيْصِن[(١)](#foonote-١) :" يَدَّبَّرون " : بإدغام التَّاء في الدَّال، والأصْل : يَتَدبرون، وهي مخالفةٌ للسَّوَاد والتَّدْبير والتَّدَبُّر عبارة عن النَّظَر في عَوَاقِب الأمُور وأدْبَارِهَا، ودُبُرُ الشَّيْء آخره، ومنه قوله : إلامَ تدبَّرُوا أعْجَاز أمُورٍ قَدْ ولت صُدُورَها، ويقال في فَصِيح الكَلاَم : لو استَقبلتُ من أمري ما اسْتَدْبَرْت، أي : لو عَرَفْت في صَدْرِي ما عَرَفْتَ \[ من \][(٢)](#foonote-٢) عاقِبَتِهِ، لامْتَنَعْت.

### فصل : وجه النظم في الآية


ووجه النظم أنه - تعالى - \[ لمَّا \][(٣)](#foonote-٣) حكى أنواعَ مكر[(٤)](#foonote-٤) المُنَافِقِين وكَيْدِهم ؛ لأجل عَدَم اعتِقَادِهم صحَّة دَعْوَى النَّبي صلى الله عليه وسلم للرِّسَالَة، فلا جَرَم أمرهم \[ الله \][(٥)](#foonote-٥) تعالى بأن يَنْظُروا ويتفكروا في الدَّلائِل \[ الدَّالَّة \][(٦)](#foonote-٦) على صِحَّة النُّبوَّة ؛ فقال \[ - تعالى - \][(٧)](#foonote-٧)  أفلا يتدبرون القرآن  والعلماء قَالُوا[(٨)](#foonote-٨) : دلالة القُرْآنِ على صِدْق نُبُوَّةِ محمَّد صلى الله عليه وسلم من ثلاثة أوْجُه :
أحدُها : فصاحَته. 
وثانيها : اشْتِمَاله على الإخْبَارِ عن الغُيُوبِ. 
والثالث : سلامَتُه عن الاخْتِلاَف، وهاذ هو المذكُور في هَذِهِ الآية، وذكروا في تَفْسِير سَلاَمَتِه عن الاخْتِلاَف ثلاثة أوْجُه :
الأول : قال أبو بَكر الأصَم[(٩)](#foonote-٩) : معناه أنَّ هؤلاء المُنَافِقِين كانوا يَتواطَئُون في السَِّرِّ على أنْواع كَثِيرةٍ من الكيد والمَكْر، والله - تعالى - \[ كان \][(١٠)](#foonote-١٠) يُطْلِعُ الرَّسُول - عليه الصلاة والسلام - على تلك الأحْوَال، ويخبره عَنْهَا مُفَصَّلة، فقيل لهم : إن ذلك لو لم يَحْصُل بإخْبَارِ الله - تعالى -، وإلا لما اطَّردَ الصِّدْق فيه، ولظَهَر الاخْتِلاف والتَّفَاوت في قول مُحمَّد - \[ عليه السلام \][(١١)](#foonote-١١) -، فلمَّا لم يظهر ذلك عَلِمْنا أنَّ ذلك بإعْلام اللَّه - تعالى-. 
الثاني : قال أكثر المُتَكَلِّمين : إن القُرْآن كتاب كَبِير[(١٢)](#foonote-١٢) مشتمِلٌ على أنْوَاع كثيرةٍ من العُلُوم، فلو كَان ذَلِك مِنْ عِنْد غَيْر اللَّه، لوقع فيه أنْواعٌ من الكَلِمَات المُتَنَاقِضَة ؛ لأن الكِتَاب الكَبِير لا ينْفَكُّ من ذَلِكَ، ولمّا لم يُوجد فيه ذلك، عَلِمْنَا : أنه لَيْس من عِنْد غَيْر اللَّه ؛ قاله ابن عبَّاسٍ. 
فإن قيل : أليس أنَّ قوله : وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ  \[ القيامة : ٢٢- ٢٣ \] كالمناقض لقوله : لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ  \[ الأنعام : ١٠٣ \]، وآيات الجِبْرِ كالمناقِضَةِ لآيات القَدَرِ، وقوله : فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ  \[ الحجر : ٩٢ \] كالمناقَضِ لقوله :
 فَيَوْمَئِذٍ لاَّ يُسْأَلُ عَن ذَنبِهِ إِنسٌ وَلاَ جَآنٌّ  \[ الرحمن : ٣٩ \]. 
فالجواب أنا بَيَنَّا أنه لا مُنَافَاة ولا مُنَاقَضَةَ بَيْن شَيْءٍ مِنْهَا. 
الثالث : قال \[ أبُو \][(١٣)](#foonote-١٣) مسلم الأصْفَهَانِي : المراد منه عدم الاخْتِلاف في رُتب الفَصَاحَةِ فيه من أوَّله إلى آخره على نَهْج وَاحدٍ، ومن المَعْلُوم أن الإنْسَان وَإنْ كان في غَايَة البَلاغَة ونهاية الفَصَاحة، إذا كَتَب كِتَاباً طويلاً مُشْتَمِلاً عَلَى المعاني الكثيرة، فلا بُدَّ وأن يقع التَّفَاوُت في كَلاَمه، بحيْث يكون بَعْضُه قريباً مُبَيِّناً وبَعْضُه سَخِيفاً نازلاً[(١٤)](#foonote-١٤). 
ولما لم يكُن القُرآن كَذلِك، علمنا أنه مُعْجِزٌ من عِنْد الله - تعالى -. 
والضمير في " فِيه " يُحتمل أن يعودَ على القُرْآن، وهو الظَّاهِر، وأن يعُود على ما يُخْبره الله - تعالى - به ممَّا يُبَيِّتُون ويُسِرُّون، يعني : أنه يُخْبِرُهم به عَلَى حَدٍّ ما يَقَع. 
### فصل في دلالة الآية


دلت الآية على أن القُرْآن معلوم المَعْنَى، خلافاً لِمَنْ يَقُول : إنَّه لا يَعْلَم مَعْنَاه إلا النَّبي[(١٥)](#foonote-١٥) والإمَام المَعْصُوم ؛ \[ لأنه \][(١٦)](#foonote-١٦) لو كان كَذَلِك، لما تَهَيَّأ للمنافقين مَعْرِفة ذلِك بالتَّدَبُّر، ودلت الآيَة أيْضاً على إثْبات القياسِ، وعلى وُجُوب النَّظرِ والاستِدْلال، وعلى فَسَاد التَّقْليد، \[ و \][(١٧)](#foonote-١٧) لأنه - تعالى - أمر المُنَافِقِين بالاستِدْلال بهذا الدَّلِيل على صِحَّة نُبُوَّته فيه، فبأن يَحْتَاج إلى مَعْرِفة ذَاتِ اللَّه - تعالى - وصِفَاته إلى الاستدْلال أوْلى. 
### فصل


قال أبو علي الجُبَّائي[(١٨)](#foonote-١٨) : دلت الآية على أن أفْعَال العِبَاد \[ غَيْر \][(١٩)](#foonote-١٩) مَخْلُوقة للَّه تعالى لأن قوله - تعالى - : وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلاَفاً كَثِيراً  يقتضي أن فعل العَبْد لا يَنْفَكُّ عن التَّفَاوُت والاختلاف وفِعْل اللَّه - تعالى - لا يوجد فيه التَّفَاوُت ؛ لقوله - تعالى - : مَّا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِن تَفَاوُتِ  \[ الملك : ٣ \]، فهذا يَقْتَضِي أن فِعْل العَبْد لا يكُون فِعْلاً للَّه - \[ عز وجل \][(٢٠)](#foonote-٢٠) -. 
والجواب : أن قوله - تعالى - : مَّا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِن تَفَاوُتِ  \[ الملك : ٣ \] معنى[(٢١)](#foonote-٢١) التَّفاوُت في أنَّه يقع على وَفْقِ مشيئته بخلاف غيره، فإنَّ فِعْل غيره لا يقع على وَفْقِ مشيئته على الإطْلاقِ. 
١ ينظر: البحر المحيط ٣/٣١٧، والدر المصون ٢/٤٠١..
٢ سقط في أ..
٣ سقط في ب..
٤ في أ: ملك..
٥ سقط في ب..
٦ سقط في أ..
٧ سقط في أ..
٨ ينظر: تفسير الرازي ١٠/١٥٧..
٩ ينظر: السابق..
١٠ سقط في أ..
١١ سقط في أ..
١٢ في ب: منير..
١٣ سقط في ب..
١٤ في ب: بازلا..
١٥ في ب: النبي..
١٦ سقط في أ..
١٧ سقط في ب..
١٨ ينظر: تفسير الرازي ١٠/١٥٧..
١٩ سقط في أ..
٢٠ سقط في أ..
٢١ في ب: نفي..

### الآية 4:83

> ﻿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ ۖ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَىٰ أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ ۗ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا [4:83]

وهذا نوع آخر من أعْمَال المُنَافِقِين الفَاسِدة، وذَلِك أنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم كان يَبْعَث السَّرايا فإذا غَلَبُوا أو غَُلِبُوا بَادَرَ[(١)](#foonote-١) المُنَافِقون يستَخْبِرُونَ عن حَالِهِم، فَيُفْشُون ويُحَدِّثُون به قَبْل أنْ يُحْدِّثَ به رسُول الله صلى الله عليه وسلم فَيُضْعِفُون به قُلُوبَ المُؤمِنين، فأنْزَل الله - تعالى -  وَإِذَا جَآءَهُمْ  يعني : المُنَافِقِين " أمر من الأمن " أي : الفَتْح والغَنِيمَة " أو الخوف " أي : القتل[(٢)](#foonote-٢) والهزيمَة " أذاعوا به " أشاعُوه وأفشوْه، وذلك سَبَبٌ للضَّرر من وُجُوهٍ :
أحدها : أن مِثْل هذه الإرْجَافَات لا تنفَكُّ عن الكَذِب. 
وثانيها : إن كان ذلك الخَبَر من جَانِبِ الأمْن زَادُوا[(٣)](#foonote-٣) فيه زِيَادات كَثِيرة، \[ فإذا لَمْ تُوجد تلك الزَّيَادات، أوْرَث ذلك شُبْهَة للضُّعَفَاءِ في صدق الرَّسول - عليه السلام- \][(٤)](#foonote-٤) ؛ لأن المنافِقِين كانوا يروون[(٥)](#foonote-٥) تلك الإرْجَافَات عن الرسُول، وإن كان ذَلِك الخَبَر خَوْفاً، تشوَّشَ الأمر على ضُعَفَاء المُسْلِمين بسبَبِه، ووقعوا في الحَيْرَة والاضْطراب، فكان ذلك سَبَباً للفِتْنَة. 
وثالثها : أن العَداوَة الشَّدِيدة كانت قَائِمَةً بين المُسْلِمين وبين الكُفَّار، فكان[(٦)](#foonote-٦) كلّ وَاحِد من الفريقين مُجدًّا في إعْداد آلات الحَرْب وانْتِهَاز الفُرْصَة، فكل ما كان \[ أمْناً \][(٧)](#foonote-٧) لأحد الفَرِيقَيْن، كان خَوْفاً للفَريقِ الثَّانِي، وإن \[ وقع خَبر الأمْن للمُسْلِمين، أرجَفَ بذلك المُنَافِقُون، فوصل الخَبَر في أسْرَع مُدَّة إلى الكُفَّار ؛ فاحترزوا وتحصَّنُوا من المُسْلمين، وإن \][(٨)](#foonote-٨) وَقَعَ خبر الخَوْف للمُسْلِمِين بالَغوا في ذلك وزادوا فيه، وألْقوا الرُّعب في قُلُوب الضَّعْفَة، فظهر أن الإرْجَافَ مَنْشَأ الفِتَنِ والآفَاتِ[(٩)](#foonote-٩). 
قوله : أَذَاعُواْ بِهِ  : جواب إذا، وعَيْنُ أذَاعَ ياء ؛ لقولهم : ذاع الشَّيء يذِيع، ويُقال : أذاع الشَّيْء، أيضاً بمعنى المُجَرَّد، ويكونُ متعدِّياً بنفسه وبالبَاءِ، وعليه الآيةُ الكريمة، وقيل : ضَمَّن " أذاع " مَعْنَى " تَحَدَّثَ " فعدَّاه تعديتَه، أي : تحدَّثوا به مُذيعين له، والإذاعة : الإشاعةُ، قال أبو الأسْوَد :\[ الطويل \]

ب- أذَاعُوا بِهِ فِي النَّاسِ حَتَّى كَأنَّهُ  بِعَلْيَاءَ نَارٌ أوقِدَتْ بِثُقُوبِ[(١٠)](#foonote-١٠)والضَّمِيرُ في " به " يجُوزُ أن يعودَ على الأمْر، وأن يعُودَ على الأمن أو الخَوْفِ ؛ لأنَّ العَطْفَ ب " أو " والضَّميرُ في " رَدُّوهُ " للأمْر. 
قوله :" لو ردوه " أي الأمْر، " إلى الرسول " أي :\[ لَمْ \][(١١)](#foonote-١١) يحدِّثوا به حَتَّى يكُون النَّبي[(١٢)](#foonote-١٢) صلى الله عليه وسلم هو الذِي يُحدِّث به، و " إلى أولي الأمر \[ منهم \][(١٣)](#foonote-١٣) " أي : ذَوِي الرأي[(١٤)](#foonote-١٤) من الصَّحَابة ؛ مثل أبي بكْر وعُمر وعُثْمَان وعلي، وقيل : أمَرَاء السَّرَايا ؛ لأنَّهم الَّذِين لَهُم أمر على النَّاسِ، وأهل العِلْم لَيْسوا كذلِك. 
وأجيب عن هَذَا : بأن العُلَمَاء يجبُ على غَيْرِهم قُبُول قولِهِم ؛ لقوله - تعالى - :
 لِّيَتَفَقَّهُواْ فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُواْ قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُواْ إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ  \[ التوبة : ١٢٢ \] فأوجب الحَذَر بإنْذَارِهِم، وألزَم المُنْذرين قُبُول قولهم، فجاز لهذا المَعْنَى إطْلاق اسم أولي الأمْرِ عَلَيهم. 
قوله : لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ  أي : يستخْرِجُونه، وهُم العُلَماء عَلِمُوا ما يَنْبَغِي أنْ يُكْتَم، وما يَنْبَغِي أن يُفْشَى، والاستِنْبَاط في اللُّغَةِ : الاستِخْراج، وكذا " الإنباط " يقال : استَنْبَطَ الفَقِيهُ : إذا استَخْرَجَ الفِقْهَ البَاطِنَ باجْتِهَادِهِ وفهمه، وأصله من النّبط وهو الماءُ الذي يَخْرج من البَئْرِ أوّلَ حَفْرها قال :\[ الطويل \]نَعَمْ صَادِقاً والفَاعِلُ القَائِلُ الذي  إذَا قَالَ قَوْلاً أنْبَطَ المَاءَ في الثَّرَى[(١٥)](#foonote-١٥)ويقال : نَبَطَ المَاءُ يَنْبطُ بفتحِ البَاءِ وضمها. 
والنبط أيضاً : جِيلٌ من الناس سُمُّوا بذلك ؛ لأنهم يستخرجون المياه والنبات. ويقال في الرَّجُل الذي يكُونَ بعيد العِزِّ والمنعة :" ما يجِدُ عَدُوُّه لَهُ نَبَطاً ". قال كَعْبٌ :\[ الطويل \]قَرِيبٌ ثَرَاهُ مَا يَنَالُ عَدُوُّهُ  لَهُ نَبَطاً، آبِي الْهَوَانِ قَطُوبُ[(١٦)](#foonote-١٦)و " منهم " حَالٌ : إمَّا من الَّذِين، أو من الضَّمير في " يَسْتَنْبِطُونه " فيتعلق بمَحْذُوفٍ. 
وقرأ أبو السَّمال[(١٧)](#foonote-١٧) :" لَعَلْمه " بسُكُون اللام، قال ابن عَطِيَّة[(١٨)](#foonote-١٨) : هو كتَسْكِين  فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ  \[ النساء : ٦٥ \] وليس مِثْله ؛ لأنَّ تسْكِين فعل بكَسْر العين مَقِيسٌ، وتسكينَ مَفْتُوحها شاذٌّ ؛ ومثلُ تسكين " لَعَلْمَهُ " قوله :\[ الطويل \]فَإنْ تَبْلُهُ يَضْجَرْ كَمَا ضَجْرَ بَازِلٌ  مِنَ الأدمِ دَبْرَتْ صَفْحَتَاهُ وغَارِبُهْ[(١٩)](#foonote-١٩)أي : دَبِرت، فِسَكَّن. 
### فصل معنى " يستنبطونه " 


\[ قيل المراد ب " يستنبطونه " : يَسْتَخْرِجونَهُ، وقال عِكْرمة : يَحْرِصُون عليه[(٢٠)](#foonote-٢٠) ويسألون عنه \][(٢١)](#foonote-٢١)، وقال الضَّحَّاك : يتتبّعونه[(٢٢)](#foonote-٢٢)، يريد : الذين سَمِعُوا تلك الأخْبَار من المُؤمنين والمُنَافِقين، لو رَدُّوه[(٢٣)](#foonote-٢٣) إلى الرَّسُول صلى الله عليه وسلم وإلى ذَوِي الرَّأي والعِلْم، لعلمه الذين يَسْتَنْبِطُونه، أي : يُحِبون أي يَعْلَمُوه على حَقِيقَتِهِ كما هُو. 
وقيل : المُراد ب " الذين يستنبوطه " أولئك المُنَافِقُون المُذِيعُونَ، والتقدير : ولو أن هؤلاء المُنَافِقِين المُذِيعِينَ رَدُّوا أمر الأمْنِ والخَوْف إلى الرَّسُول وإلى أولي الأمْر، وطلبوا مَعْرِفَة الحَالِ \[ فيه \][(٢٤)](#foonote-٢٤) من جهتِهِم، لعلمه الَّذين يستَنْبِطُونه مِنْهُم و \[ هم \][(٢٥)](#foonote-٢٥) هؤلاء المُنَافِقُون المُذِيعُون منهم، أي : من جَانب الرَّسُول، ومن جَانب أولي الأمْر \[ منهم \][(٢٦)](#foonote-٢٦). 
فإن قِيلَ : إذا كَان الَّذين أمَرَهُم الله - تعالى - برد هذه الأخْبَارِ إلى الرَّسُول وإلى أولي \[ الأمر مِنْهُم وهم المُنَافِقُون، فكَيف جَعَل أولي الأمْر منهم في قوله : وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ . 
الجواب : إنما جَعَل أولي \][(٢٧)](#foonote-٢٧) الأمْر مِنْهُم على حَسَب الظَّاهِر ؛ لأن المُنَافِقين يظْهِرُون من أنْفسهم أنَّهم مؤمِنُون، ونَظِيرُه : وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَن لَّيُبَطِّئَنَّ  وقوله : مَّا فَعَلُوهُ إِلاَّ قَلِيلٌ مِّنْهُمْ  \[ النساء : ٦٦ \]. 
قوله : وَلَوْلاَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لاَتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلاَّ قَلِيلاً 
قال أبو العَباس \[ المُقْرِئ \][(٢٨)](#foonote-٢٨) : وَرَدَت[(٢٩)](#foonote-٢٩) الرَّحْمَة \[ في القُرْآن \][(٣٠)](#foonote-٣٠) عَلَى سَبْعَة أوجه :
الأوّل : القُرْآن، قال - تعالى - : وَلَوْلاَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ  أراد بالفَضْلِ الإسْلام[(٣١)](#foonote-٣١)، وبالرَّحْمَة القُرْآن. 
الثاني : بمعنى الإسْلام ؛ قال - تعالى - : يُدْخِلُ مَن يَشَآءُ فِي رَحْمَتِهِ  \[ الإنسان : ٣١ \] أي : في الإسلام \[ ومثله  وَلَكِن يُدْخِلُ مَن يَشَآءُ فِي رَحْمَتِهِ  \[ الشورى : ٨ \] أي : في دين الإسلام \][(٣٢)](#foonote-٣٢). 
الثالث :\[ بمعنى \][(٣٣)](#foonote-٣٣) : الجنة ؛ قال - تعالى - : أُوْلَئِكَ يَئِسُواْ مِن رَّحْمَتِي  \[ العنكبوت : ٢٣ \] أي : من جَنَّتِي. 
الرَّابع : المَطَر ؛ قال - تعالى - : يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًى بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ 
\[ الأعراف : ٥٧ \]. 
الخامس : النِّعمة ؛ قال - تعالى - : وَلَوْلاَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ . 
السادس : النبوة ؛ قال - تعالى - : أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ  \[ الزخرف : ٣٢ \]، أي : النُّبُوَّة. 
السابع : الرِّزْق ؛ قال - تعالى - : مَّا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ  \[ فاطر : ٢ \] : من الرِّزْقِ ؛ ومثله  وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابْتِغَآءَ رَحْمَةٍ مِّن رَّبِّكَ تَرْجُوهَا  أي : رِزْقاً. 
### فصل


اعلم : أن ظَاهِر هذا الاسْتِثْنَاء يوهِمُ أنَّ ذلك القليل وَقَع لا بِفَضْل الله ولا بِرَحْمَتِه، وذلك محال. 
قوله :" إلا قليلاً " ذكر المفسَِّرُونَ فيها عشرة أوجه :
الأول : قال بعضهم : إنه مُسْتَثْنَى من فَاعِل " اتبعتم " أي : لاتَّبعتم الشيطان إلا قليلاً منكم، فإنه لم يتَّبع الشَّيْطَان، على تقدِير كَوْن فَضْل الله لم يأته، ويكونُ أرادَ بفضل الله الإسلام وإرسَالَ محمَّد صلى الله عليه وسلم، ويكون قوله : وَلَوْلاَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لاَتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ  كلام تامٌّ، \[ وذلك القَلِيلُ ؛ كقِسٍّ بن سَاعِدة الإيَادِي، وزَيْد بن عَمْرو بن نُفَيْل، وورقة بن نوفل، وجماعة سِوَاهم مِمَّن كان على دِين المَسِيحِ قَبل بَعْثَةِ الرسول \]. 
وقال أبو مُسِلم[(٣٤)](#foonote-٣٤) : المراد بِفَضْل اللَّه ورحمته في هذه الآية : هو نُصْرتهُ ومعُونتهُ اللَّذان تمنَّاهُما المُنَافِقُون ؛ بقولهم : فَأَفُوزَ فَوْزاً عَظِيماً  \[ النساء : ٧٣ \] بيَّن - تعالى - أنَّه لولا حُصُول النَّصْر والظّفَرِ على سبيل التَّتَابُع، لاتَّبَعْتُم الشَّيْطَان وتركتم الدين إلاَّ قليلاً مِنْكُم، وهم أهْل البَصَائِر النَّافِذة، والنِّيَّات القويَّة[(٣٥)](#foonote-٣٥)، والعَزَائم المُتَمكِّنَةِ من أفَاضِل المُؤمِنِين، الذين يَعْلَمُون أنه لَيْس من شَرْطِ كونه حَقّاً هو الدَّوْلَة في الدُّنْيَا، فلأجل تَوَاتُر الفَتْح[(٣٦)](#foonote-٣٦) والظَّفر في الدُّنْيَا يدل على كَوْنه حَقاً ؛ ولأجل تواتر الهَزِيمَة والانكِسَار يدلُّ على كونه بَاطِلاً، بل الأمْر في كونه حَقاً وباطلاً على الدَّلِيل، وهو أحْسَن الوُجُوه. 
\[ وقيل : المُرَادُ مَنْ مَنْ لم يَبْلغ التكْلِيف، وعلى ذها التَّأويل قيل : فالاستثْنَاء مُنْقَطِع ؛ لأن المُسْتَثْنَى لم يَدْخُل تحت الخِطَاب، وفيه نظر يظهر في الوَجْهِ العَاشِر. 
الثاني : أنه مُسْتَثْنى من فَاعِل " أذاعوا " أي : أظْهَرُوا أمرَ الأمْن أو الخَوْف إلا قَليلاً فأخرج بعض المُنَاقِقِين من هَذِه الإذاعَة. 
الثالث : أنه مُسْتَثْنى من فَاعِل " عَلِمه " أي : لعلمه المُسْتَنْبِطُون منهم إلا قَلِيلاً \]. 
قال الفرَّاء والمبرد[(٣٧)](#foonote-٣٧) :\[ وأما \][(٣٨)](#foonote-٣٨) القَوْل بأنَّه مستَثْنى من فاعل " أذاعوا " أوْلى من هَذَا ؛ لأن ما يُعْلَم بالاسْتِنْبَاطِ ؛ فالأقلُّ[(٣٩)](#foonote-٣٩) يعلمُه والأكْثَر يجهله، وصرف الاسْتِِثْنَاء إلى المسْتَنْبِطِين يَقْتَضِي ضِدَّ ذَلِك. 
قال الزَّجَّاج[(٤٠)](#foonote-٤٠) : هذا غَلَطٌ ؛ لأنه لَيْسَ المراد من هَذَا الاستِثْنَاء[(٤١)](#foonote-٤١) شيئاً يَسْتَخْرِجُه بنظر دَقيق وفكْرٍ غَامِضٍ، إنما هو استِنْبَاط خَبَر، وإذا كَانَ كَذَلِك فالأكثرون يَعْرِفُونه إنَّما البالغ في البَلاَدة والجَهَالة هُو الَّذي لا يَعْرِفُه، ويمكن أن يُقَال : كلام الزَّجَّاج إنما يَصِحُّ لو حَمَلْنا الاستِنْبَاطَ[(٤٢)](#foonote-٤٢) على مُجَرَّد تعرُّف الأخْبَارِ والأرَاجِيف، \[ أمَّا \][(٤٣)](#foonote-٤٣) إذا حملناه على الاستِ١ في ب: بادروا..
٢ في ب: الفشل..
٣ في ب: أمنا زادوا..
٤ سقط في ب..
٥ في ب: يردون..
٦ في ب: وكان..
٧ سقط في أ..
٨ سقط في أ..
٩ في ب: الآلات..
١٠ ينظر البيت في ديوانه (٩٨) والكشاف ١/٥٤١ والدر المصون ٢/٤٠٢، والمحرر الوجيز ٢/٨٤..
١١ سقط في أ..
١٢ في ب: الرسول..
١٣ سقط في أ..
١٤ في أ: وقالوا أي..
١٥ ينظر البيت في البحر المحيط ٣/٣١٦ والدر المصون ٢/٤٠٢..
١٦ ينظر البيت في المعصيات (١٠٣) والبحر ٣/٣١٦ والدر المصون ٢/٤٠٢ والطبري ٨/٥٧١ والمحرر الوجيز ٢/٨٥..
١٧ ينظر: المحرر الوجيز ٢/٨٤، والبحر المحيط ٣/٣١٩، والدر المصون ٢/٤٠٢..
١٨ ينظر: المحرر الوجيز ٢/٨٤..
١٩ اختلف في نسبة هذا البيت فنسب لأبي الغمر الكلابي لعبد الرحمن بن حسان ولأبي الجراح وللأخطل ينظر الإنصاف (١٢٣)، والخزانة ٢/٢٧٧، والأشموني ٢/٢٤٣، وابن يعيش ٧/١٢٩، واللسان: (ضجر)، والدر المصون ٢/٤٠٢..
٢٠ أخرجه الطبري في "تفسيره" (٨/٥٧٣) وذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٢/٣٣٤) وزاد نسبته لابن المنذر..
٢١ سقط في ب..
٢٢ أخرجه الطبري في "تفسيره" (٨/٥٧٣) عن الضحاك..
٢٣ في ب: ردوا..
٢٤ سقط في ب..
٢٥ سقط في ب..
٢٦ سقط في ب..
٢٧ سقط في أ..
٢٨ سقط في أ..
٢٩ في ب: ودوا..
٣٠ سقط في أ..
٣١ في أ: الإنسان..
٣٢ سقط في ب..
٣٣ سقط في أ..
٣٤ ينظر: تفسير الرازي ١٠/١٦١..
٣٥ في أ: القوفية..
٣٦ في أ: النسخ..
٣٧ ينظر: تفسير الرازي ١٠/١٦١..
٣٨ سقط في ب..
٣٩ في ب: في الأدل..
٤٠ ينظر: تفسير الرازي ١٠/١٦١..
٤١ في أ: الاستنباط..
٤٢ في أ: الاستثناء..
٤٣ سقط في أ..

### الآية 4:84

> ﻿فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ ۚ وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ ۖ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا ۚ وَاللَّهُ أَشَدُّ بَأْسًا وَأَشَدُّ تَنْكِيلًا [4:84]

قوله - تعالى - :" فقاتل " : في هذه الفَاءِ خَمْسَةُ أوجه :
أحدها : أنَّها عاطفةٌ هذه الجُمْلَة على جُمْلة قوله : فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ  \[ النساء : ٧٤ \]. 
الثاني : أنها عاطفتها على جُمْلَةِ قوله : فَقَاتِلُواْ أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ  \[ النساء : ٧٦ \]. 
الثالث : أنَّها عاطِفتُها على جُمْلَة قوله : وَمَا لَكُمْ لاَ تُقَاتِلُونَ  \[ النساء : ٧٥ \]. 
الرابع : أنها عاطفتها على جملة قوله : فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً  \[ النساء : ٧٤ \]. 
الخامس : أنها جوابُ شرط مُقَدَّر، أي : إنْ أرَدْت فقاتل، وأولُ هذه الأقْوَال هو الأظْهَر. 
### فصل


لما أمر بالجِهَاد في الآيات المُتقدِّمة ورغب فيه، وذكر قِلَّة رغبة المُنَافِقِين في الجِهَاد، عاد \[ إلى \][(١)](#foonote-١) الأمْر بالجِهَاد في هَذِه الآية. 
قوله : لاَ تُكَلَّفُ إِلاَّ نَفْسَكَ  في هذه الجُمْلَة قولان :
أحدهما : أنها في محلِّ نَصْب على الحَالِ من فاعل " فقاتِلْ " أي : فقاتِلْ غير مُكَلَّفٍ إلا نَفْسك وحدها. 
والثاني : أنها مُسْتأنفة أخْبَرَه - تعالى - أنه لا يكلِّف غَيْرَ نَفْسِه. 
والجمهور على " تُكَلَّفُ " بِتَاء الخِطَاب ورفْع الفعل مبنيّاً للمفعُول، و " نفسك " هو المفعُول الثاني، وقرأ عبد الله بن عُمَر[(٢)](#foonote-٢) :" لا تُكَلِّفْ " كالجَمَاعة إلا أنه جزمه، فقيل : على جَواب الأمْرِ، وفيه نظرٌ، والذي يَنْبَغِي أن يكُون نَهْياً، وهي جملة مُسْتأنفة، ولا يجُوز أن تكون حَالاً في قراءة عبد الله ؛ لأنَّ الطَّلَب لا يكون حالاً، وقرئ " لا نكلف " بنُون[(٣)](#foonote-٣) العَظَمَة ورفع الفِعْل، وهو يَحْتَمِل الحال والاستئنَاف المُتقدِّمَيْن. 
### فصل في سبب نزول الآية


روي أن رسُول الله صلى الله عليه وسلم واعد أبا[(٤)](#foonote-٤) سُفيان بعد حَرْب أحد موسم بدر الصُّغْرى في ذِي القَعْدَة، فلما بلغ المِيعَادُ دعَا النَّاس إلى الخُرُوج فكرهه بَعْضُهُم ؛ فأنزل الله : فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لاَ تُكَلَّفُ [(٥)](#foonote-٥) أي : لا تَدَع جِهَاد العَدُوِّ ولو وحدك، فإن اللَّه قد وعدك بالنُّصْرة، و حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ  أي : حثَّهُم[(٦)](#foonote-٦) ورغَّبْهم في الثَّواب، فَخَرَج رسُول الله صلى الله عليه وسلم في سَبْعِين رَاكِباً فَكَفَاهُم اللَّه القِتَالَ. 
والتَّحْرِيض : الحَثُّ على الشيءِ، قال الرَّاغِب[(٧)](#foonote-٧) : كأنه في الأصْل إزالةُ الحَرَض، نحو :" قَذَيْتُه " أي : أزَلْت قَذَاهُ وأحْرَضْتُه : أفسَدْتُه كأقذيته، أي : جَعَلْتُ فيه القَذَى، والحَرَضُ في الأصْل : ما لا يُعْتَدُّ به ولا خَيْر فيه، ولذلك يقال للمُشْرِف على الهَلاكِ :" حَرَض " ؛ قال - تعالى - : حَتَّى تَكُونَ حَرَضاً  \[ يوسف : ٨٥ \] وأحرصه كذا، قال :\[ البسيط \]إنِّي امْرؤٌ هَمٌّ فأحْرَضَنِي  حَتَّى بلِيتُ وَحَتَّى شَفَّنِي السَّقَمُ[(٨)](#foonote-٨)### فصل


دلَّت الآية على أنَّه لو لم يُساعده على القِتَالِ غيره، لم يجز له التَّخَلُّفُ عن الجِهادِ ألْبَتَّة، والمعنى : لا تؤاخذ \[ إلا \][(٩)](#foonote-٩) بفعلك دون فِعْل غَيْرِك، فإذا أدَّيْت فرضك لا تُكَلِّف بِفَرْض غَيْرِك، واعْلَم : أنَّ الجِهَاد في حَقِّ الرَّسُول صلى الله عليه وسلم واجِبٌ، فإنه على ثِقَة من النَّصْر والظَّفْرِ ؛ لقوله - \[ تعالى \][(١٠)](#foonote-١٠) - : وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ 
\[ المائدة : ٦٧ \]، وقوله هَهُنَا : عَسَى اللَّهُ أَن يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُواْ  وعسى من الله : جَزْمٌ وَاجِبٌ فلزمه الجِهَاد وإن كان وحده بِخِلاف أمَّته، فإنه فَرْضُ كِفَايَة، فما لَمْ يَغْلِب على الظَّنِّ أنه يُفيد، لم يَجِبْ. 
وقوله : عَسَى اللَّهُ أَن يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُواْ  أي : قِتَال المُشْركين والبَأس أصله المكرُوه، يقال : ما عَلَيْكَ من هذا الأمْر بَأسٌ، أي : مَكْرُوه، ويقال : بِئسَ الشَّيْء هذا إذا وُصِف بالرَّدَاءَة : قال - تعالى[(١١)](#foonote-١١) - : بِعَذَابٍ بَئِيسٍ  \[ الأعراف : ١٦٥ \] والعَذَاب قد يُسَمَّى بأساً ؛ لكونه مَكْرُوهاً ؛ قال - تعالى - : فَمَن يَنصُرُنَا مِن بَأْسِ اللَّهِ إِن جَآءَنَا 
\[ غافر : ٢٩ \]،  فَلَمَّآ أَحَسُّواْ بَأْسَنَآ ،  فَلَمَّا رَأَوْاْ بَأْسَنَا . 
قوله : وَاللَّهُ أَشَدُّ بَأْساً وَأَشَدُّ تَنكِيلاً  " بأساً " و " تنكيلاً " : تمييز، والتَّنْكِيل تفعيل من النَّكْل وهو القَيْد، ثم اسْتُعْمِل في كُلِّ عذاب يقال : نَكَلْت فُلاناً ؛ إذا عَاقَبْتَه عقوبَةً تَنْكِلُ غَيْره عن ارتِكَابِ مِثْله، من قَوْلِهِم : نَكَل الرَّجُل عن الشَّيءِ، إذا جَبُن عَنْه وامْتَنَع منه ؛ يُقَال : نَكَلَ فلان عن اليَمين ؛ إذا خَافَه[(١٢)](#foonote-١٢) ولم يُقْدِم عَلَيْه، قال - تعالى - : فَجَعَلْنَاهَا نَكَالاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا  \[ البقرة : ٦٦ \] وقال في حَدِّ السَّرقَة[(١٣)](#foonote-١٣) : جَزَآءً بِمَا كَسَبَا نَكَالاً مِّنَ اللَّهِ  \[ المائدة : ٣٨ \]، فقوله : وَاللَّهُ أَشَدُّ بَأْساً  أي : أشد صَوْلَةً وأعظم سُلْطَاناً،  وَأَشَدُّ تَنكِيلاً  أي : عُقُوبة، وبيان هذا التَّفَاوُت أنَّ عذاب الله دَائِم، وعذاب غَيْره لا يَدُوم، وعذاب الله لا يَقْدِر أحدٌ على التَّخَلُّص مِنْهُ، وعذاب غَيْره يتخلَّص مِنْه. 
١ سقط في أ..
٢ ينظر: البحر المحيط ٣/٣٢١، والدر المصون ٢/٤٠٤..
٣ ينظر: السابق..
٤ في ب: بني..
٥ تقدم..
٦ في أ: بينهم..
٧ ينظر: المفردات ص ١١٢..
٨ البيت للعرجي. ينظر القرطبي ٩/٢٥٠ وروح المعاني ٥/١٩ ومجاز القرآن ١/٣١٧ والطبري ١٦/٢٢٢ وأمالي ابن الشجري ١/٣٦٩ والصحاح ٣/١٠٧٠ واللسان (حرض) والدر المصون ٢/٤٠٤..
٩ سقط في أ..
١٠ سقط في أ..
١١ في أ: ثعلب..
١٢ في ب: خاف..
١٣ في ب: السارق..

### الآية 4:85

> ﻿مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا ۖ وَمَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْهَا ۗ وَكَانَ اللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتًا [4:85]

**في تعلُّق هذه الآية بما قَبْلَها وجوه :**
أحدها : أنه - تعالى - لمَّا أمَر[(١)](#foonote-١) الرَّسُول - \[ عليه الصلاة والسلام \][(٢)](#foonote-٢) - بأن يحرَّض الأمَّة على الجِهَاد، وهو طاعَةٌ حَسَنةٌ، بيَّن في هذه الآية[(٣)](#foonote-٣) أنَّ من يَشْفَع شَفَاعة حَسَنَة يَكُنْ له نَصِيبٌ مِنْهَا، والغَرَض مِنْه : أنه - عليه الصلاة والسلام - يستَحِقُّ بالتَّحْرِيضِ على الجِهَاد أجْراً عَظِيماً. 
وثانيها : أنه - عليه الصلاة والسلام - كان يوصِيهم[(٤)](#foonote-٤) بالقِتَال، ويبالِغُ في تَحْرِيضهم عليه، فكان بَعْضُ المُنَافِقِين يَشْفَع إلى النَّبي صلى الله عليه وسلم في أن يأذَن لَهُم في التَّخَلُّف عن الغَزْوِ، فنهى \[ الله \][(٥)](#foonote-٥) عن مثل هَذِه الشَّفَاعَة، وبيَّن أن \[ هَذِه \][(٦)](#foonote-٦) الشَّفاعة إذا كَانَت وَسِيلَة إلى مَعْصِيَةٍ، كانت مُحَرَّمَة. 
وثالِثُها : أنَّه يجُوز أن يَكُون بعض المُؤمنِين راغباً في الجِهَاد، ولا يَجِد أهْبَة الجِهاد، فصار غَيْرُهُ من المُؤمنِين شَفِيعاً له إلى مُؤمِنٍ آخر ؛ ليعِيِنه على الجِهَاد، والشَّفَاعَة مأخُوذَة من الشَّفْع وهو الزَّوج من العَدَد، ومنه الشَّفِيع، \[ وهو \][(٧)](#foonote-٧) أن يَصِير الإنْسَان \[ نفسه \][(٨)](#foonote-٨) شَفْعاً لِصَاحب الحَاجَة ؛ حتى يجْتَمِع معه على المسألة فِيهَا، \[ ومنه نَاقَةٌ شَفُوعٌ : إذا جمعت بين مِحْلَبَيْن في حَلبةٍ واحدةٍ، وناقة شَفِيعٌ : إذا اجْتَمع لها حَمْلٌ وولَدٌ يَتْبَعُها، والشُّفْعَةُ : ضم مِلْكِ الشَّريك إلى ملكك[(٩)](#foonote-٩)، والشَّفَاعة إذا ضَمَّ غَيْرك إلى جاهك، فهي على التَّحقِيق إظهار لمنزلة الشَّفِيع عند المُشَفِّع، وإيصَال المَنْفَعَة إلى المَشْفُوع له \][(١٠)](#foonote-١٠) فيكون المُرَادُ : تَحْرِيض النَّبِيِّ - عليه الصلاة والسلام - إيَّاهم على الجِهَاد ؛ لأنه إذا أمَرهُم بالغدو[(١١)](#foonote-١١)، فقد جَعَل نَفْسَهُ شَفْعاً لَهُم في تَحْصِيل الأغْرَاضِ المتعلِّقةِ بالجِهَادِ، والتَّحْرِيض على الشَّيءِ عبارة عن الأمر به على وجْه الرِّفْقِ والتَّلَطُّفِ، وذلك يَجْرِي مُجْرَى الشَّفَاعة. 
وقي : المُرَاد ما تَقَدَّم من شفاعة بَعْض المُنَافِقِين النَّبِيَّ - عليه الصلاة والسلام - في أن يَأذن لِبَعْضِهِم في التَّخَلُّف. 
ونقل الوَاحِديُّ[(١٢)](#foonote-١٢) عن ابن عبَّاس ؛ ما معناه : أن الشَّفَاعة الحَسَنَة هَهُنا، وهي أن يَشْفَع إيمانهُ بالله بقِتَال الكُفَّار، والشفاعة السَّيِّئَة : أن يَشْفَع كفره بِمُوالاَةِ الكُفَّار، وقيل : الشَّفَاعة الحَسَنَة : ما تقدَّم في أن يَشْفَع مؤمِنٌ لمؤمِنٍ \[ عند مُؤمِنٍ \][(١٣)](#foonote-١٣) آخَرِ ؛ في أن يُحَصِّلَ له آلات الجِهَاد، ورُوي عن ابن عبَّاسٍ ؛ أن الشفاعة الحَسَنة \[ هي الإصلاح بين النَّاس، والشَّفَاعة السَّيِّئة، هي النَّمِيمة بين النَّاسِ. 
وقيل \][(١٤)](#foonote-١٤) : هي حُسْنُ القول في النَّاسِ يُنَال به الثَّوَاب والخير، والسَّيِّئَة هي الغَيْبة والقَوْل السيّئ في النَّاسِ يُنَال به الشَّرُّ. والمراد بالكفل : الوِزْر. 
قال الحَسَن مُجَاهِد والكَلْبي وابن زَيْدٍ : المراد شَفَاعة النَّاسِ بَعْضهم لِبَعْض[(١٥)](#foonote-١٥)، فإن كان في ما يَجُوز، فهو شَفَاعة حَسَنَة، وإن كان فِيمَا لا يجُوز، فهو شَفَاعَة سَيِّئَة. 
قال ابن الخَطيب[(١٦)](#foonote-١٦) : هذه الشَّفَاعة لا بُدَّ وأن يكُون لها تَعَلُّقٌ بالجِهَاد، وإلاَّ صَارَت الآية مُنْقَطِعَةِ عما قَبْلَهَا، فإن أرَادُوا دُخُول هذه الوُجُوهِ في اللَّفْظِ العَامِ فيجوز ؛ لأن خُصوص السَّبَبِ لا يَقْدَح في عُمُوم اللَّفْظِ. 
والكفل " : النَّصِيب، إلا أنَّ استعماله في الشَّرِّ أكثر، عكس النصيب، وإنْ كان قد استُعْمِل الكِفْلُ في الخَيْرِ، قال تعالى : يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِن رَّحْمَتِهِ  \[ الحديد : ٢٨ \] وأصلُه قالوا : مُسْتَعَارٌ مِنْ كِفْلِ البَعير، وهو كساء يُدَار حَوْلَ سِنَامِه ليُرْكَبَ، سُمِّي بِذَلِك ؛ لأنَّه لم يَعُمَّ ظهرهَ كُلَّه بل نَصِيباً منه، ولغلبةِ استِعْمَالِه في الشَّرِّ، واستعمال النَّصِيب في الخير، غاير بَيْنَهما في هذه الآيَة الكَريمة ؛ إذ أتى بالكِفْل مع السَّيِّئَة، والنَّصِيب مع الحَسَنة، و " منها " الظَّاهِر أن " مِنْ " هنا سَببيَّة، أي : كِفْلٌ بِسَبِبها \[ ونَصِيب بسبِبها \]، ويجُوز أن تكُون ابتدائِيةٌ، والمُقِيت : المُقْتَدَر \[ قال : ابن عباس : مقتدراً مجازياً \]، قال :\[ الوافر \]
وَذِي ضِغْنٍ كَفَفْتُ الْوُدَّ عَنْهُ \*\*\* وَكُنْتُ عَلَى إسَاءَتِهِ مٌقِيتَا[(١٧)](#foonote-١٧)
أي : مقتدراً، ومنه :\[ الخفيف \]
لَيْتَ شِعْرِي وأشْعُرَنَّ إذَا مَا \*\*\* قَرَّبُوهَا مَنْشُورَةً وَدُعِيتُ
ألِيَ الْفَضْلُ أمْ عَلَيَّ إذَا حُو \*\*\* سِبْتُ ؟ أنَّي عَلَى الْحِسَابِ مُقِيتُ[(١٨)](#foonote-١٨)
وأنشد نَضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ :\[ الطويل \]
تَجَلَّد ولا تَعْجَزْ[(١٩)](#foonote-١٩) وَكُنْ ذَا حَفِيظَةٍ[(٢٠)](#foonote-٢٠) \*\*\* فَإنِّي عَلَى مَا سَاءَهُمْ لَمُقِيتُ[(٢١)](#foonote-٢١)
قال النَّحَّاس :" هو مُشْتَقٌ من القُوتِ، وهو مِقْدَارُ ما يَحْفَظ به بَدَنُ الإنْسَانِ من الهَلاَك " فأصل مُقيت : مُقْوِت كَمُقِيم. 
\[ و \][(٢٢)](#foonote-٢٢) يقال : قُتُّ الرَّجُلَ ؛ إذا حَفِظْتَ عليه نَفْسهُ[(٢٣)](#foonote-٢٣) " وكفى بالمرء إثماً أن يضيع من يقيت " وفي رواية من رَوَاه هَكَذَا، أي : مَن هو تَحْت قُدْرَته وفي قَبْضَتِه[(٢٤)](#foonote-٢٤) من عِيَالٍ[(٢٥)](#foonote-٢٥) وغيره ؛ ذكره ابن عَطِيَّة[(٢٦)](#foonote-٢٦) : يقول :\[ منه : قُتُّهُ \][(٢٧)](#foonote-٢٧) أقوته قُوتاً، وأقَتُّهُ أقِيتُهُ إقَاتَةً، فأنا قَائِتٌ ومُقِيتٌ. 
وأمَّا قول الشَّاعِرِ :\[ الخفيف \]
… \*\*\* إنِّي عَلَى الْحِسَابِ مُقِيتُ[(٢٨)](#foonote-٢٨)
فقال الطَّبَرِي : إنه من غَيْر هَذا \[ المعنى المتقدِّم، فإنه بمَعْنَى الموقوف، \][(٢٩)](#foonote-٢٩) فأصْل مُقِيت : مُقْوِت كمُقِيم. 
وقال مُجَاهِدٌ : معنى مُقِيتاً : شاهداً[(٣٠)](#foonote-٣٠) [(٣١)](#foonote-٣١) وقال قتادة : حَفِيظاً[(٣٢)](#foonote-٣٢)، وقيل معناه : على كل حيوان مُقِيتاً، أي[(٣٣)](#foonote-٣٣) : يُوصِل القُوت[(٣٤)](#foonote-٣٤) إلَيْه. 
قال القَفَّال[(٣٥)](#foonote-٣٥) : وأي هَذَيْن المعنيين كان فَالتَّأوِيل صَحِيحٌ، وهو أنه - تعالى - قادر على إيصَال النَّصِيب والكَفِيل من الجَزَاءِ إلى الشَّافِع ؛ مثل ما يُوصِلُه إلى المَشْفُوع، إن خيراً فَخَيْرٌ، وإن شَرّاً فَشَرٌّ، ولا ينتَقِص بسبَب[(٣٦)](#foonote-٣٦) ما يَصِل إلى الشَّافِع \[ شيء \][(٣٧)](#foonote-٣٧) من جَزاء المَشْفُوع، وعلى الوَجْه الآخَر : أنَّه تعالى - حَافِظُ الأشْيَاء شَاهِدٌ عليها، لا يَخْفَى عليه شَيْءٌ من أحْوَالِهَا، فهو عَالِمٌ بأن الشَّافِع يَشْفَع في حَقِّ \[ أو في \][(٣٨)](#foonote-٣٨) بَاطِل، حَفِيظٌ عليهم فَيُجَازِي كلاًّ بما عَلِمَهُ منه. 
وقوله : وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُّقِيتاً  وَلَمْ يقتيه بوقتٍ، والحالُ[(٣٩)](#foonote-٣٩) يدلُّ على أن هذه الصِّفَةِ كانت ثَابِتَة له من الأزَلِ إلى الأبَدِ وليست مُحْدَثة. 
١ في أ: أرسل..
٢ سقط في أ..
٣ في ب: هذا الموضع..
٤ في ب: يرغبهم..
٥ سقط في ب..
٦ سقط في ب..
٧ سقط في ب..
٨ سقط في ب..
٩ هي لغة الضم، يقال: شفعت الشيء؛ ضممته إلى غيره.. ومناسبة هذا للمعنى الشرعي: أن الشريك يضم نصيب شريكه إلى نصيبه...
 وقيل: من الشفع ضد الوتر؛ لأن الشفيع يضم حصة شريكه إلى حصته، فيصيران شفعا، وقد كانت حصته وترا...
 وقيل: من الشفاعة؛ لأن الرجل في الجاهلية كان إذا أراد بيع داره، أتاه شريكه، فشفع إليه فيما باع، فشفعه وجعله أولى به من غيره، وهذا قول محمد بن قتيبة في "غريب الحديث".. وفي "المصباح": "شفعت الشيء شفعا من باب "نفع": ضممته إلى المفرد، وشفعت الركعة جعلتها ثنتين، ومن هنا اشتقت الشفعة وهي مثال غرفة؛ لأن صاحبها يشفع ماله بها، وهي اسم للملك المشفوع؛ مثل اللقمة اسم للشيء الملقوم، وتستعمل بمعنى "التملك" لذلك الملك؛ ومنه قولهم: "من ثبت له شفعة فأخر الطلب بغير عذر، بطلت شفعته" ففي هذا المثال جمع بين المعنيين؛ فإن الأولى للمال، والثانية للتملك". اهـ...
 وشرعا: "حق تملك قهري يثبت للشريك القديم على الحادث فيما ملك بعوض".. فأركانها ثلاثة:
 الأول: مشفوع: وهو الشقص.
 الثاني: ومشفوع منه؛ وهو الشريك الحادث.
 الثالث: وشفيع؛ وهو الشريك القديم.
 وأما الصيغة كتملكت بالشفعة ونحوه، فلا تجب إلا عند التملك، فهي شرط فيه، وليست ركنا من أركان الشفعة؛ لأن لاستحقاق يثبت بالبيع من غير لفظ.
 **اصطلاحا:**
 عرفها الحنفية بأنها: ضم ملك البائع إلى ملك الشفيع، وتثبت للشفيع بالثمن الذي بيع به رضي المتبايعان أو شرطا.
 عرفها الشافعية بأنها: حق تملك قهري، يثبت للشريك القديم على الشريك الحادث، فيما ملك بعوض.
 عرفها المالكية بأنها: استحقاق شريك أخذ مبيع شريكه بثمنه.
 عرفها الحنابلة بأنها: استحقاق انتزاع الإنسان حصة شريكه من مشتريها بمثل ثمنها.
 ينظر: الاختيار ٢/٥٦، حاشية ابن عابدين ٥/١٣٧، فتح القدير: ٩/٣٦٨، المبسوط ١٤/٩٠، حاشية البجيرمي ٣/١٤٥، مغني المحتاج ٢/٢٩٦، منح الجليل ٣/٥٨٢، الإنصاف ٦/٢٥٠، الكافي ٢/٤١٦ الصحاح ٣/١٢٣٨، المغرب ٢٥٣، المصباح المنير ١/٤٨٥..
١٠ سقط في ب..
١١ في أ: بالفعل..
١٢ ينظر: تفسير الرازي ١٠/١٦٥..
١٣ سقط في ب..
١٤ سقط في أ..
١٥ أخرجه الطبري في "تفسيره" (٨/٥٨١ ـ ٥٨٢) عن مجاهد والحسن وابن زيد.
 وذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٢/٣٣٥) عن مجاهد وزاد نسبته لعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.
 وذكره أيضا (٢/٣٣٥) عن الحسن وزاد نسبته لابن المنذر وابن أبي حاتم..
١٦ ينظر: تفسير الرازي ١٠/١٦٥..
١٧ البيت للزبير بن عبد المطلب: ينظر البحر ٣/٣١٦. والدر المصون ٢/٤٠٥ وشواهد الكشاف ٤/٣٥١..
١٨ البيتان للسموأل بن عادياء ينظر ديوانه ص ١٢، والدرر ٥/١٦٦، ولسان العرب (قوت)، والمقاصد النحوية ٤/٣٣٢ وشرح الأشموني ٢/٥٠٠، وإصلاح المنطق ص ٢٧٧، وهمع الهوامع ٢/٧٩ ومجاز القرآن ١/١٣٥ والكشاف ١/٥٤٣ والأصمعيات (٨٦) والعيني ٤/٣٢٢ والقرطبي ٥/١٩١ والدر المصون ٢/٤٠٥، والطبري ٥/١١٩..
١٩ في ب: تفزع..
٢٠ في ب: حفظة..
٢١ ينظر: الرازي ١٠/١٦٦..
٢٢ سقط في ب..
٢٣ في أ: السلام..
٢٤ في ب: نفسه..
٢٥ في ب: عياله..
٢٦ ينظر: تفسير القرطبي ٥/١٩١..
٢٧ سقط في ب..
٢٨ تقدم قريبا..
٢٩ قط في أ..
٣٠ في ب: شاذا..
٣١ أخرجه الطبري في "تفسيره" (٨/٥٨٣) عن مجاهد وذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٢/٣٣٦) وزاد نسبته لعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم..
٣٢ أخرجه الطبري في "تفسيره" (٨/٥٨٣) عن مجاهد وذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٢/٣٣٦) وزاد نسبته لابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في "الأسماء والصفات"..
٣٣ في ب: أو..
٣٤ في ب: المقوت..
٣٥ ينظر: تفسير الرازي ١٠/١٦٦..
٣٦ في ب: نصيب..
٣٧ سقط في أ..
٣٨ سقط في أ..
٣٩ في ب: ولا حال..

### الآية 4:86

> ﻿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا ۗ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ حَسِيبًا [4:86]

**في النَّظْم وجْهَان :**
أحدهما : أنَّه لما أمَرَ المُؤمِنِين بالجهاد، أمَرَهُمْ أيضاً بأن الأعْدَاء لو رَضُوا بالمُسَالَمَةِ[(١)](#foonote-١) فكونوا أنْتُم \[ أيضاً \][(٢)](#foonote-٢) رَاضِين بها، فقوله[(٣)](#foonote-٣) : وَإِذَا حُيِّيتُم بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّواْ بِأَحْسَنَ مِنْهَا  كقوله - تعالى - : وَإِن جَنَحُواْ لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا  \[ الأنفال : ٦١ \]. 
والثَّانِي : أن الرَّجُل \[ في الجِهَاد \][(٤)](#foonote-٤) كان يلْقَّاهُ الرَّجُل في دَارِ الحَرْبِ أو ما يُقارِبُها، فَيُسَّلمُ عليه فقد لا يَلْتَفِتُ إلى سلامِهِ \[ ويقتله \][(٥)](#foonote-٥)، وربَّمَا ظَهَر أنَّهُ كان مُسْلِماً، فأمرهم بأن يُسَلِّم عليهم أو يُكْرِمهم، فإنهم يقابلونه بمثل ذَلِكَ الإكْرَام أو أزْيَد، فإن كان كَافِراً، لم يَضُرَّ المسلم مُقَابَلَة إكْرَام ذلك الكَافِر بنوع من الإكْرَام، وإن كان مسلماً فَقَتَلَه، ففيهِ أعْظَم المَضَارِّ والمفَاسِدِ، ويقال : التحية \[ في الأصْلِ \][(٦)](#foonote-٦) : البَقَاءِ والمِلْكُ. 
قال القُرْطُبِي[(٧)](#foonote-٧) : قال عبد الله بن صَالحِ العِجْليّ : سألت الكسَائِيُّ عن قوله :" التحيات لله " ما مَعْنَاهَا ؟ فقال : التَّحِيَّاتُ مثل البَرَكَاتِ، قلت : ما معنى " البَركات " ؟ فقال : ما سَمِعْت[(٨)](#foonote-٨) فيها شَيْئاً، وسألْتُ عنها مُحَمَّد بن الحسن \[ فقال \][(٩)](#foonote-٩) : هو شَيْءٌ تعبّد الله به عبادَهُ، فقدِمْتُ الكُوفَة فلقيت عَبْدَ الله بن إدْرِيس، فقلت : إني سَألْت الكسَائيَّ، ومحمَّد عن قَوْله :" التحيات لله " فأجَابَنِي بكذا وكذا، فقال عَبْد اللَّه بن إدْرِيس : إنه لا عِلْم لهما بالشَّعْرِ وبهذه الأشْيَاءِ، التَّحِيَّة : المُلك وأنْشَدَهُ :\[ الوافر \]
أؤمُّ بِهَا أبَا قَابُوسَ حَتى \*\*\* أُنِيخَ عَلَى تَحِيَّتِهِ بجُنْدِي[(١٠)](#foonote-١٠)
وقال آخَر :\[ مجزوء الكامل \]
وَلِكُلِ مَا نَالَ الفَتَى \*\*\* قَدْ نِلْتُهُ إلاَّ التَّحِيَّهْ[(١١)](#foonote-١١)
ويقال : التَّحِيَّة : البَقَاء والمُلْك، ومنه :" التحيات لله "، ثم استُعملت في السلام مَجَازاً، ووزنها، تَفْعِلة من حَيَّيْت، وكان في الأصْل : تحيية ؛ مثل : تَوْصية وتَسْمِيَة، والعرب تؤثر التَّفْعِلة على التَّفْعيلِ \[ في \][(١٢)](#foonote-١٢) ذَوَاتِ الأرْبَع ؛ نحو قوله : وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ 
\[ الواقعة : ٩٤ \]. 
والأصل : تَحْيِِيَة فأدغمت، وهذا الإدغَامُ واجبٌ خِلافاً للمَازِني، وأصْل الأصْل تَحْيِيُّ ؛ لأنه مَصْدُر حَيّا، وحَيّا : فَعَّل، وفَعَّل مَصْدره على التَّفْعِيل، إلا أن يَكُون مُعْتَلَّ اللامِ ؛ نحو : زكَّى وغَطَّى، فإنه تحذف إحْدَى اليَاءَيْن ويعوَّض منها تَاء التَّأنيثِ ؛ فيقال : تَزْكِيه وتغْطِيَة، إلا ما شَذَّ من قوله :\[ الرجز \]
بَاتَتْ تُنَزِّي دَلْوَهَا تَنْزِيَّا \*\*\* كَمَا تُنَزِّي شَهْلَةٌ صَبِيَّا[(١٣)](#foonote-١٣)
إلا أن هذا الشُّذُوذَ لا يجوزُ مثلُه في نحو :" حَيّا " لاعتلالِ عَيْنه ولامه باليَاءِ، وألحق بعضُهم ما لامُه هَمْزَةٌ بالمُعْتَلِّها، نحو :" نَبّأ تَنْبئةً " و " خَبَّأ تَخْبِئَةً " ؛ ومثلها : أعيِيَة وأعيَّةٌ، جمع عَيِيٍّ. 
وقال الرَّاغِب[(١٤)](#foonote-١٤) : وأصلُ التَّحِيَّة من الحياة، ثم جُعِل كلُّ دُعَاءٍ تحيّةً ؛ لكون جميعه غير خَارجٍ عن حُصُولِ الحياة أو سَبَبِ الحَيَاةِ، وأصل التحية أن تَقُول :" حياك الله " ثم اسْتُعْمِل في الشَّرْعِ في دُعَاءٍ مَخْصُوصٍ. 
وجعل التحيَّة اسْماً للسَّلام ؛ قال :- تعالى - : تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلاَمٌ  \[ الأحزاب : ٤٤ \]، ومنه قول المُصَلِّي :" التحيات لله " أي : السَّلامة من الآفاتِ للَّه. 
قال \[ الكامل \]
١٨٥٤أ- حُيِّيت مِنْ طَلَلٍ تَقَادَمَ عَهْدُهُ \*\*\*. . . [(١٥)](#foonote-١٥)
وقال آخر :\[ البسيط \]
١٨٥٤ب- إنَّا مُحَيُّوك يا سَلْمَى فَحيِّينَا \*\*\*. . . [(١٦)](#foonote-١٦)
### فصل في أفضلية " السلام عليكم " 


واعلمْ أن قول القائِل لغيْره : السَّلام عليك، أتم من قوله : حَيَّاك الله ؛ لأن الحَيَّ إذا كان حَليماً كان حَيًّا لا محالة، وليس إذا كان حَيَّا كان سَلِيماً ؛ لأنَّه قد تكون حَيَاتُه مقرونَة بالآفاتِ، وأيضاً فإن السلام اسم من أسْمَاء الله - تعالى -، فالابْتِدَاء بِذِكْر الله - تعالى - أجْمَل من قوله : حيَّاك الله، وأيضاً : فَقَوْل الإنْسَان لغيره : السلام عَلَيْكَ، بشارة لَهُ بالسَّلام، وقوله حيَّاك الله لا يُفِيد ذَلِك، قالوا : ومَعنى قوله : السلام عليك، أي : أنْت سَلِيمٌ مِنِّي فاجعلني سَلِيماً مِنْك، ولهذا كَانَت العَرَبُ إذا أسَاء بعضهم لم يَردُّوا السلام، فإن ردُّوا عليهم السلام، أمِنُوا من شرِّهم، وإن لم يَرُدُّوا عليهم السلام، لم يؤمنوا شَرَّهُم. 
### فصل في الوجوه الدَّالة على أفضلية السّلاَم


ومما يدل على أفْضَلِيَّة السلام : أنَّه من أسْمَاء الله - تعالى -، وقوله - \[ تعالى \][(١٧)](#foonote-١٧) -
 يا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلاَمٍ مِّنَّا  \[ هود : ٤٨ \]، وقوله : سَلاَمٌ هِيَ  \[ القدر : ٥ \]، وقوله :
 وَالسَّلاَمُ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى  \[ طه : ٤٧ \]، وقوله : قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلاَمٌ عَلَى عِبَادِهِ 
\[ النمل : ٥٩ \] وقوله : وَإِذَا جَآءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا فَقُلْ سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ  \[ الأنعام : ٥٤ \]، وقوله : الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلامٌ عَلَيْكُمُ  \[ النحل : ٣٢ \]، وقوله :
 وَأَمَّآ إِن كَانَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ فَسَلاَمٌ لَّكَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ  \[ الواقعة : ٩٠، ٩١ \]، \[ وقوله \][(١٨)](#foonote-١٨) : وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ  \[ الزمر : ٧٣ \]، وقوله : وَالمَلاَئِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِّن كُلِّ بَابٍ سَلاَمٌ عَلَيْكُم  \[ الرعد : ٢٣ \] وقوله : تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلاَمٌ 
\[ الأحزاب : ٤٤ \]، وقوله : سَلاَمٌ قَوْلاً مِّن رَّبٍّ رَّحِيمٍ  \[ يس : ٥٨ \]. 
وأمَّا الأخْبَار : فرُوِي أن عبد الله بن سلام قال :" لمَّا سَمِعْت بقدوم الرَّسُول - عليه الصلاة والسلام -، دخَلْتُ في غِمَار[(١٩)](#foonote-١٩) النَّاسِ، فأوَّل ما سَمِعْتُ مِنْهُ :" يا أيها الذين آمنوا، أفْشُوا السَّلاَمَ وأطْعِمُوا الطَّعَامَ وَصِلُوا الأرْحَامَ وصَلُّوا باللَّيْلِ والنَّاس نِيَامٌ تدخلون الجنة بسلام " [(٢٠)](#foonote-٢٠). 
وأما المَعْقُول : قال القتبي : إنما قال :" التحيات " على الجَمْعِ ؛ لأنَّه كان في الأرْضِ ملوك يُحَيَّوْن بِتَحِيَّاتٍ مختَلِفَات، \[ فيقال \][(٢١)](#foonote-٢١) لبعضهم : أبيْت اللَّعْنَ، ولبعضهم : اسْلَم وانْعَم، ولبعضهم : عِش ألْفَ سَنَةٍ، فقيل لَنَا : قولوا : التَّحِيَّات للَّه، أي[(٢٢)](#foonote-٢٢) : الألْفَاظ الَّتِي[(٢٣)](#foonote-٢٣) \[ تدلُّ \][(٢٤)](#foonote-٢٤) على المُلْك، ويكْنَى بها عن الله - تعالى - :
قالوا : تحية النَّصارَى وَضْع اليَدِ على الفَمِ، وتَحِيّةُ اليهود بعضهم لبعض : الإشارَةُ بالأصَابع، وتحيةُ المجُوس : الانْحِنَاء، وتحيَّةُ العرب بعضهم لِبَعْض قَوْلهم حَيَّاك اللَّه، وللمُلُوك أن يَقُولوا : انْعَمْ صَبَاحاً، وتحيَّةُ المُسْلِمِين أن يقولوا : السلام عَلَيْكُم ورَحْمَة الله وبركاته ؛ وهذه أشرف التَّحِيَّاتِ، ولأن السَّلام مشعِرٌ بالسَّلامة من الآفَاتِ، والسَّعْيُ في تَحْصِيل الصَّون عن الضَّرر أوْلى من السَّعْي[(٢٥)](#foonote-٢٥) في تَحْصِيل النَّفْع. 
وأيضاً فإن الوَعْد بالنَّفْع قد يقدر الإنْسَان على الوَفَاءِ به وقَدْ لا يَقْدِر، وأما الوَعْد بترْك الضَّرَر، فإنه يكون قَادِراً عليه لا مَحَالة، والسَّلام يدلُّ عليْهِ. 
### فصل


من الناس من قال : السلامُ واجبٌ ؛ كقوله - تعالى - : فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتاً فَسَلِّمُواْ \[ عَلَى أَنفُسِكُمْ  \] [(٢٦)](#foonote-٢٦) \[ النور : ٦١ \]، ولقوله - عليه الصلاة والسلام - :" أفْشُوا السلام " والأمر للوُجُوب والمَشْهُور أنه سُنَّة. قال بعضهم : السلام سُنَّة على الكِفَايَة. 
قوله :" فحيوا " أصل حيُّوا : حَييوا فاستثقلت الضَّمَّةُ على اليَاءِ، فحُذِفَت الضَّمةُ فالتقى ساكنان : الياءُ والواو، فحُذِفَتْ اليَاءُ، وضُمَّ ما قبل الوَاوِ. 
وقوله : بِأَحْسَنَ مِنْهَآ  أي : بتحيَّةٍ أحْسَن من تِلْك التَّحِيَّة الأوْلَى. 
وقوله : أَوْ رُدُّوهَآ  أي رُدُّوا مِثْلَها ؛ لأن رَدَّ عينها مُحالٌ فَحذفَ المُضَافُ، نحو :
 وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ  \[ يوسف : ٨٢ \]. 
### فصل في كيفية السلام


مُنْتَهى الأمْر في السَّلام أن يُقَال : السَّلام عليْكُم ورَحْمَة الله وبَركاته ؛ بدليل أن هَذَا القَدْر هو الوَارِدُ في التَّشَهُّد. 
قال العلماء : الأحْسَن أن المُسْلِم إذا قَال : السلام علَيْك، رَدَّ في جوابه بالرَّحْمَة[(٢٧)](#foonote-٢٧)، وإذا ذكر السلام والرَّحْمة في الابْتِدَاءِ، زِيدَ في جَوابِه البَرَكَة وإذا ذكر الثلاثة[(٢٨)](#foonote-٢٨) في الابتداء، أعادها[(٢٩)](#foonote-٢٩) في الجَوَاب. 
رُوي :" أن رَجُلاً قال للنَّبي صلى الله عليه وسلم السلام عليك يا رسُول الله، فقال عليه الصلاة والسلام : وعَلَيْك السلام ورحْمَة اللَّه وبَرَكَاته، وآخر قال : السلام عليك وَرَحْمة الله، فقال : وعليك السَّلام ورَحْمَة اللَّه وبركاته، وجاء ثَالثٌ وقال : السَّلام عليك وَرحْمَة اللَّه وبركَاتُه : فقال - عليه الصلاة والسلام - :" وعَلَيْك السلام ورَحْمَة اللَّه وبَرَكَاتُه " فقال الرَّجل : نقصتني فأين قول الله : فَحَيُّواْ بِأَحْسَنَ مِنْهَآ  فقال - عليه الصلاة والسلام - :" ما تَرَكْتَ لِي فَضْلاً فَرَدَدْنَا عَلَيْكَ مَا ذَكَرْت " [(٣٠)](#foonote-٣٠). 
وقيل : معنى قوله : فَحَيُّواْ بِأَحْسَنَ مِنْهَآ  إذا كان الذي يُسَلِّم مُسْلِماً، " أو ردوها " رُدُّوا مثلها إذا كان غَيْر مُسْلِمٍ. 
### فصل


يقول المُبْتَدِئ : السلام عليكم، والمجيب يَقُول : وعليْكُم السلام، وإن شاء المُبْتَدِئُ قال : سلامٌ عَلَيْكم ؛ لأن التَّعْرِيف والتَّنْكير ورد في ألفاظِ القُرْآن كما تَقَدَّم، لكن التَّنْكِير أكْثَر والكل جَائِزٌ، وأما في التَّحْليل[(٣١)](#foonote-٣١) من الصَّلاة، فلا بُدَّ من الألف واللامِ بالاتِّفَاقِ. 
### فصل


قال - عليه الصلاة والسلام - :" السُّنَّة أن يُسلِّم الرَّاكِب على المَاشي[(٣٢)](#foonote-٣٢)، وراكب الفَرَسِ على رَاكِب الحِمَارِ، والصَّغير على الكَبِير، والأقَلُّ على الأكْثَر، والقَائِم على القَاعِد " والسُّنَّةُ الجَهْر بالسَّلام ؛ لقوله - عليه الصلاة والسلام - :" أفْشُوا السَّلام " قال أبو يوسف : من قال لأخَرٍ : أقْرئ فلاناً مِنِّي السلام وَجَب عليه أنْ يَفْعَل[(٣٣)](#foonote-٣٣). 
### فصل


السُّنة : إذا اسْتَقْبلك رَجَلٌ واحد فقل : سلامٌ عليْكُم، واقْصِد الرَّجُل والملكَيْن ؛ فإنهما يَرُدَّان السلام عليك، ومن سَلَّم عليه المَلَكُ فقد سَلِمَ من عَذَابِ الله - تعالى -، وإذا دَخَلْت بَيْتاً خَالِياً، فَسَلِّم على من فيه من مُؤمِِنِي الجِنِّ، والسُّنَّة أن يَكُون المُبْتَدِئ بالسَّلام على طَهَارَةٍ وكذلك[(٣٤)](#foonote-٣٤) المُجِيبُ. 
روي أن رجلاً سلَّم على النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، وهو على قَضَاء الحَاجَةِ، فقام وتَيَمَّمَ ١ في ب: بالمسألة..
٢ سقط في ب..
٣ في ب: فقوله..
٤ سقط في أ..
٥ سقط في أ..
٦ سقط في أ..
٧ ينظر: تفسير القرطبي ٥/١٩١..
٨ في ب: عرفت..
٩ سقط في أ..
١٠ البيت لعمرو بن معديكرب. ينظر تفسير القرطبي ٥/١٩١ والبحر المحيط ٣/٣١٦، والدر المصون ٢/٤٠٥، وإصلاح المنطق ٣١٦..
١١ البيت لزهير الكلبي. ينظر تفسير القرطبي ٥/١٩٢ والتصريح ١/٣٢٦ واللسان (جبا) والدر المصون ٢/٤٠٥..
١٢ سقط في ب..
١٣ ينظر البيت في شواهد الشافية ١/١٦٥ والمقرب ٢/١٣٤ والمنصف ٢/١٩٥ والخصائص ٢/٣٠٢ والدر المصون ٢/٤٠٥..
١٤ ينظر: المفردات ١٤٠..
١٥ صدر بيت لعنترة وعجزه:
 أقوى وأقفر بعد أم الهيثم
 ينظر شرح المعلقات لابن النحاس ٢/٨، وتفسير الرازي ١٠/١٦٧..
١٦ صدر بيت لبشامة بن حزن النهشلي وعجزه:
 وإن سقيت كرام الناس فاسقينا
 ينظر: خزانة الأدب ٨/٣٠٢، شرح ديوان الحماسة للمرزوقي ص ١٠٠ والمقاصد النحوية ٣/٣٧٠، وتفسير الرازي ١٠/١٦٧..
١٧ سقط في أ..
١٨ سقط في أ..
١٩ في ب: غبار..
٢٠ أخرجه الترمذي (٤/٥٦٢ ـ ٥٦٣) كتاب صفة القيامة باب أفشوا السلام (٢٤٨٥) وابن ماجه (١/٤٢٤) في إقامة الصلاة: باب ما جاء في قيام الليل (٣٣٤) والدرامي (١/٣٤٠) وأحمد (٥/٤٥١) وابن السني (٢١١) والبغوي في "شرح السنة" (٢/٤٦٤) من حديث عبد الله بن سلام وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح..
٢١ سقط في ب..
٢٢ في ب: في..
٢٣ في ب: التي..
٢٤ سقط في أ..
٢٥ في ب: السعي..
٢٦ سقط في أ..
٢٧ في ب: الرحمة..
٢٨ في ب: التلاوة..
٢٩ في أ: ادعاها..
٣٠ أخرجه الطبري في "تفسيره" (٨/٥٨٩) والطبراني في "الكبير" كما في "مجمع الزوائد" (٨/٣٣) وابن مردويه وأحمد في "الزهد" وابن المنذر وابن أبي حاتم كما في "الدر المنثور" (٢/٣٣٦) للسيوطي وحسنه.
 والحديث أورده الهيثمي في "مجمع الزوائد" (٨/٣٣) وقال: رواه الطبراني وفيه هشام بن لاحق قواه النسائي وترك أحمد حديثه وبقية رجاله رجال الصحيح..
٣١ في ب: التخلل..
٣٢ أخرجه البخاري (١١/١٥) كتاب الاستئذان باب يسلم الراكب على الماشي (٦٢٣٢) ومسلم (٤/١٧٠٣) كتاب السلام باب يسلم الراكب على الماشي (١/٢١٦٠) من حديث أبي هريرة..
٣٣ تقدم..
٣٤ في ب: كذا..

### الآية 4:87

> ﻿اللَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ۚ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَىٰ يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ ۗ وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا [4:87]

وجه النَّظْمِ أنه - تعالى - يقول : من سَلَّم عليْكُم وحيَّاكُم، فاقبلوا سَلامَهُ وأكْرِمُوه وعامِلُوه بناءً على الظَّاهِر، وأما[(١)](#foonote-١) البَوَاطِن فلا[(٢)](#foonote-٢) يعْلَمُها إلا اللَّهُ الذي لا إله إلا هُو، وإنما تَنْكَشِفُ بواطن الخَلْقِ في يَوْم القِيَامَة. قوله :" ليجمعنكم " جواب قَسَم مَحْذُوف. 
\[ قال القُرْطُبِيُّ : اللامُ في قوله :" ليجمعنكم " \][(٣)](#foonote-٣) لام قَسَم، نزلت في الَّذِين شَكُّوا في البَعْثِ، فأقْسَمَ الله - تعالى - بنفسه، وكلُّ لامٍ بعدها نُونٌ مشَدَّدَةٌ فهي لامُ القَسَم وفي جملةِ هذا القَسَمِ مع جوابه ثلاثةُ أوجهٍ :
أحدُها : أنها في مَحَل رفعٍ خَبَراً ثانياً لقوله :" الله "، و " لا إله إلا هو " : جُمْلَةُ خَبَر أوّل. 
والثاني : أنها خَبَر لقوله :" الله " أيضاً، و " لا إله إلا هو " : جملة اعتراضٍ بين المُبْتَدأ وخبره. 
والثالث : أنها مُسْتَأنَفةٌ لا محلَّ لها من الإعْرَاب، وقد تقدم إعْرَاب  اللَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ  \[ البقرة : ٢٥٥ \] و لاَ رَيْبَ فِيهِ  \[ البقرة : ٢ \] في البقرة. 
قوله : إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ  فيه ثلاثةُ أوجه :
أحدُها : أنها على بابها من انتهَاءِ الغَايَة، قال أبو حيان[(٤)](#foonote-٤) : ويكونُ الجَمْعُ في القُبُور، أو تُضمِّن " ليجمعنكم " معنى " ليحشرنكم " فيُعَدَّى ب " إلى "، يعني : أنه إذا ضُمِّن الجَمْعُ معنى الحَشْر لم يَحْتج إلى تقدير مَجْمُوع فيه. 
وقال أبو البقاءِ[(٥)](#foonote-٥) - بعد أن جوَّز فيها أنْ تَكُون بمَعْنَى " في " - :" وقيل : هي على بابها، أي : ليجْمَعَنَّكم في القُبُور ؛ فعلى هذا يَجُوز أن يكُون مَفْعُولاً به، ويجُوز أن يكونَ حَالاً، أي : ليجمَعَنَّكم مُفْضين إلى حِسَاب يوم القيامة " يريد بقوله " مفعولاً به " : أنه فَضْلَةٌ كَسَائِر الفضلات، نحو :" سرتُ إلى الكُوفَةِ " ولكن لا يَصِحُّ ذلك إلا بأنْ يُضَمَّنَ الجمعُ مَعْنَى الحَشْرِ كما تقدَّم، وأمَّا تقديره الحَالَ ب " مفضين " فغيرُ جَائزٍ ؛ لأنَّه كونٌ مقيَّدٌ. 
والثاني : أنَّها بمعنى " فِي " أي : في يوم القِيَامَةِ، ونظيره قولُ النَّابغة :\[ الطويل \]

فَلاَ تَتْرُكَنِّي بِالوَعِيدِ كَأنَّنِي  إلَى النَّاسِ مَطْلِيٌّ بِهِ القَارُ أجْرَبُ[(٦)](#foonote-٦)أي : في النَّاسِ. 
والثالث : أنها بِمَعْنَى " مَعَ "، وهذا غيرُ وَاضِح المَعْنَى. 
قال القُرْطِبي : وقيل :" إلى " وصلة في الكلام، والمَعْنَى :" ليجمعنكم " يوم القيامة والقيامة بمعنى القِيام كالطِّلابة والطِّلاب ؛ قالوا : ودخلت التاءُ فيه للمُبَالَغَة، كعلاَّمة ونَسَّابَة ؛ لِشدَّةِ ما يَقَع فيه من الهَوْل، وسُمِّي بذلك لقيام الناس فيه للحساب ؛ قال تعالى :
 يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ  \[ المطففين : ٦ \]. 
وقال الزَّجَّاج : يجُوز أن يُقال : سمُيِّت القِيَامَة قِيَامة ؛ لقيام الناس من قبُورهم ؛ قال - تعالى - : يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الأَجْدَاثِ  \[ المعارج : ٤٣ \]. 
والجُمْلَة من قوله : لاَ رَيْبَ فِيهِ  فيها وجهان :
أحدهما : أنَّها في مَحَلِّ نصب على الحال من " يوم "، فالضَّمِير في " فيه " يعودُ عليه. 
والثاني : أنها في مَحَلِّ نَصْبٍ نعتاً لمصدرٍ مَحْذُوف دَلَّ عليه " ليجمعنكم " أي : جمعاً لا رَيْبَ فيه، والضميرُ يعود عليه والأولُ أظهرُ، " ومن أصدق "، تقدَّم نظيرُ هذه الجُمْلَة، و " حديثاً " نصبٌ على التَّمييز. وقرأ الحُمْهُور :" أصدق " بصاد خَالِصَة، وحمزة والكسائي : بإشمامها زاياً، وهكذا كلُّ صَادٍ ساكِنَةٍ بعدها دالٌ[(٧)](#foonote-٧)، نحو :" تصدقون " و " تصدية "، وهذا كما فعل حَمْزَة في  الصّرَاطَ  \[ الفاتحة : ٦ \] و
 بِمُصَيْطِرٍ  \[ الغاشية : ٢٢ \]، للمجانسة قصد الخِفَّةِ. 
### فصل


قوله : وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثاً  أي : قولاً ووَعْداً، وهذا اسْتِفْهَام على سبيل الإنْكَار، والمَقْصُود منه : وجُوب كَوْنه - تعالى - صادقاً، وأن الكَذِب والخُلْفَ في قوله مُحَالٌ. 
قال ابن الخَطِيب[(٨)](#foonote-٨) : ظاهر الآيةِ يدُلُّ على أنَّه - تعالى - أثْبَت أن القِيَامة ستُوجَد لا مَحَالَة، وجعل الدَّلِيل على ذلك مُجَرَّد إخْبَار الله - تعالى - عنه، وهذا حَقٌّ ؛ لأن المَسَائِل الأصُولِيَّة على قِسْمَين : منها ما العلم[(٩)](#foonote-٩) بِصِحَّة النبُوَّة يَحْتَاج إلى العِلْم بِصِحَّتِه، ومنها ما لا يكُون كَذَلِك. 
فالأوَّل : مثل عِلْمنا بافتقار[(١٠)](#foonote-١٠) العَالِم إلى صَانِعِ عالم بالمَعْلُومات قادرٍ على كل المُمْكِنَات، فإنَّا ما[(١١)](#foonote-١١) لم نَعْلَم ذلك، لا يمكننا العِلْمُ بصدقِ الأنْبِيَاء، فكل مَسْألة، هذا شَأنُها، فإنه يَمْتَنِعُ إثباتُها بالقُرْآن وإخْبار الأنْبِيَاءِ - عليهم الصلاة والسلام - وإلا وقع الدَّوْر. 
وأما القسم الثَّاني : وهو جملة المَسَائِل التي لا يَتَوَقَّف العِلْم بِصِحَّة النُّبُوَّة على العِلْم بصحَّتِها، فكل ذلك مِمَّا يمكن إثْبَاته بكَلاَم اللَّه - تعالى - وإخْبَاره، ومَعْلُوم أن قِيَامَ السَّاعة كذلك، فلا جَرَم أمْكَن إثْبَاتُه بالقُرْآنِ وبكلام الله - تعالى -، فثبت أن الاستدلالَ على قِيَامِ القِيَامَةِ بإخْبَار اللَّه - تعالى - عنه استِدْلال صَحِيحٌ. انتهى. 
### فصل


استدلت المُعْتَزِلَة بهذه الآية على أنَّ كلام الله - تعالى - مُحْدَثٌ، قالوا : لأنَّهُ تعالى وَصَفَهُ بكونه حَدِيثاً في هذه الآيَةِ وفي قَوْله - تعالى- : اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَاباً  \[ الزمر : ٢٣ \]، والحديث : هو الحَادِثُ والمُحْدَث. 
والجواب : أنكم تَحْكُمُون بحدُوثِ الكلام الذي هو الحَرْف والصَّوْت، ونحن لا نُنَازعُ في حُدُوثهِ، إنما \[ الَّذِي \][(١٢)](#foonote-١٢) نَدَّعِي قدمه شَيْء آخَر غير هذه الحُرُوف والأصْوَات، والآيَةُ لا تدل على حُدُوث ذلك الشَّيْء ألْبَتَّةَ بالاتِّفَاقِ منَّا ومنْكُم ؛ أمَّا مِنَّا : فظاهِر، وأما منكم : فإنَّكُم تَنْكِرُون وُجُود كلامٍ سوى هذه الحُرُوف والأصْوات، فكَيْف يُمْكِنكُم أن تَقُولوا بدلالة هذه الآيَة على حُدُوثه. 
١ في ب: فأما..
٢ في ب: فما..
٣ سقط في أ..
٤ ينظر: البحر المحيط ٣/٣٢٥..
٥ ينظر: الإملاء ١/١٨٩..
٦ تقدم برقم ١٣٠..
٧ ينظر: العنوان ٨٥، وشرح شعلة ٣٤٢، وإتحاف ١/٥١٧، والبحر المحيط ٣/٣٢٦، والدر المصون ٢/٤٠٦..
٨ ينظر: تفسير الرازي ١٠/١٧٣..
٩ في ب: يعلم..
١٠ في أ: بانتقال..
١١ في ب: فإننا إذا..
١٢ سقط في أ..

### الآية 4:88

> ﻿۞ فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا ۚ أَتُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ ۖ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا [4:88]

قوله - تعالى - :" فما لكم " : مبتدأ وخَبَر، و " في المنافقين " فيه ثلاثة أوجُه :
أحدها : أنه متعلِّقٌ بما تعلَّق الخَبَرُ، وهو " لكم "، أي : أيُّ شَيْءٍ كائنٌ لكم - أو مُسْتَقِرٌّ لكم - في أمْر المُنَافِقِين. 
والثاني : أنه مُتَعَلِّق بمعنى فئتين، فإنَّه في قُوَّة " مالكم تفترقون في أمور المنافقين " فحُذِف المُضافُ، وأُقيم المُضَافُ إليه مقامه. 
والثالث : أنه مُتَعَلِّقٌ بمَحْذُوفٍ على أنه حالٌ من " فئتين " ؛ لأنه في الأصْل صفةٌ لها، تقديرُه : فئتين مُفْترِقَتَيْن في المُنَافِقِين، وصفةُ النكرة إذا قُدِّمت عليها، انتصبَتْ حَالاً. 
**وفي " فئتين " وجْهَان :**
أحدُهما : أنها حالٌ من الكافِ والميم في " لَكُم "، والعَامِلُ فيها الاستقرارُ الذي تعلَّق به " لَكُم " ؛ ومثله : فَمَا لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ  \[ المدثر : ٤٩ \] وقد تقدَّم أنَّ هذه الحَال لازمةٌ ؛ لأن الكلامَ لا يَتِمُّ دونَها، وهذا مذهبُ البَصْرِيَِّين في كل ما جَاءَ من هذا التَّرْكِيب. 
والثاني - وهو مذهب الكوفيين - : أنه نَصْبٌ على خَبَر " كان " مُضْمَرةً، والتقدير : ما لَكُم في المُنَافِقِين كنتم فئتين، وأجَازُوا :" ما لك الشاتم " أي : ما لك كُنْتَ الشَّاتِمَ، والبَصْرِيُّون لا يُجِيزُون ذلك ؛ لأنه حالٌ والحالُ لا تتعرَّف، ويدلُّ على كَونهِ حالاً التزامُ مَجِيئهِ في هذا التَّركِيب نَكِرةً، وهذا كما قالُوا في " ضَرْبِي زَيْداً قَائِماً " : إنَّ " قائماً " لا يجُوز نصبُه على خَبَر " كان " المُقَدَّرةِ، بل على الحَالِ ؛ لالتزامِ تَنْكِيره. وقد تقدَّم اشتِقَاقُ " الفِئَة " في البقرة. 
### فصل


قال قوم : نَزَلت في الذين تخَلَّفُوا يَوْمَ أُحُد من المُنَافِقِين، وقالوا : لَوْ نَعْلَمُ قِتَالاً لاَّتَّبَعْنَاكُمْ  \[ آل عمران : ١٦٧ \]. فاختلف أصْحَاب الرَّسُول - عليه الصلاة والسلام - : فقالَتْ مِنْهُم فرقة : كَفَرُوا، وآخَرُون قالوا : لَمْ يَكْفُرُوا، فنزلت الآية ؛ وهو قول زَيْد بْنِ ثَابِت[(١)](#foonote-١) وطُعِن في هذا الوَجْهِ : بأن في نَسَقِ الآية ما يقْدَحُ فيه وأنَّهم من أهْل مكَّة ؛ وهو قوله : فَلاَ تَتَّخِذُواْ مِنْهُمْ أَوْلِيَآءَ حَتَّى يُهَاجِرُواْ . 
وقال مُجَاهِد : هم قَوْم خَرَجُوا إلى المَدِينَة، وأسْلَمُوا ثم ارْتَدُّوا، واسْتَأذَنُوا رسُول الله صلى الله عليه وسلم إلى مَكَّة ؛ ليأتوا بِبِضَائِع لَهُمْ يتَّجِرُون فيها، فَخَرَجُوا وأقَامُوا بمكَّة، فاختلف المسلمون فيهم[(٢)](#foonote-٢) : فقائل يَقُول : هم مُنَافِقُون، وقائل يَقُول : هُمْ مُؤْمِنُون. 
وقيل : نزلت في نَاسٍ[(٣)](#foonote-٣) من قُرَيْش قَدِمُوا المَدِينَةَ، وأسْلَمُوا ثم نَدِمُوا على ذلك، فَخَرَجُوا كهيئة المُتَنَزِّهِين حتى بَعُدوا عن المدينة، فكتَبُوا إلى رسُول الله صلى الله عليه وسلم : إنَّا عَلَى الَّذِي وافقْنَاك عليه من الإيمَانِ، ولَكِنَّا اجتوينا المدينة واشْتَقْنَا إلى أرْضِنا، ثم إنَّهُم خرجوا في تجارةٍ لَهُم نحو الشَّامِ فَبَلَغَ ذَلِك المُسْلِمِين، فقال بَعْضُهم[(٤)](#foonote-٤) : نخرج إليْهم فنقتلهم ونأخذ ما مَعَهُم ؛ لأنَّهم رَغِبُوا عن دِيننَا، وقالت طَائِفة : كيف تَقْتُلون قوماً على دينكُم إن لَمْ يَذَرُوا دِيَارَهم، وكان هَذَا بِعَيْن النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، وهو سَاكِتٌ لا يَنْهَى واحداً من الفَرِيقَيْن ؛ فنزلت الآية. 
وقيل : هم العرنيون[(٥)](#foonote-٥) : وقال ابْن زَيْد : نزلت في أهل الإفكِ[(٦)](#foonote-٦)، وقال ابن عبَّاسٍ وقتادة : هم قَوْمٌ أسْلَمُوا بمكَّة ثم لم يُهَاجِرُوا وكانُوا يُظَاهِرُون المُشْرِكين، فاختلف المُسْلِمُون فيهم وتشاجروا، فنزلت :" فما لكم " يا معشر المؤمنين  فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ  أي : صرتم فيهم فئتين،  وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ  أي : نكَّسَهُم ورَدَّهم إلى الكُفْرِ وأحْكَامه من الذُّلِّ والصِّغَار والسَّبْي والقَتْل[(٧)](#foonote-٧). 
قال الحسن : وإنما سَمَّاهم مُنَافِقِين وإن أظْهَرُوا الكُفْر ؛ لأنهم وُصِفُوا بالصِّفَةِ التي كَانُوا عَلَيْهَا من قَبْل[(٨)](#foonote-٨). 
قوله : وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ  مبتدأ وخبر، وفيها وجهان :
أظهرهما : أنها حالٌ، إمَّا من المُنَافِقِين - وهو الظَّاهِرُ -، وإمَّا من المُخَاطبين، والرابطُ الواوُ، كأنه أنكرَ عليهم اختلافهم في هؤلاء، والحالُ أنَّ الله قد ردَّهم إلى الكُفْر. 
والثاني : أنها مُسْتَأنفةٌ أخبر - تعالى - عنهم بذلك. و " بما كسبوا " مُتَعَلِّقٌ ب " أركسهم " والبَاءُ سَبَبِيَّة، أي : بسبب كَسْبِهِم، و " ما " مصدريَّةٌ أو بمعنى الَّذِي، والعائدُ مَحْذُوفٌ على الثَّانِي، لا على الأوَّلِ على الصَّحِيح. 
والإركاس : الردُّ والرَّجْعُ، ومنه الرِّكْس، قال - عليه السلام - في الرَّوْثة لمَّا أُتِيَ بها :" إنها ركس ". وقال أمَيَّة بن أبِي الصَّلْت :\[ البسيط \]فَأرْكِسُوا في جَحِيمِ النَّارِ إنَّهُمُ  كَانُوا عُصَاةً وَقَالُوا الإفْكَ وَالزُّورَا[(٩)](#foonote-٩)أي : رُدُّوا، وقال الرَّاغِب :" الرِّكْس والنِّكْس : الرَّذْلُ، إلا أنَّ الرِّكْس أبلغُ ؛ لأن النِّكْسَ : ما جُعِل أعلاه أسْفَله، والرِّكْسَ : ما صَارَ رَجِيعاً بعد أن كَانَ طعاماً ". 
وقال النَّضْر بن شميل والكَسَائي : الرَّكْس والنِّكْس : قلب الشَّيْء على رَأسِه، أو رَدُّ أوَّلِهِ على آخِره، والمَرْكُوس والمنكُوسُ وَاحِدٌ. 
وقيل : أرْكسه أوْبقَه، قال :\[ المتقارب \]بِشُؤْمِكَ أرْكَسْتَنِي فِي الخَنَا  وأرْمَيْتَنِي بِضُرُوبِ الْعَنَا[(١٠)](#foonote-١٠)وقيل : الإركاس : الإضلال، ومنه :\[ المتقارب \]وأرْكَسْتَنِي عَنْ طَرِيقِ الْهُدَى  وصَيَّرتَنِي مَثَلاً لِلْعِدَى[(١١)](#foonote-١١)وقيل : هو التنكيسُ، ومنه :\[ الرمل \]رُكِّسُوا في فِتْنَةٍ مُظْلِمَةٍ  كَسَوَادِ اللَّيْلِ يَتْلُوهَا فِتَنْ[(١٢)](#foonote-١٢)وارتكَس فُلانٌ في أمْر كَانَ، أي : نَجَا مِنْهُ والرُّكُوسِيَّةُ : قوْمٌ بين النَّصَارى والصَّابِئِين، والرَّاكِس : الثَّور وسْط البَيْدَر[(١٣)](#foonote-١٣) والثيران حوالَيه وقت الدياس. 
ويقال : أرْكس ورَكَّس بالتَّشْدِيد ورَكَّس بالتَّخْفِيف : ثلاث لُغَات بمعنى واحد، وارتكَس هو، أي : رجع. 
وقرأ[(١٤)](#foonote-١٤) عبد الله :" ركسهم " ثلاثياً، وقرئ[(١٥)](#foonote-١٥) " ركَّسهم -ركَّسوا " بالتشديد فيهما. 
وقال أبو البقاء[(١٦)](#foonote-١٦) :" وفيه لُغَةٌ أخرى :" ركسه الله " من غير همز ولا تشديد، ولا أعلم أحَداً قرأ به ". 
قلت : قد تقدَّم أن عبد الله قَرَأ " والله ركسهم " من غير همز ولا تشديد \[ ونقل ابن الخطيب أنَّها قراءة أبيِّ أيْضاً \] وكلام أبي البَقَاءِ مُخْلِّصٌ ؛ فإنه إنما ادَّعى عَدَمَ العلمِ بأنَّها قِرَاءةٌ، لا عدمَ القراءة بها. 
قال الرَّاغب :" إلا أن " أركسه " أبلغُ من " ركسه " ؛ كما أنَّ أسْفَلَه أبلغُ من سُفْلَه " وفيه نظر. 
### فصل


قوله : أَتُرِيدُونَ أَن تَهْدُواْ مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَن تَجِدَ لَهُ سَبِيلاً  قالت المُعتزِلة : المُرَاد من قوله :" أضل الله " ليس أنَّه هو خلق الضَّلال فيه للوُجُوه المَشْهُورة ؛ لأنه قال قبل هذه الآية : وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُواْ  فبيَّن - تعالى - \[ أنه \][(١٧)](#foonote-١٧) إنَّمَا رَدَّهُم وطَرَدَهُم بسبب كَسْبِهِم وفِعْلِهِم، وذلك يَنْفِي القَوْل بأنَّ ضلالَهُم حصل بِخَلْق الله، وعند هذا حَمَلُوا قوله :" ومن أضل \[ الله \][(١٨)](#foonote-١٨) " على وُجُوه :
أحدُها : المُرَاد أنَّ الله حَكَم بضلالهم وكُفْرِهم ؛ كما يُقَال : فلان يكفر فُلاناً ويضَلِّلُه، بمعنى : أنه حَكَم به وأخبر[(١٩)](#foonote-١٩) عنه. 
وثانيها : أن المَعْنَى : أتُريدون أن تَهْدُوا إلى الجَنَّةِ من أضَلَّه الله عن طريق الجَنَّةِ ؛ وذلك لأنَّه - تعالى - يُضِلُّ الكُفَّار يوم القيامَة عن الاهْتِدَاء إلى طريق الجَنَّةِ. 
وثالثها : أن يُفَسَّر الإضْلال بمعنى الألْطَاف، وقد تقدَّم ضَعْفُ هذه الوُجُوه، ثُمَّ نقول : هَبْ أنَّها صحيحة، ولكِنَّه - تعالى - أخْبَر عن كُفْرِهِم وضلالِهِم، وأنَّهم لا يَدْخُلون الجَنَّة، فقد تَوَجَّه الإشْكَال ؛ لأن انْقِلاب علم الله - تعالى - جهلا مُحَالٌ، والمُفْضِي إلى المُحَالِ مُحَالٌ، ويدل على أنَّ المُرَاد أنه - تعالى - أضَلَّهُم عن الدِّين - قوله - تعالى- : وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَن تَجِدَ لَهُ سَبِيلاً  والمَعْنى : أنه - تعالى - لمَّا أضلَّهُم عن الإيمَانِ امتنع أن يجد المَخْلُوق سَبِيلاً إلى إدْخَالِه في الإيمَانِ. 
١ أخرجه البخاري (٤/٨٣ ـ ٧/٢٧٥ ـ ٨/١٩٣ ـ فتح) ومسلم (١/٣٨٩ ـ ٣٩٠) والترمذي كتاب التفسير باب فما لكم في المنافقين والبيهقي في "دلائل النبوة" (٣/٢٢٢) والطبري في "تفسيره" (٩/٨ ـ ٩) من حديث زيد بن ثابت.
 وذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٢/٣٤٠) وزاد نسبته للطيالسي وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني..
٢ أخرجه الطبري في "تفسيره" (٨/٩/ ١٠٩) عن مجاهد وذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٢/٣٤٠) وزاد نسبته لعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم..
٣ في ب: أناس..
٤ في ب: فقالت طائفة..
٥ ذكره الفخر الرازي في "التفسير الكبير" (١٠/١٧٤)..
٦ أخرجه الطبري في "تفسيره" (٩/١٣) من طريق ابن وهب عن ابن زيد..
٧ تقدم..
٨ ذكره الفخر الرازي في "التفسير الكبير" (١٠/١٧٤) عن الحسن..
٩ ينظر البين في ديوانه (٢٣٦) والبحر المحيط ٣/٣٢٤ والدر المصون ٢/٤٠٧ وتفسير الطبري ٩/٧..
١٠ ينظر البيت في البحر المحيط ٣/٣٢٤ والدر المصون ٢/٤٠٧..
١١ ينظر البيت في البحر المحيط ٣/٣٢٥ والدر المصون ٢/٤٠٨..
١٢ البيت لعبد الله بن رواحة: ينظر البحر ٣/٣٢٥ والدر المصون ٢/٤٠٨ وتفسير القرطبي ٥/٣٠٧..
١٣ في ب: الدور..
١٤ ينظر: البحر المحيط ٣/٣٢٦ والدر المصون ٢/٤٠٨..
١٥ ينظر: السابق..
١٦ ينظر: الإملاء ١/١٩٠..
١٧ سقط في ب..
١٨ سقط في أ..
١٩ في أ: والخبر..

### الآية 4:89

> ﻿وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً ۖ فَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِيَاءَ حَتَّىٰ يُهَاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ۚ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ ۖ وَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا [4:89]

قوله - تعالى - : وَدُّواْ لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُواْ  الآية. 
**يجوز في " لو " وجهان :**
أحدهما : أن تكون مصدريَّة. 
والثاني : أنها على بابها من كونها حرفاً لما كان سيقع لوُقُوعِ غيره. 
فعلى الأوَّل : تتقدَّر مع ما بعدها بمصدر، وذلك المصدرُ في محل المفعول ل " ودوا " وحينئذٍ فلا جَوَابَ لها، والتقدير : وَدُّوا كُفْرَكُم. 
وعلى الثاني : يكون مَفْعُولُ " وَدَّ " مَحْذُوفاً، وجوابُ " لو " أيْضاً محذوف ؛ لدلالة المَعْنَى عليهما، والتقدير : وَدُّوا كُفْرَكم، لو تَكْفُرون كما كَفَرُوا لسُرُّوا بذلك. 
و " كما كفروا " : نعتٌ لمَصْدَر محذوف، تقديره : كُفراً مثل كُفْرِهم، أو حالٌ من ضَمِير ذلك المَصْدر كما هو مَذْهَب سيبويْه[(١)](#foonote-١). 
و " فتكونوا " : عطف على " تكفرون " والتقدير : وَدُّوا كفرَكُم، وكونكم مُسْتَوين معهم في شَرْعِهم ؛ كقوله : وَدُّواْ لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ  \[ القلم : ٩ \]، أي : ودُّوا لو تُدْهنون، والفَاءُ عَاطِفَة. 
قال الزَّمَخشَريّ[(٢)](#foonote-٢) :" ولو نُصِب على جَوَاب التَّمَنِّي ؛ لجاز " قال أبو حيَّان[(٣)](#foonote-٣) : فيه نظر : من حَيْث إن النَّصْبَ في جواب التَّمَنِّي إذا كان التَّمَنِّي بلفظ الفِعْل، يحتاج إلى سَمَاع من العَرَب، بل لو جَاءَ، لم تتحقَّقَ فيه الجَوابِيةُ، لأنَّ " ودَّ " التي بِمَعْنَى التمني، متعلِّقُها المصادر لا الذَّوَات، فإذا نُصِب الفِعْل بعد الفَاءِ، لم يَتَعَيَّنْ أن تكون فَاءَ جواب ؛ لاحتمال أن يَكُون من بَابِ عَطْف المَصْدر المقدَّر على المَصْدَر المَلْفُوظ به، فيكون من بَابِ :\[ الوافر \]
لَلُبْسُ عَبَاءَةٍ وتَقَرَّ عَيْنِي \*\*\*. . . [(٤)](#foonote-٤)
يعني : كَأنَّ المَصْدَر المَفْعُولَ ب " يود " ملْفُوظٌ به، والمصدرُ المقدَّرُ ب " أن " والفِعْلِ، وإلاَّ فالمصْدرُ المَحْذُوفُ ليس مَلْفوظاً به، إلا بِهَذَا التَّأويلِ المذكُورِ، بل المَنْقُولُ أنَّ الفِعلَ ينْتَصِبُ على جَوَابِ التَّمنِّي، إذا كان بالحَرْفِ، نحو :" ليت "، و " لو " و " ألا " إذا أشْرِبتا مَعْنَى التَّمنِّي. 
وفيما قاله أبُو حَيَّان نظر ؛ لأن الزَّمَخْشَرِيَّ لم يَعْنِ ب " التمني " المفهوم من فِعْل الودادة، بل المَفْهُومَ من لفظ " لو " المُشعرةِ بالتمني، وقد جاء النَّصْب في جوابها ؛ كقوله : فَلَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَكُونَ  \[ الشعراء : ١٠٢ \]، وقد قدَّمْتُ تَحْقِيقَ هذه المَسْألَةِ، فظهر قول الزَّمَخْشَرِي من غير توقُّفٍ، و " سواء " : خبر " تكونون " وهو في الأصْل مَصْدرٌ واقعٌ مَوْقعَ اسْمِ الفَاعِلِ، بمعنى مُستوين ؛ ولذلِك وُحِّد، نحو :" رجال عدل ". 
لمَّا اسْتَعْظَم قولهم : أَتُرِيدُونَ أَن تَهْدُواْ مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ  على سَبِيل الإنْكَارِ عَقب ذِكْر الاسْتبعاد[(٥)](#foonote-٥)، بأن قال : إنَّهم بلغُوا في الكُفْر إلى أنَّهم[(٦)](#foonote-٦) يَتَمنُّون أن تَصِيرُوا أيُّها المُسْلِمُون كُفَّاراً، فلما بَلَغُوا في تعصُّبهم[(٧)](#foonote-٧) في الكُفْر إلى هذا الحَدّ، فكيف تَطْمَعُون في إيمانِهِم. 
ثم قال : فَلاَ تَتَّخِذُواْ مِنْهُمْ أَوْلِيَآءَ حَتَّى يُهَاجِرُواْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ  مَعَكُم. 
قال عكرمة : هي هِجْرة أخرى[(٨)](#foonote-٨) والهِجْرة على ثَلاثَةِ أوْجُه :
هجرة المُؤمنين في أوَّل الإسْلام، وهي قوله : لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ  \[ الحشر : ٨ \] وقوله : وَمَن يَخْرُجْ مِن بَيْتِهِ مُهَاجِراً إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ  \[ النساء : ١٠٠ \] ونحوهما. 
وهجرة المؤمنين[(٩)](#foonote-٩) وهي الخُرُوجُ في سَبِيلِ اللَّهِ مع رسُول الله صَابِراً محتَسِباً، كما حكى هَهُنَا، مَنَعَ من مُوالاتهم حَتَّى يُهَاجِرُوا في سَبِيل اللَّه. 
وهجرة سَائر المُؤمنين : وهي ما قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم :" المُهَاجِر من هجر مَا نَهَى اللَّه عَنْه " [(١٠)](#foonote-١٠). 
قال أبو بكر الرَّازِي[(١١)](#foonote-١١) : التقدير : حتى يُسْلِمُوا ويُهَاجِرُوا ؛ لأن الهِجْرَة في سَبِيل الله لا تكون إلا بَعْد الإسْلاَم، فدلَّت الآيَةُ على إيجَاب الهِجْرة بعد الإسْلام، وأنَّهم وإن أسلَمُوا لَمْ يكُن بينَنَا وبَيْنَهم موالاةٌ إلا بَعْد الهِجْرَة ؛ لقوله - \[ تعالى \][(١٢)](#foonote-١٢) - : مَا لَكُمْ مِّن وَلاَيَتِهِم مِّن شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُواْ  \[ الأنفال : ٧٢ \] وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" أنَا بَرِيءٌ من كل مُسْلِم أقَامَ بَيْن أظْهُر المُشْرِكِين " وهذا التَّكْلِيفُ إنَّما كان لازِماً حَيْث كانَت الهِجْرة وَاجِبَةٌ مَفْروضة، فلمَّا فتحت مَكَّة، نُسِخ ذلك، قال رسُول الله صلى الله يوم فتح مكة :" لا هِجْرَة \[ وَاجِبَة مَفْرُوضة \][(١٣)](#foonote-١٣) بعد الفَتْح، ولَكِنْ جِهَادٌ ونِيَّةٌ " [(١٤)](#foonote-١٤). 
ورُوي عن الحَسَن : أن حُكْم الآيَة ثَابِتٌ \[ في كُلِّ \][(١٥)](#foonote-١٥) من أقَام في دَارِ الحَرْب[(١٦)](#foonote-١٦). 
قال ابن الخَطِيب[(١٧)](#foonote-١٧) : الهِجْرَة تحصل تارةً بالانْتِقَالِ من دَارِ الكُفْرِ إلى دَارِ الإسْلام، وأخْرَى تَحْصُل بالانْتِقَال عن أعْمَال الكُفَّار إلى أعْمَال المُسْلِمِين، قال - عليه الصلاة والسلام - :" المُهَاجِر مَنْ هجر ما نَهَى اللَّهُ عَنْهُ " وقال المُحَقِّقُون[(١٨)](#foonote-١٨) : الهِجْرة في سَبِيل اللَّه عِبَارة عن الهِجْرة عن[(١٩)](#foonote-١٩) تَرْك منهيَّاته وفِعْل مأموراته، والآية عامَّة في الكُلِّ، وقَيَّدَ الهجرة بِكَوْنِها في سَبِيلِ اللَّه ؛ لأنه رُبَّمَا كَانَت الهِجْرَة لِغَرض من أغْرَاض الدُّنْيَا فلا تكُونُ مُعْتَبَرة. 
قال القُرْطُبِي[(٢٠)](#foonote-٢٠) : والهِجْرة أنْوَاع : منها الهِجْرة إلى المَدِينَة ؛ لنُصرة النَّبي صلى الله عليه وسلم في الغَزَوات، وكانت هذه وَاجِبَة أوَّل الإسْلام، حتى قال :" لا هِجْرَة بعد الفَتْح " وكذلك هِجْرَة المُنَافِقِين مع النبي صلى الله عليه وسلم \[ وهجرة مَنْ أسْلم في دَارِ الحرب فإنها وَاجِبَة، وهجرة المسلم ما حَرَّم الله عَلَيْه \][(٢١)](#foonote-٢١) كما قال - عليه السلام - :" والمُهَاجِر مَنْ هَجَر مَا حَرَّم اللَّه عليه " وهاتان الهِجْرَتان ثابتَتَان الآن، وهجرة أهْل المَعَاصِي ؛ ليرجعوا عمَّا هُم عليه تأدِيباً لهم، فلا يُكَلَّمُون ولا يُخَاطَبُون ولا يُخَالطون حتى يَتُوبُوا ؛ كما فعل النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم مع كَعْب وصاحِبَيْه. 
قوله : فَإِنْ تَوَلَّوْاْ فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ  أي : فإن أعْرَضُوا عن التَّوْحيد والهجْرَة " فخذوهم " إذا قَدَرْتُم عليهم أسَارَى، ومنه يُقَال للأسِير : أخيذٌُ،  وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ  في الحِلِّ والحَرَم  وَلاَ تَتَّخِذُواْ مِنْهُمْ  في هذه الحَالِ " ولياً " يتولى شَيْئاً من مُهماتكم " ولا نصيراً " لينصركم على أعْدَائِكُم، ثم استَثْنَى منهم وهو قوله : إِلاَّ الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِّيثَاقٌ أَوْ جَاءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ أَن يُقَاتِلُونَكُمْ أَوْ يُقَاتِلُواْ قَوْمَهُمْ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ فَلَقَاتَلُوكُمْ فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْاْ إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَمَا جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلاً . 
١ ينظر: الكتاب ١/١١٦..
٢ ينظر: الكشاف ١/٥٤٦..
٣ ينظر: البحر المحيط ٣/٣٢٧..
٤ تقدم برقم ٧٦٢..
٥ في أ: الابتعاد..
٦ في أ: بأنهم..
٧ في أ: بغضهم..
٨ في أ: الحزي..
٩ في أ: المنافقين..
١٠ تقدم..
١١ ينظر: تفسير الرازي ١٠/١٧٦..
١٢ سقط في أ..
١٣ سقط في ب..
١٤ أخرجه البخاري ٦/٤٥ في الجهاد: باب وجوب النفير (٢٨٢٥)، ومسلم ٢/٩٨٦ كتاب الحج باب تحريم مكة (٤٤٥ ـ ١٣٥٣)..
١٥ سقط في ب..
١٦ أخرجه الطبري في "تفسيره" (٩/٢٥) عن الحسن..
١٧ ينظر: تفسير الرازي ١٠/١٧٦..
١٨ ينظر: السابق..
١٩ في ب: من..
٢٠ ينظر: تفسير القرطبي ٥/١٩٨..
٢١ سقط في أ..

### الآية 4:90

> ﻿إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَىٰ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ أَوْ جَاءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ أَنْ يُقَاتِلُوكُمْ أَوْ يُقَاتِلُوا قَوْمَهُمْ ۚ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ فَلَقَاتَلُوكُمْ ۚ فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَمَا جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا [4:90]

قوله : إِلاَّ الَّذِينَ يَصِلُونَ  : في هذه الاستثناء قولان :
أظهرهما : أنه استثناء مُتَّصِلٌ، والمستثنى منه قوله : فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ  في الأخذ والقتل لا في المُوالاة ؛ لأن موالاة الكُفَّار والمنافقين لا يجوز بحال. 
والمُسْتَثْنَوْنَ على هذا قَوْمٌ كُفارٌ، ومَعْنَى الوَصْلَةِ هنا الوَصْلَةُ بالمُعَاهَدَةِ والمُهَادَنَةِ. وقال أبُو عبيد :" هو اتِّصَالُ النَّسَب "، وغلَّطه النَّحَّاس بأن النَّسَب كان ثابتاً بين النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم والصَّحابة، وبين المُشْرِكين، ومع ذلك لم يمنعهم ذلك من قتالهم. 
وقال ابن عبَّاس : يريد : ويلْجَئُون إلى قوم  بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِّيثَاقٌ  أي : عهد، وهم الأسْلَميُّون، وذلك أنَّ رسُول الله صلى الله عليه وسلم وادَعَ هِلال بن عُوَيْمر[(١)](#foonote-١) الأسْلَمِيّ عند خُرُوجه إلى مَكَّة، على ألاَّ يُعينَهُ ولا يُعين عليْه، ومن وَصَل إلى هِلالٍ من قَوْمهِ وغيرهم ولجأ إليه، فلهم من الجواز مثل ما لِهِلالٍ. 
وقال الضَّحَّاك عن ابن عبَّاسٍ : أراد بالقَوْم الَّذين بالقَوْم الَّذِين بَيْنكم وبَينهم ميثَاقٌ : بني بَكْرٍ بن زَيْد بن مَنَاة، وكانوا في الصُّلْح والهُدْنة، وقال مُقَاتِل : هم خُزَاعَة. 
والقَوْل الثاني : أنه منقطعٌ - وهو قول أبِي مُسْلم الأصْفَهَانِيِّ، واختيار الرَّاغب -. 
قال أبو مُسْلم :" لَمَّا أوجبَ اللَّهُ الهِجْرَةَ على كُلِّ مَنْ أسلم، استثنى مَنْ له عُذْرٌ فقال : إِلاَّ الَّذِينَ يَصِلُونَ  وهم قوم قَصَدُوا الهِجْرَة إلى الرَّسُول - عليه الصلاة والسلام - ونصرته، وكان \[ بينهم وبَيْنَه في الطَّريق كُفَّار يخافونهم، فَعَهِدُوا إلى كُفَّارٍ كان \] بينهم وبين المُسْلمين عَهْدٌ، فأقاموا عَنْدَهُم إلى أنْ يُمْكِنهُمُ الخلاصُ، واستثنى بعد ذلك مَنْ صَار إلى الرَّسُول وأصْحَابه ؛ لأنه يخافُ اللَّهَ فيه، ولا يقاتِلُ الكُفَّار أيضاً لأنهم أقاربُه ؛ أو لأنه يَخَافُ على أولاده الذين هُمْ في أيديهم "، فعلى هذا القَوْلِ يكون استثناءً مُنْقَطعاً ؛ لأن هؤلاء المُسْتَثنين لم يَدْخُلوا تحت قوله : فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ  والمُسْتَثنوْن على هَذَا مُؤمِنُون. 
قوله : بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِّيثَاقٌ  يجوز أن يكونَ جملةً من مُبْتَدَأ وخَبر في مَحَلِّ جرِّ صفة ل " قوم "، ويجوز أن يكُونَ " بينكم " وحْدَه صفةً ل " قوم "، فيكون في محلِّ جَرٍّ ويتعلَّقُ بِمَحْذُوفٍ، و " ميثاق " على هذا رفعٌ بالفَاعِليَّة ؛ لأنَّ الظَّرف اعتمد على مَوْصُوفٍ، وهذا الوَجْهُ أقربُ ؛ لأنَّ الوَصْفَ بالمُفْرَدِ أصْلٌ للوصف بالجُمْلَة. 
**قوله :" أو جاءوكم " فيه وجهان :**
أظهرهما : أنه عطف على الصِّلَة ؛ كأنه قيل : أو إلا الذين جَاءُوكُم حَصِرَتْ صُدُورُهُم، فيكون التقدير :" إلا الذين يصلون بالمعاهدين، أو الذين حصرت صدورهم فليقاتلوكم " فيكون المُسْتَثْنَى صِنْفَيْن من النَّاس : أحدهما : واصلٌ إلى قومٍ مُعاهدين، والآخر مَنْ جَاءَ غَيْرَ مقاتِلٍ للمسلمين ولا لِقَوْمه. 
والثاني : أنه عَطْفٌ على صِفَةِ " قوم " وهي قوله : بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِّيثَاقٌ ، فيكون المُسْتَثْنَى صنفاً واحداً يختلف باختلافِ مَنْ يَصِلُ إليه من مُعَاهدٍ وكافرٍ، واختار الأول الزَّمَخْشَري وابنُ عَطِيَّة. 
قال الزَّمَخْشَرِيُّ :" الوجهُ العطفُ على الصِّلةِ ؛ لقوله : فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ  بعد قوله : فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ  فقرَّر أنَّ كفَّهُم عن القِتَال أحدُ سَبَبَي اسْتِحقَاقِهم لنفي التعرُّض لهُم، وتَرْكِ الإيقاع بهم، فإن قُلْت : كلُّ واحد من الاتِّصالين له تأثيرٌ في صحة الاستِثْنَاء، واستحقاقِ تَرْكِ التَّعرضِ للاتصال بالمُعَاهدين والاتصال بالْكَافِّين، فهلا جَوَّزْت أن يَكُونَ العَطْفُ على صفةِ " قوم "، ويكون قوله :" فإن اعتزلوكم " تقريراً لحكم اتِّصالهم بالكافِّين واختلاطهم بهم، وجَرْيهم على سُنَنِهم ؟ قلت : هو جَائِزٌ، ولكن الأوَّلَ أظهرُ وأجْرى على أسلوب الكلام ". انتهى. 
**وإنما كان أظهر لوجهين :**
أحدهما : من جِهَة الصِّنَاعة، والثاني : من جهة المَعْنَى. 
أمَّا الأوَّلُ : فلأنَّ عطفَه على الصِّلة لكون النِّسْبَة فيه إسْنَادِيةً، وذلك أن المُسْتَثْنَى مُحَدَّثٌ عنه مَحْكُومٌ له، بخلاف حُكْم المُسْتَثْنَى منه، فإذا قدَّرْتَ العَطْفَ على الصَِّلَة، كان مُحَدَّثاً عنه بما عَطَفْتَه، بِخِلاَف ما إذا عَطَفْتَه على الصِّفَة، فإنه يكونُ تَقْيِيداً في " قوم " الذين هم قيدٌ في الصِّلَةِ المُحَدَّثِ عن صَاحِبها، ومتى دار الأمْر بين أن تكُون النِّسْبَة إسْنَاديّةً وبين أن تكون تقييدية، كان جَعْلها إسناديةً أوْلى لاسْتِقلالها. 
والثاني من جهة المَعْنَى : وذلك أنَّ العَطْفَ على الصِّلَةَ يؤدِّي أن سَبَبَ تَرْكِ التَّعرُّض لهم تَرْكُهُم القتالَ ونَهْيُهُم عنه، وهذا سَبَبٌ قريب، والعَطْفُ على الصِّفَة يؤدي إلى أنَّ سَبَبَ تركِ التعرُّضِ لهم، وصُولُهم إلى قَوْم كافِّين عن القِتَال، وهذا سببٌ بعيدٌ، وإذا دَارَ الأمرُ بين سَبَبٍ قريب وآخر بعيدٍ، فاعْتِبَارُ القرِيبِ أوْلَى. 
والجمهورُ على إثبات " أو "، وفي مُصْحَفِ أبَيٍّ[(٢)](#foonote-٢) :" جاءوكم " من غير " أوْ "، وخَرَّجها الزَّمَخْشَرِيُّ على أحَدِ أرْبَعة أوْجُه : إمَّا البيان ل " يصلون "، أو البَدَلِ منه، أو الصِّفة لقَوْم بعد صِفَة، أو الاستئنَافِ. 
قال أبو حيان[(٣)](#foonote-٣) :" وهي وجوهٌ مُحْتَمَلَةٌ وفي بعضها ضعفٌ، وهو البيانُ والبدلُ ؛ لأن البيانَ لا يَكُون في الأفْعَالِ ؛ ولأن البدل لا يتأتَّى لكونه ليس إيَّاه، ولا بعضه، ولا مُشْتَمِلاً عليه ". انتهى، ويحتاج الجَوَابُ عنه \[ إلى \] تأمُّلٍ ونظرٍ. 
قوله : حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ  فيه سبعة أوجُه :
أحدها : أنه لا مَحَلَّ لهذه الجُمْلَة، بل جِيءَ بها للدُّعاء عليهم بضيق صُدُورهم عن القَتَالِ، وهذا مَنْقُولٌ عن المُبَرِّد، إلاَّ أنَّ الفَارسِيَّ رَدَّ عيله بأنا مَأمُورُون بأنْ نَدْعُوَ على الكُفَّارِ بإلقاءِ العَدَاوَة بينهم، فَنَقُولُ :" اللَّهُم أوْقِعِ العَدَاوَةَ بين الكُفَّار " لكن يكُونُ قوله : أَوْ يُقَاتِلُواْ قَوْمَهُمْ  نفياً لما اقْتَضَاهُ دعاءُ المُسْلِمين عليهم. 
وقد أجَابَ عن هذا الردِّ بعضُ النَّاس ؛ فقال بن عَطِيَّة :" يُخَرَّجُ قولُ المُبَرِّد على أن الدُّعَاء عليهم بألاَّ يقاتلوا المُسْلِمِين تعجيزٌ لَهُم، والدعاءُ عَلَيْهم بألاَّ يقاتلوا قومهم تَحْقيرٌ لَهُمْ، أي : هُمْ أقلُّ وأحْقَرُ ومُسْتَغْنى عَنْهُم، كما تقول إذا أردت هذا المَعْنَى :" لا جعل الله فُلاناً عليَّ ولا مَعِي " بمعنى : أسْتَغْنِي عنه وأستَقِلُّ دونَه ". 
وأجاب غيرُه بأنَّه يجُوزَ أن يكونَ سُؤالاً لقومهم، على أنَّ قوله :" قومهم " قد يُحْتمل أن يُعَبَّر به عَمَّنْ لَيْسُوا منهم، \[ بل عن مُعاديهم ". 
الثاني : أنَّ " حصرت " حالٌ من فاعل " جاءوكم " وإذا وَقَعت الحَالُ فعلاً مَاضِياً ففيها \] خلافٌ : هل يَحْتاج إلى اقْتِرانه ب " قَدْ " أم لا ؟ والراجِحُ عدمُ الاحْتِياج ؛ لكثرة ما جاء منه، فَعَلى هذا لا تُضْمَرُ " قد " قَبْلَ " حصرت "، ومَنِ اشْتَرَط ذلك، قَدَّرها هنا. 
والثالث : أنَّ " حصرت " صفةٌ لحَالٍ محذوفةٍ، تقديرُه : أو جاءُوكم قوماً حَصِرَتْ صُدُورُهُم رجالاً حصرت صُدُورهم، فنصب لأنَّه صفة مَوْصُوف مَنْصُوب على الحال، إلاَّ أنه حذف المَوْصُوف المنْتَصب على الحَالِ، وأقيمت صِفته مَقَامَه وسَمَّاها أبو البقاء[(٤)](#foonote-٤) حالاً مُوَطِّئَة، وهَذَا الوجُه يُعْزَى للمُبرِّد أيضاً. 
الرابع : أن يَكُون في مَحَلِّ جَرِّ صفةً لِقَوْم بعد صِفَة، و " أو جاءوكم " مُعْتَرِضٌ. 
قال أبُو البَقَاءِ : يَدُلُّ عليه قِرَاءةُ مَنْ أسْقَط " أو " وهو أبَيٌّ، كذا نَقَلَهُ عنه أبو حيَّان والذي في إعْرَابِه إسقاطُ " أو جاءُوكم " جميعه، وهذا نَصُّه[(٥)](#foonote-٥) قال :" أحَدُهُما : هو جَرٌّ صِفَةً لقومِ، وما بَيْنَهُمَا صفة أيضاً، و " جاءوكم " معترضٌ، وقد قرأ بَعْضُ الصَّحابَة :" بينكم وبينهم ميثاق حصرت صدورهم "، بحذف " أو جاءوكم " هذا نَصُّه، وهو أوفق لهذا الوَجْهِ. 
الخامس : أن يكون بدلاً من " جاءوكم " بدلَ اشْتِمَال ؛ لأن المَجِيء مشتمِلٌ على الحَصْر وغيره، نَقَلَه أبو حيان عن أبي البقاء أيضاً. 
السادس : أنه حبرٌ بعد خَبَر، وهذه عِبَارة الزَّجَّاج[(٦)](#foonote-٦)، يعني : أنها جملة مُسْتَأنفَة، أخْبر بها عن ضِيق صُدُورِ هَؤلاَء عن القِتَال بعد الإخْبَار عَنْهُم بما تَقَدَّم. 
قال ابن عطية بعد حِكَاية قولِ الزَّجَّاج :" يُفَرَّق بين الحَالِ وبين خَبَرٍ مستأنفٍ في قولك :" جاء زَيْد رَكِبَ الفَرَسَ " أنك إذا أرَدْتَ الحَالَ بقولك :" ركب الفَرَس " قدَّرْتَ " قد "، وإن أرَدْت خَبَراً بعد خَبَر، لم تَحْتَجْ إلى تقدِيرها ". 
السَّابع : أنه جَوَاب شَرْطِ مُقَدَّر، تقديره : إن جاءُوكُم حصرت \[ صدورهم \]، وهو رأي الجُرجَانِيِّ، وفيه ضَعْفٌ ؛ لعدم الدَّلاَلة على ذَلِك. 
وقرأ الجُمْهُور :" حصرت " فعلاً ماضياً، وقرأ الحَسَن، وقتادة[(٧)](#foonote-٧)، ويعقوب :" حصرة " نَصْباً على الحَالِ بوزن " نبقة "، وهي تؤيِّد كونَ " حصرت " حالاً[(٨)](#foonote-٨)، ونقلها المَهْدَوِي عن عَاصِمٍ في رواية حَفْص، ورُوي عن الحَسَن[(٩)](#foonote-٩) أيضاً :" حصرات " و " حاصرات ". 
وهاتان القراءتان تَحْتَمِلان أن تكُونَ " حصرات " و " حاصرات " نَصْباً على الحال، أو جَرّاً على الصِّفَة ل " قوم " ؛ لأنَّ جَمْع المُؤنَّث السَّالمِ يستوي جَرُّه ونَصْبُه، إلا أنَّ فيهما ضَعْفاً ؛ من حيث إنَّ الوَصْفَ الرَّافع لظاهرٍ الفَصيحُ فيه أن يُوَحد كالفِعْلِ، أو يُجمَعَ جَمْعَ تَكْسِير ويَقِلُّ جمعُه تَصْحِيحاً، تقول : مررت بِقومٍ ذاهب جَوَاريهم، أو قيام جواريهم، ويَقِلُّ :" قائِماتٍ جَوَاريهم ". 
وقرئ[(١٠)](#foonote-١٠) :" حصرةٌ " بالرفع على أنه خَبَر مُقَدَّم، و " صدورهم " مبتدأ، والجُمْلَة حال أيضاً. وقال أبو البقاء[(١١)](#foonote-١١) :" وإن كان قد قُرِئ :" حصرة " بالرَّفْع، فعلى أنَّه خَبَر، و " صدورهم "، مُبْتَدأ، والجُمْلَةٌُ حال ". 
قوله :" أن يقاتلوكم " أصلُه : عن أنْ : فلمَّا حُذِف حَرْف الجَرِّ، جرى الخِلاف المَشْهُور، أهي في مَحَلِّ جَرٍّ أو نَصْب ؟ والحَصْرُ : الضِّيق، وأصلُه في المكان، ثم تُوُسِّع فيه \[ فأطْلِق على حَصْر القَوْل : وهو الضيق في الكلام على المُتَكلِّم والحصر : المكتوم \] قال :\[ الكامل \]

وَلَقَدْ تَسَقَّطَنِي الْوُشَاةُ فَصَادَفُوا  حَصِراً بِسِرَِّكِ يَا أمَيْمُ ضَنِينا[(١٢)](#foonote-١٢)### فصل


اخْتَلَفُوا في الَّذِين اسْتَثْنَاهُ١ في ب: عمير..
٢ ينظر: البحر المحيط ٣/٣٣٠ والدر المصون ٢/٤١٠..
٣ ينظر: البحر المحيط ٣/٣٢٩ ـ ٣٣٠..
٤ ينظر: الإملاء ١/١٩٠..
٥ ينظر: الإملاء ١/١٨٩..
٦ ينظر: معاني القرآن ٣/٩٦..
٧ وهي قراءة مصحف أبيّ.
 ينظر: المحرر الوجيز ٢/٩٠، والبحر المحيط ٣/٣٢٩، ٣٣٠ وفيه إسقاط "أو" فقط على أنها قراءة أبي.
 وينظر: الدر المصون ٢/٤١١..
٨ احتج الكوفيون بهذه الآية: أو جاؤوكم حصرت صدورهم على جواز وقوع الفعل الماضي حالا، واحتجاجهم بتلك الآية مردود من أربعة أوجه:
 الوجه الأول: أن تكون صفة لـ "قوم"، المجرور في أول الآية، وهو قوله تعالى: إلا الذين يصلون إلى قوم.
 والوجه الثاني: أن تكون صفة لـ "قوم" مقدر، ويكون التقدير فيه: "أو جاؤوكم قوما حصرت صدورهم"، والماضي إذا وقع صفة لموصوف محذوف، جاز أن يقع حالا بالإجماع.
 والوجه الثالث: أن يكون خبرا كأنه قال: أو جاؤوكم، ثم أخبر، فقال: حصرت صدورهم.
 والوجه الرابع: أن يكون محمولا على الدعاء لا على الحال؛ كأنه قال: ضيق الله صدورهم كما يقال: جاءني فلان وسع الله رزقه، وأحسن إلي غفر الله له، وسرق قطع اله يده وما أشبه ذلك، فاللفظ في ذلك كله لفظ الماضي، ومعناه الدعاء، وهذا كثير في كلامهم؛ وسيأتي تفصيل عرض مذاهب النحويين في ذلك عند قوله تعالى: وإن أصابته فتنة انقلب على وجهه خسر الدنيا والآخرة..
٩ ينظر: المحرر الوجيز ٢/٩٠، والبحر المحيط ٣/٣٣٠، والدر المصون ٢/٤١١، وإتحاف ١/٥١٨..
١٠ ينظر: البحر المحيط ٣/٣٣٠، والدر المصون ٢/٤١٢..
١١ ينظر: الإملاء ١/١٩٠..
١٢ تقدم..

### الآية 4:91

> ﻿سَتَجِدُونَ آخَرِينَ يُرِيدُونَ أَنْ يَأْمَنُوكُمْ وَيَأْمَنُوا قَوْمَهُمْ كُلَّ مَا رُدُّوا إِلَى الْفِتْنَةِ أُرْكِسُوا فِيهَا ۚ فَإِنْ لَمْ يَعْتَزِلُوكُمْ وَيُلْقُوا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ وَيَكُفُّوا أَيْدِيَهُمْ فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ ۚ وَأُولَٰئِكُمْ جَعَلْنَا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا مُبِينًا [4:91]

سَتَجِدُونَ آخَرِينَ يُرِيدُونَ أَن يَأْمَنُوكُمْ وَيَأْمَنُواْ قَوْمَهُمْ كُلَّ مَا رُدُّواْ إِلَى الْفِتْنِةِ أُرْكِسُواْ فِيِهَا فَإِن لَّمْ يَعْتَزِلُوكُمْ وَيُلْقُواْ إِلَيْكُمُ السَّلَمَ \[ وَيَكُفُّواْ أَيْدِيَهُمْ \][(١)](#foonote-١) فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأُوْلَئِكُمْ جَعَلْنَا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطَاناً مُّبِيناً 
السِّين في " ستجدون " للاسْتِقْبَال على أصلها، قالوا : ولَيْسَت[(٢)](#foonote-٢) هنا للاسْتِقْبَال، بل للدَّلالة على الاسْتِمْرَار، وليس بِظَاهِرٍ. 
قال الكَلْبِي عن أبي صَالحٍِ، عن ابن عبَّاسٍ : هم أسَد وغطَفَان[(٣)](#foonote-٣) كانوا حَاضِرِي المَدِينَة، تَكَلَّموا بالإسْلام رياءً، وهم غير مُسْلِمِين، فكان الرَّجُل مِنْهُم يقول له قَوْمُه : بماذا أسْلمت ؟ فيقول : آمَنْتُ بربِّ القِرْدِ، وبرب العَقْرب والخُنْفُسَاء، وإذا لقوا أصحاب النبيِّ صلى الله عليه وسلم قالوا : إنَّا على دينِكُم، يريدون بذلك الأمْن في الفَرِيقَيْن، وقال الضَّحَّاك عن ابن عبَّاس : هم بَنُو عَبْد الدَّار، كانوا بهذه الصِّفَةِ. 
 يُرِيدُونَ أَن يَأْمَنُوكُمْ  فلا تتعرَّضُوا لَهُم،  وَيَأْمَنُواْ قَوْمَهُمْ  فلا يتعرَّضُوا لَهُم،  كُلَّ مَا رُدُّواْ إِلَى الْفِتْنِةِ  دعوا إلى الشِّرْك،  أُرْكِسُواْ فِيِهَا  أي : رجَعُوا وعادوا إلى الشِّرْك. 
وقرأ عبد الله[(٤)](#foonote-٤) :" ركسوا فيها " ثلاثيَّا مُخَفَّفاً، ونقل ابْنُ جنيٍّ عنه :" ركَّسوا " بالتَّشْديد. وقرأ ابن وثابِ والأعْمِشُ[(٥)](#foonote-٥) :" رِدوا " بِكَسْر الرَّاء ؛ لأن الأصْل :" رددوا " فأدْغِم، وقلبت[(٦)](#foonote-٦) الكَسْرة على الرَّاء[(٧)](#foonote-٧). وقوله :" إلى الفتنة " إلى الكُفْر. 
 أُرْكِسُواْ فِيِهَا فَإِن لَّمْ يَعْتَزِلُوكُمْ  أي : فإن لَمْ يكفُّوا عن قِتَالِكُم حَتَّى تسيروا إلى مَكَّة : وَيُلْقُواْ إِلَيْكُمُ السَّلَمَ  أي : المفاداة والصُّلْح، " ويكفوا أيديهم " ولم يقبضوا أيديهُم من قتالكم، " فخذوهم "، أسرى  وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثِقِفْتُمُوهُمْ  أي : وجدتموهم، " وأولئكم " أي : أهل هذه الصِّفة  جَعَلْنَا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطَاناً مُّبِيناً  أي : حُجَّة بيِّنة ظاهرة بالقَتلِْ والقِتَال، وهذه الآيَة تَدُلُّ على أنَّهم إذا اعْتزلُوا قِتَالنا وطَلَبُوا الصُّلحِ مِنَّا، وكفوا أيْديهُم عن إيذائِنا، لم يَجُزْ لنا قِتَالهم، ونَظِيرُه قوله تعالى : لاَّ يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ  \[ الممتحنة : ٨ \]، وقوله : وَقَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ  \[ البقرة : ١٩٠ \]. 
١ سقط في ب..
٢ في أ: وليت..
٣ ذكره الفخر الرازي في "التفسير الكبير" (١٠/١٧٩) عن ابن عباس..
٤ تقدمت..
٥ ينظر: البحر المحيط ٣/٣٣٢..
٦ في أ: ونقلت..
٧ في أ: الياء..

### الآية 4:92

> ﻿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً ۚ وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَىٰ أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا ۚ فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ ۖ وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَىٰ أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ ۖ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ ۗ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا [4:92]

قوله تعالى :\[  وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَن يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلاَّ خَطَئاً وَمَن قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَئاً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلاَّ أَن يَصَّدَّقُواْ فَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ عَدُوٍّ لَّكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ وَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِّيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِّنَ اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً ٩٢  \][(١)](#foonote-١)
كما رَغَّب في مُقَاتَلة الكُفَّار، ذكر بَعْدَهَا ما يتعلَّق بالمُحَارَبَة، ولا شَكَّ أنَّه قد يَتَّفِقُ أن يرمي[(٢)](#foonote-٢) الرَّجُلُ رجُلاً يَظُنُّه كافراً حَرْبِيَّا فيقْتُلهُ، ثم يتبين[(٣)](#foonote-٣) أنَّه مُسْلِمٌ، فذكر الله - تعالى - حكْم هَذِهِ الوَاقِعَة. 
قوله - تعالى - : وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَن . 
قد تقدَّم الكلام في نَظِير هذا التَّركيب عند قوله - تعالى - : مَا كَانَ لَهُمْ أَن يَدْخُلُوهَا إِلاَّ خَآئِفِينَ  \[ البقرة : ١١٤ \]. وقوله : إِلاَّ خَطَئاً  فيه أرْبَعة أوجُه :
أحدُها : أنه اسْتثنَاء منقَطِع - وهو قولُ الجُمْهُور - إنْ أُريد بالنَّفِي معناه، ولا يجُوزُ أن يكُون مُتَّصِلاً، إذ يصير المَعْنَى : إلا خَطَأ فله قَتْلُه. 
والثاني : أنه مُتصلٌ إنْ أُريد بالنَّفْي التحريمُ، ويَصِير المَعْنَى : إلا خطأ بأن عَرَفَه أنَّه كَافر فَقَتَله، ثم كَشَف الغيبُ أنه كان مؤمناً. 
الثالث : أنه استِثْنَاء مُفَرَّغ، ثم في نَصْبِه ثلاثة احْتِمَالاتٍ :
الأوَّل : أنه مَفْعُول له، أي : ما يَنْبَغِي له أن يَقْتُلَه \[ لعلَّة من الأحْوَالِ، إلا للخَطَأ وحده. 
الثاني : أنه حَالٌ، أي : ما يَنْبَغي له أن يَقْتُله \] في حال من الأحْوَالِ، إلا في حَالِ الخَطَأَ. 
الثالث : أنه نَعْتُ مَصْدَرٍ محذُوف، أي : إلا قَتْلاً خَطَأ، ذكر هذه الاحْتمَالات الزَّمَخْشَرِيُّ. 
الرابع : من الأوْجه : أن تكون " إلا " بمعنى " ولا " والتقدير : وما كان لمُؤمِنٍ أن يَقْتُلَ مُؤمِنَاً عَمْداً ولا خَطَأ، ذكره بعضُ أهْلِ العِلْم، حكى أبُو عُبَيْدة عن يُونُس قال : سألتُ رُؤبة بن العَجَّاج عن هَذِه الآيَةِ، فقال :" ليس أنْ يَقْتُلَهُ عَمْداً ولا خَطَأ " فأقام " إلاَّ " مقامَ الوَاوِ ؛ وهو كقول الشَّاعِر :\[ الوافر \]

وَكُلُّ أخٍ مُفَارِقُهُ أخُوهُ  لَعَمْرُ أبِيكَ إلاَّ الْفَرْقَدَانِ[(٤)](#foonote-٤)إلا أن الفَرَّاء ردَّ هَذا القَوْلَ ؛ بأن مثل ذلك لا يجُوزُ، إلا إذا تقدَّمه استِثْنَاءٌ آخر، فيكونُ الثَّانِي عطفاً عليه : كقوله :\[ البسيط \]مَا بِالمَدِينَةِ دَارٌ غَيْرُ وَاحِدَةٍ  دَارُ الْخَلِيفَةِ إلاَّ دَارُ مَرْوَانَا[(٥)](#foonote-٥)وهذا رَأي الفراء[(٦)](#foonote-٦)، وأمَّا غَيْرُه، فيزعم أنَّ " إلا " تكون عَاطِفَة بمعنى الوَاوِ من غَيْر شَرْطِ، وقد تقدَّم تَحْقِيقٌ هذا في قوله : لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلاَّ الَّذِينَ ظَلَمُواْ 
\[ البقرة : ١٥٠ \]. 
وقرأ الجُمْهُور :" خطأ " مهموزاً بوزْنِ " نبأ "، والزهري[(٧)](#foonote-٧) :" خَطَا " بوزن " عَصَا "، وفيها تخريجان :
أحدُهُمَا : أنه حَذَف لام الكَلِمَة تَخْفِيفاً، كما حَذَفُوا لام دَم، ويد أخ وبابها. 
والثاني : أنه خَفَّف الهَمْزَة بإبدالها ألفاً، فالتقت مع التَّنْوين ؛ فَحُذِفت لالتِقَاء السَّاكِنيْن، كما يُفْعَل ذلك بِسَائِر المَقْصُور، والحسن قرأ[(٨)](#foonote-٨) :" خَطَاءً " بوزن " سَمَاء ". 
### فصل


ذكر المُفسِّرون في سَبَبِ النَّزُول وُجُوهاً :
أحدها : روى عُرْوة بن الزُّبَيْر : أن حُذيْفَة بن اليَمَان قَاتَل مع النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم يَوْم أُحُد فأخْطَأ المُسْلِمَون، وظَنُّوا أن أبَاهُ اليَمَان وَاحداً من الكُفَّار، فضَرَبُوه بأسْيَافِهم، وحُذَيْفَة يَقُول : إنَّه أبي، فلم يَفْهَمُوا قولَه إلا بعد أنْ قَتَلُوه، فقال حُذَيْفَة : يَغْفِر اللَّه لكم وهو أرحم الرَّاحِمِين، فلما سَمِعَ النَّبِي صلى الله عليه وسلم ذلك، ازْدَاد وَقْع حُذَيْفَة عِنْدَه، فَنَزَلَت هَذِه الآية[(٩)](#foonote-٩). 
وثانيها : أن أبا الدَّرْدَاءِ كان في سَرِيَّة، فَعدل إلى شِعْبٍ لحاجة \[ فوجد \][(١٠)](#foonote-١٠) رجُلاً في غَنَم لَهُ، فحمل \[ عليه \][(١١)](#foonote-١١) بالسَّيْف، فقال الرَّجُل لا إله إلا اللَّه، فقتلَه وسَاقَ غَنَمَهُ، ثم وَجَد في نَفْسه شَيْئاَ، فذكر الوَاقِعة للرَّسُول - عليه الصَّلاة والسلام - فقال النَّبِيُّ - عليه الصلاة والسلام - :" هَلاَّ شَقَقْتَ عَنْ قَلْبِه " وندم أبُو الدَّرْدَاءِ، فنزلت الآية[(١٢)](#foonote-١٢). 
ثالثها : نزلت في عيَّاش بن أبي رَبِيعَة المَخْزُومِيَّ، وكان أخَاً أبِي جَهْل من أمِّه : أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة قبل الهجرة فأسلم ثم خاف أن يُظهر إسلامَه لأهله فخرج هارباً إلى المدينة، وتحصّن في أطم من آطامها، فجزعت أمه لذلك جزعاً شديداً وقالت لابنها الحارث وأبي جهل بن هشام وهما أخواه لأمه : والله لا يظلني سقف ولا أذوق طعاماً ولا شراباً حتى تأتوني به، فخرجا في طلبه وخرج معهما الحارث بن زيد بن أبي أنيسة حتى أتوا المدينة، فأتوا عياشاً وهو في الأطم، قالا له : إنزل فإنّ أمك لم يُؤوها سقف بيت بعدك، وقد حلفت ألاّ تأكل طعاماً ولا تشرب شراباً حتى ترجع إليها ولك عهد الله علينا أن لا نكرهك على شيء ولا نحول بينك وبين دينك، فلما ذكروا له جزع أمه وأوثقوا له بالله نزل إليهم فأخرجوه من المدينة ثم أوثقوه بنسعةٍ فجلده كل منهم مائة جلدة، ثم قدموا به على أمّه فلما أتاها قالت : والله لا أُحِلّكَ من وثاقك حتى تكفر بالذي آمنت به، ثم تركوه موثقاً مطروحاً في الشمس ما شاء الله فأعطاهم الذي أرادوا فأتاه الحارث بن زيد فقال : يا عياش أهذا الذي كنت عليه فوالله لئن كان هُدى لقد تركت الهدى، ولئن كان ضلالة لقد كنت عليها، فغضب عياش من مقالته، وقال : والله لا ألقاك خالياً أبداً إلا قتلتك، ثم إن عياشاً ألم بعد ذلك وهاجر ثم أسلم الحارث بن زيد بعده وهاجر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وليس عياش حاضراً يومئذ ولم يشعر بإسلامه فبينما عياش يسير بظهر قباء إذْ لقي الحارث فقتله، فقال الناس : ويحك أي شيء قد صنعت ؟ ! إنه قد أسلم، فرجع عياش لرسول الله صلى الله عليه وسلم وقال : يا رسول الله قد كان من أمري وأمر الحارث ما قد علمت، وإني لم أشعر بإسلامه حتى قتلته فنزلت الآية[(١٣)](#foonote-١٣). 
### فصل تفسير قوله - تعالى - : وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ 


قوله : وَمَا كَانَ \[ لِمُؤْمِنٍ  \] [(١٤)](#foonote-١٤) قيل : معناه : ما كانَ لَهُ فيما أتاه من رَبَّه وعهد إلَيْه، وقيل : ما كَانَ لَهُ في شَيْءٍ من الأزمِنة ذلك، والمَقْصُود : بَيَان أنّ حُرْمَة القَتْل كانت ثَابِتَة من أوَّل زمان التَّكْلِيف. 
وقوله :" إلا خطأ " فعلى القَوْل بأنَّهُ مُتَّصِلٌ ؛ ذكروا وُجُوهاً :
أحدها : أن هذا الاستِثْنَاء مَعْنَاه : أن الإنْسَان يُؤاخذ على القَتْل، إلا إذا كان القَتْل قتْل خَطَأ، فإنَّه لا يُؤاخَذُ به. 
وثانيها : أنه استْثْنَاء صَحِيحٌ على ظاهر اللِّفْظِ، والمعنى : ليس لِمُؤمِنٍ أن يَقْتُل مُؤمِناً ألْبَتَّةَ إلا عند الخَطَأ، وهو ما إذا رأى عليه شِعَار الكُفَّار، أو وَجَدهُ في عَسْكَرهم فظنه مُشْرِكاً. فَحيِنئذٍ يَجُوز قَتلُه. 
ثالثها : أن في الكَلاَم تَقْدِيماً وتأخِيراً، والتقدير : ومَا كَانَ لِمُؤمِن أن يَقْتُل مُؤمِناً إلا خَطَأ ؛ كقوله - \[ تعالى \][(١٥)](#foonote-١٥) - : مَا كَانَ للَّهِ أَن يَتَّخِذَ مِن وَلَدٍ  \[ مريم : ٣٥ \] أي : وما كان اللَّه ليتَّخِذَ من وَلَدٍ ؛ لأنَّه - تعالى - لا يُحَرِّم عليه شَيْءٌ، إنَّما يُنْفَى عنه ما لا يَلِيقُ بِهِ. 
قال القُرْطُبِي[(١٦)](#foonote-١٦) : قوله : وَمَا كَانَ  لَيْس على النَّفِي، وإنَّما هو على التَّحْرِيم والنَّهِي ؛ كقوله : وَمَا كَانَ لَكُمْ أَن تؤْذُواْ رَسُولَ اللَّهِ  \[ الأحزاب : ٥٣ \] ولو كانت على النَّفْي، لما وُجِد مُؤمِنٌ قَتل مُؤمِناً \[ قط \][(١٧)](#foonote-١٧) ؛ لأن ما نفَاه اللَّه لا يجُوز وُجُودهُ ؛ كقوله
 مَّا كَانَ لَكُمْ أَن تُنبِتُواْ شَجَرَهَا  \[ النمل : ٦٠ \]، معناه : ما كُنْتُم لِتُنْبِتُوا ؛ لأنه - تعالى - لم يُحرَّم عليهْم أنْ يُنْبِتُوا الشجر، إنما نَفَى عَنْهُمْ أن يمكنهم إنْبَاتُهَا، فإنه - تعالى - هو القَادِرُ على إنْبَاتِ الشَّجَرِ. 
ورابعها : أن وجْه الإشْكَال[(١٨)](#foonote-١٨) في اتِّصَال هذا الاستِثْنَاء أن يُقَال : الاستثناء من النَّفْي إثْبات، وهذا يَقْتَضِي الإطْلاق في قَتْل المُؤمِن في بَعْضِ الأحْوالِ، وذلك محَالٌ ؛ لأن ذلِكَ الإشْكَال إنَّما يَلْزَمُ إذا سَلَّمْنا أنَّ الاستثناء من النَّفْيِ إثْبَات، وذلك مُخْتَلف فيه بين الأصُوليِّين، والصَّحيحُ أنَّه لا يَقْتَضِيه ؛ لأن الاستِثْنَاء يَقْتَضِي نَفْيَ الحُكْمِ عن المُسْتَثْنَى، لا صَرْف المحكوم به عنه، وإذا كان تَأثِير الاستثناء في صَرْف الحُكْم فقط، بقي المستثْنَى غَيْر محكوم عليه، لا بالنَّفْيِ ولا بإثْبَات، وحينئذ يَنْدَفِع الإشْكَال، وممَّا يَدُلُّ على أنَّ الاستثناء في المَنْفِيِّ ليس بإثْبَاتٍ، قوله - عليه الصلاة والسلام - :" لا صَلاَةَ إلاَّ بطَهُورٍ[(١٩)](#foonote-١٩) ولا نِكَاحَ إلاَّ بولِيِّ " ويقال : لا مُلْكَ إلا بالرِّجَالِ، ولا رِجَال إلاَّ بالمَالِ، والاستثناء في هذه الصور لا يُفيد أن يكون الحُكْم المُسْتَثْنَى من النَّفْي إثْبَاتاً. 
وخامسها : قال أبُو هَاشِم[(٢٠)](#foonote-٢٠) : وتقدير الآيَة : وما كان لِمُؤمِنٍ أنْ يَقْتُل مُؤمِناً \[ إلاَّ \][(٢١)](#foonote-٢١) أن يقتله خَطَأ فيبقى حينئذٍ مُؤمناً، فإن قَتْل المُؤمن يُخْرِجُه عن كوْنِه مُؤمِناً إلاَّ يَكُون خَطَأ، فإنَّه لا يُخْرِجُه عن كَوْنِه مُؤمناً، وهذا بِنَاء على أصْلِهِم، وهو أنَّ الفَاسِق عند المُعْتَزِلةِ لَيْسَ بمُؤمِن، وهو أصْلٌ \[ فاسدٌ \][(٢٢)](#foonote-٢٢) وباطل. 
وإن قُلنا : إنه استِثْنَاء مُنْقطعٌ، فهو لمعنى لكن، ونظائره كثيرة، قال - تعالى - :
 لاَ تَأْكُلُواْ أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلاَّ أَن تَكُونَ تِجَارَةً  \[ النساء : ٢٩ \]. وقال :
 الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلاَّ اللَّمَمَ  \[ النجم : ٣٢ \] وقال :
 لاَ يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْواً وَلاَ تَأْثِيماً إِلاَّ قِيلاً سَلاَماً سَلاَماً  \[ الواقعة : ٢٥، ٢٦ \]. 
### فصل


قال القُرْطُبِي[(٢٣)](#foonote-٢٣) : ذهب دَاوُد إلى وُجُوب القِصَاصَ بين الحُرِّ والعِبْد، في النَّفْس وفي الأعْضَاءِ، لقوله - تعالى - : وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ  \[ المائدة : ٤٥ \] إلى قوله : وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ  \[ المائدة : ٤٥ \] ولقوله - عليه الصلاة والسلام - :" المُؤمِنُون تتكَافَأ[(٢٤)](#foonote-٢٤) دِمَاؤهُم[(٢٥)](#foonote-٢٥) " ولم يفرق بَيْنَ حُرٍّ وعَبْدِ. 
قال أبُو حنِيفَة \[ وأصْحَا١ سقط في ب..
٢ في ب: يرى..
٣ في أ: بين..
٤ تقدم برقم ٦٢٤..
٥ تقدم برقم ٨٤٤..
٦ ينظر: معاني القرآن ١/٩٠..
٧ ينظر: المحرر الوجيز ٢/٩٢، والبحر المحيط ٣/٣٣٤، والدر المصون ٢/٤١٣..
٨ وبها قرأ الأعمش. ينظر السابقة، والتخريجات النحوية ١٠٥..
٩ ينظر: تفسير الرازي (١٠/١٨٠)..
١٠ سقط في أ..
١١ سقط في أ..
١٢ أخرجه الطبري في "تفسيره" (٩/٣٤) عن ابن زيد وذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٢/٢٤٥) وعزاه للطبري وحده..
١٣ ذكره البغوي في تفسيره ١/٤٦٢..
١٤ سقط في أ..
١٥ سقط في ب..
١٦ ينظر: تفسير القرطبي ٥/٢٠١..
١٧ سقط في ب..
١٨ في ب: الإمكان..
١٩ أخرجه بهذا اللفظ ابن عبد البر في "التمهيد" (٨/٢١٥)..
٢٠ ينظر: تفسير الرازي ١٠/١٨١..
٢١ سقط في ب..
٢٢ سقط في أ..
٢٣ ينظر: تفسير القرطبي ٥/٢٠٢..
٢٤ في ب: يكافئ..
٢٥ تقدم..

### الآية 4:93

> ﻿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا [4:93]

وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُّتَعَمِّداً \[ فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِداً فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَاباً عَظِيماً ٩٣  \][(١)](#foonote-١)
لما ذكر القتْل الخَطَأ، ذكر بعده بيان حُكم قتل العَمْدِ، وله أحكام مِثْل وُجُوب القِصَاص والدِّيَة، وقد ذُكر في سُورة البَقَرة عند قوله - \[ تعالى \][(٢)](#foonote-٢) -  يأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى  \[ البقرة : ١٧٨ \] لا جرم اقْتَصَر هَهُنَا على بَيَان الإثْمِ والوَعِيد. 
وقوله :" معتمداً " : حالٌ من فَاعِل " يقتل "، وروي عن الكَسَائِيّ سكون التَّاء ؛ كأنه فَرَّ من تَوالِي الحَرَكَات، و " خالداً " نصْبٌ على الحَالِ من محْذُوف، وفيه تقديران :
أحدهما :" يجزاها خالداً فيها "، فإنْ شِئْتَ جَعَلْتَه حالاً من الضَّمِير المَنْصُوب أو المَرْفُوع. 
والثاني :" جازاه "، بدليل  وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ  فعطفَ المَاضِي عليه، فعلى هذا هي حَالٌ من الضَّمِير المنصوب لا غيرُ، ولا يجُوزُ أن تكون حالاً من الهَاءِ في " جزاؤه " لوجهين :
أحدهما : أنه مُضَافٌ إليه، \[ ومَجِيء الحَالِ من المُضَاف إليه \] ضعِيفٌ أو مُمْتَنع. 
والثاني : أنه يُؤدِّي إلى الفَصْلِ بين الحَالِ وصاحبها بأجْنَبِيٍّ، وهو خبرُ المبتدأ الذي هو " جهنم ". 
### فصل : سبب نزول الآية


نَزَلَت \[ هذه الآية \][(٣)](#foonote-٣) في مقيس بن ضبابة الكِنْدِي[(٤)](#foonote-٤)، وكان قد أسْلَم هو وأخُوه هِشَامٌ، فوجد أخَاه هِشَاماً قَتِيلاً في بَنِي النَّجَّار، فأتى رَسُول الله صلى الله عليه وسلم فذكر له \[ ذلك \][(٥)](#foonote-٥)، فأرسل رسُول الله صلى الله عليه وسلم معه رَجُلاً من بَنِي فهر إلى بَنِي النَّجَّار، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمُرُكم إن عَلِمْتُم قاتل هِشَام بن ضبابة \[ أن تدفَعُوه \][(٦)](#foonote-٦) إلى مقيس فيقتصَّ منه، وإن لم تَعْلَمُوه أن تَدْفَعُوا إليْه ديته، فأبلغهم الفِهري ذلك : فَقَالوا : سمعاً وطاعَةً لله ولرسُولِه، ما نَعْلَم له قَاتِلاً ولكنَّا نُؤدِّي ديته، فأعطوهُ مِائة من الإبل، ثم انْصَرَفَا راجِعَيْن إلى المّدِينَة، فأتَى الشَّيْطَان مقيساً فوسْوَس إليه، فقال : تقبل دِيَة أخيك فَتَكُون عليك مَسَبَّة، اقْتُل الذي معك، فتكون نفس مكان نفس، وفضل الدية، فقتل الفهري فرماه بصخرة فشدخه، ثم ركب بَعِيراً منها وسَاقَ بقيَّتِها راجعاً[(٧)](#foonote-٧) إلى مَكَّة \[ كَافِراً \][(٨)](#foonote-٨) فنزل فيه : ومن يقتل مؤمناً متعمداً فجزاؤه جهنم خالداً فيها [(٩)](#foonote-٩) بكفره وارتداده، وهو الَّذِي استثْنَاه النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يوم فَتْح مَكَّة عَمَّنْ أمَّنَهُ، فَقُتِل وهو مُتَعَلِّق بأستار الكَعْبَة،  وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ  \[ أي : طَرَدَهُ عن الرَّحْمَة \][(١٠)](#foonote-١٠)  وَأَعَدَّ لَهُ عَذَاباً عَظِيماً . 
### فصل : اختلاف العلماء في شبه العمد


قال القرطبي[(١١)](#foonote-١١) : ذكر الله - عز وجل - في كتابه العَمْد والخطأ، ولم يذكر شِبْهَ العَمْد، وقد اختلف العُلَمَاء في القَوْل به :
فقال ابن المُنْذِر : وأنكر ذَلِكَ مَالِك ؛ وقال : ليس في كِتاب اللَّه إلا العمْدَ والخَطَأ وذكره الخَطَّابي أيضاً عن مَالِك، وزاد : أما شبه[(١٢)](#foonote-١٢) العَمْد فلا نَعْرِفُه. 
قال أبو عمرو : أنكر مَالِك واللَّيْث بن سَعْد شبه العَمْد، فمن قُتِلَ عِنْدَهُمَا[(١٣)](#foonote-١٣) بما لا يَقْتُل مثلُه غَالِباً ؛ كالعضّة واللَّطْمة، وضرب السَّوْط ونحوه ؛ فإنه عَمْد وفيه القَوَد، قال : وهو قول جَمَاعَةٍ من الصَّحَابة والتَّابعين، وذهب[(١٤)](#foonote-١٤) جُمْهُور فقهاءِ الأمْصَار إلى أن هذا كُلّه شبع العَمْد. 
قال ابن المُنْذِر : شبْه العمد يُعْمَل به عِنْدَنا، وممن أثبت شِبْه العَمْد الشَّعْبيُّ، والحَكَم، وحمَّاد، والنَّخعِيُّ، وقتادَةُ، وسُفْيَان الثَّوْريُّ، وأهل[(١٥)](#foonote-١٥) العِراقِ والشافعي وأحمد، وذُكِرَ عن مالكٍ، ورُوِيَ عن عُمَر بن الخَطَّاب، وعن عَلِيّ بن أبي طَالِبٍ - رضي الله عنهم أجمعين -. 
### فصل فيمن تلزمه دية شبه العمد


أجَمعُوا على أن دِيَة العَمْد في مالِ الجَانِي، ودية الخَطَأ على عاقِلَتِه، واختلفُوا في دية شبه العَمْد :
فقال الحَارِث[(١٦)](#foonote-١٦) العُكْلِي، وابن أبي لَيْلَى، وابن شُبْرُمة، وقتادة، وأبو ثَوْر \[ هي \][(١٧)](#foonote-١٧) في مال الجَانِي. 
وقال الشَّعْبي، والنَّخْعِيّ، والحَكَم، والشَّافِعِيّ، والثَّوْرِيّ، وأحْمَد، وإسْحاق، وأصحاب الرَّأي :\[ هي \][(١٨)](#foonote-١٨) على العاقلة. 
قال ابن المُنْذِر : وهو الصَّحِيحُ : لأن النبي صلى الله عليه وسلم جعل دِيَة الجَنِين على عاقِلة الضَّارِبَة. 
### فصل


**اخْتَلَفُوا في حُكْم هذه الآية :**
\[ فَرُوِي \][(١٩)](#foonote-١٩) عن ابن عبَّاس أن قاتِل المؤمن[(٢٠)](#foonote-٢٠) عَمْداً لا توبةَ لَهُ، فقيل له : أليْس قد قال الله - تعالى - في سورة الفُرْقَان : وَلاَ تَقْتُلُوا[(٢١)](#foonote-٢١) النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ 
إلى قوله[(٢٢)](#foonote-٢٢)  وَمَن يَفْعَلْ ذلِكَ يَلْقَ أَثَاماً يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَاناً إِلاَّ مَن تَابَ  \[ الفرقان : ٦٨- ٧٠ \] فقال : كانت هذه الآيةُ في الجاهِليَّة وذلك أن أناساً[(٢٣)](#foonote-٢٣) من أهْل الشِّرْك \[ كانوا \][(٢٤)](#foonote-٢٤) قد قَتَلُوا وزَنوا، فأتَوا رسُول الله صلى الله عليه وسلم، فقالوا : إن الذي تدعُو إليه لحَسَنٌ، لو تخبرنا أنَّ لما عَمْلِنا كَفَّارة، فنزلت :
 وَالَّذِينَ لاَ يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهَا آخَرَ  \[ الفرقان : ٦٨ \]، إلى قوله  إِلاَّ مَن تَابَ وَآمَنَ 
\[ الفرقان : ٧٠ \] فهذه لأولَئِك، وأما الَّتِي في النِّسَاء ؛ فالرَّجل الذي إذا عرف الإسْلام وشرائِعَه، ثم قتل مُسْلماً متعمداً فجزاَؤُه جَهَنَّم[(٢٥)](#foonote-٢٥). 
وقال زيْد بن ثابت : لما نزلت الآيةُ التي في الفُرْقَان  وَالَّذِينَ لاَ يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهَا آخَرَ  \[ الفرقان : ٦٨ \]، عجبنا من لينها، فلبثْنَا سبْعَة أشْهر ثم نزلت الغَلِيظَة بعد اللَّيِّنَة، \[ فنزلت \][(٢٦)](#foonote-٢٦) فَنَسَخَتْ الليِّنة، وأراد بالغَلِيِظَة هذه الآية، وباللَّيِّنة آية الفُرقان[(٢٧)](#foonote-٢٧). 
وقال ابن عبَّاسٍ : تلك آية مكِّيَّة، وهذه مَدَنيَّة نزلت ولم يَنْسَخْهَا شيء[(٢٨)](#foonote-٢٨). 
وذهب أهل السُّنَّة إلى أن قَاتِل المُسْلِم عَمْداً توبته مَقْبُولة ؛ لقوله - تعالى - :
 وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِّمَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحَاً  \[ طه : ٨٢ \]، وقال : إِنَّ اللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ  \[ النساء : ٤٨ \]، وما رُوي عن ابن عبَّاسٍ ؛ فهو تَشديد ومُبَالغَة في الزَّجْرِ عن القَتْلِ، وليس في الآيَة متعلِّق لمن يَقُول بالتَّخْليد في النَّار بارتكاب الكبائر ؛ لأن الآية نزلَتْ في قَاتِل \[ وهو \][(٢٩)](#foonote-٢٩) كَافِرٌ، وهو مقيس بن صبابة، وقيل : إنَّه وعيد لمن قَتَل مُؤمِناً مُسْتَحِلاً \[ لقتله \][(٣٠)](#foonote-٣٠) بسبب إيمَانهِ، ومن اسْتَحَلَّ قتل أهْل الإيمانِ لإيمانِهِم، كان كافراً مُخَلّداً في النَّارِ. 
حكي أنَّ[(٣١)](#foonote-٣١) عمرو بن عُبَيْد جاء إلى أبي عمرو بن العَلاءِ، فقال : هل يُخِلفُ الله وعده ؟ فقال : لا، فقال : ألَيْسَ قد قَالَ - تعالى - : وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُّتَعَمِّداً فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِداً فِيهَا  فقال أبو عَمْرو : من العَجَم أتَيْت يا أبا عُثْمان : إن العرب لا تَعُدُّ الإخلاَف في الوعيد خُلْفاً وذمَّا وإنَّما تَعُدُّ إخلاف الوَعْد خُلْفاً، وأنشد \[ شعراً \][(٣٢)](#foonote-٣٢) :\[ الطويل \]وإِنَّي مَتَى أوْعَدْتُهُ أوْ وَعَدْتُهُ  لَمُخْلِفُ إيعَادِي وَمُنْجِزُ مَوْعِدي[(٣٣)](#foonote-٣٣)والدَّليل على أن غير الشِّرْك لا يُوجِب التَّخْلِيد في النَّارِ، قوله عليه الصلاة والسلام " مَنْ مَاتَ لا يُشْرِكُ باللَّه شَيْئاً، دخل الجَنَّةَ " وروي \[ عن \][(٣٤)](#foonote-٣٤) عبادة بن الصَّامِتِ - رضي الله عنه - ؛ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لَيْلَة العَقَبَة - وحوله عِصَابة من أصْحَابِه - :" بايِعُوني على ألاَّ تُشْرِكُوا باللَّه شَيئاً، ولا تَسْرِقُوا ولا تَزْنُوا، ولا تَقْتُلُوا أوْلادكم، ولا تأتُوا بِبُهْتَانٍ تَفْتَرُونه بين أيْدِيكُم وأرْجُلِكُم، ولا تَعْصُوا في مَعْرُوفٍ، فَمَنْ وفَّى مِنْكُم، فأجْرُه على اللَّه، ومن أصابَ من ذَلِكَ \[ شيْئاً \][(٣٥)](#foonote-٣٥) فعُوقِبَ في الدُّنْيَا، فهو كَفَّارة له، ومن أصَابَ من ذَلِكَ شَيْئاً ثم سَتَرهُ الله عَلَيْه، فهو إلى الله إن شاء عفا عنه[(٣٦)](#foonote-٣٦)، وإن شاء عَاقَبهُ " فبايَعْنَاه على ذَلِكَ[(٣٧)](#foonote-٣٧). 
وذكر الوَاحِدِي : أن الأصْحَاب سلكوا في الجَوَابِ عن هَذِه الآيَة طُرُقاً كَثِيرة، قال : وأنَا لا أرْتَضِي شَيْئاً منها ؛ لأنّ الذي ذَكَرُوا إما تَخْصِيصٌ، وإما معَارَضَة، وإما إضْمار، واللَّفظ لا يَدُلُّ على شيء من ذَلِك، قال : والَّذي اعْتَمَدُوه وجهان :
الأول[(٣٨)](#foonote-٣٨) : إجْماع المفسِّرين على أن الآيَة نزلت في كَافِرٍ قتل مُؤْمِناً، ثم ذكر تِلْك القِصَّة. 
والثاني : أن قوله : فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ  معناه الاسْتِقْبَال، والتقدير : إنه سيجزى بجهنم، وهذا وعيد، قال : وخُلْفُ الوَعِيد كَرَم. 
قال ابن الخَطِيب : والوَجْه الأوَّل ضعيفٌ ؛ لأن العِبْرة بعُمومِ اللَّفْظ لا بخصوص السَّبَبِ، وأيضاً ثَبَتَ في أصُول الفِقْهِ ؛ أن \[ ترتيب \][(٣٩)](#foonote-٣٩) الحُكْم على الوَصْفِ المُنِاسِب، يدلُّ على كَوْن ذلك الحُكْم[(٤٠)](#foonote-٤٠) علَِّة لذلِك ؛ كقوله : وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُواْ أَيْدِيَهُمَا 
\[ المائدة : ٣٨ \]، و الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُواْ كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا  \[ النور : ٢ \]، دلَّ ذَلِك على أن المُوجِبَ لِقَطْع السَّارِق هو السَّرِقة، وجَلْد الزَّانِي هو الزِّنَى، فكذا ههنا يَدُلَّ على أن المُوجِبَ لهذا الوَعِيد هو القَتْلِ العَمْد، لأنه[(٤١)](#foonote-٤١) الوصْفُ المُنَاسِب للحكم، وإذا كان كَذِلك، لم يَبْق لكون الآيَةِ مخْصُوصة بالكَافِر وجْهٌ، وأيضاً فإنه لا يَخْلُو إمَّا أن يكون المُوِجِبُ لهذا الوَعِيد هو الكُفْر دون القَتلِ العَمْد، وإن كَان المُوجبُ هو الكُفْر، وكان الكُفْر حَاصِلاً قبل هذا القَتْل، فحينئذ لا يَكُون للقَتْل أثراً ألْبَتَّة في هذا الوَعِيد، ويكُون هذا الكلام جَارياً مُجْرَى قوله من \[ يتعمد قَتْل \][(٤٢)](#foonote-٤٢) نفس فجزاؤه جَهَنم خَالِداً فيها ؛ لأن القَتْل العَمْد ما لم يكُن له أثر في الوَعِيد، جرى مُجْرَى النَّفْس، وسائر الأمُور التي لا تَأثِير لها في هذا الوَعِيدِ، وذلك بَاطِل، وإن كان المُوجِب لهذا الوعيد \[ كونه \][(٤٣)](#foonote-٤٣) قَتْلاً عَمْداً، فلزم أن يُقَال : أيْنَمَا[(٤٤)](#foonote-٤٤) حصل القَتْل العَمْد، حصل[(٤٥)](#foonote-٤٥) هذا الوعيد ؛ فثبت[(٤٦)](#foonote-٤٦) أن هذا الوَجْه الذي ارتَضَاه الوَاحِدِيّ ليس بِشَيْء. 
وأما الوجه الثاني : فهو في غَايَة الفَسَادِ ؛ لأن الوعيدَ قَسْمٌ من أقْسَام[(٤٧)](#foonote-٤٧) الخَبَر، فإذا جَوَّزْنا الخُلْف فيه على اللَّهِ، فقد جَوَّزْنا ١ سقط في أ..
٢ سقط في أ..
٣ سقط في أ..
٤ في أ: الكناني..
٥ سقط في أ..
٦ سقط في أ..
٧ في أ: كافرا..
٨ سقط في أ..
٩ ذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٢/٣٤٩) وعزاه لابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير..
١٠ سقط في ب..
١١ ينظر: تفسير القرطبي ٥/٢١٢..
١٢ في ب: يشبه..
١٣ في أ: غيرهما..
١٤ في أ: وذكر..
١٥ في أ: وأبدل..
١٦ في أ: الحرب..
١٧ سقط في أ..
١٨ سقط في أ..
١٩ سقط في أ..
٢٠ في ب: القاتل..
٢١ في ب: يقتلون..
٢٢ سقط في ب..
٢٣ في ب: ناسا..
٢٤ سقط في أ..
٢٥ أخرجه البخاري (٨/٣٧٩ ـ فتح) ومسلم (١٨/١٥٩) والطبري في "تفسيره" (٩/٦٥ ـ ٦٦) عن سعيد بن جبير.
 وذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٢/٣٥٠) وزاد نسبته لعبد بن حميد وابن مردويه..
٢٦ سقط في ب..
٢٧ ذكره بهذا اللفظ السيوطي في "الدر المنثور" (٢/٣٥١) وعزاه للطبراني وابن مردويه عن زيد بن ثابت..
٢٨ أخرجه الطبري في "تفسيره" (٩/٦٦) عن ابن عباس..
٢٩ سقط في أ..
٣٠ سقط في ب..
٣١ في أ: ابن..
٣٢ سقط في ب..
٣٣ البيت لعامر بن الطفيل. ينظر ديوانه ص ٥٨ واللسان (وعد) وبلا نسبة في إنباه الرواة ٤/١٣٩ ومراتب النحويين ص ٣٨ والبغوي ١/٤٦٥..
٣٤ سقط في أ..
٣٥ سقط في أ..
٣٦ في ب: عاقبة..
٣٧ أخرجه البخاري (١/٨١) كتاب الإيمان: باب علامة الإيمان حب الأنصار (١٨)، (٧/٢٦٠) كتاب مناقب الأنصار: باب وفود الأنصار (٣٨٩٢، ٣٨٩٣) وكتاب المغازي حديث (٣٩٩٩) وفي (٨/٥٠٦) كتاب التفسير: باب إذا جاءك المؤمنات (٤٨٩٤) وفي (١٢/٨٥) كتاب الحدود: باب الحدود كفارة (٦٧٨٤) وفي (١٢/١٩٩) كتاب الديات باب قوله تعالى: ومن أحياها... (٦٨٧٣) وفي (١٣/٧) كتاب الفتن: باب قوله صلى الله عليه وسلم "سترون بعدي أمورا"... (٧٠٥٥) وفي (١٣/٤٥٥) كتاب التوحيد: باب في المشيئة والإرادة (٧٤٦٨) ومسلم (٣/١٣٣) كتاب الحدود: باب الحدود كفارة لأهلها (٤١/١٧٠٩) من حديث عبادة بن الصامت..
٣٨ في أ: أحدهما..
٣٩ سقط في أ..
٤٠ في ب: الوصف..
٤١ في ب: لأن..
٤٢ سقط في أ..
٤٣ سقط في أ..
٤٤ في ب: لما..
٤٥ في أ: مثل..
٤٦ في أ: فبان..
٤٧ في أ: مقام..

### الآية 4:94

> ﻿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَىٰ إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ ۚ كَذَٰلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوا ۚ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا [4:94]

لما نهى عن قتل المُؤمِن، أمر المُجَاهِدِين بالتَّثَبُّت في القتل ؛ لئلاَّ يسْفِكُوا دماً حَرَاماً بتأويل ضَعِيفٍ، والضَّرْب في الأرْض مَعْنَاه : السَّيْر فيها بالسَّفر للتِّجَارة والجِهَاد، وأصْله من الضَّرْب باليَدِ، وهو كِنَايَة عن الإسْرَاع في السَّيْر، فإن[(١)](#foonote-١) من ضَرَب إنْسَاناً، كانت حَرَكة يَدِهِ عند ذلك الضَّرْب سَرِيعَة. 
قال الزَّجَّاج[(٢)](#foonote-٢) : معنى  ضربتم في سبيل الله  : إذا غَزَوْتُم وسِرْتُم إلى الجِهَاد. 
قال القُرْطُبي : تقول العَرَب : ضَرَبْتُ في الأرْضِ، إذا سِرْتَ لتِجَارَةٍ أو غزوٍ أو غيره مُقْتَرِنَة بفي، وتقول : ضَرَبْت الأرْض دون " في " إذا قَصَدْت قَضَاء حَاجَة الإنْسَان ؛ ومنه قوله - عليه الصلاة والسلام - :" لا يَخْرُجُ الرَّجُلان يضربان الغَائِطَ يتحدَّثَان، كَاشِفين عن فَرْجَيْهما، فإن الله يَمْقُتُ على ذَلِكَ " [(٣)](#foonote-٣) وفي " إذا " مَعْنَى الشَّرْط، فلذلك دَخَلَت الفَاءُ في قوله :" فتبينوا " وقد يُجَازى بها ؛ كقوله :\[ الكامل \]. 
١٨٦٥أ-. . . \*\*\* وإذا تُصِبْكَ خَصَاصَةٌ فَتَجَمَّلِ[(٤)](#foonote-٤)
والجيِّد ألا يُجَازى بها لقول الشَّاعر :\[ الكامل \]
١٨٦٥ب- والنَّفْسُ رَاغِبَةٌ إذَا رَغَّبْتَهَا \*\*\* وإذَا تُرَدُّ إلَى قَلِيلٍ تَقْنَعُ[(٥)](#foonote-٥)
قوله :" فتبينوا " : قرأ[(٦)](#foonote-٦) الأخوان من التَّثبُّت، والباقُون من البَيَان، هما متقاربان ؛ لأن مَنْ تَثبت في الشَّيْء تَبَيَّنه، قاله أبو عبيد، وصحَّحه ابن عطيَّة. 
وقال الفَارِسيّ :" التثبُّت هو خِلاَف الإقْدام والمُرَاد التَّأنِّي، والتَّثَبُّت أشد اخْتِصَاصاً بهذا المَوْضِع ؛ بدل عليه قوله : وَأَشَدَّ تَثْبِيتاً  \[ النساء : ٦٦ \] أي : أشدٌّ وَقْعَاً لهم عَمَّا وُعِظوا به بألاَّ يُقْدِمُوا عليه " فاختارَ قراءة الأخوين. 
وعكس قومٌ فرجَّحوا قراءة الجماعة، قالوا : لأن المتثبِّت قد لا يَتَبيَّن، وقال الرَّاغب : لأنه قلَّ ما يكون إلا بَعْدَ تثبُّت، وقد يَكُون التَّثبُّت ولا تبيُّنَ، وقد قُوبِل بالعَجَلة في قوله - عليه الصلاة والسلام - :" التبيُّن من الله والعَجَلُة من الشيطان ". وهذا يُقَوِّي قراءة الأخَوَيْن أيضاً، و " تَفَعَّل " في كلتا القراءتين بمعنى اسْتَفْعَل الدال على الطَّلب، أي : اطلبوا التثَبُّت أو البيان. 
وقوله :" لمن ألقى " اللام للتَّبْلِيغ هنا، و " من " مَوْصُولة أو مَوْصُوفة، و " ألقى " هنا ماضي اللَّفْظِ، إلا أنه بمعنى المُسْتقبل، أي : لمن يُلْقَي، لأنَّ النهيَ لا يكونُ عمّا وقع وانْقَضَى، والمَاضِي إذا وقع صِلَة، صَلح للمُضِيِّ والاسْتِقْبَال. 
وقرأ[(٧)](#foonote-٧) نافع وابن عَامِر وحَمْزة :" السَّلَم " بفتح السِّين واللام من غير ألف، وباقي السَّبْعَة :" السَّلام " بألف، ورُوي عن عَاصِمٍ :" السَّلْم " بكسر السِّين وسكون اللام، فأما " السَّلام " فالظَّاهِر أنه التَّحيّة. 
والمعنى : لا تُقُولوا لمن حَيَّاكم بهذه التَّحِيّة إنه إنَّما قَالَها تَعَوُّذَاً فتُقْدِمُوا عليه بالسَّيْف لتأخذوا مَالَه، ولكن كُفُّوا عَنْهُ، واقْبَلُوا منه ما أظْهَرَهُ. 
وقيل : مَعْنَاه : الاستسْلام والانْقياد، والمعنى : لا تَقُولوا لمن اعْتَزَلَكُم ولم يقاتلكم : لَسْتَ مُؤمِناً، وأصْل هذا من السَّلامة ؛ لأن المعتزل عن النَّاس طالبٌ للسَّلامة. 
والسّلامةُ والسَّلَمُ - بفتحهما - الانقِيَاد فقط، وكذا " السِّلْم " بالكسر والسُّكُون، وقرأ الجَحْدري[(٨)](#foonote-٨) بفتحها وسُكُون اللام، وقد تَقَدَّم \[ القول فيها \][(٩)](#foonote-٩) في البقرة، والجُمْلَة من قوله :" لست مؤمناً " في محل نَصْب بالقَوْل ؛ والجُمْهُور على كَسْر الميم الثَّانِية من " مؤمناً " اسم فاعل، وأبو جعفر[(١٠)](#foonote-١٠) بفتحها اسم مَفْعُول، أي : لا نُؤمِّنك في نَفْسِك، وتُرْوَى هذه القِرَاءة عن عَلِيٍّ وابن عبَّاس ويَحْيَى بن يَعْمُر. 
قوله :" تبتغون " في محل نَصْبٍ على الحَالِ من فَاعِل " يقولوا " أي : لا تَقُولوا ذلك مُبْتَغِين.

### فصل


ذَكُروا في سَبَب النُّزُول روايتين[(١١)](#foonote-١١) :
الأولى : أن الآية نزلت في " رجُلٍ من بَنِي مُرَّة بن عَوْف، يقال له : مرداس بن نهيك رَجُل من أهْل فدك، أسْلَم ولم يُسْلِم من قومِهِ غيره، فَسَمِعُوا \[ بسرية \][(١٢)](#foonote-١٢) رسول الله صلى الله عليه وسلم تُريدهم، وكان على السَّريَّة رجُلٌ يقال له : غَالِبُ بن فَضَالَة اللَّيْثي، فهربوا وأقَام الرَّجُل ؛ لأنَّه كان مُسْلِماً، فلما رأى الخيل خَافَ أن يكُونُوا من غَيْر أصْحَاب رسول الله صلى الله عليه وسلم \[ فألْجأ غَنَمَه إلى عاقُول من الجَبَل وصعد هو الجبل، فلَّما تلاحَقُوا وكثروا، سَمِعَهُم يكَبِّرون، فلما سمع التكبير، عَرَف أنهم من أصْحَاب رسُول الله صلى الله عليه وسلم فكَبَّر ونَزَل \][(١٣)](#foonote-١٣) وهو يقول : لا إله إلا الله \[ محمد رسُول الله \][(١٤)](#foonote-١٤)، السلام عليكم، فتغشّاه أسَامةُ بن زيْدٍ فَقَتَلَهُ واسْتاق غَنَمه، ثم رَجَعُوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبروه، فوجَدَ عليه وَجْداً شديداً، وقد \[ كان \][(١٥)](#foonote-١٥) سَبَقَهُم قبل ذلك الخَبَر، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " قتلتموه إرادة ما معه ؟ " ثم قرأ الآية على أُسَامَة بن زَيْد، فقال : يا رسول الله، اسْتَغْفِرْ لي، فقال : فكيف[(١٦)](#foonote-١٦) تَصْنَعُ بلا إله إلا اللَّه ؟
قال أسامة : فما زال يُعِيدُها حتى وَدِدْت أنِّي لم أكُنْ أسْلَمت إلاّ يَومْئذٍ، ثم استَغْفَر لي وقال :" أعتق رقبة " [(١٧)](#foonote-١٧). 
ورَوَى[(١٨)](#foonote-١٨) أبو ظبيان " عن أسَامة ؛ قال : قلت يا رسُول اللَّهِ ؛ إنما قَالَها خوْفاً من السِّلاح، قال :" أفَلا شَقَقْتَ عن قَلْبِه، حَتَّى تَعْلَم أقالَهَا أمْ لا ". 
الثانية : روى عِكْرمة عن ابن عبَّاسٍ ؛ قال : مرَّ رجلٌ من بَنِي سليم على نَفَرٍ من أصْحَاب رسُول الله صلى الله عليه وسلم، ومعه غَنَمٌ له فسلَّم عليهم، قالوا : ما سلَّم عليكم إلا ليتعوذ مِنْكُم، فقاموا فقتلُوه وأخَذُوا غَنَمَه، فأتَوْا بها إلى رسُول اللَّه صلى الله عليه وسلم فأنزل اللَّهُ هَذِه الآيَة[(١٩)](#foonote-١٩) :
الثالثة :" أن المِقْدَاد بن الأسْوَد وقعت له وَاقِعَة مثل وَاقِعَة أُسَامة، قال : فقلت يا رسول اللَّه، أرأيت إن لَقِيتُ رجُلاً من الكُفَّار يقاتِلُنِي، فَضَربَ إحْدَى يَدَيَّ بالسَّيْف، ثم لازمني بشجرةٍ، ثم قال : أسْلَمْتُ لله - تعالى -، أفأقاتِلُه[(٢٠)](#foonote-٢٠) يا رسُول الله بَعْد ذَلِك ؟ فقال رسُول اللَّه صلى الله عليه وسلم : لا تَقْتُلْهُ، فقال : يا رسُول الله إنه قَطَعَ يَدِي، فقال - عليه الصلاة والسلام - : لا تَقَتْلُه، فإن قَتَلْتَهُ، فإنه بمنزِلَتِك بعد أن تَقْتُلَهُ، وأنت بِمَنْزِلَِتِه قبل أن يَقُول كَلِمَتَهُ التي قَالَها " [(٢١)](#foonote-٢١). 
### فصل


قال أكثر الفُقَهاء : لو قال اليَهُودِي والنَّصْرَاني : أنا مُؤمِنٌ أو أنا مُسْلِمٌ، لا يحكم بإسلامهِ بهذا القَدْرِ، لأن مَذْهَبَه أن الَّذِي هو عليه[(٢٢)](#foonote-٢٢) هو الإسْلام وهو الإيمانِ، ولو قال : لا إله إلا اللَّه محمَّدٌ رسُول الله، فعِنْد قوم \[ لا يحكَمُ بإسلامهِ \][(٢٣)](#foonote-٢٣) ؛ لأن فيهم من يَقُول : إنه رسُولُ الله إلى العَرَب لا إلى الكُلِّ، وفيهم من يَقُول : إنَّ محمَّداً الذي هو الرسُول الحَقُّ لم يجىء بَعْدُ وسيجيء بَعْد ذَلِك ؛ بل لا بُد بأن يعْتَرِف[(٢٤)](#foonote-٢٤) بأنَّ الَّذِي كان عَلَيْه بَاطِلٌ، وأن الدِّين الموْجُود بين المُسْلِمِين هو الحَقُّ والفَرْضُ. 
قال أبُو عبيدة[(٢٥)](#foonote-٢٥) جميع[(٢٦)](#foonote-٢٦) متاع الدُّنْيَا عَرَضٌ بفتح الرَّاء، يقال : إن الدُّنْيَا عَرَضٌ حاضر يأخُذُ منها البَرُّ والفَاجِرُ، والعَرْض بسُكُون الرَّاءِ ما سِوَى الدَّرَاهِم والدَّنَانِير[(٢٧)](#foonote-٢٧)، وإنما سُمي مَتَاعُ الدُّنْيا عَرَضاً ؛ لأنه عَارِض زائل باقٍ، ومنه سَمَّى المتكلِّمُون ما خَالفَ الجَوْهَر من الحَوَادِث عَرَضاً ؛ لقلة لَبْثهِ. 
قوله - تعالى - : فَعِنْدَ اللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ  يعني : ثواباً كثيراً، وقيل : مغانم كثيرة لِمَنِ اتَّقى[(٢٨)](#foonote-٢٨) قَتْلَ المُؤمِن، والمَغَانِم : جمع مَغْنَم، وهو يصلح للمَصْدَر والزَّمَان والمَكَان، ثم يُطْلَق على ما يُؤخَذُ من مال العَدُوِّ في الغَزْوِ ؛ إطلاقاً للمَصْدَر على اسْمِ المَفْعُول، نحو :" ضَرْب الأمِير ". 
قوله :" كذلك " هذا خبر ل " كان " قُدِّم عليها وعَلَى اسْمِها، أي : كُنتم من قَبْل الإسْلام مثلَ مَنْ أقْدَمَ ولم يَتَثَبَّتْ، وهذا يقتضي تشبيه هؤلاء المُخَاطبين بأولَئِك الَّذِين ألْقوا السَّلم، وليس فيه بَيَانٌ للمُشَبَّه فيما إذا قِيلَ : المُرَادُ أنكم أوَّل ما دَخَلْتُم في الإسْلام، فبمجرّد ما سُمعَتْ من أفْواهِكم كَلِمة الشَّهَادة، حقنت دماؤكم وأمْوالُكُم من غير تَوقِيفٍ ذلك على حُصُول العِلْمِ بأن قَلْبكُم موافِقٌ لما في ضمائِركم[(٢٩)](#foonote-٢٩) فعليكُم بأن تَفْعَلُوا بالدَّاخلين في الإسْلامِ كمَا فُعِل بكم، وأن تَعْتَبروا ظَاهِر القَوْل، وألاَّ تقولوا إن إقْدامَهُم على الإسلام[(٣٠)](#foonote-٣٠) لأجْلِ الخَوْف من السَّيْف، هذا إخْبَار[(٣١)](#foonote-٣١) أكثر المُفسِّرين، وفيه إشْكَالٌ ؛ لأن لهم أن يَقُولوا : ما كان إيمانُنَا مثل إيمان هَؤلاء ؛ لأنا آمَنَّا عن الطواعِيَة والاخْتِيَار، وهؤلاء أظْهَرُوا الإيمَان تحت ظلال السُّيُوف، فكيف يُمْكِن تشبيه أحَدهما بالآخر !. 
قال سعيد بن جُبَيْر : المُرَاد أنكم كُنْتُم تكْتُمون[(٣٢)](#foonote-٣٢) إيمانَكُم عن قَوْمِكم ؛ كما أخْفَى هذا الدَّاعِي إيمانَهُ عن قومه[(٣٣)](#foonote-٣٣)، ثم مَنَّ الله عَلَيْكُم بإعْزَازكم حتى أظْهَرْتُم دينكم، فأنتُم عامِلُوهم بمثل هذه المُعَامَلَة، وهذا أيضاً فيه إشْكَالٌ ؛ لأن إخْفَاء الإيمَانِ ما كان عامّاً فيهم. 
قال مُقاتل : المراد كذلك كُنْتُم من قبل الهِجْرَة حين كُنْتُم فيما بين الكُفَّار، تأمَنُون من أصْحَاب رسُول الله بكَلِمَة " لا إله إلا الله " فأقْبَلُوا منهم[(٣٤)](#foonote-٣٤) مثل ذلِك. وهذا يتوجه عليه الإشكال الأول. \[ قال ابن الخطيب \][(٣٥)](#foonote-٣٥) والأقْرَبُ أن يُقَال : إنَّ من يَنْتَقِل من دينٍ إلى دينٍ، فَفِي أول الأمْر يَحْدُث ميلٌ قليل بسبب ضعيفٍ، ثم لا يَزَال ذلك المَيْل يتأكد ويتَقَوَّى إلى أن يَكْمُل ويستحكم ويَحْصُل الانْتِقَال ؛ فكأنه قيل لهم : كُنْتم في أول الأمْرِ إنما حَدَث فِيكُم ميلٌ ضعيف بأسْبَابٍ ضعيفةٍ إلى الإسْلام، ثم مَنَّ الله عَلَيْكُم بالإسْلام بتَقْوِيَة ذلك المَيْل وتأكِيد النَّفْرة عن الكُفْر ؛ فكذلك هؤلاء كما حدث فيهم مَيْل ضَعِيف إلى الإسْلامِ بسببِ هذا الخَوْفِ، فاقبلوا منهم هذا الإيمَان، فإن الله - تعالى - يؤكد حلاوة الإيمَانِ في قُلُوبهم، ويقوِّي تلك الرَّغْبَة في صُدُورهم. 
قوله - تعالى - : فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ  الظَّاهِر أن هذه الجُمْلَة من تَتِمَّة قوله :" كذلك كنتم من قبل " فهي مَعْطُوفة على الجُمْلَة قَبْلَها، والمعنى : إيمانُكُم كان مِثْل إيمانِهِم، في أنَّه إنَّما عرف م١ في أ: قال..
٢ ينظر: تفسير الرازي ١١/٣..
٣ أخرجه أبو داود (١/٤ ـ ٥) كتاب الطهارة، باب كراهة الكلام على الحاجة (١٥) وابن ماجه (١/١٢٣) كتاب الطهارة: باب النهي عن الاجتماع على الخلاء حديث (٣٤٢) من حديث أبي سعيد..
٤ تقدم..
٥ البيت لأبي ذؤيب الهذلي ينظر الدرر ٣/١٠٢، وشرح اختيارات المفضل ص ١٦٩٣، وشرح أشعار الهذليين ١/٧، وشرح شواهد المغني ١/٢٦٢، ومغني اللبيب ١/٩٣، وهمع الهوامع ١/٢٠٦، والقرطبي ٥/٢١٧..
٦ ينظر: السبعة ٢٣٦، والحجة ٣/١٧٣، وحجة القراءات ٢٠٩، والعنوان ٨٥، وإعراب القراءات ١/١٣٦، وشرح شعلة ٣٤٢، وشرح الطيبة ٤/٢١١، وإتحاف ١/٥١٨..
٧ ينظر: السبعة ٢٣٦، والحجة ٣/١٧٥، ١٧٦، وحجة القراءات ٢٠٩، والعنوان ٨٥، وإعراب القراءات ١/١٣٦، ١٣٧، وشرح شعلة ٣٤٣، وشرح الطيبة ٤/٢١٣، وإتحاف ١/٥١٨..
٨ ينظر: المحرر الوجيز ٢/٢٩٦، والبحر المحيط ٣/٣٤٢، والدر المصون ٢/٤١٦..
٩ سقط في ب..
١٠ ينظر: القراءة السابقة..
١١ في ب: روايات..
١٢ سقط في ب..
١٣ سقط في أ..
١٤ سقط في ب..
١٥ سقط في ب..
١٦ في ب: كيف..
١٧ أخرجه الطبري في "تفسيره" (٩/٨،) عن السدي وأخرجه أيضا (٩/٧٩) عن قتادة باختلاف يسير في اللفظ.
 وأورده السيوطي في "الدر المنثور" (٢/٣٥٧) عن قتادة وزاد نسبته لعبد بن حميد..
١٨ في أ: وقال..
١٩ أخرجه الترمذي (٥/٢٢٤) كتاب تفسير القرآن باب سورة النساء حديث (٣٠٣٠) والطبري في "تفسيره" (٩/٧٦) وأحمد (٢٠٢٣ ـ شاكر) والحاكم (٢/٢٣٥) من طريق عكرمة عن ابن عباس.
 وقال الترمذي: هذا حديث حسن. وقال الحاكم: صحيح الإسناد ولم يخرجاه.
 وذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٢/٢٥٦) وزاد نسبته لابن أبي شيبة والطبراني وعبد بن حميد وابن المنذر..
٢٠ في ب: أقتله..
٢١ أخرجه الطبري في "تفسيره" (٩/٨٩) عن سعيد بن جبير وذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٢/٣٥٨) وزاد نسبته لابن أبي شيبة.
 ورواه البزار والطبراني كما في "مجمع الزوائد" (٧/١١ ـ ١٢) وقال الهيثمي: وإسناده جيد.
 وذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٢/٣٥٧) وزاد نسبته للدارقطني في "الأفراد" عن ابن عباس..
٢٢ في ب: عليه هو..
٢٣ سقط في أ..
٢٤ في ب: يعرف..
٢٥ في ب: أبو عبيد..
٢٦ ينظر: تفسير الرازي ١١/٥..
٢٧ في ب: الدنانير والدراهم..
٢٨ في أ: ألقى..
٢٩ في أ: لسانكم..
٣٠ في أ: التكلم بهذه الكلمة..
٣١ في أ: هو..
٣٢ في أ: تخفون..
٣٣ أخرجه الطبري في "تفسيره" (٩/٨٣) عن سعيد بن جبير وذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٢/٣٥٩) وزاد نسبته لابن أبي شيبة وعبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم..
٣٤ ذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٢/٣٥٩) وعزاه لعبد بن حميد عن قتادة..
٣٥ سقط في أ..

### الآية 4:95

> ﻿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ ۚ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً ۚ وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَىٰ ۚ وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا [4:95]

كما رَغَّبَ في الجِهَادِ، أتْبَعَ ذلِك ببَيَانِ أحْكَام الجِهَاد، ومن أحْكَامه : التَّحْذِير عن قَتْل المُسْلِمِين على سبيل العَمْدِ والخَطَأ وعلى تأويل الخَطَأ، ثم أتْبَعَهَ بحُكْم آخر ؛ وهو بَيان فَضْل المُجَاهِد على غَيْرِه. 
وقيل : لما عاتبهم على قَتْل المتكَلِّم بالشَّهادة، فلعَلَّه وَقَعَ في قُلُوبهم أن الأوْلى الاحْتِرَاز عن الجِهَادِ ؛ للوقوع في مِثْل هذا المَحْذُورِ فذكر عَقِبه[(١)](#foonote-١) فَضْل المُجَاهد على غَيْره ؛ إزالَة لهذه الشُّبْهَة. 
قوله " غير أولي الضرر " قرأ ابن كثير وأبو عَمْرو وحَمْزَة وعَاصِم :" غير " بالرفع، والباقون : بالنَّصْب، والأعْمَش[(٢)](#foonote-٢) : بالجرِّ. 
**والرَّفع على وجهَيْن :**
أظهرهما : أنه على البَدَل من " القاعدون " وإنما كان هذا أظْهَر ؛ لأن الكَلاَم نفي، والبدلُ معه أرْجَحُ ؛ لما قُرِّر في علم النَّحْو. 
والثاني : أنه رَفْعٌ على الصِّفَة ل " القاعدون "، ولا بد من تأويل ذلك ؛ لأن " غير " لا تتعَرَّفُ بالإضَافَة، ولا يَجُوز اختِلاَفُ النَّعت والمَنْعُوت تعريفاً وتنكيراً، وتأويله : إمَّا بأن القاعِدِين لَمَّا لم يَكُونوا نَاساً بأعْيَانِهِم، بل أُرِيد بهم الجَنْسُ، أشْبَهوا النَّكِرة فَوُصِفوا كما تُوصَف، وإمَّا بأن " غير " قد تَتَعَرَّف إذا وقَعَت بين ضِدَّين، وهذا كما تَقَدَّم في إعْرَاب  غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِم  \[ الفاتحة : ٧ \] في أحَد الأوْجُه، وهذا كلُّه خُرُوج عن الأصُول المقرَّرة، فلذلك اخْتِير[(٣)](#foonote-٣) الأوّل ؛ ومثله :\[ الرمل \]

وَإذا أقْرِضْتَ قَرْضَاً فَاجْزِهِ  إنَّمَا يَجْزِي الْفَتَى غَيْرُ الْجَمَلْ[(٤)](#foonote-٤)برفع " غير " كذا ذكره أبو عَلِيّ، والرِّوَاية :" لَيْسَ الجَمَلْ " عند غَيْره. 
وقال الزَّجَّاج : ويجُوزُ أن يكُون " غير " رفعاً[(٥)](#foonote-٥) على جِهَة الاستِثْنَاءِ، والمعنى : لا يَسْتَوِي القَاعِدُون من المُؤمنين والمُجَاهِدُون، إلا أولي الضَّرَر فإنَّهم يساوون المُجَاهِدِين، أي : الذين أقعدهم[(٦)](#foonote-٦) عن الجِهَاد الضَّرر، والكَلامُ في رفع المُسْتَثْنَى بعد النفي قد تقدم عِند[(٧)](#foonote-٧) قوله : مَّا فَعَلُوهُ[(٨)](#foonote-٨) إِلاَّ قَلِيلٌ مِّنْهُمْ  \[ النساء : ٦٦ \]. 
والنَّصْب على \[ أحد \][(٩)](#foonote-٩) ثلاثة أوْجُه :
\[ الأوّل \][(١٠)](#foonote-١٠) : النَّصْبُ على الاستِثْنَاء من " القاعدون " \[ وهو الأظهر ؛ لأنه المحدَّثُ عَنْهُ، والمعنى : لا يَسْتَوِي القَاعِدُون \][(١١)](#foonote-١١) إلا أولِي الضَّرَر، وهو اخْتِيَار الأخْفَش. 
والثاني : من " المؤمنين " وليس بِوَاضِح. 
والثالث : على الحَالَ من " القاعدون " \[ والمعنى : لا يستوي القاعدون \][(١٢)](#foonote-١٢) في حَالِ صِحَّتهم والمُجَاهِدُون ؛ كما يُقَال : جاءَني زيد غير مَرِيضٍ، أيك جاءني زَيْد صَحِيحاً، قاله الزَّجَّاج والفرَّاء ؛ وهو كقوله : أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الأَنْعَامِ إِلاَّ مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ  \[ المائدة : ١ \]. 
والجرُّ على الصفَة للمؤمنين وتأويله كما تقدم في وجه الرفع على الصفة. 
قال الأخْفَش القراءة بالنَّصْب على الاستثنَاء أوْلَى ؛ لأن المَقْصُود منه استِثْنَاء قوم لم يَقْدرُوا على الخُروج ؛ كما روي في التَّفْسير أنه لما ذَكَر الله - تعالى - فضيلة المُجَاهِدِين، جاء قَوْمٌ من أولي الضرر، فقالوا للنَّبي صلى الله عليه وسلم : حالتنا كما تَرَى، ونحن نَشْتَهِي الجِهَاد، فهل لنا من طَرِيقٍ ؟ فنزل  غَيْرُ أُوْلِي الضَّرَرِ  فاستثناهم الله - تعالى -. 
وقال آخرون : القِرَاءة بالرَّفع أولى ؛ لأن الأصْل في كلمة " غَيْر " أن تكون صفة، ثم إنها وإن كانت صِفَة، فالمقصُود والمَطْلُوب من الاستثناء حاصِل ؛ لأنَّها في كلتا الحَالتَيْن أخْرَجت أولي الضَّرر من تلك المَفْضُولِيَة، وإذا كان هذا المَقْصُود حَاصِلاً على كلا التقديرين، وكان الأصل في كلمة " غير " أن تَكُون صفة، كانت القراءة بالرَّفْع أوْلَى. فالضَّرر النُّقْصَان، سواء كان بالعَمَى أو العَرَج أو المَرَض، أو بسبب عَدَمِ الأهْبَة. 
### فصل


روى ابن شهاب عن سَهْل بن سعد السَّاعِدِي - رضي الله عنه - ؛ أنه قال :" رأيتُ مَرْوَان بن الحكم جَالِساً في المَسْجِد، فأقَبْلت حَتَّى جلست إلى جَنْبِه، فأخبرنا أن زَيْد بن ثَابتٍ - رضي الله عنه - أخبره ؛ أن رسُول الله صلى الله عليه وسلم أملَى عَلَيه " لا يستوي القاعدون من المؤمنين والمجاهدون في سبيل الله "، قال : فجاء ابنُ أمِّ مَكْتُوم وهو يُمْلِيها عليَّ، فقال : يا رسُول الله، لو أستطيعُ الجِهَاد لجَاهَدتُ، وكان رجلاً أعْمَى، فأنزل الله - تعالى - عليه وفخذُهُ على فَخْذِي، فثقلتْ عليّ حَتَّى خِفْتُ أن ترضَّ فَخذِي، ثم سري عنه "، فأنزل الله : غير أولي الضرر [(١٣)](#foonote-١٣) في فضل الجهاد والحثِّ عليه. 
روى أنس - رضي الله عنه - ؛ أنَّ رسُول الله صلى الله عليه وسلم لمّا رَجَع من غَزْوَة تَبُوك، فَدَنَا من المَدِينَة فقال :" إن في المَدِينَة لأقْوَاماً ما سرتُمْ من مسيرٍ ولا قَطَعْتُم من وَادٍ وإلا كَانُوا مَعَكُم فيه، قالوا : يَا رسُول الله وَهُم بالمَدِينَة ؟ قال : نعم وهم بالمدينة حبَسهم العذر " [(١٤)](#foonote-١٤)، وروى مقسم عن ابْن عبَّاس ؛ قال : لا يستوي القاعدون من المؤمنين  عن بَدْر، والخَارِجُون إلى[(١٥)](#foonote-١٥) بدر. 
وقوله : في سبيل الله بأموالكم  كلا الجارَّيْن متعلِّق ب " المُجَاهِدُون " و " المُجَاهِدُون " عَطْف على القَاعِدُون. 
### فصل


اخْتَلَفُوا في هذه الآية : هل تَدُلُّ على أن المُؤمنين القَاعِدِين الضْراء، يُسَاوُون المجاهدين أم لا ؟. 
قال بعضهم : لا تدل ؛ لأنا إن حملنا لفظ " غَيْر " على الصفَة، وقلنا :\[ إن \][(١٦)](#foonote-١٦) التَّخْصِيص بالصِّفَة لا يدل على نَفْي الحُكْم عمّا عَدَاه، لم يلزم ذلك، وإن حَمَلْنَاه على الاستِثْنَاء، وقلنا :\[ إن \][(١٧)](#foonote-١٧) الاستثناء من النَّفي ليس بإثْبَات، لم يلزم أيضاً ذلك، أمَّا إذا حَمَلْنَاه على الاستثناء وقلنا : الاستثناء من النَّفْي إثبات، لزم القَوْل بالمُسَاوَاة. 
واعلم أن هذه المُسَاواة في حق الأضْرَاء، عند من يَقُول بها مَشْرُوطة بشَرْط آخر ذكره الله - تعالى - في سُورة التَّوْبة، وهو قوله : لَّيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلاَ عَلَى الْمَرْضَى  \[ التوبة : ٩١ \] إلى قوله : إِذَا نَصَحُواْ للَّهِ وَرَسُولِهِ  \[ التوبة : ٩١ \]، ويدل على المُسَاواة ما تقدَّم في حَدِيث غزوة تَبُوكٍ. 
وتقرير ذلك قوله عليه الصلاة والسلام :" إن بالمدِينَةِ قَوْماً ما سلكتُم وادِياً إلاَّ كَانُوا مَعَكُم " [(١٨)](#foonote-١٨)، وقال عليه السلام :" إذا مَرِض العَبْدُ قال الله - تعالى - : اكتبوا لعبدي ما كان يعمله في الصحة إلى أن يبرأ " [(١٩)](#foonote-١٩). 
وقال المُفَسَِّرون[(٢٠)](#foonote-٢٠) في قوله - تعالى - : ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ  \[ التين : ٥، ٦ \] ؛ أن من صَار هرماً، كتب له أجْر عمله قبل هرمه غير مَنْقُوص، وقالوا في تَفْسِير قوله - عليه الصلاة والسلام - " نِيَّة المُؤْمِن خَيْرٌ من أجْر عَمَلِهِ " إن المُؤْمِن يَنْوِي الإيمان والعمل الصَّالح، لو عاش لهذا لا يحصَّل له ثواب تلك النِّيَّة أبداً. 
قوله - تعالى - : فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً  لما بيَّن \[ تعالى \][(٢١)](#foonote-٢١) أن المُجاهدين والقاعِدين لا يَسْتَويان، ثم إن عَدَم الاسْتِوَاء يَحْتَمل الزِّيَادة والنُّقْصَان، لا جرم بَيَّنَه الله - تعالى -. 
قوله :" درجةً " في نصبه أربعة \[ أوْجُه :\]
أحدها : أنها مَنْصُوبة على المَصْدر ؛ لوقوع " درجة " موقع المَرَّة من التَّفْضِيل ؛ كأنه قيل : فَضَّلهم تَفْضيلة، نحو :" ضَرَبْتُه سَوْطاً " وفائدة التنكير التَّفْخِيم. 
الثاني : أنها حَالٌ من " المُجَاهِدِين " أي : ذوي درجة. 
الثالث : مَنْصُوبة انتصابَ الظَّرْف، أي : في دَرَجَةٍ ومَنْزِلة. 
الرابع : انْتِصَابها على إسْقَاط الجَارِّ[(٢٢)](#foonote-٢٢) أي : بِدَرَجة. 
فلما حُذِف الجَارُّ، وَصَل الفِعْل فعَمِل، وقيل : نُصِب على التَّمْيييز. 
قوله : وكلاًّ وعد الله الحسنى  " كلاًّ " مَفْعُول أول ل " وَعَد " مُقَدماً عليه، و " الحُسْنَى " مفعول ثان، وقرئ[(٢٣)](#foonote-٢٣) :" وكُلٌّ " على الرَّفْع بالابتداء، والجُمْلَة بعده خبره، والعَائِد مَحْذُوف، أي : وعده ؛ وهذه كَقِرَاءة ابن عامر في سورة الحديد :
 وَكُلٌّ وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى  \[ الحديد : ١٠ \]. 
والمعنى : كلاًّ من القاعِدِين والمُجاهِدِين، فقد وَعَدَه الله الحُسْنَى. 
قال الفُقَهَاء : وهذا يَدُلُّ على أن الجِهَاد فرض كِفَايَةٍ، وليس على كُلِّ واحدٍ بِعَيْنِه ؛ لأنه - تعالى - وعد القاعِدِين الحُسْنَى كما وعَد المُجَاهِدِين، ولو كان الجِهَادُ واجِباً على كلِّ أحدٍ على التَّعْيين، لما كان القَاعِدُ أهْلاً لوعد اللَّه إيَّاه الحُسْنَى. 
وقيل : أراد ب " القَاعِدِين " هنا : أُولِي الضَّرَر، فضَّل الله المُجَاهِدِين عليهم دَرَجَة ؛ لأن المُجَاهِد باشَر الجِهَاد مع النِّيَّة، وأولُو الضَّرر لهم نِيَّة بلا مُبَاشَرة، فنزلوا عَنْهُم درجَة وعلى هذا نزول الدَّلالة. 
قوله - تعالى - : وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْراً عَظِيماً  في انتصاب " أجراً " أربعة أوجُه :
أحدها : النَّصْب على المَصْدَر من مَعْنَى الفِعْل الذي قَبْلَه لا من لَفْظِه ؛ لأن مَعْنَى " فَضَّلَ الله " : آجرَ ؛ فهو كقوله : أجْرُهُم أجْرٌ، ثم قوله - تعالى - : دَرَجَاتٍ مِّنْهُ \[ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً  بدل من قوله :" أجْراً ". 
الثاني : أنه انْتَصَب على إسْقَاط الخافِضِ، أي : فضلهم بأجْر. 
الثالث : النَّصْب على أنَّه مَفْعُول ثاني ؛ لأنه ضَمَّن فضَّل معنى أعْطَى، أي : أعْطَاهم أجراً تفضلاً مِنْه. 
الرابع : أنه حالٌ من درجات \][(٢٤)](#foonote-٢٤). 
قال الزمخشري[(٢٥)](#foonote-٢٥) :" وانتصب " أجْراً " على الحَالِ من النّكرة التي هي " دَرَجَاتٍ " مقدَّمةً عليها " وهو غير ظَاهِر ؛ لأنه لو تأخَّر عن " دَرَجَاتٍ " لم يَجُز أن يَكُون نعتاً ل " دَرَجَاتٍ " لعدم المطابقة ؛ لأنَّ " درجات " جَمْع، و " أجْراً " مفرد، كذا ردَّه بعضهم، وهي غَفْلَة ؛ فإنَّ " أجراً " مَصْدرٌ، والأفْصَحُ فيه يُوَحَّدَ ويُذَكَّر مطلقاً، \[ وقيل : انتصَب على التَّمْيِيز، و " دَرَجَاتٍ " عَطْف بَيَان \]. 
١ ينظر: السبعة ٢٣٧، والحجة ٣/١٧٩، وفيه ذكر رواية عن ابن كثير أنه قرأ بالنصب.
 وينظر: حجة القراءات ٢١٠، وإعراب القراءات ١/١٣٧، والعنوان ٨٥، وشرح شعلة ٣٤٣، وشرح الطيبة ٤/٢١٥، وإتحاف ١/٥١٩..
٢ وقرأ بالكسر ـ مع الأعمش ـ أبو حيوة كما في: المحرر الوجيز ٢/٩٧، وينظر: البحر المحيط ٣/٣٤٤، والدر المصون ٢/٤١٧..
٣ في أ: اخترت..
٤ تقدم..
٥ في أ: بالفاء..
٦ في أ: لقعادهم..
٧ في ب: في..
٨ في ب: فعله..
٩ سقط في أ..
١٠ سقط في ب..
١١ سقط في أ..
١٢ سقط في أ..
١٣ أخرجه البخاري (٨/١٩٥ ـ ١٩٦) كتاب التفسير: باب قوله تعالى: لا يستوي القاعدون من المؤمنين... حديث (٤٥٩٢) والترمذي (٤/٩٢) والنسائي (٢/٥٤) وأحمد (٥/١٨٤) والبيهقي (٩/٢٣) وابن الجارود ص (٤٦٠) والطبري في "تفسيره" (٩/٩٠) والبغوي في "شرح السنة" (٧/٨٧) من حديث زيد بن ثابت وذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٢/٣٦١) وزاد نسبته لابن سعد وعبد بن حميد وابن المنذر وأبي نعيم في "الدلائل"..
١٤ أخرجه البخاري (٧/٧٣٢) كتاب المغازي باب نزول النبي صلى الله عليه وسلم الحجر (٤٤٢٣) ومسلم (٣/١٥١٨) كتاب الإمارة: باب ثواب من حبسه عن الغزو مرض (١٥٩/١٩١١) من حديث أنس بن مالك..
١٥ أخرجه البخاري (٨/١٠٨) كتاب التفسير: "باب قوله تعالى: لا يستوي القاعدون من المؤمنين..." حديث (٤٥٩٥) والطبري في "تفسيره" (٩/٩١) من طريق مقسم عن ابن عباس.
 وذكره ابن كثير في "تفسيره" (٢/٥٤٩) وقال: انفرد به البخاري دون مسلم وأورده السيوطي في "الدر المنثور" (٢/٣٦٢) وزاد نسبته لعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم..
١٦ سقط في أ..
١٧ سقط في أ..
١٨ تقدم..
١٩ أخرجه ابن أبي شيبة (٢/٢٣٠) عن عطاء مرسلا وللحديث شاهد عن أبي موسى:
 أخرجه البخاري (٢/٢٤٦) وأبو داود (٣٠٩١) وأحمد (٤/٤١٠) والبيهقي (٣/٣٧٤) ولفظه: إذا مرض العبد أو سافر كتب له ما كان يعمل مقيما صحيحا.
 وللحديث شاهد آخر عن عبد الله بن عمرو بلفظ ما من أحد من المسلمين يبتلى ببلاء في جسده إلا أمر الله الحفظة الذين يحفظونه: اكتبوا لعبدي مثل ما كان يعمل وهو صحيح ما دام محبوسا في وثاقي.
 أخرجه أحمد (٢/١٩٤) والحاكم (١/٣٤٨).
 وقال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه ووافقه الذهبي..
٢٠ ينظر: تفسير الرازي ١١/٧..
٢١ سقط في أ..
٢٢ في ب: الباء..
٢٣ ينظر: المحرر الوجيز ٢/٣٤٧، والدر المصون ٢/٤١٧..
٢٤ سقط في أ..
٢٥ ينظر: الكشاف ١/٥٥٤.

### الآية 4:96

> ﻿دَرَجَاتٍ مِنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً ۚ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا [4:96]

قوله - تعالى - " درجات " فيه سِتَّة أوجه :
الأربعة المذكورة في " دَرَجَة ". 
والخامس : أنه بدلٌ من " أجْراً ". 
السادس ذكره ابن عَطِيَّة أنه منصوبٌ بإضْمَار فعلٍ، على أن يكون تَأكِيداً للأجْرِ، كما تقول :" لك عليَّ ألفُ دِرْهَمٍ عُرْفاً " كأنك قُلْت : أعْرِفُها عُرْفاً، وفيه نظر، و " مغفرة ورحمة " عطف على " دَرَجَاتٍ "، ويجُوز فيهما النَّصْب بإضْمَار فِعْلِهِما \[ تَعْظِيماً \]، أي : وغَفَرَ لهم مَغْفِرَةً، ورحِمَهُم رَحْمَةً. 
فأن قيل : إنه - تعالى - لِمَ ذَكَرَ أولاً " دَرَجَة " وهَهُنَا " دَرَجَاتٍ " ؟
**فالجواب من وُجوه :**
أحدها : ليس المُرَاد بالدَّرجة الوَاحِدَةَ بالعَدَدِ، بل الوَاحِد بالجِنْسِ، فيدْخُل تحته الكَثير بالنَّوْعِ. 
وثانيها : أن المُجَاهِد أفضَل \[ بالضَّرُورة \][(٢٦)](#foonote-٢٦) من القَاعِد المَضْرُور \[ بدرجَة \][(٢٧)](#foonote-٢٧) ومن القَاعِد الصَّحيح \[ بدَرَجَات \][(٢٨)](#foonote-٢٨) وهذا على القَوْل بعدم المُسَاواةِ بين المُجَاهِدِين والأضِرّاء. 
وثالثها : فضَّلَ المُجَاهِدِين في الدُّنْيَا بدرجَة وَاحِدة، وهي الغَنِيمَة، وفِي الآخِرة بدرجَات كَثيِرة في الجَنَّة. 
ورابعها : أن المُرَاد ب " المُجَاهِدين " في الأولى : المُجَاهِدِين بأمْوَالِهِم وأنفُسِهِم، وههنا المراد ب " المُجَاهِدِين " : من كان مُجَاهِدَاً على الإطْلاق في كُلِّ الأمُور، وأعْنِي : في عمل الظَّاهِرِ ؛ كالجهاد بالنفس والمَالِ[(٢٩)](#foonote-٢٩) والحج، وعلى العباداتِ كُلِّها، وفي أعْمَال القلُوب وهو أشرف أنْوَاعِ الجِهَاد ؛ لأنه صَرْف القَلْبِ[(٣٠)](#foonote-٣٠) من الالْتِفَات إلى غَيْر الله إلى الاستغَراقِ في طَاعَةِ اللَّه. 
### فصل


ذكر المفَسِّرون معنى " الدرجات ". 
قال ابن جبير[(٣١)](#foonote-٣١) في هذه الآيَةِ هي سَبْعُونَ دَرَجَة، ما بَيْن كل دَرَجَتَيْن[(٣٢)](#foonote-٣٢) عَدْو الفَرَسِ الجَوادِ المضمر سَبْعين خريفاً[(٣٣)](#foonote-٣٣). 
وقيل : الدَّرَجَاتِ هي الإسْلام والهِجْرَةِ والجِهَادِ والشَّهَادَة، فاز بها المُجَاهدُِون. 
### فصل : في حكم الجهاد


والجهاد في الجُمْلَة فَرضٌ، غير أنه يَنْقَسِم إلى فَرْضِ العَيْنِ وفَرْضِ الكِفَاية، ففرض العَيْنِ أن يَدْخُلَ العَدُوُّ دارَ قوم من المُؤمِنِيِن، فيجب على كُلِّ مكَلَّفِ من الرِّجَالِ ممن لا عُذْرَ له مِنْ أهْلِ تلك البَلْدَةِ الخُرُوج إلى عَدوِّهم، حراً كان أو عَبْداً، غنياً كان أو فَقِيراً، دفعاً عن أنفسهم وعن جِيِرانِهم، وهو في حَقِّ من بَعُد مِنْهُم من المُسْلِمِين فرضٌ على الكِفَاية، فإن لم يَقَع الكِفَاية بمن نَزَل بِهِم، يجب على من بَعُد منهم من المُسْلِمِين عَوْنُهم، وإن وقعت الكِفَاية بالنَّازِِلين بهم، فلا فرضَ على الأبْعَدين، ولا يَدْخُل في هذا القِسْم العَبيد والفُقَراء، فإذا كان الكُفَّار قَادِرِين في بِلادهم، فعلى الإمَام ألا يُخَلَّي كلَّ سَنَة عن غَزْوة يغزوها بِنفْسِه أو بسَراياه، حتى لا يكُون الجِهَاد مُعَطلاً. 
### فصل : رد شبهة الشيعة


قال الشِّيعة : عَلِيُّ كان مِن المُجَاهِدِين، وأبو بكر من القَاعِدِين، فيكون عَلِيٌّ أفْضَل، للآية، فيُقَالُ لهم : مباشَرَة علي للقِتَالِ أكثر مُبَاشَرَةً من النَّبِيِّ[(٣٤)](#foonote-٣٤) صلى الله عليه وسلم، فيكون أفْضَل منه، وهذا لا يَقُولُه عَاقِلٌ، فإن قالوا : جِهَاد النَّبِي صلى الله عليه وسلم لأنه في إظْهَارِ الدِّين بتَقْرير \[ الأدلة \][(٣٥)](#foonote-٣٥) قُلْنَا : وكذلك أبُو بَكْر، سعى في إظْهَارِ الدِّين في أوّل الإسْلام، حتى أسْلَم على يَدِه جَمَاعَة، وبالغ في الذَّبِّ عن النبي صلى الله عليه وسلم بنفْسِه وماله، وكان عَلِيُّ حينئذٍ صَبِيّاً لا يُسَلِّم أَحَدٌ بقوله، وما كان قَادِراً على الدِّين، وجهاد أبِي بكْر في أوَّل الإسْلام وضَعْفِه، وجِهَاد عَلِيَّ كان وهو في الدِّين بعد ظُهُور الإسْلام وقُوَّتِه، والأوّل أفضل، وأيضاً : فجهَاد أبِي بكر كان بالدَّعْوةِ إلى الدِّين، وأكثر أفاضل العَشْرة أسْلَمُوا على يَدِهِ، وذلك حِرْفَة النَّبِي صلى الله عليه وسلم وجهاد عَلِيٍّ كان بالقَتْل[(٣٦)](#foonote-٣٦)، والأوّل أفضل. 
### فصل : رد شبهة المعتزلة


\[ قالت المعتزلة \][(٣٧)](#foonote-٣٧) لما كان التَّفَاوُت في الثواب بحسب التَّفاوُت في العَمَل، دَلَّ على أن عِلَّة الثَّوابِ هو العَمَل، وأيضاً لو لم يكن العَمَل مُوجِباً للثَّوَاب، لكان[(٣٨)](#foonote-٣٨) الثَّوَاب هِبَةً لا أجراً، والله - تعالى - سمَّاه أجراً. 
فالجواب : أن العمل عِلَّةُ الثَّوَاب، بجعل الشَّارع لا بِذَاتِه. 
### فصل : الاشتغال بالنوافل أفضل من النكاح


قال[(٣٩)](#foonote-٣٩) الشَّافِعِيّة : دَلَّت الآية على أن الاشتغال بالنَّوافِل، أفْضَل من الاشتغال بالنكاح، لأن من أقَام بالجِهَادِ، سقط الفَرْضُ عن البَاقِين، فلو أُقيموا عليه كان من النَّوافِل، والآية تَقْتَضِي تَفْضِيل جميع المُجَاهِدين[(٤٠)](#foonote-٤٠) من مُفْتَرَضٍ و \[ من \][(٤١)](#foonote-٤١) مُتنَفِّل على القَاعِدِين والمتنقل بالنِّكاح قاعِد عن الجِهَاد، فثبت أن الاشْتِغَال بالمَنْدُوب إليه من الجِهَاد أفْضَل من الاشْتِغَال بالنِّكاح.

### الآية 4:97

> ﻿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ ۖ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ ۚ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا ۚ فَأُولَٰئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ ۖ وَسَاءَتْ مَصِيرًا [4:97]

إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ \[ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُواْ فِيمَ كُنتُمْ قَالُواْ كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ قَالْواْ أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُواْ فِيهَا \][(١)](#foonote-١) فَأُوْلَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَآءَتْ مَصِيراً \* إِلاَّ الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لاَ يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلاَ يَهْتَدُونَ سَبِيلاً \* فَأُوْلَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَن يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوّاً غَفُوراً 
لما ذَكَر - \[ تعالى \][(٢)](#foonote-٢) - ثواب من أقْدَم على الجِهَاد، أتْبَعَه بِعِقَاب من قَعَدَ عَنْهُ ورضي بالسُّكُون في دَارِ الحَرْبِ. 
قوله :" توفَّاهم " يجوز أن يكون مَاضِِياً، وإنما لم تَلْحَق علامة التَّأنيث للفعل ؛ لأن التأنيث مَجَازِيّ ؛ ويدلُّ على كونه فعلاً مَاضِياً قِرَاءَةُ " تَوَفتهُم " [(٣)](#foonote-٣) بتاء التأنيث. 
قال الفرَّاء : ويكون مثل قوله : إِنَّ البَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا  \[ البقرة : ٧٠ \] فيكون إخْبَاراً عن حَالِ أقْوَام معيَّنين، انْقَرَضُوا ومضوا[(٤)](#foonote-٤) ويجوز أن يَكُون مُضَارعاً حُذِفَتْ إحدى التَّاءَيْن تَخفيفاً مِنْه، والأصل : تتوَفَّاهُم، وعلى هذا تكُون الآيةُ عامَّة في حقِّ كلِّ من كان بهذه الصِّفَة. 
و " ظَالِمي " حالٌ من ضَمِير " تَوَفَّاهُم "، والإضافة[(٥)](#foonote-٥) غير محضة[(٦)](#foonote-٦) ؛ إذ الأصْل : ظَالِمين أنفُسِهم ؛ لأنه وإن أُضِيف إلى المَعرِفَةِ، إلا أنه نَكِرةٌ في الحَقِيقة ؛ لأن المَعْنَى على الانْفِصَال ؛ كأنه قيل : الظَّالِمِين أنْفُسهم، إلا أنَّهم لما حَذَفُوا \[ النُّون \][(٧)](#foonote-٧) طلباً للخِفة، واسْم الفَاعِل سواء أُرِيد به الحَالُ أو الاستِقْبَال، فقد يكُون مفصُولاً في المَعْنَى وإن كان مَوْصُولاً في اللَّفْظِ ؛ فهو كقوله - تعالى - : هَذَا عَارِضٌ مُّمْطِرُنَا  \[ الأحقاف : ٢٤ \]، و هَدْياً بَالِغَ الْكَعْبَةِ  \[ المائدة : ٩٥ \]  ثَانِيَ عِطْفِهِ  \[ الحج : ٩ \] والتقدير : مُمْطِر لَنَا وبَالِغاً للكَعْبَةِ وثانِياً عِطْفه، والإضافة في هَذِهِ المَوَاضع لَفْظِيَّة لا مَعْنَوِيَّة. 
وفي خبر " إنَّ " هذه ثلاثة أوْجُه :
أحدها : أنه مَحْذُوفٌ، تقديُره : إنَّ الذين توفَّاهُم الملائكةُ هَلَكُوا، ويكون قوله :" قالوا : فيم كنتم " مبيِّناً لتلك الجُمْلَةِ المَحْذُوفة. 
الثاني : أنه  فأولئك مأواهم جهنم  ودخلت الفَاءُ زائدة في الخَبَر ؛ تشبيهاً للموصُول باسم الشَّرْط، ولم تمنع " إنَّ " من ذَلِك، والأخْفَش يَمْنَعُه، وعلى هذا فَيَكُون قوله :" قالوا : فيم كنتم " إمَّا صفةً ل " ظَالِمِي "، أو حالاً للملائكة، و " قد " مَعَه مقدَّرَةٌ عند مَنْ يشتَرِط ذلك، وعلى القول بالصِّفَة، فالعَائِد محذوف، أي : ظالمين أنْفُسَهم قَائِلاً لهم المَلاَئِكَة. 
والثالث : أنه  قالوا فيم كنتم ، ولا بد من تَقْدِيرِ العَائِد أيْضاً، أي : قالوا لَهُم كذا، و " فيم " خَبَرَ " كُنْتُم "، وهي " ما " الاستِفْهَامِيَّة حُذِفَت ألِفُها حين جُرَّتْ، وقد تقدَّم تَحْقِيق ذلك عند قوله : فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ  \[ البقرة : ٩١ \]، والجُمْلَة من قوله :" فيم كنتم " في مَحَلِّ نَصْبٍ بالقَوْلِ، و " في الأرض " متعلقٌ ب " مُسْتَضْعَفِين "، ولا يجوز أن يكُون " في الأرْضِ " هو الخَبَر، و " مُسْتَضْعَفِين " حالاً، كما يَجُوز ذلك في نَحْو :" كان زيدٌ قائَماً في الدَّارِ " لعدمِ الفَائدة في هذا الخَبَر. 
### فصل في معنى التَّوَفِّي


**في هذا التَّوفِّي قولان :**
الأول : قول الجُمْهُور، معناه تُقْبَض أرْوَاحهم عند الموْتِ. 
فإن قيل : كيف الجَمْع بَيْنَه وبين قوله - تعالى - : اللَّهُ يَتَوَفَّى الأَنفُسَ حِينَ مِوْتِهَا 
\[ الزمر : ٤٢ \]،  كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتاً فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ 
\[ البقرة : ٢٨ \] وبين قوله  قُلْ يَتَوَفَّاكُم مَّلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ  \[ السجدة : ١١ \]. 
فالجواب : خالق الموت هو الله - تعالى -، والمُفَوَّض إليه هذا العمل هو مَلك المَوْت وسَائِر الملائكة أعْوانه. 
الثاني : توفَّاهم الملائِكة، يعني : يَحْشُرونهم إلى النَّارِ، قاله الحَسَن. 
### فصل


الظُّلْم قد يُراد به الكُفْر[(٨)](#foonote-٨) ؛ كقوله - تعالى - : إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ  \[ لقمان : ١٣ \]، وقد يرادُ به المَعْصِيَة ؛ كقوله : فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ  \[ فاطر : ٣٢ \]، وفي المراد بالظُّلْمِ هَهُنَا قَوْلان :
الأول : قال بَعْضُ المُفَسِّرين[(٩)](#foonote-٩) : نزلت في نَاسٍ من أهْلِ مَكَّة، تكلَّمُوا بالإسْلام ولم يُهَاجِرُوا منهم : قَيْس بن الفاكه[(١٠)](#foonote-١٠) بن المُغيرَة، وقَيْس بن الوَليد وأشْبَاهُهُمَا، فلما خَرَج المُشْرِكُون إلى بَدْر، خرجوا مَعَهُم، فقاتَلُوا[(١١)](#foonote-١١) مع الكُفَّار وعلى هذا أراد بِظُلْمِهِم أنْفُسَهُم : إقامَتَهُم في دَارِ الكُفْرِ[(١٢)](#foonote-١٢)، وقوله - تعالى - : إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ  أي : ملك المَوْتِ وأعْوَانِهِ، أو أراد مَلَك المَوْتِ وَحْدَه ؛ لقوله - تعالى - : قُلْ يَتَوَفَّاكُم مَّلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ  \[ السجدة : ١١ \] والعَرَبُ قد تُخَاطِب الوَاحِد بلَفْظ الجَمْع. 
الثاني : أنها نَزَلَت في قَوْم من المُنَافِقِين، كانوا يُظْهِرُون الإيمان للمُؤمِنِين خوفاً، فإذا رَجَعُوا إلى قَوْمِهِم، أظْهَرُوا لهم الكُفْر، ولا يُهَاجِرُون إلى المَدِينَةِ[(١٣)](#foonote-١٣). 
وقوله : قالوا فيم كنتم  من أمْرِ دينكُم، وقيل : فيم كُنْتُم من حَرْب أعْدَائه، وقيل : لما تركتم[(١٤)](#foonote-١٤) الجِهَاد ورَضِيتُم بالسُّكُون دَارِ الكُفَّار[(١٥)](#foonote-١٥) ؛ لأن الله - تعالى - لم يَكُن يَقْبَل الإسلام بعد هِجْرَةَ النَّبي[(١٦)](#foonote-١٦) صلى الله عليه وسلم إلا بالهِجْرَة، ثم نَسَخَ ذلك بَعْدَ فَتْحِ مكَّة بقوله " لا هِجْرَة بَعْدَ الفَتْح " وهؤلاء قُتِلُوا يَوْمَ بَدْرٍ، وضرَبَت الملائكةُ وجوهَهُم وأدْبَارَهُم، وقَالُوا لهم : فيم كُنْتُم ؟ \[ " قالوا كُنَّا " \][(١٧)](#foonote-١٧) أي : في ماذا كُنْتُم أو في أيِّ الفَرِيقَيِْن كنتم ؟ أفي المُسْلِمين أو في المُشْرِكِين ؟ سُؤال توبيخ وتَقْرِيع، فاعتذروا بالضَّعْف عن مُقَاوَمَة المُشْرِكِين،  وقالوا كنا مستضعفين  عَاجِزين[(١٨)](#foonote-١٨)، " في الأرْضِ " يعني : أرْضَ مَكَّة. 
فإن[(١٩)](#foonote-١٩) قيل : كان حَقُّ الجَوَاب أن يَقُولوا : كنا في كَذَا وكذا، ولم نكُن في شَيْء. 
فالجَواب : أن مَعْنَى " فِيمَ كُنْتُم " : التَّوْبِيخ، بأنهم لم يَكُونوا في شَيْءٍ من الدِّين، حَيْثُ قَدَرُوا على المُهَاجَرَة ولم يُهَاجِرُوا فقالوا : كُنَّا مستَضْعَفِين اعْتِذاراً عمَّا وُبَّخُوا بِه، واعتِلالاً بأنَّهم ما كَانُوا قادِرِينِ على المُهَاجَرة، ثم إنّ المَلاَئِكَة لم يَقْبَلُوا منهم هذا العُذْر ؛ بل ردُّوه عَلَيْهِم، فقالوا : أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُواْ فِيهَا  يعني أنكم كنتم قادرين على الخُرُوجِ من مَكَّة إلى بَعْضِ البِلاَدِ التي لا تُمْنَعُون فيها من إظْهَار دِينكُم، فبقيتم[(٢٠)](#foonote-٢٠) بين الكُفَّار لا للعجز عن مُفَارَقَتِهِم، بل مع القُدْرَة على المُفَارَقَة[(٢١)](#foonote-٢١). 
### فصل


وقد ورد لَفْظُ الأرْض على ثَمَانِية أوْجُه :
الأول : الأرض المَعْرُوفة. 
الثاني : أرْضُ المَدِينة، قال الله - تعالى - : أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُواْ فِيهَا . 
الثالث : أرض مَكَّة ؛ قال - تعالى - \[  قَالُواْ \][(٢٢)](#foonote-٢٢) كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ  أي : بمكَّة. 
الرابع : أرْض مِصْر ؛ قال - تعالى -  فَأَرَادَ أَن يَسْتَفِزَّهُم مِّنَ الأَرْضِ  \[ الإسراء : ١٠٣ \]. 
الخامس : أرض الجَنَّة ؛ قال تعالى  وَأَوْرَثَنَا الأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ 
\[ الزمر : ٧٤ \]. 
السادس : بُطُون النِّساء[(٢٣)](#foonote-٢٣) ؛ قال - تعالى - : وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَأَرْضاً لَّمْ تَطَئُوهَا  \[ الأحزاب : ٢٧ \] يعني : النساء[(٢٤)](#foonote-٢٤). 
السابع : الرحمة ؛ قال - تعالى - : لِلَّذِينَ أَحْسَنُواْ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَأَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةٌ  \[ الزمر : ١٠ \]، وقوله - تعالى - : يا عِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ 
\[ العنكبوت : ٥٦ \] أي رحْمَتِي. 
الثامن : القَلْب ؛ قال - تعالى - : اعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ يُحْيِي الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا  \[ الحديد : ١٧ \]، أي : يحيى القُلُوب بعد قَسْوَتِها. 
قوله :" فتُهاجِرُوا " مَنْصُوبٌ في جَوابِ الاسْتِفْهَام. 
وقال أبو البَقَاء[(٢٥)](#foonote-٢٥) :" ألَمْ تَكُنْ " استِفْهام بمعنى التَّوْبِيخ، " فتُهَاجِرُوا " مَنْصُوبٌ على جواب الاستفهام ؛ لأنَّ النَّفْي صار إثْبَاتاً بالاستفهَام. انتهى. 
قوله :" لأنَّ النَّفْي " إلى آخره لا يَظْهَر تَعْلِيلاً لقوله :" مَنْصُوبٌ على جواب الاستِفْهَام " ؛ لأن ذلك لا يَصِحُّ، وكذا لا يَصِحُّ جَعْلُه عِلّةً لقوله :" بمَعْنَى التَّوْبيخ "، و \[ " ساءت " \] : قد تَقَدَّم القول في " سَاء "، وأنها تَجْرِي مَجْرى " بِئْس " فيُشْترط في فاعلها ما يُشْتَرَط في فَاعِلِ تيك، و " مصيراً " : تَمْيِِيز. 
وكما بَيَّن عَدَم عُذْرِهِم، ذكر وعيدَهُم، فقال :" فأولئك مأواهم جهنم وساءت مصيراً " \[ أي :\][(٢٦)](#foonote-٢٦) بِئْس المَصِير إلى جَهَنَّم. 
١ سقط في أ..
٢ سقط في أ..
٣ ينظر: البحر المحيط ٣/٣٤٨، والدر المصون ٢/٤١٨..
٤ في ب: وبادوا..
٥ في ب: تتوفاهم والآية..
٦ في أ: مختصة..
٧ سقط في ب..
٨ في ب: الظلم هو الكفر..
٩ ينظر: تفسير البغوي ١/٤٦٩..
١٠ في أ: الفاكهة..
١١ في ب: فقتلوا..
١٢ أخرجه الطبري (٩/١٠٥) عن عكرمة وذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٢/٣٦٥) وزاد نسبته لعبد بن حميد وابن أبي حاتم..
١٣ تقدم..
١٤ في أ: تركوا..
١٥ في أ: الحرب..
١٦ في أ: الهجرة للنبي..
١٧ سقط في ب..
١٨ في أ: مهاجرين..
١٩ في أ: قال..
٢٠ في أ: ما قمتم..
٢١ في أ: الفائقة..
٢٢ سقط في ب..
٢٣ في ب: طول سيناء..
٢٤ في ب: طور سيناء..
٢٥ ينظر: الإملاء ١/١١٢..
٢٦ سقط في ب..

### الآية 4:98

> ﻿إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا [4:98]

ثم استَثْنى فقال :" إلا المستضعفين " : في هذا الاستثناءِ قولان :
أحدُهُما : أنه متصلٌ، والمسْتَثْنَى منه قوله : فأولئك مأواهم جهنم ، والضمير يعودُ على المُتوفَّيْن ظَالِمِي أنْفُسِهم، قال هذا القَائِل : كأنه قيل : فأولئك في جَهَنَّم إلا المُسْتَضْعَفين، فعلى هذَا يَكُون هذا استِثْنَاء مُتَّصلاً. 
والثاني - وهو الصَّحيح - : أنه مُنْقَطِعٌ ؛ لأن الضَّمير في " مَأواهُم " عائدٌ على قوله : إن الذين توفاهم ، وهؤلاء المُتوفَّوْن : إمَّا كُفَّارٌ أو عُصَاة بالتَّخَلُّف، على ما قال المفَسِّرون، \[ وهم \] قادرون على الهِجْرَة، فلم يندرجْ فيهم المُسْتَضْعَفُون فكان مُنْقَطِعاً، و " مِنْ الرِّجَال " حالٌ من المُسْتَضْعَفِين، أو من الضَّمِير المستتر فيهم، فيتعلَّقُ بمَحْذُوف. 
قوله : لا يستطيعون حيلة  في هذه الجُمْلَة أرْبَعة أوجه :
أحدها : أنَّها مستأنفةٌ جوابٌ لسؤالٍ مقدَّرٍ، كأنه قيل : ما وَجْهُ استِضْعَافِهم ؟ فقيل : كذا. 
والثاني : أنها حالٌ. 
قال أبو البَقَاء[(٢٧)](#foonote-٢٧) :" حالٌ مبيِّنة عن مَعْنَى الاستِضْعَاف "، قال شهاب الدين : كأنَّه يُشِير إلى المَعْنَى المتقدِّم في كونها جَوَاباً لسُؤال مُقَدَّر. 
الثالث : أنها مفسِّرةٌ لنفسِ المُسْتَضْعَفِين ؛ لأنَّ وجوه الاستِضْعَاف كثيرة، فبيَّن بأحد مُحْتَمَلاته، كأنه قيل : إلا الذين استُضْعِفُوا بسبب عَجْزِهم عن كذا وكذا. 
الرابع : أنها صِفَة للمُسْتَضْعَفِين أو للرِّجَال ومن بَعْدَهم، ذكره الزمخشري، وعبارة البيضاوي أنه صِفَة للمُسْتَضْعَفِين ؛ إذ لا تَرْقِية فِيِهِ، أي : لا تعيُّن فيه، فكأنه نكِرةٌ، فَصَحَّ وَصْفُهُ بالجُمْلَة. 
انتهى ما ذكرنا. واعتذر عن وصف ما عُرِّف بالألف واللام بالجُمَل التي في حُكم النَّكِرَات، بأن المُعَرَّف بِهِما لمَّا لم يكن مُعَيَّناً، جاز ذلك فيه، كقوله :\[ الكامل \]
وَلَقَدْ أمُرُّ عَلَى اللَّئِيمِ يَسُبُّنِي \*\*\*. . . [(٢٨)](#foonote-٢٨)
وقد قَدَّمْتُ تَقْرير المَسْألةِ.

### فصل في معنى الآية


المعنى : لا يقدرون على حِيلَةٍ ولا نَفَقَةٍ، إذا[(٢٩)](#foonote-٢٩) كان بِهِم مَرَضٌ، أو كانوا تَحْتَ قَهْر قَاهِرٍ يَمْنَعُهم من المُهَاجَرَة. 
وقوله :" \[ و \][(٣٠)](#foonote-٣٠) لا يهتدون سبيلاً " أي : لا يَعْرِفُونَ طريق الحقِّ، ولا يَجِدُون من يَدُلهُم على الطَّرِيق. 
قال مُجَاهد والسُّدِّي وغيرهما : المرادُ بالسَّبيل \[ هنا :\][(٣١)](#foonote-٣١) سبيل المَدِينَة[(٣٢)](#foonote-٣٢). 
قال القُرْطُبِيّ[(٣٣)](#foonote-٣٣) : والصَّحِيح إنَّه عامٌّ في جَمِيع السُّبُل. 
روى أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم بَعَثَ بهذه الآيَة \[ إلى \][(٣٤)](#foonote-٣٤) مسلمي مَكَّة، فقال جندب بن ضمرة لِبنيه : احْمِلُونِي فإني لَسْت من المُسْتَضْعَفِين، ولا أنِّي لا أهْتَدِي الطَّرِيق، والله لا أبيتُ اللَّيْلَة بمكّة، فحملُوه على سَرِير مُتَوجِّهاً[(٣٥)](#foonote-٣٥) \[ إلى \][(٣٦)](#foonote-٣٦) المدينة، وكان شيخاً كبيراً فَمَات في الطَّريق. 
فإن قيل : كَيْف أدْخَل الوِلْدَان في جملة المسْتَثْنين من أهْل الوَعِيد، فإن الاستِثْنَاء إنَّما يَحْسُن لو كَانُوا مستحِقِّين للوَعِيد على بَعْضِ الوُجُوه. 
قلنا : سُقُوط الوعيدِ إذا كان بِسَبَبِ العَجْزِ، والعَجْزُ تارة يَحْصُل بسبَبِ عَدَمِ الأهْبَةِ، وتارةً \[ يَحْصُل \][(٣٧)](#foonote-٣٧) بسبَبِ الصِّبَا، فلا جرم حَسُن هذا الاستِثْنَاء، هذا إذَا أريد بالوِلْدَان الأطْفَال، ويجُوز أن يُرَاد المُرَاهِقُون منهم، الَّذيِن كَمُلَت[(٣٨)](#foonote-٣٨) عُقُولُهم، فتوجَّه التَّكْلِيف نَحْوَهُم فيما بَيْنَهُم \[ وبين الله \][(٣٩)](#foonote-٣٩)، وإن أريد العَبِيدُ والإمَاءُ البَالِغُون، فلا سُؤال.

### الآية 4:99

> ﻿فَأُولَٰئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ ۚ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا [4:99]

قوله : فأولئك عسى الله أن يعفو عنهم  وفيه سُؤالان :
أحدهما : أن القَوْمَ \[ لما \][(١)](#foonote-١) كانوا عَاجِزِين عن الهِجْرَة، والعَاجِز عن الشَّيْء غير مُكَلَّف له، وإذا لم يَكُن مُكَلَّفاً، لم يكن عَلَيْهِ في تَرْكه عُقُوبَة، فلم قال : عسى الله أن يعفو عنهم  والعفو لا يتصَوَّر[(٢)](#foonote-٢) إلاَّ مع الذَّنْبِ، وأيضاً :" عَسَى " كلمة إطْمَاع، وهذا يَقْتَضِي عدم القَطْعِ بحُصُول العَفْوِ. 
فالجواب[(٣)](#foonote-٣) عن الأول : أن المُسْتَضْعَف قد يكُون قَادِراً على ذَلِكَ الشَّيْء مع ضرْبٍ من المَشَقَّة، وتمييز الضَّعْف الذي يَحْصُل عنده الرُّخْصة عند الحَدِّ الذي لا يَحْصُل عنده الرُّخْصَة شاقٌّ، فربما[(٤)](#foonote-٤) ظَنَّ الإنْسَان أنَّه عاجز عن المُهَاجَرة، ولا يكون[(٥)](#foonote-٥) كَذَلِكَ، ولا سِيَّمَا في الهِجْرة عن الوَطَنِ ؛ فإنها شَاقَّة على النَّفْس، وبسبب شِدَّة النَّفْرَة قد يظن الإنْسَان كونه عَاجِزاً، مع أنَّه لا يكُون كذلك، فلهذا المَعْنَى كانت الحَاجَة في العَفْو شَدِيدة في هَذَا المقَامِ. 
السؤال الثاني : ما فَائِدة ذكْر لَفْظَة " عَسَى " هَهُنا ؟
فالجواب : لأن فيها دَلاَلَة على \[ أن \][(٦)](#foonote-٦) ترك الهِجْرَة أمر مُضَيّق لا تَوْسِعة فيه، حتى أن المُضْطَر البَيِّن الاضْطِرَار من حَقِّه أن يقُول : عسى الله أن يَعْفُو عني، فكيف الحال في غَيْرِه، ذكره الزَّمَخْشَرِي[(٧)](#foonote-٧). 
قال ابن الخَطِيب : والأولى[(٨)](#foonote-٨) أن يكون الجَوَاب ما تَقَدَّم من أن الإنْسَان لشدة نُفْرَته عن مُفَارَقََة الوَطَن، رُبَّما ظَنَّ نَفْسَه عَاجِزاً عنها مع أنه لا يَكُون كَذَلِك، فلهذا المَعْنَى ذكر العَفْوَ بكلمة " عَسَى " لا بالكَلِمَة الدَّالَّة على القَطْع. 
قال المفَسِّرُون : وكلمة " عَسَى " من اللَّه وَاجِبٌ ؛ لأنه للإطْمَاع، والله - تعالى - إذا أطْمَعَ عَبْدَه أوْصَلَه إليه. 
ثم قال : وكان الله غفوراً رحيماً . 
ذكر الزَّجَّاج[(٩)](#foonote-٩) في كان ثلاثة أوجه :
الأول :" كان " قَبْل أن خلق الخَلْق مَوْصُوفَاً بِهَذِه الصِّفَةِ. 
الثاني : كان مع جَمِيع العِبَاد بِهذه الصِّفَة، والمقصود بَيَان أن هذا عَادَة الله أجْرَاها في حَقِّ خلقه. 
الثالث : أنه - تعالى - لو قال :" عفو غفور " كان هذا إخْبَاراً عن كَوْنِهِ كذلك فقط، ولمَّا قال : إنَّه كان كَذَلِكَ، فهذا إخْبَار وقع بِخَبَرِه على وَقْفِهِ، فكان ذلك أدلَّ على كونه صِدْقاً \[ وحَقّاً \][(١٠)](#foonote-١٠) ومُبَرَّأ عن الكَذِب. 
وقال ابن عباس : كُنْتُ أنا وأمِّي ممن عَذَرَ اللَّهُ \[ يعني \][(١١)](#foonote-١١) : من المستَضْعَفِيِن[(١٢)](#foonote-١٢)، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدْعُو لهؤلاءِ المسْتَضْعَفِين. 
 " روى أبو هُرَيْرَة ؛ قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا فقال : سَمِع الله لِمَنْ حَمِدَه في الرَّكْعَة الأخيرة[(١٣)](#foonote-١٣) \[ من صَلاَةِ العِشَاء \][(١٤)](#foonote-١٤) قنت[(١٥)](#foonote-١٥) : اللَّهمُ أنْجِ عيَّاش بن أبي رَبِيعَة، اللَّهُم أنْجِ الوليدَ بن الوليدَ، اللَّهُمَّ أنْج المسْتَضعَفِين[(١٦)](#foonote-١٦) من المؤمنين، اللهم اشْدُدْ وطْأتَكَ على مُضَر، اللهم اجْعَلْهَا عليهم سِنين كسِنِي يُوسُف ".

١ سقط في ب..
٢ في أ: يتقرر..
٣ في ب: والجواب..
٤ في أ: شك فيها..
٥ في ب: وليس..
٦ سقط في ب..
٧ ينظر: تفسير الرازي ١١/١٢..
٨ في أ: فالأولى..
٩ ينظر: تفسير الرازي ١١/١٢..
١٠ سقط في أ..
١١ سقط في أ..
١٢ تقدم..
١٣ في ب: الآخرة..
١٤ سقط في ب..
١٥ في أ: قلت..
١٦ في ب: اللهم أنج سلمه بن هشام اللهم أنج المستضعفين..

### الآية 4:100

> ﻿۞ وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً ۚ وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ ۗ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا [4:100]

وَمَن يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الأَرْضِ مُرَاغَماً كَثِيراً وَسَعَةً وَمَن يَخْرُجْ مِن بَيْتِهِ مُهَاجِراً إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلىَ اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَّحِيماً  \[ الآية \][(١)](#foonote-١). 
لما رَغَّبَ في الهِجْرَة، ذكر السَّبَب الذي يَمْنَع الإنْسَان من الهِجْرَة ثم أجَابَ عَنه، وذلك المَانِعُ أمْرَان :
الأوّل : أن يكون في وَطَنِه في راحةٍ وَرَفَاهِية فيظن[(٢)](#foonote-٢) لأنه بِمفَارَقَتِه للوَطَن يقع في الشِّدَّة وضيق العَيْش، فأجاب اللَّه عن ذلك بقوله : وَمَن يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الأَرْضِ مُرَاغَماً كَثِيراً وَسَعَةً . 
قال القرطبي[(٣)](#foonote-٣) : قوله : وَمَن يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ  شرط، وجَوَابُه : يَجِدْ فِي الأَرْضِ . 
واشتِقاق المُرَاغَم من الرغَام[(٤)](#foonote-٤) وهو التُّرَاب ؛ يقولون : رغم أنفه، ويريدون أنه وَصَل إلى شَيْء يَكْرَهُه ؛ لأن الأنْفَ عضو في غاية العِزَّة، والتُّرَاب في غاية الذِّلَّة، فجعلوا قولهم : رغم أنْفه كنَايَةً عن الذُّلِّ، إذا عرف هذا، \[ فنقول \][(٥)](#foonote-٥) المشهُور[(٦)](#foonote-٦) أن هذه المُرَاغَمة إنِّما حصلَت بسبَب فراقهِم، وخُرُوجهم عن دِيَارهم، وعن ابن عبَّاس :" مُرَاغماً " \[ أي \][(٧)](#foonote-٧) : مُتَحَوِّلاً \[ يتحوَّلُ إليه \][(٨)](#foonote-٨) [(٩)](#foonote-٩). 
وقال مُجَاهد : متَزَحْزحاً عما يكْره[(١٠)](#foonote-١٠)، سُمِّيت المهاجرة مُرَاغَمَة ؛ لأن من يَهَاَجر يراغم قَوْمَه ؛ لأنه لا يجد في ذلك \[ البَلَد \][(١١)](#foonote-١١) من النِّعْمَة والخَيْر، ما يكون سَبَباً لرغم أنْفِ أعْدَائِه الَّذِين كَانُوا معه في بلدته الأصْلِيّة، فإنه إذا اسْتَقَام حَالهُ في تِلْكَ البَلَد الأجْنَبِيَّة، وَوَصَل خَبَرُه إلى أهْل بَلدتهِ، خجلوا من سُوءِ معامَلَتِهم له، ورغمت أنُوفُهم بذلك وهَذَا أوْلى الوُجُوه. 
وأمَّا المَانِعِ الثاني عن الهجرة : فهو أن الإنْسَان يَقُول : إن خَرَجْت عن بَلَدي لطلب هذا الغَرَضِ، فربما وَصَلْتُ إليه، وربَّما لم أصِلْ إليه، فالأولى ألاَّ أُضِيعَ الرَّفَاهِيَة الحَاضَرة بسبب طَلَبِ شَيء قد يَحْصُل، فأجَابَ الله - تعالى - عن ذَلِك بقوله : وَمَن يَخْرُجْ مِن بَيْتِهِ مُهَاجِراً إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلىَ اللَّهِ . 
والمراد ب " السِّعَة " : سعة الرِّزْق، وقيل : سَعَة من الضَّلال إلى الهُدَى. 
قوله - تعالى - : وَمَن يَخْرُجْ \[ مِن بَيْتِهِ مُهَاجِراً إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلىَ اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَّحِيماً  \] [(١٢)](#foonote-١٢). 
روي أنه لما نَزَلت هذه الآيَةِ، سَمِعَها رجلٌ من بَنِي لَيْث شَيْخٌ كبير مَرِيضٌ يقال له : جُنْدَعُ بن ضَمْرة، فقال : واللَّه ما أنَا ممَّن استَثْنَى الله - عز وجل -، وإني لأجِدُ حِيلَة، ولي من المَالِ ما يُبَلِّغُنِي المَدِينَةَ وأبعد مِنْهَا، واللَّه لا أبِيتُ اللَّيلة بمكَّة، أخرِجُوني، فخرجوا به يَحْمِلُونه على سَرير حتى أتَوْا به التَّنْعِيم، فأدركه المَوْتُ، فصفَّق بيمِينِه على شِمَالِه، فقال : اللَّهُم هذه لك وهذه لِرَسُولِك، أبَايعُك على ما بَايَعَك عليه رَسُولكُ، فمات فَبَلَغ خَبَرُه أصْحَاب رسُول الله صلى الله عليه وسلم، فقالوا : لو وَافَى المَدِينَة لكان أتمَّ أجْراً. وضَحِكَ المُشْرِكُون وقالوا : ما أدْرَك هذا ما طَلَب، فأنْزَلَ الله - تعالى - : وَمَن يَخْرُجْ مِن بَيْتِهِ مُهَاجِراً إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ \[ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلىَ اللَّهِ  \] [(١٣)](#foonote-١٣) [(١٤)](#foonote-١٤) أي : قبل بُلُوغه إلى مهاجره، " فقد وقع أجْرُه على اللَّه ". 
أي : وجَب بإيجَابِه على نفسه فَضْلاً مِنْه. 
و " مُهَاجِراً " نصب على الحالِ من فَاعِل " يَخْرُج ". 
### فصل


قال بَعْضُهم : إن من قَصَد طاعَةً وعجز عن إتْمَامِهَا، كتب اللَّه ثَوابَ تِلْكَ الطَّاعَة ؛ كالمرِيض يَعْجَزُ عما كان يَعْمَلُه في حال صِحَّتِه من الطَّاعَة، فيكتب الله \[ لَهُ \][(١٥)](#foonote-١٥) ثواب ذلك العَمَل ؛ هكذا رُوِي عن النَّبِي صلى الله عليه وسلم. 
وقال آخَرُون : يُكْتَب له : أجر[(١٦)](#foonote-١٦) قَصْدِه، وأجْر القَدْرِ الذي أتَى به من ذَلِكَ العَمَل، أما أجْرُ تَمَام العَمَلِ، فذلك مُحَالٌ. 
والقول الأوَّل أوْلى ؛ لأنه - تعالى - ذكر هذه الآيَةِ في مَعْرِض التَّرْغِيب في الهِجْرة، وهو أنَّ من خرج للرَّغْبَة في[(١٧)](#foonote-١٧) الهِجْرة، فقد وجد ثَوَاب الهِجْرَة[(١٨)](#foonote-١٨)، والتَّرْغِيبُ إنما يَحْصُل بهذا المَعْنَى، فأما القَوْل بأنّ معنى الآيةِ هو أن يَصِل إليه ثَوَابُ ذَلِكَ القَدْر من العَمَل، فلا يَصْلُح مرغِّباً ؛ لأنه من المَعْلُوم أن كُلَّ من أتَى بِعَمَلٍ فإنه يَجِدُ الثَّوَاب[(١٩)](#foonote-١٩) المرتَّبَ على قَدْرِ ذلك العَمَل. 
### فصل : شبه المعتزلة في وجوب الثواب على الله والرد عليها


قالت المُعْتَزِلَة : هذه الآية تَدُلُّ على أن العمل يُوجِب الثَّوَاب على الله - تعالى - ؛ لقوله[(٢٠)](#foonote-٢٠) : فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلىَ اللَّهِ ، وذلك يدلُّ على قَوْلِنَا من ثلاثة أوجُه :
الأول : حقيقة الوُجُوب هو الوُقُوع والسُّقُوط ؛ قال - تعالى - : فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا 
\[ الحج : ٣٦ \] أي وقعت وسَقَطَت. 
وثانِيها : أنه ذَكَرُه بلفظ الأجْر، والأجر عبارة عن المَنْفَعَة المسْتَحقِّة، فأمَّا الذي لا يكُون مُسْتَحقاً، فلا يُسَمَّى أجْراً، بل يُسمَّى هِبَةً. 
وثالثها : قوله :" على الله " وكلمة " عَلَى " للوُجُوب ؛ قال - تعالى - : وَللَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ \[ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً  \][(٢١)](#foonote-٢١) \[ آل عمران : ٩٧ \]. 
والجواب : أنا لا نُنَازعُ في الوُجُوب، لكن بِحُكْم الوَعْد والتَّفْضُّل[(٢٢)](#foonote-٢٢) والكرم، لا بحكم الاسْتِحْقَاق الذي لو لم يفْعَل لخَرَج عن الإلهيَّة. 
### فصل


نقل القُرْطُبِي عن مالكٍ ؛ أنه قال : هذه الآية تدلُّ على أنَّهُ ليس لأحَدٍ المُقَامُ بأرض يُسَبُّ[(٢٣)](#foonote-٢٣) فيها السَّلَفُ ويُعْمَلُ فيها بِغَيْر الحَقِّ. 
### فصل


استدَلُّوا بهذه الآيَةِ على أنَّ الغَازِي إذا مَاتَ في الطَّرِيقِ، وَجَبَ سهْمُهُ في الغَنِيمَةِ، كما وَجَبَ أجْرُه، وفيه ضَعْفٌ ؛ لأن لَفْظَ الآيَةِ مَخْصُوص بالأجْر، وأيْضاً فاسْتِحْقَاق السَّهم من الغَنِيمَة مُسْتَحقٌّ بحيازَتِها، إذ لا يَكُون ذلك إلا بَعْد حِيَازَتِها. 
قوله - تعالى - : وَمَن يَخْرُجْ مِن بَيْتِهِ مُهَاجِراً إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ  قال عِكْرمَة مَوْلى ابْن عبَّاس : طَلَبْتُ اسم هذا الرَّجُل أرْبَع عَشْرَة سَنَة حتى وَجَدْتُه، وفي قول عِكْرمة \[ هذا \][(٢٤)](#foonote-٢٤) دَلِيلٌ على شَرَفِ هذا العِلْمِ، وأنَّ الاعْتِنَاء به حَسَنٌ والمَعْرِفَة به فَضْلٌ ؛ ونحوه قول \[ ابن عبَّاسٍ \][(٢٥)](#foonote-٢٥) : مكثت سِنين أريد أن أسْأل عُمَر - رضي الله عنه - عن المَرْأتَيْن اللَّتَيْن تظاهرتا على رسُول الله صلى الله عليه وسلم فما[(٢٦)](#foonote-٢٦) يَمْنَعُنِي إلا مَهَابَتُه، والذي ذَكَرَه عِكْرِمَة هو قَوْل ضمرة بن العِيص، أو العيص بن ضمرة بن زِنْبَاع، حَكَاه الطَّبَرِي عن سَعِيد بن جُبَيْر، ويقال فيه ضُمَيْرة أيضاً، وذَكَرَ أبُو عمرو أنَّه قد قِيلَ فيه : خَالِد بن حزام بن خُوَيْلد ابن أخِي خَدِيجَة \[ خرج \][(٢٧)](#foonote-٢٧) مُهَاجراً إلى أرْض الحَبَشَة، فَهَتَفَتْهُ حيَّة في الطَّرِيق، فمات قبل أن يَبْلُغ أرْض الحَبَشَة ؛ فأنزل الله فِيهِ الآية، وحكى ابْن الحَوْزِيّ أنه حَبيبُ بن ضَمْرة. 
وقال السُّدِّيُّ : ضَمْرة بن جُنْدب الضمريّ[(٢٨)](#foonote-٢٨). 
وحكى المهدَوِيّ أنه ضمرة بن ضمرة بن نُعيم، وقيل ضمرة بن خُزاعَةَ. 
وروى معمر عن قتادة : لما نَزَل قوله - تعالى - : إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظالمي أنفسهم  قال رَجُل من المُسْلِمِين وهو مَرِيضٌ : والله - تعالى - ما لي عُذْرٌ : إني لَدَلِيل في الطَّرِيق وإني لمُوسِرٌ، فاحْمِلُوني فأدْركه المَوْتُ في الطَّرِيق، فقال أصْحَاب النَّبِي صلى الله عليه وسلم : لو بَلَغ إلَيْنَا لتَمَّ أجْرُه، وقد مات بالتَّنْعِيم، وجاء بَنُوه إلى النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم وأخبروه بالقِصَّة، فنزل قوله : وَمَن يَخْرُجْ مِن بَيْتِهِ مُهَاجِراً \[ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ  \] [(٢٩)](#foonote-٢٩) الآية. 
قوله :" ثم يدركه " الجُمْهُور على جَزْم " يدركْه " عَطْفاً على الشَّرْطِ قبله، وجوابه :" فقد وقع " وقرأ الحَسَن البصري[(٣٠)](#foonote-٣٠) بالنَّصْب. 
قال ابن جِنِّي :" وهذا لَيْس بالسَّهْل، وإنما بَابُه الشَّعْر لا القُرْآنُ، وأنشد \[ الوافر \]
سَأتْرُكُ مَنْزِلِي لِبَنِي تَمِيم \*\*\* وَألْحَقُ بِالْحِجَازِ فَأسْتَرِيحَا[(٣١)](#foonote-٣١)
والآيةُ أقْوَى من هذا ؛ لتقدُّم الشرط قَبْلَ المَعْطُوف "، يعني : أن النَّصْب بإضْمَار " أن " إنَّمَا يقع بعد الواوِ والفَاءِ في جَوَابِ الأشْيَاء الثَّمانية أو عَاطِفٍ، على تَفْصِيلٍ في كُتُب النحو، والنَّصْبُ بإضْمَار " أن " في غَير تِلْك المَوَاضِع ضَرُورَةٌ ؛ كالبيتِ المتقدم ؛ وكَقوْل الآخر :\[ الطويل \]
. . . \*\*\* وَيَأوِي إلَيْهَا المُسْتَجِيرُ فَيُعْصَمَا[(٣٢)](#foonote-٣٢)
وتبع الزَّمَخْشِري أبا الفَتْح في ذلك، وأنْشَد البَيْت الأوَّل. وهذه المَسْألة جَوَّزها الكُوفيُّون لمدركٍ أخرَ، وهو أن الفِعْلَ الواقِع بين الشَّرْط والجَزَاء، يجوز فيه الرَّفْعُ والنَّصْبُ والجَزْمُ إذا وَقَعَ بعد الواوِ والفَاءِ ؛ واستدَلُّوا بقول الشَّاعر :\[ الطويل \]
ومَنْ لا يُقَدِّمْ رِجْلَهُ مُطْمَئِنَّةً \*\*\* فَيُثْبِتَهَا فِي مُسْتَوى الْقَاعِ يَزْلَقِ[(٣٣)](#foonote-٣٣)
وقول الآخر :\[ الطويل \]
ومَنْ يَقْتَربْ مِنَّا ويَخْضَعَ نُؤوِه \*\*\* ولا يَخْشَ ظُلْماً مَا أقَامَ وَلاَ هَضْمَا[(٣٤)](#foonote-٣٤)
وإذا ثَبَتَ ذلك في الواوِ والفَاءِ، فليَجُزْ في " ثُمَّ " ؛ لأنها حَرْف عَطْفٍ. 
وقرأ النَّخعِيُّ، وطَلْحَة بن مُصَرِّف[(٣٥)](#foonote-٣٥) برفع الكَافِ، وخَرَّجَها ابن جنِّي على إضْمَار مُبْتَدأ، أي :" ثم هو يُدْرِكُه المَوْتُ " فعطفَ جُمْلَةً اسمِيّة على فِعْليّة، وهي جُمْلَة الشَّرْطِ : الفعلُ المَجْزُومُ وفاعلُه، وعلى ذلك حَمَل يُونُس قولَ الأعْشَى :\[ البسيط \]
إنْ تَرْكَبُوا فَرُكُوبُ الخَيْلِ عَادَتُنَا \*\*\* أوْ تَنْزِلُون فَإنَّا مَعْشَرٌ نُزُلُ[(٣٦)](#foonote-٣٦)
أي : وأنتم تنزلون، ومثله قول الآخر :\[ البسيط \]
إنْ تُذْنِبُوا ثُمَّ تَأتِيِنِي بَقِيَّتُكُمْ \*\*\* فَمَا عَلَيَّ بِذَنْبٍ عِنْدَكُمْ حُوبُ[(٣٧)](#foonote-٣٧)
أي : ثم أنتم تَأتيني، وهذا أوْجهُ من أن يُحْمَل على أن يَأتِيني. قلتُ : يريدُ أنه لا يُحْمَلُ على إهْمَالِ الجَازِمِ، فيُرْفَعُ الفعل بعده، كما رفع في :
ألَمْ يَأتِيكَ والأنْبَاءُ تَنْمِي \*\*\* بِمَا لاَقَتْ لَبُونُ بَنِي زِيَادِ[(٣٨)](#foonote-٣٨)
فلم يَحْذِفِ اليَاء، وهذا البَيْت أنشده النَّحوي١ سقط في ب..
٢ في أ: فنظر..
٣ ينظر: تفسير القرطبي ٥/٢٢٣..
٤ في أ: الرغامة..
٥ سقط في ب..
٦ في ب: فالمشهور..
٧ سقط في ب..
٨ سقط في ب..
٩ أخرجه الطبري في "تفسيره" (٩/١١٩) عن ابن عباس والضحاك وذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٢/٣٦٨) من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس وزاد نسبته لابن المنذر وابن أبي حاتم..
١٠ أخرجه الطبري في "تفسيره" (٩/١٢٠) عن مجاهد وذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٢/٣٦٨) وزاد نسبته لعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم..
١١ سقط في ب..
١٢ سقط في أ..
١٣ سقط في أ..
١٤ أخرجه أبو يعلى (٥/٨١) رقم (٢٦٧٩) والطبري في "تفسيره" (٥/٢٤٠) وابن أبي حاتم كما في "تفسير ابن كثير" (٢/٣٧٢) والطبراني في "الكبير" كما في "مجمع الزوائد" (٧/١٠) عن ابن عباس.
 وذكره الهيثمي في "مجمع الزوائد" (٧/١٠) وقال رواه أبو يعلى ورجاله ثقات كما أورده الحافظ ابن حجر في "المطالب العالية" (٣٥٢٨) وعزاه لأبي يعلى وأخرجه الطبري في "تفسيره" (٩/١١٧) من وجه آخر عن ابن عباس وذكره السيوطي من هذا الوجه في "الدر المنثور" (٢/٣٦٨) وزاد نسبته لابن المنذر وابن أبي حاتم..
١٥ سقط في أ..
١٦ في أ: الأجر..
١٧ في أ: من..
١٨ في ب: الآخرة..
١٩ في أ: يثاب..
٢٠ في ب: لقوله تعالى..
٢١ سقط في ب..
٢٢ في ب: الفضل..
٢٣ في ب: يسبب..
٢٤ سقط في ب..
٢٥ سقط في أ..
٢٦ في ب: ما..
٢٧ سقط في ب..
٢٨ ينظر: تفسير القرطبي ٥/٢٢٤..
٢٩ سقط في ب..
٣٠ وقرأ بها قتادة ونبيح والجراح كما في المحرر الوجيز ٢/١٠٢، وينظر: البحر المحيط ٣/٣٥١، والدر المصون ٢/٤٢٠..
٣١ تقدم برقم ٧٥٩..
٣٢ تقدم برقم ٧٦٠..
٣٣ البيت لابن زهير ينظر: الكشاف ٣/٨٩، شرح أبيات سيبويه ٢/١١٩، وهو لزهير بن أبي سلمى ينظر ديوانه ص ٢٥٠، وينظر: المقتضب ٢/٢٣، ٦٧، والدر المصون ٢/٤٢٠..
٣٤ ينظر: أوضح المسالك ٤/١٤، وشرح الأشموني ٣/٥٩١، وشرح التصريح ٢/٢٥١، وشرح شواهد المغني ٢/٤٠١، وشرح شذور الذهب ص ٤٥٤، ومغني اللبيب ٢/٥٦٦، والمقاصد النحوية ٤/٤٣٤ والدر المصون ٢/٤٢٠..
٣٥ ينظر: المحرر الوجيز ٢/١٠٢، والبحر المحيط ٣/٣٥٠، والدر المصون ٢/٤٢٠..
٣٦ تقدم برقم ١٧٢٥..
٣٧ البيت لرويشد الطائي ينظر شرح ديوان الحماسة للمرزوقي ١/١٦٨ واللسان (بقي) والدر المصون ٢/٤٢٠..
٣٨ البيت لقيس بن زهير ينظر الكتاب ٣/٣١٦، والتصريح ١/٨٧ والخزانة ٣/٥٣٤ وابن يعيش ٨/٢٤ وابن الشجري ١/٨٤ ـ ٨٥ والخصائص ١/٣٣٣ والهمع ١/٥٢ والدر المصون ٢/٤٢٠..

### الآية 4:101

> ﻿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا ۚ إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِينًا [4:101]

لما ذَكَرَ الجِهَاد ذَكَرَ أحد الأمُور التي يَحْتَاج إليها المُجَاهِد، وهو مَعْرِفَة كَيْفِيَّة أداء الصَّلاةِ في الخَوْف، والاشْتِغَال بمُحارَبَة العَدُوِّ. 
 " أن تقصروا " : هذا على حَذْفِ الخَافِضِ، أي : في أن تَقْصُرُوا، فيكونُ في مَحَلِّ " أنْ " الوَجْهَان المَشْهُوران، وهذا الجَارُّ يتعلَّقُ بلفظِ " جُنَاح " أي : فََليْسَ عَلَيْكُم جُنَاحٌ في قَصْرِ الصَّلاة. 
قال الوَاحِدِيُّ : يُقَال : قَصَرَ فلان صَلاَتهُ، وأقصرها وقَصَّرَها، وكُلُّ جَائِزٌ. 
والجمهور على " تَقْصُروا " من " قَصَرَ " ثلاثياً[(١)](#foonote-١)، وقرأ ابن عبَّاس :" تُقْصِروا " من " أقْصر "، وهما لُغَتَان : قَصَر وأقْصَر، حكاهما الأزْهَرِيُّ، وقرأ الضَّبِيُّ عن رجاله بقراءة ابن عبَّاسٍ، وقرأ الزُّهري :" تُقَصِّروا " مشدّداً على التَّكْثِيرِ. 
قوله :" من الصَّلاة " في " مِنْ " وَجْهَان :
أظهرهُما : إنها تَبْعِيضيَّةٌ، وهذا مَعْنَى قول أبي البقاء[(٢)](#foonote-٢)، وزعم أنه مَذْهَب سيبويه، وأنَّها صفةٌ لمَحْذُوفٍ، تقديرُه : شيئاً من الصلاة. 
والثاني : أنَّها زائدةٌ، وهذا رأيُ الأخْفَش فإنه لا يَشْتَرِطُ في زِيَادتها شيئاً، و " أن يَفْتِنَكم " : مفعُول " خفِْتُم ". 
وقرأ عبد الله[(٣)](#foonote-٣) بن مَسْعُود، وأبَيُّ :" من الصَّلاة أن يفتنكُم " بإسقاط الجُمْلة الشَّرْطيّة، و " أن يفتِنَكُم " على هذه القراءة، مَفْعُولٌ من أجْله، ولغةُ الحِجَاز :" فَتَنَ " ثُلاثياً، وتميم وقَيْس :" أفْتَن " رُبَاعياً.

### فصل


لفظ القَصْر مُشْعِرٌ بالتَّخْفِيف ؛ لأنه لَيْس صريحاً في أنَّ المُرادَ : هو القَصر في عَددِ الركعَات، أي : في كيْفِيَّة أدائِها، فلا جَرَم حصل في الآيَة قولان :
الأوّل : قَوْل الجُمْهُور أنَّ المراد مِنْه : القَصْر في عدد الرَّكَعَات والقَائِلون بهذا القَوْلِ اختلفُوا على قَوْلَيْن :
الأوّل : أن المراد مِنْهُ : صلاة المُسَافِر ؛ وهو أنَّ كُلَّ صَلاَةٍ تكُونُ في الحَضَر أرْبَع رَكَعَاتٍ، فإنها تَصِير[(٤)](#foonote-٤) في السَّفَرِ رَكْعَتِيْنِ، وعلى هَذَا إنَّما يَدْخُل القَصْر في الرُّبَاعِيَّة خاصَّة. 
الثاني : أنَّ المراد : صلاَة الخَوْف في السَّفَر، وهو قَوْل ابن عبَّاسٍ، وجَابِر بن عبد الله، وجماعة، قال ابن عبَّاس : فَرَضَ اللَّه صلاة الحَضَر أرْبَعاً، وصلاة \[ السَّفر ركعتَيْن \][(٥)](#foonote-٥)، وصلاة الخَوْفِ رَكْعَةً على لسان نَبِيِّكُم صلى الله عليه وسلم[(٦)](#foonote-٦). 
القول الثاني : أن المُرَاد من القَصْر : التَّخْفِيف في كيْفِيَّة أداء الرَّكَعَات، وهو أن يُكتفى في الصَّلاة بالإيمَاءِ والإشَارَة بدل الرُّكُوع والسُّجُود، وأن يَجُوز المَشْيُ في الصَّلاة، وأن تجُوز الصلاة عند تلَطُّخ الثَّوْب بالدَّمِ[(٧)](#foonote-٧) وهو الصَّلاة حال التِحَام القِتَال، \[ وهو مَرْوِيٌّ عن ابْن عَبَّاسِ وطاووس[(٨)](#foonote-٨)، واحتَجُّوا : بأنَّ خوف فِتْنَة العَدُوِّ لا تَزُول فيمَا يُؤتَى بِرَكْعَتِيْن على تَمَامِ أوْصَافِهَا، وإنما عَيَّن ذَلِكَ فيما يَشْتَدُّ فيه الخَوْف حَالَ التِحام القِتَال \][(٩)](#foonote-٩)، وهذا ضَعِيفٌ ؛ لأنه يُمْكِن إن يُقَال : إن المُسَافر إذا كانَت الصَّلاة قَلِيلَة الرَّكَعَاتِ، فيمكنه[(١٠)](#foonote-١٠) أنْ يَأتِيَ بِهَا على وَجهٍ لا يَكُون خَصْمُه عَالِماً بَِكَوْنِهِ مُصَلِّياً أما إذا كثُرت الرَّكَعَات، طالَت الصَّلاة، ولا يُمْكِنُه أن يَأتِي بها على حين غَفْلَةٍ مع العَدُوِّ، وحَمْل لفظِ القصْر على إسْقَاط \[ بَعْض \][(١١)](#foonote-١١) الرَّكَعَاتِ أوْلَى لوجوه :
أحدُها : ما رُوِيَ عن يعلى[(١٢)](#foonote-١٢) بن أمَيَّة أنَّه قال : قلت لعمر بن الخَطَّاب - رضي الله عنه - : كيف نَقْصُر وقد أمِنَّا، وقد قال الله - تعالى - : فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَقْصُرُواْ مِنَ الصَّلاَةِ إِنْ خِفْتُمْ  فقال : عَجِبْتُ مِمَّا عَجِبْتَ مِنْهُ ؛ فَسَأَلْتُ الرَّسُولَ - عليه الصلاة والسلام - فَقَالَ :" صَدَقَةٌ تَصَدَّقَ اللَّهُ بِهَا عَلَيْكُم، فاقْبَلُوا صَدَقَتَهُ[(١٣)](#foonote-١٣) " [(١٤)](#foonote-١٤)، وهذا يدلُّ على أن القَصْر المذكُور في الآية[(١٥)](#foonote-١٥)، وهو القصْرُ في عَدَدِ الركَعَاتِ. 
الثاني : أن القَصْر عبارةٌ عن أن يؤتى بِبَعْض الشَّيْء ويقتصر عَلَيْه، فإمَّا أن يُؤتَى بشَيٍْ آخَرَ، فذلك لا يُسَمَّى قَصراً، ومعْلُوم : أن إقامَة الإيماء[(١٦)](#foonote-١٦) \[ مَقَامَ \][(١٧)](#foonote-١٧) الرُّكُوع والسُّجُود، وتَجويز المَشْي في الصَّلاة، وتَجْوِيز الصَّلاة مع الثَوْب المُلَطَّخ بالدَّم، ليس شيء من ذلك قَصْراً ؛ بل كُلُّها إثباتٌ لأحْكَامِ جديدةٍ، وإقَامَة لشَيْءٍ مَقَامَ شَيْء آخَرَ. 
الثالث : أن " مِنْ " في قوله :" مِنَ الصّلاة " للتَّبْعيضِ، وذلك يُوجِبُ جَوازَ الاقْتِصَارِ على بَعْضِ الصَّلاة. 
الرابع : أن لَفْظَ القَصْر كان في عُرْفِهِم مَخصُوصاً بتنْقِيصِ عددِ الرَّكَعَاتِ، ولهذا لمَّا صلَّى النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم الظُّهر رَكْعِتَيْنِ، قال ذو اليَدَيْنِ :" أقصُرَتِ الصلاةُ أم نَسِيتَ ؟ ". 
الخامس : القَصْر بمعنى : تغير هَيْئَةٍ \[ الصَّلاة \][(١٨)](#foonote-١٨) المَذْكُورة في الآيةِ الَّتِي بَعْدَهَا توجب أن يكُون المُراد من هذه الآيَة بَيَان القَصْر، بمعنى حذف بَعْض الرَّكعَات، لئلا يَلْزَم التَّكْرَار. 
### فصل هل الأفضل الإتمام أم القصر ؟


قصر الصَّلاة في السَّفر[(١٩)](#foonote-١٩) جَائِز بالإجْمَاعِ، واخْتَلَفُوا في جواز الإتْمَام. 
فذهب أكْثَرُهُم إلى أن القَصْرَ واجِبٌ، وهو قَوْل عُمَر وعَلِيِّ، وابن عُمَر، وجابر، وابن عبَّاس، وبه قال الحَسَن وعُمَر بن عَبْد العَزِيز، وقتادة، وهو قول مالِكٍ وأصحاب الرأي بما روتْ[(٢٠)](#foonote-٢٠) عائِشَة - رضي الله عنها -، قالت :" الصَّلاةُ أوَّل ما فُرِضت \[ رَكْعَتَيْن في الحَضَر والسَّفَر فأقِرَّتْ \][(٢١)](#foonote-٢١) صَلاَة السَّفَر، وأتِمَّت صَلاةُ الحَضَر ". 
وذهب قَومٌ إلى جواز الإتْمَام، رُوِيَ ذلك عن عُثْمَان \[ وسَعْد \][(٢٢)](#foonote-٢٢) بن أبِي وَقَّاصٍ، وبه قال الشَّافِعِيُّ إن شاءَ أتَمَّ، وإن شاءَ قَصَر، والقَصْر أفْضَل. 
### فصل


قال أهل الظَّاهِر : قَلِيلُ السَّفَر وكَثِيرُه[(٢٣)](#foonote-٢٣) سَوَاء ؛ لِظَاهِر الآية، فإن الآيَة مرتَّبَةٌ من شَرْط وجَزَاء، فإذا وُجِدَ الشَّرْط وهو الضَّرْب في الأرْض، ترتَّبَ[(٢٤)](#foonote-٢٤) عَلَيْه \[ الجزاء \][(٢٥)](#foonote-٢٥) سواء كَانَ طَويلاً أوْ قَصِيراً، وذلك مَرْوِيٌّ عن أنَسٍ، وقال عَمْرو بن دِينَار : قال لي جَابر بن زَيد : أقْصِر بعَرَفَة. 
فإن قيل : هذا يَقْتَضِي حُصُول الرُّخْصَة عند انْتِقَال الإنْسَان من مَحَلَّة إلى مَحَلَّة. فالجواب : لا نُسَلِّم أنَّ هذا ضَرْب في الأرْضِ، وإن سُلِّم، فنقول : الإجْمَاع مُنْعَقِدٌ على أنَّه غير مُعْتَبَر، فَهَذا تَخْصِيصٌ بالإجْمَاع، والعامُّ بعد التَّخْصيص حُجَّة. 
وقال الجُمْهُور : إن السَّفر ما لم يتقدَّر بِمقْدَار مَخْصُوصٍ، لم تَحْصُل فيه الرُّخْصَة، وقالوا : أجْمَع السَّلَف على أنَّ أقَل السَّفِر مقدَّرٌ، لأنه رُوِيَ عن عُمَر أنَّه يَقْصِر في يَوْم تامٍّ[(٢٦)](#foonote-٢٦) ؛ وبه قَالَ الزُّهرِي والأوْزَاعِيُّ. 
وقال ابْن عَبَّاس : يَقْصرُ إذا زَادَ علي يَوْم ولَيْلَة[(٢٧)](#foonote-٢٧). 
قال أنَس : المُعْتَبَر خَمْسَة فَرَاسِخ[(٢٨)](#foonote-٢٨)، وقال الحَسَن : مَسِيرة لَيْلَتَيْن[(٢٩)](#foonote-٢٩). 
وقال الشَعْبِي، والنَّخعِي، وسعيد بن جُبَيْر : من الكُوفَة إلى المَدَائِن مسيرة ثلاثةَ أيّام[(٣٠)](#foonote-٣٠)، وهو قول أبِي حَنِيفَة، وروى الحَسَن بن زِيَاد، عن أبي حنيفة : أنَّهُ إذا سَافَر إلى موضع يكون مَسيرة يَوْمَيْن، وأكثر اليوم الثَّالِث، جاز القَصْر، وهكذا رَوَاهُ ابن سماعة، عن أبِي يُوسُف ومحمَّد. 
وقال مَالِكٌ : أمْيَال بأمْيَال هَاشِم جَدَّ رسُول الله صلى الله عليه وسلم، وهو الذي قدَّر أمْيَال البَادِية ؛ كل ميلٍ اثْنَا عَشَر ألف قدم، وهي أرْبَعَةٌ آلاف خطوة، فإن كل ثَلاثَة أقْدام خُطْوة، قالوا : واختِلاَف النَّاس يدل على انْعِقَاد الإجْمَاع، على أن الحُكْم غير مَرْبُوط بِمُطْلَق السَّفَر. 
قال أهل الظاهر : اضْطِرَابُهم يَدُلُّ على أنَّهم لم يَجِدُوا دَلِيلاً في تَقْدِير المُدَّة، إذ لو[(٣١)](#foonote-٣١) وَجَدُوه لما حَصَل الاضْطِرَاب، وأما سُكُوت \[ سَائِر \][(٣٢)](#foonote-٣٢) الصَّحَابَة ؛ فلعَلَّه كان لاعْتِقَادِهم أنّ الآية دَالَّة على ارتِبَاط الحُكْمِ بِمُطْلَقِ السَّفَر، وإذا كان الحُكْم مَذْكُوراً في نَصِّ القُرْآن، لم يكن بِهِم حَاجَةٌ إلى الاجْتِهَاد والاستِنْبَاطِ ؛ فلهذا سَكَتوا، فاستدل الحَنفيَّة على تقدير المُدَّة بقوله - عليه الصلاة والسلام :" يَمْسَحُ المُسَافِر ثَلاَثَة أيّامٍٍ " ؛ وهو يدل على أنَّه إذَا لَمْ يَحْصُل المَسْح ثلاثة أيَّام، لا يسَمَّى مسافِراً. 
واستدل الشَّافعيَّة بما رَوَى مُجَاهِدٌ وعطاء، عن ابن عبَّاس، عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال :" يا أهْل مَكَّة، لا تَقْصُروا في أدْنَى من أرْبَعة بُرُد من مَكَّة إلى عُسْفَان " [(٣٣)](#foonote-٣٣) قال أهل الظَّاهِر : وهذا تَخْصِيص لعُمُوم القُرْآن[(٣٤)](#foonote-٣٤) بخَيْر الوَاحِد، وهو لا يَجُوز ؛ لأن القُرْآن مَقْطُوع به والخَبَر مَظْنُونٌ، وقال عليه الصلاة والسلام :" إذا رُوِيَ عَنِّي حديثٌ فاعْرِضُوه على كِتَاب اللَّه - \[ تعالى \][(٣٥)](#foonote-٣٥) -، فإن وَافق، فَاقْبَلُوه، وإلا فَرُدُّوهُ " وهذا مُخَالِفٌ لعموم الكِتَاب، وأيْضاً فإنها أخْبَار وردَتْ في وَاقِعَةٍ تَعُمُّ الحاجَةُ إلى مَعْرفتها ؛ لأن الصَّحابة - رضي الله عنهم - كانُوا في أكْثَر الأوْقَات في السَّفَر والغَزْو، فلو كَانَت الرُّخْصَة مَخْصُوصَة بِسَفَرٍ مقدَّر، لعرفوها ونَقَلُوها نقلاً متواتراً، لا سِيَّمَا وهو عَلَى خِلاف ظَاهِر القُرْآن، وأيضاً : فدلائل الشَّافعيَّة ودلائل الحَنَفِيَّة متقابِلة مُتَدافعة فسقَطَت[(٣٦)](#foonote-٣٦) ووجبَ الرُّجُوع لِظَاهِرِ القُرْآنِ. 
### فصل


خصَّ أهلُ الظَّاهر جواز القصر بِحَال الخَوْف ؛ لقوله - تعالى - : فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَقْصُرُواْ مِنَ الصَّلاَةِ إِنْ خِفْتُمْ  والمَشْرُوط بالشَّيْءِ عدمٌ، عند عَدَمِ ذلك الشَّيءِ، ولا يَجُوز دفع هذا الشَّرط بأخْبَار الآحَادِ ؛ لأن نَسْخَ القُرْآنِ بِخَبر الوَاحِدِ لا يَجُوز. 
قوله : إِنْ خِفْتُمْ أَن يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُواْ  فقيل : إن يَفْتِنُوكم عن إتْمَام الرُّكُوع \[ والسُّجُود \][(٣٧)](#foonote-٣٧)، وقيل :" أن يفتنكم " أي يغلبكم الَّذين كَفَرُوا في الصَّلاة، ونَظِيرُه قوله :\[ تعالى \][(٣٨)](#foonote-٣٨) : على خوف من فرعون وملإيهم أن يفتنهم  عن الصلاة ؛ لأن كُلَّ مِحْنَة، وبَلِيّة، وشِدَّة فهي فِتْنَة، وجَواب الشَّرْط مَحْذُوف يَدُلُّ عليه ما قَبْلَه. 
وقيل : الكَلاَم تَمَّ \[ عند قوله :" مِنَ الصَّلاة " [(٣٩)](#foonote-٣٩) \] والجملة الشَّرْطيةُ مُسْتَأنَفةٌ حتى قيلَ : إنها نَزَلَت بعد سَنَةٍ عن نُزُول ما قَبْل١ ينظر في قراءات هذا الفعل: المحرر الوجيز ٢/١٠٤، والبحر المحيط ٣/٣٥٣، والدر المصون ٢/٤٢٢..
٢ ينظر: الإملاء ١/١٩٤..
٣ ينظر: المحرر الوجيز ٢/١٠٤، والبحر المحيط ٣/٣٥٣، والدر المصون ٢/٤٢٢..
٤ في ب: تقصد..
٥ سقط في ب..
٦ أخرجه مسلم في صلاة المسافرين (٥/٦٨٧)، وأبو داود ٢/١٧، في الصلاة: باب من قال يصلي لكل طائفة ركعة (١٢٤٧)..
٧ في أ: الدم بالثوب..
٨ ينظر: تفسير الرازي ١١/١٥..
٩ سقط في ب..
١٠ في ب: يمكنه..
١١ سقط في ب..
١٢ في أ: لعلي..
١٣ أخرجه مسلم ١/٤٧٨ كتاب صلاة المسافرين، باب صلاة المسافرين ٤/٦٨٦ وأخرجه في الصلاة: باب صلاة المسافر (١١٩٩)، والترمذي ٥/٢٢٧، في التفسير: باب (٥) (٣٠٢٤)، وأخرجه ابن ماجه ١/٣٣٩ في إقامة الصلاة: باب تقصير الصلاة ١٠٥٦، والشافعي ١/٣١١.
 وأبو داود (٢/٤) رقم (١١٩٩) والبيهقي (٣/١٣٤، ١٤٠، ١٤١) والطبري في "تفسيره" (٩/١٢٤) وأحمد رقم (١٧٤، ٢٤٤، ٢٤٥ ـ شاكر) من حديث عمر بن الخطاب.
 وذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٢/٣٧١) وزاد نسبته إلى ابن الجارود وابن خزيمة وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن النحاس في ناسخه..
١٤ في البيضاوي الجواب بأن إن خفتم جملة شرطية باعتبار الغالب في ذلك الوقت ولذلك لم يعتبر مفهومها على أن هناك قراءة شاذة بإسقاط هذه الجملة. انتهى..
١٥ في أ: الأمر..
١٦ في أ: الإيمان..
١٧ سقط في أ..
١٨ سقط في ب..
١٩ في أ: السفر في الصلاة..
٢٠ في أ: كما أوت..
٢١ سقط في أ..
٢٢ سقط في أ..
٢٣ في أ: كثير القر وقليله..
٢٤ في أ: نزلت..
٢٥ سقط في أ..
٢٦ ينظر: "التفسير الكبير" للرازي (١١/١٧)..
٢٧ ينظر: المصدر السابق..
٢٨ ينظر: المصدر السابق..
٢٩ ينظر: المصدر السابق..
٣٠ ينظر: المصدر السابق..
٣١ في ب: ولو..
٣٢ سقط في ب..
٣٣ أخرجه الدارقطني (١/٣٨٧) والبيهقي (٣/١٣٧ ـ ١٣٨) والطبراني في "الكبير" (١١/٩٧) من طريق إسماعيل بن عياش عن عبد الوهاب بن مجاهد عن أبيه وعطاء عن ابن عباس مرفوعا.
 والحديث ذكره الهيثمي في "مجمع الزوائد" (٢/١٥٧) وقال: رواه الطبراني في الكبير من رواية ابن مجاهد عن أبيه وعطاء ولم أعرفه وبقية رجاله ثقات وذكره الحافظ في "الفتح" (٢/٤٦٧) وقال: وهذا إسناد ضعيف من أجل عبد الوهاب. 
 كما أورده في "تلخيص الحبير" (٢/٤٦) وقال: وإسناده ضعيف فيه عبد الوهاب بن مجاهد وهو متروك رواه عنه إسماعيل بن عياش وروايته عن الحجازيين ضعيفة والصحيح عن ابن عباس من قوله..
٣٤ في أ: للقرآن بعموم..
٣٥ سقط في أ..
٣٦ في أ: فتساقطت..
٣٧ سقط في أ..
٣٨ سقط في أ..
٣٩ سقط في ب..

### الآية 4:102

> ﻿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَىٰ لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ ۗ وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً وَاحِدَةً ۚ وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كَانَ بِكُمْ أَذًى مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضَىٰ أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ ۖ وَخُذُوا حِذْرَكُمْ ۗ إِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا [4:102]

وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاَةَ فَلْتَقُمْ طَآئِفَةٌ مِّنْهُمْ مَّعَكَ وَلْيَأْخُذُواْ أَسْلِحَتَهُمْ \[ فَإِذَا سَجَدُواْ فَلْيَكُونُواْ مِن وَرَائِكُمْ وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّواْ فَلْيُصَلُّواْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُواْ حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَّيْلَةً وَاحِدَةً وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِن كَانَ بِكُمْ أَذًى مِّن مَّطَرٍ أَوْ كُنتُمْ مَّرْضَى أَن تَضَعُواْ أَسْلِحَتَكُمْ وَخُذُواْ حِذْرَكُمْ إِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَاباً مُّهِيناً ١٠٧  \][(١)](#foonote-١)
كما بيَّن قَصْر الصَّلاة يحَسبِ الكَمَِّيَّة في العَدَدِ، بين في هذه الآيَة كَيْفِيَّتَها، والضَّمِير في " فِيهِم " يعُود الضَّاربين في الأرضِ، وقيل على الخَائِفَين. 
روى الكَلْبِيُّ، عن أبِي صَالح ؛ عن ابن عبَّاس، وجابر - رضي الله عنهم - : أن المُشْرِكِين لَمَّا رأوْا رسُول الله صلى الله عليه وسلم وأصْحَابَهُ قاموا في الظُّهْر يُصَلُّون جميعاً، نَدِمُوا ألاّ كَانُوا أكبُّوا عليهم، فقال بَعْضُهم لبعضٍ : دَعْهم فإنَّ لهم بَعْدَها صَلاة هي أحَبُّ إليهم من آبَائِهِم وأبْنَائِهِم، يعني : صَلاَة العَصْر، فإذا قَامُوا فيها[(٢)](#foonote-٢) فَشُدُّوا عليهم، فاقْتُلُوهم ؛ فنزل جِبْرِيل فقال : يا محمَّد إنَّها صلاة الخَوْفِ، وإن الله - عز وجل - يقُول : وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاَةَ  فعلَّمه صَلاَةَ الخَوْفِ. 
### فصل : هل صلاة الخوف خاصة بالرسول صلى الله عليه وسلم


قال أبُو يُوسف، والحَسَن بن زِيَاد : صلاة الخَوْف كانت خَاصَّة للرسول - عليه الصلاة والسلام -، ولا تجُوز لغيره ؛ لقوله - تعالى - : وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ . 
وقال المُزَني : كانت ثَابِتَةً ثم نُسِخَتْ، ومذهب الجُمْهُور : ثُبوتُها في حقِّ كل الأمَّة ؛ لقوله - تعالى - : وَاتَّبِعُوهُ  \[ الأعراف : ١٥٨ \] وأن حكمها باقٍ، وقد ورد كيفيَّة صَلاَة الخَوْفِ على سِتَّة أوْجُه مذكُورة في كُتُبِ الفِقْهِ. 
قال أحْمد بن حَنْبَل : كُلُّ حَدِيثٍ رُوِيَ في أبْواب صَلاةِ الخَوْفِ، فالعَمَل به جَائِزٌ، روي فيه سِتَّةُ أوْجُه، أو سبْعَة أوْجُه. 
قوله : وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ  أي : شَهِيداً مَعَهُم في غَزَواتهم،  فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاَةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِّنْهُمْ مَّعَكَ  أي : فَلْتَقِفْ ؛ كقوله - تعالى - : وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُواْ 
\[ البقرة : ٢٠ \] أي : وَقَفُوا، والمعنى : فاجْعَلْهم طَائِفَتَيْن، فَلْتَقُم طَائِفة منهم مَعَك، فَصَلِّ بهم. 
وقرأ الحسن[(٣)](#foonote-٣) " فَلِتَقُمْ " بِكَسْر لاَمِ الأمْر وهو الأصْل، " وليأخذوا أسلحتهم " والضَّمير : إمَّا للمُصَلِّين، أو لغيرهم، فإنَ كان للمُصَلِّين، \[ فقالوا \][(٤)](#foonote-٤) : يأخُذُون[(٥)](#foonote-٥) من السِّلاح ما لا يَشَغلُهُم عن الصَّلاة ؛ كالسَّيْف والخنجَر ؛ لأن ذلك أقْرَب إلى الإحْتِيَاط، وأمْنَع للعدُوِّ[(٦)](#foonote-٦) من الإقْدَام عَلَيْهِم، وإن كان لِغَيْر المُصَلِّين، وهُم الطَّائِفَةُ الأخْرى التي تَحْرُس المُصَلِّين، فلا كَلاَمَ. 
واحتار الزَّجَّاج[(٧)](#foonote-٧) عَوْدَه على الجَميع، قال :" لأنه أهْيَب للعَدُوَِّ ". والسِّلاح : ما يُقَاتَل به، وجمعه أسْلِحَة وهو مُذكَّر، وقد يُؤنَّث باعْتِبَار الشَّوْكَة، قال الطِّرمَّاحُ :\[ الطويل \]يَهُزُّ سِلاحاً لَمْ يَرِثْهَا كَلاَلَةً  يشُكُّ بِهَا مِنْهَا غُمُوضَ المَغَابِنِ[(٨)](#foonote-٨)فأعاد الضَّمير عليه كَضَمير المؤنَّثة، ويقال : سلاح كحِمَار، وسِلْحٌ كضِلْع، وسُلَح كصُرَد، وسُلْحَان كسُلْطان ؛ نقله أبو بكر دُرَيْد. والسَّلِيحُ : نبت إذا رَعَتْه الإبل، سَمِنَتْ وغَزُرَ لبنُها، وما يُلْقيه البَعِيرُ من جَوْفِه، يقال له :" سُلاحٌ " بزنة غُلام، ثم عُبِّر به عن كُلِّ عَذِرة، حتى قيل في الحُبَارَى، " سِلاحُه \[ سُلاحُه \] ". 
ثم قال - تعالى - : فَإِذَا سَجَدُواْ فَلْيَكُونُواْ مِن وَرَائِكُمْ  يعني : غير المُصَلِّين من وَرَائِكُم يَحْرُسُونكم يريد : مكان الَّذِين هم تجاه العَدُو، ثم قال - \[ تعالى \][(٩)](#foonote-٩) - : وَلْتَأْتِ طَآئِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّواْ فَلْيُصَلُّواْ مَعَكَ  وهم الَّّذِين كانُوا في تجاه العَدُوِّ، وقرأ أبو حَيْوة[(١٠)](#foonote-١٠) :" وليأتِ " بناء على تذكيرِ الطَّائِفَةِ، ورُوِيَ عن أبِي عَمْرو : الإظْهَارُ والإدْغَامُ في " ولتأتِ طَائَفَةٌ ". 
قوله :" لم يصلوا " الجُمْلة في محلِّ رَفْع ؛ لأنها \[ صفة ل " طَائِفة " بعد صِفَةٍ، ويجُوز أن يكُون في مَحَلِّ نَصْب على الحَال ؛ لأن النَّكِرَة \][(١١)](#foonote-١١) قَبْلَهَا تخصَّصَت بالوَصْفِ بِأخْرى. ثم قال  وَلْيَأْخُذُواْ حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ  والمعْنَى : أنه - تعالى - جعل الحَذَر : الَّذِي هو التحذُّر والتَّيَقُّظ آلة يِسْتَعْمِلُها الغازي ؛ فَلِذَلِكَ جمع بينَه وبين الأسْلِحَةِ في الأخْذِ ؛ وجُعِلاَ مأخُوذَيْن، وهذا مَجَازٌ ؛ كقوله : تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ  \[ الحشر : ٩ \] في أحَد الأوْجُه. 
قال الوَاحِدِيِ[(١٢)](#foonote-١٢) رحمه الله تعالى : وفيه رُخْصَة للخَائِفِ في الصَّلاة، بأن يَجْعَل بَعْضَ فكْره في غَيْرِ الصَّلاةِ. 
فإن قيل : لِمَ ذَكَرَ في الآيَةِ الأولى :" أسْلِحَتُهم " فقط، وفي هذه الآيَة ذكر " حِذْرَهُم وأسلحتهم " ؟
فالجوابُ : أن في أوَّل الصلاة قلَّما يَنْتَبِهُ العَدُوُّ : لكون المُسْلِمِين في الصَّلاة، بل يظُنُّون كونهمُ قَائِمين لأجْل المُحَارَبة، وأما في الرَّكْعَة الثَّانِيَة، فقد يَظْهَرُ للعَدُوِّ كونهم في الصَّلاة، فَهَهُنا يتنهزُون الفُرصة في الهُجُوم عليهم، فلذلك خَصَّ الله \[ - تعالى - \][(١٣)](#foonote-١٣) هذا المَوْضِع بزِيَادَة تَحْذِير. 
ثم قال :" ود الذين كفروا لو تغفلون عن أسلحتكم وأمتعتكم " قد تقدم الكلام في \[ " لو " \][(١٤)](#foonote-١٤) الواقعة بعد " وَدَّ " في البَقَرَة \[ آية : ١٠٩ \]. 
وقرئ[(١٥)](#foonote-١٥) :" وأمتعاتكم " وهو في الشُّذُوذِ من حَيْث إنَّه جَمْع الجَمْعِ، كقولهم : أسْقِيات وأعْطِيَات.  فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَّيْلَةً وَاحِدَةً  أي : بالقِتَالِ، أي : يتمنَّون لو وَجدُوكُم غَافِلِين عن أسْلِحَتِكُم، فيقْصِدُونكم ويَحْملُون عَلَيْكُم حملة وَاحِدَة. 
رُوِيَ عن ابْن عَبَّاس : وجابر : أن النَّبي صلى الله عليه وسلم صلَّى بأصْحَابِه الظُّهْر، ورأى المُشْرِكُون ذَلِكَ، فَقَالُوا بعد ذلك : بِئْسَ ما صَنَعْنَا، حيث ما أقْدمْنَا عليهم، وعَزَمُوا على ذَلِكَ عند الصَّلاة الأخْرَى، فأطْلَعَ اللَّهُ نبيَّهُ صلى الله عليه وسلم على أسْرَارِهِم بِهَذِهِ الآيَةِ[(١٦)](#foonote-١٦). 
### فصل


قال الإمامُ أحمد - رحمه الله تعالى - : صحَّ عن النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم صلاة الخَوْفِ من خمْسة أوْجُه أوْ سِتَّة \[ أوْجُه \][(١٧)](#foonote-١٧)، كل ذلك جَائِزٌ. 
الأول : إذا كان العَدُوُّ من جهة القِبْلَة، صف الإمَامُ[(١٨)](#foonote-١٨) المُسْلِمِين خَلْفه[(١٩)](#foonote-١٩) صَفَّيْن، فصلّى بهم جَميعاً إلى أن يَسْجُد ؛ فَيَسْجُد معه الصَّفُ الذي يَلِيهِ، ويَحْرُس الآخَر، فإذا قَامَ الإمَامُ إلى الثَّانِيةِ سجد الآخَر ولَحِقَهُ، فإذا سَجَدَ للثَّانِيةِ، سجد معه الصَّفُّ الذي حَرَس، وحَرَس الأوَّل، فإذا جَلَس للتَّشَهُّد، سجد الأوَّل، ولحقه في التَّشَهُّد ويسلم بهم. 
الثاني : إذا كان العَدُوُّ في غَيْرِ جهة القِبْلَة جعل طَائِفَة \[ تجاه العَدُوِّ، وطائفةً \][(٢٠)](#foonote-٢٠) تُصَلِّي مَعَهُ رَكْعَة، فإذا قَامَ إلى الثَّانِيةِ ثَبَت قَائِماً وأتمَّت لأنفُسِها أخْرى، \[ وسلمت ومضت إلى العَدُوِّ، وجاءت الأخْرَى، فَصَلَّت معه الثَّانِية، فإذا جَلَس، أنهت لأنفُسِهَا أخْرَى \][(٢١)](#foonote-٢١). 
وتشهدت ثم سَلَّم بهم، وإن كانَت الصَّلاةُ مَغْرباً، صلّى بالأولى رَكعتين وبالثَّانية ركْعَة، وإنْ كانت رُباعيَّة، صَلَّى بكل طائِفَةً ركْعَتَيْن وأتمَّت الأولَى، بالحَمْد لله في كل رَكْعةِ، والأخرى تتم بالحَمْد للَّه وسُورة، وهل تُفَارِقُهُ الأولَى في التِّشَهُّدِ، أوْ في الثَّانِيَة على وَجْهَيْن، وإن فَرَّقَهُم أرْبَعاً، فصلى بكلِّ طَائِفَةٍ ركْعَة، صحَّت صلاة الأولَى وبَطَلَت صَلاَةُ الإمَامِ والآخرين وإن عَلموا بطلان صلاته، أما بُطْلان صَلاَة الإمَام ؛ فلأجل انْتِظَارِه ؛ لأنه لَمْ يَرد الشَّرع بِهِ، وأمَّا بطلان صَلاَة الآخرين ؛ فلأنهم ائتمُّوا بمن صلاته بَاطِلَةٌ، فأمَّا إذَا لم يعلموا، فهم مَعْذُورُونَ. 
الثالث : أن يُصَلِّي بطائِفَةٍ رَكْعَة، ثم تمْضِي إلى العَدُوِّ، وتأتي الأخْرَى، فيُصلي بها رَكْعَةً ويسلم وَحْدَه وتمضي، ثم تأتي الأخرى فتتم صلاتها وتمْضِي هي : ثم تأتي الأولى فتتم صلاتها. 
الرابع : أن يُصَلِّي بِكُلِّ طائفة صَلاَةً، ويُسَلِّم بِهَا. 
الخامس : أن يُصَلِّي \[ بكلِّ \][(٢٢)](#foonote-٢٢) الرُّباعيَّة تامَّة، وتصلي مَعَهُ كل طَائِفةِ رَكْعَتَيْن ولا يَقْضِي شَيْئاً، فتكون له تامَّة ولَهُم مَقْصُورَة. 
### فصل


إذا اشْتَدَّ الخَوْف عند التحام الحَرْب، يصلي كَيْفَما أمْكَن رِجَالاً ورُكْبَاناً إلى القِبْلَة وإلى غيرها يومئُون[(٢٣)](#foonote-٢٣) إيماءً بالرُّكوع والسُّجود، وكَذَلِك كلّ خَائِفٍ على نَفْسِهِ فإن لم يَقْدر على الإيمَاءِ أخَّرُوا الصَّلاة إلى انْكِشَاف الحَالَةِ. 
قال مَالِكٌ وجماعة : يصلي الطَّالِب والمَطْلُوب كُلُّ واحد منهما على دَابَّتِهِ ؛ كالخائف سَوَاء. 
وقال الأوْزَاعِيّ، والشَّافِعي، وفُقَهَاء المُحَدِّثين، وابن عَبْد الحكم : ولا يصَلِّي الطَّالِب إلاَّ بالأرْضِ. 
قال القُرْطُبِي[(٢٤)](#foonote-٢٤) : وهو الصَّحيحُ ؛ لأنَّ الطَّلب تَطَوُّعٌ، والمكْتُوبَة فَرْضٌ، والفرض إنَّما يُصَلَّى بالأرْض[(٢٥)](#foonote-٢٥) حَيْثُ ما أمْكَن. 
\[ ثم \][(٢٦)](#foonote-٢٦) قال - تعالى - : وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِن كَانَ بِكُمْ أَذًى مِّن مَّطَرٍ أَوْ كُنتُمْ مَّرْضَى أَن تَضَعُواْ أَسْلِحَتَكُمْ  فقوله :" أنْ تَضَعُوا " ؛ كقوله " أنْ تَقْصُرُوا " وقد تقدم، " وخُذوا حِذْرَكُم " رَخَّصَ في وَضْع السِّلاح في حَالِ المَطَر والمَرَضِ ؛ لأن السِّلاح \[ يثْقُل حَمْلُه في هَاتين الحَالَتَيْن، أو لأن حدته تَفْسُد بالبَللِ، ولمّا رَخَّص في وَضْعَ السِّلاح \][(٢٧)](#foonote-٢٧) حالَ المَطَرِ والمَرَضِ، أمر بالتَّيَقُّظ والحَذَر ؛ لِئَلاَّ يَهْجم العَدُو عليهم. 
 " روى الكَلْبِيُّ : عن أبي صَالِح، عن ابن عبَّاس - رضي الله عنهما - نزلت في رسُول الله صلى الله عليه وسلم، وذَلِكَ أنَّه غَزا مُحَارِباً وبني أنمارٍ، فنزلوا ولا يَرون من العَدُوِّ أحداً، فوضع النَّاس أسْلِحَتَهُم، وخرج رسُول الله صلى الله عليه وسلم لِحَاجَة له قد وضع سِلاحه، حتى قطع ١ سقط في ب..
٢ في ب: إليها..
٣ ينظر: المحرر الوجيز ٢/١٠٧، البحر المحيط ٣/٣٥٤، والدر المصون ٢/٤٢٣..
٤ سقط في ب..
٥ في ب: فيأخذوا..
٦ في ب: العدو..
٧ ينظر: معاني القرآن ٢/١٠٥..
٨ ينظر البيت في البحر المحيط ٣/٣٥٢ واللسان (سلح) والدر المصون ٢/٤٢٢..
٩ سقط في أ..
١٠ ينظر: المحرر الوجيز ٢/١٠٧، والبحر المحيط ٣/٣٥٤، والدر المصون ٢/٤٢٣..
١١ سقط في أ..
١٢ ينظر: تفسير الرازي ١١/٢١..
١٣ سقط في ب..
١٤ سقط في أ..
١٥ ينظر: البحر المحيط ٣/٣٥٥، والدر المصون ٢/٤٢٣..
١٦ أخرجه الحاكم (٣/٣٠) والطبري في "تفسيره" (٩/١٥٦) من حديث ابن عباس.
 وقال الحاكم: صحيح على شرط البخاري ولم يخرجاه ووافقه الذهبي والأثر ذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٢/٣٧٨) وزاد نسبته للبزار..
١٧ سقط في ب..
١٨ في ب: عند إمام..
١٩ في ب: جعلهم..
٢٠ سقط في ب..
٢١ سقط في ب..
٢٢ سقط في ب..
٢٣ في أ: يؤمنون..
٢٤ ينظر: تفسير القرطبي ٥/٢٣٧..
٢٥ في ب: بالعرض..
٢٦ سقط في ب..
٢٧ سقط في أ..

### الآية 4:103

> ﻿فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلَاةَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىٰ جُنُوبِكُمْ ۚ فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ ۚ إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا [4:103]

أي : وإذا فَرَغْتُم، قضيتم صلاة الخوف أي : فرغتم من الصَّلاة، وهذا يَدُلُّ على أن القَضَاء، يستَعْمَلُ فيما فُعِلَ في وَقْتِهِ، ومنه قوله :\[ - تعالى - \][(١)](#foonote-١) : فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَّنَاسِكَكُمْ  \[ البقرة : ٢٠٠ \]، ثم قال : فَاذْكُرُواْ اللَّهَ  أي : صَلُّوا للَّه " قياماً " في حال الصِّحَّة و " قُعُوداً " في حال المَرَضِ " وعلى جُنُوبِكُم " عند الجروح والزِّمَانَة، وقيل : قِيَاماً : حال المسايفة، وقعوداً : حال اشتِغَالكُم بالرَّمي وعلى جُنُوبكم : حال سُقُوطكم على الأرْض مَجْروحين فقوله " قِياماً \[ وقعودا \][(٢)](#foonote-٢) " حالان من فَاعِل " اذكُرُوا " وكذلك " وعلى جُنُوبِكُم " فإنه في قُوَّة : مُضطَجِعِين ؛ فيتعلَّق بِمَحْذُوفٍ. 
 " فإذا أطْمَأنَنْتُم " أي : أمِنْتُم، فالطُّمأنينة : سكُون النَّفس من الخَوْفِ حين[(٣)](#foonote-٣) تضع الحَرْبُ أوزارها، " فأقِيموا الصَّلاة " أي : أتمُّوها بأرْكَانِها وقد تقدَّم الكَلاَم في البَقرة \[ آية : ٢٦٠ \] على قوله اطمأننتم، وهل هيَ مَقْلُوبَةٌ أمْ لا ؟
وصرح أبو البَقَاءِ[(٤)](#foonote-٤) هنا بأنَّ الهَمْزَة أصْلٌ وأنَّ وَزْن الطُّمأنينة : فُعَلَّيلية، وأن " طَأمَن " أصل أخَرَ برأسه، وهذا مَذْهَبُ الجَرْمِي. 
**واعلم أنَّه قد تَقَدَّم حُكْمان :**
أحدهما : قَصْر صلاة المُسَافِر. 
والثَّاني : صَلاة الخَوْفِ ؛ فقوله : فَإِذَا اطْمَأْنَنتُمْ فَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ  \[ يحتمل أنكُم إذا صِرْتم مقمين غير مُسَافِرين من الاطْمئْنَان فأقيمُوا الصَّلاة \][(٥)](#foonote-٥) أي : أتمُّوها أرْبَعاً، ويحتمل أن يَكُونَ المُراد من الاطْمِئْنَان ألاَّ يَبْقَى الإنْسَان مضْطَرب القَلْب، بل يَصِير سَاكِن القَلْبِ ؛ بسبب زَوَالِ الخَوْفِ، فعلى هذا فالمراد بإقامَة الصَّلاة : فعلها في حَالَةِ الأمْن. 
ثم قال  إِنَّ الصَّلاَةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَاباً مَّوْقُوتاً  أي : فَرْضاً موقوتاً، قال مُجَاهِد : وَقَّتَه الله عَلَيْهم، وقيل : واجِباً مَفْروضاً مقدراً[(٦)](#foonote-٦) في الحَضَر أرْبَعِ رَكَعَاتٍ، وفي السَّفَر ركْعَتَيْن، والمراد بالكتاب هَهُنَا : المكْتُوب ؛ كأنه قيل : مكْتُوبَة مؤقتة[(٧)](#foonote-٧) و " مَوْقُوتاً " : صِفَة ل " كتاباً " بمعنى : مَحْدُوداً بأوقات، فهو مِن : وَقَتَ مُخَفَّفاً ؛ كَمضروبٍ من ضَرَبَ، ولم يَقُل :" مَوْقُوتَة " بالتَّاء مُرَاعاة ل " كتاب " فإنَّه في الأصْل مَصْدَر، والمَصْدَر مُذَكَّر، ومَعْنَى الموْقُوت : أنَّها كُتِبَت عَلَيْهِم في أوْقَات مؤقتة، يقال : وقَّته وَوَقَتَه مخففاً، وقُرِئ[(٨)](#foonote-٨) : وَإِذَا الرُّسُلُ وُقِّتَتْ  \[ المرسلات : ١١ \] بالتَّخْفِيفِ.

### فصل


دلَّت هذه الآيَة على أنَّ وُجُوب الصَّلَوَاتِ مقدَّر بأوْقَاتٍ مَخْصُوصَةٍ، إلاَّ أنَّه - تعالى - أجْمَل الأوْقَات هَهُنَا وبَيَّنَها[(٩)](#foonote-٩) في مَوَاضِع أخر، وهي خَمْسَة. 
أحدُها : قوله \[ - تعالى - \][(١٠)](#foonote-١٠)  حَافِظُواْ عَلَى الصَّلَوَاتِ والصَّلاَةِ الْوُسْطَى  \[ البقرة : ٢٣٨ \] فقوله :" الصَّلَوَات " يدل على ثَلاثِ صَلَوَاتٍ، وقوله :" \[ و \][(١١)](#foonote-١١) الصَّلاة الوُسْطَى " يَمْنَع أن يَكُون أحد تِلْكَ الثَّلاث، وإلا يَلْزَم التِّكْرَار، فلا بُدَّ وأن تَكُون زَائِدَة على الثَّلاث ولا يُمْكِن أن يكونُ الوَاجِبُ أرْبَعَة ؛ لعدم حُصُول الوُسْطَى فِيهَا، فلا بُدَّ من جَعْلِها خمْسَةً ؛ لتحصل الوُسْطَى، وكما دَلَّت هَذِهِ الآيَة على وُجُوب خمس صلواتٍ، دلت على عَدَمِ وجُوبِ الوتْر، وإلا لَصَارَت الصَّلَواتُ الوَاجِبَة سِتَّة، وحينئذٍ لا تَحْصُل الوُسْطى، فهذه الآية دَلَّت على وُجُوب الصَّلَواتِ، لا على بَيَانِ الأوْقَاتِ، وأما الآيَات الأرْبَع البَاقِيَة، فَمَذْكُورة \[ في البقرة \][(١٢)](#foonote-١٢) عند قوله : حَافِظُواْ عَلَى الصَّلَوَاتِ . 
١ سقط في أ..
٢ سقط في ب..
٣ في ب: حتى..
٤ ينظر: الإملاء ١/١٩٣..
٥ سقط في ب..
٦ في أ: مقدارها..
٧ في ب: مكتوب مؤقت..
٨ ستأتي في المرسلات (١١)..
٩ في أ: وسماها..
١٠ سقط في أ..
١١ سقط في ب..
١٢ سقط في ب..

### الآية 4:104

> ﻿وَلَا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ ۖ إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ ۖ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ ۗ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا [4:104]

لما ذكر بَعْض الأحْكَام الَّتِي يحتَاج المُجَاهِد إلى مَعْرِفتها، عاد مَرَّة أخرى إلى الحَثِّ على الجِهَاد، فقال :" وَلاَ تَهِنُوا " أي : ولا تَضْعُفُوُا، ولا تَتَوانَوْا، الجمهورُ : على كَسْر الهاء، والحَسن[(١)](#foonote-١) : على فتحها من " وَهِن " بِالكَسْر في الماضِي، أو من " وهَن " بالفَتْح، وإنما فُتِحَت العَيْن ؛ لكونها حَلْقِيةً، فهو نحو : يَدَع. 
وقرأ عُبَيْد بن عُمَيْر[(٢)](#foonote-٢) :" تُهَانَوْا " من الإهانة مبنيَّاً للمَفْعُول، ومعناه : لا تَتَعاطَوا من الجُبْنِ والخَوَر، ما يكون سَبَباً في إهَانتكم ؛ كقولهم :" لا أرَيَنَّك هَهُنَا ". 
وقوله : فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ  أي : في طَلَبِهِم، وسبب نزولها : أنَّ أبا سُفْيَان وأصْحَابَهُ لمَّا رَجَعُوا يوم أُحُد، بعث رسُول الله صلى الله عليه وسلم \[ طائفة \][(٣)](#foonote-٣) في آثارِهِم، فَشَكُوا ألَم الجِرَاحِ، فقال - تعالى - : وَلاَ تَهِنُواْ فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ  أي لا تَضْعُفُوا في طلب أبِي سُفْيَان وأصْحَابَهُ،  إِن تَكُونُواْ تَأْلَمُونَ  : تتوجَّعُون من الجِرَاح، " فإنَّهُمْ يَألَمُون " أي : يتوجَّعُونَ كما تألمون، والمَعْنَى : أنَّ حصُول الألَمِ قدر مُشْتَركٌ بينكم وبَيْنَهُم، فلمَّا لم يَكُنْ خوف الألَمِ مانِعاً لَهُم عن قِتَالِكُم، فكيف يَصير مَانِعاً لكم عن قِتَالِهِم. 
قرأ يَحْيَى بن وَثَّاب، ومنصور بن المُعْتَمِر :" تِئلمون فإنهم يِئلمون كما تِئلمون " بكسر حَرْفِ المُضارَعَةِ، وابن[(٤)](#foonote-٤) السَّمَيْفَع : بكسر تَاءِ الخطَاب فقط، وهذه لُغَةٌ ثَابِتَة، وقد تقدم في الفَاتِحَة أنَّ مَنْ يَكْسِرُ حَرفَ المُضَارعة يَسْتَثْني التَّاء، وتقدم شُذُوذ " تِيجَل " ووجْهه، وزاد أبُو البقاء[(٥)](#foonote-٥) في قِرَاءة كَسْر حَرْف المُضَارعة قَلْبَ الهَمْزَة ياءً، وغيرُه أطلق ذلك. 
وقرأ الأعْرَج[(٦)](#foonote-٦) :" أن تَكُونُوا تألَمون " بفتح هَمزة " أنْ " والمعنى : ولا تَهِنُوا لأنْ تَكُونوا تألمون. 
وقوله : فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمونَ  تعليل قوله : وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لاَ يَرْجُونَ  \[ أي : وأنتم مع ذَلِكَ تأمَلُون من الأجْر والثواب في الآخرة، والنَّصَر في الدُّنْيَا ما لا يَرْجُون \][(٧)](#foonote-٧)، فأنتم أوْلَى بالمُصَابَرةِ على القِتَال من المُشْرِكين ؛ لأن المُؤمِنِين مُقِرُّون بالثَّوَاب والعِقَابِ، والحَشْر والنَّشر، والمُشْرِكون لا يقرون بذلِك، فإذا كانُوا مع إنْكَارِهِم ذلك مُجِدِّين في القِتَالِ، فأنتم أيُّهَا المؤمِنُون المُقِرُّون بأنَّ لكم في الجِهَادِ ثَوَاباً، وعليكم في تَرْكِهِ عِقَاباً أوْلَى بالجِدَّ في الجَهَادِ. 
وقال بَعْض المُفَسِّرين[(٨)](#foonote-٨) : المراد بالرَّجَاء : الخَوْف ؛ لأنَّ كل رَاج خَائِفٌ ألاَّ[(٩)](#foonote-٩) يُدْرِك مأمُولَهُ، ومعنى الآيَة وترجُونَ، أي : تَخَافُون من عَذَاب اله ما لا يَخَافُون. قال الفرَّاء[(١٠)](#foonote-١٠) : ولا يكون الرَّجَاءُ بمعنى الخَوْف إلا مع الجدِّ ؛ كقوله - تعالى - :
 قُل لِّلَّذِينَ آمَنُواْ يَغْفِرُواْ لِلَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ  \[ الجاثية : ١٤ \]، \[ أي : لا يَخَافُون \][(١١)](#foonote-١١)، وقال - تعالى - : مَّا لَكُمْ لاَ تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَاراً  \[ نوح : ١٣ \] أي : لا تَخَافُون للَّه عِظَة، ولا يجُوز : رَجَوْتُك، يَعْنِي : خِفْتُك، ولا خفتك، وأنت تُرِيد : رَجَوْتُك. 
قال ابن الخَطِيب[(١٢)](#foonote-١٢) : ويُحْتَمَل أنَّكم تَعْبُدون الإله، العَالِم القَادِر، السَّمِيع، البَصِير، فيصحُّ منكم أنْ تَرْجُوا ثَوَابَه، وأما المُشْرِكُون : فإنَّهم يَعبدون الأصْنَام وهي جَمادَات ؛ فلا يَصِحٌّ منهم أنْ يَرْجُوا منها ثَوَاباً، أو يَخَافُوا منها عِقَاباً. 
ثم قال : وَكَانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً  أي : لا يُكَلِّفُكُم إلاَّ ما يَعْلَم أنَّه سَبَب لِصَلاحِ دِينكُم ودُنْيَاكُم، وقد تقدم \[ أنَّه إذا \][(١٣)](#foonote-١٣) ذكر " الحَكِيم " بعد قوله :" العَلِيم " فالمرادَ بالحَكيم : أنه العَالِمُ بَعَواقِب الأمُور، وقالت المُعْتَزِلَةُ : المُرادُ بالحَكِيم : هو الَّذِي يضع الأسْبَاب للمصَالِح.

١ ينظر: البحر المحيط ٣/٣٥٧، والدر المصون ٢/٤٢٣..
٢ ينظر: البحر المحيط ٣/٣٥٧، والدر المصون ٢/٤٢٣..
٣ سقط في أ..
٤ ينظر في قراءات هذا الفعل: المحرر الوجيز ٢/١٠٨، والبحر المحيط ٣/٣٥٧، والدر المصون ٢/٤٢٣..
٥ ينظر: الإملاء ١/١٩٣..
٦ ينظر: القراءة السابقة..
٧ سقط في أ..
٨ ينظر: تفسير البغوي ١/٤٧٧..
٩ في أ: أي..
١٠ ينظر: تفسير البغوي ١/٤٧٧..
١١ سقط في ب..
١٢ ينظر: تفسير الرازي ١١/٢٦..
١٣ سقط في أ..

### الآية 4:105

> ﻿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ ۚ وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا [4:105]

قوله تعالى : إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلاَ تَكُنْ لِّلْخَائِنِينَ خَصِيماً \* وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُوراً رَّحِيماً \* وَلاَ تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ مَن كَانَ خَوَّاناً أَثِيماً [(١)](#foonote-١)
**في كيفية النَّظم وجُوهٌ :**
أحدُها : أنَّه - تعالى - لما شَرَح أحْوَال المُنافِقِين وأمْر بالمُحَارَبَة، وما يتَّصِل بها من الأحْكَام الشَّرْعِيَّة، مثل قَتْل المسلم خَطَأ[(٢)](#foonote-٢) وصَلاَة المُسَافِر، وصلاة الخَوْف، رجع بَعْد ذَلِك إلى بَيَان أحْوَال المُنَافِقِين ؛ لأنَّهم كانوا يُحَاوِلُون \[ حَمْل \][(٣)](#foonote-٣) الرَّسُول - عليه الصلاة والسلام - على أنْ يَحْكُم بالبَاطِل ويترك الحكمَ بالحَقِّ، فأمره الله - تعالى - بألاَّ يلتَفِت إليْهِم في هذا البَابِ. 
وثانيها : أنه - تعالى - لمَّا بيَّن الأحْكَام الكَثِيرة في هذه السُّورة، بيَّن أنَّها كلها إنَّما عُرِفَت بإنْزَال الله - تعالى -، وأنَّه ليس للرَّسُول أن يَحِيد عَنْ شَيْءٍ منها ؛ طلباً لِرِضا[(٤)](#foonote-٤) القَوْمِ. 
وثالثها : أنَّه - تعالى - لما أمَر بالمجاهدة مَعَ الكُفَّار، بَيَّن أن الأمْر وإن كَانَ كَذَلِك، لكنه لا يَجُوزُ الخِيَانَة مَعَهُم[(٥)](#foonote-٥) ولا إِلْحَاق ما لَمْ يَفْعَلُوا بهم، وأنَّ كُفْر الكَافِر لا يصحُّ المُسَامَحة له، بل الوَاجِبُ في الدِّين : أن يحْكم له وعَلَيْه بِمَا أنْزَل اللَّه على رسُولِهِ، وإن كان لا يَلْحَق الكَافِر حَيْفٌ ؛ لأجْل رِضَى المُنَافِقِ
\[ قوله :" بالحَقِّ " : في محلِّ نصبٍ على الحَالِ المُؤكِّدة، فيتعلَّق بمحذوفٍ، وصاحبُ الحَالِ هو الكِتَابُ، أي : أنزلناه مُلْتبساً بالحَقِّ، و " لتحكمْ " : متعلِّق ب " أنْزلنا "، و " أراك " متعدٍّ لاثنين : أحدهما : العائدُ المَحْذُوفُ، والثاني : كافُ الخطَابِ، أي : بما أراكَهُ الله. والإراءَةُ هنا : يجوزُ أن تَكُون من الرَّأي ؛ كقولك :" رأيتُ رَأيَ الشَّافِعِي "، أو من المَعْرِفة، وعلى كلا التَّقْدِيرين ؛ فالفعلُ قبل النَّقْل بالهَمْزة متعدٍّ لواحد، وبعدَه مُتَعَدٍّ لاثنين \]. 
وقال أبو عَلِيٍّ الفَارِسِي[(٦)](#foonote-٦) :\[ قوله \][(٧)](#foonote-٧) " أرَاكَ اللَّهُ " إمّا أن يَكُون مَنْقُولاً بالهَمْزَة من " رَأيْت "، الَّتِي يُرَاد بها رُؤْيَةُ البَصَر، أو من " رَأيْت " \[ الَّتِي \][(٨)](#foonote-٨) تتعدَّى إلى مَفْعُولَيْن، أو من " رأيْتُ " الَّتِي يُرَاد بها الاعْتِقَاد. 
والأوَّل : بَاطِلٌ ؛ لأنَّ الحُكْمَ في الحَادِثَةِ لا يُرَى بالبَصَر. 
والثاني : أيضاً بَاطِلٌ ؛ لأنَّه يَلْزَم أن يَتَعَدَّى إلى ثَلاَثَة مَفَاعِيل بسبب التعدية[(٩)](#foonote-٩) ومعلوم : أنَّ هذا اللَّفْظ لم يَتَعَدَّ إلاَّ إلى مَفْعُولين : أحدُهُما : كاف الخِطَابِ، والآخر المَفْعُول المقدَّر، وتقديره : بما أرَاكَهُ الله، ولمَّا بَطَل القِسْمَان، بقي الثَّالِث، وهو أنَّ المُرَاد مِنْه :" رأيت " بمعنى : الاعْتِقَاد.

### فصل في معنى الآية


معنى الآيَةِ : بما أعْلَمَكَ اللَّه، وسُمِّي ذلك العِلْم بالرُّؤيَة ؛ لأن العِلْم اليَقِينِيِّ المُبَرَّأ عن الرَّيْب يكون جَارِياً مُجْرَى الرُّؤية في القُوَّة والظُّهُور، وكان عُمَر يقُول : لا يَقُولَنَّ أحدُكُم قَضيتُ بما أرَانِي \[ اللَّه \][(١٠)](#foonote-١٠)، فإن اللَّه - تعالى - لم يَجْعَلْ ذلك إلا لِنَبِيِّه صلى الله عليه وسلم، وأما الوَاحِد منَّا فرأيُهُ يَكُون ظَنًّا، ولا يكون عِلْماً. 
وإذا ثَبَت ذَلِكَ قال المحققون[(١١)](#foonote-١١) : دَلَّت هذه الآيَةِ على أنَّه - عليه الصلاة والسلام - ما كان يَحْكُم إلا بِالوَحْي والنَّصِّ، وإذا كان كَذَلِك، فيتفَرَّعُ عليه مَسْألتانِ :
الأولَى : أن النَّبي صلى الله عليه وسلم لم يَجُز لَهُ الاجْتِهَاد. 
والثانية : أنَّه - عليه الصلاة والسلام - إذا لم يَجُز له أنْ يحكم إلا بالنَّصِّ، وجَبَ أن تكُونَ أمَّتُهُ كَذَلِكَ ؛ لقوله - تعالى -  وَاتَّبِعُوهُ  \[ الأعراف : ١٥٨ \] وإذا كان كَذَلِك، حَرُمَ العَمَلُ بالقِيَاسِ. 
والجَوَابُ : أنه لما قَامَت الدَّلاَلَة على أنَّ القِيَاس حُجَّة، كان العَمل بالقِيَاسِ عَمَلاً بالنَّصِّ في الحَقِيقَةِ ؛ لأنَّه يَصِير التَّقْدير : أنه - تعالى - قال : مَتَى غَلَب على ظَنِّك أن حكم الصُّورَة المَسْكُوت عنها، مثل حُكْم الصُّورَة المَنصُوص عَلَيْها، بسبب أمرٍ جامعٍ \[ فاعْلم : أنَّه تكليفي في حَقِّك أن تَعْمَل \][(١٢)](#foonote-١٢) بِمُوجِبِ ذلكِ الظَّنِّ، وإذا كان كَذَلِك، كان العَمَل بالقِيَاسِ عَمَلاً بالنَّصِّ. 
قوله :" للخائنين " متعلِّق ب " خَصِيماً " واللامُ : للتَّعْلِيل، على بَابِها، وقيل : هي بِمَعْنى :" عن "، ولَيْسَ بشيء ؛ لصِحَّة المَعْنَى بدون ذَلِك، ومفعولُ " خصيماً " : محذوفٌ، تقدِيرُه :" خَصِيماً البُرَآء "، وخَصِيمٌ : يجوز أن يَكُون مِثَال مبالغةٍ، كضريبٍ، وأن يكون بمعنى : مُفاعل، نحو : خَلِيط وجَلِيس بمعنى : مُخاصِم ومُخالِط ومُجالِس. 
قال الوَاحِدِي[(١٣)](#foonote-١٣) : خَصْمُك الذي يُخَاصِمُك، وجمعه : الخُصَمَاء، وأصْلُه من الخصْم : وهُو ناحية الشَّيْءِ، والخصْم : طَرْف الزَّاوِيَة، وطَرَف الأشْفَار، وقيل للخَصْمَين : خَصْمَان ؛ لأنَّ كل واحدٍ منهما في نَاحِيَةٍ من الحُجَّة والدَّعْوى، وخُصُوم السَّحَابة : جَوَانِبها. 
### فصل : في سبب نزول الآية


روى الكلبي، عن أبي صَالح، عن ابن عبَّاسٍ، قال : نزلت هذه الآية في رَجُلٍ من الأنْصَار، يقال له : طعمة بن أبَيْرِق من بني ظَفر بن الحارث، سرقَ دِرْعاً من جَارٍ له يُقَال له : قتادة بن النُّعْمَان، وكانت الدِّرْع في جراب له فيه دَقِيقٌ، فجعل الدَّقِيق يَنْتَثِر من خِرْق في الجِرَاب، حتى انْتَهَى إلى الدَّار، ثم خَبَّأها عند رَجُلٍ من اليَهُود، يُقال له : زَيْد ابن السَّمِين، فالتُمِسَتِ الدِّرْع عند طعمة، فحَلَف بالله ما أخَذَها وما لَهُ بها من علم، فقال أصْحَابُ الدِّرْع : لقد رَأينا أثر الدقيق حتى دخل دَارَه، فلما حَلَف، تركوه واتَّبَعُوا أثر الدقيق إلى مَنَزِل اليَهُودِيِّ ؛ فأخذوه منه، فقال اليَهُودِيُّ : دفعها إليّ طعمة بن أبَيْرِق، فجاء بنو ظفر وهم قوم طُعْمَة إلى رسُول الله صلى الله عليه وسلم، وسألُوه أن يُجادل عن صَاحِبِهم، وقالوا له : إنك إن لم تَفْعَل، افْتَضَحَ صَاحِبُنا، فهمَّ رسُول الله صلى الله عليه وسلم أن يُعاقِب اليَهُودِي[(١٤)](#foonote-١٤). 
ويُروى عن ابن عبَّاسٍ رضي الله عَنْهُما في رواية أخْرى : أن طعمة سَرَق الدِّرْع في جِرَابٍ فيه نخالة، فخرق الجِرَاب حَتَّى كان يَتَنَاثر منه النُّخَالة طُول الطَّرِيق، فجاء به إلى دَارِ زيْد السَّمِين وتركه على بابه، وحَمَل الدِّرْع إلى بَيْتِه، فلما أصْبَح صاحِبُ الدِّرْع، جاء على أثَر النُّخَالة إلى دار زَيْدٍ السَّمين، فأخذه وحمله إلى النَّبِي صلى الله عليه وسلم، فهم النَّبي صلى الله عليه وسلم أن يَقْطع يد زَيْد اليَهُودِي. 
وقال مقاتل : إن زيداً السَّمين أوْدَع درعاً عند طعمة فَجَحَدَها طعمة، فأنْزَل الله تعالى قوله : إِنّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ [(١٥)](#foonote-١٥) بالأمْر، والنَّهْي، والفَصْل،  لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ  : بما علّمَكَ الله وأوْحَى إليْك،  وَلاَ تَكُن لِّلْخَائِنِينَ  : طعمة، " خصيماً " : مُعيناً مُدَافِعاً عنه. 
وهذه القِصَّة تَدُلُّ على أن طعمة وقوْمَه كانوا مُنَافِقِين ؛ لأنهم طلبوا البَاطِل، ويؤكِّدُه قوله - تعالى - : وَمَا يُضِلُّونَ إِلاَّ أَنفُسَهُمْ وَمَا يَضُرُّونَكَ مِن شَيْءٍ  \[ النساء : ١١٣ \]. ثم رُوي : أن طعمة هَرَب إلى مَكَّة وارتَدَّ، وثَقَب حَائِطَاً ؛ ليَسْرِق، فسقط الحَائِط عَلَيْه فمات. 
### فصل


قال الطَّاعِنُون في عِصْمة الأنْبِيَاء - عليهم الصلاة والسلام - : دلَّت هذه الآيةُ على صُدُور الذَّنْب من الرَّسُول - عليه الصلاة والسلام - فإنَّه لَوْلاَ أن الرسُول - \[ عليه الصلاة والسلام \][(١٦)](#foonote-١٦) أراد أن يُخَاصِم لأجْل الخَائِن[(١٧)](#foonote-١٧) ويذب عنه[(١٨)](#foonote-١٨)، وإلاّ لما وَرَدَ النَّهْي عَنْه. 
والجوابُ : أنه لمَّا ثَبَتَ في الرِّواية : أنَّ قوم طعمة لما التمسُوا من الرَّسُول - عليه الصلاة والسلام - أن يَذُبَّ عن طعمة، وأنْ يُلْحِق السَّرقة باليَهُودِيِّ توقف وانتظر الوَحْي، فنزلت الآيَة، وكان الغَرَضُ من هذا النَّهْي : تَنْبيه النبيّ - عليه الصلاة والسلام - على أنَّ طعمة كَذَّابٌ، وأن اليَهُودِيَّ بريءٌ من ذَلِك الجُرْمِ. 
فإن قيل : الدَّليل على أنَّ الجُرْم قد وَقَعَ من النَّبِي - عليه الصلاة والسلام - قوله بعد ذلك : وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُوراً رَّحِيماً  والأمر بالاسْتِغْفَار، يدل على صُدُور الذَّنْبِ. 
**فالجواب : من وجوه :**
الأوَّل : لعله مَالَ طَبْعُهُ، إلى نُصْرة طعمة ؛ بِسَبَبِ أنه كَانَ في الظَّاهِر من المُسْلِمِين ؛ فأمر بالاسْتِغْفَار لهذا القَدْر، وحَسَنَاتُ الأبْرَار سَيِّئَات المُقَرَّبين. 
الثَّاني : أن القَوْم لما شَهِدُوا بِبَراءَة طعمة، وعلى اليَهُودِيِّ بالسَّرِقَة، ولم يَظْهَر للرَّسُول - عليه الصلاة والسلام - ما يُوجِب القَدْح في شَهَادَتِهم، هَمَّ بأن يَقْضِي بالسَّرِقة عَلَى اليهودي، ثمَّ لما أطْلَعَهُ اللَّه على كَذِب أولَئكَ الشُّهُود، عَرَف أنَّ ذلك القَضَاء لو وَقَعَ، لكان خَطَأ في نَفْسِه، وإن كَانَ مَعْذُوراً عند اللَّه \[ - تعالى - \][(١٩)](#foonote-١٩) \[ فيه \][(٢٠)](#foonote-٢٠). 
الثالث : قوله :" واستغفر الله " يُحْتَمل أن يكُون المُرادُ : واستغفر الله لأولئك الَّذين يَذُبُّون عن طعمة، ويُرِيدُون أن يُظْهِرُوا بَرَاءَته[(٢١)](#foonote-٢١). 
الرابع : قيل : الاسْتِغْفَار في حَقِّ الأنْبِياء بعد النُّبُوَّة على أحَدِ الوُجُوه الثَّلاثة : إما لِذَنْب تَقَدَّم قبل النُّبُوَّة، أو لِذُنُوب أمَّته وقَرَابتِه، أو لِمُبَاح جاء الشَّرْع بتحريمِهِ، فيتركه بالاسْتِغْفَار، والاسْتِغْفَار يَكُون مَعْناه : السَّمع[(٢٢)](#foonote-٢٢) والطَّاعة لحُكْمِ الشَّرْع. 
١ سقط في ب..
٢ في أ: الخطأ..
٣ سقط في ب..
٤ في أ: لنرضى..
٥ في أ: منهم..
٦ ينظر: تفسير الرازي ١١/٢٧..
٧ سقط في ب..
٨ سقط في أ..
٩ في أ: التعددية..
١٠ سقط في أ..
١١ ينظر: تفسير الرازي ١١/٢٧..
١٢ سقط في أ..
١٣ ينظر: تفسير الرازي ١١/٢٧..
١٤ ذكره البغوي في تفسيره ١/٤٧٧..
١٥ أخرجه الطبري في "تفسيره"(٩/١٨٥) وذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٢/٣٨٥) وزاد نسبته لابن أبي حاتم عن السدي..
١٦ سقط في أ..
١٧ في ب: الخائنين..
١٨ في ب: عنهم..
١٩ سقط في أ..
٢٠ سقط في ب..
٢١ في ب: إيمانه..
٢٢ في ب: الشرع..

### الآية 4:106

> ﻿وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ ۖ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا [4:106]

نص مكرر لاشتراكه مع الآية ١٠٥:قوله تعالى : إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلاَ تَكُنْ لِّلْخَائِنِينَ خَصِيماً \* وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُوراً رَّحِيماً \* وَلاَ تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ مَن كَانَ خَوَّاناً أَثِيماً [(١)](#foonote-١)
 **في كيفية النَّظم وجُوهٌ :**
أحدُها : أنَّه - تعالى - لما شَرَح أحْوَال المُنافِقِين وأمْر بالمُحَارَبَة، وما يتَّصِل بها من الأحْكَام الشَّرْعِيَّة، مثل قَتْل المسلم خَطَأ[(٢)](#foonote-٢) وصَلاَة المُسَافِر، وصلاة الخَوْف، رجع بَعْد ذَلِك إلى بَيَان أحْوَال المُنَافِقِين ؛ لأنَّهم كانوا يُحَاوِلُون \[ حَمْل \][(٣)](#foonote-٣) الرَّسُول - عليه الصلاة والسلام - على أنْ يَحْكُم بالبَاطِل ويترك الحكمَ بالحَقِّ، فأمره الله - تعالى - بألاَّ يلتَفِت إليْهِم في هذا البَابِ. 
وثانيها : أنه - تعالى - لمَّا بيَّن الأحْكَام الكَثِيرة في هذه السُّورة، بيَّن أنَّها كلها إنَّما عُرِفَت بإنْزَال الله - تعالى -، وأنَّه ليس للرَّسُول أن يَحِيد عَنْ شَيْءٍ منها ؛ طلباً لِرِضا[(٤)](#foonote-٤) القَوْمِ. 
وثالثها : أنَّه - تعالى - لما أمَر بالمجاهدة مَعَ الكُفَّار، بَيَّن أن الأمْر وإن كَانَ كَذَلِك، لكنه لا يَجُوزُ الخِيَانَة مَعَهُم[(٥)](#foonote-٥) ولا إِلْحَاق ما لَمْ يَفْعَلُوا بهم، وأنَّ كُفْر الكَافِر لا يصحُّ المُسَامَحة له، بل الوَاجِبُ في الدِّين : أن يحْكم له وعَلَيْه بِمَا أنْزَل اللَّه على رسُولِهِ، وإن كان لا يَلْحَق الكَافِر حَيْفٌ ؛ لأجْل رِضَى المُنَافِقِ
\[ قوله :" بالحَقِّ " : في محلِّ نصبٍ على الحَالِ المُؤكِّدة، فيتعلَّق بمحذوفٍ، وصاحبُ الحَالِ هو الكِتَابُ، أي : أنزلناه مُلْتبساً بالحَقِّ، و " لتحكمْ " : متعلِّق ب " أنْزلنا "، و " أراك " متعدٍّ لاثنين : أحدهما : العائدُ المَحْذُوفُ، والثاني : كافُ الخطَابِ، أي : بما أراكَهُ الله. والإراءَةُ هنا : يجوزُ أن تَكُون من الرَّأي ؛ كقولك :" رأيتُ رَأيَ الشَّافِعِي "، أو من المَعْرِفة، وعلى كلا التَّقْدِيرين ؛ فالفعلُ قبل النَّقْل بالهَمْزة متعدٍّ لواحد، وبعدَه مُتَعَدٍّ لاثنين \]. 
وقال أبو عَلِيٍّ الفَارِسِي[(٦)](#foonote-٦) :\[ قوله \][(٧)](#foonote-٧) " أرَاكَ اللَّهُ " إمّا أن يَكُون مَنْقُولاً بالهَمْزَة من " رَأيْت "، الَّتِي يُرَاد بها رُؤْيَةُ البَصَر، أو من " رَأيْت " \[ الَّتِي \][(٨)](#foonote-٨) تتعدَّى إلى مَفْعُولَيْن، أو من " رأيْتُ " الَّتِي يُرَاد بها الاعْتِقَاد. 
والأوَّل : بَاطِلٌ ؛ لأنَّ الحُكْمَ في الحَادِثَةِ لا يُرَى بالبَصَر. 
والثاني : أيضاً بَاطِلٌ ؛ لأنَّه يَلْزَم أن يَتَعَدَّى إلى ثَلاَثَة مَفَاعِيل بسبب التعدية[(٩)](#foonote-٩) ومعلوم : أنَّ هذا اللَّفْظ لم يَتَعَدَّ إلاَّ إلى مَفْعُولين : أحدُهُما : كاف الخِطَابِ، والآخر المَفْعُول المقدَّر، وتقديره : بما أرَاكَهُ الله، ولمَّا بَطَل القِسْمَان، بقي الثَّالِث، وهو أنَّ المُرَاد مِنْه :" رأيت " بمعنى : الاعْتِقَاد. 

### فصل في معنى الآية


معنى الآيَةِ : بما أعْلَمَكَ اللَّه، وسُمِّي ذلك العِلْم بالرُّؤيَة ؛ لأن العِلْم اليَقِينِيِّ المُبَرَّأ عن الرَّيْب يكون جَارِياً مُجْرَى الرُّؤية في القُوَّة والظُّهُور، وكان عُمَر يقُول : لا يَقُولَنَّ أحدُكُم قَضيتُ بما أرَانِي \[ اللَّه \][(١٠)](#foonote-١٠)، فإن اللَّه - تعالى - لم يَجْعَلْ ذلك إلا لِنَبِيِّه صلى الله عليه وسلم، وأما الوَاحِد منَّا فرأيُهُ يَكُون ظَنًّا، ولا يكون عِلْماً. 
وإذا ثَبَت ذَلِكَ قال المحققون[(١١)](#foonote-١١) : دَلَّت هذه الآيَةِ على أنَّه - عليه الصلاة والسلام - ما كان يَحْكُم إلا بِالوَحْي والنَّصِّ، وإذا كان كَذَلِك، فيتفَرَّعُ عليه مَسْألتانِ :
الأولَى : أن النَّبي صلى الله عليه وسلم لم يَجُز لَهُ الاجْتِهَاد. 
والثانية : أنَّه - عليه الصلاة والسلام - إذا لم يَجُز له أنْ يحكم إلا بالنَّصِّ، وجَبَ أن تكُونَ أمَّتُهُ كَذَلِكَ ؛ لقوله - تعالى -  وَاتَّبِعُوهُ  \[ الأعراف : ١٥٨ \] وإذا كان كَذَلِك، حَرُمَ العَمَلُ بالقِيَاسِ. 
والجَوَابُ : أنه لما قَامَت الدَّلاَلَة على أنَّ القِيَاس حُجَّة، كان العَمل بالقِيَاسِ عَمَلاً بالنَّصِّ في الحَقِيقَةِ ؛ لأنَّه يَصِير التَّقْدير : أنه - تعالى - قال : مَتَى غَلَب على ظَنِّك أن حكم الصُّورَة المَسْكُوت عنها، مثل حُكْم الصُّورَة المَنصُوص عَلَيْها، بسبب أمرٍ جامعٍ \[ فاعْلم : أنَّه تكليفي في حَقِّك أن تَعْمَل \][(١٢)](#foonote-١٢) بِمُوجِبِ ذلكِ الظَّنِّ، وإذا كان كَذَلِك، كان العَمَل بالقِيَاسِ عَمَلاً بالنَّصِّ. 
قوله :" للخائنين " متعلِّق ب " خَصِيماً " واللامُ : للتَّعْلِيل، على بَابِها، وقيل : هي بِمَعْنى :" عن "، ولَيْسَ بشيء ؛ لصِحَّة المَعْنَى بدون ذَلِك، ومفعولُ " خصيماً " : محذوفٌ، تقدِيرُه :" خَصِيماً البُرَآء "، وخَصِيمٌ : يجوز أن يَكُون مِثَال مبالغةٍ، كضريبٍ، وأن يكون بمعنى : مُفاعل، نحو : خَلِيط وجَلِيس بمعنى : مُخاصِم ومُخالِط ومُجالِس. 
قال الوَاحِدِي[(١٣)](#foonote-١٣) : خَصْمُك الذي يُخَاصِمُك، وجمعه : الخُصَمَاء، وأصْلُه من الخصْم : وهُو ناحية الشَّيْءِ، والخصْم : طَرْف الزَّاوِيَة، وطَرَف الأشْفَار، وقيل للخَصْمَين : خَصْمَان ؛ لأنَّ كل واحدٍ منهما في نَاحِيَةٍ من الحُجَّة والدَّعْوى، وخُصُوم السَّحَابة : جَوَانِبها. 

### فصل : في سبب نزول الآية


روى الكلبي، عن أبي صَالح، عن ابن عبَّاسٍ، قال : نزلت هذه الآية في رَجُلٍ من الأنْصَار، يقال له : طعمة بن أبَيْرِق من بني ظَفر بن الحارث، سرقَ دِرْعاً من جَارٍ له يُقَال له : قتادة بن النُّعْمَان، وكانت الدِّرْع في جراب له فيه دَقِيقٌ، فجعل الدَّقِيق يَنْتَثِر من خِرْق في الجِرَاب، حتى انْتَهَى إلى الدَّار، ثم خَبَّأها عند رَجُلٍ من اليَهُود، يُقال له : زَيْد ابن السَّمِين، فالتُمِسَتِ الدِّرْع عند طعمة، فحَلَف بالله ما أخَذَها وما لَهُ بها من علم، فقال أصْحَابُ الدِّرْع : لقد رَأينا أثر الدقيق حتى دخل دَارَه، فلما حَلَف، تركوه واتَّبَعُوا أثر الدقيق إلى مَنَزِل اليَهُودِيِّ ؛ فأخذوه منه، فقال اليَهُودِيُّ : دفعها إليّ طعمة بن أبَيْرِق، فجاء بنو ظفر وهم قوم طُعْمَة إلى رسُول الله صلى الله عليه وسلم، وسألُوه أن يُجادل عن صَاحِبِهم، وقالوا له : إنك إن لم تَفْعَل، افْتَضَحَ صَاحِبُنا، فهمَّ رسُول الله صلى الله عليه وسلم أن يُعاقِب اليَهُودِي[(١٤)](#foonote-١٤). 
ويُروى عن ابن عبَّاسٍ رضي الله عَنْهُما في رواية أخْرى : أن طعمة سَرَق الدِّرْع في جِرَابٍ فيه نخالة، فخرق الجِرَاب حَتَّى كان يَتَنَاثر منه النُّخَالة طُول الطَّرِيق، فجاء به إلى دَارِ زيْد السَّمِين وتركه على بابه، وحَمَل الدِّرْع إلى بَيْتِه، فلما أصْبَح صاحِبُ الدِّرْع، جاء على أثَر النُّخَالة إلى دار زَيْدٍ السَّمين، فأخذه وحمله إلى النَّبِي صلى الله عليه وسلم، فهم النَّبي صلى الله عليه وسلم أن يَقْطع يد زَيْد اليَهُودِي. 
وقال مقاتل : إن زيداً السَّمين أوْدَع درعاً عند طعمة فَجَحَدَها طعمة، فأنْزَل الله تعالى قوله : إِنّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ [(١٥)](#foonote-١٥) بالأمْر، والنَّهْي، والفَصْل،  لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ  : بما علّمَكَ الله وأوْحَى إليْك،  وَلاَ تَكُن لِّلْخَائِنِينَ  : طعمة، " خصيماً " : مُعيناً مُدَافِعاً عنه. 
وهذه القِصَّة تَدُلُّ على أن طعمة وقوْمَه كانوا مُنَافِقِين ؛ لأنهم طلبوا البَاطِل، ويؤكِّدُه قوله - تعالى - : وَمَا يُضِلُّونَ إِلاَّ أَنفُسَهُمْ وَمَا يَضُرُّونَكَ مِن شَيْءٍ  \[ النساء : ١١٣ \]. ثم رُوي : أن طعمة هَرَب إلى مَكَّة وارتَدَّ، وثَقَب حَائِطَاً ؛ ليَسْرِق، فسقط الحَائِط عَلَيْه فمات. 

### فصل


قال الطَّاعِنُون في عِصْمة الأنْبِيَاء - عليهم الصلاة والسلام - : دلَّت هذه الآيةُ على صُدُور الذَّنْب من الرَّسُول - عليه الصلاة والسلام - فإنَّه لَوْلاَ أن الرسُول - \[ عليه الصلاة والسلام \][(١٦)](#foonote-١٦) أراد أن يُخَاصِم لأجْل الخَائِن[(١٧)](#foonote-١٧) ويذب عنه[(١٨)](#foonote-١٨)، وإلاّ لما وَرَدَ النَّهْي عَنْه. 
والجوابُ : أنه لمَّا ثَبَتَ في الرِّواية : أنَّ قوم طعمة لما التمسُوا من الرَّسُول - عليه الصلاة والسلام - أن يَذُبَّ عن طعمة، وأنْ يُلْحِق السَّرقة باليَهُودِيِّ توقف وانتظر الوَحْي، فنزلت الآيَة، وكان الغَرَضُ من هذا النَّهْي : تَنْبيه النبيّ - عليه الصلاة والسلام - على أنَّ طعمة كَذَّابٌ، وأن اليَهُودِيَّ بريءٌ من ذَلِك الجُرْمِ. 
فإن قيل : الدَّليل على أنَّ الجُرْم قد وَقَعَ من النَّبِي - عليه الصلاة والسلام - قوله بعد ذلك : وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُوراً رَّحِيماً  والأمر بالاسْتِغْفَار، يدل على صُدُور الذَّنْبِ. 
 **فالجواب : من وجوه :**
الأوَّل : لعله مَالَ طَبْعُهُ، إلى نُصْرة طعمة ؛ بِسَبَبِ أنه كَانَ في الظَّاهِر من المُسْلِمِين ؛ فأمر بالاسْتِغْفَار لهذا القَدْر، وحَسَنَاتُ الأبْرَار سَيِّئَات المُقَرَّبين. 
الثَّاني : أن القَوْم لما شَهِدُوا بِبَراءَة طعمة، وعلى اليَهُودِيِّ بالسَّرِقَة، ولم يَظْهَر للرَّسُول - عليه الصلاة والسلام - ما يُوجِب القَدْح في شَهَادَتِهم، هَمَّ بأن يَقْضِي بالسَّرِقة عَلَى اليهودي، ثمَّ لما أطْلَعَهُ اللَّه على كَذِب أولَئكَ الشُّهُود، عَرَف أنَّ ذلك القَضَاء لو وَقَعَ، لكان خَطَأ في نَفْسِه، وإن كَانَ مَعْذُوراً عند اللَّه \[ - تعالى - \][(١٩)](#foonote-١٩) \[ فيه \][(٢٠)](#foonote-٢٠). 
الثالث : قوله :" واستغفر الله " يُحْتَمل أن يكُون المُرادُ : واستغفر الله لأولئك الَّذين يَذُبُّون عن طعمة، ويُرِيدُون أن يُظْهِرُوا بَرَاءَته[(٢١)](#foonote-٢١). 
الرابع : قيل : الاسْتِغْفَار في حَقِّ الأنْبِياء بعد النُّبُوَّة على أحَدِ الوُجُوه الثَّلاثة : إما لِذَنْب تَقَدَّم قبل النُّبُوَّة، أو لِذُنُوب أمَّته وقَرَابتِه، أو لِمُبَاح جاء الشَّرْع بتحريمِهِ، فيتركه بالاسْتِغْفَار، والاسْتِغْفَار يَكُون مَعْناه : السَّمع[(٢٢)](#foonote-٢٢) والطَّاعة لحُكْمِ الشَّرْع. 
١ سقط في ب..
٢ في أ: الخطأ..
٣ سقط في ب..
٤ في أ: لنرضى..
٥ في أ: منهم..
٦ ينظر: تفسير الرازي ١١/٢٧..
٧ سقط في ب..
٨ سقط في أ..
٩ في أ: التعددية..
١٠ سقط في أ..
١١ ينظر: تفسير الرازي ١١/٢٧..
١٢ سقط في أ..
١٣ ينظر: تفسير الرازي ١١/٢٧..
١٤ ذكره البغوي في تفسيره ١/٤٧٧..
١٥ أخرجه الطبري في "تفسيره"(٩/١٨٥) وذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٢/٣٨٥) وزاد نسبته لابن أبي حاتم عن السدي..
١٦ سقط في أ..
١٧ في ب: الخائنين..
١٨ في ب: عنهم..
١٩ سقط في أ..
٢٠ سقط في ب..
٢١ في ب: إيمانه..
٢٢ في ب: الشرع..


---

### الآية 4:107

> ﻿وَلَا تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ خَوَّانًا أَثِيمًا [4:107]

ثم قال : وَلاَ تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنفُسَهُمْ  أي : يَظْلمون أنفُسَهُم بالخِيَانَة والسَّرقة وقِبَلها. أمر بالاسْتِغْفَار على طَرِيق التَّسْبِيحِ ؛ كالرجل يَقُول : أسْتَغْفِر اللَّه، على وجْه التَّسْبِيح من غَيْر أن يَقْصِد تَوْبةً من ذَنْبٍ. 
وقيل : الخِطَاب للنَّبِي صلى الله عليه وسلم، والمراد : ابن أبَيْرقِ ؛ كقوله : يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ  \[ الأحزاب : ١ \] \[ وقوله : فَإِن كُنتَ فِي شَكٍّ [(١)](#foonote-١) \[ يونس : ٩٤ \] والمراد بالذين يختانون طعمة ومن عاوَنَهُ من قَوْمِه، والاخْتِيَان : كالخِيَانَةِ ؛ يقال : خَانَهُ واخْتَانَهُ، وقد تقدَّم عِنْد قوْله : عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَخْتَانُونَ أَنفُسَكُمْ  \[ البقرة : ١٨٧ \]، \[ وإنما قال لطعمة وللذَّابِّين عنه : إنهم يختَانُون أنفُسَهُم \][(٢)](#foonote-٢) ؛ لأن مَنْ أقدم على المَعْصِيَة، فقد حَرَمَ نفسه الثَّوَابَ، وأوصَلَهَا إلى العِقَاب، فكان ذلك مِنْهُ خِيَانة لِنَفْسِهِ ؛ ولِهَذا المَعْنَى، قيل لِمَن ظَلَم غيره : إنَّه ظلم نَفْسَه، وفي الآيَة تهديدٌ شَدِيدٌ على إعانَة[(٣)](#foonote-٣) الظَّالِم ؛ لأن الله - تعالى - عاتب النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم على همِّه بإعَانَة طعمة، مع أنَّه لم يَكُن عَالِماً بظُلْمِهِ، فكيف حَالُ من يَعْلم ظلم الظَّالِم، ويعينُه عَلَيْه. 
ثم قال : إنَّ اللَّه لا يُحِبُّ  أي : لا يَرْضى عن[(٤)](#foonote-٤)  مَنْ كَان خَوَّاناً أَثِيماً  يريد : خَوَّاناً في الدِّرْع، أثيماً في رَمْيه اليَهُوديَّ. 
وقيل : إنَّه خطابٌ مع النَّبِي صلى الله عليه وسلم والمراد به : غيره ؛ كقوله : فَإِن كُنتَ فِي شَكٍّ مِّمَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ  \[ يونس : ٩٤ \]. 
فإن قيل : قوله - تعالى - : مَن كَانَ خَوَّاناً أَثِيماً  صيغة مُبالَغَة تَدُلُّ على تَكْرَار ذَلِكَ \[ الفِعْل مع أن الصَّادِر عَنْه خِيَانة وَاحِدَة، وإثمٌ واحدٌ. 
فالجواب : أنَّ الله - تعالى - عَلِم أنه \][(٥)](#foonote-٥) كَانَ في طَبْعَ ذَلِكَ الرَّجُل الخيانة الكَثِيرة والإثْمِ الكَبِير، فذكر اللَّفظ الدَّالَّ على المُبَالَغَة ؛ بسبَبِ ما كان في طَبْعِهِ من المَيْل إلى ذَلِك، ويدُلُّ عليه : ما ذَكر \[ أنَّه \][(٦)](#foonote-٦) بعد هذه الوَاقِعَة هَرَبَ إلى مَكَّة، وارتدّ ونَقَبَ حائِط إنْسَان، لأجْلِ السرقة، فسقط الحَائِطُ عليْه ومات، ومن كانت خَاتِمَتُه كَذَلِك، لم يُشَكّ في حَالِه، وأيضاً : فإنَّه طَلَبَ من النبي - عليه الصلاة والسلام - أنْ يرفَعَ السَّرِقَةَ عَنْه، ويُلْحِقَها باليَهُودِيِّ، وهذا[(٧)](#foonote-٧) يُبْطِل رِسَالة الرَّسُول، ومن حَاوَل إبْطَال رسَالة الرَّسُول وأراد كذبَهُ، فقد كَفَر ؛ فلهذا المَعْنَى وَصَفَهُ اللَّه \[ - تعالى - \][(٨)](#foonote-٨) بالمُبَالَغَة في الخِيَانة والإثْمِ. 
وقد قيل : إذا عَثرْت من رَجُلٍ على سَيِّئَةٍ، فاعلم أنَّ لها أخَوَاتٍ. 
وعن عُمَر - رضي الله عنه - : أنَّه أخذ يَقْطَع يَدَ سَارِقٍ، فجاءَتُهُ أمُّه تَبْكِي وتقُول هذه أوّل سَرِقة سرقها فاعْفُ عنه، فقال : كَذَبْت إنّ الله لا يؤاخِذُ عَبْدَه في أوّل الأمْر.

١ سقط في ب..
٢ سقط في أ..
٣ في أ: إهانة..
٤ في أ: عنه..
٥ سقط في أ..
٦ سقط في ب..
٧ في أ: وهلا..
٨ سقط في أ..

### الآية 4:108

> ﻿يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَىٰ مِنَ الْقَوْلِ ۚ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطًا [4:108]

**في " يَسْتَخفُون " : وجهان :**
أظهرُهُمَا : أنها مَستأنفة لمجرد الإخْبَار بأنهم يَطْلُبون التستُّر من الله - تعالى - بجهلهم. 
والثاني : أنها في مَحَلِّ نَصبٍ صفة ل " مَنْ " في قوله : لا يحبُّ مَنْ كان خَواناً  وجُمِع الضَّمِير اعتباراً بمعناها إن جعلت " مَنْ " نكرةً موصوفة، أو في مَحَلِّ نصب على الحَالِ مِنْ " مَنْ " إن جَعَلْتَها مَوصُولة، وجُمِعَ الضميرُ باعتبار مَعْنَاها أيضاً. 
والاستخفاء[(١)](#foonote-١) الاستتار، يقال استَخْفَيْت من فُلان : أي : توارَيْتُ منه واسْتَتْرتُ ؛ قال الله - تعالى - : وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِالْلَّيْلِ  \[ الرعد : ١٠ \] أي : مُسْتَتر، ومعنى الآيَة : يَسْتَتِرُون من النَّاسِ، ولا يَسْتَتِرُونَ من اللَّه. 
قال ابن عبَّاسٍ[(٢)](#foonote-٢) : يَسْتَحْيُون من النَّاس، ولا يَسْتَحيون من اللَّه. قال الواحِدِي[(٣)](#foonote-٣) : هذا مَعْنًى وليس بِتَفْسير ؛ وذلك أنَّ الاستحْيَاء من النَّاس هو نفس الاسْتِخْفَاء، فَلَيْس الأمْر كذلك. قوله :" وَهُو مَعَهُم " جملة حالية إمَّا من اللَّه - تعالى -، أو من المُسْتَخْفِينَ، وقوله :" معهم " أي : بالعِلْم، والقُدْرَة، والرُؤيَة، وكَفَى هذا زاجراً للإنْسَان، و " إذْ " منصوبٌ \[ بالعامل - في \][(٤)](#foonote-٤) الظَّرْفِ - الوَاقِعِ خبراً، وهو " مَعَهُم " ومعنى : يُبَيِّتُون : يَتَقَوَّلون، ويُؤلِّفُون، ويضمرون في أذْهَانِهِم، والتبييتُ : تدبير الفِعْل لَيْلاً، والذي لا يَرْضَاه اللَّه من القَوْل ؛ هو أنَّ طعمة قال : أرمي اليَهُودي بأنَّه هو الَّذِي سرق الدِّرْع، وأحْلِفُ أنِّي لمْ أسْرِقْها، ويَقْبَل الرَّسُول يميني ؛ \[ لأني \][(٥)](#foonote-٥) على دِينهِ، ولا يَقْبَل يَمين اليَهُودِي. 
فإن قيل : لِمَ سَمَّى التَّبْييت[(٦)](#foonote-٦) قولاً، وهو مَعْنى في النَّفْسِ ؟. 
فالجواب : أن الكلام الحَقِيقي هو المَعْنَى القَائِم بالنَّفْسِ، وعلى هذا فلا إشْكَال، ومن أنْكَر كلام النَّفْس، قال : إن طعمة وأصْحَابه أجْمَعُوا في اللَّيْل، ورَتَّبُوا كيْفِيَّة[(٧)](#foonote-٧) الحِيلة والمَكْر ؛ فسمَّى الله - تعالى - كلامَهُم ذلك بالقَوْل المُبَيَّت الذي لا يَرْضَاه، ثم قال : وَكَانَ اللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطاً  والمُراد به : الوَعِيد ؛ لأنهم وإن كانُوا يُخْفُون كَيْفيَّة المكر والخداع عن النَّاس، فإنها ظَاهِرَة في عِلْم اللَّه ؛ لأنَّه - تعالى - مُحِيطٌ بجميع المَعْلُومات لا يَخْفَى عليه منها شيء. 
١ في ب: والاختفاء..
٢ ينظر: تفسير الرازي ١١/٢٩..
٣ ينظر: السابق..
٤ سقط في ب..
٥ سقط في ب..
٦ في أ: التدبير..
٧ في ب: كيف..

### الآية 4:109

> ﻿هَا أَنْتُمْ هَٰؤُلَاءِ جَادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَمَنْ يُجَادِلُ اللَّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَمْ مَنْ يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا [4:109]

" هَا " للتَّنْبِيه في " أنْتُم "، و " هؤلاءِ " : مُبْتَدأ وخَبَر " جَادَلْتُم " جُمْلَة مبينة لِوُقُوع " أولاء " خبراً ؛ كما تَقُول لِبْعضِ الأسْخِيَاءِ : أنْتَ حَاتِمٌ تجود بِمَالِك، وتُؤثِر على نَفْسك، ويجُوز أن يكون " أولاء " اسماً مَوْصُولاً، بمعنى : الَّذِين، و " جادلْتُم " صلة وتقدَّم الكَلاَم على نَحْو  هَا أَنْتُمْ هَؤُلاءِ ، والجِدَال في اللُّغَة \[ عبارة \][(١)](#foonote-١) عَنْ شِدَّة المخَاصَمَةِ من الجَدَل وهو شدة الفتل، وجَدْل الحَبْل : شدَّة فتله، ورَجُل مَجْدُول كأنه فُتل، والأجْدَل : الصَّقر ؛ لأنَّه \[ من \] أشَدِّ الطُّيُور قُوَّة ؛ هذا قَوْل الزَّجَّاج، والمَعْنَى : أن كل وَاحِدٍ \[ من الخَصْمَيْن \][(٢)](#foonote-٢) يريد فَتْل خَصْمه عن مَذْهَبه، وصَرْفَه عن رَأيه بِطَريق الحجاج، وقيل : الجِدَال من الجِدَالةِ، وهي الأرض، وكل واحد من الخصمين يروم قهر صاحبه، وصرعه[(٣)](#foonote-٣) عن الجدالة، وهذا خِطَاب مع قَوْم من المُؤمنين، كانوا يذبُّون عن طعمة وَعن قوْمِهِ : بسبب أنهم كَانُوا في الظَّاهِرِ مسلِمين، والمعنى : هَبُوا أنَّكم خَاصَمتُم عن طعمة وقَوْمِهِ في الدُّنْيَا، فمن يُخَاصِم عَنْهم في الآخِرة إذَا أخَذَهم اللَّه بِعَذَابِه. 
وقرأ أبيُّ بن[(٤)](#foonote-٤) كَعْب، وعَبْد الله بن مَسْعُود :" وجَادَلْتُم عَنْه " يعني : طعمة. 
وقوله : فَمَن يُجَادِلُ اللَّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ  : استفهام تَوْبيخٍ وتَقْريعٍ، و " من " استِفْهَامِيَّة في محلِّ رفع بالابتداء، و " يُجَادِلُ " : خبره، وقوله : أَمْ مَّن يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلاً  أم : مُنقَطِعَة وليست بعاطِفَةِ، وظاهر عِبَارَة مَكِّي[(٥)](#foonote-٥) : أنها عاطفة، فإنَّه قال : و " أمَّنْ يكُونُ " مثلها \[ عطف عليها، أي : مثل " مَنْ " في قوله :" فَمَنْ يُجَادِلُ " وهو في محَلِّ نظرٍ ؛ لأن في المنقطعة خِلافاً، هل تُسمَّى عاطِفَة أم لا \][(٦)](#foonote-٦)، والوكيل الكفيل الذي وُكِّلَ إليه الأمْرُ في الحفظ والحماية و " على " هنا بمعنى اللام والمعنى : أمَّنْ يكون لهم وكيلاً، أي من النبي يذب عنهم، ويتولّى أمرهم، ويحميهم من عَذَاب الله يوم القيامة.

١ سقط في أ..
٢ سقط في ب..
٣ في ب: وصرفه..
٤ ينظر: البحر المحيط ٣/٣٦٠..
٥ ينظر: المشكل ١/٢٠٥..
٦ سقط في أ..

### الآية 4:110

> ﻿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا [4:110]

لما ذكر الوعيد أتبعه بالدعوة إلى التوبة فقال : وَمَن يَعْمَلْ سُوءاً  يعني : السَّرِقَة،  أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ  بِرَمْيه البَرِيء، وقيل : السُّوء : الشِّرْكُ، وظلم النَّفْسِ : ما دون الشِّرْكِ، وقيل : المراد بالسُّوء : ما يَتَعَدَّى إلى الغَيْر، وظلم النَّفْس : ما يَخْتَصُّ به الإنْسَان ؛ كالحَلْف الكَاذِب، وإنما خَصَّ ما يتعدى إلى الغَيْر باسم[(١)](#foonote-١) السُّوء ؛ لأنَّ ذلك يكون في الأكْثَر إيصَالاً[(٢)](#foonote-٢) للضَّرَر إلى الغَيْر، والضَّرَرُ سوءٌ حَاضِرٌ. 
فأمَّا الذَّنْبُ الذي يَخُصُّ الإنْسَان : فذلك لا يَكُون في الأكثر ضَرَراً حَاضِراً. 
وقوله : ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ  أي : يَتُبْ إلى الله[(٣)](#foonote-٣) ويَستغفرهُ  يَجِدِ اللَّهَ غَفُوراً رَّحِيماً  وهذه الآيَة دَلَّتْ على أنَّ التَّوْبَةَ مَقْبُولَةٌ عن جميع الذُّنُوبِ سواءً كانت كُفْراً، أو قَتْلاً عَمْداً، أو غَصْباً[(٤)](#foonote-٤) للأمْوَال ؛ لأن السُّوء \[ و \][(٥)](#foonote-٥) ظلم النَّفْسِ يَعُمُّ الكلُّ، وظاهر الآية يَقْتَضِي أنَّ[(٦)](#foonote-٦) مجرد الاسْتِغْفَار كَافٍ. 
وقال بعضهم[(٧)](#foonote-٧) : إنَّه مقيَّد بالتَّوْبَة ؛ لأنَّهُ لا يَنْفَع الاسْتِغْفَارُ مع الإصرار. 
وقوله : غَفُوراً رَّحِيماً  معناه : غفوراً رحيماً له، وحُذِفَ هذا القَيْد ؛ لدلالة الكَلاَم عَلَيْه. 
قال الضَّحَّاك : نَزَلَت هذه الآية في وَحْشي قاتلِ حمْزة، أشْرك باللَّه، وقتل حَمْزَة، ثم جاء إلى الرَّسُول صلى الله عليه وسلم، فقال : إني لَنَادِمٌ، فهل لي من تَوْبَةٍ ؟. فنزلت هذه الآية[(٨)](#foonote-٨). 
وروى سُفْيَانُ عن ابن مَسْعُودٍ، قال : من قرأ هَاتَيْن الآيَتين[(٩)](#foonote-٩) من سُورة النِّسَاء، ثم اسْتَغْفَرَ، غُفِرَ له وقرأ : وَمَن يَعْمَلْ سُوءاً أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ  \[ النساء : ١١٠ \] الآية، 
 وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُواْ أَنفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُواْ اللَّهَ  \[ النساء : ٦٤ \] الآية[(١٠)](#foonote-١٠). 
وعن عَلِيٍّ - رضي الله عنه - قال : حدَّثَنِي أبُو بكر، وصدق أبُو بكر قال : ما من عَبْدٍ يُذْنِب ذَنْباً، ثم يَتَوَضَّأُ، ويُصَلِّي رَكْعَتَيْن، ويستغفر الله، إلا غَفَرَ له، ثم تَلاَ هذه الآيَة \[  ومن يعمل سوءاً أو يظلم نفسه [(١١)](#foonote-١١) الآية قال ابن عَطيَّة[(١٢)](#foonote-١٢) : قوله :" يَجِدِ اللَّه " أي : يجد عِنْدَه المَغْفِرة والرَّحْمَة، فجعل المَغْفِرَة كالمورد يرده التَّائِب \][(١٣)](#foonote-١٣) المُستْغَفِر.

١ في أ: بإثم..
٢ في أ: أيضا لا..
٣ في ب: إليه..
٤ في أ: تحصينا..
٥ سقط في ب..
٦ في ب: أن..
٧ ينظر: تفسير الرازي ١١/٣٠..
٨ ذكره القرطبي في تفسيره ٥/٢٤٣-٢٤٤..
٩ في أ: الكلمتين..
١٠ ذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٢/٣٨٧) وعزاه لعبد بن حميد عن ابن مسعود..
١١ ذكره السيوطي بهذا اللفظ في "الدر المنثور" (٢/٣٨٨) وعزاه لابن أبي حاتم وابن السني في "عمل اليوم والليلة" وابن مردويه عن أبي بكر وللحديث شاهد من حديث أبي بكر أيضا ولكن ليس فيه ذكر الآية أخرجه أحمد (١/١١) وأبو داود (١٥٢١) والترمذي(٣٠٠٩) وابن ماجه(١٣٠٥) وابن حبان(٦١١) عن أبي بكر مرفوعا بلفظ: ما من مسلم يذنب ذنبا ثم يتوضأ ويصلي ركعتين ويستغفر الله إلا غفر الله له..
١٢ ينظر: المحرر ٢/١١١..
١٣ سقط في ب..

### الآية 4:111

> ﻿وَمَنْ يَكْسِبْ إِثْمًا فَإِنَّمَا يَكْسِبُهُ عَلَىٰ نَفْسِهِ ۚ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا [4:111]

قوله تعالى : وَمَن يَكْسِبْ إِثْماً فَإِنَّمَا يَكْسِبُهُ عَلَى نَفْسِهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً [(١)](#foonote-١)
والكَسْبَ عِبَارة عمَّا يفيد جرَّ مَنْفَعَةٍ، أوْ دَفع مَضَرَّة، ولِذلك لَم يَجُزْ وَصْف البَارِي - تعالى - بذلك، وقِيلَ : المُرَاد بالإثْم : يعني يَمِين طعمة بالبَاطِل، أي : ما سَرَقْتَه، إنَّما سرقه اليَهُودِيُّ،  فإنَّما يكسبُه على نَفْسِهِ  فإنَّما يضرُّ به نَفْسَه،  وَكَانَ اللَّهُ عَلِيماً  بما في قَلْب التَّائِب عند إقْدَامه على التَّوبة \[ " حكيماً " \][(٢)](#foonote-٢) تقتضي حكْمَتهُ ورَحْمَتُهُ أن يَتَجَاوَزَ عن التَّائِب، والمَقْصُود منه : تَرْغِيبُ العَاصِي في الاسْتِغْفَار، وألا يَيْأس من قبول التَّوْبَةِ والاسْتِغْفَارِ.

١ سقط في ب..
٢ سقط في أ..

### الآية 4:112

> ﻿وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْمًا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا [4:112]

قيل : المراد بالخَطِيئَةِ : سَرِقَةُ الدِّرْع، وبالإثْمِ : يَمينه الكَاذِبَة. 
وقيل : الخَطِيئَةُ : الصَّغيرة، والإثْم : الكَبِيرة. 
وقيل : الخَطِيئَة : ما لا يَنْبَغِي فِعْلُه سواءً كان بالعَمْد أو بالخَطَأ، والإثْم : ما يَحْصُل بسبب العَمْد ؛ لقوله في الَّتِي قَبْلَها : وَمَن يَكْسِبْ إِثْماً فَإِنَّمَا يَكْسِبُهُ عَلَى نَفْسِهِ  \[ النساء : ١١١ \] فبيَّن أن الإثْم ما يَسْتَحِقُّ به العُقُوبَة. 
وقيل : هُما بمَعْنَى وَاحِد، كرر لاخْتِلاَف اللَّفْظ تَأكِيداً. 
وقال الطَّبَرِيّ[(١)](#foonote-١) : الخَطِيئَة تكون عن عَمْد، وعَنْ غَيْر عمد، والإثْم لا يكون إلا عن عَمْد، وقيل : الخَطِيئَة مَا لَمْ يُتَعَمَّد خاصَّة ؛ كالقَتْل الخَطَأ. 
قوله : ثُمَّ يَرْمِ بِهِ  : في هذه الهَاءِ أقوالٌ :
أحدُها : أنها تعود على " إثماً " لأنه الأقْرب، والمتعاطفان ب " أو " : يجُوز أن يعودَ الضَّمير على المَعْطُوف كهذه الآية، وعلى المعطوف عليه ؛ كقوله : وَإِذَا رَأَوْاْ تِجَارَةً أَوْ لَهْواً انفَضُّواْ إِلَيْهَا  \[ الجمعة : ١١ \]. 
والثاني : أنها تعودُ على الكَسْبِ المدْلُول عليه بالفعل، نحو : اعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ  \[ المائدة : ٨ \] أي العدل. 
الثالث : أنها تعودُ على أحد المذكُورَيْن الدَّالِّ عليه العَطْفُ ب " أو " فإنه في قُوَّة " ثم يَرْمِ بأحَدِ المذكُورَيْن ". 
الرابع : أنَّ في الكَلاَم حَذْفاً، والأصْل : ومن يكسب خطيئة ثم يرم بها  ؛ وهذا كما قيل في قوله : وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلاَ يُنفِقُونَهَا  \[ التوبة : ٣٤ \] أي : يَكْنزِون الذَّهب، ولا ينفقونه. 
الخامس : أن يعُود على[(٢)](#foonote-٢) معنى الخَطِيئة، فكأنَّه قال : ومن يَكْسِب ذَنْباً ثم يَرْم بِهِ، وقيل : جَعَل الخَطِيئَة والإثْم كالشَّيْء الوَاحِد، و " أو " هنا لتَفْصِيل المُبْهَمِ، وتقدَّم له نَظَائرُ. 
وقرأ مُعاذُ بن جَبَل[(٣)](#foonote-٣) :" يَكسِّبْ " بِكسْر الكاف وتَشْدِيد السِّين، وأصْلُها : يَكْتَسِبْ، فأدغمت تَاءُ الافْتعال في السِّين، وكُسِرت الكافُ إتباعاً، وهذا شَبيهٌ ب " يَخِطِّف " \[ البقرة : ٢٠ \]، وقد تقدَّم تَوْجِيههُ في البقرة، وقرأ الزهري[(٤)](#foonote-٤) :" خَطِيَّة " بالتَّشديدِ، وهو قياسُ تَخْفِيفها. 
وقوله : يَرْمِ بِهِ بَرِيئاً  أي : يقْذِفُ بما جَنَى " بَريئاً " منه كما نُسِبَتِ السَّرِقَة إلى اليَهُودِي. \[ قوله \][(٥)](#foonote-٥) : فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتَاناً  البهتان : هو البهْت، وهو الكَذِب الَّذي يتحيَّر[(٦)](#foonote-٦) في عِظمهِ ؛ لأنَّهُ إذا قيل للإنْسَان، بُهت وتَحَيَّر. 
رَوَى مُسْلِمٌ، عن أبِي هُرَيْرة، " قال رسُول الله صلى الله عليه وسلم :\[ أ \][(٧)](#foonote-٧) تَدْرُون ما الغيبة ؟ قالُوا : الله ورسُولُه أعْلَم، قال :" ذِكْرُكَ أخَاكَ بما يَكْرَهُ ". قيل : أفَرَأيْت إن كَانَ في أخي ما أقول ؟ قال :" إن كان فيه ما تَقُول، فَقَدِ اغْتَبْتَهُ، وإن لم يَكُن فِيهِ، فقد بَهَتَّهُ " [(٨)](#foonote-٨) ؛ فرمْيُ البَرِيءِ[(٩)](#foonote-٩) بَهْتٌ له، يقال : بَهَتَهُ بَهْتاً وَبُهْتَاناً، إذا قَالَ عَنْه ما لم يَقُل، وهو بَهَّاتٌ، والمَفْعُول له : مَبْهُوتٌ، ويُقَال : بَهِتَ الرَّجُل بالكَسْر، إذا دُهشَ وتَحَيَّر، وبَهُتَ بالضَّمِّ مثله، وأفْصَحُ منها : بُهِتَ ؛ كقوله - تعالى - : فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ 
\[ البقرة : ٢٥٨ \] لأنَّه يُقَال : رَجُل مَبْهُوتٌ، ولا يُقَال : باهِت[(١٠)](#foonote-١٠)، ولا بَهِيتٌ ؛ قال الكسائي[(١١)](#foonote-١١)، و " إثْماً مُبِيناً " أي : ذَنباً بَيِّناً.

١ ينظر: تفسير الطبري ٤/٢٧٤..
٢ في ب: إلى..
٣ ينظر: البحر المحيط ٣/٣٦٢، والدر المصون ٢/٤٢٤..
٤ ينظر: القراءة السابقة..
٥ سقط في أ..
٦ في ب: يتجر..
٧ سقط في أ..
٨ أخرجه مسلم (٤/٢٠٠١) كتاب البر والصلة باب تحريم الغيبة حديث (٧٠/٢٥٨٩) من حديث أبي هريرة..
٩ في أ: الذي..
١٠ في ب: بهيت..
١١ ينظر: تفسير القرطبي ٥/٢٤٤..

### الآية 4:113

> ﻿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ ۖ وَمَا يَضُرُّونَكَ مِنْ شَيْءٍ ۚ وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ ۚ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا [4:113]

قوله تعالى : وَلَوْلاَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّتْ طَّآئِفَةٌ مِّنْهُمْ أَن يُضِلُّوكَ وَمَا يُضِلُّونَ إِلاَّ أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَضُرُّونَكَ مِن شَيْءٍ وَأَنزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً [(١)](#foonote-١). 
قال القُرْطُبِي[(٢)](#foonote-٢) : ما بَعْد " لَوْلاَ " مرفوعٌ بالابْتِدَاء عند سِيبَويْه، والخَبَر مَحْذُوف لا يَظْهَر، والمَعْنَى : ولولا فَضْلُ اللَّه عَليكَ ورَحْمَتُه بأن نبَّهك على الحَقِّ، وقيل : بالنُّبُوءَة والعِصْمَة،  لَهَمَّت طَّائِفَةٌ مِّنْهُمْ أَن يُضِلُّوكَ  عن الحق. 
قال شهاب الدين : في جواب " لولا " وجهان :
أظهَرُهُمَا : أنه مَذْكُورٌ، وهو قوله :" لَهَمَّتْ ". 
والثاني : أنه مَحْذُوفٌ، أي : لأضلُّوك، ثم اسْتأنَفَ جُمْلة فقال :" لَهَمَّتْ " أي : لقد هَمَّتْ. 
قال أبو البقاء[(٣)](#foonote-٣) في هذا الوَجْه، ومثلُ حذفِ الجَوابِ هنا حَذْفُه في قوله : وَلَوْلاَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ حَكِيمٌ  \[ النور : ١٠ \] وكأنَّ الذي قَدَّر الجوابَ مَحْذُوفاً، استشكل كَوْنَ قوله :" لهمتْ " جواباً ؛ لأنَّ اللَّفْظ يقتضي انْتِفَاء هَمِّهم بذلك، والغرضُ : أنَّ الواقع كوْنُهم همُّوا على ما يُرْوَى في القصَّة ؛ فلذلك قدَّره مَحْذُوفاً، والذي جَعَلَه مثبتاً، أجَابَ عن ذلك بأحَدِ وَجْهَيْن :
إمَّا بتَخْصيص الهَمِّ، أي : لَهَمَّتْ هَمّاً يؤثِّر عندك. 
وإمَّا بتخصيص الإضْلال، أي : يُضِلُّوك عن دينك وشريعتك، وكلا هذيْن الهمَّيْن لم يقع. 
و " أَن يضلُّوك " على حَذْف الباء، أي : بأن يُضِلُّوك، ففي مَحَلِّها الخِلافُ المَشْهُور، و " مِنْ " في " مِنْ شَيء " زائدةٌ، و " شيء " يراد به المَصْدرُ، أي : وما يَضُرُّونك ضَرَراً قليلاً، ولا كثيراً.

### فصل


هذا قول للنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم ؛ لَوْلا[(٤)](#foonote-٤) أن خَصَّكَ الله بالنُّبُوَّة والرَّحمة، " لهمت طائفة " : لقد هَمَّتْ طائفة، أي : أضْمَرَت طَائِفَة منهم، يعني : قَوْم طعمة، " أَن يضلوك " أي : يُخَطِّئُوك في الحُكْم، ويُلْبِسُوا عليك الأمْر ؛ حَتَّى تدافع عن طعمة،  وَمَا يُضِلُّونَ إِلاَّ أَنفُسَهُمْ  يعني : يرجع وَبالُهُ عليهم،  وَمَا يَضُرُّونَكَ مِن شَيْءٍ  فيه وَجْهَان :
الأوَّل : قال القفَّال - رحمه الله تعالى - وما يضُرُّونك في المُسْتَقْبل، فوعده - تعالى - بإدَامَة العِصْمَة لما يُرِيدُون من إيقَاعِه في البَاطِل. 
الثَّاني : المَعْنَى : أنَّهم وإنْ سَعوْا في إلْقَائك[(٥)](#foonote-٥) فأنْتَ ما وقَعْتَ في البَاطِل : لأنَّك بنيت الأمر على ظَاهِر الحَال، وأنت ما أمرت إلا بِبِنَاءِ[(٦)](#foonote-٦) الأحْكَام على الظَّاهِر. 
ثم قال : وأنزل عليك الكتاب والحكمة  وهذا مؤكد لذلك الوَعْد إن فَسَّرْنا قوله : وَمَا يَضُرُّونَكَ مِن شَيْءٍ  بالوَعْد والعِصْمَة في المُسْتَقْبل، يعني : لما أنْزَل عليك الكتاب والحكمة، وأمر بِتَبْلِيغ الشَّريعة إلى الخَلْقِ، فكيف يَلِيقُ بحكمته ألاَّ يَعْصِمَك عن الوُقُوع في الشُّبُهَات، وإن فَسَّرْنا الآية بأنَّه - عليه الصلاة والسلام - كان مَعْذُوراً في بناء الحُكْم على الظَّاهر، كان المَعْنَى : وأنزل عليك الكتاب والحكمة، وأوْجَبَ فيها بِنَاء أحكام[(٧)](#foonote-٧) \[ الشَّرْع \][(٨)](#foonote-٨) على الظَّاهر، فكيف يَضُرُّك بناء الأمْر على الظَّاهِر. 
قال القُرْطُبِي[(٩)](#foonote-٩) : قوله \[ تعالى \][(١٠)](#foonote-١٠) : وأنزل عليك الكتاب والحكمة  ابْتِداء كلام. 
وقيل :" الواو " للحال ؛ كقوله " جئتك والشمس طالعة "، والكلام مُتَّصِلٌ، أي :\[ ما يَضُرُّونك من شَيْء مع إنْزَال اللَّه عليك \][(١١)](#foonote-١١) القُرْآن، " والحِكْمَة " : القَضَاء بالوَحْي. 
ثم قال : وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُن تَعْلَمُ . 
قال القَفَّال : هذه الآيَة تَحْتَمِلُ وَجْهَيْن :
أحدهما : أن يكُون المُراد \[ ما يتعَلَّق \][(١٢)](#foonote-١٢) بالدِّين ؛ كما قال : مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلاَ الإِيمَانُ  \[ الشورى : ٥٢ \] فيكون تَقْدِير الآيَة : أنْزَل عليك الكتاب والحِكْمة، وأطْلَعَك على أسْرَارِهَا، مع أنَّك قبل ذَلِك لم تكن عَالِمَاً بشيء منهما، فكَذَلِكَ يفْعَل بك في مُسْتَأنف أيَّامك، لا يَقْدِر أحدٌ من المُنَافِقِين على إضلالك. 
الثاني : أن المُراد : وعَلَّمك ما لم تكُن تَعْلَم من أخْبَار الأولِين ؛ فكذلك يُعَلِّمك من حِيَل المُنَافِقِين وَوُجوه كَيْدِهِم، ما تَقْدِر \[ به \][(١٣)](#foonote-١٣) على الاحتراز عن كَيْدهم ومَكْرِهِم. 
 وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً . وهذا يَدُلُّ على أنَّ العِلْم أشْرَف الفَضَائِلِ والمَنَاقِب ؛ لأنَّ الله - تعالى - ما أعْطَى الخَلْق من العِلْم إلا القَلِيل ؛ لقوله - تعالى - : وَمَا أُوتِيتُم مِّنَ الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً  \[ الإسراء : ٨٥ \] ثم إنَّه سمَّى ذلك القَلِيل عَظِيماً، وسمَّى جَمِيع الدُّنْيَا قَلِيلاً، لقوله \[ - تعالى - \][(١٤)](#foonote-١٤) : قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ  \[ النساء : ٧٧ \] وذلك يَدُلُّ على شَرَف العِلْم. 
١ سقط في ب..
٢ ينظر: تفسير القرطبي ٥/٢٤٥..
٣ ينظر: الإملاء ١/١٩٤..
٤ في أ: قولا..
٥ في ب: أتعابك..
٦ في أ: لأتيان..
٧ في ب: الأحكام..
٨ سقط في ب..
٩ ينظر: تفسير القرطبي ٥/٢٤٥..
١٠ سقط في أ..
١١ سقط في ب..
١٢ سقط في أ..
١٣ سقط في أ..
١٤ سقط في أ..

### الآية 4:114

> ﻿۞ لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ ۚ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَٰلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا [4:114]

قوله تعالى : لاَّ خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِّن نَّجْوَاهُمْ إِلاَّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاَحٍ بَيْنَ النَّاسِ \[ وَمَن يَفْعَلْ ذلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً  \][(١)](#foonote-١)
قال الوَاحِدِي[(٢)](#foonote-٢) : النَّجْوى في اللُّغَة سر بين اثْنَيْن، يُقَال : ناجَيْت الرَّجل مُنَاجَاة ونِجَاء، ويقال : نجوت الرَّجُل أنْجُو بِمَعْنَى : نَاجَيْتُه، والنَّجْوى قد تكون مَصْدراً بمنزلة المُنَاجَاةِ، قال - تعالى - : مَا يَكُونُ مِن نَّجْوَى ثَلاَثَةٍ إِلاَّ هُوَ رَابِعُهُمْ  \[ المجادلة : ٧ \] وقد يُطْلَق على الأشْخَاص مَجَازاً، قال - تعالى - : وَإِذْ هُمْ نَجْوَى  \[ الإسراء : ٤٧ \] ومَعْنَاها : المُسَارّة، ولا تكون إلا مِن اثْنَيْن فأكثَر. 
وقال الزَّجَّاج[(٣)](#foonote-٣) :\[ النَّجْوى \][(٤)](#foonote-٤) ما تفرَّد به الاثْنَان فأكْثر، سِرًّا كان أو ظَاهِراً. 
وقيل : النَّجْوى جمع نَجِيّ ؛ نقله الكَرْمَاني، والنَّجْوى مشتقَّةٌ من نَجَوْتُ الشيء، أنْجُوه، إذا خَلَّصْتَه وأفْرَدْتَه، والنَّجْوة المُرْتَفِعُ من الأرْضِ ؛ لانْفِرَاده بارتفاعه عمَّا حَوْله.

### فصل فيمن المقصود بالآية ؟


والمراد بالآية : قَوْم طعمة. 
وقال مُجَاهد : الآية عَامَّة في حَقِّ جميع النَّاسِ[(٥)](#foonote-٥)، والنَّجْوى : هي الإسْرَار[(٦)](#foonote-٦) في التَّدْبِير. 
وقيل : النَّجْوى : ما يَنْفَرِدُ بِتَدْبِيرِه قَوْمٌ، سِرّاً كان أوْ عَلاَنِيَة، ومَعْنَى الآيَة : لا خَيْر في كَثِيرٍ مما يُدَبِّرُونه بَيْنَهُم، إلاَّ من أمَرَ بِصَدَقَة، أوْ معروفٍ، أو إصلاحٍ بين النَّاسِ فالاستِثْنَاء يكون مُتَّصِلاً، وقيل : هو استِثْنَاء مُنْقَطِع بمعنى : لكن من أمر بِصَدقَةٍ، وهذان القَوْلان مبنيّان على أن النَّجْوى يجوز أن يراد بها : المَصْدرُ كالدَّعْوى ؛ فتكون بِمعنَى : التناجي، وأنْ يُرادَ بها : القَوْمُ المتناجُون إطلاقاً للمَصْدرِ على الوَاقِع منه مجازاً، نحو :" رجلٌ عَدْلٌ وصَوْمٌ ". فعلى الأول يكون مُنْقَطِعاً ؛ لأنَّ مَنْ أمَر لَيْس تَنَاجِياً ؛ فكأنه قيل : لكنْ مَنْ أمَر بصدَقةٍ، ففي نَجْوَاه الخيرُ، والكوفِيُّون يقدِّرون المُنْقَطع ب " بل "، وجعل بعضهم الاستِثْنَاء متَّصِلاً، وإنْ أُريد بالنَّجْوى : المصدرُ، وذلك على حَذْفِ مُضَافٍ ؛ كأنه قيل : إلا نَجْوَى مَنْ أمر وعلى هذا يَجُوز في مَحَلِّ " مِنْ " وجهان :
أحدهما : الخَفْضُ بدل من " نَجْوَاهُم " ؛ كما تقول :" ما مَرَرْتُ بأحد إلا زَيْدٌ ". 
والثاني : النَّصْب على الاستِثْناء \[ كما تقول :" مَا جَاءني أحَدٌ إلا زَيْدٌ، على الاستثناء ؛ \][(٧)](#foonote-٧) لأنَّ هذا استِثْنَاء الجِنْس من الجِنْس وإن جعلنا النَّجْوى بِمَعنى : المُتَناجين، كان مُتَّصِلاً، وقد عَرَفْتَ مِمَّا تقدَّم أن المنقطع مَنْصُوبٌ أبداً في لغة الحِجاز، وأنَّ بَنِي تَمِيم يُجرونه مُجْرى المُتَّصِل، بشرط توجُّه العَامِل عليه، وأنَّ الكَلاَمَ إذا كان نفياً أو شبهه، جاز في المُسْتَثْنَى الإتباعُ بدلاً، وهو المختار، والنَّصْبُ على أصْل الاستِثْنَاء، فقوله " إلا مَنْ أمَر " : إما مَنصُوبٌ على الاستِثْنَاء المُنْقَطِع، إنْ جَعَلْتَه مُنْقطعاً في لغة الحِجَاز، أو على أصْلِ الاستِثْنَاء إن جعلته مُتَّصلاً، وإمَّا مَجْرورٌ على البَدَلِ من " كثير "، أو من " نجواهم "، أو صِفَةٌ لأحدهما ؛ كما تقُول :" لا تَمُرُّ بجماعة من القَوْم إلا زيد " إنْ \[ شئت \] جَعلْتَ زَيْداً تَابِعاً للجماعةِ أو للقوم، ولم يجعله الزَّمَخْشَرِي تَابِعاً إلا " لِكَثير " قال : إلا نَجْوَى مَنْ أمَر، على أنَّه مَجْرورٌ بَدَلٌ من " كَثِيرٍ " ؛ كما تقُولُ :" لا خير في قِيامهم إلا قيام زيدٍ " وفي التَّنْظِير بالمثال نظرٌ لا تَخْفَى مباينته للآية، هذا كُلُّه إن جعلنا الاستِثْناء مُتصِلاً بالتَّأويلين المَذْكُورين، أو مُنْقَطِعاً على لغة تميم، وتلخَّص فيه سِتَّة أوْجُه : النَّصبُ على الانقطاع في لغة الحجاز، أو على أصْلِ الاستثناءِ، والجرُّ على البَدَل من " كَثِير "، أو من " نَجْوَاهُم "، أو على الصِّفَةِ لأحدهما. 
و " مِنْ نَجْوَاهُم " متعلقٌ بمحذُوفٍ ؛ لأنه صِفَةٌ ل " كثير " في مَحَلِّ جَر. 
### فصل


إنَّما ذكر - تعالى - هذه الأقْسَام الثَّلاثة ؛ لأن عَمَل الخَيْر، إمَّا أن يكُون بإيصَال المَنْفَعَةِ، أو بدفع المَضَرَّة، وإيصال الخَيْر :
إمَّا أن يكُون من الخَيْرَات الجسْمَانِيَّة، وهو إعْطاء المَالِ، وإليه الإشارة بقوله : إلا مَنْ أمَر بِصَدَقَةٍ . 
وإمَّا أن يكُون من الخَيْرَات الرُّوْحَانية، وإليه الإشارة بقوله :" أو مَعْرُوف " [(٨)](#foonote-٨). 
وإمَّا إزالة الضَّرَرِ وإليه الإشارة بقوله : أَوْ إصلاحٍ بَيْن النَّاسِ . 
قوله " بَيْن " يجُوز أن يكون مَنْصُوباً بِنَفْس إصْلاح، تقول : أصْلَحْت بَيْن القَوْم، قال - تعالى - : فَأَصْلِحُواْ بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ  \[ الحجرات : ١٠ \]، وأن يتعلَّق بِمَحْذُوف على أنَّه صِفَة لإصلاح. 
\[ و \][(٩)](#foonote-٩) قوله : ومن يَفْعَل ذَلك  أي : هذه الأشْيَاء،  ابْتِغَاء مَرْضَات الله  أي : طَلَب رِضَاه، و " ابْتِغَاء " مَفْعُول من أجْله، وألِفُ " مَرْضَاتِ " عن وَاوٍ، وقد تقدَّم تَحْقِيقُه. 
فإن قِيلَ : كَيْف قال : إلاَّ مَنْ أَمَر  ثم قال : وَمَن يَفْعَل ذَلِكَ . 
فالجواب : أنَّه ذكر الأمْرَ بالخير، ليَدُل به على فَاعِلِه ؛ لأنَّ الآمِرَ بالخَيْر لما دَخَل في زُمْرَة[(١٠)](#foonote-١٠) الخَيِّرين، فبأن يَدْخل فَاعِل الخَيْر فيهم أوْلى، ويجوز أن يُرَاد : ومن يأمُر بذلك، فعبر عن الأمْر بالفعل ؛ لأنَّ الأمْر أيضاً فِعْل من الأفعال. 
ثم قال :" فسوف يُؤتيه " [(١١)](#foonote-١١) بالياء نظراً إلى الاسْمِ الظَّاهر في قوله :" مَرْضَات الله "، وقرئ بالنُّون ؛ نظراً لِقَوله بعدُ :" نُولِّه، ونُصْلِه " وهو أوقعُ للتَّعْظِيم. 
١ سقط في ب..
٢ ينظر: تفسير الرازي ١١/٣٣..
٣ ينظر: معاني القرآن ٢/١١٤..
٤ سقط في ب..
٥ ذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٢/٣٨٦) وعزاه لابن جرير وابن المنذر عن عكرمة..
٦ في ب: السرار..
٧ سقط في أ..
٨ في أ: بالأمر بالمعروف..
٩ سقط في ب..
١٠ في أ: ميرة..
١١ قرأها بالياء أبو عمرو وحمزة.
 ينظر: السبعة ٢٣٧، والحجة ٣/١٨١، والعنوان ٨٥، وإعراب القراءات ١/١٣٧، وحجة القراءات ٢١١، وشرح شعلة ٣٤٣، وشرح الطيبة ٤/٢١٨، وإتحاف ١/٥٢٠..

### الآية 4:115

> ﻿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَىٰ وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّىٰ وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ ۖ وَسَاءَتْ مَصِيرًا [4:115]

تقدّم في آل عمران أن المُضَارعَ المَجْزُوم، والأمْرَ من نحو :" لم يَرْدُدْ " و " رَدَّ " يجُوزُ فيه الإدغامُ وتركُه، على تَفْصيلٍ في ذلك وما فيه من اللُّغَات وتقدم الكلام في المَشَاقَّةِ والشِّقَاقِ في البقرة، وكذلك حُكمُ الهَاء في قوله :" نُؤته " و " نُصْلِه ". 
وهذه الآيَة \[ نَزَلَتْ \][(١)](#foonote-١) في طعمة بن أبَيْرِق، وذلك أنَّه لمَّا ظهرت عليه السَّرِقَةُ، خاف على نَفْسِهِ من قَطْع اليد والفضيحة، فهربَ مرتَدّاً إلى مَكَّة[(٢)](#foonote-٢). 
فقال - تعالى - : وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ  أي : يُخَالِفُه،  مِن بَعد ما تَبَيَّنَ لَهُ الهُدَى  : من التَّوحيد والحُدُودِ،  ويتَّبعْ غَيْر سَبِيلِ المُؤْمِنِين  أي : غير طَرِيق المُؤمِنِين،  \[ نولِّه \][(٣)](#foonote-٣) مَا تَوَلَّى  أي : نَكِلُه \[ فِي الآخِرَة \][(٤)](#foonote-٤) إلى مَا تولَّى في الدُّنيا  وَنُصْلِه جَهَنَّم وَساءَت مَصِيراً  فانْتَصب مَصِيراً على التَّمْيِيز ؛ كقولهم :" فُلانٌ طَابَ نَفْساً ". 
رُوِيَ أن طعمة نَزَل على رَجُل من بني سليم من أهْل مكَّة، يُقال له : الحجَّاج بْن علاط، فَنَقب \[ بَيْتَ الحَجَّاج، لِيَسْرِقَه، \] فسقط عليه حَجَرٌ فلم يَسْتَطِع أن يَدْخُل، ولا أن يَخْرُج، فأخذ لِيُقْتَل، فقال بَعْضُهُم : دَعُوه، فقد لَجَأ[(٥)](#foonote-٥) إلَيْكُم، فتركوه، وأخْرَجُوه من مكة، فَخَرَج مع تُجَّار من قُضاعة نَحو الشَّام، فنزلوا مَنْزِلاً، فَسَرقَ بَعْضَ مَتَاعِهِم وهرب، فَطَلَبُوه، وأخَذُوه ورموه بالحِجَارة ؛ حتَّى قتلوه، فَصَار قبره تِلْك الحِجَارة[(٦)](#foonote-٦)، وقيل : إنه رَكِبَ سفينةً إلى جدة، فسرق فيها كِيساً فيه دَنَانِير فأُخِذَ، وألْقِي في البَحْر، وقيل : إنه نزل في حَرَّة بني سَليم، وكان[(٧)](#foonote-٧) يَعْبُد صَنَماً لهم إلى أنْ مَاتَ، فأنزل الله - تعالى - : إِنَّ اللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ وَمَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلاَلاً بَعِيداً  أي : ذَهَب عن الطَّرِيق، وحُرِمَ الخَيْر كُلَّه. 
وقال الضَّحَّاك عن ابْن عبَّاسٍ : إنَّ هذه الآيَة نَزَلت في شَيْخٍ من الأعْراب، جَاءَ إلى رسُول الله صلى الله عليه وسلم، فقال : يا نَبِيَّ الله، إنِّي شيخٌ مُنْهَمِكٌ في الذُّنُوب، إلاَّ أني لَمْ أشْرِكْ باللَّه شيئاً منذ عَرَفْتُه وآمنت به، ولمْ أتَّخِذْ من دُونِه ولِيّاً، ولَمْ أواقع المَعَاصِي جُرْأة على اللَّه، وما توهَّمْت طَرْفَة عَيْن أنِّي أعجِزُ اللَّه هَرَباً، وإنِّي لَنَادِمٌ تَائِبٌ، مستغفرٌ، فما حالي ؟ فأنزل اللَّه هذه الآية[(٨)](#foonote-٨).

### فصل في استدلال الشافعي رضي الله عنه بهذه الآية على حجية الإجماع


رُوِيَ[(٩)](#foonote-٩) أن الشَّافِعِي - رضي الله عنه - سُئِلَ عن آيَة في كِتَاب اللَّه - تعالى - تدلُّ على أنَّ الإجْمَاع حجَّة، فقرأ القُرآن ثلاثمِائَة مرَّة، حتَّى وَجَد هذه الآيَة[(١٠)](#foonote-١٠)، وتقرير الاسْتِدْلال، أن اتِّباع غَيْر سَبِيل المُؤمِنين حَرَامٌ \[ فوجب أن يكُون اتِّباع سَبِيل المؤمنين وَاجِباً \][(١١)](#foonote-١١) بيان المقدِّمة الأولى : أنه - تعالى - ألحق الوَعِيد بمن يُشَاقِقُ الرَّسُول، ويتَّبع غير سَبِيل المُؤمنين، ولو لم يَكُن ذلك مُوجِباً، لكان ذلك ضمّاً لما لا أثَر لَهُ في الوَعِيد إلى مَا هُو مُسْتَقِلٌّ باقْتِضَاء ذَلِك الوَعِيد، وإنَّه غير جَائز، وإذا كان اتِّبَاعُ غير سَبيل المُؤمنين حَرَاماً، لزم أن يَكُون اتِّباع سَبيلِ المؤمنين وَاجباً، وإذا كان عَدَم اتِّبَاعهم حَرَاماً، كان اتِّباعُهُم وَاجباً، لأنَّه لا خُرُوجَ عن طَرفَي النَّقِيضِ. 
فإن قيل : لا نُسَلِّم[(١٢)](#foonote-١٢) أنَّ عدم اتِّبَاعِ سَبيل المؤمنين، يصدق عَليْه أنَّه اتِّباعٌ لغير سَبِيل المُؤمِنين، فإنه \[ لا يَمتنِع ألاَّ \][(١٣)](#foonote-١٣) يتَّبع لا سبيل \[ المؤمنين \][(١٤)](#foonote-١٤) ولا غير سَبِيل المُؤمنين. 
الجوابُ : أنَّ المتابعة عِبَارةٌ عن الإتْيَان بِمثْل ما فعل الغَيْر، وإذا كَانَ من شَأن غير المُؤمنين ألاَّ يَتَّبِعُوا سبيل المؤمنين، فكُلُّ من لَمْ يَتَّبع سَبِيل المؤمنين، فقد أتَى بِمِثْل ما فعل غَيْر المُؤمنين ؛ فوجب كَوْنُه مُتَّبِعاً لهم. 
ولقائل أن يَقُول : الاتِّبَاع ليس عِبَارة عن الإتْيَان بِمِثْل فِعْل الغَيْر، وإلا لزم أن يُقَال : الأنْبِيَاءُ[(١٥)](#foonote-١٥) والملائِكةُ يتبعون لآحَاد الخَلْق من حَيْثُ إنَّهُم يوحِّدُون اللَّه \[ - تعالى - \][(١٦)](#foonote-١٦) لما أن كُلَّ واحد من آحَاد الأمَّة يوحِّد اللَّه - تعالى -، ومعلوم أنَّ ذلك لا يُقَال، بل الاتِّباع عِبَارة عن الإتْيَان بمثل فِعْل الغَيْر، لأجْل أنه فِعْل ذلك الغَيْر، ومن كان كذلك فمن[(١٧)](#foonote-١٧) تركَ مُتابعَة سبيل المؤمنين ؛ لأجل أنَّه ما وَجَد على وُجُوب مُتَابَعَتِهم دَلِيلاً، فلا جَرَم لم يَتَّبِعْهُم، فهذا شَخْصٌ لا يكون مُتَّبِعاً لغير سَبِيل المُؤمنين. 
وقال ابن الخَطِيب[(١٨)](#foonote-١٨) : وهذا سُؤال قَوِيٌّ على هذا الدَّلِيل، وفيه أبْحَاث أخَر دَقِيقَةٌ ذكرناها في كِتَاب المَحْصُول. 
١ سقط في أ..
٢ أخرجه الطبري في "تفسيره" (٩/١٨٢-١٨٣) عن قتادة وذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٢/٣٨٤) وزاد نسبته لعبد بن حميد وابن المنذر..
٣ سقط في أ..
٤ سقط في أ..
٥ في أ: جاء..
٦ أخرجه الطبري في "تفسيره" (٩/١٨٥-١٨٦) عن السدي وذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٢/٣٨٥) وزاد نسبته لابن أبي حاتم..
٧ في أ: فكان..
٨ ذكره البغوي في تفسيره ١/٤٨٠-٤٨١..
٩ في ب: قيل..
١٠ ذكره الرازي في "التفسير الكبير" (١١/٣٥)..
١١ سقط في أ..
١٢ في أ: الأسلم..
١٣ في ب: يمنع أن..
١٤ سقط في أ..
١٥ في أ: الأتباع..
١٦ سقط في أ..
١٧ في ب: فقد..
١٨ ينظر: تفسير الرازي ١١/٣٥..

### الآية 4:116

> ﻿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَٰلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ ۚ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا [4:116]

### فصل


قوله - تعالى - : إِنَّ اللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ  الآية قد تقدَّم بيان سَبَبِ نُزُولها، والفائِدَةُ في تكرارها ؛ أن اللَّه - تعالى - ما أعَاد آيَةً من آيَاتِ الوعيد بِلَفْظِ واحدٍ مرَّتَيْن، وقد أعَادَ هذه الآيَة بِلَفْظ واحِدٍ، وهي من آيات الوَعْد، فدل ذلك على أنَّه - تعالى - خصَّ جَانِبَ الوَعْد والرَّحْمَة بمزيد التَّأكيد. 
فإن قيل : لمَ خَتَم تلك الآية بقوله :" فَقَدِ افْتَرَى " وهذه بقوله :" فَقَدْ ضَلَّ ". 
فالجوابُ : أنَّ ذلك في غَاية المُنَاسَبة، فإن الأولى في شأن أهْل الكِتَاب من أنَّهم عِنْدَهم علمٌ بصِحَّة نبوته - عليه الصلاة والسلام -، وأن شريعته ناسِخَةٌ لجَمِيع الشَّرائعِ، ومع ذلك فقد كَابَرُوا في ذلك، فافْترُوا على الله - تعالى -، وهذه في شأنِ قَوْمٍ مُشْركين غير أهْلِ كِتَابٍ ولا عِلْمٍ، فناسَب وَصْفُهم بالضَّلال، وأيضاً : فقد تقدَّم ذكر الهُدَى، وهو ضدُّ الضلال.

### الآية 4:117

> ﻿إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا إِنَاثًا وَإِنْ يَدْعُونَ إِلَّا شَيْطَانًا مَرِيدًا [4:117]

قوله تعالى : إِن يَدْعُونَ مِن دُونِهِ إِلاَّ إِنَاثاً وَإِن يَدْعُونَ إِلاَّ شَيْطَاناً مَّرِيداً \* لَّعَنَهُ اللَّهُ وَقَالَ لأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيباً مَّفْرُوضاً \* وَلأُضِلَّنَّهُمْ وَلأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلأَمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الأَنْعَامِ وَلأَمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ وَمَن يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيّاً مِّن دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَاناً مُّبِيناً \* يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلاَّ غُرُوراً \* أُوْلَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَلاَ يَجِدُونَ عَنْهَا مَحِيصاً [(١)](#foonote-١)
 " إن " هُنَا مَعْنَاها : النَّفْي ؛ كقوله - تعالى - : وَإِن مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلاَّ لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ  \[ النساء : ١٥٩ \] " ويَدْعُون " : بمعنى : يَعْبُدُون، نزلت في أهْل مَكَّة، أي : يَعْبُدُون، كقوله \[ - تعالى - \][(٢)](#foonote-٢) : وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي  \[ غافر : ٦٠ \] فإنَّ مَنْ عَبَد شَيْئاً، فإنَّه يدعوه عِنْد احْتِيَاجِهِ إليْه، وقوله :" مِن دُونِهِ " أي : من دُونِ اللَّه. 
قوله :" إلا إناثاً " : في هذه اللَّفْظَةِ تِسْعُ قراءاتٍ[(٣)](#foonote-٣). 
المشهُورةُ : وهي جَمْع أنْثى، نحو : رباب جمعُ رُبَّى. 
والثانية : وبها قَرَأ الحسن :" أنْثَى " بالإِفْرَاد، والمرادُ به الجَمْع. 
والثالثة :- وبها قَرَأ ابن عبَّاسٍ، وأبو حَيْوَة، وعَطَاء، والحَسَن أيْضاً، ومعاذ القَارِئ، وأبو العَالِيَة، وأبُو نُهَيْك - :" إلا أنُثاً " كرُسُل، وفيها ثلاثةُ أوجه :
أحدها :- \[ وبه \] قال ابن جَرِيرٍ - أنه جمعُ " إناث " ؛ كثِمار وثُمُر، وإناثٌ جمع أنْثَى، فهو جَمْع الجَمْع، وهو شَاذٌّ عند النحويِّين. 
والثاني : أنه جَمْع " أنيثٍ " كَقَلِيب وقُلُب، وغَدِير وغُدُر، والأنيثُ من الرِّجَال : المُخَنَّثُ الضَّعِيفُ، ومنه " سَيْف أنِيثٌ، ومئنَاث، ومئنَاثَة " أي : غَيْر قَاطِعٍ قال صخر :\[ الوافر \]

فَتُخْبِرهُ بأنَّ العَقْلَ عِنْدِي  جُرَازٌ لا أفَلُّ وَلاَ أنِيثُ[(٤)](#foonote-٤)والثَّالث : أنه مُفْرَدٌ أي : يكون من الصِّفات التي جاءت على فُعُل، نحو : امرأة حُنُثٌ. 
والرابعة : وبها قَرَأ سَعْدُ بن أبِي وقَّاصٍ، وابْن عُمَر، وأبو الجَوْزَاء - " وثنا " بفتحِ الواوِ والثَّاء على أنَّه مفردٌ يراد به الجَمْع. 
والخامسة - وبها قَرَأ سعيد بن المُسَيب، ومُسْلم بن جُنْدُب، وابن عبَّاسٍ أيْضاً - " أثُنا " بضم الهمزة والثاء، وفيها وجهان :
أظهرهما : أنه جَمْع وثَن، نحو :" أسَد وأُسُد " ثم قَلَب الوَاوَ همزةً ؛ لضمِّها ضمّاً لازماً، والأصْلُ :" وُثُن " ثم أُثُن. 
والثاني : أن " وَثَناً " المُفْردَ جمع على " وِثانٍ " نحو : جَمَل وجمال، وجَبَل وجِبال، ثم جُمِع " وثان " على " وُثُن " نحو : حِمَار وحُمُر، ثم قُلبت الواوُ همزةً لما تقدَّم ؛ فهو جمعُ الجَمْعِ. وقد رَدَّ ابن عَطِيَّة هذا الوجه بأنَّ فِعَالاً جمعُ كثرة، وجُمُوعُ الكَثْرة لا تُجْمَع ثانياً، إنما يُجْمَعُ من الجُمُوعِ ما كان من جُمُوعِ القِلَّة. وفيه مُنَاقَشَةٌ من حَيْثُ إنَّ الجَمْع لا يُجْمَع إلا شَاذّاً، سواءً كان من جُمُوعِ القِلَّة، أم من غيرها. 
والسادسة - وبها قَرَأ أيُوب السَّختياني - :" وُثُناً " وهي أصْل القراءة التي قبلها. 
والسَّابعة والثَّامنة :" أُثْنا ووُثْنا " بسُكُونِ الثَّاء مع الهَمْزَة والوَاوِ، وهي تَخْفِيفُ فُعُل ؛ كسُقُف. 
والتاسعة - وبها قرأ أبو السوار، وكذا وُجِدَتْ في مُصْحَفِ عَائِشة - رضي الله عنها - :" إلا أوْثاناً " جَمْعَ " وَثَن " نَحْو : جَمَل وأجْمال، وجَبَل وأجْبال. 
### فصل


وسُمِّيَتْ أصْنَامهم إناثاً ؛ لأنهم كانوا يُلْبسُونها أنواع الحُلِيِّ، ويسمونها بأسْمَاءِ المُؤنثات، نحو : اللاَّت، والعُزَّى، ومناةَ، وقد ردَّ هذا بَعْضُهم بأنَّهم كانوا يُسَمُّون بأسْمَاء الذُّكُور، نحو : هُبَل، وذِي الخَلَصَة، وفيه نظر ؛ لأن الغَالِب تَسميتُهُم بأسماء الإناثِ، و " مُرِيداً " : فَعِيل من " مَرَدَ " أي : تَجرَّد للشَّرِّ، ومنه " شَجَرَة مَرْداء " أي : تناثر وَرَقُها، ومنه : الأمْرَدُ ؛ لتجرُّدِ وَجْهِه من الشَّعْر، والصَّرْحُ الممرَّد : الذي لا يَعْلُوه غُبَارٌ من ذَلِك فاللاَّت : تَأنيث[(٥)](#foonote-٥) اللَّه والعُزَّى : تأنيث العَزِيز. 
قال الحَسَن : لَمْ يكن حَيٌّ من أحْيَاء العَرَب إلا وَلَهُم صَنَمٌ يعبُدُونه، ويسمى أنْثَى بَنِي فُلان[(٦)](#foonote-٦)، ويدُلُّ عليه قِرَاءة عَائِشَة. 
وقال الضَّحَّاك : كان[(٧)](#foonote-٧) بعضهم يَعْبُد الملائِكَة، وكانوا يقُولُون : المَلاَئكة بَنَاتُ اللَّه[(٨)](#foonote-٨)، قال - تعالى - : الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ لَيُسَمُّونَ الْمَلاَئِكَةَ تَسْمِيَةَ الأُنثَى  \[ النجم : ٢٧ \]. 
وقال الحسن : قوله " إلاَّ إناثاً " أي : إلا مَوْتاً[(٩)](#foonote-٩)، وفي تسمية الأمْوَات إنَاثاً وجهان :
الأوَّل : إن الإخْبَار عن الموات يكُون على صِيغَة الإخْبَارِ عن الأنْثَى، تقُول : هذه الأحْجَار تُعْجِبُنِي، كما تقُول : هذه المَرْأة تُعْجِبُني. 
الثَّاني : الأنْثَى أخسّ[(١٠)](#foonote-١٠) من الذَّكر، والمَيِّت أخسُّ من الحَيِّ، فلهذهِ المُنَاسَبة أطْلَقُوا اسمْ الأنْثَى على الجَمَادَات المَوَاتِ، والمَقْصُود هل إنسان أجهل ممن أشرك. 
قوله : وَإِن يَدْعُونَ إِلاَّ شَيْطَاناً مَّرِيداً  فعيلٌ من مَرَدَ إذا عَتَا، ومنه : شَجَرةٌ مَرْدَاء، أي : تَنَاثَر وَرَقُها، ومنه : الأمْرَد ؛ لتجرّد وجهه من الشَّعْر، والصَّرْحُ الممرَّدُ : الذي لا يَعْلُوه غُبَار، وقرأ[(١١)](#foonote-١١) أبو رَجَاء ويُرْوى عن عاصِمٍ " تَدْعُونَ " بالخِطَاب. 
### فصل


قال المفُسِّرونُ[(١٢)](#foonote-١٢) : كان \[ في \][(١٣)](#foonote-١٣) كُلُّ واحدٍ من تِلْك الأوثَان[(١٤)](#foonote-١٤) شَيْطَان يَتراءَى للسَّدَنَة والكَهَنَة يُكَلِّمُهُم. 
وقل الزَّجَّاج[(١٥)](#foonote-١٥) : المُرادُ بالشَّيْطَان هَاهُنَا : إبْلِيس ؛ لقوله - تعالى - : بعد ذلك : لأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيباً مَّفْرُوضاً . 
وهذا قول إبْلِيس، ولا يَبْعُد أنّ الذي يتراءى[(١٦)](#foonote-١٦) للسَّدنة، هو إبْلِيس. 
١ سقط في ب..
٢ سقط في أ..
٣ ينظر في هذه القراءات: المحور الوجيز ٢/١١٣، والبحر المحيط ٣/٣٦٧-٣٦٨، والدر المصون ٢/٤٢٦-٤٢٧، وإتحاف ١/٥٢٠..
٤ ينظر البيت في البحر المحيط ٣/٣٦٨ واللسان (أنث) والدر المصون ٢/٤٢٧..
٥ في ب: الإله..
٦ أخرجه الطبري في "تفسيره" (٩/٢٠٩) عن الحسن وذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٢/٣٩٤) وزاد نسبته لسعيد بن منصور وابن المنذر..
٧ في أ: إن..
٨ ذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٢/٣٩٤) وعزاه لابن المنذر وابن أبي حاتم عن الضحاك..
٩ أخرجه الطبري في "تفسيره" (٩/٢٠٨) عن ابن عباس وذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٢/٣٠٤) وزاد نسبته لابن المنذر وابن أبي حاتم وأخرجه الطبري أيضا (٩/٢٠٨) عن الحسن بمعناه..
١٠ في ب: أخص..
١١ ينظر: المحور الوجيز ٢/١١٣، والبحر المحيط ٣/٣٦٧..
١٢ ينظر: تفسير الرازي ١١/٣٧..
١٣ سقط في أ..
١٤ في ب: الإناث..
١٥ ينظر: تفسير الرازي ١١/٣٧..
١٦ في ب: يتزايا..

### الآية 4:118

> ﻿لَعَنَهُ اللَّهُ ۘ وَقَالَ لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا [4:118]

قوله :" لَعَنَهُ الله " فيه وجهان :
أظهرهما : أنَّ الجُمْلَة صِفَةٌ ل " شيطاناً "، فهي في مَحَلِّ نَصْب. 
والثاني : أنها مُسْتأنفةٌ : إمَّا إخْبَار بذلك، وإمَّا دُعَاء عليه، وقوله :" وقال " فيه ثلاثة أوجه :
قال الزَّمَخْشَرِيُّ[(١)](#foonote-١) : قوله لَعَنَهُ " وقال لأتَّخِذَنَّ " صِفَتَان، يعني : شيطاناً مَرِيداً جَامِعاً بين لَعْنَة اللَّه، وهذا القَوْل الشَّنِيعِ. 
الثاني : الحالُ على إضْمَار " قد " أيْ : وقد قَالَ. 
الثالث : الاستئناف. و " لأتخِذَنَّ " جوابُ قسمٍ مَحْذُوف، و " مِنْ عبادك " يجوزُ أن يتعلَّق بالفعل قبله، أو بمحذوفٍ على أنَّه حَالٌ من " نَصِيباً " ؛ لأنه في الأصْلِ صِفَةُ نكرةٍ قُدِّم عليها.

### فصل


النَّصِيب المَفْرُوض : أي : حظاً مَعْلُوماً[(٢)](#foonote-٢)، وهم الذين يَتَّبِعُون خُطُواته، والفَرْضُ في اللغة، التَّأثِير، ومنه : فرض القَوْس للجُزْء الذي يُشَدُّ فيه الوَتَر، والفريضة : ما فَرَضَهُ اللَّه على عِبَادِهِ حَتْماً عليهم. 
رُوِي عنه النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم أنَّه قال :" من كُلِّ ألْفٍ واحدٌ للَّه، والبَاقِي للشَّيْطَان ". 
فإن قيل : العَقْل والنَّقْل يدلاَّن على أنَّ حِزْب اللَّه أقلُّ من حِزْب الشَّيطان. 
أما النَّقْل : فقوله - تعالى - : فَشَرِبُواْ مِنْهُ إِلاَّ قَلِيلاً مِّنْهُمْ  \[ البقرة : ٢٤٩ \]، وحُكِيَ عن الشيطان قوله  لأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلاَّ قَلِيلاً  \[ الإسراء : ٦٢ \]، وقوله : وَلأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ  \[ الحجر : ٣٩، ٤٠ \]، ولا شك أن المُخْلَصِين قليلُون. 
وأمَّا العَقْل : فهو أنّ الفُسَّاق والكُفَّار كُلَّهم حِزْب إبليس. إذا ثَبَت هذا، فلفظ النَّصِيب إنَّما يتناول القِسْم الأوّل. 
فالجواب : أنَّ هذا التَّفَاوُت إنَّما يَحْصُل في نَوْعٍ من البَشَر، أمَّا إذا ضَمَمت زُمْرَة الملائِكَة مع غَاية كَثْرَتِهِم إلى المُؤمنين، كانت الغَلَبَة للمُؤمِنِين. 
وأيضاً : فالمُؤمِنُون وإن كانُوا قَلِيلين في العَدَدِ، إلاَّ أن مَنْصِبَهُم عَظِيم عند الله، والكُفَّار، والفُسَّاق وإن كانُوا أكْثَر في العددِ، فهم كالعَدَم ؛ فلهذا وقع اسم النَّصِيب على قَوْم إبْلِيس. 
١ ينظر: تفسير الرازي ١١/٣٨..
٢ في ب: بمعنى خطان معلومان..

### الآية 4:119

> ﻿وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الْأَنْعَامِ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ ۚ وَمَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيًّا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُبِينًا [4:119]

قوله :" ولأضِلَّنَّهُمْ " يَعْنِي : عن الحَقِّ، أو عن الهُدَى، وأراد به : التَّزْيين، وإلا فليْس إليه من الإضْلال شَيْء. 
ولأمَنِّيَنَّهم : بالباطل، ولآمُرَنَّهم : بالضلال، كذا قدَّره أبو البقاء[(١)](#foonote-١)، والأحْسَنُ أن يُقَدَّر المحذُوفُ، من جنس المَلْفُوظِ به، أي : ولآمُرَنَّهم بالبَتْكِ، ولآمُرَنَّهم بالتَّغْيير. 
وقرأ أبو عمرو[(٢)](#foonote-٢) فِيما نَقَل عنه ابْن عَطِيَّة :" ولامُرَنَّهم " بغيرِ ألفٍ، وهو قصرٌ شاذٌّ لا يُقاسُ عليه، ويجُوز ألاَّ يُقَدَّر شَيءٌ من ذلك ؛ لأنَّ القَصْدَ : الإخْبَارُ بوقوعِ هذه الأفْعَال من غيرِ نَظَرٍ إلى مُتعلَّقاتِها، نحو : كُلُواْ وَاشْرَبُواْ  \[ الطور : ١٩ \].

### فصل


قالت المُعْتَزِلَة[(٣)](#foonote-٣) : قوله :" ولأضِلَّنَّهُم " يدل على أصْلَيْن عظيمين :
أحدهما : أن المُضِلَّ هو الشَّيْطَان، وليس المُضِلُّ هو اللَّه - تعالى - ؛ لأنَّ الشيطان ادَّعى ذَلِك، والله - سبحانه وتعالى - ما كذَّبَهُ فيه، فَهُو كقوله[(٤)](#foonote-٤) : وَلأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ 
\[ الحجر : ٣٩ \] وقوله : لأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلاَّ قَلِيلاً  \[ الإسراء : ٦٢ \] وقوله : لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ  \[ الأعراف : ١٦ \]، وأيضاً : فإنه - تعالى - وَصَفَه بكونه مُضِلاًّ \[ للنَّاسِ \][(٥)](#foonote-٥) في معرض الذَّمِّ له، وذلك يَمْنَع من كون الإله مَوْصُوفاً بذلك. 
\[ الثاني : أن أهْل السُّنَّة يقُولُون : الإضْلال عِبَارة عن خَلْق الكُفْر والضَّلال، ونَحْنُ نَقُول : لَيْس الإضلال عِبَارة عن خَلْقِ الكُفْرِ والضَّلال \][(٦)](#foonote-٦) ؛ لأن إبْلِيس وَصَفَ نَفْسَه بأنه مُضِلٌّ، مع أنه بالإجْمَاعِ لا يَقْدِر على خلق الضَّلال. 
والجواب : أن هذا كلامُ إبليس، فلا[(٧)](#foonote-٧) يكون حُجَّةً، وأيضاً : فكلامه في هذه المسألة مُضْطَرِبٌ جِدّاً. فتارةً يَمِيل إلى القَدَرِ المَحْض، وهو قوله :" لأغويَنَّهُم " وأخرى إلى الجبْرِ[(٨)](#foonote-٨) المَحْضِ، وهو قوله : رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي  \[ الحجر : ٣٩ \] وتارة يَظْهَرُ التَّردد فيهن حَيْث قال : رَبَّنَا هَؤُلاءِ الَّذِينَ أَغْوَيْنَا أَغْوَيْنَاهُمْ كَمَا غَوَيْنَا  \[ القصص : ٦٣ \] يَعْني : أنه قال هؤلاء الكُفَّار : نحن أغْويْنَا، فمن الذي أغْوَانا عن الدِّين ؟ فلا بُدَّ من انْتِهَاء الكلِّ في الآخِرة إلى اللَّه[(٩)](#foonote-٩). 
قوله :" ولأمَنِّيَنَّهُم " قيل : أمَنِّينَّهُم ركوب الأهْوَاء. 
وقيل : أمَنِّيَنَّهُم إدْرَاك الآخِرَة مع ركوب المَعَاصِي. 
قوله : ولآمرنَّهم فليبتّكُنّ ءاذان الأنعامِ  أي : يَقْطَعُونها، ويَشقُّونها، وهي البَحِيرة، والبتكُ : القَطْعُ والشّقُّ، والبِتْكَة : القطعة من الشيء، جَمْعُها : بِتَك، قال :\[ البسيط \]حَتَّى إذَا مَا هَوَتْ كَفُّ الغُلاَمِ لَهَا  طَارَتْ و‌َفِي كَفِّهِ مِنْ رِيشِهَا بِتَكُ[(١٠)](#foonote-١٠)ومعنى ذلك : أنَّ الجاهليَّة كانوا يَشُقُّون أذُن النَّاقَة إذا ولدت خَمْسَة أبْطُن، آخرُها ذَكَر، وحرَّمُوا على أنْفُسِهِم الانتفاع بها، وقال آخرون[(١١)](#foonote-١١) : كانوا يَقْطَعُون آذَان الأنْعَام نُسُكاً في[(١٢)](#foonote-١٢) عِبَادَة الأوْثَان، ويَظُنُّون أنَّ ذلك عِبَادة، مع أنَّه في نفسه كُفْرٌ وفِسْقٌ. 
قوله : وَلأَمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ  هذه اللاَّمات كلها للقَسَم. 
قال ابن عبَّاسٍ : والحَسَن \[ ومُجَاهِدٌ \][(١٣)](#foonote-١٣) وسعيد بن جُبَيْر، وسَعِيد بن المسيَّب والسُّدِّي، والضَّحاك، والنَّخْعِيُ : دِينُ الله[(١٤)](#foonote-١٤)، كقوله  لاَ تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ  \[ الروم : ٣٠ \] أي : لدين اللَّه، وفي تَفْسير هذا القَوْل وَجْهَان :
الأول : أن اللَّه - تعالى - فطر الخَلْقَ على الإسْلام يَوْم أخْرَجَهُم من ظَهْر آدَم كالذَّرِّ، وأشْهَدَهُم على أنْفُسِهم، ألَسْتُ بِربِّكم ؛ قالوا بَلَى، فمن كَفَر به، فقد غيَّر فِطْرَة اللَّه تعالى ؛ يؤيده قوله - عليه الصلاة والسلام - " كل مَوْلُود يُولَدُ على الفِطْرة، فأبواه يُهوِّدَانه، ويُنَصِّرانه، ويُمَجِّسانه " [(١٥)](#foonote-١٥). 
والثاني : أن التَّغْيير : تَبْدِيل الحَلالِ حَراماً، والحرام حَلاَلاً. 
وقال الحسن، وعكرمة، وجماعة من المُفسِّرين : التَّغْيِير : ما روى عبد اللَّه \[ بن مَسْعُود \][(١٦)](#foonote-١٦) عن النَّبِي صلى الله عليه وسلم \[ أنَّه \][(١٧)](#foonote-١٧) قال :" لَعَن اللَّه الوَاشِمَاتِ والمُسْتَوشِمَات " [(١٨)](#foonote-١٨). 
قالوا : لأنَّ المرأة تَتَوصَّل بهذه الأفعال إلى الزِّنا، ولَعَن رسُول اللَّه صلى الله عليه وسلم " النامِصَة والمُتَنَمِّصَة، والوَاصِلَة والمُتَوَصِّلة، والوَاشِمة والمُتَوَشِّمَة " [(١٩)](#foonote-١٩). 
قال القرطبي[(٢٠)](#foonote-٢٠) : قال مَالِك، وجماعة : إن الوَصْل بكل شَيء، من الصُّوفِ والخِرق[(٢١)](#foonote-٢١) وغَيْر ذَلِك في مَعْنَى وصله بالشَّعْر، وأجازه اللَّيْث بن سَعْد، وأباح بَعْضُهم وَضْع الشَّعْر على الرَّأس من غير وَصْل، قالوا[(٢٢)](#foonote-٢٢) : لأن النهي إنما جَاءَ في الوَصْل، والمُتَنمِّصَةُ : هي التي تَقْطَع الشَّعْر من وَجْهِهَا بالنِّمَاص، وهو الذي يقلع الشَّعْر. 
قال ابن العرَبيِّ[(٢٣)](#foonote-٢٣) : وأهلْ مِصر يَنْتفُون شَعْر العانَة، وهو منه[(٢٤)](#foonote-٢٤)، فإن السُّنَّة حَلْق العَانَة، ونَتْفُ الإبط، فأما[(٢٥)](#foonote-٢٥) نَتْفُ الفَرْج فإنه يُرخيه ويؤذِيه ويُبْطل كَثِيراً من المَنْفَعَةِ فيه. 
وأمَّا الوَاشِمَة والمُسْتَوْشِمَة، فهي الَّتِي تغرز ظَهْر كَفِّها ومِعْصَمَها، ووجْههَا بإبْرَةٍ، ثُمَّ يحشى ذلك المكانُ بالكُحْل أو بالنؤر، فيخْضَرّ، وفي بعض الروايات " الواشية، والمُسْتَوْشِيَة " [(٢٦)](#foonote-٢٦) باليَاء مكان المِيم، والوَشْي : التَّز‍َيُّن، مأخوذ من نَسْج الثَّوْب على لونين، وثورٌ مُوشًّى : في وَجْهِه وقوَائِمِه سوادٌ، وأما الوشْمٌ فجائز في كل الأعْضَاء غير الوَجْه ؛ لأن النبي - عليه الصلاة والسلام - " نهى عن الضَّرْب في الوَجْه[(٢٧)](#foonote-٢٧) وعن الوَشْمِ في الوجْهِ " [(٢٨)](#foonote-٢٨)، ورُوي عن أنس، وشهر بن حَوْشَب، وعِكْرِمَة، وأبِي صالح : التَّغْيير هَهُنَا هو الإخْصَاء[(٢٩)](#foonote-٢٩)، وقطع الآذان، وفَقْأ العُيُون ؛ لأن فيه تَعْذِيب للحَيَوان، وتَحْريم وتَحْلِيل بغير دليلٍ، والآذَان في الأنْعَام جمالٌ ومَنْفَعة، وكذلِك غيرها من الأعْضَاء، فَحَرّم عليهم الشَّيْطَان ما أحلَّه اللَّه[(٣٠)](#foonote-٣٠) لهم، وأمرَهُم أن يشركوا باللَّه ما لم يُنَزِّل به سُلْطَاناً، ولما كان هذا من فِعْل الشَّيْطَان، أمرنا رسُول الله صلى الله عليه وسلم أن نستشرف العَيْن والأذُن، ولا نُضَحِّي بعَوْرَاءَ، ولا مُقَابَلة، ولا مُدَابرة[(٣١)](#foonote-٣١) ؛ ولهذا كان أنَس[(٣٢)](#foonote-٣٢) يكره إخْصَاء الغَنَم، وحرمه بَعْضُهم. 
قال القُرْطُبِي[(٣٣)](#foonote-٣٣) : فأما خِصاء الآدمِيِّ، فمصيبَةٌ، فإنَّه إذا خُصِي، بَطَل قلبه وقُوَّته، عَكْس الحَيَوان، وانْقَطع نَسْلُه المأمُور به فِي قوله - عليه الصلاة والسلام - :" تَنَاكَحُوا تَنَاسَلُوا " [(٣٤)](#foonote-٣٤) ثم إن فيه[(٣٥)](#foonote-٣٥) ألَماً عَظِيماً، ربما يُفْضِي بَصَاحِبهِ إلى الهلاكِ، فيكون \[ فيه \][(٣٦)](#foonote-٣٦) تضْييع مالٍ، وإذْهَابُ نَفْسٍ، وكل ذلك مَنْهِيٌّ عنه، ثم هذه مُثْلَةٌ، وقد نَهَى النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم عن المُثْلَةِ[(٣٧)](#foonote-٣٧)، وجوَّز بَعْضُهم في البَهَائِم ؛ لأن فيه غَرَضاً، وكانت العَرَب إذا بَلغَتْ[(٣٨)](#foonote-٣٨) إبلُ أحَدِهِمْ ألْفاً عوَّرُوا عَيْنَ فَحْلِها. 
وحكى الزَّجَّاج عن بعضهم : التَّغْيير هو أن اللَّه - تعالى - خلق الأنْعامَ للرُّكُوب والأكْل، فحربوها، وخَلَق الشَّمْس، والقَمَر، والنُّجُوم، والأحْجَار لمنفعة العِبَاد، فعبدوها من دُونِ اللَّه. 
وقيل : التَّغْيير هو التَّخَنُّث[(٣٩)](#foonote-٣٩) ؛ وهو عِبَارَةٌ عن الذكر يُشْبِهُ الأنْثَى والسُّحْق ؛ عِبَارة عن تَشَبُّه[(٤٠)](#foonote-٤٠) الأنْثَى بالذّكر. 
ثم قال : وَمَن يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيّاً مِّن دُونِ اللَّهِ  أي : ربًّا يطيعه،  فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَاناً مُبِيناً  لأن طاعة اللَّه تعالى تُفِيد المَنَافِع العَظِيمة، الدَّائِمة، الخَالِصَة عن شَوائب الضَّرَر، وطاعَة الشَّيْطَان تفيد المَنَافِع القَلِيلَة، المُنْقَطِعة، المشوبة بالغموم والأحزان، ويعمها[(٤١)](#foonote-٤١) العَذَاب الدَّائِم، وهذا هُو الخسَار المُطْلَق. 
قال أبُو العبَّاس المُقْرِي : ورد لَفْظُ الخُسْرَان \[ قي القرآن \][(٤٢)](#foonote-٤٢) على أربَعَة أوْجُه :
الأوَّل : بمعنى الضَّلالة ؛ كهذه الآيَة. 
الثَّاني : بمعنى العَجْز ؛ قال - تعالى - : لَئِنْ أَكَلَهُ الذِّئْبُ وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّا إِذَاً لَّخَاسِرُونَ  \[ يوسف : ١٤ \] أي : عَاجِزُون ومثله : لَئِنِ اتَّبَعْتُمْ شُعَيْباً إِنَّكُمْ إِذاً لَّخَاسِرُونَ 
\[ الأعراف : ٩٠ \]. 
الثَّالث : بمعنى الغَبْن ؛ قال - تعالى - : الَّذِينَ خَسِرُواْ أَنفُسَهُمْ  \[ المؤمنون : ١٠٣ \] أي : غبنوا أنْفُسَهم. 
الرابع : بمعنى : المُخسِرُون ؛ قال - تعالى - : خَسِرَ الدُّنْيَا وَالآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ \[ الْمُبِينُ \][(٤٣)](#foonote-٤٣)  \[ الحج : ١١ \]. 
١ ينظر: الإملاء ١/١٩٥..
٢ ينظر: المحرر الوجيز ٢/١١٤، والبحر المحيط ٣/٣٧٠، والدر المصون ٢/٤٢٨..
٣ ينظر: تفسير الرازي ١١/٣٨..
٤ في ب: قوله..
٥ سقط في أ..
٦ سقط في أ..
٧ في ب: ولا..
٨ في ب: الخير..
٩ في ب: إلى الله الآخرة..
١٠ البيت لزهير- ينظر ديوانه(٨٠) والبحر المحيط ٣/٣٦٤ والدر المصون ٢/٤٢٨..
١١ ينظر: تفسير الرازي ١١/٣٩..
١٢ في أ: تكافئ..
١٣ سقط في أ..
١٤ أخرجه الطبري في "تفسيره" (٩/٢١٨-٢١٩) عن ابن عباس وعكرمة والضحاك ومجاهد والنخعي وقتادة وابن زيد.
 وذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٢/٣٩٦) عن ابن عباس وزاد نسبته لابن المنذر وابن أبي حاتم.
 وذكره أيضا (٢/٣٩٦) عن النخعي وزاد نسبته لسعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر والبيهقي. وذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٢/٣٩٦) عن سعيد بن جبير وعزاه لسعيد بن منصور وابن المنذر. وذكره عن مجاهد (٢/٣٩٦) وزاد نسبته لعبد الرزاق وآدم بن أبي إياس وعبد بن حميد وابن المنذر والبيهقي..
١٥ تقدم..
١٦ سقط في أ..
١٧ سقط في ب..
١٨ متفق عليه وأخرجه البخاري في الصحيح ٨/٦٣، كتاب التفسير سورة الحشر باب وما آتاكم الرسول فخذوه الحديث (٤٨٨٦) واللفظ له، وأخرجه مسلم في الصحيح ٣/١٦٧٨، كتاب اللباس: باب تحريم فعل الواصلة الحديث (١٢٠/٢١٢٥)، قوله: "المتنمصات" بتشديد الميم المكسورة، هي التي تطلب إزالة الشعر من الوجه بالمنقاش، قوله:" والمتفلجات" بكسر اللام المشددة وهي التي تطلب الفلج وهو فرجة ما بين الثنايا والرباعيات..
١٩ أخرجه البخاري في الصحيح ١٠/٣٧٤، باب وصل الشعر الحديث (٥٩٣٧)، وأخرجه مسلم في الصحيح ٣/١٦٧٧، كتاب اللباس باب تحريم فعل الواصلة الحديث (١١٩/٣١٢٤)..
٢٠ ينظر: تفسير القرطبي ٥/٢٥٣..
٢١ في أ: والخوف..
٢٢ في ب: قال..
٢٣ ينظر: أحكام القرآن ١/٥٠١..
٢٤ في ب: منبته..
٢٥ في ب: وأما..
٢٦ في أ: والمتوشية..
٢٧ أخرجه أحمد في "مسنده" (٢/١١٨)..
٢٨ أخرجه النسائي (٨/١٤٩) وأحمد (٤/١٣٤) من حديث أبي ريحانة..
٢٩ أخرجه الطبري في "تفسيره" (٩/٢١٥-٢١٦) عن أنس وعكرمة وشهر بن حوشب.
 وذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٢/٣٩٥) عنهم وزاد نسبته لعبد الرزاق وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر عن أنس، وعبد الرزاق وعبد بن حميد عن شهر بن حوشب، وعبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر عن عكرمة..
٣٠ في ب: أصل..
٣١ أخرجه أحمد في المسند ١/١٥٠، ضمن مسند علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وأخرجه أبو داود في السنن ٣/٢٢٧-٢٢٨، كتاب الضحايا: باب الأضحية عن الميت الحديث (٢٧٩٠) وأخرجه الترمذي في السنن ٤/٨٤، كتاب الأضاحي باب ما جاء في الأضحية عن الميت الحديث (١٤٩٥) "وحنش" قال عنه المنذري في مختصر سنن أبي داود ٤/٩٥، كتاب الضحايا، باب الأضحية عن الميت، الحديث (٢٦٧٢): (وهو أبو المعتمر الكناني الصنعاني) وقد أخطأ في قوله:" الصنعاني" إذ الصنعاني كنيته "أبو رشدين". وقال عنه القاري في مرقاة المفاتيح ٢/٢٦٥: (هو ابن عبد الله السبائي قيل: إنه كان مع علي بالكوفة، وقدم مصر بعد قتل علي) وهذا خطأ! لأن "حنش" المذكور في الحديث كما ترجمه المزي في تهذيب الكمال ١/٣٤٢ هو:( حنش بن المعتمر، ويقال: ابن ربيعة الكناني، أبو المعتمر الكوفي) لأن الراوي عن "حنش" هو "الحكم بن عتيبة" لا يروي إلا عن "حنش بن المعتمر" فتقرّر أنه المراد، وليس الصنعاني..
٣٢ في ب: النبي صلى الله عليه وسلم..
٣٣ ينظر: تفسير القرطبي ٥/٢٥١..
٣٤ تقدم..
٣٥ في ب: قيد الماء..
٣٦ سقط في أ..
٣٧ أخرجه أحمد (٥/١٢، ٢٠) وأبو داود (٣/١٢٠) كتاب الجهاد: باب النهي عن المثلة حديث (٢٦٦٧) والبيهقي (٩/٦٩) من حديث سمرة وأخرجه البخاري (٩/٦٤٣) كتاب الصيد والذبائح: باب ما يكره من المثلة (٥٥١٦) والبيهقي (٩/٦٩) من حديث عبد الله بن زيد.
 وأخرجه ابن أبي شيبة (٩/٤٢١) وأحمد (٤/٢٤٦) والطبراني كما في "مجمع الزوائد" (٦/٢٤٨) من حديث المغيرة بن شعبة..
٣٨ في أ: تلقت..
٣٩ في أ: المخنث..
٤٠ في ب: تشبيه..
٤١ في ب: ويعقها..
٤٢ سقط في ب..
٤٣ سقط في ب..

### الآية 4:120

> ﻿يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ ۖ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا [4:120]

قوله :" يَعدُهُمْ وَيُمَنِّيهمْ "، قُرِئَ[(١)](#foonote-١) :" يَعدْهُمْ " بسُكون الدَّال تَخْفِيفاً ؛ لتوالي الحَرَكات، ومَفْعُولُ الوَعْد مَحْذُوفٌ، أي : يعدُهُم البَاطِل أو السلامة والعافية ووعدُهُ وتمْنِيَتُهُ : ما يُوقعه[(٢)](#foonote-٢) في قَلْب الإنْسَان من طُول العمر، ونَيْل الدُّنْيَا، وقد يكون بالتَّخْوِيف بالفَقْر، فيَمْنَعُه من الإنْفَاقِ، وصِلَة الرَّحِم ؛ كما قال – تعالى - : الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ  \[ البقرة : ٢٦٨ \] و " يُمنيهِم " بأنْ لا بَعْثَ، ولا جنَّةَ،  وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلاَّ غُرُوراً  أي : بَاطِلاً ؛ لأنَّ تلك الأمَانِي لا تُفِيدُ إلا المَغْرُور[(٣)](#foonote-٣) ؛ وهو أن يَظُنَّ الإنْسَان بالشيء أنه نَافِعٌ لدينه، ثم يَتَبَيَّن اشْتِمَالُه على أعْظَم المَضَارِّ. 
قوله " إِلاَّ غُرُوراً " يُحْتمل أن يكونَ مَفْعُولاً ثانياً، وأن يكُون مفعولاً من أجْله، وأن يكون نعت مَصْدرٍ محذوفٍ، أي : وعْداً ذا غُرور، وأنْ يكونَ مَصْدراً على غير الصَّدْرِ ؛ لأنَّ " يَعِدُهم " في قوة يَغُرُّهم بوعْدِهِ.

١ ينظر: الدر المصون ٢/٤٢٨..
٢ في أ: يوقع..
٣ في ب: الغرور..

### الآية 4:121

> ﻿أُولَٰئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَلَا يَجِدُونَ عَنْهَا مَحِيصًا [4:121]

ف  أُوْلَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ  " أولئك " : مبتدأ، و " مأواهم " : مبتدأ ثانٍ، و " جهنم " : خبر الثَّانِي، \[ والجُمْلَة خبر الأوَّل \][(١)](#foonote-١) وإنما قال :" مأواهُم جَهَنَّم " ؛ لأن الغُرُور عِبَارة عن الحَالَةِ التي يُسْتَحْسَنُ ظَاهِرُهَا، ويَحْصُل النَّدَم عند انْكِشَاف الحَالِ فيها، والاستِغَراق في طَيِّبَاتِ الدُّنْيَا، وفي مَعَاصِي الله - تعالى -، وإن كان في الحَالِ لَذِيذٌ، إلا أن عَاقِبَتَهُ جَهَنَّم، وسُخْطُ الله \[ - تعالى - \][(٢)](#foonote-٢)، وهذا معنى الغُرُور. 
ثم قال  وَلاَ يَجِدُونَ عَنْهَا مَحِيصاً ، فقوله " عَنْهَا " : يجُوز أن يَتعلَّق بِمَحْذُوف :
إمَّا على الحَالِ من " مَحِيصاً " لأنَّه في الأصْلِ صِفَةٌ نكرةٍ قُدِّمَتْ عليها، وإمَّا على التَّبْيين أي : أعني عنها، ولا يجوزُ تعلُّقُه بمحْذُوفٍ ؛ لأنه لا يتعدَّى ب " عَنْ " ولا ب " مَحِيصاً "، وإنْ كان المَعْنَى عليه لأنَّ المَصْدَر لا يتقدَّمُ معمولُه عليه، ومَنْ يَجُوِّزُ ذلك، يُجَوِّزُ تعلُّق " عن " به، والمَحِيصُ : اسمُ مَصْدر من حَاصَ يَحِيص : إذا خَلَص ونَجا، وقيل : هو الزَّوَغَان بنُفُور، ومنه قولُه :\[ الطويل \]

وَلَمْ نَدْرِ إنْ حِصْنا مِنَ المَوْتِ حَيْصَةً  كَمِ الْعُمْرُ بَاقٍ والمَدَى مُتَطَاوِلُ[(٣)](#foonote-٣)ويروي :" جِضْنا " بالجيم والضَّاد المعجمة، ومنه :" وَقَعُوا في حَيْصَ بَيْصَ "، وحَاصَ بَاص، أي : وقعوا في أمْرٍ يَعْسرُ التَّخلُّص منه، ويقال : مَحِيص ومَحَاص، قال :\[ الكامل \]أتَحِيصُ مِنْ حُكْمِ الْمَنِيَّةِ جَاهِداً  مَا لِلرِّجَالِ عِنِ المَنُونِ مَحَاصُ[(٤)](#foonote-٤)ويقال : حاصَ يَحُوص حَوْصاً وحِيَاصاً أي : زَايَل المكانَ الذي كان فيه، والحَوْصُ : ضِيقُ مُؤخر العين، ومنه : الأحْوَصُ. 
قال الواحِدِي[(٥)](#foonote-٥) : الآية تَحْتَمِل وَجْهَيْن :
أحدهما : أنه لا بُدَّ لهم من وُرُودِ النَّارِ. 
والثَّاني : الخُلُود الذي هو نَصِيبُ الكُفَّار. 
١ سقط في أ..
٢ سقط في ا..
٣ البيت لجعفر الحارثي ينظر الحماسة ١/٦٤ والبحر المحيط ٣/٣٦٤ والدر المصون ٢/٤٢٨..
٤ ينظر البيت في البحر المحيط ٣/٣٦٤ والدر المصون ٢/٤٢٨..
٥ ينظر: تفسير الرازي ١١/٤١..

### الآية 4:122

> ﻿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ۖ وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا ۚ وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا [4:122]

ولما فرغ من الوعيد، أتبعه بذكر الوَعْد وهو قوله تعالى : وَالَّذِينَ آمَنُواْ \[ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً وَعْدَ اللَّهِ حَقّاً وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلاً  \][(١)](#foonote-١)
يجوز في  وَالَّذِينَ آمَنُواْ  : وجهان :
الرفع على الابتداءِ، والخبر :" سَنُدْخِلُهم ". 
والن‍َّصْبُ على الاشْتِغَال، أي : سَنُدْخِل الذين آمَنُوا سَنُدخِلهم، وقرئ[(٢)](#foonote-٢) :" سيُدْخِلُهم " بياء الغيبة. 
واعلم : أنه - تعالى - في أكْثَر آيَاتِ الوَعْد ذَكَرَ  خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً  ولو كان الخلودُ يفيد التأبيدَ والدوامَ، لزم التكْرَار وهو خلافُ الأصْل، فعلمنا[(٣)](#foonote-٣) أن الخُلُود عبارة عن طول المُكْثِ لا عن الدَّوَام، وأما في آيات الوَعِيد، فإنه يذكُر الخُلُودَ، ولم يذكُرِ التَّأبِيدَ إلاَّ في حَقِّ الكفارِ، وذلك يَدلُّ على أن عِقابَ الفساقِ منقطعٌ. 
قوله : وعدَ اللَّهِ حَقًّا  هما مَصْدَران، الأول مُؤكِّد لنفسه ؛ كأنه قال وَعَد وَعْداً، وهو قوله :" سندخلهم " و " حقَّاً " : مصدر مؤكِّد لغيره، وهو قوله :" وَعْد اللَّه " أي : حُقَّ ذلك حَقّاً. 
قوله : وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلاً  وهو توكيد ثَالثٌ، و " قيلاً " : نَصْبٌ على التَّمْيِيز، والقِيلُ، والقَوْل، والقَالُ، مَصَادِرٌ بمعنًى واحدٍ ؛ ومنه قوله - تعالى - : وَقِيلِهِ يَا رَبِّ 
\[ الزخرف : ٨٨ \]. 
وقال ابن السِّكِّيت : القِيلُ والقَالُ : اسمَان لا مَصْدَران، وفِائِدَة هذه التَّوْكِيدَات : معارضةُ ما ذَكَرَهُ الشَّيْطَان من المواعيد الكَاذِبَة والأماني الباطِلَةِ، والتنْبِيهُ على أن وَعْدَ اللَّه أولى بالقُبُول، وأحقُّ بالتَّصْدِيق من قوْلِ الشَّيْطَان. 
وقرأ حَمْزة[(٤)](#foonote-٤)، والكَسَائِيُّ : بإشْمَام الصَّادِ، وكل صاد سَاكِنة بَعْدَها دال في القُرْآن.

١ سقط في ب..
٢ ينظر: المحرر الوجيز ٢/١١٥، والبحر المحيط ٣/٣٧٠، والدر المصون ٢/٤٢٨..
٣ في أ: فلعلمنا..
٤ تقدمت في الآية ٨٧..

### الآية 4:123

> ﻿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ ۗ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلَا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا [4:123]

قوله تعالى : لَّيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ \[ مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلاَ يَجِدْ لَهُ مِن دُونِ اللَّهِ وَلِيّاً وَلاَ نَصِيراً \* وَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِن ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلاَ يُظْلَمُونَ نَقِيراً  \][(١)](#foonote-١)
قرأ[(٢)](#foonote-٢) أبو جَعْفَر المَدَنِي  \[ لَّيْسَ \][(٣)](#foonote-٣) بِأَمَانِيِّكُمْ وَلا أَمَانِيِّ  بتخفيف الياء فيهما جميعاً، واعلم : أن " لَيْسَ " فعْلٌ، فلا بد من اسْمٍ يكون هو مُسْنداً إليه، وفيه خلافٌ :
فقيل : يَعُود ضَمِيرُها على مَلْفُوظٍ به، وقيل : يَعُود على ما دَلَّ عليه اللَّفْظُ من الفِعْل وقيل : يَدُلُّ عليه سَبَبُ الآيَةِ. 
فأمَّا عوَدْهُ على مَلْفُوظٍ بِهِ فقيل : هو الوَعْدُ المتقدِّم في قوله :" وعد الله " وهذا اختيار الزَّمَخْشَرِي ؛ قال :" في لَيْس ضَمِيرُ وعدِ الله أي : لَيْس يُنالُ ما وعد الله من الثَّواب بأمانِيِّكم ولا بأمَاني أهل الكِتَابِ، والخطابُ للمُسْلِمين ؛ لأنَّه لا يُؤمن بوعِد الله إلا مَنْ آمَن بِهِ ". 
وأمَّا عَوْدُه على ما يَدُلُّ عليه اللَّفْظ، فقيل : هو الإيمان المَفْهُومُ من قوله :" والذين آمنوا " وهو قولُ الحسن، وعنه :" ليس الإيمانُ بالتَّمَنِّي ". 
وأمَّا عودُه على ما يَدُلُّ عليه السَببُ، فقيل : يعودُ على مُجَاوَرةِ المُسْلِمِين مع أهلِ الكِتَابِ، وذلك أنَّ بعضهم قال :" دينُنا قبل دينِكُم، ونبيُّنَا قبل نَبيِّكم ؛ فنحن أفضلُ "، وقال المُسْلِمُون :" كتابُنا يَقْضِي على كِتابِكم، ونبينا خَاتَمُ الأنْبِياء " فنزلت. 
وقيل : يعودُ على الثَّوابِ والعِقَاب، أي : ليس الثَّوَابُ على الحَسَنَاتِ، ولا العقابُ على السيّئات بأمانيكم. 
وقيل : قالت اليهودُ  نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ  \[ المائدة : ١٨ \]، ونحن أصْحَاب الجَنَّة، وكذلك النَّصَارى، وقالت كُفَّار قُرَيْش : لا نُبْعَثُ ؛ فنزلت، أي : ليس ما ادَّعَيْتُمُوه يا كُفَّارَ قريش بأمانيِّكم. 
وقرأ الحسن[(٤)](#foonote-٤)، وأبُو جَعْفَر، وشَيْبةُ بن نصاح، والحَكَم، والأعْرَج :" أمانيكم "، " ولا أمَانِي " بالتَّخْفِيف كأنَّهم جَمَعُوه على فَعَالِل دون فَعَالِيل ؛ كما قالوا : قَرْقُور وقراقير وقراقِر، والعرب تُنْقِصُ من فَعَالِيل اليَاء، كما تزيدُها في فَعَالِل، نَحْو قوله :
. . . \*\*\* تَنْقادَ الصَّيَارِيفِ[(٥)](#foonote-٥)

### فصل


قال مَسْرُوق، وقتادة، والضَّحَّاك : أراد : ليس بأمَانِيِّكم أيها المُسْلِمُون ولا أمَانيِّ أهل الكِتَاب، يعني : اليَهُودَ والنَّصارى ؛ وذلك أنَّهم افْتَخَرُوا، فقال أهْلُ الكتاب : نَبِيُّنَا قَبْل نبِيِّكُم، وكِتَابُنَا قبل كِتَابِكُم، فنحن أوْلَى باللَّه مِنْكُم. 
وقال المُسْلِمُون : نبينا خاتمُ الأنْبِيَاء، وكتابُنَا يَقْضِي على الكُتُب وقد آمَنَّا بكتابِكُم، ولم تُؤمنوا بِكتابِنَا ؛ فنحن أولى[(٦)](#foonote-٦). 
وقال مُجَاهِد : الآية خطاب لِعَبَدَة الأوْثان، يعني : مُشرِكِي أهل مَكَّة، وذلك أنَّهم قالوا : لا بَعْث ولا حِسَابَ، وقال أهل الكِتَاب : لَن تَمَسَّنَا النَّارُ إِلاَّ أَيَّاماً مَّعْدُودَةً [(٧)](#foonote-٧) \[ البقرة : ٨٠ \]، و لَن يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلاَّ مَن كَانَ هُوداً أَوْ نَصَارَى  \[ البقرة : ١١١ \]، فأنزل اللَّه الآية[(٨)](#foonote-٨)، وإنما الأمْر بالعَمَل الصَّالِح. 
قوله : مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ  : جملة مُسْتأنفة مؤكِّدةٌ لحكم الجُمْلَة قبلها. 
قالت المُعْتَزِلَةُ : هذه الآية دالَّة على أنَّه \[ - تعالى - \][(٩)](#foonote-٩) لا يعفُو عن شَيْءٍ من السَّيِّئَات. 
وليس لِقَائِل أن يقُول : هذا يُشْكِلُ بالصَّغَائِر، فإنها مَغْفُورَةٌ. 
**فالجواب عنه من وَجْهَيْن :**
الأول : أن العَامَّ بعد التَّخْصِيص حُجَّة. 
والثاني : أن صاحب الصَّغِيرة قد حَبَط من ثَوَابِ طَاعته بِمقْدَار عِقَاب تلك المَعْصِيَة، فههنا قد وَصَل خبر تلك المَعْصِيَة إليه. 
وأجابوا بأنه لِمَ لا يجُوز أن يَكُون المُرَادُ من هَذَا الجَزَاء ما يَصل إلى الإنْسَان \[ في الدُّنْيَا \][(١٠)](#foonote-١٠) من الهُمُوم والآلاَم والأسْقَام[(١١)](#foonote-١١) ؛ ويَدُلَّ على ذلك قوله : وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُواْ أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا  \[ المائدة : ٣٨ \] سمَّى القطع جَزَاءً. 
ورُوِي :" أنَّه لما نَزَلت هذه الآيَة قال أبو بكر الصِّدِّيق - رضي الله عنه - كيف الصَّلاح بعد هَذِه الآيَة ؟، فقال - \[ عليه الصلاة والسلام \][(١٢)](#foonote-١٢) - غفر اللَّه لكَ يا أبَا بَكْرٍ، ألست تَمْرَض ؟ ألَيْس تُصِيبُكَ الآلام ؟ فهو ما تُجْزَوْن به " [(١٣)](#foonote-١٣). 
وعن عَائِشَة - رضي الله عنها - \[ أن \][(١٤)](#foonote-١٤) " رجلاً لما قَرَأ هذه الآيَة. فقال :\[ إن كان \][(١٥)](#foonote-١٥) الجَزَاء بكلِّ ما نَعْمَل، لقد هَلَكْنا، فبلغ النبيَّ صلى الله عليه وسلم كَلاَمُهُ ؛ فقال : يُجْزَى المُؤمِنُ في الدنيا بِمُصِيبَةٍ في جَسَدِه وما يُؤذِيه " [(١٦)](#foonote-١٦). 
وعن أبي هُرَيْرَة - رضي الله عنه - :" لمَّا نَزَلَت هذه الآية بَكَيْنَا، وحِزِنا، وقلنا : يا رسول الله، ما أبْقَت[(١٧)](#foonote-١٧) هذه \[ الآية \][(١٨)](#foonote-١٨) لنا شَيْئاً، فقال - عليه الصلاة والسلام - :" أبشروا فإنَّه لا يُصِيبُ أحداً منكم مُصِيبَةٌ في الدُّنْيَا، إلا جَعَلَهَا[(١٩)](#foonote-١٩) الله له كَفَّارة ؛ حتَّى الشَّوْكَة التي تَقَع في قَدَمِه " [(٢٠)](#foonote-٢٠) ". 
وأيضاً : هَبْ أن ذَلِك الجَزَاء إنَّما يصل إلَيْهم يوم القِيَامة، لكن لم لا يَجُوز أن يَصِل الجَزَاء بتنقِيص ثَوَابِ إيمانِه، وسائر طَاعَاتِه ؛ كقوله[(٢١)](#foonote-٢١) - تعالى - : إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ  \[ هود : ١١٤ \]. 
ولما رَوَى الكلبي، عن أبِي صَالح، عن ابن عبَّاسٍ، أنَّه قال :" لمّا نَزَلت هَذِه الآيَة ش
قت على المُؤمِنِين مَشَقَّة شَدِيدة، قالوا : يا رسُول الله، وأيُّنَا لم يعمل سُوءاً، فكيف
حَسَناتٍ، وعلى المَعْصِيَة الوَاحِدة عُقُوبَة واحدة، فمن جُوزي بالسَّيِّئة، نَقَصَت وَاحِدة من عَشْرَة، وبقيت له تِسْع حَسَناتٍ، فويل لمن غلب آحَادُه أعْشَارَهُ " [(٢٢)](#foonote-٢٢). 
وأيضاً : فَهَذِه الآيَةُ إنَّما نزلت في الكُفَّار ؛ لقوله \[ - تعالى - \][(٢٣)](#foonote-٢٣) بعدها : وَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ . 
فالمؤمن الذي أطَاعَ اللًّه سَبْعِين سَنَةً، ثم شَرِب قَطْرةً من الخَمْر، فهو مؤمِنٌ قد عَمِل الصَّالِحَات ؛ فوجب القَطْع بأنَّه يدخل الجَنَّةَ. 
وقولهم : خرج عن كوْنه مُؤمِناً، فهو باطل ؛ للدلالة الدَّالَّة على أنَّ صَاحِب الكَبِيرة مُؤمِن ؛ لقوله - تعالى - : وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُواْ  \[ الحجرات : ٩ \] إلى قوله : فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى  \[ الحجرات : ٩ \] سَمَّى البَاغِي حَالَ كَوْنه باغياً : مُؤمِناً، وقوله  يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى  \[ البقرة : ١٧٨ \] سَمَّى \[ قَاتِل العمد العُدْوَان مُؤمِناً \][(٢٤)](#foonote-٢٤)، وقوله  يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ تُوبُواْ إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَّصُوحاً  \[ التحريم : ٨ \] سَمَّاه مُؤمِناً حال مَا أمَره بالتَّوْبَة، وإذا ثَبَت أنَّ صَاحِب الكَبِيرَة مُؤمِنٌ، كان قوله \[ - تعالى - \][(٢٥)](#foonote-٢٥)  وَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ  حُجَّةً في أنَّ المُؤمِن صاحب الكَبِيرَة من أهْلِ الجَنَّةِ ؛ فوجبَ أن يكُون قوله : مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ  مخصوصاً بأهْل الكُفْر. 
وأيضاً : فهَبْ أنَّ النَّصَّ[(٢٦)](#foonote-٢٦) يَعُمُّ المؤمِن والكَافِر، لكن قوله : وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَالِكَ لِمَن يَشَاءُ  \[ النساء : ٤٨ \] أخص مِنْه، والخاصُّ مقدَّم على العَامِّ، والكَلاَمُ على[(٢٧)](#foonote-٢٧) العُمُومات قد تَقدَّم فِي قوله : بَلَى مَن كَسَبَ سَيِّئَةً  \[ البقرة : ٨١ \]. 
### فصل في دلالة الآية على أن الكفار مخاطبون بفروع الشريعة


دلت الآيَة على أنَّ الكُفَّار مخاطبون بفروع الإسْلام ؛ لأن قوله - تعالى - : وَمَن يَعْمَلْ سُوءًا  يتناول جَمِيع المُحَرًّماتِ، فيَدْخل فيه ما صَدَر عن[(٢٨)](#foonote-٢٨) الكُفَّار مما هو مُحَرَّم في دين الإسلام، وقوله :" يُجْزَ بِهِ " يدلُّ على وُصُولِ جَزَاء كُل ذلك إلَيْهم. 
فإن قِيلَ : لم \[ لا \][(٢٩)](#foonote-٢٩) يجُوز أن يَكُون ذَلِكَ الجَزَاء، عِبَارَة عمَّا يصل إليهم من الهُمُوم والغُمُوم في الدُّنْيَا. 
فالجَوَابُ أنَّه لا بُدَّ وأن يَصِل جَزَاء أعْمَالِهم الحَسَنة إليْهِم في الآخِرَة، وإذا كان كَذَلِك، اقْتَضَى أن يكُون تَنَعُّمُهم في الدُّنْيَا أكثر ؛ ولذلك قال - عليه الصلاة والسلام - " الدُّنْيَا سِجْنُ المُؤمِن وجَنَّةُ الكَافِرِ " [(٣٠)](#foonote-٣٠) ؛ فامْتَنَع القَوْل بأنَّ جزاء أفْعَالِهِم المَحْظُورة[(٣١)](#foonote-٣١) تَصِلُ إليْهِم في الدُّنْيَا ؛ فوجب القول بِوُصُول ذلك الجَزَاء \[ إليْهِم \][(٣٢)](#foonote-٣٢) في الآخرة. 
### فصل في شبهة المعتزلة وردِّها


قالت المُعْتَزِلَة : دلت \[ هذه \][(٣٣)](#foonote-٣٣) الآيَة على أنَّ العَبْد فَاعِلٌ، وعلى أنَّه بعملِ السُّوء يستحِقُّ الجَزَاء، وإذا كَانَ كَذَلِك، دلَّت على أنًّ اللَّه غير خَالِق لأفْعَال العِبَاد من وَجْهَيْن :
أحدُهُما : أنه لما كان عَمَلاً للعبد، امْتَنَعَ كَوْنه عَمَلاً للَّه ؛ لامتناع حُصُول مَقْدُورٍ واحدٍ بِقَادِرَيْن. 
والثاني : أنه لَو حَصَل بخلق اللَّه، لما استَحَقَّ العَبْد جَزَاءً ألْبَتَّة، وذلك بَاطِل ؛ لأن الآيَة دلَّت على أن العَبْد يستحِقُّ الجزَاءَ على عملِهِ، وقد تقدَّمَ الجوابُ عن هذا الاسْتِدْلالِ. 
قوله : وَلاَ يَجِدْ لَهُ مِن دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلاَ نَصِيراً  قرأ الجمهور بجزم " يَجِدْ "، عطفاً على جواب الشرط، وروي عن ابن عامر[(٣٤)](#foonote-٣٤) رفعه، وهو على القطع عن النسق. ثم يُحْتمل أن يكون مستأنفاً وأن يكونَ حالاً، كذا قيل، وفيه نظرٌ من حيث إنَّ المضارع المنفي ب " لا " لا يقترن بالواوِ إذا وقع حالاً. 
### فصل في شبهة المعتزلة بنفي الشفاعة وردها


قالت المُعْتَزِلَة :\[ دلت \][(٣٥)](#foonote-٣٥) الآية على نَفْي الشَّفَاعة، وأجَابُوا[(٣٦)](#foonote-٣٦) بوجهين :
أحدهما : أنا بيَّنا[(٣٧)](#foonote-٣٧) أن هذه الآيَة في حقِّ الكُفَّار. 
والثَّاني : أن شفاعة الأنْبِيَاء والمَلاَئِكَة في حقِّ العُصَاة، إنَّما تكُون بإذن الله – تعالى، وإذا كان كَذلِك، فلا وَلِيَّ لأحَدٍ ولا نصير، إلا اللَّه - سبحانه وتعالى -. 
١ سقط في ب..
٢ ينظر: إتحاف ١/٥٢٠، وشرح الطيبة ٤/٢١٩، والمحور الوجيز ٢/١١٥، ونسبها ابن عطية إلى الحسن وشيبة بن نصاح والحكم والأعرج. وينظر: البحر المحيط ٣/٣٧١، والدر المصون ٢/٤٢٩..
٣ سقط في ب..
٤ ينظر: القراءة السابقة..
٥ تقدم برقم ٧٤٨..
٦ أخرجه الطبري في "تفسيره" (٩/٢٢٨-٢٢٩) عن مسروق وقتادة والضحاك.
 وذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٢/٣٩٨) عن مسروق وزاد نسبته إلى سعيد بن منصور وابن المنذر.
 وذكره عن قتادة (٢/٣٩٩) وزاد نسبته لعبد بن حميد وابن المنذر وذكره أيضا عن الضحاك (٢/٣٩٩) وزاد نسبته لابن المنذر من طريق جويبر عنه..
٧ في ب: معدودات..
٨ أخرجه الطبري في "تفسيره" (٩/٢٢٣) عن مجاهد وذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٢/٣٩٨) وزاد نسبته لسعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم..
٩ سقط في ب..
١٠ سقط في ب..
١١ في أ: والانتقام..
١٢ سقط في أ..
١٣ أخرجه أحمد (١١) وابن حبان (١٧٣٧- موارد) والحاكم (٣/٧٤-٧٥) والبيهقي (٣/٣٧٣) والطبري في "تفسيره" (٩/٢٤٩) وأبو يعلى (١/٩٧) من حديث أبي بكر الصديق.
 وذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٢/٤٠٠) وزاد نسبته لهناد وعبد بن حميد والحكيم الترمذي وابن المنذر وابن السني في "عمل اليوم والليلة" والضياء المقدسي في "الأحاديث المختارة"..
١٤ سقط في ب..
١٥ سقط في أ..
١٦ أخرجه الطبري في "تفسيره" (٩/٢٤٤) وأحمد (٦/٦٥-٦٦) وابن حبان (٧٣٦- موارد) وأبو يعلى (٨/١٣٥) رقم (٤٦٧٥) من حديث عائشة.
 والحديث ذكره الهيثمي في "مجمع الزوائد" (٧/١٢) وعزاه لأحمد وأبي يعلى وقال: ورجالهما رجال الصحيح. وذكره السيوطي أيضا في "الدر المنثور" (٢/٤٠١) وزاد نسبته لسعيد بن منصور والبخاري في "التاريخ الكبير" والبيهقي في "شعب الإيمان"..
١٧ في ب: أثبتت..
١٨ سقط في ب..
١٩ في ب: جعل..
٢٠ أخرجه أحمد(٧٣٨٠- شاكر) ومسلم كتاب البر والصلة: باب ثواب المؤمن فيما يصيبه من مرض أو حزن... والترمذي (٥/٢٣١) رقم( ٣٠٣٨) والطبري في "التفسير" (٩/٢٤٠) والبيهقي (٣/٣٧٣) من حديث أبي هريرة.
 وقال الترمذي: هذا حديث حسن غريب.
 وذكره السيوطي في "الدر المنثور"(٢/٤٠١) وزاد نسبته لسعيد بن منصور وابن أبي شيبة وابن المنذر وابن مردويه..
٢١ في ب: لقوله..
٢٢ الأثر ذكره الرازي في "التفسير الكبير" (١١/٤٣) من رواية الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس..
٢٣ سقط في ب..
٢٤ سقط في ب..
٢٥ سقط في ب..
٢٦ في ب: النصب..
٢٧ في ب: في..
٢٨ في ب: من..
٢٩ سقط في ب..
٣٠ أخرجه مسلم(٤/٢٢٧٢) كتاب الزهد حديث (١/٢٩٥٦) والترمذي (٤/٤٨٦) كتاب الزهد: باب ما جاء أن الدنيا سجن المؤمن حديث (٢٣٢٤) وابن ماجه(٢/١٣٧٨) كتاب الزهد: باب مثل الدنيا حديث (٤١١٣) من حديث أبي هريرة..
٣١ في ب: المحصورة..
٣٢ سقط في أ..
٣٣ سقط في ب..
٣٤ ينظر: المحور الوجيز ٢/١١٦، والبحر المحيط ٣/٣٧٢، والدر المصون ٢/٤٢٩..
٣٥ سقط في ب..
٣٦ في ب: وأجيبوا..
٣٧ في ب: أثبتنا..

### الآية 4:124

> ﻿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَٰئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا [4:124]

قوله : \[ ومن يعمل \] من الصالحاتَ من ذكر  " " من " الأولَى : للتَّبعيضِ ؛ لأنَّ المكلَّف لا يطيق عَمَل كل الصَّالِحَات. 
وقال الطَّبَرِي :" هي زائدةٌ عند قَوْم " وفيه ضعفٌ، لعدم الشَّرْطَيْن، و " مِنْ " الثانية للتبيين، وأجاز أبو البقاء[(١)](#foonote-١) أن تكُونَ حالاً، وفي صَاحِبها وجهان :
أحدهما : أنه الضَّميرُ المَرْفُوع ب " يَعْمَل ". 
والثاني : أنه الصَّالحات، أي : الصالحات كَائِنةً من ذكر أو أنثى، وقد تقدَّم إيضاح هذا في قوله : لاَ أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِّنكُم مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى  \[ آل عمران : ١٩٥ \] والكلامُ على " أوْ " أيضاً، وقوله :" وَهُوَ مُؤْمِنٌ " جملة حَالِيّة من فَاعِل " يَعْمَل ". 
\[ قوله " يدخلون " \] قرأ أبو عَمْرو، وابن كَثير، وأبُو بَكْر عن عَاصِم[(٢)](#foonote-٢) :" يُدْخَلون " هُنَا، وفي مَرْيم، وأوَّل غَافِر بضم حَرْف المُضَارَعة، وفتح الخَاء مبنياً للمَفْعُول، وانفردَ ابنُ كَثِيرٍ وأبو بكْرٍ بثانية غَافِر، وأبو عمرو بالتي في فَاطِر، والبَاقُون : بفتحِ حَرْفِ المُضَارعة، وضمِّ الخَاءِ مبنياً للفاعِل، وذلك للتفنُّنِ في البلاغَةِ. والأوّل أحْسن ؛ لأنَّهُ أفْخَم، ولِكَوْنه مُوافقاً لقوله : وَلاَ يُظْلَمُونَ فَتِيلاً . 
وأما القِرَاءة الثَّانية : فهي مُطَابِقَةٌ لقوله : ادْخُلُواْ الْجَنَّةَ أَنتُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ  \[ الزخرف : ٧٠ \]، ولقوله  ادْخُلُوهَا بِسَلامٍ  \[ الحجر : ٤٦ \]. 
والنقير : النَّقْرَة في ظَهْر النَّوَاة، مِنْها تَنْبُت النَّخْلَة، والمَعْنَى : أنَّهم لا يُنْقَصُون قدر مَنْبَت النَّوَاة. 
فإن قِيلَ : لم خصَّ اللَّه الصالِحينَ بأنَّهم لا يُظْلَمُونَ، مع أنَّ غيرهم كَذَلِك ؛ كما قال :
 وَمَا رَبُّكَ بِظَلاَّمٍ لِّلْعَبِيدِ  \[ فصلت : ٤٦ \]، وقوله  وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْماً لِّلْعَالَمِينَ  \[ آل عمران : ١٠٨ \]. 
**فالجواب : من وجهين :**
الأول : أن يَكُون الرَّاجع في قوله :" ولا يُظْلَمُونَ " عائداً إلى عُمَّال السُّوءِ، وعُمَّال[(٣)](#foonote-٣) الصَّالِحَات جَمِيعاً. 
والثَّاني : أن من لا يُنْقِصُ من الثَّواب، أولى بأن لا يَزِيدَ في العِقَابِ. 
روى الأعْمَش، عن أبي الضُّحَى[(٤)](#foonote-٤) عن مَسْرُوقٍ، قال : لمَّا نَزَل  لَّيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ  قال أهْل الكِتَاب : نَحْنُ وأنْتُم سَوَاءٌ، فَنَزَلتْ : وَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتَ  الآية، ونزل أيْضاً : وَمَنْ أَحْسَنُ دِيناً مِّمَّنْ أَسْلَمَ 
\[ النساء : ١٢٥ \].

### فصل : صاحب الكبيرة لا يخلد في النار


وهذه الآية من أدَلِّ الدَّلائِل على أن صَاحِبَ الكَبِيرَة لا يُخَلَّد \[ في النَّارِ \][(٥)](#foonote-٥) بل ينقل[(٦)](#foonote-٦) إلى الجَنَّة ؛ لأنَّا بينَّا أن صاحِبَ الكبِيرَة مؤمن، وإذا ثَبَتَ ذَلِك، وكان قد عَمِلَ الصَّالِحَات، وجب أنْ يدْخُل الجَنَّة، لهذه الآية، ولزم بِحُكْم الآيَات الدَّالَّة على وَعِيد الفُسَّاق أن يَدْخُل النَّار، فإمَّا[(٧)](#foonote-٧) أن يدْخُل النَّار[(٨)](#foonote-٨)، ثم يَنْتَقِل إلى النَّارِ، وذلك بَاطِلٌ بالإجْماع، أو يَدْخُل النَّار، ثم ينتقل إلى الجَنَّة، وذلك هُو المَطْلُوب. 
١ ينظر: الإملاء ١/١٩٥..
٢ ينظر: حجة القراءات ٢٣٧-٢٣٨، والحجة ٣/١٨١، ١٨٢، والعنوان ٨٥، وإعراب القراءات ١/١٣٨، وشرح شعلة ٣٤٣، وشرح الطيبة ٤/٢١٥، وإتحاف ١/٥٢١..
٣ في أ: وعمل..
٤ في أ: الضحاك..
٥ سقط في ب..
٦ في ب: ينتقل..
٧ في ب: وأما..
٨ في ب: الجنة..

### الآية 4:125

> ﻿وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا ۗ وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا [4:125]

قوله تعالى : وَمَنْ أَحْسَنُ دِيناً مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لله وَهُوَ مُحْسِنٌ واتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلاً . 
لما شرط في حُصُول النَّجاة والفَوْزِ بالجنَّة كون الإنْسَان مُؤمِناً، شَرَح هَهُنَا الإيمَان، وبَيَّن فَضْلَه من وَجْهَين :
أحدهما : أنَّه الدِّين المشتمل[(١)](#foonote-١) على العُبُودِيَّة والانْقِيَاد لله - تعالى -. 
والثاني : أنه دينُ إبْرَاهيم - عليه السَّلام -، وكل واحدٍ من هَذَيْن الوَجْهَيْن سَبَبٌ مستقِلٌّ[(٢)](#foonote-٢) في التَّرْغِيب في دِينِ الإسْلاَم. 
أما الأوّل : فإن دِين الإسْلام مَبْنيٌّ على الاعْتِقَاد والعَمَل. 
أما الاعتقاد : فإليه الإشارَة بقوله : أَسْلَمَ وَجْهَهُ للهِ  لأن الإسْلام هو الانْقِيَاد، والاسْتِسْلام، والخُضُوعُ، وذكر الوَجْه ؛ لأنه أحسن الأعْضَاء الظَّاهِرَة، فإذا عَرَفَ ربه بِقلبه، وأقَرَّ بِرُبُوبِيَّتِهِ، وبعبُودِيَّة[(٣)](#foonote-٣) نفسه، فقد أسْلَم وجهه للَّه. 
وأمَّا العَمَل فإليه الإشَارةُ بقوله :" وَهُوَ مُحْسنٌ " فيدخل فيه فِعْلُ الحِسَنَات وتَرْكُ السَّيِّئَات، فاحتوت هذه اللَّفْظَة على جَمِيع الأغْرَاض، وفيها تَنْبِيهٌ على فَسَادِ طَريقَةِ من اسْتَعان بغير اللَّهِ ؛ فإن المُشْرِكِين يستعينُونَ بالأصْنَامِ، ويَقُولُون : هؤلاء شُفَعَاؤُنَا عِنْد اللَّه، والدهرية والطَّبِيعيُّون يَسْتعِينُونَ بالأفْلاكِ، \[ والكَواكِبِ \][(٤)](#foonote-٤)، والطبائع، وغيرها، واليَهُود يَسْتعِينُون في دَفْع عِقَاب الآخرة عَنْهم بكونِهِم من أوْلاَدِ الأنْبِيَاء، والنَّصارى يَقُولون : ثَالِثُ ثَلاَثَة، وأما المُعْتَزِلَة : فهم في الحَقِيقَةِ ما أسْلَمَت وَجُوهُهم للَّه ؛ لأنهم يَرون[(٥)](#foonote-٥) \[ أنَّ \] الطاعة المُوجِبَة لِثَوَابِهِم من أنْفُسِهِم، والمَعْصِية الموجِبَة لِعِقَابِهم من أنْفُسِهم، فهم في الحَقِيقَة لا يَرْجُون إلا أنْفُسَهُم[(٦)](#foonote-٦)، ولا يَخَافُون إلا أنْفُسَهم، وأهل السُّنَّة : فَوَّضُوا التَّدْبِير، والتَّكْوِين والخَلْق، والإبْدَاع إلى اللَّه - تعالى -، واعتَقَدُوا أن لا مُوجِدَ ولا مُؤثِّر إلا اللَّه \[ تعالى \][(٧)](#foonote-٧) فهم الذِين أسْلَمُوا وجوههم للَّه. 
وأما الوَجْه الثَّاني : وهو أنَّ محمَّداً - عليه الصلاة والسلام - إنما دَعَى الخَلْق إلى دين إبْرَاهِيم - \[ عليه الصلاة والسلام -، وإبراهيم - عليه الصلاة والسلام - \][(٨)](#foonote-٨) إنَّما كان يَدْعُو إلى اللَّه - تعالى -، لا إلى \[ عِبَادة \] فَلَكٍ ولا طاعة كَوْكَب، ولا سُجُود لِصَنَمٍ، ولا اسْتِعَانَة بطبيعة[(٩)](#foonote-٩) ؛ بل كانت دَعْوَتُه إلى اللَّه - تعالى - كما قال : إِنِّي بَرِيءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ  \[ الأنعام : ٧٨ \] ودعوة مُحَّمد - عليه الصلاة والسلام - كانت قَرِيبَة من شَرْع إبْرَاهيم - عليه السلام - في الخِتَان، وفي الأعْمَال المُتَعَلِّقَة بالكَعْبَة ؛ كالصَّلاة إليها، والطَّوَاف \[ والسَّعْي \][(١٠)](#foonote-١٠) والرَّمْي، والوُقُوف، والحَلْق، والكَلِمَات العَشْر المَذْكُورة في قوله : وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ  \[ البقرة : ١٢٤ \]. 
وإذا ثبت أنَّ شَرْع مُحمد - عليه الصلاة والسلام - كان قَريباً من شَرْع إبراهيم \[ ثم إنَّ شَرْع إبْرَاهِيم \][(١١)](#foonote-١١) مقبولٌ عند الكُلِّ لأن العَرَب لا يَفْتَخرُون بشيءٍ كافتخارهم بالانْتِساب إلى إبْرَاهيم - \[ عليه الصلاة والسلام \][(١٢)](#foonote-١٢) -، وأما اليَهُود والنَّصارى فلا شَكَّ في كَوْنِهِم مُفْتَخِرين بِهِ، وإذا ثَبَت هذا، لَزِم أن يكون شَرْع مُحمَّد - \[ صلى الله عليه وسلم \][(١٣)](#foonote-١٣) - مَقْبُولاً عند الكُلِّ. 
قوله : مِّمَّنْ أَسْلَمَ  : متعلِّقٌ ب " أحْسَنُ " فهي " مِنْ " الجَارَّة للمَفْضُول، و " لله " متعلِّقٌ ب " أسْلَم "، وأجَازَ أبُو البقاء[(١٤)](#foonote-١٤) أن يَتَعَلَّق بَمَحْذُوف على أنَّه حَالٌ من " وَجْهه " وفيه نظرٌ لا يَخْفَى، " وهو مُحْسِنٌ "، حالٌ من فَاعِل " أسْلَم ". 
ومعنى  أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ  : أخْلَصَ عمله للَّه، وقيل : فَوض أمْرَه إلى اللَّه، " وهو مُحْسِنٌ " أي : مُوَحِّد. و " اتَّبع " يجُوز أن يكون عَطْفاً على " أسْلمَ " وهو الظَّاهِر، وأن يكونَ حالاً ثانية من فَاعِل " أسْلَم " بإضمار " قَدْ " عند مَنْ يشترط ذَلِك، وقد تقدَّم الكَلاَم على " حَنيفاً " في البَقَرة، إلا أنَّه يَجُوزُ هنا أن يكُون حالاً من فَاعِل " اتبع ".

### فصل


 " ملَّة إبْرَاهِيم " دين إبراهيم، " حَنِيفاً " أي : مسلِماً مُخْلِصاً[(١٥)](#foonote-١٥). 
فإن قيل ظَاهِر هذه الآيَة يَقْتَضِي أنَّ شرع مُحمد - عليه الصلاة والسلام - نفس شَرْع إبْرَاهيمَ، وعلى هَذَا لم يَكُن لمحمد - عليه الصلاة والسلام - شريعة مُسْتقِلَّة، وأنتم لا تَقُولُون بِذلِك. 
فالجوابُ : أن شَريعَة محمد - عليه الصلاة والسلام - تُشْبِه أكثر شَرِيعَة إبْرَاهِيمَ. 
قال ابن عبَّاسٍ[(١٦)](#foonote-١٦) : ومن دينِ إبراهيم : الصَّلاة إلى الكَعْبَة، والطَّواف بها، ومَنَاسِك الحَجِّ، وإنما خصَّ بها إبْراهيم - \[ عليه والصلاة والسلام \][(١٧)](#foonote-١٧) - ؛ لأنه كان مَقْبُولاً عند جَمِيع الأمَمِ، وقيل : إنَّه بُعِثَ على مِلَّة إبْرَاهِيم، وزِيدَت له أشْيَاء. 
قوله : وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلاً  فيه وجهان وذلك أنَّ " اتَّخذ " إن عَدَّيْناها لاثنين، كان مَفْعُولاً ثانياً، وإلا كان حالاً، وهذه الجُمْلَة عَطْف على الجُمْلَة الاستِفْهَاميةِ التي مَعْنَاها الخَبَرُ، نَبَّهَتْ على شَرَف المَتْبُوعِ وأنه جَدِيرٌ بأن يُتَّبَع لاصْطِفَاءِ الله له بالخُلّة، ولا يَجُوز عَطْفُها على ما قَبْلَها لِعدم صلاحيَّتِها صلةً للموصول. 
وجعلها الزَّمَخْشَرِي جملة مُعْتَرِضَة، قال :" فإنْ قلت ما مَحَلُّ هذه الجُمْلةِ ؟ قلت : لا محلَّ لها من الإعْرَاب ؛ لأنَّها مِنْ جُمل الاعْتِرَاضَاتِ، نحو ما يجيء في الشِّعر من قَوْلهم :" والحَوَادِثُ جَمَّةٌ " فائدتُها تَأكيدُ وجوب اتِّباع ملّته ؛ لأنَّ مَنْ بَلَغَ من الزُّلْفَى عند الله أن اتَّخَذَه خَلِيلاً، كان جديراً بأن يُتَّبع " فإنْ عنى بالاعْتِرَاضِ المُصْطَلحَ عليه، فَلَيْس ثَمَّ اعْتِراضٌ ؛ إذ الاعْتِرَاضُ بين مُتلازَمِيْن ؛ كفِعْلٍ وفَاعِلٍ، ومُبْتَدأ وخَبَر وشَرْط وجَزَاء، وقَسَم وَجَواب، وإن عَنَى غير ذلك احتُمِل، إلا أنَّ تنظيرَه بقولهم :" والحَوَادِثُ جَمَّةٌ " يُشْعِر بالاعْتِرَاض المُصْطَلح عليه ؛ فإن قولهم :" والحَوَادِثُ جَمَّةٌ " وَرَدَ في بَيْتَيْنِ :
أحدهما : بين فِعْل وفَاعِل ؛ كقوله :\[ الطويل \]وَقَدْ أدْرَكَتْنِي وَالحَوَادِثُ جَمَّةٌ  أسِنَّةُ قَوْمٍ لا ضِعَافٍ ولا عُزْلِ[(١٨)](#foonote-١٨)والآخر يَحْتَمِل ذلك، على أن تكُونَ الباءُ زائدةً في الفَاعِل ؛ كقوله :\[ الطويل \]ألاَ هَلْ أتَاهَا والحَوَادِثُ جَمَّةٌ  بأنَّ امْرَأ القَيْس بنَ تَمْلِكَ بَيْقَرا[(١٩)](#foonote-١٩)ويُحْتَمل أن يكونَ الفَاعِلُ ضميراً دلَّ عليه السِّياق، أي : هل أتاها الخَبَر بأن امْرأ القيس، فيكون اعْتِرَاضاً بين الفِعْل ومَعْمُوله. 
والخليلُ : مشتق من الخَلَّة بالفَتْح، وهي الحَاجَة، أو من الخُلَّة بالضَّمِّ، وهي المودة الخالصة. وسُمِّي إبْرَاهيم عليه الصلاة والسلام خليلاً أي : فَقِيراً إلى اللَّه ؛ لأنَّه لم يَجْعَل فَقْره وفَاقَتَه إلاَّ إلى اللَّه. 
قال القُرْطِبيُّ[(٢٠)](#foonote-٢٠) : الخَلِيلُ فعيل، بِمَعنى : فَاعِل ؛ كالعَلِيم، بمعنى : عالم، وقيل : هو بِمَعْنَى المَفْعُول[(٢١)](#foonote-٢١) ؛ كالحَبِيب[(٢٢)](#foonote-٢٢) بِمَعْنَى : المَحْبُوب، وإبراهيم - عليه الصلاة والسلام - كان مُحبًّا للَّه، وكان مَحْبُوباً للَّه. أو من الخلل. قال ثَعْلَب :" سُمِّي خليلاً ؛ لأن مَوَدَّته تَتَخَلَّلُ القَلْبَ " وأنشد :\[ الخفيف \]قَدْ تَخَلَّلْتَ مَسْلَكَ الرُّوحِ مِنِّي  وَبِهِ سُمِّي الْخَلِيلُ خَلِيلا[(٢٣)](#foonote-٢٣)وقال الرَّاغِب[(٢٤)](#foonote-٢٤) :" الخَلَّة - أي بالفتح - الاختلالُ العَارِضُ للنَّفْس : إمَّا لشَهْوَتِها لِشَيْء، أو لحاجتهَا إليه، ولهذا فَسَّر الخَلَّة بالحَاجَة، والخُلَّة - أي بالضم - : المودة : إما لأنَّها تتَخَلَّل النَّفْس، أي : تتوسَّطُها، وإما لأنَّها تُخِلُّ النَّفْسَ ؛ فتؤثِّر فيها تأثيرَ السَّهْم في الرَّمِيَّة، وإمَّا لفَرْطِ الحَاجَة إليْها ". 
وقال الزَّجَّاج[(٢٥)](#foonote-٢٥) : معنى الخليل : الذي لَيْس في مَحبَّتِه خَلَل، وقيل : الخلِيلُ هو الذي يُوافِقُك في خلالِك. قال - عليه الصلاة والسلام - :" تَخَلقوا بأخلاق اللَّه " فلما بلغ إبْرَاهيم - عليه الصلاة والسلام - في هذا البَابِ مبلَغاً لم يَبْلُغْه أحَدٌ ممَّن تقدَّمَه، لا جَرَم خصَّه اللَّه بهذا الاسْمِ. 
قال الزَّمَخْشَرِيُّ[(٢٦)](#foonote-٢٦) : الخَلِيلُ :\[ هو \][(٢٧)](#foonote-٢٧) الذي يُسَايِرُك في طَرِيقك، من الخَلِّ : وهو الطَّريق في الرَّمْل، وهذا قَرِيبٌ من الذي قَبْلَه، وقيل : الخَلِيْلُ : هو الذي يسد خللك كما تسُدُّ خَلَله، وهذا ضَعِيف ؛ لأن إبراهيم - عليه الصلاة والسلام - لا يقال : إنه يَسُدُّ الخَلَلَ. 
وأما المُفَسِّرُون[(٢٨)](#foonote-٢٨) : فقال الكلبيُّ : عن أبي صَالحٍ، عن ابن عبَّاس : كان إبْرَاهيم - عليه الصلاة والسلام - أبا الضِّيفان، وكان مَنْزِلُه على ظَهْر الطَّرِيق يُضِيفُ من مَرَّ بِه، فأصاب الناس سنَةٌ[(٢٩)](#foonote-٢٩) فَحشِرُوا إلى بَابِ إبْراهيم يَطْلُبون الطَّعَام، وكانت الميرة له كل سَنَةٍ من صديقٍ له ب " مصر "، فبعث غِلْمَانه بالإبل إلى خَلِيلِه ب " مصر "، فقال خلِيلُه لِغلمانه : لو كان إبراهيم إنَّما يريده لنفْسِه، لاحْتَمَلْنَا ذلك لهُ ؛ فقد دَخَلَ عَلَيْنَا ما دَخَلَ على النَّاس من الشِّدَّة، فرجع رُسُل إبْراهيم - عليه السلام - فمرُّوا بِبَطْحَاء \[ سهلة \] فقالوا : لو أنَّا حملنا من هذه البَطْحَاء ؛ ليرى النَّاسُ أنا قد جِئْنَا بميرة، فإنَّا نَسْتَحِي أن نمرّ بِهِم، وإبلنا فَارِغَةٌ، فملأوا لتك الغرائر سهلة ثم أتَوْا إبْرَاهِيمَ - عليه الصلاة والسلام - فأعْلَمُوهُ \[ بذلك \][(٣٠)](#foonote-٣٠) و \[ سارةُ نَائِمَةٌ \][(٣١)](#foonote-٣١)، فاهْتَمَّ إبْرَاهيم - عليه الصلاة والسلام - لمكان النَّاسِ بِبَابِه، فَغَلَبته عَيْنَاه فَنَام، واستيقظت سَارة و \[ قد \][(٣٢)](#foonote-٣٢) ارتفع النَّهَار، فقَالَت : سُبْحَان الله ! ما جَاءَ الغِلْمَان ؟ قالوا : بَلَى، \[ قالت : فما جَاؤُا بِشَيْءٍ ؟ قالوا : بَلَى، \][(٣٣)](#foonote-٣٣) فَقَامَت إلى الغَرَائِر. 
فَفَتَحَتْهَا، \[ فإذا \][(٣٤)](#foonote-٣٤) هِي مَلأى بأجْودِ دَقِيق حوارٍ يكون، فأمرت الخَبَّازِين، فَخَبَزُوا وأطْعَمُوا النَّاسَ، فاسْتَيْقَظ[(٣٥)](#foonote-٣٥) إبْرَاهِيمُ، فوجد ريحَ الطَّعَامِ، فقال : يا سَارة مِنْ أيْن هذا ؟ فقالت[(٣٦)](#foonote-٣٦) : من عند خَلِيلِك المصْرِيِّ، فقال : هذا من عِنْد خَلِيلِيَ اللَّه، قال : فيومَئِذٍ اتَّخَذَهُ \[ الله \][(٣٧)](#foonote-٣٧) خَلِيلاً[(٣٨)](#foonote-٣٨). 
وقال شَهْر بن حَوْشَب : هبط مَلَكٌ في صورة رَ١ في ب: لم يشتمل..
٢ في ب: مستقل..
٣ في ب: وبعبوديته..
٤ سقط في ب..
٥ في ب: يريدون..
٦ في ب:"لأنفسهم"..
٧ سقط في أ..
٨ سقط في أ..
٩ في ب: بطبعه..
١٠ سقط في ب..
١١ سقط في أ..
١٢ سقط في أ..
١٣ سقط في أ..
١٤ ينظر: الإملاء ١/١٩٥..
١٥ في ب: خالصا..
١٦ تقدم..
١٧ سقط في أ..
١٨ تقدم برقم ٨٠٨..
١٩ البيت لامرئ القيس ينظر ديوانه (٦٢) والخصائص ١/٣٣٥ وسمط الآلئ ص ٤٠ وشرح المفصل ٨/٢٣ وخزانة الأدب ٩/٥٢٤، ٥٢٥، ٥٢٧، واللسان (نقر) والمنصف ١/٨٤ والإنصاف ١/١٧١ والدر المصون ٢/٤٣١..
٢٠ ينظر: تفسير القرطبي ٥/٢٥٦..
٢١ في ب: مفعول..
٢٢ في ب: والحبيب..
٢٣ البيت لبشار- ينظر تفسير القرطبي ٥/٢٥٦ والدر المصون ٢/٤٣١ والبحر المحيط ٣/٣٦٤..
٢٤ ينظر: المفردات ١٥٤..
٢٥ ينظر: تفسير القرطبي ٥/٢٥٧، وتفسير البغوي ١/٤٨٤..
٢٦ ينظر: تفسير الرازي ١١/٤٧..
٢٧ سقط في أ..
٢٨ ينظر: تفسير الرازي ١١/٤٧ والبغوي ١/٤٨٤..
٢٩ في أ: منه..
٣٠ سقط في أ..
٣١ سقط في ب..
٣٢ سقط في ب..
٣٣ سقط في ب..
٣٤ سقط في ب..
٣٥ في ب: واستيقظ..
٣٦ في ب: قالت..
٣٧ سقط في ب..
٣٨ ينظر الرازي (١١/٤٨)..

### الآية 4:126

> ﻿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ ۚ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطًا [4:126]

**في تعلُّق الآيَة بما قَبْلَها وُجُوه :**
أحدها :\[ أن المعنى \][(١)](#foonote-١) أن الله لم يَتَّخِذْ إبْرَاهِيم خليلاً لاحتياجه إلَيْه في شَيْءٍ كخلةِ الآدميِّين، وكيف[(٢)](#foonote-٢) يُعْقَل ذلك، وله مُلْك السَّموات والأرض، وإنما اتَّخَذَهُ خليلاً لمحض الكَرَم. 
وثانيها : أنَّه - تعالى - ذكر من أوَّل السُّورة إلى هذا المَوْضِع أنْواعاً كَثِيرَة من الأمر والنَّهْي، والوعْد والوَعيد، وذكر في هَذِه الآيَة أنَّه إلَه المُحْدَثَاتِ، وموجِدُ الكائِنَاتِ، ومن كان مَلِكَاً مطاعاً، وجب على كُلِّ عاقلٍ أنْ يَخْضَعَ لتكاليفه، ويَنْقَادَ لأمْرِه. 
وثالثها : أنه - تعالى - لما ذكر الوَعْدَ والوَعِيدَ، ولا يمكن الوَفَاءُ بهما إلا بأمْرَيْن :
أحدهما : القُدْرةُ التَّامَّة \[ المتعلِّقة \][(٣)](#foonote-٣) بجميع الكَائِنَات والمُمْكِنَات. 
والثاني :\[ العِلْم \][(٤)](#foonote-٤) المتعلِّق بجميع الجُزْئِيَّات والكُلِّياتِ ؛ حتى لا يَشْتَبه عليه المُطِيعُ، والعَاصِي، والمحسن والمُسِيءُ[(٥)](#foonote-٥) ؛ فدلَّ على كَمَال قُدْرَته بِقَوْله : وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ ، وعلى كَمَال عِلْمِهِ بقوله : وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُّحِيطاً . 
ورابعها : أنه - تعالى - لمّا وصَفَ إبْراهيم - عليه الصلاة والسلام - بأنه خَلِيلُه، بين أنَّه مع هذه الخُلَّة عَبْدٌ لَهُ، وذَلِك أنَّ له مَا فِي السَّمواتِ ومَا في الأرْض، ونَظِيرُه قوله تعالى : إِن كُلُّ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ إِلاَّ آتِي الرَّحْمَانِ عَبْداً  \[ مريم : ٩٣ \] ويجري مُجْرَى قوله : لَّن يَسْتَنكِفَ الْمَسِيحُ أَن يَكُونَ عَبْداً لِلَّهِ وَلاَ الْمَلائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ 
\[ النساء : ١٧٢ \] يعني : أنَّ الملائكة مع كَمَالِهِم في صِفَةِ القُدرةِ، والقوَّة في صِفَة العِلْم والحِكْمَة، لم يَسْتَنْكِفُوا عن عِبَادة اللَّه ؛ كذا هَهُنا، يعني : إذا كَانَ كل من في السَّموات والأرْض مِلْكُه في تَسْخِيره، فكَيْفَ يعْقَل أن يُقَالَ : إن اتِّخَاذ اللَّه إبْراهيم خَلِيلاً، يخرجه عن عُبُودِيَّة اللَّه. 
### فصل


إنما قال : مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ  ولم يقل " مَنْ " لأنه ذَهَب به مَذْهَبَ الجِنْس، والذي يُعْقَل إذا ذُكِر وأريد به الجنْسُ، ذكر ب " مَا ". 
قوله : وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُّحِيطاً  فيه وَجْهَان :
أحدهما : المُرَاد مِنْهُ : الإحاطة في العِلْم. 
والثاني : الإحَاطَة بالقُدْرَة ؛ كقوله : وَأُخْرَى لَمْ تَقْدِرُواْ عَلَيْهَا قَدْ أَحَاطَ اللَّهُ بِهَا 
\[ الفتح : ٢١ \]. 
قال القَائِلُون بهذا[(٦)](#foonote-٦) القَوْل : وليس لِقَائِلٍ أن يَقُولَ : لمَّا دل قوله : وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ  على كمال القُدْرَةِ، لزم التَّكْرَار ؛ لأنَّا نقول إنَّ قوله  وَللَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ  \[ لا يفيد ظاهره \][(٧)](#foonote-٧) إلا كونه[(٨)](#foonote-٨) قَادِراً على ما يَكُون خَارِجَاً عَنْهُمَا، ومغايراً \[ لهما \][(٩)](#foonote-٩)، فلما قال : وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُّحِيطاً  دلَّ ذلك على كَوْنه قَادِراً على ما لا نهاية له من المَقْدُورَات خَارِج هذه السَّمَواتِ والأرْضِ. 
١ سقط في أ..
٢ في ب: فكيف..
٣ سقط في ب..
٤ سقط في أ..
٥ في أ: بالسيئ..
٦ في ب: هذا..
٧ سقط في ب..
٨ في ب: لا يكون..
٩ سقط في أ..

### الآية 4:127

> ﻿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ ۖ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ فِي يَتَامَى النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْوِلْدَانِ وَأَنْ تَقُومُوا لِلْيَتَامَىٰ بِالْقِسْطِ ۚ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِهِ عَلِيمًا [4:127]

وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ  \[ الآية \][(١)](#foonote-١)، \[ إلى قوله تعالى : وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ فِي يَتَامَى النِّسَاءِ الَّلاتِي لاَ تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَن تَنكِحُوهُنَّ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْوِلْدَانِ وَأَن تَقُومُواْ لِلْيَتَامَى بِالْقِسْطِ وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِهِ عَلِيماً [(٢)](#foonote-٢)
أي : يستَخْبِرُونك في النِّسَاء. 
قال الواحدي - رحمه الله[(٣)](#foonote-٣) - : الاستِفْتَاء : طَلَب الفَتْوَى، يقال : اسْتَفْتَيْتُ الرَّجل في المَسْألة ؛ فأفْتَاني إفتاءاً وفُتْياً وفَتْوًى، \[ وهما \][(٤)](#foonote-٤) اسمْان وُضِعَا موضع الإفْتَاء، ويُقَال : أفْتَيْت فُلاناً في رؤيا رآهَا إذا عَبَّرها، قال - تعالى - : يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ أَفْتِنَا فِي سَبْعِ بَقَرَاتٍ  \[ يوسف : ٤٦ \]، ومعنى : أفتنا[(٥)](#foonote-٥) : إظْهار المُشْكِل، وأصْلُه : من الفَتَى : وهو الشَّابُّ[(٦)](#foonote-٦) القَوِي، فالمعنى : كأنَّه يَقْوى بِفتيانِهِ، والمُشْكِل إذا زَالَ إشْكَالُه بِبيَانِهِ مَا أشْكِل، يصيرُ قويّاً فَتِيًّا. 
واعلم : أنَّ عَادَة اللَّه فِي ترتيب هذا الكِتَابِ الكَرِيمِ، أنْ يَذكُر الأحْكَام، ثَمَّ يذْكُرُ عَقِيبه[(٧)](#foonote-٧) آياتِ الوَعدِ والوَعِيدِ، والتَّرغِيب والتَّرهيب، ويخلط بها آياتٍ دَالةً على كِبْرِياء اللَّه - تعالى - وجلالِ قُدْرَتِه، ثم يَعُود إلى بَيَان الأحْكَام، وهذا أحْسَن أنواع التَّرْتِيب، وأقوى تَأثِيراً في القُلُوب ؛ لأن التَّكْلِيف بالأعْمَال الشَّاقَّةِ لا يقع مَوْقِعِ القُبُول، إلا إذا اقْتَرن[(٨)](#foonote-٨) بالوَعْد والوَعِيد، وذلك لا يُؤثِّر إلا عند القَطْع بِغَايَةِ كَمَال من صَدَر عنه الوَعْد والوَعِيد. 
قوله \[ تعالى \][(٩)](#foonote-٩) : قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ  الآية اعلم : أن الاستِفْتَاء لا يقع عن ذَوات النِّساء، وإنَّما يقع عن حَالةٍ من أحْوَالِهِنّ، وصفة من صِفاتِهِن، وتلك الحَالَة غير مَذْكُورة في الآية، فكانت مُجْمَلة غير دَالَّة على الأمْر الذي[(١٠)](#foonote-١٠) وقع عَنْه الاستِفْتَاءِ. 
### فصل في سبب نزول الآية


قال القُرْطُبِي[(١١)](#foonote-١١) : هذه الآية نَزَلَت بسبب قَوْم من الصَّحَابة، سألوا عن أمر النِّسَاء وأحْكَامِهِن في المِيرَاث[(١٢)](#foonote-١٢) وغير ذَلِك، فأمَر اللَّه نبيَّه - عليه الصلاة والسلام - أن يَقُول لَهُم : اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ  أي : يبيِّن لكم حُكْم ما سَألْتُم عَنْه، وهذه الآيَة رُجوعٌ إلى ما افْتُتِحَتْ به السُّورة من أمْر النِّسَاءِ، وكانَ قد بَقِيتْ لهم أحْكَام لم يَعْرِفُوها، فسألوا ؛ فقيل لهُم :\[ إن \][(١٣)](#foonote-١٣) الله يُفْتيكُم فيهنَّ. 
\[ وروي عن مَالِكٍ قَالَ : كان رسُول الله صلى الله عليه وسلم يسأل فلا يُجيبُ حتى ينزل عليه الوحي، وذلك في كِتَاب الله : وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ  \][(١٤)](#foonote-١٤)
 وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى  \[ البقرة : ٢٢٠ \]  يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ  \[ البقرة : ٢١٩ \]
 وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ  \[ طه : ١٠٥ \] و يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ  \[ المائدة : ٤ \]. 
 " وما يُتْلى " : فيه سَبْعَة أوْجه، وذلك أن مَوْضع " ما " يحتمل أن يكُون رفعاً، أو نصباً، أو جراً، فالرَّفعُ من ثَلاَثة أوْجُه :
أحدها : أن يكون مرفوعاً، عَطْفاً على الضَّمِير المستكِنِّ في " يُفتيكم " العائد على الله - تعالى -، وجاز ذلك للفَصْل بالمَفْعُول والجَارِّ والمَجْرُور، مع أن الفَصْلَ بأحدهما كافٍ. 
والثَّانِي : أنه مَعْطُوفٌ على لَفْظِ الجلالة فَقَطَ ؛ ذكره أبو البقاء[(١٥)](#foonote-١٥) وغيرُه، وفيه نَظَر ؛ لأنه : إمَّا أنْ يُجْعَلَ من عَطْف مفردٍ على مُفْردٍ، فكان يَجِبُ أن يُثَنَّى الخَبرُ، وإن توسَّط بين المُتَعَاطفين، فيقال :" يُفْتِيانِكُم "، إلاَّ أنَّ ذلك لا يجُوز، ومَنِ ادَّعى جَوازَه، يَحْتاج إلى سَمَاع من العَرَب، فيقال :" زيد قَائِمَان وعَمْرو "، ومثلُ هذا لا يجُوز، وإمَّا أن يُجْعَلَ من عَطْف الجُمَل، بمَعْنَى : أنَّ خبرَ الثَّاني محذوفٌ، أي : وما يُتْلَى عَلَيْكُم، يُفْتيكم، فيكون هذا هو الوَجْه الثَّالث - وقد ذكروه - فَيَلْزَم التَّكْرَار. 
والثالث من أوْجُه الرَّفع : أنه رَفْع بالابْتِدَاء، وفي الخبَر احْتِمَالان :
أحدهما : أنه الجَارُّ بعده، وهو " فِي الكِتَابِ " والمرادُ ب " ما يتلى " القرآنُ، وب " الكتاب " : اللوحُ المحفوظ، وتكُونُ هذه الجُمْلَة معترضةً بين البدل والمُبْدَل منه، على ما سيأتي بَيَانُه، وفائدةُ الإخْبَار بذلك : تَعْظِيمُ المَتْلوِّ، ورفعُ شأنه ؛ كقوله : وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ  \[ الزخرف : ٤ \]. 
والاحتمال الثاني : أن الخبر مَحْذُوفٌ، أي : والمتلوُّ عَلَيْكم في الكتاب يُفْتيكم، أو يبيِّن لَكُم أحْكَامَهُن. 
وذلك المَتْلُوّ في الكِتَاب هو قوله : وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُواْ فِي الْيَتَامَى  \[ النساء : ٣ \] وحَاصِل الكلام : أنَّهم قد سألُوا عن أحْوَال كَثِيرةٍ من أحْوالِ النِّسَاء، فما كان مِنْهَا غير مُبَيَّن الحُكْم، ذَكر أن اللَّه يُفْتِيهم فيها، وما كان فِيهَا مُبَيَّن الحُكْم في الآيات المُتَقَدِّمَةِ، ذكر أن تِلْك الآيَات المَتْلُوة تُفْتيهم فيها، وجعل دَلاَلة الكِتَاب على الحُكْم إفتاء[(١٦)](#foonote-١٦) من الكتاب ؛ كما يُقَال في المَجَازِ المَشْهُور : كِتَاب اللَّه يُبَيِّن لنا هَذَا الحُكْم، وكلام الزَّمخشري يحتمل جَمِيع الأوْجُه، فإنه قال :" ما يُتْلى " في مَحَلِّ الرفع، أي : اللَّهُ يُفْتيكُم، والمتلوُّ في الكِتَاب في مَعْنَى : اليتامى، يعني قوله : وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُواْ فِي الْيَتَامَى  \[ النساء : ٣ \]. وهو من قَوْلِك :" أعْجَبَنِي زَيْدٌ وكَرَمُه " انتهى، يعني : أنَّه من باب التَّجْريد ؛ إذ المقصودُ الإخْبَارُ بإعجَاب كَرَم زيدٍ، وإنما ذُكِر زَيْدٌ ؛ ليُفيدَ هذا المَعْنَى الخاصَّ لذلك المَقْصُود أنّ الذي يُفْتيهم هو المَتْلُوُّ في الكِتَابِ، وذُكِرت الجَلاَلةُ للمعنى المُشَار، وقد تقدَّم تَحْقِيق التَّجْرِيد في أوَّل البَقَرة، عند قوله : يُخَادِعُونَ اللَّهَ 
\[ البقرة : ٩ \]. 
**والجَرُّ من وَجْهَيْن :**
أحدهما : أن تكُون الواوُ للقَسَم، وأقسمَ اللَّهُ بالمَتْلُوِّ في شأن النِّساء ؛ تَعْظِيماً له، كأنه قيل : وأقْسِمُ بما يُتْلى عَلَيْكُم في الكِتاب ؛ ذكره الزمخشري. 
والثاني : أنه عَطْفٌ على الضَّمِير المَجْرُور ب " في " أي : يُفْتيكُمْ فيهنَّ وفيما يُتْلَى، وهذا مَنْقُولٌ عن محمَّد بن أبي مُوسَى، قال :" أفتاهم الله فيما سألُوا عنه، وفيما لَمْ يَسْألوا "، إلا أنَّ هذا ضَعِيفٌ من حَيْث الصِّنَاعةُ ؛ لأنه عطفٌ على الضمير المَجْرُورِ من غير إعَادَة الجَارِّ ؛ وهو رأي الكُوفيِّين، وقد تقدَّم مذاهب النَّاسِ فيه عند قوله : وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ  \[ البقرة : ٢١٧ \]. 
قال الزَّمَخْشَرِيُّ[(١٧)](#foonote-١٧) :" ليس بِسَديدٍ أن يُعْطَفَ على المَجْرُورِ في " فيهنَّ " ؛ لاخْتِلاله من حيث اللَّفْظِ والمَعْنَى " وهذا سَبقَه إليه أبُو إسْحاق[(١٨)](#foonote-١٨). 
قال \[ الزجاج \] : وهذا بَعِيدٌ بالنِّسْبَة إلى اللَّفْظِ وإلى المَعْنَى : أمَّا اللَّفْظُ ؛ فإنه يقتضي عَطْفُ المُظْهَر على المُضْمَرِ، وأما المَعْنَى : فلأنه ليس المُرادُ أنَّ اللَّهَ يُفْتيكم في شَأنِ ما يُتْلَى عليكم في الكِتَاب، وذلك غيرُ جَائزٍ ؛ كما لم يَجُزْ في قوله : تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ  \[ النساء : ١ \] يعني : من غير إعادةِ الجَارِّ. 
وقد أجَابَ أبو حيَّان[(١٩)](#foonote-١٩) عما ردَّ به الزَّمَخَشريُّ والزجاج ؛ بأن التَّقْدِيرَ : يُفْتيكم في مَتْلُوِّهِنَّ، وفيما يُتْلَى عليكم في الكِتَاب في يتامى النِّسَاء، وحُذِف لدلالة قوله : وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ ، وإضافةُ " مَتْلُو " إلى ضمير " هُنَّ " سائغةٌ، إذ الإضافة إليهنَّ، كقوله :
 مَكْرُ الْلَّيْلِ وَالنَّهَارِ  \[ سبأ : ٣٣ \] لمَّا كان المَكْرُ يقع فيهما، صَحَّتْ إضافتُه إليْهِمَا، ومثله قول الآخر :\[ الطويل \]إذَا كَوْكَبُ الخَرْقَاءِ لاَحَ بِسُحْرَةٍ  سُهَيْلٌ أذَاعَتْ غَزْلَهَا في الغَرَائِبِ[(٢٠)](#foonote-٢٠)\[ قال شهاب الدين \] : وفي هذا الجواب نظرٌ. 
والنَّصْبُ بإضمار فِعْل، أي : ويبيِّن لَكُم ما يُتْلى \[ عليكم \] ؛ لأنَّ " يُفْتيكُم " بمعنى يبيِّن لكم، واختار أبو حيَّان وجْهَ الجرِّ على العَطْفِ على الضَّمير، مختاراً لمَذْهَبِ الكوفيِّين قال : لأنّ الأوْجُه كلَّها تؤدِّي إلى التَّأكيد، وأمَّا وَجْهُ العَطْفِ على الضمير \[ المَجْرُور \]، فيجعلُه تأسِيساً، قال :" وإذا دار الأمْرُ بينهما ؛ فالتَّأسيس أوْلى "، وفي إفْرَادِ هذا الوَجْهِ بالتَّأسيس دُونَ بَقِيَّةِ الأوْجُه نظرٌ لا يَخْفى. 
قوله :" فِي الكِتَابِ " يجوزُ فيه ثلاثةُ أوْجُهٍ :
أحدها : أنه مُتَعَلِّقٌ ب " يُتْلى ". 
والثاني : أنه متعلِّقٌ بمحْذُوفٍ على أنه حَالٌ من الضَّمِير المُسْتَكِنِّ في " يُتْلى ". 
والثالث : أنه خَبَر " مَا يُتْلى " عَلَى الوَجْه الصَّائِر إلى أنَّ " مَا يُتْلى " مبتدأ، فيتعلق بمَحْذُوف أيضاً، إلاَّ أنَّ مَحَلَّه على هذا الوجهِ رفعٌ، وعلى ما قَبْلَه نصبٌ. 
قوله : فِي يَتَامَى النِّسَاءِ  فيه خَمْسة أوْجه :
أحدُها : أنه بَدلٌ من " الكِتَاب " وهو بدلُ اشْتِمَالٍ، ولا بد مِنْ حَذْفِ مُضَافٍ، أي : في حُكْم يَتَامَى، ولا شك أن الكِتابَ مشتملٌ على ذِكْرِ أحكامِهِن. 
والثاني : أن يتعلَّق ب " يُتْلَى ". 
فإن قيل : كيف يجُوزُ تعلُّقُ حَرْفَيْ جرٍّ بلفظ وَاحِدٍ، ومعنى واحِدٍ ؟
فالجوابُ أنَّ مَعْنَاهما مُخْتَلفٌ، لأن الأولى للظَّرْفية على بابها، والثانية بمعنى البَاءِ، للسببية مَجَازاً، أو حقيقةً عِنْد مَنْ يقولُ بالاشتراك. 
وقال أبو البقاء[(٢١)](#foonote-٢١) : كما تَقُولُ :" جئتُك في يوم الجُمْعَة في أمْرِ زَيْدٍ ". 
والثالث : أنه بَدَل من " فِيهِنَّ " بإعادة العَامِل، ويكون هذا بَدَل بَعْض من كُلٍّ. 
قال الزَّمَخْشَرِيُّ :" فإنْ قُلْت : بِمَ تعلَّق قوله : في يتامى النِّسَاء ؟  قلت : في الوَجْه الأوَّل هو صِلَةُ " يُتْلى " أي : يُتْلى عَلَيْكُم في مَعنَاهُنَّ، ويجُوز أن يكُون " في يتامى " بَدَلاً من " فيهنَّ "، وأما في الوَجْهَيْن الأخِيرَيْن فبدلٌ لا غير " انتهى، يَعْنِي بالوجْه الأول : أن يكون " مَا يُتْلَى " مَرْفُوعَ المَحَلِّ. 
قال أبو حيَّان[(٢٢)](#foonote-٢٢) :" أمَّا ما أجازه في وجه الرفع من كونه صلة " يتلى " فلا يجُوزُ إلاَّ أنْ يكونَ بَدَلاً مِنْ " فِي الكِتَابِ " أو تكون " في " للسَّبَبية، لئلا يتعلّق حَرْفا جر بلفظٍ واحد، ومعنى واح١ سقط في أ..
٢ سقط في ب..
٣ ينظر: تفسير الرازي ١١/٥٠..
٤ سقط في ب..
٥ في ب: الإفتاء..
٦ في أ: الثبات..
٧ في أ: بعده..
٨ في أ: قرن..
٩ سقط في أ..
١٠ في ب: التي..
١١ ينظر: تفسير القرطبي ٥/٢٥٨..
١٢ في ب: الممات..
١٣ سقط في ب..
١٤ سقط في ب..
١٥ ينظر: الإملاء ١/١٩٦..
١٦ في أ: فتيا..
١٧ ينظر: الكشاف ١/٥٧٠..
١٨ ينظر: معاني القرآن ٢/١٢٤..
١٩ ينظر: البحر المحيط ٣/٣٧٦..
٢٠ ينظر البيت في المحتسب ٢/٢٢٨ واللسان (غرب) وابن يعيش ٣/٨، والمقرب ١/٢١٣ والدر المصون ٢/٤٣٢..
٢١ ينظر: الإملاء ١/١٩٦..
٢٢ ينظر: البحر المحيط ٣/٣٧٧..

### الآية 4:128

> ﻿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا ۚ وَالصُّلْحُ خَيْرٌ ۗ وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ ۚ وَإِنْ تُحْسِنُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا [4:128]

\[ قوله تعالى : وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِن بَعْلِهَا نُشُوزاً أَوْ إِعْرَاضاً فَلاَ جُنَاْحَ عَلَيْهِمَا أَن يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحاً وَالصُّلْحُ خَيْرٌ وَأُحْضِرَتِ الأنْفُسُ الشُّحَّ وَإِن تُحْسِنُواْ وَتَتَّقُواْ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً [(١)](#foonote-١)
وقوله :" وإن امْرَأَةٌ " :" امرأةٌ " فاعلٌ بِفعْلٍ مضمر واجب الإضْمَار، وهذه من باب الاشْتِغَال، ولا يجُوز رَفْعُها بالابْتداء، لأنَّ أداةَ الشَّرْطِ لا يَلِيها إلا الفِعْلُ عند جُمْهُور البَصْرِيِّين، خلافاً للأخفش، والكُوفيِّين، والتقديرُ :" وإنْ خافت امْرأةٌ خَافَتْ "، ونحوهُ :
 وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ  \[ التوبة : ٦ \]، واستدلَّ البَصْرِيُّون على مَذْهَبهم : بأن الفعل قد جَاءَ مَجْزُوماً بعد الاسْمِ الوَاقِع بعد أداة الشَّرْط في قَوْل عديٍّ :\[ الخفيف \]

وَمَتَى وَاغِلٌ يَنُبْهُمْ يُحَيُّو  هُ وَتُعْطَفْ عَلَيْه كَأسُ السَّاقِي[(٢)](#foonote-٢)قال بعضهم : خافت، أي : عَلِمَت، وقيل : ظَنَّت. قال ابن الخطِيب[(٣)](#foonote-٣) : ولا حَاجَة لِتَرْك الظَّاهر ؛ لأن الخَوْف إنَّما يكون عند ظُهُور أماراتٍ \[ تدلُّ عليه \][(٤)](#foonote-٤) من جِهَة الزَّوْجِ، إمَّا قَوْلِيَّةٌ أو فِعْلِيَّةٌ. 
قوله " مِن بَعْلِها " يجوزُ أن يَتَعَلَّق ب " خَافَت " وهو الظَّاهِر، وأن يتعلَّق بمَحْذُوف على أنه حَالٌ من :" نُشوزاً " إذ هو في الأصْل صِفَةُ نكرةٍ، فلمَّا قُدِّم عَلَيْها، تعذَّر جَعْلُه صِفَةً، فنُصِب حالاً، و " فلا " جَوَابُ الشَّرْطِ، والبَعْل : يطلق على الزَّوْج، وعلى السَّيِّد. 
قوله " أَن يُصْلِحَا " قرأ الكوفيون[(٥)](#foonote-٥) :" يُصْلِحا " من أصْلَح، وباقي السَّبْعة " يَصَّالحا " بتشديد الصَّاد بعدها ألف، وقرأ[(٦)](#foonote-٦) عثمان البتي والجَحْدَري :" يَصَّلِحا " بتشديد الصَّاد من غَيْر ألفٍ، وعبيدة السَّلَمَانِيّ :" يُصالِحا " [(٧)](#foonote-٧) بضمِّ الياءِ، وتخفيفِ الصَّادِ، وبعدَها ألفٌ من المُفَاعَلَة، وابن مَسْعُود، والأعْمش[(٨)](#foonote-٨) :" أن اصَّالحا ". 
فأمّا قراءةُ الكوفيين فَوَاضِحَةٌ. 
وقراءةُ باقي السَّبْعَة، أصلُهَا :" يتصالحا "، فأُريد الإدْغَام تَخْفِيفاً ؛ فأبْدِلت التَّاءُ صاداً وأدْغِمت، كقوله :" ادّاركوا ". وأمَّا قراءةُ عُثْمَان، فأصلُها :" يَصْطَلِحا " فَخُفِّفَ بإبْدَالِ الطَّاء المُبْدَلةِ من تاءِ الافْتِعَال صَاداً، وإدغامها فيما بَعْدَها. 
وقال أبو البقاء[(٩)](#foonote-٩) :" وأصله :" يَصْتَلِحا " فأبْدِلت التاء صَاداً وأدْغِمت فيها الأولَى " وهذا ليس بِجَيِّدٍ، لأنَّ تاءَ الافْتِعَال يجبُ قَلْبُها طاءً بعد الأحْرُف الأرْبَعَة ؛ كما تقدَّم تَحْقِيقُه في البَقرة، فلا حَاجَة إلى تَقْديرهَا تاءً ؛ لأنه لو لُفِظ بالفِعْلِ مظهراً لم يُلْفظ فيه بالتَّاء إلا بَياناً لأصْلِه. 
وأمَّا قراءةُ عُبَيْدة فواضحةٌ ؛ لأنها من المُصَالَحة. 
وأما قِرَاءة :" يَصْطَلِحَا " فأوضحُ، ولم يُخْتَلَفْ في " صُلْحاً " مع اختلافِهِم في فِعْلِهِ. 
**وفي نصبه أوجهٌ :**
فإنه على قِرَاءة الكوفيين : يَحْتمل أن يكُونَ مَصْدَراً، وناصبُه : إمَّا الفِعْلُ المتقدِّمُ وهو مَصْدَرٌ على حَذْف الزَّوَائِد، وبعضُهم يعبِّر عنه بأنه اسْمُ مَصْدرٍ كالعَطَاءِ والنَّبَات، وإمَّا فِعْلٌ مقدرٌ أي : فيُصْلِحُ حَالَهُما صُلْحاً. وفي المَفْعُولِ على هذين التَّقْدِيرين وَجْهَان :
أحدُهما : أنه " بَيْنَهُمَا " اتُسِّع في الظَّرْف فجُعِل مَفْعُولاً به. 
والثاني : أنه مَحْذُوف و " بينهما " ظرفٌ أو حَالٌ مِنْ " صلحاً " فإنه صِفةٌ له في الأصْلِ، ويُحْتمل أن يكُونَ نصبُ " صُلْحاً " على المَفْعُول به، إن جَعَلته اسماً للشيء المُصْطَلح عليه ؛ كالعَطَاء بِمَعْنَى : المُعْطى، والثبات بِمَعْنَى : المُثْبَت. 
وأمَّا على بقيةِ القِراءَاتِ : فيجوزُ أنْ يكونَ مَصْدَراً على أحدِ التَّقْديرين المتقدمين : أعني : كونَه اسمَ المصدرِ، أو كونَه على حَذْفِ الزَّوَائِد، فيكون وَاقِعاً موقع " تَصَالَحَا، أو اصْطِلاَحاً، أو مصالحةً " حَسْبَ القِرَاءَات المتقدِّمة، ويجوزُ أنْ يكون مَنْصُوباً على إسْقَاطِ حرفِ الجَرِّ، أي : بصُلْحِ، أي : بشيء يَقعُ بسببِ المُصَالَحة، إذا جَعَلْناه اسْماً للشَّيْءِ المُصْطَلَح عليه. 
والحاصلُ أنه في بَقِيَّة القراءات يَنْتَفي عنه وَجْهُ المَفْعُولِ به المَذْكُورِ في قِرَاءة الكوفِيِّين، وتَبْقَى الأوْجُهُ البَاقِيةُ جَائِزةً في سائر القِراءَاتِ. 
قوله :" والصُّلْحُ خيرٌ " : مبتدأ وخبر، وهذه الجُمْلَة قال الزمخشري[(١٠)](#foonote-١٠) فيها وفي التي بعدها :" إنهما اعْتِرَاضٌ " ولم يبيِّنْ ذلك، وكأنه يُريد أنَّ قوله :" وإنْ يتفرَّقا " مَعْطُوفٌ على قوله :" فَلاَ جُنَاْحَ " فجاءت الجُمْلَتانَ بينهما اعْتِرَاضاً ؛ هكذا قال أبو حيَّان. 
قال شهاب الدين : وفيه نظر، فإن بَعْدهما جُمَلاً أخَرَ، فكان ينبغي أن يَقُول الزَّمَخْشَرِي في الجَمِيع : إنها اعْتِرَاضٌ، ولا يَخُص :" والصُّلْح خَيْر "، وأُحْضِرَتِ الأنفسُ \[ الشُّح \] بذلك، وإنما يُرِيد الزَّمَخْشَرِيُّ بذلك : الاعتراض بَيْن قوله :" وإن امْرَأةٌ " وقوله :" وَإِن تُحْسِنُواْ " فإنهما شَرْطَان متعاطفانِ، ويَدُلُّ عليه تَفْسِيرُه له بما يُفِيدُ هذا المَعْنَى، فإنه قال :" وإن تحسنُوا بالإقَامَة على نِسَائِكُم، وإن كَرِهْتُموُهن وأحببتم غَيْرَهُن، وتتقوا النُّشوزَ والإعْرَاض " انتهى. 
### فصل


والألِف واللاَّم في الصُّلح يَجُوز أن تكون للجِنْس، وأن تكونَ للعهْد ؛ لتقدُّمِ ذكره، نحو :
 فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ  \[ المزمل : ١٦ \]. 
فعلى الأوَّل وهو أنه مُفْرَد محلًّى بالألِف واللاَّم فهل يُفيدُ العُمُومَ، أم لاَ ؟ فإن قُلْنَا : يفيد العُمَوم ؛ فإذا حصل هُنَاك مَعْهُود[(١١)](#foonote-١١) سِابِقٌ، فهل يُحْمَل على العُمُوم، أم على المَعْهُود السِّابق ؟ \[ و \][(١٢)](#foonote-١٢) الأوْلى : حَمْله على المَعْهُود السَّابِق، لأنا إنَّما حَمَلْنَاهُ على الاسْتِغْرَاق ضَرُورَة أنَّا لو لم نَقُل ذلك لخرج عن الإفَادَة، وصار مُجْمَلاً، فإذا حَصَل مَعْهُود سَابِقُ، اندفع هذا المَحْذُور، فوجب حَمْلُه عليه. 
وإذا عَرَفْت هذه المُقَدِّمة : فمن حَمَلَهُ على المَعْهُود السَّابِق، قال : الصُّلْح بين الزَّوْجَيْن خير من الفُرْقَة، ومن حَمَلَهُ على الاسْتِغْرَاقِ، تمسَّك به في أنَّ الصُّلْح على[(١٣)](#foonote-١٣) الإنْكَار جَائز، وهُمُ الحَنفيَّة و " خير " : يُحْتمل أن تَكُون للتَّفْضِيل على بَابِها، والمفضَّلُ عليه مَحْذُوفٌ، فقيل : تقديرُه : من النُّشُوز، والإعْرَاض، وقيل : خيرٌ من الفُرْقَة، والتَّقْدِير الأولُ أوْلى ؛ للدلالة اللَّفْظِيَّة، ويُحْتمل أن تَكون صِفَةً مجرَّدَةً، أي : والصُّلَحُ خيرٌ من الخُيُور ؛ كما أنَّ الخُصُومة شرٌّ من الشُّرُور. 
### فصل في سبب نزول الآية


هذه الآية نزلت في عمرة ويُقَال : خَولة بِنْت محمَّد بن مَسْلَمة، وفي زَوْجَها سَعْد ابن الرَّبِيع، ويقال : رَافِع بن خُدَيْج تزوَّجَهَا وهي شَابَّة، فلما علاَهَا الكِبَر، تزوَّجَ عليها امْرَأة شابَّةً، فآثرها عليها، وجَفَا ابْنَه محمَّد بن مسلمة[(١٤)](#foonote-١٤)، فأتت رسُول الله صلى الله عليه وسلم، فشكت ذلك إلَيْه، فنزلت الآية[(١٥)](#foonote-١٥). 
وقيل : نزلت في سَوْدَة بنت زمْعَة، حين أرَادَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم أن يُطَلِّقها، فالتمست أن يُمْسِكَها وتَجْعَل نَوْبَتَها لِعَائِشَة[(١٦)](#foonote-١٦)، فأجازَه النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم ولم يطلقها. 
وروي عن عَائِشَة، أنها قَالَت : نزلت في المَرْأة تكون عند الرَّجُل، ويُرِيد أن يَسْتَبْدِلَ \[ بها \][(١٧)](#foonote-١٧) غيرها، فتقول : أمْسِكْنِي، وتزوج بِغَيْري[(١٨)](#foonote-١٨)، وأنت في حِلٍّ من النَّفَقَةِ \[ والقَسْم[(١٩)](#foonote-١٩) \][(٢٠)](#foonote-٢٠). 
وقال سَعِيد بن جُبَير : نزلت في أبِي السَّائِب، كان له امْرَأةٌ قد كَبِرت، وله مِنْهَا أوْلاد، فأراد أن يُطَلِّقَها ويتزوَّجَ بِغَيْرِها، فقالت : لا تطلِّقْنِي، ودعنِي على وَلَدِي، فاقْسم لي مِنْ كلِّ شَهْرَيْن إن شِئْتَ، وإن شئِتْ فلا تَقْسِم لي، فقال : إن كَانَ يصلحُ ذَلِك ؛ فهو أحَبُّ إليّ، فأتَى رسُول الله صلى الله عليه وسلم فذكر لَهُ ذَلِك. فأنزل الله  وإن امْرأةٌ خافت [(٢١)](#foonote-٢١) أي : علمت قيل : وظَنَّتْ، وقيل : مُجَرَّد الخَوْف عِنْد \[ ظُهُور \][(٢٢)](#foonote-٢٢) أمارات النُّشُوز، وهو البُغْضُ والشِّقَاق، من النَّشْز : وهو ما ارتفع عَنِ الأرْض. 
قال الكَلْبِيُّ[(٢٣)](#foonote-٢٣) : نشوز الرَّجُل : ترك مُجَامَعَتِها، وإعراضُهُ بوجْهه عَنْها، وقلة مُجَالَسَتِها،  فلا جناح عليهما  أي : على الزَّوج والمَرْأة أن يتصالَحَا، والصُّلْحُ إنَّما يحصُلُ في شَيْءٍ يكون حَقًّا له، وحقُّ المرأة على الزَّوْج : إما المَهْر، أو النَّفَقَة، أو القَسْم. فهذه الثلاثة هي التي تَقْدِر المرأة على طلبها[(٢٤)](#foonote-٢٤) من الزَّوْجِ، شاء أم أبَى، وأما الوَطءُ فلا يُجبرُ عليه إلاَّ في بعض الصُّوَر، وإذا كَان كَذَلك، فإذا بذلت المَرْأة ما تسْتحِقُّهُ، أو بعضه للزَّوْج، وتصالحا على ذَلِكَ جَاز، فإن رَضِيَت، كَانَتْ هي المُحْسِنَة، ولا تُجْبَر على ذلك، وإن لم تَرْض‌َ، كان على الزَّوْج أن يُوَفِّيها حقها من القَسْم والنَّفقة \[ أو يُسَرِّحها بإحْسَان، فإن أمْسَكها ووفَّاها حقَّها مع كَراهِيَّتهِ، فهو المُحْسِن. 
وروى سُليْمَان بن يَسَار، عن ابن عبَّاسٍ : فإن صَالَحَتْهُ عن بَعْضِ حقها من القَسْم والنَّفَقَةِ، \][(٢٥)](#foonote-٢٥) فذلك جائز ما رَضِيت، فإن أنْكَرَت بعد الصُّلْح، فذلك لَهَا، ولها حَقُّهَاِ. 
ثم قال :" والصُّلْح خَيْر " \[ يعني : إقَامَتَهَا \][(٢٦)](#foonote-٢٦) بعد تَخْييره إيَّاهَا، والمُصَالَحة على تَرْك بَعْضِ حَقِّها، خَيْر من الفُرقَة. 
كما رُوِي أن سَوْدة كانت امْرأةً كبِيرةً، أراد النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم أن يُفَارِقَهَا، فقالت : لا تطلِّقْنِي، وكفاني أن أبْعَث في نِسَائِكَ، وقد جَعَلْتُ نوبتي لِعَائِشَة، فأمْسَكَها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان يَقْسمُ لِعائِشَة يَوْمَها ويَوْمَ سَوْدَة. 
### فصل


قال - تعالى - : فَلاَ جُنَاْحَ عَلَيْهِمَا أَن يُصْلِحَا ، وذلك يُوهِمُ أنَّه رخصة، والغايةُ فيه : ارْتِفَاع الإثْم، فبين - تعالى - أنَّ هذا الصُّلح كما أنَّه لا جُنَاح فيه ولا[(٢٧)](#foonote-٢٧) إثْم، ففيه خَيْر عَظِيمٌ. 
قوله : وَأُحْضِرَتِ الأنْفُسُ الشُّحَّ  " حَضَر " يتعدى إلى مَفْعُول، واكتسب بالهمزة مفعُولاً ثانياً، فلمَّا بُني للمفعُول، قامَ أحدهما مقام الفاعل، فانتصب الآخرُ، والقائمُ مقام الفاعِلِ هنا يَحْتمل وجهين :
أظهرهما - وهو المشهُورُ من مذاهب النُّحَاة - : أنه ا١ سقط في ب..
٢ ينظر البيت في ديوانه ص ١٥٦، والإنصاف ٢/٦١٧، وخزانة الأدب ٣/٤٦، ٩/٣٧، ٣٩، والدرر ٥/٨، وشرح أبيات سيبويه ٢/٨٨، والكتاب ٣/١١٣، وشرح المفصل ٩/١٠، ولسان العرب(وغل)، والمقتضب ٢/٧٦، وهمع الهوامع ٢/٥٩ والدر المصون ٢/٤٣٦..
٣ ينظر: تفسير الرازي ١١/٥٢..
٤ سقط في ب..
٥ يعني عاصما وحمزة والكسائي.
 ينظر: السبعة ٢٣٨، والحجة ٣/١٨٣، وحجة القراءات ٢١٣، والعنوان ٨٥، وإعراب القراءات ١/١٣٧، ١٣٨، وشرح الطيبة ٤/٢١٧ وشرح شعلة ٣٤٤، وإتحاف ١/٥٢١..
٦ ينظر: المحرر الوجيز ٢/١١٩، والدر المصون ٢/٤٣٦..
٧ ينظر: المحرر الوجيز ٢/١١٩، والبحر المحيط ٣/٣٧٩، والدر المصون ٢/٤٣٦..
٨ ينظر: السابق..
٩ ينظر: الإملاء ١/١٩٧..
١٠ ينظر: الكشاف ١/٥٧١..
١١ في ب: محصول..
١٢ سقط في ب..
١٣ في أ: بين..
١٤ في ب: سلمة..
١٥ أخرجه الطبري في "تفسيره" (٩/٢٧٥) وينظر تفسير البغوي (١/٤٨٦) وأسباب النزول للواحدي ص ١٣٧..
١٦ أخرجه الترمذي (٥/٢٣٢) كتاب تفسير القرآن باب سورة النساء حديث (٣٠٤٠) والطيالسي (٢/١٧- منحة) حديث (١٩٤٤) والبيهقي (٧/٢٩٧) من حديث ابن عباس.
 وقال الترمذي: هذا حديث حسن غريب.
 والأثر ذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٢/٤١٠) وزاد نسبته للطبراني وابن المنذر..
١٧ سقط في ب..
١٨ في ب: غيري..
١٩ سقط في ب..
٢٠ أخرجه البخاري (٩/٢٦٦) والطبري(٩/٢٧١) من حديث عائشة وكذلك البيهقي (٧/٢٩٦)..
٢١ ينظر: تفسير الرازي (١١/٥٢) عن سعيد بن جبير..
٢٢ سقط في ب..
٢٣ ينظر: تفسير البغوي ١/٤٨٦..
٢٤ في أ: طلاقها..
٢٥ سقط في أ..
٢٦ سقط في ب..
٢٧ في أ: لا يحتاج فيه فلا..

### الآية 4:129

> ﻿وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ ۖ فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ ۚ وَإِنْ تُصْلِحُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا [4:129]

**وفيه قولان :**
الأول : لن[(١)](#foonote-١) تَقْدِرُوا في التَّسْوِية بَيْنَهُنَّ في مَيْل الطِّبَاع، من الحُبِّ ومَيْل القلب، وإذا لم تَقْدِرُوا[(٢)](#foonote-٢) عليه، لَمْ تكُونوا مكَلَّفين به. 
قالت المُعْتَزِلَة[(٣)](#foonote-٣) : هذا يدلُّ على أن تَكْلِيفَ ما لا يُطَاق، غيْر وَاقِع ولا جائز الوُقُوع، وقد تَقَدَّم إلزامهم[(٤)](#foonote-٤) في العِلْمِ والدَّاعِي، وقد يُجَاب أيْضاً : بأنه - تعالى - إنما نَفَى الاسْتِطَاعة الَّتي هي من جِهَة المكَلَّفِ[(٥)](#foonote-٥)، ولَمْ يَنْفِ التَّكْلِيف الَّذِي[(٦)](#foonote-٦) هو من جهة الشَّارع، فالآيَة لا تَدُلُّ على نَفْيِ التَّكْلِيفِ، وإنما تَدُلُّ على نفي اسْتِطَاعة المكَلَّف[(٧)](#foonote-٧). 
الثاني : لا يستطيعون التَّسْوِيَةَ بينهن في الأقْوَال والأفْعَال ؛ لأن التَّفَاوُت في الحُبِّ، يوجِبُ التَّفَاوُت في نتائِجِ الحُبِّ ؛ لأن الفِعل بدون الدَّاعِي، \[ و \][(٨)](#foonote-٨) مع قيام الصَّارف مُحَالٌ. 
ثم قال :" فَلاَ تَمِيلُواْ " أي : إلى التي تُحِبُّونها، " كُلَّ المَيْل " في القِسْمة، واللَّفْظ والمَعْنَى : أنكم لَسْتُم تَحْتَرِزُون عن حُصُول التَّفَاوُت في المَيْل القَلْبِي ؛ لأن ذَلِك خَارِجٌ عن وُسْعكُم، ولكنكم مَنْهِيُّون عن إظْهَار ذلك \[ التفاوت \][(٩)](#foonote-٩) في القَوْل والفِعْل. 
 " روي عن رسُول الله صلى الله عليه وسلم :\[ أنه \][(١٠)](#foonote-١٠) كان يَقْسِم، ويقول :" هذا قَسَمِي فيما أمْلِكُ، وأنْت أعْلَم بما لا أمْلِكُ " " [(١١)](#foonote-١١). 
قوله :" كُلَّ المَيْلِ " : نصبٌ على المَصْدرية، وقد تقرر أن " كل " بحسَبِ ما تُضَاف إليه، إنْ أضيفَت إلى مَصْدرٍ - كانت مَصْدَراً - أو ظرفٍ، أو غَيْرِه ؛ فكذلك. 
قوله :" فَتَذَرُوهَا " فيه وجهان :
أحدهما : أنه مَنْصُوب بإضْمَارِ " أنْ " في جَوابِ النَّهْي. 
والثاني : أنه مَجْزُوم عَطْفاً على الفِعْل قبله، أي : فلا تَذرُوها، ففي الأوَّل نَهْيٌ عن الجمع بينهما، وفي الثاني نهيٌ عن كلٍّ على حِدَتِه وهو أبلغُ، والضَّميرُ في " تَذَرُوها " يعود على المُميلِ عنها ؛ لدلالة السِّياق عليها. 
قوله :" كالمُعلَّقة " : حال من " ها " في " تَذَروها " فيتعلَّق بمَحْذُوف، أي : فتذُروها مُشْبهةً المُعَلَّقة، ويجُوز عندي : أن يَكُون مفعولاً ثانياً ؛ لأن قولك :" تَذَر " بمعنى : تَتْرك، و " تَرَك " يتعدَّى لاثْنَيْن إذا كان بِمَعْنَى : صيَّر. 
والمعنى : لا تَتَّبِعُوا هَوَاكُم، فَتَدَعُوا الأخْرى كالمُعَلَّقَة[(١٢)](#foonote-١٢) لا أيِّماً، ولا ذَات بَعْل ؛ كما أن الشَّيء المُعَلَّق لا \[ يَكُون \][(١٣)](#foonote-١٣) على الأرْضِ، ولا على السَّماءِ، وفي قِرَاءة[(١٤)](#foonote-١٤) أبَيِّ :" فَتَذَرُوها كالمَسْجُونَة "، وفي الحَدِيث :" من كَانَت له امْرأتَانِ يميلُ مع إحْدَاهُمَا، جاء يَوْم القِيَامة وأحدُ شِقَّيْه مَائِلٌ " [(١٥)](#foonote-١٥). 
قوله :" وإن تُصْلِحُوا " بالعدل في القَسْم، و " تَتَّقُوا " : الجور  فإن الله كَانَ غَفُوراً رَحِيماً  لما حَصَل في القَلْبِ من المَيْلِ إلى بَعْضِهِنَّ دون بَعْضٍ. 
وقيل المعنى : وإن تُصْلحوا ما مَضَى من مَيْلِكُم، وتَتَدَارَكُوه بالتَّوْبَة، وتَتَّقُوا[(١٦)](#foonote-١٦) في المُسْتَقْبَل عن مِثْلِه، غفر اللَّه لكم ذَلِكَ، وهذا أوْلَى ؛ لأن التَّفَاوُت في المَيْل القَلْبي ليس في الوُسْع، فلا يحتاج إلى المَغْفِرَة. 
١ في ب: أن لا..
٢ في ب: يقدروا..
٣ ينظر: تفسير الرازي ١١/٥٤..
٤ في ب: لإلزامهم..
٥ في ب: التكيف..
٦ في أ: الديني..
٧ في ب: التكليف..
٨ سقط في ب..
٩ سقط في أ..
١٠ سقط في ب..
١١ هذا الحديث مخرج من وجهين الأول: من رواية أبي قلابة مرسلا أخرجه الترمذي في السنن ٣/٤٤٦، كتاب النكاح باب ما جاء في التسوية بين الضرائر عقب الحديث(١١٤٠)، وقال:( وهذا- أي الإرسال- أصح من حديث حماد بن سلمة) وحديث حماد بن سلمة، من طريق عائشة مرفوعا، وقال ابن حجر في التخليص الحبير ٣/١٣٩، كتاب النكاح (٤٤)، في التخفيف في النكاح، الحديث (١٤٦٦) (وأعله النسائي، والترمذي، والدارقطني بالإرسال، وقال أبو زرعة: لا أعلم أحدا تابع حماد بن سلمة على وصله).
 والثاني: عن عائشة رضي الله عنها مرفوعا، أخرجه أحمد في المسند ٦/١٤٤، وأخرجه الدارمي في السنن ٢/١٤٤، كتاب النكاح، باب في القسمة بين النساء، وأخرجه أبو داود في السنن ٢/٦٠١، كتاب النكاح، باب في القسم بين النساء، الحديث(٢١٣٤)، وأخرجه الترمذي في السنن ٣/٤٤٦، كتاب النكاح، باب ما جاء في التسوية بين الضرائر، الحديث (١١٤٠) واللفظ له، وأخرجه النسائي في المجتبى من السنن ٧/٦٣-٦٤، كتاب عشرة النساء (٣٦)، باب ميل الرجل إلى بعض نسائه... ، وأخرجه ابن ماجه في السنن ١/٦٣٣، كتاب النكاح، باب القسمة بين النساء (٤٧) الحديث (١٩٧١) وأخرجه ابن حبان، ذكره الهيثمي في موارد الظمآن، ص ٣١٧، كتاب النكاح (١٧)، باب ما جاء في القسم، الحديث (١٣٠٥)، وأخرجه الحاكم في المستدرك ٢/١٨٧، كتاب النكاح، باب التشديد في العدل... ، قال:(صحيح على شرط مسلم) ووافقه الذهبي..
١٢ في أ: كالنوطة..
١٣ سقط في أ..
١٤ ينظر: المحور الوجيز ٢/١٢١، والبحر المحيط ٣/٣٨١..
١٥ أخرجه أحمد في المسند ٢/٣٤٧، وأخرجه الدارمي في السنن ٢/١٤٣، كتاب النكاح، بال العدل بين النساء وأخرجه أبو داود في السنن ٢/٦٠٠-٦٠١ كتاب النكاح: باب في القسم بين النساء الحديث (٣١٣٣)، وأخرجه الترمذي في السنن ٣/٤٤٧، كتاب النكاح، باب ما جاء في التسوية بين الضرائر الحديث (١١٤١) واللفظ له، وأخرجه النسائي في المجتبى من السنن ٧/٦٣، كتاب عشرة النساء باب ميل الرجل إلى بعض نسائه وأخرجه ابن ماجه في السنن ١/٦٣٣ كتاب النكاح باب القسمة بين النساء الحديث (١٩٦٩) وأخرجه ابن حبان ذكره الهيثمي في موارد الظمآن ص ٣١٧، كتاب النكاح باب في غيرة النساء( ١٣٠٧)..
١٦ في أ: وتنفقوا..

### الآية 4:130

> ﻿وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ ۚ وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعًا حَكِيمًا [4:130]

قوله " وَإنْ يَتَفَرَّقا " يعني : الزَّوْج والمَرْأة بالطَّلاق،  يُغنِ اللَّه كُلاًّ مِن سَعَتِهِ  : من رزقه، يعني : المَرْأة بِزَوْج آخر، والزَّوْج بامرأة أخْرى. 
وقيل : يُغْنِي اللَّه كل واحِدٍ منهما عن صَاحِبِه بعد الطَّلاقِ،  وكان اللَّه واسِعاً حَكِيماً  وصف نفسه بِكَوْنه وَاسِعاً ؛ ولم يُضِفْه إلى شَيْء ؛ لأنه - تعالى[(١٧)](#foonote-١٧) - وَاسِعُ الفَضْل[(١٨)](#foonote-١٨)، واسع الرِّزْقِ، واسع النِّعْمَةِ، واسع الرَّحْمَةِ، واسع القُدْرَةِ، واسِعُ العِلْمِ، واسعٌ في جميع الكمالات، فلو قالَ : واسِعٌ في كذا، لاخْتَصَّ بذلك المَذْكُور، وقوله :" حكيماً " قال ابن عبَّاسٍ[(١٩)](#foonote-١٩) : يريد فيما أمرَ ونَهَى، وقال الكلبيُّ[(٢٠)](#foonote-٢٠) : فيما حَكَم على الزَّوْج من إمْسَاكِهَا بمعرُوفٍ، أوْ تسريحٍ بإحْسَانٍ.

### فصل


حُكْم الرَّجلِ إذا كان تَحْتَهُ امْرأتَان أوْ أكْثَر، يجِبُ عليه التَّسْوِيَة بَيْنَهُنَّ في القَسْم، فإن ترك التَّسْوِيَة بَيْنَهُنَّ في القَسْم، عَصَى اللَّه - تعالى -، وعليه القَضَاءُ للمَظْلُومة، والتَّسْوِيَة[(٢١)](#foonote-٢١) شَرْط في البَيْنُونَةِ أمَّا في الجِمَاع[(٢٢)](#foonote-٢٢) فَلاَ ؛ لأنه يَدُور على النَّشَاطِ وليس ذَلِكِ إلَيه، ولو كانت تَحْتَه حُرّةٌ وأمَةٌ فإنَّه يَبِيتُ عِنْد الحُرَّة لَيْلَتَيْن، وعند الأمَة لَيْلَة، وإذا تَزَوَّج جَدِيدَةً على قَدِيمَة، يخص الجَدِيدَة بأن يَبِيت عِنْدَهَا سَبْعَ لَيَالٍ على التَّوالِي إن كانت بِكْراً، وإن كانت ثَيِّباً، فثلاث لَيَالٍ، ثم يُسَوِّي بعد ذَلِك بين الكُلِّ، ولا يجب قَضَاء هذه الثلاث للقَدِيمَات ؛ لقول أنسٍ : من السُّنَّةِ إذا تزوَّج البكر على الثَّيِّب أن يُقِيم عِنْدَها سَبْعَةً، وإذا تزوَّج الثَّيِّب على البِكْرِ، أن يُقِيم عندها ثلاثاً، فإن أحبَّت الثَّيِّبُ أن يُقِيم عِنْدَها سبْعاً، فعل، ثم قَضَاه للبَوَاقِي ؛ لأن " النَّبِي صلى الله عليه وسلم لما تَزَوَّج أمَّ سَلَمَة أقام عِنْدَها سَبْعاً، ثم قال : لَيْس بك هَوانٌ على أهْلِكِ، إن شِئْت سَبَّعْت لَكِ، وإن سَبَّعْت لك سَبَّعْت لِنِسَائي " [(٢٣)](#foonote-٢٣)، وإذا أرادَ الرَّجُل سفرَ حَاجَةٍ، فيجُوزُ له أنْ يحمل بَعْضَ نِسَائِه \[ معه بالقُرْعَة بَيْنَهُنَّ \][(٢٤)](#foonote-٢٤)، ولا يَجِبُ عليه \[ أن \][(٢٥)](#foonote-٢٥) يَقْضِي[(٢٦)](#foonote-٢٦) للبَاقِيَات مُدَّة سَفَرِه وإن طَالَتْ إذا لَمْ يزدْ مَقَامُهُ في بَلْدة على مُدَّة المُسَافِرِين ؛ لأن النَّبي صلى الله عليه وسلم كان إذا أراد سَفَراً، أقْرَعَ بين نِسَائِه، فأيّتهن خَرَج[(٢٧)](#foonote-٢٧) سهُمُهَا، خرج بِهَا مَعَهُ، أما إذا أرَادَ سَفَرَ نَقْلةٍ، فَلَيْسَ له تَخْصِيصُ[(٢٨)](#foonote-٢٨) بَعْضِهِن، لا بِقُرْعَة ولا بِغَيْرها.

### الآية 4:131

> ﻿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ ۗ وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ ۚ وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ ۚ وَكَانَ اللَّهُ غَنِيًّا حَمِيدًا [4:131]

قوله تعالى : وَللَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُواْ اللَّهَ وَإِن تَكْفُرُواْ فَإِنَّ للَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ غَنِيّاً حَمِيداً \* وَللَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلاً [(١)](#foonote-١)
في تعلُّق هذه الآيَة بما قَبْلَها وجهان :
الأوَّل \[ أنه - تعالى - لمّا \][(٢)](#foonote-٢) قال : يُغْنِ اللَّهُ كُلاًّ مِّن سَعَتِهِ  \[ النساء : ١٣٠ \] أشار إلى ما هُو كالتَّفْسير لكونه وَاسِعاً ؛ فقال : وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ  يعني : من كَانَ كَذَلِكَ، \[ فإنه \][(٣)](#foonote-٣) يكون وَاسِع العِلْم، والقُدْرَة، والجُود، والفَضْل، والرَّحمة. 
الثاني : أنه - تعالى - لمَّا أمر بالعَدْل، والإحْسَان إلى اليَتَامى والنِّسَاء، بَيَّنَ أنه مَا أمر بِهَذِه الأشْيَاء لاحتياجه لأعْمَال العِبَادِ، لأن من كَانَ لَهُ ما في السَّموات ومَا فِي الأرْض، كيف يَكُون مُحْتَاجاً إلى عَمَل الإنْسَان مع ضَعْفِهِ وقُصُوره، وإنما أمَر بِها رِعَاية لما هو الأحْسَن لَهُم في دُنْيَاهُم وأخْرَاهُم. 
ثم قال  وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ  يعني : أهْل التَّوْرَاةِ، والإنْجِيلِ، وسائر الأمم المُتَقَدِّمَة في كُتُبِهِم، والكِتَاب : اسم جِنْس يتناول الكُتُب السَّمَاوِيَّة، " وإيَّاكم " : يا أهل القُرْآن في كتابكم،  أن اتَّقُوا اللَّه  أي : وَحِّدُوه وأطِيعُوه، وتَقْوى اللَّه مَطْلُوبَة من جَمِيع الأمَمِ، في سائر الشَّرَائِعِ لم تُنْسَخ، وَهِي وَصِيَّة اللَّه في الأوَّلِين والآخِرين. 
قوله :" مِنْ قَبْلِكُم " فيه وجهان[(٤)](#foonote-٤) :
الأول : أنه مُتَعَلِّق ب " وصَّيْنَا " يعني : ولقد وصَّيْنَا من قَبْلكُم \[ الَّذِين أوتُوا الكِتَاب. 
والثاني : أنه متعلِّق ب " أوتُوا " يَعْني : الَّذين أوتُوا الكِتَاب من قَبْلِكُمْ \][(٥)](#foonote-٥)، وصيناهم بذلك، والأوَّل أظْهَر. 
قوله :" وإيَّاكم " : عَطْف على  الذين أوتُوا الكتاب  وهو واجبُ الفَصْل هُنَا ؛ لتعذُّرِ الاتِّصَال، واستدلَّ بَعْضُهم على أنَّه إذا قُدِر عَلى الضمير المُتَّصِل يجُوز أَن يُعْدَلَ إلى المُنْفَصِل بهذه الآية ؛ لأنه كان يُمْكِنُ أن يُقَال :" ولقد وَصِّيْنَاكُم والَّذِين أوتُوا الكِتاب "، وكذلك استُدِلَّ بقوله - تعالى - : يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ  \[ الممتحنة : ١ \]، إذ يمكن أن يُقَالَ : يخرجُونَكُم والرَّسُولَ، وهذا ليس يدلّ له :
أمَّا الآيةُ الأولى : فلأنَّ الكَلامَ فيها جَاءَ على التَّرتِيب الوُجُودِي، فإنَّ وَصِيَّة مَنْ قبلَنا قبلَ وَصيَّتنا، فلمَّا قَصَدَ هذا المَعْنَى، استحال - والحالةُ هذه - أن يقُدْرَ عليه مُتَّصِلاً. 
وأما الآية الثَّانية : فلأنَّه قصد فيها تَقَدُّمَ ذِكْرِ الرَّسُول ؛ تشريفاً له، وتشنيعاً على مَنْ تَجاسَر على مِثْلِ ذلك الفِعْل الفَظِيع، فاسْتَحَال - والحالة هذه - أن يُجَاء به مُتَّصِلاً، و " مِنْ قبلكم " : يَجُوزُ أنْ يتعلَّق ب " أوتُوا "، ويجُوز أنْ يتعلَّق ب " وَصَّيْنَا " ؛ والأولُ أظهرُ. 
قوله :" أن اتَّقُوا " يجوزُ في " أن " وَجْهَان :
أحدُهُمَا : أن تكون مصدرِيّة على حَذْفِ حَرْفِ الخَفْضِ، تقديرُه : بأن اتَّقوا، فلما حُذِف الحَرْفُ جَرَى فيها الخِلافُ المَشْهُور. 
والثاني : أن تكُون المُفَسِّرة ؛ لأنها بَعْد ما هُو بِمَعْنَى القَوْل، لا حروفه وهو الوصيّة، والظاهر أن قوله :" وإن تَكْفُرُوا " جملة مُسْتأنفة ؛ للإخبار بأن هذه الحَالِ ليست داخلة في مَعْمُول الوصِيّة. 
وقال الزَّمَخْشَرِي[(٦)](#foonote-٦) : وإن تَكْفُرُواْ فإنَّ لِلَّهِ  عطفٌ على " اتَّقُوا " لأنَّ المَعْنَى : أمرناهم، وأمَرْنَاكم بالتَّقْوَى، وقُلْنا لهم ولكم :" إِن تَكْفُرُوا " وفي كلامه نظرٌ، لأنَّ تقديره القَوْلَ، ينفي كون الجُمْلة الشرطية مُنْدرجةً في حَيِّزِ الوصيَّة بالنِّسْبَة إلى الصِّناعة النَّحْوية، وهو لم يقصد تفسير المعنى فقط، بل قصده هو وتفسير الإعراب ؛ بدليل قوله : عطف على " اتَّقُوا "، و " اتَّقُوا " داخلٌ في حيِّز الوصيَّةِ، سواءً أجعلت " أن " مصدريَّةً أم مُفسِّرة.

### فصل


ومعنى \[ قوله :\][(٧)](#foonote-٧)  أن اتَّقُوا اللَّه  ؛ كقولك : أمَرْتُكَ الخَيْرَ، قال الكسَائِيُّ : يقال : أوصَيْتُك أن افْعل[(٨)](#foonote-٨) كذا، وأن تَفْعَل[(٩)](#foonote-٩) كذا، ويُقال : ألْم آمُرَك أن ائت[(١٠)](#foonote-١٠) زيداً، وأن تأتِي زَيْداً ؛ كقوله - تعالى - :\[ و \][(١١)](#foonote-١١)  أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ  \[ الأنعام : ١٤ \]، وقوله : إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ  \[ النمل : ٩١ \] وتقدَّم الكلام على " وَإِن تَكْفُروا ". 
قوله : فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ  في تعلُّقِه وجهان :
الأول : أنه - تعالى - خالقُهُم ومالِكُهُم، والمُنْعِم عليهم بأصْناف[(١٢)](#foonote-١٢) النِّعَم كلِّها، فَحَقٌّ على كل عَاقلٍ أن يَنْقَاد لأوَامِرِهِ ونَوَاهِيهِ، ويَرْجُو ثوابه، ويَخَاف عِقَابَهُ. 
والثاني : وَإِن تَكْفُرُواْ فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ  من أصناف المَخْلُوقات من الملائِكَة وغيرها أطوع مِنْكُم يَعْبُدوه ويتَّقُوه، وهو مع ذَلِكَ غَنِيٌّ عن عِبَادَتِهم، و " حَمِيداً " [(١٣)](#foonote-١٣) مُسْتَحِقٌّ للحَمْد ؛ لكثرة نِعمِه، وإن لم يحمده أحَدٌ منهم ؛ لأنه في ذَاتِه مَحْمُود، سواء حَمَدُوه أوْ لَمْ يَحْمَدُوه. 
١ سقط في ب..
٢ سقط في ب..
٣ سقط في ب..
٤ في أ: توجيهان..
٥ سقط في ب..
٦ ينظر: الكشاف ١/٥٧٣..
٧ سقط في ب..
٨ في ب: تفصل..
٩ في أ: تفصل..
١٠ في أ: أثبت..
١١ سقط في ب..
١٢ في ب: بأنواع..
١٣ في أ: وحيدا..

### الآية 4:132

> ﻿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ ۚ وَكَفَىٰ بِاللَّهِ وَكِيلًا [4:132]

قوله : وَللَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلاً ، قال عكرمة، عن[(١٤)](#foonote-١٤) ابن عبَّاسٍ : يعني : شهيداً أنَّ فيها عَبِيداً. 
وقيل : دَافِعاً ومُجِيراً. 
فإن قيل : ما فَائِدة التَّكْرَار في قوله : وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ . 
**فالجواب : أنَّ لكل منها وجه :**
أما الأول : معناه : للَّه مَا فِي السماوات وما فِي الأرض، وهو يُوصِيكم بالتَّقْوَى، فاقْبَلُوا وصِيَّتَه. 
والثاني :\[ يقول :\][(١٥)](#foonote-١٥) لله ما في السماوات وما في الأرض، وكان الله غَنِيّاً، أي : هو الغَنِيُّ، وله المُلْكُ، فاطْلُبَوا منه ما تَطْلُبُون. 
والثالث : يقول  وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلاً ، أي : له المُلْك ؛ فاتَّخِذُوه وَكِيلاً، ولا تتوكَّلُوا على غَيْرِه. 
\[ و \][(١٦)](#foonote-١٦) قال القُرْطُبِي[(١٧)](#foonote-١٧) : وفائدة التَّكْرَار من وجهين :
الأول : أنه كَرَّر تأكيداً ؛ لتنبيه العِبَاد، ولينظروا في مُلْكه ومَلكُوته، أنه غَنِيٌّ عن خَلقهِ. 
والثاني : أنه كرَّر لفوائد : فأخبر في الأوَّل، أنَّ الله يُغْنِي كُلاًّ من سَعَتهِ ؛ لأن لَهُ مَا في السماوات وما في الأرض، \[ فلا تَنْفدُ خَزَائِنُه، ثم قال : أوْصيْناكُم وأهْلَ الكِتَاب بالتَّقْوى، وإن تَكْفُروا، فإنَّه غَنِيٌّ عنكم ؛ لأنَّ له ما في السماوات وما في الأرض \][(١٨)](#foonote-١٨) ثم أعْلم في الثَّالث : بحفظ خَلْقِه، وتدبيره إيَّاهُم بقوله : وكفى باللَّهِ وكِيلاً  ؛ لأن له ما في السماوات وما في الأرض، ولم يَقُل : مَنْ في السَّموات ؛ لأن في السَّموات والأرض من يَعْقِل، ومَن لا يَعْقِل.

### الآية 4:133

> ﻿إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ وَيَأْتِ بِآخَرِينَ ۚ وَكَانَ اللَّهُ عَلَىٰ ذَٰلِكَ قَدِيرًا [4:133]

قوله تعالى : إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ \[ أَيُّهَا النَّاسُ \][(١)](#foonote-١) وَيَأْتِ بِآخَرِينَ \[ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى ذلِكَ قَدِيراً  \][(٢)](#foonote-٢)
والمعنى : أنه تعالى قادرٌ على الإفْنَاء والإيجادِ، فإن عَصَيْتُموه فإنه قادر على إفنائكم \[ وإعدامكم \][(٣)](#foonote-٣) بالكُلِّيَّة، وعلى أنْ يوجِدَ قَوْماً آخَرِين، يشتغلون بِعبَادَته وتَعْظِيمه، وكان اللَّه على ذَلِك قَدِيراً. 
قوله :" بآخرين " : آخرين صِفَةٌ لموصوفٍ محذُوف من جنسِ ما تقدَّمه تقديرُه : بناسٍ آخرين يعبدون الله، ويجُوز أن يكونَ المَحْذُوف من غير جنس ما تقدَّمه. 
قال ابن عطية[(٤)](#foonote-٤) :" يُحْتَمل أن يكون وَعِيداً لجميع بني آدم، ويكونُ الآخرُون من غير نَوْعِهم، كما رُوي : أنه كان ملائكةٌ في الأرْضِ يَعْبدُون الله ". 
وقال الزَّمخْشَرِي[(٥)](#foonote-٥) :" أو خلقاً آخرين غير الإنس " وكذلك قال غيرهما. 
وردّ أبو حيان[(٦)](#foonote-٦) هذا الوجه : بأنَّ مدلولَ آخر، وأخْرَى، وتَثْنِيتَهُمَا، وجَمْعهُمَا، نحو مدلول " غير " إلا أنه خاصٌّ بجنسِ ما تقدَّمه. فإذا قلت :" اشتريت فرساً وآخرَ، أو : ثوباً وآخر، أو : جاريَة وأخْرى، أو : جاريتين وأخريين، أو جواري وأُخَرَ " لم يكن ذلك كُلُّه إلا من جِنْس ما تقدم، حتى لو عنيت " وحماراً آخر " في الأمثلة السابقة لم يَجُزْ، وهذا بخلاف " غير " فإنَّها تكون من جِنْسِ ما تقدَّم ومن غيره، تقول " اشتريْتُ ثوباً وغيره " لو عَنَيْت :" وفرساً غيره " جاز. 
قال :" وقَلَّ مَنْ يَعْرِف هذا الفرق ". وهذا الفرقُ الذي ذكره وردَّ به على هؤلاء الأكابر غيرُ موافقٍ عليه، لم يستند فيه إلى نَقْل، ولكن قد يُرَدُّ عليهم ذلك من طريقٍ أخْرَى، وهو أنَّ " آخرين " صِفَةٌ لموصوف محذوف، والصِّفَةُ لا تقوم مقام موصوفها، إلا إذا كانت خاصَّة بالموصوف، نحو :" مررت بكاتبٍ "، أو يدلُّ عليه دَلِيل، وهنا ليست بِخَاصَّةٍ، فلا بد وأن تكونَ من جِنْسِ الأوَّلِ ؛ لتحصُلَ بذلك الدِّلالةُ على الموصُوفِ المَحْذُوف. 
وقال القرطبي[(٧)](#foonote-٧) : وهذا كقوله في آية أخرى : وَإِن تَتَوَلَّوْاْ يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمَّ لاَ يَكُونُواْ أَمْثَالَكُم  \[ محمد : ٣٨ \] وفي الآية تَخويفٌ، وتنبِيه لمن كان له ولايةٌ وإمَارَةٌ، أو رياسةٌ فلا يعدل في رعيته، أو كان عَالِماً فلا يَعْمَل بعلْمهِ، ولا يَنْصَح النَّاسَ،  وكان الله على ذلك قديراً ، والقُدْرَة : صِفَة أزليَّة لا تَتَنَاهَى مَقْدُوراته، كما لا تتناهى مَعْلُومَاته، والمَاضِي والمُسْتقبل في صِفَاتِه بمعنًى واحدٍ، وإنما خصَّ الماضِي بالذكر ؛ لئلا يُتوهَّم أنَّه يحدث في صِفَاتِه وذاته، والقُدْرَة : هي التي يكُون بها الفِعْل، ولا يجوزُ وُجُود العَجْزِ مَعها.

١ سقط في أ..
٢ سقط في ب..
٣ سقط في أ..
٤ ينظر: المحرر الوجيز ٢/١٢٢..
٥ ينظر: الكشاف ١/٥٧٤..
٦ ينظر: البحر المحيط ٣/٣٨٣..
٧ ينظر: تفسير القرطبي ٥/٢٦٣..

### الآية 4:134

> ﻿مَنْ كَانَ يُرِيدُ ثَوَابَ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ ثَوَابُ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ۚ وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا بَصِيرًا [4:134]

**يجُوز في " مَنْ " وجهان :**
أظهرهما : أنها شرطيَّة، وجوابُها قوله :" فعند الله "، ولا بد من ضميرٍ مقدَّرٍ في هذا الجواب يعُودُ على اسم الشَّرْطِ ؛ لما تقرر قبل ذلك، والتقدير : فعند الله ثوابُ الدنيا والآخرِة له إن أراده، وهذا تقدير الزَّمَخْشَرِيِّ[(١)](#foonote-١)، قال \[ الزمخشري \][(٢)](#foonote-٢) " حتَّى يتعلقَّ الجزاءُ بالشَّرْطِ ". 
وأوردهُ ابن الخِطِيب[(٣)](#foonote-٣) على وَجْه السُّؤال قال :
فإن قيل : كَيْفَ دخلتِ الفاءُ في جواب الشَّرْط، وعنده - تعالى - ثوابُ الدُّنْيَا والآخِرِة، سواءً حصلت هذه الإرادة أم لا. 
قلنا : تقدير الكلام : فعند الله ثوابُ الدُّنْيَا والآخِرَة له إن أرَادَهُ، وعلى هذا التَّقْدِير يتعلَّق الجَزَاءُ بالشَّرْط. 
وجَوَّز أبو حيَّان - وجعله الظَّاهر - أنَّ الجواب مَحْذُوفٌ، تقديره : من كان يريد ثواب الدُّنيا فلا يَقْتَصِر عليه، وليَطْلُبِ الثَّوابَيْن، فعند الله ثوابُ الدَّارَيْن. 
والثاني : أنها موصولةٌ ودخلت الفاءُ في الخَبَر ؛ تشبيهاً له باسم الشَّرْط، ويُبْعِده مُضِيُّ الفِعْلِ بعده، والعائدُ مَحْذُوفٌ ؛ كما تقرَّر تَمْثِيلُه. 
### فصل


ومعنى الآية : أن هؤلاء الَّذِين يُريدُون بِجِهَادِهم الغَنِيمَة فقط مُخْطِئون[(٤)](#foonote-٤) ؛ لأنَّ عند اللَّه \[ ثَوَابَ \][(٥)](#foonote-٥) الدُّنيا والآخِرَة، فلم اكْتَفَى بطلَبِ ثَوَابِ الدُّنْيا، مع أنه كَانَ كالعَدَمِ بالنِّسْبَة إلى ثَوَاب الآخِرَة، ولو كان عَاقِلاً، لطلب ثواب الآخِرَة ؛ حتى يَحْصُل له ذلك، ويَحْصُل له ثوابُ الدُّنْيَا تَبَعاً. 
قال القُرْطُبِيُّ[(٦)](#foonote-٦) : من عَمِل بما افْتَرَضَهُ \[ اللَّه \][(٧)](#foonote-٧) عليه طلباً للآخِرَة، آتاه اللَّه ذلك في الآخِرَة، ومن عمل طَلَباً للدُّنْيَا، آتاه ما كُتِب[(٨)](#foonote-٨) له في الدُّنْيَا، وليس لَهُ في الآخِرَة من نَصِيبٍ ؛ لأنه عَمِل لغير اللَّه لقوله - تعالى - : أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ إِلاَّ النَّارُ  \[ هود : ١٦ \] وهذا على أن يكون المُرَاد بالآية : المُنافِقُون والكُفَّار،  وكان اللَّه سَمِيعاً بَصِيراً  : يسمع كَلاَمهُم أنهم لا يَطْلُبون من الجِهَاد سِوَى الغَنِيمَةِ، ويرى أنَّهم لا يَسْعوْن في الجِهَاد، ولا يَجْتَهِدُون فيه، إلا عِنْد توقُّعِ الفَوْزِ بالغنيمَةِ، وهذا كالزَّجْرِ عن[(٩)](#foonote-٩) هَذِه الأعْمَالِ. 
١ ينظر: الكشاف ١/٥٧٤..
٢ ينظر: المصدر السابق..
٣ ينظر: تفسير الرازي ١١/٥٧..
٤ في ب: يحبطون..
٥ سقط في أ..
٦ ينظر: تفسير القرطبي ٥/٢٦٣..
٧ سقط في أ..
٨ في ب: كسب..
٩ في ب: من..

### الآية 4:135

> ﻿۞ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَىٰ أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ ۚ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَىٰ بِهِمَا ۖ فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَىٰ أَنْ تَعْدِلُوا ۚ وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا [4:135]

قوله تعالى : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ \[ شُهَدَاءَ للَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ إِن يَكُنْ غَنِيّاً أَوْ فَقِيراً فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلاَ تَتَّبِعُواْ الْهَوَى أَن تَعْدِلُواْ وَإِن تَلْوُواْ أَوْ تُعْرِضُواْ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً  \][(١)](#foonote-١)
في اتِّصال \[ هذه \][(٢)](#foonote-٢) الآية وُجُوهٌ :
أحدها : لما تقدَّمَ ذكر النِّساء والنُّشُوز، والمُصَالحَةِ بينهُنَّ[(٣)](#foonote-٣) وبين الأزْوَاج عَقبه بقيام أدَاءِ حقوق اللَّه - تعالى-، وفي الشَّهَادَةِ إحياء حقوقِ اللَّه ؛ فكأنه قِيل : وإن اشْتغَلْتَ بتحصيلِ شهواتِكَ، كنت لِنَفْسِكَ، لا لِلَّه، \[ وإن اشتغَلْتَ بِتحْصِيل مأمُوراتِ اللَّه كنت للَّه، لا لِنَفْسِكَ \][(٤)](#foonote-٤)، وهذا المقام أعلَى وأشْرَف، فكانت هَذِه الآية تأكيداً لِمَا تقدَّم من التَّكَالِيفِ. 
الثاني : أن اللَّه - تعالى - لمَّا منَع النَّاس عن اقْتِصَارِهم على ثَوَابِ الدُّنْيَا، وأمرهُم أنْ يَطْلُبوا ثواب الآخِرَة، عَقَّبَه بهذه الآيَةِ، وبَيَّنَّ أنَّ كمال سَعَادَة الإنْسَان، في أنْ يكون قولُه وفِعْلُه للَّه، وحركَتهُ للَّه، وسُكُونهُ للَّه ؛ حتى يصير من الَّذِين يكُونُون[(٥)](#foonote-٥) في آخِر مَرَاتِب الإنْسَانِيّة، وأوَّل مراتب الملائِكَة، فإذا عَكَس القضيّة، كان[(٦)](#foonote-٦) مِثْل البَهِيمَة الَّتِي مُنْتهَى أمْرِها وُجْدَان عَلَفِها والشَّبَع. 
الثالث : أنه تقدَّم في هذه السُّورَة تَكَالِيفُ كَثِيرةٌ، فِأمرَ النَّاس بالقِسْط بقوله : وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُواْ فِي الْيَتَامَى  \[ النساء : ٣ \]، وأمرهم بالإشْهَاد عِنْد دَفْع أمْوَال اليَتَامَى إليْهِم، وأمَرَهُم ببَذْلِ النَّفْسِ والمَالِ في سَبيلِ اللَّه، وذكر قِصَّة طعمة بن الأبَيْرِقِ، واجتماع قوْمه على الذَّبِّ عنه \[ بالكذب \][(٧)](#foonote-٧) والشَّهَادة على اليَهُودي بالبَاطِل، وأمر بالمُصَالَحَة مع الزَّوْجَة، وكلُّ ذلك أمْر من اللَّه لعبادِه بالقِيَام بالقِسْط، والشَّهَادَة \[ فيه \][(٨)](#foonote-٨) \[ للَّه \][(٩)](#foonote-٩) على كُلِّ أحَدٍ، فكانت هذه الآيَة كالمُؤكِّد لما تقدَّم من التَّكَالِيفِ. 
القَوَّامُ : مُبَالغة من قَائِمٍ، والقِسْط : العَدْل، وهذا أمْر مِنه - تعالى - لجميع المكَلَّفِين، بأن يُبَالغُوا في العَدْل، والاحْتِرَازِ عن الجَوْر والمَيْل. 
قوله :" شُهَداءَ لِلَّه " فيه ثلاثة أوجه :
أحدها : أنه خَبرٌ ثَانٍ لكان، وفيه خِلاَف تقدَّم ذِكْرهُ. 
والثاني : أنه حَالٌ من الضَّمير المُسْتَكِنِّ في :" قوَّامينَ " فالعَامِل فيها :" قوَّامين ". 
وقد ردَّ أبو حيَّان \[ هذا الوجه : بأنَّه يَلْزَم منه تقييدُ كونهم قوَّامين بحال الشَّهادَةِ، وهم مأمُورُون بذلك مُطْلَقاً \][(١٠)](#foonote-١٠). 
وهذا الردُّ ليْس بِشَيْءٍ ؛ فإن هذا المَعْنَى نَحَا إلَيْه ابن عبَّاسٍ - رضي الله عنه - قال : كُونُوا قوَّامِين بالعَدْل في الشَّهَادَة على من كانت[(١١)](#foonote-١١)، وهذا هُو مَعْنَى الوَجْه الصَّائِر إلى جَعْل شُهَداء حالاً. 
الثالث : أن يكون صِفَة ل " قوَّامين "، ومَعْنَى قوله :" للَّه " أي : لِذَات اللَّه، ولوجْهِه ولمرْضَاتِه، وثَوَابِه. 
قوله : وَلَو عَلَى أَنْفُسِكُم  " لو " هذه تَحْتَمل أنْ تَكُونَ على بَابِها من كَوْنِها حرفاً لما كان سَيَقعُ لوقُوعِ غَيْرِه، وجوابُها مَحْذُوفٌ، أي : ولو كُنْتُم شُهَدَاءَ على أنْفُسكم، لوجب عَلَيْكُم أن تَشْهدوا عليها. 
وأجاز أبو حيَّان أن تَكُونَ بمعنى :" إن " الشَّرطِيّة، ويتعلَّق قوله :" عَلَى أنْفُسِكُم " بمحذوفٍ، تقديرُه : وإن كنتم شُهَدَاء على أنْفُسِكم، فكونوا شُهَدَاءَ لله، هذا تَقْدِيرُ الكلام، وحذفُ " كان " بعد " لو " كَثِيرٌ، تقول : ائتِني بِتَمْر، ولو حَشَفاً، أي : وإن كان التَّمْر حشفاً، فأتني به. انتهى. 
وهذا لا ضرورةَ تدْعُوا إليه، ومجيءُ " لو " بِمَعْنى :" إنْ " شَيْء أثبته بعضهم على قِلَّة، فلا يَنْبَغي أن يُحْمَل القُرآنُ عليه. 
وقال ابْن عَطِيَّة[(١٢)](#foonote-١٢) :" عَلى أنْفُسِكُم " متعلِّقٌ ب " شهداء ". 
قال أبو حيان[(١٣)](#foonote-١٣) " فإنْ عَنَى ب " شُهَدَاءَ " المَلْفُوظ به، فلا يَصِحُّ، وإن عَنَى به ما قَدَّرْناه نَحْن، فيصِحُّ " يعني : تقديره :" لو " بمعنى :" إنْ " وحَذْفَ " كان "، واسمِها، وخبرها بَعْد " لو "، وقد تقدَّم أن ذَلِك قَلِيلٌ، فلم يبق إلا أنَّ ابن عَطِيّة يريد " شُهَداءَ " مَحْذُوفةً ؛ كما قَدَّرْتُه لك أولاً، نحو :" ولو كُنْتُم شُهَدَاء " على أنفسكم، لوجَبَ عليْكُم أن تَشْهَدُوا. 
وقال الزَّمَخْشَرِيُّ[(١٤)](#foonote-١٤) :" ولو كَانَتِ الشَّهَادةُ على أنفسكُم " فجَعَل " كَان " مُقَدَّرةً وهي تَحْتمِلُ في تَقْدِيره التَّمَام والنُّقْصَان : فإنْ قدَّرْتَها تَامةً، كان قوله " على أنْفُسِكم " متعلِّقاً بنفسِ الشَّهَادة، ويكون المَعْنَى :" ولو وُجِدَتِ الشهادةُ على أنْفُسِكُم " وإن قدَّرْتَها نَاقِصَةً، فيجوزُ أنْ يكون " على أنْفُسِكُم " متعلِّقاً بمَحْذُوفٍ على أنَّه خَبرُهَا، ويجُوز أن يكُون متعلِّقاً بنفس الشَّهادة، وحينئذ يكُون الخَبَر مقدَّراً، والمَعْنَى :" ولو كَانَتِ الشَّهَادةُ على أنْفُسِكُم موجُودةً " إلا أنَّه يلزمُ مِنْ جَعْلِنا " على أنْفُسِكُم " متعلِّقاً بالشَّهادة، حذفُ المَصْدرِ وإبقاءُ معْمُولِه، وهو قليل أو مُمْتَنِع، وقال أيضاً :" ويجُوز أن يكُون المَعْنَى : وإن كانتِ الشَّهَادة على أنْفُسِكُم ". 
ورَدَّ عليه \[ أبو حيَّان \][(١٥)](#foonote-١٥) هَذَيْن الوجْهَيْنِ فقال :" وتقديرُه : ولو كانت الشَّهادة على أنْفُسِكُم ليس بجيِّد ؛ لأن المحْذُوفَ إنما يكون من جِنْس المَلْفُوظ به ؛ ليدلَّ عليه، فإذا قُلْت :" كن مُحْسِناً، ولو لمَنْ أساء إليك "، فالتقدير : ولو كنت مُحْسِناً لمَنْ أساء، ولو قَدَّرْتَه :" ولو كان إحْسَانُك " لم يكن جَيِّداً ؛ لأنك تَحْذِف ما لا دلالة عليه بِلَفْظٍ مُطَابِقٍ ". 
وهذا الردُّ لَيْس بشيء، فإن الدِّلالة اللَّفظِيّة موجودةٌ ؛ لاشتراكِ المَحْذُوفِ والمَلْفُوظ به في المَادَّة، ولا يَضُرُّ اختلافُهما في النَّوْع. 
وقال في الوجه الثاني :" وهذا لا يجُوز ؛ لأن ما تعلَّق به الظَّرْف كونٌ مقيدٌ، والكونُ المُقَيَّد لا يجُوز حَذْفُه، بل المُطْلَقُ، لو قلت : كَان زَيْد فِيك، تعني : مُحِبّاً فيك، لَمْ يَجُز ". 
وهذا الرَدُّ أيضاً لَيْس بِشَيْءٍ ؛ لأنه قصد تَفْسير المَعْنَى، ومبادئُ النَّحْو لا تَخْفَى على آحادِ الطَّلبة، فكيف بِشَيْخِ الصِّنَاعَة.

### فصل


شَهَادة الإنْسَان على نَفْسِه لها تَفْسِيران :
أحدُهما : أن يُقِرَّ عَلَى نَفْسه ؛ لأن الإقْرَار كالشَّهَادَةِ في كونه مُوجِباً إلْزَام الحَقِّ. 
الثاني : أن يكون المُرَادُ : ولو كَانَت الشَّهَادة وبالاً على أنْفُسِكُم، أو على الوالدين والأقْرَبين، فأقِيمُوها عليْهم، ولا تُحابُوا[(١٦)](#foonote-١٦) غَنِيّاً لِغِنَاهُ، ولا ترحموا فقيراً لِفَقْرِهِ، وهو قوله : إِن يَكُنْ غَنِيّاً أَوْ فَقِيراً فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا  أي : أقِيمُوا على المَشْهُود عليه وإن كان غَنِيّاً وللمَشْهُود له وإن كان فقيراً، فاللَّه أوْلى بِهِمَا منكم، أي : كِلُوا أمْرَهُم إلى اللَّه - تعالى -. 
وقال الحَسَن : اللَّه أعْلَم بهما[(١٧)](#foonote-١٧). 
قال القُرْطُبِيُّ[(١٨)](#foonote-١٨) :" قَوَّامين " بناء مُبَالَغَة، أي : ليتكَرَّر[(١٩)](#foonote-١٩) منكم القِيَام بالقِسْط وهو العَدْل في شَهَادَتِكُم على أنْفُسِكُم، وشهادة المَرْء على نفْسِه : إقرَارهُ بالحُقُوق عليها، ثم ذكر الوالِدَيْن ؛ لوجوب[(٢٠)](#foonote-٢٠) بِرِّهِما، وعظم قَدْرهِمَا، ثم أتَى بالأقْرَبين ؛ إذْ هُم مَظَنَّة المَودَّة والتَّعَصُّب، وجاءَ الأجْنَبِيُّ الآخر ؛ لأنه أحْرَى أن يَقُوم \[ عليه \][(٢١)](#foonote-٢١) بالقِسْطِ. 
### فصل


إنما قدَّم الأمْر بالقِيَام بالقسط على \[ الأمْر \][(٢٢)](#foonote-٢٢) بالشَّهادة لِوُجُوه :
أحدُهَا : أن أكْثَر النَّاس عادتهم أنَّهم يَأمُرُون غَيْرَهُم بالمَعْرُوفِ، فإذا آل الأمْر إلى أنْفُسِهِم، تركوه[(٢٣)](#foonote-٢٣) حتى إنَّ قُبْحَ القَبِيحِ إذا صَدَر عنهم، كان في مَحَلِّ المُسَامَحَة[(٢٤)](#foonote-٢٤) وأحْسَنَ الحُسْن، إذا صَدَرَ عن غَيْرِهم، كان في مَحَلِّ المُنَازَعة، فاللَّه - تعالى - نبّه في هذه الآية على سُوءِ الطَّريقَة، بأنْ أمره بالقِيَام \[ بالقِسْطِ \][(٢٥)](#foonote-٢٥) أوّلاً، ثم أمَرَهُ بالشَّهَادة على غَيْرِه ثَانِياً، تنبيهاً عَلَى أن الطَّرِيقَة الحَسَنة هي[(٢٦)](#foonote-٢٦) أن تكُون مُضَايَقَة الإنْسَان مع نَفْسِه \[ فَوْق \][(٢٧)](#foonote-٢٧) مُضايقته مع الغَيْر. 
وثانيها : أنَّ القِيام بالقِسْط : هو دَفْع ضَرَر العِقَاب عن النَّفْسِ، وإقَامَة الشَّهَادة، سعي في دَفْع ضَرَر العِقَاب عن الغَيْر، وهو الَّذِي عَلَيْه الحَقُّ، ودفع الضرر عن النَّفْسِ مُقَدَّم على دَفْع الضَّرَر عن[(٢٨)](#foonote-٢٨) الغَيْرِ. 
وثالثها : أن القِيَام بالقِسْطِ فعل، والشَّهادة قول \[ والفِعْل أقْوى من القَوْل \][(٢٩)](#foonote-٢٩). 
فإن قِيل : فقد قدَّم[(٣٠)](#foonote-٣٠) الشَّهادة على القِيام بالقسْطِ في قوله : شَهِدَ اللَّهُ \[ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ وَالْمَلاَئِكَةُ وَأُوْلُواْ الْعِلْمِ قَائِماً بِالْقِسْطِ  \[ آل عمران : ١٨ \]. 
فالجواب : أنَّ شهادَةَ الله عبارَةٌ عن كونه مُرَاعِياً للعَدْل، ومُبَايِناً للجَوْر، ومعلوم : أنَّه ما لم يكن الإنْسَان كذلك، لم يُقْبَل شَهَادتُهُ على الغَيْر ؛ فلهذا كان الوَاجِبُ في قوله :" شَهِدَ اللَّه " \][(٣١)](#foonote-٣١) أن يقدِّم[(٣٢)](#foonote-٣٢) تلك الشَّهادة على القِيَامِ بالقِسْطِ، والواجِبُ هُنَا : أن تكُون الشَّهادة متأخِّرَة عن القِيَامِ بالقِسْطِ. 
قوله : إِن يَكُنْ غَنِيّاً أَوْ فَقِيراً فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا  إذا عُطِف ب " أوْ " كان الحُكْمُ في عَوْدِ الضَّمِير، والإخْبَارِ، وغيرهما لأحدِ الشَّيْئَيْن أو الأشياء، ولا يجُوزُ المُطابَقَةُ، تقول :" زَيْد أو عَمْرو أكْرمتهُ " ولو قُلْتَ : أكرمتهُمَا، لم يَجُز، وعلى هذا يُقال : كيف ثَنَّى الضَّمِير في الآية الكَرِيمَةِ، والعطف ب " أو " ؟ لا جَرَم أن النَّحْويِّين اختلَفُوا في الجواب عن ذلك على خَمْسَةِ أوْجُه :
أحدُها : أنَّ الضَّمِير في " بهما " ليس عَائِداً على الغَنِيِّ والفقير المَذْكُورين أولاً، بل على جنْسَي الغني والفَقِير المدلُولِ عليهما بالمَذْكُورَيْن، تقديرُه : وإنْ يكنِ المشهُودُ عليه غَنِيًّا أو فقيراً، فليشْهَد عليه، فاللَّهُ أوْلى بجنْسَي الغنيِّ والفقيرِ ؛ ويَدُلُّ على هذا قِراءة أبَيِّ[(٣٣)](#foonote-٣٣) :" فاللَّه أوْلَى بِهِمْ " أي : بالأغنياء والفقراءِ مراعاةً للجِنْسِ على ما قَرَّرته لَك، ويكون قوله : فالله أوْلى بهما  ليس جواباً للشرط، بل جَوابُه م١ سقط في ب..
٢ سقط في ب..
٣ في أ: بينهم..
٤ سقط في أ..
٥ في أ: يكون..
٦ في أ: لأن..
٧ سقط في أ..
٨ سقط في أ..
٩ سقط في ب..
١٠ سقط في أ..
١١ ينظر: البحر المحيط "لأبي حيان" (٣/٣٨٤)..
١٢ ينظر: المحور الوجيز ٢/١٢٢..
١٣ ينظر: البحر المحيط ٣/٣٨٤..
١٤ ينظر: الكشاف ١/٥٧٥..
١٥ ينظر: البحر المحيط ٣/٢٨٤..
١٦ في ب: تخافوا..
١٧ ينظر: تفسير البغوي ١/٤٨٩..
١٨ ينظر: تفسير القرطبي ٥/٢٦٣..
١٩ في أ: ليكون..
٢٠ في ب: لوجود..
٢١ سقط في ب..
٢٢ سقط في أ..
٢٣ في أ: تركن..
٢٤ في ب: المساجد..
٢٥ سقط في أ..
٢٦ في أ: على..
٢٧ سقط في أ..
٢٨ في ب: على..
٢٩ سقط في أ..
٣٠ في ب: قد تقدم..
٣١ سقط في ب..
٣٢ ي أ: يقوم..
٣٣ ينظر: المحرر الوجيز ٢/١٢٣، والبحر المحيط ٣/٣٨٥، والدر المصون ٢/٤٤٠..

### الآية 4:136

> ﻿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَىٰ رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ ۚ وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا [4:136]

قوله تعالى : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ آمِنُواْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنزَلَ مِن قَبْلُ وَمَن يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلاَلاً بَعِيداً [(١)](#foonote-١)
في اتَّصال هذه الآية بما قَبْلَها وَجْهَان :
أحدُهما : أنَّها مُتِّصِلةٌ بقوله : كُونُواْ قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ  \[ النساء : ١٣٥ \] لأن الإنْسان لا يكون قَائِماً بالقِسْط، إلا إذا كان راسخاً في الإيمان بالأشْيَاء المَذْكُورة في هَذِه الآيَة. 
الثاني : أنه - تعالى - لمَّا بين الأحْكَام الكَثِيرة في هَذِه السُّورة، ذكر عَقِيبَهَا الأمر بالإيمانِ، وفي هذا الأمْر وُجُوه :
أحدُها : قال الكَلْبِيُّ، عن أبِي صَالحٍ، عن ابن عبَّاسٍ : نزلت هذه الآيَة في عَبْد اللَّه ابن سلام، وأسد وأسَيْد ابْنَيْ كَعْب، وثَعْلَبَة بن قَيْس، وسلام ابن أُخْت عَبْد الله بن سلام، وسلَمة ابن أخِيه، ويامِين بن يَامِين، فَهُؤلاء مُؤمِنُو أهْل الكِتَاب أتوا رسُول اللَّه صلى الله عليه وسلم، فقالوا[(٢)](#foonote-٢) : إنَّا نُؤمِنُ بك، وبِكتابِك، وبِمُوسى، \[ والتَّوْرَاة \][(٣)](#foonote-٣) وبِعُزَيْر، ونكفر بما سِوَاه من الكُتُب والرُّسُل، فقال لهم النَّبِي صلى الله عليه وسلم :" بل آمِنُوا باللَّه، ورسُوله محمَّد، والقُرْآن، وبكل كِتَابٍ قَبْلَه " فقالوا : لا نَفْعَل، فأنزل اللَّه : يا أيها الذين آمنوا  يعني : بمحمّد \[ والقُرآن \][(٤)](#foonote-٤) وبموسى والتَّوْرَاة،  آمنوا بالله ورسوله  : محمد  وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنزَلَ مِن قَبْلُ  : من التَّوْراة، والإنْجِيل، والزَّبُور، وسائر الكُتُب[(٥)](#foonote-٥) ؛ لأن المراد بالكِتَاب الجنس. 
وقيل : الخِطَاب مع المُنَافِقِين، والتَّقْدير : يأيُّهَا الذين آمَنُوا باللِّسان، آمنوا بالقَلْب، ويؤيده قوله - تعالى - : مِنَ الَّذِينَ قَالُواْ آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِن قُلُوبُهُمْ  \[ المائدة : ٤١ \]. 
وقيل : خِطَاب مع الَّذِين آمَنُوا وَجْه النَّهَار، وكَفَرُوا آخِره، والتقدير : يأيُّهَا الَّذِين آمَنُوا وجْه النَّهارِ، آمنوا آخِره. 
وقيل : الخطاب للمُشْرِكين، تقديره : يأيُّها الذين آمَنُوا باللاَّتِ والعُزَّى، آمِنُوا. 
وقيل : المعنى : يأيها الذين آمَنُوا، دُومُوا على الإيمان، واثْبُتُوا عليْه، أي : يأيُّها الذين آمَنُوا في المَاضِي والحَاضِر، آمِنُوا في المُسْتَقْبَل ؛ كقوله : فَاعْلَمْ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ 
\[ محمد : ١٩ \] مع أنه كان عَالِماً بذلك. 
وقيل : المُراد ب " الذين آمَنُوا " : جميع النَّاس، وذلك يوم أخذ عَلَيْهم المِيثَاق. 
وقيل : يا أيُّها الَّذِين آمَنُوا على سبيل التَّقْلِيدِ، آمِنُوا على سبيل الاسْتِدْلاَل. 
وقيل : يا أيها الَّذِين آمَنُوا بِحَسَب الاسْتِدْلاَلات الإجْمَاليَّةِ[(٦)](#foonote-٦)، آمِنُوا بحسَبِ الدَّلائل التَّفْصيليَّة. 
وقرأ نافعُ والكوفيون[(٧)](#foonote-٧) : والكتاب الَّذِي نزَّل على رَسُوله والكِتَاب الذي أنْزل من قبل  على بناء الفِعْليْن للفَاعِل، وهو الله - تعالى -، \[ وابن كثير، وابن عامر، وأبو عمرو :\] على بنائهما للمَفْعُول، والقائمُ مقامَ الفَاعِل ضَمِير الكِتَاب. 
وحُجَّة الأوَّلِين : قوله - تعالى - : إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ  \[ الحجر : ٩ \]، وقوله : وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ  \[ النحل : ٤٤ \]، وحجة الضم : قوله - تعالى - : لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ 
\[ النحل : ٤٤ \]، وقوله : يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ \[ مِّن رَّبِّكَ بِالْحَقِّ \]  [(٨)](#foonote-٨) \[ الأنعام : ١١٤ \]. 
قال بعض العلماء[(٩)](#foonote-٩) : كلاهما حَسَن، إلا أن الضَّمَّ أفْخَمُ، كقوله : وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ  \[ هود : ٤٤ \]. 
وقال الزَّمَخْشَرِيُّ : فإن قُلْتَ \[ لِمَ \][(١٠)](#foonote-١٠) قال : نَزَّل على رسُوله ، و  أَنزَلَ مِن قَبْل  ؟. 
قلت :" لأنَّ القرآن نَزَل مُنَجَّماً مفرَّقاً في عِشْرِين سَنَة، بخلاف الكُتُب قَبْله "، وقد تَقَدَّم البَحْث معه في ذَلِكَ، عند قوله - تعالى - : نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنزَلَ التَّوْرَاةَ  \[ آل عمران : ٣ \] وأن التَّضْعِيف في " نزَّلَ " للتَّعْدِية، مرادفٌ للهَمْزَة لا للتَّكْثِير.

### فصل


اعلم : أنه \[ تعالى \][(١١)](#foonote-١١) أمَرَ في هذه الآيَة بالإيمَانِ بأرْبَعة أشْيَاء :
أوّلها : بالله. 
وثانيها : برسوله. 
وثالثها : بالكتاب الذي نزَّل على رسُوله. 
ورابعها :\[ بالكتاب الَّذِي أنْزَل من قَبْل. وذكر في الكُفْر أمُوراً خَمْسةً :
أولها : الكُفْر باللَّه. 
وثانيها : الكُفْر بملائِكَتِهِ. 
وثالثها : الكُفْر بكُتُبِه \][(١٢)](#foonote-١٢). 
ورابعها : الكُفْر برسُله. 
وخامسها : الكُفْر باليوم الآخر. 
ثم قال : فقد ضل ضلالاً بعيداً  وهاهنا سُؤالات :
السُّؤال الأوَّل : لِمَ قدَّم في مراتب الإيمانِ[(١٣)](#foonote-١٣) ذكر الرَّسُول على ذكر الكِتَابِ، وفي مراتب الكُفْر قَلَب القضيَّة ؟. 
والجواب : لأن في[(١٤)](#foonote-١٤) مرتبة النُّزُول من الخَالِق إلى الخَلْق كان[(١٥)](#foonote-١٥) الكتاب مقدماً على الرسول، وفي مرتبه العُرُوج من الخَلْق إلى الخَالِقِ، يكُون الرَّسُول مُقَدَّماً على الكِتَاب. 
السُّؤال الثَّاني : لِمَ ذكر في مراتب الإيمان أموراً ثلاثة : الإيمان بالله، وبالرسل، وبالكتب، وذكر في مَرَاتِب الكُفْر \[ أموراً خَمْسَة : الكُفْر \][(١٦)](#foonote-١٦) باللَّه، وبالملائكة، وبالرُّسُل، \[ وبالكُتُب \][(١٧)](#foonote-١٧)، وباليَوْم الآخِر ؟. 
والجواب : لأنَّ الإيمان \[ باللَّه و \][(١٨)](#foonote-١٨) بالرُّسُل، وبالكُتُب متى حَصَل، فقد حَصَل الإيمان بالملائِكَة، وباليوم الآخر لا مَحَالَة، إذ رُبَّما ادّعى الإنْسَان أنه يُؤمِن باللَّه، وبالرُّسُل، وبالكُتُب، ثم إنَّه يُنْكِرُ الملائكة، وينكر اليَوْم الآخر، ويزعم أنَّ الآيات الوَارِدَة في المَلائكة وفي اليوم الآخر، مَحْمُولَة على التَّأوِيل. 
فلما احتمل هذا ؛ لا جرم نصَّ على أن مُنْكِر المَلاَئِكَة، ومنكر اليَوْم الآخِر، كافرٌ باللَّه. 
السؤال الثالث : كيف قِيلَ لأهلِ الكِتَاب : وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنزَلَ مِن قَبْلُ  مع أنهم كانوا مُؤمنين بالتوراة والإنجيل ؟. 
والجواب : ما تقدَّم من أن المراد بالكِتَاب : الجنس، فأمِرُوا أن يُؤمِنُوا بكل الكُتُب ؛ لأنَّهم لم يُؤمِنُوا بكُلِّها ؛ كما قالوا : نُؤمِنُ بِبَعْضٍ ونكْفُر ببعضٍ، وأما قوله : فَقَدْ ضَلَّ ضَلاَلاً بَعِيداً  ليس جواباً للأشياء المَذْكُورة، بل المعنى : ومنْ يكْفُرْ بواحدٍ مِنْهَا. 
١ سقط في ب..
٢ في ب: قالوا..
٣ سقط في ب..
٤ سقط في أ..
٥ أخرجه الثعلبي في "تفسيره" من طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس كما في "الدر المنثور" (٢/٤١٤)..
٦ في أ: الجملية..
٧ ينظر: السبعة ٢٣٩، والحجة ٣/١٨٦، ١٨٧، وحجة القراءات ٢١٦، ٢١٧ والعنوان ٨٥، وإعراب القراءات ١/١٣٨، وشرح الطيبة ٤/٢١٩، ٢٢٠، وشرح شعلة ٣٤٥، وإتحاف ١/٥٢٢..
٨ سقط في أ..
٩ ينظر: تفسير الرازي ١١/٦٠..
١٠ سقط في ب..
١١ سقط في أ..
١٢ سقط في ب..
١٣ في أ: الرسول..
١٤ في ب: لأن فيه..
١٥ في ب: كما أن..
١٦ سقط في أ..
١٧ سقط في ب..
١٨ سقط في أ..

### الآية 4:137

> ﻿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلًا [4:137]

قوله تعالى : إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ ثُمَّ كَفَرُواْ ثُمَّ آمَنُواْ ثُمَّ كَفَرُواْ ثُمَّ ازْدَادُواْ كُفْراً لَّمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلاَ لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلاً \* بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَاباً أَلِيماً \* الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِندَهُمُ الْعِزَّةَ \[ فَإِنَّ العِزَّةَ للَّهِ جَمِيعاً  \][(١)](#foonote-١)
لما أمر بالإيمان، ورغَّب فيه، بَيَّن فساد طَرِيقة من يَكْفُر بعد الإيمَان. 
قال قتادة : هم اليَهُود ؛ آمَنُوا بِمُوسى، ثم كفروا من بعد بعبادتهم العجل، \[ ثم آمَنُوا بالتَّوْراة \][(٢)](#foonote-٢)، ثم كَفَرُوا بعيسى - عليه السلام -، ثم ازدادُوا كُفْراً بمحمَّد صلى الله عليه وسلم[(٣)](#foonote-٣). 
وقيل : هو في جَمِيع أهْل الكِتَاب آمَنُوا بِنَبِيِّهم، ثم كَفَرُوا به، وآمَنُوا بالكِتَاب الذي نُزِّل عليه، ثم كَفَرُوا به، وكفرهم به : تركهم إيَّاه، أي : ثم ازْدَادُوا كفراً بمحمَّد صلى الله عليه وسلم. 
وقيل : هذا في قَوْم مُرْتَدِّين، آمَنُوا ثم ارتَدُّوا، ومثل هذا هل تقبل تَوْبتهُ ؟ حُكِي عن عَلِيٍّ : أنه لا تُقْبَل تَوْبَته، بل يُقْتَل ؛ لقوله - تعالى - : لَّمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ  وذلك لأن تَكْرَار الكُفْر منهم بعد الإيمان مراتٍ، يدلُّ على أنَّه لا وَقْع للإيمَانِ في قُلُوبهم، إذ لو كان للإيمان وَقْعٌ في قُلُوبهم، لما تركُوهُ بأدْنى سَبَب، ومن كان كَذَلِك، فالظَّاهر أنَّه لا يُؤمِن إيماناً صَحِيحاً، فهذا هُو المُرادُ بقوله : لَّمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ  وليس المُرَادُ، أنه لو أتى بالإيمَان الصَّحِيح، لم يكُن مُعْتَبَراً، بل المراد مِنْهُ : الاستِبْعَاد، وأكثر أهْل العِلْم على قُبُول تَوْبَتِه. 
وقال مُجَاهِدٌ : ثم ازدادوا كفراً  أي : مَاتُوا عليه،  لم يكن الله ليغفر لهم  : ما أقامُوا على ذلك،  ولا ليهديهم سبيلاً  أي : طريقاً إلى الحَقِّ. 
وقيل : المُراد طائِفَة من أهل الكِتَاب، قَصَدوا تَشْكِيك المُسْلِمينَ، فكانوا يُظْهرُونَ الإيمانَ تارةً والكُفْر تارةً أخْرى، على ما أخْبَر اللَّه - تعالى - عنهم قولهم : آمِنُواْ \[ بِالَّذِي أُنزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُواْ \][(٤)](#foonote-٤) وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُواْ آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ  \[ آل عمران : ٧٢ \] وقوله : ثُمَّ ازْدَادُواْ كُفْراً  أن بَلَغُوا في ذلك إلى حدِّ الاسْتِهْزَاء، والسُّخْرية بالإسْلامِ.

### فصل


دلَّت الآية على أنَّ الكُفْر يقبل الزِّيادة والنُّقْصَان ؛ فوجَب أنْ يَكُونَ الإيمان كَذلك ؛ لأنهما ضِدَّان متنافِيَانِ ؛ فإذا[(٥)](#foonote-٥) قَبِلَ أحدُهُما التَّفَاوُت، فكذلك الآخَر. 
فإن قيل : الحُكْم المَذْكُور في هذه الآية : إمَّا أن يكون مَشْرُوطاً بما قبل التَّوبة[(٦)](#foonote-٦)، أو بما بَعْدَها. 
والأوَّل : باطِلٌ ؛ لأن الكُفْر قبل التَّوْبَة غير مَغْفُور على الإطْلاق، وحينئذٍ تضيع الشُّروطُ المَذْكُورَة. 
والثاني : باطل ؛ لأن الكُفْر \[ يُغْفَر \][(٧)](#foonote-٧) بعد التَّوْبَة، ولو كَانَ بعد ألْفِ مَرَّة، فعلى التَّقْديرين يلزم السُّؤالُ. 
**والجوابُ من وُجُوه :**
أحدها : ألا نَحْمِل قوله :" إنَّ الَّذين " على الاسْتِغْرَاق، بل على المَعْهُود السَّابق، وهم أقْوام مُعَيَّنُون علم الله أنَّهم يَمُوتون على الكُفْر، ولا يَتُوبون عَنْه، فقوله : لَّمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ  إخبار عن مَوْتِهم على الكُفْر. 
وثانيها : أن الكلام خَرَج على الغَالِب المُعْتَاد، فإن كان كَثِير الانْتِقَال من الإِسْلاَم إلى الكُفْر، لم يكن للإيمان في قَلْبِه وَقْع، ولا وَجَد حلاوَةَ الإيمان كما تقدَّم، والظَّاهِر ممن حاله هذا أنَّه يمُوت كَافراً. 
وثالثها : أن الحُكْم على المَذْكُورِ في الآية مَشْرُوطٌ بعدم التَّوْبة عن الكُفْر، وقول السائل إنَّه على هذا التَّقْدير تَضْييعُ الصِّفات المَذْكُورَة. 
قلنا : إنَّ إفْرادَهُ بالذِّكْر يدلُّ على أن كُفْرَهُم أفْحَش، وخيانتهم أعْظَم، وعُقُوبتهم في القِيَامَة أوْلَى، فجرى مُجْرَى قوله : وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّيْنَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِن نُّوحٍ 
\[ الأحزاب : ٧ \] خصَّهُما[(٨)](#foonote-٨) بالذِّكر لأجل التشريف، وكقوله : وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ  \[ البقرة : ٩٨ \]. 
فإن قيل : اللاَّم في قوله :" لِيَغْفِرَ لَهُم " : للتأكيد، وهو غَيْر لائقٍ بهذا المَوْضِع، وإنَّما اللائِق به تَأكيد النَّفْي. 
فالجواب : إن نفي التَّأكيد على سَبِيل التَّهَكُم مُبَالَغَة في تَأكِيد النَّفْي، وهذه اللاَّم تُشْبِه اللاَّم في قوله : مَّا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ  \[ آل عمران : ١٧٩ \]، تقدَّم الكلام فيه، ومَذَاهب النَّاس، وأن لاَمَ الجحود تُفِيد التَّوْكِيد، والفرق بَيْن قَوْلك :" مَا كَانَ زَيْد يَقُوم "، و " ما كانَ لِيَقُوم ". 
قوله : ولا ليهديهم سبيلاً  يدلُّ على أنه - تعالى - لم \[ يَهْدِ \][(٩)](#foonote-٩) الكافرين إلى الإيمَانِ. 
وقالت المُعْتَزِلَةُ : هذا مَحْمُول على زِيَادة الألْطَاف، أو عَلَى أنَّه لا يَهْدِيهم إلى الجَنَّة في الآخِرة. 
١ سقط في ب..
٢ سقط في ب..
٣ أخرجه الطبري في "تفسيره"(٩/٣١٥) وذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٢/٤١٥) وزاد نسبته لعبد بن حميد..
٤ سقط في أ..
٥ في ب: وإذا..
٦ في ب: التوراة..
٧ سقط في أ..
٨ في ب: خصهم..
٩ سقط في أ..

### الآية 4:138

> ﻿بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا [4:138]

قوله  بشر المنافقين بأن لهم عذاباً أليماً  البشارة : كل خبرٍ تتغيَّرُ به بشرَةُ الوجْهِ، سارّاً كان أو غَيْر سَارٍّ. 
وقال الزَّجَّاج[(١٠)](#foonote-١٠) : مَعْنَاه : اجعل في مَوْضع بِشَارتك لَهُم العَذَاب، كما تقول العرب :" تحيتك الضَّرْبُ وعِتَابُكَ السَّيْفُ "، أي : بَدَلاً لكُم من التَّحِيَّةِ.

### الآية 4:139

> ﻿الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ ۚ أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا [4:139]

ثم وصَفَ المُنَافِقِين، فقال : الذين يتخذون الكافرين أولياء من دون المؤمنين  يعني : يتَّخذون اليَهُود والنَّصَارى أولياء، وأنْصاراً، وبِطَانة من دُون المُؤمنين، كان المُنَافقُون يوادُّونَهُم[(١١)](#foonote-١١)، ويقول بَعْضهم لبَعْضٍ : إن أمر محمَّد لا يَتِمُّ. 
قوله :" الَّذِين " يجُوز فيه النَّصْب والرَّفْع، فالنصب من وَجْهَيْن :
أحدهما : كونه نعتاً للمُنَافِقِين. 
والثاني : أنه نَصْب بفعلٍ مُضْمَر، أي أذمُّ الَّذِين، والرَّفْع على خَبر مُبْتَدأ مَحْذُوف، أي : هم الَّذِين.

### فصل


قال القُرْطُبِيُّ[(١٢)](#foonote-١٢) : وفي الآيَة دَلِيلٌ على أنَّ من عَمِل مَعْصِيَةً من الموحّدين، ليس بمنافِقٍ ؛ لأنَّه لا يتولّى الكُفَّار، وتضمنت المَنْع من مُوالاة الكُفَّار، وأنْ يتَّخِذُوا أعْواناً على الأعْمال المُتَعَلِّقة بالدِّين، وفي الصَّحيح عن عَائِشَة - رضي الله عنها - :" أنّ رجلاً من المُشْرِكين لحق بالنَّبيِّ صلى الله عليه وسلم يُقَاتِل مَعَه، فقال : ارجعْ، فإنَّنا لا نَسْتَعِين بِمُشْرِكٍ " [(١٣)](#foonote-١٣). 
قوله : أيبتغون عندهم العزة  أي : المَعُونة، والظُّهور على محمَّد صلى الله عليه وسلم وأصحابه، وقيل : أيطلبون[(١٤)](#foonote-١٤) عندهُم القُوَّة، والغَلَبة، والقُدْرة. 
قال الواحدي[(١٥)](#foonote-١٥) : أصَلُ العِزَّة في اللُّغَة : الشِّدَّة، ومنه : قيل : للأرْضِ \[ الصَّلْبَة \][(١٦)](#foonote-١٦) الشَّديدة : عزَاز ويقال : قد استَعَزَّ المرضُ على المَرِيضِ : إذا اشتدَّ مَرَضُه وكاد أن يَهْلَكَ وعَزَّ الهَمُّ إذا اشْتَدَّ، ومنه :\[ عَزَّ \][(١٧)](#foonote-١٧) عليَّ أن يكُون كذا بِمَعْنَى : اشتَدَّ، وعز الشَّيْء : إذا قلَّ حتى لا يَكُادُ يُوجَد ؛ لأنه اشتدَّ مطلبُهُ، واعتز فلانٌ بفلان : إذا اشتَدَّ ظَهْرُه به، وشاةٌ عَزُوزٌ : إذا اشتَدَّ حَلْبُها، والعِزَّة : القُوَّة، منقولة عن الشِّدَّة ؛ لتقارب مَعْنَيْهما، والعَزِيز : القوي المَنِيع بخلاف الذَّلِيل، فالمُنَافِقُون كانوا يَطْلبون العِزَّة والقُوَّة، بسبب اتِّصالهم باليَهُود، فأبطل اللَّه عَلَيْهم هذا الرَّأي بقوله : فإن العزة لله جميعاً . 
والثاني : قوله :" فإن العزة " لِما في الكلام من معنى الشَّرْط، إذ المَعْنَى : إن تَبْتَغُوا من هَؤلاء عِزَّةً  فإن العزة لله جميعاً ، و " جَمِيعاً " : حال من الضَّمِير المُسْتَكِنِّ في قوله :" لِلَّه " لوُقُوعهِ خَبَراً، \[ والمعنى : أنَّ العِزَّة ثبتَتْ لِلَّه - تعالى - حالة كونها جَمِيعاً \][(١٨)](#foonote-١٨). 
فإن قيل : هذا كالمُنَاقض لقوله : وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ  \[ المنافقون : ٨ \]. 
فالجواب : أن القُدْرة الكامِلَة للَّه، وكل من سِوَاه فبإقداره صَار قادراً، وبإعْزَازه صارَ عَزِيزاً، فالعِزَّة الحَاصِلة للرسُول وللمُؤمنين لم تحصل إلا من اللَّه - تعالى -، فكان الأمْر عند التَّحْقِيقِ : أنَّ العِزَّة للَّه جَمِيعاً.

### الآية 4:140

> ﻿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّىٰ يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ ۚ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ ۗ إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا [4:140]

قرأ الجماعة :" نُزِّل " مبنياً للمفعول، وعاصم[(١)](#foonote-١) ويعقوب قَرَآه " نَزَّلَ " مبنياً للفاعِل، وأبو حَيْوة وحُميد[(٢)](#foonote-٢) :" نَزَل " مخففاً مَبْنياً للفاعِل، والنخعي[(٣)](#foonote-٣) :" أُنْزِل " بالهَمْزَة مبنياً للمفعُول. 
والقائمُ مقامَ الفاعِل في قراءة الجَمَاعة والنَّخعي، هو " أنْ " وما في حيِّزها، أي : وقد نَزَّل عليْكُم المَنْعَ من مُجَالستِهِم عند سَماعِكم الكُفْر بالآيَات، والاسْتِهْزَاء بها. 
وأمّا في قراءة عاصمٍ : ف " أنْ " مع ما بعدها في مَحَلِّ نصبٍ مفعولاً به ب " نزَّل "، والفاعل ضميرُ الله - تعالى - كما تقدَّم. 
وأما في قِرَاءة أبي حَيْوة وحمَيد : فمحَلُّها رفعٌ بالفاعِليّة ل " نزل " مخففاً، فمحَلُّها : إمّا نَصْب على قِرَاءة عَاصِمٍ، أو رَفْع على قِراءة غيره، ولكن الرَّفْع مختلف.

### فصل


قال المفسِّرون : المَعْنَى : وقد نَزَّل عليكم يا معشر المُؤمنين[(٤)](#foonote-٤)،  أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ  يعني : القُرْآن  يكفر بها ويستهزأ بها فلا تقعدوا معهم  يعني : مع المُسْتَهْزِئين  حتى يخوضوا في حديث غيره ، وذلك أنَّ المُشركِينَ كانُوا يخوضُونَ في مُجَالَسَتِهم في ذِكْر القُرْآن، يستَهْزِئُون به، فأنْزَل الله - تعالى -  وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُواْ فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ  \[ الأنعام : ٦٨ \] وهذه الآية نَزَلَتْ في مَكَّة. 
ثم إن أحْبَار اليهُود بالمدينَة، كانوا يَفْعَلُون فعل المُشْرِكِين، وكان المُنافِقُون يَقْعُدون معهُم، ويُوافِقُونهم على ذلك، فقال - تعالى - مُخَاطِباً لَهُم : أنه قد نزل عليكم في الكتاب أن إذا سمعتم آيات الله يكفر بها ويستهزأ بها  والمعنى : إذا سَمِعْتُم الكُفْر بآيَات اللَّه والاستهزاء بِهَا، لكنَّه أوْقع فعل السماع على الآية، والمُراد بها : سَمَاع الاسْتِهْزَاء. 
قال الكسَائِيُّ[(٥)](#foonote-٥) : هو كما يُقَال : سَمِعْت عَبْد اللَّه يُلاَم[(٦)](#foonote-٦). 
قال ابن الخطِيب[(٧)](#foonote-٧) : وعندي فيه وَجْه آخَر : وهو أنْ يَكُون المَعْنَى : إذا سَمِعْتُم آيَاتِ اللَّه حَالَ ما يُكْفَر بها ويستهزأ بها، وعلى هذا فلا حَاجَة لما قاله الكسَائِيُّ. 
قوله :" أنْ إذَا " " أن " هذه هي المُخَفَّفةُ من الثَّقيلة، واسمُهَا : ضِمِير الأمْر والشَّأن، أي : أنَّ الأمْر والشأن إذا سَمعْتُم الكُفْر والاسْتهْزَاء، فلا تَقْعُدُوا. 
قال أبو حيان : وما قَدَّره أبو البقاء[(٨)](#foonote-٨) من قوله :" أنَّكُم إذا سَمِعْتُم " ليس بجَيِّد، لأن " أن " المخففة لا تَعْمَل إلاَّ في ضِمِير الشَّأن، إلا في ضرورةٍ ؛ كقوله :\[ الطويل \]
فَلَوْ أنْكِ فِي يَوْمِ الرَّخَاءِ سألْتِني \*\*\* طَلاَقَكِ لَمْ أبْخَلْ وَأنْتِ صَدِيق[(٩)](#foonote-٩)
قال شهاب الدين : هكذا قال، ولم أره أنا في إعراب أبِي البَقَاءِ إلا أنَّه بالهَاءِ دون الكَافِ والمَيم، والجملةُ الشَّرْطِية المُنْعَقدةُ من " إذا " وجوابها في مَحَلِّ رَفْع، خَبَراً ل " أنْ "، ومن مَجِيء الجُمْلة الشرطيَّة خبراً ل " أنْ " المُخَفَّفَة : قوله :\[ الكامل \]
فَعَلِمْتُ أنْ مَا تَتَّقُوهُ فَإنَّهُ \*\*\* جَزْرٌ لِخَامِعَةٍ وفَرْخِ عُقَابِ[(١٠)](#foonote-١٠)
ف " مَا " شَرْطيةٌ، و " فإنه " جَوابُها، والجُمْلَةُ خبرٌ ل " أنْ " المخفَّفَةِ. 
قوله :" يُكْفَرُ بِهَا " في محلِّ نَصْب على الحَالِ من الآيات، و " بها " في محلِّ رفع ؛ لقيامِه مقامَ الفاعلِ، وكذلِك في قوله :" يُسْتَهْزَأ بها " والأصل : يكفر بها أحدٌ، فلمَّا حُذِف الفاعلُ، قام الجارُّ والمَجْرُورُ مقامَه، ولذلك رُوعِي هذا الفَاعِلُ المَحْذُوف، فعاد عليه الضَّمِيرُ من قوله : مَعَهُمْ حتى يخوضوا  كأنه قِيل : إذا سَمِعْتُم آياتِ الله يَكْفرُ بها المُشْرِكُون، ويَسْتَهزِئُ بها المُنَافِقُون، فلا تَقْعدوا مَعَهُم حتى يخُوضُوا في حَديثٍ غيره، أي : غير حَدِيث الكُفْر والاستهزاء، فعاد الضَّمير في " غيره " على ما دَلَّ عليه المَعْنَى. 
وقيل : الضَّمير في " غيره " يجُوزُ أنْ يعودَ على الكُفْر والاستِهْزَاء المفهُومَيْن من قوله :" يُكْفَر بِهَا " و " وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا "، \[ وإنما أفْرَد الضَّمِير وإن كان المُرَاد به شَيْئين ؛ لأحد أمرين :\]
إمَّا لأنَّ الكُفر والاستِهْزَاء شيءٌ واحدٌ في المعْنَى. 
وإمَّا لإجراءِ الضَّميرِ مُجْرى اسم الإشَارةِ، نحو : عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ  \[ البقرة : ٦٨ \]. وقوله :\[ الرجز \]
كَأنَّهُ فِي الجِلْدِ تَوْلِيعُ البَهَقْ[(١١)](#foonote-١١) \*\*\*. . . 
وقد تقدَّم تَحْقِيقُه في البقرة، و " حتى " : غايةٌ للنَّهْي، والمعنى : أنه يجُوز مُجَالستهم عند خَوْضِهم في غير الكُفْر والاستِهْزَاء. 
قال الضَّحاك : عن ابن عبَّاسٍ : دخل في هذه الآيَة كل مُحْدِث في الدِّين، وكل مُبْتَدِع إلى يَوْم القِيَامَةِ[(١٢)](#foonote-١٢). 
قوله : إنكم إذاً مثلهم  " إذاً " هنا : مُلغَاةٌ ؛ لوقوعها بين مُبْتَدأ وخبر، والجمهور على رفعِ اللام في " مثلُهم " على خَبَرِ الابتداء[(١٣)](#foonote-١٣)، وقرئ شاذاً بفتحها، وفيها تَخْريجَان :
أحدهما :- وهو قولُ البصْريِّين - أنه خبر أيضاً، وإنما فُتِح لإضافته إلى غير مُتَمَكِّن ؛ كقوله - تعالى - : إِنَّهُ لَحَقٌّ مِّثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنطِقُونَ  \[ الذاريات : ٢٣ \] بفتح اللاَّم، وقول الفرَزْدَق :\[ البسيط \]
. . . \*\*\* وإذْ مَا مِثْلَهُمْ بَشَرُ[(١٤)](#foonote-١٤)
في أحدِ الأوجه. 
والثَّاني :- وهو قولُ الكُوفيِّين - إن " مِثْل " يَجُوز نصبها على المَحَلِّ، أي : الظرف، ويُجيزُون :" زيد مِثْلَك " بالنَّصب على المحلِّ أي : زيدٌ في مثل حالك، وأفرد " مثل " هُنَا، وإن أخْبَرَ به عن جَمْع ولم يُطابق به كما طابق ما قبله في قوله : ثُمَّ لاَ يَكُونُواْ أَمْثَالَكُم  \[ محمد : ٣٨ \]، وقوله : وَحُورٌ عِينٌ كَأَمْثَالِ  \[ الواقعة : ٢٢، ٢٣ \]. 
قال أبُو البقاء[(١٥)](#foonote-١٥) وغيره : لأنه قصد به هُنَا المصدر، فوحَّد كما وحَّد في قوله : أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا  \[ المؤمنون : ٤٧ \]. وتحرير المَعْنَى : أن التقدير : إنَّ عصيانكم مثل عصيانهم، إلا أنَّ تقدير المصدريّة في قوله :" لِبَشَريْنِ مِثْلِنَا " قلق. 
### فصل في معنى الآية


والمعنى : أنكم إذاً مِثْلُهُم، إن قعدْتُم عندهم وهُم يَخُوضُون ويَسْتهزِئُون، ورضيتم بِهِ، فأنتم كُفَّار مِثْلُهم، وإن خَاضُوا في حَدِيث غَيْرِه، فلا بأس بالقُعُود مَعَهم مع الكَرَاهَة. 
قال الحَسَن : لا يجوز القُعُود معهم وإن خَاضُوا في حَدِيث غَيْره[(١٦)](#foonote-١٦) ؛ لقوله[(١٧)](#foonote-١٧) - تعالى - :
 وَإِمَّا يُنسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلاَ تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ  \[ الأنعام : ٦٨ \] والأكثرون على الأوَّل، وآية الأنعام مَكِّية وهذه مَدَنِيَّة، والمتأخِّر[(١٨)](#foonote-١٨) أوْلَى. 
### فصل


قال بعض العُلَمَاء : هذا يدل على أنَّ من رَضِي بالكُفْرِ، فهو كافِرٌ، ومن رَضِيَ بمنكر يَرَاه، وخالط أهْلَه وإن لَمْ يُبَاشِر ذلك، كان في الإثْمِ بمَنْزِلة المُبَاشِر لهذه الآية، وإن لم يَرْض وحَضَر خَوْفاً وتقية، فلا. 
قوله : إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعاً  أي : كما اجتمعوا على الاسْتِهْزَاء بآيَاتِ اللَّه في الدُّنْيا، فكذلك يَجْتِمَعُون[(١٩)](#foonote-١٩) في العَذَاب يوم القِيَامَةِ، وأراد : جامعٌ بالتنوين ؛ لأنَّه بعدما جَمَعَهُم حذف التَّنْوِين ؛ استخفافاً من اللَّفْظ، وهو مرادٌ في الحَقِيقَةِ. 
١ ينظر: السبعة ٢٣٩، والكشف ١/٤٠٠ والبحر المحيط ٣/٣٨٩ والدر المصون ٢/٤٤٣..
٢ ينظر: المحرر الوجيز ٢/١٢٥، والبحر المحيط ٣/٣٨٩، والدر المصون ٢/٤٤٣..
٣ ينظر: السابق..
٤ في ب: المسلمين..
٥ ينظر: تفسير الرازي ١١/٦٥..
٦ في ب: يتكلم..
٧ ينظر: تفسير الرازي ١١/٦٥..
٨ ينظر: الإملاء ١/١٩٨..
٩ ينظر خزانة الأدب ٥/٤٢٦، ٤٢٧، ١٠/٣٨١، ٣٨٢، والدرر ٢/١٩٨، والأشباه والنظائر ٥/٢٣٨، ٢٦٢، والإنصاف ١/٢٠٥، والأزهية ص ٦٢، والجنى الداني ص ٢١٨، ورصف المباني ص ١١٥، وشرح الأشموني ١/١٤٩، وشرح شواهد المغني ١/١٠٥، وشرح المفصل ٨/٧١، ولسان العرب (حرر) (صدق) (أنن)، ومغني اللبيب ١/٣١، والمقاصد النحوية ٢/٣١١، والمنصف ٣/١٢٨، وهمع الهوامع ١/١٤٣ والدر المصون ٢/٤٤٣..
١٠ ينظر البيت في البحر المحيط ٣/٣٨٩ والدر المصون ٢/٢/٤٤٣..
١١ تقدم برقم ٥٧٩..
١٢ ذكره البغوي في تفسيره ١/٤٩١..
١٣ ينظر: البحر المحيط ٣/٣٩٠، والدر المصون ٢/٤٤٤..
١٤ جزء بين والبيت بتمامه: 
 فأصبحوا قد أعاد الله نعمتهم\*\*\* إذا هم قريش وإذ ما مثلهم بشر
 ينظر ديوانه (١٦٧) ورصف المباني ٣١٢ والمقرب ١/١٠٢ والمغني (٨٧) والكتاب ١/٦٠ والدر المصون ٢/٤٤٤..
١٥ ينظر: الإملاء ١/١٩٨..
١٦ ذكره البغوي في تفسيره ١/٤٩١..
١٧ في ب: لقوله..
١٨ في ب: فالمناخر..
١٩ في أ: يجمعون..

### الآية 4:141

> ﻿الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِنَ اللَّهِ قَالُوا أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ وَإِنْ كَانَ لِلْكَافِرِينَ نَصِيبٌ قَالُوا أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُمْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ۚ فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ۗ وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا [4:141]

قوله تعالى : الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ فَإِن كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِّنَ اللَّهِ قَالُواْ أَلَمْ نَكُنْ مَّعَكُمْ وَإِن كَانَ لِلْكَافِرِينَ نَصِيبٌ قَالُواْ أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُمْ مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَن يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً [(١)](#foonote-١) \]
في :" الذين يتربَّصُون " : ستَّة أوجه :
أحدُها : أنه بدلٌ من قوله :" الذين يتَّخِذُون "، فيجيء فيه الأوْجُه المذْكُورة هناك. 
الثاني : أنه نَعْتٌ للمنافِقِين على اللَّفْظِ، فيكون مَجْرورَ المَحَلِّ. 
الثالث : أنه تابعٌ لهم على المَوْضِع، فيكونُ مَنْصُوبَ المَحَلِّ، وقد تقرَّر أنَّ اسم الفاعل العامِل إذا أُضيفَ إلى مَعْمُوله، جاز أن يُتْبَعَ مَعْمُولُه لفظاً وموضعاً، تقول :" هذا ضاربُ هندٍ العاقلةِ والعاقلةَ " بجرِّ العاقلة ونصبها. 
الرابع : أنه منصوبٌ على الشَّتْم. 
الخامس : أنه خَبَرُ مبتدأ مُضْمَر، أي : هُمُ الذين. 
السادس :- وذكره أبو البقاء[(٢)](#foonote-٢) - أنه مُبْتَدأ، والخبرُ قوله : فإنْ كان لَكُمْ فَتحٌ ، وهذا ضَعِيفٌ ؛ لنبوِّ المَعْنَى عنه ولزيادةِ الفاءِ في غير مَحَلِّها ؛ لأنّ هذا الموصُولَ غيرُ ظاهر الشَّبهِ باسْمِ الشرط.

### فصل في معنى الآية


ومعنى " يتربَّصُون بِكُم " : ينتظرون بكُم الدَّوَائِر، يعنى : المُنَافِقِين، ينتظرون ما يَحْدُث من خَيْر وشَرٍّ،  فإنْ كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِّنَ اللَّهِ  أي : ظهورٌ على اليَهُود، وظَفر، وغَنَيِمة،  قالوا ألمْ نكُن معكُم  على دينكُم وفي الجِهَاد كنَّا معَكُم، فأعْطُونا قِسْماً من الغَنِيمَةِ،  وإنْ كانَ لِلْكَافِرِينَ نَصِيبٌ  يعني : ظَفرٌ على المُسْلِمِين، " قَالُوا " : يعني : المُنَافِقِين للكافرين : أَلَمْ نَسْتَحْوذْ عَلَيْكُم  والاستحواذ : الاستيلاء والغَلَبة على الشَّيْء، ومنه : اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ  \[ المجادلة : ١٩ \]، ويقال : حَاذَ وأحَاذَ بِمَعْنًى ؛ والمصدر : الحَوْذ، وفي المَعْنَى وُجُوهٌ :
الأول : أن المَعْنَى : ألم نَغْلِبكُم، ونتمكَّن من قَتْلِكُم وأسركُم، ثم لم نَفْعَل شَيْئاً من ذَلِك،  وَنَمْنَعْكُم مِّنَ المُؤْمِنِينَ  أي : نَدْفَع عَنْكُم صولة المُؤمِنين بِتَخْذِيلهم، وتوانينا في مُظاهَرَتِهم، فأعطونا نَصِيباً ممَّا[(٣)](#foonote-٣) أصَبْتُم. 
الثاني : قال المُبَرِّد : يقول المُنَافِقُون[(٤)](#foonote-٤) للكفَّار : ألم نَغْلِبْكُم ؛ فإن المُنَافِقِين بالغُوا في تَنْفِير الكَافِرِين، وأطْمَعُوهم أنه سَيضْعُفُ أمر محمَّدٍ، وسَيَقْوى[(٥)](#foonote-٥) أمركم، فإذا اتَّفَقَتْ للكفَّار دَوْلةٌ على المُسْلِمين، قال المُنَافِقُون : ألَسْنَا غلبناكم على رَأيِكُم في الدُّخُول في الإسْلام، ومَنَعْنَاكُم منه، فلمَّا شاهَدْتُم صِدْق قَوْلِنا، فأعْطُونا نَصِيبَنَا ممَّا أخَذْتُمْ، ومرادُ المُنافقين : إظْهَار المِنَّة على الكَافِرِين بهذا الكلامِ. 
الثالث : ألم نُخْبِرْكم بِعَزِيمَةِ محمَّدٍ وأصحابه، ونُطْلِعْكُم على سِرِّهِم. 
فإن قيل : لِمَ سَمَّى ظَفر المُسْلِمين فتحاً، وظفر الكُفَّار نَصِيباً. 
فالجواب : أنه تعظيم لشأن المُؤمنين، وتحقير لحظِّ الكَافِرِين ؛ لأن ظَفر المُسْلِمين أمر عظيم، يفتح الله لَهُ أبْوَاب السَّمَاء ؛ حتى تَنْزل الرَّحْمَة على أوْلِيَاء اللَّه، وأما ظَفر الكَافِرِين : فما هُوَ إلا حَظٌّ دنيويٌّ يَنْقَضِي، ولا يَبْقَى منه إلا اللَّوْم في الدُّنْيَا، والعُقُوبة في الأخْرَى. 
قوله :" ونمنعكم " الجمهورُ على جَزْمه، عطفاً على ما قبله. 
وقرأ ابن أبي عَبْلَة[(٦)](#foonote-٦) بنصب العَيْن وهي ظَاهِرَةٌ ؛ فإنه على إضْمَار " أنْ " بعد الوَاوِ المقتَضِيَة للجَمْع في جواب الاستفهامِ ؛ كقول الحُطيْئَة :\[ الوافر \]ألَمْ أكُ جَارَكُمْ ويَكُونَ بَيْنِي  وَبَيْنَكُمُ الْمَوَدَّةُ والإخَاءُ[(٧)](#foonote-٧)وعَبَّر ابنُ عَطِيَّة بعبارة الكوفيين، فقال :" بفتحِ العَيْن على الصَّرْف " ويعنون بالصَّرْف : عدمَ تَشْريكِ الفِعْلِ مع ما قَبْلَه في الإعْرَاب. 
وقرأ أبيّ[(٨)](#foonote-٨) :" ومنعناكم " فعلاً ماضياً، وهي ظاهرةٌ أيضاً ؛ لأنه حُمِلَ على المَعْنَى، فإنَّ معنى " أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ " : إنَّا قد اسْتَحْوَذْنا، لأنَّ الاستفهامَ إذا دخل على نَفْي قَرَّره، ومثلُه : أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ وَوَضَعْنَا  \[ الشرح : ١، ٢ \] لَمَّا كان " أَلم نَشْرَحْ " في معنى :" قد شَرحْنَا " عُطِفَ عليه " ووضَعْنا ". 
ونَسْتَحْوِذُ واستحوذ مِمَّا شَذَّ قياساً، وفَصُحَ استعمالاً ؛ لأنَّه مِنْ حقِّه نَقْلُ حركةِ حَرْفِ علَّتِه إلى السَّاكِن قبلها، وقَلْبها ألفاً ؛ كاسْتَقَام واسْتَبَان وبابه، وقد قدمت تَحْقِيق هذا في قوله - تعالى - في الفاتحة :" نَسْتَعين "، وقد شذَّت معه ألفاظٌ أخَرُ، نحو :" أغْيَمَتْ وأغيلت المرأة وأخْيَلت السَّماء " قصرها النَّحْوِيُّون على السَّماع، وقاسها أبُو زَيْد. 
قوله : فالله يحكم بَيْنَكُم  قيل : هنا مَعْطوفٌ مَحْذُوف، أي : وبينهم ؛ كقوله :\[ الطويل \]فَمَا كَانَ بَيْنَ الخَيْرِ لَوْ جَاءَ سَالِماً  أبُو حُجُرٍ إلاَّ لَيَالٍ قَلاَئِلُ[(٩)](#foonote-٩)أي : وبيني، والظَّاهرُ أنه لا يحتاج لذلك ؛ لأن الخِطَاب في " بَيْنَكُم " شاملٌ للجَميع، والمرادُ : المُخَاطَبُون والغَائِبُون، وإنما غَلَّبَ الخطاب ؛ لما عَرَفْتَ من لُغَة العرب. 
فالمعنى : أنَّ الله يَحْكُم بين المُؤمنين والمُنَافقين يوم القيامةِ، ولم يَضِع السَّيْف في الدُّنْيَا عن المُنَافِقِين[(١٠)](#foonote-١٠)، بَلْ أخّر عِقَابِهِم إلى يَوْم القِيَامَةِ. 
قوله : ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلاً . 
قال عَلِيٌّ - رضي الله عنه - : في الآخِرة، قال يُسَيْع الحضرمِيّ : كُنْتُ عند عَلِيٍّ - رضي الله عنه -، فقال \[ له \][(١١)](#foonote-١١) رجُلٌ يا أمير المُؤمنين : أرأيْت قوله[(١٢)](#foonote-١٢) - تبارك وتعالى - : ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلاً . كيف ذَلِك، وهم يُقَاتِلُوننَا ويَظْهَرُون علينا أحْيَاناً. 
فقال عَلِيٌّ - رضي الله عنه - : معنى ذلك : يَوْم القيامة[(١٣)](#foonote-١٣) ؛ وهو مَرْوِيٌّ عن ابن عبَّاسٍ[(١٤)](#foonote-١٤)، وقيل : لا يجعل الله للكافرين على المُؤمنين سَبِيلاً، إلا أنْ يتواصوا بالبَاطِل، ولا يَتَنَاهَوْا عن المُنْكَرِ، ويتقاعَدُوا عن التَّوْبة، فيكون تَسْلِيطُ العدُوِّ من قبلهم[(١٥)](#foonote-١٥) ؛ كما قال : وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ  \[ الشورى : ٣٠ \]. 
قال ابن العَرَبِيِّ[(١٦)](#foonote-١٦) : وهذا نَفِيسٌ. 
وقيل : ولَنْ يَجْعَل اللَّه للكَافِرِين على المُؤمنين سَبِيلاً شَرْعاً، فإنْ وُجِد، فَبِخلاف الشَّرْع. 
وقال عِكْرمة، عن ابن عبَّاسٍ : حُجَّة في الدُّنْيَا، وقيل : ظُهُوراً على أصْحَاب النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم[(١٧)](#foonote-١٧)، وقيل : عَامٌّ في الكُلِّ، إلا ما خصَّه الدَّلِيلُ. 
قوله : على المُؤمنين يَجُوز أن يتعلَّق بالجَعْلِ، ويجُوز أن يتعلَّق بِمَحذُوفٍ ؛ لأنه في الأصْل صِفَة ل " سَبِيلاً "، فلما قُدِّم عليه، انْتَصَبَ حالاً عَنْهُ. 
### فصل


**استدَلُّوا بهذه الآية على مَسَائِلَ :**
منها : استيلاء الكَافِر على مال المُسْلِمِ بدَارِ الحَرْب، لم يَمْلِكْه. 
ومنها : أن الكَافِر ليس لَهُ أن يَشْتَرِي عَبْداً مسلماً. 
ومنها : أنَّ المُسْلِم لا يُقْتَل بالذِّمِّيِّ. 
١ سقط في ب..
٢ ينظر: الإملاء ١/١٩٩..
٣ في أ: بما..
٤ في ب: المؤمنون..
٥ في ب: ويقوى..
٦ ينظر: المحور الوجيز ٢/١٢٦، والبحر المحيط ٣/٣٩١، والدر المصون ٢/٤٤٥..
٧ ينظر البيت في ديوانه(٥٤) وشرح شواهد المغني ٩٥٠ وشرح ابن عقيل ص ٥٧٤، ومغني اللبيب ص ٦٦٩، وشرح شذور الذهب ص ٤٠٣، والدرر ٤/٨٨ والرد على النحاة ص ١٢٨، وشرح أبيات الكتاب ٢/٧٣، والدرر ٤/٨٨، والمقاصد النحوية ٤/٤١٧، وجواهر الأدب ص ١٦٨، والمقتضب ٢/٢٧، وشرح الأشموني ٣/٥٦٧، ورصف المباني ص ٤٧، وهمع الهوامع ٢/١٣، وشرح قطر الندى ص ٧٦ والدر المصون ٢/٤٤٤..
٨ ينظر: المحرر الوجيز ٢/١٢٦، والبحر المحيط ٣/٣٩١، والدر المصون ٢/٤٤٥..
٩ تقدم برقم ٨١٣..
١٠ في أ: المؤمنين..
١١ سقط في ب..
١٢ في ب: قول الله..
١٣ أخرجه الطبري في "تفسيره" (٩/٣٢٨) عن علي بن أبي طالب وأبي مالك.
 وذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٢/٤١٦) عن علي وعزاه للطبري وحده..
١٤ أخرجه الطبري في "تفسيره" (٩/٣٢٨) عن ابن عباس وذكره السيوطي في "الدر المنثور"(٢/٤١٦) وزاد نسبته لعبد بن حميد وابن المنذر وذكره أيضا (٢/٤١٦) عن أبي مالك وزاد نسبته لبعد بن حميد وابن المنذر..
١٥ في ب: قتلهم..
١٦ ينظر: تفسير القرطبي ٥/٢٦٩..
١٧ أخرجه الطبري في "تفسيره" (٩/٣٢٨) عن السدي بمعناه وانظر "البحر المحيط" لأبي حيان (٣/٣٩١)..

### الآية 4:142

> ﻿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَىٰ يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا [4:142]

قد تقدَّم تفسير الخِدَاع واشتقاقه أوّل البقرة، ومعنى المُفَاعَلة فيه. 
قال الزَّجَّاج : مَعْنَاه : يُخَادِعُون الرَّسُول، أي : يظهرون لَهُ الإيمَان ويبطنون الكُفْرَ ؛ كقوله :
 إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ  \[ الفتح : ١٠ \]، وسمّي المُنَافِق مُنَافِقاً ؛ أخذاً من : نَافِقَاء اليَرْبُوع ؛ وهي جُحْره ؛ فإنه يَجْعَلُ له بَابَيْن، يَدْخُلُ من أحدهما ويَخْرُجُ من الآخَر ؛ كذلك المُنَافِق، يَدْخُل مع المؤمنين بقوله : أنا مُؤمِنٌ، \[ ويدخل مع الكَافِر بقوله : أنا كَافِر \][(١)](#foonote-١)، وجُحْرُ اليَرْبُوعِ يُسَمَّى النَّافِقَاء، والسَّاميَاء والدَّامياء، \[ فالسَّامِيَاء \][(٢)](#foonote-٢) : هو الجحر الذي[(٣)](#foonote-٣) تلد فيه الأنْثَى، \[ والدامياء : هو الذي يَكُون \][(٤)](#foonote-٤) فيه. 
قوله :" وَهُوَ خَادِعُهُمْ " فيه ثلاثة أقْوَالٍ :
أحدها : ذكرَه أبُو البقاء[(٥)](#foonote-٥) : أنه نَصْبٌ على الحَالِ. 
والثاني : أنَّها في مَحَلِّ رفعٍ عطْفاً على خَبَر " إنَّ ". 
الثالث : أنَّها استِئْنَاف إخْبَار بِذَلك. 
قال الزَّمَخْشَرِيُّ :" وخادعٌ : اسم فاعِل من خَادعْتُه، فَخَدَعْتهُ إذا غَلَبْتهُ، وكنت أخْدَع مِنْه ". قوله :" وَهُوَ خَادِعُهُم " أي : مُجَازيهم بالعِقَاب على خِدَاعِهم. 
قال ابن عبَّاس : إنهمَ يُعْطَوْن نوراً يَوْم القِيَامةِ كالمؤمنين، فيَمْضِي المُؤمِنُون بنورهم على الصِّراطِ، ويُطْفَأ نور المُنَافِقِين[(٦)](#foonote-٦)، يدلُّ عليه قوله : مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَاراً فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لاَّ يُبْصِرُونَ  \[ البقرة : ١٧ \]. 
قوله :" وإذا قَامُوا " عطفٌ على خَبَر " إنَّ " أخبر عَنْهم بِهَذِه الصِّفَاتِ الذَّميمة، و " كُسَالى " : نصبٌ على الحَالِ من ضَمِير " قَامُوا " الواقع جواباً، والجُمهورُ على ضمِّ الكاف، وهي لُغة أهل الحِجاز \[ جمع كَسْلان : كسَكَارَى \][(٧)](#foonote-٧)، وقرأ الأعرج بفتحها، وهي لُغَةُ تميم وأسَدٍ، وقرأ ابن السَّمَيْفع[(٨)](#foonote-٨) :" كَسْلى " وصَفَهم بِمَا تُوصف به المُؤنَّثَة المفردةُ، اعْتِبَاراً بمعنى الجماعة ؛ كقوله :" وتَرَى الناسَ سَكْرى "، والكسلُ : الفُتُورُ والتواني، وأكْسَل : إذا جَامَعَ وفَتَر ولم يُنْزل. والمعنى : أن المُنَافِقِين إذا قامُوا إلى الصَّلاةِ، قاموا مُتَثَاقِلِين، لا يُرِيدُون بها الله - تعالى-، فإن رَآهم أحَدٌ، صلَّوا، وإلا انْصَرَفُوا فَلَمْ يُصَلُّوا. 
قوله :" يُراؤون \[ النَّاسَ \] " في هذه الجُمْلَةِ ثلاثةُ أوجه :
أحدُها : أنها حَالٌ من الضَّمير المُسْتَتر في " كُسَالى ". 
الثاني : أنها بَدَلٌ من " كُسَالَى " ؛ ذكره أبو البقاء[(٩)](#foonote-٩)، فيكونُ حالاً من فاعل " قَامُوا " وفيه نظر، لأنَّ الثَّاني ليس الأوَل ولا بَعْضَه ولا مُشْتَمِلاً عليه. 
الثالث : أنها مُستأنفةٌ أخْبر عَنْهم بذلك، وأصلُ يُراؤون : يُرائِيُون، فأعِلَّ كَنَظائره، والجمهور على :" يُراؤون " من المُفاعلةِ. 
قال الزَّمخْشَرِيُّ : فإنْ قلت : ما مَعْنَى المراءاة، وهي مُفاعَلَة من الرُّؤيَة ؟ قلت : لها وجهان :
أحدهما : أنَّ المُرَائِيَ يُريهم عَمَلَه، وهم يُرُونه الاسْتحْسَانَ. 
والثاني : أن تكُونَ من المُفاعلة بمعنى : التَّفْعِيل، يقال : نعَّمه وناعَمَهُ، وفَنَّقه وفَانَقَه، وعيش مُفَانِق، وروى أبو زَيْد :" رأَّت المَرْأةُ المِرْآة \[ الرَّجُل \] " إذا أمْسكَتْها له ليرى وَجهَه ؛ ويدل عليه قراءةُ ابن أبي[(١٠)](#foonote-١٠) إسحاق :" يُرَؤّونَهُم " بهمزةٍ مُشَدَّدةٍ مثل : يُدَعُّونهم، أي : يُبَصِّرونهم ويُرَاؤونهم كذلك، يعني : أن قراءةَ :" يُرَؤُّنهم " من غير ألفٍ، بل بهمزةٍ مَضْمُومةٍ مشدَّدَةٍ توضِّح أنَّ المُفاعَلَة هنا بِمَعْنَى التفعيل. 
قال ابن عَطِيَّة :" وهي - يعني هذه القراءة - أقْوَى من " يُرَاؤُونَ " في المعنى ؛ لأنَّ مَعْنَاها يَحْمِلُون النَّاسَ على أنْ يَرَوْهم، ويتظاهَرُون لهم بالصَّلاة ويُبْطنُون النِّفَاقَ " وهذا منه ليس بجيِّد ؛ لأنَّ المُفَاعَلة إنْ كَانَت عَلَى بابها، فهي أبْلَغُ لِما عُرِفَ غيرَ مرَّة، وإنْ كانت بِمَعْنَى التفعيل، فهي وَافِيةٌ بالمَعْنَى الذي أرَادَه، وكأنه لم يَعْرِف أنَّ المفاعلة قد تَجِيءُ بمعنى التَّفْعِيل. ومتعلَّقُ المُرَاءاةِ محذُوفٌ ؛ لِيَعُمَّ كلَّ ما يُراءى به، والأحْسَن أن تُقَدِّر : يُراؤون النَّاسَ بأعْمَالِهم. 
قوله : وَلاَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلاَّ قَلِيلاً  " ولا يَذْكُرُون "، يجوز أن يكون عَطْفاً على " يُرَاؤُون "، وأن يكون حالاً من فاعِل " يُراؤُون " وهو ضعيفٌ ؛ لأن المُضارع المَنْفِيَّ ب " لا " كالمُثْبَتِ، والمُثْبَتُ إذا وَقَع حالاً، لا يَقْترِنُ بالوَاوِ، فإنْ جَعَلها عَاطِفَةً، جَازَ. 
وقوله :" قليلاً " : نعتٌ لمصدرٍ محذُوفٍ، أو لزمان مَحْذوفٍ، أي : ذكْراً قليلاً أو زمناً قليلاً، والقلةُ هُنَا على بابها، وجَوَّز الزَّمَخْشَرِيُّ وابن عطِيَّة : أن تكون بِمَعْنَى العَدَم، ويأباه كَوْنُه مُسْتَثْنى، وقد تقدَّم الردُّ عليهمَا في ذَلِكَ.

### فصل


قال ابنْ عبَّاسٍ، والحسن : إنَّما قال ذَلِك ؛ لأنَّهمُ يَفْعَلُونها رِيَاءً وسُمْعَة[(١١)](#foonote-١١)، ولو أرَادُوا بذلك القَلِيل وَجْهَ اللَّه، لكان كَثِيراً، وقال قتادة : إنَّما قلَّ ذكرُ المُنَافِقِين ؛ لأنَّ الله لم يَقْبله[(١٢)](#foonote-١٢)، وكلّ ما قَبِلَ اللَّه، فهو كَثِيرٌ. 
وقيل[(١٣)](#foonote-١٣) : المعنى : لا يصلّون إلا قَليلاً، \[ والمُرادُ ب " الذكر " الصَّلاة \][(١٤)](#foonote-١٤)، وقيل : لا يَذْكُرُون اللَّه في جَمِيع الأوقات، سواءً كان وَقْت الصَّلاة أوْ لَمْ يكُن إلاَّ قَلِيلاً نادراً. 
قال الزَّمَخْشَرِيُّ :\[ وترى \][(١٥)](#foonote-١٥) كثيراً من المُتَظَاهِرِين بالإسْلام، لو صِحِبْتَهُ الأيَّام واللَّيَالي، لَمْ تسمع منه تَهْلِيلَةً، ولكن حَدِيث الدُّنْيَا يَسْتَغْرقُ به أوْقاته، لا يَفْترُ عَنْه. 
١ سقط في ب..
٢ سقط في ب..
٣ في ب: التي..
٤ في ب: والدامياء: الذي يكون فيه الذكر، والنافقاء: هو الذي يكونان فيه..
٥ ينظر: الإملاء ١/١٩٩..
٦ أخرجه الطبري في "تفسيره" (٩/٣٢٩) عن السدي وذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٢/٤١٧)..
٧ ينظر: المحرر الوجيز ٢/١٢٧، والبحر المحيط ٣/٣٩٣، والدر المصون ٢/٤٤٦..
٨ ينظر: البحر المحيط ٣/٣٩٣، والدر المصون ٢/٤٤٦..
٩ ينظر: الإملاء ١/١٩٩..
١٠ ينظر: البحر المحيط ٣/٣٩٣، والدر المصون ٢/٤٤٦..
١١ أخرجه الطبري في "تفسيره" (٩/٣٣١) عن قتادة وابن زيد وذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٢/٤١٧) عن قتادة وزاد نسبته لعبد بن حميد وابن المنذر.
 وذكره أبو حيان في "البحر المحيط" (٣/٣٩٣) عن الحسن..
١٢ أخرجه الطبري في "تفسيره" (٩/٣٣٢) عن قتادة وذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٢/٤١٧) وزاد نسبته لابن المنذر وعبد بن حميد..
١٣ في أ: ونقل..
١٤ سقط في ب..
١٥ سقط في ب..

### الآية 4:143

> ﻿مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَٰلِكَ لَا إِلَىٰ هَٰؤُلَاءِ وَلَا إِلَىٰ هَٰؤُلَاءِ ۚ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا [4:143]

قوله :" مُذَبْذَبِينَ " : فيه ثلاثةُ أوجهٍ :
أحدها : أنه \[ حالٌ \] من فاعل " يراءون ". 
الثاني : أنه حالٌ من فاعل " وَلاَ يَذْكُرُون ". 
الثالث : أنه منصوبٌ على الذَّمِّ، والجمهور على " مُذَبْذَبينَ " بميمٍ مضمومة وذَالَيْن معجمتَيْن، ثانيتهما مفتوحةٌ على أنه اسم مفعول، من ذَبْذَبْتُهُ، فَهُوَ مُذَبْذَبٌ، أي : مُتَحَيِّرٌ، وقرأ ابن عبَّاس وعمرو بنُ فائدٍ[(١٦)](#foonote-١٦) بكَسْر الذال الثانيةِ اسمَ فاعلٍ، وفيه احتمالان :
أحدهما : أنه من " ذَبْذَب " متعدِّياً، فيكونُ مفعولُه محذوفاً، أي : مُذَبْذِبينَ أنْفُسَهُمْ أو دينهُمْ، أو نحو ذلك. 
الثاني : أنه بمعنى تَفَعْلَل، نحو :" صَلْصَلَ " فيكون قاصراً ؛ ويَدُلُّ على هذا الثاني قراءةُ أبَيٍّ، وما في مصحف عبد الله[(١٧)](#foonote-١٧) " مُتَذَبْذِبِينَ " فلذلك يُحْتَمَلُ أن تكونَ قراءةُ ابن عبَّاس بمعنى مُتَذَبْذبين، وقرأ الحَسَنُ البصريُّ[(١٨)](#foonote-١٨) " مَذَبْذَبِين " بفتح الميم. قال ابن عطيَّة :" وهي مردودةٌ " وقال غيره : لا ينبغي أن تَصِحَّ عنه، واعتذر أبو حيان عنها لأجْلِ فصاحة الحَسَن، واحتجاجِ الناس بكلامه بأنَّ فتْح الميم لأجل إتباعها بحركة الذال ؛ قال :" وإذا كانُوا قد أتبعوا في " مِنْتِنٍ " حركة الميم بحركة التاء، مع الحاجز بينهما، وفي نحو " مُنْحَدُر " أتبعوا حركة الدال بحركة الراء حالة الرفع، مع أنَّ حركة الإعراب غيرُ لازمة ؛ فلأنْ يُتْبِعُوا في نحو " مَذَبْذَبِينَ " أوْلَى ". \[ قال شهاب الدين :\] وهذا فاسدٌ ؛ لأن الإتباع في الأمثلة التي أوردها ونظائِرَها إنما هو إذا كانت الحركةُ قويةً، وهي الضمةُ والكسرةُ، وأمَّا الفتحةُ فخفيفةٌ، فلم يُتْبِعُوا لأجْلها، وقرأ ابن القعقاع بدَالَيْن مُهْملتَيْنِ من الدُّبَّة، وهي الطريقة \[ الَّتي يُدَبُّ فيها \] يقال :" خَلِّني وَدُبَّتِي " أي : طريقَتِي ؛ قال :\[ الطويل \]
طَهَا هُذْرُبَانٌ قَلَّ تَغْمِيضُ عَيْنِهِ \*\*\* عَلَى دُبَّةٍ مِثْلِ الْخَنِيفِ المُرَعْبَلِ[(١٩)](#foonote-١٩)
وفي حديث ابن عبَّاس :" اتَّبِعُوا دُبَّةَ قُرَيْشٍ "، أي : طَريقَهَا، فالمعنى على هذه القراءة : أن يأخُذَ بهم تارةً دُبَّةً، وتارة دُبَّةً أخرى، فَيَتْبَعُونَ متحيِّرين غيرَ ماضينَ على طريقٍ واحدٍ. 
ومُذَبْذَبٌ وشبهُه نحْوُ : مُكَبْكَبٍ ومُكَفْكَفٍ ؛ مِمَّا ضُعِّفَ أولُه وثانيه، وصَحَّ المعنى بإسقاط ثالثه - فيه مذاهبٌ :
أحدها :- وهو قولُ جمهور البصريين - : أنَّ الكلَّ أصولٌ ؛ لأنَّ أقلَّ البنية ثلاثةُ أصولٍ، وليس أحدُ المكرَّرين أوْلَى بالزيادةِ من الآخر. 
الثاني - ويُعْزَى للزجَّاج - : أنَّ ما صَحَّ إسقاطُه زائدٌ. 
الثالث - وهو قول الكوفيين - : أن الثالث بدلٌ من تضعيف الثاني، ويزعُمُون أن أصل كَفْكَفَ : كَفَّفَ بثلاث فاءات، وذَبْذَبَ : ذَبَّبَ بثلاث ياءات، فاستُثْقِل توالي ثلاثةِ أمثالٍ، فأبْدَلُوا الثالثَ من جنْس الأوَّل، أمَّا إذا لم يَصِحَّ المعنى بحذفِ الثالث، نحو : سِمْسِم وَيُؤيُو وَوَعْوَعٍ ؛ فإنَّ الكلَّ يزعمون أصالةَ الجميعِ، والذَّبْذَبَةُ في الأصل : الاضطرَابُ والحركة ومنه سُمِّي الذُّباب ؛ لكَثْرة حركَتِه. 
قال - عليه السلام - :" من وُقي شر قَبْقَبه وذبذبه ولَقْلَقِه وجبت له الجَنَّة " [(٢٠)](#foonote-٢٠) يعني : الذكر يُسَمَّى بذلك لتَذَبْذُبِه، أي : حركته، وقيل التَّذَبْذُب[(٢١)](#foonote-٢١) : التَّرَدُّد بين حَالَيْن[(٢٢)](#foonote-٢٢). 
قال النابغة :\[ الطويل \]
ألَمْ تَرَ أنَّ اللَّهَ أعْطَاكَ سُورَةً \*\*\* تَرَى كُلَّ مَلْكٍ دُونَهَا يَتَذَبْذَبُ[(٢٣)](#foonote-٢٣)
وقال آخر :\[ الطويل \]
خَيَالٌ لأمِّ السَّلْسَبِيلِ وَدُونَهَا \*\*\* مَسِيرَةُ شَهْرٍ لِلْبَعيرِ المُذَبْذِبِ[(٢٤)](#foonote-٢٤)
بكسر الذال الثانية، قال ابنُ جنِّي :" أي : القَلق الذي لا يستقرُّ " ؛ قال الزمخشريُّ :" وحقيقةُ المذبذب الذي يُذَبُّ عن كلا الجانبين، أي : يُذاد ويُدْفع، فلا يقرُّ في جانبٍ واحدٍ، كما يقال :" فُلانٌ يُرْمَى به الرَّحَوانِ "، إلا أنَّ الذبذبة فيها تكريرٌ ليْسَ في الذَّبِّ، كأنَّ المعنى : كلَّما مالَ إلى جانبٍ ذَبَّ عنه ". 
قال ابن الأثير في " النهاية " [(٢٥)](#foonote-٢٥) : وأصْلُه من الذَّبِّ وهو الطَّرْدُ ؛ ومنه قوله - عليه الصلاة والسلام :" تزوَّجْ وإلاَّ فأنْتَ مِنَ المُذَبْذَبِينَ " [(٢٦)](#foonote-٢٦) أي : المَطْرُودين عن المؤمنين لأنَّكَ لم تَقْتَدِ بهم، وعن الرُّهْبَانِ[(٢٧)](#foonote-٢٧) ؛ لأنك تَرَكْتَ طَريقَتَهُم، ويجُوز أن يكُونَ من الأوّل. 
و " بَيْنَ " معمولٌ لقوله :" مُذَبْذَبِينَ " و " ذَلِكَ " إشارةٌ إلى الكُفْر والإيمانِ المدلولِ عليهما بذكْرِ الكافرين والمؤمنين، ونحو :\[ الوافر \]
إذا نُهِيَ السَّفِيهُ جَرَى إليه \*\*\*. . . [(٢٨)](#foonote-٢٨)
أي : إلى السَّفَهِ ؛ لدلالة لفظ السفيه عليه، وقال ابن عطية :" أشير إليه، وإن لم يَجْرِ له ذِكْرٌ ؛ لتضمُّن الكلام له ؛ نحو : حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ  \[ ص : ٣٢ \]  كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ  \[ الرحمن : ٢٦ \] يعني توارتِ الشمسُ، وكُلُّ من على الأرْضِ ؛ قال أبو حيان " وليس كذلك، بل تقدَّم ما يدُلُّ عليه " وذكر ما قدَّمْتُه، وأشير ب " ذَلِكَ " وهو مفردٌ لاثنين ؛ لما تقدَّم في قوله  عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ  \[ البقرة : ٦٨ \]. 
قوله : لاَ إِلَى هَؤُلاءِ وَلاَ إِلَى هَؤُلاءِ  " إِلَى " في الموضعيْنِ متعلقةٌ بمحْذُوف، وذلك المحذوف هو حالٌ حُذِفَ ؛ لدلالة المعنى عليه، والتقدير : مُذَبْذَبينَ لا مَنْسُوبينَ إلى هؤلاء ولا منسوبين إلى هؤلاء، فالعاملُ في الحال نَفْسُ " مُذَبْذَبينَ "، قال أبو البقاء[(٢٩)](#foonote-٢٩) :" وموضعُ  لا إلى هؤلاءِ  نصبٌ على الحالِ من الضمير في مذبذبين، أي : يتذبذبون مُتَلَوِّنينَ " وهذا تفسير معنًى، لا إعراب.

### فصل


قال قتادة : معنى الآيَة : ليْسُوا مُؤمِنين مُخْلصِينَ، فَيَجِبُ لَهُم مَا يجِبُ للمُؤمنين، ولا مُشْرِكين مُصَرِّحِين بالشِّرْكِ[(٣٠)](#foonote-٣٠). 
وروى نَافعٌ عن ابن عمر، عن النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم قال :" مثَلُ المُنَافِقِ كمثلِ \[ الشَّاةِ \][(٣١)](#foonote-٣١) العَائِرَةِ بين الغَنَمَيْن تَعِيرُ إلى هذه مَرَّةً وإلى هَذِه مَرَّة " [(٣٢)](#foonote-٣٢). 
### فصل في أن الحيرة في الدين بإيجاد الله تعالى


استدلُّوا بهذه الآيةِ على أنَّ الحِيرَة في الدِّينِ إنَّما تَحْصُل[(٣٣)](#foonote-٣٣) بإيجَادِ اللَّه - تعالى - ؛ لأن قوله :" مُذَبْذَبِينَ " يقتضي فَاعِلاً قد ذَبْذَبَهُم، وصَيَّرَهُم مُتَردِّدِين، وذلك ليس باخْتِيَار العَبْدِ، فإن الإنْسَان إذا وَقَع في قلبه الدَّوَاعِي المُتعَارِضَة، المُوجِبَة للتَّحَيُّر والتَّرَدُّد، فلو أرَادَ أن يَدْفَع ذلك التَّرَدُّد عن نَفْسِه، لم يَقْدِر عليه أصْلاً، ومن تأمَّل في أحْوَالِهِ عَلِمَ ذلك، وإذا ثَبَت أنَّ تِلْكَ الذَّبْذَبَة لا بُدَّ لها من فاعلٍ، وأن فاعِلَها لَيْس هو العَبْدُ ؛ ثبت أنَّ فَاعِلَهَا هو اللَّه - تعالى -. 
فإن قيل : قوله - تعالى - : لاَ إِلَى هَؤُلاءِ وَلاَ إِلَى هَؤُلاءِ  يقتضي ذَمَّهُم على تَرْكِ طَريقَةِ المُؤمنين، وطريقَة الكُفَّار ؛ والذَّمُّ على تَرْكِ طريقِ الكُفَّارِ غير جَائِزٍ. 
فالجواب : أنَّ طريقة الكُفَّار وإن كانت خَبِيثَةً، إلا أن طريقَةَ النِّفَاقِ أخْبَثُ منها ؛ ولذلك فإن الله - تعالى[(٣٤)](#foonote-٣٤) - ذم الكُفَّار في أوَّل سُورَةِ البَقَرَةِ في آيتين، وذمَّ المُنافِقِين في تِسْعَ عَشْرَة آية، وما ذَلِك[(٣٥)](#foonote-٣٥) إلا لأن طَريقَة النِّفَاقِ أخْبَثُ من طَرِيقَةِ الكُفَّارِ، فهو - تعالى - لم يَذُمَّهم على تَرْكِ الكُفْرِ، بل لأنَّهُم عَدَلُوا عن الكُفْرِ إلى مَا هُو أخْبَثُ من الكُفْرِ. 
قوله : وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَن تَجِدَ لَهُ سَبِيلاً  أي : طَرِيقاً إلى الهُدَى. 
واسْتَدَلوا بهذه الآيَة على مَسْألتيْنِ :
الأولَى : أن تلك الذَّبْذَبَة من اللَّه - تعالى -، وإلا لَمْ يتَّصِلْ هذا الكلام بما قَبْلَهُ. 
الثانية : أنه صَريحٌ في أن اللَّه - تعالى - أضَلَّهُم[(٣٦)](#foonote-٣٦) عن الدِّينِ. 
قالت المعتزلة[(٣٧)](#foonote-٣٧) : فمعنى هذا الإضلالِ : أنه عِبَارةٌ عن حُكْم اللَّه[(٣٨)](#foonote-٣٨) - تعالى - عَلَيْهِ بالضَّلالِ، أو أنَّه - تعالى - يُضِلُّه يوم القيامة عن طريق الجَنَّة، وقد تقدَّم مثل ذَلِك.

### الآية 4:144

> ﻿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ ۚ أَتُرِيدُونَ أَنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا مُبِينًا [4:144]

لما ذَمَّ المُنَافِقِين بأنَّهُم لم يَسْتقِرُّوا مع أحَد الطَّريقَين، نَهَى المُسْلِمِين أن يَفْعَلُوا فِعْل المُنَافِقِين ؛ فقال : يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا الكافرين أولياء من دون المؤمنين  والسبب فيه :" أن الأنْصَار بالمدينَةِ كانت لَهُمْ \[ في قُرَيْظَة \][(١)](#foonote-١) رِضَاع وحِلْفٌ ومَوَدَّة، فقالُوا : يا رسول الله، مَنْ نَتَولَّى ؟ فقال :" المُهَاجِرِين " "، فَنَزَلَتْ هذه الآية[(٢)](#foonote-٢). 
وقال القَفَّال - رحمه الله تعالى[(٣)](#foonote-٣) - : هذا نَهْيٌ للمُسلِمِين عن مُوالاةِ المُنافِقِين، يقول[(٤)](#foonote-٤) : قد بَيَّنْتُ لكم أحْوَال هؤلاء المُنَافِقِين ومَذَاهِبهم، فلا تَتَّخِذُوا مِنْهُم أوْلِيَاء. 
ثم قال : أَتُرِيدُونَ أَن تَجْعَلُواْ لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَاناً مُّبِيناً ، \[ فإن حَمَلْنَاه على الأوَّلِ وهو نَهْي المُؤمنين عن مُوالاَةِ الكُفَّارِ، كان المَعْنَى : أتُرِيدُونَ أن تَجْعَلُوا للَّه عليكم سُلْطَاناً مُبِيناً \][(٥)](#foonote-٥) على كَوْنِكُم مُنَافِقِين، المُرَاد أتُرِيدُون أن تجعلُوا لأهْلِ دين اللَّه وهم الرَّسُول وأمته، وإن حَملْناهُ على المُنَافِقِين، كان المَعْنَى : أتريدُون أن تَجْعَلُوا للَّه عليكم في عقَابِكُم حُجَّة ؛ بِسببِ مُوالاتِكُم مع المُنافِقِين. 
قوله :" سُلْطَاناً " : السلطان يُذكَّرُ ويؤنث، فتذكيرُه باعتبار البرهان، وتأنيثه باعتبار الحُجَّة، إلا أن التأنيثَ أكثرُ عند الفُصَحاء، كذا قاله الفرَّاء، وحكى :" قَضت عليْكَ السُّلطَانُ " و " أخذتْ فلاناً السُّلْطَانُ " وعلى هذا فكيف ذُكِّرت صفته، فقيل : مبيناً دون : مبينة ؟ والجوابُ : أن الصفة هنا رأسُ فاصلة، فلذلك عدلَ إلى التذكير، دون التأنيث، وقال ابن عطية ما يخالِفُ ما حكاه الفراء ؛ فإنه قال :" والتذكيرُ أشهرُ، وهي لغةُ القرآنِ ؛ حيث وقع ". و " عَلَيْكُمْ " يجوزُ تعلُّقه بالجَعْلِ، أو بمحذوفٍ على أنه حال من " سُلْطَاناً " لأنه صفة له في الأصل، وقد تقدَّم نظيره.

١ سقط في ب..
٢ تقدم..
٣ ينظر: تفسير الرازي ١١/٦٩..
٤ في ب: تقول..
٥ سقط في ب..

### الآية 4:145

> ﻿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا [4:145]

قوله تعالى : إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ \[ وَلَن تَجِدَ لَهُمْ نَصِيراً \* إِلاَّ الَّذِينَ تَابُواْ وَأَصْلَحُواْ وَاعْتَصَمُواْ بِاللَّهِ وَأَخْلَصُواْ دِينَهُمْ للَّهِ فَأُوْلَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْراً عَظِيماً  \][(١)](#foonote-١)
الدَّرْك : قرأ الكوفيُّون[(٢)](#foonote-٢) - بخلاف عن عاصمٍ - بسكون الراء، والباقون بفتحها، وفي ذلك قولان :
أحدهما : أنَّ الدَّرْك والدَّرَكِ لغتان بمعنى واحدٍ، كالشَّمْعِ والشَّمَعِ، والقَدْرِ والقَدَرِ. 
والثاني : أن الدَّرَكَ بالفتح جمعُ " دَرَكَة " على حدِّ بَقَر وبَقَرة. 
وقال أبو حاتم : جَمْع الدَّرْكِ : أدْرَاك ؛ مثل حَمْل وأحْمَال، وفَرْس وأفراس وجمع الدرك : أدْرُك ؛ مثل أفْلُس وأكْلُب. 
واختار أبو عُبيد الفتح، قال : لأنه لم يَجِئْ في الآثار ذكرُ " الدَّرَك " إلا بالفتحِ، وهذا غيرُ لازمٍ لمجيء الأحاديثِ بإحدى اللغتين، واختار بعضهم الفتح ؛ لجمعه علَى أفعال قال الزمخشريُّ :" والوجهُ التحريكُ ؛ لقولهم : أدْرَاكُ جَهَنَّمَ "، يعني أنَّ أفْعَالاً منقاسٌ في " فَعَلٍ " بالفتحِ، دونَ فَعْل بالسكون، على أنه قد جاء أفعالٌ في فعْلٍ بالسكون ؛ نحو : فَرْخٍ وأفراخ، وزنْدٍ وأزنَادٍ، وفَرْدٍ وأفْرَادٍ، وقال أبو عبد الله الفاسيُّ في شرحِ القصيدِ :" وقال غيرُه - يعني غيرَ عاصم - ؛ محتجاً لقراءة الفتحِ ؛ قولهم في جمعه :" أدْرَاك " يدُلُّ على أنه " دَرَكٌ " بالفتح، ولا يلزمُ ما قال أيضاً ؛ لأن فعلاً بالتحريك قد جُمِعَ على أفعالٍ، كقَلَمٍ وأقْلاَمٍ، وجَبَل وأجْبَالٍ " انتهى، وهذه غفلةٌ منه ؛ لن المتنازع فيه إنما هو فعْلٌ بالتسكين : هل يُجمعُ على أفعالٍ، أم لا ؟ وأما فعَل بالتحريك فأفعالٌ قياسه، وكأنه قصد الردَّ على الزمخشريِّ، فوقع في الغلطِ، وكان ينبغي له أن يقول : وقد جُمِعَ فعلٌ بالسكون على أفعالٍ نحو : فَرْخٍ وأفْرَاخٍ، كما ذكرته لك، وحُكِيَ عن عاصم أنه قال :" لو كان " الدَّرَكُ " بالفتح، لكان ينبغي أن يقال السُّفْلى لا الأسفل " قال بعض النحويِّين : يعني أنَّ الدَّرَك بالفتح جمع " دَرَكَة " ؛ كبَقَرٍ جمع بقَرَةٍ، والجمعُ يُعامَلُ معاملةَ المؤنثة، وهذا غيرُ لازم ؛ لأنَّ اسم الجنس الفارقُ بين واحده وجمعه تاءُ التأنيث يجوز تذكيرُه وتأنيثه، إلا ما استُثني وجوبُ تذكيره أو تأنيثه، والدَّرَكُ ليس منه، فيجوزُ فيه الوجهان، هذا بعد تسليم كون " الدَّرْكِ " جمع " دَرَكَةٍ " بالسكون كما تقدم، والدَّرَكُ مأخوذٌ من المُداركة، وهي المتابعةُ، وسُمِّيَتْ طبقاتُ النارِ " دَرَكَاتٍ " ؛ لأنَّ بعضها مَدَارِكُ لبعض، أي : متتابعة. 
قوله :" من النَّارِ " في محلَّ نصب على الحال، وفي صاحبها وجهان :
أحدهما : أنه " الدَّرْك "، والعامل فيها الاستقرار. 
والثاني : أنه الضميرُ المستتر في " الأسْفَل " ؛ لأنه صفةُ، فيتحمل ضميراً. 
قال الليث[(٣)](#foonote-٣) : الدَّرْكُ أقْصَى قعْر الشيء ؛ كالبَحْر ونحوه، فعلى هذا المُرَاد بالدَّرْكِ الأسْفَل : أقْصَى قعر جَهَنَّم، وأصْلُ هذا من الإدْرَاكِ بمعنى اللُّحُوق، ومنه إدراكُ الطَّعَام وإدْراكُ الغُلاَمِ، قال الضحاك[(٤)](#foonote-٤) :\[ الدَّرج \][(٥)](#foonote-٥) إذا كان بَعْضُها فوقَ بَعْضٍ، والدَّرك إذا كانَ بعضها أسْفَل مِنْ بَعْضٍ.

### فصل في معنى الدرك


قال ابن مَسْعُود : الدَّرْكُ الأسْفَل من النَّارِ : توابِيت من حديدٍ مُقْفَلَة في النَّارِ، وقال أبُو هُرَيْرَة : بَيْتٌ يُقْفَل عليهم، تتوَقَّد فيه النَّارُ من فوقهم ومن تَحْتِهِم[(٦)](#foonote-٦). 
### فصل


قال ابن الأنْبَارِيّ[(٧)](#foonote-٧) : قال - تعالى - في صِفَةِ المُنَافِقِين : إنَّهُم في الدَّرْكِ الأسْفَلِ من النَّارِ[(٨)](#foonote-٨)، وقال في آلِ فِرْعَوْن : أَدْخِلُواْ آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ  \[ غافر : ٤٦ \] فأيُّهُمَا أشَدُّ عَذَاباً : المُنَافِقُون، أم[(٩)](#foonote-٩) آل فِرْعوْن ؟. 
وأجَابَ : بأنَّهُ يحتمل أنَّ أشَدَّ العذاب إنَّما يكُون في الدَّرْكِ الأسْفَلِ، وقد اجْتَمَع[(١٠)](#foonote-١٠) فيه الفَريقَانِ. 
### فصل لماذا كان المنافقون أشد عذاباً من الكفار ؟


إنَّما كان المُنَافِقُون أشَدّ عَذَاباً من الكُفَّارِ ؛ لأنَّهم مِثْلهم في الكُفْر، وضَمُّوا إليه نَوْعاً آخَرَ من الكُفْرِ، وهو الاسْتِهْزَاء بالإسْلامِ \[ وأهْلِه أيضاً فإنّهم يُظْهِرُون الإسْلاَم \][(١١)](#foonote-١١) ؛ ليتَمَكَّنُوا من الاطِّلاعِ على أسْرَار المُسْلِمِين، ثُمَّ يُخْبِرُون الكُفَّار بذلك فتتضاعف المِحْنَة. 
قوله : وَلَن تَجِدَ لَهُمْ نَصِيراً  مانعاً من العذاب. 
واحْتَجُّوا بهَذِهِ الآيَةِ على إثْبَات[(١٢)](#foonote-١٢) الشَّفَاعةِ للفُسَّاقِ من المُسْلِمِين ؛ لأنه - تعالى - خَصَّ المُنَافِقِين بهذا التَّهْدِيدِ، ولو كَانَ ذلك حَاصِلاً لِغَيْر المُنَافِقِين، لم يَكُنْ ذلك زَجْراً عن النِّفَاقِ من حَيْثُ إنَّه نِفَاقٌ، ولَيْس هذا اسْتِدْلاَلاً بِدَلِيلِ الخِطَابِ، بل وجْه الاستدلالِ فيه ؛ أنه - تعالى - ذَكَرَهُ في مَعْرِضِ الزَّجْرِ عن النِّفَاقِ، فلو حَصَل ذلك مع عَدَمِهِ، لم يَبْقَ زَجْراً عَنْه من حَيْث إنَّه نِفَاقٌ. 
١ سقط في ب..
٢ ينظر: السبعة ٢٣٩، والحجة ٣/١٨٨، وحجة القراءات ٢١٨، وإعراب القراءات ١/١٣٨، ١٣٩، والعنوان ٨٦، وشرح شعلة ٣٤٦، وشرح الطيبة ٤/٢٢٠، وإتحاف ١/٥٢٢..
٣ ينظر: تفسير الرازي ١١/٦٩..
٤ ينظر: السابق..
٥ سقط في أ..
٦ أخرجه الطبري في "تفسيره" (٩/٣٣٨) وذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٢/١٩) وزاد نسبته للفريابي وابن أبي شيبة وهناد في "الزهد" وابن أبي الدنيا وابن أبي حاتم وابن المنذر..
٧ ذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٢/٤١٩) عن أبي هريرة وعزاه لعبد بن حميد وابن أبي حاتم.
 وأخرجه الطبري (٩/٢٣٩) عنه بلفظ: توابيت ترتج عليهم وذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٢/٤١٩) وزاد نسبته لابن المنذر..
٨ ينظر: تفسير الرازي ١١/٦٩..
٩ في ب: أو..
١٠ في ب: جمع..
١١ سقط في ب..
١٢ في ب: ثبوت..

### الآية 4:146

> ﻿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ فَأُولَٰئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ ۖ وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْرًا عَظِيمًا [4:146]

قوله : إِلاَّ الَّذِينَ تَابُواْ  : فيه ثلاثة أوجه :
أحدها : أنه منصوبٌ على الاستثناء من قوله :" إِنَّ المُنَافِقِينَ ". 
الثاني : أنه مستثنًى من الضمير المجْرُورِ في " لَهُمْ ". 
الثالث : أنه مبتدأ، وخبرُه الجملةُ من قوله : فأولئك مَعَ المُؤمنِينَ ، قيل : ودَخَلَتِ الفاءُ في الخبرِ ؛ لشبه المبتدأ باسم الشرط، قال أبو البقاء[(١٣)](#foonote-١٣) ومكي[(١٤)](#foonote-١٤) وغيرُهما :" مَعَ المُؤمنينَ " خبرُ " أولَئِكَ "، والجملةُ خبر " إِلاَّ الَّذِينَ "، والتقدير : فأولئك مؤمنون مع المُؤمِنِينَ، وهذا التقديرُ لا تقتضيه الصناعةُ، بل الذي تقتضيه الصناعةُ : أن يُقَدَّر الخبرُ الذي يتعلَّق به هذا الظرف شيئاً يليقُ به، وهو " فأولئِكَ مُصَاحِبُونَ أو كائِنونَ أو مستقرُّون " ونحوه، فتقدِّرُه كوناً مطلقاً، أو ما يقاربه.

### فصل


معنى الآية  إِلاَّ الَّذِينَ تَابُواْ  : من النِّفَاقِ وآمَنُوا، " وأَصْلَحُوا " أعْمَالَهُم، " واعْتَصَمُوا باللَّهِ " ووثِقُوا باللَّهِ،  وأخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ  وأراد الإخلاَصِ بالقَلْبِ ؛ لأن النِّفَاقَ كُفْر القَلْبِ، فَزَوالُهُ يكُونُ بإخلاصِ القَلْبِ، فإذا حَصَلَت هذه الشُّرُوط، فِعنْدَها قال : فَأُوْلَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ ، ولم يَقُلْ : فأولئَك مُؤمِنُون. 
قال الفَرَّاء[(١٥)](#foonote-١٥) : معناه : فَأولَئِك من المُؤمِنِين. 
قوله : وَسَوْفَ يُؤْتِ الله \[ المُؤمِنينَ أجْراً عَظِيماً \]  رُسِمَتْ " يُؤتِ " دون " يَاءٍ " وهو مضارعٌ مرفوع، فحقُّ يائه أن تثبت لفظاً وخَطَّاً، إلا أنها حذفتْ لفظاً في الوصل ؛ لالتقاء الساكنين \[ وهما اليَاءُ في اللفظ واللام في الجلالة \] فجاءُ الرسمُ تابعاً للفظ، وله نظائرُ تقدَّم بعضها، والقراءُ يقفون عليه دون ياءٍ اتِّباعاً للرسْمِ، إلا يعقوب[(١٦)](#foonote-١٦)، فإنه يقف بالياء ؛ نظراً إلى الأصل، ورُوي ذلك أيضاً عن الكسَائيِّ وحمزة، وقال أبو عَمْرو :" ينبغي ألاَّ يُوقفَ عليها ؛ لأنَّه إنْ وُقِفَ عليها كما في الرسْمِ دون ياء خالَفَ النحويين، وإن وقف بالياء خالَفَ رسْم المصْحَف "، ولا بأسَ بما قالَ ؛ لأن الوقْفَ ليس ضروريًّا، فإن اضْطُرَّ إليه واقفٌ ؛ لقَطْعِ نفس ونحوه، فينبغي أن يُتابعَ الرسمُ ؛ لأنَّ الأطرافَ قد كَثُر حَذفُهَا، ومِمَّا يشبه هذا الموضع قوله : وَمَن تَقِ السَّيِّئَاتِ يَوْمَئِذٍ  \[ غافر : ٩ \] فإنه رسم " تَقِ " بقافٍ، دون هاءِ سكت، وعند النحويين : أنه إذا حُذِفَ من الفعل شيءٌ ؛ حتى لم يَبْقَ منه إلا حرفٌ واحدٌ، ووُقِفَ عليه، وجَبَ الإتيانُ بهاء السكت في آخره ؛ جَبْراً له ؛ نحو :" قِهْ " و " لَمْ يَقِهْ " و " عِهْ " و " لَمْ يَعِهْ "، ولا يُعْتَدُّ بحرف المضارعة ؛ لزيادته على بنية الكلمة، فإذا تقرَّر هذا، فنقول : ينبغي ألاَّ يُوقَفَ عليه ؛ لأنه إن وُقِفَ بغير هاءِ سكتٍ، خالف الصناعةَ النحويةَ، وإنْ وُقِفَ بهاء خالف رَسْمَ المُصْحف. 
والمراد :" يؤتي الله المؤمنين " في الآخِرَةِ، " أجْراً عَظِيماً " \[ يعني : الجَنَّة \][(١٧)](#foonote-١٧).

### الآية 4:147

> ﻿مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ ۚ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا [4:147]

**في " مَا " وجهان :**
أحدهما : أنها استفهامية، فتكون في محل نصب ب " يَفْعَل " وإنما قُدِّم ؛ لكونه له صدر الكلام، والباءُ على هذا سببيةٌ متعلقةٌ ب " يَفْعَلُ "، والاستفهام هنا معناه النفيُ، والمعنى : أن الله لا يفعلُ بعذابِكُمْ شيئاً ؛ لأنه لا يجلبُ لنفسِه بعذابكم نفعاً، ولا يدْفَعُ عنها به ضُرًّا، فأيُّ حاجة له في عذابكُمْ ؟ \[ والمقصودُ منه حمل المكلَّفين على فعل الحَسَن والاحتراز عن القبيح \]. 
والثاني : أن " مَا " نافية ؛ كأنه قيل : لا يُعذِّبُكُمُ الله، وعلى هذا : فالباء زائدة، ولا تتعلَّق بشيءٍ. \[ قال شهاب الدين :\][(١)](#foonote-١) وعندي أن هذين الوجهين في المعنى شيءٌ واحدٌ، فينبغي أن تكون سببيةٌ في الموضعين أو زائدة فيهما ؛ لأن الاستفهام بمعنى النفْيِ، فلا فرق. 
وقال البَغَوِي[(٢)](#foonote-٢) : هذا اسْتِفْهَام بمعْنَى التَّقْرير معناه : إنه لا يُعَذِّبُ المؤمِنَ الشَّاكِر، فإن تَعْذِيبَهُ عِبَادهُ لا يَزِيدُ في مُلْكِهِ، وتَرْكَهُ عُقُوبَتَهُم على فعلهم لا يُنْقصُ من سُلطانِه \[ والشُّكْرُ ضد الكُفر، والكُفْر سَتْر النِّعْمَة والشُّكْرُ إظهَارُهَا \][(٣)](#foonote-٣)، والمصدر هُنا مُضَاف لمفْعُولِهِ. 
وقوله " إِن شَكَرْتُمْ " جوابُهُ مَحْذُوفٌ ؛ لدلالةِ ما قبله عليه، أي : إن شَكَرْتُم وآمَنْتُم فما يَفْعَلُ بعَذابكُم. 
### فصل لِمَ قدَّم الشُّكر على الإيمان في الآية ؟


وفي تَقْدِيم الشُّكْرِ على الإيمانِ وُجُوه :
الأول : على التَّقْدِيم والتَّأخير، أي : آمَنْتُم وشكرْتُم ؛ لأن الإيمان مقدَّمٌ[(٤)](#foonote-٤) على سَائِر الطَّاعَاتِ، ولا يَنْفَعُ الشكْرُ مع عَدَمِ الإيمَانِ. 
الثاني : أن الوَاوَ لا تُوجِبُ التَّرْتِيبَ. 
الثالث : أن الإنْسَانَ إذا نَظَر إلى نَفْسِهِ، رَأى النِّعْمَة العَظيمَة في تَخْلِيقهَا وتَرْتيبها، فيْشكُر شُكْراً مُجْمَلاً بِهَا، ثُمَّ إذا تَمَّمَ النَّظَر في مَعْرِفَة المُنْعِم، آمَنَ به ثُمَّ شكَر شُكْراً مُفَصَّلاً[(٥)](#foonote-٥)، فكان ذلك الشكْرُ المُجْمَل مُقَدَّماً على الإيمانِ ؛ فَلِهذَا قُدِّمَ عليه في الذِّكْرِ. 
### فصل


اسْتَدَلُّوا بهذه الآيةِ على أنَّهُ لا يُعَذَّبُ أصْحَاب الكَبَائِرِ ؛ لأنا نفرض الكلام فيمن شَكَر وآمن، ثم أقْدَم على الشُّرْبِ أو الزِّنَا، فهذا يَجِبُ ألاَّ يُعَاقَبَ ؛ لقوله - تعالى - : مَّا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِن شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ  وقد تقدَّم الاسْتِدْلاَل على أنَّ صَاحِب الكَبِيرَةِ مُؤمِنٌ. 
### فصل


قالت المُعْتَزِلَة : دَلَّت هذه الآيةُ على أنَّه - سبحانه \[ وتعالى \][(٦)](#foonote-٦) - ما خَلَق خَلْقاً ابْتِدَاءً لأجْلِ التَّعْذِيب[(٧)](#foonote-٧) والعِقَابِ ؛ لأن قوله : مَّا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِن شَكَرْتُمْ وَآمَنتُمْ  صريحٌ في أنَّه - تعالى - لَمْ يَخْلُق أحْداً لِغَرَضِ التَّعْذِيبِ. 
ودلَّت أيضاً على أنَّ فاعل الشُّكْرِ والإيمانِ هو العَبْد، وليس[(٨)](#foonote-٨) ذلك فِعْلاً للَّه تعالى وإلا لَصَار التَّقْدِير : ما يَفْعَلُ اللَّه بعذَابِكُم بعد أن خَلَقَ الشُّكْرَ والإيمَانَ فِيكُم، وذلك غير مُنْتَظِم. 
وتقدَّم الجوابُ عن مِثْلِ ذلك. ثم قال  وَكَانَ اللَّهُ شَاكِراً عَلِيماً  أمرَهُمْ بالشُّكْرِ، وسَمَّى الجَزَاءَ شُكْراً، على سَبيلِ الاسْتِعَارةِ، فالشُّكْرُ من اللَّهِ هو الرِّضَا بالقَلِيلِ من عِبَادِهِ، وإضْعَافِ الثَّوَابِ عَلَيْه، والشُّكْر من العَبْدِ الطَّاعَة، والمُراد من كونه عَلِيماً : أنَّهُ عَالِمٌ بِجَميع الجُزْئيَّات، فلا يَقَعُ لَهُ الغَلَطُ ألْبَتَّة، فلا جَرَمَ يُوصلُ الثَّوَابَ إلى الشَّاكِرِ، والعِقَابَ إلى المُعرِضِ. 
١ ينظر: الدر المصون ٢/٤٥٠..
٢ ينظر: تفسير البغوي ١/٤٩٣..
٣ سقط في أ..
٤ في ب: متقدم..
٥ في ب: منفصلا..
٦ سقط في أ..
٧ في ب: العذاب..
٨ في ب: فليس..

### الآية 4:148

> ﻿۞ لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ ۚ وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا عَلِيمًا [4:148]

قوله تعالى : لاَّ يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلاَّ مَن ظُلِمَ \[ وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعاً عَلِيماً  \][(١)](#foonote-١)
**في كيفيَّة النَّظْمِ وجهانِ :**
أحدهما : أنه - تعالى - لمَّا فَضَح المُنَافِقِين وهَتَك سِتْرَهُم، وكان هَتْكُ السِّتْر غَيْرَ لائقٍ بالرَّحِيم الكريم، ذكر - تعالى - ما يَجْري مَجْرَى العُذْرِ من ذَلِك ؛ فقال : لاَّ يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلاَّ مَن ظُلِمَ  يعني : لا يُحبُّ إظهارَ الفَضَائِحِ، إلاَّ في حقِّ من عَظُمَ ضَرَرُه وكَثُر كَيْدُه ومَكْرُه، فَعِنْد ذلك يَجُوز إظْهَار فَضَائِحِه ؛ ولهذا قال - عليه الصلاة والسلام - :" اذْكُرُوا الفَاسِقَ بِمَا فِيهِ كَيْ يَحْذَرَهُ النَّاسُ " [(٢)](#foonote-٢) والمُنافِقُون قد كَثُر كيْدهُم ومَكْرهُم[(٣)](#foonote-٣) وظُلْمهُم، وضَرَرهُم على المُسْلمِين ؛ فلهذا ذَكَر اللَّه فَضَائِحَهُم وكَشَفَ أسْرَارَهُم. 
وثانيهما : أنَّه - تعالى - قال في الآية الأولى : أن المُنافِقِين إذا تَابُوا وأخْلَصُوا، صارُوا من المُؤمنين، فيُحْتَمَلُ أن يتُوبَ بَعْضُهم ويُخْلصَ تَوْبَته، ثم لا يَسْلمُ من التَّغير[(٤)](#foonote-٤) والذَّمِّ من بَعْضِ المُسْلِمِين ؛ بسبب ما صَدَر عَنْهُ في المَاضِي من النِّفَاقِ، فبين - تعالى - في هذه الآية أنَّه لا يُحِبُّ الجَهْرَ بالسُّوءِ مِنَ القول، إلا مَنْ ظَلَم نَفْسَه وأقَامَ على نِفَاقِهِ، فإنه لا يُكْرَه. 
قوله :" بالسُّوء " متعلق ب " الجَهْر "، وهو مصدر معرف ب " أل " استدلَّ به الفارسيُّ على جواز إعمالِ المصدر المعرَّف ب " أل ". قيل : ولا دليلَ فيه ؛ لأنَّ الظرفَ والجارَّ يعمل فيهما روائحُ الأفعال، وفاعل هذا المصدر محذوفٌ، أي : الجَهْر أحد، وقد تقدم أن الفاعل يَطَّردُ حذفُه في صُورٍ منها المصْدرُ، ويجوز أن يكون الجهرُ مأخوذاً من فعلٍ مبنيٍّ للمفعول على خلافٍ في ذلك، فيكون الجارُّ بعده في محلِّ رفعٍ لقيامه مقام الفاعل ؛ لأنك لو قلْتَ : لا يحبُّ الله أن يُجْهَرَ بالسوء، كان " بِالسُّوءِ " قائماً مقام الفاعل، ولا تعلُّقَ له حينئذٍ به، و " مِنَ القَوْلِ " حال من " السُّوء ". 
قوله : إِلاَّ مَن ظُلِمَ  في هذا الاستثناء قولان :
أحدهما : أنه متصل. 
والثاني : أنه منقطع، وإذا قيل بأنه متصل، فقيل : هو مستثنى من " أحَد " المقدَّرِ الذي هو فاعلٌ للمصدر، فيجوز أن تكون " مَنْ " في محلِّ نصبٍ على أصل الاستثناء، أو رفعٍ على البدل من " أحَد "، وهو المختار، ولو صُرِّح به، لقيل : لا يُحِبُّ الله أنْ يَجْهَرُ أحَدٌ بالسُّوء إلا المَظْلومُ، أو المظلومَ رفعاً ونصباً، ذكر ذلك مكي[(٥)](#foonote-٥) وأبو البقاء[(٦)](#foonote-٦) وغيرُهما، قال أبو حيان[(٧)](#foonote-٧) :" وهذا مذهبُ الفراء، أجاز في " مَا قَامَ إلاَّ زيدٌ " أن يكون " زَيْد " بدلاً من " أحَد "، وأمَّا على مذهب الجمهور، فإنه يكون من المستثنى الذي فُرِّغ له العاملُ، فيكون مرفوعاً على الفاعليَّة بالمصدر، وحسَّن ذلك كونُ الجَهْر في حيِّز النفي، كأنه قيل : لا يَجْهَرُ بالسُّوءِ من القولِ إلا المظلومُ " انتهى، والفرقُ ظاهرٌ بين مذهب الفراء وبين هذه الآية ؛ فإن النحويِّين إنما لم يَرَوْا بمذهب الفراءِ، قالوا : لأن المحذوف صار نَسْياً مَنْسِيًّا، وأما فاعل المصْدر هنا، فإنه كالمنطوقِ به ليس منسياً، فلا يلزمُ من تجويزهم الاستثناء من هذا الفاعل المقدَّر أن يكونوا تابعين لمذْهَب الفرَّاء ؛ لما ظهر من الفرق، وقيل : هو مستثنى مفرَّغٌ، فتكون " مَنْ " في محلِّ رفع بالفاعلية ؛ كما تقدَّم في كلام أبي حيان، والتفريغُ لا يكون إلا في نفي أو شبهه، ولكنْ لَمَّا وقع الجهْرُ متعلَّقاً للحُبِّ الواقعِ في حيِّز النفْي ساغ ذلك، وقيل : هو مستثنىً من الجَهْر ؛ على حذف مضافٍ، تقديرُه : إلا جَهْرَ من ظُلِمَ، فهذه ثلاثة أوجه على تقدير كونه متَّصِلاً، تحصَّل منها في محل " مَنْ " أربعةُ أوجه : الرفع من وجهين، وهما البدلُ من " أحَد " المقدَّر، أو الفاعليَّة ؛ على كونه مفرَّغاً، والنصبُ ؛ على أصلِ الاستثناء من " أحد " المقدَّر، أو من الجهر ؛ على حَذْفِ مضاف. 
والثاني : أنه استثناءٌ منقطعٌ، تقديرُه : لكنْ مَنْ ظُلِمَ له أن ينتصفَ من ظالمه بما يوازِي ظُلامته، فتكون " مَنْ " في محلِّ نصب فقط على الاستثناء المنقطع. 
والجمهورُ على  إِلا مَنْ ظُلِمَ  مبنياً للمفعول قال القرطبي : ويجوز إسْكان اللاَّم، وقرأ[(٨)](#foonote-٨) جماعة كثيرة منهم ابن عبَّاس وابن عمر وابن جبير والضحاك وزيد بن أسلم والحسن :" ظَلَمَ " مبنيًّا للفاعل، وهو استثناء منقطعٌ، فهو في محلِّ نصب على أصْل الاستثناء المنقطع، واختلفتْ عبارات العلماء في تقدير هذا الاستثناء، وحاصلُ ذلك يرجعُ إلى أحد تقديرات ثلاثة : إمَّا أن يكون راجعاً إلى \[ الجملة الأولى ؛ كأنه قيل : لا يحبُّ اللَّهُ الجَهْرَ بالسوء، لكنَّ الظالمَ يُحِبُّهُ، فهو يَفعلُهُ، وإما أنْ يكون راجعاً \] إلى فاعل الجَهْر، أي : لا يحبُّ اللَّهُ أن يَجْهَرَ أحدٌ بالسُّوء \[ لأحَدٍ \]، لكن الظالِمَ يَجْهَرُ به، \[ وإمَّا أن يكون راجعاً إلى متعلَّق الجَهْر، وهو " مَنْ يُجاهَرُ ويُواجهُ بالسُّوء "، أيْ : لا يحبُّ الله أن يُجْهَرَ بالسُّوء لأحدٍ، لكن الظَّالِمَ يُجْهَرُ لَهُ به \]، أي : يُذكر ما فيه من المساوئ في وجهه، لعلَّه أن يرتدع، وكونُ هذا المستثنى في هذه القراءة منصوبَ المحلِّ على الانقطاع هو الصحيحُ، وأجاز ابن عطية والزمخشريُّ أن يكون في محلِّ رفع على البدلية، ولكن اختلف مدركهما. 
فقال ابن عطية[(٩)](#foonote-٩) :" وإعرابُ " مَنْ " يحتملُ في بعض هذه التأويلاتِ النَّصْبَ، ويحتملُ الرفع على البدل من " أحَد " المقدَّر " يعني أحداً المقدَّر في المصدر ؛ كما تقدَّم تحقيقه. 
وقال الزمخشريُّ[(١٠)](#foonote-١٠) : ويجوز أن يكون " مَنْ " مرفوعاً ؛ كأنه قيل : لا يحبُّ اللَّهُ الجهرَ بالسُّوء إلا الظالِمُ، على لغةِ من يقولُ :" مَا جَاءَنِي زَيْدٌ إلاَّ عَمْرو " بمعنى : ما جَاءني إلاَّ عَمرٌو " ومنه  لاَّ يَعْلَمُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ والأَرْضِ الْغَيْبَ إِلاَّ اللَّهُ  \[ النمل : ٦٥ \]، ورد أبو حيان[(١١)](#foonote-١١) عليهما فقال :" وما ذكره - يعني ابن عطية - من جواز الرفع على البدل لا يَصِحُّ ؛ وذلك أن المنقطع قسمان : قسمٌ يتوجَّه إليه العامل ؛ نحو :" ما فِيهَا أحَدٌ إلاَّ حِمَارٌ " فهذا فيه لغتان : لغة الحجاز وجوبُ النصب، ولغةُ تميم جوازُ البدل، وإن لم يتوجه عليه العامل، وجب نصبُه عند الجميع ؛ نحو :" المالُ ما زَادَ إلاَّ النَّقْصَ "، أي : لكن حصل له النقصُ، ولا يجوز فيه البدل ؛ لأنك لو وجهت إليه العامل، لم يصحَّ "، قال : والآيةُ من هذا القسم ؛ لأنك لو قلت :" لا يُحِبُّ اللَّهُ أن يَجْهَرَ بالسُّوءِ إلا الظالمُ " - فتسلطُ " يَجْهَر " على " الظَّالِمَ " \[ فتسليط يجهر على الظالم يصح \]. قال :" وهذا الذي جَوَّزه - يعني الزمخشريَّ - لا يجوز ؛ لأنه لا يمكن أن يكون الفاعلُ لَغْواً، ولا يمكنُ أن يكون الظالمُ بدلاً من " الله "، ولا " عَمْرو " بدلاً من " زَيْد " ؛ لأنَّ البدلَ في هذا البابِ يَرْجِع إلى بدل بعضٍ من كلٍّ حقيقة ؛ نحو :" مَا قَامَ القَوْمُ إلاَّ زَيدٌ "، أو مجازاً ؛ نحو :" مَا فِيهَا أحدٌ إلاَّ حِمَارٌ "، والآيةُ لا يجوز فيها البدلُ حقيقةً، ولا مجازاً، وكذا المثالُ المذكور ؛ لأن الله تعالى عَلَمٌ، وكذا زيدٌ، فلا عموم فيهما ؛ ليتوَهَّمَ دخولُ شيءٍ فيهما فيُستثنى، وأمَّا ما يجوزُ فيه البدلُ من الاستثناء المنقطع ؛ فلأنَّ ما قبله عامٌّ يُتوهَّم دخولُه فيه، فيُبْدلُ ما قبله مجازاً، وأمَّا قوله على لغة من يقول :" مَا جَاءنِي زَيْدٌ إلا عمرٌو "، فلا نعلم هذه لغة إلا في كتاب سيبويه[(١٢)](#foonote-١٢)، بعد أن أنشد أبياتاً في الاستثناء المنقطع آخرها :\[ الطويل \]

عَشِيَّةَ مَا تُغْنِي الرِّمَاحُ مَكَانَهَا  ولا النَّبْلُ إلاَّ المَشْرَفِيُّ المُصَمِّمُ[(١٣)](#foonote-١٣)\[ ما نصُّه :\] " وهذا يُقَوِّي :" ما أتَانِي زَيْدٌ إلا عَمرٌو، ومَا أعانهُ إخْوَانكُم إلاَّ إخْوانُه " ؛ لأنها معارفُ ليست الأسماء الآخرة بها ولا بعضها " ولم يصرِّح، ولا لَوَّحَ أن " مَا أتَانِي زَيدٌ إلاَّ عمرٌو " من كلام العرب، قال من شرح كلام سيبويه : فهذا يُقَوِّي " مَا أتَانِي زَيْدٌ إلا عمرٌو "، أي : ينبغي أن يَثْبُتَ هذا من كلام العرب ؛ لأن النبل معرفةٌ ليس بالمشرفيِّ، كما أن زيداً ليس بعمرو، كما أنَّ إخوة زيدٍ ليسوا إخوتَكَ، قال أبو حيان :" وليس " مَا أتَانِي زَيدٌ إلاَّ عمرٌو " نظير البيت ؛ لأنَّه قد يُتَخَيَّلُ عمومٌ في البيت ؛ إذ المعنى : لا يُغْنِي السلاح، وأمَّا " زَيْد " فلا يتوهَّم فيه عمومٌ ؛ على أنه لو ورد من كلامهم :" مَا أتَانِي زَيدٌ إلاَّ عمرٌو "، لأمكن أن يصحَّ على " مَا أتَانِي زَيدٌ ولا غَيرُهُ إلاَّ عمرٌو "، فحذف المعطوفُ ؛ لدلالة الاستثناء عليه، أمَّا أن يكون على إلغاء الفاعل، أو على كون " عَمْرو " بدلاً من " زَيْد "، فإنه لا يجوز، وأمَّا الآية فليست ممَّا ذكر ؛ لأنه يحتمل أن تكون " مَنْ " مفعولاً بها، و " الغَيْبَ " بدلٌ منها بدلُ اشتمال، والتقديرُ : لا يعلم غيب من في السماوات والأرض إلاَّ اللَّهُ، أي : سِرَّهُمْ وعلانيتَهُمْ لا يَعْلَمُهُم إلا الله، ولو سُلِّم أن " مَنْ " مرفوعةُ المحلِّ، فيتخيلَّ فيها عمومٌ، فيُبدل منها " الله " مجازاً ؛ كأنه قيل : لا يعلمُ المَوْجُودُونَ الغَيْبَ إلاَّ اللَّهُ، أو يكونُ على سبيل المجازِ في الظرفيَّة بالنسبة إلى الله تعالى ؛ إذ جاء ذلك عنه في القرآن والسنة نحو : وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الأَرْضِ  \[ الأنعام : ٣ \]  وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الأَرْضِ إِلَهٌ  \[ الزخرف : ٨٤ \]، قال " أيْنَ الله " قالت :" فِي السَّماءِ "، ومن كلام العرب :" لا وَذُو في السَّمَاءِ بَيْتُهُ " يعنون اللَّه، وإذ احتملت الآيةُ هذه الوجوه، لم يتعيَّنْ حملُها على ما ذكره " انتهى ما رَدَّ به عليهما. 
\[ وقال شهاب الدين :\][(١٤)](#foonote-١٤) أمَّا ردُّه على ابن عطية، فواضحٌ، وأمَّا ردُّه على الزمخشريِّ، ففي بعضه نَظَرٌ، أما قوله :" لا نعلمُهَا لغة إلا في كتاب سيبويه "، فكفى به دليلاً على صحة استعمال مثله، ولذلك شَرَح الشُّرَّاحُ لكتاب سيبويه هذا الكلام ؛ بأنه قياسُ كلام العرب لما أنشد من الأبيات، وأمَّا تأويله " مَا أتَانِي زَيْدٌ إلاَّ عمرٌو " ب " مَا أتَانِي ولا غَيْرُهُ "، فلا يتعيَّنُ ما قاله، وتصحيحُ الاستثناء فيه أنَّ قول القائل :" مَا أتَانِي زَيْدٌ " قد يوهِمُ أن عمراً أيضاً لم يَجِئْهُ، فنفى هذا التوهُّمَ، وهذا القدْر كافٍ في الاستثناء المنقطع، ولو كان تأويلُ " مَا أتَانِي زَيْدٌ إلاَّ عَمْرٌو " على ما قال، لم يكن استثناءً منقطعاً بل متصلاً، ١ سقط في ب..
٢ أخرجه العقيلي (١/٢٠٢) وابن حبان في "المجروحين" (١/٢١٥) وابن عدي في "الكامل" (٢/٢٦٠) والبيهقي (١٠/٢١٥) من طريق الجارود بن يزيد عن بهز بن حكيم عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أترعون عن ذكر الفاجر؛ اذكروه بما فيه يحذره الناس.
 قال العقيلي: ليس له من حدث بهز أصل ولا من حديث غيره ولا يتابع عليه من طريق يثبت.
 قال البيهقي: هذا يعرف بالجارود بن يزيد النيسابوري وأنكره عليه أهل العلم بالحديث سمعت أبا عبد الله الحافظ يقول: سمعت أبا عبد الله محمد بن يعقوب الحافظ غير مرة يقول: كان أبو بكر الجارودي إذا مر بقبر جده يقول: يا أبة لو لم تحدث بهز بن حكيم لزرتك.
 وقال ابن عدي والبيهقي: وقد سرقه عنه جماعة من الضعفاء فروه عن بهز بن حكيم ولم يصح فيه شيء.
 وقال ابن حبان: والخبر في أصله باطل وهذه الطرق كلها بواطيل لا أصل لها. والحديث قال الألباني: موضوع وينظر السلسلة الضعيفة برقم (٥٨٣)..
٣ في ب: كانوا قد كثر مكرهم وكيدهم..
٤ في ب: التغيير..
٥ ينظر: المشكل ١/٢١٠..
٦ ينظر: الإملاء ١/٢٠٠..
٧ ينظر: البحر المحيط ٣/٣٩٨..
٨ ينظر: المحرر الوجيز ٢/١٢٩، والبحر المحيط ٣/٣٩٨، والدر المصون ٢/٤٥١..
٩ ينظر: المحرر الوجيز ٢/١٣٠..
١٠ ينظر: الكشاف ١/٥٨٢..
١١ ينظر: البحر المحيط ٣/٣٩٨..
١٢ ينظر: الكتاب ١/٣٦٦..
١٣ البيت لضرار بن الأزور ينظر تذكرة النحاة ٣٣٠، وخزانة الأدب ٣/٣١٨، وشرح أبيات سيبويه ٢/١٢٨؛ والمقاصد النحوية ٣/١٠٩، وللحصين بن الحمام برواية (المصمما) مكان (المصمم) في شرح اختيارات المفضل ١/٣٢٩، وينظر شرح الأشموني ١/٢٩٩، والكتاب ٢/٣٤٥ والدر المصون ٢/٤٥٢..
١٤ ينظر: الدر المصون ٢/٤٥٣..

### الآية 4:149

> ﻿إِنْ تُبْدُوا خَيْرًا أَوْ تُخْفُوهُ أَوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا قَدِيرًا [4:149]

قوله تعالى : إِن تُبْدُواْ خَيْراً أَوْ تُخْفُوهُ \[ أَوْ تَعْفُواْ عَن سُوءٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوّاً قَدِيراً  \][(١)](#foonote-١)
قيل :" تُبْدُواْ خَيْراً " أي : حَسَنَةً فيَعْمَل[(٢)](#foonote-٢) بها، كُتِبَتْ عَشْرَةٌ، وإن هَمَّ بِهَا ولم يَعْمَلْهَا، كُتِبَتْ له حَسَنةٌ واحدةٌ، وهو قوله :" أَوْ تُخْفُوهُ ". 
وقيل : المُراد مِنَ الخَيْرِ : المَال ؛ لقوله : إِن تُبْدُوا خَيْراً  والمَعْنَى : إن تُبْدُوا صَدَقَةً تُعطُونَها جَهْراً، أو تُخْفُوها فتُعْطُوها سِرّاً،  أو تَعْفُوا عَن سُوءٍ  أي : عن مَظْلَمةٍ والظاهر أن الضَّمِير المَنْصُوب في " تُخْفُوه " عائِدٌ[(٣)](#foonote-٣) على " خَيْراً "، والمُراد به : أعْمَالُ البرِّ كُلُّها، وأجَازَ بَعْضُهم أن يعُودَ على " السُّوءِ " أي : أو تُخْفُوا السُّوءَ، وهو بَعِيد. 
ثم قال : فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوّاً قَدِيراً . 
قال الحسن : يَعْفُو عن الجَانِبَيْن مع قُدرَتِهِ على الانْتِقَامِ[(٤)](#foonote-٤)، فعَلَيْكُم أن تَقْتَدُوا بِسُنَّةِ اللَّهِ، وقال الكْلَبِي[(٥)](#foonote-٥) : اللَّهُ أقْدَرُ على عَفْوِ ذُنُوبكُم مِنْكَ على عَفْوِ صَاحِبِك[(٦)](#foonote-٦)، وقيل : عَفُوًّا لمن عَفَى، قَدِيراً على إيصَالِ الثَّوَابِ إليْه.

١ سقط في ب..
٢ في ب: تعمل..
٣ في ب: بما يدل..
٤ ينظر: تفسير الرازي (١١/٧٣)..
٥ ينظر: تفسير الرازي ١١/٧٣..
٦ ينظر: المصدر السابق..

### الآية 4:150

> ﻿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَٰلِكَ سَبِيلًا [4:150]

قوله تعالى : إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَن يُفَرِّقُواْ بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ \[ وَيقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَن يَتَّخِذُواْ بَيْنَ ذلِكَ سَبِيلاً \* أُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقّاً وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَاباً مُّهِيناً \* وَالَّذِينَ آمَنُواْ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَمْ يُفَرِّقُواْ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ أُوْلَئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَّحِيماً  \][(١)](#foonote-١)
لما تكلم على طَرِيقَة المُنَافِقِين، أخَذَ يتكَلَّم على مَذَاهَب اليَهُودِ والنَّصَارى ومناقضاتهم، وذكر في آخِرِ هذه السُّورَةِ من هذا الجِنْسِ أنْوَاعاً :
أولها : إيمَانهم ببعْضِ الأنبياءِ دون بعضٍ ؛ لأنهم كَفَرُوا بمُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم، فبيَّن أن الكُفْرَ به كُفْرٌ بالكُلِّ ؛ لأن ما مِنْ نَبِيٍّ إلا وقد أمَر قَوْمَه بالإيمانِ بمُحَمَّد - عليه الصلاة والسلام - وبجميع الأنْبِيَاء. 
قال المُفَسِّرون[(٢)](#foonote-٢) : نزلت هذه الآيةٌ في اليَهُودِ، وذلِك أنَّهُم آمَنُوا بمُوسَى، والتَّوْرَاة، وعُزَيْر، وكَفَرُوا بعيسى، والإنْجِيل، وبمُحَمَّد - عليه الصلاة والسلام -، والقرآن،  وَيُرِيدُونَ أَن يُفَرِّقُواْ بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَن يَتَّخِذُواْ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلاً  أي : بين الإيمانِ بالكُلِّ وبَيْن الكُفْرِ بالكُلِّ سَبِيلاً، أي : وَاسِطَة، وهي[(٣)](#foonote-٣) الإيمانُ بالبَعْضِ دُون البَعْضِ، وأشير ب " ذلك " وهو للمُفْرَد، والمُرَادُ به : البَيِّنَة[(٤)](#foonote-٤)، أي : بين الكُفْرِ والإيمانِ، وقد تَقَدَّم نظيرها في البَقَرَة، وفي خَبَرِ " إنَّ " قولان :
الأول : أنه مَحْذُوف، تقديره : جمعوا المخازي. 
والثاني : هو قوله : أُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ  والأوَّل أحْسَن لوجهين :
أحدهما : أنه أبْلَغُ ؛ لأن الجواب إذا حُذِفَ ذهب الوَهْمُ كُلَّ مَذْهَبٍ، فإذا ذكر بَقِي مُقْتَصِراً على المَذْكُورِ. 
والثاني : أنه رأسُ آيةٍ، والأحْسَن ألا يكون الخَبَرُ مُنْفَصِلاً عن المُبْتَدأ، و " بَيْنَ " يجوزُ أن يكونَ مَنْصُوباً ب " يَتَّخِذُوا "، وأن يكُون مَنْصُوباً بمحْذُوفٍ ؛ إذ هو حَالٌ من " سَبيلاً ".

١ سقط في ب..
٢ ينظر: تفسير البغوي ١/٤٩٤..
٣ في أ: وعلى..
٤ في أ: التثنية..

### الآية 4:151

> ﻿أُولَٰئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا ۚ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا [4:151]

**قوله :" حَقّاً " فيه أوجه :**
أحدها : أنه مصدر مؤكِّد لمضْمُون الجُمْلَة \[ قَبْلَه \][(٥)](#foonote-٥)، فيَجِبُ إضْمَارُ عَامِلِه وتأخيرُه عن الجُمْلَة المؤكِّد لَهَا، والتقدير : أحُقُّ ذلك حَقاً، وهكذا كُلُّ مَصْدَر مؤكِّدٍ لِغَيْره أو لِنَفْسِهِ. 
قال بعضهم : انْتَصَبَ " حَقّاً " على مِثْلِ قولك :" زَيْدٌ أخُوك حَقّاً "، تقديره : أخْبَرْتُك بهذا المَعْنَى إخْبَاراً حَقّاً. 
والثاني : أنه حالٌ من قوله :" هُمُ الكَافِرُونَ " قال أبو البقاء[(٦)](#foonote-٦) : أي :" كَافِرُون غير شَكٍّ " وهذا يشبه أن يكونَ تفسيراً للمصْدر المؤكد، وقد طعن الواحديُّ على هذا التوجيه ؛ فقال :" الكُفْرُ لا يكُونُ حَقًّا بوجْهٍ من الوجوه "، والجوابُ : أنَّ الحقَّ هنا ليس يرادُ به ما يقابلُ الباطلَ، بل المرادُ به أنه ثابتٌ لا محالةَ، وأنَّ كفرهم مقطوعٌ به. 
الثالث : أنه نعتٌ لمصدر محذوف، أي : الكافرون كُفْراً حَقًّا، وهو أيضاً مصدر مؤكِّد، ولكن الفرق بينه وبين الوجه الأول، أنَّ هذا عاملُه مذكورٌ، وهو اسمُ الفاعل، وذاك عاملُه محذوف. 
### فصل


أي[(٧)](#foonote-٧) : كانوا كَافِرين حَقّاً لوجْهَيْن :
الأول : أن الدَّليلَ الذي يدُلُّ على نُبُوَّة البَعْضِ، ألزم[(٨)](#foonote-٨) مِنْه القطع بأنَّه حَيْث حصلت المُعْجِزَة[(٩)](#foonote-٩) حصلت النُّبُوَّة، فإن جَوَّزْنَا في بَعْضِ المواضِع حُصُول المُعْجِز بدُون الصِّدْق، تعذَّر[(١٠)](#foonote-١٠) الاستدلال بالمُعْجِزِ على الصِّدْق، وحينئذٍ يَلْزَم الكُفْرُ بِجَميعِ الأنْبِيَاءِ، فَثَبت أنَّ من لَمْ يَقْبَل نُبُّوة أحدٍ من الأنْبِيَاء، لَزِمَهُ الكُفْرُ بجَميعِ الأنْبِيَاءِ. 
فإن قيل : هَبْ أنه يَلْزَم[(١١)](#foonote-١١) الكُفْرُ بكل الأنْبِيَاءِ، ولكن لَيْسَ إذا توجَّه بَعْضُ الإلْزَامَاتِ على إنسانٍ، لزِمَ أن يكُون ذَلِك الإنْسَان قَائِلاً به، فإلْزَامُ الكُفْرِ غَيْر \[ والتزام الكفر غير \][(١٢)](#foonote-١٢) فالقَوْمُ لمَّا لمْ يَلْتَزِمُوا ذلك، فكَيْفَ يَقْضِي عَلَيْهم بالكُفْرِ. 
فالجواب :\[ الإلْزَامُ \][(١٣)](#foonote-١٣) إذا كان خَفِيّاً بحَيْث يُحْتَاج فيه إلى فِكْرٍ وتأمُّلٍ، كان الأمْرُ كما ذَكَرْتم، أمَّا إذا كان جَلِيّاً وَاضِحاً، لم يَبْقَ بَيْن الإلْزَامِ والالْتِزَام فَرْقٌ. 
الوجه الثاني : هو أنّ قَبُولَ البَعْضِ دون الكُلِّ إن كان لِطَلَبِ الرِّيَاسَة، كان ذلك في الحقيقة كُفْراً بكل الأنبياء \[ عليهم السلام \][(١٤)](#foonote-١٤). 
 وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَاباً مُّهِيناً  \[ " وأعتدنا " أي : هَيَّأنَا \][(١٥)](#foonote-١٥)  لِلْكَافِرِينَ عَذَاباً مُّهِيناً .

### الآية 4:152

> ﻿وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ أُولَٰئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ ۗ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا [4:152]

ولمَّا ذكر الوعيد، أتْبَعَهُ بذِكْرِ الوَعْدِ ؛ فقال : وَالَّذِينَ آمَنُواْ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَمْ يُفَرِّقُواْ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ  الآية. 
قد تقدَّم الكلامُ على دخول " بَيْنَ " على " أحَد " في البقرة فأغنَى عن إعادته، وقرأ الجمهور[(١٦)](#foonote-١٦) :" سَوْفَ نُؤتيهم " بنونِ العظمة ؛ على الالتفات، ولموافقةِ قوله :" وأعْتَدْنَا "، وقرأ حفصٌ عن عاصمٍ بالياء، أعاد الضمير على اسْمِ الله تعالى في قوله : وَالَّذِينَ آمَنُواْ بِاللَّهِ . وقول بعضهم : قراءة النون أولى ؛ لأنها أفْخَمُ، ولمقابلة " وأعْتَدْنَا " ليس بجيِّد لتواتُرِ القراءتَيْنِ. 
والمعنى : آمَنُوا باللَّه ورَسُلِهِ كُلِّهِم، ولَمْ يُفَرِّقُوا بين أحد من الرُّسُلِ، يقولون : لا نُفَرِّق بين أحدٍ من رُسُلِه،  أولئك سوف نؤتيهم أجورهم  بإيمانِهِم باللَّهِ وكُتُبِهِ ورسُلِهِ،  وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً  : يغفر سَيِّئاتهم، " رحيماً " بهم.

### الآية 4:153

> ﻿يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِنَ السَّمَاءِ ۚ فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَىٰ أَكْبَرَ مِنْ ذَٰلِكَ فَقَالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ ۚ ثُمَّ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ فَعَفَوْنَا عَنْ ذَٰلِكَ ۚ وَآتَيْنَا مُوسَىٰ سُلْطَانًا مُبِينًا [4:153]

قوله تعالى : يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَن تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَاباً مِّنَ السَّمَاءِ \[ فَقَدْ سَأَلُواْ مُوسَى أَكْبَرَ مِن ذلِكَ فَقَالُواْ أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ ثُمَّ اتَّخَذُواْ الْعِجْلَ مِن بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ فَعَفَوْنَا عَن ذلِكَ وَآتَيْنَا مُوسَى سُلْطَاناً مُّبِيناً \* وَرَفَعْنَا فَوْقَهُمُ الطُّورَ بِمِيثَاقِهِمْ وَقُلْنَا لَهُمُ ادْخُلُواْ الْبَابَ سُجَّداً وَقُلْنَا لَهُمْ لاَ تَعْدُواْ فِي السَّبْتِ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِّيثَاقاً غَلِيظاً \* فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَاقَهُمْ وَكُفْرِهِم بَآيَاتِ اللَّهِ وَقَتْلِهِمُ الأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلاَ يُؤْمِنُونَ إِلاَّ قَلِيلاً \* وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَاناً عَظِيماً \* وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِن شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُواْ فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِّنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلاَّ اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِيناً \* بَل رَّفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً [(١)](#foonote-١)
وذلك أن كَعْبَ بنَ الأشْرَف، وفنحَاصَ بن عَازُورَاء من اليَهُودِ قالا لِرَسُول الله صلى الله عليه وسلم : إن كُنْتَ نَبِيّاً فأتِنَا بكِتَابٍ جُمْلةً من السَّماءِ ؛ كما أتَى \[ به \][(٢)](#foonote-٢) مُوسى – عليه السلام -، فأنزل الله – تعالى - : يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَن تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَاباً مِّنَ السَّمَاءِ [(٣)](#foonote-٣). وكان هذا السُّؤال مِنْهُم تَحَكُّماً واقْتِرَاحاً، لا سُؤال انْقِيَادٍ، واللَّه - تعالى - لا يُنَزِّل الآيَاتِ على اقْتِرَاحِ العِبَادِ، والمَقْصُود من الآيَةِ : بيان ما جَبِلوا عليه من التَّعنُّتِ ؛ كأنه قِيلَ : إن مُوسَى لمَّا نزلَ عليه كِتَابٌ من السَّمَاءِ، لم يكْتَفُوا بِذلكَ القَدْر، بل طَلَبُوا مِنْهُ الرُّؤيَة على سَبِيلِ المُعَايَنَةِ، فكان طَلَبُ هؤلاءِ الكِتَاب لَيْس لأجْلِ الاسْتِرْشَادِ، بل لمَحْضِ العِنَادِ. 
قوله :" فَقَدْ سَأَلُوا " : في هذه الفاءِ قولان : أحدهما : أنها عاطفةٌ على جملة محذوفة، قال ابن عطيَّة :" تقديره : فلا تبال، يا محمَّد، بسؤالِهِم، وتشطيطهم، فإنها عادُتُهمْ، فقد سألوا موسى أكبر من ذلك. 
والثاني : أنها جوابُ شرطٍ مقدَّر، قاله الزمخشريُّ أي : إن استكْبَرْتَ ما سألوه منْكَ، فقد سَألُوا "، و " أكْبَرَ " صفةٌ لمحذوف، أي : سؤالاً أكْبَرَ من ذَلِكَ، والجمهور :" أكبرَ " بالباء الموحدة، والحسن[(٤)](#foonote-٤) " أكْثَرَ " بالثاء المثلثة. 
ومعنى " أكْبَر " أي : أعْظَم من ذَلِك، يعني : السَّبْعِين الَّذِين خَرَجَ بِهِمْ \[ مُوسَى \][(٥)](#foonote-٥) إلى الجَبَلِ،  فقالُوا : أرِنا اللَّه جَهْرَةً  أي : عِياناً، فقولهم :" أرِنَا " جُمْلَة مفَسِّرة لِكبَرِ السُّؤال، وعِظَمِه. \[ و " جَهْرَةَ " تقدَّم الكلام عليها، إلا أنه هنا يجوز أن تكون " جَهْرَةً " من صفةِ القوْلِ، أو السؤالِ، أو مِنْ صفةِ السائلين، أي : فقالوا مجاهِرِين، أو : سألوا مجاهرينَ، فيكونُ في محلِّ نَصْبٍ على الحال، أو على المَصْدر، وقرأ الجمهور " الصَّاعِقَةُ ". وقرأ النَّخَعِيُّ[(٦)](#foonote-٦) :" الصَّعْقَةُ " وقد تقدَّم تحقيقه في البقرة[(٧)](#foonote-٧) والباء في " بِظُلْمِهِمْ " سببيةٌ، وتتعلَّق بالأخْذ \]. 
قوله : ثُمَّ اتَّخَذُواْ الْعِجْلَ  يعنى : إلهاً،  مِن بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ  وهي الصَّاعِقَة، وسمَّاها بَيِّنَاتٍ - وإن كَانَتْ شَيْئاً وَاحِداً ؛ لأنها دالَّةٌ على قُدْرَة الله - تعالى -، وعلى عِلْمهِ وعلى قدمِهِ، وعلى كَوْنهِ مُخَالِفاً للأجْسَامِ والأعْرَاضِ، وعلى صِدْق مُوسَى. وقيل :" البَيِّنَات " إنْزَال الصَّاعِقَةِ وإحْيَاؤُهُم بعد إمَاتَتِهم. 
وقيل : المُعْجِزَاتُ التي أظْهَرَها لِفِرْعَوْن، وهي العَصَا، واليَدُ البَيْضَاءُ، وفَلْقُ البَحْرِ، وغيرها من المُعْجِزَات القاهرة[(٨)](#foonote-٨). 
ثم قال : فَعَفَوْنَا عَن ذَلِكَ  ولم نَسْتَأصِلْهُم. 
قيل : هذا اسْتِدْعَاءٌ إلى التَّوْبَة، مَعْنَاه : أن أولئك الَّذِين أجْرَمُوا تَابُوا، فَعَفَوْنَا عَنْهُم، فتُوبوا أنْتُم حتى نَعْفُو عَنْكُم. 
وقيل : مَعْنَاه : أن قَوْم مُوسَى - وإن كَانُوا قَدْ بَالَغُوا في اللِّجَاجِ والعِنَادِ، لكنا[(٩)](#foonote-٩) نَصَرْنَاهُ وقَرَّبْنَاهُ فعَظم أمْرُه وضَعُفَ خَصْمُه، وفيه بِشَارَةٌ للرَّسُول – عليه الصلاة والسلام – على سبيلِ التَّنْبِيهِ والرَّمْزِ، وهو أنَّ هؤلاء الكُفارِ وإن كانوا يُعَانِدُونه – فإنَّه بالآخِرَة يَسْتَوْلي عَلَيْهم ويَقْهَرُهُم. 
ثم قال \[ - تعالى - \][(١٠)](#foonote-١٠) : وَآتَيْنَا مُوسَى سُلْطَاناً مُّبِيناً  أي : حُجَّة بَيِّنَة، وهي الآيات السَّبْع[(١١)](#foonote-١١).

١ سقط في ب..
٢ سقط في أ..
٣ أخرجه الطبري في "تفسيره" (٩/٣٥٦) عن السدي..
٤ ينظر: المحرر الوجيز ٢/١٣١، والبحر المحيط ٣/٤٠٢، والدر المصون ٢/٤٥٤..
٥ سقط في ب..
٦ وبها قرأ أبو عبد الرحمان السلمي كما في المحرر ٢/١٣١، والبحر المحيط ٣/٤٠٢، والدر المصون ٢/٤٥٤..
٧ آية: ٥٥..
٨ في ب: الباهرة..
٩ في ب: ولكن..
١٠ سقط في أ..
١١ في ب: التسع..

### الآية 4:154

> ﻿وَرَفَعْنَا فَوْقَهُمُ الطُّورَ بِمِيثَاقِهِمْ وَقُلْنَا لَهُمُ ادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُلْنَا لَهُمْ لَا تَعْدُوا فِي السَّبْتِ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا [4:154]

قوله : وَرَفَعْنَا فَوْقَهُمُ الطُّورَ بِمِيثَاقِهِمْ  \[ في " فوقهم " : وجهان : أظهرهما أنه متعلق ب " رَفَعْنا "، وأجاز أبو البقاء[(١)](#foonote-١) وجهاً ثانياً وهو أن يكونَ متعلقاً بمحذوفٍ لأنه حالٌ من الطور. و " بميثاقهم " متعلقٌ أيضاً بالرفع، والباءُ للسببية، قالوا : وفي الكلامِ حذفُ مضافٍ تقديرُه : بنقض ميثاقهم \]. 
\[ و \] قال بَعْضُ المفَسِّرين[(٢)](#foonote-٢) : إنهم امْتَنَعُوا من قُبُول شَرِيعَة التَّوْرَاةِ، ورفع الله الجَبَل فَوْقَهُم حَتَّى قَبِلُوا، والمعنَى : ورفَعْنَا فَوْقَهُم الطُّورَ ؛ لأجْلِ أن يُعْطُوا المِيثَاقَ بقُبُول الدِّين. 
وقال الزمخشريُّ :" بِمِيثَاقِهِمْ : بسبب ميثاقهم ؛ ليخافوا فلا ينقضُوه " وظاهر هذه العبارة : أنه لا يُحْتَاجُ إلى حذْفِ مضاف، بَلْ أقول : لا يجُوزُ تقدير هذا المضافِ ؛ لأنه يقتضي أنهم نقضوا الميثاق، فرَفَعَ اللَّهُ الطُّورَ عليهم ؛ عقوبةً على فعلِهِمُ النقضَ، والقصةُ تقتضي أنَّهم هَمُّوا بنقضِ الميثاق، فرفعَ اللَّهُ عليهم الطُور، فخافُوا فلم يَنْقُضُوهُ، \[ وإن كانوا قد نَقَضُوه \] بعد ذلك، وقد صَرَّحَ أبو البقاء[(٣)](#foonote-٣) بأنهم نقضوا الميثاقَ، وأنه تعالى رفع الطُّور عقوبةً لهم فقال :" تقديرُه : بنَقْضِ ميثاقِهِمْ، والمعنى : ورَفَعْنَا فوقَهُمُ الطُّور ؛ تخْويفاً لَهُمْ بسبب نقْضِهِم الميثاق "، وفيه ذلك النظرُ المتقدِّم، ولقائلٍ أن يقول : لمَّا هَمُّوا بنقْضه وقاربوه، صحَّ أن يقال : رَفَعْنَا الطُّورَ فوقهم ؛ لنقضهم الميثاق، أي : لمقاربتهم نقضَهُ، لأنَّ ما قارب الشيء أعْطِيَ حكمَه ؛ فتصِحُّ عبارةُ مَنْ قدَّر مضافاً ؛ كأبي البقاء وغيره. 
وقال بَعْضُ المُفَسِّرين[(٤)](#foonote-٤) : إنَّهُم أعْطوا المِيثَاقَ على أنهم إن هَمُّوا بالرُّجُوع عن الدِّينِ، فاللَّهُ - تعالى - يُعَذِّبهم بأيِّ أنْواعِ العذابِ، أراد : فَلَمَّا هَمُّوا بَتَرْكِ الدِّينِ، أظَلَّ اللَّهُ الطُّورَ عَلَيْهِم. والميثاق مصدر مضاف لمفعوله، وقد تقدَّم في البقرة الكلام على قوله  ادْخُلُواْ الْبَابَ سُجَّداً ، و " سُجَّداً " حالٌ من فاعل " ادْخُلُوا ". 
قوله :" لاَ تَعْدُوا " قرأ الجمهور :" تَعْدُوا " بسكون العين، وتخفيف الدال مِنْ عَدَا يَعْدُو، كَغَزَا يَغْزُو، والأصل :" تَعْدُوُوا " بواوين : الأولى لام الكلمة والثانية ضمير الفاعلين، فاستثقلتِ الضمة على لام الكلمة، فحُذِفَتْ، فالتقى بِحَذْفِها ساكنان، فحُذِفَ الأوَّل، وهو الواو الأولى، وبقيتْ واو الفاعلين، فوزنه : تَفْعُوا ومعناه : لا تعْتَدُوا ولا تَظْلِمُوا باصْطِيَاد الحِيتانِ فيه. 
قال الوَاحِدِي[(٥)](#foonote-٥) : يُقال : عَدَا عليه أشَدَّ العَدَاءِ \[ والعَدْو \][(٦)](#foonote-٦) والعُدْوَان، أي : ظَلَمَه، وجَاوَز الحَدَّ ؛ ومنه قوله : فَيَسُبُّواْ اللَّهَ عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ  \[ الأنعام : ١٠٨ \] وقيل : لاَ تَعْدُواْ فِي السَّبْتِ  من العَدْوِ بمعْنَى الحُضْرِ، والمُرَادُ به النَّهْي عن العَمَل والكَسْبِ يَوْم السَّبْتِ ؛ كأنه قِيل : اسْكُنُوا[(٧)](#foonote-٧) عَنِ العَمَلِ في هَذَا اليَوْم واقْعُدوا في مَنَازِلِكُم \[ فأنا الرَزَّاق \]. وقرأ نافع[(٨)](#foonote-٨) بفتح العين وتشديد الدال، إلا أن الرواة اختلفوا عن قالون عن نافع : فرَوَوْا عنه تارةً بسكون العين سكوناً محضاً، وتارةً إخفاء فتحة العين، فأما قراءة نافع، فأصلها : تَعْتَدُوا، ويدلُّ على ذلك إجماعُهُمْ على : اعْتَدَوْاْ مِنكُمْ فِي السَّبْتِ  \[ البقرة : ٦٥ \] كونه من الاعتداء، وهو افتعالٌ من العدوان، فأُريد إدغامُ تاء الافتعال في الدالِ، فنُقِلتْ حركتُها إلى العين، وقُلبت دالاً وأدغمت. وهذه قراءةٌ واضحةٌ، وأما ما يُروَى عن قالون من السكُون المحْضِ، فشيءٌ لا يراه النحْويُّون ؛ لأنه جَمْعٌ بين ساكنينِ على غير حَدِّهما، وأمَّا الاختلاسُ فهو قريب للإتيان بحركة ما، وإن كانت خفيَّةً، إلا أنَّ الفتحة ضعيفةٌ في نَفْسِهَا، فلا ينبغي أن تُخْفَى لِتُزادَ ضعفاً ؛ ولذلك لم يُجز القراءُ رَوْمَهَا وقْفاً لضعفِها، وقرأ[(٩)](#foonote-٩) الأعمش :" تَعْتَدُوا " بالأصل الذي أدغَمُه نافع. 
ثم قال  وَأَخَذْنَا مِنْهُم مِّيثَاقاً غَلِيظاً  قال القفال[(١٠)](#foonote-١٠) : المِيثَاقُ الغَلِيظُ : هو العَهْدُ المؤكَّدُ غَايَة التَّوْكِيدِ.

١ ينظر: الإملاء ١/٢٠٠..
٢ ينظر: تفسير الرازي ١١/٧٦..
٣ ينظر: الإملاء ١/٢٠٠..
٤ ينظر: تفسير الرازي ١١/٧٦..
٥ ينظر: تفسير الرازي ١١/٧٦..
٦ سقط في ب..
٧ في ب: اسكتوا..
٨ ينظر: السبعة ٢٤٠، والحجة ٣/١٩٠، وحجة القراءات ٢١٨، والعنوان ٨٦، وإعراب القراءات ١/١٣٩، وشرح الطيبة ٤/٢٢١، ٢٢٢، وشرح شعلة ٣٤٦، وإتحاف ١/٥٢٤..
٩ وقرأ بها الحسن كما في المحرر الوجيز ٢/١٣٢، وقرأ بها الأخفش كما في البحر ٣/٤٠٣، وينظر: الدر المصون ٢/٤٥٥..
١٠ ينظر: تفسير الرازي ١١/٧٧..

### الآية 4:155

> ﻿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ وَكُفْرِهِمْ بِآيَاتِ اللَّهِ وَقَتْلِهِمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ ۚ بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا [4:155]

قوله : فَبِمَا نَقْضِهِمْ مَّيثَاقَهُمْ  : في " مَا " هذه وجهان :
أحدهما : أنها زائدةٌ بين الجارِّ ومجروره تأكيداً. 
والثاني : أنها نكرة تامَّة، و " نَقْضِهِمْ " بدلٌ منه، وهذا كما تقدَّم في \[ قوله \]  فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ  \[ آل عمران : ١٥٩ \]. و " نَقْضِ " مصدرٌ مضاف لفاعله، و " مِيثَاقَهُمْ " مفعوله، وفي متعلَّق الباءِ الجارةِ ل " مَا " هذه وجهان :
أحدهما : أنه " حَرَّمْنَا " المتأخِّر في قوله : فَبِظُلْمٍ مِّنَ الَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا [(١)](#foonote-١) \[ النساء : ١٦٠ \] وعلى هذا، فيقال :" فَبِظُلْمٍ " متعلِّق ب " حَرَّمْنَا " أيضاً، فيلزم أن يتعلق حرفاً جَرٍّ متحدانِ لفظاً ومعنًى بعاملٍ واحدٍ ؛ وذلك لا يجوز إلا مع العطف أو البدل، وأجابوا عنه بأن قوله " فَبِظُلْمٍ " بدل من قوله " فبمَا " بإعادة العامل، فيقال : لو كان بدلاً لما دخلَتْ عليه فاءُ العطف ؛ لأن البدل تابعٌ بنفسه من غير توسُّطِ حرفِ عطفٍ، وأُجيبَ عنه بأنه لمَّا طالَ الكلام بين البدل والمبدلِ منه، أعادَ الفاءَ للطُّولِ، ذكر ذلك أبو البقاء[(٢)](#foonote-٢) والزَّجَّاج[(٣)](#foonote-٣) والزمخشريُّ وأبو بَكْرٍ وغيرهم. 
ورَدَّه أبو حيان[(٤)](#foonote-٤) بما معناه أنَّ ذلك لا يجوز لطُول الفصْل بين المبدَلِ والبدل، وبأنَّ المعطوفَ على السببِ سببٌ، فيلزمُ تأخُّرُ بعضِ أجزاءِ السبب الذي للتحريم في الوقتِ عن وقت التحريم ؛ فلا يمكنُ أن يكون سبباً أو جزء سببٍ إلا بتأويلٍ بعيدٍ، وذلك أن قولهم : إِنَّا قَتَلْنَا المَسِيحَ  وقولهم على مريم البهتان إنما كان بعد تحْريم الطيبات، قال :" فالأوْلَى أن يكونَ التقدير : لَعَنَّاهُمْ، وقد جاء مصرَّحاً به في قوله : فبما نقضهم ميثاقهم لعناهم ". 
والثاني : أنه متعلقٌ بمحذوف، فقدَّره ابنُ عطيَّة : لعنَّاهُمْ وأذْلَلْنَاهُمْ وختمنا على قلُوبهم، قال :" وحَذْفُ جواب مثْلِ هذا الكلام بليغٌ "، وتسميةُ مثل هذا " جَوَاب " غيرُ معروف لغةً وصناعةً، وقدَّره أبو البقاء[(٥)](#foonote-٥) :" فَبِمَا نَقْضِهِمْ ميثاقَهُمْ طُبعَ على قُلُوبِهِمْ، أوْ لُعِنُوا، وقيل : تقديرُه : فبما نقضهِمْ لا يُؤمِنُونَ، والفاءُ زائدةٌ ". \[ أي : في قوله تعالى  فَلاَ يُؤْمِنُونَ إِلاَّ قَلِيلاً  \]. انتهى. وهذا الذي أجازه أبو البقاء تَعَرَّضَ له الزمخشريُّ، وردَّه، فقال :" فإن قلْتَ : فهلاَّ زَعَمْتَ أنَّ المحذوفَ الذي تعلَّقَتْ به الباء ما دَلَّ عليه قوله " بَلْ طَبَعَ اللَّهُ، فيكون التقديرُ : فبمَا نقضِهِمْ طَبَعَ اللَّهُ على قُلُوبِهِمْ، بل طَبَعَ الله عَلَيْهَا بكُفْرهِمْ قلت : لم يصحَّ لأن قوله : بل طبع الله عليها بكفرهم  ردٌّ وإنكارٌ لقولهم :" قُلوبُنَا غُلْفٌ "، " فكانَ متعلِّقاً به "، قال أبو حيان[(٦)](#foonote-٦) :" وهو جوابٌ حسنٌ، ويمتنعُ من وجهٍ آخر، وهو أنَّ العطفَ ب " بَلْ " للإضرابِ، والإضرابُ إبطالٌ، أو انتقالٌ، وفي كتاب الله في الإخبار لا يكون إلا للانتقالِ، ويُسْتفادُ من الجملةِ الثانية ما لا يُسْتفاد من الأولى، والذي قَدَّره الزمخشريُّ لا يَسُوغُ فيه الذي قرَّرناه ؛ لأنَّ قوله : فَبِمَا نَقْضِهِم ميثَاقَهُمْ وَكُفْرهِمْ بآياتِ الله وقوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ الله عَلَيْهَا \[ هو مدلولُ الجمْلة التي صَحبتها " بَلْ "، فأفادت الثانِيَة ما أفَادَتِ الأولَى، ولو قُلْت : مرَّ زَيْد بِعَمْرو، بل مَرَّ زَيْدٍ بعمرٍو، لم يَجُزْ ". وقَدَّرَهُ الزمَخْشَرِي : فَعَلْنَا بِهِم ما فَعَلْنَا، وتقدَّم الكَلاَم على الكُفْرِ بآيَاتِ اللَّهِ، وقَتْلِهِم الأنْبِيَاءَ بغَيْرِ حَقٍّ في البَقَرة. 
وأمَّا قولُهم : قُلُوبُنَا غُلْفٌ  جمع غِلاَفٍ، والأصل " غُلُفٌ " بتحريك اللاَّم، وخُفِّفَ كما قِيلَ بالتَّسْكِين ؛ ككُتْب وَرُسْل بتَسْكِين التاءِ والسِّين والمَعْنَى على هذا : أنهم قالوا : قُلُوبُنَا غُلْف، أي : أوْعِيَةٌ للعِلْمِ، فلا حَاجَة بِنَا[(٧)](#foonote-٧) إلى عِلْمٍ سِوَى ما عِنْدَنَا، فكَذَّبُوا الأنْبِيَاء بهَذَا القَوْلِ. 
وقيل : إن غُلْفاً جَمْع أغْلَف[(٨)](#foonote-٨) وهو المغَطَّى بالغلافِ، أي : بالغِطَاءِ، والمَعْنَى على هذا : أنَّهمُ قالُوا : قُلُوبُنَا في أغْطِيَةٍ، \[ فَهي \][(٩)](#foonote-٩) لا تَفْقَهُ ما تَقُولُون ؛ نظيره قولُهُم : قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِّمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِي آذَانِنَا وَقْرٌ وَمِن بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ  \[ فصلت : ٥ \]. 
قوله : بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا  هذا إضرابٌ عن الكلام المتقدِّم، أي : ليس الأمرُ كما قالوا من قولهم :" قُلُوبُنَا غُلْفٌ "، وأظهرَ القرَّاءُ لامَ بَلْ في " طَبَعَ " إلا الكسائي[(١٠)](#foonote-١٠)، فأدغم من غيرِ خلاف، وعن حمزة خلاف، والباء في " بِكُفرهِمْ " يُحتمل أن تكون للسببية، وأن تكون للآلة ؛ كالباء في " طَبَعْتُ بالطِّينِ على الْكِيسِ " يعني أنه جعل الكُفْر كالشيء المطْبُوع به، أي : مُغَطِّياً عليها، فيكونُ كالطابع، وقوله :" إِلاَّ قَلِيلاً " يحتملُ النصبَ على نعت مصدر محذوف، أي : إلا إيماناً قليلاً وهو إيمانُهُم بمُوسَى والتَّوراة فقط، وقد تقدم أن الإيمَانَ بالبَعْضِ دُونَ البَعْضِ كُفْرٌ، ويُحْتَمل كَوْنُه نَعْتاً لِزَمَانٍ مَحْذُوفٍ، أي : زَمَاناً قَلِيلاً، ولا يجُوزُ أن يكُون مَنْصُوباً على الاسْتِثْنَاءِ من فَاعِل " يؤمنُونَ " أي : إلاَّ قَلِيلاً مِنْهُم فإنَّهُم يُؤمِنُون ؛ لأنَّ الضَّمِير في " لاَ يُؤمِنُونَ " عائدٌ على المَطْبُوعِ على قُلُوبهم، ومن طُبعَ على قَلْبِه بالكُفْرِ، فلا يَقَعُ مِنْهُ الإيمانُ. 
\[ والجواب أنَّه مِنْ إسنادِ مَا للبعض للكُلِّ، أي : في قوله : بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ  فتأمّل \][(١١)](#foonote-١١). 
وقال البغوي[(١٢)](#foonote-١٢) :" إِلاَّ قَلِيلاً " يعني : ممَّن كَذَّب الرُّسُل \[ لا \][(١٣)](#foonote-١٣) من طُبِعَ[(١٤)](#foonote-١٤) على قَلْبِهِ ؛ لأنَّ من طَبَعَ الله على قَلْبِه، لا يُؤمِنُ أبَداً، وأرَادَ بالقَلِيلِ : عَبْد الله بن سَلاَم وأصْحَابه. 
قوله :" وبكُفْرهِمْ " : فيه وجهان :
أحدهما : أنه معطوفٌ على " مَا " في قوله :" فَبِمَا نَقضهِمْ " فيكونُ متعلِّقاً بما تعلَّق به الأول. 
الثاني : أنه عطفٌ على " بِكُفرِهِمْ " الذي بعد " طَبَعَ "، وقد أوضح الزمخشريُّ ذلك غايةَ الإيضاح، واعترضَ وأجابَ بأحسنِ جواب، فقال :" فإنْ قلْتَ : علامَ عَطَفَ قوله " وَبكُفْرِهِمْ " ؟ قلتُ : الوجهُ أن يُعْطَفَ على " فَبِمَا نَقْضِهمْ "، ويُجْعَلَ قولُه : بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ  كلاماً يَتْبَع قوله : وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ  على وجه الاستطراد، ويجوزُ عطفه على ما يليه من قوله " بِكُفْرِهِمْ "، فإن قلت : فما معنى المجيءِ بالكُفْر معطوفاً على ما فيه ذِكْرُهُ ؟ سواءٌ عطف على ما قبل الإضْراب، أو على ما بعده، وهو قوله : وَكُفْرِهِمْ بآيَاتِ الله ، وقوله " بِكُفْرِهمْ " ؟ قُلْتُ : قد تكرر منهم الكُفْر ؛ لأنهم كفروا بموسَى، ثم بعيسى، ثم بمحمدٍ، فعطف بعض كُفْرِهِمْ على بعض، أو عَطَفَ مجموعَ المعطوفِ على مجموعِ المعطوف عليه ؛ كأنه قيل : فبجمْعِهِمْ بين نقضِ الميثاقِ، والكُفْرِ بآيات الله، وقتلِ الأنبياء، وقولهم : قُلُوبُنَا غُلْفٌ، وجمعهم بين كفرِهمْ وبَهْتِهِمْ مريم وافتخارهم بقتلِ عيسى ؛ عاقبناهم، أو بلْ طَبَع الله عليها بكفرهم وجمعهم بين كفرهم كذا وكذا ".

١ في الآية ٦٠..
٢ ينظر: الإملاء ١/٢٠٠..
٣ ينظر: معاني القرآن ١/١٣٩..
٤ ينظر: البحر المحيط: ٣/٤٠٤..
٥ ينظر: الإملاء ١/٢٠٠..
٦ ينظر: البحر المحيط ٣/٤٠٤..
٧ في ب: لنا..
٨ في أ: أغفلة..
٩ سقط في أ..
١٠ ينظر: السبعة ١٢٣..
١١ سقط في أ..
١٢ ينظر: تفسير البغوي ١/٤٩٦..
١٣ سقط في ب..
١٤ في ب: يطبع..

### الآية 4:156

> ﻿وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَىٰ مَرْيَمَ بُهْتَانًا عَظِيمًا [4:156]

قوله :\[  وَبِكُفْرِهِمْ وَقولِهِمْ عَلَى مَرْيم  \] " بُهْتَاناً \[ عظيماً \] " في نصب \[ " بُهْتَاناً " \] خمسةُ أوجه :
أظهرُها : أنه مفعولٌ به ؛ فإنه مُضَمَّنٌ معنى " كَلاَم " ؛ نحو : قُلْتُ خُطْبَةٌ وشِعْراً. 
الثاني : أنه منصوبٌ على نوع المصدر، كقولهم :" قَعَدَ القُرْفُصَاءَ " يعني : أن القول يكون بُهتاناً وغير بهتان. 
الثالث : أن ينتصبَ نعتاً لمصدر محذوف، أي : قولاً بُهْتَاناً، وهو قريبٌ من معنى الأول. 
الرابع : أنه منصوبٌ بفعلٍ مقدَّرٍ من لفظه، أي : بَهَتُوا بُهْتَاناً. 
الخامس : أنه حال من الضميرِ المجْرور في قولهم، أي : مُبَاهِتينَ، وجازَ مجيءُ الحال من المضاف إليه ؛ لأنه فاعلٌ معنًى، والتقديرُ : وبأن قالوا ذلك مباهتين.

### فصل في المقصود بالبهتان


والمراد بالبُهْتَانِ : أنَّهُم رموا مَرْيَم بالزِّنَا، لأنَّهم أنكَرُوا قُدْرَة الله - تعالى - على خَلْقِ الوَلَدِ من غير أبٍ، ومُنْكِرُ قُدْرَةِ الله على ذلك كَافِرٌ ؛ لأنه يَلْزَمُ أن يقُول : كُلُّ ولَدٍ مَسْبُوقٍ بوَالِدٍ لا إلى أوَّل، وذَلِك يُوجِبُ القَوْل بِقِدَم العَالَمِ والدَّهْرِ، والقَدْحُ في وجُود الصَّانِعِ المُخْتَار، فالقَوْمُ أولاً أنكَرُوا قُدْرَة الله - تعالى - علَى خَلْقِ الوَلَدِ من غَيْر أبٍ، وثانياً : نَسَبُوا مَرْيَم إلى الزِّنَا. 
فالمراد بقوله :" وَبِكُفْرِهِم " هو إنْكَارُهُم قُدْرَة الله - تعالى -، وبقوله : وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَاناً عَظِيماً  نِسْبَتُهُم إيّاهَا إلى الزِّنَا، ولمَّا حَصَل التغَيُّر[(١)](#foonote-١) حسن العَطْف، وإنما صار هذا الطَّعْنُ بُهْتاناً عَظِيماً ؛ لأنه ظَهَر عند ولادَةَ عِيسَى - عليه السلام[(٢)](#foonote-٢) - \[ من \][(٣)](#foonote-٣) الكَرَامَاتِ والمُعْجِزَاتِ، ما دَلَّ على بَرَاءَتِها[(٤)](#foonote-٤) من كُلِّ عَيْبٍ، نحو قوله : وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَباً جَنِيًّا  \[ مريم : ٢٥ \] وكلام عيسى – \[ عليه السلام \][(٥)](#foonote-٥) – طفْلاً مُنْفصِلاً عن أمِّهِ، فإنَّ كُلَّ ذلك دَلاَئِل قاطِعَةٌ على بَراءة مَرْيَم - \[ عليها السلام \][(٦)](#foonote-٦) - من كل رِيبَةٍ، فلا جَرَم وَصَف اللَّهُ - \[ تعالى \][(٧)](#foonote-٧) - \[ طَعْنَ \][(٨)](#foonote-٨) اليهُود فيها بأنَّهُ بُهْتَانٌ عَظِيمٌ. 
واعلم أنَّه لما وَصَفَ طَعْن اليَهُود في مَرْيم بأنَّه بُهْتَانٌ عَظِيمٌ، ووصَفَ طَعْن المُنَافِقِين في عَائِشَةَ بأنَّهُ بُهْتَانٌ عَظِيمٌ، حَيْثُ قال : سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ  \[ النور : ١٦ \] ؛ دلَّ ذلك على أنَّ الرَّوَافِضَ الَّذِين يَطْعَنُون في عَائِشَةَ، بمَنْزِلَة اليَهُودِ الَّذِين يَطْعَنُون في مَرْيم – عليها السلام -. 
١ في ب: التغاير..
٢ في ب: عليه الصلاة والسلام..
٣ سقط في ب..
٤ في أ: برائها..
٥ سقط في أ..
٦ سقط في أ..
٧ سقط في ب..
٨ سقط في أ..

### الآية 4:157

> ﻿وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَٰكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ ۚ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ ۚ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ ۚ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا [4:157]

قوله :" وَقَوْلُهُم " عَطْف على " وَكُفْرِهِم "، وكُسِرت " إنَّ " لأنَّها مُبْتَدأ بعد القَوْلِ وفَتْحهَا لُغَة. 
و " عِيسَى " بدلٌ من " المَسِيح "، أو عطفُ بيان، وكذلك " ابن مَرْيَم "، ويجوز أن يكونَ صفةً أيضاً، وأجاز أبو البقاء[(١)](#foonote-١) في " رَسُول الله " هذه الأوجه الثلاثة، إلا أنَّ البدل بالمشتقات قليلٌ، وقد يُقال : إنَّ " رَسُول الله " جرَى مَجْرَى الجوامدِ، وأجاز فيه أن يَنْتصبَ بإضمار " أعني "، ولا حاجةَ إليه. قوله " شُبِّهَ لَهُمْ " :" شُبِّهَ " مبني للمفعول، وفيه وجهان :
أحدهما : أنه مسند للجارِّ بعده ؛ كقولك :" خُيِّلَ إليه، ولُبِّسَ علَيْهِ " \[ كأنَّه قيل : ولكن وقع لهم التشبيه \]. 
والثاني : أنه مسندٌ لضمير المقْتُول الَّذِي دَلَّ عليه قولهم :" إِنَّا قَتَلْنَا " أي : ولكن شُبِّه لهم من قتلُوه، فإن قيل : لِمَ لا يَجُوز أن يعودَ على المسيحِ ؟ فالجوابُ : أن المسيحَ مشبَّه به \[ لا مشبَّه \].

### فصل


وهذا القَوْل مِنْهُم يَدُلُّ على كُفْرٍ عَظِيمٍ مِنْهُم ؛ لأن قَولَهُم، فَعَلْنَا ذَلِك، يدل على رَغْبَتِهِم في قَتْلِهِ \[ بجدٍّ واجْتِهَادٍ \][(٢)](#foonote-٢)، وهذا القَدْرُ كُفْر عَظِيمٌ. 
فإن قِيلَ : اليَهُود كَانُوا كَافِرِين بِعيسَى – عليه السلام – أعداء لَهُ، عَامِدِين لِقَتْلِه، يسَمُّونَهُ السَّاحِرَ ابن السَّاحِرَة ؛ والفاعِل ابْنَ الفاعِلة، فكيف قَالُوا : إنّا قَتلْنَا المَسيح \[ عيسى \][(٣)](#foonote-٣) ابن مَرْيَم رسُول الله ؟. 
فالجوابُ من وَجْهَيْن[(٤)](#foonote-٤) :
الأول : أنهم قَالُوهُ على وَجْه الاسْتِهْزَاءِ ؛ كقول فِرْعَوْن : إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ  \[ الشعراء : ٢٧ \] وقول كُفَّار قُرَيْش لمحمد - عليه السلام - : يَأَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ  \[ الحجر : ٦ \]. 
الثاني : أنه يجُوزُ أن يَضَعَ[(٥)](#foonote-٥) الله الذِّكْرَ الحَسَنَ مَكَانَ ذِكْرِهم القَبِيح في الحِكَايَةِ عَنْهُم ؛ رفعاً لعِيسى ابن مَرْيَمِ - عليه السلام - عمَّا كَانُوا يَذْكُرُونَه به. 
ثم قال - تعالى - : وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِن شُبِّهَ لَهُمْ . 
واعلم أن اليَهُودَ لمَّا زعموا أنَّهُم قتلوا المسيحَ، كذَّبَهم الله في هَذِه الدَّعْوَى، فقال. . . الآية. 
فإن قيل : إذا جَازَ أن يُلقي الله - تعالى - شِبْه إنْسَانٍ على إنْسَانٍ آخر، فهذا يَفْتَحُ بابَ السَّفْسَطَة، فإذا رَأيْنَا زَيْداً فَلَعَلَّهُ لَيْس بِزَيْدٍ، ولَكِنَّه ألْقَى شِبْهَ زيْد عليه، وعِنْد ذلك لا يَبْقَى الطَّلاقُ والنِّكَاحُ والمِلْكُ مَوْثُوقاً بِهِ، وأيضاً يُفْضِي إلى القَدْحِ في التَّوَاتُرِ ؛ لأن خَبَر التَّواتُر إنَّما يُفِيد العِلْمَ بِشَرطِ انْتِهائِهِ إلى المَحْسُوسِ، فإذا جَوَّزْنَا حُصُول مِثْل هَذَا الشِّبْهِ في المَحْسُوسَاتِ، يُوَجَّهُ الطَّعْن في التَّوَاترُ، وذلكِ يُوجِبُ القَدْح في جَمِيع الشَّرَائع، ولَيْسَ لمُجِيبٍ أن يُجِيبَ عَنْهُ ؛ بأن ذَلِك مُخْتَصٌّ بزمان الأنْبِياء – \[ عليهم الصلاة والسلام \][(٦)](#foonote-٦) - ؛ لأنا نَقُول : لو صَحَّ ما ذَكَرْتُم، فذلِكَ إنَّما يُعْرَفُ بالدَّليلِ والبُرْهَانِ، فمن لَمْ يَعْلَمْ ذلك الدَّلِيلَ وذلِك البُرْهَان، وجَبَ ألاَّ يَقْطَع بِشَيءٍ من المَحْسُوسَاتٍ، فَتوَجَّه الطَّعْن في التَّوَاتُر، ووَجَبَ ألاَّ يُعْتَمدُ على شَيءٍ مِنَ الأخْبَارِ المُتَوَاتِرَة. 
وأيضاً : ففي زَمانِنا إن انْسَدَّتِ المُعْجِزَات، فطَريقُ الكَرَامَاتِ مَفْتُوحٌ، وحينئذٍ يعُود[(٧)](#foonote-٧) الاحْتِمَال المَذْكُور في جَمِيعِ الأزْمِنَةِ، وبالجُمْلَة فَفَتْحُ هذا الباب يُوجِبُ الطَّعْنَ في التَّواتُر، والطَّعْنُ في التَّوَاتُرِ يوجب الطَّعْنَ في نُبُوَّة \[ جميع \][(٨)](#foonote-٨) الأنْبِياء - عليهم الصلاة والسلام -، وإذَا[(٩)](#foonote-٩) كان هذا يُوجِبُ الطَّعْنَ في الأصُولِ، كان مَرْدُوداً. 
فالجوابُ : قال كَثِيرٌ من المتَكَلِّمين[(١٠)](#foonote-١٠) : إن اليَهُود لمَّا قَصَدُوا قَتْلَه، رفَعَهُ الله إلى السَّمَاءِ، فخَافَ رُؤسَاءُ اليَهُودِ من وُقُوعِ الفِتْنَةِ بَيْن عَوامِّهِم، فأخَذُوا إنْسَاناً وقَتَلُوهُ وصَلَبُوهُ، وألْبَسُوا على النَّاسِ أنَّه هُوَ المَسِيحُ، والنَّاسُ ما كَانُوا يَعْرِفُون المسيح إلا بالاسْمِ ؛ لأنه كَانَ قَلِيلَ المُخَالطَةِ للنَّاسِ، وإذا كان اليَهُود هُم الَّذِين ألْبَسُوا على النَّاسِ، زال[(١١)](#foonote-١١) السُّؤالُ، ولا يُقالُ : إن النَّصَارى يَنْقُلُون عن أسْلافِهِم أنهم شَاهَدُوهُ مَقْتُولاً ؛ لأن تَوَاتُرَ النَّصَارى يَنْتَهِي إلى أقْوَام قَلِيلين، لا يبْعُد اتِّفَاقُهُم على الكَذِب، وقيل غَيْر ذلِكَ، وقد تقدَّم بَقِيَّة الكلام على الأسئِلَة الوارِدَة هُنَا عِنْد قوله : إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ  في سورة آل عمران \[ الآية : ٥٥ \]. 
ثم قال : وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُواْ فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِّنْهُ  هذا الاختلافُ فيه قولان :
الأول : أنَّهم هم النصَارى كُلُّهُم مُتَّفِقُون على أنَّ اليَهُودَ قَتَلُوهُ، إلا أنهم ثلاث فِرقٍ : نَسْطُورِيَّة، ومَلْكَانِية، ويعقوبية :
فالنَّسْطُوريَّة : زعموا أن المَسِيحَ صُلِبَ من جِهَةِ ناسُوتهِ، لا مِنْ جهة لاهُوتِه، وهو قَوْل أكْثَر الحُكَمَاء ؛ لأن الإنْسَان لَيْس عِبَارَةٌ عن هذا الهَيْكَل[(١٢)](#foonote-١٢)، بل هُوَ إمَّا جِسْمٌ شَرِيفٌ في هذا البَدَنِ، وإمَّا جَوْهَرٌ رَوْحَانِيٌّ مُجَرَّدٌ في ذاتِهِ، وهُو مُدَبِّر لهَذَا البَدَن، والقَتْلُ إنَّما وَرَدَ هلى هذا الهَيْكَل، وأمَّا حَقيقَةُ نَفْس عِيسَى، فالقَتْلُ ما وَرَدَ عَليْهَا، ولا يُقَال : كُلُّ إنْسَانٍ كَذَلِك، فما وَجْه هَذَا التَّخْصِيص ؟ لأنَّا نَقُول إن نَفْسَه كَانَت قُدِسيَّةً عُلْوِيَّة سَمَاوِيَّة، شديدة الإشْرَاقِ بالأنْوَارِ الإلهِيَّة، وإذا كانت كَذَلِكَ، لَمْ يَعْظُم تَألُّمُهَا[(١٣)](#foonote-١٣) بِسَبَبِ القَتْلِ وتَخْرِيب البدن، ثم إنَّها بعد الانْفِصَالِ عن ظُلْمَةِ البَدَنِ، تَتَخَلَّصُ إلى فُسْحَة[(١٤)](#foonote-١٤) السَّمواتِ وأنوار عَالَم الجلالِ، فَتَعْظُم بَهْجَتُهَا وسَعَادَتُها هُنَاكَ، وهذه الأحْوَال غَيْرُ حَاصِلةٍ لكُلِّ النَّاسِ، وإنما حَصَلَت لأشْخَاصٍ قَلِيلِين من مَبْدَإ[(١٥)](#foonote-١٥) خَلْق آدَمَ إلى قِيَامِ القِيَامَةِ، فهذا فَائِدَةُ التَّخْصِيصِ. 
وأما الملْكَانِيَّة فَقَالُوا : القَتْل والصَّلْبُ وصَلاَ إلى اللاَّهُوت بالإحْسَاسِ والشُّعُور، لا بالمُبَاشَرَةِ. 
وقالت اليعقوبية : القَتْلَ والصَّلْبُ وقعا بالمسيح الذي هو جَوْهرٌ مُتَوَلِّدٌ من جَوْهَرَيْن. 
فهذا شرح مَذَاهِب النَّصَارَى في هذا البَابِ، وهو المُرَاد من قوله : وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُواْ فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِّنْهُ . 
والمنزل[(١٦)](#foonote-١٦) الثاني : أن المُراد ب " الَّذِين اخْتَلَفُوا فِيه " اليَهُود، وفيه وجهان :
الأوَّل : أنهم لمَّا قَتَلُوا الشَّخْص المُشَبَّه به، كان المُشَبَّهُ قد ألْقِي على وَجْهِه، ولم يُلْقَ على جَسَدِهِ شِبْه جَسَد عِيسَى، فلما قَتَلُوه ونَظَرُوا إلى بَدَنِهِ، قالوا : الوجْهُ وجْهُ عِيسَى والجَسَدُ جسد غَيْرِه. 
والثاني : قال السُّدِّي[(١٧)](#foonote-١٧) : إن اليَهُود حَبَسُوا عِيسى - عليه السلام - مع عَشَرَةٍ من الحَوَارِيِّين في بَيْتٍ، فَدَخَلَ عَلَيْه رَجُلٌ من اليَهُودِ ليُخْرِجَهُ ويَقْتلهُ، فألقى[(١٨)](#foonote-١٨) الله شِبْه عِيسَى - عليه السلام - على ذَلِك الرَّجُلِ، ورَفَع عيسى إلى السَّماء، فأخذوا ذلك الرَّجُلَ فَقَتَلُوهُ على أنَّه عيسى - عليه السلام -، ثم قالوا \[ إن كان هذا عِيسَى فأيْن صَاحِبُنَا، وإن كان صَاحِبُنَا فأيْن عيسى \][(١٩)](#foonote-١٩)، فَذَلِكَ اخْتِلافُهُم فِيه. 
قوله : لَفِي شَكٍّ مِنْهُ  :" مِنْهُ " في محلِّ جرِ صفة ل " شَكٍّ " يتعلَّقُ بمحذوف، ولا يجوز أن تتعلَّق فَضْلةٌ بنفس " شَكٍّ " ؛ لأن الشكَّ إنما يتعدَّى ب " في " لا ب " مِنْ "، ولا يقال : إنَّ " مِنْ " بمعنى " في " ؛ فإن ذلك قولٌ مرجوحٌ، ولا ضرورة لنا به هنا. 
وقوله : مَا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ  يجوز في " مِنْ علمٍ " وجهان :
أحدهما : أنه مرفوع بالفاعليَّة، والعاملُ أحد الجارَّيْنِ : إمَّا " لَهُمْ " وإما " به "، وإذا جُعِلَ أحدُهما رافعاً له، تعلَّق الآخرُ بما تعلَّق به الرافِعُ من الاستقرار المقدَّر، و " مِنْ " زائدةٌ لوجودِ شرطي الزيادة. 
والوجه الثاني : أن يكون " مِنْ علْمٍ " مبتدأ زيدت فيه " مِنْ " أيضاً وفي الخبر احتمالان :
أحدهما : أن يكونَ " لَهُم " فيكون :" به " : إمَّا حالاً من الضمير المستكنِّ في الخبر، والعاملُ فيها الاستقرارُ المقدَّر، وإمَّا حالاً من " عِلْمٍ "، وإنْ كان نكرةً ؛ لتقدُّمها عليه، ولاعتمادِه على نَفْي، فإن قيل : يلزمُ تقدُّمُ حالِ المجرورِ بالحرفِ عليه، وهو ضرورةٌ، لا يجوزُ في سَعة الكَلاَم. 
فالجوابُ : أنَّا لا نُسَلِّم ذلك، بل نقل أبو البقاء[(٢٠)](#foonote-٢٠) وغيره ؛ أنَّ مذْهَب أكثر البصريين جوازُ ذلك، ولئِنْ سلَّمْنَا أنه لا يجوز إلا ضرورةً، لكن المجرور هنا مجرورٌ بحرف جرٍّ زائدٍ، والزائدُ في حكْم المُطَّرَح، وأمَّا أن يتعلَّق بمحذوفٍ على سبيل البيانِ، أي : أعْني به، ذكره أبو البقاء[(٢١)](#foonote-٢١)، ولا حاجةَ إليه، ولا يجوزُ أن يتعلق بنفس " عِلْم " ؛ لأن معمول المصدر لا يتقدم عليه. 
والاحتمال الثاني : أن يكون " به " هو الخبر، و " لَهُمْ " متعلق بالاستقرار ؛ كما تقدم، ويجوز أن تكون اللام مبيِّنةً مخصَّصة كالتي في قوله : وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُواً أَحَدٌ  \[ الإخلاص : ٤ \]. وهذه الجملةُ المنفية تحتمل ثلاثة أوجه : الجرّ على أنها صفةٌ ثانية ل " شَكٍّ " أي : غير معلوم. 
الثاني : النصب على الحال من " شَكٍّ "، وجازَ ذلك، وإنْ كان نكرةً لتخصُّصِه بالوصف بقوله " مِنْه ". 
الثالث : الاستئنافُ، ذكره أبو البقاء، وهو بعيدٌ. 
قوله : إِلاَّ اتِّبَاعَ الظَّنِّ  في هذا الاستثناء قولان :
أصحهما : ولم يذكر الجمهورُ غيره : أنه منقطع ؛ لأن اتباع الظن ليس من جنس العلم، 
\[ قال شهاب الدين :\][(٢٢)](#foonote-٢٢)، ولم يُقْرأ فيما علمتُ إلا بنصبِ " اتِّباع " على أصل الاستثناء المنقطِعِ، وهي لغةُ الحجاز، ويجوزُ في تميم الإبدالُ من " عِلْم " لفظاً، فيجرُّ، أو على الموضع، فيُرفَعُ ؛ لأنه مرفوع المحلِّ ؛ كما قدَّمته لك، و " مِنْ " زائدةٌ فيه. 
والثاني - قال ابن عطية - : أنه متصِلٌ، قال :" إذ العلْمُ والظنُّ يضمهما جنسُ أنهما من معتقدات اليقين، يقول الظانُّ على طريق التجوُّز :" عِلْمِي في هذا الأمْرِ كَذَا " إنما يريدُ ظَنِّي " انتهى، وهذا غيرُ موافقٍ عليه ؛ لأن الظنَّ ما ترجَّحَ فيه أحد الطرفَيْن، واليقينُ ما جُزِم فيه١ ينظر: الإملاء ١/٢٠١..
٢ سقط في ب..
٣ سقط في أ..
٤ في ب: وجوه..
٥ في أ: يقبح..
٦ سقط في أ..
٧ في ب: فيعود..
٨ سقط في ب..
٩ في ب: فإذا..
١٠ ينظر: تفسير الرازي ١١/٧٩..
١١ في ب: زوال..
١٢ في ب: الكيل..
١٣ في ب: ألمها..
١٤ في أ: فسيحة..
١٥ في أ: بعد..
١٦ في ب: والقول..
١٧ ينظر: تفسير الرازي ١١/٨٠..
١٨ في ب: ألقى..
١٩ سقط في أ..
٢٠ ينظر: الإملاء ١/٢٠١..
٢١ ينظر: السابق..
٢٢ ينظر: الدر المصون ٢/٤٥٨..

### الآية 4:158

> ﻿بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ ۚ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا [4:158]

### فصل : إثبات المشبهة للجهة ودفع ذلك


احتَجَّ المُشَبِّهَةُ بقوله – تعالى - : بَل رَّفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ  في إثْبَات الجِهَةِ. 
والجوابُ : أن المُراد الرَّفْعُ إلى موضعٍ لا يَجْرِي فِيهِ حُكْمُ غير الله - تعالى - ؛ كقوله[(١)](#foonote-١) تعالى  وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ  \[ آل عمران : ١٠٩ \] وقوله - تعالى - : وَمَن يَخْرُجْ مِن بَيْتِهِ مُهَاجِراً إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ  \[ النساء : ١٠٠ \]، وكانت الهِجْرَة في ذلك الوَقْت، إلى المَدِينَةِ. وقال إبراهيمُ : إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي  \[ الصافات : ٩٩ \]. 
### فصل : دلالة الآية على رفع عيسى عليه السلام


دلت \[ هذه \][(٢)](#foonote-٢) الآيةُ على رفع عيسى - عليه السلام - إلى السَّمَاءِ، وكذلك قوله : إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ  \[ آل عمران : ٥٥ \]. 
ثم قال : وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً ، والمراد بالعِزَّة : كَمَال القُدْرَة، ومن الحِكْمَة : كمال العلم، نَبَّه بهذا على أنَّ رَفْعَ عيسى - عليه السلام - إلى السَّموات وإن \[ كَانَ \][(٣)](#foonote-٣) كالمتَعَذِّر على البَشَرِ، لَكِنَّه لا بُدَّ فيه من النِّسْبَةِ إلى قُدْرَتِي وحِكْمَتِي ؛ كقوله - تعالى : سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً  \[ الإسراء : ١ \] فإنّ الإسْرَاء[(٤)](#foonote-٤) وإن كان مُتَعذِّراً بالنِّسْبَةِ إلى قُدْرَة مُحَمَّدٍ، إلا أنَّه سهل بالنسْبَة إلى قُدْرة الله - تعالى -. 
١ في ب: لقوله..
٢ سقط في أ..
٣ سقط في أ..
٤ في أ: الإسراف..

### الآية 4:159

> ﻿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ ۖ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا [4:159]

قوله تعالى : وَإِن مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ \[ إِلاَّ لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً  \][(١)](#foonote-١)
لما ذكر فَضَائِح اليَهُود وقبحَ أفْعَالِهِم، وأنَّهم قَصَدُوا قَتْل عِيسَى عليه الصلاة والسلام، وأنَّه[(٢)](#foonote-٢) لم يَحْصُل لهم ذَلِكَ المَقْصُود، وأنَّ عيسى - عليه السلام - حَصَل له أعْظَمُ المَنَاصِبِ، بَيَّن أن هؤلاء اليهُود الذين بَالَغُوا في عَدَاوَتِهِ، لا يَخْرُجُ أحَدٌ مِنْهُم من الدُّنْيَا إلا بَعْدَ أن يُؤمِنَ به، فقال : وَإِن مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلاَّ لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ ، " إنْ " هنا نافيةٌ بمعنى " مَا "، و " مِنْ أهْلِ " يجوز فيه وجهان :
أحدهما : أنه صفة لمبتدأ محذوف، والخبرُ الجملةُ القسمية المحذوفة وجوابها، والتقدير : وما أحدٌ من أهل الكتاب إلاَّ واللَّهِ ليُؤمِننَّ به، فهو كقوله : وَمَا مِنَّا إِلاَّ لَهُ مَقَامٌ مَّعْلُومٌ  \[ الصافات : ١٦٤ \]، أي : ما أحدٌ مِنَّا، وكقوله : وَإِن مِّنكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا 
\[ مريم : ٧١ \] أي : مَا أحَدٌ مِنْكُمْ إلاَّ وَارِدُها، هذا هو الظاهر. 
والثاني - وبه قال الزمخشري وأبو البقاء[(٣)](#foonote-٣) - : أنه في محلِّ الخبر، قال الزمخشري :" وجملة " لَيُؤْمِنَنَّ به " جملةٌ قسمية واقعة صفة لموصوف محذوف، تقديره : وَإنْ مِنْ أهْلِ الكِتاب أحَدٌ إلاَّ ليُؤمِنَنَّ بِهِ، ونحوه : وما منا إلا له مقام معلوم   وإن منكم إلا واردها ، والمعنى :" وما من اليهود أحَدٌ إلاَّ ليُؤمنَنَّ "، قال أبو حيان[(٤)](#foonote-٤) :" وهو غلطٌ فاحشٌ ؛ إذ زعم أن " لَيُؤْمِنَنَّ بِه " جملة قسمية واقعةٌ صفةً لموصوف محذوف إلى آخره، وصفة " أحَد " المحذوف إنما الجار والمجرور ؛ كما قَدَّرناه، وأمَّا قوله :" لَيُؤْمِنَنَّ بِه "، فليستْ صفةً لموصوف، ولا هي جملة قسمية، إنما هي جملة جواب القَسَم، والقسم محذوفٌ، والقسمُ وجوابُه خبر للمبتدأ، إذ لا ينتظم من " أحَد "، والمجرور إسناد ؛ لأنه لا يفيد، وإنما ينتظم الإسنادُ بالجملة القسمية وجوابها، فذلك هو مَحَطُّ الفائدةِ، وكذلك أيضاً الخبرُ هو  إِلاَّ لَهُ مَقَامٌ ، وكذلك " إِلاَّ وَارِدُهَا " ؛ إذ لا ينتظم مما قبل " إلاَّ " تركيب إسناديٌّ ". \[ قال شهاب الدين \][(٥)](#foonote-٥) وهذا - كما تَرَى - قد أساء العبارة في حق الزمخشريِّ ؛ بما زعم أنه غلط، وهو صحيح مستقيم، وليت شعري كيف لا ينتظم الإسنادُ من " أحَد " الموصوفِ بالجملة التي بعده، ومن الجارِّ قبله ؟ ونظيرُه أن تقول :" مَا فِي الدَّارِ رَجُلٌ إلاَّ صَالِحٌ " فكما أن " فِي الدَّار " خبر مقدَّم، و " رَجُلٌ " مبتدأ مؤخر، و " إلاَّ صَالِحٌ " صفته، وهو كلامٌ مفيد مستقيمٌ، فكذلك هذا، غايةُ ما في الباب أنَّ " إلاَّ " دخلت على الصفة ؛ لتفيدَ الحصْر، وأما ردُّه عليه حيث قال : جملةٌ قسميَّة، وإنما هي جوابُ القسَم، فلا يَحْتاجُ إلى الاعتذار عنه، ويكفيه مثلُ هذه الاعتراضاتِ. 
واللام في " ليُؤمِنَنَّ " جوابُ قسمٍ محذوف، كما تقدَّم. وقال أبو البقاء[(٦)](#foonote-٦) :" ليُؤمِنَنَّ جواب قسمٍ محذوفٍ، وقيل : أكَّدَ بها في غير القسَم ؛ كما جاء في النفي والاستفهام "، فقوله :" وقيل. . . إلى آخره " إنما يستقيم ذلك، إذا أعَدْنا الخلاف إلى نونِ التوكيد ؛ لأنَّ نون التوكيد قد عُهِد التأكيدُ بها في الاستفهام باطِّرادٍ، وفي النفي على خلاف فيه، وأما التأكيدُ بلام الابتداء في النفي والاستفهام، فلم يُعْهَد ألبتة، وقال[(٧)](#foonote-٧) أيضاً قبل ذلك :" وما مِنْ أَهْلِ الكتاب أحدٌ، وقيل : المحذوفُ " مَنْ " وقد مرَّ نظيره، إلا أنَّ تقديرَ " مَنْ " هنا بعيدٌ، لأن الاستثناء يكون بعد تمام الاسْمِ، و " مَنْ " الموصولة والموصوفةُ غيرُ تامَّة "، يعني أن بعضهم جعل ذلك المحذوفَ لفظَ " مَنْ "، فيقدِّر : وإنْ مِنْ أهْلِ مَنْ إلاَّ ليُؤمِنَنَّ، فجعلَ موضع " أحَد " لفظ " مَنْ "، وقوله :" وقَدْ مرَّ نظيره "، يعني قوله تعالى : وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَن يُؤْمِنُ بِاللَّهِ  \[ آل عمران : ١٩٩ \] ومعنى التنظير فيه أنه قد صرَّح بلفظ " من " المقدَّرةِ ههنا. 
وقرأ أبَيٌّ[(٨)](#foonote-٨) :" ليُؤمِنُنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِمْ " بضم النون الأولى مراعاة لمعنى " أحَد " المحذوف، وهو وإن كان لفظه مفرداً، فمعناه جمع، والضمير في " به " لعيسى - عليه السلام -، وقيل : لله تعالى، وقيل : لمحمَّد - عليه السلام -، وفي " مَوْته " لعيسى، ويُروى في التفسير ؛ أنه حين ينزل إلى الأرض يُؤمِنُ به كلُّ أحدٍ، حتى تصيرَ المِلّةُ كلُّها إسلامية وهو قَوْلُ قَتادَة، وابن زَيْدٍ[(٩)](#foonote-٩) وغيرِهِما، وهو اخْتِيَارُ الطَّبَرِيِّ. 
وقيل : يَعُود على " أحَد " المُقدَّر، أي : لا يَمُوت كِتَابِيٌّ حتى يُؤمن بعيسى قبل مَوْتِهِ عند المُعَايَنَةِ حين لا يَنْفَعُهُ. 
ونُقِل عن ابن عَبَّاسٍ ذلك، فقال له عِكْرِمة، أفَرأيْتَ إن خَرَّ بَيْتٌ أو احْتَرَق أو أكَلَهُ سَبُعٌ ؟ قال : لا يمُوتُ حَتَّى يُحَرِّكَ بها شَفَتَيْهِ، أي : بالإيمَانِ بعيسى[(١٠)](#foonote-١٠). 
وروى شَهْر بن حَوْشب \[ عن الحَجَّاج ؛ أنه \][(١١)](#foonote-١١) قال يا شهر آية في كتاب الله ما قَرأتُهَا إلاَّ في نفسي مِنْهَا شَيْءٌ، يعني : هذه الآيَةَ ؛ فإني أضْرِبُ عُنُقَ اليَهُودِي، ولا أسْمَعُ منه ذلِك[(١٢)](#foonote-١٢)، فقُلْتُ : إن اليَهُودِي إذا حَضَرَهُ المَوْتُ ضَرَبَت الملائِكَة وَجْهَهُ وَدبُرَهُ، وقالوا[(١٣)](#foonote-١٣) : يا عَدُوَّ اللَّهِ، أتاك عِيسَى نَبِيّاً فكَذَّبْت \[ به، فيقُولُ :\][(١٤)](#foonote-١٤) آمنْتُ أنه عَبْدُ الله، وتقول للنَّصْرَانِيِّ : أتَاك عِيسَى نَبِيّاً فَزَعَمْت أنَّه اللَّهُ وابْنُ اللَّهِ، فيقول : آمَنْتُ أنه عَبْدُ الله، فأهْلُ الكِتَابِ \[ يؤمِنُون \][(١٥)](#foonote-١٥) به، ولكن حَيْثُ لا يَنْفَعُهُم ذَلِك الإيمانُ، فاسْتَوَى الحَجَّاج جَالِساً فقال : مِمَّن نَقَلْتَ هذا ؟ فقال : حَدَّثَنِي \[ به \][(١٦)](#foonote-١٦) محمد بن عَلِيّ ابن الحَنفِيَّة، فأخذ يَنْكُتُ في الأرْضِ بِقَضيبٍ، ثم قال : أخَذْتهَا من عَيْنٍ صَافِيَةٍ[(١٧)](#foonote-١٧). 
وقرأ الفياض بن غزوان[(١٨)](#foonote-١٨) " وإن من أهل الكتاب " بتشديد " إن "، وهي قراءة مردودة لإشكالها.

### فصل


روى أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال :" يوشك أن ينزل فيكم ابن مريم حكما عدلا، يكسر الصليب، ويقتل الخنزير، ويضع الجزية، ويفيض المال حتى لا يقبله أحد، وتميل[(١٩)](#foonote-١٩) في زمانه الملل كلها إلى الإسلام، ويقتل الدجال، فيمكث في الأرض أربعين سنة، ثم يتوفى فيصلي عليه المسلمون " وقال أبو هريرة اقرءوا إن شئتم : وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به قبل موته  أي : قبل موت عيسى ابن مريم-\[ عليه السلام \][(٢٠)](#foonote-٢٠)- ثم يعيدها أبو هريرة ثلاث مرات[(٢١)](#foonote-٢١). 
قال الزمخشري : والفائدة في إخبار الله- تعالى- بإيمانهم بعيسى قبل موتهم- أنهم متى علموا أنه[(٢٢)](#foonote-٢٢) لا بد لهم من الإيمان به لا محالة، مع كونه لا ينفعهم الإيمان في ذلك الوقت، فلا يؤمنوا به حال ما ينفعهم ذلك الإيمان. 
قوله سبحانه  ويوم القيامة  العامل فيه " شهيدا " وفيه دليل على جواز تقدم خبر " كان " عليها ؛ لأن تقديم المعمول يؤذن بتقديم العامل، وأجاز أبو البقاء[(٢٣)](#foonote-٢٣) أن يكون منصوبا ب " يكون " وهذا على رأي من يجيز ل " كان " أن تعمل في الظرف وشبهه، والضمير في " يكون " لعيسى يعني : يكون عيسى عليهم شهيدا : أنه قد بلغهم رسالة ربه، وأقر بالعبودية على نفسه مخبرا عنهم  وكنت عليهم شهيدا ما دمت فيهم  \[ المائدة : ١١٧ \] وكل نبي شاهد على أمته، وقيل : الضمير في " يكون " لمحمد-عليه السلام-. 
١ سقط في أ..
٢ في أ: عليه السلام وأنهم..
٣ ينظر: الإملاء ١/٢٠١..
٤ ينظر: البحر المحيط ٣/٤٠٨..
٥ ينظر: الدر المصون ٢/٤٥٩..
٦ ينظر: الإملاء ١/٢٠٢..
٧ ينظر: الإملاء ١/٢٠٢..
٨ ينظر البحر المحيط ٣/٤٠٨، والدر المصون ٢/٤٦٠..
٩ أخرجه الطبري في "تفسيره" (٩/٣٨٠، ٣٨١) عن قتادة وابن زيد..
١٠ أخرجه الطبري في "تفسيره" (٩/٣٨٣) عن ابن عباس..
١١ سقط في أ..
١٢ في أ: فلك..
١٣ في أ: ويقولوا..
١٤ سقط في أ..
١٥ سقط في أ..
١٦ سقط في أ..
١٧ ذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٢/٤٢٧) وعزاه لابن المنذر عن شهر بن حوشب..
١٨ ينظر: المحور الوجيز ٢/١٣٤، والبحر المحيط ٣/٤٠٩، والدر المصون ٢/٤٦٠..
١٩ في ب: وتميل..
٢٠ سقط في أ..
٢١ متفق عليه، أخرجه البخاري في الصحيح ٤/٤١٤، كتاب البيوع "باب قتل الخنزير" الحديث(٢٢٢٢) وفي ٦/٤٩٠-٤٩١، كتاب الأنبياء: باب نزول عيسى ابن مريم عليهما السلام الحديث (٣٤٤٨)، ومسلم في الصحيح ١/١٣٥-١٣٦ كتاب الإيمان: باب نزول عيسى ابن مريم حاكما بشريعة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم الحديث (٢٤٢/١٥٥)..
٢٢ في ب: أنهم..
٢٣ ينظر: الإملاء ١/٢٠٢..

### الآية 4:160

> ﻿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا [4:160]

قوله - تعالى - : فَبِظُلْمٍ مِّنَ الَّذِينَ هَادُواْ  الآية لمَّا ذكر قَبَائِح أفْعَالِ اليَهُودِ، ذكر عَقِيبَهُ تشديدَهُ - تعالى - عليْهِم في الدُّنْيَا والآخِرَةِ، أما تَشْدِيدُه في الدُّنْيَا، فهو تَحْرِيمُ الطَّيِّبَاتِ عليهم وكانتْ مُحَلَّلَةً لهم قَبْل ذلك ؛ لقوله - تعالى - : وَعَلَى الَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ  \[ الأنعام : ١٤٦ \] إلى قوله \[ - تعالى - \][(١)](#foonote-١) : ذَلِكَ جَزَيْنَاهُم بِبَغْيِهِمْ 
\[ الأنعام : ١٤٦ \] وقيل : لمحمد عليه السلام. 
قوله سبحانه :" فَبِظُلمٍ " : هذا الجارُّ متعلِّق ب " حَرَّمْنَا " والباء سببية، وإنما قُدِّم على عاملِه ؛ تنبيهاً على قبح سبب التحريمِ، وقد تقدَّم أنَّ قوله :" فَبِظُلْمٍ " بدلٌ من قوله : فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ ، وتقدَّم الردُّ على قائله أيضاً فأغْنَى عن إعادته، و " مِنَ الذِينَ " صفة ل " ظُلْم " أي : ظُلْمٍ صادر عن الذين هادُوا، وقيل : ثَمَّ صفةٌ للظلم محذوفةٌ للعلْمِ بها، أي : فبظُلْمٍ أيِّ ظُلْمٍ، أو فبِظُلْمٍ عَظِيمٍ ؛ كقوله :\[ الطويل \]فَلاَ وَأبِي الطَّيْرِ المُرِبَّةِ بِالضُّحَى  عَلَى خَالِدٍ لَقَدْ وَقَعْتِ عَلَى لَحْمِ[(٢)](#foonote-٢)أي : لَحْمٍ عظيمٍ. 
قوله جلَّ وعلا :" أُحِلَّتْ لَهُمْ " هذه الجملةُ صفةٌ ل " طَيِّبَات " فمحلُّها نصبٌ، ومعنى وصفها بذلك، أي : بما كانَتْ عليه مِنَ الحِلِّ، ويوضِّحه قراءة ابن عباس :" كانَتْ أُحِلَّتْ لَهُم " والمُرَادُ من ظُلْمِهِم : ما تقدَّم ذِكْرُه من نَقْضِ الميثاقِ، وكُفْرِهِم بآيَاتِ اللَّهِ، وبُهْتَانِهِم على مَرْيَمَ، وقولهم :" إنا قتلنا المسيح "  حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ  وهو ما ذُكِرَ في سُورَةِ الأنْعَامِ \[ الأنعام : ١٤٦ \] " وبصَدِّهِمْ " وبصرْفِهِم[(٣)](#foonote-٣) أنْفُسهم وغيرهم  عَن سَبِيلِ اللَّهِ  عن دين اللَّهِ. 
**قوله :" كثيراً " فيه ثلاثة أوجه :**
أظهرها : أنه مفعول به، أي : بصدِّهم ناساً، أو فريقاً، أو جمعاً كثيراً، وقيل : نصبُه على المصدرية، أي : صَدّاً كثيراً، وقيل : على ظرفية الزمان، أي : زماناً كثيراً، والأوَّل أوْلَى ؛ لأنَّ المصادر بَعْدها ناصبةٌ لمفاعليها، فيجري البابُ على سَنَنٍ واحدٍ، وإنما أعيدتِ الباءُ في قوله :" وَبِصَدِّهِمْ " ولم تَعُدْ في قوله :" وأخْذِهِمْ " وما بعده ؛ لأنه قد فُصِلَ بين المعطوف والمعطوف عليه بما ليس معمولاً للمعطوف عليه، بل بالعامل فيه وهو " حَرَّمْنَا " وما تعلَّق به، فلمَّا بَعُد المعطوف من المعطوف عليه بالفصْلِ بما ليس معمولاً للمعطُوف عليه، أعيدت الباءُ لذلك، وأمَّا ما بعده، فلم يُفْصَلْ فيه إلا بما هو معمولٌ للمعطُوفِ عليه وهو " الرِّبَا ". 
١ سقط في أ..
٢ تقدم..
٣ في ب: وصرفهم..

### الآية 4:161

> ﻿وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ ۚ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا [4:161]

وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُواْ عَنْهُ  في التوراة. 
والجملةُ من قوله تعالى : وَقَدْ نُهُواْ عَنْه  : في محلِّ نصب ؛ لأنها حاليةٌ، ونظيرُ ذلك في إعادة الحرفِ وعدمِ إعادته ما تقدَّم في قوله : فَبِمَا نَقْضِهِم مَّيثَاقَهُمْ  \[ النساء : ١٥٥ \] الآية. و " بِالبَاطِلِ " يجوز أن يتعلق ب " أكْلِهِم " على أنها سببيةٌ أو بمحذوفٍ على أنها حال من " همْ " في " أكْلِهِمْ "، أي : ملتبسين بالباطل. 
وأمَّا التَّشْدِيدُ في الآخِرَة، وهو قوله : وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ مِنْهُمْ عَذَاباً أَلِيماً  لما وصَفَ طَريقَةَ الكُفَّارِ والجُهَّال من اليَهُودِ، وصَفَ طَريقَة المُؤمِنِين المُحِقِّين مِنْهُم، فقال : لَّكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ

### الآية 4:162

> ﻿لَٰكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ ۚ وَالْمُقِيمِينَ الصَّلَاةَ ۚ وَالْمُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالْمُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أُولَٰئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أَجْرًا عَظِيمًا [4:162]

لما وصَفَ طَريقَةَ الكُفَّارِ والجُهَّال من اليَهُودِ، وصَفَ طَريقَة المُؤمِنِين المُحِقِّين مِنْهُم، فقال : لَّكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ  جيء هنا ب " لَكِنْ " لأنها بين نقيضين، وهما الكفارُ والمؤمنون، و " الرَّاسِخُونَ " مبتدأ، وفي الخبر احتمالان :
أظهرهما : أنه " يُؤمِنُونَ ". 
والثاني : أنه الجملة من قوله :" أولَئِكَ سنؤتيهم "، و " فِي العِلْمِ " متعلقٌ ب " الرَّاسِخُونَ ". و " منْهُمْ " متعلِّق بمحذوفٍ ؛ لأنه حالٌ من الضميرِ المستكنِّ في " الرَّاسِخُونَ ".

### فصل


مَعْنَى الكلام : لَيْس أهْلُ الكِتَابِ كُلُّهُم بهذه الصِّفَةِ، لكنِ الرَّاسِخُونَ المُبَالِغُون في العِلْم مِنْهُم أولُو البَصَائِر، وأراد به : الذين أسْلَمُوا ؛ كعَبْد الله بن سلام وأصْحَابه. 
قوله تعالى : وَالْمُؤْمِنُونَ  عطفٌ على " الرَّاسِخُونَ "، وفي خبره الوجهان المذكوران في خبر " الرَّاسِخُونَ " ولكن إذا جَعَلْنا الخبرَ " أولَئِكَ سَنُؤتِيهِمْ "، فيكون يؤمنون ما محلُّه ؟ والذي يَظْهر أنه جملة اعتراض ؛ لأنَّ فيه تأكيداً وتسديداً للكلام، ويكون الضَّمير في " يُؤمِنُونَ " يعود على " الرَّاسِخُونَ " و " المُؤمِنُونَ " جميعاً، ويجوز أن تكون حالاً منهما ؛ وحينئذٍ لا يُقال : إنها حال مؤكِّدة لتقدُّم عاملٍ مشاركٍ لها لفظاً ؛ لأنَّ الإيمانَ فيها مقيَّدٌ، والإيمانُ الأولُ مُطْلَقٌ، فصار فيها فائدةٌ، لم تكُنْ في عاملها، وقد يُقَالُ : إنها مؤكِّدة بالنسبةِ لقوله :" يُؤمِنُونَ "، وغيرُ مؤكِّدة بالنسبة لقوله :" الرَّاسِخُونَ "، والمراد ب " المُؤمِنُونَ " المهاجُرونَ والأنْصار. 
قوله سبحانه :" والمُقِيمينَ الصَّلاةَ " قرأ الجمهورِ بالياء، وقرأ جماعة كثيرة[(٤)](#foonote-٤) :" والمُقِيمُونَ " بالواو ؛ منهم ابن جُبَيْر وأبو عَمْرو بن العلاء في رواية يونُسَ وهارُونَ عنه، ومالك بن دينار وعصمة عن الأعمش، وعمرو بن عبيد، والجَحْدَرِي وعيسى بن عُمَر وخلائق. فأما قراءةُ الياء، فقد اضطربَتْ فيها أقوالُ النحاة، وفيها ستةُ أقوال :
أظهرها - وعزاه مكيٌّ[(٥)](#foonote-٥) لسيبويه[(٦)](#foonote-٦)، وأبو البقاء[(٧)](#foonote-٧)، للبصريين - : أنه منصوبٌ على القَطْع، يعني المفيد للمدْحِ ؛ كما في قطع النعوتِ، وهذا القطعُ مفيدٌ لبيان فضْل الصلاة، فَكَثُر الكلامُ في الوصفِ بأنْ جُعل في جملة أخرَى، وكذلك القطعُ في قوله " والمُؤتُونَ الزَّكَاةَ " على ما سيأتي هو لبيانِ فَضْلِها أيضاً، لكنْ على هذا الوجه يجبُ أن يكونَ الخبرُ قوله :" يُؤمِنُونَ "، ولا يجوز قوله " أولَئِكَ سَنُؤتِيهِمْ "، لأن القطع إنما يكون بعد تمامِ الكلام، قال مكي[(٨)](#foonote-٨) :" ومَنْ جَعَلَ نَصْبَ " المُقِيمِينَ " على المدحِ جعل خبرَ " الرَّاسِخِينَ " :" يُؤمِنُونَ "، فإنْ جَعَل الخبر " أولَئِكَ سنُؤتِيهِمْ " لم يجز نصب " المُقِيمِينَ " على المدح، لأنه لا يكون إلا بعد تمام الكلام ". وقال أبو حيان[(٩)](#foonote-٩) :" ومن جَعَلَ الخبرَ : أولَئِكَ سَنُؤتيهِمْ فقوله ضعيفٌ " قال شهاب الدين[(١٠)](#foonote-١٠) : وهذا غيرُ لازمٍ ؛ لأن هذا القائل لا يَجْعَلُ نصب " المُقِيمينَ " حينئذٍ منصوباً على القطع، لكنه ضعيفٌ بالنسبةِ إلى أنه ارْتَكَبَ وجْهاً ضعيفاً في تخريج " المقيمين " كما سيأتي. وحكى ابنُ عطية[(١١)](#foonote-١١) عن قومٍ مَنْعَ نصبه على القَطْع من أجلِ حرف العطف، والقطعُ لا يكونُ في العطف، إنما ذلك في النعوت، ولما استدلَّ الناسُ بقول الخرنِقِ :\[ الكامل \]لا يَبْعَدَنْ قَوْمِي الذينَ هُمُ  سُمُّ العُدَاةِ وآفَةُ الْجُزْرِالنَّازِلِينَ بِكُلِّ مُعْتَرَكٍ  والطَّيِّبُونَ مَعَاقِدَ الأزْرِ[(١٢)](#foonote-١٢)على جواز القَطْع، فرَّق هذا القَائِلُ بأنَّ البيت لا عَطْفَ فيه ؛ لأنها قطعت " النَّازِلِينَ " فنصبته، و " الطَّيِّبُونَ " فرفعتْه عن قولِها " قَوْمِي "، وهذا الفرقُ لا أثرَ له ؛ لأنه في غير هذا البيت ثَبَت القَطْع مع حرف العطف، أنشد سيبويه :\[ المتقارب \]وَيَأوي إلَى نِسْوَةٍ عُطَّلٍ  وَشُعْثاً مَرَاضِيعَ مِثْلَ السَّعَالِي[(١٣)](#foonote-١٣)فنصب " شُعْثاً " وهو معطوف. 
الثاني : أن يكون معطوفاً على الضمير في " مِنْهُمْ "، أي : لكن الراسخُونَ في العلْمِ منهم، ومن المقيمين الصلاة. 
الثالث : أن يكون معطوفاً على الكاف في " إلَيْكَ "، أي : يؤمنون بما أُنزل إليك، وإلى المقيمين الصَّلاة، وهم الأنبياء. 
الرابع : أن يكون معطوفاً على " مَا " في " بِمَا أُنْزِلَ "، أي : يؤمنون بما أُنْزِلَ إلى محمَّد صلى الله عليه وسلم وبالمقِيمينَ، ويُعْزَى هذا للكسائيِّ، واختلفت عبارة هؤلاء في " المُقِيمينَ "، فقيل : هم الملائكةُ، قال[(١٤)](#foonote-١٤) مكي : ويؤمنون بالملائكة الذين صفتُهم إقامةُ الصلاة ؛ كقوله : يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لاَ يَفْتُرُونَ  \[ الأنبياء : ٢٠ \]، وقيل : هم الأنبياء، وقيل : هم المسلِمُون، ويكون على حَذْفِ مضافٍ، أي : وبدين المقيمين. 
الخامس : أن يكون معطوفاً على الكاف في " قَبْلِك " أي : ومِنْ قَبْلِ المُقيمينَ، ويعني بهم الأنبياءَ أيضاً. 
السادس : أن يكون معطوفاً على نفسِ الظَّرْفِ، ويكون على حَذْفِ مضاف، أي : ومن قبل المقيمين، فحُذِف المضافُ، وأُقيمَ المضافُ إليه مُقَامَهُ، فهذا نهايةُ القولِ في تخريجِ هذه القراءةِ. 
وقد زَعَمَ قومٌ أنها لَحْنٌ، ونقلوا عن عائشة وأبَانِ بْنِ عثمانَ أنها خطأٌ من جهةِ غلَطِ كاتبِ المصْحَفِ. 
قالوا : وحُكِيَ عن عَائِشَةَ وأبان بن عُثْمَان ؛ أنه من غَلَط الكَاتِب، وهذا يعني أنْ يَكْتُبَ :" والمُقِيمُون الصَّلاة "، وكذلك في سُورة " المائِدة " : إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَالَّذِينَ هَادُواْ وَالصَّابِئُونَ  \[ المائدة : ٦٩ \]، وقوله : إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ  \[ طه : ٦٣ \]، قالوا : هذا خطأ من الكَاتِبِ. 
وقال عُثْمَان :" إن في المُصْحَفِ لَحْناً سَتُقِيمُه العَرَب بألْسِنَتِها " [(١٥)](#foonote-١٥) فقيل له : إلا تُغَيِّرُه، فقال : دَعُوه ؛ فإنَّه لا يُحِلُّ حَرَاماً، ولا يُحَرِّم حلالاً. 
وقالوا : وأيضاً فهي في مصحْفِ ابن مسعودٍ بالواو فقط نقله الفراء، وفي مصحفِ أبَيٍّ كذلك وهي[(١٦)](#foonote-١٦) قراءة مالك بن دينار والجَحْدَرِي وعيسى الثقفيِّ، وهذا لا يَصِحُّ عن عائشة ولا أبَانَ، وما أحْسَنَ قول الزمخشريِّ رحمه الله :" ولا يُلتفتُ إلى ما زعموا من وقوعه لَحْناً في خط المصْحَف، وربما التفت إليه مَنْ لم ينظر في الكتاب، ومَنْ لم يعرف مذاهبَ العَرَبِ وما لهم في النصْبِ على الاختصاص من الافتنانِ، وغَبِيَ عليه أنَّ السابقين الأولين الذين مَثَلهُم في التوراة ومثلُهم في الإنجيل، كانوا أبعدَ همةً في الغَيْرَةِ عن الإسلام وذَبِّ المَطَاعِن عنه من أن يقولوا ثُلْمَةً في كتاب الله ؛ ليسُدَّها من بَعْدَهم، وخَرْقاً يَرْفُوهُ مَنْ يلحَقُ بهم ". وأمَّا قراءةُ الرفْعِ، فواضحةٌ. 
قوله تعالى : وَالْمُؤْتُونَ  فيه سبعةُ أوجهٍ أيضاً :
أظهرها : أنه على إضمار مبتدأ، ويكون من باب المدحِ المذكورِ في النصب وهذا أوَّل الأوجه. 
الثاني : أنه معطوفٌ على " الرَّاسِخُون "، وفي هذا ضَعْفٌ ؛ لأنه إذا قُطِعَ التابعُ عن متبوعه، لم يَجُزْ أن يعود ما بعده إلى إعراب المتبوعِ، فلا يُقالُ :" مَرَرْتُ بِزَيْدٍ العَاقِلَ الفَاضلِ " بنصب " العَاقِل "، وجر " الفاضل "، فكذلك هذا. 
الثالث : أنه عطفٌ على الضمير المستكنِّ في " الرَّاسِخُونَ "، وجاز ذلك للفصل. 
الرابع : أنه معطوفٌ على الضمير في " المُؤمِنُونَ ". 
الخامس : أنه معطوفٌ على الضمير في " يُؤمِنُون ". 
السادس : أنه معطوفٌ على " المُؤمِنُونَ ". 
السابع : أنه مبتدأ وخبره " أولئك سَنُؤتيهمْ "، فيكون " أولئك " مبتدأ، و " سُنؤتِيهِمْ " خبره، والجملةُ خبرُ الأوَّلِ، ويجوزُ في " أولَئِكَ " أن ينتصِبَ بفعلٍ محذوفٍ يفسِّرهُ ما بعده، فيكون من باب الاشتغال، إلا أنَّ هذا الوجه مرجوحٌ من جهةِ أنَّ " زَيْدٌ ضَرَبْتُهُ " بالرفع أجودُ من نصبه ؛ لأنه لا يُحْوِجُ إلى إضمار ؛ ولأنَّ لنا خلافاً في تقديم معمول الفعل المقترن بحرف التنْفِيسِ في نحو " سأضْرِبُ زَيْداً " منع بعضهم " زَيْداً سَأضْرِبُ "، وشرطُ الاشتغالِ جوازُ تسلُّط العامل على ما قبله، فالأولى أن نَحْمِلَهُ على ما لا خلاف فيه، وقرأ حمزة[(١٧)](#foonote-١٧) :" سَيُؤتيهِمْ " بالياء ؛ مراعاةً للظاهر في قوله :" والمُؤمِنُونَ بالله "، والباقون بالنون على الالتفات تعظيماً، ولمناسبةِ قوله :" وأعْتَدْنَا ". 
### فصل


**والعُلَمَاءُ على ثلاثةِ أقسام :**
\[ الأوَّل \] : علماءٌ بأحْكَام اللَّهِ فقط. 
\[ الثاني \] : عُلماءٌ بِذاتِ اللَّه وصفاته فقط. 
\[ الثالث \] : عُلَمَاء بأحْكام اللَّه، وبِذاتِ اللَّهِ. 
والله \[ - تعالى - \][(١٨)](#foonote-١٨) وصف العُلَمَاءَ أوَّلاً : بِكَوْنِهِم رَاسخين في العِلْمِ، ثم شَرَح ذلك مُبيِّناً :
أولاً : كَوْنهم عالِمِين بأحْكَامِ الله، وعَامِلِين بِهَا. 
أما عِلْمُهُم بأحْكَامِ الله، فهو قوله \[ - تعالى - \][(١٩)](#foonote-١٩) : وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ . 
وأما عَمَلُهُم بِهَا، فهو قوله : وَالْمُقِيمِينَ الصَّلاَةَ وَالْمُؤْتُونَ الزَّكَاةَ  وخصَّهُمَا بالذِّكْر ؛ لِكونهما أشْرَف الطَّاعَاتِ البَدَنيَّة والماليَّة. 
ولمَّا شرح كَوْنَهُم عالِمِينَ بالأحْكَامِ وعَامِلِين بها، شَرَح بَعْدَهُ كونَهُم عالمين بالله. 
وأشرف المعارف العلم بالمبدأ، والمعاد ؛ فالعلم بالمَبْدَأ قوله - تعالى - : وَالْمُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ، والعلم بالمعاد قوله : وَالْيَوْمِ الأَخِرِ .

### الآية 4:163

> ﻿۞ إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَىٰ نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ ۚ وَأَوْحَيْنَا إِلَىٰ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَعِيسَىٰ وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ ۚ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا [4:163]

قوله تعالى : إِنَّا أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ \[ وَالنَّبِيِّينَ مِن بَعْدِهِ[(١)](#foonote-١) \] وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُوراً \* وَرُسُلاً قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِن قَبْلُ وَرُسُلاً لَّمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيماً \* رُّسُلاً مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً . 
لما حَكَى أن اليَهُود يَسْألُون الرَّسُول صلى الله عليه وسلم أنْ يُنَزِّل عَلَيْهِم كِتَاباً من السَّمَاءِ ؛ وذكر - تعالى - بَعْدَهُ أنَّهُم لا يَطْلُبُون ذَلِك اسْتِرشاداً، ولكن عِناداً، وحَكَى أنْواع فَضَائِحِهم وقَبَائِحِهم، فلما وصل إلى هذا المَقَامِ، شرع الآن في الجواب عن تلك الشُّبْهَة ؛ فقال : إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِن بَعْدِهِ . والمَعْنَى : أنّا تَوافَقْنَا على نُبُوَّة نُوحٍ وإبراهيمَ وإسماعيل وجميع المَذْكُورين، على أنَّ الله - تعالى - أوحَى إليهم، ولا طَريقَ إلى العِلْم بكَوْنِهِم أنْبِيَاء الله وَرُسُلِهِ إلا المُعْجِزَاتِ، ولكُلِّ واحدٍ مِنْهُم نوْعٌ من المُعْجِزَة مُعَيَّنَة، وأما أنْزلَ الله على كُلِّ وَاحِدٍ من هؤلاء المذكورين \[ كِتَاباً بتَمَامِهِ ؛ مثل ما أنْزَلَ على مُوسَى، فلما لم يَكُن عَدَمُ إنْزَالِ الكِتَابِ على هؤلاء \][(٢)](#foonote-٢) دفْعَةً واحِدَةً قَادِحاً في نُبُوَّتِهِم، بل كفى في ظُهُور نُبُوَّتِهم نَوْعٌ واحدٌ من أنْوَاعِ المُعْجِزَاتِ، عَلِمْنَا أن هذه الشُّبْهَة زَائِلَة، وأن إصْرَار اليَهُود على طَلَبِ المُعْجِزَةِ باطِلٌ ؛ لأن إثْبات المدْلُولِ يَتَوَقَّفُ على إثبَاتِ[(٣)](#foonote-٣) الدَّلِيل، فإذا حَصَل الدَّليلُ وتَمَّ، فالمُطَالَبَةُ بِدَلِيل آخر يَكُون تَعَنُّتاً ولَجَاجاً. 
قوله سبحانه : كَمَا أَوْحَيْنَا  : الكافُ نعتٌ لمصدرٍ محذوفٍ، أي : إيحاءً مثْلَ إيحَائِنَا، أو على أنه حالٌ من ذلك المصدر المحذوف المقدَّرِ معرَّفاً، أي : أوحينَاهُ، أي : الإيحاءَ حال كونه مُشْبِهاً لإيحَائِنَا إلى مَنْ ذكر، وهذا مذهبُ سيبويه[(٤)](#foonote-٤)، وقد تقدَّم تحقيقه، وفي " ما " وجهان : أن تكون مصدريةً ؛ فلا تفتقر إلى عائدٍ على الصحيح، وأن تكون بمعنى " الذي "، فيكون العائدُ محذوفاً، أي : كالذي أوحيناهُ إلى نوح، و " مِنْ بعْدِهِ " متعلقٌ ب " أوْحَيْنَا "، ولا يجوز أن تكون " مِنْ " للتبيين ؛ لأنَّ الحالَ خبرٌ في المعنى، ولا يُخْبَرُ بظرفِ الزمانِ عن الجثَّة إلا بتأويلٍ، وأجاز أبو البقاء[(٥)](#foonote-٥) أن يتعلَّق بنفس " النَّبيِّينَ "، يعني أنه في معنى الفعل ؛ كأنه قيل :" وَالَّذِينَ تَنَبَّئُوا من بَعْدِهِ " وهو معنى حَسَنٌ.

### فصل لماذا ذكر نوح - عليه السلام - أولاً


قالوا : إنَّما بَدَأ - تعالى - بذِكْرِ نُوحٍ ؛ لأنه كان أبا البَشَرِ مِثْل آدم - عليه السلام -، قال : وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ  \[ الصافات : ٧٧ \] ؛ ولأنَّه أول نَبِيٍّ شرحَ الله على لِسَانِه الأحْكَام، وأوَّل نَذِيرٍ على الشِّرْك، وأوَّل من عُذِّبَتْ أمَّته لردِّهم دَعْوَتَه، وأهْلِك[(٦)](#foonote-٦) أهْلُ الأرْضِ بدُعَائِهِ، وكان أطْوَل الأنْبِيَاءِ عُمُراً، وجُعِلَت مُعْجِزَتُه في نَفْسِهِ، لأنَّه عمر ألْفَ سَنَةٍ، فلم تَنْقُص له سِنٌّ، ولم تَشِبْ له شَعْرَةٌ، ولم تَنْتقصْ له قُوَّة، ولم يَصْبِر أحَدٌ على أذَى قَوْمِهِ مِثْل ما صَبَر هُو على طُولِ عُمُرِه. 
### فصل


قوله \[ - تعالى - \][(٧)](#foonote-٧)  إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِن بَعْدِهِ  ثم خصَّ بعض النَّبِييِّن بالذِّكْرِ ؛ لكونهم أفْضَلَ من غَيْرهم ؛ كقوله : وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ  \[ البقرة : ٩٨ \]. 
واعْلَم أنَّه ذكر في هذه الآية اثْنَا عشرة نَبِيًّا، ولَمْ يذكُر مُوسَى مَعَهُم ؛ لأن اليَهُود قالُوا : إنْ كُنْتَ يا مُحَمَّد نَبِيًّا \[ حَقًّا \][(٨)](#foonote-٨)، فأتِنَا بكتابٍ من السَّماءِ دَفْعَةً واحِدَةً ؛ كما أتى موسى - عليه الصلاة والسلام - بالتَّوْرَاةِ دفعةً واحدةً ؛ فأجَابَ اللَّهُ عَنْ هَذِهِ الشُّبْهَة بأنَّ هؤلاء الأنْبِيَاءِ الاثْنَي عشر، كانوا أنْبِيَاءَ وَرسُلاً، مع أنَّ واحداً منهم لم يأتِ بكتاب مثل التَّوْراةِ دفْعَةً واحِدَةً. 
وإذَا كَانَ المَقْصُود من تعديده هؤلاءِ الأنْبِيَاء هذا المَعْنَى، لم يجز ذِكْر مُوسَى مَعَهُم. 
وفي " يُونُس " ستُّ لغاتٍ[(٩)](#foonote-٩) ؛ أفصحُها : واوٌ خالصةٌ، ونون مضمومة، وهي لغةُ الحجاز، وحُكِيَ كسرُ النونِ بعد الواو، وبها قرأ نافع في رواية حبَّان، وحُكِي أيضاً فتحها مع الواو، وبها قرأ النَّخعِي، وهي لغةٌ لبعض عقيل، وهاتان القراءتان جعلهما بعضهم منقولَتَيْنِ من الفعل المبنيِّ للفاعل أو للمفعول، جعل هذا الاسم مشتقاً من الأنْسِ، وإنما أبُدلَتِ الهمزةُ واواً ؛ لسكونها وانضمام ما قبلها ؛ ويدلُّ على ذلك مجيئه بالهمزةِ على الأصل في بعض اللغات ؛ كما سيأتي، وفيه نظرٌ، لأن هذا الاسم أعجميٌّ، وحُكِي تثليث النون مع همز الواو ؛ كأنهم قلبوا الواوَ همزةً ؛ لانضمام ما قبلها ؛ نحو :\[ الوافر \]
أحَبُّ المُؤْقِدِينَ إليَّ مُؤْسَى \*\*\*. . . [(١٠)](#foonote-١٠)
قال شهاب الدين[(١١)](#foonote-١١) : وقد تقدَّم تقريرُه، وحُكِيَ أنَّ ضمَّ النون مع الهمز لغةُ بعض بني أسدٍ، إلا أني لا أعْلَمُ أنه قُرِئَ بشيء من لغات الهمز، هذا إذا قلنا : إن هذا الاسمَ ليْسَ منقولاً من فِعْل مبنيٍّ للفاعل أو للمفعول حالةَ كَسْر النون أو فتحها، أمَّا إذا قلنا بذلك، فالهمزةُ أصليةٌ غيرُ منقلبةٍ من واو ؛ لأنه مشتق من الأنس، وأمَّا مع ضمِّ النونِ، فينبغي أن يُقال بأن الهمزة بدلٌ من الواو ؛ لانتفاء الفعلية مع ضم النون. 
قوله تعالى : زَبُوراً  قرأ الجمهورُ بفتح الزاي، وحمزة[(١٢)](#foonote-١٢) بضَمِّها، وفيه ثلاثةُ أوجه :
أحدها : أنه جمعُ " زَبْرٍ " قال الزمخشريُّ : جمع " زَبْرٍ "، وهو الكتابُ، ولم يَذْكر غيره، يعني أنه في الأصْل مصدرٌ على فعلٍ، ثم جُمِعَ على فُعُولٍ، نحو : فَلْسٍ وفُلُوسٍ، وقَلْسٍ وقُلُوسٍ، وهذا القول سبقه إليه أبو علي الفارسيُّ في أحد التخريجَيْنِ عنه، قال أبو عَلِيٍّ :" ويحتمل أن يكون جمع زَبْرٍ وقع على المَزْبُور، كما قالوا : ضَرْبُ الأميرِ، ونَسْجُ اليَمَنِ فصار اسماً، ثم جُمِعَ على زُبُور كشُهُود وشهد ؛ كما سُمِّي المكتوبُ كِتَاباً "، يعني أبو عليٍّ ؛ أنه مصدرٌ واقعٌ موقع المفعول به ؛ كما مثَّله. 
والثاني : أنه جمع " زَبُورٍ " في قراءة العامة، ولكنه على حَذْفِ الزوائد، يعني حُذِفت الواوُ منه، فصار اللفظ : زَبُر، وهذا التخريجُ الثاني لأبي عليٍّ، قال أبو عليٍّ :" كما قالوا : ظَرِيفٌ وظُرُوفٌ، وكَرَوَان وكِرْوان، وَوَرَشَان ووِرْشَان على تقدير حذف الياء والألف "، وهذا لا بأس به ؛ فإنَّ التكسير والتصغير يَجْريان غالباً مجرى واحداً، وقد رأيناهُمْ يُصَغِّرونَ بحذفِ الزوائد نحو :" زُهَيْرٍ وحُمَيْدٍ " في أزْهَرَ ومَحْمُودٍ، ويسميه النحويون " تصْغير التَّرخيم "، فكذلك التكسيرُ. 
الثالث : أنه اسمٌ مفردٌ، وهو مصدرٌ جاء على فُعُول ؛ كالدُّخُول، والقُعُود، والجُلُوس، قاله أبو البقاء[(١٣)](#foonote-١٣) وغيره، وفيه نظرٌ ؛ من حيث إن الفُعُولَ يكون مصدراً للازم، ولا يكون للمتعدِّي إلا في ألفاظ محفوظةٍ، نحو : اللُّزُومِ والنُّهُوكِ، وزَبَرَ - كما ترى - متعدٍّ، فيضعفُ جَعْلُ الفُعُولِ مصدراً له. 
قال أهل اللُّغَة[(١٤)](#foonote-١٤) : الزَّبُور الكِتَاب، وكُلُّ كِتَاب زَبُور، وهُو " فَعُولٌ " بمعنى " مَفْعُول " ؛ كالرَّسُولِ والرَّكُوبِ والحَلُوب، وأصْلُه من زَبَرْتُ بمعنى كَتَبْتُ، وقد تقدَّم مَعْنَى هذه المادّة في آل عمران \[ آية : ١٨٤ \]. 
### فصل في معنى الآية


معنى  وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُوراً  أي : صُحُفاً وكُتُباً مَزْبُورَة، أي : مَكْتُوبَة، وكان فيها التَّحْمِيدُ والتَّمْجِيدُ والثَّناءُ على اللَّهِ تعالى. 
قال القُرْطُبيُّ[(١٥)](#foonote-١٥) - رحمه الله - : الزَّبُورُ كِتَابُ داود - عليه السلام - مائة وخمسين سُورة، لَيْسَ فيها حُكْمٌ، ولا حَلالٌ، ولا حَرَامٌ، وإنَّما هي[(١٦)](#foonote-١٦) حِكمٌ وموَاعِظٌ، والأصل في الزَّبْرِ التَّوْثِيقُ ؛ فَيُقَال : بِئْرٌ مَزْبُورَة، أي : مَطْوِيَّةٌ بالحِجَارَةِ، والكِتَاب يُسَمَّى زَبُوراً ؛ لقوَّة الوثِيقَةِ بِه. 
وكان داوُد - عليه الصلاة والسلام - حَسَن الصَّوْتِ ؛ وإذا أخَذَ في قِرَاءةِ الزَّبُورِ، اجتمع عليه الإنْسُ والجنُّ والطَّيْر والوحشُ ؛ لحُسْنِ صوتِهِ، وكان مُتَواضِعاً يأكُلُ مِنْ عَمَلِ يَدِهِ في الخوصِ، فكان يَصْنَعُ الدُّرُوعَ، فكان أزْرَقَ العَيْنَيْن، وجَاءَ في الحديث :" الزُّرْقَةُ في العَيْن يُمْنٌ ". 
قوله - عزَّ وجلَّ - : وَرُسُلاً قَدْ قَصَصْنَاهُمْ { \[ عَلَيْكَ \] [(١٧)](#foonote-١٧) الجمهور على نَصْب " رُسُلاً "، وفيه ثلاثةُ أوجُه :
أحدها : أنَّه مَنْصُوب على الاشْتِغَالِ ؛ لوجود شُرُوطِهِ، أيْ : وقَصَصْنا رُسُلاً. 
قال القُرْطُبيُّ[(١٨)](#foonote-١٨) : ومثلهُ مما أنْشد سِيبَويْهِ :\[ المنسرح \]
أصْبَحْتُ لا أحْمِلُ السِّلاحَ ولا \*\*\* أمْلِكُ رَأسَ البَعيرِ إنْ نَفَرَا
والذِّئْبَ أخْشَاهُ إنْ مَرَرْتُ بِهِ \*\*\* وَحْدِي وَأخْشَى الرِّيَاحَ والمَطَرَا[(١٩)](#foonote-١٩)
أي : وأخْشَى الذِّئْبَ، والمعنى على حَذْف مضاف، أي : قصصنَا أخبارَهُمْ، فيكون " قَدْ قَصَصْنَاهُمْ " لا محلَّ له ؛ لأنه مفسِّرٌ لذلك العاملِ المضمَرِ، ويُقَوِّي هذا الوجه قراءةُ أبَيٍّ[(٢٠)](#foonote-٢٠) :" وَرُسُلٌ " بالرفع في الموضعين، والنصبُ هنا أرجحُ من الرفع ؛ لأن العطف على جملة فعلية، وهي : وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُوراً . 
الثاني : أنه منصوب عطفاً على معنى  أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ ، أي : أرْسَلْنَا ونَبَّأنَا نُوحاً وَرُسُلاً، وعلى هذا فيكون " قَدْ قَصَصْنَاهُمْ " في محلَّ نصب ؛ لأنه صفةٌ ل " رُسُلاً ". 
الثالث : أنه منصوب بإضمار فعلٍ، أي : وأرسلنا رُسُلاً ؛ وذلك أنَّ الآية نزلَتْ رادَّة على اليهود في إنكارهم إرسال الرسل، وإنزالَ الوحْيٍ، كما حكى اللَّهُ عنهم في قوله :
 مَا أَنزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِّن شَيْءٍ  \[ الأنعام : ٩١ \] والجملةٌ أيضاً في محل الصفة. 
وقيل : نصب على حذف حر الجرِّ، والتقدير : كما أوحَيْنَا إلى نُوحٍ، وإلى رُسُل. 
وقرأ[(٢١)](#foonote-٢١) أبيُّ :" وَرُسُلٌ " بالرفع في الموضعين، وفيه تخريجان :
أظهرهما : أنه مبتدأ وما بعده خبرُه، وجاز الابت١ سقط في أ..
٢ سقط في ب..
٣ في ب: ثبوت..
٤ ينظر: الكتاب ١/١١٦..
٥ ينظر: الإملاء ١/٢٠٣..
٦ في ب: وهلك..
٧ سقط في أ..
٨ سقط في ب..
٩ ينظر هذه اللغات وما تبع ذلك من قراءات في: المحرر الوجيز ٢/١٣٦ والبحر المحيط ٣/٤١٣، والدر المصون ٢/٤٦٤..
١٠ تقدم..
١١ ينظر: الدر المصون: ٢/٤٦٤..
١٢ ينظر: السبعة ٢٤٠، والحجة ٣/١٩٣، وحجة القراءات ٢١٩، وإعراب القراءات ١/١٤٠، والعنوان ٨٦، وشرح الطيبة ٤/٢٢٣، وشرح شعلة ٣٤٧، وإتحاف ١/٥٢٦..
١٣ ينظر: الإملاء ١/٢٠٣..
١٤ ينظر: تفسير الرازي ١١/٨٦، ولسان العرب ٣/١٨٠٤..
١٥ ينظر: تفسير القرطبي ٦/١٣..
١٦ في أ: ملئ..
١٧ سقط في ب..
١٨ ينظر: تفسير القرطبي ٦/١٣..
١٩ البيتان للربيع بن ضبع ينظر: خزانة الأدب ٧/٣٨٤، ولسان العرب (ضمن)، وأمالي المرتضى ١/٢٥٥، وحماسة البحتري ص ٢٠١، وشرح التصريح ٢/٣٦، والكتاب ١/٨٩، والمقاصد النحوية ٣/٣٩٨، والرد على النحاة ص ١١٤، وشرح المفصل ٧/١٠٥، والمحتسب ٢/٩٩، وأوضح المسالك ٣/١١٤. والأشباه والنظائر ٧/١٧٣..
٢٠ ينظر: المحرر الوجيز ٢/١٣٧، والبحر المحيط ٣/٤١٤، والدر المصون ٢/٤١٥..
٢١ ينظر: القراءة السابقة..

### الآية 4:164

> ﻿وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ ۚ وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَىٰ تَكْلِيمًا [4:164]

قوله : وَرُسُلاً لَّمْ نَقْصُصْهُمْ  كالأول. وقوله : وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى  الجمهور على رفع الجلالة، وهي واضحةٌ. و " تَكْلِيماً " مصدرٌ مؤكد رافعٌ للمجاز. 
قال الفرَّاء[(١)](#foonote-١) : العَرَبُ \[ تُسَمِّي \][(٢)](#foonote-٢) ما يُوصَلُ إلى الإنْسَانِ كلاماً بأيِّ طَرِيقٍ وَصَلَ ولكِنْ لا تُحَقِّقُه بالمصْدَرِ، فإذا حُقِّق بالمصْدَرِ، لم يَكُنْ إلاَّ حَقِيقَةَ الكلامِ ؛ كالإرادَةِ، يُقال : أراد فُلانٌ إرادَةً، يريد : حَقيقةَ الإرَادَة. 
قال القُرْطُبِي[(٣)](#foonote-٣) :" تَكْلِيماً " يقدر مَعْنَاه بالتَّأكِيدِ، وهذا يَدُلُّ على بُطْلانِ قول من يقُولُ : خَلَق \[ اللَّه \][(٤)](#foonote-٤) لِنَفْسه كَلاَماً في شَجَرةٍ، فَسَمِعَهُ مُوسَى - \[ عليه السلام \][(٥)](#foonote-٥) -، بل هو الكلامُ الحقيقيُّ الذي يكُون به المُتَكَلِّم مُتَكَلِّماً. 
قال النَّحَّاس[(٦)](#foonote-٦) : وأجمع النَّحوِيُّون على أنَّك إذا أكَّدْت الفِعْلَ بالمصْدَر، لم يَكُنْ مجازاً، وأنَّه لا يجُوزُ في قول الشاعر :\[ الرجز \]
امْتَلأ الْحَوْضُ وقال قَطْنِي[(٧)](#foonote-٧) \*\*\*. . . 
أن يقول : قال قولاً فكذا لمَّا قال :" تَكْلِيماً " وجَبَ أن يكُون كلاماً على الحَقِيقَةِ. 
ومعنى الآية : أنَّ الله - تعالى - ذكر هَؤلاء الأنْبِيَاء والرُّسُل \[ وخص مُوسَى \][(٨)](#foonote-٨) بالتكْلِيم مَعَهُ ولم يَلْزَم مِنْ تَخْصِيصِ مُوسَى عليه السلام بهَذَا التَّشْرِيف، الطَّعْن في نُبُوة الأنْبِيَاء - عليهم السلام -، فكَذَلِك لا يلزم من إنْزَالُ التَّوْرَاة دفْعَةً واحِدَةً الطَّعْن فيمن أُنْزِل عليه الكِتَاب مُفَصَّلاً. 
وقرأ إبْراهيم[(٩)](#foonote-٩) ويَحْيَى بن وَثَّاب : بنَصْبِ الجلالة. 
وقال بعضُهُم : وَكَلَّمَ اللَّهُ \[ مُوسَى تَكْلِيماً \][(١٠)](#foonote-١٠)  معناه : وجَرَحَ اللَّهُ مُوسَى بأظْفَار المحن ومَخَالِب الفَتن، وهذا تَفْسِيرٌ بَاطِلٌ. 
وقد جاء التأكيد بالمصدر في ترشيح المجاز ؛ كقول هند بنت النعمانِ بن بشير في زوْجِها رَوْحِ بْنِ زِنْبَاعٍ وزيرِ عبد الملِكِ بْنِ مَرْوَانَ :\[ الطويل \]
بَكَى الْخَزُّ مِنْ رَوْحٍ وأنْكَرَ جِلْدَهُ \*\*\* وَعَجَّتْ عَجِيجاً مِنْ جُذَامَ المَطَارِفُ[(١١)](#foonote-١١)
تقول : إنَّ زوْجَها رَوْحاً قد بكَى ثيابُ الخَزِّ مِنْ لُبْسِهِ ؛ لأنه ليس من أهل الخَزِّ، وكذلك صرخَتْ صُرَاخاً من جُذَام - وهي قبيلة رَوحٍ - ثيابُ المطارِفِ، تعني : أنهم ليسوا من أهل تلك الثياب، فقولها :" عَجَّتِ المَطَارِفُ " مجازٌ ؛ لأن الثياب لا تعجُّ، ثم رَشحَتْهُ بقوله عَجِيجاً، وقال ثَعْلَبٌ : لولا التأكيد بالمصدر، لجاز أن يكونَ كما تقول :" كَلَّمْتُ لك فُلاناً "، أي : أرسلْتُ إليه، أو كتبتُ له رُقْعةً.

١ ينظر: تفسير البغوي ١/٥٠٠..
٢ سقط في أ..
٣ ينظر: تفسير القرطبي ٦/١٣..
٤ سقط في أ..
٥ سقط في ب..
٦ ينظر: تفسير القرطبي ٦/١٤..
٧ صدر بيت وعجزه: 
 مهلا رويدا قد ملأت بطني \*\*\*...
 ينظر إصلاح المنطق ص ٥٧، ٣٤٢ والإنصاف ص ١٣٠ وأمالي المرتضى ٢/٣٠٩ وتخليص الشواهد ص ١١١ وجواهر الأدب ص ١٥١ والخصائص ١/٢٣ ورصف المباني ص ٣٦٢ وسمط اللآلئ ص ٤٧٥ وشرح الأشموني ١/٥٧ وشرح المفصل ١/٨٢، ٢/١٣١، ٣/١٢٥ واللسان (قطط) والمقاصد النحوية ١/٣٦١ ومجالس ثعلب ص ١٨٩..
٨ سقط في أ..
٩ ينظر: المحرر الوجيز ٢/١٣٧، والبحر المحيط ٣/٤١٤، والدر المصون ٢/٤٦٦..
١٠ سقط في أ..
١١ تقدم..

### الآية 4:165

> ﻿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ ۚ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا [4:165]

قوله تعالى : رُّسُلاً مُّبَشِّرِينَ  : فيه أربعة أوجه :
أحدها : أنه بدل من " رُسُلاً " الأول في قراءة الجمهور، وعبَّر الزمخشريُّ عن هذا بنصبه على التكْريرِ، كذا فهم عنه أبو حيان. 
الثاني : أنه منصوبٌ على الحال الموطِّئة ؛ كقولك :" مَرَرْتُ بِزَيْدٍ رَجُلاً صَالِحاً "، ومعنى الموطِّئة، أي : أنَّها ليست مقصودةً، إنما المقصودُ صفتُها ؛ ألا ترى أن الرجوليَّة مفهومة من قولك " بِزَيْدٍ "، وإنما المقصودُ وصفه بالصلاحية. 
الثالث : أنه نُصِبَ بإضمار فعل، أي : أرْسَلْنا رُسُلاً. 
الرابع : أنه منصوبٌ على المَدْح، قدَّره أبو البقاء[(١)](#foonote-١) ب " أعني "، وكان ينبغي أن يقدِّره فعلاً دالاًّ على المدْح، نحو :" أمْدَح "، وقد رجَّح الزمخشريُّ هذا الأخير، فقال :" والأوجَهُ أن ينتصِبَ " رُسُلاً " على المدح ". 
قوله :" لِئَلاَّ " هذه لام كَيْ، وتتعلَّقُ ب " مُنْذِرِينَ " على المختار عند البصريِّين، وب " مُبَشِّرِينَ " على المختار عند الكوفيِّين ؛ فإن المسألةَ من التنازُع، ولو كان من إعمالِ الأول، لأضمرَ في الثاني من غير حذفٍ، فكان يُقال : مُبَشِّرينَ ومُنْذِرينَ \[ له \] لئلا، ولم يَقُل كذلك، فدلَّ على مذهب البصريِّين، وله في القرآن نظائرُ تقدَّم منها جملة صالحة، وقيل : اللامُ تتعلَّقُ بمحذوف، أي : أرسلْنَاهُم لذلك، و " حُجَّةٌ " اسمُ " كانَ "، وفي الخبر وجهان :
أحدهما : هو " عَلَى الله " و " لِلنَّاسِ " حال. 
والثاني : أن الخبر " للنَّاسِ " و " عَلَى الله " حال، ويجوز أن يتعلَّق كُلٌّ من الجارِّ والمجرور بما تعلَّق به الآخرُ، إذا جعلناه خبراً، ولا يجوزُ أن يتعلَّقَ على الله ب " حُجَّة "، وإن كان المعنى عليه ؛ لأنَّ معمول المصدر لا يتقدم عليه، و " بَعْدَ الرُّسُلِ " متعلقٌ ب " حُجَّة "، ويجوز أن يتعلَّق بمحذوف على أنه صفةٌ ل " حُجَّة " ؛ لأنَّ ظروف الزمان تُوصفُ بها الأحداثُ ؛ كما يخْبر بها عنها ؛ نحو :" القِتَالُ يَوْمُ الجُمُعَةِ ".

### فصل في جواب الآية عن شبهة اليهود


هذه الآيةُ جوابٌ عن شُبْهَة اليهُودِ، وتقريرُه : أن المقْصُود من بَعْثَةِ الرُّسُلِ أن يُبَشِّرُوا ويُنْذِرُوا، وهذا المَقْصُود حَاصِلٌ سواءٌ كان الكِتَاب نَازِلاً دَفْعَةً واحدةً أو مُنَجَّماً، ولا يَخْتَلِفُ هذا الغرضُ بِنزُول الكِتَابِ مُنَجَّماً أو دفعةً واحدةً. 
بل لو قِيلَ : إن إنْزَال الكِتَاب مُنَجَّماً مُفَرَّقاً أقْرَبُ إلى المصْلَحَة، لكان أوْلَى ؛ لأن الكِتَاب إذا نَزَل دَفْعَةً واحِدَة، كثُرت التَّكَالِيفُ على المكَلَّفِ، فيَثْقُل فِعْلُهَا ؛ ولهذا السَّبَب أخَذ قومُ مُوسَى - عليه السلام - على التمرُّدِ، ولم يَقْبَلُوا تلك التَّكَالِيف. 
أمَّا إذا نَزَل الكتابُ مُنَجَّماً مُفَرَّقاً، سَهُل قُبُولُه للتَّدرِيجِ، فحينئذٍ يَحْصُل الانْقِيَادُ والطَّاعةُ من القَوْمِ، فكان اقْتِرَاحُ اليَهُودِ إنْزَالَ الكِتَابِ دفعَةً واحِدَة اقْتِراحاً فاسِداً. 
ثم قال : وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً  يعني : هذا الذي تَطْلُبُونَه من الرسول أمْر هَيِّنٌ في القُدْرَةِ، وإنما طَلَبْتُمُوه على سَبِيلِ اللِّجَاجِ، وهو - تعالى - عَزِيزٌ، وعِزَّتُهُ تَقْتَضِي ألا يُجَابَ المُتَعَنِّتُ إلى مَطْلُوبِه، وكذَلِك حِكْمَتُه تَقْتَضِي هذا الامْتِنَاع ؛ لِعلْمِهِ - تعالى - بأنَّهُ لو فَعلَ ذلك لبَقَوْا مُصرِّين على اللِّجَاج ؛ لأنه - تعالى - أعْطَى مُوسى - \[ عليه الصلاة والسلام \][(٢)](#foonote-٢) - هذا التَّشْرِيف، ومع ذلك أصَرُّوا على المُكَابَرة واللِّجَاج. 
### فصل


احْتَجُّوا بهذه الآيةِ على أنّ معرِفَة اللَّهِ - تعالى - لا تثبت إلا بالسَّمْع ؛ لأن قوله : لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ  يدلُّ على أنَّ قَبْل البَعْثَةِ يكُونُ للنَّاسِ حُجَّة في تَرْك الطَّاعَاتِ، ويؤيِّدُه قوله - تعالى - : وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً  \[ الإسراء : ١٥ \]، وقوله : وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُم بِعَذَابٍ مِّن قَبْلِهِ لَقَالُواْ رَبَّنَا لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولاً فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ مِن قَبْلِ أَن نَّذِلَّ وَنَخْزَى  \[ طه : ١٣٤ \]. 
### فصل شبهة للمعتزلة وردها


قالت المعتزلة[(٣)](#foonote-٣) : دلَّت هذه الآيةُ على أن العَبْد قد يَحتَجُّ على الربِّ - سبحانه وتعالى - وأنَّ الذي يَقُولُه أهْل السُّنَّةِ من أنَّهُ تعالى لا اعْتِرَاضَ عَلَيْهِ في شَيْءٍ، وأنَّه يَفْعَلُ ما يَشَاءُ كما شَاءَ لَيْس بِشَيْءٍ ؛ لأن قوله : لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ  يَقْتَضِي أنَّ لَهُم حُجَّة على الله قَبْلَ الرُّسُل، وذلك يُبْطِل قول أهْلِ السُّنَّة. 
والجواب[(٤)](#foonote-٤) : أن المُرادَ  لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ  أي : فيما يُشْبِهُ الحُجَّة فِيمَا بَيْنَكُم. 
### فصل شبهة للمعتزلة وردها


قالت المُعْتَزِلَةُ : دلَّت الآيةُ على أنَّ تكْلِيفَ ما لا يُطَاق غَيْر جَائِزٍ ؛ لأن عدم إرْسَالِ الرُّسُلِ إذا كان يَصْلُح عُذْراً، فبأن يَكُون عدمُ المُكْنَةِ والقُدْرَة صَالِحاً لأنْ يكُونَ عُذْراً أولى. 
والجواب : بالمُعَارَضَةِ بالعِلْمِ. 
١ ينظر: الإملاء ١/٢٠٣..
٢ سقط في أ..
٣ ينظر: تفسير الرازي ١١/٨٨..
٤ في أ: وأجيبوا..

### الآية 4:166

> ﻿لَٰكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنْزَلَ إِلَيْكَ ۖ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ ۖ وَالْمَلَائِكَةُ يَشْهَدُونَ ۚ وَكَفَىٰ بِاللَّهِ شَهِيدًا [4:166]

قوله تعالى : لَّكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ  هذه الجملة الاستدراكية لا يبتدأ بها، فلا بدَّ من جملة محذوفة، وتكون هذه الجملةُ مستدركةً عنها، والجملة المحذوفةُ هي ما رُويَ في سبب النزول ؛ أنه لَمَّا نَزَلَت : إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ  \[ الآية : ١٦٣ النساء \]، قالوا : ما نشهد لك بهذا أبداً، فنزلت : لَّكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ ، وقد أحسن الزمخشريُّ هنا في تقدير جملةٍ غيرِ ما ذكرتُ، وهو :" فإنْ قلْتَ : الاستدراكُ لا بُدَّ له من مُسْتدركٍ، فأيْنَ هو في قوله : لَّكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ  ؟ قلتُ : لمَّا سأل أهلُ الكتاب إنزال الكتاب من السماء، وتعنَّتوا بذلك، واحتجَّ عليهم بقوله : إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ  قال : لَّكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ  بمعنى أنهم لا يشهدون، لكن اللَّهُ يَشْهَدُ "، ثم ذكر الوجه الأول. 
وقرأ الجمهور بتخفيفِ " لَكِن " ورفعِ الجلالة، والسُّلَمِيُّ[(١)](#foonote-١) والجرَّاح الحكمي بتشديدها ونَصْب الجلالة، وهما كالقراءتين في  وَلَكِنَّ الشَّيْاطِينَ  \[ البقرة : ١٠٢ \] وقد تقدَّم، والجمهورُ على " أنْزَلَهُ " مبيناً للفاعل، وهو الله تعالى، والحسن[(٢)](#foonote-٢) قرأه " أُنْزِلَ " مبنيًّا للمفعول، وقرأ السلميُّ[(٣)](#foonote-٣) " نَزَّلَهُ بِعِلْمِهِ " مشدَّداً، والباء في " بعلْمِهِ " للمصاحبة، أي : ملتبساً بعلمه، فالجارُّ والمجرور في محلِّ نصب على الحال، وفي صاحبها وجهان :
أحدهما : الهاءُ في " أنْزَلَهُ ". 
والثاني : الفاعل في " أنْزَلَهُ " أي : أنزله عالماً به، و " والمَلائِكةُ يَشْهَدُونَ " مبتدأ وخبر، يجوز أن تكون حالاً أيضاً من المفعول في " أنْزَلَهُ "، أي : والملائكة يَشْهَدُونَ بصدْقه، ويجوزُ ألاَّ يكونَ لها محلٌّ، وحكمه حينئذٍ كحُكْم الجملة الاستدراكيّة قبله، وقد تقدَّم الكلامُ على مِثْلِ قوله : وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيداً  \[ النساء : ١٦٦ \].

### فصل


قال ابن عبَّاسٍ - رضي الله عنهما - : إن رُؤسَاء مكَّةَ أتوا رسُول الله صلى الله عليه وسلم وشَرَّف وكَرَّم ومَجَّد وعَظَّم وقالوا : يا مُحَّمد، إنا سَألْنَا عنْكَ اليَهُودَ، عن صفتِك في كِتَابِهِم، فَزَعَمُوا أنَّهُم لا يَعْرِفُونَك ودخل عليه جَمَاعَةٌ من اليَهُودِ، فقال لَهُم :" والله إنَّكُمْ لتَعَلمُن أنِّي رَسُولُ اللَّهِ " فقالوا : ما نَعْلَمُ ذلك واللَّهِ، فأنزلَ الله - تعالى - : لَّكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنزَلَ إِلَيْكَ \[ أَنزَلَهُ بِعِلْمِهِ \] [(٤)](#foonote-٤) إن جحدوك وكَذَّبُوك، وشهادَةُ الله عُرِفَتْ بإنْزَالِ هذا القُرآنِ البَالِغ في الفَصَاحَةِ إلى حَيْثُ عَجَز الأوَّلُون والآخِرُون عن مُعَارَضَتِهِ، فكان ذَلِكَ مُعْجِزاً، وإظْهَارُ المُعْجِزَة شهادَةٌ بكَوْن المُدَّعِي صَادِقاً، ولما كانت شهادتُهُ إنما عُرِفَتْ بإنْزَالِهِ بواسِطَة القُرْآنِ، قال : لَّكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ  لك بالنُّبُوَّةِ، بواسِطَة إنْزَالِ هذا القُرْآنِ عليك، ثم بيَّن صفَة هذا[(٥)](#foonote-٥) الإنْزَال، وهو أنَّه - تعالى - أنْزَلَهُ بِعِلْمٍ تَامٍّ، وحِكْمَةٍ بَالِغَة. فقولُهُ بغايَةِ الحُسْن ونهاية الكَمَالِ ؛ كما يُقالُ في الرَّجُل المَشْهُور بكَمَالِ الفَضْل والعِلْم، إذا صَنَّف كتاباً واسْتَقْصَى في تحْريره : إنَّه إنما صنَّفَ هذا بكَمَالِ عِلْمِه وفَضْلِه، يعني : أنه اتَّخَذَ جُمْلَة عُلُومه وسِيلَةً إلى تَصْنِيفِ هذا الكِتَابِ، فيدُلُّ ذَلِك عَلَى وَصْفِ ذلك التَّصْنِيف بِغَايَةِ الجَوْدَةِ والحُسْنِ، فكذا هَهُنَا دلَّت هذه الآيَةُ على أنَّ لله - تعالى - عِلْماً ؛ لأنَّها أثْبَتتِ العلم للَّه - تعالى - ولو كان عِلْمُهُ نَفْس ذَاتِهِ، لزم إضافَةُ الشَّيْء إلى نَفْسِهِ، وهُوَ مُحَال. 
وقوله - تعالى - : وَالْمَلائِكَةُ يَشْهَدُونَ  إنَّما تُعْرَفُ شَهَادَةُ المَلاَئِكَة له بذلك ؛ لأن إظهار المُعْجزة على يَدِهِ، لمَّا دلَّ على أنَّ اللَّه - تعالى - شَهِد بذلك، فالمَلاَئِكَة \[ أيضاً \][(٦)](#foonote-٦) يشهدُون لا مَحَالَة، لأنَّهُم لا يَسْبِقُونَهُ بالقَوْلِ، فكأنَّهُ قيل : يا محمد إن كَذَّبَكَ هؤلاء \[ اليَهُود \][(٧)](#foonote-٧)، فلا تُبَالِ بِهِم، فإنَّ إله العَالمِينَ يُصَدِّقُك، وملائِكَةُ السَّمَوات يُصَدِّقُونَك في ذلك، ومن صَدَّقَهُ ربُّ العَالَمِين، وملائكةُ العَرْشِ والكُرْسِيّ، والسَّمواتُ السَّبْع أجْمَعِين، لم يَلْتَفِتْ إلى تكْذِيب أخَسِّ النَّاسِ. 
ثُمَّ قال : وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيداً  \[ وقد تقدَّم الكلامُ فيه \][(٨)](#foonote-٨). 
١ ينظر: المحرر الوجيز ٢/١٣٨، والبحر المحيط ٣/٤١٥، والدر المصون ٢/٤٦٧..
٢ ينظر القراءة السابقة..
٣ ينظر: البحر المحيط ٣/٤١٥، والدر المصون ٢/٤٦٧..
٤ أخرجه الطبري في "تفسيره" (٩/٤٠٩) وذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٢/٤٣٩) وزاد نسبته لابن إسحق والبيهقي في الدلائل والخبر في "السيرة النبوية" لابن هشام (٢/٢١١) عن ابن عباس..
٥ في ب: ذلك..
٦ سقط في أ..
٧ سقط في أ..
٨ سقط في أ..

### الآية 4:167

> ﻿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ قَدْ ضَلُّوا ضَلَالًا بَعِيدًا [4:167]

قوله - تعالى - : إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ اللَّهِ  الآية والجمهورُ على " وَصَدُّوا " مبنيًّا للفاعل، وقرأ[(١)](#foonote-١) عكرمة وابن هُرْمُزٍ :" وَصُدُّوا " مبنيًّا للمفعول، وهما واضحتانِ، وقد قرئ بهما في المتواترِ في قوله : وَصُدُّواْ  \[ الرعد : ٣٣ \] في الرعْد، و وَصُدَّ عَنِ السَّبِيلِ  \[ غافر : ٣٧ \] في غافر. 
والمراد كَفَرُوا بقوْلِهِم : لو كان رَسُولاً، لأتى بِكِتَابٍ دَفْعَةً واحِدَةً من السَّماءِ ؛ كما أنْزِلَت التوراة على مُوسَى ؛ وقولهم : إنَّ الله - تعالى - ذكر في التَّوْرَاةِ ؛ أنَّ شَريعَة موسى لا تُبَدَّلُ ولا تُنْسَخُ إلى يَوْمِ القيامَةِ، وقولهم : إنَّ الأنْبِيَاء لا يَكُونُون إلاَّ مِنْ وَلَد هَارُونَ وَدَاوُد، وصَدِّهم عن سَبيلِ اللَّهِ : بِكِتْمَان نَعْت مُحَمَّد صلى الله عليه وسلم. 
 قَدْ ضَلُّواْ ضَلاَلاً بَعِيداً ، إلا أنَّ أشدَّ النَّاس ضلالاً من كَان يَعْتَقِدُ في نَفْسِهِ أنَّه مُحِقٌّ، ثم يَتَوَسَّلُ بذلك الضَّلال إلى اكْتِسَابِ المالِ والجَاهِ، ثم يَبْذُلَ جَهْدَهُ في إلْقَاءِ غيره في مِثْلِ ذلِك الضَّلالِ، فهذا قَدْ بَلَغَ في الضَّلاَلِ إلى أقْصَى الغَايَاتِ. 
١ ينظر: المحرر الوجيز ٢/١٣٨، والبحر المحيط ٣/٤١٦، والدر المصون ٢/٤٦٧..

### الآية 4:168

> ﻿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا [4:168]

ولمَّا وصف الله ضلالهُم، ذكر وعيدَهُم ؛ فقال : إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَظَلَمُواْ  بِكِتْمَان نَعْتِ مُحمَّد \[ صلى الله عليه وسلم \][(٢)](#foonote-٢)، وظلموا أتْبَاعَهُم بإلْقَاءِ الشُّبُهَاتِ  لَّمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ ، وقد تقدَّم الكلامُ على قوله " لِيَغْفِر لَهُم " وأن الفِعْلَ مع هَذِهِ اللاَّم أبْلَغُ مِنْهُ دُونَهَا. 
واعلم أنَّا إن حَمَلْنَا قوله :" إِنَّ الذينَ " على المَعْهُود السَّابِقِ لم يَحْتَجْ إلى إضْمَارِ شَرْطٍ في هذا الوَعِيد على أقْوَامٍ علِمَ اللَّهُ منْهُمْ أنَّهُم يمُوتُون على الكُفْرِ. 
وإنْ حَمَلْنَاهُ على الاسْتِغْرَاقِ، أضَمَرْنَا فيه شَرْطَ عَدَم التَّوْبَةِ.

### الآية 4:169

> ﻿إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ۚ وَكَانَ ذَٰلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا [4:169]

قوله سبحانه : وَلاَ لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقاً إِلاَّ طَرِيقَ جَهَنَّمَ  في هذا الاسْتِثْنَاء قولان :
أحدهما : أنه اسْتِثْنَاء مُتَّصِلٌ، لأن \[ المُرَادَ \][(٣)](#foonote-٣) بالطَّرِيق الأوَّلِ : العُمُوم، فالثَّانِي من جِنْسِهِ. 
والثاني : أنه مُنْقَطِعٌ إن أُريد بالطَّرِيق شَيْءٌ مَخْصُوصٌ ؛ وهو العمل الصَّالِحُ الذي يَتَوَصَّلُون به إلى الجَنَّة، وانْتَصَب " خَالِدِين " على الحَالِ، والعَامِلُ فيه مَعْنَى " لا يهديهم اللَّه " ؛ لأنه بِمَنْزِلَةِ : يُعَاقِبهُم خَالِدِين، وانْتَصَب " أبَداً " على الظَّرْفِ،  وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيراً  أي : لا يتعذَّر عليْه شيءٌ.

### الآية 4:170

> ﻿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الرَّسُولُ بِالْحَقِّ مِنْ رَبِّكُمْ فَآمِنُوا خَيْرًا لَكُمْ ۚ وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۚ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا [4:170]

قوله - تعالى - : يَأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الرَّسُولُ بِالْحَقِّ مِن رَّبِّكُمْ  الآية لما أجَابَ عن شُبْهَة اليَهُودِ، \[ و \][(١)](#foonote-١) بين فَسَادَ طِرِيقهِم، ذَكَر خِطَاباً عَامّاً يَعُمُّهُم ويَعُمّ غَيْرُهم في الدَّعْوةِ إلى الإسلامِ. 
قوله سبحانه : بِالْحَقِّ  : فيه وجهان :
أحدهما : أنه متعلِّق بمحذوفٍ، والباءُ للحال، أي : جاءكُمُ الرسولُ ملتبساً بالحقِّ، أو متكلِّماً به. 
والثاني : أنه متعلقٌ بنفس " جَاءَكُمْ "، أي : جاءكم بسبب إقامةِ الحقِّ، والمراد بهذا الحق القرآنُ، وقيل : الدعوة إلى عبادة الله، والإعراض عن غيره، و " مِنْ ربِّكُمْ " فيه وجهان :
أحدهما : أنه متعلقٌ بمحذوف ؛ على أنه حال أيضاً من " الحَقِّ ". 
والثاني : أنه متعلقٌ ب " جاء "، أي : جاء من عند الله، أي : أنه مبعوثٌ لا متقوَّلٌ. 
قوله تعالى : فَآمِنُواْ خَيْراً لَّكُمْ  في نصبه أربعة أوجه :
أحدها - وهو مذهب الخليل وسيبويه[(٢)](#foonote-٢) - : أنه منصوب بفعلٍ محذوفٍ واجب الإضمار، تقديره : وأتُوا خيراً لكم ؛ لأنه لمَّا أمرهم بالإيمان فهو يريدُ إخراجهم من أمرٍ، وإدخالهم فيما هو خيرٌ منه، ولم يذكر الزمخشريُّ غيره ؛ قال :" وذلك أنه لمَّا بعثَهم على الإيمان وعلى الانتهاءِ عن التثْلِيثِ، علم أنه يَحْمِلُهم على أمر، فقال : خيراً لكُمْ، أي : اقصِدوا وأتُوا أمراً خيراً لكم مما أنتم فيه من الكُفْر والتثليث ". 
الثاني - وهو مذهب الفراء[(٣)](#foonote-٣) - : أنه نعت لمصْدر محذوف، أي : فآمنوا إيماناً خيراً لكم، وفيه نظر ؛ من حيث أنه يُفْهِمُ أنَّ الإيمان منقسم إلى خير وغيره، وإلاَّ لم يكنْ لتقييده بالصفةِ فائدةٌ، وقد يُقالُ : إنه قد يكون لا يقولُ بمفهوم الصفة ؛ وأيضاً : فإن الصفة قد تأتي للتأكيد وغير ذلك. 
الثالث - وهو مذهب الكسائي وأبي عبيد - : أنه منصوب على خبر " كَانَ " المضمرة، تقديرُه : يكنِ الإيمانُ خيراً، وقد ردَّ بعضُهم هذا المذهب ؛ بأنَّ " كَانَ " لا تُحْذَف مع اسمها دون خبرها، إلا فيما لا بدّ له منه، ويزيد ذلك ضعفاً أنَّ " يَكُن " المقدرة جوابُ شرطٍ محذوف، فيصيرُ المحذوفَ الشرطُ وجوابُه، يعني : أنَّ التقديرَ : إنْ تؤمنُوا، يَكُن الإيمانُ خيراً، فحذَفْتَ الشرط، وهو " إنْ تُؤمِنُوا " وجوابه، وهو " يَكُن الإيمَانُ " وأبقيتَ معمولَ الجواب، وهو " خَيْراً "، وقد يقال : إنه لا يحتاج إلى إضمار شرطٍ صناعيٍّ، وإن كان المعنى عليه ؛ لأنَّا ندَّعِي أن الجزْم الذي في " يَكُنِ " المقدرةِ، إنما هو بنفس جملة الأمر التي قبله، وهو قوله :" فآمِنُوا " من غير تقدير حرفِ شرطِ، ولا فعلٍ له، وهو الصحيحُ في الأجوبة الواقعة لأحد الأشياء السبعة، تقول :" قُمْ أكْرِمْكَ "، ف " أكْرِمْكَ " جواب مجزومٌ بنفس " قُمْ " ؛ لتضمُّن هذا الطلب معنى الشرط من غير تقدير شرط صناعيٍّ. 
الرابع - والظاهرُ فساده - : أنه منصوبٌ على الحال، نقله مكي[(٤)](#foonote-٤) عن بعض الكوفيِّين، قال :" وهُوَ بعيدٌ "، ونقله أبو البقاء[(٥)](#foonote-٥) أيضاً، ولم يَعْزُه. 
 " وإنْ تَكْفُرُوا " فإنَّ الله غَنِيٌّ عن إيمَانِكُم ؛ لأنه مَالِك السَّمَاوات والأرضِ وخَالِقُهَا، ومن كان كذلِك، لم يكن مُحْتَاجاً إلى شَيْءٍ، ويكون التَّقْدِير فإنَّ للَّه ما فِي السَّماوات ومَا فِي الأرْضِ، ومن كان كَذَلِك، قَادِراً على إنْزَالِ العَذَابِ عَلَيْكُم لو كَفَرْتُم، أو يكون المرادُ : إن كَفَرْتُم، فلَهُ مُلْكُ السَّمَاواتِ والأرْضِ، ومن كان كذلِك فله عَبيدٌ يَعْبُدُونَهُ ويَنْقَادُون لأمْرِهِ، فيُجَازِي كُلاًّ بِفِعْلِه. 
١ سقط في ب..
٢ ينظر: الكتاب ١/١٤٣..
٣ ينظر: معاني القرآن ١/١٩٥..
٤ ينظر: المشكل ١/٢١٤..
٥ ينظر: الإملاء ١/٢٠٤..

### الآية 4:171

> ﻿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ ۚ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَىٰ مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ ۖ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ۖ وَلَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ ۚ انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ ۚ إِنَّمَا اللَّهُ إِلَٰهٌ وَاحِدٌ ۖ سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ ۘ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ ۗ وَكَفَىٰ بِاللَّهِ وَكِيلًا [4:171]

قوله عز وجل[(١)](#foonote-١) : يأَهْلَ الْكِتَابِ لاَ تَغْلُواْ فِي دِينِكُمْ وَلاَ تَقُولُواْ عَلَى اللَّهِ إِلاَّ الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِّنْهُ فَآمِنُواْ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلاَ تَقُولُواْ ثَلاَثَةٌ انتَهُواْ خَيْراً لَّكُمْ إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَن يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَّهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلاً . 
لمَّا أجابَ عن شُبَهَاتِ اليَهُودِ، تكلَّم بعد ذَلِك مع النَّصَارَى، والتَّقْدِير : يا أهل الكتابِ من النَّصَارَى لا \[ تغلُوا في دينكم \][(٢)](#foonote-٢)، أي : تُفْرطوا في تَعْظِيم المَسيحِ، والغُلُوُّ : تجاوُز الحدِّ، ومنه : غلْوَة السَّهْم، وغَلاَء السِّعْرِ. 
واعلم أنه - تعالى - حَكَى عن اليَهُودِ مُبَالَغَتَهُم في الطَّعْنِ في المَسِيحِ، وهنا حَكَى عن النَّصَارَى مُبَالَغَتَهُم[(٣)](#foonote-٣) في تعظِيمِه، وهم أصْنَاف اليَعْقُوبِيَّة، والملْكَانِيَّةَ، والنَّسْطُورِيَّة والمُرْقُسِيَّة. 
فقالت اليَعْقُوبيَّة : عِيسَى هو اللَّه، وكَذَلِك الملْكَانِيَّة. 
وقالت النَّسْطُوريَّة : عيسى ابْنُ اللَّهِ. 
وقالت المرقسيّة : ثَالِثُ ثلاثةٍ، فأنْزَل الله هذه الآية. 
ويُقالُ : إن المْلكانِيَّة تقُولُ : عيسَى هُو اللَّهُ، واليَعْقُوبِيَّة يقُولُون : ابْنُ الله، والنَّسْطُوريَّة يقُولُون :\[ ثَالِث \][(٤)](#foonote-٤) ثلاثة عليهم رَجُلٌ من اليَهُود يُقَال لَهُ : بُولُص، وسيأتِي في سُورةِ التَّوْبَةِ - إن شاء الله تعالى -. 
وقال الحسن : يَجُوزُ أن تكُون نزلت في اليَهُود والنَّصَارَى ؛ فإنهم جَمِيعاً غَلَواْ في أمْرِ عيسى - عليه السلام - فاليَهُود بالتَّقْصِير، والنَّصَارى بمُجَاوَزَةِ الحدّ، وهو في الدِّين حَرَامٌ. 
 وَلاَ تَقُولُواْ عَلَى اللَّهِ إِلاَّ الْحَقَّ  وتَصِفُوا اللَّهَ بالحُلُولِ والاتَّحَادِ في بدَنِ الإنْسَانِ أوْ رُوحِهِ. 
وقيل : لا تَقُولُوا إنَّ لَهُ شَرِيكاً أوْ وَلْداً، ونزِّهُوهُ عن هَذِه الأحْوَالِ. 
قوله :" إلاَّ الحَقَّ " هذا استثناء مُفَرَّغٌ، وفي نصبه وجهان :
أحدهما : أنه مفعول به ؛ لأنه تضمَّن معنى القول ؛ نحو :" قُلْتُ خُطْبَةً ". 
والثاني : أنه نعتُ مصدر محذوف، أي : إلا القولَ الحَقَّ، وهو قريب في المعنى من الأوَّل. 
قوله \[ - سبحانه - \][(٥)](#foonote-٥) : إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ . 
قرأ جعفر بن محمَّد[(٦)](#foonote-٦) :" المِسِّيح " بوزن " السِّكِّيت " ؛ كأنه جعله مثال مبالغة ؛ نحو :" شِرِّيب العَسَل "، و " المسيح " مبتدأ بعد " إنَّ " المكفوفة، و " عِيسَى " بدلٌ منه، أو عطف بيان، و " ابنُ مَرْيَمَ " صفته و " رَسُولُ الله " خبر المبتدأ، و " كَلِمَتُهُ " عطف عليه. 
و " ألْقَاها " جملةٌ ماضية في موضع الحال، و " قَدْ " معها مقدرةٌ، وفي عاملِ الحال ثلاثةُ أوجه نَقَلها أبو البقاء[(٧)](#foonote-٧) :
أحدها : أنه معنى " كَلِمة " ؛ لأنَّ معنى وصْفِ عيسى بالكلمة : المُكَوَّنُ بالكلمة من غير أبٍ، فكأنه قال : وَمَنْشَؤُهُ ومُبْتَدَعُهُ. 
والثاني : أن يكون التقدير : إذ كان ألقاها، ف " إذْ " ظرفُ زمانٍ مستقبل، و " كان " تامَّة، وفاعلها ضمير الله تعالى، و " ألقاها " حالٌ من ذلك الفاعل، وهو كقولهم :" ضَرْبِي زَيْداً قَائِماً ". 
والثالث : أن يكون حالاً من الهاء المجرورة، والعاملُ فيها معنى الإضافة، تقديره : وكلمةُ اللَّهِ مُلْقياً إيَّاهاَ. انتهى. أمَّا جعله العامل معنى " كلمة " فصحيحٌ، لكنه لم يبين في هذا الوجه من هو صاحبُ الحال ؟ وصاحبُ الحال الضميرُ المستتر في كَلِمَتُهُ " العائدُ على عيسى ؛ لما تضمَّنَتْهُ من معنى المشتقِّ ؛ نحو :" مُنْشَأ ومُبْتَدَع "، وأمَّا جعلُهُ العاملَ معنى الإضافة، فشيءٌ ضعيفٌ، ذهب إليه بعض النحويِّين، وأمَّا تقديرُه الآية بمثل " ضَرْبِي زَيْداً قَائِماً "، ففاسدٌ من حيث المعنى، والله أعلم.

### فصل في تفسير الكلمة


قد تقدَّم في تَفْسِير " الكَلِمَةِ " في قوله : يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِّنْهُ  \[ آل عمران : ٤٥ \]، والمعْنَى : أنَّهُ وُجِدَ بكَلِمَةِ اللَّهِ وأمْرِه، من غَيْرَ وَاسِطَة \[ أب \][(٨)](#foonote-٨) ولا نُطْفَة ؛ لقوله \[ تعالى \][(٩)](#foonote-٩) : إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِندَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثِمَّ قَالَ لَهُ كُن \[ فَيَكُونُ \] [(١٠)](#foonote-١٠)
\[ آل عمران : ٥٩ \]. 
قوله تعالى  وَرُوحٌ  عطفٌ على " كَلِمَة "، و " مِنْهُ " صفة ل " رُوح "، و " مِنْ " لابتداء الغاية مجازاً، وليست تبعيضيَّةً، ومن غريب ما يحكى أن بعض النصارى ناظَرَ عليَّ بْنَ الحُسَيْنِ بن واقدٍ المَرْوزِيَّ، وقال :" في كتاب الله ما يَشهدُ أنَّ عيسى جُزْءٌ مِنَ الله "، وتلا :" وَرُوحٌ مِنْهُ "، فعارضه ابنُ واقدٍ بقوله تعالى : وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً مِّنْهُ  \[ الجاثية : ١٣ \]، وقال :" يلزمُ أنْ تكونَ تلك الأشياءُ جزءاً من الله تعالى، وهو محالٌ بالاتفاقِ "، فانقطع النصرانيُّ وأسْلم. 
### فصل


قيل : معنى " رُوحٌ مِنْهُ " \[ هي \][(١١)](#foonote-١١) رُوحٌ كسَائِرِ الأرْواحِ، وإنَّما أضَافَها الله - تعالى - إلى نَفْسِهِ تَشْرِيفاً. 
وقيل : الرُّوحُ هو النَّفْخُ الذي نَفَخَهُ[(١٢)](#foonote-١٢) جِبْريل في دِرْعِ مَرْيم - \[ عليها السلام \][(١٣)](#foonote-١٣) - فَحَمَلَتْ بإذْنِ اللَّه، سُمِّي النَّفْخُ " رُوحاً " ؛ لأنَّه ريحٌ يخْرُجُ من الرُّوح، وأضافَهُ إلى نَفْسِهِ ؛ لأنه كان بأمْرِهِ. 
والرُّوح والرِّيحُ مُتَقَارِبَانِ، فالرُّوحُ : عِبَارَةٌ عن نَفْخِ جِبْرِيلٍ - عليه السلام -، وقوله :" مِنْهُ " يعني : أنَّ ذلِك النَّفْخَ من جِبْرِيل كان بأمْر الله وإذْنه، فَهُو مِنْهُ ؛ وهكذا قولُه :
 فَنَفَخْنَا فِيهِ[(١٤)](#foonote-١٤) مِن رُّوحِنَا  \[ التحريم : ١٢ \]. 
وقيل :" رُوحٌ مِنْهُ " أي : رَحْمَةً مِنْهُ، فكان - عليه السلام - رحْمَة لمن تبعَهُ، وآمَن بِهِ، من قوله - \[ تعالى \][(١٥)](#foonote-١٥) - : وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِّنْهُ  \[ المجادلة : ٢٢ \]. أي : برحْمَةٍ مِنْهُ وقال - عليه الصلاة والسلام - :" إنَّما أنَا رَحْمَةٌ مُهْدَاةٌ ". 
وقيل : الرُّوحُ الوَحِي، أوْحَى إلى مَرْيَمَ بالبشَارَة، وإلى جِبْرِيلَ بالنَّفْخِ، وإلى عيسى أن كُنْ فكان ؛ كقوله - \[ تعالى \][(١٦)](#foonote-١٦) - : يُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ بِالْرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ \[ عَلَى مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ \] [(١٧)](#foonote-١٧) \[ النحل : ٢ \]. يعني : بالوَحْي ؛ وقال - تعالى - في صِفَةِ القُرْآنِ : وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحاً مِّنْ أَمْرِنَا  \[ الشورى : ٥٢ \]. 
وقيل : أراد بالرُّوحِ : جِبْريل، مَعْنَاهُ : كَلِمتهُ ألْقَاهَا إلى مَرْيَمَ، وألْقَاها - أيضاً - رُوحٌ مِنْهُ بأمْرِهِ، وهو جِبْرِيلُ \[ - عليه السلام - \][(١٨)](#foonote-١٨) ؛ كقوله : تَنَزَّلُ الْمَلاَئِكَةُ \[ وَالرُّوحُ فِيهَا \] [(١٩)](#foonote-١٩)
\[ القدر : ٤ \] يعني : جِبْرِيل فيها، وقال : فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا  \[ مريم : ١٧ \] يعني : جِبْرِيل. 
وقيل : لما جَرْت عادَةُ النَّاسِ أنَّهُم إذا وَصَفُوا شيئاً بِغَايَة الطَّهارَة والنَّظَافة، قالوا : إنَّه روحٌ، فلما كان عيسَى لَمْ يتكوَّن مِنْ نُطْفَةٍ، وإنما من نَفْخَة جِبْرِيل - عليه السلام - لا جَرَم وُصِفَ بأنَّهُ روحٌ، والمراد من قوله :" مِنْهُ " التَّشْرِيف والتَّفْضِيل ؛ كما يقال : هذه نِعْمَةٌ من الله، أي[(٢٠)](#foonote-٢٠) : تلك النِّعْمَة الكَامِلَة الشَّريفَة[(٢١)](#foonote-٢١). 
وقيل : إنه كان سَبَباً لحياة الخَلْقِ في أدْيَانهم، \[ فوُصِفَ أنَّه رُوحٌ ؛ كما وُصِف القُرْآن في قوله : وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحاً مِّنْ أَمْرِنَا  \[ الشورى : ٥٢ \]، سمَّاه رُوحاً ؛ لمَّا كان سَبَباً لحياةِ الخَلْق في أدْيَانِهِم \][(٢٢)](#foonote-٢٢). 
وقيل : لما أدْخَل التَّنْكِير في لفظِ " رُوحٌ " أفاد التَّعْظِيم، فكان المَعْنَى : رُوحٌ من الأرْوَاح الشَّريفَة القُدسِيَّة العَالِيَة. 
وقوله :" مِنْهُ " أضاف ذلك الرُّوح إلى نَفْسِهِ تَشْرِيفاً، ثم قال : فآمنوا بالله ورسله  أي : أنَّ عيسَى من رسُلِ اللَّهِ، فآمِنُوا به كإيمَانِكُم بسَائِر الرُّسُل، ولا تَجْعَلُوه إلهاً. 
قوله - تعالى - : وَلاَ تَقُولُواْ ثَلاَثَةٌ ، أي : لا تَقُولُوا آلهتُنَا ثلاثة، ف " ثَلاَثةٌ " خبر مبتدأ مضمرٍ، والجملةُ من هذا المبتدأ والخبر في محلِّ نصب بالقول، أي : ولا تقولوا :" آلهتنا ثلاثةٌ " قال الزَّجاج : ويدلُّ عليه قوله بعد ذلك : إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ ، وقيل : تقديره : الأقَانِيمُ ثلاثةٌ، أو المعبودُ ثلاثةٌ، وقال الفارسيُّ : تقديره : الله ثالثُ ثلاثةٍ، ثم حُذف المضافُ، وأقيمَ المضافُ إليه مقامَهُ، يريدُ بذلك موافقةَ قوله : لَّقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلاَثَةٍ  \[ المائدة : ٧٣ \]. 
قال الفرَّاء : تقديره : ولا تقُولُوا هم ثلاثة ؛ كقوله : سَيَقُولُونَ ثَلاَثَةٌ  \[ الكهف : ٢٢ \] وكانت النَّصارى \[ يقُولُون :\][(٢٣)](#foonote-٢٣) أبٌ، وابنٌ، ورُوحُ القُدس. 
### فصل في بيان تفسير النصارى للتثليث


قال القُرْطُبي[(٢٤)](#foonote-٢٤) : فرقُ النَّصارى مجتمعُون على التَّثْلِيثِ، ويقولون : إن الله جوهرٌ واحدٌ، وله ثلاثةُ أقَانِيمَ، فَيَجْعِلُون كُلَّ أقْنُوم إلهاً، ويَعْنون بالأقانِيم : الوُجُود والحياة والعِلْم، وربما يُعَبِّرون \[ عن \][(٢٥)](#foonote-٢٥) الأقانِيمِ بالأبِ، والابْنِ، وروح القُدُس، فَيَعْنُونَ بالأبِ الوُجُود، وبالرُّوح الحياة، وبالابْن المسيح، في كلامٍ لهم فيه تَخْبِيطٌ. 
ومحصول كلامهم يَئُولُ إلى التَّمَسُّكِ بأنَّ عيسَى إلهٌ ؛ بما كان يُجْرِي اللَّه على يَديه من خَوَارِق العَادَاتِ على حَسَبِ دواعِيه وإرادَتِهِ. 
قالوا : قد عَلِمْنَا خروجَ هذه الأمُورِ من مَقْدُور البَشَرِ، فينْبَغِي أن يكون المُقْتَدِر عليها مَوْصُوفٌ بالإلهيّة. 
فيقال لَهُم : لو كان ذَلِك من مَقْدُوراتِهِ وكان مسْتَقِلاًّ به، كان تَخْليصُ نفسه من أعْدَائِه، ودفع شرِّهم عَنْهُ من مقدُورَاتِهِ، وليس كذلك ؛ فإن اعْتَرَفُوا بذلك سَقَطَ اسْتِدْلالهم وقولهم : إنه كان يَفْعَلُهَا، وإن لَمْ يُسَلِّموا فلا حُجَّة لهم - أيضاً - ؛ لأنَّهم معَارضُون بمُوسى - عليه السلام -، وما كان يُجْري الله - تعالى - على يديه من الأمور العِظَامِ ؛ كفلق البَحْر، وقَلْبِ العَصَا ثُعْباناً، واليد البَيْضَاء، وضَرْب الحَجَر فانْفَجَرَت مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَة عَيْناً، وإنْزال المنِّ والسَّلْوَى وغير ذَلِك، وكَذَلِك ما جَرَى على أيْدِي الأنْبِيَاء - عليهم الصلاة والسلام -، فإن أنْكَرُوا ذَلِك، فيُنكَر ما يدَّعُونَهُ في ظُهُورِه على يَدٍ عيسى - عليه السلام -، ولا يُمْكِنُهم إثْبَات شَيْءٍ من ذلك \[ لعيسى ؛ ف١ في ب: قوله تعالى..
٢ سقط في أ..
٣ في ب: مبالغة..
٤ سقط في أ..
٥ سقط في ب..
٦ ينظر: المحرر الوجيز ٢/٤١٧، والدر المصون ٢/٤٦٩..
٧ ينظر: الإملاء ١/٢٠٤..
٨ سقط في أ..
٩ سقط في أ..
١٠ سقط في ب..
١١ سقط في أ..
١٢ في أ: نفخ..
١٣ سقط في ب..
١٤ في ب: فيها..
١٥ سقط في أ..
١٦ سقط في أ..
١٧ سقط في أ..
١٨ سقط في ب..
١٩ سقط في ب..
٢٠ في أ: إلى..
٢١ في ب: كامله شريفة..
٢٢ سقط في ب..
٢٣ سقط في أ..
٢٤ ينظر: تفسير القرطبي ٦/١٧..
٢٥ سقط في أ..

### الآية 4:172

> ﻿لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ وَلَا الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ ۚ وَمَنْ يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعًا [4:172]

قوله : لَّن يَسْتَنكِفَ الْمَسِيحُ أَن يَكُونَ عَبْداً لِلَّهِ وَلاَ الْمَلاَئِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ  الآية لمَّا أقام الحُجَّة القَاطِعَة على أنَّ عيسى عَبْدُ الله، لا يَجُوز أن يكُون ابْناً لَهُ، أشَارَ بَعْدَه إلى حِكَايَةِ شُبْهَتِهِم، وأجَابَ عَنْهَا ؛ لأنَّ الشُّبْهَة التي عَوَّلُوا عَلَيْها في إثْبَاتِ أنَّهُ ابن اللَّهِ ؛ هو \[ أنَّه \][(١)](#foonote-١) كان يُخْبِرُ عن الغيبيّات[(٢)](#foonote-٢)، ويأتي بِخَوارقِ العاداتِ من الإبْرَاء والإحْيَاء، فكأنَّهُ - تعالى - قال : لَّن يَسْتَنكِفَ الْمَسِيحُ  بسبب القَدْرِ من العِلْم والقُدْرَة عن عِبَادةِ الله - \[ سبحانه \] وتعالى -، فإن الملائِكَة المقَرَّبينَ أعْلَى حَالاً مِنْهُ في اَلقُدْرَة ؛ لأن ثَمَانِيةً منهم حَمَلةُ العَرْشِ على عَظَمَتِهِ، ثم \[ إنّ \][(٣)](#foonote-٣) الملائكة مع كمالهم في العُلُوم، لمْ يَسْتَنْكِفُوا عن عُبُودِيَّة[(٤)](#foonote-٤) الله، فكيف يَسْتَنْكِفُ المَسِيحُ عن عُبُوديَّته بسبب هذا القَدْرِ القَلِيلِ الذي كان مَعَهُ من العِلْمِ والقُدْرَة. 
والاسْتنْكَافُ : استفعالٌ من النَّكْفِ، والنَّكْفُ : أن يُقال \[ له \] سوء، ومنه :" وما عليه في هذا الأمْرِ نَكْفٌ ولا وَكْفٌ "، قال أبو العباس :" واسْتَفْعَلَ هنا بمعنى دفع النَّكْفَ عَنْه "، وقال غيره :" هو الأنَفَةُ والتَّرفُّع "، ومنه :" نَكَفْتُ الدَّمْعَ بإصْبَعِي "، إذا منعته من الجَرْي على خَدِّك، قال :\[ الطويل \]

فبَانُوا فُلُولاً ما تَذَكَّرُ مِنْهُمُ  مِنَ الحِلْفِ لَمْ يُنْكَفْ لِعَيْنَيْكَ مَدْمَعُ[(٥)](#foonote-٥)### فصل


رُوِيَ أن وَفْدَ نَجْرَان قالُوا : يا مُحَمَّد، إنك تَعِيبُ صَاحِبَنَا، فتقول : إنَّهُ عَبْدُ اللَّهِ، فقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم :" ليْسَ بعارٍ لعيسى - عليه السلام - أنْ يكُوْنَ عَبْداً لِلَّهِ " فنزلَت هذه الآية[(٦)](#foonote-٦). 
وقرأ عَلِيٌّ[(٧)](#foonote-٧) :" عُبَيْداً " على التَّصْغِير، وهو مُنَاسِبٌ للمَقَام، وقرأ الجمهورُ " أن يكُون عَبْداً لِلَّهِ " بفتح همزة " أنْ "، \[ فهوُ في موضعِ نَصْبٍ، وقرأ الحسن[(٨)](#foonote-٨) :" إنْ " بكَسْر الهمزة على أنَّها نَفيٌ بمعنى \][(٩)](#foonote-٩) : ما يكون له ولدٌ، فينبغي رفع " يكونُ "، ولم يذكره الرواة ؛ نقله القرطبيّ[(١٠)](#foonote-١٠). 
وقوله تعالى : وَلاَ الْمَلاَئِكَةُ  عطف على " المَسِيح "، أي : ولَنْ يَسْتَنْكِفَ الملائكةُ أن يكُونُوا عَبيداً لله، وقال أبو حيان[(١١)](#foonote-١١) ما نصُّه :" وفي الكلام حَذْفٌ، التقدير : ولا الملائكةُ المقرَّبون أن يكونُوا عبيداً لله، فإن ضُمِّن " عَبْداً " معنى " مِلْكاً لله "، لم يَحْتَجْ إلى هذا التقدير، ويكونُ إذ ذاك  وَلاَ الْمَلاَئِكَةُ  من باب عطف المفردات، بخلاف ما إذا لُحِظَ في " عَبْد " معنى الوَحْدَة، فإن قوله : وَلاَ الْمَلاَئِكَةُ  يكون \[ من \] عطف الجملِ ؛ لاختلاف الخبر، وإنْ لُحِظَ في قوله : وَلاَ الْمَلاَئِكَةُ  معنى :" ولا كلُّ واحدٍ مِنَ الملائِكَةِ " كان من باب عطف المفردات "، وقال الزمخشريُّ[(١٢)](#foonote-١٢) :" فإن قلتَ : علام عُطِفَ " والمَلاَئِكَةُ " ؟ قلت : إمَّا أن يُعْطَفَ على " المَسِيحُ "، أو اسم " يَكُونُ "، أو على المستتر في " عَبْداً " لما فيه من معنى الوصْف ؛ لدلالته على العبادة، وقولك :" مَرَرْتُ بِرَجُلٍ عَبْدٍ أبُوهُ " فالعطفُ على المسيحِ هو الظاهرُ ؛ لأداء غيره إلى ما فيه بعضُ انحرافٍ عن الغرضِ، وهو أن المسيحَ لا يأنَفُ أن يكون هو ولا من فَوقَهُ موصوفين بالعبودية، أو أن يعبُدَ الله هو ومن فوقه "، قال أبو حيان :" والانحراف عن الغرضِ الذي أشارَ إليه كونُ الاستنكَافِ يكون مختصًّا بالمسيحِ، والمعْنَى التامُّ إشراكُ الملائكة مع المسيح في انتفاء الاستنكَافِ عن العبوديَّة، ويظهرُ أيضاً مرجوحيَّةُ الوجهين من وجه دخُول " لاَ " ؛ إذ لو أُريدَ العطفُ على الضمير في " يكُون " أو في " عَبْداً " لم تَدْخُل " لا "، بل كان يكون التركيبُ بدونها، تقول :" ما يريدُ زيدٌ أن يكُونَ هُو وأبُوهُ قَائِمَيْن " و " ما يُريدُ زيدٌ أنْ يَصْطَلِحَ هُوَ وعَمْرٌو "، فهذان التركيبان لَيْسَا من مَظَنَّةِ دخولِ لا، وإن وُجد منه شيءٌ، أوِّل ". انتهى، فتحصَّل في رفع " المَلاَئِكَةُ " ثلاثة أوجه، أوجَهُهَا الأوَّل. 
### فصل


اسْتَدَلَّ الجُمهور بهذه الآية : على أنَّ الملكَ أفْضَلُ من البَشَر، وقد تقدَّم الكلام عَلَيْه، في البقرة \[ آية : ٣٤ \]. 
وقال ابن الخطيب[(١٣)](#foonote-١٣) : والذي نقُولُه هَهُنَا : إنَّا نُسَلِّم أنَّ اطِّلاع الملائِكَة على المُغَيِّبَاتِ أكْثَرُ من اطلاع البَشَرِ عليهما، ونُسَلِّم أن قُدْرَة الملائِكَة على التَّصرُّفِ في هذا العَالم أشَدُّ من قُدْرة البَشَر، إنما النِّزاعُ في أنَّ ثوابَ طاعَاتِ الملائِكَة أكْثَرُ، أمْ ثوابُ طاعَاتِ البَشَرِ وهذه الآيَةُ لا تَدُلُّ على ذلك ؛ وذلك أن النَّصَارَى إنَّما أثْبَتُوا إلهيَّة عِيسَى ؛ لأنه أخْبَر عن الغَيْب[(١٤)](#foonote-١٤)، وأتى بخَوَارِقِ العَادَاتِ، فإيرادُ الملائِكَة لأجْلِ إبْطَال هذه الشُّبْهَة، إنما يَسْتَقِيم إذا كانت الملائِكَةُ أقْوَى حالاً في هذا العَالَمِ، وفي هذه القُدْرَة من البَشَرِ، ونحن نَقُول بمُوجبهِ. 
فأما أن يُقَالَ : المُرادُ من الآية تَفْضِيل الملائِكَة على المَسيحِ في كَثْرَةِ الثَّوَابِ على الطَّاعَاتِ، فذلك ممَّا لا يُنَاسِب[(١٥)](#foonote-١٥) هذا الموضعَ، ولا يَليقُ به. 
فظهر أنَّ هذا الاستدْلاَل إنَّما قَوِي في الأوْهَام ؛ لأن النَّاسَ ما لخّصوا مَحَلَّ النِّزَاع. 
وأجاب البغوي[(١٦)](#foonote-١٦) عن استدلالهم بهذه الآية ؛ فقال : ولا حُجَّة لهم فِيهِ ؛ لأنه لم يَقُلْ ذَلِك رَفْعاً لمقامِهِم على مَقَامِ البَشَرِ، بل رَدًّا على الذين يَقُولُون : الملاَئِكَة آلِهَةٌ، لما ردَّ على النَّصَارَى قولهم : المَسِيحُ ابْنُ اللَّه، وقال ردّاً على النَّصارَى بزَعْمِهِم ؛ فإنَّهُم يقُولُون بتَفْضِيل الملائِكَة، وهذه الآيَةُ تدُلُّ على أنَّ طبقات المَلاَئكة مُخْتَلِفةٌ ؛ لقوله - تعالى - : وَلاَ الْمَلاَئِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ . 
قوله تعالى  فَسَيَحْشُرُهُمْ  الفاءُ يجوز أن تكون جواباً للشَّرْط في قوله : وَمَن يَسْتَنْكِفْ ، فإن قيل : جوابُ " إن " الشرطية وأخواتها غير " إذا " لا بدَّ أن يكون محتملاً للوقُوعِ وعدمه، وحشرُهُمْ إليه جميعاً لا بُدَّ منه، فكيف وقعَ جَواباً لها ؟ فقيل في جوابه وجهان :
أصحهما : أن هذا الكلام تضمَّن الوعد والوعيد ؛ لأنَّ حَشْرَهُمْ يقتضي جزاءَهم بالثوابِ أو العقاب، ويَدُلُّ عليه التفصيلُ الذي بعده في قوله :" فَأَمَّا الذِينَ " إلى آخره، فيكونُ التقديرُ : ومن يَسْتَنكِفْ عن عبادته ويَسْتَكْبِرْ، فيعذبُهُ عند حَشْرِهِ إليه، ومن لم يستنكفْ ولم يستكبر، فيثيبه. 
والثاني : أنَّ الجوابَ محذوف، أي : فيجازيه، ثم أخبر بقوله : فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعاً ، وليس بالبيِّن، وهذا الموضوعُ محتملٌ أن يكون مِمَّا حُمِلَ على لفظةِ " من " تارة في قوله :" يَسْتَنْكِف " \[ و " يَسْتَكْبِر " \] فذلك أفرد الضمير، وعلى معناها أخرى في قوله :" فَسَيحْشُرُهُم " ولذلك جمعهُ، ويحتمل أنه أعاد الضمير في " فَسَيحْشُرُهُم " على " مَنْ " وغيرها، فيندرجُ المستنكفُ في ذلك، ويكون الرابطُ لهذه الجملةِ باسم الشرط العمومَ المشارَ إليه، وقيل : بل حَذَفَ معطوفاً لفَهْم المعنى، والتقديرُ : فسيحشُرُهُمْ، أي : المُسْتنكفينَ وغيرَهُمْ، كقوله : سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ  \[ النحل : ٨١ \]، أي : والبَرْدَ. 
و " جَميعاً " حالٌ، أو تأكيد عند مَنْ جعلها ك " كُلّ " وهو الصحيح، وقرأ الحسن[(١٧)](#foonote-١٧) :" فَسَنحْشُرهُمْ " بنونِ العظمة، وتخفيف باء " فَيُعَذِّبُهُمْ "، وقرئ[(١٨)](#foonote-١٨) " فَسَيَحْشِرُهُمْ " بكسر الشين، وهي لغةٌ في مضارع " حَشَرَ ". 
وقوله تعالى : فَأَمَّا الَّذِينَ  : قد تقدَّم الكلامُ على نظيرتها، ولكن هنا سؤالٌ حسنٌ قاله الزمخشريُّ وهو :" فإن قلت : التفصيل غير مطابقٍ للمفصَّلِ ؛ لأنه اشتمل على الفريقين، والمفصَّلُ على فريق واحد، قلتُ : هو مثلُ قولك :" جَمَعَ الإمَامُ الخوارجَ : فمن لم يخرجْ عليه، كساه حُلَّةً، ومن خَرَجَ عليه، نَكَّلَ به " وصحةُ ذلك ؛ لوجهين :
أحدهما : أن يحذف ذكرُ أحد الفريقين ؛ لدلالةِ التفصيل عليه ؛ ولأنَّ ذكرَ أحدهما يدلُّ على ذكر الثاني ؛ كما حذف أحدهما في التفصيل في قوله عَقِيبَ هذا : فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُواْ بِاللَّه واعْتَصَمُوا به . 
والثاني : وهو أن الإحسانَ إلى غيرهم مما يَغُمُّهُم ؛ فكان داخلاً في جملة التنكيلِ بهم، فكأنه قيل : ومن يَسْتَنْكِف عن عبادته ويَسْتكبرْ فسيعذبُهُم بالحَسْرة، إذا رأوْا أجُورَ العاملين، وبما يصيبُهُم من عذاب الله ". انتهى، يعني بالتفصيل قوله :" فأمَّا " و " أمَّا "، وقد اشتمل على فريقين، أي : المثابين والمعاقبين، وبالمفصَّل قوله قبل ذلك :" وَمَن يَسْتَنْكِفْ "، ولم يشتمل إلا على فريقٍ واحدٍ هم المعاقَبُون. 
١ سقط في أ..
٢ في ب: المغيبات..
٣ سقط في أ..
٤ في ب: عبادة..
٥ ينظر البيت في اللسان (نكف) والبحر المحيط ٣/٤١٠، والدر المصون ٢/٤٧١ وزاد المسير ٢/٢٦٣..
٦ ينظر:" التفسير الكبير" للفخر الرازي (١١/٩٣)..
٧ ينظر: البحر المحيط ٣/٤١٩، والدر المصون ٢/٤٧٠..
٨ ينظر: المحرر الوجيز ٢/١٤٠، والبحر المحيط ٣/٤١٨، والدر المصون ٢/٤٧٠..
٩ سقط في ب..
١٠ ينظر: تفسير القرطبي ٦/١٩..
١١ ينظر: البحر المحيط ٣/٤١٩..
١٢ ينظر: الكشاف ١/٥٩٧..
١٣ ينظر: تفسير الرازي ١١/٩٣..
١٤ في ب: الغيوب..
١٥ في أ: ينتسب..
١٦ ينظر: تفسير البغوي ١/٥٠٣..
١٧ ينظر: المحرر الوجيز ٢/١٤٠، والبحر المحيط ٣/٤٢٠، والدر المصون ٢/٤٧١..
١٨ ينظر: الدر المصون ٢/٤٧١..

### الآية 4:173

> ﻿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ ۖ وَأَمَّا الَّذِينَ اسْتَنْكَفُوا وَاسْتَكْبَرُوا فَيُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَلَا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا [4:173]

### فصل


بيَّن ثواب الَّذِين آمَنُوا وعَمِلُوا الصَّالِحَات أنه يُوَفِّيهم أجُورَهم، ويزيدهُم من فَضْلِه من التَّضعِيف ما لا عيْنٌ رأتْ، ولا أذنٌ سَمِعَت، ولا خطر على قَلْب بَشَر. 
قوله : وَأَمَّا الَّذِينَ اسْتَنكَفُواْ وَاسْتَكْبَرُواْ  عن عبادته  فَيُعَذِّبُهُمْ عَذَاباً أَلِيماً وَلاَ يَجِدُونَ لَهُمْ مِّن دُونِ اللَّهِ وَلِيّاً وَلاَ نَصِيراً . 
وقدم ثواب المُؤمنين على عقاب المسْتَنْكِفِ[(١٩)](#foonote-١٩) لأنَّهم إذا رَأوْا ثواب المُطيعين، ثم شَاهَدُوا بعده عقاب أنفسهم، كان ذلك أعْظَم في الحسرة.

### الآية 4:174

> ﻿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا [4:174]

قوله تعالى : يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَأَنْزَلْنَا \[ إِلَيْكُمْ نُوراً مُّبِيناً  \][(١)](#foonote-١)
لما أوْرَد الحُجَّة على جميع الفرق من المُنَافِقِين والكُفَّار واليَهُودِ والنَّصَارَى، وأجَابَ عن شُبُهَاتِهِم عمم الخطاب، ودعا جميع النَّاس إلى الاعْتِرَافِ بِرِسَالةِ مُحَمَّد صلى الله عليه وسلم، والمراد بالبُرْهَان : محمد - عليه الصلاة والسلام -، وسُمِّي بُرْهَاناً ؛ لأن حِرْفَتَهُ إقامَة البُرْهَان على تحْقِيق الحقِّ، وإبْطَال البَاطِل، والنُّور المُبينُ[(٢)](#foonote-٢) هو القُرآن ؛ لأنه سَبَبٌ لوُقُوع نُور الإيمانِ في القَلْبِ. 
قوله تعالى : مِن رَّبِّكُمْ  فيه وجهان :
أظهرهما : أنه مُتَعَلِّق بمَحْذُوفٍ، لأنه صِفَةٌ ل " بُرْهَان " أي : بُرْهَانٌ كائِنٌ من ربكم، و " مِنْ " يجُوز أن تكُون لابتداء الغَايَةِ مَجَازاً أو تَبْعِيضيَّة، أي : من بَرَاهِينِ رَبِّكُم. 
والثاني : أنه مُتَعَلِّقٌ بنفس " جَاءَ "، لابتداء الغَايَةِ كما تقدَّم.

١ سقط في أ..
٢ في ب: البين..

### الآية 4:175

> ﻿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَاعْتَصَمُوا بِهِ فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا [4:175]

فالمُراد : أنهم امتنعُوا به من زَيْغِ الشَّيْطَانِ،  فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مَّنْهُ وَفَضْلٍ .

### فصل


قال ابن عبَّاسٍ - رضي الله عنهما - : المراد بالرَّحْمَةِ الجَنَّة[(١)](#foonote-١)، وبالفَضْلِ : ما يَتَفَضَّل به عليْهِم بمَا لا عَين رَأتْ، ولا أذُن سَمِعَتْ، \[ ولا خَطَرَ على قَلْبِ بَشر \][(٢)](#foonote-٢). 
 وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِرَاطاً مُّسْتَقِيماً . 
قوله عزَّ وجَّل : صِرَاطاً  : مفعولٌ ثان ل " يَهْدِي " ؛ لأنه يتعدَّى لاثنين ؛ كما تقدم تحريره، وقال جماعةٌ منهم[(٣)](#foonote-٣) مَكِّيٌّ : إنه مفعولٌ بفعْلٍ محذوف دلَّ عليه " يَهْدِيهم "، والتقدير :" يُعَرِّفُهُمْ ". وقال أبو البقاء[(٤)](#foonote-٤) قريباً من هذا إلا أنه لم يُضْمِرْ فعلاً، بل جعله منصوباً ب " يَهْدِي " على المعنى ؛ لأنَّ المعنى يُعرِّفُهُم، قال مكيٌّ[(٥)](#foonote-٥) في الوجه الثاني :" ويجوز أن يكون مفعولاً ثانياً ل " يَهْدِي "، أي : يَهْدِيهِم صِرَاطاً مستقيماً إلى ثوابه وجزائه " قال شهاب الدين : ولم أدْرِ لِمَ خَصَّصُوا هذا الموضِعَ دُونَ الذي في الفاتِحَةِ \[ الآية : ٣ \]، واحتاجوا إلى تقدير فعل، أو تضمينه معنى " يُعَرِّفُهُمْ " ؟ وأجاز أبو عليٍّ أن يكون منصوباً على الحال من محذوف ؛ فإنه قال :" الهاءُ في " إليه " راجعةٌ إلى ما تقدَّم من اسم الله، والمعنى : ويَهْديهم إلى صراطه، فإذا جعلنا " صِرَاطاً مُسْتَقِيماً " نصباً على الحال، كانت الحالُ من هذا المحْذُوفِ ". انتهى، فتحصَّل في نصبه أربعةُ أوجه :
أحدها : أنه مفعول ب " يَهْدِي " من غير تضمين معنى فعل آخر. 
الثاني : أنه على تضمين معنى " يُعَرِّفُهُمْ ". 
الثالث : أنه منصوبٌ بمحذوفٍ. 
الرابع : أنه نصبٌ على الحال، وعلى هذا التقدير الذي قدَّره الفارسيُّ تقْرُبُ من الحالِ المؤكِّدة، وليس كقولك :" تَبَسَّمَ ضَاحِكاً " ؛ لمخالفتِها لصاحبها بزيادة الصفةِ، وإن وافقته لفظاً، والهاءُ في " إلَيْهِ " : إمَّا عائدةٌ على " الله " بتقدير حذفِ مضافٍ ؛ كما تقدَّم من نحو :" ثوابِ " أو " صِرَاطه "، وإمَّا على الفضلِ والرحمة ؛ لأنهما في معنى شيء واحد، وإما عائدةٌ على الفضل ؛ لأنه يُراد به طريقُ الجنان. 
١ ينظر: الرازي ٩/٩٣..
٢ سقط في ب..
٣ ينظر: المشكل ١/٢١٥..
٤ ينظر: الإملاء ١/٢٠٥..
٥ ينظر: المشكل ١/٢١٥..

### الآية 4:176

> ﻿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ ۚ إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ ۚ وَهُوَ يَرِثُهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ ۚ فَإِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ ۚ وَإِنْ كَانُوا إِخْوَةً رِجَالًا وَنِسَاءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ ۗ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا ۗ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ [4:176]

قوله - جل وعلا - : يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلاَلَةِ  إلى آخر السورة لما تكَلَّم \[ في \][(١)](#foonote-١) أوَّل السُّورَة \[ في \][(٢)](#foonote-٢) أحْكَام الأمْوَالِ، خَتَمَها بذلِك الآخِرِ مشاكلاً للأوَّل، ووسَطُ السُّورةِ مُشْتَمِلٌ على المُنَاظَرَة مع الفرقِ المُخَالِفِين في الدِّينِ. 
قال المفسرون[(٣)](#foonote-٣) : نزلت في جابر بن عبد الله، قال : عَادَني رسُول الله صلى الله عليه وسلم \[ وشرف وكرم وعظم \][(٤)](#foonote-٤)، وأنا مَرِيضٌ لا أعْقِل، فَتَوَضَّأ وصبَّ من وُضوئه عليَّ، فعَقَلْتُ، فَقُلْت : يا رسُول الله، لِمن المِيرَاثُ، إنَّهُما يَرِثُنَي كلالة، فنزلت  يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلاَلَةِ [(٥)](#foonote-٥). ومعنى : يَسْتفتُونَك : يَسْتَخْبِرُونَك، قال البَرَاء بن عَازِب : هذه آخر آية نَزَلَتْ من القُرْآن[(٦)](#foonote-٦). 
قال القرطبي[(٧)](#foonote-٧) : كذا قال في مُسْلم، وقيل أنزلَتْ في النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم. 
قوله سبحانه وتعالى : فِي الْكَلاَلَةِ  : متعلق ب " يُفْتيكُم " ؛ على إعمال الثاني، وهو اختيار البصريّين، ولو أعْمَلَ الأولَ، لأضمرَ في الثاني، وله نظائرُ في القرآن :
 هَاؤُمُ اقْرَءُواْ كِتَابِيَهْ  \[ الحاقة : ١٩ \]. 
 آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْراً  \[ الكهف : ٩٦ \]  وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ 
\[ المنافقون : ٥ \]  وَالَّذِينَ كَفَرواْ وَكَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا  \[ البقرة : ٣٩ \]، وقد تقدَّم الكلامُ فيه في البقرة، وتقدَّم الكلام في اشتقاق الكلالة في أوَّل هذه السُّورة \[ النساء : ١٢ \]، وقوله : إِن امْرُؤٌا  كقوله : وَإِنِ امْرَأَةٌ  \[ النساء : ١٢٨ \]. و " هَلَكَ " جملةٌ فعليةٌ في محلِّ رفع صفة ل " امْرُؤٌ ". 
و  لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ  جملةٌ في محلِّ رفعٍ أيضاً صفةً ثانية، وأجاز أبو البقاء[(٨)](#foonote-٨) أن تكون هذه الجملةُ حالاً من الضمير في " هَلَكَ "، ولم يذكر غيره، ومنع الزمخشريُّ أن تكون حالاً، ولم يبيِّن العلةَ في ذلك، ولا بيَّن صاحب الحال أيضاً، هل هو " امْرُؤٌ " أو الضميرُ في " هَلَكَ " ؟ قال أبو حيان[(٩)](#foonote-٩) :" ومنع الزمخشريُّ[(١٠)](#foonote-١٠) أن يكون قوله : لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ  جملةً حالية من الضمير في " هَلَكَ "، فقال : ومحلُّ  ليس لَهُ ولد  الرفع على الصفةِ، لا النصبُ على الحال ". انتهى، قال شهاب الدين[(١١)](#foonote-١١) : والزمخشريُّ لم يَقُلْ كذلك، أي : لم يمنعْ كونها حالاً من الضمير في " هَلَكَ "، بل منع حاليتها على العموم، كما هو ظاهر قوله، ويحتملُ أنه أراد منع حاليتها من " امْرُؤٌ " ؛ لأنه نكرةٌ، لكنَّ النَكرة هنا قد تخصَّصَتْ بالوصف، وبالجملةِ فالحالُ من النكرَةِ أقلُّ منه من المعرفة، والذي ينبغي امتناعُ حاليتها مطلقاً ؛ كما هو ظاهر عبارته ؛ وذلك أنَّ هذه الجملة المفسِّرة للفعل المحذوف لا موضعَ لها من الإعراب ؛ فأشبهت الجمل المؤكِّدة، وأنت إذا أتبعت أو أخبرت، فإنما تريدُ ذلك الاسم المتقدِّم في الجملة المؤكِّدة السابقة، لا ذلك الاسم المُكَرَّرَ في الجملة الثانية التي جاءت تأكيداً ؛ لأن الجملة الأولى هي المقصودة بالحديث، فإذا قلت :" ضَرَبْتُ زَيْداً، ضربْتُ زَيْداً الفَاضِل "، ف " الفَاضِل " صفةُ " زَيْداً " الأوَّلِ ؛ لأنه في الجملة المؤكدة المقصودُ بالإخبار، ولا يضُرُّ الفصلُ بين النعتِ والمنعوت بجملة التأكيد، فهذا المعنى يَنْفِي كونها حالاً من الضمير في " هَلَكَ "، وأما ما ينفي كونها حالاً من " امْرؤٌ " فلما ذكرته لك من قلَّةِ مجيء الحال من النكرةِ في الجملة، وفي هذه الآية على ما اختارُوهُ من كون " لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ " صفة - دليلٌ على الفصْلِ بين النعت والمنعوت بالجملة المفسرة للمحذوف في باب الاشتغال، ونظيرُه :" إنْ رَجُلٌ قام عَاقِلٌ فأكْرِمْهُ " ف " عَاقِلٌ " صفةٌ ل " رَجُلٌ " فُصِل بينهما ب " قَامَ " المفسِّر ل " قام " المفسَّر. 
### فصل


قال القُرطبيُّ[(١٢)](#foonote-١٢) : معنى قوله - تعالى - : لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ  أي : ليس لَهُ ولدٌ ولا وَالِدٌ، فاكْتَفَى بِذْكِرِ أحدهما. 
قال الجُرْجَانِيُّ[(١٣)](#foonote-١٣) : لفظ الولد يَنْطَلِقُ على الوالدِ والموْلُود، فالوالدُ يُسَمَّى والداً ؛ لأنه وَلد، والمَوْلُود يسَمَّى ولداً ؛ لأنه \[ وُلد \][(١٤)](#foonote-١٤) ؛ كالذُّرِّيَّة \[ فإنَّهَا من ذَرَأ \][(١٥)](#foonote-١٥) ثم تُطْلَقُ على الولد، وعلى الوَالِدِ ؛ قال - تعالى - : وَآيَةٌ لَّهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ  \[ يس : ٤١ \] وقوله - سبحانه - : وَلَهُ أُخْتٌ  ؛ كقوله : لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ ، والفاء في " فَلَهَا " جوابُ " إنْ ". 
### فصل في تقييدات ثلاثة ذكرها الرازي في الآية


قال ابن الخطيب[(١٦)](#foonote-١٦) : ظَاهِرُ هذه الآية فِيهِ تَقْيِيداتٌ ثلاثة :
الأول : أن ظاهرهَا يَقْتَضِي أن الأخْتَ إنَّما تأخُذ النِّصْفَ عند عدم الولد فأما عند وجود الولد، فإنها لا تأخذ النصف، وليس الأمر كذلك بل شرط كون الأخت تأخذ النصف ألاَّ يكون للميت ولد ابن، وهذا لا يرد على ظاهر الآية ؛ لأن المقصُودَ من الآيَةِ بيانُ أصْحَاب الفُرُوضِ ومُسْتَحقِّيها، وفي هذه الصُّورَة إنما تأخذ النِّصْف بالتعصيب لا بكونه مَفْروضاً أصالة، بل لِكَوْنه ما بَقِي[(١٧)](#foonote-١٧) بدليل أنه[(١٨)](#foonote-١٨) لو كان معها بنتان، فإن لها الثلث الباقي بعد فرض البنتين. 
الثاني : ظاهر الآية يَقْتَضِي أنَّه إذا لم يَكُن للميت ولد ولا والِدٌ ؛ لأن الأخْت لا ترثُ مع الوالِدِ بالإجْمَاعِ، وهذا لا يرد - أيضاً - على ظاهرِ الآية في الكلالةِ، وشَرطُها عدم الولدِ والوَالِد. 
الثالث : أن قوله :" وله أخت " المراد منه الأخت من الأبَوَيْن، ومن الأبِ ؛ لأن الأخْتَ من الأم، والأخَ من الأمِّ قد بَيَّن الله حُكْمَه في أوَّل السُّورَة. 
وقوله عز وجل : وَهُوَ يَرِثُهَا  لا محلَّ لهذه الجملة من الإعراب ؛ لاستئنافها، وهي دالةٌ على جواب الشرط، وليست جواباً ؛ خلافاً للكوفيِّين وأبي زيد، وقال أبو البقاء[(١٩)](#foonote-١٩) :" وقد سدَّتْ هذه الجملةُ مَسَدَّ جواب الشرط "، يريد أنها دالةٌ كما تقدَّم، وهذا كما يقول النحاة : إذا اجتمع شرطٌ وقسم، أُجِيبَ سابقهما، وجعل ذلك الجوابُ سادّاً مسدَّ جواب الآخر، والضَّميران من قوله :" وهو يَرِثُهَا " عائدان على لفظ امرئ وأخت دون معناهما، فهو من باب قوله :\[ الطويل \]وَكُلُّ أُنَاسٍ قَارَبُوا قَيْدَ فَحْلِهِمْ  وَنَحْنُ خَلَعْنَا قَيْدَهُ فَهْوَ سَارِبُ[(٢٠)](#foonote-٢٠)وقولهم :" عنْدي دِرْهَمٌ ونِصْفُهُ "، وقوله تعالى : وَمَا يُعَمَّرُ مِن مُّعَمَّرٍ وَلاَ يُنقَصُ مِنْ عُمُرِهِ  \[ فاطر : ١١ \]، وإنما احتيج إلى ذلك ؛ لأنَّ الحيةَ لا تُورثُ، والهالكَ لا يرثُ، فالمعنى : وامْرَأ آخَرَ غيرَ الهَالِكِ يَرِثُ أخْتاً له أخْرَى. 
### فصل


المعنى : إن الأخَ يَسْتغْرِق ميراث الأخْتِ، إن لم يكُن للأخْتِ ولدٌ، فإن كان لها ابْنٌ، فلا شيء للأخ، وإن كان ولدُهَا أنْثَى، فللأخِ ما فضُل عن فَرْضِ البَنَاتِ، وهذا في الأخ للأبَوَيْنِ أو \[ الأخِ \][(٢١)](#foonote-٢١) للأب، فأما الأخ للأمِّ ؛ فإنه \[ لا يَسْتَغْرِقُ الميراثَ، ويَسْقُط بالوَلَدِ \][(٢٢)](#foonote-٢٢). 
قوله تعالى : فَإِن كَانَتَا اثْنَتَيْنِ  الألف في " كَانَتَا " فيها أقوال :
أحدها : أنها تعود على الأختين يدلُّ على ذلك قوله :" ولَهُ أختٌ "، أي : فإن كانت الأختان اثنتين، وقد جَرَتْ عادةُ النحويِّين أن يسألوا هنا سؤالاً، وهو أنَّ الخبر لا بُدَّ أن يفيد ما لا يفيدُهُ المبتدأ، وإلاَّ لم يكنْ كلاماً، ولذلك منعُوا :" سيِّدُ الجَارِيَةِ مالِكُهَا " ؛ لأن الخبر لم يَزِدْ على ما أفاده المبتدأ، والخبرُ هنا دَلَّ على عدد ذلك العدد مستفادٌ من الألف في " كَانَتَا "، وقد أجابوا عن ذلك بأجْوبَةٍ منها : ما ذكره أبو الحسن الأخْفشُ وهو أنَّ قوله " اثْنَتَيْن " يدلُّ على مجرَّد الاثْنَيْنيَّة من غير تقييدٍ بصغير أو كبير أو غير ذلك من الأوصاف، يعني أن الثُّلثين يستحقَّان بمجرَّد هذا العدد من غير اعتبار قيدٍ آخر ؛ فصار الكلام بذلك مُفِيداً، وهذا غيرُ واضحٍ ؛ لأنَّ الألفَ في " كَانَتَا " تدلُّ أيضاً على مجرَّد الاثْنينيَّة من غير قيد بصغير أو كبير أو غيرهما من الأوصاف، فقد رجع الأمرُ إلى أنَّ الخبر لم يُفِدْ غير ما أفادَهُ المبتدأ، ومنها : ما ذكرَهُ مكي[(٢٣)](#foonote-٢٣) عن الأخْفَشِ أيضاً، وتبعه الزمخشريُّ وغيره ؛ وهو الحَمْلُ على معنى " مَنْ "، وتقريرُه ما ذكره الزمخشريُّ ؛ قال رحمه الله :" فإن قلت : إلى مَنْ يرجعُ ضميرُ التثنية والجمع في قوله :" فإنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ، وإنْ كَانُوا إخْوة " ؟ قلتُ : أصلُه : فإن كان مَنْ يَرِثُ بالأخُوَّة اثْنتين، وإن كان من يرثُ بالأخوَّة ذكوراً وإناثاً، وإنما قيل :" فإنْ كَانَتَا، وإن كَانُوا " كما قيل :" مَنْ كَانَتْ أمَّكَ "، فكما أنَّث ضمير " مَنْ " لمكان تأنيث الخبر كذلك ثَنَّى وجمع ضميرَ مَنْ يرث في " كَانَتَا " و " كَانُوا " ؛ لمكانِ تثنية الخبر وجمعه "، وهو جوابٌ حسن. 
إلا أن أبا حيان[(٢٤)](#foonote-٢٤) اعترضَهُ، فقال :" هذا تخريجٌ لا يَصِحُّ، وليس نظيرَ " مَنْ كانَتْ أمَّكَ " ؛ لأنه قد صَرَّح ب " مَنْ "، ولها لفظٌ ومعنًى، فمن أنَّث، راعى المعنى ؛ لأن التقدير : أيةُ أمٍّ كانَتْ أمكَ " ومدلولُ الخبر في هذا مخالفٌ لمدلولِ الاسمِ ؛ بخلافِ الآية ؛ فإن المدلولَيْنِ واحد، ولم يؤنِّث في " مَنْ كَانَتْ أمكَ " ؛ لتأنيث الخبر، إنما أنَّث لمعنى " مَنْ " ؛ إذ أراد بها مؤنَّثاً ؛ ألا ترى أنك تقول :" مَنْ قَامَتْ "، فتؤنث مراعاة للمعنَى ؛ إذ أردْتَ السؤال عن مؤنَّث، ولا خبر هنا ؛ فيؤنَّثَ " قَامَتْ " لأجله ". انتهى. قال شهاب الدين[(٢٥)](#foonote-٢٥) : وهذا تحاملٌ منه على عادته، والزمخشريُّ وغيره لم يُنْكِرُوا أنه لم يُصَرِّحُ في الآية بلفظ " مَنْ " ؛ حتَّى يُفَرِّقَ لهم بهذا الفرقِ الغامِضِ، وهذا التخريجُ المذكورُ هو القولُ الثاني في الألف. 
والظاهرُ أنَّ الضمير في " كَانَتَا " عائدٌ على الوَارِثَتَيْنِ، و " اثْنَتَيْنِ " خبرُه، و " لَهُ " صفةٌ محذوفة بها حصلتِ المغايرةُ بين الاسْم والخبر، والتقديرُ : فإن كانت الوارثَتَانِ اثنتَيْنِ من الأخَوَاتِ، وهذا جوابٌ حسنٌ، وحذفُ الصفةِ لفهمِ المعنى غيرُ مُنْكَرٍ، وإن كان أقلَّ من عكْسه، ويجوز أن يكون خبرُ " كَانَ " محذوفاً، والألفُ تعودُ على الأختين المدْلُولِ عليهما بقوله :" وَلَهُ أُخْتٌ " ؛ كما تقدَّم ذكره عن الأخفش وغيره ؛ وحينئذٍ يكونُ قوله :" اثْنَتَيْن " حالاً مؤكِّدة، والتقديرُ : وإنْ كانت الأختانِ له، فحذفَ " لَهُ "، لدلالةِ قوله :" وَلَهُ أُخْتٌ " عليه. فهذه أربعةُ أقوال. 
### فصل


أرادَ اثْنَتَيْن فَصَاعِداً، وهو أنَّ من مَاتَ له أخواتٌ فَلَهُنَّ الثُلُثَانِ. 
قوله تعالى : وَإِن كَانُواْ  في هذا الضمير ثلاثة أوجه :
أحدها : أنه عائد على معنى " م١ سقط في ب..
٢ سقط في أ..
٣ ينظر: تفسير البغوي ١/٥٠٤..
٤ سقط في ب..
٥ تقدم..
٦ أخرجه البخاري (١٢/٢٦) كتاب الفرائض: باب ميراث الأخوات والإخوة حديث (٦٧٤٣)..
٧ ينظر: تفسير القرطبي ٦/٢٠..
٨ ينظر: الإملاء ١/٢٠٥..
٩ ينظر: البحر المحيط ٣/٤٢٢..
١٠ ينظر: الكشاف ١/٥٩٨..
١١ ينظر: الدر المصون ٢/٤٧٣..
١٢ ينظر: تفسير القرطبي ٦/٢٠..
١٣ ينظر: تفسير القرطبي ٦/٢١..
١٤ سقط في أ..
١٥ سقط في أ..
١٦ ينظر: تفسير الرازي ١١/٩٥..
١٧ في ب: يبقى..
١٨ في ب: ما..
١٩ ينظر: الإملاء ١/٢٠٥..
٢٠ تقدم..
٢١ سقط في ب..
٢٢ سقط في أ..
٢٣ ينظر: المشكل ١/٢١٦..
٢٤ ينظر: البحر المحيط ٣/٤٢٣..
٢٥ ينظر: الدر المصون ٢/٤٧٤..

## روابط ذات صلة

- [النص القرآني للسورة](https://quranpedia.net/surah/1/4.md)
- [كل تفاسير سورة النساء
](https://quranpedia.net/surah-tafsir/4.md)
- [ترجمات سورة النساء
](https://quranpedia.net/translations/4.md)
- [صفحة الكتاب: اللباب في علوم الكتاب](https://quranpedia.net/book/169.md)
- [المؤلف: ابن عادل الحنبلي](https://quranpedia.net/person/4200.md)

---

زُر [Quranpedia.net](https://quranpedia.net/surah/1/4/book/169) — موسوعة القرآن الكريم: التفاسير، الترجمات، التلاوات، والمواضيع.
