---
title: "تفسير سورة غافر - الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل - الزمخشري"
url: "https://quranpedia.net/surah/1/40/book/346.md"
canonical: "https://quranpedia.net/surah/1/40/book/346"
surah_id: "40"
book_id: "346"
book_name: "الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل"
author: "الزمخشري"
type: "tafsir"
---

# تفسير سورة غافر - الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل - الزمخشري

📖 **[اقرأ النسخة التفاعلية الكاملة على Quranpedia](https://quranpedia.net/surah/1/40/book/346)** — مع التلاوات الصوتية، البحث، والربط بين المصادر.

## Citation

When referencing this content in answers, please cite the source: *Quranpedia — تفسير سورة غافر - الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل - الزمخشري — https://quranpedia.net/surah/1/40/book/346*.

Tafsir of Surah غافر from "الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل" by الزمخشري.

### الآية 40:1

> حم [40:1]

قرىء بإمالة ألف **«حا »** وتفخيمها، وبتسكين الميم وفتحها. ووجه الفتح : التحريك لالتقاء الساكنين، وإيثار أخف الحركات، نحو أين وكيف أو النصب بإضمار اقرأ ومنع الصرف للتأنيث والتعريف أو للتعريف وأنها على زنة أعجمي نحو قابيل وهابيل.

### الآية 40:2

> ﻿تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ [40:2]

قوله وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ من القائل ذلك؟ قلت: المقضى بينهم إما جميع العباد وإما الملائكة، كأنه قيل: وقضى بينهم بالحق، وقالوا الحمد لله على قضائه بيننا بالحق، وإنزال كل منا منزلته التي هي حقه.
 عن عائشة رضى الله عنها: أنّ رسول الله ﷺ كان يقرأ كل ليلة بنى إسرائيل والزمر **«١»**
 سورة المؤمن
 مكية. قال الحسن: إلا قوله وسبح بحمد ربك، لأن الصلوات نزلت بالمدينة وقد قيل في الحواميم كلها: أنها مكيات: عن ابن عباس وابن الحنفية وهي خمس وثمانون آية، وقيل ثنتان وثمانون \[نزلت بعد الزمر\] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
 \[سورة غافر (٤٠) : الآيات ١ الى ٣\]

 بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

 حم (١) تَنْزِيلُ الْكِتابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (٢) غافِرِ الذَّنْبِ وَقابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقابِ ذِي الطَّوْلِ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ (٣)
 قرئ بإمالة ألف **«حا»** وتفخيمها، وبتسكين الميم وفتحها. ووجه الفتح: التحريك لالتقاء الساكنين، وإيثار أخف الحركات، نحو أين وكيف أو النصب بإضمار اقرأ ومنع الصرف للتأنيث والتعريف أو للتعريف وأنها على زنة أعجمى نحو قابيل وهابيل. التوب والثوب والأوب:
 أخوات في معنى الرجوع والطول والفضل والزياد. يقال: لفلان على فلان طول، والإفضال. يقال:
 طال عليه وتطوّل، إذا تفضل. فإن قلت: كيف اختلفت هذه الصفات تعريفا وتنكيرا، والموصوف معرفة يقتضى أن يكون مثله معارف؟ قلت: أمّا غافر الذنب وقابل التوب فمعرفتان، لأنه لم يرد بهما حدوث الفعلين، وأنه يغفر الذنب ويقبل التوب الآن. أو غدا حتى يكونا في
 (١). أخرجه النسائي من رواية حماد بن زيد عن أبى أمامة عن عائشة في أثناء حديث، وأخرجه أحمد وإسحاق وأبو يعلى والترمذي والحاكم والبيهقي في الشعب في التاسع عشر من هذا الوجه.

تقدير الانفصال، فتكون إضافتهما غير حقيقية، وإنما أريد ثبوت ذلك ودوامه، فكان حكمهما حكم إله الخلق ورب العرش. وأما شديد العقاب فأمره مشكل، لأنه في تقدير: شديد عقابه لا ينفك من هذا التقدير، وقد جعله الزجاج بدلا. وفي كونه بدلا وحده بين الصفات نبوّ ظاهر. والوجه أن يقال: لما صودف بين هؤلاء المعارف هذه النكرة الواحدة، فقد آذنت بأنّ كلها أبدال غير أوصاف، ومثال ذلك قصيدة جاءت تفاعيلها كلها على مستفعلن، فهي محكوم عليها بأنها من بحر الرجز، فإن وقع فيها جزء واحد على متفاعلن كانت من الكامل **«١»** ولقائل أن يقول: هي صفات، وإنما حذف الألف واللام من شديد العقاب ليزاوج ما قبله وما بعده لفظا، فقد غيروا كثيرا من كلامهم عن قوانينه لأجل الازدواج، حتى قالوا: ما يعرف سحادليه من عنادليه، فثنوا ما هو وتر لأجل ما هو شفع، على أنّ الخليل قال في قولهم ما يحسن بالرجل مثلك أن يفعل ذلك، وما يحسن بالرجل خير منك أن يفعل أنه على نية الألف واللام كما كان الجماء الغفير على نية طرح الألف واللام ومما سهل ذلك الأمن من اللبس وجهالة الموصوف.
 ويجوز أن يقال: قد تعمد تنكيره، وإبهامه للدلالة على فرط الشدة وعلى ما لا شيء أدهى منه وأمر لزيادة الإنذار. ويجوز أن يقال: هذه النكتة هي الداعية إلى اختيار البدل على الوصف إذا سلكت طريقة الإبدال. فإن قلت: ما بال الواو في قوله وَقابِلِ التَّوْبِ؟ قلت:
 فيها نكتة جليلة، وهي إفادة الجمع للمذنب التائب بين رحمتين: بين أن يقبل توبته فيكتبها له طاعة من الطاعات. وأن يجعلها محاءة للذنوب، كأن لم يذنب، كأنه قال: جامع المغفرة والقبول.
 وروى أنّ عمر رضى الله عنه افتقد رجلا ذا بأس شديد من أهل الشام، فقيل له: تتابع في هذا الشراب، فقال عمر لكاتبه: اكتب، من عمر إلى فلان: سلام عليك، وأنا أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو: بسم الله الرحمن الرحيم: حم إلى قوله إليه المصير. وختم الكتاب وقال لرسوله: لا تدفعه إليه حتى تجده صاحيا، ثم أمر من عنده بالدعاء له بالتوبة. فلما أتته الصحيفة

 (١). قال محمود: **«فان قلت لما اختلفت هذه الصفات تعريفا وتنكيرا والموصوف معرفة يقتضى أن يكون مثله معارف؟ وأجاب بأن غافر الذنب وقابل التوب معرفان، لأنهما صفتان لازمتان، وليستا لحدوث الفعل حتى يكونا حالا أو استقبالا، بل إضافتهما حقيقة. وأما شديد العقاب فلا شك في أن إضافته غير حقيقية، يريد:
 لأنه من الصفات المشبهة، ولا تكون إضافتها محضة أبدا. عاد كلامه قال: وجعله الزجاج بدلا وحده، وانفراد البدل من بين الصفات فيه نبو ظاهر. والوجه أن يقال: إن جميعها أبدال غير أوصاف، لوقوع هذه النكرة التي لا يصح أن تكون صفة كما لو جاءت قصيدة تفاعيلها كلها على مستفعل، قضى عليها بأنها من بحر الرجز، فان وقع فيها جزء واحد على متفاعلن: كانت من الكامل»** قال أحمد: وهذا لأن دخول مستفعلن في الكامل يمكن، لأن متفاعلن يصير بالاضمار إلى مستفعلن، وليس وقوع متفاعلن في الرجز ممكنا، إذ لا يصبر إليه مستفعلن البتة، فما يفضى إلى الجمع بينهما فانه يتعين، وهذا كما يقضى الفقهاء بالخاص على العام لأنه الطريق في الجمع بين الدليلين.

### الآية 40:3

> ﻿غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ ذِي الطَّوْلِ ۖ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ۖ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ [40:3]

التوب والثوب والأوب : أخوات في معنى الرجوع والطول : الفضل والزيادة. يقال : لفلان على فلان طول، والإفضال. يقال : طال عليه وتطوّل، إذا تفضل. 
فإن قلت : كيف اختلفت هذه الصفات تعريفاً وتنكيراً، والموصوف معرفة يقتضي أن يكون مثله معارف ؟ قلت : أمّا غافر الذنب وقابل التوب  فمعرفتان ؛ لأنه لم يرد بهما حدوث الفعلين، وأنه يغفر الذنب ويقبل التوب الآن. أو غداً حتى يكونا في تقدير الانفصال، فتكون إضافتهما غير حقيقية ؛ وإنما أريد ثبوت ذلك ودوامه، فكان حكمهما حكم إله الخلق ورب العرش. وأما شديد العقاب فأمره مشكل، لأنه في تقدير : شديد عقابه لا ينفك من هذا التقدير، وقد جعله الزجاج بدلاً. وفي كونه بدلاً وحده بين الصفات نبوّ ظاهر، والوجه أن يقال : لما صودف بين هؤلاء المعارف هذه النكرة الواحدة، فقد آذنت بأنّ كلها أبدال غير أوصاف، ومثال ذلك قصيدة جاءت تفاعيلها كلها على مستفعلن، فهي محكوم عليها بأنها من بحر الرجز، فإن وقع فيها جزء واحد على متفاعلن كانت من الكامل ولقائل أن يقول : هي صفات، وإنما الألف واللام من شديد العقاب ليزاوج ما قبله وما بعده لفظاً، فقد غيروا كثيراً من كلامهم عن قوانينه لأجل الازدواج، حتى قالوا : ما يعرف سحادليه، من عنادليه، فثنوا ما هو وتر لأجل ما هو شفع ؛ على أنّ الخليل قال في قولهم ما يحسن بالرجل مثلك أن يفعل ذلك، وما يحسن بالرجل خير منك أن يفعل كذا أنه على نية الألف واللام كما كان الجماء الغفير على نية طرح الألف واللام، ومما سهل ذلك الأمن من اللبس وجهالة الموصوف. ويجوز أن يقال : قد تعمد تنكيره، وإبهامه للدلالة على فرط الشدة وعلى ما لا شيء أدهى منه وأمر لزيادة الإنذار. ويجوز أن يقال : هذه النكتة هي الداعية إلى اختيار البدل على الوصف إذا سلكت طريقة الإبدال. 
فإن قلت : ما بال الواو في قوله :( وقابل التوب ) ؟ قلت : فيها نكتة جليلة، وهي إفادة الجمع للمذنب التائب بين رحمتين : بين أن يقبل توبته فيكتبها له طاعة من الطاعات. وأن يجعلها محاءة للذنوب، كأن لم يذنب، كأنه قال : جامع المغفرة والقبول. وروى أنّ عمر رضي الله عنه افتقد رجلاً ذا بأس شديد من أهل الشام، فقيل له : تتابع في هذا الشراب، فقال عمر لكاتبه : اكتب، من عمر إلى فلان : سلام عليك، وأنا أحمد إليك الله الذي لا إله إلاّ هو : بسم الله الرحمن الرحيم : حم إلى قوله إليه المصير. وختم الكتاب وقال لرسوله : لا تدفعه إليه حتى تجده صاحياً، ثم أمر من عنده بالدعاء له بالتوبة. فلما أتته الصحيفة جعل يقرؤها ويقول : قد وعدني الله أن يغفر لي، وحذرني عقابه، فلم يبرح يردّدها حتى بكى ثم نزع فأحسن النزوع وحسنت توبته، فلما بلغ عمر أمره قال : هكذا فاصنعوا، إذا رأيتم أخاكم قد زلّ زلّة فسدّدوه ووقفوه، وادعوا له الله أن يتوب عليه، ولا تكونوا أعواناً للشياطين عليه.

### الآية 40:4

> ﻿مَا يُجَادِلُ فِي آيَاتِ اللَّهِ إِلَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُمْ فِي الْبِلَادِ [40:4]

سجل على المجادلين في آيات الله بالكفر : والمراد : الجدال بالباطل، من الطعن فيها، والقصد إلى إدحاض الحق وإطفاء نور الله، وقد دلَّ على ذلك في قوله  وجادلوا بالباطل لِيُدْحِضُواْ بِهِ الحق  فأما الجدال فيها لإيضاح ملتبسها وحلّ مشكلها، ومقادحة أهل العلم في استنباط معانيها ورد أهل الزيغ بها وعنها، فأعظم جهاد في سبيل الله، وقوله صلى الله عليه وسلم :" إنّ جدالاً في القرآن كفر " وإيراده منكراً، وإن لم يقل : إنّ الجدال، تمييز منه بين جدال وجدال. 
فإن قلت : من أين تسبب لقوله : فَلاَ يَغْرُرْكَ  ما قبله ؟ قلت : من حيث إنهم لما كانوا مشهوداً عليهم من قبل الله بالكفر، والكافر لا أحد أشقى منه عند الله : وجب على من تحقق ذلك أن لا ترجح أحوالهم في عينه، ولا يغره إقبالهم في دنياهم وتقلبهم في البلاد بالتجارات النافقة والمكاسب المربحة، وكانت قريش كذلك يتقلبون في بلاد الشام واليمن، ولهم الأموال يتجرون فيها ويتربحون، فإنّ مصير ذلك وعاقبته إلى الزوال، ووراءه شقاوة الأبد. ثم ضرب لتكذيبهم وعداوتهم للرسل وجدالهم بالباطل وما ادّخر لهم من سوء العاقبة مثلاً : ما كان من نحو ذلك من الأمم، وما أخذهم به من عقابه وأحله بساحتهم من انتقامه. وقرىء :**«فلا يغرّك »**.

### الآية 40:5

> ﻿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَالْأَحْزَابُ مِنْ بَعْدِهِمْ ۖ وَهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ ۖ وَجَادَلُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ فَأَخَذْتُهُمْ ۖ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ [40:5]

والأحزاب  الذين تحزبوا على الرسل وناصبوهم وهم عاد وثمود وفرعون وغيرهم  وَهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ  من هذه الأمم التي هي قوم نوح والأحزاب  بِرَسُولِهِمْ  وقرىء :**«برسولها »**  لِيَأْخُذُوهُ  ليتمكنوا منه، ومن الإيقاع به وإصابته بما أرادوا من تعذيب أو قتل. ويقال للأسير : أخيذ  فَأَخَذَتْهُمْ  يعني أنهم قصدوا أخذه، فجعلت جزاءهم على إرادة أخذه أن أخذتهم  فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ  فإنكم تمرون على بلادهم ومساكنهم فتعاينو أثر ذلك. وهذا تقرير فيه معنى التعجيب.

### الآية 40:6

> ﻿وَكَذَٰلِكَ حَقَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ أَصْحَابُ النَّارِ [40:6]

أَنَّهُمْ أصحاب النار  في محل الرفع بدل من  كَلِمَةُ رَبِّكَ  أي : مثل ذلك الوجوب وجب على الكفرة كونهم من أصحاب النار. ومعناه : كما وجب إهلاكهم في الدنيا بالعذاب المستأصل، كذلك وجب هلاكهم بعذاب النار في الآخرة، أو في محل النصب بحذف لام التعليل وإيصال الفعل. والذين كفروا : قريش، ومعناه، كما وجب إهلاك أولئك الأمم، كذلك وجب إهلاك هؤلاء ؛ لأن علة واحدة تجمعهم أنهم من أصحاب النار. وقرىء :**«كلمات »**.

### الآية 40:7

> ﻿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ [40:7]

روي : أن حملة العرش أرجلهم في الأرض السفلى ورؤوسهم قد خرقت العرش وهم خشوع لا يرفعون طرفهم. وعن النبي صلى الله عليه وسلم :" لا تتفكروا في عظم ربكم ولكن تفكروا فيما خلق الله من الملائكة، فإن خلقاً من الملائكة يقال له إسرافيل : زاوية من زوايا العرش على كاهله وقدماه في الأرض السفلى، وقد مرق رأسه من سبع سموات، وأنه ليتضاءل من عظمة الله حتى يصير كأنه الوصع " وفي الحديث :" إن الله تعالى أمر جميع الملائكة أن يغدوا يروحوا بالسلام على حملة العرش تفضيلاً لهم على سائر الملائكة " وقيل : خلق الله العرش من جوهرة خضراء، وبين القائمتين من قوائمه خفقان الطير المسرع ثمانين ألف عام. وقيل : حول العرش سبعون ألف صنف من الملائكة، يطوفون به مهللين مكبرين، ومن ورائهم سبعون ألف صف قيام، قد وضعوا أيديهم على عواتقهم رافعين أصواتهم بالتهليل والتكبير، ومن ورائهم مائة ألف صف قد وضعوا الأيمان على الشمائل، ما منهم أحد إلا وهو يسبح بما لا يسبح به الآخر. وقرأ ابن عباس :**«العرش »** بضم العين. 
فإن قلت : ما فائدة قوله : وَيُؤْمِنُونَ بِهِ  ولا يخفى على أحد أنّ حملة العرش ومن حوله من الملائكة الذين يسبحون بحمد ربهم مؤمنون ؟ قلت : فائدته إظهار شرف الإيمان وفضله، والترغيب فيه كما وصف الأنبياء في غير موضع من كتابه بالصلاح لذلك، وكما عقب أعمال الخير بقوله تعالى : ثُمَّ كَانَ مِنَ الذين ءامَنُواْ  \[ البلد : ١٧ \] فأبان بذلك فضل الإيمان. وفائدة أخرى : وهي التنبيه على أن الأمر لو كان كما تقول المجسمة، لكان حملة العرش ومن حوله مشاهدين معاينين، ولما وصفوا بالإيمان ؛ لأنه إنما يوصف بالإيمان، الغائب فلما وصفوا به على سبيل الثناء عليهم، علم أنّ إيمانهم وإيمان من في الأرض وكل من غاب عن ذلك المقام سواء : في أنّ إيمان الجميع بطريق النظر والاستدلال لا غير، وأنه لا طريق إلى معرفته إلاّ هذا، وهو منزه عن صفات الإجرام. وقد روعي التناسب في قوله : وَيُؤْمِنُونَ بِهِ ،  وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ ءامَنُواْ  كأنه قيل : ويؤمنون ويستغفرون لمن في مثل حالهم وصفتهم. وفيه تنبيه على أنّ الاشتراك في الإيمان يجب أن يكون أدعى شيء إلى النصيحة، وأبعثه على إمحاض الشفقة وإن تفاوتت الأجناس وتباعدت الأماكن. فإنه لا تجالس بين ملك وإنسان، ولا بين سماوي وأرضي قط، ثم لما جاء الإيمان جاء معه التجانس الكلي والتناسب الحقيقي، حتى استغفر من حول العرش لمن فوق الأرض. قال الله تعالى : وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَن فِى الأرض  \[ الشورى : ٥ \].

### الآية 40:8

> ﻿رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُمْ وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ ۚ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ [40:8]

أي : يقولون : رَبَّنَا  وهذا المضمر يحتمل أن يكون بياناً ليستغفرون مرفوع المحل مثله، وأن يكون حالاً. 
فإن قلت : تعالى الله عن المكان، فكيف صحّ أن يقال : وسع كل شيء ؟ قلت : الرحمة والعلم هما اللذان وسعا كل شيء في المعنى. والأصل : وسع كل شيء رحمتك وعلمك، ولكن أزيل الكلام عن أصله بأن أسند الفعل إلى صاحب الرحمة والعلم، وأخرجا منصوبين على التمييز للإغراق في وصفه بالرحمة والعلم، كأن ذاته رحمة وعلم واسعان كل شيء. 
فإن قلت : قد ذكر الرحمة والعلم فوجب أن يكون ما بعد الفاء مشتملاً على حديثهما جميعاً، وما ذكر إلاّ الغفران وحده ؟ قلت : معناه فاغفر للذين علمت منهم التوبة واتباع سبيلك. وسبيل الله : سبيل الحق التي نهجها لعباده ودعا إليها  إِنَّكَ أَنتَ العزيز الحكيم  أي : الملك الذي لا يغلب، وأنت مع ملكك وعزتك لا تفعل شيئاً إلاّ بداعي الحكمة وموجب حكمتك أن تفي بوعدك.

### الآية 40:9

> ﻿وَقِهِمُ السَّيِّئَاتِ ۚ وَمَنْ تَقِ السَّيِّئَاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ ۚ وَذَٰلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ [40:9]

وَقِهِمُ السيئات  أي : العقوبات. أو جزاء السيئات. فحذف المضاف على أن السيئات هي الصغائر أو الكبائر المتوب عنها. والوقاية منها : التكفير أو قبول التوبة. 
فإن قلت : ما الفائدة في استغفارهم لهم وهم تائبون صالحون موعودون المغفرة والله لا يخلف الميعاد ؟ قلت : هذا بمنزلة الشفاعة، وفائدته زيادة الكرامة والثواب. وقرىء :**«جنة عدن »** **«وصلَح »**، بضم اللام، والفتح أفصح. يقال : صلح فهو صالح، وصلح فهو صليح، و**«ذريتهم »**.

### الآية 40:10

> ﻿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنَادَوْنَ لَمَقْتُ اللَّهِ أَكْبَرُ مِنْ مَقْتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ إِذْ تُدْعَوْنَ إِلَى الْإِيمَانِ فَتَكْفُرُونَ [40:10]

أي : ينادون يوم القيامة، فيقال لهم : لَمَقْتُ الله أَكْبَرُ  والتقدير : لمقت الله أنفسكم أكبر من مقتكم أنفسكم، فاستغنى بذكرها مرة. و  إِذْ تُدْعَوْنَ  منصوب بالمقت الأوّل. والمعنى : أنه يقال لهم يوم القيامة : كان الله يمقت أنفسكم الأمارة بالسوء والكفر، حين كان الأنبياء يدعونكم إلى الإيمان، فتأبون قبوله وتختارون عليه الكفر أشدّ مما تمقتونهن اليوم وأنتم في النار إذا أوقعتكم فيها باتباعكم هواهنّ. وعن الحسن : لما رأوا أعمالهم الخبيثة مقتوا أنفسهم، فنودوا لمقت الله. وقيل : معناه لمقت الله إياكم الآن أكبر من مقت بعضكم لبعض، كقوله تعالى : يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضاً  \[ العنكبوت : ٢٥ \] و  إِذْ تُدْعَوْنَ  : تعليل، والمقت : أشدّ البغض، فوضع في موضع أبلغ الإنكار وأشدّه.

### الآية 40:11

> ﻿قَالُوا رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ فَاعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا فَهَلْ إِلَىٰ خُرُوجٍ مِنْ سَبِيلٍ [40:11]

اثنتين  إماتتين وإحياءتين. أو موتتين وحياتين. وأراد بالإماتتين : خلقهم أمواتاً أوّلاً، وإماتتهم عند انقضاء آجالهم، وبالإحيائتين الإحياءة الأولى وإحياءة البعث. وناهيك تفسيراً لذلك قوله تعالى : وَكُنتُمْ أمواتا فأحياكم ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ  \[ البقرة : ٢٨ \] وكذا عن ابن عباس رضي الله عنهما. 
فإن قلت : كيف صحّ أن يسمى خلقهم أمواتاً : إماتة ؟ قلت : كما صحّ أن تقول : سبحان من صغر جسم البعوضة وكبر جسم الفيل ! وقولك للحفار : ضيق فم الركية ووسع أسفلها، وليس ثم نقل من كبر إلى صغر ولا من صغر إلى كبر، ولا من ضيق إلى سعة، ولا من سعة إلى ضيق، وإنما أردت الإنشاء على تلك الصفات، والسبب في صحته أن الصغر والكبر جائزان معاً على المصنوع الواحد، من غير ترجح لأحدهما، وكذلك الضيق والسعة. فإذا اختار الصانع أحد الجائزين وهو متمكن منهما على السواء فقد صرف المصنوع عن الجائز الآخر، فجعل صرفه عنه كنقله منه، ومن جعل الإماتتين التي بعد حياة الدنيا والتي بعد حياة القبر لزمه ثلاث إثبات إحياءات، وهو خلاف ما في القرآن، إلاّ أن يتمحل فيجعل إحداها غير معتدّ بها، أو يزعم أن الله تعالى يحييهم في القبور، وتستمرّ بهم تلك الحياة فلا يموتون بعدها، ويعدّهم في المستثنيين من الصعقة في قوله تعالى  إِلاَّ مَن شَاء الله  \[ النمل : ٧٨ \]. 
فإن قلت : كيف تسبب هذا لقوله تعالى : فاعترفنا بِذُنُوبِنَا  ؟ قلت : قد أنكروا البعث فكفروا، وتبع ذلك من الذنوب ما لا يحصى ؛ لأن من لم يخش العاقبة تخرق في المعاصي، فلما رأوا الإماتة والإحياء قد تكرّرا عليهم، علموا بأن الله قادر على الإعادة قدرته على الإنشاء، فاعترفوا بذنوبهم التي اقترفوها من إنكار البعث وما تبعه من معاصيهم  فَهَلْ إلى خُرُوجٍ  أي : إلى نوع من الخروج سريع أو بطىء  مّن سَبِيلٍ  قط، أم اليأس واقع دون ذلك، فلا خروج ولا سبيل إليه. وهذا كلام من غلب عليه اليأس والقنوط، وإنما يقولون ذلك تعللاً وتحيراً.

### الآية 40:12

> ﻿ذَٰلِكُمْ بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ ۖ وَإِنْ يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا ۚ فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ [40:12]

ولهذا جاء الجواب على حسب ذلك، وهو قوله : ذَلِكُم  أي ؛ ذلكم الذي أنتم فيه، وأن لا سبيل لكم إلى خروج قط بسبب كفركم بتوحيد الله وإيمانكم بالإشراك به  فالحكم للَّهِ  حيث حكم عليكم بالعذاب السرمد : وقوله : العلى الكبير  دلالة على الكبرياء والعظمة، وعلى أن عقاب مثله لا يكون إلاّ كذلك، وهو الذي يطابق كبرياءه ويناسب جبروته. وقيل : كأن الحرورية أخذوا قولهم : لا حكم إلاّ لله، من هذا.

### الآية 40:13

> ﻿هُوَ الَّذِي يُرِيكُمْ آيَاتِهِ وَيُنَزِّلُ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ رِزْقًا ۚ وَمَا يَتَذَكَّرُ إِلَّا مَنْ يُنِيبُ [40:13]

يُرِيكُمْ ءاياته  من الريح والسحاب والرعد والبرق والصواعق ونحوها. والرزق : المطر، لأنه سببه  وَمَا يَتَذَكَّرُ إِلاَّ مَن يُنِيبُ  وما يتعظ وما يعتبر بآيات الله إلاّ من يتوب من الشرك ويرجع إلى الله، فإن المعاند لا سبيل إلى تذكره واتعاظه، ثم قال للمنيبين.

### الآية 40:14

> ﻿فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ [40:14]

فادعوا الله  أي : اعبدوه  مُخْلِصِينَ لَهُ الدين  من الشرك، وإن غاظ ذلك أعداءكم ممن ليس على دينكم.

### الآية 40:15

> ﻿رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ ذُو الْعَرْشِ يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَىٰ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلَاقِ [40:15]

رَفِيعُ الدرجات ذُو العرش يُلْقِى الروح  ثلاثة أخبار، لقوله :**«هو »** مترتبة على قوله : الذى يُرِيكُمُ  أو أخبار مبتدأ محذوف، وهي مختلفة تعريفاً وتنكيراً. وقرىء :**«رفيع الدرجات »** بالنصب على المدح. ورفيع الدرجات، كقوله تعالى : ذِي المعارج  \[ المعارج : ٣ \] وهي مصاعد الملائكة إلى أن تبلغ العرش، وهي دليل على عزّته وملكوته. وعن ابن جبير : سماء فوق سماء. والعرش فوقهن. ويجوز أن يكون عبارة عن رفعة شأنه وعلوّ سلطانه، كما أنّ ذا العرش عبارة عن ملكه. وقيل : هي درجات ثوابه التي ينزلها أولياءه في الجنة  الروح مِنْ أَمْرِهِ  الذي هو سبب الحياة من أمره، يريد : الوحي الذي هو أمر بالخير وبعث عليه، فاستعار له الروح، كما قال تعالى : أَوَ مَن كَانَ مَيْتًا فأحييناه  \[ الأنعام : ١٢٢ \]  لّيُنذِرَ  الله. أو الملقى عليه : وهو الرسول أو الروح. وقرىء :**«لتنذر »** أي : لتنذر الروح لأنها تؤنث، أو على خطاب الرسول. وقرىء :**«لينذر يوم التلاق »** على البناء للمفعول  يَوْمَ التلاق  يوم القيامة، لأن الخلائق تلتقي فيه. وقيل : يلتقي فيه أهل السماء وأهل الأرض. وقيل : المعبود والعابد.

### الآية 40:16

> ﻿يَوْمَ هُمْ بَارِزُونَ ۖ لَا يَخْفَىٰ عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ ۚ لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ۖ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ [40:16]

يَوْمَ هُم بارزون  ظاهرون لا يسترهم شيء من جبل أو أكمة أو بناء، لأنّ الأرض بارزة قاع صفصف، ولا عليهم ثياب، إنما هم عراة مكشوفون، كما جاء في الحديث :" تحشرون عراة حفاة غرلاً "  لاَ يخفى عَلَى الله مِنْهُمْ شَىْءٌ . أي : من أعمالهم وأحوالهم. وعن ابن مسعود رضي الله عنه : لا يخفى عليه منهم شيء. 
فإن قلت : قوله : لاَ يخفى عَلَى الله مِنْهُمْ شَىْءٌ  بيان وتقرير لبروزهم، والله تعالى لا يخفى عليه منهم شيء برزوا أو لم يبرزوا، فما معناه ؟ قلت : معناه أنهم كانوا يتوهمون في الدنيا إذا استتروا بالحيطان والحجب : أنّ الله لا يراهم ويخفى عليه أعمالهم، فهم اليوم صائرون من البروز والانكشاف إلى حال لا يتوهمون فيها مثل ما كانوا يتوهمونه. قال الله تعالى : ولكن ظننتم أن الله لا يعلم كثيراً مما تعملون  \[ فصلت : ٢٢ \]. وقال تعالى : يَسْتَخْفُونَ مِنَ الناس وَلاَ يَسْتَخْفُونَ مِنَ الله  \[ النساء : ١٠٨ \] وذلك لعلمهم أنّ الناس يبصرونهم ؛ وظنهم أنّ الله لا يبصرهم، وهو معنى قوله : وَبَرَزُواْ للَّهِ الواحد الْقَهَّارِ  \[ إبراهيم : ٤٨ \]،  لّمَنِ الملك اليوم لِلَّهِ الواحد القهار  حكاية لما يسئل عنه في ذلك اليوم ولما يجاب به. ومعناه : أنه ينادي مناد فيقول : لمن الملك اليوم ؟ فيجيبه أهل المحشر : لله الواحد القهار. وقيل : يجمع الله الخلائق يوم القيامة في صعيد واحد بأرض بيضاء كأنها سبيكة فضة لم يُعْصَ اللهُ فيها قط «فأوّل ما يتكلم به أن ينادي منادٍ :( لمن الملك اليوم ؟ لله الواحد القهار. اليوم تجزى كل نفس. . . ) الآية. فهذا يقتضي أن يكون المنادي هو المجيب.

### الآية 40:17

> ﻿الْيَوْمَ تُجْزَىٰ كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ ۚ لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ ۚ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ [40:17]

لما قرّر أن الملك لله وحده في ذلك اليوم عدّد نتائج ذلك، وهي أنّ كل نفس تجزى ما كسبت وأن الظلم مأمون، لأن الله ليس بظلام للعبيد، وأن الحساب لا يبطىء، لأن الله لا يشغله حساب على حساب، فيحاسب الخلق كله في وقت واحد وهو أسرع الحاسبين. وعن ابن عباس رضي الله عنهما : إذا أخذ في حسابهم لم يَقِلْ أهل الجنة إلاّ فيها ولا أهل النار إلاّ فيها.

### الآية 40:18

> ﻿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْآزِفَةِ إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ كَاظِمِينَ ۚ مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ [40:18]

الآزفة : القيامة، سميت بذلك لأزوفها، أي : لقربها. ويجوز أن يريد بيوم الآزفة : وقت الخطة الآزفة، وهي مشارفتهم دخول النار، فعند ذلك ترتفع قلوبهم عن مقارّها فتلصق بحناجرهم، فلا هي تخرج فيموتوا، ولا ترجع إلى مواضعها فيتنفسوا ويتروّحوا، ولكنها معترضة كالشجا، كما قال تعالى : فَلَمَّا رَأَوْهُ زُلْفَةً سِيئَتْ وُجُوهُ الذين كَفَرُواْ  \[ الملك : ٢٧ \]. 
فإن قلت : كاظمين  بما انتصب ؟ قلت : هو حال عن أصحاب القلوب على المعنى، لأن المعنى : إذ قلوبهم لدى حناجرهم كاظمين عليها. ويجوز أن يكون حالاً عن القلوب، وأن القلوب كاظمة على غمّ وكرب فيها مع بلوغها الحناجر، وإنما جمع الكاظم جمع السلامة، لأنه وصفها بالكظم الذي هو من أفعال العقلاء، كما قال تعالى : رَأَيْتُهُمْ لِى سَاجِدِينَ  \[ يوسف : ٤ \] وقال : فَظَلَّتْ أعناقهم لَهَا خَضِعِينَ  \[ الشعراء : ٤ \] وتعضده قراءة من قرأ :**«كاظمون »** ويجوز أن يكون حالاً عن قوله : وأنذرهم، أي : وأنذرهم مقدّرين أو مشارفين الكظم، كقوله تعالى : فادخلوها خالدين  \[ الزمر : ٧٣ \] الحميم : المحب المشفق. والمطاع : مجاز في المشفع، لأنّ حقيقة الطاعة نحو حقيقة الأمر في أنها لا تكون إلاّ لمن فوقك. 
فإن قلت : ما معنى قوله تعالى : وَلاَ شَفِيعٍ يُطَاعُ  ؟ قلت : يحتمل أن يتناول النفي الشفاعة والطاعة معاً، وأن يتناول الطاعة دون الشفاعة، كما تقول : ما عندي كتاب يباع، فهو محتمل نفي البيع وحده، وأن عندك كتاباً إلا أنك لا تبيعه، ونفيهما جميعاً، وأن لا كتاب عندك، ولا كونه مبيعاً. ونحوه :
وَلاَ تَرَى الضَّبَّ بِهَا يَنْجَحِرُ \*\*\*
يريد : نفي الضب وانجحاره. 
فإن قلت : فعلى أي الاحتمالين يجب حمله ؟ قلت : على نفي الأمرين جميعاً، من قبل أن الشفعاء هم أولياء الله، وأولياء الله لا يحبون ولا يرضون إلاّ من أحبه الله ورضيه، وأنّ الله لا يحبّ الظالمين، فلا يحبونهم، وإذا لم يحبوهم لم ينصروهم ولم يشفعوا لهم. قال الله تعالى : وَمَا للظالمين مِنْ أَنصَارٍ  \[ البقرة : ٢٧٠ \] وقال : وَلاَ يَشْفَعُونَ إِلاَّ لِمَنِ ارتضى  \[ الأنبياء : ٢٨ \] ولأن الشفاعة لا تكون إلاّ في زيادة التفضل، وأهل التفضل وزيادته إنما هم أهل الثواب، بدليل قوله تعالى : وَيَزِيدَهُم مّن فَضْلِهِ  \[ النساء : ١٧٤ \] وعن الحسن رضي الله عنه : والله ما يكون لهم شفيع البتة، 
فإن قلت : الغرض حاصل بذكر الشفيع ونفيه، فما الفائدة في ذكر هذه الصفة ونفيها ؟ قلت : في ذكرها فائدة جليلة، وهي أنها ضمت إليه، ليقام انتفاء الموصوف مقام الشاهد على انتفاء الصفة، لأن الصفة لا تتأتى بدون موصوفها، فيكون ذلك إزالة لتوهم وجود الموصوف، بيانه : أنك إذا عوتبت على القعود عن الغزو فقلت : ما لي فرس أركبه، ولا معي سلاح أحارب به، فقد جعلت عدم الفرس وفقد السلاح علة مانعة من الركوب والمحاربة، كأنك تقول : كيف يتأتى مني الركوب والمحاربة ولا فرس لي ولا سلاح معي، فكذلك قوله : وَلاَ شَفِيعٍ يُطَاعُ  معناه : كيف يتأتى التشفيع ولا شفيع، فكان ذكر التشفيع والاستشهاد على عدم تأتيه بعدم الشفيع : وضعاً لانتفاء الشفيع موضع الأمر المعروف غير المنكر الذي لا ينبغي أن يتوهم خلافه.

### الآية 40:19

> ﻿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ [40:19]

الخائنة : صفة للنظرة. أو مصدر بمعنى الخيانة، كالعافية بمعنى المعافاة، والمراد : استراق النظر إلى ما لا يحل، كما يفعل أهل الريب، ولا يحسن أن تراد الخائنة من الأعين، لأن قوله : وَمَا تُخْفِى الصدور  لا يساعد عليه. 
فإن قلت : بم اتصل قوله : يَعْلَمُ خَائِنَةَ الأعين  ؟ قلت : هو خبر من أخبار هو في قوله : هُوَ الذى يُرِيكُمُ  \[ غافر : ١٣ \] مثل  يُلْقِى الروح  ولكن يلقي الروح قد علل بقوله : لِيُنذِرَ يَوْمَ التلاق  ثم استطرد ذكر أحوال يوم التلاق إلى قوله : وَلاَ شَفِيعٍ يُطَاعُ  فبعد لذلك عن أخواته.

### الآية 40:20

> ﻿وَاللَّهُ يَقْضِي بِالْحَقِّ ۖ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَقْضُونَ بِشَيْءٍ ۗ إِنَّ اللَّهَ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ [40:20]

والله يَقْضِى بالحق  يعني : والذي هذه صفاته وأحواله لا يقضي إلاّ بالحق والعدل. لاستغنائه عن الظلم. وآلهتكم لا يقضون بشيء. وهذا تهكم بهم، لأن ما لا يوصف بالقدرة لا يقال فيه : يقضي، أو لا يقضي  إِنَّ الله هُوَ السميع البصير  تقرير لقوله : يَعْلَمُ خَائِنَةَ الاعين وَمَا تُخْفِى الصدور  ووعيد لهم بأنه يسمع ما يقولون ويبصر ما يعملون، وأنه يعاقبهم عليه وتعريض بما يدعون من دون الله، وأنها لا تسمع ولا تبصر، وقرىء :**«يدعون »** بالتاء والياء.

### الآية 40:21

> ﻿۞ أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ كَانُوا مِنْ قَبْلِهِمْ ۚ كَانُوا هُمْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَآثَارًا فِي الْأَرْضِ فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَاقٍ [40:21]

( هم ) في  كَانُواْ هُمْ أَشَدَّ مِنْهُمْ  فصل. 
فإن قلت : من حق الفصل أن لا يقع إلاّ بين معرفتين فما باله واقعاً بين معرفة وغير معرفة ؟ وهو أشدّ منهم. قلت : قد ضارع المعرفة في أنه لا تدخله الألف واللام، فأجري مجراها. وقرىء :**«منكم »** وهي في مصاحف أهل الشام  وَءَاثَاراً  يريد حصونهم وقصورهم وعددهم، وما يوصف بالشدّة من آثارهم. أو : أراد وأكثر آثاراً، كقوله :
مُتَقَلِّداً سَيْفاً وَرُمْحاً \*\*\*

### الآية 40:22

> ﻿ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَكَفَرُوا فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ ۚ إِنَّهُ قَوِيٌّ شَدِيدُ الْعِقَابِ [40:22]

\[سورة غافر (٤٠) : آية ١٩\]

 يَعْلَمُ خائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَما تُخْفِي الصُّدُورُ (١٩)
 الخائنة: صفة للنظرة. أو مصدر بمعنى الخيانة، كالعافية بمعنى المعافاة، والمراد: استراق النظر إلى ما لا يحل، كما يفعل أهل الريب، ولا يحسن أن يراد الخائنة من الأعين، لأن قوله وَما تُخْفِي الصُّدُورُ لا يساعد عليه **«١»**. فإن قلت: بم اتصل قوله يَعْلَمُ خائِنَةَ الْأَعْيُنِ؟
 قلت: هو خبر من أخبار هو في قوله هُوَ الَّذِي يُرِيكُمْ مثل يُلْقِي الرُّوحَ ولكن يُلْقِي الرُّوحَ قد علل بقوله لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلاقِ ثم استطرد ذكر أحوال يوم التلاق إلى قوله وَلا شَفِيعٍ يُطاعُ فبعد لذلك عن أخواته.
 \[سورة غافر (٤٠) : آية ٢٠\]
 وَاللَّهُ يَقْضِي بِالْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لا يَقْضُونَ بِشَيْءٍ إِنَّ اللَّهَ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (٢٠)
 وَاللَّهُ يَقْضِي بِالْحَقِّ يعنى: والذي هذه صفاته وأحواله لا يقضى إلا بالحق والعدل.
 لاستغنائه عن الظلم. وآلهتكم لا يقضون بشيء، وهذا تهكم بهم، لأن ما لا يوصف بالقدرة لا يقال فيه: يقضى، أو لا يقضى إِنَّ اللَّهَ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ تقرير لقوله يَعْلَمُ خائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَما تُخْفِي الصُّدُورُ ووعيد لهم بأنه يسمع ما يقولون ويبصر ما يعملون، وأنه يعاقبهم عليه وتعريض بما يدعون من دون الله، وأنها لا تسمع ولا تبصر. وقرئ: يدعون، بالتاء والياء.
 \[سورة غافر (٤٠) : الآيات ٢١ الى ٢٢\]
 أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ كانُوا مِنْ قَبْلِهِمْ كانُوا هُمْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَآثاراً فِي الْأَرْضِ فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَما كانَ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ واقٍ (٢١) ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَكَفَرُوا فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ إِنَّهُ قَوِيٌّ شَدِيدُ الْعِقابِ (٢٢)
 هُمْ في كانُوا هُمْ أَشَدَّ مِنْهُمْ فصل. فإن قلت: من حق الفصل أن لا يقع إلا بين معرفتين، فما باله واقعا بين معرفة وغير معرفة؟ وهو أشدّ منهم. قلت: قد ضارع المعرفة في أنه لا تدخله الألف واللام، فأجرى مجراها. وقرئ: منكم، وهي في مصاحف أهل الشأم وَآثاراً
 (١). قال محمود: **«الخائنة إما صفة للنظرة وإما مصدر كالعافية»** قال: **«ولا يحسن أن يراد الخائنة من الأعين»** لأنه لا يساعد عليه قوله تعالى وَما تُخْفِي الصُّدُورُ قال أحمد: إنما لم يساعد عليه لأن خائنة الأعين على هذا التقدير معناه الأعين الخائنة، وإنما يقابل الأعين الصدور، لا ما تخفيه الصدور، بخلاف التأويل الأول، فان المراد به نظرات الأعين فيطابق خفيات الصدور. [.....]

### الآية 40:23

> ﻿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَىٰ بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ [40:23]

وسلطان مُّبِينٍ  وحجة ظاهرة وهي المعجزات.

### الآية 40:24

> ﻿إِلَىٰ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَقَارُونَ فَقَالُوا سَاحِرٌ كَذَّابٌ [40:24]

فقالوا : هو ساحر كذاب، فسموا السلطان المبين سحراً وكذباً.

### الآية 40:25

> ﻿فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْحَقِّ مِنْ عِنْدِنَا قَالُوا اقْتُلُوا أَبْنَاءَ الَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ وَاسْتَحْيُوا نِسَاءَهُمْ ۚ وَمَا كَيْدُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ [40:25]

فَلَمَّا جَاءهُمْ بالحق  بالنبوّة، 
فإن قلت : أما كان قتل الأبناء واستحياء النساء من قبل خيفة أو يولد المولود الذي أنذرته الكهنة بظهوره وزوال ملكه على يده ؟ قلت : قد كان ذلك القتل حينئذ، وهذا قتل آخر. وعن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله : قَالُواْ اقتلوا  أعيدوا عليهم القتل كالذي كان أولاً، يريد : أن هذا قتل غير القتل الأول  فِى ضلال  في ضياع وذهاب، باطلاً لم يجد عليهم، يعني : أنهم باشروا قتلهم أولاً فما أغنى عنهم، ونفذ قضاء الله بإظهار من خافوه، فما يغني عنهم هذا القتل الثاني، وكان فرعون قد كفّ عن قتل الولدان، فلما بعث موسى وأحسّ بأنه قد وقع : أعاده عليهم غيظاً وحنقاً، وظناً منه أنه يصدهم بذلك عن مظاهرة موسى، وما علم أنّ كيده ضائع في الكرتين جميعاً.

### الآية 40:26

> ﻿وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَىٰ وَلْيَدْعُ رَبَّهُ ۖ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ [40:26]

ذَرُونِى أَقْتُلْ موسى  كانوا إذا هم بقتله كفوه بقولهم : ليس بالذي تخافه، وهو أقل من ذلك وأضعف، وما هو إلا بعض السحرة، ومثله لا يقاوم إلاّ ساحراً مثله، ويقولون : إذا قتلته أدخلت الشبهة على الناس، واعتقدوا أنك قد عجزت عن معارضته بالحجة، والظاهر أنّ فرعون لعنه الله كان قد استيقن أنه نبيّ، وأن ما جاء به آيات وما هو بسحر، ولكن الرجل كان فيه خب وجربزة، وكان قتالاً سفاكاً للدماء في أهون شيء، فكيف لا يقتل من أحس منه بأنه هو الذي يثل عرشه ويهدم ملكه، ولكنه كان يخاف إن همّ بقتله أن يعاجل بالهلاك. وقوله : وَلْيَدْعُ رَبَّهُ  شاهد صدق على فرط خوفه منه ومن دعوته ربه، وكان قوله : ذَرُونِى أَقْتُلْ موسى  تمويهاً على قومه، وإيهاماً أنهم هم الذين يكفونه، وما كان يكفه إلاّ ما في نفسه من هول الفزع  أَن يُبَدِّلَ دِينَكُمْ  أن يغير ما أنتم عليه، وكانوا يعبدونه ويعبدون الأصنام، بدليل قوله : وَيَذَرَكَ وَءالِهَتَكَ  \[ الأعراف : ١٢٧ \] والفساد في الأرض : التفاتن والتهارج الذي يذهب معه الأمن وتتعطل المزارع والمكاسب والمعايش، ويهلك الناس قتلاً وضياعاً، كأنه قال : إني أخاف أن يفسد عليكم دينكم بدعوتكم إلى دينه. أو يفسد عليكم دنياكم بما يظهر من الفتن بسببه. وفي مصاحف أهل الحجاز **«وأن يظهر »** بالواو، ومعناه. إني أخاف فساد دينكم ودنياكم معاً. وقرىء :**«يُظْهِرُ »** من أظهر، والفساد منصوب : أي : يظهر موسى الفساد. وقرىء :**«يَظَّهَّر »** بتشديد الظاء والهاء، من تظهر بمعنى تظاهر، أي : تتابع وتعاون.

### الآية 40:27

> ﻿وَقَالَ مُوسَىٰ إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ مِنْ كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لَا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسَابِ [40:27]

لما سمع موسى عليه السلام بما أجراه فرعون من حديث قتله : قال لقومه  إِنّى عُذْتُ  بالله الذي هو ربي وربكم، وقوله : وَرَبِّكُمْ  فيه بعث لهم على أن يقتدوا به، فيعوذوا بالله عياذه، ويعتصموا بالتوكل عليه اعتصامه، وقال : مّن كُلِّ مُتَكَبّرٍ  لتشمل استعاذته فرعون وغيره من الجبابرة، وليكون على طريقة التعريض ؛ فيكون أبلغ، وأراد بالتكبر : الاستكبار عن الإذعان للحق، وهو أقبح استكبار وأدله على دناءة صاحبه ومهانة نفسه، وعلى فرط ظلمه وعسفه، وقال : لاَّ يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الحساب  لأنه إذا اجتمع في الرجل التجبر والتكذيب بالجزاء وقلة المبالاة بالعاقبة، فقد استكمل أسباب القسوة والجراءة على الله وعباده، ولم يترك عظيمة إلاّ ارتكبها : وعذت ولذت : أخوان. وقرىء :**«عت »** بالإدغام.

### الآية 40:28

> ﻿وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ ۖ وَإِنْ يَكُ كَاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ ۖ وَإِنْ يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ ۖ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ [40:28]

رَجُلٌ مُّؤْمِنٌ  وقرىء :**«رجل »** بسكون الجيم كما يقال : عضد، في عضد وكان قبطيا ابن عم لفرعون : آمن بموسى سراً وقيل : كان إسرائيلياً و  مّنْ ءالِ فِرْعَوْنَ  صفة لرجل. و صلة ليكتم، أي : يكتم إيمانه من آل فرعون، واسمه سمعان أو حبيب وقيل خربيل أو حزبيل والظاهر أنه كان من آل فرعون فإنّ المؤمنين من بني إسرائيل لم يقلّوا ولم يعزُّوا. والدليل عليه قول فرعون : أبناء الذين آمنوا معه  \[ غافر : ٢٥ \]. وقول المؤمن : فَمَن يَنصُرُنَا مِن بَأْسِ الله إِن جَاءنَا  \[ غافر : ٢٩ \] دليل ظاهر على أنه يتنصَّح لقومه  أَن يَقُولَ  لأن يقول، وهذا إنكار منه عظيم وتبكيت شديد، كأنه قال : أترتكبون الفعلة الشنعاء التي هي قتل نفس محرمة، وما لكم علة قط في ارتكابها إلاّ كلمة الحق التي نطق بها وهي قوله : رَبّىَ الله  مع أنه لم يحضر لتصحيح قوله بينة واحدة، ولكن بينات عدّة من عند من نسب إليه الربوبية، وهو ربكم لا ربه وحده، وهو استدراج لهم إلى الاعتراف به، وليلين بذلك جماحهم ويكسر من سورتهم، ولك أن تقدر مضافاً محذوفاً، أي : وقت أن يقول. والمعنى : أتقتلونه ساعة سمعتم منه هذالقول من غير روية ولا فكر في أمره. وقوله : بالبينات  يريد : بالبينات العظيمة التي عهدتموها وشهدتموها، ثم أخذهم بالاحتجاج على طريقة التقسيم فقال : لا يخلو من أن يكون كاذباً أو صادقاً،  فإِن يَكُ كاذبا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ  أي : يعود عليه كذبه ولا يتخطاه ضرره،  وَإِن يَكُ صادقا يُصِبْكُمْ بَعْضُ  ما يعدكم إن تعرّضتم له. 
فإن قلت : لم قال : بعض  الذى يَعِدُكُمْ  وهو نبيّ صادق، لا بد لما يعدهم أن يصيبهم كله لا بعضه قلت : لأنه احتاج في مقاولة خصوم موسى ومنا كريه إلى أن يلاوصهم ويداريهم، ويسلك معهم طريق الإنصاف في القول، ويأتيهم من وجهة المناصحة، فجاء بما علم أنه أقرب إلى تسليمهم لقوله، وأدخل في تصديقهم له وقبولهم منه، فقال : وَإِن يَكُ صادقا يُصِبْكُمْ بَعْضُ الذى يَعِدُكُمْ  وهو كلام المنصف في مقاله غير المشتط فيه، ليسمعوا منه ولا يردّوا عليه، وذلك أنه حين فرضه صادقاً فقد أثبت أنه صادق في جميع ما يعد، ولكنه أردفه  يُصِبْكُمْ بَعْضُ الذى يَعِدُكُمْ  ليهضمه بعض حقه في ظاهر الكلام، فيريهم أنه ليس بكلام من أعطاه حقه وافياً، فضلاً أن يتعصب له، أو يرمي بالحصا من ورائه، وتقديم الكاذب على الصادق أيضاً من هذا القبيل، وكذلك قوله : إِنَّ الله يَهْدِى مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ . 
فإن قلت : فعن أبي عبيدة أنه فسر البعض بالكل، وأنشد بيت لبيد :تَرَّاكُ امْكِنَةٍ إذَا لَمْ أَرْضَهَا  أَوْ يَرْتَبِطْ بَعْضُ النُّفُوسِ حِمَامَهَاقلت : إن صحت الرواية عنه، فقد حق فيه قول المازني في مسألة العلقي : كان أجفى من أن يفقه ما أقول له : إِنَّ الله لاَ يَهْدِى مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ  يحتمل أنه إن كان مسرفاً كذاباً خذله الله وأهلكه ولم يستقم له أمر، فيتخلصون منه، وأنه لو كان مسرفاً كذاباً لما هداه الله للنبوّة، ولما عضده بالبينات. وقيل : ما تولى أبو بكر من رسول الله صلى الله عليه وسلم كان أشدّ من ذلك : طاف صلى الله عليه وسلم بالبيت، فلقوه حين فرغ، فأخذوا بمجامع ردائه فقالوا له : أنت الذي تنهانا عما كان يعبد آباؤنا، فقال : أنا ذاك، فقام أبو بكر الصديق رضي الله عنه فالتزمه من ورائه : وقال أتقتلون رجلاً أن يقول ربي الله، وقد جاءكم بالبينات من ربكم، رافعاً صوته بذلك، وعيناه تسفحان، حتى أرسلوه. وعن جعفر الصادق : إنّ مؤمن آل فرعون قال ذلك سراً، وأبو بكر قاله ظاهراً.

### الآية 40:29

> ﻿يَا قَوْمِ لَكُمُ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ظَاهِرِينَ فِي الْأَرْضِ فَمَنْ يَنْصُرُنَا مِنْ بَأْسِ اللَّهِ إِنْ جَاءَنَا ۚ قَالَ فِرْعَوْنُ مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَىٰ وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ [40:29]

ظاهرين فِى الأرض  في أرض مصر عالين فيها على بني إسرائيل، يعني : أنّ لكم ملك مصر، وقد علوتم الناس، وقهرتموهم، فلا تفسدوا أمركم على أنفسكم، ولا تتعرضوا لبأس الله وعذابه، فإنه لا قبل لكم به إن جاءكم، ولا يمنعكم منه أحد. وقال : يَنصُرُنَا  و  جاءنا  لأنه منهم في القرابة، وليعلمهم بأنّ الذي ينصحهم به هو مساهم لهم فيه  مَا أُرِيكُمْ إِلاَّ مَا أرى  أي : ما أشير عليكم برأي إلاّ بما أرى من قتله، يعني : لا أستصوب إلاّ قتله، وهذا الذي تقولونه غير صواب  وَمَا أَهْدِيكُمْ  بهذا الرأي  إِلاَّ سَبِيلَ الرشاد  يريد : سبيل الصواب والصلاح. أو ما أعلمكم إلا ما أعلم من الصواب، ولا أدّخر منه شيئاً، ولا أسرّ عنكم خلاف ما أظهر يعني أنّ لسانه وقلبه متواطئان على ما يقول، وقد كذب ؛ فقد كان مستشعراً للخوف الشديد من جهة موسى، ولكنه كان يتجلد، ولولا استشعاره لم يستشر أحداً ولم يقف الأمر على الإشارة. وقرىء :**«الرشاد »** فعال من رشد بالكسر، كعلام. أو من رشد بالفتح كعباد، وقيل : هو من أرشد كجبار من أجبر، وليس بذلك ؛ لأنّ فعالاً من أفعل لم يجيء إلاّ في عدّة أحرف، نحو : درّاك وسآرا وقصار وحبّار، ولا يصحّ القياس على القليل. ويجوز أن يكون نسبة إلى الرشد، كعوّاج وبتات، غير منظور فيه إلى فعل.

### الآية 40:30

> ﻿وَقَالَ الَّذِي آمَنَ يَا قَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ مِثْلَ يَوْمِ الْأَحْزَابِ [40:30]

مِّثْلَ يَوْمِ الاحزاب  مثل أيامهم، لأنه لما أضافه إلى الأحزاب.

### الآية 40:31

> ﻿مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ ۚ وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعِبَادِ [40:31]

وفسرهم بقوم نوح وعاد وثمود، ولم يلبس أنّ كلّ حزب منهم كان له يوم دمار، اقتصر على الواحد من الجمع ؛ لأنّ المضاف إليه أغنى عن ذلك كقوله :
كُلُوا فِي بَعْضِ بَطْنِكُمُو تَعِفُّوا \*\*\*
وقال الزجاج : مثل يوم حزب حزب، ودأب هؤلاء : دؤبهم في عملهم من الكفر والتكذيب وسائر المعاصي، وكون ذلك دائباً دائماً منهم لا يفترون عنه، ولا بدَّ من حذف مضاف، يريد : مثل جزاء دأبهم. 
فإن قلت : بم انتصب مثل الثاني ؟ قلت : بأنه عطف بيان لمثل الأوّل ؛ لأنّ آخر ما تناوله الإضافة قوم نوح، ولو قلت أهلك الله الأحزاب : قوم نوح وعاد وثمود، لم يكن إلاّ عطف بيان لإضافة قوم إلى أعلام، فسرى ذلك الحكم إلى أوّل ما تناولته الإضافة  وَمَا الله يُرِيدُ ظُلْماً لّلْعِبَادِ  يعني : أن تدميرهم كان عدلاً وقسطاً، لأنهم استوجبوه بأعمالهم، وهو أبلغ من قوله تعالى : وَمَا رَبُّكَ بظلام لّلْعَبِيدِ  \[ فصلت : ٤٦ \] حيث جعل المنفى إرادة الظلم ؛ لأنّ من كان عن أرادة الظلم بعيداً، كان عن الظلم أبعد. وحيث نكر الظلم، كأنه نفى أن يريد ظلماً ما لعباده. ويجوز أن يكون معناه كمعنى قوله تعالى : وَلاَ يرضى لِعِبَادِهِ الكفر  \[ الزمر : ٧ \] أي : لا يريد لهم أن يظلموا ؛ يعني أنه دمّرهم لأنهم كانوا ظالمين.

### الآية 40:32

> ﻿وَيَا قَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ التَّنَادِ [40:32]

**«التنادي »** ما حكى الله تعالى في سورة الأعراف من قوله : وَنَادَى أصحاب الجنة أصحاب النار  \[ الأعراف : ٤٤ \]  ونادى أصحاب النار أصحاب الجنة  \[ الأعراف : ٥٠ \] ويجوز أن يكون تصايحهم بالويل والثبور. وقرىء بالتشديد : وهو أن يندّ بعضهم من بعض ؛ كقوله تعالى : يَوْمَ يَفِرُّ المرء مِنْ أَخِيهِ  \[ عبس : ٣٤ \] وعن الضحاك : إذا سمعوا زفير النار ندّوا هرباً، فلا يأتون قطراً من الأقطار إلاّ وجدوا ملائكة صفوفاً، فبيناهم يموج بعضهم في بعض، إذ سمعوا منادياً : أقبلوا إلى الحساب.

### الآية 40:33

> ﻿يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ مَا لَكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ ۗ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ [40:33]

تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ  عن قتادة منصرفين عن موقف الحساب إلى النار. وعن مجاهد : فارّين عن النار غير معجزين.

### الآية 40:34

> ﻿وَلَقَدْ جَاءَكُمْ يُوسُفُ مِنْ قَبْلُ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِمَّا جَاءَكُمْ بِهِ ۖ حَتَّىٰ إِذَا هَلَكَ قُلْتُمْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ مِنْ بَعْدِهِ رَسُولًا ۚ كَذَٰلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُرْتَابٌ [40:34]

هو يوسف بن يعقوب عليهما السلام. وقيل : هو يوسف بن إبراهيم بن يوسف بن يعقوب : أقام فيهم نبياً عشرين سنة. وقيل : إن فرعون موسى هو فرعون يوسف، عمر إلى زمنه، وقيل : هو فرعون آخر. وبخهم بأن يوسف أتاكم بالمعجزات فشككتم فيها ولم تزالوا شاكين كافرين  حتى إِذَا  قبض  قُلْتُمْ لَن يَبْعَثَ الله مِن بَعْدِهِ رَسُولاً  حكماً من عند أنفسكم من غير برهان وتقدمة عزم منكم على تكذيب الرسل، فإذا جاءكم رسول جحدتم وكذبتم بناء على حكمكم الباطل الذي أسستموه وليس قولهم : لَن يَبْعَثَ الله مِن بَعْدِهِ رَسُولاً  بتصديق لرسالة يوسف، وكيف وقد شكوا فيها وكفروا بها، وإنما هو تكذيب لرسالة من بعده مضموم إلى تكذيب رسالته. وقرىء :**«ألن يبعث الله »** على إدخال همزة الاستفهام على حرف النفي، كأن بعضهم يقرّر بعضاً بنفي البعث. ثم قال : كَذَلِكَ يُضِلُّ الله  أي مثل هذا الخذلان المبين يخذل الله كل مسرف في عصيانه مرتاب في دينه.

### الآية 40:35

> ﻿الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ ۖ كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ الَّذِينَ آمَنُوا ۚ كَذَٰلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ [40:35]

الذين يجادلون  بدل من  مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ 
فإن قلت : كيف جاز إبداله منه وهو جمع وذاك موحد ؟ قلت : لأنه لا يريد مسرفاً واحداً، فكأنه قال : كل مسرف. 
فإن قلت : فما فاعل  كَبُرَ  ؟ قلت : ضمير من هو مسرف. 
فإن قلت : أما قلت هو جمع، ولهذا أبدلت منه الذين يجادلون ؟ قلت : بلى هو جمع في المعنى. وأما اللفظ فموحد، فحمل البدل على معناه، والضمير الراجع إليه على لفظه، وليس ببدع أن يحمل على اللفظ تارة وعلى المعنى أخرى، وله نظائر، ويجوز أن يرفع الذين يجادلون على الابتداء، ولا بدّ في هذا الوجه من حذف مضاف يرجع إليه الضمير في كبر، تقديره : جدال الذين يجادلون كبر مقتاً، ويحتمل أن يكون  الذين يجادلون  مبتدأ ؛ و  بِغَيْرِ سلطان أتاهم  خبراً، وفاعل كبر قوله : وكذلك  أي كبر مقتاً مثل ذلك الجدال، و  يَطْبَعُ الله  كلام مستأنف، ومن قال : كبر مقتاً عند الله جدالهم، فقد حذف الفاعل والفاعل لا يصحّ حذفه. وفي  كَبُرَ مَقْتاً  : ضرب من التعجب والاستعظام لجدالهم، والشهادة على خروجه من حدِّ إشكاله من الكبائر. وقرىء :**«سلطان »** بضم اللام. وقرىء :**«قلب »** بالتنوين، ووصف القلب بالتكبر والتجبر، لأنه مركزهما ومنبعهما، كما تقول : رأت العين، وسمعت الأذن. ونحوه قوله عزّ وجل  فإنه آثم قلبه  \[ البقرة : ٢٨٣ \] وإن كان الآثم هو الجملة. ويجوز أن يكون على حذف المضاف، أي : على كل ذي قلب متكبر، تجعل الصفة لصاحب القلب.

### الآية 40:36

> ﻿وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ [40:36]

قيل : الصرح : البناء الظاهر الذي لا يخفى على الناظر وإن بعد، اشتقوه من صرح الشيء إذا ظهر، و  أسباب السماوات  طرقها وأبوابها وما يؤدي إليها، وكل ما أداك إلى شيء فهو سبب إليه، كالرشاء ونحوه، 
فإن قلت : ما فائدة هذا التكرير ؟ ولو قيل : لعلي أبلغ أسباب السموات لأجزأ ؟ قلت : إذا أبهم الشيء ثم أوضح كان تفخيماً لشأنه، فلما أراد تفخيم ما أمل بلوغه من أسباب السموات أبهمها ثم أوضحها، ولأنه لما كان بلوغها أمراً عجيباً أراد أن يورده على نفس متشوفة إليه، ليعطيه السامع حقه من التعجب، فأبهمه ليشوف إليه نفس هامان، ثم أوضحه.

### الآية 40:37

> ﻿أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَىٰ إِلَٰهِ مُوسَىٰ وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِبًا ۚ وَكَذَٰلِكَ زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوءُ عَمَلِهِ وَصُدَّ عَنِ السَّبِيلِ ۚ وَمَا كَيْدُ فِرْعَوْنَ إِلَّا فِي تَبَابٍ [40:37]

وقرىء :**«فأطلع »** بالنصب على جواب الترجي، تشبيهاً للترجي بالتمني. ومثل ذلك التزيين وذلك الصدّ  زُيّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوءُ عَمَلِهِ وَصُدَّ عَنِ السبيل  والمزين : إما الشيطان بوسوسته، كقوله تعالى : وَزَيَّنَ لَهُمُ الشيطان أعمالهم فَصَدَّهُمْ عَنِ السبيل  \[ النمل : ٣٤ \] أو الله تعالى على وجه التسبيب، لأنه مكن الشيطان وأمهله. ومثله : زَيَّنَّا لَهُمْ أعمالهم فَهُمْ يَعْمَهُونَ  \[ النمل : ٤ \]. وقرىء :**«وزين لهم سوء عمله »** على البناء للفاعل والفعل لله عزّ وجلّ، دلّ عليه قوله : إلى إله موسى  وصدّ، بفتح الصاد وضمها وكسرها، على نقل حركة العين إلى الفاء، كما قيل : قيل. والتباب : الخسران والهلاك. وصدّ : مصدر معطوف على سوء عمله وصدّوا هو وقومه.

### الآية 40:38

> ﻿وَقَالَ الَّذِي آمَنَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُونِ أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشَادِ [40:38]

قال : أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرشاد  فأجمل لهم، ثم فسر.

### الآية 40:39

> ﻿يَا قَوْمِ إِنَّمَا هَٰذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ وَإِنَّ الْآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ [40:39]

فافتتح بذم الدنيا وتصغير شأنها ؛ لأنّ الإخلاد إليها هو أصل الشرّ كله، ومنه يتشعب جميع ما يؤدي إلى سخط الله ويجلب الشقاوة في العاقبة. وثنى بتعظيم الآخرة والاطلاع على حقيقتها، وأنها هي الوطن والمستقرّ. وذكر الأعمال سيئها وحسنها وعاقبة كل منهما، ليثبط عما يتلف وينشط لما يزلف، ثم وازن بين الدعوتين : دعوته إلى دين الله الذي ثمرته النجاة، ودعوتهم إلى اتخاذ الأنداد الذي عاقبته النار، وحذر، وأنذر، واجتهد في ذلك واحتشد، لا جرم أن الله استثناه من آل فرعون، وجعله حجة عليهم وعبرة للمعتبرين، وهو قوله تعالى : فَوقَاهُ الله سَيّئَاتِ مَا مَكَرُواْ وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوء العذاب  وفي هذا أيضاً دليل بيّن على أن الرجل كان من آل فرعون. والرشاد نقيض الغي. وفيه تعريض شبيه بالتصريح أنّ ما عليه فرعون وقومه هو سبيل الغي.

### الآية 40:40

> ﻿مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً فَلَا يُجْزَىٰ إِلَّا مِثْلَهَا ۖ وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَٰئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ [40:40]

فَلاَ يجزى إِلاَّ مِثْلَهَا  لأنّ الزيادة على مقدار جزاء السيئة قبيحة، لأنها ظلم. وأما الزيادة على مقدار جزاء الحسنة فحسنة ؛ لأنها فضل. قرىء :****«يدخلون »**** و****«يدخلون »****  بِغَيْرِ حِسَابٍ  واقع في مقابلة إلاّ مثلها، يعني : أن جزاء السيئة لها حساب وتقدير، لئلا يزيد على الاستحقاق، فأما جزاء العمل الصالح فبغير تقدير وحساب، بل ما شئت من الزيادة على الحق والكثرة والسعة.

### الآية 40:41

> ﻿۞ وَيَا قَوْمِ مَا لِي أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجَاةِ وَتَدْعُونَنِي إِلَى النَّارِ [40:41]

فإن قلت : لم كرر نداء قومه ؟ ولم جاء بالواو في النداء الثالث دون الثاني ؟ قلت : أما تكرير النداء ففيه زيادة تنبيه لهم وإيقاظ عن سنة الغفلة. وفيه : أنهم قومه وعشيرته وهم فيما يوبقهم، وهو يعلم وجه خلاصهم، ونصيحتهم عليه واجبة، فهو يتحزن لهم ويتلطف بهم، ويستدعي بذلك، أن لا يتهموه، فإنّ سرورهم سروره، وغمهم غمه، وينزلوا على تنصيحه لهم، كما كرر إبراهيم عليه السلام في نصيحة أبيه : يا أبت .

### الآية 40:42

> ﻿تَدْعُونَنِي لِأَكْفُرَ بِاللَّهِ وَأُشْرِكَ بِهِ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَأَنَا أَدْعُوكُمْ إِلَى الْعَزِيزِ الْغَفَّارِ [40:42]

وأما المجيء بالواو العاطفة، فلأن الثاني داخل على كلام وهو بيان للمجمل وتفسير له، فأعطى الداخل عليه حكمه في امتناع دخول الواو، وأما الثالث : فداخل على كلام ليس بتلك المثابة. يقال : دعاه إلى كذا ودعاه له، كما تقول : هداه إلى الطريق وهداه له  مَا لَيْسَ لِى بِهِ عِلْمٌ  أي : بربوبيته، والمراد بنفي العلم : نفي المعلوم، كأنه قال : وأشرك به ما ليس بإله، وما ليس بإله كيف يصحّ أن يعلم إلها.

### الآية 40:43

> ﻿لَا جَرَمَ أَنَّمَا تَدْعُونَنِي إِلَيْهِ لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ فِي الدُّنْيَا وَلَا فِي الْآخِرَةِ وَأَنَّ مَرَدَّنَا إِلَى اللَّهِ وَأَنَّ الْمُسْرِفِينَ هُمْ أَصْحَابُ النَّارِ [40:43]

لاَ جَرَمَ  سياقه على مذهب البصريين : أن يجعل ( لا ) ردّاً لما دعاه إليه قومه. وجرم : فعل بمعنى حق، وأنّ مع ما في حيزه فاعله، أي : حق ووجب بطلان دعوته. أو بمعنى : كسب، من قوله تعالى : وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنئَانُ قَوْمٍ أَن صَدُّوكُمْ عَنِ المسجد الحرام أَن تَعْتَدُواْ  \[ المائدة : ٢ \] أي : كسب ذلك الدعاء إليه بطلان دعوته، على معنى أنه ما حصل من ذلك إلاّ ظهور بطلان دعوته. ويجوز أن يقال : أن لا جرم، نظير : لا بدّ، فعل من ا لجرم، وهو القطع، كما أن بدّاً فعل من التبديد وهو التفريق، فكما أن معنى : لا بد أنك تفعل كذا، بمعنى : لا بعد لك من فعله، فكذلك لا جرم أن لهم النار، أي : لا قطع لذلك، بمعنى أنهم أبداً يستحقون النار لا انقطاع لاستحقاقهم ولا قطع، لبطلان دعوة الأصنام، أي : لا تزال باطلة لا ينقطع ذلك فينقلب حقاً. وروي عن العرب : لا جرم أنه يفعل بضم الجيم وسكون الراء، بزنة بد، وفعل وفعل : أخوان. كرشد ورشد، وعدم وعدم  لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ  معناه : أن ما تدعونني إليه ليس له دعوة إلى نفسه قط، أي : من حق المعبود بالحق أن يدعو العباد إلى طاعته، ثم يدعو العباد إليها إظهاراً لدعوة ربهم وما تدعون إليه وإلى عبادته، لا يدعو هو إلى ذلك ولا يدّعي الربوبية، ولو كان حيواناً ناطقاً لضجّ من دعائكم. وقوله : فِى الدنيا وَلاَ فِى الآخرة  يعني أنه في الدنيا جماد لا يستطيع شيئاً من دعاء غيره، وفي الآخرة : إذا أنشأه الله حيواناً، تبرأ من الدعاة إليه ومن عبدته. وقيل : معناه ليس له استجابة دعوة تنفع في الدنيا ولا في الآخرة. أو دعوة مستجابة، جعلت الدعوة التي لا استجابة لها ولا منفعة فيها كلا دعوة. أو سميت الاستجابة باسم الدعوة، كما سمى الفعل المجازي عليه باسم الجزاء في قولهم : كما تدين تدان. قال الله تعالى : لَهُ دَعْوَةُ الحق والذين يَدْعُونَ مِن دُونِهِ لاَ يَسْتَجِيبُونَ لَهُم بِشَىْء  \[ الرعد : ١٤ \].  المسرفين  عن قتادة : المشركين. وعن مجاهد : السفاكين للدماء بغير حلها. وقيل : الذين غلب شرهم خيرهم هم المسرفون.

### الآية 40:44

> ﻿فَسَتَذْكُرُونَ مَا أَقُولُ لَكُمْ ۚ وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ [40:44]

وقرىء :**«فستذكرون »**. أي : فسيذكر بعضكم بعضاً  وَأُفَوِّضُ أَمْرِى إِلَى الله  لأنهم توعدوه.

### الآية 40:45

> ﻿فَوَقَاهُ اللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا ۖ وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ [40:45]

فَوقَاهُ الله سَيّئَاتِ مَا مَكَرُواْ  شدائد مكرهم وما هموا به من إلحاق أنواع العذاب بمن خالفهم. وقيل : نجا مع موسى  وَحَاقَ بِئَالِ فِرْعَوْنَ  ما هموا به من تعذيب المسلمين، ورجع عليهم كيدهم.

### الآية 40:46

> ﻿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا ۖ وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ [40:46]

النار  بدل من سوء العذاب. أو خبر مبتدأ محذوف، كأن قائلاً قال : ما سوء العذاب ؟ فقيل : هو النار. أو مبتدأ خبره  يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا  وفي هذا الوجه تعظيم للنار وتهويل من عذابها، وعرضهم عليها : إحراقهم بها. يقال : عرض الإمام الأسارى على السيف إذا قتلهم به، وقرىء :**«النار »** بالنصب، وهي تعضد الوجه الأخير. وتقديره : يدخلون النار يعرضون عليها، ويجوز أن ينتصب على الاختصاص  غُدُوّاً وَعَشِيّاً  في هذين الوقتين يعذبون بالنار، وفيما بين ذلك الله أعلم بحالهم، فأمّا أن يعذبوا بجنس آخر من العذاب، أو ينفس عنهم. ويجوز أن يكون  غُدُوّاً وَعَشِيّاً  : عبارة عن الدوام، هذا ما دامت الدنيا، فإذا قامت الساعة قيل لهم : أَدْخِلُواْ  يا  ءَالَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ  عذاب جهنم. وقرىء :**«أدخلوا آل فرعون »** أي : يقال لخزنة جهنم : أدخلوهم. 
فإن قلت : قوله :( وحاق بآل فرعون سوء العذاب ) معناه : أنه رجع عليهم ما هموا به من المكر بالمسلمين، كقول العرب : من حفر لأخيه جباً وقع فيه منكباً، فإذا فسر سوء العذاب بنار جهنم : لم يكن مكرهم راجعاً عليهم، لأنهم لا يعذبون بجهنم. قلت : يجوز أن يهم الإنسان بأن يغرق قوماً فيحرق بالنار، ويسمى ذلك حيقاً ؛ لأنه همّ بسوء فأصابه ما يقع عليه اسم السوء. ولا يشترط في الحيق أن يكون الحائق ذلك السوء بعينه، ويجوز أن يهمّ فرعون - لما سمع إنذار المسلمين بالنار، وقول المؤمن : وَأَنَّ المسرفين هُمْ أصحاب النار  \[ غافر : ٤٣ \] - فيفعل نحو ما فعل نمرود ويعذبهم بالنار، فحاق به مثل ما أضمره وهمَّ بفعله. ويستدلّ بهذه الآية على إثبات عذاب القبر.

### الآية 40:47

> ﻿وَإِذْ يَتَحَاجُّونَ فِي النَّارِ فَيَقُولُ الضُّعَفَاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا نَصِيبًا مِنَ النَّارِ [40:47]

واذكر وقت يتحاجون  تَبَعًا  تباعاً، كخدم في جمع خادم. أو ذوي تبع، أي : أتباع، أو وصفاً بالمصدر.

### الآية 40:48

> ﻿قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُلٌّ فِيهَا إِنَّ اللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ الْعِبَادِ [40:48]

وقرىء :****«كلا »**** على التأكيد لاسم إن، وهو معرفة، والتنوين عوض من المضاف إليه، يريد : إنا كلنا، أو كلنا فيها. 
فإن قلت : هل يجوز أن يكون ****«كلا »**** حالاً قد عمل ( فيها ) فيها ؟ قلت : لا لأن الظرف لا يعمل في الحال متقدمة كما يعمل في الظرف متقدماً تقول كل يوم لك ثوب ولا تقول قائماً في الدار زيد  قَدْ حَكَمَ بَيْنَ العباد  قضى بينهم وفصل بأن أدخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار.

### الآية 40:49

> ﻿وَقَالَ الَّذِينَ فِي النَّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًا مِنَ الْعَذَابِ [40:49]

لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ  للقوّام بتعذيب أهلها. 
فإن قلت : هلا قيل : الذين في النار لخزنتها ؟ قلت : لأن في ذكر جهنم تهويلاً وتفظيعاً ويحتمل أن جهنم هي أبعد النار قعراً، من قولهم : بئر جهنام بعيدة القعر، وقولهم في النابغة : جهنام، تسمية بها، لزعمهم أنه يلقي الشعر على لسان المنتسب إليه، فهو بعيد الغور في علمه بالشعر، كما قال أبو نواس في خلف الأحمر :
قُلَيْذَمٌ مِنَ الْعَيَالِيمِ الْخُسُفْ \*\*\*
وفيها أعتى الكفار وأطغاهم، فلعل الملائكة الموكلين بعذاب أولئك أجوب دعوة لزيادة قربهم من الله تعالى، فلهذا تعمدهم أهل النار بطلب الدعوة منهم.

### الآية 40:50

> ﻿قَالُوا أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ ۖ قَالُوا بَلَىٰ ۚ قَالُوا فَادْعُوا ۗ وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ [40:50]

أَوَ لَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ  إلزام للحجة وتوبيخ، وأنهم خلفوا وراءهم أوقات الدعاء والتضرع، وعطلوا الأسباب التي يستجيب الله لها الدعوات  قَالُواْ فادعوا  أنتم، فإنا لا نجترىء على ذلك ولا نشفع إلاّ بشرطين : كون المشفوع له غير ظالم، والإذن في الشفاعة مع مراعاة وقتها، وذلك قبل الحكم الفاصل بين الفريقين، وليس قولهم  فادعوا  لرجاء المنفعة، ولكن للدلالة على الخيبة ؛ فإن الملك المقرّب إذا لم يسمع دعاؤه، فكيف يسمع دعاء الكافر.

### الآية 40:51

> ﻿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ [40:51]

فِى الحياوة الدنيا وَيَوْمَ يَقُومُ الأشهاد  أي : في الدنيا والآخرة، يعني : أنه يغلبهم في الدارين جميعاً بالحجة والظفر على مخالفيهم، وإن غلبوا في الدنيا في بعض الأحايين امتحاناً من الله، فالعاقبة لهم، ويتيح الله من يقتص من أعدائهم ولو بعد حين. والأشهاد : جمع شاهد، كصاحب وأصحاب، يريد : الحفظة من الملائكة والأنبياء والمؤمنين من أمّة محمد صلى الله عليه وسلم  لّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى الناس  \[ البقرة : ١٤٣ \].

### الآية 40:52

> ﻿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ ۖ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ [40:52]

واليوم الثاني بدل من الأوّل، يحتمل أنهم يعتذرون بمعذرة ولكنها لا تنفع لأنها باطلة، وأنهم لو جاؤوا بمعذرة لم تكن مقبولة لقوله تعالى : وَلاَ يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ  \[ المرسلات : ٣٦ \]،  وَلَهُمُ اللعنة  البعد من رحمة الله  وَلَهُمْ سُوء الدار  أي : سوء دار الآخرة وهو عذابها. وقرىء :**«تقوم »**، و **«لا تنفع »** بالتاء والياء.

### الآية 40:53

> ﻿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْهُدَىٰ وَأَوْرَثْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ الْكِتَابَ [40:53]

يريد بالهدى : جميع ما آتاه في باب الدين من المعجزات والتوراة والشرائع.

### الآية 40:54

> ﻿هُدًى وَذِكْرَىٰ لِأُولِي الْأَلْبَابِ [40:54]

وَأَوْرَثَنَا  وتركنا على بني إسرائيل من بعده  الكتاب  أي : التوراة  هُدًى وذكرى  إرشاداً وتذكرة، وانتصابهما على المفعول له أو على الحال. وأولوا الألباب : المؤمنون به العاملون بما فيه.

### الآية 40:55

> ﻿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ [40:55]

فاصبر إِنَّ وَعْدَ الله حَقٌّ  يعني أن نصرة الرسل في ضمان الله ؛ وضمان الله لا يخلف، واستشهد بموسى وما آتاه من أسباب الهدى والنصرة على فرعون وجنوده، وإبقاء آثار هداه في بني إسرائيل، والله ناصرك كما نصرهم، ومظهرك على الدين كله، ومبلغ ملك أمّتك مشارق الأرض ومغاربها، فاصبر على ما يجرّعك قومك من الغصص، فإن العاقبة لك وما سبق به وعدي من نصرتك وإعلاء كلمتك حق، وأقبل على التقوى واستدرك الفرطات بالاستغفار ؛ ودم على عبادة ربك والثناء عليه  بالعشى والإبكار  وقيل : هما صلاتا العصر والفجر.

### الآية 40:56

> ﻿إِنَّ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ ۙ إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ مَا هُمْ بِبَالِغِيهِ ۚ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ ۖ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ [40:56]

إِن فِى صُدُورِهِمْ إِلاَّ كِبْرٌ  إلا تكبر وتعظم، وهو إرادة التقدّم والرياسة، وأن لا يكون أحد فوقهم، ولذلك عادوك ودفعوا آياتك خيفة أن تتقدّمهم ويكونوا تحت يدك وأمرك ونهيك، لأن النبوة تحتها كل ملك ورياسة. أو إرادة أن تكون لهم النبوّة دونك حسداً وبغياً. ويدلّ عليه قوله تعالى : لَوْ كَانَ خَيْراً مَّا سَبَقُونَا إِلَيْهِ  \[ الأحقاف : ١١ \] أو إرادة دفع الآيات بالجدال  مَّا هُم ببالغيه  أي : ببالغي موجب الكبر ومقتضيه، وهو متعلق إرادتهم من الرياسة أو النبوّة أو دفع الآيات. وقيل : المجادلون هم اليهود، وكانوا يقولون : يخرج صاحبنا المسيح بن داود، يريدون الدّجال، ويبلغ سلطانه البر والبحر، وتسير معه الأنهار، وهو آية من آيات الله فيرجع إلينا الملك، فسمى الله تمنيهم ذلك كبراً، ونفى أن يبلغوا متمناهم  فاستعذ بالله  فالتجيء إليه من كيد من يحسدك ويبغي عليك  إِنَّهُ هُوَ السميع  لما تقول ويقولون  البصير  بما تعمل ويعملون، فهو ناصرك عليهم وعاصمك من شرّهم.

### الآية 40:57

> ﻿لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ [40:57]

فإن قلت : كيف اتصل قوله : لَخَلْقُ السماوات والأرض  بما قبله ؟ قلت : إن مجادلتهم في آيات الله كانت مشتملة على إنكار البعث، وهو أصل المجادلة ومدارها، فحجوا بخلق السموات والأرض لأنهم كانوا مقرّين بأن الله خالقها وبأنها خلق عظيم لا يقادر قدره، وخلق الناس بالقياس إليه شيء قليل مهين، فمن قدر على خلقها مع عظمها كان على خلق الإنسان مع مهانته أقدر، وهو أبلغ من الاستشهاد بخلق مثله،  لاَّ يَعْلَمُونَ  لأنهم لا ينظرون ولا يتأملون لغلبة الغفلة عليهم واتباعهم أهواءهم.

### الآية 40:58

> ﻿وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَىٰ وَالْبَصِيرُ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَلَا الْمُسِيءُ ۚ قَلِيلًا مَا تَتَذَكَّرُونَ [40:58]

ضرب الأعمى والبصير مثلاً للمحسن والمسيىء. وقرىء :**«يتذكرون »** بالياء والتاء، والتاء أعم.

### الآية 40:59

> ﻿إِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ لَا رَيْبَ فِيهَا وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ [40:59]

لاَ رَيْبَ فِيهَا  لا بد من مجيئها ولا محالة، وليس بمرتاب فيها، لأنه لا بد من جزاء  لاَ يُؤْمِنُونَ  لا يصدقون بها.

### الآية 40:60

> ﻿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ ۚ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ [40:60]

ادعونى  اعبدوني، والدعاء بمعنى العبادة كثير في القرآن، ويدلّ عليه قوله تعالى : إِنَّ الذين يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِى  والاستجابة : الإثابة ؛ وفي تفسير مجاهد : اعبدوني أثبكم. وعن الحسن - وقد سئل عنها - : اعملوا وأبشروا، فإنه حق على الله أن يستجيب للذين آمنوا وعملوا الصالحات ويزيدهم من فضله. وعن الثوري أنه قيل له : ادع الله، فقال : إن ترك الذنوب هو الدعاء. وفي الحديث :**« إذا شغل عبدي طاعتي عن الدعاء، أعطيته أفضل ما أعطي السائلين »** وروى النعمان بن بشير رضي الله عنه، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم :**« الدعاء هو العبادة »** وقرأ هذه الآية. ويجوز أن يريد الدعاء والاستجابة على ظاهرهما، ويريد بعبادتي : دعائي، لأن الدعاء باب من العبادة ومن أفضل أبوابها، يصدقه قول ابن عباس رضي الله عنهما : أفضل العبادة الدعاء. وعن كعب : أعطى الله هذه الأمة ثلاث خلال لم يعطهن إلاّ نبياً مرسلاً : كان يقول لكل نبيّ أنت شاهدي على خلقي وقال لهذه الأمة : لّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى الناس  \[ البقرة : ١٤٣ \] ؛ وكان يقول : ما عليك من حرج، وقال لنا : مَا يُرِيدُ الله لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مّنْ حَرَجٍ  \[ المائدة : ٦ \] وكان يقول : أدعني أستجب لك ؛ وقال لنا : ادعونى أَسْتَجِبْ لَكُمْ . وعن ابن عباس : وحدوني أغفر لكم، وهذا تفسير للدعاء بالعبادة، ثم للعبادة بالتوحيد  داخرين  صاغرين.

### الآية 40:61

> ﻿اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا ۚ إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ [40:61]

مُبْصِراً  من الإسناد المجازي، لأن الإبصار في الحقيقة لأهل النهار. 
فإن قلت : لم قرن الليل بالمفعول له. والنهار بالحال ؟ وهلا كانا حالين أو مفعولاً لهما فيراعي حق المقابلة ؟ قلت : هما متقابلان من حيث المعنى، لأن كل واحد منهما يؤدي مؤدى الآخر، لأنه لو قيل : لتبصروا فيه، فاتت الفصاحة التي في الإسناد المجازي، ولو قيل : ساكناً - والليل يجوز أن يوصف بالسكون على الحقيقة، ألا ترى إلى قولهم : ليل ساج، وساكن لا ريح فيه - لم تتميز الحقيقة من المجاز. 
فإن قلت : فهلا قيل : لمفضل، أو لمتفضل ؟ قلت : لأن الغرض تنكير الفضل، وأن يجعل فضلاً لا يوازيه فضل، وذلك إنما يستوي بالإضافة. 
فإن قلت : فلو قيل : ولكن أكثرهم، فلا يتكرر ذكر الناس ؟ قلت : في هذا التكرير تخصيص لكفران النعمة بهم، وأنهم هم الذين يكفرون فضل الله ولا يشكرونه، كقوله : إِنَّ الإنسان لَكَفُورٌ  \[ الزخرف : ١٥ \]  إِنَّ الإنسان لِرَبّهِ لَكَنُودٌ  \[ العاديات : ٦ \]،  إِنَّ الإنسان لَظَلُومٌ كَفَّارٌ  \[ إبراهيم : ٣٤ \].

### الآية 40:62

> ﻿ذَٰلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ۖ فَأَنَّىٰ تُؤْفَكُونَ [40:62]

ذَلِكُمُ  المعلوم المتميز بالأفعال الخاصة التي لا يشاركه فيها أحد هو  الله رَبُّكُمْ خالق كُلِ شَىْءٍ لاَّ إله إِلاَّ هُوَ  أخبار مترادفة، أي : هو الجامع لهذه الأوصاف من الإلهية والربوبية وخلق كل شيء، وإنشائه لا يمتنع عليه شيء، والوحدانية : لا ثاني له  فأنى تُؤْفَكُونَ  فكيف ومن أي : وجه تصرفون عن عبادته إلى عبادة الأوثان.

### الآية 40:63

> ﻿كَذَٰلِكَ يُؤْفَكُ الَّذِينَ كَانُوا بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ [40:63]

ثم ذكر أن كل من جحد بآيات الله ولم يتأملها ولم يكن فيه همة طلب الحق وخشية العاقبة : أفك كما أفكوا. وقرىء :**«خالق كل شيء »** نصباً على الاختصاص. وتؤفكون : بالتاء والياء.

### الآية 40:64

> ﻿اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ قَرَارًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ ۚ ذَٰلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ ۖ فَتَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ [40:64]

هذه أيضاً دلالة أخرى على تميزه بأفعال خاصة، وهي أنه جعل الأرض مستقراً  والسمآء بِنَآءً  أي : قبة. ومنه : أبنية العرب لمضاربهم ؛ لأن السماء في منظر العين كقبة مضروبة على وجه الأرض  فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ  وقرىء : بكسر الصاد والمعنى واحد. قيل : لم يخلق حيواناً أحسن صورة من الإنسان. وقيل : لم يخلقهم منكوسين كالبهائم، كقوله تعالى : فِى أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ  \[ التين : ٤ \].

### الآية 40:65

> ﻿هُوَ الْحَيُّ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ ۗ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ [40:65]

فادعوه  فاعبدوه  مُخْلِصِينَ لَهُ الدين  أي : الطاعة من الشرك والرياء، قائلين : الحمد للَّهِ رَبِّ العالمين  وعن ابن عباس رضي الله عنهما : من قال : لا إله إلاّ الله، فليقل على أثرها : الحمد لله رب العالمين.

### الآية 40:66

> ﻿۞ قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَمَّا جَاءَنِيَ الْبَيِّنَاتُ مِنْ رَبِّي وَأُمِرْتُ أَنْ أُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ [40:66]

فإن قلت : أما نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن عبادة الأوثان بأدلة العقل حتى جاءته البينات من ربه ؟ قلت : بلى ولكن البينات لما كانت مقوية لأدلة العقل ومؤكدة لها ومضمنة ذكرها نحو قوله تعالى : أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ والله خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ  \[ الصافات : ٩٥ - ٩٦ \] وأشباه ذلك من التنبيه على أدلة العقل كان ذكر البينات ذكراً لأدلة أدلة العقل والسمع جميعاً، وإنما ذكر ما يدلّ على الأمرين جميعاً ؛ لأن ذكر تناصر أدلة العقل وأدلة السمع أقوى في إبطال مذهبهم وإن كانت أدلة العقل وحدها كافية.

### الآية 40:67

> ﻿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ ثُمَّ لِتَكُونُوا شُيُوخًا ۚ وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّىٰ مِنْ قَبْلُ ۖ وَلِتَبْلُغُوا أَجَلًا مُسَمًّى وَلَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ [40:67]

لِتَبْلُغُواْ أَشُدَّكُمْ  متعلق بفعل محذوف تقديره : ثم يبقيكم لتبلغوا. وكذلك لتكونوا. وأما  وَلِتَبْلُغُواْ أَجَلاً مُّسَمًّى  فمعناه : ونفعل ذلك لتبلغوا أجلاً مسمى، وهو وقت الموت. وقيل : يوم القيامة. وقرىء :**«شيوخاً »** بكسر الشين. وشيخاً، على التوحيد، كقوله : طِفْلاً  \[ الحج : ٥ \] والمعنى : كل واحد منكم. أو اقتصر على الواحد ؛ لأنّ الغرض بيان الجنس  مِن قَبْلُ  من قبل الشيخوخة أو من قبل هذه الأحوال إذا خرج سقطا  وَلَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ  ما في ذلك في العبر والحجج.

### الآية 40:68

> ﻿هُوَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ ۖ فَإِذَا قَضَىٰ أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ [40:68]

فَإِذَا قضى أَمْراً فَإِنَّمَا  يكوّنه من غير كلفة ولا معاناة. جعل هذا نتيجة من قدرته على الإحياء والإماتة، وسائر ما ذكر من أفعاله الدالة على أنّ مقدوراً لا يمتنع عليه، كأنه قال : فلذلك من الاقتدار إذا قضى أمراً كان أهون شيء وأسرعه.

### الآية 40:69

> ﻿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ أَنَّىٰ يُصْرَفُونَ [40:69]

\[سورة غافر (٤٠) : آية ٦٨\]

 هُوَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ فَإِذا قَضى أَمْراً فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٦٨)
 فَإِذا قَضى أَمْراً فَإِنَّما يكونه من غير كلفة ولا معاناة. جعل هذا نتيجة من قدرته على الإحياء والإماتة، وسائر ما ذكر من أفعاله الدالة على أنّ مقدورا لا يمتنع عليه، كأنه قال: فلذلك من الاقتدار إذا قضى أمرا كان أهون شيء وأسرعه.
 \[سورة غافر (٤٠) : الآيات ٦٩ الى ٧٦\]
 أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُجادِلُونَ فِي آياتِ اللَّهِ أَنَّى يُصْرَفُونَ (٦٩) الَّذِينَ كَذَّبُوا بِالْكِتابِ وَبِما أَرْسَلْنا بِهِ رُسُلَنا فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (٧٠) إِذِ الْأَغْلالُ فِي أَعْناقِهِمْ وَالسَّلاسِلُ يُسْحَبُونَ (٧١) فِي الْحَمِيمِ ثُمَّ فِي النَّارِ يُسْجَرُونَ (٧٢) ثُمَّ قِيلَ لَهُمْ أَيْنَ ما كُنْتُمْ تُشْرِكُونَ (٧٣)
 مِنْ دُونِ اللَّهِ قالُوا ضَلُّوا عَنَّا بَلْ لَمْ نَكُنْ نَدْعُوا مِنْ قَبْلُ شَيْئاً كَذلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ الْكافِرِينَ (٧٤) ذلِكُمْ بِما كُنْتُمْ تَفْرَحُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِما كُنْتُمْ تَمْرَحُونَ (٧٥) ادْخُلُوا أَبْوابَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ (٧٦)
 بِالْكِتابِ بالقرآن وَبِما أَرْسَلْنا بِهِ رُسُلَنا من الكتب. فإن قلت: وهل قوله فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ إِذِ الْأَغْلالُ فِي أَعْناقِهِمْ إلى مثل قولك: سوف أصوم أمس؟ قلت:
 المعنى على إذا: إلا أن الأمور المستقبلة لما كانت في أخبار الله تعالى متيقنة مقطوعا بها: عبر عنها بلفظ ما كان ووجد، والمعنى على الاستقبال. وعن ابن عباس: والسلاسل يسحبون بالنصب وفتح الياء، على عطف الجملة الفعلية على الاسمية. وعنه: والسلاسل يسحبون بحر السلاسل.
 ووجهه أنه لو قيل: إذ أعناقهم في الأغلال مكان قوله إِذِ الْأَغْلالُ فِي أَعْناقِهِمْ لكان صحيحا مستقيما، فلما كانتا عبارتين معتقبتين: حمل قوله وَالسَّلاسِلُ على العبارة الأخرى. ونظيره:مشائيم ليسوا مصلحين عشيرة  ولا ناعب إلّا ببين غرابها **«١»** كأنه قيل: بمصلحين. وقرئ: وبالسلاسل يسحبون فِي النَّارِ يُسْجَرُونَ من سجر التنور إذا
 (١). مر شرح هذا الشاهد بالجزء الأول صفحة ٣٨١ فراجعه إن شئت اه مصححه.

### الآية 40:70

> ﻿الَّذِينَ كَذَّبُوا بِالْكِتَابِ وَبِمَا أَرْسَلْنَا بِهِ رُسُلَنَا ۖ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ [40:70]

بالكتاب  بالقرآن.

### الآية 40:71

> ﻿إِذِ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَالسَّلَاسِلُ يُسْحَبُونَ [40:71]

وَبِمَا أَرْسَلْنَا بِهِ رُسُلَنَا  من الكتب. 
فإن قلت : وهل قوله : فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ إِذِ الاغلال فِى أعناقهم  إلى مثل قولك : سوف أصوم أمس ؟ قلت : المعنى على إذا : إلا أن الأمور المستقبلة لما كانت في أخبار الله تعالى متيقنة مقطوعاً بها : عبر عنها بلفظ ما كان ووجد، والمعنى على الاستقبال. وعن ابن عباس : والسلاسل يسحبون بالنصب وفتح الياء، على عطف الجملة الفعلية على الإسمية. وعنه : والسلاسل يسحبون بجر السلاسل. ووجهه أنه لو قيل : إذْ أعناقهم في الأغلال مكان قوله : إِذِ الاغلال فِى أعناقهم  لكان صحيحاً مستقيماً، فلما كانتا عبارتين معتقبتين : حمل قوله : والسلاسل  على العبارة الأخرى. ونظيره :
مَشَائِيمُ لَيْسُوا مُصْلِحِينَ عَشِيرَةً \*\*\*وَلاَ نَاعِبٍ إلاَّ بِبَيْنٍ غُرَابُهَا
كأنه قيل : بمصلحين. وقرىء :**«وبالسلاسل يسحبون »**.

### الآية 40:72

> ﻿فِي الْحَمِيمِ ثُمَّ فِي النَّارِ يُسْجَرُونَ [40:72]

فِى النار يُسْجَرُونَ  من سجر التنور إذا ملأه بالوقود. ومنه : السجير، كأنه سجر بالحب، أي : ملىء. ومعناه : أنهم في النار فهي محيطة بهم، وهم مسجورون بالنار مملوؤة بها أجوافهم. ومنه قوله تعالى : نَارُ الله الموقدة التى تَطَّلِعُ عَلَى الافئدة  \[ الهمزة : ٧ \] اللهم أجرنا من نارك فإنا عائذون بجوارك.

### الآية 40:73

> ﻿ثُمَّ قِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تُشْرِكُونَ [40:73]

\[سورة غافر (٤٠) : آية ٦٨\]

 هُوَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ فَإِذا قَضى أَمْراً فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٦٨)
 فَإِذا قَضى أَمْراً فَإِنَّما يكونه من غير كلفة ولا معاناة. جعل هذا نتيجة من قدرته على الإحياء والإماتة، وسائر ما ذكر من أفعاله الدالة على أنّ مقدورا لا يمتنع عليه، كأنه قال: فلذلك من الاقتدار إذا قضى أمرا كان أهون شيء وأسرعه.
 \[سورة غافر (٤٠) : الآيات ٦٩ الى ٧٦\]
 أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُجادِلُونَ فِي آياتِ اللَّهِ أَنَّى يُصْرَفُونَ (٦٩) الَّذِينَ كَذَّبُوا بِالْكِتابِ وَبِما أَرْسَلْنا بِهِ رُسُلَنا فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (٧٠) إِذِ الْأَغْلالُ فِي أَعْناقِهِمْ وَالسَّلاسِلُ يُسْحَبُونَ (٧١) فِي الْحَمِيمِ ثُمَّ فِي النَّارِ يُسْجَرُونَ (٧٢) ثُمَّ قِيلَ لَهُمْ أَيْنَ ما كُنْتُمْ تُشْرِكُونَ (٧٣)
 مِنْ دُونِ اللَّهِ قالُوا ضَلُّوا عَنَّا بَلْ لَمْ نَكُنْ نَدْعُوا مِنْ قَبْلُ شَيْئاً كَذلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ الْكافِرِينَ (٧٤) ذلِكُمْ بِما كُنْتُمْ تَفْرَحُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِما كُنْتُمْ تَمْرَحُونَ (٧٥) ادْخُلُوا أَبْوابَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ (٧٦)
 بِالْكِتابِ بالقرآن وَبِما أَرْسَلْنا بِهِ رُسُلَنا من الكتب. فإن قلت: وهل قوله فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ إِذِ الْأَغْلالُ فِي أَعْناقِهِمْ إلى مثل قولك: سوف أصوم أمس؟ قلت:
 المعنى على إذا: إلا أن الأمور المستقبلة لما كانت في أخبار الله تعالى متيقنة مقطوعا بها: عبر عنها بلفظ ما كان ووجد، والمعنى على الاستقبال. وعن ابن عباس: والسلاسل يسحبون بالنصب وفتح الياء، على عطف الجملة الفعلية على الاسمية. وعنه: والسلاسل يسحبون بحر السلاسل.
 ووجهه أنه لو قيل: إذ أعناقهم في الأغلال مكان قوله إِذِ الْأَغْلالُ فِي أَعْناقِهِمْ لكان صحيحا مستقيما، فلما كانتا عبارتين معتقبتين: حمل قوله وَالسَّلاسِلُ على العبارة الأخرى. ونظيره:مشائيم ليسوا مصلحين عشيرة  ولا ناعب إلّا ببين غرابها **«١»** كأنه قيل: بمصلحين. وقرئ: وبالسلاسل يسحبون فِي النَّارِ يُسْجَرُونَ من سجر التنور إذا
 (١). مر شرح هذا الشاهد بالجزء الأول صفحة ٣٨١ فراجعه إن شئت اه مصححه.

### الآية 40:74

> ﻿مِنْ دُونِ اللَّهِ ۖ قَالُوا ضَلُّوا عَنَّا بَلْ لَمْ نَكُنْ نَدْعُو مِنْ قَبْلُ شَيْئًا ۚ كَذَٰلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ الْكَافِرِينَ [40:74]

ضَلُّواْ عَنَّا  غابوا عن عيوننا، فلا نراهم ولا ننتفع بهم. 
فإن قلت : أما ذكرت في تفسير قوله تعالى : إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ الله حَصَبُ جَهَنَّمَ  \[ الأنبياء : ٩٨ \] : أنهم مقرونون بآلهتهم، فكيف يكونون معهم وقد ضلوا عنهم ؟ قلت : يجوز أن يضلوا عنهم إذا وبخوا وقيل لهم : أينما كنتم تشركون من دون الله فيغيثوكم ويشفعوا لكم، وأن يكونوا معهم في سائر الأوقات، وأن يكونوا معهم في جميع أوقاتهم ؛ إلا أنهم لما لم ينفعوهم فكأنهم ضالون عنهم  بَل لَّمْ نَكُنْ نَّدْعُواْ مِن قَبْلُ شَيْئاً  أي : تبين لنا أنهم لم يكونوا شيئاً، وما كنا نعبد بعبادتهم شيئاً كما تقول : حسبت أنّ فلاناً شيء فإذا هو ليس بشيء إذا خبرته فلم تر عنده خيراً  كَذَلِكَ يُضِلُّ الله الكافرين  مثل ضلال آلهتهم عنهم يضلهم عن آلهتهم. ، حتى لو طلبوا الآلهة أو طلبتهم الآلهة لم يتصادفوا.

### الآية 40:75

> ﻿ذَٰلِكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَفْرَحُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنْتُمْ تَمْرَحُونَ [40:75]

ذلكم  الإضلال بسبب ما كنا لكم من الفرح والمرح  بِغَيْرِ الحق  وهو الشرك وعبادة الأوثان  ادخلوا أبواب جَهَنَّمَ  السبعة المقسومة لكم. قال الله تعالى : لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ لِكُلّ بَابٍ مّنْهُمْ جُزْء مَّقْسُومٌ  \[ الحجر : ٤٤ \].

### الآية 40:76

> ﻿ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا ۖ فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ [40:76]

خالدين  مقدّرين الخلود  فَبِئْسَ مَثْوَى المتكبرين  عن الحق المستخفين به مثواكم أو جهنم. 
فإن قلت : أليس قياس النظم أن يقال : فبئس مدخل المتكبرين، كما تقول : زر بيت الله فنعم المزار، وصل في المسجد الحرام فنعم المصلى ؟ قلت : الدخول المؤقت بالخلود في معنى الثواء.

### الآية 40:77

> ﻿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ ۚ فَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ [40:77]

فَإِمَّا نُرِيَنَّكَ  أصله : فإن نرك. و ( ما ) مزيدة لتأكيد معنى الشرط، ولذلك ألحقت النون بالفعل ألا تراك لا تقول : إن تكرمني أكرمك، ولكن : إما تكرمني أكرمك. 
فإن قلت : لا يخلو إما أن تعطف  أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ  على نرينك وتشركهما في جزاء واحد وهو قوله تعالى : فَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ  فقولك : فإمّانرينك بعض الذي نعدهم فإلينا يرجعون : غير صحيح، وإن جعلت  فَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ  مختصاً بالمعطوف الذي هو نتوفينك، بقي المعطوف عليه بغير جزاء. قلت : فَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ  متعلق بنتوفينك، وجزاء  نُرِيَنَّكَ  محذوف، تقديره : فإما نرينك بعض الذي نعدهم من العذاب وهو القتل والأسر يوم بدر فذاك. أو أن نتوفينك قبل يوم بدر فإلينا يرجعون يوم القيامة فننتقم منهم أشدّ الانتقام ونحوه قوله تعالى : فَإِمَّا نَذْهَبَنَّ بِكَ فَإِنَّا مِنْهُم مُّنتَقِمُونَ أَوْ نُرِيَنَّكَ الذى وَعَدناهم فَإِنَّا عَلَيْهِمْ مُّقْتَدِرُونَ  \[ الزخرف : ٤١ -٤٢ \].

### الآية 40:78

> ﻿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ ۗ وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ ۚ فَإِذَا جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ قُضِيَ بِالْحَقِّ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْمُبْطِلُونَ [40:78]

وَمِنْهُمْ مَّن لَّمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ  قيل : بعث الله ثمانية آلاف نبيّ : أربعة آلاف من بني إسرائيل، وأربعة آلاف من سائر الناس. وعن عليّ رضي الله عنه : إنّ الله تعالى بعث نبياً أسود، فهو ممن لم يقصص عليه. وهذا في اقتراحهم الآيات على رسول الله صلى الله عليه وسلم عناداً، يعني : إنا قد أرسلنا كثيراً من الرسل وما كان لواحد منهم  أن يأتي بآية إلا بإذن الله  فمن لي بأن آتي بآية مما تقترحونه إلاّ إن يشاء الله ويأذن في الإتيان بها  فَإِذَا جَآءَ أَمْرُ الله  وعيد وردّ عقيب اقتراح الآيات. وأمر الله : القيامة  المبطلون  هم المعاندون الذين اقترحوا الآيات وقد اتتهم الآيات فأنكروها وسموها سحراً.

### الآية 40:79

> ﻿اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَنْعَامَ لِتَرْكَبُوا مِنْهَا وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ [40:79]

الأنعام : الإبل خاصة. 
فإن قلت : لم قال : لِتَرْكَبُواْ مِنْهَا  ولتبلغوا عليها، ولم يقل، لتأكلوا منها، ولتصلوا إلى منافع ؟ أو هلا قال : منها تركبون ومنها تأكلون وتبلغون عليها حاجة في صدوركم ؟ قلت : في الركوب : الركوب في الحج والغزو، وفي بلوغ الحاجة : الهجرة من بلد إلى بلد لإقامة دين أو طلب علم، وهذه أغراض دينية إمّا واجبة أو مندوب إليها مما يتعلق به إرادة الحكيم.

### الآية 40:80

> ﻿وَلَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ وَلِتَبْلُغُوا عَلَيْهَا حَاجَةً فِي صُدُورِكُمْ وَعَلَيْهَا وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ [40:80]

وأما الأكل وإصابة المنافع : فمن جنس المباح الذي لا يتعلق به إرادته، ومعنى قوله : وَعَلَيْهَا وَعَلَى الفلك تُحْمَلُونَ  وعلى الأنعام وحدها لا تحملون، ولكن عليها وعلى الفلك في البر والبحر. 
فإن قلت : هلا قيل : وفي الفلك، كما قال : قُلْنَا احمل فِيهَا مِن كُلّ زَوْجَيْنِ اثنين  ؟ \[ هود : ٤٠ \] قلت : معنى الإيعاء ومعنى الاستعلاء : كلاهما مستقيم ؛ لأنّ الفلك وعاء لمن يكون فيها حمولة له يستعليها، فلما صحّ المعنيان صحت العبارتان. وأيضاً فليطابق قوله :( وعليها ) ويزاوجه.

### الآية 40:81

> ﻿وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ فَأَيَّ آيَاتِ اللَّهِ تُنْكِرُونَ [40:81]

فَأَىَّ ءايات الله  جاءت على اللغة المستفيضة. وقولك : فأية آيات الله قليل، لأنّ التفرقة بين المذكر والمؤنث في الأسماء غير الصفات نحو حمار وحمارة غريب. وهي في ( أي ) أغرب لإبهامه.

### الآية 40:82

> ﻿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ ۚ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْهُمْ وَأَشَدَّ قُوَّةً وَآثَارًا فِي الْأَرْضِ فَمَا أَغْنَىٰ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ [40:82]

وَءَاثَاراً  قصورهم ومصانعهم. وقيل : مشيهم بأرجلهم لعظم أجرامهم  فَمَا أغنى عَنْهُمْ  ما نافية أو مضمنة معنى الاستفهام، ومحلها النصب، والثانية : موصولة أو مصدرية ومحلها الرفع، يعني أي شيء أغنى عنهم مكسوبهم أو كسبهم.

### الآية 40:83

> ﻿فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ [40:83]

فَرِحُواْ بِمَا عِندَهُمْ مّنَ العلم  فيه وجوه : منها أنه أراد العلم الوارد على طريق التهكم في قوله تعالى : بَلِ ادارك عِلْمُهُمْ فِى الاخرة  \[ النمل : ٦٦ \] : وعلمهم في الآخرة أنهم كانوا يقولون : لا نبعث ولا نعذب،  وَمَا أَظُنُّ الساعة قَائِمَةً وَلَئِن رُّجّعْتُ إلى رَبّى إِنَّ لِى عِندَهُ للحسنى  \[ فصلت : ٥٠ \]،  وَمَا أَظُنُّ الساعة قَائِمَةً وَلَئِن رُّدِدتُّ إلى رَبّى لاجِدَنَّ خَيْراً مّنْهَا مُنْقَلَباً  \[ الكهف : ٣٦ \] وكانوا يفرحون بذلك ويدفعون به البينات وعلم الأنبياء، كما قال عزّ وجلّ : كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ  \[ الروم : ٣٢ \] ومنها : أن يريد علم الفلاسفة والدهريين من بني يونان، وكانوا إذ سمعوا بوحي الله : دفعوه وصغروا علم الأنبياء إلى علمهم. وعن سقراط : أنه سمع بموسى صلوات الله عليه وسلامه، وقيل له : لو هاجرت إليه فقال : نحن قوم مهذبون فلا حاجة بنا إلى من يهذبنا. ومنها : أن يوضع قوله  فَرِحُواْ بِمَا عِندَهُمْ مّنَ العلم  \[ غافر : ٨٣ \] ولا علم عندهم البتة، موضع قوله : لم يفرحوا بما جاءهم من العلم، مبالغة في نفي فرحهم بالوحي الموجب لأقصى الفرح والمسرة، مع تهكم بفرط جهلهم وخلوهم من العلماء. ومنها أن يراد : فرحوا بما عند الرسل من العلم فرح ضحك منه واستهزاء به، كأنه قال : استهزؤوا بالبينات وبما جاؤوا به من علم الوحي فرحين مرحين. ويدلّ عليه قوله تعالى : وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِءونَ  ومنها : أن يجعل الفرح للرسل. ومعناه : أن الرسل لما رأوا جهلهم المتمادي واستهزائهم بالحق وعلموا سوء عاقبتهم وما يلحقهم من العقوبة على جهلهم واستهزائهم : فرحوا بما أوتوا من العلم وشكروا الله عليه. وحاق بالكافرين جزاء جهلهم واستهزائهم. ويجوز أن يريد بما فرحوا به من العلم : علمهم بأمور الدنيا ومعرفتهم بتدبيرها، كما قال تعالى : يَعْلَمُونَ ظَاهِراً مّنَ الحياة الدنيا وَهُمْ عَنِ الآخرة هُمْ غافلون  \[ الروم : ٧ \]،  ذَلِكَ مَبْلَغُهُمْ مّنَ العلم  \[ النجم : ٣٠ \] فلما جاءهم الرسل بعلوم الديانات - وهي أبعد شيء من علمهم لبعثها على رفض الدنيا والظلف عن الملاذ والشهوات - لم يلتفتوا إليها وصغروها واستهزؤا بها، واعتقدوا أنه لا علم أنفع وأجلب للفوائد من علمهم، ففرحوا به.

### الآية 40:84

> ﻿فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ [40:84]

البأس : شدّة العذاب. ومنه قوله تعالى : بِعَذَابٍ بَئِيسٍ  \[ الأعراف : ١٦٥ \]. 
فإن قلت : أي فرق بين قوله تعالى : فَلَمْ يَكُ يَنفَعُهُمْ إيمانهم  وبينه لو قيل : فلم ينفعهم إيمانهم ؟ قلت : هو من كان في نحو قوله : مَا كَانَ للَّهِ أَن يَتَّخِذَ مِن وَلَدٍ  \[ مريم : ٣٥ \] والمعنى : فلم يصحّ ولم يستقم أن ينفعهم إيمانهم. 
فإن قلت : كيف ترادفت هذه الفاءات ؟ قلت : أما قوله تعالى : فَمَا أغنى عَنْهُمْ  \[ غافر : ٨٢ \] فهو نتيجة قوله : كَانُواْ أَكْثَرَ مِنْهُمْ  \[ غافر : ٨٢ \] وأما قوله : فَلَمَّا جَاءتْهُمْ رُسُلُهُم بالبينات  \[ غافر : ٨٣ \] فجار مجرى البيان والتفسير، لقوله تعالى : فَمَا أغنى عَنْهُمْ  \[ غافر : ٨٢ \] كقولك : رزق زيد المال فمنع المعروف فلم يحسن إلى الفقراء. وقوله : لَمَّا رَأَوْاْ بَأْسَنَا  تابع لقوله : فَلَمَّا جَاءتْهُمْ  \[ غافر : ٨٣ \] كأنه قال : فكفروا فلما رأوا بأسنا آمنوا.

### الآية 40:85

> ﻿فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا ۖ سُنَّتَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ ۖ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْكَافِرُونَ [40:85]

وكذلك : فَلَمْ يَكُ يَنفَعُهُمْ إيمانهم  تابع لإيمانهم لما رأوا بأس الله  سُنَّةَ الله  بمنزلة  وَعَدَ الله  \[ النساء : ٩٥ \] وما أشبهه من المصادر المؤكدة. و  هُنَالِكَ  مكان مستعار للزمان، أي : وخسروا وقت رؤية البأس، وكذلك قوله : وَخَسِرَ هُنَالِكَ المبطلون  \[ غافر : ٧٨ \] بعد قوله : فَإِذَا جَاء أَمْرُ الله قُضِىَ بالحق  \[ غافر : ٧٨ \] أي : وخسروا وقت مجيء أمر الله، أو وقت القضاء بالحق.

## روابط ذات صلة

- [النص القرآني للسورة](https://quranpedia.net/surah/1/40.md)
- [كل تفاسير سورة غافر
](https://quranpedia.net/surah-tafsir/40.md)
- [ترجمات سورة غافر
](https://quranpedia.net/translations/40.md)
- [صفحة الكتاب: الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل](https://quranpedia.net/book/346.md)
- [المؤلف: الزمخشري](https://quranpedia.net/person/3927.md)

---

زُر [Quranpedia.net](https://quranpedia.net/surah/1/40/book/346) — موسوعة القرآن الكريم: التفاسير، الترجمات، التلاوات، والمواضيع.
