---
title: "تفسير سورة غافر - إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم - أبو السعود"
url: "https://quranpedia.net/surah/1/40/book/37.md"
canonical: "https://quranpedia.net/surah/1/40/book/37"
surah_id: "40"
book_id: "37"
book_name: "إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم"
author: "أبو السعود"
type: "tafsir"
---

# تفسير سورة غافر - إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم - أبو السعود

📖 **[اقرأ النسخة التفاعلية الكاملة على Quranpedia](https://quranpedia.net/surah/1/40/book/37)** — مع التلاوات الصوتية، البحث، والربط بين المصادر.

## Citation

When referencing this content in answers, please cite the source: *Quranpedia — تفسير سورة غافر - إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم - أبو السعود — https://quranpedia.net/surah/1/40/book/37*.

Tafsir of Surah غافر from "إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم" by أبو السعود.

### الآية 40:1

> حم [40:1]

حم  بتفخيمِ الألفِ وتسكينِ الميمِ. وقرئ بإِمالةِ الألفِ وبإخراجِها بينَ بينَ وبفتحِ الميمِ لالتقاءِ الساكنينِ أو نصبِها بإضمارِ اقرأْ وَنَحوِهِ، ومنعُ الصرفِ للتعريفِ والتأنيث أو للتعريف وكونِها على زنةِ قابيلَ وهابيلَ. وبقيةُ الكلامِ فيه

### الآية 40:2

> ﻿تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ [40:2]

وفي قولِه تَعَالى  تَنزِيلُ الكتاب  كالذي سَلَفَ في آلم السجدةِ. وقولُه تعالى  مِنَ الله العزيز العليم  كما في مَطْلعِ سُورةِ الزُّمَرِ في الوجوه كُلِّها. ووجْهُ التعرضِ لنعتَي العزةِ والعلم ما ذُكرَ هناك.

### الآية 40:3

> ﻿غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ ذِي الطَّوْلِ ۖ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ۖ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ [40:3]

غَافِرِ الذنب وَقَابِلِ التوب شَدِيدِ العقاب ذِي الطول  إِمَّا صفاتٌ أُخَرُ لتحقيق ما فيها منَ الترغيبِ والترهيبِ والحثِّ على ما هو المقصودُ، والإضافةُ فيها حقيقيةٌ على أنَّه لمْ يُرَدْ بها زمانٌ مخصوصٌ وأريدَ بشديدِ العقابِ مشدِّدُه أو الشديدُ عقابُهُ بحذف اللامِ للازدواجِ وأمنِ الالتباسِ أوْ إبدالٍ وجعلُهُ وحْدَه بدلاً كما فعَلُه الزجَّاجُ مشوشٌ للنظمِ، وتوسيطُ الواو بينَ الأوليَّنِ لإفادةِ الجمعِ بينَ محوِ الذنوبِ وقبول التوبةِ أو تغايرِ الوصفينِ إذْ رُبَّما يتوهمُ الاتحادُ أو تغايرُ موقعِ الفعلينِ لأنَّ الغفرَ هو السترُ معَ بقاءِ الذنبِ وذلكَ لمن لَمْ يتُبْ **« فإنَّ التائبَ منَ الذنبِ كمنْ لا ذنبَ لَهُ »** والتوبُ مصدرٌ كالتوبةِ وقيل : هُوَ جَمعُها والطَّولُ الفضلُ بترك العقابِ المستَحقِ، وفي توحيد صفةِ العذابِ مغمورةً بصفاتِ الرحمةِ دليلُ سَبْقِها ورُجْحانِها  لاَ إله إِلاَّ هُوَ  فيجبُ الإقبالُ الكُلِّي عَلى طاعتِهِ في أوامرِهِ ونواهيهِ  إِلَيْهِ المصير  فحسبُ لا إلى غيرِهِ لا استقلالاً ولا اشتراكاً فيجازِي كلاًّ من المطيعِ والعاصِي.

### الآية 40:4

> ﻿مَا يُجَادِلُ فِي آيَاتِ اللَّهِ إِلَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُمْ فِي الْبِلَادِ [40:4]

مَا يجادل فِي آيات الله  أي بالطعنِ فيَها واستعمالِ المقدماتِ الباطلةِ لإدحاضِ الحقِّ كقولِه تَعَالى : وجادلوا بالباطل لِيُدْحِضُواْ بِهِ الحق  \[ سورة الكهف، الآية٥٦ \]  إِلاَّ الذين كَفَرُواْ  بَها وأمَّا الذينَ آمنُوا فلا يخطرُ ببالهم شائبةُ شبهةٍ منها فضلاً عن الطعنِ فيها وأما الجدالُ فيها لحلِّ مشكلاتها وكشفِ معضلاتها واستنباطِ حقائقِها الكلية وتوضيحٍ مناهجِ الحقِّ في مضايقِ الأفهامِ ومزالقِ الأقدامِ وإبطالِ شبهِ أهلِ الزيغِ والضلالِ فمنْ أعظمِ الطاعاتِ ولذلكَ قالَ عليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ :( إنَّ جدالاً في القرآنِ كفرٌ[(١)](#foonote-١) ) بالتنكيرِ للفرقِ بينَ جدالٍ وجدالٍ والفاءُ فِي قولِهِ تَعَالَى  فَلاَ يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُمْ فِي البلاد  لترتيبِ النَّهي أوْ وجوبِ الانتهاءِ عَلَى ما قبلها منَ التسجيلِ عليهمْ بالكُفرِ الذي لاَ شيءَ أمقت منْهُ عندَ الله تعالىَ وَلاَ أجلبُ لخُسرانِ الدُّنيا وَالآخرةِ فإنَّ منْ تحققَ ذلكَ لا يكادُ يَغترُّ بمَا لهُم من حظوظِ الدُّنيا وزخارِفِها فإنَّهم مأخوذونَ عَمَّا قليلٍ أخْذَ منْ قبلَهمُ منَ الأممِ حسبَما ينطق بِه قولُه تَعَالَى  كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ والأحزاب مِن بَعْدِهِمْ 
١ أخرجه أحمد في المسند (٢/٢٥٨، ٤٧٨، ٤٩٤)..

### الآية 40:5

> ﻿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَالْأَحْزَابُ مِنْ بَعْدِهِمْ ۖ وَهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ ۖ وَجَادَلُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ فَأَخَذْتُهُمْ ۖ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ [40:5]

كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ والأحزاب مِن بَعْدِهِمْ  أي الذينَ تحزبُوا على الرسلِ وناصبوهم بعدَ قومِ نوحٍ مثلُ عادٍ وثمودَ وأضرابِهم  وَهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ  مِنْ تلكَ الأممِ العاتيةِ  بِرَسُولِهِمْ  وقرئ برسولِها  لِيَأْخُذُوهُ  ليتمكنُوا منْهُ فيصيبوا بهِ مَا أرادُوا منِ تعذيبٍ أو قتلٍ منَ الأخذِ بمَعْنى الأَسْرِ  وجادلوا بالباطل  الذي لاَ أصلَ وَلاَ حقيقةَ لهُ أصلاً  لِيُدْحِضُواْ بِهِ الحق  الذي لا محيدَ عَنْه كما فعلَ هؤلاءِ المذكورونَ  فَأَخَذَتْهُمُ  بسببِ ذلك أخذَ عَزيزٍ مُقتدرٍ  فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ  الذي عاقبتُهمْ بهِ فإنَّ آثارَ دمارِهم عبرةٌ للناظرينَ ولآخذنَّ هؤلاءِ أيْضاً لاتحادِهم فِي الطريقةِ واشتراكِهم في الجَريرةِ كما ينبئُ عنْهُ قولُه تعالَى : وكذلك حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبّكَ

### الآية 40:6

> ﻿وَكَذَٰلِكَ حَقَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ أَصْحَابُ النَّارِ [40:6]

وكذلك حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبّكَ  أَيْ كَما وجبَ وثبتَ حكمُه تَعَالى وقضاؤُهُ بالتعذيبِ عَلى أولئكَ الأممِ المكذبةِ المُتحزبةِ عَلى رُسلِهم المجادلةِ بالباطلِ لإدحاضِ الحقِّ بهِ وجبَ أَيْضاً  عَلَى الذين كَفَرُواْ  أيْ كفرُوا بكَ وتحزبُوا عليكَ وَهمُّوا بَما لَمْ ينالُوا كما ينبئُ عنْهُ إضافةُ اسمِ الربِّ إلى ضميرِه عليه الصَّلاةُ وَالسلامُ فإنَّ ذلكَ للإشعارِ بأنَّ وجوبَ كلمةِ العذابِ عليهمْ مِنْ أحكامِ تربيتِهِ التي مِنْ جُمْلتِها نصرتُهُ عليهِ الصلاةُ والسَّلامُ وتعذيبُ أعدائِهِ وذلكَ إنَّما يتحققُ بكونِ الموصولِ عبارةً عن كفارِ قومِهِ لاَ عنِ الأممِ المهلكةِ وَقولُه تعالَى  أَنَّهُمْ أصحاب النار  فِي حَيِّزِ النصبِ بحذفِ لام التعليلِ أيْ لأنهُمْ مستحقَّو أشدِّ العُقوباتِ وأفظعِها التي هيَ عذابُ النارِ وَملازمُوهَا أبداً لكونهمْ كُفَّاراً معاندينَ متحزبينَ عَلى الرسولِ عليهِ الصلاةُ والسلامُ كدأبِ منْ قبلهُم منَ الأممِ المهلكةِ فهُم لسائرِ فنونِ العقوباتِ أشدُّ استحقاقاً وأحقُّ استيجاباً وقيلَ : هو في محل الرفع على أنَّه بدل من كلمة ربك والمعنى مثل ذلك الوجوب وجب على الكفرةِ المهلكةِ كونُهم من أصحابِ النارِ أي كما وجبَ إهلاكُهم في الدُّنيا بعذابِ الاستئصالِ كذلكَ وجبَ تعديبُهم بعذابِ النَّارِ في الآخرةِ وَمحلُّ الكافِ عَلى التقديرينِ النصبُ عَلى أنَّه نعتٌ لمصدرٍ محذوفٍ.

### الآية 40:7

> ﻿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ [40:7]

الذين يَحْمِلُونَ العرش وَمَنْ حَوْلَهُ  وَهُم أعلى طبقاتِ الملائكةِ عليهم السلامُ وأولُهم وجُوداً وحملهم إيَّاهُ وحفيفُهم حولَهُ مجازٌ عن حفظِهم وتدبيرِهم له وكنايةٌ عن زُلفاهُم منْ ذِي العرشِ جَلَّ جَلالُه ومكانتِهم عِنْدُه وَمحلُّ الموصولِ الرفعُ عَلى الابتداءِ خبرُه : يُسَبّحُونَ بِحَمْدِ رَبّهِمْ  والجملةُ استئنافٌ مَسوقٌ لتسليةِ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم ببيانِ أنَّ أشرافَ الملائكةِ عليهمُ السلامُ مثابروِنَ عَلَى ولايةِ مَنْ معهُ منَ المُؤمنينَ ونُصْرتِهم واستدعاءِ مَا يُسعِدُهم في الدارينِ أيْ ينزهونهُ تعالى عن كُلِّ ما لاَ يليقُ بشأنِه الجليلِ ملتبسينَ بحمدِهِ عَلى نعمائِه التي لاَ تتناهَى  وَيُؤْمِنُونَ بِهِ  إِيماناً حقيقياً بحالِهم، والتصريحُ بهِ مع الغنِىَ عن ذِكْرِهِ رَأْساً لإظهارِ فضيلةِ الإيمانِ وإبرازِ شرفِ أهلِه والإشعارِ بعلةِ دُعَائهم للمؤمنينَ حسبما ينطِقُ بهِ قولُه تَعالى : وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُواْ  فَإِنَّ المشاركةَ في الإيمانِ أقْوَى المناسباتِ وأتمُّها وأدعى الدَّواعِي إِلى النصحِ والشفقةِ، وفي نظمِ استغفارهم لهم في سلكِ وظائِفهم المفروضةِ عليهم منْ تسبيحهم وتحميدِهم وإيمانهم إيذانٌ بكمالِ اعتنائِهم بهِ وإِشعارٌ بوقوعِهِ عندَ الله تعالى فِي مَوقعِ القَبولِ. رُوي أنَّ حملةَ العرشِ أرجلُهم في الأَرْضِ السُّفلى ورؤوسُهم قدْ خرقتِ العرشَ وهم خشوعٌ لا يرفعونَ طَرفهم. وعن النبيِّ صلى الله عليه وسلم :( لا تتفكروا في عِظَمِ ربكم ولكنْ تفكروا فيمَا خلقَ الله من الملائكةِ فإنَّ خلقاً من الملائكةِ يقالُ لهُ إسرافيلُ زاويةٌ منْ زَوَايا العرشِ عَلى كاهلِهِ وقدماهُ في الأرضِ السُّفْلى وَقَدُ مرقَ رأسُهُ منْ سبعِ سمواتٍ وإنَّه ليتضاءلُ منْ عظمةِ الله حتَّى يصيرَ كأنُه الوصعُ[(١)](#foonote-١) ) وَفِي الحديثِ :( إِنَّ الله أمرَ جميعَ الملائكةِ أَنْ يغدُوا ويروحُوا بالسلامِ عَلى حملةِ العرشِ تفضيلاً لهم عَلى سائِرهم ) وقيل : خلقَ الله تعالى العرشَ من جوهرةٍ خضراءَ وبينَ القائمتينِ من قوائمِهِ خفقان الطيرِ المسرعِ ثمانينَ عامٍ وقيل : حولَ العرشِ سبعونَ ألفَ صفّ منَ الملائكةِ يطوفونَ به مهللينَ مكبرينَ ومن ورائهم سبعونَ ألفَ صفٍ قيامٌ قد وضعُوا أيديَهُم عَلى عواتقِهم رافعينَ أصواتَهُم بالتهليلِ والتكبيرِ ومنْ ورائِهم مائةُ ألفِ صفٍ قدْ وضعُوا أيمانَهُم عَلى الشمائلِ ما منهمْ أحدٌ إلا وهو يسبحُ بما لا يسبحُ بهِ الآخرُ  رَبَّنَا  عَلى إرادةِ القولِ أيْ يقولونَ ربَّنا عَلى أنَّه إمّا بيانٌ لاستغفارِهم أوْ حالٌ. 
 وَسِعْتَ كُلَّ شَيْء رحْمَةً وَعِلْماً  أيْ وَسِعتْ رحمتُكَ وعلمُكَ فأزيلَ عنْ أصلِه للإغراقِ في وصفهِ تعالَى بالرحمةِ والعلمِ والمبالغةِ في عمومهمَا وتقديمُ الرحمةِ لأنَّها المقصودةُ بالذات هنها والفاءُ في قولِه تعالَى  فاغفر لِلَّذِينَ تَابُواْ واتبعوا سَبِيلَكَ  أي للذين عملتَ منهم التوبةَ واتباعَ سبيلِ الحقِّ لترتيبِ الدعاءِ عَلَى ما قبلها مِنْ سعةِ الرحمةِ والعلمِ  وَقِهِمْ عَذَابَ الجحيم  وَاحفظْهُم عنْهُ وهُوَ تصريحٌ بعدَ إِشعار للتأكيدِ. 
١ رواه ابن الأثير في النهاية في غريب الحديث (٥/١٩١) بلفظ: "إن العرش على منكب إسرافيل وإنه ليتواضع لله تعالى حتى يصير مثل الوصع" يروى بفتح الصاد وسكونها وهو طائر أصغر من العصفور جمعه وصعان..

### الآية 40:8

> ﻿رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُمْ وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ ۚ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ [40:8]

رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ  عطفٌ عَلى قِهِمْ وتوسيطُ النداءِ بينَهما للمبالغةِ في الجؤارِ[(١)](#foonote-١)  جنات عَدْنٍ التي وَعَدْتَّهُمْ  أيْ وعَدَتهم إيَّاهَا وقرئ جَنَّةَ عَدْنٍ  وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وأزواجهم وَذُريَّاتِهِمْ  أيْ صلاحاً مصحَّحاً لدخولِ الجنةِ في الجملةِ وإنْ كانَ دونَ صلاحِ أصولِهم وهُوَ عطفٌ على الضميرِ الأولِ أيْ وأدخلها معهم هؤلاء ليتم سرورهم ويتضاعفُ ابتهاجُهم أوْ عَلى الثانِي لكنْ لا بناءً عَلى الوعدِ العام للكلِّ كما قيل إذ لا يبقى حينئذ للعطف وجه بل بناء على الوعد الخاصِّ بهمْ بقولِه تعالَى : أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُريَّتَهُمْ  \[ سورة الطور، الآية٢١ \] بأنْ يكونُوا أعلى درجةً منْ ذريتِهم قالَ سعيدُ بنُ جُبيرٍ : يدخلُ المؤمنُ الجنةَ فيقولُ أينَ أبي أينَ ولدي أينَ زَوْجي فيقالُ إِنَّهم لمْ يعملُوا مثلَ عملكَ فيقولُ إني كنتُ أعملُ لي ولهُم فيقالُ أَدخلوهم الجنةَ. وسبقُ الوعدِ بالإدخالِ والإلحاقِ لاَ يستدعي حصولَ الموعودِ بلا توسطِ شفاعةٍ واستغفارٍ وعليهِ مَبْنى قولِ منْ قالَ فائدةُ الاستغفارِ زيادةُ الكرامةِ والثوابِ والأولُ هو الأَولى لأنَّ الدعاءَ بالإدخالِ فيه صريحٌ وفي الثاني ضمنيٌّ وقرئ صَلُح بالضَّمِ وذرّيتِهمُ بالإفرادِ  إِنَّكَ أَنتَ العزيز  أي الغالبُ الذَّي لاَ يمتنعُ عليه مَقْدورٌ  الحكيم  أي الذي لا يفعلُ إلاَّ ما تقتضيهِ الحكمةُ الباهرةُ مَن الأمورِ التي منْ جُمْلتها إنجازُ الوعدِ فالجملةُ تعليلٌ لما قَبْلها. 
١ الجؤار: رفع الصوت بالدعاء والتضرع والاستغاثة..

### الآية 40:9

> ﻿وَقِهِمُ السَّيِّئَاتِ ۚ وَمَنْ تَقِ السَّيِّئَاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ ۚ وَذَٰلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ [40:9]

وَقِهِمُ السيئات  أي العقوباتِ لأَنَّ جزاءَ السيئةِ سيئةٌ مثلُهَا أو جزاءَ السيئاتِ عَلَى حذْفِ المُضافِ وَهُوَ تعميمٌ بعدَ تخصيصٍ أوْ مخصوصٌ بالأتْباعِ أو المعاصي في الدُّنيا فمعنى قولِه تعالَى  وَمَن تَقِ السيئات يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ  : ومن تقه المعاصي في الدنيا فقد رحمته فِي الآخرةِ كأنَّهم طلَبوا لهُمْ السببَ بعدَمَا سألُوا المُسبَّبَ  وَذَلِكَ  إشارةٌ إلى الرحمةِ المفهومةِ من ( رَحْمتَه ) أوْ إليَها وإِلى الوقايةِ وَمَا فيه منْ مَعْنى البُعدِ لما مَرَّ مِراراً منَ الإشعارِ ببُعْدِ درجةِ المُشارِ إليهِ  هُوَ الفوز العظيم  الذِي لاَ مطمعَ وَرَاءَهُ لطامعٍ.

### الآية 40:10

> ﻿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنَادَوْنَ لَمَقْتُ اللَّهِ أَكْبَرُ مِنْ مَقْتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ إِذْ تُدْعَوْنَ إِلَى الْإِيمَانِ فَتَكْفُرُونَ [40:10]

إِنَّ الذين كَفَرُواْ  شروعٌ في بيانِ أحوالِ الكفرة بعدَ دخولِهم النَّارَ بعدَما بينَ فيما سبقَ أنهُمْ أصحابُ النارِ  يُنَادَوْنَ  أيْ مِنْ مكانٍ بعيدٍ وهُمْ في النارِ وقَدْ مقتُوا أنفسَهُم الأمَّارةَ بالسُّوءِ التي وقعُوا فيمَا وقعُوا باتباعِ هَوَاهَا أوْ مقَتَ بعضُهم بعضاً من الأحبابِ كقولِه تَعَالَى : يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضاً  \[ سورة العنكبوت، الآية٢٥ \] أيْ أبغضوهَا أشدَّ البغضِ وَأنكروهَا أبلغَ الإنكارِ وَأظهرُوا ذلكَ على رؤوسِ الأشهادِ فيقالُ لهم عندَ ذلكَ  لَمَقْتُ الله أَكْبَرُ مِن مقْتِكُمْ أَنفُسَكُمْ  أيْ لمقتُ الله أنفسَكُم الأمَّارةَ بالسوءِ أوُ مقتُه إِيَّاكم في الدُّنيا  إِذْ تَدْعُونَ  منْ جهةِ الأنبياءِ  إِلَى الإيمان  فتأبَوْنَ قَبولَهُ  فَتَكْفُرُونَ  اتّباعاً لأنفسكمْ الأمَّارةِ ومسارعةً إِلى هَوَاها أوِ اقتداءً بِأَخِلاَّئِكُم المضلينَ واستحباباً لآرائِهم أكبرُ منْ مقتِكم أنفسَكُم الأمارةَ بالسوءِ أوْ مِنْ مقتِ بعضِكم بعضاً اليومَ فإذ ظرفٌ للمقتِ الأولِ وإنْ توسطَ بينَهما الخبرُ لما فِي الظروفِ من الاتساعِ وقيل : لمصدرٍ آخرَ مقدرٍ أيْ مقتُه إيَّاكم إذْ تدعونَ وقيلَ : مفعولٌ لأذكرُوا والأولُ هو الوجْه وقيلَ : كلا المقتينِ في الآخرةِ وإذْ تدعَونَ تعليلٌ لَما بينَ الظرفِ والسببِ منْ علاقةِ اللزومِ والمعنى لمقتُ الله إِيَّاكم الآنَ أكبرُ منْ مقتكم أنفسَكم لمَّا كنتمُ تُدعَونَ إِلى الإيمانِ فتكفرونَ، وتخصيصُ هَذَا الوجهِ بصورةِ كونِ المرادِ بأنفسِهم أضرابَهُم مما لاَ دَاعيَ إليهِ.

### الآية 40:11

> ﻿قَالُوا رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ فَاعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا فَهَلْ إِلَىٰ خُرُوجٍ مِنْ سَبِيلٍ [40:11]

قَالُواْ رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثنتين وَأَحْيَيْتَنَا اثنتين  صفتانِ لمصدرَيْ الفعلينِ المذكورينِ أيْ إماتتينِ وإحياءتينِ أوْ موتتينِ وحياتينِ عَلى أنَّهما مصدرانِ لهما أيضاً بحذفِ الزوائدِ أو لفعلينِ يدلُّ عليهما المذكوران فإنَّ الإماتةَ والإحياءَ ينبئانِ عن الموتِ والحياةِ حَتْماً كأنَّه قيلَ : أمتنَا فمُتنَا موتتينِ اثنتينِ وأحييتَنا فحِييَنا حياتينِ اثنتينِ على طريقةِ قولِ مَنْ قالَ :\[ الطويل \]وعضةُ دهرٍ يا ابْنَ مروانَ لمْ تَدَع  منَ المالِ إلاَّ مُسْحَتٌ أو مُجلّفُ[(١)](#foonote-١)أيْ لَم تدعَ فلمْ يبقَ إلا مسحتٌ الخ قيلَ : أرادُوا بالإماتةِ الأُولى خلْقَهُم أمواتاً وبالثانيةِ إماتتَهُم عندَ انقضاءِ آجالِهم على أنَّ الإماتةَ جعلُ الشيءِ عادمَ الحياةِ أعمُّ منْ أنْ يكونَ بإنشائِه كذلكَ كما في قولِهم سبحانَ منْ صغَّر البعوضَ وكبَّر الفيلَ أو بجعلهِ كذلكَ بعدَ الحياةِ وبالإحياءينِ الإحياءَ الأولَ وإحياءَ البعثِ وقيل : أرادُوا بالإماتةِ الأُولى ما بعدَ حياةِ الدُّنيا وبالثانيةِ ما بعدَ حياةِ القبرِ وبالإحياءينِ ما في القبرِ وما عند البعثِ وهو الأنسبُ بحالِهم، وأما حديثُ لزومِ الزيادةِ على النصِّ ضرورةَ تحققِ حياةِ الدُّنيا فمدفوعٌ لكنْ لا بما قيلَ من عدم اعتدادِهم بها لزوالِها وانقضائِها وانقطاعِ آثارِها وأحكامِها بل بأنَّ مقصودَهُم إحداثُ الاعترافِ بما كانوا يُنكِرونه في الدُّنيا كما ينطِقُ به قولُهم : فاعترفنا بِذُنُوبِنَا  والتزامُ العملِ بموجب ذلك الاعترافِ ليتوسلُوا بذلكَ إلى ما علقوا بهِ أطماعَهُم الفارغةَ من الرجْعِ إلى الدُّنيا كما قد صرَّحوا بهِ حيثُ قالوا : فارجعنا نَعْمَلْ صالحا إِنَّا مُوقِنُونَ  \[ سورة السجدة، الآية١٢ \] وَهُو الذي أرادُوه بقولِهم  فَهَلْ إلى خُرُوجٍ من سَبِيلٍ  معَ نوعِ استبعادٍ لهُ واستشعارِ يأسٍ منْهُ لاَ أنَّهم قالوه بطريقِ القنوطِ البحتِ كما قيلِ : ولا ريبَ في أنَّ الذي كانَ يُنكرونَهُ ويُفرِّعون عليهِ فنونَ الكفرِ والمعاصِي ليسَ إلا الإحياءَ بعدَ الموتِ وأمَّا الإحياءُ الأولُ فلم يكونُوا يُنكرونَه لينظِمُوه في سلكِ ما اعترفُوا بهِ وزعمُوا أنَّ الاعترافَ يُجديهُم نفعاً وإنما ذكرُوا الموتَةَ الأُولى معَ كونِهم معترفينَ بَها في الدُّنيا لتوقف حياةِ القبرِ عليهَا وكَذا حالُ الموتةِ في القبرِ فإنَّ مقصدَهُم الأصليَّ هوَ الاعترافُ بالإحياءينِ وإنَّما ذكرُوا الإماتتينِ لترتيبهِما عليهِما ذكراً حسبَ ترتبهِما عليهِما وجُوداً وتنكيرُ سبيلٍ للإبهامِ أيْ منْ سبيلٍ مَا كيفَما كانَ
١ للفرزدق في ديوانه (٢/٢٦)؛ ولسان العرب (سحق)، (جلف)، (ودع)؛ وفي الخصائص (١/٩٩)، وبلا نسبة في الإنصاف (١/١٨٨)؛ وشرح المفصل (١/٣١)، (١٠/١٠٣).
 **ويروى البيت في المعجم:**وعض زمان يا ابن مروان لم يدع  من المال إلا مسحتا أو مجلف..

### الآية 40:12

> ﻿ذَٰلِكُمْ بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ ۖ وَإِنْ يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا ۚ فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ [40:12]

وقولُه تعاَلى : ذلكم  الخ جوابٌ لَهُم باستحالةِ حصولِ مَا يرجُونه ببيانِ ما يوجبُها مِن أعمالِهم السيئةِ أيْ ذلكم الذي أنتمُ فيهِ منَ العذابِ مُطلقاٍ لا مقيداً بالخلودِ كَما قيلَ : بِأَنَّهُ  أيْ بسببِ أنَّ الشأنَ  إِذَا دُعِيَ الله  فِي الدُّنيا أيْ عُبدَ  وَحْدَهُ  أيْ مُنْفَرِداً  كَفَرْتُمْ  أيْ بتوحيدِهِ  وَإِن يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُواْ  أيْ بالإشراكِ به وتسارعوا فيه، وفي إيرادِ إذَا وصيغةِ الماضِي في الشرطيةِ الأُولى وإنْ وصيغةِ المضارعِ في الثانيةِ ما لا يَخْفى منَ الدلالةِ على كمالِ سوءِ حالِهم وحيثُ كان حالُكم كذلكَ  فالحكم للَّهِ  الذي لاَ يحكُم إلا بالحقِّ ولاَ يقضِي إلاَّ بَما تقتضيهِ الحكمةُ  العلى الكبير  الذي ليسَ كمثلِه شيءٌ في ذاتِه ولا في صفاتِه ولا في أفعالِه يفعلُ ما يشاءُ ويحكمُ ما يريدُ لا معقّبَ لحكمهِ وقد حكمَ بأنَّه لا مغفرةَ للمشركِ ولا نهايةَ لعقوبتِه كَما لا نهايةَ لشناعتِه فلا سيبلَ لكُم إلى الخروجِ أَبداً.

### الآية 40:13

> ﻿هُوَ الَّذِي يُرِيكُمْ آيَاتِهِ وَيُنَزِّلُ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ رِزْقًا ۚ وَمَا يَتَذَكَّرُ إِلَّا مَنْ يُنِيبُ [40:13]

هُوَ الذي يُرِيكُمْ آياته  الدالةَ عَلى شؤونِه العظيمةِ الموجبةِ لتفرده بالألوهيةِ لتستدلوا بها على ذلك وتعملوا بموجبِهَا فتوحِّدوه تعالَى وتخُصُّوه بالعبادةِ  وَيُنَزّلُ  بالتشديدِ وقرئ بالتخفيفِ منَ الإنزالِ  لَكُم منَ السماء رِزْقاً  أيْ سببَ رزقٍ وهو المطرُ وإفرادُه بالذكرِ مع كونِه من جملةِ الآياتِ الدالةِ على كمالِ قُدرتِهِ تَعَالى لتفردِّه بعنوانِ كونِه من آثارِ رحمتِه وجلائلِ نعمتِه الموجبةِ للشكرِ، وصيغةُ المضارعِ في الفعلينِ للدِّلالةِ على تجددِ الإراءةِ والتنزيلِ واستمرارِهِما، وتقديمُ الجارِّ والمجرورِ على المفعولِ لما مَرَّ غيرَ مرةٍ  وَمَا يَتَذَكَّرُ  بتلكَ الآياتِ الباهرةِ ولا يَعملُ بمقتضَاهَا  إِلاَّ مَن يُنِيبُ  إلى الله تَعَالى ويتفكرُ فيما أودَعهُ في تضاعيفِ مصنوعاتِهِ من شواهدِ قدرتِه الكاملةِ ونعمتِه الشاملةِ الموجبةِ لتخصيصِ العبادةِ بهِ تَعالَى ومن ليسَ كذلكَ فهُو بمعزلٍ منَ التذكرِ والاتعاظِ

### الآية 40:14

> ﻿فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ [40:14]

فادعوا الله مُخْلِصِينَ لَهُ الدين  أيْ إِذا كانَ الأمرُ كَما ذكرَ منَ اختصاصِ التذكرِ بمنْ ينيبُ فاعبدُوه أيُّها المؤمنونَ مخلصينَ له دينَكُم بموجبَ إنابتِكم إليهِ تعالَى وإيمانِكم به  وَلَوْ كَرِهَ الكافرون  ذلكَ وغاظَهُم إخلاصُكم.

### الآية 40:15

> ﻿رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ ذُو الْعَرْشِ يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَىٰ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلَاقِ [40:15]

رَفِيعُ الدرجات  نحوُ بديعِ السمواتِ عَلى أنه صفةٌ مشبّهةٌ أضيفتْ إلى فاعِلها بعدَ النقلِ إلى فُعُلٍ بالضمِّ كما هُوَ المشهورُ وتفسيرُه بالرافعِ ليكونَ منْ إضافِة اسمِ الفاعلِ إلى المفعولِ بعيدٌ في الاستعمالِ أيْ رفيعُ درجاتِ ملائكتِه أي معارجِهم ومصاعدِهم إلى العرشِ  ذُو العرش  أيْ مالكُه وهُمَا خبرانِ آخرانِ لقولِه تعالى :( هوَ ) أخبرَ عنْهُ بهما إيذاناً بعلوِّ شأنِه تَعَالى وعظمِ سُلطانِه الموجبَيْنِ لتخصيصِ العبادةِ بهِ وإخلاصِ الدينِ لهُ إمَّا بطريقِ الاستشهادِ بهمَا عليهَما فإنَّ ارتفاعَ معارجَ ملائكتِه إلى العرشِ وكونَ العرشِ العظيمِ المحيطِ بأكنافِ العالمِ العلويِّ والسفليِّ تحتَ ملكوتِه وقبضةِ قدرتِه مما يقضِي بكونِ علوِّ شأنِه وعظمِ سُلطانِه في غايةٍ لا غايةَ وراءَهَا وإمَّا بجعلَهما عبارةً عنهما بطريقِ المجازِ المتفرعِ على الكنايةِ كالاستواءِ على العرشِ وتمهيداً لما يعقُبهما من قولِه تعالى  يُلْقِي الروح مِنْ أَمْرِهِ  فإنَّه خبرٌ آخرُ لمَا ذكرَ منبئٌ عن إنزالِ الرزقِ الرُّوحانِيِّ الذي هُو الوحيُ بعدَ بيانِ إنزالِ الرزقِ الجُسمانيِّ الذي هُو المطرُ أي ينزلُ الوحيَ الجاريَ من القلوبِ منزلةَ الروحِ منَ الأجسادِ وقولُه تعالَى مِنْ أمرِه بيانٌ للروحِ الذي أريدَ بهِ الوحيُ فإنَّه أمرٌ بالخيرِ أو حالٌ منِهُ أيْ حالَ كونِه ناشئاً ومبتدأً منْ أمرِهِ أو صفةٌ لهُ عَلى رأْي منْ يجوزُ حذفَ الموصولِ معَ بعضِ صلتِه أي الروحَ الكائنَ منْ أمرهِ أو متعلقٌ بيُلقِي وَمنْ للسببيةِ كالباءِ مثلُ ما في قولِه تَعَالى : ممَّا خطيئاتهم  \[ سورة نوح، الآية٢٥ \] أي يُلقِي الوحيَ بسببِ أمرهِ  على مَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ  وهوَ الذي اصطفاهُ لرسالتِه وتبليغِ أحكامِه إليهمْ  ليُنذِرَ  أي الله تعالَى أو الملقى عليه أو الروح، وقرئ لتنذر على أن الفاعل هو الرسول عليه الصلاة والسلام أو الرُّوحُ لأنَّها قد تؤنث  يَوْمَ التلاق  إما ظرفٌ للمفعولِ الثانِي أي لينذرَ الناسَ يوم العذابَ التلاقِ وهو يومُ القيامةِ لأنَّه يتلاقَى فيهِ الأرواحُ والأجسامُ وأهلُ السمواتِ والأرضِ أو هُو المفعولُ الثانِي اتساعاً أوْ أصالةً فإنَّه منْ شدةِ هولِه وفظاعتِه حقيقٌ بالإنذارِ أصالةً وقرئ ليُنْذرَ عَلَى البناءِ للمفعولِ ورفعِ اليومِ.

### الآية 40:16

> ﻿يَوْمَ هُمْ بَارِزُونَ ۖ لَا يَخْفَىٰ عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ ۚ لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ۖ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ [40:16]

يَوْمَ هُم بارزون  بدلٌ منُ يومِ التلاقِ أيْ خارجونَ من قبورِهم أو ظاهرونَ لا يستُرهُم شيءٌ من جبلِ أو أَكَمةٍ أوْ بناءٍ لكونِ الأرضِ يومئذٍ قاعاً صفصفاً ولاَ عليهمُ ثيابٌ إنما هُم عراةٌ مكشوفونَ كما جاءَ فِي الحديثِ ( يحشرونَ عُراةً حُفاة غُرْلا[(١)](#foonote-١) ) وقيلَ : ظاهرةٌ نفوسُهم لا تحجبُهم غواشِي الأبدانِ. أوْ أعمالُهم وسرائرُهم  لاَ يخفى عَلَى الله مِنْهُمْ شَيْء  استئنافٌ لبيانِ بروزِهم وتقريرٌ له وإزاحةٌ لَما يتوهمُّه المتوهمونَ في الدُّنيا منَ الاستتارِ توهماً باطلاً أو خبرٌ ثانٍ وقيلَ : حَالٌ منْ ضميرِ بارزونَ أيْ لا يخْفى عليهِ تَعَالى شيءٌ مَا منْ أعيانِهم وأعمالِهم وأحوالِهم الجليلةِ والخفيةِ السابقةِ واللاحقةِ. 
 لمَنِ الملك اليوم لِلَّهِ الواحد القهار  حكايةٌ لمَا يقعُ حينئذٍ منَ السؤال والجوابِ بتقديرِ قولٍ معطوفٍ على ما قبَلهُ من الجملةِ المنفيةِ المستأنفةَ أو مستأنفٌ يقعُ جواباً عنْ سؤالٍ نشأَ منْ حكايةِ بروزِهم وظهورِ أحوالِهم كأنَّه قيلَ فماذَا يكونُ حينئذٍ فقيلَ : يقالُ الخ أيْ يُنادِي منادٍ لَمنِ الملكُ اليومَ فيجيبُهُ أهلُ المحشرِ لله الواحدِ القهارِ وقيلَ المجيبُ هُوَ السائلُ بعينِه لما رُوي أنَّه يجمعُ الله الخلائقَ يومَ القيامةِ في صعيدٍ واحدٍ في أرضٍ بيضاءَ كأنَّها سبيكةُ فضةٍ لم يعصَ الله فيَها قطُّ فأولُ ما يتكلُم بهِ أنْ ينادِيَ منادٍ لمنِ الملكُ اليومَ لله الواحدِ القهارِ وقيلَ حكايةً لما ينطقُ بهِ لسانُ الحالِ من تقطعِ أسبابِ التصرفاتِ المجازيةِ واختصاصِ جميعِ الأفاعيلِ بقبضةِ القدرةِ الإلهيةِ
١ أخرجه البخاري في كتاب الأنبياء باب (٨/٤٨)؛ وكتاب تفسير سورة ٥ باب (١٤) وسورة (٢١) باب (٨) ومسلم في كتاب الجنة حديث (٥٦)؛ والترمذي في كتاب القيامة باب (٣) والنسائي في كتاب الجنائز باب (١١٨، ١١٩) وأحمد في المسند (١/٢٢٣، ٢٢٩، ٢٣٥، ٢٥٣)؛ (٣/٤٩٥)؛ (٦/٥٣).
 ورواه ابن الأثير الجزري في النهاية (٣/٣٦٢).
 الغرل: جمع الأغرل وهو الأقلف. والغرلة القلفة.

### الآية 40:17

> ﻿الْيَوْمَ تُجْزَىٰ كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ ۚ لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ ۚ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ [40:17]

اليوم تجزى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ  إلخ إمَّا منْ تتمةِ الجوابِ لبيانِ حكمِ اختصاصِ الملكِ بهِ تعالَى ونتيجتِه التي هيَ الحكُم السويُّ والقضاءُ الحقُّ أوْ حكايةً لِمَا سيقولُه تعالى يومئذٍ عقيبَ السؤالِ والجوابِ أيْ تُجزى كُلُّ نفسٍ منَ النفوسِ البَرّةِ والفاجرةِ بما كسبتْ منْ خَيرٍ أوْ شرَ  لاَ ظُلْمَ اليوم  بنقصِ ثوابٍ أوْ زيادةِ عذابٍ  إِنَّ الله سَرِيعُ الحساب  أيْ سريعٌ حسابُه تماماً إذْ لا يشغلُه تعالَى شأنٌ عنْ شأنٍ فيحاسبُ الخلائقَ قاطبةً في أقربِ زمانٍ كما نُقلَ عن ابنِ عباسٍ رضيَ الله عَنْهما أنَّه تعالَى إذَا أخذَ في حسابِهم لم يقِلْ أهلُ الجنةِ إلاَّ فيهَا ولا أهلُ النارِ إلا فيهَا فيكونُ تعليلاً لقولِه تعالَى اليومَ تُجزى الخ فإنَّ كونَ ذلكَ اليومِ بعينِه يومَ التلاقِي ويومَ البروزِ ممّا يوهم استبعادَ وقوعِ الكُلِّ فيهِ أو سريعٌ مَجيئاً فيكونُ تعليلاً للإنذارِ.

### الآية 40:18

> ﻿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْآزِفَةِ إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ كَاظِمِينَ ۚ مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ [40:18]

وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ الآزفة  أي القيامةِ سميتْ بَها لأُزوفِهَا وهُو القربُ غيرَ أنَّ فيهِ إشعاراً بضيقِ الوقتِ وقيلَ الخطةُ الآزفةُ وهي مشارفةُ أهلِ النارِ دخولَها وقيل : وقتَ حضورِ الموتِ كما في قولِه تعالَى : فَلَوْلاَ إِذَا بَلَغَتِ الحلقوم  \[ سورة الواقعة، الآية٨٣ \] وقولِه : كَلاَّ إِذَا بَلَغَتِ التراقي  \[ سورة القيامة، الآية٢٦ \] وقولُه تعالَى : إِذِ القلوب لَدَى الحناجر  بدلٌ منْ يومَ الآزفةِ فإنَّها ترتفعُ من أماكِنها فتلتصقُ بحلوقِهم فلا تعودُ فيتروّحوا ولا تخرجُ فيستريحوا بالموتِ  كاظمين  عَلى الغَمِّ حالٌ منْ أصحابِ القلوبِ عَلى المَعْنى إِذِ الأصلُ قلوُبُهم أوْ مِنْ ضميرِهَا في الظرفِ وجمعُ السلامةِ باعتبارِ أنَّ الكظَم منْ أحوالِ العُقلاءِ كقولِه تعالَى : فَظَلَّتْ أعناقهم لَهَا خاضعين  \[ سورة الشعراء، الآية٤ \] أوْ منْ مفعولِ أنذرْهم عَلى أنَّها حالٌ مقدرةٌ أيْ أنذرهُم مقدراً كظمَهُم أوْ مشارفينَ الكظمَ. 
 مَا للظالمين مِنْ حَمِيمٍ  أَيْ قريبٍ مشفقٍ  وَلاَ شَفِيعٍ يُطَاعُ  أيْ لاَ شفيعَ مُشفَّعٌ على مَعْنى نفِي الشفاعةِ والطاعةِ معاً على طريقةِ قولِه :\[ الطويل \]على لاحبٍ لا يُهتدى بمنارِ[(١)](#foonote-١)  \[ إذا سافه العوذ الديافي جرجرا \]والضمائرُ إنْ عادتْ إلى الكُفارِ وهو الظاهرُ فوضعُ الظالمينَ موضعَ ضميرِهم للتسجيلِ عليهم بالظلمِ وتعليلِ الحكمِ بهِ
١ وهو لامرئ القيس في ديوانه (ص٦٦)، ولسان العرب (ديف)، (سوف)، (لحف)، وبلا نسبة في مقاييس اللغة (٢/٣١٨)..

### الآية 40:19

> ﻿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ [40:19]

يَعْلَمُ خَائِنَةَ الأعين  النظرةَ الخائنةَ كالنظرةِ الثانيةِ إلى غيرِ المَحْرمِ واستراقِ النظرِ إليهِ أو خيانةَ الأعينِ على أنها مصدرٌ كالعافيةِ  وَمَا تُخْفِي الصدور  من الضمائرِ والأسرارِ والجملةُ خبرٌ آخرُ مثلُ يُلقي الروحَ للدِّلالةِ على أنَّه ما مِنْ خفيَ إلا وهُو متعلقُ العلمِ والجزاءِ.

### الآية 40:20

> ﻿وَاللَّهُ يَقْضِي بِالْحَقِّ ۖ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَقْضُونَ بِشَيْءٍ ۗ إِنَّ اللَّهَ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ [40:20]

والله يَقْضِي بالحق  لأنَّه المالكُ الحاكُم على الإطلاقِ فلا يقضِي بشيءٍ إلا وهُو حقٌّ وعدلٌ  والذين يَدْعُونَ  يعبدونَهم  مِن دُونِهِ  تعالَى  لاَ يَقْضُونَ بِشَيْء  تهكمٌ بهم لأنَّ الجمادَ لا يُقالُ في حقِّه يَقْضِي أو لا يَقْضِي. وقرئ تَدْعُون عَلى الخطابِ التفاتاً أو على إضمارِ قُلْ  إِنَّ الله هُوَ السميع البصير  تقريرٌ لعلمِه تعالَى بخائنةِ الأعينِ وقضائِه بالحقِّ ووعيدٌ لهمُ على ما يقولونَ ويفعلو نَ وتعريضٌ بحالِ ما يدْعونَ من دونِه.

### الآية 40:21

> ﻿۞ أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ كَانُوا مِنْ قَبْلِهِمْ ۚ كَانُوا هُمْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَآثَارًا فِي الْأَرْضِ فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَاقٍ [40:21]

أَوَلَمْ يَسِيروُاْ فِى الأرض فَيَنظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عاقبة الذين كَانُواْ مِن قَبْلِهِمْ  أي مآلُ حالِ مَنْ قبلَهم من الأُممِ المكذبةِ لرُسلِهم كعادٍ وثمودَ وأضرابِهم.  كَانُواْ هُمْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً  قدرةً وتمكناً من التصرفاتِ. وإنَّما جيءَ بضميرِ الفصلِ معَ أنَّ حقَّه التوسطُ بينَ معرفتينِ لمضاهاةِ أفعلَ للمعرفةِ في امتناعِ دخولِ اللامِ عليهِ. وقرئ أشدَّ منكُم بالكافِ  وَآثَاراً فِى الأرض  مثلُ القلاعِ الحصينةِ والمدائنِ المتينةِ، وقيلَ : المَعْنى وأكثرَ آثاراً، كقولِه :\[ مجزوء الكامل \]\[ يا ليت زوجك قد غدا \]  متقلداً سيفاً ورُمحاً[(١)](#foonote-١) فَأَخَذَهُمُ الله بِذُنُوبِهِمْ  أخذاً وبيلاً  وَمَا كَانَ لَهُم منَ الله مِن وَاقٍ  أي منْ واقٍ يقيهم عذابَ الله. 
١ وهو بلا نسبة في الأشباه والنظائر (٢/١٠٨)، (٦/٢٣٨) وخزانة الأدب (٢/٢٣١)، (٣/١٤٢)، (٩/١٤٢)، ولسان العرب (١/٤٢٢) (رغب) (٢/٢٨٧) (زجج)، (٢/٥٩٣) (هدى)..

### الآية 40:22

> ﻿ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَكَفَرُوا فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ ۚ إِنَّهُ قَوِيٌّ شَدِيدُ الْعِقَابِ [40:22]

ذلك  أي ما ذُكِرَ من الأخذِ  بِأَنَّهُمْ  بسببِ أنَّهم  كَانَت تأْتِيهِمْ رُسُلُهُم بالبينات  أي المعجزاتِ أو بالأحكامِ الظاهرةِ  فَكَفَرُواْ فَأَخَذَهُمُ الله إِنَّهُ قَوِىٌّ  متمكنٌ مما يريدُ غايةَ التمكنِ  شَدِيدُ العقاب  لا يُؤبَهُ عندَ عقابِه بعقابٍ.

### الآية 40:23

> ﻿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَىٰ بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ [40:23]

وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا موسى بآياتنا  وهي معجزاتُه  وسلطان مبِينٍ  أي وحجَّةٍ قاهرةٍ وهيَ إما عينُ الآياتِ والعطفُ لتغايرِ العنوانينِ وإما بعضُ مشاهيرِها كالعَصا أفردتْ بالذكرِ مع اندراجِها تحتَ الآياتِ لإنافتِها إفرادَ جبريلَ وميكالَ به معَ دخولِها في الملائكةِ عليهم السَّلامُ.

### الآية 40:24

> ﻿إِلَىٰ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَقَارُونَ فَقَالُوا سَاحِرٌ كَذَّابٌ [40:24]

إلى فِرْعَوْنَ وهامان وَقَارُونَ فَقَالُواْ ساحر كَذَّابٌ  أي فيما أظهرَهُ من المعجزاتِ وفيمَا ادَّعاهُ من رسالةِ ربِّ العالمينَ.

### الآية 40:25

> ﻿فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْحَقِّ مِنْ عِنْدِنَا قَالُوا اقْتُلُوا أَبْنَاءَ الَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ وَاسْتَحْيُوا نِسَاءَهُمْ ۚ وَمَا كَيْدُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ [40:25]

فَلَمَّا جَاءهُمْ بالحق مِنْ عِندِنَا  وهو ما ظهرَ على يدِه من المعجزاتِ القاهرةِ  قَالُواْ اقتلوا أَبْنَاء الذين آمَنُواْ مَعَهُ واستحيوا نِسَاءهُمْ  كما قالَ فرعونُ سنقتلُ أبناءَهُم ونستحيي نساءَهُم أي أعيدُوا عليهم ما كنتُم تفعلونَهُ أولاً وكانَ فرعونُ قد كفَّ عن قتلِ الوِلْدانِ فلما بُعثَ عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ وأحسَّ بأنَّه قد وقعَ ما وقعَ أعادَهُ عليهم غيظاً وَحنَقاً وزعماً منْهُ أنَّه يصدُّهم بذلكَ عن مظاهرتِه ظَّناً منهُم أنَّه المولودُ الذي حكَم المنجّمونَ والكهنةُ بذهابِ ملكِهم على يدِه  وَمَا كَيْدُ الكافرين إِلاَّ فِي ضلال  أي في ضَياعٍ وبُطلانٍ لا يُغني عنهُم شيئاً وينفذ عليهم لا محالةَ القدرُ المقدورُ والقضاءُ المحتومُ. واللامُ إمَّا للعهدِ والإظهارُ في موقعِ الإضمارِ لذمِّهم بالكفرِ والإشعارِ بعلةِ الحكمِ، أو للجنسِ وهم داخلونَ فيه دخولاً أولياً. والجملةُ اعتراضٌ جيءَ بهِ في تضاعيفِ مَا حُكيَ عنْهم من الأباطيلِ للمسارعةِ إلى بيانِ بطلانِ ما أظهروه من الإبراقِ والإرعادِ واضمِحْلالِه بالمرةِ.

### الآية 40:26

> ﻿وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَىٰ وَلْيَدْعُ رَبَّهُ ۖ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ [40:26]

وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ موسى  كانَ مَلؤُه إذَا هَمَّ بقتلِه عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ كفُّوه بقولِهم ليسَ هَذا بالذي تخافُه فإنَّه أقلُّ من ذاكَ وأضعفُ وما هُو إلا بعضُ السحرةِ، وبقولِهم إذا قتلتَهُ أدخلتَ على النَّاسِ شُبهةً واعتقدُوا أنَّكَ عجَزتَ عن معارضتِه بالحجَّةِ وعَدلتَ إلى المقارعةِ بالسيفِ، والظاهرُ من دهاءِ اللعينِ ونَكارتِه أنَّه كانَ قد استيقنَ أنَّه نبيٌّ وأنَّ ما جاءَ بهِ آياتٌ باهرةٌ وما هُو بسحرٍ ولكنْ كانَ يخافُ إنْ همَّ بقتلِه أنْ يُعاجلَ بالهلاكِ، وكانَ قولُه هذا تمويهاً على قومِه وإيهاماً أنَّهم هم الكافُّونَ له عن قتلِه ولولاهُم لقتلَه وما كانَ الذي يكفُّه إلا ما في نفسِه من الفزعِ الهائل. وقولُه : وَلْيَدْعُ رَبَّهُ  تجلدٌ منه وإظهارٌ لعدمِ المُبالاةِ بدعائِه ولكنَّه أخوفُ ما يخافُه  إِنّي أَخَافُ  إنْ لم أقتْلهُ  أَن يُبَدّلَ دِينَكُمْ  أنْ يغيرَ ما أنتُم عليهِ من الدينِ الذي هُو عبارةٌ عن عبادتِه وعبادةِ الأصنامِ لتقربَهم إليه  أَوْ أَن يُظْهِرَ فِي الأرض الفساد  ما يُفسدُ دُنياكُم من التحاربِ والتهارجِ إنْ لم يقدرُ على تبديلِ دينِكم بالكلِّيةِ. وقرئ بالواوِ الجامعةِ، وقرئ بفتحِ الياءِ والهاءِ ورفعِ الفساد، وقرئ يَظَّهَّر بتشديدِ الظَّاءِ والهاءِ من تظهَّرَ بمعنى تظَاهرَ أي تتابعَ وتعاونَ.

### الآية 40:27

> ﻿وَقَالَ مُوسَىٰ إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ مِنْ كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لَا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسَابِ [40:27]

وَقَالَ مُوسَى  أي لقومِه حينَ سمعَ بمَا تقوَّلَهُ اللعينُ من حديثِ قتلِه عليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ  إِنّي عُذْتُ بِرَبّي وَرَبّكُمْ مّن كُلّ مُتَكَبّرٍ لا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الحساب  صدَّرَ عليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كلامَهُ بإنَّ تأكيداً له وإظهاراً لمزيدِ الاعتناءِ بمضمونِه وفرطِ الرغبةِ فيهِ، وخصَّ اسمَ الربِّ المنبئِ عن الحفظِ والتربيةِ لأنَّهما الذي يستدعيِه وأضافَهُ إليهِ وإليهم حثَّاً لهم على موافقتِه في العياذِ بهِ تعالى والتوكلِ عليه فإنَّ في تظاهرِ النفوسِ تأثيراً قوياً في استجلابِ الإجابةِ ولم يسمِّ فرعونَ بل ذكرَهُ بوصفٍ يعمُّه وغيرَهُ منَ الجبابرةِ لتعميمِ الاستعاذةِ والإشعارِ بعلةِ القساوةِ والجرأةِ على الله تعالَى. وقرئ عُتُّ بالإدغامِ.

### الآية 40:28

> ﻿وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ ۖ وَإِنْ يَكُ كَاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ ۖ وَإِنْ يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ ۖ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ [40:28]

وَقَالَ رَجُلٌ مؤْمِنٌ منْ آلِ فِرْعَوْنَ  قيلَ كانَ قبطياً ابْنَ عمَ لفرعونَ آمنَ بُموسى سِرَّاً، وقيلَ : كانَ إسرائيلياً، أو غَريباً مُوحداً  يَكْتُمُ إيمانه  أيْ مِنْ فرعونَ وملئِه  أَتَقْتُلُونَ رَجُلاً  أتقصِدونَ قتلَهُ.  أَن يَقُولَ  لأنْ يقولَ، أو كراهةَ أنْ يقولَ  رَبّيَ الله  أيْ وحدَهُ من غيرِ رويةٍ وتأملٍ في أمرِه  وَقَدْ جَاءكُمْ بالبينات  والحالُ أنَّه قد جاءكُم بالمعجزاتِ الظاهرةِ التي شاهدتمُوها وعهدتمُوها  من ربّكُمْ  أضافَهُ إليهم بعدَ ذكرِ البيناتِ احتجاجاً عليهم واستنزالاً لَهمُ عن رُتبةِ المكابرةِ ثم أخذَهُم بالاحتجاجِ من بابِ الاحتياطِ، فقالَ  وَإِن يَكُ كاذبا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ  لا يتخطَّاهُ وبالُ كذبِه فيُحتاجَ في دفعه إلى قتلِه  وَإِن يَكُ صادقا يُصِبْكُمْ بَعْضُ الذي يَعِدُكُمْ  أيْ إنْ لَم يُصبكم كلُّه فلاَ أقلَّ منْ إصابةِ بعضِه لاسيَّما إنْ تعرضتُم له بسوءٍ، وهَذا كلامٌ صادرٌ عن غايةِ الإنصافِ وعدمِ التعصبِ ولذلكَ قدَّمَ من شِقَّيْ الترديدِ كونَهُ كاذباً أو يُصبْكُم ما يعدُكُم من عذابِ الدُّنيا وهو بعضُ ما يعدُهم كأنَّه خوَّفُهم بما هو أظهرُ احتمالاً عندَهُم، وتفسيرُ البعضِ بالكُلِّ مستدَلاً بقولِ لَبيد :\[ الكامل \]ترَّاكُ أمكنةٍ إذَا لَمْ أَرْضَها  أو يرتبطْ بعضَ النفوسِ حِمامُها[(١)](#foonote-١)مردودٌ لمَا أنَّ مرادَهُ بالبعضِ نَفْسُه  إِنَّ الله لاَ يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ . احتجاجٌ آخرُ ذُو وجهينِ أحدُهما أنَّه لوْ كانَ مُسرفاً كذاباً لما هداهُ الله تعالَى إلى البيناتِ ولمَا أيَّدهُ بتلكَ المعجزاتِ وثانيهما إنْ كان كذلك خذلَه الله وأهلكَهُ فَلا حاجةَ لكُم إلى قتلِه ولعلَّه أراهُم المعنى الثَّانِي وهُو عاكفٌ على المَعْنى الأول لتلينَ شكيمتُهم وقد عَرَّضَ به لفرعونَ بأنَّه مسرفٌ كذَّابٌ لا يهديِه الله سبيلَ الصوابِ ومنهاجَ النجاةِ. 
١ ورد في ديوانه (ص٣١٣) وشرح ديوان الحماسة للمرزوقي (ص٧٧٢) وشرح شواهد الشافية (ص٤١٥)، وبلا نسبة في خزانة الأدب (٧/٣٤٩) والخصائص (٢/٣١٧، ٣٤١)..

### الآية 40:29

> ﻿يَا قَوْمِ لَكُمُ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ظَاهِرِينَ فِي الْأَرْضِ فَمَنْ يَنْصُرُنَا مِنْ بَأْسِ اللَّهِ إِنْ جَاءَنَا ۚ قَالَ فِرْعَوْنُ مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَىٰ وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ [40:29]

يا قوم لَكُمُ الملك اليوم ظاهرين  غالبينَ عالينَ عَلى بني إسرائيلَ  فِي الأرض  أي أرضِ مصرَ لا يُقاومكُم أحدٌ في هذا الوقتِ  فَمَن يَنصُرُنَا مِن بَأْسِ الله  من أخذِه وعذابِه.  إِن جَاءنَا  أي فَلاَ تُفسدُوا أمرَكُم ولا تتعرضُوا لبأسِ الله بقتلِه فإنَّه إنْ جاءَنا لم يمنعنا منه أحدٌ وإنَّما نسبَ ما يسرُّهم من المُلكِ والظهورِ في الأرضِ إليهم خَاصَّة ونظمَ نفسَهُ في سلكِهم فيما يسوؤُهم من مجيء بأسِ الله تعالى تطييباً لقلوبِهم وإيذاناً بأنَّه ناصحٌ لهم ساعٍ في تحصيلِ ما يُجديهم ودفعِ ما يُرديهم سعيَهُ في حقِّ نفسِه ليُتأثرَ بنصحِه. 
 قَالَ فِرْعَوْنُ  بعدما سَمِع نُصحَهُ  مَا أُرِيكُمْ  أيْ ما أُشيرُ عليكُم  إِلاَّ مَا أرى  وأستصوبُهُ مِنْ قتلِه  وَمَا أَهْدِيكُمْ  بهذَا الرَّأي  إِلاَّ سَبِيلَ الرشاد  أي الصوابِ، أو لا أُعلِّمُكم إلاَّ ما أعلمُ ولا أُسرُّ عنكُم خلافَ ما أُظهرُهُ، ولقدْ كذبَ حيثُ كانَ مستشعراً للخوفِ الشديدِ ولكنَّه كان يتجلدُ ولولاهُ لما استشارَ أحداً أبداً. وقرئ بتشديدِ الشِّينِ للمبالغةِ من رشُد كعلاّم أو من رشَد كعبّاد لا من أرشد كجبار من أجبر لأنه مقصورٌ على السماع أو للنسبة إلى الرُّشْد كعوّاج وبتَّات غيرَ منظور فيه إلى فَعْل.

### الآية 40:30

> ﻿وَقَالَ الَّذِي آمَنَ يَا قَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ مِثْلَ يَوْمِ الْأَحْزَابِ [40:30]

وَقَالَ الذي آمَنَ  مخاطباً لقومِه : يا قوم إِنّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ  في تكذيبِه والتعرضِ بالسوءِ  مثْلَ يَوْمِ الأحزاب  مثلَ أيامِ الأممِ الماضيةِ يعني وقائِعَهُم، وجمعُ الأحزابِ مع التفسيرِ أغنى عَن جمعِ اليومِ

### الآية 40:31

> ﻿مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ ۚ وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعِبَادِ [40:31]

مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ  أيْ مثلَ جزاءِ ما كانوا عليهِ من الكفرِ وإيذاءِ الرُّسلِ.  والذين مِن بَعْدِهِمْ  كقومِ لوطٍ  وَمَا الله يُرِيدُ ظُلْماً للْعِبَادِ  فَلا يُعاقبُهم بغيرِ ذنبٍ ولا يُخلّي الظالَم منُهم بغيرِ انتقامِ وهُو أبلغُ من قولِه تعالى : وَمَا رَبُّكَ بظلام للْعَبِيدِ  \[ سورة فصلت، الآية٤٦ \] لما أنَّ المنفيّ فيهِ إرادةُ ظلمٍ مَا فينتِفي الظلمُ بطريقِ الأولويةِ

### الآية 40:32

> ﻿وَيَا قَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ التَّنَادِ [40:32]

ويا قوم إِنّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ التناد  خوَّفهم بالعذابِ الأُخروي بعدَ تخويفِهم بالعذابِ الدنيويِّ ويومُ التنادِ يومُ القيامةِ لأنَّه يُنادِي فيهِ بعضُهم للاستغاثةِ أو يتصايحونَ بالويلِ والثبورِ أو يتنادَى أصحابُ الجنةِ وأصحابُ النارِ حسبَما حُكِيَ في سورةِ الأعرافِ. وقرئ بتشديدِ الدَّالِ وهُو أنْ ينِدَّ بعضُهم من بعضٍ كقولِه تعالى : يَوْمَ يَفِرُّ المرء مِنْ أَخِيهِ  \[ سورة عبس، الآية٣٤ \] وعنِ الضحَّاكِ إذا سمعُوا زفيرَ النارِ ندُّوا هَرَباً فلا يأتونَ قُطراً من الأقطارِ إلاَّ وجدُوا ملائكةً صفوفاً فبينَا هُم يموجُ بعضهم في بعضِ إذْ سمعُوا مُنادياً أقِبلوا إلى الحسابِ

### الآية 40:33

> ﻿يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ مَا لَكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ ۗ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ [40:33]

يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ  بدلٌ من يومَ التنادِ أي منصرفينَ عن الموقفِ إلى النارِ أو فارينَ منها حسبَما نُقلَ آنِفاً  مَا لَكُمْ منَ الله مِنْ عَاصِمٍ  يعصمُكم من عذابِه. والجملةُ حالٌ أُخْرَى من ضميرِ تُولُّون.  وَمَن يُضْلِلِ الله فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ  يهديِه إلى طريقِ النجاةِ.

### الآية 40:34

> ﻿وَلَقَدْ جَاءَكُمْ يُوسُفُ مِنْ قَبْلُ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِمَّا جَاءَكُمْ بِهِ ۖ حَتَّىٰ إِذَا هَلَكَ قُلْتُمْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ مِنْ بَعْدِهِ رَسُولًا ۚ كَذَٰلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُرْتَابٌ [40:34]

وَلَقَدْ جَاءكُمْ يُوسُفُ  هو يوسفُ بنُ يعقوبَ عليهما السَّلامُ على أنَّ فرعونَهُ فرعونُ موسى أو على نسبةِ أحوالِ الآباءِ إلى الأولادِ، وقيلَ سِبْطُه يوسفُ بنُ إبراهيمَ بنِ يوسفَ الصدِّيقِ.  مِن قَبْلُ  من قبلِ موُسى  بالبينات  بالمعجزاتِ الواضحةِ  فَمَا زِلْتُمْ فِي شَكّ ممَّا جَاءكُمْ بِهِ  من الدينِ  حتى إِذَا هَلَكَ  بالموتِ  قُلْتُمْ لَن يَبْعَثَ الله مِن بَعْدِهِ رَسُولاً  ضمَّاً إلى تكذيبِ رسالتِه تكذيبَ رسالةِ مَنْ بعدَهُ أو جزماً بأنْ لا يُبعثَ بعدَهُ رسولٌ معَ الشكِّ في رسالتِه. وقرئ ألنْ يبعثَ الله على أنَّ بعضَهُم يقررُ بعضاً بنفي البعثِ  كذلك  أي مثل ذلكَ الإضلالِ الفظيعِ  يُضِلُّ الله مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ  في عصيانِه  مرْتَابٌ  في دينِه شاكٌّ فيما تشهدُ به البيناتُ لغلبةِ الوهمِ والانهماكِ في التقليدِ.

### الآية 40:35

> ﻿الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ ۖ كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ الَّذِينَ آمَنُوا ۚ كَذَٰلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ [40:35]

الذين يجادلون فِى آيات الله  بدلٌ من الموصولِ الأولِ أو بيانٌ له أو صفةٌ باعتبارٍ معناهُ كأنَّه قيلَ كلُّ مسرفٍ مرتابٍ أو المسرفينَ المرتابينَ  بِغَيْرِ سلطان  متعلقٌ بيجادلونَ أي بغيرِ حُجَّةٍ صالحةٍ للتمسكِ بها في الجُملةِ  آتاهم  صفةُ سلطانِ  كَبُرَ مَقْتاً عِندَ الله وَعِندَ الذين آمَنُواْ  فيه ضربٌ من التعجبِ والاستعظامِ وفي كبُر ضميرٌ يعودُ إلى مَنْ وتذكيرُه باعتبارِ اللفظِ وقيلَ إلى الجدالِ المستفادِ من يُجادلونَ  كذلك  أي مثل ذلكَ الطبعِ الفظيعِ  يَطْبَعُ الله على كُلّ قَلْبِ مُتَكَبّرٍ جَبَّارٍ  فيصدرُ عنه أمثالُ ما ذُكَر من الإسرافِ والارتيابِ والمجادلةِ بالباطلِ. وقرئ بتنوينِ قلبِ، ووصفُه بالتكبرِ والتجبرِ لأنَّه منبعُهما

### الآية 40:36

> ﻿وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ [40:36]

وَقَالَ فِرْعَوْنُ يا هامان ابن لِي صَرْحاً  أي بناءً مكشُوفاً عالياً من صرُحَ الشيءُ إذَا ظهرَ  لعَلّي أَبْلُغُ الأسباب  أي الطرقَ

### الآية 40:37

> ﻿أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَىٰ إِلَٰهِ مُوسَىٰ وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِبًا ۚ وَكَذَٰلِكَ زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوءُ عَمَلِهِ وَصُدَّ عَنِ السَّبِيلِ ۚ وَمَا كَيْدُ فِرْعَوْنَ إِلَّا فِي تَبَابٍ [40:37]

أسباب السموات  بيانٌ لها وفي إبهامِها ثمَّ إيضاحِها تفخيمٌ لشأنِها وتشويقٌ للسامعِ إلى معرفتِها  فَأَطَّلِعَ إلى إله موسى  بالنصبِ على جوابِ الترجِّي. وقرئ بالرفعِ عطفاً على أبلغُ، ولعلَّه أرادَ أنْ يبنيَ له رَصَداً في موضعٍ عالٍ ليرصُدَ منْهُ أحوالَ الكواكبِ التي هي أسبابٌ سماويةٌ تدلُّ على الحوادثِ الأرضيةِ فيرى هَلْ فيها ما يدلُّ على إرسالِ الله تعالَى إيَّاهُ أو أنْ يَرَى فسادَ قولِه عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ بأنَّ إخبارَهُ من إلِه السماءِ يتوقفُ على اطِّلاعِه عليهِ ووصولِه إليهِ وذلكَ لا يتأتَّى إلا بالصُّعودِ إلى السماءِ وهُو ممَّا لا يقْوَى عليهِ الإنسانُ وما ذاكَ إلا لجهلِه بالله سبحانَهُ وكيفيِة استنبائِه  وَإِنّي لأظُنُّهُ كاذبا  فيَما يدعيهِ من الرسالةِ  وكذلك  أيْ ومثلَ ذلكَ التزيينِ البليغِ المُفْرطِ  زُيّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوء عَمَلِهِ  فانهمكَ فيهِ انهماكاً لا يرْعَوِي عنه بحال  وَصُدَّ عَنِ السبيل  أي الرشادِ. والفاعلُ في الحقيقةِ هُو الله تعالَى، ويؤيدُه قراءةُ زَيَّنَ بالفتحِ وبالتوسطِ الشيطانُ. وقرئ وصَدَّ على أنَّ فرعونَ صدَّ الناسَ عنِ الهُدى بأمثالِ هذهِ التمويهاتِ والشبهاتِ. ويُؤيدُه قولُه تعالى : وَمَا كَيْدُ فِرْعَوْنَ إِلاَّ فِي تَبَابٍ  أي خسَارٍ وهلاكِ أو على أنَّه من صَدَّ صُدوداً أي أعرضَ. وقرئ بكسرِ الصَّادِ على نقلِ حركةِ الدَّالِ إليهِ. وقرئ وصَدٌّ على أنَّه عطفٌ على سوءُ عملِه وقرئ وصَدُّوا أيْ هُو وقومُهُ.

### الآية 40:38

> ﻿وَقَالَ الَّذِي آمَنَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُونِ أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشَادِ [40:38]

وَقَالَ الذى آمَنَ  أي مؤمنُ آلِ فرعونَ، وقيلَ مُوسَى عليهِ السَّلامُ.  يا قوم اتبعون  فيما دَللْتكُم عليهِ  أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرشاد  أيْ سبيلاً يصلُ سالكُه إلى المقصودِ وفيه تعريضٌ بأنَّ ما يسلُكُه فرعونُ وقومُه سبيلُ الغيِّ والضلالِ.

### الآية 40:39

> ﻿يَا قَوْمِ إِنَّمَا هَٰذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ وَإِنَّ الْآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ [40:39]

يا قوم إِنَّمَا هذه الحياة الدنيا متاع  أي تمتعٌ يسيرٌ لسرعةِ زوالِها أجملَ لَهمُ أولاً ثمَّ فسرَ فافتتحَ بذمِّ الدُّنيا وتصغيرِ شأنِها لأنَّ الإخلادَ إليها رأسُ كلِّ شرَ ومنه تتشعبُ فنونُ ما يُؤدِّي إلى سخطِ الله تعالَى ثمَّ ثنَّى بتعظيمِ الآخرةِ فقالَ : وَإِنَّ الآخرة هِيَ دَارُ القرار  لخلودِها ودوامِ ما فيها.

### الآية 40:40

> ﻿مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً فَلَا يُجْزَىٰ إِلَّا مِثْلَهَا ۖ وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَٰئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ [40:40]

مِنْ عَمَلٍ  في الدُّنيا  سَيّئَةً فَلاَ يجزى  في الآخرةِ  إِلاَّ مِثْلَهَا  عدلاً من الله سبحانَهُ وفيه دليلٌ على أنَّ الجناياتِ تُغْرمُ بأمثالِها  وَمَنْ عَمِلَ صالحا من ذَكَرٍ أَوْ أنثى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَئِكَ  الذينَ عملِوا ذلَك  يَدْخُلُونَ الجنة يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ  أيْ بغيرِ تقديرٍ وموازنةٍ بالعملِ بَلْ أضعافاً مُضاعفةً فضلاً من الله عزَّ وجلَّ ورحمةً. وجعلُ العملِ عمدةً والإيمانِ حالاً للإيذانِ بأنَّه لا عبرةَ بالعملِ بدونِه، وأنَّ ثوابَهُ أَعْلَى منْ ذلك

### الآية 40:41

> ﻿۞ وَيَا قَوْمِ مَا لِي أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجَاةِ وَتَدْعُونَنِي إِلَى النَّارِ [40:41]

ويا قوم مَا لِي أَدْعُوكُمْ إِلَى النجاة وَتَدْعُونَنِي إِلَى النار  كررَ نداءَهم إيقاظاً لهم عن سنة الغفلة واعتناء بالمنادى له ومبالغة في توبيخهم على ما يقابلون به نصحَهُ. ومدارُ التعجبِ الذي يلوحُ به الاستفهامُ دعوتُهم إيَّاهُ إلى النارِ ودعوته إياهم إلى النجاة كأنه قيل : أخبروني كيف هذه الحال أدعوكم إلى الخير وتدعونني إلى الشرِّ وقد جعلَه بعضُهم من قبيلِ ما لي أراكَ حزيناً أي ما لكَ تكونُ حزيناً.

### الآية 40:42

> ﻿تَدْعُونَنِي لِأَكْفُرَ بِاللَّهِ وَأُشْرِكَ بِهِ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَأَنَا أَدْعُوكُمْ إِلَى الْعَزِيزِ الْغَفَّارِ [40:42]

وقولُه تعالَى : تَدْعُونَنِي لأكْفُرَ بالله  بدلٌ أو بيانٌ فيه تعليلٌ والدعاءُ كالهدايةِ في التعديةِ بإلى واللامِ  وَأُشْرِكَ بِهِ مَا لَيْسَ لِي بِهِ  بشركتِه له تعالى في المعبوديةِ وقيل بربوبيتِه  عِلْم  والمرادُ نفيُ المعلومِ والإشعارُ بأنَّ الألوهيةَ لابُدَّ لها من بُرهانٍ موجبٍ للعلمِ بَها.  وَأَنَاْ أَدْعُوكُمْ إِلَى العزيز الغفار  الجامعِ لجميعِ صفاتِ الألوهيةِ من كمالِ القُدرةِ والغَلبةِ وما يتوقفُ عليهِ من العلمِ والإرادةِ والتمكنِ من المجازاةِ والقدرةِ على التعذيبِ والغفرانِ.

### الآية 40:43

> ﻿لَا جَرَمَ أَنَّمَا تَدْعُونَنِي إِلَيْهِ لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ فِي الدُّنْيَا وَلَا فِي الْآخِرَةِ وَأَنَّ مَرَدَّنَا إِلَى اللَّهِ وَأَنَّ الْمُسْرِفِينَ هُمْ أَصْحَابُ النَّارِ [40:43]

لاَ جَرَمَ  لا ردَّ لما دعَوهُ إليهِ وجرمَ فعلٌ ماضٍ بمعَنْى حَقَّ وفاعلُه قولُه تعالى : إِنَّ مَا تَدْعُونَنِي إِلَيْهِ لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ فِي الدنيا وَلاَ فِي الآخرة  أيْ حق ووجب عدم دعوة آلهتهم إلى عبادتها أصلاً أو عدم دعوة مستجابة أو عدم استجابةِ دعوةٍ لهَا وقيلَ جرمَ بمعنى كسبَ وفاعلُه مستكنٌّ فيهِ أي كسبَ ذلكَ الدعاءُ إليهِ بطلانَ دعوتِه بمعنى ما حصلَ من ذلكَ إلا ظهورُ بطلانِ دعوتِه وقيل : جرمَ فعلٌ من الجَرْمِ وهو القطعُ كما أن بُدّاً من لا بد فُعْلٌ من التبديد أي التفريق والمعنى لا قطع لبطلان ألوهية الأصنام أي لا ينقطع في وقت ما فينقلب حقاً ويؤيده قولهم لا جُرْم أنه يفعل بضم الجيم وسكون الراء وفُعْلٌ وفَعَلٌ أخوان كرُشْد ورَشَد  وَأَنَّ مَرَدَّنَا إِلَى الله  أي بالموتِ عطفٌ على أنَّ ما تدعونِني داخلٌ في حُكمِه وكذا قولُه تعالى : وَأَنَّ المسرفين  أي في الضلالِ والطغيانِ كالإشراكِ وسفكِ الدِّماءِ  هُمْ أصحاب النار  أي مُلازمُوهَا

### الآية 40:44

> ﻿فَسَتَذْكُرُونَ مَا أَقُولُ لَكُمْ ۚ وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ [40:44]

فَسَتَذْكُرُونَ  وقرئ فَستدكَّرُونَ أي فسيذكِّرُ بعضُكم بعضاً عند معاينةِ العذابِ  مَا أَقُولُ لَكُمْ  من النصائحِ  وَأُفَوّضُ أَمْرِي إِلَى الله  قالَه لما أنَّهم كانُوا توعَّدُوه  إِنَّ الله بَصِيرٌ بالعباد  فيحرُسُ مَنْ يلوذُ به من المكارِه

### الآية 40:45

> ﻿فَوَقَاهُ اللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا ۖ وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ [40:45]

فَوقَاهُ الله سَيّئَاتِ مَا مَكَرُواْ  شدائدَ مكرِهم وما همّوا به من إلحاقِ أنواعِ العذابِ بمن خالفَهم قيلَ نَجا معَ مُوسى عليهِ السَّلامُ  وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ  أي بفرعونَ وقومِه، وعدمُ التصريحِ بهِ للاستغناءِ بذكرِهم عنْ ذكرِه ضرورةَ أنَّه أولى منُهم بذلكَ وقيل : بطَلَبةِ المؤمنِ منْ قومِه لما أنَّه فرَّ إلى جبلٍ فاتبعَهُ طائفةٌ ليأخذُوه فوجدُوه يُصلِّي والوحوشُ صفوفٌ حولَهُ فرجعُوا رُعْباً فقتلَهُم  سُوء العذاب  الغرقُ والقتلُ والنَّارُ.

### الآية 40:46

> ﻿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا ۖ وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ [40:46]

النار يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوّاً وَعَشِيّاً  جملةٌ مستأنفةٌ مَسْوقةٌ لبيانِ كيفيةِ سوءِ العذابِ، أو النَّارُ خبرُ مبتدأٍ محذوفٍ، كأنَّ قَائِلاً قالَ ما سوءُ العذابِ فقيلَ هُو النَّارُ ويُعرضونَ استئنافٌ للبيانِ، أو بدلٌ من سوءِ العذابِ ويُعرضون حالٌ منَها أو من الآلِ ولا يشترطُ في الحَيْقِ أنْ يكونَ الحائقُ ذلكَ السوءَ بعينِه حَتَّى يردَ أنَّ آلَ فرعونَ لم يهمُّوا بتعذيبِه بالنَّارِ ليكونَ ابتلاؤهم بها من قبيلِ رجوعِ ما هَمُّوا بهِ عليهم بلْ يكِفي في ذلكَ أنْ يكونَ مما يطلقُ عليهِ اسمُ السوءِ. وقُرِئتْ منصوبةً على الاختصاصِ أو بإضمار فعلٍ يفسرُه يُعرَضونَ مثلُ يُصْلَون فإنَّ عرضَهُم على النَّارِ بإحراقِهم بها من قولِهم عُرضَ الأُسَارى على السيفِ إذا قُتِلُوا بهِ وذلكَ لأرواحِهم كما رَوَىَ ابنُ مسعودٍ رضَي الله عنْهُ أنَّ أرواحَهُم في أجوافٍ طيرٍ سُودٍ تُعرضُ على النَّارِ بُكرةً وعشياً إلى يومِ القيامةِ، وذكرُ الوقتينِ إمَّا للتخصيصِ وإمَّا فيما بينهُمَا فالله تعالَى أعلمُ بحالِهم وإمَّا للتأبيدِ هذا ما دامتِ الدُّنيا. 
 وَيَوْمَ تَقُومُ الساعة  يقالُ للملائكةِ  أَدْخِلُواْ آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ العذاب  أي عذابَ جهنَم فإنَّه أشدُّ ممَّا كانُوا فيه، أو أشدّ عذابِ جهنَم، فإنَّ عذابَها ألوانٌ بعضُها أشدُّ من بعضٍ. وقرئ ادخُلُوا من الدخولِ أي يُقالُ لهم ادخُلُوا يا آلَ فرعونَ أشدَّ العذابِ.

### الآية 40:47

> ﻿وَإِذْ يَتَحَاجُّونَ فِي النَّارِ فَيَقُولُ الضُّعَفَاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا نَصِيبًا مِنَ النَّارِ [40:47]

وَإِذْ يَتَحَاجُّونَ فِي النار  أي واذكُر لقومِكَ وقتَ تخاصُمِهم فيَها  فَيَقُولُ الضعفاء  منهم  لِلَّذِينَ استكبروا  وهُم رؤساؤُهم  إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا  أتباعاً كخَدَمٍ في جمعِ خَادِمٍ، أو ذَوِي تبعٍ أي أتْباعٍ على إضمار المضافِ أو تَبَعاً على الوصفِ بالمصدرِ مبالغةً  فَهَلْ أَنتُم مُّغْنُونَ عَنَّا نَصِيباً مّنَ النار  بالدفعِ أو بالحملِ، ونصيباً منصوبٌ بمضمرٍ يدلُّ عليه مغنونَ أي دافعونَ عنَّا نصيباً الخ. أو بمغنونَ على تضمينِه مَعْنى الحملِ أي مغنونَ عنَّا حاملينَ نصيباً الخ أو نُصبَ على المصدريةِ كشيئاً في قوله تعالى : لَن تُغْنِيَ عَنْهُمْ أموالهم وَلاَ أولادهم منَ الله شَيْئًا  \[ سورة آل عمران، الآية١٠و١١٢ وسورة المجادلة، الآية١٧ \] فإنَّه في موقعِ غَناءٍ فكذلكَ نصيباً

### الآية 40:48

> ﻿قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُلٌّ فِيهَا إِنَّ اللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ الْعِبَادِ [40:48]

قَالَ الذين استكبروا إِنَّا كُلٌّ فِيهَا  أي نحنُ وأنتُم فكيفَ تُغنِي عنكُم ولو قَدرنا لأغنيَنا عن أنفسِنا. وقرئ كُلاًّ على التأكيدِ لاسمِ إنَّ بمَعنى كُلَّنا وتنوينُه عوضٌ عن المضافِ إليهِ ولا مساغَ لجعلِه حالاً من المستكنِّ في الظرفِ فإنَّه لا يعملُ في الحالِ المتقدمةِ كما يعملُ في الظرفِ المتقدمِ فإنَّك تقولُ كلَّ يومٍ لكَ ثوبٌ ولاَ تقولُ جديداً لك ثوبٌ  إِنَّ الله قَدْ حَكَمَ بَيْنَ العباد  وقضَى قضاءً متقناً لا مردَّ لهُ ولا معقّبَ لحُكمهِ.

### الآية 40:49

> ﻿وَقَالَ الَّذِينَ فِي النَّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًا مِنَ الْعَذَابِ [40:49]

وَقَالَ الذين فِى النار  من الضعفاءِ والمستكبرينَ جميعاً لمَّا ضاقتْ حيلُهم وعيّتُ بهم عِللُهم  لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ  أي للقُوَّامِ بتعذيبِ أهلِ النَّارِ، ووضعُ جهنمَ موضعَ الضميرِ للتهويلِ والتفظيعِ أو لبيانِ محلِّهم فيَها بأنْ تكونَ جهنمُ أبعدَ دركاتِ النَّارِ وفيها أَعْتَى الكفرةِ وأطغاهُم أو لكونِ الملائكةِ الموكلينَ بعذابِ أهلِها أقدرَ على الشفاعةِ لمزيدِ قُربهم منَ الله تعالى : ادعوا رَبَّكُمْ يُخَفّفْ عَنَّا يَوْماً  أي مقدارَ يومٍ أو في يومٍ ما منَ الأيامِ على أنه ظرفٌ لا معيارُ شيئاً  مّنَ العذاب  واقتصارهُم في الاستدعاءِ على ما ذُكرَ من تخفيفِ قدرٍ يسيرٍ من العذابِ في مقدارِ قصيرٍ من الزمانِ دونَ رفعِه رأساً أو تخفيفِ قدرٍ كثيرٍ منْهُ في زمانٍ مديدٍ لأنَّ ذلكَ عندهُم مما ليسَ في حيزِ الإمكانِ ولا يكادُ يدخلُ تحتَ أَمانيِّهم

### الآية 40:50

> ﻿قَالُوا أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ ۖ قَالُوا بَلَىٰ ۚ قَالُوا فَادْعُوا ۗ وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ [40:50]

قَالُواْ  أي الخزنةُ  أَوَ لَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُم بالبينات  أيْ ألم تُنبهوا على هَذا ولم تكُ تأتيكُم رسلُكم في الدُّنيا على الاستمرارِ بالحججِ الواضحةِ الدالةِ على سُوءِ مغبةٍ ما كنتُم عليهِ من الكُفرِ والمَعَاصِي، كَما في قولِه تعالى : أَلَمْ يأْتِكُم رُسل مِنْكُم يَتْلونَ عَلَيْكُم آيات رَبِكُم وَيُنْذِرُونَكُم لِقَاء يَومِكُم هذا  \[ سورة الزمر، الآية٧١ \] أرادُوا بذلكَ إلزامَهُم وتوبيخَهُم على إضاعةِ أوقاتِ الدُّعاءِ وتعطيلِ أسبابِ الإجابةِ  قَالُواْ بلى  أي أتَونا بها فكذَّبناهُم كما نطقَ به قولُه تعالَى : بلى قَدْ جَاءنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ الله مِن شَيْء إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ فِى ضلال كَبِيرٍ  \[ سورة الملك، الآية٩ \] والفاءُ في قولِه تعالَى : قَالُواْ فادعوا  فصحيةٌ كما في قولِ مَنْ قالَ :
فَقَدْ جِئْنَا خُرَاسَانا \*\*\*. . . 
أيْ إذَا كانَ الأمرُ كذلكَ فادعُوا أنتُم فإنَّ الدعاءَ لمن يفعلُ ذلكَ مما يستحيلُ صدورُه عنَّا وتعليلُ امتناعِهم عنِ الدعاءِ بعدمِ الإذنِ فيه معَ عرائِه عن بيانِ أنَّ سبَبهُ من قبلِهم كَما تُفصحُ عنه الفاءُ رُبَّما يُوهُم أنَّ الإذنَ في حيزِ الإمكانِ وأنَّهم لو أُذنَ لهم فيهِ لفعلُوا ولم يريدُوا بأمرِهم بالدعاءِ إطماعَهُم في الإجابةِ بل إقناطَهم منَها وإظهارَ خيبتهم حسبما صرَّحُوا بهِ في قولِهم : وَمَا دُعَاء الكافرين إِلاَّ فِي ضلال  أي ضياعٍ وبُطلانٍ.

### الآية 40:51

> ﻿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ [40:51]

وقولُه تعالَى : إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا والذين آمَنُواْ  كلامٌ مستأنفٌ مسوقٌ من جهتِه تعالَى لبيانِ أنَّ ما أصابَ الكفرةَ من العذابِ المحِكيِّ من فروعِ حكمٍ كليَ تقتضيِه الحكمةُ وهو أنَّ شأنَنا المستمرَّ أنَّا ننصرُ رسلنَا وأتباعَهُم  فِي الحياة الدنيا  بالحجَّةِ والظفرِ والانتقامِ لهم من الكفرةِ بالاستئصالِ والقتلِ والسَّبي وغيرِ ذلكَ من العقوباتِ ولا يقدحُ في ذلكَ ما قدْ يتفقُ لهم من صورةِ الغلبةِ امتحاناً إذِ العبرةُ إنَّما هيَ بالعواقبِ وغالبِ الأمر. 
 وَيَوْمَ يَقُومُ الأشهاد  أي يومَ القيامةِ عبرَ عنْهُ بذلكَ للإشعارِ بكيفيةِ النُصرةِ وأنَّها تكونُ عندَ جميعِ الأولينَ والآخِرينَ بشهادةِ الأشهادِ للرسلِ بالتبليغِ وعلى الكفرةِ بالتكذيبِ

### الآية 40:52

> ﻿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ ۖ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ [40:52]

يَوْمَ لاَ يَنفَعُ الظالمين مَعْذِرَتُهُمْ  بدلٌ من الأولِ وعدمُ نفعِ المعذرةِ لأنَّها باطلةٌ. وقرئ لا تنفعُ بالتاءِ  وَلَهُمُ اللعنة  أيْ البُعدُ عن الرحمةِ  وَلَهُمْ سُوء الدار  أي جهنُم

### الآية 40:53

> ﻿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْهُدَىٰ وَأَوْرَثْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ الْكِتَابَ [40:53]

وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الهدى  ما يُهتدَى بهِ من المعجزاتِ والصحفِ والشرائعِ  وَأَوْرَثْنَا بَنِي إسرائيل الكتاب  وتركنَا عليهم من بعدِه التوراةَ

### الآية 40:54

> ﻿هُدًى وَذِكْرَىٰ لِأُولِي الْأَلْبَابِ [40:54]

هُدًى وذكرى  هدايةً وتذكرةً أو هادياً ومذكراً  لأُوْلِي الألباب  لذوِي العقولِ السليمةِ العاملينَ بما في تضاعيفِه

### الآية 40:55

> ﻿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ [40:55]

فاصبر  على ما نالكَ من أذيةِ المشركينَ  إِنَّ وَعْدَ الله  أيْ وعدَه الذي ينطقُ بهِ قولُه تعالَى : وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا المرسلين إِنَّهُمْ لَهُمُ المنصورون وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ الغالبون  \[ سورة الصافات، الآية١٧١ \] أو وعدَهُ الخاصَّ بكَ أو جميعَ مواعيدِه التي من جُمْلتها ذلكَ  حَقّ  لا يحتملُ الإخلافَ أصلاً واستشهدْ بحالِ مُوسى وفرعونَ  واستغفر لِذَنبِكَ  تداركاً لما فرَطَ منكَ من تركِ الأَوْلى في بعضِ الأحايينِ فإنَّه تعالَى كافيكَ في نُصرةِ دينكَ وإظهارِه على الدِّينِ كُلِّه  وَسَبّحْ بِحَمْدِ رَبّكَ بالعشي والإبكار  أيْ ودُمْ على التسبيحِ ملتبساً بحمدِه تعالَى، وقيلَ صَلِّ لهذينِ الوقتينِ إذْ كانَ الواجبُ بمكةَ ركعتينِ بُكرةً وركعتينِ عشياً، وقيلَ صلِّ شُكراً لرِّبكَ بالعشيِّ والإبكارَ، وقيلَ هُمَا صلاةُ العصرِ وصلاةُ الفجرِ.

### الآية 40:56

> ﻿إِنَّ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ ۙ إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ مَا هُمْ بِبَالِغِيهِ ۚ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ ۖ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ [40:56]

إِنَّ الذين يجادلون فِى آيات الله  ويجحدونَ بها  بِغَيْرِ سلطان أتاهم  في ذلكَ من جهتِه تعالَى، وتقييدُ المجادلةِ بذلكَ مع استحالةِ إتيانِه للإيذانِ بأنَّ التكلَم في أمِر الدِّينِ لابُد من استنادِه إلى سطانٍ مبينٍ البتةَ وهذا عامٌ لكلِّ مجادلٍ مُبطلٍ وإنْ نزلَ في مُشركِي مكَة. وقولُه تعالَى : إِن فِي صُدُورِهِمْ إِلاَّ كِبْرٌ  خبرٌ لإنَّ، أيْ ما فِي قلوبِهم إلا تكبرٌ عن الحقِّ وتعظّمٌ عن التفكرِ والتعلمِ، أو إلاَّ إرادةُ الرياسةِ والتقدمِ على الإطلاقِ أو إلا إرادةُ أنْ تكونَ النبوةُ لهم دونَك حسداً وبغياً حسبَما قالُوا : لوَلا نُزِّلَ هذا القرآنُ على رجلٍ من القريتينِ عظيمٍ  \[ سورة الزخرف، الآية٣١ \] وقالُوا : لو كانَ خيراً ما سبقونَا إليهِ  \[ سورة الأحقاف، الآية١١ \] ولذلكَ يُجادلون فيها لا أنَّ فيها موقعَ جدالٍ ما أو أنَّ لهمُ شيئاً يتوهم أنْ يَصلُحَ مداراً لمُجادلتِهم في الجُملةِ. وقولُه تعالى : ما هُم ببالغيه  صفةٌ لكِبرٌ. قال مجاهدٌ ما هُم ببالغي مقتضَى ذلكَ الكِبرِ وهُو ما أرادُوه من الرياسةِ أو النبوةِ، وقيلَ[(١)](#foonote-١) المجادلونَ هم اليهودُ وكانُوا يقولونَ لستَ صاحبنَا المذكورَ في التوراةِ بلْ هُو المسيحُ بنُ داودَ يريدونَ الدجَّالَ يخرجُ في آخرِ الزمانِ ويبلغُ سلطانُه البَرَّ والبحرَ وتسيرُ معه الأنهارُ وهُو آيةٌ من آياتِ الله تعالى فيرجعُ إلينا المُلكُ فسمَّى الله تعالَى تمنَّيَهم ذلكَ كبْراً ونَفَى أنْ يبلُغوا مُتمنَّاهُم  فاستعذ بالله  أي فالتجئ إليهِ من كيدِ مَنْ يحسدُكَ ويبغِي عليكَ وفيهِ رمزٌ إلى أنَّه من هَمَزاتِ الشياطينِ  إِنَّهُ هُوَ السميع البصير  لأقوالِكم وأفعالِكم. 
١ ذكر الألوسي في روح المعانس (٢٤/٧٨)..

### الآية 40:57

> ﻿لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ [40:57]

وقولُه تعالَى : لَخَلْقُ السموات والأرض أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ الناس  تحقيقٌ للحقِّ وتبيينٌ لأشهرِ ما يُجادلونَ فيهِ من أمرِ البعثِ على منهاجِ قولِه تعالى : أَوَلَيْسَ الذي خَلَقَ السموات والأرض بقادر على أَن يَخْلُقَ مِثْلَهُم  \[ سورة يس، الآية٨١ \]  ولكن أَكْثَرَ الناس لاَ يَعْلَمُونَ  لقصُورِهم في النظرِ والتأملِ لفرطِ غفلتِهم واتباعِهم لأهوائِهم.

### الآية 40:58

> ﻿وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَىٰ وَالْبَصِيرُ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَلَا الْمُسِيءُ ۚ قَلِيلًا مَا تَتَذَكَّرُونَ [40:58]

وَمَا يَسْتَوِي الأعمى والبصير  أي الغافلُ والمستبصرُ  والذين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات وَلاَ المسيء  أي والمحسنُ والمسيءُ فلابُدَّ أنْ تكونَ لهم حالٌ أُخرى يظهرُ فيها ما بينَ الفريقينِ من التفاوتِ وهيَ فيما بعدَ البعثِ وزيادةُ لا في المسيءِ لتأكيدِ النفي لطولِ الكلامِ بالصلةِ ولأنَّ المقصودَ نفي مساواتِه للمحسنِ فيَما له من الفضلِ والكرامةِ والعاطفُ الثاني عطفُ الموصولِ بما عُطفَ عليهِ على الأعمى والبصيرُ لتغايرِ الوصفينِ في المقصودِ أو الدلالةِ بالصراحةِ والتمثيلِ  قَلِيلاً ما تَتَذَكَّرُونَ  على الخطابِ بطريقِ الالتفاتِ أي تذكراً قليلاً تتذكرون، وقرئ على الغَيبةِ. والضميرُ للناسِ أو الكفَّارِ.

### الآية 40:59

> ﻿إِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ لَا رَيْبَ فِيهَا وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ [40:59]

إِنَّ الساعة لآتِيَةٌ لا رَيْبَ فِيهَا  أي في مجيئِها لوضوحِ شواهدِها وإجماعِ الرسلِ على الوعدِ بوقوعِها.  ولكن أَكْثَرَ الناس لاَ يُؤْمِنُونَ  لا يُصدقونَ بها لقصورِ أنظارِهم على ظواهرِ ما يُحسُّون به.

### الآية 40:60

> ﻿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ ۚ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ [40:60]

وَقَالَ رَبُّكُمْ ادعوني  أي اعبدونِي  أَسْتَجِبْ لَكُمْ  أي أُثِبْكُم لقولِه تعالى : إِنَّ الذين يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ داخرين  أيْ صاغرينَ أذلاّء وإنْ فُسِّرِ الدعاءُ بالسؤالِ كانَ الأمرُ الصارفُ عنه منزّلاً منزلةَ الاستكبارِ عن العبادةِ للمبالغةِ أو المرادُ بالعبادةِ الدعاءُ فإنَّه من أفضلِ أبوابِها. وقرئ سيُدخلُونَ على صيغةِ المبنيِّ للمفعولِ من الإدخالِ.

### الآية 40:61

> ﻿اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا ۚ إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ [40:61]

الله الذي جَعَلَ لَكُمُ الليل لِتَسْكُنُواْ فِيهِ  بأنْ حلقَهُ بارداً مُظلماً ليُؤدِّيَ إلى ضعفِ المحركاتِ وهُدءِ الحواسِّ لتستريحُوا فيهِ. وتقديمُ الجارِّ والمجرورِ على المفعولِ قد مرَّ سرُّه مراراً  والنهار مُبْصِراً  أي مُبصَراً فيهِ أو بهِ.  إِنَّ الله لَذُو فَضْلٍ  عظيمٍ لا يُوازيِه ولا يدانيِه فضلٌ.  عَلَى الناس ولكن أَكْثَرَ الناس لاَ يَشْكُرُونَ  لجهلِهم بالمُنعمِ وإغفالِهم مواضعَ النعمِ، وتكريرُ النَّاسِ لتخصيصِ الكفرانِ بهم.

### الآية 40:62

> ﻿ذَٰلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ۖ فَأَنَّىٰ تُؤْفَكُونَ [40:62]

ذلكم  المتفردُ بالأفعالِ المقتضيةِ للألوهيةِ والربوبيةِ  الله رَبُّكُمْ خالق كُلّ شَيْء لا إله إِلاَّ هُوَ  أخبارٌ مترادفةٌ تخصصُ اللاحقةُ منها السابقةَ وتُقررها. وقرئ خالقَ بالنصبِ على الاختصاصِ فيكونُ لاَ إلَه إلا هُو استئنافاً بما هُو كالنتيجة للأوصاف المذكورةِ  فأنى تُؤْفَكُونَ  فكيفَ، ومن أيِّ وجهٍ تُصرفونَ عن عبادتِه خاصَّةً إلى عبادةِ غيرِه

### الآية 40:63

> ﻿كَذَٰلِكَ يُؤْفَكُ الَّذِينَ كَانُوا بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ [40:63]

كَذَلِكَ يُؤْفَكُ الذين كَانُواْ بآيات الله يَجْحَدُونَ  أي مثلَ ذلكَ الإفكِ العجيبِ الذي لا وجَه لهُ ولا مصححَ أصلاً يؤفكُ كلُّ من جحدَ بآياتِه تعالَى أيَّ آية كانتْ لا إفكاً آخرَ له وجهٌ ومصحِّحٌ في الجملة

### الآية 40:64

> ﻿اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ قَرَارًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ ۚ ذَٰلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ ۖ فَتَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ [40:64]

الله الذي جَعَلَ لَكُمُ الأرض قَرَاراً والسماء بِنَاء  بيانٌ لفضلِه تعالى المتعلقِ بالمكانِ بعد بيانِ فضلِه المتعلقِ بالزمانِ. وقولُه تعالَى : وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ  بيانٌ لفضلِه المتعلقِ بأنفسِهم، والفاءُ في فأحسنَ تفسيريةٌ فإنَّ الإحسانَ عينُ التصويرِ أي صوَّركُم أحسنَ تصويرٍ حيثُ خلقكُم مُنتصِبي القامةِ باديَ البَشَرةِ متناسبَ الأعضاءِ والتخطيطاتِ متهيئاً لمزاولةِ الصنائعِ واكتسابِ الكمالاتِ.  وَرَزَقَكُم منَ الطيبات  أي اللذائذِ  ذلكم  الذي نُعتَ بما ذُكرَ من النعوتِ الجليلةِ  الله رَبُّكُمُ  خبرانِ لذلكُم  فَتَبَارَكَ الله  أي تعالَى بذاتِه  رَبّ العالمين  أي مالكُهم ومربيِهم والكلُّ تحتَ ملكوتِه مفتقرٌ إليه في ذاتِه ووجودِه وسائرِ أحوالِه جميعاً بحيثُ لو انقطعَ فيضُه عَنه آناً لانعدمَ بالكليةِ.

### الآية 40:65

> ﻿هُوَ الْحَيُّ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ ۗ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ [40:65]

هُوَ الحي  المتفردُ بالحياةِ الذاتيةِ الحقيقةِ  لاَ إله إِلاَّ هُوَ  إذْ لاَ موجودَ يدانيهِ في ذاتِه وصفاتِه وأفعالِه  فادعوه  فاعبدُوه خاصَّةً لاختصاصِ ما يُوجبه به تعالَى  مُخْلِصِينَ لَهُ الدين  أي الطاعةَ من الشركِ الجليِّ والخفيِّ  الحمد للَّهِ رَبّ العالمين  أيْ قائلينَ ذلكَ، عن ابنِ عبَّاسٍ رضيَ الله عنُهمَا : مَنْ قالَ لا إلهَ إلاَّ الله فليقُلْ علَى أثرِها الحُمد الله ربِّ العالمينَ.

### الآية 40:66

> ﻿۞ قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَمَّا جَاءَنِيَ الْبَيِّنَاتُ مِنْ رَبِّي وَأُمِرْتُ أَنْ أُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ [40:66]

قُلْ إِنّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الذين تَدْعُونَ مِن دُونِ الله لَمَّا جَاءنِي البينات مِن ربّي  من الحججِ والآياتِ أو من الآياتِ لكونِها مؤيدةً لأدلةِ العقلِ منبهةً عليها فإنَّ الآياتِ التنزيليةَ مفسراتٌ للآياتِ التكوينيةِ الآفاقيةِ والأنفُسية.  وَأُمِرْتُ أَنْ أُسْلِمَ لِرَبّ العالمين  أيْ بأنْ أنقادَ لهُ وأخلصَ له دِيني

### الآية 40:67

> ﻿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ ثُمَّ لِتَكُونُوا شُيُوخًا ۚ وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّىٰ مِنْ قَبْلُ ۖ وَلِتَبْلُغُوا أَجَلًا مُسَمًّى وَلَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ [40:67]

هُوَ الذي خَلَقَكُمْ من تُرَابٍ  أيْ في ضمنِ خلقِ آدمَ عليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ منه حسبَما مرَّ تحقيقُه مراراً.  ثُمَّ مِن نطْفَةٍ  أي ثمَّ خلقكُم خلقاً تفصيلياً من نطفة أي مني.  ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلاً  أي أطفالاً. والإفراد لإرادة الجنسِ، أو لإرادةِ كلِّ واحدٍ من أفرادِه.  ثُمَّ لِتَبْلُغُواْ أَشُدَّكُمْ  علةٌ ليخرجَكم معطوفةً على علةٍ أُخرى له مناسبةٌ لها كأنَّه قيلَ ثم يُخرجَكُم طِفْلاً لتكبَروا شيئاً فشيئاً ثم لتبلُغوا كمالَكُم في القوةِ والعقلِ وكَذا الكلامُ في قولِه تعالى : ثُمَّ لِتَكُونُواْ شُيُوخاً  ويجوزُ عطفُه عَلى لتبلغُوا. وقرئ شيخاً كقولِه تعالَى طِفْلاً  وَمِنكُمْ من يتوفى مِن قَبْلُ  أي من قبلِ الشيخوخةِ بعد بلوغِ الأشدِّ أو قبلَه أيضاً.  وَلِتَبْلُغُواْ  متعلقٌ بفعلٍ مقدرٍ بعدَهُ أي ولتبلغُوا  أَجَلاً مُّسَمًّى  هُو وقتُ الموتِ، أو يومَ القيامةِ يفعلُ ذلكَ  وَلَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ  ولكي تعقلُوا ما في ذلكَ من فنونِ الحِكَمِ والعِبر

### الآية 40:68

> ﻿هُوَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ ۖ فَإِذَا قَضَىٰ أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ [40:68]

هُوَ الذي يُحْييِ  الأمواتَ  وَيُمِيتُ  الأحياءَ أو الذي يفعلُ الإحياءَ والإماتةَ  فَإِذَا قضى أَمْراً  أي أرادَ أمراً من الأمورِ  فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ  من غيرِ توقفٍ على شيءٍ من الأشياءِ أصلاً وهذا تمثيلٌ لتأثيرِ قُدرتِه تعالى في المقدوراتِ عند تعلقِ إرادتِه بها وتصويرٌ لسرعةِ ترتبِ المكوناتِ على تكوينِه من غيرِ أنْ يكونَ هناكَ أمرٌ ومأمورٌ. والفاءُ الأُولَى للدِلالةِ على أنَّ ما بعدَها من نتائج ما قبلها من اختصاصِ الإحياءِ والإماتةِ به سبحانَه.

### الآية 40:69

> ﻿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ أَنَّىٰ يُصْرَفُونَ [40:69]

أَلَمْ تَرَ إِلَى الذين يجادلون فِى آيات الله أنى يُصْرَفُونَ  تعجيبٌ من أحوالِهم الشنيعةِ وآرائِهم الركيكةِ وتمهيدٌ لما يعقُبه من بيانِ تكذيبِهم بكلِّ القُرآنِ وبسائرِ الكتبِ والشرائعِ وترتيبُ الوعيدِ على ذلكَ كَما أنَّ ما سبقَ من قولِه تعالَى : إِنَّ الذين يجادلون فِي آيات الله  \[ سورة غافر، الآية٥٦ \] الخ بيانٌ لابتناءِ جدالِهم على مَبْنى فاسدٍ لا يكادُ يدخلُ تحتَ الوجودِ هُو الأمنيَّةُ الفارغةُ فلا تكريَر فيهِ أي انظُرْ إلى هؤلاءِ المكابرينَ المُجادلينَ في آياتِه تعالَى الواضحةِ الموجبةِ للإيمانِ بها الزاجرةِ عن الجدالِ فيها كيفَ يُصرفونَ عنها معَ تعاضدِ الدَّواعِي إلى الإقبالِ عليها وانتفاءِ الصوارفِ عنها بالكُلِّيةِ.

### الآية 40:70

> ﻿الَّذِينَ كَذَّبُوا بِالْكِتَابِ وَبِمَا أَرْسَلْنَا بِهِ رُسُلَنَا ۖ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ [40:70]

وقولُه تعالَى : الذين كَذَّبُواْ بالكتاب  أيْ بكُلِّ القُرآنِ أو بجنسِ الكُتبِ السماويةِ فإنَّ تكذيبَهُ تكذيبٌ لهَا في محلِّ الجرِّ على أنَّه بدلٌ من الموصولِ الأولِ أو في حيزِ النصبِ أو الرفعِ على الذمِّ، وإنما وُصلَ الموصولُ الثَّانِي بالتكذيبِ دُونَ المُجادلةِ لأنَّ المعتادَ وقوعَ المُجادلةِ في بعض الموادِ لا في الكُلِّ. وصيغةُ الماضِي للدِلالة على التحقق كما أنَّ صيغةَ المضارعِ في الصلةِ الأُولى للدلالةِ على تجددِ المجادلةِ وتكررِها  وَبِمَا أَرْسَلْنَا بِهِ رُسُلَنَا  من سائرِ الكتبِ أو مطلقِ الوَحي والشرائعِ  فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ  كُنْهَ ما فعلُوا من الجدالِ والتكذيبِ عند مشاهدتِهم لعقوباتِه

### الآية 40:71

> ﻿إِذِ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَالسَّلَاسِلُ يُسْحَبُونَ [40:71]

إِذِ الأغلال فِي أعناقهم  ظرفٌ ليعلمونَ إِذ المَعْنى على الاستقبالِ. ولفظُ الماضِي لتيقنِه  والسلاسل  عطفٌ على الأغلالِ. والجارُّ في نيةِ التأخيرِ وقيل : مبتدأ حذف خبره لدلالة خبر الأول عليه، وقيل : قوله تعالى : يُسْحَبُونَ  بحذفِ العائدِ أي يُسحبونَ بَها وهُو على الأولَينِ حالٌ من المُستكنِّ في الظرفِ وقيل : استئنافٌ وقعَ جواباً عن سؤالٍ نشأَ من حكايةِ حالِهم كأنَّه قيلَ فماذَا يكونُ حالُهم بعدَ ذلكَ فقيلَ يُسحبونَ

### الآية 40:72

> ﻿فِي الْحَمِيمِ ثُمَّ فِي النَّارِ يُسْجَرُونَ [40:72]

فِي الحميم  وقرئ والسلاسلَ يَسحبون بالنَّصبِ وَفتحِ الياءِ عَلَى تقديمِ المفعولِ وعطفِ الفعليةِ على الاسميةِ، والسَّلاسلِ بالجرِّ حملاً على المَعْنى لأنَّ قولَه تعالى : الأغلال فِي أعناقهم  في مَعْنى أعناقُهم في الأغلالِ أو إضماراً للباءِ ويدلُّ عليه القراءةُ بهِ  ثُمَّ فِي النار يُسْجَرُونَ  أي يُحرقونَ مِنْ سجرَ التنورَ إذا ملأَهُ بالوقودِ ومنُه السَّجيرُ للصديقِ كأنَّه سُجِّر بالحبِّ أي مُلىءَ والمرادُ بيانُ أنَّهم يُعذبونَ بأنواعِ العذابِ ويُنقلونَ من بابِ إلى بابٍ

### الآية 40:73

> ﻿ثُمَّ قِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تُشْرِكُونَ [40:73]

ثُمَّ قِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ تُشْرِكُونَ مِن دُونِ الله قَالُواْ ضَلُّواْ عَنَّا  أي يقالُ لَهمُ ويقولونَ. وصيغةُ المَاضِي للدلالةِ على التحقيقِ ومَعْنى ضلُّوا عنَّا غابُوا عنَّا وذلكَ قبلَ أنْ يُقرنَ بهم آلهتُهم أو ضاعُوا عنَّا فلم نجدْ ما كُنَّا نتوقعُ منُهم.  بَل لمْ نَكُنْ ندْعُو مِن قَبْلُ شَيْئاً  أي بَلْ تبينَ لنَا أنَّا لم نكُنْ نعبدُ شيئاً بعبادتِهم لما ظهرَ لنا اليومَ أنَّهم لم يكونُوا شيئاً يعتدُّ بهِ كقولِك حسبتُه فلم يكُنْ. 
 كذلك  أي مثلَ ذلكَ الضلالِ الفظيعِ  يُضِلُّ الله الكافرين  حيثُ لا يهتدونَ إلى شيءٍ ينفُعهم في الآخرةِ أو كما ضلَّ عنُهم آلهتُهم يُضلّهم عن آلهتِهم حتَّى لو تطالبُوا لم يتصادفُوا.

### الآية 40:74

> ﻿مِنْ دُونِ اللَّهِ ۖ قَالُوا ضَلُّوا عَنَّا بَلْ لَمْ نَكُنْ نَدْعُو مِنْ قَبْلُ شَيْئًا ۚ كَذَٰلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ الْكَافِرِينَ [40:74]

نص مكرر لاشتراكه مع الآية ٧٣: ثُمَّ قِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ تُشْرِكُونَ مِن دُونِ الله قَالُواْ ضَلُّواْ عَنَّا  أي يقالُ لَهمُ ويقولونَ. وصيغةُ المَاضِي للدلالةِ على التحقيقِ ومَعْنى ضلُّوا عنَّا غابُوا عنَّا وذلكَ قبلَ أنْ يُقرنَ بهم آلهتُهم أو ضاعُوا عنَّا فلم نجدْ ما كُنَّا نتوقعُ منُهم.  بَل لمْ نَكُنْ ندْعُو مِن قَبْلُ شَيْئاً  أي بَلْ تبينَ لنَا أنَّا لم نكُنْ نعبدُ شيئاً بعبادتِهم لما ظهرَ لنا اليومَ أنَّهم لم يكونُوا شيئاً يعتدُّ بهِ كقولِك حسبتُه فلم يكُنْ. 
 كذلك  أي مثلَ ذلكَ الضلالِ الفظيعِ  يُضِلُّ الله الكافرين  حيثُ لا يهتدونَ إلى شيءٍ ينفُعهم في الآخرةِ أو كما ضلَّ عنُهم آلهتُهم يُضلّهم عن آلهتِهم حتَّى لو تطالبُوا لم يتصادفُوا. ---

### الآية 40:75

> ﻿ذَٰلِكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَفْرَحُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنْتُمْ تَمْرَحُونَ [40:75]

ذلكم  الإضلالُ  بِمَا كُنتُمْ تَفْرَحُونَ فِي الأرض  أي تبطَرون وتتكبرون  بِغَيْرِ الحق  وهُو الشركُ والطغيانُ  وَبِمَا كُنتُمْ تَمْرَحُونَ  تتوسعونَ في البطر والأشَر. والالتفاتُ للمبالغة في التوبيخِ.

### الآية 40:76

> ﻿ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا ۖ فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ [40:76]

ادخلوا أبواب جَهَنَّمَ  أي أبوابَها السبعةَ المقسومةَ لكُم  خالدين فِيهَا  مقدراً خلودُكم فيها  فَبِئْسَ مَثْوَى المتكبرين  أي عن الحقِّ جهنمُ والتعبيرُ عن مدخلِهم بالمَثْوى لكونِ دخولِهم بطريقِ الخلودِ

### الآية 40:77

> ﻿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ ۚ فَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ [40:77]

فاصبر  إلى أنْ يُلاقُوا ما أُعدَّ لهمُ من العذابِ  إِنَّ وَعْدَ الله  بتعذيبِهم  حَقّ  كائنٌ لا محالَة  فَإِمَّا نُرِيَنَّكَ  أي فإنْ نُرِكَ ومَا مزيدةٌ لتأكيدِ الشرطيةِ ولذلكَ لحقتِ النونُ الفعلَ ولا تلحقُه مع إنْ وحدَها  بَعْضَ الذي نَعِدُهُمْ  وهو القتلُ والأسرُ  أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ  قبلَ ذلكَ  فَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ  يومَ القيامةِ فنجازِيهم بأعمالِهم وهُو جوابُ نتوفينكَ وجوابُ نرينك محذوفٌ مثلُ فذاكَ ويجوزُ أن يكونَ جواباً لهما بَمعْنى إنْ نُعذبهم في حياتِك أو لم نُعذبْهم فإنَّا نعذبهم في الآخرةِ أشدَّ العذابِ وأفظَعه كما ينبئُ عنْهُ الاقتصارُ على ذكِر الرجوعِ في هذا المعرضِ.

### الآية 40:78

> ﻿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ ۗ وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ ۚ فَإِذَا جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ قُضِيَ بِالْحَقِّ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْمُبْطِلُونَ [40:78]

وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلاً من قَبْلِكَ مِنْهُم من قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ من لمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ  إذْ قيلَ عددُ الأنبياءِ عليهم السلام مائةٌ وأربعةٌ وعشرونَ ألفاً، والمذكورُ قصصُهم أفرادٌ معدودةٌ وقيلَ أربعةُ آلافً من بني إسرائيلَ وأربعةُ آلافٍ من سائرٍ النَّاسِ.  وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ  أي وما صحَّ وما استقامَ لرسولٍ منُهم  أَن يَأْتِيَ بآيَةٍ إِلاَّ بِإِذْنِ الله  فإنَّ المعجزاتِ على تشعب فنونِها عطايَا من الله تعالَى قسمها بينُهم حسبَما اقتضتْهُ مشيئتُه المبنيةُ على الحكمِ البالغةِ كسائرِ القَسْمِ ليسَ لهم اختيارٌ في إيثارِ بعضِها والاستبدادِ بإتيانِ المقترحِ منَها  فَإِذَا جَاء أَمْرُ الله  بالعذابِ في الدُّنيا والآخرةِ  قُضِيَ بالحق  بإنجاءِ المُحقِّ وإثابتِه وإهلاكِ المُبطلِ وتعذيبِه  وَخَسِرَ هُنَالِكَ  أي وقتَ مجيءِ أمرِ الله، اسمُ مكانٍ استعيرَ للزمانِ  المبطلون  أي المتمسكونَ بالباطلِ على الإطلاقِ فيدخلُ فيهم المعاندونَ المقترحونَ دخولاً أولياً.

### الآية 40:79

> ﻿اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَنْعَامَ لِتَرْكَبُوا مِنْهَا وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ [40:79]

الله الذي جَعَلَ لَكُمُ الأنعام  قيلَ هيَ الإبلُ خَاصَّةً، أي خلقَها لأجلِكُم ومصلحتِكم. وقولُه تعالى : لِتَرْكَبُواْ مِنْهَا وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ  تفصيلٌ لما دلَّ عليهِ اللامُ إجمالاً، ومِنْ لابتداءِ الغايةِ ومعناهَا ابتداءٌ الركوبِ والأكلِ منَها أي تعلقهُما بَها، وقيل : للتبعيضِ أي لتركبُوا بعضَها وتأكلُوا بعضَها لا على أَنَّ كلاَّ من الركوبِ والأكلِ مختصٌّ ببعضٍ معينٍ منها بحيثُ لا يجوزُ تعلقُه بما تعلقَ به الآخرُ بلْ على أنَّ كلَّ بعضٍ منَها صالحٌ لكلَ منهما، وتغييرُ النظمِ الكريمِ في الجُملةِ الثانيةِ لمُراعاةِ الفواصلِ معَ الإشعارِ بأصالِة الركوبِ

### الآية 40:80

> ﻿وَلَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ وَلِتَبْلُغُوا عَلَيْهَا حَاجَةً فِي صُدُورِكُمْ وَعَلَيْهَا وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ [40:80]

وَلَكُمْ فيِهَا منافع  أُخرُ غيرُ الركوبِ والأكلِ كألبانِها وأوبارِها وجلودِها  وَلِتَبْلُغُواْ عَلَيْهَا حَاجَةً فِي صُدُورِكُمْ  بحملِ أثقالِكم من بلدٍ إلى بلدٍ  وَعَلَيْهَا وَعَلَى الفلك تُحْمَلُونَ  لعلَّ المرادَ به حملُ النساءِ والولدانِ عليها بالهودجِ، وهو السرُّ في فصلِه عن الركوبِ. والجمعُ بينَها وبينَ الفلكِ في الحملِ لما بينَهمَا من المناسبةِ التامَّةِ حتى سُميتْ سفائنَ البرِّ وقيلَ : هي الأزواجُ الثمانيةُ فمعنى الركوبِ والأكلِ منها تعلقُهمَا بالكلِّ لكنْ لا على أنَّ كلاَّ منهُمَا تعلقُه بما تعلقَ به الآخرُ بل على أنَّ بعضَها يتعلقُ به كلاهُما كالإبلِ والبقرِ، والمنافعُ تعمُّ الكلَّ، وبلوغُ الحاجةِ عليها يعمُّ البقرَ

### الآية 40:81

> ﻿وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ فَأَيَّ آيَاتِ اللَّهِ تُنْكِرُونَ [40:81]

وَيُرِيكُمْ آياته  دلائلَه الدالةَ على كمالِ قُدرتِه ووفورِ رحمتِه  فَأَيَّ آيات الله  أي فأيَّ آيةٍ من تلكَ الآياتِ الباهرةِ  تُنكِرُونَ  فإنَّ كلاً منها من الظهورِ بحيثُ لا يكادُ يجترئُ على إنكارِها مَنْ له عقلٌ في الجملةِ وهو ناصبٌ لأيَّ، وإضافةُ الآياتِ إلى الاسمِ الجليلِ لتربيةِ المهابةِ وتهويلِ إنكارِها وتذكير أيْ هُو الشائعُ المستفيضُ، والتأنيثُ قليلٌ لأنَّ التفرقةَ بين المذكِر والمؤنثِ في الأسماءِ غيرُ الصفاتِ نحوُ حمارٌ وحمارةٌ غريبٌ وهيَ في أيَ أغربُ لإبهامِه.

### الآية 40:82

> ﻿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ ۚ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْهُمْ وَأَشَدَّ قُوَّةً وَآثَارًا فِي الْأَرْضِ فَمَا أَغْنَىٰ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ [40:82]

أَفَلَمْ يَسِيرُواْ  أي أقعدُوا فلم يسيُروا  فِي الأرض فَيَنظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عاقبة الذين مِن قَبْلِهِمْ  من الأممِ المُهلكةِ. وقولُه تعالَى : كَانُواْ أَكْثَرَ مِنْهُمْ وَأَشَدَّ قُوَّةً  الخ استئنافٌ مسوقٌ لبيان مبادِي أحوالِهم وعواقِبها  وَآثَاراً فِى الأرض  باقيةً بعدَهُم من الأبنيةِ والقصورِ والمصانعِ، وقيل هي آثارُ أقدامِهم في الأرضِ لعظمِ أجرامِهم  فَمَا أغنى عَنْهُمْ ما كَانُواْ يَكْسِبُونَ  مَا الأُولى نافيةٌ أو استفهاميةٌ منصوبةٌ بأَغْنَى، والثانيةُ موصولةٌ أو مصدريةٌ مرفوعةٌ، أيْ لَم يُغنِ عنهُم أو أيَّ شيءٍ أغنَى عنهُم مكسوبُهم أو كسبُهم.

### الآية 40:83

> ﻿فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ [40:83]

فَلَمَّا جَاءتْهُمْ رُسُلُهُم بالبينات  بالمعجزاتِ أو بالآياتِ الواضحةِ  فَرِحُواْ بِمَا عِندَهُمْ منَ العلم  أي أظهرُوا الفرحَ بذلكَ وهو ما لَهُم من العقائدِ الزائغةِ والشُّبهِ الداخصةِ. وتسميتُها علماً للتهكمِ بهم، أو علُم الطبائعِ والتنجيمِ والصنائعِ ونحوِ ذلك، أو هو علمُ الأنبياءِ الذي أظهرَهُ رسلُهم على أنَّ مَعْنى فرحِهم بهِ ضحِكُهم منْهُ واستهزاؤُهم بهِ، ويؤيدُه قولُه تعالى : وَحَاقَ بِهِم ما كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِئونَ  وقيلَ الفرحَ أيضاً للرسلِ فإنَّهم لمَّا شاهدُوا تماديَ جهلِهم وسوءَ عاقبتِهم فِرحُوا بمَا أُوتوا منَ العلمِ المُؤدِّي إلى حُسنِ العاقبةِ وشكرُوا الله عليهِ وحاقَ بالكافرينَ جزاءُ جهلِهم واستهزائِهم

### الآية 40:84

> ﻿فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ [40:84]

فَلَمَّا رَأَوْاْ بَأْسَنَا  شدةَ عذابِنا ومنْهُ قولُه تعالى : بِعَذَابٍ بَئِيسٍ  \[ سورة الأعراف، الآية١٦٥ \]  قَالُواْ آمَنَّا بالله وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ  يعنونَ الأصنامَ

### الآية 40:85

> ﻿فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا ۖ سُنَّتَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ ۖ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْكَافِرُونَ [40:85]

فَلَمْ يَكُ يَنفَعُهُمْ إيمانهم لَمَّا رَأَوْاْ بَأْسَنَا  أي عندَ رؤيةِ عذابِنا لامتناعِ قَبولِه حينئذٍ ولذلكَ قيلَ فلم يكُ بمعَنْى لَم يصحَّ ولم يستقمْ. والفاءُ الأُولى لبيانِ عاقبةِ كثرتِهم وشدةِ قوتِهم وما كانُوا يكسبونَ بذلكَ زعماً منهُم أنَّ ذلكَ يُغنِي عنُهم فلم يترتبْ عليهِ إلا عدمُ الإغناءِ فبهذا الاعتبارِ جرى مَجرى النتيجةِ وإنْ كانَ عكسَ الغرضِ ونقيضَ المطلوبِ كَما في قولِك وعظتُه فلم يتعظْ، والثانيةُ تفسيرٌ وتفصيلٌ لما أُبهمَ وأُجملَ من عدمِ الإغناءِ وقد كثُر في الكلامِ مثلُ هذه الفاءِ ومبناهَا على أنَّ التفسيرَ بعدَ الإبهامِ والتفصيلَ بعد الإجمالِ، والثالثةُ لمجردِ التعقيبِ وجعلِ ما بعدَها تابعاً لما قبلَها واقعاً عقيبه لأنَّ مضمونَ قولِه تعالَى : فلمَّا جاءتْهُم الخ هُو أنَّهم كفُروا فصارَ مجموعُ الكلامِ بمنزلةِ أنْ يقالَ فكفرُوا ثمَّ لما رَأَوا بأسَنا آمنُوا، والرابعةُ للعطفِ على آمنُوا كأنَّه قيلَ فآمنُوا فلم ينفعْهُم لأنَّ النافعَ هُو الإيمانُ الاختياريُّ  سُنَّةَ الله التي قَدْ خَلَتْ فِى عِبَادِهِ  أي سَنَّ الله تعالَى ذلكَ سُنَّةً ماضيةً في العباد وهو من المصادر المؤكدةِ  وَخَسِرَ هُنَالِكَ الكافرون  أي وقتَ رؤيتِهم البأسَ على أنَّه اسمُ مكانٍ قد استُعيرَ للزمانِ كما سلفَ آنِفاً.

## روابط ذات صلة

- [النص القرآني للسورة](https://quranpedia.net/surah/1/40.md)
- [كل تفاسير سورة غافر
](https://quranpedia.net/surah-tafsir/40.md)
- [ترجمات سورة غافر
](https://quranpedia.net/translations/40.md)
- [صفحة الكتاب: إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم](https://quranpedia.net/book/37.md)
- [المؤلف: أبو السعود](https://quranpedia.net/person/4781.md)

---

زُر [Quranpedia.net](https://quranpedia.net/surah/1/40/book/37) — موسوعة القرآن الكريم: التفاسير، الترجمات، التلاوات، والمواضيع.
