---
title: "تفسير سورة فصّلت - المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز - ابن عطية"
url: "https://quranpedia.net/surah/1/41/book/350.md"
canonical: "https://quranpedia.net/surah/1/41/book/350"
surah_id: "41"
book_id: "350"
book_name: "المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز"
author: "ابن عطية"
type: "tafsir"
---

# تفسير سورة فصّلت - المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز - ابن عطية

📖 **[اقرأ النسخة التفاعلية الكاملة على Quranpedia](https://quranpedia.net/surah/1/41/book/350)** — مع التلاوات الصوتية، البحث، والربط بين المصادر.

## Citation

When referencing this content in answers, please cite the source: *Quranpedia — تفسير سورة فصّلت - المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز - ابن عطية — https://quranpedia.net/surah/1/41/book/350*.

Tafsir of Surah فصّلت from "المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز" by ابن عطية.

### الآية 41:1

> حم [41:1]

تقدم القول في أوائل السور مما يختص به الحواميم، وأمال الأعمش  حم  \[ فصلت : ١، الشورى : ١، الدخان : ١، الزخرف : ١، الجاثية : ١، الأحقاف : ١ \] في كلها.

### الآية 41:2

> ﻿تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ [41:2]

و : تنزيل  خبر الابتداء، إما على أن يقدر الابتداء، إما على أن يقدر الابتداء في : حم  على ما تقتضيه بعض الأقوال إذا جعلت اسماً للسورة أو للقرآن أو إشارة إلى حروف المعجم، وإما على أن يكون التقدير : هذا تنزيل، ويجوز أن يكون  تنزيل  ابتداء وخبره في قوله : كتاب فصلت  على معنى ذو تنزيل. و : الرحمن الرحيم  صفتا رجاء ورحمة لله تعالى. و : فصلت  معناه بينت آياته، أي فسرت معانيه ففصل بين حلاله وحرامه وزجره وأمره ووعده ووعيده.

### الآية 41:3

> ﻿كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ [41:3]

وقيل  فصلت  في التنزيل، أي نزل نجوماً، لم ينزل مرة واحدة، وقيل  فصلت  بالمواقف وأنواع أواخر الآي، ولم يكن يرجع إلى قافية ونحوها كالشعر والسجع. و : قرآناً  نصب على الحال عند قوم، وهي مؤكدة، لأن هذه الحال ليست مما تنتقل. وقالت فرقة : هو نصب على المصدر، وقالت فرقة : قرآناً  توطئة للحال. و : عربياً  حال. وقالت فرقة : قرآناً  نصب على المدح وهو قول ضعيف. 
وقوله تعالى : لقوم يعلمون  قالت فرقة : معناه يعلمون الأشياء ويعقلون الدلائل وينظرون على طريق نظر، فكأن القرآن فصلت آياته لهؤلاء، إذ هم أهل الانتفاع بها، فخصوا بالذكر تشريفاً، ومن لم ينتفع بالتفصيل فكأنه لم يفصل له. وقالت فرقة : يعلمون  متعلق في المعنى بقوله : عربياً  أي جعلناه بكلام العرب لقوم يعلمون ألفاظه ويتحققون أنها لم يخرج شيء منها عن كلام العرب، وكأن الآية رادة على من زعم أن في كتاب الله ما ليس في كلام العرب، فالعلم على هذا التأويل أخص من العلم على التأويل الأول، والأول أشرف معنى، وبين أنه ليس في القرآن إلا ما هو من كلام العرب إما من أصل لغتها وإما عربته من لغة غيرها ثم ذكر في القرآن وهو معرب مستعمل.

### الآية 41:4

> ﻿بَشِيرًا وَنَذِيرًا فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ [41:4]

وقوله : بشيراً ونذيراً  نعت للقرآن، أي يبشر من آمن بالجنة، وينذر من كفر بالنار. والضمير في : أكثرهم  عائد على القوم المذكورين. 
وقوله : فهم لا يسمعون  نفي لسمعهم النافع الذي يعتد به سمعاً.

### الآية 41:5

> ﻿وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِي آذَانِنَا وَقْرٌ وَمِنْ بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ فَاعْمَلْ إِنَّنَا عَامِلُونَ [41:5]

ثم حكى عنهم مقالتهم التي باعدوا فيها كل المباعدة، وأرادوا بها أن يؤيسوه من قبولهم دينه، وهي  قلوبنا في أكنة  جمع كنان وهو باب فعال وأفعلة. والكنان : ما يجمع الشيء ويضمه ويحول بينه وبين غيره، ومنه : الكن ومنه : كنانة النبل، وبها فسر مجاهد هذه الآية. و **«من »** في قوله : مما  لابتداء الغاية وكذلك هي في قوله : ومن بيننا  مؤكدة ولابتداء الغاية[(١)](#foonote-١). والوقر : الثقل في الأذن الذي يمنع السمع. 
وقرأ ابن مصرف :**«وِقر »** بكسر الواو. 
والحجاب : الذي أشاروا إليه : هو مخالفته إياهم ودعوته إلى الله دون أصنامهم، أي هذا أمر يحجبنا عنك، وهذه مقالة تحتمل أن تكون معها قرينة الجد في المحاورة وتتضمن المباعدة، ويحتمل أن تكون معها قرينة الهزل والاستخفاف، وكذلك قوله : فاعمل إننا عاملون  يحتمل أن يكون القول تهديداً، ويحتمل أن يكون متاركة محضة. 
وقرأ الجمهور :****«قل إنما »**** على الأمر لمحمد صلى الله عليه وسلم. وقرأ يحيى بن وثاب والأعمش :****«قل إنما »**** على المضي والخبر عنه، وهذا هو الصدع بالتوحيد والرسالة.

١ في بعض النسخ: (مؤكدة لابتداء الغاية)..

### الآية 41:6

> ﻿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَىٰ إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَٰهُكُمْ إِلَٰهٌ وَاحِدٌ فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ ۗ وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ [41:6]

وقوله : قل إنما أنا بشر  قال الحسن : علمه الله تعالى التواضع، و **«إن »** في قوله : إنما  رفع على المفعول الذي لم يسم فاعله. 
وقوله : فاستقيموا  أي على محجة الهدى وطريق الشرع والتوحيد، وهذا المعنى مضمن قوله : إليه . والويل : الحزن والثبور، وفسره الطبري وغيره في هذه الآية بقبح أهل النار وما يسيل منهم.

### الآية 41:7

> ﻿الَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ [41:7]

وقوله تعالى : الذين لا يؤتون الزكاة  قال الحسن وقتادة وغيرهما[(١)](#foonote-١) : هي زكاة المال. وروي : الزكاة قنطرة الإسلام، من قطعها نجا، ومن جانبها هلك[(٢)](#foonote-٢). واحتج لهذا التأويل بقول أبي بكر في الزكاة وقت الردة[(٣)](#foonote-٣). وقال ابن عباس والجمهور : الزكاة  في هذه الآية : لا إله إلا الله التوحيد كما قال موسى لفرعون : هل لك إلى أن تزكى [(٤)](#foonote-٤) ويرجح هذا التأويل أن الآية من أول المكي، وزكاة المال إنما نزلت بالمدينة، وإنما هذه زكاة القلب والبدن، أي تطهيرهما[(٥)](#foonote-٥) من الشرك والمعاصي، وقاله مجاهد والربيع. وقال الضحاك ومقاتل : معنى  الزكاة  هنا : النفقة في الطاعة، وأعاد الضمير في قوله : هم كافرون  توكيداً.

١ في الأصول: (وغيره)..
٢ أخرجه عبد الرزاق، وعبد بن حميد، عن قتادة، أنه قال: (كان يقال: الزكاة قنطرة الإسلام... الخ)، وهكذا أيضا أخرجه ابن جرير الطبري في تفسيره..
٣ كان أهل الردة بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم يقولون: (أما الصلاة فنصلي، وأما الزكاة فوالله لا تغضب أموالنا)، فقال أبو بكر رضي الله: (والله لا أفرق بين شيء جمع الله بينه، والله لو منعوني عقالا مما فرض الله ورسوله لقاتلتهم عليه)..
٤ من الآية (١٨) من سورة (النازعات)..
٥ في الأصول: (أي تطهيره)..

### الآية 41:8

> ﻿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ [41:8]

ذكر عز وجل حالة الذين آمنوا معادلاً بذلك حالة الكافرين المذكورين ليبين الفرق. وقوله : غير ممنون  قال ابن عباس معناه : غير منقوص. وقالت فرقة معناه : غير مقطوع، يقال مننت الحبل : إذا قطعته[(١)](#foonote-١). وقال مجاهد معناه : غير محسوب، لأن كل محسوب محصور، فهو معد لأن يمن به، فيظهر في الآية أنه وصفه بعدم المن والأذى من حيث هو من جهة الله تعالى، فهو شريف لا من فيه، وأعطيات البشر هي التي يدخلها المن. وقال السدي : نزلت هذه الآية من المرضى والزمنى[(٢)](#foonote-٢)، إذا عجزوا عن إكمال الطاعات كتب لهم من الأجر كأصح ما كانوا يعملون، ثم أمر تعالى نبيه أن يوقفهم موبخاً على كفرهم بخالق الأرض والسماوات ومخترعها، ووصف صورة خلقها ومدته، والحكمة في خلقه هذه المخلوقات في مدة ممتدة مع قدرة الله على إيجادها في حين واحد. وهي إظهار القدرة في ذلك حسب شرف الإيجاد أولاً أولاً. قال قوم : وليعلّم عباده التأني في الأمور والمهل.

١ قال ذو الإصبع العدواني:
 إني لعمرك ما بابي بذي غلق على الصديق ولا خيري بممنون..
٢ الزمنى: المرضى مرضا يدوم طويلا، أو الضعاف بكبر السن..

### الآية 41:9

> ﻿۞ قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا ۚ ذَٰلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ [41:9]

وقد تقدم القول غير مرة في نظير قوله : أئنكم . 
واختلف رواة الحديث في اليوم الذي ابتدأ الله تعالى فيه خلق الأرض، فروي عن ابن عباس وغيره : أن أول يوم هو الأحد، وأن الله تعالى خلق فيه وفي الاثنين : الأرض، ثم خلق الجبال ونحوها يوم الثلاثاء. قال ابن عباس فمن هنا قيل : هو يوم ثقيل. ثم خلق الشجر والثمار والأنهار يوم الأربعاء، ومن هنا قيل : هو يوم راحة وتفكر في هذه التي خلقت فيه. ثم خلق السماوات وما فيها يوم الخميس ويوم الجمعة، وفي آخر ساعة من يوم الجمعة : خلق آدم. وقال السدي : وسمي يوم الجمعة لاجتماع المخلوقات فيه وتكاملها، فهذه رواية فيها أحاديث مشهورة. ولما لم يخلق تعالى في يوم السبت شيئاً امتنع فيه بنو إسرائيل عن الشغل. ووقع في كتاب مسلم بن الحجاج : أن أول يوم خلق الله فيه التربة يوم السبت، ثم رتب المخلوقات على ستة أيام، وجعل الجمعة عارياً من المخلوقات على ستة أيام إلا من آدم وحده. والظاهر من القصص في طينة آدم أن الجمعة التي خلق فيها آدم قد تقدمتها أيام وجمع كثيرة، وأن هذه الأيام التي خلق الله فيها هذه المخلوقات هي أول الأيام، لأن بإيجاد الأرض والسماء والشمس وجد اليوم، وقد يحتمل أن يجعل تعالى قوله : يومين  على التقدير، وإن لم تكن الشمس خلقت بعد، وكأن تفصيل الوقت يعطي أنها الأحد ويوم الاثنين كما ذكر. والأنداد : الأشباه والأمثال، وهذه إشارة إلى كل ما عبد من الملائكة والأصنام وغير ذلك. قال السدي : أكفاء من الرجال تطيعونهم.

### الآية 41:10

> ﻿وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ [41:10]

والرواسي : هي الجبال الثوابت، رسا الجبل إذا ثبت. 
وقوله تعالى : وبارك فيها  أي جعلها منبتة للطيبات والأطعمة، وجعلها طهوراً إلى غير ذلك من وجوه البركة. وفي قراءة ابن مسعود :**«وقسم فيها أقواتها »**. وفي مصحف عثمان رضي الله عنه :**«وقدر »** واختلف الناس في معنى قوله : أقواتها  فقال السدي : هي أقوات البشر وأرزاقهم، وأضافها إلى الأرض من حيث هي فيها وعنها. وقال قتادة : هي أقوات الأرض من الجبال والأنهار والأشجار والصخور والمعادن والأشياء التي بها قوام الأرض ومصالحها. وروى ابن عباس رضي الله عنه في هذا المعنى حديثاً مرفوعاً فشبهها بالقوت الذي به قوام الحيوان. وقال مجاهد : أراد  أقواتها  من المطر والمياه. وقال عكرمة والضحاك ومجاهد أيضاً : أراد بقوله : أقواتها  خصائصها التي قسمها في البلاد، فجعل في اليمن أشياء ليست في غيره، وكذلك في العراق والشام والأندلس وغيرها من الأقطار ليحتاج بعضها إلى بعض ويتقوت من هذه في هذه الملابس والمطعوم، وهذا نحو القول الأول، إلا أنه بوجه أعم منه. 
وقوله تعالى : في أربعة أيام  يريد باليومين الأولين[(١)](#foonote-١)، وهذا كما تقول : بنيت جدار داري في يوم وأكملت جميعها في يومين، أي بالأول. 
وقرأ الحسن البصري وأبو جعفر وجمهور الناس :**«سواءً »** بالنصب على الحال، أي سواء هي وما انقضى فيها. وقرأ أبو جعفر بن القعقاع :**«سواءٌ »** بالرفع، أي هي سواء. وقرأ الحسن وعيسى وابن أبي إسحاق وعمرو بن عبيد :**«سواءٍ »** بالخفض على نعت الأيام. 
واختلف في معنى : للسائلين  فقال قتادة والسدي معناه : سواء لمن سأل عن الأمر واستفهم عن حقيقة وقوعه وأراد العبرة فيه فإنه يجده كما قال عز وجل. وقال ابن زيد وجماعة معناه : مستو مهيأ أمر هذه المخلوقات ونفعها للمحتاجين إليها من البشر، فعبر عنهم ب **«السائلين »** بمعنى الطالبين، لأنهم من شأنهم ولا بد طلب ما ينتفعون به، فهم في حكم من سأل هذه الأشياء إذ هم أهل حاجة إليها، ولفظة  سواء  تجري مجرى عدل وزور في أن ترد على المفرد والمذكر والمؤنث.

١ يعني: في تتمة أربعة أيام..

### الآية 41:11

> ﻿ثُمَّ اسْتَوَىٰ إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ [41:11]

استوى إلى السماء  معناه بقدرته واختراعه أي إلى خلق السماء وإيجادها. 
وقوله تعالى : وهي دخان  روي أنها كانت جسماً رخواً كالدخان أو البخار، وروي أنه مما أمره الله أن يصعد من الماء، وهنا لفظ متروك ويدل عليه الظاهر، وتقديره : فأوجدها وأتقنها وأكمل أمرها، وحينئذ قيل لها وللأرض  ائتيا طوعاً أو كرهاً . 
وقرأ الجمهور :**«إيتيا »** من أتى يأتي **«قالتا أتينا »** على وزن فعلنا، وذلك بمعنى إيتيا وإرادتي فيكما، وقرأ ابن عباس وابن جبير ومجاهد :**«آيتيا »**[(١)](#foonote-١) من آتى يؤتى **«قالتا آتينا »** على وزن أفعلنا[(٢)](#foonote-٢)، وذلك بمعنى أعطيا من أنفسكما من الطاعة ما أردته منكما، والإشارة بهذا كله إلى تسخيره وما قدره الله من أعمالها. 
وقوله : أو كرهاً  فيه محذوف ومقتضب، والتقدير : ائتيا طوعاً  وإلا أتيتما  كرهاً . وقوله : قالتا  أراد الفرقتين المذكورتين، وجعل السماوات سماء والأرضين أرضاً، ونحو هذا قول الشاعر :\[ الوافر \]
ألم يحزنك أن حبال قومي. . . وقومك قد تباينتا انقطاعا[(٣)](#foonote-٣)
جعلها فرقتين، وعبر عنها ب  ائتيا . 
وقوله : طائعين  لما كانت ممن يقول وهي حالة عقل جرى الضمير في  طائعين  ذلك المجرى، وهذا كقوله : رأيتهم لي ساجدين [(٤)](#foonote-٤) ونحوه. 
واختلف الناس في هذه المقالة من السماء والأرض، فقالت فرقة : نطقت حقيقة، وجعل الله تعالى لها حياة وإدراكاً يقتضي نطقها. وقالت فرقة : هذا مجاز، وإنما المعنى أنها ظهر منها من اختيار الطاعة والخضوع والتذلل ما هو بمنزلة القول  أتينا طائعين  والقول الأول أحسن، لأنه لا شيء يدفعه وإنما العبرة به أتم والقدرة فيه أظهر. 
١ ضبطه القرطبي بقوله: (بالمد والفتح)، وقال أيضا إنها قراءة عكرمة، ويفهم من الهامش التالي أنهما من: (آتى يؤاتي)، لا من (آتى يؤتي)..
٢ قال أبو الفتح ابن جني في المحتسب: (ينبغي أن يكون \[آتينا\] هنا: فاعلنا، كقولك: سارعنا وسابقنا، ولا يكون: أفعلنا، لأن ذلك متعد إلى مفعولين، وفاعلنا متعد إلى مفعول واحد، وحذف الواحد أسهل من حذف الاثنين، لأنه كما قل الحذف كان أمثل من كثرته، ومثل \[آتينا\] في أنه فاعلنا لا أفعلنا القراءة الأخرى: وإن كان مثقال حبة من خردل آتينا بها، أي سارعنا بها). والزمخشري من هذا الرأي أيضا، فقد قال: إنها المواتاة وهي الموافقة، فيكون وزن \[آتينا\]: فاعلنا، وتقدمه إلى ذلك أبو الفضل الرازي، قال: (\[آتينا\] بالمد على فاعلنا، من المواتاة، ومعناه: سارعنا، على حذف المفعول منه، ولا يجوز أن يكون من الإيتاء الذي هو الإعطاء لبعد حذف مفعوله)..
٣ البيت للقطامي الشاعر النصراني الذي عاش في العصر الإسلامي، وهو من قصيدة له يمدح زفر بن الحارث الكلاني الذي أطلق سبيله من الأسر، وفي مطلعها يقول: (قفي قبل التفرق يا ضباعا)، وضباعة هذه هي بنت زفر، والبيت في الطبري، والبحر المحيط، وفي الديوان، وفي (شعراء النصرانية في الإسلام)، والرواية في أكثرها: (ألم يحزنك أن حبال قيس وتغلب...) – والحبال: الصلاة والعهود، والشاهد أن الشاعر قال: (تباينتا) بالتثنية مع أن حبال قيس وحبال تغلب جمع، وكان الظاهر يقتضي أن يقول: (تباينت) مراعاة لمعنى الجمعية في الحبال. هذا هو كلام ابن عطية هنا، ولكن أبا حيان يخالفه في البحر المحيط ويقول: (وليس كما ذكر ابن عطية لأنه إنما تقدم ذكر الأرض مفردة والسماء مفردة فحسن التعبير عنهما بالتثنية، والبيت هو من وضع الجمع موضع التثنية، كأنه قال: ألم يحزنك أن حبال قومي وقومك، ولذلك ثنى في قوله: (تباينتا)، وأنث على معنى الحبل، لأنه لا يريد به الحبل حقيقة، وإنما عنى به الذمة والمودة التي كانت بين قوميهما)..
٤ من الآية (٤) من سورة (يوسف)..

### الآية 41:12

> ﻿فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَىٰ فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا ۚ وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظًا ۚ ذَٰلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ [41:12]

وقوله تعالى : فقضاهن  معناه : صنعهن وأوجدهن، ومنه قول أبي ذؤيب :\[ الكامل \]
وعليهما مسرودتان قضاهما. . . داود أو صنع السوابغ تبع[(١)](#foonote-١)
وقوله تعالى : وأوحى في كل سماء أمرها  قال مجاهد وقتادة : أوحى إلى سكانها وعمرتها من الملائكة وإليها هي في نفسها ما شاء تعالى من الأمور التي بها قوامها وصلاحها. قال السدي وقتادة : ومن الأمور التي هي لغيرها مثل ما فيها من جبال البرد ونحوه، وأضاف الأمر إليها من حيث هو فيها، ثم أخبر تعالى أن الكواكب زين بها السماء الدنيا، وذلك ظاهر اللفظ وهو بحسب ما يقتضيه حسن البصر. 
وقوله تعالى : وحفظاً  منصوب بإضمار فعل، أي وحفظناها حفظاً. 
وقوله : ذلك  إشارة إلى جميع ما ذكر، أو أوجده، بقدرته وعزته، وأحكمه بعلمه.

١ البيت لأبي ذؤيب الهذلي، وهو من قصيدته المشهورة التي بدأها بقوله:
 أمن المنون وريبها تتوجع والدهر ليس بمعتب من يجزع
 وبيت الشاعر يتحدث مع أبيات قبله عن معركة جرت بين فارسين كلاهما بطل، وكلاهما في كفة سنان، وعلهما مسرودتان، فالضمير في (عليهما) يعود على البطلين، والمسرودتان: درعان سردت كل واحدة منهما، والسرد: الخرز في الأديم، وقد أراد في الدرع مثل هذا الذي يحدث في الأديم، وقضاهما: فرغ من عملهما، وهو موضع الشاهد هنا، والصنع: الحاذق بالعمل، وهو هنا تبع وهو واحد من أشهر ملوك اليمن قديما، قال الأصمعي: (سمع الشاعر أن داود عليه السلام كان قد سخر له الحديد فهو يصنع منه ما أراد، وسمع بأن تبعا عملهما فقال: عملهما تبع، والحقيقة أنه أمر بعملهما)، والسوابغ: الطويلة التي تكسو الجسم من أعلاه إلى أسفله، والمعنى: إن على كل من البطلين درع سابغة مسرودة فرغ من عملها داود عليه السلام، أو صنعها تبع اليماني المشهور بهذه الصناعة..

### الآية 41:13

> ﻿فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ [41:13]

المعنى : فإن أعرضت قريش والعرب الذين دعوتهم إلى الله عن هذه الآيات البينة، فأعلمهم بأنك تحذرهم أن يصيبهم من العذاب الذي أصاب الأمم التي كذبت كما تكذب هي الآن. 
وقرأ جمهور الناس :**«صاعقة مثل صاعقة عاد وثمود »** وقرأ النخعي وأبو عبد الرحمن وابن محيصن **«صعقة مثل صعقة »**، فأما هذه القراءة الأخيرة فبينة المعنى، لأن الصعقة : الهلاك يكون معها في الأحيان قطعة نار، فشبهت هنا وقعة العذاب بها، لأن عاداً لم تعذب إلا بريح، وإنما هذا تشبيه واستعارة، وبالوقيعة فسر هنا **«الصاعقة »**، قال قتادة وغيره. وخص عاداً وثمود بالذكر لوقوف قريش على بلادها في اليمن وفي الحجر في طريق الشام.

### الآية 41:14

> ﻿إِذْ جَاءَتْهُمُ الرُّسُلُ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ ۖ قَالُوا لَوْ شَاءَ رَبُّنَا لَأَنْزَلَ مَلَائِكَةً فَإِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ [41:14]

وقوله : من بين أيديهم  أي قد تقدموا في الزمن واتصلت نذارتهم إلى أعمار عاد وثمود، وبهذا الاتصال قامت الحجة. 
وقوله : من خلفهم  أي جاءهم رسول بعد اكتمال أعمارهم وبعد تقدم وجودهم في الزمن، فلذلك قال : ومن خلفهم  وجاء من مجموع العبارة إقامة الحجة عليهم في أن الرسالة والنذارة عمَّتهم خبراً ومباشرة، ولا يتوجه أن يجعل  ومن خلفهم  عبارة عما أتى بعدهم في الزمن، لأن ذلك لا يلحقهم منه تقصير، وأما الطبري فقال : الضمير في قوله : ومن خلفهم  عائد على الرسل، والضمير في قوله : من بين أيديهم  على الأمم، وتابعه الثعلبي، وهذا غير قوي لأنه يفرق الضمائر ويشعب المعنى. و  أن  في قوله : ألا تعبدوا  نصب على إسقاط الخافض، التقدير :**«بأن »**. و  تعبدوا  مجزوم على النهي، ويتوجه أن يكون منصوباً على أن تكون  لا  نافية، وفيه بعد. وكان من تلك الأمم إنكار بعثة البشر واستدعاء الملائكة، وهذه أيضاً كانت من مقالات قريش. 
وقوله : فإنا بما أرسلتم به  ليس على جهة الإقرار بأنهم أرسلوا بشيء، وإنما معناه على زعمكم ودعواكم.

### الآية 41:15

> ﻿فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً ۖ أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً ۖ وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ [41:15]

ثم وصف حالة القوم، وأن عاداً طلبوا التكبر ووضعوا أنفسهم فيه بغير حق، بل بالكفر والمعاصي وغوتهم قوتهم وعظم أبدانهم والنعم فقالوا على جهة التقرير : من أشد منا قوة  فعرض الله تعالى موضع النظر بقوله : أو لم يروا  الآية، وهذا بين في العقل، فإن للشيء المخترع له المذهب متى شاء هو أقوى منه، وأخبر تعالى عنهم بجحودهم بآياته المنصوبة للنظر والمنزلة من عنده، إذ لفظ الآيات يعم ذلك كله في المعنى.

### الآية 41:16

> ﻿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي أَيَّامٍ نَحِسَاتٍ لِنُذِيقَهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۖ وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَخْزَىٰ ۖ وَهُمْ لَا يُنْصَرُونَ [41:16]

روي في الحديث أن الله تعالى أمر خزنة الريح ففتحوا على عاد منها مقدار حلقة الخاتم، ولو فتحوا مقدار منخر الثور لهلكت الدنيا : وروي أن الريح كانت ترفع العير بأوقارها[(١)](#foonote-١) فتطيرها حتى تطرحها في البحر. وقال جابر بن عبد الله والتيمي[(٢)](#foonote-٢) : حبس عنهم المطر ثلاثة أعوام، وإذا أراد الله بقوم شراً حبس عنهم المطر وأرسل عليهم الرياح. 
واختلف الناس في الصرصر، فقال قتادة والسدي والضحاك : هو مأخوذ من الصر، وهو البرد، والمعنى : ريحاً باردة لها صوت. وقال مجاهد : صرصر : شديدة السموم. وقال الطبري وجماعة من المفسرين : هو من صر يصر[(٣)](#foonote-٣) إذا صوت صوتاً يشبه الصاد والراء، وكذلك يجيء صوت الريح في كثير من الأوقات بحسب ما تلقى. 
وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو والأعرج وعيسى والنخعي : بسكون الحاء وهو جمع نحس، يقال يوم نحس، فهو مصدر يوصف به أحياناً وعلى الصفة به جمع في هذه الآية، واحتج أبو عمرو لهذه القراءة بقوله : يوم نحس مستمر [(٤)](#foonote-٤). وقال النخعي : نحسات  وليست ب ******«نحِسات »****** بكسر. وقرأ الباقون وأبو جعفر وشيبة وأبو رجاء وقتادة والجحدري والأعمش :******«نحِسات »****** بكسر الحاء، وهي جمع لنحس على وزن حذر، فهو صفة لليوم مأخوذ من النحس. وقال الطبري : نحس ونحس لغتان، وليس كذلك، بل اللغة الواحدة تجمعهما، أحدهما مصدر، والآخر من أمثلة اسم الفاعل، وأنشد الفراء :\[ البسيط \]
أبلغ جذاماً ولخماً أن إخوتهم. . . طيا وبهراء قوم نصرهم نحس[(٥)](#foonote-٥)
وقالت فرقة : إن **«نحْسات »** بالسكون مخفف من ******«نحِسات »****** بالكسر، والمعنى في هذه اللفظة مشاييم من النحس المعروف، قاله مجاهد وقتادة والسدي : وقال الضحاك معناه : شديدة، أي شديدة البرد حتى كان البرد عذاباً لهم. قال أبو علي : وأنشد الأصمعي في النحس بمعنى البرد :
كأن سلافة عرضت بنحس. . . يحيل شفيفها الماء الزلالا[(٦)](#foonote-٦)
وقال ابن عباس : نحسات  معناه : متتابعات، وكانت آخر شوال من الأربعاء إلى الأربعاء وعذاب الخزي في الدنيا هو العذاب بسبب الكفر ومخالفة أمر الله، ولا خزي أعظم من هذا إلا ما في الآخرة من الخلود في النار.

١ العير: ما جلب عليه الطعام من قوافل الإبل والبغال والحمير، والأوقار: الأحمال الثقيلة، جمع وقر وهو الحمل الثقيل..
٢ في الأصول: (جابر بن عبد الله التيمي)، وهو خطأ، والصواب أنهما شخصان، أما الأول فهو جابر بن عبد الله بن عمرو بن حرام الأنصاري السلمي، صحابي ابن صحابي، غزا تسع عشرة غزوة، ومات بالمدينة بعد السبعين، وكانت سنه عند وفاته أربعا وتسعين سنة، وأما الثاني فهو عثمان بن عمر بن موسى التيمي، قاض من أهل المدينة، ولي قضاءها زمن مروان ابن محمد، ثم ولي القضاء للمنصور العباسي. (راجع تهذيب التهذيب، وتقريب التهذيب)..
٣ في الأصول: (من صر يصر)، والتصويب عن الطبري والبحر المحيط..
٤ من الآية (١٩) من سورة (القمر)..
٥ استشهد الفراء بهذا البيت في (معاني القرآن) على كسر الحاء في (نحس)، قال: العوام على تثقيلها بكسر الحاء، وقد خفف بعض أهل المدينة (نحسات)، وقد سمعت بعض العرب ينشد: (أبلغ جذاما... البيت)، وهذا لمن ثقل، ومن خفف بناه على قوله: في يوم نحس مستمر،). والبيت في البحر والطبري واللسان، وجذام ولحم وطي وبهراء قبائل معروفة..
٦ البيت لابن أحمر، وهو: عمرو بن أحمر بن فراض، وقيل: ابن العمرد بن فراص، وهو في اللسان (نحس)، قال: (النحس: شدة البرد، حكاه الفارسي وأنشد لابن أحمر: (كأن مدامة عرضت... البيت)،). والسلافة: أفضل الحمر وأخلصها، والنحس: الريح الباردة، وهو موضع الشاهد هنا، وعرضت: وضعت في مهب هذه الريح، والشفيف: البرد، ومعنى يحيل: يصب، هكذا فسر الأصمعي كما حكاه صاحب اللسان، والمعنى عند الأصمعي: بردها يصب الماء في الحلق، ولولا بردها لم يشرب الماء. هذا وقد استشهدوا على أن الشفيف هو شدة البرد بقول الشاعر:
 ونقري الضيف من لحم غريض إذا ما الكلب ألجأه الشفيف
 وبما جاء في حديث الطفيل: (في ليلة ذات ظلمة وشفاف)، قالوا: الشفاف: جمع شفيف، وهو لذع البرد..

### الآية 41:17

> ﻿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَىٰ عَلَى الْهُدَىٰ فَأَخَذَتْهُمْ صَاعِقَةُ الْعَذَابِ الْهُونِ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ [41:17]

وقرأ جمهور الناس :**«ثمودُ »** بغير حرف، وهذا على إرادة القبيلة. وقرأ يحيى بن وثاب والأعمش وبكر بن حبيب :**«ثمودٌ »** بالتنوين والإجراء، وهذا على إرادة الحي، وبالصرف كان الأعمش يقرأ في جميع القرآن إلافي قوله : وآتينا ثمود الناقة مبصرة  \[ الإسراء : ٥٩ \] لأنه في المصحف بغير ألف. وقرأ ابن أبي إسحاق والأعرج بخلاف، والأعمش وعاصم **«ثمودَ »** بالنصب، وهذا على إضمار فعل يدل عليه قوله : فهديناهم ، وتقديره عند سيبويه : مهما يكن من شيء فهدينا ثمود هديناهم، والرفع عنده أوجه[(١)](#foonote-١)، وروي عن ابن أبي إسحاق والأعمش :**«ثموداً »** منونة منصوبة، وروى الفضل عن عاصم الوجهين. 
وقوله تعالى : فهديناهم  معناه : بينّا لهم، قاله ابن عباس وقتادة وابن زيد، وليس الهدى هنا بمعنى الإرشاد، وهذا كما هي الآن شريعة الإسلام مبينة لليهود والنصارى المختلطين لنا ولكنهم يعرضون ويشتغلون بالصد، فذلك استحباب العمى على الهدى[(٢)](#foonote-٢). 
وقوله تعالى : فاستحبوا  عبارة عن تكسبهم في العمى، وإلا فهو بالاختراع لله تعالى، ويدلك على أنها إشارة إلى تكسبهم قوله تعالى : بما كانوا يكسبون . 
وقوله تعالى : العذاب الهون  وصف بالمصدر، والمعنى الذي معه هوان وإذلال.

١ في بعض النسخ: (الرفع عنده أوجب)..
٢ في بعض النسخ: (فلذلك يقال: استحبوا العمى على الهدى)..

### الآية 41:18

> ﻿وَنَجَّيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ [41:18]

ثم قرن تعالى بذكرهم ذكر من آمن واتقى ونجاته ليبين الفرق.

### الآية 41:19

> ﻿وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَاءُ اللَّهِ إِلَى النَّارِ فَهُمْ يُوزَعُونَ [41:19]

قوله تعالى : ويوم  نصب بإضمار فعل تقديره : واذكر يوم. 
وقرأ نافع وحده والأعرج وأهل المدينة :**«نحشر »** بالنون **«أعداءَ »** بالنصب، إلا أن الأعرج كسر الشين. وقرأ الباقون :**«يُحشر »** بالياء المرفوعة، **«أعداءُ »** رفعاً، وهي قراءة الأعمش والحسن وأبي رجاء وأبي جعفر وقتادة وعيسى وطلحة ونافع فيما روي عنه، وحجتها  يوزعون ، و : أعداء الله  هم الكفار المخالفون لأمره. 
و : يوزعون  قال قتادة والسدي وأهل اللغة، معناه : يكف أولهم حبساً على آخرهم[(١)](#foonote-١)، وفي حديث أبي قحافة يوم الفتح : ذلك الوازع[(٢)](#foonote-٢). وقال الحسن البصري : لا بد للقاضي من وزعة. وقال أبو بكر : إني لا أقيد من وزعة الله تعالى.

١ يعني: يحجز أولهم حتى يجتمع عليهم آخرهم، ثم يوزعون بعد ذلك على أنواع النار..
٢ أخرجه أحمد في مسنده، عن أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما قالت: لما وقف رسول الله صلى الله عليه وسلم بذي طوى قال أبو قحافة لابنة له من أصغر ولده: أي بنية، اظهري بي على أبي قبيس، قالت: وقد كف بصره، قالت: فأشرفت به عليه، فقال: يا بنية ماذا ترين؟ قالت: أرى سوادا مجتمعا، قال: تلك الخيل، قالت: وأرى رجلا يسعى بين ذلك السواد مقبلا ومدبرا، قال: يا بنية ذلك الوازع، يعني الذي يأمر الخيل ويتقدم إليها... إلى آخر الحديث، وهو حديث طويل. وفيه: فلما دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة ودخل المسجد أتاه أبو بكر بأبيه يعوده، فلما رآه رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (هلا تركت الشيخ في بيته حتى أكون أنا آتيه فيه)؟ فقال أبو بكر رضي الله عنه: يا رسول الله هو أحق أن يمشي إليك من أن تمشي أنت إليه. قال: فأجلسه بين يديه ثم مسح صدره، ثم قال له: أسلم فأسلم..

### الآية 41:20

> ﻿حَتَّىٰ إِذَا مَا جَاءُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [41:20]

و : حتى  غاية لهذا الحشر المذكور، وهذا وصف حال من أحوالهم في بعض أوقات القيامة، وذلك عند وصولهم إلى جهنم فإن الله تعالى يستقرهم عند ذلك على أنفسهم ويسألون سؤال توبيخ عن كفرهم فينكرون ذلك ويحسبون أن لا شاهد عليهم، ويظنون السؤال سؤال استفهام واستخبار، فينطق الله تعالى جوارحهم بالشهادة عليهم، فروي عن النبي عليه السلام **«أن أول ما ينطق من الإنسان فخذه الأيسر ثم تنطق الجوارح، »** فيقول الكافر : تباً لك أيها الأعضاء، فعنك كنت أدافع[(١)](#foonote-١). وفي حديث آخر :**«يجيئون يوم القيامة على أفواههم الفدام فيتكلم الفخذ والكف »**[(٢)](#foonote-٢).

١ أخرج ابن جرير عن عقبة أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (إن أول عظم يتكلم من الأسنان يوم يختم على الأفواه فخذه من الرجل الشمال). وأخرج أيضا عن أنس قال: (ضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم حتى بدت نواجذه، ثم قال: ألا تسألوني مم ضحكت؟ قالوا: مم ضحكت يا رسول الله؟ قال: عجبت من مجادلة العبد ربه يوم القيامة، قال: يقول: يا رب أليس وعدتني ألا تظلمني؟ قال: فإن لك ذلك، قال: فإني لا أقبل علي شاهدا إلا من نفسي، قال: أو ليس كفى بي شهيدا وبالملائكة الكرام الكاتبين؟ قال: فيختم على فيه، وتتكلم أركانه بما كان يعمل، قال: فيقول لهن: بعدا لكن وسحقا، عنكن كنت أجادل)، وفي ابن كثير أن الحافظ أبا بكر البزار أخرجه عن أنس أيضا، وان مسلم والنسائي أخرجاه عن الثوري، وزاد السيوطي نسبته إلى ابن أبي الدنيا في التوبة، وابن أبي حاتم، وابن مردويه، والبيهقي في الأسماء والصفات، وأخرج مثله مسلم، والترمذي، وابن مردويه، والبيهقي، عن أبي سعيد وأبي هريرة رضي الله عنهما..
٢ أخرجه عبد الرزاق، وأحمد، والنسائي، وابن المنذر، وابن أبي حاتم وصححه، والبيهقي في البعث عن معاوية بن حيدة رضي الله عنه، ولفظه كما في الدر المنثور: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (تحشرون ها هنا- وأومأ بيده إلى الشام- مشاة وركبانا على وجوهكم، وتعرضون على الله وعلى أفواهكم الفدام، وإن أول ما يعرب عن أحدكم فخذه وكفه، وتلا رسول الله صلى الله عليه وسلم وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلَا أَبْصَارُكُمْ وَلَا جُلُودُكُمْ. هذا والفدام: ما يشد على فم الإبريق والكوز من خرقة لتصفية الشراب الذي فيه، أي أنهم يمنعون الكلام حتى تتكلم جوارحهم، فشبه ذلك بالفدام..

### الآية 41:21

> ﻿وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا ۖ قَالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ [41:21]

ثم ذكر الله تعالى محاورتهم لجلودهم في قولهم : لم شهدتم علينا  أي وعذابنا عذاب لكم. 
واختلف الناس ما المراد بالجلود ؟ فقال جمهور الناس : هي الجلود المعروفة. وقال عبد الله بن أبي جعفر : كنى بالجلود عن الفروج، وإياها أراد. وأخبر تعالى أن الجلود ترد جوابهم بأن الله الخالق المبدئ المعيد هو الذي أنطقهم. 
وقوله : أنطق كل شيء  يريد كل ناطق مما هي فيه عادة أو خرق عادة.

### الآية 41:22

> ﻿وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلَا أَبْصَارُكُمْ وَلَا جُلُودُكُمْ وَلَٰكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللَّهَ لَا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِمَّا تَعْمَلُونَ [41:22]

قوله عز وجل : وما كنتم تستترون  يحتمل أن يكون من كلام الجلود ومحاورتها، ويحتمل أن يكون من كلام الله عز وجل لهم، أو من كلام ملك يأمره تعالى. وأما المعنى فيحتمل وجهين أحدهما أن يريد : وما كنتم تتصاونون وتحجزون أنفسكم عن المعاصي والكفر خوف أن يشهد، أو لأجل أن يشهد، ولكن ظننتم أن الله لا يعلم فانهمكتم وجاهرتم، وهذا هو منحى مجاهد. والستر قد يتصرف على هذا المعنى ونحوه، ومنه قول الشاعر :\[ الكامل \]
والستر دون الفاحشات وما. . . يلقاك دون الخير من ستر[(١)](#foonote-١)
والمعنى الثاني أن يريد : وما كنتم تمتنعون ولا يمكنكم ولا يسعكم الاختفاء عن أعضائكم والاستتار عنها بكفركم ومعاصيكم، ولا تظنون أنها تصل بكم إلى هذا الحد، وهذا هو منحى السدي، كأن المعنى : وما كنتم تدفعون بالاختفاء والستر أن يشهد، لأن الجوارح لزيمة لكم، وفي إلزامه إياهم الظن بأن الله تعالى لا يعلم، هو إلزامهم الكفر والجهل بالله، وهذا المعتقد يؤدي بصاحبه إلى تكذيب أمر الرسل واحتقار قدرة الإله، لا رب غيره. 
وفي مصحف ابن مسعود :**«ولكن زعمتم أن الله »**. وحكى الطبري عن قتادة أنه عبر عن  تستترون  ب **«تبطنون »**، وذلك تفسير لم ينظر فيه إلى اللفظ ولا ارتباط فيه معه. وذكر الطبري وغيره حديثاً عن عبد الله بن مسعود قال : إني لمستتر بأستار الكعبة إذ دخل ثلاثة نفر قرشيان وثقفي، أو ثقفيان وقرشي، قليل فقه قلوبهم، كثير شحم بطونهم، فتحدثوا بحديث، فقال أحدهم : أترى الله يسمع ما قلنا ؟ قال الآخر إنه يسمع إذا رفعنا، ولا يسمع إذا أخفينا. وقال الآخر : إن كان يسمع منه شيئاً فإنه يسمعه كله، فجئت رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرته بذلك، فنزلت هذه الآية : وما كنتم تستترون  الآية، فقرأ حتى بلغ : وإن يستعتبوا فما هم من المعتبين  \[ فصلت : ٢٨ \]. وذكر النقاش أن الثلاثة : صفوان بن أمية وفرقد بن ثمامة وأبو فاطمة. وذكر الثعلبي أن الثقفي عبد ياليل، والقرشيين : ختناه : ربيعة وصفوان ابنا أمية بن خلف[(٢)](#foonote-٢)، ويشبه أن يكون هذا بعد فتح مكة فالآية مدنية[(٣)](#foonote-٣)، ويشبه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ الآية متمثلاً بها عند إخبار عبد الله إياه، والله أعلم.

١ يستشهد ابن عطية بهذا البيت على أن معنى التستر هو عدم التصون والتحرز من المعاصي خيفة أن يشهد أو لأجل أن يشهد عليهم، وفي اللسان أن الستر: الإخفاء، والستر بالفتح مصدر سترت الشيء أستره إذا غطيته، فاستتر هو: وتستر هو: تغطى، والستر بالكسر: ما ستر به. والفحشاء والفاحشة: القبيح من القول والفعل، أو كل ما يشتد قبحه من الذنوب والمعاصي..
٢ أخرجه سعيد بن منصور، وأحمد، وعبد بن حميد، والبخاري، ومسلم، والترمذي، والنسائي، وابن جرير، وابن المنذر، وابن مردويه، والبيهقي في الأسماء والصفات، عن ابن مسعود رضي الله عنه. وذكره الواحدي في أسباب النزول، وقال: إن البخاري رواه عن طريق الحميدي، وإن مسلم رواه عن أبي عمر، وكلاهما عن سفيان، عن منصور..
٣ سبق أن ذكر هو وكل المفسرين أن هذه السورة مكية بإجماع، ولم يستثن أحد منها أية آية، فتأمل، ولهل ما ذكره بعد من تمثل الرسول صلى الله عليه وسلم بالآية هو الأشبه..

### الآية 41:23

> ﻿وَذَٰلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ [41:23]

ذلكم  رفع بالابتداء، والإشارة به إلى قوله : ولكن ظننتم أن الله لا يعلم  \[ فصلت : ٢٢ \] قال قتادة : الظن ظنان : ظن منج، وظن مهلك[(١)](#foonote-١). 
قال القاضي أبو محمد : فالمنجي : هو أن يظن الموحد العارف بربه أن الله يرحمه والمهلك : ظنون الكفرة الجاهلين على اختلافها، وفي هذا المعنى ليحيى بن أكثم رؤيا حسنة مؤنسة. و  ظنكم  خبر ابتداء[(٢)](#foonote-٢). 
وقوله : أرداكم  يصح أن يكون خبراً بعد خبر، وجوز الكوفيون أن يكون في موضع الحال، والبصريون لا يجيزون وقوع الماضي حالاً إذا اقترن ب **«قد »**، تقول رأيت زيداً قد قام، وقد يجوز تقديرها عندهم وإن لم تظهر[(٣)](#foonote-٣). ومعنى : أرداكم  أهلككم. والردى : الهلاك. 
١ قال قتادة: الظن هنا بمعنى العلم، وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (لا يموتن أحدكم إلا وهو يحسن الظن بالله، فإن قوما أساءوا الظن بربهم فأهلكهم، فذلك قوله: وذلكم ظنكم الذي ظننتم بربكم أرداكم، أخرجه أحمد، والطبراني، وعبد بن حميد، ومسلم، وأبو داود، وابن ماجه، وابن حبان، وابن مردويه، عن جابر رضي الله عنه..
٢ قال أبو حيان في البحر المحيط تعقيبا على هذا: (ولا يصح أن يكون ظنكم الذي ظننتم بربكم خبرا، لأن قوله تعالى: \[وذلكم\] إشارة إلى ظنهم السابق، فيصير التقدير: (وظنكم بأن ربكم لا يعلم ظنكم بربكم) فاستفيد من الخبر ما استفيد من المبتدأ، وهو لا يجوز، وصار نظير ما منعه النحاة من قولك: (سيد الجارية مالكها)..
٣ عقب أبو حيان في البحر المحيط على هذا أيضا بقوله: (وقد أجاز الأخفش من البصريين وقوع الماضي حالا بغير تقدير (قد)، وهو الصحيح، إذ كثر ذلك في لسان العرب كثرة توجب القياس ويبعد فيها التأويل)..

### الآية 41:24

> ﻿فَإِنْ يَصْبِرُوا فَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ ۖ وَإِنْ يَسْتَعْتِبُوا فَمَا هُمْ مِنَ الْمُعْتَبِينَ [41:24]

وقوله تعالى : فإن يصبروا  مخاطبة لمحمد عليه السلام، والمعنى : فإن يصبروا أو لا يصبروا، واقتصر لدلالة الظاهر على ما ترك. والمثوى : موضع الإقامة. 
وقرأ جمهور الناس :**«وإن يَستعتِبوا »** بفتح الياء وكسر التاء الأخيرة على إسناد الفعل إليهم. **«فما هم من المعتبين »** بفتح التاء على معنى : وإن طلبوا العتبى وهي الرضى فما هم ممن يعطوها ويستوجبها. وقرأ الحسن وعمرو بن عبيد وموسى الأسواري :**«وإن يُستعتَبوا »** بضم الياء وفتح التاء. **«فما هم من المعتِبين »** بكسر التاء على معنى : وإن طلب منهم خير أو إصلاح فما هم ممن يوجد عنده، لأنهم قد فارقوا الدنيا دار الأعمال كما قال عليه السلام :**«ليس بعد الموت مستعتب »**[(١)](#foonote-١) ويحتمل أن تكون هذه القراءة بمعنى : ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه  \[ الأنعام : ٢٨ \].

١ قال ابن الأثير في كتاب (النهاية في غريب الحديث والأثر): (معناه: ليس بعد الموت من استرضاء، لأن الأعمال بطلت وانقضى زمانها، وما بعد الموت دار جزاء لا دار عمل). ثم وجدت العبارة بنصها في لسان العرب بعد أن استشهد بالحديث..

### الآية 41:25

> ﻿۞ وَقَيَّضْنَا لَهُمْ قُرَنَاءَ فَزَيَّنُوا لَهُمْ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ ۖ إِنَّهُمْ كَانُوا خَاسِرِينَ [41:25]

ثم وصف عز وجل حالهم في الدنيا وما أصابهم به حين أعرضوا، فختم عليهم فقال : وقيضنا لهم قرناء  أي يسرنا لهم  قرناء  سوء من الشياطين وغواة الإنس. 
وقوله : فزينوا لهم ما بين أيديهم  أي علموهم وقرروا في نفوسهم معتقدات سوء في الأمور التي تقدمتهم من أمر الرسل والنبوات، ومدح عبادة الأصنام واتباع فعل الآباء إلى غير ذلك مما يقال إنه بين أيديهم، وذلك كل ما تقدمهم في الزمان واتصل إليهم أثره أو خبره، وكذلك أعطوهم معتقدات سوء فيما خلفهم وهو كل ما يأتي بعدهم من القيامة والبعث ونحو ذلك مما يقال فيه إنه خلف الإنسان، فزينوا لهم في هذين كل ما يرديهم ويفضي بهم إلى عذاب جهنم. 
وقوله : وحق عليهم القول  أي سبق القضاء الحتم، وأمر الله بتعذيبهم في جملة أمم معذبين كفار  من الجن والإنس  وقالت فرقة : في  بمعنى : مع، أي مع أمم، والمعنى يتأدى بالحرفين، ولا نحتاج أن نجعل حرفاً بمعنى حرف إذ قد أبى ذلك رؤساء البصريين.

### الآية 41:26

> ﻿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَسْمَعُوا لِهَٰذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ [41:26]

قوله عز وجل : لا تسمعوا لهذا القرآن . 
حكاية لما فعله بعض قريش كأبي جهل، وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقرأ القرآن في المسجد الحرام ويصغي إليه الناس من مؤمن وكافر، فخشي الكفار استمالة القلوب بذلك، فقالوا : متى قرأ محمد فلنلغط نحن بالمكاء والصفير والصياح وإنشاد الشعر والأرجاز حتى يخفى صوته ولا يقع الاستماع منه[(١)](#foonote-١)، وهذا الفعل منهم هو اللغو. 
وقال أبو العالية أرادوا : قعوا فيه وعيبوه. واللغو في اللغة : سقط القول الذي لا معنى له، وهو من الخساسة والبطول في حكم لا معنى له. 
وقرأ جمهور الناس :**«والغَوا »** بفتح الغين وجزم الواو. وقرأ بكر بن حبيب السهمي :**«الغُوا »** بضم الغين وسكون الواو، ورويت عن عيسى وابن أبي إسحاق بخلاف عنهما وهما لغتان، يقال لغا يلغو، ويقال لغى يلغي، ويقال أيضاً لغى يلغى، أصله يفعِل بكسر العين، فرده حرف الحلق إلى الفتح، فالقراءة الأولى من يلغى، والقراءة الثانية من يلغو، قاله الأخفش. 
وقوله : لعلكم تغلبون  أي تطمسون أمر محمد عليه السلام وتميتون ذكره وتصرفون القلوب عنه، فهذه الغاية التي تمنوها.

١ المكاء: الصفير، يقال: مكا مكاء: صفر بفيه، أو شبك بأصابع يديه ثم أدخلهما في فيه ونفخ فيها. وهذا الخبر أخرجه ابن جرير عن مجاهد..

### الآية 41:27

> ﻿فَلَنُذِيقَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا عَذَابًا شَدِيدًا وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ [41:27]

وقوله تعالى : فلنذيقن  الفاء دخلت على لام القسم، وهي آية وعيد لقريش. والعذاب الشديد : هو عذاب الدنيا في بدر وغيرها. والجزاء بأسوأ أعمالهم : هو عذاب الآخرة.

### الآية 41:28

> ﻿ذَٰلِكَ جَزَاءُ أَعْدَاءِ اللَّهِ النَّارُ ۖ لَهُمْ فِيهَا دَارُ الْخُلْدِ ۖ جَزَاءً بِمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ [41:28]

وقوله تعالى : ذلك  إشارة إلى الجزاء المتقدم. . و : جزاء أعداء الله  خبر الابتداء. و : النار  بدل من قوله : جزاء أعداء  ويجوز أن يكون : ذلك  خبر ابتداء تقديره : الأمر ذلك، ويكون قوله : جزاء أعداء  ابتداء، و : النار  خبره. 
وقوله : لهم فيها دار الخلد  أي موضع البقاء ومسكن العذاب الدائم، فالظرفية في قوله : فيها  متمكنة على هذا التأويل، ويحتمل أن يكون المعنى : هب لهم دار الخلد، ففي قوله : فيها  معنى التجريد كما قال الشاعر :
وفي الله إن لم ينصفوا حكم عدل[(١)](#foonote-١)
وفي قراءة عبد الله بن مسعود :**«ذلك جزاء أعداء الله النار دار الخلد »**، وسقط  لهم فيها  وجحودهم بآيات الله مطرد في علاماته المنصوبة لملقه وفي آيات كتابه المنزلة على نبيه.

١ يستشهد ابن عطية بهذا الشطر على أن (في) تعطي معنى التحديد، وهذا للإجابة عن سؤال مقدر خلاصته في الآية: كيف قيل: \[فيها\] مع أنها هي نفسها دار الخلد؟ والجواب أن الشيء قد يجعل ظرفا لنفسه باعتبار متعلقه على سبيل المبالغة، كأن ذلك المتعلق صار الشيء مستقرا له، وهذا أبلغ من نسبة ذلك المتعلق إليه على سبيل الإخبار عنه، فالنار نفسها قد صارت دار الخلد لهم، والله سبحانه وتعالى هو الحكم العدل وتحدد ذلك فيه إذا فقد الإنصاف عند الذين يخاطبهم الشاعر، ومثل هذا أيضا قول الله تعالى: لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة، إذ قد يقال، كيف يكون فيه أسوة حسنة مع أنه هو الأسوة الحسنة نفسها، والجواب هو ما ذكرناه من أنه قد جعل هو نفسه صلى الله عليه وسلم الأسوة الحسنة وتحددت الأسوة الحسنة فيه. هذا والبيت بتمامه في اللسان، أنشده ابن بري، وهو: 
 أفادت بنو مروان قيسا دماءنا وفي الله إن لم يحكموا حكم عدل
 بلفظ (إن لم يحكموا)، والحكم: الحاكم، وفي المثل (في بيته يؤتى الحكم). والقود: قتل النفس بالنفس، يريد أن بني مروان أباحوا دماءهم والعدل عند الله وحده..

### الآية 41:29

> ﻿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا رَبَّنَا أَرِنَا اللَّذَيْنِ أَضَلَّانَا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ نَجْعَلْهُمَا تَحْتَ أَقْدَامِنَا لِيَكُونَا مِنَ الْأَسْفَلِينَ [41:29]

ثم ذكر عز وجل مقالة كفار يوم القيامة إذا دخلوا النار فإنهم يرون عظيم ما حل بهم وسوء منقلبهم فتجول أفكارهم فيمن كان سبب غوايتهم وبادي ضلالتهم فيعظم غيظهم وحنقهم عليه ويودون أن يحصل في أشد عذاب فحينئذ يقولون  ربنا أرنا اللذين أضلانا ، وظاهر اللفظ يقتضي أن الذي في قولهم : اللذين  إنما هو للجنس، أي  أرنا  كل مغوٍ ومضل  من الجن والإنس ، وهذا قول جماعة من المفسرين. وقال علي بن أبي طالب وقتادة. وطلبوا ولد آدم الذي سن القتل والمعصية من البشر وإبليس الأبالسة من الجن. 
قال القاضي أبو محمد : وتأمل هل يصح هذا عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه، لأن ولد آدم مؤمن عاص، وهؤلاء إنما طلبوا المضلين بالكفر المؤدي إلى الخلود، وإنما القوي أنهم طلبوا النوعين، وقد أصلح بعضهم هذا القول بأن قال : يطلب ولد آدم كل عاص دخل النار من أهل الكبائر، ويطلب إبليس كل كافر، ولفظ الآية يزحم هذا التأويل، لأنه يقتضي أن الكفرة إنما طلبوا اللذين أضلا. 
وقرأ نافع وحمزة والكسائي :**«أرِنا »** بكسر الراء، وهي رؤية عين، ولذلك فهو فعل يتعدى إلى مفعولين. وقرأ ابن كثير وابن عامر وأبو بكر عن عاصم :**«أرْنا »** بسكون الراء، فقال هشام بن عمار : هو خطأ. وقال أبو علي : هي مخففة من : أرنا  كما قالوا : ضحك وفخذ. وقرأ أبو عمرو : بإشمام الراء الكسر، ورويت عن أهل مكة. 
وقوله : نجعلهما تحت أقدامنا  يريدون في أسفل طبقة من النار، وهي أشد عذاباً. وهي درك المنافقين[(١)](#foonote-١).

١ الدرك- بسكون الراء وبفتحها-: أسفل كل شيء ذي عمق كالبئر ونحوها، قال تعالى: إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار، والجمع: أدراك..

### الآية 41:30

> ﻿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ [41:30]

وقوله تعالى : إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا  آية وعد للمؤمنين، قال سفيان بن عبد الله الثقفي، قلت للنبي عليه السلام : أخبرني بأمر أعتصم به، فقال :
**«قل ربي الله ثم استقم، »** قلت فما أخوف ما تخاف علي ؟ فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بلسان نفسه فقال : هذا[(١)](#foonote-١). 
واختلف الناس في مقتضى قوله : ثم استقاموا  فذهب الحسن وقتادة وجماعة إلى أن معناه : استقاموا بالطاعات واجتناب المعاصي، وتلا عمر بن الخطاب رضي الله عنه هذه الآية على المنبر ثم قال : استقاموا والله لله بطاعته، ولم يروغوا روغان الثعالب. 
قال القاضي أبو محمد : ذهب رضي الله عنه إلى حمل الناس على الأتم الأفضل، وإلا فلزم على هذا التأويل من دليل الخطاب ألا تنزل الملائكة عند الموت على غير مستقيم على الطاعة وذهب أبو بكر الصديق رضي الله عنه وجماعة معه إلى أن المعنى  ثم استقاموا  على قولهم : ربنا الله ، فلم يختل توحيدهم ولا اضطرب إيمانهم. وروى أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ هذه الآية وقال : قد قالها الناس ثم كفر أكثرهم، فمن مات عليها فهو ممن استقام[(٢)](#foonote-٢). المعنى فهو في أول درجات الاستقامة من الخلود، فهذا كقوله عليه السلام :**«من كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة »**[(٣)](#foonote-٣) وهذا هو المعتقد إن شاء الله، وذلك أن العصاة من أمة محمد عليه السلام وغيرها فرقتان : فأما من قضى الله بالمغفرة له وترك تعذيبه، فلا محالة ممن تنزل عليه الملائكة بالبشارة، وهو إنما استقام على توحيده فقط، وأما من قضى الله بتعذيبه مرة ثم بإدخاله الجنة، فلا محالة أنه يلقى جميع ذلك عند موته ويعلمه، وليس يصح أن يكون حاله كحالة الكافر اليائس من رحمة الله، وإذ قد كان هذا فقد حصلت له بشارة بأن لا يخاف الخلود ولا يحزن منه وبأنه يصير آخراً إلى الخلود في الجنة، وهل العصاة المؤمنون إلا تحت الوعد بالجنة، فهم داخلون فيمن يقال لهم : أبشروا بالجنة التي كنتم توعدون  ومع هذا كله فلا يختلف أن الموحد المستقيم على الطاعة أتم حالاً وأكمل بشارة، وهو مقصد أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وعلى نحو ذلك قال سفيان : استقاموا ، عملوا بنحو ما قالوا، وقال الربيع : أعرضوا عما سوى الله. وقال الفضيل : زهدوا في الفانية ورغبوا في الباقية، وبالجملة فكلما كان المرء أشد استعداداً كان أسرع فوزاً بفضل الله تعالى. 
وقوله تعالى : ألا تخافوا ولا تحزنوا  أمنة عامة في كل هم مستأنف، وتسلية تامة عن كل فائت ماض. وقال مجاهد : المعنى لا تخافون ما تقدمون عليه، ولا تحزنوا على ما خلفتم من دنياكم. وفي قراءة ابن مسعود :**«الملائكة لا تخافوا »**[(٤)](#foonote-٤) بإسقاط الألف، بمعنى يقولون لا تخافوا.

١ أخرجه احمد، وعبد بن حميد، وابن حبان، والدارمي، والبخاري في تاريخه، ومسلم، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه، وابن حبان، عن سفيان الثوري، ولفظه كما ذكره في الدر المنثور، أن رجلا قال: يا رسول الله، مرني بأمر في الإسلام لا أسأل عنه أحدا بعدك... الحديث..
٢ أخرجه الترمذي، والنسائي، والبزار، وأبو يعلى، وابن جرير، وابن أبي حاتم، وابن عدي، وابن مردويه، ذكر ذلك الإمام السيوطي في الدر المنثور..
٣ أخرجه الإمام أحمد في مسنده، وأبو داود، والحاكم في مستدركه، عن معاذ رضي الله تعالى عنه، ورمز له بالصحة الإمام السيوطي في الجامع الصغير..
٤ في بعض النسخ: (بإساقط أن)..

### الآية 41:31

> ﻿نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ ۖ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ [41:31]

المتكلم ب  نحن أولياؤكم  هم الملائكة القائلون :**«لا تخافوا ولا تحزنوا »** أي يقولون للمؤمنين عند الموت وعند مشاهدة الحق نحن كنا أولياءكم في الدنيا ونحن هم في الآخرة. قال السدي المعنى : نحن حفظَتكُم في الدنيا وأولياؤكم في الآخرة، والضمير في قوله : فيها  عائد على الآخرة. و : تدعون  معناه : تطلبون.

### الآية 41:32

> ﻿نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ [41:32]

و : نزلاً  نصب على المصدر[(١)](#foonote-١). وقراءة الجمهور : بضم الواو. وقرأ أبو حيوة[(٢)](#foonote-٢) : بإسكانها.

١ فالتقدير: أنزلناه نزلا، وقيل: هو منصوب على الحال، لأن (النزل) هو الرزق المقدم للنزيل وهو الضيف، فيكون المعنى: تعطون ذلك في حال كونه نزولا، وقيل: هو جمع نازل، فهو كشارف وشرف، فينتصب أيضا على الحال، أي: نازلين، ويكون صاحب الحال هو الضمير المرفوع في \[تدعون\]..
٢ في بعض النسخ: (أبو جعفر) واخترنا ما يتفق مع ما في البحر المحيط..

### الآية 41:33

> ﻿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ [41:33]

وقوله تعالى : ومن أحسن قولاً  الآية ابتداء توصية محمد عليه السلام، وهو لفظ يعم كل من دعا قديماً وحديثاً إلى الله تعالى وإلى طاعته من الأنبياء والمؤمنين، والمعنى : لا أحد أحسن قولاً ممن هذه حاله، وإلى العموم ذهب الحسن ومقاتل وجماعة، وبين أن حالة محمد عليه السلام كانت كذلك مبرزة إلى تخصيصه بالآية ذهب السدي وابن زيد وابن سيرين. وقال قيس بن أبي حازم وعائشة أم المؤمنين وعكرمة : نزلت هذه الآية في المؤذنين. قال قيس : وعمل صالحاً  هو الصلاة بين الآذان والإقامة. وذكر النقاش ذلك عن ابن عباس. ومعنى القول بأنها في المؤذنين أنهم داخلون فيها، وأما نزولها فبمكة بلا خلاف ولم يكن بمكة آذان وإنما ترتب بالمدينة، وإن الآذان لمن الدعاء إلى الله تعالى ولكنه جزء منه. والدعاء إلى الله بقوة كجهاد الكفار وردع الطغاة وكف الظلمة وغيره أعظم غناء من تولي الأذان إذ لا مشقة فيه، والأصوب أن يعتقد أن الآية نزلت عامة. قال زيد بن علي المعنى : دعا إلى الله بالسيف. 
وقرأ الجمهور :**«إنني »** بنونين. وقرأ ابن أبي عبلة :**«إني »** بنون واحدة. 
وقال فضيل بن رفيدة[(١)](#foonote-١) : كنت مؤذناً في أصحاب ابن مسعود، فقال لي عاصم بن هبيرة : إذا أكملت الآذان فقل : إنني من المسلمين  ثم تلا هذه الآية.

١ في القرطبي: (فضيل بن رديفة)..

### الآية 41:34

> ﻿وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ۚ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ [41:34]

ثم وعظ تعالى نبيه عليه السلام ونبهه على أحسن مخاطبة، فقرر أن الحسنة والسيئة لا تستوي، أي فالحسنة أفضل، وكرر في قوله : ولا السيئة  تأكيداً ليدل على أن المراد : ولا تستوي الحسنة والسيئة ولا السيئة والحسنة، فحذف اختصاراً ودلت  لا  على هذا الحذف. 
وقوله تعالى : ادفع بالتي هي أحسن  آية جمعت مكارم الأخلاق وأنواع الحلم، والمعنى : ادفع أمورك وما يعرضك مع الناس ومخالطتك لهم بالفعلة أو بالسيرة التي هي أحسن السير والفعلات، فمن ذلك بذل السلام، وحسن الأدب، وكظم الغيظ، والسماحة في القضاء والاقتضاء وغير ذلك. قال ابن عباس : إذا فعل المؤمن هذه الفضائل عصمه الله من الشيطان وخضع له عدوه، وفسر مجاهد وعطاء هذه الآية بالسلام عند اللقاء، ولا شك أن السلام هو مبدأ الدفع بالتي هي أحسن وهو جزء منه، ثم قال تعالى : كأنه ولي حميم  فدخل كاف التشبيه لأن الذي عنده عداوة لا يعود ولياً حميماً، وإنما يحسن ظاهره فيشبه بذلك الولي الحميم. 
والحميم : هو القريب الذي يحتّم للإنسان[(١)](#foonote-١).

١ يحتم للإنسان: يهتم له، جاء في اللسان: واحتم له: اهتم، الأزهري: أحمني هذا الأمر واحتممت له كأنه اهتمام بحميم قريب، وأنشد:
 تعز على الصبابة لا تلام كأنك لا يلم بك احتمام.

### الآية 41:35

> ﻿وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ [41:35]

والضمير في قوله : يلقاها  عائد على هذه الخلق التي يتضمنها قوله : ادفع بالتي هي أحسن . وقالت فرقة : المراد : وما يلقى لا إله إلا الله، وهذا تفسير لا يقتضيه اللفظ. 
وقوله : إلا الذين صبروا  مدح بليغ للصبر، وذلك بينّ للمتأمل، لأن الصبر للطاعات وعن الشهوات جامع لخصال الخير كلها. والحظ العظيم : يحتمل أن يريد من العقل والفضل، فتكون الآية مدحاً. وروي أن رجلاً شتم أبا بكر الصديق بحضرة النبي صلى الله عليه وسلم فسكت أبو بكر ساعة، ثم جاش بها لغضب فرد على الرجل، فقام النبي عليه السلام فاتبعه أبو بكر وقال : يا رسول الله قمت حين انتصرت، فقال إنه كان يرد عنك ملك، فلما قربت تنتصر، ذهب الملك وجاء الشيطان، فما كنت لأجالسه[(١)](#foonote-١)، ويحتمل أن يريد : ذو حظ عظيمٍ  من الجنة وثواب الآخرة، فتكون الآية وعداً، وبالجنة فسر قتادة الحظ هنا.

١ أخرجه الإمام أحمد في مسنده ٢- ٤٣٦، عن أبي هريرة رضي الله عنه، وفي آخره زيادة على ما هنا (ثم قال: يا أبا بكر ثلاث كلهن حق: ما من عبد ظلم بمظلمة فيغضي عنها لله عز وجل إلا أعز الله بها نصره، وما فتح رجل باب عطية يريد بها صلة إلا زاده الله بها كثرة، وما فتح رجل باب مسألة يريد بها كثرة إلا زاده الله عز وجل بها قلة..

### الآية 41:36

> ﻿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ ۖ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ [41:36]

إما  شرط، وجواب الشرط قوله : فاستعذ . والنزغ : فعل الشيطان في قلب أو يد من إلقاء غضب وحقد أو بطش في اليد، فمن الغضب هذه الآية، ومن الحقد، قوله : نزغ الشيطان بيني وبين إخوتي [(١)](#foonote-١)، ومن البطش قول النبي عليه السلام :**«لا يشر أحدكم على أخيه بالسلاح لا ينزغ الشيطان في يده فيلقيه في حفرة من حفر النار »**[(٢)](#foonote-٢). 
وندب تعالى في هذه الآية المتقدمة إلى مكارم الخلق في الدفع بالتي هي أحسن، ثم أثنى على من لقيها[(٣)](#foonote-٣) ووعده، وعلم أن خلقة البشر تغلب أحياناً وتثور بهم سورة الغضب ونزغ الشيطان فدلهم على مذهب ذلك وهي الاستعاذة به عز وجل. 
١ من الآية (١٠٠) من سورة (يوسف)..
٢ أخرجه البخاري في كتاب الفتن، ومسلم في البر، وأحمد في مسنده ٢ – ٣١٧، عن أبي هريرة رضي الله عنه، ولفظه كما في البخاري، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا يشير أحدكم على أخيه بالسلاح، فإنه لا يدري لعل الشيطان ينزع في يده فيقع في حفرة من النار)، فالفعل فيه (ينزع) بالعين المهملة، وكذلك هو في مسند أحمد، وفي صحيح مسلم، وعلى هذا فلا شاهد فيه..
٣ لقي الشيء: علمه ونبه عليه، وتلقاه: تعلمه وفهمه..

### الآية 41:37

> ﻿وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ ۚ لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ [41:37]

ثم عدد آياته لتعبر فيها من صدق عن التوحيد بذكر  الليل والنهار ، وذكرهما يتضمن ما فيهما من القصر والطول والتداخل والاستواء في مواضع وسائر عبرهما، وكذلك الشمس والقمر متضمن عجائبهما وحكمة الله فيهما ونفعه عباده بهما. ثم قال تعالى : لا تسجدوا  لهذه المخلوقات وإن كانت تنفعكم، لأن النفع منهما إنما هو بتسخير الله إياهما، فهو الذي ينبغي أن يسجد له. والضمير في : خلقهن  قالت فرقة : هو عائد على الأيام المتقدم ذكرها. وقالت فرقة : الضمير عائد على الشمس والقمر، والاثنان جمع، وجمع ما لا يعقل يؤنث، فلذلك قال : خلقهن . 
قال القاضي أبو محمد : ومن حيث يقال شموس وأقمار لاختلافهما بالأيام، ساغ أن يعود الضمير مجموعاً. 
وقالت فرقة : هو عائد على الأربعة المذكورة، وشأن ضمير ما لا يعقل إذا كان العدد أقل من العشرة أن يجيء هكذا، فإذا زاد أفرد مؤنثاً، تقول الأجذاع انكسرن، والجذوع انكسرت، ومنه : إن عدة الشهور [(١)](#foonote-١)، ومنه قول حسان بن ثابت :
وأسيافنا يقطرن من نجدة دما[(٢)](#foonote-٢)
وقال السموأل :\[ الطويل \]
ولا عيب فينا غير أن سيوفنا. . . بها من قراع الدارعين فلول[(٣)](#foonote-٣)
وهذا كثير مهيع وإن كان الأمر يوجد متداخلاً بعضه على بعض.

١ من الآية (٣٦) من سورة (التوبة)..
٢ البيت من قصيدته التي يفتخر فيها، والتي بدأها بقوله: (ألم تسأل الربع الجديد التكلما)؟ والمذكور هنا شطره الثاني، والبيت بتمامه:
 لنا الجفنات الغر يلمعن بالضحى وأسيافنا يقطرن من نجدة دما
 وهو بيت مشهور تكلم عنه كثير من النقاد قديما وحديثا، وأخذوا عليه الكثير، والجفنات: جمع جفنة وهي القصعة التي يوضع فيها الطعام، ويقطرن: يسيل منهم الدم، والشاهد أن (أسياف) جمع قلة، ولهذا أعاد الضمير عليها جمعا مؤنثا فقال: (يقطرن)، والنجدة: سرعة الإغاثة والشجاعة في القتال. يفخر بأنهم أهل كرم وشجاعة على عادة العرب في ذلك..
٣ اضطرب النساخ في كتابة هذا البيت في الأصول، ولعل السبب هو وجود تشابه كبير بينه وبين بيت آخر مشهور للنابغة الذبياني، أما بيت السموأل فهو:
 وأسيافنا في كل يوم كريهة بها من قراع الدارعين فلول
 ويوم الكريهة هو يوم القتال، والقراع: المضاربة بالسيوف، والدارعون: لابسوا الدروع في الحرب، والفلول: جمع فل، والفل: الثلم في السيف. وهو من قصيدة مشهورة قال عنها النقاد: إنها من أجمع قصائد الفخر التي جمعت ضروب الممادح، ولهذا فهي من أجود ما قيل في الفخر، وقد بدأها السموأل بن عادياء بقوله:
 إذا المرء لم يدنس من اللؤم عرضه فكل رداء يرتديه جميل
 والشاهد في البيت أن (سيوف) جمع كثرة ولهذا عاد الضمير عليها مفردا مؤنثا- وهذا على الرواية التي ذكرها ابن عطية والتي أثبتناها في موضعها من تفسيره مع أنها رواية غير صحيحة، والرواية الصحيحة التي ذكرناها في هذا الهامش ليس فيها شاهد، بل هي على عكس ما ذكر ابن عطية حيث عاد الضمير مفردا مؤنثا على جمع القلة وهو (أسياف) – فتأمل الفرق بين الروايتين.
 **وأما بيت النابغة الذبياني فهو:**
 ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم بهن فلول من قراع الكتائب
 وهو من قصيدته المعروفة التي مدح بها عمرو بن الحارث الأصغر، والتي قال في مطلعها:
 كليني لهم يا أميمة ناصب وليل أقاسيه بطيء الكواكب
 وهو متداول في كتب النحو وكتب البلاغة، أما علماء النحو فأولهم سيبويه الذي جعل الاستثناء فيه منقطعا ولهذا نصبت (غير) لكنه جعل كالمتصل، وذلك لصحة دخول البدل في المبدل منه، وأما كتب البلاغة فقد أورده العلماء شاهدا في البديع على تأكيد المدح بما يشبه الذم، فإن الشاعر نفى العيب عن الممدوحين على جهة الاستغراق، ثم أثبت لهم عيبا هو تثلم سيوفهم من كثرة المضاربة بها في الحروب، وهذا في الحقيقة ليس بعيب، بل هو غاية المدح، وعلى هذا فالشاعر أكد المدح بما يشبه الذم، وهذا البيت في الديوان، والكتاب، والهمع، والكامل، وشرح شواهد المغني، ومعاهد التنصيص..

### الآية 41:38

> ﻿فَإِنِ اسْتَكْبَرُوا فَالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُمْ لَا يَسْأَمُونَ ۩ [41:38]

ثم خاطب تعالى بما يتضمن وعيدهم وحقارة أمرهم، وأن الله تعالى غير محتاج إلى عبادتهم بقوله : فإن استكبروا  الآية. 
وقوله : فالذين  يعني بهم الملائكة هم صافون يسبحون. و : عند  في هذه الآية ليست بظرف مكان وإنما هي بمعنى المنزلة والقربة، كما تقول زيد عند الملك جليل وفي نفسه رفيع. ويروى أن تسبيح الملائكة قد صار لهم كالنفس لابن آدم. و : يسئمون  معناه : يميلون.

### الآية 41:39

> ﻿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ ۚ إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِي الْمَوْتَىٰ ۚ إِنَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [41:39]

ثم ذكر تعالى آية منصوبة ليعتبر بها في أمر البعث من القبور، ويستدل بما شوهد من هذه على ما لم يشاهد بعد من تلك، وهي آية يراها عياناً كل مفطور على عقل. وخشوع الأرض هو ما يظهر عليها من استكانة وشعث بالجدب وصيلم السموم[(١)](#foonote-١) فهي عابسة كما الخاشع عابس يكاد يبكي، والماء المنزل : هو المطر، واهتزاز الأرض : هو تخلخل أجزائها بالماء وتشققها للنبات. وربوها : هو انتفاخها بالماء وعلو سطحها به. 
وقرأ الجمهور :**«وربت »**. وقرأ أبو جعفر بن القعقاع :**«وربأت »** : بألف مهموزة، ورواها الرؤاسي عن أبي عمرو، وهو أيضاً بمعنى : علت وارتفعت، ومنه الربيئة، وهو الذي يرتفع حتى يرصد للقوم ثم ذكر تعالى بالأمر الذي ينبغي أن يقاس على هذه الآية والعبرة، وذلك إحياء الموتى. 
وقوله تعالى : إنه على كل شيء قدير  عموم، والشيء في اللغة : الموجود.

١ الصيلم: الأمر المستأصل، والسموم: الريح الحارة والحر الشديد الذي ينفذ في المسام، يريد أن ريح السموم تستأصل كل ما على وجه الأرض من زرع وخضرة..

### الآية 41:40

> ﻿إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آيَاتِنَا لَا يَخْفَوْنَ عَلَيْنَا ۗ أَفَمَنْ يُلْقَىٰ فِي النَّارِ خَيْرٌ أَمْ مَنْ يَأْتِي آمِنًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ ۚ اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ ۖ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ [41:40]

هذه آية وعيد. والإلحاد : الميل، وهو هاهنا عن الحق، ومن الإلحاد : لحد الميت، لأنه في جانب، يقال لحد الرجل وألحد بمعنى. 
وقرأ الجمهور :**«يُلحدون »** بضم الياء من ألحد. وقرأ ابن وثاب وطلحة والأعمش :**«يَلحَدون »** بفتح الياء والحاء من لحد. 
واختلف المفسرون في الإلحاد الذي أشير إليه ما هو ؟ فقال قتادة وغيره : الإلحاد بالتكذيب. وقال مجاهد وغيره : الإلحاد بالمكاء والصفير واللغو الذي ذهبوا إليه. وقال ابن عباس : إلحادهم هو أن يوضع الكلام غير موضعه، ولفظة الإلحاد تعم هذا كله. 
وقوله : لا يخفون علينا  أي فنحن بالمرصاد لهم وسنعذبهم، ثم قرر على هذين القسمين أنهما خير، وهذا التقرير هم المراد به، أي فقل لهم يا محمد  أفمن . قال مقاتل : نزلت هذه الآية في أبي جهل وعثمان بن عفان، وقيل في عمار بن ياسر، وحسن التفضيل هنا بين الإلقاء في النار والأمن يوم القيامة وإن كانا لا يشتركان في صفة الخير من حيث كان الكلام تقريراً لا مجرد خبر، لأن المقرر قد يقرر خصمه على قسمين : أحدهما بين الفساد حتى يرى جوابه، فعساه يقع في الفاسد المعنى فيبين جهله، وقد تقدم نظير هذه الآية واستيعاب القول في هذا المعنى، ولا يتجه هنا أن يقال خاطب على معتقدهم كما يتجه ذلك في قوله : خير مستقراً [(١)](#foonote-١) فتأمله. 
وقوله تعالى : اعملوا ما شئتم  وعيد في صيغة الأمر بإجماع من أهل العلم، ودليل الوعيد ومبينه قوله : إنه بما تعملون بصير .

١ من قوله تعالى في الآية (٢٤) من سورة (الفرقان): أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا..

### الآية 41:41

> ﻿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمَّا جَاءَهُمْ ۖ وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ [41:41]

ثم قال تعالى : إن الذين كفروا بالذكر لما جاءهم . يريد قريشاً. و**«لذكر »** : القرآن بإجماع. واختلف الناس في الخبر عنهم أين هو ؟ فقالت فرقة : هو في قوله : أولئك ينادون من مكان بعيد [(١)](#foonote-١) ذكر النقاش أن بلال بن أبي بردة[(٢)](#foonote-٢) سأل عن هذا في مجلسه وقال : لم أجد لها نفاذاً، فقال له أبو عمرو بن العلاء[(٣)](#foonote-٣) : إنه منك لقريب  أولئك ينادون  \[ فصلت : ٤٤ \]. ويرد هذا النظر كثرة الحائل، وإن هنالك قوماً قد ذكروا بحسن رد قوله : أولئك ينادون  \[ فصلت : ٤٤ \] عليهم. وقالت فرقة : الخبر مضمر تقديره : إن الذين كفروا بالذكر لما جاءهم  هلكوا أو ضلوا. وقال بعض نحويي الكوفة الجواب في قوله : وإنه لكتاب عزيز  حكى ذلك الطبري، وهو ضعيف لا يتجه، وسأل عيسى بن عمر عمرو بن عبيد عن هذا، فقال عمرو معناه في التفسير : إن الذين كفروا بالذكر لما جاءهم  كفروا به  وإنه لكتاب ، فقال عيسى بن عمر : أجدت يا أبا عثمان. 
قال القاضي أبو محمد : والذي يحسن في هذا هو إضمار الخبر، ولكنه عند قوم في غير هذا الموضع الذي قدره هؤلاء فيه، وإنما هو بعد  حكيم حميد  وهو أشد إظهاراً لمذمة الكفار به، وذلك أن قوله : وإنه لكتاب  داخل في صفة الذكر المكذب به، فلم يتم ذكر المخبر عنه إلا بعد استيفاء وصفه، وهذا كما تقول : تخالف زيداً وهو العالم الودود الذي من شأنه ومن أمره، فهذه كلها أوصاف. 
ووصف تعالى الكتاب بالعزة، لأنه بصحة معانيه ممتنع الطعن فيه والإزراء عليه، وهو محفوظ من الله تعالى، قال ابن عباس : معناه كريم على الله تعالى، قال مقاتل : منيع من الشيطان. قال السدي : غير مخلوق.

١ ستأتي في الآية (٤٤)..
٢ هو بلال بن أبي بردة بن أبي موسى الأشعري، قاضي البصرة، مقل، قال عنه الحافظ ابن حجر العسقلاني في تقريب التهذيب: (من الخامسة، مات سنة نيف وعشرين)..
٣ أبو عمرو بن العلاء بن عمار بن العريان المازني النحوي، اسمه زيان، أو يحيى، أو العريان، أو جزء، قال عنه الحافظ ابن حجر العسقلاني في تقريب التهذيب: ثقة، من علماء العربية، من الخامسة، مات سنة أربع وخمسين وهو ابن ست وثمانين سنة..

### الآية 41:42

> ﻿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ ۖ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ [41:42]

وقوله : لا يأتيه الباطل  قال قتادة والسدي : يريد الشيطان، وظاهر اللفظ يعم الشيطان وأن يجيء أمر يبطل منه شيئاً. 
وقوله : من بين يديه  معناه ليس فيما تقدمه من الكتب ما يبطل شيئاً منه. وقوله : ولا من خلفه  أي ليس يأتي بعده من نظر ناظر وفكرة عاقل ما يبطل أشياء منه، والمراد باللفظ على الجملة : لا يأتيه الباطل من جهة من الجهات. وقوله : تنزيل  خبر ابتداء، أي هو تنزيل.

### الآية 41:43

> ﻿مَا يُقَالُ لَكَ إِلَّا مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِنْ قَبْلِكَ ۚ إِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ وَذُو عِقَابٍ أَلِيمٍ [41:43]

وقوله : ما يقال لك إلا ما قد قيل للرسل من قبلك  يحتمل معنيين : أحدهما أن يكون تسلية للنبي عليه السلام عن مقالات قومه، أي ما تلقى يا محمد من المكروه منهم، ولا يقولون لك من الأقوال المؤلمة إلا ما قد قيل ولقي به من تقدمك من الرسل، فلتتأسَّ بهم ولتمض لأمر الله ولا يهمنك شأنهم. والمعنى الثاني : أن تكون الآية تخليصاً لمعاني الشرع، أي ما يقال لك من الوحي وتخاطب به من جهة الله تعالى إلا ما قد قيل للرسل من قبلك، ثم فسر ذلك الذي قيل لجميعهم وهو  إن ربك لذو مغفرة  للطائعين  وذو عقاب  للكافرين. وفي هذه الكلمات جماع النهي والزجر الموعظة، وإليها يرجع كل نظر.

### الآية 41:44

> ﻿وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا أَعْجَمِيًّا لَقَالُوا لَوْلَا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ ۖ أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ ۗ قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ ۖ وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى ۚ أُولَٰئِكَ يُنَادَوْنَ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ [41:44]

الأعجمي : هو الذي لا يفصح عربياً كان أو غير عربي، والعجمي : الذي ليس من العرب فصيحاً كان أو غير فصيح، وهذه الآية نزلت بسبب تخليط كان من قريش في أقوالهم من أجل الحروف التي وقعت في القرآن، وهي مما عرِّب من كلام العجم : كالسجين والإستبرق ونحوه، فقال عز وجل : ولو جعلنا هذا القرآن أعجمياً لا يبين لقالوا واعترضوا لولا بينت آياته. 
واختلف القراء في قوله : أأعجمي وعربي  فقراءة الجمهور على الاستفهام وهمزة ممدودة قبل الألف. وقرأ حمزة والكسائي وحفص عن عاصم والأعمش :**«أأعجمي »** بهمزتين، وكأنهم كانوا ينكرون ذلك فيقولون : لولا بين أأعجمي وعربي مختلط هذا لا يحسن، وتأول ابن جبير أن معنى قولهم : أتجيئنا عجمة ونحن عرب ؟ ما لنا وللعجمة ؟ وقرأ الحسن البصري وأبو الأسود والجحدري وسلام والضحاك وابن عباس وابن عامر بخلاف عنهما :**«أعْجمي وعربي »** دون استفهام وبسكون العين، كأنهم قالوا عجمة وإعراب، إن هذا لشاذ، أو كأنهم قالوا لولا فصل فصلين، فكان بعضه أعجمياً يفهمه العجم، وبعضه عربياً يفهمه العرب، وهذا تأويل لابن جبير أيضاً. وقرأ عمرو بن ميمون :**«أعَجمي »** بهمزة واحدة دون مد وبفتح العين، فأخبر الله تعالى عنهم أنه لو كان على أي وجه تخيل لكان لهم قول واعتراض فاسد، هذا مقصد الكلام. 
وأمر الله تعالى نبيه عليه السلام أن يقول لهم : إن القرآن  هدى وشفاء  للمؤمنين المبصرين للحقائق، وأنه على الذين لا يؤمنون ولا يصرفون نظرهم وحواسهم في المصنوعات عمي، لأنهم  في آذانهم وقر  وعلى قلوبهم أقفال وعلى أعينهم غشاوة. 
واختلف الناس في قوله : وهو عليهم  فقالت فرقة : يريد ب  هو  القرآن. وقالت فرقة : وهو  يريد به الوقر. والوقر : الثقل في الآذن المانع من السمع، وهذه كلها استعارات، أي هم لما لم يفهموا ولا حصلوا كالأعمى وصاحب الوقر. 
وقرأ ابن عباس ومعاوية وعمرو بن العاصي :**«وهو عليهم عمٍ »** بكسر الميم وتنوينه. وقال يعقوب : لا أدري أنونوا أم فتحوا الياء على الفعل الماضي ؟ وبغير ياء رواها عمرو بن دينار وسليمان بن قتة عن ابن عباس. 
وهذه القراءة أيضاً فيها استعارة[(١)](#foonote-١)، وكذلك قوله تعالى : أولئك ينادون  يحتمل معنيين، وكلاهما مفعول للمفسرين : أحدهما أنها استعارة لقلة فهمهم، شبههم بالرجل ينادى على بعد يسمع منه الصوت ولا يفهم تفاصيله ولا معانيه، وهذا تأويل مجاهد، والآخر أن الكلام على الحقيقة وأن معناه أنهم يوم القيامة ينادون بكفرهم وقبيح أعمالهم من بعد حتى يسمع ذلك أهل الموقف، فتعظم السمعة عليهم ويحل المصاب، وهذا تأويل الضحاك بن مزاحم.

١ اختار أبو عبيدة القراءة الأولى لأن الناس أجمعوا عليها كما قال القرطبي، ولأنها تناسب قوله تعالى: هدى وشفاء، ولو كان (هاد وشاف) لكان الكسر في (عم) أجود ليكون نعتا مثلهما..

### الآية 41:45

> ﻿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ فَاخْتُلِفَ فِيهِ ۗ وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ ۚ وَإِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ [41:45]

ثم ضرب تعالى أمر موسى مثلاً للنبي عليه السلام ولقريش، أي فعل أولئك كأفعال هؤلاء حين جاءهم مثل ما جاء هؤلاء، والكلمة السابقة هي : حتم الله تعالى بتأخير عذابهم إلى يوم القيامة، والضمير في قولهم : لفي شك منه  يحتمل أن يعود على موسى أو على كتابه.

### الآية 41:46

> ﻿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ ۖ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا ۗ وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ [41:46]

وقوله تعالى : من عمل صالحاً  الآية نصيحة بينة للعالم وتحذير وترجية وصدع بأن الله تعالى لا يجعل شيئاً من عقوبات عبيده في غير موضعها، بل هو العادل المتفضل الذي يجازي كل عبد بتكسبه.

### الآية 41:47

> ﻿۞ إِلَيْهِ يُرَدُّ عِلْمُ السَّاعَةِ ۚ وَمَا تَخْرُجُ مِنْ ثَمَرَاتٍ مِنْ أَكْمَامِهَا وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَىٰ وَلَا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ ۚ وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ أَيْنَ شُرَكَائِي قَالُوا آذَنَّاكَ مَا مِنَّا مِنْ شَهِيدٍ [41:47]

المعنى : أن وقت علم الساعة ومجيئها يرده كل مؤمن متكلم فيه إلى الله عز وجل. وذكر تعالى الثمار وخروجها من الأكمام وحمل الإناث مثالاً لجميع الأشياء، إذ كل شيء خفي فهو في حكم هذين. 
وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وحمزة والكسائي والحسن وطلحة والأعمش :**«من ثمرة »** بالإفراد على أنه اسم جنس. وقرأ نافع وابن عامر :**«ثمرات »** بالجمع، واختلف عن عاصم وهي قراءة أبي جعفر وشيبة والأعرج والحسن بخلاف، وفي مصحف عبد الله :**«في ثمرة من أكمامها »**. والأكمام : جمع كم[(١)](#foonote-١)، وهو غلاف التمر قبل ظهوره. 
وقوله تعالى : ويوم يناديهم  تقديره : واذكر يوم يناديهم والضمير في : يناديهم  ظاهره والأسبق فيه أنه يريد به الكفار عبدة الأوثان. ويحتمل أن يريد به كل من عبد من دون الله من إنسان وغيره، وفي هذا ضعف، وإنما الضمير في قوله : وضل عنهم  فلا احتمال لعودته إلا على الكفار. و : آنذاك  قال ابن عباس وغيره معناه : أعلمناك  ما منا من شهيد  ولا من يشهد بأن لك شريكاً.

١ جاء في اللسان: (والكم للطلع، وقد كمت النخلة.. وكم كل نور: وعاؤه، والجمع أكمام وأكاميم)، وبالضم ثم ضبطه أيضا في المحكم والتهذيب، ولكن قال في المصباح والقاموس والنهاية: (كم الطلع وكل نور بالكسر)، وفي القرطبي: (فالأكمام أوعية الثمرة، واحدها كمة، وهي كل ظرف لمال أو غيره، ولذلك سمي قشر الطلع أعني كفراه الذي ينشق عن الثمرة كمة، وقال ابن عباس: الكمة: الُكُفَّرى قبل أن تنشق، فإذا انشقت فليست بكمة)..

### الآية 41:48

> ﻿وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَدْعُونَ مِنْ قَبْلُ ۖ وَظَنُّوا مَا لَهُمْ مِنْ مَحِيصٍ [41:48]

وضل عنهم  أي نسوا ما كانوا يقولون في الدنيا ويدعون من الآلهة والأصنام، ويحتمل أن يريد : وضل عنهم  الأصنام، أي تلفت لهم فلم يجدوا منها نصراً وتلاشى لهم أمرها. 
وقوله : وظنوا  يحتمل أن يكون متصلاً بما قبله ويكون الوقف عليه، ويكون قوله : ما لهم من محيص  استئناف نفي أن يكون لهم منجى أو موضع روغان، يقول : حاص الرجل : إذا راغ يطلب النجاة من شيء، ومنه الحديث : فحاصوا حيصة حمر الوحش إلى الأبواب[(١)](#foonote-١)، ويكون الظن على هذا التأويل على بابه، أي ظنوا أن هذه المقالة : ما منا من شهيد  منجاة لهم، أو أمر يموهون به، ويحتمل أن يكون الوقف في قوله : من قبل ، ويكون : وظنوا  منصلاً بقوله : ما لهم من محيص  أي ظنوا ذلك، ويكون الظن على هذا التأويل بمعنى اليقين وبه فسر السدي، وهذه عبارة يطلقها أهل اللسان على الظن، ولست تجد ذلك إلا فيما علم علماً قوياً وتقرر في النفس ولم يتلبس به بعد، وإلا فمتى تلبس بالشيء وحصل تحت إدراك الحواس فلست تجدهم يوقعون عليه لفظة الظن. 
١ جاء هذا في حديث طويل رواه الإمام البخاري في بدء الوحي، وفي تفسير سورة النساء، ورواه أبو داود في الجهاد، وكذلك الترمذي رواه في الجهاد، ورواه أحمد في مسنده ٣- ٧٠، ١٠٠، وهو عن ابن مسعود رضي الله عنه، قال: إن عبد الله بن عباس أخبره أن أبا سفيان بن حرب أخبره أن هرقل أرسل إليه في ركب من قريش، وكانوا تجارا بالشام، وأن هرقل سألهم عن نسب الرسول صلى الله عليه وسلم، وعن أتباعه، وعن صفاته... وفي آخر الحديث أن هرقل اجتمع بعظماء الروم في دسكرة له بحمص، ثم أمر بأبوابها فغلقت، ثم اطلع فقال: (يا معشر الروم هل لكم في الفلاح والرشد وأن يثبت ملككم فتبايعوا هذا النبي، فحاصوا حيصة حمر الوحش إلى الأبواب فوجدوها قد غلقت، فلما رأى هرقل نفرتهم وأيس من الإيمان قال: ردوهم علي، وقال: إني قلت مقالي آنفا أختبر بها شدتكم على دينكم، فقد رأيت، فسجدوا له ورضوا عنه، فكان ذلك آخر شأن هرقل)..

### الآية 41:49

> ﻿لَا يَسْأَمُ الْإِنْسَانُ مِنْ دُعَاءِ الْخَيْرِ وَإِنْ مَسَّهُ الشَّرُّ فَيَئُوسٌ قَنُوطٌ [41:49]

وقوله تعالى : لا يسئم الإنسان  آيات نزلت في كفار قريش، قيل في الوليد بن المغيرة، وقيل في عتبة بن ربيعة، وجل الآية يعطي أنها نزلت في كفار وإن كان أولها يتضمن خلقاً ربما شارك فيها[(١)](#foonote-١) بعض المؤمنين. و : دعاء الخير  إضافته المصدر إلى المفعول، والفاعل محذوف تقديره : من دعاء الخير هو. وفي مصحف ابن مسعود :**«من دعاء بالخير »**[(٢)](#foonote-٢). و  الخير  في هذه الآية : المال والصحة، وبذلك تليق الآية بالكافر، وإن قدرناه خير الآخرة فهي للمؤمن، وأما اليأس والقنط[(٣)](#foonote-٣) على الإطلاق فمن صفة الكافر وحده.

١ الخلق مؤنثة، لأنها حال للنفس راسخة تصدر عنها الأفعال من خير أو شر من غير حاجة إلى فكر وروية. (مجمع اللغة العربية)..
٢ هكذا أيضا في البحر المحيط، وقد أكده حين قال: بإدخال الباء على الخير، أما القرطبي فقد قال: وفي قراءة عبد الله: (لا يسأم الإنسان من دعاء المال)..
٣ في اللسان: (قنط يقنط ويقنط قنوطا، مثل جلس يجلس جلوسا، وقنط قنطا... وفيه لغة ثالثة قنط يقنط قنطا، مثل تعب يتعب تعبا)، فالقنط - على هذا- كصدر مثل القنوط..

### الآية 41:50

> ﻿وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ رَحْمَةً مِنَّا مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ هَٰذَا لِي وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُجِعْتُ إِلَىٰ رَبِّي إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنَىٰ ۚ فَلَنُنَبِّئَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِمَا عَمِلُوا وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ [41:50]

وقوله تعالى : ليقولن هذا لي  أي بعلمي وبما سعيت، ولا يرى أن النعم إنما هي بتفضل من الله تعالى : وما أظن الساعة قائمة  قول بيّن فيه الجحد والكفر. ثم يقول هذا الكافر، ولئن كان ثم رجوع كما تقولون، لتكونن لي حال ترضيني من غنى ومال وبنين، فتوعدهم الله تعالى بأنه سيعرفهم بأعمالهم الخبيثة مع إذاقتهم العذاب عليها، فهذا عذاب وخزي. وغلظ العذاب شدته وصعوبته. وقال الحسن بن محمد بن علي بن أبي طالب رضي الله عنه : للكافر أمنيتان، أما في دنياه فهذه : إن لي عنده للحسنى . وأما في آخرته : فيا ليتني كنت تراباً [(١)](#foonote-١). 
قال القاضي أبو محمد : والأماني على الله تعالى وترك الجد في الطاعة مذموم لكل أحد، فقد قال عليه السلام : الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت، والعاجز من اتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأماني[(٢)](#foonote-٢).

١ من الآية (٤٠) من سورة (النبأ)..
٢ أخرجه الترمذي في القيامة، وابن ماجه في الزهد، وأحمد في مسنده ٤ – ١٣٤، عن شداد بن أوس رضي الله عنه..

### الآية 41:51

> ﻿وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِنْسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَىٰ بِجَانِبِهِ وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ فَذُو دُعَاءٍ عَرِيضٍ [41:51]

ذكر الله تعالى الخلق الذميمة من الإنسان جملة، وهي في الكفار بينه متمكنة، وأما المؤمن في الأغلب فيشكر عند النعمة، وكثيراً ما يصبر عند الشدة. 
وقرأ جمهور والناس :**«ونأى بجانبه »** الهمزة عين الفعل. وقرأ ابن عامر :**«وناء »** الهمزة لام الفعل، وهي قراءة أبي جعفر، والمعنى فيهما واحد. قال أبو علي : ناء قلب ابن آدم فعل فلع، ومنه قول الشاعر \[ كثير \] :\[ الطويل \]
وكل خليل راءني فهو قائل. . . من اْجِلِك هذا هامة اليوم أو غد[(١)](#foonote-١)
ومنه قول الآخر :\[ الطويل \]
وقد شاءني أهل السباق وأمعنوا[(٢)](#foonote-٢). . . 
 ونأى  معناه : بعد ولم يمل إلى شكر ولا طاعة. 
وقوله : فذو دعاء عريض  أي طويل أيضاً، فاستغنى بالصفة الواحدة عن لزيمتها، إذ العرض يقتضي الطول ويتضمنه، ولم يقل طويل، لأن الطويل قد لا يكون عريضاً، ف  عريض  أدل على الكثرة.

١ البيت لكثير عزة، وهو كثير بن عبد الرحمن بن أبي جمعة، وعزة صاحبته، وقد نسب إليها، وهي من ضمرة، وبشعره فيها أصبح من عشاق العرب المشهورين، والبيت في الديوان، وفي اللسان (هوم)، والخليل: الصديق الخالص (فعيل بمعنى مفاعل) وراءني: مقلوب رآني، وهو موضع الشاهد هنا، والعرب تقول: رآني فلان بوزن رعاني، وتقول: راءني بوزن راعني، كما تقول: نأى فلان عني ينأى إذا بعد، وناء عني بوزن باع على القلب. (راجع اللسان في المادتين)، والهامة: الرأس، والجمع: هام، وكانت العرب تزعم أن روح القتيل الذي لم يدرك بثأره تصير هامة فتزقو عند قبره وتقول: اسقوني، اسقوني، فإذا أدرك بثأره طارت، وكانوا يقولون: إن القتيل تخرج هامة من هامته فلا تزال تقول: اسقوني، اسقوني حتى يقتل قاتله، ومنه قول ذي الإصبع العدواني:
 يا عمرو إلا تدع شتمي ومنقصتي أضربك حتى تقول الهامة اسقوني
 ويقال: هذا هامة اليوم أو غد، أي يموت اليوم أو غدا، وهذا معنى قول كثير في البيت: (هذا هامة اليوم أوغد)، والمعنى: إن كل صديق مخلص رآني يقول: إني لا محالة سأموت اليوم أو غدا..
٢ يستشهد ابن عطية بهذا الشطر من الشعر على أن (شاءني) مقلوب (شآني). وهذا موجود في القاموس المحيط. قال: (شاءني: سبقني... يشوء ويشيء، قلب شآني)، ونفهم من هذا أن معنى (شاءني) هو سبقني، وأنه مقلوب (شآني) على وزن رعاني، وأنكر صاحب التاج عليه حكاية القلب هذه فقال: (وزعم أنه مقلوب ل شأى يشئى- على وزن رمى يرمي- وهذا غلط لأن مادة (شأى) مهموز العين). هذا ولم نجد هذا الشطر في كتب المفسرين ولا في كتب اللغة التي بين أيدينا- ولم نقف على قائله..

### الآية 41:52

> ﻿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ثُمَّ كَفَرْتُمْ بِهِ مَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ هُوَ فِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ [41:52]

ثم أمر تعالى نبيه أن يقف قريشاً على هذا الاحتجاج وموضع تغريرهم بأنفسهم فقال : أرأيتم إن كان  هذا الشرع  من عند الله  وبأمره وخالفتموه أنتم، ألستم على هلكة من قبل الله تعالى، فمن أضل ممن يبقى على مثل هذا الغرر مع الله، وهذا هو الشقاق.

### الآية 41:53

> ﻿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ ۗ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ [41:53]

ثم وعد تعالى نبيه عليه السلام بأنه سيري الكفار آياته. 
واختلف المتأولون في معنى قوله : في الآفاق وفي أنفسهم  فقال أبو المنهال[(١)](#foonote-١) والسدي وجماعة : هو وعد بما يفتحه الله تعالى على رسوله من الأقطار حول مكة، وفي غير ذلك من الأرض كخيبر ونحوها.  وفي أنفسهم  أراد به فتح مكة. 
قال القاضي أبو محمد : وهذا تأويل حسن ينتظم الإعلام بغيب ظهر وجوده بعد كذلك ويجري معه لفظ الاستئناف الذي في الفعل[(٢)](#foonote-٢). 
وقال الضحاك وقتادة : سنريهم آياتنا في الآفاق  هو ما أصاب الأمم المكذبة في أقطار الأرض قديماً  وفي أنفسهم  يوم بدر، وقال ابن زيد وعطاء : الآفاق  : آفاق السماء. وأراد : الآيات : في الشمس والقمر والرياح وغير لك.  وفي أنفسهم  عبرة الإنسان بجسمه وحواسه وغريب خلقته وتدريجه في البطن ونحو ذلك، وهذه آيات قد كانت مرئية، فليس هذا المعنى يجري مع قوله :**«سنري »** والتأويل الأول أرجحها، والله أعلم. والضمير في قوله تعالى : أنه الحق  عائد على الشرع والقرآن، فبإظهار الله إياه وفتح البلاد عليه تبين لهم أنه الحق. 
ثم قال تعالى وعداً لنبيه عليه السلام : أولم يكف بربك  والتقدير : أولم يكف ربك، والباء زائدة للتأكيد، وأنه يحتمل أن يكون في موضع رفع على البدل من الموضع، إذ التقدير : أولم يكف ربك، ويحتمل أن يكون في موضع خفض على البدل من اللفظ، وهذا كله بدل الاشتمال، ويصح أن يكون في موضع نصب على إسقاط حرف الجر، أي لأنه على كل شيء شهيد. 
وقرأ الجمهور :**«أنه »** بفتح الألف، وقرأ بعض الناس **«إنه »** بكسرها على الاعتراض أثناء القول.

### الآية 41:54

> ﻿أَلَا إِنَّهُمْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقَاءِ رَبِّهِمْ ۗ أَلَا إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ [41:54]

وقوله : ألا  استفتاح يقتضي إقبال السامع على ما يقال له، فاستفتح الإخبار على أنهم في شك وريب وضلال أداهم إلى الشك في البعث. 
وقرأ جمهور الناس :**«في مِرية »** بكسر الميم. وقرأ أبو عبد الرحمن والحسن :**«في مُرية »** بضم الميم، والمعنى واحد، ثم استفتح الإخبار بإحاطته بكل شيء على معنى الوعيد لهم، وإحاطته تعالى هي بالقدرة والسلطان، لا إله إلا هو، العزيز الحكيم. 
نجز تفسير سورة  حم  السجدة، والحمد لله رب العالمين.

## روابط ذات صلة

- [النص القرآني للسورة](https://quranpedia.net/surah/1/41.md)
- [كل تفاسير سورة فصّلت
](https://quranpedia.net/surah-tafsir/41.md)
- [ترجمات سورة فصّلت
](https://quranpedia.net/translations/41.md)
- [صفحة الكتاب: المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز](https://quranpedia.net/book/350.md)
- [المؤلف: ابن عطية](https://quranpedia.net/person/4644.md)

---

زُر [Quranpedia.net](https://quranpedia.net/surah/1/41/book/350) — موسوعة القرآن الكريم: التفاسير، الترجمات، التلاوات، والمواضيع.
