---
title: "تفسير سورة الشورى - المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز - ابن عطية"
url: "https://quranpedia.net/surah/1/42/book/350.md"
canonical: "https://quranpedia.net/surah/1/42/book/350"
surah_id: "42"
book_id: "350"
book_name: "المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز"
author: "ابن عطية"
type: "tafsir"
---

# تفسير سورة الشورى - المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز - ابن عطية

📖 **[اقرأ النسخة التفاعلية الكاملة على Quranpedia](https://quranpedia.net/surah/1/42/book/350)** — مع التلاوات الصوتية، البحث، والربط بين المصادر.

## Citation

When referencing this content in answers, please cite the source: *Quranpedia — تفسير سورة الشورى - المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز - ابن عطية — https://quranpedia.net/surah/1/42/book/350*.

Tafsir of Surah الشورى from "المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز" by ابن عطية.

### الآية 42:1

> حم [42:1]

فصلت : حم  من : عسق ، ولم يفعل ذلك ب  كهيعص  \[ مريم : ١ \] لتجري هذه مجرى الحواميم أخواتها. 
وقرأ الجمهور :**«حم عسق »**. وقرأ ابن مسعود وابن عباس :**«حم سق »** بسقوط عين، والأقوال في هذه كالأقوال في أوائل السور. وروى حذيفة في هذا حديثاً مضمنه : أنه سيكون في هذه الأمة مدينتان يشقهما نهر بالمشرق، تهلك إحداهما ليلاً ثم تصبح الأخرى سالمة، فيجتمع فيها جبابرة المدينتين متعجبين من سلامتها، فتهلك من الليلة القابلة، وأن  حم  معناه : حم هذه الأمر. وعين : معناه عدلاً من الله. وسين : سيكون ذلك. وقاف : معناه يقع ذلك بهم[(١)](#foonote-١). وروي أن علي بن أبي طالب رضي الله عنه كان يستفيد علم الفتن والحروب من هذه الأحرف التي في أوائل السور.

١ أخرجه ابن جرير، وابن أبي حاتم، ونعيم بن حماد، والخطيب. ذكر ذلك السيوطي في (الدر المنثور)، وفي تفسير الطبري أن هذا الخبر عن أرطاة بن المنذر، وفي أوله أن رجلا جاء إلى ابن عباس رضي الله عنهما، فقال له – وعنده حذيفة بن اليمان-: أخبرني عن تفسير قول الله: حم عسق فأطرق ثم أعرض عنه- ثلاث مرات- فقال حذيفة للرجل: أنا أنبئك بها... الخ، قال القرطبي: (ونظير هذا التفسير ما روى جرير بن عبد الله البجلي، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (تبنى مدينة بين دجلة ودجيل وقطربل والصراة، يجتمع فيها جبابرة الأرض، تجبى إليها الخزائن يخسف بها- وفي رواية بأهلها- فلهي أسرع ذهابا في الأرض من الوتد الجيد في الأرض الرخوة)، ولكن ابن كثير قال عن خبر حذيفة: (وقد روى ابن جرير هنا أثرا غريبا عجيبا منكرا)..

### الآية 42:2

> ﻿عسق [42:2]

بسم الله الرّحمن الرّحيم

 سورة الشّورى
 هذه السورة مكية بإجماع من أكثر المفسرين، وقال قتادة: فيها مدني: ذلِكَ الَّذِي يُبَشِّرُ اللَّهُ عِبادَهُ \[الشورى: ٢٣\] إلى: الصُّدُورِ \[الشورى: ٢٤\] وقوله: وَالَّذِينَ إِذا أَصابَهُمُ الْبَغْيُ \[الشورى: ٣٩\] إلى قوله: مِنْ سَبِيلٍ \[الشورى: ٤١\]. وقال ابن عباس في كتاب الثعلبي: إن حم عسق هذه الحروف بأعيانها نزلت في كل كتب الله تعالى المنزلة على كل نبي أنزل عليه الكتاب، ولذلك قال تعالى:
 كَذلِكَ يُوحِي إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ.
 **قوله عز وجل:**
 \[سورة الشورى (٤٢) : الآيات ١ الى ٥\] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

 حم (١) عسق (٢) كَذلِكَ يُوحِي إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٣) لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ (٤)
 تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْ فَوْقِهِنَّ وَالْمَلائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَلا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٥)
###  فصلت: حم من: عسق، ولم يفعل ذلك ب كهيعص \[مريم: ١\] لتجري هذه مجرى الحواميم أخواتها.


 وقرأ الجمهور: **«حم عسق»**. وقرأ ابن مسعود وابن عباس: **«حم سق»** بسقوط عين، والأقوال في هذه كالأقوال في أوائل السور. وروى حذيفة في هذا حديثا مضمنه: أنه سيكون في هذه الأمة مدينتان يشقهما نهر بالمشرق، تهلك إحداهما ليلا ثم تصبح الأخرى سالمة، فيجتمع فيها جبابرة المدينتين متعجبين من سلامتها، فتهلك من الليلة القابلة، وأن حم معناه: حم هذه الأمر. وعين: معناه عدلا من الله. وسين:
 سيكون ذلك. وقاف: معناه يقع ذلك بهم. وروي أن علي بن أبي طالب رضي الله عنه كان يستفيد علم الفتن والحروب من هذه الأحرف التي في أوائل السور. والكاف في قوله: كَذلِكَ نعت لمصدر محذوف، والإشارة بذلك تختلف بحسب الأقوال في الحروف.
 وقرأ جمهور القراء: **«يوحي»** بالياء على إسناد الفعل إلى الله تعالى، وهي قراءة الحسن والأعرج وأبي جعفر والجحدري وعيسى وطلحة والأعمش. وقرأ أبو حيوة والأعشى عن أبي بكر عن عاصم:
 **«نوحي»** : بنون العظمة، ويكون قوله: اللَّهُ ابتداء وخبره: الْعَزِيزُ ويحتمل أن يكون خبره: لَهُ ما فِي

### الآية 42:3

> ﻿كَذَٰلِكَ يُوحِي إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ [42:3]

والكاف في قوله : كذلك  نعت لمصدر محذوف، والإشارة بذلك تختلف بحسب الأقوال في الحروف. 
وقرأ جمهور القراء :**«يوحي »** بالياء على إسناد الفعل إلى الله تعالى، وهي قراءة الحسن والأعرج وأبي جعفر والجحدري وعيسى وطلحة والأعمش. وقرأ أبو حيوة والأعشى عن أبي بكر عن عاصم :**«نوحي »** : بنون العظمة، ويكون قوله : الله  ابتداء وخبره : العزيز  ويحتمل أن يكون خبره : له ما في السماوات . وقرأ ابن كثير وحده :**«يوحَى »** بالياء وفتح الحاء على بناء الفعل للمفعول، وهي قراءة مجاهد، والتقدير : يوحى إليك القرآن يوحيه الله، وكما قال الشاعر :
ليبك يزيد ضارع لخصومة[(١)](#foonote-١)
ومنه قوله تعالى : يسبح له فيها بالغدو والآصال رجال [(٢)](#foonote-٢). 
وقوله تعالى : وإلى الذين من قبلك  يريد من الأنبياء الذين نزلت عليهم الكتب.

١ هذا هو الشطر الأول من بيت نسبه سيبويه للحارث بن نهيك، ونسبه صاحب خزانة الأدب لنهشل بن نحري، والبيت تمامه:
 ليبك يزيد ضارع لخصومة ومختبط مما تطيح الطوائح
 وقد سبق الاستشهاد به عن تفسير قوله تعالى في سورة النور يسبح له فيها بالغدو والآصال رجال راجع الجزء العاشر صفحة (٥١٥ هامش ٤) من هذا التفسير. والشاهد في البيت أن (ضارع) فاعل لفعل مقدر يفهم من قوله: (ليبك)، كما أن قوله تعالى \[رجال\] في آية سورة النور فاعل لفعل مضمر دل عليه الظاهر، تقديره: يسبحه رجال..
٢ من الآيتين (٣٦، ٣٧) من سورة (النور)..

### الآية 42:4

> ﻿لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ ۖ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ [42:4]

وقوله تعالى : له ما في السماوات  أي الملك والخلق والاختراع. و : العلي  من علو القدر والسلطان. و : العظيم  كذلك، وليس بعلو مسافة ولا عظم جرم، تعالى الله عن ذلك.

### الآية 42:5

> ﻿تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْ فَوْقِهِنَّ ۚ وَالْمَلَائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الْأَرْضِ ۗ أَلَا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ [42:5]

وقرأ نافع والكسائي :**«يكاد »** بالياء. وقرأ ابن كثير وابن عامر وحمزة وأبو عمرو وعاصم :**«تكاد »** بالتاء. وقرأ ابن كثير وابن عامر وحمزة والكسائي ونافع وابن عباس وأبو جعفر وشيبة وقتادة :**«يتفطرون »** من التفطر، وهو مطاوع فطرت. وقرأ أبو عمرو وعاصم والحسن والأعرج وأبو رجاء، والجحدري :**«ينفطرون »** من الإفطار وهو مطاوع فطر، والمعنى فيهما : يتصدعن ويتشققن من سرعة جريهن خضوعاً وخشية من سلطان الله تعالى وتعظيماً له وطاعة، وما وقع للمفسرين هنا من ذكر الثقل ونحوه مردود، لأن الله تعالى لا يوصف به. 
وقوله : من فوقهن  أي من أعلاهن. وقال الأخفش علي بن سليمان : الضمير للكفار. 
قال القاضي أبو محمد : المعنى من فوق الفرق والجماعات الملحدة التي من أجل أقوالها تكاد السماوات يتفطرن[(١)](#foonote-١)، فهذه الآية على هذا كالآية التي في :
 كهيعص [(٢)](#foonote-٢) \[ مريم : ١ \]. وقالت فرقة معناه : من فوق الأرضين، إذ قد جرى ذكر الأرض، وذكر الزجاج أنه قرئ **«يتفطرن ممن فوقهن »**. 
وقوله تعالى : يسبحون بحمد ربهم  قيل معناه : يقولون سبحان الله، وقيل معناه : يصلون لربهم. 
وقوله تعالى : ويستغفرون لمن في الأرض  قالت فرقة : هذا منسوخ بقوله تعالى : في آية أخرى : ويستغفرون للذين آمنوا [(٣)](#foonote-٣) وهذا قول ضعيف، لأن النسخ في الإخبار لا يتصور. وقال السدي ما معناه : إن ظاهر الآية العموم ومعناها الخصوص في المؤمن، فكأنه قال : ويستغفرون لمن في الأرض  من المؤمنين، إذ الكفار عليهم لعنة الله والملائكة والناس أجمعين. وقالت فرقة : بل هي على عمومها، لكن استغفار الملائكة ليس بطلب غفران الله تعالى للكفرة على أن يبقوا كفرة، وإنما استغفارهم لهم بمعنى طلب الهداية التي تؤدي إلى الغفران لهم، وكأن الملائكة تقول : اللهم اهد أهل الأرض واغفر لهم. ويؤيد هذا التأويل تأكيده صفة الغفران والرحمة لنفسه بالاستفتاح، وذلك قوله : ألا إن الله هو الغفور الرحيم  أي لما كان الاستغفار لجميع من في الأرض يبعد[(٤)](#foonote-٤) أن يجاب، رجا عز وجل بأن استفتح الكلام تهيئة لنفس السامع فقال : ألا إن الله  هو الذي يطلب هذا منه، إذ هذه أوصافه، وهو أهل المغفرة.

١ إنما قدر ابن عطية هذا التقدير لأن الضمير مؤنث في \[فوقهن\]، وهو عائد على مذكر في هذا القول – وهم الكفار- وقد استبعد مكي هذا القول لهذا السبب، ومال أبو حيان إلى كلامه هذا، راجع البحر المحيط (٧- ٥٠٨)..
٢ وهي قوله تعالى في الآية (٩٠) من سورة (مريم): تَكَادُ السَّمَوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا..
٣ من الآية (٧) من سورة (غافر)..
٤ في بعض النسخ: (معد أن يجاب)..

### الآية 42:6

> ﻿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ اللَّهُ حَفِيظٌ عَلَيْهِمْ وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ [42:6]

هذه آية تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم ووعيد للكفار وإزالة عن النبي صلى الله عليه وسلم جميع الكلف[(١)](#foonote-١) سوى التبليغ فقط، لئلا يهتم بعدم إيمان قريش وغيرهم، فقال تعالى لنبيه : إن الذين اتخذوا الأصنام والأوثان أولياء من دون الله، الله هو الحفيظ عليهم كفرهم، المحصي لأعمالهم، المجازي لهم عليها بعذاب الآخرة، وأنت فلست بوكيل عليهم ولا ملازم لأمرهم حتى يؤمنوا. والوكيل : المقيم على الأمر، وما في هذا اللفظ من موادعة فهو منسوخ بآية السيف.

١ الكلف: التكاليف. (اللسان- كلف)..

### الآية 42:7

> ﻿وَكَذَٰلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَىٰ وَمَنْ حَوْلَهَا وَتُنْذِرَ يَوْمَ الْجَمْعِ لَا رَيْبَ فِيهِ ۚ فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ [42:7]

ثم قال تعالى : وكذلك أوحينا إليك  أي وكما قضينا أمرك هكذا وأمضيناه في هذه الصورة، كذلك أوحينا إليك قرآناً عربياً مبيناً لهم، لا يحتاجون معه إلى آخر سواه ولا محتج غيره، إذ فهمه متأت لهم ولم يكلفك إلا إنذاراً من ذكر. و : أم القرى  مكة، والمراد أهل مكة، ولذلك عطف  من ، وهي في الأغلب لمن يعقل. و : يوم الجمع  هو يوم القيامة، واقتصر في  تنذر  على المفعول الأول، لأن المعنى : وتنذر أهل أم القرى العذاب، وتنذر الناس يوم الجمع، أي تخوفهم إياه لما فيه من عذاب من كفر، وسمي  يوم الجمع  لاجتماع أهل الأرض فيه بأهل السماء، أو لاجتماع بني آدم للعرض. 
وقوله : لا ريب فيه  أي في نفسه وذاته، وارتياب الكفار به : لا يعتد به. 
وقوله : فريق  مرتفع على خبر الابتداء المضمر، كأنه قال : هم فريق في الجنة، وفريق في السعير.

### الآية 42:8

> ﻿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَهُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَٰكِنْ يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ ۚ وَالظَّالِمُونَ مَا لَهُمْ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ [42:8]

ثم قوى تعالى تسلية نبيه عليه السلام بأن عرفه أن الأمر موقوف على مشيئة الله من إيمانهم أو كفرهم، وأنه لو أراد كونهم أمة واحدة لجمعهم عليه، ولكنه يدخل من سبقت له السعادة عنده في رحمته، وييسره في الدنيا لعمل أهل السعادة، وأن الظالمين بالكفر الميسرين لعمل الشقوة ما لهم من وليٍّ ولا نصير.

### الآية 42:9

> ﻿أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ ۖ فَاللَّهُ هُوَ الْوَلِيُّ وَهُوَ يُحْيِي الْمَوْتَىٰ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [42:9]

وقوله : أم اتخذوا  كلام منقطع مما قبله، وليست معادلة، ولكن الكلام : كأنه أضرب عن حجة لهم أو مقالة مقررة فقال :**«بل اتخذوا »** هذا مشهور قول النحويين في مثل هذا، وذهب بعضهم إلى أن  أم  هذه هي بمنزلة ألف الاستفهام دون تقدير إضراب، ثم أثبت الحكم بأنه عز وجل هو الولي الذي تنفع ولايته، وأنه هو الذي يحيي الموتى ويحشرهم إلى الآخرة ويبعثهم من قبورهم، وأن قدرته على كل شيء تعطي هذا وتقتضيه.

### الآية 42:10

> ﻿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ ۚ ذَٰلِكُمُ اللَّهُ رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ [42:10]

المعنى : قل لهم يا محمد : وما اختلفتم فيه  أيها الناس من تكذيب وتصديق وإيمان وكفر وغير ذلك، فالحكم فيه والمجازاة عليه ليست إلي ولا بيدي، وإنما ذلك  إلى الله  الذي صفاته ما ذكر من إحياء الموتى والقدرة على كل شيء، ثم قال : ذلكم الله ربي وعليه توكلي وإليه إنابتي ورجوعي.

### الآية 42:11

> ﻿فَاطِرُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۚ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَمِنَ الْأَنْعَامِ أَزْوَاجًا ۖ يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ ۚ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ۖ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ [42:11]

وهو  فاطر السماوات والأرض ، أي مخترعها وخالقها شق بعضها من بعض. 
وقوله تعالى : جعل لكم من أنفسكم أزواجاً  يريد : زوج الإنسان الأنثى، وبهذه النعمة اتفق الَّذْرُء، وليست الأزواج هاهنا الأنواع، وأما الأزواج المذكورة مع الأنعام، فالظاهر أيضاً والمتسق : أنه يريد : إناث الذكران، ويحتمل أن يريد الأنواع، والأول أظهر. 
وقوله : يذرؤكم  أي يخلقكم نسلاً بعد نسل وقرناً بعد قرن، قاله مجاهد والناس، فلفظة ذرأ : تزيد على لفظة : خلق معنى آخر ليس في خلق، وهو توالي الطبقات على مر الزمان. 
وقوله : فيه  الضمير عائد على الجعل الذي يتضمنه قوله : جعل لكم ، وهذا كما تقول : كلمت زيداً كلاماً أكرمته فيه. وقال القتبي : الضمير للتزويج، ولفظة :**«في »** مشتركة على معان، وإن كان أصلها الوعاء وإليه يردها النظر في كل وجه. 
وقوله تعالى : ليس كمثله شيء  الكاف مؤكدة للتشبيه، فبقي التشبيه أوكد ما يكون، وذلك أنك تقول : زيد كعمرو، وزيد مثل عمرو، فأذا أردت المبالغة التامة قلت : زيد كمثل عمرو، ومن هذا قول أوس بن حجر :\[ المتقارب \]
وقتلى كمثل جذوع النخي. . . ل يغشاهمُ سيل منهمر[(١)](#foonote-١)
ومنه قول الآخر :\[ البسيط \]
سعد بن زيد إذا أبصرت فضلهمُ. . . ما إن كمثلهم في الناس من أحد[(٢)](#foonote-٢)
فجرت الآية في هذا الموضع على عرف كلام العرب، وتفترق الآية مع هذه الشواهد متى أردت أن تتبع بذهنك هذا اللفظ فتقدر للجزوع مثلاً موجوداً وتشبه القتل بذلك المثل أمكنك أو لا يمكنك هذا في جهة الله تعالى إلا أن تجعل المثل ما يتحصل في الذهن من العلم بالله تعالى، إذ المثل والمثال واحد، وذهب الطبري وغيره إلى أن المعنى : ليس كهو شيء. وقالوا لفظة مثل في الآية توكيد أو واقعة موقع هو[(٣)](#foonote-٣). 
قال القاضي أبو محمد : ومما يؤيد دخول الكاف تأكيداً أنها قد تدخل على الكاف نفسها، وأنشد سيبويه :
وصاليات ككما يؤثفين. . . [(٤)](#foonote-٤)

١ البيت من قصيدة قالها أوس بن حجر في حرب كانت بين قومه من بني تميم وبين أسد وغنى، وفيه يصف نتيجة المعركة التي تركت القتلى من بني أسد كجذوع النخل التي غطاها السيل المنهمر من المطر، والجذوع جمع جذع وهو ساق النخلة، ومعنى تغشاهم: غطاهم وغمرهم، والمسبل: المطر، وفي الحديث: (فجاء بالماء جوني له سبل) أي مطر جود هاطل، وابن عطية يستشهد بالبيت على أن التشبيه يكون بالكاف وبكلمة مثل معا عند إرادة المبالغة التامة، وذلك أنه يجوز أن تشبه فتقول: قتلى كجذوع النخيل، ويجوز أن تقول: قتلى مثل جذوع النخيل، فإذا أردت المبالغة التامة قلت: قتلى كمثل جذوع النخيل. وهذا هو ما جاء في الآية الكريمة، إذ اجتمع في التشبيه الكاف ومثل زيادة في المبالغة مع نفي ذلك، فالنفي هنا أوكد ما يكون..
٢ وهذا أيضا شاهد على أنه يجمع في الكلام بين لفظين يؤديان معنى واحدا للتأكيد، وفي هذا البيت أدخل الشاعر على (ما) وهي حرف جحد (إن) وهي حرف جحد أيضا، وساغ ذلك لاختلاف لفظ كل منهما عن الآخر، وإن اتفق المعنى. والشاعر في البيت يمدح (سعد بن زيد)، وينفي أن يكون في الناس أحد مثلهم..
٣ الفرق بين القولين أن كلمة (مثل) فيما ذكر الطبري هي التي دخلت للتوكيد، وأداة التشبيه الأصلية هي الكاف، أما القول الأول ففيه أن (الكاف) هي التي دخلت للتوكيد، وأداة التشبيه الأصلية هي (مثل)، على أن الطبري قد ذكر القولين، واستشهد لكل منهما، وقد اختلفت الرؤية بالنسبة للشواهد، فما اعتبره بعضهم شاهدا للقول الأول اعتبره غيره شاهدا للقول الثاني، والشواهد تصلح لذلك.
 هذا وقد ذكر صاحب البحر المحيط أن العرب تقول: (مثلك لا يفعل كذا)، يريدون به المخاطب، كأنهم إذا نفوا الوصف عن مثل المخاطب كان نفيا عن المخاطب نفسه، وهو من باب المبالغة، فجرت الآية في ذلك على نهج العرب من إطلاق المثل على الشيء نفسه، ثم علق على كلام الطبري الذي جعل كلمة (مثل) زائدة للتوكيد، وجعلها كالكاف في قول الشاعر: (وصاليات ككما يؤثفين)- علق على هذا بقوله: (ليس بجيد، لأن (مثلا) اسم والأسماء لا تزاد، بخلاف الكاف فإنها حرف فتصلح للزيادة..
٤ هذا بيت من أبيات من بحر السريع، نسبها في خزانة الأدب إلى خطام المجاشعي، ونسبها الصقلي- في شرحه أبيات الإيضاح للفارسي- وكذلك الجوهري في الصحاح، نسبها إلى هميان بن قحافة، والأبيات في خزانة الأدب، وفي هوامش الجزء الأول من (سر صناعة الإعراب) لابن جني. وقد قال محقق تفسير الطبري: إنها من مشطور الرجز، وقال في خزانة الأدب: (ربما حسب من لا يحسن العروض أنها من الرجز، لأن الرجز لا يكون فيه معولات فيرد إلى فعولات). والصاليات: أراد بها الأثافي لأنها صليت بالنار، أي أحرقت حتى اسودت، وقد روي البيت (وما ثلاث) بدلا من (وصاليات)، ومعنى ما ثلاث: منتصبات. و(يؤثفين) وزنه (يؤفعلن) والهمزة زائدة، وقيل: وزنه (يفعلين) فالهمزة أصل، ومعنى الكلمة: يجعلن أثافي للقدر، وهي جمع أثفية. وموضع الشاهد في البيت قوله: (ككما)، والكاف الأولى جارة والثانية مؤكدة لها، وقال الزمخشري: (وعلى هذا يجوز أن يكون الكاف اسمين أو حرفين)، وقال ابن السيد في شرح أدب الكاتب: (أجرى الكاف الجارة- وهي الثانية- مجرى (مثل) فأدخل عليها كافا ثانية، فكأنه قال: (كمثل ما يؤثفين) و(ما) مع الفعل بتقدير المصدر، كأنه قال: كمثل إثفائها، أي: إنها على حالها حين أثفيت، ويرى الفارسي أنها يجوز أن تكون موصولة، وخلاصة القول أن الكاف دخلت على الكاف للتوكيد، والذي أنشد البيت شاهدا على ذلك هو سيبويه في الكتاب. .

### الآية 42:12

> ﻿لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۖ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ ۚ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ [42:12]

والمقاليد : المفاتيح، قاله ابن عباس والحسن، وقال مجاهد : أصلها بالفارسية، وهي هاهنا استعارة لوقع كل أمر تحت قدرته. وقال السدي : المقاليد : الخزائن، وفي العبارة على هذا حذف مضاف، قال قتادة : من ملك مقالد خزائن، فالخزائن في ملكه، وبسط الرزق وقدره بيّن، وقد مضى تفسيره.

### الآية 42:13

> ﻿۞ شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّىٰ بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَىٰ وَعِيسَىٰ ۖ أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ ۚ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ ۚ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ [42:13]

المعنى : شرع لكم  وبين من المعتقدات والتوحيد  ما وصى به نوحاً  قبل. 
وقوله : والذي  عطف على  ما ، وكذلك ما ذكر بعد من إقامة الدين مشروع اتفقت النبوات فيه، وذلك في المعتقدات أو في جملة أمرها من أن كل نبوة فإنما مضمنها معتقدات وأحكام، فيجيء المعنى على هذا : شرع لكم شرعة هي كشرعة نوح وإبراهيم وموسى وعيسى عليهم السلام في أنها ذات المعتقدات المشهورة التي هي في كل نبوءة وذات أحكام كما كانت تلك كلها، وعلى هذا يتخرج ما حكاه الطبري عن قتادة قال : ما وصى به نوحاً  يريد الحلال والحرام، وعليه روي أن نوحاً أول من أتى بتحريم البنات والأمهات. وأما الأحكام بانفرادها فهي في الشرائع مختلفة، وهي المراد في قوله تعالى : لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجاً [(١)](#foonote-١). 
و  أن  في قوله : أن أقيموا  يجوز أن تكون في موضع نصب بدلاً من  ما ، ويجوز في موضع خفض بدلاً من الضمير في  به ، وفي موضع رفع على خبر ابتداء تقديره : ذلك أن، و \[ يجوز \] [(٢)](#foonote-٢)  أن  تكون مفسرة بمعنى : أي، لا موضع لها من الإعراب، وإقامة الدين هو[(٣)](#foonote-٣) توحيد الله تعالى ورفض سواه. 
وقوله : ولا تفرقوا  نهي عن المهلك من تفرق الأنحاء والمذاهب، والخير كله في الألفة واجتماع الكلمة. ثم أخبر تعالى نبيه بصعوبة موقع هذه الدعوة إلى إقامة الدين على المشركين بالله العابدين الأصنام. قال قتادة : كبّرت عليهم : لا إله إلا الله، وأبى الله إلا نصرها، ثم سلاه عنهم بقوله : الله يجتبي  أي يختار ويصطفي، قاله مجاهد وغيره : و : ينيب  معناه يرجع عن الكفر ويحرص على الخير ويطلبه.

١ من الآية (٤٨) من سورة (المائدة)..
٢ ما بين العلامتين \[...\] زيادة لتوضيح المعنى، وكذلك زدنا ألفا على الواو في قوله: "في موضع خفض، وفي موضع رفع" حتى يصح التعبير..
٣ جعل الضمير للمذكر مراعاة لما بعده وهو التوحيد..

### الآية 42:14

> ﻿وَمَا تَفَرَّقُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ ۚ وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ إِلَىٰ أَجَلٍ مُسَمًّى لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ ۚ وَإِنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ [42:14]

وقوله : ولا تتفرقوا  عبارة يجمع خطابها كفار العرب واليهود والنصارى وكل مدعو إلى الإسلام، فلذلك حسن أن يقال : ما تفرقوا، يعني بذلك أوائل اليهود والنصارى. والعلم الذي جاءهم : هو ما كان حصل في نفوسهم من علم كتب الله تعالى فبغى بعضهم على بعض، أداهم[(١)](#foonote-١) ذلك إلى اختلاف الرأي وافتراق الكلمة والكلمة السابقة : قال المفسرون : هي حتمه تعالى القضاء بأن مجازاتهم إنما تقع في الآخرة، فلولا ذلك لفصل بينهم في الدنيا وغلب المحق على المبطل. 
وقوله تعالى : وإن الذين أورثوا الكتاب  إشارة إلى معاصري محمد صلى الله عليه وسلم من اليهود والنصارى، وقيل هي إشارة إلى العرب. و  الكتاب  : هو القرآن. والضمير في قوله : لفي شك  يحتمل أن يعود على  الكتاب ، أو على محمد، أو على الأجل المسمى، أي في شك من البعث على قول من رأى الإشارة إلى العرب، ووصف الشك ب  مريب  مبالغة فيه.

١ أداهم: أوصلهم إلى الاختلاف..

### الآية 42:15

> ﻿فَلِذَٰلِكَ فَادْعُ ۖ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ ۖ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ ۖ وَقُلْ آمَنْتُ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتَابٍ ۖ وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ ۖ اللَّهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ ۖ لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ ۖ لَا حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ ۖ اللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنَا ۖ وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ [42:15]

اللام في قوله : فلذلك  قالت فرقة : هي بمنزلة إلى، كما قال تعالى : بأن ربك أوحى لها [(١)](#foonote-١) أي إليها، كأنه قال : فإلى ما وصى به الأنبياء من التوحيد  فادع ، وقالت فرقة : بل هي بمعنى من أجل كأنه قال : فمن أجل أن الأمر كذا ولكونه كذا  فادع  أنت إلى ربك وبلغ ما أرسلت به. وخوطب عليه السلام بأمر الاستقامة، وقد كان مستقيماً، بمعنى : دم على استقامتك، وهكذا الشأن في كل مأمور بشيء هو متلبس به إنما معناه الدوام، وهذه الآية ونحوها كانت نصب عين النبي صلى الله عليه وسلم، وكانت شديدة الموقع من نفسه، أعني قوله تعالى : فاستقم كما أمرت [(٢)](#foonote-٢) \[ هود : ١١٢ \] لأنها جملة تحتها جميع الطاعات وتكاليف النبوءة، وفي هذا المعنى قال عليه السلام :**«شيبتني هود وأخواتها »**، فقيل له : لم ذلك ؟ فقال : لأن فيها  فاستقم كما أمرت  \[ هود : ١١٢ \] وهذا الخطاب له عليه السلام بحسب قوته في أمر الله تعالى وقال هو لأمته بحسب ضعفهم استقيموا ولن تحصوا[(٣)](#foonote-٣). 
وقوله تعالى : ولا تتبع أهواءهم  يعني قريشاً فيما كانوا يهوونه من أن يعظم آلهتهم وغير ذلك، ثم أمره تعالى أن يؤمن بالكتب المنزلة قبله من عند الله، وهو أمر يعم سائر أمته. 
وقوله تعالى : وأمرت لأعدل بينكم  قالت فرقة : اللام في  لأعدل  بمعنى : أن، التقدير : بأن أعدل بينكم. وقالت فرقة المعنى : وأمرت بما أمرت به من التبليغ والشرع لكي أعدل بينكم، فحذف من الكلام ما يدل الظاهر عليه. 
وقوله : ولنا أعمالنا ولكم أعمالكم  إلى آخر الآية منسوخ ما فيه من موادعة بآية السيف. 
وقوله : لا حجة بيننا وبينكم  أي لا جدال ولا مناظرة، قد وضح الحق وأنتم تعاندون، وفي قوله تعالى : الله يجمع بيننا  وعيد.

١ الآية ٥ من سورة (الزلزلة)..
٢ أخرجه الترمذي في سورة (الواقعة)..
٣ أخرجه في الطهارة ابن ماجه ومالك في موطئه، وأخرجه الدارمي في الوضوء، وأحمد في مسنده (٥-٢٧٧، ٢٨٢)، وهو عن ثوبان رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (استقيموا ولن تحصوا، واعلموا أن خير أعمالكم الصلاة، ولن يحافظ على الوضوء إلا مؤمن). قال ابن الأثير في النهاية: "أي: استقيموا في كل شيء حتى لا تميلوا، ولن تطيقوا الاستقامة) من قوله تعالى: علم أن لن تحصوه، أي لن تطيقوا عده وضبطه)..

### الآية 42:16

> ﻿وَالَّذِينَ يُحَاجُّونَ فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا اسْتُجِيبَ لَهُ حُجَّتُهُمْ دَاحِضَةٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ [42:16]

وقوله : والذين يحاجون في الله  قال ابن عباس ومجاهد إنها نزلت في طائفة من بني إسرائيل همت برد الناس عن الإسلام وإضلالهم ومجادلتهم بأن قالوا : كتابنا قبل كتابكم، ونبينا قبل نبيكم، فديننا أفضل، فنزلت الآية في ذلك، وقيل بل نزلت في قريش لأنها كانت أبداً تحاول هذا المعنى وتطمع في رد الجاهلية و : يحاجون في الله  معناه في توحيد الله، أي يحاجون فيه بالإبطال والإلحاد وما أشبه، والضمير في : له  يحتمل أن يعود على  الله  تعالى، أي بعد ما دخل في دينه، ويحتمل أن يعود على الدين والشرع، ويحتمل أن يعود على محمد عليه السلام. و : داحضة  معناه : زاهقة. والدحض : الزلق[(١)](#foonote-١)، وباقي الآية بيّن.

١ ويقال: دحضت رجله: زلقت، ودحضت حجته: بطلت. ودحضت الشمس: زالت عن كبد السماء كأنها زلقت..

### الآية 42:17

> ﻿اللَّهُ الَّذِي أَنْزَلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَالْمِيزَانَ ۗ وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ [42:17]

لما أنحى القول على الذين يحاجون في توحيد الله ويرومون إطفاء نوره، صدع في هذه الآية بصفة من أنزل الكتاب الهادي للناس. و : الكتاب  هنا اسم جنس يعم جميع الكتب المنزلة. 
وقوله : بالحق  يحتمل أن يكون المعنى بأن كان ذلك حقاً واجباً للمصلحة والهدى، ويحتمل أن يكون المعنى مضمناً الحق، أي بالحق في أحكامه وأوامره. و  الميزان  هنا العدل، قال ابن عباس ومجاهد وقتادة والناس. وحكى الثعلبي عن مجاهد أنه قال : هو هنا الميزان الذي بأيدي الناس. 
قال القاضي أبو محمد : ولا شك أنه داخل في العدل وجزء منه وكل شيء من الأمور، فالعدل فيه إنما هو بوزن وتقدير مستقيم، فيحتاج في الأجرام إلى آلة، وهي العمود والكفتان التي بأيدي البشر، ويحتاج في المعاني إلى هيئات في النفوس وفهوم توازن بين الأشياء. 
وقوله : وما يدريك، لعل الساعة قريب  وعيد للمشركين، أي فانظر في أي غورهم وجاء لفظ : قريب  مذكراً من حيث تأنيث الساعة غير حقيقي، وإذ هي بمعنى الوقت.

### الآية 42:18

> ﻿يَسْتَعْجِلُ بِهَا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِهَا ۖ وَالَّذِينَ آمَنُوا مُشْفِقُونَ مِنْهَا وَيَعْلَمُونَ أَنَّهَا الْحَقُّ ۗ أَلَا إِنَّ الَّذِينَ يُمَارُونَ فِي السَّاعَةِ لَفِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ [42:18]

ثم وصف تعالى حال الجهلة الكاذبين بها، فهم لذلك يستعجلون بها، أي يطلبون تعجيلها ليبين العجز ممن يحققها، فالمصدق بها مشفق خائف، والمكذب مستعجل مقيم لحجته على تكذيبه بذلك المستعجل به. ثم استفتح الإخبار عن الممارين في الساعة بأنهم في ضلال قد بعد بهم، فرجوعهم عنه صعب متعذر، وفي هذا الاستفتاح مبالغة وتأكيد وتهيئة لنفس السامع.

### الآية 42:19

> ﻿اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ ۖ وَهُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ [42:19]

ثم رجى تبارك وتعالى عباده بقوله : الله لطيف بعباده ، و : لطيف  هنا بمعنى : رفيق متحف[(١)](#foonote-١)، والعباد هنا : المؤمنون ومن سبق له الخلود في الجنة، وذلك أن الأعمال بخواتمها، ولا لطف إلا ما آل إلى الرحمة، وأما الإنعام على الكافرين في الدنيا فليس بلطف بهم، بل هو إملاء واستدراج. وقال الجنيد : لطف بأوليائه حتى عرفوه ولو لطف بالكفار لما جحدوه، وقيل : لطيف  معناه في أن نشر عنهم المناقب، وستر عليهم المثالب[(٢)](#foonote-٢). وقيل هو الذي لا يخاف إلا عدله، ولا يرجى إلا فضله.

١ من التحفي وهو الاهتمام والإكرام، وفي اللسان: اللطف: البر والتكرمة والتحفي..
٢ المناقب: الأفعال الكريمة والصفات الحميدة التي يفتخر بها الإنسان، والمثالب: العيوب والصفات القبيحة التي يذم بها..

### الآية 42:20

> ﻿مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ ۖ وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ [42:20]

وقوله : من كان يريد  معناه : إرادة مستعد عامل عارف، لا إرادة متمن لم يدر نفسه. والحرث في هذه الآية : عبارة عن السعي والتكسب والإعداد. 
ولما كان حرث الأرض أصلاً من أصول المكاسب استعير لكل متكسب، ومنه قول ابن عمر : احرث لدنياك كأنك تعيش أبداً، واعمل لآخرتك كأنك تموت غداً. 
وقوله تعالى : نزد في حرثه  وعد منتجز. 
وقوله في : حرث الدنيا نؤته منها  معناه : ما شئنا ولمن شئنا، فرب ممتحن مضيق عليه حريص على حرث الدنيا مريد له لا يحس بغيره، نعوذ بالله من ذلك، وهذا الذي لا يعقل غير الدنيا هو الذي نفى أن يكون له نصيب في الآخرة. 
وقرأ سلام :**«نؤتهُ »** برفع الهاء وهي لغة لأهل الحجاز، ومثله قراءتهم : فخسفنا به وبداره الأرض [(١)](#foonote-١) برفع الهاء فيهما.

١ من الآية (٨١) من سورة (القصص)..

### الآية 42:21

> ﻿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ ۚ وَلَوْلَا كَلِمَةُ الْفَصْلِ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ ۗ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ [42:21]

أم  هذه هي منقطعة لا معادلة، وهي بتقدير بل وألف الاستفهام. والشركاء في هذه الآية : يحتمل أن يكون المراد بهم الشياطين والمغوين من أسلافهم، ويكون الضمير في  لهم  للكفار المعاصرين لمحمد صلى الله عليه وسلم، أي شرع الشركاء لهم ما لم يأذن به الله، فالاشتراك ها هنا هو في الكفر والغواية، وليس بشركة الإشراك بالله، ويحتمل أن يكون المراد ب **«الشركاء »** : الأصنام والأوثان على معنى : أم لهم أصنام جعلوها شركاء لله في ألوهيته، ويكون الضمير : في : شرعوا  لهؤلاء المعاصرين من الكفار ولآبائهم. والضمير في : لهم  للأصنام الشركاء، أي شرع هؤلاء الكفار لأصنامهم وأوثانهم ما لم يأذن به الله، و : شرعوا  معناه : أثبتوا ونهجوا ورسموا. و  الدين  هنا العوائد[(١)](#foonote-١) والأحكام والسيرة، ويدخل في ذلك أيضاً المعتقدات، لأنهم في جميع ذلك وضعوا أوضاعاً، فأما في المعتقدات فقولهم إن الأصنام آلهة، وقولهم إنهم يعبدون الأصنام زلفى وغير ذلك، وأما في الأحكام فكالبحيرة والوصيلة والحامي وغير ذلك من السوائب ونحوها، والإذن في هذه الآية الأمر. و  كلمة الفصل  : هي ما سبق من قضاء الله تعالى بأنه يؤخر عقابهم إلى الآخرة والقضاء بينهم : هو عذابهم في الدنيا ومجازاتهم. 
وقرأ جمهور الناس :**«وإن الظالمين »** بكسر الهمزة على القطع والاستئناف. وقرأ مسلم بن جندب **«وأن الظالمين »** بفتح الهمزة، وهي في موضع رفع عطف على : كلمة  المعنى : وأن الظالمين لهم في الآخرة عذاب. 
١ العوائد: جمع عادة، وهي كل ما اعتاد الناس وألفوه فأصبحوا يفعلونه بغير جهد..

### الآية 42:22

> ﻿تَرَى الظَّالِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا كَسَبُوا وَهُوَ وَاقِعٌ بِهِمْ ۗ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فِي رَوْضَاتِ الْجَنَّاتِ ۖ لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ۚ ذَٰلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ [42:22]

وقوله : ترى الظالمين  هي رؤية بصر، و  الظالمين  مفعول، و : مشفقين  حال وليس لهم في هذا الإشفاق مدح، لأنهم إنما أشفقوا حين نزل بهم ووقع، وليسوا كالمؤمنين الذين هم في الدنيا مشفقون من الساعة كما تقدم. 
وقوله تعالى : وهو واقع بهم  جملة في موضع الحال. والروضات : المواضع المؤنقة النظرة، وهي مرتفعة في الأغلب من الاستعمال، وهي الممدوحة عند العرب وغيرهم، ومن ذلك قوله تعالى  كمثل جنة بربوة [(١)](#foonote-١) ومن ذلك تفضيلهم روضات الحزن[(٢)](#foonote-٢) لجودة هوائها. قال الطبري : ولا تقول العرب لموضع الأشجار رياض.

١ من الآية (٢٦٥) من سورة (البقرة)..
٢ الحزن: ما غلط من الأرض، وقال الأصمعي: الحزن: الجبال الغليظة، والمراد بالغلطة الخشونة..

### الآية 42:23

> ﻿ذَٰلِكَ الَّذِي يُبَشِّرُ اللَّهُ عِبَادَهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ۗ قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَىٰ ۗ وَمَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْنًا ۚ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ شَكُورٌ [42:23]

وقوله تعالى : ذلك الذي يبشر الله عباده  إشارة إلى قوله تعالى في الآية الأخرى : وبشر المؤمنين بأن لهم من الله فضلاً كبيراً [(١)](#foonote-١). 
وقرأ جمهور الناس :**«يُبشِّرهم »** بضم الياء وفتح الباء وشد الشين المكسورة، وذلك على التعدية بالتضعيف. وقرأ مجاهد وحميد :**«يُبْشِر »** بضم الياء وسكون الباء وكسر الشين على التعدية بالهمزة. قرأ ابن مسعود وابن يعمر وابن أبي إسحاق والجحدري والأعمش وطلحة :**«يَبشُر »** بفتح الياء وضم الشين، ورويت عن ابن كثير. وقال الجحدري في تفسيرها ترى النضرة في الوجوه. 
وقوله تعالى : قل لا أسألكم عليه إلا المودة في القربى  اختلف الناس في معناه، فقال له ابن عباس وغيره : هي آية مكية نزلت في صدر الإسلام ومعناها استكفاف شر الكفار ودفع أذاهم أي ما أسألكم على القرآن والدين والدعاء إلى الله إلا أن تودوني لقرابة هي بيني وبينكم فتكفوا عني أذاكم. 
قال ابن عباس وابن إسحاق وقتادة : ولم يكن في قريش بطن إلا ولرسول الله صلى الله عليه وسلم فيه نسب أو صهر[(٢)](#foonote-٢)، فالآية على هذا هي استعطاف ما، ودفع أذى وطلب سلامة منهم، وذلك كله منسوخ بآية السيف، ويحتمل على هذا التأويل أن يكون معنى الكلام استدعاء نصرهم، أي لا أسألكم غرامة ولا شيئاً إلا أن تودوني لقرابتي منكم وأن تكونوا أولى بي من غيركم. وقال مجاهد : المعنى إلا أن تصلوا رحمي باتباعي. وقال ابن عباس أيضاً ما يقتضي أنها مدنية، وسببها أن قوماً من شباب الأنصار فاخروا المهاجرين ومالوا بالقول على قريش، فنزلت الآية في ذلك على معنى إلا أن تودوني فتراعونني في قرابتي وتحفظونني فيهم، وقال بهذا المعنى في الآية علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهم، واستشهد بالآية حين سيق إلى الشام أسيراً، وهو تأويل ابن جبير وعمرو بن شعيب، وعلى هذا التأويل قال ابن عباس، قيل يا رسول الله، من قرابتك الذين أُمرنا بمودتهم ؟ فقال : علي وفاطمة وابناهما[(٣)](#foonote-٣)، وقيل هو ولد عبد المطلب. 
قال القاضي أبو محمد : وقريش كلها عندي قربى وإن كانت تتفاضل، وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال :**«من مات على حب آل محمد مات شهيداً، ومن مات على بغضهم لم يشم رائحة الجنة »**[(٤)](#foonote-٤) وقال ابن عباس في كتاب الثعلبي : سبب هذه الآية أن الأنصار جمعت لرسول الله صلى الله عليه وسلم مالاً وساقته إليه فرده عليهم ونزلت الآية في ذلك. وقال ابن عباس أيضاً، معنى الآية : من قربى الطاعة والتزلف إلى الله تعالى : كأنه قال : إلا أن تودوني، لأني أقربكم من الله، وأريد هدايتكم وأدعوكم إليها. وقال الحسن بن أبي الحسن معناه : إلا أن يتوددوا إلى الله بالتقرب إليه. وقال عبد الله بن القاسم في كتاب الطبري معنى الآية : إلا أن تتوددوا بعضكم إلى بعض وتصلوا قراباتكم، فالآية على هذا أمر بصلة الرحم. وذكر النقاش عن ابن عباس ومقاتل والكلبي والسدي أن الآية منسوخة بقوله تعالى في سورة سبأ  قل ما سألتكم من أجر فهو لكم [(٥)](#foonote-٥) والصواب أنها محكمة، وعلى كل قول فالاستثناء منقطع، و : إلا  بمعنى : لكن[(٦)](#foonote-٦). و : يقترف  معناه يكتسب، ورجل قرفة : إذا كان محتالاً كسوباً. 
وقرأت فرقة **«يزد »** على إسناد الفعل إلى الله تعالى، وقرأ جمهور الناس :**«نزد »** على نون العظمة، وزيادة الحسن هو التضعيف الذي وعد الله تعالى به مؤمني عباده، قاله الحسن بن أبي الحسن. و : غفور  معناه : ساتر عيوب عبيده. و : شكور  معناه : مجاز على الدقيقة من الخير لا يضيع عنده لعامل عمل.

١ من الآية (٤٧) من سورة (الأحزاب)..
٢ أخرج أحمد، وعبد بن حميد، والبخاري، ومسلم، والترمذي، وابن جرير، وابن مردويه، من طريق طاوس، عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه سئل عن قوله: إلا المودة في القربى، فقال سعيد بن جبير رضي الله عنه: قربى آل محمد، فقال ابن عباس رضي الله عنهما: عجلت، إن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن بطن من قريش إلا كان له فيهم قرابة، فقال: إلا أن تصلوا ما بيني وبينكم من القرابة..
٣ أخرجه ابن المنذر، وابن أبي حاتم، والطبراني، وابن مردويه بسند ضعيف، من طريق سعيد بن جبير، عن ابن عباس رضي الله عنهما. (الدر المنثور)، وذكر ابن كثير في تفسيره أيضا أن إسناده ضعيف، فيه مبهم لا يعرف عن شيخ شيعي مخترق وهو حسين الأشقر، ولا يقبل خبره في هذا المحل، وذكر نزول الآية في المدينة بعيد، فإنها مكية، ولم يكن إذ ذاك لفاطمة رضي الله عنها أولاد بالكلية، فإنها لم تتزوج بعلي رضي الله عنهما إلا بعد بدر من السنة الثانية من الهجرة..
٤ هذا الحديث ذكره الثعلبي، ونقله عنه القرطبي بأطول من هذا، ففيه (من مات على حب آل محمد مات شهيدا، ومن مات على حب آل محمد جعل الله زوار قبره الملائكة والرحمة، ومن مات على بغض آل محمد جاء يوم القيامة مكتوبا بين عينيه: أيس اليوم من رحمة الله، ومن مات على بغض آل محمد لم يرح رائحة الجنة، ومن مات على بغض آل محمد فلا نصيب له في شفاعتي)، وذكر هذا الخبر بأطول من هذا الزمخشري في تفسيره، والأحاديث الكثيرة مذكورة في حب آل البيت، وأشهرها ما قاله صلى الله عليه وسلم في إحدى خطبه" (إني تارك فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي، أحدهما أعظم من الآخر: كتاب الله حبل ممدود من السماء إلى الأرض، والآخر عترة أهل بيتي، ولن يفترقا حتى يردا على الحوض، فانظروا كيف تخلفوني فيهما)، أخرجه الترمذي عن زيد بن أرقم، وكذلك أخرجه عنه الإمام أحمد في مسنده، وفيه زيادة..
٥ من الآية (٤٧) من سورة (سبأ)..
٦ قال الطبري: (فالمعنى: قل لا أسألكم عليه أجرا، لكني أسألكم المودة في القربى)، وقال: (وأولى الأقوال بالصواب قول من قال: معناه: قل لا أسألكم عليه أجرا يا معشر قريش إلا أن تودوني في قرابتي منكم، وتصلوا الرحم التي بيني وبينكم... وفي دخول \[في\] في الكلام أوضح الدليل على أن معناه: إلا مودتي في قرابتي منكم)..

### الآية 42:24

> ﻿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَىٰ عَلَى اللَّهِ كَذِبًا ۖ فَإِنْ يَشَإِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلَىٰ قَلْبِكَ ۗ وَيَمْحُ اللَّهُ الْبَاطِلَ وَيُحِقُّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ ۚ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ [42:24]

أم  هذه أيضاً منقطعة مضمنة إضراباً عن كلام متقدم وتقريراً على هذه المقالة منهم. 
وقوله تعالى : فإن يشأ الله يختم  معناه في قول قتادة وفرقة من المفسرين : ينسيك القرآن، والمراد الرد على مقالة الكفار وبيان إبطالها، وذلك كأنه يقول : وكيف يصح أن تكون مفترياً وأنت من الله بمرأى ومسمع، وهو قادر لو شاء على أن يختم على قلبك فلا تعقل ولا تنطق ولا يستمر افتراؤك، فمقصد اللفظ هذا المعنى وحذف ما يدل عليه الظاهر اختصاراً واقتصاراً. وقال مجاهد في كتاب الثعلبي وغيره، المعنى : فإن يشأ الله يختم على قلبك  بالصبر لأذى الكفار ويربط عليه بالجلد، فهذا تأويل لا يتضمن الرد على مقالتهم. 
وقوله تعالى : ويمح  فعل مستقبل[(١)](#foonote-١) خبر من الله أنه يمحو الباطل ولا بد إما في الدنيا وإما في الآخرة، وهذا بحسب نازلة. وكتبت  يمح  في المصحف بحاء مرسلة كما كتبوا : ويدع الإنسان [(٢)](#foonote-٢) إلى غير ذلك مما ذهبوا فيه إلى الحذف والاختصار[(٣)](#foonote-٣). 
وقوله : بكلماته  معناه : بما سبق في قديم علمه وإرادته من كون الأشياء بالكلمات المعاني القائمة التي لا تبديل لها. 
وقوله تعالى : إنه عليم بذات الصدور  خبر مضمنه وعيد. 
١ في بعض النسخ: (فعل مستأنف)..
٢ من الآية (١١) من سورة (الإسراء)..
٣ ومنه قوله تعالى في الآية (١٨) من سورة (العلق): سندع الزبانية..

### الآية 42:25

> ﻿وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ [42:25]

ثم ذكر النعمة في تفضله بقبول التوبة عن عباده، وقبول التوبة فيما يستأنف العبد من زمنه وأعماله مقطوع به بهذه الآية، وأما ما سلف من أعماله فينقسم : فأما التوبة من الكفر فماحية كل ما تقدمها من مظالم العباد الفانية، وأما التوبة من المعاصي فلأهل السنة قولان، هل تذهب المعاصي السالفة للعبد بينه وبين خالقه ؟ فقالت فرقة : هي مذهبة لها، وقالت فرقة : هي في مشيئة الله تعالى، وأجمعوا على أنها لا تذهب مظالم العباد. 
وحقيقة التوبة : الإقلاع عن المعاصي والإقبال والرجوع إلى الطاعات، ويلزمها الندم على ما فات، والعزم على ملازمة الخيرات. وقال سري السقطي : والتوبة : العزم على ترك الذنوب، والإقبال بالقلب إلى علام الغيوب. وقال يحيى بن معاذ : التائب من كسر شبابه على رأسه وكسر الدنيا على رأس الشيطان ولزم الفطام حتى أتاه الحمام. 
وقوله تعالى : عن عباده  بمعنى : من عباده، وكأنه قال : التوبة الصادرة عن عباده. 
وقرأ جمهور القراء والأعرج وأبو جعفر والجحدري وقتادة :**«يفعلون »** بالياء على الكناية عن غائب. وقرأ حمزة والكسائي وحفص عن عاصم وابن مسعود وعلقمة :**«تفعلون »** بالتاء على المخاطبة، وفي الآية توعد.

### الآية 42:26

> ﻿وَيَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ ۚ وَالْكَافِرُونَ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ [42:26]

وقوله تعالى : ويستجيب  قال الزجاج وغيره معناه : يجيب، والعرب تقول : أجاب واستجاب بمعنى ومنه قول الشاعر \[ كعب بن سعد الغنوي \] :\[ الطويل \]
وداع دعا يا من يجيب الندا. . . فلم يستجبه عند ذاك مجيب[(١)](#foonote-١)
و : الذين  على هذاا لقول مفعول ب  يستجيب ، وروي هذا المعنى عن معاذ بن جبل رضي الله عنه[(٢)](#foonote-٢) ونحوه عن ابن عباس، وقالت فرقة المعنى : ويستدعي الذين آمنوا الإجابة من ربهم بالأعمال الصالحة. 
ودل قوله : ويزيدهم من فضله  على أن المعنى فيجيبهم، وحملت هذه الفرقة استجاب على المعهود من باب استفعل، أي طلب الشيء. و : الذين  على هذا القول فاعل ب  يستجيب . وقالت فرقة : المعنى ويجيب المؤمنون ربهم، ف  الذين  : فاعل بمعنى يجيبون دعوة شرعه ورسالته. والزيادة من فضله : هي تضعيف الحسنات، وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال :**«هي قبول الشفعات في المذنبين والرضوان »**[(٣)](#foonote-٣).

١ هذا البيت لكعب بن سعد الغنوي، وهو من قصيدة طويلة ذكرها الأصمعي في الأصمعيات مقسمة إلى قصيدتين، وفي جمهرة أشعار العرب منسوبة إلى "محمد بن سعد الغنوي"، وهو خطأ واضح، وقد قالها كعب في رثاء أخيه أبي المغوار الذي قتل في وقعة ذي قار. وفيها كلام كثير، قال عنها الأصمعي: "ليس في الدنيا مثلها"، وقال أبو هلال العسكري: "ليس العرب مرثية أجود منها"، - راجع الموشح- وديوان المعاني، والأصمعيات، والجمهرة، ومنتهى الطلب، والسمط، وغيرها- والبيت في لسان العرب، وبعده يقول: 
 فقلت ادع أخرى وارفع الصوت دعوة لعل أبا المغوار منك قريب
 قال في اللسان: "والإجابة: رجع الكلام، تقول: أجابه إجابة واستجابه واستجاب له، قال كعب بن سعد الغنوي يرثي أخاه أبا المغوار... ثم ذكر البيت"..
٢ روى ابن جرير، وابن أبي حاتم، من حديث الأعمش، عن سلمة بن سبرة، قال: خطبنا معاذ رضي الله تعالى عنه بالشام فقال: "أنتم المؤمنون، وأنتم أهل الجنة، والله إني لأرجو أن يدخل الله تعالى من تسبون من فارس والروم الجنة، وذلك بأن أحدكم إذا عمل له- يعني أحدهم- عملا قال: أحسنت رحمك الله، أحسنت بارك الله فيك، ثم قرأ: ويستجيب الذين آمنوا وعملوا الصالحات ويزيدهم من فضله، ذكر ذلك ابن كثير في تفسيره، وزاد السيوطي في الدر المنثور نسبة الحديث إلى ابن المنذر، والحاكم، وقال: إنه صحح الحديث..
٣ ذكر ابن كثير في تفسيره أن ابن أبي حاتم أخرجه من طريق الأعمش عن شقيق، عن عبد الله رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله تعالى: ويزيدهم من فضله قال: "الشفاعة لمن وجبت له النار ممن صنع إليهم معروفا في الدنيا"..

### الآية 42:27

> ﻿۞ وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ وَلَٰكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَا يَشَاءُ ۚ إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ [42:27]

وقوله تعالى : ولو بسط الله الرزق لعباده لبغوا في الأرض  قال عمرو بن حريث[(١)](#foonote-١) وغيره إنها نزلت لأن قوماً من أهل الصفة طلبوا من رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يغنيهم الله ويبسط لهم الأموال والأرزاق، فأعلمهم الله تعالى أنه لو جاء الرزق على اختيار البشر واقتراحهم لكان سبب بغيهم وإفسادهم، ولكنه تعالى أعلم بالمصلحة في كل أحد، وله بعبيده خبرة وبصر بأخلاقهم ومصالحهم، فهو ينزل لهم من الرزق القدر الذي به صلاحهم، فرب إنسان لا يصلح وتكتف عاديته إلا بالفقر، وآخر بالغنى. وروى أنس بن مالك في هذا المعنى والتقسيم حديثاً عن النبي صلى الله عليه وسلم، ثم قال أنس : اللهم إني من عبادك الذين لا يصلحهم إلا الغنى، فلا تفقرني[(٢)](#foonote-٢). وقال خباب بن الأرتّ : فينا نزلت : ولو بسط الله الرزق  الآية، لأنا نظرنا إلى أموال بني قريظة وبني النضير وبني قينقاع فتمنيناها[(٣)](#foonote-٣) فنزلت الآية.

١ هو عمرو بن حريث بن عمرو بن عثمان بن عبد الله بن عمر بن مخزوم، القرشي، المخزومي، صحابي صغير، قال عنه الإمام الحافظ ابن حجر العسقلاني: (مات سنة خمس وثمانين). (تقريب التهذيب)..
٢ ذكره ابن كثير في تفسيره دون ذكر الراوي، وذكره القرطبي بأطول من هذا، عن أنس رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عن ربه تبارك وتعالى، قال: (من أهان لي وليا فقد بارزني بالمحاربة، وإني لأسرع شيء إلى نصرة أوليائي، وإني لأغضب لهم كما يغضب الليث الحرد، وما ترددت في شيء أنا فاعله ترددي في قبض روح عبدي المؤمن، يكره الموت وأنا أكره إساءته، ولابد له منه، وما تقرب إلي عبدي المؤمن بمثل أداء ما افترضت عليه، وما يزال عبدي المؤمن يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت له سمعا وبصرا ولسانا ويدا ومؤيدا، فإن سألني أعطيته، وإن دعاني أجبته، وإن من عبادي المؤمنين من يسألني الباب من العبادة وإني عليم أن لو أعطيته إياه لدخله العجب فأفسده، وإن من عبادي المؤمنين من لا يصلحه إلا الغنى ولو أفقرته لأفسده الفقر، وإن من عبادي المؤمنين من لا يصلحه إلا الفقر ولو أغنيته لأفسده الغنى، وإني لأدبر عبادي بقلوبهم فإني عليم خبير)، ثم قال أنس: (اللهم إني من عبادك المؤمنين الذين لا يصلحهم إلا الغنى فلا تفقرني برحمتك). وقد روى الجزء الأول من هذا الحديث البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه في كتاب الرقاق، واحمد في مسنده ٦- ٢٥٦ عن عائشة رضي الله تعالى عنها، وتنتهي روايتهما عند قوله: (وأنا أكره إساءته)، وإن كان اللفظ فيهما: (أكره مساءته)..
٣ ذكر الواحدي في "أسباب النزول" هذا السبب عن خباب بن الأرت بدون سند، وذكره أيضا كل من الخازن والبغوي في تفسيرهما عن خباب بدون سند أيضا، وروى ابن جرير عن عمرو بن حريث أنه قال: (يقولون: إنما نزلت في أهل الصُّفة). وخباب رضي الله عنه صحابي جليل، من السابقين إلى الإسلام، عذب في الله فكان من الصابرين، ومات بالكوفة سنة سبع وثلاثين..

### الآية 42:28

> ﻿وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ ۚ وَهُوَ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ [42:28]

هذه تعديد نعمة الله تعالى الدالة على وحدانيته، وأنه الإله الذي يستحق أن يعبد دون سواه من الأنداد. 
وقرأ **«يُنَزِّل »** مثقلة جمهور القراء، وقرأها **«يُنْزِل »** مخففة ابن وثاب والأعمش، ورويت عن أبي عمرو، ورجحها أبو حاتم، وقرأ جمهور الناس :**«قنَطوا »** بفتح النون، وقرأ يحيى بن وثاب والأعمش : بكسر النون، وقد تقدم ذكرها وهما لغتان : قنَط، وقنِط، وروي أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قيل له : أجدبت الأرض وقنط الناس، فقال : مطروا إذاً، بمعنى أن الفرج عند الشدة، واختلف المتأولون في قوله تعالى : وينشر رحمته  فقالت فرقة : أراد بالرحمة المطر، وعدد النعمة بعينها بلفظتين : الثاني منهما يؤكد الأول. وقالت فرقة : الرحمة في هذا الموضع الشمس، فذلك تعديد نعمة غير الأولى، وذلك أن المطر إذا ألم بعد القنط حسن موقعه، فإذا دام سئم، فتجيء الشمس بعده عظيمة الموضع. 
وقوله تعالى : وهو الولي الحميد  أي من هذه أفعاله فهو الذي ينفع إذا والى وتحمد أفعاله ونعمه، لا كالذي لا يضر ولا ينفع من أوثانكم.

### الآية 42:29

> ﻿وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَثَّ فِيهِمَا مِنْ دَابَّةٍ ۚ وَهُوَ عَلَىٰ جَمْعِهِمْ إِذَا يَشَاءُ قَدِيرٌ [42:29]

ثم ذكر تعالى الآية الكبرى، الصنعة الدالة على الصانع، وذلك  خلق السماوات والأرض . 
وقوله تعالى : وما بث فيهما  يتخرج على وجوه، منها أن يريد إحداهما فيذكر الاثنين كما قال : يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان [(١)](#foonote-١)وذلك إنما يخرج من الملح وحده، ومنها أن يكون تعالى قد خلق السماوات وبث دواب لا نعلمها نحن، ومنها أن يريد الحيوانات التي توجد في السحاب، وقد يقع أحياناً كالضفادع ونحوها، فإن السحاب داخل في اسم السماء. وحكى الطبري عن مجاهد أنه قال في تفسير : وما بث فيهما من دابة  هم الناس والملائكة، وبعيد غير جار على عرف اللغة أن تقع الدابة على الملائكة. 
وقوله تعالى : وهو على جمعهم  يريد القيامة عند الحشر من القبور

١ الآية (٢٢) من سورة (الرحمن)..

### الآية 42:30

> ﻿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ [42:30]

وقوله تعالى : وما أصابكم من مصيبة  قرأ جمهور القراء :**«فبما »** بفاء، وكذلك هي في جل المصاحف. وقرأ نافع وابن عامر وأبو جعفر وشيبة :**«بما »** دون فاء. وحكى الزجاج أن أبا جعفر وغيره[(١)](#foonote-١) من المدنيين أثبت الفاء. قال أبو علي الفارسي :****«أصاب »****، من قوله :**«وما أصاب »** يحتمل أن يكون في موضع جزم، وتكون  ما  شرطية، وعلى هذا لا يجوز حذف الفاء عند سيبويه، وجوز حذفها أبو الحسن الأخفش وبعض البغداديين على أنها مرادة في المعنى[(٢)](#foonote-٢)، ويحتمل أن يكون ****«أصاب »**** صلة لما، وتكون  ما  بمعنى الذي، وعلى هذا يتجه حذف الفاء وثبوتها، لكن معنى الكلام مع ثبوتها التلازم، أي لولا كسبكم ما أصابتكم مصيبة، والمصيبة إنما هي بسبب كسب الأيدي، ومعنى الكلام مع حذفها يجوز أن يكون التلازم، ويجوز أن يعرى منه، وأما في هذه الآية فالتلازم مطرد مع الثبوت والحذف. 
وأما معنى الآية فاختلف الناس فيه، فقالت فرقة : هي إخبار من الله تعالى بأن الرزايا والمصائب في الدنيا إنما هي مجازاة من الله تعالى على ذنوب المرء وخطاياه، وأن الله تعالى يعفو عن كثير فلا يعاقب عليه بمصيبة، وقال النبي صلى الله عليه وسلم :**«لا يصيب ابن آدم خدش عود أو عثرة قدم ولا اختلاج عرق إلا بذنب وما يعفو عنه أكثر »**[(٣)](#foonote-٣) وقال عمران بن حصين وقد سئل عن مرضه إن أحبه إلي أحبه إلى الله، وهذا بما كسبت يداي، وعفو ربي كثير. وقال مرة الهمداني : رأيت على ظهر كف شريح قرحة فقلت ما هذا ؟ قال هذا بما كسبت يدي  ويعفو عن كثير ، وقيل لأبي سليمان الداراني : ما بال الفضلاء لا يلومون من أساء إليهم ؟ فقال لأنهم يعلمون أن الله تعالى هو الذي ابتلاهم بذنوبهم. وروي عن علي بن أبي طالب عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال :**«إن الله أكرم من أن يثني على عبده العقوبة إذا أصابته في الدنيا بما كسبت يداه »**[(٤)](#foonote-٤). وقال الحسن بن أبي الحسن، معنى الآية في الحدود : أي ما أصابكم من حد من حدود الله، وتلك مصائب تنزل بشخص الإنسان ونفسه، فإنما هي بكسب أيديكم  ويعفو عن كثير ، فستره على العبد حتى لا يحد عليه.

١ في بعض النسخ: "أن أبا جعفر وحده"..
٢ ودليلهم على ذلك قوله تعالى: وإن أطعتموهم إنكم لمشركون بدون فاء في \[إنكم\]..
٣ أخرجه سعيد بن منصور، وهناد، وعبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن الحسن البصري رضي الله عنه، ولفظه كما في الدر المنثور: قال: لما نزلت هذه الآية: وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (والذي نفسي بيده ما من خدش عود، ولا اختلاج عرق، ولا نكبة حجر، ولا عثرة قدم إلا بذنب، وما يعفو الله عنه أكثر)..
٤ أخرج أحمد، وابن راهويه، وابن منيع، وعبد بن حميد، والحكيم الترمذي، وأبو يعلى، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن مردويه، والحاكم، عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: ألا أخبركم بأفضل آية في كتاب الله حدثنا بها رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير، وسأفسرها لك يا علي، ما أصابك من مرض أو عقوبة أو بلاء في الدنيا فبما كسبت أيديكم، والله أكرم من أن يثني عليكم العقوبة في الآخرة، وما عفا الله عنه في الدنيا فالله أكرم من أن يعود بعد عفوه. (الدر المنثور)..

### الآية 42:31

> ﻿وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ ۖ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ [42:31]

ثم أخبر عن قصور ابن آدم وضعفه وأنه في قبضة القدرة، لا يعجز طلب ربه، ولا يمكنه الفرار منه.

### الآية 42:32

> ﻿وَمِنْ آيَاتِهِ الْجَوَارِ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلَامِ [42:32]

و  الجواري  جمع جارية، وهي السفينة. 
وقرأ :**«الجواري »** بالياء نافع وعاصم وأبو عمرو وأبو جعفر وشيبة، ومنهم من أثبتها في الوصل ووقف على الراء. وقرأ أيضاً عاصم بحذف الياء في وصل ووقف. وقال أبو حاتم : نحن نثبتها في كل حال. 
و :**«الأعلام »** الجبال، ومنه قول الخنساء :\[ البسيط \]
وإن صخراً لتأتم الهداة به. . . كأنه علم في رأسه نار[(١)](#foonote-١)
ومنه المثل : إذا قطعن علماً بدا علم[(٢)](#foonote-٢) فجري السفن في الماء آية عظيمة، وتسخير الريح لذلك نعمة منه تعالى.

١ هذا البيت مثل في الشهرة، وهو من قصيدة مشهورة قالتها الخنساء، وهي أم عمرو، تماضر بنت عمرو بن الحارث بن الشريد، ويروى الشطر الأول: (أغر أبلج تأتم الهداة به)، والعلم: الجبل، وجمعه أعلام، وهو موضع الاستشهاد هنا..
٢ جاء في (مجمع المثال) للميداني: (إذا قطعنا علما بدا علم)، الجبل يقال له: علم، أي: إذا فرعنا من أمر حدث أمر آخر)، هكذا بألف بعد النون في (قطعن).
 (وفي المستقصى في أمثال العرب) للزمخشري: "إذا قطعن علما بدا علم" هو من قول جرير:
 أقبلن من ثهلان أو وادي خيم على قلاص مثل خيطان السلم
 إذا قطعن علما بدا علـــــــــم حتى أنخناها على باب الحكم
 خليفة الحجاج غير المتهــــم في ضئضئي المجد وبحبوح الكرم
 والضمير للأبل، وكلام الزمخشري أدق وأضبط من كلام الميداني، وثهلان: جبل، والقلاص: جمع قلوص وهي الناقة التي سمنت في سنامها، وكذلك الجمل، أو هي الفتية من الإبل، والضئضئي: الأصل، يقال: هو من ضئضئي كريم..

### الآية 42:33

> ﻿إِنْ يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ فَيَظْلَلْنَ رَوَاكِدَ عَلَىٰ ظَهْرِهِ ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ [42:33]

وهو تعالى لو شاء أن يديم سكون الريح عنها لركدت أي أقامت وقرت ولم يتم منها غرض. 
وقرأ أبو عمرو وعاصم **«الريح »** واحدة. وقرأ :**«الرياح »** نافع وابن كثير والحسن. 
وقرأ الجمهور :**«فيظلَلن »** بفتح اللام. وقرأ قتادة :**«فيظلِلن »** بكسر اللام. 
وباقي الآية فيه الموعظة وتشريف الصبار الشكور بالتخصيص، والصبر والشكر فيهما الخير كله، ولا يكونان إلا في عالم.

### الآية 42:34

> ﻿أَوْ يُوبِقْهُنَّ بِمَا كَسَبُوا وَيَعْفُ عَنْ كَثِيرٍ [42:34]

أوبقت الرجل إذا أنشبته في أمر يهلك فيه، فالإيباق في السفن هو تغريقها، والضمير في : كسبوا  هو لركابها من البشر، أي بذنوب البشر. ثم ذكر تعالى ثانية : ويعف عن كثير  مبالغة وإيضاحاً.

### الآية 42:35

> ﻿وَيَعْلَمَ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِنَا مَا لَهُمْ مِنْ مَحِيصٍ [42:35]

وقرأ نافع وابن عامر والأعرج وأبو جعفر وشيبة :**«ويعلمُ »** بالرفع على القطع والاستئناف، وحسن ذلك إذا جاء بعد الجزاء. وقرأ الباقون والجمهور :**«ويعلمَ »** بالنصب على تقدير : أن، وهذه الواو نحو التي يسميها الكوفيون واو الصرف[(١)](#foonote-١)، لأن حقيقة واو الصرف هي التي يريد بها عطف فعل على اسم، فيقدر أن لتكون مع الفعل بتأويل المصدر فيحسن عطفه على اسم[(٢)](#foonote-٢)، وذلك نحو قول الشاعر[(٣)](#foonote-٣) :\[ الطويل \]
تقضي لبانات ويسأم سائم. . . فكأنه أراد : وسآمة سائم، فقدر : وأن يسأم لتكون ذلك بتأويل المصدر الذي هو سآمة قال أبو علي : حسن النصب إذ كان قبله شرط وجزاء، وكل واحد منهما غير واجب وقوله تعالى : ما لهم من محيص  هو معلموهم الذي أراد أن يعلمه المجادلون في آياته عز وجل. والمحيص : المنجي وموضوع الروغان، يقال حاص إذا راغ، وفي حديث هرقل : فحاصوا حيصة حمر الوحش إلى الأبواب[(٤)](#foonote-٤).

١ معنى الصرف أنه كان على جهة فصرف إلى غيرها فتغير الإعراب لأجل الصرف، قال ذلك أبو عبيد، ومثل له بقوله تعالى في سورة آل عمران: ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ويعلم الصابرين، وقال: إن العطف لا يعين الاقتران في الوجود كالعطف في الاسم نحو (جاء زيد وعمرو)، ولو نصب فقيل: (وعمروا) اقتضى الاقتران، وكذلك (واو الصرف)تفيد معنى الاقتران، ولذلك أجمع على النصب في قوله تعالى: ويعلم الصابرين، أي: ويعلم المجاهدين والصابرين معا..
٢ نقل أبو حيان الأندلسي هذا الكلام ثم علق عليه بقوله: (وليس قوله تعليلا لقولهم: "واو الصرف" إنما هو تقدير لمذهب البصريين، وأما عند الكوفيين فإن "واو الصرف" ناصبة بنفسها لا بإضمار (أن) بعدها"..
٣ هذا عجز بيت قاله الأعشى من قصيدة له يهجو يزيد بن مسهر الشيباني، والبيت بتمامه:
 لقد كان في حول ثواء ثوتيه تقضي لبانات ويسأم سائم
 وهو في الديوان، وابن الشجري، وابن يعيش، وشرح شواهد المغني، وكتاب سيبويه، والثواء: طول الإقامة، ثوى يثوي، ولبانات: جمع لبانة وهي الحاجة، وقضاء اللبانة هو تحقيق الغرض والغاية التي يسعى إليها الإنسان، وقيل: اللبانة: الحاجة من غير فاقة ولكن من همة، والسأم: المملل، والشاهد فيه أن (تقضي) اسم بمعنى قضاء، ولهذا نصبوا الفعل (يسأم) ليمكن العطف على الاسم، ويكون تقدير الكلام: لقد كان في هذا الحول الذي ثويته قضاء لبانات وسآمة سائم، قال هذا في شرح الأخفش، وقد روي البيت في كتاب سيبويه: (تقضى لبانات ويسأم سائم) على أن (تقضى) فعل مبني للمفعول و(لبانات) نائب فاعل بها، و(يسأم) فعل مرفوع وهو معطوف على (تقضى)، ويكون الشاهد هو رفع (يسأم) لأنه خبر واجب معطوف على (تقضى)، واسم (كان) مضمر فيها، والتقدير: لقد كان الأمر تقضى لبانات في الحول الذي ثويت فيه ويسأم من أقام فيه لطوله، وعلى هذا فلا شاهد فيه في بحثنا هنا..
٤ هذا جزء من حديث طويل رواه البخاري في كتاب بدء الوحي، وفي تفسير سورة النساء، وأبو داود، والترمذي في الجهاد، واحمد في مسنده (٢-٧٠، ١٠٠)، عن أبي سفيان بن حرب، وقد كان في تجارة مع بعض العرب في الشام، وعلم هرقل بأمره وأمر أصحابه فجمعهم وسألهم عن النبي صلى الله عليه وسلم، عن أصله ونسبه ودعوته ومبادئه، واقتنع بها فجمع أهل حمص، وجمع عظماء الروم، ثم أمر بدكسرة له فغلقت أبوابها عليهم، ودعاهم إلى متابعة الرسول عليه الصلاة والسلام، كما جاء في الحديث (فحاصوا حيصة حمر الوحش، فلما رأى هرقل هذا منهم أخبرهم أنه كان يختبرهم). راجع صفحة ١٢٩ من هذا الجزء..

### الآية 42:36

> ﻿فَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۖ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَىٰ لِلَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ [42:36]

ثم وعظ تعالى عباده وحقر عندهم أمر الدنيا وشأنها ورغبهم فيما عنده من نعيمهم والمنزلة الرفيعة لديه، وعظم قدر ذلك في قوله : فما أوتيتم  الآية.

### الآية 42:37

> ﻿وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ [42:37]

وقوله : والذين يجتنبون  عطف على قوله : الذين آمنوا [(١)](#foonote-١). وقرأ جمهور الناس :**«كبائر »** على الجمع. قال الحسن : هي كل ما توعد فيه بالنار. وقال الضحاك : أو كان فيه حد من الحدود. وقال ابن مسعود : الكبائر من أول سورة النساء إلى رأس ثلاثين آية. وقال علي وابن عباس : هي كل ما ختمه الله بنار أو غضب أو لعنة أو عذاب. وقرأ حمزة والكسائي وعاصم[(٢)](#foonote-٢) :**«كبير »** على الإفراد الذي هو اسم الجنس. وقال ابن عباس : كبير الإثم : هو الشرك.  والفواحش  قال السدي : الزنا. وقال مقاتل : موجبات الحدود، ويحتمل أن يكون كبير اسم جنس بمعنى كبائر، فتدخل موبقات السبع على ما قد تفسر من أمرها في غير هذه. 
وقوله تعالى : وإذا ما غضبوا هم يغفرون  حض على كسر الغضب والتدرب في إطفائه، إذ هو جمهرة من جهنم وباب من أبوابها، **«وقال رجل للنبي صلى الله عليه وسلم : أوصني، قال : لا تغضب، قال : زدني، قال : لا تغضب[(٣)](#foonote-٣). قال : زدني : قال : لا تغضب ومن جاهد هذا العارض من نفسه حتى غلبه فقد كفي هماً عظيماً في دنياه وآخرته »**.

١ فهو في موضع جر..
٢ أي في رواية أبي بكر عنه، لأن رواية حفص عنه بالجمع \[كبائر\] كما هي ثابتة في المصحف الشريف..
٣ أخرجه البخاري في الأدب، والترمذي في البر، ومالك في حسن الخلق، وأحمد في مسنده (٥-٣٤، ٢-١٧٥، ٣٦٢، ٣-٤٨٤)، وهو عن أبي هريرة رضي الله عنه، وفي البخاري أنه كرر ذلك مرارا..

### الآية 42:38

> ﻿وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَىٰ بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ [42:38]

وقوله تعالى : والذين استجابوا  مدح لكل من آمن بالله وقبل شرعه، ومدح تعالى القوم الذين أمرهم شورى بينهم، لأن في ذلك اجتماع الكلمة والتحاب واتصال الأيدي والتعاضد على الخير، وفي الحديث :**«ما تشاور قوم إلا هدوا لأحسن ما بحضرتهم »**[(١)](#foonote-١). 
وقوله : ومما رزقناهم ينفقون  معناه في سبيل الله وبرسم الشرع وعلى حدوده، وفي القوام الذي مدحه تعالى في غير هذه الآية. وقال ابن زيد قوله تعالى : والذين استجابوا لربهم  الآية نزلت في الأنصار، والظاهر أن الله تعالى مدح كل من اتصف بهذه الصفة كائناً من كان، وهل حصل الأنصار في هذه الصفة إلا بعد سبق المهاجرين لها رضي الله تعالى عن جميعهم بمنه.

١ قال في الدر المنثور: (أخرج عبد بن حميد، والبخاري في الأدب، وابن المنذر، عن الحسن رضي الله عنه، قال: ما تشاور قوم قط إلا هدوا وأرشد أمرهم، ثم تلا وأمرهم شورى بينهم، ومعنى هذا أنه غير مرفوع إلى النبي صلى الله عليه وسلم..

### الآية 42:39

> ﻿وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ [42:39]

مدح الله تعالى في هذه الآية قوماً بالانتصار من البغي، ورجح ذلك قوم من العلماء وقالوا : الانتصار بالواجب تغيير منكر، ومن لم ينتصر مع إمكان الانتصار فقد ترك تغيير المنكر واختلف الناس في المراد بالآية بعد اتفاقهم على أن من بغي عليه وظلم فجائز له أن ينتصر بيد الحق وحاكم المسلمين، فقال مقاتل : الآية في المجروح ينتصف من الجارح بالقصاص. وقالت فرقة : إنها نزلت في بغي المشرك على المؤمن، فأباح الله لهم الانتصار منهم دون تعدٍّ، وجعل العفو والإصلاح مقروناً بأجر، ثم نسخ ذلك بآية السيف، وقالت هذه الفرقة وهي الجمهور ؛ إن المؤمن إذا بغى على مؤمن وظلمه، فلا يجوز للآخر أن ينتصف منه بنفسه ويجازيه على ظلمه، مثال ذلك : أن يخون الإنسان آخر ثم يتمكن الإنسان من خيانته، فمذهب مالك رحمه الله أن لا يفعل، وهو مذهب جماعة عظيمة معه، ولم يروا هذه الآية من هذا المعنى، واحتجوا بقول النبي صلى الله عليه وسلم :**«أد الأمانة إلى من ائتمنك، ولا تخن من خانك »**[(١)](#foonote-١). وهذا القول أنزه وأقرب إلى الله تعالى. وقالت طائفة من أهل العلم : هذه الآية عامة في المشركين والمؤمنين، ومن بغي عليه وظلم فجائز له أن ينتصف لنفسه ويخون من خانه في المال حتى ينتصر منه، وقالوا إن الحديث :**«ولا تخن من خانك »**[(٢)](#foonote-٢)، إنما هو في رجل سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم هل يزني بحرمة من زنا بحرمته ؟ فقال له النبي عليه السلام : ذلك يريد به الزنا، وكذلك ورد الحديث في معنى الزنا، ذكر ذلك الرواة، أما أن عمومه ينسحب في كل شيء.

١ أخرجه أبو داود، والترمذي، والدارمي في البيوع، عن أبي هريرة رضي الله عنه، وفي مسند أحمد عن رجل من أهل مكة يقال له: يوسف، قال: كنت أنا ورجل من قريش نلي مال أيتام، قال: وكان رجل قد ذهب مني بألف درهم، قال: فوقعت له في يدي ألف درهم، قال: فقلت للقرشي: إنه قد ذهب لي بألف درهم، وقد أصبت له ألف درهم، قال: فقال القرشي: حدثني أبي أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (أد الأمانة إلى من ائتمنك، ولا تخن من خانك)..
٢ أخرجه أبو داود، والترمذي، والدارمي في البيوع، عن أبي هريرة رضي الله عنه، وفي مسند أحمد عن رجل من أهل مكة يقال له: يوسف، قال: كنت أنا ورجل من قريش نلي مال أيتام، قال: وكان رجل قد ذهب مني بألف درهم، قال: فوقعت له في يدي ألف درهم، قال: فقلت للقرشي: إنه قد ذهب لي بألف درهم، وقد أصبت له ألف درهم، قال: فقال القرشي: حدثني أبي أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (أد الأمانة إلى من ائتمنك، ولا تخن من خانك)..

### الآية 42:40

> ﻿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا ۖ فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ ۚ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ [42:40]

وقوله تعالى : وجزاء سيئة سيئة  قال الزجاج : سمى العقوبة باسم الذنب. 
قال القاضي أبو محمد : وهذا إذا أخذنا السيئة في حق الله تعالى بمعنى المعصية، وذلك أن المجازاة من الله تعالى ليست سيئة إلا بأن سميت باسم موجبتها، وأما إن أخذنا السيئة بمعنى المعصية[(١)](#foonote-١) في حق البشر، أي يسوء هذا هذا ويسوء الآخر، فلسنا نحتاج إلى أن نقول سمى العقوبة باسم الذنب، بل الفعل الأول والآخر  سيئة  وقال ابن أبي نجيح والسدي معنى الآية : أن الرجل إذا شتم بشتمة فله أن يردها بعينها دون أن يتعدى. 
قال الحسن بن أبي الحسن : ما لم يكن حداً أو عوراء جداً.

١ في بعض النسخ: "بمعنى المعصية"، ولا معنى لها هنا..

### الآية 42:41

> ﻿وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَٰئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ [42:41]

واللام في قوله : لمن انتصر  لام التقاء القسم[(١)](#foonote-١). 
وقوله : من سبيل  يريد  من سبيل  حرج ولا سبيل حكم، وهذا إبلاغ في إباحة الانتصار، والخلاف فيه هل هو بين المؤمن والمشرك، أو بين المؤمنين على ما تقدم.

١ أي اللام التي يتلقى بها القسم، والقسم قبلها محذوف..

### الآية 42:42

> ﻿إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ ۚ أُولَٰئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ [42:42]

المعنى إنما سبيل الحكم والإثم  على الذين يظلمون الناس ، أي الذين يضعون الأشياء غير مواضعها من القتل وأخذ المال والأذى باليد وباللسان. والبغي بغير الحق وهو نوع من أنواع الظلم، خصه بالذكر تنبيهاً على شدته وسوء حال صاحبه، ثم توعدهم تعالى بالعذاب الأليم في الآخرة. 
وقوله تعالى : إنما السبيل  وقوله : أليم  اعتراض بين الكلامين،

### الآية 42:43

> ﻿وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَٰلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ [42:43]

ثم عاد في قوله : ولمن صبر  إلى الكلام الأول، كأنه قال : ولمن انتصر بعد ظلمه فأولئك ما عليهم من سبيل ولمن صبر وغفر. واللام في قوله : ولمن صبر  يصح أن تكون لام القسم، ويصح أن تكون لام الابتداء. و **«من »** ابتداء. وخبره في قوله : إن ذلك [(١)](#foonote-١). و : عزم الأمور  محكها ومتقنها والحميد العاقبة منها. ومن رأى أن هذه الآية هي فيما بين المؤمنين والمشركين وأن الضمير للمشركين كان أفضل، قال إن الآية نسخت بآية السيف، ومن رأى أن الآية إنما هي بين المؤمنين، قال هي محكمة، والصبر والغفران أفضل إجماعاً، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :**«إذا كان يوم القيامة نادى مناد، من كان له على الله أجر فليقم، فيقوم عنق[(٢)](#foonote-٢) من الناس كثير، فيقال ما أجركم ؟ فيقولون : نحن الذين عفونا ظلمنا في الدنيا »**[(٣)](#foonote-٣).

١ وضح أبو حيان في البحر المحيط الإعراب عن ابن عطية، فقال: (واللام في \[ولمن\] يجوز أن تكون اللام الموطئة للقسم المحذوف، و\[من\] شرطية، وجواب القسم قوله: \[إن ذلك\]، وجواب الشرط محذوف لدلالة جواب القسم عليه، ويجوز أن تكون اللام لام الابتداء، و\[من\] موصولة مبتدأ، والجملة المؤكدة بـ \[إن\] في موضع الخبر)..
٢ جماعة من الناس..
٣ أخرجه ابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما، وفيه زيادة على ما هنا (وذلك قول الله: فمن عفا وأصلح فأجره على الله، فيقال لهم: ادخلوا بإذن الله). وأخرج مثله ابن أبي حاتم، وابن مردويه، والبيهقي في شعب الإيمان، عن أنس رضي الله عنه، وأخرج مثله ابن مردويه عن الحسن رضي الله عنه. والأحاديث في حسن الجزاء للعافين عن الناس كثيرة، وقد سبق الكلام عنها في سورة آل عمران عند تفسير قوله تعالى: والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس، الآية ١٣٤). راجع الجزء الثالث صفحة ٣٢٧..

### الآية 42:44

> ﻿وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ وَلِيٍّ مِنْ بَعْدِهِ ۗ وَتَرَى الظَّالِمِينَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ يَقُولُونَ هَلْ إِلَىٰ مَرَدٍّ مِنْ سَبِيلٍ [42:44]

وقوله تعالى : ومن يضلل الله فما له من ولي من بعده  تحقير لأمر الكفرة فلا يبال بهم أحد من المؤمنين، فقد أضارهم كفرهم وإضلال الله إياهم إلى ما لا فلاح لهم معه. ثم وصف تعالى لنبيه عليه السلام حالهم في القيامة عند رؤيتهم العذاب، فاجتزأ من صفتهم وصفة حالتهم بأنهم يقولون  هل إلى مرد من سبيل ، وهذه المقالة تدل على سوء ما أطلعوا عليه، والمراد موضوع الرد إلى الدنيا، والمعنى الذي قصدوه أن يكون رد فيكون منهم استدراك للعمل والإيمان. والرؤية في هذه الآية : رؤية عين.

### الآية 42:45

> ﻿وَتَرَاهُمْ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا خَاشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ يَنْظُرُونَ مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ ۗ وَقَالَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ۗ أَلَا إِنَّ الظَّالِمِينَ فِي عَذَابٍ مُقِيمٍ [42:45]

والضمير في قوله : عليها  عائد على النار، وعاد الضمير مع أنها لم يتقدم لها ذكر من حيث دل عليها قوله : رأوا العذاب 
وقوله : من الذل  يحتمل أن يتعلق ب  خاشعين  ويحتمل أن يتعلق بما بعده من قوله : ينظرون . 
وقرأ طلحة بن مصرف :**«من الذِل »** بكسر الذال. 
والخشوع : الاستكانة، وقد يكون محموداً، وما يخرجه إلى حالة الذم قوله : من الذل  فيقوى على هذا تعلق : من  ب : خاشعين . 
وقوله : من طرف خفي  يحتمل ثلاثة معان. قال ابن عباس : خفي ذليل. 
قال القاضي أبو محمد : لما كان نظرهم ضعيفاً ولحظهم بمهانة وصفه بالخفاء، ومن هذا المعنى قول الشاعر \[ جرير بن عطية \] :
فغض الطرف إنك من نمير[(١)](#foonote-١). 
وقال قوم فيما حكى الطبري : لما كانوا يحشرون عمياً وكان نظرهم بعيون قلوبهم جعله طرفاً خفياً، أي لا يبدو نظرهم، وفي هذا التأويل تكلف. 
وقال قتادة والسدي : المعنى يسارقون النظر لما كانوا من الهم وسوء الحال لا يستطيعون النظر بجميع العين، وإنما ينظرون من بعضها. قال : من طرف خفي  أي قليل. ف **«الطرف »** هنا على هذا التأويل يحتمل أن يكون مصدراً، أي يطرف طرفاً خفياً. وقول : الذين آمنوا  هو في يوم القيامة عندما عاينوا حال الكفار وسوء منقلبهم. وخسران الأهلين : يحتمل أن يراد به أهلوهم الذين كانوا في الدنيا، ويحتمل أن يراد به أهلوهم الذين كانوا يكونون لهم في الجنة أن لو دخلوها. 
وقوله تعالى : ألا إن الظالمين في عذاب مقيم  يحتمل أن يكون من قول المؤمنين يومئذ حكاه الله عنهم، ويحتمل أن يكون استئنافاً من قول الله تعالى وإخباره لمحمد عليه السلام.

١ هذا صدر بيت قاله جرير في قصيدة يهجو بها الراعي النميري، وقال النقاد القدامى: إنه أهجى بيت قاله شاعر، والبيت تمامه:
 فغض الطرف إنك من نمير فلا كعبا بلغت ولا كلابا
 وغض طرفه: خفضه استحياء وخزيا، والطرف: البصر، وفي الكامل للمبرد: فغض بكسر الضاد، وفي خزانة الأدب: بالكسر والفتح والضم، ونمير وكعب وكلاب: قبائل عربية، وهو يحقر الأولى ويذمها ويمدح الأخيرتين، قال بعد ذلك البيت:
 أتعدل دمنة خبثت وقلت إلى فرعين قد كثرا وطابا؟
 يريد بالدمنة الخبيثة نميرا، وبالفرعين الطيبين كعبا وكلابا، ويستنكر أن تكون هناك مساواة بينها في المكانة والعدد.
 .

### الآية 42:46

> ﻿وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنْ أَوْلِيَاءَ يَنْصُرُونَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ ۗ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ سَبِيلٍ [42:46]

قوله تعالى : وما كان لهم من أولياء  إنحاء على الأصنام والأوثان التي أظهر الكفار ولايتها واعتقدت ذلك ديناً، المعنى : فما بالهم يوالون هذه التي لا تضر ولا تنفع، ولكن من يضلل الله  فما له من سبيل  هدى ونجاة.

### الآية 42:47

> ﻿اسْتَجِيبُوا لِرَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ ۚ مَا لَكُمْ مِنْ مَلْجَإٍ يَوْمَئِذٍ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَكِيرٍ [42:47]

ثم أمر تعالى نبيه أن يأمرهم بالاستجابة لدعوة الله وشريعته، وحذرهم إتيان يوم القيامة الذي لا يرد أحد بعده إلى عمل، والذي لا ملجأ ولا منجى لأحد فيه إلا إلى العلم بالله تعالى والعمل الصالح في الدنيا، فأخبرهم أنه لا ملجأ لهم ولا نكير. والنكير مصدر بمعنى الإنكار وهو بمنزلة عديدة الحي[(١)](#foonote-١) ونحوه من المصادر، ويحتمل أن يكون من أبنية اسم الفاعل من نكر، وإن كان المعنى يبعد به، لأن نكر إنما معناه لم يميز وظن الأمر غير ما عهده.

١ قيل: هو بمعنى: هات عذرا فيما فعل، قال ذو الإصبع العدواني:
 عذير الحي من عـــــدوا ن كانوا حية الأرض
 بغى بعضهم على بعض فلم يرعوا على بعض
 فقد أضحوا أحـــــــاديث برفع القول والخفض
 أي: هات عذرا فيما فعل بعضهم ببعض من التباعد والتباغض حتى صاروا أحاديث للناس بعد أن كانوا حية الأرض التي يخشاها كل الناس، وقد ذكر ابن عطية أن (النكير) مصدر مثل (عذير) ونحوه من المصادر..

### الآية 42:48

> ﻿فَإِنْ أَعْرَضُوا فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا ۖ إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلَاغُ ۗ وَإِنَّا إِذَا أَذَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً فَرِحَ بِهَا ۖ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَإِنَّ الْإِنْسَانَ كَفُورٌ [42:48]

وقوله تعالى : فإن أعرضوا فما أرسلناك عليهم حفيظاً  تأنيس لمحمد عليه السلام وإزالة لهمه بهم، وأعلمه أنه ليس عليه إلا البلاغ وتوصيل الحجة، ثم جاءت عبارة في باقي الآية هي بمنزلة ما يقول، والقوم قوم عتو وتناقض أخلاق واضطراب، إذا أذيقوا رحمة فرحوا بها وبطروا، وإن أصابت سيئة أي مصيبة تسوءهم في أجسامهم أي في نفوسهم، وذلك بذنوبهم وقبيح فعلهم فإنهم كفر عند ذلك غير صبر. وعبر ب  الإنسان  الذي هو اسم عام ليدخل في الآية والمذمة جميع الكفرة من المجاورين يومئذ ومن غيرهم، وجمع الضمير في قوله : تصبهم  وهو عائد على لفظ  الإنسان  من حيث هو اسم جنس يعم كثيراً.

### الآية 42:49

> ﻿لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۚ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ ۚ يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ [42:49]

الآية الأولى آية اعتبار دال على القدرة والملك المحيط بالجميع، وأن مشيئته تبارك وتعالى نافذة في جميع خلقه وفي كل أمرهم، وهذا لا مدخل لصنم فيه، فإن الذي يخلق ما يشاء ويخترع، فإنما هو الله تبارك وتعالى، وهو الذي يقسم الخلق فيهب الإناث لمن يشاء، أي يجعل بنيه[(١)](#foonote-١) نساء، ويهب الذكور لمن يشاء على هذا الحد.

١ في بعض النسخ: "أن يجعل بنيه نساء"..

### الآية 42:50

> ﻿أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا ۖ وَيَجْعَلُ مَنْ يَشَاءُ عَقِيمًا ۚ إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ [42:50]

أو ينوعهم مرة يهب ذكراً ويهب أنثى، وذلك معنى قوله تعالى : أو يزوجهم . وقال محمد بن الحنفية : يريد بقوله تعالى : أو يزوجهم  التوأم، أي يجعل في بطنٍ زوجاً من الذرية ذكراً وأنثى. والعقيم : الذي لا يولد له، وهذا كله مدبر[(١)](#foonote-١) بالعلم والقدرة، وهذه الآية تقضي بفساد وجود الخنثى المشكل. وبدئ في هذه الآية بذكر الإناث تأنيساً بهن وتشريفاً لهن ليتهمم بصونهن والإحسان إليهن، وقال النبي عليه السلام :**«من ابتلي من هذه البنات بشيء فأحسن إليهن كن له حجاباً من النار »**[(٢)](#foonote-٢). وقال واثلة بن الأسقع : من يمن المرأة تبكيرها بالأنثى قبل الذكر، لأن الله تعالى بدأ بالإناث، حكاه الثعلبي. وقال إسحاق بن بشر : نزلت هذه الآية في الأنبياء ثم عمت، فلوط أبو البنات لم يولد له ذكر، وإبراهيم ضده، ومحمد عليه السلام ولد له الصنفان، ويحيى بن زكرياء عقيم.

١ في بعض النسخ: (وهذا كله مؤيد بالعلم والقدرة)..
٢ أخرجه البخاري في كتاب الزكاة، ومسلم والترمذي في كتاب البر، وأحمد في مسنده (٦-، ٨٨، ١٦٦)، ولفظه كما في مسند أحمد عن عروة بن الزبير أن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم قالت: جاءت امرأة ومعها ابنتان لها تسألني، فلم تجد عندي شيئا غير تمرة واحدة فأعطيتها إياها، فأخذتها فشقتها اثنتين بين ابنتيها، ولم تأكل منها شيئا، ثم قامت فخرجت هي وابنتاها، فدخل علي رسول الله صلى الله عليه وسلم فحدثته حديثها، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من ابتلي من البنات شيء فأحسن إليهن كن له سترا من النار)..

### الآية 42:51

> ﻿۞ وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ ۚ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ [42:51]

وقوله تعالى : وما كان لبشر أن يكلمه الله  الآية نزلت بسبب خوض كان للكفار في معنى تكليم الله موسى ونحو ذلك، ذهبت قريش واليهود في ذلك إلى تجسيم ونحوه، فنزلت الآية مبينة صورة تكليم الله عباده كيف هو، فبين الله أنه لا يكون لأحد من الأنبياء ولا ينبغي له ولا يمكن فيه أن يكلمه الله إلا بأن يوحي إليه أحد وجوه الوحي من الإلهام. قال مجاهد، والنفث في القلب[(١)](#foonote-١). وقال النقاش : أو وحي في منام ؟ قال إبراهيم النخعي : كان من الأنبياء من يخط له في الأرض ونحو هذا، أو بأن يسمعه كلامه دون أن يعرف هو للمتكلم جهة ولا حيزاً كموسى عليه السلام، وهذا معنى : من وراء حجاب  أي من خفاء عن المتكلم لا يحده ولا يتصور بذهنه عليه، وليس كالحجاب في الشاهد، أو بأن يرسل إليه ملكاً يشافهه بوحي الله تعالى. وقرأ جمهور القراء والناس :****«أو يرسلَ »**** بالنصب ****«فيوحيَ »**** بالنصب أيضاً. وقرأ نافع وابن عامر وأهل المدينة :****«أو يرسلُ »**** بالرفع ****«فيوحيَ »**** بالنصب أيضاً. وقرأ نافع وابن عامر وأهل المدينة :****«أو يرسلُ »**** بالرفع **«فيوحي »** بسكون الياء ورفع الفعل. فأما القراءة الأولى فقال سيبويه : سألت الخليل عنها فقال : هي محمولة على  أن  غير التي في قوله : أن يكلمه الله  لأن المعنى كان يفسد لو عطف على هذه، وإنما التقدير في قوله : وحياً  إلا أن يوحي وحياً. 
وقوله : من وراء حجاب ،  من  متعلقة بفعل يدل ظاهر الكلام عليه، تقديره : أو يكلمه من وراء حجاب، ثم عطف :**«أو يرسل »** على هذا الفعل المقدر. 
وأما القراءة الثانية فعلى أن **«يرسل »** في موضع الحال أو على القطع، كأنه قال : أو هو يرسل، وكذلك يكون قوله : إلا وحياً  مصدر في موضع الحال، كما تقول : أتيتك ركضاً وعدواً، وكذلك قوله : من وراء حجاب  في موضع الحال كما هو قوله : ويكلم الناس في المهد وكهلاً ومن الصالحين [(٢)](#foonote-٢) في موضع الحال، فكذلك  من  \[ آل عمران : ٤٦ \] وما عملت فيه هذه الآية أيضاً، ثم عطف قوله :****«أو يرسلَ »**** على هذه الحال المتقدمة. وفي هذه الآية دليل على أن الرسالة من أنواع التكليم، وأن الحالف المرسل حانث إذا حلف أن لا يكلم إنساناً فأرسل إليه وهو لم ينو المشافهة وقت يمينه[(٣)](#foonote-٣).

١ كقوله صلى الله عليه وسلم: (إن روح القدس نفث في روعي أن نفسا لن تموت حتى تستكمل رزقها واجلها، فاتقوا الله وأجملوا في الطلب)، رواه ابن حبان..
٢ الآية (٤٦) من سورة (آل عمران)..
٣ إنما كان حانثا لأن الله تعالى سمى المرسل في الآية: مكلما للمرسل إليه، أما إذا نوى عند الحلف المشافهة فإنه لا يحنث..

### الآية 42:52

> ﻿وَكَذَٰلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا ۚ مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَٰكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا ۚ وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَىٰ صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ [42:52]

وقوله تعالى : وكذلك أوحينا إليك  المعنى وبهذه الطرق ومن هذا الجنس أوحينا إليك أو بالرسل. والروح في هذه الآية : القرآن وهدى الشريعة سماه  روحاً  من حيث يحيي به البشر والعالم، كما يحيي الجسد بالروح، فهذا على جهة التشبيه. 
وقوله تعالى : من أمرنا  أي واحد من أمورنا، ويحتمل أن يكون الأمر بمعنى الكلام، و  من  لابتداء الغاية. 
وقوله تعالى : ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان  توقيف على مقدار النعمة. والضمير في  جعلناه  عائد على الكتاب، و.  يهدي  بمعنى يرشد. 
وقرأ جمهور الناس :**«وإنك لتَهدي »** بفتح التاء وكسر الدال. وقرأ حوشب[(١)](#foonote-١) :**«تُهدَى »** بضم التاء وفتح الدال على بناء الفعل للمفعول، وفي حرف أبي :**«لتدعو »**[(٢)](#foonote-٢)، وهي تعضد قراءة الجمهور. وقرأ ابن السميفع وعاصم والجحدري :**«لتُهدِي »** بضم التاء وكسر الدال.

١ وهي أيضا قراءة عاصم الجحدري، قال ذلك القرطبي..
٢ قال النحاس: (وهذا لا يقرأ به، لأنه مخالف للسواد، وإنما يحمل ما كان مثله على أنه من قائله على جهة التفسير)..

### الآية 42:53

> ﻿صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ ۗ أَلَا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ [42:53]

وقوله : صراط الله  يعني صراط شرع الله ورحمته وجنته، فبهذا الوجه ونحوه من التقدير أضيف الصراط إلى الله تعالى. واستفتح القول في الإخبار بصيرورة الأمور إلى الله تعالى مبالغة وتحقيقاً وتثبيتاً، والأمور صائرة على الدوام إلى الله تعالى، ولكن جاءت هذه العبارة مستقبلة تقريباً لمن في ذهنه أن شيئاً من الأمور إلى البشر. وقال سهيل من أبي الجعد : احترق مصحف فلم يبق منه إلا قوله : ألا إلى الله تصير الأمور .

## روابط ذات صلة

- [النص القرآني للسورة](https://quranpedia.net/surah/1/42.md)
- [كل تفاسير سورة الشورى
](https://quranpedia.net/surah-tafsir/42.md)
- [ترجمات سورة الشورى
](https://quranpedia.net/translations/42.md)
- [صفحة الكتاب: المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز](https://quranpedia.net/book/350.md)
- [المؤلف: ابن عطية](https://quranpedia.net/person/4644.md)

---

زُر [Quranpedia.net](https://quranpedia.net/surah/1/42/book/350) — موسوعة القرآن الكريم: التفاسير، الترجمات، التلاوات، والمواضيع.
