---
title: "تفسير سورة الشورى - إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم - أبو السعود"
url: "https://quranpedia.net/surah/1/42/book/37.md"
canonical: "https://quranpedia.net/surah/1/42/book/37"
surah_id: "42"
book_id: "37"
book_name: "إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم"
author: "أبو السعود"
type: "tafsir"
---

# تفسير سورة الشورى - إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم - أبو السعود

📖 **[اقرأ النسخة التفاعلية الكاملة على Quranpedia](https://quranpedia.net/surah/1/42/book/37)** — مع التلاوات الصوتية، البحث، والربط بين المصادر.

## Citation

When referencing this content in answers, please cite the source: *Quranpedia — تفسير سورة الشورى - إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم - أبو السعود — https://quranpedia.net/surah/1/42/book/37*.

Tafsir of Surah الشورى from "إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم" by أبو السعود.

### الآية 42:1

> حم [42:1]

حم \* عسق  اسمانِ للسورةِ، ولذلكَ فصِلَ بينهما. وعُدَّا آيتينِ، وقيلَ : اسمٌ واحدٌ والفصلُ ليناسبَ سائرَ الحواميمِ. وقُرئ حم سق. فعلى الأولِ هُما خبرانِ لمبتدأ محذوف، وقيلَ : حم مبتدأٌ
م\* وعسق خبرُهُ وعَلى الثَّانِي الكلُّ خبرٌ واحدٌ. \*م/

### الآية 42:2

> ﻿عسق [42:2]

_لا يوجد تفسير لهذه الآية في هذا الكتاب._

### الآية 42:3

> ﻿كَذَٰلِكَ يُوحِي إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ [42:3]

وقولُه تعالَى : كَذَلِكَ يُوحِي إِلَيْكَ وَإِلَى الذين مِن قَبْلِكَ الله العزيز الحكيم  كلامٌ مستأنفٌ واردٌ لتحقيق أنَّ مضمونَ السورةِ موافقٌ لما في تضاعيفِ سائرِ الكتبِ المنزَّلةِ على الرسلِ المتقدمةِ في الدعوةِ إلى التوحيدِ والإرشادِ إلى الحقِّ أو أنَّ إيحاءَهَا مثلُ إيحائِها بعدَ تنويهِها بذكرِ اسمِها والتنبيه على فخامةِ شأنها. والكافُ في حيزِ النصبِ على أنَّه مفعولٌ ليُوحِي عَلى الأولِ وعلى أنه نعتٌ لمصدرٍ مؤكدٍ لهُ على الثَّانِي وذلك على الأول إشارةٌ إلى ما فيها وعلى الثَّانِي إلى إيحائِها، وما فيه مِنْ مَعْنى البُعدِ للإيذانِ بعلوِّ رتبة المشارِ إليه وبُعدِ منزلتِه في الفضل أي مثل ما في هذه السورةِ من المعانِي أُوحيَ إليكَ في سائر السورِ وإلى من قبلك من الرسلِ في كتبِهم، على أنَّ مناطَ المماثلةِ ما أُشيرَ إليه من الدعوة إلى التوحيد والإرشاد إلى الحق وما فيه صلاحُ العبادِ في المعاش والمعادِ، أو مثلَ إيحائِها أُوحيَ إليكَ عند إيحاءِ سائرِ السورِ وإلى سائرِ الرسلِ عند إيحاءِ كتبِهم إليهم لا إيحاءً مغايراً له كما في قوله تعالى : إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إلى نُوحٍ \[ سورة النساء، الآية ١٣٦ \] الآيةَ. على أنَّ مدارَ المْثليةِ كونُه بواسطةِ الملكِ. وصيغةُ المضارعِ على حكايةِ الحالِ الماضيةِ للإيذان باستمرارِ الوحي وأنَّ إيحاءَ مثلِه عادتُه. وفي جعلِ مضمونِ السورةِ أو إيحائها مشبهاً به من تفخيمِها مالا يخفى وكذا في وصفِه تعالَى بوصفي العزةَ والحكمةِ. وتأخيرُ الفاعلِ لمراعاةِ الفواصلِ مع ما فيهِ من التشويقِ. وقُرِئ يُوحَى، على البناءِ للمفعولِ على أنَّ كذلكَ مبتدأٌ ويُوحَى خبره المسندُ إلى ضميرِه أو مصدرٍ، ويُوحَى مسندٌ إلى إليكَ والله مرتفعٌ بما دلَّ عليهِ يُوحَى كأنَّه قيلَ : مَنْ يُوحِي، فقيلَ الله. والعزيزُ الحكيمُ صفتان لهُ، أو مبتدأٌ كما في قراءةِ نُوحِي، والعزيزُ وما بعدَهُ خبرانِ له أو العزيزُ الحكيمُ صفتانِ له.

### الآية 42:4

> ﻿لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ ۖ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ [42:4]

وقولُه تعالى : لهُ مَا فِي السماوات وَمَا فِي الأرض وَهُوَ العلى العظيم  خبرانِ له وعلى الوجوهِ السابقةِ استئنافٌ مقرٌّ لعزتِه وحكمتِه.

### الآية 42:5

> ﻿تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْ فَوْقِهِنَّ ۚ وَالْمَلَائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الْأَرْضِ ۗ أَلَا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ [42:5]

تَكَادُ السماوات  وقُرِئ بالياءِ  يَتَفَطَّرْنَ  يتشقّقنَ من عظمةِ الله تعالىَ وقيلَ : من دعاءِ الولدِ له كما في سُورةِ مريمَ وقُرِئ يَنْفَطرنَ، والأولُ أبلغُ لأنَّه مطاوعُ فطَّر، وهذا مطاوعُ فَطَر. وقُرِئ تَنْفطِرْنَ بالتاءِ لتأكيدِ التأنيثِ وهو نَادرٌ  مِن فَوْقِهِنَّ  أي يبتدأُ التفطرُ من جهتهنَّ الفوقانيةِ وتخصيصُها على الأولِ لما أنَّ أعظمَ الآياتِ وأدلَّها على العظمةِ والجلالِ من تلكَ الجهةِ، وعلى الثَّانِي للدلالةِ على التفطرِ من تحتهنَّ بالطريقِ الأَولى، لأنَّ تلكَ الكلمةَ الشنعاءَ الواقعةَ في الأرضِ حيثُ أثرتْ في جهةِ الفوقِ فلأنْ تؤثرَ في جهةِ التحتِ أَوْلى وقيلَ : الضميرُ للأرضِ فإنَّها في مَعنْى الأرضينَ  والملائكة يُسَبّحُونَ بِحَمْدِ رَبّهِمْ  ينزهونَهُ تعالى عمَّا لا يليقُ به ملتبسينَ بحمدِه  وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَن فِي الأرض  بالسَّعي فيما يستدعِي مغفرتَهُم من الشفاعةِ والإلهامِ وترتيبِ الأسبابِ المقربةِ إلى الطاعةِ واستدعاءِ تأخيرِ العقوبةِ طمعاً في إيمانِ الكافرِ وتوبةِ الفاسقِ. وهذا يعمُّ المؤمنَ والكافرَ، بلْ لو فُسِّر الاستغفارُ بالسَّعي فيما يدفعُ الخللَ المتوقعَ عمَّ الحيوانَ بلِ الجمادَ وحيثُ حُصَّ بالمؤمنينَ كَما في قولِه تعالى : وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا \[ سورة غافر، الآية٧ \] فالمرادُ به الشفاعةُ  أَلاَ إِنَّ الله هُوَ الغفور الرحيم  إذْ ما منْ مخلوقٍ إلا ولَهُ حظٌ عظيمٌ من رحمتِه تعالَى، والآيةُ عَلى الأولِ زيادةُ تقرير لعظمتِه تعالَى، وعلى الثَّاني بيانٌ لكمالِ تقدُّسهِ عمَّا نُسبَ إليهِ، وأنَّ تركَ معاجلتِهم بالعقابِ على تلك الكلمةِ الشنعاءِ بسببِ استغفارِ الملائكةِ وفرطِ غفرانِه ورحمتِه، ففيها رمزٌ إلى أنَّه يقبلُ استغفارَهُم ويزيدُهُم على ما طلبُوه من المغفرةِ رحمةً.

### الآية 42:6

> ﻿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ اللَّهُ حَفِيظٌ عَلَيْهِمْ وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ [42:6]

والذين اتخذوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاء  شركاءَ وأنداداً  الله حَفِيظٌ عَلَيْهِمْ  رقيبٌ على أحوالِهم وأعمالِهم فيجازيَهمُ بها  وَمَا أَنتَ عَلَيْهِم بِوَكِيلٍ  بموكّلٍ بهم أو بموكولٍ إليك أمرُهم وإنما وظيفتُكَ الإنذارُ.

### الآية 42:7

> ﻿وَكَذَٰلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَىٰ وَمَنْ حَوْلَهَا وَتُنْذِرَ يَوْمَ الْجَمْعِ لَا رَيْبَ فِيهِ ۚ فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ [42:7]

وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ قُرْآناً عَرَبِيّاً  ذلكَ إشارةٌ إلى مصدر أَوْحَينا ومحلُّ الكافِ النصبُ على المصدريةِ، وقرآنا عربياً مفعول لأوحينَا أي ومثلَ ذلكَ الإيحاءِ البديعِ البيِّنِ المفُهم أَوْحينا إليكَ قرآناً عربياً لا لَبْسَ فيه عليكَ ولا على قومكَ، وقيلَ : إشارةٌ إلى مَعْنى الآيةِ المتقدمةِ من أنَّه تعالى هُو الحفيظُ عليهم وإنما أنتَ نذيرٌ فحسب، فالكافُ مفعولٌ به لأَوحينا، وقرآناً عربياً حالٌ من المفعولِ بِه أيْ أوحيناهُ إليكَ وهو قرآنٌ عربيٌّ بيِّنٌ.  لتُنذِرَ أُمَّ القرى  أيْ أهلَها وهيَ مكةُ  وَمَنْ حَوْلَهَا  من العربِ  وَتُنذِرَ يَوْمَ الجمع  أي يومَ القيامةِ لأنه يُجمعُ فيه الخلائقُ قال تعالى : يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الجمع \[ سورة التغابن، الآية ٩ \] وقيلَ : تُجمعُ فيه الأرواحُ والأشباحُ، وقيلَ : الأعمالُ والعُمالُ. والإنذارُ يتعدَّى إلى مفعولينِ، وقد يستعملُ ثانيهما بالباءِ، وقد حُذفَ هنها ثانِي مفعولَيْ الأولِ وأولُ مفعولَيْ الثَّانِي للتهويلِ وإيهامِ التعميمِ. وقُرِئ لينذرَ بالياءِ على أنَّ فاعلَهُ ضميرُ القرآنِ.  لاَ رَيْبَ فِيهِ  اعتراضٌ مقررٌ لما قبلَهُ  فَرِيقٌ فِي الجنة وَفَرِيقٌ فِي السعير  أي بعدَ جمعِهم في الموقفِ فإنَّهم يُجمعونَ فيه أولاً ثمَّ يفرقونَ بعد الحسابِ، والتقديرُ منهمُ فريقٌ والضميرُ للمجموعينَ لدلالةِ الجمعِ عليهِ وقِرِئَا منصوبينِ على الحاليةِ منهُم أيْ وتنذرَ يومَ جمعِهم متفرقين أي مشارفينَ للتفرقَ أو متفرقينَ في دارَيْ الثوابِ والعقابِ.

### الآية 42:8

> ﻿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَهُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَٰكِنْ يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ ۚ وَالظَّالِمُونَ مَا لَهُمْ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ [42:8]

وَلَوْ شَاء الله لَجَعَلَهُمْ  أي في الدُّنيا  أُمَّةً وَاحِدَةً  وقيل : مهتدينَ أو ضَالِّينَ وهو تفصيلٌ لما أجملَهُ ابن عباسٍ رضي الله عنهما في قولِه على دينٍ واحدٍ فمعنى قولِه تعالى  ولكن يُدْخِلُ مَن يَشَاء فِي رَحْمَتِهِ  أنه تعالَى يُدخلُ في رحمتِه من يشاءُ أنْ يدخلَهُ فيها ويدخلُ في عذابِه من يشاءُ أن يدخلَهُ فيهِ ولا ريبَ في أنَّ مشيئَته تعالَى لكلَ من الإدخالينِ تابعةً لاستحقاقِ كلَ من الفريقينِ لدخولِ مُدخلِه. ومن ضرورةِ اختلافِ الرحمةِ والعذابِ اختلافْ حالِ الداخلينَ فيهما قطعاً فلم يشأْ جعلَ الكلِّ أمةً واحدةً بلْ جعلَهُم فريقينِ، وإنَّما قيلَ : والظالمون مَا لَهُمْ مّن وَلِىّ وَلاَ نَصِيرٍ  للإيذانِ بأنَّ الإدخالَ في العذابِ من جهِه الداخلينَ بموجبِ سُوءِ اختبارِهم لا من جهتِه تعالَى كما في الإدخال في الرحمة لا لِما قيلَ من المبالغةِ في الوعيدِ وقيلَ مؤمنين كلَّهم وهو ما قالَه مقاتلٌ على دينِ الإسلامِ كما في قولِه تعالى : وَلَوْ شَاء الله لَجَمَعَهُمْ عَلَى الهدى \[ سورة الأنعام، الآية ٣٥ \] وقوله تعالَى : وَلَوْ شِئْنَا لآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا  \[ سورة السجدة، الآية ١٣ \] والمَعنْى ولو شاءَ الله مشيئةَ قُدرةٍ لقسرَهُم على الإيمانِ ولكنَّه شاءَ مشيئةَ حكمةٍ، وكلَّفَهم وبنى أمرَهُم على مَا يختارُون ليدخلَ المؤمنينَ في رحمتِه وهم المُرادونَ بقولِه تعالى : يُدْخِلُ مَن يَشَاء  وتركَ الظالمينَ بغيرِ وَليَ ولا نصيرٍ، وأنت خبيرٌ بأنَّ فرضَ جعلِ الكلِّ مؤمنينَ يأباهُ تصديرُ الاستدراكِ بإدخالِ بعضِهم في رحمته إذِ الكلُّ حينئذٍ داخلونَ فيَها فكانَ المناسبُ حينئذٍ تصديَرُه بإخراجِ بعضِهم مِنْ بينِهم وإدخالِهم في عذابِه فالذي يقتضيهِ سياقُ النظمِ الكريمِ وسباقُه أنْ يرادَ الاتحادُ في الكُفرِ، كما في قولِه تعالى : كَانَ الناس أُمَّةً واحدة فَبَعَثَ الله النبيين  \[ سورة البقرة، الآية ٢١٣ \] الآيةَ على أحدِ الوجهينِ بأنْ يُرادَ بهم الذين في فترة إدريسَ أو في فترةِ نوحٍ عليهما السلامُ فالمَعْنى ولو شاءُ الله لجعلَهُم أمةً واحدةً متّفقةً على الكُفرِ، بأنْ لا يرسلَ إليهم رسولاً لينذرَهُم ما ذُكِرَ من يومِ الجمعِ وما فيهِ من ألوانِ الأهوالِ فيبقُوا على ما هُم عليهِ من الكُفرِ ولكنْ يدخلُ منْ يشاءُ في رحمتِه أي شأنُه ذلكَ فيرسلُ إلى الكلِّ مَن ينذرُهم ما ذُكِرِ فيتأثرُ بعضُهم بالإنذارِ فيصرفونَ اختيارَهُم إلى الحقِّ فيوفقُهم الله للإيمانِ والطاعةِ ويُدخلِهُم في رحمتِه ولا يتأثرُ به الآخرونَ ويتمادَوْنَ في غيِّهم، وهم الظالمونَ فيبقَونَ في الدُّنيا على ما هُم عليهِ من الكُفرِ ويصيرونَ في الآخرة إلى السعير من غير وَليَ يَلي أمرَهُم ولا نصيرٍ يخلصُهم من العذابِ.

### الآية 42:9

> ﻿أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ ۖ فَاللَّهُ هُوَ الْوَلِيُّ وَهُوَ يُحْيِي الْمَوْتَىٰ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [42:9]

أَمِ اتخذوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاء  جملةٌ مستأنفةٌ مقربةٌ لما قبلَها من انتفاءِ أنْ يكونَ للظالمينَ ولي أو نصيرٌ وأمْ منقطعةٌ وما فيَها من بلْ للاننقال من بيانِ ما قبلَها إلى بيانِ ما بعدَها والهمزةُ لإنكارِ الوقوعِ ونفيِه على أبلغِ وجهٍ وآكَدِه لا لإنكارِ الواقعِ واستقباحِه، قيلَ : إذِ المرادُ بيانُ أنَّ ما فعلُوا ليسَ من اتخاذِ الأولياءِ في شيءٍ لأنَّ فرعُ كونِ الأصنامِ أولياءَ، وهو أظهرُ الممتنِعاتِ أيْ بلْ أتخذُوا متجاوزينَ الله أولياءَ من الأصنامِ وغيرِها هيهاتَ. وقولُه تعالَى  فالله هُوَ الولي  جوابُ شرطٍ محذوفٍ، كإنَّه قيلَ بعدَ إبطالِ ولايةِ ما اتخذُوه أولياءَ إنْ أرادُوا ولياً في الحقيقةِ فالله هُو الوليُّ لا وليَّ سواهُ  وَهُوَ يُحْيي الموتى  أيْ ومن شأنِه ذلكَ  وَهُوَ على كُلّ شَيء قَدِيرٌ  فهُو الحقيقُ بأنْ يتخذَ ولياً فليخصُّوه بالاتخاذِ دونَ من لا يقدرُ على شيءٍ.

### الآية 42:10

> ﻿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ ۚ ذَٰلِكُمُ اللَّهُ رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ [42:10]

وَمَا اختلفتم فِيهِ مِن شَيء  حكايةٌ لقولِ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم للمؤمنينَ أيْ وما خالفَكُم الكفارُ فيهِ منْ أمورِ الدِّينِ فاختلفتُم أنتمُ وهُم  فَحُكْمُهُ  راجعٌ  إِلَى الله  وهو إثابةُ المحقِّينَ وعقابُ المُبطلينَ  ذلكم  الحاكمُ العظيمُ الشأنِ  الله رَبّي  مالِكِي  عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ  في مجامعِ أُمُورِي خاصَّة لاَ على غيرِه  وَإِلَيْهِ أُنِيبُ  أرجعُ في كلِّ ما يَعنُّ لي منْ مُعضلاتِ الأمورِ لا إلى أحدٍ سواهُ وحيثُ كانَ التوكُّل أمراً واحداً مستمراً والإنابةُ متعددة متجددة حسب تجّدُدِ موادّهِا أُوثرَ في الأولِ صيغةُ الماضِي، وفي الثَّانِي صيغةُ المضارعِ، وقيلَ : وما اختلقتُم فيه وتنازعتُم في شيءٍ من الخصوماتِ فتحاكمُوا فيهِ إلى رسولِ الله صلى الله عليه وسلم ولا تُؤثروا على حكومتِه حكومةَ غيرِه، وقيلَ : وما اختلفتُم فيه من تأويلِ واشتبَه عليكُم فارجِعوا في بيانه إلى المحكمِ من كتابِ الله والظَّاهرِ من سُنَّةِ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم، وقيلَ : وما وقعَ بينكُم الخلافُ فيهِ من العلومِ التي تتعلقُ بتكليفِكم ولا طربقَ لكُم إلى علمِه فقولُوا الله أعلمُ كمعرفةِ الرُّوحِ ولا مساغَ لحملِ هذا على الاجتهادِ لعدمِ جوازِه بحضرةِ الرَّسولِ عليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ.

### الآية 42:11

> ﻿فَاطِرُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۚ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَمِنَ الْأَنْعَامِ أَزْوَاجًا ۖ يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ ۚ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ۖ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ [42:11]

فَاطِرَ السماوات والأرض  خبرٌ آخرُ لذلكُم أو خبرٌ لمبتدأٍ محذوفٍ أو مبتدأ خبرُهُ  جَعَلَ لَكُمُ  وقُرِئ بالجرِّ على أنَّه بدلٌ منَ الضميرِ أو وصفٌ للاسمِ الجليلِ في قولِه تعالَى إلى الله وما بينُهَما اعتراضٌ بينَ الصفةِ والموصوفِ  منْ أَنفُسِكُمْ  من جنسِكم  أزواجا  نساءً وتقديمُ الجارِّ والمجرورِ على المفعولِ الصريحِ قد مرَّ سرُّه غيرَ مرةٍ  وَمِنَ الأنعام  أي وجعلَ للأنعامِ من جنْسِها  أزواجا  أو خلقَ لكُم من الأنعامِ أصنافاً أو ذكوراً وإناثاً  يَذْرَؤُكُمْ  يكثّركم من الذرْءِ وهو البثُّ وفي معناهُ الذَّرو والذَّرُّ  فِيهِ  أي فيما ذُكِرَ من التدبيرِ فإنَّ جعلَ الناسِ والأنعامِ أزواجاً يكونُ بينَهم توالدٌ كالمنبعِ للبثِّ والتكثيرِ  لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيء  أي ليسَ مثلَه شيءٌ في شأنِ من الشؤونِ التي من جُمْلتِها هَذا التدبيرُ البديعُ والمراد من مثله ذاتُه كَما في قولِهم مثلُكَ لا يفعلُ كَذا على قصدِ المبالغةِ في نفيهِ عنهُ فإنَّه إذا نُفيَ عمَّن يناسبُه كانَ نفيُه عْنهُ أَوُلى ثمَّ سُكلتْ هذهِ الطريقةُ في شأنِ مَنْ لا مثلَ لهُ وقيلَ : مثلُه صفتُه أيْ ليسَ كصفتِه صفةٌ  وَهُوَ السميع البصير  المبالغُ في العلمِ بكلِّ ما يسمعُ ويُبصَرُ.

### الآية 42:12

> ﻿لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۖ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ ۚ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ [42:12]

لهُ مَقَالِيدُ السماوات والأرض  أيْ خَزَائنُهُما  يَبْسُطُ الرزق لِمَنْ يَشَاء وَيَقَدِرُ  يوسعُ ويضيقُ حسبما تقتضيهِ مشيئتُه المؤسسةُ على الحِكَمِ البالغةِ  إِنَّهُ بِكُلّ شَيء عَلِيمٌ  مبالغٌ في الأحاطةِ به فيفعلُ كلَّ ما يَفعلُ على ما ينبغِي أنُ يُفعلَ عليه، والجملةُ تعليلٌ لما قبلَها وتمهيدٌ لما بعدَها من قولِه تعالى : شَرَعَ لَكُم منَ الدين مَا وصى بِهِ نُوحاً والذي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وموسى وعيسى .

### الآية 42:13

> ﻿۞ شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّىٰ بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَىٰ وَعِيسَىٰ ۖ أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ ۚ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ ۚ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ [42:13]

شَرَعَ لَكُم منَ الدين مَا وصى بِهِ نُوحاً والذي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وموسى وعيسى  وإيذانٌ بأنَّ ما شرعَ لهم صادرٌ عن كمالِ العلمِ والحكمةِ كما أن بيانَ نسبتهِ إلى المذكورينَ عليهم الصلاةُ والسلامُ تنبيهٌ على كونِه ديناً قديماً أجمعَ عليه الرسلُ. والخطابُ لأمَّتهِ عليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أيْ شرعَ لكُم من الدينِ ما وصَّى به نوحاً ومَنْ بعدَه من أربابِ الشرائعِ وأولي العزائمِ من مشاهيرِ الأنبياءِ عليهم الصَّلاةُ والسَّلامُ وأمرَهُم به أمراً مؤكداً، على أنَّ تخصيصَهُم بالذكرِ لما ذُكِرَ من علوِّ شأنِهم ولاستمالِة قلوبِ الكفرةِ إليه لاتفاقِ الكلَّ على نبوةِ بعضِهم، وتفردِ اليهودِ في شأنِ مُوسى عليه السَّلامُ وتفردِ النَّصارى في حقِّ عيسى عليه السلام وإلا فَما منْ نبيَ إلا وهُو مأمورٌ بما أُمِروا به، وهو عبارةٌ عنِ التوحيدِ ودينِ الإسلامِ وما لا يختلفُ باختلافِ الأممِ وتبدلِ الأعصارِ من أصولِ الشرائعِ والأحكامِ كما ينبئ عنه التوصيةُ فإنها معربةٌ عن تأكيد الأمرِ والاعتناءِ بشأن المأموريةِ والمرادُ بإيحائِه إليهِ عليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ إمَّا مَا ذُكِرَ في صدرِ السُّورةِ الكريمةِ وفي قولِه تعالى : وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا  \[ سورة الشورى، الآية ٧ \] الآيةَ أو ما يعمُّهما وغيرَهُما مما وقعَ في سائر المواقعِ التي من جُمْلتِها قولُه تعالَى : ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتبع مِلَّةَ إبراهيم حَنِيفًا  \[ سورة النحل، الآية ١٢٣ \]. وقولُه تعالَى : قُلْ إِنَّمَا أَنَاْ بَشَر مثْلُكُمْ يوحى إِلَي أَنَّمَا إلهكم إله وَاحِدٌ  \[ سورة الكهف، الآية ١١٠ \] وغيرُ ذلكَ. والتعبيرُ عن ذلكَ عند نسبتِه إليه عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ بالذي لزيادة تفخيمِ شأنِه من تلك الحيثيةِ، وإيثارُ الإيحاءِ على ما قبلَهُ وما بعَدُه من التوصيةِ لمراعاة ما وقعَ في الآيات المذكورةِ ولِما في الإيحاءِ من التصريحِ برسالتهِ عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ القامعِ لإنكار الكفرةِ، والالتفاتُ إلى نون العظمةِ لإظهار كمالِ الاعتناءِ بإيحائِه وهو السرُّ في تقديمِه على ما بَعدُه مع تقدِّمهِ عليهِ زماناً، وتقديمُ توصيةِ نوحٍ عليهِ السَّلامُ للمسارعة إلي بيان كونِ المشروعِ لهم ديناً قديماً، وتوجيه الخطابِ إليه عليه الصَّلاةُ والسَّلام بطريق التلوين للتشريف والتنبيهِ على أنَّه تعالَى شرعَهُ لهم على لسانِه عليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ.  أَنْ أَقِيمُوا الدين  أي دينَ الإسلامِ الذي هو توحيدُ الله تعالى وطاعتُه والإيمانُ بكتبه وبرسله وبيوم الجزاءِ وسائرِ ما يكونُ الرجلُ بهِ مُؤمناً. والمرادُ بإقامتِه تعديلُ أركانِه وحفظُه منْ أنْ يقعَ فيه زيغٌ أو المواظبةُ عليه والتشمّرُ له، ومحلُّ أنْ أقيمُوا إما النصبُ على أنَّه بدلٌ منْ مفعول شرع، والمعطوفين عليهِ أو الرفعُ على أنه جوابٌ عن سؤالٍ نشأَ منْ إبهامِ المشروعِ كأنَّه قيلَ : وما ذاكَ فقيلَ هو إقامةُ الدينِ، وقيلَ : بدلٌ من ضمير به وليسَ بذاكَ لما أنَّه معَ إفضائه إلى خروجه عن حيز الإيحاءِ إلى النبيِّ عليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مستلزمٌ لكون الخطابِ في قوله تعالَى : وَلاَ تَتَفَرَّقُوا فِيهِ  للأنبياءِ المذكورينَ عليهمْ الصَّلاةُ والسَّلامُ وتوجيه النَّهي إلى أممهم تمحّلٌ ظاهرٌ مع أنَّ الأظهرُ أنَّه متوجهٌ إلى أمته صلى الله عليه وسلم وأنَّهم المتفرقونَ كما ستحيطُ به خبراً أي تتفرقُوا في الدين الذي هُو عبارةٌ عمَّا ذكر من الأصولِ دونَ الفروعِ المختلفةِ حسبَ اختلافِ الأممِ باختلافِ الأعصارِ كما ينطقُ بهِ قولُه تعالَى :
 لِكُلّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجَاً  \[ سورة المائدة، الآية ٤٨ \]. وقولُه تعالَى : كَبُرَ عَلَى المشركين  شروعٌ في بيانِ أحوالِ بعضِ مَنْ شرعَ لهم ما شرع من الدينِ القويمِ أي عظُم وشقّ عليهم  مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ  من التوحيدِ ورفضِ عبادةِ الأصنامِ واستبعدُوه حيثُ قالُوا : أَجَعَلَ الآلهة إلها واحدا إِنَّ هذا لَشَيء عُجَابٌ \[ سورة ص، الآية ٥ \]. وقولُه تعالَى : الله يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَن يَشَاء  استئنافٌ واردٌ لتحقيق الحقِّ وفيه إشعارٌ بأنَّ منهُم من يجيبُ إلى الدعوة أي الله يجتلبُ[(١)](#foonote-١) إلى ما تدعُوهم إليهِ مَنْ يشاءُ أنْ يجتبيه إليهِ وهُو من صَرفَ اختيارَهُ إلى ما دُعِيَ إليه كما ينبئ عنه قولُه تعالى : وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَن يُنِيبُ  أي يُقبلُ إليه حيثُ يمدُّه بالتوفيق والألطافِ. 
١ هكذا في الأصل ولعله يجتبي محل يجتلب..

### الآية 42:14

> ﻿وَمَا تَفَرَّقُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ ۚ وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ إِلَىٰ أَجَلٍ مُسَمًّى لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ ۚ وَإِنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ [42:14]

وقولُه تعالَى : وَمَا تَفَرَّقُوا  شروعٌ في بيان أحوالِ أهلِ الكتابِ عقيبَ الإشارةِ الإجماليةِ إلى أحوالِ أهلِ الشركِ قال ابنُ عبَّاسٍ رضيَ الله عنُهمَا هُم اليهودُ والنَّصارى، لقولِه تعالَى : وَمَا تَفَرَّقَ الذين أُوتُوا الكتاب إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَاءتْهُمُ البينة \[ سورة البينة، الآية ٤ \] أي وما تفرقُوا في الدينِ الذي دُعوا إليهِ ولم يُؤمنوا كما آمنَ بعضُهم  إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمُ العلم  بحقِّيتِه بما شاهُدوا في رسول الله صلى الله عليه وسلم والقرآنِ من دلائلِ الحقِّيةِ حسبما وجدُوه في كتابِهم، أو العلمُ بمبعثِه عليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وهو استثناءٌ مفرغٌ من أعمِّ الأحوالِ أو من أعمِّ الأوقاتِ أي وما تفرقُوا في حالٍ من الأحوالِ أو في وقتٍ من الأوقاتِ إلا حالَ مجيءَ العلمِ  بَغْياً بَيْنَهُمْ  وحميةً وطلباً للرياسة لا لأنَّ لهم في ذلكَ شبهةً  وَلَوْلاَ كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن ربّكَ  وهي العِدَةُ بتأخير العقوبةِ  إلى أَجَلٍ مسَمًّى  هو يومُ القيامةِ  لَقُضِي بَيْنَهُمْ  لأوقعَ القضاءَ بينَهم باستئصالِهم لاستيجاب جناياتِهم لذلك قطعاً. وقولُه تعالَى  وَإِنَّ الذين أُورِثُوا الكتاب مِن بَعْدِهِمْ  الخ بيانٌ لكيفية كفر المشركينَ بالقرآنِ إثرَ بيانِ كيفيةِ كفرِ أهلِ الكتابِ. وقُرِئ وَرِثُوا ووُرِّثُوا أيْ وإنَّ المشركينَ الذينَ أُورثوا القرآنَ من بعدِ ما أُورثَ أهلُ الكتابِ كتابَهم  لَفِي شَكّ مّنْهُ  من القرآن  مُرِيبٍ  موقعٌ في القلق أو في الريبةِ ولذلكَ لا يُؤمنونَ به لا لمحض البغِي والمكابرةِ بعد ما علمُوا بحقِّيتِه كدأب أهلِ الكتابينِ. 
هذا وأمَّا ما قيلَ : منْ أنَّ ضميرَ تفرقُوا لأمم الأنبياءِ عليهم الصَّلاةُ والسَّلامُ وأنَّ المرادَ تفرقُ كلِّ أمةٍ بعدَ نبيِّها مع علمِهم بأنَّ الفرقةَ ضلالٌ وفسادٌ وأمرٌ متوعدٌ عليهِ على ألسنة الأنبياءِ عليهم الصَّلاةُ والسَّلامُ فيردّه قولُه تعالَى : وَلَوْلاَ كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن ربّكَ إلى أَجَلٍ مسَمًّى لقُضِيَ بِيْنَهُمْ ، وكذا ما قيلَ من أنَّ الناسَ أمةً واحدةً مؤمنينَ بعد ما أهلكَ الله تعالَى الأرضَ بالطوفان فلما ماتَ الآباءُ اختلفَ الأبناءُ فيما بينُهم وذلك حين بعث الله تعالى النبيين مبشرين ومنذرين وجاءهُم العلمُ وإنما اختلفُوا للبغِي بينَهم فإنَّ مشاهيرَ الأممِ المذكورةِ قد أصابُهم عذابُ الاستئصالِ من غير إنظارٍ وإمهالٍ، على أنَّ مساقَ النظمِ الكريمِ لبيان أحوالِ هذه الأمةِ، وإنما ذُكِرَ من ذُكِرَ من الأنبياءِ عليهم الصَّلاةُ والسَّلامُ لتحقيق أنَّ ما شرع لهؤلاء دين قديم أجمع عليه أولئك الأعلام عليهم الصلاة والسلام تأكيداً لوجوب إقامتِه وتشديداً للزجرِ عن التفرق والاختلافِ فيه فالتعرضُ لبيان تفرقِ أممِهم عنه ربَّما يُوهم الإخلالَ بذلكَ المرامِ.

### الآية 42:15

> ﻿فَلِذَٰلِكَ فَادْعُ ۖ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ ۖ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ ۖ وَقُلْ آمَنْتُ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتَابٍ ۖ وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ ۖ اللَّهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ ۖ لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ ۖ لَا حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ ۖ اللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنَا ۖ وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ [42:15]

فَلِذَلِكَ  أي فلأجل ما ذُكِرَ من التفرق والشكِّ المريبِ أو فلأجلِ أنَّه شرعَ لهم الدينَ القويمَ القديمَ الحقيقَ بأنْ ينافسَ فيهِ المتنافسونَ  فادع  أي الناسَ كافةً إلى إقامةِ ذلكَ الدينِ بموجبِه فإنَّ كلاً من تفرقِهم وكونِهم في شكَ مريب ومن شرع ذلك الدين لهم على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم سببٌ للدعوةِ إليهِ والأمرِ بَها، وليسَ المشارُ إليهِ ما ذُكرَ من التوصية والأمرِ بالإقامة والنَّهي عن التفرقِ حتى يُتوهمُ شائبةُ التكرارِ، وقيلَ : المشارُ إليهِ نفسُ الدينِ المشروعِ، واللامُ بمَعْنى إِلى كَما في قولِه تعالى : بِأَنَّ رَبَّكَ أوحى لَهَا \[ سورة الزلزلة، الآية ٥ \] أي فإلى ذلكَ الدينِ فادعُ  واستقم  عليه وعلى الدعوة إليه  كَمَا أُمِرْتَ  وأُوحيَ إليكَ  وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ  الباطلةَ  وَقُلْ آمَنتُ بِمَا أَنزَلَ الله مِن كتاب  أيَّ كتابٍ كان من الكتبِ المنزلةِ لا كالذينَ آمنُوا ببعضٍ منها وكفرُوا ببعضٍ، وفيه تحقيقٌ للحقِّ وبيانٌ لاتفاق الكتبِ في الأصول وتأليفٌ لقلوب أهلِ الكتابينِ وتعريضٌ بهم وقد مرَّ بيانُ كيفيةِ الإيمانِ بها في خاتمةِ سورةِ البقرةِ  وَأُمِرْتُ لأعْدِلَ بَيْنَكُمُ  في تبليغ الشرائعِ والأحكام وفصل القضايا عند المحاكمة والخصام، وقيل معناه لأسوي بيني وبينكُم ولا آمرَكم بما لا أعملُه ولا أخالفَكم إلى ما أنهاكُم عْنهُ ولا أفرقَ بين أكابرِكم وأصاغرِكم، واللام إمَّا على حقيقتها والمأمورُ به محذوفٌ أيْ أمِرتْ بذلكَ لأعدلَ، أو زائدةٌ أيْ أمرتُ أنْ أعدلَ والباءُ محذوفةٌ.  الله رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ  أي خالقُنا جميعاً ومتولِّي أمورنا  لَنَا أعمالنا  لا يتخطانَا جزاؤُها ثواباً كانَ أو عقاباً  وَلَكُمْ أعمالكم  لا تجاوزكم آثارها لنستفيد بحسناتكم ونتضرر بسيئاتكم  لاَ حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ  أيْ لا مُحاجَّةَ ولا خصومةَ لأنَّ الحقَّ قد ظهرَ ولم يبقَ للمحاجَّةِ حاجةٌ ولا للمخالفة محملٌ سوى المكابرةِ  الله يَجْمَعُ بَيْنَنَا  يومَ القيامةِ  وَإِلَيْهِ المصير  فيظهرُ هناكَ حالُنا وحالُكم. وهذا كما تَرَى محاجزةٌ في مواقف المجاوبةِ لا متارَكةٌ في مواطن المحاربةِ حتى يُصارَ إلى النسخ بآيةِ القتالِ.

### الآية 42:16

> ﻿وَالَّذِينَ يُحَاجُّونَ فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا اسْتُجِيبَ لَهُ حُجَّتُهُمْ دَاحِضَةٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ [42:16]

والذين يُحَاجُّونَ فِي الله  أي في دينِه  مِن بَعْدِ مَا استجيب لَهُ  من بعدِ ما استجابَ له الناسُ ودخلُوا فيهِ، والتعبيرُ عن ذلكَ بالاستجابةِ باعتبار دعوتِهم إليهِ أو من بعد ما استجابَ الله لرسولهِ عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ وأيَّده بنصره أو من بعد ما استجابَ له أهلُ الكتابِ بأنْ أقرُّوا بنبوته عليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ واستفتحُوا به قبلَ مبعثِه عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ وذلكَ أنَّ اليهودَ والنَّصارى كانوا يقولونَ للمؤمنين كتابُنَا قبلَ كتابِكم ونبيُنا قبلَ نبيِّكُم ونحنُ خير منكُم وأولى بالحقِّ.  حُجَّتُهُمْ دَاحِضَةٌ عِندَ رَبّهِمْ  زالَّةٌ زائلةٌ باطلةٌ بلْ لا حجةَ لهم أصلاً وإنما عبَّر عن أباطيلهم بالحجة مجاراةً معهم على زعمهم الباطلِ.  وَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ  عظيمٌ لمكابرتِهم الحقَّ بعدَ ظهورِه  وَلَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ  لا يُقَادرُ قَدرُهُ.

### الآية 42:17

> ﻿اللَّهُ الَّذِي أَنْزَلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَالْمِيزَانَ ۗ وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ [42:17]

الله الذي أَنزَلَ الكتاب  أي جنسَ الكتابِ  بالحق  ملتبساً به في أحكامه وأخبارِه أو بما يحقُّ إنزالُه من العقائدِ والأحكامِ.  والميزان  والشرعِ الذي يُوزنُ به الحقوقُ ويسوى بينَ الناسِ، أو نفسُ العدلِ بأنْ أنزلَ الأمرَ بهِ أو آلةُ الوزنِ  وَمَا يُدْرِيكَ  أيْ أيُّ شيءٍ يجعلكَ عالماً  لَعَلَّ الساعة  التي يخبرُ بمجيئها الكتابُ الناطقُ بالحقِّ  قَرِيبٌ  أيْ شيءٌ قريبٌ أو قريب مجيئُها، وقيلَ : القريبُ بمعنى ذاتِ قربٍ، أو الساعةُ بمعنى البعثِ والمَعْنى أنَّها على جناحِ الإتيانِ فاتبعِ الكتابَ واعملْ بهِ وواظبْ على العدل قبل أنْ يفاجئكَ اليومُ الذي يوزنُ فيه الأعمالُ ويوفي جزاؤها.

### الآية 42:18

> ﻿يَسْتَعْجِلُ بِهَا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِهَا ۖ وَالَّذِينَ آمَنُوا مُشْفِقُونَ مِنْهَا وَيَعْلَمُونَ أَنَّهَا الْحَقُّ ۗ أَلَا إِنَّ الَّذِينَ يُمَارُونَ فِي السَّاعَةِ لَفِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ [42:18]

يَسْتَعْجِلُ بِهَا الذين لاَ يُؤْمِنُونَ بِهَا  استعجالَ إنكارٍ واستهزاءٍ، كانُوا يقولونَ متى هيَ ليتها قامتْ حَتَّى يظهرَ لنا الحقُّ أهُو الذي نحنُ عليهِ أم الذي عليهِ محمدٌ وأصحابُه  والذين آمَنُوا مُشْفِقُونَ مِنْهَا  خائفونَ منَها معَ اعتناءٍ بها لتوقعِ الثوابِ  وَيَعْلَمُونَ أَنَّهَا الحق  أي الكائنُ لا محالةَ  أَلاَ إِنَّ الذين يُمَارُونَ في الساعة  يجادلونَ فيها، منَ المرية أو من مَرَيتُ الناقةَ إذا مسحتُ ضَرعَها بشدةٍ للحلب لأنَّ كلاً من المتجادلينِ يستخرجُ ما عند صاحبهِ بكلامٍ فيه شدَّةٌ  لَفِي ضلال بَعِيدٍ  عن الحقِّ فإن البعثَ أشبه الغائباتِ بالمحسوسات فمن لم يهتدِ إلى تجويزِه فهُو عن الاهتداءِ إلى ما وراءَهُ أبعدُ وأبعدُ.

### الآية 42:19

> ﻿اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ ۖ وَهُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ [42:19]

الله لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ  أي برٌّ بليغُ البِرِّ بهم يُفيض عليهم من فنون ألطافِه ما لا يكادُ ينالُه أيدي الأفكارِ والظنونِ  يَرْزُقُ مَن يَشَاء  أنْ يرزقه كيفما يشاءُ فيخصُّ كلاً من عباده بنوعٍ من البرِّ على ما تقتضيهِ مشيئتُه المبنيةُ على الحِكم البالغةِ.  وَهُوَ القوي  الباهرُ القدرةِ الغالبُ على كلِّ شيءٍ  العزيز  المنيعُ الذي لا يغلبُ.

### الآية 42:20

> ﻿مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ ۖ وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ [42:20]

مَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الآخرة  الحرثُ في الأصل إلقاءُ البَذْرِ في الأرض يُطلقُ على الزرع الحاصلِ منه المتضمن لتشبيهِ الأعمالِ بالبذورِ ويستعملُ في ثمرات الأعمالِ ونتائجِها بطرق الاستعارةِ المبنيةِ على تشبيِهها بالغلال الحاصلةِ من البذورِ أي من كانَ يريدُ بأعماله ثوابَ الآخرةِ  نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ  نضاعفْ له ثوابَهُ بالواحد عشرةً إلى سبعمائةٍ فما فوقَها  وَمَن كَانَ يُرِيدُ  بأعماله  حَرْثَ الدنيا  وهو متاعُها وطيباتُها  نُؤْتِهِ مِنْهَا  أي شيئاً منها حسبما قسمنَا لهُ لا ما يريدُه ويبتغيه  وَمَا لَهُ فِي الآخرة مِن نصِيبٍ  إذْ كانتْ همتُه مقصورةً على الدُّنيا وقد مرَّ تفصيلُه في سورة الإسراء.

### الآية 42:21

> ﻿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ ۚ وَلَوْلَا كَلِمَةُ الْفَصْلِ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ ۗ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ [42:21]

أَمْ لَهُمْ شُرَكَاء  أي بلْ ألهُم شركاءُ من الشياطينِ، والهمزةُ للتقرير والتقريعِ  شَرَعُوا لَهُمْ  بالتسويل  منَ الدين مَا لَمْ يَأْذَن بِهِ الله  كالشرك وإنكارِ البعثِ والعملِ للدُّنيا، وقيلَ : شركاؤُهم أوثانُهم وإضافتُها إليهم لأنَّهم الذينَ جعلُوها شركاءَ لله تعالَى وإسنادُ الشرعِ إليها لأنَّها سببُ ضلالتِهم وافتتانِهم كقوله تعالى : إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا \[ سورة إبراهيم، الآية ٣٦ \] أو تماثيلُ مَنْ سنَّ الضلالَة لهُم  وَلَوْلاَ كَلِمَةُ الفصل  أي القضاءِ السابقِ بتأخيرِ الجزاءِ أو العدةُ بأنَّ الفصلَ يكونُ يومَ القيامةِ  لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ  أي بين الكافرينَ والمؤمنينَ أو بينَ المشركينَ وشركائِهم  وَإِنَّ الظالمين لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ  وقُرِئ بالفتحِ عطفاً على كلمة الفصلِ أي ولولا كلمةُ الفصلِ وتقديرُ عذابِ الظالمينَ في الآخرةِ لقُضيَ بينهم في الدُّنيا فإنَّ العذابَ الأليمَ غالبٌ في عذابِ الآخرةِ.

### الآية 42:22

> ﻿تَرَى الظَّالِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا كَسَبُوا وَهُوَ وَاقِعٌ بِهِمْ ۗ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فِي رَوْضَاتِ الْجَنَّاتِ ۖ لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ۚ ذَٰلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ [42:22]

تَرَى الظالمين  يومَ القيامةِ والخطابُ لكلِّ أحدٍ ممن يصلحُ له للقصدِ إلى أنَّ سوءَ حالِهم غيرُ مختصَ برؤية راءٍ دونَ راءٍ  مُشْفِقِينَ  خائفينَ  مِمَّا كَسَبُوا  من السيئاتِ  وَهُوَ وَاقِعٌ بِهِمْ  أيْ ووبالُه لاحقٌ بهم لا محالةَ أشفقُوا أو لم يُشفقُوا، والجملةُ حالٌ من ضمير مشفقينَ أو اعتراضٌ  والذين آمَنُوا وَعَمِلُوا الصالحات فِي روضات الجنات  مستقرونَ في أطيب بقاعِها وأنزهِها  لَهُم ما يَشَاءونَ عِندَ رَبّهِمْ  أي ما يشتهونَهُ من فنون المستلذاتِ حاصلٌ لهم عندَ ربِّهم على أنَّ عندَ ربِّهم ظرفٌ للاستقرارِ العاملِ في لهم، وقيلَ ظرفٌ ليشاءون.

### الآية 42:23

> ﻿ذَٰلِكَ الَّذِي يُبَشِّرُ اللَّهُ عِبَادَهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ۗ قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَىٰ ۗ وَمَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْنًا ۚ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ شَكُورٌ [42:23]

ذلك  إشارةٌ إلى ما ذُكِرَ من حال المؤمنين، وما فيهِ منْ مَعْنى البُعد للإيذان ببُعد منزلةِ المشارِ إليه  هُوَ الفضل الكبير  الذي لا يُقادَرُ قَدرُه ولا يُبلغُ غايتُه. 
 ذلك  الفضلُ الكبيرُ هو  الذي يُبَشّرُ الله عِبَادَهُ  أي يبشرُهم به، فحذفَ الجارُّ ثمَّ العائدَ إلى الموصول كما في قوله تعالى : أهذا الذي بَعَثَ الله رَسُولاً \[ سورة الفرقان، الآية ٤١ \] أو ذلكَ التبشيرُ الذي يبشرُه الله تعالَى عبادَهُ  الذين آمَنُوا وَعَمِلُوا الصالحات . وقُرِئ يُبْشِرُ منْ أبشرَ. 
 قُل لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ  رُويَ أنَّه اجتمعَ المشركونَ في مجمعٍ لهم فقالَ بعضُهم لبعضٍ : أترونَ أنَّ محمداً يسألُ على ما يتعاطاهُ أجراً فنزلتْ. أيْ لا أطلبُ منكُم على ما أنا عليهِ من التبليغ والبشارة  أَجْراً  نفعاً  إِلاَّ المودة فِي القربى  أيْ إلا أن تودُّون لقرابتي منكم أو تودُّوا أهل قرابتي، وقيل الاستثناء منقطع والمعنى لا أسألُكم أجراً قَطُّ ولكنْ أسألُكم الموَّدةَ. وفي القُربي حالٌ منَها أيْ إلا المودَّةَ ثابتةً في القُربى متمكنةً في أهلِها أو في حقَ القرابةِ. والقُرْبى مصدرٌ كالزُّلْفى بمَعْنى القَرَابةِ. رُويَ أنَّها لما نزلتْ قيلَ : يا رسولَ الله مَنْ قرابتُكَ هؤلاءِ الذينَ وجبتْ علينا مودَّتُهم ؟ قالَ عليٌّ وفاطمةُ وابناهُمَا. وعن النبيِّ صلى الله عليه وسلم :**«حُرِّمتْ الجنةُ على مَنْ ظلمَ أهلَ بيتِي وآذانِي في عِتْرتِي، ومن اصطنعَ صنيعةَّ إلى أحدٍ من ولدِ عبدِ المطلبِ ولمْ يجازِهْ فأَنَا أجازيهِ عليها غداً إذا لَقِيَنِي يومَ القيامةِ »**. وقيلَ : القُرْبَى التقربُ إلى الله أيْ إلاَّ أن تودُّوا الله ورسولَهُ في تقربكم إليهِ بالطاعةِ والعملِ الصالحِ. وقُرِئ إلا مودَّةً في القُربَى.  وَمَن يَقْتَرِفْ حَسَنَةً  أي يكتسبْ أيَّ حسنةٍ كانتْ فتتناولُ مودَّةَ ذِي القُرْبى تناولاً أولياً. وعن السُدِّيِّ : أنَّها المرادةُ، وقيلَ : نزلتْ في الصدِّيقِ رضيَ الله عنه ومودَّتهُ فيهم.  نزِدْ لَهُ فِيهَا  أيْ في الحسنة  حَسَنًا  بمضاعفةِ الثوابِ. وقُرِئ يَزِدْ أيْ يزدِ الله وقُرِئ حُسْنَى.  إنَّ الله غَفُورٌ  لمن أذنبَ.  شَكُورٍ  لمن أطاعَ بتوفيقِه للثوابِ والتفضلِ عليهِ بالزيادةِ.

### الآية 42:24

> ﻿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَىٰ عَلَى اللَّهِ كَذِبًا ۖ فَإِنْ يَشَإِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلَىٰ قَلْبِكَ ۗ وَيَمْحُ اللَّهُ الْبَاطِلَ وَيُحِقُّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ ۚ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ [42:24]

أَمْ يَقُولُونَ  بلْ أيقولونَ  افترى  محمدٌ  عَلَى الله كَذِبًا  بدعوى النبوةِ وتلاوةِ القُرآنِ، على أنَّ الهمزةَ للإنكار التوبيخي كأنَّه قيلَ : أيتمالكونَ أنْ ينسُبُوا مثلَه عليهِ السَّلامُ. وهُوَ هُوَ. إلى الافتراء لاسيما الافتراءُ على الله الذي هُو أعظمُ الفِرَى وأفحشُها. وقولُه تعالَى  فَإِن يَشَإِ الله يَخْتِمْ على قَلْبِكَ  استشهادٌ على بُطلان ما قالُوا ببيان أنَّه عليه السَّلامُ لو افتَرى على الله تعالَى لمنعَهُ من ذلك قطعاً، وتحقيقُه أنَّ دعوى كونِ القرآنِ افتراءً عليه تعالَى قولٌ منهم بأنَّه تعالَى لا يشاءُ صدورَهُ عن النبِّي صلى الله عليه وسلم بلْ يشاءُ عدمَ صدورِه عْنهُ ومن ضرورتِه منعُه عنْهُ قطعاً، فكأنَّه قيلَ : لو كانَ افتراءً عليه تعالَى لشاءَ عدمَ صدورِه عنكَ وإنْ يشأْ ذلكَ يختُم على قلبكَ بحيثُ لم يخطُرْ ببالك معنىً منْ معانيه ولم تنطقْ بحرفٍ من حروفِه وحيثُ لم يكُنِ الأمرُ كذلكَ بلْ تواترَ الوحي حيناً فحيناً تبين أنَّه من عندِ الله تعالَى. 
هَذا وقيلَ : المَعْنى إنْ يشأْ يجعلْكَ من المختوم على قلوبهم فإنَّه لا يجترئ على الافتراءِ عليه تعالى إلا مَنْ كانَ كذلكَ ومؤدَّاهُ استبعاد الافتراءِ منْ مثله عليه السَّلامُ وأنَّه في البُعد مثلُ الشرك بالله والدخولِ في جملةِ المختومِ على قلوبِهم. وعن قَتَادةَ يختمْ على قلبِكَ يُنْسكَ القُرآنَ ويقطعْ عنكَ الوَحيَ. يعني لوا افترَى على الله الكذبَ لفعل به ذلك، وهذا مَعْنى ما قيلَ : لو كذب على الله لأنساهُ القرآنَ، وقيلَ : يختمْ على قلبِكَ يربطْ عليهِ بالصبرِ حتَّى لا يشقَّ عليك أذاهُم. 
 وَيَمْحُ الله الباطل وَيُحِقُّ الحق بكلماته  استئنافٌ مقررٌ لنفي الافتراء غيرُ معطوفٍ عَلَى يختمُ كما ينبئ عنه إظهارُ الاسمِ الجليلِ، وسقوطُ الواوِ كما في بعض المصاحفِ لاتّباعِ اللفظِ كما في قولِه تعالى : وَيَدْعُ الإنسان بالشر \[ سورة الإسراء، الآية ١١ \] أيُ ومن عادته أنَّه تعالَى يمحُو الباطلَ ويثبتُ الحقَّ بوحيهِ أو بقضائِه كقول تعالى : بَلْ نَقْذِفُ بالحق عَلَى الباطل فَيَدْمَغُهُ  \[ سورة الأنبياء، الآية ١٨ \] فلو كان افتراءً كما زعمُوا لمحقَةُ ودمغَهُ. أو عِدةٌ لرسولِ الله صلى الله عليه وسلم بأنَّه تعالَى يمحُو الباطلَ الذي هم عليهِ من البَهتِ والتكذيبِ ويثبتُ الحق الذي هو عليهِ بالقرآنِ أو بقضائِه الذي لا مردَّ له بنصرته عليهم.  إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصدور  فيُجرِي عليها أحكامَها اللائقةَ من المحوِ والإثباتِ.

### الآية 42:25

> ﻿وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ [42:25]

وَهُوَ الذي يَقْبَلُ التوبة عَنْ عِبَادِهِ  التوبةُ هي الرجوعُ عنِ المعاصِي بالندمِ عليها والعزمُ على أنْ لا يعاودها أبداً. ورَوَى جابرٌ رضيَ الله عْنهُ أنَّ أعرابياً دخلَ مسجدَ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم، وقالَ : اللهمَّ إنِّي أستغفرُكَ وأتوبُ إليكَ وكبَّرَ فلما فرغَ من صلاتِه قالَ له عليٌّ رضيَ الله عُنهُ يا هَذا إنَّ سرعةَ اللسانِ بالاستغفارِ توبةُ الكذَّابينَ وتوبتُكَ هذهِ تحتاجُ إلى التوبةِ فقالَ يا أميرَ المؤمنينَ، وما التوبةُ قالَ اسمٌ يقع على ستةِ معانٍ : على الماضِي من الذنوبِ الندامةُ، ولتضييع الفرائضِ الإعادةُ وردُّ المظالمِ وإذابةُ النفسِ في الطاعةِ كما ربَّيتها في المعصيةِ وإذقتُها مرارةَ الطاعةِ كما أذقتَها حلاوةَ المعصيةِ والبكاءُ بدلُ كلِّ ضحكٍ ضحكتَهُ.  وَيَعْفُو عَنِ السيئات  صغيرها وكبيرِها لمنْ يشاءُ  وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ  كائناً ما كانَ من خيرٍ وشرَ فيجازِي ويتجاوزُ حسبما تقتضيه مشيئتُه المبنية على الحِكَمِ والمصالحِ. وقُرِئ ما تفعلونَ بالتاءِ.

### الآية 42:26

> ﻿وَيَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ ۚ وَالْكَافِرُونَ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ [42:26]

وَيَسْتَجِيبُ الذين آمَنُوا وَعَمِلُوا الصالحات  أي يستجيبُ الله لهم فحُذف اللامُ كما في قولِه تعالى : وَإِذَا كَالُوهُمْ  \[ سورة المطففين، الآية ٣ \] أي كالُوا لَهُم، والمرادُ إجابةُ دعوتِهم والإثابةُ على طاعتهم فإنَّها كدعاءٍ وطلبٍ لِما يترتبُ عليها، ومنْهُ قولُه عليهِ السَّلامُ :**«أفضلُ الدُّعاءِ الحمدُ لله »**[(١)](#foonote-١). أو يستجيبونَ بالطاعةِ إذا دَعَاهُم إليَها. وعنُ إبراهيِمَ بنِ أدهم أنَّه قيلَ لَهُ ما بالُنَا ندعُو فلا نجابُ قالَ لأنَّه دعاكُم ولم تجيبُوه ثمَّ قرأَ : والله يَدْعُو إلى دَارِ السلام \[ سورة يونس، الآية ٢٥ \]  وَيَزِيدَهُم مّن فَضْلِهِ  على ما سألوا واستحقوا بموجب الوعد.  والكافرون لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ . بدلَ مَا للمؤمنينَ من الثوابِ والفضلِ المزيدِ. 
١ أخرجه ابن ماجه في كتاب الأدب باب (٥٥)، وكتاب الدعاء باب (٥)؛ والترمذي في كتاب الدعوات باب (٨٤، ١١٢)؛ ومالك في الموطأ في كتاب القرآن حديث (٣٢) وكتاب الحج حديث (٢٤٦) كما أخرجه أحمد في المسند (٢/١٢٧، ٥١٥)..

### الآية 42:27

> ﻿۞ وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ وَلَٰكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَا يَشَاءُ ۚ إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ [42:27]

وَلَوْ بَسَطَ الله الرزق لِعِبَادِهِ لَبَغَوا فِي الأرض  لتكبَّرُوا وأفسدُوا فيَها بَطَراً أو لعَلاَ بعضُهم على بعضٍ بالاستيلاءِ والاستعلاء، كمَا عليهِ الجِبلَّةُ البشريةُ. وأصلُ البَغِي طلب تجاوز الاقتصادِ فيَما يُتحرَّى من حيثُ الكميَّةُ أو الكيفيَّةُ  ولكن يُنَزلُ بِقَدَرٍ  أي بتقديرٍ  مَا يَشَاء  أنْ ينزلَهُ مما تقتضيه مشيئتُه  إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرُ بَصِيرٌ  محيطٌ بخفايا أمورهم وجلايَاها فيقدرُ لكلِّ واحدٍ منهُم في كلِّ وقتٍ من أوقاتِهم ما يليقُ بشأنِهم فيفقرُ ويُغِني ويمنعُ ويُعطِي ويَقْبِض ويبسُط حسبما تقتضيهِ الحكمةُ الربَّانيةُ. ولو أغناهُم جميعاً لبغَوا ولو أفقرهُم لهلكُوا. ورُويَ أنَّ أهلَ الصُّفَّةِ تمنَّوا الغِنَى فنزلتْ وقيل : نزلتْ في العرب كانُوا إذا أخصبوا تحاربُوا وإذا أجدبوا انتجعوا.

### الآية 42:28

> ﻿وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ ۚ وَهُوَ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ [42:28]

وَهُوَ الذي يُنَزلُ الغيث  أي المطرَ الذي يغيثُهم من الجدب ولذلك خُصَّ بالنافعِ منه. وقرئ يُنزل من الإنزال  مِن بَعْدِ مَا قَنَطُوا  يئسوا منه وتقييدُ تنزيلِه بذلكَ مع تحققه بدونه أيضاً لتذكر كمالِ النعمةِ. وقُرِئ بكسر النون  وَيَنشُرُ رَحْمَتَهُ  أيْ بركاتِ الغيثِ ومنافعَهُ في كلِّ شيءٍ من السهلِ والجبلِ والنباتِ والحيوانِ، أو رحمتَهُ الواسعةَ المنتظمةَ لَما ذُكِرَ انتظاماً أولياً  وَهُوَ الولي  الذي يتولَّى عبادَهُ بالإحسان ونشرِ الرحمة  الحميد  المستحقُ للحمدِ على ذلك لا غيرُهُ.

### الآية 42:29

> ﻿وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَثَّ فِيهِمَا مِنْ دَابَّةٍ ۚ وَهُوَ عَلَىٰ جَمْعِهِمْ إِذَا يَشَاءُ قَدِيرٌ [42:29]

وَمِنْ آياته خَلْقُ السماوات والأرض  على ما هُما عليهِ من تعاجيب الصنائع فإنَّها بذاتها وصفاتِها تدلُّ على شؤونه العظيمةِ  وَمَا بَثَّ فِيهِمَا  عطفٌ على السماوات أو الخلق  مِن دَابَّةٍ  من حَيَ، على إطلاقِ اسمِ المُسبَّبِ على السببِ أو ممَّا يدبُّ على الأرضِ فإنَّ ما يختصُّ بأحد الشيئين المتجاورين يصحُّ نسبتُه إليهما كَما في قولِه تعالَى : يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللؤْلُؤُ وَالمَرْجَانُ  \[ سورة الرحمان، الآية ٢٢ \] وإنما يخرجُ من المِلحِ. وقد جُوِّز أنْ يكونَ للملائكة عليهم السَّلامُ مشيٌ مع الطيرانِ فيوصفُوا بالدبيب وأن يخلقَ الله في السماءِ حيواناً يمشُونَ فيها مشيَ الأنَاسيِّ على الأرض كما ينبئ عنْهُ قولُه تعالى : وَيَخْلُقُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ  \[ سورة النحل، الآية ٨ \] وقد رُويَ أن النبيَّ صلى الله عليه وسلم قال :**«فوقَ السماءِ السابعةِ بحرٌ من أسفله وأعلاهُ كَما بينَ السماءِ والأرضِ ثمَّ فوقَ ذلكَ ثمانيةُ أو عالٍ بين رُكَبهن وأظلافهنَّ كما بينَ السماءِ والأرضِ ثم فوقَ ذلكَ العرشُ العظيمُ »**[(١)](#foonote-١). 
 وَهُوَ على جَمْعِهِمْ  أي حشرِهم بعدَ البعثِ للمحاسبةِ. وقولُه تعالى : إِذَا يَشَاء  متعلقٌ بما قبلَهُ لا بقوله تعالَى  قَدِيرٌ  فإنَّ المقيدَ بالمشيئةِ جمعُه تعالى لا قدرتُه، وإذَا عندَ كونِها بمَعْنى الوقتِ كَما تدخلُ الماضِي تدخلُ المضارعَ. 
١ أخرجه أبو داود في كتاب السنة باب (١٨) وابن ماجة في المقدمة باب (١٣) كما أخرجه أحمد في المسند (١/٢٠٦)..

### الآية 42:30

> ﻿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ [42:30]

وَمَا أصابكم من مُّصِيبَةٍ  أيُّ مصيبةٍ كانتْ  فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ  أي فهيَ بسببِ معاصيكُم التي اكتسبتمُوها. والفاءُ لأنَّ ما شرطيةٌ أو متضمنةٌ لمَعْنى الشرطِ. وقُرِئ بدونِها اكتفاءً بما في الباء من مَعْنى السببيةِ.  وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ  من الذنوبِ فلا يعاقبُ عليها. والآيةُ مخصوصةٌ بالمجرمينَ فإنَّ ما أصابَ غيرَهُم لأسبابٍ أُخرى منها تعريضُه للثوابِ بالصبرِ عليهِ.

### الآية 42:31

> ﻿وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ ۖ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ [42:31]

وَمَا أَنتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الأرض  فائتينَ ما قُضِيَ عليكُم من المصائبِ وإن هربتُم من أقطارِها كلَّ مهربٍ.  وَمَا لَكُم من دُونِ الله مِن وَلِيّ  يحميكُم منَها  وَلاَ نَصِيرٍ  يدفعُها عنكُم.

### الآية 42:32

> ﻿وَمِنْ آيَاتِهِ الْجَوَارِ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلَامِ [42:32]

وَمِنْ آياته الجوار  السفنُ الجاريةُ  فِي البحر  وقُرِئ الجَوَارِي  كالأعلام  أي كالجبالِ على الإطلاقِ لا التي عليها النارُ للاهتداءِ خاصَّة.

### الآية 42:33

> ﻿إِنْ يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ فَيَظْلَلْنَ رَوَاكِدَ عَلَىٰ ظَهْرِهِ ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ [42:33]

إِن يَشَأ يُسْكِنِ الريح  التي تُجريَها. وقُرُئ الرياحَ.  فَيَظْلَلنَ رَوَاكِدَ على ظَهْرِهِ  فيبقينَ ثوابتَ على ظهرِ البحرِ أي غيرَ جارياتٍ لا غيرَ متحركاتٍ أصلاً.  إِنَّ فِي ذَلِكَ  الذي ذُكِرَ من السفنِ اللاتِي يجرينَ تارةً ويركُدنَ أُخْرى على حسب مشيئتِه تعالَى  لآيَاتٍ  عظيمةً في أنفسها كثيرةً في العددِ دالةً على ما ذُكِرَ منْ شؤونِه تعالَى.  لكُل صَبَّارٍ شَكُورٍ  لكلِّ مَنْ حبسَ نفسَهُ عن التوجِه إلى ما لا ينبغِي ووكَّلَ همَّتَهُ بالنظرِ في آياتِ الله تعالَى والتفكرِ في آلائِه أو لكلِّ مؤمنٍ كاملٍ، فإنَّ الإيمانَ نصفُهُ صبرٌ ونصفُهُ شكرٌ.

### الآية 42:34

> ﻿أَوْ يُوبِقْهُنَّ بِمَا كَسَبُوا وَيَعْفُ عَنْ كَثِيرٍ [42:34]

أَوْ يُوبِقْهُنَّ بِمَا كَسَبُوا  عطفٌ على يُسكنْ والمعنى إن يشأ يسكن الريحَ فيركدنَ أو يرسلْهَا فيغرقنَ بعصفِها. وإيقاعُ الإيباقِ عليهنَّ مع أنَّه حالُ أهلهنَّ للمبالغةِ والتهويلِ. وإجراءُ حُكمِه على العفوِ في قولِه تعالَى  وَيَعْفُ عَن كَثِيرٍ  لِما أنَّ المَعْنى أو يُرسلْها فيوبقْ ناساً ويُنجِ آخرينَ بطريق العفوِ عنهُم. وقُرِئ ويعفُو على الاستئناف.

### الآية 42:35

> ﻿وَيَعْلَمَ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِنَا مَا لَهُمْ مِنْ مَحِيصٍ [42:35]

وَيَعْلَمَ الذين يجادلون فِي آياتنا  عطفٌ على علة مقدرةٍ مثل لينتقمَ منهم وليعلم الخ كما في قولِه تعالَى : وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً للنَّاسِ \[ سورة مريم، الآية ٢١ \] وقوله : وَلِنُعَلّمَهُ مِن تَأْوِيلِ الأحاديث  \[ سورة يوسف، الآية ٣١ \] ونظائِرِهِما. وقُرِئ بالرفعِ على الاستئنافِ وبالجزمِ عطفاً على يعفُ فيكونُ المَعْنى وإنْ يشأْ يجمعْ بينَ إهلاكِ قومٍ وإنجاءِ قومٍ وتحذيرِ قومٍ.  مَا لَهُمْ من محِيصٍ  أي منْ مهربٍ من العذابِ. والجملةُ معلّقٌ عنها الفعلُ.

### الآية 42:36

> ﻿فَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۖ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَىٰ لِلَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ [42:36]

فَمَا أُوتِيتُمْ من شَيء  مما ترغبونَ وتتنافسونَ فيهِ.  فمتاع الحياة الدنيا  أي فهُو متاعُها تتمتعونَ به مدةَ حياتِكم  وَمَا عِندَ الله  من ثواب الآخرةِ  خَيْرٌ  ذاتاً لخلوصِ نفعِه  وأبقى  زماناً حيثُ لا يزولُ ولا يَفْنى  لِلَّذِينَ آمَنُوا وعلى رَبّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ  لا على غيرِه أصلاً. والموصولُ الأولُ لما كانَ مُتضمناً لمَعْنى الشرطِ منْ حيثُ أنَّ إيتاءَ مَا أُوتُوا سببٌ للتمتعِ بها في الحياة الدُّنيا دخلتْ جوابَها الفاءُ بخلافِ الثانِي. وعَنْ عليَ رضيَ الله عنه أنَّه تصدقَ أبُو بكرٍ رضيَ الله عنْهُ بمالِه كلِّه فلامَهُ جمعٌ من المسلمينَ فنزلتْ.

### الآية 42:37

> ﻿وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ [42:37]

**وقولُه تعالَى :**
 والذين يَجْتَنِبُونَ كبائر الإثم  أي الكبائر من هذا الجنس  والفواحش وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ  معَ ما بعدَهُ عطفٌ على الذينَ آمنُوا، أو مدحٌ بالنصبِ أو الرفعِ وبناءُ يغفرونَ على الضميرِ خبراً لهُ للدلالةِ على أنَّهم الأَخِصَّاءُ بالمغفرةِ حالَ الغضبِ لعزةِ منالِها وقُرِئ كبيرَ الإثمِ وعن ابنِ عباسٍ رضي الله عنهُمَا كبيرُ الإثمِ الشركُ.

### الآية 42:38

> ﻿وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَىٰ بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ [42:38]

والذين استجابوا لِرَبّهِمْ وَأَقَامُوا الصلاة  نزلَ في الأنصارِ دعاهُم رسولُ الله صلى الله عليه وسلم إلى الإيمانِ فاستجابُوا له.  وَأَمْرُهُمْ شورى بَيْنَهُمْ  أي ذُو شُورى لا ينفردونَ برأيٍ حتى يتشاورُوا ويجتمعُوا عليهِ وكانُوا قبلَ الهجرةِ وبعدَهَا إذا حزبَهُم أمرٌ اجتمعُوا وتشاورُوا  وَمِمَّا رزقناهم يُنفِقُونَ  أيْ فِي سبيلِ الخيرِ، وَلعلَّ فصلَهُ عن قرينِه بذكرِ المشاورةِ لوقوعِها عند اجتماعِهم للصلواتِ.

### الآية 42:39

> ﻿وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ [42:39]

والذين إِذَا أَصَابَهُمُ البغي هُمْ يَنتَصِرُونَ  أي ينتقمونَ ممَّنْ بَغَى عليهِم على ما جعلَهُ الله تعالَى لهُم كراهةً التذللِ، وهو وصفٌ لهم بالشجاعةِ بعدَ وصفِهم بسائرِ مُهمَّاتِ الفضائلِ وهَذَا لا ينافِي وصفَهُم بالغُفرانِ فإنَّ كلاًّ منهما فضيلةٌ محمودةٌ في موقعِ نفسهِ، ورذيلةٌ مذمومةٌ في موقعِ صاحبهِ، فإنَّ الحِلْمَ عن العاجزِ وعوراءِ الكرامِ محمودٌ وعن المتغلبِ ولغواءِ اللئامِ مذمومٌ فإنَّه إغراءٌ على البَغِي، وعليهِ قولُ مَنْ قالَ :\[ الطويل \]إِذَا أَنْتَ أَكْرَمْتَ الكَرِيْمَ مَلَكْتَه  وَإِنْ أَنْتَ أَكْرَمْتَ اللَّئِيمَ تَمرَّدَاًفَوَضْعُ النَّدَى فِي مَوْضِعِ السَّيفِ بالعُلا  مُضِرٌّ كَوَضْعِ السَّيْفِ فِي مَوْضِعِ النَّدَى

### الآية 42:40

> ﻿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا ۖ فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ ۚ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ [42:40]

وقولُه تعالَى : وَجَزَاء سَيّئَةٍ سَيّئَةٌ مثْلُهَا  بيانٌ لوجهِ كونِ الانتصارِ من الخصالِ الحميدةِ مع كونِه في نفسِه إساءةً إلى الغيرِ، بالإشارةِ إلى أنَّ البادئ هُو الذي فعلَهُ لنفسهِ، فإنَّ الأفعالَ مستتبعةٌ لأجزيتِها حَتماً إنْ خيراً فخيرٌ وإنْ شراً فشرٌّ، وفيه تنبيهٌ على حُرْمةِ التعدِّي، وإطلاقُ السيئةِ على الثانيةِ لأنَّها تسوءُ مَنْ نزلتْ بهِ  فَمَنْ عَفَا  عنِ المسيءِ إليهِ  وَأَصْلَحَ  بينَهُ وبينَ مَنْ يعاديهِ بالعفوِ والإغضاءِ كَما في قولِه تعالى : فَإِذَا الذي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِىٌّ حَمِيمٌ \[ سورة فصلت، الآية ٣٤ \]  فَأَجْرُهُ عَلَى الله  عِدَةٌ مُبهمةٌ منبئةٌ عن عظمِ شأنِ الموعودِ وخُروجِه عن الحدِّ المعهودِ.  إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الظالمين  البادئينَ بالسيئةِ والمتعدِّينَ في الانتقامِ.

### الآية 42:41

> ﻿وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَٰئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ [42:41]

وَلَمَنِ انتصر بَعْدَ ظُلْمِهِ  أي بعدَ ما ظُلِمَ، وقَدْ قُرِئ بهِ.  فَأُولَئِكَ  إشارةٌ إلى مَنْ باعتبارِ المَعْنى، كَما أنَّ الضميرينِ لَها باعتبارِ اللفظِ.  مَا عَلَيْهِمْ من سَبِيلٍ  بالمُعَاتبةِ أو المُعَاقبةِ.

### الآية 42:42

> ﻿إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ ۚ أُولَٰئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ [42:42]

إِنَّمَا السبيل عَلَى الذين يَظْلِمُونَ الناس  يبتدئونَهُم بالإضرارِ أوْ يعتدونَ في الانتقامِ.  وَيَبْغُونَ فِي الأرض بِغَيْرِ الحق  أيْ يتكبرونَ فيَها تجبُّراً وفساداً  أولئك  الموصوفونَ بما ذُكِرَ من الظُّلمِ والبغيِ بغيرِ الحقِّ  لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ  بسببِ ظُلمهم وبغيِهم.

### الآية 42:43

> ﻿وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَٰلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ [42:43]

وَلَمَن صَبَرَ  على الأذَى  وَغَفَرَ  لِمَنْ ظلمَهُ وَلم ينتصرْ وفوَّضَ أمرَهْ إلى الله تعالَى  إِنَّ ذلك  الذي ذُكِرَ مِنَ الصبرِ والمغفرةِ  لَمِنْ عَزْمِ الأمور  أيْ إنَّ ذلكَ مِنْهُ، فحذفَ ثقةً بغايةِ ظهورِه كَما في قولِهم السمنُ مَنَوانِ بدرهمٍ[(١)](#foonote-١)، وهَذا في الموادِّ التي لا يُؤدِّي العفوُ إلى الشرِّ كَما أُشيرَ إليهِ. 
١ منوان: مثنى لمن؛ والمن: كيل أو ميزان أو رطلان..

### الآية 42:44

> ﻿وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ وَلِيٍّ مِنْ بَعْدِهِ ۗ وَتَرَى الظَّالِمِينَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ يَقُولُونَ هَلْ إِلَىٰ مَرَدٍّ مِنْ سَبِيلٍ [42:44]

وَمَن يُضْلِلِ الله فَمَا لَهُ مِن وَلِي من بَعْدِهِ  من ناصرٍ يتولاَّهُ من بعدِ خذلانِه تعالى إيَّاهُ.  وَتَرَى الظالمين لَمَّا رَأَوُا العذاب  أيْ حينَ يَرَوْنَهُ. وصيغةُ الماضِي للدلالةِ على التحقُّقِ.  يَقُولُونَ هَلْ إلى مَرَدّ  أيْ إلى رجعةٍ إلى الدُّنيا  من سَبِيلٍ  حَتَّى نُؤمنَ ونعملَ صالحاً.

### الآية 42:45

> ﻿وَتَرَاهُمْ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا خَاشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ يَنْظُرُونَ مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ ۗ وَقَالَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ۗ أَلَا إِنَّ الظَّالِمِينَ فِي عَذَابٍ مُقِيمٍ [42:45]

وَتَرَاهُمْ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا  أيْ عَلَى النَّار المدلولِ عليها بالعذابِ، والخطابُ في الموضعينِ لكلِّ مَنْ يتأتَّى منْهُ الرؤيةُ.  خاشعين مِنَ الذل  متذللينَ مُتضائلينَ مِمَّا دهاهُم.  يَنظُرُونَ مِن طَرْفٍ خَفِي  أي يبتدئ نظرُهم إلى النَّارِ من تحريكٍ لأجفانِهم ضعيفٍ كالمصبورِ[(١)](#foonote-١) ينظرُ إلى السيفِ.  وَقَالَ الذين آمَنُوا إِنَّ الخاسرين  أي المتصفينَ بحقيقةِ الخُسرانِ  الذين خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ  بالتعريضِ للعذابِ الخالدِ.  يَوْم القيامة  إِمَّا ظرفٌ لخسِرُوا فالقولُ في الدُّنيا أوْ لقالَ، فالقولُ يومَ القيامةِ أي يقولونَ حينَ يَرَونهم على تلك الحالِ. وصيغةُ الماضِي للدلالةِ على تحققهِ. وقولُه تعالى : أَلاَ إِنَّ الظالمين فِي عَذَابٍ مقِيمٍ  إمَّا من تمامِ كلامِهم، أو تصديقٌ منَ الله تعالى لَهُم. 
١ المصبور: المصبور صبرا؛ هو المحبوس حتى يقتل وقد مر تفسيره فيما سبق..

### الآية 42:46

> ﻿وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنْ أَوْلِيَاءَ يَنْصُرُونَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ ۗ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ سَبِيلٍ [42:46]

وَمَا كَانَ لَهُم منْ أَوْلِيَاء يَنصُرُونَهُم  برفعِ العذابِ عنُهم  مِن دُونِ الله  حسبما كانِوا يرجُون ذلكَ في الدُّنيا  وَمَن يُضْلِلِ الله فَمَا لَهُ مِن سَبِيلٍ  يُؤدِّي سلوكُه إلى النجاةِ.

### الآية 42:47

> ﻿اسْتَجِيبُوا لِرَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ ۚ مَا لَكُمْ مِنْ مَلْجَإٍ يَوْمَئِذٍ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَكِيرٍ [42:47]

استجيبوا لِرَبكُمْ  إذا دعاكُم إلى الإيمانِ على لسانِ نبيِّهِ  مِن قَبْلِ أَن يَأْتِي يَوْمٌ لا مَرَدَّ لَهُ مِنَ الله  أيْ لا يردُّه الله بعدَ ما حَكَم بهِ على أنَّ مِنْ صلةُ مردَّ أو مِنْ قبل أن يأتيَ منَ الله يومٌ لا يُمكنُ رَدُّه.  مَا لَكُمْ من ملْجَأٍ يَوْمَئِذٍ  أي مفرَ تلتجئونَ إليهِ.  وَمَا لَكُمْ من نَّكِيرٍ  أي إنكارٍ لَما اقترفتمُوه لأنَّه مدونٌ في صحائفِ أعمالِكم وتشهدُ عليكم جوارِحُكُم.

### الآية 42:48

> ﻿فَإِنْ أَعْرَضُوا فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا ۖ إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلَاغُ ۗ وَإِنَّا إِذَا أَذَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً فَرِحَ بِهَا ۖ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَإِنَّ الْإِنْسَانَ كَفُورٌ [42:48]

فَإِنْ أَعْرَضُوا فَمَا أرسلناك عَلَيْهِمْ حَفِيظاً  تلوينٌ للكلامِ، وصرفٌ له عن خطابِ الناسِ بعدَ أمرِهم بالاستجابةِ، وتوجيهٌ له إلى الرسولِ عليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أي فإن لم يستجيبوا وأعرضوا عما تدعوهم إليه فما أرسلناك رقيباً ومحاسباً عليهم.  إِنْ عَلَيْكَ إِلاَّ البلاغ  وقد فعلتَ.  وَإِنَّا إِذَا أَذَقْنَا الإنسان مِنَّا رَحْمَةً  أي نعمةً منَ الصحةِ والغنَى والأمنِ  فَرِحَ بِهَا  أُريد بالإنسانِ الجنس ؛ لقولِه تعالَى : وَإِن تُصِبْهُمْ سَيّئَةٌ  أي بلاءٌ من مرضٍ وفقرٍ وخوفٍ.  بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَإِنَّ الإنسان كَفُورٌ  بليغُ الكفرِ ينسى النعمةَ رأساً ويذكرُ البليةَ ويستعظمُها ولا يتأملُ سبَبَها بلْ يزعُم أنها أصابتْهُ بغيرِ استحقاقٍ لها، وإسنادُ هذه الخصلةِ إلى الجنسِ مع كونِها من خواصِّ المجرمينَ لغلبتِهم فيما بينَ الأفرادِ، وتصديرُ الشرطيةِ الأولى بإذَا معَ إسنادِ الإذاقةِ إلى نونِ العظمةِ للتنبيهِ على أنَّ إيصالَ النعمةِ محققُ الوجودِ كثيرُ الوقوعِ وأنَّه مُقْتضى الذاتِ، كما أنَّ تصديرَ الثانيةِ بإِنْ وإسنادَ الإصابةِ إلى السيئةِ وتعليلَها بأعمالِهم للإيذانِ بنُدرةِ وقوعِها وأنَّها بمعزلٍ عن الانتظامِ في سلكِ الإرادةِ بالذاتِ. ووضعُ الظاهرِ موضعَ الضميرِ للتسجيلِ على أن هذا الجنسَ موسومٌ بكفرانِ النعمِ.

### الآية 42:49

> ﻿لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۚ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ ۚ يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ [42:49]

للَّهِ مُلْكُ السماوات والأرض  فمن قضيَّتِه أنْ يملكَ التصرفَ فيهما وفي كلِّ ما فيهما كيفما يشاءُ ومن جُمْلتِه أن يقسمَ النعمةَ والبليةَ حسبما يريدُه.  يَخْلُقُ مَا يَشَاء  مما تَعلمُه وَممَّا لاَ تعلمُه  يَهَبُ لِمَن يَشَاء إناثا  من الأولادِ  وَيَهَبُ لِمَن يَشَاء الذكور  منهُم منْ غيرِ أنْ يكونَ في ذلكَ مدخلٌ لأحد.

### الآية 42:50

> ﻿أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا ۖ وَيَجْعَلُ مَنْ يَشَاءُ عَقِيمًا ۚ إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ [42:50]

أَوْ يُزَوجُهُمْ  أي يقرن بين الصنفينِ فيهبهما جميعاً  ذُكْرَاناً وإناثا  قالُوا مَعْنى يُزوِّجَهُم أنْ تَلِدَ غُلاماً ثم جَارِيةً أو جارية ثمَّ غُلاماً أو تلدُ ذكراً وأُنْثى توأمينِ.  وَيَجْعَلُ مَن يَشَاء عَقِيماً  والمَعْنى يجعلُ أحوالَ العبادِ في حقِّ الأولادِ مختلفةً على ما تقتضيِه المشيئةُ فيهن فيهبُ لبعضٍ إمَّا صنفاً واحداً منْ ذكرٍ أو أُنْثى وإمَّا صنفينِ ويُعقمُ آخرَين. ولعلَّ تقديمَ الإناثِ لأنَّها أكثرُ لتكثيرِ النسلِ أو لأنَّ مساقَ الآيةِ للدلالةِ على أنَّ الواقعَ ما تتعلقُ به مشيئته تعالى لا ما تتعلقُ به مشيئة الإنسانِ والإناثُ كذلكَ أو لأنَّ الكلامَ في البلاءِ والعربُ تعدُّهنَّ أعظمَ البَلاَيا أو لتطييبِ قلوبِ آبائِهنَّ أو للمحافظةِ على الفواصلِ ولذلكَ عرَّفَ الذكورَ أو لجبرِ التأخيرِ. وتغييرُ العاطفِ في الثالثِ لأنه قسيمُ المشتركِ بينَ القسمينِ ولا حاجةَ إليهِ في الرابعِ لإفصاحهِ بأنَّ قسيمَ المشتركِ بين الأقسامِ المتقدمةِ وقيلَ : المرادُ بيانُ أحوالِ الأنبياءِ عليهم السَّلامُ حيثُ وهبَ لشعيبَ ولوطٍ إناثاً ولإبراهيمَ ذكوراً وللنبيِّ صلى الله عليه وسلم ذكوراً وإناثاً وجعلَ يحيى وعيسى عقيمينِ  إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ  مبالغٌ في العلمِ والقدرةِ فيفعلُ ما فيهِ حكمةٌ ومصلحةٌ.

### الآية 42:51

> ﻿۞ وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ ۚ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ [42:51]

وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ  أيْ وما صَحَّ لفردٍ من أفراد البشرِ  أَن يُكَلمَهُ الله  بوجه منِ الوجوهِ  إِلاَّ وَحْياً  أيْ إلاَّ بأنْ يُوحيَ إليهِ ويلهمَهُ ويقذفَ في قلبهِ كما أَوْحى إلى أمِّ مُوسى وإلى إبراهيمَ عليهما السَّلامُ في ذَبْحِ ولدهِ، وقَدْ رُويَ عن مجاهدٍ : أَوْحَى الله الزبورَ إلى داودَ عليهِ السَّلامُ في صدرِه. أو بأنْ يُسمعَهُ كلامَهْ الذي يخلُقه في بعضِ الأجرامِ من غيرِ أنْ يُبصرَ مَنْ يكلمُه وهُو المرادُ بقولِه تعالى  أَوْ مِن وَرَاء حِجَابٍ  فإنه تمثيلٌ له بحالِ الملكِ المحتجبِ الذي يكلِّمُ بعضَ خواصِّهِ من وراءِ الحجاب يُسمعُ صوتَهُ ولا يَرَى شخصَهُ وذلكَ كما كلَّم مُوسى وكما يكلِّمُ الملائكةَ عليهم السَّلامُ أو بأنْ يكلمَهُ بواسطةِ المَلَكِ. وذلكَ قولُه تعالى  أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً  أي مَلَكاً  فَيُوحِي  ذلكَ الرسولُ إلى المرسلِ إليهِ الذي هو الرسولُ البشَريُّ  بِإِذْنِهِ  أي بأمرِه تعالَى وتيسيرِه  مَا يَشَاء  أنْ يوحيَهُ إليهِ وهَذا هو الذي يَجْري بينَهُ تعالى وبينَ الأنبياءِ عليهم الصَّلاةُ والسَّلامُ في عامَّةِ الأوقاتِ من الكلامِ، وقيلَ : قولُه تعالى وحياً وقولُه تعالى أو يرسلَ مصدرانِ واقعانِ موقعَ الحالِ وقولُه تعالَى أو منْ وراءِ حجابٍ ظرفٌ واقعٌ موقعَها، والتقديرُ وما صَحَّ أن يكلمَ إلا مُوحياً أو مُسمعاً من وراءِ حجابٍ أو مُرسلاً. وقُرِئ أو يرسلُ بالرفعِ على إضمار مبتدأٍ، ورُويَ أنَّ اليهودَ قالتْ للنبيِّ عليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ألا تكلمَ الله وتنظرَ إليهِ إنْ كنتَ نبياً كما كلَّمه مُوسى ونظرَ إليهِ فإنَّا لن نؤمنَ حتَّى تفعلَ ذلكَ فقال عليه السَّلامُ لمْ بنظُرْ مُوسى عليه السَّلامُ إلى الله تعالى فنزلتْ. وعنْ عائشةَ رضيَ الله عنها :**«من زَعَمَ أنَّ محمداً رأى ربَّه فقدْ أعظمَ على الله الفريةَ، ثم قالتْ رضيَ الله عْنُها : أو لم تسمعُوا ربَّكُم يقولُ فتلتْ هَذِهِ الآيةَ »**.  إِنَّهُ عَلِي  متعالٍ عن صفاتِ المخلوقينَ لا يتأتَّى جَرَيانُ المفاوضةِ بينَهُ تعالى وبينَهم إلا بأحدِ الوجوهِ المذكورةِ  حَكِيمٌ  يُجْري أفعالَهُ على سُنَنِ الحكمةِ فيكلمُ تارةً بواسطةٍ وأُخرى بدونِها إمَّا إلهاماً وإما خطاباً.

### الآية 42:52

> ﻿وَكَذَٰلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا ۚ مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَٰكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا ۚ وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَىٰ صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ [42:52]

وكذلك  أيْ ومثلَ ذلكَ الإيحاءِ البديعِ  أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحاً منْ أَمْرِنَا  هو القرآنُ الذي هو للقلوب بمنزلةِ الروحِ للأبدانِ حيثُ يُحيَيها حياةً أبديةً، وقيلَ : هُو جبريلُ عليهِ السَّلامُ. ومَعْنى إيحائِه إليهِ عليهما السَّلامُ إرسالُه إليهِ بالوحي  مَا كُنتَ تَدْرِي  قبلَ الوَحي  مَا الكتاب  أيْ أيُّ شيءٍ هُو  وَلاَ الإيمان  أيْ الإيمانُ بتفاصيلِ ما في تضاعيفِ الكتابِ من الأمورِ التي لا تهتدِي إليها العقولُ لا الإيمانُ بما يستقلُّ به العقلُ والنظرُ فإنَّ درايتَهُ عليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ له مما لا ريبَ فيهِ قطعاً  ولكن جعلناه  أي الرُّوحَ الذي أوحيناهُ إليكَ  نُوراً نهْدِي بِهِ مَن نشَاء  هدايتَهُ  منْ عِبَادِنَا  وهُو الذي يصرف اختيارَهُ نحو الاهتداءِ بهِ. وقولُه تعالَى  وَإِنكَ لَتَهْدِي  تقريرٌ لهدايتهِ تعالى وبيانٌ لكيفيتِها. ومفعولُ لتهدِي محذوفٌ ثقةً بغايةِ الظهورِ أيْ إنكَ لتهدِي بذلكَ النورِ من نشاءُ هدايَتهُ  إلى صراط مسْتَقِيمٍ  هو الإسلامُ وسائرُ الشرائعِ والأحكامِ. وقُرِئ لتُهدَى أي لَيَهديكَ الله، وقُرِئ لتدعُو.

### الآية 42:53

> ﻿صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ ۗ أَلَا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ [42:53]

صراط الله  بدلٌ من الأولِ وإضافتُه إلى الاسمِ الجليلِ ثمَّ وصفُه بقولِه تعالَى  الذي لَهُ مَا فِي السماوات وَمَا فِي الأرض  لتفخيمِ شأنِه وتقريرِ استقامتِه وتأكيدِ وجوبِ سلوكِه فإنَّ كونَ جميعِ ما فيهما من الموجوداتِ له تعالى خَلْقاً ومِلْكاً وتصرُّفاً مما يوجبُ ذلكَ أتمَّ إيجابٍ.  أَلاَ إِلَى الله تَصِيرُ الأمور  أي أمورُ ما فيهما قاطبةً لا إلى غيرِه ففيهِ من الوعدِ للمهتدينَ إلى الصراطِ المستقيمِ والوعيدِ للضالينَ عنه ما لا يَخْفي.

## روابط ذات صلة

- [النص القرآني للسورة](https://quranpedia.net/surah/1/42.md)
- [كل تفاسير سورة الشورى
](https://quranpedia.net/surah-tafsir/42.md)
- [ترجمات سورة الشورى
](https://quranpedia.net/translations/42.md)
- [صفحة الكتاب: إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم](https://quranpedia.net/book/37.md)
- [المؤلف: أبو السعود](https://quranpedia.net/person/4781.md)

---

زُر [Quranpedia.net](https://quranpedia.net/surah/1/42/book/37) — موسوعة القرآن الكريم: التفاسير، الترجمات، التلاوات، والمواضيع.
