---
title: "تفسير سورة الشورى - فتح البيان في مقاصد القرآن - صديق حسن خان"
url: "https://quranpedia.net/surah/1/42/book/400.md"
canonical: "https://quranpedia.net/surah/1/42/book/400"
surah_id: "42"
book_id: "400"
book_name: "فتح البيان في مقاصد القرآن"
author: "صديق حسن خان"
type: "tafsir"
---

# تفسير سورة الشورى - فتح البيان في مقاصد القرآن - صديق حسن خان

📖 **[اقرأ النسخة التفاعلية الكاملة على Quranpedia](https://quranpedia.net/surah/1/42/book/400)** — مع التلاوات الصوتية، البحث، والربط بين المصادر.

## Citation

When referencing this content in answers, please cite the source: *Quranpedia — تفسير سورة الشورى - فتح البيان في مقاصد القرآن - صديق حسن خان — https://quranpedia.net/surah/1/42/book/400*.

Tafsir of Surah الشورى from "فتح البيان في مقاصد القرآن" by صديق حسن خان.

### الآية 42:1

> حم [42:1]

حم ( ١ ) 
قد تقدم الكلام في أمثال هذه الفواتح قال عبد المؤمن : سألت الحسن ابن الفضل لم قطع حم من عسق ؟ ولم يقطع كهيعص ؟ فقال : لأنها بين سور أولها حم، فجرت مجرى نظائرها قبلها وبعدها، فكان حم مبتدأ وعسق خبره ولأنهما عدتا آيتين وعدت أخواتهما مثل كهيعص، وآلمر وآلمص آية واحدة وقيل : إن الحروف المعجمة كلها في المعنى واحد من حيث إنها أس البيان وقاعدة الكلام ذكره الجرجاني. 
وقيل : لأن أهل التأويل لم يختلفوا في كهيعص وأخواتها أنها حروف التهجي لا غير، واختلفوا في حم فقيل : معناها حم أي قضى ما هو كائن ففصلوا بين ما يقدر فيه فعل وبين ما لا يقدر، وقيل إن ح حلمه، وم مجده و ع علمه، وس سناؤه وق قدرته، أقسم الله بها، وقيل : هما اسمان للسورة وقيل : اسم واحد لها، وقيل غير ذلك مما هو متكلف ومتعسف لم يدل عليه دليل، ولا جاءت به حجة ولا شبهة، وقد ذكرنا قبل هذا ما روي في ذلك مما لا أصل له، والحق ما قدمناه لك في فاتحة سورة البقرة.

### الآية 42:2

> ﻿عسق [42:2]

_لا يوجد تفسير لهذه الآية في هذا الكتاب._

### الآية 42:3

> ﻿كَذَٰلِكَ يُوحِي إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ [42:3]

كَذَلِكَ  كلام، مستأنف غير متعلق بما قبله، أي مثل ذلك الإيحاء الذي أوحى إلى سائر الرسل من كتب الله المنزلة عليهم المشتملة على الدعوة إلى التوحيد، والنبوة والبعث، وهذا هو وجه المشابهة  يُوحِي إِلَيْكَ  يا محمد في هذه السورة وقيل : إن حم عسق أوحيت إلى من قبله من الأنبياء فتكون الإشارة بقوله : كذلك إليها والأول أولى. 
 وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ  أي إلى الرسل  اللَّهُ  كأنه قيل من يوحى فقال الله  الْعَزِيزُ  في ملكه الغالب بقهره  الْحَكِيمُ  بصنعه المصيب في قوله وفعله.

### الآية 42:4

> ﻿لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ ۖ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ [42:4]

لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ  ذكر سبحانه لنفسه هذا الوصف وهو ملك جميع ما فيهما لدلالته على كمال قدرته، ونفوذ تصرفه في جميع مخلوقاته  وَهُوَ الْعَلِيُّ  ذاته وشأنه على خلقه  الْعَظِيمُ  الكبير مكانه وبرهانه.

### الآية 42:5

> ﻿تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْ فَوْقِهِنَّ ۚ وَالْمَلَائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الْأَرْضِ ۗ أَلَا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ [42:5]

تَكَادُ السَّمَوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْ فَوْقِهِنَّ  قرأ الجمهور تكاد بالفوقية وكذلك تتفطرن قرؤوه بالفوقية مع تشديد الطاء وقرأ نافع والكسائي وابن وثاب يكاد يتفطرن بالتحتية فيهما، وقرأ أبو عمرو والمفضل وأبو بكر وأبو عبيد ينفطرن بالنون من الانفطار كقوله تعالى  إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ  والتفطر التشقق، قال الضحاك والسدي : يتفطرن يتشققن من عظمة الله وجلاله، وقيل : المعنى يكاد كل واحدة منها ينفطر فوق التي تليها من قول المشركين اتخذ الله ولدا، وقيل : معنى من فوقهن من فوق الأرضين والأول أولى. 
وقيل : يتشققن لكثرة ما على السماوات من الملائكة، وقيل : يكدن يتفطرن من علو شأن الله وعظمته، ويدل عليه مجيئه بعد قوله  العلي العظيم  ومن لابتداء الغاية يبتدئ التفطر من جهة الفوق، وقال الأخفش الصغير إن الضمير يعود إلى جماعات الكفار، أي من فوقهم وهو بعيد جدا ووجه تخصيص جهة الفوق أنها أقرب إلى الآيات العظيمة، والمصنوعات الباهرة أو على طريق المبالغة كأن كلمة الكفار مع كونها جاءت من جهة التحت أثرت في جهة الفوق، فتأثيرها في جهة التحت بالأولى. 
 وَالْمَلَائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ  كلام مستأنف أي ينزهونه عما لا يليق به ولا يجوز عليه متلبسين بحمده وقيل : إن التسبيح موضوع موضع التعجب، أي يتعجبون من جرأة المشركين على الله، وقيل ؛ المعنى يصلون بأمر ربهم قاله السدي. 
 وَيَسْتَغْفِرُونَ  أي يشفعون  لِمَنْ فِي الْأَرْضِ  من عباد الله المؤمنين، كما في قوله : وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آَمَنُوا  ويطلبون هدايتهم، وقيل الاستغفار منهم بمعنى السعي فيما يستدعي المغفرة لهم وتأخير عقوبتهم طمعا في إيمان الكافر، وتوبة الفاسق، فتكون الآية عامة كما هو ظاهر اللفظ غير خاصة بالمؤمنين، وإن كانوا داخلين فيها دخولا أوليا، وإليه ذهب البيضاوي بل ولو فسر الاستغفار بالسعي فيما يدفع الخلل المتوقع لعم الحيوان بل الجماد. 
قال الضحاك لمن في الأرض من المؤمنين. وقال السدي : بيانه في سورة المؤمن  وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آَمَنُوا  وعلى هذا يكون المراد بالملائكة هنا حملة العرش، وقيل جميع الملائكة وهو الظاهر من قول الكلبي وقيل هو منسوخ بقوله  وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آَمَنُوا  وقال المهدوي والصحيح أنه ليس بمنسوخ لأنه خبر وهو خاص بالمؤمنين. 
وقال أبو الحسن بن الحصار إن حملة العرش مخصوصون بالاستغفار للمؤمنين ولله ملائكة أخر يستغفرون لمن في الأرض قال الماوردي وفي استغفارهم لهم قولان أحدهما من الذنوب والخطايا، وهو ظاهر قول مقاتل، والثاني أنه طلب الرزق لهم والسعة عليهم، قاله الكلبي وهو الأظهر، لأن من في الأرض يعم الكافر وغيره، وعلى قول مقاتل لا يدخل الكافر وقال مطرف وجدنا أنصح عباد الله لعباد الله الملائكة، ووجدنا أغش عباد الله لعباد الله الشياطين. 
 أَلَا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ  أي كثير المغفرة والرحمة لأهل طاعته وأوليائه أو الجميع عباده، فإن تأخير عقوبة الكفار والعصاة نوع من أنواع مغفرته ورحمته.

### الآية 42:6

> ﻿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ اللَّهُ حَفِيظٌ عَلَيْهِمْ وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ [42:6]

وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَولِيَاءَ  أي أصناما يعبدونها وجعلوا له شركاء وأندادا. 
 اللَّهُ حَفِيظٌ عَلَيْهِمْ  أي يحفظ أعمالهم لا يغيب عنه منها شيء ليجازيهم بها  وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ  أي لم يوكلك بهم حتى تؤاخذ بهم، ولا وكل إليك هدايتهم، وإنما عليك البلاغ. قيل : وهذه الآية منسوخة بآية السيف.

### الآية 42:7

> ﻿وَكَذَٰلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَىٰ وَمَنْ حَوْلَهَا وَتُنْذِرَ يَوْمَ الْجَمْعِ لَا رَيْبَ فِيهِ ۚ فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ [42:7]

وَكَذَلِكَ  الإيحاء البديع المبين المفهم  أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ  أي أنزلنا عليك  قُرْآَنًا عَرَبِيًّا  بلسان قومك لا لبس فيه عليك ولا على قومك، كما أرسلنا كل رسول بلسان قومه  لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى  أي مكة والمراد أهلها  وَمَنْ حَوْلَهَا  من الناس والمفعول الثاني محذوف، أي لتنذرهم العذاب. 
 وَتُنْذِرَ يَوْمَ الْجَمْعِ  أي بيوم الجمع وهو يوم القيامة لأنه مجمع الخلائق، وقيل : المراد جمع الأرواح بالأجساد، وقيل : جمع الظالم والمظلوم، وقيل جمع العامل والعمل. 
 لَا رَيْبَ فِيهِ  أي لاشك فيه والجملة معترضة مقررة لما قبلها، أو حال من يوم الجمع  فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِير  قرأ الجمهور برفع فريق في الموضعين إما على أنه مبتدأ وخبره الجار والمجرور، وساغ الابتداء بالنكرة لأن المقام مقام تفضيل أو على أن الخبر مقدر قبله، أي منهم فريق في الجنة ومنهم فريق في السعير، أو أنه خبر مبتدأ محذوف وهو ضمير عائد إلى المجموعين، المدلول عليهم بذكر الجمع، أي هم فريق في الجنة وفريق في السعير وقرئ فريقا بالنصب في الموضعين على الحال من جملة محذوفة، أي افترقوا حال كونهم كذلك، وأجاز الفراء والكسائي النصب على تقدير لتنذر فريقا. 
وقد أخرج الترمذي وصححه، وأحمد والنسائي وابن جرير وابن المنذر وابن مردويه عن عبد الله بن عمرو قال :( خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي يده كتابان فقال : أتدرون ما هذان الكتابان ؟ قلنا لا إلا أن تخبرنا يا رسول الله قال للذي في يده اليمنى : هذا كتاب من رب العالمين بأسماء أهل الجنة وأسماء آبائهم وقبائلهم، ثم أجمل على آخرهم فلا يزاد فيهم ولا ينقص منهم، ثم قال للذي في شماله هذا كتاب من رب العالمين بأسماء أهل النار وأسماء آبائهم وقبائلهم، ثم أجمل على آخرهم فلا يزاد فيهم ولا ينقص منهم أبدا فقال أصحابه ففيم العمل يا رسول الله ؟ إن كان أمر قد فرغ منه، فقال سددوا وقاربوا فإن صاحب الجنة يختم له بعمل أهل الجنة، وإن عمل أي عمل، وإن صاحب النار يختم له بعمل أهل النار، وإن عمل أي عمل. 
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم بيديه فنبذهما، ثم قال : فرغ ربكم من العباد، فريق في الجنة وفريق في السعير ). 
قال الترمذي بعد إخراجه : هذا حديث حسن صحيح غريب، وروى ابن جرير طرفا منه عن ابن عمرو " موقوفا عليه "، قال ابن جرير وهذا الموقوف أشبه بالصواب، قلت بل المرفوع أشبه بالصواب، فقد رفعه الثقة ورفعه زيادة ثابتة من وجه صحيح، ويقوي الرفع ما أخرجه ابن مردويه عن البراء قال. ( خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي يده كتاب ينظر فيه قالوا انظروا إليه كيف هو أمي لا يقرأ ؟ قال فعلمها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال هذا كتاب من رب العالمين بأسماء أهل الجنة، وأسماء قبائلهم لا يزاد فيهم ولا ينقص منهم، وقال  فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ  فرغ ربكم من أعمال العباد ).

### الآية 42:8

> ﻿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَهُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَٰكِنْ يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ ۚ وَالظَّالِمُونَ مَا لَهُمْ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ [42:8]

وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَهُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً  قال الضحاك أهل دين واحد إما على هدى وإما على ضلالة، ولكنهم افترقوا على أديان مختلفة بالمشيئة الأزلية، وهو معنى قوله  وَلَكِنْ يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ  أي في الدين الحق وهوى الإسلام  وَالظَّالِمُونَ  أي المشركون  مَا لَهُمْ مِنْ وَلِيٍّ  يدفع عنهم العذاب  وَلَا نَصِيرٍ  ينصرهم في ذلك المقام. 
ومثل هذا قوله  وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى  وقوله  وَلَوْ شِئْنَا لَآَتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا  وهذا مقابل لقوله  يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ ، فكان مقتضى الظاهر أن يقال ويدخل من يشاء في غضبه لكن عدل عنه إلى ما ذكر للمبالغة في الوعيد، فإن نفي من يتولاهم وينصرهم أدل على أن كونهم في العذاب أمر معلوم مفروغ منه، أفاده الكرخي. 
وقال الشوكاني رحمه الله : وههنا بين المتمذهبين المحامين على ما درج عليه أسلافهم، فذبوا عليه من بعدهم. وليس بنا إلى ذكر شيء من ذلك فائدة، كما هو عادتنا في تفسيرنا هذا فهو تفسير سلفي يمشي مع الحق ويدور مع مدلولات النظم الشريف، وإنما يعرف ذلك من رسخ قدمه، وتبرأ من التعصب قلبه ولحمه ودمه.

### الآية 42:9

> ﻿أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ ۖ فَاللَّهُ هُوَ الْوَلِيُّ وَهُوَ يُحْيِي الْمَوْتَىٰ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [42:9]

أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ  مستأنفة مقررة لما قبلها من انتفاء أن يكون للظالمين وليا ونصيرا، وأم هذه هي المنقطعة المقدرة ببل المفيدة للانتقال وبالهمزة المفيدة للإنكار، أي بل اتخذ الكافرون من دون الله أولياء من الأصنام يعبدونها  فَاللَّهُ هُوَ الْوَلِيُّ  أي هو الحقيق بأن يتخذوه وليا فإنه الخالق الرازق الضار النافع، والفاء لمجرد العطف، قاله الكرخي. وغرضه بهذا الرد على الزمخشري في قوله. إنها جواب شرط مقدر أي إن أرادوا أن يتخذوا وليا في الحقيقة فالله هو الولي الحق، قال أبو حيان لا حاجة إلى هذا التقدير لتمام الكلام بدونه. 
 وَهُوَ  أي ومن شأنه أنه  يُحْيِي الْمَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ  أي يقدر على كل مقدور فهو الحقيق بتخصيصه بالألوهية وإفراده بالعبادة.

### الآية 42:10

> ﻿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ ۚ ذَٰلِكُمُ اللَّهُ رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ [42:10]

وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ  هذا عام في كل ما اختلف فيه العباد من أمر الدين، فإن حكمه ومرجعه إلى الله يحكم فيه يوم القيامة بحكمه، ويفصل خصومة المختصمين فيه، وعند ذلك يظهر المحق من المبطل، ويتميز فريق الجنة وفريق النار، قال الكلبي وما اختلفتم فيه من شيء أي من أمر الدين فحكمه إلى الله يقضي فيه، وزاد البيضاوي أو أمر الدنيا، ولم يذكر الدنيا في الكشاف وذكره المحلي، وقال من الدين وغيره، والغير كالخصومات في الدنيا، والأول أولى إذ لا يلزم أن تكون بينهم وبين الكفرة، ولا يقال في مثله التحاكم إلى الله أفاده الشهاب. 
وقال مقاتل إن أهل مكة كفر بعضهم بالقرآن وآمن به بعضهم، فنزلت هذه الآية، والاعتبار بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، ويمكن أن يقال إن معنى حكمه إلى الله أنه مردود إلى كتابه، فإنه قد اشتمل على الحكم بين عباده فيما يختلفون فيه، فتكون الآية عامة في كل اختلاف يتعلق بأمر الدين أنه مردود إلى كتاب الله، ومثله قوله :
 فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ  وقد حكم سبحانه بأن الدين هو الإسلام، وأن القرآن حق، وأن المؤمنين في الجنة والكافرين في النار ولكن لما كان الكفار لا يذعنون لكون ذلك حقا إلا في الدار الآخرة وعدهم الله بذلك يوم القيامة، وقيل : تحاكموا فيه إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لأن حكمه حكم الله، ولا تؤثروا حكومة غيره على حكومته. 
 ذَلِكُمُ  مبتدأ أي الحاكم العظيم الشأن بهذا الحكم  اللَّهُ  خبر أول  رَبِّي  خبر ثان  عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ  خبر ثالث، أي اعتمدت عليه في جميع أموري لا على غيره، وفوضته في كل شؤوني  وَإِلَيْهِ  لا إلى غيره  أُنِيبُ  أي أرجع في كل شيء يعرض لي، وهذا خبر رابع.

### الآية 42:11

> ﻿فَاطِرُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۚ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَمِنَ الْأَنْعَامِ أَزْوَاجًا ۖ يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ ۚ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ۖ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ [42:11]

فَاطِرُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ  الفاطر الخالق المبدع، وقد تقدم تحقيقه وهذا خبر خامس أو مبتدأ وخبره ما بعده، أو نعت لربي لأن الإضافة محضة ويكون عليه توكلت وإليه أنيب معترضا بين الصفة والموصوف، وقرأ زيد بن علي فاطر بالجر على أنه نعت للاسم الشريف في قوله إلى الله وما بينهما اعتراض أو بدل من الهاء في عليه أو إليه وأجاز الكسائي النصب على النداء وأجاز غيره على المدح. 
 جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا  خبر سادس أي خلق لكم من جنسكم نساء، أو المراد حواء لكونها خلقت من ضلع آدم، وقال مجاهد نسلا بعد نسل  وَمِنَ الْأَنْعَامِ أَزْوَاجًا  أي خلق لها من جنسها إناثا أو خلق لكم من الأنعام أصنافا من الذكور والإناث، وهي الثمانية التي ذكرها في الأنعام. 
 يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ  أي يبثكم من الذرء وهو البث أو يخلقكم وينشئكم والضمير في يذرؤكم للمخاطبين والأنعام إلا أنه غلب عليه العقلاء، قال الزمخشري وهي من الأحكام ذات العلتين، قال الشيخ وهو اصطلاح غريب، والمعنى أن الخطاب يغلب على الغيبة إذا اجتمعا، وضمير فيه راجع إلى الجعل المدلول عليه بالفعل، أو للمخلوق، وقيل راجع إلى ما ذكر من التدبير، وقال الفراء والزجاج وابن كيسان معنى يذرؤكم فيه يكثركم به أي يكثركم يجعلكم أزواجا لأن ذلك سبب النسل، وقال ابن قتيبة : يذرؤكم فيه أي في الزوج وقيل في البطن وقيل في الرحم. 
 لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ  خبر سابع والمراد بذكر المثل هنا المبالغة في النفي بطريق الكناية فإنه إذا نفى عمن يناسبه كان نفيه عنه أولى، كقولهم : مثلك لا يبخل وغيرك لا يجود، وقيل : إن الكاف زائدة للتوكيد لأنه تعالى لا مثل له، وهو المشهور عند المعربين، وقيل : إن مثل زائدة قاله ثعلب وغيره، كما في قوله  فإِنْ آمنُوا بِمِثْلِ ما آمنْتُمْ بِهِ  أي بما آمنتم به، وهذا ليس بجيد، بل الأول أولى. 
فإن الكناية باب مسلوك للعرب ومهيج مألوف لهم قال ابن قتيبة العرب تقيم المثل مقام النفس، فتقول : مثلي لا يقال له هذا، أي أنا لا يقال لي، وقيل : المراد بالمثل الصفة وذلك أن المثل بمعنى المثل والمثل الصفة كقوله مثل الجنة، فيكون المعنى ليس مثل صفته تعالى شيء من الصفات التي لغيره وهو محمل سهل. 
قال الراغب : المثل أعم الألفاظ الموضوعة للمشابهة، وذلك أن الند يقال لما يشارك في الجوهر فقط، والشبه يقال فيما يشارك في الكيفية فقط، والمساوي يقال فيما يشاركه في الكمية فقط والشكل يقال فيما يشاركه في القدر والمساحة فقط، ولهذا لما أراد الله نفي الشبه من كل وجه خصه بالذكر وقال تعالى
 لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ  وقال أبو البقاء مرجحا لزيادة الكاف إنها لو لم تكن زائدة لأفضى ذلك إلى المحال، إذ يكون المعنى أن له مثلا وليس لمثله مثل، وفي ذلك تناقض، لأنه إذا كان له مثل فلمثله مثل، وهو هو مع أن إثبات المثل لله سبحانه محال، وهذا تقرير حسن، ولكنه يندفع ما أورده بما ذكرناه من كون الكلام خارجا مخرج الكناية. 
ومن فهم هذه الآية الكريمة حق فهمها، وتدبرها حق تدبرها مشى بها عند اختلاف المختلفين في الصفات على طريقة بيضاء واضحة، ويزداد بصيرة إذا تأمل معنى قوله  وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ  فإن هذا الإثبات بعد ذلك النفي للمثل، قد اشتمل على برد اليقين، وشفاء الصدور، وانثلاج القلوب فاقدر يا طالب الحق قدر هذه الحجة النيرة، والبرهان القوي، فإنك تحطم بها كثيرا من البدع، وتهشم بها رؤوسا من الضلالة، وترغم بها آناف طوائف من القاصرين المتكلفين، والمتكلمين المتأولين، ولاسيما إذا ضممت إليه قول الله سبحانه  وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا  فإنك حينئذ قد أخذت بطرفي حبل ما يسمونه علم الكلام وعلم أصول الدين. ودع عنك نهيا صيح في حجراته  ولكن حديث ما حديث الرواحلوهو السميع الخ خبر ثامن وقوله : لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ  خبر تاسع.

### الآية 42:12

> ﻿لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۖ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ ۚ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ [42:12]

لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ  خبر تاسع. 
جمع مقلاد أو مقليد أو قليد، وهو المفتاح جمع على خلاف القياس أي مفاتيحهما أو خزائنهما، والمراد المطر والنبات وغيرهما كالجواهر المستخرجة من الأرض، قال النحاس : والذي يملك المفاتيح يملك الخزائن وقد تقدم تحقيقه في سورة الزمر. 
ثم لما ذكر سبحانه أن بيده مقاليدهما ذكر بعده البسط والقبض فقال  يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ  خبر عاشر أي يوسعه لمن يشاء كالروم والفرس ويضيقه على من يشاء كالعرب  إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ  من الأشياء  عَلِيمٌ  فلا تخفى عليه خافية، وإحاطة علمه بكل شيء يندرج تحتها علمه بطاعة المطيع ومعصية العاصي فهو يجازي كُلًا بما يستحقه من خير وشر.

### الآية 42:13

> ﻿۞ شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّىٰ بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَىٰ وَعِيسَىٰ ۖ أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ ۚ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ ۚ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ [42:13]

شَرَعَ لَكُمْ  أي بين وأوضح وسن وأظهر طريقا واضحا، وهو خبر حادي عشر  مِنَ الدِّينِ  أي دينا تطابقت على صحته الأنبياء، والخطاب لأمة محمد صلى الله عليه وسلم  مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا  من التوحيد ودين الإسلام، وأصول الشرائع التي لم يختلف فيها الرسل، وتوافقت عليها الكتب، وإنما خص نوحا لأنه أول الأنبياء أصحاب الشرائع، والمعنى قد وصيناه وإياك يا محمد دينا واحدا، وقد ثبت في الحديث الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في حديث الشفاعة المشهور الكبير :
( ولكن ائتوا نوحا فإنه أول رسول بعثه الله إلى أهل الأرض ) وهذا صحيح لا إشكال فيه كما أن آدم أول رسول نبئ بغير إشكال إلا أن آدم لم يكن معه إلا نبوة، ولم تفرض له الفرائض، ولا شرعت له المحارم، وإنما كان شرعه تنبيها على بعض الأمور واقتصارا على ضرورات المعاش، وأخذا بوظائف الحياة والبقاء واستمر على نوح فبعثه الله بتحريم الأمهات والبنات والأخوات، ووظف عليه الواجبات، وأوضح له الآداب والديانات، ولم يزل ذلك يتأكد بالرسل ويتناصر بالأنبياء عليهم السلام واحدا بعد واحد وشريعة اثر شريعة حتى ختمها بخير الملل ملتنا على لسان أكرم الرسل نبينا محمد صلى الله عليه وسلم. 
 وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ  من القرآن وشرائع الإسلام والبراءة من الشرك والتعبير عنه عند نسبته إلى النبي صلى الله عليه وسلم بالذي هو أصل الموصلات لتفخيم شأنه من تلك الحيثية، وخص ما شرعه لنبينا محمد صلى الله عليه وسلم بالإيحاء مع كون ما قبله وما بعده مذكورا بالتوصية، للتصريح برسالته، القامع لإنكار الكفرة، وفيه التفات من الغيبة إلى التكلم بنون العظمة لكمال الاعتناء بالإيحاء إليه، وهو السر في تقدمه على ما بعده مع تقدمه عليه زمانا والقديم توصية نوح للمسارعة على بيان كون المشروع لهم دينا قديما وتوجبه الخطاب إليه صلى الله عليه وسلم بطريق التلوين للتشريف والتنبيه، على أنه تعالى شرعه لهم على لسانه عليه الصلاة والسلام. 
 وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى  مما تطابقت عليه الشرائع وإنما خص هؤلاء الأنبياء الخمسة بالذكر لأنهم أكابر الأنبياء وأصحاب الشرائع المعظمة والأتباع الكثيرة ؛ وأولو العزم، ولميل قلوب الكفرة إليهم لاتفاق الكل على نبوة بعضهم، وتفرد اليهود في موسى، والنصارى في عيسى، وكل من هؤلاء المذكورين له شرع جديد، ومن عداهم من الرسل إنما كان يبعث بتبليغ شرع من قبله فشيت وإدريس بعثا بتبليغ شرع آدم، ومن بين نوح وإبراهيم وهما هود وصالح بعثا بتبليغ شرع نوح، ومن بين إبراهيم وموسى بعثوا بتبليغ شرع إبراهيم وكذا من بين موسى وعيسى بعثوا بتبليغ شرع موسى فليتأمل، ثم بين ما وصى به هؤلاء فقال :
 أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ  أي توحيد الله، والإيمان به وطاعة رسله، وقبول شرائعه والمراد بإقامة تعديل أركانه وحفظه من أن يقع فيه زيغ أو المواظبة عليه، والتشمير له، وقال السدي : أي اعملوا به وقيل : المراد سائر ما يكون المرء بإقامته مسلما ولم ترد به الشرائع فإنها مختلفة، قال تعالى : لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا  قال مجاهد : لم يبعث الله نبيا إلا وصاه بإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة والإقرار لله بالطاعة فذلك دينه الذي شرع لهم، وقال قتادة : يعني تحليل الحلال وتحريم الحرام. 
قال القرطبي : الأصول التي لا تختلف فيها الشرائع هي التوحيد والصلاة والزكاة والصيام والحج، وأداء الأمانة وصلة الرحم، وتحريم الكفر والقتل والزنا والإذاية للخلق، كيفما تصورت، والاعتداء على الحيوان كيفما دار، واقتحام الدناءات، وما يعود بخرم المروءات فهذا كله مشروع دينا واحدا، وملة واحدة لم تختلف على ألسنة الأنبياء وإن اختلفت أعذارهم، وذلك قوله تعالى : أن أقيموا الدين الخ. 
ثم لما أمرهم سبحانه بإقامة الدين نهاهم عن الاختلاف فيه فقال :
 وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ  أي لا تختلفوا في التوحيد والإيمان بالله، وطاعة رسوله، وقبول شرائعه فإن هذه الأمور قد تطابقت عليها الشرائع وتوافقت فيها الأديان، فلا ينبغي الخلاف في مثلها، وليس هذا من فروع المسائل التي تختلف فيها الأدلة وتتعارض فيها الإمارات، وتتباين فيها الأفهام، فإنها من مطارح الاجتهاد، ومواطن الخلاف. 
قال القرطبي في الآية أي اجعلوه دائما قائما مستمرا محفوظا مستقرا، من غير خلاف فيه ولا اضطراب، فمن الخلق من وفى بذلك ومنهم من نكث،  فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ . 
واختلفت الشرائع وراء هذه في أحكامه حسبما أراد الله مما اقتضت المصلحة وأوجبت الحكمة وضعه في الأزمنة على الأمم والله أعلم. 
قال قتادة في الآية : ألا تعلموا أن الفرقة هلكة، وأن الجماعة ثقة وقال على الجماعة رحمة والفرقة عذاب. قم ذكر سبحانه أن ما شرعه من الدين شق على المشركين فقال :
 كَبُرَ  أي عظم وشق  عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ  من التوحيد ورفض الأوثان، قال قتادة اشتد عليهم شهادة أن لا إله إلا الله وحده، وضاق بها إبليس وجنوده، فأبى الله إلا أن ينصرها ويعليها ويظهرها، ويظفرها على من ناوأها، والأولى التعميم لدلالة السياق ولا يمنعه تخصيص المشركين بالذكر كما لا يخفى ثم خص أولياءه فقال :
 اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ  استئناف وارد لتحقيق الحق وفيه إشعار بأن منهم من يجيب إلى الدعوة، والاجتباء الاختيار، والمعنى يختار لتوحيده والدخول في دينه، افتعال من الجباية وهي الجمع على طريق الاصطفاء، واجتباء الله العبد تخصيصه إياه بفيض إلهي لتحصل له أنواع النعم بلا سعي منه  مَنْ يَشَاءُ  من عباده، قال قتادة : يخلص لنفسه من يشاء. 
 وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ  أي يوفق لدينه ويستخلص لعبادته من يرجع إلى طاعته، ويقبل إلى عبادته

### الآية 42:14

> ﻿وَمَا تَفَرَّقُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ ۚ وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ إِلَىٰ أَجَلٍ مُسَمًّى لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ ۚ وَإِنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ [42:14]

ثم لما ذكر سبحانه ما شرعه لهم من إقامة الدين وعدم التفرق فيه ذكر ما وقع من التفرق والاختلاف فقال  وَمَا تَفَرَّقُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ  أي ما تفرقوا إلا عن علم بأن الفرقة ضلالة متوعد عليها، أو العلم بمبعث الرسول أو أسباب العلم من الرسل والكتب وغيرهما، فلم يلتفتوا إليها، وفعلوا ذلك التفرق، قيل : المراد قريش وهم الذين تفرقوا من بعد ما جاءهم العلم، وهو محمد صلى الله عليه وسلم بغيا منهم عليه. 
وقد كانوا يقولون ما حكاه الله عنهم بقوله  وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ جَاءَهُمْ نَذِيرٌ  الآية، وبقوله  فلمّا جاءهُمْ ما عرفُوا كفرُوا بِهِ  وقيل المراد أمم الأنبياء المتقدمين، وأنهم فيما بينهم اختلفوا لما طال بهم المدى، فآمن قوم وكفر قوم. وقيل : اليهود والنصارى خاصة كما في قوله  وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ . 
 بَغْيًا بَيْنَهُمْ  أي بغيا من بعضهم على بعض، طلبا للرياسة فليس تفرقهم لقصور في البيان والحجج، ولكن للبغي والظلم والاشتغال بالدنيا والجاه والحمية  وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ  وهي تأخير العقوبة  إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى  وهو يوم القيامة كما في قوله  بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ  وقيل : إلى الأجل الذي قضاه الله لعذابهم في الدنيا بالقتل والأسر والذل والقهر  لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ  أي لوقع القضاء بينهم بإنزال العقوبة بهم معجلة، وقيل يقضي بين من آمن منهم ومن كفر بنزول العذاب بالكافرين ونجاة المؤمنين. 
 وَإِنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الْكِتَابَ  أي التوراة والإنجيل وهم اليهود والنصارى الذي كانوا في عهده صلى الله عليه وسلم  مِنْ بَعْدِهِمْ  أي من بعد من قبلهم من اليهود والنصارى المختلفين في الحق. 
وقال مجاهد : معنى من بعدهم من قبل مشركي مكة، وهم اليهود والنصارى وقيل، المراد كفار المشركين من العرب الذين أورثوا القرآن من بعد ما أورث أهل الكتاب كتابهم ووصفهم بأنهم  لَفِي شَكٍّ مِنْهُ  أي من القرآن أو من محمد صلى الله عليه وسلم، وعلى كلا الوجهين فالشك هنا ليس على معناه المشهور من اعتدال النقيضين وتساويهما في الذهن، بل المراد به ما هو أعم أي مطلق التردد. 
وقال القرطبي : لفي شك من الذي أوصى به الأنبياء  مُرِيبٍ  موقع في الريبة وهي قلق النفس واضطرابها ولذلك لم يؤمنوا.

### الآية 42:15

> ﻿فَلِذَٰلِكَ فَادْعُ ۖ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ ۖ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ ۖ وَقُلْ آمَنْتُ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتَابٍ ۖ وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ ۖ اللَّهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ ۖ لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ ۖ لَا حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ ۖ اللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنَا ۖ وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ [42:15]

فَلِذَلِكَ  أي فلأجل ما ذكر من التفرق والشك أو الكتاب، أو العلم الذي أوتيته، أو فلأجل أنه شرع من الدين ما شرع  فَادْعُ  إلى الله وإلى توحيده وإلى الاتفاق والائتلاف على الملة الحنيفية القوية أو الإتباع لما أوتيته، وعلى هذا اللام في موضع إلى لإفادة الصلة والتعليل، قال الفراء والزجاج : المعنى فإلى ذلك فادع، كما تقول : دعوت إلى فلان ولفلان وذلك إشارة إلى ما وصى به الأنبياء من التوحيد، وقيل : في الكلام تقديم وتأخير والمعنى  كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ   فَلِذَلِكَ فَادْعُ . 
 وَاسْتَقِمْ  على ما دعوت إليه فسر الراغب الاستقامة بلزوم المنهج المستقيم، فلا حاجة إلى تأويلها بالدوام على الاستقامة، قال قتادة : استقم على أمر الله، وقال سفيان : استقم على القرآن، وقال الضحاك : استقم على تبليغ الرسالة  كَمَا أُمِرْتَ  بذلك من جهة الله تعالى. 
 وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ  الباطلة وتعصباتهم الزائفة في ترك التوحيد، ولا تنظر إلى خلاف من خالفك في دين الله  وَقُلْ آَمَنْتُ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتَابٍ  أي بجميع الكتب التي أنزلها الله على رسله لا كالذين آمنوا ببعض منها وكفروا ببعض وفيه تحقيق للحق، وبيان لاتفاق الكتب في أصول الدين، وتألف لقلوب أهل الكتابين وتعريض لهم. 
 وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ  في أحكام الله إذا ترافعتم إلي، ولا أحيف عليكم بزيادة على ما شرعه الله، أو بنقصان منه، وأبلغ إليكم ما أمرني الله بتبليغه كما هو واللام لام كي، أي أمرت بذلك الذي أمرت به لكي أعدل بينكم، وقيل : هي زائدة، والمعنى أمرت أن أعدل وقيل : بمعنى الباء وأن المصدرية مقدرة أي بأن أعدل والأول أولى. 
قال أبو العالية : أمرت لأسوى بينكم في الدين فأومن بكل كتاب وبكل رسول، والظاهر أن الآية عامة في كل شيء، والمعنى أمرت لأعدل بينكم في كل شيء. 
 اللَّهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ  أي إلهنا وإلهكم، وخالقنا وخالقكم  لَنَا أَعْمَالُنَا  أي ثوابها وعقابها خاص بنا  وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ  أي ثوابها وعقابها خاص بكم، فكل يجازى بعمله  لَا حُجَّةَ  أي لا خصومة  بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ  لأن الحق قد ظهر ووضح، ولم يبق للمحاجة مجال، وليس في الآية إلا ما يدل على المتاركة في المقاولة، والمحاجة لا مطلقا حتى تكون منسوخة، وإنما عبر عن أباطيلهم بالحجة مجاراة لهم على زعمهم الباطل، قال ابن عباس ومجاهد : الخطاب لليهود وقيل للكفار على العموم. 
 اللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنَا  في المحشر لفصل القضاء  وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ  أي المرجع يوم القيامة، فيجازي كلُاً بعمله، وهذا منسوخ بآية السيف وقيل ليست بمنسوخة لأن البراهين قد ظهرت والحجج قد قامت فلم يبق إلا العناد وبعد العناد لا حجة ولا جدال.

### الآية 42:16

> ﻿وَالَّذِينَ يُحَاجُّونَ فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا اسْتُجِيبَ لَهُ حُجَّتُهُمْ دَاحِضَةٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ [42:16]

وَالَّذِينَ يُحَاجُّونَ فِي اللَّهِ  أو يخاصمون في دين الله  مِنْ بَعْدِ مَا اسْتُجِيبَ  أي استجاب الناس  لَهُ  أي لدين الله ودخلوا فيه، وقيل : الضمير راجع إلى الله، وقيل : إلى محمد صلى الله عليه وسلم المعلوم من السياق الدال عليه الفعل، والأول أولى. 
قال مجاهد ؛ من بعد ما أسلم الناس، قال : وهؤلاء قوم توهموا أن الجاهلية تعود، وقال قتادة هم اليهود والنصارى، ومحاجتهم قولهم نبينا قبل نبيكم، وكتابنا قبل كتابكم، وكانوا يرون لأنفسهم الفضيلة بأنهم أهل كتاب وأنهم أولاد الأنبياء، وكان المشركون يقولون  أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَقَامًا وَأَحْسَنُ نَدِيًّا  فنزلت هذه الآية. 
وقال ابن عباس : هم أهل الكتاب كانوا يجادلون المسلمين ويصدونهم عن الهدى، من بعد ما استجابوا لله، وقال : هم قوم من أهل الضلالة وكانوا يتربصون بأن تأتيهم الجاهلية، وعن عكرمة قال لما نزلت  إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ  قال المشركون لمن بين أظهرهم من المؤمنين : قد دخل الناس في دين الله أفواجا فاخرجوا من بين أظهرنا فنزلت هذه الآية. 
والموصول مبتدأ وخبره الجملة بعده وهي  حُجَّتُهُمْ دَاحِضَةٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ  أي لا ثبات لها كالشيء الذي يزول عن موضعه يقال دحضت حجته دحوضا بطلت، وبابه خضع، والإدحاض الإزلاق، ومكان دحض أي زلق، ودحضت رجله أي زلقت وبابه قطع وسماها حجة وإن كانت شبهة لزعمهم أنها حجة. 
 وَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ  عظيم من الله لمجادلتهم بالباطل  وَلَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ  في الآخرة.

### الآية 42:17

> ﻿اللَّهُ الَّذِي أَنْزَلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَالْمِيزَانَ ۗ وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ [42:17]

اللَّهُ الَّذِي أَنْزَلَ الْكِتَابَ  المراد به الجنس فيشمل جميع الكتب المنزلة على الرسل، وقيل المراد به القرآن خاصة  بِالْحَقِّ  متعلق بمحذوف أي متلبسا بالحق وهو الصدق  وَالْمِيزَانَ  أي العدل كذا قال أكثر المفسرين قالوا وسمي العدل ميزانا لأن الميزان آلة الإنصاف والتسوية بين الخلق، فالميزان متجوز به عنه استعمالا للسبب في المسبب وقيل الميزان ما بين الكتب المنزلة مما يجب على كل إنسان أن يعمل به، وقيل : هو الجزاء على الطاعة بالثواب وعلى المعصية بالعقاب. 
وقال قتادة : الميزان العدل فيما أمر به ونهى عنه وإنزال العدل هو الأمر والتكليف به، وقيل : إنه الميزان على نفسه أنزله الله من السماء في زمن نوح عليه السلام، وعلم العباد الوزن به لئلا يكون بينهم تظالم وتباخس، كما في قوله  لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ ، وقيل : هو محمد صلى الله عليه وسلم يقضي بينكم بكتاب الله وقال مجاهد : هو الذي يوزن به. 
 وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ  أي أيّ شيء يجعلك داريا بها، عالما بوقتها، لعلها شيء قريب، أو قريب مجيئها، أو ذات قرب أو إتيانها قريب وقال  قَرِيبٌ  ولم يقل قريبة لأن تأنيثها غير حقيقي. 
قال الزجاج : المعنى لعل البعث أو لعل مجيء الساعة قريب وقال الكسائي قريب نعت ينعت به المؤنث والمذكر كما في قوله : إن رحمة الله قريب من المحسنين. وقال الكرخي : ولا يقال : إنّ " قريب " يستوي فيه المؤنث والمذكر لأن فعيلا هنا بمعنى فاعل، ولا يستوي فيه ما ذكر والاستفهام إنكاري أي لا سبب يوصلك للعمل بقربها إلى الوحي الذي ينزل عليك قيل إن النبي صلى الله عليه وسلم " ذكر الساعة وعنده قوم من المشركين فقالوا متى تقوم تكذيبا لها فأنزل الله هذه الآية، " ويدل على هذا قوله : يَسْتَعْجِلُ بِهَا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِهَا وَالَّذِينَ آَمَنُوا مُشْفِقُونَ مِنْهَا وَيَعْلَمُونَ أَنَّهَا الْحَقُّ أَلَا إِنَّ الَّذِينَ يُمَارُونَ فِي السَّاعَةِ لَفِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ ( ١٨ )

### الآية 42:18

> ﻿يَسْتَعْجِلُ بِهَا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِهَا ۖ وَالَّذِينَ آمَنُوا مُشْفِقُونَ مِنْهَا وَيَعْلَمُونَ أَنَّهَا الْحَقُّ ۗ أَلَا إِنَّ الَّذِينَ يُمَارُونَ فِي السَّاعَةِ لَفِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ [42:18]

يَسْتَعْجِلُ بِهَا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِهَا  استعجال استهزاء منهم وتكذيبا بمجيئها، فلا يشفقون منها  وَالَّذِينَ آَمَنُوا مُشْفِقُونَ مِنْهَا  أي خائفون وجلون من مجيئها، أي فلا يستعجلونها، ففي الآية احتباك حيث ذكر الاستعجال أولا، وحذف الإشفاق، وذكر الإشفاق ثانيا وحذف الاستعجال. قال مقاتل لأنهم لا يدرون ما يهجمون عليه وقال الزجاج لأنهم يعلمون أنهم محاسبون ومجزيون. 
 وَيَعْلَمُونَ أَنَّهَا الْحَقُّ  أي أنها آتية لا ريب فيها، وكائنة لا محالة ومثل هذا قوله  وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آَتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ  ثم بين ضلال الممارين فيها فقال :
 أَلَا إِنَّ الَّذِينَ يُمَارُونَ فِي السَّاعَةِ  أي يخاصمون فيها مخاصمة شك وريبة من المماراة، وهي المخاصمة والمجادلة أو من المرية وهي الشك والريبة  لَفِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ  عن الحق لأنهم لم يتفكروا في الموجبات للإيمان بها من الدلائل التي هي مشاهدة لهم، منصوبة لأعينهم، مفهومة لعقولهم ولو تفكروا لعلموا أن الذي خلقهم ابتداء قادر على الإعادة، وقد دل الكتاب والسنة على وقوعها، والعقول تشهد على أنه لابد من دار جزاء والبعث أشبه الغائبات بالمحسوسات فمن لم يهتد لتجويزه فهو أبعد عن الاهتداء إلى ما وراءه.

### الآية 42:19

> ﻿اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ ۖ وَهُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ [42:19]

اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ  أي كثير اللطف بهم، بالغ الرأفة لهم، قال مقاتل لطيف بالبر والفاجر حيث لم يقتلهم جوعا بمعاصيهم، قال عكرمة :
بار بهم وقال السدي : رفيق بهم وقيل : حفي بهم. وقال القرطبي : لطيف بهم في العرض والمحاسبة، وقيل : في إيصال المنافع وصرف البلاء، وقيل لطف بالغوامض علمه، وعظم عن الجرائم حلمه، وقيل اللطيف من ينشر المناقب ويستر المثالب، أو يعفو عمن يهفو، أو يعطي العبد فوق الكفاية، ويكلفه الطاعة دون الطاقة. 
وقال الجنيد : لطف بأوليائه فعرفوه ولولا لطفه بأعدائه ما جحدوه وقال جعفر الصادق : يلطف بهم في الرزق من وجهين، أحدهما أنه جعل رزقك من الطيبات، الثاني أنه لم يدفع إليك مرة واحدة فتبذره. 
وقال الحسين بن الفضل : لطيف بهم في القرآن وتفصيله وتفسيره. وقيل : اللطيف الذي لا يخاف إلا عدله ولا يرجى إلا فضله[(١)](#foonote-١)، وقيل هو الذي يرحم من لا يرحم نفسه، وقيل هو الذي أوقد للعلماء من الكتاب والسنة سراجا، وجعل لهم الصراط المستقيم والدين القيم منهاجا، وأنزل لهم من سحائب بره ومَنِّه ولطفه وكرمه وإحسانه ماء ثجاجا وقيل غير ذلك. 
وحاصل المعنى أنه يجري لطفه على عباده في كل أمورهم ومن جملة ذلك الرزق الذي يعيشون به في الدنيا وهو معنى قوله  يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ  منهم كيف يشاء فيوسع على هذا ويضيق على هذا، وفي تفضيل قوم بالمال حكمة ليحتاج البعض إلى البعض، كما قال يتخذ بعضهم بعضا سخريا، وكان هذا لطفا بالعباد ليمتحن الغني بالفقير، والفقير بالغني. وقيل ما يشاء من أنواع الرزق فهو وإن كان يرزق كل ذي روح لكنه فاوت بين المرزوقين في الرزق، قلة وكثرة وجنسا ونوعا لحكمة يعلمها هو. 
 وَهُوَ الْقَوِيُّ  العظيم القوة الباهر القدرة  الْعَزِيزُ  الذي يغلب كل شيء ولا يغلبه شيء. 
١ سقط من الأصل: وقيل: هو الذي يعين على الخدمة ويكثر المدحة، وقيل: هو الذي لا يعالج من عصاه ولا يخيب من رجاه، وقيل: هو الذي لا يرد سائله ولا يؤيس آمله.

### الآية 42:20

> ﻿مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ ۖ وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ [42:20]

مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآَخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ  الحرث في اللغة الكسب يقال : هو يحرث لعياله ويحترث، أي يكتسب، ومنه سمي الرجل حارثا ومعنى أصل الحرث إلقاء البذر في الأرض، فأطلق على ثمرات الأعمال وفوائدها بطريق الاستعارة المبنية على تشبيهها بالغلال الحاصلة من البذر، المتضمن لتشبيه الأعمال بالبذور، والمعنى من كان يريد بأعماله وكسب ثواب الآخرة يضاعف الله له تلك الحسنة بعشرة أمثالها، إلى سبعمائة ضعف، وقيل : معناه يزيد في توفيقه وإعانته وتسهيل سبل الخير له. 
 وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا  أي من كان يريد بأعماله وكسبه ثواب الدنيا وهو متاعها، وما يرزق الله به عباده منها، مؤثرا لها على الآخرة  نُؤْتِهِ مِنْهَا  ما قضت به مشيئتنا، وقسم له في قضائنا، ولو تهاون به ولم يطلبه لأتاه. 
قال قتادة : المعنى نقدر له ما قسم له كما قال  عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ  وقال أيضا : إن الله يعطي على نية الآخرة ما شاء من أمر الدنيا، ولا يعطي على نية الدنيا إلا الدنيا. قال القشيري والظاهر أن الآية في الكافر، وهو تخصيص بغير مخصص، ثم بين سبحانه أن هذا الذي يريد بعمله الدنيا لا نصيب له في الآخرة فقال :
 وَمَا لَهُ فِي الْآَخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ  لأنه لم يعمل للآخرة فلا نصيب له فيها وقد تقدم تفسير هذه الآية في سورة الإسراء وقال ابن عباس في الآية حرث الآخرة عيش الآخرة، وقال من يؤثر على آخرته لم يجعل الله له نصيبا في الآخرة إلا النار، ولم يزد بذلك من الدنيا شيئا إلا رزقا فرغ منه وقسم له وأخرج أحمد والحاكم وصححه وابن مردويه وابن حبان عن أبيّ بن كعب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ( قال بشر هذه الأمة بالسناء والرفعة والنصر والتمكين في الأرض ما لم يطلبوا الدنيا بعمل الآخرة، فمن عمل منهم عمل الآخرة للدنيا لم يكن له في الآخرة من نصيب )، وأخرج الحاكم وصححه، والبيهقي في الشعب عن أبي هريرة قال :( تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم من كان يريد حرث الآخرة الآية ثم قال : يقول الله : ابن آدم تفرغ لعبادتي أملأ صدرك غنى، وأسد فقرك، وإن لا تفعل ملأت صدرك شغلا، ولم أسد فقرك ). وعن علي قال : الحرث حرثان : فحرث الدنيا المال والبنون، وحرث الآخرة الباقيات الصالحات.

### الآية 42:21

> ﻿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ ۚ وَلَوْلَا كَلِمَةُ الْفَصْلِ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ ۗ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ [42:21]

ولما بين سبحانه القانون في أمر الدنيا والآخرة، أردفه ببيان ما هو الذنب العظيم الموجب للنار فقال : أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ  أم منقطعة وتقديره بل ألهم شركاء ؟ وقيل هي المعادلة لألف الاستفهام وفي الكلام إضمار تقديره. أيقبلون ما شرع الله من الدين ؟ أم لهم آلهة  شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ  وقيل أم بمعنى بل التي للانتقال والهمزة التي للتوبيخ والتقريع، وضمير شرعوا عائد إلى الشركاء وضمير لهم إلى الكفار وقيل العكس والأول أولى. 
 مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ  من الشرك والمعاصي والشرائع المضلة، وإنكار البعث، والعمل للدنيا، والآية بعمومها تشمل كل شيء لم يأمر به الله سبحانه أو رسوله، فيدخل فيه التقليد لأنه مما لم يأذن به الله بل ذمه في كتابه في غير موضع، ولم يأذن به رسوله، ولا إمام من أئمة الدين، ولا أحد من سلف الأمة وسادتها وقادتها، بل نهى عنه المجتهدون الأربعة، ومن كان بعدهم من أهل الحق، رَكْب الإيمان وأتباع السنة المطهرة، وإنما أحدثه من أحدث من الجهال والعوام، بعد القرون المشهود لها بالخير فرحم الله امرءا سمع الحق فاتبعه وسمع الباطل فتركه وأدمغه وبالله التوفيق. 
 وَلَوْلَا كَلِمَةُ الْفَصْلِ  وهي تأخير عذابهم حيث قال : بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ   لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ  في الدنيا فعوجلوا بالعقوبة، والضمير في بينهم راجع إلى المؤمنين والمشركين أو إلى المشركين وشركائهم  وَإِنَّ الظَّالِمِينَ  أي المشركين الكافرين والمكذبين  لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ  مؤلم في الدنيا والآخرة قرأ الجمهور بكسر إن على الاستئناف وقرئ بفتحها عطفا على كلمة الفصل.

### الآية 42:22

> ﻿تَرَى الظَّالِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا كَسَبُوا وَهُوَ وَاقِعٌ بِهِمْ ۗ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فِي رَوْضَاتِ الْجَنَّاتِ ۖ لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ۚ ذَٰلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ [42:22]

تَرَى الظَّالِمِينَ  خطاب لكل من تتأتى منه الرؤية  مُشْفِقِينَ  أي خائفين وجلين  مِمَّا كَسَبُوا  من السيئات وذلك الخوف والوجل يوم القيامة  وَهُوَ  الضمير راجع إلى ما كسبوا بتقدير مضاف، قاله الزجاج، أي وجزاء ما كسبوا  وَاقِعٌ بِهِمْ  نازل عليهم لا محالة أشفقوا أو لم يشفقوا، والجملة حالية، ولما ذكر الله سبحانه حال الظالمين ذكر حال المؤمنين فقال :
 وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ  مبتدأ وخبره  فِي رَوْضَاتِ الْجَنَّاتِ  جمع روضة قال أبو حيان : اللغة الكثيرة تسكين الواو، ولغة هذيل فتحها والروضة الموضع النزه الكثير الخضرة، وقد مضى بيان هذا في سورة الروم وروضة الجنة أطيب مساكنها كما أنها في الدنيا أحسن أمكنتها، وفيه تنبيه على أن عصاة المسلمين من أهل الجنة لأنه خص الذين آمنوا وعملوا الصالحات بأنهم في روضات الجنات وهي البقاع الشريفة من الجنة، والبقاع التي دون تلك الأوصاف لابد وأن تكون مخصوصة بمن كان دون الذين آمنوا وعملوا الصالحات. 
 لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ  [(١)](#foonote-١) أو للاستقرار العامل في لهم، والعندية مجاز أو حقيقة  ذَلِكَ  أي ما ذكر للمؤمنين  هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ  الذي لا يوصف ولا تهتدي العقول إلى كنه صفته، ومعرفة حقيقته، لأن الحق إذا قال كبير فمن ذا الذي يقدر قدره. 
١ سقط من الأصل لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ من صنوف النعيم وأنواع المستلذات، وعند، ظرف ليشاؤون..

### الآية 42:23

> ﻿ذَٰلِكَ الَّذِي يُبَشِّرُ اللَّهُ عِبَادَهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ۗ قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَىٰ ۗ وَمَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْنًا ۚ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ شَكُورٌ [42:23]

ذَلِكَ  أي الفضل الكبير  الَّذِي يُبَشِّرُ اللَّهُ عِبَادَهُ  قرئ يبشر مخففا ومثقلا، وهما سبعيتان، ثم وصف العباد بقوله : الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ  فهؤلاء الجامعون بين الإيمان والعمل بما أمر الله به وترك ما نهى عنه، هم المبشرون بتلك البشارة، ثم لما ذكر سبحانه ما أخبر به نبيه صلى الله عليه وسلم من هذه الأحكام الشريفة التي اشتمل عليها كتابه أمره بأن يخبرهم بأنه لا يطلب منهم بسبب هذا التبليغ ثوابا منهم فقال :
 قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا  أي قل يا محمد : لا أطلب منكم الآن ولا في مستقبل الزمان على تبليغ الرسالة بشارة أو نذارة جعلا ولا نفعا وإن قَلّ والخطاب إما لقريش وللأنصار لأنهم أخواله، أو لجميع العرب لأنهم أقاربه في الجملة  إِلَّا الْمَوَدَّةَ  العظيمة الواسعة  فِي الْقُرْبَى  أي مظروفة فيها، بحيث تكون القربى موضعا للمودة وظرفا لها، لا يخرج شيء من محبتكم عنها والاستثناء متصل، أي إلا أن تودوني لقرابتي بينكم أو تودوا أهل قرابتي، ويجوز أن يكون منقطعا. 
قال الزجاج : إلا المودة استثناء ليس من الأول أي إلا أن تودوني لقرابتي فتحفظوني، والخطاب لقريش وهذا قول عكرمة ومجاهد وأبي مالك والشعبي فيكون المعنى على الانقطاع : لا أسألكم أجرا قط، ولكن أسألكم المودة في القربى التي بيني وبينكم ارقبوني فيها ولا تعجلوا إليّ، ودعوني والناس وبه قال قتادة ومقاتل والسدي والضحاك وابن زيد وغيرهم، وهو الثابت عن ابن عباس كما سيأتي وقال سعيد بن جبير وغيره هم آل محمد، وسيأتي ما استدل به القائلون بهذا. 
وقال الحسن وغيره : معنى الآية إلا التودد إلى الله عز وجل والتقرب بطاعته، وقال الحسين بن الفضل، ورواه ابن جرير عن الضحاك أن هذه الآية منسوخة، قال البغوي : وهذا قول غير مرضي، لأن مودة النبي صلى الله عليه وسلم وكف الأذى عنه، ومودة أقاربه والتقرب إلى الله بالطاعة والعمل الصالح، من فرائض الدين. 
أقول : في الآية ثلاثة أقوال، الأول أن القربى بمعنى القرابة أي الرحم، والثاني بمعنى الأقارب، والثالث بمعنى القرب والتقرب والزلفى، وسيأتي ما يتضح به الصواب، ويظهر له معنى الآية. قال سعيد بن جبير قربى آل محمد صلى الله عليه وسلم. عن ابن عباس أنه سئل عن قوله  إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى  قال ابن عباس :( عجلت أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن بطن من قريش إلا كان له فيهم قرابة، فقال إلا أن تصلوا ما بيني وبينكم من القرابة )، وعنه قال : قال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم لا أسألكم عليه أجرا إلا أن تودوني في نفسي لقرابتي وتحفظوا القرابة التي بيني وبينكم " [(١)](#foonote-١)، وعن الشعبي قال : أكثرَ الناس علينا في هذه الآية  قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى  فكتبنا إلى ابن عباس نسأله عن ذلك فقال :( إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان واسط النسب في قريش، ليس بطن من بطونهم إلا وله فيه قرابة، فقال الله : قل الخ أن تودوني لقرابتي منكم، وتحفظوني بها ". 
وعن ابن عباس قال كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم قرابة من جميع قريش فلما كذبوه وأبوا أن يبايعوه قال :( يا قوم إذا أبيتم أن تبايعوني فاحفظوا قرابتي فيكم، ولا يكون غيركم من العرب أولى بحفظي ونصرتي منكم )، وعنه قال :( قالت الأنصار : فعلنا وفعلنا وكأنهم فخروا فقال العباس : لنا الفضل عليكم، فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فأتاهم في مجالسهم فقال : يا معشر الأنصار ألم تكونوا أذلة فأعزكم الله قالوا بلى يا رسول الله قال أفلا تجيبون ؟ قالوا ما نقول يا رسول الله ؟ قال ألا تقولون ألم يخرجك قومك فآويناك ؟ ألم يكذبوك فصدقناك ؟ ألم يخذلوك فنصرناك ؟ فما زال يقول حتى جثوا على الركب وقالوا أموالنا وما في أيدينا لله ورسوله، فنزلت هذه الآية " [(٢)](#foonote-٢) وفي إسناده يزيد ابن أبي زياد وهو ضعيف والأولى أن الآية مكية لا مدنية. وقد أشرنا فيما سبق أن هذه الآية مدنية وهذا متمسكهم. 
وعن ابن عباس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذه الآية ( تحفظوني في أهل بيتي وتودوهم بي ) أخرجه الديلمي وأبو نعيم، وعنه قال لما نزلت هذه الآية قالوا :( يا رسول الله من قرابتك هؤلاء الذين وجبت علينا مودتهم ؟ قال علي وفاطمة وولداهما ) أخرجه ابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه قال السيوطي بسند ضعيف. 
وعنه قال نزلت هذه الآية بمكة وكان المشركون يؤذون رسول الله صلى الله عليه وسلم فأنزل الله قل لهم يا محمد لا أسألكم عليه أي على ما أدعوكم إليه أجرا عرضا من الدنيا إلى المودة في القربى، إلا الحفظ في قرابتي فيكم، فلما هاجر إلى المدينة أحب أن يلحقه بإخوته من الأنبياء فقال  قُلْ مَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ  يعني ثوابه وكرامته في الآخرة، كما قال نوح  وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ  وكما قال هود وصالح وشعيب لم يستثنوا أجرا كما استثنى النبي صلى الله عليه وسلم فرده عليهم، وهي منسوخة، وعنه عن النبي صلى الله عليه وسلم في الآية ( قل لا أسألكم على ما أتيتكم به من البينات والهدى أجرا إلا أن تودوا الله وأن تتقربوا إليه بطاعته هذا حاصل ما روي عن حبر الأمة ابن عباس رضي الله تعالى عنهما في تفسير هذه الآية والمعنى الأول هو الذي صح عنه ورواه عنه الجمع الجم من تلامذته فمن بعدهم ولا ينافيه ما روي عنه من النسخ فلا مانع من أن يكون قد نزل القرآن في مكة بأن يوده كفار قريش لما بينه وبين قريش من القربى ويحفظوه بها ثم ينسخ ذلك ويذهب هذا الاستثناء من أصله كما يدل عليه ما ذكرنا مما يدل على أنه لم يسأل على التبليغ أجرا على الإطلاق. 
ولا يقوي ما روي من حملها على آل محمد صلى الله عليه وسلم على معارضته ما صح عن ابن عباس من تلك الطرق الكثيرة، وقد أغنى الله آل محمد عن هذا بما لهم من الفضائل الجليلة والمزايا الجميلة، وقد بينا ذلك عند تفسيرنا لقوله  إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ  وكما لا يقوى هذا على المعارضة فكذلك لا يقوي ما روي عنه أن المراد بالمودة أن يودوا الله، وأن يتقربوا إليه بطاعته، ولكنه يشد من عضد هذا أنه تفسير مرفوع على رسول الله صلى الله عليه وسلم. 
 وَمَنْ يَقْتَرِفْ  أي يكتسب وأصل القرف الكسب يقال فلان يقرف لعياله من باب ضرب أي يكسب والاقتراف الاكتساب مأخوذ من قولهم رجل قرفة إذا كان محتالا  حَسَنَةً  أي طاعة  نَزِدْ لَهُ فِيهَا  أي في هذه الحسنة أو في الجنة  حُسْنًا  بمضاعفة ثوابها، قال مقاتل المعنى من يكتسب حسنة واحدة نزد له فيها حسنا نضاعفها بالواحدة عشرا فصاعدا. وقيل المراد بهذه الحسنة هي المودة في القربى، والحمل على العموم أولى، ويدخل تحته المودة في القربى دخولا أوليا لذكرها عقيب ذكر المودة في القربى وقال ابن عباس إنها المودة في آل رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقال السدي إنها نزلت في أبي بكر ومودته فيهم والظاهر العموم. 
 إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ شَكُورٌ  أي كثير المغفرة للمذنبين كثير الشكر للمطيعين قال قتادة : غفور للذنوب شكور للحسنات. وقال السدي : غفور لذنوب آل محمد صلى الله عليه وسلم شكور للقليل فيضاعفه. 
١ السيوطي في الدر ٦/٦..
٢ السيوطي في الدر ٦/٧..

### الآية 42:24

> ﻿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَىٰ عَلَى اللَّهِ كَذِبًا ۖ فَإِنْ يَشَإِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلَىٰ قَلْبِكَ ۗ وَيَمْحُ اللَّهُ الْبَاطِلَ وَيُحِقُّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ ۚ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ [42:24]

أَمْ  منقطعة أي بل أ  يَقُولُونَ افْتَرَى  أي اختلق  عَلَى اللَّهِ كَذِبًا  بدعوى النبوة ونسبة القرآن إلى الله تعالى، والإنكار للتوبيخ، ثم أجاب سبحانه عن قولهم هذا فقال : فَإِنْ يَشَأِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلَى قَلْبِكَ  أي لو افترى على الله الكذب لشاء عدم صدوره منه، وختم على قلبه بحيث لا يخطر بباله شيئا مما كذب فيه كما تزعمون، قال قتادة يختم على قلبك فينسيك القرآن فأخبرهم أنه لو افترى عليه لفعل به ما أخبرهم به في هذه الآية. 
وقال مجاهد ومقاتل : إن يشأ يربط على قلبك بالصبر على أذيتهم حتى لا يدخل قلبك مشقة من قولهم وقيل : الخطاب له والمراد الكفار، أي إن يشأ يختم على قلوب الكفار ويعالجهم بالعقوبة، ذكره القشيري وقيل : المعنى لو حدثتك نفسك أن تفتري على الله كذبا لطبع على قلبك : فإنه لا يجترئ على الكذب إلا من كان مطبوعا على قلبه، والأول أولى، والمقصود، من هذا الكلام المبالغة في تقرير الاستبعاد. 
 وَيَمْحُو اللَّهُ الْبَاطِلَ  استئناف مقرر من نفي الافتراء غير داخل في جزاء الشرط، قال ابن الأنباري : يختم على قلبك تام وما بعده مستأنف، وقال الكسائي : فيه تقديم وتأخير، أي والله يمحو الباطل، وقال الزجاج : ويمحو الله الباطل احتجاج على من أنكر ما أتى به النبي صلى الله عليه وسلم، أي لو كان ما أتى به باطلا لمحاه كما جرت به عادته في المفترين ؛ وسقطت الواو من يمحو في بعض المصاحف كما حكاه الكسائي. 
 وَيُحِقُّ الْحَقَّ  أي الإسلام فيبينه  بِكَلِمَاتِهِ  أي بما أنزله من القرآن وقد فعل الله تعالى ذلك فمحا باطلهم. وأعلى كلمة الإسلام  إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ  أي عالم بما في قلوب العباد.

### الآية 42:25

> ﻿وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ [42:25]

وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ  المذنبين أي يقبل توبتهم إليه مما عملوا من المعاصي، واقترفوا من السيئات والتوبة الندم على المعصية والقلع عنها والعزم على عدم المعاودة لها، وهذه ثلاثة شروط فيما بينه وبين الله تعالى فإذا حصلت هذه الشروط صحت التوبة، وإن فقد أحد الثلاثة لم تصح، وأما فيما يتعلق بحق آدمي فشروطها أربعة هذه الثلاثة، والرابع أن يبرأ من حق صاحبها، وقيل : يقبل التوبة عن أوليائه وأهل طاعته، والأول أولى، فإن التوبة مقبولة من جميع العباد مسلمهم وكافرهم إذا كانت صحيحة صادرة عن خلوص نية وعزيمة صحيحة والأحاديث في ذكر التوبة وحكمها كثيرة في الصحيحين وغيرها. 
 وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ  على العموم لمن تاب عن سيئة، ويعفو لمن يشاء بلا توبة أيضا إذا كان ما دون الشرك  وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ  من خير وشر فيجازي كلا بما يستحقه قرأ حمزة وغيره تفعلون بالفوقية على الخطاب وقرئ بالتحتية على الخبر، وهما سبعيتان، واختار الثانية أبو عبيد وأبو حاتم لأن هذا الفعل وقع بين خبرين.

### الآية 42:26

> ﻿وَيَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ ۚ وَالْكَافِرُونَ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ [42:26]

وَيَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ  أي يعطيهم ما طلبوه منه يقال أجاب واستجاب بمعنى وقيل المعنى تقبل عبادة المخلصين وقيل التقدير يستجيب لهم فحذف اللام كما حذف في قوله : وإذا كالوهم  أي كالوا لهم وقيل إن الموصول في محل رفع أي يجيبون ربهم إذا دعاهم، كقوله  اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ  واستظهره السفاقسي، قال المبرد المعنى يستدعي الذين آمنوا الإجابة هكذا حقيقة معنى استفعل، فالذين في موضع رفع والأول أولى  وَيَزِيدُهُمْ  على ما طلبوه  مِنْ فَضْلِهِ  أو على ما يستحقونه من الثواب تفضلا منه، وقيل يشفعهم في إخوانهم  وَالْكَافِرُونَ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ  هذا للكافرين مقابلا لما ذكره للمؤمنين فيما قبله.

### الآية 42:27

> ﻿۞ وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ وَلَٰكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَا يَشَاءُ ۚ إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ [42:27]

وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ  جميعهم، أي لو وسع الله لهم رزقهم  لَبَغَوْا  أي لعصوا وطغوا جميعهم  فِي الْأَرْضِ  وبطروا النعمة وتكبروا وطلبوا ما ليس لهم طلبه، لأن الغنى مبطرة مأشرة، وكفى بحال قارون وفرعون عبرة وقيل المعنى لو جعلهم سواء في الرزق لما انقاد بعضهم لبعض ولتعطلت الصنائع، والأول أولى، والظاهر عموم أنواع الرزق وقيل هو المطر خاصة وذكروا في كون بسط الرزق موجبا للطغيان وجوها لا نطول بذكرها ؛ وأصل البغي طلب تجاوز الاقتصاد فيما يتحرى كمية أو كيفية، وفي القرطبي بغيهم طلبهم منزلة بعد منزلة، ودابة بعد دابة، ومركبا بعد مركب، وملبسا بعد ملبس. 
 وَلَكِنْ يُنَزِّلُ  بالتشديد وضده سبعيتان  بِقَدَرٍ مَا يَشَاءُ  أي ينزل من الرزق لعباده بتقدير على حسب مشيئته، وما تقتضيه حكمته البالغة  إِنَّهُ بِعِبَادِهِ  أي بأحوالهم  خَبِيرٌ بَصِيرٌ  بما يصلحهم من توسيع الرزق وتضييقه فيقدر لكل أحد منهم ما يصلحه ويكفيه عن الفساد بالبغي في الأرض ويقدر لهم ما تقتضيه حكمته، فيفقر ويغني، ويمنع ويعطي، ويبسط ويقبض، ولو أغناهم جميعا لبغوا، ولو أفقرهم لهلكوا، وما ترى من البسط على من يبغي، ومن البغي بدون البسط فهو قليل، ولا شك أن البغي مع الفقر أقل ومع البسط أكثر وأغلب، عن أبي هانئ الخولاني قال : سمعت عمرو بن خريت وغيره يقولون :( إنما أنزلت هذه الآية في أصحاب الصفة وذلك أنهم قالوا لو أن لنا فتمنوا الدنيا ) قال السيوطي سنده صحيح وعن علي " مثله ".

### الآية 42:28

> ﻿وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ ۚ وَهُوَ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ [42:28]

وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ  بالتشديد والتخفيف سبعيتان  الْغَيْثَ  أي المطر، فذكر المطر الذي هو أرفع أنواع الرزق وأعمها فائدة، وأكثرها منفعة ومصلحة  مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا  أي أيسوا عن ذلك، فيعرفون بهذا الإنزال للمطر بعد القنوط مقدار رحمته لهم ويشكرون له ما يجب الشكر عليه، والعامة على فتح النون، وقرئ بكسرها وهي لغة، وعليها قرئ لا تقنطوا بفتح النون في المتواتر ولم يقرأ بالكسر في الماضي إلا شاذا وما مصدرية أي من بعد قنوطهم. 
 وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ  أي بركات الغيث ومنافعه في كل شيء من السهل والجبل، والنبات والحيوان، وما يحصل به من الخصب أو رحمته الواسعة المنتظمة لما ذكر انتظاما أوليا، والمراد بالرحمة المطر، فذكر المطر باسمين الغيث لأنه يغيث من الشدائد، والرحمة لأنه رأفة وإحسان. 
 وَهُوَ الْوَلِيُّ  للصالحين من عباده بالإحسان وجلب المنافع لهم ودفع الشرور عنهم  الْحَمِيدُ  المستحق للحمد منهم على إنعامه خصوصا وعموما،

### الآية 42:29

> ﻿وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَثَّ فِيهِمَا مِنْ دَابَّةٍ ۚ وَهُوَ عَلَىٰ جَمْعِهِمْ إِذَا يَشَاءُ قَدِيرٌ [42:29]

ثم ذكر سبحانه بعض آياته الدالة على كمال قدرته الموجبة لتوحيده وصدق ما وعد به من البعث فقال : وَمِنْ آَيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ  أي خلقهما على هذه الكيفية العجيبة، والصنعة الغريبة، الدالة على وجود صانع حكيم قادر، وفيه إشارة إلى ما قرر في الكلام من المسالك الأربعة في الاستدلال على وجود الصانع تعالى، وهي حدوث الجواهر، وإمكانها، وحدوث الأعراض القائمة بها، وإمكانها أيضا، وفيه إشارة أيضا إلى أن خلق السماوات والأرض من إضافة الصفة للموصوف، أي السماوات المخلوقة والأرض المخلوقة. 
 وَمَا بَثَّ فِيهِمَا مِنْ دَابَّةٍ  يجوز عطفه على خلق بتقدير مضاف، ويجوز عطفه على السماوات، وقدمه القاضي على الأول والدابة اسم لكل ما دبّ، قال الفراء أراد ما بث في الأرض دون السماء كقوله  يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ  وإنما يخرج من الملح دون العذب وقال أبو علي الفارسي : تقديره وما بث في أحدهما فحذف المضاف، قال مجاهد : يدخل في هذا الملائكة والناس، وقد قال تعالى  وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ  قال الكرخي وما جوّزه الزمخشري من أن يكون للملائكة مشي مع الطيران فيوصفون بالدبيب كما وصف به الأناسي أو يخلق الله تعالى في السماوات حيوانات يمشون فيها مشي الأناسي على الأرض بعيد من الأفهام لكونه على خلاف العرف العام ولأن الشيء إنما يكون آية إذا كان معلوما ظاهرا مكشوفا ومن ثم أهمل القاضي ذكره. 
 وَهُوَ عَلَى جَمْعِهِمْ  أي حشرهم يوم القيامة، في الضمير تغليب العاقل على غيره، لأنه راجع إلى الدابة، ولولاه لكان يقال : على جمعها  إِذَا  أي في وقت  يَشَاءُ قَدِيرٌ  والظرف متعلق بجمعهم لا بقدير، فإن المقيد بالمشيئة جمعه تعالى لا قدرته ؛ قال أبو البقاء. لأن ذلك يؤدي إلى أن يصير المعنى : وهو على جمعهم قدير إذا يشاء فتتعلق القدرة بالمشيئة وهو محال، قال شهاب الدين والسمين ولا أدري ما وجه كونه محالا على مذهب أهل السنة فإن كان يقول بقول المعتزلة وهو أن القدرة تتعلق بما لم يشأ الله تمشي كلامه ولكنه مذهب رديء لا يجوز اعتقاده.

### الآية 42:30

> ﻿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ [42:30]

وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ  من المصائب كائنة ما كانت  فَبِمَا  أي بسبب ما  كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ  من المعاصي، وما هي الشرطية، ولذا دخلت الفاء في جوابها على قراءة الجمهور، ولا يجوز حذفها عند سيبويه، وجوز الأخفش وبعض البغداديين الحذف كما في قوله  وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ  وبه قال أبو البقاء، وقيل : هي الموصولة فيكون الحذف والإثبات جائزين، والأول أولى. 
قال الزجاج : إثبات الفاء أجود لأن الفاء مجازات جواب الشرط ومن حذف الفاء فعلى أن ما في معنى الذي، والمعنى الذي أصابكم وقع بما كسبت أيديكم، وعبر بالأيدي لأن أكثر الأفعال تزاول بها وتعالج وتحصل. 
قال الحسن : المصيبة هنا الحدود على المعاصي، والأولى الحمل على العموم كما يفيده وقوع النكرة في سياق النفي، ودخول من الاستغراقية عليها قال الضحاك : ما تعلم الرجل القرآن ثم نسيه إلا بذنب، ثم قرأ هذه الآية وقال أي مصيبة أعظم من نسيان القرآن. قلت ويلحق بالقرآن نسيان السنة المطهرة. وترك العمل بها وإيثار الرأي عليها أيضا، عن علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه قال ألا أخبركم بأفضل آية في كتاب الله حدثنا بها رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ ( وما أصابكم من مصيبة الآية وسأفسرها لك يا علي ما أصابكم من مرض أو عقوبة أو بلاء في الدنيا فيما كسبت أيديكم، والله أكرم من أن يثني عليكم العقوبة في الآخرة، وما عفا الله عنه في الدنيا فالله أكرم من أن يعود بعد عفوه ). 
أخرجه أحمد وابن راهويه وابن منيع وعبد بن حميد والحكيم الترمذي وأبو يعلى وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه والحاكم، قيل : المراد بهذه المصائب الأحوال المكروهة، نحو الأوجاع والأسقام والقحط والبلاء والغرق والصواعق وغير ذلك، من الذنوب والمعاصي وتعلق بهذه الآية من يقول بالتناسخ، وقال : لو لم يكن للأطفال حالة كانوا عليها قبل هذه الحالة لما تألموا، والحق أن الآية مخصوصة بالمكلفين بالسياق والسباق. 
 وَ  هو  يَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ  أي من المعاصي التي يفعلها العباد، فلا يعاقب عليها أو عن كثير من الناس فلا يعاجلهم بالعقوبة فمعنى الآية أنه يكفر عن العبد بما يصيبه من المصائب ويعفو عن كثير من الذنوب وقد أثبت بالأدلة الصحيحة أن جميع ما يصاب به الإنسان في الدنيا يؤجر عليه أو يكفر عنه من ذنوبه وقيل هذه آية مختصة بالكافرين على معنى أن ما يصابون به بسبب ذنوبهم من غير أن يكون ذلك مكفرا عنهم لذنب ولا محصلا لثواب ويترك عقوبتهم عن كثير من ذنوبهم فلا يعاجلهم في الدنيا بل يمهلهم إلى الدار الآخرة والأولى حمل الآية على العموم، والعفو يصدق على تأخير العقوبة، كما يصدق على محو الذنب ورفع الخطأ به. 
وقال الواحدي وهذه أرجى آية في كتاب الله لأنه جعل ذنوب المؤمنين صنفين، صنف كفره عنهم بالمصائب، وصنف عفا عنه في الدنيا وهو كريم لا يرجع في عفوه، فهذه سنة الله مع المؤمنين، وأما الكافر فإنه لا يعجل له في الدنيا عقوبة ذنبه حتى يوافي به يوم القيامة، وعن أبي موسى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ( لا تصيب عبدا نكبة فما فوقها أو دونها إلا بذنب وما يعفو الله عنه أكثر، وقرأ وما أصابكم الآية ) أخرجه الترمذي وعبد بن حميد وعن عمران ابن حصين أنه دخل عليه بعض أصحابه وكان قد ابتلى في جسده فقال إنا لنبتئس لك لما نرى فيك، قال فلا تبتئس لما ترى، فإن ما ترى بذنب، وما يعفو الله عنه أكثر، ثم تلا هذه الآية إلى آخرها وعن معاوية بن أبي سفيان سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول :( ما من شيء يصيب المؤمن في جسده يؤذيه إلا كفر الله به عنه من سيئاته )، أخرجه أحمد وعن البراء قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :( ما عثرة قدم، ولا اختلاج عرق. ولا خدش عود. إلا بما قدمت أيديكم وما يعفو الله أكثر أخرجه ابن مردويه.

### الآية 42:31

> ﻿وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ ۖ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ [42:31]

وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ  أي بفائتين ما قضاه عليهم هربا في الأرض ولا في السماء لو كانوا فيها، بل ما قضاه عليهم من المصائب واقع عليهم نازل بهم  وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ  يواليكم فيمنع عنكم ما قضاه الله  وَلَا نَصِيرٍ  بنصركم من عذاب الله في الدنيا ولا في الآخرة،

### الآية 42:32

> ﻿وَمِنْ آيَاتِهِ الْجَوَارِ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلَامِ [42:32]

ثم ذكر سبحانه آية أخرى من آياته العظيمة الدالة على توحيده وصدق ما وعد به فقال : وَمِنْ آَيَاتِهِ الْجَوَارِ  بحذف الياء من الخط لأنها من يا آت الزوائد وبإثباتها وحذفها في اللفظ في كل من الوصل والوقف قراءات سبعية ؛ وهي السفن، واحدتها جارية أي سائرة  فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلَامِ  أي كالجبال جمع علم ؛ وهو الجبل ؛ قال الخليل : كل شيء مرتفع عند العرب فهو علم وقال مجاهد : الأعلام القصور واحدها علم.

### الآية 42:33

> ﻿إِنْ يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ فَيَظْلَلْنَ رَوَاكِدَ عَلَىٰ ظَهْرِهِ ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ [42:33]

إِنْ يَشَأْ  قرأ الجمهور بالهمز وقرئ بلا همز  يُسْكِنِ الرِّيحَ  قرأ الجمهور بالإفراد وقرئ بالجمع والمعنى يسكن الريح التي تجري بها السفن  فَيَظْلَلْنَ  أي السفن الجواري. العامة على فتح اللام التي هي عين الفعل ؛ وهو القياس لأن الماضي بكسرها ؛ وقرئ بكسرها ؛ وهو شاذ، وقال الزمخشري : من ظل يظل ويظل نحو ضل يضل ويضل ؛ قال الشيخ : وليس كما ذكر ؛ لأن يضل بفتح العين من ضللت بكسرها في الماضي، ويضل بالكسر من ضللت بالفتح وكلاهما مقيس يعني أن كلا منهما له أصل يرجع إليه، بخلاف ظل فإن ماضيه مكسور العين فقط، وظل هنا بمعنى صار، لأن المعنى ليس على وقت الظلول وهو النهار فقط، أفاده السمين. 
 رَوَاكِدَ  أي سواكن ثوابت وقوفا يقال ركد الماء ركودا سكن وكذلك ركدت الريح وركدت السفينة وكل ثابت في مكان فهو راكد وركد الميزان استوى، وركد القوم هدأوا والمراكد المواضع التي يركد فيها الإنسان وغيره  عَلَى ظَهْرِهِ  أي ظهر البحر لا تجري، قال ابن عباس : يتحركن ولا يجرين في البحر  إِنَّ فِي ذَلِكَ  الذي ذكر من أمر السفينة  لَآَيَاتٍ  دلالات عظيمة  لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ  أي لكل من كان كثير الصبر على البلوى كثير الشكر على النعماء، قيل الإيمان نصفان نصف صبر عن المعاصي ونصف شكر وهو الإتيان بالواجبات، وقال قطرب : الصبار الشكور الذي إذا أعطى شكر، وإذا ابتلي صبر، قال عون ابن عبد الله فكم من منعم عليه غير شاكر وكم من مبتلي غير صابر.

### الآية 42:34

> ﻿أَوْ يُوبِقْهُنَّ بِمَا كَسَبُوا وَيَعْفُ عَنْ كَثِيرٍ [42:34]

أَوْ يُوبِقْهُنَّ  أي يهلكهن بالغرق قاله ابن عباس والمراد أهلكهن يقال أوبقه أي أهلكه  بِمَا كَسَبُوا  من الذنوب، وقيل بما أشركوا والأول أولى، فإنه يهلك في البحر المشرك وغير المشرك  وَيَعْفُ عَنْ كَثِيرٍ  من أهلها بالتجاوز عن ذنوبهم ؛ فينجيهم من الغرق، قرأ الجمهور يعف بالجزم عطفا على جواب الشرط، قال القشيري، وفي هذه القراءة إشكال لأن المعنى إن يشأ يسكن الريح فتبقى تلك السفن رواكد، أو يهلكها بذنوب أهلها، فلا يحسن عطف  ويعف  على هذا لأنه يصير المعنى إن يشأ يعف، وليس المعنى ذلك بل المعنى الإخبار عن العفو من غير شرط المشيئة، فهو إذن عطف على المجزوم من حيث اللفظ، لا من حيث المعنى، وقد قرأ قوم يعفو بالرفع وهي جيدة في المعنى، قال أبو حيان : وما قاله ليس بجيد إذ لم يفهم مدلول التركيب، والمعنى ألا إنه تعالى إن يشأ أهلك ناسا وأنجى ناسا على طريق العفو عنهم، وقرئ بالنصب بإضمار إن بعد الواو.

### الآية 42:35

> ﻿وَيَعْلَمَ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِنَا مَا لَهُمْ مِنْ مَحِيصٍ [42:35]

وَيَعْلَمَ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آَيَاتِنَا  قرأ الجمهور بنصب يعلم، قال الزجاج على الصرف، قال : ومعنى الصرف صرف العطف على اللفظ إلى العطف على المعنى، قال : وذلك أنه لما لم يحسن عطف ويعلم مجزوما على ما قبله إذ يكون المعنى إن يشأ يعلم، عدل إلى العطف على مصدر الفعل الذي قبله، ولا يتأتى ذلك إلا بإضمار إن، ليكون مع الفعل في تأويل اسم، وكما قال الزجاج : قال المبرد وأبو علي الفارسي : واعترض على هذا الوجه بما لا طائل تحته، وقيل النصب على العطف على تعليل محذوف، والتقدير لينتقم منهم ويعلم واعترضه الحفناوي بأنه ترتب على الشرط إهلاك قوم ونجاة قوم، فلا يحسن تقدير لينتقم منهم. 
وقرأ نافع وابن عامر برفع يعلم على الاستئناف، أي على أنه جملة اسمية أو فعلية، فعلى كونها فعلية يكون الموصول فاعلا، وعلى كونها اسمية يكون مفعولا والفاعل ضمير مستتر يعود على مبتدأ مقدر، أي وهو يعلم الذين، وهي قراءة ظاهرة واضحة اللفظ، وقرئ بالجزم عطفا على المجزوم قبله على معنى : وإن يشأ يجمع بين الإهلاك والنجاة والتحذير. 
ومعنى قوله : مَا لَهُمْ مِنْ مَحِيصٍ  ما لهم من فرار ولا مهرب من العذاب قاله قطرب وقال السدي : مالهم من ملجأ وهو مأخوذ من قولهم : حاص به البعير حيصة إذا رمى به، ومنه قولهم، فلان يحيص عن الحق أي يميل عنه

### الآية 42:36

> ﻿فَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۖ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَىٰ لِلَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ [42:36]

ثم لما ذكر سبحانه دلائل التوحيد ذكر التنفير عن الدنيا فقال : فَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا  أي ما أعطيتم أيها الناس من الغنى والسعة في الرزق وأثاث الدنيا فإنما هو متاع قليل يتمتع به في أيام قليلة تنقضي وتذهب وتزول. 
إنما الدنيا فناء \*\*\* ليس للدنيا ثبوت
إنما الدنيا كبيتٍ \*\*\* \*\*\* نسجته العنكبوت
ثم رغبهم في ثواب الآخرة وما عند الله من النعيم المقيم فقال : وَمَا عِنْدَ اللَّهِ  من ثواب الطاعات والجزاء عليها بالجنات هو  خَيْرٌ  من متاع الدنيا  وَأَبْقَى  لأنه دائم لا ينقطع ومتاع الدنيا ينقطع بسرعة، ثم بين سبحانه لمن هذا فقال. 
 لِلَّذِينَ آَمَنُوا  أي صدقوا وعملوا على ما يوجبه الإيمان  وَعَلَى رَبِّهِمْ  لا على غيره  يَتَوَكَّلُونَ  أي يفوضون إليه أمورهم ويعتمدون عليه في كل شؤونهم، قيل :( نزلت في أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه حين تصدق بجميع ماله، ولامه الناس ).

### الآية 42:37

> ﻿وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ [42:37]

وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ  الموصول في محل جر معطوف على الذين آمنوا، أو بدل منه، أو في محل نصب على إضمار أعني، والأول أولى، والمراد الكبائر من الذنوب وقد قدمنا تحقيقها في سورة النساء، قرأ الجمهور كبائر بالجمع وقرئ كبير بالإفراد وهو يفيد مفاد كبائر لأن الإضافة للجنس كاللام، والرسم الكريم يحتمل القراءتين ؛ والفواحش هي من الكبائر، ولكنها مع وصف كونها فاحشة كأنها فوقها، وذلك كالقتل والزنا ونحو ذلك، وقال مقاتل : الفواحش موجبات الحدود ؛ وقال السدي هي الزنا فعطفها من عطف الخاص على العام، والبعض على الكل إذ الكبائر قد لا توجب الحد كالغيبة والنميمة. 
 وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ  أي يتجاوزون عن الذنب الذي أغضبهم ويكظمون الغيظ ويحملون على من ظلمهم وخص الغضب بالغفران، لأن استيلاءه على طبع الإنسان وغلبته عليه شديدة فلا يغفره عند سورة الغضب إلا من شرح الله صدره، وخصه بمزيد الحلم، ولهذا أثنى الله سبحانه عليهم بقوله في آل عمران  وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ  قال ابن زيد : جعل الله المؤمنين صنفين صنفا يعفون عن ظالمهم فبدأ بذكرهم : وصنفا ينتصرون من ظالمهم وهم الذين سيأتي ذكرهم.

### الآية 42:38

> ﻿وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَىٰ بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ [42:38]

وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ  أي أجابوه إلى ما دعاهم إليه وأقاموا ما أوجبه عليهم من فريضة الصلاة، قال ابن زيد هم الأنصار بالمدينة استجابوا إلى الإيمان بالرسول حين أنفذ إليهم اثني عشر نقيبا منهم قبل الهجرة وأقاموا الصلاة لمواقيتها بشروطها وهيئاتها قاله القرطبي، ونحوه البيضاوي. 
 وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ  أي يتشاورون فيما بينهم ولا يعجلون ولا ينفردون بالرأي، والشورى مصدر شاورته مثل البشرى والقربى، قال الضحاك : هو تشاورهم حين سمعوا بظهور رسول الله صلى الله عليه وسلم، وورد النقباء إليهم حين اجتمع رأيهم في دار أبي أيوب على الإيمان به، والنصرة له، وقيل : المراد تشاورهم في كل أمر يعرض لهم فلا يستأثر بعضهم على بعض برأي، قال ابن العربي : الشورى ألفة للجماعة، وسبار للعقول، وسبب إلى الصواب، وما تشاور قوم قط إلا هدوا، فمدح الله تعالى المشاورة في الأمور بمدح القوم الذين كانوا يمتثلون ذلك وما أحسن ما قاله بشار بن برد :إذا بلغ الرأي المشورة فاستعن  برأي نصيح أو نصيحة حازمولا تجعل الشورى عليك غضاضة  فريش الخوافي قوة للقادموقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يشاور أصحابه في أموره، وأمره سبحانه بذلك فقال : وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ  وذلك في الآراء كثير، ولم يكن يشاورهم في الأحكام لأنها منزلة من عند الله على جميع الأقسام من الفرض، والندب والمكروه والمباح والحرام، فأما الصحابة بعده صلى الله عليه وسلم فكانوا يتشاورون في الأحكام، ويستنبطونها من الكتاب والسنة، وأول ما تشاور فيه الصحابة الخلافة، فإن النبي صلى الله عليه وسلم لم ينص عليها وتشاوروا في أهل الردة، فاستقر رأي أبي بكر على القتال، وشاور عمر رضي الله عنه الهرمزان حين وفد عليه مسلما، وقد قدمنا في آل عمران كلاما في الشورى. 
 وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ  في سبيل الخير، ويتصدقون به على المحاويج،

### الآية 42:39

> ﻿وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ [42:39]

ثم ذكر سبحانه الطائفة التي تنتصر ممن ظلمها فقال : وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ  أي بغي من بغى عليهم بغير الحق  هُمْ يَنْتَصِرُونَ  أي ينتقمون من ظالمهم من غير تعد، ذكر سبحانه هؤلاء المنتصرين في معرض المدح كما ذكر المغفرة عند الغضب في معرض المدح، لأن التذلل لمن بغى ليس من صفات من جعل الله له العزة، حيث قال  ولله العزة والمؤمنين  فالانتصار عند البغي فضيلة، كما أن العفو عند الغضب فضيلة. 
قال ابن العربي ذكر الله الانتصار في البغي في معرض المدح وذكر العفو عن الجرم في موضع آخر، في معرض المدح، فاحتمل أن يكون أحدهما رافعا للآخر، أو يكون ذلك راجعا إلى حالتين إحداهما أن يكون الباغي معلنا بالفجور مؤذيا للصغير والكبير، فيكون الانتقام منه أفضل، الثانية أن يقع ذلك ممن لم يعرف بالزلة ويسأل المغفرة فالعفو ههنا أفضل، وهكذا ذكر الكيا الطبري في أحكامه. 
وقال النخعي : كانوا يكرهون أن يذلوا أنفسهم فيجترئ عليهم السفهاء والفساق، لكن هذا الانتصار مشروط بالاقتصار على ما جعله الله له وعدم مجاوزته كما بينه سبحانه عقب هذا بقوله : وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ ( ٤٠ ) .

### الآية 42:40

> ﻿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا ۖ فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ ۚ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ [42:40]

وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا  فبين سبحانه أن العدل في الانتصار هو الاقتصار على المساواة وظاهر هذا العموم، وقال مقاتل والشافعي وأبو حنيفة وسفيان إن هذا خاص بالمجروح، ينتقم من الجارح بالقصاص دون غيره وقال مجاهد والسدي هو جواب القبيح إذا قال شخص أخزاك الله يقول : أخزاك الله من غير أن يعتدي، وإذا انتصر فقد استوفى ظلامته وبرئ الأول من حقه، وبقي عليه إثم الابتداء، والإثم لحق الله تعالى، وتسمية الجزاء سيئة إما لكونها تسوء من وقعت عليه أو على طريق المشاكلة لتشابهما في الصورة. 
أخرج النسائي وابن ماجة وابن مردويه عن عائشة قالت :( دخلت عليّ زينب وعندي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأقبلت عليّ فسبتني فردعها النبي صلى الله عليه وسلم فلم تنته، فقال لي سبيها فسببتها حتى جف ريقها في فمها ووجه رسول الله صلى الله عليه وسلم يتهلل سرورا )، وأخرج أحمد ومسلم وأبو داود والترمذي وابن مردويه عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " المستبّان ما قالا من شيء فعلى البادئ حتى يعتدي المظلوم ثم قرأ  وجزاء سيئة مثلها  ". 
 فَمَنْ عَفَا  الفاء للتفريع أي إذا كان الواجب في الجزاء رعاية المماثلة من غير زيادة، وهي عسرة جدا، فالأولى العفو والإصلاح إذا كان قابلا للإصلاح، فلا يرد أنه يخالف قولهم الحلم على العاجز محمود، وعلى المتغلب مذموم، والمعنى من عفا عمن ظلمه. 
 وَأَصْلَحَ  بالعفو بينه وبين ظالمه  فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ  أي يأجره على ذلك لا محالة، وأبهم الأجر تعظيما لشأنه، وتنبيها على جلالته، قال مقاتل فكان العفو من الأعمال الصالحة، وقد بينا هذا في سورة آل عمران، والمقصود من الآية التحريض على العفو، وقد عرفت التوفيق بينه وبين الانتصار. 
أخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا كان يوم القيامة أمر الله مناديا ينادي ألا ليقم من كان له على الله أجر، فلا يقوم إلا من عفا في الدنيا، وذلك قوله فمن عفا الآية. 
وأخرج البيهقي عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ينادي مناد من كان له أجر على الله فليدخل الجنة مرتين فيقوم من عفا عن أخيه قال الله تعالى : فمن عفى الآية ثم ذكر سبحانه خروج الظلمة عن محبته التي هي سبب الفوز والنجاة فقال  إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ  يعني من يبدأ بالظلم قاله مقاتل وبه قال سعيد بن جبير وقيل : لا يحب من يتعدى في الاقتصاص. ويجاوز الحد فيه لأن المجاوزة ظلم.

### الآية 42:41

> ﻿وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَٰئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ [42:41]

وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ  مصدر مضاف إلى المفعول، أي بعد أن ظلمه الظالم واللام هي لام الابتداء وقال الحوفي وابن عطية هي لام القسم وليس بجيد بل الأول أولى، ومن هي الشرطية وجوابه  فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ  بمؤاخذة وعقوبة لأنهم فعلوا ما هو جائز لهم، وقيل من موصولة، والأول أولى. وفي القرطبي : الآية دليل على أن له يستوفي ذلك بنفسه، وهذا ينقسم ثلاثة أقسام وذكرها في حاشية الجمل لا نطول ببسطها فمحلها كتب الفقه دون التفاسير،

### الآية 42:42

> ﻿إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ ۚ أُولَٰئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ [42:42]

ولما نفى سبحانه السبيل على من انتصر بعد ظلمه بين من عليه السبيل فقال : إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ  أي يتعدون عليهم ابتداء كذا قال الأكثر، وقال ابن جريج : أي يظلمونهم بالشرك المخالف لدينهم  وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ  أي يعملون في النفوس والأموال  بِغَيْرِ الْحَقِّ  كذا قال الأكثر قيد به لأن البغي قد يكون مصحوبا بحق كالانتصار المقترن بالتعدي فيه، وقال مقاتل : بغيهم عملهم بالمعاصي، وقيل : يتكبرون ويتجبرون ؛ وقال أبو مالك : هو ما يرجوه أهل مكة أن يكون بمكة غير الإسلام دينا. 
 أُولَئِكَ  أي الذين يظلمون الناس  لَهُمْ  بهذا السبب  عَذَابٌ أَلِيمٌ  شديد الألم

### الآية 42:43

> ﻿وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَٰلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ [42:43]

ثم رغب سبحانه في الصبر والعفو فقال : وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ  كرره اهتماما بالصبر وترغيبا فيه، والصبر هنا هو الإصلاح المتقدم. فأعيد هنا وعبر عنه بالصبر، لأنه من شأن أولي العزم وإشارة إلى أن العفو المحمود ما نشأ عن التحمل، لا عن العجز، والمعنى ومن صبر على الأذى وغفر لمن ظلمه لوجه الله ولم ينتصر، وهذا فيمن ظلمه مسلم. 
ويحكى أن رجلا سب رجلا في مجلس الحسن رحمه الله فكان المسبوب يكظم ويعرق فيمسح العرق ثم قام فتلا هذه الآية، فقال الحسن عقلها والله وفهمها إذ ضيعها الجاهلون، وبالجملة العفو مندوب إليه ثم قد ينعكس في بعض الأحوال فيرجع ترك العفو مندوبا إليه كما تقدم، وذلك إذا احتيج إلى كف زيادة البغي، وقطع مادة الأذى. 
 إِنَّ ذَلِكَ  الصبر والمغفرة منه وحذف الراجع لأنه مفهوم كما حذف من قولهم السمن منوان بدرهم  لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ  قال مقاتل : أي من الأمور التي أمر الله بها، وندب إليها، أو مما ينبغي أن يوجبه العاقل على نفسه ولا يترخص في تركه قال أبو سعيد القرشي الصبر على المكاره من علامات الانتباه فمن صبر على مكروه يصيبه ولم يجزع أورثه الله تعالى حال الرضاء، وهو أجل الأحوال من جزع من المصيبات وشكا وكله الله تعالى إلى نفسه، ثم لم تنفعه شكواه. 
وقال الزجاج الصابر يؤتى بصبره ثوابا فالرغبة في الثواب أتم عزما قال ابن زيد إن هذا كله منسوخ بالجهاد، وأنه خاص بالمشركين، وقال قتادة إنه عام، وهو ظاهر النظم القرآني، وقال هنا بلام التوكيد، وفي لقمان بدونها لأن الصبر على مكروه حدث بظلم كقتل ولد أشد من الصبر على مكروه حدث بلا ظلم كموت ولد، كما أن العزم على الأول آكد منه على الثاني، وما هنا من القبيل الأول فكان أنسب بالتوكيد، وما في لقمان القبيل الثاني فكان أنسب بعدمه، أفاده الكرخي.

### الآية 42:44

> ﻿وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ وَلِيٍّ مِنْ بَعْدِهِ ۗ وَتَرَى الظَّالِمِينَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ يَقُولُونَ هَلْ إِلَىٰ مَرَدٍّ مِنْ سَبِيلٍ [42:44]

وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ  أي يخذله  فَمَا لَهُ مِنْ وَلِيٍّ مِنْ بَعْدِهِ  أي فما له من أحد يلي هدايته وينصره، وظاهر الآية العموم، وقيل هي خاصة بمن أعرض عن النبي صلى الله عليه وسلم ولم يعمل بمن دعاه إليه من الإيمان بالله والعمل بما شرعه الله والمودة في القربى، أي فمن أضله الله عن هذه الأشياء فلا يهديه هاد، قاله القرطبي والأول أولى. 
 وَتَرَى  الخطاب في الموضعين لكل من تتأتى منه الرؤية والرؤية فيهما بصرية، والجملة الواقعة بعد كل منهما حالية  الظَّالِمِينَ  أي المشركين المكذبين بالبعث  لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ  أي حين نظروا النار، وقيل نظروا ما أعده الله لهم عند الموت، واختير لفظ الماضي للتحقيق  يَقُولُونَ : هَلْ إِلَى مَرَدٍّ مِنْ سَبِيلٍ  أي هل إلى الرجعة إلى الدنيا من طريق ؟.

### الآية 42:45

> ﻿وَتَرَاهُمْ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا خَاشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ يَنْظُرُونَ مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ ۗ وَقَالَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ۗ أَلَا إِنَّ الظَّالِمِينَ فِي عَذَابٍ مُقِيمٍ [42:45]

وَتَرَاهُمْ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا  أي على النار  خَاشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ  أي ساكنين متواضعين من أجله  يَنْظُرُونَ  إليها  مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ  أي ذليل، قاله ابن عباس، ومن هي لابتداء الغاية، أي يبتدئ نظرهم إلى النار، ويجوز أن تكون تبعيضية، وقال يونس : من بمعنى الباء، أي ينظرون بطرف ضعيف من الذل والخوف، وبه قال الأخفش، والطرف الخفي الذي يخفي نظره كالمصبور ينظر إلى السيف لما لحقهم من الذل والخوف والوجل قال مجاهد : وإنما ينظرون بقلوبهم لأنهم يحشرون عميا وعين القلب طرف خفي وقال قتادة وسعيد بن جبير والسدي ومحمد بن كعب القرظي : يسارقون النظر إلى النار من شدة الخوف. 
 وَقَالَ الَّذِينَ آَمَنُوا إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ  أي إن الكاملين في الخسران هم هؤلاء الذين جمعوا بين خسران الأنفس والأهلين بتخليدهم في النار  يَوْمَ الْقِيَامَةِ  إما ظرف لخسروا فالقول في الدنيا أو لقال فالقول في القيامة، ويكون التعبير عنه بالماضي للدلالة على تحقق وقوعه قاله أبو السعود وأما خسرانهم لأنفسهم فلكونهم صاروا في النار معذبين بها، وأما خسرانهم لأهليهم فلأنهم إن كانوا معهم في النار فلا ينتفعون بهم وإن كانوا في الجنة فقد حيل بينهم وبينهم، وقيل خسران الأهل أنهم لو آمنوا لكان لهم في الجنة أهل من الحور العين. 
 أَلَا إِنَّ الظَّالِمِينَ فِي عَذَابٍ مُقِيمٍ  هذا من تمام كلام المؤمنين، أو من كلام الله سبحانه أي هم في عذاب دائم لا ينقطع

### الآية 42:46

> ﻿وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنْ أَوْلِيَاءَ يَنْصُرُونَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ ۗ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ سَبِيلٍ [42:46]

وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنْ أَوْلِيَاءَ يَنْصُرُونَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ  أي لم يكن لهم أعوان يدفعون عنهم العذاب، وأنصار ينصرونهم في ذلك الموطن من دون الله، بل هو المتصرف سبحانه ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن  وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ سَبِيلٍ  أي من طريق يسلكها إلى النجاة،

### الآية 42:47

> ﻿اسْتَجِيبُوا لِرَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ ۚ مَا لَكُمْ مِنْ مَلْجَإٍ يَوْمَئِذٍ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَكِيرٍ [42:47]

ثم أمر سبحانه عباده بالاستجابة وحذرهم فقال : اسْتَجِيبُوا لِرَبِّكُمْ  أي استجيبوا دعوته لكم إلى الإيمان به وبكتبه ورسله  مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ  أي لا يقدر أحد على رده ودفعه على معنى من قبل أن يأتي من الله يوم لا يرده أحد، ولا يرده الله بعد[(١)](#foonote-١) كالأليم بمعنى المؤلم، أي لا تجدون يومئذ منكرا لما ينزل بكم من العذاب حكاه ابن أبي حاتم، وقاله الكلبي وغيره : والأول أولى قال الزجاج. معناه أنهم لا يقدرون أن ينكروا الذنوب التي يوقفون عليها.

١ سقط من الأصل: أن حكم به على عباده ووعدهم به، والمراد به يوم القيامة، أي يوم الموت ما لكم من ملجأ يومئذ تلجأون إليه وما لكم من نكير أي إنكار، يعني بل تعترفون بذنوبكم لأنها مدونة في صحائفكم وتشهد بها عليكم جوارحكم، وقال مجاهد: ما لكم من ناصر ينصركم، وقيل: النكير بمعنى المنكر..

### الآية 42:48

> ﻿فَإِنْ أَعْرَضُوا فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا ۖ إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلَاغُ ۗ وَإِنَّا إِذَا أَذَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً فَرِحَ بِهَا ۖ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَإِنَّ الْإِنْسَانَ كَفُورٌ [42:48]

فَإِنْ أَعْرَضُوا فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا  أي حافظا تحفظ أعمالهم الصادرة عنهم حتى تحاسبهم عليها ولا موكلا رقيبا عليهم، لتقهرهم على امتثال ما أرسلناك به. 
 إِنْ  أي ما  عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلَاغُ  لما أمرت بإبلاغه وليس عليك غير ذلك، وهذا منسوخ بآية السيف، لأنه قبل الأمر بالجهاد  وَإِنَّا إِذَا أَذَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً  أي أعطيناه رخاء وصحة وغنى  فَرِحَ بِهَا  بطرا ونعم الدنيا وإن كانت عظيمة إلا أنها بالنسبة إلى سعادة الآخرة كالقطرة بالنسبة إلى البحر، فلهذا سمى الإنعام إذاقة، والمراد بالإنسان الجنس ولهذا قال :
 وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ  أي بلاء وشدة ومرض وفقر  بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ  من الذنوب وعبر بالأيدي لأن أكثر الأفعال تزاول بها  فَإِنَّ الْإِنْسَانَ كَفُورٌ  أي كثير الكفر بما أنعم به عليه من نعمه غير شكور له عليها، وهذا باعتبار غالب جنس الإنسان، ولم يقل : فإنه كفور، بل وضع الظاهر موضع المضمر ليسجل على أن هذا الجنس موسوم بكفران النعم، كما قال  إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ  والمعنى أنه يذكر البلاء وينسى النعم ويغطيها،

### الآية 42:49

> ﻿لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۚ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ ۚ يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ [42:49]

ثم ذكر سبحانه سعة ملكه ونفاذ تصرفه فقال : لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ  أي له التصرف فيهما بما يريد لا مانع لما أعطى ولا معطى لما منع، والملك بالضم الاستيلاء على الشيء والتمكن من التصرف فيه، وفي المصباح وملك على الناس أمرهم ملكا من باب ضرب إذا تولى السلطنة فهو ملك والاسم الملك بضم الميم. 
 يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ  من الخلق  يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا  بدل مفصل من مجمل أي لا ذكور معهن، قاله مجاهد والحسن والضحاك وأبو مالك وأبو عبيدة وقال ابن عباس يريد لوطا وشعيبا لأنهما لم يكن لهما إلا البنات. 
 وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ  أي لا إناث معهم، يريد إبراهيم لأنه لم يكن له إلا الذكور، قاله ابن عباس، قيل : وتعريف الذكور بالألف واللام للدلالة على شرفهم على الإناث، ويمكن أن يقال إن التقديم للإناث قد عارض ذلك فلا دلالة في الآية على المفاضلة، بل هي مسوقة لمعنى آخر، وقد دل على شرف الذكور قوله سبحانه :
 الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ  وغير ذلك من الأدلة الدالة وعلى شرف الذكور على الإناث، وقيل : تقديم الإناث لكثرتهن بالنسبة إلى الذكور. وقيل : لتطيب قلوب آبائهن، وقيل لغير ذلك مما لا حاجة إلى التطويل بذكره، أخرج ابن مردويه وابن عساكر عن وائلة بن الأسقع عن النبي صلى الله عليه وسلم قال :( من بركة المرأة ابتكارها بالأنثى لأن الله قال : يهب لمن يشاء إناثا ) الخ.

### الآية 42:50

> ﻿أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا ۖ وَيَجْعَلُ مَنْ يَشَاءُ عَقِيمًا ۚ إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ [42:50]

أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا  أي يقرن بين الإناث والذكور، ويجعلهم أزواجا فيهبهما جميعا لبعض خلقه يريد محمدا صلى الله عليه وسلم فإنه كان له من البنين ثلاثة على الصحيح، القاسم وعبد الله وإبراهيم، ومن البنات أربع زينب ورقية وأم كلثوم وفاطمة، قاله ابن عباس قال مجاهد. هو أن تلد المرأة غلاما ثم تلد جارية، ثم تلد غلاما، ثم تلد جارية. وقال محمد بن الحنفية : هو أن تلد توأما غلاما وجارية، وقال القتيبي التزويج هنا هو الجمع بين البنين والبنات، تقول العرب : زوجت إبلي إذا جمعت بين الصغار والكبار، ومعنى الآية أوضح من أن يختلف في مثله، فإنه سبحانه أخبر أنه يهب لبعض خلقه إناثا ويهب لبعض خلقه ذكورا ويجمع لبعض بين الذكور والإناث. 
 وَيَجْعَلُ مَنْ يَشَاءُ عَقِيمًا  لا يولد له ذكر ولا أنثى، والعقيم الذي لا يولد له يريد يحيى وعيسى، قاله ابن عباس، وقال أكثر المفسرين : هذا على وجه التمثيل، وإنما الحكم عام في كل الناس، لأن المقصود بيان نفاذ قدرة الله تعالى في تكوين الأشياء كيف يشاء، فلا معنى للتخصيص، يقال رجل عقيم، وامرأة عقيم، وعقمت المرأة تعقم عقما، وأصله القطع، ويقال : نساء عقمّ وعقماء  إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ  أي بليغ العلم عظيم القدرة.

### الآية 42:51

> ﻿۞ وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ ۚ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ [42:51]

وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ  أي ما صح لفرد من أفراد البشر  أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ  بوجه من الوجوه  إِلَّا وَحْيًا  بأن يوحي إليه فيلهمه في المنام، ويقذف في قلبه ذلك، قال مجاهد : نفث ينفث في قلبه فيكون إلهاما منه كما أوحى إلى أم موسى وإلى إبراهيم في ذبح ولده، والوحي الإشارة والرسالة والكتابة، وكل ما ألقيته إلى غيرك ليعلمه وحي، كيف كان، قاله ابن فارس، وهو مصدر وحي إليه يحي من باب وعي، وأوحى إليه بالألف مثله، ثم غلب استعمال الوحي فيما يلقى إلى الأنبياء من عند الله تعالى، ولغة القرآن الفاشية أوحى بالألف. 
 أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ  كما كلم موسى يريد أن كلامه يسمع من حيث لا يرى، وهو تمثيل بحال الملك المحتجب الذي يكلم خواصه من وراء حجاب قال ابن عباس في الآية إلا أن يبعث ملكا يوحي إليه من عنده، أو يلهمه فيقذف في قلبه. أو يكلمه من وراء حجاب، وقيل : المراد به أن السامع محجوب عن الرؤية في الدنيا. 
 أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا  أي ملكا  فَيُوحِي  ذلك الملك إلى الرسول من البشر  بِإِذْنِهِ  أي بأمر الله وتيسيره  مَا يَشَاءُ  أن يوحي إليه، قال الزجاج : المعنى أن كلام الله للبشر إما أن يكون بإلهام يلهمهم أو يكلمهم من وراء حجاب كما كلم موسى، أو برسالة ملك إليهم، وتقدير الكلام ما كان لبشر أن يكلمه الله إلا أن يوحي وحيا أو يكلمه من وراء حجاب، أو يرسل رسولا، ومن قرأ يرسل رفعا أراد وهو يرسل فهو ابتداء واستئناف لها. 
وقرأ الجمهور بنصب يرسل وبنصب فيوحي على تقدير أن، وتكون أن وما دخلت عليه معطوفين على  وحيا  وحيا في محل الحال، والتقدير : إلا موحيا أو مرسلا ولا يصح عطف أو  يرسل  على أن  يكلمه  لأنه يصير التقدير : وما كان لبشر أن يرسل الله رسولا، وهو فاسد لفظا ومعنى. وقد قيل في توجيه قراءة الجمهور غير هذا مما لا يخلو عن ضعف، وقرئ بالرفع وكذلك فيوحي بإسكان الياء على أنه خبر مبتدأ محذوف، والتقدير أو هو يرسل، كما قال الزجاج وغيره. 
وجملة  إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ  تعليل لما قبلها أي متعال عن صفات النقص، حكيم في كل أحكامه، قال المفسرون سبب نزول هذه الآية أن اليهود قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم. ألا تكلم الله وتنظر إليه إن كنت نبيا كما كلمه موسى فنزلت.

### الآية 42:52

> ﻿وَكَذَٰلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا ۚ مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَٰكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا ۚ وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَىٰ صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ [42:52]

وَكَذَلِكَ  أي كالوحي الذي أوحينا إلى الأنبياء قبلك  أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا  المراد به القرآن قاله ابن عباس، وقيل النبوة، قال مقاتل يعني الوحي بأمرنا ومعناه القرآن لأنه يهتدي به ففيه حياة من موت الكفر، وقيل : من تبعيضية لأن الموحى إليه لا ينحصر في القرآن، وقيل : المراد به الرحمة، وقيل جبريل، ثم ذكر سبحانه صفة رسوله قبل أو يوحي إليه فقال :
 مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ  أي : أيّ شيء هو لأنه صلى الله عليه وسلم كان أميا لا يقرأ ولا يكتب، وذلك أدخل في الإعجاز، وأدل على صحة نبوته، ومعنى  وَلَا الْإِيمَانُ  أنه كان صلى الله عليه وسلم لا يعرف تفاصيل الشرائع ومعالمها، ولا يهتدي على معانيها، كالصلاة والصوم والزكاة والختان وإيقاع الطلاق والغسل من الجنابة، وتحريم ذوات المحارم بالقرابة والصهر، وهذا هو الحق وخص الإيمان لأنه رأسها وأساسها، وقيل أراد بالإيمان هنا الصلاة، قال بهذا جماعة من أهل العلم، منهم إمام الأئمة محمد بن إسحق بن خزيمة واحتج بقوله تعالى :
 وما كان اللّهُ لِيُضِيع إِيمانكُمْ  يعني الصلاة، فسماها إيمانا، وذهب جماعة إلى أن الله لم يبعث نبيا إلا وقد كان مؤمنا به، وقالوا معنى الآية ما كنت تدري قبل الوحي كيف تقرأ القرآن ؟ ولا كيف تدعو الخلق إلى الإيمان ؟ وقيل كان هذا قبل البلوغ حين كان طفلا وفي المهد. 
وقال الحسين بن الفضل إنه على حذف المضاف، أي ولا أهل الإيمان، وقيل المراد بالإيمان، دين الإسلام، وقيل الإيمان هنا عبارة عن الإقرار بكل ما كلف الله به العباد، وقال الكواشي ويجوز أن يراد بالإيمان نفس الكتاب وهو القرآن وعطف عليه لاختلاف لفظيهما أي ما كنت تعرف القرآن وما فيه من الأحكام، ويدل على هذا التأويل توحيد الضمير في جعلناه، وقيل المراد بالإيمان الكلمة التي بها دعوة الإيمان والتوحيد، وهي لا إله إلا الله محمد رسول الله، والإيمان بهذا التفسير إنما علمه بالوحي لا بالعقل، قاله الكرخي. 
وعن علي قال :( قيل لمحمد صلى الله عليه وسلم هل عبدت وثنا قط ؟ قال : لا قالوا فهل شربت خمرا قط ؟ قال : لا، وما زلت أعرف أن الذي هم عليه كفر، وما كنت أدري ما الكتاب ولا الإيمان ؟ وبذلك نزل القرآن ).  مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ  [(١)](#foonote-١)
 وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا  أي جعلنا الروح الذي أوحيناه إليك ضياء ودليلا على التوحيد والإيمان  نَهْدِي بِهِ  المراد به الهداية الموصلة بدليل قوله  مَنْ نَشَاءُ  هدايته  مِنْ عِبَادِنَا  ونرشده إلى الدين الحق  وَإِنَّكَ لَتَهْدِي  أي كل مكلف فالهداية فيه أعم من التي قبلها قرأ الجمهور لتهدي على البناء للفاعل وقرئ على البناء للمفعول، وقرئ بضم التاء وكسر الدال من أهدى، وفي قراءة أبيّ وإنك لتدعو  إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ  قال قتادة والسدي ومقاتل : وإنك لتدعو إلى الإسلام فهو الصراط المستقيم. 
١ زاد الميسر ٢٩٩..

### الآية 42:53

> ﻿صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ ۗ أَلَا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ [42:53]

ثم بين الصراط المستقيم بقوله : صِرَاطِ اللَّهِ  بدل من الأول بدل المعرفة من النكرة وفي هذه الإضافة للصراط إلى الاسم الشريف من التعظيم له والتفخيم لشأنه مالا يخفى  الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ  ملكا وخلقا وعبيدا والمعنى أنه المالك لذلك، والمتصرف فيه. 
 أَلَا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ  أي ترجع  الْأُمُورُ  يوم القيامة لا إلى غيره، أي جميع أمور الخلائق بارتفاع الوسائط والتعلقات وعلى هذا المضارع على ظاهره، وقيل : المراد بهذا المضارع الديمومة كقولك زيد يعطي ويمنع أي من شأنه ذلك وليس المراد حقيقة المستقبل لأن الأمور منوطة به تعالى كل وقت وفيه وعيد بالبعث المستلزم للمجازاة ووعد بنعيم الجنات فيثيب المحسن ويعاقب المسيء. 
قال سهيل بن أبي الجعد : احترق مصحف ولم يبق منه إلا قوله  أَلَا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ  وغرق مصحف فانمحى كله إلا قوله ذلك والله أعلم القرطبي.

## روابط ذات صلة

- [النص القرآني للسورة](https://quranpedia.net/surah/1/42.md)
- [كل تفاسير سورة الشورى
](https://quranpedia.net/surah-tafsir/42.md)
- [ترجمات سورة الشورى
](https://quranpedia.net/translations/42.md)
- [صفحة الكتاب: فتح البيان في مقاصد القرآن](https://quranpedia.net/book/400.md)
- [المؤلف: صديق حسن خان](https://quranpedia.net/person/12782.md)

---

زُر [Quranpedia.net](https://quranpedia.net/surah/1/42/book/400) — موسوعة القرآن الكريم: التفاسير، الترجمات، التلاوات، والمواضيع.
