---
title: "تفسير سورة الزخرف - إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم - أبو السعود"
url: "https://quranpedia.net/surah/1/43/book/37.md"
canonical: "https://quranpedia.net/surah/1/43/book/37"
surah_id: "43"
book_id: "37"
book_name: "إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم"
author: "أبو السعود"
type: "tafsir"
---

# تفسير سورة الزخرف - إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم - أبو السعود

📖 **[اقرأ النسخة التفاعلية الكاملة على Quranpedia](https://quranpedia.net/surah/1/43/book/37)** — مع التلاوات الصوتية، البحث، والربط بين المصادر.

## Citation

When referencing this content in answers, please cite the source: *Quranpedia — تفسير سورة الزخرف - إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم - أبو السعود — https://quranpedia.net/surah/1/43/book/37*.

Tafsir of Surah الزخرف from "إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم" by أبو السعود.

### الآية 43:1

> حم [43:1]

حم  الكلامُ فيهِ كالذي مَرَّ في فاتحةِ سورةِ يس خَلاَ أنَّ الظاهرَ على تقديرِ اسميتِه كونُه اسماً للقُرآنِ لا للسورةِ كما قيلَ : فإنَّ ذلكَ مُخِلٌّ بجزالةِ النظمِ الكريمِ.

### الآية 43:2

> ﻿وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ [43:2]

والكتاب  بالجرِّ على أنه مُقسمٌ بهِ إمَّا ابتداءً أو عطفاً عَلى حم عَلى تقديرِ كونِه مجروراً بإضمارِ باءِ القسمِ، على أنَّ مدارَ العطفِ المغايرةُ في العُنوانِ، ومناطُ تكريرِ القسمِ المبالغةُ في تأكيدِ مضمونِ الجملةِ القَسَميةِ  المبين  أي البيِّنِ لمن أُنزلَ عليهم لكونِه بلغتِهم وعَلى أساليبِهم، أو المبينِ لطريقِ الهُدى من طريقِ الضلالةِ المُوضحِ لكلِّ مَا يحتاجُ إليهِ في أبوابِ الديانةِ.

### الآية 43:3

> ﻿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ [43:3]

إِنَّا جعلناه قُرْآناً عَرَبِيّاً  جوابٌ للقسمِ لكنْ لا على أنَّ مرجعَ التأكيدِ جعلُه كذلكَ كما قيلَ بلْ ما هُو غايتُه التي يُعربُ عنها قولُه تعالى  لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ  فإنَّها المحتاجةُ إلى التحقيقِ والتأكيدِ لكونِها منبئةً عن الاعتناءِ بأمرِهم وإتمام النعمةِ عليهم وإزاحةِ أعذارِهم، أي جعلنَا ذلكَ الكتابِ قُرآناً عربياً لكي تفهمُوه وتحيطُوا بما فيهِ من النظمِ الرائقِ والمَعْنى الفائقِ واتقفُوا على ما يتضمنُّه من الشواهدِ الناطقةِ بخروجِه عن طوقِ البشرِ وتعرفُوا حقَّ النعمةِ في ذلك وتنقطعَ أعذارُكم بالكليةِ.

### الآية 43:4

> ﻿وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ [43:4]

وَإِنَّهُ فِي أُمّ الكتاب  أي في اللوحِ المحفوظِ، فإنَّه أصلُ الكتبِ السماويةِ. وقُرِئَ إِمِّ الكتابِ بالكسرِ  لَدَيْنَا  أي عندنَا  لعَلّي  رفيعٌ القدرِ بينَ الكتبِ شريفٌ.  حَكِيمٌ  ذُو حَكمةٍ بالغةٍ، أو محكمٌ وهُما خبرانِ لإنَّ وما بينهُمَا بيانٌ لمحلِّ الحكمِ، كأنَّه قيلَ بعدَ بيانِ اتصافِه بما ذُكِرَ منَ الوصفينِ الجليلينِ : هذا في أمِّ الكتابِ ولدينَا. والجملةُ إمَّا عطفٌ على الجملةِ المقسمِ عليها، داخلةٌ في حُكمها ففي الإقسامِ بالقرآنِ على علوِّ قدرِه عندَهُ تعالَى براعةٌ بديعةٌ وإيذانٌ بأنَّه من عُلِّو الشأنِ بحيثُ لا يحتاجُ في بيانِه إلى الاستشهادِ عليهِ بالإقسامِ بغيرهِ بل هُو بذاتِه كافٍ في الشهادةِ على ذلكَ من حيثُ الإقسامُ بهِ كَما أنَّه كافٍ فيها من حيثُ إعجازُه ورمزٌ إلى أنَّه لا يخطرُ بالبالِ عند ذكرِه شيءٌ آخرُ منه بالإقسامِ به. وإمَّا مستأنفةٌ مقررةٌ لعلوِّ شأنِه الذي أنبأَ عنه الإقسامُ به على منهاجِ الاعتراضِ في قولِه تعالى : وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ  \[ سورة الواقعة، الآية ٦٧ \] وبعدما بيَّنَ علوَّ شأنِ القرآنِ العظيمِ وحققَ أنَّ إنزالَهُ على لغتِهم ليعقلوه ويؤمنوا به ويعملوا بموجبِه عقَّبَ ذلكَ بإنكارِ أنْ يكونَ الأمرُ بخلافهِ فقيلَ  أَفَنَضْرِبُ عَنكُمُ الذكر .

### الآية 43:5

> ﻿أَفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا أَنْ كُنْتُمْ قَوْمًا مُسْرِفِينَ [43:5]

أَفَنَضْرِبُ عَنكُمُ الذكر  أي ننحّيهِ ونُبعدُه عنكم. مجازٌ من قولِهم : ضربُ الغرائبِ عن الحوضِ، وفيه إشعارٌ باقتضاءِ الحكمةِ توجُّهَ الذكر إليهم وملازمتَه لهم كأنَّه يتهافتُ عليهم. والفاءُ للعطفه على محذوفٍ يقتضيِه المقامُ أي أنهملكُم فننحِّى الذكرَ عنكُم  صَفْحاً  أي إعراضاً عنكم على أنه مفعولٌ له للمذكورِ أو مصدرٌ مؤكدٌ لما دَلَّ هو عليهِ فإن التنحيةَ منبئةُ عن الصفحِ والإعراضِ قطعاً كأنَّه قيلَ : أفنصفحُ عنكُم صفحاً أو بمَعْنى الجانبِ فينتصبُ على الظرفيةِ أي أفننحيهِ عنكُم جانباً  أَن كُنتُمْ قَوْماً مُّسْرِفِينَ  أي لأنْ كنتُم منهمكينَ في الإسرافِ مصرِّينَ عليهِ عَلى مَعْنى إنَّ حالَكُم وإنِ اقتَضَى تخليتَكُم وشأنَكُم حتَّى تموتُوا على الكفرِ والضلالةِ وتبقوا في العذابِ الخالدِ لكنا لسعةِ رحمتِنا لا نفعلُ ذلكَ بلْ نهديكُم إلى الحقِّ بإرسالِ الرسولِ الأمينِ وإنزالِ الكتابِ المبينِ. 
وقُرِئ بالكسرِ على أنَّ الجملةَ شرطيةٌ مخرِجةٌ للمحققِ مُخرجَ المشكوكِ لاستجهالِهم، والجزاءُ محذوفٌ ثقةً بدلالةِ ما قبلَهُ عليه.

### الآية 43:6

> ﻿وَكَمْ أَرْسَلْنَا مِنْ نَبِيٍّ فِي الْأَوَّلِينَ [43:6]

وقولُه تعالَى : وَكَمْ أَرْسَلْنَا مِن نبِي فِي الأولين \* وَمَا يَأْتِيهِم من نبِي إِلاَّ كَانُوا بِهِ  تقريرٌ لما قبلَه ببيانِ أنَّ إسرافَ الأممِ السالفةِ لم يمنعْهُ تعالى من إرسالِ الأنبياءِ إليهم، وتسليةٌ لرسولِ الله صلى الله عليه وسلم عن استهزاءِ قومِه به.

### الآية 43:7

> ﻿وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ [43:7]

_لا يوجد تفسير لهذه الآية في هذا الكتاب._

### الآية 43:8

> ﻿فَأَهْلَكْنَا أَشَدَّ مِنْهُمْ بَطْشًا وَمَضَىٰ مَثَلُ الْأَوَّلِينَ [43:8]

وقولُه تعالى  فَأَهْلَكْنَا أَشَدَّ مِنْهُم بَطْشاً  أي من هؤلاءِ المسرفينَ، عِدَةٌ له عليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، ووعيدٌ لهم بمثلِ ما جَرَى على الأولينَ، ووصفُهم بأشدِّيَّة البطشِ لإثباتِ حكمِهم لهؤلاءِ بطريقِ الأولويةِ.  ومضى مَثَلُ الأولين  أي سلَف في القُرآنِ غيرَ مرةٍ ذكرُ قِصَّتِهم التي حقُّها أن تسيرَ مسيرَ المثلِ.

### الآية 43:9

> ﻿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ [43:9]

وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ منْ خَلَقَ السماوات والأرض لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ العزيز العليم  أي ليُسنِدُنَّ خلقَها إلى مَنْ هذا شأنُه في الحقيقةِ وفي نفسِ الأمرِ، لا أنَّهم يُعبِّرونَ عنه بهذا العُنوانِ. وسلوكُ هذه الطريقةِ للإشعارِ بأنَّ اتصافَهُ تعالى بَما سُردَ من جلائلِ الصفاتِ والأفعالِ وبما يستلزمُه ذلكَ من البعثِ والجزاءِ أمرٌ بينٌ لا ريبَ فيهِ وأنَّ الحجةَ قائمةٌ عليهم شاؤُا أو أبَوا. وقد جُوِّزَ أن يكونَ ذلك عينَ عبارتِهم.

### الآية 43:10

> ﻿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْدًا وَجَعَلَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلًا لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ [43:10]

وقوله تعالى  الذي جَعَلَ لَكُمُ الأرض مَهْداً  استئنافٌ من جهتِه تعالى أي بسَطَها لكُم تستقرُّونَ فيها.  وَجَعَلَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلاً  تسلكونَها في أسفارِكم  لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ  أي لكيْ تهتدُوا بسلوكِها إلى مقاصدِكم أو بالتفكُّر فيها إلى التوحيد الذي هُو المقصدُ الأصليُّ.

### الآية 43:11

> ﻿وَالَّذِي نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَنْشَرْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا ۚ كَذَٰلِكَ تُخْرَجُونَ [43:11]

والذي نَزَّلَ مِنَ السماء مَاء بِقَدَرٍ  بمقدارٍ تقتضيه مشيئتُه المبنيةُ على الحِكَمِ والمصالحِ.  فَأَنشَرْنَا بِهِ  أي أحيينَا بذلكَ الماءِ  بَلْدَةً ميْتاً  خالياً عن النماءِ والنباتِ بالكُلِّيةِ. وقُرئ مَيِّتَا بالتشديدِ. وتذكيرُه لأنَّ البلدةَ في مَعْنى البلدِ والمكانِ. والالتفاتُ إلى نونِ العظيمةِ لإظهارِ كمالِ العنايةِ بأمرِ الإحياءِ، والإشعارِ بعِظَمِ خطرِه  كذلك  أي مثلَ ذلك الإحياءِ الذي هو في الحقيقةِ إخراجُ النباتِ من الأرضِ  تُخْرَجُونَ . أي تُبعثونَ من قبورِكم أحياءً. وفي التعبيرِ عن إخراجِ النباتِ بالإنشارِ الذي هُو إحياءُ المَوتى وعن إحيائِهم بالإخراجِ تفخيمٌ لشأنِ الإنباتِ وتهوينٌ لأمرِ العبثِ لتقويمِ سننِ الاستدلالِ وتوضيحِ منهاجِ القياسِ.

### الآية 43:12

> ﻿وَالَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِ وَالْأَنْعَامِ مَا تَرْكَبُونَ [43:12]

والذي خَلَقَ الأزواج كُلَّهَا  أي أصنافَ المخلوقاتِ. وعن ابنِ عبَّاسٍ رضيَ الله عنهُمَا الأزواجُ : الضروبُ والأنواعُ كالحُلو والحامضِ والأبيضِ والأسودِ والذكرِ والأُنْثى. وقيلَ : كلُّ ما سِوَى الله تعالى فهو زوجٌ كالفوقِ والتحتِ واليمينِ واليسار إلى غيرِ ذلكَ.  وَجَعَلَ لَكُمْ منَ الفلك والأنعام مَا تَرْكَبُونَ  أي ما تركبونَهُ تغليباً للأنعامِ على الفلكِ فإن الركوبَ متعدٍ بنفسهِ، واستعمالُه في الفُلكِ ونحوِها بكلمةِ فِي للرمزِ إلى مكانيَّتِها وكونِ حركتِها غيرَ إراديةٍ كما مرَّ في سورةِ هودٍ عندَ قولِه تعالَى : وقال اركبوا فِيهَا  \[ سورة هود، الآية ٤١ \].

### الآية 43:13

> ﻿لِتَسْتَوُوا عَلَىٰ ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ وَتَقُولُوا سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَٰذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ [43:13]

لِتَسْتَوُوا على ظُهُورِهِ  أي لتستعلُوا على ظهورِ ما تركبونَهُ من الفُلكِ والأنعامِ، والجمعُ باعتبارِ المَعْنى  ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبكُمْ إِذَا استويتم عَلَيْهِ  أي تذكرُوها بقلوبِكم معترفينَ بها مستعظمينَ لها، ثم تحمَدوا عليها بألسنتِكم.  وَتَقُولُوا سبحان الذي سَخَّرَ لَنَا هذا  مُتعجِّبينَ من ذلكَ، كمَا يُروي عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم أنه كانَ إذا وضعَ رجلَهُ في الركابِ قال :**«بسم الله فإذَا استوَى على الدابةِ قال الحمدُ لله على كلِّ حالٍ سُبحانَ الذي سخَّرَ لنا هَذا إلى قولِه تعالى  لمنقلبونَ [(١)](#foonote-١) وكبَّر ثلاثاً وهللَّ ثلاثاً »**  وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ  أي مُطيقينَ من أقرنَ الشيءَ إذا أطاقَهُ وأصلُه وجدُه قرينتَه لأن الصعْبَ لا يكونُ قرينةً للضعيفِ. وقُرئ بالتشديدِ، والمَعْنى واحدٌ. وهذا من تمامِ ذكرِ نعمتِه تعالى إذ بدونِ اعترافِ المنعمِ عليه بالعجزِ عن تحصيلِ النعمةِ، لا يعرفُ قدرَها ولا حق المنعمِ بها. 
١ أخرجه أبو داود في كتاب الجهاد باب (٧٢، ٧٤) والترمذي في كتاب الدعوات باب (٤٦)..

### الآية 43:14

> ﻿وَإِنَّا إِلَىٰ رَبِّنَا لَمُنْقَلِبُونَ [43:14]

وَإِنَّا إلى رَبّنَا لَمُنقَلِبُونَ  أي راجعونَ وفيهِ إيذانٌ بأنَّ حقَّ الراكبِ أنْ يتأملَ فيما يُلابسُه من المسيرِ ويتذكَر منه المسافرةَ العُظْمى التي هيَ الانقلابُ إلى الله تعالى فيبنِى أمورَهُ في مسيرِه ذلكَ على تلكَ الملاحظةِ ولا يخطرُ ببالِه في شيءٍ مما يأتِي ويذرُ أمراً ينافيها ومن ضرورتِه أن يكون ركوبُه لأمرٍ مشروعٍ.

### الآية 43:15

> ﻿وَجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبَادِهِ جُزْءًا ۚ إِنَّ الْإِنْسَانَ لَكَفُورٌ مُبِينٌ [43:15]

وَجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبَادِهِ جُزْءاً  متصلٌ بقولِه تعالى ولئِن سألتَهُم. الخ أيْ وقد جعلُوا له سبحانَهُ بألسنتِهم واعتقادِهم بعد ذلكَ الاعترافِ من عبادِه ولداً وإنَّما عبَّر عنهُ بالجُزءِ لمزيدِ استحالتهِ في حقِّ الواحدِ الحقِّ من جميعِ الجهاتِ. وقُرِئ جُزُؤا بضمَّتينِ.  إِنَّ الإنسان لَكَفُورٌ مُّبِينٌ  ظاهرُ الكُفرانِ مبالغٌ فيهِ ولذلكَ يقولونَ ما يقولونَ، سبحانَ الله عمَّا يصفونَ.

### الآية 43:16

> ﻿أَمِ اتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ بَنَاتٍ وَأَصْفَاكُمْ بِالْبَنِينَ [43:16]

أَمِ اتخذ مِمَّا يَخْلُقُ بَنَاتٍ  أَمْ منقطعةٌ وما فيها من مَعْنى بَلْ للانتقالِ من بيانِ بطلانِ جَعْلِهم لهُ تعالى ولداً على الإطلاقِ إلى بيانِ بُطلانِ جعلِهم ذلكَ الولدَ من أخسَّ صنفيهِ. والهمزةُ للإنكارِ والتوبيخِ والتعجيبِ من شأنِهم. وقولُه تعالى  وأصفاكم بالبنين  إما عطفٌ على اتخذَ داخلٌ في حُكْمِ الإنكارِ والتعجيبِ أو حالٌ من فاعلِه بإضمارِ قَدْ أو بدونِه على الخلافِ المشهورِ. والالتفاتُ إلى خطابِهم لتأكيدِ الإلزامِ وتشديدِ التوبيخِ أي بلْ أتخذَ من خلقِه أخسَّ الصنفينِ واختارَ لكم أفضلَهُما : على مَعْنى هَبُوا أنكم اجترأتُم على إضافةِ اتخاذِ جنسِ الولدِ إليه سُبحانَهُ مع ظهورِ استحالتِه وامتناعِه أما كانَ لكم شيءٌ من العقلِ ونُبذٌ من الحياءِ حتى اجترأتُم على التفوهِ بالعظيمةِ الخارقةِ للعقولِ من ادعاءِ أنَّه تعالى آثركُم على نفسِه بخيرِ الصنفينِ وأعلاهُما وتركَ له شرَّهُما وأدناهُما. وتنكيرُ بناتِ وتعريفُ البنينَ لتربيةِ ما اعتُبرَ فيهما من الحقارةِ والفخامةِ.

### الآية 43:17

> ﻿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِمَا ضَرَبَ لِلرَّحْمَٰنِ مَثَلًا ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ [43:17]

وَإِذَا بُشرَ أَحَدُهُم بِمَا ضَرَبَ للرحمن مَثَلاً  الخ استئنافٌ مقررٌ لما قبلَهُ، وقيلَ حالٌ على مَعنْى أنَّهم نسبُوا إليه ما ذُكِرَ ومن حالِهم أنَّ أحدَهُم إذَا بُشِّرَ بهِ اغتمَّ. والالتفاتُ للإيذانِ باقتضاءِ ذكرِ قبائِحهم أنْ يُعرضَ عنهم وتُحكَى لغيرِهم تعجيباً منها أيْ إذَا أخبرَ أحدُهم بولادةِ ما جعلَه مثلاً له سُبحانَه إذِ الولدُ لا بُدَّ أنْ يجانسَ الوالدَ ويماثلَهُ  ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدّاً  أي صارَ أسودَ في الغايةِ من سوءِ ما بُشِّرَ به  وَهُوَ كَظِيمٌ  مملوءٌ من الكربِ والكآبةِ. والجملةُ حالٌ وقُرِئ مُسودُّ ومُسوادٌّ، على أنَّ في ظَلَّ ضميرُ المبشِّرِ، ووجهُهُ مسودٌّ جملةٌ وقعتْ خبراً لهُ.

### الآية 43:18

> ﻿أَوَمَنْ يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ [43:18]

أَوْ مِن يُنَشأُ فِي الحلية  تكريرٌ للإنكارِ، وتثنية للتوبيخِ. ومَنْ منصوبةٌ بمضمرِ معطوفٍ على جعلُوا أي أو جعلُوا مَنْ شأنُهُ أنْ يُربَّى في الزينةِ وهُو عاجزٌ عنْ أنْ يتولَّى أمره بنفسهِ، فالهمزةُ لإنكارِ الواقعِ واستقباحِه، وقد جُوِّزَ انتصابُها بمضمرٍ معطوفٍ على اتخذَ فالهمزةُ حينئذٍ لإنكارِ الوقوعِ واستبعادِه، وإقحامُها بين المعطوفينِ لتذكيرِ ما في أمِ المنقطعةِ من الإنكارِ وتأكيدهِ. والعطفُ للتغايرِ العُنوانِي أيْ أوَ اتخذَ من هذهِ الصفةِ الذميمةِ صفتَهُ  وَهُوَ  مع ما ذُكِرَ من القصورِ  فِي الخصام  أي الجدالِ الذي لا يكادُ يخلُو عنه الإنسانُ في العادةِ  غَيْرُ مُبِينٍ  غيرُ قادرٍ على تقريرِ دعواهُ وإقامةِ حُجَّتِه لنقصانِ عقلِه وضعفِ رأيه. وإضافةُ غيرُ لا تمنعُ عملَ ما بعدَهُ في الجارِّ المتقدمِ لأنَّه بمعْنى النَّفي. وقُرِئ ينُشأُ، ويُنَاشَأُ من الإفعالِ والمفاعلةِ والكلُّ بمَعْنى واحدٍ، ونظيرُه غَلاهُ وأغلاهُ وغالاهُ.

### الآية 43:19

> ﻿وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَٰنِ إِنَاثًا ۚ أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ ۚ سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ [43:19]

وَجَعَلُوا الملائكة الذين هُمْ عِبَادُ الرحمن إناثا  بيانٌ لتضمن كفرِهم المذكورِ لكفرٍ آخرَ، وتقريعٌ لهم بذلكَ وهو جعلُهم أكملَ العبادِ وأكرمَهم على الله عزَّ وجلَّ أنقصَهُم رأياً وأخسَّهُم صِنفاً. وقُرِئ عبيدُ الرحمنِ، وقُرِئ عبد الرحمن على تمثيل زلفاهم، وقرئ أُنُثاً وهُو جمعُ الجمعِ.  أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ  أي أحضرُوا خلقَ الله تعالى إيَّاهم فشاهدُوهم إناثاً حتى يحكموا بأنوثتِهم، فإنَّ ذلكَ مما يُعلم بالمشاهدةِ، وهو تجهيلٌ لهُم وتهكُّمٌ بهم. وقُرِئ أَأَشهِدُوا بهمزتينِ مفتوحةٍ ومضمومةٍ وآأُشهدوا بألفٍ بنيهُما.  سَتُكْتَبُ شهادتهم  هذه في ديوانِ أعمالِهم  وَيُسْألُونَ  عنها يومٍ القيامةِ. وقُرِئ سيكتُبُ وسنكتبُ بالياءِ والنونِ. وقُرئ شهاداتُهم. وهيَ قولُهم إنَّ لله جزءاً وإن له بناتٍ وأنها الملائكةُ. وقُرِئ يُساءلونَ من المساءلةِ للمبالغةِ.

### الآية 43:20

> ﻿وَقَالُوا لَوْ شَاءَ الرَّحْمَٰنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ ۗ مَا لَهُمْ بِذَٰلِكَ مِنْ عِلْمٍ ۖ إِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ [43:20]

وَقَالُوا لَوْ شَاء الرحمن مَا عبدناهم  بيانٌ لفنَ آخرَ من كُفرِهم، أيْ لو شاءَ عدمَ عبادتِنا للملائكةِ مشيئَةَ ارتضاءٍ ما عبدناهُم أرادُوا بذلكَ بيانَ أنَّ ما فعلُوه حقٌّ مرضيٌّ عندَهُ تعالى وأنَّهم إنَّما يفعلُونه بمشيئتهِ تعالى إياه منهُم مع اعترافِهم بقبحهِ حتى ينتهضَ ذمُّهم به دليلاً للمعتزلةِ، ومَبْنى كلامِهم الباطلِ على مقدمتينِ : إحداهُما أنَّ عبادتَهُم لهم بمشيئتهِ تعالى، والثانيةُ أنَّ ذلكَ مستلزمٌ لكونِها مرضيةً عندَهُ تعالَى ولقد أخطأُوا في الثانيةِ حيث جهلُوا أن المشيئةَ عبارةٌ عن ترجيحِ بعضِ الممكناتِ على بعضٍ كائناً ما كانَ من غيرِ اعتبارِ الرَّضا أوالسَّخطِ في شيءٍ من الطرفينِ ولذلكَ جُهِّلُوا بقولِه تعالى : ما لَهُم بِذَلِكَ  أي بما أرادُوا بقولِهم ذلكَ من كونِ ما فعلُوه بمشيئةِ الارتضاءِ لا بمطلقِ المشيئةِ فإنَّ ذلكَ محققٌ ينطقُ بهِ ما لا يُحصَى عن الآياتِ الكريمةِ  مِنْ عِلْمٍ  يستندُ إلى سندٍ مَا  إِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ  يتمحَّلُونَ تمحُّلاً باطلاً وقد جُوِّزَ أنْ يشارَ بذلكَ إلى أصلِ الدعوى كأنَّه لما أظهرَ وجوه فسادِها وحكى شُبهَهم المزيفةَ نَفَى أن يكونَ لهم بها علمٌ مِن طريقِ العقلِ

### الآية 43:21

> ﻿أَمْ آتَيْنَاهُمْ كِتَابًا مِنْ قَبْلِهِ فَهُمْ بِهِ مُسْتَمْسِكُونَ [43:21]

ثم أضربَ عنه إلى إبطالِ أن يكونَ لهم سندٌ من جهةِ النقلِ فقيلَ : أَمْ آتيناهم كتابا من قَبْلِهِ  من قبلِ القُرآنِ أو من قبلِ ادعائِهم ينطقُ بصحةِ ما يدَّعُونَهُ  فَهُم بِهِ  بذلكَ الكتابِ  مُسْتَمْسِكُونَ  وعليهِ معوّلونَ.

### الآية 43:22

> ﻿بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَىٰ أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَىٰ آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ [43:22]

بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءنَا على أُمَّةٍ وَإِنَّا على آثارهم مهْتَدُونَ  أي لم يأتُوا بحجةٍ عقيلةٍ أو نقليةٍ بل اعترفُوا بأن لا سندَ لهم سوى تقليدِ آبائِهم الجهلةِ مثلِهمْ والأمةُ الدينُ والطريقةُ التي تُؤم أي تُقصدُ كالرُّحلةِ لما يُرحلُ إليهِ. وقُرِئ إِمةٍ بالكسرِ، وهي الحالةُ التي يكونُ عليها الآمُّ أي القاصدُ. وقولُه تعالى على آثارِهم مهتدونَ خبرُ إنَّ والظرفُ صلةٌ لمهتدونَ.

### الآية 43:23

> ﻿وَكَذَٰلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَىٰ أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَىٰ آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ [43:23]

وكذلك  أي والأمرُ كما ذُكِرَ منْ عجزِهم عن الحجةِ وتشبّثهم بذيلِ التقليدِ. وقولُه تعالَى  مَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ من نَّذِيرٍ إِلاَّ قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءنَا على أُمَّةٍ وَإِنَّا على آثارهم مقْتَدُونَ  استئنافٌ مبينٌ لذلكَ دالٌّ على أنَّ التقليدَ دالٌّ على أنَّ التقليدَ فيما بينُهم ضلالٌ قديمٌ ليسَ لأسلافِهم أيضاً سندٌ غيرُه، وتخصيصُ المُترفينَ بتلكَ المقالةِ للإيذانِ بأن التنعمَ وحبّ البطالةِ هو الذي صَرَفهُم عن النظرِ إلى التقليدِ.

### الآية 43:24

> ﻿۞ قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ بِأَهْدَىٰ مِمَّا وَجَدْتُمْ عَلَيْهِ آبَاءَكُمْ ۖ قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ [43:24]

قَالَ  حكايةٌ لما جَرى بين المنذرينَ وبينَ أُممهم عندَ تعللهم بتقليدِ آبائِهم، أي قالَ كلُّ نذيرٍ منِ أولئكَ المنذرينَ لأممِهم  أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ  أي أتقتدونَ بآبائِكم ولو جئتُكم  بأهدى  بدينٍ أَهدْى  مِمَّا وَجَدتُّمْ عَلَيْهِ آبَاءكُمْ  من الضلالةِ التي ليستْ من الهدايةِ في شيءٍ وإنما عبر عنها بذلكَ مجاراةً معهم على مسلكِ الإنصافِ وقُرِئ على أنَّه حكايةُ أمرٍ ماضٍ أُوحيَ حينئذٍ إلى كلِّ نذيرٍ لا على أنَّه خطابٌ للرسولِ صلى الله عليه وسلم و كما قيل، لقولِه تعالى : قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كافرون  فإنَّه حكايةٌ عن الأممِ قطعاً أيْ قالتْ كلُّ أمةٍ لنذيرِها إنَّا بَما أرسلتَ بهِ إلخ وقد أجملَ عندَ الحكايةِ للإنجازِ كما مرَّ في قولِه تعالى : وَمَعِينٍ يا أَيُّهَا الرسل كُلُوا مِنَ الطيبات  \[ سورة المؤمنون، الآية ٥١ \] وجعلُه حكايةً عن قومِه عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ بحملِ صيغةِ الجمعِ على تغليبِه على سائرِ المنذرينَ عليهم السَّلامُ، وتوجيُه كفرِهم إلى مَا أرسلَ به الكُلُّ من التوحيدِ لإجماعِهم عليهِ كما في نظائرِ قولِه تعالى : كَذَّبَتْ عَادٌ المرسلين  تمحُّلٌ بعيدٌ يردُّه بالكلِّيةِ قولُه تعالى  فانتقمنا مِنْهُمْ .

### الآية 43:25

> ﻿فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ ۖ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ [43:25]

فانتقمنا مِنْهُمْ  أي بالاستئصالِ  فانظر كَيْفَ كَانَ عاقبة المكذبين  من الأممِ المذكورينَ فلا تكترثْ بتكذيبِ قومِكَ.

### الآية 43:26

> ﻿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ [43:26]

وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمَ  أي واذكُرْ لهم وقتَ قولِه عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ  لأَبِيهِ وَقَوْمِهِ  المُكبِّينَ على التقليدِ كيفَ تبرأَ ممَّا هم فيهِ بقولِه  إِنَّنِي بَرَاء ممَّا تَعْبُدُونَ  وتمسكَ بالبرهانِ ليسلكُوا مسلكَهُ في الاستدلالِ أو ليقلدوه إن لم يكُن لهم بدٌّ من التقليدِ فإنه أشرفُ آبائِهم وبَراءٌ مصدرٌ نُعتَ به مبالغةً ولذلكَ يستوِي فيه الواحدُ والمتعددُ والمذكرُ والمؤنثُ. وقُرِئ بَرِيءٌ وبُرَاءٌ بضمِّ الباءِ ككريمٍ وكرامٍ ومَا إمَّا مصدريةٌ أو موصولةٌ حذفَ عائدُها أيْ إننِي بريءٌ من عبادتِكم أو معبودِكم.

### الآية 43:27

> ﻿إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ [43:27]

إِلاَّ الذي فَطَرَنِي  استثناءٌ منقطعٌ أو متصلٌ على أنَّ مَا تعمُّ أولي العلم وغيرهم وأنَّهم كانُوا يعبدونَ الله والأصنامَ أو صفةٌ على أن مَا موصوفةٌ أي إنني براءٌ من آلهةٍ تعبدونَها غيرَ الذي فَطَرني  فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ  أي سيثبتنِي على الهدايةِ أو سيهدينِ إلى ما وراءَ الذي هَدَاني إليهِ إلى الآنَ والأوجهُ أنَّ السينَ للتأكيدِ دونَ التسويفِ، وصيغةُ المضارعِ للدلالةِ على الاستمرارِ.

### الآية 43:28

> ﻿وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ [43:28]

وَجَعَلَهَا  أي جعلَ إبراهيمُ كلمةَ التوحيدِ التي ما تكلمَ به عبارةٌ عنْهَا  كَلِمَةً باقية فِي عَقِبِهِ  أي في ذريتِه حيثُ وصَّاهُم بها كما نطقَ به قولُه تعالى : ووصى بِهَا إبراهيم بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ  \[ سورة البقرة، الآية ١٣٢ \] الآيةَ فلا يزالُ فيهم مَن يوحدُ الله تعالى ويدعُو إلى توحيدِه. وقُرئ كِلْمةً وفي عقْبهِ على التخفيفِ  لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ  علةٌ للجعلِ أي جعلَها باقةً في عقبهِ رجاءَ أنْ يرجعَ إليها من أشركَ منهم بدعاءِ الموحدِ

### الآية 43:29

> ﻿بَلْ مَتَّعْتُ هَٰؤُلَاءِ وَآبَاءَهُمْ حَتَّىٰ جَاءَهُمُ الْحَقُّ وَرَسُولٌ مُبِينٌ [43:29]

بَلْ مَتَّعْتُ هَؤُلاَء  إضرابٌ عن محذوفٍ ينساقُ إليهِ الكلامُ كأنَّه قيلَ : جعلَها كلمةً باقيةً في عقبهِ بأنْ وصَّى بها بنيهِ رجاءَ أنْ يرجعَ إليها مَنْ أشركَ منهم بدعاءِ الموحدِ فلم يحصلُ ما رجاهُ بل متعتُ منهم هؤلاءِ المعاصرينَ للرسولِ صلى الله عليه وسلم من أهلِ مكةَ  وَآبَاءهُمْ  بالمدِّ في العمرِ والنعمةِ فاغترُّوا بالمهلةِ وانهمكُوا في الشهواتِ وشُغلوا بها عنْ كلمةِ التوحيدِ.  حتى جَاءهُمُ  أي هؤلاءِ  الحق  أي القرآنُ  وَرَسُولٌ  أيُّ رسولٍ  مبِينٌ  ظاهرُ الرسالةِ واضحُها بالمعجزاتِ الباهرةِ، أو مبينٌ للتوحيدِ بالآياتِ البيناتِ والحججِ. وقُرِئ متَّعنَا ومتَّعتَ بالخطابِ على إنَّه تعالى اعترضَ به على ذاتِه في قولِه تعالى : وَجَعَلَهَا كَلِمَةً باقية  \[ سورة الزخرف، الآية ٢٨ \] الخ مبالغةً في تعييرِهم، فإنَّ التمتعَ بزيادةِ النعمِ يوجبُ عليهم أنْ يجعلُوه سبباً لزيادةِ الشكرِ والثباتِ على التوحيدِ والإيمانِ فجعلَه سبباً لزيادةِ الكُفرانِ أقصى مراتبِ الكفرِ والضلالِ.

### الآية 43:30

> ﻿وَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ قَالُوا هَٰذَا سِحْرٌ وَإِنَّا بِهِ كَافِرُونَ [43:30]

ولما جَاءهُمُ الحق  لينبههَمُ عمَّا هم فيهِ من الغفلةِ ويرشدَهُم إلى التوحيدِ ازدادُوا كفراً وعَتَوا وضمُّوا إلى كفرِهم السابقِ معاندةَ الحقِّ والاستهانةَ بهِ حيثُ  قَالُوا هذا سِحْرٌ وَإِنَّا بِهِ كافرون  فسمَّوا القرآنَ سِحْراً، وكفُروا بهِ واستحقرُوا الرسولَ صلى الله عليه وسلم.

### الآية 43:31

> ﻿وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَٰذَا الْقُرْآنُ عَلَىٰ رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ [43:31]

وَقَالُوا لَوْلاَ نُزّلَ هذا القرآن على رَجُلٍ منَ القريتين  أي من إِحْدَى القريتينِ مكةَ والطائفِ على نهجِ قولِه تعالى : يَخْرُجُ مِنْهُمَا الُّلؤْلُؤُ وَالمَرْجَانُ  \[ سورة الرحمان، الآية ٢٢ \]  عظِيمٌ  أي بالجاهِ والمالِ كالوليدِ بنِ المغيرةَ المخزوميِّ وعروةَ بنِ مسعودٍ الثقفيِّ وقيلَ : حبيبُ بنُ عُمرَ بنِ عميرٍ الثقفيَّ. وعن مجاهدٍ عتبةُ بنُ ربيعةَ وكنانةُ بنُ عبدِ ياليلَ ولم يتفوهُوا بهدهِ العظيمةِ حَسَداً على نزولِه إلى الرسولِ صلى الله عليه وسلم دونَ مَنْ ذُكر من عظمائِهم مع اعترافِهم بقرآنيتِه بل استدلالاً على عدمِها بمَعْنى أنَّه لو كانَ قرآنا لنزلَ إلى أحدِ هؤلاءِ بناءً على ما زعمُوا من أنَّ الرسالةَ منصبٌ جليلٌ لا يليقُ بهِ إلا مَنْ له جلالةٌ من حيثُ المالُ والجاهُ ولم يدرُوا أنَّها رتبةٌ روحانيةٌ لا يترقَّى إليَها إلا هممُ الخواصِّ المختصينَ بالنفوسِ الزكيةِ المؤيدينَ بالقوةِ القدسية المتجلينَ بالفضائلِ الأنسيةِ، وأما المتزخرفونَ بالزخارفِ الدنيويةِ المتمتعونَ بالحظوظِ فهُم من استحقاقِ تلكَ الرتبةِ بألفِ منزلٍ.

### الآية 43:32

> ﻿أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ ۚ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۚ وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا ۗ وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ [43:32]

وقولُه تعالى  أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبّكَ  إنكارٌ فيهِ تجهيلٌ لهم وتعجيبٌ من تحكمِهم والمرادُ بالرحمةِ النبوةُ  نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ معِيشَتَهُمْ  أي أسبابَ معيشتِهم  فِي الحياة الدنيا  قسمةً تقتضيَها مشيئتُنا المبنيةُ على الحِكَمِ والمصالحِ ولم نفوضْ أمرَها إليهم علماً منا بعجزِهم عن تدبيرِها بالكُلِّيةِ  وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ  في الرزقِ وسائرِ مبادِي المعاشِ  درجات  متفاوتة بحسبِ القُربِ والبُعدِ حسبَما تقتضيِه الحكمةُ فمنْ ضعيفٍ وقويَ وفقيرٍ وغنيَ وخادمٍ ومخدومٍ وحاكمٍ ومحكومٍ  ليَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضاً سُخْرِياً  ليُصرِّفَ بعضُهم بعضاً في مصالحِهم ويستخدمُوهم في مهمتِهم ويتسخرُوهم في أشغالِهم حتَّى يتعايشُوا ويترافدُوا ويصلُوا إلى مرافقِهم لا لكمالٍ في المُوسعِ ولا لنقصٍ في المُقترِ، ولو فوَّضنا ذلكَ إلى تدبيرِ خُويِّصةِ أمرِهم وما يُصلِحُهم من متاعِ الدُّنيا الدنيئةِ وهو طرفِ التّمام على هذه الحالةِ فما ظنُّهم بأنفسِهم في تدبيرِ أمرِ الدِّينِ وهو أبعدُ من مناطِ العَيُّوقِ ومنْ أينَ لهُم البحثُ عن أمرِ النبوةِ والتخيرُ لها مَنْ يصلُح لَها ويقومُ بأمرِها  وَرَحْمَة رَبكَ  أي النبوةُ وما يتبعُها من سعادةِ الدارينِ  خَيْرٌ ممَّا يَجْمَعُونَ  من حُطامِ الدُّنيا الدنيئةِ الفانيةِ.

### الآية 43:33

> ﻿وَلَوْلَا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَٰنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِنْ فِضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ [43:33]

وقولِه تعالَى : وَلَوْلاَ أَن يَكُونَ الناس أُمَّةً واحدة  استئنافٌ مبينٌ لحقارةِ متاعِ الدُّنيا ودناءةِ قدرهِ عندَ الله عزَّ وجلَّ، والمَعْنى أنَّ حقارةَ شأنِه بحيثُ لولا أنْ يرغبَ النَّاسُ لحبِّهم الدُّنيا في الكفرِ إذا رأَوا أهلَهُ في سَعةٍ وتنعمٍ فيجتمعُوا عليه لأعطيناهُ بحذافيرِه من هو شرُّ الخلائقِ وأدناهُم منزلةً وذلكَ قولُه تعالى : لجَعَلْنَا لِمَن يَكْفُرُ بالرحمن لِبُيُوتِهِمْ سُقُفاً من فِضَّةٍ  أي متخَذةً منها، ولبيوتِهم بدلُ اشتمالٍ منْ لِمَنْ. وجمعُ الضميرِ باعتبارِ مَعْنى مَنْ كَما أنَّ إِفرادَ المستكنِّ في يكفرُ باعتبارِ لفظِها. والسُّقُفُ جمعُ سَقْفٍ كرُهُنٍ جمعُ رَهْنٍ، وعن الفرَّاءِ أنَّه جمعُ سقيفةٍ كسفنٍ وسَفينةٍ. وقُرِئ سُقْفَاً بسكونِ القافِ تخفيفاً، وسَقْفَاً اكتفاءً بجمعِ البيوتِ، وسَقَفاً كأنَّه لغةٌ في سقفٍ وسقوفاً  وَمَعَارِجَ  أي جعلَنا لهم معارجَ من فضةٍ أي مصاعدَ جمعُ معَرْجٍ وقُرئ معاريَجِ جمع معراجٍ  عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ  أي يعلُون السطوحَ والعلاليَ.

### الآية 43:34

> ﻿وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْوَابًا وَسُرُرًا عَلَيْهَا يَتَّكِئُونَ [43:34]

وَلِبُيُوتِهِمْ  أي وجعلنَا لبيوتِهم  أبوابا وَسُرُراً  من فضةٍ  عَلَيْهَا  أي على السررِ  يَتَّكِئُونَ  ولعل تكريرَ ذكرِ بيوتهم لزيادةِ التقريرِ.

### الآية 43:35

> ﻿وَزُخْرُفًا ۚ وَإِنْ كُلُّ ذَٰلِكَ لَمَّا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۚ وَالْآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ [43:35]

وَزُخْرُفاً  أي زينةً عطفٌ على سُقُفاً أو ذهباً عطفٌ على محلَّ من فضةٍ.  وَإِن كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا متاع الحياة الدنيا  أيْ وما كُلُّ ما ذُكِرَ من البيوتِ الموصوفةِ بالصفاتِ المفصَّلةِ إلا شيءٌ يتمتعُ بهِ في الحياةِ الدُّنيا. وفي معناهُ ما قُرِئ : ومَا كلُّ ذلكَ إلا متاعُ الحياةِ الدُّنيا  وقُرِئ بتخفيفِ مَا عَلى أنَّ أنْ هيَ المخففةُ، واللامُ هيَ الفارِقةُ. وقُرِئ بكسرِ اللامِ، على أنَّها لامُ العلةِ ومَا موصولةٌ قد حُذفَ عائدُها أي للذي هُو متاعُ الخ كما في قولِه تعالى : تَمَامًا عَلَى الذي أَحْسَنَ  \[ سورة الأنعام، الآية ١٥٤ \]  والآخرة  بما فيَها من فنونِ النعم التي يقصُر عنها البيانُ.  عِندَ رَبكَ لِلْمُتَّقِينَ  أي عنِ الكفرِ والمعاصِي، وبهذا تبينَ أنَّ العظيمَ هو العظيمُ في الآخرةِ لا في الدُّنيا.

### الآية 43:36

> ﻿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَٰنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ [43:36]

وَمَن يَعشُ  أيْ يتعامَ  عَن ذِكْرِ الرحمن  وهو القرآنُ. وإضافتُه إلى اسمِ الرَّحمنِ للإيذانِ بنزولِه رحمةً للعالمينَ. وقُرِئ يعشَ بالفتحِ، أي يعمَ يقالُ عَشَى يعْشَى إذا كانَ في بصرِه آفةٌ وعشَا يعشُو إذا تَعشَّى بلا آفةٍ كعَرَج وعَرُج. وقُرِئ يعشُو على أنَّ منْ موصولةٌ مضمنةٍ مَعْنى الشرطِ، والمَعْنى ومَنْ يُعرضْ عنه لفرطِ اشتغالِه بزهرةِ الحياة الدُّنيا وانهماكِه في حظوظِها الفانيةِ والشهواتِ.  نُقَيّضْ لَهُ شَيْطَاناً فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ  لا يفارقُه ولا يزالُ يوسوسُه ويُغويهِ. وقُرِئِ يُقيضْ بالياءِ، على إسناده إلى ضميرِ الرحمنِ، ومَنْ رفعَ يعشُو فحقُّه أنْ يرفعَ يقيضْ.

### الآية 43:37

> ﻿وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ [43:37]

وَإِنَّهُمْ  أي الشياطينَ الذين قُيضَ كلُّ واحدٍ منهم لكلِّ واحدٍ مِمَّن يعشُو  لَيَصُدُّونَهُمْ  أي قرناءَهُم فمدارُ جمعِ الضميرينِ باعتبارِ مَعْنى مَنْ كَما أنَّ مدارَ إفرادِ الضمائرِ السابقةِ اعتبارُ لفظِها.  عَنِ السبيل  المستبينِ الذي يدعُو إليه القرآنُ  وَيَحْسَبُونَ  أي العاشُونَ  أَنَّهُمْ  أي الشياطينَ  مهْتَدُونَ  أي إلى السبيلِ المستقيمِ وإلا لما اتبعوهُم أو يحسبونَ أنَّ أنفسَهُم مهتدونَ لأنَّ اعتقادَ كونِ الشياطينِ مهتدينَ مستلزمٌ لاعتقادِ كونِهم كذلكَ لاتحادِ مسلكِهما. والجملةُ حالٌ من مفعولِ يصدونَ بتقديرِ المبتدأِ أو من فاعلِه أو منهُمَا لاشتمالِها على ضميريِهما أيْ وأنَّهم ليصدونُهم عن الطريقِ الحقِّ وهم يحسبونَ أنَّهم مهتدون إليهِ. وصيغةُ المضارعِ في الأفعالِ الأربعةِ للدلالةِ على الاستمرار التجدديِّ لقوله تعالى : حتى إِذَا جَاءنَا .

### الآية 43:38

> ﻿حَتَّىٰ إِذَا جَاءَنَا قَالَ يَا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ الْقَرِينُ [43:38]

حتى إِذَا جَاءنَا  فإنَّ حتَّى وإنْ كانتْ ابتدائيةً داخلةً على الجملةِ الشرطيةِ لكنَّها تقتضِي حتْمَاً أن تكونَ غايةً لأمرٍ ممتدَ كما مرَّ مِراراً. وإفرادُ الضميرِ في جاءَ وما بعَدُه لما أنَّ المرادَ حكايةُ مقالة كلِّ واحدٍ واحدٍ من العاشقينَ لقرينه لتهويلِ الأمرِ وتفظيعِ الحالِ والمَعْنى يستمرُّ العاشقونَ على ما ذُكِرَ منْ مقارنةِ الشياطينِ والصدِّ والحُسبانِ الباطلِ حتَّى إذا جاءَنا كلُّ واحدٍ منهُم مع قرينهِ يومَ القيامةِ  قَالَ  مُخاطباً له  يَا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ  في الدُّنيا  بُعْدَ المشرقين  أي بعدَ المشرقِ والمغربِ أي تباعُدَ كلَ منهما عن الآخرِ فغلَّبَ المشرقَ وثنَّى، وأُضيفَ البُعد إليهما  فَبِئْسَ القرين  أيْ أنتَ.

### الآية 43:39

> ﻿وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ [43:39]

وقولُه تعالى : وَلَن يَنفَعَكُمُ  الخ حكايةٌ لما سيقالُ لهم حينئذٍ من جهةِ الله عزَّ وجلَّ توبيخاً وتقريعاً أي لنْ ينفعَكُم.  اليوم  أي يومَ القيامةِ تمنّيكُم لمباعدتِهم.  إِذ ظلَمْتُمْ  أي لأجلِ ظلمِكم أنفسَكم في الدُّنيا باتِّباعِكم إيَّاهُم في الكُفرِ والمَعَاصِي، وقيلَ : إذْ ظلمتُم بدلٌ منَ اليومَ أي إذْ تبينَ عندكُم وعندَ النَّاسِ جميعاً أَنكُم ظلمتُم أنفسَكُم في الدُّنيا وعليهِ قولُ منْ قالَ :\[ الطويل \]

إذَا مَا انتسبنَا لم تلدنِي لئيمةٌ  \[ ولم تجدي من أن تقري بها بدا \][(١)](#foonote-١)أي تبينَ أنِّي لم تلدنِي لئيمةٌ بلْ كريمةٌ وقولُه تعالَى : أَنَّكُمْ فِي العذاب مُشْتَرِكُونَ  تعليلٌ لنفِي النفعِ أي لأنَّ حقكُم أنْ تشتركُوا أنتُم وقرناؤُكم في العذابِ كما كنتُم مشتركينَ في سببه في الدُّنيا، ويجوزُ أنْ يُسندَ الفعلُ إليهِ لكن لا بمعنى لنْ ينفعَكم اشتراكُكم في العذابِ كما ينفعُ الواقعين في شدائدِ الدُّنيا اشتراكُهم فيها لتعاونِهم في تحملِ أعبائِها وتقسّمِهم لعنائِها لأنَّ لكلَ منُهم ما لا تبلغُه طاقتُه كما قيلَ لأنَّ الانتفاعَ بذلكَ الوجهِ ليسَ مما يخطرُ ببالِهم حتى يردَّ عليهم بنفيهِ بل بمَعْنى لن يحصل لكم التشفِّي بكونِ قرنائِكم معذبينَ مثلَكم حيثُ كنتُم تدعونَ عليهم بقولِكم :
 رَبَّنَا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ العذاب والعنهم لَعْناً كَبِيراً  \[ سورة الأحزاب، الآية ٦٨ \] وقولِكم : فآتهم عذابا ضعفا من النار  \[ سورة الأعراف، الآية ٣٨ \] ونظائرِهما لتتشفَوا بذلكَ. كانَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم يبالغُ في المجاهدةِ في دعاءِ قومهِ وهُم لا يزيدونَ إلا غياً وتعامياً عمَّا يشاهدونَهُ من شواهدِ النبوةِ وتصامَّاً عما يسمعونَهُ من بيناتِ القُرآنِ فنزلَ  أَفَأَنتَ تُسْمِعُ الصم أَوْ تَهْدِي العمي . 
١ وهو لزائد بن صعصعة الفقعسي في حاشية الأمير على المغني (١/٢٥)؛ وبلا نسبة في جواهر الأدب (ص٢٠٥)؛ وشرح شذور الذهب (ص: ٤٤٠)؛ وشرح شواهد المغني (ص٨٩)..

### الآية 43:40

> ﻿أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ أَوْ تَهْدِي الْعُمْيَ وَمَنْ كَانَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ [43:40]

أَفَأَنتَ تُسْمِعُ الصم أَوْ تَهْدِي العمي  وهو إنكارُ تعجيبٍ مِنْ أنْ يكونَ هُو الذي يقدرُ على هدايتِهم وهم قد تمرَّنُوا في الكفرِ واستعرقُوا في الضَّلالِ بحيثُ صارَ ما بهم من العَشَى عمىً مقروناً بالصممِ.  وَمَن كَانَ فِي ضلال مُّبِينٍ  عطفٌ على العُمي باعتبارِ تغايرِ الوصفينِ، ومدارُ الإنكارِ هو التمكنُ والاستقرارُ في الضلالِ المفرطِ بحيثُ لا ارعواءَ له منه لا توهُم القصورِ من قِبل الهادِي ففيهِ رمزٌ إلى أنَّه لا يقدرُ على ذلكَ إلا الله تعالَى وحدَهُ بالقسرِ والإلجاءِ.

### الآية 43:41

> ﻿فَإِمَّا نَذْهَبَنَّ بِكَ فَإِنَّا مِنْهُمْ مُنْتَقِمُونَ [43:41]

فَإِمَّا نَذْهَبَنَّ بِكَ  أي فإنْ قبضناكَ قبلَ أنْ نُبصِّرك عذابَهم ونشفيَ بذلكَ صدركَ وصدورَ المؤمنينَ  فَإِنَّا مِنْهُم منتَقِمُونَ  لا محالةَ في الدُّنيا والآخرةِ. فَما مزيدةٌ للتأكيدِ بمنزلةِ لام القسمِ في أنَّها لا تفارقُ النونَ المؤكدةَ.

### الآية 43:42

> ﻿أَوْ نُرِيَنَّكَ الَّذِي وَعَدْنَاهُمْ فَإِنَّا عَلَيْهِمْ مُقْتَدِرُونَ [43:42]

أَوْ نُرِيَنَّكَ الذي وعدناهم  أيْ أو أردنا أنْ نُريكَ العذابَ الذي وعدناهُم  فَإِنَّا عَلَيْهِمْ مقْتَدِرُونَ  بحيثُ لا مناصَ لهُم من تحتِ ملَكتِنا وقهرِنا، ولقد أراهُ عليه السَّلامُ ذلكَ يومَ بدرٍ.

### الآية 43:43

> ﻿فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ ۖ إِنَّكَ عَلَىٰ صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ [43:43]

فاستمسك بالذي أُوحِي إِلَيْكَ  من الآياتِ والشرائعِ سواءٌ عجَّلنا لكَ الموعودَ أو أخرنَاهُ إلى يومِ الآخرةِ. وقُرِئ أَوْحَى علي البناءِ للفاعلِ، وهو الله عزَّ وجلَّ.  إِنَّكَ على صراط مُّسْتَقِيمٍ  تعليلٌ للاستمساكِ أو للأمرِ بهِ.

### الآية 43:44

> ﻿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ ۖ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ [43:44]

وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ  لشرفٌ عظيمٌ  لَّكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْألُونَ  يومَ القيامةِ عنْهُ وعنْ قيامِكم بحقوقِه.

### الآية 43:45

> ﻿وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَٰنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ [43:45]

وَاسْألْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رسُلِنَا  أي واسألْ أممَهم وعلماءَ دينِهم كقولِه تعالى : فَاسْأَلِ الذين يَقْرَءونَ الكتاب مِن قَبْلِكَ  \[ سورة يونس، الآية ٩٤ \] وفائدةُ هَذا المجازِ التنبيهُ على أنَّ المسؤولَ عنه عينُ ما نطقتْ به ألسنةُ الرسلِ لا ما يقولُه أممُهم وعلماؤُهم من تلقاءِ أنفسِهم. قالَ الفَرَّاءُ : هُم إنما يخبرونَهُ عن كتبِ الرسلِ فإذا سألَهم فكأنَّه سأَل الأنبياءَ عليهم الصَّلاةُ والسَّلامُ  أَجَعَلْنَا مِن دُونِ الرحمن آلِهةً يُعْبَدونَ  أي هلَ حكمنَا بعبادةِ الأوثانِ وهل جاءتْ في ملةٍ من مللِهم، والمرادُ به الاستشهادُ بإجماعِ الأنبياءِ على التوحيدِ، والتنبيهُ على أنَّه ليسَ بِبدْعٍ ابتدعَهُ حتى يكذّبَ ويُعادَى.

### الآية 43:46

> ﻿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَىٰ بِآيَاتِنَا إِلَىٰ فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَقَالَ إِنِّي رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ [43:46]

وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا موسى بآياتنا  ملتبساً بها  إلى فِرْعَوْنَ وملئه فَقَالَ إِنِي رَسُولُ رَبِّ العالمين  أريدَ باقتصاصِه تسليةُ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم والاستشهادُ بدعوةِ مُوسى عليهِ السَّلامُ إلى التوحيدِ إثرَ ما أُشيرَ إلى إجماعِ جميعِ الرُّسلِ عليهم السَّلامُ عليهِ.

### الآية 43:47

> ﻿فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِآيَاتِنَا إِذَا هُمْ مِنْهَا يَضْحَكُونَ [43:47]

فَلَمَّا جَاءهُم بآياتنا إِذَا هُم مِنْهَا يَضْحَكُونَ  أي فاجَؤا وقتَ ضحكِهم منها أي استهزأوا بها أولَ ما رأَوها ولم يتأملُوا فيَها.

### الآية 43:48

> ﻿وَمَا نُرِيهِمْ مِنْ آيَةٍ إِلَّا هِيَ أَكْبَرُ مِنْ أُخْتِهَا ۖ وَأَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ [43:48]

وَمَا نُرِيِهِم منْ آيَةٍ  من الآياتِ  إِلاَّ هِي أَكْبَرُ مِنْ أُخْتِهَا  إلا وهيَ بالغةٌ أَقصَى مراتبِ الإعجازِ بحيثُ يحسبُ كلُّ منْ ينظرُ إليها أنها أكبرُ من كلِّ ما يقاسُ بها من الآياتِ، والمرادُ وصفُ الكلِّ بغايةِ الكِبَرِ من غيرِ ملاحظةِ قصورٍ في شيءٍ منَها أو إلاَّ وهي مختصَّةٌ بضربٍ من الإعجازِ مفضلةٌ بذلكَ الاعتبارِ على غيرِها  وأخذناهم بالعذاب  كالسنينَ والطوفانِ والجرادِ وغيرِها.  لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ  لكيْ يرجعُوا عمَّا هُم عليهِ من الكفرِ.

### الآية 43:49

> ﻿وَقَالُوا يَا أَيُّهَ السَّاحِرُ ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِنْدَكَ إِنَّنَا لَمُهْتَدُونَ [43:49]

وَقَالُوا يا أيها الساحر  نادَوُه بذلكَ في مثلِ تلكَ الحالةِ لغايةِ عُتوِّهم ونهايةِ حماقتِهم، وقيلَ كانُوا يقولونَ للعالم الماهرِ ساحرٌ لاستعظامِهم علمَ السحرِ. وقُرِئ أيهُ الساحرُ بضمِّ الهاءِ.  ادع لَنَا رَبَّكَ  ليكشفَ عنَّا العذابَ  بِمَا عَهِدَ عِندَكَ  بعهدِه عندكَ من النبوةِ أو استجابةِ دعوتِكَ أو من كشفِ العذابِ عمَّن اهتدَى أو بما عَهِدَ عندكَ فوفيتَ به منَ الإيمانِ والطاعةِ  إِنَّنَا لَمُهْتَدُونَ  أي لمؤمنونَ على تقديرِ كشفِ العذابِ عنَّا بدعوتِك كقولِهم : لَئِن كَشَفْتَ عَنَّا الرجز لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ  \[ سورة الأعراف، الآية ١٣٤ \].

### الآية 43:50

> ﻿فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ الْعَذَابَ إِذَا هُمْ يَنْكُثُونَ [43:50]

فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ العذاب  بدعوتِه  إِذَا هُمْ يَنكُثُونَ  فاجؤوا وقتَ نكثِ عهدِهم بالاهتداءِ وقد مرَّ تفصيلُه في الأعرافِ.

### الآية 43:51

> ﻿وَنَادَىٰ فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قَالَ يَا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَٰذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي ۖ أَفَلَا تُبْصِرُونَ [43:51]

ونادى فِرْعَوْنُ  بنفسِه أو بمناديِه  فِي قَوْمِهِ  في مجمعِهم وفيما بينَهم بعد أنْ كشفَ العذابَ عنْهم مخافةَ أنْ يُؤمنوا  قَالَ يا قوم أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وهذه الأنهار  أنهارُ النيلِ ومعظمُها أربعةُ أنهرٍ : الملكُ ونهرُ طولونَ ونهرُ دمياطٍ ونهرُ تنيسَ  تَجْرِي مِن تَحْتِي  أي منْ تحتِ قَصرِي أو أمرِي وقيلَ : من تحتِ سريرِي لارتفاعِه، وقيلَ : بين يديَّ في جنانِي وبساتِيني. والواوُ إمَّا عاطفةٌ لهذهِ الأنهارِ على مُلكِ مصرَ فتجري حالٌ منها أو للحالِ فهذهِ مبتدأٌ والأنهارُ صفتُها وتجري خبرٌ للمبتدأِ  أَفلاَ تُبْصِرُونَ  ذلكَ يريدُ به استعظامَ مُلكِه.

### الآية 43:52

> ﻿أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هَٰذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلَا يَكَادُ يُبِينُ [43:52]

أَمْ أَنَا خَيْرٌ  معَ هذه المملكةِ والبسطةِ  منْ هذا الذي هُوَ مَهِينٌ  ضعيفٌ حقيرٌ من المهانةِ، وهي القلةُ.  وَلاَ يَكَادُ يُبِينُ  أي الكلامَ قالَه افتراءً عليهِ عليه السَّلامُ تنقيصاً له عليهِ السَّلامُ في أعينِ النَّاسِ باعتبارِ ما كانَ في لسانِه عليهِ السَّلامُ من نوعِ رتةٍ وقد كانتْ ذهبتْ عنْهُ لقولِه تعالى : قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ  \[ سورة طه، الآية ٣٦ \] وأمْ إمَّا منقطعةٌ والهمزةُ للتقريرِ كأنَّه قالَ إثرَ ما عدَّدَ أسبابَ فضلِه ومبادِي خيريتِه أثبتَ عندكُم واستقرَّ لديكُم أنِّي أنَا خيرٌ وهذه حالِي منْ هَذا الخ وإمَّا متصلةٌ فالمَعْنى أفلاَ تْبصرونَ أمْ تبصرونَ خلا أنه وضعَ قولُه : أَنَا خَيْرٌ  موضعَ تبصرونَ لأنَّهم إذا قالُوا له أنتَ خيرٌ فهُو عندَهُ بُصَراءُ، وهذا من بابِ تنزيلِ السبب منزلة المسبب، ويجوز أن يجعل من تنزيل المسبَّب منزلة السبب فإن إبصارِهم لما ذُكرَ من أسبابِ فضله سببٌ على زعمِه لحُكمِهم بخيريتهِ.

### الآية 43:53

> ﻿فَلَوْلَا أُلْقِيَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ مِنْ ذَهَبٍ أَوْ جَاءَ مَعَهُ الْمَلَائِكَةُ مُقْتَرِنِينَ [43:53]

فَلَوْلاَ أُلْقِي عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ من ذَهَبٍ  أي فهلاَّ أُلقي إليهِ مقاليدُ الملكِ إنْ كانَ صادقاً، لما أنَّهم كانُوا إذَا سوَّدُوا رجلاً سوَّرُوه وطوَّقُوه بطوقٍ من ذهبٍ. وأَسُوِرةٌ جمعُ سوارِ. وقُرِئ أَساورُ جمعُ أسورةٍ، وقُرِئ أساورةٌ جمعُ أسوارٍ بمعنى السِّوارِ على تعويضِ التاءِ من ياءِ أساويرَ، وقد قُرِئ كذلكَ، وقُرِئ عليه أسورةً وأساورَ، على البناءِ للفاعلِ وهُو الله تعالَى : أَوْ جَاء مَعَهُ الملائكة مُقْتَرِنِينَ  مقرونينَ يعينونَهُ أو يصدقونَهُ من قرنتُه به فاقترنَ أو متقارنينَ من اقترنَ بمعنى تقارنَ.

### الآية 43:54

> ﻿فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ ۚ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ [43:54]

فاستخف قَوْمَهُ  فاستفزَّهُم وطلبَ منهُم الخفةَ في مطاوعتِه، أو فاستخفَّ أحلامَهُم.  فَأَطَاعُوهُ  فيما أمرَهُم به  إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْماً فاسقين  فلذلكَ سارعُوا إلى طاعةِ ذلكَ الفاسقِ الغويِّ.

### الآية 43:55

> ﻿فَلَمَّا آسَفُونَا انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ [43:55]

فَلَمَّا آسَفُونَا  أي أغضبونا أشدَّ الغضبِ، منقولٌ منْ أَسِفَ إذا اشتدَّ غضبُه.  انتقمنا مِنْهُمْ فأغرقناهم أَجْمَعِينَ  في اليمِّ.

### الآية 43:56

> ﻿فَجَعَلْنَاهُمْ سَلَفًا وَمَثَلًا لِلْآخِرِينَ [43:56]

فجعلناهم سَلَفاً  قدوةً لمن بعدَهُم من الكُفَّارِ يسلكونَ مسلكَهُم في استيجابِ مثلِ ما حلَّ بهم من العذابِ، وهُو إما مصدرٌ نُعتَ بهِ أو جمعُ سالفٍ كخَدَمٍ جمعُ خادمٍ. وقُرِئ بضمِّ السينِ واللامِ، على أنَّه جمعُ سليفٍ أي فريقٍ قد سلفَ كرُغُفٍ أو سَالِفٍ كصُبُرٍ أو سَلَفٍ كأسدٍ. وقُرِئ سُلَفاً بإبدالِ ضمةِ اللامِ فتحةً أو على أنَّه جمعُ سُلْفةٍ أي ثُلَّةٍ قد سلفتْ.  وَمَثَلاً للآخِرِينَ  أي عظةً لهم أو قصةً عجيبةً تسيرُ مسيرَ الأمثالِ لَهُم فيقالُ : مثلُكم مثلُ قومِ فرعونَ.

### الآية 43:57

> ﻿۞ وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ [43:57]

وَلَمَّا ضُرِبَ ابن مَرْيَمَ مَثَلاً  أي ضربَهُ ابنُ الزِّبَعْرَى حينَ جادلَ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم في قولِه تعالى : إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ الله حَصَبُ جَهَنَّمَ  \[ سورة الأنبياء، الآية ٩٨ \] حيثُ قالَ أهذَا لنَا ولآلهتِنا أو لجميعِ الأممِ. فقالَ عليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ :" هو لكمُ ولآلهتِكم ولجميعِ الأممِ ". فقالَ اللعينُ : خصمتُكَ وربِّ لكعبةِ، أليسَ النَّصارى يعبُدونَ المسيحَ واليهودَ عزيراً وبنوُ مُلَيحٍ الملائكةَ فإنْ كانَ هؤلاءِ في النَّارِ فقد رضينا أن نكونَ نحنُ وآلهتُنا معهُم. ففرِحَ به قومُه وضحِكُوا وارتفعتْ أصواتُهم. وذلكَ قولُه تعالى  إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ  أي منْ ذلكَ المثلِ  يصدونَ  أي يرتفعُ لهم جلبةٌ وضجيجٌ فرحاً وجذلاً. وقُرِئ يَصُدُّونَ أيْ من أجلِ ذلكَ المثلِ يُعرضُونَ عنِ الحقِّ أي يثبُتونَ على ما كانُوا عليهِ من الإعراضِ أو يزدادونَ فيهِ، وقيلَ : هو أيضاً من الصديدِ، وهما لغتانِ فيه نحوُ يَعْكُفُ ويَعْكِفُ وهو الأنسبُ بمَعْنى المفاجأةِ.

### الآية 43:58

> ﻿وَقَالُوا أَآلِهَتُنَا خَيْرٌ أَمْ هُوَ ۚ مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا ۚ بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ [43:58]

وَقَالُواْ أَآلِهَتُنَا خَيْرٌ أَمْ هُوَ  حكايةٌ لطرفٍ من المثلِ المضروبِ، قالُوه تمهيداً لما بَنَوا عليهِ من الباطلِ المُموَّهِ بَما يغترُّ به السُّفهاءُ، أي ظاهرٌ أنَّ عيسَى خيرٌ من آلهتِنا فحيثُ كانَ هُو في النَّارِ فلا بأسَ بكونِنا مع آلهتِنا فيَها. واعلمُ أنَّ ما نُقلَ عنهم من الفرحِ ورفعِ الأصواتِ لم يكُن لما قيلَ : من أنَّه عليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ سكتَ عندَ ذلكَ إلى أنْ نزلَ قولُه تعالى : إِنَّ الذين سَبَقَتْ لَهُمْ مّنَّا الحسنى  \[ سورة الأنبياء، الآية ١٢١ \] الآيةَ. فإنَّ ذلكَ معَ إيهامِه لما يجبُ تنزيه ساحتِه عليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عنْهُ من شائبةِ الإفحامِ من أولِ الأمرِ خلافُ الواقعِ كيفَ لاَ وقد رُويَ أن قولَ ابنِ الزَّبعرَى : خصمتُكَ وربُّ الكعبةِ صدرَ عنْهُ من أولِ الأمرِ عند سماعِ الآيةِ الكريمةِ بلغةِ قومِك أما فهمتَ أنَّ مَا لَما لا يعقلُ. وإنَّما لم يخصَّ عليهِ السَّلامُ هذا الحكمَ بآلهتِهم حينَ سألَ الفاجرُ عن الخصوصِ والعمومِ عملاً بما ذُكرَ من اختصاصِ كلمةِ مَا بغيرِ العُقلاءِ لأنَّ إخراجَ بعضِ المعبودينَ عنْهُ عند المحاجَّةِ موهمٌ للرخصةِ في عبادتِه في الجملةِ فعمَّمَهُ عليه السَّلامُ للكلِّ لكنْ لا بطريقِ عبارةِ النصِّ بل بطريقِ الدلالة بجامعِ الاشتراكِ في المعبوديةِ من دونِ الله تعالى، ثمَّ بينَ عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ بقولِه بل هُم عبدُوا الشياطينَ التي أمرتْهُم بذلكَ أن الملائكةَ والمسيحَ بمعزلٍ من أنْ يكونُوا معبوديهم كما نطقَ به قولُه تعالى : سبحانك أَنتَ وَلِيُّنَا مِن دُونِهِمْ بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الجن  \[ سورة سبأ، الآية ٤١ \] الآيةَ وقد مرَّ تحقيقُ المقامِ عند قولِه تعالى : إِنَّ الذين سَبَقَتْ لَهُمْ منَّا الحسنى  \[ سورة الأنبياء، الآية ١٠١ \] الآيةَ. بلْ إنَّما كانَ ما أظهرُوه من الأحوالِ المنكرةِ لمحضِ وقاحتِهم وتهالُكِهم على المكابرةِ والعنادِ كما ينطقُ به قولُه تعالى : مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلاَّ جَدَلاَ  أي ما ضَربُوا لكَ ذلكَ المثلَ إلا لأجلِ الجدالِ والخصامِ لا لطلبِ الحقِّ حتَّى يذعنُوا له عندَ ظهورِه ببيانكَ. 
 بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ  أي لُدٌّ شدادُ الخصومةِ مجبولونَ على المحْكِ واللَّجاجِ. وقيلَ : لمَّا سمعُوا قولَه تعالى : إِنَّ مَثَلَ عيسى عِندَ الله كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ  \[ سورة آل عمران، الآية ٥٩ \] قالُوا نحنُ أهدَى من النَّصارى لأنَّهم عبدُوا آدمياً ونحنُ نعبدُ الملائكةَ فنزلتْ، فقولُهم : أَآلِهْتنا خَيْرٌ أَمْ هُوَ  \[ سورة الزخرف، الآية ٥٨ \] حينئذٍ تفصيلٌ لآلهتِهم عَلَى عيسَى عليهِ السَّلامُ ؛ لأنَّ المرادَ بهم الملائكةُ، ومَعْنى ما ضربُوه الخ ما قالُوا هذا القولَ إلا للجدلِ، وقيلَ : لمَّا نزلتْ  إِنَّ مَثَلَ عيسى  \[ سورة آل عمران، الآية ٥٩ \] الآيةَ قالُوا ما يريدُ محمدٌ بهذَا إلا أنْ نعبدَهُ وأنه يستأهلُ أنْ يعبدَ وإنْ كانَ بشراً كما عبدتِ النَّصارى المسيحَ وهو بشرٌ. ومَعْنى يَصِدُّونَ يَضجُّونَ ويضجرونَ. والضميرُ في أمْ هُو لمحمدٍ عليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وغرضُهم بالموازنةِ بينَهُ عليهِ السَّلامُ وبين آلهتِهم الاستهزاءُ به، وقد جُوِّزَ أنْ يكونَ مرادُهم التنصلَ عمَّا أُنكرَ عليهم من قولِهم : الملائكةُ بناتُ الله تعالَى. ومن عبادتِهم لهم كأنَّهم قالُوا ما قُلنا بدعاً من القولِ ولا فعلنَا مُنكراً من الفعلِ فإنَّ النَّصارَى جعلُوا المسيحَ ابنَ الله وعبدُوه فنحنُ أشفُّ منُهم قولاً وفعلاً حيثُ نسبنَا إليهِ الملائكةَ وهُم نسبُوا إليهِ الأنَاسِيّ.

### الآية 43:59

> ﻿إِنْ هُوَ إِلَّا عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ وَجَعَلْنَاهُ مَثَلًا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ [43:59]

فقولُه تعالى : إِنْ هُوَ إِلاَّ عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ  أي بالنبوةِ  وجعلناه مَثَلاً لبَنِي  أي أمراً عجيباً حقيقاً بأن يسيرَ ذكرُه كالأمثالِ السائرةِ. على الوجهِ الأولِ استئنافٌ مسوقٌ لتنزيههِ عليهِ السَّلامُ عن أنْ يُنسبَ إليه ما نُسبَ إلى الأصنامِ بطريقِ الرمزِ كما نطقَ به صريحاً قولُه تعالى : إِنَّ الذين سَبَقَتْ لَهُمْ منَّا الحسنى  \[ سورة الأنبياء، الآية ١٠١ \] الآيةَ وفيه تنبيهٌ على بُطلانِ رأي من رفعَهُ عن رُتبةِ العبوديةِ وتعريضٌ بفسادِ رأي مَنْ يَرَى رأيَهم في شأنِ الملائكةِ وعلى الثانِي والرابعِ لبيانِ أنَّه قياسُ باطلٍ بباطلٍ أو بأبطلَ على زعمِهم وما عيسَى إلا عبدٌ كسائر العبيدِ قُصَارى أمرِه أنَّه ممن أنعمَنا عليهم بالنبوةِ وخصصنَاهُ ببعضِ الخواصِّ البديعةِ بأنْ خلقناهُ بوجهٍ بديعٍ وقد خلقَنا آدمَ بوجهٍ أبدعَ منْهُ فأينَ هُو من رُتبةِ الربوبيةِ، ومن أينَ يتوهمُ صحةُ مذهبِ عبدتِه حتَّى يفتخرَ عبدةُ الملائكةِ بكونِهم أهْدَى منهُم أو يعتذرُوا بأنَّ حالَهم أشفُّ أو أخفُّ من حالِهم، وأمَّا على الوجهِ الثَّالثِ فهو لردِّهم وتكذيبِهم في افترائِهم عَلى رسولِ الله صلى الله عليه وسلم ببيانِ أنَّ عيسَى في الحقيقةِ وفيما أُوحيَ إلى الرسولِ عليهما الصَّلاةُ والسَّلامُ ليسَ إلاَّ أنُّه عبدٌ منعمٌ عليهِ كما ذُكِرَ فكيفَ يرضى عليهِ السَّلامُ بمعبوديتِه أو كيفَ يُتوهُم الرضَا بمعبوديةِ نفسهِ.

### الآية 43:60

> ﻿وَلَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَا مِنْكُمْ مَلَائِكَةً فِي الْأَرْضِ يَخْلُفُونَ [43:60]

وقولُه تعالَى : وَلَوْ نَشَاء  الخ لتحقيقِ أنَّ مثلَ عيسَى عليهِ السلامُ ليسَ ببدعٍ من قدرةِ الله وأنَّه تعالَى قادرٌ على أبدعَ منْ ذلكَ وأبرعَ، مع التنبيهِ على سقوطِ الملائكةِ أيضاً من درجةِ المعبوديةِ أي قدرتُنا بحيثُ لو نشاءُ  لجَعَلْنَا  أي لخلقَنا بطريقِ التوالدِ  منكُمْ  وأنتمُ رجالٌ ليسَ من شأنِكم الولادةُ  مَلَائِكَةٌ  كما خلقناهُم بطريقِ الإبداعِ  فِي الأرض  مستقرينَ فيها كما جعلناهُم مستقرينَ في السماءِ  يَخْلُفُونَ  أي يخلُفونكُم مثلَ أولادِكم فيمَا تأتونَ وما تذرونَ ويُباشرونَ الأفاعيلَ المنوطةَ بمباشرتِكم مع أنَّ شأنَهُم التسبيحُ والتقديسُ في السماءِ فمَنْ شأنُهم بهذه المثابةِ بالنسبةِ إلى القدرةِ الربانيةِ كيفَ يُتوهمُ استحقاقُهم للمعبوديةِ أو انتسابُهم إليهِ تعالَى عن ذلكَ عُلواً كبيراً.

### الآية 43:61

> ﻿وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ فَلَا تَمْتَرُنَّ بِهَا وَاتَّبِعُونِ ۚ هَٰذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ [43:61]

وَأَنَّهُ  وإنَّ عيسَى  لَعِلْمٌ للسَّاعَةِ  أي إنَّه بنزولِه شرطٌ من أشراطِها، وتسميتُه عِلماً لحصولِه به أو بحدوثِه بغيرِ أبٍ، أو بإحيائِه المَوْتى دليلٌ على صحةِ البعثِ الذي هو معظمُ ما ينكرهُ الكفرةُ من الأمورِ الواقعة في الساعةِ وقُرِئ لَعَلمٌ أي علامةٌ وقُرِئ للعِلْم وقُرِئ لذِكرٌ على تسميةِ ما يُذكرُ بهِ ذكراً كتسميةَ ما يُعلمُ بهِ علماً. وفي الحديثِ :**«إنَّ عيسَى عليهِ السَّلامُ ينزلُ على ثنيةٍ بالأرضِ المقدسةِ يقالُ لها أفيقُ وعليهِ مُمصَّرتانِ[(١)](#foonote-١) وبيدِه حَرْبةٌ وبها يقتلُ الدجَّالَ فيأتِي بيتَ المقدسِ، والنَّاسُ في صلاةِ الصُّبحِ فيتأخرُ الإمامُ فيُقدِّمُهُ عيسَى عليهِ السَّلامُ ويُصلِّي خلفَهُ على شريعةِ محمدٍ صلَّى الله عليهِ وسلَّم ثم يقتلُ الخنازيرَ ويكسرُ الصليبَ ويُخرِّبُ البِيعَ والكنائسَ ويقتلُ النَّصارَى إلا منْ آمنَ به »**. وقيلَ : الضميرُ للقُرآنِ لِما أنَّ فيهِ الإعلامَ بالسَّاعةِ  فَلاَ تَمْتَرُنَّ بِهَا  فلا تشكُنَّ في وقوعِها  واتبعون  أيْ واتبعُوا هُدايَ أو شَرْعي أو رَسُولي، وقيلَ : هُو قولُ الرسولِ مأموراً من جهتِه تعالَى  هذا  أي الذي أدعُوكم إليهِ أو القُرآنُ على أنَّ الضميرَ في إنَّه لهُ  صراط مسْتَقِيمٍ  موصلٌ إلى الحقِّ. 
١ رواه ابن الأثير الجزري في النهاية في غريب الحديث جزء (٤/٣٣٦) بلفظ: في حديث عيسى عليه السلام "ينزل بين ممصرتين" الممصرة من الثياب: التي فيها صفرة خفيفة..

### الآية 43:62

> ﻿وَلَا يَصُدَّنَّكُمُ الشَّيْطَانُ ۖ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ [43:62]

وَلاَ يَصُدَّنَّكُمُ الشيطان  عن اتِّباعِي  إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ  بيِّنُ العداوةِ حيثُ أخرجَ أباكُم من الجنةِ وعرَّضكُم للبليةِ.

### الآية 43:63

> ﻿وَلَمَّا جَاءَ عِيسَىٰ بِالْبَيِّنَاتِ قَالَ قَدْ جِئْتُكُمْ بِالْحِكْمَةِ وَلِأُبَيِّنَ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ ۖ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ [43:63]

وَلَمَّا جَاء عيسى بالبينات  أي بالمعجزاتِ أو بآياتِ الإنجيلِ أو بالشرائعِ الواضحاتِ  قَالَ  لبني إسرائيلَ  قَدْ جِئْتُكُم بالحكمة  أي الإنجيل أو الشريعة  وَلأبَيّنَ لَكُم  عطف على مقدر ينبئ عنه المجيء بالحكمة كأنه قيل قد جئتكم بالحكمة لأعلِّمَكُم إيَّاها ولأبين لكم  بَعْضَ الذي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ  وهُو ما يتعلقُ بأمورِ الدِّينِ، وأما ما يتعلقُ بأمورِ الدُّنيا فليسَ بيانُه من وظائفِ الأنبياءِ عليهم السَّلامُ كما قالَ عليهِ السَّلامُ :**«أنتمُ أعلمُ بأمورِ دُنياكُم »**.  فاتقوا الله  في مُخَالفتِي  وَأَطِيعُونِ  فيما أبلِّغُه عنْهُ تعالى

### الآية 43:64

> ﻿إِنَّ اللَّهَ هُوَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ ۚ هَٰذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ [43:64]

إِنَّ الله هُوَ رَبّي وَرَبُّكُمْ فاعبدوه  بيانٌ لما أمرَهُم بالطاعةِ فيهِ، وهُو اعتقادُ التَّوحيدِ والتَّعبدُ بالشرائعِ  هذا  أي التوحيدُ والتَّعبدُ بالشرائعِ  صراط مُسْتَقِيمٍ  لا يضِلّ سالِكُه وهُو إمَّا من تتمة كلامِه عليه السَّلامُ أو استئنافٌ من جهتِه تعالى مقررٌ لمقالةِ عيسَى عليه السَّلامُ.

### الآية 43:65

> ﻿فَاخْتَلَفَ الْأَحْزَابُ مِنْ بَيْنِهِمْ ۖ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْ عَذَابِ يَوْمٍ أَلِيمٍ [43:65]

فاختلف الأحزاب  الفِرقُ المتحزبةُ  مِن بَيْنِهِمْ  أي مِن بينِ مَنْ بُعثَ إليهم من اليهَّودِ والنصَّارَى.  فَوَيْلٌ للَّذِينَ ظَلَمُوا  من المختلفينَ  مِنْ عَذَابِ يَوْمٍ أَلِيمٍ  هو يومُ القيامةِ.

### الآية 43:66

> ﻿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ [43:66]

هَلْ يَنظُرُونَ  أيْ ما ينتظرُ النَّاسُ  إِلاَّ الساعة أَن تَأْتِيَهُمْ  أي إلا إتيانَ الساعةِ.  بَغْتَةً  أيْ فجأةً لكنْ لا عندَ كونِهم مترقبينَ لها بل غافلينَ عنها مشتغلينَ بأمورِ الدُّنيا منكرينَ لها وذلكَ قولُه تعالى : وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ .

### الآية 43:67

> ﻿الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ [43:67]

الأخلاء  المتحابُّون في الدُّنيا على الإطلاقِ أو في الأمورِ الدُّنيويةِ  يَوْمَئِذٍ  يومَ إذْ تأتيهُم الساعةُ  بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ  لانقطاعِ ما بينَهم منْ علائقِ الخُلَّةِ والتَّحابِّ لظهورِ كونِها أسباباً للعذابِ.  إِلاَّ المتقين  فإنَّ خُلَّتَهم في الدُّنيا لمَّا كانتْ في الله تبقَى على حالِها بل تزدادُ بمشاهدةِ كلَ منهُم آثارَ خُلَّتِهم من الثوابِ ورفعِ الدَّرجاتِ، والاستثناءُ على الأولِ متصلٌ وعلى الثَّانِي منقطِعٌ

### الآية 43:68

> ﻿يَا عِبَادِ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ وَلَا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ [43:68]

يا عباد لاَ خَوْفٌ عَلَيْكُمُ اليوم وَلاَ أَنتُمْ تَحْزَنُونَ  حكايةٌ لما يُنادَى به المتقونَ المتحابونَ في الله يومئذٍ تشريفاً لهم وتطييباً لقلوبِهم.

### الآية 43:69

> ﻿الَّذِينَ آمَنُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا مُسْلِمِينَ [43:69]

الذين آمَنُوا بآياتنا  صفةٌ للمُنادَى أو نُصب على المدحِ.  وَكَانُوا مُسْلِمِينَ  أي مُخلصينَ وجوهَهُم لنَا جاعلينَ أنفسَهُم سالمةً لطاعتِنا، وهو حالٌ من واوِ آمنُوا. عن مقاتلٍ : إذَا بعثَ الله النَّاسَ فزعَ كلُّ أحدٍ فُينادِي منادٍ يا عبادِي فيرفعُ الخلائقُ رؤوسَهُم على الرجاءِ ثم يتبعُها الذينَ آمنُوا الآيةَ فينكِّسُ أهلْ الأديانِ الباطلةِ رؤوسَهُم.

### الآية 43:70

> ﻿ادْخُلُوا الْجَنَّةَ أَنْتُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ تُحْبَرُونَ [43:70]

ادخلوا الجنة أَنتُمْ وأزواجكم  نساؤُكم المؤمناتُ.  تُحْبَرُونَ  تُسرُّون سروراً يظهرُ حَبارُه أي أثرُه على وجوهِكم، أو تُزينونَ من الحَبَرةِ وهو حُسن الهيئةِ، أو تُكرمونَ إكراماً بليغاً. والحَبْرةُ المبالغةُ فيما وصفَ بجميلٍ.

### الآية 43:71

> ﻿يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِصِحَافٍ مِنْ ذَهَبٍ وَأَكْوَابٍ ۖ وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ ۖ وَأَنْتُمْ فِيهَا خَالِدُونَ [43:71]

يُطَافُ عَلَيْهِمْ  بعدَ دخولِهم الجنَّةَ حسبَما أُمرِوا بهِ.  بصحاف مّن ذَهَبٍ وأكواب  كذلك. والصِّحافُ جمعُ صَحْفةٍ، قيلَ : هيَ كالقصعَةِ، وقيلَ : أعظمُ القِصَاعِ الجفنةُ ثم القصعةُ ثم الصحفةُ ثم المكيلةُ. والأكوابُ جمعُ كوبٍ وهو كوزٌ لا عُروةَ لَهُ.  وَفِيهَا  أي في الجَّنةِ  مَا تَشْتَهِيهِ الأنفس  من فُنونِ الملاذِّ. وقُرِئ ما تَشْتَهي.  وَتَلَذُّ الأعين  أي تستلذُّه وتقرُّ بمشاهدتِه، وقُرِئ وتلذُّهُ  وَأَنتُمْ فِيهَا خالدون  إتمامٌ للنعمةِ وإكمالٌ للسرورِ، فإنَّ كلَّ نعيمٍ له زوالٌ بالآخرةِ مقارن لخوفِه لا محالةَ. والالتفاتُ للتشريفِ.

### الآية 43:72

> ﻿وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ [43:72]

وَتِلْكَ الجنة  مبتدأٌ وخبرٌ  التي أُورِثْتُمُوهَا  وقُرِئ وُرِّثتمُوهَا  بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ  في الدُنيا الأعمالِ الصالحةِ، شبَّه جزاءَ العملِ بالميراثِ لأنَّه يخلُفه العامل عليه، وقيلَ تلكَ الجنةُ مبتدأٌ وصفةٌ والموصولُ مع صلتِه خبرُهُ، وقيلَ : هو صفةُ الجنةُ كالوجهِ الأولِ والخبرُ بما كنتُم تعملُون فتتعلقُ الباءُ بمحذوفٍ لا بأُورثتمُوها كما في الأولَينِ.

### الآية 43:73

> ﻿لَكُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ كَثِيرَةٌ مِنْهَا تَأْكُلُونَ [43:73]

لَكُمْ فِيهَا فاكهة كَثِيرَةٌ  بحسبِ الأنواعِ والأصنافِ لا بحسبِ الأفرادِ فقطْ  منْهَا تَأْكُلُونَ  أي بعضَها تأكلونَ في كلِّ نوبةٍ، وأمَّا الباقِي فَعَلى الأشجارِ على الدوامِ لا ترى فيها شجرةً خلتْ عن ثمرِهَا لحظةً فهي مزينةٌ بالثمارِ أبداً مُوقَرةٌ بَها. وعنِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم :**«لا ينزعُ رجلٌ من الجنَّةِ من ثمرِها إلا نبتَ مثلاَها مكانَها »**.

### الآية 43:74

> ﻿إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي عَذَابِ جَهَنَّمَ خَالِدُونَ [43:74]

إِنَّ المجرمين  أي الراسخينَ في الإجرامِ وهم الكفارُ حسبَما نبىءُ عنْهُ إيرادُهم في مقابلةِ المؤمنينَ بالآياتِ  فِي عَذَابِ جَهَنَّمَ خالدون  خبرُ إنَّ، أو خالدونَ هُو الخبرُ، وفي متعلقةٌ بهِ.

### الآية 43:75

> ﻿لَا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ [43:75]

لاَ يُفَتَّرُ عَنْهُمْ  أي لا يخففُ العذابُ عنُهم، من قولِهم فَتَرتْ عنْهُ الحُمَّى إذا سكنِتْ قليلاً، والتركيبُ للضعفِ.  وَهُمْ فِيهِ  أي في العذابِ. وقُرِئ فيَها أي في النَّارِ  مُبْلِسُونَ  آيسونَ منَ النَّجاةِ.

### الآية 43:76

> ﻿وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَٰكِنْ كَانُوا هُمُ الظَّالِمِينَ [43:76]

وَمَا ظلمناهم  بذلكَ  ولكن كَانُواْ هُمُ الظالمين  لتعريضِهم أنفسَهُم للعذابِ الخالدِ.

### الآية 43:77

> ﻿وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ ۖ قَالَ إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ [43:77]

وَنَادَوا  خازنَ النَّارِ  يا مالك  وقُرِئ يا مَالِ على التَّرخيمِ بالضمِّ والكسرِ، ولعلَّه رمزٌ إلى ضعفِهم وعجزِهِم عن تأديةِ اللفظِ بتمامِه.  لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ  أي لِيُمتنا حتَّى نستريحَ من قضَى عليه إذا أماتَهُ والمعنى سَلْ ربَّك أنْ يقضي علينا، وهَذا لا يُنافِي ما ذُكرَ من إبلاسِهم لأنَّه جؤارٌ وتمنَ للموتِ لفرطِ الشدَّةِ  قَالَ إِنَّكُمْ ماكثون  أيْ فِي العذابِ أبداً لا خلاصَ لكُم منْهُ بموتٍ ولا بغيرِه، عن ابنِ عبَّاسٍ رضيَ الله عنهُما : أنَّه لا يُجيبُهم إلا بعدَ ألفِ سنةٍ، وقيلَ : بعد مائةٍ، وقيلَ : بعدَ أربعينَ سنةً.

### الآية 43:78

> ﻿لَقَدْ جِئْنَاكُمْ بِالْحَقِّ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ [43:78]

لَقَدْ جئناكم بالحق  في الدُّنيا بإرسالِ الرُّسلِ وإنزال الكتبِ وهو خِطَابُ توبيخٍ وتقريعٍ من جهةِ الله تعالَى مقررٌ لجوابِ مالكٍ ومبينٌ لسببِ مكثِهم، وقيلَ : في قالَ ضميرُ الله تعالَى : ولكن أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقّ  أي حقَ كانَ  كارهون  لا يقبلونَهُ وينفرونَ عنْهُ، وأما الحقُّ المعهودُ الذي هو التوحيدُ أو القرآنُ فكلُّهم كارهونَ له مشمئزّونَ منْهُ

### الآية 43:79

> ﻿أَمْ أَبْرَمُوا أَمْرًا فَإِنَّا مُبْرِمُونَ [43:79]

أَمْ أَبْرَمُوا أَمْراً  كلامٌ مبتدأٌ ناعٍ على المشركينَ ما فعلُوا من الكيدِ برسولِ الله صلى الله عليه وسلم. وأمْ منقطعةٌ وما فَيها من مَعنْى بلْ للانتقالِ من توبيخِ أهلِ النَّارِ إلى حكايةِ جنايةِ هؤلاءِ، والهمزةُ للإنكارِ، فإنْ أُريدَ بالإبرامِ الإحكامُ حقيقةً فهيَ لإنكارِ الوقوعِ واستبعادِه، وإنْ أُريدَ الإحكامُ صورةً فهيَ لإنكارِ الواقعِ واستقباحِه أيْ أأبرمَ مشركُو مكَة أمراً من كيدِهم ومكرِهم برسولِ الله صلى الله عليه وسلم.  فَإِنَّا مُبْرِمُونَ  كيدنَا حقيقةً لا همُ أو فإنَّا مبرمونَ كيدنَا بهم حقيقةً كما أبرمُوا كيدَهُم صورةً كقولِه تعالى : أَمْ يُرِيدُونَ كَيْداً فالذين كَفَرُوا هُمُ المكيدون  \[ سورة الطور، الآية ٤٢ \] وكانُوا يتناجَون في أنديتِهم ويتشاورُون في أمورِه عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ.

### الآية 43:80

> ﻿أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ ۚ بَلَىٰ وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ [43:80]

أَمْ يَحْسَبُونَ  أي بلْ أيحسبونَ  أَنَّا لاَ نَسْمَعُ سِرَّهُمْ  وهو ما حدَّثُوا به أنفسَهُم أو غيرَهُم في مكانٍ خالٍ  ونجواهم  أي ما تكلمُوا به فيما بينهم بطريقِ التَّناجِي  بلى  نحن نسمعُهما ونطَّلِعُ عليهما  وَرُسُلُنَا  الذينَ يحفظونَ عليهم أعمالَهم ويلازمونَهم أينَما كانُوا  لَدَيْهِمْ  عندَهُم  يَكْتُبُونَ  أي يكتبونهما أو يكتبونَ كلَّ ما صدرَ عنهُم من الأفعالِ والأقوالِ التي من جُمْلتِها ما ذُكرَ من سرِّهم ونجواهم. والجملةُ إما عطفٌ على ما يترجمُ عنْهُ بَلَى، أو حالٌ، أي نسمعُهما والحالُ أنَّ رسلَنا يكتبونَ

### الآية 43:81

> ﻿قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَٰنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ [43:81]

قُلْ  أي للكَفرةِ تحقيقاً للحقِّ وتنبيهاً لهم على أنَّ مخالفتَكَ لهم بعدمِ عبادتِك لما يعبدونَهُ من الملائكةِ عليهمِ السَّلامُ ليستْ لبغضِكَ وعداوتِكَ لَهُم أو لمعبوديِهم، بلْ إنَّما هُو لجزمِكَ باستحالةِ ما نسبُوا إليهم وبنَوا عليه عبادتَهُم من كونِهم بناتِ الله تعالى  إِن كَانَ للرحمن وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ العابدين  أيْ لَهُ وذلكَ لأنَّه عليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أعلمُ النَّاسِ بشؤونِه تعالَى وبما يجوزُ عليهِ وبما لا يجوزُ وأولاهُم بمراعاةِ حقوقِه ومن مواجبِ تعظيمِ الوالدِ تعظيمُ ولدِه، وفيهِ من الدلالةِ على انتفاءِ كونِهم كذلكَ على أبلغِ الوجوهِ وأقوَاها وعلى كونِ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم على قوةِ يقينٍ وثباتِ قدمٍ في بابِ التَّوحيدِ ما لا يَخْفى معَ ما فيهِ من استنزالِ الكفرةِ عن رُتبةِ المكابرةِ حسبمَا يُعربُ عنْهُ إيرادُ إِنْ مكانَ لَوْ المنبئةِ عن امتناعِ مقدمِ الشرطيةِ، وقيلَ : إنْ كان للرحمنِ ولدٌ في زعمِكم فأنَا أولُ العابدينَ الموحدينَ لله تعالَى، وقيلَ : فأَنا أولُ الآنفينَ أي المستنكفينَ منْهُ أو منْ أنْ يكونَ له ولدٌ، منْ عَبِدَ يَعْبَدُ إذَا اشتدَّ أَنَفُه، وقيلَ : إنْ نافيةٌ أي ما كانَ للرحمنِ ولدٌ فأنَا أولُ من قالَ بذلكَ. وقُرِئ وُلْدٌ.

### الآية 43:82

> ﻿سُبْحَانَ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ [43:82]

سبحان رَبّ السماوات والأرض رَبّ العرش عَمَّا يَصِفُونَ  أي يصفونَهُ بهِ منْ أنْ يكونَ له ولدٌ. وفي إضافةِ اسمِ الربِّ إلى أعظمِ الأجرامِ وأقواها تنبيهٌ على أنَّها وما فيَها من المخلوقاتِ حيثُ كانتْ تحتَ ملكوتِه وربوبيتِه كيفَ يتوهمُ أنْ يكونَ شيءٌ منها جُزْءاً منْهُ سبحانَهُ وفي تكريرِ اسم الربِّ تفخيمٌ لشأنِ العرشِ.

### الآية 43:83

> ﻿فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا حَتَّىٰ يُلَاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ [43:83]

فَذَرْهُمْ  حيثُ لم يُذعنُوا للحقِّ بعد ما سمعُوا هذا البرهانَ الجليَّ.  يَخُوضُوا  في أباطيلِهم  وَيَلْعَبُوا  في دُنياهُم فإنَّ ما هُم فيهِ من الأفعالِ والأقوالِ ليستْ إلا من بابِ الجهلِ واللعبِ. والجزمُ في الفعلِ لجوابِ الأمرِ.  حتى يلاقوا يَوْمَهُمُ الذي يُوعَدُونَ  من يومِ القيامةِ فإنَّهم يومئذٍ يعلمونَ ما فعلُوا وما يُفعلُ بهم.

### الآية 43:84

> ﻿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَٰهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَٰهٌ ۚ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ [43:84]

وَهُوَ الذي فِي السماء إله وَفِي الأرض إله  الظرفانِ متعلقانِ بالمَعْنى الوصفيِّ، الذي ينبئ عنْهُ الاسمُ الجليلُ من مَعْنى المعبوديةِ بالحقِّ بناءً على اختصاصهِ بالمعبودِ بالحقِّ كما مرَّ في تفسيرِ البسملةِ، كأنَّه قيلَ : وهُو الذي مستحقٌّ لأنْ يعبدَ فيهمَا، وقد مرَّ تحقيقُه في سورةِ الأنعامِ. 
وقُرئ وهُو الذي في السماءِ الله وفي الأرضِ الله، والراجعُ إلى الموصولِ مبتدأٌ قد حذفَ لطولِ الصلةِ بمتعلقِ الخبرِ والعطفِ عليهِ، ولا مساغَ لكونِ الجارِّ خبراً مقدماً وإلهٌ مبتدأٌ مؤخرٌ للزومِ عراءِ الجُملةِ حينئذٍ عن العائدِ، نعمَ يجوزُ أن يكونَ صلةً للموصولِ وإلهٌ خبراً لمبتدأٍ محذوفٍ، على أنَّ الجملةَ بيانٌ للصلةِ وأنَّ كونَهُ في السماءِ على سبيلِ الإلهيةِ لا على سبيلِ الاستقرارِ، وفيهِ نفيُ الآلهةِ السماويةِ والأرضيةِ وتخصيصٌ لاستحقاقِ الإلهيةِ به تعالَى. وقولُه تعالَى : وَهُوَ الحكيم العليم  كالدليلِ على ما قبلَهُ.

### الآية 43:85

> ﻿وَتَبَارَكَ الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَعِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ [43:85]

وَتَبَارَكَ الذي لَهُ مُلْكُ السماوات والأرض وَمَا بَيْنَهُمَا  إمَّا على الدوامِ كالهواءِ أو في بعضِ الأوقاتِ كالطيرِ.  وَعِندَهُ عِلْمُ الساعة  أي العلمُ بالساعةِ التي فيها تقومُ القيامةُ  وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ  للجزاءِ. والالتفاتُ للتهديدِ، وقُرِئ على الغَبيةِ، وقُرِئ تُحشرونَ.

### الآية 43:86

> ﻿وَلَا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ [43:86]

وَلاَ يَمْلِكُ الذين يَدْعُونَ  أي يدعُونهم، وقُرِئ بالتَّاءِ مخففاً ومشدداً  مِن دُونِهِ الشفاعة  كما يزعمُونَ  إِلاَّ مَن شَهِدَ بالحق  الذي هُو التوحيدُ  وَهُمْ يَعْلَمُونَ  بما يشهدونَ بهِ عن بصيرةٍ وإيقانٍ وإخلاصٍ، وجمعُ الضميرِ باعتبارِ مَعْنى مَنْ كمَا أنَّ الإفرادَ أولاً باعتبارِ لفظِها، والاستثناءُ إمَّا متصلٌ والموصولُ عامٌّ لكلِّ ما يُعبدُ من دونِ الله، أو مُنفصلٌ على أنَّه خاصٌّ بالأصنامِ.

### الآية 43:87

> ﻿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ ۖ فَأَنَّىٰ يُؤْفَكُونَ [43:87]

وَلَئِن سَأَلْتَهُم منْ خَلَقَهُمْ  أي سألتَ العابدينَ والمعبودينَ  لَيَقُولُنَّ الله  لتعذرِ الإنكارِ لغايةِ بطلانِه  فأنى يُؤْفَكُونَ  فكيفَ يُصرفونَ عن عبادتِه إلى عبادةِ غيرِه مع اعترافِهم بكونِ الكلِّ مخلوقاً له تعالى.

### الآية 43:88

> ﻿وَقِيلِهِ يَا رَبِّ إِنَّ هَٰؤُلَاءِ قَوْمٌ لَا يُؤْمِنُونَ [43:88]

وَقِيلِهِ  بالجرِّ، إمَّا على أنَّه عطفٌ على الساعةِ أيْ عندَهُ علمُ الساعةِ وعلم قولِه عليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ  يَا رَبّ  الخ. فإنَّ القولَ والقيلَ والقالَ كلَّها مصادرُ، أو عَلى أنَّ الواوَ للقسمِ، وقولَه تعالَى : إِنَّ هَؤُلاَء قَوْمٌ لاَّ يُؤْمِنُونَ  جوابُه. وفي الإقسامِ بهِ من رفعِ شأنِه عليهِ الصَّلاةُ والسَّلام وتفخيمِ دُعائِه والتجائِه إليهِ تعالَى ما لا يَخْفى. وقُرِئ بالنصب بالعطفِ على سرَّهم أو على محلَّ الساعةِ أو بإضمارِ فعلهِ أو بتقديرِ فعلِ القسمِ، وقُرِئ بالرفعِ على الابتداءِ والخبرُ ما بعدَهُ، وقد جُوِّزَ عطفُه على علمُ الساعةِ.

### الآية 43:89

> ﻿فَاصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلَامٌ ۚ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ [43:89]

فاصفح عَنْهُمْ  فأعرضْ عن دعوتِهم واقنَطْ عن إيمانِهم  وَقُلْ سلام  أيْ أمري تسلمٌ منكم ومتاركةٌ.  فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ  حالَهم البتةَ وإنْ تأخرَ ذلكَ، وهو وعيدٌ من الله تعالَى لهم وتسليةٌ لرسولِ الله صلى الله عليه وسلم. وقُرِئ تعلمونَ على أنَّه داخلٌ في حيزِ قُلْ.

## روابط ذات صلة

- [النص القرآني للسورة](https://quranpedia.net/surah/1/43.md)
- [كل تفاسير سورة الزخرف
](https://quranpedia.net/surah-tafsir/43.md)
- [ترجمات سورة الزخرف
](https://quranpedia.net/translations/43.md)
- [صفحة الكتاب: إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم](https://quranpedia.net/book/37.md)
- [المؤلف: أبو السعود](https://quranpedia.net/person/4781.md)

---

زُر [Quranpedia.net](https://quranpedia.net/surah/1/43/book/37) — موسوعة القرآن الكريم: التفاسير، الترجمات، التلاوات، والمواضيع.
