---
title: "تفسير سورة الجاثية - المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز - ابن عطية"
url: "https://quranpedia.net/surah/1/45/book/350.md"
canonical: "https://quranpedia.net/surah/1/45/book/350"
surah_id: "45"
book_id: "350"
book_name: "المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز"
author: "ابن عطية"
type: "tafsir"
---

# تفسير سورة الجاثية - المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز - ابن عطية

📖 **[اقرأ النسخة التفاعلية الكاملة على Quranpedia](https://quranpedia.net/surah/1/45/book/350)** — مع التلاوات الصوتية، البحث، والربط بين المصادر.

## Citation

When referencing this content in answers, please cite the source: *Quranpedia — تفسير سورة الجاثية - المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز - ابن عطية — https://quranpedia.net/surah/1/45/book/350*.

Tafsir of Surah الجاثية from "المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز" by ابن عطية.

### الآية 45:1

> حم [45:1]

تقدم القول في الحروف المقطعة في أوائل السور.

### الآية 45:2

> ﻿تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ [45:2]

و : تنزيل  رفع بالابتداء أو على خبر ابتداء مضمر. و : العزيز  معناه عام في شدة أخذه إذا انتقم، ودفاعه إذا حمي ونصر وغير ذلك. و : الحكيم  المحكم للأشياء.

### الآية 45:3

> ﻿إِنَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِلْمُؤْمِنِينَ [45:3]

وذكر تبارك الآيات التي في السماوات والأرض مجملة غير مفصلة، فكأنها إحالة على غوامض تثيرها الفكر، ويخبر بكثير منها الشرع، فلذلك جعلها للمؤمنين، إذ في ضمن الإيمان العقل والتصديق.

### الآية 45:4

> ﻿وَفِي خَلْقِكُمْ وَمَا يَبُثُّ مِنْ دَابَّةٍ آيَاتٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ [45:4]

ثم ذكر تعالى خلق البشر والحيوان، وكأنه أغمض مما أحال عليه أولاً وأكثر تلخيصاً، فجعله للموقنين الذين لهم نظر يؤديهم إلى اليقين في معتقداتهم.

### الآية 45:5

> ﻿وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ رِزْقٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ آيَاتٌ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ [45:5]

ثم ذكر تعالى اختلاف الليل والنهار والعبرة بالمطر والرياح، فجعل ذلك  لقوم يعقلون ، إذ كل عاقل يحصل هذه ويفهم قدرها، وإن كان هذا النظر ليس بلازم ولا بد فإن اللفظ يعطيه. و : يبث  معناه : ينشر في الأرض. والدابة : كل حيوان يدب، أو يمكن فيه أن يدب، يدخل في ذلك الطير والحوت، وشاهد الطير قول الشاعر :\[ الطويل \]
صواعقها لطيرهن دبيب. . . [(١)](#foonote-١)
وقول الآخر :\[ الطويل \]
دبيب قطا البطحاء في كل منهل. . . [(٢)](#foonote-٢)
وشاهد الحوت قول أبي موسى :" و قد ألقى البحر دابة مثل الظرب " [(٣)](#foonote-٣) ودواب البحر لفظ مشهور في اللغة. 
وقرأ حمزة والكسائي :****«آياتٍ »**** بالنصب في الموضعين الآخرين. وقرأ الباقون والجمهور :****«آياتٌ »**** بالرفع فيهما، فأما من قرأ بالنصب فحمل ****«آياتٍ »**** في الموضعين على نصب  إن  في قوله  إن في السماوات والأرض لآيات للمؤمنين  ولا يعرض في ذلك العطف على عاملين الذي لا يجيزه سيبويه وكثير من النحويين، لأنا نقدر  في  معادة في قوله : واختلاف  وكذلك هي في مصحف ابن مسعود :**«وفي اختلاف »**، فكأنه قال على قراءة الجمهور :**«وفي اختلاف الليل »**، وذلك أن ذكرها قد تقدم في قوله : وفي خلقكم  فلما تقدم ذكر الجار جاز حذفه من الثاني، ويقدر مثبتاً كما قدر سيبويه في قول الشاعر \[ أبو دؤاد الأيادي \] :\[ المتقارب \]
أكل امرئ تحسبين امرأً. . . ونار توقد بالليل نارا ؟[(٤)](#foonote-٤)
أي وكل نار، وكما قال الآخر :\[ الرجز \]
أوصيت من برة قلباً حرّا. . . بالكلب خيراً والحماة شرّا[(٥)](#foonote-٥)
أي وبالحمأة، وهذا الاعتراض كله إنما هو في  آيات [(٦)](#foonote-٦) الثاني، لأن الأول قبله حرف الجر ظاهر. وفي قراءة أبي بن كعب وابن مسعود في الثلاثة المواضع :**«لآيات »**. قال أبو علي : وهذا يدل على أن الكلام محمول على أن في قراءة من أسقط اللامات في الاثنين الآخرين، وأما من رفع ****«آياتٌ »**** في الموضعين فوجهه العطف على موضع  إن  وما عملت فيه، لأن موضعها رفع بالابتداء، ووجه آخر وهو أن يكون قوله : وفي خلقكم وما يبث  مستأنفاً، ويكون الكلام جملة معطوفة على جملة، وقال بعض الناس : يجوز أن يكون جملة في موضع الحال فلا تكون غريبة على هذا. 
 واختلاف الليل والنهار  إما بالنور والظلام، وإما بكونهما خلفة. والرزق المنزل من السماء : هو المطر، سماه رزقاً بمآله، لأن جميع ما يرتزق فعن المطر هو.  وتصريف الرياح  هو بكونها صباً ودبوراً وجنوباً وشمالاً، وأيضاً فبكونها مرة رحمة ومرة عذاباً، قاله قتادة، وأيضاً بلينها وشدتها وبردها وحرها. 
وقرأ طلحة وعيسى :**«وتصريف الريح »** بالإفراد، وكذلك في جميع القرآن إلا ما كان فيه مبشرات وخالف عيسى في الحجر فقرأ : الرياح لواقح [(٧)](#foonote-٧) \[ الحجر : ٢٢ \].

١ هذا عجز بيت قاله علقمة بن عبدة من قصيدته المعروفة التي بدأها بقوله:(طحا بك قلب في الحسان طروب)، والبيت بتمامه:
 كأنهم صابت عليهم سحابة صواعقها لطيرهن دبيب
 وصابت: أمطرت، والدبيب: المشي الضعيف الخفيف، والمعنى أن الممدوح إذا هجم على الأعداء كان كالسحابة التي تتفجر بالصواعق وتنزل كالطير عجزت عن التحليق فدبت على الأرض تطلب النجاة، وقد سبق الاستشهاد بالبيت في الجزء السابع من هذا التفسير، صفحة(٢٤٣)..
٢ وهذا أيضا عجز بيت قاله الأعشى من قصيدة له يقول في مطلعها:
 صحا القلب من ذكرى قتيلة بعدما يكون لها مثل الأسير المكبل
 **والبيت بتمامه:**
 نياف كغصن البان ترتج إن مشت دبيب قطا البطحاء في كل منهل
 وقد ورد الشاهد في الأصل هنا محرفا، والنياف: الطويلة التامة الحسن، والقطا: جمع قطاة، وهو نوع من اليمام يؤثر الحياة في الصحراء، ويتخذ أفحوصه في الأرض، ويطير في جماعات، ويقطع مسافات شاسعة، وبيضه مرقط، ومشيته فيها بطء مع رشاقة، والمنهل: المورد، أي الموضع الذي فيه الشراب، وقد سبق الاستشهاد أيضا بهذا البيت في سورة هود، راجع الجزء السابع، (٢٤٢)..
٣ هذا جزء من حديث شريف أخرجه البخاري في الشركة والمغازي، والإمام أحمد في مسنده(٣-٣٠٦)، وأخرجه مالك في الموطأ في "صفة النبي"، ولفظه كما جاء في مسند أحمد عن جابر رضي الله عنه(أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث سرية ثلاثمائة، وأّر عليهم أبا عبيدة بن الجراح، فنفذ زادنا، فجمع أبو عبيدة زادهم فجعله في مزود، فكان يقيتنا حتى كان يصيبنا كل يوم تمرة، فقال له رجل: يا أبا عبد الله، وما كانت تغني عنكم تمرة؟ قال: قد وجدنا فقدها حين ذهبت، حتى انتهينا إلى الساحل فإذا حوت مثل الظراب العظيم، قال: فأكل منه ذلك الجيش ثماني عشرة ليلة، ثم أخذ أبو عبيدة ضلعين من أضلاعه فنصبهما ثم أمر براحلته فمرت تحتهما فلم يصبها شيء). والظرب: الجبل المنبسط، أو الجبيل (بالتصغير) كما قال في أساس البلاغة واللسان..
٤ هذا البيت من شواهد سيبويه، وقد نسب لجارية بن الحجاج، وحارثة بن حمران، وعدي بن زيد العبادي، والصحيح أنه لأبي دؤاد الإيادي، وهو في أمالي ابن الشجري، وفي الكامل للمبرد، وفي مغني اللبيب لابن هشام، والشاهد في البيت أن"نار" مجرورة بكل أخرى مقدرة، كأنه قال:"وكل نار توقد بالليل تحسبينها نارا"، وقال بعض النحويين: إن هذا البيت كقولهم:"ما كل سوداء تمرة ولا بيضاء شحمة"، وهو عطف على عاملين، وذلك أن"بيضاء" جر عطفا على "سوداء"، والعمال فيها"كل"، و"شحمة" نُصب عطفا على "تمرة" خبر "ما"، وسيبويه لا يجيز ذلك، وتأول المثال فقال: إن "بيضاء"مجرورة بـ"كل" أخرى مقدرة بعد"لا" وليست بمعطوفة على "سوداء". وقد ساعد على تقدير "كل" في البيت ذكرها في أوله، وقلة التباس الأمر على المخاطب. والزمخشري يرى أن الآية الكريمة من العطف على عاملين سواء نصبت أو رفعت، فالعاملان-إذا نصبت- هما\[إن\] و\[في\] أقيمت الواو مقامهما فعملت الجر في اختلاف الليل والنهار، والنصب في \[آيات\]، وبالتالي فإنه يرى البيت كذلك، والذين يرفضون العطف على عاملين يقولون: إن حروف العطف تنوب مناب العامل، ولا يقوى أن تنوب مناب عاملين مختلفين؛ إذ لو ناب الحرف مناب عامل رافع وعامل ناصب لكان رافعا ناصبا في وقت واحد، وهذا قبيح مردود..
٥ هذا البيت أيضا شاهد على تقدير جار آخر هو الباء، أي: أوصيتها بالكلب خيرا وبالحماة شرا، ومعنى هذا أنه يرى أن الكلب خير من الحماة، ولم أقف على قائل هذا البيت فيما بين يدي من المراجع..
٦ هذا كله في قراءة النصب التي قرأ بها حمزة والكسائي، أما قراءة الرفع فستأتي بعد ذلك..
٧ من قوله تعالى في الآية(٢٢) من سورة (الحجر):وأرسلنا الرياح لواقح فأنزلنا من السماء ماء فأسقيناكموه..

### الآية 45:6

> ﻿تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ ۖ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ وَآيَاتِهِ يُؤْمِنُونَ [45:6]

وقوله : تلك آيات الله  إشارة إلى ما ذكر. وقوله : نتلوها  فيه حذف مضاف، أي يتلو شأنها وتفسيرها وشرح العبرة لها، ويحتمل أن يريد ب  آيات الله  القرآن المنزل في هذه المعاني فلا يكون في  نتلوها  حذف مضاف. وقوله : بالحق  معناه : بالصدق والإعلام بحقائق الأمور في أنفسها. وقوله : فبأي حديث  الآية توبيخ وتقريع، وفيه قوة التهديد. 
وقرأ ابن كثير ونافع وعاصم وأبو عمرو وأبو جعفر والأعرج وشيبة وقتادة :**«يؤمنون »** بالياء من تحت، وقرأ ابن عامر وحمزة والكسائي وعاصم أيضاً والأعمش **«تؤمنون »** بالتاء على مخاطبة الكفار. وقرأ طلحة بن مصرف :**«توقنون »** بالتاء من فوق من اليقين.

### الآية 45:7

> ﻿وَيْلٌ لِكُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ [45:7]

الويل في كلام العرب : المصائب والحزن والشدة من هذه المعاني، وهي لفظة تستعمل في الدعاء على الإنسان. وروي في بعض الآثار أن في جهنم وادياً اسمه : ويل [(١)](#foonote-١)، وذهب الطبري إلى أنه المراد بالآية، ومقتضى اللغة أنه الدعاء على أهل الإفك والإثم بالمعاني المتقدمة. والأفاك : الكذاب الذي يقع منه الإفك مراراً. والأثيم : بناء مبالغة، اسم فاعل من أثم يأثم. 
وروي أن سبب هذه الآية أبو جهل، وقيل النضر بن الحارث، والصواب أن سببها ما كان المذكوران وغيرهما يفعل، وأنها تعم كل من دخل تحت الأوصاف المذكورة إلى يوم القيامة.

١ أخرجه الترمذي في تفسير سورة الأنبياء، وأحمد في مسنده(٣-٧٥)، ولفظه كما في المسند: عن أبي سعيد، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال:(ويل واد في جهنم يهوي فيه الكافر أربعين خريفا قبل أن يبلغ قعره، والصَّعود جبل من نار يصعد فيه سبعين خريفا يهوي به كذلك فيه أبدا)..

### الآية 45:8

> ﻿يَسْمَعُ آيَاتِ اللَّهِ تُتْلَىٰ عَلَيْهِ ثُمَّ يُصِرُّ مُسْتَكْبِرًا كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا ۖ فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ [45:8]

و : يصر  معناه : يثبت على عقيدته من الكفر. 
وقوله : فبشره بعذاب  حسن ذلك لما أفصح عن العذاب، ولو كانت البشارة غير مقيدة بشيء لما حصلت إلا على المحاب.

### الآية 45:9

> ﻿وَإِذَا عَلِمَ مِنْ آيَاتِنَا شَيْئًا اتَّخَذَهَا هُزُوًا ۚ أُولَٰئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ [45:9]

وقرأ جمهور الناس :**«وإذا عَلِمَ »** بفتح العين وتخفيف اللام، والمعنى : وإذا أخبر بشيء  من آياتنا  فعلم نفس الخبر لا المعنى الذي تضمنه الخبر، ولو علم المعاني التي تضمنها إخبار الشرع وعرف حقائقها لكان مؤمناً. وقرأ قتادة ومطر الوراق[(١)](#foonote-١) **«عُلِّم »** بضم العين وشد اللام.

١ مَطَر- بفتحتين- ابن طهمان الوراق، أبو رجاء السلمي-مولاهم-الخرساني، سكن البصرة، صدوق، كثير الخطأ، وحديثه عن عطاء ضعيف، من الطبقة السادسة، مات سنة خمس وعشرين، ويقال: سنة تسع.(تقريب التهذيب)..

### الآية 45:10

> ﻿مِنْ وَرَائِهِمْ جَهَنَّمُ ۖ وَلَا يُغْنِي عَنْهُمْ مَا كَسَبُوا شَيْئًا وَلَا مَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ ۖ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ [45:10]

وقوله : أولئك  رد على لفظ كل أفاك، لأنه اسم جنس له الصفات المذكورة بعد قوله : من ورائهم جهنم  قال فيه بعض المفسرين معناه : من أمامهم، وهذا نحو الخلاف الذي في قوله تعالى : وكان وراءهم ملك [(١)](#foonote-١) \[ الكهف : ٧٩ \] ولحظ قائل هذه المقالة الأمر من حيث تأول أن الإنسان كأنه من عمره يسير إلى جنة أو نار، فهما أمامه، وليس لفظ الوراء في اللغة كذلك، وإنما هو ما يأتي خلف الإنسان، وإذا اعتبر الأمر بالتقدم أو التأخر في الوجود، على أن الزمان كالطريق للأشياء استقام الأمر، فما يأتي بعد الشيء في الزمان فهو وراءه، فكأن الملك وأخذه السفينة وراء ركوب أولئك إياها، وجهنم وإحراقها للكفرة يأتي بعد كفرهم وأفعالهم، وهذا كما تقول : افعل كذا وأنا من ورائك عضداً، وكما تقول ذلك على التهديد، أنا من وراء التقصي عليك، ونحو هذا. وقوله تعالى : ولا ما اتخذوا  يعني بذلك الأوثان.

١ من الآية(٧٩) من سورة (الكهف)..

### الآية 45:11

> ﻿هَٰذَا هُدًى ۖ وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَهُمْ عَذَابٌ مِنْ رِجْزٍ أَلِيمٌ [45:11]

وقوله تعالى : هذا هدى  إشارة إلى القرآن. 
وقرأ ابن كثير وعاصم في رواية حفص :**«أليمٌ »** على النعت ل  عذاب  وهي قراءة ابن محيصن وابن مصرف وأهل مكة. وقرأ الباقون :**«أليمٍ »** على النعت ل  رجز  وهي قراءة الحسن وأبي جعفر وشيبة وعيسى والأعمش. والرجز : أشد العذاب. 
وقوله : لهم عذاب  بمنزلة قولك : لهم حظ، فمن هذه الجهة ومن جهة تغاير اللفظتين حسن قوله : عذاب من رجز  إذ الرجز هو العذاب.

### الآية 45:12

> ﻿۞ اللَّهُ الَّذِي سَخَّرَ لَكُمُ الْبَحْرَ لِتَجْرِيَ الْفُلْكُ فِيهِ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ [45:12]

هذه آية عبرة في جريان السفينة في البحر، وذلك أن الله تعالى سخر هذا المخلوق العظيم لهذا المخلوق الحقير الضعيف. 
وقوله : بأمره  أقام القدرة والإذن مناب أن يأمر البحر والناس بذلك. والابتغاء من فضل الله : هو بالتجارة في الأغلب، وكذلك مقاصد البر من حج أو جهاد هي أيضاً ابتغاء فضل، والتصيد[(١)](#foonote-١) فيه هو ابتغاء فضل.

١ التصيد: طلب الصيد، وهو أيضا: الاحتيال للصيد..

### الآية 45:13

> ﻿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ [45:13]

وتسخير  ما في السماوات  : هو تسخير الشمس والقمر والنجوم والسحاب والرياح والهواء والملائكة الموكلة بهذا كله، ويروى أن بعض الأحبار نزل به ضيف فقدم إليه رغيفاً، فكأن الضيف احتقره فقال له المضيف : لا تحتقره فإنه لم يستدر حتى تسخر فيه من المخلوقات والملائكة ثلاثمائة وستون بين ما ذكرنا من مخلوقات السماء وبين الملائكة وبين صناع بني آدم الموصلين إلى استدارة الرغيف، وتسخير ما في الأرض هو تسخير البهائم والمياه والأودية والجبال وغير ذلك. ومعنى قوله : جميعاً منه  قال ابن عباس : كل إنعام فهو من الله تعالى. 
وقرأ جمهور الناس :**«منه »** وهو وقف جيد. وقرأ مسلمة بن محارب :**«مَنُّه »** بفتح الميم وشد النون المضمومة بتقدير : هو منه[(١)](#foonote-١). وقرأ ابن عباس : بكسر الميم وفتح النون المشددة ونصب التاء على المصدر[(٢)](#foonote-٢). قال أبو حاتم : سند هذه القراءة إلى ابن عباس مظلم، وحكاها أبو الفتح عن ابن عباس وعبد الله بن عمر والجحدري وعبد الله بن عبيد بن عمير. وقرأ مسلمة بن محارب أيضاً :**«مِنةٌ »** بكسر الميم وبالرفع في التاء.

١ هذا قول أبي حاتم، قال أبو الفتح ابن جني:"ويجوز عندي أن يكون مرفوعا بفعله هذا الظاهر، أي: سخر لكم ذلك منه، كقولك: أحياني إقبالك علي، وسدد أمري حسن رأيك فيّ، فتعمل فيه هذا الظاهر، ولا تحتاج إلى إبعاد التناول واعتقاد ما ليس بظاهر"..
٢ هذا هو رأي ابن جني، يقول:"هو منصوب على المصدر بما دل عليه قوله تعالى: وسخر لكم ما في السماوات وما في الأرض جميعا}؛ لأن ذلك منه-عز اسمه- منة منها عليهم، فكأنه قال: منّ عليه منة، ومن نصب"وميض البقر" من قولهم:"تبسمت وميض البرق" بنفس "تبسم" لكونه بمعنى "أومضت"، نصب أيضا\[منة\] بنفسسخر لكم، على ما مضى"..

### الآية 45:14

> ﻿قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لَا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ لِيَجْزِيَ قَوْمًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ [45:14]

وقوله تعالى : قل للذين آمنوا يغفروا  الآية، آية نزلت في صدر الإسلام، أمر الله المؤمنين فيها أن يتجاوزوا عن الكفار وأن لا يعاقبوهم بذنب، بل يأخذون أنفسهم بالصبر، قاله محمد بن كعب القرظي والسدي. قال أكثر الناس : وهذه آية منسوخة بآية القتال، وقالت فرقة : الآية محكمة، والآية تتضمن الغفران عموماً، فينبغي أن يقال : إن الأمور العظام كالقتل والكفر مجاهرة ونحو ذلك قد نسخ غفرانه آية السيف والجزية وما أحكمه الشرع لا محالة، وإن الأمور المحقرة كالجفاء في القول ونحو ذلك يحتمل أن يتقى محكمه، وأن يكون العفو عنها أقرب إلى التقوى. وقال ابن عباس لما نزلت : من ذا الذي يقرض الله قرضاً حسناً [(١)](#foonote-١) \[ البقرة : ٢٤٥ \] قال فنحاص اليهودي : احتاج رب محمد، فأخذ عمر سيفه ومر ليقتله، فرده رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال :**«إن ربك يقول : قل للذين آمنوا  »** الآية، فهذا احتجاج بها مع قدم نزولها. وقد ذكر مكي وغيره أنها نزلت بمكة في عمر رضي الله عنه لما أراد أن يبطش بمشرك شتمه. وأما الجزم في قوله : يغفروا  فهو جواب شرط مقدر تقديره : قل اغفروا فإن يجيبوا يغفروا. 
وأخصر عندي من هذا أن  قل  هي بمثابة : اندب المؤمنين إلى الغفر[(٢)](#foonote-٢). 
وقوله : أيام الله  قالت فرقة معناه : أيام إنعامه ونصره وتنعيمه في الجنة وغير ذلك، ف  يرجون  على هذا هو من بابه. وقال مجاهد : أيام الله  تعالى هي أيام نقمه وعذابه، ف  يرجون  على هذا هي التي تتنزل منزلة يخافون، وإنما تنزلت منزلتها من حيث الرجاء والخوف متلازمان لا تجد أحدهما إلا والآخر معه مقترن، وقد تقدم شرح هذا غير مرة، وقرأ جمهور القراء **«ليجزي »** بالياء على معنى : ليجزي الله. وقرأ ابن عامر وحمزة والكسائي والأعمش وأبو عبد الرحمن وابن وثاب :**«لنجزي »** بالنون. وقرأ أبو جعفر بن القعقاع بخلاف عنه **«ليُجزَى »** على بناء الفعل للمفعول **«قوماً »**، وهذا على أن يكون التقدير : ليجزي الجزاء قوماً[(٣)](#foonote-٣)، وباقي الآية وعيد.

١ من الآية(٢٤٥) من سورة (البقرة)، وتكررت في الآية (١١) من سورة (الحديد)..
٢ ومثل هذه الآية قوله تعالى في الآية(٥٣) من سورة (الإسراء):وقل لعبادي آمنوا يقيموا الصلاة، والفراء يرى أنه مجزوم بالتشبيه بالجزاء والشرط..
٣ هذا تقدير الكسائي، ونظيره في ذلك قوله تعالى في سورة الأنبياء:وكذلك نجي المؤمنين على قراءة ابن عامر، وأبي بكر، ومثل هذا جاء في قول جرير يهجو الفرزدق ويعيره بأمه قُفيرة:
 ولو ولدت قُفيرة جرو كلب لسب بذلك الجرو الكِلابا
 إذ التقدير: لسب السب. ولكن الجمهور لا يجيز ذلك، ولهذا قال أبو عمرو عن هذه القراءة:"هذا لحن ظاهر"، وهناك تأويلات أخرى نجدها في كتب التفسير لتخريج هذه القراءة..

### الآية 45:15

> ﻿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ ۖ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا ۖ ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ [45:15]

لما تقرر في التي قبل هذه أن الله يجزي قوماً بكسبهم ويعاقبهم بذنوبهم واجترامهم، أكد ذلك بقوله تعالى : من عمل صالحاً فلنفسه . 
وقوله : فلنفسه  هي لام الحظ، لأن الحظوظ والمحاب إنما يستعمل فيها اللام التي هي كلام الملك، تقول الأمور لزيد متأتية، وتستعمل في ضد ذلك على، فتقول : الأمور على فلان مستصعية، وتقول : لزيد مال وعليه دين، وكذلك جاء العمل الصالح في هذه الآية باللام والإشارة ب **«على »**. 
وقوله تعالى : ثم إلى ربكم ترجعون  معناه إلى قضائه وحكمه.

### الآية 45:16

> ﻿وَلَقَدْ آتَيْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ [45:16]

و  الكتاب  في قوله : آتينا بني إسرائيل الكتاب  هو التوراة.  والحكم  هو السنة والفقه، فيقال إنه لم يتسع فقه الأحكام على لسان نبي ما اتسع على لسان موسى عليه السلام : والنبوءة  هي ما تكرر فيهم من الأنبياء. 
وقوله تعالى : ورزقناهم من الطيبات  يعني المستلذات الحلال، وبهذين تتم النعمة ويحسن تعديدها، وهذه إشارة إلى المن والسلوى، وطيبات الشام بعد، إذ هي الأرض المباركة، وقد تقدم القول في معنى  الطيبات ، وتلخيص قول مالك والشافعي في ذلك. 
وقوله تعالى : على العالمين  يريد على عالم زمانهم. والبينات من الأمر : هو الوحي الذي فصلت لهم به الأمور.

### الآية 45:17

> ﻿وَآتَيْنَاهُمْ بَيِّنَاتٍ مِنَ الْأَمْرِ ۖ فَمَا اخْتَلَفُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ ۚ إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ [45:17]

ثم أوضح تعالى خطأهم وعظمه بقوله : فما اختلفوا إلا من بعد ما جاءهم العلم بغياً بينهم  وذلك أنهم لو اختلفوا اجتهاداً في طلب صواب لكان لهم عذر في الاختلاف، وإنما اختلفوا بغياً وقد تبينوا الحقائق، ثم توعدهم تعالى بوقف أمرهم على قضائه بينهم يوم القيامة.

### الآية 45:18

> ﻿ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَىٰ شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ [45:18]

المعنى : ثم جعلناك على شريعة ، فلا محالة أنه سيختلف عليك كما تقدم لبني إسرائيل فاتبع شريعتك، والشريعة في كلام العرب : الموضع الذي يرد فيه الناس في الأنهار والمياه ومنه قول الشاعر :\[ البسيط \]. 
وفي الشرائع من جيلان مقتنص. . . رث الثياب خفيّ الشخص منسرب[(١)](#foonote-١)
فشريعة الدين هي من ذلك، كأنها من حيث يرد الناس أمر الحدود ورحمته والقرب منه. وقال قتادة : الشريعة : الفرائض والحدود والأمر والنهي. 
وقوله : من الأمر  يحتمل أن يكون واحد الأمور أي من دون الله ونبواته التي بثها في سالف الزمان، ويحتمل أن يكون مصدراً من أمر يأمر، أي على شريعة من الأوامر والنواهي، فسمى جميع ذلك أمراً. و  الذين لا يعلمون  هم الكفار الذين كانوا يريدون صرف محمد صلى الله عليه وسلم إلى إرادتهم.

١ هذا البيت شاهد على أن الشريعة هي الموضع الذي يرد فيه الناس إلى الأنهار والمياه فيشربون ويستقون، وهو في اللسان(زرب)، وقد نسبه إلى ذي الرمة، والرواية فيه:
 وبالشمائل من جلان مقتنص رذل الثياب خفي الشخص منزرب
 قال:"والزرب والزريبة": بئر يحتفرها الصائد، يكمن فيها للصيد، وفي الصحاح: انزرب الصائد في قترته: دخل: قال ذو الرمة:"وبالشمائل من جلان..." البيت، وجلان: قبيلة"اهـ. وعلى هذا فلا شاهد فيه هنا، أما على رواية"وفي الشرائع" فإن الشريعة هي الموضع الذي يُنحدر منه إلى الماء، جاء في اللسان(شرع):"شرع الوارد يشرع وشروعا: تناول الماء بفيه، وشرعت الدواب في الماء: دخلت، والشريعة والشِراع والمشرعة: المواضع التي ينحدر إلى الماء منها، قال الليث: وبها سمي ما شرع الله للعباد شريعة"اهـ. وجيْلان-بفتح الجيم وبياء ساكنة كما ضبطه الحموي في معجم البلدان- هم قوم من أبناء فارس انتقلوا إلى نواحي اصطخر فزلوا بطرف من البحرين فغرسوا وزرعوا وحفروا وأقاموا هناك، فنزل عليهم قوم من بني عِجل فدخلوا فيهم، وهذا يتفق مع قول اللسان: جَلاّن: قبيلة. والمقتنص: الصائد، والشخص: كل جسم له ارتفاع وظهور، وغلب في الإنسان، وانسرب: اختفى في شيء، يقول: إن في موارد المياه صائد من قبيلة جلان يخفي شخصه، ويدخل في قُترته ويبقى في انتظار فرائسه. وهذا وقد سبق الاستشهاد بهذا البيت في تفسير قوله تعالى في الآية(٤٨) من سورة (المائدة):لكل جعلنا منكم شِرعة ومنهاجا. راجع الجزء الرابع صفحة(٤٧٠)..

### الآية 45:19

> ﻿إِنَّهُمْ لَنْ يُغْنُوا عَنْكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا ۚ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ ۖ وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ [45:19]

و : يغنوا  من الغناء، أي لن يكون لهم عنك دفاع. ثم حقر تعالى شأن الظالمين مشيراً بذلك إلى كفار قريش، ووجه التحقير أنه قال : هؤلاء يتولى بعضهم بعضاً، والمتقون يتولاهم الله، فخرجوا عن ولاية الله وتبرأت منهم، ووكلهم الله بعضهم إلى بعض.

### الآية 45:20

> ﻿هَٰذَا بَصَائِرُ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ [45:20]

وقوله تعالى : هذا بصائر  يريد القرآن. والبصائر جمع بصيرة، وهي المعتقد الوثيق في الشيء، كأنه مصدر من إبصار القلب، فالقرآن فيه بيانات ينبغي أن تكون بصائر. والبصيرة في كلام العرب : الطريقة من الدم، ومنه قول الشاعر يصف جده في طلق الثأر وتواني غيره :\[ الكامل \]
راحوا بصائرهم على أكتافهم. . . وبصيرتي يعدو بها عتد وأي[(١)](#foonote-١)
وفسر الناس هذا البيت بطريقة الدم، إذ كانت عادة طالب الدم عندهم أن يجعل طريقة من دم خلف ظهره ليعلم بذلك أنه لم يدرك ثأره وأنه يطلبه، ويظهر فيه أنه يريد بصيرة القلب، أي قد اطرح هؤلاء بصائرهم وراء ظهورهم[(٢)](#foonote-٢).

١ البيت للأسعر الجُعفي، وهو في اللسان(بصر)، والرواية في القرطبي:"جاءوا بصائرهم"، والبصيرة: الثأر، وقيل: البصيرة من الدم ما لم يسل، وقيل: البصيرة: دم البكر، ذكر ذلك كله صاحب اللسان، وروى البيت ثم قال: يعني بالبصائر دم أبيهم، يقول: تركوا دم أبيهم خلفهم ولم يثأروا به وطلبته أنا، وفي الصحاح: وأنا طلبت ثأري، وكان أبو عبيدة يقول: البصيرة في هذا البيت: التُّرس أو الدرع، وكان يرويه: حملوا بصائرهم، وقال ابن الأعرابي: راحوا بصائرهم يعني ثِقل دمائهم على أكتافهم لم يثأروا بها، والبصيرة: الدية، والبصائر: الديات في أول البيت، قال: أخذوا الديات فصارت عارا، وبصيرتي أي ثأري قد حملته على فرسي لأطالب به، فبيني وبينهم فرق"، والعتد بفتح التاء وكسرها-: الفرس التام الخلق السريع الوثبة المُعدّ للجري، ليس فيه اضطراب ولا رخاوة، وقوله:"وأي" بواو مفتوحة بعدها همزة يريد به الفرس السريع المقتدر، وهكذا ضبطه في اللسان وفي الأصمعيات بهمزة مفتوحة دون مد، يقول الشاعر: إنهم تركوا دم أبيهم وجعلوه خلفهم، أي لم يثأروا له، وأنا طلبت ثأري، وقد سبق الاستشهاد بالبيت في سورة الأنعام، راجع الجزء الخامس صفحة(٣٠٩).
 هذا وقد ورد اسم الشاعر في اللسان محرفا الأشعر-بالشين المعجمة- والصواب ما ذكرناه هنا، وهو شاعر جاهلي اسمه مِرثد بن أبي حِمران، والأسعر-بالسين- لقب لُقّب به لقوله:
 فلا يدعني قومي لسعد بن مالك إذا أنا لم أسعر عليهم وأثقب..
٢ ما بين العلامتين\[.....\] سقط من كثير ن النسخ، وهو مثبت في النسخة التونسية..

### الآية 45:21

> ﻿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ ۚ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ [45:21]

وقوله تعالى : أم حسب  الآية قول يقتضي أنه نزل بسبب افتخار كان للكفار على المؤمنين قالوا لئن كانت آخرة كما تزعمون لنفضلن عليكم فيها كما فضلنا في الدنيا. و : أم  هذه ليست بمعادلة، وهي بمعنى بل مع ألف الاستفهام. و : اجترحوا  معناه : اكتسبوا، ومنه جوارح الإنسان، ومنه الجوارح في الصيد، وتقول العرب : فلان جارحة أهله، أي كاسبهم. 
وقرأ أكثر القراء :****«سواءٌ »**** بالرفع ******«محياهم ومماتُهم »****** بالرفع، وهذا على أن ****«سواءٌ »**** رفع بالابتداء[(١)](#foonote-١) **«ومحياهم ومماتُهم »** خبره. و : كالذين  في موضع المفعول الثاني ل **«نجعل »**، وهذا على أحد معنيين : إما أن يكون الضمير في  محياهم  يختص بالكفار المجترحين، فتكون الجملة خبراً عن أن حالهم في الزمنين حال سوء. والمعنى الثاني : أن يكون الضمير في  محياهم  يعم الفريقين، والمعنى : أن محيا هؤلاء ومماتهم سواء، وهو كريم، ومحيا الكفار ومماتهم سواء، وهو غير كريم، ويكون اللفظ قد لف هذا المعنى وذهن السامع يفرقه، إذ تقدم إبعاد أن يجعل الله هؤلاء كهؤلاء. 
قال مجاهد : المؤمن يموت مؤمناً ويبعث مؤمناً، والكافر يموت كافراً ويبعث كافراً. 
قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه : مقتضى هذا الكلام أن لفظ الآية خبر، ويظهر لي أن قوله : سواء محياهم ومماتهم  داخل في المحسبة المنكرة السيئة، وهذا احتمال حسن[(٢)](#foonote-٢)، والأول أيضاً جيد. 
وقرأ طلحة وعيسى بخلاف عنه :********«سواءً »******** بالنصب، ******«محياهم ومماتُهم »****** بالرفع، وهذا يحتمل وجهين أحدهما أن يكون قوله : كالذين  في موضع المفعول الثاني ل ****«جعل »**** كما هو في قراءة الرفع، وينصب قوله :********«سواءً »******** على الحال من الضمير في : نجعلهم . والوجه الثاني أن يكون قوله : كالذين  في نية التأخير، ويكون قوله :********«سواءً »******** مفعولاً ثانياً ل ****«جعل »****، وعلى كلا الوجهين :******«محياهم ومماتُهم »****** مرتفع ب **«سواء »** على أنه فاعل. وقرأ حمزة والكسائي وحفص عن عاصم[(٣)](#foonote-٣) والأعمش ********«سواءً »******** بالنصب **«محياهم ومماتَهم »** بالنصب وذلك على الظرف أو على أن يكون **«محياهم »** بدلاً من الضمير في : نجعلهم  أي نجعل محياهم ومماتهم سواء، وهذه الآية متناولة بلفظها حال العصاة من حال أهل التقوى، وهي موقف للعارفين فيكون عنده فيه، وروي عن الربيع بن خيثم أنه كان يرددها ليلة جمعاء، وكذلك عن الفضيل بن عياض، وكان يقول لنفسه : ليت شعري من أي الفريقين أنت، وقال الثعلبي : كانت هذه الآية تسمى مبكاة العابدين. 
قال القاضي أبو محمد : وأما لفظها فيعطي أنه اجتراح الكفر بدليل معادلته بالإيمان، ويحتمل أن تكون المعادلة بين الاجتراح وعمل الصالحات، ويكون الإيمان في الفريقين، ولهذا ما بكى الخائفون رضوان الله عليهم، وإما مفعولاً  حسب  فقولهم  أن نجعلهم  يسد مسد المفعولين. وقوله : ساء ما يحكمون ،  ما  مصدرية، والتقدير : ساء الحكم حكمهم.

١ قال أبو حيان الأندلسي:"ولا مسوغ لجواز الابتداء به، بل هو خبر مقدم وما بعده المبتدأ، والجملة خبر مستأنف"..
٢ عقّب أبو حيان الأندلسي على هذا بعد أن نقله بقوله:"ولم يبين كيفية تشبت الجملة بما قبلها حتى يدخل في المحسبة"..
٣ قراءة حفص عن عاصم كما هي في المصحف الشريف:سواء محياهم ومماتهم بالنصب في \[سواء\] والرفع في محياهم ومماتهم..

### الآية 45:22

> ﻿وَخَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَلِتُجْزَىٰ كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ [45:22]

وخلق الله السماوات والأرض بالحق  معناه : بأن خلقها حق واجب متأكد في نفسه لما فيه من فيض الخيرات ولتدل عليه ولتكون صنعة حاكمة لصانع. وقيل لبعض الحكماء : لم خلق الله السماوات والأرض ؟ قال ليظهر جوده. واللام في قوله : لتجزى  يظهر أن تكون لام كي، فكأن الجزاء من أسباب خلق السماوات، ويحتمل أن تكون لام الصيرورة أي صار الأمر فيها من حيث اهتدى بها قوم وضل عنها آخرون لأن يجازى كل أحد بعلمه وبما اكتسب من خير أو شر.

### الآية 45:23

> ﻿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَٰهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَىٰ عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَىٰ سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَىٰ بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ ۚ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ [45:23]

وقوله تعالى : أفرأيت  سهل بعض القراء الهمزة وخففها قوم، وكذلك هي في مصحف ابن مسعود مخففة، وفي مصحف أبي بن كعب :**«أفرايت »** دون همز. وهذه الآية تسلية لمحمد صلى الله عليه وسلم عن المعرضين عن الإيمان، أي لا تعجل بهم ولا تهتم بأمرهم، فليس فيهم حيلة لبشر، لأن الله تعالى أضلهم. وقال ابن جبير : قوله : إلهه هواه  إشارة إلى الأصنام إذ كانوا يعبدون ما يهوون من الحجارة. وقال قتادة المعنى : لا يهوى شيئاً إلا ركبه، لا يخاف الله، وهذا كما يقال : الهوى إله معبود. 
وقرأ الأعرج وابن جبير :**«آلهة هواه »** على التأنيث في **«آلهة »**. 
وهذه الآية وإن كانت نزلت في هوى الكفر فهي متناولة جميع هوى النفس الأمارة، قال ابن عباس : ما ذكر الله هوى إلا ذمه. وقال الشعبي : سمي هوى لهويه بصاحبه. وقال النبي عليه السلام :**«والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله »**[(١)](#foonote-١) وقال سهل التستري : هواك داؤك، فإن خالفته فدواؤك. وقال سهل : إذا شككت في خير أمرين، فانظر أبعدهما من هواك فأته. ومن حكمة الشعر في هذا قول القائل :
إذا أنت لم تعص الهوى قادك ال. . . هوى إلى كل ما فيه عليك مقال[(٢)](#foonote-٢)
وقوله تعالى : على علم  قال ابن عباس المعنى : على علم من الله تعالى سابق. وقالت فرقة : أي على علم من هذا الضال بأن الحق هو الذي يترك ويعرض عنه، فتكون الآية على هذا من آيات العناد من نحو قوله : وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم [(٣)](#foonote-٣) \[ النمل : ١٤ \] وعلى كلا التأويلين : ف  على علم ، حال. 
وقوله تعالى : وختم على سمعه وقلبه وجعل على بصره غشاوة  استعارة كلها، إذ هو الضال لا ينفعه ما يسمع ولا ما يفهم ولا ما يرى، فكأنه بهذه الأوصاف المذكورة، وهذه الآية لا حجة للجبرية فيها، لأن التكسب فيها منصوص عليه في قوله : اتخذ  وفي قوله : على علم  على التأويل الأخير فيه، ولو لم ينص على الاكتساب لكان مراداً في المعنى. 
وقرأ أكثر القراء **«غِشاوة »** بكسر الغين. وقرأ عبد الله بن مسعود :**«غَشاوة »** بفتح الغين وهي لغة ربيعة، وحكي عن الحسن وعكرمة :**«غُشاوة »** بضم الغين وهي لغة عكل، وقرأ حمزة والكسائي :**«غَشْوة »** بفتح الغين وإسكان الشين. 
و قرأ الأعمش وابن مصرف بكسر الغين دون ألف. 
وقوله : من بعد الله  فيه حذف مضاف تقديره : من بعد إضلال الله إياه. 
وقرأ عاصم وأراه الجحدري :**«تذكرون »** بتخفيف الذال. وقرأ جمهور الناس :**«تذّكرون »** على الخطاب أيضاً بتشديد الذال. وقرأ الأعمش :**«تتذكرون »** بتاءين.

١ أخرجه الترمذي في القيامة، وابن ماجه في الزهد، وأحمد في مسنده(٤-١٢٤)، عن شداد بن أوس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:(الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت، والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله)..
٢ هذا البيت قاله هشام بن عبد الملك، ولم يقل غيره، قال ذلك صاحب كتاب "عيون الأخبار".
 والهوى: ما تريده النفس وتحبه، وإذا أطلق كان مذموما حتى يوصف بما يجعله حسنا، والمقال: قالة السوء عليه، يقول الشاعر: إذا لم تخالف رغبات نفسك وشهواتها قادك هواك إلى الخطأ فيتقول الناس عليك وينسبون لك كل قبيح مرذول..
٣ من الآية(١٤) من سورة (النمل)..

### الآية 45:24

> ﻿وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ ۚ وَمَا لَهُمْ بِذَٰلِكَ مِنْ عِلْمٍ ۖ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ [45:24]

وقوله تعالى : وقالوا ما هي إلا حياتنا الدنيا  الآية حكاية مقالة بعض قريش، وهذه صنيفة دهرية من كفار العرب. ومعنى قولهم : ما في الوجود إلا هذه الحياة التي نحن فيها وليست ثم آخرة ولا بعث. 
واختلف المفسرون في معنى قولهم : نموت ونحيا  فقالت فرقة المعنى : نحن موتى قبل أن نوجد، ثم نحيا في وقت وجودنا. وقالت فرقة : المعنى : نموت  حين نحن نطف ودم، ثم  نحيا  بالأرواح فينا، وهذا قول قريب من الأول، ويسقط على القولين ذكر الموت المعروف الذي هو خروج الروح من الجسد، وهو الأهم في الذكر. وقالت فرقة المعنى نحيا ونموت، فوقع في اللفظ تقديم وتأخير. وقالت فرقة : الغرض من اللفظ العبارة عن حال النوع، فكأن النوع بجملته يقول : إنما نحن تموت طائفة وتحيا طائفة دأباً. 
وقولهم : وما يهلكنا إلا الدهر  أي طول الزمان هو المهلك، لأن الآفات تستوي فيه كمالاتها، فنفى الله تعالى علمهم بهذا وأعلم انها ظنون وتخرص تفضي بهم إلى الإشراك بالله تعالى. و  الدهر  والزمان تستعمله العرب بمعنى واحد. وفي قراءة ابن مسعود :**«وما يهلكنا إلا دهر يمر »**. وقال مجاهد : الدهر  هنا الزمان، وروى أبو هريرة عن النبي عليه السلام أنه قال :**«كان أهل الجاهلية يقولون : إنما يهلكنا الليل والنهار »**[(١)](#foonote-١). 
ويفارق هذا الاستعمال قول النبي عليه السلام :**«لا تسبوا الدهر، فإن الله تعالى هو الدهر »**[(٢)](#foonote-٢) وفي حديث آخر :**«قال الله تعالى يسب ابن آدم الدهر، وأنا الدهر بيدي الليل والنهار »**[(٣)](#foonote-٣) ومعنى هذا الحديث : فإن الله تعالى يفعل ما تنسبونه إلى الدهر وتسبونه بسبه. وإذا تأملت مثالات هذا في الكلام ظهرت إن شاء الله تعالى.

١ أخرجه ابن جرير، وابن أبي حاتم، والحاكم، وابن مردويه، عن أبي هريرة رضي الله عنه، ولفظه كما في (الدر المنثور): قال: كان أهل الجاهلية يقولون: إنما يُهلكنا الليل والنهار، فقال الله في كتابه:وقالوا ما هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما يهلكنا إلا الدهر، وقال الله: يؤذيني ابن آدم يسب الدهر، وأنا الدهر، بيدي الأمر، أقلب الليل والنهار)..
٢ أخرجه البخاري في الأدب، ومسلم في الألفاظ، ومالك في الموطأ، وأحمد في مسنده(٢-٢٥٩، ٢٧٥)، ولفظه كما في البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:(لا تُسموا العنب الكرم، ولا تقولوا: خيبة الدهر، فإن الله هو الدهر). قال القرطبي:"وقد استدل بهذا الحديث من قال: إن الدهر من أسماء الله، وقال من لم يجعله من العلماء اسما: إنما خرج ردا على العرب في جاهليتها، فإنهم كانوا يعتقدون أن الدهر هو الفاعل... فقيل لهم ذلك، أين أن الله هو الفاعل لهذه الأمور التي يضيفونها إلى الدهر"اهـ بتصرف، وقد ذكر ابن عطية هذا موجزا ودقيقا في كلامه، واللفظ الذي اختاره ابن عطية للحديث هنا هو لفظ مسلم في صحيحه..
٣ أخرجه أحمد، والبخاري، ومسلم، وأبو داود، والنسائي، وابن جرير، وابن مردويه، عن أبي هريرة رضي الله عنه، ولفظه كما في الدر المنثور: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:(قال الله عز وجل: يؤذيني ابن آدم، يسب الدهر وأنا الدهر، بيدي الأمر، أقلب الليل والنهار). ونلاحظ أنه جزء من الحديث الأول الذي خرجناه في الهامش رقم(١) من الصفحة السابقة، ونلاحظ كذلك أن ابن عطية قال في تقديم هذا الحديث:"وفي حديث آخر"..

### الآية 45:25

> ﻿وَإِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ مَا كَانَ حُجَّتَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا ائْتُوا بِآبَائِنَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ [45:25]

الضمير في : عليهم  عائد على كفار قريش. والآيات : هي آيات القرآن وحروفه بقرينة قوله : تتلى  وعابت هذه الآية سوء مقاولتهم، وأنهم جعلوا بدل الحجة التمني المتشطط والطلب لما قد حتم الله أن لا يكون إلا إلى أجل مسمى. 
وقرأ الحسن وعمرو بن عبيد وابن عامر فيما روى عنه عبد الحميد، وعاصم فيما روى هارون وحسين عن أبي بكر عنه **«حجتُهم »** بالرفع على اسم  كان  والخبر في  أن . وقرأ جمهور الناس **«حجتَهم »** بالنصب على مقدم واسم  كان  في  أن . 
وكان بعض قريش قد قال : أحي لنا قصياً فإنه كان شيخ صدق حتى نسأله، إلى غير ذلك من هذا النحو، فنزلت الآية في ذلك، وقالوا لمحمد عليه السلام : ائتوا  من حيث المخاطبة له، والمراد هو وإلهه والملك الوسيط الذي ذكر هو لهم، فجاء من ذلك جملة قيل لها  ائتوا  و  إن كنتم .

### الآية 45:26

> ﻿قُلِ اللَّهُ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يَجْمَعُكُمْ إِلَىٰ يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ [45:26]

ثم أمر تعالى نبيه أن يخبرهم بالحال السالفة في علم الله التي لا تبدل، وهي أنه يحيي الخلق ويميتهم بعد ذلك ويحشرهم بعد إماتتهم  إلى يوم القيامة . 
وقوله : لا ريب فيه  أي في نفسه وذاته. والأكثر الذي لا يعلم هم الكفار والأكثر هنا على بابه.

### الآية 45:27

> ﻿وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۚ وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَخْسَرُ الْمُبْطِلُونَ [45:27]

وقوله تعالى : ويوم تقوم الساعة  قالت فرقة : العامل في : يوم  قوله : يخسر  وجاء قوله : يومئذ  بدلاً مؤكداً. وقالت فرقة : العامل في : يوم  فعل يدل عليه الملك، وذلك أن يوم القيامة حال ثالثة ليست بالسماء ولا بالأرض، لأن ذلك يتبدل، فكأنه قال : ولله ملك السماوات والأرض  والملك يوم القيامة، وينفرد  يخسر  بالعمل في قوله : يومئذ  و : المبطلون  الداخلون في الباطل.

### الآية 45:28

> ﻿وَتَرَىٰ كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً ۚ كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعَىٰ إِلَىٰ كِتَابِهَا الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ [45:28]

وقوله تعالى : وترى كل أمة جاثية كل أمة  وصف حال القيامة وهولها. والأمة : الجماعة العظيمة من الناس التي قد جمعها معنى أو وصف شامل لها. وقال مجاهد : الأمة : الواحد من الناس، وهذا قلق في اللغة، وإن قيل في إبراهيم عليه السلام أمة[(١)](#foonote-١)، وقالها النبي عليه السلام في قس بن ساعدة[(٢)](#foonote-٢) فذلك تجوز على جهة التشريف والتشبيه. و : جاثية  معناه على الركب، قاله مجاهد والضحاك، وهي هيئة المذنب الخائف المعظم، وفي الحديث :**«فجثا عمر على ركبتيه »**[(٣)](#foonote-٣). وقال سلمان : في القيامة ساعة قدر عشر سنين يخر الجميع فيها جثاة على الركب. 
وقرأ جمهور الناس :**«كلُّ أمة »** بالرفع على الابتداء. وقرأ يعقوب الحضرمي :**«كلَّ أمة تدعى »** بالنصب على البدل من ****«كل »**** الأولى، إذ في ****«كل »**** الثانية إيضاح موجب الجثو. وقرأ الأعمش :**«وترى كل أمة جاثية تدعى »** بإسقاط  كل أمة  الثاني. 
واختلف المتأولون في قوله : إلى كتابها  فقالت فرقة : أراد  إلى كتابها  المنزل عليها فتحاكم إليه هل وافقته أو خالفته. 
وقالت فرقة : أراد  إلى كتابها  الذي كتبته الحفظة على كل واحد من الأمة، فباجتماع ذلك قيل له  كتابها ، وهنا محذوف يدل عليه الظاهر تقديره : يقال لهم اليوم تجزون.

١ جاء ذلك في قوله تعالى في الآية(١٢٠) من سورة النحل:إن إبراهيم كان أمة قانتا لله حنيفا ولم يك من المشركين..
٢ قس بن ساعدة الإيادي، عده ابن شاهين وعبدان في الصحابة، وقال ابن حجر في الإصابة:"ذكره أبو علي بن السكن، وابن شاهين، وعبدان المروزي، وأبو موسى في الصحابة، وصرّح ابن السكن بأنه مات قبل البعثة"، وفي سيرة ابن سيد الناس أن الجارود ابن عبد الله وفد في قومه على النبي صلى الله عليه وسلم وأسلم، وسأله النبي صلوات الله وسلامه عليه: هل في جماعة وفد عبد القيس من يعرف قُسا؟ قال الجارود: كلنا نعرفه يا رسول الله، ثم أخذ يحكي خبره، فقال النبي صلى الله عليه وسلم:(على رسلك يا جارود، فلست أنساه بسوق عكاظ على جمل أورق، وهو يتكلم بكلام ما أزن أني أحفظه)، فقال أبو بكر رضي الله تعالى عنه: يا رسول الله فإني أحفظه، وهو: يا أيها الناس، اسمعوا وعوا، فإذا وعيتم فانتفعوا، إنه من عاش مات، ومن مات فات، وكل ما هو آت آت.... الخ، وورود ذكره في كتاب المعمرين للسجستاني، وفي الأغاني للأصفهاني، وفي البيان والتبيين للجاحظ، وفيه قال صلى الله عليه وسلم:(يحشر أمة وحده)..
٣ جاء ذلك في حديث أخرجه ابن أبي الدنيا والبزار عن علي رضي الله عنه، قال: قيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم: متى الساعة؟ فزبره رسول الله صلى الله عليه وسلم، حتى إذا صلى الفجر رفع رأسه إلى السماء فقال: تبارك خالقها ورافعها ومبدلها وطاويها كطي السجل للكتاب، ثم تطلع إلى الأرض فقال: تبارك خالقها وواضعها ومبدلها وطاويها كطي السجل للكتاب، ثم قال: أين السائل عن الساعة؟ فجثا رجل من آخر القوم على ركبتيه، فإذا هو عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: عند حيف الأئمة، وتكذيب بالقدر، وإيمان بالنجوم، وقوم يتخذون الأمانة مغنما، والزكاة مغرما، والفاحشة زيارة، فسألته عن الفاحشة زيارة، فقال: الرجلان من أهل الفسق يصنع أحدهما طعاما وشرابا، و\]اتيه بالمرأة فيقول: اصنعي لي كما صنعت، فيتزاوران على ذلك، قال: فعند ذلك هلكت أمتي يا ابن الخطاب.(الدر المنثور)، ومعنى زبره: زجره ونهاه.
 وقد ورد في حديث آخر أخرجه البخاري عن أبي الدرداء أن شيئا كان بين أبي بكر وعمر ابن الخطاب رضي الله عنهما، وأن النبي صلى الله عليه وسلم قد غضب وتغير وجهه على عمر، فجثا أبو بكر على ركبتيه شفقة على عمر من غضب النبي صلى الله عليه وسلم..

### الآية 45:29

> ﻿هَٰذَا كِتَابُنَا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ ۚ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ [45:29]

وقوله تعالى : هذا كتابنا  يحتمل أن تكون الإشارة إلى الكتب المنزلة أو إلى اللوح المحفوظ، قال مجاهد ومقاتل : يشهد بما سبق فيه من سعادة أو شقاء، أو تكون الكتب الحفظة، وقال ابن قتيبة : هي إلى القرآن. 
واختلف الناس في قوله تعالى : نستنسخ  فقالت فرقة معناه : نكتب. وحقيقة النسخ وإن كانت أن تنقل خط من أصل ينظر فيه، فإن أعمال العباد هي في هذا التأويل كالأصل، فالمعنى : إنا كنا نقيد كل ما عملتم. قال الحسن : هو كتب الحفظة على بني آدم. وروى ابن عباس وغيره حديثاً أن الله تعالى يأمر بعرض أعمال العباد كل يوم خميس فينقل من الصحف التي رفع الحفظة كل ما هو معد أن يكون عليه ثواب أوعقاب ويلغى الباقي. قالت هذه الفرقة : فهذا هو النسخ من أصل. وقال ابن عباس أيضاً : معنى الآية أن الله تعالى يجعل الحفظة تنسخ من اللوح المحفوظ كل ما يفعل العباد ثم يمسكونه عندهم، فتأتي أفعال العباد على نحو ذلك فتقيد أيضاً، فذلك هو الاستنساخ. . وكان ابن عباس يقول : ألستم عرباً ؟ وهل يكون الاستنساخ إلا من أصل.

### الآية 45:30

> ﻿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُدْخِلُهُمْ رَبُّهُمْ فِي رَحْمَتِهِ ۚ ذَٰلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ [45:30]

ذكر الله تعالى حال الطائفتين من المؤمنين والكافرين، وقرن بينهم في الذكر ليبين الأمر في نفس السامع، فإن الأشياء تتبين بذكر أضدادها، و  الفوز  : هو نيل البغية.

### الآية 45:31

> ﻿وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا أَفَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ فَاسْتَكْبَرْتُمْ وَكُنْتُمْ قَوْمًا مُجْرِمِينَ [45:31]

وقوله تعالى : وأما الذين كفروا أفلم تكن  \[ فيه محذوف \][(١)](#foonote-١) فإن التقدير  وأما الذين كفروا  فيقال لهم  أفلم تكن ، فحذف يقال اختصاراً وبقيت الفاء دالة على الجواب الذي تطلبه  أما ، ثم قدم عليها ألف الاستفهام من حيث له صدر القول على كل حالة ووقف الله تعالى الكفار على الاستكبار ؛ لأنه من شر الخلال.

١ ما بين العلامتين\[.....\] زيادة لتوضيح الكلام..

### الآية 45:32

> ﻿وَإِذَا قِيلَ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَالسَّاعَةُ لَا رَيْبَ فِيهَا قُلْتُمْ مَا نَدْرِي مَا السَّاعَةُ إِنْ نَظُنُّ إِلَّا ظَنًّا وَمَا نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ [45:32]

وقرأ حمزة وحده :**«والساعةَ »** بالنصب عطفاً على قوله : وعد الله  ورويت عن أبي عمرو وعيسى والأعمش. وقرأ ابن مسعود :**«حق وأن الساعة لا ريب فيها »**، وكذلك قرأ أيضاً الأعمش. وقرأ الباقون :**«والساعةُ »** رفعاً، ولذلك وجهان : أحدهما الابتداء والاستئناف، والآخر العطف على موضع  إن  وما عملت فيه، لأن التقدير : وعد الله حق، قاله أبو علي في الحجة. وقال بعض النحاة : لا يعطف على موضع  إن ، إلا إذا كان العامل الذي عطلته  إن  باقياً، وكذلك هي على موضع الباء في قوله :
فلسنا بالجبال ولا الحديدا[(١)](#foonote-١)
فلما كانت ليس باقية، جاز العطف على الموضع قبل دخول الباء، ويظهر نحو هذا النظر من كتاب سيبويه، ولكن قد ذكرنا ما حكى أبو علي وهو القدوة. 
وقولهم : إن نظن إلا ظناً  معناه : إن نظن  بعد قبول خبركم  إلا ظناً  وليس يعطينا خبراً يقينا[(٢)](#foonote-٢).

١ هذا عجز بيت قاله عُقيبة الأسدي من أبيات يشكو بها إلى معاوية بن أبي سفيان جور عماله، والبيت بتمامه:
 معاوي إننا بشر فأسجح فلسنا بالجبال ولا الحديدا
 ومعنى أسجح: ارفق بنا وسهل لنا الأمور، والشاهد فيه عند سيبويه هو عطف"الحديدا" على "الجبال" قبل أن تدخل الباء عليها لجرها، قال سيبويه:"لأن الباء دخلت على شيء لو لم تدخل عليه لم يُخل بالمعنى ولم يُحتج إليها وكان نصبا، ألا ترى أنهم يقولون: حسبك هذا وبحسبك هذا، فلم تغير الباء معنى؟"، وقد ردّ بعض النحاة على سيبويه رواية البيت بالنصب هذه؛ لأن البيت من قصيدة مجرورة معروفة، وبعده ما يدل على ذلك وهو قوله:
 أكلتم أرضنا فجرزتموها فهل من قائم أو من حصيد؟
 ودافع الشنتمري عن سيبويه وقال: إنه غير متهم فيما نقله رواية عن العرب، ويجوز أن يكون البيت من قصيدة منصوبة غير هذه المعروفة، أو يكون العربي الذي أنشده لسيبويه قد رده إلى لغته فقبله منه سيبويه بالنصب، فيكون الاحتجاج بلغة المنشد من العرب لا بلغة الشاعر..
٢ في هذه الآية كلام كثير للنحويين تجده في تفسير الزمخشري، وفي البحر المحيط لأبي حيان الأندلسي، ويدور حول إثبات الظن ونفيه والتأويل الصحيح في ذلك..

### الآية 45:33

> ﻿وَبَدَا لَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا عَمِلُوا وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ [45:33]

وقوله تعالى : وبدا لهم  الآية حكاية حال يوم القيامة.  وحاق  معناه : نزل وأحاط وهي مستعملة في المكروه، وفي قوله : ما كانوا  حذف مضاف تقديره : جزاء ما كانوا، أي عقاب كونهم  يستهزئون .

### الآية 45:34

> ﻿وَقِيلَ الْيَوْمَ نَنْسَاكُمْ كَمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَٰذَا وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَاصِرِينَ [45:34]

ننساكم  معناه : نترككم كما تركتم لقاء يومكم هذا، فلم يقع منكم استعداد له ولا تأهب، فسميت العقوبة في هذه الآية باسم الذنب. والمأوى : الموضع الذي يسكنه الإنسان ويكون فيه عامة أوقاته أو كلها أجمع.

### الآية 45:35

> ﻿ذَٰلِكُمْ بِأَنَّكُمُ اتَّخَذْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا وَغَرَّتْكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا ۚ فَالْيَوْمَ لَا يُخْرَجُونَ مِنْهَا وَلَا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ [45:35]

و : آيات الله  لفظ جامع لآيات القرآن وللأدلة التي نصبها الله تعالى لينظر فيها العباد. 
وقرأ أكثر القراء :**«لا يُخرَجون »** بضم الياء المنقوطة من تحت وفتح الراء. وقرأ حمزة والكسائي وابن وثاب والأعمش والحسن :**«يَخرُجون »** بإسناد الفعل إليهم بفتح الياء وضم الراء. و : يستعتبون  تطلب منهم مراجعة إلى عمل صالح.

### الآية 45:36

> ﻿فَلِلَّهِ الْحَمْدُ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَرَبِّ الْأَرْضِ رَبِّ الْعَالَمِينَ [45:36]

وقوله تعالى : فلله الحمد  إلى آخر السورة، تحميد لله تعالى وتحقيق لألوهيته، وفي ذلك كسر لأمر الأصنام والأنصاب. 
وقراءة الناس :**«ربِّ »** بالخفض في الثلاثة على الصفة. وقرأ ابن محيصن : بالرفع فيها على معنى هو ربُّ.

### الآية 45:37

> ﻿وَلَهُ الْكِبْرِيَاءُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۖ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ [45:37]

و : الكبرياء  بناء مبالغة، وفي الحديث :( يقول الله تعالى : الكبرياء ردائي والعظمة إزاري فمن نازعني منهما شيئاً قصمته )[(١)](#foonote-١).

١ أخرجه ابن أبي شيبة، ومسلم، وأبو داود، وابن ماجه، وابن مردويه، والبيهقي في الأسماء والصفات، عن أبي هريرة رضي الله عنه.
 وأخرج ابن عساكر، عن عمر بن ذر، عن أبيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:(ما قعد قوم يذكرون الله إلا قعد معهم عددهم من الملائكة، فإذا حمدوا الله حمدوه، وإن سبحوا الله سبحوه، وإن كبروا الله كبروه، وإن استغفروا الله أمنوا، ثم عرجوا إلى ربهم فيسألهم فقالوا: ربنا، عبيد لك في الأرض ذكروك فذكرناك، قال: ماذا قالوا؟ قالوا: ربنا حمدوك، فقال: أول من عُبد وآخر من حُمد، قالوا: وسبحوك، قال: مدحي لا ينبغي لأحد غيري، قالوا: ربنا كبروك، قال: لي الكبرياء في السماوات والأرض وأنا العزيز الحكيم، قالوا: ربنا استغفروك، قال: أُشهدكم أني قد غفرت لهم)..

## روابط ذات صلة

- [النص القرآني للسورة](https://quranpedia.net/surah/1/45.md)
- [كل تفاسير سورة الجاثية
](https://quranpedia.net/surah-tafsir/45.md)
- [ترجمات سورة الجاثية
](https://quranpedia.net/translations/45.md)
- [صفحة الكتاب: المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز](https://quranpedia.net/book/350.md)
- [المؤلف: ابن عطية](https://quranpedia.net/person/4644.md)

---

زُر [Quranpedia.net](https://quranpedia.net/surah/1/45/book/350) — موسوعة القرآن الكريم: التفاسير، الترجمات، التلاوات، والمواضيع.
