---
title: "تفسير سورة الأحقاف - زاد المسير في علم التفسير - ابن الجوزي"
url: "https://quranpedia.net/surah/1/46/book/340.md"
canonical: "https://quranpedia.net/surah/1/46/book/340"
surah_id: "46"
book_id: "340"
book_name: "زاد المسير في علم التفسير"
author: "ابن الجوزي"
type: "tafsir"
---

# تفسير سورة الأحقاف - زاد المسير في علم التفسير - ابن الجوزي

📖 **[اقرأ النسخة التفاعلية الكاملة على Quranpedia](https://quranpedia.net/surah/1/46/book/340)** — مع التلاوات الصوتية، البحث، والربط بين المصادر.

## Citation

When referencing this content in answers, please cite the source: *Quranpedia — تفسير سورة الأحقاف - زاد المسير في علم التفسير - ابن الجوزي — https://quranpedia.net/surah/1/46/book/340*.

Tafsir of Surah الأحقاف from "زاد المسير في علم التفسير" by ابن الجوزي.

### الآية 46:1

> حم [46:1]

قد تقدم تفسير فاتحتها \[ غافر \].

### الآية 46:2

> ﻿تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ [46:2]

سورة الأحقاف

 بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

 \[سورة الأحقاف (٤٦) : الآيات ١ الى ٤\] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

 حم (١) تَنْزِيلُ الْكِتابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (٢) ما خَلَقْنَا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما إِلاَّ بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمًّى وَالَّذِينَ كَفَرُوا عَمَّا أُنْذِرُوا مُعْرِضُونَ (٣) قُلْ أَرَأَيْتُمْ ما تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَرُونِي ماذا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّماواتِ ائْتُونِي بِكِتابٍ مِنْ قَبْلِ هذا أَوْ أَثارَةٍ مِنْ عِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٤)
 فصل في نزولها **«١»** : روى العوفي وابن أبي طلحة عن ابن عباس أنها مكِّيَّة، وبه قال الحسن، ومجاهد، وعكرمة، وقتادة، والجمهور. وروي عن ابن عباس وقتادة أنهما قالا: فيها آية مدنيّة، وهي قوله: قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ **«٢»**. وقال مقاتل: نزلت بمكة غير آيتين: قوله: قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، وقوله: فَاصْبِرْ كَما صَبَرَ أُولُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ **«٣»**. نزلتا بالمدينة.
 وقد تقدّم تفسير فاتحتها **«٤»** إلى قوله: وَأَجَلٍ مُسَمًّى وهو أجَل فَناء السموات والأرض، وهو يوم القيامة. قوله تعالى: قُلْ أَرَأَيْتُمْ مفسَّر في فاطر **«٥»** إلى قوله: ائْتُونِي بِكِتابٍ **«٦»**، وفي الآية اختصار، تقديره: فإن ادَّعَواْ أن شيئاً من المخلوقات صنعةُ آلهتهم، فقل لهم: ائتوني بكتاب مِنْ قَبْلِ هذا أي: مِنْ قَبْلِ القرآن فيه برهانُ ما تدَّعون من أن الأصنام شركاءُ الله، أَوْ أَثارَةٍ مِنْ عِلْمٍ وفيه ثلاثة أقوال **«٧»** : أحدها: أنه الشيء يثيره مستخرجه، قاله الحسن. والثاني: بقيَّة مِنْ عِلْمٍ تؤثر عن
 (١) سورة الأحقاف مكية في قول جميعهم، كما في **«تفسير القرطبي»** ١٦/ ١٥٤ و **«تفسير ابن كثير»** ٤/ ١٨٢، و **«تفسير الشوكاني»** ٥/ ١٦.
 (٢) الأحقاف: ١٠.
 (٣) الأحقاف: ٣٥.
 (٤) المؤمن: ١- ٢.
 (٥) فاطر: ٤٠.
 (٦) قال ابن العربي في **«أحكام القرآن»** ٤/ ١٢٤: وهي أشرف آية في القرآن، فإنها استوفت أدلة الشرع عقليها وسمعيّها، لقوله تعالى: قُلْ أَرَأَيْتُمْ ما تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَرُونِي ماذا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّماواتِ فهذه بيان لأدلة العقل المتعلقة بالتوحيد، وحدوث العالم، وانفراد الباري سبحانه بالقدرة والعلم والوجود والخلق، ثم قال: ائْتُونِي بِكِتابٍ مِنْ قَبْلِ هذا على ما تقولون وهذه بيان لأدلة السمع فإن مدرك الحقّ إنما يكون بدليل العقل أو بدليل الشرع حسبما بيناه من مراتب الأدلة في كتب الأصول. [.....]
 (٧) قال الطبري رحمه الله في **«تفسيره»** ١١/ ٢٧٣: وأولى الأقوال في ذلك بالصواب قول من قال: الأثارة: البقية من علم، لأن ذلك هو المعروف من كلام العرب. وقد ذكر عن بعضهم أنه قرأه **«أو أثرة»** بسكون الثاء، وإذا وجه ذلك إلى ما قلنا فيه من أنه بقية من علم، جاز أن تكون تلك البقية من علم الخط، ومن علم استثير من كتب الأولين ومن خاصة علم أوثروا به.

### الآية 46:3

> ﻿مَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمًّى ۚ وَالَّذِينَ كَفَرُوا عَمَّا أُنْذِرُوا مُعْرِضُونَ [46:3]

قوله : وَأَجَلٌ مُّسَمًّى  وهو أجل فناء السماوات والأرض، وهو يوم القيامة.

### الآية 46:4

> ﻿قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ ۖ ائْتُونِي بِكِتَابٍ مِنْ قَبْلِ هَٰذَا أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ [46:4]

قوله تعالى : قُلْ أَرَأيْتُمْ  مفسر في \[ فاطر : ٤٠ \] إلى قوله : ائتوني بِكِتَابٍ ، وفي الآية اختصار، تقديره : فإن ادعوا أن شيئا من المخلوقات صنعة آلهتهم، فقل لهم : إيتوني بكتاب  مّن قَبْلِ هَذَا  أي : من قبل القرآن فيه برهان ما تدعون من أن الأصنام شركاء الله،  أَوْ أَثَارَةٍ مّنْ عِلْمٍ  وفيه ثلاثة أقوال :
أحدها : أنه الشيء يثيره مستخرجه، قاله الحسن. 
والثاني : بقية من علم تؤثر عن الأولين، قاله ابن قتيبة، وإلى نحوه ذهب الفراء، وأبو عبيدة. 
والثالث : علامة من علم، قاله الزجاج. 
وقرأ ابن مسعود، وأبو رزين، وأيوب السختياني، ويعقوب : أَثَارَةٍ  بفتح الثاء، مثل شجرة. ثم ذكروا في معناها ثلاثة أقوال :
أحدها : أنه الخط، قاله ابن عباس ؛ وقال : هو خط كانت العرب تخطه في الأرض، قال أبو بكر بن عياش : الخط هو العيافة. 
والثاني : أو علم تأثرونه عن غيركم، قاله مجاهد. 
والثالث : خاصة من علم، قاله قتادة. 
وقرأ أبي بن كعب، وأبو عبد الرحمن السلمي، والحسن، وقتادة، والضحاك، وابن يعمر : أَثَارَةٍ  بسكون الثاء من غير ألف بوزن نظرة. 
وقال الفراء : قرئت " أثارة " و " أثره "، وهي لغات، ومعنى الكل : بقية من علم، ويقال : أو شيء مأثور من كتب الأولين، فمن قرأ " أثارة " فهو المصدر، مثل قولك : السماحة والشجاعة، ومن قرأ " أثرة " فإنه بناه على الأثر، كما قيل : قترة، ومن قرأ " أثرة " فكأنه أراد مثل قوله : الخطفة  \[ الصافات : ١٠ \] و الرجفة  \[ الأعراف : ٧٨ \]. 
وقال اليزيدي : الأثارة : البقية ؛ والأثرة، مصدر أثره يأثره، أي : يذكره ويرويه، ومنه : حديث مأثور.

### الآية 46:5

> ﻿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَىٰ يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ [46:5]

قوله تعالى : مَن لاَّ يَسْتَجِيبُ لَهُ  يعني الأصنام  وَهُمْ عَن دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ  لأنها جماد لا تسمع، فإذا قامت القيامة صارت الآلهة أعداء لعابديها في الدنيا.

### الآية 46:6

> ﻿وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ [46:6]

الأوَّلِين، قاله ابن قتيبة، وإِلى نحوه ذهب الفراء، وأبو عبيدة. والثالث: علامة مِنْ عِلْم، قاله الزجاج.
 وقرأ ابن مسعود، وأبو رزين، وأيوب السختياني، ويعقوب: ******«أثَرَةٍ»****** بفتح الثاء، مثل شجرة. ثم ذكروا في معناها ثلاثة أقوال: أحدها: أنه الخَطُّ، قاله ابن عباس وقال: هو خَط كانت العرب تخُطُّه في الأرض، قال أبو بكر بن عيّاش: الخَطُّ هو العِيافة. والثاني: أو عِلْم تأثُرونه عن غيركم، قاله مجاهد.
 والثالث: خاصَّة مِنْ عِلْم، قاله قتادة. وقرأ أُبيُّ بن كعب، وأبو عبد الرحمن السلمي، والحسن، وقتادة، والضحاك، وابن يعمر: **«أثْرَةٍ»** بسكون الثاء من غير ألف بوزن نَظْرَةٍ. وقال الفراء: قرئت ****«أثارةٍ»**** و ******«أثَرَةٍ»******، وهي لغات، ومعنى الكل: بقيَّة مِنْ عِلْم، ويقال: أو شيء مأثور من كتب الأولين، فمن قرأ ****«أثارةٍ»**** فهو المصدر، مثل قولك: السماحة والشجاعة، ومن قرأ ******«أثَرَةٍ»****** فإنه بناه على الأثَر، كما قيل:
 قَتَرة، ومن قرأ **«أثرة»** فكأنه أراد قوله: **«الخطفة»** **«١»** و **«الرّجفة»** **«٢»**. وقال اليزيدي: الأثارة: البقيَّة والأثَرَة، مصدر أثَرَه يأثُرُه، أي: يذكُره ويَرويه، ومنه: حديثٌ مأثور.
 \[سورة الأحقاف (٤٦) : الآيات ٥ الى ٨\]
 وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعائِهِمْ غافِلُونَ (٥) وَإِذا حُشِرَ النَّاسُ كانُوا لَهُمْ أَعْداءً وَكانُوا بِعِبادَتِهِمْ كافِرِينَ (٦) وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ لَمَّا جاءَهُمْ هذا سِحْرٌ مُبِينٌ (٧) أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ قُلْ إِنِ افْتَرَيْتُهُ فَلا تَمْلِكُونَ لِي مِنَ اللَّهِ شَيْئاً هُوَ أَعْلَمُ بِما تُفِيضُونَ فِيهِ كَفى بِهِ شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٨)
 قوله تعالى: مَنْ لاَ يَسْتَجِيبُ لَهُ يعني الأصنام وَهُمْ عَنْ دُعائِهِمْ غافِلُونَ لأنها جماد لا تَسمع، فإذا قامت القيامة صارت الآلهة أعداءً لعابديها في الدنيا. ثم ذكر بما بعد هذا أنهم يسمُّون القرآن سِحْراً وأن محمداً افتراه. قوله تعالى: فَلا تَمْلِكُونَ لِي مِنَ اللَّهِ شَيْئاً أي: لا تقدِرون على أن ترُدُّوا عني عذابَه، أي: فكيف أفتري مِنْ أجِلكم وأنتم لا تقدرون على دفع عذابه عنِّي؟! هُوَ أَعْلَمُ بِما تُفِيضُونَ فِيهِ أي: بما تقولون في القرآن وتخوضون فيه من التكذيب والقول بأنه سِحْر كَفى بِهِ شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ أن القرآن جاء مِنْ عندِ الله وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ في تأخير العذاب عنكم. وقال الزجاج: إنما ذكر هاهنا الغُفران والرَّحمة ليُعْلِمَهم أنَّ من أتى ما أَتَيْتُم ثم تاب فإن الله تعالى غفور له رحيم به.
 \[سورة الأحقاف (٤٦) : الآيات ٩ الى ١٠\]
 قُلْ ما كُنْتُ بِدْعاً مِنَ الرُّسُلِ وَما أَدْرِي ما يُفْعَلُ بِي وَلا بِكُمْ إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ ما يُوحى إِلَيَّ وَما أَنَا إِلاَّ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٩) قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَكَفَرْتُمْ بِهِ وَشَهِدَ شاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ عَلى مِثْلِهِ فَآمَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (١٠)
 قوله تعالى: قُلْ ما كُنْتُ بِدْعاً مِنَ الرُّسُلِ أي: ما أنا بأوَّل رسولٍ. والبِدْع والبديع من كل شيء:
 المبتدأ وَما أَدْرِي ما يُفْعَلُ بِي وَلا بِكُمْ وقرأ ابن يعمر، وابن أبي عبلة: **«ما يَفْعَلُ»** بفتح الياء ثم فيه

 (١) الصافات: ١٠.
 (٢) الأعراف: ٧٨.

قولان: أحدهما: أنه أراد بذلك ما يكون في الدنيا. ثم فيه قولان **«١»** :
 (١٢٦٢) أحدهما: أنه لمّا اشتدّ البلاء بأصحاب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، رأى في المنام أنه هاجر إلى أرضٍ ذاتِ نخلٍ وشجرٍ وماءٍ، فقصَّها على أصحابه، فاستبشَروا بذلك لما يلقَون من أذى المشركين. ثم إِنهم مكثوا بُرهة لا يرَوْن ذلك، فقالوا: يا رسول الله متى تُهاجِر إلى الأرض التي رأيت؟ فسكت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فأنزل الله تعالى: وَما أَدْرِي ما يُفْعَلُ بِي وَلا بِكُمْ يعني لا أدري، أخرُجُ إِلى الموضع الذي رأيتُه في منامي أم لا؟ ثم قال: إِنما هو شيء رأيتُه في منامي، وما أَتَّبِعُ إِلَّا ما يُوحى إِلَيَّ، رواه أبو صالح عن ابن عباس. وكذلك قال عطية: ما أدري هل يتركني بمكة أو يُخرجني منها.
 والثاني: ما أدري هل أُخْرَج كما أُخْرج الأنبياءُ قَبْلي، أو أُقْتَل كما قُتِلوا، ولا أدري ما يُفْعَل بكم، أتعذَّبونَ أم تؤخَّرونَ؟ أتُصدَّقونَ أم تُكذَّبونَ؟ قاله الحسن.
 والقول الثاني: أنه أراد ما يكون في الآخرة.
(١٢٦٣) روى ابن أبي طلحة عن ابن عباس قال: لمّا نزلتْ هذه الآية، نزل بعدها لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَما تَأَخَّرَ **«٢»** وقال: لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ جَنَّاتٍ... الآية **«٣»**، فأُعلم ما يُفْعَل به وبالمؤمنين. وقيل: إن المشركين فرحوا عند نزول هذه الآية وقالوا: ما أمْرُنا وأمْرُ محمد إلاّ واحد، ولولا أنه ابتدع ما يقوله لأخبره الذي بعثه بما يفعل به، فنزل قوله: لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ... الآية، فقال الصحابة: هنيئاً لك يا رسول الله، فماذا يُفْعَل بنا؟ فنزلت:

 لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ جَنَّاتٍ  الآية وممن ذهب إِلى هذا القول أنس وعكرمة وقتادة. وروي عن الحسن ذلك. قوله تعالى: قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ يعني القرآن وَكَفَرْتُمْ بِهِ وَشَهِدَ شاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ وفيه قولان **«٤»** : أحدهما: أنه عبد الله بن سلام، رواه العوفي عن ابن عباس، وبه قال
 واه بمرة. ذكره الواحدي في **«أسباب النزول»** ٧٤٤ معلقا عن الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس وهذا ساقط، الكلبي متروك كذاب، والخبر واه بمرة ليس بشيء.
 أخرجه الطبري ٣١٢٣٩ عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس مختصرا، وفيه إرسال بينهما.
 __________
 (١) قال الطبري في ****«تفسيره»**** ١١/ ٢٧٧: وأولى الأقوال في ذلك بالصحة وأشبهها بما دل عليه التنزيل، القول الذي قاله الحسن البصري. ومحال أن يقول لرسول الله صلّى الله عليه وسلّم: قل للمشركين ما أدري ما يفعل بي ولا بكم في الآخرة، وآيات كتاب الله عز وجل في تنزيله ووحيه إليه متتابعة بأن المشركين في النار مخلدون، والمؤمنون في الجنان منعمون، وبذلك يرهبهم مرة، ويرغبهم أخرى، ولو قال لهم ذلك، لقالوا له: فعلام نتبعك إذن وأنت لا تدري إلى أي حال تصير غدا في القيامة. وقال ابن كثير في **«تفسره»** ٤/ ١٨٤: وهذا القول الذي عوّل عليه ابن جرير وأنه لا يجوز غيره، ولا شك في أن هذا هو اللائق به صلوات الله وسلامه عليه فإنه بالنسبة إلى الآخرة جازم أنه يصير إلى الجنة هو ومن اتبعه، وأما في الدنيا فلم يدر ما كان يؤول إليه أمره، وأمر مشركي قريش إلى ماذا؟ أيؤمنون أم يكفرون فيعذبون فيستأصلون بكفرهم؟
 (٢) الفتح: ٢.
 (٣) الفتح: ٥.
 (٤) قال الطبري رحمه الله في ****«تفسيره»**** ١١/ ٢٨١: والصواب من القول في ذلك عندنا أن الذي قاله مسروق: هو موسى والتوراة، لا ابن سلام، لأنه أسلم بالمدينة والسورة مكية، في تأويل ذلك أشبه بظاهر التنزيل، لأن الآية في سياق توبيخ الله تعالى ذكره مشركي قريش، واحتجاجا عليهم لنبيه صلّى الله عليه وسلّم، وهذه الآية نظير سائر الآيات قبلها ولم يجر لأهل الكتاب ولا لليهود قبل ذلك ذكر، فتوجه الآية إلى أنها فيهم نزلت، غير أن الأخبار قد وردت عن جماعة من أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بأن ذلك عني به عبد الله بن سلام وعليه أكثر أهل التأويل، وهم كانوا أعلم بمعاني القرآن والسبب الذي فيه نزل، وما أريد به.
 - وقال القرطبي رحمه الله في **«الجامع لأحكام القرآن»** ١٦/ ١٦٢: ويجوز أن تكون الآية نزلت بالمدينة وتوضع في سورة مكية، فإن الآية كانت تنزل فيقول النبي صلّى الله عليه وسلّم: ضعوها في سورة كذا، والآية في محاجة المشركين، ووجه الحجة أنهم كانوا يراجعون اليهود في أشياء، أي شهادتهم لهم وشهادة نبيهم هي من أوضح الحجج، ولا يبعد أن تكون السورة في محاجة اليهود.

### الآية 46:7

> ﻿وَإِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ هَٰذَا سِحْرٌ مُبِينٌ [46:7]

ذكر بما بعد هذا أنهم يسمون القرآن سحرا وأن محمدا افتراه.

### الآية 46:8

> ﻿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ ۖ قُلْ إِنِ افْتَرَيْتُهُ فَلَا تَمْلِكُونَ لِي مِنَ اللَّهِ شَيْئًا ۖ هُوَ أَعْلَمُ بِمَا تُفِيضُونَ فِيهِ ۖ كَفَىٰ بِهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ ۖ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ [46:8]

قوله تعالى : فَلاَ تَمْلِكُونَ لِي مِنَ اللَّهِ شَيْئاً  أي : لا تقدرون على أن تردوا عني عذابه، أي : فكيف أفتري من أجلكم وأنتم لا تقدرون على دفع عذابه عني ؟ !  هُوَ أَعْلَمُ بِمَا تُفِيضُونَ فِيهِ  أي : بما تقولون في القرآن وتخوضون فيه من التكذيب والقول بأنه سحر  كَفَى بِهِ شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ  أن القرآن جاء من عند الله  وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ  في تأخير العذاب عنكم. وقال الزجاج : إنما ذكر هاهنا الغفران والرحمة ليعلمهم أن من أتى ما أتيتم ثم تاب فإن الله تعالى غفور له رحيم به.

### الآية 46:9

> ﻿قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلَا بِكُمْ ۖ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَىٰ إِلَيَّ وَمَا أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ [46:9]

قوله تعالى : قُلْ مَا كُنتُ بِدْعاً مّنَ الرُّسُلِ  أي : ما أنا بأول رسول. والبدع والبديع من كل شيء : المبتدأ  وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلاَ بِكُمْ  وقرأ ابن يعمر، وابن أبي عبلة :" ما يفعل " بفتح الياء ثم فيه قولان : أحدهما : أنه أراد بذلك ما يكون في الدنيا. ثم فيه قولان : أحدهما : أنه لما اشتد البلاء بأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، رأى في المنام أنه هاجر إلى أرض ذات نخل وشجر وماء، فقصّها على أصحابه، فاستبشروا بذلك لما يلقون من أذى المشركين. ثم إنهم مكثوا بُرهة لا يرون ذلك، فقالوا : يا رسول الله متى تُهاجر إلى الأرض التي رأيت ؟ فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله تعالى : وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلاَ بِكُمْ  يعني : لا أدري، أخرج إلى الموضع الذي رأيته في منامي أم لا ؟ ثم قال :( إنما هو شيء رأيته في منامي، وما  أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَى إِلَي ، رواه أبو صالح عن ابن عباس، وكذلك قال عطية : ما أدري هل يتركني بمكة أو يُخرجني منها. 
والثاني : ما أدري هل أُخرج كما أخرج الأنبياء قبلي، أو أُقتل كما قتلوا، ولا أدري ما يُفعل بكم، أتعذبون أم تؤخرون ؟ أتصدقون أم تكذبون ؟ قاله الحسن. 
والقول الثاني : أنه أراد ما يكون في الآخرة. روى ابن أبي طلحة عن ابن عباس قال : لمّا نزلت هذه الآية، نزل بعدها  لّيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ  \[ الفتح : ٢ \] وقال : لّيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ. . .  الآية \[ الفتح : ٥ \] فأعلم ما يُفعل به وبالمؤمنين. وقيل : إن المشركين فرحوا عند نزول هذه الآية وقالوا : ما أمرنا وأمر محمد إلا واحد، ولولا أنه ابتدع ما يقوله لأخبره الذي بعثه بما يفعل به، فنزل قوله : لّيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ. . .  الآية \[ الفتح : ٢ \]، فقال الصحابة : هنيئا لك يا رسول الله، فماذا يُفعل بنا ؟ فنزلت : لّيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ. . .  الآية \[ الفتح : ٥ \] ؛ وممن ذهب إلى هذا القول أنس، وعكرمة، وقتادة. وروي عن الحسن ذلك.

### الآية 46:10

> ﻿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَكَفَرْتُمْ بِهِ وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَىٰ مِثْلِهِ فَآمَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمْ ۖ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ [46:10]

قوله تعالى : قُلْ أَرَأيْتُمْ إِن كَانَ مِنْ عِندِ اللَّهِ  يعني القرآن  وَكَفَرْتُمْ بِهِ وَشَهِدَ شَاهِدٌ مّن بَنِي إِسْرائيلَ  وفيه قولان :
أحدهما : أنه عبد الله بن سلام، رواه العوفي عن ابن عباس، وبه قال الحسن، ومجاهد، وقتادة، والضحاك، وابن زيد. 
والثاني : أنه موسى بن عمران عليه السلام، قاله الشعبي، ومسروق. 
فعلى القول الأول يكون ذكر المثل صلة، فيكون المعنى : وشهد شاهد من بني إسرائيل عليه، أي : على أنه من عند الله،  فَآمَنَ  الشاهد، وهو ابن سلام  وَاسْتَكْبَرْتُمْ  يا معشر اليهود. 
وعلى الثاني يكون المعنى : وشهد موسى على التوراة التي هي مثل القرآن أنها من عند الله، كما شهد محمد على القرآن أنه كلام الله،  فآمن  من آمن بموسى والتوراة،  واستكبرتم  أنتم يا معشر العرب أن تؤمنوا بمحمد والقرآن. 
فإن قيل : أين جواب " إن " ؟ قيل : هو مضمر، وفي تقديره ستة أقوال :
أحدها : أن جوابه : فمن أضل منكم، قاله الحسن. 
والثاني : أن تقدير الكلام : وشهد شاهد من بني إسرائيل على مثله فآمن، أتؤمنون ؟ قاله الزجاج. 
والثالث : أن تقديره : أتأمنون عقوبة الله ؟ قاله أبو علي الفارسي. 
والرابع : أن تقديره : أفما تهلكون ؟ ذكره الماوردي. 
والخامس : من المحق منا ومنكم ومن المبطل ؟ ذكره الثعلبي. 
والسادس : أن تقديره : أليس قد ظلمتم ؟ ويدل على هذا المحذوف قوله : إِنَّ اللَّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ  ذكره الواحدي.

### الآية 46:11

> ﻿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا لَوْ كَانَ خَيْرًا مَا سَبَقُونَا إِلَيْهِ ۚ وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ فَسَيَقُولُونَ هَٰذَا إِفْكٌ قَدِيمٌ [46:11]

قوله تعالى : وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لِلَّذِينَ آمَنُواْ. . .  الآية، في سبب نزولها خمسة أقوال :
أحدها : أن الكفار قالوا : لو كان دين محمد خيرا ما سبقنا إليه اليهود، فنزلت هذه الآية، قاله مسروق. 
والثاني : أن امرأة ضعيفة البصر أسلمت، وكان الأشراف من قريش يهزؤون بها ويقولون : والله لو كان ما جاء به محمد خيرا ما سبقتنا هذه إليه، فنزلت هذه الآية، قاله أبو الزناد. 
والثالث : أن أبا ذر الغفاري أسلم واستجاب به قومه إلى الإسلام، فقالت قريش : لو كان خيرا ما سبقونا إليه، فنزلت هذه الآية، قاله أبو المتوكل. 
والرابع : أنه لما اهتدت مُزَيْنَة وجُهينة وأسلمت، قالت أسد وغطفان : لو كان خيرا ما سبقنا إليه رعاء الشاء، يعنون مُزينة وجُهينة، فنزلت هذه الآية، قاله ابن السائب. 
والخامس : أن اليهود قالوا : لو كان دين محمد خيرا ما سبقتمونا إليه، لأنه لا علم لكم بذلك، ولو كان حقا لدخلنا فيه. 
ذكره أبو سليمان الدمشقي وقال : هو قول من يقول : إن الآية نزلت بالمدينة ؛ ومن قال : هي مكية، قال : هو قول المشركين. فقد خرج في  الذين كفروا  قولان :
أحدهما : أنهم المشركون. والثاني : اليهود. 
وقوله : لَوْ كَانَ خَيْراً  أي : لو كان دين محمد خيرا  مَّا سَبَقُونَا إِلَيْهِ . 
فمن قال : هم المشركون، قال : أرادوا إنا أعز وأفضل ؛ ومن قال هم اليهود، قال : أرادوا : لأنا أعلم. 
قوله تعالى : وَإِذَا لَمْ يَهْتَدُواْ بِهِ  أي : بالقرآن  فَسَيَقُولُونَ هَذَا إِفْكٌ قَدِيمٌ  أي : كذب متقدم، يعنون أساطير الأولين.

### الآية 46:12

> ﻿وَمِنْ قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَىٰ إِمَامًا وَرَحْمَةً ۚ وَهَٰذَا كِتَابٌ مُصَدِّقٌ لِسَانًا عَرَبِيًّا لِيُنْذِرَ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَبُشْرَىٰ لِلْمُحْسِنِينَ [46:12]

وَمِن قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَى  أي : من قبل القرآن التوراة. وفي الكلام محذوف، تقديره : فلم يهتدوا، لأن المشركين لم يهتدوا بالتوارة. 
 إِمَاماً  قال الزجاج : هو منصوب على الحال  وَرَحْمَةً  عطف عليه  وَهَذَا كِتَابٌ مُّصَدّقٌ  المعنى : مصدق للتوراة  لّسَاناً عَرَبِيّاً  منصوب على الحال ؛ المعنى : مصدق لما بين يديه عربيا ؛ وذكر " لسانا " توكيدا، كما تقول : جاءني زيد رجلا صالحا، تريد : جاءني زيد صالحا. 
قوله تعالى : لّيُنذِرَ الَّذِينَ ظَلَمُواْ  قرأ عاصم، وأبو عمرو، وحمزة، والكسائي : لّيُنذِرَ  بالياء. وقرأ نافع، وابن عامر، ويعقوب : لّتُنذِرَ  بالتاء. وعن ابن كثير كالقراءتين.  وَالَّذِينَ ظَلَمُواْ  المشركين  وَبُشْرَى  أي : وهو بشرى  لّلْمُحْسِنِينَ  وهم الموحدون يبشرهم بالجنة.

### الآية 46:13

> ﻿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ [46:13]

هذا قد تقدم تفسيره \[ فصلت : ٣٠ \]

### الآية 46:14

> ﻿أُولَٰئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [46:14]

نص مكرر لاشتراكه مع الآية ١٣:هذا قد تقدم تفسيره \[ فصلت : ٣٠ \]---

### الآية 46:15

> ﻿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا ۖ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا ۖ وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا ۚ حَتَّىٰ إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَىٰ وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي ۖ إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ [46:15]

قوله : بِوَالِدَيْهِ حُسْناً  وقرأ عاصم، وحمزة، والكسائي : إِحْسَاناً  بألف. 
 حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهاً  قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو : كَرْهاً  بفتح الكاف ؛ وقرأ الباقون : بضمها. قال الفراء : والنحويون يستحبون الضم هاهنا، ويكرهون الفتح، للعلة التي بيناها عند قوله : وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ  \[ البقرة : ٢١٦ \] قال الزجاج : والمعنى حملته على مشقة  وَوَضَعَتْهُ  على مشقة  وَفِصَالُهُ  أي : فطامه. وقرأ يعقوب : وَفصلُهُ  بفتح الفاء وسكون الصاد من غير ألف  ثَلاَثُونَ شَهْراً . قال ابن عباس : ووضعته كُرها  يريد به شدة الطلق. واعلم أن هذه المدة قُدرت لأقل الحمل وأكثر الرضاع ؛ فأما الأشد، ففيه أقوال قد تقدمت. واختار الزجاج : أنه بلوغ ثلاث وثلاثين سنة، لأنه وقت كمال الإنسان في بدنه وقوته واستحكام شأنه وتمييزه. وقال ابن قتيبة : أشد الرجل غير أشد اليتيم، لأن أشد الرجل : الاكتهال والحنكة وأن يشتد رأيه وعقله، وذلك ثلاثون سنة. ويقال : ثمان وثلاثون سنة، وأشدّ الغلام : أن يشتد خلقه ويتناهى نباته. وقد ذكرنا بيان الأشد في \[ الأنعام : ١٥٣ \] وفي \[ يوسف : ٢٢ \] وهذا تحقيقه. واختلفوا فيمن نزلت هذه الآية على ثلاثة أقوال :
أحدها : أنها نزلت في أبي بكر الصديق رضي الله عنه، وذلك أنه صحب رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو ابن ثمان عشرة سنة ورسول الله صلى الله عليه وسلم ابن عشرين سنة وهم يريدون الشام في تجارة، فنزلوا منزلا فيه سدرة، فقعد رسول الله صلى الله عليه وسلم في ظلها، ومضى أبو بكر إلى راهب هناك يسأله عن الدين، فقال له : من الرجل الذي في ظل السدرة ؟ فقال : ذاك محمد بن عبد الله بن عبد المطلب، فقال : هذا والله نبي، وما استظل تحتها أحد بعد عيسى إلا محمد نبي الله، فوقع في قلب أبي بكر اليقين والتصديق، فكان لا يفارق رسول الله صلى الله عليه وسلم في أسفاره وحضره، فلما نبىء رسول الله صلى الله عليه وسلم -وهو ابن أربعين سنة وأبو بكر ابن ثمان وثلاثين سنة -صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما بلغ أربعين سنة، قال : رب أوزعني أن أشكر نعمتك التي أنعمت عليّ، رواه عطاء عن ابن عباس، وبه قال الأكثرون ؛ قالوا : فلما بلغ أبو بكر أربعين سنة، دعا الله عز وجل بما ذكره في هذه الآية، فأجابه الله، فأسلم والداه وأولاده ذكورهم وإناثهم، ولم يجتمع ذلك لغيره من الصحابة. 
والقول الثاني : أنها نزلت في سعد بن أبي وقاص، وقد شرحنا قصته في سورة \[ العنكبوت : ٨ \]، وهذا مذهب الضحاك، والسدي. 
والثالث : أنها نزلت على العموم، قاله الحسن. وقد شرحنا في سورة \[ النمل : ١٩ \] معنى قوله : أَوْزِعْنِي . 
قوله تعالى : وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحاً تَرْضَاهُ  قال ابن عباس : أجابه الله -يعني أبا بكر- فأعتق تسعة من المؤمنين كانوا يُعذبون في الله عز وجل، ولم يُرد شيئا من الخير إلا أعانه الله عليه، واستجاب له في ذريته فآمنوا،  إِنّي تُبْتُ إِلَيْكَ  أي : رجعت إلى كل ما تحب.

### الآية 46:16

> ﻿أُولَٰئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَنَتَجَاوَزُ عَنْ سَيِّئَاتِهِمْ فِي أَصْحَابِ الْجَنَّةِ ۖ وَعْدَ الصِّدْقِ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ [46:16]

قوله تعالى : أولئك الذين نتقبل عنهم أحسن ما عملوا ونتجاوز عن سيئاتهم  قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وابن عامر، وأبو بكر عن عاصم : يُتقبل  و يُتجاوز  بالياء المضمومة فيهما. وقرأ حمزة، والكسائي، وحفص عن عاصم، وخلف : نَتَقَبَّلُ  و نَتجاوز  بالنون فيهما. وقرأ أبو المتوكل، وأبو رجاء، وأبو عمران الجوني : يتَقَبَّلْ  و يتجاوز  بياء مفتوحة فيهما، يعني أهل هذا القول والأحسن بمعنى الحسن. 
 في أَصْحَابِ الْجَنَّةِ  أي : في جملة من يُتجاوز عنهم، وهم أصحاب الجنة. وقيل :" في " بمعنى " مع ". 
 وَعْدَ الصّدْقِ  قال الزجاج : هو منصوب، لأنه مصدر مؤكد لما قبله، لأن قوله : أُوْلَئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ  بمعنى : الوعد، لأنه وعدهم القبول بقوله : وَعْدَ الصّدْقِ ، يؤكد ذلك قوله : الَّذِينَ كَانُواْ يُوعَدُونَ  أي : على ألسنة الرسل في الدنيا.

### الآية 46:17

> ﻿وَالَّذِي قَالَ لِوَالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُمَا أَتَعِدَانِنِي أَنْ أُخْرَجَ وَقَدْ خَلَتِ الْقُرُونُ مِنْ قَبْلِي وَهُمَا يَسْتَغِيثَانِ اللَّهَ وَيْلَكَ آمِنْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَيَقُولُ مَا هَٰذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ [46:17]

قوله تعالى : وَالَّذِي قَالَ لِوالِدَيْهِ أُفّ لَّكُمَا  قرأ أبو عمرو، وحمزة، والكسائي. وأبو بكر عن عاصم : أُفّ لَّكُمَا  بالخفض من غير تنوين. وقرأ ابن كثير، وابن عامر : بفتح الفاء. وقرأ نافع، وحفص عن عاصم : أُفّ  بالخفض والتنوين. وقرأ ابن يعمر : أُفّ  بتشديد الفاء مرفوعة منونة. وقرأ حميد، والجحدري : أُفّا  بتشديد الفاء وبالنصب والتنوين. وقرأ عمرو بن دينار : أُفّ  بتشديد الفاء وبالرفع من غير تنوين. وقرأ أبو المتوكل، وعكرمة، وأبو رجاء : أُفّ لَّكُمَا  بإسكان الفاء خفيفة. وقرأ أبو العالية، وأبو عمران : أَفِي  بتشديد الفاء والياء ساكنة مُمالة. وروي عن ابن عباس أنها نزلت في عبد الرحمن بن أبي بكر قبل إسلامه، كان أبواه يدعوانه إلى الإسلام، وهو يأبى، وعلى هذا جمهور المفسرين. وقد روي عن عائشة أنها كانت تنكر أن تكون الآية نزلت في عبد الرحمن وتحلف على ذلك وتقول : لو شئت لسميت الذي نزلت فيه.

### الآية 46:18

> ﻿أُولَٰئِكَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ ۖ إِنَّهُمْ كَانُوا خَاسِرِينَ [46:18]

قال الزجاج : وقول من قال : إنها نزلت في عبد الرحمن، باطل بقوله : أُوْلَئِكَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ ، فأعلم الله أن هؤلاء لا يؤمنون، وعبد الرحمن مؤمن ؛ والتفسير الصحيح أنا نزلت في الكافر العاق. وروي عن مجاهد أنها نزلت في عبد الله بن أبي بكر، وعن الحسن : أنها نزلت في جماعة من كفار قريش قالوا ذلك لآبائهم. 
قوله تعالى : وَقَدْ خَلَتِ الْقُرُونُ مِن قَبْلِي  فيه قولان :
أحدهما : مضت القرون فلم يرجع منهم أحد، قاله مقاتل. 
والثاني : مضت القرون مكذبة بهذا، قاله أبو سليمان الدمشقي. 
قوله تعالى : وَهُمَا يَسْتَغِيثَانِ اللَّهَ  أي : يدعوان الله له بالهدى، ويقولان له : ويلك آمن  أي : صدق بالبعث،  فَيَقُولُ مَا هَذَا  الذي تقولان  إِلاَّ أَسَاطِيرُ الأوَّلِينَ  وقد سبق شرحها \[ الأنعام : ٢٥ \]. 
قوله تعالى : أُوْلَئِكَ  يعني الكفار  الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ  أي : وجب عليهم قضاء الله أنهم من أهل النار  فِي أُمَمٍ  أي : مع أمم. فذكر الله تعالى في الآيتين قبل هذه من بر والديه وعمل بوصية الله عز وجل، ثم ذكر من لم يعمل بالوصية ولم يطع ربه ولا والديه  إِنَّهُمْ كَانُواْ خَاسِرِينَ  وقرأ ابن السميفع، وأبو عمران : أَنَّهُمْ  بفتح الهمزة.

### الآية 46:19

> ﻿وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا ۖ وَلِيُوَفِّيَهُمْ أَعْمَالَهُمْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ [46:19]

ثم قال : وَلِكُلّ دَرَجَاتٌ مّمَّا عَمِلُواْ  أي : منازل ومراتب بحسب ما اكتسبوه من إيمان وكفر، فيتفاضل أهل الجنة في الكرامة، وأهل النار في العذاب  وَلِيُوَفّيَهُمْ أَعْمَالَهُمْ  قرأ ابن كثير، وعاصم، وأبو عمرو : وَلِيُوَفّيَهُمْ  بالياء، وقرأ الباقون : بالنون ؛ أي : جزاء أعمالهم.

### الآية 46:20

> ﻿وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا فَالْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنْتُمْ تَفْسُقُونَ [46:20]

قوله تعالى : وَيَوْمَ يُعْرَضُ  المعنى : واذكر لهم يوم يعرض  الَّذِينَ كَفَرُواْ عَلَى النَّارِ أَذْهَبْتُمْ  أي : ويقال لهم : أذهبتم، قرأ ابن كثير : آذْهَبْتُمْ  بهمزة مطولة. وقرأ ابن عامر  أأذهبتم  بهمزتين. وقرأ نافع، وعاصم، وأبو عمرو، وحمزة، والكسائي : أَذْهَبْتُمْ  على الخبر، وهو توبيخ لهم. قال الفراء والزجاج : العرب توبّخ بالألف وبغير الألف، فتقول : أذهبت وفعلت كذا ؟ ! و : ذهبت ففعلت ؟ ! قال المفسرون : والمراد بطيباتهم : ما كانوا فيه من اللذات مشتغلين بها عن الآخرة معرضين عن شكرها. ولما وبخهم الله بذلك، آثر النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه والصالحون بعدهم اجتناب نعيم العيش ولذته ليتكامل أجرهم ولئلا يُلهيهم عن معادهم. وقد روي عن عمر بن الخطاب أنه دخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو مضطجع على خصفة وبعضه على التراب وتحت رأسه وسادة محشوة ليفا، فقال : يا رسول الله : أنت نبي الله وصفوته، وكسرى وقيصر على سرر الذهب وفرش الديباج والحرير ؟ ! فقال صلى الله عليه وسلم :( يا عمر، إن أولئك قوم عُجّلت لهم طيباتهم، وهي وشيكة الانقطاع، وإنا أخرت لنا طيباتنا ). وروى جابر بن عبد الله قال : رأى عمر بن الخطاب لحما معلقا في يدي، فقال : ما هذا يا جابر ؟ فقلت : اشتهيت لحما فاشتريته، فقال : أو كلما اشتهيت اشتريت يا جابر ؟ ! أما تخاف هذه الآية  أَذْهَبْتُمْ طَيّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا . وروي عن عمر أنه قيل له : لو أمرت أن نضع لك طعاما ألين من هذا، فقال : إني سمعت الله عيّر أقواما فقال  أَذْهَبْتُمْ طَيّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا . 
قوله تعالى : تَسْتَكْبِرُونَ فِي الأرْضِ  أي : تتكبرون عن عبادة الله والإيمان به.

### الآية 46:21

> ﻿۞ وَاذْكُرْ أَخَا عَادٍ إِذْ أَنْذَرَ قَوْمَهُ بِالْأَحْقَافِ وَقَدْ خَلَتِ النُّذُرُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ [46:21]

قوله تعالى : وَاذْكُرْ أَخَا عَادٍ  يعني هودا  إِذْ أَنذَرَ قَوْمَهُ بِالأحْقَافِ  قال الخليل : الأحقاف : الرمال العظام وقال ابن قتيبة : واحد الأحقاف : حقف، وهو من الرمل : ما أشرف من كثبانه واستطال وانحنى. وقال ابن جرير : هو ما استطال من الرمل ولم يبلغ أن يكون جبلا. 
واختلفوا في المكان الذي سمّي بهذا الاسم على ثلاثة أقوال :
أحدها : أنه جبل بالشام، قاله ابن عباس، والضحاك. 
والثاني : أنه واد، ذكره عطية. وقال مجاهد : هي أرض. وحكى ابن جرير أنه واد بين عمان ومهرة. وقال ابن إسحاق : كانوا ينزلون ما بين عمان وحضرموت، واليمن كله. 
والثالث : أن الأحقاف : رمال مشرفة على البحر بأرض يقال لها : الشحر، قاله قتادة. 
قوله تعالى : وَقَدْ خَلَتِ النُّذُرُ  أي : قد مضت الرسل من قبل هود ومن بعده بإنذار أممها  أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ اللَّهَ  ؛ والمعنى : لم يُبعث رسول قبل هود ولا بعده إلا بالأمر بعبادة الله وحده. وهذا كلام اعترض بين إنذار هود وكلامه لقومه. ثم عاد إلى كلام هود فقال : إِنّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ .

### الآية 46:22

> ﻿قَالُوا أَجِئْتَنَا لِتَأْفِكَنَا عَنْ آلِهَتِنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ [46:22]

قوله تعالى : لِتَأْفِكَنَا  أي : لتصرفنا عن عبادة آلهتنا بالإفك.

### الآية 46:23

> ﻿قَالَ إِنَّمَا الْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ وَأُبَلِّغُكُمْ مَا أُرْسِلْتُ بِهِ وَلَٰكِنِّي أَرَاكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ [46:23]

قوله تعالى : إِنَّمَا الْعِلْمُ عِندَ اللَّهِ  أي : هو يعلم متى يأتيكم العذاب.

### الآية 46:24

> ﻿فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُوا هَٰذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا ۚ بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ ۖ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ [46:24]

فَلَمَّا رَأَوْهُ  يعني ما يوعدون في قوله : بما تعدنا   عارضا  أي : سحاب يُعرض من ناحية السماء. قال ابن قتيبة : العارض : السحاب. قال المفسرون : كان المطر قد حُبس عن عاد، فساق الله إليهم سحابة سوداء، فلما رأوها فرحوا و قَالُواْ هَذَا عَارِضٌ مُّمْطِرُنَا ، فقال لهم هود : بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُم بِهِ ، ثم بيّن ما هو فقال : رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ ، فنشأت الريح من تلك السحابة.

### الآية 46:25

> ﻿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا فَأَصْبَحُوا لَا يُرَىٰ إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ ۚ كَذَٰلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ [46:25]

تُدَمّرُ كُلَّ شَيء  أي : تهلك كل شيء مرت به من الناس والدواب والأموال. قال عمرو بن ميمون : لقد كانت الريح تحتمل الظعينة فترفعها حتى تُرى كأنها جرادة،  فَأَصْبَحُواْ  يعني عادا  لاَ يُرَى إِلاَّ مَسَاكِنُهُمْ  قرأ عاصم، وحمزة : لاَ يُرَى  برفع الياء  إِلاَّ مَسَاكِنُهُمْ  برفع النون. وقرأ علي، وأبو عبد الرحمن السلمي، والحسن، وقتادة، والجحدري : لاَّ تُرَى  بتاء مضمومة. وقرأ أبو عمران، وابن السميفع : لاَّ تَرَى  بتاء مفتوحة  إِلاَّ مَسكنهُمْ  على التوحيد. وهذا لأن السكان هلكوا، فقيل : أصبحوا وقد غطتهم الريح بالرمل فلا يُرون.

### الآية 46:26

> ﻿وَلَقَدْ مَكَّنَّاهُمْ فِيمَا إِنْ مَكَّنَّاكُمْ فِيهِ وَجَعَلْنَا لَهُمْ سَمْعًا وَأَبْصَارًا وَأَفْئِدَةً فَمَا أَغْنَىٰ عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلَا أَبْصَارُهُمْ وَلَا أَفْئِدَتُهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِذْ كَانُوا يَجْحَدُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ [46:26]

ثم خوّف كفار مكة، فقال عز وجل : وَلَقَدْ مَكَّنَاهُمْ فِيمَا إِن مَّكَّنَّاكُمْ فِيهِ  في  إن  قولان :
أحدهما : أنها بمعنى " لم " فتقديره : فيما لم نمكنكم فيه، قاله ابن عباس، وابن قتيبة. وقال الفراء : هي بمنزلة " ما " في الجحد، فتقدير الكلام : في الذي لم نمكنكم فيه. 
والثاني : أنها زائدة ؛ والمعنى : فيما مكناكم فيه، وحكاه ابن قتيبة أيضا. 
ثم أخبر أنه جعل لهم آلات الفهم، فلم يتدبروا بها، ولم يتفكروا فيما يدلهم على التوحيد قال المفسرون : والمراد بالأفئدة : القلوب ؛ وهذه الآلات لم ترُد عنهم عذاب الله.

### الآية 46:27

> ﻿وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا مَا حَوْلَكُمْ مِنَ الْقُرَىٰ وَصَرَّفْنَا الْآيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ [46:27]

ثم زاد كفار مكة في التخويف، فقال : وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا مَا حَوْلَكُمْ مّنَ الْقُرَى  كديار عاد وثمود وقوم لوط وغيرهم من الأمم المهلكة  وَصَرَّفْنَا الآيَاتِ  أي : بيّناها  لَّعَلَّهُم  يعني أهل القرى  يَرْجِعُونَ  عن كفرهم. وهاهنا محذوف، تقديره : فما رجعوا عن كفرهم.

### الآية 46:28

> ﻿فَلَوْلَا نَصَرَهُمُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ قُرْبَانًا آلِهَةً ۖ بَلْ ضَلُّوا عَنْهُمْ ۚ وَذَٰلِكَ إِفْكُهُمْ وَمَا كَانُوا يَفْتَرُونَ [46:28]

فَلَوْلا  أي : فهلا  نَصَرَهُمُ  أي : منعهم من عذاب الله  الَّذِينَ اتَّخَذُواْ مِن دُونِ اللَّهِ قُرْبَاناً آلِهَةَ  ؟ ! يعني الأصنام التي تقربوا بعبادتها إلى الله على زعمهم ؛ وهذا استفهام إنكار، معناه : لم ينصروهم  بَلْ ضَلُّواْ عَنْهُمْ  أي : لم ينفعوهم عند نزول العذاب  وَذَلِكَ  يعني دعاءهم الآلهة  إِفْكِهِمْ  أي : كذبهم. وقرأ سعد بن أبي وقاص، وابن يعمر، وأبو عمران : وَذَلِكَ أفَّكَهُمْ  بفتح الهمزة وقصرها وفتح الفاء وتشديدها ونصب الكاف. وقرأ أبي " بن كعب، وابن عباس، وأبو رزين، والشعبي، وأبو العالية، والجحدري : أفكهمْ  بفتح الهمزة وقصرها ونصب الكاف والفاء وتخفيفها. 
قال ابن جرير : أي أضلهم. وقال الزجاج : معناها : صرفهم عن الحق فجعلهم ضلالا. وقرأ ابن مسعود، وأبو المتوكل : أفِكهمْ  بفتح الهمزة ومدها وكسر الفاء وتخفيفها ورفع الكاف، أي : مضلهم.

### الآية 46:29

> ﻿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا ۖ فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَىٰ قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ [46:29]

قوله تعالى : وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَراً مّنَ الْجِنّ  وبخ الله عز وجل بهذه الآية كفار قريش بما آمنت به الجن. وفي سبب صرفهم إلى النبي صلى الله عليه وسلم ثلاثة أقوال :
أحدها : أنهم صُرفوا إليه بسبب ما حدث من رجمهم بالشهب. روى البخاري ومسلم في " الصحيحين " من حديث ابن عباس قال : انطلق رسول الله صلى الله عليه وسلم في طائفة من أصحابه عامدين إلى سوق عكاظ، وقد حيل بين الشياطين وبين خبر السماء، وأرسلت عليهم الشهب، فرجعت الشياطين، فقالوا : ما لكم ؟ قالوا : حيل بيننا وبين خبر السماء وأرسلت علينا الشهب، قالوا : ما ذاك إلا من شيء حدث، فاضربوا مشارق الأرض ومغاربها فانظروا ما هذا الأمر، فمر النفر الذين توجهوا نحو تهامة بالنبي صلى الله عليه وسلم وهو ب " نخلة " وهو يصلي بأصحابه صلاة الفجر، فلما سمعوا القرآن تسمّعوا له، فقالوا : هذا الذي حال بينكم وبين خبر السماء، فهنالك رجعوا إلى قومهم فقالوا : إنا سمعنا قرآنا عجبا يهدي إلى الرشد  \[ الجن : ١-٢ \]. فأنزل الله على نبيه  قُلْ أُوحِي إِلَيّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مّنَ الْجِنّ  \[ الجن : ١ \]. وروى سعيد بن جبير عن ابن عباس قال : ما قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم على الجن، ولا رآهم، وإنما أتوه وهو ب " نخلة " فسمعوا القرآن. 
والثاني : أنهم صُرفوا إليه لينذرهم، وأمر أن يقرأ عليهم القرآن، هذا مذهب جماعة، منهم قتادة. وفي أفراد مسلم من حديث علقمة قال : قلت لعبد الله : من كان منكم مع النبي صلى الله عليه وسلم ليلة الجن ؟ فقال : ما كان منا معه أحد، فقدناه ذات ليلة ونحن بمكة، فقلنا : اغتيل رسول الله صلى الله عليه وسلم أو استطير، فانطلقنا نطلبه في الشعاب، فلقيناه مقبلا من نحو حراء. فقلنا : يا رسول الله أين كنت ؟ لقد أشفقنا عليك، وقلنا له : بتنا الليلة بشر ليلة بات بها قوم حين فقدناك. فقال :( إنه أتاني داعي الجن، فذهبت أقرئهم القرآن ) فذهب بنا، فأرانا آثارهم وآثار نيرانهم. وقال قتادة : ذُكر لنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :( إني أمرت أن أقرأ على الجن، فأيكم يتبعني ؟ ) فأطرقوا، ثم استتبعهم فأطرقوا، ثم استتبعهم الثالثة فأطرقوا، فأتبعه عبد الله بن مسعود، فدخل نبي الله صلى الله عليه وسلم شعبا يقال له :" شعب الحَجون "، وخط على عبد الله خطا ليُثبته به، قال : فسمعت لغطا شديدا حتى خفت على نبي الله صلى الله عليه وسلم، فلما رجع قلت : يا نبي الله، ما اللغط الذي سمعت ؟ قال :( اجتمعوا إليّ في قتيل كان بينهم فقضيت بينهم بالحق ). 
والثالث : أنهم مروا به وهو يقرأ، فسمعوا القرآن. فذكر بعض المفسرين أنه لما يئس من أهل مكة أن يجيبوه، خرج إلى الطائف ليدعوهم إلى الإسلام-وقيل : ليلتمس نصرهم- وذلك بعد موت أبي طالب، فلما كان ببطن نخلة قام يقرأ القرآن في صلاة الفجر، فمرّ به نفر من أشراف جن نصيبين، فاستمعوا القرآن. فعلى هذا القول والقول الأول، لم يعلم بحضورهم حتى أخبره الله تعالى ؛ وعلى القول الثاني : علم بهم حين جاءوا. وفي المكان الذي سمعوا فيه تلاوة النبي صلى الله عليه وسلم قولان :
أحدهما : الحَجون، وقد ذكرناه عن ابن مسعود، وبه قال قتادة. 
والثاني : بطن نخلة، وقد ذكرناه عن ابن عباس، وبه قال مجاهد. 
وأما النفر، فقال ابن قتيبة : يقال : إن النفر ما بين الثلاثة إلى العشرة. وللمفسرين في عدد هؤلاء النفر ثلاثة أقوال :
أحدها : أنهم كانوا سبعة، قاله ابن مسعود، وزر بن حبيش، ومجاهد، ورواه عكرمة عن ابن عباس. 
والثاني : تسعة، رواه أبو صالح عن ابن عباس. 
والثالث : اثني عشر ألفا، روي عن عكرمة، ولا يصح، لأن النفر لا يطلق على الكثير. 
قوله تعالى : فَلَمَّا حَضَرُوهُ  أي : حضروا استماعه، و قُضِي  يعني : فُرغ من تلاوته  وَلَّوْاْ إِلَى قَوْمِهِم مُّنذِرِينَ  أي : محذرين عذاب الله عز وجل إن لم يؤمنوا.

### الآية 46:30

> ﻿قَالُوا يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَىٰ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَىٰ طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ [46:30]

وهل أنذروا قومهم من قِبل أنفسهم، أم جعلهم رسول الله رسلا إلى قومهم ؟ فيه قولان :
قال عطاء : كان دين أولئك الجن اليهودية، فلذلك قالوا : مِن بَعْدِ مُوسَى .

### الآية 46:31

> ﻿يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ [46:31]

قوله تعالى : أَجِيبُواْ دَاعِي اللَّهِ  يعنون محمدا صلى الله عليه وسلم، وهذا يدل على أنه أرسل إلى الجن والإنس. 
قوله تعالى : يَغْفِرْ لَكُمْ مّن ذُنُوبِكُمْ  " من " هاهنا صلة.

### الآية 46:32

> ﻿وَمَنْ لَا يُجِبْ دَاعِيَ اللَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي الْأَرْضِ وَلَيْسَ لَهُ مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءُ ۚ أُولَٰئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ [46:32]

قوله تعالى : فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي الأرْضَ  أي : لا يعجز الله تعالى  وَلَيْسَ لَهُ مِن دُونِهِ أَوْلِيَاء  أي : أنصار يمنعونه من عذاب الله تعالى  أُوْلَئِكَ  الذين لا يجيبون الرسل  فِي ضَلالٍ مُّبِينٍ .

### الآية 46:33

> ﻿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِرٍ عَلَىٰ أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَىٰ ۚ بَلَىٰ إِنَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [46:33]

ثم احتج على إحياء الموتى بقوله : أَوَلَمْ يَرَوْاْ. . .  إلى آخر الآية. والرؤية هاهنا بمعنى العلم. 
 وَلَمْ يَعْي  أي : لم يعجز عن ذلك ؛ يقال : عيَّ فلان بأمره، إذا لم يهتد له ولم يقدر عليه. قال الزجاج : يقال : عييت بالأمر، إذا لم تعرف وجهه، وأعييت، إذا تعبت. 
قوله تعالى : بِقَادِرٍ  قال أبو عبيدة، والأخفش : الباء زائدة مؤكدة. وقال الفراء : العرب تُدخل الباء مع الجحد، مثل قولك : ما أظنك بقائم. وهذا قول الكسائي، والزجاج. وقرأ يعقوب : يَقْدِرُ  بياء مفتوحة مكان الباء وسكون القاف ورفع الراء من غير ألف. وما بعد هذا ظاهر إلى قوله : كَمَا صَبَرَ أُوْلُواْ الْعَزْمِ  أي : ذوو الحزم والصبر ؛ وفيهم عشرة أقوال :
أحدها : أنهم نوح، وإبراهيم، وموسى، وعيسى، ومحمد، صلى الله عليهم وسلم، رواه الضحاك عن ابن عباس، وبه قال مجاهد، وقتادة، وعطاء الخراساني، وابن السائب. 
والثاني : نوح، وهود، وإبراهيم، ومحمد، صلى الله عليهم وسلم، قاله أبو العالية الرياحي. 
والثالث : أنهم الذين لم تصبهم فتنة من الأنبياء، قاله الحسن. 
والرابع : أنهم العرب من الأنبياء، قاله مجاهد، والشعبي. 
والخامس : أنهم إبراهيم، وموسى، وداود، وسليمان، وعيسى، ومحمد، صلى الله عليهم وسلم، قاله السدي. 
والسادس : أن منهم إسماعيل، ويعقوب، وأيوب، وليس منهم آدم، ولا يونس، ولا سليمان، قاله ابن جريج. 
والسابع : أنهم الذين أُمروا بالجهاد والقتال، قاله ابن السائب، وحكي عن السدي. 
والثامن : أنهم جميع الرسل، فإن الله لم يبعث رسولا إلا كان من أولي العزم، قاله ابن زيد، واختاره ابن الأنباري. وقال :" من " دخلت للتجنيس لا للتبعيض، كما تقول : قد رأيت الثياب من الخزّ والجِباب من القزّ. 
والتاسع : أنهم الأنبياء الثمانية عشر المذكورون في سورة \[ الأنعام : ٨٣ ٨٦ \]، قاله الحسين بن الفضل. 
والعاشر : أنهم جميع الأنبياء إلا يونس، حكاه الثعلبي.

### الآية 46:34

> ﻿وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ أَلَيْسَ هَٰذَا بِالْحَقِّ ۖ قَالُوا بَلَىٰ وَرَبِّنَا ۚ قَالَ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ [46:34]

نبيّ الله صلّى الله عليه وسلّم شِعْباً يقال له: **«شِعْبُ الحَجون»**، وخطَّ على عبد الله خطّاً ليُثبته به، قال: فسمعت لغطاً شديداً حتى خِفْتُ على نبيِّ الله صلّى الله عليه وسلّم، فلمّا رجَع قلت: يا نبي الله، ما اللغط الذي سمعتُ؟ قال:
 **«اجتَمعوا إِليَّ في قتيل كان بينهم، فقضيت بينهم بالحق»**.
 والثالث: أنهم مَرُّوا به وهو يقرأ، فسمعوا القرآن.
 (١٢٧٢) فذكر بعض المفسرين أنه لمّا يئس من أهل مكة أن يجيبوه، خرج إِلى الطائف ليدعوَهم إِلى الإِسلام- وقيل: ليلتمس نصرهم- وذلك بعد موت أبي طالب، فلمّا كان ببطن نخلة قام يقرأ القرآن في صلاة الفجر، فمرَّ به نفرٌ من أشراف جِنِّ نصيبين، فاستمعوا القرآن.
 فعلى هذا القول والقول الأول، لم يعلم بحضورهم حتى أخبره الله تعالى وعلى القول الثاني:
 عَلِمَ بهم حين جاءوا. وفي المكان الذي سمِعوا فيه تلاوةَ النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم قولان: أحدهما: الحَجون، وقد ذكرناه عن ابن مسعود، وبه قال قتادة. والثاني: بطن نخلة، وقد ذكرناه عن ابن عباس، وبه قال مجاهد. وأما النَّفَر، فقال ابن قتيبة: يقال: إِنَّ النَّفَر ما بين الثلاثة إِلى العشرة. وللمفسرين في عدد هؤلاء النَّفَر ثلاثة أقوال: أحدها: أنهم كانوا سبعة، قاله ابن مسعود وزِرُّ بن حبيش ومجاهد، ورواه عكرمة عن ابن عباس. والثاني: تسعةً، رواه أبو صالح عن ابن عباس. والثالث: اثني عشر ألفاً، روي عن عكرمة، ولا يصح، لأن النَّفَر لا يُطلَق على الكثير.
 قوله تعالى: فَلَمَّا حَضَرُوهُ أي: حضروا استماعه، وقُضِيَ يعني: فُرِغَ من تلاوته وَلَّوْا إِلى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ أي: محذّرين عذاب الله عزّ وجلّ إن لم يؤمِنوا. وهل أنذَروا قومَهم مِنْ قبل أنفسهم، أم جعلهم رسول الله صلّى الله عليه وسلّم رسُلاً إِلى قومهم؟ فيه قولان.
 قال عطاء: كان دِينُ أولئك الجِنِّ اليهوديةَ، فلذلك قالوا: مِنْ بَعْدِ مُوسى.
 قوله تعالى: أَجِيبُوا داعِيَ اللَّهِ يعنون محمّدا صلّى الله عليه وسلّم. وهذا يدُلُّ على أنه أُرسِلَ إِلى الجن والإِنس.
 قوله تعالى: يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ **«مِنْ»** هاهنا صلة.
 قوله تعالى: فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي الْأَرْضِ أي لا يُعْجِزُ اللهَ تعالى وَلَيْسَ لَهُ مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءُ أي أنصار يمنعونه من عذاب الله تعالى أُولئِكَ الذين لا يجيبون الرّسل فِي ضَلالٍ مُبِينٍ.
 \[سورة الأحقاف (٤٦) : الآيات ٣٣ الى ٣٥\]
 أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقادِرٍ عَلى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتى بَلى إِنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٣٣) وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ أَلَيْسَ هذا بِالْحَقِّ قالُوا بَلى وَرَبِّنا قالَ فَذُوقُوا الْعَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (٣٤) فَاصْبِرْ كَما صَبَرَ أُولُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ ما يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلاَّ ساعَةً مِنْ نَهارٍ بَلاغٌ فَهَلْ يُهْلَكُ إِلاَّ الْقَوْمُ الْفاسِقُونَ (٣٥)
 ثم احتج على إحياء الموتى بقوله: أَوَلَمْ يَرَوْا... إِلى آخر الآية. والرُّؤية هاهنا بمعنى العِلْم.
 وَلَمْ يَعْيَ أي: لم يَعْجَزْ عن ذلك يقال: عَيَّ فلانٌ بأمره، إِذا لم يَهتد له ولم يَقدر عليه. قال الزجاج: يقال: عَيِيتُ بالأمر، إِذا لم تعرف وجهه، وأعييت، إذا تعبت.

 ضعيف. رواه ابن هشام في **«السيرة»** ٢/ ٢١- ٢٣ من طريق ابن إسحاق حدثني يزيد بن زياد عن محمد بن كعب القرظي... فذكره. وهذا مرسل، فهو ضعيف، ويزيد غير قوي.

قوله تعالى: بِقادِرٍ قال أبو عبيدة والأخفش: الباء زائدة مؤكِّدة. وقال الفراء: العرب تُدخل الباءَ مع الجحد، مثل قولك: ما أظُنُّك بقائم، وهذا قول الكسائي، والزجاج: وقرأ يعقوب: **«يَقْدْرُ»** بياء مفتوحة مكان الباء وسكون القاف ورفع الراء من غير ألف. وما بعد هذا ظاهر إِلى قوله: كَما صَبَرَ أُولُوا الْعَزْمِ أي: ذَوو الحَزْم والصَّبْر وفيهم عشرة أقوال **«١»** :
 أحدها: أنهم نوح، وإبراهيم، وموسى، وعيسى، ومحمّد صلّى الله عليه وسلم، رواه الضحاك عن ابن عباس، وبه قال مجاهد، وقتادة، وعطاء الخراساني، وابن السائب. والثاني: نوح، وهود، وإبراهيم، ومحمد صلى الله عليه وسلم، قاله أبو العالية الرياحي. والثالث: أنهم الذين لم تُصِبْهم فتنةٌ من الأنبياء، قاله الحسن.
 والرابع: أنهم العرب من الأنبياء، قاله مجاهد، والشعبي. والخامس: أنهم إبراهيم، وموسى، وداود، وسليمان، وعيسى، ومحمّد صلّى الله عليه وسلم، قاله السدي. والسادس: أن منهم إِسماعيل، ويعقوب وأيُّوب، وليس منهم آدم، ولا يونس، ولا سليمان، قاله ابن جريج. والسابع: أنهم الذين أُمروا بالجهاد والقتال، قاله ابن السائب، وحكي عن السدي. والثامن: أنهم جميع الرُّسل، فإن الله لم يَبْعَثْ رسولاً إِلاّ كان من أُولي العزم، قاله ابن زيد، واختاره ابن الأنباري، وقال: **«مِنْ»** دخلتْ للتجنيس لا للتبعيض، كما تقول: قد رأيتُ الثياب من الخَزِّ والجِباب من القَزِّ. والتاسع: أنهم الأنبياء الثمانية عشر المذكورون في سورة (الأنعام)، قاله الحسين بن الفضل. العاشر: أنهم جميع الأنبياء إِلاّ يونس، حكاه الثعلبي.
 قوله تعالى: وَلا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ يعني العذاب، قال بعض المفسّرين: كان النبيّ صلّى الله عليه وسلّم ضَجِر بعض الضَّجَر، وأحبَّ أن ينزل العذاب بمن أبى من قومه، فأُمر بالصَّبر.
 قوله تعالى: كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ ما يُوعَدُونَ أي: من العذاب لَمْ يَلْبَثُوا في الدنيا إِلَّا ساعَةً مِنْ نَهارٍ لأن ما مضى كأنه لم يكن وإن كان طويلاً. وقيل: لأن مقدار مَكْثهم في الدُّنيا قليلٌ في جَنْبِ مَكْثهم في عذاب الآخرة. وهاهنا تم الكلام. ثم قال: بَلاغٌ أي: هذا القرآن وما فيه من البيان بلاغٌ عن الله إِليكم. وفي معنى وَصْفِ القرآنِ بالبلاغ قولان: أحدهما: أن البلاغ بمعنى التبليغ. والثاني: أن معناه: الكفاية، فيكون المعنى: ما أخبرناهم به لهم فيه كفايةٌ وغِنىً.
 وذكر ابن جرير وجهاً آخر، وهو أن المعنى: لَمْ يَلْبَثُوا إِلاّ ساعةً من نهار، ذلك لُبْث بلاغ، أي:
 ذلك بلاغ لهم في الدنيا إِلى آجالهم، ثُمَّ حُذفتْ **«ذلك لُبْث»** اكتفاءً بدلالة ما ذُكِر في الكلام عليها. وقرأ أبو العالية، وأبو عمران: **«بَلِّغْ»** بكسر اللام وتشديدها وسكون الغين من غير ألف.
 قوله تعالى: فَهَلْ يُهْلَكُ وقرأ أبو رزين وأبو المتوكل وابن محيصن: **«يَهْلِكُ»** بفتح الياء وكسر اللام، أي عند رؤية العذاب إِلَّا الْقَوْمُ الْفاسِقُونَ الخارجون عن أمر الله عزّ وجلّ؟!.

 (١) قال الطبري رحمه الله في **«تفسيره»** ١١/ ٣٠٢: يقول الله تعالى لنبيه محمد صلّى الله عليه وسلّم مثبته على المضي لما قلّده من عبء الرسالة، وثقل أحمال النبوة صلّى الله عليه وسلّم، وآمره بالائتساء في العزم على النفوذ لذلك بأولي العزم من قبله من رسله الذين صبروا على عظيم ما لقوا من قومهم من المكاره، ونالهم فيه من الأذى والشدائد (فاصبر) يا محمد على ما أصابك في الله من أذى مكذبيك من قومك الذين أرسلناك إليهم بالإنذار (كما صبر أولو العزم) على القيام بأمر الله والانتهاء إلى طاعته من رسله الذين لم ينههم عن النفوذ لأمره ما نالهم فيه من شدة. وقيل: إن أولي العزم منهم، كانوا الذين امتحنوا في ذات الله في الدنيا بالمحن، فلم تزدهم المحن إلا جدّا في أمر الله، كنوح وإبراهيم وموسى ومن أشبههم.

### الآية 46:35

> ﻿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلَا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ ۚ كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ ۚ بَلَاغٌ ۚ فَهَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الْفَاسِقُونَ [46:35]

قوله تعالى : وَلاَ تَسْتَعْجِل لَّهُمْ  يعني العذاب. قال بعض المفسرين : كان النبي صلى الله عليه وسلم ضجر بعض الضجر، وأحبّ أن ينزل العذاب بمن أبى من قومه، فأُمر بالصبر. 
قوله تعالى : كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ  أي : من العذاب  لَّمْ يَلْبَثُواْ  في الدنيا  إِلاَّ سَاعَةً مّن نَّهَارٍ  لأن ما مضى كأنه لم يكن وإن كان طويلا. وقيل : لأن مقدار مكثهم في الدنيا قليل في جنب مكثهم في عذاب الآخرة. وهاهنا تم الكلام. ثم قال : بَلاَغٌ  أي : هذا القرآن وما فيه من البيان بلاغ عن الله إليكم. 
**وفي معنى وصف القرآن بالبلاغ قولان :**
أحدهما : أن البلاغ بمعنى التبليغ. 
والثاني : أن معناه : الكفاية، فيكون المعنى : ما أخبرناهم به لهم فيه. كفاية وغنى. 
وذكر ابن جرير وجها آخر، وهو أن المعنى : لم يلبثوا إلا ساعة من نهار، ذلك لبث بلاغ، أي : ذلك بلاغ لهم في الدنيا إلى آجالهم، ثم حُذفت  ذلِكَ لَبِثَ  اكتفاء بدلالة ما ذكر في الكلام عليها. 
وقرأ أبو العالية، وأبو عمران : بَلّغَ  بكسر اللام وتشديدها وسكون الغين من غير ألف. 
قوله تعالى : فَهَلْ يُهْلَكُ  وقرأ أبو رزين، وأبو المتوكل، وابن محيصن : يهْلِكُ  بفتح الياء وكسر اللام، أي : عند رؤية العذاب  إِلاَّ الْقَوْمُ الْفَاسِقُونَ  الخارجون عن أمر الله عز وجل ؟ !.

## روابط ذات صلة

- [النص القرآني للسورة](https://quranpedia.net/surah/1/46.md)
- [كل تفاسير سورة الأحقاف
](https://quranpedia.net/surah-tafsir/46.md)
- [ترجمات سورة الأحقاف
](https://quranpedia.net/translations/46.md)
- [صفحة الكتاب: زاد المسير في علم التفسير](https://quranpedia.net/book/340.md)
- [المؤلف: ابن الجوزي](https://quranpedia.net/person/14515.md)

---

زُر [Quranpedia.net](https://quranpedia.net/surah/1/46/book/340) — موسوعة القرآن الكريم: التفاسير، الترجمات، التلاوات، والمواضيع.
