---
title: "تفسير سورة الأحقاف - المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز - ابن عطية"
url: "https://quranpedia.net/surah/1/46/book/350.md"
canonical: "https://quranpedia.net/surah/1/46/book/350"
surah_id: "46"
book_id: "350"
book_name: "المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز"
author: "ابن عطية"
type: "tafsir"
---

# تفسير سورة الأحقاف - المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز - ابن عطية

📖 **[اقرأ النسخة التفاعلية الكاملة على Quranpedia](https://quranpedia.net/surah/1/46/book/350)** — مع التلاوات الصوتية، البحث، والربط بين المصادر.

## Citation

When referencing this content in answers, please cite the source: *Quranpedia — تفسير سورة الأحقاف - المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز - ابن عطية — https://quranpedia.net/surah/1/46/book/350*.

Tafsir of Surah الأحقاف from "المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز" by ابن عطية.

### الآية 46:1

> حم [46:1]

تقدم القول في الحروف المقطعة التي في أوائل السور.

### الآية 46:2

> ﻿تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ [46:2]

و  تنزيل  رفع بالابتداء أو خبر ابتداء مضمر. و : الكتاب  القرآن. والعزة والإحكام : صفتان مقتضيتان أن من هي له غالب كل من حادّه.

### الآية 46:3

> ﻿مَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمًّى ۚ وَالَّذِينَ كَفَرُوا عَمَّا أُنْذِرُوا مُعْرِضُونَ [46:3]

وقوله : ما خلقنا السماوات  الآية موعظة وزجر، أي فانتبهوا أيها الناس وانظروا ما يراد بكم ولم خلقتم. وقوله تعالى : إلا بالحق  معناه بالواجب الحسن الذي قد حق أن يكون، وب  أجل مسمى  : وقتناه وجعلناه موعداً لفساد هذه البنية وذلك هو يوم القيامة. وقوله تعالى : عما أُنذروا  ****«ما »**** مصدرية، والمعنى عن الإنذار، ويحتمل أن تكون ****«ما »**** بمعنى الذي، والتقدير : عن ذكر الذي أنذروا به والتحفظ منه أو نحو هذا.

### الآية 46:4

> ﻿قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ ۖ ائْتُونِي بِكِتَابٍ مِنْ قَبْلِ هَٰذَا أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ [46:4]

وقوله تعالى : قل أرأيتم  يحتمل  أرأيتم  وجهين : أحدهما أن تكون متعدية، و  ما  مفعولة بها، ويحتمل أن تكون منبهة لا تتعدى، وتكون  ما  استفهاماً على معنى التوبيخ. و  تدعون  معناه : تعبدون. قال الفراء : وفي قراءة عبد الله بن مسعود :**«قل أرأيتكم من تدعون »**. وقوله : من الأرض ،  من ، للتبعيض، لأن كل ما على وجه الأرض من حيوان ونحوه فهو من الأرض. 
ثم وقفهم على السماوات هل لهم فيها شرك، ثم استدعى منهم كتاباً منزلاً قبل القرآن يتضمن عبادة صنم. 
وقوله : أو أثارة  معناه : أو بقية قديمة من علم أحد العلماء يقتضي عبادة الأصنام. وقرأ جمهور الناس :**«أو أثارة »** على المصدر، كالشجاعة والسماحة، وهي البقية من الشيء كأنها أثره. 
وقال الحسن بن أبي الحسن : المعنى من علم تستخرجونه فتثيرونه. وقال مجاهد : المعنى هل من أحد يأثر علماً في ذلك. وقال القرظي : هو الإسناد، ومن هذا المعنى قول الأعشى :\[ السريع \]
إن الذي فيه تماريتما. . . بَيِّنٌ للسامع والآثِر[(١)](#foonote-١)
آثراً أي للسند عن غيره، ومنه قول عمر رضي الله عنه : فما خلفنا بها ذاكراً ولا آثراً. وقال أبو سلمة بن عبد الرحمن وقتادة : المعنى وخاصة من علم، فاشتقاقها من الأثرة، كأنها قد آثر الله بها من هي عنده، وقال عبد الله بن العباس : المراد ب **«الأثارة »** : الخط في التراب، وذلك شيء كانت العرب تفعله وتتكهن به وتزجر، وهذا من البقية والأثر، وروي أن النبي عليه السلام سئل عن ذلك فقال :**«كان نبي من الأنبياء يخطه، فمن وافق خطه فذاك »**[(٢)](#foonote-٢) وظاهر الحديث تقوية أمر الخط في التراب، وأنه شيء له وجه إذا وفق أحد إليه، وهكذا تأوله كثير من العلماء. وقالت فرقة : بل معناه الإنكار، أي أنه كان من فعل نبي قد ذهب، وذهب الوحي إليه والإلهام في ذلك، ثم قال : فمن وافق خطه على جهة الإبعاد، أي أن ذلك لا يمكن ممن ليس بنبي ميسر لذلك، وهذا كما يسألك أحد فيقول : أيطير الإنسان ؟ فتقول : إنما يطير الطائر، فمن كان له من الناس جناحان طار، أي أن ذلك لا يكون. 
والأثارة تستعمل في بقية الشرف فيقال : لبني فلان أثارة من شرف، إذا كانت عندهم شواهد قديمة، وتستعمل في غير ذلك، ومنه قول الراعي :\[ الوافر \]
وذات أثارة أكلت عليه. . . نباتاً في أكمتها ففارا[(٣)](#foonote-٣)
يريد : الأثارة من الشحم، أي البقية وقرأ عبد الرحمن السلمي فيما حكى الطبري :**«أو أَثَرَة »** بفتح الهمزة والثاء والراء دون ألف، وحكاها أبو الفتح عن ابن عباس وقتادة وعكرمة وعمرو بن ميمون والأعمش، وهي واحدة جمعها : أثر كقترة وقتر[(٤)](#foonote-٤). وحكى الثعلبي أن عكرمة قرأ :**«أو ميراث من علم »**. وقرأ علي بن أبي طالب والسلمي فيما حكى أبو الفتح بسكون الثاء وهي الفعلة الواحدة مما يؤثر، أي قد قنعت لكم الحجة بخبر واحد أو أثر واحد يشهد بصحة قولكم. وقرأت فرقة :**«أُثْرة »** بضم الهمزة وسكون الثاء، وهذه كلها بمعنى : هل عندكم شيء خصكم الله به من علم وآثركم به[(٥)](#foonote-٥).

١ قال الأعشى هذا البيت من قصيدة له يهجو بها علقمة بن علاثة ويمدح عامر بن الطفيل في المنافرة التي جرت بينهما، والتي قول في مطلعها:(شاقتك مِن قتلة أطلالها)، وماريته ممارة: جادلته ولاججته، وتماروا معناه المحالبة، كأن كل واحد يحلب ما عند صاحبه، أو يستخرجه منه كما يستخرج اللبن من الشاة بالحلب، والخطاب لعلقمة وعلاثة، ورواية الديوان: تداريتما، وهي من المداراة والمخاتلة، والآثر: ناقل الحديث عن غيره، وهو الشاهد هنا، يقول لهما: إن الذي تجادلتما فيه وتخاصمتما أمر واضح للناس جميعا، للسامعين وللذين يروون الخبر عن غيرهم..
٢ أخرجه عبد بن حميد، وابن مردويه، عن أبي هريرة رضي الله عنه، وأخرج سعيد بن منصور من طريق صفوان بن سليم، عن عطاء بن يسار، قال: سُئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الخط فقال:(علمه نبي، ومن كان وافقه علم)، قال صفوان: فحدثت به أبا سلمة بن عبد الرحمن فقال: سألت ابن عباس رضي الله عنهما فقال: أو أثارة من علم، ونقل القرطبي عن ابن العربي أنه لم يصح، ثم قال تعقيبا على كلام ابن العربي:"هو ثابت من حديث معاوية بن الحكم السلمي، خرجه مسلم.".
٣ قال الراعي هذا البيت من قصيدة يمدح بها سعد بن عبد الرحمن بن عتاب بن أسيد، والبيت في اللسان(أثر)، وقد نسبه للشماخ، قال:"وسمِنت الإبل والناقة على أثارة، أي على عتيق شحم كان قبل ذلك، قال الشماخ:"وذات أثارة... البيت"، فهو في البيت يصف ناقة بالسمن، واستشهد أبو عبيدة بالبيت في مجاز القرآن عند هذه الآيةأو أثارة من علم أي بقية من شحم أكلت عليه، كذلك ذكره القرطبي وأبو حيان في البحر، وأكمة النبات: أغلفته، جمع كمام، وكِمام جمع كِم، أما قوله:(ففارا) فهي رواية اللسان والقرطبي، ومعناها الزيادة والنمو بسرعة، أما رواية الطبري فهي بالقاف (قفارا)، وهي صفة للنبات، أي: رعت الناقة هذا النبات خاليا لها من مزاحمة غيرها في رعيه، وأصله من قولهم:"طعام قفار"، أي طعام بدون إدام. وابن عطية يستشهد بالبيت هنا على أن كلمة "أثارة" تستعمل في معاني أخرى، وقد استعملت هنا في البقية من الشحم..
٤ القتر: جمع قترة، وهي الغبرة، قال تعالى:وجوه يومئذ عليها غبرة، ترهقها قترة..
٥ ذكر البيضاوي في تفسيره ست قراءات هي"أثارة" بفتح الهمزة وكسرها، و"أثرة" بفتح الهمزة والثاء والراء، و"إثرة، أثرة، أُثرة" بسكون الثاء وفتح الهمزة، وبكسرها، وبضمها..

### الآية 46:5

> ﻿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَىٰ يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ [46:5]

وقوله تعالى : ومن أضل  الآية توبيخ لعبدة الأصنام، أي لا أحد أضل ممن هذه صبغته، وجاءت الكنايات في هذه الآية عن الأصنام كما تجيء عمن يعقل، وذلك أن الكفار قد أنزلوها منزلة الآلهة وبالمحل الذي دونه البشر، فخوطبوا على نحو معتقدهم فيها، وفي مصحف عبد الله بن مسعود :**«ما لا يستجيب »**. والضمير في قوله : ومن هم عن دعائهم غافلون  هو للأصنام في قول جماعة، ووصف الأصنام بالغفلة من حيث عاملهم معاملة من يعقل، ويحتمل أن يكون الضمير في قوله : وهم  وفي : غافلون  للكفار، أي ضلالهم بأنهم يدعون من لا يستجيب فلا يتأملون ما عليهم في دعاء من هذه صفته.

### الآية 46:6

> ﻿وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ [46:6]

وقوله تعالى : كانوا لهم أعداء  وصف لما يكون يوم القيامة بين الكفار وأصنامهم من التبري والمناكرة، وقد بين ذلك في غير هذه الآية. وذلك قوله تعالى حكاية عنهم : تبرأنا إليك ما كانوا إيانا يعبدون [(١)](#foonote-١) \[ القصص : ٦٣ \].

١ من الآية(٦٣) من سورة(القصص)..

### الآية 46:7

> ﻿وَإِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ هَٰذَا سِحْرٌ مُبِينٌ [46:7]

الآيات المذكورة هي آيات القرآن، بدليل قوله : تتلى  وبقول الكفار : هذا سحر  وإنما قالوا ذلك عن القرآن من حيث قالوا : هو يفرق بين المرء وبين ولده، وبينه وبين زوجه، إلى نحو هذا مما يوجد مثله للسحر بالوجه الأخس.

### الآية 46:8

> ﻿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ ۖ قُلْ إِنِ افْتَرَيْتُهُ فَلَا تَمْلِكُونَ لِي مِنَ اللَّهِ شَيْئًا ۖ هُوَ أَعْلَمُ بِمَا تُفِيضُونَ فِيهِ ۖ كَفَىٰ بِهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ ۖ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ [46:8]

وقوله تعالى : أم يقولون افتراه ،  أم  مقطوعة مقدرة ب  بل  وألف الاستفهام. و : افتراه  معناه : اشتقه واختلقه، فأمره الله تعالى أن يقول : إن افتريته  فالله حسبي في ذلك، وهو كان يعاقبني ولا يمهلني. ثم رجع القول إلى الاستسلام إلى الله تعالى والاستنصار به عليهم وانتظار ما يقتضيه علمه  بما يفيضون فيه  من الباطل ومراَّدة الحق، وذلك يقتضي معاقبتهم، ففي اللفظة تهديد. والضمير في قوله : فيه  يحتمل أن يعود على القرآن، ويحتمل العودة على  بما . والضمير في : به  عائد على الله تعالى. و : به  في موضع رفع، وأفاض الرجل في الحديث والسب ونحوه : إذا خاض فيه واستمر. 
وقوله : وهو الغفور الرحيم  ترجية واستدعاء إلى التوبة، لأنه في خلال تهديده إياهم بالله تعالى جاءت هاتان الصفتان.

### الآية 46:9

> ﻿قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلَا بِكُمْ ۖ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَىٰ إِلَيَّ وَمَا أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ [46:9]

ثم أمره تعالى أن يحتج عليهم بأنه لم يكن  بدعاً من الرسل ، أي قد جاء غيري قبلي، قاله ابن عباس والحسن وقتادة. والبدع والبديع من الأشياء ما لم ير مثله، ومنه قول ترجمة عدي بن زيد :\[ الطويل \]
فما أنا بدع من حوادث تعتري. . . رجالاً عرت من بعد بؤسى وأسعد[(١)](#foonote-١)
وقرأ عكرمة وابن أبي عبلة وأبو حيوة :**«بدَعاً »** بفتح الدال. قال أبو الفتح، التقدير : ذا بدع فحذف المضاف كما قال \[ النابغة الجعدي \] :\[ المقارب \]
وكيف تواصل من أصبحت. . . خلالته كأبي مرحب ؟[(٢)](#foonote-٢)
واختلف الناس في قوله : ما أدري ما يفعل بي ولا بكم ، فقال ابن عباس وأنس بن مالك والحسن وقتادة وعكرمة : معناه : في الآخرة، وكان هذا في صدر الإسلام، ثم بعد ذلك عرفه الله تعالى بأنه قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، وبأن المؤمنين لهم من الله فضل كبير وهو الجنة، وبأن الكافرين في نار جهنم، والحديث الذي وقع في جنازة عثمان بن مظعون يؤيده هذا وهو قوله :**«فوالله ما أدري وأنا رسول الله ما يفعل بي »**، وفي بعض الروايات :****«به »****[(٣)](#foonote-٣)، ولا حجة في الحديث على رواية ****«به »****، والمعنى عندي في هذا القول أنه لم تكشف له الخاتمة فقال لا أدري ؟ وأما ان من وافى على الإيمان فقد أعلم بنجاته من أول الرسالة وإلا فكان للكفار أن يقولوا : وكيف تدعونا إلى ما لا تدري له عاقبة، وقال الحسن أيضاً وجماعة. معنى الآية : ما أدري ما يفعل بي ولا بكم  في الدنيا من أن أنصر عليكم أو من أن تمكنوا مني، ونحو هذا من المعنى[(٤)](#foonote-٤). 
وقالت فرقة : معنى الآية : ما يفعل بي ولا بكم  من الأوامر والنواهي وما تلزم الشريعة من أعراضها. وحكى الطبري عن بعضهم أنه قال : نزلت الآية في أمر كان النبي صلى الله عليه وسلم ينتظره من الله في غير الثواب والعقاب، وروي عن ابن عباس أنه لما تأخر خروج النبي عليه السلام من مكة حين رأى في النوم أنه يهاجر إلى أرض ذات نخل وسبخة[(٥)](#foonote-٥)، قلق المسلمون لتأخر ذلك، فنزلت هذه الآية. 
وقوله : إن أتبع إلا ما يوحى إليَّ  معناه : الاستسلام والتبري من علم المغيبات والوقوف مع النذارة من عذاب الله عز وجل.

١ هذا البيت من المُجمهرة التي قالها عِدّي بن زيد، ومطلعها:
 أتعرف رسم الدار من أم معبد؟ نعم، ورماك الشوق قبل التجلد
 وهي في (جمهرة أشعار العرب)، وفي (موسوعة الشعر العربي)، والرواية فيهما:"فلا أنا بدع"، والبِدع هو أول من تصيبه الحوادث، وهذا ما أشار إليه ابن عطية بقوله:"ما لم يُر مثله"، وهو موضع الاستشهاد هنا، وتعتري: تصيب، والبؤسى: نقيض النعمى، أي البؤس والشقاء، والأسعد: جمع سعد وهو اليمن، نقيض النحس، ورواية البيت في القرطبي:"رجالا غدت من بعد بؤسى بأسعد"، ورواية البيت في (شعراء النصرانية):
 فلست بمن يخشى حوادث تعتري رجالا فبادوا بعد بؤس وأسعد
 وعلى هذه الرواية فلا شاهد فيه..
٢ البيت لعبد الله بن قيس المعروف بالنابغة الجعدي، وهو ممن وفد على الرسول صلى الله عليه وسلم، ودعا له، وقبل هذا البيت يقول:
 وبعض الأخلاء عند البلا ء والرزء أروغ من ثعلب
 والخلالة-مُثلة الخاء-: الصداقة، وأبو مرحب: كنية الظل، ويقال: هو كنية"عرقوب" المشهور الذي قيل عنه:"مواعيد عُرقوب أخاه بييثرب"، ذكر ذلك في اللسان-خلل-، وقال ابن الأعرابي:"يقال للرجل الحسن الوجه لا باطن له: أبو مرحب"، والشاهد في البيت حذف المضاف؛ إذ التقدير:"كخلالة أبي مرحب"، هذا والبيت في الكتاب لسيبويه، وفي لسان العرب، وأمالي القالي، والإنصاف، وشرح القصائد السبع الطوال، والسمط، وهو في أكثرها غير منسوب لقائل..
٣ هذا الحديث أخرجه أحمد، والبخاري، والنسائي، وابن مردويه، عن أم العلاء رضي الله عنها، وأخرج مثله الطبراني، وابن مردويه، عن ابن عباس رضي الله عنهما، وأخرج مثله ابن حبان، والطبراني، عن زيد بن ثابت رضي الله عنه، وأم العلاء امرأة من الأنصار، قالت: اقتسمنا المهاجرين فطار لنا عثمان بن مظعون بن حذافة بن جُمح، فأنزلناه أبياتنا فتوفي، فقلت: رحمة الله عليك أبا السائب، إن الله أكرمك، فقال النبي صلى الله عليه وسلم:(وما يدريك أن الله أكرمه)؟ فقلت: بأبي وامي يا رسول الله، فمن؟ قال:(أما هو فقد جاءه اليقين، وما رأينا إلا خيرا، فوالله إني لأرجو له الجنة، ووالله إني لرسول الله وما أدري ما يُفعل بي ولا بكم)، قالت: فوالله لا أزكي بعده أحدا أبدا، ورواية (به) هي رواية البخاري، وليس فيه:(بي ولا بكم)، قال القرطبي:"وهو الصحيح إن شاء الله"..
٤ أكثر المفسرين – ومنهم الطبري والقرطبي- على أن هذا هو أصح قول وأحسنه، قال الحسن في توضيح كلامه:"ما أدري ما يُفعل بي ولا بكم في الدنيا، أما في الآخرة فمعاذا الله! قد علم أنه في الجنة حين أخذ ميثاقه في الرسل، ولكن قال: ما أدري ما يفعل بي في الدنيا، أأُخرج كما أُخرجت الأنبياء قبلي، أو أُقتل كما قتلت الأنبياء قبلي؟ ولا أدري ما يفعل بكم، أأُمتي المصدقة أم المكذبة، أم أمتي المرمية بالحجارة من السماء قذفا، أو مخسوف بها خسفا؟ ثم نزلتهو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله، يقول: سيظهر دينه على الأديان، ثم قال في أمته:وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم فأخربه تبارك وتعالى بما يصنع به وبأمته، ولا نسخ على هذا كله، والحمد لله". (راجع الدر المنثور، والطبري، والقرطبي)..
٥ الذي في كتب التفسير والسيرة وغيرها:" ذات نخل وشجر وماء"..

### الآية 46:10

> ﻿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَكَفَرْتُمْ بِهِ وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَىٰ مِثْلِهِ فَآمَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمْ ۖ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ [46:10]

هذه الآية توقيف على الخطر العظيم الذي هم بسبيله في أن يكذبوا بأمر نافع لهم منج من العذاب دون حجة ولا دليل لهم على التكذيب، فالمعنى كيف حالكم مع الله، وماذا تنتظرون منه وأنتم قد كفرتم بما جاء من عنده، وجواب هذا التوقيف محذوف تقديره : أليس قد ظلمتم، ودل على هذا المقدار قوله تعالى : إن الله لا يهدي القوم الظالمين  و : أرأيتم  في هذه الآية يحتمل أن تكون منبهة، فهي لفظ موضوع للسؤال لا يقتضي مفعولاً، ويحتمل أن تكون الجملة  كان  وما عملت فيه تسد مسد مفعوليها. 
واختلف الناس في المراد ب  الشاهد  فقال الحسن ومجاهد وابن سيرين : هذه الآية مدنية، والشاهد عبد الله بن سلام. وقوله : على مثله  الضمير فيه عائد على قول محمد عليه السلام في القرآن أنه من عند الله. وقال الشعبي : الشاهد رجل من بني إسرائيل غير عبد الله بن سلام كان بمكة، والآية مكية وقال سعد بن أبي وقاص ومجاهد وفرقة : الآية مكية، والشاهد عبد الله بن سلام، وهي من الآيات التي تضمنت غيباً أبرزه الوجود، وقد روي عن عبد الله بن سلام أنه قال : فيَّ نزلت. وقال مسروق بن الأجدع والجمهور : الشاهد موسى بن عمران عليه السلام، والآية مكية، ورجحه الطبري. 
وقوله : على مثله  يريد بالمثل : التوراة، والضمير عائد في هذا التأويل على القرآن، أي جاء شاهد من بني إسرائيل بمثله وشهد أنه من عند الله تعالى. 
وقوله : فآمن  على هذا التأويل، يعني به تصديق موسى بأمر محمد وتبشيره به، فذلك إيمان به، وأما من قال : الشاهد عبد الله بن سلام، فإيمانه بين، وكذلك إيمان الإسرائيلي الذي كان بمكة في قول من قاله، وحكى بعضهم أن الفاعل ب **«آمن »**، هو محمد عليه السلام، وهذا من القائلين بأن الشاهد هو موسى بن عمران عليه السلام، وإنما اضطر إلى هذا لأنه لم ير وجه إيمان موسى عليه السلام، ثم قرر تعالى استكبارهم وكفرهم بإيمان هذا المذكور، فبان ذنبهم وخطؤهم.

### الآية 46:11

> ﻿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا لَوْ كَانَ خَيْرًا مَا سَبَقُونَا إِلَيْهِ ۚ وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ فَسَيَقُولُونَ هَٰذَا إِفْكٌ قَدِيمٌ [46:11]

وقوله تعالى : وقال الذين كفروا للذين آمنوا لو كان خيراً ما سبقونا إليه  قال قتادة : هي مقالة قريش، يريدون عماراً وصهيباً وبلالاً ونحوهم ممن أسلم وآمن بالنبي عليه السلام. وقال الزجاج والكلبي وغيره : هي مقالة كنانة وعامر وسائر قبائل العرب المجاورة، قالت ذلك حين أسلمت غفار ومزينة وجهينة. وقال الثعلبي : هي مقالة اليهود حين أسلم ابن سلام وغيره منهم. والإفك : الكذب، ووصفوه بالقدم، بمعنى أنه في أمور متقادمة، وهذا كما تقول لرجل حدثك عن أخبار كسرى وقيصر، هذا حديث قديم، ويحتمل أن يريدوا أنه إفك قيل قديماً.

### الآية 46:12

> ﻿وَمِنْ قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَىٰ إِمَامًا وَرَحْمَةً ۚ وَهَٰذَا كِتَابٌ مُصَدِّقٌ لِسَانًا عَرَبِيًّا لِيُنْذِرَ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَبُشْرَىٰ لِلْمُحْسِنِينَ [46:12]

الضمير في قوله : ومن قبله  للقرآن، و : كتاب موسى  هو التوراة. وقرأ الكلبي :**«كتابَ موسى »** بنصب الباء على إضمار أنزل الله أو نحو ذلك. والإمام : خيط البناء، وكل ما يهتدي ويقتدى به فهو إمام. ونصب  إماماً  على الحال،  ورحمة  عطف على إمام، والإشارة بقوله : وهذا كتاب  إلى القرآن. و : مصدق  معناه للتوراة التي تضمنت خبره وأمر محمد، فجاء هو مصدقاً لذلك الإخبار، وفي مصحف عبد الله بن مسعود :**«مصدق لما بين يديه لساناً »**، واختلف الناس في نصب قوله : لساناً  فقالت فرقة من النحاة، هو منصوب على الحال، وقالت فرقة : لساناً  توطئة مؤكدة. و : عربياً  حال، وقالت فرقة : لساناً  مفعول ب  مصدق ، والمراد على هذا القول باللسان : محمد رسول الله ولسانه، فكان القرآن بإعجازه وأحواله البارعة يصدق الذي جاء به، وهذا قول صحيح المعنى جيد وغيره مما قدمناه متجه. 
وقرأ نافع وابن عامر وابن كثير فيما روي عنه، وأبو جعفر والأعرج وشيبة وأبو رجاء والناس :**«لتنذر »** بالتاء، أي أنت يا محمد، ورجحها أبو حاتم، وقرأ الباقون والأعمش **«لينذر »** أي القرآن و : الذين ظلموا  هم الكفار الذين جعلوا العبادة في غير موضعها في جهة الأصنام والأوثان. 
وقوله : وبشرى  يجوز أن تكون في موضع رفع عطفاً على قوله : مصدق ، ويجوز أن تكون في موضع نصب، واقعة[(١)](#foonote-١) موقع فعل عطفاً على  لتنذر  أي وتبشر المحسنين، ولما عبر عن الكفار ب  الذين ظلموا ، عبر عن المؤمنين ب **«المحسنين »** لتناسب لفظ الإحسان في مقابلة الظلم. ثم أخبر تعالى عن حسن حال المسلمين المستقيمين ورفع الظلم.

١ هكذا في الأصول..

### الآية 46:13

> ﻿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ [46:13]

ثم أخبر تعالى عن حسن حال المسلمين المستقيمين ورفع عنهم الخوف والحزن، وذهب كثير من الناس إلى أن معنى الآية : ثم استقاموا  بالطاعات والأعمال الصالحات. وقال أبو بكر الصديق رضي الله عنه المعنى : ثم استقاموا  بالدوام على الإيمان وترك الانحراف عنه. 
قال القاضي أبو محمد : وهذا القول أعم رجاء وأوسع، وإن كان في الجملة المؤمنة من يعذب وينفذ عليه الوعيد، فهو ممن يخلد في الجنة وينتفي عنه الخوف والحزن الحال بالكفرة، والخوف هو الهم لما يستقبل، والحزن هو الهم بما مضى، وقد يستعمل فيما يستقبل استعارة، لأنه حزن لخوف أمر ما. 
وقرأ ابن السميفع :**«فلا خوفُ »** دون تنوين.

### الآية 46:14

> ﻿أُولَٰئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [46:14]

وقوله : جزاء بما كانوا يعملون ، **«ما »** واقعة على الجزء الذي هو اكتساب العبد، وقد جعل الله الأعمال أمارات على صبور العبد، لا أنها توجب على الله شيئاً.

### الآية 46:15

> ﻿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا ۖ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا ۖ وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا ۚ حَتَّىٰ إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَىٰ وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي ۖ إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ [46:15]

وقوله تعالى : ووصينا الإنسان بوالديه  يريد النوع، أي هكذا مضت شرائعي وكتبي لأنبيائي، فهي وصية من الله في عباده. 
وقرأ جمهور القراء :**«حُسْناً »** بضم الحاء وسكون السين، ونصبه على تقدير وصيناه ليفعل أمراً ذا حسن، فكأن الفعل تسلط عليه مفعولاً ثانياً. وقرأ علي بن أبي طالب وأبو عبد الرحمن وعيسى :**«حَسَناً »** بفتح الحاء والسين، وهذا كالأول ومحتمل كونهما مصدرين كالبُخل والبَخل[(١)](#foonote-١)، ومحتمل، أن يكون هذا الثاني اسماً لا مصدراً، أي ألزمناه بهما فعلاً حسناً[(٢)](#foonote-٢). وقرأ عاصم وحمزة والكسائي ****«إحساناً »****، ونصب هذا على المصدر الصريح والمفعول الثاني في المجرور، والباء متعلقة ب  وصينا  أو بقوله :****«إحساناً »****[(٣)](#foonote-٣). 
وبر الوالدين واجب بهذه الآية وغيرها، وعقوقهما كبيرة، وقال النبي صلى الله عليه وسلم : كل شيء بينه وبين الله حجاب إلا شهادة أن لا إله إلا الله ودعوة الوالدين[(٤)](#foonote-٤). 
قال القاضي أبو محمد :: ولن يدعوا إلا إذا ظلمهما الولد، فهذا الحديث في عموم قوله عليه السلام :**«اتقوا دعوة المظلوم فإنه ليس بينها وبين الله حجاب »**[(٥)](#foonote-٥). 
ثم عدد تعالى على الأبناء منن الأمهات وذكر الأم في هذه الآيات في أربع مراتب، والأب في واحدة، جمعهما الذكر في قوله : بوالديه ، ثم ذكر الحمل للأم ثم الوضع لها ثم الرضاع الذي عبر عنه بالفصال، فهذا يناسب ما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم حين جعل للأم ثلاثة أرباع البر، والربع للأب، وذلك إذ قال له رجل : يا رسول الله من أبر ؟ **«قال : أمك، قال ثم من ؟ قال : ثم أمك، قال ثم من ؟ قال : ثم أمك، قال ثم من ؟ قال : أباك »**[(٦)](#foonote-٦). 
وقوله : كرهاً  معناه في ثاني استمرار الحمل حين تتوقع حوادثه، ويحتمل أن يريد في وقت الحمل، إذ لا تدبير لها في حمله ولا تركه، وقال مجاهد والحسن وقتادة : المعنى حملته مشقة ووضعته مشقة. 
وقرأ أكثر القراء :**«كُرهاً »** بضم الكاف. وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وأبو جعفر وشيبة والأعرج :****«كَرهاً »**** بفتح الكاف، وقرأ بهما معاً مجاهد وأبو رجاء وعيسى. قال أبو علي وغيره : هما بمعنى، الضم الاسم، والفتح المصدر. وقالت فرقة : الكره بالضم : المشقة، والكره بالفتح هو الغلبة والقهر، وضعفوا على هذا قراءة الفتح. قال بعضهم : لو كان ****«كَرهاً »**** لرمت به عن نفسها، إذ الكره القهر والغلبة، والقول الذي قدمناه أصوب. 
وقرأ جمهور الناس :**«وفصاله »** وذلك أنها مفاعلة من اثنين، كأنه فاصل أمه وفاصلته. وقرأ الحسن بن أبي الحسن وأبو رجاء وقتادة والجحدري :**«وفصله »**، كأن الأم هي التي فصلته. 
وقوله : ثلاثون شهراً  يقتضي أن مدة الحمل والرضاع هذه المدة، لأن في القول حذف مضاف تقديره : ومدة حمله وفصاله، وهذا لا يكون إلا بأن يكون أحد الطرفين ناقصاً، وذلك إما بأن تلد المرأة لستة أشهر وترضع عامين، وإما بأن تلد لتسعة على العرف وترضع عامين غير ربع العام، فإن زادت مدة الحمل نقصت مدة الرضاع، وبالعكس فيترتب من هذا أن أقل مدة الحمل ستة أشهر. 
وأقل ما يرضع الطفل عام وتسعة أشهر، وإكمال العامين هو لمن أراد أن يتم الرضاعة، وهذا في أمر الحمل هو مذهب علي بن أبي طالب رضي الله عنه وجماعة من الصحابة ومذهب مالك رحمه الله. 
واختلف الناس في الأشد : فقال الشعبي وزيد بن أسلم : البلوغ إذا كتبت عليه السيئات وله الحسنات. وقال ابن إسحاق : ثمانية عشر عاماً، وقيل عشرون عاماً، وقال ابن عباس وقتادة : ثلاثة وثلاثون عاماً، وقال الجمهور من النظار : ثلاثة وثلاثون. وقال هلال بن يساف وغيره : أربعون، وأقوى الأقوال ستة وثلاثون، ومن قال بالأربعين قال في الآية إنه أكد وفسر الأشد بقوله : وبلغ أربعين سنة . 
قال القاضي أبو محمد : وإنما ذكر تعالى الأربعين، لأنها حد للإنسان في فلاحه ونجابته، وفي الحديث :**«إن الشيطان يجر يده على وجه من زاد على الأربعين ولم يتب فيقول : بأبي وجه لا يفلح »**[(٧)](#foonote-٧) وقال أيمن بن خريم الأسدي :\[ الطويل \]
إذا المرء وفّى الأربعين ولم يكنْ. . . له دون ما يأتي حياء ولا ستر
فدعه ولا تنفس عليه الذي ارتأى. . . وإن جر أسباب الحياة له العمر[(٨)](#foonote-٨)
وفي مصحف ابن مسعود :**«حتى إذا استوى أشده وبلغ أربعين سنة »**[(٩)](#foonote-٩) وقوله : أوزعني  معناه : ادفعني عن الموانع وازجرني عن القواطع لأجل أن أشكر نعمتك[(١٠)](#foonote-١٠)، ويحتمل أن يكون  أوزعني  بمعنى اجعل حظي ونصيبي، وهذا من التوزيع والقوم الأوزاع، ومن قوله توزعوا المال، ف **«أن »** على هذا مفعول صريح. وقال ابن عباس  نعمتك  في التوحيد. و : صالحاً ترضاه  الصلوات. والإصلاح في الذرية كونهم أهل طاعة وخيرية، وهذه الآية معناها أن هكذا ينبغي للإنسان أن يفعل، وهذه وصية الله للإنسان في كل الشرائع. 
وقال الطبري : وذُكر أن هذه الآية من أولها نزلت في شأن أبي بكر الصديق، ثم هي تتناول من بعده، وكان رضي الله عنه قد أسلم أبواه، فلذلك قال : وعلى والدي ، وفي هذا القول اعتراض بأن هذه الآية نزلت بمكة لا خلاف في ذلك، وأبو قحافة أسلم عام الفتح فإنما يتجه هذا التأويل على أن أبا بكر كان يطمع بإيمان أبويه ويرى مخايل ذلك فيهما، فكانت هذه نعمة عليهما أن ليسا ممن عسى[(١١)](#foonote-١١) في الكفر ولج وحتم عليه ثم ظهر إيمانهما بعد، والقول بأنها عامة في نوع الإنسان لم يقصد بها أبو بكر ولا غيره أصح[(١٢)](#foonote-١٢)، وباقي الآية بين إلى قوله : من المسلمين .

١ مثل: الشُّغل والشَّغل، ذكر ذلك أبو الفتح في المحتسب..
٢ قال ابن جني: فهو اسم صفة لا مصدر، ونصبه(وصيناه به)؛ لأنه يفيد مفاد: ألزمناه الحسن في أبويه، وإن شئت قلت: هو منصوب بفعل غير هذا، لا بنفس هذا، فيكون منصوبا بنفس ألزمناه، لا بنفس وصيناه؛ لأنه في معناه..
٣ يرفض أبو حيان في البحر ذلك ويقول:"لا يصح أن يتعلق بـ\[إحسانا\]؛ لأنه مصدر بحرف مصدري والفعل؛ فلا يتقدم معموله عليه، ولأن"أحسن" لا يتعدى بالباء، إنما يتعدى باللام؛ تقول: أحسنت لزيد، ولا تقول: أحسنت بزيد على معنى أن الإحسان يصل إليه"..
٤ وروى أحمد في مسنده عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول:(ثلاث دعوات مستجابات لا شك فيهن: دعوة المظلوم، ودعوة المسافر، ودعوة الوالد على ولده)، أما الحديث بهذا اللفظ الذي ذكره المؤلف فقد رواه ابن النجار عن أنس رضي الله عنه، وقد ذكره الإمام السيوطي في الجامع الصغير، ورمز له بأنه ضعيف..
٥ أخرجه البخاري في الجهاد والزكاة والمظالم والمغازي، ومسلم في الإيمان، وأبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه، والدارمي في الزكاة، ومالك في موطئه في دعوة المظلوم، وأحمد في مسنده(١-٣٢٢، ٣-١٥٣)، ولفظه كما جاء في البخاري في كتاب المظالم، عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث معاذا إلى اليمن فقال:(اتق دعوة المظلوم فإنها ليس بينها وبين الله حجاب)..
٦ رواه البخاري ومسلم، واللفظ فيهما:(من أحق الناس بحسن صحابتي؟)..
٧ لم أقف على هذا الحديث، ولم يذكره من المفسرين في هذا الموقع غير ابن عطية إلا صاحب البحر المحيط..
٨ أيمن بن خريم بن فاتك الأسدي، له ترجمة في الأغاني، والإصابة، وتهذيب ابن عساكر، ومعنى "وفّى الأربعين": أكملها، و"ما يأتي": ما يفعل من الأشياء، يفعل ما يريد دون خجل أو تستر من الناس، ولا تنفس عليه، أي لا تحسده على ما ارتضى لنفسه من الأمور مهما طال عمره..
٩ قال الفراء:"والمعنى فيه كالمعنى في قراءتنا؛ لأنه جائز في العربية أن تقول: لما وُلد لك وأدركت مدرك الرجال عققت وفعلت، والإدراك قبل الولادة"..
١٠ من ذلك قول النابغة الذبياني:
 على حين عاتبت المشيب على الصبا وقلت ألما أصح والشيب وازع؟
 **وقول الآخر:**
 ولما تلاقينا جرت من جفوننا دموع وزعنا غربها بالأصابع
 فإن المعنى فيهما الكف والدفع، ولكن الطبري يرى أن المعنى: أغرني بشكر نعمتك التي أنعمت عليّ في تعريفك إياي توحيدك وهدايتك لي للاقرار بذلك، وأصله من "وزعت الرجل على كذا، إذا دفعته عليه"، وقال القرطبي: أوزعني: ألهمني..
١١ عسى هنا بمعنى كبِر، جاء في اللسان:"عسا الشيخ يعسو….: كبِر، مثل عتا، ويقال للشيخ إذا ولى وكبر: عتا يعتو عتيا، وعسا يعسو مثله"..
١٢ في الآية ثلاثة أقوال: الأول أنها نزلت في أبي بكر الصديق رضي الله عنه، وقد ذكر ذلك الواحدي في "أسباب النزول" من رواية عطاء عن ابن عباس رضي الله عنهما بدون سند، وقال السيوطي في "الدر المنثور":"أخرج ابن عساكر من طريق الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس رضي الله عنهما، قال: نزلت في أبي بكر الصديق رضي الله عنهما... ، والثاني أنها نزلت في سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه، والثالث أنها عامة، وهذا ما رجحه المؤلف رحمه الله..

### الآية 46:16

> ﻿أُولَٰئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَنَتَجَاوَزُ عَنْ سَيِّئَاتِهِمْ فِي أَصْحَابِ الْجَنَّةِ ۖ وَعْدَ الصِّدْقِ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ [46:16]

قوله تعالى : أولئك  دليل على أن الإشارة بقوله : ووصينا الإنسان  \[ الأحقاف : ١٥ \] إنما أراد الجنس[(١)](#foonote-١). 
وقرأ جمهور القراء :**«يُتَقبَّل »** بالياء على بناء الفعل للمفعول وكذلك **«يُتجاوز »**. وقرأ حمزة والكسائي وحفص عن عاصم فيهما بالنون التي للعظمة **«نتقبل »** **«أحسنَ »** بالنصب **«ونتجاوز »** وهي قراءة طلحة وابن وثاب وابن جبير والأعمش بخلاف عنه. وقرأ الحسن **«يَتقبل »** بياء مفتوحة **«ويَتجاوز »** كذلك، أي الله تعالى وقوله : في أصحاب الجنة  يريد الذين سبقت لهم رحمة الله. وقوله : وعدَ الصدق  نصب على المصدر المؤكد لما قبله.

١ في بعض النسخ:"أراد به الجنس"، وفي بعضها"للجنس"..

### الآية 46:17

> ﻿وَالَّذِي قَالَ لِوَالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُمَا أَتَعِدَانِنِي أَنْ أُخْرَجَ وَقَدْ خَلَتِ الْقُرُونُ مِنْ قَبْلِي وَهُمَا يَسْتَغِيثَانِ اللَّهَ وَيْلَكَ آمِنْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَيَقُولُ مَا هَٰذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ [46:17]

وقوله تعالى : والذي قال لوالديه أف لكما  الآية،  الذي  يعنى به الجنس على حد العموم الذي في الآية التي قبلها في قوله : ووصينا الإنسان  \[ الأحقاف : ١٥ \] وهذا قول الحسن وجماعة، ويشبه أن لها سبباً من رجل قال ذلك لأبويه. فلما فرغ من ذكر الموفق عقب بذكر هذا العاق. وقال ابن عباس في كتاب الطبري : هذه الآية نزلت في ابن لأبي بكر ولم يسمِّه. 
وقال مروان بن الحكم : نزلت في عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق رضي الله عنه، وقاله قتادة، وذلك أنه كان أكبر ولد أبي بكر وشهد بدراً وأحداً مع الكفار، وقال لأبيه في الحرب :
لم يبق إلا شكة ويعبوب. . . وصارم يقتل ضلال الشيب[(٢)](#foonote-٢)
ودعاه إلى المبارزة فكان بمكة على نحو هذه الخلق، فقيل إن هذه الآية نزلت فيه. 
وروي أن مروان بن الحكم خطب وهو أمير المدينة فدعا الناس إلى بيعة يزيد، فقال عبد الرحمن بن أبي بكر : جعلتموها هرقلية، كلما مات هرقل ولي هرقل، وكلما مات قيصر ولي قيصر، فقال مروان بن الحكم : خذوه، فدخل عبد الرحمن بيت عائشة أخته أم المؤمنين، فقال مروان : إن هذا هو الذي قال الله فيه : والذي قال لوالديه أف لكما  فسمعته عائشة، فأنكرت ذلك عليه، وسبت مروان، وقالت له : والله ما نزل في آل أبي بكر من القرآن غير براءتي، وإني لأعرف فيمن نزلت هذه الآية[(١)](#foonote-١). 
وذكر ابن عبد البر أن الذي خطب هو معاوية، وذلك وهم، والأصوب أن تكون عامة في أهل هذه الصفات ولم يقصد بها عبد الرحمن ولا غيره من المؤمنين والدليل القاطع على ذلك قوله : أولئك الذين حق عليهم القول في أمم  وكان عبد الرحمن رحمه الله من أفضل الصحابة ومن الأبطال، وممن له في الإسلام غناء يوم اليمامة وغيره. 
وقرأ أبو عمرو وحمزة والكسائي وأبو بكر عن عاصم وطلحة بن مصرف :**«أفِّ »** بكسر الفاء بغير تنوين، وذلك فيها علامة تعريف. وقرأ ابن كثير وابن عامر وابن محيصن وشبل وعمرو بن عبيد :**«أفَّ »**[(١)](#foonote-١) بالفتح، وهي لغة الكسر والفتح. 
وقرأ نافع وحفص عن عاصم وأبو جعفر وشيبة والحسن والأعرج :**«أفٍّ »** بالكسر والتنوين، وذلك علامة تنكير، وهي كصه وغاق، وكما تستطعم رجلاً حديثاً غير معين فتقول **«إيه »** منونة، فإن كان حديثاً مشاراً إليه قلت **«إيهِ »** بغير تنوين. و  أف  : أصلها في الأقذار، كانت العرب إذا رأت قذراً قالت :**«أف »** ثم صيره الاستعمال يقال في كل ما يكره من الأفعال والأقوال. 
وقرأ هشام عن ابن عامر وعاصم[(٢)](#foonote-٢) وأبو عمرو :**«أتعداني »**، وقرأ أبو عمرو ونافع وشيبة والأعرج والحسن وأبو جعفر وقتادة وجمهور القراء **«أتعدانني »** بنونين، والقراءة الأولى هي بإدغام النون في النون. وقرأ نافع أيضاً وجماعة :**«أتعدانيَ »** بنون واحدة وإظهار الياء. 
وقرأ نافع وأبو عمرو وعاصم وأبو جعفر والأعرج وشيبة وقتادة وأبو رجاء وابن وثاب وجمهور الناس **«أن أُخرَج »** بضم الهمزة وفتح الراء. وقرأ الحسن وابن يعمر والأعمش وابن مصرف والضحاك. **«أَن أَخرُج »** بفتح الهمزة وضم الراء. والمعنى أن أخرج من القبر للحشر والمعاد، وهذا القول منه استفهام بمعنى الهزء والاستبعاد. 
وقوله : وقد خلت القرون من قبلي  معناه : هلكت ومضت ولم يخرج منهم أحد. وقوله : وهما  يعني الوالدين، ويقال استغثت الله واسغثت بالله بمعنى واحد. و : ويلك  دعاء يقال هنا لمن يحفز ويحرك لأمر ما يستعجل إليه. 
وقرأ الأعرج **«أن وعد الله »** بفتح الهمزة، والناس على كسرها. 
وقوله : ما هذا إلا أساطير  أي ما هذا القول الذي يتضمن البعث من القبور إلا شيء قد سطره الأولون في كتبهم، يعني الشرائع، وظاهر ألفاظ هذه الآية أنها نزلت في مشار إليه قال وقيل له، فنعى الله أقواله تحذيراً من الوقوع في مثلها.

١ أخرجه عبد بن حميد، والنسائي، وابن المنذر، والحاكم وصححه، وابن مردويه، عن محمد بن زياد، وأخرجه البخاري عن يوسف بن ماهك، وفيه أن مروان لما قال خذوه دخل عبد الرحمن بن أبي بكر بيت عائشة رضي الله عنها فلم يقدر عليه، وأخرج هذا الخبر أيضا ابن أبي حاتم، وابن مردويه، عن عبد الله.(الدر المنثور)..

### الآية 46:18

> ﻿أُولَٰئِكَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ ۖ إِنَّهُمْ كَانُوا خَاسِرِينَ [46:18]

وقوله : أولئك  ظاهره أنها إشارة إلى جنس يتضمنه قوله : والذي قال ، ويحتمل إن كانت الآية في مشار إليه أن يكون قوله : أولئك  بمعنى صنف هذا المذكور وجنسهم  الذين حق عليهم القول ، أي قول الله إنه يعذبهم. 
وقوله : قد خلت من قبلهم من الجن والإنس  يقتضي أن  الجن  يموتون كما يموت البشر قرناً بعد قرن، وقد جاء حديث يقتضي ذلك. وقال الحسن بن أبي الحسن في بعض مجالسه : إن الجن لا يموتون، فاعترضه قتادة بهذه الآية فسكت.

### الآية 46:19

> ﻿وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا ۖ وَلِيُوَفِّيَهُمْ أَعْمَالَهُمْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ [46:19]

وقوله تعالى : ولكل درجات  يعني المحسنين والمسيئين. قال ابن زيد : ودرجات المحسنين تذهب علواً، ودرجات المسيئين تذهب سفلاً. 
وقرأ أبو عبد الرحمن :**«ولتوفيهم »** بالتاء من فوق، أي الدرجات. وقرأ جمهور الناس :**«وليوفيهم »** بالياء. وقرأ نافع بخلاف عنه، وأبو جعفر وشيبة والأعرج وطلحة والأعمش :**«ولنوفيهم »** بالنون : قال اللؤلؤي في حرف أبي بن كعب وابن مسعود :**«ولنوفينّهم »** بنون أولى ونون ثانية مشددة، وكل امرئ يجني ثمرة عمله من خير أو شر ولا يظلم في مجازاته، بل يوضع كل أمر موضعه من ثواب أو عقاب.

### الآية 46:20

> ﻿وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا فَالْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنْتُمْ تَفْسُقُونَ [46:20]

المعنى : واذكر يوم يعرض، وهذا العرض هو بالمباشرة، كما تقول عرضت العود على النار والجاني على السوط، والمعنى : يقال لهم  أذهبتم طيباتكم . 
وقرأ جمهور القراء :**«أذهبتم »** على الخبر، حسنت الفاء بعد ذلك. وقرأ ابن كثير والحسن والأعرج وأبو جعفر ومجاهد وابن وثاب. **«آذهبتم »** بهمزة مطولة على التوبيخ والتقرير الذي هو في لفظ الاستفهام. وقرأ ابن عامر **«أأذهبتم »** بهمزتين تقريراً. 
والتقرير والتوبيخ إخبار بالمعنى، ولذلك حسنت الفاء وإلا فهي لا تحسن في جواب على حد هذه مع الاستفهام المحض. 
والطيبات : الملاذ، وهذه الآية وإن كانت في الكفار فهي رادعة لأولي النهى من المؤمنين عن الشهوات واستعمال الطيبات، ومن ذلك قول عمر رضي الله عنه : أتظنون أنا لا نعرف طيب الطعام، ذلك لباب البر بصغار المعزى، ولكني رأيت الله تعالى نعى على قوم أنهم أذهبوا طيباتهم في حياتهم الدنيا، ذكر هذا في كلامه مع الربيع بن زياد. وقال أيضاً نحو هذا لخالد بن الوليد حين دخل الشام فقدم إليه طعام طيب، فقال عمر : هذا لنا، فما لفقراء المسلمين الذين ماتوا ولم يشبعوا من خبز الشعير ؟ فقال خالد : لهم الجنة، فبكى عمر وقال : لئن كان حظنا في الحطام وذهبوا بالجنة لقد باينونا بوناً بعيداً. وقال جابر بن عبد الله : اشتريت لحماً بدرهم فرآني عمر، فقال : أو كلما اشتهى أحدكم شيئاً اشتراه فأكله ؟ أما تخشى أن تكون من أهل هذه الآية، وتلا : أذهبتم  الآية. 
و  عذاب الهون  : العذاب الذي اقترن به هوان، وهذا هو عذاب العصاة المواقعين ما قد نهوا عنه، وهذا بين في عذاب الدنيا، فعذاب المحدود في معصية كالحرابة ونحوها مقترن بهون، وعذاب المقتول في حرب لا هون معه، فالهون والهوان بمعنى ؟ !. 
ثم أمر تعالى نبيه بذكر هود وقومه عاد على جهة المثال لقريش، وهذه الأخوة هي أخوة القرابة، لأن هوداً كان من أشراف القبيلة التي هي عاد.

### الآية 46:21

> ﻿۞ وَاذْكُرْ أَخَا عَادٍ إِذْ أَنْذَرَ قَوْمَهُ بِالْأَحْقَافِ وَقَدْ خَلَتِ النُّذُرُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ [46:21]

واختلف الناس في هذه ****«الأحقاف »**** أين كانت ؟ فقال ابن عباس والضحاك : هي جبل بالشام، وقيل كانت بلاد نخيل، وقيل هي الرمال بين مهرة وعدن. وقال ابن عباس أيضاً : بين عمان ومهرة. وقال قتادة : هي بلاد الشحر المواصلة للبحر اليماني وقال ابن إسحاق هي بين حضرموت وعمان، والصحيح من الأقوال : أن بلاد عاد كانت باليمن ولهم كانت إرم ذات العماد. و ****«الأحقاف »**** : جمع حقف، و هو الجبل المستطيل والمعوجّ من الرمل. ( قال الخليل : هي الرمال الأحقاف ) وكثيراً ما تحدث هذه الأحقاف في بلاد الرمل في الصحارى، لأن الريح تصنع ذلك. 
وقوله تعالى : وقد خلت النذر من بين يديه ومن خلفه  اعتراض مؤكد مقيم للحجة أثناء قصة هود، لأن قوله : ألا تعبدوا إلا الله  هو من نذارة هود. و : خلت  معناه : مضت إلى الخلاء ومرت أزمانها. وفي مصحف عبد الله :**«وقد خلت النذر من قبله وبعده »**. وروي أن فيه :**«وقد خلت النذر من بين يديه ومن بعده »**. و  النذر  : جمع نذير بناء اسم فاعل.

### الآية 46:22

> ﻿قَالُوا أَجِئْتَنَا لِتَأْفِكَنَا عَنْ آلِهَتِنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ [46:22]

وقولهم : لتأفكنا  معناه : لتصرفنا. وقولهم : فأتنا بما تعدنا  تصميم على التكذيب وتعجيز منهم له في زعمهم.

### الآية 46:23

> ﻿قَالَ إِنَّمَا الْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ وَأُبَلِّغُكُمْ مَا أُرْسِلْتُ بِهِ وَلَٰكِنِّي أَرَاكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ [46:23]

المعنى قال لهم هود : إن هذا الوعيد ليس من قبلي، وإنما الأمر إلى الله وعلم وقته عنده، وإنما عليَّ أن أبلغ فقط. 
وقرأ جمهور الناس :**«وأبَلّغكم »** بفتح الباء وشد اللام. قال أبو حاتم : وقرأ أبو عمرو في كل القرآن بسكون الباء وتخفيف اللام. 
و : أراكم تجهلون  أي مثل هذا من أمر الله تعالى وتجهلون خلق أنفسكم.

### الآية 46:24

> ﻿فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُوا هَٰذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا ۚ بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ ۖ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ [46:24]

والضمير في : رأوه  يحتمل أن يعود على العذاب، ويحتمل أن يعود على الشيء المرئي الطارئ عليهم، وهو الذي فسره قوله : عارضاً ، والعارض ما يعرض في الجو من السحاب الممطر، ومنه قول الأعشى :
يا من رأى عارضاً قد بتُّ أرمقه. . . كأنما البرق في حافاته الشعل[(١)](#foonote-١)
وقال ابو عبيدة : العارض الذي في أقطار السماء عشياً ثم يصبح من الغد قد استوى. وروي في معنى قوله : مستقبل أوديتهم  أن هؤلاء القوم كانوا قد قحطوا مدة فطلع هذا العارض على الهيئة والجهة التي يمطرون بها أبداً، جاءهم من قبل واد لهم يسمونه المغيث. قال ابن عباس : ففرحوا به و  قالوا هذا عارض ممطرنا ، وقد كذب هود فيما أوعد به، فقال لهم هود عليه السلام : ليس الأمر كما رأيتم،  بل هو ما استعجلتم به  في قولكم : فأتنا بما تعدنا  \[ الأحقاف : ٢٢ \] ثم قال : ريح فيها عذاب أليم . 
وفي قراءة ابن مسعود :**«قال هود بل هو »** بإظهار المقدر، لأن قراءة الجمهور هي كقوله تعالى  يدخلون عليهم من كل باب، سلام عليكم [(٢)](#foonote-٢) \[ الرعد : ٢٣ \] أي يقولون سلام. قال الزجاج وقرأ قوم :**«ما استُعجِلتم »** بضم التاء الأولى وكسر الجيم. و : ريح  بدل من المبتدأ في قوله : هو ما . و : ممطرنا  هو نعت ل  عارض  وهو نكرة إضافته غير محضة، لأن التقدير ممطر لنا في المستقبل، فهو في حكم الانفصال. 
وقد مضى في غير هذه السورة قصص الريح التي هبت عليهم، وأنها كانت تحمل الظعينة[(٣)](#foonote-٣) كجرادة.

١ البيت من قصيدته المشهورة التي بدأها بقوله:"ودّع هريرة إن الركب مرتحل"، وهي التي قالها ليزيد بن مسهر الشيباني، وقرأها أبو عبيدة على أبي عمرو بن العلاء، وفي بعض الروايات"أرمقه" بدلا من "أرقبه"، والشاهد في البيت هنا أن العارض هو السحاب الممطر الذي يعترض في السماء..
٢ من الآيتين(٢٣، ٢٤) من سورة (الرعد)..
٣ الظعينة: الراحلة يرتحل عليها، ثم أطلقت على الهودج وفيه الزوجة..

### الآية 46:25

> ﻿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا فَأَصْبَحُوا لَا يُرَىٰ إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ ۚ كَذَٰلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ [46:25]

و : تدمر  معناه : تهلك. والدمار : الهلاك، ومنه قول جرير :\[ الوافر \]
وكان لهم كبكر ثمود لمّا. . . رغا دهراً فدمرهم دمارا[(١)](#foonote-١)
وقوله : كل شيء  ظاهره العموم ومعناه الخصوص في كل ما أمرت بتدميره، وروي أن هذه الريح رمتهم أجمعين في البحر. 
وقرأ جمهور القراء : لا ترى إلا مساكنهم [(٢)](#foonote-٢)، أي لا ترى أيها المخاطب. وقرأ عاصم وحمزة :**«لا يُرى »** بالياء على بناء الفعل للمفعول **«مساكنُهم »** رفعاً. التقدير : لا يرى شيء منهم، وهذه قراءة ابن مسعود وعمرو بن ميمون والحسن بخلاف عنه، ومجاهد وعيسى وطلحة[(٣)](#foonote-٣). وقرأ الحسن بن أبي الحسن والجحدري وقتادة وعمرو بن ميمون والأعمش وابن أبي إسحاق وأبو رجاء ومالك بن دينار بغير خلاف عنهما خاصة ممن ذكر[(٤)](#foonote-٤) :**«لا تُرى »** بالتاء منقوطة من فوق مضمومة **«مساكُنهم »** رفعاً، ورويت عن ابن عامر، وهذا نحو قول ذي الرمة :\[ البسيط \]
كأنه جمل وهم وما بقيت. . . إلا النحيزة والألواح والعصب[(٥)](#foonote-٥)
ونحو قوله :\[ الطويل \]
فما بقيت إلا الضلوع الجراشع. . . [(٦)](#foonote-٦)
وفي هذه القراءة استكراه[(٧)](#foonote-٧). وقرأ الأعمش وعيسى الهمداني : إلا مسكنهم «على الإفراد الذي هو اسم الجنس، والجمهور على الجمع في اللفظة، ووجه الإفراد تصغير الشأن وتقريبه كما قال تعالى : ثم يخرجكم طفلاً [(٨)](#foonote-٨) \[ غافر : ٦٧ \].

١ هذا البيت ليس لجرير، ولم أجده في ديوانه، ثم وجدته في ديوان الفرزدق، وهو من قصيدة له يرد بها على جرير ويناقضه، يقول الفرزدق في مطلع هذه القصيدة:
 جرّ المخزيات على كُليب جرير ثم ما منع الذمارا
 وكان لهم كبكر ثمود لما رغا ظهرا فدمرهم دمارا
 عوى فأثارا أغلب ضيغما فويل ابن المراغة ما استثارا
 يصفه بأنه جلب الفضائح لأهله، وعجز عن حمايتهم، وكان لهم نذير سوء، ويقول: إن شعر جرير يثيرني على كليب فأدمرهم كما أن رُغاء ابن ناقة ثمود أتاهم بالدمار والهلاك..
٢ أي بالتاء المفتوحة في \[ترى\] وبالنصب في \[مساكنهم\]..
٣ اختلف النسخ في الفقرة التي وضعناها بين العلامتين\[......\]، فهي في بعض النسخ عقب قراءة حمزة وعاصم، وهي في بعضها الآخر عقب قراءة الجمهور، والله أعلم بالصواب..
٤ الذي في الأصل"يعني بخلاف عنهما"، والتصويب عن(المحتسب) لابن جني، فقد قال:"واختلف عن الكل إلا أبا رجاء، ومالك بن دينار"، وهي جملة صريحة في المعنى الذي أثبتناه..
٥ هذا البيت في وصف الناقة، وهو في الديوان، وفي لسان العرب-وهم-، والذي في الأصول هنا"كأنه"، والصواب ما أثبتناه لأن الكلام كما قلنا في وصف الناقة، والوهم: الجبل الضخم العظيم، قال ذلك في اللسان، وقال أيضا: وقيل: هو من الإبل الذلول المنقاد مع ضِخم وقوة، والجمع أوهام ووهوم وَوُهوم ووُهُم، والنحيزة: هَنَة من الشعر عرضها شبر يعلقونها على الهودج يزينونه بها، وربما رقموها بالعهن، وقيل هي مثل الحزام بيضاء. أو هي النِّسع، وهو سير مضفور يُجعل زماما للبعير، وقد تنسج هذه الضفيرة عريضة وتُجعل على صدر البعير، والألواح: جمع لوح وهو كل عظم عريض. والعَصَب: ما يشد إلا العظم والعصب والنِّسع، والشاهد في البيت هو التأنيث في الفعل"بقيت" مع أنه ضعيف في العربية، والأفصح التذكير، يقال: ما ضرب إلا هند، وما قام إلا فاطمة، ولا يقال: "ما ضربت إلا هند وما قامت إلا فاطمة" إلا على ضعف، وعليه جاء قول ذي الرمة..
٦ هذا عجز بيت لذي الرمة أيضا، والبيت بتمامه:
 برى النحز والأجرال ما في غروضها فما بقيت إلا الضلوع الجراشع
 ويروى"طوى النحز" بدلا من "برى النحز"، و"الأجراز" بدلا من "الأجرال"، و"الصدور" بدلا من "الضلوع"، والنحز: النخس بالقدم، أو الضرب والركل بها، والأجرال: جمع جرل-بالتحريك-: المكان الصلب الغليظ الشديد الكثير الحجارة، أما الأجراز فجمع جرز، وهي الأرض التي لا تنبت، والغُروض: جمع غرض- كسهم- وهو للرحل كالحزام للسرج، والجراشع: جمع جرشع وهو العظيم الغليظ، وقيل: الطويل. والشاهد هو تأنيث الفعل في (بقيت) على ضعف.
٧ ذلك لأن الفصيح من الكلام أن يُذكر الفعل قبل إلا في مثل قولنا"ما قام إلا فاطمة"؛ لأن الكلام محمول على معناه، أي ما قام أحد إلا فاطمة، فلما كان هذا هو المراد ذكّر الفعل لفظا للدلالة على ذلك، وقد خالفت هذه القراءة بالرفع الفصيح فكان هذا الاستكراه الذي ذكره ابن عطية، ومثل هذا يقال في قراءة أبي جعفر ومعاذ بن الحارث:إن كانت إلا صيحة واحدة بالرفع في \[صيحة\]..
٨ من الآية(٦٧) من سورة (غافر)، والمراد في هذه الآية: نخرجكم أطفالا، ولكن حسن لفظ هنا لأنه موضع لتصغير شأن الإنسان وتحقير أمره، فلاق به ذكر الواحد القليل عن الجماعة، وكذلك حسُن في آيتنا هذه لفظ الواحد في المسكن لأن الموضع موضع تحقير لهم وتصغير لشأنهم..

### الآية 46:26

> ﻿وَلَقَدْ مَكَّنَّاهُمْ فِيمَا إِنْ مَكَّنَّاكُمْ فِيهِ وَجَعَلْنَا لَهُمْ سَمْعًا وَأَبْصَارًا وَأَفْئِدَةً فَمَا أَغْنَىٰ عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلَا أَبْصَارُهُمْ وَلَا أَفْئِدَتُهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِذْ كَانُوا يَجْحَدُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ [46:26]

ثم خاطب تعالى قريشاً على جهة الموعظة بقوله : ولقد مكناهم في ما إن مكناهم فيه  ف  ما ، بمعنى الذي، و  إن  نافية وقعت مكان  ما  ليختلف اللفظ، ولا تتصل  ما  ب  ما ، لأن الكلام كأنه قال : في الذي ما مكناكم فيه. ومعنى الآية : ولقد أعطيناهم من القوة والغنى والبسط في الأموال والأجسام ما لم نعطكم، ونالهم بسبب كفرهم هذا العذاب، فأنتم أحرى بذلك إذا كفرتم. وقالت فرقة : إن  شرطية، والجواب محذوف تقديره : في الذي إن مكناكم فيه طغيتم، وهذا تنطع في التأويل[(١)](#foonote-١). 
ثم عدد تعالى عليهم نعم الحواس والإدراك، وأخبر أنها لم تغن حين لم تستعمل على ما يجب. و » ما « : نافية في قوله : فما أغنى عنهم  ويقوي ذلك دخول  من  في قوله : من شيء . 
وقالت فرقة :» ما **«في قوله : فما أغنى عنهم  استفهام بمعنى التقرير، و »**  من شيء  على هذا تأكيد، وهذا على غير مذهب سيبويه في دخول من في الواجب.  وحاق  معناه : وجب ولزم، وهو مستعمل في المكاره، والمعنى جزاء  ما كانوا به يستهزئون .

١ وقال القتبي:\[إن\] زائدة بعد"ما" الموصولة تشبيها بـ"ما" النافية، فهي في الآية الكريمة كما هي في قول الشاعر:
 يُرجّي المرء ما إن لا يراه وتعرض دون أدناه الخُطُوب
 فالمعنى: يرجّي المرء ما لا يراه، وكذلك المعنى في الآية الكريمة: ولقد مكناهم في مثل الذي مكناهم فيه، قال أبو حيان الأندلسي: وكون\[إن\] في الآية نافية هو الوجه؛ لأن القرآن الكريم يدل عليه في مواضع، كقوله تعالى:كانوا أكثر منهم وأشد قوة وآثارا، وقوله:هم أحسن أثاثا ورِئيا، وهو أبلغ في التوبيخ وأبلغ في الحث على الاعتبار..

### الآية 46:27

> ﻿وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا مَا حَوْلَكُمْ مِنَ الْقُرَىٰ وَصَرَّفْنَا الْآيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ [46:27]

وقوله : ولقد أهلكنا ما حولكم  مخاطبة لقريش على جهة التمثيل لهم بمأرب وسدوم وحجر ثمود. وقوله : وصرفنا الآيات  يعني لهذه القرى المهلكة.

### الآية 46:28

> ﻿فَلَوْلَا نَصَرَهُمُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ قُرْبَانًا آلِهَةً ۖ بَلْ ضَلُّوا عَنْهُمْ ۚ وَذَٰلِكَ إِفْكُهُمْ وَمَا كَانُوا يَفْتَرُونَ [46:28]

وقوله : فلولا نصرهم  الآية يعني هلا نصرتهم أصنامهم التي اتخذوها. و : قرباناً  إما أن يكون المفعول الثاني ب  اتخذوا  و : آلهة  بدل منه، وإما أن يكون حالاً. و : آلهة  المفعول الثاني، والمفعول الأول هو الضمير العائد على : الذين  التقدير : اتخذوهم. وقوله تعالى : بل ضلوا عنهم  معناه : انتلفوا لهم حتى لم يجدوهم في وقت حاجة. 
وقوله : وذلك  الإشارة به تختلف بحسب اختلاف القراءات في قوله : إفكهم  فقرأ جمهور القراء **«إفْكُهم »** بكسر الهمزة وسكون الفاء وضم الكاف، فالإشارة ب  ذلك  على هذه القراءة إلى قولهم في الأصنام إنها آلهة، وذلك هو اتخاذهم إياها، وكذلك هي الإشارة في قراءة من قرأ :****«أفَكهم »**** بفتح الهمزة، وهي لغة في الإفك، وهما بمعنى الكذب، وكذلك هي الإشارة في قراءة من قرأ :****«أفَكهم »**** بفتح الهمزة : والفاء على الفعل الماضي، بمعنى صرفهم، وهي قراءة ابن عباس وأبي عياض وعكرمة وحنظلة بن النعمان. وقرأ أبو عياض أيضاً وعكرمة فيما حتى الثعلبي :**«أفّكَهم »** بشد الفاء وفتح الهمزة والكاف، وذلك على تعدية الفعل بالتضعيف. وقرأ عبد الله بن الزبير :**«آفَكَهم »** بالمد وفتح الفاء والكاف على التعدية بالهمزة. قال الزجاج : معناه جعلهم يأفكون كما يقال أكفرهم. وقرأ ابن عباس فيما روى قطرب :**«آفِكُهم »** بفتح الهمزة والمد وكسر الفاء وضم الكاف على وزن فاعل، بمعنى : صارفهم. 
وحكى الفراء أنه يقرأ :**«أفَكُهم »** بفتح الهمزة والفاء وضم الكاف، وهي لغة في الإفك، والإشارة ب  ذلك  على هذه القراءة التي ليست مصدراً يحتمل أن تكون إلى الأصنام. وقوله : وما كانوا يفترون ، ويحتمل أن تكون  ما  مصدرية فلا يحتاج إلى عائد، ويحتمل أن تكون بمعنى الذي، فهناك عائد محذوف تقديره : يفترونه.

### الآية 46:29

> ﻿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا ۖ فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَىٰ قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ [46:29]

وقوله تعالى : وإذا صرفنا إليك نفراً من الجن  ابتداء قصة الجن ووفادتهم على النبي صلى الله عليه وسلم. و : صرفنا  معناه : رددناهم عن حال ما، يحتمل أنها الاستماع في السماء، ويحتمل أن يكون كفرهم قبل الوفادة وهذا بحسب الاختلاف هنا هل هم الوفد أو المتجسسون، وروي أن الجن كانت قبل مبعث النبي عليه السلام تسترق السمع من السماء، فلما بعث محمد عليه السلام حرست بالشهب الراجمة، فضاقت الجن ذرعاً بذلك، فاجتمعت وأتى رأي ملئهم على الافتراق في أقطار الأرض وطلب السبب الموجب لهذا الرجم والمنع من استراق السمع ففعلوا ذلك. واختلف الرواة بعد فقالت فرقة : جاءت طائفة من الجن إلى النبي عليه السلام وهو لا يشعر، فسمعوا القرآن وولوا إلى قومهم منذرين، ولم يعرف النبي بشيء من ذلك حتى عرفه الله بذلك كله، وكان سماعهم لقرآنه وهو بنخلة عند سوق عكاظ، وهو يقرأ في صلاة الفجر[(١)](#foonote-١). 
وقالت فرقة : بل أشعره الله بوفادة الجن عليه واستعد لذلك، ووفد عليه أهل نصيبين منهم[(٢)](#foonote-٢). 
قال القاضي أبو محمد : والتحرير في هذا أن النبي صلى الله عليه وسلم جاءه جن دون أن يعرف بهم، وهم المتفرقون من أجل الرجم، وهذا هو قوله تعالى : قل أوحي إلي [(٣)](#foonote-٣) \[ الجن : ١ \] ثم بعد ذلك وفد عليه وفد، وهو المذكور صرفه في هذه الآية[(٤)](#foonote-٤). قال قتادة : صرفوا إليه من نينوى، أشعر به قبل وروده[(٥)](#foonote-٥). وقال الحسن : لم يشعر. 
واختلف في عددهم اختلافاً متباعداً فاختصرته لعدم الصحة في ذلك، أما أن ابن عباس رضي الله عنه قال : كانوا سبعة نفر من أهل نصيبين وقال زر : كانوا تسعة فيهم زوبعة، وروي في ذلك أحاديث عن عبد الله بن مسعود أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :**«إني خارج إلى وفد الجن، فمن شاء يتبعني »**، فسكت أصحابه، فقالها ثانية، فسكتوا، فقال عبد الله أنا أتبعك، قال فخرجت معه حتى جاء شعب الحجون، فأدار لي دائرة وقال لي : لا تخرج منها، ثم ذهب عني، فسمعت لغطاً ودوياً كدوي النسور الكاسرة. ثم في آخر الليل جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد أن قرأ عليهم القرآن وعلمهم وأعطاهم زاداً في كل عظم وروثة، فقال : يا عبد الله، ما رأيت ؟ فأخبرته، فقال : لقد كنت أخشى أن تخرج فيتخطفك بعضهم، قلت يا رسول الله، سمعت لهم لغطاً، فقال : إنهم تدارأوا في قتيل لهم، فحكمت بالحق. واضطربت الروايات عن عبد الله بن مسعود، وروي عنه ما ذكرنا. وذكر عنه أنه رأى رجالاً من الجن وبهم شبه رجال الزطِّ[(٦)](#foonote-٦) السود الطوال حين رآهم بالكوفة. وروي عنه أنه قال : ما شاهد أحد منا ليلة الجن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فاختصرت هذه الروايات وتطويلها لعدم صحتها. 
وقوله : نفراً  يقتضي أن المصروفين رجالاً لا أنثى فيهم، والنفر والرهط : القوم الذين لا أنثى فيهم. 
وقوله تعالى : فلما حضروه قالوا أنصتوا  فيه تأدب مع العلم وتعليم كيف يتعلم وقرأ جمهور الناس :**«قُضِي »** على بناء الفعل للمفعول. . وقرأ حبيب بن عبد الله بن الزبير وأبو مجلز :**«قضى »** على بناء الفعل للفاعل، أي قضى محمد القراءة. 
وقال ابن عمر وجابر بن عبد الله : قرأ عليهم سورة \[ الرحمن \] فكان إذا قال : فبأي آلاء ربكما تكذبان  \[ الرحمن : ١٣ \] قالوا : لا بشيء من آلائك نكذب، ربنا لك الحمد، ولما ولت هذه الجملة تفرقت على البلاد منذرة للجن. قال قتادة : ما أسرع ما عقل القوم. 
قال القاضي أبو محمد : فهنالك وقعت قصة سواد وشصار وخنافر وأشباهها[(٧)](#foonote-٧) صلى الله على محمد عبده ورسوله.

١ روى البخاري، ومسلم في الصحيحين من حديث ابن عباس رضي الله عنهما، قال:(انطلق رسول الله صلى الله عليه وسلم في طائفة من أصحابه عامدين إلى سوق عكاظ، وقد حيل بين الشياطين وبين خبر السماء وأرسلت عليهم الشهب، فرجعت الشياطين، فقالوا: ما لكم؟ قالوا: حيل بيننا وبين خبر السماء وأرسلت علينا الشهب، قالوا: ما ذاك إلا من شيء قد حدث، فاضربوا مشارق الأرض ومغاربها فانظروا ما هذا الأمر، فمرّ النفر الذين توجهوا نحو تهامة بالنبي صلى الله عليه وسلم وهو بنخلة، وهو يصلي بأصحابه صلاة الفجر، فلما سمعوا القرآن تسمعوا له، فقالوا: هذا الذي حال بينكم وبين خبر السماء، فهنالك رجعوا إلى قومهمفقالوا إنا سمعنا قرآنا عجبا يهدي إلى الرشد، فأنزل الله على نبيه قل أوحي إلي أنه استمع نفر من الجن وهذا الحديث أورده السيوطي في (الدر المنثور)، وزاد نسبته إلى أحمد، وعبد بن حميد، والترمذي، والنسائي، وابن المنذر، والحاكم، والطبراني، وابن مردويه، وأبي نعيم، والبيهقي في الدلائل. وروى سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: ما قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم على الجن ولا رآهم، وإنما أتوه بنخلة فسمعوا القرآن. و"نخلة" موضع بين مكة والطائف، وإليها ينسب "بطن نخلة". فهذا الحديث دليل على أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يعرف بأن الجن استمعوا إليه، ولم يؤمر بالقراءة عليهم..
٢ في مسلم من حديث علقمة، قال: قلت لعبد الله: من كان منكم مع النبي صلى الله عليه وسلم ليلة الجن؟ قال: ما كان منا معه أحد. فقدناه ذات ليلة ونحن بمكة، فقلنا اغتيل رسول الله صلى الله عليه وسلم أو استطير، فانطلقنا نطلبه في الشعاب، فلقيناه مقبلا من نحو حراء، فقلنا: يا رسول الله، أين كنت؟ لقد أشفقنا عليك، وقلنا له: بتنا الليلة بشرِّ ليلة بات بها قوم حين فقدناك، فقال: إنه أتاني داعي الجن، فذهبت أقرئهم القرآن، فذهب بنا فأرانا آثارهم وآثار نيرانهم- وهذا الحديث رواه أيضا أحمد في مسنده، وذكره السيوطي في (الدر المنثور)، وزاد نسبته إلى عبد بن حميد، والترمذي،- وروى معنى هذا الحديث معمّر عن قتادة، وفيه قال: ذكر لنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:(إني أمرت أن أقرأ على الجن، فأيكم يتبعني؟....) إلخ الحديث. وهذا يدل على أن النبي صلى الله عليه وسلم أُمر أن يقرأ على الجن القرآن، وكان يعرف أنهم سيحضرون لسماعه..
٣ من الآية (١) من سورة (الجن)..
٤ فابن عطية يرى أن الجن الذين استمعوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم في بطن نخلة حين تفرقوا من أجل الرجم بالشهب من السماء غير الجن الذين أمر بأن يقرأ عليهم في هذه الآية:وإذ صرفنا إليك نفرا من الجن..
٥ يعني بالوفد، فالضمير عائد على "وفد"..
٦ الزط: جيل أسود من السند تنسب إليهم الثياب الزطية، وقيل: الزط: إعراب "جت" بالهندية، وهم جيل من أهل الهند..
٧ هذه أسماء بعض الجن الذين سمعوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم..

### الآية 46:30

> ﻿قَالُوا يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَىٰ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَىٰ طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ [46:30]

المعنى : قال هؤلاء المنذرون لما بلغوا قومهم  يا قومنا إنا سمعنا كتاباً  وهو القرآن العظيم، وخصصوا  موسى  عليه السلام لأحد أمرين : إما لأن هذه الطائفة كانت تدين بدين اليهود، وإما لأنهم كانوا يعرفون أن موسى قد ذكر محمداً وبشر به، فأشاروا إلى موسى من حيث كان هذا الأمر مذكوراً في توراته. قال ابن عباس في كتاب الثعلبي : لم يكونوا علموا أمر عيسى عليه السلام، فلذلك قالوا  من بعد موسى . وقولهم : مصدقاً لما بين يديه  يؤيد هذا. و : ما بين يديه  هي التوراة والإنجيل. و  الحق  و **«الطريق المستقيم »** هنا بمعنى يتقارب لكن من حيث اختلف اللفظ، وربما كان  الحق  أعم، وكأن أحدهما قد يقع في مواضع لا يقع فيها الآخر حسن التكرار.

### الآية 46:31

> ﻿يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ [46:31]

و : داعي الله  هو محمد عليه السلام، والضمير في : به  عائد على الله تعالى. 
وقوله : يغفر  معناه : يغفر الله.  ويجركم  معناه : يمنعكم ويجعل دونكم جوار حفظه حتى لا ينالكم عذاب.

### الآية 46:32

> ﻿وَمَنْ لَا يُجِبْ دَاعِيَ اللَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي الْأَرْضِ وَلَيْسَ لَهُ مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءُ ۚ أُولَٰئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ [46:32]

وقوله تعالى : ومن لا يجب داعي الله فليس بمعجز  الآية، يحتمل أن يكون من كلام المنذرين، ويحتمل أن يكون من كلام الله تعالى لمحمد عليه السلام، والمراد بها إسماع الكفار وتعلق اللفظ إلى هذا المعنى من قول الجن : أجيبوا داعي الله  فلما حكى ذلك قيل ومن لا يفعل هذا فهو بحال كذا، والمعجز الذاهب في الأرض الذي يبدي عجز طالبه ولا يقدر عليه، وروي عن ابن عامر :**«وليس لهم من دونه »** بزيادة ميم.

### الآية 46:33

> ﻿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِرٍ عَلَىٰ أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَىٰ ۚ بَلَىٰ إِنَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [46:33]

وقوله تعالى : أو لم يروا  الضمير لقريش، وهذه آية مثل واحتجاج، لأنهم قالوا إن الأجساد لا يمكن أن تبعث ولا تعاد، وهم مع ذلك معترفون بأن الله تعالى خلق السماوات والأرض فأقيمت عليهم الحجة من أقوالهم. والرؤية في قوله : أو لم يروا  رؤية القلب. 
وقرأ جمهور الناس :**«ولم يعْيَ »** بسكون العين وفتح الياء الأخيرة. وقرأ الحسن بن أبي الحسن **«يعِ »** بكسر العين وسكون الياء وذلك على حذف[(١)](#foonote-١). 
والباء في قوله : بقادر  زائدة مؤكدة، ومن حيث تقدم نفي في صدر الكلام حسن التأكيد بالباء وإن لم يكن المنفي ما دخلت على عليه كما هي في قولك : ما زيد بقائم كان بدل  أو لم يروا  أوليس الذي خلق. 
وقرأ ابن عباس وجمهور الناس :**«بقادر »** وقرأ الجحدري والأعرج وعيسى وعمرو بن عبيد :**«يقدر »** بالياء على فعل مستقبل، ورجحها أبو حاتم وغلط قراءة الجمهور لقلق الباء عنده. وفي مصحف عبد الله بن مسعود **«بخلقهن قادر »**. 
و : بلى  جواب بعد النفي المتقدم، فهي إيجاب لما نفي، والمعنى : بلى رأوا ذلك أن لو نفعهم ووقع في قلوبهم، ثم استأنف اللفظ الإخبار المؤكد بقوله : إنه على كل شيء قدير .

١ قال ابن جني عن هذه القراءة:"هذا مذهب ترغب العرب عنه، وهو إعلال عين الفعل وتصحيح لامه، وإنما جاء ذلك في شيء من الأسماء، وهو (غاية وآية)، وقياسها (غياة وأياة)، ولم يأت هذا في الفعل إلا في بيت شاذ، أنشده الفراء، وهو:
 وكأنها بين النساء سبيكة تمشي بسدة بيتها فتعيّ
 فأعلّ العين وصحح اللام، ورفع ما لم ترفعه العرب وإنما تُعِلّه نحو يرمي ويقضي، وعلى هذا قراءة الحسن هذه في قوله:ولم يعي بخلقهن، فقد أجراه مجرى(لم يبع)، فحذف العين لسكونها وسكون الياء الثانية، ووزنلم يعي. لم يفل، مثل:(لم يبع)، والعين محذوفة لالتقاء الساكنين"اهـ كلامه بتصرف، ومنه نفهم معنى قول ابن عطية: "وذلك على حذف"..

### الآية 46:34

> ﻿وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ أَلَيْسَ هَٰذَا بِالْحَقِّ ۖ قَالُوا بَلَىٰ وَرَبِّنَا ۚ قَالَ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ [46:34]

المعنى : واذكر يوم، وهذا وعيد للكفار من قريش وسواهم. والعرض في هذه الآية، عرض مباشرة، كما تقولون عرضت الجاني على السوط. والمعنى يقال لهم أليس هذا العذاب حقاً وقد كنتم تكذبون به ؟ فيجيبون : بلى وربنا ، وذلك تصديق حيث لا ينفع، وروي عن الحسن أنه قال : إنهم ليعذبون في النار وهم راضون بذلك لأنفسهم يعترفون أنه العدل، فيقول لهم المحاور من الملائكة عند ذلك  فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون  أي بسبب كفركم.

### الآية 46:35

> ﻿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلَا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ ۚ كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ ۚ بَلَاغٌ ۚ فَهَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الْفَاسِقُونَ [46:35]

وقوله تعالى : فاصبر  الفاء عاطفة هذه الجملة من الوصاة على هذه الجملة من الإخبار عن حال الكفرة في الآخرة، والمعنى بينهما مرتبط، أي هذه حالهم مع الله، فلا تستعجل أنت فيما حملته واصبر له ولا تخف في الله أحداً. 
وقوله : من الرسل   من  للتبعيض، والمراد من حفظت له مع قومه شدة ومجاهدة كنوح وإبراهيم وموسى وعيسى وغيرهم صلى الله عليهم، هذا قول عطاء الخراساني وغيره. وقال ابن زيد ما معناه : إن  من  لبيان الجنس. قال : والرسل كلهم  أولو العزم ، ولكن قوله : كما صبر أولو العزم  يتضمن رسلاً وغيرهم، فبين بعد ذلك جنس الرسل خاصة تعظيماً لهم، ولتكون القدوة المضروبة لمحمد عليه السلام أشرف، وذكر الثعلبي هذا القول عن علي بن مهدي الطبري. وحكي عن أبي القاسم الحكيم أنه قال : الرسل كلهم أولو عزم إلا يونس عليه السلام[(١)](#foonote-١)، وقال الحسن بن الفضل : هم الثمانية عشر المذكورين في سورة الأنعام، لأنه قال بعقب ذكرهم  أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده [(٢)](#foonote-٢) \[ الأنعام : ٩٠ \]. وقال مقاتل هم ستة : نوح صبر على أذى قومه طويلاً، وإبراهيم صبر للناس، وإسحاق صبر نفسه للذبح[(٣)](#foonote-٣)، ويعقوب صبر على الفقد لولده وعمي بصره وقال : فصبر جميل [(٤)](#foonote-٤) \[ يوسف : ٨٣ \]، ويوسف على السجن وفي البئر، وأيوب صبر على البلاء. 
قال القاضي أبو محمد : وانظر أن النبي عليه السلام قال في موسى :**«يرحم الله موسى، أوذي بأكثر من هذا فصبر »**[(٥)](#foonote-٥) ولا محالة أن لكل نبي ورسول عزماً وصبراً. 
وقوله : ولا تستعجل لهم  معناه لا تستعجل لهم عذاباً، فإنهم إليه صائرون، ولا تستطل تعميرهم في هذه النعمة، فإنهم يوم يرون العذاب كأنهم لم يلبثوا في الدنيا إلا ساعة لاحتقارهم ذلك، لأن المنقضي من الزمان إنما يصير عدماً، فكثيره الذي ساءت عاقبته كالقليل. 
وقرأ أبي بن كعب **«ساعة من النهار »**. وقرأ جمهور القراء والناس :****«بلاغٌ »**** وذلك يحتمل معاني، أحدها : أن يكون خبر ابتداء، المعنى : هذا بلاغ، وتكون الإشارة بهذا إلى القرآن والشرع، أي هذا إنذار وتبليغ، وإما إلى المدة التي تكون كساعة كأنه قال : لم يلبثوا إلا ساعة  كانت بلاغهم، وهذا كما تقول : متاع قليل ونحوه من المعنى. 
والثاني : أن يكون ابتداء والخبر محذوف. والثالث : ما قاله أبو مجلز فإنه كان يقف على قوله : ولا تستعجل  ويقول :****«بلاغٌ »**** ابتداء وخبره متقدم في قوله : لهم  وقدح الناس في هذا القول بكثرة الحائل[(٦)](#foonote-٦). وقرأ الحسن بن أبي الحسن، وعيسى :**«بلاغاً »**، وهي قراءة تحتمل المعنيين اللذين في قراءة الرفع، وليس يدخلها قول أبي مجلز ونصبها بفعل مضمر. وقرأ أبو مجلز وأبو سراج الهذلي :**«بلِّغ »**، على الأمر[(٧)](#foonote-٧). وقرأ الحسن بن أبي الحسن :**«بلاغٍ »** بالخفض نعتاً للنهار[(٨)](#foonote-٨). 
**وقرأ جمهور الناس :**
**«فهل يُهلَك »** على بناء الفعل للمفعول. وقرأ بعضهم فيما حكى هارون :**«فهل يَهلِك »** ببناء الفعل للفاعل وكسر اللام، وحكاها أبو عمرو عن الحسن وابن محيصن :**«يَهلَك »** بفتح الياء واللام[(٩)](#foonote-٩). قال أبو الفتح : وهي مرغوب عنها. وروى زيد بن ثابت عن النبي عليه السلام :**«فهل يُهلِك »** بضم الياء وكسر اللام **«إلا القوم الفاسقين »** بالنصب. 
وفي هذه الألفاظ وعيد محض وإنذار بين، وذلك أن الله تعالى جعل الحسنة بعشر امثالها والسيئة بمثلها، وأمر بالطاعة ووعد عليها بالجنة، ونهى عن الكفر وأوعد عليه بالنار، ( فلن يهلك على الله إلا هالك ) كما قال صلى الله عليه وسلم[(١٠)](#foonote-١٠). قال الثعلبي : يقال إن قوله : فهل يهلك إلا القوم الفاسقون  أرجى آية في كتاب الله تعالى للمؤمنين[(١١)](#foonote-١١).

١ وقد علل أبو القاسم كلامه هذا بقوله:"ألا ترى أن النبي صلى الله عليه وسلم نُهي أن يكون مثله، لخفة وعجلة ظهرت منه حين ولى مغاضبا لقومه، فابتلاه الله بثلاث: سلط عليه العمالقة حتى أغاروا على أهله وماله، وسلط الذئب على ولده فأكله، وسلط عليه الحوت فابتلعه"، وقد نُهي النبي صلى الله عليه وسلم أن يكون مثله في قوله تعالى: ولا تكن كصاحب الحوت-٤٨ القلم-..
٢ من الآية (٩٠) من سورة (الأنعام)..
٣ على قول من قال: إن الذبيح إسحق..
٤ من الآية(١٨) من سورة (يوسف).
٥ أخرجه الترمذي في تفسير سورة (الكهف)، والبخاري في الأنبياء، وأحمد في مسنده(١-٤١١، ٥-١١٨)، ولفظه كما في مسند أحمد، عن عبد الله قال: قسم رسول الله صلى الله عليه وسلم قسمة، فقال رجل من القوم: إن هذه القسمة ما يراد بها وجه الله عز وجل، قال: فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم فحدثته، قال: فغضب حتى ظهر الغضب في وجهه، فقال:(يرحم الله موسى، قد أوذي بأكثر من ذلك فصبر)..
٦ وقال ابن الأنباري:"وهذا خطأ؛ لأنك قد فصلت بين البلاغ وبين اللام- وهي رافعة- بشيء ليس منهما"..
٧ قال أبو حيان الأندلسي:"وهذا يؤيد حمل\[بلاغ\] رفعا ونصبا على أنه يعنى به تبليغ القرآن والشرع..
٨ ونقل عن أبي مِجلز أيضا أنه قرأ:\[بلغ\] على الفعل الماضي..
٩ وماضي هذا الفعل"هلِك" بكسر اللام، وهي لغة ولكن مرغوب عنها كما قال أبو الفتح..
١٠ أخرجه مسلم في الإيمان، والدارمي في الرقاق، وأحمد في مسنده(١-٢٧٩). عن ابن عباس رضي الله عنهما، ولفظه كما في مسند أحمد، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما روى عن ربه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:(إن ربكم تبارك وتعالى رحيم، من همّ بحسنة فلم يعملها كتبت له حسنة، فإن عملها كُتبت له عشرة إلى سبعمائة إلى أضعاف كثيرة، ومن همّ بسيئة فلم يعملها كُتبت له حسنة، فإن عملها كُتبت له واحدة أو يمحوها الله، ولا يهلك على الله إلا هالك)..
١١ أخرج الطبراني في الدعاء عن أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:( إذا طلبت وأحببت أن تنجح فقل: لا إله إلا الله وحده لا شريك له العلي العظيم، لا إله إلا الله وحده لا شريك له رب السموات والأرض ورب العرش العظيم، الحمد لله رب العالمين، كأنهم يوم يرونها لم يلبثوا إلا عشية أو ضحاها، كأنهم يوم يرون ما يوعدون لم يلبثوا إلا ساعة من نهار، بلاغ فهل يهلك إلا القوم الفاسقون، اللهم إني أسألك موجبات رحمتك، وعزائم مغفرتك، والسلامة من كل إثم، والغنيمة من كل بر، والفوز بالجنة، والنجاة من النار، اللهم لا تدع لي ذنبا إلا غفرته، ولا هما غلا فرجته، ولا حاجة هي لك رضا إلا قضيتها يا أرحم الراحمين، والحمد لله رب العالمين)..

## روابط ذات صلة

- [النص القرآني للسورة](https://quranpedia.net/surah/1/46.md)
- [كل تفاسير سورة الأحقاف
](https://quranpedia.net/surah-tafsir/46.md)
- [ترجمات سورة الأحقاف
](https://quranpedia.net/translations/46.md)
- [صفحة الكتاب: المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز](https://quranpedia.net/book/350.md)
- [المؤلف: ابن عطية](https://quranpedia.net/person/4644.md)

---

زُر [Quranpedia.net](https://quranpedia.net/surah/1/46/book/350) — موسوعة القرآن الكريم: التفاسير، الترجمات، التلاوات، والمواضيع.
