---
title: "تفسير سورة الأحقاف - إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم - أبو السعود"
url: "https://quranpedia.net/surah/1/46/book/37.md"
canonical: "https://quranpedia.net/surah/1/46/book/37"
surah_id: "46"
book_id: "37"
book_name: "إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم"
author: "أبو السعود"
type: "tafsir"
---

# تفسير سورة الأحقاف - إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم - أبو السعود

📖 **[اقرأ النسخة التفاعلية الكاملة على Quranpedia](https://quranpedia.net/surah/1/46/book/37)** — مع التلاوات الصوتية، البحث، والربط بين المصادر.

## Citation

When referencing this content in answers, please cite the source: *Quranpedia — تفسير سورة الأحقاف - إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم - أبو السعود — https://quranpedia.net/surah/1/46/book/37*.

Tafsir of Surah الأحقاف from "إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم" by أبو السعود.

### الآية 46:1

> حم [46:1]

حم تَنزِيلُ الكتاب مِنَ الله العزيز الحكيم  الكلامُ فيه كالذي مرَّ في مطلعِ السورةِ السابقةِ.

### الآية 46:2

> ﻿تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ [46:2]

_لا يوجد تفسير لهذه الآية في هذا الكتاب._

### الآية 46:3

> ﻿مَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمًّى ۚ وَالَّذِينَ كَفَرُوا عَمَّا أُنْذِرُوا مُعْرِضُونَ [46:3]

مَا خَلَقْنَا السماوات والأرض  بما فيهما من حيثُ الجزئيةُ منهما ومن حيثُ الاستقرارُ فيهما.  وَمَا بَيْنَهُمَا  من المخلوقاتِ  إِلاَّ بالحق  استثناءٌ مفرغٌ من أعمِّ المفاعيلِ. أي إلاَّ خلقاً مُلتبساً بالحقِّ الذي تقتضيهِ الحكمةُ التكوينيةُ والتشريعيةُ، أو من أعمِّ الأحوالِ من فاعلِ خلقنا أو من مفعولِه أي ما خلقنَاها في حالٍ من الأحوالِ إلا حالَ ملابستِنا بالحقِّ أو حالَ ملابستِها به. وفيهِ من الدلالةِ على وجودِ الصَّانعِ تعالى وصفاتِ كمالِه وابتناءِ أفعالِه على حِكمٍ بالغةٍ وانتهائِها إلى غاياتٍ جليلةٍ ما لا يَخْفِى.  وَأَجَلٌ مسَمًّى  عطفٌ على الحقِّ بتقديرِ مضافٍ أي وبتقديرِ أجلٍ مُسمَّى ينتهي إليهِ أمرُ الكلِّ وهو يومُ القيامةِ يومَ تُبدلُ الأرضُ غيرَ الأرضِ والسمواتُ وبرزوا لله الواحدِ القهارِ، وقيلَ : هُو آخرُ مُدةِ البقاءِ المقدرِ لكلِّ واحدٍ، ويأباهُ قولُه تعالى  والذين كَفَرُوا عَمَّا أُنذِرُوا مُعْرِضُونَ  فإنَّ ما أُنذروه يومُ القيامةِ وما فيهِ من الطامَّةِ التَّامَّةِ والأهوالِ العامةِ لا آخرُ أعمارِهم وقد جُوِّزَ كونُ ما مصدريةً، والجملةُ حاليةٌ. أي ما خلقنا الخلقَ إلا بالحقِّ وتقديرِ الأجلِ الذي يُجازونَ عندَهْ، والحالُ أنَّهم غيرُ مؤمنينَ به معرضونَ عنه وعن الاستعدادِ له.

### الآية 46:4

> ﻿قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ ۖ ائْتُونِي بِكِتَابٍ مِنْ قَبْلِ هَٰذَا أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ [46:4]

قُلْ  توبيخاً لهم وتبكيتاً  أَرَأيْتُمْ  أخبرُوني، وقُرِئ أرأيتَكُم.  مَا تَدعُونَ  ما تعبدونَ  مِن دُونِ الله  منَ الأصنامِ  أَرُونِي  تأكيدٌ لأرأيتُم.  مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الأرض  بيانُ للإبهامِ في ماذَا  أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ  أي شرْكةٌ معَ الله تعالَى.  فِي السماوات  أي في خلقِها أو مُلكِها وتدبيرِها حتَّى يُتوهم أن يكونَ لهم شائبةُ استحقاقٍ للمعبوديةِ فإنَّ ما لا مدخلَ له في وجودِ شيءٍ من الأشياءِ بوجهٍ من الوجوهِ فهُو بمعزلٍ منْ ذلكَ الاستحقاقِ بالمرَّةِ وإِنْ كانَ منَ الأحياءِ العُقلاءِ فَما ظنُّكم بالجمادِ. وقولُه تعالَى  ائتوني بكتاب  الخ. تبكيتٌ لهم بتعجيزِهم عن الإتيانِ بسندٍ نقليَ بعد تبكيتِهم بالتعجيزِ عن الإتيانِ بسندٍ عقليَ أي ائتونِي بكتابٍ إلهيَ كائنٍ  من قَبْلِ هذا  الكتابِ أي القُرآنِ الناطقِ بالتَّوحيدِ وإبطالِ الشركِ دالٍ على صحةِ دينِكم  أَوْ أثارة منْ عِلْمٍ  أو بقيةٍ من علمٍ بقيتْ عليكُم من علومِ الأولينَ شاهدةٍ باستحقاِقهم للعبادِة  إِن كُنتُمْ صادقين  في دَعْواكُم فإنَّها لا تكادُ تَصحُّ ما لم يقُم عليها برهانٌ عقليٌّ أو سلطانٌ نقليٌّ، وحيثُ لَم يقُمْ عليها شيءٌ منهُمَا وقد قامتْ على خلافِها أدلةُ العقلِ والنقلِ تبينَ بطلانُها. وقُرِئ إِثَارَةٍ بكسرِ الهمزةِ أي مناظرةٍ فإنها تُثيرُ المعانيَ، وأثَرةٍ أيْ شيءٍ أُوثرتُم بهِ وخُصِصتُم منْ علمٍ مطويَ من غيرِكم، وإثرة بالحركات الثلاث مع سكون الثاء، إما المكسورةُ فبمعنى الأثَرةِ، وأمَّا المفتوحةُ فهي المرةُ من أثرَ الحديثَ أي رَواه، وأمَّا المضمومةُ فاسمُ ما يُؤثرُ كالخُطبةِ التي هي اسمُ ما يُخطبُ بهِ.

### الآية 46:5

> ﻿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَىٰ يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ [46:5]

وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّن يَدْعُو مِن دُونِ الله مَن لاَ يَسْتَجِيبُ لَهُ  إنكارٌ ونفيٌ لأنْ يكونَ أحدٌ يُساوي المُشركينَ في الضَّلالِ. وإنْ كانَ سبكُ التركيبِ لنفي الأضلِ منهم من غيرِ تعرضٍ لنفي المُساوِي كما مرَّ غيرَ مرةٍ أي هُم أضلُّ من كلِّ ضالَ، حيثُ تركُوا عبادةَ خالقِهم السميعِ القادرِ المجيبِ الخبير إلى عبادةِ مصنُوعِهم العارِي عن السمعِ والقدرةِ والاستجابةِ  إلى يَوْمِ القيامة  غايةٌ لنفي الاستجابةِ  وَهُمْ عَن دُعَائِهِمْ  الضميرُ الأولُ لمفعولِ يدعُو والثانِي لفاعلِه والجمعُ فيهما باعتبارِ مَعْنى مَنْ كما أنَّ الإفرادَ فيما سبقَ باعتبارِ لفظِها  غافلون  لكونِهم جماداتٍ، وضمائرُ العقلاءِ لإجرائِهم إيَّاها مُجرى العُقلاءِ، ووصفُها بما ذُكِرَ منْ تركِ الاستجابةِ والغفلةِ مع ظهورِ حالِها للتهكم بَها وبعبدَتها كقولِه تعالى : إِن تَدْعُوهُمْ لاَ يَسْمَعُواْ دُعَاءكُمْ \[ سورة فاطر، الآية ١٤ \] الآيةَ.

### الآية 46:6

> ﻿وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ [46:6]

وَإِذَا حُشِرَ الناس  عند قيامِ القيامةِ  كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاء وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كافرين  أي مُكذبينَ بلسانِ الحالِ أو المقالِ، علَى ما يُروى أنَّه تعالَى يُحيي الأصنامَ فتتبرأُ عن عبادتِهم. وقد جُوِّزَ أنْ يرادَ بهم كلُّ من يُعبد من دونِ الله من الملائكةِ والجنِّ الإنسِ وغيرِهم، ويبنَى إرجاعُ الضمائرِ وإسنادُ العداوةِ والكفرِ إليهم على التغليبِ، ويرادُ بذلكَ تبرؤُهم عنهُم وعنْ عبادتِهم، وقيلَ : ضميرُ كانُوا للعبدةِ وذلكَ قولُهم : والله رَبّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ  \[ سورة الأنعام، الآية ٢٣ \].

### الآية 46:7

> ﻿وَإِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ هَٰذَا سِحْرٌ مُبِينٌ [46:7]

وَإِذَا تتلى عَلَيْهِمْ آياتنا بَيّنَاتٍ  واضحاتٍ أو مبيناتٍ  قَالَ الذين كَفَرُوا لِلْحَقّ  أي لأجلِه وفي شأنِه وهو عبارةٌ عن الآياتِ المتلوةِ وضعَ موضعَ ضميرِها تنصيصاً على حقِّيتِها ووجوبِ الإيمانِ بها كما وضعَ الموصولُ موضعَ ضميرِ المتلوِّ عليهم تسجيلاً عليهم بكمالَ الكفرِ والضلالةِ.  لَمَّا جَاءهُمْ  أي في أول ما جاءَهُم من غيرِ تدبرٍ وتأملٍ  هذا سِحْرٌ مُّبِينٌ  أي ظاهرٌ كونُه سحراً.

### الآية 46:8

> ﻿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ ۖ قُلْ إِنِ افْتَرَيْتُهُ فَلَا تَمْلِكُونَ لِي مِنَ اللَّهِ شَيْئًا ۖ هُوَ أَعْلَمُ بِمَا تُفِيضُونَ فِيهِ ۖ كَفَىٰ بِهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ ۖ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ [46:8]

أَمْ يَقُولُونَ افتراه  إضرابٌ وانتقالٌ من حكايةِ شناعتِهم السابقةِ إلى حكايةِ ما هو أشنعُ منها. وما في أمْ من الهمزةِ للإنكارِ التوبيخيِّ المتضمنِ للتعجيبِ أي بل أيقولونَ افترى القُرآنَ  قُلْ إِنِ افتريته  على الفرضِ  فَلاَ تَمْلِكُونَ لِي مِنَ الله شَيْئاً  إذْ لا ريبَ في أنَّه تعالَى يُعاجلني حينئذٍ بالعقوبةِ فكيفَ أجترئ على أنْ أفتريَ عليهِ تعالى كذباً فأُعرّضَ نفسيَ للعقوبةِ التي لا مناصَ عنها  هُوَ أَعْلَمُ بِمَا تُفِيضُونَ فِيهِ  أي تندفعونَ فيهِ من القدحِ في وَحي الله والطعنِ في آياتِه وتسميتِه سحراً تارةً وفريةً أُخرى  كفى بِهِ شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ  حيثُ يشهدُ لي بالصدقِ والبلاغِ وعليكم بالكذبِ والجحودِ وهو وعيدٌ بجراءِ إفاضتِهم. وقولُه تعالى : وَهُوَ الغفور الرحيم  وعدٌ بالغُفرانِ والرحمةِ لمن تابَ وآمنَ، وإشعارٌ بحلمِ الله تعالى عنْهم مع عظمِ جرائمِهم.

### الآية 46:9

> ﻿قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلَا بِكُمْ ۖ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَىٰ إِلَيَّ وَمَا أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ [46:9]

قُلْ مَا كُنتُ بِدْعاً منَ الرسل  البدعُ بمعنى البديعِ كالخِلِّ بمعنى الخليلِ وهو ما لا مثلَ له. وقُرِئ بفتحِ الدالِ على أنه صفةٌ كقِيَمٍ وزِيَمٍ، أو جمعٌ مقدرٌ بمضافٍ أيْ ذَا بِدَعٍ، وقد جُوِّزَ ذلكَ في القراءةِ الأُولى أيضاً على أنه مصدرٌ. كانُوا يقترحونَ عليهِ عليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ آياتٍ عجيبةً ويسألونَهُ عن المُغيباتِ عِناداً ومُكابرةً فأُمَر عليهِ السَّلامُ بأنْ يقولَ لهم ما كنتُ بديعاً من الرسلِ قادراً على ما لم يقدرُوا عليهِ حَتَّى آتيَكُم بكلِّ ما تقترحونَهُ وأخبركم بكلِّ ما تسألونَ عنْهُ من الغيُوبِ فإنَّ مَنْ قبلي من الرُّسلِ عليهم الصَّلاةُ والسَّلامُ ما كانُوا يأتونَ إلا بما آتاهُم الله تعالى من الآياتِ ولا يُخبرونَهم إلا بَما أُوحيَ إليهم  وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بي وَلاَ بِكُمْ  أيُ أيُّ شيءٍ يُصيبنَا فيما يُستقبلُ من الزمانِ من أفعالهِ تعالى وماذا يُقدَّرُ لنا من قضاياهُ. وعن الحسنِ رضيَ الله عنْهُ ما أَدري ما يصيرُ إليه أَمري وأمرُكم في الدُّنيا. وعن ابنِ عبَّاسٍ رضيَ الله عنهُمَا : ما يفعلُ بي ولا بكُم في الآخرةِ وقال : هيَ منسوخةٌ بقولِه تعالى : ليَغْفِرَ لَكَ الله مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ [(١)](#foonote-١) \[ سورة الفتح، الآية ٢ \]، وقيل : يجوزُ أن يكونَ المنفيُّ هي الدرايةَ المفصَّلةَ، والأظهرُ الأوفقُ لما ذُكِرَ من سببِ النزولِ أنَّ مَا عبارةٌ عمَّا ليسَ علمُه منْ وظائفِ النبوةِ من الحوادثِ والواقعاتِ الدنيويةِ دونَ ما سيقعُ في الآخرةِ فإنَّ العلمَ بذلكَ من وظائفِ النبوةِ، وقد وردَ به الوحيُ الناطق بتفاصيلِ ما يُفعلُ بالجانبينِ. هذا وقد رُويَ عن الكلبيِّ أنَّ أصحابَ النبيِّ صلى الله عليه وسلم قالُوا له عليه السَّلامُ وقد ضجِروا من أذيةِ المشركينَ حتَّى متى نكونُ على هَذا فقالَ :" ما أدري ما يُفعلُ بي ولا بكُم أأُتْركُ بمكةَ أم أُومرُ بالخروجِ إلى أرضٍ ذاتِ نخيلٍ وشجرٍ قد رُفعتْ لي ورأيتُها " يعني في منامِه، وجُوِّزِ أنْ تكونَ ما موصولةً، والاستفهاميةُ أقضى لحقِّ مقامِ التبرؤِ عن الدرايةِ. 
وتكريرُ لا لتذكيرِ النفيِّ المنسحبِ إليهِ وتأكيدِه. وقُرِئ ما يُفعلُ على إسنادِ الفعلِ على ضميرِه تعالَى.  إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحى إِلَيَّ  أيْ ما أفعلُ إلا اتباعَ ما يُوحَى إليَّ، على مَعْنى قصرِ أفعالِه عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ على اتباعِ الوَحي لا قصرِ اتباعِه على الوَحي كما هو المتسارعُ إلى الأفهامِ وقد مرَّ تحقيقُه في سورةِ الأنعامِ. وقُرِئ يُوحِي على البناءِ للفاعلِ، وهو جوابٌ عن اقتراحِهم الأخبارَ عمَّا لم يُوحَ إليه عليه السَّلامُ من الغيوبِ، وقيلَ : عن استعجالِ المسلمينَ أنْ يتخلصُوا عن أذيةِ المشركينَ والأولُ هو الأوفقُ لقولِه تعالى : وَمَا أَنَا إِلاَّ نَذِيرٌ  أُنذركم عقابَ الله تعال حسبمَا يُوحى إليَّ  مُّبِينٌ  بينُ الإنذارِ بالمعجزاتِ الباهرةِ. 
١ سورة الفتح، الآية (٢)، وانظر "ناسخ القرآن ومنسوخه" لابن الجوزي (ص٥١٥، ٥١٨)..

### الآية 46:10

> ﻿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَكَفَرْتُمْ بِهِ وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَىٰ مِثْلِهِ فَآمَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمْ ۖ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ [46:10]

قُلْ أَرَأيْتُمْ إِن كَانَ  أي ما يُوحَى إليَّ من القُرآنِ  مِنْ عِندِ الله  لاَ سحراً ولا مُفترى كما تزعمونَ. وقولُه تعالى  وَكَفَرْتُمْ بِهِ  حالٌ بإضمارِ قَدْ من الضميرِ في الخبرِ وُسّطتْ بين أجزاءِ الشرطِ مسارعةً إلى التسجيلِ عليهم بالكفرِ، أو عطفٌ على كانَ كمَا في قولِه تعالى : قُلْ أَرَأيْتُمْ إِن كَانَ مِنْ عِندِ الله ثُمَّ كَفَرْتُمْ بِهِ \[ سورة فصلت، الآية ٥٢ \] لكنْ لا على أنَّ نظمَهُ في سلكِ الشرطِ المتردد بينَ الوقوعِ وعدمِه عندهُم باعتبارِ حالِه في نفسهِ بل باعتبارِ حالِ المعطوفِ عليه عندَهُم فإنَّ كفرَهُم به أمرٌ محققٌ عندهم أيضاً وإنَّما ترددُهم في أنَّ ذلكَ كفرٌ بَما من عندِ الله تعالى أم لا وكذا الحالُ في قولِه تعالى : وَشَهِدَ شَاهِدٌ من بَنِي إسرائيل  وما بعدَهُ من الفعلينِ فإنَّ الكُلَّ أمورٌ محققةٌ عندَهُم وإنَّما ترددُهم في أنَّها شهادةٌ وإيمانٌ بما مِن عندِ الله تعالى واستكبار عنه أولاً والمعنى أخبروني إن كان ذلك في الحقيقة من عند الله تعالى وكفرتُم به وشهدَ شاهدٌ عظيمُ الشأنِ منْ بني إسرائيلَ الواقفينَ على شؤونِ الله تعالى وأسرارِ الوحي بما أُوتُوا من التوراةِ.  على مِثْلِهِ  أي مثلِ القرآنِ من المَعَاني المنطويةِ في التوراةِ المطابقةِ لما في القرآنِ من التوحيدِ والوعدِ والوعيدِ وغيرِ ذلكَ فإنَّها عينُ ما فيه في الحقيقةِ كما يعربُ عنه قولُه تعالَى : وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الأولين  \[ سورة الشعراء، الآية ١٩٦ \] وقولُه تعالى : إِنَّ هذا لَفِي الصحف الأولى  \[ سورة الأعلى، الآية ١٨ \] والمثليةُ باعتبارِ تأديتِها بعباراتٍ أُخرَ أو على مثلِ ما ذُكرَ من دونِه من عندِ الله تعالى والمثليةُ لما ذُكِرَ وقيل : المثلُ صلةٌ والفاء في قولِه تعالى : فَآمَنَ  للدلالةِ على أنَّه سارعَ إلى الإيمانِ بالقُرآنِ لما علمَ أنَّه من جنسِ الوحي الناطقِ بالحقِّ وهو عبدُ الله بن سَلاَمٍ لمَّا سمعَ بمقدمِ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم المدينةَ أتاهُ فنظرَ إلى وجههِ الكريمِ فعلمَ أنَّه ليسَ بوجهِ كذَّابٍ وتأملَهُ فتحققَ أنَّه النبيُّ المنتظرُ فقالَ له إنَّي سائلكَ عن ثلاثٍ لا يعلمُهنَّ إلا نبيٌّ ما أولُ أشراطِ الساعةِ، وما أولُ طعامٍ يأكلُه أهلُ الجنةِ، والولدُ ينزعُ إلى أبيهِ أو إلى أمَّةِ فقالَ عليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ :**«أمَّا أولُ أشراطِ الساعةِ فنارٌ تحشرُهم منَ المشرقِ إلى المغربِ، وأمَّا أولُ طعامِ أهلِ الجنَّةِ فزيادةُ كبدِ حوتٍ، وأما الولُد فإنْ سبقَ ماءُ الرجلِ نزعَهُ وإنْ سبقَ ماءُ المرأةِ نزعتْهُ »**[(١)](#foonote-١) فقال أشهدُ أنَّكَ رسولُ الله حَقَّا فقامَ ثمَّ قالَ يا رسولَ الله إنَّ اليهودَ قومُ بُهتٌ فإن علمُوا بإسلامِي قبلَ أنْ تسألَهم عنِّي بهتونِي عندكَ فجاءتِ اليهود فقالَ لهم النبيُّ عليه السَّلامُ :**«أيُّ رجلٍ عبدُ اللَّهِ فيكم »** فقالُوا خيرُنا وابنُ خيرِنا وسيدُنا وابنُ سيدِنا وأعلمُنَا وابنُ أعلمِنا قال :**«أرأيتُم إنْ أسلمَ عبدُ اللَّهِ »**[(٢)](#foonote-٢) قالُوا : أعاذَهُ الله من ذلكَ فخرجَ إليهم عبدُ اللَّهِ فقالَ : أشهدُ أنَّ لا إلَه إلا الله وأشهدُ أنَّ محمداً رسولُ الله. فقالُوا شرُّنا وابنُ شرِّنا وانتقصُوه، قالَ : هذَا ما كنتُ أخافُ يا رسولُ الله وأحذرُ. قالَ سعدُ بنُ أبي وقاصٍ رضيَ الله عنْهُ :**«ما سمعتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يقولُ لأحدٍ يمشِي على الأرضِ إنَّه من أهلِ الجنَّةِ إلا لعبدِ اللَّه بنِ سَلامٍ، وفيهِ نزلَ  وَشَهِدَ شَاهِدٌ  \[ سورة الأحقاف، الآيةَ ١٠ »**. وقيلَ : الشاهدُ مُوسى عليه السَّلامُ وشهادتُه بما في التوراةِ من بعثةِ النبيِّ عليهما الصَّلاةُ والسَّلامُ وبهِ قال الشعبيُّ. وقالَ مسروقٌ : والله ما نزلتْ في عبدِ اللَّهِ بنِ سَلاَمٍ فإنَّ آلَ حم نزلتْ بمكةَ وإنَّما أسلمَ عبدُ الله بالمدينةِ، وأجابَ الكلبيُّ : بأنَّ الآيةَ مدنية وإنْ كانتْ السورةُ مكيةً.  واستكبرتم  عطفٌ على شهدَ شاهدٌ. وجوابُ الشرطِ محذوفٌ، والمَعْنى أخبرونِي إنْ كانَ من عندِ الله تعالَى وشهدَ على ذلكَ أعلمُ بني إسرائيلَ فآمنَ به من غيرِ تلعثمٍ واستكبرتُم عن الإيمانِ به بعد هذه المرتبةِ مَنْ أضلُّ منكم بقرينةِ قولِه تعالى : قُلْ أَرَأيْتُمْ إِن كَانَ مِنْ عِندِ الله ثُمَّ كَفَرْتُمْ بِهِ مَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ هُوَ فِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ  \[ سورة فصلت، الآية ٥٢ \] وقولِه تعالى : إِنَّ الله لاَ يَهْدِي القوم الظالمين  فإنَّ عدمَ الهدايةِ مَّما ينبئ عن الضَّلالِ قطعاً، ووصفُهم بالظلمِ للإشعارِ بعلَّةِ الحُكمِ، فإنَّ تركَهُ تعالَى لهدايتِهم لظلمِهم. 
١ أخرجه البخاري في كتاب مناقب الأنصار باب (٥١)؛ وفي كتاب التفسير سورة (٢) باب (٦)؛ كما أخرجه أحمد في المسند (٣/١٠٨)..
٢ أخرجه البخاري في كتاب الأنبياء باب (١)، وفي كتاب مناقب الأنصار باب (٤٥، ٥١)، وفي كتاب التفسير سورة (٢) باب (٦)..

### الآية 46:11

> ﻿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا لَوْ كَانَ خَيْرًا مَا سَبَقُونَا إِلَيْهِ ۚ وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ فَسَيَقُولُونَ هَٰذَا إِفْكٌ قَدِيمٌ [46:11]

وَقَالَ الذين كَفَرُوا  حكايةٌ لبعضٍ آخرَ من أقاويلِهم الباطلةِ في حقِّ القُرآنِ العظيمِ والمؤمنينَ بهِ، أي قالَ كُفَّارُ مكةَ.  لِلَّذِينَ آمَنُوا  أي لأجلِهم  لوْ كَانَ  أي ما جاءَ به عليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ منَ القرآنِ والدينِ  خَيْراً ما سَبَقُونَا إِلَيْهِ  فإنَّ معاليَ الأمورِ لا ينالُها أَيْدِي الأراذلِ، وهُم سُقَّاطُ، عامَّتُهم فقراءُ ومَوالٍ ورعاةٌ قالُوه زعماً منهم أنَّ الرياسةَ الدينيةَ مما يُنالُ بأسبابٍ دنيويةٍ كَما قالُوا لولا نُزِّل هذا القرآنُ على رجلٍ من القريتينِ عظيمٍ، وزلَّ عنْهم أنَّها منوطةٌ بكمالاتٍ نفسانيةٍ وملكاتٍ رُوحانيةٍ مبناهَا الإعراضُ عن زخارفِ الدُّنيا الدنيةِ والإقبالُ على الآخرةِ بالكليةِ وأنَّ من فازَ بها فقد جازَها بحذافيرِها ومنْ حُرمها فَما لَهُ منها من خَلاقٍ، وقيلَ : قالَه بنُو عامرٍ وغطفانُ وأسدٌ وأشجعُ لما أسلمَ جهينةُ ومزينةُ وأسلمُ وغفارُ، وقيلَ : قالتْهُ اليهودُ حين أسلمَ عبدُ اللَّهِ بنُ سَلاَمٍ وأصحابُه، ويأباهُ أنَّ السورةَ مكيةٌ ولا بُدَّ حينئذٍ من الالتجاءِ إلى ادعاءِ أنَّ الآيةَ نزلتْ بالمدينةِ. 
 وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ  ظرفٌ لمحذوفٍ يدلُّ عليهِ ما قبلَهُ ويترتبُ عليهِ ما بعدَهُ أيْ وإذ لم يهتدُوا بالقُرآنِ قالُوا ما قالُوا  فَسَيَقُولُونَ  غيرَ مكتفينَ بنفي خيريّتهِ  هذا إِفْكٌ قَدِيمٌ  كما قالُوا أساطيرُ الأولينَ، وقيلَ المحذوفُ ظهرَ عنادُهم وليسَ بذاكَ.

### الآية 46:12

> ﻿وَمِنْ قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَىٰ إِمَامًا وَرَحْمَةً ۚ وَهَٰذَا كِتَابٌ مُصَدِّقٌ لِسَانًا عَرَبِيًّا لِيُنْذِرَ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَبُشْرَىٰ لِلْمُحْسِنِينَ [46:12]

وَمِن قَبْلِهِ  أي منْ قبلِ القُرآنِ وهو خبرٌ لقولِه تعالى  كِتَابُ موسى  قيلَ : والجملةُ حاليةٌ أو مستأنفةٌ، وأيَّا ما كانَ فهو لردِّ قولِهم هذا إفكٌ قديمٌ وإبطالِه، فإنَّ كونَهُ مُصدقاً لكتابِ مُوسى مقرر لحقِّيتهِ قطعاً.  إَمَامًا وَرَحْمَةً  حالانِ من كتابِ مُوسى أي إماماً يُقتدَى به في دينِ الله تعالى وشرائعِه كما يُقتدى بالإمامِ ورحمةً من الله تعالى لمن آمنَ به وعملَ بموجبهِ  وهذا  الذي يقولونَ في حقِّه ما يقولونَ  كِتَابٌ  عظيمٌ الشأنِ  مصَدّقُ  أي لكتابِ مُوسى الذي هو إمامٌ ورحمةٌ أو لِما من بين يديهِ من جميعِ الكتبِ الإلهيةِ. وقد قُرِئ كذلكَ  لسَاناً عَرَبِيّاً  حالٌ من ضميرِ الكتابِ في مصدقٌ أو من نفسِه لتخصصهِ بالصفةِ وعاملُها معنى الإشارةِ، وعلى الأولِ مصدقٌ وقيلَ : مفعولٌ لمصدقٌ أي يصدقُ ذا لسانٍ عربيَ.  ليُنذِرَ الذين ظَلَمُوا  متعلقٌ بمصدقٌ وفيه ضميرُ الكتابِ أو الله تعالى أو الرسولِ عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ ويؤيدُ الأخيرَ القراءةُ بتاءِ الخطابِ  وبشرى لِلْمُحْسِنِينَ  في حيزِ النصبِ عطفاً على محل لينذرَ وقيل : في محلِ الرفعِ على أنَّه خبرُ مبتدأٍ مضمرٍ أي وهو بُشرى وقيلَ : على أنَّه عطفٌ على مصدقٌ.

### الآية 46:13

> ﻿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ [46:13]

إِنَّ الذين قَالُوا رَبُّنَا الله ثُمَّ استقاموا  أي جمعُوا بينَ التوحيدِ الذي هُو خلاصةُ العلمِ، والاستقامةِ في أمورِ الدينِ التي هيَ مُنتهى العملِ وثُمَّ للدلالةِ على تَراخِي رتبةِ العملِ وتوقفِ الاعتدادِ به على التوحيدِ  فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ  من لحوقِ مكروهٍ  وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ  من فواتِ محبوبٍ. والفاءُ لتضمنِ الاسمِ معنى الشرطِ والمرادُ بيانُ دوامِ نفي الحزنِ لا بيانُ نفي دوامِ الحزنِ كما يُوهمه كونُ الخبرِ مضارعاً وقد مرَّ بيانُه مراراً.

### الآية 46:14

> ﻿أُولَٰئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [46:14]

أولئك  الموصوفونَ بما ذُكِرَ من الوصفينِ الجليلينِ  أصحاب الجنة خالدين فِيهَا  حالٌ من المستكنِّ في أصحابُ. وقولُه تعالَى : جَزَاء  منصوبٌ إمَّا بعاملٍ مُقدرٍ أي يُجزون جزاءً أو بمَعْنى ما تقدمَ فإنَّ قولَه تعالى أولئكَ أصحابُ الجنَّةِ في معنى جازيناهُم.  بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ  من الحسناتِ العلميةِ والعمليةِ.

### الآية 46:15

> ﻿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا ۖ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا ۖ وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا ۚ حَتَّىٰ إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَىٰ وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي ۖ إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ [46:15]

وَوَصَّيْنَا الإنسان  بأنْ يُحسنَ  بوالديه إحسانا  وقُرِئ حُسْناً أي بأنْ يفعلَ بهمَا حُسْناً أي فعلاً ذَا حُسنٍ أو كأنَّه في ذاتِه نفسُ الحسنِ لفرطِ حُسنهِ. وقُرِئ بضمِّ السينِ أيضاً، وبفتحِهما أيْ بأنْ يفعلَ بهما فعلاً حَسَناً أو وصينَاهْ إيصاءً حسناً.  حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهاً وَوَضَعَتْهُ كُرْهاً  أي ذاتَ كُرهٍ أو حملاً ذَا كُرهٍ وهو المشقةُ. وقُرِئ بالفتحِ وهما لغتانِ كالفُقرِ، وقيلَ : المضمومُ اسمٌ والمفتوحُ مصدرٌ.  وَحَمْلُهُ وفصاله  أيْ مدةُ حملِه وفصالِه، وهو الفطامُ، وقُرِئ وفَصلُه. والفصالُ كالفطمِ والفِطامِ بناءً ومَعْنى، والمرادُ بهِ الرَّضاعُ التامُّ المُنتهِي بهِ. كمَا أرادَ بالأمدِ المدةَ من قالَ :
كُلُّ حَيَ مُستكمِلٌ مُدَّةَ العمرِ ومُودٍ إذَا انتهى أمدُهْ \*\*\*. . . 
 ثَلاَثُونَ شَهْراً  تمضي عليَها بمعاناةِ المشاقِّ ومقاساةِ الشدائدِ لأجلِه وهذا دليلٌ على أن أقلَّ مدةِ الحملِ ستةُ أشهرٍ لما أنَّه إذا حُطَّ عنْهُ للفصالِ حولانِ لقولهِ تعالى : حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَن يُتِمَّ الرضاعة  \[ سورة البقرة : الآية ٢٣٣ \] يبقي للحملِ ذلكَ، قيلَ : ولعل تعيينَ أقلِ مدةِ الحملِ وأكثرِ مدةِ الرَّضاعِ لانضباطِهما وتحققِ ارتباطِ النسبِ والرضاعِ بهما  حتى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ  أي اكتملَ واستحكمَ قوتُه وعقلُه  وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً  قيلَ : لم يبعثْ نبيٌّ قبلَ أربعينَ. وقُرِئ حتَّى إذَا استَوى وبلغَ أشدَّهُ.  قَالَ رَبّ أَوْزِعْنِي  أي ألهمنِي، وأصلُه أَوْلعِني من أوزعتُه بكذَا  أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ التي أَنْعَمْتَ عَلَي وعلى وَالِدَيَّ  أي نعمةَ الدِّينِ أو ما يعمُّها وغيرَها.  وَأَنْ أَعْمَلَ صالحا ترضاه  التنكيرُ للتفخيمِ والتكثيرِ  وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرّيَّتِي  أيْ واجعلِ الصلاحَ سارياً في ذُريتِي راسخاً فيهم كَما في قولِه\[ الطويل \]
\[ وإن تعتذر بالمحل من ذي ضروعها \*\*\*. . . إلى الضيف \] يجرحُ في عَراقيبِها نَصْلِي[(١)](#foonote-١)
قالَ ابنُ عبَّاسٍ : أجابَ الله تعالَى دعاءَ أبي بكرٍ رضيَ الله عنُهم فأعتقَ تسعةً من المؤمنينَ منهم عامرُ بنُ فُهيرةَ ولم يُردْ شيئاً من الخيرِ إلاَّ أعانَهُ الله تعالى عليهِ ودَعَا أيضاً فقالَ وأصلحْ لي في ذُريتِي فأجابَهُ الله عزَّ وجلَّ فلم يكُن لهُ ولدٌ إلا آمنُوا جميعاً فاجتمعَ له إسلامُ أبويهِ وأولادِه جميعاً فأدركَ أبُوه أبُو قحافةَ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم وابنُه عبدُ الرحمنِ بنُ أبي بكرٍ وابنُ عبدِ الرَّحمنِ أبُو عتيقٍ كلُّهم أدركُوا النبيَّ عليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ولم يكُنْ ذلكَ لأحدٍ من الصَّحابةِ رضوانُ الله تعالَى عليهم أجمعينَ.  إِنّي تُبْتُ إِلَيْكَ  عمَّا لا ترضاهُ أو عمَّا يشغلُني عن ذكرِك  وَإِنّي مِنَ المسلمين  الذينَ أخلصُوا لكَ أنفسَهُم. 
١ وهو لذي الرمة في ديوانه (ص١٥٦)؛ وأساس البلاغة (ص ٢٩٦) (عذر)، وخزانة الأدب (٢/١٢٨)؛ وبلا نسبة في أمالي ابن الحاجب (١/٢٥١)؛ وخزانة الأدب (١٠/٢٣٣)..

### الآية 46:16

> ﻿أُولَٰئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَنَتَجَاوَزُ عَنْ سَيِّئَاتِهِمْ فِي أَصْحَابِ الْجَنَّةِ ۖ وَعْدَ الصِّدْقِ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ [46:16]

أولئك  إشارةٌ إلى الإنسانِ، والجمعُ لأنَّ المرادَ به الجنسُ المتصفُ بالوصفِ المَحكِيِّ عنْهُ، وما فيهِ من مَعْنى البُعدِ للإشعارِ بعُلوِّ رُتبتهِ وبُعدِ منزلتِه، أي أولئكَ المنعوتونَ بما ذُكِرَ من النعوتِ الجليلةِ.  الذين نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا  من الطاعاتِ، فإنَّ المباحَ حسنٌ ولا يثابُ عليهِ.  وَنَتَجَاوَزُ عَن سيئاتهم  وقُرئ الفعلانِ بالياءِ على إسنادِهما إلى الله تعالى، وعلى بنائِهما للمفعولِ، ورفعِ أحسنَ على أنَّه قائمٌ مقامَ الفاعلِ، وكذا الجارُّ والمجرور.  فِي أصحاب الجنة  أي كائنينَ في عدادِهم منتظمينَ في سلكِهم  وَعْدَ الصدق  مصدرٌ مؤكدٌ لما أنَّ قولَه تعالَى نتقبلُ ونتجاوزُ وعدٌ من الله تعالى لهُم بالتقبلِ والتجاوزِ.  الذي كَانُوا يُوعَدُونَ  عَلَى ألسنةِ الرُّسلِ.

### الآية 46:17

> ﻿وَالَّذِي قَالَ لِوَالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُمَا أَتَعِدَانِنِي أَنْ أُخْرَجَ وَقَدْ خَلَتِ الْقُرُونُ مِنْ قَبْلِي وَهُمَا يَسْتَغِيثَانِ اللَّهَ وَيْلَكَ آمِنْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَيَقُولُ مَا هَٰذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ [46:17]

والذي قَالَ لوالديه  عندَ دعوتِهما لهُ إلى الإيمانِ  أُفّ لَّكُمَا  هو صوتٌ يصدرُ عنِ المرءِ عندَ تضجرِه، واللامُ لبيانِ المؤفَّفِ له كمَا في هَيْتَ لكَ. وقُرِئ أُفِّ بالفتحِ والكسرِ بغيرِ تنوينٍ وبالحركاتِ الثلاثِ معَ التنوينِ. والموصولُ عبارةٌ عن الجنسِ القائلِ ذلكَ القولَ ولذلكَ أُخبرَ عنه بالمجموعِ كما سبقَ. قيلَ : هُو في الكافرِ العاقِّ لوالديهِ المكذبِ بالبعثِ. وعن قَتَادةَ : هُو نعتُ عبدِ سوءٍ عاقِّ لوالديهِ فاجرٍ لربِّه. وما رُويَ من أنَّها نزلتْ في عبدِ الرَّحمنِ بن أبي بكرٍ رضيَ الله عنهُمَا قبلَ إسلامِه يردُّه ما سيأتِي من قولِه تعالى : أُولَئِكَ الذين حَقَّ عَلَيْهِمُ القول  \[ الأحقاف، الآيةَ ١٨ \] الآية. فإنَّه كانَ من أفاضلِ المسلمينَ وسَرواتِهم، وقد كذَّبتِ الصدِّيقةُ رضيَ الله عنَها مَنْ قالَ ذلكَ.  أَتَعِدَانِنِي أَنْ أُخْرَجَ  أُبعثَ من القبرِ بعدَ الموتِ. وقرئ أَخْرُجَ، من الخُروجِ.  وَقَدْ خَلَتِ القرون مِن قَبْلِي  ولم يُبعثْ منهم أحدٌ  وَهُمَا يَسْتَغِيثَانِ الله  يسألانِه أنْ يغيثَهُ ويوفقَهُ للإيمانِ.  وَيْلَكَ  أي قائلينَ له ويلكَ، وهو في الأصلِ دعاءٌ عليه بالثبورِ أُريدَ به الحثَّ والتحريضَ على الإيمانِ لا حقيقةَ الهلاكِ.  آمَن إِنَّ وَعْدَ الله حَقٌّ  أي البعثَ أضافاهُ إليهِ تعالى تحقيقاً للحقِّ وتنبيهاً على خطئهِ في إسنادِ الوعدِ إليهما. وقُرِئ أنَّ وعدَ الله أي آمِنْ بأنَّ وعدَ الله حقٌّ  فَيَقُولُ  مكذباً لهُما  مَا هذا  الذي تسميانِه وعدَ الله  إِلاَّ أساطير الأولين  أباطيلُهم التي سَطرُوها في الكتبِ من غيرِ أنْ يكونَ لها حقيقةٌ.

### الآية 46:18

> ﻿أُولَٰئِكَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ ۖ إِنَّهُمْ كَانُوا خَاسِرِينَ [46:18]

أولئك  القائلون هذه المقالاتِ الباطلةَ  الذين حَقَّ عَلَيْهِمُ القول  وهو قولُه تعالى لإبليسَ : لأمْلاَنَّ جَهَنَّمَ مِنكَ وَمِمَّن تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ \[ سورة ص، الآية ٨٥ \] كما ينبئُ عنهُ قولُه تعالى : فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِمْ منَ الجن والإنس  وقدْ مرَّ تفسيرُه في سورةِ الم السجدةُ  إِنَّهُمْ  جميعاً  كَانُوا خاسرين  قد ضيَّعُوا فطرتَهُم الأصليةَ الجاريةَ مجرى رؤوسِ أموالِهم باتِّباعِهم الشيطانَ، والجملةُ تعليلٌ للحُكمِ بطريقِ الاستئنافِ التحقيقيِّ.

### الآية 46:19

> ﻿وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا ۖ وَلِيُوَفِّيَهُمْ أَعْمَالَهُمْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ [46:19]

وَلِكُلّ  من الفريقينِ المذكورينِ  درجات ممَّا عَمِلُوا  مراتبُ من أجزيةِ ما عملوا من الخير والشرِّ. والدرجاتُ غالبةٌ في مراتبِ المَثوبة، وإيرادُها هَهُنا بطريقِ التغليبِ.  وَلِيُوَفّيَهُمْ أعمالهم  أي أجزيةَ أعمالِهم. وقُرِئَ بنونِ العظمةِ.  وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ  بنقصِ ثوابِ الأولينَ وزيادةِ عقابِ الآخرينَ. والجملةُ إمَّا حالٌ مؤكدةٌ للتوفية، أو استئنافٌ مقررٌ لها، واللامُ متعلقةٌ بمحذوفٍ مُؤخرٍ كأنَّه قيلَ وليُوفِّيهم أعمالَهُم ولا يظلمَهُم حقوقَهم، فعلَ ما فعل من تقديرِ الأجزيةِ على مقاديرِ أعمالِهم فجعلَ الثوابَ درجاتٍ والعقابَ دركاتٍ.

### الآية 46:20

> ﻿وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا فَالْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنْتُمْ تَفْسُقُونَ [46:20]

وَيَوْمَ يُعْرَضُ الذين كَفَرُوا عَلَى النار  أي يُعذَّبُونَ بَها منْ قولِهم عُرض الأسارَى على السيفِ أي قُتلوا، وقيل : يُعرض النارُ عليهم بطريقِ القلبِ مبالغةً.  أَذْهَبْتُمْ طيباتكم  أي يقالُ لهم ذلكَ وهو الناصبُ للظرفِ. وقُرِئ أأْذهبتُم بهمزتينِ وبألفٍ بينَهمَا على الاستفهامِ التوبيخيِّ أي أصبتُم وأخذتُم ما كُتب لكُم من حُظوظِ الدُّنيا ولذائِذها.  فِي حياتكم الدنيا واستمتعتم بِهَا  فلم يبقَ لَكُم بعد ذلكَ شيءٌ منَها.  فاليوم تُجْزَوْنَ عَذَابَ الهون  أيْ الهوانِ. وقد قُرِئ كذلكَ.  بِمَا كُنتُمْ  في الدُّنيا  تَسْتَكْبِرُونَ فِي الأرض بِغَيْرِ الحق  بغيرِ استحقاقٍ لذلكَ  وَبِمَا كُنتُمْ تَفْسُقُونَ  أي تخرجونَ عن طاعةِ الله عزَّ وجلَّ أي بسببِ استكبارِكم وفسقِكم المستمرين. وقُرِئ تَفْسِقونَ بكسرِ السِّينِ.

### الآية 46:21

> ﻿۞ وَاذْكُرْ أَخَا عَادٍ إِذْ أَنْذَرَ قَوْمَهُ بِالْأَحْقَافِ وَقَدْ خَلَتِ النُّذُرُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ [46:21]

واذكر  أيْ لكُفَّارِ مكةَ  أَخَا عَادٍ  أيْ هوداً عليهِ السلامُ،  إِذْ أَنذَرَ قَوْمَهُ  بدلُ اشتمالٍ منْهُ أي وقتَ إنذارِه إِيَّاهُم.  بالأحقاف  جمعُ حِقْفٍ، وهُو رملٌ مستطيلٌ مرتفعٌ فيهِ انحناءٌ منِ احقوقفَ الشيءُ إذا اعوجَّ. وكانتْ عادٌ أصحابَ عَمدٍ يسكنونَ بين رمالٍ مشرفةٍ على البحرِ بأرضٍ يُقالُ لها الشّحْرُ من بلادِ اليمنِ، وقيلَ : بينَ عُمَانَ ومَهَرَةَ.  وَقَدْ خَلَتِ النذر  أي الرُّسلُ جمعُ نذيرٍ بمعنى المنذرِ.  مِن بَيْنِ يَدَيْهِ  أي من قبلهِ  وَمِنْ خَلْفِهِ  أي منْ بعدهِ. والجملةُ اعتراضٌ مقررٌ لما قبلَهُ مؤكدٌ لوجوبِ العملِ بموجبِ الإنذارِ، وُسِّط بينَ أنذرَ قومَهُ وبينَ قولِه  أَن لا تَعْبُدُوا إِلاَّ الله  مسارعةً إلى ما ذُكِرَ من التقريرِ والتأكيدِ وإيذاناً باشتراكِهم في العبارةِ المحكيةِ، والمَعْنى واذكُرْ لقومِكَ إنذارَ هودٍ قومَهُ عاقبةَ الشركِ والعذابِ العظيمِ، وقد أندرَ مَنْ تقدمَهُ من الرسلِ، ومن تأخرَ عنْهُ قومَهُم مثلَ ذلكَ فاذكُرهم. وأَما جعلُها حالاً من فاعلِ أنذرَ على مَعْنى أنَّه عليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أنذرَهُم، وقالَ لَهُم لا تعبدُوا إلا الله  إِنّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ  وقد أعلمهم أنَّ الرسلَ الذين بُعثوا قبلَه والذينَ سيُبعثونَ بعدَهُ كلَّهم منذرونَ نحوَ إنذارِه، فمعَ ما فيهِ من تكلفِ تقديرِ الإعلامِ لا بُدَّ في نسبةِ الخلوِّ إلى مَن بعدَهُ من الرسلِ من تنزيلِ الآتِي منزلةَ الخالِي.

### الآية 46:22

> ﻿قَالُوا أَجِئْتَنَا لِتَأْفِكَنَا عَنْ آلِهَتِنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ [46:22]

قَالُوا أَجِئْتَنَا لِتَأْفِكَنَا  أيْ تَصُرِفَنَا  عَنْ آلِهَتِنَا  عن عبادتِها  فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا  منَ العذابِ العظيمِ  إِن كُنتَ مِنَ الصادقين  في وعدِك بنزولهِ بنَا.

### الآية 46:23

> ﻿قَالَ إِنَّمَا الْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ وَأُبَلِّغُكُمْ مَا أُرْسِلْتُ بِهِ وَلَٰكِنِّي أَرَاكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ [46:23]

قَالَ إِنَّمَا العلم  أي بوقتِ نزولِه أو العلمُ بجميعِ الأشياءِ التي من جُمْلتِها ذلكَ  عَندَ الله  وحدَهُ لا علمَ لي بوقتِ نزولِه ولا مدخلَ لي في إتيانِه وحلولِه وإنَّما علمُه عندَ الله تعالَى فيأتيكُم بهِ في وقتهِ المقدرِ لهُ.  وَأُبَلغُكُمْ ما أُرْسِلْتُ بِهِ  من مواجبِ الرسالةِ التي من جُملتِها بيانُ نزولِ العذابِ إنْ لم تنتُهوا عن الشركِ من غيرِ وقوفٍ على وقتِ نزولِه. وقُرِئ أُبْلِغُكُم من الإبلاغِ.  ولكني أَرَاكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ  حيثُ تقترحُون عليَّ ما ليسَ من وظائفِ الرسلِ من الإتيانِ بالعذابِ وتعيينِ وقتهِ.

### الآية 46:24

> ﻿فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُوا هَٰذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا ۚ بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ ۖ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ [46:24]

والفاءُ في قولِه تعالى : فَلَمَّا رَأَوْهُ  فصحيةٌ، والضميرُ إما مُبهمٌ يوضحه قولُه تعالى  عَارِضاً  تمييزٌ أو حالٌ أو راجعٌ إلى ما استعجلُوه بقولِهم فائتنا بما تَعدُنا أي فأتاهُم فلمَّا رأَوهُ سحاباً يعرضُ في أفق السماءِ  مسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ  ي متوجِّه أوديتِهم. والإضافةُ فيه لفظيةٌ كما في قولِه تعالى  قَالُوا هذا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا  ولذلكَ وَقَعا وصفينِ للنكرةِ  بَلْ هُوَ  أي قالَ هُودٌ وقد قُرِئ كذلكَ، وقُرِئ قُلْ، وهُو ردٌّ عليهم، أيْ ليسِ الأمرُ كذلكَ بلْ هُو  مَا استعجلتم بِهِ  من العذابِ  رِيحٌ  بدلٌ منْ ما أو خبرٌ لمبتدأٍ محذوفٍ.  فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ  صفةٌ لريحٌ.

### الآية 46:25

> ﻿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا فَأَصْبَحُوا لَا يُرَىٰ إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ ۚ كَذَٰلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ [46:25]

وكذَا قولُه تعالى : تُدَمّرُ  أي تهلكُ  كُلّ شَيء  من نفوسهم وأموالهم  بِأَمْرِ رَبهَا  وقرئ يدمر كلَّ شيءٍ من دمَّر دماراً إذا هلكَ فالعائدُ إلى الموصوفِ محذوفٌ أو هو الهاءُ في ربِّها ويجوزُ أن يكونَ استئنافاً وارداً لبيانِ أنَّ لكلَّ ممكنٍ فناءً مقضياً منوطاً بأمرِ بارئهِ، وتكونُ الهاءُ لكلِّ شيءٍ لكونِه بمعنى الأشياءِ وفي ذكرِ الأمرِ والربِّ والإضافةِ إلى الريحِ من الدلالة على عظمةِ شأنِه عزَّ وجلَّ ما لا يَخْفى. والفاءُ في قولِه تعالى : فَأْصْبَحُوا لاَ يرى إِلاَّ مساكنهم  فصيحةٌ أي فجاءتْهُم الريحُ فدمرتْهُم فأصبحُوا بحيثُ لا يُرى إلا مساكنُهم. وقُرِئ تَرَى بالتاءِ ونصبِ مساكنُهم. خطاباً لكلِّ أحدٍ يتأتَّى منه الرؤيةُ تنبيهاً على أنَّ حالَهُم بحيثُ لو حضرَ كلُّ أحدٍ بلادَهُم لا يَرَى فيها إلا مساكنَهُم.  كذلك  أي مثلَ ذلكَ الجزاء الفظيعِ.  نَجْزِي القوم المجرمين  وقد مرَّ تفصيلُ القصةِ في سورةِ الأعرافِ. وقد رُويَ أنَّ الريحَ كانتْ تحملُ الفُسطاطَ والظَّعينةَ فترفعُها في الجوِّ حتى تُرى كأنَّها جرادةٌ. قيلَ : أولُ من أبصرَ العذابَ امرأةٌ منُهم قالتْ رأيتُ ريحاً فيها كشهبِ النَّارِ، ورُويَ أنَّ أولَ ما عرفُوا به أنَّه عذابٌ ما رأوا ما كانَ في الصحراءِ من رحالِهم ومواشيهم تطيرُ بها الريحُ بينَ السماءِ والأرضِ فدخلُوا بيوتَهم وغلَّقوا أبوابَهم فقلعتِ الريحُ الأبوابَ وصرعَتْهم فأمالَ الله تعالى الأحقافَ فكانُوا تحتَها سبعَ ليالٍ وثمانيةَ أيامٍ لهم أنينٌ ثم كشفتِ الريحُ عنهُم فاحتملتهم فطرحتْهُم في البحرِ. ورُوِيَ أنَّ هُوداً عليهِ السَّلامُ لمَّا أحسَّ بالريحِ خطَّ على نفسِه وعلى المؤمنينَ حظاً إلى جنبِ عينٍ تنبَعُ. وعن ابنِ عبَّاسٍ رضيَ الله عنهُمَا اعتزلَ هودٌ ومن معَهُ في حظيرةِ ما يصيبُهم من الريحِ إلا ما يلينُ على الجُلودِ وتلذه الأنفسُ وإنَّها لتمرُّ من عادٍ بالظعنِ بينَ السماءِ والأرضِ وتدمغُهم بالحجارةِ.

### الآية 46:26

> ﻿وَلَقَدْ مَكَّنَّاهُمْ فِيمَا إِنْ مَكَّنَّاكُمْ فِيهِ وَجَعَلْنَا لَهُمْ سَمْعًا وَأَبْصَارًا وَأَفْئِدَةً فَمَا أَغْنَىٰ عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلَا أَبْصَارُهُمْ وَلَا أَفْئِدَتُهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِذْ كَانُوا يَجْحَدُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ [46:26]

وَلَقَدْ مكناهم  أي قررنَا عاداً أو أقدرنَاهُم، وما في قولِه تعالى : فِيمَا إِن مكناكم فِيهِ  موصولةٌ أو موصوفةٌ، وأنْ نافيةٌ، أيْ في الذِي أو في شيءٍ ما مكنَّاكُم فيهِ من السَّعةِ والبسطةِ وطولِ الأعمار وسائرِ مبادِيِ التصرفاتِ كَما في قولِه تعالى : أَلَمْ يَرَوا كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِم مّن قَرْنٍ مكناهم فِي الأرض مَا لَمْ نُمَكن لكُمْ  \[ سورة الأنعام، الآية ٦ \] وممَّا يُحسِّنُ موقعَ إنْ هَهُنا التَّفَصِّي عن تكررِ لفظةِ مَا، وهُو الدَّاعِي إلى قلبِ ألِفها هاءً في مَهْمَا، وجعلُها شرطيةً أو زائدةً مِمَّا لاَ يليقُ بالمقامِ.  وَجَعَلْنَا لَهُمْ سَمْعاً وأبصارا وَأَفْئِدَةً  ليستعملُوهَا فيمَا خُلقتْ لهُ ويعرفُوا بكلَ منَها ما نِيطتْ بهِ معرفتُه من فنونِ النعمِ ويستدلُّوا بها على شؤونِ منعمِها عزَّ وجلَّ ويداومُوا على شُكرِه.  فَمَا أغنى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ  حيثُ لم يستعملُوه في استماعِ الوَحي ومواعظِ الرسلِ. 
 وَلاَ أبصارهم  حيثُ لم يجتلُوا بها الآياتِ التكوينيةَ المنصوبةَ في صحائفِ العالمِ.  وَلاَ أَفْئِدَتُهُمْ  حيثُ لم يستعملُوها في معرفةِ الله تعالَى.  مِن شَيء  أي شيئاً من الإغناءِ. ومِنْ مزيدةٌ للتأكيدِ. وقولُه تعالى : إذ كانوا يجحدون بآيات الله  متعلقٌ بما أَغْنَى وهو ظرفٌ جَرَى مجرى التعليلِ من حيثُ أنَّ الحكمَ مرتبٌ على ما أضيفَ إليهِ فإنَّ قولَكَ أكرمتُه إذْا أكرمنِي، في قوةِ قولِك أكرمتُه لإكرامِه لأنَّك إذا أكرمتَهُ وقتَ إكرامِه فإنَّما أكرمْتَه فيه لوجودِ إكرامِه فيهِ وكذا الحالُ في حيثُ  وَحَاقَ بِهِم ما كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئونَ  من العذابِ الذي كانُوا يستعجلونَهُ بطريقِ الاستهزاءِ ويقولونَ فائْتنِا بما تعدُنا إن كنتَ من الصادقينَ.

### الآية 46:27

> ﻿وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا مَا حَوْلَكُمْ مِنَ الْقُرَىٰ وَصَرَّفْنَا الْآيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ [46:27]

وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا مَا حَوْلَكُمْ  يا أهلَ مكةَ  منَ القرى  كحِجْرِ ثمودٍ، وقُرى قومِ لوطٍ.  وَصَرَّفْنَا الآيات  كررنَاها لَهُم  لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ  لكي يرجعُوا عمَّا هُم فيهِ من الكُفر والمَعَاصِي.

### الآية 46:28

> ﻿فَلَوْلَا نَصَرَهُمُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ قُرْبَانًا آلِهَةً ۖ بَلْ ضَلُّوا عَنْهُمْ ۚ وَذَٰلِكَ إِفْكُهُمْ وَمَا كَانُوا يَفْتَرُونَ [46:28]

فَلَوْلاَ نَصَرَهُمُ الذين اتخذوا مِن دُونِ الله قُرْبَاناً آلِهَةَ  القُربانُ : ما يُتقربُ بهِ إلى الله تعالَى. وأحدُ مفعولَيْ اتخذُوا ضميرُ الموصولِ المحذوفِ، والثانِي آلهةً، وقرباناً حالٌ، والتقديرُ فهلاَّ نصرهُم وخلَّصُهم من العذابِ الذين اتخذُوهم آلهةً حالَ كونِها متقرَّباً بها إلى الله تعالَى، حيثُ كانُوا يقولونَ ما نعبدُهم إلا ليقربونَا إلى الله زُلْفى، وهؤلاءِ شفعاؤُنا عندَ الله. وفيه تهكمٌ بهم، ولا مساغَ لجعلِ قرباناً مفعولاً ثانياً، وآلهةً بدلاً منه لفسادِ المَعْنى ؛ فإنَّ البدلَ وإنْ كانَ هو المقصودَ لكنَّه لا بُدَّ في غيرِ بدلِ الغلطِ من صحةِ المَعْنى بدونِه، ولا ريبَ في أنَّ قولَنا اتخذوهُم من دونِ الله قُرباناً، أي متقرباً به مما لا صحةَ له قطعاً ؛ لأنَّه تعالَى متقرَّبٌ إليهِ لا متقرَّبٌ بهِ فلا يصحُّ أنَّهم اتخذُوهم قرباناً متجاوزينَ الله في ذلكَ وقُرِئ قُرُباناً بضمِّ الراءِ  بَلْ ضَلُّوا عَنْهُمْ  أي غابُوا عنْهم وفيه تهكمٌ آخرُ بهم كأنَّ عدمَ نصرِهم لغيبتِهم أو ضاعُوا عنُهم أي ظهرَ ضياعُهم عنهم بالكُليَّةِ، وقيل : امتنعَ نصرُهم امتناعَ نصرِ الغائبِ عن المنصورِ  وَذَلِكَ  أي ضياعُ آلهتِهم عنُهم وامتناعُ نصرِهم  إِفْكِهِمْ  أيْ أثرُ إفكِهم الذي هُو اتِّخاذُهم إيَّاهَا آلهةً ونتيجةُ شركِهم. وقُرِئ أفَكُهم، وكلاهُما مصدرٌ كالحِذْرِ والحَذَرِ، وقُرِئ أَفَكَهُم على صيغةِ الماضِي، فذلكَ إشارةٌ حينئذٍ إلى الاتخاذِ أيْ وذلكَ الاتخاذُ الذي هذه ثمرتُه وعاقبتُه صرفَهُم عن الحقِّ، وقُرِئ أَفَّكَهُم بالتشديدِ للمبالغةِ، وآفَكَهُم من الأفعالِ أي جعلهم آفكين، وقُرِئ آفِكُهُم على صيغةِ اسمِ الفاعلِ مضافاً إلى ضميرِهم أي قولُهم الإفكُ أي ذُو الإفكِ، كما يقالُ قولٌ كاذبٌ.  وَمَا كَانُوا يَفْتَرُونَ  عطفٌ على إفكُهم أي وأثرُ افترائِهم على الله تعالى، أو أثرُ ما كانُوا يفترونه عليه تعالى، وقرئ وذلك إفكٌ مما كانوا يفترون أي بعض ما كانوا يفترونَ من الإفكِ.

### الآية 46:29

> ﻿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا ۖ فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَىٰ قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ [46:29]

وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَراً منَ الجن  أمَلْناهم إليكَ وأقبلنا بهم نحوَكَ. وقُرِئ صرَّفَنا بالتشديدِ للتكثيرِ، لأنَّهم جماعةٌ، وهُو السرُّ في جمعِ الضميرِ في قولِه تعالى  يَسْتَمِعُونَ القرآن  وما بعدَهُ، وهو حالٌ مقدرةٌ من نفراً لتخصصِه بالصفةِ، أو صفةٌ أُخرى لَه أي واذكُرْ لقومِكَ وقتَ صَرَفنا إليكَ نفراً كائناً من الجنِّ مقدَّراً استماعَهم القُرانَ.  فَلَمَّا حَضَرُوهُ  أي القرآنَ عند تلاوتهِ أو الرسولَ عند تلاوتِه له على الالتفاتِ والأولُ هو الأظهرُ.  قَالُوا  أي قالَ بعضُهم لبعضٍ  أَنصِتُوا  أي اسكتُوا لنسمعهُ  فَلَمَّا قُضِيَ  أُتمَّ وفُرغَ عن تلاوتِه، وقُرِئ على البناءِ للفاعلِ وهو ضميرُ الرسولِ عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ وهذا يؤيدُ عودَ ضميرِ حضروه إليهِ عليهِ الصَّلاةُ والسَّلامِ.  وَلَّوا إلى قَوْمِهِم منذِرِينَ  مقدِّرينَ إنذارَهُم عند رجوعِهم إليهم. رُويَ أنَّ الجِنَّ كانتْ تسترق السمعَ فلما حُرستِ السماءُ ورُجموا بالشهبِ قالُوا ما هَذا إلا لنبأٍ حدثَ فنهضَ سبعةُ نفرٍ أو ستةُ نفرٍ من أشرافِ جنِّ نصيبينَ أو نِينَوى، منُهم زوبعةُ فضربُوا حتى بلغوا تِهامةَ ثم اندفعُوا إلى وادِي نخلةَ فوافَوا رسولَ الله صلى الله عليه وسلم وهو قائمٌ في جوفِ الليلِ يُصلِّي أو في صلاةِ الفجرِ فاستمعُوا لقراءتِه وذلكَ عند منصرفِه من الطائفِ. وعن سعيدِ بنِ جُبيرٍ : ما قرأَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم على الجِنِّ ولا رآهُم وإنَّما كان يتلُو في صلاتِه فمرُّوا به فوقفُوا مستمعينَ وهو لا يشعرُ بهم فأنبأهُ الله تعالَى باستماعِهم. وقيلَ : بلْ أمرَهُ الله تعالى أنْ ينذرَ الجنَّ ويقرأَ عليهمِ فصرفَ إليه نَفَراً منهم جمعَهُم له فقالَ عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ :**«إنِّي أُمرتُ أنْ أقرأَ على الجنِّ الليلةَ فمن يتبعُني قالَها ثلاثاً »** فأطرقُوا إلا عبدَ اللَّهِ بنَ مسعودٍ رضيَ الله عنْهُ قالَ فانطلقنَا حتَّى إذَا كُنَّا بأعلى مكةَ في شِعب الجحونِ خطَّ لي خطَّاً، فقالَ :**«لا تخرجْ منه حتَّى أعودَ إليكَ »**. ثم افتتحَ القرآنَ وسمعتُ لغطاً شديداً حتَّى خفتُ على رسولِ الله صلى الله عليه وسلم وغشيْتُه أسودةٌ كثيرة حالتْ بيني وبينَهُ حتى ما أسمعُ صوتَهُ عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ ثم انقطعُوا كقطعِ السحابِ فقالَ لي رسولُ الله صلى الله عليه وسلم :**«هلْ رأيتَ شيئاً »** قلتُ نعم رجالاً سُوداً مستشعرِي ثيابٍ بيضٍ فقالَ :**«أولئكَ جن نَصيبينَ وكانُوا اثني عشرَ ألفاً »**[(١)](#foonote-١) والسورةُ التي قرأَها عليهم اقرأْ باسمِ ربِّك. 
١ أخرجه البخاري في كتاب مناقب الأنصار باب (٣٢)..

### الآية 46:30

> ﻿قَالُوا يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَىٰ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَىٰ طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ [46:30]

قَالُوا  أي عندَ رجوعِهم إلى قومِهم  يا قومنا إِنَّا سَمِعْنَا كتابا أُنزِلَ مِن بَعْدِ موسى  قيلَ : قالُوه لأنَّهم كانُوا على اليهوديةِ. وعنِ ابن عبَّاسٍ رضي الله عنهُمَا : إنَّ الجنَّ لم تكُن سمعت بأمرِ عِيْسَى عليه السَّلامُ.  مُصَدقا لمَا بَيْنَ يَدَيْهِ  أرادُوا به التوراةَ  يَهْدِي إِلَى الحق  من العقائدِ الصحيحةِ  وإلى طَرِيقٍ مسْتَقِيمٍ  مُوصلٍ إليهِ وهُو الشَّرائعُ والأعمالُ الصالحةُ.

### الآية 46:31

> ﻿يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ [46:31]

يا قومنا أَجِيبُوا دَاعِيَ الله وَآمِنُوا بِهِ  أرادُوا به ما سمعُوه من الكتابِ وصفُوه بالدَّعوةِ إلى الله تعالى بعدَ ما وصفُوه بالهدايةِ إلى الحقِّ والصراطِ المستقيمِ لتلازمِهما، دَعَوهم إلى ذلكَ بعدَ بيانِ حقِّيتِه واستقامتِه ترغيباً لهم في الإجابةِ ثم أكَّدُوه بقولِهم  يَغْفِرْ لَكُمْ من ذُنُوبِكُمْ  أي بعضَ ذنوبكم وهو ما كانَ في خالصِ حقِّ الله تعالى فإنَّ حقوقَ العبادِ لا تُغفرُ بالإيمانِ.  وَيُجِرْكُمْ منْ عَذَابٍ أَلِيمٍ  معدَ للكفرةِ. واختُلفَ في أنَّ لهم أجراً غيرَ هذا أو لاَ والأظهرُ أنَّهم في حُكمِ بني آدمَ ثواباً وعقاباً.

### الآية 46:32

> ﻿وَمَنْ لَا يُجِبْ دَاعِيَ اللَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي الْأَرْضِ وَلَيْسَ لَهُ مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءُ ۚ أُولَٰئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ [46:32]

وقولُه تعالى : وَمَن لا يُجِبْ دَاعِيَ الله فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي الأرض  إيجابٌ للإجابةِ بطريقِ الترهيبِ إثرَ إيجابِها بطريقِ الترغيبِ، وتحقيقٌ لكونهم منذرينَ. وإظهارُ دَاعي الله من غيرِ اكتفاءٍ بأحدِ الضميرينِ للمبالغةِ في الإيجابِ بزيادةِ التقريرِ وتربيةِ المهابةِ وإدخالِ الرَّوعةِ، وتقييدُ الإعجازِ بكونِه في الأرضِ لتوسيعِ الدائرةِ أي فليسَ بمعجزٍ له تعالى بالهربِ وإن هربَ كلَّ مهربٍ من أقطارِها أو دخلَ في أعماقِها. وقولُه تعالى  وَلَيْسَ لَهُ مِن دُونِهِ أَوْلِيَاء  بيانٌ لاستحالةِ نجاتِه بواسطةِ الغيرِ إثرَ بيانِ استحالةِ نجاتِه بنفسهِ. وجمعُ الأولياءِ باعتبارِ مَعْنى مَنْ فيكونُ من بابِ مقابلةِ الجمع بالجمعِ لانقسامِ الآحادِ إلى الآحادِ كما أنَّ الجمعَ في قولِه تعالى  أولئك  بذلكَ الاعتبارِ، أي أولئكَ الموصوفونَ بعدِ إجابةِ داعِي الله.  فِي ضلال مُّبِينٍ  أي ظاهرٌ كونَهُ ضلالاً بحيثُ لا يَخْفى على أحدٍ حيثُ أعرضُوا عن إجابةِ مَنْ هَذا شأنُه.

### الآية 46:33

> ﻿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِرٍ عَلَىٰ أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَىٰ ۚ بَلَىٰ إِنَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [46:33]

أَوَلَمْ يَرَوا  الهمزةُ للإنكارِ، والواو للعطفِ على مقدرٍ يستدعيهِ المقامُ. والرؤيةُ قلبيةٌ أيْ ألم يتفكَّروا ولم يعلمُوا علماً جازماً مُتاخِماً للمشاهدةِ والعيانِ  أَنَّ الله الذي خَلَقَ السماوات والأرض  ابتداءً من غيرِ مثالٍ يحتذيهِ ولا قانونٍ ينتحيهِ.  وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ  أي لم يتعبْ ولم ينصَبْ بذلك أصلاً أو لم يعجزْ عنهُ. يقالُ عييتُ بالأمرِ إذا لم يُعرفْ وجَههُ. وقولُه تعالى : بِقَادِرٍ  في حيزِ الرفعِ لأنَّه خبرُ أنَّ كما ينبئُ عنْهُ القراءةُ بغيرِ باءٍ، ووجُه دخولِها في القراءةِ الأُولى اشتمالُ النفيِّ الواردِ في صدرِ الآيةِ على أنَّ وَمَا في حيزِها كأنَّه قيلَ : أو ليسَ الله بقادرٍ.  على أَن يُحْيِي الموتى  ولذلكَ أجيبَ عنه بقولِه تعالى : بلى إِنَّهُ على كُل شَيء قَدِيرٌ  تقريراً للقدرةِ على وجهٍ عامَ يكونُ كالبرهانِ على المقصودِ.

### الآية 46:34

> ﻿وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ أَلَيْسَ هَٰذَا بِالْحَقِّ ۖ قَالُوا بَلَىٰ وَرَبِّنَا ۚ قَالَ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ [46:34]

وَيَوْمَ يُعْرَضُ الذين كَفَرُوا عَلَى النار  ظرفٌ عاملُه قولٌ مضمرٌ، مقولُه  أَلَيْسَ هذا بالحق  على أنَّ الإشارةَ إلى ما يشاهدونَهُ حينئذٍ من حيثُ هو من غيرِ أنْ يخطرَ بالبالِ لفظٌ يدلُّ عليهِ فضلاً عن تذكيرِه وتأنيثِه إذ هُو اللائق بتهويلهِ وتفخيمِه وقد مرَّ في سورةِ الأحزابِ، وقيل : هيَ إلى العذابِ وفيه تهكمٌ بهم وتوبيخٌ لهم على استهزائِهم بوعدِ الله ووعيدِه وقولِهم وما نحنُ بمعذبينَ  قَالُوا بلى وَرَبنَا  أكَّدُوا جوابَهُم بالقسمِ كأنَّهم يطمعونَ في الخلاصِ بالاعترافِ بحقِّيتها كما في الدُّنيا وأنَّى لهُم ذلكَ.  قَالَ فَذُوقُوا العذاب بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ  بها في الدُّنيا ومَعْنى الأمرِ الإهانةُ بهم والتوبيخُ لهم.

### الآية 46:35

> ﻿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلَا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ ۚ كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ ۚ بَلَاغٌ ۚ فَهَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الْفَاسِقُونَ [46:35]

والفاءُ في قولِه تعالى : فاصبر كَمَا صَبَرَ أُولُوا العزم مِنَ الرسل  جوابُ شرطٍ محذوفٍ أيْ إذا كان عاقبةُ أمرِ الكفرةِ ما ذُكِرَ فاصبرْ على ما يصيبكَ من جهتِهم كما صبرَ أولُو الثباتِ والحزمِ من الرسلِ فإنكَ من جُمْلتِهم بل من علْيتِهم ومِنْ للتبيينِ، وقيل : للتبعيضِ، والمرادُ بأُولي العزمِ أصحابُ الشرائعِ الذينَ اجتهدُوا في تأسيسِها وتقريرِها وصبرُوا على تحملِ مشاقِّها ومعاداةِ الطاعنينَ فيَها، ومشاهيرُهُم نوحٌ وإبراهيمُ وموسى وعِيْسَى عليهم الصَّلاةُ والسَّلامُ، وقيلَ : هم الصابرونَ على بلاءِ الله كنوحٍ صبرَ على أذيةِ قومِه، كانُوا يضربونَهُ حتى يُغشَى عليهِ، وإبراهيمُ صبرَ على النَّارِ وعلى ذبحِ ولدِه، والذبيحُ على الذبحِ، ويعقوبُ على فقدِ الولدِ والبصرِ، ويوسفُ على الجُبِّ والسجنِ، وأيوبُ على الضُرِّ، ومُوسى قال له قومُه : إِنَّا لَمُدْرَكُونَ \* قَالَ كَلاَّ إِنَّ مَعِيَ رَبّي سَيَهْدِينِ  \[ سورة الشعراء، الآية ٦١ \]، وداودُ بكى على خطيئتِه أربعينَ سنةً، وعيْسَى لم يضع لبنةً على لبنةٍ صلواتُ الله تعالَى وسلامُه عليهم أجمعينَ. 
 وَلاَ تَسْتَعْجِل لهُمْ  أي لكُفَّارِ مكةَ بالعذابِ فإنَّه على شرفِ النزولِ بهم  كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ  من العذابِ  لمْ يَلْبَثُوا  في الدُّنيا  إِلاَّ سَاعَةً  يسيرةً  من نهَارٍ  لما يشاهدونَ من شدةِ العذابِ وطولِ مدتهِ. وقولُه تعالى  بَلاَغٌ  خبرٌ مبتدأٍ محذوفٍ، أي هَذا الذي وُعظتم بهِ كفايةٌ في الموعظةِ أو تبليغٌ من الرسولِ ويُؤيدُه أنَّه قُرِئ بلغ، وقُرِئ بلاغاً أي بلغُوا بلاغاً  فَهَلْ يُهْلَكُ إِلاَّ القوم الفاسقون  أي الخارجونَ عن الاتِّعاظِ أو عن الطاعةِ. وقُرِئ بفتحِ الياءِ وكسرِ اللامِ، وبفتحِهما، منْ هَلِكَ وهَلَكَ، وبنونِ العظيمةِ من الإهلاكِ ونصبِ القومِ ووصفِه.

## روابط ذات صلة

- [النص القرآني للسورة](https://quranpedia.net/surah/1/46.md)
- [كل تفاسير سورة الأحقاف
](https://quranpedia.net/surah-tafsir/46.md)
- [ترجمات سورة الأحقاف
](https://quranpedia.net/translations/46.md)
- [صفحة الكتاب: إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم](https://quranpedia.net/book/37.md)
- [المؤلف: أبو السعود](https://quranpedia.net/person/4781.md)

---

زُر [Quranpedia.net](https://quranpedia.net/surah/1/46/book/37) — موسوعة القرآن الكريم: التفاسير، الترجمات، التلاوات، والمواضيع.
