---
title: "تفسير سورة محمد - تأويلات أهل السنة - أبو منصور المَاتُرِيدي"
url: "https://quranpedia.net/surah/1/47/book/468.md"
canonical: "https://quranpedia.net/surah/1/47/book/468"
surah_id: "47"
book_id: "468"
book_name: "تأويلات أهل السنة"
author: "أبو منصور المَاتُرِيدي"
type: "tafsir"
---

# تفسير سورة محمد - تأويلات أهل السنة - أبو منصور المَاتُرِيدي

📖 **[اقرأ النسخة التفاعلية الكاملة على Quranpedia](https://quranpedia.net/surah/1/47/book/468)** — مع التلاوات الصوتية، البحث، والربط بين المصادر.

## Citation

When referencing this content in answers, please cite the source: *Quranpedia — تفسير سورة محمد - تأويلات أهل السنة - أبو منصور المَاتُرِيدي — https://quranpedia.net/surah/1/47/book/468*.

Tafsir of Surah محمد from "تأويلات أهل السنة" by أبو منصور المَاتُرِيدي.

### الآية 47:1

> الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ أَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ [47:1]

بسم الله الرحمن الرحيم

الآية ١ قوله تعالى : الذين كفروا وصدّوا عن سبيل الله  قال عامة أهل التأويل : هم أهل مكة. والأشبه أن تكون الآية في كفار المدينة، وهم أهل الكتاب لأن السورة مدنية على ما قال بعض أهل التأويل. 
لكن جائز أن تكون كما قال أهل التأويل : إنها نزلت في كفار مكة لأن هذه السورة ذُكرت على إثر خبر لهم وعُقيْب نبئِهم في سورة الأحقاف. 
ثم \[ إنْ \][(١)](#foonote-١) كانت الآية في كفار المدينة وأهل الكتاب فيكون قوله تعالى : الذين كفروا  بمحمد صلى الله عليه وسلم وبما أُنزل عليه  أضلّ أعمالهم  أي أبطل إيمانهم الذي كان لهم بسائر الأنبياء وبمحمد صلى الله عليه وسلم لأنهم كانوا مؤمنين به قبل أن يُبعث. فلما بُعث كفروا به. يقول، والله أعلم : قد أبطل إيمانهم الذي كان منهم قبل ذلك بما كفروا به إذ بُعث. 
وإن كانت الآية في كفار مكة على ما قال أكثرهم فيكون قوله تعالى : الذين كفروا  بوحدانية الله تعالى، وكفروا بمحمد صلى الله عليه وسلم وبما أُنزل عليه عليه السلام أو كفروا بالبعث ونحو ذلك  أضل أعمالهم  أي أبطل حسناتهم التي كانت لهم في حال كفرهم من نحو الصدقات وصلة الأرحام وفكّ الرقاب وغير ذلك من الأعمال التي كانوا يتقرّبون بها، والله أعلم. 
قد أبطل أعمالهم التي كانوا يتقرّبون بها، ويرونها قربة عند الله، أو يقول : قد أبطل عبادتهم التي كانوا يعبدون من الأصنام وغيرها لتُقرّبهم عبادتهم إلى الله زلفى بقولهم : ما نعبدهم إلا ليقرّبونا إلى الله زلفى  \[ الزمر : ٣ \] وقولهم : هؤلاء شفعاؤنا عند الله  \[ يونس : ١٨ \]. يقول : قد أبطل ذلك، ولم يكن على ما رجوا، وطمعوا، والله أعلم. 
وقوله تعالى : وصدّوا عن سبيل الله  يحتمل أي صدّوا بأنفسهم أي أعرضوا عن سبيل الله ما ذكر عنهم. 
ويحتمل  وصدّوا عن سبيل الله  أي صدوا الناس عن سبيل الله. وقد كان منهم الأمران جميعا  أضل أعمالهم  أي أبطل ؛ يقال : ضل الماء في اللبن إذا غُلب، فلم يُتبيّن. 
١ من م، ساقطة من الأصل..

### الآية 47:2

> ﻿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَآمَنُوا بِمَا نُزِّلَ عَلَىٰ مُحَمَّدٍ وَهُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ ۙ كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَأَصْلَحَ بَالَهُمْ [47:2]

الآية ٢ \[ وقوله تعالى \][(١)](#foonote-١) : والذين آمنوا وعملوا الصالحات و بما نُزّل على محمد  يقول : والذين آمنوا بالله وبمحمد صلى الله عليه وسلم وآمنوا بما نُزّل عليه، وثبتوا على ذلك لم يُضلّ أعمالهم، ولم يُبطل إيمانهم الذي كان منهم، بل يُكفّر سيئاتهم التي كانت منهم من الكفر وغيره من السيئات. 
أو يقول : والذين آمنوا وعملوا الصالحات وآمنوا بما نُزّل على محمد  صلى الله عليه وسلم  كفّر عنهم سيئاتهم  وهي[(٢)](#foonote-٢) الكفر، والمساوئ التي كانت لهم من الكفر كقوله تعالى : إن ينتهوا يُغفَر لهم ما قد سلف  \[ الأنفال : ٣٨ \]. 
إن كانت الآية في مؤمني ومشركي العرب وأهل مكة فيكون[(٣)](#foonote-٣) قوله  كفّر عن سيئاتهم  الشرك والمساوئ التي كانت لهم في حال الكفر. 
وإن كانت في أهل الكتاب فيكون قوله : كفّر عنهم سيئاتهم  في حال إيمانهم، والله أعلم. 
وقوله تعالى : وهو الحق من ربهم  هذا يخرّج على وجهين :
أحدهما : وآمنوا بما نُزّل على محمد  صلى الله عليه وسلم  وهو الحق من ربهم  نُزّل، وكل شيء من الله تعالى فهو الحق. 
والثاني : وهو الحق من ربهم  وهو الصدق من ربهم. 
وقوله تعالى : وأصلح بالهم  أي حالهم وشأنهم في ما كان من قبل وفي ما بعده.

١ ساقطة من الأصل وم..
٢ في الأصل وم: وهو..
٣ في الأصل وم: يكون..

### الآية 47:3

> ﻿ذَٰلِكَ بِأَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا اتَّبَعُوا الْبَاطِلَ وَأَنَّ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّبَعُوا الْحَقَّ مِنْ رَبِّهِمْ ۚ كَذَٰلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ لِلنَّاسِ أَمْثَالَهُمْ [47:3]

الآية ٣ ثم أخبر أن الذي أبطل \[ أعمال أولئك \][(١)](#foonote-١) الكفرة وما ذكر، وثبّت الذين آمنوا، ولم يبطل أعمالهم وما ذكر من إصلاح حالهم، هو ما قال : ذلك بأن الذين كفروا اتبعوا الباطل  يحتمل الباطل الشيطان أو هوى النفس أو كل باطل ؛ وهو الذي يُذمّ عليه فاعله ومُتّبعه. 
وقوله تعالى : وأن الذين آمنوا اتّبعوا الحق من ربهم  يقول لهؤلاء ما ذكر لاتباعهم الحق وقبوله. 
وقوله تعالى : كذلك يضرب الله للناس أمثالهم  أي مثل الذي بيّن ما لهؤلاء وما لهؤلاء ؛ يبيّن ما لكل متّبع الحق ومتّبع الباطل. وضرب المثل هو أن يبين لهم ما خفي، واشتبه عليهم، بالذي ظهر عندهم، وتقرّر، وتجلّى لهم، ليصير الذي خفي عليهم، واشتبه، ظاهرا مُتجلّيا.

١ في الأصل وم: أعمالهم لأولئك..

### الآية 47:4

> ﻿فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّىٰ إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً حَتَّىٰ تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا ۚ ذَٰلِكَ وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَانْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَٰكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ ۗ وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ [47:4]

الآية ٤ وقوله تعالى : فإذا لقيتم الذين كفروا فضرب الرقاب  كقوله[(١)](#foonote-١) في آية أخرى : فاضربوا فوق الأعناق واضربوا منهم كل بنان  \[ الأنفال : ١٢ \]. 
جائز أن يكون قوله تعالى : فإذا لقيتم الذين كفروا فضرب الرّقاب  في القتال والحرب، وكذلك قوله تعالى : فاضربوا فوق الأعناق واضربوا منهم كل بنان  في الحرب والقتال أيضا ؛ يضربون، ويقتلون على ما يظفرون، ويقدرون \[ على ضربهم في \][(٢)](#foonote-٢) المفاصل \[ وغير المفاصل وفي كل موضع، ويكون قوله : فاضربوا فوق الأعناق  في المفاصل التي ليس فيها كسر عظم ولا شيء من ذلك \][(٣)](#foonote-٣) ولكن إبانة من المفصل، والله أعلم، لما رُوي في الخبر :( إذا قتلتم فأحسنوا القِتل ) \[ بنحوه مسلم ١٩٥٥ \] وحُسن القتل أن يُضرَب، ويُبان من المفصل، والله أعلم. 
فعلى هذا جائز أن يخرّج تأويل قوله تعالى : فاضربوا فوق الأعناق واضربوا منهم كل بنان  وتأويل قوله : فضرب الرقاب  وجائز /٥١٢-ب/ أن يكون لا على التقديم والتأخير والإضمار، ولكن كل آية على نظم ما ذكر، والله أعلم. 
ثم إن كان على ما ذكرنا من التقديم والتأخير والإضمار فيكون كأنه قال تعالى : فإذا لقيتم الذين كفروا  فاضربوا الرقاب  حتى إذا أثخنتُموهم  وأسرتُموهم  فاضربوا فوق الأعناق  لأن الإمام بالخيار عندنا : إذا أخذهم، وظفر بهم، إن شاء قتلهم، وإن شاء منّ عليهم، وتركهم بالجزية لقوله تعالى : حتى يُعطوا الجزية عن يد  \[ التوبة : ٢٩ \] ويكون قوله : فشدّوا الوثاق  أي هذا في المنّ ؛ يستوثقهم بالمواثيق، وإن شاء فاداهم. 
لكنهم اختلفوا في المفاداة ؛ قال بعضهم : يفدون بالأموال أُسراء المسلمين منهم، وقال بعضهم : يفادون بالأُسَراء منهم، ولكن لا أن يُفادوا بالأموال، وهو قولنا، وقال بعضهم : لا يفادون بأُسراء المسلمين ولا بالأموال، وهو قول أبي حنيفة، رحمه الله. 
واختلفوا في قتل الأُسراء منهم ؛ قال بعضهم : لا يُقتلون، ولكن يُمنّ عليهم، أو يُفادون، وقال بعضهم : الإمام بالخيار : إن شاء قتلهم، وإن شاء منّ عليهم، وإن شاء فاداهم بالأُسراء من المسلمين. 
أما القتل فلما ذكرنا من الاستدلال بقوله : فاضربوا فوق الأعناق  ولما رُوي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه استشار أبا بكر وعمر وسائر الصحابة رضي الله عنهم عند ذلك في أُسارى بدر، فأشاروا إلى المنّ عليهم والترك، وأشار عمر إلى القتل فيهم. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم عند ذلك :( لو جاءت من السماء نار ما نجا منكم إلا عمر ) أو كلام نحوه. 
\[ دلّ \][(٤)](#foonote-٤) أن الحُكم فيهم القتل، أعني في هؤلاء الذين حكم فيهم عمر رضي الله عنه بالقتل. لذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( ما نجا منكم إلا عمر ) فدلّ هذا الخبر أن \[ للإمام أنْ \][(٥)](#foonote-٥) يقتُل أسارى الشّرك، وله أن يمنّ عليهم بالترك بالجزية في حق أهل الكتاب والعَجَم ؛ فإنه لما جاز لنا في الابتداء أن نأخذ منهم الجزية إذا أبوا الإسلام وتركُهم على ما هم عليه. فعلى ذلك بعد الظفر بهم والقدرة عليهم. 
ثم قال بعضهم : الآية، وهو قوله تعالى : فإمّا مَنّا بعد وإمّا فداءً  يخالف من حيث الظاهر لقوله : فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم وخذوهم  \[ التوبة : ٥ \] ونحو ذلك، ولكن أمكن التوفيق بين الآيتين : هذه في قوم والأخرى في قوم آخرين، أو هذه في وقت، والأخرى في وقت آخر، والله أعلم. 
وقوله تعالى : حتى تضع الحرب أوزارها  قال بعضهم : حتى يخرج عيسى ابن مريم عليه السلام فعند ذلك تذهب الحروب والقتال، أي اقتلوهم، وافعلوا بهم ما ذكر إلى وقت خروج عيسى عليه السلام. 
وقال بعضهم : حتى تضع الحرب أوزارها  أي حتى يضعوا أسلحتهم، ويتركوا القتال. 
وقال بعضهم : حتى يذهب الكفر والشرك، ولا يكون الدين إلا دين الإسلام، وهو كقوله تعالى : وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة  \[ البقرة : ١٩٣ \] أي مشرك وكُفر، والله أعلم. 
قيل : الإثخان، هو الغلبة والقهر بالقتل والجراح. 
وقال أبو عوسجة : أثخنتموهم  أي أكثرثُم فيهم القتل والجراحة، يقال في الكلام : ضربته حتى أثخنتُه حتى لا يقدر أن يتحرك. والوثاق ما أوثقت به كل يديَ الرجل أو رجليه ؛ يقال : أوثقته، واستوثقت منه. 
وقوله تعالى : أوزارها  أي أثقالها، واحدها : وِزر، وهو الثّقل. 
وقال القتبيّ : حتى تضع الحرب أوزارها  أي يضع أهل الحرب السلاح. وأصل الوزر ما حملته، فسمّي السلاح وزرا لأنه يُحمل، والله أعلم. 
وقوله تعالى : ذلك ولو يشاء الله لانتصر منهم  قوله : ذلك  أي ذلك الذي أمرهم[(٦)](#foonote-٦) به من أول ما ذكر من قوله تعالى : فإذا لقيتم الذين كفروا فضرْب الرقاب  إلى قوله  حتى تضع الحرب أوزارها  والله أعلم. 
وقوله تعالى : لو شاء الله تعالى لانتصر منهم  لأوليائه من أعدائه بلا قتال ولا نصب الحروب في ما بينهم. 
ثم انتصاره منهم يكون مرّة بأن يُهلكهم إهلاكا، ويقهرهم قهرا، ومرة ينصر منهم بأن يسلّط عليهم أضعف خلقه وأخسّهم، فيقهرهم بأضعف خلقه. 
وقوله تعالى : ولكن ليبلوَ بعضكم ببعض  أي يمتحن بعضكم بقتال بعض وبأنواع المحن ؛ أنشأ الله عز وجل هذا البشر في ظاهر الأحوال بعضهم مشابها لبعض غير مخالف بعضهم بعضا ؛ فإنما يظهر الاختلاف[(٧)](#foonote-٧) بالامتحان بأنواع المحن على اختلاف الأحوال. 
فعند ذلك يظهر المُصدّق من المُكذّب والمُحقّ من المُبطل والموافق من المخالِف والمتحقّق من المضطرب والموقن من الشاكّ على ما ذكر تعالى : وبلوناهم بالحسنات والسيئات  \[ الأعراف : ١٦٨ \] \[ وذكر \][(٨)](#foonote-٨) : ونبلوكم بالشر والخير فتنة  \[ الأنبياء : ٣٥ \] وذكر[(٩)](#foonote-٩) : الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيّكم أحسن عملا  \[ الملك : ٢ \] وغير ذلك من الآيات التي ذكر الاختلاف والامتحان[(١٠)](#foonote-١٠) فيها باختلاف الأحوال التي عند ذلك، يظهر ما ذكر من التصديق والتكذيب والتحقيق \[ وغير ذلك \][(١١)](#foonote-١١). 
ثم لو كان، جل، وعلا، انتصر لأوليائه من أعدائه بما ذكرنا بأن ينصُرهم على أعدائهم نصرا بلا امتحان وكلفة منه لأوليائه لكان التوحيد وله والتصديق لرسله بحق الاضطرار لا بحق الاختيار، لأنهم إذا رأوا أنهم يُستأصلون، ويُهلكون إهلاكا بخلافهم إياهم لكانوا لا يخالفونهم، بل يوافقونهم مخافة الهلاك والاستئصال، فيرتفع الابتلاء والامتحان عنهم، فلا يظهر المختار من غيره. ولذلك كان ما ذكرنا، والله أعلم.

١ في الأصل وم: وقال.
٢ في الأصل وم: بهم من..
٣ من نسخة الحرم المكي، ساقطة من الأصل وم..
٤ من م، ساقطة من الأصل..
٥ من م، ساقطة من الأصل..
٦ في الأصل وم: أمرتهم..
٧ في الأصل وم: اختلاف..
٨ ساقطة من الأصل وم..
٩ في الأصل وم: و..
١٠ في الأصل وم: وامتحان..
١١ في الأصل وم: وغيره..

### الآية 47:5

> ﻿سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ [47:5]

الآية ٥ وقوله تعالى : والذين قُتلوا[(١)](#foonote-١) في سبيل الله فلن يُضلّ أعمالهم   سيهديهم ويُصلح بالهم  هذا يخرّج على وجهين :
أحدهما : يقول : والذين قُتلوا في سبيل الله  فهُزموا، أو غُلبوا، أو ضُربوا في وقت أو في قتال  فلن يضلّ أعمالهم  التي كانت منهم من الجهاد مع الأعداء وغير ذلك من الأعمال التي كانت لهم  سيهديهم  أو يوفّقهم ثانيا مرة أخرى للقتال والنصر لهم على أعدائهم في الدنيا، ويدخلهم في الآخرة الجنة. 
والثاني : أي والذين قاتلوا  في سبيل الله فلن يُضلّ أعمالهم  في الآخرة  سيهديهم  في الآخرة الجنة.

١ في الأصل وم: قاتلوا، انظر معجم القراءات القرآنية ج٦/١٨٤..

### الآية 47:6

> ﻿وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ [47:6]

الآية ٦ وقوله تعالى : ويدخلهم الجنة عرّفها لهم  قال بعضهم : أي يُدخلهم الجنة التي بيّنها لهم في الدنيا، ووصفها. 
وقال بعضهم : عرّفها لهم  في الآخرة، حتى يعرف كل منزله وأهله من غير أعلام وأدلّة جُعلت لهم كما يعرف كل أحد في الدنيا منزله وخدمه، والله أعلم. 
وقال بعضهم : عرّفها لهم  أي طيّبها لهم ؛ يقال فلان مُعرّف أي مُطيّب، وطعام معرّف أي مطيّب، وهو قول القتبيّ.

### الآية 47:7

> ﻿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ [47:7]

الآية ٧ وقوله تعالى : يا أيها الذين آمنوا إن تنصروا الله ينصركم  أي إن تنصروا دين الله ينصركم، أي إن تنصروا أولياء الله ينصركم على أعدائكم. 
ثم نصرُنا دين الله وأولياءه يكون مرة بالأنفس والأموال ببذلها في سبيله لابتغاء وجهه، ومرّة[(١)](#foonote-١) يكون بالحجج والبراهين بإقامتها \[ على أعدائنا \][(٢)](#foonote-٢) بما أمرنا من إقامة الحُجج والآيات. 
**ثم يكون نصر الله إيّانا من وجهين :**
أحدهما : بنصرنا على أعدائه بما يغلبُهم، ويقهرُهم. لكن إن كان هذا فيكون في حال دون حال وفي وقت دون وقت، لا في كل الأحوال. 
والثاني : يكون نصره إيانا بما يجعل العاقبة، وإن كنّا غُلبنا، وقُهرنا في بعض الحروب والقتال، وكانوا هم الغالبين علينا قاهرين لنا، والله أعلم. 
وقوله تعالى : ويثبّت أقدامكم  /٥١٣-أ/ يحتمل في الحروب والقتال، أو يثبّت أقدامكم[(٣)](#foonote-٣) في الآخرة كيلا تزِلَّ[(٤)](#foonote-٤)، والله أعلم.

١ في الأصل وم: والثاني..
٢ في الأصل وم: عليهم..
٣ في الأصل وم: أقدامهم..
٤ في الأصل وم: تزول..

### الآية 47:8

> ﻿وَالَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْسًا لَهُمْ وَأَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ [47:8]

الآية ٨ وقوله تعالى : والذين كفروا فتعسا لهم  أي هلاكا لهم، أي محنة عند الهزيمة والقتل. 
وجائز أن يكون أُريد به الهلاك. وأصل التّعس العَثْرُ والسقوط، وهو الهلاك، فيرجع إلى ما ذكرنا، والله أعلم.

### الآية 47:9

> ﻿ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ [47:9]

الآية ٩ وقوله تعالى : ذلك بأنهم كرهوا ما أنزل الله فأحبط أعمالهم  أي ذلك الذي ذكر لهم من التّعس والهلاك وإبطال الأعمال بأنهم تركوا اتباع ما أنزل الله على رسوله ؛ إذ كل من ترك اتباع شيء اعتقادا فقد كرهه، والله أعلم. 
ويحتمل أن يكون قوله : ذلك بأنهم كرهوا ما أنزل الله  أي كرهوا ما أنزل الله على غير بني إسرائيل. فإن كان هذا فالآية في أهل الكتاب لأنهم لم يروا الرسل من غير بني إسرائيل ولا إنزال الكتب على أحد من غير بني إسرائيل، والله أعلم. 
وقوله تعالى : فأحبط أعمالهم  أي بتركهم اتّباع ما أنزل الله وقبوله، والله أعلم.

### الآية 47:10

> ﻿۞ أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ ۚ دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ۖ وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا [47:10]

الآية ١٠ وقوله تعالى : أفلم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم  قد ذكرنا في ما تقدم أنه يُخرّج على وجوه ثلاثة :
أحدها : أي لو ساروا في الأرض لعرفوا ما نزل بهم، وهو تكذيبهم بالرسل وكفرهم بهم، ولعرفوا أن من نجا منهم بماذا نجا، وهو التصديق لهم والإيمان بهم. 
والثاني : على الأمر، أي سيروا في الأرض، فانظروا ما الذي نزل بمكذّبي الرسل \[ والمستهزئين بهم \][(١)](#foonote-١) ليكون ذلك مزجرة لهم عن مثل معاملتهم الرسول عليه السلام. 
والثالث : أي قد ساروا في الأرض، لكن لم ينظروا، ولم يعتبروا بما نزل بأولئك أنه بماذا نزل بهم، ولو تأمّلوا فيهم لكان ذلك زجرا لهم عن المعاودة إلى مثل ذلك، والله أعلم. 
وقوله تعالى : دمّر الله عليهم وللكافرين أمثالها  هذا يخرّج على وجوه :
أحدها : أي دمّر الله عليهم، وللكافرين سوى هؤلاء الكفار الذين دمّر الله عليهم أمثال ما لهم من الهلاك بتكذيبهم الرسل. 
والثاني : دمّر الله عليهم وللكافرين أمثالها  أي للكافرين من قومك أمثالها، وهذا وعيد لقوله. 
والثالث :\[ أي يكون \][(٢)](#foonote-٢) لقومه لكل كافر أمثال ذلك، والله أعلم.

١ في الأصل وم: ومستهزئيهم.
 .
٢ في الأصل وم: أن يقول..

### الآية 47:11

> ﻿ذَٰلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لَا مَوْلَىٰ لَهُمْ [47:11]

الآية ١١ وقوله تعالى : ذلك بأن الله مولى الذين آمنوا وأن الكافرين لا مولى لهم  تأويله : أي ذلك الذي ذكر لهم لأجل أن الله ناصر الذين اتبعوا أمره، وآمنوا به، وصدّقوه، فدفع العذاب عنهم باتباعهم أمره، وأن \[ الكافرين ليس \][(١)](#foonote-١) هو بناصر لهم لتركهم اتباع أمره وتصديقهم إياه، فلم يدفع العذاب عنهم. 
أو يقول  ذلك  أي دفع العذاب عن الذين آمنوا لما أن الله تولّى أمورهم، وعصمهم، وأنه لم يتولّ أمور الكفرة، أي لم يعصمهم، وخذلهم، وتركهم على ما اختاروا لعلمه باختيارهم ما اختاروا من التكذيب، وتولّى المؤمنين، وعصمهم لعلمه بما يختارون من التصديق والاتباع له، والله أعلم. 
ثم ذكر عاقبة المؤمنين من الاتّباع لأمره والتصديق لرسله عليهم السلام :

١ في الأصل: الكافر ذلك لما يئس، في م: الكافرين ذلك لما يئس..

### الآية 47:12

> ﻿إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ۖ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ [47:12]

الآية ١٢ وقوله تعالى : إن الله يُدخل الذين آمنوا وعملوا الصالحات جنات تجري من تحتها الأنهار  وبيّن ما لأولئك الذين اختاروا من الكفر به والتكذيب لرسله في العاقبة حين[(١)](#foonote-١) قال : والذين كفروا يتمتعون ويأكلون كما تأكل الأنعام والنار مثوى لهم  أي مأوى لهم بما اختاروا، والله أعلم. 
وذلك أن أهل الإيمان والتوحيد نظروا في جميع أحوالهم وأمورهم إلى ما فيه أمر الله تعالى وما يُعقِب لهم نفعا في العاقبة، لم ينظروا إلى ما فيه قضاء شهواتهم، بل اختاروا أمر الله على جميع ما ذكرنا. 
وأولئك الكفرة لم ينظروا إلى ما فيه أمر الله ولا \[ ما \][(٢)](#foonote-٢) يوجب لهم في العاقبة من النّفع، بل اختاروا شهواتهم ومُناهم وما فيه هواهم على ما فيه أمر الله ونهيُه. 
فجعل للمؤمنين في الآخرة قضاء شهواتهم التي تركوا قضاءها في الدنيا، وكفّوا أنفسهم عن مناها، فكان ذلك في الجنة والبساتين التي وعد لهم في الآخرة. 
وجعل لأولئك الكفرة في الآخرة مكان ما قضوا في الدنيا من شهواتهم وإعطاء أنفسهم مُناها النار وما ينغّصهم ما أعطوا أنفسهم في الدنيا. 
ثم قوله تعالى : والذين كفروا يتمتّعون ويأكلون كما تأكل الأنعام  يحتمل تشبيه أولئك الكفرة بالأنعام بوجهين :
أحدهما : يُخبر أنهم يأكلون، وهمّهم في الأكل، ليس إلا الشبع وامتلاء البطن وقضاء الشهوة، لا ينظرون إلى ما أمر الله به، ونهاهم عنه، كالأنعام التي ذكر همّها ؛ ليس في الأكل إلا الشبع وامتلاء البطن وقضاء الشهوة، والله أعلم. 
والثاني : يُخبر عنهم أنهم لا ينظرون في أكلهم وشُربهم إلى عاقبة ولا إلى وقت ثان، بل نظرهم إلى الحال التي هم فيها كالأنعام التي ذكر أنها تأكل، ولا تنظر، ولا تدّخر شيئا لوقت ثان، ولا تترك شيئا ما دامت تشتهي. 
فعلى ذلك أولئك الكفرة، والله أعلم.

١ في الأصل وم: حيث..
٢ ساقطة من الأصل وم..

### الآية 47:13

> ﻿وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِنْ قَرْيَتِكَ الَّتِي أَخْرَجَتْكَ أَهْلَكْنَاهُمْ فَلَا نَاصِرَ لَهُمْ [47:13]

الآية ١٣ وقوله تعالى : وكأيّن من قرية هي أشد قوة من قريتك التي أخرجتك أهلكناهم فلا ناصر لهم  كأن سُنّة الله تعالى في الذين كانوا من قبل أنه إذا أخرج الرسل عليهم السلام من بين أظهرهم أهلكهم، فيخبر أن أهل مكة قد استوجبوا العذاب، إذ أُخرجت من بين أظهرهم، كما استوجب أولئك الكفرة. 
لكن الله بفضله ورحمته أخّر ذلك عنهم لأنه بعثك إليهم رحمة كقوله تعالى : وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين  \[ الأنبياء : ١٠٧ \] أو أخّر عنهم لما وعد أنه خاتم الأنبياء عليهم السلام لتبقى شريعته ورسالته إلى يوم القيامة. ولو أهلكهم، واستأصلهم على ما فعل بأولئك لانقطعت رسالته وشريعته، وقد وعد أنها تبقى، وأنه رحمة لهم، وأنه لا يُخلف الميعاد. 
ثم أخبر أن أولئك الكفرة أكثر أهلا وأشد قوة وبطشا من هؤلاء، ثم لم يتهيأ لهم دفع ما نزل بهم بقوتهم في أنفسهم وبطشهم، ولا كان لهم ناصر ينصرهم من عذاب الله، ولا مانع يمنعهم عنه. فأنتم يا أهل مكة أولى أن تدفعوا عن أنفسكم العذاب إذا نزل بكم، والله أعلم. 
ثم قوله تعالى : أخرجتك  أضاف الإخراج إلى قومه، وهم لم يتولّوا إخراجه بأنفسهم، بل اضطرّوه حتى خرج هو بنفسه، لكنه أضاف الإخراج إليهم لأن سبب خروجه من بينهم كان منهم، فكأن قد أخرجوه، وهو كما ذكر من إخراج الشيطان آدم وحواء عليهما السلام من الجنة بقوله : فأخرجهُما ممّا كانا  \[ البقرة : ٣٦ \] والشيطان لم يتولّ إخراجهما حقيقة. لكن لما كان منه من أشياء ؛ حملهما[(١)](#foonote-١) ذلك على الخروج، فكأنه وُجد الإخراج منه. 
وأصله أن الأشياء والأفعال ربّما تُنسب إلى أسبابها، وإن لم \[ يكن \][(٢)](#foonote-٢) لتلك الأسباب حقيقة الأفعال، والله أعلم. 
وقوله تعالى : فلا ناصر لهم  هو خبر من الله تعالى، أي لا يكون لهم ناصر، وهو يحتمل وجهين :
أحدهما : لا يكون \[ لهم \][(٣)](#foonote-٣) ناصر في الآخرة. 
والثاني : على إضمار، أي لم يكن لهم ناصر وقت ما عُذّبوا في الدنيا، والله أعلم.

١ في الأصل وم: حملهم..
٢ من م، ساقطة من الأصل..
٣ من م، ساقطة من الأصل..

### الآية 47:14

> ﻿أَفَمَنْ كَانَ عَلَىٰ بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ كَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ [47:14]

الآية ١٤ وقوله تعالى : أفمن كان على بيّنة من ربه كمن زُيّن له سوء عمله واتبعوا أهوائهم  لم يخرج لهذا الحرف جواب لما هم عرفوا بالبديهة أن ليس /٥١٣-ب/ من  كان على بيّنة من ربه كمن زُيّن له سوء عمله  واتبع هواه، يعرف ذلك بالبديهة ؛ كمن يقول : ليس المُحسِن كالمسيء، وليس من يُحسن كمن يُسيء ونحو ذلك مما يعرفه كل أحد، لا يحتاج إلى بيان وجواب. فعلى ذلك هذا. ثم في ذلك وجهان :
أحدهما : يذكر سفههُم باختيارهم اتباع هواهم وما زُيّن لهم من سوء عملهم على اتباع من كان على بيّنة وبيان على علم بذلك ويقين، والله أعلم. 
والثاني : فيه ذِكر دلالة البعث ؛ يقول، والله أعلم : لما عرفتم أن من كان على بيّنة من ربه ليس كمن يتّبع هوى نفسه، وقد استويا في هذه الدنيا : انتفع هذا كما انتفع الآخر، وفي العقول لا استواء بينهما. فدلّ استواؤهما في هذه الدار على أن هناك دارا أخرى : ثم يُفرَّق بينهما، ويُميَّز، والله أعلم.

### الآية 47:15

> ﻿مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ ۖ فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى ۖ وَلَهُمْ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَمَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ ۖ كَمَنْ هُوَ خَالِدٌ فِي النَّارِ وَسُقُوا مَاءً حَمِيمًا فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ [47:15]

الآية ١٥ وقوله تعالى : مثل الجنة التي وُعد المتقون  هذا يُخرّج على وجوه :
أحدها : أن قوله تعالى : وُعد المتقون  على حقيقة المثل ؛ كأنه يقول : مثل الجنة التي وُعد المتقون  من حياتكم هذه، لو كانت جناتكم في الدنيا على المثل الذي وصف في الآية : أليس كانت نفس كل أحد ترغب فيها، وتحرص على طلبها، لتكون تلك الجنة له، فما بالُكم لا ترغبون في تلك الجنة التي وُعد المتقون في الآخرة، لا ترغبون فيها، ولا تحرصون على طلبها ؟ والله أعلم. 
ويخرّج على هذا التأويل قوله تعالى : كمن هو خالد في النار  أي ليس من كان خالدا في جنة من جناتكم التي ما ذكر وصفها كمن هو خالد في نار من نيرانكم. 
والثاني : يحتمل قول تعالى : مثل الجنة التي وُعد المتّقون  ما ذكر، فيخرّج على الصلة لما تقدّم من قوله تعالى : إن الله يُدخل الذين آمنوا وعملوا الصالحات جنات تجري من تحتها الأنهار  \[ محمد : ١٢ \] ثم وصف الجنة التي أخبر أنه يُدخلهم فيها، فقال : مثل الجنة التي وُعد المتقون  أي صفتها  فيها أنهار  من كذا وكذا. . . الآية. 
وعلى هذا ما ذكر في آخره من قوله تعالى : كمن هو خالد في النار  يحتمل أن يكون صلة قومه : والنار مثوًى لهم  \[ محمد : ١٢ \]. 
ثم وصف تلك النار التي أخبر أنها مثوًى لهم ومأوًى لهم، فقال : وسُقُوا ماءا حميما  الآية. 
والثالث : يذكر على أن من وعد له ما وعد للمتقين من الجنة وما فيها من النعم ليس كمن وعد له النار. ألا ترى أنه، جل، وعلا، ذكر في آخر ما ذكر من وصف الجنة : كمن هو خالد في النار وسُقُوا ماءا حميما فقطّع أمعاءهم  ؟ أي ليس هذا كهذا، ولا سواء بينهما، ولا مساواة. 
وهو كقوله تعالى في ما تقدم من حيث ما قال : أفمن كان على بيّنة من ربه كمن زُيّن له سوء عمله واتّبعوا أهواءهم  \[ محمد : ١٤ \] أي ليس هذا كهذا. 
فعلى هذا يحتمل ما ذكر من وصف الجنة ووصف النار، أي ليس من وعد له الجنة التي وصفها، ونعتها كمن وعد له النار التي وصْفُها ما ذكر، والله أعلم. 
ثم قوله تعالى : فيها أنهار من ماء غير آسنٍ  الآية ؛ يخبر أنه يكون في الجنة من المياه والخمور والألبان وما ذكر ليس كالتي في الدنيا، لأن المياه في الدنيا تتغير بأحد وجهين : إما لنجاسة وآفة تصيبهما. أو لطول الزمان والمُكث، فيخبر أن ليس في الجنة شيء يُغيّر مياهها. وكذلك اللبن في الدنيا يتغيّر، ويفسُد عن قريب إذا تُرك لما ذُكر، فيُخبر أن ألبان الجنة لا تفسُد للترك، ولا يصيبها شيء، فيُفسِدها، ويُخرجها عن طعم اللبن، والله أعلم. 
وقوله تعالى : وأنهار من خمر لذّة للشاربين  يُخبِر أن الخمور في الجنة مما يتلذّذ بها أهلها عند الشرب ليست كخمور الدنيا يتكرّهها[(١)](#foonote-١) أهلها عند شربها، ويعبِسون وجوههم عند التناول منها، والله أعلم. 
وقوله تعالى : وأنهار من عسلٍ مُصفّى  أي وأنهار من عسل خُلِق، وأُنشِئ مُصفّى، لا كُدورة فيه، لا أنه كان كدِرًا، فصُفّيَ، أو كان خُلق بعضه كدِرا، وبعضه مُصفّى، ولكن خُلق كله مُصفّى في الابتداء، وهو كقوله تعالى : رفع السماوات  \[ الرعد : ٢ \] أي خلقها في الابتداء مروعة لا أنها كانت موضوعة، ثم رفعها، والله أعلم. 
وقوله تعالى : ولهم فيها من كل الثمرات  التي عرفوها في الدنيا، وأرادوها، أو يقول : ولهم فيها من كل الثمرات  التي يريدون فيها، والله أعلم. 
وقوله تعالى : ومغفرة من ربهم كمن هو خالد في النار وسُقوا ماءا حميما فقطّع أمعاءهم  أي ليس من وعد له ما ذكر من الجنة، وهو خالد فيها مُتنعّم بما ذكر من ألوان الثمار والنّعم ما ذكر من المياه والخمور والألبان  كمن هو خالد في النار  وما ذكر والله أعلم.

١ في الأصل وم: يتكره..

### الآية 47:16

> ﻿وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ حَتَّىٰ إِذَا خَرَجُوا مِنْ عِنْدِكَ قَالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مَاذَا قَالَ آنِفًا ۚ أُولَٰئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ [47:16]

الآية ١٦ وقوله تعالى : ومنهم من يستمع إليك حتى إذا خرجوا من عندك قالوا للذين أوتوا العلم ماذا قال آنفا  جعل الله عز وجل آيات رسالة رسوله صلى الله عليه وسلم وحُججه على المنافقين بصنيعهم وما أسرّوا في أنفهم من الخلاف والعداوة. فأطلع الله رسوله على ما أسرّوا في أنفسهم من الخلاف له والعداوة، وأضمروه ليكون ذلك آية لرسالته وحجته لنبوّته، إذ علموا أن لا أحد يطّلع على ما في القلوب إلا الله تعالى. 
فإذا أخبر رسول الله لهم بما أسرّوا، وأضمروا، علموا أنه إنما عرف ذلك بالله تعالى \[ لقوله تعالى \][(١)](#foonote-١) : قد يعلم الله الذين يتسلّلون منكم لِواذًا  \[ النور : ٦٣ \] وقوله تعالى : وإذا خَلوْا إلى شياطينهم قالوا إنا معكم  \[ البقرة : ١٤ \] ونحو ذلك. 
ثم الناس في الاستماع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم تُفرّق إلى فرق ثلاث :
فالمؤمنون كانوا يستمعون إليه للاسترشاد واستزادة الهدى، وهم[(٢)](#foonote-٢) كقوله : فأما الذين آمنوا فزادتهم إيمانا  الآية \[ التوبة : ١٢٤ \]. 
\[ والكفرة كانوا يستمعون إليه ليقولوا لأتباعهم : إنه افتراه بنفسه، وإنه كذب، وإنه سحر لئلا يقع في قلوب أتباعهم أن ما جاء به محمد حق، فيستمعوا منه، وهم[(٣)](#foonote-٣) كقوله : سمّاعون للكذب  \[ المائدة : ٤١ \]. 
والمنافقون كانوا يستمعون إليه إظهارا للموافقة له لئلا يتعرّض لهم في ما أضمروا، وأسرّوا من العداوة والخلاف \][(٤)](#foonote-٤) \[ وهم كقوله \][(٥)](#foonote-٥) : وأما الذين في قلوبهم مرض  \[ التوبة : ١٢٥ \].

١ ساقطة من الأصل وم..
٢ في الأصل وم: وهو..
٣ في نسخة الحرم المكي، فهو..
٤ من نسخة الحرم المكي، ساقطة من الأصل وم..
٥ ساقطة من الأصل وم..

### الآية 47:17

> ﻿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ [47:17]

الآية ١٧ وقوله تعالى : والذي اهتدوا زادهم هدى وآتاهم تقواهم  يحتمل قوله : وآتاهم تقواهم  أي أعطاهم ما اتقوا مخالفة أمره. ويحتمل  وآتاهم تقواهم  أي يُوفّقهم ما يتّقون \[ مخالفة \][(١)](#foonote-١) أمره من بعد في المُستأنف. 
وقال بعضهم : أي أعطاهم الله ثواب أعمالهم في الآخرة ؛ يقول : كل ما جاء من الله، وأخذوا به  زادهم هدى وآتاهم تقواهم  أي أجرهم. 
وفي حرف ابن مسعود رضي الله عنه : وأنطاهم تقواهم، أي أعطاهم، وهي لغة معروفة : أنطى أي أعطى، وكذلك قرأ : إنا أنطيناك الكوثر[(٢)](#foonote-٢) \[ الكوثر : ١ \].

١ من م، ساقطة من الأصل..
٢ انظر معجم القراءات القرآنية ج٨/٢٥٣..

### الآية 47:18

> ﻿فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً ۖ فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا ۚ فَأَنَّىٰ لَهُمْ إِذَا جَاءَتْهُمْ ذِكْرَاهُمْ [47:18]

الآية ١٨ وقوله تعالى : فهل ينظرون إلا الساعة أن تأتيهم بغتة  كأن هذه الآية نزلت في قوم، علم الله أنهم لا يؤمنون إلا عند قيام الساعة كأنه يقول : ما ينظرون إلا الساعة أن تأتيهم بغتة، لكن لا ينفعهم الإيمان في ذلك الوقت كقوله : لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل  \[ الأنعام : ١٥٨ \] وقوله : فلم يكُ ينفعهم إيمانهم لمّا رأوا بأسَنا  \[ غافر : ٨٥ \] كأنه، والله أعلم، يُؤيِس رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الطمع في إيمانهم قبل ذلك الوقت. 
وقوله تعالى : فقد جاء أشراطها  هذا يخرّج على وجهين :
أحدهما : يحتمل ما ذكر من مجيء أشراطها، هو رسول الله صلى الله عليه وسلم لأنه خاتم الأنبياء، وبه خُتمت النُّبوّة. ورُوي عنه أنه قال :\[ بُعثت أنا والساعة كهاتين، وأشار إلى إصبعين، وجمع بينهما \] \[ البخاري : ٦٥٠٣ \]. 
فإن كان التأويل هذا فهو على تحقيق مجيء أشراط الساعة، أي قد جاء أشراط الساعة حقيقة، /٥١٤-أ/ وتحقّقت. 
والثاني : يحتمل أن يكون ما ذكر من مجيء أشراطها، هي الأعلام، والشرائط التي جُعلت عَلَما لقيامها من نحو نزول عيسى وخروج دابة الأرض وخروج الدّجال وغير ذلك، فقد مضى بعض تلك الأعلام، فيكون قوله : فقد جاء أشراطها  أي كان قد جاء أشراطها ؛ إذ كل ما هو آت جاء، فكان  فقد جاء  كقوله تعالى : أتى أمر الله  \[ النحل : ١ \]. 
وقوله تعالى : فأنّى لهم إذا جاءهم ذِكراهم  يحتمل وجهين :
أحدهما : مِن أنّى ينتفعون بإيمانهم في ذلك الوقت ؟ وكيف لهم منفعة الذكرى إذا جاءت ؟ والتوبة لا تُقبل حينئذ. 
والثاني : من أين لهم الإيمان والتوبة إذا جاءتهم الذكرى ؟ أي ما يُذكّرهم في الدنيا قبل ذلك، فلم يؤمنوا، ولم يتذكّروا، والله أعلم.

### الآية 47:19

> ﻿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ۗ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ [47:19]

الآية ١٩ وقوله تعالى : فاعلم أنه لا إله إلا الله  هذا يخرّج على وجهين :
أحدهما : اعلم في حادث الوقت أنه لا إله إلا الله كقوله تعالى : اهدنا الصراط المستقيم  \[ الفاتحة : ٦ \] وقوله تعالى : يا أيها الذين آمَنوا آمِنوا بالله  \[ النساء : ١٣٦ \] ونحو ذلك. 
والثاني : يقول : فاعلم أنه لا إله إلا الله  فاعلم أن الإله المستحقّ للعبادة والمعبود الحق هو الإله الذي لا إله غيره ؛ إذ الإله عند العرب، هو المعبود الذي يستحق العبادة، هو الله تعالى، لا الأصنام التي تعبدونها دونه، وتزعمون أن عبادتكم إياها تقرّبكم[(١)](#foonote-١) إليه زُلفى. 
والثالث : أمره أن يُشعر قلبه في كل وقت حال كلمة الإخلاص والتوحيد له والقول به، والله أعلم. 
وقوله تعالى : واستغفِر لذنبك  جائز أن يكون قوله : واستغفر لذنبك  إنما هو لافتتاح الكلام وابتدائه على ما يُؤمَر المرء أن يبتدئ بالدعاء لنفسه عند أمره بالدعاء لغيره، وكانت حقيقة الأمر بالدعاء للمؤمنين والمؤمنات دون نفسه، ولكن أُمر بالدعاء لنفسه استحبابا، والله أعلم. 
وجائز أن يكون له ذنب فيأمره بالاستغفار له. لمن نحن لا نعلم، وليس علينا أن نتكلّف حفظ ذنوب الأنبياء عليهم السلام وذكرها. وكل موهوم منه الذنب يجوز أن يُؤمَر بالاستغفار كقول إبراهيم عليه السلام حين[(٢)](#foonote-٢) قال : والذي أطمعُ أن يغفر لي خطيئتي يوم الدين  \[ الشعراء : ٨٢ \]. 
لكن \[ ليست ذنوب \][(٣)](#foonote-٣) الأنبياء وخطاياهم كذنوب[(٤)](#foonote-٤) غيرهم، فذنب غيرهم ارتكاب القبائح من الصغائر والكبائر، وذنبهم ترك الأفضل دون مباشرة القبيح في نفسه، والله الموفّق. 
ثم أرجى آية للمؤمنين هذه آية، لأنه عز وجل أمر رسوله عليه السلام أن يستغفر لهم، فلا يُحتمل ألاّ يستغفر لهم، وقد أمره[(٥)](#foonote-٥) مولاه بالاستغفار، ثم لا يُحتمل أيضا أنه إذا استغفر لهم على ما أمره به فلا يُجيب له. وكذلك دعاء سائر الأنبياء عليهم السلام نحو دعاء إبراهيم[(٦)](#foonote-٦) عليه السلام : ربنا اغفر لي ولوالديّ وللمؤمنين يوم يقوم الحساب  \[ إبراهيم : ٤١ \] \[ ونحو دعاء نوح \][(٧)](#foonote-٧) عليه السلام : رب اغفر لي ولوالديّ ولمن دخل بيتي مؤمنا وللمؤمنين والمؤمنات [(٨)](#foonote-٨) \[ نوح : ٢٨ \] ونحو ذلك. 
وكذا استغفار الملائكة أيضا كقوله تعالى : ويستغفرون لمن في الأرض  \[ الشورى : ٥ \] وقوله : فاغفر للذين تابوا واتّبعوا سبيلك  الآية \[ غافر : ٧ \]. 
هذه الآيات أرجى آيات للمؤمنين، ودعوات الأنبياء عليهم السلام أفضل وسائل، تكون إلى الله تعالى، وأعظم قُرَب عنده، والله الموفّق. 
ثم قوله عز وجل : واستغفر لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات  فيه دلالة نقض المُعتزلة ؛ لأنهم يقولون : إن الصّغائر مغفورة، لا يجوز لله تعالى أن يعذِّب عباده عليها، والكبائر لا يحل له أن يغفرها لهم إلا بالاستغفار منهم والتوبة. فهذه الآية، تنقُض قولهم ومذهبهم، لأنه أمر رسوله أن يستغفر لهم : فلا يخلو : إما أن تكون صغائر، وهي مغفورة عندهم، فكأنه يقول : اللهم لا تجُر، لأنها مغفورة، لا يسع له أن يعذِّب عليها \[ وإما أن تكون \][(٩)](#foonote-٩) كبائر، ولا يحلّ له المغفرة عنها، فيكون قوله : اللهم اغفر لهم كأنه قال : اللهم جُرْ، لأن مغفرته[(١٠)](#foonote-١٠) إياهم عن الكبائر تكون جورا ووضع الشيء في غير موضعه. فكيف ما كان ففيها نقض قولهم وحجّة لقولنا : إنّ له أن يعذّبهم عليها، وإن كانت صغائر، وله أن يعفُوَ عنها، وإن كانت كبائر ؛ إذ المغفرة عن الذنب تكون، والله الموفّق للصواب. 
وقوله تعالى : والله يعلم مُتقلَّبكم ومثواكم  قال بعضهم : والله يعلم متقلّبكم في النهار ومثواكم من الليل، وقيل : يعلم ما يتقلّبون بالنهار، ويسكُنون بالليل، وهما واحد. 
وقال بعضهم : والله يعلم مُتقلّبكم في الدنيا ومثواكم في الآخرة، أي مُقامكم فيها. وهو يخرّج عندنا على وجوه :
أحدها : يحتمل هذا الظن قوم ؛ وتوهّمهم أن الله تعالى يجهل عواقب الأمور حين[(١١)](#foonote-١١) أنشأ هذا العالم، فجحدوه، وجحدوا نِعمه، فلا يحتمل أن يُنشئهم، ويجعل لهم النّعم، وهو يعلم أنهم يجحدون، ويُنكرون نعمه، لأن من فعل هذا في الشاهد فهو عابث غير حكيم. 
فعلى ذلك هذا على زعمهم، فقال تعالى جوابا لهم، والله أعلم : والله يعلم متقلّبكم ومثواكم  أي على علم بما يكون منهم : أنشأهم، وخلقهم، لا عن جهل على ما ظنوا هم. لكن ما ينبغي لهم أن ينسبوا الجهل إلى الله تعالى لجهلهم حق[(١٢)](#foonote-١٢) الحكمة في فعله، لأن الله، جلّ، وعلا، لم يُنشئ هذا العالم لحاجة له أو لمنافع نفسه، بل إنما أنشأه لمنافع أنفسهم ولحاجتهم ؛ فإليهم ترجع منفعة الإجابة والطاعة، وعليهم تكون مضرّة الجحود والرد. 
فأما في الشاهد : فمن يأمر أحدا أمرا، أو ينهه عن أمر، أو يرسل إليه رسولا على علم منه بالرّد والجحود، فهو سفيه غير حكيم، لأنه إنما يفعل ما يفعل لحاجة نفسه ومنفعة له. فإذا علم منه الردّ والإنكار فهو غير حكيم، فافترق الشاهد والغائب لافتراق وجه الحكمة، والله الموفّق. 
والثاني : قوله تعالى : والله يعلم متقلّبكم ومثواكم  أي يعلم جميع أحوالكم من حركاتكم وسكوتكم وجميع تقلّبكم لتكونوا أبدا على حذرٍ ويقظة، والله أعلم. 
والثالث : قوله تعالى : والله يعلم مُتقلّبكم ومثواكم  أي يعلم متقلبكم في الدنيا، ويعلم إلى ماذا يكون مرجعكم في الآخرة، أي أنشأ كُلاًّ على ما علم \[ ما يكن منه \][(١٣)](#foonote-١٣) كقوله تعالى : ولقد ذرأنا لجهنم  \[ الأعراف : ١٧٩ \] وقوله[(١٤)](#foonote-١٤) تعالى في آية أخرى : وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدونِ  \[ الذاريات : ٥٦ \] أي أنشأ من علِم أنه يختار الكفر وعداوته لجهنّم، وأنشأ من علم أنه يختار التوحيد وولايته للجنة، والله الموفّق.

١ في الأصل وم: تقربون..
٢ في الأصل وم: حيث..
٣ في الأصل وم: ليس ذنب..
٤ في الأصل وم: كذنب..
٥ في الأصل وم: أمر..
٦ في الأصل وم: نوح..
٧ في الأصل م: ونحو ذلك وكذلك دعاء سائر الأنبياء عليهم الصلاة والسلام نحو دعاء..
٨ أدرج بعدها في الأصل وم: وقول إبراهيم عليه السلام: ربنا اغفر لي ولوالديّ وللمؤمنين يوم يقوم الحساب..
٩ في الأصل وم: أو..
١٠ في الأصل وم: مغفرة..
١١ في الأصل وم: حيث..
١٢ في الأصل وم: بحق..
١٣ في الأصل وم: أنه يكون منهم..
١٤ في الأصل وم: وقال..

### الآية 47:20

> ﻿وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا لَوْلَا نُزِّلَتْ سُورَةٌ ۖ فَإِذَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ مُحْكَمَةٌ وَذُكِرَ فِيهَا الْقِتَالُ ۙ رَأَيْتَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ ۖ فَأَوْلَىٰ لَهُمْ [47:20]

الآية ٢٠ وقوله تعالى : ويقول الذين آمنوا لولا نُزّلت سورة فإذا أُنزلت سورة مُحكمة وذُكر فيها القتال  إن الذين آمنوا كانوا يتمنّون إنزال السورة، ويقولون : هلاّ نزلت سورة لوجوه :
أحدها : لتكون السورة حجة لهم وآية على عدائهم في الرسالة والبعث والتوحيد. 
والثاني : كانوا يستبعدون بإنزال السورة أشياء، ويزداد لهم يقينا وتحقُّقا في الدين كقوله تعالى : وإذا ما أُنزلت سورة  إلى قوله : فأما الذين آمنوا فزادتهم إيمانا وهم يستبشرون  \[  وأما الذين في قلوبهم مرض \][(١)](#foonote-١) فزادتهم رِجسًا إلى رجسهم  \[ التوبة : ١٢٤ و١٢٥ \] على ما ذكر. 
والثالث :\[ كانوا \][(٢)](#foonote-٢) يتمنّّون نزول السورة ليتبين لهم المُصدِّق من المكذِّب والمتحقَّق من المُريب. 
هذه الوجوه لتي ذكرنا تكون لأهل الإيمان. لذلك يتمنّون، والله أعلم. 
وقوله تعالى : فإذا أُنزلت سورة محكمة  أي مُحدَثة /٥١٤-ب/ والمُحدَثَة ليست بتفسير للحكمة إلا أن يعنوا بالمُحدَث الناسخ، والناسخ، هو المحدث والمتأخّر نزولا، وهو مُحكَم لأنه يلزم العمل به، والله أعلم. 
وفي حرف ابن مسعود رضي الله عنه لولا أُنزلت سورة مُحدَثة، والوجه ما ذكرنا. 
**والمُحكَمة عندنا على وجهين :**
أحدهما : أي مُحكَمة بالحُجج والبراهين. والثاني : لما أنزلت على أيدي قوم، وتداولت في ما بينهم، فلم يغيّروه، ولم يبدّلوه، بل حفظوه، ليُعلم أنه من عند الله جاء، ومنه نزل، والله أعلم. 
وقوله تعالى : وذُكر فيها القتال  جعل الله عز وجل في القتال خصالا :
أحدها : كثرة أهل الإسلام وكثرة الأموال، وإن كان في ظاهر القتال إفناء الأنفس والأموال ؛ لأنه قبل أن يُفرض القتال كان يدخل في الإسلام واحد، فلما فُرض القتال دخل فيه فوج فوج على ما أخبر  يدخلون في دين الله أفواجا  \[ النصر : ٢ \]. 
والثاني : ليُتبيّن المُصدّق منهم من المكذّب لهم والمتحقَّق من المُريب، لأنه لم يكن ليظهر، ويتبين لهم المنافق من غيره إلى ذلك الوقت. فلما فُرض القتال عند ذلك ظهر وتبين لهم أهل النّفاق والارتياب من أهل الإيمان والتصديق. 
والثالث : فيه آية الرسالة والبعث. 
وأما آية الرسالة فلأن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كانوا عددا قليلا، لا عدة لهم، ولا قوة أُمروا بالقتال مع عدد، لا يُحصون، ولهم عدّة وقوة، ليُعلم أنهم لا بأنفسهم يقاتلون، ولكن بالله تعالى، أو لا يُحتمل قيام أمثالهم لأمثال أولئك مع كثرتهم وقوّتهم، والله أعلم. 
وأما آية البعث فلأنّهم أُمروا بقتال[(٣)](#foonote-٣) أقاربهم وأرحامهم والمتعلِّق بهم، وفي ذلك قطع أرحامهم وقطع صلة قراباتهم، ليُعلم أنهم إنما يفعلون هذا بالأمر لعاقبة، تُؤمل، وتُقصد ؛ إذ لا يُحتمل فعل ذلك بلا عاقب تُقصد وبلا شيء يُعتقد، والله أعلم. 
وقوله تعالى : رأيت الذين في قلوبهم مرض ينظرون إليك نظر المغشيّ عليه من الموت  كان أهل النفاق يكرهون نزول ما يبيّن لهم ما في ضميرهم من النّفاق والارتياب كقوله تعالى : يحذر المنافقون أن تُنزّل عليهم سورة تُنبئهم بما في قلوبهم  \[ التوبة : ٦٤ \] وإذا أُنزلت السورة يزدد لهم ما ذكر حين[(٤)](#foonote-٤) قال : وأما الذين في قلوبهم مرض فزادتهم رجسا إلى رجسهم  \[ التوبة : ١٢٥ \].

١ في الأصل وم: وأما المنافقون..
٢ ساقطة من الأصل وم..
٣ في الأصل وم: بالقتال..
٤ في الأصل وم: حيث..

### الآية 47:21

> ﻿طَاعَةٌ وَقَوْلٌ مَعْرُوفٌ ۚ فَإِذَا عَزَمَ الْأَمْرُ فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ [47:21]

الآية ٢١ وقوله تعالى : فأولى لهم   طاعة وقولٌ معروف  قال أهل التأويل : هذا وعيد لهم كقوله : أولى لك فأولى  \[  ثم أولى لك فأولى  \][(١)](#foonote-١) \[ القيامة : ٣٤ و٣٥ \] لكن ظاهره ليس بتوعّد ولا تهدّد، إنما ظاهره : أي أحرى لكم وأولى أن تُطيعوه، وأن تقولوا قولا معروفا. فإذا تركوا ذلك يكون وعيدا، والله أعلم. 
وقوله تعالى : فإذا عزم الأمر  اختُلف في تأويله. 
قال بعضهم : هو صلة قوله : فإذا أُنزلت سورة مُحكَمة وذُكر فيها القتال  وعزم الأمر، فعند ذلك كان من المنافقين ما[(٢)](#foonote-٢) قال : رأيت الذين في قلوبهم مرض  وليس في نفس ذكر القتال ما ذكر من نظر المغشيّ عليه من الموت. إنما ذلك الوصف وتلك الحال عند وجوب القتال ولزومه وتأكيده عليهم، وذلك في قوله تعالى : فإذا عزم الأمر  أي وجب، وفُرض. 
فعند ذلك يكون حالهم ما ذكر. فأما بذكر نفس القتال فلا، والله أعلم. 
وقال بعضهم : فإذا عزم الأمر  هو في الآخرة، أي فإذا تحقّق، وظهر ما كان أوعد لهم عليه السلام من نزول العذاب بهم في الآخرة. 
\[ وقوله تعالى \][(٣)](#foonote-٣) : فلو صدقوا الله لكان خيرا لهم  حين[(٤)](#foonote-٤) كان لا يزال العذاب بهم في الآخرة، والله أعلم.

١ في الأصل وم: الآية..
٢ في الأصل وم: حيث..
٣ ساقطة من الأصل وم..
٤ في الأصل وم: حيث..

### الآية 47:22

> ﻿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ [47:22]

الآية ٢٢ وقوله تعالى : فهل عسيتم إن تولّيتم أن تُفسدوا في الأرض وتُقطّعوا أرحامكم  اختُلف في تأويل هذه الآية :
قال بعضهم : فهل عسيتم  أي فلعلّكم[(١)](#foonote-١)  إن تولّيتم  أي وُلّيتم أمر هذه الآية  أن تُفسدوا في الأرض وتقطّعوا أرحامكم . 
قال ابن عباس رضي الله عنه قد كان هذا، وهم بنوا أمية، ولوا أمر هذه الأمة، ففعلوا ما ذكر من الفساد في الأرض وقطع الأرحام، وكان لهم اتصال برسول الله صلى الله عليه وسلم وكان منهم ما ذكر، والله أعلم. 
وقال بعضهم : إن الآية في المنافقين ؛ كانوا يأتون رسول الله صلى الله عليه وسلم ويسمعون منه ما قال، ثم إذا تولّوا عنه كانوا يسعون في الأرض بالفساد وما ذكر كقوله تعالى : ومن الناس من يُعجبك قوله في الحياة الدنيا \[ ويُشهد الله على ما في قلبه وهو ألدّ الخصام  \][(٢)](#foonote-٢)  وإذا تولّى سعى في الأرض  إلى قوله : والله لا يحب الفساد  \[ البقرة : ٢٠٤ و٢٠٥ \]. 
وقال بعضهم : ما نرى[(٣)](#foonote-٣) إلا نزلت الآية في الحروريّة، وهم[(٤)](#foonote-٤) الخوارج. 
وجائز أن يكون هذا ما ذكر في آية أخرى حين[(٥)](#foonote-٥) قال : أفإين مات أو قُتل انقلبتم على أعقابكم  \[ آل عمران :‍١٤٤ \] وقد انقلبوا على ما أخبره[(٦)](#foonote-٦)، وهو في أهل الردّة، والله أعلم. 
وقال قتادة : فإذا عزم الأمر فلو صدقوا الله لكان خير لهم  أي طواعية الله ورسوله وقول المعروف[(٧)](#foonote-٧) عند حقائق الأمور خير لهم  فهل عسيتم إن تولّيتم  يقول : إن تولّيتم عن كتابي وطاعتي  أن تُفسدوا في الأرض  يقول : كيف رأيتم القوم حين تولّوا عن كتاب الله ؟ ألم يسفكوا الدماء الحرام، وقطّعوا الأرحام، وعصوا الرحمن، وأكلوا المال الحرام ؟ 
ويحتمل أن تكون الآية في الذين آمنوا برسول الله صلى الله عليه وسلم قبل أن يُبعث فلما بُعث كفروا به والله أعلم.

١ من م، في الأصل: فعليكم..
٢ في الأصل وم: إلى قوله..
٣ في الأصل وم: أراه..
٤ في الأصل وم: وهو..
٥ في الأصل وم: حيث..
٦ في م: أخبر..
٧ من م، في الأصل: المعتزلة..

### الآية 47:23

> ﻿أُولَٰئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَىٰ أَبْصَارَهُمْ [47:23]

الآية ٢٣ وقوله تعالى : أولئك الذين لعنهم الله  اللعن هو الطرد عن الرحمة، وهو كقوله لإبليس : وإن عليك لعنتي إلى يوم الدين  \[ ص : ٧٨ \] أي أنت مطرود عن رحمتي، وقوله تعالى : لعنهم الله  أي طردهم عن رحمته. 
وقوله تعالى : فأصمّهم وأعمى أبصارهم  أي أصمّهم حتى لم يسمعوا سماع الاعتبار والتفكّر  وأعمى أبصارهم  حتى لم ينظروا في ما عاينوا نظر اعتبار وتفكّر ما لو تفكّروا، وتأمّلوا، ونظروا نظر مُعتبِرٍ، لأدركوا، والله أعلم.

### الآية 47:24

> ﻿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَىٰ قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا [47:24]

الآية ٢٤ وقوله تعالى : أفلا يتدبّرون القرآن أم على قلوبٍ أقفالُها  الآية، فيه أنهم لو تدبّروا، وتأمّلوا فيه لأدركوا ما فيه، وفيه أيضا أنهم لو تدبّروا العذاب لفتح تلك الأقفال التي ذكر أنها عليها، وذهب بها، والله أعلم. 
وقوله تعالى : أم على قلوبٍ أقفالها  أي عليها[(١)](#foonote-١) أقفالها. ثم يحتمل  أقفالها  الظلمة التي فيها، وهي ظلمة الكفر، تلك الظلمة تغطّي نور البصر ونور السمع. 
وجائز أن يكون ما ذكر من الأقفال، هو[(٢)](#foonote-٢) كناية عن الطبع، والله أعلم.

١ في الأصل وم: على قلوب..
٢ في الأصل وم: هي..

### الآية 47:25

> ﻿إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَىٰ أَدْبَارِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى ۙ الشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلَىٰ لَهُمْ [47:25]

الآية ٢٥ وقوله تعالى : إن الذين ارتدّوا على أدبارهم من بعد ما تبين لهم الهدى الشيطان سوّل لهم وأملى لهم  أي زيّن. أضاف التزيين مرة إلى الشيطان ومرة إلى نفسه. فما يُفهم من الشيطان غير الذي يُفهم من تزيين الله تعالى كالإضلال المضاف إلى الله تعالى والمضاف إلى الشيطان. فالمفهوم من إضلال الله غير المفهوم من إضلال الشيطان. فعلى ذلك التزيين. 
وقوله تعالى : وأملى لهم  أي أخّرهم، وأمهلهم إلى أجل ووقت كقوله تعالى : ولا يحسبنّ الذين كفروا أنما نُملي لهم خير لأنفسهم  الآية \[ آل عمران : ١٧٨ \] أي يؤخّرهم ليكون ما ذكر، والله أعلم. 
وقوله تعالى : إن الذين ارتدّوا على أدبارهم من بعد ما تبيّن لهم الهدى  الآية جائز أن تكون الآية في اليهود لما ذكرنا أنهم كانوا آمنوا به قبل أن يُبعث كقوله : وكانوا من قبلُ يستفتحون على الذين كفروا فلما جاءهم /٥١٥-أ/ ما عرفوا كفروا به  الآية \[ البقرة : ٨٩ \] ارتدّوا على أدبارهم من بعد ما آمنوا به، واتبعوه. 
وجائز أن يكون في المنافقين ؛ ارتدّوا على أدبارهم، وأظهروا الخلاف بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد ما أظهروا الموافقة في حياته، والله أعلم.

### الآية 47:26

> ﻿ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لِلَّذِينَ كَرِهُوا مَا نَزَّلَ اللَّهُ سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الْأَمْرِ ۖ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِسْرَارَهُمْ [47:26]

الآية ٢٦ وقوله تعالى : ذلك بأنهم قالوا للذين كرهوا ما نزّل الله سنُطيعكم في بعض الأمر  قوله : ذلك بأنهم  راجع إلى قوله : الشيطان سوّل لهم  فإذا احتمل ذلك الوجهين فلا نُفسّره أنه إلى ماذا يرجع. 
ثم قال بعضهم : للذين كرهوا ما نزّل الله  هم المنافقون، قالوا لليهود : سنطيعكم في تكذيب محمد والمُظاهرة عليه. 
وقال بعضهم : هم اليهود ظاهروا سائر الكفرة على محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضي الله عنهم. 
ثم كراهة نزول ما أنزل الله تعالى على رسوله صلى الله عليه وسلم كانت[(١)](#foonote-١) من اليهود وجميع الكفرة لقوله تعالى : ما يودّ الذين كفروا من أهل الكتاب ولا المشركين أن يُنزَّل عليكم من خير من ربكم  \[ البقرة : ١٠٥ \] والله أعلم. 
وقوله تعالى : والله يعلم إسرارهم  هذا يدلّ على أنه لا يُفسَّر قوله : ذلك بأنهم قالوا  ولا يُشار على أنه أراد كذا، ورجع إلى كذا، لما أخبر الله تعالى أنه هو العالم بما أسرّوا، ولم يبيّن ذلك، والله أعلم.

١ في الأصل وم: كان..

### الآية 47:27

> ﻿فَكَيْفَ إِذَا تَوَفَّتْهُمُ الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ [47:27]

الآيتان ٢٧ و٢٨ وقوله تعالى : فكيف إذا توفّتهم الملائكة يضربون وجوههم وأدبارهم   ذلك بأنهم اتّبعوا ما أسخط الله وكرهوا رضوانه  لا أحد يقصد قصد اتّباع سُخط الله ولا كراهة رضوانه، لكنهم لمّا اتّبعوا الفعل الذي كان الله يُسخِطه[(١)](#foonote-١) ذلك الفعل فكأنهم اتّبعوا سُخطه. وكذلك إذا تركوا ما كان الله يرضاه، وكرهوه، فكأنهم كرهوا رضوانه، وهو كقوله تعالى : لا تعبد الشيطان  \[ مريم : ٤٤ \] ولا أحد يقصد قصد عبادة الشيطان. لكنهم لمّا اتبعوه في ما يأمرهم، ويدعوهم إليه، فكأنهم عبدوه، وهو تسمية الشيء باسم سببه، واللغة غير مُمتنِعة عن تسمية الشيء باسم سببه، والله أعلم. 
وقوله تعالى : فأحبط أعمالهم  التي كانت قبل ارتدادهم في حال اتباعهم إياه، والله أعلم.

١ في الأصل وم: يسخط..

### الآية 47:28

> ﻿ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ [47:28]

نص مكرر لاشتراكه مع الآية ٢٧:الآيتان ٢٧ و٢٨ وقوله تعالى : فكيف إذا توفّتهم الملائكة يضربون وجوههم وأدبارهم   ذلك بأنهم اتّبعوا ما أسخط الله وكرهوا رضوانه  لا أحد يقصد قصد اتّباع سُخط الله ولا كراهة رضوانه، لكنهم لمّا اتّبعوا الفعل الذي كان الله يُسخِطه[(١)](#foonote-١) ذلك الفعل فكأنهم اتّبعوا سُخطه. وكذلك إذا تركوا ما كان الله يرضاه، وكرهوه، فكأنهم كرهوا رضوانه، وهو كقوله تعالى : لا تعبد الشيطان  \[ مريم : ٤٤ \] ولا أحد يقصد قصد عبادة الشيطان. لكنهم لمّا اتبعوه في ما يأمرهم، ويدعوهم إليه، فكأنهم عبدوه، وهو تسمية الشيء باسم سببه، واللغة غير مُمتنِعة عن تسمية الشيء باسم سببه، والله أعلم. 
وقوله تعالى : فأحبط أعمالهم  التي كانت قبل ارتدادهم في حال اتباعهم إياه، والله أعلم. 
١ في الأصل وم: يسخط..


---

### الآية 47:29

> ﻿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَنْ لَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ أَضْغَانَهُمْ [47:29]

الآية ٢٩ وقوله تعالى : أم حسِب الذين في قلوبهم مرض أن لن يُخرج الله أضغانهم  أي أم حسِب المنافقون أن لن يُظهر الله عداوته، وأن لن يُبدي الله ما في قلوبهم من العداوة ؛ جعل الله، جلّ، وعلا، في إظهار ما أسرّ أهل النّفاق وإبداء ما أخفوه في ما بينهم آية عظيمة ودلالة ظاهرة على رسالة رسوله صلى الله عليه وسلم.

### الآية 47:30

> ﻿وَلَوْ نَشَاءُ لَأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيمَاهُمْ ۚ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ ۚ وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَعْمَالَكُمْ [47:30]

الآية ٣٠ وقوله تعالى : ولو نشاء لأريناكهُم فلعرفتهم بسيماهم ولتعرفنَّهم في لحن القول والله يعلم أعمالكم  كأنه على التقديم والتأخير، كأنه قال : ولو نشاء لأريناكهُم بسيماهم بالنظر إليهم بالبديهة، ولتعرفنّهم أيضا في لحن القول، أي لو نشاء لجعلنا لهم أعلاما في الوجه والقول لتعرفهم، ولكن لم يجعل لهم، ولكن جعل معرفتهم بأعمال يعملون، فيظهر نفاقهم بذلك، والله أعلم، كقوله : ومن الناس من يُعجبك قوله في الحياة الدنيا  \[ البقرة : ٢٠٤ \] وقوله[(١)](#foonote-١) في آية أخرى : وإذا رأيتهم تُعجبك أجسامهم وإن يقولوا تسمع لقولهم  \[ المنافقون : ٤ \] وقوله \[ في آية أخرى \][(٢)](#foonote-٢) : ولا يأتون الصلاة إلا وهم كُسالى ولا يُنفقون إلا وهم كارهون  \[ التوبة : ٥٤ \] وقوله \[ في آية أخرى \][(٣)](#foonote-٣) : إنما يستأذنك الذين لا يؤمنون بالله واليوم الآخر وارتابت قلوبهم  \[ التوبة : ٤٥ \] ونحو ذلك من الآيات مما يظهر نفاقهم وخلافهم بالأعمال التي كانوا يعملون. فدلّت هذه الآيات على أنه كان لا يعرفهم بالسّيماء والنّطق والقول والأجسام، وإنما يعرفهم بأفعال كانوا يفعلونها، والله أعلم. 
وقال بعضهم : ولتعرفنّهم في لحن القول  أي فحوى الكلام، فكان يعرفهم رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا تكلّموا. فيخرّج على هذا التأويل قوله : ولتعرفنّهم  على الوقت[(٤)](#foonote-٤)، أي تعرفهم في حادث الوقت[(٥)](#foonote-٥)، والله أعلم. 
قال أبو عوسجة : يقال : رجل ألحن بحُججه، ويقال : لَحَن يلحنُ، إذا أخطأ، لحنًا، فهو لاحِنٌ، كأنه من العدول والميل عن الحق. 
وقال القتبيّ : في لحن القول  أي في فحوى كلامهم. 
\[ وقوله تعالى \][(٦)](#foonote-٦) : والله يعلم أعمالكم  يحتمل هذا وجهين :
أحدهما، والله أعلم : ما تُسرّون من الأعمال وتخفونها. 
والثاني : على الجملة، أي يعلم جميع أعمالهم ما أسرّوا، وأعلنوا، يخرّج على الوعيد كقوله : إنه بما تعملون بصير  \[ هود : ١١٢ \] والله أعلم.

١ في الأصل وم: وقال..
٢ ساقطة من الأصل وم..
٣ ساقطة من الأصل وم..
٤ في الأصل وم: الوعد..
٥ في الأصل وم: الوعد..
٦ ساقطة من الأصل وم..

### الآية 47:31

> ﻿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّىٰ نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ [47:31]

الآية ٣١ وقوله تعالى : ولنبلونّكم حتى نعلم المجاهدين منكم والصابرين  هذا يخرّج على وجوه :
أحدها : أي حتى يعلم أولياؤه المجاهدين منكم والصابرين من غير المجاهدين وغير الصابرين، فيكون المراد من إضافته العلم إلى نفسه علم أوليائه كقوله تعالى : إن تنصروا الله ينصركم  \[ محمد : ٧ \] وقوله عز وجل : يخادعون الله وهو خادعهم  \[ النساء : ١٤٢ \] ونحوه. فالمراد منه أوليائه على أحد التأويلات، والله أعلم. 
والثاني : يكون المراد بالعلم المعلوم، وذلك جائز في اللسان واللغة، يقول الناس : الصلاة أمر الله، أي مأمور الله كقوله عز وجل : حتى يأتيك اليقين  \[ الحجر : ٩٩ \] أي الموقن به \[ وقوله تعالى \][(١)](#foonote-١) : ومن يكفر بالإيمان  \[ المائدة : ٥ \] أي بالمؤمن به، ونحو ذلك كثير. 
والثالث : أي يعلم كائنا ما قد علمه أنه سيكون ؛ إذ لا يجوز أن يوصف هو بعلم ما سيكون يعلمه كائنا أو بعلم ما قد كان يعلمه أنه يكون كائنا، ولكن يوصف بما قد علمه كائنا أنه علمه كائنا أو بعلم ما علِم أنه سيكون أنه يكون، لأنه يوجب الجهل، ويكون التغيّر في ذلك المعلوم لا في علمه، والله الموفّق. 
وقوله تعالى : ونبلوَ أخباركم  أي ونبلوَ في أخباركم التي أخبرتم عن أنفسكم كقوله تعالى : يحلفون بالله ما قالوا ولقد قالوا كلمة الكفر  \[ التوبة : ٧٤ \] وقوله عز وجل : ومنهم من عاهد الله  \[ التوبة : ٧٥ \] إلى آخر ما ذكر ؛ نبلو في تلك الأخبار التي أخبروا عن أنفسهم، والله أعلم. 
ويحتمل أن يكونوا ابتُلوا في قولهم الذي قالوا، وأعطوا بلسانهم حين[(٢)](#foonote-٢) قالوا : آمنا كقوله تعالى : الم   أحسب الناس أن يُتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يُفتنون  \[ العنكبوت : ١ و٢ \] فُتنوا في ما قالوا، وأخبروا، أي ابتُلوا ؛ فالفتنة والمحنة والابتلاء والبلاء واحد، والله أعلم. 
وقال بعضهم : ونبلوَ أخباركم  أي نُظهر نفاقكم للمسلمين، إذ كان الله تعالى عالما قبل أن يبلوهم، والله أعلم.

١ ساقطة من الأصل وم..
٢ في الأصل وم: حيث..

### الآية 47:32

> ﻿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَشَاقُّوا الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَىٰ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا وَسَيُحْبِطُ أَعْمَالَهُمْ [47:32]

الآية ٣٢ وقوله تعالى : إن الذين كفروا وصدّوا عن سبيل الله  قوله تعالى : كفروا  أي كفروا بنعم الله من الكفران، أو كفروا بتوحيد الله. 
وقوله تعالى : وصدّوا عن سبيل الله  يحتمل قوله : وصدّوا  أي أعرضوا بأنفسهم عن دين الله، ويحتمل  وصدّوا  أي صرفوا الناس عن دين الله، والله أعلم. 
وقوله تعالى : وشاقّوا الرسول  أي عادوه، وعاندوه  من بعد ما تبين لهم الهدى . 
وقوله تعالى : لن يضروا الله شيئا  يحتمل لن يضرّوا الله بكفرانهم نعمه أو بكُفرهم بوحدانيته[(١)](#foonote-١) ؛ ومعناه، والله أعلم، أنه ليس يأمر، وينهى لحاجة أنفس أولئك ولمنافعهم. فهم بتركهم اتّباع أمره والانتهاء عن نهيه ضرّوا أنفسهم، والله أعلم. 
وجائز أن يكون المراد من قوله : لن يضرّوا الله شيئا  أي لن يضرّوا أولياء الله بما كفروا، وصدّوهم عن سبيله، بل ضرّوا أنفسهم كقوله تعالى : إن تنصروا الله ينصركم  \[ محمد : ٧ \] أي إن تنصروا أولياء الله ينصركم. /٥١٥-ب/
وقوله تعالى : وسيُحبِط أعمالهم  يحتمل حبط الأعمال بالارتداد بعد الإيمان وإحداث الكفر بعد الإسلام ويحتمل  أعمالهم  التي كانت لهم بالإيمان قبل بعثه صلى الله عليه وسلم.

١ في الأصل وم: بوحدانية الله تعالى.
 .

### الآية 47:33

> ﻿۞ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ [47:33]

الآية ٣٣ وقوله تعالى : يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول ولا تُبطلوا أعمالكم  قال بعضهم : أي أطيعوا الله في الجهاد، ولا تبطلوا حسناتكم بالرياء والسمعة. وفي حرف ابن مسعود رضي الله عنه  يا أيها الذين آمنوا  اتقوا الله  وأطيعوا الرسول . 
ويحتمل  ولا تُبطلوا أعمالكم  بالارتداد والكفر بعد الإيمان. ويحتمل أن لا تُبطلوا أعمالكم بالمنّ على الله أو على الرسول في الإسلام، أي تُسلمون، وتمنّون[(١)](#foonote-١) على الله أو على رسوله كقوله تعالى : يمنّون عليك أن أسلموا قل لا تمُنّوا عليّ  الآية \[ الحجرات : ١٧ \]. 
وقال قتادة : ولا تبطلوا أعمالكم  بالريّاء، وقال : فمن استطاع منكم ألا يبطل عملا صالحا بعمل شيء فليفعل ؛ إن الشر ينسخ الخير، وإنما صلاح[(٢)](#foonote-٢) العمل بخواتيمه، فمن استطاع أن يختم بخير فليفعل، ولا قوة إلا بالله. 
وعن عبد الله بن عمر رضي الله عنه \[ أنه \][(٣)](#foonote-٣) قال : ما كنا، معشر أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم نرى شيئا يُبطل أعمالنا حتى نزلت هذه الآية، فعلمنا ما الذي يُبطل أعمالنا الكبائر الموجبات الفواحش، فكنا على ذلك حتى أنزل الله تعالى : إن الله لا يغفر أن يُشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء  الآية \[ النساء : ٤٨ \] فلما نزلت هذه الآية كففنا عن هذا القول. 
وجائز أن يكون قوله تعالى : ولا تبطلوا أعمالكم  هذا[(٤)](#foonote-٤) ليكونوا أبدا على اليقظة وحذر لئلا تبطل أعمالهم من حيث لا يشعرون كقوله تعالى : أن تحبط أعمالكم وأنتم لا تشعرون  \[ الحجرات : ٢ \]. 
وفي حرف أُبيّ رضي الله عنه ولا تُبطلوا إيمانكم[(٥)](#foonote-٥).

١ في الأصل وم: متمنون..
٢ في الأصل وم: ملاك..
٣ ساقطة من الأصل وم..
٤ أدرج قبلها في الأصل وم: قال..
٥ من م، في الأصل: أعمالكم..

### الآية 47:34

> ﻿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ مَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ [47:34]

الآية ٣٤ وقوله تعالى : إن الذين كفروا وصدّوا عن سبيل الله ثم ماتوا وهم كفار فلن يغفر الله لهم  تأويلها ظاهر.

### الآية 47:35

> ﻿فَلَا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ وَاللَّهُ مَعَكُمْ وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ [47:35]

الآية ٣٥ وقوله تعالى : فلا تهِنوا وتدعوا إلى السّلم  أي لا تضعُفوا، وتدعوا إلى الصّلح. كذلك قال القتبيّ، وقال أبو عوسجة، السِّلم بكسر[(١)](#foonote-١) السين : الصّلح، ولا أعرف بفتح السين ههنا له معنى. 
وقوله تعالى : وأنتم الأعلون  أي وأنتم الغالبون ؛ فيه النهي عن الدعاء إلى الصلح إذا كانوا هم الأعلون، أعني أهل الإسلام. ثم قوله تعالى : وأنتم الأعلون  يحتمل وجوها :
يحتمل  الأعلون  بالحُجج والبراهين في كل وقت. ويحتمل  الأعلون  بالقهر والغلبة في العاقبة، أي آخر الأمر لكم. 
ويحتمل  الأعلون  في الدنيا والآخرة، لأنهم، وإن غُلبوا في الدنيا، وقُتلوا، كانت لهم الآخرة، وإن ظفروا بهم، كانت لهم الدنيا والأموال. 
وقال بعضهم : وأنتم الأعلون  أي وأنتم أولى بالله منهم، وهو ما ذكرنا في الآخرة، والله أعلم. 
وقوله تعالى : والله معكم  يحتمل  معكم  في النصر والغلبة، ويحتمل  معكم  في الوعد الذي وعد، أي ينجز ما وعد لكم في الدنيا، ويفي بذلك. 
وقوله عز وجل : ولن يتِركُم أعمالكم  اختُلف فيه : قال بعضهم : أي لن يجعل الله للكافرين عليكم مظلمة ولا تبِعة، وهو يحتمل في الدنيا والآخرة كقوله تعالى : ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا  \[ النساء : ١٤١ \]. 
وقال بعضهم : ولن يتركم أعمالكم  أي لن ينقصكم أعمالكم، وكذا قال أبو عوسجة ؛ يقال : وَتَرَهُ، أي نَقَصَهُ، وقال بعضهم : لن يظلمكم أعمالكم ؛ يقال : وَتَرني حقّي أي بَخَسَنيه، كذلك قال القتبيّ، ولكن كلامهما واحد في المعنى، أي لا ينقص من أعمالهم شيئا، ولا يُظلمون فيها، ولا يُبخسون، والله أعلم.

١ انظر معجم القراءات القرآنية ج٦/١٩٧..

### الآية 47:36

> ﻿إِنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ ۚ وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا يُؤْتِكُمْ أُجُورَكُمْ وَلَا يَسْأَلْكُمْ أَمْوَالَكُمْ [47:36]

الآية ٣٦ وقوله تعالى : إنما الحياة الدنيا لعب ولهو  أي الحياة[(١)](#foonote-١) الدنيا على ما عندهم وعلى ما يقدرون لعب ولهو، لأنهم كانوا يقولون : أن لا بعث ولا حياة \[ بعد الموت \][(٢)](#foonote-٢) فعلى ما عندهم تكون الحياة[(٣)](#foonote-٣) الدنيا على ما ذكر من اللهو واللعب. 
ويحتمل أنه سمّاها لهوا ولعبا لأنهم على ما يزعمون أنشأها للانقطاع والفناء، لا لتُكتسب بها الحياة الدائمة في الآخرة، وإنشاء الشيء للانقطاع والفناء خاصة بلا عاقبة تُقصد يكون لعبا ولهوا. 
ثم اللعب واللهو يجوز أن يكونا شيئا واحدا، ويجوز أن يكون أحدهما مما يُستمتع بباطن الأشياء، والآخر مما يُستمتع بباطن الأشياء : اللعب هو ما يستمتع بظواهر الأشياء، واللهو هو ما يُتلهّى ببواطنها، والله أعلم. 
وقوه تعالى : وإن تؤمنوا وتتقوا يُؤتكم أجوركم  أي وإن تؤمنوا بما أُمرتم الإيمان \[ به \][(٤)](#foonote-٤) وتتّقوا عما نهيتم عن مخالفة أمره  يؤتكم أجوركم  جعل الله عز وجل بفضله ورحمته لأعمالهم التي يعملون لأنفسهم أجرا ؛ إذ لا أحد يعمل لنفسه، ويأخذ الأجر من غيره، لأنهم بالأعمال يُسقطون عن أنفسهم التكليف بالشكر لنعم الله تعالى. حين[(٥)](#foonote-٥) أسدى عليهم النّعم ابتداء. لكنه جعل لأعمالهم أجرا، كأنهم يعملون له ابتداء، وإن كانوا عاملين لأنفسهم حقيقة، وإليه ترجع منافع أعمالهم، ولأن أنفسهم وأموالهم في الحقيقة لله تعالى، فكيف يستحقّون الأجر على مولاهم بأعمالهم ؟ وذا كما ذكرنا من الإقراض له والاستدانة منه، كأن لا مُلك له في ذلك، وأن ليس له ذلك، وإن كانت حقيقة أملاكهم وأنفسهم لله تعالى فضلا منه وكرما. فعلى ذلك هذا، والله أعلم.

١ في الأصل وم: حياة..
٢ ساقطة من الأصل وم..
٣ في الأصل وم: حياة..
٤ ساقطة من الأصل وم..
٥ في الأصل وم: حيث..

### الآية 47:37

> ﻿إِنْ يَسْأَلْكُمُوهَا فَيُحْفِكُمْ تَبْخَلُوا وَيُخْرِجْ أَضْغَانَكُمْ [47:37]

الآية ٣٧ وقوله تعالى : ولا يسألكم أموالكم   إن يسألكموها فيُحفكم تبخلوا ويُخرج أضغانكم  هذا يخرّج على وجهين :
أحدهما : أي ليس يسألُكم الإنفاق من أموالكم، وإنما يسألكم من ماله لتستمتعوا بمال غيره لأنفسكم، وتجعلوه ذُخرا لأنفسكم غير  إن يسألكموها فيُحفكم تبخلوا ويُخرج أضغانكم  أي لو كان يسألكم من أموالكم لبخلتم، وتركتم الإنفاق منها. 
والثاني : ولا يسألكم أموالكم  أي ولا يسألكم الإنفاق من جميع أموالكم، ولكن إنما يسألكم الإنفاق من طائفة من أموالكم  إن يسألكموها فيُحفكم  لو[(١)](#foonote-١) يسألكم جميع أموالكم لحملكم ذلك على البخل وترك الإنفاق. فإن يسألكم الإنفاق من جزء من أموالكم فلماذا بخلتم، وتركتم الإنفاق ؟ 
وقوله تعالى : فيُحفكم تبخلوا  يخرّج على \[ وجهين :
أحدهما :\][(٢)](#foonote-٢) أن يحملكم على البخل لو سألكم جميع \[ أموالكم. 
والثاني :\][(٣)](#foonote-٣)  فيُحفكم  أي فيجعلكم حفاة، لا شيء يبقى عندكم. الإحفاء أن يُؤخذ كل شيء عنده، هو من الاستئصال، ومنه إحفاء الشوارب. 
وقال أبو عوسجة : الإحفاء شدة المسألة، أي أن يُلحّ عليكم في ما يوجبه في أموالكم.  تبخلوا  يقال : أحفى في المسألة، وألحف، وألحّ، واحد، والله أعلم. 
وقوله تعالى : ويُخرج أضغانكم  أي لو أمر بالإنفاق من جميع أموالكم أو من أموالكم حقيقة لظهر ذلك من أضغانكم التي في قلوبكم لأن ذلك الأمر إنما يجري على ألسن الرسل، فيوجب[(٤)](#foonote-٤) ذلك إظهار ما في قلوبهم من الضغائن للرسل عليهم السلام. 
فإن كان التأويل هذا فهو في المنافقين، فيكون الأمر بالإنفاق سبب إظهار نفاقهم وضغائنهم وعداوتهم، فكان كالأمر بالقتال، كأنه سبب إظهار نفاقهم. 
وإن كان في المسلمين فيحتمل أنه قال ذلك تحريصا لهم على الإنفاق والتصدُّق، كأنه سبب إخراج الضغائن والعداوة لما فيه من التحبّب والتودّد بإيصال ما هو محبوب إليه، والله أعلم.

١ من م، في الأصل: لم..
٢ في الأصل وم: وجوه أحدها..
٣ في الأصل وم: الأموال ويحتمل..
٤ في الأصل وم: فوجب..

### الآية 47:38

> ﻿هَا أَنْتُمْ هَٰؤُلَاءِ تُدْعَوْنَ لِتُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَمِنْكُمْ مَنْ يَبْخَلُ ۖ وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ ۚ وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ ۚ وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ [47:38]

الآية ٣٨ وقوله تعالى : هاأنتم هؤلاء تُدعَون لتُنفقوا في سبيل الله  أي في إظهار دين الله أو في طاعة الله أو في الجهاد لأن الإنفاق في ذلك كلّه في سبيل الله، والله أعلم. 
وقوله تعالى : فمنكم من يبخل ومن يبخل فإنما يبخل عن نفسه  جعل الله عز وجل /٥١٦-أ/ الإنفاق لهم حقيقة إذا أنفقوا في ما أمرهم الله تعالى بالإنفاق في طاعته، عند ذلك تصير تلك الأموال لهم لأنهم إذا أنفقوا في ما أمر الله تعالى انتفعوا بها في الدنيا، واستمتعت أنفسهم، وتلذّذت، وانتفعوا بها في الآخرة وقت حاجتهم وفقرهم، بذلك تُتحقّق لهم، وتُحصّل تلك الأموال. 
فأما عند تركهم الإنفاق في ما أمر بالإنفاق والبذل فلا تُتحقّق لهم تلك الأموال المجعولة في أيديهم لأنه إما أن تُجعل لوارثهم، أو يأخذها منهم بلا سبب من غير أن يجعل لهم بذلك نفع يحصل لهم، فيكون ما ذكرنا. 
فذلك تأويل قوله تعالى : ومن يبخل فإنما يبخل عن نفسه ، والله أعلم، لما يُهلِك نفسه بترك الإنفاق منها، فلم يتمتّع، ولم ينتفع به وقت حاجته إليه في الآخرة. 
وقال بعضهم : قوله تعالى : فمنكم من يبخل  عن الصدقة والإنفاق في طاعة الله  ومن يبخل  بالصدقة في طاعة الله  فإنما يبخل عن نفسه  بالجزاء، والله أعلم. 
وقوله تعالى : والله الغنيّ وأنتم الفقراء  أي والله الغني عن إنفاقكم وعما يأمركم بالإنفاق، وأنتم الفقراء إلى ما تُنفقون، أي أنتم المنتفعون بذلك الإنفاق الذي يأمركم به \[ لا أنه \][(١)](#foonote-١) يُرجِع منفعة ذلك غليهن أو يأمر لحاجة نفسه، ولكن إنما يأمركم بذلك لحاجتكم إليه يوما، والله أعلم. 
ويحتمل أن يكون يقول : والله الغنيّ  عنكم وعما في أيديكم  وأنتم الفقراء  إليه في كل وقت وكل ساعة في جميع أحوالكم وأوقاتكم كقوله تعالى : يا أيها الناس أنتم الفقراء إلى الله والله هو الغنيّ الحميد  \[ فاطر : ١٥ \]. 
ويحتمل أن يكون يقول : والله الغنيّ  عن أموالكم  وأنتم الفقراء  إلى مغفرته ورزقه وجنّته ورحمته. 
وقوله تعالى : وإن تتولَّّوا يستبدل قوما غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم  قال بعضهم : قد تولَّوا، وهم أهل مكة، واستبدل قوما غيرهم[(٢)](#foonote-٢)، وهم أهل المدينة. لكنّ هذا بعيد لأن السورة مدنية فلا يحتمل الخطاب به لأهل مكة بقوله : وإن تتولّوا  ومنكم من يقول : الله عز وجل أخبر، ووعد أهل المدينة أنهم إن يتولّوا يستبدل[(٣)](#foonote-٣) غيرهم أطوع منهم لله تعالى، فلا تولّى[(٤)](#foonote-٤) هؤلاء، ولا استبدل غيرهم. وقال بعضهم : هو على وجهين :
أحدهما : قوله : وإن تتولّوا يستبدل قوما غيركم  \[ أي لم تتولّوا، ولم يستبدل قوما غيركم \][(٥)](#foonote-٥). 
والوجه الآخر : قد تولّوا، واستبدل بهم النُّخَعَ وأحْمَسَ وناسا[(٦)](#foonote-٦) من كِنْدَة. والذين تولَّوا : حنظلة وأسد وغَطَفان وبنو فلان. 
وقوله تعالى : ثم لا يكونوا  أي لا يكونوا أمثالكم في الطاعة لله تعالى، بل أطوع له وأخضع والله أعلم. 
وذُكر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سُئل عن قوله تعالى : وإن تتولّوا يستبدل قوما غيركم  ( فضرب بيده على فخذ سَلْمان الفارسيّ، وقال : والذي نفسي بيده لو كان الدين منوطا بالثريّا لتناوله رجال من فارس ) \[ الترمذي ٣٢٦١ \]. 
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :( رأيت غنمًا سوداء، ردفها غنمٌ بيض، فاختلطت بها، فتعقّبت بهم جميعا. قالوا : يا رسول الله صلى الله عليه وسلم فما أوّلت ؟ قال : العَجَمُ يشركونكم في دينكم وأنسابكم. قالوا : العجم يا رسول الله ؟ قال : نعم، لو كان الإيمان معلّقا بالثُّريّا لتناوله رجال من العجَم، وأسعدهم به أهل فارس ) \[ الحكم في المستدرك ٤/٣٩٥ \]. 
فإن ثبت هذا الخبر فجائز أن يُستدلّ به على جعل العجَم أكفاء العرب لأنه قال :\[ يُشركونكم في أنسابكم \] فإذا أشركوهم في أنسابهم صاروا أكفاء لهم. 
ويحتمل أن يكون قوله :( يشرُكونكم في أنسابكم ) لأنهم يتزاوجون[(٧)](#foonote-٧)، فيلد منهم أولاد، فيشرُكونهم في ما ذكر، والله أعلم. 
وعن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال :( تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية : وإن تتولَّوا يستبدل قوما غيركم ثم لا يكونوا أمثالَكم  قالوا : من هؤلاء ؟ فضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم على منكب سَلْمان، ثم قال : هذا وقومه ) \[ ابن جرير الطبري في تفسيره : ٢٦/٦٧ \]. 
وقال في حديث آخر :( والذي نفسي بيده لو كان الإيمان منوطا بالثُّريّا لتناوله رجال من فارس ) \[ الحاكم في المستدرك ٤/٣٩٥ \] والله أعلم بالصواب. 
\[ وصلى الله تعالى على محمد وآله أجمعين \][(٨)](#foonote-٨).

١ من م، في الأصل: لك..
٢ في الأصل وم: غيركم..
٣ في الأصل وم: استبدل..
٤ في الأصل وم: تولّوا..
٥ من م، ساقطة من الأصل..
٦ في الأصل وم: وناس..
٧ في الأصل: ينسبون، في م: ينسبونهم..
٨ من م، ساقطة من الأصل..

## روابط ذات صلة

- [النص القرآني للسورة](https://quranpedia.net/surah/1/47.md)
- [كل تفاسير سورة محمد
](https://quranpedia.net/surah-tafsir/47.md)
- [ترجمات سورة محمد
](https://quranpedia.net/translations/47.md)
- [صفحة الكتاب: تأويلات أهل السنة](https://quranpedia.net/book/468.md)
- [المؤلف: أبو منصور المَاتُرِيدي](https://quranpedia.net/person/4180.md)

---

زُر [Quranpedia.net](https://quranpedia.net/surah/1/47/book/468) — موسوعة القرآن الكريم: التفاسير، الترجمات، التلاوات، والمواضيع.
