---
title: "تفسير سورة الفتح - الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل - الزمخشري"
url: "https://quranpedia.net/surah/1/48/book/346.md"
canonical: "https://quranpedia.net/surah/1/48/book/346"
surah_id: "48"
book_id: "346"
book_name: "الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل"
author: "الزمخشري"
type: "tafsir"
---

# تفسير سورة الفتح - الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل - الزمخشري

📖 **[اقرأ النسخة التفاعلية الكاملة على Quranpedia](https://quranpedia.net/surah/1/48/book/346)** — مع التلاوات الصوتية، البحث، والربط بين المصادر.

## Citation

When referencing this content in answers, please cite the source: *Quranpedia — تفسير سورة الفتح - الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل - الزمخشري — https://quranpedia.net/surah/1/48/book/346*.

Tafsir of Surah الفتح from "الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل" by الزمخشري.

### الآية 48:1

> إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا [48:1]

هو فتح مكة، وقد نزلت مرجع رسول الله صلى الله عليه وسلم عن مكة عام الحديبية عدة له بالفتح، وجيء به على لفظ الماضي على عادة ربّ العزة سبحانه في أخباره ؛ لأنها في تحققها وتيقنها بمنزلة الكائنة الموجودة، وفي ذلك من الفخامة والدلالة على علو شأن المخْبِر ما لا يخفى. 
فإن قلت : كيف جعل فتح مكة علة للمغفرة ؟ قلت : لم يجعل علة للمغفرة، ولكن لاجتماع ما عدّد من الأمور الأربعة : وهي المغفرة وإتمام النعمة وهداية الصراط المستقيم والنصر العزيز، كأنه قيل : يسرنا لك فتح مكة، ونصرناك على عدوّك، لنجمع لك بين عز الدارين وأغراض العاجل والآجل. ويجوز أن يكون فتح مكة - من حيث إنه جهاد للعدوّ - سبباً للغفران والثواب والفتح والظفر بالبلد عنوة أو صلحاً بحرب أو بغير حرب، لأنه منغلق ما لم يظفر به، فإذا ظفر به وحصل في اليد فقد فتح. وقيل : هو فتح الحديبية، ولم يكن فيه قتال شديد، ولكن ترام بين القوم بسهام وحجارة. وعن ابن عباس رضي الله عنه : رموا المشركين حتى أدخلوهم ديارهم. وعن الكلبي : ظهروا عليهم حتى سألوا الصلح. 
فإن قلت : كيف يكون فتحاً وقد أحصروا فنحروا وحلقوا بالحديبية ؟ قلت : كان ذلك قبل الهدنة، فلما طلبوها وتمت كان فتحاً مبيناً. وعن موسى بن عقبة : أقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم من الحديبية راجعاً، فقال رجل من أصحابه : ما هذا بفتح، لقد صدّونا عن البيت وصد هدينا، فبلغ النبي صلى الله عليه وسلم فقال :**« بئس الكلام هذا، بل هو أعظم الفتوح، وقد رضي المشركون أن يدفعوكم عن بلادهم بالراح، ويسألوكم القضية، ويرغبوا إليكم في الأمان، وقد رأوا منكم ما كرهوا »**، وعن الشعبي : نزلت بالحديبية وأصاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في تلك الغزوة ما لم يصب في غزوة أصاب : أن بويع بيعة الرضوان، وغفر له ما تقدّم من ذنبه وما تأخر، وظهرت الروم على فارس ؛ وبلغ الهدى محله، وأطعموا نخل خيبر، وكان في فتح الحديبية آية عظيمة. وذلك أنه نزح ماؤها حتى لم يبق فيها قطرة، فتمضمض رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم مجه فيها، فدرت بالماء حتى شرب جميع من كان معه. وقيل : فجاش الماء حتى امتلأت ولم ينفد ماؤها بعد - وقيل : هو فتح خيبر، وقيل : فتح الروم. وقيل : فتح الله له بالإسلام والنبوّة والدعوة بالحجة والسيف، ولا فتح أبين منه وأعظم، وهو رأس الفتوح كلها، إذ لا فتح من فتوح الإسلام إلا وهو تحته ومتشعب منه. وقيل : معناه قضينا لك قضاء بيناً على أهل مكة أن تدخلها أنت وأصحابك من قابل ؛ لتطوفوا بالبيت : من الفتاحة وهي الحكومة.

### الآية 48:2

> ﻿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا [48:2]

وكذا عن قتادة  مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ  يريد : جميع ما فرط منك. وعن مقاتل : ما تقدم في الجاهلية وما بعدها. وقيل : ما تقدم من حديث مارية وما تأخر من امرأة زيد.

### الآية 48:3

> ﻿وَيَنْصُرَكَ اللَّهُ نَصْرًا عَزِيزًا [48:3]

نَصْراً عَزِيزاً  فيه عز ومنعة - أو وصف بصفة المنصور إسناداً مجازياً أو عزيزاً صاحبه.

### الآية 48:4

> ﻿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ ۗ وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۚ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا [48:4]

السكينة  السكون كالبهيتة للبهتان، أي : أنزل الله في قلوبهم السكون، والطمأنينة بسبب الصلح والأمن، ليعرفوا فضل الله عليهم بتيسير الأمن بعد الخوف، والهدنة غب القتال، فيزدادوا يقيناً إلى يقينهم، وأنزل فيها السكون إلى ما جاء به محمد عليه السلام من الشرائع  لِيَزْدَادُواْ إيمانا  بالشرائع مقروناً إلى إيمانهم وهو التوحيد. عن ابن عباس رضي الله عنهما : إن أوّل ما أتاهم به النبي صلى الله عليه وسلم التوحيد، فلما آمنوا بالله وحده أنزل الصلاة والزكاة، ثم الحج، ثم الجهاد، فازدادوا إيماناً إلى إيمانهم. أو أنزل فيها الوقار والعظمة لله عزّ وجل ولرسوله، ليزدادوا باعتقاد ذلك إيماناً إلى إيمانهم. وقيل : أنزل فيها الرحمة ليتراحموا فيزداد إيمانهم  وَلِلَّهِ جُنُودُ السماوات والأرض  يسلط بعضها على بعض كما يقتضيه علمه وحكمته، ومن قضيته أن سكّن قلوب المؤمنين بصلح الحديبية ووعدهم أن يفتح لهم.

### الآية 48:5

> ﻿لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَيُكَفِّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ ۚ وَكَانَ ذَٰلِكَ عِنْدَ اللَّهِ فَوْزًا عَظِيمًا [48:5]

وإنما قضى ذلك ليعرف المؤمنون نعمة الله فيه ويشكروها فيستحقوا الثواب.

### الآية 48:6

> ﻿وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ ۚ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ ۖ وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ ۖ وَسَاءَتْ مَصِيرًا [48:6]

فيثيبهم ويعذب الكافرين والمنافقين لما غاظهم من ذلك وكرهوه. وقع السوء : عبارة عن رداءة الشيء وفساده ؛ والصدق عن جودته وصلاحه، فقيل في المرضى الصالح من الأفعال : فعل صدق، وفي المسخوط الفاسد منها : فعل سوء. ومعنى  ظَنَّ السوء  ظنهم أن الله تعالى لا ينصر الرسول والمؤمنين، ولا يرجعهم إلى مكة ظافرين فاتحيها عنوة وقهراً  عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السوء  أي : ما يظنونه ويتربصونه بالمؤمنين فهو حائق بهم ودائر عليهم - والسوء : الهلاك والدمار. وقرئ :**«دائرة السوء »** بالفتح، أي : الدائرة التي يذمونها ويسخطونها، فهي عندهم دائر سوء، وعند المؤمنين دائرة صدق. 
فإن قلت : هل من فرق بين السُّوء والسَّوء ؟ قلت : هما كالكُره والكَره والضُّعْف والضَّعْف، من ساء، إلا أنّ المفتوح غلب في أن يضاف إليه ما يراد ذمه من كل شيء. وأما السُّوء بالضم فجار مجرى الشر الذي هو نقيض الخير. يقال : أراد به السوء وأراد به الخير ؛ ولذلك أضيف الظن إلى المفتوح لكونه مذموماً ؛ وكانت الدائرة محمودة فكان حقها أن لا تضاف إليه إلا على التأويل الذي ذكرنا وأما دائرة السوء بالضم، فلأن الذي أصابهم مكروه وشدة، فصح أن يقع عليه اسم السوء، كقوله عزّ وعلا : إِنْ أَرَادَ بِكُمْ سُوءاً أَوْ أَرَادَ بِكُمْ رَحْمَةً  \[ الأحزاب : ١٧ \].

### الآية 48:7

> ﻿وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۚ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا [48:7]

شرب جميع من كان معه، وقيل: فجاش الماء حتى امتلأت ولم ينفد ماؤها **«١»** بعد- وقيل: هو فتح خيبر، وقيل: فتح الروم. وقيل: فتح الله له بالإسلام والنبوّة والدعوة بالحجة والسيف، ولا فتح أبين منه وأعظم، وهو رأس الفتوح كلها، إذ لا فتح من فتوح الإسلام إلا وهو تحته ومتشعب منه. وقيل: معناه قضينا لك قضاء بينا على أهل مكة أن تدخلها أنت وأصحابك من قابل لتطوفوا بالبيت: من الفتاحة وهي الحكومة، وكذا عن قتادة ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَما تَأَخَّرَ يريد: جميع ما فرط منك. وعن مقاتل: ما تقدم في الجاهلية وما بعدها. وقيل:
 ما تقدم من حديث مارية وما تأخر من امرأة زيد نَصْراً عَزِيزاً فيه عز ومنعة- أو وصف بصفة المنصور إسنادا مجازيا أو عزيزا صاحبه.
 \[سورة الفتح (٤٨) : الآيات ٤ الى ٧\]
 هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدادُوا إِيماناً مَعَ إِيمانِهِمْ وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَكانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً (٤) لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَيُكَفِّرَ عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ وَكانَ ذلِكَ عِنْدَ اللَّهِ فَوْزاً عَظِيماً (٥) وَيُعَذِّبَ الْمُنافِقِينَ وَالْمُنافِقاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكاتِ الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ عَلَيْهِمْ دائِرَةُ السَّوْءِ وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ وَساءَتْ مَصِيراً (٦) وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَكانَ اللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً (٧)
 السَّكِينَةَ السكون كالبهيتة للبهتان، أى: أنزل الله في قلوبهم السكون والطمأنينة بسبب

 (١). متفق عليه. من حديث البراء مطولا باللفظ الأول. ولمسلم من حديث سلمة بن الأكوع. قال **«قدمنا المدينة ونحن أربع عشرة مائة وعليها خمسون شاة لا ترويها. فقعد رسول الله ﷺ على جنب الركية فاما دعا وإما بصق، قال فجاشت. فسقينا واستقينا. وعند البخاري في الحديث الطويل عن المسور بن مخرمة ومروان: فعدل عنهم حتى نزل بأقصى الحديبية على ثمد قليل الماء. فلم يلبث الناس أن سرحوه. وشكوا إلى رسول الله ﷺ العطش فانتزع سهما من كنانته ثم أمرهم أن يجعلوه فيه. فو الله ما زال يجيش لهم بالري ولا مخالفة في هذا لحديث البراء. لما رواه الواقدي من طريق عطاء بن أبى مروان. عن أبيه. حدثني أربعة عشر رجلا من أسلم صحابة. أن ناجية بن الأعجم. قال «دعاني رسول الله صلى الله عليه وسلم. حين شكا إليه من قلة الماء فدفع إلى سهما من كنانته وأمر بدلو من مائها. فمضمض فاه منه ثم مجه في الدلو. وقال لي: انزل الماء فصبه في البئر وفتحت الماء بالسهم. ففعلت. فو الذي بعثه بالحق. ما كدت أخرج حتى كاد يغمرنى»**. وروى أيضا من حديث قتادة. قال: لما دعا رسول الله ﷺ الرجل. فنزل بالسهم وتوضأ. ومج فاه منه، ثم رده في البئر: جاشت بالرواء.

### الآية 48:8

> ﻿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا [48:8]

شاهدا  تشهد على أمّتك، كقوله تعالى : وَيَكُونَ الرسول عَلَيْكُمْ شَهِيدًا  \[ البقرة : ١٤٣ \].  لّتُؤْمِنُواْ  الضمير للناس  وَتُعَزّرُوهُ  ويقووه بالنصرة  وَتُوَقّرُوهُ  ويعظموه  وَتُسَبّحُوهُ  من التسبيح. أو من السبحة، والضمائر لله عز وجلّ والمراد بتعزيز الله : تعزيز دينه ورسوله صلى الله عليه وسلم. ومن فرق الضمائر فقد أبعد.

### الآية 48:9

> ﻿لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا [48:9]

وقرىء :**«لتؤمنوا »** ****«وتعزروه »**** **«وتوقروه »** **«وتسبحوه »** بالتاء. والخطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم ولأمّته. وقرىء :****«وتعزروه »**** بضم الزاي وكسرها. وتعزروه بضم التاء والتخفيف، وتعززوه بالزايين. وتوقروه من أوقره بمعنى وقره. وتسبحوا الله  بُكْرَةً وَأَصِيلاً  عن ابن عباس رضي الله عنهما : صلاة الفجر وصلاة الظهر والعصر.

### الآية 48:10

> ﻿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ ۚ فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَىٰ نَفْسِهِ ۖ وَمَنْ أَوْفَىٰ بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا [48:10]

لما قال  إِنَّمَا يُبَايِعُونَ الله  أكده تأكيداً على طريق التخييل فقال : يَدُ الله فَوْقَ أَيْدِيهِمْ  يريد أن يد رسول الله التي تعلو أيدي المبايعين : هي يد الله، والله تعالى منزه عن الجوارح وعن صفات الأجسام، وإنما المعنى : تقرير أن عقد الميثاق مع الرسول كعقده مع الله من غير تفاوت بينهما، كقوله تعالى : مَّنْ يُطِعِ الرسول فَقَدْ أَطَاعَ الله  \[ النساء : ٨٠ \] والمراد : بيعة الرضوان  فَإِنَّمَا يَنكُثُ على نَفْسِهِ  فلا يعود ضرر نكثه إلا عليه. قال جابر بن عبد الله رضي الله عنه : بايعنا رسول الله تحت الشجرة على الموت، وعلى أن لا نفرّ، فما نكث أحد منا البيعة إلا جد بن قيس وكان منافقاً، اختبأ تحت إبط بعيره ولم يسر مع القوم. وقرىء :**«إنما يبايعون لله »** أي : لأجل الله ولوجهه، وقرىء :**«ينكث »** بضم الكاف وكسرها، وبما عاهد وعهد  فَسَيُؤْتِيهِ  بالنون والياء، يقال : وفيت بالعهد وأوفيت به، وهي لغة تهامة. ومنها قوله تعالى : أَوْفُواْ بالعقود  \[ المائدة : ١ \]  والموفون بِعَهْدِهِمْ  \[ البقرة : ١٧٧ \].

### الآية 48:11

> ﻿سَيَقُولُ لَكَ الْمُخَلَّفُونَ مِنَ الْأَعْرَابِ شَغَلَتْنَا أَمْوَالُنَا وَأَهْلُونَا فَاسْتَغْفِرْ لَنَا ۚ يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ ۚ قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ لَكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ بِكُمْ ضَرًّا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ نَفْعًا ۚ بَلْ كَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا [48:11]

هم الذين خلفوا عن الحديبية، وهم أعراب غفار ومزينة وجهينة وأشجع وأسلم والديل. وذلك أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أراد المسير إلى مكة عام الحديبية معتمراً استنفر من حول المدينة من الأعراب وأهل البوادي ليخرجوا معه حذراً من قريش أن يعرضوا له بحرب أو يصدوه عن البيت، وأحرم هو صلى الله عليه وسلم وساق معه الهدى، ليعلم أنه لا يريد حرباً، فتثاقل كثير من الأعراب وقالوا : يذهب إلى قوم قد غزوه في عُقْرِ داره بالمدينة وقتلوا أصحابه، فيقاتلهم، وظنوا أنه يهلك فلا ينقلب إلى المدينة واعتلوا بالشغل بأهاليهم وأموالهم وأنه ليس لهم من يقوم بأشغالهم. وقرىء :**«شغلتنا »** بالتشديد  يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ مَّا لَيْسَ فِى قُلُوبِهِمْ  تكذيب لهم في اعتذارهم. وأن الذي خلفهم ليس بما يقولون، وإنما هو الشك في الله والنفاق ؛ وطلبهم للاستغفار أيضاً ليس بصادر عن حقيقة  فَمَن يَمْلِكُ لَكُمْ  فمن يمنعكم من مشيئة الله وقضائه  إِنْ أَرَادَ بِكُمْ  ما يضركم من قتل أو هزيمة  أَوْ أَرَادَ بِكُمْ نَفْعاً  من ظفر وغنيمة وقرىء :**«ضراً »** بالفتح والضم. الأهلون : جمع أهل. ويقال : أهلات، على تقدير تاء التأنيث. كأرض وأرضات، وقد جاء أهلة. وأمّا أهال، فاسم جمع، كليال.

### الآية 48:12

> ﻿بَلْ ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَنْقَلِبَ الرَّسُولُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلَىٰ أَهْلِيهِمْ أَبَدًا وَزُيِّنَ ذَٰلِكَ فِي قُلُوبِكُمْ وَظَنَنْتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ وَكُنْتُمْ قَوْمًا بُورًا [48:12]

وقرىء :**«إلى أهلهم »** **«وَزَيَّنَ »**، على البناء للفاعل وهو الشيطان، أو الله عز وجل، وكلاهما جاء في القرآن  وَزَيَّنَ لَهُمُ الشيطان أعمالهم  \[ النمل : ٢٤ \]،  وزينا لهم أعمالهم  \[ النمل : ٤ \] والبور : من بار، كالهلك : من هلك، بناء ومعنى ؛ ولذلك وصف به الواحد والجمع والمذكر والمؤنث. ويجوز أن يكون جمع بائر كعائذ وعوذ. والمعنى : وكنتم قوماً فاسدين في أنفسكم وقلوبكم ونياتكم لا خير فيكم. أو هالكين عند الله مستوجبين لسخطه وعقابه.

### الآية 48:13

> ﻿وَمَنْ لَمْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ فَإِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَعِيرًا [48:13]

للكافرين  مقام مقام لهم، للإيذان بأنّ من لم يجمع بين الإيمانين الإيمان بالله وبرسوله فهو كافر، ونكر  سَعِيراً  لأنها نار مخصوصة، كما نكر  نَاراً تلظى  \[ الليل : ١٤ \].

### الآية 48:14

> ﻿وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۚ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ ۚ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا [48:14]

وَللَّهِ مُلْكُ السماوات والأرض  يدبره تدبير قادر حكيم، فيغفر ويعذب بمشيئته، ومشيئته تابعة لحكمته، وحكمته المغفرة للتائب وتعذيب المصر  وَكَانَ الله غَفُوراً رَّحِيماً  رحمته سابقة لغضبه، حيث يكفر السيئات باجتناب الكبائر، ويغفر الكبائر بالتوبة.

### الآية 48:15

> ﻿سَيَقُولُ الْمُخَلَّفُونَ إِذَا انْطَلَقْتُمْ إِلَىٰ مَغَانِمَ لِتَأْخُذُوهَا ذَرُونَا نَتَّبِعْكُمْ ۖ يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلَامَ اللَّهِ ۚ قُلْ لَنْ تَتَّبِعُونَا كَذَٰلِكُمْ قَالَ اللَّهُ مِنْ قَبْلُ ۖ فَسَيَقُولُونَ بَلْ تَحْسُدُونَنَا ۚ بَلْ كَانُوا لَا يَفْقَهُونَ إِلَّا قَلِيلًا [48:15]

سَيَقُولُ المخلفون  الذين تخلفوا عن الحديبية  إِذَا انطلقتم إلى مَغَانِمَ  إلى غنائم خيبر  أَن يُبَدّلُواْ كلام الله  وقرىء :**«كلم الله »** أن يغيروا موعد الله لأهل الحديبية، وذلك أنه وعدهم أن يعوّضهم من مغانم مكة مغانم خيبر إذا قفلوا موادعين لا يصيبون منهم شيئاً. وقيل : هو قوله تعالى : لَّن تَخْرُجُواْ مَعِىَ أَبَدًا  \[ التوبة : ٨٣ \] **«تحسدوننا »** أن نصيب معكم من الغنائم. قرىء : بضم السين وكسرها  لاَّ يَفْقَهُونَ  لا يفهمون إلا فهماً  قَلِيلاً  وهو فطنتهم لأمور الدنيا دون أمور الدين، كقوله تعالى : يَعْلَمُونَ ظَاهِراً مّنَ الحياة الدنيا  \[ الروم : ٧ \]
فإن قلت : ما الفرق بين حرفي الإضراب ؟ قلت : الأوّل إضراب معناه : ردّ أن يكون حكم الله أن لا يتبعوهم وإثبات الحسد. والثاني إضراب عن وصفهم بإضافة الحسد إلى المؤمنين، إلى وصفهم بما هو أطم منه، وهو الجهل وقلة الفقه.

### الآية 48:16

> ﻿قُلْ لِلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الْأَعْرَابِ سَتُدْعَوْنَ إِلَىٰ قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ ۖ فَإِنْ تُطِيعُوا يُؤْتِكُمُ اللَّهُ أَجْرًا حَسَنًا ۖ وَإِنْ تَتَوَلَّوْا كَمَا تَوَلَّيْتُمْ مِنْ قَبْلُ يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا [48:16]

قُل لِّلْمُخَلَّفِينَ  هم الذين تخلفوا عن الحديبية  إلى قَوْمٍ أُوْلِى بَأْسٍ شَدِيدٍ  يعني بني حنيفة قوم مسيلمة، وأهل الردّة الذين حاربهم أبو بكر الصديق رضي الله عنه ؛ لأن مشركي العرب والمرتدين هم الذين لا يقبل منهم إلا الإسلام أو السيف عند أبي حنيفة ومن عداهم من مشركي العجم وأهل الكتاب. والمجوس تقبل منهم الجزية، وعن الشافعي لا تقبل الجزية إلا من أهل الكتاب والمجوس دون مشركي العجم والعرب. وهذا دليل على إمامة أبي بكر الصديق رضي الله عنه، فإنهم لم يدعوا إلى حرب في أيام رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولكن بعد وفاته. وكيف يدعوهم رسول الله صلى الله عليه وسلم مع قوله تعالى : فَقُلْ لَّن تَخْرُجُواْ مَعِىَ أَبَدًا وَلَن تقاتلوا مَعِىَ عَدُوّا  \[ التوبة : ٨٣ \] وقيل : هم فارس والروم. ومعنى  يُسْلِمُونَ  ينقادون، لأنّ الروم نصارى، وفارس مجوس يقبل منهم إعطاء الجزية. 
فإن قلت : عن قتادة أنهم ثقيف وهوازن، وكان ذلك في أيام رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ قلت : إن صح ذلك فالمعنى : لن تخرجوا معي أبداً ما دمتم على ما أنتم عليه من مرض القلوب والاضطراب في الدين. أو على قول مجاهد : كان الموعد أنهم لا يتبعون رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا متطوعين لا نصيب لهم في المغنم  كَمَا تَوَلَّيْتُمْ مّن قَبْلُ  يريد في غزوة الحديبية. أو يسلمون. معطوف على تقاتلونهم، أي : يكون أحد الأمرين : إما المقاتلة، أو الإسلام، لا ثالث لهما. وفي قراءة أبيّ :**«أو يسلموا »** بمعنى : إلى أن يسلموا.

### الآية 48:17

> ﻿لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَىٰ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ ۗ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ۖ وَمَنْ يَتَوَلَّ يُعَذِّبْهُ عَذَابًا أَلِيمًا [48:17]

نفى الحرج عن هؤلاء من ذوي العاهات في التخلف عن الغزو. وقرىء :**«ندخله »** **«ونعذبه »** بالنون.

### الآية 48:18

> ﻿۞ لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا [48:18]

هي بيعة الرضوان، سميت بهذه الآية، وقصتها : أنّ النبي صلى الله عليه وسلم حين نزل الحديبية بعث خِراش بن أمّية الخزاعي رسولاً إلى أهل مكة، فهموا به فمنعه الأحابيش، فلما رجع دعا بعمر رضي الله عنه ليبعثه فقال : إني أخافهم على نفسي، لما عرف من عداوتي إياهم وما بمكة عدويّ يمنعني، ولكني أدلك على رجل هو أعز بها مني وأحب إليهم : عثمان بن عفان فبعثه فخبرهم أنه لم يأت بحرب، وإنما جاء زائراً لهذا البيت معظماً لحرمته، فوقروه وقالوا : إن شئت أن تطوف بالبيت فافعل، فقال : ما كنت لأطوف قبل أن يطوف رسول الله صلى الله عليه وسلم واحتبس عندهم فأرجف بأنهم قتلوه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا نبرح حتى نناجز القوم، ودعا الناس إلى البيعة فبايعوه تحت الشجرة وكانت سمرة. قال جابر بن عبد الله : لو كنت أبصر لأريتكم مكانها. وقيل : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم جالساً في أصل الشجرة وعلى ظهره غصن من أغصانها. قال عبد الله بن المغفل : وكنت قائماً على رأسه وبيدي غصن من الشجرة أذب عنه. فرفعت الغصن عن ظهره، فبايعوه على الموت دونه، وعلى أن لا يفروا، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم :**«أنتم اليوم خير أهل الأرض »** وكان عدد المبايعين ألفاً وخمسمائة وخمسة وعشرين، وقيل : ألفاً وأربعمائة، وقيل : ألفاً وثلاثمائة  فَعَلِمَ مَا فِى قُلُوبِهِمْ  من الإخلاص وصدق الضمائر فيما بايعوا عليه  فَأنزَلَ السكينة  أي : الطمأنينة والأمن بسبب الصلح على قلوبهم  وأثابهم فَتْحاً قَرِيباً  وقرىء :**«وآتاهم »** وهو فتح خيبر غب انصرافهم من مكة. وعن الحسن : فتح هجر، وهو أجلّ فتح : اتسعوا بثمرها زمانا. ً

### الآية 48:19

> ﻿وَمَغَانِمَ كَثِيرَةً يَأْخُذُونَهَا ۗ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا [48:19]

وَمَغَانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَهَا  هي مغانم خيبر، وكانت أرضاً ذات عقار وأموال، فقسمها رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم عليهم، ثم أتاه عثمان بالصلح فصالحهم وانصرف بعد أن نحر بالحديبية وحلق.

### الآية 48:20

> ﻿وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغَانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَهَا فَعَجَّلَ لَكُمْ هَٰذِهِ وَكَفَّ أَيْدِيَ النَّاسِ عَنْكُمْ وَلِتَكُونَ آيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ وَيَهْدِيَكُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا [48:20]

وَعَدَكُمُ الله مَغَانِمَ كَثِيرَةً  وهي ما يفيء على المؤمنين إلى يوم القيامة  فَعَجَّلَ لَكُمْ هذه  المغانم يعني مغانم خيبر  وَكَفَّ أَيْدِىَ الناس عَنْكُمْ  يعني أيدي أهل خيبر وحلفاؤهم من أسد وغطفان حين جاؤوا لنصرتهم، فقذف الله في قلوبهم الرعب فنكصوا. وقيل : أيدي أهل مكة بالصلح  وَلِتَكُونَ  هذه الكفة  ءَايَةً لّلْمُؤْمِنِينَ  وعبرة يعرفون بها أنهم من الله تعالى بمكان، وأنه تعالى ضامن نصرهم والفتح عليهم. وقيل : رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم فتح مكة في منامه، ورؤيا الأنبياء صلوات الله عليهم وحي، فتأخر ذلك إلى السنة القابلة، فجعل فتح خيبر علامة وعنواناً لفتح مكة  وَيَهْدِيَكُمْ صراطا مُّسْتَقِيماً  ويزيدكم بصيرة ويقيناً، وثقة بفضل الله.

### الآية 48:21

> ﻿وَأُخْرَىٰ لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْهَا قَدْ أَحَاطَ اللَّهُ بِهَا ۚ وَكَانَ اللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا [48:21]

وأخرى  معطوفة على هذه، أي : فعجل لكم هذه المغانم ومغانم أخرى  لَمْ تَقْدِرُواْ عَلَيْهَا  وهي مغانم هوازن في غزوة حنين، وقال : لم تقدروا عليها لما كان فيها من الجوالة  قَدْ أَحَاطَ الله بِهَا  أي قدر عليها واستولى وأظهركم عليها وغنمكموها. ويجوز في  أخرى  النصب بفعل مضمر، يفسره  قَدْ أَحَاطَ الله بِهَا  تقديره : وقضى الله أخرى قد أحاط بها. وأما  لَمْ تَقْدِرُواْ عَلَيْهَا  فصفة لأخرى، والرفع على الابتداء لكونها موصوفة بلم تقدروا، وقد أحاط بها : خبر المبتدأ، والجرّ بإضمار رُبّ. 
فإن قلت : قوله تعالى : وَلِتَكُونَ ءايَةً لّلْمُؤْمِنِينَ  \[ الفتح : ٢٠ \] كيف موقعه ؟ قلت : هو كلام معترض. ومعناه : ولتكون الكفة آية للمؤمنين فعل ذلك. ويجوز أن يكون المعنى : وعدكم المغانم، فعجل هذه الغنيمة وكف الأعداء لينفعكم بها، ولتكون آية للمؤمنين إذا وجدوا وعد الله بها صادقاً، لأنّ صدق الإخبار عن الغيوب معجزة وآية، ويزيدكم بذلك هداية وإيقاناً.

### الآية 48:22

> ﻿وَلَوْ قَاتَلَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوَلَّوُا الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا [48:22]

وَلَوْ قاتلكم الذين كفَرُواْ  من أهل مكة ولم يصالحوا. وقيل : من حلفاء أهل خيبر لغلبوا وانهزموا.

### الآية 48:23

> ﻿سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلُ ۖ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا [48:23]

سُنَّةَ الله  في موضع المصدر المؤكد، أي : سن الله غلبة أنبيائه سنة، وهو قوله تعالى : لأَغْلِبَنَّ أَنَاْ وَرُسُلِى  \[ المجادلة : ٢١ \].

### الآية 48:24

> ﻿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ ۚ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا [48:24]

أَيْدِيهِمْ  أيدي أهل مكة، أي : قضى بينهم وبينكم المكافة والمحاجزة بعد ما خولكم الظفر عليهم والغلبة، وذلك يوم الفتح. وبه استشهد أبو حنيفة رحمه الله، على أنّ مكة فتحت عنوة لا صلحاً. وقيل : كان ذلك في غزوة الحديبية لما روى أنّ عكرمة بن أبي جهل خرج في خمسمائة، فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم من هزمه وأدخله حيطان مكة. وعن ابن عباس رضي الله عنه : أظهر الله المسلمين عليهم بالحجارة حتى أدخلوهم البيوت. وقرىء :**«تعملون »** بالتاء والياء.

### الآية 48:25

> ﻿هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ ۚ وَلَوْلَا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُؤْمِنَاتٌ لَمْ تَعْلَمُوهُمْ أَنْ تَطَئُوهُمْ فَتُصِيبَكُمْ مِنْهُمْ مَعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ ۖ لِيُدْخِلَ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ ۚ لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا [48:25]

وقرىء :**«والهدي »** والهدي : بتخفيف الياء وتشديدها، وهو ما يهدى إلى الكعبة : بالنصب عطفاً على الضمير المنصوب في صدّوكم. أي : صدّوكم وصدّوا الهدي وبالجر عطفاً على المسجد الحرام، بمعنى : وصدّوكم عن نحر الهدى  مَعْكُوفاً أَن يَبْلُغَ مَحِلَّهُ  محبوساً عن أن يباع، وبالرفع على : وصدّ الهدي. ومحله : مكانه الذي يحل فيه نحره، أي يجب. وهذا دليل لأبي حنيفة على أن المحصر محل هديه الحرم. 
فإن قلت : فكيف حل رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن معه وإنما نحر هديهم بالحديبية ؟ قلت : بعض الحديبية من الحرم. وروى أن مضارب رسول الله صلى الله عليه وسلم كانت في الحل، ومصلاه في الحرم. 
فإن قلت : فإذن قد نحر في الحرم، فلم قيل : مَعْكُوفاً أَن يَبْلُغَ مَحِلَّهُ  ؟ قلت : المراد المحل المعهود وهو منى  لَّمْ تَعْلَمُوهُمْ  صفة للرجال والنساء جميعاً. و  أَن تَطَئُوهُمْ  بدل اشتمال منهم أو من الضمير المنصوب في تعلموهم. والمعرة : مفعلة، من عره بمعنى عراه إذا دهاه ما يكره ويشق عليه. و  بِغَيْرِ عِلْمٍ  متعلق بأن تطؤهم، يعني : أن تطئوهم غير عالمين بهم. والوطء والدوس : عبارة عن الإيقاع والإبادة. قال :

وَوَطِئْتَنَا وَطْأَ عَلَى حَنَقٍ  وَطْأَ الْمُقَيَّدِ نَابِتَ الْهَرْمِوقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" وإن آخر وطأة وطئها الله بِوَجٍّ " والمعنى : أنه كان بمكة قوم من المسلمين مختلطون بالمشركين غير متميزين منهم ولا معروفي الأماكن : فقيل : ولولا كراهة أن تهلكوا ناساً مؤمنين بين ظهراني المشركين وأنتم غير عارفين بهم، فتصيبكم بإهلاكهم مكروه ومشقة : لما كف أيديكم عنهم، وحذف جواب **«لولا »** لدلالة الكلام عليه. ويجوز أن يكون  لَوْ تَزَيَّلُواْ  كالتكرير للولا رجال مؤمنون، لمرجعهما إلى معنى واحد، ويكون  لَعَذَّبْنَا  هو الجواب. 
فإن قلت : أي معرة تصيبهم إذا قتلوهم وهم لا يعلمون. قلت : يصيبهم وجوب الدية والكفارة، وسوء قالة المشركين أنهم فعلوا بأهل دينهم مثل ما فعلوا بنا من غير تمييز، والمأثم إذا جرى منهم بعض التقصير. 
فإن قلت : قوله تعالى : لّيُدْخِلَ الله فِى رَحْمَتِهِ مَن يَشآءُ  تعليل لماذا ؟ قلت : لما دلت عليه الآية وسيقت له : من كف الأيدي عن أهل مكة، والمنع من قتلهم ؛ صوناً لمن بين أظهرهم من المؤمنين، كأنه قال : كان الكف ومنع التعذيب ليدخل الله في رحمته ؛ أي : في توفيقه لزيادة الخير والطاعة مؤمنيهم. أو ليدخل في الإسلام من رغب فيه من مشركيهم  لَوْ تَزَيَّلُواْ  لو تفرقوا وتميز بعضهم من بعض : من زاله يزيله. وقرىء :**«لو تزايلوا »**.

### الآية 48:26

> ﻿إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَىٰ وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا ۚ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا [48:26]

إِذْ  يجوز أن يعمل فيه ما قبله. أي : لعذبناهم أو صدوهم عن المسجد الحرام في ذلك الوقت، وأن ينتصب بإضمار اذكر. والمراد بحمية الذين كفروا وسكينة المؤمنين - والحمية الأنفة والسكينة والوقار - ما روى
أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم لما نزل بالحديبية بعثت قريش سهيل بن عمرو القرشي وحويطب بن عبد العزى ومكرز بن حفص بن الأخيف، على أن يعرضوا على النبي صلى الله عليه وسلم أن يرجع من عامه ذلك على أن تخلي له قريش مكة من العام القابل ثلاثة أيام، ففعل ذلك، وكتبوا بينهم كتاباً، فقال عليه الصلاة والسلام لعلي رضي الله عنه :**«اكتب بسم الله الرحمن الرحيم »**، فقال سهيل وأصحابه : ما نعرف هذا، ولكن اكتب : باسمك اللَّهم، ثم قال :**«اكتب هذا ما صالح عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم أهل مكة »** فقالوا : لو كنا نعلم أنك رسول الله ما صددناك عن البيت ولا قاتلناك، ولكن اكتب : هذا ما صالح عليه محمد بن عبد الله أهل مكة، فقال عليه الصلاة والسلام :**«اكتب ما يريدون، فأنا أشهد أني رسول الله وأنا محمد بن عبد الله، فهمَّ المسلمون أن يأبوا ذلك ويشمئزوا منه، فأنزل الله على رسوله السكينة فتوقروا وحلموا. و  كَلِمَةَ التقوى  بسم الله الرحمن الرحيم ومحمد رسول الله : قد اختارها الله لنبيه وللذين معه أهل الخير ومستحقيه ومن هم أولى بالهداية من غيرهم. وقيل : هي كلمة الشهادة. وعن الحسن رضي الله عنه : كلمة التقوى هي الوفاء بالعهد. ومعنى إضافتها إلى التقوى : أنها سبب التقوى وأساسها. وقيل : كلمة أهل التقوى. وفي مصحف الحرث بن سويد صاحب عبد الله :«وكانوا أهلها وأحق بها »**، وهو الذي دفن مصحفه أيام الحجاج.

### الآية 48:27

> ﻿لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ ۖ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لَا تَخَافُونَ ۖ فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذَٰلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا [48:27]

رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل خروجه إلى الحديبية كأنه وأصحابه قد دخلوا مكة آمنين وقد حلقوا وقصروا، فقصّ الرؤيا على أصحابه، ففرحوا واستبشروا وحسبوا أنهم داخلوها في عامهم، وقالوا : إن رؤيا رسول الله صلى الله عليه وسلم حق، فلما تأخر ذلك قال عبد الله بن أبيّ وعبد الله بن نفيل ورفاعة بن الحرث : والله ما حلقنا ولا قصرنا ولا رأينا المسجد الحرام، فنزلت. ومعنى : صَدَقَ الله رَسُولَهُ الرؤيا  صدقه في رؤياه ولم يكذبه - تعالى الله عن الكذب وعن كل قبيح علواً كبيراً - فحذف الجارّ وأوصل الفعل، كقوله تعالى : صَدَقُواْ مَا عاهدوا الله عَلَيْهِ  \[ الأحزاب : ٢٣ \]. 
فإن قلت : بم تعلق  بالحق  ؟ قلت : إمّا بصدق، أي : صدقه فيما رأى، وفي كونه وحصوله صدقاً ملتبساً بالحق : أي بالغرض الصحيح والحكمة البالغة، وذلك ما فيه من الابتلاء والتمييز بين المؤمن المخلص، وبين من في قلبه مرض، ويجوز أن يتعلق بالرؤيا حالاً منها أي : صدقه الرؤيا ملتبساً بالحق، على معنى أنها لم تكن من أضغاث الأحلام. ويجوز أن يكون  بالحق  قسماً : إمّا بالحق الذي هو نقيض الباطل. أو بالحق الذي هو من أسمائه. و  لَتَدْخُلُنَّ  جوابه. وعلى الأوّل هو جواب قسم محذوف أي والله لتدخلن. 
فإن قلت : ما وجه دخول  إِن شَاءَ الله  في أخبار الله عز وجل ؟ قلت : فيه وجوه : أن يعلق عدته بالمشيئة تعليماً لعباده أن يقولوا في عداتهم مثل ذلك، متأدّبين بأدب الله، ومقتدين بسنته. وأن يريد : لتدخلنّ جميعاً إن شاء الله ولم يمت منكم أحداً، أو كان ذلك على لسان ملك، فأدخل الملك إن شاء الله. أو هي حكاية ما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه وقصّ عليهم. وقيل : هو متعلق بآمنين  فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُواْ  من الحكمة والصواب في تأخير فتح مكة إلى العام القابل  فَجَعَلَ مِن دُونِ ذَلِكَ  أي من دون فتح مكة  فَتْحاً قَرِيباً  وهو فتح خيبر، لتستروح إليه قلوب المؤمنين إلى أن يتيسر الفتح الموعود.

### الآية 48:28

> ﻿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَىٰ وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ ۚ وَكَفَىٰ بِاللَّهِ شَهِيدًا [48:28]

بالهدى وَدِينِ الحق  بدين الإسلام  لِيُظْهِرَهُ  ليعليه  عَلَى الدين كُلِّهِ  على جنس الدين كله، يريد : الأديان المختلفة من أديان المشركين والجاحدين من أهل الكتاب : وقد حقق ذلك سبحانه، فإنك لا ترى ديناً قط إلا وللإسلام دونه العز والغلبة. وقيل : هو عند نزول عيسى حين لا يبقى على وجه الأرض كافر. وقيل : هو إظهاره بالحجج والآيات. وفي هذه الآية تأكيد لما وعد من الفتح وتوطين لنفوس المؤمنين على أنّ الله تعالى سيفتح لهم من البلاد ويقيض لهم من الغلبة على الأقاليم ما يستقلون إليه من فتح مكة  وكفى بالله شَهِيداً  على أنّ ما وعده كائن. وعن الحسن رضي الله عنه : شهد على نفسه أنه سيظهر دينك.

### الآية 48:29

> ﻿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ ۚ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ ۖ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا ۖ سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ۚ ذَٰلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ ۚ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَىٰ عَلَىٰ سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ ۗ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا [48:29]

مُحَمَّدٌ  إما خبر مبتدأ، أي : هو محمد لتقدّم قوله تعالى : هُوَ الذي أَرْسَلَ رَسُولَهُ  \[ الفتح : ٢٨ \] وإما مبتدأ، ورسول الله : عطف بيان. وعن ابن عامر أنه قرأ : رسول الله، بالنصب على المدح  والذين مَعَهُ  أصحابه  أَشِدَّاءُ عَلَى الكفار رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ  جمع شديد ورحيم. ونحوه  أَذِلَّةٍ عَلَى المؤمنين أَعِزَّةٍ عَلَى الكافرين  \[ المائدة : ٥٤ \]،  واغلظ عَلَيْهِمْ  \[ التوبة : ٧٣ \]،  بالمؤمنين رَءوفٌ رَّحِيمٌ  \[ التوبة : ١٢٨ \] وعن الحسن رضي الله عنه : بلغ من تشدّدهم على الكفار : أنهم كانوا يتحرّزون من ثيابهم أن تلزق بثيابهم، ومن أبدانهم أن تمس أبدانهم ؛ وبلغ من ترحمهم فيما بينهم أنه كان لا يرى مؤمن مؤمناً إلا صافحه وعانقه، والمصافحة لم تختلف فيها الفقهاء. وأما المعانقة فقد كرهها أبو حنيفة رحمه الله، وكذلك التقبيل. قال لا أحب أن يقبل الرجل من الرجل وجهه ولا يده ولا شيئاً من جسده. وقد رخص أبو يوسف في المعانقة. ومن حق المسلمين في كل زمان أن يراعوا هذا التشدّد وهذا التعطف : فيتشدّدوا على من ليس على ملتهم ودينهم ويتحاموه، ويعاشروا إخوتهم في الإسلام متعطفين بالبر والصلة. وكف الأذى. والمعونة، والاحتمال، والأخلاق السجيحة ووجه من قرأ :**«أشداء، ورحماء »** بالنصب - : أن ينصبهما على المدح، أو على الحال بالمقدّر في  مَعَهُ ، ويجعل  تَرَاهُمْ  الخبر  سيماهم  علامتهم. وقرىء :**«سيماؤهم »** وفيها ثلاث لغات : هاتان. والسيمياء، والمراد بها السمة التي تحدث في جبهة السجاد من كثرة السجود، وقوله تعالى : مِّنْ أَثَرِ السجود  يفسرها، أي : من التأثير الذي يؤثره السجود، وكان كل من العليين : عليّ بن الحسين زين العابدين، وعليّ بن عبد الله بن عباس أبي الأملاك، يقال له : ذو الثفنات ؛ لأنّ كثرة سجودهما أحدثت في مواقعه منهما أشباه ثفنات البعير. وقرىء :**«من أثر السجود »** و**«من آثار السجود »**، وكذا عن سعيد بن جبير : هي السمة في الوجه. 
فإن قلت : فقد جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم :" لا تعلبوا صوركم "، وعن ابن عمر رضي الله عنه أنه رأى رجلاً قد أثر في وجهه السجود فقال : إن صورة وجهك أنفك، فلا تعلب وجهك، ولا تشن صورتك. قلت : ذلك إذا اعتمد بجبهته على الأرض لتحدث فيه تلك السمة. وذلك رياء ونفاق يستعاذ بالله منه، ونحن فيما حدث في جبهة السجاد الذي لا يسجد إلا خالصاً لوجه الله تعالى. وعن بعض المتقدّمين : كنا نصلي فلا يرى بين أعيننا شيء، ونرى أحدنا الآن يصلي فيرى بين عينيه ركبة البعير، فما ندري أثقلت الأرؤس أم خشنت الأرض وإنما أراد بذلك من تعمد ذلك للنفاق. وقيل : هو صفرة الوجه من خشية الله. وعن الضحاك : ليس بالندب في الوجوه، ولكنه صفرة. 
وعن سعيد بن المسيب : ندى الطهور وتراب الأرض. وعن عطاء رحمه الله : استنارت وجوههم من طول ما صلوا بالليل، كقوله :**«من كثرت صلاته بالليل حسن وجهه بالنهار »**  ذَلِكَ  الوصف  مَثَلُهُمْ  أي وصفهم العجيب الشأن في الكتابين جميعاً، ثم ابتدأ فقال : كَزَرْعٍ  يريد : هم كزرع. وقيل : تم الكلام عند قوله : ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِى التوراة  ثم ابتديء :( ومثلهم في الإنجيل كزرع ) ويجوز أن يكون ذلك إشارة مبهمة أوضحت بقوله : كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ  كقوله تعالى : وَقَضَيْنَآ إِلَيْهِ ذَلِكَ الامر أَنَّ دَابِرَ هَؤُلآْء مَقْطُوعٌ مُّصْبِحِينَ  \[ الحجر : ٦٦ \]. وقرىء :**«الأنجيل »** بفتح الهمزة  شَطْأَهُ  فراخه. يقال : أشطا الزرع إذا فرّخ. وقرىء :**«شطأه »** بفتح الطاء. وشطاه، بتخفيف الهمزة : وشطاءه بالمدّ. وشطه، بحذف الهمزة ونقل حركتها إلى ما قبلها. وشطوه، بقلبها واواً  فَآزَرَهُ  من المؤازرة وهي المعاونة. وعن الأخفش : أنه أفعل. وقرىء :**«فأزره »** بالتخفيف والتشديد، أي : فشدّ أزره وقوّاه. ومن جعل  آزَرَ  أفعل، فهو في معنى القراءتين  فاستغلظ  فصار من الدقة إلى الغلظ  فاستوى على سُوقِهِ  فاستقام على قصبه جمع ساق. وقيل : مكتوب في الإنجيل سيخرج قوم ينبتون نبات الزرع، يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر. وعن عكرمة : أخرج شطأه بأبي بكر، فآزره بعمر، فاستغلظ بعثمان، فاستوى على سوقه بعليّ. وهذا مثل ضربه الله لبدء أمر الإسلام وترقيه في الزيادة إلى أن قوي واستحكم، لأنّ النبي صلى الله عليه وسلم، قام وحده. ثم قوّاه الله بمن آمن معه كما يقوي الطاقة الأولى من الزرع ما يحتف بها مما يتولد منها حتى يعجب الزرّاع. 
فإن قلت : قوله : لِيَغِيظَ بِهِمُ الكفار  تعليل لماذا ؟ قلت : لما دل عليه تشبيههم بالزرع من نمائهم وترقيهم في الزيادة والقوّة، ويجوز أن يعلل به  وَعَدَ الله الذين ءامَنُواْ  لأنّ الكفار إذا سمعوا بما أعدّ لهم في الآخرة مع ما يعزهم به في الدنيا غاظهم ذلك. ومعنى  مِنْهُم  البيان، كقوله تعالى : فاجتنبوا الرجس مِنَ الأوثان  \[ الحج : ٣٠ \].

## روابط ذات صلة

- [النص القرآني للسورة](https://quranpedia.net/surah/1/48.md)
- [كل تفاسير سورة الفتح
](https://quranpedia.net/surah-tafsir/48.md)
- [ترجمات سورة الفتح
](https://quranpedia.net/translations/48.md)
- [صفحة الكتاب: الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل](https://quranpedia.net/book/346.md)
- [المؤلف: الزمخشري](https://quranpedia.net/person/3927.md)

---

زُر [Quranpedia.net](https://quranpedia.net/surah/1/48/book/346) — موسوعة القرآن الكريم: التفاسير، الترجمات، التلاوات، والمواضيع.
