---
title: "تفسير سورة الفتح - المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز - ابن عطية"
url: "https://quranpedia.net/surah/1/48/book/350.md"
canonical: "https://quranpedia.net/surah/1/48/book/350"
surah_id: "48"
book_id: "350"
book_name: "المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز"
author: "ابن عطية"
type: "tafsir"
---

# تفسير سورة الفتح - المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز - ابن عطية

📖 **[اقرأ النسخة التفاعلية الكاملة على Quranpedia](https://quranpedia.net/surah/1/48/book/350)** — مع التلاوات الصوتية، البحث، والربط بين المصادر.

## Citation

When referencing this content in answers, please cite the source: *Quranpedia — تفسير سورة الفتح - المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز - ابن عطية — https://quranpedia.net/surah/1/48/book/350*.

Tafsir of Surah الفتح from "المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز" by ابن عطية.

### الآية 48:1

> إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا [48:1]

قال قوم فيما حكى الزهراوي  فتحنا لك  يريد به فتح مكة، وحكاه الثعلبي أيضاً، ونسبه النقاش إلى الكلبي. وأخبره تعالى به على معنى : قضينا به. والفتاح : القاضي بلغة اليمن، وقيل المراد : إنا فتحنا لك  بأن هديناك إلى الإسلام ليغفر. وقال جمهور الناس : والصحيح الذي تعضده قصة الحديبية أن قوله : إنا فتحنا لك  إنما معناه : إن ما يسر الله لك في تلك الخرجة فتح مبين تستقبله، ونزلت السورة مؤنسة للمؤمنين، لأنهم كانوا استوحشوا من رد قريش لهم ومن تلك المهادنة التي هادنهم النبي عليه السلام فنزلت السورة مؤنسة لهم في صدهم عن البيت ومذهبه : ما كان في قلوبهم، ومنه حديث عمر الشهير وما قاله للنبي عليه السلام ولأبي بكر واستقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم في تلك السفرة أنه هادن عدوه ريثما يتقوى هو، وظهرت على يديه آية الماء في بئر الحديبية حيث وضع فيه سهمه وثاب الماء حتى كفى الجيش، واتفقت بيعة الرضوان وهي الفتح الأعظم، قاله جابر بن عبد الله والبراء بن عازب. وبلغ هديه محله، قاله الشعبي واستقبل فتح خيبر، وامتلأت أيدي المؤمنين خيراً، ولم يفتحها إلا أهل الحديبية ولم يشركهم فيها أحد. 
قال القاضي أبو محمد : وفيه نظر، لأن أصحاب السفينة مع جعفر بن أبي طالب شاركوهم في القسم، فينبغي أن يقال لم يشاركهم أحد من المتخلفين عن الحديبية، واتفقت في ذلك الوقت ملحمة عظيمة بين الروم وفارس ظهرت فيها الروم، فكانت من جملة الفتح على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وسر بها هو والمؤمنون لظهور أهل الكتاب على المجوس وانخضاد الشوكة العظمى من الكفر.

### الآية 48:2

> ﻿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا [48:2]

ثم عظم الله أمر نبيه بأن نبأه أنه غفر له  ما تقدم  من ذنبه  وما تأخر ، فقوله : ليغفر  هي لام كي، لكنها تخالفها في المعنى والمراد هنا أن الله فتح لك لكي يجعل ذلك أمارة وعلامة لغفرانه لك، فكأنها لام صيرورة، ولهذا قال عليه السلام :**«لقد أنزلت عليَّ الليلة سورة هي أحب إليّ من الدنيا »**[(١)](#foonote-١). وقال الطبري وابن كيسان المعنى : إنا فتحنا لك  فسبح بحمد ربك واستغفره ليغفر لك، وبنيا هذه الآية مع قوله تعالى : إذا جاء نصر الله والفتح [(٢)](#foonote-٢) \[ النصر : ١ \] السورة إلى آخرها. 
قال القاضي أبو محمد : وهذا ضعيف من وجهين أحدهما : أن سورة،  إذا جاء نصر الله والفتح  \[ النصر : ١ \] إنما نزلت من أخر مدة النبي عليه السلام ناعية له نفسه حسبما قال ابن عباس عندما سأل عمر عن ذلك. والآخر : أن تخصيص النبي عليه السلام بالتشريف كان يذهب، لأن كل أحد من المؤمنين هو مخاطب بهذا الذي قال الطبري، أي سبح واستغفر لكي يغفر الله، ولا يتضمن هذا أن الغفران قد وقع، وما قدمناه أولاً يقتضي وقوع الغفران للنبي عليه السلام، ويدل على ذلك قول الصحابة له حين قام حتى تورمت قدماه : أتفعل هذا يا رسول الله وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر ؟ فقال :
**«أفلا أكون عبداً شكوراً »** ؟[(٣)](#foonote-٣) فهذا نص في أن الغفران قد وقع. وقال منذر بن سعيد المعنى : مجاهدتك بالله المقترنة بالفتح هي ليغفر. وحكى الثعلبي عن الحسن بن الفضل أن المعنى : إنا فتحنا لك  فاستغفر لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات  ليغفر لك  الآية، وهذا نحو قول الطبري. 
وقوله : ما تقدم من ذنبك وما تأخر  قال سفيان الثوري : ما تقدم  يريد قبل النبوءة.  وما تأخر  كل شيء لم تعلمه وهذا ضعيف، وإنما المعنى التشريف بهذا الحكم ولو لم تكن له ذنوب البتة، وأجمع العلماء على عصمة الأنبياء عليهم السلام من الكبائر ومن الصغائر التي هي رذائل، \[ وجوز بعضهم الصغائر التي ليست برذائل \][(٤)](#foonote-٤)، واختلفوا هل وقع ذلك من محمد عليه السلام أو لم يقع، وحكى الثعلبي عن عطاء الخراساني أنه قال : ما تقدم  هو ذنب آدم وحواء، أي ببركتك  وما تأخر  هي ذنوب أمتك بدعائك. قال الثعلبي : الإمامية لا تجوز الصغائر على النبي ولا على الإمام، والآية ترد عليهم. وقال بعضهم : وما تقدم  هو قوله يوم بدر :**«اللهم إن تهلك هذه العصابة لن تعبد »**.  وما تأخر  هو قوله يوم حنين :**«لن نغلب اليوم من قلة »**. 
قال القاضي أبو محمد : وإتمام النعمة عليه، هو إظهاره وتغلبه على عدوه والرضوان في الآخرة. 
وقوله تعالى : ويهديك صراطاً مستقيماً  معناه : إلى صراط، فحذف الجار فتعدى الفعل، وقد يتعدى هذا بغير حرف جر.

١ هذا الحديث سبق تخريجه في صفحة(٤٢٨، وقد أخرج البخاري، وابن جرير، وابن مردويه، عن البراء رضي الله عنه، قال: تعدون أنتم الفتح فتح مكة، وقد كان فتح مكة فتحا، ونحن نعد الفتح بيعة الرضوان يوم الحديبية... الحديث. كذلك أخرج البخاري ومسلم وغيرهما عن أنس رضي الله تعالى عنه قال: أنزلت على النبي صلى الله عليه وسلم ليغفر لك الله...الآية، فقال لقد أنزلت عليّ آية هي أحب إليّ مما على الأرض... الحديث..
٢ الآية(١) من سورة (النصر)..
٣ أخرجه ابن المنذر، وابن مردويه، وابن عساكر، عن عائشة رضي الله تعالى عنها، قالت: لما أنزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم إنا فتحنا لك فتحا مبينا الآية... اجتهد في العبادة، فقيل: يا رسول الله ما هذا الاجتهاد، وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ قال: أفلا أكون عبدا شكورا؟ وأخرج مثله ابن مردويه، والبيهقي في الأسماء والصفات، وابن عساكر، عن أبي هريرة رضي الله عنه، وأخرج مثله ابن أبي شيبة وأحمد في الزهد عن الحسن رضي الله عنه، وكذلك أخرج مثله أبو يعلى، وابن عساكر، عن أنس رضي الله عنه، وفي البخاري عن عائشة رضي الله عنها أن نبي الله صلى الله عليه وسلم كان يقوم من الليل حتى تتفطر قدماه، فقالت عائشة: لم تصنع هذا يا رسول الله وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ قال: أفلا أحب أن أكون عبدا شكورا؟ وأخرجه مسلم في الصحيح من رواية عبد الله بن وهب..
٤ سقطت هذه العبارة التي بين العلامتين\[….\] من بعض النسخ..

### الآية 48:3

> ﻿وَيَنْصُرَكَ اللَّهُ نَصْرًا عَزِيزًا [48:3]

والنصر العزيز : هو الذي معه غلبة العدو والظهور عليه، والنصر غير العزيز : هو الذي مضمنه الحماية ودفع العدو فقط.

### الآية 48:4

> ﻿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ ۗ وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۚ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا [48:4]

وإنزال السكينة في قلوب المؤمنين : وهي فعلية من السكون هو تسكينها لتلك الهدنة مع قريش حتى اطمأنت، وعلموا أن وعد الله على لسان رسوله حق فازدادوا بذلك إيماناً إلى إيمانهم الأول وكثر تصديقهم. قال ابن عباس : لما آمنوا بالتوحيد زادهم العبادات شيئاً شيئاً. فكانوا يزيدون إيماناً حتى قال تعالى لهم : اليوم أكملت لكم دينكم [(١)](#foonote-١) \[ المائدة : ٣ \] فمنحهم أكمل إيمان أهل السماوات والأرض لا إله إلا الله. وفسر ابن عباس  السكينة  بالرحمة. 
وقوله : ولله جنود السماوات والأرض  إشارة إلى تسكين النفوس أيضاً وأن تكون مسلمة، لأنه ينصر متى شاء وعلى أي صورة شاء مما لا يدبره البشر، ومن جنده : السكينة  التي أنزلها في قلوب أصحاب محمد فثبت بصائرهم. 
وقوله تعالى : وكان الله  أي كان ويكون، فهي دالة على الوجود بهذه الصفة لا معينة وقتاً ماضياً. والعلم والإحكام : صفتان مقتضيتان عزة النصر لمن أراد الموصوف بهما نصره.

١ من الآية(٣) من سورة (المائدة)..

### الآية 48:5

> ﻿لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَيُكَفِّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ ۚ وَكَانَ ذَٰلِكَ عِنْدَ اللَّهِ فَوْزًا عَظِيمًا [48:5]

قوله تعالى : ليزدادوا إيماناً مع إيمانهم  \[ الفتح : ٤ \] معناه : فازدادوا وتلقوا ذلك. فتمكن بعد ذلك قوله : ليدخل المؤمنين  أي بتكسبهم القبول لما أنزل الله عليهم. ويروى في معنى هذه الآية أنه لما نزلت : وما أدري ما يفعل بي ولا بكم [(١)](#foonote-١) \[ الأحقاف : ٩ \] تكلم فيها أهل الكتاب وقالوا : كيف نتبع من لا يدري ما يفعل به وبالناس معه ؟ فبين الله في هذه السورة ما يفعل به بقوله : ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر  \[ الفتح : ٢ \] فلما سمعها المؤمنون، قالوا : هنيئاً مريئاً، هذا لك يا رسول الله، فما لنا ؟ فنزلت هذه الآية : ليدخل المؤمنين والمؤمنات جنات تجري من تحتها الأنهار  إلى قوله : وساءت مصيراً [(٢)](#foonote-٢) فعرفه الله تعالى ما يفعل به وبالمؤمنين والكافرين. وذكر النقاش أن رجلاً من عك[(٣)](#foonote-٣) قال : هذه لك يا رسول الله، فما لنا ؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم :**«هي لي ولأمتي كهاتين »** وجمع بين أصبعيه. 
وقوله : ويكفر عنهم سيئاتهم  فيه ترتيب الجمل في السرد لا ترتيب وقوع معانيها، لأن تكفير السيئات قبل إدخالهم الجنة.

١ من الآية (٩) من سورة (الأحقاف)..
٢ أخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن مردويه، عن ابن عباس رضي الله عنهماقل ما كنت بدعا من الرسل، يقول: لست بأول الرسل، وما أدري ما يفعل بي ولا بكم، فأنزل الله بعد هذاليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر، وقوله:ليدخل المؤمنين والمؤمنات جنات الآية، فأعلم الله سبحانه نبيه ما يفعل به وبالمؤمنين جميعا.
 وأخرج عبد الرزاق، وابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، والبخاري، ومسلم، والترمذي، وابن جرير، وابن مردويه، وأبو نعيم في المعرفة، عن أنس رضي الله عنه، قال: أُنزلت على النبي صلى الله عليه وسلم:ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر مرجعه من الحديبية، فقال: لقد أُنزلت عليّ آية هي أحب إلي مما على الأرض، ثم قرأها عليهم، فقالوا: هنيئا مريئا لك يا رسول الله، قد بيّن الله لك ماذا يفعل بك، فماذا يفعل بنا؟ فنزلت عليهليدخل المؤمنين والمؤمنات جنات تجري من تحتها الأنهار حتى بلغ فوزا عظيما..
٣ اسم قبيلة..

### الآية 48:6

> ﻿وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ ۚ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ ۖ وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ ۖ وَسَاءَتْ مَصِيرًا [48:6]

وقوله : الظانين بالله ظن السوء  قيل معناه من قولهم : لن ينقلب الرسول الآية[(١)](#foonote-١) \[ الفتح : ١٢ \]، فكأنهم ظنوا بالله ظن السوء في جهة الرسول والمؤمنين، وقيل : ظنوا بالله ظن سوء، إذ هم يعتقدونه بغير صفاته، فهي ظنون سوء من حيث هي كاذبة مؤدية إلى عذابهم في نار جهنم. 
وقوله تعالى : عليهم دائرة السوء  كأنه يقوي التأويل الآخر، أي أصابهم ما أرادوه بكم، وقرأ جمهور القراء :**«دائرة السَوء »** كالأول، ورجحها الفراء، وقال : قل ما تضم العرب السين. قال أبو علي : هما متقاربان، والفتح أشد مطابقة في اللفظ. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو :**«ظن السَوء »** بفتح السين. و :****«دائرة السُوء »**** بضم السين، وهو اسم، أي ****«دائرة السُوء »**** الذي أرادوه بكم في ظنهم السوء. وقرأ الحسن : بضم السين في الموضعين، وروى ذلك عن أبي عمرو ومجاهد، وسمى المصيبة التي دعا بها عليهم : دائرة ، من حيث يقال في الزمان إنه يستدير، ألا ترى أن السنة والشهر كأنها مستديرات، تذهب على ترتيب، وتجيء من حيث هي تقديرات للحركة العظمى، ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم : إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السماوات والأرض [(٢)](#foonote-٢) فيقال للأقدار والحوادث التي هي في طي الزمان دائرة، لأنها تدور بدوران الزمان، كأنك تقول : إن أمراً كذا يكون في يوم كذا من سنة كذا، فمن حيث يدور ذلك اليوم حتى يبرز إلى الوجود تدور هي أيضاً فيه، وقد قالوا : أربعاء لا تدور، ومن هذا قول الشاعر :\[ الرجز \]
\*ودائرات الدهر قد تدورا\*[(٣)](#foonote-٣)
ومنه قول الآخر :\[ الطويل \]
ويعلم أن النائبات تدور. . . [(٤)](#foonote-٤)
وهذا كثير ويحسن أن تسمى المصيبة دائرة من حيث كمالها أن تحيط بصاحبها كما يحيط شكل الدائرة على السواء من النقطة، وقد أشار النقاش إلى هذا المعنى  وغضب الله  تعالى متى قصد به الإرادة فهو صفة ذات، ومتى قصد به ما يظهر من الأفعال على المغضوب عليه فهي صفة فعل.  ولعنهم  معناه : أبعدهم من رحمته.

١ من قوله تعالى في الآية(١٢) من هذه السورة:بل ظننتم أن لن ينقلب الرسول والمؤمنون إلى أهليهم أبدا..
٢ أخرجه البخاري في تفسير سورة التوبة، وفي بدء الخلق والمغازي والأضاحي والتوحيد، وأخرجه مسلم في القسامة، وأبو داود في المناسك، والإمام أحمد في مسنده(٥-٣٧، ٧٣)، ولفظه كما في مسند أحمد عن أبي بكرة أن النبي صلى الله عليه وسلم خطب في حجته فقال:(ألا إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السماوات والأرض، السنة اثنا عشر شهرا منها أربعة حرم، ثلاث متواليات: ذو القعدة وذو الحجة والمحرم ورجب مضر الذي بين جمادى وشعبان، ثم قال: ألا أيُّ يوم هذا؟ قلنا: الله ورسوله أعلم، فسكت حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه، قال: أليس يوم النحر؟ قلنا: بلى، ثم قال: أي شهر هذا؟ قلنا: الله ورسوله أعلم، فسكت حتى ظننا انه سيسميه بغير اسمه، فقال: أليس ذا الحجة؟ قلنا: بلى، ثم قال: أي بلد هذا؟ قلنا: الله ورسوله أعلم، فسكت حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه، قال: أليست البلدة؟ قلنا: بلى، قال: فإن دماؤكم وأموالكم-قال: وأحسبه قال وأعراضكم-عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا، وستلقون ربكم فيسألكم عن أعمالكم، ألا لا ترجعوا بعدي ضلالا يضرب بعضكم رقاب بعض، ألا هل بلغت؟ ألا ليبلغ الشاهد منكم الغائب، فلعل من يبلغه يكون أوعى له من بعض من يسمعه) قال محمد: وقد كان ذاك، قال: قد كان بعض من بُلِّغه أوعى من بعض سامعيه..
٣ هذا البيت من الرجز، وقبله يقول الراجز: 
 ترد عنك القدر المقدورا
 والدائرات: جمع دائرة، وهي ما أحاط بالشيء من كل ناحية، ودائرات الدهر هي حوادثه التي خفيها الزمان، تدور بدوران الزمان، فمرة تصيب هذا، ومرة تصيب ذاك، ولم أقف على اسم القائل..
٤ النائبات: جمع نائبة، وهي المصيبة التي تصيب الإنسان، أو الكارثة التي تنزل به، ومعنى هذا الشطر من الشعر أن مصائب الدهر تدور على الناس ولا تترك أحدا، فهي مرة تصيب واحدا ومرة ثانية تصيب غيره، وهكذا. ولم أقف على بقية البيت ولا قائله..

### الآية 48:7

> ﻿وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۚ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا [48:7]

وقال تعالى في هذه  وكان الله عزيزاً حكيماً  فذكر صفة العزة من حيث تقدم الانتقام من الكفار، وفي التي قبل قرن بالحكمة والعلم من حيث وعده بمغيبات، وقرن باللفظتين ذكر جنود الله تعالى التي منها السكينة ومنها نقمة من المنافقين والمشركين، فلكل لفظ وجه من المعنى، وقال ابن المبارك في كتاب النقاش : جنود الله في السماء، الملائكة، وفي الأرض الغزاة في سبيل الله. قال عبد الحق : وهذا بعض من كل.

### الآية 48:8

> ﻿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا [48:8]

من جعل الشاهد محصل الشهادة من يوم يحصلها، فقوله : شاهداً  حال واقعة. ومن جعل الشاهد مؤدي الشهادة، فهي حال مستقبلة. وهي التي يسميها النحاة المقدرة، المعنى : شاهداً  على الناس بأعمالهم وأقوالهم حين بلغت إليهم الشرع  ومبشراً  معناه : أهل الطاعة برحمة الله  ونذيراً  معناه : أهل الكفر تنذرهم من عذاب الله.

### الآية 48:9

> ﻿لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا [48:9]

وقرأ جمهور الناس في كل الأمصار :**«لتؤمنوا بالله »** على مخاطبة الناس، على معنى قل لهم، وكذلك الأفعال الثلاثة بعد، وقرأ أبو عمرو بن العلاء وابن كثير وابو جعفر :**«ليؤمنوا »** بالياء على استمرار خطاب محمد عليه السلام، وكذلك الأفعال الثلاثة بعد. وقرأ الجحدري :**«وتَعْزُروه »** بفتح التاء وسكون العين وضم الزاي. وقرأ محمد بن السميفع اليماني وابن عباس :**«وتعززوه »** بزاءين، من العزة. وقرأ جعفر بن محمد :**«وتَعْزِروه »** بفتح التاء وسكون العين وكسر الزاي ومعنى : تعزروه  تعظموه وتكبروه، قاله ابن عباس : وقال قتادة معناه : تنصروه بالقتال وقال بعض المتأولين : الضمائر في قوله : وتعزروه وتوقروه وتسبحوه  هي كلها لله تعالى. وقال الجمهور : تعزروه وتوقروه  هما للنبي عليه السلام،  وتسبحوه  هي لله، وهي صلاة البردين[(١)](#foonote-١). 
وقرأ عمر بن الخطاب :**«وتسبحوا الله »**، وفي بعض ما حكى أبو حاتم :**«وتسبحون الله »**، بالنون، وقرأ ابن عباس :**«ولتسبحوا الله »**. والبكرة : الغدو. والأصيل : العشي.

١ قال في اللسان: البردان والأبردان: الظل والفيء، سميا بذلك لبردهما... وقيل: هما الغداة والعشي، وفي الحديث:(من صلى البردين دخل الجنة)، وفي حديث ابن الزبير:(كان يسير بنا الأبردين)، وفي حديثه الآخر مع فضالة بن شريك:(وسر بها البردين)..

### الآية 48:10

> ﻿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ ۚ فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَىٰ نَفْسِهِ ۖ وَمَنْ أَوْفَىٰ بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا [48:10]

وقوله تعالى : إن الذين يبايعونك  يريد في بيعة الرضوان، وهي بيعة الشجرة حين أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم الأهبة لقتال قريش لما بلغه قتل عثمان بن عفان رسوله إليهم، وذلك قبل أن ينصرف من الحديبية، وكان في ألف وأربعمائة رجل. قال النقاش : وقيل كان في ألف وثمانمائة، وقيل وسبعمائة، وقيل وستمائة، وقيل ومائتين. 
قال القاضي أبو محمد : وبايعهم رسول الله صلى الله عليه وسلم على الصبر المتناهي في قتال العدو إلى أقصى الجهد، حتى قال سلمة بن الأكوع[(١)](#foonote-١) وغيره : بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على الموت، وقال عبد الله بن عمر وجابر بن عبد الله : بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على أن لا نفر. 
والمبايعة في هذه الآية مفاعلة من البيع، لأن الله تعالى اشترى منهم أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة، وبقي اسم البيعة بعد معاقدة الخلفاء والملوك، وعلى هذا سمت الخوارج أنفسهم الشراة، أي اشتروا بزعمهم الجنة بأنفسهم. ومعنى : إنما يبايعون الله  أن صفقتهم إنما يمضيها ويمنح ثمنها الله تعالى. 
وقرأ تمام بن العباس بن عبد المطلب[(٢)](#foonote-٢) : إنما يبايعون الله . قال أبو الفتح : ذلك على حذف المفعول لدلالة الأول عليه وقربه منه[(٣)](#foonote-٣). 
وقوله تعالى : يد الله  قال جمهور المتأولين : اليد، بمعنى : النعمة، أي نعمة الله في نفس هذه المبايعة لما يستقبل من محاسنها.  فوق أيديهم  التي مدوها لبيعتك. وقال آخرون : يد الله  هنا، بمعنى : قوة الله فوق قواهم، أي في نصرك ونصرهم، فالآية على هذا تعديد نعمة عليهم مستقبلة مخبر بها، وعلى التأويل الأول تعديد نعمة حاصلة تشرف بها الأمر. قال النقاش  يد الله  في الثواب. 
وقوله : فمن نكث  أي فمن نقض هذا العهد فإنما يجني على نفسه وإياها يهلك، فنكثه عليه لا له. 
وقرأ جمهور القراء :**«بما عاهد عليه الله »** بالنصب على التعظيم. وقرأ ابن أبي إسحاق :**«ومن أوفى بما عاهد عليه اللهُ »** بالرفع، على أن الله هو المعاهد. وقرأ حفص عن عاصم :**«عليهُ »** مضمومة الهاء، وروي ذلك عن ابن أبي إسحاق. والأجر العظيم : الجنة، لا يفنى نعيمها ولا ينقضي أمرها. 
وقرأ عاصم وأبو عمرو وحمزة والكسائي والعامة :**«فسيؤتيه »** بالياء. وقرأ ابن كثير ونافع وابن عامر :**«فسنؤتيه »** بالنون. وفي مصحف ابن مسعود :**«فسيؤتيه الله »**.

١ هو سلمة بن عمرو بن الأكوع الأسلمي، أبو مسلم أو أبو إياس، شهد بيعة الرضوان، ومات سنة أربع وسبعين.(تقريب التهذيب)..
٢ هو تمام بن العباس بن عبد المطلب الهاشمي، أمه أم ولد، كان العاس يقول: تموا بتمام فصاروا عشرة، قال عنه ابن السكن:"كان أصغر إخوته، وكان أشد قريش بطشا"، وقال ابن حبان:"حديثه عن النبي صلى الله عليه وسلم مرسل، وإنما رواه عن أبيه"، وقد ولي تمّام المدينة في زمان علي كرم الله وجهه.(الإصابة)..
٣ وبقية كلام أبي الفتح كما جاء في المحتسب:"فكأنه قال: إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله، فحذف المفعول الثاني لقربه من الأول، وأنه أيضا بلفظه وعلى وضعه، وهذا المعنى هو راجع إلى معنى القراءة العامةإنما يبايعون الله، أي: إنما يفعلون ذلك لله، إلا أنها أفخم معنى من قوله:(لله)، أي: إنما المعاملة في ذلك معه، فهو أعلى لها وأرجح بها"(المحتسب ٢-١٧٥)..

### الآية 48:11

> ﻿سَيَقُولُ لَكَ الْمُخَلَّفُونَ مِنَ الْأَعْرَابِ شَغَلَتْنَا أَمْوَالُنَا وَأَهْلُونَا فَاسْتَغْفِرْ لَنَا ۚ يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ ۚ قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ لَكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ بِكُمْ ضَرًّا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ نَفْعًا ۚ بَلْ كَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا [48:11]

المخلفون من الأعراب  قال مجاهد وغيره : هم جهينة ومزينة ومن كان حول المدينة من القبائل، فإنهم في خروج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى عمرته عام الحديبية رأوا أنه يستقبل عدواً عظيماً من قريش وثقيف وكنانة والقبائل المجاورة لمكة، وهم الأحابيش، ولم يكن تمكن إيمان أولئك الأعراب المجاورين للمدينة فقعدوا عن النبي عليه السلام وتخلفوا، وقالوا لن يرجع محمد ولا أصحابه من هذه السفرة، ففضحهم الله في هذه الآية، وأعلم محمد بقولهم واعتذارهم قبل أن يصل إليهم، فكان كذلك، قالوا : شغلتنا الأموال والأهلون فاستغفر لنا، وهذا منهم خبث وإبطال، فلذلك قال تعالى : يقولون بألسنتهم ما ليس في قلوبهم [(١)](#foonote-١) قال الرماني : لا يقال أعرابي إلا لأهل البوادي خاصة، ثم قال لنبيه عليه السلام  قل  لهم : فمن يملك لكم من الله شيئاً  أي من يحمي منه أموالكم وأهليكم إن أراد بكم فيها سوءاً. 
وقرأ جمهور القراء :**«إن أراد بكم ضَراً »** بفتح الضاد. وقرأ حمزة والكسائي :**«ضُراً »** بالضم، ورجحها أبو علي وهما لغتان. وفي مصحف ابن مسعود. **«إن أراد بكم سوءاً »**. ثم رد عليهم بقوله : بل كان الله بما تعملون خبيراً . 
١ قال في اللسان:"رجل أعرابي بالألف إذا كان بدويا صاحب نجعة وانتواء وارتياد للكلأ، وتتبع لمساقط الغيث... ويُجمع الأعرابي على الأعراب والأعاريب، والأعرابي إذا قيل له: يا عربي!فرح بذلك وهش له، والعربي إذا قيل له: يا أعرابي!غضب له"..

### الآية 48:12

> ﻿بَلْ ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَنْقَلِبَ الرَّسُولُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلَىٰ أَهْلِيهِمْ أَبَدًا وَزُيِّنَ ذَٰلِكَ فِي قُلُوبِكُمْ وَظَنَنْتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ وَكُنْتُمْ قَوْمًا بُورًا [48:12]

ثم فسر لهم العلة التي تخلفوا من أجلها بقوله : بل ظننتم  الآية، وفي قراءة عبد الله :**«إلى أهلهم »** بغير ياء. و : بوراً  معناه : فاسدين هلكى بسبب فسادهم. والبوار : الهلاك. وبارت السلعة، مأخوذ من هذا. وبور : يوصف به الجمع والإفراد، ومنه قول ابن الزبعرى :\[ الخفيف \]
يا رسول المليك إن لساني. . . راتق ما فتقت إذ أنا بور[(١)](#foonote-١)
والبور في لغة أزد عمان : الفاسد، ومنه قول أبي الدرداء : فأصبح ما جمعوا بوراً، أي فاسداً ذاهباً، ومنه قول حسان بن ثابت :
لا ينفع الطول من نوك القلوب وقد. . . يهدي الإله سبيل المعشر البور[(٢)](#foonote-٢)
وقال الطبري في قوله تعالى : يقولون بألسنتهم ما ليس في قلوبهم  يعني به قولهم : فاستغفر لنا  لأنهم قالوا ذلك مصانعة من غير توبة ولا ندم، قال وقوله تعالى : قل فمن يملك  الآية، معناه : وما ينفعكم استغفاري، وهل أملك لكم شيئاً والله قد أراد ضركم بسبب معصيتكم كما لا أملك إن أراد بكم النفع في أموالكم وأهليكم.

١ ابن الزبعري هو عبد الله بن الزبعري السهمين والبيت في اللسان والطبري والقرطبي، والتاج، ورواية اللسان: يا رسول الإله، وهو يخاطب النبي صلى الله عليه وسلم معتذرا عن هجائه الذي سبق محاولا إصلاح ما فسد، والرتق ضد الفتق، أو هو إصلاح الفتق، والبور: الهالك، والشاهد أن الشاعر استعمل كلمة"بور" للمفرد، وهي في الآية جاءت للجمع، فهي مما يوصف به الجمع والمفرد..
٢ البيت لحسان بن ثابت قاله في هجاء قوم، يقول: إن طول أجسامهم لا خير فيه ما داموا حمقى، والبور في البيت بمعنى الفاسدين، وقد يكون هنا جمع بائر مثل حول وحائل، وحكى الفراء عن بعضهم أنه لغة وليس بجمع بائر، والنوك: الحُمق، والأنوك: الأحمق، والبيت شاهد على أن البُور هو الفاسد..

### الآية 48:13

> ﻿وَمَنْ لَمْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ فَإِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَعِيرًا [48:13]

لما قال لهم : وكنتم قوماً بوراً  \[ الفتح : ١٢ \] توعدهم بعد ذلك بقوله : ومن لم يؤمن بالله ورسوله  الآية، وأنتم هكذا فأنتم ممن أعدت لهم السعير، وهي النار المؤججة. والمسعر : ما يحرك به النار، ومنه قوله عليه السلام :**«ويل من مسعر حرب »**[(١)](#foonote-١).

١ الحديث أخرجه البخاري في الشروط، وأبو داود في الجهاد، والإمام أحمد في مسنده(٤-٣٣١)، وهو حديث طويل، عن المِسور بن مخرمة، ومروان، يصدق كل واحد منهما حديث صاحبه، وهو عن غزوة الحديبية، وفيه أن أبا بصير، وهو رجل من قريش جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد أن عاد إلى المدينة، وأرسلت قريش رجلين في طلبه من الرسول صلى الله عليه وسلم، فدفعه إلى الرجلين تنفيذا لما تم الاتفاق عليه في عهد الحديبية، ولكن أبا بصير احتال حتى قتل أحد الرجلين وفرّ الآخر منه، وعاد أبو بصير إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: يا نبي الله قد أوفى الله ذمتك، قد رددتني إليهم ثم أنجاني الله منهم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم:(ويل أمه مِسعر حرب لو كان له أحد)، فالرسول صلى الله عليه وسلم يصفه بالمبالغة في الحرب والنجدة..

### الآية 48:14

> ﻿وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۚ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ ۚ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا [48:14]

ثم رجى بقوله تعالى : ولله ملك السماوات والأرض ، الآية : لأن القوم لم يكونوا مجاهرين بالكفر، فلذلك جاء وعيدهم وتوبيخهم ممزوجاً فيه بعض الإمهال والترجية، لأن الله تعالى قد كان علم منهم أنهم سيؤمنون.

### الآية 48:15

> ﻿سَيَقُولُ الْمُخَلَّفُونَ إِذَا انْطَلَقْتُمْ إِلَىٰ مَغَانِمَ لِتَأْخُذُوهَا ذَرُونَا نَتَّبِعْكُمْ ۖ يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلَامَ اللَّهِ ۚ قُلْ لَنْ تَتَّبِعُونَا كَذَٰلِكُمْ قَالَ اللَّهُ مِنْ قَبْلُ ۖ فَسَيَقُولُونَ بَلْ تَحْسُدُونَنَا ۚ بَلْ كَانُوا لَا يَفْقَهُونَ إِلَّا قَلِيلًا [48:15]

ثم إن الله تعالى أمر نبيه على ما روي بغزو خيبر ووعده بفتحها، وأعلمه أن المخلفين إذا رأوا مسير رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى يهود وهم عدو مستضعف، طلبوا الكون معه رغبة في عرض الدنيا والغنيمة فكان كذلك. 
وقوله تعالى : يريدون أن يبدلوا كلام الله  معناه : يريدون أن يغيروا وعده لأهل الحديبية بغنيمة خيبر. وقال عبد الله بن زيد بن أسلم  كلام الله  قوله تعالى : فقل لن تخرجوا معي أبداً ولن تقاتلوا معي عدواً [(١)](#foonote-١) \[ التوبة : ٨٣ \] وهذا قول ضعيف، لأن هذه الآية نزلت في رجوع رسول الله صلى الله عليه وسلم من تبوك، وهذا في آخر عمره، وآية هذه السورة نزلت سنة الحديبية، وأيضاً فقد غزت جهينة ومزينة بعد هذه المدة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد فضلهم رسول الله بعد ذلك على تميم وغطفان وغيرهم من العرب، الحديث المشهور فأمره الله تعالى أن يقول لهم في هذه الغزوة إلى خيبر : لن تتبعونا  وخص الله بها أهل الحديبية. 
وقوله تعالى : كذلكم قال الله من قبل  يريد وعده قبل باختصاصهم بها، وقول الأعراب : بل تحسدوننا  معناه : بل يعز عليكم أن نصيب مغنماً ومالاً، فرد الله على هذه المقالة بقوله : بل كانوا لا يفقهون إلا قليلاً  أي لا يفقهون من الأمور مواضع الرشد، وذلك هو الذي خلفهم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى كان ذلك سبباً إلى منعهم من غزوة خيبر. 
وقرأ أبو حيوة :**«تحسِدوننا »** بكسر السين. وقرأ الجمهور من القراء :**«كلام »** قال أبو علي : هو أخص بما كان مفيداً حديثاً. وقرأ الكسائي وحمزة وابن مسعود وطلحة وابن وثاب :**«كلم »** والمعنى فيهما متقارب.

١ من الآية(٨٣) من سورة (التوبة)..

### الآية 48:16

> ﻿قُلْ لِلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الْأَعْرَابِ سَتُدْعَوْنَ إِلَىٰ قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ ۖ فَإِنْ تُطِيعُوا يُؤْتِكُمُ اللَّهُ أَجْرًا حَسَنًا ۖ وَإِنْ تَتَوَلَّوْا كَمَا تَوَلَّيْتُمْ مِنْ قَبْلُ يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا [48:16]

أمر الله نبيه عليه السلام بالتقدمة إلى هؤلاء المخلفين بأنهم سيؤمرون بقتال عدو بئيس، وهذا يدل على أنهم كانوا يظهرون الإسلام، وإلا فلم يكونوا أهلاً لهذا الأمر، واختلف الناس من القوم المشار إليهم في قوله : إلى قوم أولي بأس شديد  فقال عكرمة وابن جبير وقتادة : هم هوازن ومن حارب رسول الله صلى الله عليه وسلم في حنين. 
قال القاضي أبو محمد : ويندرج في هذا القول عندي من حورب وغلب في فتح مكة. 
وقال كعب : هم الروم الذين خرج إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم عام تبوك والذين بعث إليهم في غزوة مؤتة. وقال الزهري والكلبي : هم أهل الردة وبنو حنيفة باليمامة. 
وقال منذر بن سعيد : يتركب على هذا القول أن الآية مؤذنة بخلافة أبي بكر الصديق وعمر بن الخطاب رضي الله عنهما، يريد لما كشف الغيب أنهما دعوا إلى قتال أهل الردة. وحكى الثعلبي عن رافع بن خديج أنه قال : والله لقد كنا نقرأ هذه الآية فيما مضى ولا نعلم من هم، حتى دعا أبو بكر إلى قتال بني حنيفة فعلمنا أنهم أريدوا. وقال ابن عباس وابن أبي ليلى : هم الفرس. وقال الحسن : هم فارس والروم. وقال أبو هريرة : هم قوم لم يأتوا بعد، والقولان الأولان حسنان، لأنهما الذي كشف الغيب وباقيهما ضعيف. وقال منذر بن سعيد : رفع الله في هذه الجزية، وليس إلا القتال أو الإسلام، وهذا لا يوجد إلا في أهل الردة. 
قال القاضي أبو محمد : وهو من حورب في فتح مكة. وقرأ الجمهور من القراء :**«أو يسلمون »** على القطع، أي أو هم يسلمون دون حرب. وقرأ أبيّ بن كعب فيما حكى الكسائي :**«أو يسلموا »** بنصب الفعل على تقدير : أو يكون أن يسلموا، ومثله من الشعر قول امرئ القيس :\[ الطويل \]
فقلت له لا تبك عيناك إنما. . . نحاول ملكاً أو نموت فنعذرا[(١)](#foonote-١)
يروى :**«نموتَ »** بالنصب. و **«نموتُ »** بالرفع، فالنصب على تقدير : أو يكون أن نموت، والرفع على القطع، أو نحن نموت. 
وقوله : فإن تطيعوا  معناه : فيما تدعون إليه، والعذاب الذي توعدهم : يحتمل أن يريد به عذاب الدنيا، وأما عذاب الآخرة فبين فيه.

١ قال امرؤ القيس هذا البيت يخاطب الشاعر عمرو بن قُميئة حين صحبه في رحلته إلى بيزنطة ليستعدي قيصر على بني أسد، وهو في الديوان، والخصائص، وابن يعيش، والكتاب، والخزانة، والأشموني، وقبله يقول:
 بكى صاحبي لما رأى الدرب دونه وأيقن أنا لاحقان بقيصرا
 يقول لصاحبه: لا تبك بسبب الغربة والبعد، فإننا نسعى من أجلك الملك، فإما نحقق ما نريد وإما أن نموت فيكون لنا العذر، والشاهد فيه هو نصب"نموت" بإضمار"أن"، لأنه لم يرد في البيت معنى العطف، وسيبويه يقول:"واعلم أن معنى ما انتصب بعد"أو" على "إلا أن"، فالمعنى هنا: على إلا أن نموت فنُعذرا، والرفع جائز، قال سيبويه:"ولو رفعت لكان عربيا جائزا على وجهين: على أن تُشرك بين الأول والثاني، وعلى أن يكون مبتدأ مقطوعا من الأول، يعني: أو نحن ممن يموت"، وقد ذكر ابن عطية الوجه الثاني للرفع، ويُروى البيت: فنُعْذِرا-بكسر الذال- والمعنى على هذا: نبلغ العذر..

### الآية 48:17

> ﻿لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَىٰ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ ۗ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ۖ وَمَنْ يَتَوَلَّ يُعَذِّبْهُ عَذَابًا أَلِيمًا [48:17]

لما بالغ عز وجل في عتب هؤلاء المتخلفين من القبائل المجاورة للمدينة لجهينة ومزينة وغفار وأسلم وأشجع، عقب ذلك بأن عذر أهل الأعذار من العرج والعمى والمرض جملة ورفع الحرج عنهم والضيق والمأثم، وهذا حكم هؤلاء المعاذير في كل جهاد إلى يوم القيامة، إلا أن يحزب حازب في حضرة ما، فالفرض متوجه بحسب الوسع، ومع ارتفاع الحرج فجائز لهم الغزو وأجرهم فيه مضاعف، لأن الأعرج أحرى الناس بالصبر وأن لا يفر، وقد غزا ابن أم مكتوم، وكان يمسك الراية في بعض حروب القادسية، وقد خرج النسائي هذا المعنى وذكر ابن أم مكتوم رضي الله عنه[(١)](#foonote-١). 
وقرأ الجمهور من القراء :**«يدخله »** بالياء. وقرأ ابن عامر ونافع وأبو جعفر والأعرج والحسن وشيبة وقتادة :**«ندخله »** بالنون، وكذلك **«نعذبه »** و :**«يعذبه »**.

١ وقد روى أبو داود عن انس رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:(لقد تركتم بالمدينة أقوما ما سرتم مسيرا ولا أنفقتم من نفقة ولا قطعتم من واد إلا وهم معكم فيه)، قالوا: يا رسول الله، وكيف يكونون معنا وهم بالمدينة؟ قال:(حبسهم العذر) والله تعالى يقول:{ليس على الضعفاء ولا على المرضى ولا على الذين لا يجدون ما ينفقون حرج)..

### الآية 48:18

> ﻿۞ لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا [48:18]

وقوله تعالى : لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة  تشريف وإعلام برضاه عنهم حين البيعة، وبهذا سميت بيعة الرضوان. والرضى بمعنى الإرادة، فهو صفة ذات. ومن جعل  إذ  مسببة بمعنى لأنهم بايعوا تحت الشجرة، جاز أن يجعل  رضي  بمعنى إظهار النعم عليهم بسبب بيعتهم، فالرضى على هذا صفة فعل، وقد تقدم القول في المبايعة ومعناها. 
وكان سبب هذه المبايعة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أراد أن يبعث إلى مكة رجلاً يبين على قريش أن النبي صلى الله عليه وسلم لا يريد حرباً، وإنما جاء معتمراً، فبعث إليهم خراش بن أمية الخزاعي[(١)](#foonote-١) وحمله على جمل يقال له الثعلب، فلما كلمهم، عقروا الجمل، وأرادوا قتل خراش، فمنعه الأحابيش، فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فأراد بعث عمر بن الخطاب، فقال له عمر : يا رسول الله أنا قد علمت فظاظتي على قريش وهم يبغضونني، وليس هناك من بني عدي بن كعب من يحميني، ولكن ابعث عثمان بن عفان، فبعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فذهب فلقيه أبان بن سعيد بن العاصي، فنزل عن دابته فحمله عليها وأجاره، حتى إذا جاء قريشاً فأخبرهم، فقالوا له : إن شئت يا عثمان أن تطوف بالبيت فطف، وأما دخولكم علينا فلا سبيل إليه، فقال عثمان : ما كنت لأطوف به حتى يطوف به رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم إن بني سعيد بن العاصي حبسوا عثمان على جهة المبرة، فأبطأ على رسول الله صلى الله عليه وسلم وكانت الحديبية من مكة على عشرة أميال، فصرخ صارخ من عسكر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فحمى رسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنون، وقالوا : لا نبرح إن كان هذا حتى نلقى القوم، فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى البيعة، ونادى مناديه : أيها الناس، البيعة البيعة، نزل روح القدس، فما تخلف عن البيعة أحد ممن شهد الحديبية إلا الجد بن قيس المنافق، وحينئذ جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يده على يده وقال :
**«هذه يد لعثمان، وهي خير من يد عثمان ثم جاء عثمان بعد ذلك سالماً »**. 
والشجرة سمرة[(٢)](#foonote-٢) كانت هنالك، ذهبت بعد سنين، فمر عمر بن الخطاب رضي الله عنه في خلافته فاختلف أصحابه في موضعها، فقال عمر سيروا هذا التكلف[(٣)](#foonote-٣). 
وقوله تعالى : فعلم ما في قلوبهم  قال قوم معناه : من كراهة البيعة على الموت ونحوه وهذا ضعيف، فيه مذمة للصحابة. وقال الطبري ومنذر بن سعيد معناه : من الإيمان وصحته والحب في الدين والحرص عليه، وهذا قول حسن، لكنه من كانت هذه حاله فلا يحتاج إلى نزول ما يسكنه، أما أنه يحتمل أن يجازى ب  السكينة  والفتح القريب والمغانم. 
وقال آخرون معناه : من الهم بالانصراف عن المشركين والأنفة في ذلك على نحو ما خاطب فيه عمر رضي الله عنه وغيره[(٤)](#foonote-٤)، وهذا تأويل حسن يترتب معه نزول  السكينة  والتعريض بالفتح القريب. و  السكينة  هنا تقرير قلوبهم وتذليلها لقبول أمر الله تعالى والصبر له. 
وقرأ الناس :**«وأثابهم »** قال هارون وقد قرئت :**«وأتابهم »** بالتاء بنقطتين والفتح القريب : خيبر، و ذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم انصرف بالمؤمنين إلى المدينة وقد وعده الله بخيبر وخرج إليها لم يلبث، قال أبو جعفر النحاس، وقد قيل : الفتح القريب : فتح مكة.

١ هو خراش بن أمية بن ربيعة بن الفضل الخزاعي، ثم الكلبي، شهد المُريسيع والحديبية، وحلق رأس رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ. أو في العمرة التي تليها، قال ابن السكن: روي عنه حديثا واحدا، وقيل: إنه شهد خيبر وما بعدها..
٢ السَّمُرَةُ: ضرب من شجر الطلح، جمعه: أسمر، والطلح: شجر عظام من شجر العضاه ترعاه الإبل..
٣ الخبر كما رواه ابن جرير كاملا يقول:"زعموا أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه مرّ بذلك المكان بعد أن ذهبت الشجرة، فقال: أن كانت؟ فجعل بعضهم يقول: هنا، ويعضهم يقول: ها هنا، فلما كثر اختلافهم قال: سيروا هذا التكلف، فذهبت الشجرة وكانت سمراء، إما ذهب بها سيل وإما شيء سوى ذلك..
٤ وذلك أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم بعد عقد صلح الحديبية، وقال: يا رسول الله، ألسنا على حق وهم على باطل؟ قال: بلى، قال: أليس قتلانا في الجنة وقتلاهم في النار؟ قال: بلى، قال: ففيم نعطي الدنية في ديننا ونرجع ولما يحكم الله بيننا وبينهم؟ فقال: يا ابن الخطاب إني رسول الله ولن يضيعني الله أبدا، فانطلق عمر فلم يصبر متغيظا فأتى أبا بكر فقال له مثل ما قال للنبي صلى الله عليه وسلم، وأجابه أبو بكر رضي الله عنه بمثل ما أجاب صلوات الله وسلامه عليه، فلم يلبث أن نزل القرآن الكريم على النبي صلى الله عليه وسلم بالفتح، فأرسل إلى عمر فأقرأه إياه، فقال: يا رسول الله، أو فتح هو؟ قال: نعم، فطابت نفسه..

### الآية 48:19

> ﻿وَمَغَانِمَ كَثِيرَةً يَأْخُذُونَهَا ۗ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا [48:19]

والمغانم الكثيرة : فتح خيبر. وقرأ يعقوب في رواية رويس :**«تأخذونها »** على مخاطبتهم بالتاء من فوق. وقرأ الجمهور :**«يأخذونها »** على الغيبة. 
واختلف في عدة المبايعين فقيل : ألف وخمسمائة، قاله قتادة، وقيل : وأربعمائة قاله جابر بن عبد الله، وقيل : وخمسمائة وخمسة وعشرون، قاله ابن عباس، وقيل : وثلاثمائة قاله ابن أبي أوفى، وقيل غير هذا مما ذكرناه من قبل، وأول من بايع في ذلك رجل من بني أسد يقال له أبو سنان بن وهب قاله الشعبي.

### الآية 48:20

> ﻿وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغَانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَهَا فَعَجَّلَ لَكُمْ هَٰذِهِ وَكَفَّ أَيْدِيَ النَّاسِ عَنْكُمْ وَلِتَكُونَ آيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ وَيَهْدِيَكُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا [48:20]

قوله تعالى : وعدكم الله  الآية مخاطبة للمؤمنين ووعد بجميع المغانم التي أخذها المسلمون ويأخذونها إلى يوم القيامة، قاله مجاهد وغيره. 
وقوله : فعجل لكم هذه  يريد خيبر، وقال زيد بن أسلم وابنه، المغانم الكثيرة : خيبر، و : هذه  إشارة إلى البيعة والتخلص من أمر قريش، وقاله ابن عباس : وقوله  وكف أيدي الناس عنكم  يريد من ولي عورة المدينة بعد خروج النبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنين منها، وذلك أنه كان من أحياء العرب ومن اليهود من يعادي وكانت قد أمكنتهم فرصة فكفهم الله عن ذراري المسلمين وأموالهم، وهذه للمؤمنين العلامة على أن الله ينصرهم ويلطف لهم، قاله قتادة. وحكى الثعلبي أنه قال : كف الله غطفان ومن معها عن النبي صلى الله عليه وسلم حين جاؤوا لنصر أهل خيبر، وذكره النقاش وقال الثعلبي أيضاً عن بعضهم إنه أراد كف قريش.

### الآية 48:21

> ﻿وَأُخْرَىٰ لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْهَا قَدْ أَحَاطَ اللَّهُ بِهَا ۚ وَكَانَ اللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا [48:21]

وقوله : وأخرى لم تقدروا عليها  قال عبد الله بن عباس : الإشارة إلى بلاد فارس والروم. وقال الضحاك : الإشارة إلى خيبر. وقال قتادة والحسن : الإشارة إلى مكة، وهذا هو القول الذي يتسق معه المعنى ويتأيد. 
وقوله : قد أحاط الله بها  معناه بالقدرة والقهر لأهلها، أي قد سبق في علمه ذلك وظهر فيها أنهم لم يقدروا عليها.

### الآية 48:22

> ﻿وَلَوْ قَاتَلَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوَلَّوُا الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا [48:22]

وقوله : ولو قاتلكم الذين كفروا لولوا الأدبار  إشارة إلى قريش ومن والاها في تلك السنة، قاله قتادة، وفي هذا تقوية لنفوس المؤمنين، وقال بعض المفسرين : أراد الروم وفارس. 
قال القاضي أبو محمد : وهذا ضعيف، وإنما الإشارة إلى العدو الأحضر.

### الآية 48:23

> ﻿سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلُ ۖ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا [48:23]

وقوله : سنة الله  إشارة إلى وقعة بدر، وقيل إشارة إلى عادة الله من نصر الأنبياء قديماً، ونصب  سنة  على المصدر، ويجوز الرفع ولم يقرأ به.

### الآية 48:24

> ﻿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ ۚ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا [48:24]

وقوله تعالى : وهو الذي كف أيديهم  الآية، روي في سببها أن قريشاً جمعت جماعة من فتيانها وجعلوهم مع عكرمة بن أبي جهل وخرجوا يطلبون غرة في عسكر رسول الله صلى الله عليه وسلم، واختلف الناس في عدد هؤلاء اختلافاً متفاوتاً، فلذلك اختصرته فلما أحس بهم المسلمون بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم في أثرهم خالد بن الوليد وسماه حينئذ سيف الله في جملة من المسلمين، ففروا أمامهم حتى أدخلوهم بيوت مكة وأسروا منهم جملة، فسيقوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فمن عليهم وأطلقهم، فهذا هو أن كف الله أيديهم عن المسلمين بالرعب وكف أيدي المسلمين عنهم بالنهي في بيوت مكة وغيرها وذلك هو ****«بطن مكة »****. وقال قتادة : أسر النبي الله صلى الله عليه وسلم هذه الجملة بالحديبية عند عسكره ومن عليهم، وذلك هو ****«بطن مكة »****. قال النقاش : الحرام كله  مكة ، والظفر عليهم هو أسر من أسر منهم، وباقي الآية تحريض على العمل الصالح، لأن من استشعر أن الله يبصر عمله أصلحه. 
وقرأ الجمهور من القراء :**«بما تعملون »** بالتاء على الخطاب. وقرأ أبو عمرو وحده :**«بما يعملون »** بالياء على ذكر الكفار وتهددهم.

### الآية 48:25

> ﻿هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ ۚ وَلَوْلَا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُؤْمِنَاتٌ لَمْ تَعْلَمُوهُمْ أَنْ تَطَئُوهُمْ فَتُصِيبَكُمْ مِنْهُمْ مَعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ ۖ لِيُدْخِلَ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ ۚ لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا [48:25]

يريد بقوله تعالى : هم الذين كفروا  أهل مكة الذين تقدم ذكرهم. وقوله  وصدوكم عن المسجد الحرام  هو منعهم النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه من العمرة عام الحديبية، وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج من المدينة في ذي القعدة سنة ست من الهجرة يريد العمرة وتعظيم البيت، وخرج معه بمائة بدنة، قاله النقاش، وقيل بسبعين، قاله المسور بن مخرمة ومروان بن الحكم، فلما دنا من مكة، قال أهل مكة هذا محمد الذي قد حاربنا وقتل فينا، يريد أن يدخل مكة مراغمة لنا، والله لا تركناه حتى نموت دون ذلك، فاجتمعموا لحربه، واستنجدوا بقبائل من العرب وهم الأحابيش وبعثوا فغوروا لرسول الله صلى الله عليه وسلم المياه التي تقرب من مكة، فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى نزل على بئر الحديبية، وحينئذ وضع سهمه في الماء فجرى غمراً حتى كفى الجيش، ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث إلى مكة عثمان، وبعث أهل مكة إليه رجالاً منهم : عروة بن مسعود، وبديل بن ورقاء، وتوقف رسول الله صلى الله عليه وسلم هناك أياماً حتى سفر سهيل بن عمرو، وبه انعقد الصلح على أن ينصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم عنهم ويعتمر من العام القادم، فهذا كان صدهم إياه وهو مستوعب في كتب السير، فلذلك اختصرناه. 
وقرأ الجمهور :**«والهدْي »** بسكون الدال. . وقرأ الأعرج والحسن بن أبي الحسن :**«والهدِيّ »** بكسر الدال وشد الياء، وهما لغتان، وهو معطوف على الضمير في قوله : وصدوكم  أي وصدوا الهدي. و : معكوفاً  حال، ومعناه : محبوساً، تقول : عكفت الرجل عن حاجته إذا حبسته، وقد قال أبو علي : إن عكف لا يعرفه متعدياً، وحكى ابن سيده وغيره : تعديه، وهذا العكف الذي وقع للهدي كان من قبل المشركين بصدهم، ومن قبل المسلمين لرؤيتهم ونظرهم في أمرهم فحبسوا هديهم. و  أن  في قوله : أن يبلغ  يحتمل أن يعمل فيها الصد، كأنه قال : وصدوا الهدي كراهة أن أو عن أن، ويحتمل أن يعمل فيها العكف فتكون مفعولاً من أجله، أي الهدي المحبوس لأجل  أن يبلغ محله ، و  محله  مكة. 
وذكر الله تعالى العلة في أن صرف المسلمين ولم يمكنهم من دخول مكة في تلك الوجهة، وهو أنه كان بمكة مؤمنون ومن رجال ونساء خفي إيمانهم، فلو استباح المسلمون بيضتها أهلكوا أولئك المؤمنين. قال قتادة : فدفع الله عن المشركين ببركة أولئك المؤمنين، وقد يدفع بالمؤمنين عن الكفار. 
وقوله تعالى : لم تعلموهم  صفة للمذكورين. وقوله : أن تطؤوهم  يحتمل أن تكون  أن  بدلاً من  رجال ، كأنه قال : ولولا قوم مؤمنون أن تطؤوهم، أي لولا وطئكم قوماً مؤمنين، فهو على هذا في موضع رفع، ويحتمل أن تكون في موضع نصب بدلاً من الضمير في قوله : لم تعلموهم  كأنه قال : لم تعلموا وطأهم أنه وطء المؤمنين، والوطء هنا : الإهلاك بالسيف وغيره على وجه التشبيه، ومنه قول الشاعر \[ زهير \] :\[ الكامل \]
ووطئتنا وطئاً على حنق. . . وطء المقيد ثابت الهرم[(١)](#foonote-١)
ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم :( اللهم اشدد وطأتك على مضر )[(٢)](#foonote-٢) ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم **«إن آخر وطأة الرب يوم وج بالطائف »**[(٣)](#foonote-٣) لأنها كانت آخر وقعة للنبي صلى الله عليه وسلم، فيها ذكر هذا المعنى النقاش : و **«المعرة »** السوء والمكروه اللاصق، مأخوذ من العر والعرة وهي الجرب الصعب اللازم[(٤)](#foonote-٤). واختلف الناس في تعيين هذه المعرة، فقال ابن زيد : هي المأثم وقال ابن إسحاق : هي الدية. 
قال القاضي أبو محمد : وهذان ضعيفان، لأنه لا إثم ولا دية في قتل مؤمن مستور الإيمان من أهل الحرب. 
وقال الطبري حكاه الثعلبي : هي الكفارة. وقال منذر : المعرة : أن يعيبهم الكفار ويقولوا قتلوا أهل دينهم. وقال بعض المفسرين : هي الملام والقول في ذلك، وتألم النفس منه في باقي الزمن. 
قال القاضي أبو محمد : وهذه أقوال حسان. وجواب  لولا  محذوف تقديره : لمكناكم من دخول مكة وأيدناكم عليهم. 
وقرأ الأعمش :**«فتنالكم منه معرة »**. 
واللام في قوله : ليدخل  يحتمل أن يتعلق بمحذوف من القول، تقديره : لولا هؤلاء لدخلتم مكة، لكن شرفنا هؤلاء المؤمنين بأن رحمناهم ودفعنا بسببهم عن مكة  ليدخل الله  : أي ليبين للناظر أن الله تعالى يدخل من يشاء في رحمته، أو ليقع دخولهم في رحمة الله ودفعه عنهم، ويحتمل أن تتعلق بالإيمان المتقدم الذكر، فكأنه قال : ولولا قوم مؤمنون آمنوا ليدخل الله من يشاء في رحمته، وهذا مذكور، لكنه ضعيف، لأن قوله : من يشاء  يضعف هذا التأويل. 
ثم قال تعالى : لو تزيلوا  أي لو ذهبوا عن مكة، تقول : أزلت زيداً عن موضعه إزالة، أي أذهبته، وليس هذا الفعل من زال يزول، وقد قيل هو منه. 
وقرأ أبو حيوة وقتادة : بألف بعد الزاي، أي **«لو تزايلوا »**، أي ذهب هؤلاء عن هؤلاء وهؤلاء عن هؤلاء. 
وقوله : منهم  لبيان الجنس إذا كان الضمير في  تزيلوا  للجميع من المؤمنين والكافرين وقال النحاس : وقد قيل إن قوله : ولولا رجال مؤمنون  الآية. يريد من في أصلاب الكافرين من سيؤمن في غابر الدهر، وحكاه الثعلبي والنقاش عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم مرفوعاً.

١ البيت في اللسان، وقد نسبه إلى زهير، وهو في الحقيقة للحارث بن وعلة الشيباني كما جاء في شرح القصائد السبع الطوال، ورواية اللسان-هرم-:(يابس الهرم)، والوطأة: الأخذة الشديدة، وفي الحديث الشريف(اللهم اشدد وطأتك على مضر)، أي خذهم أخذة شديدة، والحَنَق: شدة الاغتياظ، والنابت: الغض الطري، والهرْم(بسكون الراء): ضرب من الحمض فيه ملوحة، وهو أذله وأشده انبساطا على الأرض، واحدته: هرمة، وهي التي يقال لها: حيهلة، وفي المثل: أذل من هرمة، يقول: لقد أخذتنا أخذة شديدة قاسية، وكنت مغيظا محنقا، وكنا ضعافا أذلة كأننا البقلة الحقيرة التي تدوسها الأقدام على الأرض..
٢ أخرجه البخاري في الأذان والاستسقاء والجهاد والأنبياء وتفسير سورة النساء وفي الأدب، وأخرجه مسلم في المساجد، وأو داود في الصلاة، والنسائي في التطبيق، وابن ماجه في الإقامة، وأحمد في مسنده(٢-٢٣٩، ٢٥٥، ٢٧١، ٤١٨، ٤٧٠، ٥٠٢، ٥٢١). ولفظه في المسند، عن أبي هريرة رضي الله عنه:(لما رفع رسول الله صلى الله عليه وسلم رأسه من الركعة الآخرة من صلاة الصبح قال: اللهم أنج الوليد بن الوليد، وسلمة بن هشام، وعياش بن أبي ربيعة، والمستضعفين بمكة، اللهم اشدد وطأتك على مُضر واجعلها عليهم سنين كسني يوسف)..
٣ أخرجه الإمام أحمد في مسنده(٤-١٧٢، ٦-٤٠٩)، عن يعلى العامري أنه جاء حسن وحُسين رضي الله عنهما يستبقان إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فضمهما إليه وقال:(أن الولد مبخلة مجبنة، وإن آخر وطأة وطئها الرحمن عز وجل بوج)، وفي رواية عن خولة بنت حكيم أنه قال:(والله إنكم لتجبنون وتبخلون، وإنكم لمن ريحان الله عز وجل)، والمعنى: إنكم لتجملون على الجبن والبخل، يعني الأولاد، فإن الأب يجبن عن القتال ليعيش لأولاده فيربيهم، وإنه ليبخل بإنفاق ماله ليخلفه لهم، وريحان الله: رزقه وعطاؤه، ووج: مكان من الطائف، يعني أن آخر وطأة أو أخذة أخذ بها الكفار كانت بوج، وكانت غزوة الطائف هي آخر غزوات سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، إذ لم يغز بعدها إلا غزوة تبوك، ولم يكن فيها قتال..
٤ ومنه قول الشاعر:
 قل للفوارس من غزية إنهم عند القتال معرة الأبطال..

### الآية 48:26

> ﻿إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَىٰ وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا ۚ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا [48:26]

والعامل في قوله : إذ جعل  قوله تعالى : لعذبنا  ويحتمل أن يكون المعنى : أذكر إذ جعلنا. 
و : الحمية  التي جعلوها هي حمية أهل مكة في الصد، قال الزهري : وحمية سهيل[(١)](#foonote-١) ومن شاهد عقد الصلح في أن منعوا أن يكتب بسم الله الرحمن الرحيم، ولجوا حتى كتب باسمك اللهم، وكذلك منعوا أن يثبت : هذا ما قاضى عليه محمد رسول الله. ولجوا حتى قال صلى الله عليه وسلم لعلي :**«امح واكتب »** هذا ما قاضى عليه محمد بن عبد الله الحديث وجعلها تعالى **«حمية جاهلية »**، لأنها كانت بغير حجة وفي غير موضعها، لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم لو جاءهم محارباً لعذرهم في حميتهم، وإنما جاء معظماً للبيت لا يريد حرباً، فكانت حميتهم جاهلية صرفاً. والسكينة هي الطمأنينة إلى أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم والثقة بوعد الله والطاعة وزوال الأنفة التي لحقت عمر وغيره. 
و : كلمة التقوى  قال الجمهور : هي لا إله إلا الله، وروي ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم. وقال عطاء بن أبي رباح : هي لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير. وقال أبو هريرة وعطاء الخراساني : هي لا إله إلا الله محمد رسول الله. وقال علي بن أبي طالب : هي لا إله إلا الله والله أكبر، وحكاه الثعلبي عن ابن عمر. 
قال القاضي أبو محمد : وهذه كلها أقوال متقاربة حسان، لأن هذه الكلمة تقي النار، فهي  كلمة التقوى . 
وقال الزهري عن المسور ومروان : كلمة التقوى  المشار إليها هي بسم الله الرحمن الرحيم وهي التي أباها كفار قريش، فألزمها الله المؤمنين وجعلهم  أحق بها 
قال القاضي أبو محمد : ولا إله إلا الله أحق باسم : كلمة التقوى . من : بسم الله الرحمن الرحيم. 
وفي مصحف ابن مسعود :**«وكانوا أهلها وأحق بها »**. والمعنى : كانوا أهلها على الإطلاق في علم الله وسابق قضائه لهم، وقيل  أحق بها  من اليهود والنصارى في الدنيا، وقيل أهلها في الآخرة بالثواب. 
وقوله تعالى : وكان الله بكل شيء عليماً  إشارة إلى علمه بالمؤمنين الذين دفع عن كفار قريش بسببهم وإلى علمه بوجه المصلحة في صلح الحديبية، فيروى أنه لما انعقد، أمن الناس في تلك المدة الحرب والفتنة، وامتزجوا، وعلت دعوة الإسلام، وانقاد إليه كل من كان له فهم من العرب، وزاد عدد الإسلام أضعاف ما كان قبل ذلك. 
قال القاضي أبو محمد : ويقتضي ذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان في عام الحديبية في أربع عشرة مائة، ثم سار إلى مكة بعد ذلك بعامين في عشرة آلاف فارس صلى الله عليه وسلم.

١ وهو سهيل بن عمرو الذي أوفدته قريش لعقد صلح الحديبية مع النبي صلى الله عليه وسلم..

### الآية 48:27

> ﻿لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ ۖ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لَا تَخَافُونَ ۖ فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذَٰلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا [48:27]

روي في تفسير هذه الآية، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى في منامه عند خروجه إلى العمرة أنه يطوف بالبيت هو وأصحابه، بعضهم محلقون وبعضهم مقصرون. وقال مجاهد : أرى ذلك بالحديبية، فأخبر الناس بهذه  الرؤيا ، ووثق الجميع بأن ذلك يكون في وجهتهم تلك، وقد كان سبق في علم الله تعالى أن ذلك يكون. لكن ليس في تلك الجهة. وروي أن رؤياه إنما كانت أن ملكاً جاءه فقال له : لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله آمنين محلقين رؤوسكم ومقصرين ، وإنه بهذا أعلم الناس فلما قضى الله في الحديبية بأمر الصلح، وأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم في الصدر[(١)](#foonote-١)، وقال المنافقون : وأين الرؤيا ؟ ووقع في نفوس المسلمين شيء من ذلك، فأنزل الله تعالى : لقد صدق الله ورسوله الرؤيا بالحق . و : صدق  هذه تتعدى إلى مفعولين، تقول صدقت زيداً الحديث. واللام في : لتدخلن  لام القسم الذي تقتضيه  صدق  لأنها من قبيل تبين وتحقق، ونحوها مما يعطي القسم. 
واختلف الناس في معنى الاستثناء في هذه الآية، فقال بعض المتأولين هو استثناء من الملك المخبر للنبي عليه السلام في نومه، فذكر الله تعالى مقالته كما وقعت، وقال آخرون هو أخذ من الله تعالى عباده بأدبه في استعماله في كل فعل يوجب وقوعه، كان ذلك مما يكون ولا بد، أو كان مما قد يكون وقد لا يكون، وقال بعض العلماء : إنما استثنى من حيث كل واحد من الناس متى رد هذا الوعد إلى نفسه أمكن أن يتم الوعد فيه وأن لا يتم، إذ قد يموت الإنسان أو يمرض أو يغيب، وكل واحد في ذاته محتاج إلى الاستثناء، فلذلك استثنى عز وجل في الجملة، إذ فيهم ولا بد من يموت أو يمرض. وقال آخرون : استثنى لأجل قوله : آمنين  لأجل إعلامه بالدخول، فكأن الاستثناء مؤخر عن موضعه، ولا فرق بين الاستثناء من أجل الأمن أو من أجل الدخول، لأن الله تعالى قد أخبر بهما ووقت الثقة بالأمرين، فالاستثناء من أيهما كان فهو استثناء من واجب. وقال قوم : إن  بمعنى إذ فكأنه قال : إذ شاء الله. 
قال القاضي أبو محمد : وهذا حسن في معناه، ولكن كون  إن  بمعنى إذ غير موجود في لسان العرب، وللناس بعد في هذه الاستثناء أقوال مخلطة غير هذه، اختصرت ذكرها، لأنها لا طائل فيها. 
وقرأ ابن مسعود :**«إن شاء الله لا تخافون »** بدل  آمنين . 
ولما نزلت هذه الآية، علم المسلمون أن تلك الرؤيا فيما يستأنفون من الزمن، واطمأنت قلوبهم بذلك وسكنت، وخرجت في العام المقبل، خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى مكة في ذي القعدة سنة سبع، ودخلها ثلاثة أيام هو وأصحابه، وصدقت رؤياه صلى الله عليه وسلم. 
وقوله : فعلم ما لم تعلموا  يريد ما قدره من ظهور الإسلام في تلك المدة ودخول الناس فيه، وما كان أيضاً بمكة من المؤمنين دفع الله تعالى[(٢)](#foonote-٢) بهم. وقوله تعالى : من دون ذلك ، أي من قبل ذلك وفيما يدنو إليكم. 
واختلف الناس في الفتح القريب، فقال كثير من الصحابة : هو بيعة الرضوان وروي عن مجاهد وابن إسحاق. أنه الصلح بالحديبية. وقد روي أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال للنبي صلى الله عليه وسلم : أو فتح هو يا رسول الله ؟ قال :**«نعم »** وقال ابن زيد : الفتح القريب : خيبر حسبما تقدم من ذكر انصراف رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى فتحها. وقال قوم : الفتح القريب : فتح مكة، وهذا ضعيف، لأن فتح مكة لم يكن من دون دخول رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه مكة، بل كان بعد ذلك بعام، لأن الفتح كان سنة ثمان من الهجرة ويحسن أن يكون الفتح هنا اسم جنس يعم كل ما وقع مما للنبي صلى الله عليه وسلم فيه ظهور وفتح عليه. وقد حكى مكي في ترتيب أعوام هذه الأخبار عن قطرب قولاً خطأ جعل فيه الفتح سنة عشر، وجعل حج أبي بكر قبل الفتح، وذلك كله تخليط وخوض فيما لم يتقنه معرفة.

١ في بعض النسخ: وأخذ الناس في الصدر، والصدر هنا: الرجوع والعودة، يقال: صدر عن المكان والورود صدرا وصدرا: رجع وانصرف..
٢ يريد أن الله تعالى دفع بهم عن أهل مكة من الكفار، ولم يكن للمسلمين من دخول مكة رحمة بمن فيها من المؤمنين الذين لم يكونوا معروفين..

### الآية 48:28

> ﻿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَىٰ وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ ۚ وَكَفَىٰ بِاللَّهِ شَهِيدًا [48:28]

وقوله عز وجل : هو الذي أرسل رسوله  الآية تعظيم لأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم وإعلام بأنه يظهره على جميع الأديان. ورأى بعض الناس\[ أن \][(١)](#foonote-١) لفظة : ليظهره  تقتضي محو غيره به، فلذلك قالوا : إن هذا الخبر يظهر للوجود عند نزول عيسى ابن مريم عليه السلام، فإنه لا يبقى في وقته غير دين الإسلام وهو قول الطبري والثعلبي. ورأى قوم أن الإظهار هو الإعلاء وإن بقي من الدين الآخر أجزاء، وهذا موجود الآن في دين الإسلام، فإنه قد عم أكثر الأرض وظهر على كل دين. 
وقوله تعالى : وكفى بالله شهيداً  معناه : شاهداً، وذلك يحتمل معنيين : أحدهما شاهداً عندكم بهذا الخبر ومعلماً به. والثاني : شاهداً على هؤلاء الكفار المنكرين أمر محمد الرادين في صدره ومعاقباً لهم بحكم الشهادة، والآية على هذا وعيد للكفار الذين شاحوا[(٢)](#foonote-٢) في أن يكتب محمد رسول الله، فرد عليهم بهذه الآية كلها.

١ ما بين العلامتين\[.....\] زيادة لسلامة التعبير..
٢ المُشاحة هي المخاصمة والمماحكة، وقد ظهر ذلك منهم حين رفضوا أن يكتبوا "محمد رسول الله" في عقد صلح الحديبية..

### الآية 48:29

> ﻿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ ۚ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ ۖ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا ۖ سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ۚ ذَٰلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ ۚ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَىٰ عَلَىٰ سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ ۗ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا [48:29]

وقوله تعالى : محمد رسول الله  قال جمهور الناس : هو ابتداء وخبر استوفي فيه تعظيم منزلة النبي صلى الله عليه وسلم. وقوله : و  الذين معه  ابتداء وخبره : أشداء  و  رحماء  خبر ثان. وقال قوم من المتأولين : محمد  **«ابتداء »** و : رسول الله  صفة له  والذين  عطف عليه. و : أشداء  خبر وهؤلاء بوصفهم، وفي القول الثاني اشترك الجميع في الشدة والرحمة. 
قال القاضي أبو محمد : والأول عندي أرجح، لأنه خبر مضاد لقول الكفار لا نكتب محمد رسول الله. 
وقوله : والذين معه  إشارة إلى جميع الصحابة عند الجمهور، وحكى الثعلبي عن ابن عباس أن الإشارة إلى من شهد الحديبية : ب  الذين معه . و : أشداء  جمع شديد، أصله : أشدداء، أدغم لاجتماع المثلين. 
وقرأ الجمهور :**«اشداءُ »** **«رحماءُ »** بالرفع، وروى قرة عن الحسن :**«أشداءَ »** رحماءَ **«بنصبهما قال أبو حاتم : ذلك على الحال والخبر : تراهم . قال أبو الفتح : وإن شئت نصبت »** أشداءَ **«على المدح. وقوله : تراهم ركعاً سجداً ، أي ترى هاتين الحالتين كثيراً فيهم. و : يبتغون  معناه يطلبون. وقرأ عمر وابن عبيد :»** ورُضواناً «بضم الراء. 
وقوله : سيماهم  معناه : علامتهم. واختلف الناس في تعيين هذه السيما، فقال مالك بن أنس : كانت جباههم متربة من كثرة السجود في التراب، كان يبقى على المسح أثره، وقاله عكرمة. وقال أبو العالية : يسجدون على التراب لا على الأثواب. وقال ابن عباس وخالد الحنفي وعطية : هو وعد بحالهم يوم القيامة من أن الله تعالى يجعل لهم نوراً  من أثر السجود . 
قال القاضي أبو محمد : كما يجعل غرة من أثر الوضوء. . . . الحديث[(١)](#foonote-١)، ويؤيد هذا التأويل اتصال القول بقوله : فضلاً من الله ورضواناً  كأنه قال : علامتهم في تحصيلهم الرضوان يوم القيامة : سيماهم في وجوههم من أثر السجود . ويحتمل أن تكون السيما بدلاً من قوله : فضلاً . وقال ابن عباس : السمت الحسن : هو السيما، وهو الخشوع خشوع يبدو على الوجه. 
قال القاضي أبو محمد : وهذه حالة مكثري الصلاة، لأنها تنهاهم عن الفحشاء والمنكر، وتقل الضحك وترد النفس بحالة تخشع معها الأعضاء. 
وقال الحسن بن أبي الحسن وشمر بن عطية[(٢)](#foonote-٢) : السيما : بياض وصفرة وبهيج يعتري الوجوه من السهر. وقال منصور : سألت مجاهداً : أهذه السيما هي الأثر يكون بين عيني الرجل ؟ فقال : لا، وقد تكون مثل ركبة البعير، وهو أقسى قلباً من الحجارة. وقال عطاء بن أبي رباح والربيع بن أنس[(٣)](#foonote-٣) : السيما : حسن يعتري وجوه المصلين. 
قال القاضي أبو محمد : وذلك لأن الله تعالى يجعل لها في عين الرأي حسناً تابعاً للإجلال الذي في نفسه، ومتى أجل الإنسان أمراً حسناً عنده منظره، ومن هذا الحديث الذي في الشهاب :( من كثرت صلاته بالليل حسن وجهه بالنهار )[(٤)](#foonote-٤). 
قال القاضي أبو محمد : وهذا حديث غلط فيه ثابت بن موسى الزاهد، سمع شريك بن عبد الله[(٥)](#foonote-٥) يقول : حدثنا الأعمش عن أبي سفيان عن جابر ثم نزع[(٦)](#foonote-٦) شريك لما رأى ثابت الزاهد فقال : يعنيه من كثرت صلاته بالليل حسن وجهه بالنهار، فظن ثابت أن هذا الكلام متركب على السند المذكور فحدث به عن شريك. 
وقرأ الأعرج :**«من إثْر »** بسكون الثاء وكسر الهمزة. قال أبو حاتم هما بمعنى. وقرأ قتادة :**«من آثار »**، جمعاً. 
وقوله تعالى : ذلك مثلهم في التوراة ومثلهم في الإنجيل  الآية، المثل هنا الوصف أو الصفة. وقال بعض المتأولين : التقدير الأمر  ذلك  وتم الكلام. ثم قال : مثلهم في التوراة ومثلهم في الإنجيل كزرع . وقال مجاهد وجماعة من المتأولين : المعنى  ذلك  الوصف هو  مثلهم في التوراة ومثلهم في الإنجيل  وتم القول، و : كزرع  ابتداء تمثيل يختص بالقرآن. وقال الطبري وحكاه عن الضحاك المعنى : ذلك  الوصف هو  مثلهم في التوراة  وتم القول، ثم ابتدأ  ومثلهم في الإنجيل كزرع . وقال آخرون : المثلان جميعاً هي في التوراة وهي في الإنجيل. 
وقوله تعالى : كزرع ، هو على كل الأقوال وفي أي كتاب منزل : فرض مثل للنبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، في أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث وحده، فكان كالزرع حبة واحدة، ثم كثر المسلمون فهم كالشطء : وهو فراخ السنبلة التي تنبت حول الأصل، يقال : أشطأت الشجرة إذا خرجت غصونها، وأشطأ الزرع : إذا أخرج شطأه[(٧)](#foonote-٧). 
وقرأ ابن كثير وابن ذكوان عن ابن عامر :**«شَطأ »** بفتح الطاء والهمز دون مد، وقرأ الباقون بسكون الطاء، وقرأ عيسى بن عمر :**«شطاه »** بفتح الطاء دون همز[(٨)](#foonote-٨)، وقرأ أبو جعفر :**«شطه »** رمى بالهمزة وفتح الطاء، ورويت عن نافع وشيبة. وروي عن عيسى :**«شطاءه »** بالمد والهمز، وقرأ الجحدري :**«شطوه »** بالواو. قال أبو الفتح هي لغة أو بدل من الهمزة، ولا يكون الشطو إلا في البر والشعير، وهذه كلها لغات. وحكى النقاش عن ابن عباس أنه قال : الزرع : النبي صلى الله عليه وسلم،  فآزره . علي بن أبي طالب رضي الله عنه  فاستغلظ  بأبي بكر،  فاستوى على سوقه  : بعمر بن الخطاب. 
وقوله تعالى : فآزره  وزنه : أفعله، أبو الحسن ورجحه أبو علي. وقرأ ابن ذكوان عن ابن عامر :**«فأزره »** على وزن : فعله دون مد، ولذلك كله معنيان : أحدهما ساواه طولاً، ومنه قول امرئ القيس :\[ الطويل \]
بمحنية قد آزر الضال نبتها. . . بجر جيوش غانمين وخيب[(٩)](#foonote-٩)
أي هو موضع لم يزرع فكمل نبته حتى ساوى شجر الضال، فالفاعل على هذا المعنى : الشطء والمعنى الثاني : إن آزره وأزره بمعنى : أعانه وقواه، مأخوذ ذلك من الأزر وشده، فيحتمل أن يكون الفاعل الشطء، ويحتمل أن يكون الفاعل الزرع، لأن كل واحد منهما يقوي صاحبه وقال ابن مجاهد وغيره **«آزره »** وزنه : فاعله، والأول أصوب أن وزنه : أفعله، ويدلك على ذلك قول الشاعر :\[ المنسرح \]
لا مال إلا العطاف تؤزره. . . أم ثلاثين وابنة الجبل[(١٠)](#foonote-١٠)
وقرأ ابن كثير :**«على سؤقه »** بالهمز، وهي لغة ضعيفة، يهمزون الواو التي قبلها ضمة ومنه قول الشاعر \[ جرير \] :
لحب المؤقِدان إلي مؤسي [(١١)](#foonote-١١) وجعدة إذا أضاءهما الوقود. . . 
و : يعجب الزراع  جملة في موضع الحال، وإذا أعجب  الزراع ، فهو أحرى أن يعجب غيرهم لأنه لا عيب فيه، إذ قد أعجب العارفين بالعيوب ولو كان معيباً لم يعجبهم، وهنا تم المثل. 
وقوله تعالى : ليغيظ بهم الكفار  ابتداء كلام قبله محذوف تقديره : جعلهم الله بهذه الصفة  ليغيظ بهم الكفار ، و  الكفار  هنا المشركون. قال الحسن : من غيظ الكفار قول عمر بمكة : لا عبد الله سراً بعد اليوم. 
وقوله تعالى : منهم  هي لبيان الجنس وليست للتبعيض[(١٢)](#foonote-١٢)، لأنه وعد مرجٍّ للجميع.

١ حديث غرة الوضوء أخرجه البخاري في الوضوء، ومسلم في الطهارة، وأحمد في مسنده(٢-٣٦٢)، ولفظه كما في البخاري، عن نعيم المجمر قال: رقيت مع أبي هريرة على ظهر المسجد فتوضأ فقال: إني سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول:(إن أمتي يدعون يوم القيامة غُرا محجلين من آثار الوضوء، فمن استطاع منكم أن يطيل غُرته فليفعل)..
٢ هو شِمر- بكسر أوله وسكون الميم- ابن عطية الأسدي، الكاهلي، الكوفي، صدوق من السادسة.(تقريب التهذيب). وهو مضبوط في كل من الطبري والقرطبي بفتح الشين وكسر الميم "شمر"..
٣ هو الربيع بن أنس البكري أو الحنفي، بصري، نزل خرسان، قال عنه في تقريب التهذيب:"صدوق، له أوهام، رُمي بالتشيع، من الخامسة، مات سنة أربعين أو قبلها"..
٤ أخرجه ابن ماجه في الإقامة(المعجم المفهرس لألفاظ الحديث النبوي)، وقد ذكر المؤلف رأيه فيه..
٥ هو شريك-بفتح الشين-ابن عبد الله بن الحارث النخعي الكوفي، القاضي بواسط، ثم الكوفة، أبو عبد الله، صدوق، عالم بالحديث، فقيه، اشتهر بقوة ذكائه وفطنته وسرعة بديهته، استقضاه المنصور العباسي على الكوفة ثم عزله، وأعاده المهدي، وكان عادلا في قضائه فاضلا عابدا، شديدا على أهل البدع، مات سنة سبع أو ثمان وسبعين..
٦ أي: كفَّ عن الكلام وسكت..
٧ روت كتب اللغة أن مُعفر بن حماد البارقي شامت ابنته برقا-يعني رأت برقا- فقالت: يا أبه، جاءتك السماء، فقال لها: كيف ترينها؟ فقالت: كأنها عين جمل طريف-يعني أصابها شيء فدمعت-، فقال لها: ارعي غُنيماتك، فرعت مليا، ثم جاءته فقالت: يا أبه، جاءتك السماء، فقال: كيف ترينها؟ فقالت: كأنها فرس دهماء تجر جلالها- تعني أنها حمراء قد اسودت، والجلال ما تُغطى به الدابة لتصان، والمفرد جل- فقال لها: ارعي غُنيماتك، فرعت مليا، ثم جاءته فقالت: يا أبه، جاءتك السماء، فقال: كيف ترينها؟ فقالت: سمطت وابيضت- تعني: امتد سحابها وانتشر وأنها امتلأت بالماء-فقال: ادخلي غُنيماتك، فجاءت السماء بشيء شطأ له الزرع، أي أخرج ورقه وسنابله..
٨ قال في البحر: يحتمل أن يكون مقصورا وأن يكون أصله الهمز، فنقل الحركة وأبدل الهمزة ألفا، كما قالوا في المرأة والكمأة: المراة والكماة، وهو تخفيف مقيس عند الكوفيين، وهو عند البصريين شاذ لا يقاس عليه..
٩ هذا البيت من قصيدته المعروفة(خليلي مُرّا بي على أم جندب)، المحنية: حيث ينحني الوادي وعادة يكون هذا المكان خصيبا، وآزر: ساوى-وهو الشاهد هنا-، والضال: نوع من الشجر المعروف في الصحراء، مجرّ جيوش: أي أن هذه المحنية هي موضع تمر فيه الجيوش وهم ما بين غانمين أو خائبين، ولذلك فإن أحدا لا ينزل بها ليرعى عشبها وخضرتها خوفا من الجيوش، ولهذا بقيت هذه البقعة خضراء يانعة، قد ارتفع نبتها حتى ساوى شجر الضال، والبيت مع أبيات قبله يصف ثورا وحشيا يعيش في هذا المكان الخصيب الذي لم يرع نباته أحد..
١٠ البيت في السان-جبل وعطف- وقد ذكره غير منسوب وذكر معه أبياتا أخرى، قال : أنشد أبو العباس ثعلب وغيره:
 لا مال العِطاف تؤزره أم ثلاثين وابنة الجبل
 لا يرتقي النز في ذلاذله ولا يُعري نعليه من بلل
 عصرته نطفة تصنمنها لصب تلقى مواقع السبل
 والأبيات في وصف صعلوك، يقول عنه: إنه لا يملك شيئا إلا العطاف، وأم ثلاثين، وابنة الجبل، أما العطاف فهو السيف، سمي بذلك لأنه يُسمى للإنسان رداء، والرداء هو العطاف وهو المعطف، وأم الثلاثين هي الكنانة فيها ثلاثون سهما، وأما ابنة الجبل فهي قوس من نبعة في جبل، وهو أصلب لعودها، وفي البيتين التليين يقول: إنه لا يناله نز من الأرض لأنه يأوي إلى الجبال، والعصرة: الملجأ، والنطفة: الماء، واللّصب: شق الجبل، فهو يعيش في شق من الجبل.
 والشاهد هنا أن قوله:"تؤزره" في البيت دليل على أن وزن"آزر" أفعل، إذ"تؤزر" هي المضارع، فالماضي أفعل، فهي مثل أكرم يكرم، ومن هنا يظهر خطأ مجاهد في قوله: إن وزنها فاعله..
١١ هذا صدر بيت قاله جرير من قصيدة يمدح بها هشام بن عبد الملك، والبيت بتمامه:
 لحب المؤقِدان إليّ مؤسى وجعدة لو أضاءهما الوقود
 وهو في اللسان والتاج والخصائص وسر الصناعة والمحتسب والطبري ومخطوطة أنساب الأشراف والكشاف، وقد سبق الاستشهاد به أكثر من مرة على أن الواو قد تقلب همزة إجراء لضمة ما قبلها مجرى ضمة نفسها، وقد روي: احب المؤقدين، ورواية الديوان: لحب الواقدان، ولكل رواية تخريجها، وكان موسى وجعدة مشهورين بالسخاء وإيقاد النار للقِرى، وحبّ فعل ماض أصله حبُبَ مثل كرُم، ومعناه: صار محبوبا، واللام في "لحب" جواب قسم محذوف، وكان المفروض أن يقول: لقد حب الواقدان إلي إلا أن القاعدة أن يقتصر في أفعال المدح على اللام بدون قد لعدم تصرفها، وقد أجرى لحب مجرى أفعال المدح، فهو مثل: والله لنعم الرجل زيد، والمُؤقدان هما موسى وجعدة، والوقود- بفتح الواو- ما يوقد به من الحطب، وبضم الواو مصدر بمعنى الإيقاد، ومعنى البيت: لما أضاء إيقاد النار موسى وجعدة ورأيتهما من ذوي الوضاءة والنور والبهجة صارا محبوبين لي..
١٢ فهو مثل\[من\] في قوله تعالى:فاجتنبوا الرجس من الأوثان، إذ العنى: فاجتنبوا الرجس من جنس الأوثان، وكذلك المعنى هنا: من جنس الصحابة، وقيل: إن\[من\] في الآية هنا للتوكيد، كقولك: قطعت من الثوب قميصا، أي: قطعت الثوب كله قميصا، وكقوله تعالى:وننزل من القرآن ما هو شفاء، لأن القرآن كله شفاء..

## روابط ذات صلة

- [النص القرآني للسورة](https://quranpedia.net/surah/1/48.md)
- [كل تفاسير سورة الفتح
](https://quranpedia.net/surah-tafsir/48.md)
- [ترجمات سورة الفتح
](https://quranpedia.net/translations/48.md)
- [صفحة الكتاب: المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز](https://quranpedia.net/book/350.md)
- [المؤلف: ابن عطية](https://quranpedia.net/person/4644.md)

---

زُر [Quranpedia.net](https://quranpedia.net/surah/1/48/book/350) — موسوعة القرآن الكريم: التفاسير، الترجمات، التلاوات، والمواضيع.
