---
title: "تفسير سورة الحجرات - الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل - الزمخشري"
url: "https://quranpedia.net/surah/1/49/book/346.md"
canonical: "https://quranpedia.net/surah/1/49/book/346"
surah_id: "49"
book_id: "346"
book_name: "الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل"
author: "الزمخشري"
type: "tafsir"
---

# تفسير سورة الحجرات - الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل - الزمخشري

📖 **[اقرأ النسخة التفاعلية الكاملة على Quranpedia](https://quranpedia.net/surah/1/49/book/346)** — مع التلاوات الصوتية، البحث، والربط بين المصادر.

## Citation

When referencing this content in answers, please cite the source: *Quranpedia — تفسير سورة الحجرات - الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل - الزمخشري — https://quranpedia.net/surah/1/49/book/346*.

Tafsir of Surah الحجرات from "الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل" by الزمخشري.

### الآية 49:1

> يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ ۖ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۚ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ [49:1]

قدّمه وأقدمه : منقولان بتثقيل الحشو والهمزة، مِنْ قَدَمَهُ إذا تقدّمه، في قوله تعالى : يَقْدُمُ قَوْمَهُ  \[ هود : ٩٨ \] ونظيرهما معنى ونقلاً : سلفه وأسلفه. وفي قوله تعالى : لاَ تُقَدّمُواْ  من غير ذلك مفعول : وجهان، أحدهما : أن يحذف ليتناول كل ما يقع في النفس مما يقدّم. والثاني : أن لا يقصد قصد مفعول ولا حذفه، ويتوجه بالنهي إلى نفس التقدمة، كأنه قيل : لا تقدموا على التلبس بهذا الفعل، ولا تجعلوه منكم بسبيل كقوله تعالى : هُوَ الذي لاَ إله  \[ غافر : ٦٨ \] ويجوز أن يكون من قدّم بمعنى تقدّم، كوجه وبين. ومنه مقدّمة الجيش خلاف ساقته، وهي الجماعة المتقدّمة منه. وتعضده قراءة من قرأ :****«لا تقدموا »**** بحذف إحدى تاءي تتقدموا، إلا أن الأوّل أملأ بالحسن وأوجه، وأشدّ ملاءمة لبلاغة القرآن، والعلماء له أقبل. 
وقرىء :****«لا تقدموا »**** من القدوم، أي لا تقدموا إلى أمر من أمور الدين قبل قدومها، ولا تعجلوا عليهما. وحقيقة قولهم : جلست بين يدي فلان، أن يجلس بين الجهتين المسامتتين ليمينه وشماله قريباً منه، فسميت الجهتان يدين لكونهما على سمت اليدين مع القرب منهما توسعاً، كما يسمى الشيء باسم غيره إذا جاوره وداناه في غير موضع، وقد جرت هذه العبارة هاهنا على سنن ضرب من المجاز، وهو الذي يسميه أهل البيان تمثيلاً. ولجريها هكذا فائدة جليلة ليست في الكلام العريان : وهي تصوير الهجنة والشناعة فيما نهوا عنه من الإقدام على أمر من الأمور دون الاحتذاء على أمثلة الكتاب والسنة : والمعنى : أن لا تقطعوا أمراً إلا بعدما يحكمان به ويأذنان فيه، فتكونوا إما عاملين بالوحي المنزل. وإما مقتدين برسول الله صلى الله عليه وسلم. وعليه يدور تفسير ابن عباس رضي الله عنه. وعن مجاهد : لا تفتاتوا على الله شيئاً حتى يقصه على لسان رسوله. ويجوز أن يجري مجرى قولك : سرني زيد وحسن حاله، وأعجبت بعمرو وكرمه. 
وفائدة هذا الأسلوب : الدلالة على قوّة الاختصاص، ولما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم من الله بالمكان الذي لا يخفى : سلك له ذلك المسلك. وفي هذا تمهيد وتوطئة لما نقم منهم فيما يتولوه من رفع أصواتهم فوق صوته : لأنّ من أحظاه الله بهذه الأثرة واختصه هذا الاختصاص القوي : كان أدنى ما يجب له من التهيب والإجلال أن يخفض بين يديه الصوت، ويخافت لديه بالكلام. وقيل : بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى تهامة سرية سبعة وعشرين رجلاً وعليهم المنذر بن عمرو الساعدي، فقتلهم بنو عامر وعليهم عامر بن الطفيل. إلا الثلاثة نفر نجوا فلقوا رجلين من بني سليم قرب المدينة، فاعتزيا لهم إلى بني عامر، لأنهم أعز من بني سليم، فقتلوهما وسلبوهما، ثم أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال :**« بئسما صنعتم كانا من سليم، والسلب ما كسوتهما »** فوداهما رسول الله صلى الله عليه وسلم ونزلت، أي : لا تعملوا شيئاً من ذات أنفسكم حتى تستأمروا رسول الله صلى الله عليه وسلم. وعن مسروق : دخلت على عائشة في اليوم الذي يشك فيه، فقالت للجارية : اسقه عسلاً، فقلت : إني صائم، فقالت : قد نهى الله عن صوم هذا اليوم. وفيه نزلت. وعن الحسن : أنّ أناساً ذبحوا يوم الأضحى قبل الصلاة فنزلت، وأمرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يعيدوا ذبحاً آخر. وهذا مذهب أبي حنيفة رحمه الله، إلا أن تزول الشمس. وعند الشافعي : يجوز الذبح إذا مضى من الوقت مقدار الصلاة. وعن الحسن أيضاً : لما استقرّ رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة أتته الوفود من الآفاق فأكثروا عليه بالمسائل، فنهوا أن يبتدئوه بالمسألة حتى يكون هو المبتديء وعن قتادة : ذكر لنا أنّ ناساً كانوا يقولون : لو أنزل فيه كذا لكان كذا، فكره الله ذلك منهم وأنزلها. وقيل : هي عامة في كل قول وفعل ؛ ويدخل فيه أنه إذا جرت مسألة في مجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يسبقوه بالجواب، وأن لا يمشي بين يديه إلا لحاجة، وأن يستأني في الافتتاح بالطعام  واتقوا  فإنكم إن اتقيتموه عاقتكم التقوى عن التقدمة المنهي عنها وعن جميع ما تقتضي مراقبة الله تجنبه، فإن التقيّ حذر لا يشافه أمراً إلا عن ارتفاع الريب وانجلاء الشك في أن لا تبعة عليه فيه، وهذا كما تقول لمن يقارف بعض الرذائل : لا تفعل هذا وتحفظ مما يلصق بك العار. فتنهاه أوّلاً عن عين ما قارفه، ثم تعم وتشيع وتأمره بما لو امتثل فيه أمرك لم يرتكب تلك الفعلة وكل ما يضرب في طريقها ويتعلق بسببها  إِنَّ الله سَمِيعٌ  لما تقولون  عَلِيمٌ  بما تعملون، وحق مثله أن يتقى ويراقب.

### الآية 49:2

> ﻿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ [49:2]

إعادة النداء عليهم : استدعاء منهم لتجديد الاستبصار عند كل خطاب وارد، وتطرية الإنصات لكل حكم نازل، وتحريك منهم لئلا يفترقوا ويغفلوا عن تأملهم وما أخذوا به عند حضور مجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم من الأدب الذي المحافظة عليه تعود عليهم بعظيم الجدوى في دينهم. وذلك لأنّ في إعظام صاحب الشرع إعظام ما ورد به، ومستعظم الحق لا يدعه استعظامه أن يألو عملاً بما يحدوه عليه. وارتداعاً عما يصده عنه، وانتهاء إلى كل خير، والمراد بقوله : لاَ تَرْفَعُواْ أصواتكم فَوْقَ صَوْتِ النبى  أنه إذا نطق ونطقتم فعليكم أن لا تبلغوا بأصواتكم وراء الحدّ الذي يبلغه بصوت، وأن تغضوا منها بحيث يكون كلامه عالياً لكلامكم، وجهره باهراً لجهركم ؛ حتى تكون مزيته عليكم لائحة، وسابقته واضحة، وامتيازه عن جمهوركم كشية الأبلق غير خاف، لا أن تغمروا صوته بلغطكم وتبهروا منطقه بصخبكم. وبقوله : ولا تجهروا له بالقول : إنكم إذا كلمتموه وهو صامت فإياكم والعدول عما نهيتم عنه من رفع الصوت، بل عليكم أن لا تبلغوا به الجهر الدائر بينكم، وأن تتعمدوا في مخاطبته القول اللين المقرّب من الهمس الذي يضادّ الجهر، كما تكون مخاطبة المهيب المعظم، عاملين بقوله عز اسمه : وَتُعَزّرُوهُ وَتُوَقّرُوهُ  \[ الفتح : ٩ \] وقيل معنى : وَلاَ تَجْهَرُواْ لَهُ بالقول كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ  لا تقولوا له : يا محمد، يا أحمد، وخاطبوه بالنبوّة. قال ابن عباس : لما نزلت هذه الآية قال أبو بكر رضي الله عنه : يا رسول الله، والله لا أكلمك إلا السرار أو أخا السرار حتى ألقى الله، وعن عمر رضي الله عنه : أنه كان يكلم النبي صلى الله عليه وسلم كأخي السرار لا يسمعه حتى يستفهمه وكان أبو بكر إذا قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم وفد : أرسل إليهم من يعلمهم كيف يسلمون ويأمرهم بالسكينة والوقار عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، وليس الغرض برفع الصوت ولا الجهر : ما يقصد به الاستخفاف والاستهانة، لأنّ ذلك كفر، والمخاطبون مؤمنون، وإنما الغرض صوت هو في نفسه والمسموع من جرسه غير مناسب لما يهاب به العظماء ويوقر الكبراء، فيتكلف الغض منه، وردّه إلى حدّ يميل به إلى ما يستبين فيه المأمور به من التعزيز والتوقير، ولم يتناول النهى أيضاً رفع الصوت الذي لا يتأذى به رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو ما كان منهم في حرب أو مجادلة معاند أو إرهاب عدوّ أو ما أشبه ذلك، ففي الحديث، أنه قال عليه الصلاة والسلام للعباس بن عبد المطلب لما انهزم الناس يوم حنين :**«اصرخ بالناس »** وكان العباس أجهر الناس صوتاً. يروى : أنّ غارة أتتهم يوماً فصاح العباس يا صباحاه، فأسقطت الحوامل لشدّة صوته. وفيه يقول نابغة بني جعدة :

زَجْرَ أَبِي عُرْوَةَ السِّبَاعَ إِذَا  أَشْفَقَ أَنْ يَخْتَلِطْنَ بِالْغَنَمِزعمت الرواة أنه كان يزجر السباع عن الغنم فيفتق مرارة السبع في جوفه، وفي قراءة ابن مسعود **«لا ترفعوا بأصواتكم »** والباء مزيدة محذوّ بها حذر التشديد في قول الأعلم الهذلي :رَفَعْتُ عَيْنِي بِالْحِجَا  زِ إِلى أُنَاسٍ بِالمَنَاقِبْوليس المعنى في هذه القراءة أنهم نهوا عن الرفع الشديد، تخيلاً أن يكون ما دون الشديد مسوغاً لهم، ولكن المعنى نهيهم عما كانوا عليه من الجلبة، واستجفاؤهم فيما كانوا يفعلون. وعن ابن عباس :
نزلت في ثابت بن قيس بن شماس، وكان في أذنه وقر، وكان جمهوري الصوت، فكان إذا تكلم رفع صوته، وربما كان يكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم فيتأذى بصوته. وعن أنس أن هذه الآية لما نزلت : فقد ثابت، فتفقده رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبر بشأنه، فدعاه، فسأله فقال : يا رسول الله، لقد أنزلت إليك هذه الآية، وإني رجل جهير الصوت، فأخاف أن يكون عملي قد حبط، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم :" لست هناك، إنك تعيش بخير وتموت بخير، وإنك من أهل الجنة ". وأمّا ما يروى عن الحسن : أنها نزلت فيمن كان يرفع صوته من المنافقين فوق صوت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فمحمله والخطاب للمؤمنين : على أن ينهى المؤمنون ليندرج المنافقون تحت النهي، ليكون الأمر أغلظ عليهم وأشق. وقيل : كان المنافقون يرفعون أصواتهم ليظهروا قلة مبالاتهم، فيقتدي بهم ضعفة المسلمين. وكان التشبيه في محل النصب، أي : لا تجهروا له جهراً مثل جهر بعضكم لبعض. وفي هذا : أنهم لم ينهوا عن الجهر مطلقاً، حتى لا يسوغ لهم أن يكلموه إلا بالهمس والمخافتة، وإنما نهوا عن جهر مخصوص مقيد بصفة، أعني : الجهر المنعوت بمماثلة ما قد اعتادوه منهم فيما بينهم، وهو الخلو من مراعاة أبهة النبوّة وجلالة مقدارها، وانحطاط سائر الرتب وإن جلت عن رتبتها  أَن تَحْبَطَ أعمالكم  منصوب الموضع، على أنه مفعول له، وفي متعلقه وجهان، أحدهما : أن يتعلق بمعنى النهي، فيكون المعنى : انتهوا عما نهيتهم عنه لحبوط أعمالكم، أي : لخشية حبوطها على تقدير حذف المضاف، كقوله تعالى : يُبَيّنُ الله لَكُمْ أَن تَضِلُّواْ  \[ النساء : ١٧٦ \] والثاني : أن يتعلق بنفس الفعل، ويكون المعنى : أنهم نهوا عن الفعل الذي فعلوه لأجل الحبوط، لأنه لما كان بصدد الأداء إلى الحبوط : جعل كأنه فعل لأجله، وكأنه العلة والسبب في إيجاده على سبيل التمثيل، كقوله تعالى : لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوّاً  \[ القصص : ٨ \]
فإن قلت : لخص الفرق بين الوجهين. قلت : تلخيصه أن يقدر الفعل في الثاني مضموماً إليه المفعول له، كأنهما شيء واحد، ثم يصب النهي عليهما جميعاً صباً. وفي الأوّل يقدر النهي موجهاً على الفعل على حياله، ثم يعلل له منهياً عنه. 
فإن قلت : بأي النهيين تعلق المفعول له ؟ قلت : بالثاني عند البصريين، مقدراً إضماره عند الأوّل، كقوله تعالى : اتُونِى أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْراً  \[ الكهف : ٩٦ \] وبالعكس عند الكوفيين، وأيهما كان فمرجع المعنى إلى أنّ الرفع والجهر كلاهما منصوص أداؤه إلى حبوط العمل : وقراءة ابن مسعود :**«فتحبط أعمالكم »** أظهر نصاً بذلك ؛ لأنّ ما بعد الفاء لا يكون إلا مسبباً عما قبله، فيتنزل الحبوط من الجهر منزلة الحلول من الطغيان في قوله تعالى : فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِى  \[ طه : ٨١ \] والحبوط من حبطت الإبل : إذا أكلت الخضر فنفخ بطونها، وربما هلكت. ومنه قوله عليه الصلاة والسلام : وإن مما ينبت الربيع لما يقتل حَبَطاً أو يُلِمُ ومن أخواته، حبجت الإبل » إذا أكلت العرفج فأصابها ذلك. وأحبض عمله : مثله أحبطه. وحبط الجرح وحبر : إذا غفر، وهو نكسه وتراميه إلى الفساد : جعل العمل السيء في إضراره بالعمل الصالح كالداء والحرص لمن يصاب به، أعاذنا الله من حبط الأعمال وخيبة الآمال. وقد دلت الآية على أمرين هائلين، أحدهما : أن فيما يرتكب من يؤمن من الآثام ما يحبط عمله. والثاني : أن في آثامه ما لا يدري أنه محبط، ولعله عند الله كذلك ؛ فعلى المؤمن أن يكون في تقواه كالماشي في طريق شائك لا يزال يحترز ويتوقى ويتحفظ.

### الآية 49:3

> ﻿إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ أُولَٰئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَىٰ ۚ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ [49:3]

امتحن الله قُلُوبَهُمْ للتقوى  من قولك : امتحن فلان لأملا كذا وجرب له، ودرب للنهوض به. فهو مضطلع به غير وان عنه. والمعنى أنهم صبر على التقوى، أقوياء على احتمال مشاقها. أو وضع الامتحان موضع المعرفة ؛ لأنّ تحقق الشيء باختباره، كما يوضع الخبر موضعها، فكأنه قيل : عرف الله قلوبهم للتقوى، وتكون اللام متعلقة بمحذوف، واللام هي التي في قولك : أنت لهذا الأمر، أي كائن له ومختص به قال :
أَنْتَ لَهَا أَحْمَدُ مِنْ بَيْنِ الْبَشَر \*\*\*
أَعَدَّاءٌ مَنْ لِلْيَعْمُلاَتِ عَلَى الْوَجَى \*\*\*
وهي مع معمولها منصوبة على الحال. أو ضرب الله قلوبهم بأنواع المحن والتكاليف الصعبة لأجل التقوى، أي لتثبت وتظهر تقواها، ويعلم أنهم متقون ؛ لأن حقيقة التقوى لا تعلم إلا عند المحن والشدائد والاصطبار عليها. وقيل أخلصها للتقوى. من قولهم : امتحن الذهب وفتنه، إذا أذابه فخلص إبريزه من خبشه ونقاه. وعن عمر رضي الله عنه : أذهب الشهوات عنها. والامتحان : افتعال، من محنه، وهو اختبار بليغ أو بلاء جهيد. قال أبو عمرو : كل شيء جهدته فقد محنته. وأنشد :أَتَتْ رَذَايَا بَادِياً كِلاَلُهَا  قَدْ مَحَنَتْ واضطربت آطَالُهَاقيل : أنزلت في الشيخين رضي الله عنهما، لما كان منهما من غض الصوت والبلوغ به أخا السرار. وهذه الآية بنظمها الذي رتبت عليه من إيقاع الغاضين أصواتهم اسماً لأنّ المؤكدة. وتصيير خبرها جملة من مبتدأ وخبر معرفتين معاً. والمبتدأ : اسم الإشارة، واستئناف الجملة المستودعة ما هو جزاؤهم على عملهم، وإيراد الجزاء نكرة : مبهماً أمره ناظرة في الدلالة على غاية الاعتداد والارتضاء لما فعل الذين وقروا رسول الله صلى الله عليه وسلم من خفض أصواتهم، وفي الإعلام بمبلغ عزة رسول الله صلى الله عليه وسلم وقدر شرف منزلته، وفيها تعريض بعظيم ما ارتكب الرافعون أصواتهم واستيجابهم ضد ما استوجب هؤلاء.

### الآية 49:4

> ﻿إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ [49:4]

والوراء : الجهة التي يواريها عنك الشخص بظله من خلف أو قدام. ومن لابتداء الغاية، وأنّ المناداة نشأت من ذلك المكان. 
فإن قلت : فرق بين الكلامين بين ما تثبت فيه وما تسقط عنه. قلت : الفرق بينهما أنّ المنادي والمنادى في أحدهما يجوز أن يجمعهما الوراء، وفي الثاني : لا يجوز لأنّ الوراء تصير بدخول من مبتدأ الغاية. ولا يجتمع على الجهة الواحدة أن تكون مبتدأ ومنتهى لفعل واحد، والذي يقول : ناداني فلان من وراء الدار. لا يريد وجه الدار ولا دبرها، ولكن أي قطر من أقطارها الظاهرة كان مطلقاً بغير تعيين واختصاص، والإنكار لم يتوجه عليهم من قبل أنّ النداء وقع منهم في أدبار الحجرات أو في وجوهها، وإنما أنكر عليهم أنهم نادوه من البرّ والخارج مناداة الأجلاف بعضهم لبعض، من غير قصد إلى جهة دون جهة. والحجرة : الرقعة والخارج مناداة الأجلاف بعضهم لبعض، من غير قصد إلى جهة دون جهة. والحجرة : الرقعة من الأرض المحجورة بحائط يحوّط عليها، وحظيرة الإبل تسمى الحجرة، وهي فعلة بمعنى مفعولة، كالغرفة والقبضة، وجمعها : الحجرات بضمتين، **«والحجرات »** بفتح الجيم، والحجرات بسكينها. وقرىء بهنّ جميعاً، والمراد : حجرات نساء رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكانت لكل واحد منهنّ حجرة. ومناداتهم من ورائها يحتمل أنهم قد تفرّقوا على الحجرات متطلبين له، فناداه بعض من وراء هذه، وبعض من وراء تلك، وأنهم قد أتوها حجرة حجرة فنادوه من ورائها، وأنهم نادوه من وراء الحجرة التي كان فيها، ولكنها جمعت إجلالاً لرسول الله صلى الله عليه وسلم ولمكان حرمته. والفعل وإن كان مسنداً إلى جميعهم فإنه يجوز أن يتولاه بعضهم، وكان الباقون راضين، فكأنهم تولوه جميعاً، فقد ذكر الأصم : أنّ الذي ناداه عيينة بن حصن والأقرع بن حابس. والإخبار عن أكثرهم بأنهم لا يعقلون : يحتمل أن يكون فيهم من قصد بالمحاشاة. ويحتمل أن يكون الحكم بقلة العقلاء فيهم قصداً إلى نفي أن يكون فيهم من يعقل، فإنَّ القلة تقع موقع النفي في كلامهم. وروي : أن وفد بني تميم أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وقت الظهيرة وهو راقد، فجعلوا ينادونه : محمد اخرج إلينا، فاستيقظ فخرج ونزلت : وسئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عنهم فقال :**«هم جفاة بني تميم، لولا أنهم من أشدّ الناس قتالاً للأعور الدجال لدعوت الله عليهم أن يهلكهم »** فورود الآية على النمط الذي وردت عليه فيه ما لا يخفى على الناظر : من بينات إكبار محل رسول الله صلى الله عليه وسلم وإجلاله : منها مجيئها على النظم المسجل على الصائحين به بالسفه والجهل، لما أقدموا عليه. 
ومنها لفظ الحجرات وإيقاعها كناية عن موضع خلوته. ومقيله مع بعض نسائه. ومنها : المرور على لفظها بالاقتصار على القدر الذي تبين به ما استنكر عليهم. ومنها : التعريف باللام دون الإضافة. ومنها : أن شفع ذمهم باستجفائهم واستركاك عقولهم وقلة ضبطهم لمواضع التمييز في المخاطبات، تهوينا للخطب على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتسلية له، وإماطة لما تداخله من إيحاش تعجرفهم وسوء أدبهم، وهلم جرا : من أوّل السورة إلى آخرها هذه الآية.

### الآية 49:5

> ﻿وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّىٰ تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ ۚ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ [49:5]

فتأمّل كيف ابتدىء بإيجاب أن تكون الأمور التي تنتمي إلى ا لله ورسوله متقدّمة على الأمور كلها من غير حصر ولا تقييد، ثم أردف ذلك النهي عما هو من جنس التقديم من رفع الصوت والجهر. كأن الأوّل بساط للثاني ووطأه لذكره ما هو ثناء على الذين تحاموا ذلك فغضوا أصواتهم، دلالة على عظيم موقعه عند الله، ثم جيء على عقب ذلك بما هو أطم وهجنته أتم : من الصياح برسول الله صلى الله عليه وسلم في حال خلوته ببعض حرماته من وراء الجدر، كما يصاح بأهون الناس قدراً، لينبه على فظاعة من أجروا إليه وجسروا عليه ؛ لأنّ من رفع الله قدره على أن يجهر له بالقول حتى خاطبه جلة المهاجرين والأنصار بأخي السرار، كان صنيع هؤلاء من المنكر الذي بلغ من التفاحش مبلغاً ؛ ومن هذا وأمثاله يقتطف ثمر الألباب وتقتبس محاسن الآداب، كما يحكى عن أبي عبيد ومكانه من العلم والزهد وثقة الرواية ما لا يخفى أنه قال : ما دققت بابا على عالم قط حتى يخرج من وقت خروجه  أَنَّهُمْ صَبَرُواْ  في موضع الرفع على الفاعلية ؛ لأنّ المعنى : ولو ثبت صبرهم. والصبر : حبس النفس عن أن تنازع إلى هواها. قال الله تعالى : واصبر نَفْسَكَ مَعَ الذين يَدْعُونَ رَبَّهُم  \[ الكهف : ٢٨ \] وقولهم : صبر عن كذا، محذوف منه المفعول، وهو النفس، وهو حبس فيه شدَّة ومشقة على المحبوس، فلهذا قيل للحبس على اليمين أو القتل : صبر. وفي كلام بعضهم : الصبر مرّ لا يتجرّعه إلا حرّ. 
فإن قلت : هل من فرق بين  حتى تَخْرُجَ  وإلى أن تخرج ؟ قلت : إنّ ****«حتى »**** مختصة بالغاية المضروبة. تقول : أكلت السمكة حتى رأسها، ولو قلت : حتى نصفها، أو صدرها : لم يجز، و**«إلى »** عامّة في كل غاية، فقد أفادت ****«حتى »**** بوضعها : أنّ خروج رسول الله صلى الله عليه وسلم إليهم غاية قد ضربت لصبرهم، فما كان لهم أن يقطعوا أمراً دون الانتهاء إليه. 
فإن قلت : فأي فائدة في قوله : إِلَيْهِمْ  ؟ قلت : فيه أنه لو خرج ولم يكن خروجه إليهم ولأجلهم، للزمهم أن يصبروا إلى أن يعلموا أنّ خروجه إليهم  لَكَانَ خَيْراً لَّهُمْ  في ( كان ) إما ضمير فاعل الفعل المضمر بعد لو، وإما ضمير مصدر  صَبَرُواْ ، كقولهم : من كذب كان شراً له  والله غَفُورٌ رَّحِيمٌ  بليغ الغفران والرحمة واسعهما، فلن يضيق غفرانه ورحمته عن هؤلاء إن تابوا وأنابوا.

### الآية 49:6

> ﻿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَىٰ مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ [49:6]

بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم الوليد بن عقبة أخا عثمان لأمّه وهو الذي ولاه عثمان الكوفة بعد سعد بن أبي وقاص، فصلى بالناس وهو سكران صلاة الفجر أربعاً، ثم قال : هل أزيدكم، فعزله عثمان عنهم مصدّقاً إلى بني المصطلق، وكانت بينه وبينهم إحنة، فلما شارف ديارهم ركبوا مستقبلين له، فحسبهم مقاتليه، فرجع وقال لرسول الله صلى الله عليه وسلم : قد ارتدوا ومنعوا الزكاة، فغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم وهمّ أن يغزوهم. فبلغ القوم فوردوا وقالوا : نعوذ بالله من غضبه وغضب رسوله، فاتهمهم فقال :«لتنتهنّ أو لأبعثنّ إليكم رجلاً هو عندي كنفسي يقاتل مقاتلتكم ويسبي ذراريكم، ثم ضرب بيده على كتف علي رضي الله عنه. وقيل : بعث إليهم خالد بن الوليد فوجدهم منادين بالصلوات متهجدين، فسلموا إليه الصدقات، فرجع. وفي تنكير الفاسق والنبأ : شياع في الفساق والأنباء، كأنه قال : أيّ فاسق جاءكم بأيّ نبأ. فتوقفوا فيه وتطلبوا الأمر وانكشاف الحقيقة، ولا تعتمدوا قول الفاسق «لأنّ من لا يتحامى جنس الفسوق لا يتحامى الكذب الذي هو نوع منه. والفسوق : الخروج من الشيء والانسلاخ منه. يقال : فسقت الرطبة عن قشرها. ومن مقلوبه : فقست البيضة، إذا كسرتها وأخرجت ما فيها. ومن مقلوبه أيضاً : قفست الشيء إذا أخرجته عن يد مالكه مغتصباً له عليه، ثم استعمل في الخروج عن القصد والانسلاخ من الحق. قال رؤبة :
فَوَاسِقاً عَنْ قَصْدِهَا جَوَائِرَا \*\*\*
وقرأ ابن مسعود :**«فتثبتوا »** والتثبت والتبين : متقاربان، وهما طلب الثبات والبيان والتعرّف، ولما كان رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم والذين معه بالمنزلة التي لا يجسر أحد أن يخبرهم بكذب، وما كان يقع مثل ما فرط من الوليد إلا في الندرة. قيل : إن جاءكم بحرف الشك وفيه أنّ على المؤمنين أن يكونوا على هذه الصفة، لئلا يطمع فاسق في مخاطبتهم بكلمة زور  ءانٍ  مفعول له، أي : كراهة إصابتكم  تُصِيببُواْ قَوْمَا بِجَهَالَةٍ  حال، كقوله تعالى : وَرَدَّ الله الذين كَفَرُواْ بِغَيْظِهِمْ  \[ الأحزاب : ٢٥ \] يعني جاهلين بحقيقة الأمر وكنه القصة. والإصباح : بمعنى الصيرورة. والندم : ضرب من الغم، وهو : أن تغتمّ على ما وقع منك تتمنى أنه لم يقع، وهو غم يصحب الإنسان صحبة لها دوام ولزام، لأنه كلما تذكر المتندّم عليه راجعه من الندام : وهو لزام الشريب ودوام صحبته. ومن مقلوباته : أدمن الأمر أدامه. ومدن بالمكان : أقام به. ومنه : المدينة وقد تراهم يجعلون الهم صاحباً ونجياً وسميراً وضجيعاً، وموصوفاً بأنه لا يفارق صاحبه.

### الآية 49:7

> ﻿وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ ۚ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ ۚ أُولَٰئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ [49:7]

الجملة المصدّرة بلولا تكون كلاماً مستأنفاً، لأدائه إلى تنافر النظم، ولكن متصلاً بما قبله حالاً من أحد الضميرين في فيكم المستتر المرفوع، أو البارز المجرور. وكلاهما مذهب سديد. والمعنى : أن فيكم رسول الله على حالة يجب عليكم تغييرها. أو أنتم على حالة يجب عليكم تغييرها : وهي أنكم تحاولون منه أن يعمل في الحوادث على مقتضى ما يعنّ لكم من رأى، واستصواب فعل المطواع لغيره التابع له فيما يرتثيه، المحتذى على أمثلته ؛ ولو فعل ذلك  لَعَنِتُّمْ  أي لوقعتم في العنت والهلاك. يقال : فلان يتعنت فلاناً، أي : يطلب ما يؤدّيه إلى الهلاك. وقد أعنت العظم : إذا هيض بعد الجبر. وهذا يدل على أن بعض المؤمنين زينوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم الإيقاع ببني المصطلق وتصديق قول الوليد. وأن نظائر ذلك من الهنات كانت تفرط منهم، وأن بعضهم كانوا يتصوّنون ويزعهم جدّهم في التقوى عن الجسارة على ذلك، وهم الذين استثناهم بقوله تعالى : ولكن الله حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الإيمان  أي إلى بعضكم، ولكنه أغنت عن ذكر البعض : صفتهم المفارقة لصفة غيرهم، وهذا من إيجازات القرآن ولمحاته اللطيفة، التي لا يفطن لها إلا الخواص. وعن بعض المفسرين : هم الذين امتحن الله قلوبهم للتقوى. وقوله : أُوْلَئِكَ هُمُ الراشدون  والخطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم، أي : أولئك المستثنون هم الراشدون يصدق ما قلته. 
فإن قلت : ما فائدة تقديم خبر إن على اسمها ؟ قلت : القصد إلى توبيخ بعض المؤمنين على ما استهجن الله منهم من استتباع رأي رسول الله صلى الله عليه وسلم لآرائهم، فوجب تقديمه لانصباب الغرض إليه. 
فإن قلت : فلم قيل  يُطِيعُكُمْ  دون : أطاعكم ؟ قلت : للدلالة على أنه كان في أرادتهم استمرار عمله على ما يستصوبونه. وأنه كلما عنّ لهم رأى في أمر كان معمولاً عليه، بدليل قوله : فِى كَثِيرٍ مّنَ الأمر  كقولك : فلان يقري الضيف ويحمي الحريم، تريد : أنه مما اعتاده ووجد منه مستمرّاً. 
فإن قلت : كيف موقع  ولكن  وشريطتها مفقودة : من مخالفة ما بعدها لما قبلها نفياً وإثباتاً ؟ قلت : هي مفقودة من حيث اللفظ، حاصلة من حيث المعنى ؛ لأن الذين حبب إليهم الإيمان قد غايرت صفتهم صفة المتقدّم ذكرهم، فوقعت، لكنّ في حاق موقعها من الاستدراك. ومعنى تحبيب الله وتكريهه للطف والإمداد بالتوفيق، وسبيله الكتابة كما سبق، وكل ذي لب وراجع إلى بصيرة وذهن لا يغبي عليه أن الرجل لا يمدح بغير فعله ؛ وحمل الآية على ظاهرها يؤدّي إلى أن يثني عليهم بفعل الله، وقد نفى الله هذا عن الذين أنزل فيهم  وَّيُحِبُّونَ أَن يُحْمَدُواْ بِمَا لَمْ يَفْعَلُواْ  \[ آل عمران : ١٨٨ \]
فإن قلت : فإنّ العرب تمدح بالجمال وحسن الوجوه، وذلك فعل الله، وهو مدح مقبول عند الناس غير مردود. قلت : الذي سوّغ ذلك لهم أنهم رأوا حسن الرواء ووسامة المنظر في الغالب، يسفر عن مخبر مرضى وأخلاق محمودة ومن ثم قالوا : أحسن ما في الدميم وجهه، فلم يجعلوه من صفات المدح لذاته، ولكن لدلالته على غيره، على أن من محققة الثقات وعلماء المعاني من دفع صحة ذلك وخطأ المادح به، وقصر المدح على النعت بأمّهات الخير : وهي الفصاحة والشجاعة والعدل والعفة، وما يتشعب منها ويرجع إليها، وجعل الوصف بالجمال والثروة وكثرة الحفدة والأعضاد وغير ذلك مما ليس للإنسان فيه عمل غلطاً ومخالفة عن المعقول و  الكفر  تغطية نعم الله تعالى وغمطها بالجحود. 
و  الفسوق  الخروج عن قصد الإيمان ومحجته بركوب الكبائر  والعصيان  ترك الانقياد والمضي لما أمر به الشارع. والعرق العاصي : العاند. واعتصت النواة : اشتدّت. والرشد : الاستقامة على طريق الحق مع تصلب فيه من الرشادة وهي الصخرة. قال أبو الوازع : كل صخرة وشادة. وأنشد :

وَغَيْرُ مُقَلَّدٍ وَمُوَشَّمَات  صَلينَ الضَّوْءَ مِنْ صُمِّ الرَّشَادِ

### الآية 49:8

> ﻿فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً ۚ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ [49:8]

و  فَضْلاً  مفعول له، أو مصدر من غير فعله
فإن قلت : من أين جاز وقوعه مفعولاً له، والرشد فعل القوم، والفضل فعل الله تعالى، والشرط أن يتحد الفاعل. قلت : لما وقع الرشد عبارة عن التحبيب والتزيين والتكريه، مسندة إلى اسمه تقدست أسماؤه : صار الرشد كأنه فعله، فجاز أن ينتصب عنه أو لا ينتصب عن الراشدون، ولكن عن الفعل المسند إلى اسم الله تعالى، والجملة التي هي  أُوْلَئِكَ هُمُ الراشدون  اعتراض. أو عن فعل مقدر، كأنه قيل : جرى ذلك، أو كان ذلك فضلاً من الله. وأما كونه مصدراً من غير فعله، فأن يوضع موضع رشداً ؛ لأنّ رشدهم فضل من الله لكونهم موفقين فيه، والفضل والنعمة بمعنى الإفضال والإنعام  والله عَلِيمٌ  بأحوال المؤمنين وما بينهم من التمايز والتفاضل  حَكِيمٌ  حين يفضل وينعم بالتوفيق على أفاضلهم.

### الآية 49:9

> ﻿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا ۖ فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَىٰ فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّىٰ تَفِيءَ إِلَىٰ أَمْرِ اللَّهِ ۚ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا ۖ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ [49:9]

عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : وقف رسول الله صلى الله عليه وسلم على مجلس بعض الأنصار وهو على حمار فبال الحمار، فأمسك عبد الله بن أبيّ بأنفه وقال : خل سبيل حمارك فقد آذانا نتنه. فقال عبد الله بن رواحة : والله إنّ بول حماره لأطيب من مسكك وروى : حماره أفضل منك، وبول حماره أطيب من مسكك ؛ ومضى رسول الله صلى الله عليه وسلم وطال الخوض بينهما حتى استبا وتجالدا، وجاء قوماهما وهما الأوس والخزرج، فتجالدوا بالعصي، وقيل : بالأيدي والنعال والسعف، فرجع إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصلح بينهم، ونزلت. وعن مقاتل : قرأها عليهم فاصطلحوا. والبغي : الاستطالة والظلم وإباء الصلح. والفيء : الرجوع، وقد سمى به الظل والغنيمة ؛ لأنّ الظل يرجع بعد نسخ الشمس، والغنيمة : ما يرجع من أموال الكفار إلى المسلمين، وعن أبي عمرو :**«حتى تفيء »** بغير همز ؛ ووجهه أنّ أبا عمرو خفف الأولى من الهمزتين الملتقيتين فلطفت على الراوي تلك الخلسة فظنه قد طرحها. 
فإن قلت : ما وجه قوله : اقتتلوا  والقياس اقتتلتا، كما قرأ ابن أبي عبلة **«أو اقتتلا »** كما قرأ عبيد بن عمير على تأويل الرهطين أو النفرين ؟ قلت : هو مما حمل على المعنى دون اللفظ ؛ لأنّ الطائفتين في معنى القوم والناس. وفي قراءة عبد الله **«حتى يفيئوا إلى أمر الله »** فإن فاءوا فخذوا بينهم بالقسط. وحكم الفئة الباغية : وجوب قتالها ما قاتلت. وعن ابن عمر : ما وجدت في نفسي من شيء ما وجدته من أمر هذه الآية إن لم أقاتل هذه الفئة الباغية كما أمرني الله عز وجل. قاله بعد أن اعتزل، فإذا كافت وقبضت عن الحرب أيديها تركت، وإذا تولت اعمل بما روى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال :" يا ابن أم عبد، هل تدري كيف حكم الله فيمن بغى من هذه الأمّة ؟ " قال : الله ورسوله أعلم قال :" لا يجهر على جريحها، ولا يقتل أسيرها، ولا يطلب هاربها ولا يقسم فيؤها " ولا تخلوا الفئتان من المسلمين في اقتتالهما : إما أن يقتتلا على سبيل البغى منهما جميعاً، فالواجب في ذلك أن يمشي بينهما بما يصلح ذات البين ويثمر المكافة والموادعة، فإن لم تتحاجزا ولم تصطلحا وأقامتا على البغي : صير إلى مقاتلتهما، وإما أن يلتحم بينهما القتال لشبهة دخلت عليهما. وكلتاهما عند أنفسهما محقة، فالواجب إزالة الشبهة بالحجج النيرة والبراهين القاطعة، وإطلاعهما على مراشد الحق. فإن ركبتا متن اللجاج ولم تعملا على شاكلة ما هديتا إليه ونصحتا من اتباع الحق بعد وضوحه لهما، فقد لحقتا بالفئتين الباغيتين. وإما أن تكون إحداهما الباغية على الأخرى ؛ فالواجب أن تقاتل فئة البغي إلى أن تكف وتتوب، فإن فعلت أصلح بينهما وبين المبغى عليها بالقسط والعدل، وفي ذلك تفاصيل : إن كانت الباغية من قلة العدد بحيث لا منعة لها : ضمنت بعد الفيئة ما جئت ؛ وإن كانت كثيرة ذات منعة وشوكة، لم تضمن إلا عند محمد بن الحسن رحمه الله ؛ فإن كان يفتي بأن الضمان يلزمها إذا فاءت. وأمّا قبل التجمع والتجند أو حين تتفرق عند وضع الحرب أوزارها، فما جنته ضمنته عند الجميع، فمحمل الإصلاح بالعدل في قوله تعالى : فَأَصْلِحُواْ بَيْنَهُمَا بالعدل  على مذهب محمد واضح منطبق على لفظ التنزيل، وعلى قول غيره : وجهه أن يحمل على كون الفئة قليلة العدد، والذي ذكروا أن الغرض إماتة الضغائن وسل الأحقاد دون ضمان الجنايات : ليس بحسن الطباق للمأمور به من أعمال العدل ومراعاة القسط. 
فإن قلت : فلم قرن بالإصلاح الثاني العدل دون الأوّل ؟ قلت : لأنّ المراد بالاقتتال في أول الآية أن يقتتلا باغيتين معاً أو راكبتي شبهة، وأيتهما كانت ؛ فالذي يجب على المسلمين أن يأخذوا به في شأنهما : إصلاح ذات البين، وتسكين الدهماء بإرادة الحق والمواعظ الشافية، ونفي الشبهة ؛ إلا إذا أصرتا، فحينئذٍ تجب المقاتلة. وأما الضمان فلا يتجه، وليس كذلك إذا بغت إحداهما ؛ فإنّ الضمان متجه على الوجهين المذكورين  وَأَقْسِطُواْ  أمر باستعمال القسط على طريق العموم بعد ما أمر به في إصلاح ذات البين، والقول فيه مثله في الأمر باتقاء الله على عقب النهي عن التقديم بين يديه، والقسط بالفتح : الجور من القسط : وهو اعوجاج في الرجلين. وعود قاسط : يابس. وأقسطته الرياح. وأمّا القسط بمعنى العدل، فالفعل منه : أقسط، وهمزته للسلب، أي : أزال القسط وهو الجور.

### الآية 49:10

> ﻿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ [49:10]

هذا تقرير لما ألزمه من تولى الإصلاح بين من وقعت بينهم المشاقة من المؤمنين، وبيان أن الإيمان قد عقد بين أهله من السبب القريب والنسب اللاصق : ما إن لم يفضل الأخوّة ولم يبرز عليها لم ينقص عنها ولم يتقاصر عن غايتها. ثم قد جرت عادة الناس على أنه إذا نشب مثل ذلك بين اثنين من إخوة الولاد، لزم السائر أن يتناهضوا في رفعه وإزاحته، ويركبوا الصعب والذلول مشياً بالصلح وبثاً للسفراء بينهما، إلى أن يصادف ما وهي من الوفاق من يرقعه، وما استشن من الوصال من يبله ؛ فالأخوة في الدين أحق بذلك وبأشدّ منه. وعن النبي صلى الله عليه وسلم :" المسلم أخو المسلم لا يظلمه، ولا يخذله، ولا يعيبه، ولا يتطاول عليه في البنيان فيستر عنه الريح إلا بإذنه، ولا يؤذيه بقتار قدره " ثم قال :" احفظوا، ولا يحفظ منكم إلا قليل ". 
فإن قلت : فلم خص الاثنان بالذكر دون الجمع ؟ قلت : لأن أقل من يقع بينهم الشقاق اثنان ؛ فإذا لزمت المصالحة بين الأقل كانت بين الأكثر ألزم ؛ لأنّ الفساد في شقاق الجمع أكثر منه في شقاق الاثنين، وقيل : المراد بالأخوين الأوس والخزرج، وقرىء :**«بين إخوتكم وإخوانكم »** والمعنى : ليس المؤمنون إلا إخوة، وأنهم خلص لذلك متمحضون، قد انزاحت عنهم شبهات الأجنبية، وأبي لطف حالهم في التمازج والاتحاد أن يقدموا على ما يتولد منه التقاطع، فبادروا قطع ما يقع من ذلك إن وقع واحسموه  واتقوا الله  فإنكم إن فعلتم لم تحملكم التقوى إلا على التواصل والائتلاف، والمسارعة إلى إماطة ما يفرط منه، وكان فعلكم ذلك وصول رحمة الله إليكم، واشتمال رأفته عليكم حقيقاً بأن تعقدوا به رجاءكم.

### الآية 49:11

> ﻿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَىٰ أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَىٰ أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ ۖ وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ ۖ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ ۚ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ [49:11]

القوم : الرجال خاصة ؛ لأنهم القوّام بأمور النساء. قال الله تعالى : الرجال قَوَّامُونَ عَلَى النساء  \[ النساء : ٣٤ \] وقال عليه الصلاة والسلام :" النساء لحم على وضم إلا ما ذب عنه " والذابون هم الرجال، وهو في الأصل جمع قائم، كصوّم وزوّر : في جمع صائم وزائر. أو تسمية بالمصدر. عن بعض العرب : إذا أكلت طعاماً أحببت نوماً وأبغضت قوماً. أي قياماً، واختصاص القوم بالرجال : صريح في الآية وفي قول زهير :
أَقَوْمٌ آلُ حِصْنٍ أَمْ نِسَاءُ \*\*\*
وأما قولهم في قوم فرعون وقوم عاد : هم الذكور والإناث، فليس لفظ القوم بمتعاط للفريقين، ولكن قصد ذكر الذكور وترك ذكر الإناث لأنهن توابع لرجالهن، وتنكير القوم والنساء يحتمل معنيين : أن يراد : لا يسخر بعض المؤمنين والمؤمنات من بعض ؛ وأن تقصد إفادة الشياع، وأن تصير كل جماعة منهم منهية عن السخرية، وإنما لم يقل : رجل من رجل، ولا امرأة من امرأة على التوحيد، إعلاماً بإقدام غير واحد من رجالهم وغير واحدة من نسائهم على السخرية، واستفظاعاً للشأن الذي كانوا عليه، ولأنّ مشهد الساخر لا يكاد يخلو ممن يتلهى ويستضحك على قوله، ولا يأتي ما عليه من النهي والإنكار، فيكون شريك الساخر وتلوه في تحمل الوزر، وكذلك كل من يطرق سمعه فيستطيبه ويضحك به، فيؤدي ذلك - وإن أوجده واحد - إلى تكثر السخرة وانقلاب الواحد جماعة وقوماً. وقول تعالى : عسى أَن يَكُونُواْ خَيْراً مّنْهُمْ  كلام مستأنف قد ورد مورد جواب المستخبر عن العلة الموجبة لما جاء النهي عنه، وإلا فقد كان حقه أن يوصل بما قبله بالفاء. والمعنى وجوب أن يعتقد كل أحد أن المسخور منه ربما كان عند الله خيراً من الساخر، لأنّ الناس لا يطلعون إلا على ظواهر الأحوال ولا علم لهم بالخفيات، وإنما الذي يزن عند الله ؛ خلوص الضمائر وتقوى القلوب، وعلمهم من ذلك بمعزل، فينبغي أن لا يجترىء أحد على الاستهزاء بمن تقتحمه عينه إذا رآه رث الحال، أو ذا عاهة في بدنه، أو غير لبيق في محادثته، فلعله أخلص ضميراً وأتقى قلباً ممن هو على ضدّ صفته، فيظلم نفسه بتحقير من وقره الله والاستهانة بمن عظمه الله، ولقد بلغ بالسلف إفراط توقيهم وتصونهم من ذلك أن قال عمر بن شرحبيل : لو رأيت رجلاً يرضع عنزاً فضحكت منه : خشيت أن أصنع مثل الذي صنعه. وعن عبد الله بن مسعود : البلاء موكل بالقول، لو سخرت من كلب لخشيت أن أحوّل كلباً. وفي قراءة عبد الله :**«عسوا أن يكونوا »** وعسين أن يكن، فعسى على هذه القراءة هي ذات الخبر كالتي في قوله تعالى : فَهَلْ عَسَيْتُمْ  \[ محمد : ٢٢ \] وعلى الأولى هي التي لا خبر لها كقوله تعالى : وَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئًا  \[ البقرة : ٢١٦ \]. واللمز : الطعن والضرب باللسان. وقرىء :**«ولا تلمزوا »** بالضم. والمعنى : وخصوا أيها المؤمنون أنفسكم بالانتهاء من عيبها والطعن فيها، ولا عليكم أن تعيبوا غيركم ممن لا يدين بدينكم ولا يسير بسيرتكم، ففي الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم :
 " اذكروا الفاجر بما فيه كي يحذره الناس " وعن الحسن رضي الله عنه في ذكر الحجاج : أخرج إلى بنانا قصيرة قلما عرقت فيها الأعنة في سبيل الله ثم جعل يطبطب شعيرات له ويقول : يا أبا سعيد يا أبا سعيد، وقال لما مات : اللَّهم أنت أمته فاقطع سنته، فإنه أتانا أخيفش أعيمش يخطر في مشيته ويصعد المنبر حتى تفوته الصلاة، لا من الله يتقي ولا من الناس يستحي، فوقه الله وتحته مائة ألف أو يزيدون، لا يقول له قائل : الصلاة أيها الرجل الصلاة أيها الرجل، هيهات دون ذلك السيف والسوط. وقيل : معناه لا يعب بعضكم بعضاً، لأنّ المؤمنين كنفس واحدة، فمتى عاب المؤمن المؤمن فكأنما عاب نفسه. وقيل : معناه لا تفعلوا ما تلمزون به، لأن من فعل ما استحق به اللمز فقد لمز نفسه حقيقة. والتنابز بالألقاب : التداعي بها : تفاعل من نبزه، وبنو فلان يتنابزون ويتنازبون ويقال : النبز والنزب : لقب السوء والتلقيب المنهي عنه، وهو ما يتداخل المدعوّ به كراهة لكونه تقصيراً به وذمّاً له وشيئاً، فأما ما يحبه مما يزينه وينوّه به فلا بأس به. روي عن النبي صلى الله عليه وسلم :" من حق المؤمن على أخيه أن يسميه بأحب أسمائه إليه " ولهذا كانت التكنية من السنة والأدب الحسن. قال عمر رضي الله عنه : أشيعوا الكنى فإنها منبهة. ولقد لقب أبو بكر بالعتيق والصدّيق، وعمر بالفاروق، وحمزة بأسد الله، وخالد بسيف الله، وقلَّ من المشاهير في الجاهلية والإسلام من ليس له لقب، ولم تزل هذه الألقاب الحسنة في الأمم كلها من العرب والعجم تجري في مخاطباتهم ومكاتباتهم من غير نكير. روي عن الضحاك أن قوماً من بني تميم استهزؤوا ببلال وخباب وعمار وصهيب وأبي ذرّ وسالم مولى حذيفة. فنزلت. وعن عائشة رضي الله عنها أنها كانت تسخر من زينب بنت خزيمة الهلالية وكانت قصيرة. وعن ابن عباس أن أمّ سلمة ربطت حقويها بسبيبة وسدلت طرفها خلفها وكانت تجرّه، فقالت عائشة لحفصة : انظري ما تجرّ خلفها كأنه لسان كلب. وعن أنس : عيرت نساء رسول الله صلى الله عليه وسلم أمّ سلمة بالقصر. وعن عكرمة عن ابن عباس أن صفية بنت حييّ أتت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت : إن النساء يعيرنني ويقلن يا يهودية بنت يهوديين، فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم :**« هلا قلت إن أبي هرون وإن عمي موسى وإن زوجي محمد »**، روي : أنها نزلت في ثابت بن قيس وكان به وقر، وكانوا يوسعون له في مجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم ليسمع ؛ فأتى يوماً وهو يقول : تفسحوا لي، حتى انتهى إلى رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم، فقال لرجل : تنح، فلم يفعل، فقال : من هذا ؟ فقال الرجل : أنا فلان، فقال : بل أنت ابن فلانة، يريد : أمّاً كان يعير بها في الجاهلية، فخجل الرجل فنزلت، فقال ثابت : لا أفخر على أحد في الحسب بعدها أبداً  الاسم  هاهنا بمعنى الذكر، من قولهم : طار اسمه في الناس بالكرم أو باللؤم، كما يقال : طار ثناؤه وصيته. وحقيقته : ما سما من ذكره وارتفع بين الناس. ألا ترى إلى قولهم : أشاد بذكره ؛ كأنه قيل : بئس الذكر المرتفع للمؤمنين بسبب ارتكاب هذه الجرائر أن يذكروا بالفسق. وفي قوله : بَعْدَ الإيمان  ثلاثة أوجه : أحدها استقباح الجمع بين الإيمان وبين الفسق الذي يأباه الإيمان ويحظره، كما تقول : بئس الشأن بعد الكبرة الصبوة والثاني : أنه كان في شتائمهم لمن أسلم من اليهود : يا يهودي يا فاسق، فنهوا عنه، وقيل لهم : بئس الذكر أن تذكروا الرجل بالفسق واليهودية بعد إيمانه، والجملة على هذا التفسير متعلقة بالنهي عن التنابز. والثالث : أن يجعل من فسق غير مؤمن، كما تقول للمتحول عن التجارة إلى الفلاحة : بئست الحرفة الفلاحة بعد التجارة.

### الآية 49:12

> ﻿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ ۖ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا ۚ أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۚ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ [49:12]

يقال : جنبه الشر إذا أبعده عنه، وحقيقته : جعله منه في جانب، فيعدى إلى مفعولين. قال الله عز وجل : واجنبنى وَبَنِىَّ أَن نَّعْبُدَ الأصنام  \[ إبراهيم : ٣٥ \] ثم يقال في مطاوعه : اجتنب الشر فتنقص المطاوعة مفعولاً. والمأمور باجتنابه هو بعض الظن، وذلك البعض موصوف بالكثرة : ألا ترى إلى قوله : إِنَّ بَعْضَ الظن إِثْمٌ  ؟
فإن قلت : بَيِّن الفصل بيْنَ  كَثِيراً ، حيث جاء نكرة وبينه لو جاء معرفة. قلت : مجيئه نكرة يفيد معنى البعضية، وإنّ في الظنون ما يجب أن يجتنب من غير تبيين لذلك ولا تعيين. لئلا يجترىء أحد على ظنّ إلا بعد نظر وتأمّل، وتمييز بين حقه وباطله بأمارة بينة، مع استشعار للتقوى والحذر ؛ ولو عرف لكان الأمر باجتناب الظنّ منوطاً بما يكثر من دون ما يقل، ووجب أن يكون كل ظنّ متصف بالكثرة مجتنباً، وما اتصف منه بالقلة مرخصاً في تظننه. والذي يميز الظنون التي يجب اجتنابها عما سواها : أنّ كل ما لم تعرف له أمارة صحيحة وسبب ظاهر : كان حراماً واجب الاجتناب ؛ وذلك إذا كان المظنون به ممن شوهد منه الستر والصلاح، وأونست منه الأمانة في الظاهر، فظنّ الفساد والخيانة به محرّم، بخلاف من اشتهره الناس بتعاطي الريب والمجاهرة بالخبائث. عن النبي صلى الله عليه وسلم :" إن الله تعالى حرّم من المسلم دمه وعرضه وأن يظنّ به ظنّ السوء " وعن الحسن : كنا في زمان الظنُّ بالناس حرام، وأنت اليوم في زمان اعمل واسكت، وظنّ بالناس ما شئت. وعنه : لا حرمة لفاجر. وعنه : إن الفاسق إذا أظهر فسقه وهتك ستره هتكه الله، وإذا استتر لم يظهر الله عليه لعله أن يتوب. وقد روي : من ألقى جلباب الحياء فلا غيبة له. والإثم : الذنب الذي يستحق صاحبه العقاب. ومنه قيل لعقوبته : الأثام، فعال منه : كالنكال والعذاب والوبال، قال :

لَقَدْ فَعَلَتْ هذي النَّوَى بِيَ فَعْلَة  أَصَابَ النَّوَى قَبْلَ المَمَاتِ أَثَامُهَاوالهمزة فيه عن الواو، كأنه يثم الأعمال : أي يكسرها بإحباطه. وقرىء :**«ولا تحسسوا »** بالحاء والمعنيان متقاربان. يقال : تجسس الأمر إذا تطلبه وبحث عنه : تفعل من الجس، كما أن التلمس بمعنى التطلب من اللمس، لما في اللمس من الطلب. وقد جاء بمعنى الطلب في قوله تعالى : وَأَنَّا لَمَسْنَا السماء  \[ الجن : ٨ \] والتحسس : التعرّف من الحس، ولتقاربهما قيل لمشاعر الإنسان : الحواس بالحاء والجيم، والمراد النهي عن تتبع عورات المسلمين ومعايبهم والاستكشاف عما ستروه. وعن مجاهد. خذوا ما ظهر ودعوا ما ستره الله. وعن النبي صلى الله عليه وسلم : أنه خطب فرفع صوته حتى أسمع العواتق في خدورهنّ. قال :" يا معشر من آمن بلسانه ولم يخلص الإيمان إلى قلبه، لا تتبعوا عورات المسلمين : فإن من تتبع عورات المسلمين تتبع الله عورته حتى يفضحه ولو في جوف بيته " 
وعن زيد بن وهب : قلنا لابن مسعود : هل لك في الوليد بن عقبة بن أبي معيط تقطر لحيته خمراً ؟ فقال ابن مسعود : إنا قد نهينا عن التجسس، فإن ظهر لنا شيء أخذنا به. غابه واغتابه : كغاله واغتاله. والغيبة من الاغتياب، كالغيلة من الاغتيال : وهي ذكر السوء في الغيبة سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الغيبة فقال :" أن تذكر أخاك بما يكره. فإن كان فيه فقد اغتبته، وإن لم يكن فيه فقد بهته " وعن ابن عباس رضي الله عنهما : الغيبة إدام كلاب الناس  أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ  تمثيل وتصوير لما يناله المغتاب من عرض المغتاب على أفظع وجه وأفحشه. وفيه مبالغات شتى : منها الاستفهام الذي معناه التقرير. ومنها جعل ما هو في الغاية من الكراهة موصولاً بالمحبة. ومنها إسناد الفعل إلى أحدكم والإشعار بأن أحداً من الأحدين لا يحب ذلك. ومنها أن لم يقتصر على تمثيل الاغتياب بأكل لحم الإنسان، حتى جعل الإنسان أخاً. ومنها أن لم يقتصر على أكل لحم الأخ حتى جعل ميتاً. وعن قتادة : كما تكره إن وجدت جيفة مدوّدة أن تأكل منها، كذلك فاكره لحم أخيك وهو حي. وانتصب  مَيْتًا  على الحال من اللحم. ويجوز أن ينتصب عن الأخ. وقرىء :**«ميِّتا »** ولما قرّرهم عز وجل بأنّ أحداً منهم لا يحب أكل جيفة أخيه، عقب ذلك بقوله تعالى : فَكَرِهْتُمُوهُ  معناه : فقد كرهتموه واستقرّ ذلك. وفيه معنى الشرط، أي : إن صحّ هذا فكرهتموه، وهي الفاء الفصيحة، أي : فتحققت - بوجوب الإقرار عليكم وبأنكم لا تقدرون على دفعه وإنكاره : لإباء البشرية عليكم أن تجحدوه - كراهتكم له وتقذركم منه، فليتحقق أيضاً أن تكرهوا ما هو نظيره من الغيبة والطعن في أعراض المسلمين. وقرىء :**«فكرهتموه »** أي : جبلتم على كراهته. 
فإن قلت : هلا عدّى بإلى كما عدّى في قوله : وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الكفر  وأيهما القياس ؟ قلت : القياس تعدّيه بنفسه، لأنه ذو مفعول واحد قبل تثقيل حشوه، تقول : كرهت الشيء، فإذا ثقل استدعى زيادة مفعول. وأما تعدّيه بإلى، فتأوّل وإجراء لكره مجرى بغض، لأنّ بعض منقول من بغض إليه الشيء فهو بغيض إليه، كقولك : حب إليه الشيء فهو حبيب إليه. والمبالغة في التواب للدلالة على كثرة من يتوب عليه من عباده، أو لأنه ما من ذنب يقترفه المقترف إلا كان معفواً عنه بالتوبة. أو لأنه بليغ في قبول التوبة، منزل صاحبها منزلة من لم يذنب قط، لسعة كرمه. والمعنى : واتقوا الله بترك ما أمرتم باجتنابه والندم على ما وجد منكم منه، فإنكم إن اتقيتم تقبل الله توبتكم وأنعم عليك بثواب المتقين التائبين. وعن ابن عباس : أن سلمان كان يخدم رجلين من الصحابة ويسوّي لهما طعامهما، فنام عن شأنه يوماً، فبعثاه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يبغي لهما إداماً، وكان أسامة على طعام رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : ما عندي شيء، فأخبرهما سلمان بذلك، فعند ذلك قالا : لو بعثناه إلى بئر سميحة لغار ماؤها، فلما راحا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لهما : مالي أرى خضرة اللحم في أفواهكما، فقالا : ما تناولنا لحماً فقال : إنكما قد اغتبتما فنزلت.

### الآية 49:13

> ﻿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ [49:13]

مّن ذَكَرٍ وأنثى  من آدم وحوّاء. وقيل : خلقنا كل واحد منكم من أب وأمّ، فما منكم أحد إلا وهو يدلي بمثل ما يدلى به الآخر سواء بسواء، فلا وجه للتفاخر والتفاضل في النسب. والشعب : الطبقة الأولى من الطبقات الست التي عليها العرب، وهي : الشعب، والقبيلة، والعمارة، والبطن، والفخذ، والفصيلة ؛ فالشعب يجمع القبائل، والقبيلة تجمع العمائر، والعمارة تجمع البطون، والبطن تجمع الأفخاذ، والفخذ تجمع الفصائل : خزيمة شعب، وكنانة قبيلة، وقريش عمارة، وقصى بطن، وهاشم فخذ، والعباس فصيلة، وسميت الشعوب ؛ لأنّ القبائل تشعبت منها. وقرىء :**«لتتعارفوا »** ولتعارفوا بالإدغام. ولتعرفوا، أي لتعلموا كيف تتناسبون. ولتتعرفوا. والمعنى : أن الحكمة التي من أجلها رتبكم على شعوب وقبائل هي أن يعرف بعضكم نسب بعض. فلا يعتزى إلى غير آبائه، لا أن تتفاخروا بالآباء والأجداد، وتدعوا التفاوت والتفاضل في الأنساب. ثم بين الخصلة التي بها يفضل الإنسان غيره ويكتسب الشرف والكرم عند الله تعالى فقال : إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عَندَ الله أتقاكم  وقرىء :**«أنّ »** بالفتح، كأنه قيل : لم لا يتفاخر بالأنساب ؟ فقيل : لأنّ أكرمكم عند الله أتقاكم لا أنسبكم. وعن النبي صلى الله عليه وسلم : أنه طاف يوم فتح مكة، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال :" الحمد لله الذي أذهب عنكم عبية الجاهلية وتكبرها، يا أيها الناس، إنما الناس رجلان : مؤمن تقي كريم على الله، وفاجر شقيّ هين على الله " ثم قرأ الآية. وعنه عليه السلام :" من سرّه أن يكون أكرم الناس فليتق الله " وعن ابن عباس : كرم الدنيا الغني، وكرم الآخرة التقوى. وعو يزيد بن شجرة : مرّ رسول الله صلى الله عليه وسلم في سوق المدينة فرأى غلاماً أسود يقول : من اشتراني فعلى شرط لا يمنعني عن الصلوات الخمس خلف رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم، فاشتراه رجل فكان رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم يراه عند كل صلاة، ففقده يوماً فسأل عنه صاحبه، فقال : محموم، فعاده ثم سأل عنه بعد ثلاثة أيام فقال : هو لما به، فجاءه وهو في دمائه. فتولى غسله ودفنه، فدخل على المهاجرين والأنصار أمر عظيم، فنزلت.

### الآية 49:14

> ﻿۞ قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا ۖ قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَٰكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ ۖ وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا ۚ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ [49:14]

الإيمان : هو التصديق مع الثقة وطمأنينة النفس. والإسلام : الدخول في السلم. والخروج من أن يكون حرباً للمؤمنين بإظهار الشهادتين. ألا ترى إلى قوله تعالى : وَلَمَّا يَدْخُلِ الإيمان فِى قُلُوبِكُمْ  فاعلم أنّ ما يكون من الإقرار باللسان من غير مواطأة القلب فهو إسلام، وما واطأ فيه القلب اللسان فهو إيمان. 
فإن قلت : ما وجه قوله تعالى : قُل لَّمْ تُؤْمِنُواْ ولكن قُولُواْ أَسْلَمْنَا  والذي يقتضه نظم الكلام أن يقال : قل لا تقولوا آمنا، ولكن قولوا أسلمنا. أو قل لم تؤمنوا ولكن أسلمتم ؟ قلت : أفاد هذا النظم تكذيب دعواهم أوّلاً، ودفع ما انتحلوه، فقيل : قل لم تؤمنوا. وروعي في هذا النوع من التكذيب أدب حسن حين لم يصرّح بلفظه، فل يقل : كذبتم، ووضع  لَّمْ تُؤْمِنُواْ  الذي هو نفي ما ادعوا إثباته موضعه، ثم نبه على ما فعل من وضعه موضع كذبتم في قوله في صفة المخلصين  أُوْلَئِكَ هُمُ الصادقون  \[ الحجرات : ١٥ \] تعريضاً بأن هؤلاء هم الكاذبون، ورب تعريض لا يقاومه التصريح، واستغنى بالجملة التي هي لم : تُؤْمِنُواْ  عن أن يقال : لا تقولوا آمنا، لاستهجان أن يخاطبوا بلفظ مؤدّاه النهي عن القول بالإيمان، ثم وصلت بها الجملة المصدّرة بكلمة الاستدراك محمولة على المعنى، ولم يقل : ولكن أسلمتم، ليكون خارجاً مخرج الزعم والدعوى، كما كان قولهم : ءَامَنَّا  كذلك، ولو قيل : ولكن أسلمتم، لكان خروجه في معرض التسليم لهم والاعتداد بقولهم وهو غير معتدّ به. 
فإن قلت : قوله : وَلَمَّا يَدْخُلِ الإيمان فِى قُلُوبِكُمْ  بعد قوله تعالى : قُل لَّمْ تُؤْمِنُواْ  يشبه التكرير من غير استقلال بفائدة متجددة. قلت : ليس كذلك، فإن فائدة قوله : لَّمْ تُؤْمِنُواْ  هو تكذيب دعواهم، وقوله : وَلَمَّا يَدْخُلِ الإيمان فِى قُلُوبِكُمْ  توقيت لما أمروا به أن يقولوه، كأنه قيل لهم  ولكن قُولُواْ أَسْلَمْنَا  حين لم تثبت مواطأة قلوبكم لألسنتكم ؛ لأنه كلام واقع موقع الحال من الضمير في  قُولُواْ  وما في ( لما ) من معنى التوقع : دال على أن هؤلاء قد آمنوا فيما بعد  لاَ يَلِتْكُمْ  لا ينقصكم ولا يظلمكم. يقال : ألته السلطان حقه أشدّ الألت، وهي لغة غطفان. ولغة أسد وأهل الحجاز : لاته ليتا. وحكى الأصمعي عن أمّ هشام السلولية أنها قالت : الحمد لله الذي لا يفات ولا يلات، ولا تصمه الأصوات. وقرىء باللغتين **«لا يلتكم »** ولا يألتكم. ونحوه في المعنى  فَلاَ تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً  \[ الأنبياء : ٤٧ \]. ومعنى طاعة الله ورسوله : أن يتوبوا عما كانوا عليه من النفاق ويعقدوا قلوبهم على الإيمان ويعملوا بمقتضياته، فإن فعلوا ذلك تقبل الله توبتهم، ووهب لهم مغفرته. وأنعم عليهم بجزيل ثوابه. وعن ابن عباس رضي الله عنهما أنّ نفراً من بني أسد قدموا المدينة في سنة جدبة، فأظهروا الشهادة، وأفسدوا طرق المدينة بالعذرات، وأغلوا أسعارها، وهم يغدون ويروحون على رسول الله صلى الله عليه وسلم ويقولون : أتتك العرب بأنفسها على ظهور رواحلها، وجئناك بالأثقال والذراري، يريد الصدقة ويمنون عليه، فنزلت.

### الآية 49:15

> ﻿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ۚ أُولَٰئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ [49:15]

ارتاب : مطاوع رابه إذا أوقعه في الشك مع التهمة. والمعنى : أنهم آمنوا ثم لم يقع في نفوسهم شك فيما آمنوا به، ولا اتهام لمن صدّقوه واعترفوا بأنّ الحق منه. 
فإن قلت : ما معنى ثم هاهنا وهي التراخي وعدم الارتياب يجب أن يكون مقارناً للإيمان لأنه وصف فيه، لما بينت من إفادة الإيمان معنى الثقة والطمأنينة التي حقيقتها التيقن وانتفاء الريب ؟ قلت : الجواب على طريقين، أحدهما أنّ من وجد منه الإيمان ربما اعترضه الشيطان أو بعض المضلين بعد ثلج الصدر فشككه وقذف في قلبه ما يثلم يقينه، أو نظر هو نظراً غير سديد يسقط به على الشك ثم يستمرّ على ذلك راكباً رأسه لا يطلب له مخرجاً، فوصف المؤمنون حقاً بالبعد عن هذه الموبقات. ونظيره قوله : ثُمَّ استقاموا  \[ فصلت : ٣٠ \] والثاني : أنّ الإيقان وزوال الريب لما كان ملاك الإيمان أفرد بالذكر بعد تقدّم الإيمان، تنبيهاً على مكانه ؛ وعطف على الإيمان بكلمة التراخي إشعاراً باستقراره في الأزمنة المتراخية المتطاولة غضاً جديداً.  وجاهدوا  يجوز أن يكون المجاهد منوياً وهو العدوّ المحارب أو الشيطان أو الهوى. وأن يكون جاهد مبالغة في جهد. ويجوز أن يراد بالمجاهدة بالنفس : الغزو، وأن يتناول العبادات بأجمعها، وبالمجاهدة بالمال : نحو ما صنع عثمان رضي الله عنه في جيش العسرة، وأن يتناول الزكوات وكل ما يتعلق بالمال من أعمال البر التي يتحامل فيها الرجل على ماله لوجه الله تعالى  أُوْلَئِكَ هُمُ الصادقون  الذين صدقوا في قولهم آمنا، ولم يكذبوا كما كذب أعراب بني أسد، أو هم الذين إيمانهم إيمان صدق وإيمان حق وجدّ وثبات.

### الآية 49:16

> ﻿قُلْ أَتُعَلِّمُونَ اللَّهَ بِدِينِكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ ۚ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ [49:16]

يقال : ما علمت بقدومك، أي : ما شعرت به ولا أحطت به. ومنه قوله تعالى : أَتُعَلّمُونَ الله بِدِينِكُمْ  وفيه تجهيل لهم.

### الآية 49:17

> ﻿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا ۖ قُلْ لَا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُمْ ۖ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ [49:17]

يقال : منّ عليه بيد أسداها إليه، كقولك : أنعم عليه وأفضل عليه. والمنة : النعمة التي لا يستثيب مسديها من يزلها إليه ؛ واشتقاقها من المنّ الذي هو القطع، لأنه إنما يسديها إليه ليقطع بها حاجته لا غير، من غير أن يعمد لطلب مثوبة. ثم يقال : منّ عليه صنعه، إذا اعتده عليه منة وإنعاماً. وسياق هذه الآية فيه لطف ورشاقة، وذلك أنّ الكائن من الأعاريب قد سماه الله إسلاماً، ونفى أن يكون كما زعموا إيماناً ؛ فلما منوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم ما كان منهم قال الله سبحانه وتعالى لرسوله عليه الصلاة والسلام : إنّ هؤلاء يعتدّون عليك بما ليس جديراً بالاعتداد به من حدثهم الذي حق تسميته أن يقال له إسلام. فقل لهم : لا تعتدّوا على إسلامكم، أي حدثكم المسمى إسلاماً عندي لا إيماناً. ثم قال : بل الله يعتد عليكم أن أمدّكم بتوفيقه حيث هداكم للإيمان على ما زعمتم وادعيتم أنكم أرشدتم إليه ووفقتم له إن صحّ زعمكم وصدقت دعواكم، إلا أنكم تزعمون وتدعون ما الله عليم بخلافه. وفي إضافة الإسلام إليهم وإيراد الإيمان غير مضاف : ما لا يخفى على المتأمل، وجواب الشرط محذوف لدلالة ما قبله عليه، تقديره : إن كنتم صادقين في ادعائكم الإيمان، فللَّه المنة عليكم. وقرىء :**«إن هداكم »** بكسر الهمزة. وفي قراءة ابن مسعود رضي الله عنه : إذ هداكم.

### الآية 49:18

> ﻿إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۚ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ [49:18]

وقرىء :**«تعلمون »** بالتاء والياء، وهذا بيان لكونهم غير صادقين في دعواهم، يعني أنه عزّ وجل يعلم كل مستتر في العالم ويبصر كل عمل تعملونه في سركم وعلانيتكم، لا يخفى عليه منه شيء، فكيف يخفى عليه ما في ضمائركم ولا يظهر على صدقكم وكذبكم، وذلك أنّ خاله مع كل معلوم واحدة لا تختلف.

## روابط ذات صلة

- [النص القرآني للسورة](https://quranpedia.net/surah/1/49.md)
- [كل تفاسير سورة الحجرات
](https://quranpedia.net/surah-tafsir/49.md)
- [ترجمات سورة الحجرات
](https://quranpedia.net/translations/49.md)
- [صفحة الكتاب: الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل](https://quranpedia.net/book/346.md)
- [المؤلف: الزمخشري](https://quranpedia.net/person/3927.md)

---

زُر [Quranpedia.net](https://quranpedia.net/surah/1/49/book/346) — موسوعة القرآن الكريم: التفاسير، الترجمات، التلاوات، والمواضيع.
