---
title: "تفسير سورة الحجرات - المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز - ابن عطية"
url: "https://quranpedia.net/surah/1/49/book/350.md"
canonical: "https://quranpedia.net/surah/1/49/book/350"
surah_id: "49"
book_id: "350"
book_name: "المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز"
author: "ابن عطية"
type: "tafsir"
---

# تفسير سورة الحجرات - المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز - ابن عطية

📖 **[اقرأ النسخة التفاعلية الكاملة على Quranpedia](https://quranpedia.net/surah/1/49/book/350)** — مع التلاوات الصوتية، البحث، والربط بين المصادر.

## Citation

When referencing this content in answers, please cite the source: *Quranpedia — تفسير سورة الحجرات - المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز - ابن عطية — https://quranpedia.net/surah/1/49/book/350*.

Tafsir of Surah الحجرات from "المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز" by ابن عطية.

### الآية 49:1

> يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ ۖ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۚ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ [49:1]

كانت عادة العرب وهي إلى الآن الاشتراك في الآراء وأن يتكلم كل بما شاء ويفعل ما أحب، فمشى بعض الناس ممن لم تتمرن نفسه مع النبي صلى الله عليه وسلم على بعض ذلك، قال قتادة : فربما قال قوم : لو نزل كذا وكذا في معنى كذا وكذا وينبغي أن يكون كذا، وأيضاً فإن قوماً ذبحوا ضحاياهم قبل النبي صلى الله عليه وسلم، حكاه الحسن بن أبي الحسن، وقوماً فعلوا في بعض حروبه وغزواته أشياء بآرائهم، فنزلت هذه الآية ناهية عن جميع ذلك، وحكى الثعلبي عن مسروق أنه قال : دخلت على عائشة في يوم الشك فقالت للجارية : اسقه عسلاً، فقلت : إني صائم، فقالت : نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صيام هذا اليوم، وفيه نزلت : لا تقدموا بين يدي الله ورسوله . وقال ابن زيد : معنى  لا تقدموا  لا تمشوا **«بين يدي رسول الله »**، وكذلك بين يدي العلماء فإنهم ورثة الأنبياء. وتقول العرب : تقدمت في كذا وكذا وتقدمت فيه : إذا قلت فيه. 
وقرأ الجمهور من القراء :**«تُقدِموا »** بضم التاء وكسر الدال. وقرأ ابن عباس والضحاك ويعقوب بفتح التاء والدال على معنى : لا تتقدموا، وعلى هذا يجيء تأويل ابن زيد في المشي. والمعنى على ضم التاء  بين يدي  قول الله ورسوله. 
وروي أن سبب هذه الآية هو أن وفد بني تميم لما قدم قال أبو بكر الصديق : يا رسول الله لو أمرت الأقرع بن حابس. وقال عمر بن الخطاب : لا يا رسول الله، بل أمر القعقاع بن معبد، فقال له أبو بكر : ما أردت إلى خلافي، ويروى إلا خلافي، فقال عمر : ما أردت خلافك، وارتفعت أصواتهما فنزلت الآية في ذلك[(١)](#foonote-١). وذهب بعض قائلي هذه المقالة إلى أن قوله : لا تقدموا  معناه : لا تقدموا  ولاة، فهو من تقديم الأمراء، وعموم اللفظ أحسن، أي اجعلوه مبدأً في الأقوال والأفعال. و : سميع  معناه : لأقوالكم.  عليم  معناه : بأفعالكم ومقتضى أقوالكم.

١ روى ذلك البخاري في صحيحه عن عبد الله بن الزبير رضي الله عنهما، ورواه أيضا عن أبي مليكة، قال: كاد الخيران أن يهلكا، أبا بكر وعمر رضي الله عنهما، رفعا أصواتهما عند النبي صلى الله عليه وسلم حين قدم عليه ركب بني تميم، فأشار أحدهما بالأقرع بن حابس أخي بني مجاشع، وأشار الآخر برجل، قال نافع: لا أحفظ اسمه، فقال أبو بكر لعمر: ما أردت إلا خلافي، قال: ما أردت خلافك، فارتفعت أصواتهما في ذلك، فأنزل الله:يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم الآية، قال ابن الزبير: فما كان عمر يُسمع رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد هذه الآية حتى يستفهمه، وذكر الواحدي هذا في "أسباب النزول" بسنده دون الجزء الأخير وهو قول ابن الزبير رضي الله عنهما، وأورد السيوطي الحديث في الدر المنثور وزاد نسبته إلى ابن المنذر، وابن مردويه، عن عبد الله بن الزبير رضي الله عنهما.
 وقد ذكر ابن عطية هنا أن أبا بكر أشار بإمارة الأقرع بن حابس، وأن عمر أشار بإمارة القعقاع بن معبد، ولكن الرواية الثابتة في الدر المنثور، وفي أسباب النزول أن العكس هو الصحيح، وأن أبا بكر أشار بالقعقاع، وعمر أشار بالأقرع، وما في الطبري يوافق ما ذكره ابن عطية، ورواية البخاري لم تحدد..

### الآية 49:2

> ﻿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ [49:2]

وقوله تعالى : يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا  الآية هي أيضاً في ذلك الفن المتقدم، وروى حيح أنها نزلت بسبب عادة الأعراب من الجفاء وعلو الصوت والعنجهية، وكان ثابت بن قيس بن شماس رضي الله عنه في صوته جهارة، فلما نزلت هذه الآية اهتم وخاف على نفسه وجلس في بيته لم يخرج، وهو كئيب حزين حتى عرف رسول الله صلى الله عليه وسلم خبره فبعث فيه فأنسه وقال له :**«امش في الأرض بسطاً فإنك من أهل الجنة »**[(١)](#foonote-١). وقال له مرة :**«أما ترضى أن تعيش حميداً وتموت شهيداً »** فعاش كذلك، ثم قتل باليمامة يوم مسيلمة[(٢)](#foonote-٢). 
وفي قراءة ابن مسعود :**«لا ترفعوا بأصواتكم »** بزيادة الباء. 
وقوله : كجهر بعضكم لبعض  أي كحال جهركم في جفائه وكونه مخاطبة بالأسماء والألقاب، وكانوا يدعون النبي صلى الله عليه وسلم. با محمد يا محمد، قاله ابن عباس وغيره، فأمرهم الله بتوقيره، وأن يدعوه بالرسالة والنبوءة والكلام اللين، فتلك حالة الموقر، وكره العلماء رفع الصوت عند قبر النبي صلى الله عليه وسلم. وبحضرة العالم وفي المساجد، وفي هذه كلها آثار. 
وقوله تعالى : أن تحبط  مفعول من أجله، أي مخافة  أن تحبط ، والحبط : إفساد العمل بعد تقرره، يقال حبِط بكسر الباء وأحبطه الله، وهذا الحبط إن كانت الآية معرضة بمن يفعل ذلك استخفافاً واستحقاراً وجرأة فذلك كفر. والحبط معه على حقيقته، وإن كان التعريض للمؤمن الفاضل الذي يفعل ذلك غفلة وجرياً على طبعه، فإنما يحبط عمله البر في توقير النبي صلى الله عليه وسلم وغض الصوت عنده أن لو فعل ذلك، فكأنه قال : أن تحبط الأعمال التي هي معدة أن تعملوها فتؤجروا عليها. ويحتمل أن يكون المعنى : أن تأثموا ويكون ذلك سبباً إلى الوحشة في نفوسكم، فلا تزال معتقداتكم تتجرد القهقرى حتى يؤول ذلك إلى الكفر فتحبط الأعمال حقيقة. وظاهر الآية أنها مخاطبة لفضلاء المؤمنين الذين لا يفعلون ذلك احتقاراً، وذلك أنه لا يقال لمنافق يعمل ذلك جرأة وأنت لا تشعر، لأنه ليس له عمل يعتقده هو عملاً. وفي قراءة عبد الله بن مسعود :**«فتحبط أعمالكم »**.

١ رواه البخاري ومسلم في صحيحيهما، رواه البخاري من حديث موسى بن أنس، عن أنس بن مالك رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم افتقد ثابت بن قيس، فقال رجل: يا رسول الله أنا أعلم لك عِلمه، فأتاه فوجده جالسا في بيته منكسا رأسه، فقال له: ما شأنك؟ فقال: شر، كان يرفع صوته فوق صوت النبي صلى الله عليه وسلم، فقد حبط عمله وهو من أهل النار، (وهذا التفات من الحاضر إلى الغائب، والأصل: كنت أرفع صوتي)، فأتى الرجل النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره أنه قال كذا وكذا، فقال موسى: فرجع إليه المرة الأخيرة ببشارة عظيمة، فقال:(اذهب إليه فقل له: إنك لست من أهل النار، ولكنك من أهل الجنة)، ورواه مسلم من رواية حماد بن سلمة، عن ثابت البناني، عن أنس بن مالك وأورده السيوطي في الدر المنثور، وزاد نسبته إلى الإمام أحمد، وأبي يعلى في معجم الصحابة، والطبراني، وابن المنذر، وابن مردويه، والبيهقي في الدلائل، عن أنس بن مالك..
٢ هو ثابت بن قيس بن شماس الخزرجي، يكنى أبا محمد، وقيل: أبا عبد الرحمن، قُتل له ثلاثة من أولاده يوم الحرة، وهم: محمد، ويحيى، وعبد الله، وكان خطيبا بليغا معروفا بذلك، كان يقال له: خطيب رسول الله صلى الله عليه وسلم كما يقال لحسان بن ثابت: شارع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد خطب يوم قدم وفد بني تميم على رسول الله صلى الله عليه وسلم خطبة بليغة جزلة، كما قال حسان بن ثابت قصيدة رد بها على الأقراع بن حابس شاعر بني تميم، فقال الوفد: خطيبهم أخطب من خطيبنا، وشاعرهم أشعر من شاعرنا، وفي يوم اليمامة خرج مع خالد بن الوليد إلى مسيلمة، وفي اللقاء انكشف المسلمون فقال ثابت ومعه سالم مولى أبي حذيفة: ما هكذا كنا نقاتل مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم حفر كل واحد منهم حفرة فثبتا وقاتلا حتى قُتلا، وعلى ثابت يومئذ درع له نفيسة، فمر به رجل من المسلمين فأخذها، وبينما رجل من المسلمين نائم أتاه ثابت في منامه فقال له: أوصيك بوصية، فإياك أن تقول: هذا حلم فتضيعه، إني لما قُتلت جاء رجل من المسلمين فأخذ درعي، ومنزله في أقصى الناس، وعند خبائه فرس يستن-يعدو إقبالا وإدبارا في طِوله- والطِّول: الحبل الطويل يُشد أحد طرفيه في وتد والطرف الآخر في رجل الفرس- وقد كفأ على الدرع بُرمة، وفوق البرمة رحل، فأت خالدا فمره أن يبعث إلى درعي فيأخذها، وإذا قدمت المدينة على خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم-يعني أبا بكر الصديق رضي الله عنه- فقل له: إن عليّ من الدين كذا وكذا، وفلان من رقيقي عتيق وفلان، فاتى الرجل خالدا فأخبره فبعث إلى الدرع فأحضرها، وحدّث أبا بكر رضي الله عنه برؤياه فأجازها الصديق، قيل: ولا نعلم أحدا أجيزت وصيته بعد موته غير ثابت بن قيس رضي الله عنه.(راجع الاستيعاب؛ والإصابة والدر المنثور)..

### الآية 49:3

> ﻿إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ أُولَٰئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَىٰ ۚ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ [49:3]

ثم مدح الصنف المخالف لمن تقدم ذكره، وهم  الذين يغضون أصواتهم  عند النبي صلى الله عليه وسلم. وغض الصوت : خفضه وكسره، وكذلك البصر، ومنه قول جرير :\[ الوافر \]
فغض الطرف إنك من نمير. . . [(١)](#foonote-١)
وروي أن أبا بكر وعمر كانا بعد ذلك لا يكلمان رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا كأخي السرار[(٢)](#foonote-٢)، وأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يحتاج مع عمر بعد ذلك إلى استعادة اللفظ، لأنه كان لا يسمعه من إخفائه إياه[(٣)](#foonote-٣). و : امتحن الله  معناه اختبر وظهر كما يمتحن الذهب بالنار فيسرها وهيأها للتقوى. وقال عمر بن الخطاب : امتحن للتقوى أذهب عنها الشهوات. 
قال القاضي أبو محمد : من غلب شهوته وغضبه، فذلك الذي  امتحن الله  قلبه للتقوى، وبذلك تكون الاستقامة.

١ هذا صدر بيت قاله جرير يهجو الراعي النُّميري، والبيت بتمامه:
 فغُض الطرف إنك من نُمير فلا كعبا ولا كِلابا
 وهو من قصيدته البائية التي بدأها بقوله:
 أقلي اللوم عاذل والعتابا وقولي إن أصبت لقد أصابا
 والبيت في الديوان، والكتاب لسيبويه، والعيني، وابن يعيش، والهمع، والأشموني، وشرح واهد الشافية، والتصريح، وفي الكامل للمبرد:(فغض) بكسر الضاد، وفي الخزانة: فغُض بالفتح والكسر والضم، والنحويون يستشهدون به على جواز الفتح في (غض) المضعف لالتقاء الساكنين، وقد قيل: هو أهجى بيت قالته العرب:.
٢ ذكره الواحدي في (أسباب النزول)، وأخرجه البزار، وابن مردويه من طريق طارق بن شهاب عن أبي بكر رضي الله عنه، وأخرجه الحاكم، والبيهقي في (المدخل) من حديث أبي هريرة وقال: صحيح على شرط مسلم..
٣ جاء في ذلك في حديث ابن أبي مليكة الذي رواه البخاري وذكرناه قبل ذلك، وفيه أن ابن الزبير رضي الله عنهما قال:"فما كان عمر يُسمع رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد هذه الآية حتى يستفهمه"، وفي الخبر أنه لم يذكر ذلك عن جده أبي بكر رضي الله عنهم أجمعين، راجع صفحة(٤٨٣) من هذا الجزء..

### الآية 49:4

> ﻿إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ [49:4]

قوله تعالى : إن الذين ينادونك  إلى قوله  رحيم  نزلت في وفد بني تميم حيث كان الأقرع بن حابس والزبرقان بن بدر وعمرو بن الأهتم وغيرهم، وذلك أنهم وفدوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فدخلوا المسجد ودنوا من حجر أزواج النبي صلى الله عليه وسلم وهي تسعة، فجعلوا ولم ينتظروا، فنادوا بجملتهم : يا محمد اخرج إلينا يا محمد اخرج إلينا فكان في فعلهم ذلك جفاء وبداوة وقلة توقير، فتربص رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم خرج إليهم، فقال له الأقرع بن حابس : يا محمد، إن مدحي زين وذمي شين، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم :**«ويلك، ذلك الله تعالى »** واجتمع الناس في المسجد، فقام خطيبهم وفخر، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ثابت بن قيس بن شماس فخطب وذكر الله والإسلام، فأربى على خطيبهم، ثم قام شاعرهم فأنشد مفتخراً، فقام حسان بن ثابت ففخر بالله وبالرسول وبالبسالة، فكان أشعر من شاعرهم، فقال بعضهم لبعض : والله إن هذا الرجل لمؤتى له، لخطيبه أخطب من خطيبنا، ولشاعره أشعر من شاعرنا، ثم نزلت فيهم هذه الآية[(١)](#foonote-١). 
هذا تلخيص ما تظاهرت به الروايات في هذه الآية، وقد رواه موسى بن عقبة عن أبي سلمة عن الأقرع بن حابس، وفي مصحف ابن مسعود :**«أكثرهم بنو تميم لا يعقلون »**، و : الحجرات  : جمع حجرة. 
وقرأ جمهور القراء :**«الحُجُرات »** بضم الحاء والجيم، وقرأ أبو جعفر القاري وحده :**«الحُجَرات »** بضم الحاء وفتح الجيم.

١ ذكره الواحدي النيسابوري في (أسباب النزول)، وهو خبر طويل، وذكره ابن إسحق في السيرة، وقد أورد خطبة ثابت بن قيس في الرد على خطيب بني تميم وهو عطارد ابن حاجب، وأورد شعر الزبرقان بن بدر شاعر بني تميم، وشعر حسان بن ثابت في الرد عليه، ومن شعر الزبرقان قوله:
 نحن الكرام فلا حي يعادلنا منا الملوك وفينا تُنصب البيع
 وكم قسرنا من الأحياء كلهم عند النِّهاب وفضل العِز يُتبع
 **ومن شعر حسان قوله:**
 أكرم بقوم رسول الله شيعتهم إذا تفاوتت الأهواء والشيع
 أهدى لهم مِدحتي قلب يؤازره فيما أحب لسان حائك صنع
 فإنهم أفضل الأحياء كلهم إن جد بالناس جِدُّ القول أو شمعوا
 والصنع هو الذي يُحسن القول ويجيده، ومعنى"شَمَعوا": هزلوا، وأصل الشمع: الطرب واللهو، أما قول الأقرع بن حابس: إن هذا الرجل لمؤتى له فمعناه: لموفق له..

### الآية 49:5

> ﻿وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّىٰ تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ ۚ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ [49:5]

وقوله تعالى : لكان خيراً لهم  يعني في الثواب عند الله وفي انبساط نفس النبي صلى الله عليه وسلم وقضائه لحوائجهم ووده لهم، وذلك كله خير، لا محالة أن بعضه انزوى بسبب جفائهم. 
وقوله تعالى : والله غفور رحيم  ترجية لهم وإعلام بقبوله توبة التائب وغفرانه ورحمته لمن أناب ورجع.

### الآية 49:6

> ﻿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَىٰ مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ [49:6]

وقوله تعالى : يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبإ  سببها أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث الوليد بن عقبة بن أبي معيط إلى بني المصطلق مصدقاً[(١)](#foonote-١)، فروي أنه كان معادياً لهم فأراد إذايتهم، فرجع من بعض طريقه وكذب عليهم، قاله الضحاك، وقال للنبي صلى الله عليه وسلم : إنهم منعوني الصدقة وطردوني وارتدوا، فغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم بغزوهم، ونظر في ذلك، وبعث خالد بن الوليد إليهم، فورده وفدهم منكرين لذلك[(٢)](#foonote-٢)، وروي عن أم سلمة وابن عباس أن الوليد بن عقبة لما قرب منهم خرجوا إليه متلقين له، فرآهم على بعد، ففزع منهم، وظن بهم الشر وانصرف، فقال ما ذكرناه[(٣)](#foonote-٣)، وروي أنه لما قرب منهم بلغه عنهم أنهم قالوا : لا نعطيه الصدقة ولا نعطيه، فعمل على صحة هذا الخبر وانصرف، فقال ما ذكرناه فنزلت الآية بهذا السبب، والوليد على ما ذكر مجاهد هو المشار إليه بالفاسق وحكى الزهراوي قالت أم سلمة : هو الوليد بن عقبة. 
قال القاضي أبو محمد : ثم هي باقية فيمن اتصف بهذه الصفة غابر الدهر. 
والفسق : الخروج عن نهج الحق، وهو مراتب متباينة، كلها مظنة للكذب وموضع تثبت وتبين، وتأنس القائلون بقبول خبر الواحد بما يقتضيه دليل خطاب هذه الآية، لأنه يقتضي أن غير الفاسق إذا جاء بنبإ أن يعمل بحسبه، وهذا ليس باستدلال قوي وليس هذا موضع الكلام على مسألة خبر الواحد. 
وقرأ الجمهور من القراء :**«فتبينوا »** من التبين. وقرأ الحسن وابن وثاب وطلحة والأعمش وعيسى :**«فتثبتوا »**. 
و  أن  في قوله : أن تصيبوا  مفعول من أجله، كأنه قال : مخافة  أن تصيبوا . قال قتادة : وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم عندما نزلت هذه الآية :**«التثبت من الله والعجلة من الشيطان »**[(٤)](#foonote-٤) قال منذر بن سعيد هذه الآية ترد على من قال : إن المسلمين كلهم عدول حتى تثبت الجرحة، لأن الله تعالى أمر بالتبين قبل القبول[(٥)](#foonote-٥). 
قال القاضي أبو محمد : فالمجهول الحال يخشى أن يكون فاسقاً والاحتباط لازم. قال النقاش **«تبينوا »** أبلغ، لأنه قد يتثبت من لا يتبين.

١ المصدق: العامل الذي يجبي الصدقات..
٢ أخرجه أحمد، وابن أبي حاتم، والطبراني، وابن منده، وابن مردويه، بسند جيد عن الحارث بن ضرار الخزاعي، وأخرج مثله الطبراني، وابن منده، وابن مردويه، عن علقمة بن ناجية، وأخرجه الطبراني في الأوسط عن جابر بن عبد الله، مع اختلاف في الألفاظ..
٣ أخرجه ابن راهويه، وابن جرير، والطبراني، وابن مردويه، عن أم سلمة رضي الله عنها، وأخرجه ابن جرير، وابن مردويه، والبيهقي في سننه، وابن عساكر، عن ابن عباس رضي الله عنهما.(الدر المنثور)..
٤ أخرجه عبد بن حميد، وابن جرير، عن قتادة، وهو جزء في آخر الحديث الذي رواه قتادة عن إرسال النبي صلى الله عليه وسلم الوليد بن عقبة إلى بني المصطلق، واللفظ المذكور في الدر المنثور:(التأني من الله والعجلة من الشيطان)، وذكره السيوطي في الجامع الصغير من رواية البيهقي في شعب الإيمان عن أنس رضي الله عنه، ثم رمز له بأنه ضعيف..
٥ إذ لا معنى للتثبت بعد إنفاذ الحكم، فإن الحكم الحاكم قبل التثبت فقد أصاب المحكوم عليه بجهالة وهو ما نصت عليه الآية الكريمةأن تصيبوا قوما بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين. ثم إن الله تبارك وتعالى لم يأمر بالتبين إلا عند مجيء الفاسق لا مجيء المسلم..

### الآية 49:7

> ﻿وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ ۚ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ ۚ أُولَٰئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ [49:7]

وقوله تعالى : واعلموا أن فيكم رسول الله  توبيخ للكذبة ووعيد للفضيحة، أي فليفكر الكاذب في أن الله عز وجل يفضحه على لسان رسوله ؛ ثم قال : لو يطيعكم في كثير من الأمر لعنتم  أي لشقيتم وهلكتم، والعنت : المشقة، أي لو يطيعكم أيها المؤمنون في كثير مما ترونه باجتهادكم وتقدمكم بين يديه. 
وقوله تعالى : ولكن الله حبب إليكم  الآية كأنه قال : ولكن الله أنعم بكذا وكذا، وفي ذلك كفاية وأمر لا تقومون بشكره فلا تتقدموا في الأمور، واقنعوا بإنعام الله عليكم، وحبب الله تعالى الإيمان وزينه بأن خلق في قلوب المؤمنين حبه وحسنه، وكذلك تكريه الكفر والفسق والعصيان، وحكى الرماني عن الحسن أنه قال : حبب الإيمان بما وصف من الثواب عليه وكره الثلاثة المقابلة للإيمان بما وصف من العقاب عليها. 
وقوله تعالى : أولئك هم الراشدون  رجوع من الخطاب إلى ذكر الغيب، كأنه قال : ومن فعل هذا وقبله وشكر عليه فأولئك هم الراشدون.

### الآية 49:8

> ﻿فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً ۚ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ [49:8]

وقوله تعالى : فضلاً من الله ونعمة  مصدر مؤكد لنفسه، لأن ما قبله هو بمعناه، إن التحبيب والتزيين هو نفس الفضل، وقد يجيء المصدر مؤكداً لما قبله إذا لم يكن هو نفس ما قبله، كقولك جاءني زيد حقاً ونحوه وكان قتادة رحمه الله يقول : قد قال الله تعالى لأصحاب محمد صلى الله عليه وسلم : واعلموا أن فيكم رسول الله لو يطيعكم في كثير من الأمر لعنتم ، وأنتم والله أسخف الناس رأياً، وأطيش أحلاماً، فليتهم رجل نفسه، ولينتصح كتاب الله تعالى.

### الآية 49:9

> ﻿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا ۖ فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَىٰ فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّىٰ تَفِيءَ إِلَىٰ أَمْرِ اللَّهِ ۚ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا ۖ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ [49:9]

طائفتان  مرفوع بإضمار فعل. والطائفة : الجماعة. وقد تقع على الواحد، واحتج لذلك بقوله تعالى : فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة [(١)](#foonote-١) \[ التوبة : ١٢٢ \]. ورأى بعض الناس أن يشهد حداً لزناة رجل واحد. فهذه الآية الحكم فيها في الأفراد وفي الجماعات واحد. 
واختلف الناس في سبب هذه الآية. فقال أنس بن مالك والجمهور سببها : ما وقع بين المسلمين والمتحزبين منهم مع عبد الله بن أبي ابن سلول حين مر به رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو متوجه إلى زيارة سعد بن عبادة في مرضه. فقال عبد الله بن أبيّ لما غشيه حمار رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا تغبروا علينا ولقد آذانا نتن حمارك. فرد عليه عبد الله بن رواحة الحديث بطوله. فتلاحى الناس حتى وقع بينهم ضرب بالجريد، ويروى بالحديد[(٢)](#foonote-٢). 
وقال أبو مالك والحسن سببها : أن فرقتين من الأنصار وقع بينهما قتال. فأصلحه رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد جهد ونزلت الآية في ذلك وقال السدي : كانت بالمدينة امرأة من الأنصار يقال لها أم بدر[(٣)](#foonote-٣) ولها زوج من غيرهم. فوقع بينهما شيء أوجب أن يأنف لها قومها وله قومه. فوقع قتال نزلت الآية بسببه[(٤)](#foonote-٤). 
و : بغت  معناه : طلبت العلو بغير الحق، ومدافعة الفئة الباغية متوجه في كل حال وأما التهيؤ لقتالها فمع الولاة. وقيل لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه : أمشركون أهل صفين والجمل ؟ قال : لا. من الشرك فروا. قيل أفمنافقون ؟ قال : لا. لأن المنافقين لا يذكرون الله إلا قليلاً. قيل فما حالهم ؟ قال : إخواننا بغوا علينا. وقال النبي صلى الله عليه وسلم :( حكم الله في الفئة الباغية أن لا يجهز على جريح. ولا يطلب هارب. ولا يقتل أسير )[(٥)](#foonote-٥) و : تفيء  معناه : ترجع. والإقساط : الحكم بالعدل. 
١ من الآية(١٢٢) من سورة (التوبة)..
٢ حديث أنس رضي الله عنه أخرجه البخاري ومسلم في صحيحيهما، وذكره الواحدي في (أسباب النزول) بسنده عن معتمر بن سليمان عن أبيه، ونقله عنه القرطبي، وذكره السيوطي في (الدر المنثور)، وزاد نسبته إلى الإمام أحمد، وابن جرير الطبري، وابن المنذر، وابن مردويه، والبيهقي في سننه، وليس فيه أن النبي صلى الله عليه وسلم مرّ على ابن سلول وهو ذاهب إلى زيارة سعد بن عبادة، بل فيه أنه قيل للنبي صلى الله عليه وسلم: لو أتيت عبد الله بن أبي، فانطلق وركب حمارا، وانطلق المسلمون يمشون، وهي أرض سبخة، فلما انطلق إليهم قال: إليك عني فوالله لقد آذاني ريح حمارك، فقال رجل من الأنصار: والله لحمار رسول الله صلى الله عليه وسلم أطيب ريحا منك، فغضب لعبد الله رجال من قومه، وغضب لكل منهما أصحابه، فكان بينهم ضرب بالجريد والأيدي والنعال، فأنزل فيهم: وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما. أما حديث زيارة سعد بن عبادة فقد أخرجه البخاري ومسلم في صحيحيهما عن أسامة بن زيد رضي الله عنه، وفيه ان رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج يعود سعد بن عبادة، فمرّ بمجلس فيهم عبد الله بن أبيّ وعبد الله بن رواحة، فخمّر ابن أبيّ وجهه بردائه، وقال: لا تغبروا علينا... الخ الحديث وهو طويل، وقد ذكره أبو الفرج البغدادي بطوله في كتابه"المغني"..
٣ في جميع كتب التفسير والحديث"أم زيد"..
٤ أخرجه ابن جرير الطبري، وابن أبي حاتم السدي، قال: كان رجل من الأنصار يقال له عمران، تحته امرأة يقال لها أم زيد، وأنها أرادت أن تزور أهلها فحبسها زوجها وجعلها في علية لا يدخل عليها أحد من أهلها، وأم المرأة بعثت إلى أهلها فجاء قومها فأنزلوها لينطلقوا بها، وكان الرجل قد خرج، فاستعان أهل الرجل فجاء بنو عمه ليحولوا بين المرأة وبين أهلها، فتدافعوا وتجادلوا بالنعال، فنزلت فيهم هذه الآيةوإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا، فبعث إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فأصلح بينهم وفاؤوا إلى أمر الله.(الدر المنثور)..
٥ ذكر القرطبي هذا الحديث، قال:"وقال ابن عمر: قال النبي صلى الله عليه وسلم:(يا عبد الله، أتدري كيف حكم الله فيمن بغى من هذه الأمة)؟ قال: الله ورسوله أعلم، فقال:(لا يُجهز على جريحها، ولا يقتل أسيرها، ولا يطلب هاربها، ولا يُقسم فيئها).".

### الآية 49:10

> ﻿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ [49:10]

وقوله تعالى : إنما المؤمنون إخوة  يريد إخوة الدين. وقرأ الجمهور من القراء :**«بين أخويكم »** وذلك رعاية لحال أقل عدد يقع فيه القتال والتشاجر والجماعة متى فصل الإصلاح فإنما هو بين رجلين رجلين. وقرأ ابن عامر والحسن بخلاف عنه :**«بين إخوتكم »**. 
وقرأ ابن سيرين وزيد بن ثابت وابن مسعود والحسن وعاصم الجحدري وحماد بن سلمة :**«بين إخوانكم »**. وهي حسنة. لأن الأكثر من جمع الأخ في الدين ونحوه من النسب إخوان. والأكثر في جمعه من النسب إخوة وإخاء. قال الشاعر :\[ الطويل \]
وجدتم أخاكم دوننا إذ نسيتم. . . وأي بني الإخاء تنبو مناسبه ؟[(١)](#foonote-١)
وقد تتداخل هذه الجموع في كتاب الله. فمنه : إنما المؤمنون إخوة ومنه  أو بيوت إخوانكم [(٢)](#foonote-٢) فهذا جاء على الأقل من الاستعمال.

١ البيت في اللسان والتاج غير منسوب، وغنما قالا:"وانشد أبو علي"، قال صاحب اللسان:"ويدل على أن أخا فعلٌ مفتوحة العين جمعهم إياها على أفعال نحو آخاء، حكاه سيبويه عن يونس، وأنشد أبو علي: وجدتم بينكم دوننا... البيت"، ففي روايته:"بينكم دوننا" بدلا من "أخاكم بيننا"، وفي الصحاح أن الأخ أصله أخو بالتحريك، قال: "لأنه جمع على آخاء مثل آباء، والذاهب منه واو لأتنك تقول: أخوان"..
٢ من الآية (٦١) من سورة (النور)..

### الآية 49:11

> ﻿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَىٰ أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَىٰ أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ ۖ وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ ۖ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ ۚ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ [49:11]

هذه الآيات والتي بعدها نزلت في خلق أهل الجاهلية. وذلك لأنهم كانوا يجرون مع الشهوات نفوسهم لم يقومهم أمر من الله ولا نهي. فكان الرجل يسطو ويهمز ويلمز وينبز بالألقاب ويظن الظنون. فيتكلم بها. ويغتاب ويفتخر بنسبه إلى غير ذلك من أخلاق النفوس البطالة. فنزلت هذه الآية تأديباً لأمة محمد صلى الله عليه وسلم. وذكر بعض الناس لهذه الآيات أسباباً. فمما قيل : إن هذه الآية : لا يسخر قوم  نزلت بسبب عكرمة بن أبي جهل وذلك أنه كان يمشي بالمدينة مسلماً، فقال له قوم : هذا ابن فرعون هذه الأمة، فعز ذلك عليه وشكاه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم. 
وقال القاضي أبو محمد : والقوي عندي أن هذه الآية نزلت تقويماً كسائر أمر الشرع ولو تتبعت الأسباب لكانت أكثر من أن تحصى. 
و : يسخر  معناه : يستهزئ. والهزء إنما يترتب متى ضعف امرؤ إما لصغر وإما لعلة حادثة، أو لرزية أو لنقيصة يأتيها، فنهي المؤمنون عن الاستهزاء في هذه الأمور وغيرها نهياً عاماً، فقد يكون ذلك المستهزأ به خيراً من الساخر، والقوم في كلام العرب : واقع على الذكران، وهو من أسماء الجمع : كالرهط والنفر. وقول من قال : إنه من القيام أو جمع قائم ضعيف، ومنه قول الشاعر وهو زهير :\[ الوافر \]
وما أدري وسوف إخال أدري. . . أقوم آل حصن أم نساء[(١)](#foonote-١)
وهذه الآية أيضاً تقتضي اختصاص القوم بالذكران، وقد يكون مع الذكران نساء فيقال لهم قوم على تغليب حال الذكور، ثم نهى تعالى النساء عمّا نهى عنه الرجال من ذلك. 
وقرأ أبيّ بن كعب وابن مسعود :**«عسوا أن يكونوا »**، **«وعسين أن يكن »**. 
و : تلمزوا ، معناه : يطعن بعضكم على بعض بذكر النقائص ونحوه، وقد يكون اللمز بالقول وبالإشارة ونحوه مما يفهمه آخر، والهمز لا يكون إلا باللسان، وهو مشبه بالهمز بالعود ونحوه مما يقتضي المماسة، قال الشاعر \[ رؤبة \] :
ومن همزنا عزه تبركعا. . . [(٢)](#foonote-٢)
وقيل لأعرابي : أتهمز الفأرة ؟ فقال الهر يهمزها. وحكى الثعلبي أن اللمز ما كان في المشهد والهمز ما كان في المغيب. وحكى الزهراوي عن علي بن سليمان عَكَّهُ من ذلك فقال : الهمز أن يعيب حضرة واللمز في الغيبة. ومنه قوله تعالى : ويل لكل همزة لمزة [(٣)](#foonote-٣) \[ الهمزة : ١ \] ومنه قوله تعالى : ومنهم من يلمزك في الصدقات [(٤)](#foonote-٤) \[ التوبة : ٥٨ \]. 
وقرأ الجمهور :**«تلمِزوا »** بكسر الميم. وقرأ الأعرج والحسن :**«تلمُزوا »** بضم الميم. قال أبو عمرو بن العلاء : هي عربية. قراءتنا بالضم وأحياناً بالكسر. 
وقوله تعالى : أنفسكم  معناه : بعضكم بعضاً كما قال : ولا تقتلوا أنفسكم [(٥)](#foonote-٥) \[ النساء : ٢٩ \] كأن المؤمنين كنفس واحدة إذ هم إخوة. فهم كما قال صلى الله عليه وسلم :
**«كالجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى سائره بالسهر والحمى »**[(٦)](#foonote-٦) وهم كما قال أيضاً :**«كالبنيان يشد بعضه بعضاً »**[(٧)](#foonote-٧). والتنابز : التلقب والنبز واللقب واحد. أو اللقب : هو ما يعرف به الإنسان من الأسماء التي يكره سماعها. وروي أن بني سلمة كانوا قد كثرت فيهم الألقاب، فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلاً منهم فقال له : يا فلان، فقيل له : إنه يغضب من هذا الاسم، ثم دعا آخر كذلك. فنزلت الآية في هذا[(٨)](#foonote-٨). وليس من هذا قول المحدثين سليمان الأعمش. وواصل الأحدب. ونحوه مما تدعو الضرورة إليه وليس فيه قصد استخفاف وأذى. وقد قال عبد الله بن مسعود لعلقمة[(٩)](#foonote-٩) : وتقول أنت ذلك يا أعور[(١٠)](#foonote-١٠). وأسند النقاش إلى عطاء قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :**«كنوا أولادكم ؟ »** قال عطاء : مخافة الألقاب. وقال ابن زيد. معنى : ولا تنابزوا بالألقاب  أي لا يقول أحد لأحد : يا يهودي بعد إسلامه. ولا يا فاسق بعد توبته. ونحو هذا. وحكى النقاش أن كعب بن مالك وابن أبي حدرد تلاحيا[(١١)](#foonote-١١)، فقال له كعب : يا أعرابي. يريد أن يبعده من الهجرة. فقال له الآخر : يا يهودي. يريد لمخالطة الأنصار اليهود في يثرب. فنزلت الآية. 
وقوله تعالى : بئس الاسم الفسوق بعد الإيمان  يحتمل معنيين : أحدهما : بئس اسم تكتسبونه بعصيانكم ونبزكم بالألقاب فتكونون فساقاً بالمعصية بعد إيمانكم. والثاني : بئس ما يقول الرجل لأخيه : يا فاسق بعد إيمانه. وقال الرماني : هذه الآية تدل على أنه لا يجتمع الفسق والإيمان. 
قال القاضي أبو محمد : وهذه نزعة اعتزالية. 
ثم شدد تعالى عليهم النهي. بأن حكم بظلم من لم يتب ويقلع عن هذه الأشياء التي نهى عنها.

١ قال زهير هذا البيت من قصيدة يهجو بها بني غُليب، وهم آل بيت من كلب لأن رجلا قد شكاهم إليه، ثم علم أنه ظلمهم فندم على ذلك، وقد أراد بالقوم هنا الرجال دون النساء، وهذا موضع الاستشهاد بالبيت وقوله:"وسوف إخال أدري" معناه: سأبحث عن حقيقة حالهم، وهذا هزء بهم وتوعد لهم، وقد استشهد صاحب اللسان بالبيت على أن"القوم" هم الرجال لا النساء..
٢ البيت لرؤبة بن العجاج، وهو من قصيدة قالها يمدح تميما، وقد ذكره فيي اللسان مع بيت بعده باللفظ الذي ذكره ابن عطية هنا، ولكنه في الديوان مختلف عن ذلك، أما في اللسان فالبيتان هما:
 ومن همزنا عِزه تبركعا على إسته زوبعة أو زوبعا 
 ومعنى تبركع: صُرع فوقع على استه، واما في الديوان مختلف عن ذلك، أما في اللسان فالبيتان هما:
 ومن همزنا رأسه تلعلعا ومن أبحنا عِزه تبركعا
 على استه روبعة أو روبعا
 والهمز هو الدفع والضرب-والبيت شاهد على هذا المعنى في اللسان-، وتلعلع: ضعف من المرض أو التعب..
٣ الآية(١) من سورة (الهمزة)..
٤ من الآية(٥٨) من سورة (التوبة)..
٥ من الآية(٢٩) من سورة (النساء)..
٦ أخرجه الإمام أحمد في مسنده، والإمام مسلم في صحيحه، عن النعمان بن بشير، ورمز له الإمام السيوطي في الجامع الصغير بالصحة، ولفظه فيه:(مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى)..
٧ أخرجه البخاري ومسلم في صحيحهما، والترمذي والنسائي في صحيحيهما، عن أبي موسى رضي الله عنه، وذكره الإمام السوطي في الجامع الصغير ورمز له بالصحة، كما أخرجه الإمام أحمد في مسنده(٤-٤٠٥، ٤٠٩)..
٨ أخرجه أحمد، وعبد بن حميد، والبخاري في الأدب، وأبو دواد، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه، وأبو يعلى، وابن جرير، وابن المنذر، والبغوي في معجمه، وابن حبان، والشيرازي في الألقاب، والطبري، وابن السني في عمل اليوم والليلة، والحاكم وصححه، وابن مردويه، والبيهقي في شعب الإيمان، عن أبي جبيرة بن الضحاك رضي الله عنه، قال: فينا نزلن، في بني سلمةولا تنابزوا بالألقاب، قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم لامدينة وليس فيها رجل إلا وله اسمان أو ثلاثة، فكان إذا دعا أحدهم باسم من تلك الأسماء قالوا: يا رسول الله، إنه يكره هذا الاسم، فانزل اللهولا تنابزوا بالألقاب. (الدر المنثور)..
٩ في الصحابة عدد كبير ممن اسمه علقمة، ولا ندري من المقصود منهم..
١٠ أما الأعمش فهو سليمان بن مهران الأسدي الكاهلي، أبو محمد، الكوفي، الأعمش، ثقة حافظ، عارف بالقراءة، ورع، قال عنه الحافظ بن حجر: لكنه يدلس، مات سنة سبع وأربعين أو ثمان وأربعين. وأما الأحدب فهو واصل بن حيان الأحدب، الأسدي الكوفي، ثقة ثبت، مات سنة عشرين ومائة، قال العلماء: ليس هذا من التنابز بالألقاب لأنه أُريد به الصفة ولم يُرد به العيب، وفي صحيح مسلم عن عبد الله بن سرجس قال: رأيت الألع يُقبل الحجر، وفي رواية: الأصيلع، يعني عمر بن الخطاب رضي الله عنه..
١١ أي: تنازعا وتخاصما..

### الآية 49:12

> ﻿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ ۖ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا ۚ أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۚ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ [49:12]

ثم أمر تعالى المؤمنين باجتناب كثير من الظن. وأن لا يعملوا ولا يتكلموا بحسبه، لما في ذلك وفي التجسس من التقاطع والتدابر. وحكم على بعضه بأنه  إثم  إذ بعضه ليس بإثم. ولا يلزم اجتنابه وهو ظن الخير بالناس وحسنه بالله تعالى. والمظنون من شهادات الشهود والمظنون به من أهل الشر. فإن ذلك سقوط عدالته وغير ذلك هي من حكم الظن به. وظن الخير بالمؤمن محمود والظن المنهي عنه : هو أن تظن سوءاً برجل ظاهره الصلاح. بل الواجب تنزيل الظن وحكمه وتتأول الخير. وقال بعض الناس : إثم  معناه : كذب. ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم :**«إياكم والظن، فإن الظن أكذب الحديث »**[(١)](#foonote-١). وقال بعض الناس. معنى : إن بعض الظن إثم  أي إذا تكلم الظان أثم. وما لم يتكلم فهو في فسحة. لأنه لا يقدر على دفع الخواطر التي يبيحها قول النبي صلى الله عليه وسلم :**«الحزم سوء الظن »**[(٢)](#foonote-٢). وذكر النقاش عن أنس رضي الله عنه عن النبي صلى اله عليه وسلم أنه قال :( احترسوا من الناس بسوء الظن )[(٣)](#foonote-٣). 
قال القاضي أبو محمد : وما زال أولو العلم يحترسون من سوء الظن ويسدون ذرائعه. 
قال سلمان الفارسي : إني لأعد عراق قِدْري[(٤)](#foonote-٤) مخافة الظن. وذكر النقاش عن أنس بن مالك عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال :**«احترسوا من الناس بسوء الظن. »** وكان أبو العالية يختم على بقية طعامه مخافة سوء الظن بخادمه. 
وقال ابن مسعود : الأمانة خير من الخاتم. والخاتم خير من ظن السوء. 
وقوله : ولا تجسسوا  أي لا تبحثوا على مخبآت أمور الناس وادفعوا بالتي هي أحسن. واجتزوا بالظواهر الحسنة. 
وقرأ الحسن وأبو رجاء وابن سيرين والهذليون :**«لا تحسسوا »** بالحاء غير منقوطة. وقال بعض الناس : التجسس بالجيم في الشر. والتحسس بالحاء في الخير. وهكذا ورد القرآن، ولكن قد يتداخلان في الاستعمال. وقال أبو عمرو بن العلاء : التجسس : ما كان من وراء وراء. والتحسس بالحاء : الدخول والاستعلام. وصح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال :**«ولا تجسسوا ولا تحسسوا ولا تدابروا وكونوا عباد الله إخواناً »**[(٥)](#foonote-٥). وذكر الثعلبي حديث حراسة عمرو بن عوف ووجودهما الشرب في بيت ربيعة بن أمية بن خلف. وذكر أيضاً حديثه في ذلك مع أبي محجن الثقفي[(٦)](#foonote-٦). وقال زيد بن وهب. قيل لابن مسعود : هل لك في الوليد بن عقبة تقطر لحيته خمراً ؟ فقال : إنا نهينا عن التحسس. فإن يظهر لنا شيء أخذنا به[(٧)](#foonote-٧). 
 ولا يغتب  معناه : ولا يذكر أحدكم من أخيه شيئاً هو فيه يكره سماعه. وروي أن عائشة قالت عن امرأة : ما رأيت أجمل منها إلا أنها قصيرة، فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم :**«اغتبتها، نظرت إلى أسوأ ما فيها فذكرته »**[(٨)](#foonote-٨) وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم :**«إذا ذكرت ما في أخيك فقد اغتبته. وإذا ذكرت ما ليس فيه فقد بهته »**[(٩)](#foonote-٩). وفي حديث آخر :**«الغيبة أن تذكر المؤمن بما يكره »**. قيل : وإن كان حقاً. قال :**«إذا قلت باطلاً فذلك هو البهتان »**[(١٠)](#foonote-١٠). وقال معاوية بن قرة وأبو إسحاق السبيعي[(١١)](#foonote-١١) : إذا مر بك رجل اقطع. فقلت : ذلك الأقطع، كان ذلك غيب. وحكى الزهراوي عن جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال :**«الغيبة أشد من الزنا، لأن الزاني يتوب فيتوب الله عليه. والذي يغتاب يتوب فلا يتاب عليه حتى يستحل »**[(١٢)](#foonote-١٢). 
قال القاضي أبو محمد : وقد يموت من اغتيب، أو يأبى. 
وروي أن رجلاً قال لابن سيرين : إني قد اغتبتك فحللني. فقال له ابن سيرين إني لا أحل ما حرم الله. والغيبة مشتقة من غاب يغيب. وهي القول في الغائب واستعملت في المكروه. ولم يبح في هذا المعنى إلا ما تدعو الضرورة إليه من تجريح في الشهود وفي التعريف لمن استنصح في الخطاب ونحوهم لقول النبي صلى الله عليه وسلم :
**«أما معاوية فصعلوك لا مال له »**[(١٣)](#foonote-١٣). وما يقال في الفسقة أيضاً وفي ولاة الجور ويقصد به التحذير منه. ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم :**«أعن الفاجر ترعون ؟ اذكروا الفاجر بما فيه حتى يعرفه الناس إذا لم تذكروه »**[(١٤)](#foonote-١٤) ومنه قوله صلى الله عليه وسلم :**«بئس ابن العشيرة »**[(١٥)](#foonote-١٥). ثم مثل تعالى الغيبة بأكل لحم ابن آدم الميت، والعرب تشبه الغيبة بأكل اللحم. فمنه قول الشاعر \[ سويد بن أبي كاهل اليشكري \] :\[ الرمل \]
فإذا لاقيته عظّمني. . . وإذا يخلو له لحمي رتع[(١٦)](#foonote-١٦)
ويروى فيحييني إذا لاقيته. 
ومنه قول الآخر :\[ المقنع الكندي \]. 
وإن أكلوا لحمي وفرت لحومهم. . . وإن هدموا مجدي بنيت لهم مجدا[(١٧)](#foonote-١٧)
فوقفهم الله تعالى على جهة التوبيخ بقوله : أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتاً  فالجواب عن هذا : لا. وهم في حكم من يقولها. فخوطبوا على أنهم قالوا لا. فقيل لهم : فكرهتموه  وبعد هذا مقدر تقديره : فكذلك فاكرهوا الغيبة التي هي نظير ذلك. وعلى هذا المقدر يعطف قوله : واتقوا الله  قاله أبو علي الفارسي. وقال الرماني : كراهية هذا اللحم يدعو إليها الطبع. وكراهية الغيبة يدعو إليها العقل. وهو أحق أن يجاب. لأنه بصير عالم. والطبع أعمى جاهل. 
وقرأ الجمهور :**«ميْتاً »** بسكون الياء. وقرأ نافع وابن القعقاع وشيبة ومجاهد :**«ميِّتاً »** بكسرها والشد. وقرأ أبو حيوة :**«فكُرّهتموه »** بضم الكاف وشد الراء. 
ورواها أبو سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم. ثم أعلم بأنه  تواب رحيم  إبقاء منه تعالى وإمهالاً وتمكيناً من التوبة.

١ أخرجه مالك، وأحمد، والبخاري، ومسلم، وأبو داود، والترمذي، وابن المنذر، وابن مردويه، عن أبي هريرة رضي الله عنه، وهو جزء من حديث ذكره السيوطي في الدر المنثور، ولفظه كما ذكره: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:(إياكم والظن فغن الظن أكذب الحديث، ولا تجسسوا ولا تنافسوا ولا تحاسدوا ولا تباغضوا، وكونوا عباد الله إخوانا، ولا يخطب الرجل على خطبة أخيه حتى ينكح أو يترك)..
٢ أخرجه أبو الشيخ في الثواب عن علي، والقضاعي عن عبد الرحمن بن عائذ، ورمز له السيوطي في الجامع الصغير بأنه حديث حسن..
٣ أخرجه الطبراني في الأوسط، وابن عدي في الكامل، عن أنس رضي الله عنه، ورمز له السيوطي في الجامع الصغير بانه ضعيف..
٤ العُراق-بضم العين-: العظم أكل لحمه، وفي بعض النسخ"لا أعد" بدلا من "لأعد"..
٥ سبق الاستشهاد بالجزء الأول منه وهو قوله صلى الله عليه وسلم:(إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث)، وقد ذكرنا تخريجه في الهامش(١) صفحة(٥٠٥) من هذا الجزء..
٦ حديث حراسة عمر مع عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنهما أخرجه عبد الرزاق، وعبد بن حميد، والخرائطي في "مكارم الأخلاق"، عن زرارة بن مصعب بن عبد الرحمن ابن عوف، عن المسور بن مخرمة، عن عبد الرحمن بن عوف، قال: إنه حرس مع عمر ابن الخطاب ليلة بالمدينةن فبينما هم يمشون شبّ لهم سراج في بيت، فانطلقوا يؤمونه، فلما دنوا منه إذ باب مُجاف على قوم لهم فيه أصوات مرتفعة ولغط، فقال عمر-وأخذ بيد عبد الرحمن بن عوف-: اتدري بيت من هذا؟ قال: هذا بيت ربيعة بن أمية بن خلف، وهم الآن شرب فما ترى؟ قال: أرى أنا قد أتينا ما نهى الله عنه، قال الله:ولا تجسسوا فقد تجسسنا، فانصرف عنهم وتركهم، والشرب: القوم يشربون ويجتمعون على الشراب. وأما حديثه مع أبي محجن الثقفي فقد قال أبو قُلابة: حُدّث عمر بن الخطاب أن أبا مِحجن الثقفي يشرب الخمر مع أصحاب له في بيته، فانطلق عمر رضي الله عنه حتى دخل عليه، فإذا ليس عنده إلا رجل، فقال أبو مِحجن: إن هذا لا يحل لك، قد نهاك الله عن التجسس، فخرج عمر وتركه..
٧ أخرجه عبد الرزاق، وابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وأبو دواد، وابن المنذر، وابن مردويه، والبيهقي في "شعب الإيمان"، عن زيد بن وهب، وليس في الحديث ذكر لاسم الوليد بن عقبة، بل ذكره السيوطي في الدر المنثور بلفظ"هذا لان تقطر لحيته خمرا".
٨ أخرجه عبد بن حميد عن عكرمة، قال: إن امرأة دخلت على النبي صلى الله عليه وسلم ثم خرجتن فقالت عائشة: يا رسول الله، ما أجملها وأحسنها لولا أن بها قصرا، فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم:(اغتبتيها يا عائشة)، فقالت: يا رسول الله، إنما قلت شيئا هو بها، قال:(يا عائشة، إذا غيبة، وإذا قلت ما ليس بها فقد بهتها)،(الدر المنثور)..
٩ أخرجه ابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وأبو داود، والترمذي وصححه، وابن جرير، وابن المنذر، وابن مردويه، عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قيل: يا رسول الله، ما الغيبة؟ قال: ذكرك أخاك بما يكره، قال: يا رسول الله، أرأيت إن كان في أخي ما أقول؟ قال: إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته، وإن لم يكن فيه ما تقول فقد بهته.(الدر المنثور). والبهتان هو القذف بالباطل..
١٠ أخرج عبد بن حميد، والخرائطي في "مساوئ الأخلاق"عن عبد المطلب بن حنطب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:(إن الغيبة أن تذكر المرء بما فيه)، قال: إنما كنا نرى أن نذكره بما ليس فيه، قال:(ذاك البهتان)..
١١ معاوية بن قرة بن إياس بن هلال المزني، أبو إياس البصري، ثقة، عالم، مات سنة ثلاث عشرة ومائة، وهو ابن ست وسبعين سنة، وأبو إسحق السبيعي هو عمر بن عبد الله الهمداني، والسبيعي بفتح السين المهملة وكسر الباء، مكثر، ثقة، عابد، مات سنة تسع وعشرين ومائة، وقيل قبل ذلك، (تقريب التهذيب)..
١٢ أخرجه ابن مردويه، والبيهقي، عن أبي سعيد، وجابر بن عبد الله رضي الله عنهما. (الدر المنثور). ومعنى (يستحل): يسأله أن يُحله من أمره ويصفح عنه..
١٣ أخرجه مسلم في الرضاع والطلاق، وأبو داود في الطلاق، والترمذي والنسائي في النكاح، ومالك في الطلاق، وأحمد في مسنده(٦-٤١٢)، ولفظه كما جاء في صحيح مسلم، عن أبي بكر بن الجهم بن صُخير العدوي، قال: سمعت فاطمة بنت قيس تقول: إن زوجها طلقها ثلاثا، فلم يجعل لها رسول الله صلى الله عليه وسلم سُكنى ولا نفقة، قالت: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: إذا حللت فآذنيني، فآذنته، فخطبها معاوية وأبو جهم وأسامة بن زيد، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أما معاوية فرجل ترب لا مال له، وأما أبو جهم فرجل ضرّاب للنساء، ولكن أسامة بن زيد، فقالت بيدها هكذا: أسامة أسامة؟ فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: طاعة الله وطاعة رسوله خير لك، قالت: فتزوجته فاغتبطت. ومعنى ترب: فقير..
١٤ أخرجه البيهقي-وضعفه- من طريق بهز بن حكيم، عن أبيه، عن جده.(ذكر ذلك السيوطي في الدر المنثور)..
١٥ أخرجه البخاري وأبو داود في الأدب، ومسلم في البر، ومالك في حسن الخلق، وأحمد في المسند(٦-٣٨، ٨٠، ١٥٨، ١٧٣) ولفظه كما جاء في مسند أحمد، عن عروة ابن الزبير أن عائشة رضي الله عنها أخبرته أن رجلا استأذن على النبي صلى الله عليه وسلم فقال: ائذنوا له، فبئس ابن العشيرة أو بئس أخو العشيرة، وقال مرة رجل، فلما دخل عليه ألان له القول، فلما خرج قالت له عائشة: قلت له الذي قلت ثم ألنت له القول؟ فقال:(أي عائشة، شر الناس منزلة عند الله يوم القيامة من ودعه الناس أو تركه الناس اتقاء فُحشه)..
١٦ الشاعر هو سويد بن أبي كاهل، من بني يشكر، شاعر مخضرم، عاش في الجاهلية طويلا، وعمر في الإسلام ستين سنة، وبيته هذا من قصيدة له تعتبر من أغلى الشعر وأنفسه، وهي المفضلية رقم٤٠، قال الأصمعي عنها:"كانت العرب تفضلها وتقدمها وتعدها من حِكمها، وكانت في الجاهلية تسميها اليتيمة لما اشتملت عليه من الأمثال، قال في مطلعها:
 بسطت رابعة الحبل لنا فوصلنا الحبل منها ما اتسع
 ورواية البيت في المُفضليات، وفي الشعر والشعراء، "ويحييني إذا لاقيته"وفي اللسان: "وحبيب لي إذا لاقيته"، وكان الحجاج قد تمثل يوم روستقباذ على المنبر بابيات من قصيدة سويد هذه، منها هذا البيتن ومعنى رتع: أكل، والرتع في الأصل هو الأكل في الخصب..
١٧ هذا البيت للمقنع الكِندي، واسمه محمد بن عمير، كان من أجمل الناس وجها، وأمدهم قامة، فكان إذا كشف عن وجهه أصيب بالعين، فكان يتقنع دهره، فسمي بالمقنع، والبيت ضمن أبيات يقولها في قومه، ومنها:
 لا أحمل الحقد القديم عليهم وليس رئيس القوم من يحمل الحقدا
 وليسوا إلى نصري سِراعا وإن هم دعوني إلى نصر أتيتهم شدا
 إذا أكلوا لحمي وفرت لحومهم وإن هدموا مجدي بنيت لهم مجدا
 والبيت هنا شاهد على أن العرب تستعمل أكل اللحم في مكان الغيبة، فالمعنى هنا: إذا هم اغتابوني وذكروني في غيبتي بما أكره فلست أفعل مثلهم، بل أصون أعراضهم ولا أتناول حدا منهم بسوء..

### الآية 49:13

> ﻿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ [49:13]

قوله تعالى : من ذكر وأنثى  يحتمل أن يريد آدم وحواء. فكأنه قال : إنا خلقنا جميعكم من آدم وحواء. ويحتمل أن يريد الذكر والأنثى اسم الجنس. فكأنه قال : إنا خلقنا كل واحد منكم من ماء ذكر وما أنثى. وقصد هذه الآية التسوية بين الناس. ثم قال تعالى : وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا  أي لئلا تفاخروا ويريد بعضكم أن يكون أكرم من بعض. فإن الطريق إلى الكرم غير هذا : إن أكرمكم عند الله أتقاكم  وروى بو بكرة : قيل يا رسول الله : من خير الناس ؟ قال :**«من طال عمره وحسن عمله »**[(١)](#foonote-١). وفي حديث آخر من خير الناس ؟ قال :**«آمرهم بالمعروف. وأنهاهم عن المنكر. وأوصلهم للرحم وأتقاهم »**[(٢)](#foonote-٢). وحكى الزهراوي أن سبب هذه الآية غضب الحارث بن هشام وعتاب بن أسيد حين أذن بلال يوم فتح مكة على الكعبة[(٣)](#foonote-٣)، وحكى الثعلبي عن ابن عباس أن سببها قول ثابت بن قيس لرجل لم يفسح عند النبي صلى الله عليه وسلم : يا ابن فلانة، فوبخه النبي صلى الله عليه وسلم، وقال له :**«إنك لا تفضل أحداً إلا في الدين والتقوى »**[(٤)](#foonote-٤) فنزلت هذه الآية ونزل الأمر بالتفسح في ذلك أيضاً. 
والشعوب : جمع شعب وهو أعظم ما يوجد من جماعات الناس مرتبطاً بنسب واحد، ويتلوه القبيلة، ثم العمارة، ثم البطن، ثم الفخذ، ثم الأسرة والفصيلة : وهما قرابة الرجل الأدنون فمضر وربيعة وحمير شعوب، وقيس وتميم ومذحج ومراد، قبائل مشبهة بقبائل الرأس، **«لأنها قطع تقابلت »** وقريش ومحارب وسليم عمارات، وبنو قصي وبنو مخزوم بطون، وبنو هاشم وبنو أمية أفخاذ، وبنو عبد المطلب أسرة وفصيلة، وقال ابن جبير : الشعوب : الأفخاذ. وروي عن ابن عباس الشعوب : البطون، وهذا غير ما تمالأ[(٥)](#foonote-٥) عليه اللغويون. قال الثعلبي، وقيل : الشعوب في العجم والقبائل في العرب، والأسباط في بني إسرائيل. وأما الشعب الذي هو في همدان الذي ينسب إليه الشعبي فهو بطن يقال له الشعب. 
قال القاضي أبو محمد : وقيل للأمم التي ليست بعرب : شعوبية، نسبة إلى الشعوب، وذلك أن تفصيل أنسابها خفي فلم يعرف أحد منهم إلا بأن يقال : فارسي تركي رومي زناتي. فعرفوا بشعوبهم وهي أعم ما يعبر به عن جماعتهم، ويقال لهم الشعوبية بفتح الشين، وهذا من تغيير النسب، وقد قيل فيهم غير ما ذكرت، وهذا أولى عندي. 
وقرأ الأعمش :**«لتتعارفوا »** وقرأ عبد الله بن عباس :**«لتعرفوا أن »**، على وزن تفعِلوا بكسر العين وفتح الألف من **«أن »**، وبإعمال ****«لتعرفوا »**** فيها، ويحتمل على هذه القراءة أن تكون اللام في قوله :****«لتعرفوا »**** لام كي، ويضطرب معنى الآية مع ذلك، ويحتمل أن تكون لام الأمر، وهو أجود في المعنى، ويحتمل أن يكون المفعول محذوفاً تقديره : الحق، وإذا كانت لام كي فكأنه قال : يا أيها الناس أنتم سواء من حيث أنتم مخلوقون لأن تتعارفوا ولأن تعرفوا الحقائق، وأما الشرف والكرم فهو بتقوى الله تعالى وسلامة القلوب. 
وقرأ ابن مسعود :**«لتعارفوا بينكم وخيركم عند الله أتقاكم »**. وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :**«من سره أن يكون أكرم الناس، فليتق الله ربه »**[(٦)](#foonote-٦). ثم نبه تعالى على الحذر بقوله : إن الله عليم خبير  أي بالمتقي الذي يستحق رتبة الكرم.

١ اخرجه الترمذي في الزهد، والدارمي في الرقاق، واحمد في مسنده(٤-١٨٨، ٥-٤٠، ٤٣، ٤٤، ٤٧، ٤٨، ٤٩، ٥٠)، ولفظه كما جاء في المسند، عن عبد الله بن بُسر قال: أتى النبي صلى الله عليه وسلم أعرابيان، فقال أحدهما: من خير الرجال يا محمد؟ قال النبي صلى الله عليه وسلم:(من طال عمره، وحسن عمله)، وقال الآخر: إن شرائع الإسلام قد كثرت علينا، فباب نتمسك به جامع؟ قال:(لا يزال لسانك رطبا من ذكر الله)..
٢ أخرجه الإمام أحمد في مسنده(٦-٤٣٢)، عن درة بنت أبي لهب قالت: قام رجل على النبي صلى الله عليه وسلم وهو على المنبر فقال: يا رسول الله، أي الناس خير؟ فقال صلى الله عليه وسلم:(خير الناس أقرؤهم وأتقاهم، وآمرهم بالمعروف، وأنهاهم عن المنكر، وأوصلهم للرحم). وأورده السيوطي في "الدر المنثور" وزاد نسبته إلى ابن أبي شيبة..
٣ أخرجه ابن المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقي في "الدلائل" عن ابن أبي مليكة، قال ذلك في "الدر المنثور"، وذكره الواحدي في "أسباب النزول" بدون سند عن مقاتل، قال: لما كان يوم فتح مكة أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بلالا حتى أذن على ظهر الكعبة، فقال عتاب بن أسيد بن أبي العيص: الحمد لله الذي قبض أبي حتى لم ير هذا اليوم، وقال الحارث بن هشام: أما وجد محمد غير هذا الغراب الأسود مؤذنا؟ وقال سهيل بن عمرو: إن يرد الله شيئا يغيره، وقال أبو سفيان: إني لا أقول شيئا أخاف أن يخبر به رب السماء، فأتى جبريل عليه السلام النبي صلى الله عليه وسلم وأخبره بما قالوا، فدعاهم وسألهم عما قالوا فأقروا، فأنزل الله تعالى هذه الآية، وزجرهم عن التفاخر بالأنساب والتكاثر بالأموال، والازدراء بالفقراء..
٤ ذكره الواحدي في"أسباب النزول" بغير سند، ولم يعزه لأحد، وذكره الخازن والبغوي عن ابن عباس رضي الله عنهما بدون سند أيضا، وقال الحافظ بن حجر في "تخريج الكشاف": إن الثعلبي ذكره عن ابن عباس بغير سند، وأورده القرطبي مسبوقا بكلمة"وقيل" وبدون سند أيضا، قالوا جميعا: إن الآية نزلت في ثابت بن قيس بن شماس حين أراد أن يجلس قريبا من النبي صلى الله عليه وسلم، وطلب إلى رجل أن يُفسح له في المجلس فلم يُفسح له، فقال ثابت للرجل: من أنت؟ قال: أنا فلان، فقال ثابت: أنت ابن فلانة! فذكر أما له كان يُعير بها في الجاهلية، فأغضى الرجل ونكس رأسه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من الذاكر فلانة؟ فقال ثابت: أنا يا رسول الله، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: انظر في وجوه القوم، فنظر، فقال: ما رأيت؟ قال: رأيت أبيض وأسود وأحمر، فقال: فإنك لا تفضلهم إلا بالتقوى، فنزلت في ثابت هذه الآية، ونزلت في الرجل الذي لم يفسح له: يا أيها الذين آمنوا إذا قيل لكم تفسحوا في المجالس فافسحوا الآية..
٥ بمعنى: اجتمعوا واتفقوا..
٦ ذكره القرطبي بقوله:"وقد جاء منصوصا عنه عليه الصلاة والسلام:(من أحب أن يكون أكرم الناس فليتق الله)، وفي البخاري عن أبي هريرة قال: سُئل رسول الله صلى الله عليه وسلم: أي الناس أكرم؟ قال:(أكرمهم عند الله أتقاهم)، والأحاديث في ذلك كثيرة وصحيحة..

### الآية 49:14

> ﻿۞ قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا ۖ قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَٰكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ ۖ وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا ۚ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ [49:14]

قوله تعالى : قالت الأعراب آمنا ، قال مجاهد : نزلت في بني أسد بن خزيمة، وهي قبيلة كانت تجاور المدينة، وكانوا قد أظهروا الإسلام، وكانت نفوسهم-مع ذلك- دخلة[(١)](#foonote-١)، إنما يحبون المغانم وعرض الدنيا، قال ابن عباس رضي الله عنهما : وذهبوا مرة إلى أن يتسموا بالمهاجرين، فنزلت هذه الآية مسمية لهم بالأعراب، مُعرفة لهم بذلك أقدارهم، ومُخرجة ما في صدورهم من صورة معتقدهم، وهم أعراب مخصوصون كما ذكرنا، قال أبو حاتم عن ابن الزبير : سمع النبي صلى الله عليه وسلم رجلا يقرأ : قالت الأعراب  بغير همز، فرد عليه بهمز وقطع. وقد أخبر الله تعالى أن في الأعراب على الجملة من يؤمن بالله واليوم الآخر، فأمر الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم أن يقول لهؤلاء المُدّعين في الإيمان : لم تؤمنوا ، أي لم تصدقوا بقلوبكم  ولكن قولوا أسلمنا . والإسلام يقال بمعنيين، أحدهما : الدين يعم الإيمان والأعمال، وهو الذي في قوله : إن الدين عند الله الإسلام [(٢)](#foonote-٢) \[ آل عمران : ١٩ \] والذي في قوله صلى الله عليه وسلم :**«بني الإسلام على خمس »**[(٣)](#foonote-٣) والذي في تعليم النبي صلى الله عليه وسلم لجبريل حين قال له : ما الإسلام ؟ قال :( بأن تعبد الله وحده ولا تشرك به شيئاً، وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة وتصوم رمضان وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلا )[(٤)](#foonote-٤)، والذي في قوله لسعد بن أبي وقاص :**«أو مسلماً، إني لأعطي الرجل وغيره أحب إليَّ منه »**[(٥)](#foonote-٥) الحديث، فهذا الإسلام ليس هو في قوله : ولكن قولوا أسلمنا  والمعنى الثاني للفظ الإسلام : هو الاستسلام والإظهار الذي يستعصم به ويحقن الدم، وهذا هو الإسلام في قوله : ولكن قولوا أسلمنا ، و  الإيمان  الذي هو التصديق أخص من الأول وأعم بوجه، ثم صرح لهم بأن  الإيمان  لم يدخل قلوبهم ثم فتح لهم باب التوبة بقوله : وإن تطيعوا الله  الآية، وطاعة الله ورسوله في ضمنها الإيمان والأعمال. 
وقرأ جمهور القراء :**«لا يلتكم »** من لات يليت إذا نقص، يقال : لاته حقه إذا نقصه منه، ولت السلطان إذا لم يصدقه فيما سأل عنه. وقرأ أبو عمرو والأعرج والحسن وعمرو :**«لا يألتكم »** من ألت يألت وهو بمعنى : لات، وكذلك يقال : ألتِ بكسر اللام يألت، ويقال أيضاً في معنى لات، ألت يولت ولم يقرأ بهذه اللغة وباقي الآية ترجية.

١ أصابها الفساد والعيب من الداخل، وفي بعض النسخ"دغلة" بالغين، والداغل هو الذي يبغي الشر لأصحابه ويحسبونه هم خيرا..
٢ من الآية(١٩) من سورة (آل عمران)..
٣ أخرجه البخاري، ومسلم، والترمذي، والنسائي في الإيمان، ولفظه كما جاء في صحيح البخاري عن ابن عمر رضي الله عنهما، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:(بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، والحج، وصوم رمضان)..
٤ رواه البخاري في كتاب الإيمان عن أبي هريرة قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم بارزا يوما للناس، فأتاه رجل فقال: ما الإيمان؟ قال: الإيمان أن تؤمن بالله وملائكته وبلقائه ورسله، وتؤمن بالبعث، قال: ما الإسلام؟ قال: الإسلام أن تعبد الله ولا تشرك به، وتقيم الصلاة، وتؤدي الزكاة المفروضة، وتصوم رمضان، قال: ما الإحسان؟ قال: أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك، قال: متى الساعة؟ قال: ما المسئول بأعلم من السائل، وسأخبرك عن أشراطها، إذا ولدت الأمة ربها، وإذا تطاول رعاة الإبل البُهم في البنيان في خمس لا يعلمهن إلا الله، ثم تلا النبي صلى الله عليه وسلمإن الله عنده علم الساعة، ثم أدبر، فقال: ردوه فلم يروا شيئا، فقال: هذا جبريل جاء يعلم الناس دينهم. اهـ. وكذلك رواه مسلم والترمذي في كتاب الإيمان، وأبو داود في السنة، وابن ماجه في المقدمة، وأحمد في المسند(١-٢٧، ٥١، ٥٣-٢-١٠٧-٤-١٢٩) واللفظ هنا للبخاري..
٥ أخرجه الشيخان في صحيحيهما في كتاب الإيمان وفي كتاب الزكاة، عن سعد رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أعطى رهطا وسعد جالس، فترك رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلا هو أعجبهم إلي، فقلت: يا رسول الله، مالك عن فلان، فوالله إني لأراه مؤمنا، فقال:(أو مسلما)، فسكت قليلا، ثم غلبني ما أعلم منه فعدت لمقالتي، فقلت: مالك عن فلان فوالله إني لأراه مؤمنا، فقال:(او مسلما)، فسكت قليلا، ثم غلبني ما أعلم منه فعدت لمقالتي وعاد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم قال:(يا سعد، إني لأعطي الرجل وغيره أحب إلي منه خشية أن يكُبه الله في النار). قال الإمام البخاري: ورواه يونس، وصالح، ومعمر، وابن أخي الزهري عن الزهري..

### الآية 49:15

> ﻿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ۚ أُولَٰئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ [49:15]

قوله تعالى : إنما  في هذه الآية حاصرة يعطي ذلك المعنى. وقوله تعالى : ثم لم يرتابوا  أي لم يشكوا في إيمانهم ولم يداخلهم ريب  وهم الصادقون ، إذ جاء فعلهم مصدقاً لقولهم.

### الآية 49:16

> ﻿قُلْ أَتُعَلِّمُونَ اللَّهَ بِدِينِكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ ۚ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ [49:16]

ثم أمره تعالى بتوبيخهم بقوله : قل أتعلمون الله بدينكم ، أي بقولكم : آمنا  \[ الحجرات : ١٤ \] وهو يعلم منكم خلاف ذلك، لأنه العليم بكل شيء.

### الآية 49:17

> ﻿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا ۖ قُلْ لَا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُمْ ۖ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ [49:17]

وقوله : يمنون عليك أن أسلموا  نزلت في بني أسد أيضاً، وذلك أنهم قالوا في بعض الأوقات للنبي صلى الله عليه وسلم : إنا آمنا بك واتبعناك ولم نحاربك كما فعلت محارب خصفة وهوازن غطفان وغيرهم، فنزلت هذه الآية، حكاه الطبري وغيره. وقرأ ابن مسعود :**«يمنون عليك إسلامهم »**. وقوله يحتمل أن يكون مفعولاً صريحاً. ويحتمل أن يكون مفعولاً من أجله. 
وقوله : بل الله يمن عليكم أن هداكم للإيمان  بزعمكم إذ تقولون آمنا، فقد لزمكم أن الله مان عليكم، ويدلك على هذا المعنى قوله : إن كنتم صادقين  فتعلق عليهم الحكمان هم ممنون عليهم على الصدق وأهل أن يقولوا أسلمنا من حيث هم كذبة. 
وقرأ ابن مسعود :**«إذ هداكم »**. 
وقوله تعالى : يمن عليكم  يحتمل أن يكون بمعنى : ينعم كما تقول : من الله عليك، ويحتمل أن يكون بمعنى : يذكر إحسانه فيجيء معادلاً ل  يمنون عليك ، وقال الناس قديماً : إذا كفرت النعمة حسنت المنة. وإنما المنة المبطلة للصدقة المكروهة ما وقع دون كفر النعمة.

### الآية 49:18

> ﻿إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۚ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ [49:18]

وقرأ أبو جعفر ونافع وشيبة وقتادة وابن وثاب :**«تعملون »** بالتاء على الخطاب. وقرأ ابن كثير وعاصم في رواية أبان :**«يعملون »** بالياء من تحت على ذكر الغيب.

## روابط ذات صلة

- [النص القرآني للسورة](https://quranpedia.net/surah/1/49.md)
- [كل تفاسير سورة الحجرات
](https://quranpedia.net/surah-tafsir/49.md)
- [ترجمات سورة الحجرات
](https://quranpedia.net/translations/49.md)
- [صفحة الكتاب: المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز](https://quranpedia.net/book/350.md)
- [المؤلف: ابن عطية](https://quranpedia.net/person/4644.md)

---

زُر [Quranpedia.net](https://quranpedia.net/surah/1/49/book/350) — موسوعة القرآن الكريم: التفاسير، الترجمات، التلاوات، والمواضيع.
