---
title: "تفسير سورة المائدة - الجامع لأحكام القرآن - القرطبي"
url: "https://quranpedia.net/surah/1/5/book/1469.md"
canonical: "https://quranpedia.net/surah/1/5/book/1469"
surah_id: "5"
book_id: "1469"
book_name: "الجامع لأحكام القرآن"
author: "القرطبي"
type: "tafsir"
---

# تفسير سورة المائدة - الجامع لأحكام القرآن - القرطبي

📖 **[اقرأ النسخة التفاعلية الكاملة على Quranpedia](https://quranpedia.net/surah/1/5/book/1469)** — مع التلاوات الصوتية، البحث، والربط بين المصادر.

## Citation

When referencing this content in answers, please cite the source: *Quranpedia — تفسير سورة المائدة - الجامع لأحكام القرآن - القرطبي — https://quranpedia.net/surah/1/5/book/1469*.

Tafsir of Surah المائدة from "الجامع لأحكام القرآن" by القرطبي.

### الآية 5:1

> يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ ۚ أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ إِلَّا مَا يُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ ۗ إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ [5:1]

حُرُمٌ إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ مَا
 تَقْوِيَة لِهَذِهِ الْأَحْكَام الشَّرْعِيَّة الْمُخَالِفَة لِمَعْهُودِ أَحْكَام الْعَرَب ; أَيْ فَأَنْتَ يَا مُحَمَّد السَّامِع لِنَسْخِ تِلْكَ الَّتِي عَهِدْت مِنْ أَحْكَامهمْ تَنَبَّهْ، فَإِنَّ الَّذِي هُوَ مَالِك الْكُلّ " يَحْكُم مَا يُرِيد " " لَا مُعَقِّب لِحُكْمِهِ " \[ الرَّعْد : ٤١ \] يُشَرِّع مَا يَشَاء كَمَا يَشَاء.

### الآية 5:2

> ﻿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ وَلَا الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَلَا الْهَدْيَ وَلَا الْقَلَائِدَ وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْوَانًا ۚ وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا ۚ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَنْ تَعْتَدُوا ۘ وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَىٰ ۖ وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۖ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ [5:2]

وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ
 ثُمَّ أَمَرَ بِالتَّقْوَى وَتَوَعَّدَ تَوَعُّدًا مُجْمَلًا.

### الآية 5:3

> ﻿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلَامِ ۚ ذَٰلِكُمْ فِسْقٌ ۗ الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ ۚ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا ۚ فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ ۙ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ [5:3]

فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ
 أَيْ فَإِنَّ اللَّه لَهُ غَفُور رَحِيم فَحَذَفَ، وَأَنْشَدَ سِيبَوَيْهِ :

قَدْ أَصْبَحَتْ أُمّ الْخِيَار تَدَّعِي  عَلَيَّ ذَنْبًا كُلّه لَمْ أَصْنَعِ أَرَادَ لَمْ أَصْنَعهُ فَحَذَفَ، وَاللَّه أَعْلَمُ.

### الآية 5:4

> ﻿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ ۖ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ ۙ وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ ۖ فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ ۖ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۚ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ [5:4]

وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ
 أَمْرٌ بِالتَّقْوَى عَلَى الْجُمْلَة، وَالْإِشَارَة الْقَرِيبَة هِيَ مَا تَضَمَّنَتْهُ هَذِهِ الْآيَات مِنْ الْأَوَامِر، وَسُرْعَة الْحِسَاب هِيَ مِنْ حَيْثُ كَوْنه تَعَالَى قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْء عِلْمًا وَأَحْصَى كُلّ شَيْء عَدَدًا ; فَلَا يَحْتَاج إِلَى مُحَاوَلَة عَدّ وَلَا عَقْد كَمَا يَفْعَلهُ الْحُسَّاب ; وَلِهَذَا قَالَ :" وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ " \[ الْأَنْبِيَاء : ٤٧ \] فَهُوَ سُبْحَانه يُحَاسِب الْخَلَائِق دَفْعَة وَاحِدَة.
 وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون وَعِيدًا بِيَوْمِ الْقِيَامَة كَأَنَّهُ قَالَ : إِنَّ حِسَاب اللَّه لَكُمْ سَرِيع إِتْيَانه ; إِذْ يَوْم الْقِيَامَة قَرِيب، وَيَحْتَمِل أَنْ يُرِيد بِالْحِسَابِ الْمُجَازَاة ; فَكَأَنَّهُ تَوَعَّدَ فِي الدُّنْيَا بِمُجَازَاةٍ سَرِيعَة قَرِيبَة إِنْ لَمْ يَتَّقُوا اللَّه.

### الآية 5:5

> ﻿الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ ۖ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ ۖ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلَا مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ ۗ وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ [5:5]

فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ
 وَقَرَأَ اِبْن السَّمَيْقَع " فَقَدْ حَبَطَ " بِفَتْحِ الْبَاء، وَقِيلَ : لَمَّا ذُكِرَتْ فَرَائِض وَأَحْكَام يَلْزَم الْقِيَام بِهَا، ذُكِرَ الْوَعِيد عَلَى مُخَالَفَتهَا ; لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ تَأْكِيد الزَّجْر عَنْ تَضْيِيعهَا، وَرُوِيَ عَنْ اِبْن عَبَّاس وَمُجَاهِد أَنَّ الْمَعْنَى : وَمَنْ يَكْفُر بِاَللَّهِ ; قَالَ الْحَسَن بْن الْفَضْل : إِنْ صَحَّتْ هَذِهِ الرِّوَايَة فَمَعْنَاهَا بِرَبِّ الْإِيمَان.
 وَقَالَ الشَّيْخ أَبُو الْحَسَن الْأَشْعَرِيّ : وَلَا يَجُوز أَنْ يُسَمَّى اللَّه إِيمَانًا خِلَافًا لِلْحَشْوِيَّةِ وَالسَّالِمِيَّة ; لِأَنَّ الْإِيمَان مَصْدَر آمَنَ يُؤْمِن إِيمَانًا، وَاسْم الْفَاعِل مِنْهُ مُؤْمِن ; وَالْإِيمَان التَّصْدِيق، وَالتَّصْدِيق لَا يَكُون إِلَّا كَلَامًا، وَلَا يَجُوز أَنْ يَكُون الْبَارِي تَعَالَى كَلَامًا.

### الآية 5:6

> ﻿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ ۚ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا ۚ وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَىٰ أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ ۚ مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَٰكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ [5:6]

حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ
 أَيْ مِنْ الذُّنُوب كَمَا ذَكَرْنَا مِنْ حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة وَالصُّنَابِحِيّ، وَقِيلَ : مِنْ الْحَدَث وَالْجَنَابَة، وَقِيلَ : لِتَسْتَحِقُّوا الْوَصْف بِالطَّهَارَةِ الَّتِي يُوصَف بِهَا أَهْل الطَّاعَة.
 وَقَرَأَ سَعِيد بْن الْمُسَيِّب " لِيُطَهِّركُمْ " وَالْمَعْنَى وَاحِد، كَمَا يُقَال : نَجَّاهُ وَأَنْجَاهُ.
 " وَلِيُتِمّ نِعْمَته عَلَيْكُمْ " أَيْ بِالتَّرْخِيصِ فِي التَّيَمُّم عِنْد الْمَرَض وَالسَّفَر، وَقِيلَ : بِتِبْيَانِ الشَّرَائِع، وَقِيلَ : بِغُفْرَانِ الذُّنُوب ; وَفِي الْخَبَر ( تَمَام النِّعْمَة دُخُول الْجَنَّة وَالنَّجَاة مِنْ النَّار ).
 " لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ " أَيْ لِتَشْكُرُوا نِعْمَته فَتُقْبِلُوا عَلَى طَاعَته.

### الآية 5:7

> ﻿وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمِيثَاقَهُ الَّذِي وَاثَقَكُمْ بِهِ إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا ۖ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ [5:7]

وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ
 أَيْ فِي مُخَالَفَته إِنَّهُ عَالِم بِكُلِّ شَيْء.

### الآية 5:8

> ﻿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ ۖ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُوا ۚ اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ ۖ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۚ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ [5:8]

اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا
 فِيهِ مَعْنَى التَّهْدِيد وَالْوَعِيد.

### الآية 5:9

> ﻿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ۙ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ [5:9]

وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ
 أَيْ قَالَ اللَّه فِي حَقّ الْمُؤْمِنِينَ :" لَهُمْ مَغْفِرَة وَأَجْر عَظِيم " أَيْ لَا تَعْرِف كُنْهَهُ أَفْهَامُ الْخَلْق ; كَمَا قَالَ :" فَلَا تَعْلَم نَفْس مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّة أَعْيُن " \[ السَّجْدَة : ١٧ \]، وَإِذَا قَالَ اللَّه تَعَالَى :" أَجْر عَظِيم " و " أَجْر كَرِيم " \[ يس : ١١ \] و " أَجْر كَبِير " \[ هُود : ١١ \] فَمَنْ ذَا الَّذِي يَقْدُر قَدْره ؟، وَلَمَّا كَانَ الْوَعْد مِنْ قَبِيل الْقَوْل حَسُنَ إِدْخَال اللَّام فِي قَوْله :" لَهُمْ مَغْفِرَة " وَهُوَ فِي مَوْضِع نَصْب ; لِأَنَّهُ وَقَعَ مَوْقِع الْمَوْعُود بِهِ، عَلَى مَعْنَى وَعَدَهُمْ أَنَّ لَهُمْ مَغْفِرَة أَوْ وَعَدَهُمْ مَغْفِرَة إِلَّا أَنَّ الْجُمْلَة وَقَعَتْ مَوْقِع الْمُفْرَد ; كَمَا قَالَ الشَّاعِر :

وَجَدْنَا الصَّالِحِينَ لَهُمْ جَزَاء  وَجَنَّات وَعَيْنًا سَلْسَبِيلَا وَمَوْضِع الْجُمْلَة نَصْب ; وَلِذَلِكَ عُطِفَ عَلَيْهَا بِالنَّصْبِ، وَقِيلَ : هُوَ فِي مَوْضِع رَفْع عَلَى أَنَّ يَكُون الْمَوْعُود بِهِ مَحْذُوفًا ; عَلَى تَقْدِير لَهُمْ مَغْفِرَة وَأَجْر عَظِيم فِيمَا وَعَدَهُمْ بِهِ، وَهَذَا الْمَعْنَى عَنْ الْحَسَن.

### الآية 5:10

> ﻿وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَٰئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ [5:10]

وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ
 نَزَلَتْ فِي بَنِي النَّضِير، وَقِيلَ فِي جَمِيع الْكُفَّار.

### الآية 5:11

> ﻿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ ۖ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۚ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ [5:11]

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ
 قَالَ جَمَاعَة : نَزَلَتْ بِسَبَبِ فِعْل الْأَعْرَابِيّ فِي غَزْوَة ذَات الرِّقَاع حِين اِخْتَرَطَ سَيْف النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَالَ : مَنْ يَعْصِمك مِنِّي يَا مُحَمَّد ؟ كَمَا تَقَدَّمَ فِي " النِّسَاء "، وَفِي الْبُخَارِيّ : أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَعَا النَّاس فَاجْتَمَعُوا وَهُوَ جَالِس عِنْد النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَمْ يُعَاقِبهُ، وَذَكَرَ الْوَاقِدِيّ وَابْن أَبِي حَاتِم أَنَّهُ أَسْلَمَ، وَذَكَرَ قَوْم أَنَّهُ ضَرَبَ بِرَأْسِهِ فِي سَاق شَجَرَة حَتَّى مَاتَ، وَفِي الْبُخَارِيّ فِي غَزْوَة ذَات الرِّقَاع أَنَّ اِسْم الرَّجُل غَوْرَث بْن الْحَارِث ( بِالْغَيْنِ مَنْقُوطَة مَفْتُوحَة وَسُكُون الْوَاو بَعْدهَا رَاء وَثَاء مُثَلَّثَة ) وَقَدْ ضَمَّ بَعْضهمْ الْغَيْن، وَالْأَوَّل أَصَحّ، وَذَكَرَ أَبُو حَاتِم مُحَمَّد بْن إِدْرِيس الرَّازِيّ، وَأَبُو عَبْد اللَّه مُحَمَّد بْن عُمَر الْوَاقِدِيّ أَنَّ اِسْمه دُعْثُور بْن الْحَارِث، وَذَكَرَ أَنَّهُ أَسْلَمَ كَمَا تَقَدَّمَ، وَذَكَرَ مُحَمَّد بْن إِسْحَاق أَنَّ اِسْمه عَمْرو بْن جِحَاش وَهُوَ أَخُو بَنِي النَّضِير، وَذَكَرَ بَعْضهمْ أَنَّ قِصَّة عَمْرو بْن جِحَاش فِي غَيْر هَذِهِ الْقِصَّة، وَاَللَّه أَعْلَمُ، وَقَالَ قَتَادَة وَمُجَاهِد وَغَيْرهمَا : نَزَلَتْ فِي قَوْم مِنْ الْيَهُود جَاءَهُمْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَسْتَعِينهُمْ فِي دِيَة فَهَمُّوا بِقَتْلِهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَمَنَعَهُ اللَّه مِنْهُمْ.
 قَالَ الْقُشَيْرِيّ : وَقَدْ تَنْزِل الْآيَة فِي قِصَّة ثُمَّ يَنْزِل ذِكْرُهَا مَرَّة أُخْرَى لِادِّكَارِ مَا سَبَقَ.
 " أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ " أَيْ بِالسُّوءِ.
 " فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ " أَيْ مَنَعَهُمْ.

### الآية 5:12

> ﻿۞ وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا ۖ وَقَالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ ۖ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلَاةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكَاةَ وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَلَأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ۚ فَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَٰلِكَ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ [5:12]

فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ
 أَيْ أَخْطَأَ قَصْد الطَّرِيق، وَاللَّه أَعْلَمُ.

### الآية 5:13

> ﻿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً ۖ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ ۙ وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ ۚ وَلَا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَىٰ خَائِنَةٍ مِنْهُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ ۖ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ [5:13]

فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ
 فِي مَعْنَاهُ قَوْلَانِ : فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ مَا دَامَ بَيْنك وَبَيْنهمْ عَهْد وَهُمْ أَهْل الذِّمَّة، وَالْقَوْل الْآخَر أَنَّهُ مَنْسُوخ بِآيَةِ السَّيْف، وَقِيلَ : بِقَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ " وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْم خِيَانَة " \[ الْأَنْفَال : ٥٨ \].

### الآية 5:14

> ﻿وَمِنَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَىٰ أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَىٰ يَوْمِ الْقِيَامَةِ ۚ وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللَّهُ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ [5:14]

وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللَّهُ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ
 تَهْدِيد لَهُمْ ; أَيْ سَيَلْقَوْنَ جَزَاء نَقْضِ الْمِيثَاق.

### الآية 5:15

> ﻿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ ۚ قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ [5:15]

كَثِيرٍ قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ
 أَيْ الْقُرْآن ; فَإِنَّهُ يُبَيِّن الْأَحْكَام، وَقَدْ تَقَدَّمَ.

### الآية 5:16

> ﻿يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ [5:16]

بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ
 أَيْ بِتَوْفِيقِهِ وَإِرَادَته.

### الآية 5:17

> ﻿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ ۚ قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ أَنْ يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ۗ وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا ۚ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ ۚ وَاللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [5:17]

يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ
 عِيسَى مِنْ أُمّ بِلَا أَب آيَة لِعِبَادِهِ.

### الآية 5:18

> ﻿وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَىٰ نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ ۚ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ ۖ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ ۚ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ ۚ وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا ۖ وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ [5:18]

وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ
 أَيْ يَئُول أَمْر الْعِبَاد إِلَيْهِ فِي الْآخِرَة.

### الآية 5:19

> ﻿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلَىٰ فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ أَنْ تَقُولُوا مَا جَاءَنَا مِنْ بَشِيرٍ وَلَا نَذِيرٍ ۖ فَقَدْ جَاءَكُمْ بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ ۗ وَاللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [5:19]

وَنَذِيرٌ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ
 عَلَى إِرْسَال مَنْ شَاءَ مِنْ خَلْقه.
 وَقِيلَ : قَدِير عَلَى إِنْجَاز مَا بَشَّرَ بِهِ وَأَنْذَرَ مِنْهُ.

### الآية 5:20

> ﻿وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا وَآتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ [5:20]

وَآتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ
 وَالْخِطَاب مِنْ مُوسَى لِقَوْمِهِ فِي قَوْل جُمْهُور الْمُفَسِّرِينَ ; وَهُوَ وَجْه الْكَلَام.
 مُجَاهِد : وَالْمُرَاد بِالْإِيتَاءِ الْمَنّ وَالسَّلْوَى وَالْحَجَر وَالْغَمَام، وَقِيلَ : كَثْرَة الْأَنْبِيَاء فِيهِمْ، وَالْآيَات الَّتِي جَاءَتْهُمْ، وَقِيلَ : قُلُوبًا سَلِيمَة مِنْ الْغِلّ وَالْغِشّ، وَقِيلَ : إِحْلَال الْغَنَائِم وَالِانْتِفَاع بِهَا.
 قُلْت : وَهَذَا الْقَوْل مَرْدُود ; فَإِنَّ الْغَنَائِم لَمْ تَحِلّ لِأَحَدٍ إِلَّا لِهَذِهِ الْأُمَّة عَلَى مَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيح ; وَسَيَأْتِي بَيَانه إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى، وَهَذِهِ الْمَقَالَة مِنْ مُوسَى تَوْطِئَة لِنُفُوسِهِمْ حَتَّى تُعَزَّز وَتَأْخُذ الْأَمْر بِدُخُولِ أَرْض الْجَبَّارِينَ بِقُوَّةٍ، وَتُنْقِذ فِي ذَلِكَ نُفُوذ مَنْ أَعَزَّهُ اللَّه وَرَفَعَ مِنْ شَأْنه، وَمَعْنَى " مِنْ الْعَالَمِينَ " أَيْ عَالَمِي زَمَانِكُمْ ; عَنْ الْحَسَن.
 وَقَالَ اِبْن جُبَيْر وَأَبُو مَالِك : الْخِطَاب لِأُمَّةِ مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ; وَهَذَا عُدُول عَنْ ظَاهِر الْكَلَام بِمَا لَا يَحْسُن مِثْله.
 وَتَظَاهَرَتْ الْأَخْبَار أَنَّ دِمَشْق قَاعِدَة الْجَبَّارِينَ.

### الآية 5:21

> ﻿يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَرْتَدُّوا عَلَىٰ أَدْبَارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ [5:21]

لَكُمْ وَلَا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا
 أَيْ لَا تَرْجِعُوا عَنْ طَاعَتِي وَمَا أَمَرْتُكُمْ بِهِ مِنْ قِتَال الْجَبَّارِينَ، وَقِيلَ : لَا تَرْجِعُوا عَنْ طَاعَة اللَّه إِلَى مَعْصِيَته، وَالْمَعْنَى وَاحِد.

### الآية 5:22

> ﻿قَالُوا يَا مُوسَىٰ إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا حَتَّىٰ يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ [5:22]

جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنَّا
 يَعْنِي الْبَلْدَة إِيلِيَاء، وَيُقَال : أَرِيحَاء أَيْ حَتَّى يُسَلِّمُوهَا لَنَا مِنْ غَيْر قِتَال، وَقِيلَ : قَالُوا ذَلِكَ خَوْفًا مِنْ الْجَبَّارِينَ وَلَمْ يَقْصِدُوا الْعِصْيَان ; فَإِنَّهُمْ قَالُوا :" فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ "

### الآية 5:23

> ﻿قَالَ رَجُلَانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ ۚ وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ [5:23]

وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ
 مُصَدِّقِينَ بِهِ ; فَإِنَّهُ يَنْصُركُمْ.
 ثُمَّ قِيلَ عَلَى الْقَوْل الْأَوَّل : لَمَّا قَالَا هَذَا أَرَادَ بَنُو إِسْرَائِيل رَجْمهمَا بِالْحِجَارَةِ، وَقَالُوا : نُصَدِّقكُمَا وَنَدَع قَوْل عَشَرَة !.

### الآية 5:24

> ﻿قَالُوا يَا مُوسَىٰ إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَدًا مَا دَامُوا فِيهَا ۖ فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ [5:24]

فَقَاتِلَا إِنَّا هَا
 أَيْ لَا نَبْرَح وَلَا نُقَاتِل، وَيَجُوز " قَاعِدِينَ " عَلَى الْحَال ; لِأَنَّ الْكَلَام قَدْ تَمَّ قَبْله.

### الآية 5:25

> ﻿قَالَ رَبِّ إِنِّي لَا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَأَخِي ۖ فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ [5:25]

فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ
 يُقَال : بِأَيِّ وَجْه سَأَلَهُ الْفَرْق بَيْنه وَبَيْن هَؤُلَاءِ الْقَوْم ؟ فَفِيهِ أَجْوِبَة ; الْأَوَّل : بِمَا يَدُلّ عَلَى بُعْدهمْ عَنْ الْحَقّ، وَذَهَابهمْ عَنْ الصَّوَاب فِيمَا اِرْتَكَبُوا مِنْ الْعِصْيَان ; وَلِذَلِكَ أُلْقُوا فِي التِّيه.
 الثَّانِي : بِطَلَبِ التَّمْيِيز أَيْ مَيِّزْنَا عَنْ جَمَاعَتهمْ وَجُمْلَتهمْ وَلَا تُلْحِقنَا بِهِمْ فِي الْعِقَاب، وَقِيلَ الْمَعْنَى : فَاقْضِ بَيْننَا وَبَيْنهمْ بِعِصْمَتِك إِيَّانَا مِنْ الْعِصْيَان الَّذِي اِبْتَلَيْتهمْ بِهِ ; وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى :" فِيهَا يُفْرَق كُلّ أَمْر حَكِيم " \[ الدُّخَان : ٤ \] أَيْ يُقْضَى.
 وَقَدْ فَعَلَ لَمَّا أَمَاتَهُمْ فِي التِّيه، وَقِيلَ : إِنَّمَا أَرَادَ فِي الْآخِرَة، أَيْ اِجْعَلْنَا فِي الْجَنَّة وَلَا تَجْعَلنَا مَعَهُمْ فِي النَّار ; وَالشَّاهِد عَلَى الْفَرْق الَّذِي يَدُلّ عَلَى الْمُبَاعَدَة فِي الْأَحْوَال قَوْل الشَّاعِر :

يَا رَبِّ فَافْرُقْ بَيْنه وَبَيْنِي  أَشَدَّ مَا فَرَّقْتَ بَيْنَ اِثْنَيْنِ وَرَوَى اِبْن عُيَيْنَة عَنْ عَمْرو بْن دِينَار عَنْ عُبَيْد بْن عُمَيْر أَنَّهُ قَرَأَ :" فَافْرِقْ " بِكَسْرِ الرَّاء.

### الآية 5:26

> ﻿قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ ۛ أَرْبَعِينَ سَنَةً ۛ يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ ۚ فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ [5:26]

قَالَ اِبْن الْعَرَبِيّ : وَهَذَا كَمَا تَرَى، فَإِنَّ الْأَنْبِيَاء مَعْصُومُونَ أَنْ يَقَع مِنْهُمْ اِبْتِدَاء مِثْل هَذَا فِي الرِّضَا وَالْغَضَب، وَمِنْهَا وَهُوَ الصَّحِيح مِنْ هَذِهِ الْأَقْوَال : أَنَّ مُوسَى عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام عَرَفَ مَلَك الْمَوْت، وَأَنَّهُ جَاءَ لِيَقْبِض رُوحه لَكِنَّهُ جَاءَ مَجِيء الْجَزْم بِأَنَّهُ قَدْ أُمِرَ بِقَبْضِ رُوحه مِنْ غَيْر تَخْيِير، وَعِنْد مُوسَى مَا قَدْ نَصَّ عَلَيْهِ نَبِيّنَا مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ ( أَنَّ اللَّه لَا يَقْبِض رُوح نَبِيّ حَتَّى يُخَيِّرهُ ) فَلَمَّا جَاءَهُ عَلَى غَيْر الْوَجْه الَّذِي أُعْلِمَ بَادَرَ بِشَهَامَتِهِ وَقُوَّة نَفْسه إِلَى أَدَبه، فَلَطَمَهُ فَفَقَأَ عَيْنه اِمْتِحَانًا لِمَلَكِ الْمَوْت ; إِذْ لَمْ يُصَرِّح لَهُ بِالتَّخْيِيرِ، وَمِمَّا يَدُلّ عَلَى صِحَّة هَذَا، أَنَّهُ لَمَّا رَجَعَ إِلَيْهِ مَلَك الْمَوْت فَخَيَّرَهُ بَيْن الْحَيَاة وَالْمَوْت اِخْتَارَ الْمَوْث وَاسْتَسْلَمَ، وَاَللَّه بِغَيْبِهِ أَحْكَمُ وَأَعْلَمُ.
 هَذَا أَصَحّ مَا قِيلَ فِي وَفَاة مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَام، وَقَدْ ذَكَرَ الْمُفَسِّرُونَ فِي ذَلِكَ قِصَصًا وَأَخْبَارًا اللَّهُ أَعْلَمُ بِصِحَّتِهَا ; وَفِي الصَّحِيح غُنْيَة عَنْهَا.
 وَكَانَ عُمْر مُوسَى مِائَة وَعِشْرِينَ سَنَة ; فَيُرْوَى أَنَّ يُوشَع رَآهُ بَعْد مَوْته فِي الْمَنَام فَقَالَ لَهُ : كَيْفَ وَجَدْت الْمَوْت ؟ فَقَالَ :" كَشَاةٍ تُسْلَخ وَهِيَ حَيَّة "، وَهَذَا صَحِيح مَعْنًى ; قَالَ : صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْحَدِيث الصَّحِيح :( إِنَّ لِلْمَوْتِ سَكَرَات ) عَلَى مَا بَيَّنَّاهُ فِي كِتَاب " التَّذْكِرَة "، وَقَوْله :" فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْم الْفَاسِقِينَ " أَيْ لَا تَحْزَن، وَالْأَسَى الْحُزْن ; أَسِيَ يَأْسَى أَيْ حَزِنَ، قَالَ :
 يَقُولُونَ لَا تَهْلِك أَسًى وَتَجَمَّلِ

### الآية 5:27

> ﻿۞ وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ ۖ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ [5:27]

قَالَ اِبْن عَطِيَّة : الْمُرَاد بِالتَّقْوَى هُنَا اِتِّقَاء الشِّرْك بِإِجْمَاعِ أَهْل السُّنَّة ; فَمَنْ اِتَّقَاهُ وَهُوَ مُوَحِّد فَأَعْمَاله الَّتِي تَصْدُق فِيهَا نِيَّته مَقْبُولَة ; وَأَمَّا الْمُتَّقِي الشِّرْك وَالْمَعَاصِي فَلَهُ الدَّرَجَة الْعُلْيَا مِنْ الْقَبُول وَالْخَتْم بِالرَّحْمَةِ ; عُلِمَ ذَلِكَ بِإِخْبَارِ اللَّه تَعَالَى لَا أَنَّ ذَلِكَ يَجِب عَلَى اللَّه تَعَالَى عَقْلًا، وَقَالَ عَدِيّ بْن ثَابِت وَغَيْره : قُرْبَان مُتَّقِي هَذِهِ الْأُمَّةِ الصَّلَاةُ.
 قُلْت : وَهَذَا خَاصّ فِي نَوْع مِنْ الْعِبَادَات، وَقَدْ رَوَى الْبُخَارِيّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة قَالَ قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :( إِنَّ اللَّه تَبَارَكَ وَتَعَالَى قَالَ مَنْ عَادَى لِي وَلِيًّا فَقَدْ آذَنْته بِالْحَرْبِ وَمَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبّ إِلَيَّ مِمَّا اِفْتَرَضْت عَلَيْهِ وَمَا يَزَال عَبْدِي يَتَقَرَّب إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبّهُ فَإِذَا أَحْبَبْته كُنْت سَمْعه الَّذِي يَسْمَع بِهِ وَبَصَره الَّذِي يُبْصِر بِهِ وَيَده الَّتِي يَبْطِش بِهَا وَرِجْله الَّتِي يَمْشِي بِهَا وَلَئِنْ سَأَلَنِي لَأُعْطِيَنَّهُ وَلَئِنْ اِسْتَعَاذَنِي لَأُعِيذَنَّهُ وَمَا تَرَدَّدْت عَنْ شَيْء أَنَا فَاعِله تَرَدُّدِي عَنْ نَفْس الْمُؤْمِن يَكْرَه الْمَوْت وَأَنَا أَكْرَه مَسَاءَتَهُ ).

### الآية 5:28

> ﻿لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ ۖ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ [5:28]

لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ
 الْآيَة.
 أَيْ لَئِنْ قَصَدْت قَتْلِي فَأَنَا لَا أَقْصِد قَتْلك ; فَهَذَا اِسْتِسْلَام مِنْهُ.
 وَفِي الْخَبَر :( إِذَا كَانَتْ الْفِتْنَة فَكُنْ كَخَيْرِ اِبْنَيْ آدَم )، وَرَوَى أَبُو دَاوُد عَنْ سَعْد بْن أَبِي وَقَّاص قَالَ قُلْت يَا رَسُول : إِنْ دَخَلَ عَلَيَّ بَيْتِي وَبَسَطَ يَده إِلَيَّ لِيَقْتُلنِي ؟ قَالَ فَقَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :( كُنْ كَخَيْرِ اِبْنَيْ آدَم ) وَتَلَا هَذِهِ الْآيَة " لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدك لِتَقْتُلنِي ".
 قَالَ مُجَاهِد : كَانَ الْفَرْض عَلَيْهِمْ حِينَئِذٍ أَلَّا يَسْتَلّ أَحَد سَيْفًا، وَأَلَّا يَمْتَنِع مِمَّنْ يُرِيد قَتْله.
 قَالَ عُلَمَاؤُنَا : وَذَلِكَ مِمَّا يَجُوز وُرُود التَّعَبُّد بِهِ، إِلَّا أَنَّ فِي شَرْعنَا يَجُوز دَفْعه إِجْمَاعًا، وَفِي وُجُوب ذَلِكَ عَلَيْهِ خِلَاف، وَالْأَصَحّ وُجُوب ذَلِكَ ; لِمَا فِيهِ مِنْ النَّهْي عَنْ الْمُنْكَر، وَفِي الْحَشْوِيَّة قَوْم لَا يُجَوِّزُونَ لِلْمَصُولِ عَلَيْهِ الدَّفْع ; وَاحْتَجُّوا بِحَدِيثِ أَبِي ذَرّ، وَحَمَلَهُ الْعُلَمَاء عَلَى تَرْك الْقِتَال فِي الْفِتْنَة، وَكَفّ الْيَد عِنْد الشُّبْهَة ; عَلَى مَا بَيَّنَّاهُ فِي كِتَاب " التَّذْكِرَة "، وَقَالَ عَبْد اللَّه بْن عَمْرو وَجُمْهُور النَّاس : كَانَ هَابِيل أَشَدّ قُوَّة مِنْ قَابِيل وَلَكِنَّهُ تَحَرَّجَ.
 قَالَ اِبْن عَطِيَّة : وَهَذَا هُوَ الْأَظْهَر، وَمِنْ هَاهُنَا يَقْوَى أَنَّ قَابِيل إِنَّمَا هُوَ عَاصٍ لَا كَافِر ; لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ كَافِرًا لَمْ يَكُنْ لِلتَّحَرُّجِ هُنَا وَجْه، وَإِنَّمَا وَجْه التَّحَرُّج فِي هَذَا أَنَّ الْمُتَحَرِّج يَأْبَى أَنْ يُقَاتِل مُوَحِّدًا، وَيَرْضَى بِأَنْ يُظْلَم لِيُجَازَى فِي الْآخِرَة ; وَنَحْو هَذَا فَعَلَ عُثْمَان رَضِيَ اللَّه عَنْهُ، وَقِيلَ : الْمَعْنَى لَا أَقْصِد قَتْلك بَلْ أَقْصِد الدَّفْع عَنْ نَفْسِي، وَعَلَى هَذَا قِيلَ : كَانَ نَائِمًا فَجَاءَ قَابِيل وَرَضَخَ رَأْسه بِحَجَرٍ عَلَى مَا يَأْتِي، وَمُدَافَعَة الْإِنْسَان عَمَّنْ يُرِيد ظُلْمه جَائِزَة وَإِنْ أَتَى عَلَى نَفْس الْعَادِي، وَقِيلَ : لَئِنْ بَدَأْت بِقَتْلِي فَلَا أَبْدَأ بِالْقَتْلِ.
 وَقِيلَ : أَرَادَ لَئِنْ بَسَطْت إِلَيَّ يَدك ظُلْمًا فَمَا أَنَا بِظَالِمٍ ; إِنِّي أَخَاف اللَّه رَبّ الْعَالَمِينَ.

### الآية 5:29

> ﻿إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ ۚ وَذَٰلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ [5:29]

فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ
 دَلِيل عَلَى أَنَّهُمْ كَانُوا فِي ذَلِكَ الْوَقْت مُكَلَّفِينَ قَدْ لَحِقَهُمْ الْوَعْد وَالْوَعِيد، وَقَدْ اُسْتُدِلَّ بِقَوْلِ هَابِيل لِأَخِيهِ قَابِيل :" فَتَكُون مِنْ أَصْحَاب النَّار " عَلَى أَنَّهُ كَانَ كَافِرًا ; لِأَنَّ لَفْظ أَصْحَاب النَّار إِنَّمَا وَرَدَ فِي الْكُفَّار حَيْثُ وَقَعَ فِي الْقُرْآن، وَهَذَا مَرْدُود هُنَا بِمَا ذَكَرْنَاهُ عَنْ أَهْل الْعِلْم فِي تَأْوِيل الْآيَة، وَمَعْنَى " مِنْ أَصْحَاب النَّار " مُدَّة كَوْنك فِيهَا، وَاللَّه أَعْلَمُ.

### الآية 5:30

> ﻿فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ [5:30]

فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ
 أَيْ مِمَّنْ خَسِرَ حَسَنَاته، وَقَالَ، مُجَاهِد : عُلِّقَتْ إِحْدَى رِجْلَيْ الْقَاتِل بِسَاقِهَا إِلَى فَخِذهَا مِنْ يَوْمئِذٍ إِلَى يَوْم الْقِيَامَة، وَوَجْهه إِلَى الشَّمْس حَيْثُمَا دَارَتْ، عَلَيْهِ فِي الصَّيْف حَظِيرَة مِنْ نَار، وَعَلَيْهِ فِي الشِّتَاء مِنْ ثَلْج.
 قَالَ اِبْن عَطِيَّة : فَإِنْ صَحَّ هَذَا فَهُوَ مِنْ خُسْرَانه الَّذِي تَضَمَّنَهُ قَوْله تَعَالَى :" فَأَصْبَحَ مِنْ الْخَاسِرِينَ " وَإِلَّا فَالْخُسْرَان يَعُمّ خُسْرَان الدُّنْيَا وَالْآخِرَة.
 قُلْت : وَلَعَلَّ هَذَا يَكُون عُقُوبَته عَلَى الْقَوْل بِأَنَّهُ عَاصٍ لَا كَافِر ; فَيَكُون الْمَعْنَى " فَأَصْبَحَ مِنْ الْخَاسِرِينَ " أَيْ فِي الدُّنْيَا، وَاللَّه أَعْلَمُ.

### الآية 5:31

> ﻿فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْءَةَ أَخِيهِ ۚ قَالَ يَا وَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَٰذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْءَةَ أَخِي ۖ فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ [5:31]

فَهَذَا مَا تَعَلَّقَ فِي مَعْنَى الْآيَة مِنْ الْأَحْكَام، وَالْأَصْل فِي " يَا وَيْلَتَى " يَا وَيْلَتِي ثُمَّ أُبْدِلَ مِنْ الْيَاء أَلِف، وَقَرَأَ الْحَسَن عَلَى الْأَصْل بِالْيَاءِ، وَالْأَوَّل أَفْصَحُ ; لِأَنَّ حَذْف الْيَاء فِي النِّدَاء أَكْثَرُ، وَهِيَ كَلِمَة تَدْعُو بِهَا الْعَرَب عِنْد الْهَلَاك ; قَالَهُ سِيبَوَيْهِ، وَقَالَ الْأَصْمَعِيّ :" وَيْل " بُعْد، وَقَرَأَ الْحَسَن :" أَعَجِزْت " بِكَسْرِ الْجِيم.
 قَالَ النَّحَّاس : وَهِيَ لُغَة شَاذَّة ; إِنَّمَا يُقَال عَجِزَتْ الْمَرْأَةُ إِذَا عَظُمَتْ عَجِيزَتهَا، وَعَجَزْت عَنْ الشَّيْء عَجْزًا وَمَعْجِزَة وَمَعْجَزَة، وَاللَّه أَعْلَمُ.

### الآية 5:32

> ﻿مِنْ أَجْلِ ذَٰلِكَ كَتَبْنَا عَلَىٰ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا ۚ وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ بَعْدَ ذَٰلِكَ فِي الْأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ [5:32]

وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ فِي الْأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ
 تَجَوُّز ; فَإِنَّهُ عِبَارَة عَنْ التَّرْك وَالْإِنْقَاذ مِنْ هَلَكَة، وَإِلَّا فَالْإِحْيَاء حَقِيقَة - الَّذِي هُوَ الِاخْتِرَاع - إِنَّمَا هُوَ لِلَّهِ تَعَالَى، وَإِنَّمَا هَذَا الْإِحْيَاء بِمَنْزِلَةِ قَوْل نَمْرُود اللَّعِين :" أَنَا أُحْيِي وَأُمِيت " \[ الْبَقَرَة : ٢٥٨ \] فَسَمَّى التَّرْك إِحْيَاء.
 ثُمَّ أَخْبَرَ اللَّه عَنْ بَنِي إِسْرَائِيل أَنَّهُمْ جَاءَتْهُمْ الرُّسُل بِالْبَيِّنَاتِ، وَأَنَّ أَكْثَرهمْ مُجَاوِزُونَ الْحَدّ، وَتَارِكُونَ أَمْر اللَّه.

### الآية 5:33

> ﻿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ۚ ذَٰلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا ۖ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ [5:33]

قُلْت : وَقَدْ اِخْتَلَفَ مَذْهَبنَا إِذَا طُلِبَ الشَّيْء الْخَفِيف كَالثَّوْبِ وَالطَّعَام هَلْ يُعْطُونَهُ أَوْ يُقَاتِلُونَ ؟ وَهَذَا الْخِلَاف مَبْنِيّ عَلَى أَصْل، وَهُوَ هَلْ الْأَمْر بِقِتَالِهِمْ لِأَنَّهُ تَغْيِير مُنْكَر أَوْ هُوَ مِنْ بَاب دَفْع الضَّرَر ؟ وَعَلَى هَذَا أَيْضًا يَنْبَنِي الْخِلَاف فِي دَعْوَتهمْ قَبْل الْقِتَال، وَاَللَّه أَعْلَم.
 قَوْله تَعَالَى :" ذَلِكَ لَهُمْ خِزْي فِي الدُّنْيَا " لِشَنَاعَةِ الْمُحَارَبَة وَعِظَم ضَرَرهَا، وَإِنَّمَا كَانَتْ الْمُحَارَبَة عَظِيمَة الضَّرَر ; لِأَنَّ فِيهَا سَدّ سَبِيل الْكَسْب عَلَى النَّاس، لِأَنَّ أَكْثَرَ الْمَكَاسِب وَأَعْظَمهَا التِّجَارَات، وَرُكْنهَا وَعِمَادهَا الضَّرْب فِي الْأَرْض ; كَمَا قَالَ عَزَّ وَجَلَّ :" وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْض يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْل اللَّه " \[ الْمُزَّمِّل : ٢٠ \] فَإِذَا أُخِيفَ الطَّرِيق اِنْقَطَعَ النَّاس عَنْ السَّفَر، وَاحْتَاجُوا إِلَى لُزُوم الْبُيُوت، فَانْسَدَّ بَاب التِّجَارَة عَلَيْهِمْ، وَانْقَطَعَتْ أَكْسَابهمْ ; فَشَرَعَ اللَّه عَلَى قُطَّاع الطَّرِيق الْحُدُود الْمُغَلَّظَة، وَذَلِكَ الْخِزْي فِي الدُّنْيَا رَدْعًا لَهُمْ عَنْ سُوء فِعْلهمْ، وَفَتْحًا لِبَابِ التِّجَارَة الَّتِي أَبَاحَهَا لِعِبَادِهِ لِمَنْ أَرَادَهَا مِنْهُمْ، وَوَعَدَ فِيهَا بِالْعَذَابِ الْعَظِيم فِي الْآخِرَة.
 وَتَكُون هَذِهِ الْمَعْصِيَة خَارِجَة عَنْ الْمَعَاصِي، وَمُسْتَثْنَاة مِنْ حَدِيث عُبَادَة فِي قَوْل النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :( فَمَنْ أَصَابَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا فَعُوقِبَ بِهِ فِي الدُّنْيَا فَهُوَ لَهُ كَفَّارَة ) وَاللَّه أَعْلَمُ، وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون الْخِزْي لِمَنْ عُوقِبَ، وَعَذَاب الْآخِرَة لِمَنْ سَلِمَ فِي الدُّنْيَا، وَيَجْرِي هَذَا الذَّنْب مَجْرَى غَيْره.
 وَلَا خُلُود لِمُؤْمِنٍ فِي النَّار عَلَى مَا تَقَدَّمَ، وَلَكِنْ يَعْظُم عِقَابه لِعِظَمِ الذَّنْب، ثُمَّ يُخْرَج إِمَّا بِالشَّفَاعَةِ وَإِمَّا بِالْقَبْضَةِ، ثُمَّ إِنَّ هَذَا الْوَعِيد مَشْرُوط الْإِنْفَاذ بِالْمَشِيئَةِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى :" وَيَغْفِر مَا دُون ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاء " \[ النِّسَاء : ١١٦ \] أَمَّا إِنَّ الْخَوْف يَغْلِب عَلَيْهِمْ بِحَسَبِ الْوَعِيد وَكِبَر الْمَعْصِيَة.

### الآية 5:34

> ﻿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ ۖ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ [5:34]

إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ
 اِسْتَثْنَى جَلَّ وَعَزَّ التَّائِبِينَ قَبْل أَنْ يُقْدَر عَلَيْهِمْ، وَأَخْبَرَ بِسُقُوطِ حَقّه عَنْهُمْ بِقَوْلِهِ :" فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّه غَفُور رَحِيم ".
 أَمَّا الْقِصَاص وَحُقُوق الْآدَمِيِّينَ فَلَا تَسْقُط، وَمَنْ تَابَ بَعْد الْقُدْرَة فَظَاهِر الْآيَة أَنَّ التَّوْبَة لَا تَنْفَع، وَتُقَام الْحُدُود عَلَيْهِ كَمَا تَقَدَّمَ، وَلِلشَّافِعِيِّ قَوْل إِنَّهُ يَسْقُط كُلّ حَدّ بِالتَّوْبَةِ، وَالصَّحِيح مِنْ مَذْهَبه أَنَّ مَا تَعَلَّقَ بِهِ حَقّ الْآدَمِيّ قِصَاصًا كَانَ أَوْ غَيْره فَإِنَّهُ لَا يَسْقُط بِالتَّوْبَةِ قَبْل الْقُدْرَة عَلَيْهِ، وَقِيلَ : أَرَادَ بِالِاسْتِثْنَاءِ الْمُشْرِك إِذَا تَابَ وَآمَنَ قَبْل الْقُدْرَة عَلَيْهِ فَإِنَّهُ تَسْقُط عَنْهُ الْحُدُود ; وَهَذَا ضَعِيف ; لِأَنَّهُ إِنْ آمَنَ بَعْد الْقُدْرَة عَلَيْهِ لَمْ يُقْتَل أَيْضًا بِالْإِجْمَاعِ، وَقِيلَ : إِنَّمَا لَا يُسْقَط الْحَدّ عَنْ الْمُحَارِبِينَ بَعْد الْقُدْرَة عَلَيْهِمْ - وَاللَّه أَعْلَمُ - لِأَنَّهُمْ مُتَّهَمُونَ بِالْكَذِبِ فِي تَوْبَتهمْ وَالتَّصَنُّع فِيهَا إِذَا نَالَتْهُمْ يَد الْإِمَام، أَوْ لِأَنَّهُ لَمَّا قُدِرَ عَلَيْهِمْ صَارُوا بِمَعْرِضٍ أَنْ يُنَكَّل بِهِمْ فَلَمْ تُقْبَل تَوْبَتهمْ ; كَالْمُتَلَبِّسِ بِالْعَذَابِ مِنْ الْأُمَم قَبْلنَا، أَوْ مَنْ صَارَ إِلَى حَال الْغَرْغَرَة فَتَابَ ; فَأَمَّا إِذَا تَقَدَّمَتْ تَوْبَتُهُمْ الْقُدْرَةَ عَلَيْهِمْ، فَلَا تُهْمَة وَهِيَ نَافِعَة عَلَى مَا يَأْتِي بَيَانه فِي سُورَة " يُونُس " ; فَأَمَّا الشُّرَّاب وَالزُّنَاة وَالسُّرَّاق إِذَا تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَعُرِفَ ذَلِكَ مِنْهُمْ، ثُمَّ رُفِعُوا إِلَى الْإِمَام فَلَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَحُدّهُمْ، وَإِنْ رُفِعُوا إِلَيْهِ فَقَالُوا تُبْنَا لَمْ يُتْرَكُوا، وَهُمْ فِي هَذِهِ الْحَال كَالْمُحَارِبِينَ إِذَا غُلِبُوا، وَاللَّه أَعْلَمُ.

### الآية 5:35

> ﻿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ [5:35]

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ
 الْوَسِيلَة هِيَ الْقُرْبَة عَنْ أَبِي وَائِل وَالْحَسَن وَمُجَاهِد وَقَتَادَة وَعَطَاء وَالسُّدِّيّ وَابْن زَيْد وَعَبْد اللَّه بْن كَثِير، وَهِيَ فَعِيلَة مِنْ تَوَسَّلْت إِلَيْهِ أَيْ تَقَرَّبْت ; قَالَ عَنْتَرَة :

إِنَّ الرِّجَال لَهُمْ إِلَيْكِ وَسِيلَة  أَنْ يَأْخُذُوكِ تَكَحَّلِي وَتَخَضَّبِي **وَالْجَمْع الْوَسَائِل ; قَالَ :**إِذَا غَفَلَ الْوَاشُونَ عُدْنَا لِوَصْلِنَا  وَعَادَ التَّصَافِي بَيْننَا وَالْوَسَائِل وَيُقَال : مِنْهُ سُلْت أَسْأَل أَيْ طَلَبْت، وَهُمَا يَتَسَاوَلَانِ أَيْ يَطْلُب كُلّ وَاحِد مِنْ صَاحِبه ; فَالْأَصْل الطَّلَب ; وَالْوَسِيلَة الْقُرْبَة الَّتِي يَنْبَغِي أَنْ يُطْلَب بِهَا، وَالْوَسِيلَة دَرَجَة فِي الْجَنَّة، وَهِيَ الَّتِي جَاءَ الْحَدِيث الصَّحِيح بِهَا فِي قَوْله عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام :( فَمَنْ سَأَلَ لِيَ الْوَسِيلَة حَلَّتْ لَهُ الشَّفَاعَة ).

### الآية 5:36

> ﻿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُوا بِهِ مِنْ عَذَابِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَا تُقُبِّلَ مِنْهُمْ ۖ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ [5:36]

لا يوجد تفسير لهذه الأية

### الآية 5:37

> ﻿يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْهَا ۖ وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ [5:37]

يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْهَا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ
 قَالَ يَزِيد الْفَقِير : قِيلَ لِجَابِرِ بْن عَبْد اللَّه إِنَّكُمْ يَا أَصْحَاب مُحَمَّد تَقُولُونَ إِنَّ قَوْمًا يَخْرُجُونَ مِنْ النَّار وَاَللَّه تَعَالَى يَقُول :" وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْهَا " فَقَالَ جَابِر : إِنَّكُمْ تَجْعَلُونَ الْعَامّ خَاصًّا وَالْخَاصّ عَامًّا، إِنَّمَا هَذَا فِي الْكُفَّار خَاصَّة ; فَقَرَأْت الْآيَة كُلّهَا مِنْ أَوَّلهَا إِلَى آخِرهَا فَإِذَا هِيَ فِي الْكُفَّار خَاصَّة.
 و " مُقِيم " مَعْنَاهُ دَائِم ثَابِت لَا يَزُول وَلَا يَحُول ; قَالَ الشَّاعِر :

فَإِنَّ لَكُمْ بِيَوْمِ الشَّعْب مِنِّي  عَذَابًا دَائِمًا لَكُمُ مُقِيمَا

### الآية 5:38

> ﻿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ [5:38]

حَكِيمٌ
 فِيمَا يَفْعَلهُ ; وَقَدْ تَقَدَّمَ.

### الآية 5:39

> ﻿فَمَنْ تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ ۗ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ [5:39]

ثُمَّ جَعَلَ اللَّه حَدّ السَّرِقَة قَطْع الْيَد لِتَنَاوُلِ الْمَال، وَلَمْ يَجْعَل حَدّ الزِّنَى قَطْع الذَّكَر مَعَ مُوَاقَعَة الْفَاحِشَة بِهِ لِثَلَاثَةِ مَعَانٍ : أَحَدهَا : أَنَّ لِلسَّارِقِ مِثْل يَده الَّتِي قُطِعَتْ فَإِنْ اِنْزَجَرَ بِهَا اِعْتَاضَ بِالثَّانِيَةِ، وَلَيْسَ لِلزَّانِي مِثْل ذَكَره إِذَا قُطِعَ فَلَمْ يَعْتَضْ بِغَيْرِهِ لَوْ اِنْزَجَرَ بِقَطْعِهِ.
 الثَّانِي : أَنَّ الْحَدّ زَجْر لِلْمَحْدُودِ وَغَيْره، وَقَطْع الْيَد فِي السَّرِقَة ظَاهِر : وَقَطْع الذَّكَر فِي الزِّنَى بَاطِن.
 الثَّالِث : أَنَّ قَطْع الذَّكَر فِيهِ إِبْطَال لِلنَّسْلِ وَلَيْسَ فِي قَطْع الْيَد إِبْطَاله، وَاللَّه أَعْلَمُ.

### الآية 5:40

> ﻿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ ۗ وَاللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [5:40]

أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ
 الْآيَة.
 خِطَاب لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَغَيْره ; أَيْ لَا قَرَابَة بَيْن اللَّه تَعَالَى وَبَيْن أَحَد تُوجِب الْمُحَابَاة حَتَّى يَقُول الْقَائِل : نَحْنُ أَبْنَاء اللَّه وَأَحِبَّاؤُهُ، وَالْحُدُود تُقَام عَلَى كُلّ مَنْ يُقَارِف مُوجِب الْحَدّ، وَقِيلَ : أَيْ لَهُ أَنْ يَحْكُم بِمَا يُرِيد ; فَلِهَذَا فُرِّقَ بَيْن الْمُحَارِب وَبَيْن السَّارِق غَيْر الْمُحَارِب، وَقَدْ تَقَدَّمَ نَظَائِر هَذِهِ الْآيَة وَالْكَلَام فِيهَا فَلَا مَعْنَى لِإِعَادَتِهَا وَاَللَّه الْمُوَفِّق.
 هَذَا مَا يَتَعَلَّق بِآيَةِ السَّرِقَة مِنْ بَعْض أَحْكَام السَّرِقَة، وَاَللَّه أَعْلَمُ.

### الآية 5:41

> ﻿۞ يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ ۛ وَمِنَ الَّذِينَ هَادُوا ۛ سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ ۖ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ ۖ يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَٰذَا فَخُذُوهُ وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا ۚ وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا ۚ أُولَٰئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ ۚ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ ۖ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ [5:41]

قُلُوبَهُمْ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ
 قِيلَ : هُوَ فَضِيحَتهمْ حِين أَنْكَرُوا الرَّجْم، ثُمَّ أُحْضِرَتْ التَّوْرَاة فَوُجِدَ فِيهَا الرَّجْم وَقِيلَ : خِزْيهمْ فِي الدُّنْيَا أَخْذ الْجِزْيَة وَالذُّلّ، وَاللَّه أَعْلَمُ.

### الآية 5:42

> ﻿سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ ۚ فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ ۖ وَإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئًا ۖ وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ [5:42]

وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ
 رَوَى النَّسَائِيّ عَنْ اِبْن عَبَّاس قَالَ كَانَ قُرَيْظَة وَالنَّضِير، وَكَانَ النَّضِير أَشْرَفَ مِنْ قُرَيْظَة، وَكَانَ إِذَا قَتَلَ رَجُل مِنْ قُرَيْظَة رَجُلًا مِنْ النَّضِير قُتِلَ بِهِ، وَإِذَا قَتَلَ رَجُل مِنْ النَّضِير رَجُلًا مِنْ قُرَيْظَة وَدَى مِائَة وَسْق مِنْ تَمْر ; فَلَمَّا بُعِثَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَتَلَ رَجُل مِنْ النَّضِير رَجُلًا مِنْ قُرَيْظَة فَقَالُوا : اِدْفَعُوهُ إِلَيْنَا لِنَقْتُلهُ ; فَقَالُوا : بَيْننَا وَبَيْنكُمْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَنَزَلَتْ :" وَإِنْ حَكَمْت فَاحْكُمْ بَيْنهمْ بِالْقِسْطِ " النَّفْس بِالنَّفْسِ، وَنَزَلَتْ :" أَفَحُكْم الْجَاهِلِيَّة يَبْغُونَ " \[ الْمَائِدَة : ٥٠ \].

### الآية 5:43

> ﻿وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِنْدَهُمُ التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللَّهِ ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِنْ بَعْدِ ذَٰلِكَ ۚ وَمَا أُولَٰئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ [5:43]

ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ
 أَيْ بِحُكْمِك أَنَّهُ مِنْ عِنْد اللَّه، وَقَالَ أَبُو عَلِيّ : إِنَّ مَنْ طَلَبَ غَيْر حُكْم اللَّه مِنْ حَيْثُ لَمْ يَرْضَ بِهِ فَهُوَ كَافِر ; وَهَذِهِ حَالَة الْيَهُود.

### الآية 5:44

> ﻿إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ ۚ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ ۚ فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا ۚ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ [5:44]

قَالَ الْقُشَيْرِيّ : وَمَذْهَب الْخَوَارِج أَنَّ مَنْ اِرْتَشَى وَحَكَمَ بِغَيْرِ حُكْم اللَّه فَهُوَ كَافِر، وَعُزِيَ هَذَا إِلَى الْحَسَن وَالسُّدِّيّ، وَقَالَ الْحَسَن أَيْضًا : أَخَذَ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ عَلَى الْحُكَّام ثَلَاثَة أَشْيَاء : أَلَّا يَتَّبِعُوا الْهَوَى، وَأَلَّا يَخْشَوْا النَّاس وَيَخْشَوْهُ، وَأَلَّا يَشْتَرُوا بِآيَاتِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا.

### الآية 5:45

> ﻿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ ۚ فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ ۚ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ [5:45]

قَالَ الْقُشَيْرِيّ : وَمَذْهَب الْخَوَارِج أَنَّ مَنْ اِرْتَشَى وَحَكَمَ بِغَيْرِ حُكْم اللَّه فَهُوَ كَافِر، وَعُزِيَ هَذَا إِلَى الْحَسَن وَالسُّدِّيّ، وَقَالَ الْحَسَن أَيْضًا : أَخَذَ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ عَلَى الْحُكَّام ثَلَاثَة أَشْيَاء : أَلَّا يَتَّبِعُوا الْهَوَى، وَأَلَّا يَخْشَوْا النَّاس وَيَخْشَوْهُ، وَأَلَّا يَشْتَرُوا بِآيَاتِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا.

### الآية 5:46

> ﻿وَقَفَّيْنَا عَلَىٰ آثَارِهِمْ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ ۖ وَآتَيْنَاهُ الْإِنْجِيلَ فِيهِ هُدًى وَنُورٌ وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ [5:46]

وَهُدًى وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ
 عُطِفَ عَلَى " مُصَدِّقًا " أَيْ هَادِيًا وَوَاعِظًا " لِلْمُتَّقِينَ " وَخَصَّهُمْ لِأَنَّهُمْ الْمُنْتَفِعُونَ بِهِمَا، وَيَجُوز رَفْعهمَا عَلَى الْعَطْف عَلَى قَوْله :" فِيهِ هُدًى وَنُور ".

### الآية 5:47

> ﻿وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنْجِيلِ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ ۚ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ [5:47]

قَالَ الْقُشَيْرِيّ : وَمَذْهَب الْخَوَارِج أَنَّ مَنْ اِرْتَشَى وَحَكَمَ بِغَيْرِ حُكْم اللَّه فَهُوَ كَافِر، وَعُزِيَ هَذَا إِلَى الْحَسَن وَالسُّدِّيّ، وَقَالَ الْحَسَن أَيْضًا : أَخَذَ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ عَلَى الْحُكَّام ثَلَاثَة أَشْيَاء : أَلَّا يَتَّبِعُوا الْهَوَى، وَأَلَّا يَخْشَوْا النَّاس وَيَخْشَوْهُ، وَأَلَّا يَشْتَرُوا بِآيَاتِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا.

### الآية 5:48

> ﻿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ ۖ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ ۖ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ ۚ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا ۚ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَٰكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ ۖ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ ۚ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ [5:48]

إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ
 أَيْ بِمَا اِخْتَلَفْتُمْ فِيهِ، وَتَزُول الشُّكُوك.

### الآية 5:49

> ﻿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ ۖ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ ۗ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ [5:49]

وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ
 يَعْنِي الْيَهُود.

### الآية 5:50

> ﻿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ ۚ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ [5:50]

وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ
 هَذَا اِسْتِفْهَام عَلَى جِهَة الْإِنْكَار بِمَعْنَى : لَا أَحَد أَحْسَن ; فَهَذَا اِبْتِدَاء وَخَبَر.
 و " حُكْمًا " نُصِبَ عَلَى الْبَيَان.
 \[ لِقَوْلِهِ \] " لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ " أَيْ عِنْد قَوْم يُوقِنُونَ.

### الآية 5:51

> ﻿۞ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَىٰ أَوْلِيَاءَ ۘ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ ۚ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ ۗ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ [5:51]

مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ
 قَوْله " فَإِنَّهُ مِنْهُمْ " بَيَّنَ تَعَالَى أَنَّ حُكْمه كَحُكْمِهِمْ ; وَهُوَ يَمْنَع إِثْبَات الْمِيرَاث لِلْمُسْلِمِ مِنْ الْمُرْتَدّ، وَكَانَ الَّذِي تَوَلَّاهُمْ اِبْن أُبَيّ ثُمَّ هَذَا الْحُكْم بَاقٍ إِلَى يَوْم الْقِيَامَة فِي قَطْع الْمُوَالَاة ; وَقَدْ قَالَ تَعَالَى :" وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسّكُمْ النَّار " \[ هُود : ١١٣ \] وَقَالَ تَعَالَى فِي " آل عِمْرَان " :" لَا يَتَّخِذ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاء مِنْ دُون الْمُؤْمِنِينَ " \[ آل عِمْرَان : ٢٨ \] وَقَالَ تَعَالَى :" لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَة مِنْ دُونكُمْ " \[ آل عِمْرَان : ١١٨ \] وَقَدْ مَضَى الْقَوْل فِيهِ، وَقِيلَ : إِنَّ مَعْنَى " بَعْضهمْ أَوْلِيَاء بَعْض " أَيْ فِي النَّصْر " وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ " شَرْط وَجَوَابه ; أَيْ لِأَنَّهُ قَدْ خَالَفَ اللَّه تَعَالَى وَرَسُوله كَمَا خَالَفُوا، وَوَجَبَتْ مُعَادَاته كَمَا وَجَبَتْ مُعَادَاتهمْ، وَوَجَبَتْ لَهُ النَّار كَمَا وَجَبَتْ لَهُمْ ; فَصَارَ مِنْهُمْ أَيْ مِنْ أَصْحَابهمْ.

### الآية 5:52

> ﻿فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَىٰ أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ ۚ فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَىٰ مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ [5:52]

فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ
 أَيْ فَيُصْبِحُوا نَادِمِينَ عَلَى تَوَلِّيهمْ الْكُفَّارَ إِذَا رَأَوْا نَصْر اللَّه لِلْمُؤْمِنِينَ، وَإِذَا عَايَنُوا عِنْد الْمَوْت فَبُشِّرُوا بِالْعَذَابِ.

### الآية 5:53

> ﻿وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا أَهَٰؤُلَاءِ الَّذِينَ أَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ ۙ إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ ۚ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَأَصْبَحُوا خَاسِرِينَ [5:53]

فَأَصْبَحُوا خَاسِرِينَ
 أَيْ خَاسِرِينَ الثَّوَاب، وَقِيلَ : خَسِرُوا فِي مُوَالَاة الْيَهُود فَلَمْ تَحْصُل لَهُمْ ثَمَرَة بَعْد قَتْل الْيَهُود وَإِجْلَائِهِمْ.

### الآية 5:54

> ﻿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ۚ ذَٰلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ ۚ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ [5:54]

لَائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ
 اِبْتِدَاء وَخَبَر أَيْ وَاسِع الْفَضْل، عَلِيم بِمَصَالِح خَلْقه.

### الآية 5:55

> ﻿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ [5:55]

الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ
 وَذَلِكَ أَنَّ سَائِلًا سَأَلَ فِي مَسْجِد رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَمْ يُعْطِهِ أَحَد شَيْئًا، وَكَانَ عَلِيّ فِي الصَّلَاة فِي الرُّكُوع وَفِي يَمِينه خَاتَم، فَأَشَارَ إِلَى السَّائِل بِيَدِهِ حَتَّى أَخَذَهُ.
 قَالَ الْكِيَا الطَّبَرِيّ : وَهَذَا يَدُلّ عَلَى أَنَّ الْعَمَل الْقَلِيل لَا يُبْطِل الصَّلَاة ; فَإِنَّ التَّصَدُّق بِالْخَاتَمِ فِي الرُّكُوع عَمَل جَاءَ بِهِ فِي الصَّلَاة وَلَمْ تَبْطُل بِهِ الصَّلَاة، وَقَوْله :" وَيُؤْتُونَ الزَّكَاة وَهُمْ رَاكِعُونَ " يَدُلّ عَلَى أَنَّ صَدَقَة التَّطَوُّع تُسَمَّى زَكَاة.
 ; فَإِنَّ عَلِيًّا تَصَدَّقَ بِخَاتَمِهِ فِي الرُّكُوع، وَهُوَ نَظِير قَوْله تَعَالَى :" وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ زَكَاة تُرِيدُونَ وَجْه اللَّه فَأُولَئِكَ هُمْ الْمُضْعِفُونَ " \[ الرُّوم : ٣٩ \] وَقَدْ اِنْتَظَمَ الْفَرْض وَالنَّفْل، فَصَارَ اِسْم الزَّكَاة شَامِلًا لِلْفَرْضِ وَالنَّفْل، كَاسْمِ الصَّدَقَة وَكَاسْمِ الصَّلَاة يَنْتَظِم الْأَمْرَيْنِ.
 قُلْت : فَالْمُرَاد عَلَى هَذَا بِالزَّكَاةِ التَّصَدُّق بِالْخَاتَمِ، وَحَمْلُ لَفْظِ الزَّكَاة عَلَى التَّصَدُّق بِالْخَاتَمِ فِيهِ بُعْدٌ ; لِأَنَّ الزَّكَاة لَا تَأْتِي إِلَّا بِلَفْظِهَا الْمُخْتَصّ بِهَا وَهُوَ الزَّكَاة الْمَفْرُوضَة عَلَى مَا تَقَدَّمَ بَيَانه فِي أَوَّل سُورَة " الْبَقَرَة ".
 وَأَيْضًا فَإِنَّ قَبْله " يُقِيمُونَ الصَّلَاة " وَمَعْنَى يُقِيمُونَ الصَّلَاة يَأْتُونَ بِهَا فِي أَوْقَاتهَا بِجَمِيعِ حُقُوقهَا، وَالْمُرَاد صَلَاة الْفَرْض.
 ثُمَّ قَالَ :" وَهُمْ رَاكِعُونَ " أَيْ النَّفْل، وَقِيلَ : أَفْرَدَ الرُّكُوع بِالذِّكْرِ تَشْرِيفًا، وَقِيلَ : الْمُؤْمِنُونَ وَقْت نُزُول الْآيَة كَانُوا بَيْن مُتَمِّم لِلصَّلَاةِ وَبَيْن رَاكِع، وَقَالَ اِبْن خُوَيْز مَنْدَاد قَوْله تَعَالَى :" وَيُؤْتُونَ الزَّكَاة وَهُمْ رَاكِعُونَ " تَضَمَّنَتْ جَوَاز الْعَمَل الْيَسِير فِي الصَّلَاة ; وَذَلِكَ أَنَّ هَذَا خَرَجَ مَخْرَج الْمَدْح، وَأَقَلُّ مَا فِي بَاب الْمَدْح أَنْ يَكُون مُبَاحًا ; وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ عَلِيّ بْن أَبِي طَالِب رَضِيَ اللَّه عَنْهُ أَعْطَى السَّائِل شَيْئًا وَهُوَ فِي الصَّلَاة، وَقَدْ يَجُوز أَنْ يَكُون هَذِهِ صَلَاة تَطَوُّع، وَذَلِكَ أَنَّهُ مَكْرُوه فِي الْفَرْض، وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون الْمَدْح مُتَوَجِّهًا عَلَى اِجْتِمَاع حَالَتَيْنِ ; كَأَنَّهُ وَصْف مَنْ يَعْتَقِد وُجُوب الصَّلَاة وَالزَّكَاة ; فَعُبِّرَ عَنْ الصَّلَاة بِالرُّكُوعِ، وَعَنْ الِاعْتِقَاد لِلْوُجُوبِ بِالْفِعْلِ ; كَمَا تَقُول : الْمُسْلِمُونَ هُمْ الْمُصَلُّونَ، وَلَا تُرِيد أَنَّهُمْ فِي تِلْكَ الْحَال مُصَلُّونَ وَلَا يُوَجَّه الْمَدْح حَال الصَّلَاة ; فَإِنَّمَا يُرِيد مَنْ يَفْعَل هَذَا الْفِعْل وَيَعْتَقِدهُ.
 قَوْله تَعَالَى : وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّه وَرَسُوله وَاَلَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْب اللَّه هُمْ الْغَالِبُونَ ( ٥٦ )

### الآية 5:56

> ﻿وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ [5:56]

فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ
 قَالَ الْحَسَن : حِزْب اللَّه جُنْد اللَّه، وَقَالَ غَيْره : أَنْصَار اللَّه قَالَ الشَّاعِر :
 وَكَيْفَ أَضْوَى وَبِلَالُ حِزْبِي
 أَيْ نَاصِرِي، وَالْمُؤْمِنُونَ حِزْب اللَّه ; فَلَا جَرَم غَلَبُوا الْيَهُود بِالسَّبْيِ وَالْقَتْل وَالْإِجْلَاء وَضَرْب الْجِزْيَة، وَالْحِزْب الصِّنْف مِنْ النَّاس، وَأَصْله مِنْ النَّائِبَة مِنْ قَوْلهمْ : حَزَبَهُ كَذَا أَيْ نَابَهُ ; فَكَأَنَّ الْمُحْتَزِبِينَ مُجْتَمِعُونَ كَاجْتِمَاعِ أَهْل النَّائِبَة عَلَيْهَا.
 وَحِزْب الرَّجُل أَصْحَابُهُ، وَالْحِزْب الْوِرْد ; وَمِنْهُ الْحَدِيث ( فَمَنْ فَاتَهُ حِزْبه مِنْ اللَّيْل )، وَقَدْ حَزَّبْت الْقُرْآن، وَالْحِزْب الطَّائِفَة، وَتَحَزَّبُوا اِجْتَمَعُوا، وَالْأَحْزَاب : الطَّوَائِف الَّتِي تَجْتَمِع عَلَى مُحَارَبَة الْأَنْبِيَاء، وَحَزَبَهُ أَمْر أَيْ أَصَابَهُ.

### الآية 5:57

> ﻿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِيَاءَ ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ [5:57]

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِيَاءَ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ
 **فِيهِ مَسْأَلَتَانِ :**
 الْأُولَى : رُوِيَ عَنْ اِبْن عَبَّاس رَضِيَ اللَّه عَنْهُ أَنَّ قَوْمًا مِنْ الْيَهُود وَالْمُشْرِكِينَ ضَحِكُوا مِنْ الْمُسْلِمِينَ وَقْت سُجُودهمْ فَأَنْزَلَ اللَّه تَعَالَى :" يَا أَيّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اِتَّخَذُوا دِينكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا إِلَى آخِر الْآيَات.
 وَتَقَدَّمَ مَعْنَى الْهُزُؤ فِي " الْبَقَرَة ".
 " مِنْ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَاب مِنْ قَبْلكُمْ وَالْكُفَّار أَوْلِيَاء " قَرَأَهُ أَبُو عَمْرو وَالْكِسَائِيّ بِالْخَفْضِ بِمَعْنَى وَمِنْ الْكُفَّار.
 قَالَ الْكِسَائِيّ : وَفِي حَرْف أُبَيّ رَحِمَهُ اللَّه " وَمِنْ الْكُفَّار "، و " مِنْ " هَهُنَا لِبَيَانِ الْجِنْس ; وَالنَّصْب أَوْضَحُ وَأَبْيَنُ.
 قَالَهُ النَّحَّاس، وَقِيلَ : هُوَ مَعْطُوف عَلَى أَقْرَبِ الْعَامِلَيْنِ مِنْهُ وَهُوَ قَوْله :" مِنْ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَاب " فَنَهَاهُمْ اللَّه أَنْ يَتَّخِذُوا الْيَهُود وَالْمُشْرِكِينَ أَوْلِيَاءَ، وَأَعْلَمَهُمْ أَنَّ الْفَرِيقَيْنِ اِتَّخَذُوا دِين الْمُؤْمِنِينَ هُزُوًا وَلَعِبًا، وَمَنْ نَصَبَ عَطَفَ عَلَى " الَّذِينَ " الْأَوَّل فِي قَوْله :" لَا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اِتَّخَذُوا دِينكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا - وَالْكُفَّار أَوْلِيَاء " أَيْ لَا تَتَّخِذُوا هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ أَوْلِيَاء ; فَالْمَوْصُوف بِالْهُزُؤِ وَاللَّعِب فِي هَذِهِ الْقِرَاءَة الْيَهُود لَا غَيْر، وَالْمَنْهِيّ عَنْ اِتِّخَاذهمْ أَوْلِيَاء الْيَهُود وَالْمُشْرِكُونَ، وَكِلَاهُمَا فِي الْقِرَاءَة بِالْخَفْضِ مَوْصُوف بِالْهُزُؤِ وَاللَّعِب.
 قَالَ مَكِّيّ : وَلَوْلَا اِتِّفَاق الْجَمَاعَة عَلَى النَّصْب لَاخْتَرْت الْخَفْض، لِقُوَّتِهِ فِي الْإِعْرَاب وَفِي الْمَعْنَى وَالتَّفْسِير وَالْقُرْب مِنْ الْمَعْطُوف عَلَيْهِ.
 وَقِيلَ : الْمَعْنَى لَا تَتَّخِذُوا الْمُشْرِكِينَ وَالْمُنَافِقِينَ أَوْلِيَاء ; بِدَلِيلِ قَوْلهمْ :" إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ " \[ الْبَقَرَة : ١٤ \] وَالْمُشْرِكُونَ كُلّ كُفَّار، لَكِنْ يُطْلَق فِي الْغَالِب لَفْظ الْكُفَّار عَلَى الْمُشْرِكِينَ ; فَلِهَذَا فَصَلَ ذِكْر أَهْل الْكِتَاب مِنْ الْكَافِرِينَ.
 الثَّانِيَة : قَالَ اِبْن خُوَيْز مَنْدَاد : هَذِهِ الْآيَة مِثْل قَوْله تَعَالَى :" لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُود وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاء بَعْضهمْ أَوْلِيَاء بَعْض " \[ الْمَائِدَة : ٥١ \]، و " لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَة مِنْ دُونكُمْ " \[ آل عِمْرَان : ١١٨ \] تَضَمَّنَتْ الْمَنْع مِنْ التَّأْيِيد وَالِانْتِصَار بِالْمُشْرِكِينَ وَنَحْو ذَلِكَ، وَرَوَى جَابِر : أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا أَرَادَ الْخُرُوج إِلَى أُحُد جَاءَهُ قَوْم مِنْ الْيَهُود فَقَالُوا : نَسِير مَعَك ; فَقَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام :( إِنَّا لَا نَسْتَعِين عَلَى أَمْرنَا بِالْمُشْرِكِينَ ) وَهَذَا هُوَ الصَّحِيح مِنْ مَذْهَب الشَّافِعِيّ، وَأَبُو حَنِيفَة جَوَّزَ الِانْتِصَار بِهِمْ عَلَى الْمُشْرِكِينَ لِلْمُسْلِمِينَ ; وَكِتَاب اللَّه تَعَالَى يَدُلّ عَلَى خِلَاف مَا قَالُوهُ مَعَ مَا جَاءَ مِنْ السُّنَّة فِي ذَلِكَ، وَاللَّه أَعْلَمُ.

### الآية 5:58

> ﻿وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ اتَّخَذُوهَا هُزُوًا وَلَعِبًا ۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْقِلُونَ [5:58]

ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْقِلُونَ
 أَيْ أَنَّهُمْ بِمَنْزِلَةِ مَنْ لَا عَقْل لَهُ يَمْنَعهُ مِنْ الْقَبَائِح.
 رُوِيَ أَنَّ رَجُلًا مِنْ النَّصَارَى وَكَانَ بِالْمَدِينَةِ إِذَا سَمِعَ الْمُؤَذِّن يَقُول :" أَشْهَد أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُول اللَّه " قَالَ : حُرِقَ الْكَاذِب ; فَسَقَطَتْ فِي بَيْته شَرَارَة مِنْ نَار وَهُوَ نَائِم فَتَعَلَّقَتْ بِالْبَيْتِ فَأَحْرَقَتْهُ وَأَحْرَقَتْ ذَلِكَ الْكَافِر مَعَهُ ; فَكَانَتْ عِبْرَة لِلْخَلْقِ " وَالْبَلَاء مُوَكَّل بِالْمَنْطِقِ " وَقَدْ كَانُوا يُمْهَلُونَ مَعَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى يَسْتَفْتِحُوا، فَلَا يُؤَخَّرُوا بَعْد ذَلِكَ ; ذَكَرَهُ اِبْن الْعَرَبِيّ.

### الآية 5:59

> ﻿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ هَلْ تَنْقِمُونَ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلُ وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فَاسِقُونَ [5:59]

قَبْلُ وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ
 أَيْ فِي تَرْككُمْ الْإِيمَان، وَخُرُوجكُمْ عَنْ اِمْتِثَال أَمْر اللَّه فَقِيلَ هُوَ مِثْل قَوْل الْقَائِل : هَلْ تَنْقِم مِنِّي إِلَّا أَنِّي عَفِيف وَأَنَّك فَاجِر، وَقِيلَ : أَيْ لِأَنَّ أَكْثَركُمْ فَاسِقُونَ تَنْقِمُونَ مِنَّا ذَلِكَ.

### الآية 5:60

> ﻿قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَٰلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ ۚ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ ۚ أُولَٰئِكَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضَلُّ عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ [5:60]

أُولَئِكَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضَلُّ عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ
 " أُولَئِكَ شَرّ مَكَانًا " لِأَنَّ مَكَانهمْ النَّار ; وَأَمَّا الْمُؤْمِنُونَ فَلَا شَرّ فِي مَكَانهمْ، وَقَالَ الزَّجَّاج : أُولَئِكَ شَرّ مَكَانًا عَلَى قَوْلكُمْ.
 النَّحَّاس : وَمَنْ أَحْسَن مَا قِيلَ فِيهِ : أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمْ اللَّه شَرّ مَكَانًا فِي الْآخِرَة مِنْ مَكَانكُمْ فِي الدُّنْيَا لِمَا لَحِقَكُمْ مِنْ الشَّرّ، وَقِيلَ : أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمْ اللَّه شَرّ مَكَانًا مِنْ الَّذِينَ نَقَمُوا عَلَيْكُمْ، وَقِيلَ : أُولَئِكَ الَّذِينَ نَقَمُوا عَلَيْكُمْ شَرّ مَكَانًا مِنْ الَّذِينَ لَعَنَهُمْ اللَّه، وَلَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَة قَالَ الْمُسْلِمُونَ لَهُمْ : يَا إِخْوَة الْقِرَدَة وَالْخَنَازِير فَنَكَسُوا رُءُوسهمْ اِفْتِضَاحًا، وَفِيهِمْ يَقُول الشَّاعِر :

فَلَعْنَة اللَّه عَلَى الْيَهُود  إِنَّ الْيَهُود إِخْوَة الْقُرُود

### الآية 5:61

> ﻿وَإِذَا جَاءُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَقَدْ دَخَلُوا بِالْكُفْرِ وَهُمْ قَدْ خَرَجُوا بِهِ ۚ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا يَكْتُمُونَ [5:61]

وَإِذَا جَاءُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَقَدْ دَخَلُوا بِالْكُفْرِ وَهُمْ قَدْ خَرَجُوا بِهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا يَكْتُمُونَ
 هَذِهِ صِفَة الْمُنَافِقِينَ، وَالْمَعْنَى أَنَّهُمْ لَمْ يَنْتَفِعُوا بِشَيْءٍ مِمَّا سَمِعُوهُ، بَلْ دَخَلُوا كَافِرِينَ وَخَرَجُوا كَافِرِينَ.
 " وَاللَّه أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا يَكْتُمُونَ " أَيْ مِنْ نِفَاقهمْ، وَقِيلَ : الْمُرَاد الْيَهُود الَّذِينَ قَالُوا : آمِنُوا بِاَلَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْه النَّهَار إِذَا دَخَلْتُمْ الْمَدِينَة، وَاكْفُرُوا آخِره إِذَا رَجَعْتُمْ إِلَى بُيُوتكُمْ، يَدُلّ عَلَيْهِ مَا قَبْله مِنْ ذِكْرهمْ وَمَا يَأْتِي.

### الآية 5:62

> ﻿وَتَرَىٰ كَثِيرًا مِنْهُمْ يُسَارِعُونَ فِي الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ ۚ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [5:62]

وَتَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يُسَارِعُونَ فِي الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ
 يَعْنِي مِنْ الْيَهُود.
 " يُسَارِعُونَ فِي الْإِثْم وَالْعُدْوَان " أَيْ يُسَابِقُونَ فِي الْمَعَاصِي وَالظُّلْم " وَأَكْلهمْ السُّحْت لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ "

### الآية 5:63

> ﻿لَوْلَا يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الْإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ ۚ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ [5:63]

عَنْ قَوْلِهِمُ الْإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ
 كَمَا وَبَّخَ مَنْ يُسَارِع فِي الْإِثْم بِقَوْلِهِ :" لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ " وَدَلَّتْ الْآيَة عَلَى أَنَّ تَارِك النَّهْي عَنْ الْمُنْكَر كَمُرْتَكِبِ الْمُنْكَر ; فَالْآيَة تَوْبِيخ لِلْعُلَمَاءِ فِي تَرْك الْأَمْر بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْي عَنْ الْمُنْكَر، وَقَدْ مَضَى الْقَوْل فِي هَذَا الْمَعْنَى فِي ( الْبَقَرَة وَآل عِمْرَان )، وَرَوَى سُفْيَان بْن عُيَيْنَة قَالَ : حَدَّثَنِي سُفْيَان بْن سَعِيد عَنْ مِسْعَر قَالَ : بَلَغَنِي أَنَّ مَلَكًا أُمِرَ أَنْ يَخْسِف بِقَرْيَةٍ فَقَالَ : يَا رَبّ فِيهَا فُلَان الْعَابِد فَأَوْحَى اللَّه تَعَالَى إِلَيْهِ :( أَنْ بِهِ فَابْدَأْ فَإِنَّهُ لَمْ يَتَمَعَّر وَجْهه فِي سَاعَة قَطُّ )، وَفِي صَحِيح التِّرْمِذِيّ :( إِنَّ النَّاس إِذَا رَأَوْا الظَّالِم وَلَمْ يَأْخُذُوا عَلَى يَدَيْهِ أَوْشَكَ أَنْ يَعُمّهُمْ اللَّه بِعِقَابٍ مِنْ عِنْده )، وَسَيَأْتِي.
 وَالصُّنْع بِمَعْنَى الْعَمَل إِلَّا أَنَّهُ يَقْتَضِي الْجَوْدَة ; يُقَال : سَيْف صَنِيع إِذَا جُوِّدَ عَمَله.

### الآية 5:64

> ﻿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ ۚ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا ۘ بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ ۚ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا ۚ وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَىٰ يَوْمِ الْقِيَامَةِ ۚ كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ ۚ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا ۚ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ [5:64]

وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ
 أَيْ يَسْعَوْنَ فِي إِبْطَال الْإِسْلَام، وَذَلِكَ مِنْ أَعْظَمِ الْفَسَاد، وَاللَّه أَعْلَمُ.

### الآية 5:65

> ﻿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَكَفَّرْنَا عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأَدْخَلْنَاهُمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ [5:65]

لَكَفَّرْنَا عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأَدْخَلْنَاهُمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ
 اللَّام جَوَاب ( لَوْ ).
 كَفَّرْنَا غَطَّيْنَا، وَقَدْ تَقَدَّمَ، وَإِقَامَة التَّوْرَاة وَالْإِنْجِيل الْعَمَل بِمُقْتَضَاهُمَا وَعَدَم تَحْرِيفهمَا ; وَقَدْ تَقَدَّمَ هَذَا الْمَعْنَى فِي ( الْبَقَرَة ) مُسْتَوْفًى

### الآية 5:66

> ﻿وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ ۚ مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ ۖ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ سَاءَ مَا يَعْمَلُونَ [5:66]

وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ سَاءَ مَا يَعْمَلُونَ
 أَيْ بِئْسَ شَيْء عَمِلُوهُ ; كَذَّبُوا الرُّسُل، وَحَرَّفُوا الْكُتُب وَأَكَلُوا السُّحْت.

### الآية 5:67

> ﻿۞ يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ ۖ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ ۚ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ ۗ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ [5:67]

النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ
 أَيْ لَا يُرْشِدهُمْ وَقَدْ تَقَدَّمَ، وَقِيلَ : أَبْلِغْ أَنْتَ فَأَمَّا الْهِدَايَة فَإِلَيْنَا.
 نَظِيره " مَا عَلَى الرَّسُول إِلَّا الْبَلَاغ " \[ الْمَائِدَة : ٩٩ \] وَاللَّه أَعْلَمُ.

### الآية 5:68

> ﻿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَىٰ شَيْءٍ حَتَّىٰ تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ ۗ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا ۖ فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ [5:68]

وَكُفْرًا فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ
 أَيْ لَا تَحْزَن عَلَيْهِمْ.
 أَسِيَ يَأْسَى أَسًى إِذَا حَزِنَ.
 **قَالَ :**
 وَانْحَلَبَتْ عَيْنَاهُ مِنْ فَرْط الْأَسَى
 وَهَذِهِ تَسْلِيَة لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَلَيْسَ بِنَهْيٍ عَنْ الْحُزْن ; لِأَنَّهُ لَا يَقْدِر عَلَيْهِ وَلَكِنَّهُ تَسْلِيَة وَنَهْي عَنْ التَّعَرُّض لِلْحُزْنِ.
 وَقَدْ مَضَى هَذَا الْمَعْنَى فِي آخِر ( آل عِمْرَان ) مُسْتَوْفًى.

### الآية 5:69

> ﻿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصَارَىٰ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ [5:69]

فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ
 الْخَوْف هُوَ الذُّعْر وَلَا يَكُون إِلَّا فِي الْمُسْتَقْبَل وَخَوَّفَنِي فُلَان فَخِفْته أَيْ كُنْت أَشَدّ خَوْفًا مِنْهُ وَالتَّخَوُّف التَّنَقُّص وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى " أَوْ يَأْخُذهُمْ عَلَى تَخَوُّف " \[ النَّحْل : ٤٧ \] وَقَرَأَ الزُّهْرِيّ وَالْحَسَن وَعِيسَى بْن عُمَر وَابْن أَبِي إِسْحَاق وَيَعْقُوب " فَلَا خَوْفَ " بِفَتْحِ الْفَاء عَلَى التَّبْرِئَة وَالِاخْتِيَار عِنْد النَّحْوِيِّينَ الرَّفْع وَالتَّنْوِين عَلَى الِابْتِدَاء لِأَنَّ الثَّانِيَ مَعْرِفَة لَا يَكُون فِيهِ إِلَّا الرَّفْع لِأَنَّ " لَا " لَا تَعْمَل فِي مَعْرِفَة فَاخْتَارُوا فِي الْأَوَّل الرَّفْع أَيْضًا لِيَكُونَ الْكَلَام مِنْ وَجْه وَاحِد وَيَجُوز أَنْ تَكُون " لَا " فِي قَوْله فَلَا خَوْف بِمَعْنَى لَيْسَ.
 وَالْحُزْن وَالْحَزَن ضِدّ السُّرُور وَلَا يَكُون إِلَّا عَلَى مَاضٍ وَحَزِنَ الرَّجُل ( بِالْكَسْرِ ) فَهُوَ حَزِن وَحَزِين وَأَحْزَنَهُ غَيْره وَحَزَنَهُ أَيْضًا مِثْل أَسْلَكَهُ وَسَلَكَهُ وَمَحْزُون بُنِىَ عَلَيْهِ قَالَ الْيَزِيدِيّ حَزَنَهُ لُغَة قُرَيْش وَأَحْزَنَهُ لُغَة تَمِيم وَقَدْ قُرِئَ بِهِمَا وَاحْتَزَنَ وَتَحَزَّنَ بِمَعْنًى وَالْمَعْنَى فِي الْآيَة فَلَا خَوْف عَلَيْهِمْ فِيمَا بَيْن أَيْدِيهمْ مِنْ الْآخِرَة وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ عَلَى مَا فَاتَهُمْ مِنْ الدُّنْيَا وَقِيلَ لَيْسَ فِيهِ دَلِيل عَلَى نَفْي أَهْوَال يَوْم الْقِيَامَة وَخَوْفهَا عَلَى الْمُطِيعِينَ لِمَا وَصَفَهُ اللَّه تَعَالَى وَرَسُوله مِنْ شَدَائِد الْقِيَامَة إِلَّا أَنَّهُ يُخَفِّفهُ عَنْ الْمُطِيعِينَ وَإِذَا صَارُوا إِلَى رَحْمَته فَكَأَنَّهُمْ لَمْ يَخَافُوا وَاللَّه أَعْلَمُ.
 رُوِيَ عَنْ اِبْن عَبَّاس أَنَّ قَوْله :" إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَاَلَّذِينَ هَادُوا " \[ الْحَجّ : ١٧ \] الْآيَة.
 مَنْسُوخ بِقَوْلِهِ تَعَالَى :" وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْر الْإِسْلَام دِينًا فَلَنْ يُقْبَل مِنْهُ " \[ آل عِمْرَان : ٨٥ \] الْآيَة، وَقَالَ غَيْره : لَيْسَتْ بِمَنْسُوخَةٍ.
 وَهَى فِيمَنْ ثَبَتَ عَلَى إِيمَانه مِنْ الْمُؤْمِنِينَ بِالنَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلَام.

### الآية 5:70

> ﻿لَقَدْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَأَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ رُسُلًا ۖ كُلَّمَا جَاءَهُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَىٰ أَنْفُسُهُمْ فَرِيقًا كَذَّبُوا وَفَرِيقًا يَقْتُلُونَ [5:70]

فَرِيقًا كَذَّبُوا وَفَرِيقًا يَقْتُلُونَ
 أَيْ كَذَّبُوا فَرِيقًا وَقَتَلُوا فَرِيقًا ; فَمَنْ كَذَّبُوهُ عِيسَى وَمَنْ مِثْله مِنْ الْأَنْبِيَاء، وَقَتَلُوا زَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَغَيْرهمَا مِنْ الْأَنْبِيَاء، وَإِنَّمَا قَالَ :" يَقْتُلُونَ " لِمُرَاعَاةِ رَأْس الْآيَة، وَقِيلَ : أَرَادَ فَرِيقًا كَذَّبُوا، وَفَرِيقًا قَتَلُوا، وَفَرِيقًا يُكَذِّبُونَ وَفَرِيقًا يَقْتُلُونَ، فَهَذَا دَأْبهمْ وَعَادَتهمْ فَاخْتَصَرَ، وَقِيلَ : فَرِيقًا كَذَّبُوا لَمْ يَقْتُلُوهُمْ، وَفَرِيقًا قَتَلُوهُمْ فَكَذَّبُوا.
 و " يَقْتُلُونَ " نَعْت لِفَرِيقٍ، وَاَللَّه أَعْلَمُ.

### الآية 5:71

> ﻿وَحَسِبُوا أَلَّا تَكُونَ فِتْنَةٌ فَعَمُوا وَصَمُّوا ثُمَّ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ثُمَّ عَمُوا وَصَمُّوا كَثِيرٌ مِنْهُمْ ۚ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ [5:71]

وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ
 قَالَ الْعُلَمَاء : وَصَفَ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ نَفْسه بِأَنَّهُ بَصِير عَلَى مَعْنَى أَنَّهُ عَالِم بِخَفِيَّاتِ الْأُمُور، وَالْبَصِير فِي كَلَام الْعَرَب : الْعَالِم بِالشَّيْءِ الْخَبِير بِهِ ; وَمِنْهُ قَوْلهمْ : فُلَان بَصِير بِالطِّبِّ، وَبَصِير بِالْفِقْهِ، وَبَصِير بِمُلَاقَاةِ الرِّجَال ; قَالَ :

فَإِنْ تَسْأَلُونِي بِالنِّسَاءِ فَإِنَّنِي  بَصِير بِأَدْوَاءِ النِّسَاء طَبِيب قَالَ الْخَطَّابِيّ : الْبَصِير الْعَالِم، وَالْبَصِير الْمُبْصِر، وَقِيلَ : وَصَفَ تَعَالَى نَفْسه بِأَنَّهُ بَصِير عَلَى مَعْنَى جَاعِل الْأَشْيَاء الْمُبْصِرَة ذَوَات إِبْصَار، أَيْ مُدْرِكَة لِلْمُبْصَرَاتِ بِمَا خَلَقَ لَهَا مِنْ الْآلَة الْمُدْرِكَة وَالْقُوَّة ; فَاَللَّه بَصِير بِعِبَادِهِ، أَيْ جَاعِل عِبَاده مُبْصِرِينَ.

### الآية 5:72

> ﻿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ ۖ وَقَالَ الْمَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ ۖ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ ۖ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ [5:72]

وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ
 قِيلَ : هُوَ مِنْ قَوْل عِيسَى، وَقِيلَ : اِبْتِدَاء كَلَام مِنْ اللَّه تَعَالَى، وَالْإِشْرَاك أَنْ يَعْتَقِد مَعَهُ مُوجِدًا، وَقَدْ مَضَى فِي ( آل عِمْرَان ) الْقَوْل فِي اِشْتِقَاق الْمَسِيح فَلَا مَعْنَى لِإِعَادَتِهِ.

### الآية 5:73

> ﻿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ ۘ وَمَا مِنْ إِلَٰهٍ إِلَّا إِلَٰهٌ وَاحِدٌ ۚ وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ [5:73]

وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ
 أَيْ يَكُفُّوا عَنْ الْقَوْل بِالتَّثْلِيثِ لَيَمَسَّنهُمْ عَذَاب أَلِيم فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة.

### الآية 5:74

> ﻿أَفَلَا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ ۚ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ [5:74]

أَفَلَا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ
 تَقْرِير وَتَوْبِيخ.
 أَيْ فَلْيَتُوبُوا إِلَيْهِ وَلْيَسْأَلُوهُ سَتْر ذُنُوبهمْ ; وَالْمُرَاد الْكَفَرَة مِنْهُمْ، وَإِنَّمَا خُصَّ الْكَفَرَة بِالذِّكْرِ لِأَنَّهُمْ الْقَائِلُونَ بِذَلِكَ دُون الْمُؤْمِنِينَ.

### الآية 5:75

> ﻿مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ ۖ كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ ۗ انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْآيَاتِ ثُمَّ انْظُرْ أَنَّىٰ يُؤْفَكُونَ [5:75]

ثُمَّ انْظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ
 أَيْ كَيْفَ يُصْرَفُونَ عَنْ الْحَقّ بَعْد هَذَا الْبَيَان ; يُقَال : أَفَكَهُ يَأْفِكهُ إِذَا صَرَفَهُ، وَفِي هَذَا رَدّ عَلَى الْقَدَرِيَّة وَالْمُعْتَزِلَة.

### الآية 5:76

> ﻿قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا ۚ وَاللَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ [5:76]

وَاللَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ
 أَيْ لَمْ يَزَلْ سَمِيعًا عَلِيمًا يَمْلِك الضَّرّ وَالنَّفْع، وَمَنْ كَانَتْ هَذِهِ صِفَته فَهُوَ الْإِلَه عَلَى الْحَقِيقَة، وَاللَّه أَعْلَمُ.

### الآية 5:77

> ﻿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ [5:77]

كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ
 أَيْ عَنْ قَصْد طَرِيق مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَتَكْرِير ضَلُّوا عَلَى مَعْنَى أَنَّهُمْ ضَلُّوا مِنْ قَبْل وَضَلُّوا مِنْ بَعْد ; وَالْمُرَاد الْأَسْلَاف الَّذِينَ سَنُّوا الضَّلَالَة وَعَمِلُوا بِهَا مِنْ رُؤَسَاء الْيَهُود وَالنَّصَارَى.

### الآية 5:78

> ﻿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَىٰ لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ۚ ذَٰلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ [5:78]

ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ
 ذَلِكَ فِي مَوْضِع رَفْع بِالِابْتِدَاءِ أَيْ ذَلِكَ اللَّعْن بِمَا عَصَوْا ; أَيْ بِعِصْيَانِهِمْ.
 وَيَجُوز أَنْ يَكُون عَلَى إِضْمَار مُبْتَدَإ ; أَيْ الْأَمْر ذَلِكَ، وَيَجُوز أَنْ يَكُون فِي مَوْضِع نَصْب أَيْ فَعَلْنَا ذَلِكَ بِهِمْ لِعِصْيَانِهِمْ وَاعْتِدَائِهِمْ.

### الآية 5:79

> ﻿كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ ۚ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ [5:79]

كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ
 " كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ " أَيْ لَا يَنْهَى بَعْضهمْ بَعْضًا :" لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ " ذَمّ لِتَرْكِهِمْ النَّهْي، وَكَذَا مَنْ بَعْدهمْ يُذَمّ مَنْ فَعَلَ فِعْلهمْ.
 خَرَّجَ أَبُو دَاوُد عَنْ عَبْد اللَّه بْن مَسْعُود قَالَ قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :( إِنَّ أَوَّل مَا دَخَلَ النَّقْص عَلَى بَنِي إِسْرَائِيل كَانَ الرَّجُل أَوَّل مَا يَلْقَى الرَّجُل فَيَقُول يَا هَذَا اِتَّقِ اللَّه وَدَعْ مَا تَصْنَع فَإِنَّهُ لَا يَحِلّ لَك ثُمَّ يَلْقَاهُ مِنْ الْغَد فَلَا يَمْنَعهُ ذَلِكَ أَنْ يَكُون أَكِيلهُ وَشَرِيبه وَقَعِيده فَلَمَّا فَعَلُوا ذَلِكَ ضَرَبَ اللَّه قُلُوب بَعْضهمْ بِبَعْضٍ ) ثُمَّ قَالَ :" لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيل عَلَى لِسَان دَاوُد وَعِيسَى اِبْن مَرْيَم ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ " إِلَى قَوْله :" فَاسِقُونَ " ثُمَّ قَالَ :( كَلَّا وَاَللَّه لَتَأْمُرُنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلَتَنْهَوُنَّ عَنْ الْمُنْكَر وَلَتَأْخُذُنَّ عَلَى يَدَيْ الظَّالِم وَلَتَأْطُرُنَّهُ عَلَى الْحَقّ وَلَتَقْصُرُنَّهُ عَلَى الْحَقّ قَصْرًا أَوْ لَيَضْرِبَنَّ اللَّه بِقُلُوبِ بَعْضكُمْ عَلَى بَعْض وَلَيَلْعَنَنَّكُمْ كَمَا لَعَنَهُمْ ) وَخَرَّجَهُ التِّرْمِذِيّ أَيْضًا، وَمَعْنَى لَتَأْطُرُنَّهُ لَتَرُدُّنَّهُ.
 قَالَ اِبْن عَطِيَّة : وَالْإِجْمَاع مُنْعَقِد عَلَى أَنَّ النَّهْيَ عَنْ الْمُنْكَر فَرْض لِمَنْ أَطَاقَهُ وَأَمِنَ الضَّرَر عَلَى نَفْسه وَعَلَى الْمُسْلِمِينَ ; فَإِنْ خَافَ فَيُنْكِر بِقَلْبِهِ وَيَهْجُر ذَا الْمُنْكَر وَلَا يُخَالِطهُ.
 وَقَالَ حُذَّاق أَهْل الْعِلْم : وَلَيْسَ مِنْ شَرْط النَّاهِي أَنْ يَكُون سَلِيمًا عَنْ مَعْصِيَة بَلْ يَنْهَى الْعُصَاة بَعْضهمْ بَعْضًا، وَقَالَ بَعْض الْأُصُولِيِّينَ : فُرِضَ عَلَى الَّذِينَ يَتَعَاطَوْنَ الْكُؤُوس أَنْ يَنْهَى بَعْضهمْ بَعْضًا وَاسْتَدَلُّوا بِهَذِهِ الْآيَة ; قَالُوا : لِأَنَّ قَوْله :" كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَر فَعَلُوهُ " يَقْتَضِي اِشْتِرَاكهمْ فِي الْفِعْل وَذَمّهمْ عَلَى تَرْك التَّنَاهِي، وَفِي الْآيَة دَلِيل عَلَى النَّهْي عَنْ مُجَالَسَة الْمُجْرِمِينَ وَأَمْر بِتَرْكِهِمْ وَهِجْرَانهمْ، وَأَكَّدَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ فِي الْإِنْكَار عَلَى الْيَهُود :" تَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا " " وَمَا " مِنْ قَوْله :" مَا كَانُوا " يَجُوز أَنْ تَكُون فِي مَوْضِع نَصْب وَمَا بَعْدهَا نَعْت لَهَا ; التَّقْدِير لَبِئْسَ شَيْئًا كَانُوا يَفْعَلُونَهُ.
 أَوْ تَكُون فِي مَوْضِع رَفْع وَهِيَ بِمَعْنَى الَّذِي.

### الآية 5:80

> ﻿تَرَىٰ كَثِيرًا مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا ۚ لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ [5:80]

أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ
 " أَنْ " فِي مَوْضِع رَفْع عَلَى إِضْمَار مُبْتَدَأ كَقَوْلِك : بِئْسَ رَجُلًا زَيْد، وَقِيلَ : بَدَل مِنْ " مَا " فِي قَوْله " لَبِئْسَ " عَلَى أَنْ تَكُون " مَا " نَكِرَة فَتَكُون رَفْعًا أَيْضًا، وَيَجُوز أَنْ تَكُون فِي مَوْضِع نَصْب بِمَعْنَى لِأَنْ سَخِطَ اللَّه عَلَيْهِ :" وَفِي الْعَذَاب هُمْ خَالِدُونَ " اِبْتِدَاء وَخَبَر.

### الآية 5:81

> ﻿وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ وَلَٰكِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ فَاسِقُونَ [5:81]

وَلَكِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ فَاسِقُونَ
 أَيْ خَارِجُونَ عَنْ الْإِيمَان بِنَبِيِّهِمْ لِتَحْرِيفِهِمْ، أَوْ عَنْ الْإِيمَان بِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِنِفَاقِهِمْ.

### الآية 5:82

> ﻿۞ لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا ۖ وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَىٰ ۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ [5:82]

وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ
 يَسْتَكْبِرُونَ " أَيْ عَنْ الِانْقِيَاد إِلَى الْحَقّ

### الآية 5:83

> ﻿وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَىٰ أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ ۖ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ [5:83]

يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ
 " فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ " أَيْ مَعَ أُمَّة مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ بِالْحَقِّ مِنْ قَوْله عَزَّ وَجَلَّ :" وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّة وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاء عَلَى النَّاس " \[ الْبَقَرَة : ١٤٣ \] عَنْ اِبْن عَبَّاس وَابْن جُرَيْج.
 وَقَالَ الْحَسَن : الَّذِينَ يَشْهَدُونَ بِالْإِيمَانِ، وَقَالَ أَبُو عَلِيّ : الَّذِينَ يَشْهَدُونَ بِتَصْدِيقِ نَبِيّك وَكِتَابك.
 وَمَعْنَى " فَاكْتُبْنَا " اِجْعَلْنَا، فَيَكُون بِمَنْزِلَةِ مَا قَدْ كُتِبَ وَدُوِّنَ.

### الآية 5:84

> ﻿وَمَا لَنَا لَا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا جَاءَنَا مِنَ الْحَقِّ وَنَطْمَعُ أَنْ يُدْخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ [5:84]

وَنَطْمَعُ أَنْ يُدْخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ
 أَيْ مَعَ أُمَّة مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِدَلِيلِ قَوْله :" أَنَّ الْأَرْض يَرِثهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ " \[ الْأَنْبِيَاء : ١٠٥ \] يُرِيد أُمَّة مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَفِي الْكَلَام إِضْمَار أَيْ نَطْمَع أَنْ يُدْخِلنَا رَبّنَا الْجَنَّة، وَقِيلَ :" مَعَ " بِمَعْنَى ( فِي ) كَمَا تُذْكَر ( فِي ) بِمَعْنَى ( مَعَ ) تَقُول : كُنْت فِيمَنْ لَقِيَ الْأَمِير ; أَيْ مَعَ مَنْ لَقِيَ الْأَمِير، وَالطَّمَع يَكُون مُخَفَّفًا وَغَيْر مُخَفَّف ; يُقَال : طَمِعَ فِيهِ طَمَعًا وَطَمَاعَة وَطَمَاعِيَة مُخَفَّف فَهُوَ طَمِع.

### الآية 5:85

> ﻿فَأَثَابَهُمُ اللَّهُ بِمَا قَالُوا جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ۚ وَذَٰلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ [5:85]

فَأَثَابَهُمُ اللَّهُ بِمَا قَالُوا جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ
 دَلِيل عَلَى إِخْلَاص إِيمَانهمْ وَصِدْق مَقَالهمْ ; فَأَجَابَ اللَّه سُؤَالهمْ وَحَقَّقَ طَمَعهمْ - وَهَكَذَا مَنْ خَلَصَ إِيمَانه وَصَدَقَ يَقِينه يَكُون ثَوَابه الْجَنَّة.
 ثُمَّ قَالَ

### الآية 5:86

> ﻿وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَٰئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ [5:86]

أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ
 وَالْجَحِيم النَّار الشَّدِيدَة الِاتِّقَاد.
 يُقَال : جَحَمَ فُلَان النَّار إِذَا شَدَّدَ إِيقَادهَا، وَيُقَال أَيْضًا لِعَيْنِ الْأَسَد : جَحْمَة ; لِشِدَّةِ اِتِّقَادهَا، وَيُقَال ذَلِكَ لِلْحَرْبِ قَالَ الشَّاعِر :

وَالْحَرْب لَا يَبْقَى لِجَا  حِمِهَا التَّخَيُّل وَالْمِرَاحإِلَّا الْفَتَى الصَّبَّار فِي  النَّجَدَات وَالْفَرَس الْوَقَاح

### الآية 5:87

> ﻿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا ۚ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ [5:87]

قَالَ الطَّبَرِيّ : فَإِنْ ظَنَّ ظَانّ أَنَّ الْخَيْر فِي غَيْر الَّذِي قُلْنَا لِمَا فِي لِبَاس الْخَشِن وَأَكْله مِنْ الْمَشَقَّة عَلَى النَّفْس وَصَرْف مَا فَضَلَ بَيْنهمَا مِنْ الْقِيمَة إِلَى أَهْل الْحَاجَة فَقَدْ ظَنَّ خَطَأ ; وَذَلِكَ أَنَّ الْأَوْلَى بِالْإِنْسَانِ صَلَاح نَفْسه وَعَوْنه لَهَا عَلَى طَاعَة رَبّهَا، وَلَا شَيْء أَضَرّ لِلْجِسْمِ مِنْ الْمَطَاعِم الرَّدِيئَة لِأَنَّهَا مُفْسِدَة لِعَقْلِهِ وَمُضْعِفَة لِأَدَوَاتِهِ الَّتِي جَعَلَهَا اللَّه سَبَبًا إِلَى طَاعَته، وَقَدْ جَاءَ رَجُل إِلَى الْحَسَن الْبَصْرِيّ ; فَقَالَ : إِنَّ لِي جَارًا لَا يَأْكُل الْفَالَوْذَج فَقَالَ : وَلِمَ ؟ قَالَ : يَقُول لَا يُؤَدِّي شُكْره ; فَقَالَ الْحَسَن : أَفَيَشْرَب الْمَاء الْبَارِد ؟ فَقَالَ : نَعَمْ.
 فَقَالَ : إِنَّ جَارك جَاهِل، فَإِنَّ نِعْمَة اللَّه عَلَيْهِ فِي الْمَاء الْبَارِد أَكْثَر مِنْ نِعْمَته عَلَيْهِ فِي الْفَالُوذَج.
 قَالَ اِبْن الْعَرَبِيّ قَالَ عُلَمَاؤُنَا : هَذَا إِذَا كَانَ الدِّين قَوَامًا، وَلَمْ يَكُنْ الْمَال حَرَامًا ; فَأَمَّا إِذَا فَسَدَ الدِّين عِنْد النَّاس وَعَمَّ الْحَرَام فَالتَّبَتُّل أَفْضَل، وَتَرْك اللَّذَّات أَوْلَى، وَإِذَا وُجِدَ الْحَلَال فَحَال النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَفْضَل وَأَعْلَى.
 قَالَ الْمُهَلَّب : إِنَّمَا نَهَى صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ التَّبَتُّل وَالتَّرَهُّب مِنْ أَجْل أَنَّهُ مُكَاثِر بِأُمَّتِهِ الْأُمَم يَوْم الْقِيَامَة، وَأَنَّهُ فِي الدُّنْيَا مُقَاتِل بِهِمْ طَوَائِف الْكُفَّار، وَفِي آخِر الزَّمَان يُقَاتِلُونَ الدَّجَّال ; فَأَرَادَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَكْثُر النَّسْل.
 الرَّابِعَة : قَوْله تَعَالَى :" وَلَا تَعْتَدُوا " قِيلَ : الْمَعْنَى لَا تَعْتَدُوا فَتُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللَّه فَالنَّهْيَانِ عَلَى هَذَا تَضَمَّنَا الطَّرَفَيْنِ ; أَيْ لَا تَشَدَّدُوا فَتُحَرِّمُوا حَلَالًا، وَلَا تَتَرَخَّصُوا فَتُحِلُّوا حَرَامًا ; قَالَهُ الْحَسَن الْبَصْرِيّ، وَقِيلَ : مَعْنَاهُ التَّأْكِيد لِقَوْلِهِ :" تُحَرِّمُوا " ; قَالَهُ السُّدِّيّ وَعِكْرِمَة وَغَيْرهمَا ; أَيْ لَا تُحَرِّمُوا مَا أَحَلَّ اللَّه وَشَرَعَ، وَالْأَوَّل أَوْلَى، وَاللَّه أَعْلَمُ.
 الْخَامِسَة : مَنْ حَرَّمَ عَلَى نَفْسه طَعَامًا أَوْ شَرَابًا أَوْ أَمَة لَهُ، أَوْ شَيْئًا مِمَّا أَحَلَّ اللَّه فَلَا شَيْء عَلَيْهِ، وَلَا كَفَّارَة فِي شَيْء مِنْ ذَلِكَ عِنْد مَالِك ; إِلَّا أَنَّهُ إِنْ نَوَى بِتَحْرِيمِ الْأَمَة عِتْقهَا صَارَتْ حُرَّة وَحَرُمَ عَلَيْهِ وَطْؤُهَا إِلَّا بِنِكَاحٍ جَدِيد بَعْد عِتْقهَا، وَكَذَلِكَ إِذَا قَالَ لِامْرَأَتِهِ أَنْتِ عَلَيَّ حَرَام فَإِنَّهُ تَطْلُق عَلَيْهِ ثَلَاثًا ; وَذَلِكَ أَنَّ اللَّه تَعَالَى قَدْ أَبَاحَ لَهُ أَنْ يُحَرِّم اِمْرَأَته عَلَيْهِ بِالطَّلَاقِ صَرِيحًا وَكِنَايَة، وَحَرَام مِنْ كِنَايَات الطَّلَاق.
 وَسَيَأْتِي مَا لِلْعُلَمَاءِ فِيهِ فِي سُورَة ( التَّحْرِيم ) إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَة : إِنَّ مَنْ حَرَّمَ شَيْئًا صَارَ مُحَرَّمًا عَلَيْهِ، وَإِذَا تَنَاوَلَهُ لَزِمَتْهُ الْكَفَّارَة ; وَهَذَا بَعِيد وَالْآيَة تَرُدّ عَلَيْهِ، وَقَالَ سَعِيد بْن جُبَيْر : لَغْو الْيَمِين تَحْرِيم الْحَلَال، وَهُوَ مَعْنَى قَوْل الشَّافِعِيّ عَلَى مَا يَأْتِي.

### الآية 5:88

> ﻿وَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلَالًا طَيِّبًا ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ [5:88]

وَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلَالًا طَيِّبًا وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ
 **فِيهِ مَسْأَلَة وَاحِدَة :**
 الْأَكْل فِي هَذِهِ الْآيَة عِبَارَة عَنْ التَّمَتُّع بِالْأَكْلِ وَالشُّرْب وَاللِّبَاس وَالرُّكُوب وَنَحْو ذَلِكَ، وَخُصَّ الْأَكْل بِالذِّكْرِ ; لِأَنَّهُ أَعْظَم الْمَقْصُود وَأَخَصّ الِانْتِفَاعَات بِالْإِنْسَانِ، وَسَيَأْتِي بَيَان حُكْم الْأَكْل وَالشُّرْب وَاللِّبَاس فِي " الْأَعْرَاف " إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى، وَأَمَّا شَهْوَة الْأَشْيَاء الْمُلِذَّة، وَمُنَازَعَة النَّفْس إِلَى طَلَب الْأَنْوَاع الشَّهِيَّة، فَمَذَاهِب النَّاس فِي تَمْكِين النَّفْس مِنْهَا مُخْتَلِفَة ; فَمِنْهُمْ مَنْ يَرَى صَرْف النَّفْس عَنْهَا وَقَهْرهَا عَنْ اِتِّبَاع شَهَوَاتهَا أَحْرَى لِيَذِلّ لَهُ قِيَادهَا، وَيَهُون عَلَيْهِ عِنَادهَا ; فَإِنَّهُ إِذَا أَعْطَاهَا الْمُرَاد يَصِير أَسِير شَهَوَاتهَا، وَمُنْقَادًا بِانْقِيَادِهَا.
 حُكِيَ أَنَّ أَبَا حَازِم كَانَ يَمُرّ عَلَى الْفَاكِهَة فَيَشْتَهِيهَا فَيَقُول : مَوْعِدك الْجَنَّة، وَقَالَ آخَرُونَ : تَمْكِين النَّفْس مِنْ لَذَّاتهَا أَوْلَى لِمَا فِيهِ مِنْ اِرْتِيَاحهَا وَنَشَاطهَا بِإِدْرَاكِ إِرَادَتهَا، وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ التَّوَسُّط فِي ذَلِكَ أَوْلَى ; لِأَنَّ فِي إِعْطَائِهَا ذَلِكَ مَرَّة وَمَنْعهَا أُخْرَى جَمْع بَيْن الْأَمْرَيْنِ ; وَذَلِكَ النَّصَف مِنْ غَيْر شَيْن.
 وَتَقَدَّمَ مَعْنَى الِاعْتِدَاء وَالرِّزْق فِي " الْبَقَرَة " وَالْحَمْد لِلَّهِ.

### الآية 5:89

> ﻿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَٰكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ ۖ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ ۖ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ۚ ذَٰلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ ۚ وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ ۚ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ [5:89]

تَشْكُرُونَ
 كَيْ تَشْكُرُوا عَفْو اللَّه عَنْكُمْ وَأَمَّا الشُّكْر فَهُوَ فِي اللُّغَة الظُّهُور مِنْ قَوْله دَابَّة شَكُور إِذَا ظَهَرَ عَلَيْهَا مِنْ السِّمَن فَوْق مَا تُعْطَى مِنْ الْعَلَف وَحَقِيقَته الثَّنَاء عَلَى الْإِنْسَان بِمَعْرُوفٍ بِمَلِيكِهِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي الْفَاتِحَة قَالَ الْجَوْهَرِيّ الشُّكْر الثَّنَاء عَلَى الْمُحْسِن بِمَا أَوْلَاكَهُ مِنْ الْمَعْرُوف يُقَال شَكَرْته وَشَكَرْت لَهُ وَبِاللَّامِ أَفْصَح وَالشُّكْرَان خِلَاف الْكُفْرَان وَتَشَكَّرْت لَهُ مِثْل شَكَرْت لَهُ وَرَوَى التِّرْمِذِيّ وَأَبُو دَاوُد عَنْ أَبِي هُرَيْرَة عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ ( لَا يَشْكُر اللَّه مَنْ لَا يَشْكُر النَّاس ) قَالَ الْخَطَّابِيّ هَذَا الْكَلَام يُتَأَوَّل عَلَى مَعْنَيَيْنِ أَحَدهمَا أَنَّ مَنْ كَانَ مِنْ طَبْعه كُفْرَان نِعْمَة النَّاس وَتَرْك الشُّكْر لِمَعْرُوفِهِمْ كَانَ مِنْ عَادَته كُفْرَان نِعْمَة اللَّه عَزَّ وَجَلَّ وَتَرْك الشُّكْر لَهُ وَالْوَجْه الْآخَر أَنَّ اللَّه سُبْحَانه لَا يَقْبَل شُكْر الْعَبْد عَلَى إِحْسَانه إِلَيْهِ إِذَا كَانَ الْعَبْد لَا يَشْكُر إِحْسَان النَّاس إِلَيْهِ وَيَكْفُر مَعْرُوفهمْ لِاتِّصَالِ أَحَد الْأَمْرَيْنِ بِالْآخَرِ.
 وَعِبَارَات الْعُلَمَاء فِي مَعْنَى الشُّكْر فَقَالَ سَهْل بْن عَبْد اللَّه : الشُّكْر الِاجْتِهَاد فِي بَذْل الطَّاعَة مَعَ الِاجْتِنَاب لِلْمَعْصِيَةِ فِي السِّرّ وَالْعَلَانِيَة وَقَالَتْ فِرْقَة أُخْرَى الشُّكْر هُوَ الِاعْتِرَاف فِي تَقْصِير الشُّكْر لِلْمُنْعِمِ وَلِذَلِكَ قَالَ تَعَالَى " اِعْمَلُوا آل دَاوُد شُكْرًا " \[ سَبَأ : ١٣ \] فَقَالَ دَاوُد كَيْفَ أَشْكُرك يَا رَبّ وَالشُّكْر نِعْمَة مِنْك قَالَ الْآن قَدْ عَرَفْتنِي وَشَكَرْتنِي إِذْ قَدْ عَرَفْت أَنَّ الشُّكْر مِنِّي نِعْمَة قَالَ يَا رَبّ فَأَرِنِي أَخْفَى نِعَمك عَلَيَّ قَالَ يَا دَاوُد تَنَفَّسْ فَتَنَفَّسَ دَاوُد فَقَالَ اللَّه تَعَالَى مَنْ يُحْصِي هَذِهِ النِّعْمَة اللَّيْل وَالنَّهَار وَقَالَ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَام كَيْفَ أَشْكُرك وَأَصْغَر نِعْمَة وَضَعْتهَا بِيَدِي مِنْ نِعَمك لَا يُجَازِي بِهَا عَمَلِي كُلّه فَأَوْحَى اللَّه إِلَيْهِ يَا مُوسَى الْآن شَكَرْتنِي وَقَالَ الْجُنَيْد حَقِيقَة الشُّكْر الْعَجْز عَنْ الشُّكْر وَعَنْهُ قَالَ كُنْت بَيْن يَدَيْ السَّرِيّ السَّقَطِيّ أَلْعَب وَأَنَا اِبْن سَبْع سِنِينَ وَبَيْن يَدَيْهِ جَمَاعَة يَتَكَلَّمُونَ فِي الشُّكْر فَقَالَ : لِي يَا غُلَام مَا الشُّكْر فَقُلْت أَلَّا يُعْصَى اللَّه بِنِعَمِهِ فَقَالَ لِي أَخْشَى أَنْ يَكُون حَظّك مِنْ اللَّه لِسَانك قَالَ الْجُنَيْد فَلَا أَزَال أَبْكِي عَلَى هَذِهِ الْكَلِمَة الَّتِي قَالَهَا السَّرِيّ لِي وَقَالَ الشِّبْلِيّ الشُّكْر التَّوَاضُع وَالْمُحَافَظَة عَلَى الْحَسَنَات وَمُخَالَفَة الشَّهَوَات وَبَذْل الطَّاعَات وَمُرَاقَبَة جَبَّار الْأَرْض وَالسَّمَاوَات وَقَالَ ذُو النُّون الْمِصْرِيّ أَبُو الْفَيْض الشُّكْر لِمَنْ فَوْقك بِالطَّاعَةِ وَلِنَظِيرِك بِالْمُكَافَأَةِ وَلِمَنْ دُونك بِالْإِحْسَانِ وَالْإِفْضَال

### الآية 5:90

> ﻿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ [5:90]

فَإِنْ قِيلَ : إِنَّ شُرْب الْخَمْر يُورِث السُّكْر فَلَا يُقْدَر مَعَهُ عَلَى الصَّلَاة وَلَيْسَ فِي اللَّعِب بِالنَّرْدِ وَالشِّطْرَنْج هَذَا الْمَعْنَى ; قِيلَ لَهُ : قَدْ جَمَعَ اللَّه تَعَالَى بَيْن الْخَمْر وَالْمَيْسِر فِي التَّحْرِيم، وَوَصَفَهُمَا جَمِيعًا بِأَنَّهُمَا يُوقِعَانِ الْعَدَاوَة وَالْبَغْضَاء بَيْن النَّاس، وَيَصُدَّانِ عَنْ ذِكْر اللَّه وَعَنْ الصَّلَاة ; وَمَعْلُوم أَنَّ الْخَمْر إِنْ أَسْكَرَتْ فَالْمَيْسِر لَا يُسْكِر، ثُمَّ لَمْ يَكُنْ عِنْد اللَّه اِفْتِرَاقهمَا فِي ذَلِكَ يَمْنَع مِنْ التَّسْوِيَة بَيْنهمَا فِي التَّحْرِيم لِأَجْلِ مَا اِشْتَرَكَا فِيهِ مِنْ الْمَعَانِي، وَأَيْضًا فَإِنَّ قَلِيل الْخَمْر لَا يُسْكِر كَمَا أَنَّ اللَّعِب بِالنَّرْدِ وَالشِّطْرَنْج لَا يُسْكِر، ثُمَّ كَانَ حَرَامًا مِثْل الْكَثِير، فَلَا يُنْكَر أَنْ يَكُون اللَّعِب بِالنَّرْدِ وَالشِّطْرَنْج حَرَامًا مِثْل الْخَمْر وَإِنْ كَانَ لَا يُسْكِر.
 وَأَيْضًا فَإِنَّ اِبْتِدَاء اللَّعِب يُورِث الْغَفْلَة، فَتَقُوم تِلْكَ الْغَفْلَة الْمُسْتَوْلِيَة عَلَى الْقَلْب مَكَان السُّكْر ; فَإِنْ كَانَتْ الْخَمْر إِنَّمَا حُرِّمَتْ لِأَنَّهَا تُسْكِر فَتَصُدّ بِالْإِسْكَارِ عَنْ الصَّلَاة، فَلْيُحَرَّمْ اللَّعِب بِالنَّرْدِ وَالشِّطْرَنْج لِأَنَّهُ يُغْفِل وَيُلْهِي فَيَصُدّ بِذَلِكَ عَنْ الصَّلَاة، وَاللَّه أَعْلَمُ.
 الثَّالِثَة عَشْرَة : مُهْدِي الرَّاوِيَة يَدُلّ عَلَى أَنَّهُ كَانَ لَمْ يَبْلُغهُ النَّاسِخ، وَكَانَ مُتَمَسِّكًا بِالْإِبَاحَةِ الْمُتَقَدِّمَة، فَكَانَ ذَلِكَ دَلِيلًا عَلَى أَنَّ الْحُكْم لَا يَرْتَفِع بِوُجُودِ النَّاسِخ - كَمَا يَقُول بَعْض الْأُصُولِيِّينَ - بَلْ بِبُلُوغِهِ كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ هَذَا الْحَدِيث، وَهُوَ الصَّحِيح ; لِأَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يُوَبِّخهُ، بَلْ بَيَّنَ لَهُ الْحُكْم ; وَلِأَنَّهُ مُخَاطَب بِالْعَمَلِ بِالْأَوَّلِ بِحَيْثُ لَوْ تَرَكَهُ عَصَى بِلَا خِلَاف، وَإِنْ كَانَ النَّاسِخ قَدْ حَصَلَ فِي الْوُجُود، وَذَلِكَ كَمَا وَقَعَ لِأَهْلِ قُبَاء ; إِذْ كَانُوا يُصَلُّونَ إِلَى بَيْت الْمَقْدِس إِلَى أَنْ أَتَاهُمْ الْآتِي فَأَخْبَرَهُمْ بِالنَّاسِخِ، فَمَالُوا نَحْو الْكَعْبَة، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي سُورَة " الْبَقَرَة " وَالْحَمْد لِلَّهِ ; وَتَقَدَّمَ فِيهَا ذِكْر الْخَمْر وَاشْتِقَاقهَا وَالْمَيْسِر، وَقَدْ مَضَى فِي صَدْر هَذِهِ السُّورَة الْقَوْل فِي الْأَنْصَاب وَالْأَزْلَام.
 وَالْحَمْد لِلَّهِ.

### الآية 5:91

> ﻿إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ ۖ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ [5:91]

فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ
 لَمَّا عَلِمَ عُمَر رَضِيَ اللَّه عَنْهُ أَنَّ هَذَا وَعِيد شَدِيد زَائِد عَلَى مَعْنَى اِنْتَهُوا قَالَ : اِنْتَهَيْنَا، وَأَمَرَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُنَادِيَهُ أَنْ يُنَادِيَ فِي سِكَك الْمَدِينَة، أَلَا إِنَّ الْخَمْر قَدْ حُرِّمَتْ ; فَكُسِرَتْ الدِّنَان، وَأُرِيقَتْ الْخَمْر حَتَّى جَرَتْ فِي سِكَك الْمَدِينَة.

### الآية 5:92

> ﻿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا ۚ فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَىٰ رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ [5:92]

فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ
 الْبَلَاغ فِي تَحْرِيم مَا أَمَرَ بِتَحْرِيمِهِ وَعَلَى الْمُرْسِل أَنْ يُعَاقِب أَوْ يُثِيب بِحَسَبِ مَا يُعْصَى أَوْ يُطَاع.

### الآية 5:93

> ﻿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا وَآمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا ۗ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ [5:93]

فَقَالَ عُمَر : أَخْطَأْت التَّأْوِيل يَا قُدَامَة ; إِذَا اِتَّقَيْت اللَّه اِجْتَنَبْت مَا حَرَّمَ اللَّه، ثُمَّ أَقْبَلَ عُمَر عَلَى الْقَوْم فَقَالَ : مَا تَرَوْنَ فِي جَلْد قُدَامَة ؟ فَقَالَ الْقَوْم : لَا نَرَى أَنْ تَجْلِدهُ مَا دَامَ وَجِعًا ; فَسَكَتَ عُمَر عَنْ جَلْده ثُمَّ أَصْبَحَ يَوْمًا فَقَالَ لِأَصْحَابِهِ : مَا تَرَوْنَ فِي جَلْد قُدَامَة ؟ فَقَالَ الْقَوْم : لَا نَرَى أَنْ تَجْلِدهُ مَا دَامَ وَجِعًا، فَقَالَ عُمَر : إِنَّهُ وَاَللَّه لَأَنْ يَلْقَى اللَّه تَحْت السَّوْط، أَحَبّ إِلَيَّ أَنْ أَلْقَى اللَّه وَهُوَ فِي عُنُقِي ! وَاَللَّه لَأَجْلِدَنَّهُ ; ائْتُونِي بِسَوْطٍ، فَجَاءَهُ مَوْلَاهُ أَسْلَم بِسَوْطٍ رَقِيق صَغِير، فَأَخَذَهُ عُمَر فَمَسَحَهُ بِيَدِهِ ثُمَّ قَالَ لِأَسْلَم : أَخَذَتْك دِقْرَارَة أَهْلك ; اِئْتُونِي بِسَوْطٍ غَيْر هَذَا.
 قَالَ : فَجَاءَهُ أَسْلَم بِسَوْطٍ تَامّ ; فَأَمَرَ عُمَر بِقُدَامَةَ فَجُلِدَ ; فَغَاضَبَ قُدَامَة عُمَر وَهَجَرَهُ ; فَحَجَّا وَقُدَامَة مُهَاجِر لِعُمَر حَتَّى قَفَلُوا عَنْ حَجّهمْ وَنَزَلَ عُمَر بِالسُّقْيَا وَنَامَ بِهَا فَلَمَّا اِسْتَيْقَظَ عُمَر قَالَ : عَجِّلُوا عَلَيَّ بِقُدَامَةَ، اِنْطَلِقُوا فَأْتُونِي بِهِ، فَوَاَللَّهِ لَأَرَى فِي النَّوْم أَنَّهُ جَاءَنِي آتٍ فَقَالَ : سَالِمْ قُدَامَة فَإِنَّهُ أَخُوك، فَلَمَّا جَاءُوا قُدَامَة أَبَى أَنْ يَأْتِيَهُ، فَأَمَرَ عُمَر بِقُدَامَةَ أَنْ يُجَرّ إِلَيْهِ جَرًّا حَتَّى كَلَّمَهُ عُمَر وَاسْتَغْفَرَ لَهُ، فَكَانَ أَوَّل صُلْحهمَا.
 قَالَ أَيُّوب بْن أَبِي تَمِيمَة : لَمْ يُحَدّ أَحَد مِنْ أَهْل بَدْر فِي الْخَمْر غَيْره.
 قَالَ اِبْن الْعَرَبِيّ : فَهَذَا يَدُلّك عَلَى تَأْوِيل الْآيَة، وَمَا ذُكِرَ فِيهِ عَنْ اِبْن عَبَّاس مِنْ حَدِيث الدَّارَقُطْنِيّ، وَعُمَر فِي حَدِيث الْبُرْقَانِيّ وَهُوَ صَحِيح ; وَبَسْطُهُ أَنَّهُ لَوْ كَانَ مَنْ شَرِبَ الْخَمْر وَاتَّقَى اللَّه فِي غَيْره مَا حُدَّ عَلَى الْخَمْر أَحَد، فَكَانَ هَذَا مِنْ أَفْسَد تَأْوِيل ; وَقَدْ خَفِيَ عَلَى قُدَامَة ; وَعَرَفَهُ مَنْ وَفَّقَهُ اللَّه كَعُمَر وَابْن عَبَّاس رَضِيَ اللَّه عَنْهُمَا ; قَالَ الشَّاعِر :

وَإِنَّ حَرَامًا لَا أَرَى الدَّهْر بَاكِيًا  عَلَى شَجْوِهِ ٢٢٧ إِلَّا بَكَيْت عَلَى عُمَر ٢٢٧ وَرُوِيَ عَنْ عَلِيّ رَضِيَ اللَّه عَنْهُ أَنَّ قَوْمًا شَرِبُوا بِالشَّامِ وَقَالُوا : هِيَ لَنَا حَلَال وَتَأَوَّلُوا هَذِهِ الْآيَة، فَأَجْمَعَ عَلِيّ وَعُمَر عَلَى أَنْ يُسْتَتَابُوا، فَإِنْ تَابُوا وَإِلَّا قُتِلُوا ; ذَكَرَهُ الْكِيَا الطَّبَرِيّ.

### الآية 5:94

> ﻿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَخَافُهُ بِالْغَيْبِ ۚ فَمَنِ اعْتَدَىٰ بَعْدَ ذَٰلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ [5:94]

الْخَامِسَة : خَصَّ اللَّه تَعَالَى الْأَيْدِي بِالذِّكْرِ لِأَنَّهَا عُظْم التَّصَرُّف فِي الِاصْطِيَاد ; وَفِيهَا تَدْخُل الْجَوَارِح وَالْحِبَالَات، وَمَا عُمِلَ بِالْيَدِ مِنْ فِخَاخ وَشِبَاك ; وَخَصَّ الرِّمَاح بِالذِّكْرِ لِأَنَّهَا عُظْم مَا يُجْرَح بِهِ الصَّيْد، وَفِيهَا يَدْخُل السَّهْم وَنَحْوه ; وَقَدْ مَضَى الْقَوْل فِيمَا يُصَاد بِهِ مِنْ الْجَوَارِح وَالسِّهَام فِي أَوَّل السُّورَة بِمَا فِيهِ الْكِفَايَة وَالْحَمْد لِلَّهِ.
 السَّادِسَة : مَا وَقَعَ فِي الْفَخّ وَالْحِبَالَة فَلِرَبِّهَا، فَإِنْ أَلْجَأَ الصَّيْد إِلَيْهَا أَحَد وَلَوْلَاهَا لَمْ يَتَهَيَّأ لَهُ أَخْذه فَرَبّهَا فِيهِ شَرِيكه، وَمَا وَقَعَ فِي الْجُبْح الْمَنْصُوب فِي الْجَبَل مِنْ ذُبَاب النَّحْل فَهُوَ كَالْحِبَالَةِ وَالْفَخّ، وَحَمَام الْأَبْرِجَة تُرَدّ عَلَى أَرْبَابهَا إِنْ اُسْتُطِيعَ ذَلِكَ، وَكَذَلِكَ نَحْل الْجِبَاح ; وَقَدْ رُوِيَ عَنْ مَالِك، وَقَالَ بَعْض أَصْحَابه : إِنَّهُ لَيْسَ عَلَى مَنْ حَصَلَ الْحَمَام أَوْ النَّحْل عِنْده أَنْ يَرُدّهُ، وَلَوْ أَلْجَأَتْ الْكِلَاب صَيْدًا فَدَخَلَ فِي بَيْت أَحَد أَوْ دَاره فَهُوَ لِلصَّائِدِ مُرْسِل الْكِلَاب دُون صَاحِب الْبَيْت، وَلَوْ دَخَلَ فِي الْبَيْت مِنْ غَيْر اِضْطِرَار الْكِلَاب لَهُ فَهُوَ لِرَبِّ الْبَيْت.
 السَّابِعَة : اِحْتَجَّ بَعْض النَّاس عَلَى أَنَّ الصَّيْد لِلْآخِذِ لَا لِلْمُثِيرِ بِهَذِهِ الْآيَة ; لِأَنَّ الْمُثِير لَمْ تَنَلْ يَده وَلَا رُمْحه بَعْدُ شَيْئًا، وَهُوَ قَوْل أَبِي حَنِيفَة.
 الثَّامِنَة : كَرِهَ مَالِك صَيْد أَهْل الْكِتَاب وَلَمْ يُحَرِّمهُ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى :" تَنَالهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحكُمْ " يَعْنِي أَهْل الْإِيمَان، لِقَوْلِهِ تَعَالَى فِي صَدْر الْآيَة :" يَا أَيّهَا الَّذِينَ آمَنُوا " فَخَرَجَ عَنْهُمْ أَهْل الْكِتَاب، وَخَالَفَهُ جُمْهُور أَهْل الْعِلْم، لِقَوْلِهِ تَعَالَى :" يَا أَيّهَا الَّذِينَ آمَنُوا " \[ الْمَائِدَة : ٩٤ \] وَهُوَ عِنْدهمْ مِثْل ذَبَائِحهمْ، وَأَجَابَ عُلَمَاؤُنَا بِأَنَّ الْآيَة إِنَّمَا تَضَمَّنَتْ أَكْل طَعَامهمْ، وَالصَّيْد بَاب آخَر فَلَا يَدْخُل فِي عُمُوم الطَّعَام، وَلَا يَتَنَاوَلهُ مُطْلَق لَفْظه.
 قُلْت : هَذَا بِنَاء عَلَى أَنَّ الصَّيْد لَيْسَ مَشْرُوعًا عِنْدهمْ فَلَا يَكُون مِنْ طَعَامهمْ، فَيَسْقُط عَنَّا هَذَا الْإِلْزَام ; فَأَمَّا إِنْ كَانَ مَشْرُوعًا عِنْدهمْ فِي دِينهمْ فَيَلْزَمنَا أَكْله لِتَنَاوُلِ اللَّفْظ لَهُ، فَإِنَّهُ مِنْ طَعَامهمْ، وَاللَّه أَعْلَمُ.

### الآية 5:95

> ﻿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ ۚ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَٰلِكَ صِيَامًا لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ ۗ عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ ۚ وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ ۗ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ [5:95]

مِنْهُ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو
 " عَزِيز " أَيْ مَنِيع فِي مُلْكه، وَلَا يَمْتَنِع عَلَيْهِ مَا يُرِيدهُ.
 " ذُو اِنْتِقَام " مِمَّنْ عَصَاهُ إِنْ شَاءَ.

### الآية 5:96

> ﻿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ ۖ وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا ۗ وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ [5:96]

وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ
 تَشْدِيد وَتَنْبِيه عَقِب هَذَا التَّحْلِيل وَالتَّحْرِيم، ثُمَّ ذَكَّرَ بِأَمْرِ الْحَشْر وَالْقِيَامَة مُبَالَغَة فِي التَّحْذِير، وَاللَّه أَعْلَمُ.

### الآية 5:97

> ﻿۞ جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِلنَّاسِ وَالشَّهْرَ الْحَرَامَ وَالْهَدْيَ وَالْقَلَائِدَ ۚ ذَٰلِكَ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ [5:97]

ذَلِكَ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ
 " ذَلِكَ " إِشَارَة إِلَى جَعْل اللَّه هَذِهِ الْأُمُور قِيَامًا ; وَالْمَعْنَى فَعَلَ اللَّه ذَلِكَ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّه يَعْلَم تَفَاصِيل أُمُور السَّمَاوَات وَالْأَرْض، وَيَعْلَم مَصَالِحكُمْ أَيّهَا النَّاس قَبْل وَبَعْد، فَانْظُرُوا لُطْفه بِالْعِبَادِ عَلَى حَال كُفْرهمْ.

### الآية 5:98

> ﻿اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ وَأَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ [5:98]

وَأَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ
 تَرْجِيَة، وَقَدْ تَقَدَّمَ هَذَا الْمَعْنَى.

### الآية 5:99

> ﻿مَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ ۗ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ [5:99]

وَمَا تَكْتُمُونَ
 أَيْ مَا تُسِرُّونَهُ وَتُخْفُونَهُ فِي قُلُوبكُمْ مِنْ الْكُفْر وَالنِّفَاق.

### الآية 5:100

> ﻿قُلْ لَا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ ۚ فَاتَّقُوا اللَّهَ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ [5:100]

فَاتَّقُوا اللَّهَ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ
 مَا كَانَ مِثْله فِيمَا وَرَدَ فِي كَلَام اللَّه تَعَالَى مِنْ قَوْله :" لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ، لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ، لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ، لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ، لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ " فِيهِ ثَلَاث تَأْوِيلَات.
 الْأَوَّل : أَنَّ " لَعَلَّ " عَلَى بَابهَا مِنْ التَّرَجِّي وَالتَّوَقُّع، وَالتَّرَجِّي وَالتَّوَقُّع إِنَّمَا هُوَ فِي حَيِّز الْبَشَر ; فَكَأَنَّهُ قِيلَ لَهُمْ : اِفْعَلُوا ذَلِكَ عَلَى الرَّجَاء مِنْكُمْ وَالطَّمَع أَنْ تَعْقِلُوا وَأَنْ تَذَكَّرُوا وَأَنْ تَتَّقُوا.
 هَذَا قَوْل سِيبَوَيْهِ وَرُؤَسَاء اللِّسَان قَالَ سِيبَوَيْهِ فِي قَوْله عَزَّ وَجَلَّ :" اِذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْن إِنَّهُ طَغَى.
 فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّر أَوْ يَخْشَى " \[ طَه :
 ٤٣ - ٤٤ \] قَالَ مَعْنَاهُ : اِذْهَبَا عَلَى طَمَعكُمَا وَرَجَائِكُمَا أَنْ يَتَذَكَّر أَوْ يَخْشَى، وَاخْتَارَ هَذَا الْقَوْل أَبُو الْمَعَالِي.
 الثَّانِي : أَنَّ الْعَرَب اِسْتَعْمَلَتْ " لَعَلَّ " مُجَرَّدَة مِنْ الشَّكّ بِمَعْنَى لَام كَيْ.
 فَالْمَعْنَى لِتَعْقِلُوا وَلِتَذَكَّرُوا وَلِتَتَّقُوا ; وَعَلَى ذَلِكَ يَدُلّ قَوْل الشَّاعِر :

وَقُلْتُمْ لَنَا كُفُّوا الْحُرُوب لَعَلَّنَا  نَكُفّ وَوَثَّقْتُمْ لَنَا كُلّ مَوْثِقفَلَمَّا كَفَفْنَا الْحَرْب كَانَتْ عُهُودكُمْ  كَلَمْعِ سَرَاب فِي الْمَلَا مُتَأَلِّق الْمَعْنَى : كُفُّوا الْحُرُوب لِنَكُفّ، وَلَوْ كَانَتْ " لَعَلَّ " هُنَا شَكًّا لَمْ يُوَثِّقُوا لَهُمْ كُلّ مَوْثِق ; وَهَذَا الْقَوْل عَنْ قُطْرُب وَالطَّبَرِيّ.
 الثَّالِث : أَنْ تَكُون " لَعَلَّ " بِمَعْنَى التَّعَرُّض لِلشَّيْءِ، كَأَنَّهُ قِيلَ : اِفْعَلُوا مُتَعَرِّضِينَ لِأَنْ تَعْقِلُوا، أَوْ لِأَنْ تَذَكَّرُوا أَوْ لِأَنْ تَتَّقُوا، وَالْمَعْنَى فِي قَوْله " لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ " أَيْ لَعَلَّكُمْ أَنْ تَجْعَلُوا بِقَبُولِ مَا أَمَرَكُمْ اللَّه بِهِ وِقَايَة بَيْنكُمْ وَبَيْن النَّار، وَهَذَا مِنْ قَوْل الْعَرَب : اِتَّقَاهُ بِحَقِّهِ إِذَا اِسْتَقْبَلَهُ بِهِ ; فَكَأَنَّهُ جَعَلَ دَفْعه حَقّه إِلَيْهِ وِقَايَة لَهُ مِنْ الْمُطَالَبَة ; وَمِنْهُ قَوْل عَلِيّ رَضِيَ اللَّه عَنْهُ : كُنَّا إِذَا اِحْمَرَّ الْبَأْس اِتَّقَيْنَا بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أَيْ جَعَلْنَاهُ وِقَايَة لَنَا مِنْ الْعَدُوّ، وَقَالَ عَنْتَرَة :وَلَقَدْ كَرَرْت الْمَهْر يَدْمَى نَحْره  حَتَّى اِتَّقَتْنِي الْخَيْل بِابْنَيْ حِذْيَم

### الآية 5:101

> ﻿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِنْ تَسْأَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا اللَّهُ عَنْهَا ۗ وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ [5:101]

لَكُمْ عَفَا اللَّهُ عَنْهَا وَاللَّهُ غَفُورٌ
 أَيْ عَنْ الْمَسْأَلَة الَّتِي سَلَفَتْ مِنْهُمْ، وَقِيلَ : عَنْ الْأَشْيَاء الَّتِي سَأَلُوا عَنْهَا مِنْ أُمُور الْجَاهِلِيَّة وَمَا جَرَى مَجْرَاهَا، وَقِيلَ : الْعَفْو بِمَعْنَى التَّرْك ; أَيْ تَرَكَهَا وَلَمْ يُعَرِّف بِهَا فِي حَلَال وَلَا حَرَام فَهُوَ مَعْفُوّ عَنْهَا فَلَا تَبْحَثُوا عَنْهُ فَلَعَلَّهُ إِنْ ظَهَرَ لَكُمْ حُكْمه سَاءَكُمْ، وَكَانَ عُبَيْد بْن عُمَيْر يَقُول : إِنَّ اللَّه أَحَلَّ وَحَرَّمَ، فَمَا أَحَلَّ فَاسْتَحِلُّوهُ، وَمَا حَرَّمَ فَاجْتَنِبُوهُ، وَتَرَكَ بَيْن ذَلِكَ أَشْيَاء لَمْ يُحَلِّلهَا وَلَمْ يُحَرِّمهَا، فَذَلِكَ عَفْو مِنْ اللَّه، ثُمَّ يَتْلُو هَذِهِ الْآيَة.
 وَخَرَّجَ الدَّارَقُطْنِيّ عَنْ أَبِي ثَعْلَبَة الْخُشَنِيّ قَالَ : قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :( إِنَّ اللَّه تَعَالَى فَرَضَ فَرَائِض فَلَا تُضَيِّعُوهَا وَحَرَّمَ حُرُمَات فَلَا تَنْتَهِكُوهَا وَحَدَّدَ حُدُودًا فَلَا تَعْتَدُوهَا وَسَكَتَ عَنْ أَشْيَاء مِنْ غَيْر نِسْيَان فَلَا تَبْحَثُوا عَنْهَا ) وَالْكَلَام عَلَى هَذَا التَّقْدِير فِيهِ تَقْدِيم وَتَأْخِير ; أَيْ لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاء عَفَا اللَّه عَنْهَا إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ، أَيْ أَمْسَكَ عَنْ ذِكْرهَا فَلَمْ يُوجِب فِيهَا حُكْمًا، وَقِيلَ : لَيْسَ فِيهِ تَقْدِيم وَلَا تَأْخِير ; بَلْ الْمَعْنَى قَدْ عَفَا اللَّه عَنْ مَسْأَلَتكُمْ الَّتِي سَلَفَتْ وَإِنْ كَرِهَهَا النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَلَا تَعُودُوا لِأَمْثَالِهَا.
 فَقَوْله :" عَنْهَا " أَيْ عَنْ الْمَسْأَلَة، أَوْ عَنْ السُّؤَالَات كَمَا ذَكَرْنَاهُ.

### الآية 5:102

> ﻿قَدْ سَأَلَهَا قَوْمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ ثُمَّ أَصْبَحُوا بِهَا كَافِرِينَ [5:102]

قَدْ سَأَلَهَا قَوْمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ ثُمَّ أَصْبَحُوا بِهَا كَافِرِينَ
 فِيهِ أَرْبَع مَسَائِل
 الْأُولَى : أَخْبَرَ تَعَالَى أَنَّ قَوْمًا مِنْ قَبْلنَا قَدْ سَأَلُوا آيَات مِثْلهَا، فَلَمَّا أُعْطُوهَا وَفُرِضَتْ عَلَيْهِمْ كَفَرُوا بِهَا، وَقَالُوا : لَيْسَتْ مِنْ عِنْد اللَّه ; وَذَلِكَ كَسُؤَالِ قَوْم صَالِح النَّاقَة، وَأَصْحَاب عِيسَى الْمَائِدَة ; وَهَذَا تَحْذِير مِمَّا وَقَعَ فِيهِ مَنْ سَبَقَ مِنْ الْأُمَم، وَاللَّه أَعْلَمُ.
 الثَّانِيَة : إِنْ قَالَ قَائِل : مَا ذَكَرْتُمْ مِنْ كَرَاهِيَة السُّؤَال وَالنَّهْي عَنْهُ، يُعَارِضهُ قَوْله تَعَالَى :" فَاسْأَلُوا أَهْل الذِّكْر إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ " \[ النَّحْل : ٤٣ \] فَالْجَوَاب ; أَنَّ هَذَا الَّذِي أَمَرَ اللَّه بِهِ عِبَاده هُوَ مَا تَقَرَّرَ وَثَبَتَ وُجُوبه مِمَّا يَجِب عَلَيْهِمْ الْعَمَل بِهِ، وَاَلَّذِي جَاءَ فِيهِ النَّهْي هُوَ مَا لَمْ يَتَعَبَّد اللَّه عِبَاده بِهِ ; وَلَمْ يَذْكُرهُ فِي كِتَابه.
 وَاللَّه أَعْلَمُ.
 الثَّالِثَة : رَوَى مُسْلِم عَنْ عَامِر بْن سَعْد عَنْ أَبِيهِ قَالَ، قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :( إِنَّ أَعْظَمَ الْمُسْلِمِينَ فِي الْمُسْلِمِينَ جُرْمًا مَنْ سَأَلَ عَنْ شَيْء لَمْ يُحَرَّم عَلَى الْمُسْلِمِينَ فَحُرِّمَ عَلَيْهِمْ مِنْ أَجْل مَسْأَلَته ).
 قَالَ الْقُشَيْرِيّ أَبُو نَصْر : وَلَوْ لَمْ يَسْأَل الْعَجْلَانِيّ عَنْ الزِّنَى لَمَا ثَبَتَ اللِّعَان.
 قَالَ أَبُو الْفَرَج الْجَوْزِيّ : هَذَا مَحْمُول عَلَى مَنْ سَأَلَ عَنْ الشَّيْء عَنَتًا وَعَبَثًا فَعُوقِبَ بِسُوءِ قَصْده بِتَحْرِيمِ مَا سَأَلَ عَنْهُ ; وَالتَّحْرِيم يَعُمّ.
 الرَّابِعَة : قَالَ عُلَمَاؤُنَا : لَا تَعَلُّق لِلْقَدَرِيَّةِ بِهَذَا الْحَدِيث فِي أَنَّ اللَّه تَعَالَى يَفْعَل شَيْئًا مِنْ أَجْل شَيْء وَبِسَبَبِهِ، تَعَالَى اللَّه عَنْ ذَلِكَ ; فَإِنَّ اللَّه عَلَى كُلّ شَيْء قَدِير، وَهُوَ بِكُلِّ شَيْء عَلِيم ; بَلْ السَّبَب وَالدَّاعِي فِعْل مِنْ أَفْعَاله، لَكِنْ سَبَقَ الْقَضَاء وَالْقَدَر أَنْ يُحَرَّم الشَّيْء الْمَسْئُول عَنْهُ إِذَا وَقَعَ السُّؤَال فِيهِ ; لَا أَنَّ السُّؤَال مُوجِب لِلتَّحْرِيمِ، وَعِلَّة لَهُ، وَمِثْله كَثِير " لَا يُسْأَل عَمَّا يَفْعَل وَهُمْ يُسْأَلُونَ " \[ الْأَنْبِيَاء : ٢٣ \].

### الآية 5:103

> ﻿مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلَا سَائِبَةٍ وَلَا وَصِيلَةٍ وَلَا حَامٍ ۙ وَلَٰكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ ۖ وَأَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ [5:103]

فَنَفَى أَنْ يَكُون الْوَلَاء لِغَيْرِ مُعْتِق، وَاحْتَجُّوا بِقَوْلِهِ تَعَالَى :" مَا جَعَلَ اللَّه مِنْ بَحِيرَة وَلَا سَائِبَة " وَبِالْحَدِيثِ ( لَا سَائِبَة فِي الْإِسْلَام ) وَبِمَا رَوَاهُ أَبُو قَيْس عَنْ هُزَيْل بْن شُرَحْبِيل قَالَ : قَالَ رَجُل لِعَبْدِ اللَّه : إِنِّي أَعْتَقْت غُلَامًا لِي سَائِبَة فَمَاذَا تَرَى فِيهِ ؟ فَقَالَ عَبْد اللَّه : إِنَّ أَهْل الْإِسْلَام لَا يُسَيِّبُونَ، إِنَّمَا كَانَتْ تُسَيِّب الْجَاهِلِيَّة ; أَنْتَ وَارِثه وَوَلِيّ نِعْمَته.

### الآية 5:104

> ﻿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَىٰ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قَالُوا حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا ۚ أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ [5:104]

وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قَالُوا حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ
 الْآيَة تَقَدَّمَ مَعْنَاهَا وَالْكَلَام عَلَيْهَا فِي " الْبَقَرَة " فَلَا مَعْنَى لِإِعَادَتِهَا.

### الآية 5:105

> ﻿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ ۖ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ ۚ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ [5:105]

قَالَ عُلَمَاؤُنَا : إِنَّمَا قَالَ عَلَيْهِ السَّلَام ذَلِكَ لِتَغَيُّرِ الزَّمَان، وَفَسَاد الْأَحْوَال، وَقِلَّة الْمُعِينِينَ، وَقَالَ جَابِر بْن زَيْد : مَعْنَى الْآيَة : يَا أَيّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْ أَبْنَاء أُولَئِكَ الَّذِينَ بَحَرُوا الْبَحِيرَة وَسَيَّبُوا السَّوَائِب ; عَلَيْكُمْ أَنْفُسكُمْ فِي الِاسْتِقَامَة عَلَى الدِّين، لَا يَضُرّكُمْ ضَلَال الْأَسْلَاف إِذَا اِهْتَدَيْتُمْ ; قَالَ : وَكَانَ الرَّجُل إِذَا أَسْلَمَ قَالَ لَهُ الْكُفَّار سَفَّهْت آبَاءَك وَضَلَّلْتهمْ وَفَعَلْت وَفَعَلْت ; فَأَنْزَلَ اللَّه الْآيَة بِسَبَبِ ذَلِكَ وَقِيلَ : الْآيَة فِي أَهْل الْأَهْوَاء الَّذِينَ لَا يَنْفَعهُمْ الْوَعْظ ; فَإِذَا عَلِمْت مِنْ قَوْم أَنَّهُمْ لَا يَقْبَلُونَ، بَلْ يَسْتَخِفُّونَ وَيَظْهَرُونَ فَاسْكُتْ عَنْهُمْ، وَقِيلَ : نَزَلَتْ فِي الْأُسَارَى الَّذِينَ عَذَّبَهُمْ الْمُشْرِكُونَ حَتَّى اِرْتَدَّ بَعْضهمْ، فَقِيلَ لِمَنْ بَقِيَ عَلَى الْإِسْلَام : عَلَيْكُمْ أَنْفُسكُمْ لَا يَضُرّكُمْ اِرْتِدَاد أَصْحَابكُمْ، وَقَالَ سَعِيد بْن جُبَيْر : هِيَ فِي أَهْل الْكِتَاب - وَقَالَ مُجَاهِد : فِي الْيَهُود وَالنَّصَارَى وَمَنْ كَانَ مِثْلهمْ ; يَذْهَبَانِ إِلَى أَنَّ الْمَعْنَى لَا يَضُرّكُمْ كُفْر أَهْل الْكِتَاب إِذَا أَدَّوْا الْجِزْيَة، وَقِيلَ : هِيَ مَنْسُوخَة بِالْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْي عَنْ الْمُنْكَر ; قَالَهُ الْمَهْدَوِيّ.
 قَالَ اِبْن عَطِيَّة : وَهَذَا ضَعِيف وَلَا يُعْلَم قَائِله.
 قُلْت : قَدْ جَاءَ عَنْ أَبِي عُبَيْد الْقَاسِم بْن سَلَّام أَنَّهُ قَالَ : لَيْسَ فِي كِتَاب اللَّه تَعَالَى آيَة جَمَعَتْ النَّاسِخ وَالْمَنْسُوخ غَيْر هَذِهِ الْآيَة.
 قَالَ غَيْره : النَّاسِخ مِنْهَا قَوْله :" إِذَا اِهْتَدَيْتُمْ " وَالْهُدَى هُنَا هُوَ الْأَمْر بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْي عَنْ الْمُنْكَر، وَاللَّه أَعْلَمُ.
 الرَّابِعَة : الْأَمْر بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْي عَنْ الْمُنْكَر مُتَعَيَّن مَتَى رُجِيَ الْقَبُول، أَوْ رُجِيَ رَدّ الظَّالِم وَلَوْ بِعُنْفٍ، مَا لَمْ يَخَفْ الْآمِر ضَرَرًا يَلْحَقهُ فِي خَاصَّته، أَوْ فِتْنَة يُدْخِلهَا عَلَى الْمُسْلِمِينَ ; إِمَّا بِشَقِّ عَصًا، وَإِمَّا بِضَرَرٍ يَلْحَق طَائِفَة مِنْ النَّاس ; فَإِذَا خِيفَ هَذَا ف " عَلَيْكُمْ أَنْفُسكُمْ " مُحْكَم وَاجِب أَنْ يُوقَف عِنْده، وَلَا يُشْتَرَط فِي النَّاهِي أَنْ يَكُون عَدْلًا كَمَا تَقَدَّمَ ; وَعَلَى هَذَا جَمَاعَة أَهْل الْعِلْم فَاعْلَمْهُ.

### الآية 5:106

> ﻿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَأَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ ۚ تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلَاةِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ إِنِ ارْتَبْتُمْ لَا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَىٰ ۙ وَلَا نَكْتُمُ شَهَادَةَ اللَّهِ إِنَّا إِذًا لَمِنَ الْآثِمِينَ [5:106]

قُرْبَى وَلَا نَكْتُمُ شَهَادَةَ
 أَيْ مَا أَعْلَمَنَا اللَّه مِنْ الشَّهَادَة، وَفِيهَا سَبْع قِرَاءَات مَنْ أَرَادَهَا وَجَدَهَا فِي ( التَّحْصِيل ) وَغَيْره.

### الآية 5:107

> ﻿فَإِنْ عُثِرَ عَلَىٰ أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْمًا فَآخَرَانِ يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْأَوْلَيَانِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ لَشَهَادَتُنَا أَحَقُّ مِنْ شَهَادَتِهِمَا وَمَا اعْتَدَيْنَا إِنَّا إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ [5:107]

إِنَّا إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ
 أَيْ إِنْ كُنَّا حَلَفْنَا عَلَى بَاطِل، وَأَخَذْنَا مَا لَيْسَ لَنَا.

### الآية 5:108

> ﻿ذَٰلِكَ أَدْنَىٰ أَنْ يَأْتُوا بِالشَّهَادَةِ عَلَىٰ وَجْهِهَا أَوْ يَخَافُوا أَنْ تُرَدَّ أَيْمَانٌ بَعْدَ أَيْمَانِهِمْ ۗ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاسْمَعُوا ۗ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ [5:108]

وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ
 فَسَقَ يَفْسِق وَيَفْسُق إِذَا خَرَجَ مِنْ الطَّاعَة إِلَى الْمَعْصِيَة، وَقَدْ تَقَدَّمَ، وَاَللَّه أَعْلَم.

### الآية 5:109

> ﻿۞ يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَا أُجِبْتُمْ ۖ قَالُوا لَا عِلْمَ لَنَا ۖ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ [5:109]

قَالُوا لَا عِلْمَ لَنَا إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ
 " قَالُوا " أَيْ فَيَقُولُونَ :" لَا عِلْم لَنَا " وَاخْتَلَفَ أَهْل التَّأْوِيل فِي الْمَعْنَى الْمُرَاد بِقَوْلِهِمْ :" لَا عِلْم لَنَا " فَقِيلَ : مَعْنَاهُ لَا عِلْم لَنَا بِبَاطِنِ مَا أَجَابَ بِهِ أُمَمنَا ; لِأَنَّ ذَلِكَ هُوَ الَّذِي يَقَع عَلَيْهِ الْجَزَاء ; وَهَذَا مَرْوِيّ عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَقِيلَ : الْمَعْنَى لَا عِلْم لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتنَا، فَحُذِفَ ; عَنْ اِبْن عَبَّاس وَمُجَاهِد بِخِلَافٍ، وَقَالَ اِبْن عَبَّاس أَيْضًا : مَعْنَاهُ لَا عِلْم لَنَا إِلَّا عِلْم أَنْتَ أَعْلَم بِهِ مِنَّا، وَقِيلَ : إِنَّهُمْ يَذْهَلُونَ مِنْ هَوْل ذَلِكَ وَيَفْزَعُونَ مِنْ الْجَوَاب، ثُمَّ يُجِيبُونَ بَعْدَمَا تَثُوب إِلَيْهِمْ عُقُولهمْ فَيَقُولُونَ :" لَا عِلْم لَنَا " قَالَ الْحَسَن وَمُجَاهِد وَالسُّدِّيّ.
 قَالَ النَّحَّاس : وَهَذَا لَا يَصِحّ ; لِأَنَّ الرُّسُل صَلَوَات اللَّه عَلَيْهِمْ لَا خَوْف عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ.
 قُلْت : هَذَا فِي أَكْثَر مَوَاطِن الْقِيَامَة ; فَفِي الْخَبَر ( إِنَّ جَهَنَّم إِذَا جِيءَ بِهَا زَفَرَتْ زَفْرَة فَلَا يَبْقَى نَبِيّ وَلَا صِدِّيق إِلَّا جَثَا لِرُكْبَتَيْهِ ) وَقَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :( خَوَّفَنِي جِبْرِيل يَوْم الْقِيَامَة حَتَّى أَبْكَانِي فَقُلْت يَا جِبْرِيل أَلَمْ يُغْفَر لِي مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِي وَمَا تَأَخَّرَ ؟ فَقَالَ لِي يَا مُحَمَّد لَتَشْهَدَنَّ مِنْ هَوْل ذَلِكَ الْيَوْم مَا يُنْسِيك الْمَغْفِرَة ).
 قُلْت : فَإِنْ كَانَ السُّؤَال عِنْد زَفْرَة جَهَنَّم - كَمَا قَالَ بَعْضهمْ - فَقَوْل مُجَاهِد وَالْحَسَن صَحِيح ; وَاَللَّه أَعْلَم.
 قَالَ النَّحَّاس : وَالصَّحِيح فِي هَذَا أَنَّ الْمَعْنَى : مَاذَا أُجِبْتُمْ فِي السِّرّ وَالْعَلَانِيَة لِيَكُونَ هَذَا تَوْبِيخًا لِلْكُفَّارِ ; فَيَقُولُونَ : لَا عِلْم لَنَا ; فَيَكُون هَذَا تَكْذِيبًا لِمَنْ اِتَّخَذَ الْمَسِيح إِلَهًا، وَقَالَ اِبْن جُرَيْج : مَعْنَى قَوْله :" مَاذَا أُجِبْتُمْ " مَاذَا عَمِلُوا بَعْدكُمْ ؟ قَالُوا :" لَا عِلْم لَنَا إِنَّك أَنْتَ عَلَّام الْغُيُوب ".
 قَالَ أَبُو عُبَيْد : وَيُشْبِه هَذَا حَدِيث النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ :( يَرِد عَلَيَّ أَقْوَام الْحَوْض فَيَخْتَلِجُونَ فَأَقُول أُمَّتِي فَيُقَال إِنَّك لَا تَدْرِي مَا أَحْدَثُوا بَعْدك )، وَكَسَرَ الْغَيْن مِنْ الْغُيُوب حَمْزَة وَالْكِسَائِيّ وَأَبُو بَكْر، وَضَمَّ الْبَاقُونَ.
 قَالَ الْمَاوَرْدِيّ فَإِنْ قِيلَ : فَلِمَ سَأَلَهُمْ عَمَّا هُوَ أَعْلَم بِهِ مِنْهُمْ ؟ فَعَنْهُ جَوَابَانِ : أَحَدهمَا : أَنَّهُ سَأَلَهُمْ لِيُعْلِمهُمْ مَا لَمْ يَعْلَمُوا مِنْ كُفْر أُمَمهمْ وَنِفَاقهمْ وَكَذِبهمْ عَلَيْهِمْ مِنْ بَعْدهمْ.
 الثَّانِي : أَنَّهُ أَرَادَ أَنْ يَفْضَحَهُمْ بِذَلِكَ عَلَى رُءُوس الْأَشْهَاد لِيَكُونَ ذَلِكَ نَوْعًا مِنْ الْعُقُوبَة لَهُمْ.

### الآية 5:110

> ﻿إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلَىٰ وَالِدَتِكَ إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا ۖ وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ ۖ وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنْفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِي ۖ وَتُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ بِإِذْنِي ۖ وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتَىٰ بِإِذْنِي ۖ وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَنْكَ إِذْ جِئْتَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ إِنْ هَٰذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ [5:110]

هَذَا إِلَّا سِحْرٌ
 وَقَرَأَ حَمْزَة وَالْكِسَائِيّ " سَاحِر " أَيْ إِنْ هَذَا الرَّجُل إِلَّا سَاحِر قَوِيّ عَلَى السِّحْر.

### الآية 5:111

> ﻿وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي قَالُوا آمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ [5:111]

قَالُوا آمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ
 عَلَى الْأَصْل ; وَمِنْ الْعَرَب مَنْ يَحْذِف إِحْدَى النُّونَيْنِ ; أَيْ وَاشْهَدْ يَا رَبّ، وَقِيلَ : يَا عِيسَى بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ لِلَّهِ.

### الآية 5:112

> ﻿إِذْ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ ۖ قَالَ اتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ [5:112]

اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ
 أَيْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ بِهِ وَبِمَا جِئْت بِهِ فَقَدْ جَاءَكُمْ مِنْ الْآيَات مَا فِيهِ غِنًى.

### الآية 5:113

> ﻿قَالُوا نُرِيدُ أَنْ نَأْكُلَ مِنْهَا وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنَا وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ الشَّاهِدِينَ [5:113]

قَالُوا نُرِيدُ أَنْ نَأْكُلَ مِنْهَا وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنَا وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ الشَّاهِدِينَ
 قَوْله تَعَالَى :" قَالُوا نُرِيد أَنْ نَأْكُل مِنْهَا " نُصِبَ بِأَنْ.
 " وَتَطْمَئِنّ قُلُوبنَا وَنَعْلَم أَنْ قَدْ صَدَقْتنَا وَنَكُون عَلَيْهَا مِنْ الشَّاهِدِينَ " عَطْف كُلّه بَيَّنُوا بِهِ سَبَب سُؤَالهمْ حِين نُهُوا عَنْهُ، وَفِي قَوْلهمْ :" نَأْكُل مِنْهَا " وَجْهَانِ : أَحَدهمَا : أَنَّهُمْ أَرَادُوا الْأَكْل مِنْهَا لِلْحَاجَةِ الدَّاعِيَة إِلَيْهَا ; وَذَلِكَ أَنَّ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَام كَانَ إِذَا خَرَجَ اِتَّبَعَهُ خَمْسَة آلَاف أَوْ أَكْثَر، بَعْضهمْ كَانُوا أَصْحَابه، وَبَعْضهمْ كَانُوا يَطْلُبُونَ مِنْهُ أَنْ يَدْعُوَ لَهُمْ لِمَرَضٍ كَانَ بِهِمْ أَوْ عِلَّة، إِذْ كَانُوا زَمْنَى أَوْ عُمْيَانًا، وَبَعْضهمْ كَانُوا يَنْظُرُونَ وَيَسْتَهْزِئُونَ، فَخَرَجَ يَوْمًا إِلَى مَوْضِع فَوَقَعُوا فِي مَفَازَة، وَلَمْ يَكُنْ مَعَهُمْ نَفَقَة فَجَاعُوا وَقَالُوا لِلْحَوَارِيِّينَ : قُولُوا لِعِيسَى حَتَّى يَدْعُوَ بِأَنْ تُنَزَّل عَلَيْنَا مَائِدَة مِنْ السَّمَاء ; فَجَاءَهُ شَمْعُون رَأْس الْحَوَارِيِّينَ وَأَخْبَرَهُ أَنَّ النَّاس يَطْلُبُونَ بِأَنْ تَدْعُوَ بِأَنْ تُنَزَّل عَلَيْهِمْ مَائِدَة مِنْ السَّمَاء، فَقَالَ عِيسَى لِشَمْعُونَ :" قُلْ لَهُمْ اِتَّقُوا اللَّه إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ " فَأَخْبَرَ بِذَلِكَ شَمْعُون الْقَوْم فَقَالُوا لَهُ : قُلْ لَهُ :" نُرِيد أَنْ نَأْكُل مِنْهَا " الْآيَة.
 الثَّانِي :" نَأْكُل مِنْهَا " لِنَنَالَ بَرَكَتهَا لَا لِحَاجَةٍ دَعَتْهُمْ إِلَيْهَا، قَالَ الْمَاوَرْدِيّ : وَهَذَا أَشْبَه ; لِأَنَّهُمْ لَوْ اِحْتَاجُوا لَمْ يُنْهَوْا عَنْ السُّؤَال وَقَوْلهمْ :" وَتَطْمَئِنّ قُلُوبنَا " يَحْتَمِل ثَلَاثَة أَوْجُه : أَحَدهَا : تَطْمَئِنّ إِلَى أَنَّ اللَّه تَعَالَى بَعَثَك إِلَيْنَا نَبِيًّا.
 الثَّانِي : تَطْمَئِنّ إِلَى أَنَّ اللَّه تَعَالَى قَدْ اِخْتَارَنَا لِدَعْوَتِنَا الثَّالِث : تَطْمَئِنّ إِلَى أَنَّ اللَّه تَعَالَى قَدْ أَجَابَنَا إِلَى مَا سَأَلْنَا ; ذَكَرَهَا الْمَاوَرْدِيّ وَقَالَ الْمَهْدَوِيّ : أَيْ تَطْمَئِنّ بِأَنَّ اللَّه قَدْ قَبِلَ صَوْمنَا وَعَمَلنَا.
 قَالَ الثَّعْلَبِيّ : نَسْتَيْقِن قُدْرَته فَتَسْكُن قُلُوبنَا.
 " وَنَعْلَم أَنْ قَدْ صَدَقْتنَا " بِأَنَّك رَسُول اللَّه " وَنَكُون عَلَيْهَا مِنْ الشَّاهِدِينَ " لِلَّهِ بِالْوَحْدَانِيَّةِ، وَلَك بِالرِّسَالَةِ وَالنُّبُوَّة، وَقِيلَ :" وَنَكُون عَلَيْهَا مِنْ الشَّاهِدِينَ " لَك عِنْد مَنْ لَمْ يَرَهَا إِذَا رَجَعْنَا إِلَيْهِمْ.

### الآية 5:114

> ﻿قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا أَنْزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ تَكُونُ لَنَا عِيدًا لِأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا وَآيَةً مِنْكَ ۖ وَارْزُقْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ [5:114]

وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ
 أَيْ خَيْر مَنْ أَعْطَى وَرَزَقَ ; لِأَنَّك الْغَنِيّ الْحَمِيد.

### الآية 5:115

> ﻿قَالَ اللَّهُ إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ ۖ فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لَا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ [5:115]

وَعَنْ عَائِشَة - رَضِيَ اللَّه عَنْهَا - قَالَتْ : قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :( تُصَلِّي الْمَلَائِكَة عَلَى الرَّجُل مَا دَامَتْ مَائِدَته مَوْضُوعَة ) خَرَّجَهُ الثِّقَات ; وَقِيلَ : إِنَّ الْمَائِدَة كُلّ شَيْء يُمَدّ وَيُبْسَط مِثْل الْمِنْدِيل وَالثَّوْب، وَكَانَ مِنْ حَقّه أَنْ تَكُون مَادَّة الدَّال مُضَعَّفَة، فَجَعَلُوا إِحْدَى الدَّالَيْنِ يَاء فَقِيلَ : مَائِدَة، وَالْفِعْل وَاقِع بِهِ فَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ تَكُون مَمْدُودَة ; وَلَكِنْ خُرِّجَتْ فِي اللُّغَة مَخْرَج فَاعِل كَمَا قَالُوا : سِرّ كَاتِم وَهُوَ مَكْتُوم، وَعِيشَة رَاضِيَة وَهِيَ مَرْضِيَّة، وَكَذَلِكَ خُرِّجَ فِي اللُّغَة مَا هُوَ فَاعِل عَلَى مَخْرَج مَفْعُول فَقَالُوا : رَجُل مَشْئُوم وَإِنَّمَا هُوَ شَائِم، وَحِجَاب مَسْتُور وَإِنَّمَا هُوَ سَاتِر ; قَالَ فَالْخُِوَان هُوَ الْمُرْتَفِع عَنْ الْأَرْض بِقَوَائِمِهِ، وَالْمَائِدَة مَا مُدَّ وَبُسِطَ وَالسُّفْرَة مَا أَسْفَرَ عَمَّا فِي جَوْفه، وَذَلِكَ لِأَنَّهَا مَضْمُومَة بِمَعَالِيقِهَا، وَعَنْ الْحَسَن قَالَ : الْأَكْل عَلَى الْخُوَان فِعْل الْمُلُوك، وَعَلَى الْمِنْدِيل فِعْل الْعَجَم، وَعَلَى السُّفْرَة فِعْل الْعَرَب وَهُوَ السُّنَّة، وَاللَّه أَعْلَمُ.

### الآية 5:116

> ﻿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَٰهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ ۖ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ ۚ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ ۚ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ ۚ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ [5:116]

نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ
 مَا كَانَ وَمَا يَكُون، وَمَا لَمْ يَكُنْ وَمَا هُوَ كَائِن

### الآية 5:117

> ﻿مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ ۚ وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ ۖ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ ۚ وَأَنْتَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ [5:117]

وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ
 أَيْ مِنْ مَقَالَتِي وَمَقَالَتهمْ : وَقِيلَ عَلَى مَنْ عَصَى وَأَطَاعَ ; خَرَّجَ مُسْلِم عَنْ اِبْن عَبَّاس قَالَ : قَامَ فِينَا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَطِيبًا بِمَوْعِظَةٍ فَقَالَ :( يَا أَيّهَا النَّاس إِنَّكُمْ تُحْشَرُونَ إِلَى اللَّه حُفَاة عُرَاة غُرْلًا " كَمَا بَدَأْنَا أَوَّل خَلْق نُعِيدهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ " \[ الْأَنْبِيَاء : ١٠٤ \] أَلَا وَإِنَّ أَوَّل الْخَلَائِق يُكْسَى يَوْم الْقِيَامَة إِبْرَاهِيم - عَلَيْهِ السَّلَام - أَلَا وَإِنَّهُ سَيُجَاءُ بِرِجَالٍ مِنْ أُمَّتِي فَيُؤْخَذ بِهِمْ ذَات الشِّمَال فَأَقُول يَا رَبّ أَصْحَابِي، فَيُقَال إِنَّك لَا تَدْرِي مَا أَحْدَثُوا بَعْدك فَأَقُول كَمَا قَالَ الْعَبْد الصَّالِح :" وَكُنْت عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْت فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتنِي كُنْت أَنْتَ الرَّقِيب عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلّ شَيْء شَهِيد.
 إِنْ تُعَذِّبهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادك وَإِنْ تَغْفِر لَهُمْ فَإِنَّك أَنْتَ الْعَزِيز الْحَكِيم " قَالَ :( فَيُقَال لِي إِنَّهُمْ لَمْ يَزَالُوا مُدْبِرِينَ مُرْتَدِّينَ عَلَى أَعْقَابهمْ مُنْذُ فَارَقْتهمْ ).

### الآية 5:118

> ﻿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ ۖ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ [5:118]

ذَكَرَهُ الْقَاضِي عِيَاض فِي كِتَاب " الشِّفَا " وَقَالَ أَبُو بَكْر الْأَنْبَارِيّ : وَقَدْ طَعَنَ عَلَى الْقُرْآن مَنْ قَالَ إِنَّ قَوْله :" إِنَّك أَنْتَ الْعَزِيز الْحَكِيم " لَيْسَ بِمُشَاكِلٍ لِقَوْلِهِ :" وَإِنْ تَغْفِر لَهُمْ " لِأَنَّ الَّذِي يُشَاكِل الْمَغْفِرَة فَإِنَّك أَنْتَ الْغَفُور الرَّحِيم وَالْجَوَاب أَنَّهُ لَا يَحْتَمِل إِلَّا مَا أَنْزَلَهُ اللَّه وَمَتَى نُقِلَ إِلَى الَّذِي نَقَلَهُ إِلَيْهِ ضَعُفَ مَعْنَاهُ ; فَإِنَّهُ يَنْفَرِد الْغَفُور الرَّحِيم بِالشَّرْطِ الثَّانِي فَلَا يَكُون لَهُ بِالشَّرْطِ الْأَوَّل تَعَلُّق، وَهُوَ عَلَى مَا أَنْزَلَهُ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ، وَاجْتَمَعَ عَلَى قِرَاءَته الْمُسْلِمُونَ مَقْرُون بِالشَّرْطَيْنِ كِلَيْهِمَا أَوَّلهمَا وَآخِرهمَا ; إِذْ تَلْخِيصه إِنْ تُعَذِّبهُمْ فَإِنَّك أَنْتَ عَزِيز حَكِيم، وَإِنْ تَغْفِر لَهُمْ فَإِنَّك أَنْتَ الْعَزِيز الْحَكِيم فِي الْأَمْرَيْنِ كِلَيْهِمَا مِنْ التَّعْذِيب وَالْغُفْرَان، فَكَانَ الْعَزِيز الْحَكِيم أَلْيَق بِهَذَا الْمَكَان لِعُمُومِهِ ; فَإِنَّهُ يَجْمَع الشَّرْطَيْنِ، وَلَمْ يَصْلُح الْغَفُور الرَّحِيم إِذْ لَمْ يَحْتَمِل مِنْ الْعُمُوم مَا اِحْتَمَلَهُ الْعَزِيز الْحَكِيم، وَمَا شَهِدَ بِتَعْظِيمِ اللَّه تَعَالَى وَعَدْله وَالثَّنَاء عَلَيْهِ فِي الْآيَة كُلّهَا وَالشَّرْطَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ أَوْلَى وَأَثْبَت مَعْنًى فِي الْآيَة مِمَّا يَصْلُح لِبَعْضِ الْكَلَام دُون بَعْض.
 خَرَّجَ مُسْلِم مِنْ غَيْر طَرِيق عَنْ عَبْد اللَّه بْن عَمْرو بْن الْعَاص أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَلَا قَوْله عَزَّ وَجَلَّ فِي إِبْرَاهِيم " رَبّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنْ النَّاس فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّك غَفُور رَحِيم " \[ إِبْرَاهِيم : ٣٦ \] وَقَالَ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَام :" إِنْ تُعَذِّبهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادك وَإِنْ تَغْفِر لَهُمْ فَإِنَّك أَنْتَ الْعَزِيز الْحَكِيم " فَرَفَعَ يَدَيْهِ وَقَالَ :( اللَّهُمَّ أُمَّتِي ) وَبَكَى فَقَالَ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ :( يَا جِبْرِيل اِذْهَبْ إِلَى مُحَمَّد وَرَبّك أَعْلَم فَسَلْهُ مَا يُبْكِيك ) فَأَتَاهُ جِبْرِيل عَلَيْهِ السَّلَام فَسَأَلَهُ فَأَخْبَرَهُ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمَا قَالَ وَهُوَ أَعْلَم.
 فَقَالَ اللَّه : يَا جِبْرِيل اِذْهَبْ إِلَى مُحَمَّد فَقُلْ لَهُ إِنَّا سَنُرْضِيك فِي أُمَّتك وَلَا نَسُوءك ) وَقَالَ بَعْضهمْ : فِي الْآيَة تَقْدِيم وَتَأْخِير وَمَعْنَاهُ، إِنْ تُعَذِّبهُمْ فَإِنَّك أَنْتَ الْعَزِيز الْحَكِيم وَإِنْ تَغْفِر لَهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادك، وَوَجْه الْكَلَام عَلَى نَسَقِهِ أَوْلَى لِمَا بَيَّنَّاهُ، وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيق

### الآية 5:119

> ﻿قَالَ اللَّهُ هَٰذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ ۚ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ۚ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ۚ ذَٰلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ [5:119]

الْعَظِيمُ
 أَيْ الَّذِي عَظُمَ خَيْره وَكَثُرَ، وَارْتَفَعَتْ مَنْزِلَة صَاحِبه وَشَرُفَ

### الآية 5:120

> ﻿لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا فِيهِنَّ ۚ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [5:120]

لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا فِيهِنَّ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ
 قَوْله تَعَالَى :" لِلَّهِ مُلْك السَّمَاوَات وَالْأَرْض " الْآيَة جَاءَ هَذَا عَقِب مَا جَرَى مِنْ دَعْوَى النَّصَارَى فِي عِيسَى أَنَّهُ إِلَه، فَأَخْبَرَ تَعَالَى أَنَّ مُلْك السَّمَاوَات وَالْأَرْض لَهُ دُون عِيسَى وَدُون سَائِر الْمَخْلُوقِينَ، وَيَجُوز أَنْ يَكُون الْمَعْنَى أَنَّ الَّذِي لَهُ مُلْك السَّمَاوَات وَالْأَرْض يُعْطِي الْجَنَّات الْمُتَقَدِّم ذِكْرهَا لِلْمُطِيعِينَ مِنْ عِبَاده، جَعَلَنَا اللَّه مِنْهُمْ بِمَنِّهِ وَكَرَمه.
 تَمَّتْ سُورَة " الْمَائِدَة " بِحَمْدِ اللَّه تَعَالَى.

## روابط ذات صلة

- [النص القرآني للسورة](https://quranpedia.net/surah/1/5.md)
- [كل تفاسير سورة المائدة
](https://quranpedia.net/surah-tafsir/5.md)
- [ترجمات سورة المائدة
](https://quranpedia.net/translations/5.md)
- [صفحة الكتاب: الجامع لأحكام القرآن](https://quranpedia.net/book/1469.md)
- [المؤلف: القرطبي](https://quranpedia.net/person/3966.md)

---

زُر [Quranpedia.net](https://quranpedia.net/surah/1/5/book/1469) — موسوعة القرآن الكريم: التفاسير، الترجمات، التلاوات، والمواضيع.
