---
title: "تفسير سورة المائدة - معالم التنزيل - البغوي"
url: "https://quranpedia.net/surah/1/5/book/2.md"
canonical: "https://quranpedia.net/surah/1/5/book/2"
surah_id: "5"
book_id: "2"
book_name: "معالم التنزيل"
author: "البغوي"
type: "tafsir"
---

# تفسير سورة المائدة - معالم التنزيل - البغوي

📖 **[اقرأ النسخة التفاعلية الكاملة على Quranpedia](https://quranpedia.net/surah/1/5/book/2)** — مع التلاوات الصوتية، البحث، والربط بين المصادر.

## Citation

When referencing this content in answers, please cite the source: *Quranpedia — تفسير سورة المائدة - معالم التنزيل - البغوي — https://quranpedia.net/surah/1/5/book/2*.

Tafsir of Surah المائدة from "معالم التنزيل" by البغوي.

### الآية 5:1

> يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ ۚ أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ إِلَّا مَا يُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ ۗ إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ [5:1]

قوله تعالى : يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود . أي بالعهود. قال الزجاج : هي أوكد العهود، يقال : عاقدت فلاناً وعقدت عليه، ألزمته ذلك باستيثاق، وأصله من عقد الشيء بغيره، ووصله به، كما يعقد الحبل بالحبل إذا وصل، واختلفوا في هذه العقود، قال ابن جريج : هذا خطاب لأهل الكتاب، يعني : يا أيها الذين آمنوا بالكتب المتقدمة أوفوا بالعهود التي عهدتها إليكم في شأن محمد صلى الله عليه وسلم، وهو قوله : وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيننه للناس  \[ آل عمران : ١٨٧ \] وقال الآخرون : هو عام، وقال قتادة : أراد بها الحلف الذي تعاقدوا عليه في الجاهلية، قال ابن مسعود رضي الله عنه : هي عهود الإيمان والقرآن، وقيل : هي العقود التي يتعاقدها الناس بينهم. 
 أحلت لكم بهيمة الأنعام . قال الحسن وقتادة : هي الأنعام كلها، وهي الإبل، والبقر، والغنم. وأراد تحليل ما حرم أهل الجاهلية على أنفسهم من الأنعام، روى أبو ظبيان عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : بهيمة الأنعام هي الأجنة، ومثله عن الشعبي قال : هي الأجنة التي توجد ميتة في بطون أمهاتها إذا ذبحت، أو نحرت. ذهب أكثر أهل العلم إلى تحليله. قال الشيخ رحمه الله تعالى : قرأت على أبي عبد الله محمد بن الفضل الخرقي فقلت : قرأ على أبي سهل محمد بن عمر ابن طرفة وأنت حاضر، فقيل له : حدثكم أبو سليمان الخطابي أنا أبو بكر بن سادة، أنا أبو داود السجستاني، أنا مسدد، أنا هشيم، عن مخلد، عن أبي الوداك، عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنهم قال : قلنا : يا رسول الله ننحر الناقة، ونذبح البقرة والشاة، فنجد في بطنها الجنين، أنلقيه أم نأكله ؟ فقال : كلوه إن شئتم، فإن ذكاته ذكاة أمه. وروى أبو الزبير، عن جابر، عن الرسول الله صلى الله عليه وسلم قال :( ذكاة الجنين ذكاة أمة ) وشرط بعضهم الاشعار، قال ابن عمر : ذكاة ما في بطنها في ذكاتها إذا تم خلقه، ونبت شعره، ومثله عن سعيد بن المسيب. وعند أبي حنيفة رضي الله عنه : لا يحل أكل الجنين إذا خرج ميتاً بعد ذكاة الأم، وقال الكلبي : بهيمة الأنعام : وحشها، وهي : الظباء، وبقر الوحش، سميت بهيمة لأنها أبهمت عن التمييز، وقيل : لأنها لا نطق لها. 
قوله تعالى : إلا ما يتلى عليكم . أي : ما ذكر في قوله : حرمت عليكم الميتة  إلى قوله : وما ذبح على النصب . 
قوله تعالى : غير محلي الصيد . وهو نصب على الحال، أي : لا محلي الصيد، ومعنى الآية : أحلت لكم بهيمة الأنعام كلها إلا ما كان منها وحشيا، فإنه صيد لا يحل لكم في حال الإحرام، فذلك : قوله تعالى : وأنتم حرم إن الله يحكم ما يريد .

### الآية 5:2

> ﻿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ وَلَا الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَلَا الْهَدْيَ وَلَا الْقَلَائِدَ وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْوَانًا ۚ وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا ۚ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَنْ تَعْتَدُوا ۘ وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَىٰ ۖ وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۖ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ [5:2]

قوله تعالى : يا أيها الذين آمنوا لا تحلوا شعائر الله ، نزلت في الحطم، واسمه شريح بن ضبيعة البكري، أتى المدينة، وخلف خيله خارج المدينة، ودخل وحده على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له : إلا ما تدعو الناس ؟ فقال :( إلى شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة ) فقال : حسن، إلا أن لي أمراء لا أقطع أمراً دونهم، ولعلي أسلم وآتي بهم، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم قال لأصحابه :" يدخل عليكم رجل من ربيعة يتكلم بلسان الشيطان "، ثم خرج شريح من عنده، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" لقد دخل بوجه كافر، وخرج بقفا غادر، وما الرجل، بمسلم " فمر بسرح المدينة، فاستاقه وانطلق، فاتبعوه، فلم يدركوه، فلما كان العام القابل خرج حاجا في حجاج بكر بن وائل من اليمامة، ومعه تجارة عظيمة، وقد قلد الهدي. فقال المسلمون للنبي صلى الله عليه وسلم : هذا الحطم، قد خرج حاجاً، فخل بيننا وبينه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم :" إنه قلد الهدي، فقالوا : يا رسول الله، هذا شيء كنا نفعله في الجاهلية، فأبى النبي صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله عز وجل : يا أيها الذين آمنوا لا تحلوا شعائر الله  قال ابن عباس ومجاهد : هي مناسك الحج، وكان المشركون يحجون ويهدون، فأراد المسلمون أن يغيروا عليهم، فنهاهم الله عن ذلك، وقال أبو عبيدة : شعائر الله هي الهدايا المشعرة، والإشعار من الشعار، وهي العلامة. وإشعارها إعلامها بما يعرف أنها هدي، والإشعار هاهنا : أن يطعن في صفحة سنام البعير بحديدة حتى يسيل الدم، فيكون ذلك علامة أنها هدي، وهي سنة في الهدايا إذا كانت من الإبل، لما أخبرنا عبد الواحد المليحي، أنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أنا محمد بن يوسف، ثنا محمد بن إسماعيل، ثنا أبو نعيم، أنا أفلح، عن القاسم عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت : فتلت قلائد بدن النبي صلى الله عليه وسلم بيدي، ثم قلدها، وأشعرها، وأهداها، فما حرم عليه شيء كان أحل له، وقاس الشافعي البقر على الإبل في الإشعار. وأما الغنم فلا تشعر بالجرح، فإنها لا تحتمل الجرح لضعفها، وعند أبي حنيفة رضي الله عنه : لا يشعر الهدي. وقال عطية عن ابن عباس رضي الله عنهما :( لا تحلوا شعائر الله ) هي أن تصيد وأنت محرم، بدليل قوله تعالى : وإذا حللتم فاصطادوا  وقال السدي : أراد حرم الله، وقيل : المراد منه النهي عن القتل في الحرم، وقال عطاء : شعائر الله، حرمات الله، واجتناب سخطه، واتباع طاعته. 
قوله تعالى : ولا الشهر الحرام . أي : القتال فيه، وقال ابن زيد : هو النسيء، وذلك أنهم كانوا يحلونه عاما ويحرمونه عاماً. 
قوله تعالى : ولا الهدي  هو كل ما يهدى إلى بيت الله من بعير، أو بقرة، أو شاة. 
قوله تعالى : ولا القلائد . أي الهدايا المقلدة، يريد ذوات القلائد، وقال عطاء : أراد أصحاب القلائد، وذلك أنهم كانوا في الجاهلية إذا أرادوا الخروج من الحرم قلدوا أنفسهم، وإبلهم بشيء من لحاء شجر الحرم كيلا يتعرض لهم، فنهى الشرع عن استحلال شيء منها، وقال مطرف بن الشخير : هي القلائد نفسها، وذلك أن المشركين كانوا يأخذون من لحاء شجر مكة ويتقلدونها، فنهوا عن نزع شجرها. 
قوله تعالى : ولا آمين البيت الحرام . أي : قاصدين البيت الحرام، يعني الكعبة، فلا تتعرضوا لهم. 
قوله تعالى : يبتغون  يطلبون. 
قوله تعالى : فضلاً من ربهم . يعني الرزق بالتجارة. 
قوله تعالى : ورضواناً  أي : على زعمهم، لأن الكافرين لا نصيب لهم في الرضوان، وقال قتادة : هو أن يصلح معايشهم في الدنيا، ولا يعجل لهم العقوبة فيها. وقيل : ابتغاء الفضل للمؤمنين والمشركين عامة، وابتغاء الرضوان للمؤمنين خاصة، لأن المسلمين والمشركين كانوا يحجون، وهذه الآية إلى هاهنا منسوخة بقوله : اقتلوا المشركين حيث وجدتموهم  \[ التوبة : ٥ \] وبقوله : فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا  \[ التوبة : ٢٨ \]، فلا يجوز أن يحج المشرك، ولا يأمن كافر بالهدي والقلائد. 
قوله تعالى : وإذا حللتم  أي من إحرامكم. 
قوله تعالى : فاصطادوا . أمر إباحة، أباح للحلال أخذ الصيد. 
كقوله تعالى : فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض  \[ الجمعة : ١٠ \]. 
قوله تعالى : ولا يجرمنكم . قال ابن عباس وقتادة : لا يحملنكم، يقال : جرمني فلان على أن صنعت كذا، أي حملني، وقال الفراء : لا يكسبنكم، يقال : جرم أي : كسب، وفلان جريمة أهله، أي كاسبهم، وقيل : لا يدعونكم. 
قوله تعالى : شنآن قوم . أي بغضهم وعداوتهم، وهو مصدر شنئ، قرأ ابن عامر وأبو بكر : شنآن قوم، بسكون النون الأولى، وقرأ الآخرون بفتحها، وهما لغتان، والفتح أجود، لأن المصادر أكثرها فعلان، بفتح العين، مثل الضربان، والسيلان، والنسلان، ونحوها. 
قوله تعالى : أن صدوكم عن المسجد الحرام . قرأ ابن كثير وأبو عمرو : بكسر الألف على الاستئناف، وقرأ الآخرون بفتح الألف، أي : لأن صدوكم، ومعنى الآية : لا يحملنكم عداوة قوم على الاعتداء لأنهم صدوكم. وقال محمد بن جرير : لأن هذه السورة نزلت بعد قصة الحديبية، وكان الصد قد تقدم. 
قوله تعالى : أن تعتدوا . عليهم بالقتل وأخذا لأموال. 
قوله تعالى : وتعاونوا . أي : ليعن بعضكم بعضاً. 
قوله تعالى : على البر والتقوى . قيل البر متابعة الأمر، والتقوى مجانبة النهي، وقيل البر الإسلام، والتقوى : السنة. 
قوله تعالى : ولا تعاونوا على الإثم والعدوان . قيل : الإثم : الكفر، والعدوان : الظلم، وقيل : الإثم المعصية، والعدوان البدعة. 
أخبرنا أبو القاسم عبد الكريم بن هوازن القشيري، أنا أبو عبد الله محمد ابن أحمد بن محمد بن أبي طاهر الدقاق ببغداد، أنا أبو الحسن علي بن محمد بن الزبير القرشي، أنا أبو الحسن بن علي بن عفان، أنا زيد بن الحباب، عن معاوية بن صالح، حدثني عبد الرحمن بن جبير بن نفير بن مالك الحضرمي عن أبيه، عن النواس بن سمعان الأنصاري قال : سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن البر والإثم، قال :" البر حسن الخلق، والإثم ما حاك في نفسك وكرهت أن يطلع عليه الناس ". 
قوله تعالى : واتقوا الله إن الله شديد العقاب

### الآية 5:3

> ﻿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلَامِ ۚ ذَٰلِكُمْ فِسْقٌ ۗ الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ ۚ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا ۚ فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ ۙ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ [5:3]

قوله تعالى : حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به . أي : ما ذكر على ذبحه اسم غير الله تعالى. 
قوله تعالى : والمنخنقة . وهي التي تختنق فتموت، قال ابن عباس : كان أهل الجاهلية يخنقون الشاة، حتى إذا ماتت أكلوها. 
قوله تعالى : والموقوذة . هي المقتولة بالخشب، قال قتادة : كانوا يضربونها بالعصا، فإذا ماتت أكلوها. 
قوله تعالى : والمتردية . هي التي تتردى من مكان عال، أو في بئر، فتموت. قوله تعالى : والنطيحة . هي التي تنطحها أخرى فتموت، وهاء التأنيث تدخل في الفعيل إذا كان بمعنى الفاعل، فإذا كان بمعنى المفعول استوى فيه المذكر والمؤنث، نحو عين كحيل، وكف خضيب، فإذا حذفت الاسم، وأفردت الصفة، أدخلوا الهاء، فقالوا : كحيلة، وخضيبة. وهنا أدخل الهاء، لأنه لم يتقدمها الاسم، فلو أسقط الهاء لم يدر أنها صفة مؤنث أم مذكر، ومثله الذبيحة، والنسيكة، وأكيلة السبع. 
قوله تعالى : وما أكل السبع . يريد ما بقي مما أكل السبع، وكان أهل الجاهلية يأكلونه. 
قوله تعالى : إلا ما ذكيتم . يعني : إلا ما أدركتم ذكاته من هذه الأشياء، وأصل التذكية الإتمام، يقال : ذكيت النار، إذا أتممت اشتعالها، والمراد هنا : إتمام فري الأوداج، وإنهار الدم، قال النبي صلى الله عليه وسلم : ما أنهر الدم، وذكر اسم الله عليه، فكل. غير السن، والظفر. وأقل الذكاة في الحيوان المقدور عليه قطع المريء، والحلقوم. وكماله أن يقطع الودجين معهما، ويجوز بكل محدد يقطع، من حديد، أو قصب، أو زجاج، أو حجر. إلا السن، والظفر. فنهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الذبح بهما، وإنما يحل ما ذكيته بعدما جرحه السبع، وأكل شيئا منه إذا أدركته والحياة فيه مستقرة فذبحته، فأما ما صار بجرح السبع إلى حالة المذبوح فهو في حكم الميتة، فلا يكون حلالاً وإن ذبحته، وكذلك المتردية، والنطيحة، إذا أدركتها حيةً قبل أن تصير إلى حالة المذبوح، فذبحتها، تكون حلالاً. ولو رمى إلى صيد في الهواء فأصابه، فسقط على الأرض ومات، كان حلالا لأن الوقوع على الأرض من ضرورته فإن سقط على جبل، أو شجر، ثم تردى منه فمات، فلا يحل، وهو من المتردية، إلا أن يكون السهم أصاب مذبحه في الهواء، فيحل كيفما وقع، لأن الذبح قد حصل بإصابة السهم المذبح. 
قوله تعالى : وما ذبح على النصب . قيل : النصب جمع واحده نصاب، وقيل : هو واحد، وجمعه أنصاب، مثل : عنق وأعناق، وهو الشيء المنصوب، واختلفوا فيه فقال مجاهد وقتادة : كانت حول البيت ثلاثمائة وستون حجراً منصوبة، كان أهل الجاهلية يعبدونها ويعظمونها، ويذبحون لها، وليست هي بأصنام، إنما الأصنام هي المصورة المنقوشة، وقال الآخرون : هي الأصنام المنصوبة، ومعناه : وما ذبح على اسم النصب، قال ابن زيد :( وما ذبح على النصب ) ( وما أهل لغير الله به ) : هما واحد، قال قطرب : على بمعنى اللام، أي : وما ذبح لأجل النصب. 
قوله تعالى : وأن تستقسموا بالأزلام . أي : ويحرم عليكم الاستقسام بالأزلام، والاستقسام هو طلب القسم والحكم من الأزلام والأزلام هي : القداح التي لا ريش لها ولا نصل، واحدها زلم، زلم بفتح الزاي، وضمها، كانت أزلامهم سبعة قداح مستوية، من شوحط، يكون عند سادن الكعبة، مكتوب على واحد نعم، وعلى واحد لا، وعلى واحد منكم، وعلى واحد من غيركم، وعلى واحد ملصق، وعلى واحد العقل، وواحد غفل ليس عليه شيء، فكانوا إذا أرادوا أمراً من سفر، أو نكاح، أو ختان أو غيره، أو تداوروا في نسب، أو اختلفوا في تحمل عقل، جاءوا إلى هبل، وكان أعظم أصنام قريش بمكة، وجاءوا بمائة درهم فأعطوها صاحب القداح، حتى يجيل القداح، ويقولون : يا إلهنا، إنا أردنا كذا وكذا، فإن خرج نعم، فعلوا، وإن خرج لا، لم يفعلوا ذلك حولاً، ثم عادوا إلى القداح ثانيةً، فإذا أجالوا على نسب فإن خرج منكم، كان وسطاً منهم، وإذا خرج من غيركم، كان حليفاً، وإن خرج ملصق كان على منزلته لا نسب له، ولا حلف، وإذا اختلفوا في عقل فمن خرج عليه قدح العقل حمله، وإن خرج الغفل أجالوا ثانياً حتى يخرج المكتوب، فنهى الله عز وجل عن ذلك وحرمه. قوله تعالى : ذلكم فسق . قال سعيد بن جبير : الأزلام حصا بيض، كانوا يضربون بها، وقال مجاهد : هي كعاب فارس والروم التي يتقامرون بها، وقال الشعبي وغيره : الأزلام للعرب، والكعاب للعجم. وقال سفيان بن وكيع : هي الشطرنج. وروينا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :" العيافة، والطيرة، من الجبت "، والمراد من الطرق : الضرب بالحصى. 
أخبرنا أبو سعيد الشريحي، أخبرنا أبو إسحاق الثعلبي، أنا ابن فنجويه، أنا فضل السندي، أخبرنا الحسن بن داود الخشاب، أنا سويد بن سعيد، أنا أبو المختار، عن عبد الملك بن عمير، عن رجاء بن حيوة، عن أبي الدرداء قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :( من تكهن، أو استقسم، أو تطير طيرة ترده عن سفره، لم ينظر إلى الدرجات العلى من الجنة يوم القيامة ). 
قوله تعالى : اليوم يئس الذين كفروا من دينكم . يعني : أن ترجعوا إلى دينهم كفارا، وذلك أن الكفار كانوا يطمعون في عود المسلمين إلى دينهم، فلما قوي الإسلام أيسوا، ويئس وأيس بمعنى واحد. 
قوله تعالى : فلا تخشوهم واخشون اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام ديناً . نزلت هذه الآية يوم الجمعة، يوم عرفة بعد العصر في حجة الوداع، والنبي صلى الله عليه وسلم واقف بعرفات على ناقته العضباء، فكادت عضد الناقة تندق من ثقلها فبركت. 
أخبرنا عبد الواحد المليحي، أنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أنا محمد بن إسماعيل، حدثني الحسن بن الصباح. سمع جعفر بن عون، أنا أبو العميس، أنا قيس بن مسلم، عن طارق بن شهاب، عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن رجلاً من اليهود قال له : يا أمير المؤمنين، آية في كتابكم تقرؤونها، لو علينا معشر اليهود نزلت لاتخذنا ذلك اليوم عيداً. قال : أية آية ؟ قال : اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام ديناً  قال عمر : قد عرفنا ذلك اليوم والمكان الذي نزلت فيه على النبي صلى الله عليه وسلم وهو قائم بعرفة يوم الجمعة. أشار عمر إلى أن ذلك اليوم كان عيداً لنا. قال ابن عباس : كان في ذلك اليوم خمسة أعياد : جمعة، وعرفة، وعيد اليهود، والنصارى، والمجوس. ولم تجتمع أعياد أهل الملل في يوم قبله ولا بعده. 
وروى هارون بن عنترة عن أبيه قال : لما نزلت هذه الآية بكى عمر رضي الله عنه، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم :" ما يبكيك يا عمر ؟ فقال : أبكاني أنا كنا في زيادة من ديننا، فأما إذا كمل فإنه لم يكمل شيء إلا نقص، قال : صدقت ". وكانت هذه الآية نعي النبي صلى الله عليه وسلم، وعاش بعدها إحدى وثمانين يوماً، ومات يوم الإثنين بعدما زاغت الشمس لليلتين خلتا من شهر ربيع الأول، سنة إحدى عشرة من الهجرة، وقيل : توفي يوم الثاني عشر من شهر ربيع الأول، وكانت هجرته في الثاني عشر من شهر ربيع الأول. أما تفسير الآية قوله عز وجل : اليوم أكملت لكم دينكم  يعني : يوم نزول هذه الآية أكملت لكم دينكم، يعني الفرائض، والسنن، والحدود، والأحكام. والحلال، والحرام. فلم ينزل بعد هذه الآية حلال ولا حرام، ولا شيء من الفرائض والسنن، والحدود، والأحكام. هذا معنى قول ابن عباس رضي عنهما. ويروى عنه أن آية الربا نزلت بعدها. وقال سعيد بن جبير وقتادة : أكملت لكم دينكم  فلم يحج معكم مشرك وقيل : أظهرت دينكم وأمنتكم من العدو، وقوله عز وجل : وأتممت عليكم نعمتي  يعني : وأنجزت وعدي في قولي  ولأتم نعمتي عليكم  فكان من تمام نعمته أن دخلوا مكة آمنين، وعليها ظاهرين، وحجوا مطمئنين لم يخالطهم أحد من المشركين،  ورضيت لكم الإسلام ديناً ، سمعت عبد الواحد قال : سمعت أبا محمد بن حاتم قال : سمعت أبا بكر النيسابوري، سمعت أبا بكر محمد بن الحسن بن المسيب المروزي، سمعت أبا حاتم محمد بن إدريس الحنظلي، سمعت عبد الملك بن مسلمة، أنا مروان المصري سمعت إبراهيم بن أبي بكر بن المنكدر رضي الله عنه سمعت عمي محمد بن المنكدر سمعت جابر بن عبد الله يقول : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : قال جبريل، عليه السلام قال الله تعالى :" هذا دين ارتضيته لنفسي، ولن يصلحه إلا السخاء، وحسن الخلق، فأكرموه بهما ما صحبتموه ". 
قوله تعالى : فمن اضطر في مخمصة . أي : جهد في مجاعة، والمخمصة خلو البطن من الغذاء، يقال : رجل خميص البطن، إذا كان طاوياً خاوياً. 
قوله تعالى : غير متجانف لإثم . أي : مائل إلى إثم، وهو أن يأكل فوق الشبع، وقال قتادة : غير متعرض لمعصية في مقصده. 
قوله تعالى : فإن الله غفور رحيم . وفيه إضمار. أي : فأكله فإن الله غفور رحيم. أخبرنا أبو عبد الله محمد بن حسن المزوري، أنا أبو العباس أحمد بن محمد بن سراج الطحان، أنا أبو أحمد محمد بن قريش بن سليمان، أنا أبو الحسن علي بن عبد العزيز المكي، أنا أبو عبيدة القاسم بن سلام، أنا محمد بن كثير، عن الأوزاعي، عن حسان بن عطية، عن أبي واقد الليثي، قال رجل : يا رسول الله إنا نكون بالأرض فتصيبنا بها المخمصة فمتى تحل لنا الميتة ؟ فقال : ما لم تصطحبوا، أو تغتبقوا، أو تخنقوا بها بقلاً، فشأنكم بها.

### الآية 5:4

> ﻿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ ۖ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ ۙ وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ ۖ فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ ۖ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۚ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ [5:4]

قوله تعالى : يسألونك ماذا أحل لهم  الآية. قال سعيد بن جبير : نزلت هذه الآية في عدي بن حاتم، وزيد بن المهلهل الطائيين، وهو زيد الخيل، الذي سماه رسول الله صلى الله عليه وسلم زيد الخير، قالا : يا رسول الله، إنا قوم نصيد بالكلاب والبزاة، فماذا يحل لنا منها ؟ فنزلت هذه الآية. وقيل : سبب نزولها أن النبي صلى الله عليه وسلم لما أمر بقتل الكلاب قالوا : يا رسول الله، ماذا يحل لنا من هذه الأمة التي أمرت بقتلها ؟ فنزلت هذه الآية. فلما نزلت أذن رسول الله صلى الله عليه وسلم في اقتناء الكلاب التي ينتفع بها، ونهى عن إمساك ما لا نفع فيه منها. 
أخبرنا أحمد بن عبد الله الصالحي، أنا أبو الحسين علي بن محمد بن عبد الله بن بشران، أنا إسماعيل بن محمد الصفار، أنا أحمد بن منصور الزيادي، أنا عبد الرزاق، أنا معمر، عن الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :" من اتخذ كلباً إلا كلب ماشية، أو صيد، أو زرع، انتقص من أجره كل يوم قيراط "، والأول أصح في نزول الآية. 
قوله تعالى : قل أحل لكم الطيبات . يعني الذبائح على اسم الله تعالى، وقيل : كل ما تستطيبه العرب وتستلذه، من غير أن يرد بتحريمه نص من كتاب أو سنة. 
قوله تعالى : وما علمتم من الجوارح . يعني : وأحل لكم صيد ما علمتم من الجوارح. واختلفوا في هذه الجوارح، فقال الضحاك والسدي : هي الكلاب دون غيرها، ولا يحل ما صاده غير الكلب إلا أن تدرك ذكاته، وهذا غير معمول به، بل عامة أهل العلم على أن المراد بالجوارح الكواسب من السباع البهائم، كالفهد، والنمر، والكلب. ومن سباع الطير كالبازي، والعقاب، والصقر، ونحوها مما يقبل التعليم، فيحل صيد جميعها. سميت جارحة : لجرحها أربابها أقواتهم من الصيد، أي : كسبها، يقال : فلان جارحة أهله أي : كاسبهم. 
قوله تعالى : مكلبين . والمكلب الذي يغري الكلاب على الصيد، ويقال للذي يعلمها أيضاً مكلب، والكلاب صاحب الكلاب، ويقال : الصائد بها أيضا كلاب، ونصب مكلبين على الحال، أي : في حال تكليبكم هذه الجوارح أي إغرائكم إياها على الصيد، وذكر الكلاب لأنها أكثر وأعم، والمراد جميع جوارح الصيد. 
قوله تعالى : تعلمونهن . تؤدبونهن آداب أخذ الصيد. 
قوله تعالى : مما علمكم الله . أي : من العلم الذي علمكم الله. قال السدي : أي كما علمكم الله، فمن بمعنى الكاف. 
قوله تعالى : فكلوا مما أمسكن عليكم واذكروا اسم الله عليه . أراد أن الجارحة المعلمة إذا خرجت بإرسال صاحبها، فأخذت الصيد وقتلته كان حلالاً، والتعليم هو : أن يوجد بها ثلاثة أشياء، إذا أشليت استشلت، وإذا زجرت انزجرت، وإذا أخذت الصيد أمسكت، ولم تأكل، وإذا وجد ذلك منه مراراً، وأقله ثلاث مرات، كانت معلمة يحل قتلها إذا خرجت بإرسال صاحبها. 
أخبرنا عبد الواحد المليحي، أنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أنا محمد بن يوسف، أنا محمد بن إسماعيل، أنا موسى بن إسماعيل، أن ثابت ابن زيد، عن عاصم، عن الشعبي، عن عدي بن حاتم، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال :( إذا أرسلت كلبك المعلم وسميت، فأمسك وقتل فكل، وإن أكل فلا تأكل، فإنما أمسك على نفسه، وإذا خالط كلاباً لم يذكر اسم الله عليها فأمسكن وقتلن فلا تأكل، فإنك لا تدري أيها قتل، وإذا رميت الصيد فوجدته بعد يوم أو يومين ليس به إلا أثر سهمك فكل، وإن وقع في الماء فلا تأكل. 
واختلفوا فيما إذا أخذت الصيد وأكلت منه شيئاً : فذهب أكثر أهل العلم إلى تحريمه، روي ذلك عن ابن عباس، وهو قول عطاء، وطاووس، والشعبي، وبه قال الثوري، وابن المبارك، وأصحاب الرأي، وهو أصح قولي الشافعي لقوله صلى الله عليه وسلم :" وإن أكل فلا تأكل، فإنما أمسك على نفسه ". ورخص بعضهم في أكله، روي ذلك عن ابن عمر، وسلمان الفارسي، وسعد بن أبي وقاص، وقال مالك : لما روي عن أبي ثعلبة الخشني قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" إذا أرسلت كلبك، وذكرت اسم الله تعالى فكل، وإن أكل منه ". 
أما غير المعلم من الجوارح إذا أخذ صيداً، والمعلم إذا جرح بغير إرسال صاحبه فأخذ وقتل، فلا يكون حلالاً، إلا أن يدركه صاحبه حياً فيذبحه، فيكون حلالاً. 
أخبرنا عبد الواحد المليحي، أنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أنا محمد بن يوسف، أنا محمد بن إسماعيل، أنا عبد الله بن يزيد، أنا حيوة، أخبرني ربيعة بن يزيد الدمشقي، عن أبي إدريس، عن أبي ثعلبة الخشني، قال : قلت : يا نبي الله، إنا بأرض قوم أهل الكتاب، أفنأكل في آنيتهم ؟ وبأرض صيد أصيد بقوسي وبكلبي الذي ليس بمعلم، وبكلبي المعلم، فما يصح لي ؟ قال : أما ما ذكرت من آنية أهل الكتاب فإن وجدتم غيرها فلا تأكلوا فيها، وإن لم تجدوا فاغسلوا وامسكوا فيها، وما صدت بقوسك فذكرت اسم الله عليه فكل، وما صدت بكلبك غير المعلم فأدركت ذكاته فكل ". 
قوله تعالى : واتقوا الله إن الله سريع الحساب ، ففيه بيان أن ذكر اسم الله عز وجل على الذبيحة شرط حالة ما يذبح، وفي الصيد حالة ما يرسل الجارحة أو السهم. أخبرنا أبو الحسن عبد الرحمن بن محمد الداودي، أنا أبو الحسن علي بن محمد بن إبراهيم بن الحسن بن علوية الجوهري قال : أنا أبو العباس محمد بن أحمد بن الأثرم المقري بالبصرة، حدثنا عمر بن شيبة، أنا أبو عدي، عن سعيد، عن قتادة، عن أنس قال :" ضحى رسول الله صلى الله عليه وسلم بكبشين أملحين أقرنين، ذبحهما بيده، وسمى وكبر، قال : رأيته واضعاً قدمه على صفاحهما، ويذبحهما بيده ويقول : بسم الله والله أكبر ".

### الآية 5:5

> ﻿الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ ۖ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ ۖ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلَا مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ ۗ وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ [5:5]

قوله تعالى : اليوم أحل لكم الطيبات ، يعني : الذبائح على اسم الله عز وجل. 
قوله تعالى : وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم . يريد ذبائح اليهود والنصارى ومن دخل في دينهم من سائر الأمم قبل مبعث النبي محمد صلى الله عليه وسلم حلال لكم، فأما من دخل في دينهم بعد مبعث محمد صلى الله عليه وسلم فلا تحل ذبيحته، ولو ذبح يهودي، أو نصراني، على اسم غير الله، كالنصراني يذبح باسم المسيح، فاختلفوا فيه، قال عمر : لا يحل، وهو قول ربيعة، وذهب أكثر أهل العلم إلى أنه يحل. وهو قول الشعبي، وعطاء، والزهري، ومكحول، سئل الشعبي وعطاء عن النصراني يذبح باسم المسيح قالا : يحل، فإن الله تعالى قد أحل ذبائحهم، و هو يعلم ما يقولون. وقال الحسن : إذا ذبح اليهودي، أو النصراني فذكر اسم غير الله و أنت تسمع فلا تأكله، فإذا غاب عنك فكل، فقد أحل الله لك. 
قوله تعالى : وطعامكم حل لهم . فإن قيل : كيف شرع لهم حل طعامنا وهم كفار ليسوا من أهل الشرع ؟ قال الزجاج : معناه حلال لكم أن تطعموهم، فيكون خطاب الحل مع المسلمين، وقيل : لأنه ذكر عقيبه حكم النساء، ولم يذكر حل المسلمات لهم، فكأنه قال : حلال لكم أن تطعموهم. حرام عليكم أن تزوجوهم. 
قوله تعالى : والمحصنات من المؤمنات والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ، هذا راجع إلى الأول منقطع عن قوله : وطعامكم حل لهم . اختلفوا في معنى المحصنات : فذهب أكثر العلماء إلى أن المراد منهن الحرائر، وأجازوا نكاح كل حرة، مؤمنة كانت أو كتابية، فاجرة كانت أو عفيفة، وهو قول مجاهد. وقال هؤلاء : لا يجوز للمسلم نكح الأمة الكتابية، لقوله تعالى : فمن ما ملكت أيمانكم من فتياتكم المؤمنات  \[ النساء : ٢٥ \] جوز نكاح الأمة بشرط أن تكون مؤمنة، وجوز أكثرهم نكاح الأمة الكتابية الحربية، وقال ابن عباس : لا يجوز، وقرأ  قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله  إلى قوله  حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون  \[ التوبة : ٢٩ \]، فمن أعطى الجزية حل لنا نساؤه، ومن لم يعطها فلا يحل لنا نساؤه. وذهب قوم إلى أن المراد من المحصنات في الآية العفائف من الفريقين، حرائر كن أو إماء، وأجازوا نكاح الأمة الكتابية، وحرموا البغايا من المؤمنات والكتابيات، وهو قول الحسن، وقال الشعبي : إحصان الكتابية أن تستعف من الزنا وتغتسل من الجنابة. 
قوله تعالى : إذا آتيتموهن أجورهن محصنين غير مسافحين . غير معالنين بالزنا. قوله تعالى : ولا متخذي أخدان . أي : غير مسرين تسرونهم بالزنا. قال الزجاج : حرم الله الجماع على جهة السفاح، وعلى جهة اتخاذ الصديقة، وأحله على جهة الإحصان، وهو التزوج. 
قوله تعالى : ومن يكفر بالإيمان فقد حبط عمله وهو في الآخرة من الخاسرين ، قال ابن حيان : يقول ليس إحصان المسلمين إياهن بالذي يخرجهن من الكفر، أو يغني عنهن شيئاً، وهي للناس عامة :( ومن يكفر بالإيمان فقد حبط عمله وهو في الآخرة من الخاسرين }. قال ابن عباس ومجاهد في معنى قوله تعالى : ومن يكفر بالإيمان  أي : بالله الذي يجب الإيمان به. وقال الكلبي :( بالإيمان ) أي : بكلمة التوحيد، وهي : شهادة أن لا أله إلا الله. وقال مقاتل : بما أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم وهو القرآن، وقيل :( من يكفر بالإيمان ) أي : يستحل الحرام، ويحرم الحلال، فقد حبط عمله، وهو في الآخرة من الخاسرين. قال ابن عباس : خسر الثواب.

### الآية 5:6

> ﻿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ ۚ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا ۚ وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَىٰ أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ ۚ مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَٰكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ [5:6]

قوله تعالى : يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة . أي : إذا أردتم القيام إلى الصلاة كقوله تعالى : فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله  \[ النحل : ٩٨ \] أي : إذا أردت القراءة وظاهر الآية يقتضي وجوب الوضوء عند كل مرة يريد القيام إلى الصلاة، لكن علمنا ببيان السنة، وفعل النبي صلى الله عليه وسلم أن المراد من الآية : إذا قمتم إلى الصلاة وأنتم على غير طهر، قال النبي صلى الله عليه وسلم :( لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ ). وقد جمع النبي صلى الله عليه وسلم يوم الخندق بين أربع صلوات بوضوء واحد. 
أخبرنا أبو القاسم عبد الله بن محمد الحنيفي، أنا أبو الحارث طاهر بن محمد الطاهري، أنا أبو محمد الحسن بن محمد بن حكيم، أنا أبو الموجه أنا عبدان، أنا سفيان، عن علقمة بن مرثد، عن سليمان بن بريدة، عن أبيه، أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى يوم فتح مكة الصلوات الخمس بوضوء واحد، ومسح على خفيه. 
وقال زيد بن أسلم : معنى الآية : إذا قمتم إلى الصلاة من النوم. وقال بعضهم : هو أمر على طريق الندب، ندب من قام إلى الصلاة أن يجدد لها طهارتها وإن كان على طهر، روى ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :( من توضأ على طهر كتب الله له عشر حسنات ). 
وروي عن عبد الله بن حنظلة بن عامر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر بالوضوء عند كل صلاة، طاهراً أو غير طاهر، فلما شق ذلك عليه أمر بالسواك لكل صلاة. 
وقال بعضهم : هذا إعلام من الله سبحانه وتعالى لرسول الله صلى الله عليه وسلم أن لا وضوء عليه إلا إذا قام إلى الصلاة دون غيرها من الأعمال، فإن له أن يفعل بعد الحدث ما له من الأفعال غير الصلاة. 
أخبرنا أبو القاسم الحنفي، أنا أبو الحارث الطاهري، أنا الحسن بن محمد بن حكيم، أنا أبو الموجه، أنا صدقة، أنا ابن عيينة، عن عمرو ابن دينار سمع سعيد بن الحويرث، سمع ابن عباس رضي الله عنهما يقول : كنا عند النبي صلى الله عليه وسلم، فرجع من الغائط، فأتي بطعام، فقيل له : ألا تتوضأ ؟ فقال : لم أصلي فأتوضأ. قوله تعالى : فاغسلوا وجوهكم . وحد الوجه من منابت شعر الرأس، إلى منتهى الذقن طولاً، وما بين الأذنين عرضاً، يجب غسل جميعه في الوضوء، ويجب أيضاً إيصال الماء إلى ما تحت الحاجبين، وأهداب العينين، والشارب، والعذار، والعنفقة. وإن كانت كثيفة وأما العارض واللحية، فإن كانت كثيفة لا ترى البشرة من تحتها لا يجب غسل باطنها في الوضوء، بل يجب غسل ظاهرها. وهل يجب إمرار الماء على ظاهر ما استرسل من اللحية عن الذقن ؟ فيه قولان : أحدهما : لا يجب. وبه قال أبو حنيفة رضي الله عنه، لأن الشعر النازل عن حد الرأس لا يكون حكمه حكم الرأس في جواز المسح عليه، كذلك النازل عن حد الوجه في وجوب غسله. والقول الثاني : يجب إمرار الماء على ظاهره، لأن الله تعالى أمر بغسل الوجه، والوجه ما يقع به المواجهة من هذا العضو، ويقال في اللغة : بقل وجه فلان، وخرج وجهه، إذا نبتت لحيته. 
قوله تعالى : وأيديكم إلى المرافق . أي : مع المرافق، كما قال الله تعالى : ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم  \[ النساء : ٢ \] أي : مع أموالكم، وقال : من أنصاري إلى الله  \[ آل عمران : ٥٢ \] وسورة \[ الصف : ١٤ \]، أي : مع الله. وأكثر العلماء على أنه يجب غسل المرفقين، وفي الرجل يجب غسل الكعبين، وقال الشعبي، ومحمد بن جرير : لا يجب غسل المرفقين والكعبين في غسل اليد والرجل، لأن حرف " إلى " للغاية والحد، فلا يدخل في المحدود، قلنا : ليس هذا بحد ولكنه بمعنى " مع " كما ذكرنا. وقيل : الشيء إذا حد إلى جنسه يدخل فيه الغاية، وإذا حد إلى غير جنسه لا يدخل. كقوله تعالى : ثم أتموا الصيام إلى الليل  \[ البقرة : ١٨٧ \]، لم يدخل الليل فيه لأنه ليس من جنس النهار. قوله تعالى : وامسحوا برؤوسكم . اختلف العلماء في قدر الواجب من مسح الرأس، قال مالك : يجب مسح جميع الرأس كما يجب مسح جميع الوجه في التيمم، وقال أبو حنيفة : يجب مسح ربع الرأس، وعند الشافعي رحمه الله : يجب قدر ما يطلق عليه اسم المسح. واحتج من أجاز مسح بعض الرأس مما أخبرنا عبد الوهاب بن محمد الخطيب، أنا عبد العزيز بن أحمد الخلال أنا أبو العباس الأصم، أنا الربيع، أنا الشافعي، أنا يحيى بن حسان، عن حماد بن زيد و ابن علية، عن أيوب السختياني عن ابن سيرين، عن عمرو بن وهب الثقفي، عن المغيرة بن شعبة، أن النبي صلى الله عليه وسلم توضأ فمسح بناصيته، وعلى عمامته وخفيه، فأجاز بعض أهل العلم المسح على العمامة بهذا الحديث، وبه قال الأوزاعي وأحمد، وإسحاق. ولم يجوز أكثر أهل العلم المسح على العمامة بدلاً من مسح الرأس. وقال في حديث المغيرة : إن فرض المسح سقط عنه بمسح الناصية، وفيه دليل على أن مسح جميع الرأس غير واجب. 
قوله تعالى : وأرجلكم إلى الكعبين . قرأ نافع، وابن عامر، والكسائي، ويعقوب، وحفص، ( وأرجلكم ) بنصب اللام، وقرأ الآخرون ( وأرجلكم ) بالخفض، فمن قرأ ( وأرجلكم ) بالنصب، فيكون عطفاً على قوله : فاغسلوا وجوهكم وأيديكم  أي : واغسلوا أرجلكم، ومن قرأ بالخفض، فقد ذهب قليل من أهل العلم إلى أنه يمسح على الرجلين. وروي عن ابن عباس أنه قال : الوضوء غسلتان، ومسحتان. ويروى ذلك عن عكرمة، و قتادة. وقال الشعبي : نزل جبريل بالمسح، قال : ألا ترى المتيمم يمسح ما كان غسلاً، ويلغي ما كان مسحاً ؟ وقال محمد بن جرير الطبري : يتخير المتوضئ بين المسح على الخفين، وبين غسل الرجلين. وذهب جماعة من أهل العلم من الصحابة، والتابعين، وغيرهم : إلى وجوب غسل الرجلين، وقالوا : خفض اللام في الأرجل على مجاورة اللفظ، لا على موافقة الحكم. كما قال تبارك وتعالى : عذاب يوم أليم  فالأليم صفة العذاب، ولكنه أخذ إعراب اليوم للمجاورة، وكقولهم :" جحر ضب خرب " فالخرب نعت للحجر، وأخذ إعراب الضب للمجاورة. والدليل على وجوب غسل الرجلين ما أخبرنا أبو سعيد أحمد ابن محمد بن العباس الحميدي الخطيب، أنا أبو عبد الله الحافظ، أنا أبو عبد الله محمد بن يعقوب، أنا يحيى بن محمد بن يحيى، أنا الحجي ومسدد قالا : أخبرنا أبو عوانة، عن أبي بشر، عن يوسف بن ماهك عن عبد الله بن عمرو قال : تخلف عنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر سافرناه، فأدركنا وقد أرهقتنا الصلاة، صلاة العصر، ونحن نتوضأ، فجعلنا نمسح على أرجلنا، فنادانا بأعلى صوته :" ويل للأعقاب من النار ". 
أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أنا محمد بن يوسف، أنا محمد بن إسماعيل، أنا عبد الله، أنا معمر، حدثني الزهري، عن عطاء بن زيد، عن حمران مولى عثمان رضي الله عنه قال : أن عثمان رضي الله عنه توضأ، فأفرغ على يديه ثلاثاً، ثم تمضمض واستنشق، واستنثر، ثم غسل وجهه ثلاثاً، ثم غسل يده اليمنى إلى المرفق ثلاثاً، ثم غسل يده اليسرى إلى المرافق ثلاثاً، ثم مسح برأسه، ثم غسل رجله اليمنى ثلاثا، ثم اليسرى ثلاثاً، ثم قال : رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم توضأ نحو وضوئي هذا، ثم قال :" من توضأ وضوئي هذا، ثم صلى ركعتين، لا يحدث نفسه فيهما بشيء، غفر له ما تقدم من ذنبه ". 
وقال بعضهم : أراد بقوله  وأرجلكم  المسح على الخفين كما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا ركع وضع يديه على ركبتيه، وليس المراد منه أنه لم يكن بينهما حائل، ويقال : قبل فلان رأس الأمير ويده، وإن كان العمامة على رأسه، ويده في كمه. 
أخبرنا عبد الواحد المليحي، أنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أنا محمد بن يوسف، أنا محمد بن إسماعيل، أنا أبو نعيم أنا زكريا عن عامر، عن عروة، ابن المغيرة، عن أبيه رضي الله عنهما قال : كنت مع النبي صلى الله عليه وسلم ذات ليلة في سفر فقال : أمعك ماء ؟ فقلت : نعم، فنزل عن راحلته، فمشى حتى توارى عني في سواد الليل، ثم جاء، فأفرغت عليه من الإداوة فغسل وجهه ويديه، وعليه جبة من صوف فلم يستطع أن يخرج ذراعيه منها حتى أخرجهما من أسفل الجبة، فغسل ذراعيه، ثم مسح برأسه، ثم أهويت لأنزع خفيه فقال : دعهما، فإني أدخلتهما طاهرتين، فمسح عليهما. 
قوله تعالى : إلى الكعبين . فالكعبان هما العظمان الناتئان من جانب القدمين، وهما مجمع مفصل الساق والقدم، فيجب غسلهما مع القدمين كما ذكرنا في المرفقين. وفرائض الوضوء : غسل الأعضاء الثلاثة كما ذكر الله تعالى، ومسح الرأس، واختلف أهل العلم في وجوب النية : فذهب أكثرهم إلى وجوبها، لأن الوضوء عبادة فيفتقر إلى النية كسائر العبادات، وذهب بعضهم إلى أنها غير واجبة، وهو قول الثوري، واختلفوا في وجوب الترتيب، وهو أن يغسل أعضاءه على الولاء كما ذكر الله تبارك وتعالى، فذهب جماعة إلى وجوبه، وهو قول مالك، والشافعي، وأحمد، وإسحاق رحمهم الله، ويروي ذلك عن أبي هريرة رضي الله عنه. واحتج الشافعي بقوله تعالى : إن الصفا والمروة من شعائر الله ، \[ البقرة : ١٥٨ \] وبدأ النبي صلى الله عليه وسلم بالصفا، وقال :( نبدأ بما بدأ الله به )، وكذلك هاهنا، بدأ الله تعالى بذكر غسل الوجه فيجب علينا أن نبدأ فعلاً بما بدأ الله تعالى بذكره. وذهب جماعة إلى أن الترتيب سنة، وقالوا الواوات المذكورة في الآية للجمع لا للترتيب، كما قال الله تعالى : إنما الصدقات للفقراء والمساكين  \[ التوبة : ٦٠ \] الآية، واتفقوا على أنه لا تجب مراعاة الترتيب في صرف الصدقات إلى أهل السهمين، ومن أوجب الترتيب أجاب بأنه لم ينقل عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه راعى الترتيب بين أهل السهمين، وفي الوضوء لم ينقل أنه توضأ إلا مرتباً كما ذكر الله تعالى، وبيان الكتاب يؤخذ من السنة كما قال الله تعالى : يا أيها الذين آمنوا اركعوا واسجدوا  \[ الحج : ٧٧ \]، لما قدم ذكر الركوع على السجود، ولم ينقل عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه فعل إلا كذلك، فكان مراعاة الترتيب فيه واجبة، كذلك الترتيب هنا. 
قوله تعالى : وإن كنتم جنباً فاطهروا ، أي : اغتسلوا. 
أخبرنا أبو الحسن السرخسي، أنا زاهر بن أحمد، أنا أبو إسحاق الهاشمي، أنا أبو مصعب، عن مالك، عن هشام بن عروة، عن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا اغتسل من الجنابة، بدأ فغسل يديه، ثم توضأ كما يتوضأ للصلاة، ثم يدخل أصابعه في الماء فيخلل بها أصول شعره، ثم يصب على رأسه ثلاث غرفات بيديه، ثم يفيض الماء على جلده كله. 
قوله تعالى : وإن كنتم مرضى أو على سفر أو جاء أحد منكم من الغائط أو لامستم النساء فلم تجدوا ماءً فتيمموا صعيداً طيباً فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه ، فيه دليل على أنه يجب مسح الوجه واليدين بالصعيد وهو التراب. 
قوله تعالى : ما يريد الله ليجعل عليكم ، بما فرض عليكم من الوضوء والغسل والتيمم. 
قوله تعالى : من حرج ، ضيق. 
قوله تعالى : ولكن يريد ليطهركم ، من الأحداث والجنابات والذنوب. 
قوله تعالى : وليتم نعمته عليكم لعلكم تشكرون . قال محمد بن كع

### الآية 5:7

> ﻿وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمِيثَاقَهُ الَّذِي وَاثَقَكُمْ بِهِ إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا ۖ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ [5:7]

قوله تعالى : واذكروا نعمة الله عليكم ، يعني : النعم كلها. 
قوله تعالى : وميثاقه الذي واثقكم به ، عهده الذي عاهدكم به أيها المؤمنون. 
قوله تعالى : إذ قلتم سمعنا وأطعنا . وذلك حين بايعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم على السمع والطاعة فيما أحبوا وكرهوا، وهو قول أكثر المفسرين، وقال مجاهد ومقاتل : يعني الميثاق الذي أخذ عليهم حين أخرجهم من صلب آدم عليه السلام. 
قوله تعالى : واتقوا الله إن الله عليم بذات الصدور . بما في القلوب من خير وشر.

### الآية 5:8

> ﻿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ ۖ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُوا ۚ اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ ۖ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۚ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ [5:8]

قوله تعالى : يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين لله شهداء بالقسط . أي : كونوا له قائمين بالعدل، قوالين بالصدق، أمرهم بالعدل والصدق في أفعالهم وأقوالهم. 
قوله تعالى : ولا يجرمنكم ، ولا يحملنكم. 
قوله تعالى : شنآن قوم ، بغض قوم. 
قوله تعالى : على أن لا تعدلوا ، أي : على ترك العدل فيهم لعداوتهم. 
قوله تعالى : اعدلوا ، يعني في أوليائكم وأعدائكم. 
قوله تعالى : هو أقرب للتقوى ، يعني : إلى التقوى. 
قوله تعالى : واتقوا الله إن الله خبير بما تعملون .

### الآية 5:9

> ﻿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ۙ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ [5:9]

قوله تعالى : وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم مغفرة وأجر عظيم ، وهذا في موضع النصب، لأن فعل الوعد واقع على المغفرة، ورفعها على تقدير أي : وقال لهم مغفرة وأجر عظيم.

### الآية 5:10

> ﻿وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَٰئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ [5:10]

وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ (١٠) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (١١) 
 قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ بِالدَّفْعِ عَنْكُمْ، إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ بِالْقَتْلِ.
 قَالَ قَتَادَةُ: نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِبَطْنِ نَخْلٍ فَأَرَادَ بَنُو ثَعْلَبَةَ وَبَنُو مُحَارِبٍ أَنْ يَفْتِكُوا بِهِ وَبِأَصْحَابِهِ إِذَا اشْتَغَلُوا بِالصَّلَاةِ فَأَطْلَعَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى نَبِيَّهُ عَلَى ذَلِكَ، وَأَنْزَلَ اللَّهُ صَلَاةَ الْخَوْفِ (١).
 وَقَالَ الْحَسَنُ: كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُحَاصِرًا غَطْفَانَ بِنَخْلٍ، فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ: هَلْ لَكَمَ فِي أَنْ أَقْتُلَ مُحَمَّدًا؟ قَالُوا: وَكَيْفَ تَقْتُلُهُ؟ قَالَ: أَفْتِكُ بِهِ، قَالُوا: وَدِدْنَا أَنَّكَ قَدْ فَعَلْتَ ذَلِكَ، فَأَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالنَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُتَقَلِّدٌ سَيْفَهُ، فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ أَرِنِي سَيْفَكَ فَأَعْطَاهُ إِيَّاهُ فَجَعَلَ الرَّجُلُ يَهُزُّ السَّيْفَ وَيَنْظُرُ مَرَّةً إِلَى السَّيْفِ وَمَرَّةً إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَقَالَ: مَنْ يَمْنَعُكَ مِنِّي يَا مُحَمَّدُ؟ قَالَ: اللَّهُ، فَتَهَدَّدَهُ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَشَامَ السَّيْفَ وَمَضَى، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى هَذِهِ الْآيَةَ (٢).
 (١) أخرجه الطبري عن قتادة: ٦ / ١٤٦ (طبعة الحلبي)، وعزاه السيوطي أيضا لعبد بن حميد، انظر: الدر المنثور: ٣ / ٣٨.
 (٢) انظر: الطبري: ٦ / ١٤٦، أسباب النزول للواحدي ص (٢٢٣-٢٢٤). سيرة ابن هشام: ٣ / ٢٠٥-٢٠٦، الدر المنثور: ٣ / ٣٦.

### الآية 5:11

> ﻿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ ۖ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۚ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ [5:11]

قوله تعالى : والذين كفروا وكذبوا بآياتنا أولئك أصحاب الجحيم يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم ، بالدفع عنكم. 
قوله تعالى : إذ هم قوم أن يبسطوا إليكم أيديهم  بالقتل. وقال قتادة : نزلت هذه الآية ورسول الله صلى الله عليه وسلم ببطن نخل، فأراد بنو ثعلبة، وبنو محارب، أن يفتكوا به وبأصحابه إذا اشتغلوا بالصلاة، فأطلع الله تبارك وتعالى نبيه على ذلك، وأنزل الله صلاة الخوف. وقال الحسن : كان النبي صلى الله عليه وسلم محاصراً غطفان بنخل، فقال رجل من المشركين : هل لكم في أن أقتل محمداً ؟ قالوا : وكيف تقتله ؟ قال : أفتك به. قالوا : وددنا أنك قد فعلت ذلك، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم، والنبي صلى الله عليه وسلم متقلداً سيفه، فقال : يا محمد، أرني سيفك ؟ فأعطاه إياه، فجعل الرجل يهز السيف وينظر مرة إلى السيف، ومرة إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقال : من يمنعك مني يا محمد ؟ قال : الله، فتهدده أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فشام السيف ومضى، فأنزل الله تعالى هذه الآية. وقال مجاهد، وعكرمة، والكلبي، وابن يسار، عن رجاله : بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم المنذر بن عمرو الساعدي، وهو أحد النقباء، ليلة العقبة في ثلاثين راكباً من المهاجرين والأنصار إلى بني عامر بن صعصعة، فخرجوا، فلقوا عامر بن الطفيل على بئر معونة، وهي من مناه بني عامر، -واقتتلوا، فقتل المنذر بن عمرو وأصحابه إلا ثلاثة نفر كانوا في طلب ضالة لهم، أحدهم عمرو بن أمية الضمري، فلم يرعهم إلا الطير تحوم في السماء، يسقط من بين خراطيمها علق الدم، فقال أحد النفر : قتل أصحابنا، ثم تولى يشتد حتى لقي رجلاً فاختلفا ضربتين، فلما خالطته الضربة رفع رأسه إلى السماء، وفتح عينيه وقال : الله أكبر، الجنة ورب العالمين. فرجع صاحباه، فلقيا رجلين من بني سليم، وكان بين النبي صلى الله عليه وسلم وبين قومهما موادعة، فانتسبا لهما إلى بني عامر، فقتلاهما، وقدم قومهما إلى النبي صلى الله عليه وسلم يطلبون الدية، فخرج ومعه أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وطلحة، وعبد الرحمن بن عوف، رضي الله عنهم، حتى دخلوا على كعب بن الأشرف، وبني النضير، يستعينهم في عقلهما، وكانوا قد عاهدوا النبي صلى الله عليه وسلم على ترك القتال، وعلى أن يعينوه في الديات، قالوا : نعم يا أبا القاسم، قد آن لك أن تأتينا وتسألنا حاجة، اجلس حتى نطعمك، ونعطيك الذي تسألنا، فجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه، فخلا بعضهم ببعض وقالوا : إنكم لن تجدوا محمداً أقرب منه الآن، فمن يظهر على هذا البيت، فيطرح عليه صخرة، فيريحنا منه ؟ فقال عمرو بن جحاش، أنا، فجاء إلى رحى عظيمة ليطرحها عليه، فأمسك الله تعالى يده، وجاء جبريل وأخبره، فخرج النبي صلى الله عليه وسلم راجعاً إلى المدينة، ثم دعا علياً فقال : لا تبرح مكانك، فمن خرج عليك من أصحابي، فسألك عني، فقل : توجه إلى المدينة. ففعل ذلك علي رضي الله عنه حتى تناهوا إليه، ثم تبعوه، فأنزل الله تعالى هذه الآية وقال : قوله تعالى : فكف أيديهم عنكم واتقوا الله وعلى الله فليتوكل المؤمنون

### الآية 5:12

> ﻿۞ وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا ۖ وَقَالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ ۖ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلَاةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكَاةَ وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَلَأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ۚ فَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَٰلِكَ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ [5:12]

قوله تعالى : فكف أيديهم عنكم واتقوا الله وعلى الله فليتوكل المؤمنون ولقد أخذ الله ميثاق بني إسرائيل وبعثنا منهم اثني عشر نقيبا ، وذلك أن الله عز وجل وعد موسى عليه السلام أن يورثه وقومه الأرض المقدسة وهي الشام، وكان يسكنها الكنعانيون الجبارون، فلما استقرت لبني إسرائيل الدار بمصر أمرهم الله تعالى بالسير إلى أريحا من أرض الشام، وهي الأرض المقدسة، وكانت لها ألف قرية، في كل قرية ألف بستان، وقال : يا موسى إني كتبتها لكم داراً وقراراً، فاخرج إليها، وجاهد من فيها من العدو، فإني ناصرك عليهم، وخذ من قومك اثني عشر نقيبا، ً من كل سبط نقيباً يكون كفيلاً على قومه بالوفاء منهم على ما أمروا به، فاختار موسى النقباء، وسار موسى ببني إسرائيل، حتى قربوا من أريحا فبعث هؤلاء النقباء يتجسسون له الأخبار، ويعلمون علمها، فلقيهم رجل من الجبارين يقال له : عوج بن عنق، وكان طوله ثلاثة آلاف وثلثمائة وثلاث وثلاثين ذراعاً وثلث ذراع، وكان يحتجز بالسحاب، ويشرب منه، ويتناول الحوت من قرار البحر فيشويه بعين الشمس يرفعه أليها، ثم يأكله، ويروى أن الماء في زمن نوح عليه السلام طبق ما على الأرض من جبل، وما جاوز ركبتي عوج، وعاش ثلاثة آلاف سنة حتى أهلكه الله على يدي موسى عليه السلام، وذلك أنه جاء وقلع صخرة من الجبل على قدر عسكر موسى عليه السلام، وكان فرسخاً في فرسخ، وحملها ليطبقها عليهم، فبعث الله الهدهد فقور الصخرة بمنقاره، فوقعت في عنقه فصرعته، فأقبل موسى عليه السلام وهو مصروع فقتله، وكانت أم عنق إحدى بنات آدم، وكان مجلسها جريباً من الأرض، فلما لقي عوج النقباء وعلى رأسه حزمة من حطب، أخذ الاثني عشر وجعلهم في حجزته، وانطلق بهم إلى امرأته، وقال : انظري إلى هؤلاء الذين يزعمون أنهم يريدون قتالنا، وطرحهم بين يديها وقال : ألا أطحنهم برجلي ؟ فقالت امرأته : لا، بل خل عنهم حتى يخبروا قومهم بما رأوا، ففعل ذلك. وروي أنه جعلهم في كمه، وأتى بهم إلى الملك فنثرهم بين يديه، فقال الملك : ارجعوا فأخبروهم بما رأيتم، وكان لا يحمل عنقوداً من عنبهم إلا خمسة أنفس منهم في خشبة، ويدخل في شطر الرمانة إذا نزع منها حبها خمسة أنفس، فرجع النقباء، وجعلوا يتعرفون أحوالهم، قال بعضهم لبعض : يا قوم إنكم إن أخبرتم بني إسرائيل خبر القوم ارتدوا عن نبي الله، ولكن اكتموا، وأخبروا موسى وهارون فيريان رأيهما، وأخذ بعضهم على بعض الميثاق بذلك، ثم إنهم نكثوا العهد، وجعل كل واحد منهم ينهي سبطه عن قتالهم، ويخبرهم بما رأى إلا رجلان فذلك قوله تعالى : ولقد أخذ الله ميثاق بني إسرائيل وبعثنا منهم اثني عشر نقيبا . قوله تعالى : وقال الله إني معكم . ناصركم على عدوكم، ثم ابتدأ الكلام. 
قوله تعالى : لئن أقمتم الصلاة  يا معشر بني إسرائيل }. 
قوله تعالى : وآتيتم الزكاة وآمنتم برسلي وعزرتموهم ، نصرتموهم، وقيل : ووقرتموهم وعظمتموهم. 
قوله تعالى : وأقرضتم الله قرضاً حسناً . قيل : هو إخراج الزكاة، وقيل : هو النفقة على الأهل. 
قوله تعالى : لأكفرن عنكم سيئاتكم ، لأمحون عنكم سيئاتكم. 
قوله تعالى : ولأدخلنكم جنات تجري من تحتها الأنهار، فمن كفر بعد ذلك منكم فقد ضل سواء السبيل ، أي : أخطأ قصد السبيل، يريد طريق الحق. وسواء كل شيء وسطه.

### الآية 5:13

> ﻿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً ۖ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ ۙ وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ ۚ وَلَا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَىٰ خَائِنَةٍ مِنْهُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ ۖ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ [5:13]

قوله تعالى : فبما نقضهم  أي : فبنقضهم، و ما  صلة. 
قوله تعالى : ميثاقهم ، قال قتادة : نقضوه من وجوه، لأنهم كذبوا الرسل الذين جاؤوا بعد موسى، وقتلوا أنبياء الله، ونبذوا كتابه، وضيعوا فرائضه. 
قوله تعالى : لعناهم ، قال عطاء : أبعدناهم من رحمتنا، قال الحسن ومقاتل : عذبناهم بالمسخ. 
قوله تعالى : وجعلنا قلوبهم قاسية ، قرأ حمزة والكسائي قسية، بتشديد الياء من غير ألف، وهما لغتان مثل : الذاكية والذكية، قال ابن عباس رضي الله عنهما :( قاسية ) أي يابسة، وقيل : غليظة لا تلين، وقيل معناه : إن قلوبهم ليست بخالصة للإيمان، بل إيمانهم مشوب بالكفر والنفاق، ومنه الدراهم القاسية وهي الرديئة المغشوشة. 
قوله تعالى : يحرفون الكلم عن مواضعه ، قيل : هو تبديلهم نعت النبي صلى الله عليه وسلم، وقيل : تحريفهم بسوء التأويل. 
قوله تعالى : ونسوا حظاً مما ذكروا به . أي : وتركوا نصيب أنفسهم مما أمروا به من الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم، وبيان نعته. 
قوله تعالى : ولا تزال  يا محمد. 
قوله تعالى : تطلع على خائنة منهم ، أي : على خيانة، فاعلة بمعنى المصدر كالكاذبة واللاغية، وقيل : هو بمعنى الفاعل، والهاء للمبالغة مثل : رواية ونسابة، وعلامة، وحسابة، وقيل : على فرقة خائنة. قال ابن عباس رضي الله عنهما : على خائنة، أي : على معصية، وكانت خيانتهم نقضهم العهد، ومظاهرتهم المشركين على حرب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهمهم بقتله، وسمّه، ونحوها من خياناتهم التي ظهرت منهم
قوله تعالى : إلا قليلاً منهم ، لم يخونوا ولم ينقضوا العهد، وهم الذين أسلموا من أهل الكتاب. 
قوله تعالى : فاعف عنهم واصفح ، أي : أعرض عنهم، ولا تتعرض لهم. 
قوله تعالى : إن الله يحب المحسنين ، وهذا منسوخ بآية السيف.

### الآية 5:14

> ﻿وَمِنَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَىٰ أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَىٰ يَوْمِ الْقِيَامَةِ ۚ وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللَّهُ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ [5:14]

قوله تعالى : ومن الذين قالوا إنا نصارى أخذنا ميثاقهم ، قيل : أراد بهم اليهود والنصارى فاكتفى بذكر أحدهما، والصحيح أن الآية في النصارى خاصة، لأنه قد تقدم ذكر اليهود، وقال الحسن : فيه دليل على أنهم نصارى بتسميتهم، لا بتسمية الله تعالى،  أخذنا ميثاقهم  في التوحيد والنبوة. 
قوله تعالى : فنسوا حظاً مما ذكروا به فأغرينا بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة ، بالأهواء المختلفة، والجدال في الدين، قال مجاهد وقتادة : يعني بين اليهود والنصارى، وقال الربيع : هم النصارى وحدهم، صاروا فرقاً منهم اليعقوبية، والنسطورية، والملكانية، وكل فرقة تكفر الأخرى. 
قوله تعالى : وسوف ينبئهم الله بما كانوا يصنعون  في الآخرة.

### الآية 5:15

> ﻿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ ۚ قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ [5:15]

قوله تعالى : يا أهل الكتاب ، يريد يا أهل الكتابين. 
قوله تعالى : قد جاءكم رسولنا يبين لكم كثيراً مما كنتم تخفون من الكتاب ، أي : من التوراة والإنجيل، مثل صفة محمد صلى الله عليه وسلم، وآية الرجم، وغير ذلك. 
قوله تعالى : ويعفو عن كثير ، أي : يعرض عن كثير مما أخفيتم فلا يتعرض له، ولا يؤاخذكم به. 
قوله تعالى : قد جاءكم من الله نور ، يعني : محمداً صلى الله عليه وسلم، وقيل : الإسلام. 
قوله تعالى : وكتاب مبين ، أي : بين، وقيل : مبين وهو القرآن.

### الآية 5:16

> ﻿يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ [5:16]

قوله تعالى : يهدي به الله من اتبع رضوانه . رضاه. 
قوله تعالى : سبل السلام . قيل السلام هو الله عز وجل، وسبيله دينه الذي شرع لعباده، وبعث به رسله، وقيل : السلام هو السلامة، كاللذاذ واللذاذة بمعنى واحد، والمراد به طرق السلامة. 
قوله تعالى : ويخرجهم من الظلمات إلى النور ، أي : من ظلمات الكفر إلى نور الإيمان. 
قوله تعالى : بإذنه ، بتوفيقه وهدايته. 
قوله تعالى : ويهديهم إلى صراط مستقيم  وهو الإسلام.

### الآية 5:17

> ﻿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ ۚ قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ أَنْ يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ۗ وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا ۚ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ ۚ وَاللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [5:17]

قوله تعالى : لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح ابن مريم ، وهم اليعقوبية من النصارى، يقولون : المسيح هو الله تعالى. 
قوله تعالى : قل فمن يملك من الله شيئاً ، أي : من يقدر أن يدفع من أمر الله شيئاً إذا قضاه. 
قوله تعالى : إن أراد أن يهلك المسيح ابن مريم وأمه ومن في الأرض جميعاً ولله ملك السماوات والأرض و ما بينهما يخلق ما يشاء و الله على كل شيء قدير

### الآية 5:18

> ﻿وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَىٰ نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ ۚ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ ۖ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ ۚ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ ۚ وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا ۖ وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ [5:18]

قوله تعالى : وقالت اليهود والنصارى نحن أبناء الله وأحباؤه ، قيل : أرادوا أن الله تعالى لنا كالأب في الحنو والعطف، ونحن كالأبناء له في القرب والمنزلة، وقال إبراهيم النخعي : إن اليهود وجدوا في التوراة يا أبناء أحباري، فبدلوا يا أبناء أبكاري، فمن ذلك قالوا : نحن أبناء الله، وقيل : معناه نحن الله يعني أبناء رسل الله. 
قوله تعالى : قل فلم يعذبكم بذنوبكم ، يريد إن كان الأمر كما زعمتم أنكم أبناؤه وأحباؤه، فإن الأب لا يعذب ولده، والحبيب لا يعذب حبيبه، وأنتم مقرون أنه معذبكم، وقيل : فلم يعذبكم  أي : لم عذب من قبلكم بذنوبهم فمسخهم قردة وخنازير ؟ قوله تعالى : بل أنتم بشر ممن خلق ، كسائر بني آدم مجزيون بالإساءة والإحسان. قوله تعالى : يغفر لمن يشاء  فضلاً. 
قوله تعالى : ويعذب من يشاء ، عدلاً. 
قوله تعالى : ولله ملك السموات والأرض وما بينهما وإليه المصير .

### الآية 5:19

> ﻿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلَىٰ فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ أَنْ تَقُولُوا مَا جَاءَنَا مِنْ بَشِيرٍ وَلَا نَذِيرٍ ۖ فَقَدْ جَاءَكُمْ بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ ۗ وَاللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [5:19]

قوله تعالى : يا أهل الكتاب قد جاءكم رسولنا ، محمد صلى الله عليه وسلم. 
قوله تعالى : يبين لكم  أعلام الهدى، وشرائع الدين. 
قوله تعالى : على فترة من الرسل  أي انقطاع من الرسل. واختلفوا في مدة الفترة بين عيسى عليه السلام ومحمد صلى الله عليه وسلم، قال أبو عثمان النهدي : ستمائة سنة، وقال قتادة : خمسمائة وستون سنة، وقال معمر والكلبي : خمسمائة وأربعون سنة، وسميت فترة، لأن الرسل كانت تترى بعد موسى عليه السلام، من غير انقطاع إلى زمن عيسى عليه السلام، ولم يكن بعد عيسى عليه السلام سوى رسولنا صلى الله عليه وسلم. 
قوله تعالى : أن تقولوا ، كيلا تقولوا. 
قوله تعالى : ما جاءنا من بشير ولا نذير فقد جاءكم بشير ونذير والله على كل شيء قدير .

### الآية 5:20

> ﻿وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا وَآتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ [5:20]

قوله تعالى : وإذ قال موسى لقومه يا قوم اذكروا نعمة الله عليكم إذ جعل فيكم أنبياء  أي : منكم أنبياء. 
قوله تعالى : وجعلكم ملوكاً ، أي فيكم ملوكا، قال ابن عباس رضي الله عنهما : يعني أصحاب خدم وحشم، قال قتادة : كانوا أول من ملك الخدم، ولم يكن لمن قبلهم خدم. وروي عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :" كان بنو إسرائيل إذا كان لأحدهم خادم، وامرأة، ودابة، يكتب ملكا ". وقال أبو عبد الرحمن الجيلي : سمعت عبد الله بن عمرو بن العاص، وسأله رجل فقال : ألسنا من فقراء المهاجرين ؟ فقال له عبد الله : ألك امرأة تأوي إليها ؟ قال : نعم، قال ألك مسكن تسكنه ؟ قال : نعم، قال : فأنت من الأغنياء، قال : فإن لي خادماً، قال : فأنت من الملوك. قال السدي : وجعلكم ملوكاً  أحراراً تملكون أمر أنفسكم بعدما كنتم في أيدي القبط يستعبدونكم، قال الضحاك : كانت منازلهم واسعة، فيها مياه جارية، فمن كان مسكنه واسعاً وفيه ماء جار فهو ملك. 
قوله تعالى : وآتاكم ما لم يؤت أحداً من العالمين ، يعني عالمي زمانكم، قال مجاهد : يعني المن، والسلوى، والحجر، وتظليل الغمام.

### الآية 5:21

> ﻿يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَرْتَدُّوا عَلَىٰ أَدْبَارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ [5:21]

قوله تعالى : يا قوم ادخلوا الأرض المقدسة التي كتب الله لكم ، اختلفوا في الأرض المقدسة، قال مجاهد : هي الطور وما حولها، وقال الضحاك : إيليا وبيت المقدس، وقال عكرمة والسدي : هي أريحاء، وقال الكلبي : هي دمشق، وفلسطين، وبعض الأردن، وقال قتادة : هي الشام كلها، قال كعب : وجدت في كتاب الله المنزل، أن الشام كنز الله من أرضه، وبها أكثر عباده. 
قوله تعالى : كتب الله لكم  يعني : كتب في اللوح المحفوظ أنها مساكن لكم، وقال ابن إسحاق : وهب الله لكم، وقيل : جعلها لكم، وقال السدي : أمركم الله بدخولها، وقال قتادة : أمروا بها كما أمر بالصلاة، أي : فرض عليكم. 
قوله تعالى : ولا ترتدوا على أدباركم . أعقابكم، بخلاف أمر الله. 
قوله تعالى : فتنقلبوا خاسرين ، قال الكلبي : صعد إبراهيم عليه السلام جبل لبنان، فقيل له : انظر، فما أدركه بصرك فهو مقدس، وه ميراث لذريتك.

### الآية 5:22

> ﻿قَالُوا يَا مُوسَىٰ إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا حَتَّىٰ يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ [5:22]

قوله تعالى : قالوا يا موسى إن فيها قوماً جبارين ، وذلك أن النقباء الذين خرجوا يتجسسون الأخبار لما رجعوا إلى موسى وأخبروه بما عاينوا، قال لهم موسى : اكتموا شأنهم، ولا تخبروا به أحداً من أهل العسكر فيفشلوا، فأخبر كل رجل منهم قريبه وابن عمه، إلا رجلان وفيا بما قال لهما موسى، أحدهما يوشع بن نون بن أفراثيم بن يوسف عليهم السلام فتى موسى، والآخر كالب بن يوفنا ختن موسى عليه السلام على أخته مريم بنت عمران، وكان من سبط يهود، وهما النقباء، فعلمت جماعة من بني إسرائيل ذلك، ورفعوا أصواتهم بالبكاء وقالوا : يا ليتنا متنا في أرض مصر، أو ليتنا نموت في هذه البرية، ولا يدخلنا الله أرضهم، فتكون نساؤنا، وأولادنا، وأثقالنا، غنيمةً لهم. وجعل الرجل يقول لصاحبه : تعال نجعل علينا رأسا وننصرف إلى مصر، فذلك قوله تعالى إخباراً عنهم  قالوا يا موسى إن فيها قوماً جبارين . 
قوله تعالى : وإنا لن ندخلها حتى يخرجوا منها فإن يخرجوا منها فإنا داخلون ، أصل الجبار المتعظم، الممتنع عن القهر، يقال : نخلة جبارة إذا كانت طويلة، ممتنعة عن وصول الأيدي إليها، وسمى أولئك القوم جبارين لامتناعهم بطولهم، وقوة أجسادهم، وكانوا من العمالقة، وبقية قوم عاد، فلما قال بنو إسرائيل ما قالوا وهموا بالانصراف إلى مصر، خر موسى وهارون ساجدين، وخرق يوشع وكالب ثيابهما، وهما اللذان أخبر الله تعالى عنهما في قوله.  قال رجلان من الذين يخافون أنعم الله عليهما ادخلوا عليهم الباب .

### الآية 5:23

> ﻿قَالَ رَجُلَانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ ۚ وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ [5:23]

قوله تعالى : قال رجلان من الذين يخافون ، أي : يخافون الله تعالى، قرأ سعيد بن جبير : يخافون، بضم الياء، وقال : الرجلان كانا من الجبارين فأسلما، واتبعا موسى. قوله تعالى : أنعم الله عليهما . بالتوفيق والعصمة. 
قوله تعالى : ادخلوا عليهم الباب  يعني قرية الجبارين. 
قوله تعالى : فإذا دخلتموه فإنكم غالبون ، لأن الله تعالى منجز وعده، وإنا رأيناهم فكانت أجسامهم عظيمة، وقلوبهم ضعيفة، فلا تخشوهم. 
قوله تعالى : وعلى الله فتوكلوا إن كنتم مؤمنين ، فأراد بنو إسرائيل أن يرجموهما بالحجارة، وعصوهما.

### الآية 5:24

> ﻿قَالُوا يَا مُوسَىٰ إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَدًا مَا دَامُوا فِيهَا ۖ فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ [5:24]

قوله تعالى : قالوا يا موسى إنا لن ندخلها أبدا ما داموا فيها فاذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون  أخبرنا عبد الواحد المليحي، أنا محمد بن عبد الله النعيمي، أنا محمد بن يوسف، أنا محمد بن إسماعيل، أنا أبو نعيم، أنا إسرائيل عن مخارق، عن طارق بن شهاب قال : سمعت ابن مسعود يقول : لقد شهدت من المقداد بن الأسود مشهداً لأن أكون صاحبه أحب إلي مما عدل به، أتى النبي صلى الله عليه وسلم وهو يدعو على المشركين فقال : لا نقول كما قال قوم موسى عليه السلام : اذهب أنت وربك فقاتلا، ولكنا نقاتل عن يمينك وعن شمالك، وبين يديك، ومن خلفك، فرأيت النبي صلى الله عليه وسلم أشرق وجهه، وسره ما قال. فلما فعلت بنو إسرائيل ما فعلت من مخالفتهم أمر ربهم، وهمهم بيوشع وكالب، غضب موسى عليه السلام ودعا عليهم.

### الآية 5:25

> ﻿قَالَ رَبِّ إِنِّي لَا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَأَخِي ۖ فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ [5:25]

قوله تعالى : قال رب إني لا أملك إلا نفسي وأخي . قيل : معناه وأخي لا يملك إلا نفسه، وقيل : معناه لا يعطيني إلا نفسي وأخي. 
قوله تعالى : فافرق ، فافصل. 
قوله تعالى : بيننا ، قيل : فاقض بيننا. 
قوله تعالى : وبين القوم الفاسقين ، العاصين.

### الآية 5:26

> ﻿قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ ۛ أَرْبَعِينَ سَنَةً ۛ يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ ۚ فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ [5:26]

قوله تعالى : قال  الله تعالى
قوله تعالى : فإنها محرمة عليهم ، قيل : هاهنا تم الكلام معناه : تلك البلدة محرمة عليهم أبداً، لم يرد به تحريم تعبد، وإنما أراد تحريم منع، فأوحى الله تعالى إلى موسى : لأحرمن عليهم دخول الأرض المقدسة غير عبدي يوشع وكالب، ولأتيهنهم في هذه البرية. 
قوله تعالى : أربعين سنة  يتيهون مكان كل يوم من الأيام التي تجسسوا فيها سنة، ولألقين جيفهم في هذه القفار، وأما بنوهم الذين لم يعلموا الشر فيدخلونها، فذلك قوله تعالى : فإنها محرمة عليهم أربعين سنة . 
قوله تعالى : يتيهون في الأرض . يتحيرون. 
قوله تعالى : فلا تأس على القوم الفاسقين ، أي لا تحزن على مثل هؤلاء القوم، فلبثوا أربعين سنة في ستة فراسخ، وهم ستمائة ألف مقاتل، وكانوا يسيرون كل يوم جادين، فإذا أمسوا كانوا في الموضع الذي ارتحلوا عنه. وقيل : إن موسى وهارون عليهما السلام لم يكونا فيهم، والأصح أنهما كانا فيهم، ولم يكن لهما عقوبة، إنما كانت العقوبة لأولئك القوم، ومات في التيه كل من دخلها ممن جاوز عشرين سنة غير يوشع وكالب، ولم يدخل أريحاء أحد ممن قالوا  إنا لن ندخلها أبداً  فلما هلكوا وانقضت الأربعون سنة، ونشأت النواشئ من ذراريهم، ساروا إلى حرب الجبارين. واختلفوا فيمن تولى تلك الحرب، وعلى يدي من كان الفتح، فقال قوم : إنما فتح موسى أريحاء، وكان يوشع على مقدمته، فسار موسى عليه السلام إليهم فيمن بقي من بني إسرائيل، فدخلها يوشع، فقاتل الجبابرة، ثم دخلها موسى عليه السلام، فأقام فيها ما شاء الله تعالى، ثم قبضه الله تعالى إليه، ولا يعلم قبره أحد، هذا أصح الأقاويل لاتفاق العلماء أن عوج بن عنق قتله موسى عليه السلام. وقال الآخرون : إنما قاتل الجبارين يوشع، ولم يسر إليهم إلا بعد موت موسى عليه السلام، وقالوا : مات موسى وهارون جميعاً في التيه.

### فصل في ذكر وفاة هارون


قال السدي : أوحى الله عز وجل إلى موسى أني متوفي هارون فأت به جبل كذا وكذا، فانطلق موسى وهارون عليهما السلام نحو ذلك الجبل، فإذا هما بشجرة لم ير مثلها، وإذا ببيت مبني وفيه سرير عليه فرش، وإذا فيه ريح طيبة، فلما نظر هارون إلى ذلك أعجبه، فقال : يا موسى إني أحب أن أنام على هذا السرير قال : فنم عليه، فقال : إني أخاف أن يأتي رب هذا البيت فيغضب علي، قال له موسى : لا ترهب، إني أكفيك أمر رب هذا البيت فنم، قال : يا موسى نم أنت معي، فإن جاء رب البيت غضب علي وعليك جميعاً، فلما ناما أخذ هارون الموت، فلما وجد مسه قال : يا موسى خدعتني، فلما قبض رفع البيت، وذهبت تلك الشجرة ورفع السرير به إلى السماء، فلما رجع موسى إلى بني إسرائيل وليس معه هارون قالوا : إن موسى قتل هارون، وحسده لحب بني إسرائيل له، فقال موسى عليه السلام : ويحكم ! كان أخي، فكيف أقتله ! فلما أكثروا عليه قام، فصلى ركعتين، ثم دعا الله تعالى، ونزل السرير حتى نظروا إليه بين السماء والأرض فصدقوه. وعن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال : صعد موسى وهارون عليهما السلام الجبل فمات هارون، فقالت بنو إسرائيل لموسى عليه السلام : أنت قتلته، فآذوه، فأمر الله الملائكة فحملوه، حتى مروا به على بني إسرائيل، وتكلمت الملائكة بموته، حتى عرف بنو إسرائيل أنه قد مات، فبرأه الله تعالى مما قالوا، ثم إن الملائكة حملوه، ودفنوه، فلم يطلع على موضع قبره أحد إلا الرخم، فجعله الله أصم وأبكم. وقال عمرو بن ميمون : مات هارون قبل موسى عليه السلام في التيه، وكانا قد خرجا إلى بعض الكهوف، فمات هارون، ودفنه موسى، وانصرف إلى بني إسرائيل، فقالوا : قتله لحبنا إياه، وكان محبباً في بني إسرائيل، فتضرع موسى عليه السلام إلى ربه عز وجل، فأوحى الله إليه : أن انطلق بهم إلى قبره فإني باعثه، فانطلق بهم إلى قبره، فناداه موسى، فخرج من قبره ينفض رأسه، فقال : أنا قتلتك ؟ قال : لا، ولكني مت. قال : فعد إلى مضجعك، وانصرفوا. 
وأما وفاة موسى عليه السلام، قال ابن إسحاق : كان موسى عليه الصلاة والسلام قد كره الموت وأعظمه، فأراد الله أن يحبب إليه الموت، فنبأ يوشع بن نون، فكان يغدو ويروح عليه، قال : فيقول له موسى عليه السلام : يا نبي الله، ما أحدث الله إليك ؟ فيقول له يوشع : يا نبي الله، ألم أصحبك كذا وكذا سنة ؟ فهل كنت أسألك شيئاً مما أحدث الله إليك حتى تكون أنت الذي تبتدئ به وتذكره ؟ ولا يذكر له شيئاً، فلما رأى ذلك موسى كره الحياة، وأحب الموت. 
أخبرنا أبو علي حسان بن سعيد المنيعي، أنا أبو طاهر محمد بن محمد بن محمش الزيادي، أنا أبو بكر محمد بن الحسين القطان، أنا أحمد بن يوسف السلمي، أنا عبد الرزاق، أنا معمر، عن همام بن منبه، قال : أخبرنا أبو هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" جاء ملك الموت إلى موسى بن عمران، فقال له : أجب ربك، قال : فلطم موسى عليه السلام عين ملك الموت ففقأها، قال : فرجع ملك الموت إلى الله تعالى فقال : إنك أرسلتني إلى عبد لك لا يريد الموت وقد فقأ عيني، قال : فرد الله إليه عينه، وقال : ارجع إلى عبدي فقل له : الحياة تريد ؟ فإن كنت تريد الحياة فضع يدك على متن ثور، فما وارت يدك من شعرة فإنك تعيش بها سنة، قال : ثم مه ؟ قال : ثم تموت. قال : فالآن من قريب، رب أدنني من الأرض المقدسة رمية بحجر. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : والله لو أني عنده لأريتكم قبره إلى جنب الطريق عند الكثيب الأحمر ". 
وقال وهب : خرج موسى لبعض حاجته، فمر برهط من الملائكة يحفرون قبراً لم ير شيئاً قط أحسن منه، ولا مثل ما فيه من الخضرة والنضرة والبهجة، فقال لهم : يا ملائكة الله لمن تحفرون هذا القبر ؟ قالوا : لعبد كريم على ربه، فقال : إن هذا العبد لمن الله له بمنزلة، ما رأيت كاليوم مضجعاً، فقالت الملائكة : يا صفي الله، تحب أن يكون لك ؟ قال : وددت، قالوا : فانزل واضطجع فيه وتوجه إلى ربك، قال فاضطجع فيه، وتوجه إلى ربه ثم تنفس أسهل تنفس، فقبض الله تبارك وتعالى روحه، ثم سوت عليه الملائكة. وقيل : إن ملك الموت أتاه بتفاحة من الجنة فشمها، فقبض روحه. وكان عمر موسى مائة وعشرين سنة، فلما مات موسى عليه السلام وانقضت الأربعون سنة بعث الله يوشع نبياً، فأخبرهم أن الله قد أمره بقتال الجبابرة، فصدقوه وتابعوه، فتوجه ببني إسرائيل إلى أريحاء ومعه تابوت الميثاق، فأحاط بمدينة أريحاء ستة أشهر، فلما كان السابع نفخوا في القرون، وضج الشعب ضجة واحدة، فسقط سور المدينة ودخلوا، فقاتلوا الجبارين وهزموهم، وهجموا عليهم يقتلونهم، وكانت العصابة من بني إسرائيل يجتمعون على عنق الرجل يضربونها حتى يقطعوها، فكان القتال يوم الجمعة فبقيت منهم بقية، وكادت الشمس تغرب وتدخل ليلة السبت، فقال : اللهم اردد الشمس عليّ وقال للشمس : إنك في طاعة الله سبحانه وتعالى وأنا في طاعته، فسأل الشمس أن تقف والقمر أن يقيم، حتى ينتقم من أعداء الله تعالى قبل دخول السبت، فردت عليه الشمس وزيدت في النهار ساعة حتى قتلهم أجمعين، وتتبع ملوك الشام، فاستباح منهم أحداً وثلاثين ملكاً حتى غلب على جميع أرض الشام، وصارت الشام كلها لبني إسرائيل وفرق عماله في نواحيها، وجمع الغنائم، فلم تنزل النار، فأوحى الله إلى يوشع أن فيها غلولاً فمرهم فليبايعوك، فبايعوه، فالتصقت يد رجل منهم بيده فقال : هلم ما عندك ؟ فأتاه برأس ثور من ذهب مكلل باليواقيت والجواهر كان قد غله، فجعله في القربان، وجعل الرجل معه، فجاءت النار فأكلت الرجل والقربان، ثم مات يوشع ودفن في جبل إفراثيم، وكان عمره مائة وستاً وعشرين سنة، وتدبيره أمر بني إسرائيل من بعد موسى عليه السلام سبعاً وعشرين سنة.

### الآية 5:27

> ﻿۞ وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ ۖ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ [5:27]

قوله تعالى : واتل عليهم نبأ ابني آدم بالحق ، وهما هابيل وقابيل، ويقال له قابين. 
قوله تعالى : إذ قربا قرباناً ، وكان سبب قربانهما على ما ذكره أهل العلم أن حواء كانت تلد لآدم عليه السلام في كل بطن غلاماً وجاريةً، وكان جميع ما ولدته أربعين ولداً في عشرين بطناً، أولهم قابيل وتوأمته إقليما، وآخرهم عبد المغيث، وتوأمته أمة المغيث، ثم بارك الله عز وجل في نسل آدم عليه السلام، قال ابن عباس : لم يمت آدم حتى بلغ ولده وولد ولده أربعين ألفاً. واختلفوا في مولد قابيل وهابيل، فقال بعضهم : غشي آدم حواء بعد مهبطهما إلى الأرض بمائة سنة، فولدت له قابيل وتوأمته إقليما في بطن واحد، ثم ولدت هابيل وتوأمته لبودا في بطن. وقال محمد بن إسحاق عن بعض أهل العلم بالكتاب الأول : إن آدم كان يغشى حواء في الجنة قبل أن يصيب الخطيئة، فحملت فيها بقابيل وتوأمته إقليما، فلم تجد عليهما وحماً ولا وصباً ولا طلقاً حتى ولدتهما، ولم تر معهما دماً، فلما هبط إلى الأرض تغشاها، فحملت بهابيل وتوأمته، ووجدت عليهما الحم والوصب والطلق والدم، وكان آدم إذا شب أولاده يزوج غلام هذا البطن جارية بطن أخرى، فكان الرجل منهم يتزوج أية أخواته شاء إلا توأمته التي ولدت معه، لأنه لم يكن يومئذ نساء إلا أخواتهم، فلما ولد قابيل وتوأمته إقليما، ثم هابيل وتوأمته لبودا، وكان بينهما سنتان في قول الكلبي، وأدركوا، أمر الله تعالى آدم عليه السلام أن ينكح قابيل لبودا أخت هابيل، وينكح هابيل إقليما أخت قابيل، وكانت أخت قابيل أحسن من أخت هابيل، فذكر ذلك آدم لولده، فرضي هابيل وسخط قابيل وقال : هي أختي، أنا أحق بها، ونحن من ولادة الجنة وهما من ولادة الأرض، فقال له أبوه : إنها لا تحل لك، فأبى أن يقبل ذلك، وقال : إن الله لم يأمره بهذا، وإنما هو من رأيه، فقال لهما آدم عليه السلام : فقربا قرباناً، فأيكما يقبل قربانه فهو أحق بها، وكانت القرابين إذا كانت مقبولة نزلت نار من السماء بيضاء فأكلتها، وإذا لم تكن مقبولة لم تنزل النار، وأكلته الطير والسباع، فخرجا ليقربا قرباناً، وكان قابيل صاحب زرع، فقرب صبرة من طعام من أردأ زرعه، وأضمر في نفسه ما أبالي أيقبل مني أم لا، لا يتزوج أختي أبداً، وكان هابيل صاحب غنم، فعمد إلى أحسن كبش في غنمه فقرب به، وأضمر في نفسه رضا الله عز وجل، فوضعا قربانيهما على الجبل، ثم دعا آدم عليه السلام فنزلت نار من السماء وأكلت قربان هابيل ولم تأكل قربان قابيل. 
قوله تعالى : فتقبل من أحدهما  يعني هابيل. 
قوله تعالى : ولم يتقبل من الآخر ، يعني : قابيل، فنزلوا عن الجبل وقد غضب قابيل لرد قربانه، وكان يضمر الحسد في نفسه إلى أن أتى آدم مكة لزيارة البيت، فلما غاب آدم أتى قابيل هابيل وهو في غنمه. 
قوله تعالى : قال لأقتلنك  قال : ولم ؟ قال : لأن الله تعالى قبل قربانك ورد قرباني، وتنكح أختي الحسناء وأنكح أختك الدميمة، فيتحدث الناس أنك خير مني، ويفتخر ولدك على ولدي. 
قوله تعالى : قال  هابيل وما ذنبي ؟
قوله تعالى : إنما يتقبل الله من المتقين

### الآية 5:28

> ﻿لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ ۖ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ [5:28]

قوله تعالى : إنما يتقبل الله من المتقين لئن بسطت . أي : مددت
قوله تعالى : إلي يدك لتقتلني ما أنا بباسط يدي إليك لأقتلك إني أخاف الله رب العالمين ، قال عبد الله بن عمر : وايم الله، إن كان المقتول لأشد الرجلين، ولكن منعه الحرج أن يبسط إلى أخيه يده، وهذا في الشرع جائز لمن أريد قتله أن ينقاد ويستسلم طلباً للأجر، كما فعل عثمان رضي الله عنه، قال مجاهد : كتب الله في ذلك الوقت، إذا أراد رجل قتل رجل أن لا يمتنع ويصبر.

### الآية 5:29

> ﻿إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ ۚ وَذَٰلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ [5:29]

قوله تعالى : إني أريد أن تبوء  ترجع، وقيل : تحتمل. 
قوله تعالى : بإثمي وإثمك ، أي : بإثم قتلي إلى إثمك، أي إثم مصاعيك التي علمت من قبل، هذا قول أكثر المفسرين. وروى ابن أبي نجيح عن مجاهد قال : معناه إني أريد أن يكون عليك خطيئتي التي عملتها أنا إذا قتلتني، وإثمك فتبوء بخطيئتي ودمي جميعاً، وقيل معناه : أن ترجع بإثم قتلي وإثم معصيتك التي لم يتقبل لأجلها قربانك، أو إثم حسدك. فإن قيل : كيف قال :" إني أريد أن تبوء بإثمي وإثمك "، وإرادة القتل والمعصية لا تجوز ؟ قيل : ذلك ليس بحقيقة إرادة، ولكنه لما علم أنه يقتله لا محالة، وطن نفسه على الاستسلام طلباً للثواب، فكأنه صار مريداً لقتله مجازاً، وإن لم يكن مريداً حقيقة، وقيل معناه : إني أريد أن تبوء بعقاب قتلي، فتكون إرادة صحيحة لأنها موافقة لحكم الله عز وجل، فلا يكون هذا إرادة للقتل، بل لموجب القتل من الإثم و العقاب. 
قوله تعالى : فتكون من أصحاب النار وذلك جزاء الظالمين .

### الآية 5:30

> ﻿فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ [5:30]

قوله تعالى : فطوعت له نفسه قتل أخيه ، أي : طاوعته وشايعته وعاونته  قتل أخيه ، في قتل أخيه، وقال مجاهد : فشجعته، وقال قتادة : فزينت له نفسه، وقال يمان : سهلت له ذلك، أي : جعلته سهلاً. تقديره : صورت له نفسه أن قتل أخيه طوع له، أي سهل عليه، فقتله، فلما قصد قابيل قتل هابيل لم يدر كيف يقتله، قال ابن جريج : فتمثل له إبليس، وأخذ طيراً، فوضع رأسه على حجر، ثم شدخ رأسه بحجر آخر، وقابيل ينظر إليه فعلمه القتل، فرضخ قابيل رأسه هابيل بين حجرين، قيل : قتل وهو مستسلم، وقيل : اغتاله وهو في النوم، فشدخ رأسه فقتله، وذلك قوله تعالى : فقتله فأصبح من الخاسرين ، وكان لهابيل يوم قتل عشرون سنة. واختلفوا في موضع قتله قال ابن عباس رضي الله عنهما : على جبل ثور، وقيل عند عقبة حراء، فلما قتله تركه بالعراء، ولم يدر ما يصنع به، لأنه كان أول ميت على وجه الأرض من بني آدم، وقصدته السباع، فحمله في جراب على ظهره أربعين يوماً، وقال ابن عباس : سنةً، حتى أروح، وعكفت عليه الطير والسباع تنتظر متى يرمي به فتأكله، فبعث الله غرابين فاقتتلا، فقتل أحدهما صاحبه، ثم حفر له بمنقاره وبرجله حتى مكن له ثم ألقاه في الحفرة وواراه، وقابيل ينظر إليه.

### الآية 5:31

> ﻿فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْءَةَ أَخِيهِ ۚ قَالَ يَا وَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَٰذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْءَةَ أَخِي ۖ فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ [5:31]

قوله تعالى : فبعث الله غرابا يبحث في الأرض ليريه كيف يواري سوأة أخيه ، فلما رأى قابيل ذلك. 
قوله تعالى : قال يا ويلتا أعجزت أن أكون مثل هذا الغراب فأواري سوأة أخي ، أي جيفته، وقيل : عورته، لأنه كان قد سلب ثيابه. 
قوله تعالى : فأصبح من النادمين ، على حمله على عاتقه لا على قتله، وقيل : على فراق أخيه، وقيل : ندم لقلة النفع بقتله، فإنه أسخط والديه، وما انتفع بقتله شيئاً، ولم يكن ندمه على القتل وركوب الذنب. قال عبد المطلب بن عبد الله بن حنطب : لما قتل ابن آدم أخاه رجفت الأرض بما عليها سبعة أيام، ثم شربت الأرض دمه كما يشرب الماء، فناداه آدم : أين أخوك هابيل ؟ قال : ما أدري، ما كنت عليه رقيباً، فقال آدم : إن دم أخيك ليناديني من الأرض، فلم قتلت أخاك ؟ قال : فأين دمه إن كنت قتلته ؟ فحرم الله عز وجل على الأرض يومئذ أن تشرب دماً بعده أبداً. وقال مقاتل بن سليمان عن الضحاك، عن ابن عباس رضي الله عنهما : لما قتل قابيل هابيل وآدم عليه السلام بمكة اشتاك الشجر، وتغيرت الأطعمة، وحمضت الفواكه، وأمر الماء، واغبرت الأرض، فقال آدم عليه السلام : قد حدث في الأرض حدث، فأتى الهند، فإذا قابيل قد قتل هابيل، فأنشأ يقول : وهو أول من قال الشعر :

تغيرت البلاد ومن عليها  فوجه الأرض مغبر قبيحتغير كل ذي وطعم ولون  وقل بشاشة الوجه المليحوروي عن ميمون بن مهران، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : من قال إن آدم عليه السلام قال شعراً فقد كذب على الله ورسوله، فإن محمداً صلى الله عليه وسلم والأنبياء كلهم عليهم السلام في النهي عن الشعر سواء، ولكن لما قتل قابيل هابيل رثاه آدم وهو سرياني، فلما قال آدم مرثيته قال لشيث : يا بني إنك وصي احفظ هذا الكلام ليتوارث فيرق الناس عليه، فلم يزل ينقل حتى وصل إلى يعرب بن قحطان، وكان يتكلم بالعربية والسريانية، وهو أول من خط بالعربية، وكان يقول الشعر، فنظر في المرثية، فرد المقدم إلى المؤخر والمؤخر إلى المقدم، فوزنه شعراً، وزاد فيه أبيات منها :ومالي لا أجود بسكب دمع  وهابيل تضمنه الضريحأرى طول الحياة علي غما  فهل أنا من حياتي مستريحفلما مضى من عمر آدم عليه السلام مائة وثلاثون سنة، -وذلك بعد قتل هابيل بخمس سنين- ولدت له حواء شيثاً، واسمه : هبة الله، يعني أنه خلف من هابيل علمه الله تعالى ساعات الليل والنهار، وعلمه عبادة الخلق في كل ساعة منها، وأنزل عليه خمسين صحيفة، فصار وصي آدم وولي عهده، وأما قابيل فقيل له : اذهب طريداً شريداً فزعاً مرعوباً، لا تأمن من تراه، فأخذ بيد أخته إقليما، وهرب بها إلى عدن من أرض اليمن، فأتاه إبليس فقال له : إنما أكلت النار قربان هابيل، لأنه كان يعبد النار، فانصب أنت نارا ًأيضاً تكون لك ولعقبك، فبنى بيتاً للنار، فهو أول من عبد النار، وكان لا يمر به أحد إلا رماه، فأقبل ابن له أعمى ومعه ابن له، فقال للأعمى ابنه : هذا أبوك قابيل، فرمى الأعمى أباه فقتله، فقال ابن الأعمى : قتلت أباك ؟ فرفع يده ولطم ابنه، فمات، فقال الأعمى : ويل لي قتلت أبي برميتي، وقتلت ابني بلطمتي. وقال مجاهد : فعلقت إحدى رجلي قابيل إلى فخذها وساقها، وعلقت منها فهو معلق إلى يوم القيامة، ووجهه إلى الشمس ما دارت عليه، في الصيف حظيرة من نار، وفي الشتاء حظيرة من ثلج، قال : واتخذ أولاد آلات اللهو من اليراع والطبول والمزامير والعيدان والطنابير، وانهمكوا في اللهو، وشرب الخمر، وعبادة النار، والزنا، والفواحش، حتى أغرقهم الله بالطوفان أيام نوح عليه السلام، وبقي نسل شيث. 
أخبرنا عبد الواحد المليحي، أنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أنا محمد بن يوسف، ثنا محمد بن إسماعيل، أنا عمر بن حفص بن غياث، ثنا أبي، ثنا الأعمش، حدثني عبد الله بن مرة عن مسروق، عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :( لا تقتل نفس ظلماً إلا كان على ابن آدم الأول كفل من دمها لأنه أول من سن القتل ).

### الآية 5:32

> ﻿مِنْ أَجْلِ ذَٰلِكَ كَتَبْنَا عَلَىٰ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا ۚ وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ بَعْدَ ذَٰلِكَ فِي الْأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ [5:32]

قوله تعالى : من أجل ذلك ، قرأ أبو جعفر : من أجل ذلك بكسر النون موصولاً، وقراءة العامة بجزم النون، وفتح الهمزة مقطوعة، أي : من جراء ذلك القاتل وجنايته، يقال : أجل يأجل أجلاً إذا جنى، مثل أخذ يأخذ أخذ. 
قوله تعالى : كتبنا على بني إسرائيل أنه من قتل نفساً بغير نفس . قتلها فيقاد منه. 
قوله تعالى : أو فساد في الأرض  يريد بغير نفس، وبغير فساد في الأرض، من كفر، أو زنا، أو قطع طريق، أو نحو ذلك. 
قوله تعالى : فكأنما قتل الناس جميعاً ، اختلفوا في تأويلها. قال ابن عباس رضي الله عنهما في رواية عكرمة : من قتل نبياً، أو إماماً عدل، فكأنما قتل الناس جميعاً، ومن شد عضد نبي، أو إمام عدل، فكأنما أحيا الناس جميعاً. قال مجاهد : من قتل نفساً محرمة يصلى النار بقتلها، كما يصلى لو قتل الناس جميعاً، ومن أحياها من سلم من قتلها فقد سلم من قتل الناس جميعاً. قال قتادة : أعظم الله أجرها، وعظم وزرها، معناه : من استحل قتل مسلم بغير حق فكأنما قتل الناس جميعاً في الإثم، لأنهم لا يسلمون منه. 
قوله تعالى : ومن أحياها ، وتورع عن قتلها. 
قوله تعالى : فكأنما أحيا الناس جميعاً  في الثواب لسلامتهم منه. قال الحسن : فكأنما قتل الناس جميعاً  يعني : أنه يجب عليه من القصاص بقتلها مثل الذي يجب عليه لو قتل الناس جميعاً،  ومن أحياها  : أي عفى عمن وجب عليه القصاص له، فلم يقتله، فكأنما أحيا الناس جميعاً، قال سليمان بن علي قلت للحسن : يا أبا سعيد، أهي لنا كما كانت لبني إسرائيل ؟ قال : إي والذي لا إله غيره ما كانت دماء بني إسرائيل أكرم على الله من دمائنا. 
قوله تعالى : ولقد جاءتهم رسلنا بالبينات ثم إن كثيراً منهم بعد ذلك في الأرض لمسرفون .

### الآية 5:33

> ﻿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ۚ ذَٰلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا ۖ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ [5:33]

إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادً ، الآية. قال الضحاك : نزلت في قوم من أهل الكتاب كان بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم عهد، فنقضوا العهد، وقطعوا السبيل، وأفسدوا في الأرض. وقال الكلبي : نزلت في قوم هلال بن عويمر، وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم وادع هلال بن عويمر، وهو أبو بردة الأسلمي، على أن لا يعينه ولا يعين عليه، ومن مر بهلال بن عويمر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو آمن لا يهاج، فمر قوم من بني كنانة يريدون الإسلام بناس من أسلم من قوم هلال بن عويمر، ولم يكن هلال شاهداً فشدوا عليهم فقتلوهم، وأخذوا أموالهم، فنزل جبريل عليه السلام بالقضية فيهم، وقال سعيد بن جبير : نزلت في ناس من عرينة وعكل، أتوا النبي صلى الله عليه وسلم وبايعوه على الإسلام وهم كذبة، فبعثهم النبي صلى الله عليه وسلم إلى إبل الصدقة فارتدوا، وقتلوا الراعي، واستاقوا الإبل. 
أخبرنا عبد الواحد المليحي، أنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أنا محمد بن يوسف، ثنا محمد بن إسماعيل، ثنا علي بن عبد الله، ثنا الوليد بن مسلم، ثنا الأوزاعي، حدثني يحيى بن أبي كثير، حدثني أبو قلابة الجرمي، عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال : قدم علي النبي صلى الله عليه وسلم نفر من عكل فأسلموا، واجتووا المدينة، فأمرهم النبي صلى الله عليه وسلم أن يأتوا إبل الصدقة فيشربوا من أبوالها وألبانها، ففعلوا فصحوا، فارتدو، ا وقتلوا رعاتها، واستاقوا الإبل، فبعث النبي صلى الله عليه وسلم في آثارهم، فأتى بهم، فقطع أيديهم وأرجلهم، وسمل أعينهم، ثم لم يحسمهم حتى ماتوا. 
ورواه أيوب، عن أبي قلابة، عن أنس رضي الله عنه قال : فقطع أيديهم، وأرجلهم، ثم أمر بمسامير فكحلهم بها، وطرحهم بالحرة يستسقون، فما يسقون حتى ماتوا. 
قال أبو قلابة : قتلوا، وسرقوا، وحاربوا الله ورسوله، وسعوا في الأرض فساداً. واختلفوا في حكم هؤلاء العرنيين، فقال بعضهم : هي منسوخة، لأن المثلة لا تجوز، وقال بعضهم : حكمه ثابت إلا السمل والمثلة. و روى قتادة عن ابن سيرين أن ذلك كان قبل أن ينزل الحد، وقال أبو الزناد : فلما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك بهم أنزل الله الحدود، ونهاه عن المثلة، فلم يعد. وعن قتادة قال : بلغنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد ذلك كان يحث على الصدقة، وينهى عن المثلة. وقال سليمان التيمي عن أنس : إنما سمل النبي صلى الله عليه وسلم أعين أولئك لأنهم سلموا أعين الرعاة، وقال الليث بن سعد : نزلت هذه الآية معاتبة لرسول الله صلى الله عليه وسلم وتعليماً منه إياه عقوبتهم، وقال : إنما جزاؤهم هذا لا المثلة، ولذلك ما قام النبي صلى الله عليه وسلم خطيباً إلا نهى عن المثلة. واختلفوا في المحاربين الذين يستحقون هذا الحد، فقال قوم : هم الذين يقطعون الطريق، ويحملون السلاح على المسلمين، والمكابرون في الأمصار، وهو قول الأوزاعي، ومالك، والليث بن سعد، والشافعي رحمهم الله. وقال قوم : هم المكابرون في الأمصار، ليس لهم حكم المحاربين في استحقاق هذا الحد. وهو قول أبي حنيفة رضي الله عنه. وعقوبة المحاربين ما ذكر الله سبحانه وتعالى. 
قوله تعالى : أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو ينفوا من الأرض ، فذهب قوم إلى أن الإمام بالخيار في أمر المحاربين بين القتل والقطع والصلب، والنفي كما هو ظاهر الآية، وهو قول سعيد بن المسيب، والحسن والنخعي ومجاهد. وذهب الأكثرون إلى أن هذه العقوبات على ترتيب الجرائم لا على التخيير، لما أخبرنا عبد الوهاب بن محمد الخطيب، أنا عبد العزيز بن أحمد الخلال، أنا أبو العباس الأصم، أنا الربيع، أنا الشافعي، أنا إبراهيم بن محمد، عن صالح مولى التوأمة، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قطاع الطريق، إذا قتلوا وأخذوا المال قتلوا وصلبوا، وإذا قتلوا ولم يأخذوا المال قتلوا ولم يصلبوا، وإذا أخذوا المال ولم يقتلوا قطعت أيديهم وأرجلهم من خلاف، فإذا أخافوا السبيل ولم يأخذوا مالاً نفوا من الأرض. وهو قول قتادة، والأوزاعي، والشافعي، وأصحاب الرأي رحمهم الله تعالى. وإذا قتل قاطع الطريق يقتل حتماً حتى لا يسقط بعفو ولي الدم، وإذا أخذ من المال نصاباً، وهو ربع دينار، تقطع يده اليمنى ورجله اليسرى، وإذا قتل وأخذ المال يقتل ويصلب. واختلفوا في كيفيته : فظاهر مذهب الشافعي رضي الله عنه أنه يقتل، ثم يصلب، وقيل : يصلب حياً، ثم يطعن حتى يموت مصلوباً، وهو قول الليث بن سعدويه، وقيل : يصلب ثلاثة أيام حياً، ثم ينزل فيقتل، وإذا أخاف السبيل ينفى. واختلفوا في النفي : فذهب قوم إلى أن الإمام يطلبه، ففي كل بلد يوجد ينفى عنه، وهو قول سعيد بن جبير، وعمر بن عبد العزيز، وقيل : يطلبون لتقام عليهم الحدود، وهو قول ابن عباس، والليث بن سعدويه، قال الشافعي : وقال أهل الكوفة : النفي هو الحبس، وهو نفي من الأرض، وقال محمد بن جرير : ينفي من بلده إلى غيره، ويحبس في السجن في البلد الذي نفي إليه حتى تظهر توبته. وقال مكحول : إن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أول من حبس في السجون، وقال : أحبسه حتى أعلم منه التوبة، ولا أنفيه إلى بلد فيؤذيهم. 
قوله تعالى : ذلك ، الذي ذكرت من الحد. 
قوله تعالى : لهم خزي . عذاب وهوان وفضيحة. 
قوله تعالى : في الدنيا و لهم في الآخرة عذاب عظيم .

### الآية 5:34

> ﻿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ ۖ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ [5:34]

قوله تعالى : في الدنيا ولهم في الآخرة عذاب عظيم إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم فاعلموا أن الله غفور رحيم . فمن ذهب إلى أن الآية نزلت في الكفار، قال معناه : إلا الذين تابوا من شركهم وأسلموا قبل القدرة عليهم فلا سبيل عليهم بشيء من الحدود، ولا تبعة عليهم فيما أصابوا في حال الكفر من دم أو مال ؛ وأما المسلمون المحاربون فمن تاب منهم قبل القدرة عليهم، وهو قبل أن يظفر به الإمام، تسقط عنه كل عقوبة وجبت حقاً لله، ولا يسقط ما كان من حقوق العباد، فإن كان قد قتل في قطع الطريق يسقط عنه بالتوبة قبل القدرة عليه تحتم القتل، ويبقى عليه القصاص لولي القتيل، فإن شاء عفا عنه وإن شاء استوفى، وإن كان قد أخذ المال يسقط عنه القطع، وإن كان قد جمع بينهما يسقط عنه تحتم القتل والصلب، ويجب ضمان المال، وهو قول الشافعي رضي الله عنه. وقال بعضهم : إذا جاء تائباً قبل القدرة عليه لا يكون لأحد عليه تبعة في دم، ولا مال، إلا أن يوجد معه مال بعينه فيرده إلى صاحبه. روي عن علي رضي الله عنه في حارثة بن يزيد كان قد خرج محارباً، فسفك الدماء، وأخذ المال، ثم جاء تائباً قبل أن يقدر عليه، فلم يجعل عليه علي رضي الله عنه تبعة، أما من تاب بعد القدرة عليه فلا يسقط عنه شيء منها. وقيل : كل عقوبة تجب حقاً لله عز وجل، من عقوبات قطع الطريق، وقطع السرقة، وحد الزنا، والشرب، تسقط بالتوبة بكل حال، و الأكثرون على أنها لا تسقط.

### الآية 5:35

> ﻿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ [5:35]

قوله تعالى : يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وابتغوا  اطلبوا. 
قوله تعالى : إليه الوسيلة ، أي : القربة، فعيلة من توسل إلى فلان بكذا، أي : تقرب إليه وجمعها وسائل. 
قوله تعالى : وجاهدوا في سبيله لعلكم تفلحون  \[ تلخيصه : امتثلوا أمر الله تنجوا \].

### الآية 5:36

> ﻿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُوا بِهِ مِنْ عَذَابِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَا تُقُبِّلَ مِنْهُمْ ۖ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ [5:36]

قوله تعالى : وجاهدوا في سبيله لعلكم تفلحون إن الذين كفروا لو أن لهم ما في الأرض جميعاً ومثله معه ليفتدوا به من عذاب يوم القيامة ما تقبل منهم ، أخبر أن الكافر لو ملك الدنيا كلها ومثلها معها، ثم فدى بذلك نفسه من العذاب لم يقبل منه ذلك الفداء. 
قوله تعالى : ولهم عذاب أليم .

### الآية 5:37

> ﻿يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْهَا ۖ وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ [5:37]

قوله تعالى : ولهم عذاب أليم. يريدون أن يخرجوا من النار وما هم بخارجين منها ، فيه وجهان : أحدهما : أنهم يقصدون ويطلبون المخرج منها، كما قال الله تعالى : كلما أرادوا أن يخرجوا منها  \[ الحج : ٢٢ \] والثاني : أنهم يتمنون ذلك بقلوبهم، كما قال تعالى إخبارا عنهم : ربنا أخرجنا منها . \[ المؤمنون : ١٠٧ \]  ولهم عذاب مقيم .

### الآية 5:38

> ﻿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ [5:38]

قوله تعالى : والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما ، أراد به أيمانهما، وكذلك هو في مصحف عبد الله بن مسعود رضي الله عنه. وجملة الحكم : أن من سرق نصاباً من المال من حرز لا شبهة له فيه تقطع يده اليمنى من الكوع، ولا يجب القطع بسرقة ما دون النصاب عند عامة أهل العلم، حكي عن الزبير أنه كان يقطع في الشيء القليل، وعامة العلماء على خلافه. واختلفوا في القدر الذي يقطع فيه، فذهب أكثرهم إلى أنه لا يقطع في أقل من ربع دينار، فإن سرق ربع دينار أو متاعاً قيمته ربع دينار يقطع، وهو قول أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي رضي الله عنهم، وبه قال عمر بن عبد العزيز، والأوزاعي، والشافعي، رحمهم الله، لما أخبرنا عبد الوهاب بن محمد الخطيب، أنا عبد العزيز أحمد الخلال، أنا أبو العباس الأصم، أنا الربيع، أنا الشافعي، أنا ابن عيينة، عن ابن شهاب، عن عروة، عن عائشة رضي الله تعالى عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :( القطع في ربع دينار فصاعدا ). 
أخبرنا أبو الحسن السرخسي، أخبرنا زاهر بن أحمد، أنا أبو إسحاق الهاشمي، أنا أبو مصعب، عن مالك، عن نافع، عن عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قطع سارقاً في مجن قيمته ثلاثة دراهم. وروي عن عثمان أنه قطع سارقاً في أترجة قومت بثلاثة دراهم من صرف اثني عشر درهماً بدينار. وهذا قول مالك رحمه الله تعالى، أنه يقطع في ثلاثة دراهم. وذهب قوم إلى أنه لا تقطع في أقل من دينار، أو عشرة دراهم، ويروى ذلك عن ابن مسعود رضي الله عنه، وإليه ذهب سفيان الثوري وأصحاب الرأي. وقال قوم : لا يقطع إلا في خمسة دراهم. يروى ذلك عن أبي هريرة رضي الله عنه، وبه قال ابن أبي ليلى، أخبرنا عبد الواحد المليحي، أنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أنا محمد بن يوسف، أنا محمد بن إسماعيل، أنا عمر بن حفص بن غياث، أخبرني أبي، أنا الأعمش قال : سمعت أبا صالح، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال :( لعن الله السارق، يسرق البيضة فتقطع يده، ويسرق الحبل فتقطع يده ). 
وقال الأعمش : كانوا يرون أنه بيض الحديد، والحبل يرون أن منها ما يساوي ثلاثة دراهم، ويحتج بهذا الحديث من يرى القطع في الشيء القليل، وهو عند الأكثرين محمول على ما قاله الأعمش لحديث عائشة رضي الله عنها " وإذا سرق شيئاً من غير حرز كثمر في حائط لا حارس له، أو حيوان في برية لا حافظ له، أو متاع في بيت منقطع عن البيوت لا قطع عليه ". وروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال :( لا قطع في ثمر معلق، ولا في حريسة جبل، فإذا آواه المراح أو الجرين فالقطع فيما بلغ ثمن المجن ". 
وروي عن ابن جريج، عن الزبير، عن جابر رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال :( ليس على خائن، أو منتهب، ولا مختلس، قطع. و إذا سرق مالاً له فيه شبهة كالعبد يسرق من مال سيده، أو الولد يسرق من مال والده، أو الوالد يسرق من مال ولده، أو أحد الشريكين يسرق من المال المشترك شيئاً، لا قطع عليه. وإذا سرق السارق أول مرة تقطع يده اليمنى من الكوع، ثم إذا سرق ثانياً تقطع رجله اليسرى من مفصل القدم ). 
واختلفوا فيما إذا سرق ثالثاً، فذهب أكثرهم إلى أنه تقطع يده اليسرى، وإذا سرق رابعاً تقطع رجله اليمنى، ثم إذا سرق بعده يعزر ويحبس حتى تظهر توبته، وهو المروي عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه، وهو قول قتادة، وبه قال مالك، والشافعي، لما روي عن أبي سلمة عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في السارق :( إن سرق فاقطعوا يده، ثم إن سرق فاقطعوا رجله، ثم إن سرق فاقطعوا يده، ثم إن سرق فاقطعوا رجله ). 
وذهب قوم إلى أنه إن سرق ثالثاً بعدما قطعت يده اليمنى ورجله اليسرى لا يقطع، بل يحبس، وروى ذلك عن علي رضي الله عنه، وقال : إني لأستحي أن لا أدع له يداً يستنجي بها، ولا رجلاً يمشي بها، وهو قول الشعبي، والنخعي، وبه قال الأوزاعي، وأحمد، وأصحاب الرأي. 
قوله تعالى : جزاءً بما كسبا ، نصب على الحال والقطع ومثله. 
قوله تعالى : نكالاً ، أي عقوبة. 
قوله تعالى : من الله والله عزيز حكيم .

### الآية 5:39

> ﻿فَمَنْ تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ ۗ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ [5:39]

قوله تعالى : فمن تاب من بعد ظلمه ، أي سرقته. 
قوله تعالى : وأصلح  العمل. 
قوله تعالى : فإن الله يتوب عليه إن الله غفور رحيم ، هذا فيما بينه وبين الله تعالى، فأما القطع فلا يسقط عنه بالتوبة عند الأكثرين، قال مجاهد : قطع السارق لا توبة له، فإذا قطعت حصلت التوبة. والصحيح أن القطع للجزاء على الجناية، كما قال : الجزاء بما كسبا، ولابد من التوبة بعده، وتوبته الندم على ما مضى، والعزم على تركه في المستقبل، وإذا قطع السارق يجب عليه غرم ما سرق من المال عند أكثر أهل العلم، وقال سفيان الثوري وأصحاب الرأي : لا غرم عليه، وبالاتفاق : إن كان المسروق قائماً عنده يسترده، وتقطع يده، لأن القطع حق الله تعالى، والغرم حق العبد، فلا يمنع أحدهم الآخر، كاسترداد العين.

### الآية 5:40

> ﻿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ ۗ وَاللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [5:40]

قوله تعالى : ألم تعلم أن الله له ملك السموات والأرض ، الخطاب مع النبي صلى الله عليه وسلم، و المراد به الجميع، وقيل معناه : ألم تعلم أيها الإنسان، فيكون خطاباً لكل أحد من الناس. 
قوله تعالى : يعذب من يشاء ويغفر لمن يشاء ، قال السدي والكلبي : يعذب من يشاء من مات على كفره، ويغفر لمن يشاء من تاب من كفره. وقال ابن عباس رضي الله عنهما : يعذب من يشاء على الصغيرة، ويغفر لمن يشاء على الكبيرة. 
قوله تعالى : والله على كل شيء قدير .

### الآية 5:41

> ﻿۞ يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ ۛ وَمِنَ الَّذِينَ هَادُوا ۛ سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ ۖ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ ۖ يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَٰذَا فَخُذُوهُ وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا ۚ وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا ۚ أُولَٰئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ ۚ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ ۖ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ [5:41]

قوله تعالى : يا أيها الرسول لا يحزنك الذين يسارعون في الكفر ، أي : في مولاة الكفار، فإنهم لن يعجزوا الله. 
قوله تعالى : من الذين قالوا آمنا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم ، وهم المنافقون. 
قوله تعالى : ومن الذين هادوا ، يعني : اليهود. 
قوله تعالى : سماعون ، أي : قوم سماعون. 
قوله تعالى : للكذب ، أي قابلون للكذب، كقول المصلي : سمع الله لمن حمده، أي : قبل الله، وقيل : سماعون لأجل الكذب، أي يسمعون من الرسول صلى الله عليه وسلم ثم يخرجون ويقولون : سمعنا منه كذا، ولم يسمعوا ذلك منه. 
قوله تعالى : سماعون لقوم آخرين لم يأتوك ، أي هم جواسيس، يعني : بني قريظة  لقوم آخرين  وهم أهل خيبر. وذلك أن رجلاً وامرأةً من أشراف أهل خيبر زنيا، وكانا محصنين، وكان حدهما الرجم في التوراة، فكرهت اليهود رجمهما لشرفهما، فقالوا : إن هذا الرجل بيثرب ليس في كتابه الرجم، ولكنه الضرب، فأرسلوا إلى إخوانكم من بني قريظة فإنهم جيرانه، وصلح له، فليسألوه عن ذلك. فبعثوا رهطاً منهم مستخفين، وقالوا لهم : سلوا محمداً عن الزانيين إذا أحصنا ما حدهما ؟ فإن أمركم بالجلد فاقبلوا منه، وإن أمركم بالرجم فاحذروه ولا تقبلوا منه، وأرسلوا معهم الزانيين، فقدم الرهط حتى نزلوا على بني قريظة والنضير، فقالوا لهم : إنكم جيران هذا الرجل، ومعه في بلده، وقد حدث فينا حدث فلان وفلانة، قد فجرا وقد أحصنا، فنحب أن تسألوا لنا محمداً عن قضائه فيه، فقالت لهم قريظة والنضير : إذاً والله يأمركم بما تكرهون. ثم انطلق قوم، منهم كعب بن الأشرف، وكعب بن أسد، وسعيد بن عمرو، ومالك بن الصيف، وكنانة بن أبي الحقيق، وغيرهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالوا : يا محمد أخبرنا عن الزاني والزانية إذا أحصنا ما حدهما في كتابك ؟ فقال صلى الله عليه وسلم : هل ترضون بقضائي ؟ قالوا : نعم. فنزل جبريل عليه السلام بالرجم، فأخبرهم بذلك فأبوا أن يأخذوا به. فقال له جبريل عليه السلام : اجعل بينك وبينهم ابن صوريا، ووصفه له. فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم : هل تعرفون شاباً أمرد، أعور، يسكن فدك، يقال له ابن صوريا ؟ قالوا : نعم، قال : فأي رجل هو فيكم ؟ فقالوا : هو أعلم يهودي بقي على وجه الأرض بما أنزل الله سبحانه وتعالى على موسى عليه السلام في التوراة. قال صلى الله عليه وسلم : فأرسلوا إليه ففعلوا، فأتاهم، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : أنت ابن صوريا ؟ قال : نعم، قال : أنت أعلم اليهود ؟ قال : كذلك يزعمون ؟ قال : أتجعلونه بيني وبينكم ؟ قالوا : نعم. فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : أنشدك بالله الذي لا إله إلا هو، الذي نزل التوراة على موسى عليه السلام، و أخرجكم من مصر، وفلق لكم البحر، وأنجاكم وأغرق آل فرعون، والذي ظلل عليكم الغمام، وأنزل عليكم المن و السلوى، وأنزل عليكم كتابه فيه حلاله وحرامه، هل تجدون في كتابكم الرجم على من أحصن ؟ قال ابن صوريا : نعم، والذي ذكرتني به لولا خشية أن تحرقني التوراة إن كذبت، أو غيرت ما اعترفت لك، ولكن كيف هي في كتابك يا محمد ؟ قال : إذا شهد أربعة رهط عدول أنه قد أدخله فيها كما يدخل الميل في المكحلة وجب عليه الرجم. فقال ابن صوريا : والذي أنزل التوراة على موسى هكذا أنزل الله عز وجل في التوراة على موسى عليه السلام، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : فما كان أول ما ترخصتم به أمر الله ؟، قال : كنا إذا أخذنا الشريف تركناه، وإذا أخذنا الضعيف أقمنا عليه الحد، فكثر الزنا في أشرافنا حتى زنا ابن عم ملك لنا فلم نرجمه، ثم زنى رجل آخر في أسوة من الناس فأراد ذلك الملك رجمه فقام دونه قومه، فقالوا : والله لا يرجم حتى يرجم فلان لابن عم الملك فقلنا : تعالوا نجتمع فلنصنع شيئاً دون الرجم يكون على الوضيع والشريف، فوضعنا الجلد والتحميم، وهو أن يجلد أربعين جلدة بحبل مطلي بالقار، ثم يسود وجوههما، ثم يحملان على حمارين ووجوههما من قبل دبر الحمار، ويطاف بهما، فجعلوا هذا مكان الرجم، فقالت اليهود لابن صوريا : ما أسرع ما أخبرته به، وما كنت لما أثنينا عليك بأهل، ولكنك كنت غائباً فكرهنا أن نغتابك، فقال لهم : إنه قد أنشدني بالتوراة، ولولا خشية التوراة أن تهلكني لما أخبرته به، فأمر بهما النبي صلى الله عليه وسلم فرجما عند باب مسجده، وقال :( اللهم إني أول من أحيا أمرك إذ أماتوه ) فأنزل الله عز وجل : يا أيها الرسول لا يحزنك الذين يسارعون في الكفر . 
أخبرنا أبو الحسن السرخسي، أنا زاهر بن أحمد أبو إسحاق الهاشمي، أنا أبو مصعب، عن مالك، عن نافع، عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهم قال : إن اليهود جاؤوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكروا له أن رجلاً منهم وامرأة زنيا، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم :( ما تجدون في التوراة في شأن الرجم ؟ فقالوا : نفضحهم ويجلدون، قال عبد الله بن سلام : كذبتم، إن فيها لآية الرجم، فأتوا بالتوراة فنشروها، فوضع أحدهم يده على آية الرجم، فقرأ ما قبلها وما بعدها، فقال له عبد الله : ارفع يدك، فرفع يده، فإذا فيها آية الرجم، قالوا : صدق يا محمد فيها آية الرجم، فأمر بهما رسول الله صلى الله عليه وسلم فرجما، فقال عبد الله بن عمر : فرأيت الرجل يحني على المرأة يقيها الحجارة. 
وقيل : سبب نزول هذه الآية القصاص، وذلك أن بني النضير كان لهم فضل على بني قريظة، فقال بنو قريظة : يا محمد إخواننا بنو النضير، أبونا واحد، وديننا واحد، ونبينا واحد، إذا قتلوا منا قتيلاً لم يقيدونا وأعطونا ديته سبعين وسقاً من تمر، وإذا قتلنا منهم قتلوا القاتل، وأخذوا منا الضعف مائة وأربعين وسقاً من تمر، وإن كان القتيل امرأة قتلوا بها الرجل منا، وبالرجل منهم الرجلين منا، وبالعبد حرا منا، وجراحتنا على التضعيف من جراحاتهم، فاقض بيننا وبينهم، فأنزل الله تعالى هذه الآية، والأول أصح. لأن الآية في الرجم. قوله : ومن الذين هادوا سماعون للكذب ، قيل : اللام بمعنى إلى، وقيل : هي لام كي، أي : يسمعون لكي يكذبوا عليك، واللام في قوله : لقوم  أي : لأجل قوم آخرين  لم يأتوك  وهم أهل خيبر. 
قوله تعالى : يحرفون الكلم ، جمع كلمة. 
قوله تعالى : من بعد مواضعه ، أي : من بعد وضعه موضعه، وإنما ذكر الكناية رداً على لفظ الكلم. 
قوله تعالى : يقولون إن أوتيتم هذا فخذوه . أي : إن أفتاكم محمد صلى الله عليه وسلم بالجلد والتحميم فاقبلوا. 
قوله تعالى : وإن لم تؤتوه فاحذروا ومن يرد الله فتنته ، كفره وضلالته، قال الضحاك : هلاكه، وقال قتاده : عذابه. 
قوله تعالى : فلن تملك له من الله شيئاً ، فلن تقدر على دفع أمر الله فيه. 
قوله تعالى : أولئك الذين لم يرد الله أن يطهر قلوبهم ، وفيه رد على من ينكر القدر. قوله تعالى : لهم في الدنيا خزي . أي : للمنافقين واليهود، فخزي المنافقين الفضيحة وهتك الستر بإظهار نفاقهم، وخزي اليهود الجزية، أو القتل، والسبي، أو النفي، ورؤيتهم من محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه فيهم ما يكرهون. 
قوله تعالى : ولهم في الآخرة عذاب عظيم ، الخلود في النار.

### الآية 5:42

> ﻿سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ ۚ فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ ۖ وَإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئًا ۖ وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ [5:42]

قوله تعالى : سماعون للكذب أكالون للسحت ، قرأ ابن كثير، و أبو جعفر، وأهل البصرة، والكسائي  السحت  بضم الحاء، والآخرون بسكونها، وهو الحرام، وأصله الهلاك والشدة، قال الله تعالى : فيسحتكم بعذاب  \[ طه : ٦١ \]، نزلت في حكام اليهود كعب بن الأشرف وأمثاله، كانوا يرتشون ويقضون لمن رشاهم. قال الحسن : كان الحاكم منهم إذا أتاه أحد برشوة جعلها في كمه، فيريها إياه ويتكلم بحاجته، فيسمع منه ولا ينظر إلى خصمه، فيسمع الكذب، ويأكل الرشوة. وعنه أيضاً قال : إنما ذلك في الحكم إذا رشوته ليحق لك باطلاً، أو يبطل عنك حقك. فأما أن يعطي الرجل الوالي يخاف ظلمه ليدرأ به عن نفسه فلا بأس، فالسحت هو الرشوة في الحكم على قول الحسن، ومقاتل، وقتادة، والضحاك، وقال ابن مسعود : هو الرشوة في كل شيء، قال ابن مسعود : من شفع شفاعة ليرد بها حقا، ً أو يدفع بها ظلماً، فأهدي له فقبل فهو سحت، فقيل له : يا أبا عبد الرحمن ما كنا نرى ذلك إلا الأخذ على الحكم، فقال : الأخذ على الحكم كفر، قال الله تعالى : ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون  \[ المائدة : ٤٤ \]. 
أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي، أنا أحمد بن عبد الرحمن بن أبي شريح، أنا أبو القاسم البغوي، ثنا علي بن الجعد، أنا ابن أبي ذئب، عن الحارث بن عبد الرحمن، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :( لعن الله الراشي والمرتشي ). 
قال الأخفش : السحت : كل كسب لا يحل. 
قوله تعالى : فإن جاؤوك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم وإن تعرض عنهم فلن يضروك شيئا ، خير الله تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم في الحكم بينهم إن شاء حكم، وإن شاء ترك. واختلفوا في حكم الآية اليوم، هل للحاكم الخيار في الحكم بين أهل الذمة إذا تحاكموا إلينا ؟ فقال أكثر أهل العلم : هو حكم ثابت، وليس في سورة المائدة منسوخ، وحكام المسلمين بالخيار في الحكم بين أهل الكتاب، إن شاؤوا حكموا وإن شاؤوا لم يحكموا، وإن حكموا حكموا بحكم الإسلام، وهو قول النخعي، والشعبي، وعطاء، وقتادة. وقال قوم : يجب على حاكم المسلمين أن يحكم بينهم، والآية منسوخة، نسخها قوله تعالى : وأن احكم بينهم بما أنزل الله  \[ المائدة : ٤٩ \]، وهو قول مجاهد، وعكرمة، وروي ذلك عن ابن عباس، وقال : لم ينسخ من المائدة إلا آيتان، قوله تعالى : لا تحلوا شعائر الله  نسخها قوله تعالى : اقتلوا المشركين  وقوله : فإن جاؤوك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم  نسخها قوله تعالى : وأن احكم بينهم بما أنزل الله  فأما إذا تحاكم إلينا مسلم وذمي فيجب علينا الحكم بينهما، لا يختلف القول فيه، لأنه لا يجوز للمسلم الانقياد لحكم أهل الذمة. 
قوله تعالى : وإن حكمت فاحكم بينهم بالقسط ، أي : بالعدل. 
قوله تعالى : إن الله يحب المقسطين  أي العادلين، روينا عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال :( المقسطون عند الله على منابر من نور ).

### الآية 5:43

> ﻿وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِنْدَهُمُ التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللَّهِ ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِنْ بَعْدِ ذَٰلِكَ ۚ وَمَا أُولَٰئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ [5:43]

قوله تعالى : وكيف يحكمونك وعندهم التوراة ، هذا تعجيب للنبي صلى الله عليه وسلم، وفي اختصار، أي : وكيف يجعلونك حكماً بينهم فيرضون بحكمك وعندهم التوراة. 
قوله تعالى : فيها حكم الله . وهو الرجم. 
قوله تعالى : ثم يتولون من بعد ذلك وما أولئك بالمؤمنين ، أي بمصدقين لك.

### الآية 5:44

> ﻿إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ ۚ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ ۚ فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا ۚ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ [5:44]

قوله تعالى : إنا أنزلنا التوراة فيها هدىً ونور يحكم بها النبيون الذين أسلموا . أي : أسلموا وانقادوا لأمر الله تعالى، كما أخبر عن إبراهيم عليه السلام : إذ قال له ربه أسلم  قال أسلمت لرب العالمين  \[ البقرة : ١٣١ \]، وكما قال : وله أسلم من في السموات والأرض طوعا وكرها  \[ آل عمران : ٨٣ \] وأراد بهم النبيين الذين بعثوا من بعد موسى عليه السلام ليحكموا بما في التوراة، وقد أسلموا لحكم التوراة وحكموا بها، فإن من النبيين من لم يؤمر بحكم التوراة، منهم عيسى عليه السلام، قال الله سبحانه وتعالى  لكل جعلنا منكم شرعةً ومنهاجاً  \[ المائدة : ٤٨ \]. وقال الحسن والسدي : أراد به محمداً، صلى الله عليه وسلم حكم على اليهود بالرجم، ذكر بلفظ الجمع كما قال : إن إبراهيم كان أمةً قانتاً  \[ النحل : ١٢٠ \]. 
قوله تعالى : للذين هادوا ، فيه تقديم وتأخير، تقديره : فيها هدى ونور للذين هادو. ويقل هو على موضعه، يحكم بها النبيون الذين أسلموا على الذين هادوا، كما قال  وإن أسأتم فلها  أي : فعليها، وقال : أولئك لهم اللعنة  \[ الرعد : ٢٥ \] أي : عليهم، وقيل : فيه حذف، كأنه قال : للذين هادوا وعلى الذين هادوا، فحذف أحدهما اختصارً. قوله تعالى : والربانيون والأحبار ، يعني العلماء، واحدها حبر، وحبر بفتح الحاء وكسرها، والكسر أفصح، وهو العالم المحكم في الشيء، قال الكسائي وأبو عبيد : هو من الحبر الذي هو بمعنى الجمال، بفتح الحاء وكسرها، في الحديث : يخرج من النار رجل قد ذهب حبره وسبره، أي حسنه وهيئته، ومنه التحبير وهو التحسين، فسمى العالم حبراً لما عليه من جمال العلم وبهائه، وقيل : الربانيون هاهنا من النصارى، والأحبار من اليهود. 
قوله تعالى : بما استحفظوا من كتاب الله  أي، استودعوا من كتاب الله. 
قوله تعالى : وكانوا عليه شهداء ، . أنه كذلك. 
قوله تعالى : فلا تخشوا الناس واخشون ولا تشتروا بآياتي ثمنا قليلا ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون ، قال قتادة و الضحاك : نزلت هذه الآيات الثلاث في اليهود دون من أساء من هذه الأمة، روي عن البراء بن عازب رضي الله عنه في قوله : ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون ، والظالمون والفاسقون كلها في الكافرين، وقيل : هي على الناس كلهم. وقال ابن عباس وطاووس : ليس بكفر ينقل عن الملة، بل إذا فعله به كافر، وليس كمن كفر بالله واليوم الآخر. قال عطاء : هو كفر دون كفر، وظلم دون ظلم، وفسق دون فسق، وقال عكرمة معناه : ومن لم يحكم بما أنزل الله جاحداً به، فقد كفر، ومن أقر به ولم يحكم به فهو ظالم فاسق، وسئل عبد العزيز بن يحيى الكناني عن هذه الآيات، فقال : إنها تقع على جميع ما أنزل الله لا على بعضه، وكل من لم يحكم بجميع ما أنزل الله فهو كافر ظالم فاسق، فأما من حكم بما أنزل الله من التوحيد وترك الشرك، ثم لم يحكم ببعض ما أنزل الله من الشرائع لم يستوجب حكم هذه الآيات. وقال العلماء : هذا إذا ورد نص حكم الله عياناً عمدا، فأما من خفي عليه، أو أخطأ في تأويل فلا.

### الآية 5:45

> ﻿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ ۚ فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ ۚ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ [5:45]

قوله تعالى : وكتبنا عليهم فيها ، أي : أوجبنا على بني إسرائيل في التوراة. 
قوله تعالى : أن النفس بالنفس ، يعني : من نفس القاتل بنفس المقتول وفاءً يقتل به. قوله تعالى : والعين بالعين ، تفقأ بها. 
قوله تعالى : والأنف بالأنف ، يجدع به. 
قوله تعالى : والأذن بالأذن ، تقطع بها، قال ابن عباس : أخبر الله تعالى بحكمه في التوراة وهو : أن النفس بالنفس، واحدة بواحدة إلى آخرها، فما بالهم يخافون فيقتلون بالنفس النفسين، ويفقؤون بالعين العينين، وخفف نافع الأذن في جميع القرآن، ونقلها الآخرون. 
قوله تعالى : والسن بالسن ، تقلع بها، وسائر الجوارح قياس عليها في القصاص. قوله تعالى : والجروح قصاص ، فهذا تعميم بعد تخصيص، لأنه ذكر العين، والأنف، والأذن، والسن ثم قال : والجروح قصاص ، أي فيما يمكن الاقتصاص منه كاليد، والرجل، واللسان، ونحوها. وأما ما لا يمكن الاقتصاص منه من كسر عظم، أو جرح لحم، كالجائفة ونحوها فلا قصاص فيه، لأنه لا يمكن الوقوف على نهايته، وقرأ الكسائي : والعين  وما بعدها بالرفع، وقرأ ابن كثير وابن عامر، وأبو جعفر، وأبو عمرو : والجروح  بالرفع فقط، وقرأ الآخرون كلها بالنصب كالنفس. 
قوله تعالى : فمن تصدق به ، أي بالقصاص. 
قوله تعالى : فهو كفارة له ، قيل : الهاء في  له  كناية عن المجروح، وولي القتيل، أي : كفارة للمتصدق، وهو قول عبد الله بن عمرو بن العاص، والحسن، والشعبي، وقتادة. 
أخبرنا أبو سعيد أحمد بن إبراهيم الشريحي، أنا أبو إسحاق أحمد بن محمد بن إبراهيم الثعلبي، أنا أبو عبد الله الحسين بن محمد الدينوري، أنا عمر ابن الخطاب، أنا عبد الله بن الفضل، أخبرنا أبو خيثمة، أنا جرير عن مغيرة، عن الشعبي، عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :( من تصدق من جسده بشيء كفر الله عنه بقدره من ذنوبه ). 
وقال جماعة : هي كناية عن الجارح والقاتل، يعني : إذا عفا المجني عليه عن الجاني فعفوه كفارة لذنب الجاني، لا يؤاخذ به في الآخرة، كما أن القصاص كفارة له، فأما أجر العافي فعلى الله عز وجل، قال الله تعالى : فمن عفا وأصلح فأجره على الله  \[ الشورى : ٤٠ \]، روي ذلك عن ابن عباس رضي الله عنهما، وهو قول إبراهيم، ومجاهد، وزيد بن أسلم. 
قوله تعالى : ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون .

### الآية 5:46

> ﻿وَقَفَّيْنَا عَلَىٰ آثَارِهِمْ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ ۖ وَآتَيْنَاهُ الْإِنْجِيلَ فِيهِ هُدًى وَنُورٌ وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ [5:46]

قوله تعالى : ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون وقفينا على آثارهم ، أي : على آثار النبيين الذي أسلموا. 
قوله تعالى : بعيسى بن مريم مصدقاً لما بين يديه من التوراة وآتيناه الإنجيل فيه ، أي : في الإنجيل. 
قوله تعالى : هدىً ونور ومصدقاً ، يعني الإنجيل. 
قوله تعالى : لما بين يديه من التوراة وهدىً وموعظةً للمتقين .

### الآية 5:47

> ﻿وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنْجِيلِ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ ۚ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ [5:47]

قوله تعالى : لما بين يديه من التوراة وهدىً وموعظةً للمتقين وليحكم أهل الإنجيل بما أنزل الله فيه ، قرأ الأعمش وحمزة : وليحكم  بكسر اللام ونصب الميم، أي : لكي يحكم، وقرأ الآخرون بسكون اللام وجزم الميم على الأمر، قال مقاتل بن حيان : أمر الله الربانيين والأحبار أن يحكموا بما في التوراة، وأمر القسيسين والرهبان أن يحكموا بما في الإنجيل، فكفروا وقالوا : عزير ابن الله، والمسيح ابن الله. 
قوله تعالى : ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون ، الخارجون عن أمر الله عز وجل.

### الآية 5:48

> ﻿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ ۖ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ ۖ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ ۚ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا ۚ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَٰكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ ۖ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ ۚ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ [5:48]

قوله تعالى : وأنزلنا إليك ، يا محمد. 
قوله تعالى : الكتاب ، القرآن. 
قوله تعالى : بالحق مصدقاً لما بين يديه من الكتاب ، أي من الكتب المنزلة من قبل. قوله تعالى : ومهيمناً عليه ، روى الوالبي عن ابن عباس رضي الله عنهما : أي شاهداً عليه، وهو قول مجاهد، وقتادة، والسدي، والكسائي. قال حسان :

إن الكتاب مهيمن لنبينا  والحق يعرفه ذوو الألبابيريد : شاهداً ومصدقاً، وقال عكرمة : دالاً، وقال سعيد بن جبير وأبو عبيدة : مؤتمناً عليه، وقال الحسن : أميناً، وقيل : أصله مؤيمن مفيعل، من أمين، كما قالوا : مبيطر من البيطار، فقلبت الهمزة هاءً، كما قالوا : أرقت الماء وهرقته، وأيهات وهيهات ونحوها. ومعنى أمانة القرآن ما قال ابن جريج : القرآن أمين على ما قبله من الكتب، فما أخبر أهل الكتاب عن كتابهم فإن كان في القرآن فصدقوا، وإلا فكذبوا، وقال سعيد بن المسيب والضحاك : قاضياً، وقال الخليل : رقيباً وحافظاً، والمعاني متقاربة، ومعنى الكل : أن الكل كتاب يشهد بصدق القرآن فهو كتاب الله تعالى، وإلا فلا. 
قوله تعالى : فاحكم ، يا محمد. 
قوله تعالى : بينهم  بين أهل الكتاب إذا ترافعوا إليك. 
قوله تعالى : بما أنزل الله . تعالى بالقرآن. 
قوله تعالى : ولا تتبع أهواءهم عما جاءك من الحق ، أي لا تعرض عما جاءك من الحق، ولا تتبع أهواءهم. 
قوله تعالى : لكل جعلنا منكم شرعةً ومنهاجاً ، قال ابن عباس، والحسن، ومجاهد : أي سبيلاً وسنةً، فالشرعة والمنهاج الطريق الواضح، وكل ما شرعت فيه فهو شريعة، وشرعة، ومنه شرائع الإسلام لشروع أهلها فيها، وأراد بهذا أن الشرائع مختلفة، ولكل أهل ملة شريعة. قال قتادة : الخطاب للأمم الثلاث، أمة موسى، وأمة عيسى، وأمة محمد صلى الله عليه وسلم وعليهم أجمعين، فالتوراة شريعة، والإنجيل شريعة، والفرقان شريعة، والدين واحد وهو التوحيد. 
قوله تعالى : ولو شاء الله لجعلكم أمةً واحدة ، أي على ملة واحدة. 
قوله تعالى : ولكن ليبلوكم ، ليختبركم. 
قوله تعالى : في ما آتاكم ، من الكتب، وبين لكم من الشرائع، فيبين المطيع من العاصي، والموافق من المخالف. 
قوله تعالى : فاستبقوا الخيرات ، فبادروا إلى الأعمال الصالحة. 
قوله تعالى : إلى الله مرجعكم جميعاً فينبئكم بما كنتم فيه تختلفون .

### الآية 5:49

> ﻿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ ۖ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ ۗ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ [5:49]

قوله تعالى : وأن احكم بينهم بما أنزل الله  إليك
قوله تعالى : ولا تتبع أهواءهم واحذرهم أن يفتنوك عن بعض ما أنزل الله إليك ، قال ابن عباس رضي الله عنهما : قال كعب بن أسيد، وعبد الله بن صوريا، وشاس بن قيس، من رؤساء اليهود بعضهم لبعض : اذهبوا بنا إلى محمد لعلنا نفتنه عن دينه، فأتوه فقالوا : يا محمد، قد عرفت أنا أحبار اليهود وأشرافهم، وإنا إن اتبعناك يخالفنا اليهود، وإن بيننا وبين الناس خصومات فنحاكمهم إليك، فاقض لنا عليهم نؤمن بك، ويتبعنا غيرنا. ولم يكن قصدهم الإيمان، وإنما كان قصدهم التلبيس ودعوته إلى الميل في الحكم، فأنزل الله عز وجل هذه الآية. 
قوله تعالى : فإن تولوا . أي أعرضوا عن الإيمان والحكم بالقرآن. 
قوله تعالى : فاعلم أنما يريد الله أن يصيبهم ببعض ذنوبهم ، أي : فاعلم أن إعراضهم من أجل أن الله يريد أن يعجل لهم العقوبة في الدنيا ببعض ذنوبهم. 
قوله تعالى : وإن كثيراً من الناس  يعني اليهود. 
قوله تعالى : لفاسقون .

### الآية 5:50

> ﻿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ ۚ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ [5:50]

قوله تعالى : أفحكم الجاهلية يبغون  قرأ ابن عامر  تبغون  بالتاء، وقرأ الآخرون بالياء، أي : يطلبون. 
قوله تعالى : ومن أحسن من الله حكماً لقوم يوقنون .

### الآية 5:51

> ﻿۞ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَىٰ أَوْلِيَاءَ ۘ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ ۚ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ ۗ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ [5:51]

قوله تعالى : ومن أحسن من الله حكماً لقوم يوقنون يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء ، اختلفوا في نزول هذه الآية وإن كان حكمها عاماً لجميع المؤمنين. فقال قوم : نزلت في عبادة بن الصامت، وعبد الله بن أبي سلول، وذلك أنهما اختصما، فقال عبادة : إن لي أولياء من اليهود كثير عددهم، شديدة شوكتهم، وإني أبرأ إلى الله وإلى رسوله من ولايتهم، وولاية اليهود، ولا مولى لي إلا الله ورسوله، فقال عبد الله : لكني لا أبرأ من ولاية اليهود، لأني أخاف الدوائر، ولابد لي منهم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم :" يا أبا الحباب، ما نفست به من ولاية اليهود على عبادة بن الصامت فهو لك دونه ". قال : إذا أقبل، فأنزل الله تعالى هذه الآية. قال السدي : لما كانت وقعة أحد اشتدت على طائفة من الناس، وتخوفوا أن يدال عليهم الكفار، فقال رجل من المسلمين : أنا ألحق بفلان اليهودي، وآخذ منه أماناً، إني أخاف أن يدال علينا اليهود، وقال رجل آخر : أما أنا فألحق بفلان النصراني من أهل الشام، وآخذ منه أماناً، فأنزل الله تعالى هذه الآية ينهاهما. وقال عكرمة : نزلت في أبي لبابة بن عبد المنذر، بعثه النبي صلى الله عليه وسلم إلى بني قريظة حين حاصرهم فاستشاروه في النزول، وقالوا : ماذا يصنع بنا إذا نزلنا ؟ فجعل أصبعه على حلقه أنه الذبح، أي : يقتلكم. فنزلت هذه الآية. 
قوله تعالى : بعضهم أولياء بعض ، في العون والنصرة، ويدهم واحدة على المسلمين. 
قوله تعالى : ومن يتولهم منكم ، فيوافقهم ويعنهم. 
قوله تعالى : فإنه منهم إن الله لا يهدي القوم الظالمين .

### الآية 5:52

> ﻿فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَىٰ أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ ۚ فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَىٰ مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ [5:52]

قوله تعالى : فترى الذين في قلوبهم مرض }، أي : نفاق، يعني عبد الله بن أبي وأصحابه من المنافقين الذين يوالون اليهود. 
قوله تعالى : يسارعون فيهم . في معونتهم وموالاتهم. 
قوله تعالى : يقولون نخشى أن تصيبنا دائرة ، دولة، يعني : أن يدول الدهر دولته، فنحتاج إلى نصرهم إيانا، وقال ابن عباس رضي الله عنهما : معناه نخشى أن لا يتم أمر محمد فيدور الأمر علينا، وقيل : نخشى أن يدور الدهر علينا بمكروه من جدب وقحط، ولا يعطونا الميرة والقرض. 
قوله تعالى : فعسى الله أن يأتي بالفتح ، قال قتادة ومقاتل : بالقضاء الفصل من نصر محمد صلى الله عليه وسلم على من خالفه، وقال الكلبي والسدي : فتح مكة، وقال الضحاك : فتح قرى اليهود مثل خيبر وفدك. 
قوله تعالى : أو أمر من عنده ، قيل : بإتمام أمر محمد صلى الله عليه وسلم، وقيل : عذاب لهم، وقيل : إجلاء بني النضير. 
قوله تعالى : فيصبحوا  يعني هؤلاء المنافقين. 
قوله تعالى : على ما أسروا في أنفسهم ، من موالاة اليهود ودس الأخبار إليهم. قوله تعالى : نادمين  حينئذ.

### الآية 5:53

> ﻿وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا أَهَٰؤُلَاءِ الَّذِينَ أَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ ۙ إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ ۚ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَأَصْبَحُوا خَاسِرِينَ [5:53]

قوله تعالى : ويقول الذين آمنوا  قرأ أهل الكوفة : ويقول، بالواو والرفع على الاستئناف، وقرأ أهل البصرة بالواو ونصب اللام عطفاً على أن يأتي أي : وعسى أن يقول الذين آمنوا، وقرأ الآخرون بحذف الواو ورفع اللام، وكذلك هو في مصاحف أهل العالية استغناء عن حرف العطف بملابسة هذه الآية بما قبلها، يعني يقول الذين آمنوا في وقت إظهار الله تعالى نفاق المنافقين. 
قوله تعالى : أهؤلاء الذين أقسموا بالله . حلفوا بالله. 
قوله تعالى : جهد أيمانهم ، أي : حلفوا بأغلظ الأيمان. 
قوله تعالى : إنهم لمعكم ؟  أي : إنهم لمؤمنون، يريد : أن المؤمنين حينئذ يتعجبون من كذبهم وحلفهم بالباطل. 
قوله تعالى : حبطت أعمالهم ، بطل كل خير عملوه. 
قوله تعالى : فأصبحوا خاسرين ، خسروا الدنيا بافتضاحهم، والآخرة بالعذاب وفوات الثواب.

### الآية 5:54

> ﻿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ۚ ذَٰلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ ۚ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ [5:54]

قوله تعالى : يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه ، قرأ أهل المدينة والشام : يرتدد بدالين على إظهار التضعيف، عن دينه فيرجع إلى الكفر. قال الحسن : علم الله تبارك وتعالى أن قوماً يرجعون عن الإسلام بعد موت نبيهم صلى الله عليه وسلم فأخبر أنه سيأتي بقوم يحبهم الله ويحبونه. واختلفوا في أولئك القوم من هم ؟ قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه، والحسن، وقتادة : هم أبو بكر وأصحابه الذين قاتلوا أهل الردة ومانعي الزكاة، وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم لما قبض ارتد عامة العرب إلا أهل مكة، والمدينة، والبحرين، من عبد القيس. ومنع بعضهم الزكاة، وهمّ أبو بكر رضي الله عنه بقتالهم، فكره ذلك أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، وقال عمر رضي الله عنه : كيف نقاتل الناس، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :( أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله فمن قال لا إله إلا الله فقد عصم مني ماله ونفسه إلا بحقه وحسابه على الله عز وجل ) ؟ فقال أبو بكر : والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة، فغن الزكاة حق المال، والله لو منعوني عناقاً كانوا يؤدونها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لقاتلتهم على منعها، قال أنس بن مالك رضي الله عنه : كرهت الصحابة قتال مانعي الزكاة، وقالوا : أهل القبلة، فتقلد أبو بكر سيفه وخرج وحده، فلم يجدوا بداً من الخروج على أثره. قال ابن مسعود : كرهنا ذلك في الابتداء. ثم حمدناه عليه في الانتهاء. قال أبو بكر بن عياش : سمعت أبا حصين يقول : ما ولد بعد النبيين مولود أفضل من أبي بكر رضي الله عنه، لقد قام مقام نبي من الأنبياء في قتال أهل الردة. وكان قد ارتد في حياة النبي صلى الله عليه وسلم ثلاث فرق : منهم بنو مدلج، ورئيسهم ذو الحمار عيهلة بن كعب العنسي، ويلقب بالأسود، وكان كاهناً مشعبذاً، فتنبأ باليمن، واستولى على بلاده، فكتب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى معاذ بن جبل ومن معه من المسلمين، وأمرهم أن يحثوا الناس على التمسك بدينهم، وعلى النهوض إلى حرب الأسود، فقتله فيروز الديلمي على فراشه، قال ابن عمر رضي الله عنه : فأتى الخبر النبي صلى الله عليه وسلم من السماء الليلة التي قتل فيها، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :( قتل الأسود البارحة، قتله رجل مبارك، قيل : ومن هو ؟ قال : فيروز، فبشر النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه بهلاك الأسود، وقبض صلى الله عليه وسلم من الغد، وأتى خبر مقتل العنسي المدينة في آخر شهر ربيع الأول بعدما خرج أسامة، وكان ذلك أول فتح جاء أبا بكر رضي الله عنه. 
والفرقة الثانية : بنو حنيفة باليمامة، ورئيسهم مسيلمة الكذاب، وكان قد تنبأ في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم في آخر سنة عشر، وزعم أنه أشرك مع محمد صلى الله عليه وسلم في النبوة، وكتب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم. 
من مسيلمة رسول الله، إلى محمد رسول الله، أما بعد، فإن الأرض نصفها لي ونصفها لك. 
وبعث إليه مع رجلين من أصحابه، فقال لهما رسول الله صلى الله عليه وسلم :" لولا أن الرسل لا تقتل لضربت أعناقكما " ثم أجاب :
 " من محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى مسيلمة الكذاب، أما بعد، فإن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده، والعاقبة للمتقين ". 
ومرض رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتوفي، فبعث أبو بكر خالد بن الوليد إلى مسيلمة الكذاب في جيش كثير حتى أهلكه الله على يدي وحشي غلام مطعم بن عدي الذي قتل حمزة بن عبد المطلب، بعد حرب شديد، وكان وحشي يقول : قتلت خير الناس في الجاهلية، وشر الناس في الإسلام. 
والفرقة الثالثة : بنو أسد، ورئيسهم طليحة بن خويلد، وكان طليحة آخر من ارتد، وادعى النبوة في حياة النبي صلى الله عليه وسلم، وأول من قوتل بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم من أهل الردة، فبعث أبو بكر خالد بن الوليد إليه، فهزمهم خالد بعد قتال شديد، وأفلت طليحة، ففر على وجهه هارباً نحو الشام، ثم إنه أسلم بعد ذلك وحسن إسلامه. وارتد بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم في خلافة أبي بكر رضي الله عنه خلق كثير، حتى كفى الله المسلمين أمرهم، ونصر دينه على يدي أبي بكر رضي الله عنه. قالت عائشة : توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وارتدت العرب، واشرأب النفاق، ونزل بأبي بكر ما لو نزل بالجبال الراسيات لهاضها. 
وقال قوم : المراد بقوله : فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه  هم الأشعريون. روي عن عياض بن غنم الأشعري قال : لما نزلت هذه الآية  فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :( هم قوم هذا، وأشار إلى أبي موسى الأشعري ). وكانوا من اليمن. 
أخبرنا أبو عبد الله محمد بن الفضل الخرقي، أنا أبو الحسن الطيسفوني، أنا أبو عبد الله بن عمر الجوهري، أنا أحمد بن علي الكشميهني، حدثنا علي ابن حجر، أنا إسماعيل بن جعفر، أنا محمد بن عمرو بن علقمة، عن أبي موسى، عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :( أتاكم أهل اليمن، هم أضعف قلوباً وأرق أفئدةً، الإيمان يمان، والحكمة يمانية ). 
وقال الكلبي : هم أحياء من اليمن، ألفان من النخع، وخمسة آلاف من كندة وبجيلة، وثلاثة آلاف من أفناء الناس، فجاهدوا في سبيل الله يوم القادسية في أيام عمر رضي الله عنه. 
قوله تعالى : أذلة على المؤمنين ، يعني : أرقاء رحماء، لقوله عز وجل : واخفض لهما جناح الذل من الرحمة ، ولم يرد به الهوان، بل أراد به أن جانبهم لين على المؤمنين. وقيل : هو من الذل من قولهم، دابة ذلول، يعني أنهم متواضعون، قال الله تعالى : وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هوناً . 
قوله تعالى : أعزة على الكافرين ، أي : أشداء غلاظ على الكفار، يعادونهم ويغالبونهم، من قولهم : عزه أي غلبه. قال عطاء :( أذلة على المؤمنين ) كالولد لوالده، والعبد لسيده، ( أعزة على الكافرين ) : كالسبع على فريسته، نظيره قوله تعالى : أشداء على الكفار رحماء بينهم . 
قوله تعالى : يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم ، يعني : لا يخافون في الله لومة الناس، وذلك أن المنافقين كانوا يراقبون الكفار ويخافون لومهم. 
وروينا عن عبادة بن الصامت قال : بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على السمع والطاعة، وأن نقوم أو نقول بالحق حيثما كنا لا نخاف في الله لومة لائم. 
قوله تعالى : ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء ، أي محبتهم لله، ولين جانبهم للمسلمين، وشدتهم على الكافرين، من فضل الله عليهم. 
قوله تعالى : والله واسع عليم .

### الآية 5:55

> ﻿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ [5:55]

قوله تعالى : والله واسع عليم إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا . 
روي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنها نزلت في عبادة بن الصامت، وعبد الله بن أبي بن سلول، حين تبرأ عبادة من اليهود، وقال : أتولى الله ورسوله والذين آمنوا، فنزل فيهم من قوله : يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء ، إلى قوله : إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا ، يعني عبادة بن الصامت، وأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقال جابر بن عبد الله : جاء عبد الله بن سلام إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله، إن قومنا قريظة والنضير قد هجرونا، وفارقونا، وأقسموا أن لا يجالسونا، فنزلت هذه الآية، فقرأها عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال : يا رسول الله، رضينا بالله وبرسوله وبالمؤمنين أولياء. وعلى هذا التأويل أراد بقوله : وهم راكعون  صلاة التطوع بالليل والنهار، وقاله ابن عباس رضي الله عنهما. وقال السدي : قوله : والذين آمنوا . 
قوله تعالى : الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون ، أراد به علي بن أبي طالب رضي الله عنه، مر به سائل وهو راكع في المسجد فأعطاه خاتمه. وقال جويبر عن الضحاك في قوله : إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا ، قال : هم المؤمنون بعضهم أولياء بعض، وقال أبو جعفر، محمد بن علي الباقر : إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا ، نزلت في المؤمنين، فقيل له إن أناساً يقولون إنها نزلت في علي رضي الله عنه، فقال : هو من المؤمنين.

### الآية 5:56

> ﻿وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ [5:56]

قوله تعالى : ومن يتول الله ورسوله والذين آمنوا ، يعني : يتولى القيام بطاعة الله، ونصرة رسوله والمؤمنين، قال ابن عباس رضي الله عنهما : يريد المهاجرين والأنصار. 
قوله تعالى : فإن حزب الله ، يعني : أنصار دين الله. 
قوله تعالى : هم الغالبون .

### الآية 5:57

> ﻿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِيَاءَ ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ [5:57]

قوله تعالى : يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا الذين اتخذوا دينكم هزواً ولعباً  الآية. قال ابن عباس : كان رفاعة بن زيد بن التابوت، وسويد بن الحارث، قد أظهرا الإسلام ثم نافقا، وكانا رجال من المسلمين يوادونهما، فأنزل الله عز وجل هذه الآية : يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا الذين اتخذوا دينكم هزواً ولعباً ، بإظهار ذلك بألسنتهم قولاً، وهم مستبطنون الكفر. 
قوله تعالى : من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ، يعني : اليهود. 
قوله تعالى : والكفار ، قرأ أهل البصرة والكسائي : الكفار بخفض الراء، يعني : ومن الكفار، وقرأ الآخرون بالنصب، أي : لا تتخذوا الكفار. 
قوله تعالى : أولياء واتقوا الله إن كنتم مؤمنين .

### الآية 5:58

> ﻿وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ اتَّخَذُوهَا هُزُوًا وَلَعِبًا ۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْقِلُونَ [5:58]

قوله تعالى : وإذا ناديتم إلى الصلاة اتخذوها هزواً ولعباً ذلك بأنهم قوم لا يعقلون ، قال الكلبي : كان منادي رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا نادى إلى الصلاة، وقام المسلمون إليها، قالت اليهود : قد قاموا لا قاموا، وصلوا لا صلوا، على طريق الاستهزاء، وضحكوا. فأنزل الله عز وجل هذه الآية. وقال السدي : نزلت في رجل من النصارى بالمدينة، كان إذا سمع المؤذن يقول : أشهد أن محمداً رسول الله، قال : حرق الكاذب، فدخل خادمه ذات ليلة بنار وهو وأهله نيام، فتطايرت منها شرارة فاحترق البيت، واحترق هو وأهله. وقال الآخرون : إن الكفار لما سمعوا الأذان حسدوا المسلمين فدخلوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقالوا : يا محمد، لقد أبدعت شيئاً لم نسمع به فيما مضى من الأمم، فإن كنت تدعي النبوة فقد خالفت فيما أحدثت الأنبياء قبلك، ولو كان فيه خير لكان أولى الناس به الأنبياء، فمن أين لك صياح كصياح العير ؟ فما أقبح من صوت وما أسمج من أمر، فأنزل الله تعالى هذه الآية،  ومن أحسن قولاً ممن دعا إلى الله ، الآية.

### الآية 5:59

> ﻿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ هَلْ تَنْقِمُونَ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلُ وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فَاسِقُونَ [5:59]

قوله تعالى : قل يا أهل الكتاب هل تنقمون منا ، الآية. قرأ الكسائي : هل تنقمون، بإدغام اللام في التاء، وكذلك يدغم لام هل في التاء والثاء والنون، ووافقه حمزة في التاء والثاء، وأبو عمرو في { هل ترى  في موضعين. 
قال ابن عباس : أتى النبي صلى الله عليه وسلم نفر من اليهود، أبو ياسر بن أخطب، ورافع بن أبي رافع وغيرهما، فسألوه عمن يؤمن به من الرسل، فقال : أؤمن بالله، وما أنزل إلينا، وما أنزل إلى إبراهيم وإسماعيل، إلى قوله : ونحن له مسلمون ، فلما ذكر عيسى عليه السلام جحدوا نبوته، وقالوا : والله ما نعلم أهل دين أقل حظاً في الدنيا والآخرة منكم، ولا ديناً شراً من دينكم، فأنزل الله تعالى هذه الآية : قل يا أهل الكتاب هل تنقمون منا ، أي : تكرهون منا. 
قوله تعالى : إلا أن آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل من قبل وأن أكثركم فاسقون ، أي : هل تكرهون منا إلا إيماننا وفسقكم، أي : إنما كرهتم إيماننا وأنتم تعلمون أنا على حق، لأنكم فسقتم بأن أقمتم على دينكم لحب الرياسة، وحب الأموال.

### الآية 5:60

> ﻿قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَٰلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ ۚ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ ۚ أُولَٰئِكَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضَلُّ عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ [5:60]

قوله تعالى : قل ، يا محمد. 
قوله تعالى : هل أنبئكم ، أخبركم. 
قوله تعالى : بشر من ذلك ، الذي ذكرتم، يعني قولهم، لم نر أهل دين أقل حظاً في الدنيا والآخرة منكم. ولا ديناً شراً من دينكم، فذكر الجواب بلفظ الابتداء، وإن لم يكن الابتداء شراً لقوله تعالى : أفأنبئكم بشر من ذلكم النار . \[ الحج : ٧٢ \]. 
قوله تعالى : مثوبةً  ثواباً وجزاء، نصب على التفسير. 
قوله تعالى : عند الله من لعنه الله  أي : هو من لعنه الله. 
قوله تعالى : وغضب عليه ، يعني : اليهود. 
قوله تعالى : وجعل منهم القردة والخنازير ، فالقردة أصحاب السبت، والخنازير كفار مائدة عيسى عليه السلام. وروي عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس رضي الله عنهما : أن الممسوخين كلاهما من أصحاب السبت، فشبانهم مسخوا قردة، ومشايخهم مسخوا خنازير. 
قوله تعالى : وعبد الطاغوت ، أي : جعل منهم من عبد الطاغوت، أي : أطاع الشيطان، فيما سول له، وتصديقها قراءة ابن مسعود : ومن عبدوا الطاغوت، وقرأ حمزة  وعبد  بضم الباء،  الطاغوت  بجر التاء، أراد العبد وهما لغتان : عبد بجزم الباء، وعبد بضم الباء، مثل سبع وسبع، وقيل : هو جمع العباد، وقرأ الحسن : وعبد الطاغوت، على الواحد. 
قوله تعالى : أولئك شر مكاناً وأضل عن سواء السبيل  أي : عن طريق الحق.

### الآية 5:61

> ﻿وَإِذَا جَاءُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَقَدْ دَخَلُوا بِالْكُفْرِ وَهُمْ قَدْ خَرَجُوا بِهِ ۚ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا يَكْتُمُونَ [5:61]

قوله تعالى : وإذا جاؤوكم قالوا ، يعني : هؤلاء المنافقين، وقيل : هم الذين قالوا : آمنوا بالذي أنزل على الذين آمنوا وجه النهار واكفروا آخره ، دخلوا على النبي صلى الله عليه وسلم وقالوا : قوله تعالى : آمنا  بك، وصدقناك فيما قلت، وهم يسرون الكفر. 
قوله تعالى : وقد دخلوا بالكفر وهم قد خرجوا به ، يعني : دخلوا كافرين، وخرجوا كافرين. 
قوله تعالى : والله أعلم بما كانوا يكتمون .

### الآية 5:62

> ﻿وَتَرَىٰ كَثِيرًا مِنْهُمْ يُسَارِعُونَ فِي الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ ۚ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [5:62]

قوله تعالى : وترى كثيراً منهم ، يعني : من اليهود. قوله تعالى : يسارعون في الإثم والعدوان ، قيل : الإثم المعاصي، والعدوان الظلم، وقيل : الإثم ما كتموا من التوراة، والعدوان ما زادوا فيها. 
قوله تعالى : وأكلهم السحت ، الرشا. 
قوله تعالى : لبئس ما كانوا يعملون أو لا  هلا.

### الآية 5:63

> ﻿لَوْلَا يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الْإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ ۚ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ [5:63]

قوله تعالى : ينهاهم الربانيون والأحبار ، يعني : العلماء، قيل : الربانيون علماء النصارى، والأحبار علماء اليهود. 
قوله تعالى : عن قولهم الإثم وأكلهم السحت لبئس ما كانوا يصنعون .

### الآية 5:64

> ﻿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ ۚ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا ۘ بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ ۚ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا ۚ وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَىٰ يَوْمِ الْقِيَامَةِ ۚ كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ ۚ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا ۚ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ [5:64]

قوله تعالى : وقالت اليهود يد الله مغلولة ، قال ابن عباس، وعكرمة، والضحاك، وقتادة : إن الله تعالى كان قد بسط على اليهود حتى كانوا من أكثر الناس مالاً، وأخصبهم ناحية، فلما عصوا لله في محمد صلى الله عليه وسلم وكذبوا به، كف الله عنهم ما بسط عليهم من السعة، فعند ذلك، قال فنحاص بن عازوراء :( يد الله مغلولة )، أي : محبوسة، مقبوضة من الرزق، نسبوه إلى البخل، تعالى الله عن ذلك. قيل : إنما قال هذه المقالة فنحاص، فلما لم ينهه الآخرون ورضوا بقوله أشركهم الله فيها. وقال الحسن : معناه يد الله مكفوفة عن عذابنا، فليس يعذبنا إلا بما يبر به قسمه قدر ما عبد آباؤنا العجل، والأول أولى. لقوله : ينفق كيف يشاء . 
قوله تعالى : غلت أيديهم ، أي : أمسكت أيديهم عن الخيرات. 
وقال الزجاج : أجابهم الله تعالى فقال : أنا الجواد وهم البخلاء، وأيديهم هي المغلولة الممسكة. وقيل : هو من الغل في النار يوم القيامة، لقوله تعالى : إذ الأغلال في أعناقهم والسلاسل  \[ غافر : ٧١ \]. 
قوله تعالى : ولعنوا ، عذبوا. 
قوله تعالى : بما قالوا ، فمن لعنهم أنهم مسخوا قردة وخنازير، وضربت عليهم الذلة والمسكنة في الدنيا، وفي الآخرة بالنار. 
قوله تعالى : بل يداه مبسوطتان ، ويد الله صفة من صفات ذاته، كالسمع، والبصر، والوجه. وقال جل ذكره : لما خلقت بيدي  \[ ص : ٧٥ \]، وقال النبي صلى الله عليه وسلم : كلتا يديه يمين ، والله أعلم بصفاته، فعلى العباد فيها الإيمان والتسليم، وقال أئمة السلف من أهل السنة في هذه الصفات : أمروها كما جاء بلا كيف. 
قوله تعالى : ينفق ، يرزق. 
قوله تعالى : كيف يشاء وليزيدن كثيراً منهم ما أنزل إليك من ربك طغياناً وكفراً ، أي : كلما أنزلت آية كفروا بها وازدادوا طغياناً وكفرا. 
قوله تعالى : وألقينا بينهم العداوة والبغضاء ، يعني : بين اليهود والنصارى، قاله الحسن ومجاهد : قيل : وبين طوائف اليهود جعلهم مختلفين في دينهم، متباغضين. 
قوله تعالى : إلى يوم القيامة كلما أوقدوا نارا للحرب أطفأها الله  يعني : اليهود، أفسدوا وخالفوا حكم التوراة، فبعث الله عليهم بختنصر، ثم أفسدوا، فبعث الله عليهم طيطوس الرومي، ثم أفسدوا، فسلط الله عليهم المجوس، ثم أفسدوا، فبعث الله عليهم المسلمين. وقيل : كلما أجمعوا أمرهم ليفسدوا أمر محمد صلى الله عليه وسلم وأوقدوا نار المحاربة أطفأها الله، فردهم، وقهرهم، ونصر نبيه ودينه. هذا معنى قول الحسن : وقال قتادة : هذا عام في كل حرب طلبته اليهود، فلا تلقى اليهود في بلد إلا وجدتهم من أذل الناس. 
قوله تعالى : ويسعون في الأرض فساداً والله لا يحب المفسدين .

### الآية 5:65

> ﻿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَكَفَّرْنَا عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأَدْخَلْنَاهُمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ [5:65]

قوله تعالى : ويسعون في الأرض فسادا والله لا يحب المفسدين ولو أن أهل الكتاب آمنوا ، بمحمد صلى الله عليه وسلم. 
قوله تعالى : واتقوا ، الكفر. 
قوله تعالى : لكفرنا عنهم سيئاتهم ولأدخلناهم جنات النعيم .

### الآية 5:66

> ﻿وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ ۚ مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ ۖ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ سَاءَ مَا يَعْمَلُونَ [5:66]

قوله تعالى : لكفرنا عنهم سيئاتهم ولأدخلناهم جنات النعيم ولو أنهم أقاموا التوراة والإنجيل ، يعني : أقاموا أحكامهما وحدودهما، وعملوا بما فيهما. 
قوله تعالى : وما أنزل إليهم من ربهم ، يعني : القرآن، وقيل : كتب أنبياء بني إسرائيل. 
قوله تعالى : لأكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم ، قيل : من فوقهم هو المطر، ومن تحت أرجلهم نبات الأرض. قال ابن عباس رضي الله عنهما : لأنزلت عليهم القطر، وأخرجت لهم من نبات الأرض. قال الفراء : أراد به التوسعة في الرزق، كما يقال : فلان في الخير من قرنه إلى قدمه، نظيره قوله تعالى : ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض  \[ الأعراف : ٩٦ \]. 
قوله تعالى : منهم أمة مقتصدة ، يعني : مؤمني أهل الكتاب، عبد الله بن سلام وأصحابه، ( مقتصدة ) أي عادلة غير غالية، ولا مقصرة جافية، ومعنى الاقتصاد في اللغة : الاعتدال في العمل من غير غلو ولا تقصير. 
قوله تعالى : وكثير منهم ، كعب بن الأشرف وأصحابه. 
قوله تعالى : ساء ما يعملون ، بئس ما يعملون، بئس شيئاً عملهم، قال ابن عباس رضي الله عنهما : عملوا بالقبيح مع التكذيب بالنبي صلى الله عليه وسلم.

### الآية 5:67

> ﻿۞ يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ ۖ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ ۚ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ ۗ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ [5:67]

قوله تعالى : يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك  الآية، روي عن مسروق قال : قالت عائشة رضي الله عنها : من حدثك أن محمداً صلى الله عليه وسلم كتم شيئاً مما أنزل الله عليه فقد كذب، وهو يقول : يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك  الآية. روي عن الحسن : أن الله تعالى لما بعث رسوله ضاق ذرعاً، وعرف أن من الناس من يكذبه، فنزلت هذه الآية. وقيل : نزلت في عيب اليهود، وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم دعاهم إلى الإسلام، فقالوا : أسلمنا قبلك، وجعلوا يستهزؤون به، فيقولون : تريد أن نتخذك حناناً كما اتخذت النصارى عيسى حناناً، فلما رأى النبي صلى الله عليه وسلم ذلك سكت، فنزلت هذه الآية وأمره بأن يقول لهم : يا أهل الكتاب لستم على شيء  الآية. وقيل : بلغ ما أنزل إليك من الرجم والقصاص، نزلت في قصة اليهود. وقيل : نزلت في أمر زينب بنت جحش ونكاحها. وقيل : في الجهاد، وذلك أن المنافقين كرهوه، كما قال الله تعالى : فإذا أنزلت سورة محكمة وذكر فيها القتال رأيت الذين في قلوبهم مرض ينظرون إليك نظر المغشي عليه من الموت  \[ محمد : ٢٠ \] كرهه بعض المؤمنين، قال الله تعالى : ألم تر إلى الذين قيل لهم كفوا أيديكم  الآية \[ النساء : ٧٠ \] فكان النبي صلى الله عليه وسلم يمسك في بعض الأحايين عن الحث على الجهاد لما يعلم من كراهة بعضهم، فأنزل الله هذه الآية. 
قوله تعالى : وإن لم تفعل فما بلغت رسالته ، قرأ أهل المدينة والشام، وأبو بكر، ويعقوب : رسالاته ، على الجمع، والباقون رسالته على التوحيد. ومعنى الآية : إن لم تبلغ الجميع، وتركت بعضه، فما بلغت شيئاً، أي : جرمك في ترك تبليغ البعض كجرمك في ترك تبليغ الكل، كقوله : نؤمن ببعض ونكفر ببعض ويريدون أن يتخذوا بين ذلك سبيلا أولئك هم الكافرون حقا  \[ النساء : ١٥٠-١٥١ \] أخبر أن كفرهم بالبعض محبط للإيمان بالبعض، وقيل : بلغ ما أنزل إليك  أي : أظهر تبليغه، كقوله : فاصدع بما تؤمر  \[ الحجر : ٩٤ \]  وإن لم تفعل  : فإن لم تظهر تبليغه فما بلغت رسالته، أمره بتبليغ ما أنزل إليه مجاهراً، محتسباً، صابراً، غير خائف، فإن أخفيت منه شيئاً لخوف يلحقك فما بلغت رسالته. 
قوله تعالى : والله يعصمك من الناس ، يحفظك ويمنعك من الناس، فإن قيل : أليس قد شج رأسه وكسرت رباعيته، وأوذي بضروب من الأذى ؟ قيل : معناه يعصمك من القتل، فلا يصلون إلى قتلك. وقيل : نزلت هذه الآية بعد ما شج رأسه، لأن سورة المائدة من آخر ما نزل من القرآن، وقيل : والله يخصك بالعصمة من بين الناس، لأن النبي صلى الله عليه وسلم معصوم. 
قوله تعالى : إن الله لا يهدي القوم الكافرين . 
أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي، أنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أنا محمد بن يوسف، أنا محمد بن إسماعيل، أنا أبو اليمان، أنا أبو شعيب، عن الزهري ؛ أنا سنان بن أبي سنان الدولي و أبو سلمة بن عبد الرحمن، أن جابر بن عبد الله أخبره، أنه غزا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل نجد، فلما قفل رسول الله صلى الله عليه وسلم قفل معه، وأدركتهم القائلة في واد كثير العضاه، فنزل رسول الله صلى الله عليه وسلم وتفرق الناس يستظلون بالشجر، فنزل رسول الله صلى الله عليه وسلم تحت شجرة وعلق بها سيفه، ونمنا نومة، فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعونا، وإذا عنده أعرابي، فقال :( إن هذا اخترط سيفي وأنا نائم، فاستيقظت وهو في يده صلتاً، فقال : من يمنعك مني ؟ فقلت : الله ثلاثاً )، ولم يعاقبه وجلس. 
وروى محمد بن كعب القرظي عن أبي هريرة رضي الله عنه :" أن الأعرابي سل سيفه وقال : من يمنعك مني يا محمد ؟ قال : الله، فرعدت يد الأعرابي، وسقط السيف من يده، وجعل يضرب برأسه الشجرة حتى انتثر دماغه، فأنزل الله تعالى هذه الآية ". أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي، أنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أنا محمد بن يوسف، أنا محمد بن إسماعيل بن خليل، أخبرنا علي بن مسهر، أنا يحيى بن سعيد، أنا عبد الله بن عامر بن ربيعة قال : سمعت عائشة رضي الله عنها تقول :" كان النبي صلى الله عليه وسلم سهر فلما قدم المدينة قال : ليت رجلاً صالحاً من أصحابي يحرسني الليلة، إذ سمعنا صوت سلاح، فقال : من هذا ؟ قال : أنا سعد بن أبي وقاص جئت لأحرسك، ونام النبي صلى الله عليه وسلم ". 
وقال عبد الله بن شفيق، عن عائشة رضي الله عنها قالت :" كان النبي صلى الله عليه وسلم يحرس حتى نزلت هذه الآية  والله يعصمك من الناس ، فأخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم رأسه من القبة فقال لهم :( أيها الناس، انصرفوا فقد عصمني الله سبحانه وتعالى ).

### الآية 5:68

> ﻿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَىٰ شَيْءٍ حَتَّىٰ تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ ۗ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا ۖ فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ [5:68]

قوله تعالى : قل يا أهل الكتاب لستم على شيء حتى تقيموا التوراة والإنجيل وما أنزل إليكم من ربكم ، أي : تقيموا أحكامهما، وما يجب عليكم فيهما. 
قوله تعالى : وليزيدن كثيراً منهم ما أنزل إليك من ربك طغياناً وكفراً فلا تأس ، فلا تحزن. 
قوله تعالى : على القوم الكافرين .

### الآية 5:69

> ﻿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصَارَىٰ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ [5:69]

قوله تعالى : إن الذين آمنوا والذين هادوا والصابئون والنصارى ، وكان حقه، والصابئين، وقد ذكرنا في سورة البقرة وجه ارتفاعه. وقال سيبويه : فيه تقديم وتأخير تقديره : إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى من آمن بالله، إلى آخر الآية والصابئون، كذلك قوله : إن الذين آمنوا  أي : باللسان، وقوله : من آمن بالله  أي : بالقلب، وقيل : الذين آمنوا على حقيقة الإيمان. 
قوله تعالى : من آمن بالله ، أي ثبت على الإيمان. 
قوله تعالى : واليوم الآخر وعمل صالحاً فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون .

### الآية 5:70

> ﻿لَقَدْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَأَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ رُسُلًا ۖ كُلَّمَا جَاءَهُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَىٰ أَنْفُسُهُمْ فَرِيقًا كَذَّبُوا وَفَرِيقًا يَقْتُلُونَ [5:70]

قوله تعالى : لقد أخذنا ميثاق بني إسرائيل  في التوحيد والنبوة. 
قوله تعالى : وأرسلنا إليهم رسلاً كلما جاءهم رسول بما لا تهوى أنفسهم فريقاً كذبوا ، عيسى ومحمداً صلوات الله وسلامه عليهما. 
قوله تعالى : وفريقا يقتلون  يحيى وزكريا.

### الآية 5:71

> ﻿وَحَسِبُوا أَلَّا تَكُونَ فِتْنَةٌ فَعَمُوا وَصَمُّوا ثُمَّ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ثُمَّ عَمُوا وَصَمُّوا كَثِيرٌ مِنْهُمْ ۚ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ [5:71]

قوله تعالى : وحسبوا ، ظنوا. 
قوله تعالى : أن لا تكون فتنة ، أي : عذاب وقتل، وقيل : ابتلاء واختبار، أي : ظنوا أن لا يبتلوا ولا يعذبهم الله، قرأ أهل البصرة، وحمزة، والكسائي، تكون برفع النون، على معنى أنها لا تكون، ونصبها الآخرون كما لو لم يكن قبله لا. 
قوله تعالى : فعموا ، عن الحق فلم يبصروه. 
قوله تعالى : وصموا ، عنه فلم يسمعوه، يعني عموا وصموا بعد موسى صلوات الله وسلامه عليه. 
قوله تعالى : ثم تاب الله عليهم ، ببعث عيسى عليه السلام. 
قوله تعالى : ثم عموا وصموا كثير منهم ، بالكفر بمحمد صلى الله عليه وسلم. 
قوله تعالى : والله بصير بما يعملون .

### الآية 5:72

> ﻿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ ۖ وَقَالَ الْمَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ ۖ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ ۖ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ [5:72]

قوله تعالى : لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح ابن مريم ، وهم الملكانية، واليعقوبية منهم. 
قوله تعالى : وقال المسيح يا بني إسرائيل اعبدوا الله ربي وربكم إنه من يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة ومأواه النار وما للظالمين من أنصار

### الآية 5:73

> ﻿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ ۘ وَمَا مِنْ إِلَٰهٍ إِلَّا إِلَٰهٌ وَاحِدٌ ۚ وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ [5:73]

قوله تعالى : وقال المسيح يا بني إسرائيل اعبدوا الله ربي وربكم إنه من يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة ومأواه النار وما للظالمين من أنصار لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة ، يعني : المرقوسية، وفيه إضمار معناه : ثالث ثلاثة الآلهة، لأنهم يقولون : الإلهية مشتركة بين الله تعالى، ومريم، وعيسى، وكل واحد من هؤلاء إله، فهم ثلاثة آلهة، يبين هذا قوله عز وجل للمسيح : أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله  ؟ \[ المائدة : ١١٦ \]، ومن قال : إن الله ثالث ثلاثة لم يرد به الإلهية لا يكفر، فإن الله يقول : ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم  \[ المجادلة : ٧ \]، وقال النبي صلى الله عليه وسلم لأبي بكر رضي الله عنه :( ما ظنك باثنين الله ثالثهما ). ثم قال رداً عليهم :
قوله تعالى : وما من إله إلا إله واحد وإن لم ينتهوا عما يقولون ليمسن . ليصيبن. قوله تعالى : الذين كفروا منهم عذاب أليم . خص الذين كفروا لعلمه أن بعضهم يؤمنون.

### الآية 5:74

> ﻿أَفَلَا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ ۚ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ [5:74]

قوله تعالى : أفلا يتوبون إلى الله ويستغفرونه . قال الفراء : هذا أمر بلفظ الاستفهام، لقوله تعالى : فهل أنتم منتهون  ؟ \[ المائدة : ٩١ \]، أي : انتهوا، والمعنى : أن الله يأمركم بالتوبة والاستغفار من هذا الذنب العظيم. 
قوله تعالى : والله غفور رحيم .

### الآية 5:75

> ﻿مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ ۖ كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ ۗ انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْآيَاتِ ثُمَّ انْظُرْ أَنَّىٰ يُؤْفَكُونَ [5:75]

قوله تعالى : ما المسيح بن مريم إلا رسول قد خلت ، مضت. 
قوله تعالى : من قبله الرسل ، أي : ليس هو بإله بل هو كالرسل الذين مضوا لم يكونوا آلهة. 
قوله تعالى : وأمه صديقة ، أي : كثيرة الصدق، وقيل : سميت صديقة لأنها صدقت بآيات الله، كما قال عز وجل في وصفها : وصدقت بكلمات ربها  \[ التحريم : ١٢ \]. قوله تعالى : كانا يأكلان الطعام ، أي كانا يعيشان بالطعام والغذاء كسائر الآدميين، فكيف يكون إلها من لا يقيمه إلا أكل الطعام ؟ وقيل : هذا كناية عن الحدث، وذلك أن من أكل وشرب لابد له من البول والغائط، ومن هذه صفته كيف يكون إلهاً ؟ ثم قال : انظر كيف نبين لهم الآيات ثم انظر أنى يؤفكون ، أي يصرفون عن الحق.

### الآية 5:76

> ﻿قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا ۚ وَاللَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ [5:76]

وَقِيلَ: سُمِّيَتْ صِدِّيقَةً لِأَنَّهَا صَدَّقَتْ بِآيَاتِ اللَّهِ، كَمَا قَالَ عَزَّ وَجَلَّ فِي وَصْفِهَا: "وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا" (التَّحْرِيمِ، ١٢)، كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ أَيْ: كَانَا يَعِيشَانِ بِالطَّعَامِ وَالْغِذَاءِ كَسَائِرِ الْآدَمِيِّينَ، فَكَيْفَ يَكُونُ إِلَهًا مَنْ لَا يُقِيمُهُ إِلَّا أَكْلُ الطَّعَامِ؟
 وَقِيلَ: هَذَا كِنَايَةٌ عَنِ الْحَدَثِ، وَذَلِكَ أَنَّ مَنْ أَكَلَ وَشَرِبَ لَا بُدَّ لَهُ مِنَ الْبَوْلِ وَالْغَائِطِ، وَمَنْ هَذِهِ صِفَتُهُ كَيْفَ يَكُونُ إِلَهًا؟
 ثُمَّ قَالَ: انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْآيَاتِ ثُمَّ انْظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ أَيْ يُصْرَفُونَ عَنِ الْحَقِّ.
 مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلانِ الطَّعَامَ انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الآيَاتِ ثُمَّ انْظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ (٧٥) قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلا نَفْعًا وَاللَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٧٦)

### الآية 5:77

> ﻿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ [5:77]

قوله تعالى : قل يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم غير الحق ، أي : لا تتجاوزوا الحد، والغلو، والتقصير، كل واحد منهما مذموم في الدين، وقوله : غير الحق ، أي : في دينكم المخالف للحق، وذلك أنهم خالفوا الحق في دينهم، ثم غلوا فيع بالإصرار عليه. قوله تعالى : ولا تتبعوا أهواء قوم ، والأهواء جمع الهوى، وهو ما تدعو إليه شهوة النفس. 
قوله تعالى : قد ضلوا من قبل ، يعني : رؤساء الضلالة في فريقي اليهود والنصارى، والخطاب للذين كانوا في عصر النبي صلى الله عليه وسلم، نهوا عن اتباع أسلافهم فيما ابتدعوه بأهوائهم. 
قوله تعالى : وأضلوا كثيراً ، يعني من اتبعهم على أهوائهم. 
قوله تعالى : وضلوا عن سواء السبيل ، عن قصد الطريق، أي : بالإضلال، فالضلال الأول من الضلالة، والثاني بإضلال من اتبعهم.

### الآية 5:78

> ﻿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَىٰ لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ۚ ذَٰلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ [5:78]

قوله تعالى : لعن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داود ، يعني : أهل أيلة لما اعتدوا في السبت، وقال داود عليه السلام : اللهم العنهم واجعلهم آية، فمسخوا قردةً وخنازير. 
قوله تعالى : وعيسى ابن مريم ، أي : على لسان عيسى عليه السلام، يعني : كفار أصحاب المائدة، لما لم يؤمنوا، قال عيسى : اللهم العنهم واجعلهم آية، فمسخوا خنازير. 
قوله تعالى : ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون .

### الآية 5:79

> ﻿كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ ۚ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ [5:79]

قوله تعالى : كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه ، أي لا ينهى بعضهم بعضاً. 
قوله تعالى : لبئس ما كانوا يفعلون . 
أخبرنا أبو سعيد الشريحي، أنا أبو إسحاق الثعلبي، أنا أبو الحسن محمد بن الحسين، أنا أحمد بن محمد بن إسحاق، أنا أبو يعلى الموصلي، أنا وهب بن بقية، أنا خالد يعني ابن عبد الله الوسطي، عن العلاء بن المسيب، عن عمرو بن مرة، عن أبي عبيدة، عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :( كان فيمن كان قبلكم من بني إسرائيل إذا عمل العامل منهم الخطيئة نهاه الناهي تعذيراً، فإذا كان من الغد جالسه، وآكله، وشاربه، كأنه لم يره على الخطيئة بالأمس، فلما رأى الله تبارك وتعالى ذلك منهم ضرب قلوب بعضهم على بعض، وجعل منهم القردة، والخنازير، ولعنهم على لسان داود، وعيسى ابن مريم، عليهما السلام  ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون ، والذي نفسي بيده، لتأمرن بالمعروف، ولتنهون عن المنكر، ولتأخذن على يد السفيه، ولتأطرنه على الحق أطراً، أو ليضربن الله قلوب بعضكم على بعض، ويلعنكم كما لعنهم ).

### الآية 5:80

> ﻿تَرَىٰ كَثِيرًا مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا ۚ لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ [5:80]

قوله تعالى : ترى كثيراً منهم ، قيل : من اليهود، كعب بن الأشرف وأصحابه. 
قوله تعالى : يتولون الذين كفروا ، مشركي مكة حين خرجوا إليهم يجيشون على النبي صلى الله عليه وسلم، وقال ابن عباس ومجاهد، والحسن :( منهم ) يعني من المنافقين : يتولون اليهود. 
قوله تعالى : لبئس ما قدمت لهم أنفسهم ، بئس ما قدموا من العمل لمعادهم في الآخرة. 
قوله تعالى : أن سخط الله عليهم ، غضب الله عليهم. 
قوله تعالى : وفي العذاب هم خالدون .

### الآية 5:81

> ﻿وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ وَلَٰكِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ فَاسِقُونَ [5:81]

قوله تعالى : ولو كانوا يؤمنون بالله والنبي  محمد صلى الله عليه وسلم. 
قوله تعالى : وما أنزل إليه ، يعني القرآن. 
قوله تعالى : ما اتخذوهم  يعني الكفار. 
قوله تعالى : أولياء ولكن كثيرا منهم فاسقون ، خارجون عن أمر الله سبحانه وتعالى.

### الآية 5:82

> ﻿۞ لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا ۖ وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَىٰ ۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ [5:82]

قوله تعالى : لتجدن أشد الناس عداوة للذين آمنوا اليهود والذين أشركوا ، يعني : مشركي العرب. 
قوله تعالى : ولتجدن أقربهم مودةً للذين آمنوا الذين قالوا إنا نصارى . لم يرد به جميع النصارى، لأنهم في عدواتهم المسلمين كاليهود في قتلهم المسلمين، وأسرهم، وتخريب بلادهم، وهدم مساجدهم، وإحراق مصاحفهم، لا ولاء، ولا كرامة لهم، بل الآية فيمن أسلم منهم، مثل النجاشي وأصحابه، وقيل : نزلت في جميع اليهود، وجميع النصارى، لأن اليهود أقسى قلباً، والنصارى ألين قلباً منهم، وكانوا أقل مظاهرة للمشركين من اليهود. قال أهل التفسير : ائتمرت قريش أن يفتنوا المؤمنين عن دينهم، فوثبت كل قبيلة على من فيها من المسلمين يؤذونهم، ويعذبونهم، فافتتن من افتتن، وعصم الله منهم من شاء، ومنع الله تعالى رسوله بعمه أبي طالب، فلما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما بأصحابه، ولم يقدر على منعهم، ولم يؤمر بعد بالجهاد، أمرهم بالخروج إلى أرض الحبشة، قال :( إن بها ملكاً صالحاً لا يظلم ولا يظلم عنده أحد، فاخرجوا إليه حتى يجعل الله للمسلمين فرجاً ) وأراد به النجاشي، واسمه أصحمة، وهو بالحبشية عطية، وإنما النجاشي اسم الملك، كقولهم قيصر، وكسرى، فخرج إليها سراً، أحد عشر رجلاً وأربع نسوة، وهم عثمان بن عفان، وامرأته رقية بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، والزبير بن العوام، وعبد الله بن مسعود، وعبد وعبد الرحمن ابن عوف، وأبو حذيفة بن عتبة، وامرأته سهلة بنت سهيل بن عمرو، ومصعب بن عمير وأبو سلمة بن عبد الأسد، وامرأته أم سلمة بنت أبي أمية، وعثمان بن مظعون، وعامر بن ربيعة، وامرأته ليلى بنت أبي خيثمة، وحاطب بن عمرو، وسهيل بن بيضاء رضي الله عنهم، فخرجوا إلى البحر، وأخذوا سفينة إلى أرض الحبشة بنصف دينار، وذلك في رجب في السنة الخامسة من مبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذه الهجرة الأولى، ثم خرج جعفر بن أبي طالب، وتتابع المسلمون إليها، وكان جميع من هاجر إلى الحبشة من المسلمين اثنين وثمانين رجلاً سوى النساء، والصبيان، فلما علمت قريش بذلك وجهوا عمرو بن العاص وصاحبه بالهدايا إلى النجاشي، وبطارقته، ليردوهم إليهم، فعصمه الله، وذكرت القصة في سورة آل عمران في قوله تعالى : إن أولى الناس بإبراهيم  إلى آخر الآية، فلما انصرفا خائبين، أقام المسلمون هناك بخير دار، وأحسن جوار، إلى أن هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلا أمره، وذلك في سنة ست من الهجرة، كتب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى النجاشي على يد عمرو بن أمية الضمري ليزوجه أم حبيبة بنت أبي سفيان، وكانت قد هاجرت إليه مع زوجها، فمات زوجها ويبعث إليه من عنده من المسلمين، فأرسل النجاشي إلى أم حبيبة جارية يقال لها أبرهة تخبرها بخطبة رسول الله صلى الله عليه وسلم إياها، فأعطتها أوضاحاً لها، سروراً بذلك، فأذنت لخالد بن سعيد بن العاص حتى أنكحها على صداق أربعمائة دينار، وكان الخاطب لرسول الله صلى الله عليه وسلم النجاشي رحمه الله، فأنفذ إليها النجاشي أربعمائة دينار على يد أبرهة، فلما جاءتها بها أعطتها خمسين ديناراً، فردته وقالت : أمرني الملك أن لا آخذ منك شيئاً، وقالت : أنا صاحبة دهن الملك وثيابه، وقد صدقت محمداً صلى الله عليه وسلم وآمنت به، وحاجتي منك أن تقرئيه مني السلام، قالت : نعم. قالت أبرهة : وقد أمر الملك نساءه أن يبعثن إليك بما عندهن من عود وعنبر، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يراه عندها فلا ينكر، قالت أم حبيبة : فخرجنا إلى المدينة ورسول الله صلى الله عليه وسلم بخيبر، فخرج من خرج إليه، وأقمت بالمدينة حتى قدم النبي صلى الله عليه وسلم، فدخلت عليه، وكان يسألني عن النجاشي، فقرأت عليه من أبرهة السلام، فرد رسول الله صلى الله عليه وسلم عليهما السلام، وأنزل الله عز وجل : عسى الله أن يجعل بينكم وبين الذين عاديتم منهم مودةً  يعني : أبا سفيان ( مودة )، يعني : بتزويج أم حبيبة، ولما جاء أبا سفيان تزوج أم حبيبة قال : ذلك الفحل لا يجدع أنفه، وبعث النجاشي بعد قدوم جعفر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ابنه أزهى بن أصحمة بن أبحر في ستين رجلاً من الحبشة، وكتب إليه، يا رسول الله، أشهد أنك رسول الله صادقاً مصدقاً، وقد بايعتك، وبايعت ابن عمك، وأسلمت لله رب العالمين، وقد بعثت إليك ابني أزهى، وإن شئت أن آتيك بنفسي فعلت، والسلام عليك يا رسول الله. فركبوا سفينة في أثر جعفر وأصحابه، حتى إذا كانوا في وسط البحر غرقوا، ووافى جعفر وأصحابه رسول الله صلى الله عليه وسلم في سبعين رجلاً، عليهم ثياب الصوف، منهم اثنان وستون من الحبشة، وثمانية من أهل الشام، فقرأ عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم سورة يس إلى آخرها، فبكوا حين سمعوا القرآن، وقالوا : آمنا، وقالوا : ما أشبه هذا بما كان ينزل على عيسى عليه السلام، فأنزل الله سبحانه وتعالى هذه الآية : ولتجدن أقربهم مودة للذين آمنوا الذين قالوا إنا نصارى ، يعني : وفد النجاشي الذين قدموا مع جعفر، وهم السبعون، وكانوا أصحاب الصوامع، وقال مقاتل، والكلبي : كانوا أربعين رجلاً، اثنان وثلاثون من الحبشة، وثمانية من أهل الشام. وقال عطاء : كانوا ثمانين رجلاً، أربعون من أهل نجران من بني الحرث بن كعب، واثنان وثلاثون من الحبشة، وثمانية روميون من أهل الشام. وقال قتادة : نزلت في ناس من أهل الكتاب كانوا على شريعة من الحق مما جاء به عيسى عليه السلام، فلما بعث الله محمداً صلى الله عليه وسلم صدقوه، وآمنوا به، فأثنى الله عز وجل بذلك عليهم. 
قوله تعالى : ذلك بأن منهم قسيسين ، أي علماء، قال قطرب : القس والقسيس العالم بلغة الروم. 
قوله تعالى : ورهباناً ، الرهبان : العباد أصحاب الصوامع، واحدهم راهب، مثل فارس وفرسان، وراكب وركبان، وقد يكون واحداً وجمعه رهابين، مثل قربان وقرابين. 
قوله تعالى : وأنهم لا يستكبرون ، لا يتعظمون عن الإيمان والإذعان للحق.

### الآية 5:83

> ﻿وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَىٰ أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ ۖ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ [5:83]

قوله تعالى : وإذا سمعوا ما أنزل إلى الرسول ، محمد صلى الله عليه وسلم. 
قوله تعالى : ترى أعينهم تفيض ، تسيل. 
قوله تعالى : من الدمع مما عرفوا من الحق ، قال ابن عباس رضي الله عنهما في رواية عطاء : يريد النجاشي وأصحابه، قرأ عليهم جعفر بالحبشة  كهيعص ، فمازالوا يبكون حتى فرغ جعفر من القراءة. 
قوله تعالى : يقولون ربنا آمنا فاكتبنا مع الشاهدين ، يعني أمة محمد صلى الله عليه وسلم، دليله قوله تعالى : لتكونوا شهداء على الناس  \[ البقرة : ١٤٣ \].

### الآية 5:84

> ﻿وَمَا لَنَا لَا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا جَاءَنَا مِنَ الْحَقِّ وَنَطْمَعُ أَنْ يُدْخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ [5:84]

قوله تعالى : وما لنا لا نؤمن بالله وما جاءنا من الحق ، وذلك أن اليهود عيروهم، وقالوا لهم : لم آمنتم ؟ فأجابوهم بهذا. 
قوله تعالى : ونطمع أن يدخلنا ربنا مع القوم الصالحين ، أي : في أمة محمد صلى الله عليه وسلم، بيانه  أن الأرض يرثها عبادي الصالحون  \[ الأنبياء : ١٠٥ \].

### الآية 5:85

> ﻿فَأَثَابَهُمُ اللَّهُ بِمَا قَالُوا جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ۚ وَذَٰلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ [5:85]

قوله تعالى : فأثابهم الله ، أعطاهم الله. 
قوله تعالى : بما قالوا جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ، وإنما أنجح قولهم وعلق الثواب بالقول لاقترانه بالإخلاص، بدليل قوله تعالى : وذلك جزاء المحسنين ، يعني : الموحدين المؤمنين، وقوله من قبل : ترى أعينهم تفيض من الدمع مما عرفوا من الحق ، يدل على أن الإخلاص والمعرفة بالقلب مع القول يكون إيماناً.

### الآية 5:86

> ﻿وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَٰئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ [5:86]

يَعْنِي أُمَّةَ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، دَلِيلُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: "لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ" (الْبَقَرَةِ، ١٤٣).
 وَمَا لَنَا لَا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا جَاءَنَا مِنَ الْحَقِّ وَذَلِكَ أَنَّ الْيَهُودَ عَيَّرُوهُمْ وَقَالُوا لَهُمْ: لِمَ آمَنْتُمْ؟ فَأَجَابُوهُمْ بِهَذَا، وَنَطْمَعُ أَنْ يُدْخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ أَيْ: فِي أُمَّةِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، بَيَانُهُ ( أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ (الْأَنْبِيَاءِ، ١٠٥).
 وَمَا لَنَا لا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا جَاءَنَا مِنَ الْحَقِّ وَنَطْمَعُ أَنْ يُدْخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ (٨٤) فَأَثَابَهُمُ اللَّهُ بِمَا قَالُوا جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ (٨٥) وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ (٨٦) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (٨٧) 
 فَأَثَابَهُمُ اللَّهُ أَعْطَاهُمُ اللَّهُ، بِمَا قَالُوا جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَإِنَّمَا أَنْجَحَ قَوْلَهُمْ وَعَلَّقَ الثَّوَابَ بِالْقَوْلِ لِاقْتِرَانِهِ بِالْإِخْلَاصِ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: وَذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ يَعْنِي: الْمُوَحِّدِينَ الْمُؤْمِنِينَ، وَقَوْلُهُ مِنْ قَبْلُ: "تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَّفُوا مِنَ الْحَقِّ" يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْإِخْلَاصَ وَالْمَعْرِفَةَ بِالْقَلْبِ مَعَ الْقَوْلِ يَكُونُ إِيمَانًا.
 قَوْلُهُ تَعَالَى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ الْآيَةَ قَالَ أَهْلُ التَّفْسِيرِ: ذَكَّرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ النَّاسَ يَوْمًا وَوَصَفَ الْقِيَامَةَ، فَرَقَّ لَهُ النَّاسُ وَبَكُوا، فَاجْتَمَعَ عَشَرَةٌ مِنْ أَصْحَابِهِ فِي بَيْتِ عُثْمَانَ بْنِ مَظْعُونٍ الْجُمَحِيِّ، وَهُمْ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَعَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ، وَأَبُو ذَرِّ الْغِفَارِيُّ وَسَالِمٌ مَوْلَى أَبِي حُذَيْفَةَ، وَالْمِقْدَادُ بْنُ الْأَسْوَدِ وَسَلْمَانُ الْفَارِسِيُّ، وَمَعْقِلُ بْنُ مُقَرِّنٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ، وَتَشَاوَرُوا وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنْ يَتَرَهَّبُوا وَيَلْبَسُوا الْمُسُوحَ وَيَجُبُّوا مَذَاكِيرَهُمْ، وَيَصُومُوا الدَّهْرَ، وَيَقُومُوا اللَّيْلَ وَلَا يَنَامُوا عَلَى الْفُرُشِ، وَلَا يَأْكُلُوا اللَّحْمَ وَالْوَدَكَ، وَلَا يَقْرَبُوا النِّسَاءَ وَالطِّيبَ، وَيَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ، فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَتَى دَارَ عُثْمَانَ بْنِ مَظْعُونٍ فَلَمْ يُصَادِفْهُ، فَقَالَ لِامْرَأَتِهِ أُمِّ حَكِيمٍ بِنْتِ أَبِي أُمَيَّةَ، وَاسْمُهَا الْخَوْلَاءُ، وَكَانَتْ عَطَّارَةً: أَحَقٌّ مَا بَلَغَنِي

عَنْ زَوْجِكَ وَأَصْحَابِهِ؟ فَكَرِهَتْ أَنْ تَكْذِبَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَكَرِهَتْ أَنْ تُبْدِيَ عَلَى زَوْجِهَا، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنْ كَانَ أَخْبَرَكَ عُثْمَانُ بِشَيْءٍ فَقَدْ صَدَقَكَ، فَانْصَرَفَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَلَمَّا دَخَلَ عُثْمَانُ أَخْبَرَتْهُ بِذَلِكَ فَأَتَى رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هُوَ وَأَصْحَابُهُ، فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (أَلَمْ أُنَبَّأْ أَنَّكُمُ اتَّفَقْتُمْ عَلَى كَذَا وَكَذَا) ؟ قَالُوا: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَمَا أَرَدْنَا إِلَّا الْخَيْرَ، فَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (إِنِّي لَمْ أُؤْمَرْ بِذَلِكَ)، ثُمَّ قَالَ: (إِنَّ لِأَنْفُسِكُمْ عَلَيْكُمْ حَقًّا فَصُومُوا وَأَفْطِرُوا وَقُومُوا وَنَامُوا، فَإِنِّي أَقُومُ وَأَنَامُ وَأَصُومُ وَأُفْطِرُ، وَآكُلُ اللَّحْمَ وَالدَّسَمَ وَآتِي النِّسَاءَ، فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي)، ثُمَّ جَمَعَ النَّاسَ وَخَطَبَهُمْ فَقَالَ: (مَا بَالُ أَقْوَامٍ حَرَّمُوا النِّسَاءَ وَالطَّعَامَ وَالطِّيبَ وَالنَّوْمَ وَشَهَوَاتِ \[النِّسَاءِ\] (١) ؟ أَمَا إِنِّي لَسْتُ آمُرُكُمْ أَنْ تَكُونُوا قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا فَإِنَّهُ لَيْسَ فِي دِينَيْ تَرْكُ اللَّحْمِ وَالنِّسَاءِ، وَلَا اتِّخَاذُ الصَّوَامِعِ، وَإِنَّ سِيَاحَةَ أُمَّتِي الصَّوْمُ وَرَهْبَانِيَّتَهُمُ الْجِهَادُ، اعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، وَحُجُّوا وَاعْتَمِرُوا وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ، وَصُومُوا رَمَضَانَ وَاسْتَقِيمُوا يُسْتَقَمْ لَكُمْ، فَإِنَّمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ بِالتَّشْدِيدِ، شَدَّدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ فَشَدَّدَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ، فَأُولَئِكَ بَقَايَاهُمْ فِي الدِّيَارِ وَالصَّوَامِعِ)، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ هَذِهِ الْآيَةَ (٢).
 أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي تَوْبَةَ الْكُشْمِيهَنِيُّ أَنَا أَبُو طَاهِرٍ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ الْحَارِثِ أَنَا أَبُو الْحَسَنِ مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ الْكِسَائِيُّ أَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَحْمُودٍ أَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْخَلَّالُ أَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ عَنْ رِشْدِينَ بْنِ سَعْدٍ حَدَّثَنِي ابْنُ أَنْعُمَ عَنْ سَعْدِ بْنِ مَسْعُودٍ أَنَّ عُثْمَانَ بْنَ مَظْعُونٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: ائْذَنْ لَنَا فِي الْاخْتِصَاءِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (لَيْسَ مِنَّا مَنْ خَصَى وَلَا اخْتَصَى، خِصَاءُ أُمَّتِي الصِّيَامُ)، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ ائْذَنْ لَنَا فِي السِّيَاحَةِ، فَقَالَ: (إِنَّ سِيَاحَةَ أُمَّتَيِ الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ)، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ ائْذَنْ لَنَا فِي التَّرَهُّبِ، فَقَالَ: (إِنَّ تَرَهُّبَ أُمَّتَيِ الْجُلُوسُ فِي الْمَسَاجِدِ وَانْتِظَارُ الصَّلَاةِ) (٣).
 وَرُوِيَ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ رَجُلًا قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي أَصَبْتُ مِنَ اللَّحْمِ فَانْتَشَرْتُ وَأَخَذَتْنِي شَهْوَةٌ، فَحَرَّمْتُ اللَّحْمَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ (٤)

 (١) في "ب": (الدنيا).
 (٢) انظر: تفسير الطبري: ٧ / ٨-١١، الدر المنثور: ٣ / ١٤١-١٤٢، أسباب النزول (٢٣٦-٢٣٧).
 (٣) أخرجه المصنف في شرح السنة: ٢ / ٢٧٠-٢٧١، وفي مصابيح السنة: ١ / ٢٢٥ (مشكاة المصابيح). والحديث ضعيف، لضعف رشدين بن سعد وزياد بن أنعم الأفريقي. وللقطعة الثانية من الحديث "إن سياحة أمتي... " شاهد عند أبي داود من حديث أبي أمامة في الجهاد باب النهي عن السياحة: ٣ / ٣٥٧. وانظر: سلسلة الأحاديث الضعيفة: ٣ / ٤٧٩-٤٨٠، مشكاة المصابيح: ١ / ٢٢٥، مجمع الزوائد: ٤ / ٢٥٤.
 (٤) أخرجه الترمذي في التفسير، سورة المائدة: ٨ / ٤١٥، وقال: هذا حديث حسن غريب، ورواه بعضهم مرسلا، ليس فيه: عن ابن عباس، ورواه خالد الحذاء عن عكرمة مرسلا، وأخرجه الواحدي بسنده في أسباب النزول: ص (٢٣٦)، وأخرج الطبري في التفسير: ٧ / ٨ الرواية التي أشار إليها الترمذي، وعزاه السيوطي أيضا لابن أبي حاتم وابن مردويه. انظر: الدر المنثور: ٣ / ١٣٩، تفسير القرطبي: ٦ / ٢٦٠.

### الآية 5:87

> ﻿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا ۚ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ [5:87]

قوله تعالى : يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم ، الآية. قال أهل التفسير : ذكر النبي صلى الله عليه وسلم الناس يوماً، ووصف القيامة، فرق له الناس وبكوا، فاجتمع عشرة من أصحابه في بيت عثمان بن مظعون الجمحي وهم : أبو بكر رضي الله عنه، وعلي بن أبي طالب رضي الله عنه، وعبد الله بن مسعود، وعبد الله بن عمر، وأبو ذر الغفاري، وسالم مولى أبي حذيفة، والمقداد بن الأسود، وسلمان الفارسي، ومعقل ابن مقرن رضي الله عنهم. وتشاوروا واتفقوا على أن يترهبوا، ويلبسوا المسوح، ويجبوا مذاكيرهم، ويصوموا الدهر، ويقوموا الليل، ولا يناموا على الفرش، ولا يأكلوا اللحم والودك، ولا يقربوا النساء والطيب، ويسيحوا في الأرض، فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأتى دار عثمان بن مظعون فلم يصادفه، فقال لامرأته أم حكيم بنت أبي أمية، واسمها الخولاء، وكانت عطارة : أحق ما بلغني عن زوجك وأصحابه ؟ فكرهت أن تكذب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكرهت أن تبدي على زوجها، فقالت : يا رسول الله إن كان أخبرك عثمان فقد صدقك. فانصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما دخل عثمان أخبرته بذلك، فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم هو وأصحابه، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم : ألم أنبأ أنكم اتفقتم على كذا وكذا ؟ قالوا : بلى يا رسول الله، وما أردنا إلا الخير، فقال صلى الله عليه وسلم : إني لم أؤمر بذلك، ثم قال : إن لأنفسكم عليكم حقاً، فصوموا وأفطروا، وقوموا وناموا، فإني أقوم وأنام، وأصوم وأفطر، وآكل اللحم والدسم، وآتي النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني، ثم جمع الناس وخطبهم فقال : ما بال أقوام حرموا النساء والطعام، والطيب، والنوم، وشهوات النساء ؟ أما إني لست آمركم أن تكونوا قسيسين ورهباناً، فإنه ليس في ديني ترك اللحم، والنساء، ولا اتخاذ الصوامع، وإن سياحة أمتي الصوم، ورهبانيتهم الجهاد، اعبدوا الله ولا تشركوا به شيئاً، وحجوا واعتمروا، وأقيموا الصلاة، وآتوا الزكاة، وصوموا رمضان، واستقيموا يستقم لكم، فإنما هلك من كان قبلكم بالتشديد، شددوا على أنفسهم فشدد الله عليهم، فأولئك بقاياهم في الديارات والصوامع، فأنزل الله عز وجل هذه الآية. 
أخبرنا أبو بكر محمد بن عبد الله بن أبي توبة، أنا أبو طاهر محمد بن أحمد بن الحارث، أنا أبو الحسن محمد بن يعقوب الكسائي، أنا عبد الله بن محمود، أنا إبراهيم بن عبد الله الخلال، أنا عبد الله بن المبارك، عن رشد بن سعد، حدثني أبو نعيم، عن سعد بن مسعود، أن عثمان بن مظعون رضي الله عنه أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : ائذن لنا في الاختصاء ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :( ليس منا من خصى ولا من اختصى، خصاء أمتي الصيام، فقال : يا رسول الله، ائذن لنا في السياحة. فقال :( إن سياحة أمتي الجهاد في سبيل الله )، فقال : يا رسول الله، ائذن لنا في الترهب، فقال :( إن ترهب أمتي الجلوس في المساجد، وانتظار الصلاة ). 
وروي عن عكرمة، عن ابن عباس رضي الله عنهم : أن رجلاً قال : يا رسول الله، إني أصبت من اللحم فانتشرت، وأخذتني شهوة، فحرمت اللحم، فأنزل الله تعالى : يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم ، يعني : اللذات التي تشتهيها النفوس، مما أحل الله لكم من المطاعم الطيبة والمشارب اللذيذة. 
قوله تعالى : ولا تعتدوا  أي : ولا تتجاوزوا الحلال إلى الحرام، وقيل : هو جب المذاكير. 
قوله تعالى : إن الله لا يحب المعتدين .

### الآية 5:88

> ﻿وَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلَالًا طَيِّبًا ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ [5:88]

قوله تعالى : إن الله لا يحب المعتدين وكلوا مما رزقكم الله حلالا طيبا ، قال عبد الله بن المبارك : الحلال ما أخذته من وجهه، والطيب ما غذى وأنمى، فأما الجوامد كالطين والتراب، وما لا يغذي فمكروه إلا على وجه التداوي. 
قوله تعالى : واتقوا الله الذي أنتم به مؤمنون ، 
أخبرنا أبو محمد عبد الله بن عبد الصمد الجوزجاني، أنا أبو القاسم علي بن أحمد الخزاعي، أنا أبو سعيد الهيثم بن كليب، أنا أبو عيسى الترمذي، أخبرنا أحمد بن إبراهيم الدورقي، وسلمة بن شبيب ومحمود بن غيلان قالوا : أخبرنا أبو أسامة، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة رضي الله عنها قالت : كان النبي صلى الله عليه وسلم يحب الحلواء والعسل.

### الآية 5:89

> ﻿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَٰكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ ۖ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ ۖ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ۚ ذَٰلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ ۚ وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ ۚ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ [5:89]

قوله تعالى : لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم . قال ابن عباس رضي الله عنهما : لما نزلت : لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم ، قالوا : يا رسول الله، كيف نصنع بأيماننا التي حلفنا عليها ؟ وكانوا حلفوا على ما اتفقوا عليه، فأنزل الله : لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم . 
قوله تعالى : ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان ، قرأ حمزة، والكسائي، وأبو بكر : عقدتم  بالتخفيف، وقرأ ابن عامر ( عاقدتم ) بالألف، وقرأ الآخرون ( عقدتم ) بالتشديد، أي : وكدتم، والمراد من الآية قصدتم وتعمدتم. 
قوله تعالى : فكفارته ، أي : كفارة ما عقدتم الأيمان إذا حنثتم. 
قوله تعالى : إطعام عشرة مساكين ، واختلفوا في قدره، فذهب قوم إلى أنه يطعم كل مسكين مداً من الطعام، بمد النبي صلى الله عليه وسلم، وهو رطل وثلث من غالب قوت البلد، وكذلك في جميع الكفارات، وهو قول زيد بن ثابت، وابن عمر، وبه قال سعيد بن المسيب، والقاسم، وسليمان بن يسار، وعطاء، والحسن، وقال أهل العراق : لكل مسكين مدان، وهو نصف صاع، يروى ذلك عن عمر وعلي رضي الله عنهما. وقال أبو حنيفة رضي الله عنه : إن أطعم من الحنطة فنصف صاع، وإن أطعم من غيرها فصاع، وهو قول الشعبي، والنخعي، وسعيد بن جبير، ومجاهد، والحكم، ولو غداهم وعشاهم لا يجوز. وجوزه أبو حنيفة رضي الله عنه، ويروى ذلك عن علي رضي الله عنه. ولا تجوز الدراهم والدنانير، ولا الخبز ولا الدقيق، بل يجب إخراج الحب إليهم، وجوز أبو حنيفة رضي الله عنه كل ذلك. ولو صرف الكل إلى مسكين واحد لا يجوز، وجوز أبو حنيفة أن يصرف طعام عشرة إلى مسكين واحد في عشرة أيام، ولا يجوز أن يصرف إلا إلى مسلم، حر، محتاج، فإن صرف إلى ذمي أو عبد، أو غني، لا يجوز. وجوز أبو حنيفة رضي الله عنه صرفها إلى أهل الذمة. واتفقوا على أن صرف الزكاة إلى أهل الذمة لا يجوز. 
قوله تعالى : من أوسط ما تطعمون أهليكم ، أي من خير قوت عيالكم، وقال عبيدة السلماني : الأوسط الخبز والخل، والأعلى الخبز واللحم، والأدنى الخبز البحت، والكل مجز. 
قوله تعالى : أو كسوتهم ، كل من لزمته كفارة اليمين فهو فيها مخير إن شاء أطعم عشرة من المساكين، وإن شاء كساهم، وإن شاء أعتق رقبة، فإن اختار الكسوة فاختلفوا في قدرها، فذهب قوم إلى أنه يكسو كل مسكين ثوباً واحداً مما يقع عليه اسم الكسوة، إزار أو رداء، أو قميص أو عمامة، أو كساء أو نحوها، وهو قول ابن عباس، والحسن، ومجاهد، وعطاء، وطاووس، وإليه ذهب الشافعي رحمه الله تعالى. وقال مالك : يجب لكل إنسان ما تجوز فيه صلاته، فيكسو الرجال ثوباً واحداً، والنساء ثوبين : درعاً وخماراً. وقال سعيد بن المسيب : لكل مسكين ثوبان. 
قوله تعالى : أو تحرير رقبة ، وإذا اختار العتق يجب إعتاق رقبة مؤمنة، وكذلك جميع الكفارات، مثل كفارة القتل، والظهار، والجماع في نهار رمضان، يجب فيها إعتاق رقبة مؤمنة، وأجاز أبو حنيفة رضي الله عنه والثوري رضي الله عنه إعتاق الرقبة الكافرة في جميعها، إلا في كفارة القتل، لأن الله تعالى قيد الرقبة فيها بالإيمان، قلنا : المطلق يحمل على المقيد، كما أن الله تعالى قيد الشهادة بالعدالة في موضع فقال : وأشهدوا ذوي عدل منكم ، وأطلق في موضع، فقال : واستشهدوا شهيدين من رجالكم  \[ البقرة : ٢٨٢ \]، ثم العدالة شرط في جميعها حملاً للمطلق على المقيد، كذلك هذا، ولا يجوز إعتاق المرتد بالإنفاق عن الكفارة، ويشترط أن يكون سليم الرق، حتى لو أعتق عن كفارته مكاتباً، أو أم ولد، أو عبد، اشترى بشرط العتق، أو اشترى قريبه الذي يعتق عليه بنية الكفارة يعتق، ولكن لا يجوز عن الكفارة، وجوز أصحاب الرأي عتق المكاتب إذا لم يكن أدى شيئاً من النجوم، وعتق القريب عن الكفارة، ويشترط أن تكون الرقبة سليمة من كل عيب يضر بالعمل ضرراً بيناً، حتى لا يجوز مقطوع إحدى اليدين، أو إحدى الرجلين، ولا الأعمى، ولا الزمن، ولا المجنون المطبق، ويجوز الأعور، والأصم، ومقطوع الأذنين والأنف، لأن هذه العيوب لا تضر بالعمل ضرراً بيناً، وعند أبي حنيفة رضي الله عنه : كل عيب يفوت جنساً من المنفعة يمتنع الجواز، حتى جوز مقطوع إحدى اليدين، ولم يجوز مقطوع الأذنين. 
قوله تعالى : فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام ، إذا عجز الذي لزمته كفارة اليمين عن الطعام والكسوة، وتحرير الرقبة، يجب عليه صوم ثلاثة أيام، والعجز أن لا يفضل من ماله عن قوته وقوت عياله، وحاجته، ما يطعم أو يكسو أو يعتق، فإنه يصوم ثلاثة أيام. وقال بعضهم : إذا ملك ما يمكنه الإطعام وإن لم يفضل عن كفايته فليس له الصيام، هو قول الحسن وسعيد بن جبير. واختلفوا في وجوب التتابع في هذا الصوم، فذهب جماعة إلى أنه لا يجب فيه التتابع، بل إن شاء تابع وإن شاء فرق، والتتابع أفضل، وهو أحد قولي الشافعي، وذهب قوم إلى أنه يجب فيه التتابع قياساً على كفارة القتل والظهار، وهو قول الثوري، وأبي حنيفة، ويدل عليه قراءة ابن مسعود رضي الله عنه صيام ثلاثة أيام متتابعات. 
قوله تعالى : ذلك ، أي : ذلك الذي ذكرت. 
قوله تعالى : كفارة أيمانكم إذا حلفتم ، وحنثتم، فإن الكفارة لا تجب إلا بعد الحنث. واختلفوا في تقديم الكفارة على الحنث، فذهب قوم إلى جوازه، لما روينا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :( من حلف على يمين فرأى غيرها خيراً منها فليكفر عن يمينه، وليفعل الذي هو خير ). وهو قول عمر، وابن عباس، وعائشة رضي الله عنها، وبه قال الحسن، وابن سيرين، وإليه ذهب مالك، والأوزاعي، والشافعي، إلا أن الشافعي يقول : إن كفر بالصوم قبل الحنث لا يجوز، لأنه بدني، وإنما يجوز بالإطعام، أو الكسوة، أو العتق، كما يجوز تقديم الزكاة على الحول، ولا يجوز تعجيل صوم رمضان قبل وقته، وذهب قوم إلى أنه لا يجوز تقديم الكفارة على الحنث، وبه قال أبو حنيفة رضي الله عنه. 
قوله تعالى : واحفظوا أيمانكم ، قيل : أراد به ترك الحلف، أي : لا تحلفوا، وقيل : هو الأصح، أراد به : إذا حلفتم فلا تحنثوا، فالمراد منه حفظ اليمين عن الحنث، هذا إذا لم يكن يمينه على ترك مندوب، أو فعل مكروه، فإن حلف على فعل مكروه، أو ترك مندوب، فالأفضل أن يحنث نفسه ويكفر. 
أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي، أنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أنا محمد بن يوسف، أنا محمد بن إسماعيل، أنا حجاج بن منهال، أنا جرير بن حازم، عن الحسن، عن عبد الرحمن بن سمرة قال : قال النبي صلى الله عليه وسلم :( يا عبد الرحمن بن سمرة، لا تسأل الإمارة، فإنك إن أوتيتها عن مسألة وكلت إليها، وإن أوتيتها من غير مسألة أعنت عليها، وإذا حلفت على يمين فرأيت غيرها خيراً منها فكفر عن يمينك وأت الذي هو خير ). 
قوله تعالى : كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تشكرون .

### الآية 5:90

> ﻿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ [5:90]

قوله تعالى : يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر ، أي : القمار. 
قوله تعالى : والأنصاب ، يعني : الأوثان، سميت بذلك لأنهم كانوا ينصبونها، واحدها نصب، بفتح النون وسكون الصاد، ونصب بضم النون مخففاً ومثقلاً. 
قوله تعالى : والأزلام ، يعني : القداح التي كانوا يستقسمون بها، واحدها زلم وزلم. قوله تعالى : رجس . خبيث مستقذر. 
قوله تعالى : من عمل الشيطان ، من تزيينه. 
قوله تعالى : فاجتنبوه ، رد الكناية إلى الرجس. 
قوله تعالى : لعلكم تفلحون .

### الآية 5:91

> ﻿إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ ۖ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ [5:91]

قوله تعالى : لعلكم تفلحون إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر ، أما العداوة في الخمر، فإن الشاربين إذا سكروا عربدوا، وتشاجروا، كما فعل الأنصاري الذي شج سعد بن أبي وقاص بلحي الجمل. وأما العداوة في الميسر، قال قتادة : كان الرجل يقامر على الأهل والمال، ثم يبقى حزيناً مسلوب الأهل والمال، مغتاظاً على حرفائه. 
قوله تعالى : ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة ، وذلك أن من اشتغل بشرب الخمر و القمار، ألهاه ذلك عن ذكر الله، وشوش عليه صلاته، كما فعل بأضياف عبد الرحمن بن عوف. وتقدم رجل ليصلي بهم صلاة المغرب بعدما شربوا فقرأ :( قل يا أيها الكافرون أعبد ما تعبدون، بحذف لا. 
قوله تعالى : فهل أنتم منتهون . أي : انتهوا، لفظه استفهام، ومعناه أمر، كقوله تعالى : فهل أنتم شاكرون  \[ الأنبياء : ٨٠ \].

### الآية 5:92

> ﻿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا ۚ فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَىٰ رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ [5:92]

قوله تعالى : وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول واحذروا ، المحارم والمناهي. 
قوله تعالى : فإن توليتم فاعلموا أنما على رسولنا البلاغ المبين . وفي وعيد شارب الخمر. 
أخبرنا أبو القاسم عبد الرحمن بن محمد الفوراني، أنا أبو الحسن علي بن عبد الله الطيسفوني، ثنا أبو الحسن محمد بن محمود المحمودي، أنا أبو العباس الماسرجسي بنيسابور، أخبرنا إسحاق بن إبراهيم الحنظلي، أخبرنا صالح بن قدامة، حدثنا أخي عبد الملك بن قدامة، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم :( كل مسكر حرام، وأن حتماً على الله أن لا يشربه عبد في الدنيا إلا سقاه الله تعالى يوم القيامة من طينة الخبال، هل تدرون ما طينة الخبال ؟ قال : عرق أهل النار ). 
وأخبرنا أبو الحسن السرخسي، أنا زاهر بن أحمد، أنا أبو إسحاق الهاشمي، أنا أبو مصعب، عن مالك، عن نافع، عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :( من شرب الخمر في الدنيا ثم لم يتب منها حرمها في الآخرة ). وأخبرنا أبو سعيد الشريحي، أنا أبو إسحاق الثعلبي، أنا أحمد بن أبي، أخبرنا أبو العباس الأصم، أنا محمد بن إسحاق الصنعاني، حدثنا أبو نعيم، حدثنا عبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز، عن عبد الرحمن بن عبد الله الغافقي من أهل مصر، عن عبد الله بن عمر أنه قال : أشهد أني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يقول :( لعن الله الخمر، وشاربها، وساقيها، وبائعها، ومبتاعها، ومعتصرها، وحاملها، والمحمولة إليه، وآكل ثمنها ).

### الآية 5:93

> ﻿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا وَآمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا ۗ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ [5:93]

قوله تعالى : ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا ، الآية. سبب نزول هذه الآية أن الصحابة رضوان الله عليهم قالوا لما نزل تحريم الخمر : يا رسول الله، كيف بإخواننا الذين ماتوا وهم يشربون الخمر  ويأكلون  من مال الميسر ؟ ؟ فأنزل الله تعالى : ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا ، وشربوا من الخمر وأكلوا من مال الميسر. 
قوله تعالى : إذا ما اتقوا  الشرك. 
قوله تعالى : وآمنوا ، وصدقوا. 
قوله تعالى : وعملوا الصالحات ثم اتقوا ، الخمر والميسر بعد تحريمهما. 
قوله تعالى : وآمنوا ثم اتقوا ، ما حرم الله عليهم أكله. 
قوله تعالى : وأحسنوا والله يحب المحسنين ، وقيل : معنى الأول إذا ما اتقوا الشرك، وآمنوا وصدقوا ثم اتقوا، أي : داوموا على ذلك التقوى، وآمنوا ازدادوا إيماناً، ثم اتقوا المعاصي كلها وأحسنوا، وقيل : أي : اتقوا بالإحسان، وكل محسن متق،  والله يحب المحسنين .

### الآية 5:94

> ﻿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَخَافُهُ بِالْغَيْبِ ۚ فَمَنِ اعْتَدَىٰ بَعْدَ ذَٰلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ [5:94]

قوله تعالى : يا أيها الذين آمنوا ليبلونكم الله بشيء من الصيد ، الآية. نزلت عام الحديبية وكانوا محرمين، ابتلاهم الله بالصيد، وكانت الوحوش تغشى رحالهم كثيرة، ا فهموا بأخذها فنزلت : يا أيها الذين آمنوا ليبلونكم الله  ليختبرنكم الله، وفائدة البلوى إظهار المطيع من العاصي، وإلا فلا حاجة له إلى البلوى بشيء من الصيد، وإنما بعض، فقال : بشيء  لأنه ابتلاهم بصيد البر خاصةً. 
قوله تعالى : تناله أيديكم ، يعني : الفرخ والبيض، وما لا يقدر أن يفر من صغار الصيد. 
قوله تعالى : ورماحكم ، يعني : الكبار من الصيد. 
قوله تعالى : ليعلم الله ، ليرى الله، لأنه قد علمه. 
قوله تعالى : من يخافه بالغيب ، أي : يخاف الله ولم يره، وذلك قوله تعالى : الذين يخشون ربهم بالغيب  \[ الأنبياء : ٤٩ \] أي : يخافه فلا يصطاد في حال الإحرام. 
قوله تعالى : فمن اعتدى بعد ذلك ، أي : صاد بعد تحريمه. 
قوله تعالى : فله عذاب أليم ، روي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال : يوجع ظهره وبطنه جلداً، ويسلب ثيابه.

### الآية 5:95

> ﻿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ ۚ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَٰلِكَ صِيَامًا لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ ۗ عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ ۚ وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ ۗ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ [5:95]

قوله تعالى : يا أيها الذين آمنوا لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم ، أي : محرمون بالحج والعمرة، وهو جمع حرام، يقال : رجل حرام وامرأة حرام، وقد يكون من دخول الحرم، يقال : أحرم الرجل إذا عقد الإحرام، وأحرم إذا دخل الحرم. نزلت في رجل يقال له أبو اليسر، شد على حمار وحش وهو محرم فقتله. 
قوله تعالى : ومن قتله منكم متعمداً . اختلفوا في هذا العمد فقال قوم : هو العمد لقتل الصيد مع نسيان الإحرام. أما إذا قتله عمداً وهو ذاكر لإحرامه فلا حكم عليه، وأمره إلى الله لأنه أعظم من أن يكون له كفارة. هذا قول مجاهد والحسن، وقال الآخرون : أن يعمد المحرم قتل الصيد ذاكرا ً لإحرامه فعليه الكفارة، واختلفوا فيما لو قتله خطأ، فذهب أكثر الفقهاء إلى أن العمد والخطأ سواء في لزوم الكفارة، وقال الزهري : على المتعمد بالكتاب، وعلى المخطئ بالسنة، وقال سعيد بن جبير : لا تجب كفارة الصيد بقتل الخطأ، بل يختص بالعمد. 
قوله تعالى : فجزاء مثل  قرأ أهل الكوفة ويعقوب  فجزاء  منون، مثل رفع على البدل من الجزاء، وقرأ الآخرون بالإضافة  فجزاء مثل 
قوله تعالى : ما قتل من النعم ، معناه أنه يجب عليه مثل ذلك الصيد من النعم، وأراد به ما يقرب من الصيد المقتول شبها، من حيث الخلقة لا من حيث القيمة. 
قوله تعالى : يحكم به ذوا عدل منكم  أي : يحكم بالجزاء رجلان عدلان، وينبغي أن يكونا فقيهين، ينظران إلى أشبه الأشياء من النعم فيحكمان به، وممن ذهب إلى إيجاب المثل من النعم عمر، وعثمان، وعلي، وعبد الرحمن بن عوف، وابن عمر، وابن عباس، وغيرهم من الصحابة رضي الله عنهم : حكموا في بلدان مختلفة، وأزمان شتى بالمثل من النعم. فحكم حاكمهم في النعامة ببدنه وهي لا تساوي بدنة، وفي حمار الوحش ببقرة وهي لا يساوي بقرة. وفي الضبع بكبش وهو لا يساوي كبشاً، فدل أنهم نظروا إلى ما يقرب من الصيد شبهاً من حيث الخلقة، وتجب في الحمام شاة، وهو كل ما عب وهدر من الطير، كالفاختة، والقمري، والدبسي. وروي عن عمر، وعثمان، وابن عباس رضي الله عنهم : أنهم قضوا في حمام مكة بشاة. 
أخبرنا أبو الحسن السرخسي، أخبرنا زاهر بن أحمد، أنا أبو إسحاق الهاشمي، أنا أبو مصعب، عن مالك، عن أبي الزبير المكي، عن جابر ابن عبد الله أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قضى في الضبع بكبش، وفي الغزال بعنز، وفي الأرنب بعناق، وفي اليربوع بجفرة. 
قوله تعالى : هدياً بالغ الكعبة ، أي : يهدي تلك الكفارة إلى الكعبة، فيذبحها بمكة، ويتصدق بلحمها على مساكين الحرم. 
قوله تعالى : أو كفارة طعام مساكين أو عدل ذلك صياماً . قال الفراء رحمه الله : العدل بالكسر، المثل من جنسه، والعدل بالفتح، المثل من غير جنسه. وأراد به : أنه في جزاء الصيد مخير بين أن يذبح المثل من النعم، فيتصدق بلحمه على مساكين الحرم، وبين أن يقوم المثل دراهم، والدراهم طعاماً، فيتصدق بالطعام على مساكين الحرم، أو يصوم عن كل مد من الطعام يوماً، وله أن يصوم حيث شاء، لأنه لا نفع فيه للمساكين. وقال مالك : إن لم يخرج المثل يقوم الصيد، ثم يجعل القيمة طعاماً فيتصدق به، أو يصوم، وقال أبو حنيفة رضي الله عنه : لا يجب المثل من النعم، بل يقوم الصيد، فإن شاء صرف تلك القيمة إلى شيء من النعم، وإن شاء إلى الطعام فيتصدق به، وإن شاء صام عن كل نصف صاع من بر، أو صاع من شعير يوماً. وقال الشعبي والنخعي : جزاء الصيد على الترتيب، والآية حجة لمن ذهب إلى التخيير. 
قوله تعالى : ليذوق وبال أمره  أي : جزاء معصيته. 
قوله تعالى : عفا الله عما سلف ، يعني : قبل التحريم، ونزول الآية، قال السدي : عفا الله عما سلف في الجاهلية. 
قوله تعالى : ومن عاد فينتقم الله منه  في الآخرة. 
قوله تعالى : والله عزيز ذو انتقام ، وإذا تكرر من المحرم قتل الصيد فيتعدد عليه الجزاء عند عامة أهل العلم. قال ابن عباس رضي الله عنهما : إذا قتل المحرم صيداً متعمداً يسأل : هل قتلت قبله شيئاً من الصيد ؟ فإن قال نعم، لم يحكم عليه، وقيل له : اذهب ينتقم الله منك، وإن قال لم أقتل قبله شيئاً حكم عليه، فإن عاد بعد ذلك لم يحكم عليه، ولكن يملأ ظهره وصدره ضرباً وجيعاً، وكذلك حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم في وج، وهو واد بالطائف، واختلفوا في المحرم، هل يجوز له أكل لحم الصيد ؟ فذهب قوم إلى أنه لا يحل له بحال، ويروى ذلك عن ابن عباس، وهو قول طاووس، وبه قال سفيان الثوري، واحتجوا بما أخبرنا أبو الحسن السرخسي، أنا زاهر بن أحمد، أنا أبو إسحاق الهاشمي، أنا أبو مصعب، عن مالك، عن ابن شهاب، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، عن عبد الله بن عباس، عن الصعب بن جثامة الليثي أنه أهدى لرسول الله صلى الله عليه وسلم حماراً وحشياً، وهو بالأبواء أو بودان، فرده عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال : فلما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما في وجهي، قال : إنا لم نرده عليك إلا أنا حرم، وذهب الأكثرون إلى أنه يجوز للمحرم أكله إذا لم يصطد بنفسه، ولا اصطيد لأجله أو بإشارته، وهو قول عمر، وعثمان، وأبي هريرة، وبه قال عطاء، ومجاهد، وسعيد بن جبير، وهو مذهب مالك، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وأصحاب الرأي، وإنما رد النبي صلى الله عليه وسلم على الصعب بن جثامة لأنه ظن أنه صيد من أجله. والدليل على جوازه ما أخبرنا أبو الحسن ابن السرخسي، أنا زاهر بن أحمد، أنا أبو إسحاق الهاشمي، أنا أبو مصعب، عن مالك، عن أبي النضر مولى عمر بن عبيد الله التيمي، عن نافع مولى أبي قتادة، عن أبي قتادة بن ربعي الأنصاري رضي الله عنه أنه كان مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، حتى كان ببعض طريق مكة، تخلف مع أصحاب له محرمين، وهو غير محرم، فرأى حماراً وحشياً، فاستوى على فرسه وسأل أصحابه أن يناولوه سوطه فأبوا، فأخذه ثم شد على الحمار فقتله، فأكل منه بعض أصحاب رسول الله صلي الله عليه وسلم، وأبى بعضهم فلما أدركوا رسول الله صلى الله عليه وسلم سألوه عن ذلك، فقال :" إنما هي طعمة أطعمكموها الله تعالى ". أخبرنا عبد الوهاب بن محمد الخطيب، أنا عبد العزيز بن أحمد الخلال، أنا أبو العباس الأصم، أخبرنا الربيع، أنا الشافعي، أنا إبراهيم بن محمد، عن عمرو بن أبي عمرو، عن المطلب بن حنطب، عن جابر بن عبد الله أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :( لحم الصيد لكم في الإحرام حلال، ما لم تصيدوه أو يصطاد لكم )، قال أبو عيسى : المطلب لا نعرف له سماعاً من جابر ابن عبد الله رضي الله عنه. 
وإذا أتلف المحرم شيئاً من الصيد لا مثل له من النعم مثل بيض، أو طائر دون الحمام، ففيه قيمة يصرفها إلى الطعام، فيتصدق به أو يصوم عن كل مد يوما، واختلفوا في الجراد : فرخص فيه قوم للمحرم وقالوا : هو من صيد البحر، روي ذلك عن كعب الأحبار، والأكثرون على أنها لا تحل، فإن أصابها فعليه صدقة، قال عمر : في الجراد تمرة، وروي عنه وعن ابن عباس : قبضة من طعام.

### الآية 5:96

> ﻿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ ۖ وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا ۗ وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ [5:96]

قوله تعالى : أحل لكم صيد البحر وطعامه متاعاً لكم وللسيارة ، والمراد بالبحر جميع المياه، قال عمر رضي الله عنه :( صيده ما اصطيد، وطعامه ما رمي به ). وعن ابن عباس وابن عمر، وأبي هريرة : طعامه ما قذفه الماء إلى الساحل ميتاً. وقال قوم : هو المالح منه، وهو قول ابن جبير، وعكرمة، وسعيد بن المسيب، وقتادة، والنخعي. وقال مجاهد : صيده طريه، وطعامه مالحه، ( متاعاً لكم ) أي : منفعة لكم، ( وللسيارة ) يعني : المارة، وجملة حيوانات الماء على قسمين : سمك وغيره. أما السمك فميتته حلال مع اختلاف أنواعها. قال النبي صلى الله عليه وسلم :( أحلت لنا ميتتان السمك والجراد ) فلا فرق بين أن يموت بسبب أو بغير سبب، وعند أبي حنيفة لا يحل إلا أن يموت بسبب من وقوع على حجر، أو انحسار الماء عنه ونحو ذلك. أما غير السمك فقسمان : قسم يعيش في البر كالضفدع والسرطان، فلا يحل أكله، وقسم يعيش في الماء ولا يعيش في البر إلا عيش المذبوح، فاختلف القول فيه، فذهب قوم إلى أنه لا يحل شيء منها إلا السمك، وهو قول أبي حنيفة رضي الله عنه، وذهب قوم إلى أن ميت الماء كلها حلال، لأن كلها سمك، وإن اختلفت صورتها، كالجريث يقال له حبة الماء، وهو على شكل الحية، وأكله مباح بالاتفاق، وهو قول عمر، وأبي بسر، وابن عباس، وزيد بن ثابت، وأبي هريرة، وبه قال شريح، والحسن، وعطاء، وهو قول مالك، وظاهر مذهب الشافعي، وذهب قوم إلى أن ما له نظير في البر يؤكل، فميتته من حيوانات البحر حلال، مثل بقر الماء ونحوه، ومالا يؤكل نظيره في البر لا يحل ميتته من حيوانات البحر، مثل كلب الماء، والخنزير، والحمار، ونحوها. وقال الأوزاعي : كل شيء عيشه في الماء فهو حلال، قيل : فالتمساح ؟ قال نعم، وقال الشعبي : لو أن أهلي أكلوا الضفادع لأطعمتهم، وقال سفيان الثوري : أرجو أن لا يكون بالسرطان بأس، وظاهر الآية حجة لمن أباح جميع حيوانات البحر، وكذلك الحديث. 
أخبرنا أبو الحسن السرخسي، أنا زاهر بن أحمد، أنا أبو إسحاق الهاشمي، أنا أبو مصعب، عن مالك، عن صفوان بن سليمان، عن سعيد ابن سلمة من آل بني الأزرق، أن المغيرة بن أبي بردة وهو من بني عبد الدار أخبره، أنه سمع أبا هريرة رضي الله عنه يقول : سأل رجل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله، إنا نركب في البحر، ونحمل معنا القليل من الماء، فإن توضأنا به عطشنا، أفنتوضأ بماء البحر ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" هو الطهور ماؤه الحل ميتته ". أخبرنا عبد الواحد المليحي، أنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أنا محمد بن يوسف، أنا محمد بن إسماعيل، أنا مسدد، أنا يحيى، عن ابن جريج، أخبرني عمر أنه سمع جابراً رضي الله عنه يقول : غزوت جيش الخبط، وأمر أبو عبيدة، فجعنا جوعاً شديدا، فألقى البحر حوتاً ميتاً لم نر مثله، يقال له العنبر، فأكلنا منه نصف شهر، فأخذ أبو عبيدة عظماً من عظامه، فمر الراكب تحته. وأخبرني أبو الزبير أنه سمع جابراً يقول : قال أبو عبيدة : كلوا، فلما قدمنا المدينة ذكرنا ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم، فقال : كلوا رزقا أخرجه الله إليكم، أطعمونا إن كان معكم، فأتاه بعضهم بشيء منه فأكله. 
قوله تعلى : وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرما واتقوا الله الذي إليه تحشرون ، صيد البحر حلال للمحرم، كما هو حلال لغير المحرم. أما صيد البر فحرام على المحرم في الحرم، والصيد هو الحيوان الوحشي الذي يحل أكله، أما ما لا يحل أكله فلا يحرم بسبب الإحرام، ويحرم أخذه وقتله، ولا جزاء على من قتله إلا المتولد بين ما لا يؤكل لحمه وما يؤكل، كالمتولد بين الذئب والظبي، لا يحل أكله، ويجب بقتله الجزاء على المحرم، لأن فيه جزاء من الصيد. 
أخبرنا أبو الحسن السرخسي، أنا زاهر بن أحمد، أنا أبو إسحاق الهاشمي، أنا أبو مصعب، عن مالك، عن نافع، عن عبد لله بن عمر رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :( خمس من الدواب ليس على المحرم في قتلهن جناح : الغراب، والحدأة، والعقرب، والفأرة، والكلب العقور ). 
وروي عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال :( يقتل المحرم السبع العادي ). 
وعن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :( خمس قتلهن حلال في الحرم : الحية، والعقرب، والحدأة، والفأرة، والكلب العقور ). 
وقال سفيان بن عيينة : الكلب العقور كل سبع يعقر، ومثله عن مالك رحمه الله، وذهب أصحاب الرأي إلى وجوب الجزاء في قتل ما لا يؤكل لحمه كالفهد، والنمر، والخنزير، ونحوها. إلا الأعيان المذكورة في الخبر، وقاسوا عليها الذئب، فلم يوجبوا فيه الكفارة، وقاس الشافعي رحمه الله عليها جميع ما لا يؤكل لحمه، لأن الحديث يشتمل على أعيان : بعضها سباع ضارية، وبعضها هوام قاتلة، وبعضها طير لا يدخل في معنى السباع ولا هي من جملة الهوام، وإنما هي حيوان مستخبث اللحم، وتحريم الأكل يجمع الكل، فاعتبره ورتب الحكم عليه.

### الآية 5:97

> ﻿۞ جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِلنَّاسِ وَالشَّهْرَ الْحَرَامَ وَالْهَدْيَ وَالْقَلَائِدَ ۚ ذَٰلِكَ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ [5:97]

قوله تعالى : جعل الله الكعبة البيت الحرام ، قال مجاهد : سميت كعبة لتربيعها، والعرب تسمي كل بيت مربع كعبةً، قال مقاتل : سميت كعبة لانفرادها من البناء، وقيل : سميت كعبة لارتفاعها من الأرض، وأصلها من الخروج والارتفاع، وسمي الكعب كعباً لنتوه، وخروجه من جانبي القدم، ومنه قيل للجارية إذا قاربت البلوغ، وخرج ثديها تكعبت. وسمي البيت الحرام : لأن الله تعالى حرمه، وعظم حرمته، قال النبي صلى الله عليه وسلم :( إن الله تعالى حرم مكة يوم خلق السموات والأرض ). قوله تعالى : قياماً للناس ، قرأ ابن عامر  قيماً  بلا ألف، والآخرون :( قياما ) بالألف، أي قواماً لهم في أمر دينهم ودنياهم. أما الدين لأن به يقوم الحج والمناسك، وأما الدنيا فيما يجبى إليه من الثمرات، وكانوا يأمنون فيه من النهب والغارة، فلا يتعرض لهم أحد في الحرم. 
قال الله تعالى : أولم يروا أنا جعلنا حرماً آمناً ويتخطف الناس من حولهم  \[ العنكبوت : ٦٧ \]
قوله تعالى : والشهر الحرام . أراد به الأشهر الحرم وهي : ذو القعدة، وذو الحجة، والمحرم، ورجب، أراد أنه جعل الأشهر الحرم قياماً للناس، يأمنون فيها القتال. 
قوله تعالى : والهدي والقلائد . أراد أنهم كانوا يأمنون بتقليد الهدي، فذلك القوام فيه. 
قوله تعالى : ذلك لتعلموا أن الله يعلم ما في السموات وما في الأرض وأن الله بكل شيء عليم ، فإن قيل : أي اتصال لهذا الكلام بما قبله ؟ قيل : أراد الله عز وجل جعل الكعبة قياماً للناس لأن الله تعالى يعلم صلاح العباد، كما يعلم ما في السماوات وما في الأرض. وقال الزجاج : قد سبق في هذه السورة الإخبار عن الغيوب، والكشف عن الأسرار، مثل قوله  سماعون للكذب سماعون لقوم آخرين ، ومثل إخباره بتحريفهم الكتب، ونحو ذلك فقوله : ذلك لتعلموا أن الله يعلم ما في السماوات وما في الأرض  راجع إليه.

### الآية 5:98

> ﻿اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ وَأَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ [5:98]

القدم، ومن قِيلَ لِلْجَارِيَةِ إِذَا قَارَبَتِ الْبُلُوغَ وَخَرَجَ ثَدْيُهَا: تَكَعَّبَتْ. وَسُمِّيَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ: لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى حَرَّمَهُ وَعَظَّمَ حُرْمَتَهُ. قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى حَرَّمَ مَكَّةَ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ" (١) قِيَامًا لِلنَّاسِ قَرَأَ ابْنُ عَامِرٍ (قِيَمًا) بِلَا أَلْفٍ وَالْآخَرُونَ: "قِيَامًا" بِالْأَلْفِ، أَيْ: قَوَامًا لَهُمْ فِي أَمْرِ دِينِهِمْ وَدُنْيَاهُمْ، أَمَّا الدِّينُ لِأَنَّ بِهِ يَقُومُ الْحَجُّ وَالْمَنَاسِكُ، وَأَمَّا الدُّنْيَا فِيمَا يُجْبَى إِلَيْهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ، وَكَانُوا يَأْمَنُونَ فِيهِ مِنَ النَّهَارِ وَالْغَارَةِ فَلَا يَتَعَرَّضُ لَهُمْ أَحَدٌ فِي الْحَرَمِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ (الْعَنْكَبُوتِ-٦٧) وَالشَّهْرَ الْحَرَامَ أَرَادَ بِهِ الْأَشْهُرَ الْحُرُمَ وهي ذو العقدة وذو الْحِجَّةِ وَالْمُحَرَّمُ وَرَجَبٌ، أَرَادَ أَنَّهُ جَعَلَ الْأَشْهُرَ الْحُرُمَ قِيَامًا لِلنَّاسِ يَأْمَنُونَ فِيهَا الْقِتَالَ، وَالْهَدْيَ وَالْقَلَائِدَ أَرَادَ أَنَّهُمْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِتَقْلِيدِ الْهَدْيِ، فَذَلِكَ الْقَوَامُ فِيهِ.
 ذَلِكَ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ فَإِنْ قِيلَ: أَيُّ اتِّصَالٍ لِهَذَا الْكَلَامِ بِمَا قَبْلَهُ؟ قِيلَ: أَرَادَ أَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ جَعَلَ الْكَعْبَةَ قِيَامًا لِلنَّاسِ لِأَنَّهُ يَعْلَمُ صَلَاحَ الْعِبَادِ كَمَا يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ، وَقَالَ الزَّجَّاجُ: قَدْ سَبَقَ فِي هَذِهِ السُّورَةِ الْإِخْبَارُ عَنِ الْغُيُوبِ وَالْكَشْفُ عَنِ الْأَسْرَارِ، مِثْلُ قَوْلِهِ (سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ)، وَمِثْلُ إِخْبَارِهِ بِتَحْرِيفِهِمُ الْكُتُبَ وَنَحْوَ ذَلِكَ، فَقَوْلُهُ ذَلِكَ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ رَاجِعٌ إِلَيْهِ.
 اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ وَأَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٩٨) مَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ (٩٩) قُلْ لَا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ فَاتَّقُوا اللَّهَ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (١٠٠) 
 مَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ \[التَّبْلِيغُ\] (٢) وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ
 قُلْ لَا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ أَيِ الْحَلَالُ وَالْحَرَامُ، وَلَوْ أَعْجَبَكَ سَرَّكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ

 (١) أخرجه البخاري في المغازي، باب رقم (٣٥) : ٨ / ٢٦، ومسلم بنحوه في الحج، باب تحريم مكة وصيدها، برقم (١٣٥٣) : ٢ / ٩٨٦، والمصنف في شرح السنة: ٧ / ٢٩٤.
 (٢) ساقط من "ب".

نَزَلَتْ فِي شُرَيْحِ بْنِ \[ضُبَيْعَةَ\] (١) الْبَكْرِيِّ، وَحَجَّاجِ بْنِ بَكْرِ بْنِ وَائِلٍ (٢) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَلَا تَتَعَرَّضُوا لِلْحُجَّاجِ وَإِنْ كَانُوا مُشْرِكِينَ، وَقَدْ مَضَتِ الْقِصَّةُ فِي أَوَّلِ السُّورَةِ، يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ
 يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِنْ تَسْأَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا اللَّهُ عَنْهَا وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ (١٠١)
 قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ الْآيَةَ أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ الْمُلَيْحِيُّ أَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النُّعَيْمِيُّ أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ أَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ أَنَا هِشَامٌ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: سَأَلُوا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى أَحْفَوْهُ بِالْمَسْأَلَةِ، فَغَضِبَ فَصَعِدَ الْمِنْبَرَ فَقَالَ: "لَا تَسْأَلُونِي الْيَوْمَ عَنْ شَيْءٍ إِلَّا بَيَّنْتُهُ لَكُمْ"، فَجَعَلْتُ أَنْظُرُ يَمِينًا وَشِمَالًا فَإِذَا كَانَ رَجُلٌ لَافٌّ رَأْسَهُ فِي ثَوْبِهِ يَبْكِي، فَإِذَا رَجُلٌ كَانَ إِذَا لَاحَى الرِّجَالُ يُدْعَى لِغَيْرِ أَبِيهِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَنْ أَبِي؟ قَالَ "حُذَافَةُ": ثُمَّ أَنْشَأَ عُمَرُ، فَقَالَ: رَضِينَا بِاللَّهِ رَبًّا، وَبِالْإِسْلَامِ دِينًا، وَبِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَسُولًا نَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الْفِتَنِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "مَا رَأَيْتُ فِي الْخَيْرِ وَالشَّرِّ كَالْيَوْمِ قَطُّ، إِنِّي صُوِّرَتْ لِيَ الْجَنَّةُ وَالنَّارُ حَتَّى رَأَيْتُهُمَا وَرَاءَ الْحَائِطِ"، وَكَانَ قَتَادَةُ يَذْكُرُ عِنْدَ هَذَا الْحَدِيثِ هَذِهِ الْآيَةَ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ (٣).
 قَالَ يُونُسُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ: أَخْبَرَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: قَالَتْ أُمُّ عَبْدِ اللَّهِ بْنُ حُذَافَةَ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ حُذَافَةَ: مَا سَمِعْتُ بِابْنٍ قَطُّ أَعَقَّ مِنْكَ، أَأَمِنْتَ أَنْ تَكُونَ أمك قد فارقت بَعْضَ مَا تُقَارِفُ نِسَاءُ أَهْلِ الْجَاهِلِيَّةِ فَتَفْضَحَهَا عَلَى أَعْيُنِ النَّاسِ؟ قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ حُذَافَةَ وَاللَّهِ لَوْ أَلْحَقَنِي بِعَبْدٍ أَسْوَدَ لَلَحِقْتُهُ (٤). وَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّا حَدِيثُو عَهْدٍ بِجَاهِلِيَّةٍ فَاعْفُ عَنَّا يَعْفُ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَنْكَ، فَسَكَنَ غَضَبُهُ.
 أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ الْمُلَيْحِيُّ أَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النُّعَيْمِيُّ أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ أَنَا الْفَضْلُ بْنُ سَهْلٍ أَخْبَرَنَا أَبُو النَّضْرِ أَنَا أَبُو خَيْثَمَةَ أَنَا أَبُو جُوَيْرِيَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كَانَ

 (١) في "أ": (ضبعة) وهو خطأ.
 (٢) انظر فيما سلف، سبب نزول الآية الثانية من السورة، ص (٧-٨).
 (٣) أخرجه البخاري في الفتن، باب التعوذ من الفتن: ١٣ / ٤٣، ومسلم في الفضائل، باب توقيره صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وترك إكثار سؤاله عما لا ضرورة إليه، برقم (٢٣٥٩) : ٤ / ١٨٣٣-١٨٣٤. ومعنى أَحْفَوه: أي أكثروا في الإلحاح والمبالغة فيه. يقال: أحفى وألحف وألحَّ، بمعنى. و"لاحى": من الملاحاة وهي المماراة والمجادلة. و"أنشأ": أي ابتدأ.
 (٤) انظر: صحيح مسلم في الموضع السابق.

### الآية 5:99

> ﻿مَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ ۗ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ [5:99]

قوله تعالى : ما على الرسول إلا البلاغ ، التبليغ  والله يعلم ما تبدون وما تكتمون .

### الآية 5:100

> ﻿قُلْ لَا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ ۚ فَاتَّقُوا اللَّهَ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ [5:100]

قوله تعالى : والله يعلم ما تبدون وما تكتمون قل لا يستوي الخبيث والطيب ، أي الحلال والحرام. 
قوله تعالى : ولو أعجبك ، سرك. 
قوله تعالى : كثرة الخبيث ، نزلت في شريح بن ضبعة البكري، وحجاج بن بكر بن وائل. 
قوله تعالى : فاتقوا الله ، ولا تتعرضوا للحجاج وإن كانوا مشركين، وقد مضت القصة في أول السورة. 
قوله تعالى : يا أولي الألباب لعلكم تفلحون .

### الآية 5:101

> ﻿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِنْ تَسْأَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا اللَّهُ عَنْهَا ۗ وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ [5:101]

قوله تعالى : يا أولي الألباب لعلكم تفلحون يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم ، الآية. 
أخبرنا عبد الواحد المليحي، أنا محمد بن عبد الله النعيمي، أنا محمد بن يوسف، أنا محمد بن إسماعيل، أنا حفص بن عمر، أنا هشام، عن قتادة، عن أنس رضي الله عنه سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أحفوه بالمسألة، فغضب، فصعد المنبر فقال :( لا تسألوني اليوم عن شيء إلا بينته لكم )، فجعلت أنظر يميناً وشمالاً فإذا كل رجل لاف رأسه في ثوبه يبكي، فإذا رجل كان إذا لاحى الرجال يدعى لغير أبيه، فقال : يا رسول الله من أبي ؟ قال : حذافة. ثم أنشأ عمر، فقال : رضينا بالله رباً، وبالإسلام ديناً، وبمحمد صلى الله عليه وسلم رسولاً، نعوذ بالله من الفتن، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :( ما رأيت في الخير والشر كاليوم قط، إن صورت لي الجنة والنار حتى رأيتهما وراء الحائط ). 
وكان قتادة يذكر عند هذا الحديث هذه الآية  يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم . قال يونس عن ابن شهاب، أخبرني عبيد الله بن عبد الله قال : قالت أم عبد الله بن حذافة لعبد الله بن حذافة : ما سمعت بابن قط أعق منك، أأمنت أن تكون أمك قد قارفت بعض ما تقارف نساء أهل الجاهلية فتفضحها على أعين الناس ؟ قال عبد الله بن حذافة : والله لو ألحقني بعبد أسود للحقته. وروي عن عمر قال : يا رسول الله، إنا حديثو عهد بجاهلية فاعف عنا يعف الله سبحانه وتعالى عنك، فسكن غضبه. 
أخبرنا عبد الواحد المليحي، أنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا محمد بن يوسف، أنا محمد بن إسماعيل، أنا الفضل بن سهل، أخبرنا أبو النضر، أنا أبو خيثمة، أنا أبو جويرية، عن ابن عباس قال : كان قوم يسألون رسول الله صلى الله عليه وسلم استهزاءً، فيقول الرجل : من أبي ؟ ويقول الرجل ضلت ناقته : أين ناقتي ؟ فأنزل الله فيهم هذه الآية  يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم  حتى فرغ من الآية كلها. 
وروي عن علي رضي الله عنه قال : لما نزلت  ولله على الناس حج البيت  قال رجل : يا رسول الله، أفي كل عام ؟ فأعرض عنه، فعاد مرتين أو ثلاثاً، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ما يؤمنك أن أقول نعم ؟ والله لو قلت نعم لوجبت، ولو وجبت ما استطعتم، فاتركوني ما تركتكم، فإنما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم، فإذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم، وإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه )، فأنزل الله تعالى : يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم  أي : إن تظهر لكم تسؤكم، أي : إن أمرتم بالعمل بها، فإن من سأل عن الحج لم يأمن أن يؤمر به في كل عام فيسوءه، ومن سأل عن نسبه لم يأمن من أن يلحقه بغيره فيفتضح. وقال مجاهد : نزلت حين سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن البحيرة، والسائبة، والوصيلة، والحام، ألا تراه ذكرها بعد ذلك. 
قوله تعالى : وإن تسألوا عنها حين ينزل القرآن تبد لكم ، معناه إن صبرتم حتى ينزل القرآن بحكم من فرض، أو نهي، أو حكم، وليس في ظاهره شرح ما بكم إليه حاجة، ومست حاجاتكم إليه، فإذا سألتم عنها حينئذ تبد لكم. 
قوله تعالى : عفا الله عنها والله غفور حليم

### الآية 5:102

> ﻿قَدْ سَأَلَهَا قَوْمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ ثُمَّ أَصْبَحُوا بِهَا كَافِرِينَ [5:102]

قوله تعالى : عفا الله عنها والله غفور رحيم قد سألها قوم من قبلكم ، كما سألت ثمود صالحاً الناقة، وسأل قوم عيسى المائدة. 
قوله تعالى : ثم أصبحوا بها كافرين ، فأهلكوا، قال أبو ثعلبة الخشني :( إن الله فرض فرائض فلا تضيعوها، ونهى عن أشياء فلا تنتهكوها، وحد حدوداً فلا تعتدوها، وعفا عن أشياء من غير نسيان فلا تبحثوا عنها ).

### الآية 5:103

> ﻿مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلَا سَائِبَةٍ وَلَا وَصِيلَةٍ وَلَا حَامٍ ۙ وَلَٰكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ ۖ وَأَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ [5:103]

قوله تعالى : ما جعل الله من بحيرة  أي : ما أنزل الله، ولا أمر به. 
قوله تعالى : ولا سائبة ولا وصيلة ولا حام ، قال ابن عباس في بيان هذه الأوضاع : البحيرة، هي الناقة التي كانت إذا ولدت خمسة أبطن بحروا أذنها، أي : شقوها، وتركوا الحمل عليها، ولم يركبوها، ولم يجزوا وبرها، ولم يمنعوها الماء والكلأ، ثم نظروا إلى خامس ولدها فإن كان ذكراً نحروه وأكله الرجال والنساء، وإن كان أنثى بحروا أذنها، أي : شقوها، وتركوها، وحرم على النساء لبنها، ومنافعها، وكانت منافعها خاصة للرجال، فإذا ماتت حلت للرجال والنساء. وقيل : كانت الناقة إذا تابعت اثنتي عشرة سنة إناثاً سيبت، فلم يركب ظهرها، ولم يجز وبرها ولم يشرب لبنها إلا ضيف، فما نتجت بعد ذلك من أنثى شق أذنها، ثم خلي سبيلها مع أمها في الإبل، فلم يركب ظهرها، ولم يجز وبرها، ولم يشرب لبنها إلا ضيف، كما فعل بأمها، فهي البحيرة بنت السائبة. وقال أبو عبيدة : السائبة : البعير الذي يسيب، وذلك أن الرجل من أهل الجاهلية كان إذا مرض وغاب له قريب نذر فقال : إن شفاني الله تعالى أو شفى مريضي، أو عاد غائبي، فناقتي هذه سائبة. ثم يسيبها فلا تحبس عن رعي، ولا ماء، ولا يركبها أحد، فكانت بمنزلة البحيرة. وقال علقمة : هو العبد يسيب على أن لا ولاء عليه، ولا عقل، ولا ميراث. وقال صلى الله عليه وسلم :( إنما الولاء لمن أعتق ). 
والسائبة فاعلة، بمعنى المفعولة. وهي المسيبة، كقوله تعالى : ماء دافق  أي : مدفوق، وعيشة راضية، وأما الوصيلة : فمن الغنم، كانت الشاة إذا ولدت سبعة أبطن نظروا، فإن كان السابع ذكرا ذبحوه، فأكل منه الرجال والنساء، وإن كانت أنثى تركوها في الغنم، وإن كان ذكراً وأنثى استحيوا الذكر من أجل الأنثى، وقالوا : وصلت أخاها فلم يذبحوه. وكان لبن الأنثى حراماً على النساء، فإن مات منها شيء أكله الرجال والنساء جميعا. 
وأما الحام : فهو الفحل إذا ركب ولده، ويقال : إذا نتج من صلبه عشرة أبطن، قالوا : حمي ظهره، فلا يركب، ولا يحمل عليه، ولا يمنع من كلأ، ولا ماء، فإذا مات أكله الرجال والنساء. 
أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي، أنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أنا محمد بن يوسف، أنا محمد بن إسماعيل، أنا إبراهيم بن سعد، عن صالح بن كيسان، عن ابن شهاب، عن سعيد بن المسيب قال : البحيرة التي يمنع درها للطواغيت فلا يحلبها أحد من الناس. والسائبة كانوا يسيبونها لآلهتهم لا يحمل عليها شيء. قال أبو هريرة : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :( رأيت عمرو بن عامر الخزاعي يجر قصبه في النار، وكان أول من سيب السوائب ). 
روى محمد بن إسحاق، عن محمد بن إبراهيم التيمي، عن أبي صالح السمان. عن أبي هريرة : قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأكتم بن جون الخزاعي :( يا أكتم، رأيت عمرو بن لحي بن قمعة بن خندق يجر قصبه في النار، فما رأيت من رجل أشبه برجل منك به، ولا به منك، وذلك أنه أول من غير دين إسماعيل، ونصب الأوثان، وبحر البحيرة، وسيب السائبة، ووصل الوصيلة، وحمى الحامي، فلقد رأيته في النار يؤذي أهل النار بريح قصبه، فقال أكتم : أيضرني شبهه يا رسول الله ؟ فقال : لا إنك مؤمن وهو كافر. 
قوله تعالى : ولكن الذين كفروا يفترون على الله الكذب ، في قولهم : الله أمرنا بها. 
قوله تعالى : وأكثرهم لا يعقلون .

### الآية 5:104

> ﻿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَىٰ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قَالُوا حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا ۚ أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ [5:104]

قوله تعالى : وأكثرهم لا يعقلون\* وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول ، في تحليل الحرث، والأنعام، وبيان الشرائع والأحكام. 
قوله تعالى : قالوا حسبنا ما وجدنا عليه آباءنا  من الدين. 
قوله تعالى : أو لو كان آباؤهم لا يعلمون شيئا ولا يهتدون .

### الآية 5:105

> ﻿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ ۖ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ ۚ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ [5:105]

قوله تعالى : يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم  روينا عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه أنه قال : يا أيها الناس إنكم تقرؤون هذه الآية  يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم ، وتضعونها في غير موضعها، ولا تدرون ما هي، وإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول :( إن الناس إذا رأوا منكرا فلم يغيروه يوشك أن يعمهم الله تعالى بعقابه ). وفي رواية ( لتأمرن بالمعروف، ولتنهون عن المنكر، أو ليسلطن الله سبحانه وتعالى عليكم شراركم فيسومونكم سوء العذاب، ثم ليدعون الله عز وجل خياركم، فلا يستجاب لكم ). 
قال أبو عبيدة : خاف الصديق أن يتأول الناس الآية غير متأولها، فيدعوهم إلى ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فأعلمهم أنها ليست كذلك، وأن الذي أذن لإمساك عن تغييره من المنكر، هو الشرك الذي ينطق به المعاهدون من أجل أنهم يتدينون به، وقد صولحوا عليه، فأما الفسوق والعصيان والذنب من أهل الإسلام فلا يدخل فيه. وقال مجاهد، وسعيد ابن جبير : الآية في اليهود والنصارى، يعني : عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل من أهل الكتاب، فخذوا منهم الجزية واتركوهم. وعن ابن عباس قال في هذه الآية : مروا بالمعروف، وانهوا عن المنكر ما قبل منكم، فإن رد عليكم فعليكم أنفسكم، ثم قال : إن القرآن نزل منه، آي : قد مضى تأويلهن قبل أن ينزل، ومنه آي قد وقع تأويلهن على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومنه آي وقع تأويلهن بعد رسول الله، ومنه آي يقع تأويلهن في آخر الزمان، ومنه آي : يقع تأويلهن يوم القيامة، ما ذكر من الحساب، والجنة، والنار، فما دامت قلوبكم، وأهواؤكم، واحدة ولم تلبسوا شيعا، ولم يذق بعضكم بأس بعض، فأمروا وانهوا، وإذا اختلفت القلوب والأهواء، وألبستم شيعا، وذاق بعضكم بأس بعض، فامرؤ ونفسه، فعند ذلك جاء تأويل هذه الآية. 
أخبرنا عبد الواحد المليحي، أنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أنا أبو جعفر أحمد بن محمد العنبري، أخبرنا عيسى بن نضر، أنا عبد الله بن المبارك، أنا عتبة بن أبي الحكم، حدثني عمرو بن جاريه اللخمي، أنا أبو أمية الشعباني قال : أتيت أبا ثعلبة الخشني فقلت : يا أبا ثعلبة، كيف تصنع في هذه الآية ؟ قال : أية آية ؟ قلت : قول الله عز وجل  عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم ، فقال : أما والله، لقد سألت عنها خبيراً، سألت عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال :( بل ائتمروا بالمعروف، وتناهوا عن المنكر، حتى إذا رأيت شحا مطاعا، وهوى متبعا، ودنيا مؤثرة، وإعجاب كل ذي رأي برأيه، ورأيت أمرا لابد لك، فعليك نفسك ودع أمر العوام، فإن ورائكم أيام الصبر، فمن صبر فيهن قبض على الجمر، للعامل فيهن مثل أجر خمسين رجلا يعملون مثله قال ابن المبارك : وزادني غيره قالوا : يا رسول الله، أجر خمسين منهم ؟ قال :( أجر خمسين منكم ). 
قيل : نزلت في أهل الأهواء، قال أبو جعفر الرازي : دخل على صفوان بن محرز شاب من أهل الأهواء، فذكر شيئا من أمره، فقال صفوان : ألا أدلك على خاصة الله التي خص بها أولياءه ؟  يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم . 
قوله تعالى : إلى الله مرجعكم جميعا ، الضال والمهتدي. 
قوله تعالى : فينبئكم بما كنتم تعملون .

### الآية 5:106

> ﻿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَأَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ ۚ تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلَاةِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ إِنِ ارْتَبْتُمْ لَا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَىٰ ۙ وَلَا نَكْتُمُ شَهَادَةَ اللَّهِ إِنَّا إِذًا لَمِنَ الْآثِمِينَ [5:106]

قوله تعالى : يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم ، سبب نزول هذه الآية : ما روي أن تميم بن أوس الداري، وعدي بن زيد، قد خرجا من المدينة للتجارة إلى أرض الشام، وهما نصرانيان، ومعهما بديل -مولى عمرو بن العاص- وكان مسلما، فلما قدموا الشام مرض بديل، فكتب كتابا فيه جميع ما معه من المتاع، وألقاه في جوالقه، ولم يخبر صاحبيه بذلك، فلما اشتد وجعه أوصى إلى تميم وعدي، وأمرهما أي يدفعا متاعه إذا رجعا إلى أهله، ومات بديل، ففتشا متاعه، وأخذا منه إناء من فضة منقوشا بالذهب فيه ثلاثمائة مثقال فضة، فغيباه، ثم قضيا حاجتهما، فانصرفا إلى المدينة، فدفعا المتاع إلى أهل البيت، ففتشوا وأصابوا الصحيفة فيها تسمية ما كان معه، فجاؤوا تميما وعديا فقالوا : هل باع صاحبنا شيئا من متاعه ؟ قالا : لا، قالوا : فهل اتجر تجارة ؟ قالا : لا، قالوا : هل طال مرضه فأنفق على نفسه ؟ قالا : لا، فقالوا : إنا وجدنا في متاعه صحيفة فيها تسمية ما كان معه، وإنا قد فقدنا منها إناء من فضة مموها بالذهب، فيه ثلاثمائة مثقال فضة، قالا : ما ندري، إنما أوصى لنا بشيء فأمرنا أن ندفعه إليكم فدفعناه، وما لنا علم بالإناء، فاختصموا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأصرا على الإنكار، وحلفا، فأنزل الله عز وجل هذه الآية  يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم إذا حضر أحدكم الموت حين الوصية اثنان  أي : ليشهد اثنان، لفظه خبر، ومعناه أمر، قيل : إن معناه : أن الشهادة فيما بينكم على الوصية عند الموت اثنان، واختلفوا في هذين الاثنين، فقال قوم : هما الشاهدان اللذان يشهدان على وصية الموصي. وقال آخرون : هما الوصيان، لأن الآية نزلت فيهما، ولأنه قال : تحبسونهما من بعد الصلاة فيقسمان ، ولا يلزم الشاهد يمين، وجعل الوصي اثنين تأكيدا، فعلى هذا تكون الشهادة بمعنى الحضور، كقولك : شهدت وصية فلان، بمعنى حضرت، قال الله تعالى : وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين  \[ النور : ٢ \]، يريد الحضور. 
قوله تعالى : ذوا عدل  أي : أمانة وعقل. 
قوله تعالى : منكم ، أي : من أهل دينكم يا معشر المؤمنين. 
قوله تعالى : أو آخران من غيركم ، أي : من غير دينكم وملتكم، في قول أكثر المفسرين، قاله ابن عباس، وأبو موسى الأشعري، وهو قول سعيد بن المسيب، وإبراهيم النخعي، وسعيد بن جبير، ومجاهد، وعبيدة، ثم أختلف هؤلاء في حكم الآية فقال النخعي وجماعة : هي منسوخة، وكانت شهادة أهل الذمة مقبولة في الابتداء، ثم نسخت. وذهب قوم إلى أنها ثابتة، وقالوا : إذا لم نجد مسلمين فنشهد كافرين. قال شريح : من كان بأرض غربة ولم يجد مسلما يشهده على وصيته فأشهد كافرين على أي دين كانا، من دين أهل الكتاب أو عبدة الأوثان، فشهادتهم جائزة، ولا يجوز شهادة كافر على مسلم إلا على وصية في سفر. وعن الشعبي أن رجلا من المسلمين حضرته الوفاة بدقوقا ولم يجد مسلما يشهده على وصيته، فأشهد رجلين من أهل الكتاب، فقدما الكوفة بتركته، وأتيا الأشعري فأخبراه بتركته ووصيته، فقال الأشعري : هذا أمر لم يكن بعد الذي كان على عهد النبي صلى الله عليه وسلم فأحلفهما، وأمضى شهادتهما. وقال آخرون : قوله  ذوا عدل منكم  أي : من حي الموصي،  أو آخران من غيركم  أي من غير حيكم، وعشيرتكم، وهو قول الحسن، والزهري، وعكرمة. وقالوا : لا تجوز شهادة كافرين في شيء من الأحكام. 
قوله تعالى : إن أنتم ضربتم ، أي سرتم وسافرتم. 
قوله تعالى : في الأرض فأصابتكم مصيبة الموت ، فأوصيتم إليهما. ودفعتم إليهما مالكم، فاتهمهما بعض الورثة، وادعوا عليهما خيانة، فاحكم فيه أن  تحبسونهما ، أي : تستوقفونهما. 
قوله تعالى : من بعد الصلاة ، أي : بعد الصلاة، و  من  صلة يريد : بعد صلاة العصر، هذا قول الشعبي، والنخعي، وسعيد بن جبير، وقتادة، وعامة المفسرين، لأن جميع أهل الأديان يعظمون ذلك الوقت، ويجتنبون فيه الحلف الكاذب، وقال الحسن : أراد من بعد صلاة الظهر. وقال السدي : من بعد صلاة أهل دينهما، وملتهما، لأنهما لا يباليان بصلاة العصر. 
قوله تعالى : فيقسمان ، يحلفان. 
قوله تعالى : بالله إن ارتبتم ، أي : شككتم، ووقعت لكم الريبة في قول الشاهدين وصدقهما، أي : في قول اللذين ليسا من أهل ملتكم، فإن كانا مسلمين فلا يمين عليهما. 
قوله تعالى : لا نشتري به ثمنا ، أي : لا نحلف بالله كاذبين على عوض نأخذه، أو مال نذهب به، أو حق نجحده. 
قوله تعالى : ولو كان ذا قربى ، ولو كان المشهود له ذا قرابة منا. 
قوله تعالى : ولا نكتم شهادة الله  أضاف الشهادة إلى الله لأنه أمر بإقامتها، ونهى عن كتمانها، وقرأ يعقوب  شهادة  بتنوين  الله  ممدود، وجعل الاستفهام عوضا عن حرف القسم، ويروى عن أبي جعفر  شهادة ، منونة  الله  بقطع الألف، وكسر الهاء، من غير استفهام على ابتداء اليمين، أي : والله. 
قوله تعالى : إنا إذا لمن الآثمين ، أي إن كتمناها كنا من الآثمين، فلما نزلت هذه الآية صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة العصر، ودعا تميما وعديا فاستحلفهما عند المنبر بالله الذي لا إله إلا هو أنهما لم يختانا شيئا مما دفع إليهما، فحلفا على ذلك، وخلى رسول الله صلى الله عليه وسلم سبيلهما. ثم ظهر الإناء واختلفوا في كيفية ظهوره، فروى سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهم أنه وجد بمكة، فقالوا : إنا اشتريناه من تميم وعدي، وقال آخرون : لما طالت المدة أظهروه، فبلغ ذلك بني سهم فأتوهما في ذلك، فقالا : إنا كنا قد اشتريناه منه، فقالوا : ألم تزعما أن صاحبنا لم يبع شيئا من متاعه ؟ قالا : لم يكن عندنا بيّنة فكرهنا أن نقر لكم به فكتمناه لذلك، فرفعوا ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم. فأنزل الله عز وجل  فإن عثر على أنهما استحق إثما. . . .

### الآية 5:107

> ﻿فَإِنْ عُثِرَ عَلَىٰ أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْمًا فَآخَرَانِ يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْأَوْلَيَانِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ لَشَهَادَتُنَا أَحَقُّ مِنْ شَهَادَتِهِمَا وَمَا اعْتَدَيْنَا إِنَّا إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ [5:107]

قوله تعالى : فإن عثر ، أي : اطلع على خيانتهما، وأصل العثور : الوقوع على الشيء. 
قوله تعالى : على أنهما ، يعني : الوصيين. 
قوله تعالى : استحقا ، استوجبا. 
قوله تعالى : إثما ، بخيانتهما وبأيمانهما الكاذبة. 
قوله تعالى : فآخران  من أولياء الميت. 
قوله تعالى : يقومان مقامهما ، يعني : مقام الوصيين. 
قوله تعالى : من الذين استحق ، بضم التاء على المجهول، هذه قراءة العامة، يعني : الذين استحق. 
قوله تعالى : عليهم ، أي فيهم ولأجلهم الإثم، وهم ورثة الميت. استحق الحالفان بسببهم الإثم، و( على ) بمعنى ( في )، كما قال الله  على ملك سليمان  \[ البقرة : ١٠٢ \] وقرأ حفص ( استحق ) بفتح التاء والحاء، وهي قراءة علي والحسن، أي : حق، ووجب عليهم الإثم، يقال : حق واستحق، بمعنى واحد. 
قوله تعالى : الأوليان ، نعت للآخران، أي : فآخران الأوليان، وإنما جاز ذلك والأوليان معرفة، والآخران نكرة، لأنه لما وصف الآخران فقال  من الذين  صار كالمعرفة في المعنى، والأوليان تثنية الأولى، ولأولى هو أقرب، وقرأ حمزة، وأبو بكر، عن عاصم، ويعقوب  الأولين  بالجمع، فيكون بدلا من الذين، والمراد منهم أيضا أولياء الميت. ومعنى الآية : إذا ظهرت خيانة الحالفين يقوم اثنان آخران من أقارب الميت. 
قوله تعالى : فيقسمان بالله لشهادتنا أحق من شهادتهما ، يعني : يميننا أحق من يمينهما، نظيره قوله تعالى في اللعان : فشهادة أحدهم أربع شهادات بالله . \[ النور : ٦ \]. والمراد بها الأيمان، فهو كقول القائل : أشهد بالله، أي : أقسم بالله. 
قوله تعالى : وما اعتدينا ، في أيماننا، وقولنا أن شهادتنا أحق من شهادتهما. 
قوله تعالى : إنا إذا لمن الظالمين . فلما نزلت هذه الآية قام عمرو بن العاص، والمطلب بن أبي وداعة السهميان، فحلفا بالله بعد العصر، فدفع الإناء إليهما وإلى أولياء الميت. وكان تميم الداري بعدما أسلم يقول : صدق الله ورسوله، أنا أخذت الإناء، فأتوب إلى الله وأستغفره، وإنما انتقل اليمين إلى الأولياء لأن الوصيين ادعيا أنهما ابتاعاه. والوصي إذا أخذ شيئا من مال الميت وقال : إنه أوصى لي به حلف الوارث، إذا أنكر ذلك، وكذلك لو ادعى رجل سلعة في يد رجل فاعترف، ثم ادعى أنه اشتراها من المدعي، حلف المدعي أنه لم يبعها منه، ويروى عن ابن عباس رضي الله عنهما، عن تميم الداري قال : كنا بعنا الإناء بألف درهم، فقسمتها أنا وعدي، فلما أسلمت تأثمت، فأتيت موالي الميت، فأخبرتهم أن عند صاحبي مثلها، فأتوا به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحلف عمرو والمطلب، فنزعت الخمسمائة من عدي، ورددت أنا الخمسمائة.

### الآية 5:108

> ﻿ذَٰلِكَ أَدْنَىٰ أَنْ يَأْتُوا بِالشَّهَادَةِ عَلَىٰ وَجْهِهَا أَوْ يَخَافُوا أَنْ تُرَدَّ أَيْمَانٌ بَعْدَ أَيْمَانِهِمْ ۗ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاسْمَعُوا ۗ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ [5:108]

قوله تعالى : ذلك أدنى أن يأتوا بالشهادة على وجهها ، أي : ذلك الذي حكمنا به من رد اليمين، أجدر وأحرى أن يأتي الوصيان بالشهادة على وجهها، وسائر الناس أمثالهم، أي أقرب إلى الإتيان بالشهادة على ما كانت. 
قوله تعالى : أو يخافوا أن ترد أيمان بعد أيمانهم ، أي : أقرب إلى أن يخافوا رد اليمين بعد يمينهم على المدعين فيحلفوا على خيانتهم وكذبهم، فيفتضحوا ويغرموا، فلا يحلفون كاذبين إذا خافوا هذا الحكم. 
قوله تعالى : واتقوا الله ، أن تحلفوا أيمانا كاذبة، و تخونوا الأمانة. 
قوله تعالى : واسمعوا ، الموعظة. 
قوله تعالى : والله لا يهدي القوم الفاسقين .

### الآية 5:109

> ﻿۞ يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَا أُجِبْتُمْ ۖ قَالُوا لَا عِلْمَ لَنَا ۖ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ [5:109]

قوله تعالى : يوم يجمع الله الرسل ، وهو يوم القيامة. 
قوله تعالى : فيقول  لهم. 
قوله تعالى : ماذا أجبتم ، أي : ماذا أجابتكم أمتكم ؟ وما الذي رد عليكم قومكم حين دعوتموهم إلى توحيدي وطاعتي ؟
قوله تعالى : قالوا ، أي فيقولون. 
قوله تعالى : لا علم لنا ، قال ابن عباس معناه : لا علم لنا إلا العلم الذي أنت أعلم به منا، وقيل : لا علم لنا بوجه الحكمة عن سؤالك إيانا عن أمر أنت أعلم به منا، وقال ابن جريح : لا علم لنا بعاقبة أمرهم. 
قوله تعالى : إنك أنت علام الغيوب ، أي : أنت الذي تعلم ما غاب، ونحن لا نعلم إلا ما نشاهد. 
أخبرنا عبد الواحد المليحي، أنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أنا محمد بن يوسف، أنا محمد بن إسماعيل، أنا مسلم بن إبراهيم، أنا وهيب، أنا عبد العزيز، عن أنس رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال :( ليردن علي ناس من أصحابي الحوض حتى إذا عرفتهم اختلجوا دوني، فأقول : أصحابي، فيقال : لا تدري ما أحدثوا بعدك ). وقال ابن عباس، والحسن، ومجاهد، والسدي : إن للقيامة أهوالاً وزلازل تزول فيها القلوب عن مواضعها، فيفزعون من هول ذلك اليوم ويذهلون عن الجواب، ثم بعدما ثابت إليهم عقولهم، يشهدون على أممهم.

### الآية 5:110

> ﻿إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلَىٰ وَالِدَتِكَ إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا ۖ وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ ۖ وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنْفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِي ۖ وَتُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ بِإِذْنِي ۖ وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتَىٰ بِإِذْنِي ۖ وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَنْكَ إِذْ جِئْتَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ إِنْ هَٰذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ [5:110]

قوله تعالى : إذ قال الله يا عيسى ابن مريم اذكر نعمتي عليك ، قال الحسن : ذكر النعمة شكرها، وأراد بقوله : نعمتي ، أي نعمي، لفظه واحد ومعناه جمع. كقوله تعالى : وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها . 
قوله تعالى : وعلى والدتك ، مريم، ثم ذكر النعم فقال :
قوله تعالى : إذ أيدتك ، قويتك. 
قوله تعالى : بروح القدس ، يعني جبريل عليه السلام. 
قوله تعالى : تكلم الناس ، يعني : وتكلم الناس. 
قوله تعالى : في المهد ، صبيا. 
قوله تعالى : وكهلاً ، نبياً قال ابن عباس : أرسله الله وهو ابن ثلاثين سنة، فمكث في رسالته ثلاثين شهراً، ثم رفعه الله إليه. 
قوله تعالى : وإذ علمتك الكتاب ، يعني الخط. 
قوله تعالى : والحكمة ، يعني : العلم والفهم. 
قوله تعالى : والتوراة والإنجيل وإذ تخلق ، تجعل وتصور. 
قوله تعالى : من الطين كهيئة الطير ، كصورة الطير. 
قوله تعالى : بإذني فتنفخ فيها فتكون طيرا  حيا يطير. 
قوله تعالى : بإذني وتبرئ  وتصحح. 
قوله تعالى : الأكمه والأبرص بإذني وإذ تخرج الموتى ، من قبورهم أحياء. 
قوله تعالى : بإذني وإذ كففت ، منعت وصرفت. 
قوله تعالى : بني إسرائيل ، يعني اليهود. 
قوله تعالى : عنك ، حين هموا بقتلك. 
قوله تعالى : إذ جئتهم بالبينات ، يعني : بالدلالات الواضحات والمعجزات، وهي التي ذكرنا، وسميت بالبينات لأنها مما يعجز عنها سائر الخلق الذين ليسوا بمرسلين. 
قوله تعالى : فقال الذين كفروا منهم إن هذا ، ماهذا. 
قوله تعالى : إلا سحر مبين ، يعني : ما جاءهم به من البينات، قرأ حمزة والكسائي  ساحر مبين  هاهنا وفي سورة هود والصف، فيكون راجعاً إلى عيسى عليه السلام، وفي هود يكون راجعاً إلى محمد صلى الله عليه وسلم.

### الآية 5:111

> ﻿وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي قَالُوا آمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ [5:111]

قوله تعالى : وإذ أوحيت إلى الحواريين ، ألهمتهم، وقذفت في قلوبهم، وقال أبو عبيدة : يعني أمرت، و  إلى  صلة، و الحواريون  خواص أصحاب عيسى عليه السلام. 
قوله تعالى : أن آمنوا بي وبرسولي  عيسى. 
قوله تعالى : قالوا  حين وفقتهم. 
قوله تعالى : آمنا واشهد بأننا مسلمون .

### الآية 5:112

> ﻿إِذْ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ ۖ قَالَ اتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ [5:112]

قوله تعالى : آمنا واشهد بأنا مسلمون إذ قال الحواريون يا عيسى ابن مريم هل يستطيع ربك  قرأ الكسائي :( هل تستطيع ) بالتاء. 
( ربك ) بنصب الباء، وهو قراءة علي، وعائشة، وابن عباس ومجاهد، أي : هل تستطيع أن تدعو وتسأل ربك، وقرأ الآخرون :( يستطيع ) بالياء، و( ربك ) برفع الباء، ولم يقولوا شاكين في قدرة الله عز وجل، ولكن معناه : هل ينزل ربك أم لا ؟ كما يقول الرجل لصاحبه : هل تستطيع أن تنهض معي ؟ وهو يعلم أنه يستطيع، وإنما يريد هل يفعل ذلك أم لا ؟ وقيل : يستطيع بمعنى يطيع، يقال : أطاع، واستطاع، بمعنى واحد، كقوله : أجاب واستجاب، معناه : هل يعطيك ربك بإباحة سؤالك ؟ وفي الآثار : من أطاع الله أطاعه الله، وأجرى بعضهم على الظاهر، فقالوا : غلط القوم، وقالوا قبل استحكام المعرفة، وكانوا بشرا، فقال لهم عيسى عليه السلام عند الغلط، استعظاماً لقولهم : اتقوا الله إن كنتم مؤمنين  أي : لا تشكوا في قدرته. 
قوله تعالى : أن ينزل علينا مائدة من السماء ، المائدة الخوان الذي عليه الطعام، وهي فاعلة، من : ماده يميده إذا أعطاه وأطعمه، كقوله ماره يميره، وامتار : افتعل منه، والمائدة هي الطعمة للآكلين، وسمي الطعام، أيضاً مائدة على الجواز، لأنه يؤكل على المائدة، وقال أهل الكوفة : سميت مائدة لأنها تميد بالآكلين، أي تميل. وقال أهل البصرة : فاعلة، بمعنى المفعولة، يعني ميد بالآكلين إليها، كقوله تعالى  عيشة راضية  أي : مرضية. 
قوله تعالى : قال ، عيسى عليه السلام مجيباً لهم : اتقوا الله إن كنتم مؤمنين ، فلا تشكوا في قدرته. 
وقيل : اتقوا الله أن تسألوه شيئاً لم يسأله الأمم قبلكم، فنهاهم عن اقتراح الآيات بعد الإيمان.

### الآية 5:113

> ﻿قَالُوا نُرِيدُ أَنْ نَأْكُلَ مِنْهَا وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنَا وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ الشَّاهِدِينَ [5:113]

قوله تعالى : قالوا نريد ، أي إنما سألنا لأنا نريد  أن نأكل منها ، أكل تبرك لا أكل حاجة. فنستيقن قدرته. 
قوله تعالى : وتطمئن ، وتسكن. 
قوله تعالى : قلوبنا ونعلم أن قد صدقتنا ، بأنك رسول الله، أي : نزداد إيماناً ويقيناً، وقيل : إن عيسى عليه السلام أمرهم أن يصوموا ثلاثين يوماً، فإذا أفطروا لا يسألون الله شيئاً إلا أعطاهم، ففعلوا وسألوا المائدة، وقالوا : ونعلم أن قد صدقتنا  في قولك، إنا إذا صمنا ثلاثين يوما‌ً لا نسأل الله تعالى شيئاً إلا أعطانا. 
قوله تعالى : ونكون عليها من الشاهدين  لله بالوحدانية والقدرة، ولك بالنبوة والرسالة، وقيل : ونكون من الشاهدين لك عند بني إسرائيل إذا رجعنا إليهم.

### الآية 5:114

> ﻿قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا أَنْزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ تَكُونُ لَنَا عِيدًا لِأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا وَآيَةً مِنْكَ ۖ وَارْزُقْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ [5:114]

قوله تعالى : قال عيسى ابن مريم . عند ذلك. 
قوله تعالى : اللهم ربنا أنزل علينا مائدةً من السماء ، وقيل : إنه اغتسل، ولبس المسح، وصلى ركعتين، وطأطأ رأسه، وغض بصره، وبكى، ثم قال : اللهم ربنا أنزل علينا مائدة من السماء. 
قوله تعالى : تكون لنا عيدا لأولنا وآخرنا ، أي : عائدة من الله علينا حجة، وبرهاناً، والعيد : يوم السرور، سمي به للعود من الترح إلى الفرح، وهو اسم لما اعتدته ويعود إليك، وسمي يوم الفطر والأضحى عيدا لأنهما يعودان في كل سنة، قال السدي : معناه : نتخذ اليوم الذي أنزلت فيه عيداً لأولنا، وآخرنا، أي : نعظمه نحن ومن بعدنا، وقال سفيان : نصلي فيه، قوله : لأولنا  أي : لأهل زماننا  وآخرنا ، أي : لمن يجيء بعدنا، وقال ابن عباس : يأكل منها آخر الناس كما أكل منها أولهم. 
قوله تعالى : وآية منك ، دلالة وحجة. 
قوله تعالى : وارزقنا وأنت خير الرازقين .

### الآية 5:115

> ﻿قَالَ اللَّهُ إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ ۖ فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لَا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ [5:115]

قال الله تعالى مجيباً لعيسى عليه السلام : إني منزلها عليكم ، يعني : المائدة، وقرأ أهل المدينة، وابن عامر، وعاصم، ( منزّلها ) بالتشديد، لأنها نزلت مرات، والتفعيل يدل على التكرير مرة بعد أخرى، وقرأ الآخرون بالتخفيف، لقوله : أنزل علينا . 
قوله تعالى : فمن يكفر بعد منكم ، أي : بعد نزول المائدة. 
قوله تعالى : فإني أعذبه عذابا ، أي جنس عذاب. 
قوله تعالى : لا أعذبه أحداً من العالمين ، يعني : عالمي زمانه، فجحدوا وكفروا بعد نزول المائدة، فمسخوا قردة وخنازير، قال عبد الله ابن عمر : إن اشد الناس عذاباً يوم القيامة المنافقون، ومن كفر من أصحاب المائدة، وآل فرعون. واختلف العلماء في المائدة، هل نزلت أم لا ؟ فقال مجاهد، والحسن : لم تنزل، لأن الله عز وجل لما أوعدهم على كفرهم بعد نزول المائدة خافوا أن يكفر بعضهم، فاستعفوا وقالوا : لا نريدها، فلم تنزل، وقوله : إني منزلها عليكم ، يعني : إن سألتم، والصحيح الذي عليه الأكثرون : أنها نزلت، لقوله تعالى : إني منزلها عليكم ، ولا خلاف في خبرها، لتواتر الأخبار فيها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، والصحابة، والتابعين. واختلفوا في صفتها، فروى خلاس بن عمرو، عن عمار بن ياسر، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : أنها نزلت خبزاً ولحماً‌، وقيل لهم : إنها مقيمة لكم ما لم تخونوا وتخبئوا، فما مضى يومهم حتى خانوا وخبأوا، فمسخوا قردة وخنازير. وقال ابن عباس رضي الله عنهما : إن عيسى عليه السلام قال لهم : صوموا ثلاثين يوما‌ً، ثم سلوا الله ما شئتم يعطكموه، فصاموا فلما فرغوا قالوا : يا عيسى، إنا لو عملنا لأحد فقضينا عمله لأطعمنا، وسألوا الله المائدة، فأقبلت الملائكة بمائدة يحملونها، عليها سبعة أرغفة، وسبعة أحوات، حتى وضعتها بين أيديهم، فأكل منها آخر الناس، كما أكل أولهم. قال كعب الأحبار : نزلت مائدة منكوسة، تطير بها الملائكة بين السماء والأرض. عليها كل الطعام إلا اللحم. وقال سعيد بن جبير، عن ابن عباس : أنزل على المائدة كل شيء إلا الخبز واللحم. قال قتادة : كان عليها ثمر من ثمار الجنة، وقال عطية العوفي : نزلت من السماء سمكة، فيها طعم كل شيء. وقال الكلبي : كان عليها خبز ورز، وبقل. وقال وهب بن منبه : أنزل الله أقرصة من شعير، وحيتاناً، وكان قوم يأكلون ثم يخرجون، ويجيء آخرون فيأكلون، حتى أكلوا جميعهم وفضل. وعن الكلبي ومقاتل : أنزل الله خبزاً وسمكاً، وخمسة أرغفة، فأكلوا ما شاء الله تعالى، والناس ألف ونيف، فلما رجعوا إلى قراهم، ونشروا الحديث، ضحك منهم من لم يشهد، قالوا : ويحكم إنما سحر أعينكم، فمن أراد الله به الخير ثبته على بصيرته، ومن أراد فتنته رجع إلى كفره، ومسخوا خنازير ليس فيهم صبي، ولا امرأة، فمكثوا بذلك ثلاثة أيام، ثم هلكوا، ولم يتوالدوا، ولم يأكلوا، ولم يشربوا، وكذلك كل ممسوخ. وقال قتادة : كانت تنزل عليهم بكرة وعشياً حيث كانت كالمن والسلوى لبني إسرائيل، وقال عطاء بن أبي رباح عن سلمان الفارسي : لما سأل الحواريون المائدة لبس عيسى عليه السلام صوفاً وبكى، وقال : اللهم ربنا أنزل علينا مائدة من السماء  الآية. فنزلت سفرة حمراء بين غمامتين، غمامة من فوقها وغمامة من تحتها، وهم ينظرون إليها، وهي تهوي خافضة، حتى سقطت بين أيديهم، فبكى عيسى، وقال : اللهم اجعلني من الشاكرين، اللهم اجعلها رحمة، ولا تجعلها عقوبة، واليهود ينظرون إلى شيء لم يروا مثله قط، ولم يجدوا ريحاً أطيب من ريحه، فقال عيسى عليه السلام : ليقم أحسنكم عملاً، فيكشف عنها، ويذكر اسم الله تعالى، فقال شمعون الصفار رأس الحواريين : أنت أولى بذلك منا، فقام عيسى عليه السلام فتوضأ، وصلى صلاة طويلة، وبكى كثيراً، ثم كشف المنديل عنها، وقال : بسم الله خير الرازقين، فإذا هو سمكة مشوية، ليس عليها فلوسها، ولا شوك عليها، تسيل من الدسم، وعند رأسها ملح، وعند ذنبها خل، وحولها من ألوان البقول ما خلا الكراث، وإذا خمسة أرغفة على واحد زيتون، وعلى الثاني عسل، وعلى الثالث سمن، وعلى الرابع جبن، وعلى الخامس قديد. فقال شمعون : يا روح الله، أمن طعام الدنيا هذا أم من طعام الآخرة ؟ فقال : ليس شيء مم ترون من طعام الدنيا، ولا من طعام الآخرة، ولكنه شيء افتعله الله تعالى بالقدرة الغالبة، كلوا مما سألتم يمددكم ويزدكم من فضله، فقالوا : يا روح الله، كن أول من يأكل منها، فقال عيسى عليه السلام : معاذ الله أن آكل منها، ولكن يأكل منها من سألها، فخافوا أن يأكلوا منها، فدعا لها أهل الفاقة والمرضى، وأهل البرص والجذام، والمقعدين والمبتلين، فقال : كلوا من رزق الله، ولكم الهناء، ولغيركم البلاء، فأكلوا، وصدر عنها ألف وثلاثمائة رجل وامرأة من فقير، ومريض، وزمن، ومبتلى، كلهم شبعان، وإذا السمكة كهيئتها حين نزلت، ثم طارت المائدة صعداً وهم ينظرون إليها حتى توارت بالحجاب، فلم يأكل منها زمن، ولا مريض، ولا مبتلى، إلا عوفي، ولا فقير إلا استغنى، وندم من لم يأكل منها، فلبثت أربعين صباحاً تنزل ضحى، فإذا نزلت اجتمعت الأغنياء والفقراء، والصغار والكبار، والرجال والنساء، ولا تزال منصوبة يؤكل منها، حتى إذا فاء الفيء طارت صعدا وهم ينظرون إليها في ظلها، حتى توارت عنهم، وكانت تنزل غباً، تنزل يوماً ولا تنزل يوماً، كناقة ثمود، فأوحى الله تعالى إلى عيسى عليه السلام : اجعل مائدتي ورزقي للفقراء دون الأغنياء، فعظم ذلك على الأغنياء حتى شكوا وشككوا الناس فيها، وقالوا : أترون المائدة حقاً تنزل من السماء ؟ فأوحى الله تعالى إلى عيسى عليه السلام : إني شرطت أن من كفر بعد نزولها عذبته عذاباً لا أعذبه أحداً من العالمين، فقال عيسى عليه السلام : أن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم  فمسخ منهم ثلاثمائة وثلاثة وثلاثون رجلا، باتوا من ليلتهم على فرشهم مع نسائهم فأصبحوا خنازير يسعون في الطرقات والكناسات، ويأكلون القذرة في الحشوش، فلما رأى الناس ذلك فزعوا إلى عيسى عليه السلام وبكوا، فلما أبصرت الخنازير عيسى عليه السلام بكت، وجعلت تطيف بعيسى عليه السلام، وجعل عيسى يدعوهم بأسمائهم فيشيرون برؤوسهم ويبكون، ولا يقدرون على الكلام، فعاشوا ثلاثة أيام ثم هلكوا.

### الآية 5:116

> ﻿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَٰهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ ۖ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ ۚ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ ۚ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ ۚ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ [5:116]

قوله تعالى : وإذ قال الله يا عيسى ابن مريم أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله ، واختلفوا في أن هذا القول متى يكون، فقال السدي : قال الله تعالى القول لعيسى عليه السلام حين رفعه إلى السماء لأن حرف ( إذ ) يكون للماضي. وقال سائر المفسرين : إنما يقول الله له هذا القول يوم القيامة بدليل قوله من قبل : يوم يجمع الله الرسل  \[ المائدة : ١٠٩ \]. وقال من بعد : هذا يوم ينفع الصادقين صدقهم  \[ المائدة : ١١٩ \]، وأراد بهما يوم القيامة، وقد تجيء إذ بمعنى إذا، كقوله عز وجل : ولو ترى إذ فزعوا  أي : إذا فزعوا يوم القيامة، والقيامة وإن لم تكن بعد ولكنها كالكائنة، لأنها آتية لا محالة. قوله : أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله  فإن قيل : فما وجه هذا السؤال مع علم الله عز وجل أن عيسى لم يقله ؟ قيل : هذا السؤال عنه لتوبيخ قومه، وتعظيم أمر هذه المقالة، كما يقول القائل لآخر : أفعلت كذا وكذا ؟ فيما يعلم أنه لم يفعله، إعلاماً واستعظاماً، لا استخباراً واستفهاماً. وأيضاً : أراد الله عز وجل أن يقر عيسى عليه السلام عن نفسه بالعبودية، فيسمع قومه منه، ويظهر كذبهم عليه، أنه أمرهم بذلك، قال أبو روق : إذا سمع عيسى عليه السلام هذا الخطاب أرعدت مفاصله، وانفجرت من أصل كل شعرة في جسده عين من دم، ثم يقول مجيبا لله عز وجل : قال سبحانك ، تنزيهاً وتعظيماً لك. 
قوله تعالى : ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحق إن كنت قلته فقد علمته تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك ، قال ابن عباس : تعلم ما في غيبي ولا أعلم ما في غيبك، وقيل : تعلم سري ولا أعلم سرك، وقال أبو روق : تعلم ما كان مني في دار الدنيا ولا أعلم ما يكون منك في الآخرة، وقال الزجاج : النفس عبارة عن جملة الشيء وحقيقته، يقول : تعلم جميع ما أعلم من حقيقة أمري، ولا أعلم حقيقة أمرك. 
قوله تعالى : إنك أنت علام الغيوب ، ما كان وما يكون.

### الآية 5:117

> ﻿مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ ۚ وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ ۖ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ ۚ وَأَنْتَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ [5:117]

قوله تعالى : ما قلت لهم إلا ما أمرتني به أن اعبدوا الله ربي وربكم ، وحدوه ولا تشركوا به شيئاً. 
قوله تعالى : وكنت عليهم شهيداً ما دمت ، أقمت. 
قوله تعالى : فيهم فلما توفيتني ، قبضتني، ورفعتني إليك. 
قوله تعالى : كنت أنت الرقيب عليهم  الحفيظ عليهم، تحفظ أعمالهم. 
قوله تعالى : وأنت على كل شيء شهيد .

### الآية 5:118

> ﻿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ ۖ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ [5:118]

قوله تعالى : وأنت على كل شيء شهيد إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم ، فإن قيل : كيف طلب المغفرة لهم وهم كفار ؟ وكيف قال : وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم  وهذا لا يليق بسؤال المغفرة ؟ قيل : أما الأول فمعناه : إن تعذبهم بإقامتهم على كفرهم، وإن تغفر لهم بعد الإيمان، وهذا يستقيم على قول السدي : إن هذا السؤال قبل يوم القيامة، لأن الإيمان لا ينفع في القيامة. وقيل : هذا في فريقين منهم، معناه : إن تعذب من كفر منهم، وإن تغفر لمن آمن منهم. وقيل : ليس هذا على وجه طلب المغفرة، ولو كان كذلك لقال : أنت الغفور الرحيم، ولكنه على تسليم الأمر، وتفويضه إلى مراده. 
وأما السؤال الثاني : فكان ابن مسعود رضي الله عنه يقرأ  وإن تغفر لهم فإنك أنت الغفور الرحيم ، وكذلك هو في مصحفه، وأما على القراءة المعروفة قيل : فيه تقديم وتأخير تقديره : إن تغفر لهم فإنهم عبادك، وإن تعذبهم فإنك أنت العزيز الحكيم. وقيل معناه : إن تعذبهم فإنهم عبادك، وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز، في الملك، الحكيم في القضاء، لا ينقص من عزك شيء، ولا يخرج من حكمك، ويدخل في حكمته ومغفرته، وسعة رحمته ومغفرته الكفار، لكنه أخبر أنه لا يغفر وهو لا يخلف خبره. أخبرنا إسماعيل بن عبد القاهر، أنا عبد الغافر بن محمد الفارسي، ثنا محمد بن عيسى الجلودي، حدثنا إبراهيم بن محمد بن سفيان، حدثنا مسلم ابن الحجاج، حدثني يونس بن عبد الأعلى الصيرفي، حدثنا ابن وهب، أخبرني عمر بن الحارث، أن بكر بن سوادة حدثه عن عبد الرحمن بن جبير، عن عبد الله بن عمرو بن العاص أن النبي صلى الله عليه وسلم تلا قول الله تعالى في إبراهيم : رب إنهن أضللن كثيراً من الناس فمن تبعني فإنه مني ، الآية. وقول عيسى عليه السلام : إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم  فرفع يديه وقال : اللهم أمتي، وبكى، فقال الله : يا جبريل اذهب إلى محمد، -وربك أعلم- فسله، ما يبكيه ؟ فأتاه جبريل، فسأله، فأخبره رسول الله صلى الله عليه وسلم بما قال : فقال الله تعالى : يا جبريل اذهب إلى محمد فقل : إنا سنرضيك في أمتك، ولا نسوءك.

### الآية 5:119

> ﻿قَالَ اللَّهُ هَٰذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ ۚ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ۚ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ۚ ذَٰلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ [5:119]

قوله تعالى : قال الله هذا يوم ينفع الصادقين صدقهم ، قرأ نافع  يوم  بنصب الميم، يعني : تكون هذه الأشياء في يوم، فحذف ( في ) فانتصب، وقرأ الآخرون بالرفع على أنه خبر  هذا  أي : ينفع الصادقين في الدنيا صدقهم في الآخرة، ولو كذبوا ختم الله على أفواههم، ونطقت به جوارحهم، فافتضحوا، وقيل : أراد بالصادقين النبيين، وقال الكلبي : ينفع المؤمنين إيمانهم، قال قتادة : متكلمان لا يخطئان يوم القيامة، عيسى عليه السلام، وهو ما قص الله عز وجل، وعدو الله إبليس، وهو قوله : وقال الشيطان لما قضي الأمر ، الآية. فصدق عدو الله يومئذ، وكان قبل ذلك كاذباً فلم ينفعه صدقه، وأما عيسى عليه السلام فكان صادقاً في الدنيا والآخرة، فنفعه صدقه. وقال بعضهم : هذا يوم من أيام الدنيا، لأن الدار الآخرة دار جزاء. لا دار عمل، ثم بين ثوابهم فقال : لهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبداً رضي الله عنهم ورضوا عنه ذلك الفوز العظيم .

### الآية 5:120

> ﻿لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا فِيهِنَّ ۚ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [5:120]

ثم عظم نفسه فقال : لله ملك السموات والأرض وما فيهن وهو على كل شيء قدير .

## روابط ذات صلة

- [النص القرآني للسورة](https://quranpedia.net/surah/1/5.md)
- [كل تفاسير سورة المائدة
](https://quranpedia.net/surah-tafsir/5.md)
- [ترجمات سورة المائدة
](https://quranpedia.net/translations/5.md)
- [صفحة الكتاب: معالم التنزيل](https://quranpedia.net/book/2.md)
- [المؤلف: البغوي](https://quranpedia.net/person/13668.md)

---

زُر [Quranpedia.net](https://quranpedia.net/surah/1/5/book/2) — موسوعة القرآن الكريم: التفاسير، الترجمات، التلاوات، والمواضيع.
