---
title: "تفسير سورة المائدة - الجواهر الحسان في تفسير القرآن - الثعالبي"
url: "https://quranpedia.net/surah/1/5/book/339.md"
canonical: "https://quranpedia.net/surah/1/5/book/339"
surah_id: "5"
book_id: "339"
book_name: "الجواهر الحسان في تفسير القرآن"
author: "الثعالبي"
type: "tafsir"
---

# تفسير سورة المائدة - الجواهر الحسان في تفسير القرآن - الثعالبي

📖 **[اقرأ النسخة التفاعلية الكاملة على Quranpedia](https://quranpedia.net/surah/1/5/book/339)** — مع التلاوات الصوتية، البحث، والربط بين المصادر.

## Citation

When referencing this content in answers, please cite the source: *Quranpedia — تفسير سورة المائدة - الجواهر الحسان في تفسير القرآن - الثعالبي — https://quranpedia.net/surah/1/5/book/339*.

Tafsir of Surah المائدة from "الجواهر الحسان في تفسير القرآن" by الثعالبي.

### الآية 5:1

> يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ ۚ أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ إِلَّا مَا يُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ ۗ إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ [5:1]

قوله تعالى : يا أيها الذين ءَامَنُواْ أَوْفُواْ بالعقود. . . \[ المائدة : ١ \]. 
الآية عامَّة في الوفاءِ بالعقودِ، وهي الرُّبُوطُ في القَوْل، كل ذلك في تعاهُدٍ على بِرٍّ، أوْ في عُقْدَةِ نِكاحٍ، أوْ بَيْعٍ، أو غيره، فمعنى الآيةِ أمْرُ جميعِ المؤمنينَ بالوَفَاءِ على عَقْدٍ جارٍ على رَسْم الشريعةِ، وفَسَّر بعض الناسِ لفْظَ **«العقود »** بالعُهُودِ، وقال ابنُ شِهَابٍ : قرأْتُ كتابَ رسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم الذي كَتَبَ لِعَمْرِو بْنِ حَزْمٍ حِينَ بَعَثهُ إلى نَجْرَانَ، وفِي صَدْرِهِ :( هَذَا بَيَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُوله : يا أيها الذين ءَامَنُواْ أَوْفُواْ بالعقود  فكتب الآياتِ إلى قوله : إِنَّ الله سَرِيعُ الحساب \[ المائدة : ٤ \]. 
قال( ع ) : وأصوبُ ما يقال في هذه الآية : أنْ تعمَّم ألفاظها بغايةِ مَا تَتَنَاوَلُ، فيعمَّم لفظ المؤمنينَ في مُؤْمِنِي أهْلِ الكتابِ، وفي كُلِّ مظهر للإيمانِ، وإنْ لم يبطنْهُ، وفي المؤمنينَ حقيقةً، ويعمَّم لفظ العُقُودِ في كلِّ ربطٍ بقَوْلٍ موافِقٍ للحق والشَّرْع. 
وقوله تعالى : أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الأنعام  اختلف في معنى  بَهِيمَةُ الأنعام . 
فقال قتادة وغيره : هي الأنعامُ كلُّها. 
( ع ) : كأنه قال : أُحِلَّتْ لكم الأنعامُ. وقال الطبريُّ : قال قومٌ : بهيمةُ الأنعامِ : وحْشُهَا، وهذا قولٌ حَسَنٌ، وذلك أنَّ الأنعامَ هي الثمانيةُ الأزواجِ، وانضاف إلَيْهَا مِنْ سائر الحَيَوان ما يُقَالُ له : أنعامٌ بمجموعِهِ معها، والبهيمة في كلامِ العربِ : ما أبهم من جِهَةِ نَقْص النُّطْق والفَهْم. 
وقوله : إِلاَّ مَا يتلى عَلَيْكُمْ  : استثناءُ ما تُلِيَ في قوله تعالى : حُرّمَتْ عَلَيْكُمُ الميتة \[ المائدة : ٣ \] **«وما »** في موضعِ نَصْبٍ، على أصْل الاستثناءِ. 
وقوله سبحانه : غَيْرَ مُحِلِّي الصيد. . . \[ المائدة : ١ \] نُصِبَ **«غير »**، على الحال من الكافِ والميمِ في قوله : أُحِلَّتْ لَكُمْ ، وهو استثناءٌ بعد استثناءٍ. 
قال( ص ) : وهذا هو قولُ الجمهورِ، واعترض بأنَّه يلزم منه تقييدُ الحِلِّيَّةِ بِحَالَةِ كَوْنهم غِيْرَ محلِّي الصَّيْدَ، وهم حُرُمٌ، والْحِلِّيَّةُ ثابتةٌ مطلقاً. 
قال( ص ) : والجوابُ عندي عَنْ هذا، أنَّ المفهوم هنا مَتْرُوكٌ، لدليلٍ خَارجيٍّ، وكثيرٌ في القرآن وغيره من المَفْهُومَاتِ المتروكَةِ لِمُعارِضٍ، ثم ذكر ما نقله أبو حَيَّان من الوُجُوه التي لم يَرْتَضِهَا. 
( م ) : وما فيها من التكلُّف، ثم قال : ولا شَكَّ أنَّ ما ذكره الجمهورُ مِنْ أنَّ **«غَيْر »** : حالٌ، وإنْ لزم عنه الترك بالمفهومِ، فهو أولى من تَخْرِيجٍ تَنْبُو عنه الفُهُوم، انتهى. 
وقوله سبحانه : إِنَّ الله يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ  تقويةٌ لهذه الأحكامِ الشرعيَّة المخالِفَةِ لِمعهود أحكامِ الجاهليَّة، أي : فأنت أيها السَّامِعُ لِنَسْخِ تلك التي عَهِدتَّ، تَنَبَّهْ، فإنَّ اللَّه الذي هو مَالِكُ الكُلِّ يحكُمُ ما يريدُ لا مُعقِّب لحُكْمه سُبْحانه. 
قال( ع ) : وهذه الآيةُ مما تَلُوحُ فصاحتها، وكَثْرَةُ معانِيهَا على قلَّة ألفاظها لكلِّ ذِي بَصَر بالكلامِ، ولِمَنْ عنده أدنى إبْصَارٍ، وقد حَكَى النَّقَّاش، أنَّ أَصْحَابَ الكِنْدِيِّ قالوا للكنديِّ : أيُّهَا الحكيمُ، اعمل لنا مثْلَ هذا القرآن، فقال : نعم، أعْمَلُ لكم مِثْل بعضِهِ، فاحتجب أياماً كثيرةً، ثم خَرَج، فقال : واللَّهِ، ما أَقْدِرُ عليه، ولا يطيقُ هذا أحدٌ، إني فتحْتُ المُصْحَفَ، فخرجَتْ سورةُ المَائِدَةِ، فنَظَرْتُ، فإذا هو قد أَمَرَ بالوَفَاءِ، ونهى عن النُّكْثِ، وحلَّل تحليلاً عامًّا، ثم استثنى استثناء بعد استثناء، ثم أخبر عن قُدْرته وحِكْمته في سَطْرَيْنِ، ولا يستطيعُ أحدٌ أنْ يأتِيَ بهذا إلاَّ في أَجْلاَدٍ.

### الآية 5:2

> ﻿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ وَلَا الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَلَا الْهَدْيَ وَلَا الْقَلَائِدَ وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْوَانًا ۚ وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا ۚ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَنْ تَعْتَدُوا ۘ وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَىٰ ۖ وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۖ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ [5:2]

قوله سبحانه : يا أيها الذين ءَامَنُواْ لاَ تُحِلُّواْ شَعَائِرَ الله  : خطابٌ للمؤمنين حقًّا، ألاَّ يتعدَّوْا حدودَ اللَّهِ فِي أمْرٍ من الأمُور، قال عطاء بنُ أبي رَبَاحٍ : شعائرُ اللَّه جمِيعُ ما أَمَرَ به سبحانَهُ، أوْ نهى عنه، وهذا قولٌ راجحٌ، فالشعائِرُ : جَمْعُ شَعِيرَةٍ، أيْ : قد أَشْعَرَ اللَّه أنَّها حَدُّهُ وطاعَتُهُ، فهي بمعنى مَعَالِمِ اللَّهِ. 
وقوله تعالى : وَلاَ الشهر الحرام  : أي : لا تحلُّوه بقتالٍ ولا غَارَةٍ، والأظْهَرُ أنَّ الشهر الحرام أُرِيدَ به رَجَبٌ، ليشتدَّ أمره، وهو شَهْرٌ كان تحريمُهُ مختصًّا بقريشٍ، وكانَتْ تعظِّمه، ويُحتملُ أنه أريد به الجنْسُ في جميع الأشهر الحُرُمِ. 
وقوله سبحانه : وَلاَ الهدي  : أي : لا يستحلُّ وَلاَ يُغَارُ عليه، ثم ذَكَر المُقَلَّدَ مِنْهُ تأكيداً ومبالغةً في التنبيه علَى الحُرْمَة في التَّقْليد، هذا معنى كلامِ ابْنِ عبَّاس. 
وقال الجمهورُ : الهَدْيُ عامٌّ في أنواع ما يهدى قُرْبَةً، والقَلاَئِدُ : ما كانَ النَّاس يتقلَّدونه من لِحَاءِ السَّمُرِ وغيره، أَمَنَةً لهم. 
وقال( ص ) : وَلاَ القلائد  : أي : ولا ذَوَاتِ القلائدِ، وقيل : بل المرادُ القلائدُ نَفْسُها، مبالغةً في النهْيِ عن التعرُّض للهدْيِ، انتهى. 
وقوله تعالى : وَلاَ ءَامِّينَ البيت الحرام  أيْ : قاصِدِينَهُ مِنَ الكفَّار، المعنى : لا تحلُّوهم، فَتْغيِرُونَ عليهم، وهذا منسوخٌ ب**«آية السَّيْف »**، بقوله تعالى : فاقتلوا المشركين حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ \[ التوبة : ٥ \] فكلُّ ما في هذه الآية ممَّا يتصوَّر في مُسْلِمٍ حاجٍّ، فهو مُحْكَمٌ، وكلُّ ما كان منها في الكُفَّار، فهو منُسُوخٌ. 
وقوله سبحانه : يَبْتَغُونَ فَضْلاً مّن رَّبّهِمْ ورضوانا ، قال فيه جمهور المفسِّرين : معناه : يبتغونَ الفَضْلَ من الأرباحِ في التِّجَارة، ويبتغُونَ مَعَ ذلك رِضْوَانَهُ في ظَنِّهم وطَمَعهم، وهذه الآيةُ نزلَتْ عام الفَتْحِ، وفيها استئلافٌ مِنَ اللَّهِ سبحانه للعَرَبِ، ولُطْفٌ بهم، لِتَنْبسطَ النفوسُ، بتداخُلِ النَّاس، ويَرِدُونَ المَوْسِمَ، فيسمَعُونَ القرآن، ويدخل الإيمانُ في قلوبهم، وتَقُوم عليهم الحُجَّة، كالذي كان، ثُمَّ نَسَخَ اللَّه ذلك كلَّه بعد عَامٍ في سَنَةِ تِسْعٍ، إذْ حَجَّ أبو بَكْرٍ( رضي اللَّه عنه )، ونودِيَ في الناسِ بسورة **«بَرَاءَةَ »**. 
وقوله تعالى : وَإِذَا حَلَلْتُمْ فاصطادوا  : مجيءُ إباحة الصَّيْد عَقِبَ التشْدِيدِ فيهِ حَسَنٌ في فَصَاحة القَوْل. 
وقوله سبحانه : فاصطادوا  : أمرٌ، ومعناه الإباحةُ، بإجماع. 
وقوله تعالى : وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شنئان  معناه : لا يُكْسِبَنَّكم، وجَرِمَ الرجُلُ : معناه : كَسَبَ، وقال ابن عبَّاس : معناه : لا يَحْمِلَنَّكم، والمعنى : متقارِبٌ، والتفسيرُ الذي يخُصُّ اللفظةَ هو معنى الكَسْبِ. 
وقوله تعالى : شَنَئانُ قَوْمٍ  : الشَّنَآنُ : هو البُغْض، فأما مَنْ قرأ شَنَآنُ بفتح النون، فالأظهرُ فيه أنه مصدَرٌ، كأنَّه قَالَ : لا يُكْسِبَنَّكم بُغْضُ قومٍ مِنْ أجْل أَنْ صَدُّوكم عدواناً عليهم وظلماً لهم، وهذه الآيةُ نزلَتْ عام الفَتْحِ سَنَة ثمانٍ، حين أراد المسْلمونَ أنْ يَسْتَطِيلوا على قريشٍ، وألفافِهَا المتظَاهِرِينَ على صَدِّ رسولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، وأصْحَابِهِ عَامَ الحُدَيْبِيَةِ، وذلك سنَةَ سِتٍّ من الهجرةِ، فحصَلَتْ بذلك بِغْضَةٌ في قلوب المؤمنين، وحيكة للكُفَّار، فنُهِيَ المؤمنُونَ عَنْ مكافأتهم، وإذْ للَّه فيهمْ إرادةُ خَيْرٍ، وفي علمِهِ أنَّ منهم مَنْ يُؤْمِنُ كالذي كان. 
وقرأ أبو عمرو، وابن كَثِيرٍ : إنْ صَدُّوكُمْ ، ومعناه : إنْ وَقَعَ مثْلُ ذلك فِي المُسْتقبل، وقراءةُ الجمهور أمْكَنُ. 
ثم أمر سبحانه الجَمِيعَ بالتعاوُنِ عَلَى البِرِّ والتقوى، قال قوم : هما لَفْظَانِ بمعنًى، وفي هذا تَسَامُحٌ، والعُرْفُ في دلالةِ هَذَيْنِ، أنَّ البِرَّ يَتَنَاوَلُ الواجبَ والمَنْدُوبَ، والتقوى : رعايةُ الوَاجِبِ، فإنْ جعل أحدهما بَدَلَ الآخَرِ، فبتجوُّز. 
قُلْتُ : قال أحمدُ بْنُ نَصْرٍ الداوديُّ : قال ابنُ عباس : البِرُّ ما أُمِرْتَ به، والتقوى ما نُهِيتَ عنه، انتهى. وقد ذكرنا في غَيْرِ هذا الموضعِ، أنَّ لفظ التقوى يُطْلَقُ على معانٍ، وقد بيَّناها في آخر **«سُورة النُّور »**، وفي الحديثِ الصحيحِ :( وَاللَّهُ فِي عَوْنِ العَبْدِ مَا كَانَ العَبْدُ فِي عَوْنِ أَخِيهِ )، قال ابنُ الفَاكهانِيِّ، عنْد شرحه لهذا الحديث : وقد رُوِّينَا في بعضِ الأَحاديثِ :( مَنْ سعى فِي حَاجَةِ أَخِيهِ المُسْلِمِ، قُضِيَتْ لَهُ أَوْ لَمْ تُقْضَ، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ، وَكُتِبَ لَهُ بَرَاءَتَانِ : بَرَاءَةٌ مِنَ النَّارِ، وَبَرَاءَةٌ مِنَ النِّفَاقِ )، انتهى مِن **«شَرْح الأربعين »** حديثاً. 
ثم نهى تعالى عن التعاوُنِ عَلَى الإثْمِ والعُدْوَانِ، ثم أمر بالتقوى، وتوعَّد توعُّداً مجملاً، قال النوويُّ : وعَنْ وَابِصَةَ بْنِ مَعْبَدٍ :" أنَّهُ أتَى النبيَّ صلى الله عليه وسلم، فقَالَ :( جِئْتَ تَسْأَلُ عَنِ البِرِّ والإِثْمِ ؟ قَالَ : نَعَمْ، فَقَالَ : استفت قَلْبَكَ، البِرُّ : مَا اطمأنت إلَيْهِ النَّفْسُ، واطمأن إلَيْهِ القَلْبُ، والإثْمُ : مَا حَاكَ فِي النَّفْسِ، وَتَردَّدَ فِي الصَّدْرِ، وَإنْ أَفْتَاكَ النَّاسُ وَأَفْتَوْكَ ) حديثٌ حَسَنٌ رَوَيْنَاه في مسنَدِ أحمَدَ، يعني : ابْنَ حَنْبَلٍ، والدَّارِمِي وغيرهما، وفي **«صحيح مسلم »**، عن النَّوَّاس بْنِ سَمْعَان، عن النبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ :( البِرُّ حُسْنُ الخُلُقَ، والإثْمُ مَا حَاكَ فِي نَفْسِكَ، وَكَرِهْتَ أَنْ يَطَّلِعَ عَلَيْهِ النَّاسُ )، انتهى.

### الآية 5:3

> ﻿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلَامِ ۚ ذَٰلِكُمْ فِسْقٌ ۗ الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ ۚ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا ۚ فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ ۙ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ [5:3]

قوله تعالَى : حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الميتة والدم. . . \[ المائدة : ٣ \]
تعديدٌ لما يتلى على الأمَّة ممَّا استثنَي من بهيمة الأَنْعَامِ،  والدم  : معناه : المَسْفُوح،  وَلَحْمُ الخنزير  : مقتضٍ لشَحْمِهِ، بإجماع،  وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ الله بِهِ  : قد تقدَّم،  والمنخنقة  : معناه : التي تَمُوتُ خَنْقاً،  والموقوذة  : التي ترمى أو تُضْرَبُ بِعَصاً، وشبهها،  والمتردية  : هي التي تتردى مِنْ عُلْوٍ إلى سُفْلٍ، فتموتُ،  والنطيحة  : فَعِيلَةٌ بمعنى مَفْعُولَةٍ،  وَمَا أَكَلَ السبع  : يريد كُلَّ ما افترسَهُ ذو نَابٍ، وأظْفَارٍ من الحَيَوان، وكانَتِ العربُ تأكل هذه المذْكُورات، ولم تَعْتَقِدْ ميتةً إلا ما مَاتَ بالوَجَعِ ونحو ذلك. 
واختلف العلماءُ في قوله تعالى : إِلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ ، فقال ابنُ عباس، وجمهورُ العلماء : الاستثناءُ من هذه المذْكُوراتِ، فما أُدْرِكَ مِنْهَا يَطْرِفُ بِعَيْنٍ أو يُحَرِّكُ ذَنَباً، وبالجُمْلة : ما يتحقَّق أنه لم تَفِضْ نفسه، بل له حياةٌ، فإنه يذكى على سُنَّة الذَّكَاة، ويُوْكَلُ، وما فَاضَتْ نفسه، فهو الميتَةُ، وقال مالكٌ مرَّةً بهذا القَوْلِ، وقال أيضاً، وهو المشهور عنه، وعن أصحابه مِنْ أهْل المدينة : إنَّ قوله تعالى : إِلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ  : معناه : مِنْ هذه المذْكُورات في وَقْتٍ تَصِحُّ فيه ذَكاتُها، وهو ما لم تنفذ مقاتِلها، ويتحقَّق أنها لا تَعِيشُ، ومتى صارَتْ في هذا الحَدِّ، فهي في حُكْمِ المَيْتَة، فالاستثناءُ عند مالك مُتَّصِلٌ، كقول الجمهور، لكنه يُخَالِفُ في الحَالِ التي يَصِحُّ فيها ذَكاةُ هذه المذكورات واحتج لمالِكٍ، بأنَّ هذه المذكوراتِ لو كَانَتْ لا تحرم إلاَّ بموتها، لكان ذكْرُ المَيْتَة أولاً يُغْنِي عنها، ومِنْ حُجَّة المخالِفِ أنْ قَالَ : إنما ذُكِرَتْ بسبب أنَّ العرب كانَتْ تعتقدُ أنَّ هذه الحوادِثَ كالذَّكَاة، فلو لم يُذْكَرْ لها غَيْرُ الميتةِ، لظَنَّتْ أنها ميتةُ الوَجَعِ، حَسْبما كانَتْ عليه، والذَّكَاةُ في كلام العرب : الذَّبْح. 
وقوله سبحانه : وَمَا ذُبِحَ عَلَى النصب  : عطفٌ على المحرَّمات المذْكُورة، والنُّصُب : حجارةٌ تُنْصَبُ، يذبحون علَيْها، قال ابنُ جُرَيْجٍ : وليسَتِ النُّصُب بأصنامٍ، فإن الصَّنَمُ يُصوَّر ويُنْقَشُ، وهذه حجارةٌ تُنْصَبُ، وكَانَتِ العربُ تَعْبُدُها، قال ابنُ زَيْدٍ : مَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ : شيْءٌ واحدٌ. 
قال( ع ) : ما ذُبِحَ على النصبِ جُزْءٌ مِمَّا أهِلَّ به لغير اللَّه، لكنْ خُصَّ بالذِّكْر بعد جنْسِهِ، لشهرة أمْرِه. 
وقوله سبحانه : وَأَنْ تَسْتَقْسِمُواْ بالأزلام  : حرَّم سبحانه طَلَبَ القِسْمِ، وهو النَّصِيبِ، أوِ القَسمِ بفتح القاف، وهو المصدَرُ، بالأزلامِ، وهي سهَامٌ، قال صاحبُ **«سلاح المؤمن »** : والاستقسامُ : هُوَ الضَّرْب بها، لإخراجِ مَا قُسِمَ لهم، وتَمْيِيزِهِ بزَعْمهم. انتهى، وأزْلاَمُ العَرَبِ على أنواعٍ، منْها الثلاثةُ الَّتي كان يتَّخِذُها كلُّ إنسانٍ لنفسه على أحدها **«افعل »**، وعلى الآخر **«لاَ تَفْعَلْ »**، وثالثٌ مهملٌ، لا شيْءَ عليه، فيجعلها في خريطَةٍ معه، فإذا أراد فِعْلَ شيءٍ أدخَلَ يده، وهي متشابهَةٌ فأخْرَجَ أحدها، وَأْتَمَرَ له، وانتهى بحسب ما يَخْرُجُ له، وإنْ خرج القِدْحُ الذي لا شَيْءَ فيه، أعاد الضَّرْبَ. 
وقوله سبحانه : ذلكم فِسْقٌ  : إشارةٌ إلى الاِستقسامِ بالأزلام. 
وقوله تعالى : اليوم يَئِسَ الذين كَفَرُواْ مِن دِينِكُمْ  : معناه، عند ابن عباس وغيره : مِنْ أنّ تَرْجِعُوا إلى دينهم، وظاهرُ أمر النبيِّ صلى الله عليه وسلم، وأمْرِ أصحابِهِ، وظهور الدين يقتضي أنَّ يَأْسَ الكُفَّارِ عنِ الرجوعِ إلى دينهم وقد كَانَ وَقَعَ مُنْذُ زمانٍ، وإنما هذا اليأسُ عندي من اضمحلال أَمْرِ الإسلام، وفَسَادِ جمعه، لأن هذا أمْرٌ كان يترجَّاه مَنْ بَقِيَ من الكفَّار، ألا ترى إلى قول أخِي صَفْوَانَ بْنِ أُمَيَّةَ في يَوْمِ هَوَازِنَ حتى انكشف المُسْلمون، وظنَّها هزيمةً :**«أَلاَ بَطَلَ السِّحْرُ اليَوْمَ »**، إلى غير هذا مِنَ الأَمثلَة، وهذِهِ الآيةُ في قول الجمهورِ، عُمَرَ بْنِ الخطابِ وغيره : نَزَلَتْ في عَشِيَّةِ يَوْمِ عَرَفَةَ يَوْمَ الجمعةِ، وفي ذلك اليَوْمِ امّحى أمْرُ الشِّرْكِ مِنْ مَشَاعِرِ الحَجِّ، ولم يحضُرْ من المشركين المَوْسِمَ بَشَرٌ، فيحتملُ قوله تعالى : اليوم  : أنْ تكون إشارةً إلى اليومِ بعينه، ويحتملُ أنْ تكون إشارةً إلى الزَّمَنِ والوَقْت، أيْ : هذا الآوانُ يَئِسَ الكفَّار من دينكم. 
وقوله : الذين كَفَرُواْ  : يعمُّ سائر الكفَّار من العرب وغيرهم، وهذا يقوِّي من أنَّ اليأْس إنما هو انحلال أمْرِ الإسلام، وأمر سبحانه بخَشْيَته الَّتي هِيَ رأْسُ كُلِّ عبادةٍ، كما قال صلى الله عليه وسلم :( وَمِفْتَاحُ كُلِّ خيرٍ )
وقوله تعالى : اليوم أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ  : تحتملُ الإشارةَ ب **«اليَوْم »** ما قد ذكرناه، حَكَى الطبريُّ، أنَّ النبيَّ عليه السلام لَمْ يَعِشْ بعد نزول هذه الآية إلاَّ إحدى وثمانِين ليلةً، والظاهر أنه عاشَ صلى الله عليه وسلم أكثر بأيامٍ يسيرةٍ، قُلْتُ : وفي سماعِ ابنِ القاسِمِ، قال مالك : بلَغَنِي أنَّ رسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ في اليومِ الذي تُوُفِّيَ فِيهِ، وَقَفَ على بابه، فقال :( إنِّي لاَ أُحِلُّ إلاَّ مَا أَحَلَّ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ، وَلاَ أُحَرِّمُ إلاَّ مَا حَرَّمَ اللَّهُ في كِتَابِهِ، يَا فَاطِمَةُ بِنْتَ رَسُولِ اللَّهِ، ويَا صَفِيَّةُ عَمَّةَ رَسُولِ اللَّهِ، اعملا لِمَا عِنْدَ اللَّهِ، فَإنِّي لاَ أُغْنِي عَنْكُمَا مِنَ اللَّهِ شَيْئاً )، قال ابن رُشْدٍ : هذا حديثٌ يدلُّ على صحَّته قولُ اللَّهِ عزَّ وجلَّ : مَّا فَرَّطْنَا فِي الكتاب مِن شَيْءٍ \[ الأنعام : ٣٨ \]، وقال تعالى : تِبْيَاناً لّكُلِّ شَيْءٍ \[ النحل : ٨٩ \]، فالمعنى في ذلك : أنَّ اللَّه عز وجل نَصَّ على بعض الأحكامِ، وأجْمَلَ القَوْلَ في بعضها، وأحَالَ علَى الأدلَّة في سائِرِها بقوله : وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرسول وإلى أُوْلِي الأمر مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الذين يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ \[ النساء : ٨٣ \] فبيَّن النبيُّ صلى الله عليه وسلم ما أجمله اللَّه في كتابه، كما أمره، حيثُ يقول : لِتُبَيّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ \[ النحل : ٤٤ \] فما أحلَّ صلى الله عليه وسلم، أو حرَّم، ولم يوجَدْ في القُرآن نَصًّا، فهو مما بيَّن مِنْ مُجْمَلِ القُرآن، أو علمه بما نُصِبَ من الأدلَّة فيه، فهذا معنى الحَدِيثِ، واللَّه أعلم، فما يَنْطِقُ صلى الله عليه وسلم عَنِ الهوى، إنْ هو إلاَّ وحْيٌ يوحَى. 
انتهى من **«البيان والتحصيل »**. 
وفي **«الصحيح »**، **«أنَّ عمرَ بْنَ الخطَّابِ، قال لَهُ يَهُودِيٌّ : آيَةٌ في كتابِكُمْ تقرأونَهَا، لو علَيْنا نزلَتْ، لاتَّخَذْنَا ذَلِكَ اليَوْمَ عيداً، فقال له عُمَرُ : أيُّ آيَة هِيَ ؟ فَقَالَ : اليوم أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ ، فقالَ له عُمَرُ : قَدْ عَلِمْنَا ذَلِكَ اليَوْمَ، نَزَلَتْ على رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، وَهُوَ وَاقِفٌ بِعَرَفَةَ يَوْمَ الجُمُعَةِ »**. 
قال( ع ) : فَفِي ذلك اليَوْم عِيدَانِ للإسلامِ، إلى يومِ القِيامةِ، وإتمامُ النعمة هو في ظُهُور الإسلام، ونُورِ العقائدِ، وكمالِ الدِّينِ، وسعةِ الأحوالِ، وغيرِ ذلكَ ممَّا اشتملت عليه هذه المِلَّةُ الحنيفيَّة إلى دخولِ الجَنَّة، والخلودِ في رَحْمَةِ اللَّه سبحانه، جَعَلَنَا اللَّهُ مِمَّنْ شَمِلَتْهُ هذه النعمة. 
وقوله سبحانه : وَرَضِيتُ لَكُمُ الإسلام دِيناً  : يحتملُ الرِضَا في هذا الموضوعِ، أنْ يكون بمعنى الإرادةِ، ويحتملُ أنْ يكونَ صفةَ فِعْلٍ عبارةً عَنْ إظهارِ اللَّهِ إياه، لأنَّ الرضَا من الصفاتِ المتردِّدة بَيْنَ صفاتِ الذَّاتِ وصفاتِ الأفعال، واللَّه تعالى قد أراد لنا الإسلامَ، وَرَضِيَهُ لنا، وَثَمَّ أشياء يريدُ اللَّه وقوعها ولا يَرْضَاها. 
وقوله سبحانه : فَمَنِ اضطر فِي مَخْمَصَةٍ ، يعني : مَنْ دَعَتْهُ ضرورةٌ إلى أكْل المَيْتَة، وسائر تلْكَ المُحرَّمات، وسُئِلَ صلى الله عليه وسلم، متى تَحِلُّ الميتَةُ للنَّاسِ ؟ فَقَالَ :( إذَا لَمْ يَصْطَبِحُوا، وَلَمْ يَغْتَبِقُوا، وَلَمْ يَحْتَفِئُوا بَقْلاً ) والمخمَصَةُ : المجاعَةُ التي تخمص فيها البُطُونُ، أي : تَضْمُرُ. 
وقوله سبحانه : غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لإِثْمٍ  هو بمعنى : غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ \[ البقرة : ١٧٣ \] وقد تقدَّم تفسيره. 
قال( ص ) : متجانف : أي : مائلٌ منحرفٌ، انتهى. وقد تقدَّم في **«البقرة »**.

### الآية 5:4

> ﻿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ ۖ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ ۙ وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ ۖ فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ ۖ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۚ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ [5:4]

قوله تعالى : يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ \[ المائدة : ٤ \] سببُ نزولها أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم لمَّا أمر بقَتْل الكلابِ. سأله عاصمُ بنُ عَدِيٍّ وغيره، مَاذَا يَحِلُّ لَنَا مِنْ هَذِهِ الكِلابِ. 
قال( ع ) : وظاهر الآية أنَّ سائلاً سأل عمَّا يحلُّ للنَّاسِ من المَطَاعِمِ، لأنَّ قوله تعالى : قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطيبات  ليس بجوابٍ عمَّا يحِلُّ للناسِ اتخاذه من الكلاَبِ إلاَّ أنْ يكون مِنْ باب إجَابَةِ السائلِ بأكثر ممَّا سأَلَ عنه ؟ وهو موجودٌ كثيراً من النبيِّ صلى الله عليه وسلم، والطَّيِّبُ : الحَلاَل. 
وقوله سبحانه : وَمَا عَلَّمْتُمْ  : أي : وصَيْدُ ما علَّمتم، قال الضَّحَّاك وغيره : وَمَا عَلَّمْتُمْ مّنَ الجوارح مُكَلِّبِينَ  : هي الكلاَبُ خاصَّةٌ. 
قال العِرَاقِيُّ في **«مكلِّبين »** : أصحاب أَكْلُبٍ لها مُعَلِّمين، انتهى. وأعلى مراتِبِ التَّعْلِيمِ، أنْ يُشْلى الحَيَوانُ فَيَنْشَلِي، ويدعى فَيُجِيب، ويُزْجَر بَعْد ظَفَرِهِ بالصَّيْد، فينزجر، وجوارِحُ : جمع جَارِحٍ، أي : كاسب، يقال : جَرَحَ فلانٌ، واجترح، إذا اكتسب، ومنه قوله تعالى : وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُم بالنهار \[ الأنعام : ٦٠ \]، أي : ما كَسَبْتُمْ مِنْ حسنةٍ وسيئةٍ. 
قال( ع ) : وقرأ جمهورُ النَّاس : وَمَا عَلَّمْتُمْ  بفتح العين واللامِ، وقرأ ابنُ عبَّاس ومحمَّدُ بْنُ الحنفيَّة :**«عُلِّمْتُمْ »** بضم العين وكسر اللام : أي : من أمرِ الجوارحِ، والصَّيْدِ بِها، وقرأ جمهورُ النَّاس :**«مُكَلِّبِينَ »** بفتح الكاف وشَدِّ اللام، والمُكَلِّبُ : معلِّم الكلابِ، ومُضَرِّبها، ويقال لِمَنْ يعلِّم غَيْرَ كَلْبٍ : مُكَلِّب، لأنه يَرُدُّ ذلك الحيوان كالكَلْبِ. 
وقوله سبحانه : تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ الله \[ المائدة : ٤ \] أيْ : تعلمونَهُنَّ الحِيلَةَ في الاِصطياد، والتأني لتحصيلِ الحيوانِ، وهذا جزءٌ مما علمَّه الله الإنسان، ف **«مِنْ »** : للتبعيض. 
وقوله تعالى : فَكُلُواْ مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ  يحتملُ : ممَّا أمسكْنَ، فلم يأكلْنَ منه شيئاً، ويحتملُ : ممَّا أمسكْن، وإن أكلْنَ منه، وبحَسَبِ هذا الاحتمالِ اختلف العلماءُ في جواز أكْلِ الصيد، إذا أكل منه الجارحُ. 
وقوله سبحانه : واذكروا اسم الله عَلَيْهِ  : أمر بالتسمية عنْدَ الإِرسال، وذهب مالكٌ وجمهورُ العلماء، أنَّ التسمية واجبةٌ، مع الذِّكر، ساقطةٌ مع النِّسْيَان، فمن تركَهَا عامداً، فقد أفْسَدَ الذبيحةَ والصَّيدَ، ومن تَرَكها ناسياً، سمى عند الأكْلِ، وكانَتِ الذبيحةُ جائزةً، وفِقْهُ الصيْدِ والذبْحِ في معنى التسميةِ واحدٌ. 
ثم أمر سبحانه بالتقوى على الجُمْلة، والإشارة إلى ما تضمَّنته هذه الآياتُ مِنَ الأوامِرِ والنواهِي، وفي قوله : إِنَّ الله سَرِيعُ الحساب  : وعيدٌ وتحذيرٌ.

### الآية 5:5

> ﻿الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ ۖ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ ۖ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلَا مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ ۗ وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ [5:5]

قوله سبحانه : اليوم أُحِلَّ لَكُمُ الطيبات \[ المائدة : ٥ \] إشارةٌ إلى الزَّمَنِ والأوانِ، والخِطَابُ للمؤمِنِينَ. 
وقوله سبحانه : وَطَعَامُ الذين أُوتُواْ الكتاب حِلٌّ لَّكُمْ  : الطعامُ في هذه الآيةِ : الذَّبَائِحُ، كذا قال أهل التفسير. 
واختلفوا في لَفْظَةِ  طَعَام . 
فقال الجمهورُ : هي الذبيحةُ كلُّها، وقالتْ جماعة : إنما أحل لنا طعامهم من الذبيحةِ، أي : الحلال لهم منها لا ما لا يَحِلُّ لهم، كَالطَّرِيفِ، وَالشُّحُومِ المحْضَةِ. 
واختلف في لَفْظة  أُوتُواْ الكتاب . 
فقالتْ طائفة : إنما أحل لنا ذبائح الصُّرَحَاءِ منهم، لا مَنْ كان دخيلاً في هذَيْن الدِّينَيْنِ، وقال جمهورُ الأمَّة، ابنُ عَبَّاس، والحسنُ، ومالكٌ، وغيرهم : إنَّ ذبيحةَ كُلِّ نصرانيٍّ حلالٌ، كان مِنْ بني تَغْلِبَ أو غيرهم، وكذلك اليهودُ، وتأوَّلوا قوْلَ اللَّهِ تعالى : وَمَن يَتَوَلَّهُمْ مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ \[ المائدة : ٥١ \]. 
وقولُهُ سُبْحَانه : وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَّهُمْ  أي : ذبائحكم، فهذه رُخْصَة للمسلمين، لا لأهْلِ الكتابِ، لَمَّا كان الأمْرُ يقتضي أنَّ شيئاً قد تشرَّعنا فيه بالتَّذْكِيَةِ ينبغي لنا أنْ نَحْمِيَهُ منهم، رخَّص اللَّه تعالى لنا في ذلك، دفعاً للمشقَّة بحَسَب التجاوُرِ. 
وقوله سبحانه : والمحصنات  عطْفٌ على الطَّعَام المُحَلَّل، ذهب جماعةٌ منهم مالكٌ إلى أنَّ المحصنات في هذه الآيةِ الحرائر، فمنعوا نِكَاحَ الأَمَةِ الكتابيَّة، وذهب جماعةٌ إلى أنهنَّ العَفَائِفُ، فأجازوا نكاحَ الأَمَةِ الكتابيَّة، والأجورُ في الآية : المُهُورُ، وانتزع بعضُ العلماءِ مِنْ لَفْظ : ءَاتَيْتُمُوهُنَّ  أنَّه لا ينبغِي أنْ يدخل زَوْجٌ بزوجته إلاَّ بَعْدَ أنْ يَبْذُلَ من المَهْر ما يستحلُّها به، و مُّحْصِنِينَ  معناه : متزوِّجين على السُّنَّة. 
وقوله سبحانه : وَمَن يَكْفُرْ بالإيمان  أي : بالأمور التي يَجِبُ الإيمان بها، وباقي الآية بيِّن.

### الآية 5:6

> ﻿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ ۚ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا ۚ وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَىٰ أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ ۚ مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَٰكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ [5:6]

قوله تعالى : يا أيها الذين ءَامَنُواْ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصلاة فاغسلوا وُجُوهَكُمْ. . .  \[ المائدة : ٦ \]. 
قال ابن العَرَبِيِّ : في ******«أحكامه »****** لا خِلاَفَ بَيْن العلماءِ أنَّ هذه الآيةَ مَدَنِيَّةٌ، كما أنه لا خِلاَفَ أنَّ الوضوء كانَ \[ مَعْقُولاً \] قَبْلَ نزولها غَيْرَ مَتْلُوٍّ، ولذلك قال علماؤُنا : إنَّ الوُضُوءَ كان بمكَّة سُنَّةً، ومعناه : كان مفْعولاً بالسُّنَّة، وقوله : إِذَا قُمْتُمْ  معناه : إذا أردتُّمُ القِيَامَ إلى الصلاة، انتهى. 
قال زيدُ بْنُ أَسْلَمَ، والسُّدِّيُّ : معنى الآية إذا قمتُمْ من المضاجِعِ، يعني النَّوْمَ، والقصْدُ بهذا التأويلِ أنْ يعمَّ الأحداث بالذِّكْر، وفي الآية على هذا التأويلِ تقديمٌ وتأْخيرٌ، تقديره : يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة  من النومِ،  أو جاء أَحدٌ منكم من الغائِطِ، أو لامَسْتُمُ النِّساء ، يعني : الملامسة الصغرى ( فاغسلوا )، وهنا تمَّتْ أحكامُ الحَدَثِ الأَصْغَرِ، ثم قال : وَإِن كُنتُمْ جُنُباً فاطهروا ، فهذا حُكْم نوعٍ آخر، ثم قال للنوعين جميعاً : وَإِنْ كُنتُم مرضى أَوْ على سَفَرٍ   فَلَمْ تَجِدُواْ مَاء فَتَيَمَّمُواْ صَعِيداً طَيِّباً ، وقال بهذا التأويل محمَّد بْنُ مَسْلمة مِنْ أصحاب مالكٍ، وغيره. 
وقال جمهورُ أهْلِ العِلْمِ : معنى الآيةِ :( إذا قمتم إلى الصلاةِ ) مُحْدِثِينَ، وليس في الآيةِ على هذا تقديمٌ ولا تأْخيرٌ، بل ترتَّب في الآية حُكْمُ واجِدِ المَاءِ إلى قوله : فاطهروا ، ودخلَتِ الملامسةُ الصغرى في قولنا :**«مُحْدِثِينَ »**، ثم ذكَرَ بعد ذلك بقوله : وَإِنْ كُنتُم مرضى. . .  إلى آخر الآية حُكْمَ عادمِ الماءِ مِنَ النوعَيْنِ جميعاً، وكانت الملامسةُ هي الجماعَ. 
وقال ( ص ) : إِذَا قُمْتُمْ  أي : إذا أردتُّم، وعبَّر بالقيامِ عن إرادَتِهِ، لأنه مُسَبَّبٌ عنها، انتهى. 
ومِنْ أحسن الأحادِيثِ وأصحِّها في فَضْل الطهارةِ والصَّلاة : ما رواه مالكٌ في **«الموطَّأ »**، عن العَلاءِ بْنِ عَبْدِ الرحمن، عن أبِيهِ، عن أبي هريرة، أنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ :( أَلاَ أُخْبِرَكُمْ بِمَا يَمْحُو اللَّهُ بِهِ الخَطَايَا، وَيَرْفَعُ بِهِ الدَّرَجَاتِ : إسْبَاغُ الوُضُوءِ عِنْدَ المَكَارِهِ، وَكَثْرَةُ الخُطَى إلَى المَسَاجِدِ، وانتظار الصَّلاَةِ بَعْدَ الصَّلاَةِ، فَذَلِكُمُ الرِّبَاطُ، فَذَلِكُمُ الرِّبَاطُ، فَذَلِكُمُ الرِّبَاطُ )، قال أبو عمر في **«التمهيد »** : هذا الحديثُ مِنْ أَحْسَنِ ما رُوِيَ عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم في فضائِلِ الأعمالِ. 
قال صاحبُ **«كتاب العَيْنِ »** : الرِّبَاطُ : ملازمةُ الثُّغُور، قال : والرِّبَاطُ : مواظبةُ الصلاةِ أَيضاً انتهى. 
والغُسْلُ، في اللغة : إيجادُ المَاء في المَغْسُول، مع إمرار شَيْء علَيْه كاليَدِ، والوَجْه ما وَاجَهَ النَّاظر وقابله، والنَّاس كلُّهم على أنَّ داخل العينَيْنِ لا يلْزَمُ غسله، إلا ما رُوِيَ عنِ ابْنِ عُمَرَ، أنه كان يَنْضَحُ الماءَ في عَيْنَيْهِ، واليَدُ لغةً تَقَعُ على العُضْوِ من المَنْكِبِ إلَى أطرافِ الأصابِعِ، وحَدَّ اللَّه سبحانه مَوضِعَ الغُسْلِ منه، بقوله : إِلَى المرافق . 
واختلف العلماءُ، هل تدخُلُ المرافِقُ في الغُسْلِ أم لاَ، وتحريرُ العبارةِ في هذا المعنى : أنْ يقَالُ : إذا كان مَا بَعْد إلى لَيْسَ مما قَبْلَهَا، فالحَدُّ أولُ المذكورِ بعدها، وإذا كان ما بَعْدَها مِنْ جملة ما قَبْلَهَا، فالاحتياطُ يُعْطِي أنَّ الحدَّ آخر المذكور بَعْدَها، ولذلك يترجَّح دخولُ المرفَقَيْنِ في الغُسْل، والروايتان عن مالكٍ. 
قال ابنُ العَرَبِيِّ في ******«أحكامه »******، وقد رَوَى الدارقطنيُّ وغيره عن جابرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ : أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم، لَمَّا تَوَضَّأَ أَدَارَ المَاءَ على مِرْفَقَيْهِ، انتهى. 
واختلفَ في رَدِّ اليدَيْنِ في مَسْح الرَّأْسِ، هل هو فرضٌ أوْ سُنَّة، بعد الإجماع على أنَّ المَسْحَةَ الأولى فَرْضٌ، فالجمهورُ على أنَّه سُنَّة. 
وقيل : هو فرضٌ، والإجماع على استحسَانِ مَسْحِ الرأس باليَدَيْنِ جمِيعاً، وعلى الإجزاء بواحدةٍ، واختُلِفَ فِيمَنْ مَسَحَ بأُصْبُعٍ واحدةٍ، والمشهورُ الإجزاءُ، ويترجَّح عدم الإجزاءِ، لأنه خروجٌ عن سُنَّة المَسْح، وكأنه لَعِبٌ إلاَّ أَنْ يكونَ ذلك عن ضَرَرِ مرضٍ ونحوه، فينبغي ألاَّ يُخْتَلَفَ في الإجزاء. 
والبَاءُ في قوله تعالى : بِرُؤُوسِكُمْ  مؤكِّدة زائدةٌ عند مَنْ يرى إجزاء بعض الرأْسِ، كان المعنى : أوجِدُوا مَسْحاً برؤوسكم، فمَنْ مَسَح، ولو شعرةً فقد فَعَلَ ذلك. 
( ت ) : قال ابنُ العَرَبِيِّ في ******«أحكامه »****** : وقد ثَبَتَ عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم في صِفَةِ مَسْحِ الرأسِ، أَنه أَقْبَلَ \[ بِيَدِهِ \]، وَأَدْبَرَ، بَدَأَ بِمُقَدَّمِ رَأْسِهِ، ثُمَّ ذَهَبَ بِهِمَا إلى قَفَاهُ، ثُمَّ رَدَّهُمَا إلَى المَكَانِ الَّذِي بَدَأَ مِنْهُ، وفي البخاريِّ :( فَأَدْبَرَ بِهِمَا، وَأَقْبَلَ )، وَهُمَا صحيحانِ متوافِقَانِ، وهي مسألةٌ من **«أصول الفقْهِ »**، في تسمية الفعْلِ بابتدائه أو بغايته انتهى. 
وقرأ حمزة وغيره :( وَأَرْجُلِكُمْ ) بالخفض، وقرأ نافع وغيره بالنَّصْب، والعاملُ :( اغسلوا )، ومن قرأ بالخفْضِ، جعل العامِلَ أقْرَبَ العامِلَيْنِ، وجمهورُ الأَمَّة من الصحابة والتابعِينَ على أنَّ الفَرْضَ في الرجْلَيْن الغَسْلُ، وأنَّ المَسْح لا يجزئ، وفي الصحيح :( وَيْلٌ لِلأَعْقَابِ من النَّار ) إذ رأى صلى الله عليه وسلم أعقابَهُمْ تلُوحُ. 
قال ابن العربِيِّ في **«القَبَس »** : ومَنْ قرأ **«وَأَرْجُلِكُمْ »** بالخَفْض، فإنه أراد المَسْح على الخُفَّيْن، وهو أحد التأويلاتِ في الآية، انتهى. وهذا هو الذي صحَّحه في **«أحْكَامِهِ »**. 
والكلامُ في قوله : إِلَى الكعبين  كما تقدَّم في قوله : إِلَى المرافق ، وفي **«صحيح مسلم »** وغيره، عن عُقْبَة بْنِ عامر، عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ :( مَا مِنْ مُسْلِمٍ يتوضَّأُ، فَيُحْسِنُ وُضُوءَهُ، ثم يَقُومُ، فَيُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ مُقْبِلاً عَلَيْهِمَا بِقَلْبِهِ وَوَجْهِهِ، إلاَّ وَجَبَتْ لَهُ الجَنَّة ). فَقُلْتُ : مَا أَجْوَدُ هذِهِ ! فَقَالَ عُمَرُ : الَّتِي قَبْلَهَا أَجْوَدُ، قَالَ : مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ يَتَوَضَّأُ فَيُسْبِغُ الوُضُوءَ، ثُمَّ يَقُولُ : أَشْهَدُ أَنْ لاَ إلَهَ إلاَّ اللَّهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، إلاَّ فُتِحَتْ لَهُ أَبْوَابُ الجَنَّةِ الثَّمَانِيَةُ، يَدْخُلُ مِنْ أيِّهَا شَاءَ )، وأخرجه الترمذيُّ من حديثِ أَبِي إدْرِيسَ الخَوْلاَنِيِّ، عن عمر، زاد في آخره :( اللَّهُمَّ، اجعلني مِنَ التَّوَّابِينَ، واجعلني مِنَ المُتَطَهِّرِينَ ) انتهى مختصراً. 
واختلَفَ اللغويُّونَ في  الكعبين ، والجمهورُ على أنهما العَظْمَانِ الناتِئَانِ في جَنَبَتَيِ الرجلِ، وألفاظُ الآيةِ تقتضِي المُوَالاَةَ بَيْن الأعضاء، قال مالك : هو فرضٌ مع الذِّكْر، ساقِطٌ مع النِّسْيان، وروى الدَّارَقُطْنِيُّ في سُنَنِهِ :" مَنْ تَوَضَّأَ، فَذَكَرَ اسْمَ اللَّهِ على وُضُوئِهِ، كَانَ طُهُوراً لِجَسَدِهِ، وَمَنْ تَوَضَّأَ، وَلَمْ يَذْكُرِ اسم اللَّهِ على وُضُوئِهِ كَانَ طُهُوراً لأعْضَائِهِ ". انتهى من **«الكوكب الدري »**، وكذلك تتضمَّن ألفاظ الآيةِ الترتيبَ، و اطهروا  أمُرٌ لواجدِ المَاءِ عنْدَ الجمهورِ، وقال عمرُ بْنُ الخطَّاب وغيره : لا يتيمَّمِ الجُنُبُ ألبتَّة، بل يدع الصلاةَ حتى يجد الماء. 
وقوله سبحانه : مَا يُرِيدُ الله لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجٍ. . . ، الإرادة صفَةُ ذاتٍ، وجاء الفعْلُ مستقبلاً، مراعاةً للحوادِثِ التي تَظْهَرُ عن الإرادة، والحَرَجُ : الضِّيق، والحرجة : الشَّجرُ الملْتَفُّ المتضايقُ، ويَجْرِي مع معنى هذه الآية قولُ النبيِّ صلى الله عليه وسلم :( دِينُ اللَّهِ يُسْرٌ )، وقوله عليه السلام :( بُعِثْتُ بِالحَنِيفِيَّةِ السَّمْحَةِ )، وجاء لَفْظُ الآية على العُمُومِ، والشَّيْءُ المذكُورُ بقُرْبٍ هو أمر التيمُّمِ، والرُّخْصَة فيه، وزوالُ الحَرَجِ في تحمُّل الماءِ أبداً، ولذلك قال أُسَيْدٌ :**«مَا هِيَ بِأَوَّلِ بَرَكَتِكُمْ يَا آلَ أَبِي بَكْرٍ »**. 
وقوله سبحانه : ولكن يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ. . . ، إعلامٌ بما لا يوازي بشُكْرٍ مِنْ عظيمِ تفضُّله تبارك وتعالى، و لَعَلَّكُمْ  : ترَجٍّ في حقِّ البَشَرِ، وفي الحديثِ الصحيحِ عن أبِي مالك الأشعريِّ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم :( الطُّهُورُ شَطْرُ الإِيمَانِ، والحَمْدُ لِلَّهِ تَمْلأُ الْمِيزَانَ، وَسُبْحَانَ اللَّهِ، وَالحَمْدُ لِلَّهِ تَمْلأنِ، أَوْ تَمْلأ مَا بَيْنَ السَّمَوَاتِ وَالأرْضِ، وَالصَّلاَةُ نورٌ، وَالصَّدَقَةُ بُرْهَانٌ، وَالصَّبْرُ ضِيَاءٌ، والقُرْآنُ حُجَّةٌ لَكَ أَوْ عَلَيْكَ، كُلُّ النَّاسِ يَغْدُو، فَبَائِعٌ نَفْسَهُ، فَمُعْتِقُهَا أَوْ مُوبِقُهَا )، رواه مُسْلِم، والترمذيُّ، وفي روايةٍ له :( التَّسْبِيحُ نِصْفُ الْمِيزَانِ، وَالحَمْدُ لِلَّهِ تَمْلأهُ، وَالتَّكْبِيرُ يَمْلأ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأرْضِ، وَالصَّوْمُ نِصْفُ الصَّبْرِ )، وزاد في رواية أخرى :( وَلاَ إلَهَ إلاَّ اللَّهُ لَيْسَ لَهَا دُونَ اللَّهِ حِجَابٌ، حتى تَخْلُصَ إلَيْهِ ) انتهى.

### الآية 5:7

> ﻿وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمِيثَاقَهُ الَّذِي وَاثَقَكُمْ بِهِ إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا ۖ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ [5:7]

قوله تعالى : واذكروا نِعْمَةَ الله عَلَيْكُمْ وميثاقه. . .  \[ المائدة : ٧ \]. 
خطابٌ للمؤمنين، ونِعْمَةُ اللَّهِ : اسْمُ جنْسٍ، يجمع الإسلامَ، وحُسْنَ الحالِ، وحُسْنَ المَآلِ، والميثاقُ : هو ما وقع للنبيِّ صلى الله عليه وسلم في بَيْعَةِ العَقَبَةِ، وَبَيْعَةِ الرِّضْوان، وكلُّ موطِنٍ قال الناسُ فيه :**«سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا »**، هذا قولُ ابنِ عبَّاس، وجماعةٍ من المفسِّرين.

### الآية 5:8

> ﻿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ ۖ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُوا ۚ اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ ۖ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۚ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ [5:8]

\[سورة المائدة (٥) : الآيات ٧ الى ١٠\]

 وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمِيثاقَهُ الَّذِي واثَقَكُمْ بِهِ إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنا وَأَطَعْنا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ (٧) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَداءَ بِالْقِسْطِ وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلى أَلاَّ تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ (٨) وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ (٩) وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَحِيمِ (١٠)
 وقوله تعالى: وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمِيثاقَهُ... الاية: خطابٌ للمؤمنين، ونِعْمَةُ اللَّهِ: اسْمُ جنْسٍ، يجمع الإسلامَ، وحُسْنَ الحالِ، وحُسْنَ المَآلِ، والميثاقُ: هو ما وقع للنبيّ صلّى الله عليه وسلّم في بَيْعَةِ العَقَبَةِ، وَبَيْعَةِ الرِّضْوان، وكلُّ موطِنٍ قال الناسُ فيه: **«سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا»**، هذا قولُ ابنِ عبَّاس **«١»** وجماعةٍ من المفسِّرين.
 وقال مجاهدٌ: المرادُ: الميثاقُ المأخوذُ على النَّسَمِ حين استخرجوا مِنْ ظَهْر آدم- عليه السلام-.
 والأوَّل أرجَحُ وألْيَقُ بنَمَطِ الكلامِ، وباقي **«٢»** الآية بيِّن متكرِّر، قال أبو عمر بن عبد البر في كتابه **«بهجة المجالس»** : روي عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم أنه قال: **«من وعده الله على عمل ثوابا، فهو منجز له ما وعده، ومن أوعده على عمل عقابا، فإن شاء عذبه، وإن شاء غفر له»** **«٣»**، وعن ابن عباس مثله. انتهى
 \[سورة المائدة (٥) : آية ١١\]
 يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (١١)
 وقوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ... الآية:
 - يملآن ما بين السماء وَالأرْضِ، وَالصَّلاَةُ نورٌ، وَالصَّدَقَةُ بُرْهَانٌ، وَالصَّبْرُ ضِيَاءٌ، والقرآن حجة لك أو عليك، وكل الناس يغدو فبعتقها أو موبقها».
 (١) ذكره ابن عطية في ****«تفسيره»**** (٢/ ١٦٥). [.....]
 (٢) ذكره ابن عطية في ****«تفسيره»**** (٢/ ١٦٥)، والسيوطي في **«الدر المنثور»** (٢/ ٤٦٩)، وعزاه لعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر عن مجاهد.
 (٣) أخرجه أبو يعلى (٦/ ٦٦) رقم (٣٣١٦) من حديث أنس، وذكره الهيثمي في **«المجمع»** (١٠/ ٢١٤) وقال: رواه أبو يعلى، والطبراني في **«الأوسط»**، وفيه سهيل بن أبي حزم، وقد وثق على ضعفه، وبقية رجاله رجال الصحيح.
 والحديث ذكره المتقي الهندي في **«كنز العمال»** (١٠٤١٦)، وعزاه إلى أبي يعلى، والخرائطي في **«مكارم الأخلاق»**، والبيهقي في **«البعث»**، وابن عساكر، عن أنس.

### الآية 5:9

> ﻿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ۙ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ [5:9]

قال مجاهدٌ : المرادُ : الميثاقُ المأخوذُ على النَّسَمِ حين استخرجوا مِنْ ظَهْر آدم عليه السلام. 
والأوَّل أرجَحُ وألْيَقُ بنَمَطِ الكلامِ، وباقي الآية بيِّن متكرِّر. 
قال أبو عمر بْنُ عَبْدِ البَرِّ في كتابه **«بَهْجَةِ المَجَالِس »** : رُوَي عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم، أنَّه قَالَ :( مَنْ وَعَدَهُ اللَّهُ على عَمَلٍ ثَوَاباً، فَهُوَ مُنْجِزٌ لَهُ مَا وعَدَهُ، وَمَنْ أَوْعَدَهُ على عَمَلٍ عَقاباً، فَإنْ شَاءَ عَذَّبَهُ، وَإنْ شَاءَ غَفَرَ لَهُ )، وعن ابن عباسٍ مثله، انتهى.

### الآية 5:10

> ﻿وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَٰئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ [5:10]

\[سورة المائدة (٥) : الآيات ٧ الى ١٠\]

 وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمِيثاقَهُ الَّذِي واثَقَكُمْ بِهِ إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنا وَأَطَعْنا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ (٧) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَداءَ بِالْقِسْطِ وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلى أَلاَّ تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ (٨) وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ (٩) وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَحِيمِ (١٠)
 وقوله تعالى: وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمِيثاقَهُ... الاية: خطابٌ للمؤمنين، ونِعْمَةُ اللَّهِ: اسْمُ جنْسٍ، يجمع الإسلامَ، وحُسْنَ الحالِ، وحُسْنَ المَآلِ، والميثاقُ: هو ما وقع للنبيّ صلّى الله عليه وسلّم في بَيْعَةِ العَقَبَةِ، وَبَيْعَةِ الرِّضْوان، وكلُّ موطِنٍ قال الناسُ فيه: **«سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا»**، هذا قولُ ابنِ عبَّاس **«١»** وجماعةٍ من المفسِّرين.
 وقال مجاهدٌ: المرادُ: الميثاقُ المأخوذُ على النَّسَمِ حين استخرجوا مِنْ ظَهْر آدم- عليه السلام-.
 والأوَّل أرجَحُ وألْيَقُ بنَمَطِ الكلامِ، وباقي **«٢»** الآية بيِّن متكرِّر، قال أبو عمر بن عبد البر في كتابه **«بهجة المجالس»** : روي عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم أنه قال: **«من وعده الله على عمل ثوابا، فهو منجز له ما وعده، ومن أوعده على عمل عقابا، فإن شاء عذبه، وإن شاء غفر له»** **«٣»**، وعن ابن عباس مثله. انتهى
 \[سورة المائدة (٥) : آية ١١\]
 يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (١١)
 وقوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ... الآية:
 - يملآن ما بين السماء وَالأرْضِ، وَالصَّلاَةُ نورٌ، وَالصَّدَقَةُ بُرْهَانٌ، وَالصَّبْرُ ضِيَاءٌ، والقرآن حجة لك أو عليك، وكل الناس يغدو فبعتقها أو موبقها».
 (١) ذكره ابن عطية في ****«تفسيره»**** (٢/ ١٦٥). [.....]
 (٢) ذكره ابن عطية في ****«تفسيره»**** (٢/ ١٦٥)، والسيوطي في **«الدر المنثور»** (٢/ ٤٦٩)، وعزاه لعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر عن مجاهد.
 (٣) أخرجه أبو يعلى (٦/ ٦٦) رقم (٣٣١٦) من حديث أنس، وذكره الهيثمي في **«المجمع»** (١٠/ ٢١٤) وقال: رواه أبو يعلى، والطبراني في **«الأوسط»**، وفيه سهيل بن أبي حزم، وقد وثق على ضعفه، وبقية رجاله رجال الصحيح.
 والحديث ذكره المتقي الهندي في **«كنز العمال»** (١٠٤١٦)، وعزاه إلى أبي يعلى، والخرائطي في **«مكارم الأخلاق»**، والبيهقي في **«البعث»**، وابن عساكر، عن أنس.

### الآية 5:11

> ﻿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ ۖ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۚ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ [5:11]

قوله تعالى : يا أيها الذين ءَامَنُواْ اذكروا نِعْمَتَ الله عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ \[ المائدة : ١١ \]
خطابٌ للنبيِّ صلى الله عليه وسلم، وأمته، والجمهورُ أنَّ سبب هذه الآية أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم، لمَّا استعان بيَهُودَ في ديةِ الرَّجُلَيْنِ اللذَيْن قَتَلَهُما عَمْرُو بْنُ أُمَيَّةَ الضَّمْرِيُّ، وصاحِبُه، قالوا : نَعَمْ، يَا أَبَا القَاسِمِ، انزل حتى نَصْنَعَ لَكَ طَعَامَاً، وَنَنْظُرَ فِي مَعُونَتِكَ، فَنَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فِي ظِلِّ جِدَارٍ، وَكَانَ مَعَهُ أَبُو بَكْرٍ، وَعُمَرُ، وَعَلِيٌّ، فَتَآمَرَتْ يَهُودُ فِي قَتْلِهِ، وَقَالُوا : مَنْ رَجْلٌ يَظْهَرُ عَلَى الحَائِطِ، فَيَصُبُّ عَلَيْهِ حَجَراً يَشْدَخُهُ، فَجَاءَ جِبْرِيلُ، فَأَخْبَرَ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم الخَبَرَ، فَقَامَ صلى الله عليه وسلم مِنَ المَكَانِ، وَتَوَجَّهَ إلَى المَدِينَةِ، ونزلَتِ الآيةُ في ذلِكَ، ويترجَّح هذا القولُ بما يأتِي بَعْدُ من الآياتِ في وَصْفِ غَدْر يهودَ، ونَقْضِهِم المواثيقَ.

### الآية 5:12

> ﻿۞ وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا ۖ وَقَالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ ۖ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلَاةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكَاةَ وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَلَأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ۚ فَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَٰلِكَ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ [5:12]

قوله سبحانه : وَلَقَدْ أَخَذَ الله ميثاق بَنِي إسرائيل وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثني عَشَرَ نَقِيباً \[ المائدة : ١٢ \]. 
هذه الآيةُ المتضمِّنة للخَبَرِ عن نَقْضِهِمْ مواثيقَ اللَّه تعالى، تُقَوِّي أنَّ الآية المتقدِّمة في كَفِّ الأَيْدِي، إنَّما كانَتْ في أمر بني النَّضِيرِ، والإجماعُ على أنَّ النقيب كَبِيرُ القَوْمِ، القائمُ بأمورهم، قال قتادة وغيره : هؤلاءِ النُّقَبَاءُ قوْمٌ كبارٌ مِنْ كُلِّ سبْطٍ، تكَفَّل بكلِّ واحدٍ سِبْطُهُ، بأنْ يؤمنوا ويلتزموا التقوى. 
قال( ع ) : ونحو هذا كانَتِ النقباءُ ليلَةَ بَيْعَةِ العَقَبَةِ، مع النبيِّ صلى الله عليه وسلم، والضميرُ في  مَعَكُمْ ، لبني إسرائيل، أيْ : معكم بنَصْري، وحِيَاطَتِي وتأييدي، واللام في قوله : لَئِنْ  هي المُؤْذِنَةُ بمجيء القَسَمِ، ولامُ القَسمِ هي قوله : لأُكَفّرَنَّ ، والدليل على أنَّ هذه اللام إنما هي مؤذنةٌ : أنَّهَا قد يستغنى عنها أحياناً، ويتمُّ الكلامُ دونها، ولو كانَتْ لاَمَ قَسَمٍ، لم يترتَّب ذلك، ( وإقامةُ الصلاةِ ) : توفيةُ شروطها، و( الزكاةُ ) هنا : شَيْءٌ من المالِ كان مفروضاً عليهم فيما قال بعضُ المفسِّرين، و( عَزَّرتموهم ) معناه : وقَّرْتُمُوهم، وعَظَّمْتموهم، ونَصَرْتُموهم، وقرأ عاصمٌ الجَحْدَرِيُّ :( وَعَزَرْتُمُوهُمْ ) خفيفة الزاي، حيثُ وقع، وقرأ في **«سورة الفتحِ »** :( وتَعْزُرُوهُ ) بفتح التاء، وسكونِ العينِ، وضمِّ الزاي، و( سَواءُ السَّبِيلِ ) : وَسَطُه، وسائرُ ما في الآية بَيِّن، واللَّه المستعان.

### الآية 5:13

> ﻿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً ۖ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ ۙ وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ ۚ وَلَا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَىٰ خَائِنَةٍ مِنْهُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ ۖ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ [5:13]

قوله تعالى : فَبِمَا نَقْضِهِم ميثاقهم لعناهم وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قاسية. . .  \[ المائدة : ١٣ \]. 
أيْ : فبنقضِهِمْ، والقَسْوَةُ : غَلِظ القَلْب، ونُبُوُّهُ عن الرِّقَّة والمَوْعِظَة، وصَلاَبَتُهُ حتى لا ينفعلَ لخَيْرٍ. 
وقوله تعالى : وَنَسُواْ حَظَّا مِّمَّا ذُكِرُواْ بِهِ  نصٌّ على سوءِ فِعْلِهِمْ بأنفسهم، أي : قد كان لهم حظٌّ عظيمٌ فيما ذُكِّروا به، فَنَسُوه وتركُوه، ثم أخبر تعالى نبيَّه عليه السلام، أنه لا يَزَالُ في مستأْنَفِ الزَّمان يطَّلع على خائِنَةٍ منهم، وغائلةٍ، وأمورٍ فاسدةٍ. 
قالت فرقة :( خَائِنَة ) مصدرٌ، والمعنى : على خِيَانَةٍ، وقال آخرون : معناه على فرْقَةٍ خائِنَةٍ، فهي اسمُ فاعلٍ صفةٌ لمؤنَّث. 
وقوله تعالى : فاعف عَنْهُمْ واصفح  منسوخٌ بما في **«براءة »**، وباقي الآية بيِّن.

### الآية 5:14

> ﻿وَمِنَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَىٰ أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَىٰ يَوْمِ الْقِيَامَةِ ۚ وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللَّهُ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ [5:14]

قوله تعالى : وَمِنَ الذين قَالُواْ إِنَّا نصارى \[ المائدة : ١٤ \]. 
( مِنْ ) : متعلِّقة ب  أَخَذْنَا ، التقديرُ : وأخذْنَا مِنَ الذين قالُوا : إنَّا نصارى ميثاقَهُمْ، ويحتملُ أنْ تكون معطوفةً على  خَائِنَةٍ مِّنْهُمْ ، والأولُ أرجَحُ، وعلَّق قولهم :( نصارى ) بقولهم ( ودعواهم )، مِنْ حيث هو اسمٌ شرعيٌّ، يقتضي نَصْرَ دينِ اللَّه، وسَمَّوْا به أنفُسَهُمْ دُون استحقاق. 
وقوله سبحانه : فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ العداوة  أي : أثبتْنَاها بيْنَهم، وألْصَقْنَاها، والإغْرَاءُ : مأخوذ من الغِرَاءِ الذي يُلْصَقُ به، وقال البُخَارِيُّ : الإغراءُ : التسليط، انتهى. 
والضمير في  بَيْنَهُمْ  يحتملُ أنْ يعود على اليَهُودِ، والنصارى، لأنَّ العداوةَ بَيْنهم موجودةٌ مستمرَّةٌ، ويحتملُ أن يعود على النصارى فقطْ، لأنها أُمَّة متقاتِلَةٌ بينها الفِتَنُ إلى يَوْم القيامة، ثم توعَّدهم بعذابِ الآخرة، إذْ صُنْعهم كُفْرٌ يوجب الخُلُود في النار. 
واعلَمْ( رحمك اللَّه )، أنه قَدْ جاءَتْ آثارٌ صحيحةٌ في ذَمِّ الشحناءِ والتباغُضِ، والهِجْرَانِ لغَيْر موجِبٍ شرعيٍّ، ففي **«صحيح مُسْلِمٍ »**، عن أبي هُرَيْرة، أنَّ رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم قال :( تُفْتَحُ أَبْوَابُ الجَنَّةِ يَوْمَ الاِثْنَيْنَ وَيَوْمَ الخَمِيسِ، فَيُغْفَرُ لِكُلِّ عَبْدٍ لاَ يُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئاً إلاَّ رَجُلاً كَانَتْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَخِيه شَحْنَاءُ، فَيُقَالُ : انظروا هَذَيْنِ حتى يَصْطَلِحَا، انظروا هَذَيْنِ حتى يَصْطَلِحَا )، وفي روايةٍ :( تُعْرَضُ الأَعْمَالُ فِي كُلِّ خَمِيسٍ واثنين، فَيَغْفِرُ اللَّهُ فِي ذَلِكَ اليَوْمِ لِكُلِّ امرئ لاَ يُشْرِكُ باللَّهِ شَيْئاً ) الحديث، انتهى. 
وروى ابنُ المُبَارَكِ في **«رقائقه »** بسنده، عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم، قال :( لاَ يَحِلُّ لامْرِئٍ مُسْلِمٍ أَنْ يُهَاجِرَ مُسْلِماً فَوْقَ ثَلاَثِ لَيَالٍ، فَإنَّهُمَا نَاكِبَانِ عَنِ الْحَقِّ مَا دَامَا على صِرَامِهِمَا، فَأَوَّلُهُمَا فَيْئاً يَكُونُ سَبْقُهُ بِالفَيْءِ كَفَّارَةً لَهُ، وَإنْ سَلَّمَ عَلَيْهِ، فَلَمْ يَقْبَلْ، وَرَدَّ عَلَيْهِ سَلاَمَهُ، رَدَّتْ عَلَيْهِ المَلاَئِكَةُ، وَرَدَّتْ عَلَى الآخَرِ الشَّيَاطِينُ، وإذَا مَاتَا على صِرَامِهِمَا، لَمْ يَدْخُلاَ الجَنَّةَ )، أُرَاهُ قَالَ : أَبَداً، انتهى. وسنده جيِّد، ونصَّه قال ابن المبارك : أخبرنا شعبةُ عَنْ يزيدَ الدرِّشْكِ، عن مُعَاذَةَ العَدَوِيَّةِ، قَالَتْ : سَمِعْتُ هِشَامَ بْنَ عامرٍ يقول : سمعتُ النبيَّ صلى الله عليه وسلم، فذكر الحديثَ. 
وقوله :( لَمْ يدخُلاَ الجَنَّةَ ) : ليس على ظاهره، أيْ : لم يدخُلاَ الجَنَّة أبداً، حتى يقتصَّ لبعضهم من بعض، أو يقع العفو، أو تحلَّ الشفاعة، حَسْبما هو معلومٌ في صحيح الآثار.

### الآية 5:15

> ﻿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ ۚ قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ [5:15]

قوله سبحانه : يا أهل الكتاب قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيّنُ لَكُمْ كَثِيراً مِّمَّا كُنتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الكتاب. . .  \[ المائدة : ١٥ \]. 
( أهْلُ الكتابِ ) : لفظٌ يعمُّ اليهودَ والنصارى، ولكنْ نوازل الإخفاء، كالرَّجْم وغيره، إنما حُفِظَتْ لليهود، لأنهم كانوا مُجَاوِرِي رسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم في مهَاجَرهِ، وفي إعلامه صلى الله عليه وسلم بِخَفِيِّ ما في كُتُبِهِمْ، وهو أُمِّيٌّ لاَ يَكْتُبُ، ولا يَصْحَبُ القُرَّاءَ دليلٌ على صحَّة نبوَّته، لو ألهمهم اللَّه للخَيْر.  وَيَعْفُواْ عَن كَثِيرٍ  أي : لم يفْضَحْهم فيه، إبقاءً عليهم، والضميرُ في  يَعْفُوَاْ  للنبيِّ صلى الله عليه وسلم. 
وقوله تعالى : قَدْ جَاءَكُمْ مِّنَ الله نُورٌ  هو محمَّد صلى الله عليه وسلم، و كتاب مُّبِينٍ  : هو القُرآن، ويحتملُ أنْ يريدَ موسى عليه السلام، والتوراةُ : أي : لو اتبعتموها حقَّ الاِتِّباع، والأوَّل هو ظاهر الآية، وهو أظهر.

### الآية 5:16

> ﻿يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ [5:16]

سُبُلَ السلام  أي : طُرُقَ السلامةِ والنَّجَاةِ، ويحتملُ أنْ يكون **«السَّلاَم »** هنا اسما من أسماءِ اللَّه عزَّ وجلَّ، فالمعنى : طُرُق اللَّه، و الظلمات  : الكُفْر، و  النور  : الإيمان، وباقي الآية بيِّن متكرِّر.

### الآية 5:17

> ﻿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ ۚ قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ أَنْ يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ۗ وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا ۚ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ ۚ وَاللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [5:17]

قوله سبحانه : قُلْ فَمَن يَمْلِكُ \[ المائدة : ١٧ \] أيْ : لا مَالِكَ، ولا رادَّ لإرادةِ اللَّه تعالى في المسيحِ، ولا في غَيْرِهِ. 
وقوله سبحانه : يَخْلُقُ مَا يَشَاء  : إشارةٌ إلى خلقه المسيحَ في رَحِمِ مَرْيَمَ من غير والد، بل اختراعاً، كآدم عليه السلام. 
وقوله تعالى : والله على كُلِّ شَيْء قَدِيرٌ  : عموم معناه الخصوص، فيما عدا الذَّات، والصفاتِ والمحالاتِ.

### الآية 5:18

> ﻿وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَىٰ نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ ۚ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ ۖ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ ۚ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ ۚ وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا ۖ وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ [5:18]

قوله سبحانه : وَقَالَتِ اليهود والنصارى نَحْنُ أبناؤا الله وأحباؤه. . .  \[ المائدة : ١٨ \]. 
البُنُوَّة، في قولهم هذا : بنوةُ الحَنَانِ والرأفة، لأنهم ذكروا أن اللَّه سبحانه أوحى إلى إسرائيل، أن أول أولادك بِكْرِي، فضلُّوا بذلك، وقالوا : نَحْنُ أبناؤا الله وأحباؤه ، ولو صح ما رَوَوْا، لكان معناه : بِكْراً في التشريف أو النبوءة ونحوه، وكانت هذه المقالة منهم عندما دعاهم النبيُّ عليه السلام إلى الإيمان به، وخوفِهِم العذابَ، فقالوا : نحن لا نخافُ ما تقول، لأنا أبناء اللَّه وأحبَّاؤه، ذكر ذلك ابن عباس، وقد كانوا قالوا للنبيِّ صلى الله عليه وسلم في غير ما موطنٍ : نحن نَدْخل النار، فنقيم فيها أربعين يوماً، فردَّ اللَّه عليهم قولهم، فقال لنبيه عليه السلام : قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُم بِذُنُوبِكُم  أي : لو كانتْ منزلتكم منه فوق منازِلِ البَشَر، لَمَا عذَّبكم، وأنتم قد أقررتم أنه يعذِّبكم، ثم ترك الكلامَ الأوَّل، وأضرب عنه غَيْرَ مفسدٍ له، ودخل في غيره، فقال : بَلْ أنتم بشَرٌ  كسائر الناسِ، والخلقُ أكرمُهم عند اللَّه أتقاهم، يهدي من يشاء للإيمان، فيغفرُ له، ويُورِّطُ من يشاء في الكُفْر، فيعذِّبه، وله ملك السموات والأرض، وما بينهما، فله بحق المُلْك أنْ يفعل ما يشاء، ولا معقِّب لحُكْمه، وإليه مصير العباد بالحشر والمعاد.

### الآية 5:19

> ﻿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلَىٰ فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ أَنْ تَقُولُوا مَا جَاءَنَا مِنْ بَشِيرٍ وَلَا نَذِيرٍ ۖ فَقَدْ جَاءَكُمْ بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ ۗ وَاللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [5:19]

قوله تعالى : يا أهل الكتاب \[ المائدة : ١٩ \]
يعني : اليهودَ والنصارى : قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا  : محمد عليه السلام. 
وقوله : على فَتْرَةٍ مِّنَ الرسل  أي : على انقطاعٍ من مجيئهم مدَّةً مَّا، والفَتْرةُ : سُكونٌ بعد حَرَكَةٍ في الأجرام، ويستعار ذلك للمعانِي، وقد قال عليه السلام :( لِكُلِّ عَمَلٍ شِرَةٌ، ولِكُلِّ شِرَةٍ فَتْرَةٌ )، وفي الصحيح أنَّ الفترةَ التي كانَتْ بَيْنَ نبيِّنا محمَّد صلى الله عليه وسلم، وبين عيسى سِتُّمائةِ سَنَةٍ، وهذه الآية نزلَتْ بسبب قولِ اليهود : مَا أَنْزَلَ اللَّهُ على بَشَرٍ بَعد موسى مِنْ شَيْءٍ، قاله ابن عَبَّاس. 
وقوله : أَن تَقُولُواْ  معناه : حِذَاراً ( أنْ تقولوا يوم القيامة : مَا جَاءَنَا مِن بَشِيرٍ وَلاَ نَذِيرٍ فَقَدْ جَاءَكُمْ بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ ، وقامتِ الحُجَّة عليكم،  والله على كُلّ شَيْء قَدِيرٌ ، فهو الهادِي، والمضلُّ، لا رَبَّ غيره.

### الآية 5:20

> ﻿وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا وَآتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ [5:20]

قوله سبحانه : وَإِذْ قَالَ موسى لِقَوْمِهِ يا قوم اذكروا نِعْمَةَ الله عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ. . .  \[ المائدة : ٢٠ \]. 
المعنى : واذكُرْ لهم، يا محمَّد، على جهة إعلامهم بغيب كتبهم، ليتحقَّقوا نبوءتك، ثمَ عَدَّدَ عيُونَ تلك النِّعم، فقال : إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ  أي : حاطةٌ، ومنقذون من النار، وشَرَفٌ في الدنيا والآخرة،  وَجَعَلَكُمْ مُّلُوكاً ، أي : فيكم ملوكاً، لأن المُلْك شَرَفٌ في الدنيا، وحَاطَةٌ في نوائبها،  وآتاكم مَّا لَمْ يُؤْتِ أَحَداً مِّنَ العالمين ، قال مجاهد : هو المَنُّ والسلوى، والحَجَر، والغَمَام، وقال غيره : كثرة الأنبياء، وعلى هذا القول : فالعالمُونَ على العموم، وعلى القول بأن المؤتى هو آيات موسى، فالعَالمُونَ عالَم زمانهم، لأنَّ ما أوتي النبيُّ صلى الله عليه وسلم من آيات اللَّه أكْثَرُ من ذلك.

### الآية 5:21

> ﻿يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَرْتَدُّوا عَلَىٰ أَدْبَارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ [5:21]

المقدسة  معناه : المطهَّرة، قال ابن عباس : هي الطُّور وما حوله، وقال قتادة : هي الشام، قال الطبريُّ : ولا يختلف أنَّها بيْنَ الفُرَاتِ وعريشِ مِصْرَ. 
قال( ع ) : وتظاهرت الرواياتُ، أنَّ **«دِمَشْقَ »** هي قاعدةُ الجَبَّارِينَ، ثم حذَّرهم موسى الارتداد على الأدبار، وذلك هو الرجوعُ القهقرى، والخاسرُ : الذي قد نقص حظُّه.

### الآية 5:22

> ﻿قَالُوا يَا مُوسَىٰ إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا حَتَّىٰ يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ [5:22]

ذكر عز وجل، أنهم تعنَّتوا ونَكصُوا،  قالوا يا موسى إِنَّ فِيهَا قَوْماً جَبَّارِينَ \[ المائدة : ٢٢ \]، والجَبَّار : من الجَبْر، كأنه لِقُدْرته وغَشْمه وبَطْشه يَجْبُرُ الناس على إرادته، والنَّخْلَةُ الجُبَارَةُ : العاليةُ التي لا تُنَالُ بيدٍ، وكان من خبر الجَبَّارين، أنهم كانوا أهلَ قوَّة، فلما بعث موسى الإثْنَيْ عَشَرَ نقيباً مُطَّلِعِينَ من أمر الجبَّارين، وأحوالهم، رأَوْا لهم قوةٌ وبطْشاً، وتخيَّلوا أن لا طاقة لهم بهم، فتعاقدوا بينهم على أنْ يُخْفُوا ذلك مِنْ بني إسرائيل، وأنْ يعلموا به موسى، ليرى فيه أمر ربه، فلما انصرفوا إلى بني إسرائيل، خان منهم عَشَرة، فعرَّفوا قراباتِهِمْ، ومَنْ وثِقُوا به، ففشا الخَبَر، حتى اعوج أمْرُ بني إسرائيل، وقالوا : اذهب أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا \[ المائدة : ٢٤ \]، ولم يفِ مِنَ النُّقَبَاء إلا يُوشَعُ بْنُ نُونٍ، وَكَالِبُ بْنُ يُوفَتَّا، ويقال فيه : كَالُوث بثاء مثلَّثة.

### الآية 5:23

> ﻿قَالَ رَجُلَانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ ۚ وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ [5:23]

قوله تعالى : قَالَ رَجُلاَنِ مِنَ الذين يَخَافُونَ \[ المائدة : ٢٣ \]. 
أي : يخافُونَ اللَّه سبحانَهُ، قال أكْثر المفسِّرين : الرجُلاَن يُوشَعُ بنُ نُونٍ، وهو ابنُ أخْتِ موسى، وكَالِبُ بْنُ يُوفَتَّا،  أَنْعَمَ الله عَلَيْهِمَا  بالإيمان الصحيحِ، ورَبْطِ الجَأْشِ، والثبوتِ. 
وقولهم : فاذهب أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا. . .  \[ المائدة : ٢٣ \]، عبارةٌ تقتضي كفراً، وقيل : المعنى :( فاذهب أنْتَ وربك ) يعينُكَ، وأنَّ الكلام معصية لا كُفْر، وذكر ابن إسحاق وغيره، أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم كلَّم النَّاسَ يَوْمَ بَدْرٍ، وَقَالَ لَهُمْ :( أَشِيرُوا عَلَيَّ، أَيُّهَا النَّاسُ، فَقَالَ لَهُ المِقْدَادُ بْنُ الأَسْوَدِ : يَا رَسُولَ اللَّهِ، لَسْنَا نَقُولُ، كَمَا قَالَتْ بَنُو إسْرَائِيلَ : فاذهب أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هاهنا قاعدون ، وَلَكِنْ نَقُولُ : اذهب أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلاَ إنَّا مَعَكُمَا مُقَاتِلُونَ، ثُمَّ تَكَلَّمَ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ بنَحْوِ هذا المعنى.

### الآية 5:24

> ﻿قَالُوا يَا مُوسَىٰ إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَدًا مَا دَامُوا فِيهَا ۖ فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ [5:24]

قال **«١»** الطبريُّ: ولا يختلف أنَّها بيْنَ الفُرَاتِ وعريشِ مِصْرَ.
 قال ع **«٢»** : وتظاهرت الرواياتُ أنَّ **«دِمَشْقَ»** هي قاعدةُ الجَبَّارِينَ، ثم حذَّرهم موسى الارتداد على الأدبار، وذلك هو الرجوعُ القهقرى، والخاسرُ: الذي قد نقص حظُّه، ثم ذكر عز وجل أنهم تعنّتوا ونكصوا، فقالوا: إِنَّ فِيها قَوْماً جَبَّارِينَ، والجَبَّار: من الجَبْر كأنه لِقُدْرته وغَشْمه وبَطْشه يَجْبُرُ الناس على إرادته، والنَّخْلَةُ الجُبَارَةُ: العاليةُ التي لا تُنَالُ بيدٍ، وكان من خبر الجَبَّارين أنهم كانوا أهلَ قوَّة، فلما بعث موسى الإثْنَيْ عَشَرَ نقيباً مُطَّلِعِينَ من أمر الجبَّارين، وأحوالهم، رأَوْا لهم قوةٌ وبطْشاً وتخيَّلوا أن لا طاقة لهم بهم، فتعاقدوا بينهم على أنْ يُخْفُوا ذلك مِنْ بني إسرائيل، وأنْ يعلموا به موسى ليرى فيه أمر ربه، فلما انصرفوا إلى بني إسرائيل، خان منهم عَشَرة، فعرَّفوا قراباتِهِمْ، ومَنْ وثِقُوا به، ففشا الخَبَر حتى اعوجّ أمر بني إسرائيل، وقالوا: فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقاتِلا \[المائدة: ٢٤\]، ولم يفِ مِنَ النُّقَبَاء إلا يُوشَعُ بْنُ نُونٍ، وَكَالِبُ بْنُ يوفتّا/، ويقال فيه: **«كالوث»** (بثاء مثلّثة).
 \[سورة المائدة (٥) : الآيات ٢٣ الى ٢٦\]
 قالَ رَجُلانِ مِنَ الَّذِينَ يَخافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبابَ فَإِذا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غالِبُونَ وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٢٣) قالُوا يا مُوسى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَها أَبَداً ما دامُوا فِيها فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقاتِلا إِنَّا هاهُنا قاعِدُونَ (٢٤) قالَ رَبِّ إِنِّي لآ أَمْلِكُ إِلاَّ نَفْسِي وَأَخِي فَافْرُقْ بَيْنَنا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفاسِقِينَ (٢٥) قالَ فَإِنَّها مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ فَلا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفاسِقِينَ (٢٦)
 وقوله تعالى: قالَ رَجُلانِ مِنَ الَّذِينَ يَخافُونَ أي: يخافُونَ اللَّه سبحانَهُ قال أكْثر المفسِّرين: الرجُلاَن يُوشَعُ بنُ نُونٍ، وهو ابنُ أخْتِ موسى، وكَالِبُ بْنُ يُوفَتَّا، أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا بالإيمان الصحيحِ، ورَبْطِ الجَأْشِ، والثبوتِ، وقولهم: فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقاتِلا... الآية: عبارةٌ تقتضي كفراً، وقيل: المعنى: فاذهب أنْتَ وربك يعينُكَ، وأنَّ الكلام معصية لا كُفْر، وذكر ابن إسحاق وغيره أنَّ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم كلَّم النَّاسَ يَوْمَ بَدْرٍ، وَقَالَ لَهُمْ: **«أَشِيرُوا عَلَيَّ، أَيُّهَا النَّاسُ، فَقَالَ لَهُ المِقْدَادُ بْنُ الأَسْوَدِ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، لَسْنَا نَقُولُ كَمَا قَالَتْ بَنُو إسْرَائِيلَ: فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقاتِلا إِنَّا هاهُنا قاعِدُونَ، وَلَكِنْ نَقُولُ: اذهب أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلاَ إنَّا مَعَكُمَا مُقَاتِلُونَ «٣»**، ثُمَّ تَكَلَّمَ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ بنَحْوِ هذا المعنى»، ولما

 (١) ينظر: **«تفسير الطبري»** (٤/ ٥١٣).
 (٢) ينظر: **«المحرر الوجيز»** (٢/ ١٧٤).
 (٣) أخرجه الطبري في ******«تفسيره»****** (٤/ ٥٢١) (١١٦٨٥)، وذكره البغوي في ******«تفسيره»****** (٢/ ٢٥)، وابن عطية في ******«تفسيره»****** (٢/ ١٧٦)، والسيوطي في **«الدر المنثور»** (٢/ ٤٨٠)، وعزاه لأحمد عن طارق بن شهاب.

### الآية 5:25

> ﻿قَالَ رَبِّ إِنِّي لَا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَأَخِي ۖ فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ [5:25]

لما سَمِعَ موسى عليه السلام قولهم، ورأى عصيانهم، تبرَّأ إلى اللَّه منهم، وقال داعياً عليهم : قَالَ رَبِّ إِنِّي لا أَمْلِكُ إِلاَّ نَفْسِي وَأَخِي \[ المائدة : ٢٥ \] يعني : هارونَ. 
وقوله : فافرق بَيْنَنَا  دعاء حرجٍ، والمعنى : فافرق بيننا وبينهم حتى لا نشقى بفسقهم،  قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ  أي : قال اللَّه، وحرَّم اللَّه تعالى على بني إسرائيل دخولَ تلك المدينة أربعين سنةً  يتيهونَ في الأرض ، أي : في أرض تلك النازلة، وهو فَحْص التيه، وهو، على ما يحكى : طولُ ثلاثين ميلاً، في عَرْضِ ستَّةِ فراسِخَ، ويروى أنه لم يدخلِ المدينةَ أحد من ذلك الجِيلِ إلاَّ يُوشَعَ، وكَالُوث، وروي أنَّ يُوشَعَ نُبِّىءَ بعد كمالِ الأربعين سنَةً، وخرَجَ ببني إسرائيل من التيه، وقاتل الجَبَّارين، وفتح المدينةَ، وفي تلك الحَرْب، وقفَتْ له الشمسُ ساعةً، حتى استمرَّ هزم الجبَّارين، والتيه : الذَّهَاب في الأرض إلى غير مقصِدٍ معلوم. 
وقوله تعالى : فَلاَ تَأْسَ عَلَى القوم الفاسقين  معناه : فلا تحزَنْ، والخطابُ بهذه الآية لموسى عليه السلام، قال ابنُ عباس : ندم موسى على دعائه على قومه، وحزن عليهم، فقال الله له : فَلاَ تَأْسَ عَلَى القوم الفاسقين .

### الآية 5:26

> ﻿قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ ۛ أَرْبَعِينَ سَنَةً ۛ يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ ۚ فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ [5:26]

نص مكرر لاشتراكه مع الآية ٢٥:لما سَمِعَ موسى عليه السلام قولهم، ورأى عصيانهم، تبرَّأ إلى اللَّه منهم، وقال داعياً عليهم : قَالَ رَبِّ إِنِّي لا أَمْلِكُ إِلاَّ نَفْسِي وَأَخِي \[ المائدة : ٢٥ \] يعني : هارونَ. 
وقوله : فافرق بَيْنَنَا  دعاء حرجٍ، والمعنى : فافرق بيننا وبينهم حتى لا نشقى بفسقهم،  قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ  أي : قال اللَّه، وحرَّم اللَّه تعالى على بني إسرائيل دخولَ تلك المدينة أربعين سنةً  يتيهونَ في الأرض ، أي : في أرض تلك النازلة، وهو فَحْص التيه، وهو، على ما يحكى : طولُ ثلاثين ميلاً، في عَرْضِ ستَّةِ فراسِخَ، ويروى أنه لم يدخلِ المدينةَ أحد من ذلك الجِيلِ إلاَّ يُوشَعَ، وكَالُوث، وروي أنَّ يُوشَعَ نُبِّىءَ بعد كمالِ الأربعين سنَةً، وخرَجَ ببني إسرائيل من التيه، وقاتل الجَبَّارين، وفتح المدينةَ، وفي تلك الحَرْب، وقفَتْ له الشمسُ ساعةً، حتى استمرَّ هزم الجبَّارين، والتيه : الذَّهَاب في الأرض إلى غير مقصِدٍ معلوم. 
وقوله تعالى : فَلاَ تَأْسَ عَلَى القوم الفاسقين  معناه : فلا تحزَنْ، والخطابُ بهذه الآية لموسى عليه السلام، قال ابنُ عباس : ندم موسى على دعائه على قومه، وحزن عليهم، فقال الله له : فَلاَ تَأْسَ عَلَى القوم الفاسقين . ---

### الآية 5:27

> ﻿۞ وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ ۖ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ [5:27]

قوله تعالى : واتل عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابني ءَادَمَ بالحق إِذْ قَرَّبَا قُرْبَاناً. . .  \[ المائدة : ٢٧ \]. 
( اتل ) معناه : اسرد، وأَسْمِعْهم إياه، وهذه مِنْ علوم الكتب الأُوَلِ، فهي مِنْ دلائل نبوَّة نبيِّنا محمَّد صلى الله عليه وسلم، إذْ هي من غامِضِ كتب بني إسرائيل، قال الفَخْر : وفي الآية قولان :
أحدهما :( اتل ) على الناس. 
والثاني : اتل على أهْلِ الكتابِ، انتهى. 
و ابني آدَمَ  : هما لصلبه، وهما هَابِيلُ وقَابِيلُ، روت جماعة من المفسِّرين منهم ابن مسعود، أنَّ سبب هذا التقريبِ أنَّ حوَّاء كانت تَلِدُ في كلِّ بطْن ذكراً وأنثى، وكان الذَّكَر يتزوَّج أنثَى البطْن الآخر، ولا تحلُّ له أخته توأمتُهُ، فولدَتْ مع قابيلَ أختاً جميلةً، ومع هابيلَ أختاً ليست كذلك، فلمَّا أراد آدم أن يزوِّجها من هَابِيلَ، قال قابيل : أنا أحَقُّ بأختي، فأمره آدم، فلم يأتمر، فاتفقوا على التَّقْريب، فتُقُبِّل قربانُ هابيلَ، ووجب أنْ يأخذ أخت قابيلَ، فحينئذٍ : قَالَ لأَقْتُلَنَّكَ ، وقولُ هابيلَ : إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ الله مِنَ المتقين  : كلامٌ، قبله محذوفٌ، تقديره : ولِمَ تقتلُنِي، وليس لي ذنبٌ في قبول اللَّه قربانِي، و( إنما يتقبَّل اللَّه من المتَّقين ) وإجماع أهل السُّنَّة في معنى هذه الألفاظ : أنها اتقاء الشِّرْكِ، فمن اتقاه، وهو موحِّد، فأعماله التي تَصْدُقُ فيها نيتُه مقبولةٌ، وأما المتَّقِي للشرْكِ وللمعاصِي، فله الدرجةُ العليا من القَبُول والخَتْم بالرحمة، عُلمَ ذلك بإخبار اللَّه تعالى لا أنَّ ذلك يَجِبُ على اللَّه تعالى عقْلاً. 
قلتُ : قال( ع ) : في معنى هذه الألفاظ يعني حيث وقعت في الشرع، وأما في هذه الآية، فليس باتقاء شرك، على ما سيأتي.

### الآية 5:28

> ﻿لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ ۖ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ [5:28]

قولُ هابيلَ : مَا أَنَاْ بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ. . .  \[ المائدة : ٢٨ \]، قال عبد اللَّه بن عمر، وجمهورُ النَّاس، كان هابيلُ أشَدَّ قوةً من قابيلَ، ولكنَّه تحرَّج، وهذا هو الأظهر. 
قال( ع ) : ومن هنا يقوى أن قابيل إنما هو عاصٍ، لا كافر، لأنه لو كان كافراً، لم يكن للتحرُّج هنا وجهٌ.

### الآية 5:29

> ﻿إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ ۚ وَذَٰلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ [5:29]

تَبُوء  : معناه : تمضِي متحمِّلاً، وقوله : بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ  قيل : معناه : بإثم قَتْلي وسائرِ آثامك، وقيل المعنى : بإثمي الذي يختصُّ بي فيما فَرَط لي، وهذا تأويلٌ يَعْضُدُه قولُ النبيِّ صلى الله عليه وسلم :( يؤتى بِالظَّالِمِ وَالمَظْلُومِ يَوْمَ القِيَامَةِ، فَيُؤْخَذُ مِنْ حَسَنَاتِ الظَّالِمِ، فَتُزَادُ فِي حَسَنَاتِ المَظْلُومِ، حتى يَنْتَصِفَ، فَإنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ حَسَنَاتٌ، أُخِذَ من سَيِّئَاتِ المَظْلوم، فتُطْرح عليه ). 
وقوله : وَذَلِكَ جزاء الظالمين \[ المائدة : ٢٩ \]. 
يحتملُ : أن يكون مِنْ قول هابيلَ لأخيه، ويحتمل : أن يكون إخباراً من اللَّه تعالى لمحمَّد عليه السلام، قال الفَخْر :

### الآية 5:30

> ﻿فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ [5:30]

قوله تعالى : فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ \[ المائدة : ٣٠ \] قال المفسرون : معناه : سَهَّلَتْ له نفسه قَتْل أخيه، انتهى. 
وقوله سبحانه : فَأَصْبَحَ مِنَ الخاسرين \[ المائدة : ٣٠ \]. 
أصْبَحَ : عبارةٌ عن جميعِ أوقاتِهِ، وهذا مَهْيَعُ كلامِ العرب، ومنه :\[ المنسرح \]
أَصْبَحْتُ لاَ أَحْمِلُ السِّلاَح\*\*\* البَيْتَ. 
وقول سعد : فَأَصْبَحَتْ بَنُو أَسَدٍ تُعَزِّرُنِي، إلى غير ذلك مِن استعمال العرب، ومِنْ خسرانِ قابيلَ ما صحَّ، وثبَتَ عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم، أنه قَالَ :( مَا قُتِلَتْ نَفْسٌ ظُلْماً إلاَّ كَانَ عَلَى ابن آدَمَ الأَوَّلِ كِفْلٌ مِنْهَا )، وذلك لأنه أول مَنْ سَنَّ القتل.

### الآية 5:31

> ﻿فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْءَةَ أَخِيهِ ۚ قَالَ يَا وَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَٰذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْءَةَ أَخِي ۖ فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ [5:31]

قوله تعالى : فَبَعَثَ الله غُرَاباً. . .  \[ المائدة : ٣١ \]. 
قيل : أصبح في ثاني يومٍ قتله يطلب إخفاء أَمْرِ قتله، فلم يَدْرِ ما يصنعُ به، فبعث اللَّه غراباً حيًّا إلى غرابٍ ميتٍ، فجعل يبحَثُ في الأرض، ويُلْقِي الترابَ على الغُرَاب الميِّت، وظاهرُ الآية أنَّ هابيلَ هو أول مَيِّتٍ من بني آدم، ولذلك جَهِلَ سُنَّة المواراةِ، وكذلك حكى الطبريُّ، عن ابن إسحاقَ، عن بعض أَهْلِ العِلْمِ بما في الكُتُب الأَوَلِ، و( السَّوْءَةُ ) : العورةُ، ويحتمل أن يراد الحالة التي تَسُوء النَّاظر، ثم إن قابيلَ وارى أخَاه، ونَدِمَ على ما كان منه مِنْ معصية في قَتْله، حيث لا ينفعه الندم. 
واختلف العلماء في قابيلَ، هل هو مِنَ الكُفَّار أو من العُصَاة، والظاهر أنه من العُصَاة، قال الفَخْر : ولم ينتفعْ قابيلُ بندمه، لأن نَدَمَهُ كان لأسبابٍ، منها : سخط أبويه وإخوته، وعدمُ انتفاعه بقتله، وَنَحْوُ ذلك، ولما كان ندمه لهذه الأسبابِ، لا لأجْلِ الخَوْف من اللَّه تعالى، فلا جَرَمَ لم ينفعْهُ هذا الندَمُ.

### الآية 5:32

> ﻿مِنْ أَجْلِ ذَٰلِكَ كَتَبْنَا عَلَىٰ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا ۚ وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ بَعْدَ ذَٰلِكَ فِي الْأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ [5:32]

قوله تعالى : مِنْ أَجْلِ ذلك \[ المائدة : ٣٢ \]. 
هو إِشارة إلى ما تضمَّنته هذه القصَّة من أنواع المفاسِدِ الحاصلة بسبب القَتْل الحرامِ، لا أنه إشارة إلى قصة قابيلَ وهابيلَ، انتهى. 
وقوله سبحانه : مِنْ أَجْلِ ذلك كَتَبْنَا على بَنِي إسرائيل. . .  الآية، جمهورُ النَّاس على أن قوله : مِنْ أَجْلِ ذلك  : متعلِّق بقوله : كَتَبْنَا  أي : من أجل هذه النازلة، ومِنْ جَرَّاها كتبنا، وقالَ قومٌ : بل هو متعلِّق بقوله : مِنَ النادمين \[ المائدة : ٣١ \] أي : ندم، من أجل ما وقع، والوقْفُ، على هذا، على  ذلك ، و( الناس ) على أن الوَقْف  مِنَ النادمين ، ويقال : فعلْتُ ذلك مِنْ أَجْلِكَ بفتح الهمزة ومِنْ إجْلِكَ بكسرها. 
قوله سبحانه : بِغَيْرِ نَفْسٍ \[ المائدة : ٣٢ \] أي : بغير أن تَقْتُلَ نفْسٌ نفْساً، والفسادُ في الأرض : يجمع الزنا، والارتداد، والحِرَابة. 
وقوله سبحانه : فَكَأَنَّمَا قَتَلَ الناس جَمِيعاً  روي عن ابن عباس، أنه قال : المعنى : مَنْ قتل نفساً واحدةً، وانتهك حرمتها، فهو مِثْلُ مَنْ قتل الناس جميعا، ومَنْ ترك قتْلَ نفسٍ واحدةٍ، وصان حرمتها، مخافَتِي، واستحياها، فهو كَمَنْ أحيا الناسَ جميعاً، قال الحسنُ، وابْنُ زيدٍ : وَمَنْ أحياها  أي : عفا عمَّن وَجَبَ له قتلُهُ بعد القدرة، وقيل غير هذا. 
ثم أخبر تعالى عن بني إسرائيل، أنهم جاءتهم الرسُلُ بالبيِّنات في هذا، وفي سِوَاه،  ثُمَّ إِنَّ كَثِيراً مِّنْهُمْ بَعْدَ ذلك  في كُلِّ عَصْر يسرفُونَ، ويتجاوزون الحُدُود.

### الآية 5:33

> ﻿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ۚ ذَٰلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا ۖ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ [5:33]

قوله سبحانه : إِنَّمَا جزاء الذين يُحَارِبُونَ الله وَرَسُولَهُ. . .  \[ المائدة : ٣٣ \]. روى أنس بن مالك وغيره : أن الآية نزلَتْ في قومٍ مِنْ عُكْلٍ وعُرَيْنَةَ قَدِمُوا عَلَى النبيِّ صلى الله عليه وسلم، فَأَسْلَمُوا، ثم إنهم مَرِضُوا، واستوخموا المدينَةَ، فَأَمَرَهُمُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم، أنْ يَكُونُوا فِي لقَاح الصَّدَقَةِ، وَقَالَ :( اشربوا مِنْ أَلْبَانِهَا وَأَبْوَالِهَا )، فخرَجُوا فِيهَا، فَلَمَّا صَحُّوا، قَتَلُوا الرَّاعِيَ، واستاقوا الإبِلَ، فَبَلَغَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم خَبَرُهُمْ، فَبَعَثَ الطَّلَبَ فِي آثَارِهِمْ، فَأُخِذُوا، قَالَ جَمِيعُ الرُّوَاةِ : فَقَطَعَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أيْدِيَهُمْ وَأَرْجُلَهُمْ مِنْ خِلاَفٍ، وَسَمَرَ أَعْيُنَهُمْ، ويروى، وَسَمَلَ، وَتَرَكَهُمْ فِي جَانِبِ الْحَرَّةِ، يَسْتَسْقُونَ، فَلاَ يُسْقَوْنَ، فقيل : إن هذه الآية ناسخةٌ لفعْله صلى الله عليه وسلم بالعُرَنِيِّينَ، ووقَف الأمْر على هذه الحدودِ. 
وقال جماعةٌ : أنها غير ناسخةٍ لذلك الفعْل، لأن العرنيين مرتدُّون، لا سيَّما، وفي بعض الطُّرُق، أنهم سَمَلُوا أَعْيُنَ الرِّعَاءِ، وقالوا : هذه الآيةُ هي في المحارِبِ المُؤْمِنِ. 
قال مالك : المُحَارِبُ عندنا : مَنْ حَمَلَ على الناس السلاحَ فِي مِصْرٍ أو بَرِّيَّةٍ، فكابرهم عن أنفسهم وأموالهم، دون نَائِرَةٍ، ولا دَخلٍ، ولا عداوةٍ، وبهذا القولِ قال جماعةٌ من أهل العِلْمِ، قالوا : والإمامُ مخيَّرٌ فيه بأن يعاقبه بما رأى مِنْ هذه العقوبات، فأما قَتْلُ المحارِبِ، فبالسَّيْف ضربةً للعنُق، وأما صَلْبه، فبعد القتْلِ عند جماعة، وقال جماعة : بل يُصْلَبُ حيًّا، ويُقْتلُ بالطعن على الخَشَبة، وروي هذا عن مالك، وهو الأظهر من الآيةِ، وهو الأنكى في النكال، وأما القَطْع، فاليد اليمنى من الرّسْغ، والرِّجْل الشِّمال من المَفْصِلِ. 
وقوله سبحانه : أَوْ يُنفَوْاْ مِنَ الأرض  الظاهر : أن الأرض في هذه الآية هي أرضُ النازلة، وقد جنب الناس قديماً الأرض التي أصابُوا فيها الذُّنُوب، ومنه حديثُ الذي نَاءَ بصَدْره نحو الأرْضِ المقدَّسة، وينبغي للإمام، إنْ كان هذا المحارِبُ المنفيُّ مخُوفَ الجانِبِ، يظنُّ به أن يعود إلى حِرابةٍ وإفسادٍ أنْ يسجنه في البلد الذي يغرب إلَيْهِ، وإنْ كان غير مخُوفِ الجانبِ، ترك مساحاً، وهذا هو صريحُ مذهب مالك. 
وقوله تعالى : ذلك لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدنيا  الآية، إشارة إلى هذه الحدود التي تُوقَعُ بهم، فيحتمل الخزي لمن عوقب، وعذاب الآخرة لمن سَلِمَ في الدنيا، وبالجملة فهم في المشيئة.

### الآية 5:34

> ﻿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ ۖ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ [5:34]

قوله سبحانه : إِلاَّ الذين تَابُواْ \[ المائدة : ٣٤ \]. 
استثنى عز وجل التائِبَ قبل أنْ يُقْدَرَ عليه، وأخبر سبحانه بِسُقُوطِ حقوقِهِ عنْه، بقوله : فاعلموا أَنَّ الله غَفُورٌ رَّحِيمٌ ، والعلماءُ على أن الآية في المؤمنين، ويؤخذ المحارِب بحقوقِ الناسِ، وإن تاب، هذا هو الصحيح.

### الآية 5:35

> ﻿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ [5:35]

قوله تعالى : يا أيها الذين ءَامَنُواْ اتقوا الله وابتغوا إِلَيهِ الوسيلة. . .  \[ المائدة : ٣٥ \]. 
هذه الآية وعْظٌ من اللَّه تعالى بعقب ذكر العقوبات النازلة بالمحاربين، وهذا من أبلغ الوعْظ، لأنه يرد على النفوس، وهي خائفةٌ وجِلَةٌ  وابتغوا  : معناه : اطلبوا، و الوسيلة  : القُرْبَةُ، وأما الوسيلةُ المطلوبةُ لنبيِّنا محمَّد صلى الله عليه وسلم، فهي أيضاً من هذا، لأن الدعاء له بالوسيلةِ والفضيلةِ إنما هو أنْ يُؤْتَاهُما في الدنيا، ويتَّصف بهما، ويكونُ ثمرةُ ذلك في الآخرةِ التشفيعَ في المَقَامِ المحمودِ. 
قلْتُ : وفي كلامه هذا ما لا يخفى، وقد فسر النبيُّ صلى الله عليه وسلم الوسيلةَ التي كان يَرْجُوها من ربه، وأَنَّهَا دَرَجَةٌ فِي الجَنَّةِ لاَ يَنْبَغِي أَنْ تَكُونَ إلاَّ لِعَبْدٍ مِنْ عِبَادِ اللَّهِ، وَأَرْجُو أَنْ أَكُونَ أَنَا هُوَ ) الحديث، وخص سبحانه الجهادَ بالذكْر، وإن كان داخلاً في معنى الوسيلة تشريفاً له، إذ هو قاعدةُ الإسلام.

### الآية 5:36

> ﻿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُوا بِهِ مِنْ عَذَابِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَا تُقُبِّلَ مِنْهُمْ ۖ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ [5:36]

بعض الطُّرُق أنهم سَمَلُوا أَعْيُنَ الرِّعَاءِ، وقالوا: هذه الآيةُ هي في المحارِبِ المُؤْمِنِ.
 قال مالك: المُحَارِبُ عندنا: مَنْ حَمَلَ على الناس السلاحَ فِي مِصْرٍ أو بَرِّيَّةٍ، فكابرهم عن أنفسهم وأموالهم، دون نَائِرَةٍ **«١»**، ولا دَخلٍ، ولا عداوةٍ وبهذا القولِ قال جماعةٌ من أهل العِلْمِ، قالوا: والإمامُ مخيَّرٌ فيه بأن يعاقبه بما رأى مِنْ هذه العقوبات، فأما قَتْلُ المحارِبِ، فبالسَّيْف ضربةً للعنُق، وأما صَلْبه، فبعد القتْلِ عند جماعة، وقال جماعة:
 بل يُصْلَبُ حيًّا، ويُقْتلُ بالطعن على الخَشَبة، وروي هذا عن مالك، وهو الأظهر من الآيةِ، وهو الأنكى في النكال، وأما القَطْع، فاليد اليمنى من الرُّسْغ والرِّجْل الشِّمال من المَفْصِلِ.
 وقوله سبحانه: أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ: الظاهر: أن الأرض في هذه الآية هي أرضُ النازلة، وقد جنب الناس قديماً الأرض التي أصابُوا فيها الذُّنُوب ومنه حديثُ الذي نَاءَ بصَدْره نحو الأرْضِ المقدَّسة، وينبغي للإمام، إنْ كان هذا المحارِبُ المنفيُّ مخُوفَ الجانِبِ، يظنُّ به أن يعود إلى حِرابةٍ وإفسادٍ- أنْ يسجنه في البلد الذي يغرب إلَيْهِ، وإنْ كان غير مخُوفِ الجانبِ، ترك مسرَّحاً، وهذا هو صريحُ مذهب مالك.
 وقوله تعالى: ذلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيا... الآية: إشارة إلى هذه الحدود التي تُوقَعُ بهم، فيحتمل الخزي لمن عوقب، وعذاب الآخرة لمن سَلِمَ في الدنيا، وبالجملة فهم في المشيئة.
 وقوله سبحانه: إِلَّا الَّذِينَ تابُوا... الآية: استثنى عز وجل التائِبَ قبل أنْ يُقْدَرَ عليه، وأخبر سبحانه بِسُقُوطِ حقوقِهِ عنْه بقوله: فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ، والعلماءُ على أن الآية في المؤمنين، ويؤخذ المحارِب بحقوقِ/ الناسِ، وإن تاب هذا هو الصحيح.
 \[سورة المائدة (٥) : الآيات ٣٥ الى ٣٧\]
 يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ وَجاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٣٥) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ أَنَّ لَهُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُوا بِهِ مِنْ عَذابِ يَوْمِ الْقِيامَةِ ما تُقُبِّلَ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (٣٦) يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ وَما هُمْ بِخارِجِينَ مِنْها وَلَهُمْ عَذابٌ مُقِيمٌ (٣٧)
 وقوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ... الآية: هذه الآية

 (١) النائرة: الحقد والعداوة. والدّخل: ما داخل الإنسان من فساد في عقل أو جسم.
 ينظر: **«لسان العرب»** (١٣٤٢)، (٤٥٩٣).

### الآية 5:37

> ﻿يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْهَا ۖ وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ [5:37]

قوله تعالى : يُرِيدُونَ أَن يَخْرُجُواْ مِنَ النار \[ المائدة : ٣٧ \]. 
إخبار بأنهم يتمنَّوْنَ هذا، وقال الحسنُ بْنُ أبي الحسن : إذا فَارَتْ بهم النارُ، قَرُبُوا من حاشيتها، فحينئِذٍ يريدونَ الخُرُوجَ، ويطمعون به، وتأوَّل هو وغيره الآية على هذا، قلْتُ : ويؤيِّده ما خرَّجه البخاريُّ في رؤية النبيِّ صلى الله عليه وسلم، حَيْثُ أَتَاهُ آتيَانِ، فَأَخَذَا بِيَدِهِ، وفيه :( فَأَقْبَلَ الرَّجُلُ الَّذِي فِي النَّهْرِ، فَإذَا أَرَادَ أَنْ يَخْرُجَ، رمى الرجل بِحَجَرٍ فِي فِيهِ )، وفيه أيضاً :" فَانْطَلَقْنَا إلى ثُقْبٍ مِثْلِ التَّنُّورِ أَعْلاَهُ ضَيِّقٌ، وَأَسْفَلُهُ وَاسِعٌ، تَتَوَقَّدُ تَحْتَهُ نَارٌ، فَإذَا اقترب، ارتفعوا، فَإذَا خَمَدَتْ، رَجَعُوا فِيهَا، وَفِيهَا رِجَالٌ وَنِسَاءٌ عُرَاةٌ، فَقُلْتُ : مَا هَذَا ؟ فَقَالاَ : انطلق " الحديث، وأخبر سبحانه عن هؤلاءِ الكفَّار، أنهم ليسوا بخارجين من النار، بل عذابهم فيها مقيمٌ مؤبَّد.

### الآية 5:38

> ﻿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ [5:38]

قوله سبحانه : والسارق والسارقة فاقطعوا أَيْدِيَهُمَا. . . \[ المائدة : ٣٨ \]. 
قلت : المسروقُ : مال أو غيره، فشرط المال : أنْ يكون نصاباً، بعد خروجه، مملوكاً لغير السارقِ، ملكاً تامًّا، لا شُبهة له فيه، مُحْرَزاً، مُخْرَجاً منه إلى ما ليس بِحِرْزٍ له، استسرارا. 
فالنصاب : ربعُ دينارٍ أو ثلاثةُ دراهم، أو ما يساوِي ثلاثة دراهمَ، وقوله : أَيْدِيَهُمَا  يعني : أَيْمانَ النوعَيْن، والنَّكَال : العذابُ، والنِّكْل : القَيْد.

### الآية 5:39

> ﻿فَمَنْ تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ ۗ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ [5:39]

قوله سبحانه : فَمَن تَابَ مِن بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ الله يَتُوبُ عَلَيْهِ \[ المائدة : ٣٩ \]
جمهورُ العلماءِ على أَنَّ توبة السارق لا تُسْقِطُ عنه القَطْعَ، وقال الشافعيُّ : إذا تاب السارق قبل أنْ يتلبَّس الحُكَّام بأخْذه، فتوبته تَدْفَعُ عنه حُكْمَ القطع، قياساً على توبة المُحَارِبِ.

### الآية 5:40

> ﻿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ ۗ وَاللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [5:40]

قوله سبحانه : أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ الله لَهُ مُلْكُ السموات والأرض يُعَذِّبُ مَن يَشَاءُ وَيَغْفِرُ لِمَن يَشَاءُ \[ المائدة : ٤٠ \]. 
أي فلا معقِّب لحكمه سبحانه، ولا معتَرِضَ عليه، يفعلُ ما يَشَاء لا إله إلا هو.

### الآية 5:41

> ﻿۞ يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ ۛ وَمِنَ الَّذِينَ هَادُوا ۛ سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ ۖ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ ۖ يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَٰذَا فَخُذُوهُ وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا ۚ وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا ۚ أُولَٰئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ ۚ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ ۖ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ [5:41]

قوله تعالى : يا أيها الرسول لاَ يَحْزُنكَ الذين يُسَارِعُونَ فِي الكفر \[ المائدة : ٤١ \]. 
تسليةٌ لنبيِّه عليه السلام، وتقويةٌ لنفسه، بسبب ما كان يلقى من طوائف المنافقين واليهود، والمعنى : قد وعَدْناك النصْرَ والظهورَ عليهم، فلا يحزنْكَ ما يقعُ منهم، ومعنى المسارعة في الكُفْرِ : البِدَارُ إلى نَصْره، والسعْيُ في كيد الإسلام، وإطفاءِ نوره. 
قال مجاهدٌ، وغيره : قوله تعالى : مِنَ الذين قَالُواْ ءَامَنَّا بأفواههم وَلَمْ تُؤْمِن قُلُوبُهُمْ  يراد به المنافقون.

### الآية 5:42

> ﻿سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ ۚ فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ ۖ وَإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئًا ۖ وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ [5:42]

قوله : سماعون لِلْكَذِبِ سماعون لِقَوْمٍ آخَرِينَ  : يراد به اليهودُ، ويحتمل أن يراد به اليهود مع المنافقين، لأن جميعهم يَسْمَعُ الكذبَ، بعضَهُم مِنْ بعض، ويقبلونه، ولذلك جاءَتْ عبارة سَمَاعهم في صيغَةِ المبالغة، إذِ المرادُ أنهم يُقْبِلُونَ ويستزيدون من ذلك. 
وقوله سبحانه : سماعون لِقَوْمٍ آخَرِينَ  : يحتمل أنْ يريد : يَسْمَعُون منهم، وذكر الطبريُّ عن جابر، أن المراد بالقوم الآخرينَ يَهُودُ فَدَكَ، وقيل : يهود خَيْبَر، ويحتمل أنْ يكون معنى  سماعون لِقَوْمٍ آخَرِينَ  بمعنى : جواسيسَ مُسْتَرِقِينَ الكلامَ، لينقلوه لقوم آخرينَ، وهذا مما يمكن أن يتصف به المنافقُونَ، ويهودُ المدينة. قلْتُ : وهذا هو الذي نَصَّ عليه ابنُ إسحاق في " السِّيَرِ ". 
قال :( ع ) : وقيل لسُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ : هل جرى للجاسُوسِ ذكْرٌ في كتاب اللَّه عزَّ وجلَّ ؟ فقال : نعم، وتلا هذه الآية : سماعون لِقَوْمٍ آخَرِينَ . 
وقوله سبحانه : يُحَرّفُونَ الكلم مِن بَعْدِ مواضعه  : هذه صفةُ اليهود في معنى ما حرَّفوه من التوراةِ، وفيما يحرِّفونه من الأقوال عند كذبهم،  مِن بَعْدِ مواضعه ، أي : من بعد أن وضعَ مواضِعَهُ، وقصدت به وجوهه القويمة،  يقولون إن أوتيتم هذا، فخذوه  روي أنَّ يهود فَدَك قالوا ليهودِ المدينةِ : استفتوا محمَّداً، فإن أفتاكم بما نَحْنُ عليه من الجَلْد والتَّجْبِيَةِ، فخذوه، وإن أفتاكم بالرَّجْم، فاحذروا الرجْمَ، قاله الشعبيُّ وغيره، وقيل غير هذا من وقائعهم، فالإشارة ب  هذا  إلى التحميمِ والجَلْدِ في الزنا على قولٍ، ثم قال تعالى لنبيِّه عليه السلام، على جهة قَطْع الرجاء منهم : وَمَن يُرِدِ الله فِتْنَتَهُ  أي : محنَتَهُ بالكفر،  فلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ الله شَيْئاً ، ثم أخبر تعالى عنهم، أنهم الذين سَبَقَ لهم في علْمه أن لاَّ يطهِّر قلوبَهُم، وأنْ يكونوا مُدَنَّسِينَ بالكُفْر،  لَهُمْ فِي الدنيا خِزْيٌ ، بالذِّلَّة والمَسْكَنة الَّتي ضُرِبَتْ عليهم في أقطار الأرْضِ، وفي كلِّ أُمَّة. 
قال ( ص ) : سماعون ، أي : هم سمَّاعون، ومثله ( أكَّالون )، انتهى. 
وقوله سبحانه : أكالون لِلسُّحْتِ \[ المائدة : ٤٢ \]. 
فعَّالون، بناءُ مبالغة، أي : يتكرَّر أَكْلُهم، ويَكْثُر، و( السُّحْت ) : كل ما لا يَحِلُّ كسبه من المال. 
وقوله تعالى : فَإِن جَاءُوكَ فاحكم بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ  : تخييرٌ للنبيِّ صلى الله عليه وسلم، ولحكَّامِ أُمَّتِهِ بعده، وقال ابنُ عباس، وغيره : هذا التخْييرُ منسوخٌ بقوله سبحانه :
 وَأَنِ احكم بَيْنَهُمْ بِمَا أَنزَلَ الله \[ المائدة : ٤٩ \]، وقال كثيرٌ من العلماء : هي مُحْكَمَة، وهذا هو الأظهر، إن شاء اللَّه، وفِقْهُ هذه الآية أنَّ الأَمَّة مُجْمِعَة فيما علمتُ على أنَّ حاكم المسلمين يحْكُمُ بيْنَ أهْل الذمَّة في تظالمهم، وأمَّا نوازل الأحْكَام التي لا تَظَالُمَ فيها، فالحاكمُ مخيَّر، وإذا رضي به الخَصْمان، فلا بد مِنْ رِضَى أساقِفَتِهِمْ أو أحبارهم، قاله ابن القاسِمِ في **«العتبية »**، قلت : وعبارة الداوديُّ : قال مالك : ولا يَحْكُمُ بينهم، إذا اختار الحكم إلا في المظالمِ، فيحكم بينهما بما أنزل اللَّه، ولا يحكم فيهم في الزنا إلا أنْ يعلنوه، فيعاقَبُونَ بسبب إعلانه، ثم يردُّون إلى أساقفتهم، قال مالك : وإنما رجم النبيُّ صلى الله عليه وسلم اليهودِيَّيْنِ قبل أنْ تكون لهم ذمَّة، انتهى. 
وقال ابنُ العربيِّ في **«أحكامه »** : إنما أَنْفَذَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم الحُكْمَ بينهم، ليحقِّق تحريفَهُم، وتبديلَهم، وكَذِبَهم، وكَتْمَهم مَا في التوراة، ومنْه صفتُهُ صلى الله عليه وسلم فيها، والرجْمُ على زناتهم، وعنه أخبر اللَّه تعالى بقوله : يا أهل الكتاب قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيّنُ لَكُمْ كَثِيراً مِّمَّا كُنتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الكتاب وَيَعْفُواْ عَن كَثِيرٍ \[ المائدة : ١٥ \]، فيكون ذلك من آياته الباهرةِ، وحُجَجِهِ البيِّنة، وبراهينِهِ القاطعةِ الدَّامغة، للأَمَّة المُخْزية اليهودية، انتهى. 
وقوله تعالى : وَإِن تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَن يَضُرُّوكَ شَيْئاً  أمَّنَ اللَّه سبحانَهُ نبيَّه من ضررهم، إذا أعْرَضَ عنهم، وحقَّر في ذلك شأنهم،  وَإِنْ حَكَمْتَ  أي : اخترت الحكْمَ في نازلةٍ مَّا،  فاحكم بَيْنَهُم بالقسط  أيْ : بالعدل.

### الآية 5:43

> ﻿وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِنْدَهُمُ التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللَّهِ ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِنْ بَعْدِ ذَٰلِكَ ۚ وَمَا أُولَٰئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ [5:43]

قال سبحانه : وَكَيْفَ يُحَكّمُونَكَ \[ المائدة : ٤٣ \] المعنى : وكيفَ يحكِّمونك بنيَّةٍ صادقةٍ ؟ وهم قد خالفوا حُكْمَ التوراة التي يصدِّقون بها، وتولَّوْا عن حُكْمِ اللَّه فيها، فأنْتَ الذي لا يؤمِنُونَ بك أحرى بأن يخالفوا حُكْمَك، وهذا بيِّن أنهم لا يحكِّمونه عليه السلام إلا رغبةً في ميله إلى أهوائهم. 
وقوله سبحانه : مِن بَعْدِ ذلك \[ المائدة : ٤٣ \]. 
أي : مِنْ بعد كونِ حكمِ اللَّه في التوراة في الرجْمِ وما أشبهه. 
وقوله تعالى : وَمَا أولئك بالمؤمنين  يعني : بالتوراة وبموسى.

### الآية 5:44

> ﻿إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ ۚ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ ۚ فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا ۚ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ [5:44]

قوله سبحانه : إِنَّا أَنزَلْنَا التوراة فِيهَا هُدىً \[ المائدة : ٤٤ \]. 
أي : إرشاد في المعتقَدِ والشرائعِ، والنورُ : ما يستضاء به مِنْ أوامرها ونواهيها، و النبيون الذين أَسْلَمُواْ  هم مَن بُعِثَ من لدنْ موسَى بنِ عمرانَ إلى مدة نبيِّنا محمَّد عليه السلام، ( وأسلموا ) : معناه أخْلَصُوا وجوهَهُم، ومقاصِدَهم للَّه سبحانه، وقوله : لِلَّذِينَ هَادُواْ  متعلِّق ب  يَحْكُمُ  أي : يَحْكُمُونَ بمقتضَى التوراةِ لبني إسرائيل وعليهم،  والربانيون  : عطف على النبيِّين، أي : ويحكم بها الرَّبَّانِيُّون، وهم العلماءُ، وقد تقدَّم تفسير الرَّبَّانِيِّ، والأحْبَارُ أيضاً : العلماءُ، واحدُهم : حِبْرٌ، بكسر الحاء وفتحها، وكثُر استعمال الفَتْح، فرقًا بينه وبين **«الحِبْرِ »** الذي يُكْتَبُ به، وإنما اللفظ عامٌّ في كلِّ حَبْرٍ مستقيمٍ فيما مضى من الزمان، قبل مبعَثِ نبيِّنا محمد عليه السلام. 
وقوله سبحانه : بِمَا استحفظوا  أي : بسبب استحفاظ اللَّه تعالى إياهم أمر التَّوْراة، وأخْذِهِ العهدَ علَيْهم في العملِ والقَوْلِ بها، وعرَّفهم ما فيها، فصَارُوا شُهَداء عليه، وهؤلاء ضيَّعوا لَمَّا استحفظوا، حتى تبدَّلتِ التوراةُ، والقُرآنُ بخلافِ هذا، لقوله تعالى : وَإِنَّا لَهُ لحافظون \[ الحجر : ٩ \]. 
وقوله تعالى : فَلاَ تَخْشَوُاْ الناس واخشون \[ المائدة : ٤٤ \] حكايةٌ لما قيل لعلماء بني إسرائيل. 
وقوله : وَلاَ تَشْتَرُواْ بآياتي ثَمَناً قَلِيلاً  نَهْيٌ عن جميع المكاسِبِ الخبيثةِ بالعلْمِ والتحيُّلِ للدنيا بالدِّين، وهذا المعنى بعينه يتناوَلُ علماء هذه الأمة وحُكَّامَها، ويحتملُ أنْ يكون قوله : فَلاَ تَخْشَوُاْ الناس. . .  إلى آخر الآية خطاباً لأمَّة نبينا محمد عليه السلام. 
واختلف العلماء في المراد بقوله : وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ الله فأولئك هُمُ الكافرون ، فقالتْ جماعة : المرادُ : اليهودُ بالكافرين، والظَّالمين والفاسِقِينَ، وروي في هذا حديثٌ عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم مِنْ طريق البَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ، قال الفَخْر : وتمسَّكت الخوارجُ بهذه الآية في التكْفِير بالذَّنْب، وأجيبَ بأنَّ الآية نزلَتْ في اليهود، فتكون مختصَّة بهم، قال الفَخْر : وهَذا ضعيفٌ، لأن الاعتبار بعمومِ اللفظِ، لا بخصوصِ السبَبِ. 
قلْتُ : وهذه مسألةُ خلافٍ في العامِّ الوارِدِ على سببٍ، هَلْ يبقى على عمومه، أو يُقْصرُ على سببه ؟ انتهى. 
وقالتْ جماعة عظيمةٌ من أهل العلمِ : الآيةُ متناولة كلَّ مَنْ لم يحكُمْ بما أنزل اللَّه، ولكنَّها في أمراء هذه الأمَّة كُفْرُ معصية، لا يخرجهم عن الإيمان، وهذا تأويلٌ حسن، وقيل لحذيفة بْنِ اليَمَان : أنزلت هذه الآية في بني إسرائيل، فقال : نِعْمَ الإخْوَةُ لَكُمْ بَنُو إسْرَائِيلَ، إنْ كَانَتْ لَكُمْ كُلُّ حُلْوَةٍ، وَلَهُمْ كُلُّ مرَّةٍ، لَتَسْلُكُنَّ طَرِيقَهُم قُذَّ الشِّرَاكِ.

### الآية 5:45

> ﻿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ ۚ فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ ۚ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ [5:45]

قوله تعالى : وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النفس بالنفس. . .  \[ المائدة : ٤٥ \]. 
أي : وكتبنا على بني إسرائيل في التوراة، ومعنى هذه الآية : الخَبَرُ بأن اللَّه تعالى كتَبَ فرضاً على بني إسرائيل، أنه مَنْ قَتَل نفساً، فيجب في ذلك أخْذُ نفسه، ثم هذه الأعضاءُ المذكورةُ كذلك، ثم استمر هذا الحكم في هذه الأُمَّة بما عُلِمَ من شرع النبيِّ صلى الله عليه وسلم، قال ابن عباس : ورخَّص اللَّه لهذه الأُمَّة، ووسَّع لها بالدِّيَة، ولم يجعلْ لبني إسرائيل ديةً فيما نَزَّل على موسى، والجمهور  أَنَّ النفس بالنفس  : عمومٌ يراد به الخصوصُ في المتماثلين، كما ورد في الحديث، عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم :( لاَ يُقْتَلُ مُسْلِمٌ بِكَافِرٍ )، وكذلك قوله سبحانه : والجروح قِصَاصٌ  عمومٌ يراد به الخصوصُ فيما لا يخافُ منها على النفْسِ، وكُتُبُ الفقْهِ محَلُّ استيعابِ الكلامِ على هذه المعانيِ. 
قال ( ص ) : والجروح قِصَاصٌ  أيْ : ذاتُ قصاصٍ، انتهى. 
وقوله سبحانه : فَمَن تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَّهُ  المعنى : أنَّ من تصدَّق بجُرْحه أو دمِ وليه وعفا، فإنَّ ذلك العَفْوَ كفَّارة لذنوبه يعظم اللَّه أجْره بذلك، قاله ابن عمر، وغيره، وفي معناه حديثٌ مرويٌّ عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم. 
قُلْتُ : وهو قوله صلى الله عليه وسلم :( مَا مِنْ رَجُلٍ يُصَابُ بِشَيْءٍ فِي جَسَدِهِ فَتَصَدَّقَ بِهِ إلاَّ رَفَعَهُ اللَّهُ بِهِ دَرَجَةً، وَحَطَّ عَنْهُ بِهِ خَطِيئَةً )، رواه الترمذيُّ، انتهى. 
وقيل : المعنى فذلك العفو كفَّارة للجارحِ عن ذلك الذنْبِ، كما أن القِصَاص كفَّارة، فكذلك العفو كفَّارة، وأما أجر العافي، فعلى اللَّه تعالى، قاله ابن عبَّاس وغيره. 
وقيل : المعنى إذَا جنى جانٍ، فجُهِلَ، وخَفِيَ أمره، فتصدَّق هذا الجاني، بأن اعترفَ بذلك، ومكَّنَ من نفسه، فذلك الفعْلُ كفَّارة لذنبه.

### الآية 5:46

> ﻿وَقَفَّيْنَا عَلَىٰ آثَارِهِمْ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ ۖ وَآتَيْنَاهُ الْإِنْجِيلَ فِيهِ هُدًى وَنُورٌ وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ [5:46]

قوله سبحانه : وَقَفَّيْنَا على آثارهم بِعَيسَى ابن مَرْيَمَ. . .  \[ المائدة : ٤٦ \]. الضميرُ في  آثارهم  للنبيِّين. 
وقوله : وَهُدىً وَمَوْعِظَةٌ لِّلْمُتَّقِينَ  خُصَّ المتقون بالذِّكْر، لأنهم المقصودُ به في عِلْمِ اللَّه، وإنْ كان الجميعُ يدعى إلى توحيدِ اللَّه، ويوعَظُ، ولكنَّ ذلك على غَيْرِ المتَّقين عَمًى وحَيْرةٌ.

### الآية 5:47

> ﻿وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنْجِيلِ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ ۚ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ [5:47]

قرأ حمزة وحده :( وَلِيَحْكُمَ ) بكسرِ اللامِ، وفتحِ الميمِ، على **«لام كَيْ »**، ونصبِ الفعلِ بها، والمعنى : وآتيناه الإِنجيل، ليتضمَّن الهدى والنور والتصديق، ولِيَحْكُمَ أهله بما أنزل اللَّه فيه، وقرأ باقي السبْعَةِ :( وَلْيَحْكُمْ ) بسكون لامِ الأمرِ، وجزمِ الفعلِ، ومعنى أمره لهم بالحكم : أي هكذا يجبُ عليهم. 
قُلْتُ : وإذْ من لازم حكمهم بما أنزلَ اللَّه فيه اتباعهم لنبيِّنا محمد عليه السلام، والإيمانُ به، كما يجدونه مكتوباً عندهم في التوراة والإنجيلِ، قال الفَخْر : قيل : المرادُ ولْيحكُمْ أهل الإنجيل بما أنزل اللَّه فيه، من الدلائلِ الدالَّة على نبوَّة محمَّد صلى الله عليه وسلم قيل : والمرادُ بالفاسقين مَنْ لم يَمْتَثِلْ من النصارَى، انتهى. وحَسُن عَقِبَ ذلك التوقيفُ على وعيدِ مَنْ خالف ما أنزل اللَّه.

### الآية 5:48

> ﻿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ ۖ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ ۖ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ ۚ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا ۚ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَٰكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ ۖ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ ۚ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ [5:48]

قوله سبحانه : وَمُهَيْمِناً \[ المائدة : ٤٨ \]. 
أي : جعل اللَّه القُرآن مهيمناً على الكُتُب، يشهد بما فيها من الحقائقِ، وعلى ما نسبه المحرِّفون إليها، فيصحِّح الحقائق، ويُبْطِلُ التحريفَ، وهذا هو معنى  مُهَيْمِناً ، أي : شاهدٌ، ومصدِّقٌ، ومؤتَمَنٌ، وأمينٌ، حسَبَ اختلافِ عبارة المفسِّرين في اللفظة، قال المبرِّد :**«مهَيْمِن »** : أصله \[ مُؤَتمِن \]، بُنِيَ من **«أَمين »**، أبدلَتْ همزتُهُ هاءً، كما قالوا :\[ أَرَقْتُ \] المَاءَ، وَهَرَقْتُهُ، واستحسنه الزَّجَّاج.

### الآية 5:49

> ﻿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ ۖ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ ۗ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ [5:49]

قوله سبحانه : فاحكم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ الله وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الحق  المعنى، عند الجمهور : إن اخترت أنْ تحكم، فاحكم بينهم بما أنْزَلَ اللَّه، وليسَتْ هذه الآيةُ بناسخةٍ لقوله : أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ \[ المائدة : ٤٢ \]. 
ثم حذَّر اللَّه تعالى نبيَّه عليه السلام من اتباع أهوائهم. 
وقوله تعالى : لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً ومنهاجا ، أي : لكلِّ أمة، قاله الجمهور، وهذا عندهم في الأحكامِ، وأما في المعتَقَدَاتِ، فالدِّين واحدٌ لجميع العالَمِ، ويحتملُ أنْ يكون المرادُ الأنبياءَ، لاسيَّما وقد تقدَّم ذكرهم، وذكر ما أُنْزِلَ عليهم، وتجيء الآيةُ، معَ هذا الاحتمال تنبيهاً لنبيِّنا محمَّد عليه السلام، أيْ : فاحفظ شرعتك ومنهاجَكَ، لئلاَ تستزلَّك اليهودُ، أو غيرُهم في شيء منْه، وأكثرُ المتأوِّلين على أن الشِّرْعَة والمِنْهَاجَ بمعنًى واحدٍ، وهي الطريقُ. وقال ابن عباس وغيره : شِرْعَةً ومنهاجا  سبيلاً وسُنَّة، ثم أخبر سبحانه، أنه لَوْ شاء، لَجَعَل النَّاس أُمَّةً واحدةً، ولكنه لم يشأْ، لأنه أراد اختبارهم وابتلاءهم فيما آتاهم مِنَ الكُتُب والشرائع، كذا قال ابنُ جُرَيْج وغيره. 
ثم أمر سبحانه باستباق الخيراتِ في امتثال الأوامر، وخَتَمَ سبحانه بالموعظةِ والتَّذْكير بالمعادِ، فقال : إلَى الله مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً  والمعنى : فالبِدَار البِدَارَ. 
وقوله سبحانه : فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ  معناه : في الثَّوَاب والعقَاب، فتُخْبَرُونَ به إخبار إيقاعٍ، وهذه الآية بارعةُ الفَصَاحة، جَمَعتِ المعانِيَ الكثيرةَ في الألفاظِ اليسيرة، وكُلُّ كتابِ اللَّه كذلك، إلاَّ أنَّا بقصورِ أفهامنا يَبِينُ لنا في بَعْضٍ أكثرُ ممَّا يبينُ لنا في بعض. 
وقوله تعالى : وَأَنِ احكم بَيْنَهُمْ بِمَا أَنزَلَ الله وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ \[ المائدة : ٤٩ \]. 
الهوى مقصورٌ يجمعُ على أهْوَاء، والهَوَاء ممدودٌ يُجْمع على أَهْوِيَةٍ، ثم حذَّر تعالى نبيَّه عليه السلام من اليهودِ، أنْ يفتنوه، بأنْ يَصْرِفُوه عن شيء ممَّا أنزل اللَّه عليه مِنَ الأحكام، لأنهم كانوا يريدُونَ أنْ يخدَعُوا النبيَّ صلى الله عليه وسلم، فقالوا له مراراً : احكم لنا في نازلةِ كَذَا بكَذَا، ونَتَّبِعَكَ على دينك. 
وقوله سبحانه : فَإِن تَوَلَّوْاْ  قبله محذوفٌ، تقديره : فإِنْ حكَّموك واستقاموا، فَنِعِمَّا ذلك، ( وَإِن تَوَلَّوْا فاعلم ) الآية، وخصَّص سبحانه إصابتهم ببَعْض الذنوبِ دون كلِّها، لأن هذا الوعيد، إنما هو في الدنيا، وذنُوبُهم نوعانِ : نوعٌ يخصُّهم، ونوعٌ يتعدى إلى النبيِّ صلى الله عليه وسلم، والمؤمنين، وبه توعَّدهم اللَّه في الدنيا، وإنما يعذَّبون بالكُلِّ في الآخرة. 
وقال الفَخْر : وجوزُوا ببَعْض الذنوبِ في الدنيا، لأنَّ مجازَاتهُمْ بالبَعْض كافٍ في إهلاكهم، وتدميرِهِمْ، انتهى. 
وقوله سبحانه : فاعلم. . .  الآية وعد للنبيِّ صلى الله عليه وسلم، وقد أنجزه بقصَّة بني قَيْنُقَاعٍ، وقصَّةِ قُرَيْظَةَ، والنَّضِيرِ، وإجلاءِ عُمَرَ أهْلَ خيبَرٍ، وفَدَك، وغيرهم. 
وقوله تعالى : وَإِنَّ كَثِيراً مّنَ الناس لفاسقون  إشارة إليهم، ويندرجُ في عمومِ الآية غَيْرُهُمْ.

### الآية 5:50

> ﻿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ ۚ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ [5:50]

قوله تعالى : أَفَحُكْمَ الجاهلية يَبْغُونَ \[ المائدة : ٥٠ \]. 
إشارة إلى الكُهَّان الذين كانُوا يأخْذُون الحُلْوَان، ويحكُمُون بحَسَب الشهوات،  وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ الله حُكْماً  أي : لا أحد أحسنُ منه حكماً تبارك وتعالى.

### الآية 5:51

> ﻿۞ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَىٰ أَوْلِيَاءَ ۘ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ ۚ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ ۗ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ [5:51]

قوله سبحانه : يا أيها الذين آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ اليهود والنصارى أَوْلِيَاءَ \[ المائدة : ٥١ \]. 
نهى اللَّه سبحانه المؤمنين بهذه الآية عَن اتخاذِ اليهودِ والنصارى أولياءَ في النُّصْرة، والخُلْطة المؤدِّية إلى الامتزاج والمعاضَدَة، وحُكْمُ هذه الآيةِ باقٍ، وكلُّ مَنْ أكثر مخالطةَ هذَيْن الصِّنْفين، فله حَظُّه من هذا المَقْت الذي تضمَّنه قوله تعالى : فَإِنَّهُ مِنْهُمْ ، وسببُ نزولِ هذه الآيةِ أنَّه لَمَّا انقضت بدْرٌ وشَجَر أمر بني قَيْنُقَاعٍ، أراد النبيُّ صلى الله عليه وسلم قَتْلهم، فقام دُونَهم عبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ ابن سَلُولَ مخاصِماً، وقال : يا محمَّد، أَحْسِنْ في مَوَالِيَّ، فَإنِّي امرؤ أَخَافَ الدوائِرَ، فقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم : قَدْ وهبتُهُمْ لك، ونزلَتِ الآية في ذلك. 
وقوله عزَّ وجلَّ : بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ  جملةٌ مقطوعة من النَّهْيِ. 
وقوله تعالى : وَمَن يَتَوَلَّهُمْ مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ  إنحاء على عبد اللَّه بْنِ أُبَيٍّ. وعلى كلِّ من اتصف بهذه الصفة.

### الآية 5:52

> ﻿فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَىٰ أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ ۚ فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَىٰ مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ [5:52]

قوله سبحانه : فَتَرَى الذين \[ المائدة : ٥٢ \]. 
المعنى : فترى يا محمد،  الذين فِي قُلُوبِهِمْ مَّرَضٌ ، إشارةً إلى عبد اللَّه بْنِ أُبَيٍّ، ومَنْ تبعه من المنافقين على مذهبه، في حماية بني قَيْنُقَاعٍ. 
وقوله تعالى : يَقُولُونَ نخشى أَن تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ  لفظٌ محفوظٌ عن عبد اللَّه بْنِ أُبَيٍّ، ومن تبعه من المنافقين، و( دَائِرَةٌ ) : معناه نَازِلَةٌ من الزمان، وإنما كان ابن أبيٍّ يظهر أنه يستَبْقِيهم لِنُصْرة النبيِّ عليه السلام، وأنه الرأْيُ، وكان يبطنُ خلافَ ذلك. 
وقوله سبحانه : فَعَسَى الله أَن يَأْتِيَ بالفتح ، وهو ظهورُ نبيه عليه السلام، وعلوُّ كلمته، وتمكينُهُ مِنْ بني قَيْنُقَاعٍ، وقريظَةَ والنَّضِيرِ، وفَتْحُ مكَّة،  أَوْ أَمْرٍ مِّنْ عِندِهِ  يُهْلِكُ بِهِ أعداءَ الشرع، وهو أيضاً فتْحٌ لا يقع فيه للبَشَر سبَبٌ، وقرأ ابن الزُّبَيْر :**«فَيُصْبِحَ الفُسَّاقُ  على مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ  »**.

### الآية 5:53

> ﻿وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا أَهَٰؤُلَاءِ الَّذِينَ أَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ ۙ إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ ۚ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَأَصْبَحُوا خَاسِرِينَ [5:53]

قوله تعالى : وَيَقُولُ الذين ءَامَنُواْ أهؤلاء الذين أَقْسَمُواْ بالله جَهْدَ أيمانهم \[ المائدة : ٥٣ \]. قرأ نافعٌ وغيره :( يَقُولُ ) بغير واو، وقرأ حمزة وغيره :( وَيَقُولُ )، وقرأ أبو عمرو وحْده :( وَيَقُولَ ) بالواو، ونصبِ اللامِ، فذَهَبَ كثيرٌ من المفسِّرين إلى أنَّ هذا القولَ مِنَ المؤمنين إنما هو إذا جاء الفتْحُ، وحصَلَتْ ندامةُ المنافقين، وفَضَحهم اللَّه تعالى، فحينئذ : يقولُ المؤمنون : أهؤلاء الذين أَقْسَمُواْ الآية. 
وتحتمل الآيةُ أنْ تكون حكايةً لقولِ المؤمنين في وقْتِ قولِ  الذين في قلوبهم مرضٌ \[ المائدة : ٥٢ \]  نخشى أَن تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ  : إذ فُهِمَ منهم أنَّ تمسُّكهم باليهودِ إنما هو إرصاد لِلَّهِ ولرسولِهِ، فمَقَتَهم النبيُّ عليه السلام والمؤمنون، وترك لهم النبيُّ عليه السلام بني قَيْنُقَاعٍ، رغْبةً في المصلحة، والأُلْفة، وأما قراءة أَبي عَمْرٍو :( وَيَقُولَ ) بالنصب، فلا يتجه معها أَنْ يكون قولَ المؤمنين إلاَّ عند الفَتْح، وظُهورِ ندامة المنافقينَ، وفَضيحَتِهِمْ. 
وقوله تعالى : جَهْدَ أيمانهم  نصْبُ **«جَهْدَ »** على المصدر المؤكِّد، والمعنى : أهؤلاء هم المُقْسِمُون باجتهاد منهم في الإيمانِ،  إنهم لَمَعَكُمْ ، قد ظهر الآنَ منهم مِنْ موالاة اليهودِ، وخَذْلِ الشريعةِ ما يُكَذِّبُ إيمانهم. 
وقوله : حَبِطَتْ أعمالهم  يحتملُ أنْ يكون إخباراً من اللَّه سبحانه، ويحتملُ أنْ يكون مِنْ قول المؤمنين، ويحتمل أنْ يكون قوله : حَبِطَتْ  دعاءً، أي : بَطَلَتْ أعمالُهم.

### الآية 5:54

> ﻿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ۚ ذَٰلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ ۚ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ [5:54]

قوله سبحانه : يا أيها الذين آمَنُواْ مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ. . . \[ المائدة : ٥٤ \]. خطابٌ للمؤمنين إلى يوم القيامة، ومعنى الآية، أَنَّ اللَّه عزَّ وجلَّ وعَدَ هذه الأمة أنَّ من ارتدَّ منها، فإنه يجيءُ سبحانه بقومٍ ينصُرُونَ الدِّين، ويُغْنُونَ عن المرتدِّين. 
قال الفَخْر : وقدَّم اللَّه تعالى محبَّته لهم على محبَّتهم له، إذ لولا حُبُّه لهم، لما وفَّقهم أنْ صاروا محبِّين له، انتهى. وفي كتاب **«القصد إلى اللَّه سبحانه »**، للمُحَاسِبِيِّ : قُلْتُ للشيخ : فَهَلْ يَلْحَقُ المحبِّينَ للَّه عزَّ وجلَّ خَوْفٌ ؟ قال : نَعَمِ، الخَوْفُ لازمٌ لهم، كما لزمهم الإيمَانُ، لا يزولُ إلاَّ بزَوَاله، وهذا هو خَوْفُ عذابِ التَّقْصيرِ في بدايتهم، حتى إذا صاروا إلى خَوْفِ الفَوْت، صاروا إلى الخوف الذي يكُونُ في أعلى حالٍ، فكان الخوف الأوَّلُ يطرقهم خطراتٍ، وصارِ خوْفُ الفَوْتِ وطنات، قلْتُ : فما الحالَةُ التي تَكْشِفُ عن قلوبهم شَدِيدَ الخَوْف والحُزْن ؟ قال : الرجاءُ بحُسْن الظَّنِّ، لمعرفتهم بسعة فَضْل اللَّه عزَّ وجلَّ، وأَمَلُهُمْ منه أنْ يظفروا بمرادهم، إذا وَرَدُوا عليه، ولولا حُسْن ظنِّهم بربِّهم، لَتَقطَّعت أنفسهم حسراتٍ، وماتوا كَمَداً، قلْتُ : أيُّ شيءٍ أكثَرُ شُغْلِهِمْ ؟ وما الغالبُ على قلوبِهِمْ في جميعِ أحوالهم ؟ قال : كثرةُ الذِّكْر لمحبوبهم على طريق الدوامِ والاستقامةِ، لا يَمَلُّونَ، ولا يَفْتُرُون، وقد أجمع الحكماءُ أنَّ من أحَبَّ شيئاً، أكْثَرَ مِنْ ذكره، ثم قال ذُو النُّونِ : مَا أُولِعَ أحَدٌ بذكْرِ اللَّه إلا أفاد منْهُ حُبَّ اللَّهِ تعالَى، انتهى. 
وفي الآية إنحاءٌ على المنافِقِينَ، وعلى من ارتد في مدة النبيِّ صلى الله عليه وسلم. 
قال الفَخْر : وهذه الآيةُ إخبارٌ بغَيْبٍ، وقد وقع الخَبَر على وَفْقِهِ، فيكون معجزاً، وقد ارتدَّتِ العربُ وغيرهم أيام أبِي بَكْر، فنَصَر اللَّه الدِّين، وأتى بخَيْرٍ منهم، انتهى. 
وقوله سبحانه : أَذِلَّةٍ عَلَى المؤمنين  معناه : متذلِّلين مِنْ قِبَلِ أنفسهم، غَيْرَ متكبِّرين، وهذا كقوله عزَّ وجلَّ : أَشِدَّاء عَلَى الكفار، رُحَمَاء بَيْنَهُمْ \[ الفتح : ١٤ \]، وكقوله عليه السلام :( المُؤْمِنُ هَيِّنٌ لَيِّنٌ )، وفي قراءة ابن مسعودٍ :( أَذِلَّةٍ عَلَى المُؤْمِنِينَ غُلَظَاءَ عَلَى الكَافِرِينَ ). 
وقوله تعالى : وَلاَ يخافون لَوْمَةَ لائِمٍ  إشارةٌ إلى الرَّدِّ على المنافقين في أَنَّهم يعتَذِرُونَ بممالاَة الأحْلاَفِ والمعارِفِ مِنَ الكفَّار، ويراعُونَ أمرهم، قُلْتُ : وخرَّج أبو بكرِ بْنُ الخطيبِ بسنده على أبي ذِر، قال :" أَوْصَانِي النبيُّ صلى الله عليه وسلم بِسَبْعٍ : أوْصَانِي أَنْ أَنْظُرَ إلى مَنْ هُوَ دُونِي، وَلاَ أَنْظُرَ إلى مَنْ هُوَ فَوْقِي، ( يعني : فِي شَأْنِ الدُّنْيَا )، وأوْصَانِي بِحُبِّ المَسَاكِينِ وَالدُّنُوِّ مِنْهُمْ، وَأَوْصَانِي أَنْ أَقُولَ الحَقَّ وَإنْ كَانَ مُرًّا، وَأَوْصَانِي أَنْ أَصِلَ رَحِمِي وَإنْ أَدْبَرَتْ، وَأَوْصَانِي أَن لاَّ أَخَافَ فِي اللَّهِ لَوْمَةَ لاَئِمٍ، وَأَوْصَانِي أن لاَّ أَسْأَلَ النَّاسَ شَيْئاً، وَأَوْصَانِي أَنْ أسْتَكْثِرَ مِنْ :( لاَ حَوْلَ وَلاَ قُوَّةَ إلاَّ بِاللَّهِ )، انتهى. 
وقوله سبحانه : ذلك فَضْلُ الله  الإشارةُ ب **«ذلك »** إلى كون القومِ يحبُّون اللَّه عزَّ وجلَّ، ويحبُّهم، وَوَاسِع : معناها ذو سَعَةٍ فيما يملكُ، ويُعْطِي وينعم به سبحانه.

### الآية 5:55

> ﻿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ [5:55]

قوله تعالى : إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ الله وَرَسُولُهُ. . .  \[ المائدة : ٥٥ \]. 
( إنما ) في هذه الآية حاصرةٌ، وقرأ ابن مسعود :( إنَّمَا مَوْلاَكُمُ اللَّهُ )، والزكاةُ هنا : لفظٌ عامٌّ للزكاةِ المفروضةِ، والتطوُّعِ بالصدَقَةِ، ولكلِّ أفعالِ البِرِّ، إذ هي مُنَمِّيَةٌ للحسنات، مطَهِّرة للمَرْءِ مِنْ دَنَسِ السيِّئات، ثم وصفهم سبحانه بتَكْثير الركُوعِ، وخُصَّ بالذكْر، لكونه مِنْ أعظم أركان الصلاة، وهي هيئَةُ تواضعٍ، فعبَّر عن جميعِ الصلاَةِ، كما قال سبحانه : والركع السجود \[ البقرة : ١٢٥ \] هذا هو الصحيحُ، وهو تأويل الجمهورِ، ولكن اتفق مع ذلك أنَّ عليَّ بْنَ أبي طالِبٍ ( رضي اللَّه عنه ) أعطى خاتَمَهُ، وهو راكعٌ. 
قال السُّدِّيُّ : وإن اتفَقَ ذلك لعليٍّ، فالآية عامَّة في جميعِ المؤمنين.

### الآية 5:56

> ﻿وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ [5:56]

أخبر تعالى : أنَّ مَنْ يتولَّى اللَّه ورسولَهُ والمؤمنين، فإنه غالبٌ كُلَّ مَنْ ناوأه، وجاءَتِ العبارةُ عامَّة في أنَّ حِزْبَ اللَّه هم الغالِبُون.

### الآية 5:57

> ﻿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِيَاءَ ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ [5:57]

نهى سبحانه المؤمنينَ عنِ اتخاذ الَّذينَ اتخذوا دينَنَا هُزُواً ولعباً، وقد ثبت استهزاء الكُفَّار في قوله سبحانه : إِنَّا كفيناك المستهزءين \[ الحجر : ٩٥ \] وثبت استهزاء أهْل الكتاب في لفظ هذه الآية، وثبت استهزاءُ المُنَافِقِينَ في قولهم لشياطينهم : إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِءُونَ \[ البقرة : ١٤ \]. 
ثم أمر سبحانه بتَقْواه، ونبَّه النفوسَ بقوله : إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ \[ المائدة : ٥٧ \].

### الآية 5:58

> ﻿وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ اتَّخَذُوهَا هُزُوًا وَلَعِبًا ۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْقِلُونَ [5:58]

قوله سبحانه : وَإِذَا ناديتم إِلَى الصلاة اتخذوها هُزُواً وَلَعِباً. . .  \[ المائدة : ٥٨ \]. 
إنحاءٌ على اليَهُودِ، وتبيينٌ لسوء فعلهم.

### الآية 5:59

> ﻿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ هَلْ تَنْقِمُونَ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلُ وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فَاسِقُونَ [5:59]

قوله : وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فاسقون \[ المائدة : ٥٩ \] معنى المحاورةِ : هَلْ تَنْقِمُونَ منا إلا مجموعَ هذه الحالِ، مِنْ أنا مؤمنون، وأنتم فاسقون، كما تقول لمن تخاصمه : هل تَنْقِمُ مني إلاَّ أَنْ صَدَقْتُ أَنَا وَكَذَبْتَ أَنْتَ وقال بعضُ المتأوِّلين : وأنَّ أكثركُمْ  : معطوفٌ علَى  ما ، كأَنَّه قال : إِلاَّ أَنْ آمنَّا باللَّهِ وبكُتُبِهِ، وبأنَّ أكثركم فاسقُونَ، وهذا مستقيمُ المعنى، وقال : أَكْثَرَكُمْ ، من حيث أنَّ فيهم مَنْ آمن، كابن سَلاَمٍ وغيرِهِ.

### الآية 5:60

> ﻿قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَٰلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ ۚ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ ۚ أُولَٰئِكَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضَلُّ عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ [5:60]

قوله سبحانه : قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِّن ذلك مَثُوبَةً \[ المائدة : ٦٠ \]. 
يعني : مرجعاً عند اللَّه يوم القيامة، ومنه : وَإِذْ جَعَلْنَا البيت مَثَابَةً لِّلنَّاسِ \[ البقرة : ١٢٥ \]، ومشى المفسِّرون في هذه الآية على أنَّ الذين أُمِرَ عليه السلام أنْ يقول لهم : هَلْ أُنَبِّئُكُمْ  هم اليهودُ والكُفَّار المتَّخِذُون دينَنَا هُزُواً ولعباً، قال ذلك الطبريُّ، وتُوبِعَ عليه، ولم يُسْنِدْ في ذلك إلى متقدِّم شيئاً، والآيةُ تحتملُ أنْ يكون القول للمؤمنين، أي : قُلْ يا محمَّد، للمؤمنين : هَلْ أنبئكم بِشَرٍّ مِنْ حال هؤُلاء الفاسِقِينَ في وَقْتِ المَرْجِعَ إلى اللَّهِ، أولئك أسلافهم الَّذين لعنهم اللَّه، وغَضِبَ عليهم. 
وقوله سبحانه : وَجَعَلَ ، هِيَ بمعنى **«صَيَّرَ »**، وقد تقدَّم قصص مَسْخِهِمْ قِرَدَةً في **«البقرة »**، و عَبَدَ الطاغوت  تقديره : ومَنْ عبَدَ الطاغوتَ، وقرأ حمزةُ وحده ( وعَبُدَ الطَّاغُوتِ ) بفتحِ العين، وضمِّ الباءِ، وكسرِ التاء، مِنَ الطاغوت، وذلك أنَّ **«عَبُدَ »** لفظُ مبالغةٍ، كقَدُسَ. 
قال الفَخْر : قيل الطاغوتُ هنا العِجْلُ، وقيل : الطاغوتُ أحبارهم، وكلُّ من أطاع أحداً في معصية اللَّهِ فقد عبده، انتهى. 
و مَكَاناً  : يحتمل أن يريد في الآخرةِ، فالمكان على وجْهه، أي : المحلّ، إذْ محلُّهم جهنَّم، ويحتملُ أنْ يريد في الدنيا، فهي استعارةٌ للمكانةِ والحالةِ.

### الآية 5:61

> ﻿وَإِذَا جَاءُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَقَدْ دَخَلُوا بِالْكُفْرِ وَهُمْ قَدْ خَرَجُوا بِهِ ۚ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا يَكْتُمُونَ [5:61]

قوله سبحانه : وَإِذَا جَاءُوكُمْ \[ المائدة : ٦١ \]. 
يعني اليهودَ، وخاصَّة المنافقين منهم، قاله ابن عباس، وغيره. 
وقوله : والله أَعْلَمُ بِمَا كَانُواْ يَكْتُمُونَ  : أي : من الكُفْر، والرؤيةُ هنا تَحْتملُ أنْ تكون قلبيةً، وأنْ تكون بَصَرِيَّةً.

### الآية 5:62

> ﻿وَتَرَىٰ كَثِيرًا مِنْهُمْ يُسَارِعُونَ فِي الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ ۚ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [5:62]

فِي الإثم ، أي : موجباتِ الإثمِ، واللامُ في : لَبِئْسَ  لام قَسَم.

### الآية 5:63

> ﻿لَوْلَا يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الْإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ ۚ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ [5:63]

قوله تعالى : لَوْلاَ ينهاهم الربانيون والأحبار \[ المائدة : ٦٣ \]. 
تحضيضٌ في ضمنه توبيخٌ لهم، قال الفَخْر : والمعنى هَلاَّ ينهاهم ؟ انتهى. 
قال الطبريُّ : كان العلماءُ يقُولُون : ما في القرآن آيةٌ هي أشَدُّ توبيخاً للعلماءِ من هذه الآية، ولا أخْوَفُ عليهم منْها. 
وقال الضحَّاك بنُ مُزَاحِمٍ : ما في القُرآنِ آيةٌ أخْوَفُ عندي منها، إنَّا لا ننهى، وقال نحو هذا ابنُ عَبَّاس. 
وقوله سبحانه : عَن قَوْلِهِمُ الإثم  ظاهره أنَّ الإثم هنا يرادُ به الكُفْر، ويحتمل أن يراد سَائِرُ أقوالهم المُنْكَرَة في النبيِّ صلى الله عليه وسلم، والمؤمنين وقرأ ابن عباس :( لبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ )، بغير لام قَسَم.

### الآية 5:64

> ﻿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ ۚ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا ۘ بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ ۚ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا ۚ وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَىٰ يَوْمِ الْقِيَامَةِ ۚ كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ ۚ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا ۚ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ [5:64]

قوله سبحانه وتعالى : وَقَالَتِ اليهود يَدُ الله. . .  \[ المائدة : ٦٤ \] إلى قوله : لاَ يُحِبُّ المفسدين . 
هذه الآيةُ تعديدُ كبيرةٍ في أقوالهم وكُفْرهم، أي : فَمَنْ يقول هذه العظيمةَ، فلا يُسْتنكَرُ نفاقُهُ وسعْيُهُ في رَدِّ أمر اللَّه تعالى، قال ابن عباس وجماعة : معنى قولهم : التبخيلُ، وذلك أنهم لحقَتْهم سَنَةٌ وجَهْدٌ، فقالوا هذه المقالة، يعْنُونَ بها، أنَّ اللَّه بَخِلَ عليهم بالرِّزْقِ والتوسعَةِ، تعالَى اللَّه عن قَوْلِهِمْ، وهذا المعنى يشبه ما في قوله تعالى : وَلاَ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إلى عُنُقِكَ \[ الإسراء : ٢٩ \] فإن المراد : لا تَبْخَلْ، ومنه قول النبيِّ صلى الله عليه وسلم :( مَثَلُ البَخِيلِ وَالمُتَصَدِّقِ ) الحديثَ، وذكر الطبري والنَّقَّاش، أن هذه الآية نزلَتْ في فِنْحَاص اليَهُودِيِّ، وأنه قالها. 
وقوله سبحانه : غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ \[ المائدة : ٦٤ \] خبرٌ يحتملُ في الدنيا، ويحتمل في الآخرة، فإن كان خبراً عن الدنيا، فالمعنى : غُلَّت أيديهم عن الخَيْرِ، والإنفاقِ في وجوه البِرِّ ونحوه، وإذا كان خبراً عن الآخرة، فالمعنى : غُلَّتْ في النار، قلْتُ : ويَحْتَمِلُ الأمْرَيْنِ معاً. 
وقوله تعالى : بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ  العقيدةُ في هذا المعنى : نَفْيُ التشبيه عن اللَّه سبحانه، وأنه ليس بِجِسْمٍ، ولا له جارِحَةٌ، ولا يُشَبَّهُ، ولا يُكَيَّفُ، ولا يَتحيَّز، ولا تَحُلُّهُ الحوادثُ، تعالى عما يقول المبطلون عُلُوًّا كبيراً، قال ابن عبَّاس : في هذه الآية : يَدَاهُ  نعمتاه، ثم اختلفت عبارة النَّاس في تَعْيِين النعمتَيْن :
فقيل : نعمةُ الدنيا، ونعمةُ الآخرةِ، وقيل : النعمة الظاهرة، والنعمة الباطنةُ، والظاهر أن قوله سبحانه : بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ  عبارةٌ عن أنعامه على الجملة، وعبَّر عنها باليدَيْن، جرياً على طريقة العرب، في قولهم : فُلاَنٌ يُنْفِقُ بِكِلْتَا يَدَيْهِ، ومنه قول الأعشى :\[ الطويل \]

يَدَاكَ يَدَا مَجْدٍ فَكَفٌّ مُفِيدَة  وَكَفٌّ إذَا مَا ضُنَّ بِالمَالِ تُنْفِقُويؤيِّد أن اليدَيْن هنا بمعنى الإنعامِ قرينةُ الإنفاق، ثم قال تعالى لنبيِّه عليه السلام : وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيراً مِّنْهُم  يعني : اليهودَ  مَّا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبّكَ طغيانا وَكُفْراً  ثم قال سبحانه : وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ العداوة والبغضاء إلى يَوْمِ القيامة  العداوة : أخصُّ من البغضاء، لأن كلَّ عدوٍّ، فهو يُبْغضُ، وقد يُبْغضُ مَنْ ليس بعدُوٍّ، والبغضاء : قد لا تتجاوَزُ النفوسَ، وقد ألقى اللَّه سبحانه الأمرَيْن على بني إسرائيل، قال الفَخْر : وقد أوقع اللَّه بَيْنَ فِرَقِهِمْ الخصومةَ الشَّديدة، وانتهى أمرهم إلى أنْ يُكَفِّرَ بعضهم بعضاً، وفي قوله : وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ العداوة. . .  الآية، قولان :
أحدهما : أن المراد ما بَيْن اليهودِ والنصارى من العداوةِ، لأنه جرى ذكْرُهُمْ في قوله : لاَ تَتَّخِذُواْ اليهود والنصارى أَوْلِيَاء \[ المائدة : ٥١ \] وهذا قول الحسنِ، ومُجَاهد. 
والثاني : ما وقع من العداوة بين فِرَقِ اليهود، فإنَّ بعضهم جبريَّةٌ، وبعضهم قَدَرية، وبعضهم مُوَحِّدة، وبعضهم مُشَبِّهة، وكذلك بَيْن فرقِ النصارى، كالمَلْكَانِيَّة، والنُّسْطُورِيَّة، واليَعْقُوبيَّة، انتهى. 
وقوله سبحانه : كُلَّمَا أَوْقَدُواْ نَاراً لِّلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا الله \[ المائدة : ٦٤ \] استعارة بليغةٌ، قال مجاهد : معنى الآيةِ  كلَّما أوقدوا ناراً  لحَرْبِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم،  أطفأها اللَّه ، فالآيةُ بشارةٌ لنبيِّنا محمد عليه السلام وللمؤمنين، وباقي الآية بيِّن.

### الآية 5:65

> ﻿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَكَفَّرْنَا عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأَدْخَلْنَاهُمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ [5:65]

قوله تعالى : وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الكتاب ءَامَنُواْ. . .  \[ المائدة : ٦٥ \]. 
هذه الآية تحتملُ أنْ يراد بها معاصرو النبيِّ صلى الله عليه وسلم، وتحتملُ أنْ يراد بها الأسلافُ، والمعاصِرُونَ.

### الآية 5:66

> ﻿وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ ۚ مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ ۖ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ سَاءَ مَا يَعْمَلُونَ [5:66]

قوله سبحانه : وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُواْ التوراة \[ المائدة : ٦٦ \]. 
أي : أظهروا أحْكَامها، فهي كإقامةِ السُّوق، وإقامةِ الصَّلاةِ. 
وقوله سبحانه : والإنجيل  يقتضي دخُولَ النصارى في لفظُ أهْلِ الكتابِ، في هذه الآية، قلْتُ : وقال مكِّيٌّ معنى : أَقَامُواْ التوراة والإنجيل  أيْ : عملوا بما فيهما، وأقروا بصفة النبيِّ صلى الله عليه وسلم، وبنبوءته، انتهى من **«الهداية »**. 
قوله : وَمَا أُنزِلَ إِلَيهِمْ مّن رَّبِّهِمْ  معناه : مِنْ وحْيٍ وسُنَنٍ، على ألْسِنَةِ الأنبياء عليهم السلام، واختُلِفَ في معنى : مِن فَوْقِهِمْ وَمِن تَحْتِ أَرْجُلِهِم  فقال ابن عباس، وغيره : المعنى لأعطتهم السماءُ مطَرها، والأرض نباتَهَا بفَضْلِ اللَّه تعالى، وقال الطبريُّ وغيره : إن الكلام استعارة، ومبالغةٌ في التوسِعَةِ، كما يقالِ : فُلاَنٌ قد عمَّهُ الخَيْرُ مِنْ قَرْنِهِ إلى قَدَمِهِ. 
وقوله سبحانه : مِّنْهُمْ أُمَّةٌ مُّقْتَصِدَةٌ  معناه : معتدِلَةٌ، والقَصْد والاقتصاد : الاعتدال، والرفْقُ، والتوسُّط الحَسَن في الأقوال والأفعال، قال ابنُ زَيْد : وهؤلاءِ هُمْ أهْل طاعَةِ اللَّه من أهْل الكتاب. 
قال( ع ) : وهذا هو الراجِحُ.

### الآية 5:67

> ﻿۞ يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ ۖ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ ۚ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ ۗ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ [5:67]

قوله سبحانه : يا أيها الرسول بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ. . . \[ المائدة : ٦٧ \]. هذه الآية أمْرٌ مِنَ اللَّه تعالى لنبيِّه عليه السلام بالتبليغِ على الاستيفاء والكمالِ، لأنه قد كان بَلَّغ صلى الله عليه وسلم، وإنما أُمِرَ في هذه الآيةِ بِأَن لاَّ يتوقَّفَ عن شَيْء مخافةَ أحَدٍ، وذلك أنَّ رسالته عليه السلام تضمَّنت الطَّعْنَ على أنواع الكَفَرة، وبيانَ فسادِ حالِهِم، فكان يلقى منهم صلى الله عليه وسلم عَنَتاً، وربَّما خافهم أحياناً قبل نزول هذه الآية، فقال الله تعالى له : بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ  أيْ : كاملاً،  والله يَعْصِمُكَ مِنَ الناس ، قالتْ عائشةُ أمُّ المؤمنين ( رضي اللَّه عنها ) :( مَنْ زَعَمَ أنَّ محمداً كَتَمَ شيئاً مِنَ الوَحْيِ، فقد أَعْظَم الفريةَ، واللَّه تعالى يقولُ : يا أيها الرسول بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ. . . ، وقال عبدُ اللَّهِ بنُ شَقِيقٍ : كان رسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يتعقبه أصحابُهُ يحْرُسُونه، فلما نزلَتْ : والله يَعْصِمُكَ مِنَ الناس  خرَجَ فقَالَ :( يَا أَيُّها النَّاسُ، الحقوا بِمَلاَحِقِكُمْ، فَإنَّ اللَّهَ قَدْ عَصَمَنِي ) قلْتُ : وخرَّج الترمذيُّ هذا الحديثَ أيضاً من طريق عائشة، وكما وجَبَ عليه التبليغُ عليه السلام، وجب على علماءِ أمته، وقد قال عليه السلام :( بَلِّغُوا عَنِّي وَلَوْ آيَة )، وعن زيدِ بنِ ثابتٍ ( رضي اللَّه عنه ) قَالَ : سَمِعْتُ رسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ :( نَضَّرَ اللَّهُ امرأ سَمِعَ مِنَّا حَدِيثاً، فَحَفِظَهُ حتى يُبَلِّغَهُ، فَرُبَّ حَامِلٍ فِقْهٍ إلى مَنْ لَيْسَ بِفَقِيةٍ، وَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ إلى مَنْ هُوَ أَفْقَهُ مِنْهُ )، رواه أبو داود، واللفظ له، والترمذيُّ والنسائي، وابنُ ماجة، وابن حِبَّانَ في **«صحيحِهِ »**، وقال التِّرمذيُّ : هذا حديثٌ حسنٌ، ورواه مِنْ حديث ابن مسعود، وقال : حسنٌ صحيحٌ، انتهى من **«السلاح »**. 
وقال محمد بن كَعْبٍ القُرَظِيُّ : نزلَتْ هذه الآيةُ بسبب الأعرابيِّ الذي اخترط سيْفَ النبيِّ صلى الله عليه وسلم، ليقتُلَهُ به. 
قال ابنُ العربيِّ : قوله تعالى : والله يَعْصِمُكَ مِنَ الناس  معناه : يَجْعَلْ بينَكَ وبينهم حجاباً يمنع من وصُولِ مكروههم إلَيْك، كَعِصَامِ الْقِرْبَةِ الذي يَمْنَعُ سَيَلاَنَ الماءِ منها، ولعلمائنا في الآية تأويلاتٌ. 
أصحها : أنَّ العصمة عامَّة في كلِّ مكروهٍ، وأنَّ الآية نزلَتْ بعد أنْ شُجَّ وجهه، وكُسِرَتْ ربَاعِيَتُهُ صلى الله عليه وسلم. 
وقيل : إنه أراد مِنَ القتل خاصَّة، والأول أصحُّ، وقد كان صلى الله عليه وسلم أُوتِيَ بَعْضَ هذه العَصْمَةِ بمكَّة في قوله تعالى : إِنَّا كفيناك المستهزءين \[ الحجر : ٩٥ \] ثم كمُلَتْ له العصْمَةُ بالمدينةِ، فعُصِمَ من النَّاس كلِّهم، انتهى من كتابه في تفسير أفعال اللَّه الواقعة في القرآن.

### الآية 5:68

> ﻿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَىٰ شَيْءٍ حَتَّىٰ تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ ۗ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا ۖ فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ [5:68]

أمر تعالى نبيَّه عليه السلام، أنْ يقولَ لأهْل الكتابِ الحاضِرِينَ معه : لَسْتُمْ على شَيْء ، أيْ : على شيءٍ مستقيمٍ،  حتى تُقِيمُواْ التوراة والإنجيل \[ المائدة : ٦٨ \]، وفي إقامتهما الإيمانُ بنبيِّنا محمَّد عليه السلام، قلْتُ : وهذه الآية عنْدِي مِنْ أَخْوَفِ آية في القرآنِ، كما أشار إلى ذلك سفيانُ، فتأمَّلها حقَّ التأمُّل. 
وقوله سبحانه : وَمَا أُنزِلَ إِلَيْكُمْ مّن رَّبِّكُمْ  يعني به القرآن.

### الآية 5:69

> ﻿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصَارَىٰ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ [5:69]

قوله تعالى : إِنَّ الذين ءَامَنُواْ والذين هَادُواْ والصابئون والنصارى مَنْ ءَامَنَ بالله واليوم الآخر وعَمِلَ صالحا فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ \[ المائدة : ٦٩ \]. 
( الذين آمنوا ) : لفظٌ عامٌّ لكلِّ مؤمنٍ من مِلَّةِ نبيِّنا محمَّد صلى الله عليه وسلم ومِنْ غَيْرها من المِلَلِ، فكأنَّ ألفاظ الآية حُصِرَ بها الناسُ كلُّهم، وبُيِّنَتِ الطوائفُ على اختلافها، وهذا هو تأويلُ الجمهور، وقد مَضَى الكلامُ في **«سورة البقرة »**، فراجعْهُ هناك، وقرأ الجمهورُ : وَالصَّابِئُونَ ، وقرئ خارجَ السبعة :( والصَّابِِينَ )، وهي بيِّنة الإعراب، وأما على قراءة الجمهورِ، فاختلف في إعرابها، ومَذْهَبُ سبيَوَيْهِ، والخَلِيلِ، ونُحَاةِ البَصْرة : أنه من المقدَّم الذي معناه التأْخِيرُ، كأنَّه قال : إنَّ الذين آمنوا والذين هَادُوا، مَنْ آمَنَ باللَّه واليومِ الآخِرِ وعَمِلَ صالحاً، فلا خَوْفٌ عليهم ولا هم يحزنُونَ، والصَّابِئُونَ والنصارى كذلك. 
قال ( ص ) : ووجه ثانٍ أنَّ خبر ****«إنَّ »**** محذوفٌ، أي : إنَّ الذين آمنوا لهم أجْرُهُمْ، وخبر **«الصَّابئين »** : مَنْ آمَنَ  وما بعده، قال ابنُ عُصْفُورٍ : وهو حَسَنٌ جدًّا، إذ ليس فيه أكثر من حَذْفِ خبرِ ****«إنَّ »****، للفهم، وهو جائزٌ في فصيحِ الكلامِ، انتهى. 
قلتُ : قال ابْنُ مالكٍ : وهو أسهلُ من التقديمِ والتأخيرِ، وقيل : إن ( الصابين ) في موضِعِ نَصْبٍ، ولكنه جاء على لغة بَلْحَارِثِ الذين يَجْعَلُونَ التثنيةَ بالأَلِفِ على كل حال، والجَمْعَ بالواو على كُلِّ حال، قاله أبو البقاء، وقيل غير هذا.

### الآية 5:70

> ﻿لَقَدْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَأَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ رُسُلًا ۖ كُلَّمَا جَاءَهُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَىٰ أَنْفُسُهُمْ فَرِيقًا كَذَّبُوا وَفَرِيقًا يَقْتُلُونَ [5:70]

وقال محمد بن كَعْبٍ القُرَظِيُّ: نزِلَتْ هذه الآيةُ بسبب الأعرابيِّ الذي اخترط سيْفَ النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم ليقتُلَهُ به **«١»**.
 قال ابنُ العربيِّ: قوله تعالى: وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ: معناه: يَجْعَلْ بينَكَ وبينهم حجاباً يمنع من وصُولِ مكروههم إلَيْك كَعِصَامِ الْقِرْبَةِ الذي يَمْنَعُ سَيَلاَنَ الماءِ منها، ولعلمائنا في الآية تأويلاتٌ.
 أصحها: أنَّ العصمة عامَّة في كلِّ مكروهٍ، وأنَّ الآية نزلَتْ بعد أن شجّ وجهه، وكسرت رباعيته صلّى الله عليه وسلّم **«٢»**.
 وقيل: إنه أراد مِنَ القتل خاصَّة، والأول أصحّ، وقد كان صلّى الله عليه وسلّم أُوتِيَ بَعْضَ هذه العَصْمَةِ بمكَّة في قوله تعالى: إِنَّا كَفَيْناكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ \[الحجر: ٩٥\] ثم كمُلَتْ له العصْمَةُ بالمدينةِ، فعُصِمَ من النَّاس كلِّهم. انتهى من كتابه في تفسير أفعال اللَّه الواقعة في القرآن.
 ثم أمر تعالى نبيَّه- عليه السلام- أنْ يقولَ لأهْل الكتابِ الحاضِرِينَ معه: لَسْتُمْ عَلى شَيْءٍ، أيْ: على شيءٍ مستقيمٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ، وفي إقامتهما الإيمانُ بنبيِّنا محمَّد- عليه السلام-، قلْتُ: وهذه الآية عنْدِي مِنْ أَخْوَفِ آية في القرآنِ كما أشار إلى ذلك سفيانُ، فتأمَّلها حقَّ التأمُّل.
 وقوله سبحانه: وَما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ... الآية: يعني به القرآن.
 \[سورة المائدة (٥) : الآيات ٦٩ الى ٧٠\]
 إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هادُوا وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصارى مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صالِحاً فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٩) لَقَدْ أَخَذْنا مِيثاقَ بَنِي إِسْرائِيلَ وَأَرْسَلْنا إِلَيْهِمْ رُسُلاً كُلَّما جاءَهُمْ رَسُولٌ بِما لا تَهْوى أَنْفُسُهُمْ فَرِيقاً كَذَّبُوا وَفَرِيقاً يَقْتُلُونَ (٧٠)

 - وأخرجه أبو يعلى في **«مسنده»** (٧٤١٤)، والحاكم (١/ ٨٧- ٨٨) من طريق ابن إسحاق عن عمرو بن أبي عمرو عن عبد الرّحمن بن الحويرث عن محمد بن جبير به.
 وتابعه عليه إسماعيل بن جعفر، عن عمرو به، وأخرجه الدارمي في **«سننه»** (١/ ٧٤).
 وأخرجه الطبراني (١٥٤٤)، والحاكم (١/ ٨٧) من طريق نعيم بن حماد قال: ثنا إبراهيم بن سعد، عن صالح بن كيسان، عن الزهري، عن محمد بن جبير. وصححه الحاكم ووافقه الذهبي.
 (١) أخرجه الطبري في ****«تفسيره»**** (٤/ ٦٤٨) (١٢٢٨١)، وذكره ابن عطية في ****«تفسيره»**** (٢/ ٢١٨)، والسيوطي في **«الدر المنثور»** (٢/ ٥٣٠)، وعزاه لعبد بن حميد، وابن جرير عن محمد بن كعب القرظي.
 (٢) أخرجه مسلم (٣/ ١٤١٧)، كتاب **«الجهاد والسير»**، باب غزوة أحد (١٠٤- ١٧٩١).

### الآية 5:71

> ﻿وَحَسِبُوا أَلَّا تَكُونَ فِتْنَةٌ فَعَمُوا وَصَمُّوا ثُمَّ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ثُمَّ عَمُوا وَصَمُّوا كَثِيرٌ مِنْهُمْ ۚ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ [5:71]

قوله سبحانه : وَحَسِبُواْ أَلاَّ تَكُونَ فِتْنَةٌ \[ المائدة : ٧١ \]. 
المعنى في هذه الآيةِ، وظَنَّ هؤلاءِ الكفرةُ باللَّه، والعصاةُ مِنْ بني إسرائيل أن لاَّ يكونَ مِنَ اللَّه ابتلاءٌ لهُمْ، وأخذ في الدنيا، فلَجُّوا في شهواتهم، وعَمُوا فيها، إذْ لم يُبْصِرُوا الحقَّ، وهذا كقوله صلى الله عليه وسلم :( حُبُّكَ الشَّيْءَ يُعْمِي وَيُصِمُّ ). 
وقوله سبحانه : ثُمَّ تَابَ الله عَلَيْهِمْ ، قالتْ جماعة من المفسِّرين : هذه التوبةُ هِيَ رَدُّهم إلى بَيْتِ المَقْدِس بعد الإخراج الأول، ورَدُّ مُلْكِهِمْ وحَالِهِم، ثم عَمُوا وصَمُّوا بعد ذلك، حتى أُخْرِجُوا الخرجةَ الثانيةَ، ولم ينجبرُوا أبداً، ومعنى : تَابَ الله عَلَيْهِمْ ، أي : رجَعَ بهم إلى الطاعةِ، والحقِّ، ومِنْ فصاحة القُرآن : استناد هذا الفعْلِ الشريفِ إلى اللَّه تعالى، واستناد العمى وَالصَّمَمَ اللَّذَيْن هما عبارةٌ عن الضَّلال إليهم.

### الآية 5:72

> ﻿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ ۖ وَقَالَ الْمَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ ۖ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ ۖ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ [5:72]

أخبر تعالى إخباراً مؤكَّداً بلام القَسَمِ عن كُفْر القائلين : إِنَّ الله هُوَ المسيح ابن مَرْيَمَ  وهذا قولُ اليَعْقُوبِيَّةِ من النصارى، ثم أخبر تعالى عن قول المسيحِ لهم، فقال : وَقَالَ المسيح يا بني إسرائيل اعبدوا الله رَبِّي وَرَبَّكُمْ. . .  \[ المائدة : ٧٢ \]، فضَلُّوا هم، وكفروا، بسَبَب ما رأَوْا على يديه من الآيات. 
وقوله تعالى : وَمَا للظالمين مِنْ أَنصَارٍ \[ المائدة : ٧٢ \]. 
يحتملُ أنْ يكون مِنْ قولِ عيسى عليه السلام لبني إسرائيل، ويحتمل أنْ يكون إخباراً من اللَّه سبحانه لنبيِّه محمد عليه السلام.

### الآية 5:73

> ﻿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ ۘ وَمَا مِنْ إِلَٰهٍ إِلَّا إِلَٰهٌ وَاحِدٌ ۚ وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ [5:73]

قوله تعالى : لَّقَدْ كَفَرَ الذين قَالُواْ إِنَّ الله ثالث ثلاثة وَمَا مِنْ إله إِلاَّ إله واحد. . .  \[ المائدة : ٧٣ \]. 
إخبارٌ مؤكِّد، كالذي قبله، عن هذه الطائفة النَّاطقة بالتثليث، وهم فِرَقٌ منهم النُّسْطُورِيَّة، وغيرهم، ولا معنى لذكْر أقوالهم في كُتُب التَّفْسِير. 
وقوله سبحانه : ثالث ثلاثة  لا يَجوزُ فيه إلاَّ الإضافةُ، وخفض **«ثلاثة »**، لأن المعنى أحدُ ثلاثةٍ، فإنْ قلت : زَيْدٌ ثَالِثُ اثنين، أَوْ رَابِعُ ثَلاَثَةٍ، جاز لك أنْ تضيفَ، كما تقدَّم، وجاز أن لاَّ تضيفَ، وتَنْصِب **«ثَلاَثة »**، على معنى : زَيْدٌ يربِّع ثلاثةً. 
وقوله سبحانه : وَمَا مِنْ إله إِلاَّ إله واحد. . .  الآية، خَبَرٌ صادِعٌ بالحَقِّ، وهو سبحانه الخالِقُ المُبْدِعُ المتَّصِفُ بالصفات العُلاَ، سبحانه وتعالى عَمَّا يقول الظالمون علوًّا كبيراً، ثم توعَّدهم، إنْ لم ينتهوا عما يقولُونَ، ثم رَفَق جلَّ وعلا بهم، بتحضيضه إيَّاهم على التوبة، وطَلَبِ المَغْفرة، ثم وصَفَ نفسه سبحانه بالغُفْرَانِ والرَّحْمة، استجلابا للتائِبِينَ، وتَأْنيساً لهم، ليكونوا على ثِقَةٍ من الانتفاعِ بتوبتهم. 
قال ( ص ) : لَيَمَسَّنَّ  اللامُ فيه جوابُ قَسَمٍ محذوفٍ قبل أداة الشرطِ، انتهى.

### الآية 5:74

> ﻿أَفَلَا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ ۚ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ [5:74]

وقوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هادُوا وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصارى مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صالِحاً فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ: الذين آمنوا: لفظٌ عامٌّ لكلِّ مؤمنٍ من مِلَّةِ نبيّنا محمّد صلّى الله عليه وسلّم ومِنْ غَيْرها من المِلَلِ، فكأنَّ ألفاظ الآية حُصِرَ بها الناسُ كلُّهم، وبُيِّنَتِ الطوائفُ على اختلافها، وهذا هو تأويلُ الجمهور، وقد مَضَى الكلامُ في **«سورة البقرة»**، فراجعْهُ هناك، وقرأ الجمهورُ: **«وَالصَّابِئُونَ»**، وقرىء خارجَ السبعة **«١»** :
 **«والصَّابِئِينَ»**، وهي بيِّنة الإعراب، وأما على قراءة الجمهورِ، فاختلف في إعرابها، ومَذْهَبُ سبيَوَيْهِ، والخَلِيلِ، ونُحَاةِ البَصْرة: أنه من المقدَّم الذي معناه التأْخِيرُ، كأنَّه قال: إنَّ الذين آمنوا والذين هَادُوا، مَنْ آمَنَ باللَّه واليومِ الآخِرِ وعَمِلَ صالحاً، فلا خَوْفٌ عليهم ولا هم يحزنُونَ، والصَّابِئُونَ والنصارى كذلك.
 قال ص: ووجه ثانٍ أنَّ خبر ****«إنَّ»**** محذوفٌ، أي: إنَّ الذين آمنوا لهم أجرهم، وخبر **«الصّابئين»** : مَنْ آمَنَ وما بعده، قال ابنُ عُصْفُورٍ وهو حَسَنٌ جدًّا إذ ليس فيه أكثر من حَذْفِ خبرِ ****«إنَّ»**** للفهم، وهو جائزٌ في فصيحِ الكلامِ. انتهى.
 قلتُ: قال ابْنُ مالكٍ: وهو أسهلُ من التقديمِ والتأخيرِ، وقيل: إن الصابِئين في موضِعِ نَصْبٍ، ولكنه جاء على لغة بَلْحَارِثِ الذين يَجْعَلُونَ التثنيةَ بالأَلِفِ على كل حال، والجَمْعَ بالواو على كُلِّ حال قاله أبو البقاء، وقيل غير هذا.
 \[سورة المائدة (٥) : الآيات ٧١ الى ٧٥\]
 وَحَسِبُوا أَلاَّ تَكُونَ فِتْنَةٌ فَعَمُوا وَصَمُّوا ثُمَّ تابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ثُمَّ عَمُوا وَصَمُّوا كَثِيرٌ مِنْهُمْ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِما يَعْمَلُونَ (٧١) لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وَقالَ الْمَسِيحُ يا بَنِي إِسْرائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْواهُ النَّارُ وَما لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصارٍ (٧٢) لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ ثالِثُ ثَلاثَةٍ وَما مِنْ إِلهٍ إِلاَّ إِلهٌ واحِدٌ وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (٧٣) أَفَلا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٧٤) مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كانا يَأْكُلانِ الطَّعامَ انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْآياتِ ثُمَّ انْظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ (٧٥)

 (١) وهي قراءة عثمان، وأبي بن كعب، وعائشة، وسعيد بن جبير، والجحدري، كما في **«المحتسب»** (١/ ٢١٧).
 وينظر: **«الكشاف»** (١/ ٦٦٢)، و **«المحرر الوجيز»** (١/ ٢١٩)، و **«البحر المحيط»** (٣/ ٥٤١)، و **«الدر المصون»** (٢/ ٥٧٦).

وقوله سبحانه: وَحَسِبُوا أَلَّا تَكُونَ فِتْنَةٌ: المعنى في هذه الآيةِ: وظَنَّ هؤلاءِ الكفرةُ باللَّه، والعصاةُ مِنْ بني إسرائيل ألاَّ يكونَ مِنَ اللَّه ابتلاءٌ لهُمْ وأخذ في الدنيا، فلَجُّوا في شهواتهم، وعَمُوا فيها، إذْ لم يُبْصِرُوا الحقّ، وهذا كقوله صلّى الله عليه وسلّم: **«حُبُّكَ الشَّيْءَ يُعْمِي وَيُصِمُّ»** **«١»**.
 وقوله سبحانه: ثُمَّ تابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ، قالتْ جماعة من المفسِّرين: هذه التوبةُ هِيَ رَدُّهم إلى بَيْتِ المَقْدِس بعد الإخراج الأول، ورَدُّ مُلْكِهِمْ وحَالِهِم، ثم عَمُوا وصَمُّوا بعد ذلك حتى أُخْرِجُوا الخرجةَ الثانيةَ، ولم ينجبرُوا أبداً، ومعنى: تابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ أي:
رجَعَ بهم إلى الطاعةِ والحقِّ، ومِنْ فصاحة القُرآن: / استناد هذا الفعْلِ الشريفِ إلى اللَّه تعالى، واستناد العمى وَالصَّمَمَ اللَّذَيْن هما عبارةٌ عن الضَّلال إليهم، ثم أخبر تعالى إخباراً مؤكَّداً بلام القَسَمِ عن كُفْر القائلين: إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وهذا قولُ اليَعْقُوبِيَّةِ من النصارى، ثم أخبر تعالى عن قول المسيحِ لهم، فقال:

 وَقالَ الْمَسِيحُ يا بَنِي إِسْرائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ  الآية، فضَلُّوا هم، وكفروا بسَبَب ما رأَوْا على يديه من الآيات. (١) أخرجه أبو داود (٢/ ٧٥٥) كتاب **«الأدب»**، باب في الهوى حديث (٥١٣٠)، وأحمد (٥/ ١٩٤، ٦/ ٤٥٠) والبخاري في **«التاريخ الكبير»** (٢/ ١/ ١٧٢)، والدولابي في **«الكنى»** (١/ ١٠١) وابن عدي في **«الكامل»** (٢/ ٤٧٢) والفسوي في **«المعرفة والتاريخ»** (٢/ ٣٢٨) وابن الجوزي في **«ذم الهوى»** (ص ٢٠)، والقضاعي في **«مسند الشهاب»** (٢١٩) كلهم من طريق أبي بكر بن أبي مريم، عن خالد بن محمد الثقفي، عن بلال بن أبي الدرداء، عن أبيه مرفوعا وهذا إسناد ضعيف لاختلاط ابن أبي مريم.
 وأخرجه أحمد (٥/ ١٩٤) عن أبي اليمان، عن أبي مريم به، إلا أنه رواه موقوفا.
 قال السخاوي في **«المقاصد الحسنة»** (ص ١٨١- ١٨٢).
 وقد بالغ الصغاني فحكم عليه بالوضع، وكذا تعقبه العراقي، وقال: إن ابن أبي مريم لم يتهمه أحد بكذب، إنما سرق له حلي فأنكر عقله، وقد ضعفه غير واحد، ويكفينا سكوت أبي داود عليه، فليس بموضوع، بل ولا شديد الضعف، فهو حسن انتهى، وفي الباب مما لم يثبت عن معاوية، قال العسكري: أراد النبيّ صلّى الله عليه وسلّم أن من الحب ما يعميك عن طريق الرشد ويصمك عن استماع الحق، وأن الرجل إذا غلب الحب على قلبه ولم يكن له رادع من عقل أو دين أصمه حبه عن العدل، وأعماه عن الرشد، وكذا قال بعض الشعراء.
 **وعين أخي الرضى عن ذاك تعمى وقال آخر:**فعين الرضى عن كل عيب كليلة  ولكن عين السخط تبدي المساويا وعن ثعلب قال: تعمى العين عن النظر إلى مساويه، وتصم الأذن عن استماع العذل فيه وأنشأ يقول:وكذبت طرفي فيك والطرف صادق  وأسمعت أذني فيك ما ليس تسمع وقيل تعمى وتصم عن الآخرة، وفائدته النهي عن حب ما لا ينبغي الإغراق في حبه.

### الآية 5:75

> ﻿مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ ۖ كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ ۗ انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْآيَاتِ ثُمَّ انْظُرْ أَنَّىٰ يُؤْفَكُونَ [5:75]

قوله تعالى : وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ \[ المائدة : ٧٥ \]. 
بناءُ مبالغةٍ مِنَ الصِّدْقِ، ويحتملُ من التَّصْديق، وبه سُمِّيَ أبو بكرٍ الصِّدِّيقُ ( رضي اللَّه عنه )، وهذه الصفةُ لمريم تدفع قولَ مَنْ قال : إنها نَبِيَّةٌ. 
وقوله سبحانه : كَانَا يَأْكُلاَنِ الطعام  تنبيهٌ على نقص البشريَّة، وعلى حالٍ مِنَ الاحتياجِ إلى الغذاءِ تنتفِي معها الألوهيَّةُ، و يُؤْفَكُونَ  معناه : يُصْرَفُونَ، ومنه قوله عز وجل : يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ \[ الذاريات : ٩ \]، والأرْضُ المأْفُوكَةُ الَّتِي صُرِفَتْ عن أن ينالها المَطَرُ، والمَطَرُ في الحقيقةِ هو المَصْرُوفُ، ولكنْ قيل : أرضٌ مأفوكةٌ، لما كانَتْ مأفوكاً عنها.

### الآية 5:76

> ﻿قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا ۚ وَاللَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ [5:76]

قوله تعالى : قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِن دُونِ الله مَا لاَ يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرّاً وَلاَ نَفْعاً والله هُوَ السميع العليم. . .  \[ المائدة : ٧٦ \]. 
الضَّرُّ بفتح الضاد : المصدَرُ، وبضمها الاِسم، وهو عدَمُ الخَيْرِ، و  السميع ، لأقوالهم،  والعليم  بنيَّاتهم، والغُلُوُّ : تجاوُزُ الحدِّ، من غَلاَ السَّهْمُ، إذا تجاوَزَ الغَرَضَ المقصُودَ، وتلك المسافَةُ هي غَلْوَتُهُ، وهذه المخاطَبَةُ هي للنصارَى الذي غَلَوْا في عيسى، والقوم الذين نُهِيَ النصارى عن اتباع أهوائهم، هم بَنُو إسرائيل.

### الآية 5:77

> ﻿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ [5:77]

وَصَف تعالى اليهودَ، بأنهم ضَلُّوا قديماً، وأضلوا كثيراً من أتباعهم، ثم أكَّد الأمر بتَكْرار قوله تعالى : وَضَلُّواْ عَن سَوَاء السبيل \[ المائدة : ٧٧ \].

### الآية 5:78

> ﻿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَىٰ لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ۚ ذَٰلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ [5:78]

قوله تعالى : لُعِنَ الذين كَفَرُواْ مِن بَنِي إسرائيل. . .  \[ المائدة : ٧٨ \]. 
قال ابنُ عباس ( رضي اللَّه عنه ) : لُعِنُوا بكلِّ لسانٍ، لُعِنُوا في التوراةِ، وفي الزَّبُورِ، والإنجيلِ، والفُرْقَانِ.

### الآية 5:79

> ﻿كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ ۚ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ [5:79]

قوله سبحانه : كَانُواْ لاَ يتناهون عَن مُّنكَرٍ فَعَلُوهُ. . .  \[ المائدة : ٧٩ \]
ذَمَّ اللَّه سبحانه هذه الفِرْقَةَ الملْعُونَةَ، بأنهم ( كانوا لا يَتَنَاهَوْن عن منكرٍ فعلوه )، أي : أنهم كانوا يتجاهَرُونَ بالمعاصِي، وإنْ نهى منهم ناهٍ، لم يمتنعْ عن مواصلةِ بالعاصِي، ومواكلتِهِ وخُلْطَتِهِ، ورَوَى ابن مسعود، قال : قَالَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم :( إنَّ الرَّجُلَ مِنْ بَنِي إسْرَائِيلَ كَانَ، إذَا رأى أَخَاهُ على ذَنْبٍ، نَهَاهُ عَنْهُ، تَعْذِيراً، فَإذَا كَانَ مِنَ الغَدِ، لَم يَمْنَعْهُ مَا رأى مِنْهُ، أَنْ يَكُونَ أَكِيلَهُ أَوْ خَلِيطَهُ، فَلَمَّا رَأَى اللَّهُ تعالى ذَلِكَ مِنْهُمْ، ضَرَبَ بِقُلُوبِ بَعْضِهِمْ على بَعْضٍ، وَلَعَنَهُمْ على لِسَانِ نَبِيِّهِمْ دَاوُدَ، وعيسى، قال ابنُ مسعود : وكانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مُتَّكِئاً فَجَلَسَ، وَقَالَ :( لاَ، وَاللَّهِ حتى تَأْخُذُوا على يَدِ الظَّالِمِ، فَتَأطُرُوهُ عَلَى الحَقِّ إَطْراً )، والإجماعُ على أن النهْيَ عن المنْكَرِ واجبٌ لمن أطاقه، ونهى بمعروفِ، أي : برفْقٍ، وقَوْلٍ معروفٍ، وأمْنِ الضرر عليه، وعلى المؤمنين، فإن تعذَّر على أحَدٍ النَّهْيُ، لشيءٍ من هذه الوجوه، ففَرْضٌ عليه الإنكارُ بقلبه، وأن لاَّ يخالِطَ ذا المُنْكَرِ، وقال حُذَّاق أهْل العِلْم : لَيْسَ مِنْ شروط الناهِي أنْ يكون سليماً من المَعْصية، بل ينهَى العُصَاةُ بعضُهم بعضاً. 
وقوله سبحانه : لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ  اللامُ لامُ قسَمٍ، وروى أبو داود عن أبي سعيدٍ الخدريِّ، قال : قال رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم :( أَفْضَلُ الجِهَادِ كَلِمَةُ حَقٍّ )، أو قَالَ :( كَلِمَةُ عَدْلٍ عِنْدَ سُلْطَانٍ جَائِرٍ، أوْ أَمِيرٍ جَائِرٍ ) انتهى.

### الآية 5:80

> ﻿تَرَىٰ كَثِيرًا مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا ۚ لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ [5:80]

قوله تعالى لنبيِّه محمَّد عليه السلام : ترى كَثِيراً \[ المائدة : ٨٠ \] يحتمل أن تكون رؤيةَ عَيْن، فلا يريد إلاَّ معاصريه، ويحتمل أنْ تكونَ رُؤْيَة قَلْب، وعلى هذا، فيحتمل أن يريد المعاصِرَين له، ويحتمل أن يُرِيدَ أسلافَهُم، و الذين كَفَرُواْ  : عبدة الأوْثَان. 
وقوله سبحانه : لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنفُسُهُمْ. . .  \[ المائدة٨٠ \]. 
أي : قدَّمته للآخرة، واجترحته، ثم فسَّر ذلك قولُه تعالى : أَن سَخِطَ الله عَلَيْهِمْ ، ف  أَن سَخِطَ  : في موضع رَفْعٍ بدَلٍ من  مَا ، ويتحمل أن يكون التقدير : هو أنْ سَخِطَ اللَّه عليهم.

### الآية 5:81

> ﻿وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ وَلَٰكِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ فَاسِقُونَ [5:81]

قوله تعالى : والنَّبِيِّ \[ المائدة : ٨١ \]. 
إنْ كان المرادُ الأَسْلاَفَ، فالنبيُّ : داودُ وعيسى، وإنْ كان المرادُ معاصِرِي نبيِّنا محمَّد صلى الله عليه وسلم، فالمراد بالنبي هو صلى الله عليه وسلم. 
وذهب بعضُ المفسِّرين إلى أنَّ قوله سبحانه : ولكن كَثِيراً مِّنْهُمْ  كلامٌ منقطعٌ من ذكر بني إسرائيل، وأنه يعني به المنافقين، ونحوه لمجاهد.

### الآية 5:82

> ﻿۞ لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا ۖ وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَىٰ ۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ [5:82]

قوله تعالى : لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ الناس عَدَاوَةً لّلَّذِينَ ءَامَنُواْ اليهود والذين أَشْرَكُواْ. . .  \[ المائدة : ٨٢ \]. 
اللامُ في قوله : لَتَجِدَنَّ  لام ابتداءٍ، وقال الزَّجَّاج : هي لامُ قَسَمٍ، وهذا خبر مُطْلَقٌ منسحبٌ على الزمان كلِّه، وهكذا هو الأمر حتَّى الآن، وذلك أن اليهودَ مُرَِّنُوا على تكذيبِ الأنبياء وقَتْلِهِمْ، ومَرَدُوا على استشعار اللعْنَةِ، وضَرْبِ الذِّلَّة والمَسْكنة، فهم قد لَجَّتْ عداوتهم، وكَثُر حَسَدهم، فهم أشدُّ الناسِ عداوةً للمؤمنين، وكذلك المشركون عبدةُ الأوثانِ والنِّيران، وأما النصارى، فإنهم يعظمون من أهْلِ الإسلام مَنِ استشعروا مِنه صِحَّة دِينٍ، ويستهينُونَ مَنْ فهموا منه الفِسْقَ، فهم إنْ حاربوا، فإنما حَرْبهم أَنَفَةٌ، لا أنَّ شرعهم يأخذهم بذلك، وإذا سالموا، فَسِلْمُهم صافٍ، واليهودُ ( لعنهم اللَّه ) ليسوا على شيء من هذه الخِلالِ، بل شأنهم الخُبْث، واللَّيُّ بالألسنة، والمَكْر، والغَدْر، ولم يصفِ اللَّه تعالَى النصارى بأنهم أهْلُ وُدٍّ، وإنما وصفهم بأنهم أقرَبُ من اليهود والمشركين. 
وفي قوله سبحانه : الذين قَالُواْ إِنَّا نصارى  إشارةٌ إلى معاصري نبيِّنا محمد صلى الله عليه وسلم من النصارى، بأنهم ليسوا على حقيقيَّة النصرانيَّة، وإنما هو قولٌ منهم، وزَعْم. 
وقوله تعالى : ذلك بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَاناً. . .  الآية، معناه : ذلك بأن منهم أهْلَ خشْيَةٍ وانقطاع إلى اللَّه تعالى، وعبادةٍ، وإنْ لم يكونوا على هُدًى، فهم يَميلُونَ إلى أهل العبادةِ والخَشْيَةِ، وليس عند اليهود، ولا كان قَطُّ أهْلُ دياراتٍ وصوامِعَ وانقطاعٍ عن الدنيا، بل هم معظِّمون لها، متطاولُون في البنيان، وأمورِ الدنيا، حتى كأنهم لا يؤمنون بالآخرة، فلذلك لا يرى فيهم زاهد. 
قال الفَخْر : القُسُّ والْقِسِّيسُ : اسمُ رئيس النصارى، والجمْعُ : قِسِّيسُونَ، وقال قُطْرُب : القُسُّ والقِسِّيس : العَالِمُ، بلغة الرُّوم، وهذا مما وقع الوِفَاقُ فيه بَيْن اللغتَيْنِ، انتهى. 
ووصف اللَّه سبحانه النصارى، بأنهم  لا يستكبرون ، وهذا موجودٌ فيهم حتى الآن، واليهوديُّ متى وجد عِزًّا طغى، وتكبَّر.

### الآية 5:83

> ﻿وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَىٰ أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ ۖ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ [5:83]

مدحهم سبحانه، فقال : وَإِذَا سَمِعُواْ مَا أُنزِلَ إِلَى الرسول تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدمع. . .  \[ المائدة : ٨٣ \]، قال النوويُّ : ينبغي للقارئ أن يكون شأنُهُ الخشوعَ، والتدبُّر، والخضوعَ، فهذا هو المقصود المطلوبُ، وبه تنشرح الصدورُ، وتستنيرُ القُلُوب، ودلائلُه أكْثَرُ من أنْ تُحْصَر، وأشهرُ من أنْ تُذْكَر، وقد بات جماعةٌ من السَّلَف يتلو الواحدُ منهم آيةً واحدةً، ليلةً كاملةً، أو معظمَ ليلةٍ يتدَبَّرها، وصُعِقَ جماعاتٌ منهم عند سماع القرآن، وقراءتِهِ، وماتَ جماعاتٌ منهم، ويستحب البكاءُ والتباكِي لِمَنْ لا يقدر على البكاء، فإن البكاء عند القراءة صفةُ العارفين، وشعارُ عُبَّادِ اللَّه الصَّالحين، قال اللَّه عزَّ وجلَّ : وَيَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعاً \[ الإسراء : ١٠٩ \] وقد وردَتْ آثار كثيرة في ذلك، انتهى من **«الحلية »** للنوويِّ. 
وذكر ابن عباس وابن جُبَيْر، ومجاهد، أنَّ هذه الآية نزلَتْ بسبب وَفْدٍ بعثهم النجاشيُّ إلى رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، لِيَرَوْهُ، ويَعْرِفُوا حالَهُ، فقرأ النبيُّ صلى الله عليه وسلم عليهم القُرآن، فَبَكَوْا وآمَنُوا، ورَجعُوا إلى النجاشيِّ، فآمن، ولم يَزَلْ مؤمناً حتى ماتَ، فصلى عليه النبيُّ صلى الله عليه وسلم، وروي أنَّ نَعْشَ النجاشيِّ كُشِفَ للنبيِّ عليه السلام، فكان يراه مِنْ موضعه بالمدينةِ، وجاء الخَبَرُ بعد مدة أنَّ النجاشيَّ دُفِنَ في اليومِ الذي صلى فيه النبيُّ صلى الله عليه وسلم عليه، قال أبو صالح : كانوا سبعةً وستين رجلاً، وقال ابن جُبَيْرٍ : كانوا سبعين، عليهم ثيابُ الصُّوف، وكُلُّهم صاحبُ صَوْمَعَة، اختارهم النجاشيُّ. 
وصَدْرُ الآية في قُرْب المودَّة عامٌّ فيهم، ولا يتوجَّه أنْ يكون صَدْر الآية خاصًّا فيمن آمن، وإنما وقع التخصيص مِنْ قوله تعالى : وَإِذَا سَمِعُواْ ، وجاء الضمير عامًّا، إذ قد تُحْمَدُ الجماعةُ بفعْلِ واحدٍ منهم، وفي هذا استدعاء للنصارى، ولُطْفٌ من اللَّه بهم، ليؤمنوا. 
قال ( ص ) : مِمَّا عَرَفُواْ مِنَ الحق  :( مِن ) الأولى لابتداءِ الغاية. 
قال أبو البقاء : ومعناها : مِنْ أجْل الذي عَرَفُوا، و( من ) الثانية لبيانِ ( ما ) الموصولة، انتهى. 
قال العراقيُّ : تَفِيضُ ، أي : تسيل منها العَبْرَةُ، وفي الحديثِ :( اقرأوا القُرْآنَ وابكوا، فَإنْ لَمْ تَبْكُوا، فَتَبَاكَوْا )، خرَّجه البزِّار، انتهى من " الكوكب الدري "، وفيه عن البزَّار أيضاً، أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قال :( مَنْ خَرَجَ مِنْ عَيْنَيْهِ مِثْلُ جَنَاحِ ذُبَابٍ دُمُوعاً مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ، لَمْ يَدْخُلِ النَّارَ حتى يَعُودَ اللَّبَنُ فِي ضَرْعِهِ ) انتهى. 
وقولهم : مَعَ الشاهدين ، يعني : نبيِّنا محمَّداً صلى الله عليه وسلم، وأمته، قاله ابن عباس، وغيره، وقال الطبريُّ : لو قال قائلٌ : معنى ذلك :( مع الشاهِدينَ ) بتَوْحيدك من جميع العَالَمِ، لكان صواباً، وهو كلامٌ صحيحٌ، وكأن ابنَ عَبَّاس خصَّص أمة محمد، لقول اللَّه سبحانه : وكذلك جعلناكم أُمَّةً وَسَطاً. . . \[ البقرة : ١٤٣ \].

### الآية 5:84

> ﻿وَمَا لَنَا لَا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا جَاءَنَا مِنَ الْحَقِّ وَنَطْمَعُ أَنْ يُدْخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ [5:84]

قولهم : وَمَا لَنَا لاَ نُؤْمِنُ بالله وَمَا جَاءنَا مِنَ الحق \[ المائدة : ٨٤ \] توقيفٌ لأنفسهم، أو مُحَاجَّةٌ لِمَنْ عارضهم من الكفار، والقومُ الصالِحُون : محمَّد صلى الله عليه وسلم، وأصحابه، قاله ابن زيد، وغيره من المفسِّرين.

### الآية 5:85

> ﻿فَأَثَابَهُمُ اللَّهُ بِمَا قَالُوا جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ۚ وَذَٰلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ [5:85]

ذكر تعالى ما أثابهم به مِنَ النعيم على إيمانهم، وإحسانهم.

### الآية 5:86

> ﻿وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَٰئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ [5:86]

ذكر سبحانه حَالَ الكَافرين المكذِّبين، وأنهم قرناء الجحيمِ.

### الآية 5:87

> ﻿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا ۚ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ [5:87]

قوله تعالى : يا أيها الذين ءَامَنُواْ لاَ تُحَرِّمُواْ طيبات مَا أَحَلَّ الله لَكُمْ. . .  \[ المائدة : ٨٧ \]. 
قال ابن عباس، وغيره : نزلَتْ بسبب جماعةٍ من أصحاب النبيِّ صلى الله عليه وسلم بلغَتْ منهم المواعظ، وخوفُ اللَّه تعالى إلى أنْ حرَّم بعضهم النساء، وبعضُهم النوْمَ بالليلِ، والطِّيبَ، وهَمَّ بعضهم بالاختصاءِ، فبلَغَ ذلك النبيَّ صلى الله عليه وسلم، فقال :( أَمَّا أنَا فَأَقُومُ وَأَنَامُ، وَأَصُومُ وَأُفْطِرُ، وآتِي النِّسَاءَ، وَأَنَالُ الطِّيبَ، فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي، فَلَيْسَ مِنِّي )، قال الطبريُّ : كان فيما يتلى :( مَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِكَ، فَلَيْسَ مِنْ أُمَّتِكَ، وَقَدْ ضَلَّ عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ )، والطيباتُ في هذه الآية : المستلَذَّات، بدليل إضافتها إلى ما أحلَّ اللَّه، وبقرينة ما ذُكِرَ من سبب الآية. 
وقوله سبحانه : وَلاَ تَعْتَدُواْ ، قال عكرمة وغيره : معناه في تحريم ما أحلَّ اللَّه، وقال الحسنُ بنُ أبي الحَسَنِ : المعنى  ولا تعتدُوا ، فَتُحِلُّوا ما حرَّم اللَّه، فالنهْيَان على هذا تضمَّنا الطرفَيْن، كأنه قال : لا تشدِّدوا، فتحرِّموا حلالاً، ولا تترخَّصوا، فتحلُّوا حراماً، قلتُ : وروى مالكٌ في ****«الموطأ »****، عن أبي النَّضْر، قال : قال رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، ( لَمَّا ماتَ عثمانُ بْنُ مظعونٍ، ومرَّ بجَنَازَتِهِ :( ذَهَبْتَ، وَلَمْ تَلْتَبِسْ مِنْهَا بِشَيْءٍ ). قال أبو عمر في **«التمهيد »** : هذا الحديثُ في ****«الموطأ »**** مقطوعٌ، وقد رُوِّينَاه متصلاً مُسْنَداً من وجه صالحٍ حسن، ثم أسند أبو عمر ( عن عائشةَ، قالَتْ :( لمَّا ماتَ عُثْمَانُ بنُ مظعونٍ، كشف النبيُّ صلى الله عليه وسلم الثَّوْبَ عن وجْهِهِ، وَقَبَّلَ بَيْنَ عَيْنَيْهِ، وبكى بُكَاءً طويلاً، فلما رُفِعَ عَلَى السَّرِيرِ، قَالَ : طوبى لَكَ يَا عُثْمَان، لَمْ تَلْبَسْكَ الدُّنْيَا وَلَمْ تَلْبَسْهَا ). قال أبو عمر : كان عثمانُ بنُ مظعونٍ أحد الفُضَلاء العُبَّاد الزاهدين في الدنْيَا من أصْحَاب رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم المتبتِّلين منهم، وقد كان هو وعليُّ بن أبي طالب هَمَّا أنْ يترهَّبا ويَتْرُكَا النساء، ويُقْبِلا على العبادة، ويحرِّما طيِّباتِ الطعامِ على أنفسهما، فنزلَتْ : يا أيها الذين ءامَنُواْ لاَ تُحَرِّمُواْ طيبات مَا أَحَلَّ الله لَكُمْ. . .  الآية، ونقل هذا مَعْمَرٌ وغيره عن قتادة، انتهى.

### الآية 5:88

> ﻿وَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلَالًا طَيِّبًا ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ [5:88]

قال العراقيُّ: تَفِيضُ، أي: تسيل منها العَبْرَةُ، وفي الحديثِ: **«اقرءوا القُرْآنَ، وابكوا، فَإنْ لَمْ تَبْكُوا، فَتَبَاكَوْا»**، خرَّجه البزِّار **«١»**. انتهى من **«الكوكب الدري»**، وفيه عن البزَّار أيضاً أنَّ النبيَّ صلّى الله عليه وسلّم قال: **«مَنْ خَرَجَ مِنْ عَيْنَيْهِ مِثْلُ جَنَاحِ ذُبَابٍ دُمُوعاً مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ، لَمْ يَدْخُلِ النَّارَ حتى يَعُودَ اللَّبَنُ فِي ضَرْعِهِ»**. انتهى.
 وقولهم: مَعَ الشَّاهِدِينَ، يعني: نبيّنا محمّدا صلّى الله عليه وسلّم، وأمته قاله ابن عباس **«٢»** وغيره، وقال **«٣»** الطبريُّ: لو قال قائلٌ: معنى ذلك: **«مع الشاهِدينَ بتَوْحيدك من جميع العَالَمِ»**، لكان صواباً، وهو كلامٌ صحيحٌ وكأن ابنَ عَبَّاس خصَّص أمة محمد لقول اللَّه سبحانه: وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً... \[البقرة: ١٤٣\] الآية، وقولهم: وَما لَنا لاَ نُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَما جاءَنا مِنَ الْحَقِّ: توقيفٌ لأنفسهم أو مُحَاجَّةٌ لِمَنْ عارضهم من الكفار، والقومُ الصالِحُون: محمَّد صلّى الله عليه وسلّم، وأصحابه قاله ابن زيد وغيره **«٤»** من المفسِّرين، ثم ذكر تعالى ما أثابهم به مِنَ النعيم على إيمانهم وإحسانهم، ثم ذكر سبحانه حال الكافرين المكذّبين، وأنهم قرناء الجحيم.
 \[سورة المائدة (٥) : الآيات ٨٧ الى ٨٩\]
 يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (٨٧) وَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلالاً طَيِّباً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ (٨٨) لا يُؤاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمانِكُمْ وَلكِنْ يُؤاخِذُكُمْ بِما عَقَّدْتُمُ الْأَيْمانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعامُ عَشَرَةِ مَساكِينَ مِنْ أَوْسَطِ ما تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ ذلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمانِكُمْ إِذا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُوا أَيْمانَكُمْ كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آياتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٨٩)
 وقوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ... الآية: قال ابن عباس وغيره **«٥»** نزلَتْ بسبب جماعة من أصحاب النبيّ صلّى الله عليه وسلّم بلغَتْ منهم المواعظ، وخوفُ اللَّه تعالى إلى أنْ حرَّم بعضهم النساء، وبعضُهم النوْمَ بالليلِ، والطِّيبَ، وهَمَّ بعضهم بالاختصاءِ، فبلَغَ ذلك النبيَّ صلّى الله عليه وسلّم، فقال: **«أَمَّا أنَا فَأَقُومُ وَأَنَامُ، وَأَصُومُ وَأُفْطِرُ، وآتي
 (١) تقدم ********«تفسيره»******** في أول التفسير.
 (٢) أخرجه الطبري (٥/ ٧) برقم (١٢٣٣٦)، وذكره ابن عطية (٢/ ٢٢٧).
 (٣) ينظر: الطبري (٥/ ٨).
 (٤) أخرجه الطبري في ********«تفسيره»******** (٢/ ٨) (١٢٣٣٩)، وذكره ابن عطية في ********«تفسيره»******** (٢/ ٢٢٦).
 (٥) أخرجه الطبري في ********«تفسيره»******** (٥/ ١١) (١٢٣٥١)، وذكره ابن عطية في ********«تفسيره»******** (٢/ ٢٢٨)، و **«صحيفة علي بن أبي طلحة عن ابن عباس»** (ص ١٨٦/ ٣٣٤)، والسيوطي في **«الدر المنثور»** (٢/ ٥٤٤) وعزاه لابن جرير، وابن أبي حاتم، وابن مردويه، عن ابن عباس.**

النِّسَاءَ، وَأَنَالُ الطِّيبَ، فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي، فَلَيْسَ مِنِّي»، قال الطبريُّ: كان فيما يتلى:
 **«مَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِكَ، فَلَيْسَ مِنْ أُمَّتِكَ، وَقَدْ ضَلَّ عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ»**، والطيباتُ في هذه الآية: المستلَذَّات بدليل إضافتها إلى ما أحلَّ اللَّه وبقرينة ما ذُكِرَ من سبب الآية.
 وقوله سبحانه: وَلا تَعْتَدُوا، قال عكرمة وغيره: معناه: في تحريم ما أحلَّ اللَّه **«١»**، وقال الحسنُ بنُ أبي الحَسَنِ: المعنى: ولا تعتدُوا، فَتُحِلُّوا ما حرَّم اللَّه **«٢»**، فالنهْيَان على هذا تضمَّنا الطرفَيْن كأنه قال: لا تشدِّدوا فتحرِّموا حلالاً، ولا تترخَّصوا فتحلُّوا حراماً، قلتُ: وروى مالكٌ في ****«الموطإ»****، عن أبي النَّضْر، قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، لَمَّا ماتَ عثمانُ بْنُ مظعونٍ، ومُرَّ بجَنَازَتِهِ: **«ذَهَبْتَ، وَلَمْ تَلْتَبِسْ مِنْهَا بِشَيْءٍ»** **«٣»**.
 قال أبو عمر في **«التمهيد»** : هذا الحديثُ في ****«الموطإ»**** مقطوعٌ، وقد رُوِّينَاه متصلاً مُسْنَداً من وجه صالحٍ حسن، ثم أسند أبو عمر عن عائشةَ، قالَتْ: **«لمَّا ماتَ عُثْمَانُ بنُ مظعونٍ، كشف النبيّ صلّى الله عليه وسلّم الثَّوْبَ عن وجْهِهِ، وَقَبَّلَ بَيْنَ عَيْنَيْهِ، وبكى بُكَاءً طويلاً، فلما رُفِعَ عَلَى السَّرِيرِ، قَالَ: طوبى لَكَ يَا عُثْمَان! لَمْ تَلْبَسْكَ الدُّنْيَا وَلَمْ تَلْبَسْهَا»** **«٤»**.
قال أبو عمر: كان عثمانُ بنُ مظعونٍ أحد الفُضَلاء العُبَّاد الزاهدين في الدنيا من أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم المتبتِّلين منهم، وقد كان هو وعليُّ بن أبي طالب هَمَّا أنْ يترهَّبا ويَتْرُكَا النساء، ويُقْبِلا على العبادة، ويحرِّما طيِّباتِ الطعامِ على أنفسهما، فنزلت:

 يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ  الآية. ونقل هذا مَعْمَرٌ وغيره عن قتادة **«٥»**. انتهى. وقوله سبحانه: وَلكِنْ يُؤاخِذُكُمْ بِما عَقَّدْتُمُ الْأَيْمانَ: معناه: شدَّدتم، وعَقْدُ اليمينِ كَعَقْدِ الحبل والعهد قال الحطيئة: \[البسيط\]
 (١) أخرجه الطبري في **********«تفسيره»********** (٥/ ١٣) (١٢٣٥٦)، وذكره ابن عطية في **********«تفسيره»********** (٢/ ٢٢٨).
 (٢) أخرجه الطبري في **********«تفسيره»********** (٥/ ١٣) (١٢٣٥٨)، وذكره ابن عطية في **********«تفسيره»********** (٢/ ٢٢٨)، والسيوطي في **«الدر المنثور»** (٢/ ٥٤٧) وعزاه لعبد بن حميد، عن الحسن.
 (٣) أخرجه مالك في **«الموطأ»** (١/ ٢٤٢) كتاب ******«الجنائز»******، باب جامع الجنائز، حديث (٥٤).
 (٤) أخرجه أبو داود (٣/ ٣٠١) كتاب ******«الجنائز»******، باب في تقبيل الميت، حديث (٣١٦٣) والترمذي (٣/ ٣١٤- ٣١٥) كتاب ******«الجنائز»******، باب ما جاء في تقبيل الميت، حديث (٩٨٩) من حديث عائشة.
 وقال الترمذي: حسن صحيح.
 (٥) أخرجه الطبري في **********«تفسيره»********** (٥/ ١٠) (١٢٣٤٦).

قَوْمٌ إذَا عَقَدُوا عَقْداً لِجَارِهِمُ  شَدُّوا الْعِنَاجَ وَشَدُّوا فَوْقَهُ الْكَرَبَا **«١»** قال **«٢»** الفَخْر: وأما وجه المناسبة بَيْنَ هذه الآية والَّتي قبلها، فهو ما تقدَّم مِنْ أنَّ قوماً من الصحابة (رضي اللَّه عنهم) حَرَّموا على أنفسهم المطاعِمَ والمَلاَذَّ، وحلفوا على ذلك، فلمَّا نهاهم/ اللَّه تعالى عن ذلك، قالوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، فكيف نصنع بأَيْمَانِنَا؟ فأنزل اللَّه تعالى هذه الآية. انتهى.
 وقوله سبحانه: فَكَفَّارَتُهُ إِطْعامُ عَشَرَةِ مَساكِينَ، أي: إشباعهم مرةً واحدةً، وحكم هؤلاءِ ألاَّ يتكرَّر واحدٌ منهم في كفَّارة **«٣»** يمينٍ واحدةً.
 واختلفَ في معنى قوله سبحانه: مِنْ أَوْسَطِ، فرأى مالك وجماعةٌ معه هذا التوسُّط في القَدْر، ورأى ذلك جماعةٌ في الصِّنْف، والوَجْهُ أن يُعَمَّ بلفظ **«الوسَطِ»** القَدْرُ والصِّنْفُ، فرأى مالكٌ أنْ يُطْعَمَ المسكينُ ب **«المدينة»** مدّا بمدّ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، وذلك رطل
 (١) البيت للحطيئة ص (١٥)، واللسان (عنج).
 وعقد الحبل والعهد يعقده عقدا، وأعقدت العسل والدواء أعقدهما إعقادا والعناج: حبل يشدّ أسفل الدلو إذا كانت ثقيلة، ثم يشد إلى العراقيّ، فإذا انقطعت الأوذام، فانقلبت، أمسكها العناج، يقال: قد عنجت الدلو أعنجها، واسم الحبل: العناج. والكرب: عقد الرشاء الذي يشدّ على العراقي، يقال:
 أكربت الدلو أكربها إكرابا، والعراقي: العودان المصلبان اللذان تشدّ إليهما الأوذام، فأراد أنهم إذا عقدوا لجارهم عقدا أحكموه.
 (٢) ينظر: **«مفاتيح الغيب»** (١٢/ ٦١). [.....]
 (٣) لا نعلم خلافا بين العلماء في أن المكفر بالإطعام يخرج عن عهد الكفارة بإطعام عشرة مساكين لكل مسكين ما وجب له.
 كما لا نعلم خلاف بينهم أيضا في أنه لا يخرج عن عهدة الكفارة بدفعه ما وجب عليه من الطعام لمسكين واحد في يوم واحد دفعة واحدة لأن ذلك لا يسمى إطعام عشرة مساكين لا حقيقة ولا حكما. فهو مخالف لظاهر الآية. وليس في السنة ما يؤيده.
 وإنما الخلاف بينهم في دفع ما وجب عليه من الطعام لمسكين واحد في عشرة أيام، أو في يوم واحد على دفعات متفرقة على سبيل التمليك.
 فجمهور العلماء، ومنهم الأئمة: مالك، والشافعي، وأحمد في المشهور من مذهبه ذهبوا إلى أن ذلك لا يجوز، ولا يخرج به المكفر عن العهدة، ولا بد من إعطاء تسعة مساكين آخرين لكل واحد منهم ما وجب له، فعدد العشرة عندهم معتبر.
 ومنهم من ذهب إلى أن ذلك جائز، ومسقط للعهدة، وهو الإمام أبو حنيفة وأصحابه، والإمام أحمد في رواية، غير أن الحنفية يجيزون دفعها لمسكين واحد في أيام متعددة من غير خلاف بينهم، وأمّا دفعها له في يوم واحد على دفعات على سبيل التمليك، فذلك محل خلاف بينهم.
 ينظر: **«الكفارات»** لشيخنا حسن علي حسن الكاشف.

وثُلُثٌ، وهذا لضيقِ المعيشة بالمدينة، ورأى في غيرها أنْ يتوسَّع، ورأى من يقول: إنَّ التوسُّط إنما هو في الصِّنْف أنْ يكون الرجُلُ المكفِّر يتجنب أدنى ما يأكل الناس في البلد، وينحطُّ عن الأعلى، ويكفِّرُ بالوَسَط من ذلك، ومذهب **«المدونة»** أنْ يراعي المكفِّر عيش البلد، وتأويلُ العلماء في الحانث في اليمين باللَّه: أنه مخيَّر في الإطعام، أو الكُسْوة، أو العِتْق، والعلماءُ على أنَّ العتق أفضلُ ذلك، ثم الكسوة، ثم الإطعام، وبدأ اللَّه تعالى عباده بالأيسر، فالأيسر، قال الفَخْر **«١»** : وبدأ سبحانه بالإطعام لأنه أعمُّ وجوداً، والمقصودُ منه التنبيهُ على أنه سبحانه يُرَاعِي التخفيفَ، والتسهيلَ في التكاليفِ، وثانيها: أنَّ الإطعام أفضلُ، قلتُ: وهذا هو مشهورُ مذهب مالكٍ. انتهى، ويجزىء عند مالكٍ من الكُسْوَة في الكفارة ما يجزىء في الصّلاة **«٢»**.

 (١) ينظر: **«مفاتيح الغيب»** (١٢/ ٦٤- ٦٥).
 (٢) النوع الثاني من الأنواع المخيّر فيها في كفارة اليمين، هي كسوة عشرة مساكين، وهو ما يشير إليه قوله تعالى: فَكَفَّارَتُهُ إِطْعامُ عَشَرَةِ مَساكِينَ مِنْ أَوْسَطِ ما تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ [المائدة: ٨٩].
 اتفقت كلمة الفقهاء على أن المكفر إذا أعطى لكل مسكين من العشرة ثوبين فأكثر، كفاه ذلك، وسقطت عنه الكفارة.
 ولكنهم اختلفوا في أقل ما يعطاه المسكين الواحد: فذهب الشافعي- رضي الله عنه-، وجمهور أهل الظاهر: إلى أن أقل ما يعطاه المسكين الواحد هو ما يطلق عليه اسم الكسوة، كالمنديل، أو العمامة، أو الإزار، ولا يشترط أن يكون صالحا للمعطى، بل جائز أن يعطى ما يصلح للكبير للصغير، وما للرجل للمرأة وبالعكس، كما لا يشترط أن يكون جديدا.
 وذهب الإمام مالك، وأصحابه إلى أن المجزئ من ذلك ثوب تصح فيه الصّلاة، فإن كان المسكين رجلا وجب أن يعطى ثوبا يستر جميع البدن، وإن كان امرأة وجب أن تعطى ثوبا تستر به جميع بدنها، وخمارا تغطي به رأسها، وفي ذلك يقول مالك في الموطأ: **«أحسن ما سمعت في الذي يكفر عن يمينه بالكسوة أنه إن كسا الرجال كساهم ثوبا ثوبا، وإن كسا النساء كساهم ثوبين ثوبين درعا وخمارا وذلك أدنى ما يجزىء كلّا في صلاته»** وليس بلازم أن يكون الثوب، أو ما معه جديدا، بل يكفي أن يكون صالحا للبس كما أنه ليس بلازم أن يكون المسكين كبيرا، بل الصغير والكبير في الكسوة سواء.
 وذهب أبو حنيفة، وأبو يوسف إلى أن المجزئ من ذلك هو ما يستر البدن، ويسمى به الشخص مكتسيا، وذلك كالقميص، أو الإزار السابخ، أو القباء، أو الكساء أو الملحفة، وخالفهما الإمام محمّد حيث قال: يجزىء من ذلك ثوب تصح فيه الصلاة للرجل والمرأة، فيجوز عنده السراويل للرجل لأنه يسمى لابسا شرعا، ولا يجزىء عندهما لأن لابسه لا يسمى مكتسيا عرفا.
 وذهب الإمام أحمد إلى أن المجزئ من ذلك ثوب يصح للرجل أن يصلّي فيه، وللمرأة درع وخمار، وقال: لا يجزىء إزار وحده أو سروال.
 ينظر: **«الكفارات»** لشيخنا حسن علي حسن الكاشف.

وقوله سبحانه: أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ، أيْ: مؤمنة قاله مالك **«١»** وجماعةٌ لأن هذا المطْلَق راجعٌ إلى المقيدِ في عِتْقِ الرقبة في قَتْل الخطإ.
 وقوله سبحانه: فَمَنْ لَمْ يَجِدْ: معناه: لم يجدْ في ملكه أحد هذه الثلاث

 (١) ذهب الجمهور، ومنهم مالك، والشافعي، وأحمد في مشهور مذهبه، والأوزاعي: إلى أن عتق الرقبة الكافرة في كفارة اليمين لا يجزىء، ولا تسقط الكفارة به.
 وذهب الإمام أبو حنيفة، وأصحابه، والثوري، وعطاء، وأبو ثور إلى أن ذلك مجزىء، ومسقط للكفارة، وهو رواية عن الإمام أحمد.
 احتج الجمهور بما رواه مسلم، والنّسائيّ عن معاوية بن الحكم قال: **«كانت لي جارية فأتيت النبيّ صلّى الله عليه وسلّم فقلت: عليّ رقبة. أفأعتقها؟ فقال لها رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: أين الله؟ فقالت في السّماء فقال: من أنا؟
 فقالت: أنت رسول الله. فقال صلّى الله عليه وسلّم: أعتقها، فإنّها مؤمنة»**.
 ووجه الدلالة: أن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم أخّر الجواب عن السائل، حتى علم ما عليه تلك الرقبة من الإيمان أو الكفر، فلما تأكد له إيمانها، أجابه صلّى الله عليه وسلّم بأن يعتقها، وقال له: **«فإنّها مؤمنة»**. فلو لم يكن وصف الإيمان له دخل في إجزاء العتق، لما كان لهذا التأخير فائدة، ومثل ذلك يجلّ عنه مقام الرسول صلّى الله عليه وسلّم.
 وأيضا فإنه عليه الصلاة والسلام علّق عتقها على الإيمان، وتعليق ذلك يدل على أن الإيمان علّة الإجزاء لأن تعلّق الحكم بالمشتق مؤذن بأن مبدأ الاشتقاق علة فيه.
 وقالوا: إن الرقبة في الآية، وإن كانت مطلقة غير مقيدة بوصف الإيمان، إلا أن هذا الحديث يصلح أن يكون مقيدا لها، فيكون المقصود من الرقبة فيها: هي الرقبة المؤمنة أو يقال: إن كفارة اليمين قد اتحد الحكم فيها مع كفارة القتل، ففي كل وجب عتق رقبة، واختلف سببهما إذ كفارة اليمين سببها اليمين، وكفارة القتل سببها القتل، والمطلق والمقيد متى اتحد حكمهما حمل المطلق على المقيد، وإن اختلف سببهما متى وجدت علّة جامعة بينهما، فتكون الرقبة في كفارة اليمين محمولة على الرقبة في كفارة القتل، فتقيد بالإيمان، كما قيدت به في كفارة القتل لأن العلة التي تجمعهما: هي حرمة السبب.
 واحتج الإمام أبو حنيفة، ومن معه بأن الآية غير مقيدة، فهي شاملة للرقبة المؤمنة، وللرقبة الكافرة، والمطلق يجب بقاؤه على إطلاقه، حتى يرد من الشرع ما يقيده، ولم يرد ما يقيد الرقبة بالإيمان هاهنا، فكانت باقية على إطلاقها، فعتق الكافرة مجزىء كعتق المسلمة، وليس حمل المطلق على المقيد عند اتحاد الحكم مع اختلاف السبب أمرا متفقا عليه، بل نحن لا نقول به، وبالنظر في وجهة كل نجد أن مذهب الجمهور هو الراجح، لأن الحديث المتقدم مقيد للآية، فلم تبق على إطلاقها ولأن الكفارة عبادة يتقرب بها إلى الله عز وجل، فوجب أن تكون خاصة بأهل عبادته من المؤمنين كمال الزكاة، وذبائح النّسك.
 نعم، إن الإسلام دين الرحمة العامة، والصدقة فيه حتى على الكفار غير المحاربين مستحبة، ولكن فرقا بين الصدقة المطلقة، وبين العبادات المحددة المقيدة، فتكفير الذنب إنما يرجى بما في العتق من إعانة العتيق على طاعته تعالى، حتى من قال بإجزاء الكافرة لا يمكنه أن ينكر أن الاحتياط في إبراء الذمة إنما هو بإعتاق الرقبة المؤمنة، فتقديم المجمع عليه المتيقن إجزاؤه أولى بالاعتبار من المظنون المختلف فيه.
 ينظر: **«الكفارات»** لشيخنا حسن علي حسن الكاشف.

المذكورة. واختلفَ العلماءُ في حدِّ هذا العادِمِ، ومتى يصحُّ له **«١»** الصيام فقال الشافعيُّ ومالكٌ وجماعة من العلماء: إذا كان المكفِّر لا يملك إلاَّ قوته، وقُوتَ عياله، يَوْمَهُ وليلته، فله أنْ يصوم، فإن كان عنده زائدٌ على ذلك مَا يُطْعِم عشرةَ مساكينَ، لزمه الإطعام، قال **«٢»** الطبريُّ: وقال آخرون: جائز لِمَنْ لم يكُنْ له فضْلٌ على رأس ماله الذي يتصرَّف به في معايشه أنْ يصوم، وقرأ أبيُّ بن كعبٍ، وابن مسعود: **«ثلاثة أَيَّامٍ مُتَتَابِعَاتٍ»**، وقال بذلك جماعة.
 وقال مالك وغيره: إن تابع، فحَسَنٌ، وإن فرق، أجزأ، وقوله: إِذا حَلَفْتُمْ، معناه: وأردتم الحِنْثَ، أو وقعتم فيه.

 (١) من خصال كفارة اليمين هي صيام ثلاثة أيّام، والعلماء متفقون على أن تلك الخصلة لا ينتقل إليها المكفر إلا بعد العجز عن الخصال السابقة لقوله تعالى: فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ [المائدة: ٨٩].
 ولكنهم مختلفون في شيء آخر وراء هذا، وهو: هل يجب التتابع في صوم تلك الأيام الثلاثة بحيث لا يتخللها فطر أو لا يجب ذلك فيه خلاف.
 ذهبت الشافعية في الراجح من مذهبهم، والمالكية، والظاهرية، وأحمد في رواية عنه: إلى عدم اشتراط التتابع محتجين بأنه صوم نزل به القرآن غير مقيد بالتتابع، فجاز متفرقا ومتتابعا لأنّه لم يوجد من السنة دليل ثابت يصح أن يقيد به هذا الإطلاق، فالتقييد بالتتابع تقييد بلا دليل.
 وذهبت الحنفية، وأحمد في مشهور مذهبه، والثّوريّ وأبو عبيد: إلى اشتراط التتابع محتجين بقراءة أبيّ، وابن مسعود **«فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيّام متتابعات»** قائلين: إن ثبت القرآن بهذا كان حجة ووجب حمل المطلق على المقيد لأن القرآن يفسّر بعضه بعضا، وإن لم تثبت القرآنية بهذا، فلا يخرج ذلك عن أن يكون رواية عن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم سمعها ابن مسعود، وأبي معه، فلها حكم الحديث المرفوع، وهو حجة، فيقيد به مطلق الكتاب، وأيّا ما كان، فالتتابع ثابت بهذا، فلا يصح التفريق في الصّيام ونحن إذا نظرنا إلى وجهة كل نجد أن القول بالتتابع هو الراجح، لأن القائلين بعدم التتابع قد حملوا المطلق في تحرير الرقبة على المقيد فيها في كفارة القتل، حتى أوجبوا اعتبار وصف الإيمان في الرقبة مع أن السبب فيهما مختلف، وليس لهم مستند في ذلك إلا أن كلّا من الكفارتين تجمعهما علة واحدة هي: حرمة السبب، وهذه العلة بذاتها موجودة في الصوم في كفارة اليمين، وقراءة أبيّ، وابن مسعود: **«فصيام ثلاثة أيّام متتابعات»**. فهذه القراءة، وإن لم تثبت قرآنية هذا اللفظ لأن القرآن لا يثبت بالآحاد إلّا أنها رواية عن صحابي سمعها من الرسول صلّى الله عليه وسلّم، فلا ينبغي أن يتقوّل عليه ما لم يقله لأنه يعرف حقّ المعرفة معنى قوله عليه الصلاة والسلام: **«من كذب عليّ متعمّدا، فليتبوّأ مقعده من النّار»** فتكون مقيدة للآية.
 فقول من قال: إن الآية مطلقة، ولم يرد ما يقيدها لا يقبل بعد البيان السابق، وخصوصا إذا أمكن حمل المطلق هاهنا على المقيد في كفارة القتل، أو الظهار، ولا مانع منه.
 ينظر: **«الكفارات»** لشيخنا حسن علي حسانين الكاشف، **«الخطيب على المنهاج»** (٤/ ٣٢٨)، **«الشرح الكبير»** (٢/ ١١٨)، **«المغني»** (١١/ ٢٧٣)، **«فتح القدير»** (٤/ ١٨).
 (٢) ينظر: **«تفسير الطبري»** (٥/ ٣٠).

### الآية 5:89

> ﻿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَٰكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ ۖ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ ۖ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ۚ ذَٰلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ ۚ وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ ۚ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ [5:89]

قوله سبحانه : ولكن يُؤَاخِذُكُم بِمَا عَقَّدتُّمُ الأيمان \[ المائدة : ٨٩ \]. 
معناه : شدَّدتم، وعَقْدُ اليمينِ كَعَقْدِ الحبل، والعهد قال الحطيئة :\[ البسيط \]

قَوْمٌ إذَا عَقَدُوا عَقْداً لِجَارِهِمُ  شَدُّوا الْعِنَاجَ وَشَدُّوا فَوْقَهُ الْكَرَبَاقال الفَخْر : وأما وجه المناسبة بَيْنَ هذه الآية والَّتي قبلها، فهو ما تقدَّم، مِنْ أنَّ قوماً من الصحابة ( رضي اللَّه عنهم ) حَرَّموا على أنفسهم المطاعِمَ، والمَلاَذَّ، وحلفوا على ذلك، فلمَّا نهاهم اللَّه تعالى عن ذلك، قالوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ، فكيف نصنع بأَيْمَانِنَا ؟ فأنزل اللَّه تعالى هذه الآية، انتهى. 
قوله سبحانه : فكفارته إِطْعَامُ عَشَرَةِ مساكين  أي : إشباعهم مرةً واحدةً، وحكم هؤلاءِ أن لاَّ يتكرَّر واحدٌ منهم في كفَّارة يمينٍ واحدةً، واختلفَ في معنى قوله سبحانه : مِنْ أَوْسَطِ ، فرأى مالك وجماعةٌ معه هذا التوسُّط في القَدْر، ورأى ذلك جماعةٌ في الصِّنْف، والوَجْهُ أن يُعَمَّ بلفظ **«الوسَطِ »** القَدْرُ، والصِّنْفُ، فرأى مالكٌ أنْ يُطْعَمَ المسكينُ بالمدينة مُدًّا بمُدِّ النبيِّ صلى الله عليه وسلم، وذلك رِطْلٌ وثُلُثٌ، وهذا لضيقِ المعيشة بالمدينة، ورأى في غيرها أنْ يتوسَّع، ورأى من يقول : إنَّ التوسُّط إنما هو في الصِّنْف أنْ يكون الرجُلُ المكفِّر يتجنب أدنى ما يأكل الناس في البلد، وينحطُّ عن الأعلى، ويكفِّرُ بالوَسَط من ذلك، ومذهب **«المدونة »**، أنْ يراعي المكفِّر عيش البلد، وتأويلُ العلماء في الحانث في اليمين باللَّه : أنه مخيَّر في الإطعام، أو الكُسْوة، أو العِتْق، والعلماءُ على أنَّ العتق أفضلُ ذلك، ثم الكسوة ثم الإطعام، وبدأ اللَّه تعالى عباده بالأيسر فالأيسر. 
قال الفَخْر : وبدأ سبحانه بالإطعام، بأنه أعمُّ وجوداً، والمقصودُ منه التنبيهُ على أنه سبحانه يُرَاعِي التخفيفَ، والتسهيلَ في التكاليفِ، وثانيها : أنَّ الإطعام أفضلُ، قلتُ : وهذا هو مشهورُ مذهب مالكٍ، انتهى. ويجزئ عند مالكٍ من الكُسْوَة في الكفارة ما يجزئُ في الصَّلاة. 
وقوله سبحانه : أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ ، أيْ : مؤمنة، قاله مالك، وجماعةٌ : لأن هذا المطْلَق راجعٌ إلى المقيدِ في عِتْقِ الرقبة في قَتْل الخطأ. 
وقوله سبحانه : فَمَن لَّمْ يَجِدْ  معناه : لم يجدْ في ملكه أحد هذه الثلاث المذكورة، واختلفَ العلماءُ في حدِّ هذا العادِمِ، ومتى يصحُّ له الصيام، فقال الشافعيُّ، ومالكٌ، وجماعة من العلماء : إذا كان المكفِّر لا يملك إلاَّ قوته، وقُوتَ عياله، يَوْمَهُ وليلته، فله أنْ يصوم، فإن كان عنده زائدٌ على ذلك مَا يُطْعِم عشرةَ مساكينَ، لزمه الإطعام، قال الطبريُّ : وقال آخرون : جائز لِمَنْ لم يكُنْ له فضْلٌ على رأس ماله الذي يتصرَّف به في معايشه، أنْ يصوم، وقرأ أبيُّ بن كعبٍ، وابن مسعود :**«ثلاثة أَيَّامٍ مُتَتَابِعَاتٍ »**، وقال بذلك جماعة. 
وقال مالك وغيره : إن تابع، فحَسَنٌ، وإن فرق أجزأ، وقوله : إِذَا حَلَفْتُمْ  معناه : وأردتم الحِنْثَ، أو وَقَعْتُمْ فيه.

### الآية 5:90

> ﻿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ [5:90]

قوله تعالى : يا أيها الذين ءَامَنُواْ إِنَّمَا الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رِجْسٌ. . .  \[ المائدة : ٩٠ \]. 
قال( ع ) : وفي معنى الأزلام : الزَّجْرُ بالطيرِ، وأخْذُ الفألِ في الكتب، ونحوه ممَّا يصنعه الناسُ، وأخبر سبحانه أنَّ هذه الأشياء رجْسٌ، قال ابن عباس في هذه الآية : رِجْسٌ سَخَطَ، وقال ابن زَيْدٍ : الرجْسُ الشرُّ. 
قال( ع ) :( الرِّجْس ) : كلُّ مكروهٍ ذميمٍ، وقد يقال للعذابِ والرجْزِ : العذابُ لا غَيْر، والرِّكْس : العَذِرَةُ لا غَيْر، والرِّجْسُ يقال للأمرين. 
وقوله سبحانه : فاجتنبوه  : أمر باجتنابه، فحرمت الخمر، بظاهر القرآن، ونصِّ الأحاديث، وإجماع الأمة، وأمْرُ الخمر إنما كان بتدريجٍ، ونوازلَ كثيرةٍ، كقصَّة حمزة، حين جَبَّ الأسْنِمَة، وقولِهِ : وهل أنتم إلا عبيدُ أبِي.

### الآية 5:91

> ﻿إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ ۖ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ [5:91]

أعلم سبحانه عباده أنَّ الشيطان إنَّمَا يريد أنْ تقع العداوةُ بسَبَبِ الخَمْر، وما يعتري عليها بَيْنَ المؤمنينِ، وبسبب المَيْسر، إذا كانوا يتقَامَرُونَ عَلَى الأموال، حتى رُبَّما بَقِيَ المقمور فقيراً، فَتَحْدُثُ من ذلك ضغائِنُ وعداواتٌ، فإن لم يصلِ الأمر إلى حَدِّ العداوة، كانَتْ بغضاء، ولا تحسُنُ عاقبة قومٍ متباغضين، ولذلك قال صلى الله عليه وسلم :( وَلاَ تَبَاغَضُوا وَلاَ تَحَاسَدُوا، وَلاَ تَدَابَرُوا، وَكُونُوا عِبَادَ اللَّهِ إخْوَاناً )، وباجتماع النفوس والكلمة يحمي الدين، ويجاهَدُ العدوُّ، والبغضاءُ تنقضُ عُرَى الدِّين، وتهدم عمادَ الحمايةِ، وكذلك أيضاً يريدُ الشيطانُ أنْ يصدَّ المؤمنين عَنْ ذكْر اللَّه، وعنِ الصلاة، ويشغلهم عنها باتباع الشهواتِ، والخمرُ والميسرُ، والقمَارُ كلُّه مِنْ أعظم الآيات في ذلك، وفي قوله سبحانه : فَهَلْ أَنْتُمْ مُّنتَهُونَ \[ المائدة : ٩١ \] وعيدٌ زائدٌ على معنى :**«انتهوا »**.

### الآية 5:92

> ﻿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا ۚ فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَىٰ رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ [5:92]

\[سورة المائدة (٥) : الآيات ٩٠ الى ٩٢\]

 يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٩٠) إِنَّما يُرِيدُ الشَّيْطانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَداوَةَ وَالْبَغْضاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ (٩١) وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّما عَلى رَسُولِنَا الْبَلاغُ الْمُبِينُ (٩٢)
 وقوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ... الآية:
 قال ع **«١»** : وفي معنى الأزلام: الزَّجْرُ بالطيرِ، وأخْذُ الفألِ في الكتب ونحوه ممَّا يصنعه الناسُ، وأخبر سبحانه أنَّ هذه الأشياء رجْسٌ، قال ابن عباس في هذه الآية: رِجْسٌ:
 سَخَطَ **«٢»**، وقال ابن زَيْدٍ: الرجْسُ **«٣»** الشرُّ.
 قال ع **«٤»** : الرِّجْس: كلُّ مكروهٍ ذميمٍ، وقد يقال للعذابِ والرجْزِ: العذابُ لا غَيْر، والرِّكْس: العَذِرَةُ لا غَيْر، والرِّجْسُ يقال للأمرين.
 وقوله سبحانه: فَاجْتَنِبُوهُ: أمر باجتنابه، فحرمت الخمر بظاهر القرآن، ونصِّ الأحاديث، وإجماع الأمة، وأمْرُ الخمر إنما كان بتدريجٍ ونوازلَ كثيرةٍ كقصَّة حمزة، حين جَبَّ الأسْنِمَة، وقولِهِ: وهل أنتم إلا عبيدُ أبِي، ثم أعلم سبحانه عباده أنَّ الشيطان إنَّمَا يريد أنْ تقع العداوةُ بسَبَبِ الخَمْر، وما يعتري عليها بَيْنَ المؤمنينِ، وبسبب المَيْسر إذ كانوا يتقَامَرُونَ عَلَى الأموال حتى رُبَّما بَقِيَ المقمور فقيراً، فَتَحْدُثُ من ذلك ضغائِنُ وعداواتٌ، فإن لم يصلِ الأمر إلى حَدِّ العداوة، كانَتْ بغضاء، ولا تحسُنُ عاقبة قومٍ متباغضين، ولذلك قال صلّى الله عليه وسلّم: **«وَلاَ تَبَاغَضُوا وَلاَ تَحَاسَدُوا وَلاَ تَدَابَرُوا، وَكُونُوا عِبَادَ اللَّهِ إخْوَاناً»** **«٥»**، وباجتماع النفوس والكلمة يحمى الدين، ويجاهَدُ العدوُّ، والبغضاءُ تنقضُ عُرَى الدِّين، وتهدم عمادَ الحمايةِ، وكذلك أيضاً يريدُ الشيطانُ أنْ يصدَّ المؤمنين عَنْ ذكْر اللَّه، وعنِ الصلاة، ويشغلهم عنها باتباع الشهواتِ، والخمرُ والميسرُ والقمَارُ كلُّه مِنْ أعظم الآفات في ذلك، وفي قوله سبحانه: فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ: وعيدٌ زائد على معنى: **«انتهوا»**.
 (١) ينظر: ****«المحرر الوجيز»**** (٢/ ٢٣٣).
 (٢) أخرجه الطبري في ********«تفسيره»******** (٥/ ٣٣) (١٢٥٤)، وذكره ابن عطية في ********«تفسيره»******** (٢/ ٢٣٢)، والسيوطي في **«الدر المنثور»** (٢/ ٥٦٦) وعزاه لابن جرير، وابن أبي حاتم، من طريق علي، عن ابن عباس.
 (٣) أخرجه الطبري في ********«تفسيره»******** (٥/ ٣٣) (١٢٥١٥)، وذكره ابن عطية في ********«تفسيره»******** (٢/ ٢٣٣).
 (٤) ينظر: ****«المحرر الوجيز»**** (٢/ ٢٣٣).
 (٥) تقدم تخريجه.

### الآية 5:93

> ﻿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا وَآمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا ۗ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ [5:93]

قوله سبحانه : لَيْسَ عَلَى الذين ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُواْ. . .  \[ المائدة : ٩٣ \]. 
قال ابن عباس، وغيره : لما نزل تحريمُ الخَمْر، قال قومٌ من الصحابة : يا رسول اللَّه، كَيْفَ بِمَنْ مات مِنَّا، وهو يشربها ؟ ويأكل المَيْسِرَ ؟ ونحو هذا من القَوْل، فنزلَتْ هذه الآية، وهذا نظيرُ سؤالِهِمْ عَمَّن مات على القبلة الأولى، والجُنَاحُ : الإثم والحَرَج، والتَّكرار في قوله سبحانه : وآمنوا  يقتضي في كلِّ واحدة زيادةً على التي قبلها، وفي ذلك مبالغةٌ في هذه الصِّفَات لهم، وليسَتِ الآيةُ وقفاً على مَنْ عمل الصالحاتِ كلَّها، واتقى كلَّ التقوى، بل هي لكلِّ مؤمن، وإن كان عاصياً أحياناً، إذا كان قد عَمِلَ من هذه الخصالِ المَمْدُوحة ما استحق به أنْ يوصف بأنه مؤمنٌ عامل للصالحات متَّقٍ في غالبِ أمره، محسنٌ، فليس على هذا الصِّنْف جُنَاحٌ فيما طعم ممَّا لم يُحَرَّم عليه، و طَعِمُواْ  : معناه ذَاقُوا فصَاعداً في رُتَب الأكل والشُّرب، وقد يستعار للنوم، وغيره، وحقيقتُهُ في حاسَّة الذَّوْق.

### الآية 5:94

> ﻿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَخَافُهُ بِالْغَيْبِ ۚ فَمَنِ اعْتَدَىٰ بَعْدَ ذَٰلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ [5:94]

قوله سبحانه : يا أيها الذين ءَامَنُواْ لَيَبْلُوَنَّكُمُ الله بِشَيْءٍ مِّنَ الصيد \[ المائدة : ٩٤ \]. 
أي : ليختبرنَّكم ليرى طاعتكم مِنْ معصيتكم، وقوله :( بشيءٍ ) يقتضي تبعيضاً، و( مِنْ ) : يحتمل أنْ تكون للتبعيض، ويحتمل أنْ تكون لبيانِ الجِنْس، كقوله تعالى : فاجتنبوا الرجس مِنَ الأوثان \[ الحج : ٣٠ \]. 
وقوله تعالى : لِيَعْلَمَ الله مَن يَخَافُهُ بالغيب \[ المائدة : ٩٤ \] معناه : ليستمرَّ علمه تعالى عليه، وهو موجودٌ، إذ قد علم تعالى ذلك في الأزل، و بالغيب  قال الطبريُّ : معناه في الدنيا حيثُ لا يَرَى العبْدُ ربَّه، فهو غائبٌ عنه، والظاهر أنَّ المعنى :( بالغَيْب ) من الناس، أي : في الخَلْوة ممَّن خاف اللَّه، انتهى. قلتُ : وقول الطبريِّ أظهر، ثم توعَّد تعالى من اعتدى بعد النهْيِ بالعذابِ الأليم، وهو عذابُ الآخرة.

### الآية 5:95

> ﻿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ ۚ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَٰلِكَ صِيَامًا لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ ۗ عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ ۚ وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ ۗ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ [5:95]

قوله سبحانه : يا أيها الذين ءَامَنُواْ لاَ تَقْتُلُواْ الصيد وَأَنْتُمْ حُرُمٌ. . .  \[ المائدة : ٩٥ \]. 
الصَّيْد : مصدرٌ عومِلَ معاملةَ الأسماء، فأوقع على الحَيَوانِ المَصِيدِ، ولفظُ الصيد هنا عامٌّ، ومعناه الخصوصُ فيما عدا ما استثني، وفي الصحيح عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم :( خَمْسٌ فَوَاسِقُ يُقْتَلْنَ فِي الحِلِّ وَالحَرَمِ : الغُرَابُ، وَالْحِدَأَةُ، وَالفَأْرَةُ، وَالعَقْرَبُ، وَالْكَلْبُ العَقُورُ )، وأجمع النَّاس على إباحة قتل الحَيَّة، وبَسْطُ هذا في كُتُب الفقْه، و حُرُم  : جمع حرامٍ، وهو الذي يدخُلُ في الحَرَم، أو في الإحرام، واختلف في قوله : مُّتَعَمِّداً ، فقال مجاهد، وغيره : معناه متعمِّداً لقتله، ناسياً لإحرامه، فهذا يُكَفِّرُ، وأما إنْ كان ذاكراً لإِحرامه، فهو أعظمُ مِنْ أن يكفِّر، وقد حَلَّ ولا رخْصَة له. 
وقال جماعة من أهْل العلْمِ، منهم ابن عباس، ومالكٌ، والزُّهْرِيُّ، وغيرهم : المتعمِّد : القاصد للقتلِ، الذَّاكرُ لإِحرامه، فهو يكفِّر، وكذلك الناسِي والقاتلُ خطأً يكفِّران، وقرأ نافع وغيره :( فَجَزَاءُ مِثْلِ )، بإضافة الجزاء إلى **«مثل »**، وقرأ حمزة وغيره :( فَجَزَاءُ ) بالرفع، ( مِثْلُ ) بالرفع أيضاً، واختلفَ في هذه المماثلة، كيف تكُون، فذهب الجمهور إلى أنَّ الحَكَمين ينظران إلى مِثْلِ الحيوان المَقْتُول في الخِلْقَة، وعظم المرأى، فيجعلانِ ذلك من النَّعَم جزاءه، وذهب الشَّعْبيُّ وغيره إلى أن المماثلة إنما هي في القيمة، يُقَوَّم الصيدُ المقتول، ثم يشتري بقيمته نِدٌّ من النَّعَم، ورد الطبريُّ وغيره هذا القولَ، ( والنَّعَم ) : لفظ يقع علَى الإبل والبَقَر والغَنَم، إذا اجتمعت هذه الأصنافُ، فإن انفرد كلُّ صِنْفٍ لم يُقَلْ **«نَعَم »** إلا للإبل وحْدها، وقَصَرَ القرآنُ هذه النازَلَة على حَكَمين عدْلَيْن عالِمَيْن بحُكْم النازلة، وبالتقدير فيها، وعلى هذا جمهورُ الناس. 
قال ابنُ وهْب في **«العتبية »** : من السنة أن يُخَيِّرَ الحَكَمان مَنْ أصاب الصيد، كما خَيَّره اللَّه تعالى في أنْ يخرج  هَدْياً بالغَ الكَعْبة، أو كفارةً طعامَ مساكينَ، أو عَدْلَ ذلك صياماً  فإن اختار الهَدْيَ، حَكَما عليه بما يريانِهِ نَظيراً لما أصاب ما بينهما وبَيْن أن يكون عَدْلَ ذلك شاةً، لأنها أدنَى الهَدْيِ، فما لم يبلُغْ شاةً، حَكَمَا فيه بالطعامِ، ثم خُيِّر في أنْ يطعمه أو يصوم مَكَانَ كُلِّ مُدٍّ يوماً، وكذلك قال مالكٌ في **«المدوَّنة »** : إذا أراد المصيبُ أنْ يطعم أو يصوم، فَإنْ كان لِمَا أصاب نظيرٌ من النَّعَم، فإنه يقوَّمُ صيدُهُ طعاماً، لاَ دَرَاهِمَ، قال : وإن قوَّماه دراهمَ، واشتري بها طعامٌ، لَرَجَوْتُ أنْ يكون واسعاً، والأول أصْوَبُ، فإنْ شاء، أطعمه، وإلا صام مَكَانَ كلِّ مُدٍّ يوماً، وإن زاد ذلك على شهرين، أو ثلاثة، وقال يحيى بن عمر من أصحابنا : إنما يقالُ : كَمْ مِنْ رجلٍ يَشْبَعُ من هذا الصيدِ ؟ فيعرف العددَ، ثم يقال : كَمْ من الطعامِ يُشْبِعُ هذا العَدَدَ ؟ فإن شاء، أخرج ذلك الطعام، وإن شاء، صام عدد أمداده، وهذا قولٌ حسنٌ احتاط فيه، لأنه قد تكونُ قيمةُ الصيدِ مِنَ الطعامِ قليلةً، فبهذا النَّظَر يكثر الإطعام. 
وقوله تعالى : هَدْياً بالغ الكعبة  ذكرت **«الكعبة »**، لأنها أم الحَرَم، والحَرَمُ كلُّه مَنْحَرٌ لهذا الهَدْيِ، ولا بد أن يجمع في هذا الهَدْي بَيْن الحِلِّ والحَرَمِ حتى يكون بالِغَ الكعبة، فالهَدْيُ لا ينحر إلا في الحَرَمِ. 
واختلفَ في الطَّعَام، فقال جماعةٌ : الإطعام والصَّوْمِ حيث شاء المكفِّر من البلاد، وقال عطاء بن أبي رباح وغيره : الهَدْيُ والإطعام بمكَّة، والصوم حيث شِئْتَ. 
وقوله سبحانه : لِّيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ  الذوق هنا مستعارٌ، و( الوبالُ ) : سوءُ العاقبةِ، والمرعَى الوَبِيلُ هو الذي يتأذى به بَعْد أكله، وعبَّر ب  أَمَرَه  عن جميع حاله، مِنْ قتلٍ وتكْفيرٍ، وحكمٍ علَيْه، ومُضِيِّ مالِهِ، أو تعبِهِ بالصَّوْمِ، واختلف في معنى قوله سبحانه : عَفَا الله عَمَّا سَلَف. . .  الآية، فقال عطاءُ بن أبي رباح، وجماعة : معناه عفا اللَّه عما سَلَفَ في جاهليَّتكم مِنْ قتلكم الصيد في الحرمة، ومَنْ عاد الآنَ فِي الإسلام، فإن كان مستحلاًّ، فينتقم اللَّه منه في الآخرة، ويكفَّرُ في ظاهر الحُكْم، وإن كان عاصياً، فالنقْمَةُ هي في إلزامُ الكَفَّارة فقَطْ، قالوا : وكلَّما عاد المُحْرِمُ، فهو يكفِّر. 
قال( ع ) : ويخاف المتورِّعون أنْ تبقى النِّقْمة مع التكفير، وهذا هو قول الفقهاء مالكٍ ونظرائه، وأصحابِهِ ( رحمهم اللَّه )، وقال ابن عباس، وغيره : أما المتعمِّد، فإنه يكفِّر أول مرَّةٍ، وعفا اللَّه عن ذَنْبه، فإن اجترأ، وعاد ثانياً، فلا يُحْكَم عليه، ويقال له : ينتقم اللَّه منْكَ، كما قال اللَّه تعالى. 
وقوله سبحانه : والله عَزِيزٌ ذُو انتقام  تنبيهٌ على صفتين تقتضيان خَوْفَ من له بصيرةٌ، ومن خاف ازدجر، ومن هذا المعنى قولُ النبيِّ صلى الله عليه وسلم :( مَنْ خَاَف أَدْلَجَ، وَمَنْ أَدْلَجَ بَلَغَ المَنْزِلَ ) قلت : والصيد لِلَّهْوِ مكروه، وروى أبو داود في " سُنَنه " عن ابنِ عبَّاس، عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم، أنه قال :( مَنْ سَكَنَ البَادِيَةَ جَفَا، وَمَنِ اتبع الصَّيْدَ غَفَلَ، وَمَنْ أتَى السُّلْطَانَ، افتتن ) انتهى.

### الآية 5:96

> ﻿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ ۖ وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا ۗ وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ [5:96]

قوله تعالى : أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ البحر وَطَعَامُهُ متاعا لَّكُمْ. . .  \[ المائدة : ٩٦ \]. البَحْر : الماء الكثيرُ، مالحاً كان أو عَذْباً، وكلُّ نهر كبير : بحرٌ، ( وطعامه ) : هو كل ما قَذَفَ به، وما طَفَا عليه، قاله جماعة من الصحابة والتابعين ومَنْ بعدهم، وهو مذهبُ مالكٍ، و متاعا  : نصبٌ على المَصْدر، والمعنى : مَتَّعَكُمْ به متاعاً تنتفعُونَ به، وتأْتَدِمُونَ، و لَكُمْ  يريدُ حاضري البَحْر، ومُدُنِهِ، و لِلسَّيَّارَةِ  : المسافرينَ، واختلف في مقتضى قوله سبحانه : وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ البر مَا دُمْتُمْ حُرُماً ، فتلقاه بعضهم على العُمُوم من جميع جهاته، فقالوا : إنَّ المُحْرِمَ لا يحلُّ له أنْ يصيد، ولا أنْ يأمر من يَصِيد، ولا أن يأكل صيداً صِيدَ من أجله، ولا مِنْ غير أجله، وأنَّ لَحْم الصيد بأيِّ وجه كان، حرامٌ على المُحْرِمِ، وكان عمر بنُ الخطَّاب ( رضي اللَّه عنه ) لاَ يرى بأساً للمُحْرِمِ أنْ يأكل ما صَادَهُ حلالٌ لنفسه، أو لحلالِ مثله، وقال بمثل قولِ عمر عثمانُ بنُ عفَّان، والزُّبَيْر بنُ العَوَّام، وهو الصحيحُ لأن النبيَّ صلى الله عليه وسلم أَكَلَ مِنَ الحِمَارِ الَّذِي صَادَهُ أبو قَتَادَةَ وهو حَلاَلٌ، والنبيُّ عليه السلام مُحْرِم.

### الآية 5:97

> ﻿۞ جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِلنَّاسِ وَالشَّهْرَ الْحَرَامَ وَالْهَدْيَ وَالْقَلَائِدَ ۚ ذَٰلِكَ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ [5:97]

ذكَّر سبحانه بأمر الحَشْر والقيامةِ، مبالغةً في التحذير، ولما بان في هذه الآيات تعظيمُ الحَرَمِ والحُرْمة بالإحرام من أجْل الكعبة، وأنَّها بيْتُ اللَّه تعالى، وعنصر هذه الفَضَائلَ، ذَكَرَ سبحانه في قوله : جَعَلَ الله الكعبة البيت \[ المائدة : ٩٧ \] تنبيهاً سَنَّهُ في الناس، وهداهم إلَيْهِ، وحَمَلَ عليه الجاهليَّة الجهلاَءَ من التزامهم أنَّ الكعبة قِوَامٌ، والهَدْي قِوَامٌ، والقلائد قِوَام، أي : أمر يقوم للناس بالتَّأمين، ووَضْعِ الحربِ أوزارها، وأعلَمَ تعالى أنَّ التزامَ النَّاس لذلك هو ممَّا شرعه وارتضاه، و جَعَلَ ، في هذه الآيةِ : بمعنى **«صَيَّر »**، والكَعْبَة بيْتُ مكة، وسمي كعبةً لتربيعه، قال أهْل اللُّغَة : كلُّ بَيْتٍ مربَّع، فهو مكعَّب، وكَعْبة، وذهب بعض المتأوِّلين إلى أنَّ معنى قوله تعالى : قِيَاماً لِّلنَّاسِ  أي : موضع وُجُوب قيامٍ بالمناسك والتعبُّدات، وضَبْطِ النفوسِ في الشهر الحرام، ومع الهَدْيِ والقلائدِ، قال مَكِّيٌّ : معنى  قِيَاماً لِّلنَّاسِ  أي : جعلها بمنزلة الرئيس الَّذي يقُومُ به أمر أتباعه، فهي تحجزهم عَنْ ظُلْم بعضهم بعضاً، وكذلك الهَدْيُ والقلائد جُعِلَ ذلك أيضاً قياماً للناس، فكان الرجُلُ إذا دَخَل الحَرَمِ أَمِنَ مِنْ عدوه، وإذا ساق الهَدْي كذلك، لم يعرض لَهُ، وكان الرجُلُ إذا أراد الحجَّ، تقلَّد بقلادة مِنْ شعر، وإذا رجع تقلَّد بقلادة من لِحَاءِ شَجَر الحَرَمِ، فلا يعرض له، ولا يؤذى حتى يَصِلَ إلى أَهله، قال ابنُ زيد : كان الناسُ كلُّهم فيهم ملوكٌ تدفع بعضُهُم عن بعض، ولم يكُنْ في العرب ملوكٌ تدفع عن بعضهم ظُلْمَ بعضٍ، فجعل اللَّه لهم البَيْتَ الحرامَ قياماً، يدفَعُ بعضَهُمْ عن بعض، انتهى. من **«الهداية »**. 
و( الشهرُ ) هنا : اسمُ جنسٍ، والمراد الأشهر الثلاثةُ بإجماع من العرب، وشَهْرُ مُضَرَ، وهو رَجَبٌ، وأما ( الهَدْيُ ) فكان أماناً لمن يسوقه، لأنه يعلم أنه في عبادةٍ لم يأت لحَرْبٍ، وأما ( القلائد ) فكذلك كان الرجُلُ إذا خَرَج يريدُ الحَجِّ، تقلَّد مِنْ لحاء السَّمُرِ أو غيره شيئاً، فكان ذلك أماناً له، وكذلك إذا انصرفوا، تقلَّدوا من شجر الحَرَمِ، وقوله  ذلك  : إشارةٌ إلى أنَّ جعل اللَّه هذه الأمور قياماً. 
وقوله سبحانه : بِكُلّ شَيْءٍ عَلِيمٌ  عامٌّ عموماً تامًّا في الجزئيَّات ودَقائِقِ الموجودات، والقولُ بغير هذا إلحادٌ في الدِّين وكُفْر.

### الآية 5:98

> ﻿اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ وَأَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ [5:98]

\[سورة المائدة (٥) : الآيات ٩٥ الى ٩٨\]

 يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّداً فَجَزاءٌ مِثْلُ ما قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْياً بالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعامُ مَساكِينَ أَوْ عَدْلُ ذلِكَ صِياماً لِيَذُوقَ وَبالَ أَمْرِهِ عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ وَمَنْ عادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقامٍ (٩٥) أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعامُهُ مَتاعاً لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُماً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (٩٦) جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرامَ قِياماً لِلنَّاسِ وَالشَّهْرَ الْحَرامَ وَالْهَدْيَ وَالْقَلائِدَ ذلِكَ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَأَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٩٧) اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ وَأَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٩٨)
 وقوله سبحانه: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ... الآية: الصَّيْد:
 مصدرٌ عومِلَ معاملةَ الأسماء، فأوقع على الحَيَوانِ المَصِيدِ، ولفظُ الصيد هنا عامٌّ، ومعناه الخصوصُ فيما عدا ما استثني، وفي الصحيح عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم: **«خَمْسٌ فَوَاسِقُ يُقْتَلْنَ فِي الحِلِّ وَالحَرَمِ: الغُرَابُ، وَالْحِدَأَةُ، وَالفَأْرَةُ، وَالعَقْرَبُ، وَالْكَلْبُ العَقُورُ»** **«١»**، وأجمع النَّاس على إباحة قتل الحَيَّة، وبَسْطُ هذا في كتب الفقه، وحُرُمٌ: جمع حرامٍ، وهو الذي يدخُلُ في الحَرَم، أو في الإحرام، واختلف في قوله: مُتَعَمِّداً، فقال مجاهد وغيره:
 معناه: متعمِّداً لقتله، ناسياً لإحرامه **«٢»**، فهذا يُكَفِّرُ، وأما إنْ كان ذاكراً لإحرامه، فهو أعظم
 (١) ورد هذا الحديث عن ابن عمر، وعائشة، وحفصة، وأبي سعيد الخدري، وابن عباس، وأبي رافع، وأبي هريرة.
 أما حديث ابن عمر فله طرق.
 فأخرجه مسلم (٢/ ٨٥٨) كتاب **************«الحج»**************، باب ما يندب للمحرم وغيره قتله من الدواب في الحل والحرم، حديث (٧٣/ ١٢٠٠) وأبو داود (٢/ ٤٢٤) كتاب **«المناسك»**، باب ما يقتل المحرم من الدواب، حديث (١٨٤٦)، والنسائي (٥/ ١٩٠٠) كتاب **************«الحج»**************، باب قتل الغراب، وأحمد (٢/ ٨) وابن الجارود رقم (٤٤٠) والطحاوي في **«شرح معاني الآثار»** (٢/ ١٦٥) والبيهقي (٥/ ٢٠٩) كتاب **************«الحج»**************، باب ما للمحرم قتله من دواب البر في الحلّ والحرم، والحميدي (٢/ ٢٧٩) رقم (٦١٩) والخطيب في **«تاريخ بغداد»** (٤/ ٢٩٢- ٢٩٣) وأبو يعلى (٩/ ٣١١) رقم (٥٤٢٨) من طريق الزهري عن سالم، عن أبيه مرفوعا.
 وأخرجه مالك (١/ ٣٥٦) كتاب **************«الحج»**************، باب ما يقتل المحرم من الدواب حديث (٨٨) والشافعي في **«المسند»** (١/ ٣١٩) كتاب **************«الحج»**************، باب فيما يباح للمحرم... (٧٣٥) والبخاري (٦/ ٣٥٥) كتاب **«بدء الخلق»**، باب إذا وقع الذباب في شراب أحدكم... (٣٣١٥) ومسلم (٢/ ٨٥٨) كتاب **************«الحج»**************، باب ما يندب للمحرم وغيره قتله من الدواب في الحل والحرم، حديث (٧٦/ ١١٩٩) والنسائي (٥/ ١٨٧- ١٨٨) كتاب **************«الحج»**************، باب ما يقتل المحرم من الدواب. [.....]
 (٢) أخرجه الطبري في ****«تفسيره»**** (٥/ ٤١) برقم (١٢٥٥١)، وابن عطية في ****«تفسيره»**** (٢/ ٢٣٧).

مِنْ أن يكفِّر، وقد حَلَّ ولا رخْصَة له.
 وقال جماعة من أهْل العلْمِ، منهم ابن عباس ومالكٌ والزُّهْرِيُّ وغيرهم: المتعمِّد:
 القاصد للقتلِ، الذَّاكرُ لإِحرامه **«١»**، فهو يكفِّر، وكذلك الناسِي والقاتلُ خطأً يكفِّران، وقرأ نافع **«٢»** وغيره: **«فَجَزَاءُ مِثْلِ»**، - بإضافة الجزاء إلى **«مثل»** -، وقرأ حمزة وغيره: **«فَجَزَاءُ»** - بالرفع-، **«مِثْلُ»** - بالرفع أيضاً-، واختلفَ في هذه المماثلة، كيف تكُون، فذهب الجمهور إلى أنَّ الحَكَمين ينظران إلى مِثْلِ الحيوان المَقْتُول في الخِلْقَة، وعظم المرأى، فيجعلانِ ذلك من النَّعَم جزاءه/، وذهب الشَّعْبيُّ وغيره إلى أن المماثلة إنما هي في القيمة يُقَوَّم الصيدُ المقتول، ثم يشتري بقيمته نِدٌّ من النَّعَم، ورد الطبريُّ **«٣»** وغيره هذا القولَ، والنَّعَم: لفظ يقع علَى الإبل والبَقَر والغَنَم، إذا اجتمعت هذه الأصنافُ، فإن انفرد كلُّ صِنْفٍ لم يُقَلْ **«نَعَم»** إلا للإبل وحْدها، وقَصَرَ القرآنُ هذه النازَلَة على حَكَمين عدْلَيْن عالِمَيْن بحُكْم النازلة، وبالتقدير فيها، وعلى هذا جمهورُ الناس.
 قال ابنُ وهْب في **«العتبية»** : من السنة أن يُخَيِّرَ الحَكَمان مَنْ أصاب الصيد كما خَيَّره اللَّه تعالى في أنْ يخرج هَدْياً بالغَ الكَعْبة، أو كفارةً طعامَ مساكينَ، أو عَدْلَ ذلك صياماً، فإن اختار الهَدْيَ، حَكَما عليه بما يريانِهِ نَظيراً لما أصاب ما بينهما وبَيْن أن يكون عَدْلَ ذلك شاةً لأنها أدنَى الهَدْيِ، فما لم يبلُغْ شاةً، حَكَمَا فيه بالطعامِ، ثم خُيِّر في أنْ يطعمه أو يصوم مَكَانَ كُلِّ مُدٍّ يوماً، وكذلك قال مالكٌ في **«المدوَّنة»** : إذا أراد المصيبُ أنْ يطعم أو يصوم، فَإنْ كان لِمَا أصاب نظيرٌ من النَّعَم، فإنه يقوَّمُ صيدُهُ طعاماً، لاَ دَرَاهِمَ، قال: وإن قوَّماه دراهمَ، واشتري بها طعامٌ، لَرَجَوْتُ أنْ يكون واسعاً، والأول أصْوَبُ، فإنْ شاء، أطعمه، وإلا صام مَكَانَ كلِّ مُدٍّ يوماً، وإن زاد ذلك على شهرين، أو ثلاثة، وقال يحيى بن عمر من أصحابنا: إنما يقالُ: كَمْ مِنْ رجلٍ يَشْبَعُ من هذا الصيدِ، فيعرف العددَ، ثم يقال: كَمْ من الطعامِ يُشْبِعُ هذا العَدَدَ؟ فإن شاء، أخرج ذلك الطعام، وإن شاء، صام عدد أمداده، وهذا قولٌ حسنٌ احتاط فيه لأنه قد تكونُ قيمةُ الصيدِ مِنَ الطعامِ قليلةً، فبهذا النَّظَر يكثر الإطعام.

 (١) ابن عطية في **«تفسيره»** (٢/ ٢٢٧).
 (٢) ينظر: **«الحجة»** (٣/ ٢٥٤)، و **«حجة القراءات»** (٢٣٥)، و **«إعراب القراءات»** (١/ ١٤٩)، و **«العنوان»** (٨٨)، و **«شرح الطيبة»** (٤/ ٢٣٥)، و **«شرح شعلة»** (٣٥٤)، و **«إتحاف»** (١/ ٥٤٢)، و **«معاني القراءات»** (٢/ ٣٣٨).
 (٣) ينظر: **«تفسير الطبري»** (٥/ ٤٨).

وقوله تعالى: هَدْياً بالِغَ الْكَعْبَةِ ذكرت **«الكعبة»** لأنها أم الحَرَم، والحَرَمُ كلُّه مَنْحَرٌ لهذا الهَدْيِ ولا بد أن يجمع في هذا الهَدْي بَيْن الحِلِّ والحَرَمِ حتى يكون بالِغَ الكعبة، فالهَدْيُ لا ينحر إلا في الحَرَمِ.
 واختلفَ في الطَّعَام، فقال جماعةٌ: الإطعام والصَّوْمِ حيث شاء المكفِّر من البلاد، وقال عطاء بن أبي رباح وغيره: الهَدْيُ والإطعام بمكَّة **«١»**، والصوم حيث شِئْتَ.
 وقوله سبحانه: لِيَذُوقَ وَبالَ أَمْرِهِ: الذوق هنا مستعارٌ، والوبالُ: سوءُ العاقبةِ، والمرعَى الوَبِيلُ هو الذي يتأذى به بَعْد أكله، وعبَّر ب أَمْرِهِ عن جميع حاله مِنْ قتلٍ وتكْفيرٍ، وحكمٍ علَيْه، ومُضِيِّ مالِهِ، أو تعبِهِ بالصَّوْمِ، واختلف في معنى قوله سبحانه:
 عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ... الآية: فقال عطاءُ بن أبي رباح، وجماعة: معناه: عفا اللَّه عما سَلَفَ في جاهليَّتكم مِنْ قتلكم الصيد في الحرمة **«٢»**، ومَنْ عاد الآنَ فِي الإسلام، فإن كان مستحلاًّ، فينتقم اللَّه منه في الآخرة، ويكفَّرُ في ظاهر الحُكْم، وإن كان عاصياً، فالنقْمَةُ هي في إلزامُ الكَفَّارة فقَطْ، قالوا: وكلَّما عاد المُحْرِمُ، فهو يكفِّر.
 قال ع **«٣»** : ويخاف المتورِّعون أنْ تبقى النِّقْمة مع التكفير، وهذا هو قول الفقهاء مالكٍ ونظرائه، وأصحابِهِ (رحمهم اللَّه)، وقال ابن عباس وغيره: أما المتعمِّد، فإنه يكفِّر أول مرَّةٍ، وعفا اللَّه عن ذَنْبه، فإن اجترأ، وعاد ثانياً، فلا يُحْكَم عليه، ويقال له: ينتقم اللَّه منْكَ **«٤»** كما قال اللَّه تعالى.
 وقوله سبحانه: وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقامٍ: تنبيهٌ على صفتين تقتضيان خَوْفَ من له بصيرةٌ، ومن خاف، ازدجر، ومن هذا المعنى قولُ النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم: **«من خاف أدلج «٥»**، ومن

 (١) ذكره ابن عطية (٢/ ٢٤٠).
 (٢) أخرجه الطبري في ********«تفسيره»******** (٥/ ٥٩) (١٢٦٤٠)، وذكره ابن عطية في ********«تفسيره»******** (٢/ ٢٤٠)، والسيوطي في ****«الدر المنثور»**** (٢/ ٥٨٤)، وعزاه لابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وأبي الشيخ عن عطاء.
 (٣) ذكره ابن عطية (٢/ ٢٤٠).
 (٤) أخرجه الطبري في ********«تفسيره»******** (٥/ ٦١) (١٢٦٥٥)، والبغوي في ********«تفسيره»******** (٢/ ٦٥)، وابن عطية (٢/ ٢٤٠)، والسيوطي في ****«الدر المنثور»**** (٢/ ٥٨٤)، وعزاه لعبد الرزاق، وابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبي الشيخ، من طريق عكرمة عن ابن عباس.
 (٥) يقال: أدلج- بالتخفيف-: إذا سار من أول الليل.
 ينظر: **«النهاية»** (٢/ ١٢٩).

أَدْلَجَ بَلَغَ المَنْزِلَ» **«١»**، قلت: والصيد لِلَّهْوِ مكروه، وروى أبو داود في سُنَنه، عن ابنِ عبّاس، عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم أنه قال: **«مَنْ سَكَنَ البَادِيَةَ جَفَا، وَمَنِ اتبع الصَّيْدَ غَفَلَ، وَمَنْ أتَى السُّلْطَانَ، افتتن»** **«٢»**. انتهى.
 وقوله تعالى: أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعامُهُ مَتاعاً لَكُمْ... الآية: البَحْر: الماء الكثيرُ، مِلْحاً كان أو عَذْباً، وكلُّ نهر كبير: بحرٌ، وطعامه: هو كل ما قَذَفَ به، وما طَفَا عليه قاله جماعة من الصحابة والتابعين ومن بعدهم وهو مذهب مالك.
 ومَتاعاً: نصبٌ على المَصْدر، والمعنى: مَتَّعَكُمْ به متاعاً تنتفعون به، وتأتدمون، ولَكُمْ: يريد حاضري البحر ومدنه، ولِلسَّيَّارَةِ: المسافرينَ، واختلف في مقتضى قوله سبحانه: وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُماً، فتلقاه بعضهم على العُمُوم من جميع جهاته فقالوا: إنَّ المُحْرِمَ لا يحلُّ له أنْ يصيد، ولا أنْ يأمر من يَصِيد، ولا أن يأكل صيداً صِيدَ من أجله، ولا مِنْ غير أجله، وأنَّ لَحْم الصيد بأيِّ وجه كان حرامٌ على المُحْرِمِ، وكان عمر بنُ الخطَّاب (رضي اللَّه عنه) لاَ يرى بأساً للمُحْرِمِ أنْ يأكل ما صَادَهُ حلالٌ لنفسه، أو لحلالِ مثله **«٣»**، وقال بمثل قولِ عمر- عثمانُ بنُ عفَّان والزُّبَيْر بنُ العَوَّام وهو الصحيح **«٤»** لأن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم أَكَلَ مِنَ الحِمَارِ الَّذِي صَادَهُ أبو قَتَادَةَ، وهو حلال، والنبيّ- عليه السلام- محرم **«٥»**.

 (١) أخرجه الترمذي (٤/ ٥٤٦) كتاب **«صفة القيامة»**، باب من خاف أدلج، حديث (٢٤٥٠) والحاكم (٤/ ٣٠٧- ٣٠٨) من طريق هاشم بن القاسم، عن أبي عقيل الثقفي، عن يزيد بن سنان، عن بكير بن فيروز، عن أبي هريرة به.
 وقال الترمذي: هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث أبي النضر هاشم بن القاسم.
 وقال الحاكم: صحيح الإسناد، ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي.
 (٢) أخرجه أبو داود (٢/ ١٢٤) كتاب **«الصيد»**، باب في اتباع الصيد، حديث (٢٨٥٩)، والترمذي (٤/ ٥٢٣)، كتاب **«الفتن»**، حديث (٢٢٥٦) والنسائي (٧/ ١٩٥- ١٩٦) كتاب **«الفرع والعتيرة»**، باب اتباع الصيد، وأحمد (١/ ٣٥٧) وابن أبي شيبة (١٢/ ٣٣٦) وأبو نعيم في **«الحلية»** (٤/ ٧٢) والبيهقي (١٠/ ١٠١)، والطبراني في **«الكبير»** (١١/ ٥٦- ٥٧) رقم (١١٠٣٠) كلهم من طريق سفيان الثوري عن أبي موسى اليماني، عن وهب بن منبه، عن ابن عباس مرفوعا.
 وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح غريب من حديث ابن عباس لا نعرفه إلا من حديث الثوري.
 (٣) أخرجه الطبري بنحوه في ******«تفسيره»****** (٥/ ٦٤) (١٢٦٧١) وذكره ابن عطية في ******«تفسيره»****** (٢/ ٢٤٢).
 (٤) ذكره ابن عطية في ******«تفسيره»****** (٢/ ٢٤٢).
 (٥) أخرجه البخاري (٦/ ٩٨)، كتاب **«الجهاد»**، باب ما قيل في الرماح، حديث (٢٩١٤)، ومسلم (٢/ ٨٥٢)، كتاب **«الحج»**، باب تحريم الصيد للمحرم، حديث (٥٧/ ١١٩٦)، وأبو داود (٢/ ٤٢٨، -[.....]

ثم ذكَّر سبحانه بأمر الحَشْر والقيامةِ، مبالغةً في التحذير ولما بان في هذه الآيات تعظيمُ الحَرَمِ والحُرْمة بالإحرام من أجْل الكعبة، وأنَّها بيْتُ اللَّه تعالى، وعنصر هذه الفَضَائلَ ذَكَرَ سبحانه في قوله: جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ تنبيهاً سَنَّهُ في الناس، وهداهم إلَيْهِ، وحَمَلَ عليه الجاهليَّة الجهلاَءَ من التزامهم أنَّ الكعبة قِوَامٌ، والهَدْي قِوَامٌ، والقلائد قِوَام، أي: أمر يقوم للناس بالتَّأمين، ووَضْعِ الحربِ أوزارها، وأعلَمَ تعالى أنَّ التزامَ النَّاس لذلك هو ممّا شرعه وارتضاه، وجَعَلَ، في هذه الآيةِ: بمعنى **«صَيَّر»**، والكَعْبَة بيْتُ مكة، وسمي كعبةً لتربيعه، قال أهْل اللُّغَة: كلُّ بَيْتٍ مربَّع، فهو مكعَّب، وكَعْبة، وذهب بعض المتأوِّلين إلى أنَّ معنى قوله تعالى: قِياماً لِلنَّاسِ، أي: موضع وُجُوب قيامٍ بالمناسك والتعبُّدات، وضَبْطِ النفوسِ في الشهر الحرام، ومع الهَدْيِ والقلائدِ، قال مَكِّيٌّ:
 معنى قِياماً لِلنَّاسِ، أي: جعلها بمنزلة الرئيس الَّذي يقُومُ به أمر أتباعه، فهي تحجزهم عَنْ ظُلْم بعضهم بعضاً، وكذلك الهَدْيُ والقلائد جُعِلَ ذلك أيضاً قياماً للناس فكان الرجُلُ إذا دَخَل الحَرَمِ أَمِنَ مِنْ عدوه، وإذا ساق الهَدْي كذلك، لم يعرض لَهُ، وكان الرجُلُ إذا أراد الحجَّ، تقلَّد بقلادة مِنْ شعر، وإذا رجع تقلَّد بقلادة من لِحَاءِ شَجَر الحَرَمِ، فلا يعرض له، ولا يؤذى حتى يَصِلَ إلى أَهله، قال ابنُ زيد: كان الناسُ كلُّهم فيهم ملوكٌ تدفع بعضُهُم عن بعض، ولم يكُنْ في العرب ملوكٌ تدفع عن بعضهم ظُلْمَ بعضٍ، فجعل اللَّه لهم البَيْتَ الحرامَ قياماً يدفَعُ بعضَهُمْ عن بعض. انتهى من **«الهداية»**.
 والشهرُ هنا: اسمُ جنسٍ، والمراد الأشهر الثلاثةُ بإجماع من العرب، وشَهْرُ مُضَرَ، وهو رَجَبٌ، وأما الهَدْيُ، فكان أماناً لمن يسوقه لأنه يعلم أنه في عبادةٍ لم يأت لحَرْبٍ، وأما القلائد، فكذلك كان الرجُلُ إذا خَرَج يريدُ الحَجِّ/، تقلَّد مِنْ لحاء السَّمُرِ أو غيره

 - ٤٢٩)، كتاب ******«المناسك»****** (الحج)، باب لحم الصيد للمحرم، حديث (١٨٥٢)، والترمذي (٣/ ٢٠٤، ٢٠٥)، كتاب ********«الحج»********، باب ما جاء في أكل الصيد للمحرم، حديث (٨٤٧)، والنسائي (٥/ ١٨٢)، كتاب ********«الحج»********، باب ما يجوز للمحرم أكله من الصيد، وابن ماجة (٢/ ١٠٣٣)، كتاب ******«المناسك»******، باب الرخصة في ذلك إذا لم يصد له، حديث (٣٠٩٣)، ومالك (١/ ٣٥٠)، كتاب ********«الحج»********، باب ما يجوز للمحرم أكله من الصيد، حديث (٧٦)، وأحمد (٥/ ٣٠٢). والدارمي (٢/ ٣٨) كتاب ******«المناسك»******، باب في أكل لحم الصيد للمحرم إذا لم يصد هو، والشافعي (١/ ٣٢١) كتاب ********«الحج»********، باب فيما يباح للمحرم وما يحرم (٨٣٧)، والحميدي (١/ ٢٠٤) رقم (٤٢٤) وعبد الرزاق (٨٣٣٧، ٨٣٣٨)، وابن خزيمة (٤/ ١٧٦) رقم (٢٦٣٥) وابن الجارود (٤٣٥) والدارقطني (٢/ ٢٩١) والطحاوي في **«شرح معاني الآثار»** (٢/ ١٧٣- ١٧٤) والبيهقي (٥/ ١٨٩) والبغوي في **«شرح السنة»** (٤/ ١٥٧- بتحقيقنا) من طرق عن أبي قتادة به.
 وقال الترمذي: حديث حسن صحيح.

### الآية 5:99

> ﻿مَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ ۗ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ [5:99]

قوله سبحانه : مَّا عَلَى الرسول إِلاَّ البلاغ. . .  \[ المائدة : ٩٩ \]. 
إخبارٌ للمؤمنين مضمَّنه الوعيدِ، إنِ انحرفوا، ولم يمتثلُوا ما بلغ الرسُولُ إليهم،  والله يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ . 
قلت : قال الشيخُ أبو مَدْيَن ( رضي اللَّه عنه ) : الحَقُّ تعالى مطَّلع على السرائر والظواهرِ، في كلِّ نَفَسٍ وحالٍ، فأيُّما قلْبٍ رآه مؤثراً له، حَفِظَهُ من الطوارق والمِحَنِ، ومضلاَّت الفِتَن، وقال ( رحمه اللَّه ) : ما عرف الحَقَّ مَنْ لم يُؤْثره، وما أطاعه مَنْ لم يَشْكُرْه، انتهى.

### الآية 5:100

> ﻿قُلْ لَا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ ۚ فَاتَّقُوا اللَّهَ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ [5:100]

قوله تعالى : قُل لاَّ يَسْتَوِي الخبيث والطيب. . .  \[ المائدة : ١٠٠ \]
لفظ عامٌّ في جميع الأمور، فيتصوَّر في المكاسِب، وعدد النَّاس، والمعارفِ مِنَ العلوم ونحوِهَا، فالخبيثُ مِنْ هذا كلِّه لا يُفْلِحُ ولا يُنْجِبُ، ولا تحسُنُ له عاقبةٌ، والطَّيِّبُ وإنْ قَلَّ : نافعٌ جميل العاقبة، ويَنْظُرُ إلى هذه الآيةِ قوله تعالى : والبلد الطيب يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ والذي خَبُثَ لاَ يَخْرُجُ إِلاَّ نَكِداً \[ الأعراف : ٥٨ \] والخبث : هو الفساد الباطنُ في الأشياء حتى يظن بها الصَّلاح، وهي بخلافِ ذلك. 
وقوله سبحانه : فاتقوا الله يا أولي الألباب \[ المائدة : ١٠٠ \] تنبيهٌ على لزوم الطَّيِّب في المعتقَدِ، والعملِ، وخُصَّ أولو الألباب بالذِّكْر، لأنهم المتقدِّمون في مَيْز هذه الأمور، والذين لا ينبغي لهم إهمالها، مع ألبابهم وإدراكهم.

### الآية 5:101

> ﻿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِنْ تَسْأَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا اللَّهُ عَنْهَا ۗ وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ [5:101]

قوله تعالى : يا أيها الذين ءَامَنُواْ لاَ تَسْأَلُواْ عَنْ أَشْيَاءَ إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ. . .  \[ المائدة : ١٠١ \]. 
اختلف الرواةُ في سببها، والظاهرُ مِنَ الروايات أن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم أَلَحّت علَيْه الأعراب والجُهَّال بأنواع من السؤالاتِ، حَسْبَما هو معلومٌ في الروايات، فزَجَرهم اللَّه تعالى عَنْ ذلك بهذه الآيةِ، و أشْيَاء  : اسمٌ لجَمْعِ شيْءٍ، قال ابنُ عباس : معنى الآية : لا تسأَلُوا عن أشياء في ضِمْن الأنباء عنْها مساءَةٌ لكم، إما بتكليفٍ شرعيٍّ يلزمكم، وإما بخَبَر يسوءُكم، ولكن إذا نزل القرآن بشيء، وابتدأكم ربُّكم بأمر، فحينئذٍ إنْ سألتم عن تَفْصيله وبَيَانِهِ بُيِّنَ لكم، وأُبْدِيَ، ويحتملُ قوله : وَإِن تَسْأَلُواْ عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ القرءان تُبْدَ لَكُمْ ، أنْ يكون في معنى الوعيدِ، كأنه قال : لا تسألوا، وإن سألتم، لَقِيتُمْ غِبَّ ذلك وصعوبته، قال النوويُّ : وعن أبي ثعلبة الخُشَنِيِّ، قال : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم :( إنَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ فَرَضَ فَرَائِضَ فَلاَ تُضَيِّعُوهَا، وَحَدَّ حُدُوداً، فَلاَ تَعْتَدُوهَا، وَحَرَّمَ أَشْيَاءَ، فَلاَ تَنْتَهِكُوهَا، وَسَكَتَ عَنْ أَشْيَاءَ، رَحْمَةً بِكُمْ، لاَ عَنْ نِسْيَانٍ، فَلاَ تَبْحَثُوا عَنْهَا )، رُوِّينَاه في **«سنن الدارقطنيِّ »**، انتهى. 
وفي **«صحيح البخاريِّ »**، عن أبي هريرةَ، عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم، قَالَ :( دَعُونِي مَا تَرَكْتُكُمْ، إنَّما هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ بِسُؤَالِهِمْ واختلافهم على أَنْبِيَائِهِمْ، فَإذَا نَهَيْتُكُمْ عَنْ شَيْءٍ فاجتنبوه، وَإذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ، فَأْتُوا مِنْهُ مَا استطعتم )، انتهى. 
و عَفَا الله عَنْهَا  : معناه : تركَها، ولم يُعَرِّفْ بها.

### الآية 5:102

> ﻿قَدْ سَأَلَهَا قَوْمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ ثُمَّ أَصْبَحُوا بِهَا كَافِرِينَ [5:102]

قَدْ سَأَلَهَا قَوْمٌ مِّن قَبْلِكُمْ \[ المائدة : ١٠٢ \]، قال الطبريُّ : كقومِ صالحٍ، في سؤالهم الناقة، وكبني إسرائيل، في سؤالهم المائدةَ، أي : وكطلب الأممِ قديماً التعمُّقَ في الدِّين من أنبيائها، ثم لم تَفِ بما كُلِّفَت.

### الآية 5:103

> ﻿مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلَا سَائِبَةٍ وَلَا وَصِيلَةٍ وَلَا حَامٍ ۙ وَلَٰكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ ۖ وَأَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ [5:103]

قوله سبحانه : مَا جَعَلَ الله مِن بَحِيرَةٍ وَلاَ سَائِبَةٍ وَلاَ وَصِيلَةٍ وَلاَ حَامٍ \[ المائدة : ١٠٣ \]. 
أي : لم يجعلْ سبحانه شيئاً مِنْ ذلك، ولا سَنَّهُ لعباده، المعنى : ولكن الكُفَّار فعلوا ذلك، كعَمْرِو بْنِ لُحَيٍّ، وغيره مِنْ رؤسائهم،  يَفْتَرُونَ عَلَى الله الكذب  بقولهم : هذه قربةٌ إلى اللَّهِ،  وَأَكْثَرُهُمْ ، يعني : الأتْبَاعَ  لاَ يَعْقِلُونَ ، بل يتَّبِعون هذه الأمور تقليداً، و جَعَلَ  في هذه الآية : لا يتَّجه أنْ تكون بمعنى **«خَلَقَ »**، ولا بمعنى **«صَيَّرَ »**، وإنما هي بمعنى :**«مَا سَنَّ ولا شَرَعَ »**، 
قال ( ص ) : مَّا جَعَلَ  : ذَهَبَ ابن عطيةَ، والزمخشريُّ، إلى أنها بمعنى :**«شَرَعَ »**، قال ابن عطيَّة : ولا تكونُ بمعنى **«خلق »**، لأن اللَّه تعالى خَلَقَ هذه الأشياء كلَّها، ولا بمعنى **«صيَّر »**، لعدم المفعولِ الثاني، قال أبو حيَّان : ولم يذكر النحويُّون لها هذا، وقد جاء حَذْفُ أحد مفعولَيْ **«ظَنَّ »** وأخواتِها قليلاً، فتحمل هذه على حَذْفِ المفعولِ الثانيِ، أي : ما صَيَّر اللَّه  بحيرةً ولا سائبةً ولا وصيلةً ولا حام  مشروعاً، وهو أولى من إثبات معنًى لم يُسْمَعْ فيها، وذكر أبو البقاء، أنها هنا بمعنى **«سَمَّى »**، انتهى. 
قُلْتُ : وحاصل كلامِ أبي حيَّان، أنه شهادةٌ على نفْيٍ، وعلى تقدير صحَّته، فيحمل كلام ابن عطيَّة على أنه تفسيرُ معنًى، لا تفسير إعرابٍ. 
و( بحيرة ) : فعليةٌ بمعنى مَفْعُولة، وبَحَرَ : شَقَّ، كانوا إذا نُتِجَتِ النَّاقَةُ عَشَرَةَ بُطُونٍ، شَقُّوا أذنها بِنِصْفَيْن طُولاً، فهي مَبْحُورة، وتُرِكَتْ ترعى، وتَرِدُ الماء، ولا ينتفعُ بشيء منْها، ويحرَّمُ لحْمُها، إذا ماتَتْ على النساء، ويُحلَّلُ للرِّجَال، وذلك كلُّه ضلالٌ، و( السائبة ) : هي الناقة تسيَّب للآلهة، والناقةُ أيضاً إذا تابَعَتْ اثنتَيْ عَشْرَةَ إناثاً ليس فيهِنَّ ذكَرٌ سُيِّبَتْ، وكانت السوائبُ أيضاً في العرب، كالقُرْبة عند المرَضِ، يُبْرَأُ منه، والقُدُوم من السفرِ، وإذا نزل بأحدهم أمْرٌ يُشْكَرُ اللَّه تعالى عليه، تقرَّب بأنْ يسيِّب ناقةً، فلا ينتفعُ منها بِلَبَنٍ، ولا ظَهْر، ولا غَيْره، يَروْنَ ذلك كعِتْقَ بني آدمَ، ذكَره السُّدِّيُّ وغيره، وكانَتِ العربُ تعتقدُ أنَّ مَنْ عَرَضَ لهذه النوقِ، فأخذها أو انتفع منْهَا بشيْءٍ، فإنه تلحقه عُقُوبةٌ مِنَ اللَّه، و( الوصيلةُ ) : قال أكثر النَّاس : إن الوصيلَةَ في الغَنَمِ، قالوا : إذا وَلَدتِ الشاة ثلاثةَ بُطونٍ، أو خمسةً، فإن كان آخرها جَدْياً، ذبحوه لِبَيْت الآلهة، وإن كان عَنَاقاً، استحيوها، وإن كان جَدْيا وعَنَاقا، استحيوهما، وقالوا : هذه العنَاقُ وَصَلَتْ أخاهَا، فمنعتْهُ مِنْ أنْ يُذْبَحَ، وعلى أن الوَصِيلة في الغَنَم، جاءت الرِّوايات عن أكثر الناس، وروي عَنِ ابن المسيَّب، أن الوصيلة مِنَ الإبل، وأما ( الحامِي )، فإنه الفَحْل من الإبل، إذا ضَرَبَ في الإبل عشر سنين، وقيل : إذا وُلِدَ من صُلْبه عَشْرٌ، وقيل : إذا وُلِدَ مِن وَلَدِ ولده، قالوا : حمى ظهره، فسيَّبوه، لا يركب، ولا يسخَّر في شيء، وعبارةُ الفَخْر : وقيل : الحامِي الفَحْلُ، إذا رَكِبَ وَلَدُ وَلَدِهِ، انتهى. قلتُ : والذي في **«البخاريِّ »** : و( الحامِ : فحلُ الإبلِ يَضْرِب الضِّرَابَ المعدُودَ، وإذا قضى ضِرَابه، وَدَعوهُ للطَّواغيتِ، وأعْفَوْه من الحمل، فلم يُحْمَلْ شيءٌ عليه، وسمَّوْه الحامِيَ )، انتهى.

### الآية 5:104

> ﻿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَىٰ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قَالُوا حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا ۚ أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ [5:104]

قوله سبحانه : وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ \[ المائدة : ١٠٤ \]. 
يعني : لهؤلاءِ الكفار المستنِّينَ بهذه الأشياء : تَعَالَوْاْ إلى مَا أَنزَلَ الله  يعني : القرآن الذي فيه التحريمُ الصحيحُ،  قَالُواْ حَسْبُنَا ، معناه : كَفَانَا.

### الآية 5:105

> ﻿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ ۖ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ ۚ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ [5:105]

قوله تعالى : يا أيها الذين ءَامَنُواْ عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لاَ يَضُرُّكُمْ مَّن ضَلَّ إِذَا اهتديتم. . .  \[ المائدة : ١٠٥ \]. 
قال أبو ثعلبة الخُشَنِيُّ : سَأَلتُ رَسُولَ اللَّه صلى الله عليه وسلم عَنْ هذه الآيةِ، فَقَالَ :( ائتمروا بِالمَعْرُوفِ، وانهوا عَنِ المُنْكَرِ، فَإذَا رَأَيْتَ دُنْيَا مُؤْثَرَةً، وَشُحًّا مُطَاعاً، وإعْجَابَ كُلِّ ذِيَ رَأْيٍ بِرَأْيِهِ، فَعَلَيْكَ بِخُوَيْصَّةِ نَفْسِكَ، وذَر عَوَامَّهُمْ فَإنَّ وَرَاءَكِمُ أَيَّاماً، أَجْرُ العَامِلِ فِيهَا كَأَجْرِ خَمْسِينَ مِنْكُمْ )، وَهَذَا التَّأْوِيلُ الَّذِي لاَ نَظَرَ لأحَدٍ مَعهُ، لأنَّهُ مُسْتَوْفٍ لِلصَّلاَحِ، صادرٌ عن النبيِّ عليه السلام، وجملةُ ما عليه أهْلُ العِلْمِ في هذا أنَّ الأمر بالمعروفِ متعيِّن، متى رُجِيَ القبولُ، أو رُجِيَ ردُّ الظالم، ولو بعنف ما لم يَخَفِ الآمرُ ضرراً يلحقه في خاصَّته، أو فتنةً يُدْخِلُها على المُسْلمين، إما بشَقِّ عَصَا، وإما بضَرَرٍ يلحق طائفةً من الناس، فإذا خيف هذا، ف  عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ  : محكَمٌ واجبٌ أنْ يوقَفَ عنده. 
وقوله سبحانه : إِلَى الله مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ، هذا تذكيرٌ بالحَشْر وما بعده، وذلك مُسَلٍّ عن أمور الدنيا، مكروهِهَا ومحبوبِها، رُوِيَ عن بعض الصالحين، أنه قال : ما مِنْ يَوْمٍ إلاَّ ويجيءُ الشيطانُ، فيقول : ما تأكلُ، وما تلبسُ، وأين تَسْكُنُ ؟ فأقول له : آكُلُ المَوْتَ، وألْبَسُ الكَفَنَ، وأسْكُنُ القَبْرَ. 
قال( ع ) : فَمَنْ فكَّر في مرجعه إلى اللَّه سبحانه، فهذا حاله، قلْتُ : وخرَّج البغويُّ في **«المسنَدِ المنتَخَبِ »**، عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم، أنَّهُ قَالَ :( يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إنَّكُمْ تَعْمَلُونَ أَعْمَالاً تَعْزُبُ عَنْكُمْ إلى يَوْمِ القِيَامَةِ، وَتُوشِكُ العَوَازِبُ أَنْ تَؤوبَ إلى أَهْلِهَا، فَمَسْرُورٌ بِهَا، وَمَكْظُومٌ ) انتهى من **«الكوكب الدري »**، واللَّه المستعان.

### الآية 5:106

> ﻿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَأَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ ۚ تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلَاةِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ إِنِ ارْتَبْتُمْ لَا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَىٰ ۙ وَلَا نَكْتُمُ شَهَادَةَ اللَّهِ إِنَّا إِذًا لَمِنَ الْآثِمِينَ [5:106]

قوله تعالى : يا أيها الذين ءَامَنُواْ شهادة بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الموت حِينَ الوصية اثنان. . .  \[ المائدة : ١٠٦ \] إلى قوله : يَوْمَ يَجْمَعُ الله الرسل  \[ المائدة : ١٠٩ \]. 
قال مكِّيٌّ : هذه الآياتُ عند أهْل المعانِي مِنْ أشكل ما في القرآن إعراباً، ومعنًى، وحُكْماً. 
قال( ع ) : وهذا كلام من لم يقع له الثَّلَجُ في تفسيرها، وذلك بيِّن من كتابه، وباللَّه نستعين. 
لا نَعْلَمُ خلافاً أن سبب هذه الآيةِ أنَّ تميماً الدَّارِيَّ وعَدِيَّ بْن بَدَّاء، وكانا نصرانيَّيْنِ، سافرا إلى المدينةِ، يريدانِ الشامَ، لتجارتهما، وقَدِمَ المدينة أيضاً ابْنُ أَبِي مَارِية مولى عَمْرِو بنِ العاصِ، يريد الشامَ تاجِراً، قال الفخْر : وكان مُسْلماً، فخرَجُوا رفاقة، فمرض ابنُ أبي مارية في الطريقِ، وأوصى إلى تميمٍ، وعديٍّ، أنْ يؤدِّيَا رَحْلَهُ إلى أوليائه من بني سَهْم، وروى ابْنُ عباس عن تميمٍ الداريِّ، أنه قال : بَرِئَ النَّاسُ من هذه الآيةِ غيري، وغَيْرَ عَدِيِّ بْنِ بَدَّاء، وذكر القصَّة، إلا أنه قال : وكان معه جَامُ فِضَّةٍ، يريد به المُلْكَ، فأخذتُهُ أَنَا وعديٌّ، فبْعنَاه بألفٍ، وقَسَّمنا ثمنه، فلما أسلَمْتُ بعد قُدُومِ رسُولِ اللَّه صلى الله عليه وسلم المدينةَ، تَأَثَّمْتُ من ذلك، فأتيْتُ أهْلَهُ، فأخبرتهم الخبر، وأدَّيْتُ خمسمائة، فوثَبُوا إلى عَدِيٍّ فأتوا به رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، وحلَفَ عمْرُو بن العاصِ، ورجُلٌ آخر معه، ونُزِعَتْ من عَدِيٍّ خَمْسُمِائَةٍ. 
قال( ع ) : واختلفتِ ألفاظ هذه القصَّة، وما ذكرتُهُ هو عمود الأمْر، ولم تصحَّ لعديٍّ صُحْبة فيما عَلِمْتُ، ولا ثبت إسلامه، وقد صنَّفه في الصحابة بعْضُ المتأخِّرين، ولا وجه عندي لذكْره في الصَّحابة، وأما معنى الآية مِنْ أولها إلى آخرها، فهو أن اللَّه سبحانه أخبر المؤمنين أنَّ حكمه في الشهادةِ عَلَى المُوصِي، إذا حضره الموتُ : أنْ تكونَ شهادة عَدْلَيْنِ، فإن كان في سَفَرٍ، وهو الضَّرْب في الأرض، ولم يكن معه من المؤمنين أحدٌ، فليُشْهِدْ شاهدَيْنِ، ممن حَضَرَهُ مِنْ أهْل الكُفْر، فإذا قدما، وأَدَّيا الشهادةَ على وصيَّته، حَلَفَا بعد الصَّلاة، أنهما ما كَذَبَا، ولا بَدَّلاَ، وأنَّ ما شهدْنَا به حقٌّ، ما كتمنا فيه شهادةَ اللَّه، وحُكِمَ بشهادتهما، فإن عُثِرَ بعد ذلك على أنهما كَذَبَا، أو خَانَا، أو نَحْوِ هذا ممَّا هو إثْم، حَلَفَ رُجلانِ مِنْ أولياء المُوصِي في السفر، وغُرِّمَ الشاهدانِ ما ظَهَرَ علَيْهما، هذا معنى الآيةِ على مذهب أبي موسَى الأشعريِّ، وابن عبَّاس، وسعيدِ بْنِ المسيَّب، ويحيى بن يَعْمَرَ، وابنِ جُبَيْر، وأبي مِجْلَزٍ، وإبراهيم، وشُرَيْحٍ، وعَبِيدَةَ السَّلْمَانِيِّ، وابن سِيرِينَ، ومجاهدٍ، وغَيْرِهم، قالوا : ومعنى قوله : مِّنكُمْ ، أي : مِنَ المؤمنين، ومعنى : مِنْ غَيْرِكُمْ ، أي : من الكافرين. 
قال بعضهم : وذلك أن الآية نزلَتْ، ولا مؤمن إلا بالمدينة، وكانوا يسافرون في التِّجارة مع أنواع الكَفَرة، واختلفتْ هذه الجماعةُ المذْكُورة، فمذهبُ أبي مُوسَى الأشعريِّ وغيره، أن الآية مُحْكَمَةٌ، ومذهب جماعة منهم، أنها منسوخةٌ، بقوله : وَأَشْهِدُواْ ذَوِيْ عَدْلٍ مِّنْكُمْ \[ الطلاق : ٢ \] وبما عليه إجماعُ جمهور النَّاس، أن شهادة الكُفَّار لا تجوزُ. 
قال( ع ) : ولنرجع الآنَ إلى الإعراب، ولنقصِدِ القَوْل المفيدَ، لأن الناس خَلَطُوا في تفسير هذه الآية تخليطاً شديداً، وذِكْرُ ذلك، والرَّدُّ عليه يطولُ، وفي تَبْيِينِ الحَقِّ الذي تتلَقَّاه الأذهانُ بالقَبُول مَقْنَعٌ، واللَّه المستعان. 
فقوله تعالى : شهادة بَيْنِكُمْ \[ المائدة : ١٠٦ \] هي الشهادةُ التي تُحْفَظُ لتؤدى، ورفعها بالابتداء، والخَبَرُ في قوله : اثنان ، وقوله تعالى : إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الموت  معناه : إذا قارب الحضُورَ، والعاملُ في ********«إذا »******** المصدرُ الذي هو ******«شهادة »******، وهذا على أنْ تجعل ********«إذا »******** بمنزلة **«حِينَ »**، لا تحتاج إلى جوابٍ، ولك أن تجعل ********«إذا »******** في هذه الآية المحتاجةَ إلى الجوابِ، لكن استغني عن جوابها بما تقدَّم في قوله : شهادة بَيْنِكُمْ ، إذ المعنى : إذا حَضَر أحدَكُمُ المَوْتُ، فينبغي أن يُشْهِدَ، وقوله : حِينَ الوصية  ظرْفُ زمانٍ، والعاملُ فيه  حَضَرَ ، وإنْ شِئْتَ، جعلته بَدَلاً مِنْ ********«إذا »********، وقوله : ذَوَا عَدْلٍ  صفة لقوله : اثنان ، و مِّنكُمْ  : صفةٌ أيضاً بعد صفةٍ، وقوله : مِنْ غَيْرِكُمْ  : صفةٌ  لآخَرَانِ  أيضا، واعترض بَيْن الموصوفِ والصفةِ بقوله : إِنْ أَنتُمْ ، إلى  الموت ، وأفاد الاِعتراضُ أنَّ العدول إلى آخرَيْنِ من غَيْر الملَّة، إنما يكونُ مع ضَرُورة السَّفَر، وحلولِ الموتِ فيه، واستغني عن جواب **«إنْ »**، لِمَا تقدَّم من قوله : أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ ، وقال جمهورٌ مِن العلماء : الصلاةُ هنا صلاةُ العَصْر، وقال ابنُ عباس : إنما هي صلاة الذِّمِّيِّين، وأما العصر، فلا حُرْمَة لها عنْدَهما، والفاءُ في قوله : فَيُقْسِمَانِ  : عاطفةٌ جملةً على جملةٍ، لأن المعنى تَمَّ في قوله : مِنْ بَعْدِ الصلاة ، وقوله : إِنِ ارتبتم  شرطٌ لا يتَّجه تحليفُ الشاهدَيْن إلا به، والضميرُ في قول الحالِفَيْن : لاَ نَشْتَرِي بِهِ  عائدٌ على القَسَمِ، أو على اسم اللَّهِ، وقوله : لاَ نَشْتَرِي  جوابٌ يقتضيه قوله : فَيُقْسِمَانِ بالله ، لأن **«أقسم »** ونحوه يتلقى بما تتلقى به الإيْمَانُ، وقوله : ثَمَناً ، أي : ذا ثَمَنٍ، وخُصَّ ذو القربى بالذِّكْر، لأن العرب أمْيَلُ النَّاس إلى قراباتهم، واستسهالهم في جنب نفعهم ما لا يُسْتَسْهَل، وقوله : وَلاَ نَكْتُمُ شهادة الله ، أضاف الشهادةَ إلَيْه تعالى مِنْ حيث هو الآمِرُ بإقامتها، الناهِي عن كتمانها، وروي عن الشِّعْبِيِّ وغيره :( شَهَادَةً ) بالتنوين، ( اللَّه ) بقطع الألف دون مَدٍّ، وخفضِ الهاءِ، وقال أيضاً : يقف على الهاء مِن :( شهادة ) بالسكون، ثم يقطع الألفَ المكتوبَةِ منْ غير مَدٍّ، كما تقدَّم، ورُوِيَ عنه كان يقرأ :( آللَّهِ ) بمد ألفِ الاستفهامِ في الوجْهَيْن، أعني : بسكون الهاء من ******«شهادة »******، وتحريكها منوَّنةً منصوبةً، ورُوِيَتْ هذه التي هي تَنْوينُ ( شهادة )، ومدُّ ألف الاستفهام بَعْدُ عن عَلِيِّ بن أبي طالب، قال أبو الفَتْح : إنما تُسَكَّن هاء ******«شهادة »****** في الوقْف عليها.

### الآية 5:107

> ﻿فَإِنْ عُثِرَ عَلَىٰ أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْمًا فَآخَرَانِ يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْأَوْلَيَانِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ لَشَهَادَتُنَا أَحَقُّ مِنْ شَهَادَتِهِمَا وَمَا اعْتَدَيْنَا إِنَّا إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ [5:107]

قوله سبحانه : فَإِنْ عُثِرَ \[ المائدة : ١٠٧ \]. 
استعارة لما يُوقَعُ على علمه بعد خَفَائه، و استحقا إِثْماً  : معناه استوجباه مِنَ اللَّه، وكانا أهْلاً له، لأنهما ظَلَمَا وخَانَا. 
وقوله تعالى : فَآخَرَانِ  أي : إذا عُثِرَ على خيانتهما، فَالأَوْلَيَانِ باليمينِ، وإقامةِ القضية : آخرَانِ من القَوْم الذين هُمْ ولاة المَيِّت، و( استَحَقَّ ) عليهم حظُّهم، أو نصيبهم، أو مالهم، أو مَا شِئْتَ من هذه التقديراتِ، وقرأ نافعٌ وغيره :( استحق ) مضمومةَ التاءِ، و( الأَوْلَيَانِ )، على تثنية الأولى، ورُوِيَ عنِ ابنِ كَثِيرٍ :( استحق ) بفتح التاء، وكذلك روى حَفْصٌ عن عاصم. 
وفي قوله : استحق  : استعارة، لأنه لا وَجْه لهذا الاستحقاق إلاَّ الغلبة على الحالِ بحُكْمِ انفرادِ هذا المَيِّت وعَدَمه لقرابَتِه أو لأهل دِينه، فاستحق هنا كما تقول لظالمٍ يظلمُكَ : هذا قَدِ استحق علَيَّ مالِي أوْ مَنْزِلِي بظلمه، فتشبهه بالمستَحِقِّ حقيقةً، إذْ تصوَّر تصوُّره، وتملَّك تملُّكه، وهكذا هي **«استحقَّ »** في الآية على كلِّ حال، وإنْ أسندتَّ إلى النصيب ونحوه. 
وقرأ حمزة وعاصمٌ في رواية أبي بَكْر :**«استحق »** بضم التاء، **«الأَوَّلِينَ »** : على جَمْعِ أوَّل، ومعناها : من القومِ الذين استحق عليهم أمْرُهُمْ، إذْ غُلِبُوا علَيْه، ثم وصَفَهم بأنَّهم أوَّلُون، أي : في الذِّكْر في هذه الآية، وذلك في قوله : اثنان ذَوَا عَدْلٍ مِّنْكُمْ \[ المائدة : ١٠٦ \] ثم بعد ذلك قال : أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ ، وقوله : فَيُقْسِمَانِ ، يعني : الآخَرَيْنِ اللذَيْنِ يقُومانِ مَقَامَ شاهِدَيِ الزُّورِ، وقولُهما : لشهادتنا ، أي : لَمَا أَخْبَرْنَا نَحْنُ به، وذَكَرْنَاهُ مِنْ نَصِّ القصَّة ( أحقُّ ) مما ذَكَراه أوَّلاً، وحرَّفاه،  وَمَا اعتدينا ، في قولنا هذا، وقولُهما : إِنَّا إِذَاً لَمِنَ الظالمين \[ المائدة : ١٠٧ \] تَبَرٍّ في صيغة الاِستعظامِ والاِستقباحِ للظُّلْمِ.

### الآية 5:108

> ﻿ذَٰلِكَ أَدْنَىٰ أَنْ يَأْتُوا بِالشَّهَادَةِ عَلَىٰ وَجْهِهَا أَوْ يَخَافُوا أَنْ تُرَدَّ أَيْمَانٌ بَعْدَ أَيْمَانِهِمْ ۗ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاسْمَعُوا ۗ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ [5:108]

قوله تعالى : ذلك أدنى أَن يَأْتُواْ بالشهادة على وَجْهِهَا أَوْ يخافوا أَن تُرَدَّ أيمان بَعْدَ أيمانهم. . .  \[ المائدة : ١٠٨ \]. 
الإشارة ب**«ذلك »** هي إلى جميع مَا حَدَّ قَبْلُ، مِنْ حَبْسِ الشاهدَيْن من بعد الصلاة لليمينِ، ثم إنْ عثر على جَوْرهما، رُدَّتِ اليمينُ، وغَرِمَا، فذلك كلُّه أقربُ إلى اعتدال هذا الصِّنْف فيما عسى أنْ ينزل من النوازلِ، لأنهم يخافُونَ الفضيحة، وردَّ اليمين، هذا قولُ ابنِ عبَّاس، وجُمِعَ الضميرُ في  يَأْتُواْ  أو  يخافوا ، إذ المرادُ صِنْفٌ ونوعٌ من الناسِ، والمعنى : ذلك الحُكْم كلُّه أقربُ إلى أنْ يأتوا، وأقربُ إلى أنْ يخافوا، وباقي الآية بيِّن.

### الآية 5:109

> ﻿۞ يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَا أُجِبْتُمْ ۖ قَالُوا لَا عِلْمَ لَنَا ۖ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ [5:109]

قوله تعالى : يَوْمَ يَجْمَعُ الله الرسل \[ المائدة : ١٠٩ \]. 
ذهب قومٌ إلى أن العاملَ في  يَوْمٍ  : ما تقدَّم مِنْ قوله تعالى : لاَّ يَهِدِّي ، وذلك ضعيفٌ، ورصْفُ الآيةِ وبراعَتُها إنما هو أنْ يكونَ هذا الكلامُ مستأنَفاً، والعاملُ مقدَّر، إما **«أذكر »**، أو :**«تَذَكَّرُوا »**، أو **«احذروا »**، ونحو هذا ممَّا حَسُنَ اختصاره، لعِلْم السامعِ به، والإشارة بهذا اليوم إلى يومِ القيامةِ، وخُصَّ الرسلُ بالذكْر، لأنهم قادةُ الخَلْق، وهم المكلَّمون أوَّلاً، و مَاذَا أُجِبْتُمُ  معناه : ماذا أجابَتْكُمْ الأُمَمُ، وهذا السؤالُ للرُّسُل إنما هو لتقُومَ الحجة على الأممِ، واختلف الناسُ في معنى قولهم عليهم السلام : لاَ عِلْمَ لَنَا  : قال الطبريُّ : ذُهِلُوا عن الجوابِ، لهولِ المَطْلَع، وقاله الحسنُ، وعن مجاهدٍ، أنه قال : يَفْزَعُون، فيقولُون :( لا علْمَ لنا ) وضعَّف بعضُ النَّاس هذا المنْزَع، بقوله تعالى : لاَ يَحْزُنُهُمُ الفزع الأكبر \[ الأنبياء : ١٠٣ \]، وقال ابنُ عبَّاس : معنى الآية : لاَ عِلْمَ لنا  إلا ما علَّمتنا، أنْتَ أعلم به منَّا، وقولُ ابنِ عباس حَسَن، وهو أصوبُ هذه المناحِي، لأنه يتخرَّج على التسليم للَّه تعالى، وردِّ الأمر إلَيْه، إذ هو العالِمُ بجميعِ ذلك، على التَّفْصيل والكمالِ، فرأَوُا التسليمَ والخضوعَ لعلْمه المحيطِ سبحانه، قال مكِّيٌّ : قال ابنُ عباس : المعنى : لا علم لنا إلاَّ عِلمٌ أنت أعلَمُ به منَّا، وهو اختيار الطبريِّ، وقيل : لما كان السؤالُ عامًّا يقتضي بعمومه سؤالَهُم عَنْ سِرِّ الأمم وعلانِيَتِها، رَدُّوا الأمر إلَيْهِ، إذ ليس عندهم إلاَّ علْمُ الظاهر، قال مكِّيٌّ : وهذا القولُ أحبُّ الأقوالِ إلَيَّ، قال : ومعنى مسألة اللَّه الرُسلَ عمَّا أَجِيبُوا، إنما هو لمعنَى التوبيخِ لمَنْ أُرْسِلُوا إلَيْه، كما قال تعالى : وَإِذَا الموءودة سُئِلَتْ \[ التكوير : ٨ \]، انتهى من **«الهداية »**.

### الآية 5:110

> ﻿إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلَىٰ وَالِدَتِكَ إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا ۖ وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ ۖ وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنْفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِي ۖ وَتُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ بِإِذْنِي ۖ وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتَىٰ بِإِذْنِي ۖ وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَنْكَ إِذْ جِئْتَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ إِنْ هَٰذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ [5:110]

قوله تعالى : إِذْ قَالَ الله يا عيسى ابن مَرْيَمَ اذكر نِعْمَتِي عَلَيْكَ. . .  \[ المائدة : ١١٠ \]. 
 قَالَ  هنا بمعنى يَقُولُ، لأن ظاهر هذا القولِ أنه في القيامة، تقدمة لقوله سبحانه : ءَأَنْتَ قُلتَ لِلنَّاسِ \[ المائدة : ١١٦ \]. 
وقوله سبحانه : وَإِذْ تُخْرِجُ الموتى ، أي : من قبورهم، وكفُّ بني إسرائيل عنه عليه السلام هو رَفْعُهُ حِينَ أحاطوا به في الَبيْتِ مع الحواريِّين، وكذلك مَنْعُه منْهم قَبْل ذلك إلى تلك النازلةِ الأخيرةِ، فهناك ظَهَر عِظَمُ الكَفِّ.

### الآية 5:111

> ﻿وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي قَالُوا آمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ [5:111]

قوله سبحانه : وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الحواريين \[ المائدة : ١١١ \]. 
هو مِنْ جملة تعديدِ النِّعمِ على عيسَى عليه السلام، و أَوْحَيْتُ ، في هذا الموضع : إما أن يكون وحْيَ إلهامٍ أَو وحْيَ أمْرٍ، وبالجملةِ فهو إلقاءُ معنًى في خفاءٍ، أوْصَلَهُ سبحانه إلى نفوسهم، كيف شاء، والرسولُ في هذه الآية : عيسى، وقولُ الحواريِّين : واشهد  : يحتملُ أن يكون مخاطبةً منهم للَّه سبحانه، ويحتملُ أنْ يكون لعيسى.

### الآية 5:112

> ﻿إِذْ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ ۖ قَالَ اتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ [5:112]

قوله سبحانه : إِذْ قَالَ الحواريون. . .  \[ المائدة : ١١٢ \]. 
اعتراضٌ أثناء وَصْفِ حالِ قول اللَّه لعيسى يوم القيامة، مضمَّن الاعتراض إخبارُ نبيِّنا محمَّد صلى الله عليه وسلم، وأمته بنازلةِ الحواريِّين في المائدة، إذ هي مثالٌ نافعٌ لكلِّ أُمَّة مع نبيِّها، تقتدِي بمحاسِنِهِ، وتزدجرُ عمَّا ينفُر منه مِنْ طلب الآياتِ ونحوه، وقرأ الجمهورُ :**«هَلْ يَسْتَطِيعُ ربُّك »** بالياءِ ورَفْعِ الباءِ من **«رَبُّكَ »**، والمعنى : هلْ يفعلُ ربُّك هذا ؟ وهلْ تَقَعُ منه إجابةٌ إليه ؟ ولم يكُنْ منهم هذا شَكًّا في قدرة اللَّه سبحَانَهُ، إذ هم أعرفُ باللَّه مِنْ أنْ يشكُّوا في قُدْرته، وقرأ الكسائيُّ :**«هلْ تسْتَطِيعُ رَبَّكَ »** بالتاء ونصبِ الباءِ مِنْ **«رَبَّكَ »**، والمعنى : هل تَسْتطيعُ سؤَالَ ربِّك، وأدغم اللام في التاء، أعني الكسائيَّ، وقال قومٌ : قال الحواريُّون هذه المقالةَ فِي صَدْر الأمر قبل عِلْمهم بأنه يُبْرِئُ الأكمه، والأبْرَصَ، ويُحْيِي الموتى، ويظهر من قوله عليه السلام : اتقوا الله إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ  إنكارٌ لقولهم، واقتراحهم الآياتِ، والتعرُّضِ لسَخطِ اللَّه بها، وقلَّةِ طُمَأْنينتهم إلى ما قد ظهر.

### الآية 5:113

> ﻿قَالُوا نُرِيدُ أَنْ نَأْكُلَ مِنْهَا وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنَا وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ الشَّاهِدِينَ [5:113]

ولمَّا خاطبهم عليه السلام بهذه المخاطَبَة، صرَّحوا بمقاصدهم الَّتي حملَتْهم على طَلَب المائدةِ، فقالوا : نُرِيدُ أَن نَّأْكُلَ مِنْهَا ، فنَشْرُفَ في العالَم،  وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا ، أي : تسكُنَ فِكرُنَا في أمرك بالمعايَنَةِ لأَمْرٍ نازلٍ من السماء بأعيننا،  وَنَعْلَمَ  علْمَ الضرورةِ والمشاهدةِ،  أَن قَدْ صَدَقْتَنَا ، فلا تَعْرِضُنا الشُّبَهُ التي تَعْرِضُ في عِلْم الاستدلالِ، وهذا يؤيِّد أنَّ مقالتهم كانَتْ في مبدأ أَمْرهم، ثم استمروا على إيمانهم، وصَبَرُوا، وهَلَكَ مَنْ كَفَر، وقولهم : وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ الشاهدين \[ المائدة : ١١٣ \] أي : من الشاهدينَ بهذه النازلةِ، النَّاقلين لها إلى غيرنا الدَّاعين إلى هذا الشَّرْع، بسببها، ورُوِيَ أن الذي نَحَا بهم هذا المنحى مِنَ الاقتراح، هو أنَّ عيسى قال لهم مرَّةً :( هَلْ لَكُمْ فِي صِيَامِ ثَلاَثِينَ يَوْماً لِلَّهِ سُبْحَانَهُ ؟ ثُمَّ إنْ سَأَلْتُمُوهُ حَاجَةً، قَضَاهَا، ) فَلَمَّا صَامُوهَا، قَالُوا : يا معلِّم الخَيْر، إنَّ حقَّ مَنْ عمل عملاً أنْ يُطْعَمَ، فَهَلْ يستطيعُ ربُّكَ ؟، فأرادوا أنْ تكون المائدةُ عِيدَ ذلك الصَّوْم.

### الآية 5:114

> ﻿قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا أَنْزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ تَكُونُ لَنَا عِيدًا لِأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا وَآيَةً مِنْكَ ۖ وَارْزُقْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ [5:114]

قوله سبحانه : قَالَ عِيسَى ابن مَرْيَمَ \[ المائدة : ١١٤ \]. 
أي أجابهم عيسى عليه السلام إلى ما سألوا، فيروى أنه لَبِسَ جُبَّة شَعْرٍ، ورداءَ شَعْرٍ، وقام يصلِّي، ويبْكِي، والعيدُ : المجتمعُ، وقوله : لأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا ، رُوِيَ عن ابن عَبَّاس، أن المعنى : يكون مجتمعاً لجميعنا أوّلِنا وآخرنا، قال : فأكل من المائدة حِينَ وُضِعَتْ أولُ النَّاس، كما أكل آخرِهم،  وآية منك  أيْ : وعلامةً على صِدْقي، فأجاب اللَّه تعالى دعوةَ عيسى عليه السلام.

### الآية 5:115

> ﻿قَالَ اللَّهُ إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ ۖ فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لَا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ [5:115]

قال : إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ ، ثم شَرَطَ عليهم سبحانه شرْطَهُ المتعارَفَ في الأمم، أنه مَنْ كَفَر بعد آية الاقتراح، عُذِّب أشدَّ عذابٍ، والجمهور أنَّ المائدة نزلَتْ كما أخبر اللَّه سبحانه، واختلفوا في كيفيَّة ذلك، فقال أبو عبد الرحمن السُّلَمي : نزلَتِ المائدةُ خُبْزاً وسَمَكاً، وقال عطية : المائدةُ سمكَةٌ فيها طَعْمُ كُلِّ طعامٍ، وقال ابنُ عبَّاس : نزل خُوَانٌ عليه خْبُزٍ وسَمَكٌ، يأكلون منه أينما نَزَلُوا، إذا شاؤوا، وقال عمَّار بن ياسر : سألوا عيسى مائدةً يكون عليها طعامٌ لا ينفَد، فقيل لهم : إنها مقيمةٌ لكم ما لم تُخَبِّئُوا، أو تخونُوا، فإن فعلتم عُذِّبتم، قال : فما مضى يومٌ، حتى خَبَّئُوا وخانوا، يعني : بني إسرائيل، فمُسِخُوا قردةً، وخنازيرَ، وقال ميسرة : كانَتِ المائدة، إذا وُضِعت لبني إسرائيل، اختلفت عليهم الأيدِي بكلِّ طعامٍ، إلا اللحم، وأكثَرَ الناسُ في قصص المائدةِ ممَّا رأَيْتُ اختصاره، لعدم سَنَده.

### الآية 5:116

> ﻿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَٰهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ ۖ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ ۚ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ ۚ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ ۚ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ [5:116]

قوله سبحانه : وَإِذْ قَالَ الله يا عيسى ابن مَرْيَمَ ءأَنْتَ قُلتَ لِلنَّاسِ اتخذوني وَأُمِّيَ إلهين مِن دُونِ الله. . .  \[ المائدة : ١١٦ \]. 
اختلف المفسِّرون في وَقْت وقوعِ هذا القَوْل، فقال السدي، وغيره : لما رفَع اللَّه عيسى إلى السماء، قالَتِ النصارى ما قالَتْ، وزعموا أن عيسى أمرهم بذلك، فسأله تعالى عَنْ قولهم،  قال سبحانك. . .  الآية، ويجيء على هذا قولُهُ : وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ \[ المائدة : ١١٨ \] أي : في التوبة مِنَ الكُفْر، لأن هذا قاله، وهم أحياء في الدنيا، وقال ابن عباس، وجمهورُ النَّاس : هذا القولُ مِنَ اللَّه إنما هو يَوْمَ القيامة، يقوله اللَّه له على رءوس الخلائقِ، فَيَرَى الكفَّار تبرِّيَهُ منهم، ويعلَمُون أنَّ ما كانوا فيه باطلٌ، ( فقَالَ )، على هذا التأويلِ بمعنى :**«يَقُولُ »**، ونُزِّل الماضِي موضِعَ المستقبلِ، لدلالته على كون الأمر وثبوته، وقولُه آخِراً : وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ  : معناه إن عذَّبَتْ العالَمَ كلَّه، فبحقِّك، فهم عبادُكَ تصنعُ بحَقِّ المُلْكِ ما شِئْت، لا اعتراض علَيْك، وإن غفَرْتَ وسبَقَ ذلك في عِلْمك، فلأنك أهْلٌ لذلك، لا معقِّب لحكمك، ولا مُنَازَعَ لك، فيقولُ عيسى هذا على جهة التسليمِ والتعزِّي عنهم، مع علمه بأنهم كَفَرةٌ، قد حُتِمَ عليهم العذابُ، وهذا القولُ عنْدِي أَرجَحُ، ويتقوَّى بما يأتي بعدُ، وهو قوله سبحانه : هذا يَوْمُ يَنفَعُ الصادقين صِدْقُهُمْ \[ المائدة : ١١٩ \]. 
وقوله : سبحانك  أي : تنزيهاً لك عَنْ أن يقال هذا، ويُنْطَقَ به،  مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ \[ المائدة : ١١٦ \] أي : ما يكون لبَشَرٍ مُحْدَثٍ أنْ يَدَّعِيَ الألوهية، ثم قال : إِن كُنتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ  لأنك أحطت بكلِّ شيء علماً، وأحصيتَ كلَّ شيء عدداً، فوفَّق اللَّه عيسى لهذه الحُجَّة البالغةِ، وقوله  تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي  خصَّ النفْسَ بالذكْرِ، لأنها مَظِنَّةُ الكَتْم والانطواء على المعلومات. 
والمعنى : أن اللَّه سبحانه يعلم ما في نَفْسِ عيسى، ويعلم كل أَمْرِهِ مما عسى أن لا يكون في نفسه. 
وقوله : وَلاَ أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ  معناه : ولا أعلم ما عندك من المعلومات، وما أحَطْتَ به، وذكْر **«النفْس »** هنا مقابلةٌ لَفْظِيَّةٌ، في اللسان العربي، يقتضيها الإيجَازُ، وهذا ينظر من طَرْفٍ خَفِيٍّ إلى قوله تعالى : وَمَكَرُواْ وَمَكَرَ الله \[ آل عمران : ٥٤ \]، و الله يَسْتَهْزِئ بِهِمْ \[ البقرة : ١٥ \] فتسمية العُقُوبَةِ باسم الذَّنْبِ إنما قاد إليها طَلَبُ المُقَابَلَةِ اللفظية، إذ هي من فَصِيحِ الكلام، وبَارِعِ العبارة. 
ثم أقر عيسى عليه السلام للَّه تعالى، بأنه سبحانه : عَلاَّمُ الغيوب  أي : ولا عِلْمَ لي أنا بغيب.

### الآية 5:117

> ﻿مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ ۚ وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ ۖ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ ۚ وَأَنْتَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ [5:117]

قوله : فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي  أي : قبضتني بالرَّفْعِ، والتصييرِ في السَّمَاءِ، و الرَّقِيبَ  : الحافظ المراعي.

### الآية 5:118

> ﻿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ ۖ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ [5:118]

قوله : فَإِنَّكَ أَنتَ العزيز \[ المائدة : ١١٨ \] أي : في قدرتك،  الحكيم  في أفعالك، والمعنى : إن يكن لك في النَّاسِ مُعَذَّبُونَ، فهم عبادك، وإن يكن مغفور لهم، فَعزَّتُكَ وحكمتك تَقْتَضِي هذا كله.

### الآية 5:119

> ﻿قَالَ اللَّهُ هَٰذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ ۚ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ۚ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ۚ ذَٰلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ [5:119]

قَالَ الله هذا يَوْمُ يَنفَعُ الصادقين صِدْقُهُمْ \[ المائدة : ١١٩ \] فدخل تحت هذه العِبَارَةِ كل مؤمن باللَّه سبحانه، وكُلُّ ما كان أتقى، فهو أَدْخَلُ في العبارة، وجاءت هذه العبارة مُشِيرَةً إلى عيسى عليه السلام في حاله وصدْقه، فيحصل له بذلك في المَوْقِفِ شَرَفٌ عظيم، وإن كان اللفظ يعمه وسواه. 
ثم ذكر تعالى ما أعدَّهُ لهم برحمته، وطوله، جعلنا اللَّه منهم بمَنِّهِ، وسعَةِ جُودِهِ، لا رَبّ غيره، ولا مرجو في الدَّارَيْنِ سواه، وباقي الآية بَيِّنٌ، جعل اللَّه ما كتبناه من هذه الأحرف نوراً يسعى بين أيدينا بمَنِّهِ، والحمد للَّه كما هو أهْلُهُ، وصلى اللَّه على سيدنا محمد وعلى آله وَسَلَّمَ.

### الآية 5:120

> ﻿لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا فِيهِنَّ ۚ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [5:120]

وقوله: وَلا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ: معناه: ولا أعلم ما عندك من المعلومات، وما أحَطْتَ به، وذكْر **«النفْس»** هنا مقابلةٌ لَفْظِيَّةٌ، وفي اللسان العربي يقتضيها الإيجَازُ وهذا ينظر من طَرْفٍ خَفِيٍّ إلى قوله تعالى: وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ \[آل عمران: ٥٤\] واللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ \[البقرة: ١٥\] فتسمية العُقُوبَةِ باسم الذَّنْبِ إنما قاد إليها طَلَبُ المُقَابَلَةِ اللفظية، إذ هي من فَصِيحِ الكلام، وبَارِعِ العبارة.
 ثم أقر عيسى- عليه السلام- للَّه تعالى بأنه- سبحانه- عَلاَّمُ الغيوب، أي: ولا عِلْمَ لي أنا بغيب.
 وقوله: فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي: أي: قبضتني بالرَّفْعِ، والتصيير في السّماء، والرَّقِيبَ:
 الحافظ المراعي.
 وقوله: فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ: أي: في قدرتك، الْحَكِيمُ في أفعالك.
 والمعنى: إن يكن لك في النَّاسِ مُعَذَّبُونَ، فهم عبادك، وإن يكن مغفور لهم، فَعزَّتُكَ وحكمتك تَقْتَضِي هذا كله.
 \[سورة المائدة (٥) : الآيات ١١٩ الى ١٢٠\]
 قالَ اللَّهُ هذا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَداً رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١١٩) لِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما فِيهِنَّ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٢٠)
 قالَ اللَّهُ هذا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ فدخل تحت هذه العِبَارَةِ كل مؤمن باللَّه- سبحانه-، وكُلُّ ما كان أتقى، فهو أَدْخَلُ في العبارة، وجاءت هذه العبارة مُشِيرَةً إلى عيسى- عليه السلام- في حاله، وصدْقه فيحصل له بذلك في المَوْقِفِ شَرَفٌ عظيم، وإن كان اللفظ يعمه وسواه.
 ثم ذكر- تعالى- ما أعدَّهُ لهم برحمته، وطوله، جعلنا اللَّه منهم بمَنِّهِ، وسَعَةِ جُودِهِ، لا رَبّ غيره، ولا مرجو في الدَّارَيْنِ سواه، وباقي الآية بَيِّنٌ. جعل اللَّه ما كتبناه من هذه الأحرف نوراً يسعى بين أيدينا بمَنِّهِ. والحمد للَّه كما هو أهْلُهُ، وصلى اللَّه على سيدنا محمد وعلى آله وسلّم.

## روابط ذات صلة

- [النص القرآني للسورة](https://quranpedia.net/surah/1/5.md)
- [كل تفاسير سورة المائدة
](https://quranpedia.net/surah-tafsir/5.md)
- [ترجمات سورة المائدة
](https://quranpedia.net/translations/5.md)
- [صفحة الكتاب: الجواهر الحسان في تفسير القرآن](https://quranpedia.net/book/339.md)
- [المؤلف: الثعالبي](https://quranpedia.net/person/710.md)

---

زُر [Quranpedia.net](https://quranpedia.net/surah/1/5/book/339) — موسوعة القرآن الكريم: التفاسير، الترجمات، التلاوات، والمواضيع.
