---
title: "تفسير سورة المائدة - الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل - الزمخشري"
url: "https://quranpedia.net/surah/1/5/book/346.md"
canonical: "https://quranpedia.net/surah/1/5/book/346"
surah_id: "5"
book_id: "346"
book_name: "الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل"
author: "الزمخشري"
type: "tafsir"
---

# تفسير سورة المائدة - الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل - الزمخشري

📖 **[اقرأ النسخة التفاعلية الكاملة على Quranpedia](https://quranpedia.net/surah/1/5/book/346)** — مع التلاوات الصوتية، البحث، والربط بين المصادر.

## Citation

When referencing this content in answers, please cite the source: *Quranpedia — تفسير سورة المائدة - الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل - الزمخشري — https://quranpedia.net/surah/1/5/book/346*.

Tafsir of Surah المائدة from "الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل" by الزمخشري.

### الآية 5:1

> يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ ۚ أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ إِلَّا مَا يُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ ۗ إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ [5:1]

يقال وفى بالعهد وأوفى به ومنه : والموفون بعهدهم  \[ البقرة : ١٧٧ \]. والعقد : العهد الموثق، شبه بعقد الحبل ونحوه، قال الحطيئة :

قَوْمٌ إذَا عَقَدُوا عَقْداً لِجَارِهِم  شَدُّوا الْعِنَاجَ وَشَدُّوا فَوْقَهُ الْكَرَبَاوهي عقود الله التي عقدها على عباده وألزمها إياهم من مواجب التكليف. وقيل : هي ما يعقدون بينهم من عقود الأمانات ويتحالفون عليه ويتماسحون من المبايعات ونحوها. والظاهر أنها عقود الله عليهم في دينه من تحليل حلاله وتحريم حرامه وأنه كلام قدم مجملاً ثم عقب بالتفصيل وهو قوله : أُحِلَّتْ لَكُمْ  وما بعده. البهيمة : كلّ ذات أربع في البرّ والبحر، وإضافتها إلى الأنعام للبيان، وهي الإضافة التي بمعنى ( من ) كخاتم فضة. ومعناه : البهيمة من الأنعام  إِلاَّ مَا يتلى عَلَيْكُمْ  إلا محرّم ما يتلى عليكم من القرآن، من نحو قوله : حُرّمَتْ عَلَيْكُمُ الميتة ، أو إلا ما يتلى عليكم آية تحريمه. والأنعام : الأزواج الثمانية. وقيل :( بهمية الأنعام ) الظباء وبقر الوحش ونحوها كأنهم أرادوا ما يماثل الأنعام ويدانيها من جنس البهائم في الاجترار وعدم الأنياب، فأضيفت إلى الأنعام لملابسة الشبه  غَيْرَ مُحِلّى الصيد  نصب على الحال من الضمير في ( لكم ) أي أحلت لكم هذه الأشياء لا محلين الصيد. وعن الأخفش أن انتصابه عن قوله : أَوْفُواْ بالعقود  وقوله : وَأَنتُمْ حُرُمٌ  حال عن محلي الصيد، كأنه قيل : أحللنا لكم بعض الأنعام في حال امتناعكم من الصيد وأنتم محرمون، لئلا نحرج عليكم  إِنَّ الله يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ  من الأحكام، ويعلم أنه حكمة ومصلحة. والحرم : جمع حرام وهو المحرم.

### الآية 5:2

> ﻿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ وَلَا الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَلَا الْهَدْيَ وَلَا الْقَلَائِدَ وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْوَانًا ۚ وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا ۚ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَنْ تَعْتَدُوا ۘ وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَىٰ ۖ وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۖ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ [5:2]

الشعائر جمع شعيرة وهي اسم ما اشعر، أي جعل شعاراً وعلماً للنسك، من مواقف الحج ومرامي الجمار، والمطاف، والمسعى، والأفعال التي هي علامات الحج يعرف بها من الإحرام، والطواف، والسعي، والحلق، والنحر. والشهر الحرام : شهر الحج. والهدي : ما أهدي إلى البيت وتقرب به إلى الله من النسائك. وهو جمع هدية، كما يقال جدي في جمع جدية السرج والقلائد : جمع قلادة، وهي ما قلد به الهدي من نعل أو عروة مزادة، أو لحاء شجر، أوغيره. وآمّو المسجد الحرام : قاصدوه، وهم الحجاج والعمار. وإحلال هذه الأشياء أن يتهاون بحرمة الشعائر وأن يحال بينها وبين المتنسكين بها، وأن يحدثوا في أشهر الحج ما يصدّون به الناس عن الحج، وأن يتعرض للهدي بالغضب أو بالمنع من بلوغ محله. وأما القلائد ففيها وجهان، أحدهما : أن يراد بها ذوات القلائد من الهدي وهي البدن، وتعطف على الهدي للاختصاص وزيادة التوصية بها لأنها أشرف الهدي، كقوله : وَجِبْرِيلَ وميكال  \[ البقرة : ٩٨ \] كأنه قيل : والقلائد منها خصوصاً. والثاني : أن ينهي عن التعرض لقلائد الهدي مبالغة في النهي عن التعرض للهدي، على معنى : ولا تحلوا قلائدها فضلاً أن تحلوها، كما قال : وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ  \[ النور : ٣١ \] فنهي عن إبداء الزينة مبالغة في النهي عن إبداء مواقعها  وَلا ءَآمِّينَ  ولا تحلوا قوماً قاصدين المسجد الحرام  يَبْتَغُونَ فَضْلاً مّن رَّبّهِمْ  وهو الثواب  وَرِضْوَاناً  وأن يرضى عنهم، أي لا تتعرضوا لقوم هذه صفتهم، تعظيماً لهم واستنكاراً أن يتعرض لمثلهم. قيل : هي محكمة. 
وعن النبي صلى الله عليه وسلم :" المائدة من آخر القرآن نزولاً، فأحلوا حلالها وحرموا حرامها " وقال الحسن : ليس فيها منسوخ. وعن أبي ميسرة : فيها ثماني عشرة فريضة وليس فيها منسوخ. وقيل : هي منسوخة. وعن ابن عباس : كان المسلمون والمشركون يحجون جميعاً، فنهى الله المسلمين أن يمنعوا أحداً عن حج البيت بقوله : لاَ تُحِلُّواْ  ثم نزل بعد ذلك : إِنَّمَا المشركون نَجَسٌ  \[ التوبة : ٢٨ \]،  مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَن يَعْمُرُواْ مَسَاجِدَ الله  \[ التوبة : ١٧ \]
وقال مجاهد والشعبي : لاَ تُحِلُّواْ  نسخ بقوله : واقتلوهم حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ  \[ النساء : ٨٩ \]. وفسر ابتغاء الفضل بالتجارة، وابتغاء الرضوان بأنّ المشركين كانوا يظنون في أنفسهم أنهم على سداد من دينهم، وأنّ الحج يقربهم إلى الله، فوصفهم الله بظنهم. وقرأ عبد الله :**«ولا أمي البيت الحرام »**، على الإضافة. وقرأ حميد بن قيس والأعرج :**«تبتغون »**، بالتاء على خطاب المؤمنين  فاصطادوا  إباحة للاصطياد بعد حظره عليهم، كأنه قيل : وإذا حللتم فلا جناح عليكم أن تصطادوا. وقرئ بكسر الفاء. وقيل : هو بدل من كسر الهمزة عند الابتداء. وقرئ :**«وإذا أحللتم »**، يقال حلّ المحرم وأحلّ. ( جرم ) يجري مجرى ( كسب ) في تعديه إلى مفعول واحد واثنين. 
تقول : جرم ذنباً، نحو كسبه. وجرمته ذنباً، نحو كسبته إياه. ويقال : أجرمته ذنباً، على نقل المتعدي إلى مفعول بالهمزة إلى مفعولين، كقولهم : أكسبته ذنباً. وعليه قراءة عبد الله :**«ولا يجرمنكم »** بضم الياء، وأوّل المفعولين على القراءتين ضمير المخاطبين، والثاني : أَن تَعْتَدُواْ . و  أَن صَدُّوكُمْ  بفتح الهمزة، متعلق بالشنآن بمعنى العلة، والشنآن : شدة البغض. وقرئ بسكون النون. والمعنى : ولا يكسبنكم بغض قوم لأن صدّوكم الاعتداء، ولا يحملنكم عليه. وقرئ :**«إن صدّوكم »**، على ( إن ) الشرطية. وفي قراءة عبد الله :**«إن يصدوكم »**. ومعنى صدّهم إياهم عن المسجد الحرام : منع أهل مكة رسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين يوم الحديبية عن العمرة، ومعنى الاعتداء : الانتقام منهم بإلحاق مكروه بهم  وَتَعَاوَنُواْ عَلَى البر والتقوى  على العفو والإغضاء  ولا تَعَاوَنُواْ عَلَى الإثم والعدوان  على الانتقام والتشفي. ويجوز أن يراد العموم لكل برّ وتقوى وكلّ إثم وعدوان، فيتناول بعمومه العفو والانتصار.

### الآية 5:3

> ﻿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلَامِ ۚ ذَٰلِكُمْ فِسْقٌ ۗ الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ ۚ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا ۚ فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ ۙ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ [5:3]

كان أهل الجاهلية يأكلون هذه المحرمات : البهيمة التي تموت حتف أنفها، والفصيد وهو الدم في المباعر، يشونها ويقولون : لم يحرم من فزد له  وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ الله بِهِ  أي رفع الصوت به لغير الله، وهو قولهم : باسم اللات والعزى عند ذبحه  والمنخنقة  التي خنقوها حتى ماتت، أو انخنقت بسبب  والموقوذة  التي أثخنوها ضرباً بعصا أو حجر حتى ماتت  والمتردية  التي تردَّت من جبل أو في بئر فماتت  والنطيحة  التي نطحتها أخرى فماتت بالنطح  وَمَا أَكَلَ السبع  بعضه  إِلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ  إلا ما أدركتم ذكاته وهو يضطرب اضطراب المذبوح وتشخب أوداجه. وقرأ عبد الله **«والمنطوحة »**. وفي رواية عن أبي عمرو **«السبْع »** بسكون الباء. وقرأ ابن عباس :**«وأكيل السبع »**  وَمَا ذُبِحَ عَلَى النصب  كانت لهم حجارة منصوبة حول البيت يذبحون عليها ويشرحون اللحم عليها، ويعظمونها بذلك ويتقرّبون به إليها، تسمى الأنصاب، والنصب واحد. قال الأعشى :

وَذَا النَّصْبِ الْمَنْصُوبِ لاَ تَعْبُدَنَّه  لِعَاقِبَةٍ وَاللَّهِ رَبَّكَ فَاعْبُدَاوقيل : هو جمع، والواحد نصاب. وقرئ :**«النصْب »** بسكون الصاد  وَأَنْ تَسْتَقْسِمُواْ بالأزلام  وحرّم عليكم الاستقسام بالأزلام أي بالقداح. كان أحدهم إذا أراد سفراً أو غزواً أو تجارة أو نكاحاً أو أمراً من معاظم الأمور ضرب بالقداح، وهي مكتوب على بعضها : نهاني ربي، وعلى بعضها : أمرني ربي، وبعضها غفل ؛ فإن خرج الآمر مضى لطيته، وإن خرج الناهي أمسك، وإن خرج الغفل أجالها عوداً. فمعنى الاستقسام بالأزلام : طلب معرفة ما قسم له مما لم يقسم له بالأزلام. وقيل : هو الميسر. وقسمتهم الجزور على الأنصباء المعلومة  ذلكم فِسْقٌ  الإشارة إلى الاستقسام : أو إلى تناول ما حرّم عليهم ؛ لأنّ المعنى حرّم عليكم تناول الميتة وكذا وكذا. 
فإن قلت : لم كان استقسام المسافر وغيره بالأزلام لتعرف الحال فسقاً ؟ قلت : لأنه دخول في علم الغيب الذي استأثر به علام الغيوب وقال : لاَّ يَعْلَمُ مَن فِى السماوات والأرض الغيب إِلاَّ الله  \[ النمل : ٦٥ \] واعتقاد أنّ إليه طريقاً وإلى استنباطه، وقوله : أمرني ربي، ونهاني ربي : افتراء على الله. وما يدريه أنه أمره أو نهاه. والكهنة والمنجمون بهذه المثابة. وإن كان أراد بالرب الصنم - فقد روي أنهم كانوا يجيلونها عند أصنامهم - فأمره ظاهر  اليوم  لم يرد به يوماً بعينه، وإنما أراد به الزمان الحاضر وما يتصل به ويدانيه من الأزمنة الماضية والآتية، كقولك : كنت بالأمس شاباً، وأنت اليوم أشيب، فلا تريد بالأمس اليوم الذي قبل يومك، ولا باليوم يومك. ونحوه ( الآن ) في قوله :الآنَ لَمَّا ابْيَضَّ مَسْرُبتِي  وَعَضَضْتُ مِنْ نَابِي عَلَى جَذَمِوقيل : أريد يوم نزولها، وقد نزلت يوم الجمعة، وكان يوم عرفة بعد العصر في حجة الوداع  يَئِسَ الذين كَفَرُواْ مِن دِينِكُمْ  يئسوا منه أن يبطلوه وأن ترجعوا محللين لهذه الخبائث بعد ما حرّمت عليكم. 
وقيل : يئسوا من دينكم أن يغلبوه ؛ لأن الله عزّ وجلّ وفىَّ بوعده من إظهاره على الدين كله  فَلاَ تَخْشَوْهُمْ  بعد إظهار الدين وزوال الخوف من الكفار وانقلابهم مغلوبين مقهورين بعدما كانوا غالبين  واخشونى  وأخلصوا لي الخشية  أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ  كفيتكم أمر عدوِّكم، وجعلت اليد العليا لكم، كما تقول الملوك : اليوم كمل لنا الملك وكمل لنا ما نريد، إذا كفوا من ينازعهم الملك ووصلوا إلى أغراضهم ومباغيهم. أو أكملت لكم ما تحتاجون إليه في تكليفكم من تعليم الحلال والحرام والتوقيف على الشرائع وقوانين القياس وأصول الاجتهاد  وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِى  بفتح مكة ودخولها آمنين ظاهرين، وهدم منار الجاهلية ومناسكهم وأنَّ لم يحجّ معكم مشرك، ولم يطف بالبيت عريان. أو أتمتت نعمتي عليكم بإكمال أمر الدين والشرائع كأنه قال : اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي بذلك، لأنه لا نعمة أتمّ من نعمة الإسلام  وَرَضِيتُ لَكُمُ الإسلام دِيناً  يعني اخترته لكم من بين الأديان، وآذنتكم بأنه هو الدين المرضي وحده  وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإسلام دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ  \[ آل عمران : ٨٥ \]،  إِنَّ هذه أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً  \[ الأنبياء : ٩٢ \]. 
فإن قلت : بم اتصل قوله : فَمَنِ اضطر  ؟ قلت : بذكر المحرّمات. وقوله : ذلكم فِسْقٌ  اعتراض أكد به معنى التحريم، وكذلك ما بعده ؛ لأن تحريم هذه الخبائث من جملة الدين الكامل والنعمة التامة والإسلام المنعوت بالرضا دون غيره من الملل. ومعناه : فمن اضطرّ إلى الميتة أو إلى غيرها  فِى مَخْمَصَةٍ  في مجاعة  غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لإِثْمٍ  غير منحرف إليه، كقولِهِ : غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ  \[ البقرة : ١٧٣ \].  فَإِنَّ الله غَفُورٌ  لا يؤاخذه بذلك.

### الآية 5:4

> ﻿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ ۖ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ ۙ وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ ۖ فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ ۖ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۚ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ [5:4]

في السؤال معنى القول، فلذلك وقع بعده  مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ  كأنه قيل : يقولون لك ماذا أحلّ لهم. وإنما لم يقل : ماذا أحلّ لنا، حكاية لما قالوه لأنّ يسألونك بلفظ الغيبة، كما تقول أقسم زيد ليفعلنّ. ولو قيل : لأفعلنّ وأُحلّ لنا، لكان صواباً. و ( ماذا ) مبتدأ، و ( أحلّ لهم ) خبره كقولك : أي شيء أحلّ لهم ؟ ومعناه : ماذا أحلّ لهم من المطاعم كأنهم حين تلا عليهم ما حرّم عليهم من خبيثات المآكل سألوا عما أحلّ لهم منها، فقيل : أُحِلَّ لَكُمُ الطيبات  أي ما ليس بخبيث منها، وهو كل ما لم يأت تحريمه في كتاب أو سنة أو قياس مجتهد.  وَمَا عَلَّمْتُمْ مّنَ الجوارح  عطف على الطيبات أي أحلّ لكم الطيبات وصيد ما علمتم فحذف المضاف. أو تجعل ( ما ) شرطية، وجوابها ( فكلوا ) والجوارح : الكواسب من سباع البهائم والطير، كالكلب والفهد والنمر والعقاب والصقر والبازي والشاهين. والمكلب : مؤدّب الجوارح ومضريها بالصيد لصاحبها، ورائضها لذلك بما علم من الحيل وطرق التأديب والتثقيف، واشتقاقه من الكلب، لأنّ التأديب أكثر ما يكون في الكلاب فاشتقّ من لفظه لكثرته من جنسه. أو لأن السبع يسمى كلباً. ومنه قوله عليه السلام :" اللَّهم سلط عليه كلباً من كلابك " فأكله الأسد. أو من الكلب الذي هو بمعنى الضراوة. يقال : هو كلب بكذا، إذا كان ضارياً به. وانتصاب  مُكَلّبِينَ  على الحال من علمتم. 
فإن قلت : ما فائدة هذه الحال وقد استغنى عنها بعلمتم ؟ قلت : فائدتها أن يكون من يعلم الجوارح نحريراً في علمه مدرّباً فيه، موصوفاً بالتكليب. و  تُعَلّمُونَهُنَّ  حال ثانية أو استئناف. وفيه فائدة جليلة، وهي أن على كلّ آخذ علماً أن لا يأخذهُ إلا من أقتل أهله علماً وأنحرهم دراية وأغوصهم على لطائفه وحقائقه، وإن احتاج إلى أن يضرب إليه أكباد الإبل، فكم من آخذ عن غير متقن، قد ضيع أيامه وعضّ عند لقاء النحارير أنامله  مِمَّا عَلَّمَكُمُ الله  من علم التكليب، لأنه إلهام من الله ومكتسب بالعقل. أو مما عرَّفكم أن تعلموه من اتباع الصيد بإرسال صاحبه، وانزجاره بزجره. وانصرافه بدعائه، وإمساك الصيد عليه وأن لا يأكل منه. وقرىء :**«مكلبين »** بالتخفيف. وأفعل وفعل يشتركان كثيراً. والإمساك على صاحبه أن لا يأكل منه، لقوله عليه السلام لعديِّ بن حاتم :" وإن أكل منه فلا تأكل إنما أمسك على نفسه " وعن علي رضي الله عنه : إذا أكل البازي فلا تأكل. وفرق العلماء، فاشترطوا في سباع البهائم ترك الأكل لأنها تؤدّب بالضرب، ولم يشترطوه في سباع الطير. ومنهم من لم يعتبر ترك الأكل أصلاً ولم يفرق بين إمساك الكل والبعض. وعن سلمان، وسعد بن أبي وقاص، وأبي هريرة رضي الله عنهم : إذا أكل الكلب ثلثيه وبقي ثلثه وذكرت اسم الله عليه فكل. 
فإن قلت : إلام رجع الضمير في قوله : واذكروا اسم الله عَلَيْهِ  ؟ قلت : إمَّا أن يرجع إلى ما أمسكن على معنى وسموا عليه إذا أدركتم ذكاته، أو إلى ما علمتم من الجوارح. أي سموا عليه عند إرساله.

### الآية 5:5

> ﻿الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ ۖ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ ۖ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلَا مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ ۗ وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ [5:5]

وَطَعَامُ الذين أُوتُواْ الكتاب  قيل : هو ذبائحهم. وقيل : هو جميع مطاعمهم. ويستوي في ذلك جميع النصارى. وعن علي رضي الله عنه : أنه استثنى نصارى بني تغلب وقال : ليسوا على النصرانية ولم يأخذوا منها إلا شرب الخمر، وبه أخذ الشافعي. وعن ابن عباس أنه سئل عن ذبائح نصارى العرب فقال : لا بأس. وهو قول عامة التابعين، وبه أخذ أبو حنيفة وأصحابه. وحكم الصابئين حكم أهل الكتاب عند أبي حنيفة. وقال صاحباه : هم صنفان : صنف يقرؤن الزبور ويعبدون الملائكة. وصنف لا يقرؤن كتاباً ويعبدون النجوم ؛ فهؤلاء ليسوا من أهل الكتاب. وأما المجوس فقد سنّ بهم سنّة أهل الكتاب في أخذ الجزية منهم دون أكل ذبائحهم ونكاح نسائهم. وقد وري عن أبي المسيب أنه قال : إذا كان المسلم مريضاً فأمر المجوسي أن يذكر اسم الله ويذبح فلا بأس. وقال أبو ثور : وإن أمره بذلك في الصحة فلا بأس وقد أساء  وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَّهُمْ  فلا عليكم أن تطعموهم، لأنه لو كان حراماً عليهم طعام المؤمنين لما ساغ لهم إطعامهم  والمحصنات  الحرائر أو العفائف وتخصيصهن بعث على تخير المؤمنين لنطفهم والإماء من المسلمات يصحّ نكاحهنّ بالاتفاق، وكذلك نكاح غير العفائف منهن، وأما الإماء الكتابيات، فعند أبي حنيفة : هنَّ كالمسلمات، وخالفه الشافعي، وكان ابن عمر لا يرى نكاح الكتابيات، ويحتج بقوله : وَلاَ تَنْكِحُواْ المشركات حتى يُؤْمِنَّ  \[ البقرة : ٢٢١ \] ويقول : لا أعلم شركاً أعظم من قولها : إن ربها عيسى. وعن عطاء : قد أكثر الله المسلمات، وإنّما رخص لهم يومئذ  مُّحْصِنِينَ  أعفاء  وَلاَ مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ  صدائق، والخدن يقع على الذكر والأنثى  وَمَن يَكْفُرْ بالإيمان  بشرائع الإسلام وما أحلّ الله وحرّم.

### الآية 5:6

> ﻿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ ۚ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا ۚ وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَىٰ أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ ۚ مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَٰكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ [5:6]

إذا قمتم إلى الصلاة  كقوله : فَإِذَا قَرَأْتَ القرءان فاستعذ بالله  \[ النحل : ٩٨ \] وكقولك : إذا ضربت غلامك فهوّن عليه، في أن المراد إرادة الفعل. 
فإن قلت : لم جاز أن يعبر عن إرادة الفعل بالفعل ؟ قلت : لأن الفعل يوجد بقدرة الفاعل عليه وإرادته له وهو قصده إليه وميله وخلوص داعيه، فكما عبر عن القدرة عن الفعل بالفعل في قولهم : الإنسان لا يطير، والأعمى لا يبصر، أي لا يقدران على الطيران والإبصار. ومنه قوله تعالى : نُّعِيدُهُ وَعْداً عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فاعلين  \[ الأنبياء : ١٠٤ \] يعني إنا كنا قادرين على الإعادة، كذلك عبر عن إرادة الفعل بالفعل، وذلك لأنّ الفعل مسبب عن القدرة والإرادة، فأقيم المسبب مقام السبب للملابسة بينهما، ولإيجاز الكلام ونحوه من إقامة المسبب مقام السبب قولهم : كما تدين تدان، إن عبر عن الفعل المبتدأ الذي هو سبب الجزاء بلفظ الجزاء الذي هو مسبب عنه. وقيل : معنى قمتم إلى الصلاة قصدتموها ؛ لأنّ من توجّه إلى شيء وقام إليه كان قاصداً له لا محالة، فعبَّر عن القصد له بالقيام إليه. 
فإن قلت : ظاهر الآية يوجب الوضوء على كل قائم إلى الصَّلاة محدث وغير محدّث، فما وجهه ؟ قلت : يحتمل أن يكون الأمر للوجوب، فيكون الخطاب للمحدثين خاصة، وأن يكون للندب. وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم والخلفاء بعده أنهم كانوا يتوضئون لكل صلاة. وعن النبي صلى الله عليه وسلم :**« من توضأ على طهر كتب الله له عشر حسنات »** وعنه عليه السلام :**« أنه كان يتوضأ لكل صلاة، فلما كان يوم الفتح مسح على خفيه وصلى الصلوات الخمس بوضوء واحد »**، فقال له عمر : صنعت شيئاً لم تكن تصنعه فقال :**« عمداً فعلته يا عمر »** يعني بياناً للجواز ؟
فإن قلت : هل يجوز أن يكون الأمر شاملاً للمحدثين وغيرهم لهؤلاء على وجه الإيجاب، ولهؤلاء على وجه الندب. قلت : لا، لأنَّ تناول الكلمة لمعنيين مختلفين من باب الإلغاز والتعمية. وقيل : كان الوضوء لكل صلاة واجباً أوّل ما فرض. ثم نسخ ( إلى ) تفيد معنى الغاية مطلقاً. فأمَّا دخولها في الحكم وخروجها، فأمر يدور مع الدليل، فمما فيه دليل على الخروج قوله : فَنَظِرَةٌ إلى مَيْسَرَةٍ  \[ البقرة : ٢٨٠ \] لأن الإعسار علة الإنذار. وبوجود الميسرة تزول العلة، ولو دخلت الميسرة فيه لكان مُنظراً في كلتا الحالتين معسراً وموسراً. وكذلك : ثُمَّ أَتِمُّواْ الصيام إِلَى اليل  \[ البقرة : ١٨٧ \] لو دخل الليل لوجب الوصال. ومما فيه دليل على أن الدخول قولك : حفظت القرآن من أوله إلى آخره لأنّ الكلام مسوق لحفظ القرآن كله. ومنه قوله تعالى : مّنَ المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى  \[ الإسراء : ١ \] لوقوع العلم بأنه لا يسرى به إلى بيت المقدس من غير أن يدخله. 
وقوله : إِلَى المرافق  و  إِلَى الكعبين  لا دليل فيه على أحد الأمرين فأخذ كافة العلماء بالاحتياط فحكموا بدخولها في الغسل. وأخذ زفر وداود بالمتيقن فلم يدخلاها. وعن النبي صلى الله عليه وسلم :" أنه كان يدير الماء على مرفقيه "  وامسحوا بِرُؤُوسِكُمْ  المراد إلصاق المسح بالرأس. وماسح بعضه ومستوعبه بالمسح، كلاهما ملصق للمسح برأسه. فقد أخذ مالك بالاحتياط فأوجب الاستيعاب أو أكثره على اختلاف الرواية، وأخذ الشافعي باليقين فأوجب أقل ما يقع عليه اسم المسح وأخذ أبو حنيفة ببيان رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو ما روي : أنه مسح على ناصيته. وقدر الناصية بربع الرأس. قرأ جماعة **«وأرجلكم »** بالنصب، فدل على أن الأرجل مغسولة
فإن قلت : فما تصنع بقراءة الجر ودخولها في حكم المسح ؟ قلت : الأرجل من بين الأعضاء الثلاثة المغسولة تغسل بصب الماء عليها، فكانت مظنة للإسراف المذموم المنهي عنه، فعطفت على الثالث الممسوح لا لتمسح، ولكن لينبه على وجوب الاقتصاد في صبّ الماء عليها. وقيل : إِلَى الكعبين  فجيء بالغاية إماطة لظنّ ظانّ يحسبها ممسوحة، لأن المسح لم تضرب له غاية في الشريعة. وعن علي رضي الله عنه : أنه أشرف على فتية من قريش فرأى في وضوئهم تجوزاً، فقال : ويل للأعقاب من النار، فلما سمعوا جعلوا يغسلونها غسلاً ويدلكونها دلكاً. وعن ابن عمر : كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فتوضأ قوم وأعقابهم بيض تلوح فقال :" ويل للأعقاب من النار " وفي رواية جابر :" ويل للعراقيب " وعن عمر أنه رأى رجلاً يتوضأ فترك باطن قدميه، فأمره أن يعيد الوضوء، وذلك للتغليظ عليه، وعن عائشة رضي الله عنها لأن تقطعا أحب إليّ من أن أمسح على القدمين بغير خفين. وعن عطاء : والله ما علمت أن أحداً من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم مسح على القدمين. وقد ذهب بعض الناس إلى ظاهر العطف فأوجب المسح. وعن الحسن : أنه جمع بين الأمرين. وعن الشعبي : نزل القرآن بالمسح والغسل سنة. وقرأ الحسن : وأرجلكم، بالرفع بمعنى وأرجلكم مغسولة أو ممسوحة إلى الكعبين. وقرئ :**«فاطهروا »** أي فطهروا أبدانكم، وكذلك ليطهركم. وفي قراءة عبد الله :**«فأموا صعيداً »**  مَا يُرِيدُ الله لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مّنْ حَرَجٍ  في باب الطهارة، حتى لا يرخص لكم في التيمم  ولكن يُرِيدُ لِيُطَهّرَكُمْ  بالتراب إذا أعوزكم التطهر بالماء  وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ  وليتمّ برخصه إنعامه عليكم بعزائمه  لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ  نعمته فيثيبكم.

### الآية 5:7

> ﻿وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمِيثَاقَهُ الَّذِي وَاثَقَكُمْ بِهِ إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا ۖ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ [5:7]

واذكروا نِعْمَةَ الله عَلَيْكُمْ  وهي نعمة الإسلام  وميثاقه الذى وَاثَقَكُم بِهِ  أي عاقدكم به عقداً وثيقاً هو الميثاق الذي أخذه على المسلمين حين بايعهم رسول الله صلى الله عليه وسلم على السمع والطاعة في حال اليسر والعسر والمنشط والمكره فقبلوا وقالوا : سمعنا وأطعنا. وقيل : هو الميثاق ليلة العقبة وفي بيعة الرضوان.

### الآية 5:8

> ﻿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ ۖ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُوا ۚ اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ ۖ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۚ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ [5:8]

عدّى  يَجْرِمَنَّكُمْ  بحرف الاستعلاء مضمناً معنى فعل يتعدّى به، كأنه قيل : ولا يحملنكم. ويجوز أن يكون قوله : أَن تَعْتَدُواْ  بمعنى على أن تعتدوا، فحذف مع أن ونحوه قوله عليه السلام :**« من اتبع على ملىء فليتبع »** أنه بمعنى أحيل. وقرئ : شَنَآنُ  بالسكون. ونظيره في المصادر ( ليان ) والمعنى : لا يحملنكم بغضكم للمشركين على أن تتركوا العدل فتعتدوا عليهم بأن تنتصروا منهم وتتشفوا بما في قلوبكم من الضغائن بارتكاب ما لا يحل لكم من مثلة أو قذف أو قتل أولاد أو نساء أو نقض عهد أو ما أشبه ذلك  اعدلوا هُوَ أَقْرَبُ للتقوى  نهاهم أولاً أن تحملهم البغضاء على ترك العدل، ثم استأنف فصرّح لهم بالأمر بالعدل تأكيداً وتشديداً، ثم استأنف فذكر لهم وجه الأمر بالعدل وهو قوله : هُوَ أَقْرَبُ للتقوى  أي العدل أقرب إلى التقوى، وأدخل في مناسبتها. أو أقرب إلى التقوى لكونه لطفاً فيها. وفيه تنبيه عظيم على أن وجود العدل مع الكفار الذين هم أعداء الله إذا كان بهذه الصفة من القوة، فما الظنّ بوجوبه مع المؤمنين الذين هم أولياؤه وأحباؤه ؟

### الآية 5:9

> ﻿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ۙ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ [5:9]

لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ  بيان للوعد بعد تمام الكلام قبله، كأنه قال : قدّم لهم وعداً فقيل : أي شيء وعده لهم ؟ فقيل : لهم مغفرة وأجر عظيم. أو يكون على إرادة القول بمعنى وعدهم وقال لهم مغفرة. أو على إجراء وعد مجرى قال : لأنه ضرب من القول. أو يجعل واقعاً على الجملة التي هي لهم مغفرة، كما وقع ( تركنا ) على قوله : سلام على نُوحٍ  \[ الصافات : ١١٩ \] كأنه قيل : وعدهم هذا القول وإذا وعدهم من لا يخلف الميعاد هذا القول، فقد وعدهم مضمونه من المغفرة والأجر العظيم. وهذا القول يتلقون به عند الموت ويوم القيامة، فيسرون به ويستروحون إليه ويهوّن عليهم السكرات والأهوال قبل الوصول إلى الثواب.

### الآية 5:10

> ﻿وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَٰئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ [5:10]

فطهروا أبدانكم، وكذلك ليطهركم. وفي قراءة عبد اللَّه: فأمّوا صعيداً ما يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ في باب الطهارة، حتى لا يرخص لكم في التيمم وَلكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ بالتراب إذا أعوزكم التطهر بالماء وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ وليتمّ برخصه إنعامه عليكم بعزائمه لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ نعمته فيثيبكم.
 \[سورة المائدة (٥) : آية ٧\]
 وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمِيثاقَهُ الَّذِي واثَقَكُمْ بِهِ إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنا وَأَطَعْنا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ (٧)
 وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وهي نعمة الإسلام وَمِيثاقَهُ الَّذِي واثَقَكُمْ بِهِ أى عاقدكم به عقداً وثيقاً هو الميثاق الذي أخذه على المسلمين حين بايعهم رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم على السمع والطاعة في حال اليسر والعسر والمنشط والمكره فقبلوا وقالوا: سمعنا وأطعنا. وقيل: هو الميثاق ليلة العقبة وفي بيعة الرضوان.
 \[سورة المائدة (٥) : الآيات ٨ الى ١٠\]
 يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَداءَ بِالْقِسْطِ وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلى أَلاَّ تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ (٨) وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ (٩) وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَحِيمِ (١٠)
 عدّى يَجْرِمَنَّكُمْ بحرف الاستعلاء مضمنا معنى فعل يتعدّى به، كأنه قيل: ولا يحملنكم. ويجوز أن يكون قوله: (أَنْ تَعْتَدُوا) بمعنى على أن تعتدوا، فحذف مع أن ونحوه قوله عليه السلام:
 **«من اتبع على مليء فليتبع «١»** » لأنه بمعنى أحيل. وقرئ (شَنَآنُ بالسكون. ونظيره في المصادر **«ليان»** والمعنى: لا يحملنكم بغضكم للمشركين على أن تتركوا العدل فتعتدوا عليهم بأن تنتصروا منهم وتتشفوا بما **«٢»** في قلوبكم من الضغائن بارتكاب ما لا يحل لكم من مثلة أو قذف أو قتل أولاد أو نساء أو نقض عهد أو ما أشبه ذلك اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوى نهاهم أوّلا أن تحملهم البغضاء

 (١). متفق عليه من حديث الأعرج عن أبى هريرة بلفظ **«وإذا اتبع أحدكم على مليء فليتبع»** وفي رواية لأحمد **«وإذا أحيل أحدكم على مليء فليحتل»** وبهذا اللفظ أخرجه البزار من حديث ابن عمر رضى اللَّه عنهما. [.....]
 (٢). قوله **«وتتشفوا بما في قلوبكم»** لعله مما. (ع)

### الآية 5:11

> ﻿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ ۖ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۚ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ [5:11]

روي : أن المشركين رأوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه قاموا إلى صلاة الظهر يصلون معاً، وذلك بعسفان في غزوة ذي أنمار. فلما صلوا ندموا أن لا كانوا أكبوا عليهم، فقالوا : إنّ لهم بعدها صلاة هي أحب إليهم من آبائهم وأبنائهم، يعنون صلاة العصر وهموا بأن يوقعوا بهم إذا قاموا إليها. فنزل جبريل بصلاة الخوف. وروي : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتى بني قريظة ومعه الشيخان وعليّ رضي الله عنهم يستقرضهم دية مسلمين قتلهما عمرو بن أمية الضمري خطأ يحسبهما مشركين. فقالوا : نعم يا أبا القاسم، اجلس حتى نطعمك ونقرضك، فأجلسوه في صفة وهموا بالفتك به، وعمد عمرو بن جحاش إلى رحا عظيمة يطرحها عليه، فأمسك الله يده ونزل جبريل فأخبره، فخرج. وقيل : نزل منزلاً وتفرق الناس في العضاه يستظلون بها، فعلق رسول الله صلى الله عليه وسلم سلاحه بشجرة، فجاء أعرابي فسلّ سيف رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم أقبل عليه فقال : من يمنعك مني ؟ قال : الله، قالها ثلاثاً، فشام الأعرابي السيف فصاح رسول الله صلى الله عليه وسلم بأصحابه فأخبرهم، وأبى أن يعاقبه. يقال : بسط إليه لسانه إذا شتمه، وبسط إليه يده إذا بطش به **« وَيَبْسُطُواْ إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ وَأَلْسِنَتَهُمْ بالسوء »** \[ الممتحنة : ٢ \] ومعنى ( بسط اليد ) مدّها إلى المبطوش به. ألا ترى إلى قولهم : فلان بسيط الباع، ومديد الباع، بمعنى  فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنكُمْ  فمنعها أن تمدّ إليكم.

### الآية 5:12

> ﻿۞ وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا ۖ وَقَالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ ۖ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلَاةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكَاةَ وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَلَأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ۚ فَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَٰلِكَ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ [5:12]

لما استقر بنو إسرائيل بمصر بعد هلاك فرعون أمرهم الله بالمسير إلى أريحاء أرض الشام وكان يسكنها الكنعانيون الجبابرة، وقال لهم : إني كتبتها لكم داراً قراراً، فاخرجوا إليها وجاهدوا من فيها، وإني ناصركم، وأمر موسى عليه السلام بأن يأخذ من كل سبط نقيباً يكون كفيلاً على قومه بالوفاء بما أمروا به توثقة عليهم، فاختار النقباء وأخذ الميثاق على بني إسرائيل، وتكفل لهم به النقباء وسار بهم، فلما دنا من أرض كنعان بعث النقباء يتجسسون، فرأوا أجراماً عظيمة وقوّة وشوكة فهابوا ورجعوا وحدّثوا قومهم وقد نهاهم موسى عليه السلام أن يحدثوهم، فنكثوا الميثاق، إلا كالب بن يوفنا من سبط يهوذا، ويوشع بن نون من سبط أفراثيم بن يوسف، وكانا من النقباء. والنقيب : الذي ينقب عن أحوال القوم ويفتش عنها، كما قيل له : عريف، لأنه يتعرفها  إِنّى مَعَكُمْ  أي ناصركم ومعينكم  وعزرتموهم  نصرتموهم من أيدي العدوّ. ومنه التعزير، وهو التنكيل والمنع من معاودة الفساد. وقرىء بالتخفيف يقال : عزرت الرجل إذا حطته وكنفته. والتعزير والتأزير من واد واحد. ومنه : لأنصرنك نصراً مؤزراً، أي قوياً. وقيل معناه : ولقد أخذنا ميثاقهم بالإيمان والتوحيد وبعثنا منهم اثني عشر ملكاً يقيمون فيهم العدل ويأمرونهم بالمعروف وينهونهم عن المنكر. واللام في  لَئِنْ أَقَمْتُمُ  موطئة للقسم وفي  لأَكَفِّرَنَّ  جواب له، وهذا الجواب سادّ مسدّ جواب القسم والشرط جميعاً  بَعْدَ ذَلِكَ  بعد ذلك الشرط المؤكد المعلق بالوعد العظيم. 
فإن قلت : من كفر قبل ذلك أيضاً فقد ضلّ سواء السبيل. قلت : أجل، ولكن الضلال بعده أظهر وأعظم، لأنّ الكفر إنما عظم قبحه لعظم النعمة المكفورة، فإذازادت النعمة زاد قبح الكفر وتمادى.

### الآية 5:13

> ﻿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً ۖ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ ۙ وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ ۚ وَلَا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَىٰ خَائِنَةٍ مِنْهُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ ۖ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ [5:13]

لعناهم  طردناهم وأخرجناهم من رحمتنا. وقيل : مسخناهم. وقيل : ضربنا عليهم الجزية  وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قاسية  خذلناهم ومنعناهم الألطاف حتى قست قلوبهم. أو أملينا لهم ولم نعاجلهم بالعقوبة حتى قست. وقرأ عبد الله :**«قسيَّة »**، أي ردية مغشوشة، من قولهم : درهم قسيّ وهو من القسوة ؛ لأن الذهب والفضة الخالصين فيهما لين والمغشوش فيه يبس وصلابة، والقاسي والقاسح - بالحاء - أخوان في الدلالة على اليبس والصلابة وقرئ :**«قسية »**، بكسر القاف للإتباع  يُحَرّفُونَ الكلم  بيان لقسوة قلوبهم، لأنه لا قسوة أشدّ من الافتراء على الله وتغيير وحيه  وَنَسُواْ حَظَّا  وتركوا نصيباً جزيلاً وقسطاً وافياً  مّمَّا ذُكِرُواْ بِهِ  من التوراة، يعني أن تركهم وإعراضهم عن التوراة إغفال حظ عظيم، أو قست قلوبهم وفسدت فحرّفوا التوراة وزالت أشياء منها عن حفظهم. وعن ابن مسعود رضي الله عنه : قد ينسى المرء بعض العلم بالمعصية. وتلا هذه الآية. وقيل : تركوا نصيب أنفسهم مما أمروا به من الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم وبيان نعته  وَلاَ تَزَالُ تَطَّلِعُ  أي هذه عادتهم وهجيراهم وكان عليها أسلافهم كانوا يخونون الرسل وهؤلاء يخونونك ينكثون عهودك ويظاهرون المشركين على حربك ويهمون بالفتك بك وأن يسموك  على خَائِنَةٍ  على خيانة، أو على فعلة ذات خيانة، أو على نفس، أو فرقة خائنة. ويقال : رجل خائنة، كقولهم : رجل راوية للشعر للمبالغة. قال :حَدَّثْتَ نَفْسَكَ بِالْوَفَاءِ وَلَمْ تَكُن  لِلْغَدْرِ خَائِنَةً مَضَلَّ الأُصْبُعِوقرئ على خيانة  مّنْهُمْ إِلاَّ قَلِيلاً مّنْهُمُ  وهم الذين آمنوا منهم  فاعف عَنْهُمْ  بعث على مخالفتهم. وقيل هو منسوخ بآية السيف. وقيل : فاعف عن مؤمنيهم ولا تؤاخذهم بما سلف منهم.

### الآية 5:14

> ﻿وَمِنَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَىٰ أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَىٰ يَوْمِ الْقِيَامَةِ ۚ وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللَّهُ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ [5:14]

أَخَذْنَا ميثاقهم  أخذنا من النصارى ميثاق من ذكر قبلهم من قوم موسى، أي مثل ميثاقهم بالإيمان بالله والرسل وبأفعال الخير، وأخذنا من النصارى ميثاق أنفسهم بذلك. 
فإن قلت : فهلا قيل : من النصارى ؟ قلت : لأنهم إنما سموا أنفسهم بذلك ادعاء لنصرة الله، وهم الذين قالوا لعيسى : نحن أنصار الله، ثم اختلفوا بعد : نسطورية، ويعقوبية، وملكانية. أنصاراً للشيطان  فَأَغْرَيْنَا  فألصقنا وألزمنا من غري بالشيء إذا لزمه ولصق به وأغراه غيره. ومنه الغراء الذي يلصق به  بَيْنَهُمْ  بين فرق النصارى المختلفين. وقيل : بينهم وبين اليهود. ونحوه  وكذلك نُوَلّى بَعْضَ الظالمين بَعْضاً  \[ الأنعام : ١٢٩ \]،  أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ  \[ الأنعام : ٦٩ \].

### الآية 5:15

> ﻿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ ۚ قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ [5:15]

يا أَهْلَ الكتاب  خطاب لليهود والنصارى  مّمَّا كُنتُمْ تُخْفُونَ  من نحو صفة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومن نحو الرجم  وَيَعْفُواْ عَن كَثِيرٍ  مما تخفونه لا يبينه إذا لم تضطر إليه مصلحة دينية، ولم يكن فيه فائدة إلا اقتضاء حكم وصفته مما لا بدّ من بيانه، وكذلك الرجم وما فيه إحياء شريعة وإماتة بدعة. وعن الحسن : ويعفو عن كثير منكم لا يؤاخذه  قَدْ جَاءكُمْ مّنَ الله نُورٌ وكتاب مُّبِينٌ  يريد القرآن، لكشفه ظلمات الشرك والشك، لإبانته ما كان خافياً عن الناس من الحق. أو لأنّه ظاهر الإعجاز.

### الآية 5:16

> ﻿يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ [5:16]

مَنِ اتبع رِضْوَانَهُ  من آمن به  سُبُلَ السلام  طرق السلامة والنجاة من عذاب الله أو سبل الله.

### الآية 5:17

> ﻿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ ۚ قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ أَنْ يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ۗ وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا ۚ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ ۚ وَاللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [5:17]

قولهم : إِنَّ الله هُوَ المسيح  معناه بتّ القول، على أن حقيقة الله هو المسيح لا غير. قيل : كان في النصارى قوم يقولون ذلك. وقيل : ما صرّحوا به ولكن مذهبهم يؤدي إليه، حيث اعتقدوا أنه يخلق ويحيي ويميت ويدبر أمر العالم  فَمَن يَمْلِكُ مِنَ الله شَيْئاً  فمن يمنع من قدرته ومشيئته شيئاً  إِنْ أَرَادَ أَن يُهْلِكَ  من دعوه إلها من المسيح وأمّه دلالة على أن المسيح عبد مخلوق كسائر العباد. وأراد بعطف  مَن فِى الأرض  على ( المسيح وأمّه ) أنهما من جنسهم لا تفاوت بينهما وبينهم في البشرية  يَخْلُقُ مَا يَشَاء  أي يخلق من ذكر وأنثى ويخلق من أنثى من غير ذكر كما خلق عيسى، ويخلق من غير ذكر وأنثى كما خلق آدم. أو يخلق ما يشاء كخلق الطير على يد عيسى معجزة له، وكإحياء الموتى وإبراء الأكمه والأبرص، وغير ذلك. فيجب أن ينسب إليه ولا ينسب إلى البشر المجرى على يده.

### الآية 5:18

> ﻿وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَىٰ نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ ۚ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ ۖ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ ۚ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ ۚ وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا ۖ وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ [5:18]

أبناؤا الله  أشياع ابني الله عزير والمسيح، كما قيل لأشياع أبي خبيب وهو عبد الله بن الزبير ( الخبيبون ) وكما كان يقول رهط مسيلمة : نحن أنبياء الله. ويقول أقرباء الملك وذووه وحشمه : نحن الملوك. ولذلك قال مؤمن آل فرعون : لكم الملك اليوم  فَلِمَ يُعَذّبُكُم بِذُنُوبِكُم  فإن صحّ أنكم أبناء الله وأحباؤه فلم تذنبون وتعذبون بذنوبكم فتمسخون وتمسكم النار أياماً معدودات على زعمكم. ولو كنتم أبناء الله، لكنتم من جنس الأب، غير فاعلين للقبائح ولا مستوجبين للعقاب. ولو كنتم أحباءهُ، لما عصيتموه ولما عاقبكم  بَلْ أَنتُمْ بَشَرٌ  من جملة من خلق من البشر  يَغْفِرُ لِمَن يَشَاء  وهم أهل الطاعة  وَيُعَذّبُ مَن يَشَاء  وهم العصاة.

### الآية 5:19

> ﻿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلَىٰ فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ أَنْ تَقُولُوا مَا جَاءَنَا مِنْ بَشِيرٍ وَلَا نَذِيرٍ ۖ فَقَدْ جَاءَكُمْ بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ ۗ وَاللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [5:19]

يُبَيّنُ لَكُمْ  إما أن يقدّر المبين وهو الدين والشرائع، وحذفه لظهور ما ورد الرسول لتبيينه. أو يقدّر ما كنتم تخفون، وحذفه لتقدّم ذكره. أو لا يقدر ويكون المعنى. يبذل لكم البيان، ومحله النصب على الحال، أي مبيناً لكم.  على فَتْرَةٍ  متعلق بجاءكم، أي جاءكم على حين فتور من إرسال الرسل وانقطاع من الوحي  أَن تَقُولُواْ  كراهة أن تقولوا  فَقَدْ جَاءكُمُ  متعلق بمحذوف، أي لا تعتذروا فقد جاءكم. وقيل : كان بين عيسى ومحمد صلوات الله عليهما خمسمائة وستون سنة. وقيل : ستمائة. وقيل : أربعمائة ونيف وستون. وعن الكلبي : كان بين موسى وعيسى ألف وسبعمائة سنة وألف نبي وبين عيسى ومحمد صلوات الله عليهم أربعة أنبياء. ثلاث من بني إسرائيل، وواحد من العرب : خالد بن سنان العبسي. والمعنى : الامتنان عليهم، وأن الرسول بعث إليهم حين انطمست آثار الوحي أحوج ما يكون إليه، ليهشوا إليه ويعدّوه أعظم نعمة من الله، وفتح باب إلى الرحمة، وتلزمهم الحجة فلا يعتلوا غداً بأنه لم يرسل إليهم من ينبههم عن غفلتهم.

### الآية 5:20

> ﻿وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا وَآتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ [5:20]

جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاء  لأنه لم يبعث في أمّة ما بعث في بني إسرائيل من الأنبياء  وَجَعَلَكُمْ مُّلُوكاً  لأنه ملكهم بعد فرعون ملكه، وبعد الجبابرة ملكهم : ولأنّ الملوك تكاثروا فيهم تكاثر الأنبياء. وقيل : كانوا مملوكين في أيدي القبط فأنقذهم الله، فسمِّي إنقاذهم ملكاً. وقيل : الملك من له مسكن واسع فيه ماء جار. وقيل : من له بيت وخدم. وقيل : من له مال لا يحتاج معه إلى تكلّف الأعمال وتحمل المشاق  مَّا لَمْ يُؤْتِ أَحَداً مّن العالمين  من فلق البحر، وإغراق العدوّ، وتظليل الغمام، وإنزال المنّ والسلوى، وغير ذلك من الأمور العظام، وقيل : أراد عالمي زمانهم.

### الآية 5:21

> ﻿يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَرْتَدُّوا عَلَىٰ أَدْبَارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ [5:21]

الأَرْضَ المُقَدَّسَةَ  يعني أرض بيت المقدس. وقيل : الطور وما حوله. وقيل : الشام. وقيل : فلسطين ودمشق وبعض الأردن. وقيل : سمَّاها الله لإبراهيم ميراثاً لولده حين رفع على الجبل، فقيل له : انظر، فلك ما أدرك بصرك، وكان بيت المقدس قرار الأنبياء ومسكن المؤمنين  كَتَبَ الله لَكُمْ  قسمها لكم وسماها، أو خط في اللوح المحفوظ أنها لكم  وَلاَ تَرْتَدُّوا على أدباركم  ولا تنكصوا على أعقابكم مدبرين من خوف الجبابرة جبناً وهلعاً، وقيل : لما حدثهم النقباء بحال الجبابرة رفعوا أصواتهم بالبكاء وقالوا : ليتنا متنا بمصر. وقالوا : تعالوا نجعل علينا رأساً ينصرف بنا إلى مصر. ويجوز أن يراد : لا ترتدوا على أدباركم في دينكم بمخالفتكم أمر ربكم وعصيانكم نبيكم : فترجعوا خاسرين ثواب الدنيا والآخرة. الجبار ( فعال ) من جبره على الأمر بمعنى أجبره عليه وهو العاتي الذي يجبر الناس على ما يريد.

### الآية 5:22

> ﻿قَالُوا يَا مُوسَىٰ إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا حَتَّىٰ يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ [5:22]

لتبيينه. أو يقدّر ما كنتم تخفون، وحذفه لتقدّم ذكره. أو لا يقدر ويكون المعنى. يبذل لكم البيان، ومحله النصب على الحال، أى مبيناً لكم. وعَلى فَتْرَةٍ متعلق بجاءكم، أى جاءكم على حين فتور من إرسال الرسل وانقطاع من الوحى أَنْ تَقُولُوا كراهة أن تقولوا فَقَدْ جاءَكُمْ متعلق بمحذوف، أى لا تعتذروا فقد جاءكم. وقيل: كان بين عيسى ومحمد صلوات اللَّه عليهما خمسمائة وستون سنة. وقيل: ستمائة. وقيل: أربعمائة ونيف وستون. وعن الكلبي: كان بين موسى وعيسى ألف وسبعمائة سنة وألف نبى وبين عيسى ومحمد صلوات اللَّه عليهم أربعة أنبياء.
 ثلاث من بنى إسرائيل، وواحد من العرب: خالد بن سنان العبسي. والمعنى: الامتنان عليهم، وأن الرسول بعث إليهم حين انطمست آثار الوحى أحوج ما يكون إليه، ليهشوا إليه ويعدّوه أعظم نعمة من اللَّه، وفتح باب إلى الرحمة، وتلزمهم الحجة فلا يعتلوا غداً بأنه لم يرسل إليهم من ينبههم عن غفلتهم.
 \[سورة المائدة (٥) : الآيات ٢٠ الى ٢٤\]
 وَإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ يا قَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِياءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكاً وَآتاكُمْ ما لَمْ يُؤْتِ أَحَداً مِنَ الْعالَمِينَ (٢٠) يا قَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَلا تَرْتَدُّوا عَلى أَدْبارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خاسِرِينَ (٢١) قالُوا يا مُوسى إِنَّ فِيها قَوْماً جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَها حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْها فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْها فَإِنَّا داخِلُونَ (٢٢) قالَ رَجُلانِ مِنَ الَّذِينَ يَخافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبابَ فَإِذا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غالِبُونَ وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٢٣) قالُوا يا مُوسى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَها أَبَداً ما دامُوا فِيها فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقاتِلا إِنَّا هاهُنا قاعِدُونَ (٢٤)
 جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِياءَ لأنه لم يبعث في أمّة ما بعث في بنى إسرائيل من الأنبياء **«١»**

 (١). قال محمود: **«لم يبعث في أمة ما بعث في بنى إسرائيل من الأنبياء... الخ»** قال أحمد: والحامل على تفسير الملك بهذه التفاسير أن اللَّه تعالى أنبأ في ظاهر الكلام أنه جعل الجميع ملوكا بقوله: (وَجَعَلَكُمْ مُلُوكاً) ولم يقل (وجعل فيكم ملوكا) كما قال: (جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِياءَ) فلما عمم الملك فيهم، ولا شك أن الملك- المعهود هو الاستيلاء العام- لم يثبت لكل أحد منهم، فيتعين حمل الملك على ما كان ثابتا لجميعهم أو لأكثرهم من الأبعاض المذكورة.
 هذا هو الباعث على تفسير الملك بذلك، واللَّه أعلم. وهذا المعنى وإن لم يثبت لكل واحد منهم إلا أنه كان ثابتا لملوكهم وهم منهم، إذ إسرائيل لأب الأقرب يجمعهم، فلما كانت ملوكهم منهم وهم أقرباؤهم وأشياعهم وملتبسون بهم، جاز الامتنان عليهم بهذه الصنيعة، والمعنى مفهوم. وهذا بعينه هو التقرير السالف آنفا في قول اليهود والنصارى (نَحْنُ أَبْناءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ) وما بالعهد من قدم. فان قلت: فلم لم يقل إذ جعلكم أنبياء لأن الأنبياء منهم كما قلت في الملوك؟ قلت: النبوة مزية غير الملك. وآحاد الناس يشارك الملك في كثير مما به صار الملك ملكا، ولا كذلك النبوة فان درجتها أرفع من أن يشرك من لم تثبت له مع الثابتة نبوته في مزيتها وخصوصيتها ونعتها، فهذا هو سر تمييز الأنبياء وتعميم الملوك، واللَّه أعلم. [.....]

(وَجَعَلَكُمْ مُلُوكاً لأنه ملكهم بعد فرعون ملكه، وبعد الجبابرة ملكهم ولأنّ الملوك تكاثروا فيهم تكاثر الأنبياء. وقيل: كانوا مملوكين في أيدى القبط فأنقذهم اللَّه، فسمى إنقاذهم ملكا. وقيل:
 الملك من له مسكن واسع فيه ماء جار. وقيل: من له بيت وخدم. وقيل: من له مال لا يحتاج معه إلى تكلف الأعمال وتحمل المشاق ما لَمْ يُؤْتِ أَحَداً مِنَ الْعالَمِينَ من فلق البحر، وإغراق العدوّ، وتظليل الغمام، وإنزال المنّ والسلوى، وغير ذلك من الأمور العظام، وقيل: أراد عالمى زمانهم الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ يعنى أرض بيت المقدس. وقيل: الطور وما حوله. وقيل:
 الشام. وقيل: فلسطين ودمشق وبعض الأردن. وقيل: سماها اللَّه لإبراهيم ميراثا لولده حين رفع على الجبل، فقيل له. انظر، فلك ما أدرك بصرك، وكان بيت المقدس قرار الأنبياء ومسكن المؤمنين كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ قسمها لكم وسماها، أو خط في اللوح المحفوظ أنها لكم وَلا تَرْتَدُّوا عَلى أَدْبارِكُمْ ولا تنكصوا على أعقابكم مدبرين من خوف الجبابرة جبناً وهلعاً، وقيل: لما حدثهم النقباء بحال الجبابرة رفعوا أصواتهم بالبكاء وقالوا: ليتنا متنا بمصر. وقالوا: تعالوا نجعل علينا رأساً ينصرف بنا إلى مصر. ويجوز أن يراد:
 لا ترتدوا على أدباركم في دينكم بمخالفتكم أمر ربكم وعصيانكم نبيكم: فترجعوا خاسرين ثواب الدنيا والآخرة. الجبار **«فعال»** من جبره على الأمر بمعنى أجبره عليه وهو العاتي الذي يجبر الناس على ما يريد قالَ رَجُلانِ هما كالب ويوشع مِنَ الَّذِينَ يَخافُونَ من الذين يخافون اللَّه ويخشونه، كأنه قيل: رجلان من المتقين. ويجوز أن تكون الواو لبنى إسرائيل والراجع إلى الموصول محذوف تقديره: من الذين يخافهم بنو إسرائيل وهم الجبارون، وهما رجلان منهم أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا بالإيمان فآمنا، قالا لهم: إن العمالقة أجسام لا قلوب فيها، فلا تخافوهم وازحفوا إليهم فإنكم غالبوهم، يشجعانهم على قتالهم.: وقراءة من قرأ: يخافون، بالضم شاهدة له: وكذلك أنعم اللَّه عليهما، كأنه قيل: من الخوفين. وقيل: هو من الإخافة، ومعناه من الذين يخوفون من اللَّه بالتذكرة والموعظة. أو يخوّفهم وعيد اللَّه بالعقاب. فإن قلت: ما محل أنعم اللَّه عليهما؟ قلت: إن انتظم مع قوله **«من الذين يخافون»** في حكم الوصف لرجلان فمرفوع.

### الآية 5:23

> ﻿قَالَ رَجُلَانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ ۚ وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ [5:23]

قَالَ رَجُلاَنِ  هما كالب ويوشع  مِنَ الذين يَخَافُونَ  من الذين يخافون الله ويخشونه، كأنه قيل : رجلان من المتقين. ويجوز أن تكون الواو لبني إسرائيل والراجع إلى الموصول محذوف تقديره : من الذين يخافهم بنو إسرائيل وهم الجبارون، وهما رجلان منهم  أَنْعَمَ الله عَلَيْهِمَا  بالإيمان فآمنا، قالا لهم : إن العمالقة أجسام لا قلوب فيها، فلا تخافوهم وازحفوا إليهم فإنكم غالبوهم يشجعانهم على قتالهم. وقراءة من قرأ :**«يخافون »** بالضم شاهدة له، وكذلك أنعم الله عليهما، كأنه قيل : من المخوفين. وقيل : هو من الإخافة، ومعناه من الذين يخوفون من الله بالتذكرة والموعظة. أو يخوّفهم وعيد الله بالعقاب. 
فإن قلت : ما محل ( أنعم الله عليهما ) ؟ قلت : إن انتظم مع قوله :( من الذين يخافون ) في حكم الوصف لرجلان فمرفوع، وإن جعل كلاماً معترضاً فلا محلّ له. 
فإن قلت : من أين علما أنهم غالبون ؟ قلت : من جهة إخبار موسى بذلك. وقوله تعالى : كَتَبَ الله لَكُمْ  وقيل : من جهة غلبة الظن وما تبينا من عادة الله في نصرة رسله، وما عهدا من صنع الله لموسى في قهر أعدائه، وما عرفا من حال الجبابرة.

### الآية 5:24

> ﻿قَالُوا يَا مُوسَىٰ إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَدًا مَا دَامُوا فِيهَا ۖ فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ [5:24]

والباب : باب قريتهم  لَنْ نَّدْخُلَهَا  نفي لدخولهم في المستقبل على وجه التأكيد المؤيس. و  أَبَدًا  تعليق للنفي المؤكد بالدهر المتطاول. و  مَّا دَامُواْ فِيهَا  بيان للأبد  فاذهب أَنتَ وَرَبُّكَ  يحتمل أن لا يقصدوا حقيقة الذهاب، ولكن كما تقول : كلمته فدهب يجيبني، تريد معنى الإرادة والقصد للجواب، كأنهم قالوا : أريد قتالهم. والظاهر أنهم قالوا ذلك استهانة بالله ورسوله وقلة مبالاة بهما واستهزاء، وقصدوا ذهابهما حقيقة بجهلهم وجفاهم وقسوة قلوبهم التي عبدوا بها العجل وسألوا بها رؤية الله عزّ وجلّ جهرة. والدليل عليه مقابلة ذهابهما بقعودهم ويحكى أنّ موسى وهارون عليهما السلام خرَّا لوجوههما قدَّامهم لشدة ما ورد عليهما، فهموا برجمهما. ولأمر مّا قرن الله اليهود بالمشركين وقدمهم عليهم في قوله تعالى : لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ الناس عَدَاوَةً لّلَّذِينَ ءامَنُواْ اليهود والذين أَشْرَكُواْ  \[ المائدة : ٨٢ \].

### الآية 5:25

> ﻿قَالَ رَبِّ إِنِّي لَا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَأَخِي ۖ فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ [5:25]

لما عصوه وتمرّدوا عليه وخالفوه وقالوا ما قالوا من كلمة الكفر ولم يبق معه مطيع موافق يثق له إلا هارون  قَالَ رَبّ إِنّى لا أَمْلِكُ  لنصرة دينك  إِلاَّ نَفْسِى وَأَخِى  وهذا من البث والحزن والشكوى إلى الله والحسرة ورقة القلب التي بمثلها تستجلب الرحمة وتستنزل النصرة ونحوه قول يعقوب عليه السلام  إِنَّمَا أَشْكُو بَثّى وحزني إِلَى الله  \[ يوسف : ٨٦ \]. وعن عليّ رضي الله عنه أنه كان يدعو الناس على منبر الكوفة إلى قتال البغاة، فما أجابه إلا رجلان فتنفس الصعداء. ودعا لهما وقال : أين تقعان مما أريد ؟ وذكر في إعراب ( أخي ) وجوه : أن يكون منصوباً عطفاً على نفسي أو على الضمير في ( إني ) بمعنى : ولا أملك إلا نفسي وإن أخي لا يملك إلا نفسه. ومرفوعا عطفاً على محل إن واسمها. كأنه قيل : أنا لا أملك إلا نفسي، وهارون كذلك لا يملك إلا نفسه أو على الضمير في لا أملك. وجاز للفصل. مجروراً عطفاً على الضمير في نفسي، وهو ضعيف لقبح العطف على ضمير المجرور إلا بتكرير الجار. 
فإن قلت : أما كان معه الرجلان المذكوران ؟ قلت : كأنه لم يثق بهما كل الوثوق ولم يطمئن إلى ثباتهما، لما ذاق على طول الزمان واتصال الصحبة من أحوال قومه وتلونهم وقسوة قلوبهم، فلم يذكر إلا النبي المعصوم الذي لا شبهة في أمره، ويجوز أن يقول ذلك لفرط ضجره عندما سمع منهم تقليلاً لمن يوافقه. ويجوز أن يريد : ومن يؤاخيني على ديني  فافرق  فافصل  بَيْنِنَا  وبينهم بأن تحكم لنا بما نستحق، وتحكم عليهم بما يستحقون، وهو في معنى الدعاء عليهم. ولذلك وصل به قوله : فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ  على وجه التسبيب، أو فباعد بيننا وبينهم وخلصنا من صحبتهم كقوله : وَنَجّنِى مِنَ القوم الظالمين  \[ القصص : ٢١ \].

### الآية 5:26

> ﻿قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ ۛ أَرْبَعِينَ سَنَةً ۛ يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ ۚ فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ [5:26]

فَإِنَّهَا  فإن الأرض المقدسة  مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ  لا يدخلونها ولا يملكونها، 
فإن قلت : كيف يوفق بين هذا وبين قوله : الَّتِى كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ  \[ المائدة : ٢١ \] ؟ قلت : فيه وجهان، أحدهما : أن يراد كتبها لكم بشرط أن تجاهدوا أهلها فلمَّا أبوا الجهاد قيل : فإنها محرّمة عليهم. والثاني : أن يراد فإنها محرّمة عليهم أربعين سنة، فإذا مضت الأربعون كان من كتب، فقد روي أن موسى سار بمن بقي من بني إسرائيل وكان يوشع على مقدمته ففتح أريحاء وأقام فيها ما شاء الله ثم قبض صلوات الله عليه. وقيل : لما مات موسى بعث يوشع نبياً، فأخبرهم بأنه نبيّ الله، وأن الله أمره بقتال الجبابرة، فصدقوه وبايعوه وسار بهم إلى أريحاء وقتل الجبارين وأخرجهم، وصار الشام كله لبني إسرائيل. وقيل : لم يدخل الأرض المقدسة أحد ممن قال : إِنَّا لَنْ نَّدْخُلَهَا  وهلكوا في التيه ونشأت نواشيء من ذرّياتهم فقاتلوا الجبارين ودخلوها والعامل في الظرف إما ( محرمة ) وإما ( يتيهون ) ومعنى  يَتِيهُونَ فِى الأرض  يسيرون فيها متحيرين لا يهتدون طريقاً. 
والتيه : المفازة التي يتاه فيها. روى أنهم لبثوا أربعين سنة في ستة فراسخ يسيرون كل يوم جادين، حتى إذا سئموا وأمسوا إذا هم بحيث ارتحلوا عنه، وكان الغمام يظللهم من حرّ الشمس، ويطلع لهم عمود من نور بالليل يضيء لهم، وينزل عليهم المنّ والسلوى، ولا تطول شعورهم، وإذا ولد لهم مولود كان عليه ثوب كالظفر يطول بطوله. 
فإن قلت : فلم كان ينعم عليهم بتظليل الغمام وغيره، وهم معاقبون ؟ قلت : كما ينزل بعض النوازل على العصاة عركاً لهم، وعليهم مع ذلك النعمة متظاهرة. ومثل ذلك مثل الوالد المشفق يضرب ولده ويؤذيه ليتأدب ويتثقف ولا يقطع عنه معروفه وإحسانه. 
فإن قلت : هل كان معهم في التيه موسى وهارون عليهما السَّلام ؟ قلت : اختلف في ذلك، فقيل لم يكونا معهم لأنه كان عقاباً، وقد طلب موسى إلى ربه أن يفرق بينهما وبينهم. وقيل : كانا معهم إلا أنه كان ذلك روحاً لهما وسلامة، ولا عقوبة، كالنار لإبراهيم، وملائكة العذاب. وروي أن هارون مات في التيه. ومات موسى بعده فيه بسنة. ودخل يوشع أريحاء بعد موته بثلاثة أشهر. ومات النقباء في التيه بغتة، إلا كالب ويوشع  فَلاَ تَأْسَ  فلا تحزن عليهم لأنه ندم على الدعاء عليهم، فقيل : إنهم أحقاء لفسقهم بالعذاب، فلا تحزن ولا تندم.

### الآية 5:27

> ﻿۞ وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ ۖ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ [5:27]

هما ابنا آدم لصلبه قابيل وهابيل، أوحى الله إلى آدم أن يزوّج كل واحد منهما توأمة الآخر، وكانت توأمة قابيل أجمل واسمها ( إقليما ) فحسد عليها أخاه وسخط. فقال لهما آدم : قرّبا قرباناً، فمن أيكما تقبل زوّجها، فقبل قربان هابيل بأن نزلت نار فأكلته ؛ فازداد قابيل حسداً وسخطاً، وتوعده بالقتل. وقيل : هما رجلان من بني إسرائيل  بالحق  تلاوة متلبسة بالحق والصحة. أو اتله نبأ متلبساً بالصدق موافقاً لما في كتب الأوّلين. أو بالغرض الصحيح وهو تقبيح الحسد ؛ لأن المشركين وأهل الكتاب كلهم كانوا يحسدون رسول الله صلى الله عليه وسلم ويبغون عليه. أو اتل عليهم وأنت محق صادق. و  إِذْ قَرَّبَا  نصب بالنبأ أي قصتهم وحديثهم في ذلك الوقت، ويجوز أن يكون بدلاً من النبأ، أي اتل عليهم النبأ نبأ ذلك الوقت، على تقدير حذف المضاف. والقربان : اسم ما يتقرّب به إلى الله من نسيكة أو صدقة، كما أنّ الحلوان اسم ما يحلّى أي يعطى. يقال : قرّب صدقة وتقرّب بها، لأن تقرّب مطاوع قرب : قال الأصمعي : تقرّبوا قرف القمع فيعدى بالباء حتى يكون بمعنى قرب. 
فإن قلت : كيف كان قوله : إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ الله مِنَ المتقين  جواباً لقوله : لأَقْتُلَنَّكَ  ؟ قلت : لما كان الحسد لأخيه على تقبل قربانه هو الذي حمله على توعده بالقتل قال له : إنما أتيت من قبل نفسك لانسلاخها من لباس التقوى، لا من قبلي، فلم تقتلني ؟ ومالك لا تعاتب نفسك ولا تحملها على تقوى الله التي هي السبب في القبول ؟ فأجابه بكلام حكيم مختصر جامع لمعان. وفيه دليل على أنّ الله تعالى لا يقبل طاعة إلا من مؤمن متق، فما أنعاه على أكثر العاملين أعمالهم. وعن عامر بن عبد الله أنه بكى حين حضرته الوفاة فقيل له : ما يبكيك فقد كنت وكنت ؟ قال إني أسمع الله يقول : إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ الله مِنَ المتقين .

### الآية 5:28

> ﻿لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ ۖ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ [5:28]

مَا أَنَاْ بِبَاسِطٍ يَدِىَ إِلَيْكَ لأَقْتُلَكَ  قيل : كان أقوى من القاتل وأبطش منه، ولكنه تحرّج عن قتل أخيه واستسلم له خوفاً من الله ؛ لأنّ الدفع لم يكن مباحاً في ذلك الوقت. قاله مجاهد وغيره.

### الآية 5:29

> ﻿إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ ۚ وَذَٰلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ [5:29]

إِنّى أُرِيدُ أَن تَبُوء بِإِثْمِى وَإِثْمِكَ  أن تحتمل إثم قتلي لك لو قتلتك وإثم قتلك لي. 
فإن قلت : كيف يحمل إثم قتله له ولا تزر وازرة وزر أخرى ؟ قلت : المراد بمثل إثمي على الاتساع في الكلام، كما تقول : قرأت قراءة فلان، وكتبت كتابته، تريد المثل وهو اتساع فاش مستفيض لا يكاد يستعمل غيره. ونحوه قوله عليه الصلاة والسلام :**« المستبان ما قالا فعلى البادي ما لم يعتد المظلوم »** على أنّ البادي عليه إثم سبه، ومثل إثم سب صاحبه ؛ لأنه كان سبباً فيه، إلا أن الإثم محطوط عن صاحبه معفوّ عنه، لأنه مكافىء مدافع عن عرضه. ألا ترى إلى قوله :( ما لم يعتد المظلوم ) لأنه إذا خرج من حدّ المكافأة واعتدى لم يسلم. 
فإن قلت : فحين كف هابيل عن قتل أخيه واستسلم وتحرج عما كان محظوراً في شريعته من الدفع، فأين الإثم حتى يتحمل أخوه مثله فيجتمع عليه الإثمان ؟ قلت : هو مقدّر فهو يتحمل مثل الإثم المقدّر، كأنه قال : إني أريد أن تبوء بمثل إثمي لو بسطت يدي إليك. وقيل :( بإثمي ) بإثم قتلي ( وإثمك ) الذي من أجله لم يتقبل قربانك
فإن قلت : فكيف جاز أن يريد شقاوة أخيه وتعذيبه النار ؟ قلت : كان ظالماً وجزاء الظالم حسن جائز أن يراد. ألا ترى إلى قوله تعالى : وَذَلِكَ جَزَاء الظالمين  وإذا جاز أن يريده الله، جاز أن يريده العبد ؛ لأنه لا يريد إلا ما هو حسن. والمراد بالإثم وبال القتل وما يجره من استحقاق العقاب، 
فإن قلت : لم جاء الشرط بلفظ الفعل والجزاء بلفظ اسم الفاعل وهو قوله : لَئِن بَسَطتَ. . . . مَا أَنَاْ بِبَاسِطٍ  ؟ قلت : ليفيد أنه لا يفعل ما يكتسب به هذا الوصف الشنيع. ولذلك أكده بالباء المؤكدة للنفي.

### الآية 5:30

> ﻿فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ [5:30]

فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ  فوسعته له ويسرته، من طاع له المرتع : إذا اتسع. وقرأ الحسن :**«فطاوعت »**. وفيه وجهان : أن يكون مما جاء من فاعل بمعنى فعل، وأن يراد أنّ قتل أخيه كأنه دعا نفسه إلى الإقدام عليه فطاوعته ولم تمتنع، وله لزيادة الربط كقولك : حفظت لزيد ماله. وقيل : قتل وهو ابن عشرين سنة، وكان قتله عند عقبة حراء، وقيل : بالبصرة في موضع المسجد الأعظم.

### الآية 5:31

> ﻿فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْءَةَ أَخِيهِ ۚ قَالَ يَا وَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَٰذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْءَةَ أَخِي ۖ فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ [5:31]

فَبَعَثَ الله غُرَاباً  روي : أنه أوّل قتيل قتل على وجه الأرض من بني آدم. ولما قتله تركه بالعراء لا يدري ما يصنع به، فخاف عليه السباع فحمله في جراب على ظهره سنة حتى أروح وعكفت عليه السباع، فبعث الله غرابين فاقتتلا فقتل أحدهما الآخر، فحفر له بمنقاره ورجليه ثم ألقاه في الحفرة  قَالَ ياويلتا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هذا الغراب  ويروى أنه لما قتله اسودّ جسده وكان أبيض، فسأله آدم عن أخيه فقال : ما كنت عليه وكيلاً، فقال : بل قتلته ولذلك اسودِّ جسدك. وروي أن آدم مكث بعد قتله مائة سنة لا يضحك وأنه رثاه بشعر، وهو كذب بحت، وما الشعر إلا منحول ملحون. وقد صحّ أن الأنبياء عليهم السلام معصومون من الشعر.  لِيُرِيَهُ  ليريه الله. أو ليريه الغراب، أي ليعلمه ؛ لأنه لما كان سبب تعليمه، فكأنه قصد تعليمه على سبيل المجاز  سَوْءَةَ أَخِيهِ  عورة أخيه وما لا يجوز أن ينكشف من جسده. والسوأة : الفضيحة لقبحها. قال :
يَا لَقَوْمِ لِلسَّوْأةِ السَّوْآء \*\*\*
أي للفضيحة العظيمة فكنى بها عنها  فَأُوَارِيَ  بالنصب على جواب الاستفهام. وقرئ بالسكون على : فأنا أواري. أو على التسكين في موضع النصب للتخفيف  مِنَ النادمين  على قتله، لما تعب فيه من حمله وتحيره في أمره، وتبين له من عجزه، وتلمذه للغراب، واسوداد لونه وسخط أبيه، ولم يندم ندم التائبين.

### الآية 5:32

> ﻿مِنْ أَجْلِ ذَٰلِكَ كَتَبْنَا عَلَىٰ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا ۚ وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ بَعْدَ ذَٰلِكَ فِي الْأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ [5:32]

مِنْ أَجْلِ ذلك  بسبب ذلك وبعلته. وقيل : أصله من أجل شرا إذا جناه يأجله أجلاً. ومنه قوله :وَأَهِل خِبَاءٍ صَالِحٍ ذَاتُ بَيْنِهِم  قَدِ احْتَرَبُوا في عَاجِلٍ أَنَا آجِلُهْكأنك إذا قلت : من أجلك فعلت كذا، أردت من أن جنيت فعلته وأوجبته، ويدل عليه قولهم : من جراك فعلته، أي من أن جررته بمعنى جنيته. وذلك إشارة إلى القتل المذكور، أي من أن جنى ذلك القتل الكتب وجرّه  كَتَبْنَا على بَنِى إسراءيل  و ( من ) لابتداء الغاية، أي ابتدأ الكتب و نشأ من أجل ذلك. ويقال : فعلت كذا لأجل كذا. وقد يقال : أجل كذا، بحذف الجار وإيصال الفعل قال : أجل إنّ الله قد فضلكم. وقرئ :**«من اجل ذلك »**، بحذف الهمزة وفتح النون لإلقاء حركتها عليها. وقرأ أبو جعفر :**«من إجل ذلك »**، بكسر الهمزة وهي لغة فإذا خفف كسر النون ملقياً لكسرة الهمزة عليها  بِغَيْرِ نَفْسٍ  بغير قتل نفس، لا على وجه الاقتصاص  أَوْ فَسَادٍ  عطف على نفس بمعنى أو بغير فساد  فِى الأرض  وهو الشرك. وقيل : قطع الطريق  وَمَنْ أحياها  ومن استنقذها من بعض أسباب الهلكة قتل أو غرق أو حرق أو هدم أو غير ذلك. 
فإن قلت : كيف شبه الواحد بالجميع وجعل حكمه كحكمهم ؟ قلت : لأن كل إنسان يدلي بما يدلي به الآخر من الكرامة على الله وثبوت الحرمة، فإذا قتل فقد أهين ما كرم على الله وهتكت حرمته وعلى العكس، فلا فرق إذاً بين الواحد والجميع في ذلك. 
فإن قلت : فما الفائدة في ذكر ذلك ؟ قلت : تعظيم قتل النفس وإحيائها في القلوب ليشمئز الناس عن الجسارة عليها، ويتراغبوا في المحاماة على حرمتها ؛ لأنّ المتعرض لقتل النفس إذا تصوّر قتلها بصورة قتل الناس جميعاً عظم ذلك عليه فثبطه، وكذلك الذي أراد إحياءها. وعن مجاهد : قاتل النفس جزاؤه جهنم، وغضب الله، والعذاب العظيم. ولو قتل الناس جميعاً لم يزد على ذلك. وعن الحسن : يا ابن آدم، أرأيت لو قتلت الناس جميعاً أكنت تطمع أن يكون لك عمل يوازي ذلك فيغفر لك به ؟ كلا إنه شيء سوَّلته لك نفسك والشيطان، فكذلك إذا قتلت واحداً  بَعْدَ ذَلِكَ  بعدما كتبنا عليهم وبعد مجيء الرسل بالآيات  لَمُسْرِفُونَ  يعني في القتل لا يبالون بعظمته.

### الآية 5:33

> ﻿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ۚ ذَٰلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا ۖ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ [5:33]

يُحَارِبُونَ الله وَرَسُولَهُ  يحاربون رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومحاربة المسلمين في حكم محاربته  وَيَسْعَوْنَ فِى الأرض فَسَاداً  مفسدين، أو لأنّ سعيهم في الأرض لما كان على طريق الفساد نزل منزلة : ويفسدون في الأرض فانتصب فساداً. على المعنى، ويجوز أن يكون مفعولاً له، أي الفساد. نزلت في قوم هلال بن عويمر وكان بينه وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم عهد وقد مرّ بهم قوم يريدون رسول الله فقطعوا عليهم. وقيل : في العرنيين، فأوحى إليه أنّ من جمع بين القتل وأخذ المال قتل وصلب ومن أفرد القتل قتل. ومن أفرد أخذ المال قطعت يده لأخذ المال، ورجله لإخافة السبيل. ومن أفرد الإخافة نفي من الأرض. وقيل : هذا حكم كل قاطع طريق كافراً كان أو مسلماً. ومعناه  أَن يُقَتَّلُواْ  من غير صلب، إن أفردوا القتل  أَوْ يُصَلَّبُواْ  مع القتل إن جمعوا بين القتل والأخذ. قال أبو حنيفة ومحمد رحمهما الله، يصلب حياً، ويطعن حتى يموت  أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مّنْ خلاف  إن أخذوا المال  أَوْ يُنفَوْاْ مِنَ الأرض  إذا لم يزيدوا على الإخافة. وعن جماعة منهم الحسن والنخعي : أن الإمام مخير بين هذه العقوبات في كلّ قاطع طريق من غير تفصيل. والنفي : الحبس عند أبي حنيفة، وعند الشافعي : النفي من بلد إلى بلد، لا يزال يطلب وهو هارب فزعاً، وقيل : ينفى من بلده، وكانوا ينفونهم إلى ( دهلك ) وهو بلد في أقصى تهامة، و ( ناصع ) وهو بلد من بلاد الحبشة  خِزْىٌ  ذلّ وفضيحة.

### الآية 5:34

> ﻿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ ۖ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ [5:34]

إِلاَّ الذين تَابُواْ  استثناء من المعاقبين عقاب قطع الطريق خاصة. وأما حكم القتل والجراح وأخذ المال فإلى الأولياء، إن شاؤا عفواً، وإن شاؤا استوفوا. وعن عليّ رضي الله عنه : أن الحرث بن بدر جاءه تائباً بعدما كان يقطع الطريق، فقبل توبته ودرأ عنه العقوبة.

### الآية 5:35

> ﻿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ [5:35]

الوسيلة : كل ما يتوسل به أي يتقرّب من قرابة أو صنيعة أو غير ذلك، فاستعيرت لما يتوسل به إلى الله تعالى من فعل الطاعات وترك المعاصي. وأنشد للبيد :

أَرَى النَّاسَ لاَ يَدْرُونَ مَا قَدْرُ أَمْرِهِم  أَلاَ كُلُّ ذِي لُبٍّ إلَى اللَّهِ وَاسِلُ

### الآية 5:36

> ﻿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُوا بِهِ مِنْ عَذَابِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَا تُقُبِّلَ مِنْهُمْ ۖ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ [5:36]

لِيَفْتَدُواْ بِهِ  ليجعلوه فدية لأنفسهم. وهذا تمثيل للزوم العذاب لهم، وأنه لا سبيل لهم إلى النجاة منه بوجه. وعن النبي صلى الله عليه وسلم :" يقال للكافر يوم القيامة : أرأيت لو كان لك ملء الأرض ذهباً أكنت تفتدي به، فيقول : نعم، فيقال له : قد سئلت أيسر من ذلك " و ( لو ) مع ما في حيزه خبر ( أن ). 
فإن قلت : لم وحد الراجع في قوله : لِيَفْتَدُواْ بِهِ  وقد ذكر شيئان ؟ قلت : نحو قوله :
فَإنِّي وَقَيَّارٌ بِهَا لَغَرِيبُ. . . 
أو على إجراء الضمير مجرى اسم الإشارة، كأنه قيل : ليفتدوا بذلك. ويجوز أن يكون الواو في ( مثله ) بمعنى ( مع ) فيتوحد المرجوع إليه. 
فإن قلت : فبم ينصب المفعول معه ؟ قلت : بما يستدعيه ( لو ) من الفعل، لأن التقدير : لو ثبت أن لهم ما في الأرض.

### الآية 5:37

> ﻿يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْهَا ۖ وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ [5:37]

قرأ أبو واقد **«أن يُخرجوا »** بضم الياء من أخرج. ويشهد لقراءة العامّة قوله :( بخارجين ). وما يروى عن عكرمة أن نافع بن الأزرق قال لابن عباس : يا أعمى البصر أعمى القلب تزعم أن قوماً يخرجون من النار، وقد قال الله تعالى : وَمَا هُم بخارجين مِنْهَا  فقال : ويحك، اقرأ ما فوقها. هذا للكفار. فما لفقته المجبرة وليس بأول تكاذيبهم وفراهم. وكفاك بما فيه من مواجهة ابن الأزرق ابن عمّ رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بين أظهر أعضاده من قريش وأنضاده من بني عبد المطلب وهو حبر الأمّة وبحرها ومفسرها، بالخطاب الذي لا يجسر على مثله أحد من أهل الدنيا، وبرفعه إلى عكرمة دليلين ناصين أن الحديث فرية ما فيها مرية.

### الآية 5:38

> ﻿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ [5:38]

والسارق والسارقة  رفعهما على الابتداء والخبر محذوف عند سيبويه، كأنه قيل : وفيما فرض عليكم السارق والسارقة أي حكمهما. ووجه آخر وهو أن يرتفعا بالابتداء، والخبر  فاقطعوا أَيْدِيَهُمَا  ودخول الفاء لتضمنهما معنى الشرط، لأن المعنى : والذي سرق والتي سرقت فاقطعوا أيديهما، والاسم الموصول يضمن معنى الشرط. وقرأ عيسى بن عمر بالنصب، وفضلها سيبويه على قراءة العامّة لأجل الأمر لأنّ ( زيداً فاضربه ) أحسن من ( زيد فاضربه )  أَيْدِيَهُمَا  يديهما، ونحوه : فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا  \[ التحريم : ٤ \] اكتفى بتثنية المضاف إليه عن تثنية المضاف. وأريد باليدين اليمينان، بدليل قراءة عبد الله :**«والسارقون والسارقات فاقطعوا أيمانهم »**، والسارق في الشريعة : من سرق من الحرز : والمقطع. الرسغ. وعند الخوارج : المنكب. والمقدار الذي يجب به القطع عشرة دراهم عند أبي حنيفة، وعند مالك والشافعي رحمهما الله ربع دينار. وعن الحسن درهم وفي مواعظه : احذر من قطع يدك في درهم  جَزَاء  و  نكالا  مفعول لهما.

### الآية 5:39

> ﻿فَمَنْ تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ ۗ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ [5:39]

فَمَن تَابَ  من السرّاق  مِن بَعْدِ ظُلْمِهِ  من بعد سرقته  وَأَصْلَحَ  أمره بالتفصي عن التبعات  فَإِنَّ الله يَتُوبُ عَلَيْهِ  ويسقط عنه عقاب الآخرة.

### الآية 5:40

> ﻿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ ۗ وَاللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [5:40]

وأمّا القطع فلا تسقطه التوبة عند أبي حنيفة وأصحابه وعند الشافعي في أحد قوليه تسقطه ( مَن يَشَآءُ ) من يجب في الحكمة تعذيبه والمغفرة له من المصرين والتائبين. وقيل : يسقط حدّ الحربي إذا سرق بالتوبة، ليكون أدعى له إلى الإسلام وأبعد من التنفير عنه، ولا يسقطه عن المسلم : لأنّ في إقامته الصلاح للمؤمنين والحياة  وَلَكُمْ فِي القصاص حياة  \[ البقرة : ١٧٩ \]. 
فإن قلت : لم قدّم التعذيب على المغفرة ؟ قلت : لأنه قوبل بذلك تقدم السرقة على التوبة.

### الآية 5:41

> ﻿۞ يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ ۛ وَمِنَ الَّذِينَ هَادُوا ۛ سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ ۖ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ ۖ يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَٰذَا فَخُذُوهُ وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا ۚ وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا ۚ أُولَٰئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ ۚ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ ۖ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ [5:41]

قرئ **«لا يحزنك »** بضم الياء. ويسرعون. والمعنى : لا تهتم ولا تبال بمسارعة المنافقين  فِى الكفر  أي في إظهاره بما يلوح منهم من آثار الكيد للإسلام ومن موالاة المشركين، فإني ناصرك عليهم وكافيك شرّهم. يقال : أسرع فيه الشيب. وأسرع فيه الفساد، بمعنى : وقع فيه سريعاً، فكذلك مسارعتهم في الكفر ووقوعهم وتهافتهم فيه، أسرع شيء إذا وجدوا فرصة لم يخطئوها. و  ءَامَنَّا  مفعول قالوا. و  بأفواههم  متعلق بقالوا لا بآمَنَّا  وَمِنَ الذين هِادُواْ  منقطع مما قبله خبر لسماعون، أي : ومن اليهود قوم سماعون. ويجوز أن يعطف على  من الذين قالوا  ويرتفع سماعون على : هم سماعون. والضمير للفريقين. أو للذين هادوا. ومعنى  سماعون لِلْكَذِبِ  قابلون لما يفتريه الأحبار ويفتعلونه من الكذب على الله وتحريف كتابه من قولك الملك يسمع كلام فلان. ومنه ( سمع الله لمن حمده )  سماعون لِقَوْمٍ ءاخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ  يعني اليهود الذين لم يصلوا إلى مجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم وتجافوا عنه لما أفرط فيهم من شدّة البغضاء وتبالغ من العداوة، أي قابلون من الأحبار ومن أولئك المفرطين في العداوة الذين لا يقدرون أن ينظروا إليك. وقيل : سماعون إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لأجل أن يكذبوا عليه بأن يمسخوا ما سمعوا منه بالزيادة والنقصان والتبديل والتغيير، سماعون من رسول الله لأجل قوم آخرين من اليهود وجهوهم عيوناً ليبلغوهم ما سمعوا منه. وقيل : السَّمَّاعون : بنو قريظة. والقوم الآخرون : يهود خيبر  يُحَرّفُونَ الكلم  يميلونه ويزيلونه  عَن مواضعه  التي وضعه الله تعالى فيها، فيهملونه بغير مواضع بعد أن كان ذا مواضع  إِنْ أُوتِيتُمْ هذا  المحرف المزال عن مواضعه  فَخُذُوهُ  واعلموا أنه الحق واعملوا به  وَإِن لَّمْ تُؤْتَوْهُ  وأفتاكم محمد بخلافه  فاحذروا  وإياكم وإياه فهو الباطل والضلال. وروي : أن شريفاً من خيبر زنى بشريفة وهما محصنان وحّدهما الرجم في التوراة، فكرهوا رجمهما لشرفهما فبعثوا رهطاً منهم إلى بني قريظة ليسألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك، وقالوا : إن أمركم محمد بالجلد والتحميم فاقبلوا وإن يأمركم بالرجم فلا تقبلوا، وأرسلوا الزانيين معهم، فأمرهم بالرجم فأبوا أن يأخذوا به فقال له جبريل : اجعل بينك وبينهم ابن صوريا، فقال :" هل تعرفون شاباً أمرد أبيض أعور يسكن فدك يقال له : ابن صوريا " ؟ قالوا : نعم وهو أعلم يهودي على وجه الأرض ورضوا به حكماً. فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم :" أنشدك الله الذي لا إله إلا هو الذي فلق البحر لموسى ورفع فوقكم الطور وأنجاكم وأغرق آل فرعون والذي أنزل عليكم كتابه وحلاله وحرامه، هل تجدون فيه الرجم على من أحصن ؟ " 
قال : نعم، فوثب عليه سفلة اليهود، فقال : خفت إن كذبته أن ينزل علينا العذاب. ثم سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أشياء كان يعرفها من أعلامه فقال : أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله النبي الأمي العربي الذي بشر به المرسلون، وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالزانيين فرجما عند باب مسجده  وَمَن يُرِدِ الله فِتْنَتَهُ  تركه مفتوناً وخذلانه  فَلَن تَمْلِكَ لَهُ مِنَ الله شَيْئاً  فلن تستطيع له من لطف الله وتوفيقه شيئاً  أُوْلَئِكَ الذين لَمْ يُرِدِ الله  أن يمنحهم من ألطافه ما يطهر به قلوبهم ؛ لأنهم ليسوا من أهلها، لعلمه أنها لا تنفع فيهم ولا تنجع  إِنَّ الذين لاَ يُؤْمِنُونَ بآيات الله لاَ يَهْدِيهِمُ الله  \[ النحل : ١٠٤ \]،  كَيْفَ يَهْدِى الله قَوْمًا كَفَرُواْ بَعْدَ إيمانهم  \[ آل عمران : ٨٦ \].

### الآية 5:42

> ﻿سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ ۚ فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ ۖ وَإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئًا ۖ وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ [5:42]

السحت  كل ما لا يحل كسبه، وهو من - سحته - إذا استأصله لأنه مسحوت البركة كما قال تعالى : يَمْحَقُ الله الربا  \[ البقرة : ٢٧٦ \] والربا باب منه. وقرىء :**«السحت »** بالتخفيف والتثقيل. والسحت بفتح السين على لفظ المصدر من سحته. ****«والسحت »****، بفتحتين. ****«والسحت »****، بكسر السين. وكانوا يأخذون الرشا على الأحكام وتحليل الحرام. وعن الحسن : كان الحاكم في بني إسرائيل إذا أتاه أحدهم برشوة جعلها في كمه فأراها إياه وتكلم بحاجته فيسمع منه ولا ينظر إلى خصمه، فيأكل الرشوة ويسمع الكذب. وحكى أن عاملاً قدم من عمله فجاءه قومه، فقدم إليهم العراضة وجعل يحدثهم بما جرى له في عمله، فقال أعرابي من القوم : نحن كما قال الله تعالى : سماعون لِلْكَذِبِ أكالون لِلسُّحْتِ  وعن النبي صلى الله عليه وسلم :" كل لحم أَنبته السحت فالنار أولى به " قيل : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم مخيراً - إذا تحاكم إليه أهل الكتاب - بين أن يحكم بينهم وبين أن لا يحكم. وعن عطاء والنخعي والشعبي : أنهم إذا ارتفعوا إلى حكام المسلمين، فإن شاءوا حكموا وإن شاءوا أعرضوا. وقيل : هو منسوخ بقوله : وَأَنِ احكم بَيْنَهُمْ بِمَا أَنزَلَ الله  وعند أبي حنيفة رحمه الله : إن احتكموا إلينا حملوا على حكم الإسلام، وإن زنى منهم رجل بمسلمة أو سرق من مسلم شيئاً أقيم عليه الحدّ. وأما أهل الحجاز فإنهم لا يرون إقامة الحدود عليهم، يذهبون إلى أنهم قد صولحوا على شركهم وهو أعظم من الحدود. ويقولون : إنّ النبي صلى الله عليه وسلم رجم اليهوديين قبل نزول الجزية  فَلَن يَضُرُّوكَ شَيْئاً  لأنهم كانوا لا يتحاكمون إليه إلا لطلب الأيسر والأهون عليهم، كالجلد مكان الرجم. فإذا أعرض عنهم وأبى الحكومة لهم، شقّ عليهم وتكرهوا إعراضه عنهم وكانوا خلقاء بأن يعادوه ويضاروه، فأمن الله سربه  بالقسط  بالعدل والاحتياط كما حكم بالرجم.

### الآية 5:43

> ﻿وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِنْدَهُمُ التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللَّهِ ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِنْ بَعْدِ ذَٰلِكَ ۚ وَمَا أُولَٰئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ [5:43]

وَكَيْفَ يُحَكّمُونَكَ  تعجيب من تحكيمهم لمن لا يؤمنون به وبكتابه، مع أن الحكم منصوص في كتابهم الذي يدّعون الإِيمان به  ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِن بَعْدِ ذلك  ثم يعرضون من بعد تحكيمك عن حكمك الموافق لما في كتابهم لا يرضون به  وَمَا أُوْلَئِكَ بالمؤمنين  بكتابهم كما يدّعون. أو وما أولئك بالكاملين في الإيمان على سبل التهكم بهم. 
فإن قلت : فِيهَا حُكْمُ الله  ما موضعه من الإعراب ؟ قلت : إمّا أن ينتصب حالاً من التوراة وهي مبتدأ خبره عندهم وإمّا أن يرتفع خبراً عنها كقولك : وعندهم في التوراة ناطقة بحكم الله وإمّا أن لا يكون له محل وتكون جملة مبنية، لأنّ عندهم ما يغنيهم عن التحكيم، كما تقول : عندك زيد ينصحك ويشير عليك بالصواب، فما تصنع بغيره ؟
فإن قلت : لم أنثت التوراة ؟ قلت : لكونها نظيرة لموماة ودوداة ونحوها في كلام العرب. 
فإن قلت : علام عطف ثم يتولون ؟ قلت : على يحكمونك.

### الآية 5:44

> ﻿إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ ۚ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ ۚ فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا ۚ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ [5:44]

فِيهَا هُدًى  يهدي للحق والعدل  وَنُورٌ  يبين ما استبهم من الأحكام  الذين أَسْلَمُواْ  صفة أجريت على النبيين على سبيل المدح، كالصفات الجارية على القديم سبحانه لا للتفصلة والتوضيح، وأريد بإجرائها التعريض باليهود، وأنهم بعداء من ملة الإسلام التي هي دين الأنبياء كلهم في القديم والحديث، وأنّ اليهودية بمعزل منها. وقوله : الذين أَسْلَمُواْ لِلَّذِينَ هَادُواْ  مناد على ذلك  والربانيون والأحبار  والزهاد والعلماء من ولد هارون، الذين التزموا طريقة النبيين وجانبوا دين اليهود  بِمَا استحفظوا مِن كتاب الله  بما سألهم أنبياؤهم حفظه من التوراة، أي بسبب سؤال أنبيائهم إياهم أن يحفظوه من التغيير والتبديل، و ( من ) في ( من كتاب الله ) للتبيين  وَكَانُواْ عَلَيْهِ شُهَدَاء  رقباء لئلا يبدل. والمعنى يحكم بأحكام التوراة النبييون - بين موسى وعيسى وكان بينهماألف بني وعيسى - للذين هادوا يحملونهم على أحكام التوراة لا يتركونهم أن يعدلوا عنها، كما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم من حملهم على حكم الرجم وإرغام أنوفهم، وإبائه عليهم ما اشتهوه من الجلد. وكذلك حكم الربانيون والأحبار والمسلمون بسبب ما استحفظهم أنبياؤهم من كتاب الله والقضاء بأحكامه، وبسبب كونهم عليه شهداء. ويجوز أن يكون الضمير في ( استحفظوا ) للأنبياء والربانيين والأحبار جميعاً ويكون الاستحفاظ من الله، أي كلفهم الله حفظه وأن يكونوا عليه شهداء  فَلاَ تَخْشَوُاْ الناس  نهي للحكام عن خشيتهم غير الله في حكوماتهم وإدهانهم فيها وإمضائها على خلاف ما أمروا به من العدل لخشية سلطان ظالم أو خيفة أذية أحد من القرباء والأصدقاء  وَلاَ تَشْتَرُواْ  ولا تستبدلوا ولا تستعيضوا  بآياتي  وأحكامه  ثَمَناً قَلِيلاً  وهو الرشوة وابتغاء الجاه ورضا الناس، كما حرّف أحبار اليهود كتاب الله وغيروا أحكامه رغبة في الدنيا وطلباً للرياسة فهلكوا  وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ الله  مستهيناً به  فَأُوْلَئِكَ هُمُ الكافرون  والظالمون والفاسقون : وصف لهم بالعتوّ في كفرهم حين ظلموا آيات الله بالاستهانة. وتمرّدوا بأن حكموا بغيرها. وعن ابن عباس رضي الله عنهما : أنّ الكافرين والظالمين والفاسقين : أهل الكتاب. وعنه : نعم القوم أنتم، ما كان من حلو فلكم، ومن كان من مرة فهو لأهل الكتاب، من جحد حكم الله كفر، ومن لم يحكم به وهو مقرّ فهو ظالم فاسق. وعن الشعبي : هذه في أهل الإسلام والظالمون في اليهود، والفاسقون في النصارى. وعن ابن مسعود : هو عام في اليهود وغيرهم. وعن حذيفة : أنتم أشبه الأمم سمتاً ببني إسرائيل : لتركبن طريقهم حذو النعل بالنعل والقذة بالقذة، غير أني لا أدري أتعبدون العجل أم لا ؟.

### الآية 5:45

> ﻿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ ۚ فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ ۚ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ [5:45]

في مصحف أبيّ :( وأنزل الله على بني إسرائيل فيها ) : وفيه :( وأن الجروح قصاص ). والمعطوفات كلها قرئت منصوبة ومرفوعة، والرفع للعطف على محل أن النفس، لأن المعنى وكتبنا عليهم النفس بالنفس، إما لإجراء كتبنا مجرى قلنا، وإما لأنّ معنى الجملة التي هي قولك النفس بالنفس مما يقع عليه الكتاب كما تقع عليه القراءة. تقول : كتبت الحمد لله، وقرأ سورة أنزلناها. ولذلك قال الزجاج : لو قرئ : إن النفس بالنفس، بالكسر ؛ لكان صحيحاً. أو للاستئناف. والمعنى : فرضنا عليهم فيها  أَنَّ النفس  مأخوذة  بالنفس  مقتولة بها إذا قتلتها بغير حق  و  كذلك  العين  مفقوءة  بالعين والأنف  مجدوع  بالأنف والأذن  مصلومة  بالأذن والسن  مقلوعة  بالسن والجروح قِصَاصٌ  ذات قصاص، وهو المقاصة، ومعناه : ما يمكن فيه القصاص وتعرف المساواة. وعن ابن عباس رضي الله عنهما : كانوا لا يقتلون الرجل بالمرأة فنزلت : فَمَن تَصَدَّقَ  من أصحاب الحق  بِهِ  بالقصاص وعفا عنه  فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَّهُ  فالتصدق به كفارة للمتصدق يكفر الله من سيئاته ما تقتضيه الموازنة كسائر طاعاته، وعن عبد الله بم عمرو يهدم عنه من ذنوبه بقدر ما تصدق به، وقيل : فهو كفارة للجاني، إذا تجاوز عنه صاحب الحق سقط عنه ما لزمه، وفي قراءة أبيّ : فهو كفارته له يعني فالمتصدق كفارته له أي الكفارة التي يستحقها له لا ينقص منها، وهو تعظيم لما فعل، كقوله تعالى  فَأَجْرُهُ عَلَى الله  \[ الشورى : ٤٠ \] وترغيب في العفو.

### الآية 5:46

> ﻿وَقَفَّيْنَا عَلَىٰ آثَارِهِمْ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ ۖ وَآتَيْنَاهُ الْإِنْجِيلَ فِيهِ هُدًى وَنُورٌ وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ [5:46]

قفيته مثل عقبته، إذا اتبعته ثم يقال قفيته بفلان وعقبته به، فتعديه إلى الثاني بزيادة الباء، 
فإن قلت : فأين المفعول الأول في الآية ؟ قلت : هو محذوف والظرف الذي هو  على ءاثارهم  كالسَّادِّ مسدّه ؛ لأنه إذا قفى به على أثره فقد قفى به إياه، والضمير في آثارهم للنبيين في قوله : يَحْكُمُ بِهَا النبيون الذين أَسْلَمُواْ . وقرأ الحسن :( الأَنجيل ) بفتح الهمزة ؛ فإن صحّ عنه فلأنه أعجمي خرج لعجمته عن زِناتِ العربية، كما خرج هابيل وآجر  وَمُصَدّقًا  عطف على محل  فِيهِ هُدًى  ومحله النصب على الحال  وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ  يجوز أن ينتصبا على الحال. كقوله : مُصَدّقاً  وأن ينتصبا مفعولاً لهما، كقوله : وَلْيَحْكُمْ  كأنه قيل. وللهدى والموعظة آتيناه الإنجيل، وللحكم بما أنزل الله فيه من الأحكام. 
فإن قلت : فإن نظمت  هُدًى وَمَوْعِظَةً  في سلك مصدقاً.

### الآية 5:47

> ﻿وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنْجِيلِ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ ۚ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ [5:47]

فما تصنع بقوله ( وليحكم ) قلت : اصنع به ما صنعت بهدى وموعظة حين جعلتهما مفعولاً لهما، فأقدّر : وليحكم أهل الإنجيل بما أنزل الله آتيناه إياه. وقرئ :**«وَلْيحكُمْ »** على لفظ الأمر بمعنى : وقلنا ليحكم. وروي في قراءة أبيّ :**«وأن ليحكم »**، بزيادة ( أن ) مع الأمر على أنّ ( أن ) موصولة بالأمر، كقولك : أمرته بأن قم كأنه قيل : وآتيناه الأنجيل وأمرنا بأن يحكم أهل الإنجيل. وقيل : إن عيسى عليه السلام كان متعبداً بما في التوراة من الأحكام ؛ لأن الإنجيل مواعظ وزواجر والأحكام فيه قليلة. وظاهر قوله : وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الإنجيل بِمَا أَنزَلَ الله فِيهِ  يردّ ذلك، وكذلك قوله : لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً ومنهاجا  \[ المائدة : ٤٨ \] وإن ساغ لقائل أن يقول : معناه : وليحكموا بما أنزل الله فيه من إيجاب العمل بأحكام التوراة.

### الآية 5:48

> ﻿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ ۖ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ ۖ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ ۚ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا ۚ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَٰكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ ۖ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ ۚ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ [5:48]

فإن قلت : أي فرق بين التعريفين في قوله : وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الكتاب  وقوله : لّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الكتاب  ؟ قلت : الأول : تعريف العهد، لأنه عنى به القرآن. والثاني : تعريف الجنس، لأنه عنى به جنس الكتب المنزلة : ويجوز أن يقال : هو للعهد ؛ لأنه لم يرد به ما يقع عليه اسم الكتاب على الإطلاق، وإنما أريد نوع معلوم منه، وهو ما أنزل من السماء سوى القرآن  وَمُهَيْمِناً  ورقيباً على سائر الكتب ؛ لأنه يشهد لها بالصحة والثبات. وقرئ :**«مهيمناً عليه »** بفتح الميم، أي هو من عليه بأن حفظ من التغيير والتبديل، كما قال : لاَّ يَأْتِيهِ الباطل مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلاَ مِنْ خَلْفِهِ  \[ فصلت : ٤٢ \] والذي هيمن الله عليه عزّ وجلّ أو الحفاظ في كل بلد، لو حُرِّف حَرْف منه أو حركة أو سكون لتنبه عليه كل أحد، ولا اشمأزوا رادّين ومنكرين. ضمن  لاَ تَتَّبِعُواْ  معنى ولا تنحرف ؛ فلذلك عدّي بعن كأنه قيل : ولا تنحرف عما جاءك من الحق متبعاً أهواءهم  لِكُلّ جَعَلْنَا مِنكُمْ  أيها الناس  شِرْعَةً  شريعة. وقرأ يحيى بن وثاب بفتح الشين  ومنهاجا  وطريقا واضحاً في الدين تجرون عليه. وقيل : هذا دليل على أنَّا غير متعبدين بشرائع من قبلنا  لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً واحدة  جماعة متفقة على شريعة واحدة، أو ذوي أمّة واحدة أي دين واحد لا اختلاف فيه  ولكن  أراد  لِيَبْلُوَكُمْ فِى مَآ ءاتاكم  من الشرائع المختلفة، هل تعملون بها مذعنين معتقدين أنها مصالح قد اختلفت على حسب الأحوال والأوقات، معترفين بأن الله لم يقصد باختلافها إلا ما اقتضته الحكمة ؟ أم تتبعون الشبه وتفرطون في العمل ؟  فَاسْتَبِقُوا الخَيْرَاتِ  فابتدروها وتسابقوا نحوها  إلى الله مَرْجِعُكُمْ  استئناف في معنى التعليل لاستباق الخيرات  فَيُنَبّئُكُمْ  فيخبركم بما لا تشكون معه من الجزاء الفاصل بين محقكم ومبطلكم، وعاملكم ومفرطكم في العمل.

### الآية 5:49

> ﻿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ ۖ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ ۗ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ [5:49]

فإن قلت : وَأَنِ احكم بَيْنَهُمْ  معطوف على ماذا ؟ قلت : على ( الكتاب ) في قوله : وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الكتاب  كأنه قيل : وأنزلنا إليك أن احكم على أنّ ( أن ) وصلت بالأمر لأنه فعل كسائر الأفعال : ويجوز أن يكون معطوفاً على ( بالحق ) أي أنزلناه بالحق وبأن احكم  أَن يَفْتِنُوكَ عَن بَعْضِ مَا أَنزَلَ الله إِلَيْكَ  أن يضلوك عنه ويستزلوك : وذلك : أن كعب بن أسيد وعبد الله بن صوريا وشاس بن قيس من أحبار اليهود قالوا : اذهبوا بنا إلى محمد نفتنه عن دينه، فقالوا : يا محمد قد عرفت أنا أحبار اليهود، وأنا إن اتبعناك اتبعتنا اليهود كلهم ولم يخالفونا، وإنّ بيننا وبين قومنا خصومة فنتحاكم إليك فتقضي لنا عليهم، ونحن نؤمن بك ونصدّقك، فأبى ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنزلت  فَإِن تَوَلَّوْاْ  عن الحكم بما أنزل الله إليك وأرادوا غيره  فاعلم أَنَّمَا يُرِيدُ الله أَن يُصِيبَهُم بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ  يعني بذنب التولي عن حكم الله وإرادة خلافه، فوضع  بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ  موضع ذلك وأراد أنّ لهم ذنوباً جمة كثيرة العدد، وأنّ هذا الذنب مع عظمه بعضها وواحد منها، وهذا الإبهام لتعظيم التولي واستسرافهم في ارتكابه. ونحو البعض في هذا الكلام ما في قول لبيد :
أَوْ يَرْتَبِطْ بَعْضَ النُّفُوسِ حِمَامُهَا \*\*\*
أراد نفسه : وإنما قصد تفخيم شأنها بهذا الإبهام، كأنه قال : نفساً كبيرة، ونفساً أيّ نفس، فكما أن التنكير يعطي معنى التكبير وهو معنى البعضية، فكذلك إذا صرح بالبعض  لفَاَسِقُونَ  لمتمرّدون في الكفر معتدون فيه، يعني أنّ التولي عن حكم الله من التمرّد العظيم والاعتداء في الكفر.

### الآية 5:50

> ﻿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ ۚ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ [5:50]

أَفَحُكْمَ الجاهلية يَبْغُونَ  فيه وجهان، أحدهما : أنّ قريظة والنضير طلبوا إليه أن يحكم بما كان يحكم به أهل الجاهلية من التفاضل بين القتلى : وروي : أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لهم :**«القتلى بواء »** فقال بنو النضير : نحن لا نرضى بذلك فنزلت : والثاني : أن يكون تعبيراً لليهود بأنهم أهل كتاب وعلم، وهم يبغون حكم الملة الجاهلية التي هي هوى وجهل، لا تصدر عن كتاب ولا ترجع إلى وحي من الله تعالى : وعن الحسن : هو عامّ في كل من يبغي غير حكم الله : والحكم حكمان : حكم بعلم فهو حكم الله، وحكم بجهل فهو حكم الشيطان. وسئل طاوس عن الرجل يفضل بعض ولده على بعض، فقرأ هذه الآية : وقرئ :**«تبغون »**، بالتاء والياء : وقرأ السلمي :**«أفحكمُ الجاهلية يبغون »**، برفع الحكم على الابتداء، وإيقاع يبغون خبراً وإسقاط الراجع عنه كإسقاطه عن الصلة في  أهذا الذى بَعَثَ الله رَسُولاً  \[ الفرقان : ٣١ \] وعن الصفة في : الناس رجلان : رجل أهنت، ورجل أكرمت. وعن الحال في ( مررت بهند يضرب زيد ) وقرأ قتادة : أَفَحُكْمَ الجاهلية  على أنّ هذا الحكم الذي يبغونه إنما يحكم به أفعى نجران، أو نظيره من حكام الجاهلية، فأرادوا بسفههم أن يكون محمد خاتم النبيين حكماً كأولئك الحكام. اللام في قوله : لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ  للبيان كاللام في ( هيت لك ) أي هذا الخطاب وهذا الاستفهام لقوم يوقنون، فإنهم الذين يتيقنون أن لا أعدل من الله ولا أحسن حكماً منه.

### الآية 5:51

> ﻿۞ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَىٰ أَوْلِيَاءَ ۘ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ ۚ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ ۗ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ [5:51]

لا تتخذوهم أولياء تنصرونهم وتستنصرونهم وتؤاخونهم وتصافونهم وتعاشرونهم معاشرة المؤمنين. ثم علل النهي بقوله : بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ  أي إنما يوالي بعضهم بعضاً لاتحاد ملتهم واجتماعهم في الكفر، فما لمن دينه خلاف دينهم ولموالاتهم  وَمَن يَتَوَلَّهُمْ مّنكُمْ فَإِنَّهُ  من جملتهم وحكمه حكمهم. وهذا تغليظ من الله وتشديد في وجوب مجانبة المخالف في الدين واعتزاله، كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" لا تراءى ناراهما " ومنه قول عمر رضي الله عنه لأبي موسى في كاتبه النصراني : لا تكرموهم إذ أهانهم الله، ولا تأمنوهم إذ خوّنهم الله، ولا تدنوهم إذ أقصاهم الله : وروي : أنه قال له أبو موسى : لا قوام للبصرة إلا به، فقال : مات النصراني والسلام، يعني هب أنه قد مات، فما كنت تكون صانعاً حينئذ فاصنعه الساعة، واستغن عنه بغيره  إِنَّ الله لاَ يَهْدِى القوم الظالمين  يعني الذين ظلموا أنفسهم بموالاة الكفر يمنعهم الله ألطافه ويخذلهم مقتاً لهم.

### الآية 5:52

> ﻿فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَىٰ أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ ۚ فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَىٰ مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ [5:52]

يسارعون فِيهِمْ  ينكمشون في موالاتهم ويرغبون فيها ويعتذرون بأنهم لا يأمنون أن تصيبهم دائرة من دوائر الزمان، أي صرف من صروفه ودولة من دوله، فيحتاجون إليهم وإلى معونتهم، وعن عبادة بن الصامت رضي الله عنه أنه قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم : إنّ لي من موالي من يهود كثيراً عددهم، وإني أبرأ إلى الله ورسوله من ولايتهم وأُوالي الله ورسوله فقال عبد الله بن أبيّ : إني رجل أخاف الدوائر لا أبرأ من ولاية مواليّ وهم يهود بني قينقاع. 
 فَعَسَى الله أَن يَأْتِىَ بالفتح  لرسول الله صلى الله عليه وسلم على أعدائه وإظهار المسلمين  أَوْ أَمْرٍ مّنْ عِندِهِ  يقطع شأفة اليهود ويجليهم عن بلادهم، فيصبح المنافقون نادمين على ما حدثوا به أنفسهم : وذلك أنهم كانوا يشكون في أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ويقولون : ما نظن أن يتم له أمر، وبالحري أن تكون الدولة والغلبة لهؤلاء. وقيل أو أمر من عنده : أو أن يؤمر النبيّ صلى الله عليه وسلم بإظهار أسرار المنافقين وقتلهم فيندموا على نفاقهم. وقيل : أو أمر من عند الله لا يكون فيه للناس فعل كبني النضير الذين طرح الله في قلوبهم الرعب. فأعطوا بأيديهم من غير أن يوجف عليهم بخيل ولا ركاب.

### الآية 5:53

> ﻿وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا أَهَٰؤُلَاءِ الَّذِينَ أَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ ۙ إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ ۚ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَأَصْبَحُوا خَاسِرِينَ [5:53]

وَيَقُولُ الذين ءامَنُواْ  قرئ بالنصب عطفاً على أن يأتي. وبالرفع على أنه كلام مبتدأ، أي : ويقول الذين آمنوا في ذلك الوقت : وقرىء :**«يقول »** : بغير واو، وهي في مصاحف مكة والمدينة والشأم كذلك على أنه جواب قائل يقول : فماذا يقول المؤمنون حينئذ ؟ فقيل : يقول الذين آمنوا هؤلاء الذين أقسموا. 
فإن قلت : لمن يقولون هذا القول ؟ قلت : إمّا أن يقوله بعضهم لبعض تعجباً من حالهم واغتباطاً بما منّ الله عليهم من التوفيق في الإخلاص  أهؤلاء الذين أَقْسَمُواْ  لكم بإغلاظ الأيمان أنهم أولياؤكم ومعاضدوكم على الكفار. وإمّا أن يقولوه لليهود لأنهم حلفوا لهم بالمعاضدة والنصرة. كما حكى الله عنهم  وَإِن قُوتِلْتُمْ لَنَنصُرَنَّكُمْ  \[ الحشر : ١١ \].  حَبِطَتْ أعمالهم  من جملة قول المؤمنين، أي بطلت أعمالهم التي كانوا يتكلفونها في رأى أعين الناس. وفيه معنى التعجيب كأنه قيل : ما أحبط أعمالهم ! فما أخسرهم ! أو من قول الله عزّ وجلّ شهادة لهم بحبوط الأعمال وتعجبا من سوء حالهم.

### الآية 5:54

> ﻿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ۚ ذَٰلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ ۚ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ [5:54]

وقرىء :**«من يرتد »** ومن **«يرتدد »**، وهو في الإمام بدالين، وهو من الكائنات التي أخبر عنها في القرآن قبل كونها. وقيل : بل كان أهل الردّة إحدى عشرة فرقة : ثلاث في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم : بنو مدلج، ورئيسهم ذو الخمار وهو الأسود العنسي، وكان كاهناً تنبأ باليمن واستولى على بلاده، وأخرج عمال رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكتب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى معاذ بن جبل وإلى سادات اليمن، فأهلكه الله على يدي فيروز الديلمي بَيَّتَهُ فقتله وأخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقتله ليلة قتل، فسرّ المسلمون وقبض رسول الله صلى الله عليه وسلم من الغد. وأتى خبره في آخر شهر ربيع الأول. 
وبنو حنيفة، قوم مسيلمة تنبأ وكتب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم : من مسيلمة رسول الله إلى محمد رسول الله. أمّا بعد فإن الأرض نصفها لي ونصفها لك. فأجاب عليه الصلاة والسلام :" من محمد رسول الله إلى مسيلمة الكذاب. أمّا بعد، فإن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين " فحاربه أبو بكر رضي الله عنه بجنود المسلمين، وقتل على يدي وحشي قاتل حمزة. وكان يقول : قتلت خير الناس في الجاهلية، وشرّ الناس في الإسلام، أراد في جاهليتي وإسلامي. وبنو أسد : قوم طليحة بن خويلد تنبأ فبعث إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم خالداً فانهزم بعد القتال إلى الشام ثم أسلم وحسن إسلامه. وسبع في عهد أبي بكر رضي الله عنه : فزاره قوم عيينة بن حصين وغطفان قوم قرّة بن سلمة القشيري، وبنو سليم قوم الفجاءة بن عبد يا ليل. 
وبنو يربوع، قوم مالك بن نويرة وبعض تميم قوم سجاح بنت المنذر المتنبئة التي زوّجت نفسها مسيلمة الكذاب، وفيها يقول أبو العلاء المعري في كتاب استغفر واستغفري :

أَمَّتْ سجَاحٌ وَوَالاَهَا مُسَيْلِمَة  كَذَّابَةٌ فِي بَنِي الدُّنْيَا وَكَذَّابُوكندة، قوم الأشعث بن قيس، وبنو بكر بن وائل بالبحرين قوم الحطيم بن زيد، وكفى الله أمرهم على يد أبي بكر رضي الله عنه. وفرقة واحدة في عهد عمر رضي الله عنه : غسان قوم جبلة ابن الأيهم نصرته اللطيمة وسيرته إلى بلاد الروم بعد إسلامه  فَسَوْفَ يَأْتِى الله بِقَوْمٍ  قيل : لما نزلت أشار رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أبي موسى الأشعري فقال :**«قوم هذا »** وقيل : هم ألفان من النخع، وخمسة آلاف من كندة وبجيلة، وثلاثة آلاف من أفناء الناس جاهدوا يوم القادسية. وقيل : هم الأنصار. وقيل : سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عنهم فضرب يده على عاتق سلمان وقال :**«هذا وذووه »** ثم قال :**« لو كان الإيمان معلقاً بالثريا لناله رجال من أبناء فارس »**  يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ  محبة العباد لربهم طاعته وابتغاء مرضاته، وأن لا يفعلوا ما يوجب سخطه وعقابه، ومحبة الله لعباده أن يثيبهم أحسن الثواب على طاعتهم ويعظمهم ويثني عليهم ويرضى عنهم : وأما ما يعتقده أجهل الناس وأعداهم للعلم وأهله وأمقتهم للشرع وأسوأهم طريقة، وإن كانت طريقتهم عند أمثالهم من الجهلة والسفهاء شيئا، وهم الفرقة المفتعلة المتفعلة من الصوف، وما يدينون به من المحبة والعشق، والتغني على كراسيهم خربها الله، وفي مراقصهم عطلها الله، بأبيات الغزل المقولة في المردان الذين يسمونهم شهداء، وصعقاتهم التي أين عنها صعقة موسى عند دكّ الطور، فتعالى الله عنه علواً كبيراً، ومن كلماتهم : كما أنه بذاته يحبهم كذلك يحبون ذاته، فإنّ الهاء راجعة إلى الذات دون النعوت والصفات. ومنها : الحب شرطه أن تلحقه سكرات المحبة، فإذا لم يكن ذلك لم تكن فيه حقيقة. 
فإن قلت : أين الراجع من الجزاء إلى الاسم المتضمن لمعنى الشرط ؟ قلت : هو محذوف معناه : فسوف يأتي الله بقوم مكانهم أو بقوم غيرهم، أو ما أشبه ذلك  أَذِلَّةٍ  جمع ذليل. وأما ذلول فجمعه ذلل. ومن زعم أنه من الذلّ الذي هو نقيض الصعوبة، فقد غبى عنه أن ذلولاً لا يجمع على أذلة. 
فإن قلت : هلا قيل أذلة للمؤمنين أعزة على الكافرين ؟ قلت : فيه وجهان، أحدهما أن يضمن الذلّ معنى الحنوّ والعطف كأنه قيل : عاطفين عليهم على وجه التذلل والتواضع. والثاني : أنهم مع شرفهم وعلو طبقتهم وفضلهم على المؤمنين خافضون لهم أجنحتهم. ونحوه قوله عزّ وجلّ : أَشِدَّاء عَلَى الكفار رُحَمَاء بَيْنَهُمْ  \[ الفتح : ٢٩ \] وقرىء : أذلة وأعزة بالنصب على الحال  وَلاَ يخافون لَوْمَةَ لائِمٍ  يحتمل أن تكون الواو للحال، على أنهم يجاهدون وحالهم في المجاهدة خلاف حال المنافقين، فإنهم كانوا موالين لليهود - لعنت - فإذا خرجوا في جيش المؤمنين خافوا أولياءهم اليهود، فلا يعملون شيئاً مما يعلمون أنه يلحقهم فيه لوم من جهتهم. وأمّا المؤمنون فكانوا يجاهدون لوجه الله لا يخافون لومة لائم قط. وأن تكون للعطف، على أن من صفتهم المجاهدة في سبيل الله، وأنهم صلاب في دينهم، إذا شرعوا في أمر من أمور الدين إنكار منكر أو أمر بمعروف، مضوا فيه كالمسامير المحماة، لا يرعبهم قول قائل ولا اعتراض معترض ولا لومة لائم، يشقّ عليه جدهم في إنكارهم وصلابتهم في أمرهم. واللومة : المرّة من اللوم، وفيها وفي التنكير مبالغتان كأنه قيل : لا يخافون شيئاً قط من لوم أحد من اللوام. و  ذلك  إشارة إلى ما وصف به القوم من المحبة والذلة والعزة والمجاهدة وانتفاء خوف اللومة  يُؤْتِيهُ  يوفق له  مَن يَشَآءُ  ممن يعلم أنّ له لطفاً  واسع  كثير الفواضل والألطاف  عَلِيمٌ  بمن هو من أهلها.

### الآية 5:55

> ﻿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ [5:55]

عقب النهي عن موالاة من تجب معاداتهم ذكر من تجب موالاتهم بقوله تعالى : إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ الله وَرَسُولُهُ والذين ءامَنُواْ  ومعنى ( إنما ) وجوب اختصاصهم بالموالاة. 
فإن قلت : قد ذكرت جماعة فهلا قيل : إنما أولياؤكم ؟ قلت : أصل الكلام : إنما وليكم الله، فجعلت الولاية لله على طريق الأصالة، ثم نظم في سلك إثباتها له إثباتها لرسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين على سبيل التبع، ولو قيل : إنما أولياؤكم الله ورسوله والذين آمنوا، لم يكن في الكلام أصل وتبع وفي قراءة عبد الله :**«إنما مولاكم »**. 
فإن قلت : الذين يُقِيمُونَ  ما محله ؟ قلت : الرفع على البدل من الذين آمنوا، أو على : هم الذين يقيمون. أو النصب على المدح. وفيه تمييز للخلص من الذين آمنوا نفاقاً، أو واطأت قلوبهم ألسنتهم إلا أنهم مفرطون في العمل  وَهُمْ رَاكِعُونَ  الواو فيه للحال، أي يعملون ذلك في حال الركوع وهو الخشوع والإخبات والتواضع لله إذا صلوا وإذا زكوا. وقيل : هو حال من يؤتون الزكاة، بمعنى يؤتونها في حال ركوعهم في الصلاة، وأنها نزلت في عليٍّ كرم الله وجهه حين سأله سائل وهو راكع في صلاته فطرح له خاتمه. كأنه كان مرجاً في خنصره، فلم يتكلف لخلعه كثير عما تفسد بمثله صلاته، 
فإن قلت : كيف صحّ أن يكون لعليّ رضي الله عنه واللفظ لفظ جماعة ؟ قلت : جيء به على لفظ الجمع وإن كان السبب فيه رجلا واحداً، ليرغب الناس في مثل فعله فينالوا مثل ثوابه، ولينبه على أن سجية المؤمنين يجب أن تكون على هذه الغاية من الحرص على البرّ والإحسان وتفقد الفقراء، حتى إن لزهم أمر لا يقبل التأخير وهم في الصلاة، لم يؤخروه إلى الفراغ منها.

### الآية 5:56

> ﻿وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ [5:56]

فَإِنَّ حِزْبَ الله  من إقامة الظاهر مقام المضمر. ومعناه : فإنهم هم الغالبون، ولكنهم بذلك جعلوا أعلاماً لكونهم حزب الله. وأصل الحزب ؟ القوم يجتمعون لأمر حزبهم. ويحتمل أن يريد بحزب الله : الرسول والمؤمنين. ويكون المعنى : ومن يتولهم فقد تولى حزب الله، واعتضد بمن لا يغالب.

### الآية 5:57

> ﻿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِيَاءَ ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ [5:57]

روي أن رفاعة بن زيد وسويد بن الحرث كانا قد أظهرا الإسلام ثم نافقا، وكان رجال من المسلمين يؤادّونهما، فنزلت. يعني أن اتخاذهم دينكم هزواً ولعباً لا يصحّ أن يقابل باتخاذكم إياهم أولياء، بل يقابل ذلك بالبغضاء والشنآن والمنابذة. وفصل المستهزئين بأهل الكتاب والكفار - وإن كان أهل الكتاب من الكفار - إطلاقاً للكفار على المشركين خاصة. والدليل عليه قراءة عبد الله :**«ومن الذين أشركوا »**. وقرىء :**«والكفار »** بالنصب والجرّ. وتعضد قراءة الجرّ قراءة أُبيّ :**«ومن الكفار »**  واتقوا الله  في موالاة الكفار وغيرها  إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ  حقاً ؛ لأن الإيمان حقاً يأبى موالاة أعداء الدين.

### الآية 5:58

> ﻿وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ اتَّخَذُوهَا هُزُوًا وَلَعِبًا ۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْقِلُونَ [5:58]

اتخذوها  الضمير للصلاة أو للمناداة. قيل : كان رجلاً من النصارى بالمدينة إذا سمع المؤذن يقول :( أشهد أن محمداً رسول الله ) قال : حرّق الكاذب، فدخلت خادمه بنار ذات ليلة وهو نائم، فتطايرت منها شرارة في البيت فاحترق البيت، واحترق هو وأهله. وقيل : فيه دليل على ثبوت الأذان بنص الكتاب لا بالمنام وحده  لاَ يَعْقِلُونَ  لأنّ لعبهم وهزؤهم من أفعال السفهاء والجهلة، فكأنه لا عقل لهم.

### الآية 5:59

> ﻿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ هَلْ تَنْقِمُونَ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلُ وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فَاسِقُونَ [5:59]

قرأ الحسن :**«هل تنقمون »** بفتح القاف. والفصيح كسرها. والمعنى هل تعيبون منا وتنكرون إلا الإيمان بالكتب المنزلة كلها  وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فاسقون . 
فإن قلت : علام عطف قوله : وَأَنْ أَكْثَرَكُمْ فاسقون  ؟ قلت : فيه وجوه : منها أن يعطف على أن آمنا، بمعنى : وما تنقمون منا إلا الجمع بين إيماننا وبين تمرّدكم وخروجكم عن الإيمان، كأنه قيل : وما تنكرون منا إلا مخالفتكم حيث دخلنا في دين الإسلام وأنتم خارجون منه. ويجوز أن يكون على تقدير حذف المضاف، أي واعتقاد أنكم فاسقون ومنها أن يعطف على المجرور، أي وما تنقمون منا إلا الإيمان بالله وبما أنزل وبأن أكثركم فاسقون. ويجوز أن تكون الواو بمعنى مع، أي وما تنقمون منا إلا الإيمان مع أنّ أكثركم فاسقون. ويجوز أن يكون تعليلاً معطوفاً على تعليل محذوف، كأنه قيل : وما تنقمون منا إلا الإيمان لقلة إنصافكم وفسقكم واتباعكم الشهوات. ويدل عليه تفسير الحسن : بفسقكم نقمتم ذلك علينا.

### الآية 5:60

> ﻿قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَٰلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ ۚ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ ۚ أُولَٰئِكَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضَلُّ عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ [5:60]

وروي : أنه أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم نفر من اليهود فسألوه عمن يؤمن به من الرسل ؟ فقال :" أومن بالله وما أنزل إلينا إلى قوله : ونحن له مسلمون " فقالوا حين سمعوا ذكر عيسى عليه السلام : ما نعلم أهل دين أقل حظاً في الدنيا والآخرة منكم، ولا ديناً أشرّ من دينكم. فنزلت. وعن نعيم بن ميسرة :**«وإنّ أكثركم »**، بالكسر. ويحتمل أن ينتصب ( وأن أكثركم ) بفعل محذوف يدل عليه هل تنقمون، أي : ولا تنقمون أن أكثركم فاسقون، أو يرتفع على الابتداء والخبر محذوف، أي \[ و \] فسقكم ثابت معلوم عندكم، لأنكم علمتم أنا على الحق وأنكم على الباطل، إلا أن حب الرياسة وكسب الأموال لا يدعكم فتنصفوا  ذلك  إشارة إلى المنقوم، ولا بدّ من حذف مضاف قبله، أو قبل ( من ) تقديره : بشرّ من أهل ذلك، أو دين من لعنه الله. و  مَن لَّعَنَهُ الله  في محل الرفع على قولك : هو من لعنه الله، كقوله تعالى : قُلْ أَفَأُنَبّئُكُم بِشَرّ مّن ذلكم النار  \[ الحج : ٧٢ \] أو في محل الجرّ على البدل من شرّ. وقرىء :**«مثوبة »**. **«ومثوبة »**. ومثالهما : مشورة، ومشورة. 
فإن قلت : المثوبة مختصة بالإحسان، فكيف جاءت في الإساءة ؟ قلت : وضعت المثوبة موضع العقوبة على طريقة قوله :
شع تَحِيَّةُ بَيْنِهِمْ ضَرْبٌ وَجِيعُ. . . 
ومنه  فَبَشّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ  \[ آل عمران : ٢١ \]. 
فإن قلت : المعاقبون من الفريقين هم اليهود، فلم شورك بينهم في العقوبة ؟ قلت : كان اليهود - لعنوا -يزعمون أن المسلمين ضالون مستوجبون للعقاب، فقيل لهم : من لعنه الله شرّ عقوبة في الحقيقة واليقين من أهل الإسلام في زعمكم ودعواكم  وَعَبَدَ الطاغوت  عطف على صلة ( من ) كأنه قيل : ومن عبد الطاغوت. وفي قراءة أبيّ **«وعبدوا الطاغوت »**، على المعنى. وعن ابن مسعود :**«ومن عبدوا »**. وقرىء :**«وعابد الطاغوت »** عطفاً على القردة. **«وعابدي »**. **«وعباد »**. ****«وعبد »****. ****«وعبد »****. ومعناه : الغلوّ في العبودية، كقولهم، رجل حذر وفطن، للبليغ في الحذر والفطنة. قال :

أَبَنِي لُبَيْنَى إنَّ أُمَّكُم  أَمَةٌ وَإنَّ أَبَاكُمُو عَبْدُوعبد بوزن حطم. وعبيد. وعبد - بضمتين - جمع عبيد : وعبدة بوزن كفرة. وعبد، وأصله عبدة، فحذفت التاء للإضافة. أو هو كخدم في جمع خادم. وعبد وعباد. وأعبد، وعبد الطاغوت، على البناء للمفعول، وحذف الراجع، بمعنى : وعبد الطاغوت فيهم، أو بينهم، وعبد الطاغوت بمعنى صار الطاغوت معبوداً من دون الله، كقولك ( أمر ) إذا صار أميراً. وعبد الطاغوت، بالجر عطفاً على  مَن لَّعَنَهُ الله . 
فإن قلت : كيف جاز أن يجعل الله منهم عباد الطاغوت ؟ قلت : فيه وجهان، أحدهما : أنه خذلهم حتى عبدوه. والثاني : أنه حكم عليهم بذلك ووصفهم به، كقوله تعالى :
 وَجَعَلُواْ الملائكة الذين هُمْ عِبَادُ الرحمن إناثا  \[ الزخرف : ١٩ \] وقيل : الطاغوت : العجل ؛ لأنه معبود من دون الله، ولأن عبادتهم للعجل مما زينه لهم الشيطان، فكانت عبادتهم له عبادة للشيطان وهو الطاغوت. وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنه : أطاعوا الكهنة، وكل من أطاع أحداً في معصية الله فقد عبده. وقرأ الحسن :**«الطواغيت »**. وقيل : وجعل منهم القردة أصحاب السبت، والخنازير كفار أهل مائدة عيسى. وقيل : كلا المسخين من أصحاب السبت، فشبانهم مسخوا قردة، ومشايخهم مسخوا خنازير. وروي أنها لما نزلت كان المسلمون يعيرون اليهود ويقولون : يا أخوة القردة والخنازير فينكسون رءوسهم  أولئك  الملعونون الممسوخون  شَرٌّ مَّكَاناً  جعلت الشرارة للمكان وهي لأهله. وفيه مبالغة ليست في قولك : أولئك شرّ وأضلّ، لدخوله في باب الكناية التي هي أخت المجاز. نزلت في ناس من اليهود كانوا يدخلون على رسول الله صلى الله عليه وسلم يظهرون له الإيمان نفاقاً، فأخبره الله تعالى بشأنهم وأنهم يخرجون من مجلسك كما دخلوا، لم يتعلق بهم شيء مما سمعوا به من تذكيرك بآيات الله ومواعظك.

### الآية 5:61

> ﻿وَإِذَا جَاءُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَقَدْ دَخَلُوا بِالْكُفْرِ وَهُمْ قَدْ خَرَجُوا بِهِ ۚ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا يَكْتُمُونَ [5:61]

وقوله :( بالكفر ) و ( به ) حالان، أي دخلوا كافرين وخرجوا كافرين. وتقديره : ملتبسين بالكفر. وكذلك قوله :( وقد دخلوا ) ؛ ( وهم قد خرجوا ) ولذلك دخلت ( قد ) تقريباً للماضي في الحال. ولمعنى آخر : وهو أن أمارات النفاق كانت لائحة عليهم، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم متوقعاً لإظهار الله ما كتموه، فدخل حرف التوقع وهو متعلق بقوله :( قالوا آمنا ) أي قالوا ذلك وهذه حالهم.

### الآية 5:62

> ﻿وَتَرَىٰ كَثِيرًا مِنْهُمْ يُسَارِعُونَ فِي الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ ۚ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [5:62]

الإثم الكذب بدليل قوله تعالى : عَن قَوْلِهِمُ الإثم .  والعدوان  الظلم. وقيل : الإثم كلمة الشرك. وقولهم عزير ابن الله. وقيل : الإثم ما يختص بهم. والعدوان : ما يتعداهم إلى غيرهم. والمسارعة في الشيء الشروع فيه بسرعة.

### الآية 5:63

> ﻿لَوْلَا يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الْإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ ۚ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ [5:63]

لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ  كأنهم جعلوا آثم من مرتكبي المناكير لأن كل عامل لا يسمى صانعاً، ولا كل عمل يسمى صناعة حتى يتمكن فيه ويتدرّب وينسب إليه، وكأن المعنى في ذلك أن مواقع المعصية معه الشهوة التي تدعوه إليها وتحمله على ارتكابها، وأما الذي ينهاه فلا شهوة معه في فعل غيره، فإذا فرط في الإنكار كان أشدّ حالاً من المواقع. ولعمري إن هذه الآية مما يقد السامع وينعي على العلماء توانيهم. وعن ابن عباس رضي الله عنهما : هي أشدّ آية في القرآن. وعن الضحاك : ما في القرآن آية أخوف عندي منها.

### الآية 5:64

> ﻿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ ۚ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا ۘ بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ ۚ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا ۚ وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَىٰ يَوْمِ الْقِيَامَةِ ۚ كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ ۚ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا ۚ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ [5:64]

غل اليد وبسطها مجاز عن البخل والجود، ومنه قوله تعالى : وَلاَ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إلى عُنُقِكَ وَلاَ تَبْسُطْهَا كُلَّ البسط  \[ الإسراء : ٢٩ \] ولا يقصد من يتكلم به إثبات يد ولا غل ولا بسط، ولا فرق عنده بين هذا الكلام وبين ما وقع مجازاً عنه لأنهما كلامان متعقبان على حقيقة واحدة، حتى أنه يستعمله في ملك لا يعطي عطاء قط ولا يمنعه إلا بإشارته من غير استعمال يد وبسطها وقبضها، ولو أعطى الأقطع إلى المنكب عطاء جزيلاً لقالوا : ما أبسط يده بالنوال، لأن بسط اليد وقبضها عبارتان وقعتا متعاقبتين للبخل والجود، وقد استعملوهما حيث لا تصحّ اليد كقوله :

جَادَ الْحِمَى بَسْطُ الْيَدَيْنِ بِوَابِل  شَكَرَتْ نَدَاهُ تِلاَعُه وَوِهَادُهُ**ولقد جعل لبيد للشمال يداً في قوله :**
إذْ أَصْبَحَتْ بِيَدِ الشِّمَالِ زِمَامُهَا \*\*\*
ويقال بسط اليأس كفيه في صدري، فجعلت لليأس الذي هو من المعاني لا من الأعيان كفان. ومن لم ينظر في علم البيان عمي عن تبصر محجة الصواب في تأويل أمثال هذه الآية، ولم يتخلص من يد الطاعن إذا عبثت به. 
فإن قلت : قد صحّ أن قولهم : يَدُ الله مَغْلُولَةٌ  عبارة عن البخل. فما تصنع بقوله : غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ  ؟ ومن حقه أن يطابق ما تقدمه وإلا تنافر الكلام وزل عن سننه ؟ قلت : يجوز أن يكون معناه الدعاء عليهم بالبخل والنكد، ومن ثم كانوا أبخل خلق الله وأنكدهم. ونحوه بيت الأشتر :بَقِيتُ وَفْرى وَانْحَرَفْتُ عَنِ الْعُلا  وَلَقِيتُ أَضْيَافِي بِوَجْهِ عَبُوسِويجوز أن يكون دعاء عليهم بغل الأيدي حقيقة، يغللون في الدنيا أسارى، وفي الآخرة معذبين بأغلال جهنم : والطباق من حيث اللفظ وملاحظة أصل المجاز، كما تقول : سبني سب الله دابره، أي قطعه ؛ لأنَّ السَّب أصله القطع. 
فإن قلت : كيف جاز أن يدعو الله عليهم بما هو قبيح وهو البخل والنكد ؟ قلت : المراد به الدعاء بالخذلان الذي تقسو به قلوبهم، فيزيدون بخلاً إلى بخلهم ونكداً إلى نكدهم، أو بما هو مسبب عن البخل والنكد من لصوق العار بهم وسوء الأحدوثة التي تخزيهم وتمزق أعراضهم. 
فإن قلت : لم ثنيت اليد في قوله تعالى : بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ  وهي مفردة في  يَدُ الله مَغْلُولَةٌ  ؟ قلت : ليكون ردّ قولهم وإنكاره أبلغ وأدل على إثبات غاية السخاء له ونفي البخل عنه. وذلك أنّ غاية ما يبذله السخي بماله من نفسه أن يعطيه بيديه جميعاً فبني المجاز على ذلك. وقرىء :**«ولعنوا »** بسكون العين. وفي مصحف عبد الله :**«بل يداه بسطان »**. يقال : يده بسط بالمعروف. ونحوه مشية شحح وناقة صرح  يُنفِقُ كَيْفَ يَشَاء  تأكيد للوصف بالسخاء، ودلالة على أنه لا ينفق إلا على مقتضى الحكمة والمصلحة. 
روي أن الله تبارك وتعالى كان قد بسط على اليهود حتى كانوا من أكثر الناس مالاً، فلما عصوا الله في محمد صلى الله عليه وسلم وكذبوه كف الله تعالى ما بسط عليهم من السعة، فعند ذلك قال فنحاص ابن عازوراء : يد الله مغلولة، ورضي بقوله الآخرون فأشركوا فيه  وَلَيَزِيدَنَّ  أي يزدادون عند نزول القرآن لحسدهم تمادياً في الجحود وكفروا بآيات الله  وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ العداوة  فكلمهم أبداً مختلف، وقلوبهم شتى، لا يقع اتفاق بينهم ولا تعاضد  كُلَّمَا أَوْقَدُواْ نَاراً  كلما أرادوا محاربة أحد غلبوا وقهروا ولم يقم لهم نصر من الله على أحد قط، وقد أتاهم الإسلام في ملك المجوس. وقيل : خالفوا حكم التوراة فبعث الله عليهم بختنصر ثم أفسدوا فسلط الله عليهم فطرس الرومي ثم أفسدوا فسلط الله عليهم المجوس، ثم أفسدوا فسلط عليهم المسلمين. وقيل : كلما حاربوا رسول الله صلى الله عليه وسلم نصر عليهم. وعن قتادة رضي الله عنه لا تلقى اليهود ببلدة إلا وجدتهم من أذل الناس  وَيَسْعَوْنَ  ويجتهدون في الكيد للإسلام ومحو ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم من كتبهم.

### الآية 5:65

> ﻿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَكَفَّرْنَا عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأَدْخَلْنَاهُمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ [5:65]

وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الكتاب  مع ما عددنا من سيئاتهم  ءامَنُواْ  برسول الله صلى الله عليه وسلم وبما جاء به. وقرنوا إيمانهم بالتقوى التي هي الشريطة في الفوز بالإيمان  لَكَفَّرْنَا عَنْهُمْ  تلك السيئات ولم نؤاخذهم بها  ولأدخلناهم  مع المسلمين الجنة. وفيه إعلام بعظهم معاصي اليهود والنصارى وكثرة سيئاتهم، ودلالة على سعة رحمة الله تعالى وفتحه باب التوبة على كل عاص وإن عظمت معاصيه وبلغت مبالغ سيئات اليهود والنصارى، وأن الإيمان لا ينجي ولا يسعد إلا مشفوعاً بالتقوى، كما قال الحسن : هذا العمود فأين الإطناب.

### الآية 5:66

> ﻿وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ ۚ مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ ۖ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ سَاءَ مَا يَعْمَلُونَ [5:66]

وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُواْ التوراة والإنجيل  أقاموا أحكامهما وحدودهما وما فيهما من نعت رسول الله صلى الله عليه وسلم  وَمَا أُنزِلَ إِلَيْهِمْ  من سائر كتب الله، لأنهم مكلفون الإيمان بجميعها، فكأنها أنزلت إليهم ؛ وقيل : هو القرآن. لوسع الله عليهم الرزق وكانوا قد قحطوا. وقوله : لأَكَلُواْ مِن فَوْقِهِمْ وَمِن تَحْتِ أَرْجُلِهِم  عبارة عن التوسعة. وفيه ثلاث أوجه : أن يفيض عليهم بركات السماء وبركات الأرض وأن يكثر الأشجار المثمرة والزروع المغلة أن يرزقهم الجنان اليانعة الثمار يجتنون ما تهدل منها من رؤوس الشجر، ويلتقطون ما تساقط على الأرض من تحت أرجلهم  مّنْهُمْ أُمَّةٌ مُّقْتَصِدَةٌ  طائفة حالها أمم في عداوة رسول الله صلى الله عليه وسلم وقيل : هي الطائفة المؤمنة عبد الله بن سلام وأصحابه وثمانية وأربعون من النصارى، و  سَاء مَا يَعْمَلُونَ  فيه معنى التعجب، كأنه قيل : وكثير منهم ما أسوأ عملهم، وقيل : هم كعب بن الأشرف وأصحابه والروم.

### الآية 5:67

> ﻿۞ يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ ۖ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ ۚ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ ۗ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ [5:67]

بَلّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ  جميع ما أنزل إليك وأي شيء أنزل إليك غير مراقب في تبليغه أحداً، ولا خائف أن ينالك مكروه  وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ  وإن لم تبلغ جميعه كما أمرتك  فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ  وقرىء :**«رسالاته »**، فلم تبلغ إذاً ما كلفت من أداء الرسالات، ولم تؤدّ منها شيئاً قط، وذلك أن بعضها ليس بأولى بالأداء من بعض، وإن لم تؤدّ بعضها فكأنك أغفلت أداءها جميعاً، كما أن من لم يؤمن ببعضها كان كمن لم يؤمن بكلها، لإدلاء كل منها بما يدليه غيرها. وكونا كذلك في حكم شيء واحد. والشيء الواحد لا يكون مبلغاً غير مبلغ، مؤمناً به غير مؤمن به. وعن ابن عباس رضي الله عنهما : إن كتمت آية لم تبلغ رسالاتي. وروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم :" بعثني الله برسالاته فضقت بها ذرعاً، فأوحى الله إليّ إن لم تبلغ رسالاتي عذبتك. وضمن لي العصمة فقويت " 
فإن قلت : وقوع قوله : فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ  جزاء للشرط ما وجه صحته ؟ قلت : فيه وجهان، أحدهما : أنه إذا لم يمتثل أمر الله في تبيلغ الرسالات وكتمها كلها كأنه لم يبعث رسولاً كان أمراً شنيعاً لاخفاء بشناعته، فقيل : إن لم تبلغ منها أدنى شيء وإن كان كلمة واحدة، فأنت كمن ركب الأمر الشنيع الذي هو كتمان كلها، كما عظم قتل النفس بقوله : فَكَأَنَّمَا قَتَلَ الناس جَمِيعاً  \[ المائدة : ٣٢ \] والثاني : أن يراد : فإن لم تفعل فلك ما يوجبه كتمان الوحي كله من العقاب فوضع السبب موضع المسبب، ويعضده قوله عليه الصلاة والسلام :" فأوحى الله إليّ إن لم تبلغ رسالاتي عذبتك "  والله يَعْصِمُكَ  عدة من الله بالحفظ والكلاءة والمعنى : والله يضمن لك العصمة من أعدائك، فما عذرك في مراقبتهم ؟
فإن قلت : أين ضمان العصمة وقد شجّ في وجهه يوم أحد وكسرت رباعيته صلوات الله عليه ؟ قلت : المراد أنه يعصمه من القتل. وفيه : أن عليه أن يحتمل كل ما دون النفس في ذات الله، فما أشدّ تكليف الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وقيل : نزلت بعد يوم أحد، والناس الكفار بدليل قوله : إِنَّ الله لاَ يَهْدِى القوم الكافرين  ومعناه أنه لا يمكنهم مما يريدون إنزاله بك من الهلاك. وعن أنس : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحرس حتى نزلت، فأخرج رأسه من قبة أدم وقال :" انصرفوا يا أيها الناس فقد عصمني الله من الناس ".

### الآية 5:68

> ﻿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَىٰ شَيْءٍ حَتَّىٰ تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ ۗ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا ۖ فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ [5:68]

لَسْتُمْ على شَىْء  أي على دين يعتد به حتى يسمى شيئاً لفساده وبطلانه، كما تقول : هذا ليس بشيء تريد تحقيره وتصغير شأنه. وفي أمثالهم : أقل من لا شيء  فَلاَ تَأْسَ  فلا تتأسف عليهم لزيادة طغيانهم وكفرهم، فإن ضرر ذلك راجع إليهم لا إليك، وفي المؤمنين غنى عنهم.

### الآية 5:69

> ﻿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصَارَىٰ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ [5:69]

والصابئون  رفع على الابتداء وخبره محذوف، والنية به التأخير عما في حيز إن من اسمها وخبرها، كأنه قيل : إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى حكمهم كذا، والصابئون كذلك، وأنشد سيبويه شاهداً له :وإلاَّ فَاعْلَمُوا أَنَّا وَأَنْتُم  بُغَاةٌ مَا بَقِيْنَا فِي شِقَاقِأي فاعلموا أنا بغاة وأنتم كذلك، 
فإن قلت : هلا زعمت أن ارتفاعه للعطف على محل إن واسمها ؟ قلت : لا يصحّ ذلك قبل الفراغ من الخبر، لا تقول : إن زيداً وعمرو منطلقان. فإن قلت لم لا يصحّ والنية به التأخير، فكأنك قلت : إن زيداً منطلق وعمرو ؟ قلت : لأني إذا رفعته رفعته عطفاً على محل إن واسمها، والعامل في محلهما هو الابتداء، فيجب أن يكون هو العامل في الخبر لأن الابتداء ينتظم الجزأين في عمله كما تنتظمها ( إن ) في عملها ؛ فلو رفعت الصابئون المنويّ به التأخير بالابتداء وقد رفعت الخبر بأنّ، لأعملت فيهما رافعين مختلفين. 
فإن قلت : فقوله والصابئون معطوف لا بد له من معطوف عليه فما هو ؟ قلت : هو مع خبره المحذوف جملة معطوفة على جملة قوله : إِنَّ الذين ءامَنُواْ. . .  الخ ولا محل لها، كما لا محل للتي عطفت عليها، 
فإن قلت : ما التقديم والتأخير إلا لفائدة، فما فائدة هذا التقديم ؟ قلت : فائدته التنبيه على أن الصابئين يتاب عليهم إن صحّ منهم الإيمان والعمل الصالح، فما الظنّ بغيرهم. وذلك أن الصابئين أبين هؤلاء المعدودين ضلالاً وأشدّهم غياً، وما سموا صابئين إلا لأنهم صبئوا عن الأديان كلها، أي خرجوا، كما أن الشاعر قدم قوله :( وأنتم ) تنبيهاً على أن المخاطبين أوغل في الوصف بالبغاة من قومه، حيث عاجل به قبل الخبر الذي هو ( بغاة ) لئلا يدخل قومه في البغي قبلهم، مع كونهم أوغل فيه منهم وأثبت قدماً
فإن قلت : فلو قيل : والصابئين وإياكم لكان التقديم حاصلاً. قلت : لو قيل : هكذا لم يكن من التقديم في شيء، لأنه لا إزالة فيه عن موضعه، وإنما يقال مقدّم ومؤخر للمزال لا للقارّ في مكانه. ومجرى هذه الجملة مجرى الاعتراض في الكلام، 
فإن قلت : كيف قال : الذين آمنوا  ثم قال : مَنْ ءامَنَ  ؟ قلت : فيه وجهان، أحدهما : أن يراد بالذين آمنوا : الذين آمنوا بألسنتهم وهم المنافقون وأن يراد بمن آمن. من ثبت على الإيمان واستقام ولم يخالجه ريبة فيه. 
فإن قلت : ما محل من آمن قلت : إما الرفع على الابتداء وخبره  فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ  والفاء لتضمن المبتدأ معنى الشرط ثم الجملة كما هي خبر إن، وإما النصب على البدل من اسم إن وما عطف عليه، أو من المعطوف عليه. 
فإن قلت : فأين الراجع إلى اسم إن ؟ قلت : هو محذوف تقديره من آمن منهم، كما جاء في موضع آخر. وقرىء :**«والصابيون »**، بياء صريحة، وهو من تخفيف الهمزة، كقراءة من قرأ :**«يستهزيون »**. **«والصابون »** : وهو من صبوت، لأنهم صبوا إلى اتباع الهوى والشهوات في دينهم ولم يتبعوا أدلة العقل والسمع. وفي قراءة أبيّ رضي الله عنه :**«والصابئين »**، بالنصب. وبها قرأ ابن كثير. وقرأ عبد الله :**«يا أيها الذين آمنوا والذين هادوا والصابئون »**.

### الآية 5:70

> ﻿لَقَدْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَأَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ رُسُلًا ۖ كُلَّمَا جَاءَهُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَىٰ أَنْفُسُهُمْ فَرِيقًا كَذَّبُوا وَفَرِيقًا يَقْتُلُونَ [5:70]

لَقَدْ أَخَذْنَا  ميثاقهم بالتوحيد  وَأَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ رُسُلاً  ليقفوهم على ما يأتون وما يذرون في دينهم  كُلَّمَا جَاءهُمْ رَسُولٌ  جملة شرطية وقعت صفة لرسلاً، والراجع محذوف أي رسول منهم  بِمَا لاَ تهوى أَنفُسُهُمْ  بما يخالف هواهم ويضادّ شهواتهم من مشاق التكليف والعمل بالشرائع. 
فإن قلت : أين جواب الشرط فإن قوله : فَرِيقاً كَذَّبُواْ وَفَرِيقاً يَقْتُلُونَ  ناب عن الجواب، لأن الرسول الواحد لا يكون فريقين ولأنه يحسن أن تقول إن أكرمت أخي أخاك أكرمت ؟ قلت : هو محذوف يدل عليه قوله : فَرِيقاً كَذَّبُواْ وَفَرِيقاً يَقْتُلُونَ  كأنه قيل كلما جاءهم رسول منهم ناصبوه، وقوله : فَرِيقاً كَذَّبُواْ  جواب مستأنف لقائل يقول : كيف فعلوا برسلهم ؟
فإن قلت : لم جيء بأحد الفعلين ماضياً وبالآخر مضارعاً ؟ قلت : جيء يقتلون على حكاية الحال الماضية استفظاعاً للقتل واستحضاراً لتلك الحال الشنيعة للتعجب منها. قرىء : أن لا يكون، بالنصب على الظاهر. وبالرفع عن ( أن ) هي المخففة من الثقيلة، أصله : أنه لا يكون فتنة فخففت ( أن ) وحذف ضمير الشأن.

### الآية 5:71

> ﻿وَحَسِبُوا أَلَّا تَكُونَ فِتْنَةٌ فَعَمُوا وَصَمُّوا ثُمَّ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ثُمَّ عَمُوا وَصَمُّوا كَثِيرٌ مِنْهُمْ ۚ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ [5:71]

فإن قلت : كيف دخل فعل الحسبان على ( أن ) التي للتحقيق ؟ قلت : نزل حسبانهم لقوّته في صدورهم منزلة العلم :
فإن قلت : فأين مفعولا حسب ؟ قلت : سدّ ما يشتمل عليه صلة أن وأنّ من المسند والمسند إليه مسدّ المفعولين، والمعنى : وحسب بنو إسرائيل أنه لا يصيبهم من الله فتنة، أي بلاء وعذاب في الدنيا والآخرة  فَعَمُواْ  عن الدين  وَصَمُّواْ  حين عبدوا العجل، ثم تابوا عن عبادة العجل ف  تَابَ الله عَلَيْهِمْ ثُمَّ عَمُواْ وَصَمُّواْ  كرة ثانية بطلبهم المحال غير المعقول في صفات الله وهو الرؤية : وقرىء :**«عموا وصموا »**، بالضم على تقدير عماهم الله وصمهم، أي رماهم وضربهم بالعمى والصمم، كما يقال : نزكته إذا ضربته بالنيزك وركبته إذا ضربته بركبتك  كَثِيرٌ مّنْهُمْ  بدل من الضمير : أو على قولهم : أكلوني البراغيث، أو هو خبر مبتدأ محذوف أي أولئك كثير منهم.

### الآية 5:72

> ﻿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ ۖ وَقَالَ الْمَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ ۖ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ ۖ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ [5:72]

لم يفرق عيسى عليه الصلاة والسلام بينه وبينهم في أنه عبد مربوب كمثلهم، وهو احتجاج على النصارى  إِنَّهُ مَن يُشْرِكْ بالله  في عبادته، أو فيما هو مختص به من صفاته أو أفعاله  فَقَدْ حَرَّمَ الله عَلَيهِ الجنة  التي هي دار الموحدين أي حرّمه دخولها ومنعه منه، كما يمنع المحرّم من المحرّم عليه  وَمَا للظالمين مِنْ أَنصَارٍ  من كلام الله على أنهم ظلموا وعدلوا عن سبيل الحق فيما تقوّلوا على عيسى عليه السلام، فلذلك لم يساعدهم عليه ولم ينصر قولهم ردّه وأنكره، وإن كانوا معظمين له بذلك ورافعين من مقداره. أو من قول عيسى عليه السلام، على معنى : ولا ينصركم أحد فيما تقولون ولا يساعدكم عليه لاستحالته وبعده عن المعقول. أو \[ و \] لا ينصركم ناصر في الآخرة من عذاب الله.

### الآية 5:73

> ﻿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ ۘ وَمَا مِنْ إِلَٰهٍ إِلَّا إِلَٰهٌ وَاحِدٌ ۚ وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ [5:73]

من في قوله : وَمَا مِنْ إله إِلاَّ إله واحد  للاستغراق وهي القدرة مع ( لا ) التي لنفي الجنس في قولك  لاَ إله إِلاَّ الله  والمعنى : وما إله قط في الوجود إلا إله موصوف بالوحدانية لا ثاني له، وهو الله وحده لا شريك له : و ( من ) في قوله : لَيَمَسَّنَّ الذين كَفَرُواْ مِنْهُمْ  للبيان كالتي في قوله تعالى : فاجتنبوا الرجس مِنَ الأوثان  \[ الحج : ٣٠ \]
فإن قلت : فهلا قيل : ليمسنهم عَذَابٌ أَلِيمٌ. قلت : في إقامة الظاهر مقام المضمر فائدة وهي تكرير الشهادة عليهم بالكفر في قوله : لَّقَدْ كَفَرَ الذين قَالُواْ  وفي البيان فائدة أخرى وهي الإعلام في تفسير ( الذين كفروا منهم ) أنهم بمكان من الكفر. والمعنى : ليمسنّ الذين كفروا من النصارى خاصة  عَذَابٌ أَلِيمٌ  أي نوع شديد الألم من العذاب كما تقول : أعطني عشرين من الثياب، تريد من الثياب خاصة لا من غيرها من الأجناس التي يجوز أن يتناولها عشرون. ويجوز أن تكون للتبعيض، على معنى : ليمسنّ الذين بقوا على الكفر منهم، لأنّ كثيراً منهم تابوا من النصرانية.

### الآية 5:74

> ﻿أَفَلَا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ ۚ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ [5:74]

أَفَلاَ يَتُوبُونَ  ألا يتوبون بعد هذه الشهادة المكرّرة عليهم بالكفر. وهذا الوعيد الشديد مما هم عليه. وفيه تعجب من إصرارهم  والله غَفُورٌ رَّحِيمٌ  يغفر لهؤلاء إن تابوا ولغيرهم.

### الآية 5:75

> ﻿مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ ۖ كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ ۗ انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْآيَاتِ ثُمَّ انْظُرْ أَنَّىٰ يُؤْفَكُونَ [5:75]

قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرسل  صفة لرسول، أي ما هو إلا رسول من جنس الرسل الذين خلوا من قبله جاء بآيات من الله كما أتوا بأمثالها، أن أبرأ الله الأبرص وأحيا الموتى على يده، فقد أحيا العصا وجعلها حية تسعى، وفلق بها البحر، وطمس على يد موسى. وإن خلقه من غير ذكر، فقد خلق آدم من غير ذكر ولا أنثى  وَأُمُّهُ صِدّيقَةٌ  أي وما أمه أيضاً إلا كصديقة كبعض النساء المصدّقات للأنبياء المؤمنات بهم، فما منزلتهما إلا منزلة بشرين : أحدهما نبي، والآخر صحابي. فمن أين اشتبه عليكم أمرهما حتى وصفتموهما بما لم يوصف به سائر الأنبياء وصحابتهم ؟ مع أنه لا تميز ولا تفاوت بينهما وبينهم بوجه من الوجوه. ثم صرح ببعدهما عما نسب إليهما في قوله : كَانَا يَأْكُلاَنِ الطعام  لأنّ من احتاج إلى الاغتذاء بالطعام وما يتبعه من الهضم والنفض لم يكن إلا جسماً مركباً من عظم ولحم وعروق وأعصاب وأخلاط وأمزجة مع شهوة وقرم وغير ذلك مما يدل على أنه مصنوع مؤلف مدبر كغيره من الأجسام  كَيْفَ نُبَيّنُ لَهُمُ الأيات  أي الأعلام من الأدلة الظاهرة على بطلان قولهم : أنى يُؤْفَكُونَ  كيف يصرفون عن استماع الحق وتأمله. 
فإن قلت : ما معنى التراخي في قوله ثم انظر ؟ قلت : معناه ما بين العجبين، يعني أنه بين لهم الآيات بياناً عجيباً، وإنّ إعراضهم عنها أعجب منه.

### الآية 5:76

> ﻿قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا ۚ وَاللَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ [5:76]

مَا لاَ يَمْلِكُ  هو عيسى، أي شيئاً لا يستطيع أن يضركم بمثل ما يضركم به الله من البلايا والمصائب في الأنفس والأموال، ولا أن ينفعكم بمثل ما ينفعكم به من صحة الأبدان والسعة والخصب، ولأنّ كل ما يستطيعه البشر من المضارّ والمنافع فبإقدار الله وتمكينه، فكأنه لا يملك منه شيئاً. وهذا دليل قاطع على أن أمره مناف للربوبية، حيث جعله لا يستطيع ضراً ولا نفعاً. وصفة الرب أن يكون قادراً على كل شيء لا يخرج مقدور على قدرته  والله هُوَ السميع العليم  متعلق ب ( أتعبدون )، أي أتشركون بالله ولا تخشونه، وهو الذي يسمع ما تقولون ويعلم ما تعتقدون أو أتعبدون العاجز والله هو السميع العليم الذي يصح منه أن يسمع كل مسموع ويعلم كل معلوم، ولن يكون كذلك إلا وهو حي قادر.

### الآية 5:77

> ﻿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ [5:77]

غَيْرَ الحق  صفة للمصدر أي لا تغلوا في دينكم غلوا غير الحق أي غلوا باطلاً ؛ لأنّ الغلو في الدين غلوَّان غلوّ حق : وهو أن يفحص عن حقائقه ويفتش عن أباعد معانيه، ويجتهد في تحصيل حججه كما يفعل المتكلمون من أهل العدل والتوحيد رضوان الله عليهم. وغلوّ باطل وهو أن يتجاوز الحق ويتخطاه بالإعراض عن الأدلة واتباع الشبه، كما يفعل أهل الأهواء والبدع  قَدْ ضَلُّواْ مِن قَبْلُ  هم أئمتهم في النصرانية، كانوا على الضلال قبل مبعث النبي صلى الله عليه وسلم  وَأَضَلُّواْ كَثِيراً  ممن شايعهم على التثليث  وَضَلُّواْ  لما بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم  عَن سَوَاء السبيل  حين كذبوه وحسدوه وبغوا عليه.

### الآية 5:78

> ﻿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَىٰ لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ۚ ذَٰلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ [5:78]

نزّل الله لعنهم في الزبور  على لِسَانِ دَاوُودُ  وفي الإنجيل على لسان عيسى. وقيل إن أهل أيلة، لما اعتدوا في السبت قال داود عليه السلام : اللَّهم العنهم واجعلهم آية، فمسخوا قردة. ولما كفر أصحاب عيسى عليه السلام بعد المائدة قال عيسى عليه السلام : اللَّهم عذب من كفر بعد ما أكل من المائدة عذاباً لم تعذبه أحداً من العالمين، والعنهم كما لعنت أصحاب السبت، فأصبحوا خنازير وكانوا خمسة آلاف رجل، ما فيهم امرأة ولا صبيّ  ذلك بِمَا عَصَواْ  أي لم يكن ذلك اللعن الشنيع الذي كان سبب المسخ، إلا لأجل المعصية والاعتداء، لا لشيء آخر.

### الآية 5:79

> ﻿كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ ۚ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ [5:79]

ثم فسر المعصية والاعتداء بقوله : كَانُواْ لاَ يتناهون  لا ينهى بعضهم بعضاً  عَن مُّنكَرٍ فَعَلُوهُ  ثم قال : لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ  للتعجيب من سوء فعلهم، مؤكداً لذلك بالقسم، فيا حسرة على المسلمين في إعراضهم عن باب التناهي عن المناكير، وقلة عبثهم به، كأنه ليس من ملة الإسلام في شيء مع ما يتلون من كلام الله وما فيه من المبالغات في هذا الباب. فإن قلت كيف وقع ترك التناهي عن المنكر تفسيراً للمعصية والاعتداء ؟ قلت : من قبل أنّ الله تعالى أمر بالتناهي، فكان الإخلال به معصية وهو اعتداء، لأنّ في التناهي حسماً للفساد فكان تركه على عكسه. 
فإن قلت : ما معنى وصف المنكر بفعلوه، ولا يكون النهي بعد الفعل ؟ قلت : معناه لا يتناهون عن معاودة منكر فعلوه، أو عن مثل منكر فعلوه، أو عن منكر أرادوا فعله، كما ترى أمارات الخوض في الفسق وآلاته تسوّى وتهيأ فتنكر. ويجوز أن يراد : لا ينتهون ولا يمتنعون عن منكر فعلوه، بل يصبرون عليه ويداومون على فعله. يقال : تناهى عن الأمر وانتهى عنه إذا امتنع منه وتركه.

### الآية 5:80

> ﻿تَرَىٰ كَثِيرًا مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا ۚ لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ [5:80]

ترى كَثِيراً مّنْهُمْ  هم منافقو أهل الكتاب، كانوا يوالون المشركين ويصافونهم  أَن سَخِطَ الله عَلَيْهِمْ  هو المخصوص بالذمّ، ومحله الرفع، كأنه قيل : لبئس زادهم إلى الآخرة سخط الله عليهم. والمعنى : موجب سخط الله.

### الآية 5:81

> ﻿وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ وَلَٰكِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ فَاسِقُونَ [5:81]

وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ  إيماناً خالصاً غير نفاق ما اتخذوا المشركين  أَوْلِيَاء  يعني أنّ موالاة المشركين كفى بها دليلاً على نفاقهم، وأنّ إيمانهم ليس بإيمان  ولكن كَثِيراً مّنْهُمْ فاسقون  متمرّدون في كفرهم ونفاقهم. وقيل معناه : ولو كانوا يؤمنون بالله وموسى كما يدّعون، ما اتخذوا المشركين أولياء كما لم يوالهم المسلمون.

### الآية 5:82

> ﻿۞ لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا ۖ وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَىٰ ۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ [5:82]

وصف الله شدّة شكيمة اليهود وصعوبة إجابتهم إلى الحق ولين عريكة النصارى وسهولة ارعوائهم وميلهم إلى الإسلام، وجعل اليهود قرناء المشركين في شدّة العداوة للمؤمنين، بل نبه على تقدّم قدمهم فيها بتقديمهم على الذين أشركوا، وكذلك فعل في قوله : وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ الناس على حياة وَمِنَ الذين أَشْرَكُواْ  \[ البقرة : ٩٦ \] ولعمري إنهم لكذلك وأشدّ. وعن النبيّ صلى الله عليه وسلم :" ما خلا يهوديان بمسلم إلا هما بقتله " وعلل سهولة مأخذ النصارى وقرب مودّتهم للمؤمنين  بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسّيسِينَ وَرُهْبَاناً  أي علماء وعباداً  وَإِنَّهُمْ  قوم فيهم تواضع واستكانة ولا كبر فيهم، واليهود على خلاف ذلك. وفيه دليل بين على أنّ التعلم أنفع شيء وأهداه إلى الخير وأدله على الفوز حتى علم القسيسين، وكذلك غم الآخرة والتحدّث بالعاقبة وإن كان في راهب، والبراءة من الكبر وإن كانت في نصراني. ووصفهم الله برقة القلوب وأنهم يبكون عند استماع القرآن، وذلك نحو ما يحكى عن النجاشيّ رضي الله عنه أنه قال لجعفر بن أبي طالب - حين اجتمع في مجلسه المهاجرون إلى الحبشة والمشركون لعنوا وهم يغرونه عليهم ويتطلبون عنتهم عنده - : هل في كتابكم ذكر مريم ؟ قال جعفر : فيه سورة تنسب إليها، فقرأها إلى قوله : ذلك عِيسَى ابن مَرْيَمَ  \[ مريم : ٣٤ \] وقرأ سورة طه إلى قوله : وَهَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ موسى  \[ طه : ٩ \] فبكى النجاشي وكذلك فعل قومه الذين وفدوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم سبعون رجلاً حين قرأ عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم سورة يس. فبكوا. 
فإن قلت : بم تعلقت اللام في قوله : لِلَّذِينَ ءامَنُواْ  ؟ قلت : بعداوة ومودّة، على أنّ عداوة اليهود التي اختصت المؤمنين أشدّ العداوات وأظهرها، وأن مودّة النصارى التي اختصت المؤمنين أقرب المودّات، وأدناها وجوداً، وأسهلها حصولاً. ووصف اليهود بالعداوة والنصارى بالمودّة مما يؤذن بالتفاوت، ثم وصف العداوة والمودّة بالأشدّ والأقرب.

### الآية 5:83

> ﻿وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَىٰ أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ ۖ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ [5:83]

فإن قلت : ما معنى قوله : تَفِيضُ مِنَ الدمع  قلت : معناه تمتلئ من الدمع حتى تفيض، لأن الفيض أن يمتلئ الإناء أو غيره حتى يطلع ما فيه من جوانبه، فوضع الفيض الذي هو من الامتلاء موضع الامتلاء، وهو من إقامة المسبب مقام السبب، أو قصدت المبالغة في وصفهم بالبكاء فجعلت أعينهم كأنها تفيض بأنفسها، أي تسيل من الدمع من أجل البكاء من قولك دمعت عينه دمعاً
فإن قلت : أي فرق بين من ومن في قوله : مِمَّا عَرَفُواْ مِنَ الحق  ؟ قلت الأولى لابتداء الغاية، على أن فيض الدمع ابتدأ ونشأ من معرفة الحق، وكان من أجله وبسببه. والثانية لتبيين الموصول الذي هو ما عرفوا. وتحتمل معنى التبعيض على أنهم عرفوا بعض الحق، فأبكاهم وبلغ منهم، فكيف إذا عرفوه كله وقرأوا القرآن وأحاطوا بالسنة ؟ وقرىء **«ترى أعينهم »** على البناء للمفعول  رَبَّنَا ءامَنَّا  المراد به إنشاء الإيمان، والدخول فيه  فاكتبنا مَعَ الشاهدين  مع أمّة محمد صلى الله عليه وسلم الذين هم شهداء على سائر الأمم يوم القيامة  لّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى الناس  \[ البقرة : ١٤٣ \] وقالوا ذلك لأنهم وجدوا ذكرهم في الإنجيل كذلك.

### الآية 5:84

> ﻿وَمَا لَنَا لَا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا جَاءَنَا مِنَ الْحَقِّ وَنَطْمَعُ أَنْ يُدْخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ [5:84]

وَمَا لَنَا لاَ نُؤْمِنُ بالله  إنكار استبعاد لانتفاء الإيمان مع قيام موجبه وهو الطمع في إنعام الله عليهم بصحبة الصالحين، وقيل : لما رجعوا إلى قومهم لاموهم فأجابوهم بذلك. أو أرادوا : وما لنا لا نؤمن بالله وحده لأنهم كانوا مثلثين، وذلك ليس بإيمان بالله : ومحل ( لا نؤمن ) النصب على الحال، بمعنى : غير مؤمنين، كقولك مالك قائماً. والواو في  وَنَطْمَعُ  واو الحال. 
فإن قلت : ما العامل في الحال الأولى والثانية ؟ قلت : العامل في الأولى ما في اللام من معنى الفعل، كأنه قيل : أي شيء حصل لنا غير مؤمنين، وفي الثانية معنى هذا الفعل، ولكن مقيداً بالحال الأولى ؛ لأنك لو أزلتها وقلت : وما لنا ونطمع، لم يكن كلاماً. ويجوز أن يكون ( ونطمع ) حالاً من لا نؤمن، على أنهم أنكروا على نفوسهم أنهم لا يوحدون الله، ويطمعون مع ذلك أن يصحبوا الصالحين، وأن يكون معطوفاً على لا نؤمن على معنى : وما لنا نجمع بين التثليث وبين الطمع في صحبة الصاحين، أو على معنى : وما لنا لا نجمع بينهما بالدخول في الإسلام، لأن الكافر ما ينبغي له أن يطمع في صحبة الصالحين.

### الآية 5:85

> ﻿فَأَثَابَهُمُ اللَّهُ بِمَا قَالُوا جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ۚ وَذَٰلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ [5:85]

قرأ الحسن :**«فآتاهم »**  بِمَا قَالُواْ  بما تكلموا به عن اعتقاد وإخلاص، من قولك : هذا قول فلان، أي اعتقاده وما يذهب إليه.

### الآية 5:86

> ﻿وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَٰئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ [5:86]

\[سورة المائدة (٥) : الآيات ٨٢ الى ٨٦\]

 لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَداوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قالُوا إِنَّا نَصارى ذلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْباناً وَأَنَّهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ (٨٢) وَإِذا سَمِعُوا ما أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنا آمَنَّا فَاكْتُبْنا مَعَ الشَّاهِدِينَ (٨٣) وَما لَنا لا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَما جاءَنا مِنَ الْحَقِّ وَنَطْمَعُ أَنْ يُدْخِلَنا رَبُّنا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ (٨٤) فَأَثابَهُمُ اللَّهُ بِما قالُوا جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَذلِكَ جَزاءُ الْمُحْسِنِينَ (٨٥) وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَحِيمِ (٨٦)
 وصف اللَّه شدّة شكيمة اليهود وصعوبة إجابتهم إلى الحق **«١»** ولين عريكة النصارى وسهولة ارعوائهم وميلهم إلى الإسلام، وجعل اليهود قرناء المشركين في شدّة العداوة للمؤمنين، بل نبه على تقدّم قدمهم فيها بتقديمهم على الذين أشركوا، وكذلك فعل في قوله (وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلى حَياةٍ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا) ولعمري إنهم لكذلك وأشدّ. وعن النبىّ صلى اللَّه عليه وسلم **«ما خلا يهوديان بمسلم إلا هما بقتله»** **«٢»** وعلل سهولة مأخذ النصارى وقرب مودّتهم للمؤمنين بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْباناً أى علماء وعباداً وَأَنَّهُمْ قوم فيهم تواضع واستكانة ولا كبر فيهم، واليهود على خلاف ذلك. وفيه دليل بين على أنّ التعلم أنفع
 (١). قال محمود: **«وصف اللَّه تعالى شدة شكيمة اليهود وصعوبة إجابتهم... الخ»** قال أحمد: وإنما قال (الَّذِينَ قالُوا إِنَّا نَصارى) ولم يقل: النصارى، تعريضا بصلابة اليهود في الكفر والامتناع من الامتثال للأمر، لأن اليهود قيل لهم (ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَلا تَرْتَدُّوا عَلى أَدْبارِكُمْ). فقابلوا ذلك بأن قالوا (فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقاتِلا إِنَّا هاهُنا قاعِدُونَ) والنصارى قالوا (نَحْنُ أَنْصارُ اللَّهِ) ومن ثم سموا نصارى، وكذلك أيضا ورد أول هذه السورة (وَمِنَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّا نَصارى أَخَذْنا مِيثاقَهُمْ فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ) فأسند ذلك إلى قولهم، والاشارة به إلى قولهم (نَحْنُ أَنْصارُ اللَّهِ) لكنه هاهنا ذكر تنبيها على أنهم لم يثبتوا على الميثاق، ولا على ما قالوه من أنهم أنصار اللَّه، وفي الآية الثانية ذكر تنبيها على أنهم أقرب حالا من اليهود، لأنهم لما ورد عليهم الأمر لم يكافحوه بالرد مكافحة اليهود، بل قالوا (نَحْنُ أَنْصارُ اللَّهِ) واليهود قالت (فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقاتِلا إِنَّا هاهُنا قاعِدُونَ) فهذا سره واللَّه أعلم.
 (٢). أخرجه الثعلبي وابن مردويه وابن حبان في الضعفاء من رواية يحيى بن عبيد اللَّه عن أبيه. عن أبى هريرة وفي رواية ابن حبان **«يهودى»** على الافراد.

شيء وأهداه إلى الخير وأدله على الفوز حتى علم القسيسين، وكذلك غم الآخرة والتحدّث بالعاقبة وإن كان في راهب، والبراءة من الكبر وإن كانت في نصراني. ووصفهم اللَّه برقة القلوب وأنهم يبكون عند استماع القرآن، وذلك نحو ما يحكى عن النجاشىّ رضى اللَّه عنه أنه قال لجعفر بن أبى طالب- حين اجتمع في مجلسه المهاجرون إلى الحبشة والمشركون لعنوا وهم يغرونه عليهم ويتطلبون عنتهم عنده-: هل في كتابكم ذكر مريم؟ قال جعفر: فيه سورة تنسب إليها، فقرأها إلى قوله: (ذلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ) وقرأ سورة طه إلى قوله: (وَهَلْ أَتاكَ حَدِيثُ مُوسى) فبكى النجاشي **«١»** وكذلك فعل قومه الذين وفدوا على رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم وهم سبعون رجلا حين قرأ عليهم رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم سورة يس، فبكرا. فإن قلت: بم تعلقت اللام في قوله لِلَّذِينَ آمَنُوا؟ قلت: بعداوة ومودّة، على أنّ عداوة اليهود التي اختصت المؤمنين أشدّ العداوات وأظهرها، وأن مودّة النصارى التي اختصت المؤمنين أقرب المودّات، وأدناها وجوداً، وأسهلها حصولا. ووصف اليهود بالعداوة والنصارى بالمودّة مما يؤذن بالتفاوت، ثم وصف العداوة والمودّة بالأشدّ والأقرب. فإن قلت: ما معنى قوله: (تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ) **«٢»** قلت: معناه تمتلئ من الدمع حتى تفيض، لأن الفيض أن يمتلئ الإناء أو غيره حتى يطلع ما فيه من جوانبه، فوضع الفيض الذي هو من الامتلاء موضع الامتلاء، وهو من إقامة

 (١). لم أجده قلت أظن صاحب الكشاف ذكره بالمعنى من قصة جعفر بن أبى طالب مع عمرو بن العاص لما أرسلته قريش بهديتها إلى النجاشي ليدفع إليهم جعفراً ورفقاءه فان معنى ما ذكر موجوداً فيها إلا قراءة طه. أخرجه ابن إسحاق في المغازي. من طريق ابن حبان من حديث أم سلمة. وقوله: وكذلك فعل قومه أى النجاشي الذين وفدوا على رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم. وهم سبعون رجلا حين قرأ النبي صلى اللَّه عليه وسلم سورة يس: الطبري من رواية قيس بن الربيع. عن سالم الأفطس عن سعيد بن جبير في قوله ذلك بأن منهم قسيسين ورهبانا. قال نعم رسل النجاشي الذين أرسلت وإسلام قومهم وكانوا سبعين رجلا فدخلوا على رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم فقرأ عليهم يس. فبكوا وعرفوا الحق. فنزلت ونزل فيهم أيضا (الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ) وأخرجه ابن مردويه من وجه آخر عن قيس. [.....]
 (٢). عاد كلامه. قال: **«إن قلت ما معنى قوله: (تَرى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ... ) الخ»** قال أحمد: وهذه العبارة من أبلغ العبارات، وأنهاها وهي ثلاث مراتب، فالأولى: فاض دمع عينه، وهذا هو الأصل. والثانية:
 محولة من هذه. وهي قول القائل: فاضت عينه دمعا حولت الفعل إلى العين مجازا ومبالغة، ثم نبهت على الأصل والحقيقة بنصب ما كان فاعلا على التمييز. والثالثة: فيها هذا التحويل المذكور، وهي الواردة في الآية، إلا أنها أبلغ من الثانية باطراح المنبهة على الأصل وعدم نصب التمييز، وإبرازه في صورة التعليل واللَّه أعلم. وإنما كان الكلام مع التعليل أبعد عن الأصل منه مع التمييز لأن التمييز في مثله قد استقر كونه فاعلا في الأصل في مثل:
 تصبب زيد عرقا، وتفقأ عمرو شحما، واشتعل الرأس شيبا، وتفجرت الأرض عيونا. فإذا قلت: فاضت عينه دمعا، فهم هذا الأصل في العادة في أمثاله. وأما التعليل فلم يعهد فيه ذلك. ألا تراك تقول: فاضت عينه من ذكر اللَّه كما تقول فاضت عينه من الدمع، فلا يفهم التعليل ما يفهم التمييز واللَّه الموفق.

### الآية 5:87

> ﻿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا ۚ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ [5:87]

طيبات مَا أَحَلَّ الله لَكُمْ  ما طاب ولذ من الحلال. ومعنى  لاَ تُحَرّمُواْ  لا تمنعوها أنفسكم كمنع التحريم. أو لا تقولوا حرّمناها على أنفسنا مبالغة منكم في العزم على تركها تزهداً منكم وتقشفاً وروي : أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم وصف القيامة يوماً لأصحابه، فبالغ وأشبع الكلام في الإنذار، فرقوا واجتمعوا في بيت عثمان بن مظعون، واتفقوا على أن لا يزالوا صائمين قائمين، وأن لا يناموا على الفرش ولا يأكلوا اللحم والودك، ولا يقربوا النساء والطيب، ويرفضوا الدنيا ويلبسوا المسوح ويسيحوا في الأرض، ويجبوا مذاكيرهم فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لهم :**« إني لم أومر بذلك، إن لأنفسكم عليكم حقاً، فصوموا وأفطروا، وقوموا وناموا، فإني أقوم وأنام وأصوم وأفطر، وآكل اللحم والدسم، وآتي النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني »** ونزلت. وروي : أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يأكل الدجاج والفالوذ، وكان يعجبه الحلواء والعسل. وقال :**« إن المؤمن حلو يحب الحلاوة »**، وعن ابن مسعود أن رجلاً قال له : إني حرمت الفراش فتلا هذه الآية وقال : نم على فراشك وكفر عن يمينك. وعن الحسن أنه دعي إلى طعام ومعه فرقد السنجيّ وأصحابه، فقعدوا على المائدة وعليها الألوان من الدجاج المسمن والفالوذ وغير ذلك، فاعتزل فرقد ناحية، فسأل الحسن : أهو صائم ؟ قالوا : لا، ولكنه يكره هذه الألوان. فأقبل الحسن عليه وقال : يا فريقد، أترى لعاب النحل بلباب البرّ بخالص السمن يعيبه مسلم. وعنه أنه قيل له. فلان لا يأكل الفالوذ ويقول : لا أؤدّي شكره. قال : أفيشرب الماء البارد ؟ قالوا : نعم. قال : إنه جاهل، إن نعمة الله عليه في الماء البارد أكثر من نعمته عليه في الفالوذ. وعنه أن الله تعالى أدّب عباده فأحسن أدبهم. قال الله تعالى : لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مّن سَعَتِهِ  \[ الطلاق : ٧ \] ما عاب الله قوماً وسع عليهم الدنيا فتنعموا وأطاعوا، ولا عذر قوماً زواهاً عنهم فعصوه  وَلاَ تَعْتَدُواْ  ولا تتعدوا حدود ما أحل الله لكم إلى ما حرّم عليكم. أو ولا تسرفوا في تناول الطيبات. أو جعل تحريم الطيبات اعتداء وظلماً، فنهى عن الاعتداء ليدخل تحته النهي عن تحريمها دخولاً أولياً لوروده على عقبه أو أراد ولا تعتدوا بذلك.

### الآية 5:88

> ﻿وَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلَالًا طَيِّبًا ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ [5:88]

وَكُلُواْ مِمَّا رَزَقَكُمُ الله  أي من الوجوه الطيبة التي تسمى رزقاً  حلالا  حال مما رزقكم الله  واتقوا الله  تأكيد للتوصية بما أمر به. وزاده تأكيداً بقوله : الذى أَنتُم بِهِ مُؤْمِنُونَ  لأنّ الإيمان به يوجب التقوى في الانتهاء إلى ما أمر به وعما نهى عنه.

### الآية 5:89

> ﻿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَٰكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ ۖ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ ۖ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ۚ ذَٰلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ ۚ وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ ۚ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ [5:89]

اللغو في اليمين : الساقط الذي لا يتعلق به حكم : واختلف فيه، فعن عائشة رضي الله عنها أنها سئلت عنه فقالت : هو قول الرجل **«لا والله، بلى والله »** وهو مذهب الشافعي. وعن مجاهد : هو الرجل يحلف على الشيء يرى أنه كذلك وليس كما ظن. وهو مذهب أبي حنيفة رحمه الله  بِمَا عَقَّدتُّمُ الأيمان  بتعقيدكم الأيمان وهو توثيقها بالقصد والنية. وروي أن الحسن رضي الله عنه سئل عن لغو اليمين وكان عنده الفرزدق فقال : يا أبا سعيد، دعني أجب عنك فقال :

وَلَسْتُ بِمَأْخُوذِ بِلَغْوٍ تَقُولُه  إِذَا لَمْ تَعَمَّدْ عَاقِدَاتِ الْعَزَائِمِوقرىء :**«عقدتم »**، بالتخفيف. **«وعاقدتم »**. والمعنى : ولكن يؤاخذكم بما عقدتم إذا حنثتم، فحذف وقت المؤاخذة. لأنه كان معلوماً عندهم، أو بنكث ما عقدتم. فحذف المضاف  فَكَفَّارَتُهُ  فكفارة نكثه. والكفارة : الفعلة التي من شأنها أن تكفر الخطيئة أي تسترها  مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ  من أقصده، لأنّ منهم من يسرف في إطعام أهله، ومنهم من يقتر وهو عند أبي حنيفة رحمه الله نصف صاع من برّ أو صاع من غيره لكل مسكين، أو يغذيهم ويعشيهم. وعند الشافعي رحمه الله : مدّ لكل مسكين. وقرأ جعفر بن محمد :**«أهاليكم »**، بسكون الياء، والأهالي : اسم جمع لأهل : كالليالي في جمع ليلة، والأراضي في جمع أرض. وقولهم :( أهلون ) كقولهم ( أرضون ) بسكون الراء. وأما تسكين الياء في حال النصب فللتخفيف، كما قالوا : رأيت معد يكرب، تشبيها للياء بالألف  أَوْ كِسْوَتُهُمْ  عطف على محل ( من أوسط ) وقرىء بضم الكاف، ونحوه : قُدوة في قِدوة، وأسوة في إسوة، والكسوة ثوب يغطي العورة، وعن ابن عباس رضي الله عنه كانت العباءة تجزيء يومئذٍ. وعن ابن عمر : إزار أو قميص أو رداء أو كساء. وعن مجاهد : ثوب جامع. وعن الحسن : ثوبان أبيضان. وقرأ سعيد بن المسيب واليماني :**«أو كأسوتهم »**، بمعنى : أو مثل ما تطعمون أهليكم إسرافاً كان أو تقتيراً. لا تنقصونهم عن مقدار نفقتهم، ولكن تواسون بينهم وبينهم. 
فإن قلت : ما محل الكاف ؟ قلت : الرفع، تقديره : أو طعامهم كأسوتهم، بمعنى : كمثل طعامهم إن لم يطعموهم الأوسط  أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ  شرط الشافعي رحمه الله الإيمان قياساً على كفارة القتل. وأما أبو حنيفة وأصحابه، فقد جوّزوا تحرير الرقبة الكافرة في كل كفارة سوى كفارة القتل. 
فإن قلت : ما معنى أو ؟ قلت : التخيير وإيجاب إحدى الكفارات الثلاث على الاطلاق، بأيتها أخذ المكفر فقد أصاب  فَمَن لَّمْ يَجِدْ  إحداها  فَصِيَامُ ثلاثة أَيَّامٍ  متتابعات عند أبي حنيفة رحمه الله، تمسكاً بقراءة أبيّ وابن مسعود رضي الله عنهما :**«فصيام ثلاثة أيام متتابعات »**. وعن مجاهد : كل صوم متتابع إلا قضاء رمضان، ويخير في كفارة اليمين  ذلك  المذكور  كَفَّارَةُ أيمانكم  ولو قيل : تلك كفارة أيمانكم، لكان صحيحاً بمعنى تلك الأشياء أو لتأنيث الكفارة. 
والمعنى  إِذَا حَلَفْتُمْ  وحنثتم. فترك ذكر الحنث لوقوع العلم بأنّ الكفارة إنما تجب بالحنث في الحلف، لا بنفس الحلف، والتكفير قبل الحنث لا يجوز عند أبي حنيفة وأصحابه ويجوز عند الشافعي بالمال إذا لم يعص الحانث  واحفظوا أيمانكم  فبروا فيها ولا تحنثوا أراد الأيمان التي الحنث فيها معصية، لأن الأيمان اسم جنس يجوز إطلاقه على بعض الجنس وعلى كله. وقيل : احفظوها بأن تكفروها. وقيل : احفظوها كيف حلفتم بها، ولا تنسوها تهاوناً بها  كذلك  مثل ذلك البيان  يُبَيّنُ الله لَكُمْ آياته  أعلام شريعته وأحكامه  لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ  نعمته فيما يعلمكم ويسهل عليكم المخرج منه.

### الآية 5:90

> ﻿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ [5:90]

أكد تحريم الخمر والميسر وجوهاً من التأكيد منها تصدير الجملة بإنما، ومنها أنه قرنهما بعبادة الأصنام، ومنه قوله عليه الصلاة والسلام **« شارب الخمر كعابد الوثن »** ومنها أنه جعلهما رجساً، كما قال تعالى : فاجتنبوا الرجس مِنَ الأوثان  \[ الحج : ٣٠ \] ومنها أنه جعلهما من عمل الشيطان، والشيطان لا يأتي منه إلا الشر البحت، ومنها أنه أمر بالاجتناب. ومنها أنه جعل الاجتناب من الفلاح، وإذا كان الاجتناب فلاحاً، كان الارتكاب خيبة ومحقة. ومنها أنه ذكر ما ينتج منهما من الوبال، وهو وقوع التعادي والتباغض من أصحاب الخمر والقمر، وما يؤدّيان إليه من الصدّ عن ذكر الله، وعن مراعاة أوقات الصلاة.

### الآية 5:91

> ﻿إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ ۖ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ [5:91]

وقوله : فَهَلْ أَنْتُمْ مُّنتَهُونَ  من أبلغ ما ينهى عنه، كأنه قيل : قد تلي عليكم ما فيهما من أنواع الصوارف والموانع، فهل أنتم مع هذه الصوارف منتهون. أم أنتم على ما كنتم عليه، كأن لم توعظوا ولم تزجروا ؟
فإن قلت : إلام يرجع الضمير في قوله : فاجتنبوه  ؟ قلت : إلى المضاف المحذوف، كأنه قيل : إنما شأن الخمر والميسر أو تعاطيهما أو ما أشبه ذلك. ولذلك قال : رِجْسٌ مّنْ عَمَلِ الشيطان 
فإن قلت : لم جمع الخمر والميسر مع الأنصاب والأزلام أولاً ثم أفردهما آخراً ؟ قلت : لأن الخطاب مع المؤمنين. وإنما نهاهم عما كانوا يتعاطونه من شرب الخمر واللعب بالميسر، وذكر الأنصاب والأزلام لتأكيد تحريم الخمر والميسر، وإظهار أنّ ذلك جميعاً من أعمال الجاهلية وأهل الشرك، فوجب اجتنابه بأسره، وكأنه لا مباينة بين من عبد صنماً وأشرك بالله في علم الغيب، وبين من شرب خمراً أو قامر، ثم أفردهما بالذكر ليرى أن المقصود بالذكر الخمر والميسر. وقوله : وَعَنِ الصلاة  اختصاص للصلاة من بين الذكر كأنه قيل : وعن الصلاة خصوصاً.

### الآية 5:92

> ﻿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا ۚ فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَىٰ رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ [5:92]

واحذروا  وكونوا حذرين خاشين، لأنهم إذا حذروا دعاهم الحذر إلى اتقاء كل سيئة وعمل كل حسنة. ويجوز أن يراد : واحذروا ما عليكم في الخمر ولميسر، أو في ترك طاعة الله والرسول  فَإِن تَوَلَّيْتُمْ فاعلموا  أنكم لم تضروا بتوليكم الرسول، لأنّ الرسول ما كلف إلا البلاغ المبين بالآيات، وإن ضررتم أنفسكم حين أعرضتم عما كلفتم.

### الآية 5:93

> ﻿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا وَآمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا ۗ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ [5:93]

رفع الجناح عن المؤمنين في أي شيء طعموه من مستلذات المطاعم ومشتهياتها  إِذَا مَا اتقوا  ما حرم عليهم منها  وَءامَنُواْ  وثبتوا على الإيمان والعمل الصالح وازدادوه  ثُمَّ اتَّقَواْ وَءامَنُواْ  ثم ثبتوا على التقوى والإيمان  ثُمَّ اتَّقَواْ وَّأَحْسَنُواْ  ثم ثبتوا على اتقاء المعاصي وأحسنوا أعمالهم، أو أحسنوا إلى الناس : واسوهم بما رزقهم الله من الطيبات. وقيل لما نزل تحريم الخمر قالت الصحابة : يا رسول الله، فكيف بإخواننا الذين ماتوا وهم يشربون الخمر ويأكلون مال الميسر فنزلت. يعني أن المؤمنين لا جناح عليهم في أي شيء طعموه من المباحات إذا ما اتقوا المحارم، ثم اتقوا وآمنوا، ثم اتقوا وأحسنوا، على معنى : أنّ أولئك كانوا على هذه الصفة ثناء عليهم وحمداً لأحوالهم في الإيمان والتقوى والإحسان. ومثاله أن يقال لك : هل على زيد فيما فعل جناح ؟ فتقول - وقد علمت أن ذلك أمر مباح - : ليس على أحد جناح في المباح، إذا اتقى المحارم، وكان مؤمناً محسناً، تريد : أن زيداً تقيّ مؤمن محسن ؛ وأنه غير مؤاخذ بما فعل.

### الآية 5:94

> ﻿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَخَافُهُ بِالْغَيْبِ ۚ فَمَنِ اعْتَدَىٰ بَعْدَ ذَٰلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ [5:94]

نزلت عام الحديبية ابتلاهم الله بالصيد وهم محرمون، وكثر عندهم حتى كان يغشاهم في رحالهم فيستمكنون من صيده، أخذاً بأيديهم وطعناً برماحهم  لِيَعْلَمَ الله مَن يَخَافُهُ بالغيب  ليتميز من يخاف عقاب الله وهو غائب منتظر في الآخرة فيتقي الصيد، ممن لا يخافه فيقدم عليه  فَمَنِ اعتدى  فصاد  بَعْدَ ذَلِكَ  الابتلاء فالوعيد لاحق به. 
فإن قلت : ما معنى التقليل والتصغير في قوله : بِشَىْء مّنَ الصيد  ؟ قلت : قلل وصغر ليعلم أنه ليس بفتنة من الفتن العظام التي تدحض عندها أقدام الثابتين، كالابتلاء ببذل الأرواح والأموال، وإنما هو شبيه بما ابتلى به أهل أيلة من صيد السمك، وأنهم إذا لم يثبتوا عنده فكيف شأنهم عند ما هو أشدّ منه. وقرأ إبراهيم : يناله، بالياء.

### الآية 5:95

> ﻿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ ۚ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَٰلِكَ صِيَامًا لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ ۗ عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ ۚ وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ ۗ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ [5:95]

حَرَّمَ  محرمون، جمع حرام، كردح في جمع رداح. والتعمد : أن يقتله وهو ذاكر لإحرامه، أو عالم أن ما يقتله مما يحرم عليه قتله، فإن قتله وهو ناس لإحرامه أو رمى صيداً وهو يظن أنه ليس بصيد فإذا هو صيد، أو قصد برميه غير صيد فعدل السهم عن رميته فأصاب صيداً فهو مخطئ. 
فإن قلت : فمحظورات الإحرام يستوي فيها العمد والخطأ، فما بال التعمد مشروطاً في الآية ؟ قلت : لأن مورد الآية فيمن تعمد ؛ فقد روي أنه عنّ لهم في عمرة الحديبية حمار وحش، فحمل عليه أبو اليسر فطعنه برمحه فقتله، فقيل له : إنك قتلت الصيد وأنت محرم فنزلت ولأن الأصل فعل التعمد، والخطأ لاحق به للتغليظ. ويدل عليه قوله تعالى : لّيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ   وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ الله مِنْهُ  وعن الزهري : نزل الكتاب بالعمد ووردت السنة بالخطأ وعن سعيد بن جبير : لا أرى في الخطأ شيئاً أخذاً باشتراط العمد في الآية. وعن الحسن روايتان  فَجَزَاء مّثْلُ مَا قَتَلَ  برفع جزاء ومثل جميعاً، بمعنى : فعليه جزاء يماثل ما قتل من الصيد، وهو عند أبي حنيفة قيمة المصيد يقوّم حيث صيد. فإن بلغت قيمته ثمن هدى، تخير بين أن يهدي من النعم ما قيمته قيمة الصيد، وبين أن يشتري بقيمته طعاماً، فيعطي كل مسكين نصف صاع من برّ أو صاع من غيره، وإن شاء صام عن طعام كل مسكين يوماً، فإن فضل ما لا يبلغ طعام مسكين صام عنه يوماً أو تصدّق به. وعند محمد والشافعي رحمهما الله مثله نظيره من النعم، فإن لم يوجد له نظير من النعم عدل إلى قول أبي حنيفة رحمه الله. 
فإن قلت : فما يصنع من يفسر المثل بالقيمة بقوله : مِنَ النعم  وهو تفسير للمثل، وبقوله : هدياً بالغ الكعبة ؟ قلت : قد خير من أوجب القيمة بين أن يشتري بها هدياً أو طعاماً أو يصوم، كما خير الله تعالى في الآية. فكان قوله : مِنَ النعم  بياناً للهدى المشترى بالقيمة في أحد وجوه التخيير ؛ لأن من قوم الصيد واشترى بالقيمة هدياً فأهداه، فقد جزى بمثل ما قتل من النعم. على أن التخيير الذي في الآية بين أن يجزي بالهدى أو يكفر بالإطعام أو بالصوم، إنما يستقيم استقامة ظاهرة بغير تعسف إذا قوّم ونظر بعد التقويم أيّ الثلاثة يختار، فأما إذا عمد إلى النظير وجعله الواجب وحده من غير تخيير - فإذا كان شيئاً لا نظير له قوّم حينئذٍ، ثم يخير بين الإطعام والصوم - ففيه نبوّ عما في الآية. ألا ترى إلى قوله تعالى : أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مساكين أَو عَدْلُ ذلك صِيَاماً  كيف خير بين الأشياء الثلاثة، ولا سبيل إلى ذلك إلا بالتقويم. 
وقرأ عبد الله : فجزاؤه مثل ما قتل، وقرىء : فجزاء مثل ما قتل، على الإضافة، وأصله. فجزاء مثل ما قتل، بنصب مثل بمعنى : فعليه أن يجزى مثل ما قتل، ثم أضيف كما تقول : عجبت من ضرب زيد، وقرأ السلميّ على الأصل وقرأ محمد بن مقاتل، فجزاء مثل ما قتل، بنصبهما، بمعنى : فليجز جزاء مثل ما قتل. وقرأ الحسن : من النعم. بسكون العين، استثقل الحركة على حرف الحلق فسكنه  يَحْكُمُ بِهِ  بمثل ما قتل  ذَوَا عَدْلٍ مّنْكُمْ  حكمان عادلان من المسلمين. قالوا : وفيه دليل على أن المثل القيمة، لأنّ التقويم مما يحتاج إلى النظر والاجتهاد دون الأشياء المشاهدة. وعن قبيصة أنه أصاب ظبياً وهو محرم فسأل عمر، فشاور عبد الرحمن بن عوف، ثم أمره بذبح شاة، فقال قبيصة لصاحبه : والله ما علم أمير المؤمنين حتى سأل غيره، فأقبل عليه ضرباً بالدرّة وقال : أتغمص الفتيا وتقتل الصيد وأنت محرم. قال الله تعالى : يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مّنْكُمْ  فأنا عمر، وهذا عبد الرحمن. وقرأ محمد بن جعفر ( ذو عدل منكم )، أراد يحكم به من يعدل منكم ولم يرد الوحدة. وقيل أراد الإمام  هَدْياً  حال عن جزاء فيمن وصفه بمثل، لأنّ الصفة خصصته فقرّبته من المعرفة، أو بدل عن مثل فيمن نصبه، أو عن محله فيمن جرّه. ويجوز أن ينتصب حالاً عن الضمير في به. ووصف هدياً ب  بالغ الكعبة  لأن إضافته غير حقيقية. ومعنى بلوغه الكعبة أن يذبح بالحرم، فأما التصدّق به فحيث شئت عند أبي حنيفة، وعند الشافعي في الحرم. 
فإن قلت : بم يرفع  كَفَّارَةٌ  من ينصب جزاء ؟ قلت : يجعلها خبر مبتدأ محذوف، كأنه قيل : أو الواجب عليه كفارة. أو يقدر : فعليه أن يجزي جزاء أو كفارة. فيعطفها على أن يجزي. وقرىء : أو كفارة طعام مساكين على الإضافة، وهذه الإضافة مبينة، كأنه قيل : أو كفارة من طعام مساكين، كقولك : خاتم فضة، بمعنى خاتم من فضة. وقرأ الأعرج : أو كفارة طعام مسكين. وإنما وحد، لأنه واقع موقع التبيين، فاكتفى بالواحد الدال على الجنس. وقرىء : أو عدل ذلك، بكسر العين. والفرق بينهما أن عدل الشيء ما عادله من غير جنسه، كالصوم والإطعام. وعدله ما عدل به في المقدار، ومنه عدلا الحمل، لأن كل واحد منهما عدل بالآخر حتى اعتدلا، كأن المفتوح تسمية المصدر، والمكسور بمعنى المفعول به، كالذبح ونحوه، ونحوهما الحمل والحمل. و  ذلك  إشارة إلى الطعام  وصياماً  تمييز للعدل كقولك : لي مثله رجلاً. والخيار في ذلك إلى قاتل الصيد عند أبي حنيفة وأبي يوسف. وعند محمد إلى الحكمين  لّيَذُوقَ  متعلق بقوله :( فجزاء ) أي فعليه أن يجازي أو يكفر، ليذوق سوء عاقبة هتكه لحرمة الإحرام. 
والوبال : المكروه والضرر الذي يناله في العاقبة من عمل سوء لثقله عليه، كقوله تعالى : فأخذناه أَخْذاً وَبِيلاً  \[ المزمل : ١٦ \] ثقيلاً. والطعام الوبيل : الذي يثقل على المعدة فلا يستمرأ  عَفَا الله عَمَّا سَلَف  لكم من الصيد في حال الإحرام قبل أن تراجعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وتسألوه عن جوازه. وقيل : عما سلف لكم في الجاهلية منه، لأنهم كانوا متعبدين بشرائع من قبلهم وكان الصيد فيها محرماً  وَمَنْ عَادَ  إلى قتل الصيد وهو محرم بعد نزول النهي  فَيَنْتَقِمُ الله مِنْهُ  ينتقم : خبر مبتدأ محذوف تقديره. فهو ينتقم الله منه، ولذلك دخلت الفاء. ونحوه  فَمَن يُؤْمِن بِرَبّهِ فَلاَ يَخَافُ  \[ الحجر : ١٣ \] يعني ينتقم منه في الآخرة. واختلف في وجوب الكفارة على العائد، فعن عطاء وإبراهيم وسعيد بن جبير والحسن : وجوبها، وعليه عامة العلماء. وعن ابن عباس وشريح : أنه لا كفارة عليه تعلقاً بالظاهر، وأنه لم يذكر الكفارة.

### الآية 5:96

> ﻿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ ۖ وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا ۗ وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ [5:96]

صَيْدُ البحر  مصيدات البحر مما يؤكل وما لا يؤكل  وَطَعَامُهُ  وما يطعم من صيده والمعنى : أحل لكم الانتفاع بجميع ما يصاد في البحر، وأحل لكم أكل المأكول منه وهو السمك وحده عند أبي حنيفة. وعند ابن أبي ليلى جميع ما يصاد منه، على أن تفسير الآية عنده أحل لكم صيد حيوان البحر وأن تطعموه  متاعا لَّكُمْ  مفعول له، أي أحل لكم تمتيعاً لكم وهو في المفعول له بمنزلة قوله تعالى : وَوَهَبْنَا لَهُ إسحاق وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً  \[ الأنبياء : ٧٢ \] في باب الحال، لأن قوله : متاعا لَّكُمْ  مفعول له مختص بالطعام، كما أن نافلة حال مختصة بيعقوب، يعني أحل لكم طعامه تمتيعاً لتنائكم يأكلونه طرياً، ولسيارتكم يتزوّدونه قديداً، كما تزوّد موسى عليه السلام الحوت في مسيره إلى الخضر عليهما السلام. وقرىء :**«وطعمه »**. وصيد البر : ما صيد فيه. وهو ما يفرّخ فيه وإن كان يعيش في الماء في بعض الأوقات، كطير الماء عند أبي حنيفة. واختلف فيه فمنهم من حرّم على المحرم كل شيء يقع عليه اسم الصيد، وهو قول عمر وابن عباس، وعن أبي هريرة وعطاء ومجاهد وسعيد بن جبير : أنهم أجازوا للمحرم أكل ما صاده الحلال، وإن صاده لأجله، إذا لم يدل ولم يشر، وكذلك ما ذبحه قبل إحرامه وهو مذهب أبي حنيفة وأصحابه رحمه الله، وعند مالك والشافعي وأحمد رحمهم الله : لا يباح له ما صيد لأجله. 
فإن قلت : ما يصنع أبو حنيفة بعموم قوله : صيد البر ؟ قلت قد أخذ أبو حنيفة رحمه الله بالمفهوم من قوله : وَحُرّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ البر مَا دُمْتُمْ حُرُماً  لأن ظاهره أنه صيد المحرمين دون صيد غيرهم، لأنهم هم المخاطبون فكأنه قيل : وحرم عليكم ما صدتم في البر، فيخرج منه مصيد غيرهم، ومصيدهم حين كانوا غير محرمين. ويدل عليه قوله تعالى : ياأيها الذين ءامَنُواْ لاَ تَقْتُلُواْ الصيد وَأَنْتُمْ حُرُمٌ  وقرأ ابن عباس رضي الله عنه :**«وحرّم عليكم صيد البرّ »**، أي الله عزّ وجلّ. وقرىء **«ما دمتم »** بكسر الدال، فيمن يقول دام يدام.

### الآية 5:97

> ﻿۞ جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِلنَّاسِ وَالشَّهْرَ الْحَرَامَ وَالْهَدْيَ وَالْقَلَائِدَ ۚ ذَٰلِكَ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ [5:97]

البيت الحرام  عطف بيان على جهة المدح، لا على جهة التوضيح، كما تجيء الصفة كذلك  قِيَاماً لّلنَّاسِ  انتعاشاً لهم في أمر دينهم ودنياهم، ونهوضاً إلى أغراضهم ومقاصدهم في معاشهم ومعادهم، لما يتم لهم من أمر حجهم وعمرتهم وتجارتهم، وأنواع منافعهم. وعن عطاء ابن أبي رباح : لو تركوه عاماً واحداً لم ينظروا ولم يؤخروا  والشهر الحرام  الشهر الذي يؤدى فيه الحج، وهو ذو الحجة، لأنّ لاختصاصه من بين الأشهر بإقامة موسم الحج فيه شأناً قد عرّفه الله تعالى. وقيل : عنى به جنس الأشهر الحرم  والهدى والقلائد  والمقلد منه خصوصاً وهو البدن، لأن الثواب فيه أكثر، وبهاء الحج معه أظهر  ذلك  إشارة إلى جعل الكعبة قياماً للناس، أو إلى ما ذكر من حفظ حرمة الإحرام بترك الصيد وغيره  لِتَعْلَمُواْ أَنَّ الله يَعْلَمُ  كل شيء وهو عالم بما يصلحكم وما ينعكشم مما أمركم به وكلفكم.

### الآية 5:98

> ﻿اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ وَأَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ [5:98]

شَدِيدُ العقاب  لمن انتهك محارمه  غَفُورٌ رَّحِيمٌ  لمن حافظ عليها.

### الآية 5:99

> ﻿مَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ ۗ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ [5:99]

مَّا عَلَى الرسول إِلاَّ البلاغ  تشديد في إيجاب القيام بما أمر به، وأن الرسول قد فرغ مما وجب عليه من التبليغ، وقامت عليكم الحجة، ولزمتكم الطاعة، فلا عذر لكم في التفريط.

### الآية 5:100

> ﻿قُلْ لَا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ ۚ فَاتَّقُوا اللَّهَ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ [5:100]

البون بين الخبيث والطيب بعيد عند الله تعالى وإن كان قريباً عندكم، فلا تعجبوا بكثرة الخبيث حتى تؤثروه لكثرته على القليل الطيب، فإنّ ما تتوهمونه في الكثرة من الفضل، لا يوازي النقصان في الخبيث، وفوات الطيب، وهو عام في حلال المال وحرامه، وصالح العمل وطالحه، وصحيح المذاهب وفاسدها، وجيد الناس ورديهم  فاتقوا الله  وآثروا الطيب، وإن قل، على الخبيث وإن كثر. ومن حق هذه الآية أن تكفح بها وجوه المجبرة إذا افتخروا بالكثرة كما قيل :

وَكَاثِرْ بِسَعْدٍ إِنَّ سَعْداً كَثِيرَةٌ  وَلاَ تَرْجُ مِنْ سَعْدٍ وَفَاءاً وَلاَ نَصْرَا**وكما قيل :**لاَ يَدْهَمَنَّكَ مِنْ دَهْمَائِهِمْ عَدَدٌ  فَإِنَّ جُلَّهُمُ بَلْ كُلَّهُمْ بَقَرُوقيل : نزلت في حجاج اليمامة، حين أراد المسلمون أن يوقعوا بهم، فنهوا عن الإيقاع بهم وإن كانوا مشركين.

### الآية 5:101

> ﻿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِنْ تَسْأَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا اللَّهُ عَنْهَا ۗ وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ [5:101]

الجملة الشرطية والمعطوفة عليها أعني قوله : إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ  صفة للأشياء. والمعنى : لا تكثروا مسألة رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى تسألوه عن تكاليف شاقة عليكم، إن أفتاكم بها وكلفكم إياها تغمكم وتشق عليكم وتندموا على السؤال عنها. وذلك نحو ما روي : أن سراقة بن مالك أو عكاشة بن محصن قال : يا رسول الله، الحج علينا كل عام ؟ فأعرض عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أعاد مسألته ثلاث مرّات، فقال صلى الله عليه وسلم :**« ويحك ! ما يؤمنك أن أقول نعم ؟ والله لو قلت : نعم لوجبت، ولو وجبت ما استطعتم، ولو تركتم لكفرتم، فاتركوني ما تركتكم، فإنما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم، فإذا أمرتكم بأمر فخذوا منه ما استطعتم، وإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه »**  وَإِن تَسْئَلُواْ عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ القرءان ، وإن تسألوا عن هذه التكاليف الصعبة في زمان الوحي وهو ما دام الرسول بين أظهركم يوحى إليه، تبد لكم. تلك التكاليف الصعبة التي تسؤكم، وتؤمروا بتحملها، فتعرّضون أنفسكم لغضب الله بالتفريط فيها  عَفَا الله عَنْهَا  عفا الله عما سلف، من مسألتكم، فلا تعودوا إلى مثلها  والله غَفُورٌ حَلِيمٌ  لا يعاجلكم فيما يفرط منكم بعقوبته. 
فإن قلت : كيف قال : لاَ تَسْأَلُواْ عَنْ أَشْيَاء .

### الآية 5:102

> ﻿قَدْ سَأَلَهَا قَوْمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ ثُمَّ أَصْبَحُوا بِهَا كَافِرِينَ [5:102]

ثم قال : قَدْ سَأَلَهَا  ولم يقل. قد سأل عنها ؟ قلت : الضمير في  سَأَلَهَا  ليس براجع إلى أشياء حتى تَجب تعديته بعن، وإنما هو راجع إلى المسألة التي دل عليها  لاَ تَسْئَلُواْ  يعني قد سأل قوم هذه المسألة من الأولين  ثُمَّ أَصْبَحُواْ بِهَا  أي بمرجوعها أو بسببها  كافرين  وذلك أنّ بني إسرائيل كانوا يستفتون أنبيائهم عن أشياء، فإذا أمروا بها تركوها فهلكوا.

### الآية 5:103

> ﻿مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلَا سَائِبَةٍ وَلَا وَصِيلَةٍ وَلَا حَامٍ ۙ وَلَٰكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ ۖ وَأَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ [5:103]

كان أهل الجاهلية إذا نتجت الناقة خمسة أبطن آخرها ذكر، بحروا أذنها، أي شقوها وحرّموا ركوبها، ولا تطرد عن ماء ولا مرعى، وإذا لقيها المعيّي لم يركبها. واسمها البحيرة. وكان يقول الرجل : إذا قدمت من سفري أو برئت من مرضي فناقتي سائبة. وجعلها كالبحيرة في تحريم الانتفاع بها. وقيل : كان الرجل إذا أعتق عبداً قال : هو سائبة فلا عقل بينهما ولا ميراث. وإذا ولدت الشاة أنثى فهي لهم، وإن ولدت ذكراً فهو لآلهتهم. فإن ولدت ذكراً وأنثى قالوا : وصلت أخاها، فلم يذبحوا الذكر لآلهتهم. وإذا نتجت من صلب الفحل عشرة أبطن قالوا من حمى ظهره، فلا يركب، ولا يحمل عليه، ولا يمنع من ماء ولا مرعى. ومعنى  مَّا جَعَلَ  ما شرع ذلك ولا أمر بالتبحير والتسييب وغير ذلك، ولكنهم بتحريمهم ما حرّموا  يَفْتَرُونَ على الله الكذب وَأَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ  فلا ينسبون التحريم إلى الله حتى يفتروا، ولكنهم يقلدون في تحريمها كبارها.

### الآية 5:104

> ﻿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَىٰ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قَالُوا حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا ۚ أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ [5:104]

الواو في قوله : أَوَلَوْ كَانَ ءَابَآؤُهُمْ  واو الحال قد دخلت عليها همزة الإنكار. وتقديره : أحسبهم ذلك ولو كان آباؤهم  لاَ يَعْلَمُونَ شَيْئاً وَلاَ يَهْتَدُونَ  والمعنى أنّ الاقتداء إنما يصح بالعالم المهتدي، وإنما يعرف اهتداؤه بالحجة.

### الآية 5:105

> ﻿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ ۖ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ ۚ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ [5:105]

كان المؤمنون تذهب أنفسهم حسرة على أهل العتوّ والعناد من الكفرة، يتمنون دخولهم في الإسلام، فقيل لهم  عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ  وما كلفتم من إصلاحها والمشي بها في طرق الهدى  لاَ يَضُرُّكُمْ  الضلال عن دينكم إذا كنتم مهتدين، كما قال عز وجل لنبيه عليه الصلاة والسلام : فَلاَ تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حسرات  \[ فاطر : ٨ \] وكذلك من يتأسف على ما فيه الفسقة من الفجور والمعاصي، ولا يزال يذكر معايبهم ومناكيرهم. فهو مخاطب به، وليس المراد ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فإن من تركهما مع القدرة عليهما فليس بمهتد، وإنما هو بعض الضلال الذين فصلت الآية بينهم وبينه، وعن ابن مسعود : أنها قرئت عنده فقال : إن هذا ليس بزمانها إنها اليوم مقبولة. ولكن يوشك أن يأتي زمان تأمرون فلا يقبل منكم، فحينئذٍ عليكم أنفسكم، فهي على هذا تسلية لمن يأمر وينهى فلا يقبل منه، وبسط لعذره. وعنه : ليس هذا زمان تأويلها. قيل : فمتى ؟ قال : إذا جعل دونها السيف والسوط والسجن. وعن أبي ثعلبة الخشني : أنه سئل عن ذلك فقال للسائل : سألت عنها خبيراً. سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عنها فقال :" ائتمروا بالمعروف، وتناهوا عن المنكر، حتى إذا ما رأيت شحاً مطاعاً وهوى متبعاً ودنيا مؤثرة وإعجاب كل ذي رأي برأيه، فعليك نفسك ودع أمر العوام. وإنّ من ورائكم أياماً الصبر فيهنّ كقبض على الجمر، للعامل منهم مثل أجر خمسين رجلاً يعملون مثل عمله " وقيل كان الرجل إذا أسلم قالوا له : سفهت آباءك، ولاموه. فنزلت  عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ  عليكم : من أسماء الفعل، بمعنى : الزموا إصلاح أنفسكم، ولذلك جزم جوابه. وعن نافع : عليكم أنفسكم، بالرفع. وقرىء **«لا يضركم »** وفيه وجهان أن يكون خبراً مرفوعاً وتنصره قراءة أبي حيوة، **«لا يضيركم »** ؛ وأن يكون جواباً للأمر مجزوماً، وإنما ضمت الراء إتباعاً لضمة الضاد المنقولة إليها من الراء المدغمة. والأصل : لا يضرركم، ويجوز أن يكون نهياً، ولا يضركم، بكسر الضاد وضمها من ضاره يضيره ويضوره.

### الآية 5:106

> ﻿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَأَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ ۚ تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلَاةِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ إِنِ ارْتَبْتُمْ لَا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَىٰ ۙ وَلَا نَكْتُمُ شَهَادَةَ اللَّهِ إِنَّا إِذًا لَمِنَ الْآثِمِينَ [5:106]

ارتفع اثنان على أنه خبر للمبتدأ الذي هو  شهادة بَيْنِكُمْ  على تقدير : شهادة بينكم شهادة اثنين. أو على أنه فاعل شهادة بينكم على معنى : فيما فرض عليكم أن يشهد اثنان : وقرأ الشعبي. **«شهادة بينكم »** بالتنوين. وقرأ الحسن :**«شهادة »**، بالنصب والتنوين على : ليقم شهادة اثنان. و  إِذَا حَضَرَ  ظرف للشهادة. و  حِينَ الوصية  بدل منه، إبداله منه دليل على وجوب الوصية، وأنها من الأمور اللازمة التي ما ينبغي أن يتهاون بها مسلم ويذهل عنها. وحضور الموت : مشارفته وظهور أمارات بلوغ الأجل  مِّنْكُمْ  من أقاربكم. و  مِنْ غَيْرِكُمْ  من الأجانب  إِنْ أَنتُمْ ضَرَبْتُمْ فِى الأرض  يعني إن وقع الموت في السفر ولم يكن معكم أحد من عشيرتكم، فاستشهدوا أجنبيين على الوصية، جعل الأقارب أولى لأنهم أعلم بأحوال الميت وما هو أصلح وهم له أنصح. وقيل  منكم  من المسلمين، و  مِنْ غَيْرِكُمْ  من أهل الذمة. وقيل : هو منسوخ لا تجوز شهادة الذمي على المسلم، وإنما جازت في أوّل الإسلام لقلة المسلمين وتعذر وجودهم في حال السفر. وعن مكحول : نسخها قوله تعالى : وَأَشْهِدُواْ ذَوِى عَدْلٍ مّنْكُمْ  وروي : أنه خرج بُديل بن أبي مريم مولى عمرو بن العاص وكان من المهاجرين، مع عدي بن زيد وتميم بن أوس - وكانا نصرانيين - تجاراً إلى الشام، فمرض بديل وكتب كتاباً فيه ما معه، وطرحه في متاعه ولم يخبر به صاحبيه، وأمرهما أن يدفعا متاعه إلى أهله. ومات ففتشا متاعه، فأخذا إناء من فضة فيه ثلثمائة مثقال منقوشاً بالذهب، فغيباه، فأصاب أهل بديل الصحيفة فطالبوهما بالإناء، فجحدا فرفعوهما إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنزلت  تَحْبِسُونَهُمَا  تقفونهما وتصبرونهما للحلف  مِنْ بعد الصلاة  من بعد صلاة العصر، لأن وقت اجتماع الناس. وعن الحسن : بعد صلاة العصر أو الظهر ؛ لأن أهل الحجاز كانوا يقعدون للحكومة بعدهما. وفي حديث بديل : أنها لما نزلت صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة العصر ودعا بعديّ وتميم فاستحلفهما عند المنبر، فحلفا، ثم وجد الإناء بمكة، فقالوا : إنا اشتريناه من تميم وعدي. وقيل : هي صلاة أهل الذمّة، وهم يعظمون صلاة العصر  إِنِ ارتبتم  اعتراض بين القسم والمقسم عليه. والمعنى : إن ارتبتم في شأنهما واتهمتموهما فحلفوهما. وقيل : إن أريد بهما الشاهدان فقد نسخ تحليف الشاهدين : وإن أريد الوصيان فليس بمنسوخ تحليفهما. وعن عليّ رضي الله عنه : أنه كان يحلف الشاهد والراوي إذا اتهمهما والضمير في  بِهِ  للقسم. وفي  كَانَ  للمقسم له يعني : لا نستبدل بصحة القسم بالله عرضاً من الدنيا، أي لا نحلف كاذبين لأجل المال، ولو كان من نقسم له قريباً منا، على معنى : أن هذه عادتهم في صدقهم وأمانتهم أبداً، وأنهم داخلون تحت قوله تعالى : كُونُواْ قَوَّامِينَ بالقسط شُهَدَاء للَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ أَوِ الوالدين والأقربين  \[ النساء : ١٣٥ \].  شهادة الله  أي الشهادة التي أمر الله بحفظها وتعظيمها. وعن الشعبي أنه وقف على شهادة، ثم ابتدأ الله بالمدّ، على طرح حرف القسم وتعويض حرف الاستفهام منه. وروي عنه بغير مدّ على ما ذكر سيبويه أن منهم من يحذف حرف القسم ولا يعوض منه همزة الاستفهام، فيقول : ألله لقد كان كذا. وقرىء :**«لملاثمين »** بحذف الهمزة وطرح حركتها على اللام وإدغام نون من فيها، كقوله : عاد لولي :
فإن قلت : ما موقع تحبسونهما ؟ قلت : هو استئناف كلام، كأنه قيل بعد اشتراط العدالة فيهما، فكيف نعمل إن ارتبنا بهما، فقيل : تحبسونهما
فإن قلت : كيف فسرت الصلاة بصلاة العصر وهي مطلقة ؟ قلت : لما كانت معروفة عندهم بالتحليف بعدها، أغنى ذلك عن التقييد، كما لو قلت في بعض أئمة الفقه : إذا صلّى أخذ في الدرس علم أنها صلاة الفجر. ويجوز أن تكون اللام للجنس، وأن يقصد بالتحليف على أثر الصلاة أن تكون الصلاة لطفاً في النطق بالصدق، وناهية عن الكذب والزور  إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر  \[ العنكبوت : ٤٥ \].

### الآية 5:107

> ﻿فَإِنْ عُثِرَ عَلَىٰ أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْمًا فَآخَرَانِ يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْأَوْلَيَانِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ لَشَهَادَتُنَا أَحَقُّ مِنْ شَهَادَتِهِمَا وَمَا اعْتَدَيْنَا إِنَّا إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ [5:107]

فَإِنْ عُثِرَ  فإن اطلع  على أَنَّهُمَا استحقا إِثْماً  أي فعلا مّا أوجب إثماً، واستوجبا أن يقال إنهما لمن الآثمين  فَآخَرَانِ  فشاهدان آخران  يِقُومَانُ مَقَامَهُمَا مِنَ الذين استحق عَلَيْهِمُ  أي من الذين استحق عليهم الإثم. معناه من الذين جني عليهم وهم أهل الميت وعشيرتهم. وفي قصة بديل : أنه لما ظهرت خيانة الرجلين، حلف رجلان من ورثته أنه إناء صاحبهما، وأن شهادتهما أحق من شهادتهما.  الأوليان  الأحقان بالشهادة لقرابتهما ومعرفتهما، وارتفاعهما على : هما الأوليان كأنه قيل ومن هما ؟ فقيل : الأوليان. وقيل : هما بدل من الضمير في يقومان، أو من آخران. ويجوز أن يرتفعا باستحق، أي من الذين استحق عليهم انتداب الأوليين منهم للشهادة لإطلاعهم على حقيقة الحال. وقرىء **«الأوّلين »** على أنه وصف للذين استحق عليهم، مجرور، أو منصوب على المدح. ومعنى الأولية التقدم على الأجانب في الشهادة لكونهم أحقّ بها. وقرىء :**«الأولين »** على التثنية، وانتصابه على المدح. وقرأ الحسن :**«الأولان »**، ويحتج به من يرى رد اليمين على المدعي. وأبو حنيفة وأصحابه لا يرون ذلك. فوجهه عندهم أن الورثة قد ادعوا على النصرانيين أنهما قد اختانا فحلفا، فلما ظهر كذبهما ادعيا الشراء فيما كتما، فأنكر الورثة فكانت اليمين على الورثة لإنكارهم الشراء. 
فإن قلت : فما وجه قراءة من قرأ استحق عليهم الأوليان على البناء للفاعل، وهم علي : وأبيّ وابن عباس ؟ قلت : معناه من الورثة الذي استحق عليهم الأوليان من بينهم بالشهادة، أن يجردوهما للقيام بالشهادة ويظهروا بهما كذب الكاذبين.

### الآية 5:108

> ﻿ذَٰلِكَ أَدْنَىٰ أَنْ يَأْتُوا بِالشَّهَادَةِ عَلَىٰ وَجْهِهَا أَوْ يَخَافُوا أَنْ تُرَدَّ أَيْمَانٌ بَعْدَ أَيْمَانِهِمْ ۗ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاسْمَعُوا ۗ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ [5:108]

ذلك  الذي تقدم من بيان الحكم  أدنى  أن يأتي الشهداء على نحو تلك الحادثة  بالشهادة على وَجْهِهَا أَوْ يخافوا أَن تُرَدَّ أيمان  أن تكرّ أيمان شهود آخرين بعد إيمانهم فيفتضحوا بظهور كذبهم كما جرى في قصة بديل.  واسمعوا  سمع إجابة وقبول.

### الآية 5:109

> ﻿۞ يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَا أُجِبْتُمْ ۖ قَالُوا لَا عِلْمَ لَنَا ۖ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ [5:109]

يَوْمَ يَجْمَعُ  بدل من المنصوب في قوله :( واتقوا الله ) وهو من بدل الاشتمال، كأنه قيل : واتقوا الله يوم جمعه. أو ظرف لقوله :( لا يهدي ) أي لا يهديهم طريق الجنة يومئذ كما يفعل بغيرهم. أو ينصب على إضمار اذكر. أو يوم يجمع الله الرسل كان كيت وكيت. و  مَاذَا  منتصب بأجبتم انتصاب مصدره، على معنى : أي إجابة أجبتم. ولو أريد الجواب لقيل : بماذا أجبتم. 
فإن قلت : ما معنى سؤالهم ؟ قلت : توبيخ قومهم، كما كان سؤال الموؤدة توبيخاً للوائد. 
فإن قلت : كيف يقولون : لاَ عِلْمَ لَنَا  وقد علموا بما أجيبوا ؟ قلت : يعلمون أن الغرض بالسؤال توبيخ أعدائهم فيكلون الأمر إلى علمه وإحاطته بما منوا به منهم وكابدوا من سوء إجابتهم، إظهاراً للتشكي واللجإ إلى ربهم في الانتقام منهم، وذلك أعظم على الكفرة وأفت في أعضادهم وأجلب لحسرتهم وسقوطهم في أيديهم إذا اجتمع توبيخ الله وتشكي أنبيائه عليهم. ومثاله أن ينكب بعض الخوارج على السلطان خاصة من خواصه نكبة قد عرفها السلطان واطلع على كنهها وعزم على الانتصار له منه، فيجمع بينهما ويقول له : ما فعل بك هذا الخارجي وهو عالم بما فعل به، يريد توبيخه وتبكيته، فيقول له : أنت أعلم بما فعل بي تفويضاً للأمر إلى علم سلطانه، واتكالاً عليه، وإظهاراً للشكاية، وتعظيماً لما حلّ به منه. وقيل : من هول ذلك اليوم يفزعون ويذهلون عن الجواب، ثم يجيبون بعدما تثوب إليهم عقولهم بالشهادة على أممهم. وقيل : معناه علمنا ساقط مع علمك ومغمور به، لأنك علام الغيوب. ومن علم الخفيات لم تخف عليه الظواهر التي منها إجابة الأمم لرسلهم، فكأنه لا علم لنا إلى جنب علمك. وقيل : لا علم لنا بما كان منهم بعدنا، وإنما الحكم للخاتمة. وكيف يخفى عليهم أمرهم وقد رأوهم سود الوجوه زرق العيون موبخين. وقرىء :**«علام الغيوب »** بالنصب على أنّ الكلام قد تم بقوله : إِنَّكَ أَنتَ  أي أنك الموصوف بأوصافك المعروفة من العلم وغيره ثم نصب علام الغيوب على الاختصاص، أو على النداء، أو هو صفة لاسم أنّ.

### الآية 5:110

> ﻿إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلَىٰ وَالِدَتِكَ إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا ۖ وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ ۖ وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنْفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِي ۖ وَتُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ بِإِذْنِي ۖ وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتَىٰ بِإِذْنِي ۖ وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَنْكَ إِذْ جِئْتَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ إِنْ هَٰذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ [5:110]

إِذْ قَالَ الله  بدل من ( يوم يجمع ) والمعنى : أنه يوبخ الكافرين يومئذ بسؤال الرسل عن إجابتهم، وبتعديد ما أظهر على أيديهم من الآيات العظام، فكذبوهم وسموهم سحرة. أو جاوزوا حدّ التصديق إلى أن اتخذوهم آلهة، كما قال بعض بني إسرائيل فيما أظهر على يد عيسى عليه السلام من البينات والمعجزات  هذا سحر مبين  \[ الأحقاف : ٧ \] واتخذه بعضهم وأمه إلهين  أَيَّدتُّكَ  قوّيتك. وقرىء :**«أيدتك »**، على أفعلتك  بِرُوحِ القدس  بالكلام الذي يحيا به الدين، وأضافه إلى القدس، لأنه سبب الطهر من أوضار الآثام. 
والدليل عليه قوله تعالى : تُكَلّمَ الناس  و  فِى المهد  في موضع الحال، لأنّ المعنى تكلمهم طفلاً  وَكَهْلاً  إلا أن في المهد فيه دليل على حدّ من الطفولة. وقيل روح القدس : جبريل عليه السلام، أيّد به لتثبيت الحجة. 
فإن قلت : ما معنى قوله :( في المهد وكهلاً ) ؟ قلت : معناه تكلمهم في هاتين الحالتين، من غير أن يتفاوت كلامك في حين الطفولة وحين الكهولة الذي هو وقت كمال العقل وبلوغ الأشد والحدّ الذي يستنبأ فيه الأنبياء  والتوراة والإنجيل  خصّا بالذكر مما تناوله الكتاب والحكمة، لأن المراد بهما جنس الكتاب والحكمة. وقيل :( الكتاب ) الخط. و ( الحكمة ) الكلام المحكم الصواب  كَهَيْئَةِ الطير  هيئة مثل هيئة الطير  بِإِذْنِى  بتسهيلي  فَتَنفُخُ فِيهَا  الضمير للكاف، لأنها صفة الهيئة التي كان يخلقها عيسى عليه السلام وينفخ فيها، ولا يرجع إلى الهيئة المضاف إليها ؛ لأنها ليست في خلقه ولا من نفخه في شيء. وكذلك الضمير في فتكون  تُخْرِجُ الموتى  تخرجهم من القبور وتبعثهم. قيل : أخرج سام ابن نوح ورجلين وامرأة وجارية  وَإِذَا كَفَفْتُ بَنِى إسرائيل عَنكَ  يعني اليهود حين هموا بقتله. وقيل : لما قال الله تعالى لعيسى  اذكر نِعْمَتِى عَلَيْكَ  كان يلبس الشعر ويأكل الشجر ولا يدخر شيئاً لغد يقول : مع كل يوم رزقه، لم يكن له بيت فيخرب، ولا ولد فيموت، أينما أمسى بات.

### الآية 5:111

> ﻿وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي قَالُوا آمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ [5:111]

أَوْحَيْتُ إِلَى الحواريين  أمرتهم على ألسنة الرسل  مُّسْلِمُونَ  مخلصون، من أسلم وجهه لله  عِيسَى  في محل النصب على إتباع حركة الابن، كقولك : يا زيد بن عمرو، وهي اللغة الفاشية ويجوز أن يكون مضموماً كقولك : يا زيد بن عمرو. والدليل عليه قوله :
أَحَارِ بْنَ عَمْرٍو كَأَنِّي خَمْر\*\*\* وَيَبْدُو عَلَى الْمَرْءِ مَا يَأْتَمِرْ
لأنّ الترخيم لا يكون إلا في المضموم.

### الآية 5:112

> ﻿إِذْ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ ۖ قَالَ اتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ [5:112]

فإن قلت : كيف قالوا : هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ  بعد إيمانهم وإخلاصهم ؟ قلت : ما وصفهم الله بالإيمان والإخلاص، وإنما حكى ادعاءهم لهما، ثم أتبعه قوله : إِذَ قَالُواْ  فآذن إنّ دعواهم كانت باطلة، وإنهم كانوا شاكين، وقوله :( هل يستطيع ربك ) كلام لا يرد مثله عن مؤمنين معظمين لربهم، وكذلك قول عيسى عليه السلام لهم معناه : اتقوا الله ولا تشكوا في اقتداره واستطاعته، ولا تقترحوا عليه، ولا تتحكموا ما تشتهون من الآيات فتهلكوا إذا عصيتموه بعدها  إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ  إن كانت دعواكم للإيمان صحيحة. وقرىء :**«هل تستطيع ربك »**، أي هل تستطيع سؤال ربك، والمعنى : هل تسأله ذلك من غير صارف يصرفك عن سؤاله. والمائدة : الخوان إذا كان عليه الطعام، وهي من ( مادّة ) إذا أعطاه ورفده كأنها تميد من تقدّم إليه.

### الآية 5:113

> ﻿قَالُوا نُرِيدُ أَنْ نَأْكُلَ مِنْهَا وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنَا وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ الشَّاهِدِينَ [5:113]

وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ الشاهدين  نشهد عليها عند الذين لم يحضروها من بني إسرائيل، أو نكون من الشاهدين لله بالوحدانية ولك وبالنبوّة، عاكفين عليها، على أن عليها في موضع الحال، وكانت دعواهم لإرادة ما ذكروا كدعواهم الإيمان والإخلاص. وإنما سأل عيسى وأجيب ليلزموا الحجة بكمالها ويرسل عليهم العذاب إذا خالفوا. وقرىء :**«ويعلم »**، بالياء على البناء للمفعول. **«وتعلم »**. **«وتكون »**، بالتاء.

### الآية 5:114

> ﻿قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا أَنْزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ تَكُونُ لَنَا عِيدًا لِأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا وَآيَةً مِنْكَ ۖ وَارْزُقْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ [5:114]

والضمير للقلوب  اللهم  أصله يا ألله. فحذف حرف النداء، وعوضت منه الميم. و  رَبَّنَا  نداء ثان  تَكُونُ لَنَا عِيداً  أي يكون يوم نزولها عيداً. قيل : هو يوم الأحد. ومن ثم اتخذه النصارى عيداً، وقيل : العيد السرور العائد، ولذلك يقال : يوم عيد. فكأنّ معناه : تكون لنا سروراً وفرحاً، وقرأ عبد الله :**«تكون »**، على جواب الأمر. ونظيرهما. يرثني، ويرثني  لأَوَّلِنَا وَءاخِرِنَا  بدل من لنا بتكرير العامل، أي لمن في زماننا من أهل ديننا، ولمن يأتي بعدنا. وقيل : يأكل منها آخر الناس كما يأكل أولهم : ويجوز للمقدّمين منا والأتباع. وفي قراءة زيد :**«لأولانا وأخرانا »**، والتأنيث بمعنى الأمّة والجماعة.

### الآية 5:115

> ﻿قَالَ اللَّهُ إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ ۖ فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لَا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ [5:115]

عَذَاباً  بمعنى تعذيباً. والضمير في ( لا أعذبه ) للمصدر، ولو أريد بالعذاب ما يعذب به، لم يكن بدّ من الباء. وروي أن عيسى عليه السلام لما أراد الدعاء لبس صوفاً، ثم قال : اللَّهم أنزل علينا، فنزلت سفرة حمراء بين غمامتين : غمامة فوقها وأخرى تحتها، وهم ينظرون إليها حتى سقطت بين أيديهم، فبكى عيسى عليه السلام وقال : اللَّهم اجعلني من الشاكرين، اللَّهم اجعلها رحمة ولا تجعلها مثلة وعقوبة، وقال لهم : ليقم أحسنكم عملاً يكشف عنها ويذكر اسم الله عليها ويأكل منها. 
فقال شمعون رأس الحواريين : أنت أولى بذلك، فقام عيسى وتوضأ وصلّى وبكى، ثم كشف المنديل وقال : بسم الله خير الرازقين، فإذا سمكة مشوية بلا فلوس ولا شوك تسيل دسماً. وعند رأسها ملح، وعند ذنبها خل، وحولها من ألوان البقول ما خلا الكرّاث، وإذا خمسة أرغفة على واحد منها زيتون، وعلى الثاني عسل، وعلى الثالث سمن، وعلى الرابع جبن، وعلى الخامس قديد. فقال شمعون : يا روح الله، أمن طعام الدنيا أم من طعام الآخرة ؟ فقال : ليس منهما، ولكنه شيء اخترعه الله بالقدرة العالية، كلوا ما سألتم واشكروا الله يمددكم الله ويزدكم من فضله : فقال الحواريون : يا روح الله، لو أريتنا من هذه الآية آية أخرى، فقال : يا سمكة أحيي بإذن الله، فاضطربت. ثم قال لها : عودي كما كنت، فعادت مشوية. ثم طارت المائدة، ثم عصوا بعدها فمسخوا قردة وخنازير. وروي أنهم لما سمعوا بالشريطة وهي قوله تعالى : فَمَن يَكْفُرْ بَعْدُ مِنكُمْ فَإِنّى أُعَذّبُهُ  قالوا : لا نريد فلم تنزل. وعن الحسن : والله ما نزلت، ولو نزلت لكان عيداً إلى يوم القيامة، لقوله :( وآخرنا ). والصحيح أنها نزلت.

### الآية 5:116

> ﻿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَٰهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ ۖ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ ۚ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ ۚ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ ۚ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ [5:116]

سبحانك  من أن يكون لك شريك  مَا يَكُونُ لِى  ما ينبغي لي  أَنْ أَقُولَ  قولاً لا يحق لي أن أقوله  فِى نَفْسِى  في قلبي : والمعنى : تعلم معلومي ولا أعلم معلومك، ولكنه سلك بالكلام طريق المشاكلة وهو من فصيح الكلام وبينه، فقيل : فِى نَفْسِكَ  لقوله في نفسي  إِنَّكَ أَنتَ علام الغيوب  تقرير للجملتين معاً، لأن ما انطوت عليه النفوس من جملة الغيوب، ولأن ما يعلمه علام الغيوب لا ينتهي إليه علم أحد.

### الآية 5:117

> ﻿مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ ۚ وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ ۖ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ ۚ وَأَنْتَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ [5:117]

( أن ) في قوله  أَنِ اعبدوا الله  إن جعلتها مفسرة لم يكن لها بدّ من مفسر. والمفسر إما فعل القول وإما فعل الأمر، وكلاهما لا وجه له. أما فعل القول فيحكى بعده الكلام من غير أن يتوسط بينهما حرف التفسير، لا تقول : ما قلت لهم إلا أن اعبدوا الله. ولكن : ما قلت لهم إلا اعبدوا الله. وأما فعل الأمر، فمسند إلى ضمير الله عزّ وجلّ. فلو فسرته باعبدوا الله ربي وربكم لم يستقم ؛ لأن الله تعالى لا يقول : اعبدوا الله ربي وربكم، وإن جعلتها موصولة بالفعل لم تخل من أن تكون بدلاً من ما أمرتني به، أو من الهاء في به، وكلاهما غير مستقيم : لأن البدل هو الذي يقوم مقام المبدل منه. ولا يقال : ما قلت لهم إلا أن اعبدوا الله، بمعنى ما قلت لهم إلا عبادته ؛ لأن العبادة لا تقال. وكذلك إذا جعلته بدلاً من الهاء لأنك لو أقمت ( أن اعبدوا الله ) مقام الهاء، فقلت : إلا ما أمرتني بأن اعبدوا الله، لم يصح، لبقاء الموصول بغير راجع إليه من صلته. 
فإن قلت : فكيف يصنع ؟ قلت : يحمل فعل القول على معناه ؛ لأن معنى ( ما قلت لهم إلا ما أمرتني به ). ما أمرتهم إلا بما أمرتني به، حتى يستقيم تفسيره بأن اعبدوا الله ربي وربكم. ويجوز أن تكون ( أن ) موصولة عطف بيان للهاء لا بدلاً  وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً  رقيباً كالشاهد على المشهود عليه، أمنعهم من أن يقولوا ذلك ويتدينوا به  فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِى كُنتَ أَنتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ  تمنعهم من القول به بما نصبت لهم من الأدلة، وأنزلت عليهم من البينات، وأرسلت إليهم من الرسل.

### الآية 5:118

> ﻿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ ۖ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ [5:118]

إِن تُعَذّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ  الذين عرفتهم عاصين جاحدين لآياتك مكذبين لأنبيائك  وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنتَ العزيز  القوي القادر على الثواب والعقاب  الحكيم  الذي لا يثيب ولا يعاقب إلا عن حكمة وصواب. 
فإن قلت : المغفرة لا تكون للكفار فكيف قال :( وإن تغفر لهم ) ؟ قلت : ما قال إنك تغفر لهم، ولكنه بنى الكلام على : إن غفرت، فقال : إن عذبتهم عدلت، لأنهم أحقاء بالعذاب، وإن غفرت لهم مع كفرهم لم تعدم في المغفرة وجه حكمة لأن المغفرة حسنة لكل مجرم في المعقول، بل متى كان الجرم أعظم جرماً كان العفو عنه أحسن.

### الآية 5:119

> ﻿قَالَ اللَّهُ هَٰذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ ۚ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ۚ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ۚ ذَٰلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ [5:119]

قرئ :**«هذا يوم ينفع »** بالرفع والإضافة. وبالنصب إما على أنه ظرف لقال : وإما على أنّ ( هذا ) مبتدأ، والظرف خبر. ومعناه : هذا الذي ذكرنا من كلام عيسى واقع يوم ينفع. ولا يجوز أن يكون فتحاً، كقوله تعالى : يَوْمَ لاَ تَمْلِكُ  \[ الانفطار : ٩ \] لأنه مضاف إلى متمكن. وقرأ الأعمش :**«يومٌ ينفع »** بالتنوين، كقوله تعالى : واتقوا يَوْمًا لاَّ تَجْرِى نَفْسٌ  \[ البقرة : ٤٨ \]
فإن قلت : ما معنى قوله : ينفع الصادقين صدقهم ؟ إن أريد صدقهم في الآخرة فليست الآخرة بدار عمل، وإن أريد صدقهم في الدنيا فليس بمطابق لما ورد فيه ؛ لأنه في معنى الشهادة لعيسى عليه السلام بالصدق فيما يجيب به يوم القيامة ؟ قلت : معناه الصدق المستمر بالصادقين في دنياهم وآخرتهم. وعن قتادة : متكلمان تكلما يوم القيامة. أمّا إبليس فقال : إنّ الله وعدكم وعد الحق، فصدق يومئذ وكان قبل ذلك كاذباً، فلم ينفعه صدقه. وأما عيسى عليه السلام فكان صادقاً في الحياة وبعد الممات فنفعه صدقه.

### الآية 5:120

> ﻿لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا فِيهِنَّ ۚ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [5:120]

فإن قلت : في السموات والأرض العقلاء وغيرهم، فهلا غلب العقلاء، فقيل : ومن فيهنّ ؟ قلت :( ما ) يتناول الأجناس كلها تناولاً عاماً. ألا تراك تقول إذا رأيت شبحاً من بعيد : ما هو ؟ قبل أن تعرف أعاقل هو أم غيره، فكان أولى بإرادة العموم.

## روابط ذات صلة

- [النص القرآني للسورة](https://quranpedia.net/surah/1/5.md)
- [كل تفاسير سورة المائدة
](https://quranpedia.net/surah-tafsir/5.md)
- [ترجمات سورة المائدة
](https://quranpedia.net/translations/5.md)
- [صفحة الكتاب: الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل](https://quranpedia.net/book/346.md)
- [المؤلف: الزمخشري](https://quranpedia.net/person/3927.md)

---

زُر [Quranpedia.net](https://quranpedia.net/surah/1/5/book/346) — موسوعة القرآن الكريم: التفاسير، الترجمات، التلاوات، والمواضيع.
