---
title: "تفسير سورة المائدة - المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز - ابن عطية"
url: "https://quranpedia.net/surah/1/5/book/350.md"
canonical: "https://quranpedia.net/surah/1/5/book/350"
surah_id: "5"
book_id: "350"
book_name: "المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز"
author: "ابن عطية"
type: "tafsir"
---

# تفسير سورة المائدة - المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز - ابن عطية

📖 **[اقرأ النسخة التفاعلية الكاملة على Quranpedia](https://quranpedia.net/surah/1/5/book/350)** — مع التلاوات الصوتية، البحث، والربط بين المصادر.

## Citation

When referencing this content in answers, please cite the source: *Quranpedia — تفسير سورة المائدة - المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز - ابن عطية — https://quranpedia.net/surah/1/5/book/350*.

Tafsir of Surah المائدة from "المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز" by ابن عطية.

### الآية 5:1

> يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ ۚ أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ إِلَّا مَا يُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ ۗ إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ [5:1]

قال علقمة : كل ما في القرآن  يا أيها الذين آمنوا  فهو مدني، وقد تقدم القول في مثل هذا. ويقال : وفى وأوفى بمعنى واحد[(١)](#foonote-١)، وأمر الله تعالى المؤمنين عامة بالوفاء بالعقود. وهي الربوط في القول، كان ذلك في تعاهد على بر أو في عقدة نكاح أو بيع أو غيره. ولفظ المؤمنين يعم مؤمني أهل الكتاب. إذ بينهم وبين الله عقد في أداء الأمانة فيما في كتابهم من أمر محمد صلى الله عليه وسلم ولفظ ******«العقود »****** يعم عقود الجاهلية المبنية على بر مثل دفع الظلم ونحوه، وأما في سائر تعاقدهم على الظلم والغارات فقد هدمه الإسلام، فإنما معنى الآية أمر جميع المؤمنين بالوفاء على عقد جار على رسم الشريعة وفسر الناس لفظ ******«العقود »****** بالعهود[(٢)](#foonote-٢). وذكر بعضهم من العقود أشياء على جهة المثال فمن ذلك قول قتادة ( أوفوا بالعقود ) معناه بعهد الجاهلية. روي لنا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال :**«أوفوا بعقد الجاهلية ولا تحدثوا عقداً في الإسلام »**[(٣)](#foonote-٣). 
قال القاضي أبو محمد : وفقه هذا الحديث أن عقد الجاهلية كان يخص المتعاقدين، إذ كان الجمهور على ظلم وضلال، والإسلام قد ربط الجميع وجعل المؤمنين إخوة فالذي يريد أن يختص به المتعاقدان قد ربطهما إليه الشرع مع غيرهم من المسلمين اللهم إلا أن يكون التعاهد على دفع نازلة من نوازل الظلامات فيلزم في الإسلام التعاهد على دفع ذلك والوفاء بذلك العهد، وأما عهد خاص لما عسى أن يقع يختص المتعاهدون بالنظر فيه والمنفعة كما كان في الجاهلية فلا يكون ذلك في الإسلام، قال الطبري : وذكر[(٤)](#foonote-٤) أن فرات بن حيان العجلي[(٥)](#foonote-٥) سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن حلف الجاهلية، فقال لعلك تسأل عن حلف لخم وتيم الله ؟ قال نعم يا نبي الله، قال لا يزيده الإسلام إلا شدة. وقال ابن عباس رضي الله عنه  أوفوا بالعقود  معناه بما أحل وبما حرم وبما فرض وبما حد في جميع الأشياء، قاله مجاهد وغيره. 
وقال محمد بن كعب القرظي وابن زيد وغيرهما ******«العقود »****** في الآية هي كل ما ربطه المرء على نفسه من بيع أن ونكاح أو غيره. 
وقال ابن زيد وعبد الله بن عبيدة : العقود خمس : عقدة الإيمان وعقدة النكاح وعقدة العهد وعقدة البيع وعقدة الحلف. 
قال القاضي أبو محمد : وقد تنحصر إلى أقل من خمس، وقال ابن جريج قوله تعالى : أوفوا بالعقود  قال : هي العقود التي أخذها الله على أهل الكتاب أن يعملوا بما جاءهم، وقال ابن شهاب وقرأت كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي كتب لعمرو بن حزم حين بعثه إلى نجران وفي صدره : هذا بيان من الله ورسوله  يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود  فكتب الآيات منها إلى قوله : إن الله سريع الحساب [(٦)](#foonote-٦). قال القاضي أبو محمد : وأصوب ما يقال في تفسير هذه الآية أن تعمم ألفاظها بغاية ما تتناول فيعمم لفظ المؤمنين جملة، في مظهر الإيمان\_ إن لم يبطنه\_ وفي المؤمنين حقيقة. ويعمم لفظ العقود في كل ربط بقول موافق للحق والشرع. ومن لفظ العقد قول الحطيئة :
قومٌ إذا عقدوا عقداً لجارهم. . . شدوا العناجَ وشدوا فوقَهُ الكربا[(٧)](#foonote-٧)
وقوله تعالى : أحلت لكم بهيمة الأنعام  خطاب لكل من التزم الإيمان على وجهه وكماله وكانت للعرب سنن في **********«الأنعام »********** من السائبة والبحيرة والحام وغير ذلك فنزلت هذه الآية رافعة لجميع ذلك واختلف في معنى  بهيمة الأنعام  فقال السدي والربيع وقتادة والضحاك : هي **********«الأنعام »********** كلها. 
قال القاضي أبو محمد : كأنه قال أحلت لكم **********«الأنعام »********** فأضاف الجنس إلى أخص منه وقال الحسن : بهيمة الأنعام  الإبل والبقر والغنم. وروي عن عبد الله بن عمر أنه قال  بهيمة الأنعام  الأجنة التي تخرج عند الذبح للأمهات فهي تؤكل دون ذكاة، وقال ابن عباس : هذه الأجنة من  بهيمة الأنعام ، قال الطبري : وقال قوم  بهيمة الأنعام  وحشها كالظباء وبقر الوحش والحمر وغير ذلك. وذكره غير الطبري عن الضحاك. 
قال القاضي أبو محمد : وهذا قول حسن، وذلك أن **********«الأنعام »********** هي الثمانية الأزواج وما انضاف إليها من سائر الحيوان يقال له أنعام بمجموعه معها وكان المفترس من الحيوان كالأسد وكل ذي ناب قد خرج عن حد **********«الأنعام »********** فصار له نظر ما، ف  بهيمة الأنعام  هي الراعي من ذوات الأربع[(٨)](#foonote-٨) وهذه على ما قيل إضافة الشيء إلى نفسه كدار الآخرة ومسجد الجامع، وما هي عندي إلا إضافته الشيء إلى جنسه وصرح القرآن بتحليلها. واتفقت الآية وقول النبي عليه السلام **«كل ذي ناب من السباع حرام »**[(٩)](#foonote-٩) ويؤيد هذا المنزع الاستثناءان بعد إذ أحدهما استثني فيه حال للمخاطبين وهي الإحرام والحرم، والصيد لا يكون إلا من غير الثمانية الأزواج، فترتب الاستثناءان في الراعي من ذوات الأربع. والبهيمة في كلام العرب ما أبهم من جهة نقص النطق والفهم ومنه باب مبهم وحائط مبهم، وليل بهيم، وبهمة، للشجاع الذي لا يدرى من أين يؤتى له. 
وقوله تعالى : إلا ما يتلى عليكم  استثناء ما تلي في قوله تعالى : حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير  \[ المائدة : ٣ \] و  ما  في موضع نصب على أصل الاستثناء وأجاز بعض الكوفيين أن تكون في موضع رفع على البدل وعلى أن تكون  إلا  عاطفة وذلك لا يجوز عند البصريين إلا من نكرة أو ما قاربها من أسماء الأجناس نحو قولك جاء الرجال إلا زيد كأنك قلت غير زيد بالرفع[(١٠)](#foonote-١٠). 
وقوله : غير محلي الصيد  نصب  غير  على الحال من الكاف والميم في قوله  أحلت لكم ، وقرأ ابن أبي عبلة **«غيرُ »** بالرفع ووجهها الصفة للضمير في  يتلى  لأن **«غيرُ محلي الصيد »** هو في المعنى بمنزلة غير مستحل إذا كان صيداً أو يتخرج على الصفة ل  بهيمة  على مراعاة معنى الكلام كما ذكرت. 
قال القاضي أبو محمد : وقد خلط الناس في هذا الموضع في نصب **«غيرَ »** وقدروا فيها تقديمات وتأخيرات وذلك كله غير مرضيّ لأن الكلام على اطراده متمكن استثناء بعد استثناء و\[ حُرم \] جمع حرام، وهو المحرم ومنه قول الشاعر :

فقلت لها فيئي إليك فإنني  حرام وإني بعد ذاك لبيب[(١١)](#foonote-١١)أي ملبّ وقرأ الحسن وإبراهيم ويحيى بن وثاب **«حرْم »** بسكون الراء و قال أبو الحسن هذه لغة تميمية يقولون في رُسُل رُسْل وفي كُتُب كُتْب ونحوه، وقوله : إن الله يحكم ما يريد  تقوية لهذه الأحكام الشرعية المخالفة لمعهود أحكام العرب أي فأنت أيها السامع لنسخ تلك العهود التي عهدت تنبه فإن الله الذي هو مالك الكل يحكم ما يريد لا معقب لحكمه. وهذه الآية مما تلوح فصاحتها وكثرة معانيها على قلة ألفاظها لكل ذي بصر بالكلام ولمن عنده أدنى إبصار فإنها تضمنت خمسة أحكام : الأمر بالوفاء بالعقود، وتحليل بهيمة الأنعام، واستثناء ما تلي بعد، واستثناء حال الإحرام فيما يصاد، وما يقتضيه معنى الآية من إباحة الصيد لمن ليس بمحرم، وحكى النقاش أن أصحاب الكندي قالوا للكندي : أيها الحكيم اعمل لنا مثل هذا القرآن فقال نعم أعمل مثل بعضه فاحتجب أياماً كثيرة ثم خرج فقال : والله ما أقدر عليه ولا يطيق هذا أحد، إني فتحت المصحف فخرجت سورة المائدة فنظرت فإذا هو قد أمر بالوفاء ونهى عن النكث وحلل تحليلاً عاماً ثم استثنى استثناء ثم أخبر عن قدرته وحكمته في سطرين ولا يستطيع أن يأتي أحد بهذا إلا في أجلاد. . 
١ - وقد جمعها طُفيل الغنوي في بيت واحد في قوله:
 أما ابن طوق فقد أوفى بذمته كما وفى بقلاص النجم حاديها.
٢ - قال الزجاج: العقود أوكد من العهود، وأصله في الأجرام ثم توسع فأطلق في المعاني، وتبعه الزمخشري فقال: هو العهد الموثق شبه بعقد الحبل ونحوه.
٣ - أخرجه ابن جرير، وابن المنذر عن قتادة في قوله: أوفوا بالعقود.
٤ - عبارة الطبري توحي بأن الذي ذكر له ذلك هو "بشر بن معاذ".
٥ - فرات بن حيان بن ثعلبة اليشكري العجلي، حليف بني سهم، روى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (إن منكم رجالا نكلهم إلى إيمانهم؛ منهم فرات بن حيان)، حين أسلم أقطعه النبي صلى الله عليه وسلم أرضا باليمامة تغل أربعة آلاف ومائتين. (الإصابة).
٦ - أخرج البيهقي في الدلائل عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم قال: هذا كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم عندنا الذي كتبه لعمرو بن حزم حين بعثه إلى اليمن يفقه أهلها، ويعلمهم السنة، ويأخذ صدقاتهم. فكتب- ثم أورد الكتاب..
٧ - قال الحطيئة هذا البيت في قصيدة يمدح بها بني أنف الناقة- والعناج: خيط أو سير يُشد في أسفل الدلو، ثم يشد في عروتها. والكرب: الحبل الذي يشد على الدلو بعد المتين فالمتين هو الحبل الأول، والكرب هو الحبل الثاني، فإذا انقطع المتين بقي الكرب، وقيل غير ذلك. وهذه أمثال ضربها الحطيئة لمبالغتهم في الحفاظ على العهد.
٨ - نقل القرطبي كلام ابن عطية هذا ثم قال: "فعلى هذا يدخل فيها ذوات الحوافر لأنها راعية غير مفترسة، وليس كذلك، لأن الله تعالى قال: والأنعام خلقها لكم فيها دفء ومنافع، ثم عطف عليها قوله: والخيل والبغال والحمير فلما استأنف ذكرها وعطفها على الأنعام دل ذلك على أنها ليست منها. والله أعلم". اهـ.
٩ - أخرجه مسلم في صحيحه، والنسائي في سننه- عن أبي هريرة رضي الله عنه- قال في"الجامع الصغير": وهو حديث صحيح. ولكن اللفظ فيهما: (كل ذي ناب من السباع فأكله حرام)..
١٠ - قال في "البحر المحيط" تعقيبا على كلام ابن عطية: "وهذا الذي حكاه عن بعض الكوفيين لا يصح البتة، لأن الذي قبله موجب، فكما لا يجوز: "قام القوم إلا زيد" على البدل، كذلك لا يجوز في: \[إلا ما يتلى عليكم\]"، ثم وافقه فيما حكاه من كون \[إلا\] عاطفة عند بعض الكوفيين، ولكنه ناقشه فيما حكاه عن البصريين مناقشة طويلة..
١١ - قائل البيت هو المضرّب بن كعب بن زهير، وحرام-كما قال ابن عطية-: هو المحرم، ولبيب معناها: ملبّ بالحج- قال في اللسان: وقوله: بعد ذاك، أي: مع ذاك..

### الآية 5:2

> ﻿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ وَلَا الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَلَا الْهَدْيَ وَلَا الْقَلَائِدَ وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْوَانًا ۚ وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا ۚ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَنْ تَعْتَدُوا ۘ وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَىٰ ۖ وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۖ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ [5:2]

وقوله تعالى : يا أيها الذين آمنوا لا تحلوا شعائر الله  خطاب للمؤمنين حقاً أن لا يتعدوا حدود الله في أمر من الأمور، والشعائر جمع شعيرة أي قد أشعر الله أنها حُّدة وطاعته فهي بمعنى معالم الله[(١٢)](#foonote-١٢)، واختلفت عبارة المفسرين في المقصود من الشعائر الذي بسببه نزل هذا العموم في الشعائر فقال السدي  شعائر الله  حرم الله، وقال ابن عباس  شعائر الله  مناسك الحج. وكان المشركون يحجون ويعتمرون ويهدون وينحرون ويعظمون مشاعر الحج فأراد المسلمون أن يغيروا عليهم فقال الله تعالى : لا تحلوا شعائر الله  وقال ابن عباس أيضاً  شعائر الله  ما حد تحريمه في الإحرام. وقال عطاء بن أبي رباح،  شعائر الله  جميع ما أمر به أو نهى عنه، وهذا هو القول الراجح الذي تقدم. 
وقال ابن الكلبي كان عامة العرب لا يعدون الصفا والمروة من الشعائر وكانت قريش لا تقف بعرفات فنهوا بهذه الآية، وقوله تعالى : ولا الشهر الحرام  اسم مفرد يدل على الجنس في جميع الأشهر الحرم وهي كما قال النبي عليه السلام ذو القعدة وذو الحجة والمحرم ورجب مضر الذي بين جمادى وشعبان وإنما أضيف إلى مضر لأنها كانت تختص بتحريمه. وتزيل فيه السلاح، وتنزع الأسنة من الرماح، وتسميه : ُمنصل الأسنة وتسميه : الأصم من حيث كان لا يسمع فيه صوت سلاح، وكانت العرب مجمعة على ذي القعدة وذي الحجة والمحرم وكانت تطول عليها الحرمة وتمتنع من الغارات ثلاثة أشهر فلذلك اتخذت النسيء وهو أن يحل لها ذلك المتكلم نعيم بن ثعلبة وغيره المحرم يحرم بدله صفراً فنهى الله عن ذلك بهذه الآية وبقوله : إنما النسيء زيادة في الكفر [(١٣)](#foonote-١٣) وجعل المحرم أول شهور السنة من حيث كان الحج والموسم غاية العام وثمرته فبذلك يكمل ثم يستأنف عام آخر ولذلك والله أعلم دوّن به عمر بن الخطاب الدواوين فمعنى قوله تعالى : ولا الشهر الحرام  أي لا تحلوه بقتال ولا غارة ولا تبديل فإن تبديله استحلال لحرمته. . 
قال القاضي أبو محمد : والأظهر عندي أن الشهر الحرام أريد به رجب ليشتد أمره لأنه إنما كان مختصاً بقريش ثم فشا في مضر، ومما يدل على هذا قول عوف بن الأحوص :
وشهر بني أمية والهدايا. . . إذا حبست مضرجها الدماء[(١٤)](#foonote-١٤)
قال أبو عبيدة أراد رجباً لأنه شهر كانت مشايخ قريش تعظمه فنسبه إلى بني أمية، ذكر هذا الأخفش في المفضليات وقد قال الطبري المراد في هذه الآية رجب مضر. . 
قال القاضي أبو محمد : فوجه هذا التخصيص هو كما قد ذكرت أن الله تعالى شدد أمر هذا الشهر إذ كانت العرب غير مجمعة عليه، وقال عكرمة : المراد في هذه الآية ذو القعدة من حيث كان أولها، وقولنا فيها **«أول »** تقريب وتجوز أن الشهور دائرة فالأول إنما يترتب بحسب نازلة أو قرينة ما مختصة بقوم. 
وقوله تعالى : ولا الهدي ولا القلائد  أما الهدي فلا خلاف أنه ما أهدي من النعم إلى بيت الله وقصدت به القربة فأمر الله أن لا يستحل ويغار عليه[(١٥)](#foonote-١٥)، واختلف الناس في  القلائد  فحكى الطبري عن ابن عباس أن  القلائد  هي  الهدي  المقلد وأن  الهدي  إنما يسمى هدياً ما لم يقلد فكأنه قال ولا **«الهدي »** الذي يقلد والمقلد منه. 
قال القاضي أبو محمد : وهذا الذي قال الطبري تحامل على ألفاظ ابن عباس وليس يلزم من كلام ابن عباس أن  الهدي  إنما يقال لما لم يقلد وإنما يقتضي أن الله نهى عن استحلال  الهدي  جملة ثم ذكر المقلد منه تأكيداً ومبالغة في التنبيه على الحرمة في التقليد، وقال جمهور الناس : الهدي  عام في أنواع ما أهدي قربه و  القلائد  ما كان الناس يتقلدونه أمنة لهم، قال قتادة : كان الرجل في الجاهلية إذا خرج يريد الحج تقلد من الَّسُمر قلادة فلم يعرض له أحد بسوء إذ كانت تلك علامة إحرامه وحجه وقال عطاء وغيره : بل كان الناس إذا خرجوا من الحرم في حوائج لهم تقلدوا من شجر الحرم ومن لحائه فيدل لك على أنهم من أهل الحرم أو من حجاجه فيأمنون بذلك فنهى الله تعالى عن استحلال من تحرم بشيء من هذه المعاني. 
وقال مجاهد وعطاء : بل الآية نهي للمؤمنين عن أن يستحلوا أخذ القلائد من شجر الحرم كما كان أهل الجاهلية يفعلون، وقاله الربيع بن أنس عن مطرف بن الشخير وغيره، وقوله تعالى : ولا آمين البيت الحرام  معناه ولا تحلوهم فتغيروا عليهم ونهى الله تعالى المؤمنين بهذه الآية عن أن يعمدوا للكفار القاصدين  البيت الحرام  على جهة التعبد والقربة وكل ما في هذه الآية من نهي عن مشرك أو مراعاة حرمة له بقلادة أو أَم البيت ونحوه فهو كله منسوخ بآية السيف في قوله تعالى : فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم [(١٦)](#foonote-١٦). 
وروي أن هذه الآية نزلت بسبب الحطم بن هند البكري أخي بني ضبيعة بن ثعلبة[(١٧)](#foonote-١٧) وذلك أنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يوماً لأصحابه :**«يدخل اليوم عليكم رجل من ربيعة يتكلم بلسان شيطان فجاء الحطم فخلف خيلة خارجة من المدينة ودخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما عرض رسول الله عليه السلام ودعاه إلى الله قال : أنظر ولعلي أسلم وأرى في أمرك غلظة ولي من أشاوره. فخرج فقال النبي عليه السلام لقد دخل بوجه كافر وخرج بعقب غادر »**[(١٨)](#foonote-١٨)، فمر بسرح من سرح[(١٩)](#foonote-١٩) المدينة فساقه وانطلق به وهو يقول :
قد لفها الليل بسواق حطم. . . ليس براعي إبل ولا غنم
ولا بجزار على ظهر وضم باتوا نياماً وابن هند لم ينم
بات يقاسيها غلام كالزلم \*\*\* خدلج الساقين خفاق القدم[(٢٠)](#foonote-٢٠)
ثم أقبل الحطم من عام قابل حاجاً وساق هدياً فأراد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يبعث إليه. وخف إليه ناس من أصحاب النبي عليه السلام، فنزلت هذه الآية، قال ابن جريج : هذه الآية نهي عن الحجاج أن تقطع سبلهم، ونزلت الآية بسبب الحطم فذكر نحوه، وقال ابن زيد : نزلت الآية عام الفتح ورسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة، جاء أناس من المشركين يحجون ويعتمرون، فقال المسلمون يا رسول الله، إنما هؤلاء مشركون فلن ندعهم إلا أن نغير عليهم، فنزل القرآن  ولا آميّن البيت الحرام [(٢١)](#foonote-٢١). 
قال القاضي أبو محمد : فكل ما في هذه الآية مما يتصور في مسلم حاج فهو معكم، وكل ما كان منها في الكفار فهو منسوخ، وقرأ ابن مسعود وأصحابه **«ولا آمي البيت »** بالإضافة إلى البيت وقوله تعالى : يبتغون فضلاً من ربهم ورضواناً  قال فيه جمهور المفسرين معناه يبتغون الفضل في الأرباح في التجارة ويبتغون مع ذلك رضوانه في ظنهم وطمعهم، وقال قوم إنما الفضل والرضوان في الآية في معنى واحد وهو رضا الله وفضله بالرحمة والجزاء، فمن العرب من كان يعتقد جزاء بعد الموت، وأكثرهم إنما كانوا يرجون الجزاء والرضوان في الدنيا والكسب وكثرة الأولاد ويتقربون رجاء الزيادة في هذه المعاني وقرأ الأعمش **«ورُضواناً »** بضم الراء. 
قال القاضي أبو محمد : وهذه الآية استئلاف من الله تعالى للعرب ولطف بهم لتنبسط النفوس ويتداخل الناس ويردون[(٢٢)](#foonote-٢٢) الموسم فيسمعون القرآن ويدخل الإيمان في قلوبهم، وتقوم عندهم الحجة كالذي كان، وهذه الآية نزلت عام الفتح ونسخ الله تعالى ذلك كله بعد عام سنة تسع إذ حج أبو بكر ونودي الناس بسورة براءة. 
جاءت إباحة الصيد عقب التشدد في َحرم البشر حسنًة في فصاحة القول[(١)](#foonote-١)، وقوله تعالى : فاصطادوا  صيغة أمر ومعناه الإباحة بإجماع من الناس، واختلف العلماء في صيغة ( أفعل ) إذا وردت ولم يقترن بها بيان واضح في أحد المحتملات، فقال الفقهاء : هي على الوجوب حتى يدل الدليل على غير ذلك، وقال المتكلمون هي على الوقف حتى تطلق القرينة ولن يعرى أمر من قرينة، وقال قوم هي على الإباحة حتى يدل الدليل، وقال قوم : هي على الندب حتى يدل الدليل، وقول الفقهاء أحوطها وقول المتكلمين أقيسها وغير ذلك ضعيف. ولفظة أفعل قد تجيء للوجوب كقوله  أقيموا الصلاة ، وقد تجيء للندب كقوله : وافعلوا الخير  \[ الحج : ٧٧ \] وقد تجيء للإباحة كقوله  فاصطادوا   وابتغوا من فضل الله   فانتشروا في الأرض  \[ الجمعة : ١٠ \]، ويحتمل الابتغاء من فضل الله أن يكون ندباً، وقد تجيء للوعيد كقوله  اعملوا ما شئتم  \[ فصلت : ٤٠ \] وقد تجيء للتعجيز كقوله  كونوا حجارة [(٢)](#foonote-٢). 
وقرأ أبو واقد والجراح ونبيح والحسن بن عمران **«فاصطادوا »** بكسر الفاء وهي قراءة مشكلة ومن توجيهها أن يكون راعَى كسر ألف الوصل إذا بدأت فقلت : اصطادوا فكسر الفاء مراعاةً وتذكراً لكسرة ألف الوصل[(٣)](#foonote-٣)، وقوله تعالى : ولا يجرمنكم  معناه ولا يكسبنكم، وجرم الرجل معناه : كسب، ويتعدى إلى مفعولين كما يتعدى كسب، وفي الحديث : وتكسب المعدوم، قال أبو علي : وأجرم بالألف عرفه الكسب في الخطايا والذنوب، وقال الكسائي : جرم وأجرم لغتان بمعنى واحد أي كسب وقال قوم  يجرمنكم  معناه يحق لكم كما أن  لا جرم أن لهم النار [(٤)](#foonote-٤) معناه حق لهم أن لهم النار وقال ابن عباس  يجرمنكم  معناه يحملنكم. 
قال القاضي أبو محمد : وهذه كلها أقوال تتقارب بالمعنى فالتفسير الذي يخص اللفظة هو معنى الكسب ومنه قول الشاعر :\[ أبو خراش الهذلي \] :
جريمةُ ناهض في رأس نيق. . . ترى لعظام ما جمعت صليبا[(٥)](#foonote-٥)
معناه كاسب قوت ناهض، ويقال فلان جريمة قومه إذا كان الكاسب لهم، وقرأ ابن مسعود وغيره **«يُجرمنكم »** بضم الياء والمعنى أيضاً لا يكسبنكم وأما قول الشاعر :
ولقد طعنت أبا عيينة طعنة. . . جرمت فزارة بعدها أن يغضبوا[(٦)](#foonote-٦)
فمعناه كسبت فزارة بعدها الغضب وقد فسر بغير هذا مما هو قريب منه وقوله تعالى : شنآن قوم  قرأ ابن كثير وأبو عمرو وحمزة والكسائي **«شَنْآن »** متحركة النون، وقرأ ابن عامر ****«شنآن »**** ساكنة النون، واختلف عن عاصم ونافع، يقال شنئت الرجل شَنْأً بفتح الشين وشنآناً بفتح النون وشنآناً بسكون النون والفتح أكثر كل ذلك إذا أبغضته، قال سيبويه : كل ما كان من المصادر على فعلان بفتح العين لم يتعد فعله إلا أن يشذ شيء كالشنآن وإنما عدي شنئت من حيث كان أبغضت[(٧)](#foonote-٧) كما عدي الرفث ب **«إلى »** من حيث كان بمعنى الإفضاء. 
قال القاضي أبو محمد : فأما من قرأ **«شَنآن »** بفتح النون فالأظهر فيه أنه مصدر كأنه قال لا يكسبنكم بغض قوم من أجل أن صدوكم عدواناً عليهم وظلماً لهم والمصادر على هذا الوزن كثيرة كالنزوان والغليان والطوفان والجريان وغيره، ويحتمل **«الشنآن »** بفتح النون أن يكون وصفاً فيجيء المعنى ولا يكسبنكم بغض قوم أو بغضاء قوم عدواناً ومما جاء على هذا الوزن صفة قولهم : حمار قطوان إذا لم يكن سهل السير وقولهم عدو وصمان أي ثقيل كعدو الشيخ ونحوه إلى غير هذا مما ليس في الكثرة كالمصادر، ومنه ما أنشده أبو زيد :
وقبلك ما هاب الرجال ظلامتي. . . وفقأت عين الأشوس الأبيان[(٨)](#foonote-٨)
بفتح الباء وأما من قرأ **«شنْآن »** بسكون النون فيحتمل أن يكون مصدراً وقد جاء المصدر على هذا الوزن في قولهم لويته دينه لياناً، وقول الأحوص :
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . \*\*\* وإن لام فيه ذو الشنان وفندا[(٩)](#foonote-٩)
إنما هو تخفيف من ****«شنآن »**** الذي هو مصدر بسكون النون لأنه حذف الهمزة وألقى حركتها على الساكن هذا هو التخفيف القياسي قال أبو علي : من زعم أن فعلان إذا أسكنت عينه لم يك مصدراً فقد أخطأ، وتحتمل القراءة بسكون النون أن يكون وصفاً فقد حكي : رجل شنآن وامرأة شنآنة وقياس هذا أنه من

١ - أراد ابن عطية بهذه العبارة أن يؤكد فصاحة التعبير القرآني دون حاجة إلى القول بأن قوله تعالى: وإذا حللتم فاصطادوا جملة اعتراضية بين قوله: ولا آمين البيت الحرام وقوله: ولا يجرمنكم بل هي مؤسسة حكما إذ أفادت حلّ الاصطياد في حال الإحرام. وقد شرح ذلك أبو حيان في "البحر" فقال: "تضمن آخر قوله: أحلت لكم تحريم الصيد حالة الإحرام، وآخرقوله: لا تحلوا شعائر الله- النهي عن إحلال آمي البيت، فجاءت هذه الجملة وإذا حللتم فاصطادوا راجعا حكمها إلى الجملة الأولى، وجاء ما بعدها من قوله: ولا يجرمنكم راجعا إلى الجملة الثانية، وهذا من بليغ الفصاحة". اهـ..
٢ - استشهد المؤلف رحمه الله هنا بجمل من آيات قرآنية كريمة، وهي على ترتيب ذكرها: وأن أقيموا الصلاة واتقوه وهو الذي إليه تحشرون من الآية (٧٢) من سورة (الأنعام)- وافعلوا الخير لعلكم تفلحون من الآية (٧٧) من سورة (الحج)، وإذا حللتم فاصطادوا من الآية (٢) من سورة (المائدة) وهي الآية موضع التفسير هنا- فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله من الآية (١٠) من سورة الجمعة- وقد ورد في الأصول فابتغوا بالفاء وهو خطأ من النساخ فآثرنا إثبات الصواب، اعملوا ما شئتم إنه بما تعملون بصير من الآية (٤٠) من سورة (فصلت). قل كونوا حجارة أو حديدا الآية (٥٠) من سورة الإسراء..
٣ - قال الزمخشري عن هذه القراءة: "هو بدل" من كسر الهمزة عند الابتداء" وقال أبو حيان: "وليس عندي كسرا محضا، بل هو من باب الإمالة المحضة لتوهم وجود كسرة همزة الوصل، كما أمالوا الفاء في (فإذا) لوجود كسرة (إذا).
٤ - من الآية (٦٢) من سورة (النحل)..
٥ - البيت لأبي خراش الهذلي يصف عقابا تطعم فرخها الناهض ما بقي من لحم طير أكلته وبقي العظم يسيل منه الدسم والدهن. فالناهض هو الفرخ- وهي جريمته أي: كاسبة قوته كما يقال: فلان جريمة قومه، أي: كاسبهم. والنيق: أرفع موضع في الجبل، ويقال: هو الأنوق في النيق ممتنع لا يبلغ إليه، وجمعه أنياق ونيوق ونياق. والصليب: الودك، وهو دسم اللحم ودهنه الذي يستخرج منه..
٦ -هذا البيت لأبي أسماء بن الضريبة، وجرمت أي: "حق لها الغضب" كما قاله في "اللسان" نقلا عن الأخفش، وقال آخرون: بل المعنى: كسبت فزارة بعدها الغضب، وهو الذي اختاره ابن عطية، وللفراء رأي في البيت يقول فيه: إن (فزارة) منصوبة وليست مرفوعة كما توهموا، وفاعل الفعل (جرم) إنما هو الضمير العائد على الطعنة، والمعنى: جرمتهم الطعنة الغضب، أي: كسبتهم..
٧ - في بعض النسخ: "من حيث كان أبغضت"..
٨ - هذا البيت لأبي المجشر الجاهلي كما قال في اللسان، والشّوس: النظر بإحدى شقي العين، وقيل: هو الذي يصغّر عينه ويضم أجفانه لينظر، وقال ابن سيدة: أن ينظر بإحدى عينيه ويُميل وجهه في شق العين التي ينظر بها، يكون ذلك خلقة، ويكون من الكبر والغضب، والأبيان: من الإباء، يقال: أبى يأبى فهو آب وأبي وأبيان بالتحريك..
٩ - هذا عجز البيت، وهو بتمامه كما رواه في اللسان:
 وما العيش إلا ما تلذ وتشتهي وإن لام فيه ذو الشنان وفنّدا.

### الآية 5:3

> ﻿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلَامِ ۚ ذَٰلِكُمْ فِسْقٌ ۗ الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ ۚ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا ۚ فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ ۙ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ [5:3]

حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالْدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَآ أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَآ أَكَلَ السَّبُعُ إِلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ 
وقوله تعالى : حرمت عليكم الميتة  الآية تعديد لما يتلى على الأمة مما استثني من  بهيمة الأنعام  \[ المائدة : ١ \] و  الميتة  كل حيوان له نفس سائلة خرجت نفسه من جسده على غير طريق الذكاة المشروع سوى الحوت والجراد على أن الجراد قد رأى كثير من العلماء أنه لا بد من فعل فيها يجري مجرى الذكاة، وقرأ جمهور الناس **«الميْتة »** بسكون الياء، وقرأ أبو جعفر بن القعقاع **«الميّتة »** بالتشديد في الياء قال الزجاج : هما بمعنى واحد، وقال قوم من أهل اللسان : الميْت بسكون الياء ما قد مات بعد والميّت يقال لما قد مات ولما لم يمت وهو حي بعد ولا يقال له ميت بالتخفيف ورد الزجاج هذا القول واستشهد على رده بقول الشاعر :
ليس من مات فاستراح بميت. . . إنما الميت ميت الأحياء[(١)](#foonote-١)
قال القاضي أبو محمد : والبيت يحتمل أن يتأول شاهداً عليه لا له وقد تأول قوم استراح في هذا البيت بمعنى اكتسب رائحة إذ قائله جاهلي لا يرى في الموت راحة. 
وقوله تعالى : والدم  معناه المسفوح لأنه بهذا تقيد الدم في غير هذه الآية فيرد المطلق إلى المقيد وأجمعت الأمة على تحليل الدم المخالط للحم، وعلى تحليل الطحال ونحوه، وكانت الجاهلية تستبيح الدم، ومنه قولهم :" لم ُيحرم من ُفصد له " [(٢)](#foonote-٢)، والعلهز دم ووبر يأكلونه في الأزمات[(٣)](#foonote-٣). 
 ولحم الخنزير  مقتض لشحمه بإجماع[(٤)](#foonote-٤)، واختلف في استعمال شعره وجلده بعد الدباغ فأجيز ومنع وكل شيء من الخنزير حرام بإجماع جلداً كان أو عظماً، وقوله تعالى : وما أهلّ لغير الله به  يعني ما ذبح لغير الله تعالى وقصد به صنم أو بشر من الناس كما كانت العرب تفعل وكذلك النصارى، وعادة الذابح أن يسمي مقصوده ويصيح به فذلك إهلاله ومنه استهلال المولود إذ صاح عند الولادة، ومنه إهلال الهلال أي الصياح بأمره عند رؤيته ومن الإهلال قول ابن أحمر :
يهل بالفرقد ركبانها. . . كما يهل الراكب المعتمر[(٥)](#foonote-٥)
وقوله تعالى : والمنخنقة  معناه التي تموت خنقاً وهو حبس النفس سواء فعل بها ذلك آدمي أو اتفق لها ذلك في حجر أو شجرة أو بحبل أو نحوه وهذا إجماع، وقد ذكر قتادة أن أهل الجاهلية كانوا يخنقون الشاة وغيرها فإذا ماتت أكلوها وذكر نحوه ابن عباسرضي الله عنهما.  والموقوذة  التي ترمى أو تضرب بعصا أو بحجر أو نحوه وكأنها التي تحذف به وقال الفرزدق :
شَّغارة َتقذُ الفصيل برجلها فَطّارة لقوادم الأَبكار[(٦)](#foonote-٦)
وقال ابن عباسرضي الله عنهما : الموقوذة  التي تضرب بالخشب حتى يوقذها فتموت، وقال قتادة : كان أهل الجاهلية يفعلون ذلك ويأكلونها. 
قال القاضي أبو محمد : ومن اللفظة قول معاوية :**«وأما ابن عمر فرجل قد وقذه الورع وكفى أمره ونزوته »** وقال الضحاك : كانوا يضربون **«الأنعام بالخشب لآلهتهم حتى يقتلوها فيأكلونها »**، وقال أبو عبد الله الصنابحي :**«ليس  الموقوذة  إلا في مالك، وليس في الصيد وقيذ »**. 
قال القاضي أبو محمد : وعند مالك وغيره من الفقهاء في الصيد ما حكمه حكم الوقيذ وهو نص في قول النبي صلى الله عليه وسلم، في المعراض[(٧)](#foonote-٧) :**«وإذا أصاب بعرضه فلا تأكل فإنه وقيذ »**[(٨)](#foonote-٨)  والمتردية  هي التي تتردى من العلو إلى السفل فتموت كان ذلك من جبل أو في بئر ونحوه، هي متفعلة من الردى وهو الهلاك وكانت الجاهلية تأكل المتردي ولم تكن العرب تعتقد ميتة إلا ما مات بالوجع ونحو ذلك دون سبب يعرف فأما هذه الأسباب فكانت عندها كالذكاة، فحصر الشرع الذكاة في صفة مخصوصة وبقيت هذه كلها ميتة،  والنطيحة  فعيلة بمعنى مفعولة وهي الشاة تنطحها أخرى أو غير ذلك فتموت، وتأول قوم  النطيحة  بمعنى الناطحة لأن الشاتين قد تتناطحان فتموتان، وقال قوم : لو ذكر الشاة لقيل : والشاة النطيح كما يقال كف خضيب ولحية دهين، فلما لم تذكر ألحقت الهاء لئلا يشكل الأمر أمذكراً يريد أم مؤنثاً، قال ابن عباس والسدي وقتادة والضحاك : النطيحة الشاة تناطح الشاة فتموتان أو الشاة تنطحها البقر والغنم. . 
قال القاضي أبو محمد : وكل ما مات ضغطاً فهو نطيح، وقرأ أبو ميسرة **«والمنطوحة »** وقوله : وما أكل السبع  يريد كل ما افترسه ذو ناب وأظفار من الحيوان كالأسد والنمر والثعلب والذئب والضبع ونحوه، هذه كلها سباع. ومن العرب من يوقف اسم السبع على الأسد، وكان العرب إذا أخذ السبع شاة فقتلها ثم خلصت منه أكلوها وكذلك إن أكل بعضها، قاله قتادة وغيره. 
وقرأ الحسن والفياض وطلحة بن سليطان وأبو حيوة وما **«أكل السبْع »** بسكون الباء وهي لغة أهل نجد[(٩)](#foonote-٩)، وقرأ بذلك عاصم في رواية أبي بكر عنه. وقرأ عبد الله بن مسعود **«وأكيلة السبع »** وقرأ عبد الله بن عباس **«وأكيل السبع »**، واختلف العلماء في قوله تعالى : إلا ما ذكيتم  فقال ابن عباس والحسن بن أبي الحسن وعلي بن أبي طالب وقتادة وإبراهيم النخعي وطاوس وعبيد بن عمير والضحاك وابن زيد وجمهور العلماء الاسثناء هو من هذه المذكورات فما أدرك منها يطرف بعين أو يمصع[(١٠)](#foonote-١٠) برجل أو يحرك ذنباً وبالجملة ما يتحقق أنه لم تفض نفسه بل له حياة فإنه يذكى على سنة الذكاة ويؤكل، وما فاضت نفسه فهو في حكم الميتة بالوجع ونحوه على ما كانت الجاهلية تعتقده، وقال مالك رحمه الله مرة بهذا القول، وقال أيضاً وهو المشهور عنه وعن أصحابه من أهل المدينة أن قوله تعالى : إلا ما ذكيتم  معناه من هذه المذكورات في وقت تصح فيه ذكاتها وهو ما لم تنفذ مقاتلها ويتحقق أنها لا تعيش ومتى صارت في هذا الحد فهي في حكم الميتة. 
قال القاضي أبو محمد : فقال بعض المفسرين إن الاستثناء في قول الجمهور متصل وفي قول مالك منقطع لأن المعنى عنده **«لكن ما ذكيتم »** مما تجوز تذكيته فكلوه حتى قال بعضهم إن المعنى  إلا ماذكيتم  من غير هذه فكلوه، وفي هذا عندي نظر، بل الاستثناء على قول مالك متصل لكنه يخالف في الحال التي تصح ذكاة هذه المذكورات، وقال الطبري : إن الاستثناء عند مالك من التحريم لا من المحرمات. 
قال القاضي أبو محمد : وفي هذه العبارة تجوز كثير وحينئذ يلتئم المعنى، والذكاة في كلام العرب الذبح، قاله ثعلب قال ابن سيده : والعرب تقول ذكاة الجنين ذكاة أمه. 
قال القاضي أبو محمد : وهذا إنما هو حديث[(١١)](#foonote-١١)، وذكى الحيوان ذبحه، ومنه قوله الشاعر :
\*يذكيها الأسل[(١٢)](#foonote-١٢)\*
ومما احتج به المالكيون لقول مالك**«إن ما تيقن أنه يموت من هذه الحوادث فهو في حكم الميتة »**أنه[(١٣)](#foonote-١٣) لو لم تحرم هذه التي قد تيقن موتها إلا بأن تموت لكان ذكر الميتة أولاً يغني عنها، فمن حجة المخالف أن قال إنما ذكرت بسبب أن العرب كانت تعتقد أن هذه الحوادث كالذكاة فلو لم يذكر لها غير الميتة لظنت أنها ميته الوجع حسب ما كانت هي عليه. 
 وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَنْ تَسْتَقْسِمُواْ بِالأَزْلاَمِ ذلِكُمْ فِسْقٌ الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن دِينِكُمْ فَلاَ تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الأِسْلاَمَ دِيناً فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ 
قوله : وما ذبح  عطف على المحرمات المذكورات، و  النصب  جمع واحده نصاب، وقيل هو اسم مفرد وجمعه أنصاب وهي حجارة تنصب كل منها حول الكعبة ثلاثمائة وستون، وكان أهل الجاهلية يعظمونها ويذبحون عليها لآلهتهم ولها أيضاً وتلطخ بالدماء وتوضع عليه اللحوم قطعاً قطعاً ليأكل الناس، قال مجاهد وقتادة وغيرهما : النصب  حجارة كان أهل الجاهلية يذبحون عليها، وقال ابن عباس : ويهلون عليها، قال ابن جريج : النصب  ليست بأصنام، الصنم يصور وينقش، وهذه حجارة تنصب. 
قال القاضي أبو محمد : وقد كانت للعرب في بلادها أنصاب حجارة يعبدونها ويحكون[(١٤)](#foonote-١٤) فيها أنصاب مكة، ومنها الحجر المسمى بسعد وغيره، قال ابن جريج : كانت العرب تذبح بمكة وينضحون بالدم ما أقبل من البيت ويشرحون اللحم ويضعونه على الحجارة. . فلما جاء الإسلام قال المسلمون لرسول الله صلى الله عليه وسلم نحن أحق أن نعظم هذا البيت بهذه الأفعال، فكأن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكره ذلك فأنزل الله تعالى : لن ينال الله لحومها ولا دماؤها [(١٥)](#foonote-١٥) ونزلت  وما ذبح على النصب . 
قال القاضي أبو محمد : المعنى والنية فيها تعظيم النصب، قال مجاهد. وكان أهل مكة يبدلون ما شاؤوا من تلك الحجارة إذا وجدوا أعجب إليهم منها، قال ابن زيد : ما ذبح على النصب  وما أهل به لغير الله شيء واحد. 
قال القاضي أبو محمد رحمه الله : ما ذبح على النصب  جزء مما أهل به لغير الله، لكن خص بالذكر بعد جنسه لشهرة الأمر وشرف الموضع وتعظيم النفوس له. وقد يقال للصنم أيضاً نصب ونصب لأنه ينصب وروي أن الحسن بن أبي الحسن قرأ **«وما ذبح على النَّصْب »** بفتح النون وسكون الصاد، وقال : على الصنم، وقرأ طلحة ابن مصرف **«على النُّصْب »** بضم النون وسكون الصاد، وقرأ عيسى بن عمر **«على النَّصَب »** بفتح النون والصاد، وروي عنه أنه قرأ بضم النون والصاد كقراءة الجمهور، وقوله تعالى : وأن تستقسموا بالأزلام  حرم به تعالى طلب القسم وهو النصيب أو القسم بفتح القاف وهو المصدر  بالأزلام  وهي سهام واحد زلم بضم الزاي وبفتحها، وأزلام العرب ثلاثة أنواع، منها الثلاثة التي كان يتخذها كل إنسان لنفسه على أحدها افعل، والآخر لا تفعل، والثالث مهمل لا شيء عليه فيجعلها في خريطة معه، فإذا أراد فعل شيء أدخل يده وهي متشابهة فأخرج أحدها وائتمر وانتهى بحسب ما يخرج له، وإن خرج القدح الذي لا شيء فيه أعاد الضرب، وهذه هي التي ضرب بها سراقة بن مالك بن جعشم حين اتبع النبي صلى الله عليه وسلم وأبا بكر وقت الهجرة، والنوع الثاني سبعة قداح كانت عند هبل في جوف الكعبة فيها أحكام العرب وما يدور بين الناس من النوازل، في أحدها العقل في أمور الديات، وفي آخر : منكم، وفي آخر : من غيركم، وفي آخر : ملصق[(١٦)](#foonote-١٦)، وفي سائرها أحكام المياه وغير ذلك، وهي التي ضرب بها على بني عبد المطلب، إذ كان نذر هو نحر أحدهم إذا أكملوا عشرة، وهو الحديث الطويل الذي في سيرة ابن إسحاق، وهذه السبعة أيضاً متخذة عند كل كاهن من كهان العرب وحكامهم على نحو ما كانت في الكعبة عند هبل. والنوع الثالث هو قداح الميسر، وهي عشرة سبعة منها فيها خطوط لها بعددها حظوظ، وثلاثة أغفال وكانوا يضربون بها مقامرة ففيها لهو للبطالين ولعب، وكان عقلاؤهم يقصدون بها إطعام المساكين والمعدم في زمن الشتاء وَكَلب البرد وَتعذُّر التحرف، وكان من العرب من يستقسم بها لنفسه طلب الكسب والمغامرة وقد شرحت أمرها بأوعب من هذا في سورة البقرة في تفسير الميسر، فالاستقسام بهذا كله هو طلب القسم والنصيب وهو من أكل المال بالباطل وهو حرام، وكل مقامرة بحمام أو بنرد أو بشطرنج أو بغير ذلك من هذه الألعاب فهو استقسام ب١ - نسبه في "لسان العرب" إلى عدي بن الرعلاء، وبعده:
 إنما الميت من يعيش كئيبا كاسفا باله قليل الرجاء
 فأناس يمصصون ثمــادا وأناس حلوقهم في الماء
 وكما اختلفوا في معنى كل من ميت وميّت، اختلفوا كذلك في دلالة كل من ميت ومائت فقالوا: حكى الجوهري عن الفراء: يقال لمن لم يمت: إنه مائت عن قليل وميّت، ولا يقولون لمن مات: هذا مائت. قيل: وهذا خطأ، وإنما ميت يصلح لما قد مات ولما سيموت، قال الله تعالى: إنك ميت وإنهم ميتون. وقد جمع بين اللغتين عدي بن الرعلاء في أبياته حين جعل الميت كالميت.
٢ - هذا مثل يضرب لمن يحصل على بعض حاجته، ويروي "من فزدله". وفصد من الفصد. كانوا إذا أعياهم قرى الضيف فصدوا بعيرا وعالجوا دمه بشيء فأكلوه، وأصل المثل أن رجلين باتا عند أعرابي فالتقيا صباحا، فسأل أحدهما صاحبه عن القرى فقال: ما قريت، وإنما فصد لي، فقال: "لم يحرم من فصد له"..
٣ - كانت العرب في الجاهلية تأكل العلهز في الجدب، وفي حديث عكرمة: (كان طعام أهل الجاهلية العلهز)، وأنشد ابن شميل:
 وإن ثرى قحطان قرف وعلهز فأقبح بهذا ويح نفسك من فعل
 وفي الحديث في دعائه عليه الصلاة والسلام على مضر: (اللهم اجعلها عليهم سنين كسني يوسف، فابتلوا بالجوع حتى أكلوا العلهز). (راجع اللسان)..
٤ - قال في "البحر المحيط": "وليس كذلك، فقد خالف فيه داود وغيره"..
٥ - الفرقد: نجم قريب من القطب الشمالي ثابت الموقع تقريبا، ولذا يهتدى به، وهو المسمى: "النجم القطبي"، ويقربه نجم آخر مماثل له وأصغر منه، وهما فرقدان. والمعتمر: الزائر (في رأي الأصمعي)، وقال أبو عبيدة: المعتمر: المتعمم بالعمامة. ومعنى البيت كما قال الأصمعي: "إذا انجلى لهم السحاب عن الفرقد أهلوا، أي: رفعوا أصواتهم بالتكبير"- وقد فسّر غير (الفرقد) بأنه ولد البقرة، ولهذا قالوا: "إن معنى البيت أنهم في مفازة بعيدة من المياه فإذا رأوا ولد البقرة رفعوا أصواتهم بالتكبير والتهليل". –وأصل الإهلال هو رفع الصوت، وفي الحديث: (الصبي إذا ولد لم يورث ولم يرث حتى يستهل صارخا)..
٦ - البيت في وصف ناقة، والشّغارة هي التي ترفع قوائمها لتضرب، وتقذ: تضرب الفصيل حتى تصرعه أو تتركه مريضا، والفصيل: ولد الناقة أو البقرة بعد فطامه وفصله عن أمه-وهذا هو سبب ضربها له- والفطر: الحلب بالسبابة والوسطى ويستعان بطرف الإبهام، وخلفا الضرع المقدمان: هما القادمان، وجمعه: القوادم، والأبكار تحلب فطرا، لأنه لا يمكن حلبها كما يقال ضبا لقصر الخلف، لأنها صغار- والفطر: القليل من اللبن- والحلب ضبا هو الحلب بقوة وشدة..
٧ - المعراض: سهم يرمى به بلا ريش، وأكثر ما يصيب بعرض عوده دون حده..
٨ - في الصحيحين وغيرهما عن عدي قال: قلت يا رسول الله، إني أرمي بالمعراض الصيد فأصيب، فقال عليه الصلاة والسلام: (إذا رميت بالمعراض فخرق فكله، وإن أصاب بعرضه فإنما هو وقيذ فلا تأكله)..
٩ - قال حسان في عتبة بن أبي لهب:
 متى يرجع العام إلى أهله فما أكيل السبع بالراجع
 .
١٠ - يقال: مصعت الدابة بذنبها: حركته من غير عدد..
١١ -قال القرطبي: "الحديث الذي أشار إليه أخرجه الدارقطني من حديث أبي سعيد، وأبي هريرة، وعلي، وعبد الله"..
١٢ - نقله في القرطبي هكذا، وذكره بنفس الصورة في اللسان، ولم ينسبه أحد منهما ولا من المحققين. والأسل: الرماح.
١٣ - قوله: "أنه لو لم تحرم" مبتدأ مؤخر، والخبر قوله في بداية الكلام: "ومما احتج به المالكيون" وجملة: "إن ما تيقن... الخ" هي قول مالك، وقد وضعناها بين علامتي التنصيص..
١٤ - أي: يحاكون فيها أنصاب مكة..
١٥ - من الآية (٣٧) من سورة (الحج).
١٦ - كان العرب إذا شكوا في نسب أحدهم ذهبوا إلى هبل وبمائة درهم وجزور فأعطوها صاحب القداح الذي يضرب بها، ثم قربوا صاحبهم الذي يريدون به ما يريدون، ثم قالوا: يا إلهنا، هذا فلان بن فلان قد أردنا به كذا وكذا، فأخرج الحق فيه، ثم يقولون لصاحب القداح: اضرب، فإن خرج عليه "منكم" كان منهم وسيطا، وإن خرج "من غيركم" كان حليفا، وإن خرج "ملصق" كان على منزلته فيهم لا نسب له ولا حلف- (عن سيرة ابن هشام). ويمكنك الرجوع إليها ففيها توضيح أكثر..

### الآية 5:4

> ﻿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ ۖ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ ۙ وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ ۖ فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ ۖ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۚ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ [5:4]

وسبب نزول قوله تعالى : يسألونك ماذا أحل لهم  أن جبريل جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فوجد في البيت كلباً فلم يدخل فقال له النبي صلى الله عليه وسلم ادخل فقال أنا لا أدخل بيتاً فيه كلب فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقتل الكلاب فقتلت حتى بلغت العوالي فجاء عاصم بن عدي وسعد بن خيثمة وعويم بن ساعدة فقالوا يا رسول الله، ماذا يحل لنا من هذه الكلاب[(١)](#foonote-١) ؟. 
قال القاضي أبو محمد : وروى هذا السبب أبو رافع مولى النبي صلى الله عليه وسلم وهو كان المتولي لقتل الكلاب، وحكاه أيضاً عكرمة ومحمد بن كعب القرظي موقوفاً عليهما وظاهر الآية أن سائلاً سأل عما أحل للنا س من المطاعم لأن قوله تعالى : قل أحل لكم الطيبات  ليس الجواب على ما يحل لنا من اتخاذ الكلاب اللهم إلا أن يكون هذا من إجابة السائل بأكثر مما سأل عنه وهذا موجود كثيراً من النبي صلى الله عليه وسلم كجوابه في لباس المحرم وغير ذلك، وهو صلى الله عليه وسلم مبين الشرع، فإنما يجاوب مادّاً أطناب التعليم لأمته، و  الطيبات  الحلال، هذا هو المعنى عند مالك وغيره ولا يراعى مستلذاً كان أم لا، وقال الشافعي : الطيبات  الحلال المستلذ وكل مستقذر كالوزغ والخنافس وغيرها فهي من الخبائث حرام. 
وقوله تعالى : وما علمتم من الجوارح  تقديره وصيد ما علمتم أو فاتخاذ ما علمتم وأعلى مراتب التعليم أن يشلى الحيوان فينشلي[(٢)](#foonote-٢)، ويدعى فيجيب ويزجر بعد ظفره بالصيد فينزجر وأن يكون لا يأكل من صيده، فإذا كان كلب بهذه الصفات ولم يكن أسود بهيماً فأجمعت الأمة على صحة الصيد به بشرط أن يكون تعليم مسلم ويصيد به مسلم، هنا انعقد الإجماع فإذا انخرم شيء مما ذكرنا دخل الخلاف، فإن كان الذي يصاد به غير كلب كالفهد وما أشبهه وكالبازي والصقر ونحوهما من الطير فجمهور الأمة على أن كل ما صاد بعد تعليم فهو جارح أي كاسب يقال : جرح فلان واجترح إذا كسب ومنه قوله تعالى : ويعلم ما جرحتم بالنهار [(٣)](#foonote-٣) أي كسبتم من حسنة وسيئة وكان ابن عمر يقول إنما يصاد بالكلاب فأما ما صيد به من البزاة، وغيرها من الطير فما أدركت ذكاته فذكه فهو حلال لك، وإلا فلا تطعمه هكذا حكى ابن المنذر قال : وسئل أبو جعفر عن البازي والصقر أيحل صيده قال : لا إلا أن تدرك ذكاته قال واستثنى قوم البزاة فجوزوا صيدها لحديث عدي بن حاتم قال : سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صيد البازي فقال ( إذا أمسك عليك فكل )[(٤)](#foonote-٤)، وقال الضحاك والسدي : وما علمتم من الجوارح مكلبين  هي الكلاب خاصة فإن كان الكلب أسود بهيماً فكره صيده الحسن بن أبي الحسن وقتادة وإبراهيم النخعي. وقال أحمد بن حنبل ما أعرف أحداً يرخص فيه إذا كان بهيماً وبه قال ابن راهويه، فأما عوام أهل العلم بالمدينة والكوفة فيرون جواز صيد كل كلب معلم. 
وأما أكل الكلب من الصيد فقال ابن عباس وأبو هريرة والشعبي وإبراهيم النخعي وسعيد بن جبير وعطاء بن أبي رباح وقتادة وعكرمة والشافعي وأحمد وإسحاق وأبو ثور والنعمان وأصحابه، لا يؤكل ما بقي لأنه إنما أمسك على نفسه ولم يمسك على ربه، ويعضد هذا القول قول النبي صلى الله عليه وسلم لعدي بن حاتم في الكلب المعلم : وإذا أكل فلا تأكل فإنما أمسك على نفسه، وتأول هؤلاء قوله تعالى : مما أمسكن عليكم  \[ المائدة : ٤ \] على عموم الإمساك فمتى حصل إمساك ولو في بضعة حل أكلها وروي عن النخعي وأصحاب الرأي والثوري وحماد بن أبي سليمان أنهم رخصوا فيما أكل البازي منه، خاصة في البازي. 
قال القاضي أبو محمد : كأنه لا يمكن فيه أكثر من ذلك لأن حد تعليمه أن يدعى فيجيب وأن يشلى فينشلي، وإذا كان الجارح يشرب من دم الصيد فجمهور الناس على أن ذلك الصيد يؤكل، وقال عطاء : ليس شرب الدم بأكل. وكره أكل ذلك الصيد الشعبي وسفيان الثوري. 
قال القاضي أبو محمد : وليس في الحيوان شيء يقبل التعليم التام إلا الكلب شاذاً وأكثرها يأكل من الصيد ولذلك لم ير مالك ذلك من شروط التعليم. وأما الطير فقال ربيعة : ما أجاب منها إذا دعي فهو المعلم الضاري. 
قال القاضي أبو محمد : لأن أكثر الحيوان بطبعه ينشلي، وقال أصحاب أبي حنيفة : إذا صار الكلب وأمسك ثلاث مرات ولاًء فقد حصل منه التعليم، قال ابن المنذر : وكان النعمان لا يحد في ذلك عدداً، وقال غيرهم : إذ فعل ذلك مرة واحدة فقد حصل معلماً وإذا كان الكلب تعليم يهودي أو نصراني فكره الصيد به الحسن البصري، فأما كلب المجوسي وبازه وصقره فكره الصيد بها جابر بن عبد الله والحسن وعطاء ومجاهد وإبراهيم النخعي والثوري وإسحاق بن راهويه، ومالك رحمه الله والشافعي وأبو حنيفة وأصحابهم على إباحة الصيد بكلابهم إذا كان الصائد مسلماً قالوا : وذلك مثل شفرته، وأما إن كان الصائد من أهل الكتاب فجمهور الأمة على جواز صيده غير مالك رحمه الله فإنه لم يجوز صيد اليهودي والنصراني وفرق بين ذلك وبين ذبيحته وتلا قول الله تعالى : تناله أيديكم ورماحكم [(٥)](#foonote-٥) قال فلم يذكر الله بهذا اليهود ولا النصارى، وقال ابن وهب وأشهب : صيد اليهودي والنصراني حلال كذبيحته، وفي كتاب محمد لا يجوز صيد الصابىء ولا ذبيحته وهم قوم بين اليهود والنصارى لا دين لهم وأما إن كان الصائد مجوسياً فمنع من أكل صيده مالك والشافعي وأبو حنيفة وأصحابهم وعطاء وابن جبير والنخعي والليث بن سعد وجمهور الناس، وقال أبو ثور فيها قولين : أحدهما كقول هؤلاء، والآخر أن المجوس أهل كتاب وأن صيدهم جائز، وقرأ جمهور الناس **«وما عَلمتم »** بفتح العين واللام وقرأ ابن عباس ومحمد بن الحنفية **«عُلِّمتم »** بضم العين وكسر اللام أي أمر الجوارح والصيد بها، و  الجوراح  الكواسر على ما تقدم، وحكى ابن المنذر عن قوم أنهم قالوا  الجوارح  مأخوذ من الجارح أي الحيوان الذي له ناب وظفر أو مخلب يجرح به صيده. 
قال القاضي أبو محمد : وهذا قول ضعيف، أهل اللغة على خلافه وقرأ جمهور الناس **«مكَلّبين »** بفتح الكاف وشد اللام، والمكلب معلم الكلاب وُمضريها، ويقال لمن يعلم غير كلب : مكلب لأنه يرد ذلك الحيوان كالكلب، وقرأ الحسن وأبو زيد **«مكْلبين »** بسكون الكاف وتخفيف اللام ومعناه أصحاب كلاب يقال : أمشى الرجل كثرت ماشيته وأكلب كثرت كلابه، وقال بعض المفسرين : المكلب بفتح الكاف وشد اللام صاحب الكلاب. 
قال القاضي أبو محمد : وليس هذا بمحرر. 
**قوله عز وجل :**
 فَكُلُواْ مِمَّآ أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُواْ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ وَاتَّقُواْ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ حِلٌّ لَّكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَّهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ إِذَآ آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلاَ مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ وَمَن يَكْفُرْ بِالإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ 
أي يعلمونهن من الحيلة في الاصطياد والتأني لتحصيل الحيوان وهذا جزء مما علمه الله الإنسان و **«من »** للتبعيض، ويحتمل أن تكون لابتداء الغاية وأنث الضمير في  تعلمونهن  مراعاة للفظ  الجوارح  إذ هو جمع جارحة، وقوله تعالى : فكلوا مما أمسكن عليكم  يحتمل أن يريد مما أمسكن فلم يأكلن منه شيئاً. ويحتمل أن يريد مما **«أمسكن »** وإن أكلن بعض الصيد وبحسب هذا الاحتمال اختلف العلماء في جواز أكل الصيد إذا أكل منه الجارح وقد تقدم ذلك، وقوله تعالى : واذكروا اسم الله عليه  أمر بالتسمية عند الإرسال على الصيد، وفقه الصيد والذبح في معنى التسمية واحد، فقال بعض العلماء هذا الأمر على الوجوب ومتى ترك المرسل أو الذابح التسمية عمداً أو نسياناً لم تؤكل، وممن رويت عنه كراهية ما لم يسم عليه الله نسيانا الشعبي، نسياناً الشعبي وابن سيرين ونافع وأبو ثور، ورأى بعض العلماء هذا الأمر بالتسمية على الندب وإلى ذلك ينحو أشهب في قوله إن ترك التسمية مستخفاً لم تؤكل وإن تركها عامداً لا يدري قدر ذلك لكنه غير متهاون بأمر الشريعة فإنها تؤكل ومذهب مالك وجمهور أهل العلم : أن التسمية واجبة مع الذكر ساقطة مع النسيان فمن تركها عامداً فقد أفسد الذبيحة والصيد ومن تركها ناسياً سمى عند الأكل وكانت الذبيحة جائزة، واستحب أكثر أهل العلم أن لا يذكر في التسمية غير الله تعالى وأن لفظها بسم الله والله كبر، وقال قوم : إن صلى مع ذلك على النبي صلى الله عليه وسلم فجائز، ثم أمر تعالى بالتقوى على الجملة والإشارة الغريبة هي إلى ما تضمنته هذه الآيات من الأوامر وسرعة الحساب هي من أنه تبارك وتعالى قد أحاط بكل شيء علماً فلا يحتاج إلى محاولة عد ويحاسب جميع الخلائق دفعة واحدة، وتحتمل الآية أن تكون وعيداً بيوم القيامة كأنه قال إن حساب الله لكم سريع إتيانه إذ يوم القيامة قريب، ويحتمل أن يريد ب  الحساب  المجازاة فكأنه توعد في الدنيا بمجازاة سريعة قريبة إن لم يتق الله.

١ - أخرجه مع اختلاف مع الألفاظ الفريابي، وابن المنذر، وابن جرير، وابن أبي حاتم، والطبراني، والحاكم وصححه، والبيهقي في سننه عن أبي رافع، وأخرج ابن جرير عن عكرمة دخول عاصم بن عدي ورفيقه على النبي صلى الله عليه وسلم وسؤالهم..
٢ - أشلى الكلب على الصيد أغراه. واستشلى الكلب بمعنى أشلاه. (المعجم الوسيط).
٣ - من الآية (٦٠) (من سورة الأنعام).
٤ - أخرجه ابن جرير عن عدي بن حاتم. وهذا الحديث في البزاة، ولكن أخرج البخاري ومسلم عن عدي بن حاتم قال: قلت: يا رسول الله، إني أرسل الكلاب المعلمة وأذكر اسم الله، فقال: إذا أرسلت كلبك المعلم، وذكرت اسم الله فكل مما أمسكن عليك، قلت: وإن قتلن؟ قال: وإن قتلن ما لم يشركها كلب ليس منها، فإنك إنما سميت على كلبك، ولم تسم على غيره. (الدر المنثور)..
٥ - من الآية (٩٤) من سورة (المائدة)..

### الآية 5:5

> ﻿الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ ۖ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ ۖ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلَا مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ ۗ وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ [5:5]

وقوله تعالى : اليوم أحل لكم الطيبات  إشارة إلى الزمن والأوان، والخطاب للمؤمنين، وتقدم القول في  الطيبات  وقوله تعالى : وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم  ابتداء وخبر، و  حل  معناه حلال، والطعام في هذه الآية الذبائح كذا قال أهل التفسير، وذلك أن الطعام الذي لا محاولة فيه كالُبر والفاكهة ونحوه لا يضر فيه وُيحرم عينه تََمَلُّك أحد. والطعام الذي تقع فيه محاولة على ضربين : فمنه ما محاولته صنعة لا تعلق للدين بها كخبز الدقيق وتعصير الزيت ونحوه فهذا إن ُتجُنب من الذمي فعلى جهة التقزز. والضرب الثاني هي التزكية التي هي محتاجة إلى الدين والنية فلما كان القياس ألا تجوز ذبائحهم كما تقول : إنهم لا صلاة لهم ولا صوم ولا عبادة مقبولة رخص الله تعالى في ذبائحهم على هذه الأمة وأخرجها بالنص عن القياس. ثم إن العلماء اختلفوا في لفظ \[ طعام \] فقال الجمهور : وهي الذبيحة كلها وتذكية الذمي عاملة[(١)](#foonote-١) لنا في كل الذبيحة ما حل له منها وما حرم عليه لأنه مذك. وقالت جماعة من أهل العلم إنما أحل لنا طعامهم من الذبيحة أي الحلال لهم لأن ما لا يحل لهم لا تعمل فيه تذكيتهم فمنعت هذه الطائفة الطريف[(٢)](#foonote-٢) والشحوم المحضة من ذبائح أهل الكتاب، وهذا الخلاف موجود في مذهب مالك رحمه الله، واختلف العلماء في لفظة  أوتوا  فقالت فرقة إنما أحلت لنا ذبائح بني إسرائيل الصرحاء الذين نزل عليهم التوراة والإنجيل، فمنعت هذه الفرقة ذبائح نصارى بني تغلب من العرب وذبائح كل دخيل في هذين الدينين، وكان علي بن أبي طالب رضي الله عنه ينهى عن ذبائح نصارى بني تغلب، ويقول لأنهم لم يتمسكوا بشيء من النصرانية إلا بشرب الخمر. 
قال القاضي أبو محمد : فهذا ليس بنهي عن ذبائح النصارى المحققين منهم، وقال جمهور الأمة ابن عباس والحسن وعكرمة وابن المسيب والشعبي وعطاء وابن شهاب والحكم وحماد وقتادة ومالك رحمه الله وغيرهم : إن ذبيحة كل نصراني حلال سواء كان من بني تغلب أو غيرهم، وكذلك اليهود، وتأولوا قول الله تعالى : ومن يتولهم منكم فإنه منهم [(٣)](#foonote-٣). 
وقوله تعالى : وطعامكم حل لهم  أي ذبائحكم، فهذه رخصة للمسلمين لا لأهل الكتاب، لمّا كان الأمر يقتضي أن شيئاً قد تشرعنا فيه بالتذكية ينبغي لنا أن نحميه منهم، ورخص الله تعالى في ذلك رفعاً للمشقة بحسب التجاوز، وقوله تعالى : والمحصنات  عطف على الطعام المحلل، والإحصان في كلام العرب وفي تصريف الشرع مأخوذ من المنعة ومنه الحصن، وهو مترتب بأربعة أشياء : الإسلام والعفة والنكاح والحرية، فيمتنع في هذا الموضع أن يكون الإسلام لأنه قد نص أنهن من أهل الكتاب ويمتنع أن يكون النكاح لأن ذات الزوج لا تحل، ولم يبق إلا الحرية والعفة فاللفظة تحتملهما، واختلف أهل العلم بحسب هذا الاحتمال فقال مالك رحمه الله ومجاهد وعمر بن الخطاب وجماعة من أهل العلم ****«المحصنات »**** في هذه الآية الحرائر فمنعوا نكاح الأمة الكتابية، وقالت جماعة من أهل العلم :****«المحصنات »**** في هذه الآية العفائف، منهم مجاهد أيضاً والشعبي وغيرهم فجوزوا نكاح الأمة الكتابية وبه قال سفيان والسدي، وقال الشعبي : إحصان الذمية ألا تزني وأن تغتسل من الجنابة، وقال أبو ميسرة : مملوكات أهل الكتاب بمنزلة حرائرهن العفائف منهن حلال نكاحهن. 
قال القاضي أبو محمد : ومنع بعض العلماء زواج غير العفيفة بهذه الآية، وقال الحسن بن أبي الحسن : إذا اطلع الرجل من امرأته على فاحشة فليفارقها. وفرق ابن عباس بين نساء أهل الحرب ونساء أهل الذمة فقال : من أهل الكتاب من يحل لنا وهم كل من أعطى الجزية، ومنهم من لا يحل لنا وهم أهل الحرب، وكره مالك رحمه الله نكاح نساء أهل الحرب مخافة ضياع الولد أو تغير دينه، والأجور في هذه الآية المهور، وانتزع أهل العلم لفظة  آتيتموهن  أنه لا ينبغي أن يدخل زوج بزوجته إلا بعد أن يبذل من المهر ما يستحلها به، ومن جوز أن يدخل دون أن يبذل ذلك فرأى أنه بحكم الارتباط والالتزام في حكم المؤتي، و  محصنين  معناه متزوجين على السنة، والإحصان في هذا الموضع هو بالنكاح، والمسافح المزاني، والسفاح الزنى، والمسافحة هي المرأة التي لا ترد يد لامس وتزني مع كل أحد وهن أصحاب الرايات في الجاهلية، والمخادنة أن يكون الزانيان قد وقف كل واحد نفسه على صاحبه، وقد تقدم نظير هذه الآية وفسر بأوعب من هذا، وقوله تعالى : ومن يكفر بالإيمان  يحتمل أن يكون المعنى على أن الكفر هو بنفس الإيمان، وفي هذا مجاز واستعارة لأن الإيمان لا يتصور كفر به إنما الكفر بالأمور التي حقها ان يقع الإيمان بها، وباق الآية بين.

١ - أي: مؤثرة في كل الذبيحة، ما حلّ منها للذمي وما حرم عليه..
٢ - هذه كلمة عبرية، في الخرشي على "مختصر خليل": "الطريفة: هي أن توجد الذبيحة فاسدة الرئة، أي: ملتصقة بظهر الحيوان، وإنما كانت الطريفة عندهم محرمة، لأن ذلك علامة على أنها لا تعيش من ذلك، فلا تعمل فيها الذكاة عندهم، فهي بمنزلة منفوذة المقاتل عندنا. (عن محقق القرطبي)..
٣ - من الآية (٥١) من سورة (المائدة)..

### الآية 5:6

> ﻿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ ۚ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا ۚ وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَىٰ أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ ۚ مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَٰكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ [5:6]

لا يختلف أن هذه الآية هي التي قالت عائشة رضي الله عنها فيها نزلت آية التيمم وهي آية الوضوء، لكن من حيث كان الوضوء متقرراً عندهم مستعملاً فكأن الآية لم تزدهم فيه إلا تلاوة، وإنما أعطتهم الفائدة والرخصة في التيمم واستدل على حصول الوضوء بقول عائشة فأقام رسول الله بالناس وليسوا على ماء وليس معهم ماء وآية النساء إما نزلت معها أو بعدها بيسير، وكانت قصة التيمم في سفر رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة المريسيع وهي غزوة بني المصطلق، وفيها كان هبوب الريح فيما روي، وفيها كان قول عبد الله بن أبي ابن سلول  لئن رجعنا إلى المدينة  \[ المنافقون : ٨ \] القصة بطولها، وفيها وقع حديث الإفك[(١)](#foonote-١)، ولما كانت محاولة الصلاة في الأغلب إنما هي بقيام جاءت العبارة  إذا قمتم ، واختلف الناس في القرينة التي أريدت مع قوله  إذا قمتم  فقالت طائفة : هذا لفظ عام في كل قيام سواء كان المرء على طهور أو محدثاً فإنه ينبغي له إذا قام إلى الصلاة أن يتوضأ وروي أن علي بن أبي طالب كان يفعل ذلك ويقرأ الآية، وروي نحوه عن عكرمة، وقال ابن سيرين : كان الخلفاء يتوضؤون لكل صلاة، وروي أن عمر بن الخطاب توضأ وضوءاً فيه تجوز ثم قال هذا وضوء من لم يحدث[(٢)](#foonote-٢). وقال عبد الله بن حنظلة بن أبي عامر الغسيل : إن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بالوضوء عند كل صلاة فشق ذلك عليه فأمر بالسواك ورفع عنه الوضوء إلا من حدث[(٣)](#foonote-٣). 
قال القاضي أبو محمد رضي الله عنه : فكان كثير من الصحابة منهم ابن عمر وغيره يتوضؤون لكل صلاة انتداباً إلى فضيلة وكذلك كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعل ثم جمع بين صلاتين بوضوء واحد في حديث سويد بن النعمان وفي غير موطن إلى أن جمع يوم الفتح بين الصلوات الخمس بوضوء واحد[(٤)](#foonote-٤) إرادة البيان لأمته وروى ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :**«من توضأ على طهر كتب له عشر حسنات، »**[(٥)](#foonote-٥) وقال : إنما رغبت في هذا، وقالت فرقة : نزلت هذه الآية رخصة لرسول الله صلى الله عليه وسلم، لأنه كان لا يعمل عملاً إلا وهو على وضوء ولا يكلم أحداً ولا يرد سلاماً إلى غير ذلك فأعلمه الله بهذه الآية أن الوضوء إنما هو عند القيام إلى الصلاة فقط دون سائر الأعمال، قال ذلك علقمة بن الفغواء وهو من الصحابة[(٦)](#foonote-٦)، وكان دليل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى تبوك، وقال زيد بن أسلم والسدي : معنى الآية إذا قمتم إلى الصلاة من المضاجع يعني النوم. 
قال القاضي أبو محمد : والقصد بهذا التأويل أن تعم الأحداث بالذكر، ولا سيما النوم الذي هو مختلف فيه هل هو في نفسه حدث، وفي الآية على هذا التأويل تقديم وتأخير تقديره  يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة  من النوم  أوجاء أحد منكم من الغائط أولا مستم النساء  يعني الملامسة الصغرى  فاغتسلوا  فتمت أحكام المحدث حدثاً أصغر ثم قال : وإن كنتم جنباً فاطهروا  فهذا حكم نوع آخر، ثم قال للنوعين جميعاً  وإن كنتم مرضى أو على سفر فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيداً طيباً  وقال بهذا التأويل محمد بن مسلمة من أصحاب مالك رحمه الله وغيره، وقال جمهور أهل العلم معنى الآية إذا قمتم إلى الصلاة محدثين[(٧)](#foonote-٧) وليس في الآية على هذا تقديم ولا تأخير بل يترتب في الآية حكم واجد الماء إلى قوله : فاطهروا  ودخلت الملامسة الصغرى في قوله محدثين، ثم ذكر بعد ذلك بقوله : وإن كنتم مرضى  إلى آخر الآية حكم عادم الماء من النوعين جميعاً وكانت الملامسة الصغرى في قوله محدثين، ثم ذكر بعد ذلك بقوله : وإن كنتم مرضى  إلى آخر الآية حكم عادم الماء من النوعين جميعاً وكانت الملامسة هي الجماع ولا بد، ليذكر الجُنب العادم للماء كما ذكر الواجد، وهذا هو تأويل الشافعي وغيره وعليه تجيء أقوال الصحابة كسعد بن أبي وقاص وابن عباس وأبي موسى وغيرهم. 
وقوله تعالى : فاغسلوا وجوهكم  الغسل في اللغة إيجاد الماء في المغسول مع إمرار شيء عليه كاليد أو ما قام مقامها، وهو يتفاضل بحسب الانغمار في الماء أو التقليل منه، وغسل الوجه في الوضوء هو بنقل الماء إليه وإمرار اليد عليه، والوجه ما واجه الناظر وقابله، وحدّه في ذي اللحية فقيل : حده من اللحية إلى ما قابل آخر الذقن، وقيل بل حده فيها آخر الشعر، واختلف العلماء في تخليل اللحية على قولين روي تخليلها عن النبي صلى الله عليه وسلم من حديث أنس ذكره الطبري[(٨)](#foonote-٨)، واختلف في حده عرضاً فهو في المرأة والأمرد من الأذن إلى الأذن وفي ذي اللحية ثلاثة أقوال فقيل : من الشعر إلى الشعر يعني شعر العارضين وقيل : من الأذن إلى الأذن ويدخل البياض الذي بين العارض والأذن في الوجه وقيل : يغسل ذلك بنفسه ليس من الوجه ولا من الرأس، وقيل : ما أقبل منهما من الوجه وما أدبر فهو من الرأس، واختلف في المضمضة والاستنشاق فجمهور الأمة يرونها سنة ولا يدخل هذان الباطنان عندهم في الوجه وقال مجاهد : الاستنشاق شطر الوضوء، وقال حماد بن أبي سليمان وقتادة وعطاء والزهري وابن أبي ليلى وابن راهويه : من ترك المضمضة والاستنشاق في الوضوء أعاد الصلاة، وقال أحمد : يعيد من ترك الاستنشاق ولا يعيد من ترك المضمضة والناس كلهم على أن داخل العينين لا يلزم غسله إلا ما روي عن عبد الله بن عمر أنه كان ينضح الماء في عينيه. 
وقوله تعالى : وأيديكم إلى المرافق  اليد في اللغة تقع على العضو الذي هو من المنكب إلى أطراف الأصابع ولذلك كان أبو هريرة يغسل جميعه في الوضوء أحياناً ليطيل الغرة، وحَّد الله تعالى موضع الغسل منه  إلى المرافق  يقال في واحدها مرفق ومرفق، وكسر الميم وفتح الفاء أشهر، واختلف العلماء هل تدخل المرافق في الغسل أم لا فقالت طائفة لا تدخل لأن إلى غاية تحول بين ما قبلها وما بعدها، وقالت طائفة تدخل المرافق في الغسل لأن ما بعد إلى إذا كان من نوع ما قبلها فهو داخل، ومثل أبو العباس المبرد في ذلك بأن تقول : اشتريت الفدان إلى حاشيته أو بأن تقول اشتريت الفدان إلى الدار وبقوله : أتموا الصيام إلى الليل [(٩)](#foonote-٩). 
قال القاضي أبو محمد : وتحرير العبارة في هذا المعنى أن يقال : إذا كان ما بعد  إلى  ليس مما قبلها فالحد أول المذكور بعدها، وإذا كان ما بعدها من جملة ما قبلها فالاحتياط يعطي أن الحد المذكور بعدها ولذلك يترجح دخول المرفقين في الغسل. والروايتان محفوظتان عن مالك بن أنس رضي الله عنه، روى عنه أشهب أن المرفقين غير داخلين في الحد، وروي عنه أنهما داخلان. 
وقوله تعالى : وامسحوا برؤوسكم  المسح أن يمر على الشيء بشيء مبلول بالماء وسنة مسح الرأس أن يؤخذ ماء باليدين ثم يرسل ثم يمسح الرأس بما تعلق باليدين، واختلف في مسح الرأس في مواضع منها هيئة المسح فقالت طائفة منها مالك والشافعي وجماعة من الصحابة والتابعين يبدأ بمقدم رأسه ثم يذهب بهما إلى قفاه ثم يردهما إلى مقدمه، وقالت فرقة يبدأ من مؤخر الرأس حتى يجيء إلى المقدم ثم يرد إلى المؤخر، وقالت فرقة : يبدأ من وسط الرأس فيجيء بيديه نحو الوجه ثم يرد فيصيب باطن الشعر فإذا انتهى إلى وسط الرأس أمرّ يديه كذلك على ظاهر شعر مؤخر الرأس ثم يرد فيصيب باطنه ويقف عند وسط الرأس، وقالت فرقة يمسح رأسه من هنا وهنا على غير نظام ولا مبدأ محدود حتى يعمه. 
قال القاضي أبو محمد : وهذا كله قول بالعموم واختلف في رد اليدين على شعر الرأس هل هو فرض أم سنة بعد الإجماع على أن المسحة الأولى فرض بالقرآن فالجمهور على أنه سنة وقيل : هو فرض ومن مواضع الخلاف في مسح الرأس قدر ما يمسح فقالت جماعة : الواجب من مسح الرأس عمومه ثم اختلفوا في الهيئات على ما ذكرناه وقال محمد بن مسلمة أن مسح ثلثي الرأس وترك الثلث أجزأ وقال أبو الفرج المالكي : وروي عن مالك أنه إن مسح الثلث أجزأ لأنه كثير في أمور من الشرع وقال أشهب إن مسح الناصية أجزأ. 
قال القاضي أبو محمد : وكل من أحفظ عنه إجزاء بعض الرأس فإنه يرى ذلك البعض من مقدم الرأس، وذلك أنه قد روي في ذلك أحاديث في بعضها ذكر الناصية وفي بعضها ذكر مقدم الرأس، إلا ما روي عن إبراهيم والشعبي قالا : أي نواحي رأسك مسحت أجزأك، وكان سلمة بن الأكوع يمسح مقدم رأسه، وروي عن ابن عمر أنه مسح اليافوخ فقط، وقال أصحاب الرأي : إن مسح بثلاث أصابع أجزأه وإن كان الممسوح أقل مما يمر عليه ثلاث أصابع لم يجزىء وقال قوم : يجزىء من مسح الرأس أن يمسح مسحة بأصبع واحدة، وقال الحسن بن أبي الحسن : إن لم تصب المرأة إلا شعرة واحدة أجزأها، وحكى الطبري وغيره عن سفيان الثوري أن الرجل إذا مسح شعرة واحدة أجزأه، ومن مواضع الخلاف في مسح الرأس ما العضو الذي يمسح به ؟ فالإجماع على استحسان المسح باليدين جميعاً وعلى الإجزاء إن مسح بواحدة، واختلف فيمن مسح بأصبع واحدة حتى عم ما يرى أنه يجزئه من الرأس فالمشهور أن ذلك يجزىء وقيل لا يجزىء. 
قال القاضي أبو محمد : ويترجح أنه لا يجزىء لأنه خروج عن سنة المسح وكأنه لعب إلا أن يكون ذلك عن ضرورة مرض فينبغي أن لا يختلف في الاجزاء، ومن مواضع الخلاف عدد المسحات، فالجمهور على مرة واحدة ويجزىء ذلك عند الشافعي وثلاثاً أحب إليه وروي عن ابن سيرين أنه مسح رأسه مرتين، وروي عن أنس أنه قال يمسح الرأس ثلاثاً، وقاله سعيد بن جبير وعطاء وميسرة، والباء في قوله  برؤوسكم  مؤكدة زائدة عند من يرى عموم الرأس، والمعنى عنده وامسحوا رؤوسكم، وهي للإلزاق المحض عند من يرى إجزاء بعض الرأس كان المعنى أوجدوا مسحاً برؤوسكم فمن مسح شعرة فقد فعل ذلك، ثم اتبعوا في المقادير التي حدوها آثاراً وأقيسة بحسب اجتهاد العلماء رحمهم الله. 
وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وحمزة **«وأرجلِكم »** خفضاً وقرأ نافع وابن عامر والكسائي وأرجلكم نصباً، وروى أبو بكر عن عاصم الخفض، وروى عنه حفص النصب، وقرأ الحسن والأعمش **«وأرجلُكم »** بالرفع المعنى فاغسلوها، ورويت عن نافع، وبحسب هذا اختلاف الصحابة والتابعين، فكل من قرأ بالنصب جعل العامل اغسلوا وبنى على أن الفرض في الرجلين الغسل بالماء دون المسح، وهنا هو الجمهور وعليه علم فعل النبي صلى الله عليه وسلم وهو اللازم من قوله صلى الله عليه وسلم وقد رأى قوماً يتوضؤون وأعقابهم تلوح فنادى بأعلى صوته، **«ويل للأعقاب من النار »**[(١٠)](#foonote-١٠)، ومن قرأ بالخفض جعل العامل أقرب العاملين، واختلفوا، فقالت فرقة منهم، الفرض في الرجلين المسح لا الغسل وروي عن ابن عباس أنه قال : الوضوء غسلتان ومسحتان، وروي أن الحجاج خطب بالأهواز فذكر الوضوء فقال : اغسلوا وجوهكم وأيديكم وأمسحوا برؤوسكم وأرجلكم وأنه ليس شيء من ابن آدم أقرب من خبثه من قدميه **«فاغسلوا »** بطونهما وظهورهما وعراقيبهما فسمع ذلك أنس بن مالك فقال صدق الله وكذب الحجاج قال الله تعالى : فامسحوا برؤوسكم وأرجلكم [(١١)](#foonote-١١) قال وكان أنس إذا مسح رجليه بَّلهما وروي أيضاً عن أنس أنه قال : نزل القرآن بالمسح والسنة بالغسل وكان عكرمة يمسح على رجليه وليس في الرجلين غسل إنما نزل فيهما المسح. 
وقال الشعبي : نزل جبريل بالمسح ثم قال :**«ألا ترى أن التيمم يمسح فيه ما كان غسلاً ويلغى ما كان مسحاً »** وروي عن أبي جعفر أنه قال : امسح على رأسك وقدميك، وقال قتادة : افترض ا

١ - روى البخاري عن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم قالت: (خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعض أسفاره، حتى إذا كنا بالبيداء أو بذات الجيش انقطع عقد لي، فأقام رسول الله صلى الله عليه وسلم على التماسه، وأقام الناس معه، وليسوا على ماء، فأتى الناس إلى أبي بكر الصديق فقالوا: ألا ترى إلى ما صنعت عائشة؟ أقامت برسول الله صلى الله عليه وسلم والناس، وليسوا على ماء، وليس معهم ماء، فجاء أبو بكر ورسول الله صلى الله عليه وسلم واضع رأسه على فخذي قد نام، فقال: حبست رسول الله صلى الله عليه وسلم والناس، وليسوا على ماء، وليس معهم ماء، فقالت عائشة: فعاتبني أبو بكر وقال ما شاء الله أن يقول، وجعل يطعنني بيده في خاصرتي فلا يمنعني من التحرك إلا مكان رسول الله صلى الله عليه وسلم على فخذي، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أصبح على غير ماء فأنزل الله آية التيمم فتيمموا، فقال أسيد بن الحضير: ما هي بأول بركتكم يا آل أبي بكر، قالت: فبعثنا البعير الذي كنت عليه فأصبنا العقد تحته). وهذا الحديث هو الذي أشار إليه ابن عطية في أكثر من موقع في الفقرة السابقة. وفيه قالت عائشة رضي الله عنها: "نزلت آية التيمم".
٢ - أخرجه أبو داود، وابن ماجه، والترمذي، قال الترمذي: إسناده ضعيف- (عن ابن كثير)..
٣ - أخرجه أحمد، وأبو داود، وابن جرير، وابن خزيمة، وابن حبان، والحاكم، والبيهقي. (عن الدر المنثور).
 والغسيل هو حنظلة رضي الله عنه، نفر حين سمع الهائعة وهو جنب فاستشهد فغسلته الملائكة فلقب بالغسيل..
٤ - قال القرطبي: "حديث سويد بن النعمان أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى وهو بالصهباء العصر والمغرب بوضوء واحد، وذلك في غزوة خيبر" ثم قال: "وهو حديث صحيح رواه مالك في موطئة، وأخرجه البخاري ومسلم". وهذا الحديث في جمعه صلى الله عليه وسلم بين صلاتين بوضوء واحد، وأما جمعه بين الصلوات الخمس بوضوء واحد يوم الفتح فقد أخرج مسلم، وأبو داود، والترمذي، والنسائي، عن بريدة قال: (كان النبي صلى الله عليه وسلم يتوضأ عند كل صلاة، فلما كان يوم الفتح توضأ ومسح على خفيه، وصلى الصلوات بوضوء واحد، فقال له عمر رضي الله عنه: يا رسول الله، إنك فعلت شيئا لم تكن تفعله، قال: إني عمدا فعلت يا عمر). وبريدة هو ابن الحصيب بضم الحاء المهملة وفتح الصاد. (عن القرطبي والدر المنثور)..
٥ - أخرجه أبو داود، والترمذي، وابن ماجة- (الجامع الصغير للسيوطي).
٦ - علقمة بن الفغواء (بفاء مفتوحة والغين المعجمة ساكنة)- قال ابن حبان وابن الكلبي: له صحبة، بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم بمال إلى أبي سفيان بن حرب في فقراء قريش وهم مشركون- يتألفهم- وقال له: التمس صاحبا..
٧ - ففي الآية محذوف تقديره: "محدثين"- والأقوال في الآية أربعة- (أ) أن الآية عامة في كل قيام سواء كان المرء على طهور أم محدثا (ب) أن الآية نزلت رخصة لرسول الله صلى الله عليه وسلم (جـ) أن الآية فيها تقديم وتأخير، وأن المعنى: إذا قمتم للصلاة من المضاجع والقصد أن تشمل أنواع الحدث الأصغر، ثم أسباب الحدث الأكبر (د) أن في الآية محذوفا تقديره: "محدثين" وليس فيها تقديم ولا تأخير..
٨ - أخرج الطبري عن أنس بن مالك قال: ( رأيت النبي صلى الله عليه وسلم توضأ فخلل لحيته، فقلت: لم تفعل هذا يا نبي الله؟ قال: أمرني بذلك ربي). (تفسير الطبري ٦/١٢٠) ونلاحظ أن ابن عطية قال: "واختلف العلماء في تخليل اللحية على قولين: روي تخليلها... الخ ما ذكره من حديث أنس". وهذا هو القول الأول، ومعنى ذلك أنه روي أيضا عدم التخليل وهو القول الثاني، ولكن النسخ التي بين أيدينا ليس فيها كلام عن القول الثاني، ولعله سقط عند النسخ- هذا وقد روى الطبري كثيرا من الأخبار التي تفيد أن غسل اللحية يكفي فيه ما مر عليها، وأن التخليل غير واجب. راجع تفسيره (٦/١١٥)، وما بعدها..
٩ - من الآية (١٨٧) من (سورة البقرة).
١٠ - أخرجه البخاري، ومسلم، وأبو داود، والنسائي. (الجامع الصغير).
١١ - أخرجه سعيد بن منصور، وابن أبي شيبة، وابن جرير- عن أنس (الدر المنثور)..

### الآية 5:7

> ﻿وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمِيثَاقَهُ الَّذِي وَاثَقَكُمْ بِهِ إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا ۖ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ [5:7]

الخطاب بقوله : واذكروا  إلى آخر الآية هو للمؤمنين بمحمد صلى الله عليه وسلم و  نعمة الله  اسم جنس يجمع الإسلام، وجمع الكلمة وعزة الحياة، وغنى المال، وحسن المآل، هذه كلها نعم هذه الملة، والميثاق المذكور هو ما وقع للنبي صلى الله عليه وسلم في بيعات العقبة وبيعة الرضوان، وكل موطن قال الناس فيه سمعنا وأطعنا، هذا قول ابن عباس والسدي وجماعة من المفسرين. وقال مجاهد : الميثاق المذكور هو المأخوذ على الَّنسم حين استخرجوا من ظهر آدم، والقول الأول أرجح وأليق بنمط الكلام.

### الآية 5:8

> ﻿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ ۖ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُوا ۚ اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ ۖ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۚ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ [5:8]

ثم أمر تعالى المؤمنين بالقيام دأباً متكرراً بالقسط وهو العدل، وقد تقدم نظير هذا في سورة النساء وتقدم في صدر هذه السورة نظير قوله : ولا يجرمنكم شنآن قوم  \[ المائدة : ٢ \] وباقي الآية بيّن متكرر والله المعين.

### الآية 5:9

> ﻿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ۙ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ [5:9]

هذه آية وعد للمؤمنين بستر الذنوب عليهم وبالجنة، فهي الأجر العظيم، و  وعد  يتعدى إلى مفعولين، ويجوز الاقتصار على أحدهما، وكذلك هو في هذه الآية، فالمفعول الثاني مقدر يفسره ويدل عليه قوله تعالى : لهم مغفرة

### الآية 5:10

> ﻿وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَٰئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ [5:10]

ثم عقب تعالى بذكر حال الكفار ليبين الفرق.

### الآية 5:11

> ﻿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ ۖ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۚ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ [5:11]

وقوله تعالى : يا أيها الذين آمنوا  الآية خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم وأمته، والنعمة هي العاملة في إذ، وهي نعمة مخصوصة، وهَمَّ الرجل بالشيء إذا أراد فعله، ومنه قول الشاعر :

هل ينفعنك اليوم أن همت بهم  كثرة ما توصي وتعقاد الرتم ؟[(١)](#foonote-١)**ومنه قول الآخر :**
هممت ولم أفعل وكدت وليتني. . . تركت على عثمان تبكي حلائله[(٢)](#foonote-٢)
واختلف الناس في سبب هذه الآية وما النازلة التي وقع فيها الهم ببسط اليد والكف من الله تعالى ؟ فقال الجمهور : إن سبب هذه الآية أنه لما قتل أهل بئر معونة نجا من القوم عمرو بن أمية الضميري ورجل آخر معه، فلقيا بقرب المدينة رجلين من سليم قد كانا أخذا عهداً من النبي صلى الله عليه وسلم وانصرفا، فسألهما عمرو ممن أنتما ؟ فانتسبا إلى بني عامر بن الطفيل وهو كان الجاني على المسلمين في بئر معونة، فقتلهما عمرو وصاحبه وأتيا بسلبهما النبي صلى الله عليه وسلم، فقال :( لقد قتلتما قتيلين لأدينهما ) ثم شرع رسول الله صلى الله عليه وسلم في جمع الدية فذهب يوماً إلى بني النضير يستعينهم في الدية ومعه أبو بكر وعمر وعلي. فكلمهم فقالوا : نعم يا أبا القاسم انزل حتى نصنع لك طعاماً وننظر في معونتك، فنزل رسول الله صلى الله عليه وسلم في ظل جدار فتآمروا بينهم في قتله، وقالوا ما ظفرتم بمحمد قط أقرب مراماً منه اليوم، فقال بعضهم لبعض من رجل يظهر على الحائط فيصب عليه حجراً يشدخه ؟ فانتدب لذلك عمرو بن جحاش فيما روي، وجاء جبريل فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم، فقام رسول الله من المكان وتوجه إلى المدينة ونزلت الآية في ذلك، وفي الخبر زوائد لا تخص الآية وقد ذكره ابن إسحاق وغيره، وهذا القول يترجح بما يأتي بعد من الآيات في وصف غدر بني إسرائيل ونقضهم المواثيق[(٣)](#foonote-٣). 
وقالت جماعة من العلماء : سبب الآية فعل الأعرابي في غزوة ذات الرقاع، وهي غزوة النبي صلى الله عليه وسلم بني محارب بن خصفة بن قيس بن عيلان، وذلك أنه نزل بوادٍ كثير العضاه، فتفرق الناس في الظلال، وتركت للنبي صلى الله عليه وسلم شجرة ظليلة، فعلق سيفه بها ونام، فجاء رجل من محارب فاخترط السيف، فانتبه النبي صلى الله عليه وسلم والسيف صلت في يده، فقال للنبي صلى الله لعيه وسلم أتخافني ؟ فقال لا، فقال له ومن يمنعك مني، فقال : الله، فشام السيف في غمده وجلس، وفي البخاري أن النبي صلى الله عليه وسلم دعا الناس فاجتمعوا وهو جالس عند النبي صلى الله عليه وسلم ولم يعاقبه، وذكر الواقدي وابن أبي حاتم عن أبيه أنه أسلم، وذكر قوم أنه ضرب برأسه في ساق الشجرة حتى مات فنزلت الآية بسبب ذلك، وفي البخاري في غزوة ذات الرقاع أن اسم الرجل غورث بن الحارث بالغين منقوطة، وحكى بعض الناس أن اسمه دعثور بن الحارث[(٤)](#foonote-٤). 
وحكى الطبري أن الآية نزلت بسبب قوم من اليهود أرادوا قتل النبي صلى الله عليه وسلم في طعام، فأشعره الله بذلك[(٥)](#foonote-٥)، ثم أدخل الطبري تحت هذه الترجمة عن ابن عباس خلاف ما ترجم به من أن قوماً من اليهود صنعوا للنبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه طعاماً ليقتلوه إذا أتى الطعام. 
قال القاضي أبو محمد : فيشبه أن ابن عباس إنما وصف قصة بني النضير المتقدمة، وقال قتادة : سبب الآية ما همت به محارب وبنو ثعلبة يوم ذات الرقاع من الحمل على المسلمين في صلاة العصر، فأشعره الله تعالى بذلك ونزلت صلاة الخوف، فذلك كف أيديهم عن المسلمين[(٦)](#foonote-٦). 
وحكى ابن فورك عن الحسن بن أبي الحسن أن الآية نزلت بسبب أن قريشاً بعثت إلى النبي صلى الله عليه وسلم رجلاً ليغتاله ويقتله، فأطلعه الله تعالى على ذلك وكفاه شره. 
قال القاضي أبو محمد : والمحفوظ في هذا هو نهوض عمير بن وهب لهذا المعنى بعد اتفاقه على ذلك مع صفوان بن أمية، والحديث بكماله في سيرة ابن هشام، وذكر قوم من المفسرين وأشار إليه الزجاج أن الآية نزلت في قوله تعالى : اليوم يئس الذين كفروا من دينكم  \[ المائدة : ٣ \] فكأنه تعالى عدد على المؤمنين نعمه في أن أظهرهم وكف بذلك أيدي الكفار عنهم التي كانوا هموا ببسطها إلى المؤمنين. 
قال القاضي أبو محمد : ويحسن على هذا القول أن تكون الآية نزلت عقب غزوة الخندق، وحين هزم الله الأحزاب وكفى الله المؤمنين القتال، وباقي الآية أمر بالتقوى والتوكل. 
١ - ذكر البيت في (اللسان) ولم ينسبه، والرّتم: جمع رتمة، وهي الرتيمة، والرتيمة: الخيط الذي يشد في الإصبع لتستذكر به الحاجة، وتجمع الرتيمة على رتام ورتائم، قال الشاعر:
 إذا لم تكن حاجاتنا في نفوسكم فليس بمغن عنك عقد الرتائم.
٢ -هذا البيت ضمن أبيات قالها عمير بن ضابىء البرجمي، وحكى المبرد قصتها في "الكامل"، وخلاصتها أنه استعار من قوم كلبا، فلما طلبوا منه إرجاعه رفض وهجاهم فرمى أمهم بالكلب في بعض شعره حيث قال: 
 وأمكم لا تتركوها وكلبكم فإن عقوق الوالدات كبير
 فأوجب عليه الخليفة عثمان بن عفان رضي الله عنه الحبس، فحقد على الخليفة، وشدّ على ساقه سكينا ليقتله به عندما دعي للتأديب، ولكن عثر على السكين، فأحسن أدبه، وهذه بعض الأبيات:
 فلا تتبعيي إن هلكت ملامة فليس بعار قتل من لا أقاتلــه
 هممت ولم أفعل وكدت وليتنـي تركت على عثمان تبكي حلائله
 وما الفتك ما أمرت فيه ولا الذي تخبر من لاقيت أنك فاعلــه.
٣ - أخرجه أبو نعيم في الدلائل من طريق عطاء والضحاك عن ابن عباس، وأخرج مثله ابن إسحاق، وابن جرير، وابن المنذر- عن عاصم بن عمر بن قتادة، وعبد الله بن أبي بكر، وأخرج مثله ابن جرير عن يزيد بن زياد..
٤ - أخرجه عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، والبيهقي في الدلائل- عن جابر..
٥ - أخرجه ابن جرير، وابن أبي حاتم- من طريق العوفي- عن ابن عباس رضي الله عنهما..
٦ - أخرجه عبد بن حميد، وابن جرير- عن قتادة..

### الآية 5:12

> ﻿۞ وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا ۖ وَقَالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ ۖ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلَاةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكَاةَ وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَلَأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ۚ فَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَٰلِكَ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ [5:12]

هذه الآيات المتضمنة الخبر عن نقضهم مواثيق الله تعالى تقوي أن الآية المتقدمة في كف الأيدي إنما كانت في أمر بني النضير، واختلف المفسرون في كيفية بعثة هؤلاء النقباء بعد الإجماع على أن النقيب كبير القوم القائم بأمورهم الذي ينقب عنها وعن مصالحهم فيها، والنقاب : الرجل العظيم الذي هو في الناس كلهم على هذه الطريقة، ومنه قيل في عمر : إنه كان لنقاباً، فالُنقباء قوم كبار من كل سبط تكفل كل واحد بسبطه بأن يؤمنوا ويتقوا الله تعالى. 
قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه : ونحو هذا كان النقباء ليلة بيعة العقبة مع محمد صلى الله عليه وسلم، وهي العقبة الثالثة بايع فيها سبعون رجلاَ وامرأتان فاختار رسول الله صلى الله عليه وسلم من السبعين اثني عشر رجلا وسماهم النقباء، وقال الربيع، والسدي، وغيرهما : إنما بعث النقباء من بني إسرائيل أمناء على الاطلاع على الجبارين والسبر لقوتهم ومنعتهم فساروا حتى لقيهم رجل من الجبارين فأخذهم جميعاً فجعلهم في حجزته. 
قال القاضي أبو محمد : في قصص طويل ضعيف مقتضاه أنهم اطلعوا من الجبارين على قوة عظيمة وظنوا أنهم لا قبل لهم بهم فتعاقدوا بينهم على أن يخفوا ذلك عن بني إسرائيل وأن يعلموا به موسى عليه السلام ليرى فيه أمر ربه فلما انصرفوا إلى بني إسرائيل خان منهم عشرة فعرفوا قراباتهم ومن وثقوه على سرهم ففشا الخبر حتى اعوج أمر بني إسرائيل وقالوا اذهب أنت وربك فقاتلا إنّا هاهنا قاعدون، وأسند الطبري عن ابن عباس قال : النقباء من بني إسرائيل بعثهم موسى لينظروا إلى مدينة الجبارين فذهبوا ونظروا فجاءوا بحبة من فاكهتهم وقر رجل[(١)](#foonote-١)، فقالوا : اقدروا قدر قوم هذه فاكهتهم فكان ذلك سبب فتنة بني إسرائل ونكولهم، وذكر النقاش أن معنى قوله تعالى : وبعثنا منهم اثني عشر نقيباً  أي ملكاً وأن الآية تعديد نعمة الله عليهم في أن بعث لإصلاحهم هذا العدد من الملوك، قال فما وفى منهم إلا خمسة : داود عليه السلام وابنه سليمان وطالوت وحزقيا وابنه، وكفر السبعة وبدلوا وقتلوا الأنبياء وخرج خلال الاثني عشر اثنان وثلاثون جباراً كلهم يأخذ الملك بالسيف ويعيث فيهم، والضمير في  معكم  لبني إسرائيل جميعاً ولهم كانت هذه المقالة، وقال الربيع : بل الضمير للاثني عشر ولهم كانت هذه المقالة. 
قال القاضي أبو محمد : والقول الأول أرجح و  معكم  معناه بنصري وحياطتي وتأييدي واللام في قوله  لئن  هي المؤذنة بمجيء لام القسم، ولام القسم هي قوله  لأكفرن  والدليل على أن هذه اللام إنما هي مؤذنة أنها قد يستغنى عنها أحياناً ويتم الكلام دونها، ولو كانت لام القسم لن يترتب ذلك، وإقامة الصلاة توفية شروطها و  الزكاة  هنا شيء من المال كان مفروضاً فيما قال بعض المفسرين، ويحتمل أن يكون المعنى : وأعطيتم من أنفسكم كل ما فيه زكاة لكم حسبما ندبتم إليه، وقدم هذه على الإيمان تشريفاً للصلاة والزكاة، وإذ قد علم وتقرر أنه لا ينفع عمل إلا بإيمان، وقرأ الحسن بن أبي الحسن **«برسْلي »** ساكنة السين في كل القرآن. 
 وعزرتموهم  معناه : وقرتموهم، وعظمتموهم، ونصرتموهم، ومنه قول الشاعر :

وكم من ماجد لهم كريم  ومن ليث يعزر في الندى[(٢)](#foonote-٢)وقرأ عاصم الجحدري **«وعَزرتموهم »** خفيفة الزاي حيث وقع، وقرأ في سورة الفتح **«وتَعزروه »**[(٣)](#foonote-٣) بفتح التاء وسكون العين وضم الزاي، وقد تقدم في سورة البقرة تفسير الإقراض، وتكفير السيئات تغطيتها بالمحو والإذهاب فهي استعارة. و  سواء السبيل  وسطه، ومنه  سواء الجحيم [(٤)](#foonote-٤) ومنه قول الأعرابي قد انقطع سوائي، وأوساط الطرق : هي المعظم اللاحب منها، وسائر ما في الآية بيّن والله المستعان. 
١ - الوقر- بكسر الواو-: الحمل الثقيل، والمراد هنا: مقدار ما يستطيع الرجل حمله. هذا وعبارة الطبري بعد ذلك: "قدروا قوة قوم وبأسهم، هذه فاكهتهم"..
٢ - قال القرطبي: "أنشده أبو عبيدة"،- ومعنى يعزر: يعظم ويوقر. والندي مجلس القوم ماداموا مجتمعين فيه..
٣ - من قوله تعالى في الآية (٩) من سورة (الفتح): لتؤمنوا بالله ورسوله وتعزروه وتوقروه وتسبحوه بكرة وأصيلا..
٤ - من قوله تعالى في الآية (٤٧) من سورة (الدخان): خذوه فاعتلوه إلى سواء الجحيم.

### الآية 5:13

> ﻿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً ۖ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ ۙ وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ ۚ وَلَا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَىٰ خَائِنَةٍ مِنْهُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ ۖ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ [5:13]

يحتمل أن تكون **«ما »** زائدة والتقدير **«فبنقضهم »**[(١)](#foonote-١) ويحتمل أن تكون اسماً نكرة أبدل منه النقض على بدل المعرفة من النكرة، التقدير : فبفعل هو نقضهم للميثاق، وهذا هو المعنى في هذا التأويل، وقد تقدم في النساء نظير هذا، و  لعناهم  معناه بعدناهم من الخير أجمعه، وقرأ ابن كثير ونافع وعاصم وأبو عمرو وابن عامر **«قاسية »** بالألف وقرأ حمزة والكسائي ****«قسية »**** دون ألف، وزنها فعيلة فحجة الأولى قوله تعالى : فويل للقاسية قلوبهم [(٢)](#foonote-٢) وقوله : ثم قست قلوبكم من بعد ذلك [(٣)](#foonote-٣) والقسوة غلظ القلب ونبوه عن الرقة والموعظة وصلابته حتى لا ينفعل لخير، ومن قرأ قسيه فهو من هذا المعنى فعيلة بمعنى فاعلة كشاهد وشهيد وغير ذلك من الأمثلة، وحكى الطبري عن قوم أنهم قالوا ****«قسية »**** ليست من معنى القسوة وإنما هي كالقسي من الدراهم، وهي التي خالطها غش وتدليس، فكذا القلوب لم تصف للإيمان بل خالطها الكفر والفساد ومن ذلك قول أبي زبيد :

لها صواهل في صم السلام كما  صاح القسيات في أيدي الصياريف[(٤)](#foonote-٤)**ومنه قول الآخر :**فما زوداني غير سحق عمامة  وخمس مئىًء منها قسي وزائف[(٥)](#foonote-٥)قال أبو علي : هذه اللفظة معربة وليست بأصل في كلام العرب، واختلف العلماء في معنى قوله : يحرفون الكلم  فقال قوم منهم ابن عباس، تحريفهم هو بالتأويل ولا قدرة لهم على تبديل الألفاظ في التوراة ولا يتمكن لهم ذلك ويدل على ذلك بقاء آية الرجم واحتياجهم إلى أن يضع القارىء يده عليها، وقالت فرقة : بل حرفوا الكلام وبدلوه أيضاً وفعلوا الأمرين جميعاً بحسب ما أمكنهم. 
قال القاضي أبو محمد : وألفاظ القرآن تحتمل المعنيين فقوله تعالى : فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم [(٦)](#foonote-٦) يقتضي التبديل. ولا شك أنهم فعلوا الأمرين. وقرأ جمهور الناس **«الكَلِم »** بفتح الكاف وكسر اللام وقرأ أبو عبد الرحمن وإبراهيم النخعي **«الكلام »** بالألف وقرأ أبو رجاء. **«الكِلْم »** بكسر الكاف وسكون اللام، وقوله تعالى : ونسوا حظاً مما ذكروا به  نص على سوء فعلهم بأنفسهم أي قد كان لهم حظ عظيم فيما ذكروا به فنسوه وتركوه، ثم أخبر تعالى نبيه عليه السلام أنه لا يزال في مؤتنف الزمان يطلع  على خائنة منهم  وغائلة وأمور فاسدة، واختلف الناس في معنى  خائنة  في هذا الموضع فقالت فرقة  خائنة  مصدر كالعاقبة وكقوله تعالى : فأهلكوا بالطاغية [(٧)](#foonote-٧) فالمعنى على خيانة، وقال آخرون معناه على فرقة خائنة فهي اسم فاعل صفة المؤنث، وقال آخرون المعنى على خائن فزيدت الهاء للمبالغة كعلامة ونسابة ومنه قول الشاعر :حدثت نفسك بالوفاء ولم تكن  للغدر خائنة ُمغَّل الاصبع[(٨)](#foonote-٨)وقرأ الأعمش :**«على خيانة منهم »** ثم استثنى تبارك وتعالى منهم القليل فيحتمل أن يكون الاستثناء في الأشخاص، ويحتمل أن يكون في الأفعال، وقوله تعالى : فاعف عنهم واصفح  منسوخ بما في براءة من الأمر بقتالهم حتى يؤدوا الجزية[(٩)](#foonote-٩) وباقي الآية وعد على الإحسان. 
١ -قال قتادة وسائر أهل العلم كما ذكره القرطبي، وذلك أنها تؤكد الكلام بمعنى: تمكنه في النفس من جهة حسن النظم، ومن جهة تكثيره للتوكيد، كما قال:
 \* لشيء ما ُيَسَّود من يسود\*.
٢ - من الآية (٢٢) من سورة (الزمر)..
٣ - من الآية (٧٤) من سورة (البقرة)..
٤ - نسبه في (اللسان) لأبي زبيد أيضا، وكذلك في (التاج)- لكن محقق القرطبي قال: هو لأبي زيد الطائي، ولعله خطأ مطبعي، والصواهل: جمع الصاهلة، مصدر على فاعلة، من الصهيل وهو الصوت، والشاعر يصف وقع المساحي في =الحجارة، وما تحدثه من صوت، والسلام- بكسر السين-: الحجر، والقسيّات – بفتح القاف: الدراهم الزائفة، والصياريف: الذين يبدلون الدراهم..
٥ - البيت لمزرّد، كما في (اللسان)- والرواية فيه: "فما زودوني" وسحق عمامة: يريد عمامة خلقة بالية- من إضافة الصفة إلى الموصوف، وهذا كقولهم: سحق ثوب، وجرد ثوب، وسمل ثوب: أي ثوب خلق..
٦ - من الآية (٧٩) من سورة (البقرة)..
٧ - من قوله تعالى في الآية (٥) من سورة (الحاقة): فأما ثمود فأهلكوا بالطاغية..
٨ - هذا البيت للكلابي، وهو فيه يخاطب "قرينا" أخا "عمير الحنفي"، وكان له عنده دم- وقبله:
 أقرين إنك لو رأيت فوارسي َنَعما يبتن إلى جوانب َصْلقع.
٩ -وهو قوله تعالى: قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر، ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله، ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون، وقيل: منسوخ بآية السيف، وقيل بقوله: وإما تخافنّ من قوم خيانة- وقال ابن جرير: يجوز أن يعفو عنهم في غدرة فعلوها ما لم ينصبوا حربا ولم يمتنعوا من أداء جزية، وقيل: الضمير عائد على من آمن منهم، أي: عائد على المستثنين وهم القليل، والله أعلم..

### الآية 5:14

> ﻿وَمِنَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَىٰ أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَىٰ يَوْمِ الْقِيَامَةِ ۚ وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللَّهُ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ [5:14]

من  متعلقة  بأخذنا  التقدير : وأخذنا من الذين قالوا إنّا نصارى ميثاقهم، ويحتمل أن يكون قوله  ومن  معطوف على قوله  خائنة منهم  \[ المائدة : ١٣ \]، ويكون قوله  أخذنا ميثاقهم  ابتداء خبر عنهم، والأول أرجح. وعلق كونهم نصارى بقولهم ودعواهم، من حيث هو اسم شرعي يقتضي نصر دين الله، وسموا به أنفسهم دون استحقاق ولا مشابهة بين فعلهم وقولهم، فجاءت هذه العبارة موبخة لهم مزحزحة عن طريق نصر دين الله وأنبيائه، وقوله تعالى : فأغرينا بينهم  معناه أثبتناها بينهم وألصقناها، والإغراء مأخوذ من الغراء الذي يلصق به، والضمير في  بينهم  يحتمل أن يعود على اليهود والنصارى لأن العداوة بينهم، موجودة مستمرة، ويحتمل أن يعود على النصارى فقط لأنها أمة متقاتلة بينها الفتن إلى يوم القيامة، ثم توعدهم الله تعالى بعقاب الآخرة إذ إنباؤهم بصنعهم إنما هو تقرير وتوبيخ متقدم للعذاب، إذ صنعهم كفر يوجب الخلود في النار.

### الآية 5:15

> ﻿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ ۚ قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ [5:15]

وقوله تعالى : يا أهل الكتاب  لفظ يعم اليهود والنصارى ولكن نوازل الإخفاء كالرجم وغيره إنما حفظت لليهود، لأنهم كانوا مجاوري رسول الله صلى الله عليه وسلم في مهاجره. وقال محمد بن كعب القرظي : أول ما نزل من هذه السورة هاتان الآيتان في شأن اليهود والنصارى، ثم نزل سائر السورة بعرفة في حجة الوداع وقوله : رسولنا  يعني محمداً صلى الله عليه وسلم، وفي الآية الدالة على صحة نبوته، لأن إعلامه بخفيّ ما في كتبهم وهو أمي لا يقرأ ولا يصحب القرأة دليل على أن ذلك إنما يأتيه من عند الله تبارك وتعالى، وأشهر النوازل التي أخفوها فأظهرها الله على لسان نبيه أمر الرجم، وحديثه مشهور[(١)](#foonote-١). ومن ذلك صفات محمد صلى الله عليه وسلم إلى غير ذلك. و  من الكتاب  يعني من التوراة وقوله : ويعفو عن كثير  معناه ويترك كثيراً لا يفضحكم فيه إبقاء عليكم. وهذا المتروك هو في معنى افتخارهم ووصفهم أيام الله قبلهم ونحو ذلك مما لا يتعين في ملة الإسلام فضحهم فيه وتكذيبهم، والفاعل في  يعفو  هو محمد صلى الله عليه وسلم، ويحتمل أن يستند الفعل إلى الله تعالى وإذا كان العفو من النبي عليه السلام فبأمر ربه، وإن كان من الله تعالى فعلى لسان نبيه عليه السلام، والاحتمالان قريب بعضهما من بعض. 
قوله عز وجل : نور وكتاب مبين  يحتمل أن يريد محمداً صلى الله عليه وسلم والقرآن، وهذا هو ظاهر الألفاظ، ويحتمل أن يريد موسى عليه السلام والتوراة، أي ولو اتبعتموها حق الاتباع لآمنتم بمحمد، إذ هي آمرة بذلك مبشرة به، وقرأ عبيد بن عمير والزهري وسلام وحميد ومسلم بن جندب **«بهُ اللهُ »** بضم الهاء حيث وقع مثله.

١ - روى البخاري في "كتاب التفسير"- عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن اليهود جاءوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم برجل منهم وامرأة قد زنيا، فقال لهم: كيف تفعلون بمن زنى منكم؟ قالوا: نحممهما ونضربهما، فقال: لا تجدون في التوراة الرجم؟ فقالوا: لا نجد فيها شيئا، فقال لهم عبد الله بن سلام: كذبتم فأتوا بالتوراة فاتلوها إن كنتم صادقين، فوضع مدراسها الذي يدرسها منهم كفه على آية الرجم، فطفق يقرأ ما دون يده وما وراءها، ولا يقرأ آية الرجم، فنزع يده عن آية الرجم فقال: ما هذه؟ فلما رأوا ذلك قالوا: هي آية الرجم، فأمر بهما فرجما قريبا من حيث موضع الجنائز عند المسجد، قال: فرأيت صاحبها يجنأ عليها يقيها الحجارة..

### الآية 5:16

> ﻿يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ [5:16]

و  اتبع رضوانه  معناه بالتكسب والنية والإقبال عليه، والسبل الطرق، والقراءة في **«رُضوان »** بضم الراء وبكسرها وهما لغتان، وقد تقدم ذكر ذلك وقرأ ابن شهاب والحسن بن أبي الحسن **«سبْل »** ساكنة الباء. 
و  السلام  في هذه الآية يحتمل أن يكون اسماً من أسماء الله تعالى، فالمعنى طرق الله تعالى التي أمر بها عباده وشرعها لهم، ويحتمل أن يكون مصدراً كالسلامة فالمعنى طرق النجاة والسلامة من النار، وقوله تعالى : ويخرجهم  يعني المتبعين الرضوان، فالضمير على معنى\[ من \] لا على لفظها، و  الظلمات  الكفر، و  النور  الإيمان، وقوله تعالى : بإذنه  أي يمكنهم من أقوال الإيمان وأفعاله، ويعلم فعلهم لذلك والتزامهم إياه، فهذا هو حد الإذن، العلم بالشيء والتمكين منه، وقد تقدم شرحه في سورة البقرة، والصراط المستقيم هو دين الله وتوحيده وما تركب عليه من شرعه.

### الآية 5:17

> ﻿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ ۚ قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ أَنْ يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ۗ وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا ۚ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ ۚ وَاللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [5:17]

ثم أخبر تعالى بكفر النصارى القائلين بأن الله هو المسيح، وهذه فرقة من النصارى وكل فرقهم على اختلاف أقوالهم يجعل للمسيح عليه السلام حظاً من الألوهية، وقد تقدم القول في لفظ  المسيح  في سورة آل عمران، ثم رد عليهم تعالى قوله لنبيه : قل فمن يملك من الله شيئاً  أي لا مالك ولا رادَّ لإرادة الله تعالى في المسيح ولا في غيره فهذا مما تقضي العقول معه أن من تنفذ الإرادة فيه ليس بإله، ثم قرر تعالى ملكه في السموات والأرض وما بينهما فحصل المسيح عليه السلام أقل أجزاء ملك الله تعالى، وقوله تعالى : يخلق ما يشاء  إشارة إلى خلقه المسيح في رحم مريم من غير والد. بل اختراعاً كآدم عليه السلام، وقد تقدم في آل عمران الفرق بين قوله تعالى في قصة زكرياء  يفعل ما يشاء  \[ آل عمران : ٤٠ \] وفي قصة مريم  يخلق ما يشاء  وقوله تعالى : والله على كل شيء قدير  عموم معناه الخصوص في ما عدا الذات والصفات والمحالات، والشيء في اللغة هو الموجود.

### الآية 5:18

> ﻿وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَىٰ نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ ۚ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ ۖ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ ۚ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ ۚ وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا ۖ وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ [5:18]

في الكلام لف وإيجاز يحال المستمع على تفريقه بذهنه وذلك أن ظاهر اللفظ يقتضي أن جميع  اليهود والنصارى  يقولون عن جميعهم : نحن أبناء والله وأحباؤه  وليس الأمر كذلك بل كل فرقة تقول خاصة  نحن أبناء الله وأحباؤه  والبنوة في قولهم هذا بنوة الحنان والرأفة، وذكروا أن الله تعالى أوحى إلى إسرائيل أن أول أولادك بكري فضلوا بذلك وقالوا  نحن أبناء الله وأحباؤه  ولو صح ما رووا لكان معناه بكراً في التشريف أو النبوة ونحوه، وأحباء جمع حبيب، وكانت هذه المقالة منهم عندما دعاهم النبي صلى الله عليه وسلم إلى الإيمان به وخوفهم العذاب، فقالوا نحن لا نخاف ما تقول لأننا  أبناء الله وأحباؤه  وذكر ذلك ابن عباس، وقد كانوا قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم في غير ما موطن نحن ندخل النار فنقيم بها أربعين يوماً ثم تخلفوننا فيها، فرد الله عليهم بقولهم فقال لمحمد صلى الله عليه وسلم : قل فلم يعذبكم بذنوبكم  أي لو كانت منزلتكم فوق منازل البشر لما عذبكم وأنتم قد أقررتم أنه يعذبكم. 
قال القاضي أبو محمد رضي الله عنه : وهذا على أن التعذيب هو بنار الآخرة، وقد تحتمل الآية أن يكون المراد ما كان الله تعالى **«يعذبهم »** به في الدنيا. وذلك أن بني إسرائيل كانوا إذا أصاب الرجل منهم خطيئة أصبح مكتوباً على بابه ذكر ذنبه وذكر عقوبته فينفذ ذلك عليه، فهذا تعذيب في الدنيا على الذنوب ينافي أنهم أبناء وأحباء. ثم ترك الكلام الأول وأضرب عنه غير مفسد له، ودخل في غيره من تقرير كونهم بشراً كسائر الناس، والخلق أكرمهم أتقاهم، يهدي من يشاء للإيمان فيغفر له، ويورط من يشاء في الكفر فيعذبه، وله ملك السماوات الأرض وما بينهما، فله بحق الملك أن يفعل ما شاء لا معقب لحكمه وإليه مصير العالم بالحشر والمعاد.

### الآية 5:19

> ﻿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلَىٰ فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ أَنْ تَقُولُوا مَا جَاءَنَا مِنْ بَشِيرٍ وَلَا نَذِيرٍ ۖ فَقَدْ جَاءَكُمْ بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ ۗ وَاللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [5:19]

وقوله تعالى : يا أهل الكتاب  خطاب لليهود والنصارى، والرسول في قوله : رسولنا  محمد صلى الله عليه وسلم، وقوله : على فترة من الرسل ، أي على انقطاع من مجيئهم مدة ما، والفترة سكون بعد حركة في جرم، ويستعار ذلك في المعاني، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم **«لكل عمل شرة، ولكل شرة فترة »**[(١)](#foonote-١)، وقال الشاعر :
وإني لتعروني لذكراك فترة . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . [(٢)](#foonote-٢)
معناه سكون بعد اضطراب، واختلف الناس في قدرة الفترة التي كانت بين عيسى ومحمد صلى الله عليهما، فقال قتادة خمسمائة عام وستون عاماً. وقال الضحاك أربعمائة سنة وبضع وثلاثون سنة وفي الصحيح أن الفترة بينهما ستمائة سنة[(٣)](#foonote-٣). وهذه الآية نزلت بسبب قول اليهود : ما أنزل الله على بشر بعد موسى من شيء، قاله ابن عباس، وقوله تعالى : أن تقولوا  مفعول من أجله، المعنى حذار أن تقولوا محتجين يوم القيامة : ما جاءنا من بشير ولا نذير  فقد جاءكم وقامت الحجة عليكم،  والله على كل شيء قدير  فهو الهادي والمضل والمنعم والمعذب لا رب غيره.

١ - أخرجه البيهقي في شعب الإيمان، ولفظه: (إن لكل عمل شرة، ولكل شرة فترة، فمن كان فترته إلى سنتي فقد اهتدى، ومن كانت إلى غير ذلك فقد هلك)- =عن ابن عمرو- وقال في الجامع الصغير- حديث صحيح. والشرة بالكسرة: النشاط والحدة..
٢ -البيت لكثير عزة، والرواية المشهورة:
 وإني لتعروني لذكراك هزّة كما انتفض العصفور بلله القطر.
٣ - أخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر عن قتادة في قوله: قد جاءكم رسولنا يبين لكم على فترة من الرسل (قال: (هو محمد جاء بالحق الذي فتر به بين الحق والباطل، فيه بيان وموعظة، ونور وهدى، وعصمة لمن أخذ به، قال: وكانت الفترة بين عيسى ومحمد صلى الله عليه وسلم، وذكر لنا أنه (كذا) كانت ستمائة سنة، أو ما شاء الله من ذلك) (الدر المنثور)، وذكر ابن كثير في تفسيره أن البخاري رواه عن سلمان الفارسي..

### الآية 5:20

> ﻿وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا وَآتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ [5:20]

المعنى واذكر لهم يا محمد على جهة إعلامهم بغير كتبهم ليحققوا نبوتك وينتظم في ذلك نعم الله عليهم وتلقيهم تلك النعم بالكفر وقلة الطاعة والإنابة. وقرأ ابن محيصن **«يا قومُ »** بالرفع وكذلك حيث وقع من القرآن. وروي ذلك عن ابن كثير. و  نعمة الله  هنا اسم الجنس، ثم عدد عيون تلك النعم، والأنبياء الذين جعل فيهم أمرهم مشهور من لدن إسرائيل إلى زمان عسى عليه السلام، والأنبياء حاطة[(١)](#foonote-١) ومنقذون من النار، وشرف في الدنيا والآخرة. وقوله : وجعلكم ملوكاً  يحتمل معاني أحدها أن يعدد عليهم ملك من ملك من بني إسرائيل لأن الملوك شرف في الدنيا وحاطة من نوائبها، والمعنى الآخر : أن يريد استنقذكم من القبط الذين كانوا يستخدمونكم فصرتم أحراراً تملكون ولا تملكون، فهم ملوك بهذا الوجه وبنحو هذا فسر السدي وغيره. وقال قتادة إنما قال : وجعلكم ملوكاً  لأنا كنا نتحدث أنهم أول من خدمه أحد من بني آدم. 
قال القاضي أبو محمد : وهذا ضعيف لأن القبط كانوا يستخدمون بني إسرائيل. وظاهر أمر بني آدم أن بعضهم كان يسخر بعضاً مذ تناسلوا وكثروا، وإنما تختلفت الأمم في معنى التملك فقط، وقال عبد الله ابن عمرو بن العاص والحسن بن أبي الحسن وجماعة من أهل العلم من كان له مسكن وأمرأة وخادم فهو ملك، وقيل من له مسكن لا يدخل عليه فيه إلا بإذن فهو ملك، وقوله تعالى : وآتاكم ما لم يؤت أحداً من العالمين  قال فيه أبو مالك وسعيد بن جبير : الخطاب هو من موسى عليه السلام لقومه، ثم اختلف المفسرون ماذا الذي أوتوا ولم يؤت أحد مثله ؟ فقال مجاهد، المن والسلوى والحجر[(١)](#foonote-١) والغمام، وقال غيره : كثرة الأنبياء. 
قال القاضي أبو محمد : وعلى هذا في كثرة الأنبياء فالعالمون على العموم والإطلاق، وعلى القول بأن المؤتى هو آيات موسى فالعاَلمون مقيدون بالزمان الذي كانوا فيه، لأن أمة محمد قد أوتيت من آيات محمد عليه السلام أكثر من ذلك، قد ظلل رسول الله صلى الله عليه وسلم بغمامة قبل مبعثه، وكلمته الحجارة والبهائم، وأقبلت إليه الشجرة وحن الجذع، ونبع الماء من بين أصابعه وشبع كثير من الناس من قليل الطعام ببركته، وانشق له القمر، وعاد العود سيفاً، ورجع الحجر المعترض في الخندق رملاً مهيلاً. 
قال القاضي أبو محمد : وهذه المقالة من موسى توطئة لنفوسهم حتى يتعزز ويأخذ الأمر بدخول أرض الجبارين بقوة، وتنفذ في ذلك نفوذ من أعزه الله ورفع شأنه.

١ - يقال: رجل حيّط: بمعنى يحوط أهله وإخوانه ويرعاهم، والجمع: حاطة مثل: سيد وسادة. (المعجم الوسيط وغيره من المعاجم).

### الآية 5:21

> ﻿يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَرْتَدُّوا عَلَىٰ أَدْبَارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ [5:21]

و  المقدسة  معناه المطهرة، وقال مجاهد : المباركة. 
قال القاضي أبو محمد : والبركة تطهير من القحوط والجوع ونحوه. واختلف الناس في تعيينها، فقال ابن عباس ومجاهد هي الطور وما حوله، وقال قتادة : هي الشام، وقال ابن زيد : هي أريحاء وقاله السدي وابن عباس أيضاً، وقال قوم : هي الغوطة وفلسطين وبعض الأردن، قال الطبري : ولا يختلف أنها بين الفرات وعريش مصر. 
قال القاضي أبو محمد : وتظاهرت الروايات أن دمشق هي قاعدة الجبارين، وقوله  التي كتب الله لكم  معناه التي **«كتب الله »** في قضائه وقدره أنها لكم ترثونها وتسكنونها مالكين لها، ولكن فتنتكم في دخلولها بفرض قتال من فيها عليكم تمحيصاً وتجربة، ثم حذرهم موسى عليه السلام الارتداد على الأدبار، وذلك الرجوع القهقرى، ويحتمل أن يكون تولية الدبر والرجوع في الطريق الذي جيء منه، والخاسر : الذي قد نقص حظه.

### الآية 5:22

> ﻿قَالُوا يَا مُوسَىٰ إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا حَتَّىٰ يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ [5:22]

ثم ذكر عز وجل عن بني إسرائيل أنهم تعنتوا ونكصوا فقالوا  إن فيها قوماً جبارين . والجبار فعال من الجبر كأنه لقوته وغشمه وبطشه يجبر الناس على إرادته، والنخلة الجبارة العالية التي لا تنال بيد، وكان من خبر الجبارين أنهم كانوا أهل قوة فلما بعث ****«موسى »**** الأثني عشر نقيباً مطلعين على أمر الجبارين وأحوالهم رأوا لهم قوة وبطشاً وتخيلوا أن لا طاقة لهم بهم فجاؤوا بني إسرائيل ونقضوا العهد في أن أخبروهم بحال  الجبارين  حسبما قدمناه في ذكر بعث النقباء، ولم يف منهم إلا يوشع بن نوف وكالب بن يوفنا، ثم إن بني إسرائيل كعوا وجبنوا وقالوا : كوننا عبيداً للقبط أسهل من قتال هؤلاء، وهَّم كثير منهم أن يقدموا رجلاً على أنفسهم ويصير بهم إلى أرض مصر مرتدين على الأعقاب، ونسوا أن الله تعالى إذا أيد الضعيف ُغلب القوي وأخبروا ****«موسى »**** أنهم لن يدخلوا الأرض ما دام الجبارون فيها، وطلبوا منه أن يخرج الله الجبارين بجند من عنده وحينئذ يدخل بنو إسرائيل.

### الآية 5:23

> ﻿قَالَ رَجُلَانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ ۚ وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ [5:23]

قرأ ابن عباس وسعيد بن جبير ومجاهد **«يُخافون »** بضم الياء، وقرأ الجمهور **«يَخافون »** بفتح الياء، وقال أكثر المفسرين : الرجلان يوشع بن نوف وهو ابن أخت موسى وكالب بن يوفنا، ويقال فيه كلاب، ويقال كالوث بثاء مثلثة ويقال في اسم أبيه يوفيا، وهو صهر **«موسى »** على أخته، قال الطبري : اسم زوجته مريم بنت عمران، ومعنى  يخافون  أي الله، وأنعم عليهما بالإيمان الصحيح وربط الجأش والثبوت في الحق، وقال قوم المعنى يخافون العدو لكن  أنعم الله عليهما  بالإيمان والثبوت مع خوفهما، ويقوي التأويل الأول أن في قراءة ابن مسعود :**«قال رجلان من الذين يخافون الله أنعم عليهما »**. وأما من قرأ بضم الياء فلقراءته ثلاثة معان، أحدها ما روي من أن الرجلين كانا من الجبارين آمنا بموسى واتبعاه، فكانا من القوم الذين يخافون لكن  أنعم الله عليهما  بالإيمان بموسى فقالا نحن أعلم بقومنا، والمعنى الثاني أنهما يوشع وكالوث لكنهما من الذين يوقرون ويسمع كلامهم ويهابون لتقواهم وفضلهم، فهم **«يخافون »** بهذا الوجه. والمعنى الثالث أن يكون الفعل من أخاف والمعنى من الذين ُيخافون بأوامر الله ونواهيه ووعيده وزجره، فيكون ذلك مدحاً لهم على نحو المدح في قوله تعالى : أولئك الذين امتحن الله قلوبهم للتقوى [(١)](#foonote-١) وقوله تعالى : أنعم الله عليهما  صفة للرجلين، والباب هو باب مدينة الجبارين فيما ذكر المفسرون والمعنى اجتهدوا وكافحوا حتى تدخلوا الباب، وقوله : فإنكم غالبون  ظن منهما ورجاء وقياس إنكم بذلك تفتون في أعضادهم ويقع الرعب في قلوبهم فتغلبونهم، وفي قراءة ابن مسعود **«عليهما ويلكم ادخلوا »** وقولهما : وعلى الله فتوكلوا إن كنتم مؤمنين  يقتضي أنهما استرابا بإيمانهم حين رأياهم يعصون الرسول ويجبنون مع وعد الله تعالى لهم بالنصر.

١ - من الآية رقم (٣) من سورة (الحجرات)..

### الآية 5:24

> ﻿قَالُوا يَا مُوسَىٰ إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَدًا مَا دَامُوا فِيهَا ۖ فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ [5:24]

ثم إن بني إسرائيل لجوا في عصيانهم وسمعوا من العشرة النقباء الجواسيس الذين خوفوهم أمر الجبارين ووصفوا لهم قوة الجبارين وعظم خلقهم فصمموا على خلاف أمر الله تعالى : و  قالوا يا موسى إنّا لن ندخلها أبداً ما داموا فيها فاذهب أنت وربك فقاتلا إنّا ها هنا قاعدون  وهذه عبارة تقتضي كفراً، وذهب بعض الناس إلى أن المعنى اذهب أنت وربك يعينك وأن الكلام معصية لا كفر. 
قال القاضي أبو محمد رضي الله عنه : وقولهم  فقاتلا  يقطع بهذا التأويل، وذكر النقاش عن بعض المفسرين أن المراد بالرب هنا هارون لأنه كان اسنّ من **«موسى »** وكان معظماً في بني إسرائيل محبباً لسعة خلقه ورحب صدره، فكأنهم قالوا اذهب انت وكبيرك. 
قال القاضي أبو محمد : وهذا تأويل بعيد، وهارون إنما كان وزيراً لموسى وتابعاً له في معنى الرسالة، ولكنه تأويل يخلص بني إسرائيل من الكفر، وذكر الطبري عن قتادة أنه قال : بلغنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما عزم على قتال قريش في عام الحديبية، جمع العسكر وكلم الناس في ذلك فقال له المقداد بن الأسود : لسنا نقول لك كما قالت بنو إسرائيل **«اذهب أنت وربك فقاتلا إنا ها هنا قاعدون »** لكنا نقول : اذهب أنت وربك فقاتلا إنّا معكما مقاتلون. 
وذكر النقاش أن الأنصار قالت هذه المقالة للنبي صلى الله عليه وسلم. 
قال القاضي أبو محمد : وجميع هذا وهم، غلط قتادة رحمه الله في وقت النازلة، وغلط النقاش في قائل المقالة، والكلام إنما وقع في غزوة بدر حين نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم ذفران فكلم الناس وقال لهم : أشيروا عليَّ أيها الناس، فقال له المقداد هذه المقالة في كلام طويل، ذكر ذلك ابن إسحاق وغيره، ثم تكلم من الأنصار سعد بن معاذ بنحو هذا المعنى ولكن سبقه المقداد إلى التمثيل بالآية. 
قال القاضي أبو محمد : وتمثل المقداد بها وتقرير النبي صلى الله عليه وسلم لذلك يقتضي أن الرب إنما أريد به الله تعالى، وُيؤنس أيضاً في إيمان بني إسرائيل، لأن المقداد قد قال : اذهب أنت وربك فقاتلا، وليس لكلامه معنى إلا أن الله تعالى يعينك ويقاتل معك ملائكته ونصره، فعسى أن بني إسرائيل أرادت ذلك، أي اذهب أنت، ويخرجهم الله بنصره وقدرته من المدينة وحينئذ ندخلها، لكن قبحت عبارتهم لاقتران النكول بها، وحسنت عبارة المقداد لاقتران الطاعة والإقدام بها.

### الآية 5:25

> ﻿قَالَ رَبِّ إِنِّي لَا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَأَخِي ۖ فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ [5:25]

ولما سمع موسى عليه السلام قولهم ورأى عصيانهم تبرأ إلى الله تعالى منهم، وقال داعياً عليهم : رب إني لا أملك إلا نفسي وأخي  يعني هارون، وقوله : وأخي  يحتمل أن يكون إعرابه رفعاً إما على الابتداء والتقدير وأخي لا يملك إلا نفسه، وإما على العطف على الضمير الذي في  أملك  تقديره لا أملك أنا، ويحتمل أن يكون إعرابه نصباً على العطف على  نفسي ، وذلك لأن هارون كان يطيع **«موسى »** فلذلك أخبر أنه يملكه[(١)](#foonote-١)، وقرأ الحسن **«إلا نفسيَ وأخي »** بفتح الياء فيهما، وقوله : فافرق بيننا  دعاء حرج، قال السدي، هي عجلة عجلها موسى عليه السلام، وقال ابن عباس والضحاك وغيرهما : المعنى افصل بيننا وبينهم بحكم وافتح، فالمعنى احكم بحكم يفرق هذا الاختلاف ويلم الشعث. 
قال القاضي أبو محمد : وعلى هذا التأويل فليس في الدعاء عجلة، وقال قوم : المعنى **«فافرق بيننا وبينهم »** في الآخرة حتى تكون منزلة المطيع مفارقة لمنزلة العاصي الفاسق، ويحتمل الدعاء أن يكون معناه :**«فرق بيننا وبينهم »** بمعنى أن يقول :**«فقدنا وجوههم وفرق بيننا وبينهم »** حتى لا نشقى بفسقهم، وبهذا الوجه تجيء العجلة في الدعاء، وقرأ عبيد بن عمير **«فافرِق »** بكسر الراء.

١ - وجوز بعضهم أن يكون مجرورا معطوفا على ياء المتكلم في (نفسي)- ولكن هذا ضعيف على مذهب البصريين.
 والسر في هذا الحصر لا أملك إلا نفسي وأخي أن موسى لم يثق بالرجلين الذين قالا: ادخلوا عليهم الباب، ولم يطمئن إلى ثباتهما لما عاين من أحوال قومه، ومن تلونهم مع طول الصحبة، فلم يذكر إلا النبي المعصوم الذي لا شبهة في ثباته وهو هارون- وقيل: أراد بقوله: \[وأخي\] من يوافقني في الدين لا هارون خاصة. قاله في "البحر المحيط"..

### الآية 5:26

> ﻿قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ ۛ أَرْبَعِينَ سَنَةً ۛ يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ ۚ فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ [5:26]

قال فإنها محرمة  المعنى قال الله، وأضمر الفاعل في هذه الأفعال كلها إيجازاً لدلالة معنى الكلام على المراد، وحرم الله تعالى على جميع بني إسرائيل دخول تلك المدينة  أربعين سنة  وتركهم خلالها  يتيهون في الأرض  أي في أرض تلك النازلة، وهو فحص التيه وهو على ما يحكى طول ثمانين ميلاً في عرض ستة فراسخ، وهو ما بين مصر والشام، ويروى أنه اتفق أن مات كل من كان قال إنّا لن ندخلها أبداً، ولم يدخل المدينة أحد من ذلك الجيل إلا يوشع وكالوث، ويروى أن هارون عليه السلام مات في فحص التيه في خلال هذه المدة ولم يختلف في هاذا، وروي أن ************«موسى »************ عليه السلام مات فيه بعد هارون بثمانية أعوام، وقيل بستة أشهر ونصف، وأن يوشع نبيء بعد كمال **«الأربعين سنة »** وخرج ببني إسرائيل وقاتل الجبارين وفتح المدينة، وفي تلك الحرب وقفت له الشمس ساعة حتى استمر هزم الجبارين[(١)](#foonote-١)، وروي أن ************«موسى »************ عليه السلام عاش حتى كملت الأربعون وخرج بالناس وحارب الجبارين ويوشع وكالب على مقدمته، وأنه فتح المدينة وقتل بيده عوج بن عناق، يقال كان في طول ************«موسى »************ عشرة أذرع وفي طول عصاه عشرة أذرع، وترامى من الأرض في السماء عشرة أذرع، وحينئذ لحق كعَب عوج فضربه بعصاه في كعبه فخر صريعاً، ويروى أن عوجاً اقتلع صخرة ليطرحها على عسكر بني إسرائيل فبعث الله هدهداً بحجر الماس فأداره على الصخرة فتقورت ودخلت في عنق عوج، وضربه ************«موسى »************ فمات، وحكى الطبري أن طول عوج ثمانمائة ذراع، وحكي عن ابن عباس أنه قال : لما خر كان جسراً على النيل سنة. 
قال القاضي أبو محمد : والنيل ليس في تلك الأقطار وهذا كله ضعيف والله أعلم، وحكى الزجاج عن قوم أن ************«موسى »************ وهارون لم يكونا في التيه، والعامل في  أربعين  يحتمل أن يكون  محرمة ، أي حرمت عليهم  أربعين سنة ويتيهون في الأرض  هذه المدة ثم تفتح عليهم، أدرك ذلك من أدركه ومات قبله من مات. وخطأ أبو إسحاق أن يكون العامل  محرمة ، وذلك منه تحامل، ويحتمل أن يكون العامل  يتيهون  مضمراً يدل عليه  يتيهون  المتأخر، ويكون قوله إنها محرمة إخبار مستمر تلقوا منه أن المخاطبين لا يدخلونها أبداً، وأنهم مع ذلك **«يتيهون في الأرض أربعين سنة »** يموت فيها من مات. 
قال القاضي أبو محمد : كأنه لم يعش المكلفون، أشار إلى ذلك الزجاج، والتيه : الذهاب في الأرض إلى غير مقصد معلوم[(٢)](#foonote-٢)، ويروى أن بني إسرائيل كانوا يرحلون بالليل ويسيرون ليلهم أجمع في تحليق ونحوه من التردد وقلة استقامة السير، حتى إذا أصبحوا وجدوا جملتهم في الموضع الذي كانوا فيه أول الليل، وقال مجاهد وغيره كانوا يسيرون النهار أحياناً والليل أحياناً فيمسون حيث أصبحوا ويصبحون حيث أمسوا، وذلك في مقدار ستة فراسخ. 
قال القاضي أبو محمد : ويحتمل أن يكون تيههم بافتراق الكلمة وقلة اجتماع الرأي، وإن الله تعالى رماهم بالاختلاف وعلموا أنها قد حرمت عليهم **«أربعين سنة »**. فتفرقت منازلهم في ذلك الفحص، وأقاموا ينتقلون من موضع إلى موضع على غير نظام واجتماع، حتى كملت هذه المدة وأذن الله بخروجهم وهذا تيه ممكن محتمل على عرف البشر. والآخر الذي ذكر مجاهد إنما هو خرق عادة وعجب من قدرة الله تعالى، وفي ذلك التيه ظلل عليهم الغمام ورزقوا المن والسلوى إلى غير ذلك مما روي من ملابسهم، وقد مضى ذلك في سورة البقرة. وقوله تعالى : فلا تأس على القوم الفاسقين  معناه فلا تحزن يقال أسى : الرجل يأسى أسى إذا حزن ومنه قول امرىء القيس :
وقوفاً بها صحبي عليَّ مطيهم. . . يقولون لا تهلك أسى وتجمل
**ومنه قول متمم بن نويرة :**
فقلت لهم إن الأسى يبعث الأسى. . . دعوني فهذا كله قبر مالك
والخطاب بهذه الآية لموسى عليه السلام، قال ابن عباس ندم ************«موسى »************ على دعائه على قومه وحزن عليهم، فقال له الله : فلا تأس على القوم الفاسقين  وقال قوم من المفسرين الخطاب بهذه الألفاظ لمحمد صلى الله عليه وسلم ويراد ب  الفاسقين  معاصروه، أي هذه أفعال اسلافهم فلا تحزن أنت بسبب أفعالهم الخبيثة معك، وردهم عليك، فإنه سجية خبيثة موروثة عندهم. 
١ - أشار إلى قصة وقوف الشمس ليوشع أبو تمام في قوله:
 فردت علينا الشمس والليل راغـم بشمس بدت من جانب الخدر تطلع
 نضا ضوؤها صبغ الدّجنّة وانطوى لبهجتها ثوب السماء المُجـــزع
 فوالله ما أدري أأحلام نائــــم ألمّت بنا أم كان في الركب يوشع؟
 **وأشار شوقي أيضا إليها بقوله:**
 قفي يا أخت يوشع خبرينــا أحاديث القرون الغابرينــــا
 .
٢ - أصل التيه في اللغة: الحيرة، يقال منه: تاه يتيه تيها وتوها إذا تحيّر، والأرض التّيهاء: التي لا يُهتدى فيها، ومنه قول القائل:
 بتيهاء قفر والمطي كأنها قطا الحزن قد كانت فرخا بيوضها.

### الآية 5:27

> ﻿۞ وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ ۖ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ [5:27]

اتل  معناه اسرد وأسمعهم إياه، وهذه من علوم الكتب الأول التي لا تعلق لمحمد صلى الله عليه وسلم بها إلا من طريق الوحي، فهو من دلائل نبوته، والضمير في  عليهم  ظاهر أمره أنه يراد به بنو إسرائيل لوجهين : أحدهما أن المحاورة فيما تقدم إنما هي في شأنهم وإقامة الحجج عليهم بسبب همهم ببسط اليد إلى محمد صلى الله عليه وسلم، والثاني أن علم  نبأ ابني آدم  إنما هو عندهم وفي غامض كتبهم، وعليهم تقوم الحجة في إيراده. والنبأ : الخبر. و ****«ابنا آدم »**** هما في قول جمهور المفسرين لصلبه. وهما قابيل وهابيل، وقال الحسن بن أبي الحسن البصري ****«ابنا آدم »**** ليسا لصلبه ولم تكن القرابين إلا في بني إسرائيل. 
قال القاضي أبو محمد : وهذا وهم، وكيف يجهل صورة الدفن أحد من بني إسرائيل حتى يقتدي بالغراب، والصحيح قول الجمهور وروي أن تقريبهما للقربان إنما كان تحنثاً وتطوعاً. وكان قابيل صاحب زرع فعمد إلى أرذل ما عنده وأدناه فقربه، وكان هابيل صاحب غنم، فعمد إلى أفضل كباشه فقربه، وكانت العادة حينئذ أن يقرب المقرب قربانه ويقوم يصلي ويسجد، فإن نزلت نار وأكلت القربان فذلك دليل للقبول وإلا كان تركه دليل عدم القبول، فلما قرب هذان كما ذكرت فنزلت النار وأخذت كبش هابيل فرفعته وسترته عن العيون وتركت زرع قابيل، قال سعيد بن جبير وغيره : فكان ذلك الكبش يرتع في الجنة حتى أهبط إلى إبراهيم في فداء ابنه، قال سائقو هذا القصص : فحسد قابيل هابيل وقال له : أتمشي على الأرض يراك الناس أفضل مني ؟ وكان قابيل أسن ولد ******«آدم »******. وروي أن ******«آدم »****** سافر إلى مكة ليرى الكعبة وترك قابيل وصياً على بنيه فجرت هذه القصة في غيابه، وروت جماعة من المفسرين منهم ابن مسعود : أن سبب هذا التقريب أن حواء كانت تلد في كل بطن ذكراً وأنثى فكان الذكر يزوج أنثى البطن الآخر، ولا تحل له أخته توأمته، فولدت مع قابيل أخت جميلة، ومع هابيل أخت ليست كذلك فلما أراد آدم تزويجهما قال قابيل : أنا أحق بأختي، فأمره ******«آدم »****** فلم يأتمر، فاتفقوا على التقريب، وروي أن آدم حضر ذلك فتقبل قربان هابيل ووجب أن يأخذ أخت قابيل[(١)](#foonote-١)، فحينئذ قال له  لأقتلنك  وقول هابيل : إنما يتقبل الله من المتقين  كلام قبله محذوف تقديره ولم تقتلني وأنا لم أجنِ شيئاً ولا ذنب لي في قبول الله قرباني ؟ أما إني أتقيه وكنَت علي لأحب الخلق. و  إنما يتقبل الله من المتقين . 
قال القاضي أبو محمد عبد الحق : وإجماع أهل السنة في معنى هذه الألفاظ إنها اتقاء الشرك، فمن اتقاه وهو موحد فأعماله التي تصدق فيها نيته مقبولة، وأما المتقي للشرك والمعاصي فله الدرجة العليا من القبول والحتم بالرحمة، علم ذلك بأخبار الله تعالى، لا أن ذلك يجب على الله تعالى عقلاً، وقال عدي بن ثابت وغيره : قربان متقي هذه الأمة الصلاة. 
١ - قال القرطبي: "القول ما ذكرناه من أن آدم كان يزوج غلام هذا البطن لجارية تلك البطن والدليل على هذا من الكتاب قوله تعالى: يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبثّ منهما رجالا كثيرا ونساء، وهذا كالنص". هذا وذكر أن أخت قابيل الجميلة اسمها: إقليمياء، وأن أخت هابيل اسمها: ليوذا..

### الآية 5:28

> ﻿لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ ۖ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ [5:28]

واختلف الناس لم قال هابيل : ما أنا بباسط يدي إليك لأقتلك  ؟ فقال مجاهد : كان الفرض عليهم حينئذ أن لا يسل أحد سيفاً وأن لا يمتنع من أريد قتله. . وقال عبد الله بن عمرو وجمهور الناس : كان هابيل أشد قوة من قابيل، ولكنه تحرج. 
قال القاضي أبو محمد رضي الله عنه : وهذا هو الأظهر، ومن هنا يقوى أن قابيل إنما هو عاص لا كافر، لأنه لو كان كافراً لم يكن للتحرج وجه، وإنما وجه التحرج في هذا أن المتحرج يأبى أن يقاتل موحداً ويرضى بأن يظلم ليجازى في الآخرة، ونحو هذا فعل عثمان بن عفان رضي الله عنه.

### الآية 5:29

> ﻿إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ ۚ وَذَٰلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ [5:29]

وقوله : إني أريد أن تبوء بإثمي وإثمك  الآية، ليست هذه بإرادة محبة وشهوة، وإنما هو تخير في شرين، كما تقول العرب في الشر خيار، فالمعنى إن قتلتني وسبق بذلك قدر فاختياري أن أكون مظلوماً سيستنصر الله لي في الآخرة، وتبوء معناه تمضي متحملاً. وقوله : بإثمي وإثمك  قيل معناه : بإثم قتلي وسائر آثامك التي أوجبت أن لا يتقبل منك، وقيل المعنى : بإثم قتلي وإثمك في العداء علي إذ هو في العداء وإرادة القتل آثم ولو لم ينفذ القتل، وقيل المعنى : بإثمي إن لو قاتلتك وقتلتك وإثم نفسك في قتالي وقتلي. 
قال القاضي أبو محمد : وهذا هو الإثم الذي يقتضيه قول النبي صلى الله عليه وسلم **«إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار، قيل يا رسول الله هذا القاتل فما بال المقتول ؟ قال : إنه كان حريصاً على قتل صاحبه »**[(١)](#foonote-١)، فكأن هابيل أراد : أني لست بحريص على قتلك، فالإثم الذي كان يلحقني لو كنت حريصاً على قتلك أريد أن تحمله أنت مع إثمك في قتلي، وقيل المعنى : بإثمي الذي يختص لي فيما فرط لي أي يؤخذ من سيئاتي فيطرح عليك بسبب ظلمك لي **«تبوء بإثمك »** في قتلي وهذا تأويل يعضده قول النبي صلى الله عليه وسلم يؤتى بالظالم والمظلوم يوم القيامة فيؤخذ من حسنات الظالم فيزاد في حسنات المظلوم حتى ينتصف، فإن لم تكن له حسنات أخذ من سيئات المظلوم فتطرح عليه[(٢)](#foonote-٢)، وقوله تعالى : وذلك جزاء الظالمين  يحتمل أن يكون من قول هابيل لأخيه، ويحتمل أن يكون إخباراً من الله تعالى لمحمد صلى الله عليه وسلم.

١ - رواه أحمد في مسنده، وأخرجه الشيخان، وأبو داود، والنسائي- عن أبي بكرة، وابن ماجه عن أبي موسى، وهو حديث صحيح كما قال في الجامع الصغير..
٢ - رواه مسلم في صحيحه بلفظه..

### الآية 5:30

> ﻿فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ [5:30]

قراءة الجمهور  فطوعت  والمعنى أن القتل في ذاته مستصعب عظيم على النفوس، فردته هذه النفس اللجوجة الأمارة بالسوء طائعاً منقاداً حتى واقعه صاحب هذه النفس[(١)](#foonote-١)، وقرأ الحسن بن أبي الحسن والجراح والحسن بن عمران وأبو واقد **«فطاوعت »** والمعنى كأن القتل يدعو إلى نفسه بسبب الحقد والحسد الذي أصاب قابيل، وكأن النفس تأبى لذلك ويصعب عليها، وكل جهة تريد أن تطيعها الأخرى، إلى أن تفاقم الأمر وطاوعت النفس القتل فواقعته، وروي أنه التمس الغرة في قتله حتى وجده نائماً في غنمه فشدخ رأسه بحجر، وروي أنه جهل كيف يقتله فجاء إبليس بطائر أو حيوان غيره فجعل يشدخ رأسه بين حجرين ليقتدي به قابيل ففعل، وروي أنه لما انصرف قابيل إلى آدم قال له أين هابيل قال لا أدري كأنك وكلتني بحفظه فقال له آدم أفعلتها والله إن دمه ليناديني من الأرض، اللهم العن أرضاً شربت دم هابيل، فروي أنه من حينئذ ما شربت أرض دماً، ثم أن آدم صلى الله عليه وسلم بقي مائة عام لم يبتسم حتى جاء ملك فقال له حياك الله يا آدم وبياك فقال آدم : ما بياك ؟ قال أضحكك. ويروى أن آدم عليه السلام قال حينئذ :
تغيرت البلادُ ومن عليها. . . فوجه الأرض مغبرٌّ قبيح
تغير كل ذي طعم ولون. . . وقل بشاشة الوجه المليح
وكذا هو الشعر بنصب بشاشة وكف التنوين، وروي عن مجاهد أنه قال : علقت إحدى رجلي القاتل بساقها إلى فخذها من يومئذ إلى يوم القيامة، ووجهه إلى الشمس حيث ما دارت، عليه في الصيف حظيرة من نار، وعليه في الشتاء حظيرة من ثلج. 
**قال القاضي أبو محمد :**
فإن صح هذا فهو من خسرانه الذي تضمنه قوله تعالى : فأصبح من الخاسرين  : ومن خسرانه ما روي عن عبد الله بن عمرو أنه قال إنّا لنجد ابن آدم القاتل يقاسم أهل النار قسمة صحيحة العذاب عليه شطر عذابهم، ومن خسرانه ما ثبت وصح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال :**«ما قتلت نفس ظلماً إلا كان على ابن آدم الأول كفل منها[(٢)](#foonote-٢)، وذلك أنه أول من سن القتل »** وقوله : فأصبح  عبارة عن جميع أوقاته، أقيم بعض الزمن مقام كله، وخصّ الصباح بذلك لأنه بدء النهار والانبعاث إلى الأمور ومطية النشاط، ومنه قول الربيع بن ضبع :
أصبحت لا أحمل السلاح. . . البيت، 
ومنه قول سعد بن أبي وقاص، ثم أصبحت بنو أسد تعزرني على الإسلام، إلى غير ذلك من استعمال العرب لما ذكرناه.

١ - طوّعت له نفسه: أي سهّلت نفسه عليه الأمر وشجعته، وصورت له أن قتل أخيه طوع له سهل، يقال: طاع الشيء يطوع: سُهل وانقاد، وطوّعه فلان له: سهّله..
٢ - الحديث في الصحيحين وغيرهما- عن ابن مسعود، ذكر ذلك الشوكاني. وقال في "الدر المنثور": أخرجه أحمد، والبخاري، ومسلم، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه، وابن جرير، وابن المنذر- عن ابن مسعود رضي الله عنه..

### الآية 5:31

> ﻿فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْءَةَ أَخِيهِ ۚ قَالَ يَا وَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَٰذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْءَةَ أَخِي ۖ فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ [5:31]

وقوله تعالى : فبعث الله غراباً يبحث في الأرض ليريه كيف يواري سوأة أخيه  روي في معناه أن قابيل جعل أخاه في جراب ومشى به يحمله في عنقه مائة عام. وقيل : سنة واحدة، وقيل : بل أصبح في ثاني يوم قتله يطلب إخفاء أمر أخيه، فلم يدر ما يصنع به، فبعث الله غرابا حيا إلى غراب ميت، فجعل يبحث في الأرض ويُلقي التراب على الغراب الميت. وروى أن الله تعالى بعث غرابين فاقتتلا حتى قتل أحدهما الآخر، ثم جعل القاتل يبحث ويواري الميت، وروي أن الله تعالى إنما بعث غرابا واحدا فجعل يبحث ويلقي التراب على هابيل. 
وظاهر هذه الآية أن هابيل هو أول ميت من بني آدم، ولذلك جهلت سنة المواراة، وكذلك حكى الطبري عن ابن إسحاق عن بعض أهل العلم بما في الكتب الأولى. 
و\[ يبحث \] معناه : يفتش التراب بمنقاره ويثير، ومن هذا سميت سورة ( براءة )- البحوث[(١)](#foonote-١)- لأنها فتشت عن المنافقين، ومن ذلك قول الشاعر :

إن الناس غطوني تغطيت عنهم  وإن بحثوني كان فيهم مباحث[(٢)](#foonote-٢)وفي مثل : لا تكن كالباحث عن الشفرة[(٣)](#foonote-٣). 
والضمير في قوله :\[ سوءة أخيهِ يحتمل أن يعود على قابيل، ويراد بالأخ هابيل، ويحتمل أن يعود على الغراب الباحث، ويراد بالأخ الغراب الميت، والأول أشهر في التأويل، والسوأة : العورة، وخصت بالذكر مع أن المراد مواراة جميع الجسد للاهتمام بها، ولأن سترها أوكد، ويحتمل أن يراد بالسوأة هذه الحالة التي تسوء الناظر بمجموعها، وأضيفت إلى المقتول من حيث نزلت به النازلة لا على جهة الغض منه، بل الغض لاحق للقاتل، وهو الذي أتى بالسوأة، وقرأ الجمهور :\[ فأواري \] بنصب الياء، وقرأ طلحة بن مصرف، والفياض بن غزوان :\[ فأواري \] بسكون الياء، وهي لغة لتوالي الحركات. 
 ولما رأى قابيل فعل الغراب تنبه على ما يجب أن يصنع بأخيه، ورأى قصور نفسه وجهل البشر بالأمور، فقال :\[ يا ويلتي أعجزت \] الآية، واحتقر نفسه، ولذلك ندم، وقرأ الجمهور :\[ يا ويلتَى \] والأصل : يا ويلتي، لكن من العرب من يبدل من الياء ألفا ويفتح الياء لذلك، فيقولون : يا ويلتَى ويا غلامَا. ويقف بعضهم على هاء السكت فيقول : يا ويلتاه. وقرأ الحسن بن أبي الحسن :\[ يا ويلتي \][(٤)](#foonote-٤). ونداء الويلة هو على معنى : احضري فهذا أوانك، وهذا هو الباب في قوله :\[ يا حسرة \][(٥)](#foonote-٥)، وفي قولهم : يا عجبا وما جرى مجراه من نداء هذه الأمور التي لا تعقل وهي معان. وقرأ الجمهور :\[ أعجزت \] بفتح الجيم، وقرأ ابن مسعود، والحسن، والفياض، وطلحة بن سلميان :\[ أعجزت \] بكسر الجيم، وهي لغة[(٦)](#foonote-٦). 
ثم إن قابيل وارى أخاه، وندم على ما كان منه من معصية الله في قتله حيث لا ينفع الندم، اختلف العلماء في قابيل- هل هو من الكفار أو من العصاة ؟ والظاهر أنه من العصاة، وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال :( إن الله ضرب لكم ابني آدم مثلا فخذوا من خيرهما ودعوا الشر )[(٧)](#foonote-٧). 
١ - قال في اللسان: "وفي حديث المقداد: أبت علينا سورة البحوث، انفروا خفافا وثقالا" يعني سورة (التوبة)، والبحوث بضم الباء، وقال ابن الأثير: "ورأيت في الفائق: سورة البحوث- بفتح الباء، قال: فإن صحت فهي فعول من أبنية المبالغة ويقع على الذكر والأنثى، كامرأة صبور، ويكون من باب إضافة الموصوف إلى الصفة"..
٢ -في بعض النسخ "وإن باحثوني"، وفي بعضها: "كنت فيهم" بدلا من "كان فيهم"، ولم نقف على نسبة البيت..
٣ - ويروى: "كالباحثة عن حتفها بظلفها"، وأصله أن رجلا وجد شاة فأراد ذبحها فلم يظفر بسكين، وكانت مربوطة، فلم تزل تبحث برجلها حتى أبرزت سكينا كانت مدفونة تحت التراب فذبحها بها، ومعنى "كالباحث عن الشفر" أنه طلب معاشا فسقط على شفرة فعقرته، يضرب في حاجة تؤدي بصاحبها إلى التلف. وقيل: كالعنز تبحث عن سكين جزّار، وقال الشاعر:
 فكانت كعنز السوء قامت برجلها إلى مدية مدفونة تستثيرها.
٤ - أي: بالياء على الأصل..
٥ - من قوله تعالى في الآية (٣٠) من سورة (يس).
 \[يا حسرة على العباد، ما يأتيهم من رسول إلا كانوا به يستهزئون\]..
٦ - قال النحاس: "وهي لغة شاذة، إنما يقال: عجزت المرأة إذا عظمت عجيزتها، وعجزت عن الشيء عجزا ومعجزة ومعجزة"..
٧ - أخرج مثله عبد الرزاق، وابن جرير عن الحسن، وأخرج عبد بن حميد مثله- عن الحسن، وأخرج مثله ابن جرير- من طريق المعتمر بن سليمان- عن أبيه- عن بكر بن عبد الله. (الدر المنثور)..

### الآية 5:32

> ﻿مِنْ أَجْلِ ذَٰلِكَ كَتَبْنَا عَلَىٰ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا ۚ وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ بَعْدَ ذَٰلِكَ فِي الْأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ [5:32]

جمهور الناس على أن قوله : من أجل ذلك  متعلق بقوله  كتبنا  أي بسبب هذه النازلة ومن جَّراها كتبنا، وقال قوم : بل هو متعلق بقوله  من النادمين  \[ المائدة : ٣١ \] أي ندم من **«أجل »** ما وقع، والوقف على هذا على ذلك، والناس على أن الوقف  من النادمين  ويقال أجل الأمر أجلاً[(١)](#foonote-١) وأجلاً إذا جناه وجره، ومنه قول خوات :

وأهل خباء صالح ذات بينهم  قد احتربوا في عاجل أنا آجله[(٢)](#foonote-٢)ويقال فعلت ذلك من أجلك بفتح الهمزة ومن إجلك بكسرها، وقرأ أبو جعفر بن القعقاع :\[ من اجل ذلك \] بوصل الألف وكسر النون قبلها، وهذا على أن ألقى حركة الهمزة على النون كما قالوا : كم ابلك بكسر الميم ووصل الألف. . ومن ابراهيم بكسر النون و  كتبنا  معناه كتب بأمرنا في كتب منزلة عليهم تضمنت فرض ذلك، وخص الله تعالى : بني إسرائيل  بالذكر وقد تقدمتهم أمم كان قتل النفس فيهم محظوراً لوجهين، أحدهما فيما روي أن  بني إسرائيل  أول أمة نزل الوعيد عليهم في قتل النفس في كتاب، وغلظ الأمر عليهم بحسب طغيانهم وسكفهم الدماء، والآخر لتلوح مذمتهم في أن كتب عليه هذا، وهم مع ذلك لا يرعوون ولا ينتهون بل همّوا بقتل النبي صلى الله عليه وسلم ظلماً، فخصوا بالذكر لحضورهم مخالفين لما كتب عليهم، وقوله تعالى : بغير نفس  معناه بغير أن تقتل نفساً فتستحق القتل، وقد حرم الله تعالى نفس المؤمن إلا بإحدى ثلاث خصال : كفر بعد إيمان، أو زنا بعد إحصان، أو قتل نفس ظلماً تعدياً. وهنا يندرج المحارب، والفساد في الأرض بجميع الزنا والارتداد والحرابة، وقرأ الحسن **«أو فساداً في الأرض »** بنصب الفساد على فعل محذوف وتقديره أو أتى فساداً أو أحدث فساداً، وحذف الفعل الناصب لدلالة الكلام عليه، وقوله تعالى : فكأنما قتل الناس جميعاً  اضطرب لفظ المفسرين في ترتيب هذا التشبيه، فروي عن ابن عباس أنه قال المعنى من قتل نبياً إو إمام عدل  فكأنما قتل الناس جميعاً  ومن أحياه بأن شد عضده ونصره  فكأنما أحيا الناس جميعاً . 
قال القاضي أبو محمد : وهذا قول لا تعطيه الألفاظ، وروي عن ابن عباس أيضاً أنه قال : المعنى من قتل نفساً واحدة وانتهك حرمتها فهو مثل من قتل الناس جميعاً. ومن ترك قتل نفس واحدة وصان حرمتها مخافتي واستحيامن أن يقتلها فهو كمن أحيا الناس جميعاً. وقال عبد الله بن عباس أيضاً، المعنى فكأنما قتل الناس جميعاً عند المقتول، ومن أحياها واستنقذها من هلكة فكأنما أحيا الناس جميعاً عند المستنقذ. وقال ابن عباس أيضا وغيره : المعنى : من قتل نفسا فأوبق نفسه فكأنه قتل الناس جميعا، إذ يصلى النار بذلك، ومن سلم من قتلها فكأنه سلم من ******«قتل الناس جميعاً »******. وقال مجاهد : الذي يقتل النفس المؤمنة متعمدا جعل الله جزاءه جهنم، وغضب عليه ولعنه وأعد له عذاباً عظيماً، يقول لو ******«قتل الناس جميعاً »****** لم يزد على ذلك. ومن لم يقتل أحداً فقد حيي الناس منه. وقال ابن زيد : المعنى أي من قتل نفساً فيلزمه من القود والقصاص ما يلزم من ******«قتل الناس جميعاً »******. قال : ومن أحياها أنقذها من حرق أو غرق، وقال قوم لما كان المؤمنون كلهم يطلبون القاتل كان كمن قتل الناس جميعاً. 
قال القاضي أبو محمد رضي الله عنه : وهذا قول متداع ولم يتخلص التشبيه إلى طرف في شيء من هذه الأقوال، والذي أقول إن الشبه بين قاتل النفس وقاتل الكل لا يطرد من جميع الجهات، لكن الشبه قد تحصل من ثلاث جهات، إحداها القود فإنه واحد، والثانية الوعيد، فقد توعد الله قاتل النفس بالخلود في النار، وتلك غاية العذاب، فإن فرضناه يخرج من النار بعد بسبب التوحيد فكذلك قاتل الجميع ان لو اتفق ذلك، والثالثة انتهاك الحرمة، فإن نفساً واحدة، في ذلك وجميع الأنفس سواء، والمنتهك في واحدة ملحوظ بعين منتهك الجميع، ومثال ذلك رجلان حلفا على شجرتين ألا يطعما من ثمرهما شيئاً، فطعم أحدهما واحدة من ثمر شجرته وطعم الآخر ثمر شجرته كله، فقد استويا في الحنث، وقوله تعالى : ومن أحياها  فيه تجوز لأنها عبارة عن الترك والإنقاذ فالإحياء حقيقة الذي هو الاختراع إنما هو لله تعالى. وإنما هذا الإحياء بمنزلة قول نمرود : أنا أحيي، سمى الترك إحياء، ومحيي نفس كمحيي الجميع في حفظ الحرمة واستحقاق الحمد، ثم أخبر الله تعالى عن **«بني إسرائيل »** أنهم جاءتهم الرسل من الله بالبينات في هذا وفي سواه، ثم لم يزل الكثير منهم بعد ذلك في كل عصر يسرفون ويتجاوزون الحدود، وفي هذه الآية إشارة إلى فعل اليهود في همهم بقتل النبي صلى الله عليه وسلم وغيره إلى سائر ذلك من أعمالهم. 
١ - فرّق "المعجم الوسيط" بين المصدرين فقال: أجل الشيء- أجلا: حبسه ومنعه، وفلانا: عالجه من الإجل، وأجل أجلا: تأخر، فهو: أجل، وآجل، وأجيل، وفلان: اشتكى الجل (والإجل: وجع في العنق من ميله على الوسادة)..
٢ - البيت لخوات بن جبير بن النعمان، أحد فرسان الصحابة، شهد بدرا، وتوفي بالمدينة سنة أربعين (الاستيعاب)، وقد نسب اللسان أيضا البيت لخوات هذا، ونقل النسبة عن ابن عطية في "البحر"، ونسبة القرطبي، والشيخ مرتضى للخنوت، اسمه: توبة بن ضرب بن عبيد- والبيت في ديوان زهير- و(أهل) بالكسر على تقدير (ربّ)- ورواية اللسان والقرطبي: "كنت بينهم" بدلا من "ذات بينهم"..

### الآية 5:33

> ﻿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ۚ ذَٰلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا ۖ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ [5:33]

اقتضى المعنى في هذه الآية كون  إنما  حاصرة الحصر التام، واختلف الناس في سبب هذه الآية، فروي عن ابن عباس والضحاك أنها نزلت بسبب قوم من أهل الكتاب كان بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم عهد فنقضوا العهد وقطعوا السبيل وأفسدوا في الأرض. 
قال القاضي أبو محمد : ويشبه أن تكون نازلة بني قريظة حين هموا بقتل النبي صلى الله عليه وسلم، وقال عكرمة، والحسن : نزلت الآية في المشركين. 
قال القاضي أبو محمد : وفي هذا ضعف، لأن توبة المشرك نافعة بعد القدرة عليه وعلى كل حال، وقال أنس بن مالك وجرير بن عبد الله وسعيد بن جبير وعروة بن الزبير وعبد الله بن عمر وغيرهم : إن الآية نزلت في قوم من عكل وعرينة[(١)](#foonote-١) قدموا على النبي صلى الله عليه وسلم فأسلموا ثم إنهم مرضوا واستوخموا المدينة فأمرهم النبي صلى الله عليه وسلم أن يكونوا في لقاح الصدقة، وقال اشربوا من ألبانها وأبوالها. فخرجوا فيها فلما صحوا قتلوا الرعاء واستاقوا الإبل فجاء الصريخ فأخبر بذلك النبي صلى الله عليه وسلم، فأمر فنودي في الناس يا خيل الله اركبي، فركب رسول الله على أثرهم فُأخذوا، وقال جرير بن عبد الله فبعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم في نفر من المسلمين حتى إذا أدركناهم، وقد أشرفوا على بلادهم فجئنا بهم النبي صلى الله عليه وسلم، قال جميع الرواة فقطع رسول الله صلى الله عليه وسلم «أيديهم وأرجلهم من خلاف، وسمر أعينهم[(٢)](#foonote-٢)، ويروى وسمل، وتركهم في جانب الحرة يستسقون فلا يسقون، وفي حديث جرير، فكانوا يقولون الماء ويقول رسول الله صلى الله عليه وسلم : النار[(٣)](#foonote-٣)، وفي بعض الروايات عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أحرقهم بالنار بعدما قتلهم، قال أبو قلابة، هؤلاء كفروا وقتلوا وأخذوا الأموال وحاربوا الله ورسوله، وحكى الطبري عن بعض أهل العلم أن هذه الآية نسخت فعل النبي صلى الله عليه وسلم بالعرنيين ووقفت الأمر على هذه الحدود، وقال بعضهم : وجعلها الله عتاباً لنبيه صلى الله عليه وسلم على سمل الأعين، وحكى عن جماعة من أهل العلم أن هذه الآية ليست بناسخة لذلك الفعل لأن ذلك وقع في المرتدين. 
قال القاضي أبو محمد : لا سيما وفي بعض الطرق أنهم سملوا أعين الرعاة[(٤)](#foonote-٤) قالوا، وهذا الآية هي في المحارب المؤمن، وحكى الطبري عن السدي أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يسمل أعين العرنيين وإنما أراد ذلك فنزلت الآية ناهية عن ذلك. 
قال القاضي أبو محمد : وهذا قول ضعيف تخالفه الروايات المتظاهرة، ولا خلاف بين أهل العلم أن حكم هذه الآية مترتب في المحاربين من أهل الإسلام، واختلفوا فيمن هو الذي يستحق اسم الحرابة، فقال مالك بن أنس رحمه الله، المحارب عندنا من حمل على الناس السلاح في مصر أو برية فكابرهم عن أنفسهم وأموالهم دون نائرة ولا دَخل ولا عداوة[(٥)](#foonote-٥)، وقال بهذا القول جماعة من أهل العلم، وقال أبو حنيفة وأصحابه وجماعة من أهل العلم، لا يكون المحارب إلا القاطع على الناس في خارج الأمصار، فأما في المصر فلا. 
قال القاضي أبو محمد : يريدون أن القاطع في المصر يلزمه حد ما اجترح من قتل أو سرقة أو غصب ونحو ذلك، والحرابة ُرتب أدناها إخافة الطريق فقط لكنها توجب صفة الحرابة، ثم بعد ذلك أن يأخذ المال مع الإخافة ثم بعد ذلك أن يقتل مع الإخافة ثم بعد ذلك أن يجمع ذلك كله، فقال مالك رحمه الله وجماعة من العلماء : في أي رتبة كان المحارب من هذه الرتب فالإمام مخير فيه في أن يعاقبه بما رأى من هذه العقوبات، واستحسن أن يأخذ في الذي لم يقتل بأيسر العقوبات. 
قال القاضي أبو محمد : لا سيما إن كانت زلة ولم يكن صاحب شرور معروفة، وأما إن قتل فلا بد من قتله، وقال ابن عباس رضي الله عنه والحسن وأبو مجلز وقتادة وغيرهم من العلماء : بل لكل رتبة من الحرابة رتبة من العقاب، فمن أخاف الطرق فقط فعقوبته النفي، ومن أخذ المال ولم يقتل فعقوبته القطع من خلاف. ومن قتل دون أخذ مال فعقوبته القتل، ومن جمع الكل قتل وصلب، وحجة هذا القول أن الحرابة لا تخرج عن الإيمان ودم المؤمن حرام إلا بإحدى ثلاث : ارتداد أو زنى بعد إحصان أو قتل نفس، فالمحارب إذا لم يقتل فلا سبيل إلى قتله، وقد روي عن ابن عباس والحسن أيضاً وسعيد بن المسيب وغيرهم مثل قول مالك : إن الإمام مخير، ومن حجة هذا القول أن ما كان في القرآن **«أو. أو »**، فإنه للتخيير، كقوله تعالى : ففدية من صيام أوصدقة أو نسك [(٦)](#foonote-٦) وكآية كفارة اليمين وآية جزاء الصيد. 
قال القاضي أبو محمد : ورجح الطبري القول الآخر وهو أحوط للمفتي ولدم المحارب، وقول مالك أسُّد للذريعة وأحفظ للناس والطرق، والمخيف في حكم القاتل، ومع ذلك فمالك يرى فيه الأخذ بأيسر العقوبات استحساناً، وذكر الطبري عن أنس بن مالك أنه قال سأل رسول الله جبريل عليهما السلام عن الحكم في المحارب، فقال : من أخاف السبيل وأخذ المال فاقطع يده للأخذ، ورجله للإخافة ومن قتل فاقتله، ومن جمع ذلك فاصلبه. 
قال القاضي أبو محمد : وبقي النفي للمخيف فقط، وقوله تعالى : يحاربون الله  تغليظ جعل ارتكاب نهيه محاربة، وقيل التقدير يحاربون عباد الله، ففي الكلام حذف مضاف، وقوله تعالى : ويسعون في الأرض فساداً  تبيين للحرابة أي : ويسعون بحرابتهم، ويحتمل أن يكون المعنى ويسعون فساداً منضافاً إلى الحرابة، والرابط إلى هذه الحدود إنما هو الحرابة، وقرأ الجمهور **«يقتّلوا، ُيصلّبوا، ُتقطّع »** بالتثقيل في هذه الأفعال للمبالغة والتكثير، والتكثير هنا إنما هو من جهة عدد الذين يوقع بهم كالتذبيح في بني إسرائيل في قراءة من ثقل  يذبّحون [(٧)](#foonote-٧) وقرأ الحسن ومجاهد وابن محيصن **«يقتلوا، ويصلبوا، تقطع »** بالتخفييف في الأفعال الثلاثة، وأما قتل المحارب فبالسيف ضربة العنق، وأما صلبه فجمهور من العلماء على أنه يقتل ثم يصلب نكالاً لغيره، وهذا قول الشافعي، وجمهور من العلماء على أنه يصلب حياً ويقتل بالطعن على الخشبة، وروي هذا عن مالك وهو الأظهر من الآية وهو الأنكى في النكال، وأما القطع فاليد اليمنى من الرسغ والرجل الشمال من المفصل، وروي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه كان يقطع اليد من الأصابع ويبقي الكف والرجل من نصف القدم ويبقى العقب واختلف العلماء في النفي فقال السدي : هو أن يطلب أبداً بالخيل والرجل حتى يؤخذ فيقام عليه حدّ الله ويخرج من دار الإسلام، وروي عن ابن عباس أنه قال : نفيه أن يطلب وقاله أنس بن مالك، وروي ذلك عن الليث ومالك بن أنس غير أن مالكاً قال : لا يضطر مسلم إلى دخول دار الشرك، وقال سعيد بن جبير : النفي من دار الإسلام إلى دار الشرك، وقالت طائفة من العلماء منهم عمر بن عبد العزيز : النفي في المحاربين أن ينفوا من بلد إلى غيره مما هو قاص بعيد، وقال الشافعي : ينفيه من عمله، وقال أبو الزناد : كان النفي قديماً إلى َدهَلك وباِضع وهما من أقصى اليمن، وقال أبو حنيفة وأصحابه وجماعة : النفي في المحاربين السجن فذلك إخراجهم من الأرض. 
قال القاضي أبو محمد : والظاهر أن  الأرض  في هذه الآية هي أرض النازلة، وقد جنب الناس قديماً الأرض التي أصابوا فيها الذنوب ومنه حديث الذي ناء بصدره نحو الأرض المقدسة[(٨)](#foonote-٨)، وينبغي للإمام إن كان هذا المحارب المنفي مخوف الجانب يظن أنه يعود إلى حرابة وإفساد أن يسجنه في البلد الذي يغرب إليه، وإن كان غير مخوف الجانب ترك مسرحاً، وهذا هو صريح مذهب مالك : أن يغرب ويسجن حيث يغرب، وهذا هو الأغلب في أنه مخوف، ورجحه الطبري وهو الراجح لأن نفيه من أرض النازلة أو الإسلام هو نص الآية وسجنه بعد بحسب الخوف منه، فإذا تاب وفهم حاله سرح. وقوله تعالى : ذلك لهم الخزي  إشارة إلى هذه الحدود التي توقع بهم، وغلظ الله الوعيد في ذنب الحرابة بأن أخبر أن لهم في الآخرة عذاباً عظيماً مع العقوبة في الدنيا، وهذا خارج عن المعاصي الذي في حديث عبادة بن الصامت في قول النبي صلى الله عليه وسلم، **«فمن أصاب من ذلك شيئاً فعوقب به فهو له كفارة »**. 
قال القاضي أبو محمد : ويحتمل أن يكون الخزي لمن عوقب، وعذاب الآخرة لمن سلم في الدنيا، ويجرى هذا الذنب مجرى غيره، وهذا الوعيد مشروط الإنفاذ بالمشيئة[(٩)](#foonote-٩)، أما إن الخوف يغلب عليهم بحسب الوعد وعظم الذنب، والخزي في هذه الآية : الفضيحة والذل والمقت.

١ - عُكل- بضم العين وسكون الكاف- : قبيلة مشهورة، وعُرينة- بضم العين أيضا قبيلة..
٢ - قال ابن الأثير في "النهاية": أي: أحمى لهم مسامير الحديد ثم كحلهم بها. اهـ. وهو نفس معنى (سمل) باللام..
٣ - أخرجه عبد الرزاق والبخاري، ومسلم، وأبو داود، والترمذي، وابن ماجه، وابن جرير، وابن المنذر، والنحاس في ناسخه، والبيهقي في الدلائل، عن أنس رضي الله عنه..
٤ - أخرج مسلم، والنحاس في ناسخه، والبيهقي عن أنس قال: إنما سمل رسول الله صلى الله عليه وسلم أعين أولئك لأنهم سملوا أعين الرعاة..
٥ - النائرة: العداوة إذا هاجت وتحركت، مشتقة من النار- والجمع نوائر، والدخل- بسكون الخاء وبفتحها-: الفساد والريبة والخديعة- قال تعالى: ولا تتخذوا أيمانكم دخلا بينكم..
٦ - من الآية (١٩٦) من سورة (البقرة).
٧ - في قوله تعالى في الآية (٤٩) من سورة (البقرة): يذبحون أبناءكم ويستحيون نساءكم، وفي ذلكم بلاء من ربكم عظيم.
٨ - قال في النهاية: "في حديث الذي قتل تسعا وتسعين نفسا (فناء بصدره) أي: نهض. ويحتمل أنه بمعنى نأى، أي: بعد، يقال: ناء ونأى بمعنى" (٥/١٢٣)..
٩ - قال تعالى: ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء..

### الآية 5:34

> ﻿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ ۖ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ [5:34]

وقوله تعالى : إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم  استثنى عز وجل التائب قبل أن يقدر عليه وأخبر بسقوط حقوق الله عنه بقوله تعالى : فاعلموا أن الله غفور رحيم  واختلف الناس في معنى الآية فقال قتادة والزهري في كتاب الأشراف : ذلك لأهل الشرك. 
قال القاضي أبو محمد : من حيث رأيا الوعيد بعد العقاب، وهذا ضعيف، والعلماء على أن الآية في المؤمنين وأن المحارب إذا تاب قبل القدرة عليه فقط سقط عنه حكم الحرابة ولا نظر للإمام فيه إلا كما ينظر في سائر المسلمين، فإن طلبه أحد بدم نظر فيه وأقاد منه إذا كان الطالب ولياً، وكذلك يتبع بما وجد عنده من مال الغير وبقيمة ما استهلك من الأموال، هذا قول مالك والشافعي وأصحاب الرأي ذكره ابن المنذر، وقال قوم من الصحابة والتابعين : إنه لا يطلب من المال إلا بما وجد عنده بعينه، وأما ما استهلك فلا يطلب به، وذكر الطبري ذلك عن مالك من رواية الوليد بن مسلم عنه، وهو الظاهر من فعل علي بن أبي طالب بحارثة بن بدر الغداني فإنه كان محارباً ثم تاب قبل القدرة عليه فكتب له بسقوط الأموال والدم كتاباً منشوراً، وحكى الطبري عن عروة بن الزبير أنه قال : لا تقبل توبة المحارب، ولو قبلت لاجترؤوا، وكان فساد كثي، ولكن لو فر إلى العدو ثم جاء تائباً لم أر عليه عقوبة. 
قال القاضي أبو محمد : لا أدري هل أراد ارتد أم لا، وقال الأوزاعي نحوه إلا أنه قال : إذا لحق بدار الحرب فارتد عن الإسلام أبو بقي عليه ثم جاء تائباً من قبل أن يقدر عليه قبلت توبته. 
قال القاضي أبو محمد : والصحيح من هذا كله مذهب الفقهاء الذي قررته آنفاً أن حكم الحرابة يسقط ويبقى كسائر المسلمين، واختلف إذا كان المال أقل مما يقطع فيه السارق، فقال مالك : ذلك كالكثير، وقال الشافعي وأصحاب الرأي : لا يقطع من المحاربين إلا من أخذ ما يقطع فيه السارق.

### الآية 5:35

> ﻿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ [5:35]

هذه الآية وعظ من الله تعالى بعقب ذكر العقوبات النازلة بالمحاربين، وهذا من أبلغ الوعظ لأنه يرد على النفوس وهي خائفة وجلة، وعادة البشر إذا رأى وسمع أَمْرَ ُمْمَتِحن ببشيع المكاره أن يرق ويخشع، فجاء الوعظ في هذه الحال،  ابتغوا  معناه اطلبوا، و  الوسيلة  القربة وسبب النجاح في المراد، ومن ذلك قول عنترة لامرأته :
إن الرجال لهم إليك وسيلة. . . أن يأخذوك تكحلي وتخضبي
وأما الوسيلة المطلوبة لمحمد صلى الله عليه وسلم فهي أيضاً من هذا، لأن الدعاء له بالوسيلة والفضيلة إنما هو أن يؤتاهما في الدنيا ويتصف بهما ويكون ثمرة ذلك في الآخرة التشفيع في المقام المحمود، ومن هذه اللفظة قول الشاعر :
إذا غفل الواشون عدنا لوصلنا. . . وعاد التصافي بيننا والوسائل
أنشده الطبري، وقوله تعالى : وجاهدوا في سبيله  خص الجهاد بالذكر لوجهين، أحدهما نباهته في أعمال البر وأنه قاعدة الإسلام، وقد دخل بالمعنى في قوله : وابتغوا إليه الوسيلة  ولكن خصه تشريفاً، والوجه الآخر أنها العبادة التي تصلح لكل منهي عن المحاربة وهو ُمعٌّد لها من حاله وسنه وقوته وِشَّرةِ نفسه، فليس بينه وبين أن ينقلب إلى الجهاد إلا توفيق الله تعالى.

### الآية 5:36

> ﻿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُوا بِهِ مِنْ عَذَابِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَا تُقُبِّلَ مِنْهُمْ ۖ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ [5:36]

واللام في قوله : ليفتدوا  لام كي، وقرأ جمهور الناس **«تُقُبل »** بضم التاء والقاف على ما لم يسم فاعله، وقرأ يزيد بن قطيب **«تَقَبل »** بفتحها على معنى ما قبل الله.

### الآية 5:37

> ﻿يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْهَا ۖ وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ [5:37]

وقوله تعالى : يريدون  إخبار عن أنهم يتمنون هذا في قلوبهم، وفي غير ما آية أنهم ينطقون عن هذه الإرادة، وقال الحسن بن أبي الحسن : إذا فارت بهم النار قربوا من حاشيتها فحينئذ يريدون الخروج ويطمعون به، وذلك قوله تعالى : يريدون أن يخرجوا من النار  قال القاضي أبو محمد رضي الله عنه : وقد تأول قوم هذه الإرادة أنها بمعنى يكادون على هذا القصص الذي حكى الحسن، وهذا لا ينبغي أن يتأول إلا فيما لا تتأتى منه الإرادة الحقيقية كقوله تعالى : يريد أن ينقض [(١)](#foonote-١) وأما في إرادة بني آدم فلا إلا على تجوز كثير، وقرأ جمهور الناس **«يَخرُجوا »** بفتح الياء وضم الراء وقرأ يحيى بن وثاب وإبراهيم النخعي **«يُخَرجوا »** بضم الياء وفتح الراء، وأخبر تعالى عن هؤلاء الكفار أنهم ليسوا بخارجين من النار بل عذابهم فيها مقيم متأبد، وحكى الطبري عن نافع بن الأزرق الخارجي أنه قال لابن عباس يا أعمى البصر أعمى القلب تزعم أن قوماً **«يخرجون من النار »** وقد قال الله تعالى : وما هم بخارجين منها  فقال له ابن عباس : ويحك اقرأ ما فوقها، هذه الآية في الكفار.

١ - من قوله تعالى في الآية (٧٧) من سورة (الكهف): فوجدا فيها جدارا يريد أن ينقض فأقامه..

### الآية 5:38

> ﻿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ [5:38]

قرأ جمهور القراء ****«والسارقُ والسارقةُ »**** بالرفع، وقرأ عيسى بن عمر وإبراهيم بن أبي عبلة **«والسارقَ والسارقَةَ »** بالنصب، قال سيبويه رحمه الله الوجه في كلام العرب النصب كما تقول زيداً اضربه، ولكن أبت العامة إلا الرفع يعني عامة القراء وجلهم، قال سيبويه الرفع في هذا وفي قوله : الزانية والزاني [(١)](#foonote-١) وفي قول الله : واللذان يأتيانها منكم [(٢)](#foonote-٢) هو على معنى فيما فرض عليكم. والفاء في قوله تعالى : فاقطعوا  ردت المستقل غير مستقل، لأن قوله فيما**«فرض عليكم السارق »** جملة حقها وظاهرها الاستقلال، لكن المعنى المقصود ليس إلا في قوله : فاقطعوا  فهذه الفاء هي التي ربطت الكلام الثاني بالأول وأظهرت الأول هنا غير مستقل، وقال أبو العباس المبرد وهو قول جماعة من البصريين، اختار أن يكون ****«والسارقُ والسارقةُ »**** رفعاً بالابتداء لأن القصد ليس إلى واحد بعينه فليس هو مثل قولك، زيداً فاضربه إنما هو كقولك من سرق فاقطع يده، قال الزجاج وهذا القول هو المختار. 
قال القاضي أبو محمد : أنزل سيبويه النوع السارق منزلة الشخص المعين، وقرأ عبد الله بن مسعود وإبراهيم النخعي **«والسارقون والسارقات فاقطعوا أيمانهم »**، وقال الخفاف : وجدت في مصحف أبي بن كعب **«والسُّرَّق والسُّرَّقة »** هكذا ضبطا بضم السين المشددة وفتح الراء المشددة فيهما هكذا ضبطهما أبو عمرو. 
قال القاضي أبو محمد : ويشبه أن يكون هذا تصحيفاً من الضابط لأن قراءة الجماعة إذا كتب **«السارق »** بغير ألف وافقت في الخط هذه، وأخذ ملك الغير يتنوع بحسب قرائنه، فمنه الغصب وقرينته علم المغصوب منه وقت الغصب أو علم مشاهد غيره، ومنه الخيانة وقرينتها أن الخائن قد طرق له إلى المال بتصرف ما، ومنه السرقة وقرائنها أن يؤخذ مال لم يطرق إليه على غير علم من المسروق ماله وفي خفاء من جميع الناس فيما يرى السارق، وهذا هو الذي يجب عليه القطع وحده من بين أخذة الأموال لخبث هذا المنزع وقلة العذر فيه، وحاط الله تعالى البشر على لسان نبيه بأن القطع لا يكون إلا بقرائن، منها الإخراج من حرز، ومنه القدر المسروق على اختلاف أهل العلم فيه، ومنها أن يعلم السارق بتحريم السرقة، وأن تكون السرقة فيما يحل ملكه، فلفظ  السارق  في الآية عموم معناه الخصوص، فأما القدر المسروق فقالت طائفة لا قطع إلا في ربع دينار فصاعداً، قال به عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان وعلي وعائشة وعمر بن عبد العزيز والأوزاعي والليث والشافعي وأبو ثور، وفيه حديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال :**«القطع في ربع دينار فصاعداً »**[(٣)](#foonote-٣) وقال مالك رحمه الله : تقطع اليد في ربع دينار أو في ثلاثة دراهم، فإن سرق درهمين وهي ربع دينار لانحطاط الصرف لم يقطع وكذلك العروض لا يقطع فيها إلا أن تبلغ ثلاثة دراهم قل الصرف أو كثر، وفي القطع قول رابع وهو أن لا قطع إلا في خمسة دراهم أو قيمتها، روي هذا عن عمر، وبه قال سليمان بن يسار وابن ابي ليلى وابن شبرمة، ومنه قول أنس بن مالك : قطع أبو بكر في مجنّ قيمته خسمة دراهم. 
قال القاضي أبو محمد : ولا حجة في هذا على أن الخمسة حد وقال أبو حنيفة وأصحابه وعطاء : لا قطع في أقل من عشرة دراهم، وقال أبو هريرة وأبو سعيد الخدري : لا تقطع اليد في أقل من أربعة دراهم، وقال عثمان البتي : تقطع اليد في درهم فما فوقه[(٤)](#foonote-٤)، وحكى الطبري أن عبد الله بن الزبير قطع في درهم وروي عن الحسن بن أبي الحسن أنه قال : تقطع اليد في كل ما له قيمة قل أو كثر على ظاهر الآية. وقد حكى الطبري نحوه عن ابن عباس، وهو قول أهل الظاهر وقول الخوارج، وروي عن الحسن أيضاً أنه قال : تذاكرنا القطع في كم يكون على عهد زياد فاتفق رأينا على درهمين وأكثر العلماء على أن التوبة لا تسقط عن السارق القطع، وروي عن الشافعي أنه إذا تاب قبل أن يقدر عليه وتمتد إليه يد الأحكام فإن القطع يسقط عنه قياساً على المحارب، وجمهور الناس على أن القطع لا يكون إلا على من أخرج من حرز، وقال الحسن بن أبي الحسن إذا جمع الثياب في البيت قطع وإن لم يخرجها، وقوله تعالى : فاقطعوا أيديهما  جمع الأيدي من حيث كان لكل سارق يمين واحدة وهي المعرضة للقطع في السرقة أولاً فجاءت للسراق أيد وللسارقات أيد، فكأنه قال اقطعوا أَيمان النوعين فالتثنية في الضمير إنما هي للنوعين. قال الزجاج عن بعض النحويين، إنما جعل تثنية ما في الإنسان منه واحد جمعاً كقوله : صنعت قلوبكما [(٥)](#foonote-٥) لأن أكثر أعضائه فيه منه اثنان فحمل ما كان فيه الواحد على مثال ذلك قال أبو إسحاق : وحقيقة هذا الباب أن ما كان في الشيء منه واحد لم يثن ولفظ به على لفظ الجمع لأن الإضافة تبينه. فإذا قلت أشبعت بطونهما علم أن للاثنين بطنين. 
قال القاضي أبو محمد : كأنهم كرهوا اجتماع تثنيتين في كلمة. 
واختلف العلماء في ترتيب القطع، فمذهب مالك رحمه الله وجمهور الناس أن تقطع اليمنى من يد السارق ثم إن عاد قطعت رجله اليسرى ثم إن عاد قطعت يده اليسرى ثم إن عاد قطعت رجله اليمنى، ثم إن سرق عزر وحبس، وقال علي بن أبي طالب والزهري وحماد بن أبي سليمان وأحمد بن حنبل : تقطع يده اليمنى ثم إن سرق قطعت رجله اليسرى ثم إن سرق عزر وحبس. 
وروي عن عطاء بن أبي رباح : لا تقطع في السرقة إلا اليد اليمنى فقط ثم إن سرق عزر وحبس. 
قال القاضي أبو محمد : وهذا تمسك بظاهر الآية، والقول شاذ فيلزم على ظاهر الآية أن تقطع اليد ثم اليد. ومذهب جمهور الفقهاء أن القطع في اليد من الرسغ وفي الرجل من الفصل، وروي عن علي بن أبي طالب أن القطع في اليد من الأصابع وفي الرجل من نصف القدم. وقوله تعالى : جزاء بما كسبا  نصبه على المصدر، وقال الزجاج مفعول من أجله. وكذلك : نكالاً من الله  والنكال العذاب، والنكل القيد، وسائر معنى الآية بيّن وفيه بعض الأعراب حكاية.

١ - من قوله تعالى في الآية (٢) من سورة (النور): الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة..
٢ - من قوله تعالى في الآية (١٦) من سورة (النساء): والذان يأتيانها منكم فآذوهما، فإن تابا وأصلحا فأعرضوا عنهما، إن الله كان توابا رحيما.
٣ - أخرج البخاري ومسلم عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (لا تقطع يد السارق إلا في ربع دينار فصاعدا)..
٤ - في بعض النسخ: "في درهمين فما فوقهما"، والصواب ما في النسخة التي اعتمدنا ما فيها لموافقته لما في القرطبي والبحر..
٥ - من قوله تعالى: إن تتوبا إلى الله فقد صغت قلوبكما في الآية (٤) من سورة (التحريم)..

### الآية 5:39

> ﻿فَمَنْ تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ ۗ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ [5:39]

المعنى عند جمهور أهل العلم أن من  تاب  من السرقة فندم على ما مضى وأقلع في المستأنف وأصلح برد الظلامة إن أمكنه ذلك وإلا فبإنفاقها في سبيل الله  وأصلح  أيضاً في سائر أعماله وارتفع إلى فوق  فإن الله يتوب عليه  ويذهب عنه حكم السرقة فيما بينه وبين الله تعالى، وهو في المشيئة مرجو له الوعد وليس ُتسقط عنه التوبة حكم الدنيا من القطع إن اعترف أو شهد عليه وقال مجاهد : التوبة والإصلاح هي أن يقام عليه الحد. 
قال القاضي أبو محمد : وهذا تشديد وقد جعل الله للخروج من الذنوب بابين أحدهما الحد والآخر التوبة، وقال الشافعي : إذا تاب السارق قبل أن يتلبس الحاكم بأخذه فتوبته ترفع عنه حكم القطع قياساً على توبة المحارب.

### الآية 5:40

> ﻿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ ۗ وَاللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [5:40]

وقوله : ألم تعلم  الآية توقيف وتنبيه على العلة الموجبة لإنفاذ هذه الأوامر في المحاربين والسرقة، والإخبار بهذا التعذيب لقوم، والتوبة على آخرين وهي[(١)](#foonote-١) ملكه تعالى لجميع الأشياء، فهو بحق الملك لا معقب لحكمه ولا معترض عليه. 
وقوله تعالى : يا أيها الرسول  الآية تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم وتقوية لنفسه بسبب ما كان يلقى من طوائف المنافقين وبني إسرائيل، والمعنى قد وعدناك النصر والظهور عليهم ف  لا يحزنك  ما يقع منهم خلال بقائهم، وقرأ بعض القراء **«يَحزُنك »** بفتح الياء وضم الزاي تقول العرب حزن الرجل بكسر الزاي وحزنته بفتحها وقرأ بعض القراء **«يُحزِنك »** بضم الياء وكسر الزاي لأن من العرب من يقول أحزنت الرجل بمعنى حزنته وجعلته ذا حزن، وقرأ الناس يسارعون. وقرأ الحر النحوي **«يسرعون »** دون ألف ومعنى المسارعة في الكفر البدار إلى نصره وإقامة حججه والسعي في إطفاء الإسلام به، واختلف المفسرون في ترتيب معنى الآية وفيمن المراد بقوله  بأفواههم  وفي سبب نزول الآية فأما سببها : فروي عن أبي هريرة رضي الله عنه وابن عباس وجماعة أنهم قالوا : نزلت هذه الآية بسبب الرجم. 
قال القاضي أبو محمد : وذلك أن يهودياً زنى بيهودية وكان في التوراة رجم الزناة، وكان بنو إسرائيل قد غيروا ذلك وردوه جلداً وتحميم[(٢)](#foonote-٢) وجوه، لأنهم لم يقيموا الرجم على أشرافهم وأقاموه على صغارهم في القدر فاستقبحوا ذلك وأحدثوا حكماً سووا فيه بين الشريف والمشروف، فلما هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة زنى رجل من اليهود بامرأة فروي أن ذلك كان بالمدينة. وروي أنه كان في غير المدينة في يهود الحجاز، وبعثوا إلى يهود المدينة وإلى حلفائهم من المنافقين أن يسألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن النازلة وطمعوا بذلك أن يوافقهم على الجلد والتحميم فيشتد أمرهم بذلك. 
**«فلما سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك نهض في جملة من أصحابه إلى بيت المدراس[(٣)](#foonote-٣) فجمع الأحبار هنالك وسألهم عما في التوراة فقالوا إنا لا نجد فيها الرجم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن فيها الرجم فانشروها »** فنشرت ووضع أحدهم يده على آية الرجم. فقال عبد الله بن سلام ارفع يدك فرفع يده فإذا آية الرجم فحكم رسول الله صلى الله عليه وسلم فيها بالرجم وأنفذه. 
قال القاضي أبو محمد رضي الله عنه : وفي هذا الحديث اختلاف ألفاظ وروايات كثيرة[(٤)](#foonote-٤)، منها أنه روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم **«مر عليه يهودي ويهودية زنيا وقد جلدوا وحمما. فقال هكذا شرعكم يا معشر يهود ؟ فقالوا نعم، فقال لا، ثم مشى إلى بيت المدراس وفضحهم وحكم في ذينك بالرجم، وقال : لأكونن أول من أحيا حكم التوراة حين أماتوه »** وروي أن الزانيين لم يكونا بالمدينة، وأن يهود فدك هم الذين قالوا ليهود المدينة استفتوا محمداً فإن أفتاكم بما نحن عليه من الجلد والتجبية[(٥)](#foonote-٥) فخذوه وإن أفتاكم بالرجم فاحذروا الرجم[(٦)](#foonote-٦)، قاله الشعبي وغيره، وقال قتادة بن دعامة وغيره سبب الآية وذكر اليهود أن بني النضير كانوا غزوا بني قريظة فكان النضري إذا قتله قرظي قتل به وإذا قتل نضري قرظياً أعطي الدية، وقيل كانت دية القرظي على نصف دية النضري، فلما جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة طلبت قريظة الاستواء إذ هم أبناء عم يرجعان إلى جد، وطلبت الحكومة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالت النضير بعضها لبعضٍ إن حكم بما كنا عليه فخذوه وإلا فاحذروا[(٧)](#foonote-٧). 
قال القاضي أبو محمد : وهذه النوازل كلها وقعت ووقع غيرها مما يضارعها، ويحسن أن يكون سببها لفضيحة اليهود في تحريفهم الكلم وتحرشهم بالدين، والروايات في هذا كثيرة ومختلفة، وقد وقع في بعض الطرق في حديث أبي هريرة أنه قال في قصة الرجم، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بيت مدراسهم وقمنا معه، وهذا يقتضي أن الأمر كان في آخر مدة النبي صلى الله عليه وسلم لأن أبا هريرة أسلم عام خيبر في آخر سنة ست من الهجرة، وقد كانت النضير أجليت وقريظة وقريش قتلت، واليهود بالمدينة لا شيء، فكيف كان لهم بيت مدراس في ذلك الوقت أو إن كان لهم بيت على حال ذلة فهل كان النبي صلى الله عليه وسلم يحتاج مع ظهور دينه إلى محاجتهم تلك المحاجة ؟ وظاهر حديث بيت المدراس أنه كان في حكمهم من أيدي أحبارهم بالحجة عليهم من كتابهم فلذلك مشى إلى بيت مدراسهم مع قدرته عليهم، وهذا عندي يبعد لأنهم لم يكونوا ذلك الوقت يحزنونه ولا كانت لهم حال يسلى عنها صلى الله عليه وسلم. 
وأما اختلاف الناس فيمن المراد بقوله : الذين يسارعون في الكفر من الذين قالوا آمنا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم  فقال السدي : نزلت في رجل من الأنصار زعموا أنه أبو لبابة بن عبد المنذر أشارت إليه قريظة يوم حصرهم : ما الأمر ؟ وعلى ما نزل من الحكم ؟ فأشار إلى حلقه أنه بمعنى الذبح[(٨)](#foonote-٨). 
قال القاضي أبو محمد : وهذا ضعيف وأبو لبابة من فضلاء الصحابة وهو وإن كان أشار بتلك الإشارة فإنه قال فوالله مازالت قدماي حتى علمت أني خنت الله ورسوله ثم جاء إلى مسجد النبي صلى الله عليه وسلم في المدينة فربط نفسه بسارية من سواري المسجد، وأقسم أن لا يبرح كذلك حتى يتوب الله عليه ويرضى رسول الله صلى الله عليه وسلم عنه، فإنما كانت تلك الإشارة منه زلة حمله عليها إشفاق ما على قوم كانت بينه وبينهم مودة ومشاركة قديمة رضي الله عنه وعن جميع الصحابة، وقال الشعبي وغيره : نزلت الآية في قوم من اليهود أرادوا سؤال النبي صلى الله عليه وسلم في أمر رجل منهم قتل آخر فكلفوا السؤال رجلاً من المسلمين وقالوا : إن أفتى بالدية قبلنا قوله وإن أفتى بالقتل لم نقبل[(٩)](#foonote-٩). 
قال القاضي أبو محمد : وهذا نحو ما تقدم عن قتادة في أمر قتل النضير وقريظة. 
وقال عبد الله بن كثير ومجاهد وغيرهما قوله تعالى : من الذين قالوا آمنا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم  يراد به المنافقون. وقوله بعد ذلك  سماعون للكذب سماعون لقوم آخرين  يراد به اليهود، وأما ترتيب معنى الآية بحسب هذه الأقوال : فيحتمل أن يكون المعنى يا أيها الرسول لا يحزنك المسارعون في الكفر من المنافقين ومن اليهود، ويكون قوله : سماعون  خبر ابتداء مضمر، ويحتمل أن يكون المعنى لا يحزنك المسارعون في الكفر من اليهود ووصفهم بأنهم  قالو آمنا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم  إلزاماً منه ذلك لهم من حيث حرفوا توراتهم وبدلوا أحكامها، فهم يقولون بأفواههم نحن مؤمنون بالتوراة وبموسى، وقلوبهم غير مؤمنة من حيث بدلوها وجحدوا ما فيها من نبوة محمد صلى الله عليه وسلم وغير ذلك مما كفر بهم، ويؤيد هذا التأويل قوله بعد هذا،  وما أولئك بالمؤمنين  \[ المائدة : ٤٢ \]، ويجيء على هذا التأويل قوله : ومن الذين هادوا  كأنه قال ومنهم لكن صرح بذكر اليهود من حيث الطائفة السماعة غير الطائفة التي تبدل التوراة على علم منها. وقرأ جمهور الناس **«سماعون »**، وقرأ الضحاك ****«سماعين »****، ووجهها عندي نصب على الذم على ترتيب من يقول لا يحزنك المسارعون من هؤلاء ****«سماعين »****، وأما المعنى في قوله : سماعون للكذب  فيحتمل أن يكون صفة للمنافقين ولبني إسرائيل لأن جميعهم يسمع الكذب بعضهم من بعض ويقبلونه، ولذلك جاءت عبارة سماعهم في صيغة المبالغة، إذ المراد أنهم يقبلون ويستزيدون من ذلك المسموع، وقوله تعالى : للكذب  يحتمل أن يريد  سماعون للكذب  ويحتمل أن يريد **«سماعون منك أقوالك »** من أجل أن يكونوا عليك وينقلوا حديثك ويزيدوا مع الكلمة أضعافها كذباً، وقرأ الحسن وعيسى بن عمر **«للكِذْب »** بكسر الكاف وسكون الذال، وقوله تعالى : سماعون لقوم آخرين  يحتمل أن يريد يسمعون منهم، وذكر الطبري عن جابر أن المراد بالقوم الآخرين يهود فدك، وقيل يهود خيبر، وقيل أهل الزانيين، وقيل أهل الخصام في القتل والدية، وهؤلاء القوم الآخرون هم الموصوفون بانهم لم يأتوا النبي صلى الله عليه وسلم، ويحتمل أن يكون معنى  سماعون لقوم  بمعنى جواسيس مسترقين للكلام لينقلوه لقوم آخرين، وهذا مما يمكن أن يتصف به المنافقون ويهود المدينة، وقيل لسفيان بن عيينة هل جرى للجاسوس ذكر في كتاب الله عز وجل، فقال : نعم، وتلا هذه الآية : سماعون لقوم آخرين .

١ - تحتاج العبارة إلى دقة ونظر عند القراءة، فقوله: (والإخبار) عطف على قوله قبلها: (العلة)، والضمير "وهي" يعود على (العلة)..
٢ - التحميم هو: طلاء الوجه بالفحم أو بالقار، يقال: حممه تحميما..
٣ - المدراس: هو البيت الذي يدرسون فيه، وفي (اللسان) أن مفعال غريب في المكان، ومدراس أيضا: صاحب دراسة كتبهم..
٤ - قال القرطبي عن القول بأن الآية نزلت في زنى اليهوديين وقصة الرجم: "وهذا أصح الأقوال"، وذكر أن هذا الحديث رواه الأئمة: مالك، والبخاري، ومسلم، والترمذي، وأبو داود. ولكن هناك اختلافا في الألفاظ لاختلاف الروايات كما قال ابن عطية..
٥ - قال في اللسان: "وفي حديث حد الزنى، أنه سأل اليهود عنه فقالوا: عليه التجبية. قال: ما التجبية؟ قالوا: أن تحمم وجوه الزانيين ويُحملا على بعير أو حمار ويخالف بين وجوهما". أي يجعل قفاأحدهما إلى قفا الآخر..
٦ - أخرجه الحميدي في مسنده، وأبو داود، وابن ماجة، وابن المنذر، وابن مردويه- عن جابر بن عبد الله. (الدر المنثور)..
٧ - أخرجه عبد بن حميد، وأبو الشيخ عن قتادة في قوله يحرفون الكلم من بعد مواضعه. (الدر المنثور)..
٨ - أخرجه ابن جرير، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ- عن السدي في قوله: لا يحزنك الذين يسارعون في الكفر (الدر المنثور)..
٩ - أخرجه عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وأبو الشيخ- عن عامر الشعبي. (الدر المنثور).
 .

### الآية 5:41

> ﻿۞ يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ ۛ وَمِنَ الَّذِينَ هَادُوا ۛ سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ ۖ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ ۖ يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَٰذَا فَخُذُوهُ وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا ۚ وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا ۚ أُولَٰئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ ۚ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ ۖ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ [5:41]

قرأ جمهور الناس **«الكِلم »** بفتح الكاف وكسر اللام، وقرأ بعض الناس **«الكِلْم »** بكسر الكاف وسكون اللام وهي لغة ضعيفة في كلمة، وقوله تعالى : يحرفون الكلم  صفة لليهود فيما حرفوا من التوراة، إذ ذاك أخطر أمر حرفوا فيه. ويحتمل أن يكون صفة لهم وللمنافقين فيما يحرفون من الأقوال عند كذبهم، لأن مبادىء كذبهم لا بد أن تكون من أشياء قيلت أو فعلت، وهذا هو الكذب المزين الذي يقرب قبوله، وأما الكذب الذي لا ُيرَفد[(١)](#foonote-١) بمبدأ فقليل الأثر في النفس، وقوله : من بعد مواضعه  أي من بعد أن وضع مواضعه وقصدت به وجوهه القويمة والإشارة بهذا قيل : هي إلى التحميم والجلد في الزنا، وقيل : هي إلى قبول الدية في أمر القتل، وقيل إلى إبقاء عزة النضير على قريظة، وهذا بحسب الخلاف المتقدم في الآية، ثم قال تعالى لنبيه على جهة قطع الرجاء فيهم  ومن يرد الله فتنته فلن تملك له من الله شيئاً  أي لا تتبع نفسك أمرهم، والفتنة هنا المحنة بالكفر والتعذيب في الآخرة، ثم أخبر تعالى عنهم أنهم الذين سبق لهم في علم الله ألا **«يطهر قلوبكم »** وأن يكونوا مدنسين بالكفر، ثم قرر تعالى **«الخزي في الدنيا »**. والمعنى بالذلة والمسكنة التي انضربت عليهم في أقطار الأرض وفي كل أمة، وقرر لهم العذاب في الآخرة بكفرهم. 
وقوله : سماعون للكذب  إن كان الأول في بني إسرائيل فهذا تكرار تأكيد ومبالغة، وإن كان الأول في المنافقين فهذا خبر أيضاً عن بني إسرائيل وقوله تعالى : أكالون للسحت  فعالون مبالغة بناء أي يتكرر أكلهم له ويكثر. و **«السحت »** كل ما لا يحل كسبه من المال. وقرأ نافع وابن عامر وعاصم وحمزة **«السحْت »** ساكنة الحاء خفيفة، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو والكسائي **«السحُت »** مضمومة الحاء مثقلة. وروي عن خارجة بن مصعب عن نافع **«السِّحْت »** بكسر السين وسكون الحاء واللفظة مأخوذة من قولهم سحت وأسحت إذا استأصل وأذهب فمن الثلاثي قوله تعالى : فيسحتكم بعذاب [(٢)](#foonote-٢) ومن الرباعي قول الفرزدق :
. . . . . . . . . . . . . . . . . . \*\*\* إلا مسحتاً أو مجلف[(٣)](#foonote-٣)
والسُّحْت والسُّحُت بضم السين وتخفيف الحاء وتثقيلها لغتان في اسم الشيء المسحوت، والسحْت بفتح السين وسكون الحاء المصدر، سمي به المسحوت كما سمي المصيد صيداً في قوله عز وجل  لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم [(٤)](#foonote-٤) وكما سمي المرهون رهناً، وهذا كثير. 
قال القاضي أبو محمد : فسمي المال الحرام سحتاً لأنه يذهب وتستأصله النوب، كما قال عليه السلام **«من جمع مالاً من تهاوش أذهبه الله في نهابير »**[(٥)](#foonote-٥)، وقال مكي سمي المال الحرام سحتاً لأنه يذهب من حيث يسحت الطاعات أي يذهب بها قليلا قليلاً، وقال المهدوي من حيث يسحت أديانهم. 
قال القاضي أبو محمد : وهذا مردود لأن السيئات لا تحبط الحسنات اللهم إلا أن يقدر أنه يشغل عن الطاعات فهو سحتها من حيث لا تعمل وأما طاعة حاصلة فلا يقال هذا فيها، وقال المهدوي سمي أجر الحجام سحتاً لأنه يسحت مروءة آخذه. 
قال القاضي أبو محمد : وهذا أشبه، أصل السحت كلب الجوع، يقال فلان مسحوت المعدة إذا كان لا يُلفى أبداً إلا جائعاً يذهب ما في معدته، فكان الذي يرتشي به من الشره ما بالجائع أبداً لا يشبع. 
قال القاضي أبو محمد : وذلك بأن الرشوة تنسحت، فالمعنى هو كما قدمناه، وفي عبارة الطبري بعض اضطراب لأن مسحوت المعدة هو مأخوذ من الاستئصال والذهاب، وليس كلب الغرث اصلاً للسحت، والسحت الذي عني أن اليهود يأكلونه هو الرشا في الأحكام والأوقاف التي تؤكل ويرفد أكلها بقول الأباطيل وخدع العامة ونحو هذا، وقال أبو هريرة وعلي بن أبي طالب : مهر البغي سحت وعسب[(٦)](#foonote-٦) الفحل سحت وكسب الحجام[(٧)](#foonote-٧) سحت وثمن الكلب والخمر سحت، وقال ابن مسعود السحت أن يهدي لك من قد أعنته في حاجته أو حقه فتقبل، قيل لعبد الله ما كنا نعد السحت إلا الرشوة في الحكم قال : ذلك الكفر، وقد روي عن ابن مسعود وجماعة كثيرة أن السحت هو الرشوة في الحكم، وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال :**«كل لحم نبت من سحت فالنار أولى به، قيل يا رسول الله وما السحت ؟ قال : الرشوة في الحكم »**[(٨)](#foonote-٨). 
قال القاضي أبو محمد رضي الله عنه : وكل ما ذكر في معنى السحت فهو أمثلة، ومن أعظمها الرشوة في الحكم والأجرة على قتل النفس، وهو لفظ يعم كل كسب لا يحل، وقوله تعالى : فإن جاؤوك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم  تخيير للنبي صلى الله عليه وسلم ولحكام أمته بعده في أن يحكم بينهم إذا تراضوا في نوازلهم، وقال عكرمة والحسن : هذا التخيير منسوخ بقوله  وأن احكم بينهم بما أنزل  \[ المائدة : ٤٩ \] وقال ابن عباس ومجاهد : نسخ من المائدة آيتان، قوله تعالى : ولا القلائد  \[ المائدة : ٢ \] نسختها آية السيف وقوله : أو أعرض عنهم  نسختها  وأن احكم بينهما بما أنزل الله  \[ المائدة : ٤٩ \]. 
قال القاضي أبو محمد : وقال كثير من العلماء هي محكمة وتخيير الحكام باق، وهذا هو الأظهر إن شاء الله، وفقه هذه الآية أن الأمة فيما علمت مجمعة على أن حاكم المسلمين يحكم بين أهل الذمة في التظالم ويتسلط عليهم في تغييره وينقر عن صورته كيف وقع فيغير ذلك، ومن التظالم حبس السلع المبيعة وغصب المال وغير ذلك، فأما نوازل الأحكام التي لا ظلم فيها من أحدهم للآخر وإنما هي دعاوي محتملة وطلب ما يحل ولا يحل وطلب المخرج من الإثم في الآخرة فهي التي هو الحاكم فيها مخير، وإذا رضي به الخصمان فلا بد مع ذلك من رضى الأساقفة أو الأحبار، قاله ابن القاسم في العتبية، قال وأما إن رضي الأساقفة دون الخصمين أو الخصمان دون الأساقفة فليس له أن يحكم. 
قال القاضي أبو محمد : وانظر إن رضي الأساقفة لأشكال النوازل عندهم دون أن يرضى الخصمان فإنها تحتمل الخلاف، وانظر إذا رضي الخصمان ولم يقع من الأحبار نكير فحكم الحاكم ثم أراد الأحبار رد ذلك الحكم وهل تستوي النوازل في هذا كالرجم في زانيين والقضاء في مال يصير من أحدهما إلى الآخر ؟ وانظر إذا رضي الخصمان هل على الحاكم أن يستعلم ما عند الأحبار أو يقنع بأن لم تقع منهم معارضته ؟ ومالك رحمه الله يستحب لحاكم المسلمين الإعراض عنهم وتركهم إلى دينهم وقال ابن عباس ومجاهد وغيرهما قوله تعالى : فإن جاؤوك  يعني أهل نازلة الزانيين. 
قال القاضي أبو محمد : ثم الآية بعد تتناول سائر النوازل والله علم.

١ - يقال: رفده رفدا ورفادة: دعمه برفادة، وهي: الدعامة. والمراد: تقويته بمبدأ.
٢ - من قوله تعالى في الآية (٦١) من سورة (طه): لا تفتروا على الله كذبا فيسحتكم بعذاب وقد خاب من افترى..
٣ - البيت كاملا:
 وعض زمان يا بن مروان لم يدع من المال إلا مسحتا أو مجلف.
 قال في (اللسان): أسحت رأسه: استأصله حلقا، وأسحت ماله: استأصله وأفسده"، وروى البيت، ثم قال: ويروى: "إلا مسحت أو مجلف"، ومن رواه كذلك جعل معنى: "لم يدع": لم يتقارّ، ومن رواه: "إلا مسحتا" جعل: "لم يدع" بمعنى: لم يترك ورفع قوله: "أو مجلف" بإضمار، كأنه قال: أو مجلّف. قال الأزهري: وهذا هو قول الكسائي..
٤ - من الآية (٩٥) من سورة (المائدة)..
٥ - في (اللسان) وفي (النهاية): نهاوش بالنون- وهي المظالم من قولهم: نهشه إذا جهده فهو منهوش. وفي رواية: مهاوش بالميم- وهو: كل ما أصيب من غير حلة ولا يدرى ما وجهه. والهواش بالضم: ما جمع من مال حرام وحلال، كأنه جمع مهوش من الهوش: الجمع والخلط، والميم زائدة. والنهابر: المهالك والأمور المتبددة، وواحد النهابر: نهبور (النهاية) أما الحديث فقد جاء عنه في تمييز الطيب من الخبيث: مرسل ضعيف وفيه متروك، وقال التقي السبكي: لا يصح.
 .
٦ - عُسَبْ الفحل- بضم العين وبفتحها- ماؤه- والمراد أن أخذ الأجر عليه حرام. (المعجم الوسيط)..
٧ - الحجّام: صاحب حرفة الحجامة، وهي: امتصاص للدم من الجسم بالمحجم. وقد قال القرطبي: إن كسب الحجام حلال طيب. وروى حديث أنس: احتجم رسول الله صلى الله عليه وسلم، حجمه أبو طيبة، فأمر له بصاع من تمر.. الخ..
٨ - أخرجه عبد بن حميد، وابن جرير، وابن مردويه- عن ابن عمر. (الدر المنثور)..

### الآية 5:42

> ﻿سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ ۚ فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ ۖ وَإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئًا ۖ وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ [5:42]

أمن الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم من ضررهم إذا أعرض عنهم وحقر في ذلك شأنهم، والمعنى أنك منصور ظاهر الأمر على كل حال، وهذا نحو من قوله تعالى للمؤمنين  لن يضروكم [(١)](#foonote-١) ثم قال تعالى : وإن حكمت  أي اخترت أن تحكم بينهم في نازلة ما  فاحكم بينهم بالقسط  أي بالعدل، يقال أقسط الرجل إذا عدل وحكم بالحق وقسط إذا جار، ومنه قوله : وأما القاسطون فكانوا لجهنم حطباً  \[ الجن : ١٥ \] ومحبة الله للمقسطين ما يظهر عليهم من نعمه.

١ - من قوله تعالى في الآية (١١١) من سورة (آل عمران): لن يضروكم إلا أذى، وإن يقاتلوكم يولوكم الأدبار ثم لا ينصرون.
 .

### الآية 5:43

> ﻿وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِنْدَهُمُ التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللَّهِ ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِنْ بَعْدِ ذَٰلِكَ ۚ وَمَا أُولَٰئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ [5:43]

ثم ذكر الله تعالى بعد تحكيمهم للنبي صلى الله عليه وسلم بالإخلاص منهم ويبين بالقياس الصحيح أنهم لا يحكمونه إلا رغبة في ميله في هواهم وانحطاطه في شهواتهم، وذلك أنه قال : وكيف يحكمونك  بنية صادقة وهم قد خالفوا حكم الكتاب الذي يصدقون به وبنبوة الآتي به وتولوا عن حكم الله فيها ؟ فأنت الذي لا يؤمنون بك ولا يصدقونك أحرى بأن يخالفوا حكمك، وقوله تعالى : من بعد ذلك  أي من بعد حكم الله في التوراة في الرجم وما أشبهه من الأمور التي خالفوا فيها أمر الله تعالى، وقوله تعالى : وما أولئك بالمؤمنين  يعني بالتوراة وبموسى، وهذا إلزام لهم لأن من خالف حكم كتاب الله فدعواه الإيمان به قلقة. وهذه الآية تقوي أن قوله في صدر الآية  من الذين قالوا آمنا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم  \[ المائدة : ٤١ \] أنه يراد به اليهود.

### الآية 5:44

> ﻿إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ ۚ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ ۚ فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا ۚ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ [5:44]

وقوله تعالى : إنا أنزلنا التوراة  الآية، قال قتادة ذكر لنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول لما أنزلت هذه الآية، نحن اليوم نحكم على اليهود وعلى من سواهم من أهل الأديان[(١)](#foonote-١). و **«الهدى »** : الإرشاد في المعتقد والشرائع، و **«النور »** : ما يستضاء به من أوامرها ونواهيها، و  النبيون الذين أسلموا  هم من بعث من لدن موسى بن عمران إلى مدة محمد صلى الله عليه وسلم، هذان طرفا هذه الجماعة المذكورة في هذه الآية و  أسلموا  معناه أخلصوا وجوههم ومقاصدهم لله تعالى. وقوله تعالى : للذين هادوا  متعلق ب  يحكم  أي يحكمون بمقتضى التوراة لبني إسرائيل وعليهم. وقوله تعالى : الربانيون  عطف على **«النبيين »** أي ويحكم بها الربانيون وهم العلماء، وفي البخاري قال ****«الرباني »**** الذي يربي الناس بصغار العلم قبل كباره، وقيل ****«الرباني »**** منسوب إلى الرب أي عنده العلم به وبدينه، وزيدت النون في **«رباني »** مبالغة كما قالوا منظراني ومخبراني وفي عظيم الرقبة رقباني، والأحبار أيضاً العلماء واحدهم حِبر بكسر الحاء، ويقال بفتحها وكثر استعمال الفتح فيه للفرق بينه وبين الحبر الذي يكتب به. وقال السدي المراد هنا **«بالربانيين والأحبار »** الذين يحكمون بالتوراة ابنا صوريا كان أحدهم ربانياً والآخر حبراً. 
وكانوا قد أعطوا النبي صلى الله عليه وسلم عهداً أن لا يسألهما عن شيء من أمر التوراة إلا أخبراه به، فسألهما عن آية الرجم فأخبراه به على وجهه فنزلت الآية مشيرة إليهما. 
قال القاضي ابو محمد : وفي هذا نظر، والرواية الصحيحة أن ابني صوريا[(٢)](#foonote-٢) وغيرهم جحدوا أمر الرجم وفضحهم فيه عبد الله بن سلام، وإنما اللفظ عام في كل حبر مستقيم فيما مضى من الزمان، وأما في مدة محمد صلى الله عليه وسلم فلو وجد لأسلم فلم يسم حبراً ولا ربانياً. وقوله تعالى : بما استحفظوا  أي بسبب استحفاظ الله تعالى إياهم أمر التوراة وأخذه العهد عليهم في العمل والقول بها وعرفهم ما فيها فصاروا شهداء عليه، وهؤلاء ضيعوا لما استحفظوا حتى تبدلت التوراة، والقرآن بخلاف هذا لقوله تعالى : وإنا له لحافظون [(٣)](#foonote-٣) والحمد لله. وقوله تعالى : فلا تخشوا الناسَ واخشون  حكاية ما قيل لعلماء بني إسرائيل. وقوله : ولا تشتروا بآياتي ثمناً قليلاً  نهي عن جميع المكاسب الخبيثة بالعلم والتحيل للدنيا بالدين. وهذا المعنى بعينه يتناول علماء هذه الأمة وحكامها ويحتمل أن يكون قوله فلا تخشوا الناس إلى آخر الآية خطاباً لأمة محمد صلى الله عليه وسلم واختلف العلماء في المراد بقوله تعالى : ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون  فقالت جماعة : المراد اليهود بالكافرين والظالمين والفاسقين، وروي في هذا حديث عن النبي صلى الله عليه وسلم من طريق البراء بن عازب[(٤)](#foonote-٤). 
وقالت جماعة عظيمة من أهل العلم : الآية متناولة كل من لم يحكم بما أنزل الله. ولكنه في أمراء هذه الأمة كفر معصية لا يخرجهم عن الإيمان[(٥)](#foonote-٥). 
وقيل لحذيفة بن اليمان : أنزلت هذه الآية في بني إسرائيل ؟ فقال نعم الإخوة لكم بنو إسرائيل، ان كان لكم كل حلوة، ولهم كل ُمَّرة، لتسلكن طريقهم قدر الشراك[(٦)](#foonote-٦). 
وقال الشعبي : نزلت  الكافرون  في المسلمين و  الظالمون  في اليهود و  الفاسقون  في النصارى[(٧)](#foonote-٧). 
قال القاضي أبو محمد : ولا أعلم بهذا التخصيص وجهاً إلا إن صح فيه حديث عن النبي صلى الله عليه وسلم، إلا أنه راعى من ذكر مع كل خبر من هذه الثلاثة، فلا يترتب له ما ذكر في المسلمين إلا على أنهم خوطبوا بقوله : فلا تخشوا الناس  وقال إبراهيم النخعي : نزلت هذه الآيات في بني إسرائيل ثم رضي لهذه الأمة بها[(٨)](#foonote-٨).

١ - أخرج عبد بن حميد، وابن جرير- عن قتادة في قوله: إنا أنزلنا التوراة... إلخ قال: "أما الربانيون ففقهاء اليهود، وأما الأحبار فعلماؤهم، قال: وذكر لنا أن نبي الله صلى الله عليه وسلم قال: لما أنزلت هذه الآية"، وساق بقية الحديث كما رواه ابن عطية. (الدر المنثور)..
٢ - هكذا في كل الأصول، وحتى في "البحر المحيط" نقل كلام ابن عطية بهذا النص فتأمل..
٣ - من قوله تعالى في الآية (٩) من سورة (الحجرات): إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون..
٤ - قال القرطبي: "نزلت كلها في الكفار، ثبت ذلك في صحيح مسلم من حديث البراء"، وقد أخرج حديث البراء أيضا ابن جرير، وأخرج مثله من عدة طرق- عن أبي صالح، وعن الضحاك، وعن أبي مجلز. (راجع تفسير الطبري ٦/ ٢٥٢، ٢٥٣).
 -وأخرج ابن جرير عن أبي صالح قال: الثلاث الآيات التي في المائدة: ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون –هم الظالمون- هم الفاسقون ليس في أهل الإسلام منها شيء، هي في الكفار. (عن الدر المنثور).
٥ - أخرج سعيد بن منصور، والفريابي، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والحاكم صححه، والبيهقي في سننه، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ومن لم = يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون- ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون- ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون قال: كفر دون كفر، وظلم دون ظلم، وفسق دون فسق، (الدر المنثور). وقال طاوس وغيره: ليس بكفر ينقل عن الملة، ولكنه كفر دون كفر. (القرطبي)..
٦ - أخرجه عبد الرزاق، وابن جرير، وابن أبي حاتم، والحاكم وصححه، عن حذيفة. (الدر المنثور –وفتح القدير)..
٧ - قال القرطبي: "وهذا اختيار أبي بكر بن العربي، قال: لأنه ظاهر الآيات، وهو اختيار ابن عباس، وجابر بن زيد، وابن أبي زائدة، وابن شبرمة، والشعبي أيضا.
٨ - أخرجه عبد الرزاق، وعبد بن حميد، وابن جرير، وأبو الشيخ- عن إبراهيم النخعي- وقال في الدر المنثور: وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير- عن الحسن في قوله: ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون قال: نزلت في اليهود وهي علينا واجبة..

### الآية 5:45

> ﻿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ ۚ فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ ۚ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ [5:45]

**«الكتب »** في هذه الآية هو حقيقة كتب في الألواح، وهو بالمعنى كتب فرض وإلزام، والضمير في  عليهم  لبني إسرائيل وفي  فيها  للتوراة، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر  أن النفس بالنفس  بنصب النفس على اسم  أن  وعطف ما بعد ذلك منصوباً على  النفس  ويرفعون ****«والجروحُ قصاص »**** على أنها جملة مقطوعة. وقرأ نافع وحمزة وعاصم بنصب ذلك كله. و  قصاص  خبر  أن  وروى الواقدي عن نافع أنه رفع **«والجروحُ »** وقرأ الكسائي **«أن النفسَ بالنفس »** نصباً ورفع ما بعد ذلك، فمن نصب **«والعينَ »** جعل عطف الواو مشركاً في عمل ******«أن »****** ولم يقطع الكلام مما قبله. ومن رفع **«والعينُ »** فيتمثل ذلك من الاعراب أن يكون قطع مما قبل، وصار عطف الواو عطف جملة كلام لا عطف تشريك في عامل، ويحتمل أن تكون الواو عاطفة على المعنى لأن معنى قوله : وكتبنا عليهم أن النفس بالنفس  قلنا لهم النفس بالنفس ومثله لما كان المعنى في قوله تعالى : يطاف عليهم بكأس من معين [(١)](#foonote-١) يمنحون كأساً من معين عطف وحوراً عيناً على ذلك، ويحتمل أن يعطف قوله  والعين  على الذكر المستتر[(٢)](#foonote-٢) في الطرق الذي هو الخبر، وإن لم يؤكد المعطوف عليه بالضمير المنفصل كما أكد في قوله تعالى : إنه يراكم هو قبيلة من حيث لا ترونهم [(٣)](#foonote-٣) وقد جاء مثله غير مؤكد في قوله تعالى : ما أشركنا ولا آباؤنا [(٤)](#foonote-٤). 
قال القاضي أبو محمد : ولسيبويه رحمه الله في هذه الآية أن العطف ساغ دون توكيد بضمير منفصل لأن الكلام طال ب  لا  في قوله : ولا آباؤنا  فكانت  لا  عوضاً من التوكيد كما طال الكلام في قولهم حضر القاضي اليوم امرأة، قال ابو علي : وهذا إنما يستقيم أن يكون عوضاً إذا وقع قبل حرف العطف فهناك يكون عوضاً من الضمير الواقع قبل حرف العطف، فأما إذا وقع بعد حرف العطف فلا يسد مسد الضمير، ألا ترى أنك قلت حضر امرأة القاضي اليوم، لم يغن طول الكلام في غير الموضع الذي ينبغي أن يقع فيه. 
قال القاضي أبو محمد : وكلام سيبويه متجه على النظر النحوي وإن كان الطول قبل حرف العطف أتم فإنه بعد حرف العطف مؤثر لا سيما في هذه الآية، لأن  لا  ربطت المعنى إذ قد تقدمها نفي، ونفت هي أيضاً عن الآباء فتمكن العطف، قال أبو علي ومن رفع ****«والجروحُ قصاص »**** فقطعه مما قبله فإن ذلك يحتمل هذه الوجوه الثلاثة التي احتملها رفع \[ والعين \] ويجوز أن يستأنف :\[ والجروح \] ليس على أنه مما كتب عليهم في التوراة، لكن على استئناف إيجاب وابتداء شريعة. 
ويقوي أنه من المكتوب عليهم نصُب من نصبه. وروى أنس بن مالك عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قرأ **«أنْ النفسُ بالنفس »** بتخفيف ******«أن »****** ورفع **«النفسُ »** ثم رفع ما بعدها إلى آخر الآية. وقرأ أبيّ بن كعب بنصب **«النفس »** وما بعدها ثم قرأ :**«وأن الجروح قصاص »** بزيادة ******«أن »****** الخفيفة ورفع **«الجروحُ »**. 
ومعنى هذه الآية الخبر بأن الله تعالى كتب فرضاً على بني إسرائيل أنه من قتل نفساً فيجب في ذلك أخذ نفسه ثم هذه الأعضاء المذكورة كذلك، ثم استمر هذا الحكم في هذه الأمة بما علم من شرع النبي صلى الله عليه وسلم وأحكامه. ومضى عليه إجماع الناس، وذهب قوم من العلماء إلى تعميم قوله : النفس بالنفس  فقتلوا الحر بالعبد والمسلم بالذمي، والجمهور على أنه عموم يراد به الخصوص في المتماثلين. وهذا مذهب مالك وفيه الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم :**«لا يقتل مسلم بكافر »**[(٥)](#foonote-٥) وقال ابن عباس رضي الله عنه : رخص الله لهذه الأمة ووسع عليها بالدية ولم يجعل لبني إسرائيل دية فيما نزل على موسى وكتب عليهم. 
قال القاضي أبو محمد : وفي هذه الآية بيان لفساد فعل بني إسرائيل في تعزز بعضهم على بعض وكون بني النضير على الضعف في الدية من بني قريظة أو على أن لا يقاد بينهم بل يقنع بالدية، ففضحهم الله تعالى بهذه الآية وأعلم أنهم خالفوا كتابهم، وحكى الطبري عن ابن عباس : كان بين حيين من الأنصار قتال فصارت بينهم قتلى وكان لأحدهما طول على الآخر فجاء النبي صلى الله عليه وسلم فجعل الحر بالحر والعبد بالعبد[(٦)](#foonote-٦). قال الثوري : وبلغني عن ابن عباس أنه قال ثم نسختها  النفس بالنفس . 
قال القاضي أبو محمد : وكذلك قوله تعالى : والجروح قصاص  هو عموم يراد به الخصوص في جراح القود، وهي التي لا يخاف منها على النفس، فأما ما خيف منه كالمأمومة[(٧)](#foonote-٧) وكسر الفخذ ونحو ذلك فلا قصاص فيها. و **«القصاص »** مأخوذ من قص الأثر وهو اتباعه. فكأن الجاني يقتص أثره ويتبع فيما سنه فيقتل كما قتل، وقوله تعالى : فمن تصدق به فهو كفارة له  يحتمل ثلاثة معان، أحدها أن تكون ****«من »**** للجروح أو ولي القتيل. ويعود الضمير في قوله : له  عليه أيضاً، ويكون المعنى أن من تصدق بجرحه أو دم وليه فعفا عن حقه في ذلك فإن ذلك العفو كفارة له عن ذنوبه ويعظم الله أجره بذلك ويكفر عنه، وقال بهذا التأويل عبد الله بن عمر وجابر بن زيد وأبو الدرداء وذكر أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول :**«ما من مسلم يصاب بشيء من جسده فيهبه إلا رفعه الله بذلك درجة وحط عنه خطيئة[(٨)](#foonote-٨) »**، وذكر مكي حديثاً من طريق الشعبي أنه يحط من ذنوبه بقدر ما عفا من الدية والله أعلم. 
وقال به أيضاً قتادة والحسن، والمعنى الثاني أن تكون ****«من »**** للجروح أو ولي القتيل، والضمير في  له  يعود على الجارح أو القاتل إذا تصدق المجروح أو على الجارح بجرحه وصح عنه : فذلك العفو كفارة للجارح عن ذلك الذنب، فكما أن القصاص كفارة فكذلك العفو كفارة، وأما أجر العافي فعلى الله تعالى، وعاد الضمير على من لم يتقدم له ذكر لأن المعنى يقتضيه، قال بهذا التأويل ابن عباس وأبو إسحاق السبيعي ومجاهد وإبراهيم وعامر الشعبي وزيد بن أسلم، والمعنى الثالث أن تكون للجارح أو القاتل والضمير في  له  يعود عليه أيضاً، والمعنى إذا جنى جان فجهل وخفي أمره فتصدق هو بأن عرف بذلك ومكن الحق من نفسه فذلك الفعل كفارة لذنبه، وذهب القائلون بهذا التأويل إلى الاحتجاج بأن مجاهداً قال إذا أصاب رجل رجلاً ولم يعلم المصاب من أصابه فاعترف له المصيب فهو كفارة للمصيب، وروي أن عروة بن الزبير أصاب عين إنسان عند الركن وهم يستلمون فلم يدر المصاب من أصابه فقال له عروة أنا أصبتك وأنا عروة بن الزبير. فإن كان بعينك بأس فأنا بها. 
قال القاضي أبو محمد : وانظر َأن  تصدق  على هذا التأويل يحتمل أن يكون من الصدقة ومن الصدق، وذكر مكي بن أبي طالب وغيره أن قوماً تأولوا الآية أن المعنى  والجروح قصاص  فمن أعطى دية الجرح وتصدق بذلك فهو كفارة له إذا رضيت منه وقبلت. 
قال القاضي أبو محمد : وهذا تأويل قلق. وقد تقدم القول على قوله تعالى : ومن لم يحكم بما أنزل الله  الآية. وفي مصحف أبيّ بن كعب **«ومن يتصدق به فإنه كفارة له »**. 
١ - الآية (٤٥) من سورة (الصافات). ولكن يلاحظ أن هذه الآية من سورة (الصافات) ليس بعدها ما ذكره المؤلف هنا من قوله تعالى: وحور عين- وإنما هذا موجود في سورة (الواقعة)، لكن نص الآية في الواقعة يختلف عما أثبته النساخ هنا- ونرجح أن يكون كلام ابن عطية كالآتي: "لما كان المعنى في قوله: يطوف عليهم ولدان مخلدون، بأكواب وأباريق وكأس من معين... يمنحون كأسا من معين- عطف \[وحورا عينا\] على ذلك، وهذا على قراءة، \[وحورا عينا\] بالنصب- وإلا فلا معنى للتنظير بآية الصافات، والله أعلم..
٢ - أي الضمير المستتر، والسبب أن المستتر في حكم المذكور..
٣ - من الآية (٢٧) من سورة (الأعراف)..
٤ - من الآية (١٤٨) من سورة (الأنعام). وخلاصة ماذكره في إعراب \[والعين\] مرفوعة ثلاثة آراء هي في الأصل لأبي علي، الأول: أن الواو عاطفة جملة على جملة، فجملة \[والعين بالعين\] معطوفة على جملة: \[وكتبنا\]، الثاني: أن الواو عاطفة جملة على المعنى، وهو ما يسمى عطف التوهم. والثالث: أن تكون الواو عاطفة مفردا على مفرد، فتكون \[والعين\] معطوفة على الضمير المستكن في الجار والمجرور قبلها، وإن لم يؤكد الضمير المعطوف عليه والله أعلم. قال أبو حيان في البحر: والوجهان الأخيران ضعيفان..
٥ - روى أبو داود والترمذي، والنسائي- عن علي رضي الله عنه أنه سئل: هل خصك رسول الله صلى الله عليه وسلم بشيء؟ فقال: لا، إلا ما في هذا، وأخرج كتابا من قراب سيفه وإذا فيه: (المؤمنون تتكافأ دماؤهم، وهم يد على من سواهم، ولا يُقتل مسلم بكافر، ولا ذو عهد في عهده) \[عن القرطبي في تفسير هذه الآية: \[وكتبنا عليهم..\] الخ\]، ومن الذين قالوا بعموم هذه الآية، وقالوا بقتل المسلم بالذمي لأنه تفس بنفس الإمام أبو حنيفة رضي الله عنه..
٦ - رواه ابن جرير الطبري من طريق أبي مالك. (تفسير الطبري)..
٧ - قال الأصمعي: المأمومة- ويقال لها: الآمة-: هي الشجّة التي تبلغ أم الرأس، يعني الدماغ..
٨ - أخرجه أحمد، والترمذي، وابن ماجة، وابن جرير- عن أبي الدرداء قال: كسر رجل من قريش سن رجل من الأنصار، فاستعدى عليه، فقال معاوية: إنا سنرضيه، فألح الأنصاري، فقال معاوية: شأنك بصاحبك وأبو الدرداء جالس، فقال أبو الدرداء: سمعت الرسول صلى الله عليه وسلم يقول: وساق بقية الحديث- (من الدر المنثور).
 .

### الآية 5:46

> ﻿وَقَفَّيْنَا عَلَىٰ آثَارِهِمْ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ ۖ وَآتَيْنَاهُ الْإِنْجِيلَ فِيهِ هُدًى وَنُورٌ وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ [5:46]

قفينا  تشبيه كأن مجيء عيسى كان من قفاء مجيء النبيين وذهابهم، والضمير في  آثارهم  للنبيين المذكورين في قوله : يحكم بها النبيون  \[ المائدة : ٤٤ \] و  مصدقاً  حال مؤكدة و  التوراة  بين يدي عيسى لأنها جاءت قبله كما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بين يدي الساعة، وقد تقدم القول في هذا المعنى في غير موضع، و  الإنجيل  اسم أعجمي ذهب به مذهب الاشتقاق من نجل إذا استخرج وأظهر، والناس على قراءته بكسر الهمزة إلا الحسن بن أبي الحسن فإنه قرأ **«الأنجيل »** بفتح الهمزة، وقد تقدم القول على ذلك في أول سورة آل عمران. و **«الهدى »** الإرشاد والدعاء إلى توحيد الله وإحياء أحكامه. و **«النور »** ما فيه مما يستضاء به. و  مصدقاً  حال مؤكدة معطوفة على موضع الجملة التي هي فيه هدى فإنها جملة في موضع الحال. وقال مكي وغيره : مصدقاً  معطوف على الأول. 
قال القاضي أبو محمد : وفي هذا قلق من جهة اتساق المعاني. وقرأ الناس **«وهدىً وموعظةً »** بالنصب. وذلك عطف على  مصدقاً  وقرأ الضحاك **«وهدى وموعظةٌ »** بالرفع وذلك متجه. وخص **«المتقين »** بالذكر لأنهم المقصود به في علم الله وإن كان الجميع يدعى ويوعظ ولكن ذلك على غير المتقين عمى وحيرة.

### الآية 5:47

> ﻿وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنْجِيلِ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ ۚ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ [5:47]

وقرأ أبيّ بن كعب **«وأن ليحكم »** بزيادة أن. وقرأ حمزة وحده **«وِليحكمَ »** بكسر اللام وفتح الميم على لام( كي ) ونصب الفعل بها، والمعنى وآتيناه الإنجيل ليتضمن الهدى والنور والتصديق ليحكم أهله بما أنزل الله فيه، وقرأ باقي السبعة **«ولْيحكم »** بسكون اللام التي هي لام الأمر وجزم الفعل. ومعنى أمره لهم بالحكم أي هكذا يجب عليهم. وحسن عقب ذلك التوقيف على وعيد من خالف ما أنزل الله. ومن القراء من يكسر لام الأمر ويجزم الفعل وقد تقدم نظير هذه الآية، وتقريره هذه الصفات لمن لم يحكم بما أنزل الله هو على جهة التأكيد وأصوب ما يقال فيها أنها تعم كل مؤمن وكل كافر، فيجيء كل ذلك في الكافر على أتم وجوهه، وفي المؤمن على معنى كفر المعصية وظلمها وفسقها.

### الآية 5:48

> ﻿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ ۖ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ ۖ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ ۚ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا ۚ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَٰكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ ۖ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ ۚ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ [5:48]

وأخبر تعالى بعد بنزول هذا القرآن، وقوله : بالحق  يحتمل أن يريد مضمناً الحقائق من الأمور فكأنه نزل بها، ويحتمل أن يريد أنه أنزله بأن حق ذلك لا أنه وجب على الله ولكن حق في نفسه وأنزله الله تعالى صلاحاً لعباده، وقوله : من الكتاب  يريد من الكتب المنزلة. فهو اسم جنس، واختلفت عبارة المفسرين في معنى ********«مهيمن »********. فقال ابن عباس : مهيمناً  شاهداً. وقال أيضاً مؤتمناً. 
وقال ابن زيد : معناه مصدقاً، وقال الحسن بن أبي الحسن أميناً، وحكى الزجاج رقيباً ولفظة المهيمن أخص من هذه الألفاظ، لأن المهيمن على الشيء هو المعنيّ بأمره الشاهد على حقائقه الحافظ لحاصله، فلا يدخل فيه ما ليس منه، والله تبارك وتعالى هو المهيمن على مخلوقاته وعباده، والوصي مهيمن على محجوريه وأموالهم، والرئيس مهيمن على رعيته وأحوالهم، والقرآن جعله الله مهيمناً على الكتب يشهد بما فيها من الحقائق وعلى ما نسبه المحرفون إليها فيصحح الحقائق ويبطل التحريف، وهذا هو شاهد ومصدق ومؤتمن وأمين، و ********«مهيمن »******** بناء اسم فاعل، قال أبو عبيدة : ولم يجىء في كلام العرب على هذا البناء إلا أربعة أحرف. وهي مسيطر ومبيطر ومهيمن ومجيمر. وذكر أبو القاسم الزجّاج- في شرحه لصدر أدب الكتاب- ومبيقر. يقال بيقر الرجل إذا سار من الحجاز إلى الشام ومن أفق إلى أفق، وبيقر أيضاً لعب البيقرا وهي لعب يلعب بها الصبيان، وقال مجاهد قوله تعالى : ومهيمناً عليه  يعني محمداً صلى الله عليه وسلم هو مؤتمن على القرآن. 
قال القاضي أبو محمد : وغلط الطبري رحمه الله في هذه الألفاظ على مجاهد فإنه فسر تأويله على قراءة الناس **«مهيمِناً »** بكسر الميم الثانية فبعد التأويل، ومجاهد رحمه الله إنما يقرأ هو وابن محيصن **«ومهيمَناً »** عليه بفتح الميم الثانية فهو بناء اسم المفعول. وهو حال من الكتاب معطوفة على قوله : مصدقاً  وعلى هذا يتجه أن المؤتمن عليه هو محمد صلى الله عليه وسلم و  عليه  في موضع رفع على تقدير أنها مفعول لم يسم فاعله. هذا على قراءة مجاهد وكذلك مشى مكي رحمه الله، وتوغل في طريق الطبري في هذا الموضع، قال أبو العباس محمد بن يزيد المبرد رحمه الله :********«مهيمن »******** أصله **«مويمن »** بني من أمين، وأبدلت همزته هاء كما قالوا أرقت الماء وهرقته، قال الزجاج : وهذا حسن على طريق العربية، وهو موافق لما جاء في التفسير من أن معنى ********«مهيمن »******** مؤتمن، وحكى ابن قتيبة هذا الذي قال المبرد في بعض كتبه، فحكى النقاش أن ذلك بلغ ثعلباً فقال : إن ما قال ابن قتيبة رديء، وقال هذا باطل، والوثوب على القرآن شديد، وهو ما سمع الحديث من قوي ولا ضعيف وإنما جمع الكتب، انتهى كلام ثعلب. 
قال القاضي أبو محمد : ويقال من مهيمن هيمن الرجل على الشيء إذا حفظه وحاطه وصار قائماً عليه أميناً، ويحتمل أن يكون  مصدقاً ومهيمناً  حالين من الكاف في  إليك . ولا يخص ذلك قراءة مجاهد وحده كما زعم مكي. قال بعض العلماء هذه ناسخة لقوله : أو أعرض عنهم  \[ المائدة : ٤٢ \] وقد تقدم ذكر ذلك. وقال الجمهور : إنه ليس بنسخ، وإن المعنى فإن اخترت ان تحكم  فاحكم بينهم بما أنزل الله  ثم حذر تعالى نبيه من اتباع أهوائهم أي شهواتهم وإرادتهم التي هي هوى وسول للنفس، والنفس أمّارة بالسوء فهواها ُمْرٍد لا محالة، وحسن هنا دخول عن في قوله : عما جاءك من الحق  لما كان الكلام بمعنى : لا تنصرف أو لا تزحزح بحسب أهوائهم عما جاءك. 
واختلف المتأولون في معنى قوله عز وجل  لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجاً  فقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه وقتادة وجمهور المتكلمين : المعنى **«لكل أمة منكم جعلنا شرعة ومنهاجاً »** أي لليهود شرعت ومنهاج وللنصارى كذلك وللمسلمين كذلك. . 
قال القاضي أبو محمد : وهذا عندهم في الأحكام، وأما في المعتقد فالدين واحد لجميع العالم توحيد وإيمان بالبعث وتصديق للرسل، وقد ذكر الله تعالى في كتابه عدداً من الأنبياء شرائعهم مختلفة، ثم قال لنبيه صلى الله عليه وسلم  أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده [(١)](#foonote-١) فهذا عند العلماء في المعتقدات فقط، وأما أحكام الشرائع فهذه الآية هي القاضية فيها  لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجاً . 
**قال القاضي أبو محمد :**
والتاويل الأول عليه الناس. ويحتمل أن يكون المراد بقوله : لكل جعلنا منكم  الأمم كما قدمنا. ويحتمل أن يكون المراد الأنبياء لا سيما وقد تقدم ذكرهم وذكر ما أنزل عليهم، وتجيء الآية مع هذا الاحتمال في الأنبياء تنبيهاً لمحمد صلى الله عليه وسلم أي فاحفظ شرعتك ومنهاجك لئلا يستزلك اليهود وغيرهم في شيء منه، والمتأولون على أن الشرعة والمنهاج في هذه الآية لفظان بمعنى واحد، وذلك أن الشرعة والشريعة هي الطريق إلى الماء وغيره مما يورد كثيراً فمن ذلك قول الشاعر :

وفي الشرائع من جلان مقتنص  بالي الثياب خفيّ الصوت مندوب[(٢)](#foonote-٢)أراد في الطريق إلى المياه، ومنه الشارع وهي سكك المدن، ومنه قول الناس وفيها يشرع الباب، والمنهاج أيضاً الطريق، ومنه قول الشاعر :ومن يك في شك فهذا نهج  ماء رواه وطريق نهج[(٣)](#foonote-٣)أراد واضحاً والمنهاج بناء مبالغة في ذلك، وقال ابن عباس وغيره : شرعة ومنهاجاً  معناه سبيلاً وسنة. 
قال القاضي أبو محمد رضي الله عنه : ويحتمل لفظ الآية أن يريد بالشرعة الأحكام، وبالمنهاج المعتقد أي وهو واحد في جميعكم، وفي هذا الاحتمال بعد، والقراء على **«شِرعة »** بكسر الشين وقرأ إبراهيم النخعي ويحيى بن وثاب **«شَرعة »** بفتح الشين، ثم أخبر تعالى بأنه لو شاء لجعل العالم أمة واحدة ولكنه لم يشأ لأنه أراد اختبارهم وابتلاءهم فيما آتاهم من الكتب والشرائع، كذا قال ابن جريج وغيره، فليس لهم إلا أن يجدّوا في امتثال الأوامر وهو استباق الخيرات، فلذلك أمرهم بأحسن الأشياء عاقبة لهم، ثم حثهم تعالى بالموعظة والتذكير بالمعاد في قوله  إلى الله مرجعكم جميعاً  والمعنى فالبدار البدار، وقوله تعالى : فينبئكم بما كنتم فيه تختلفون  معناه يظهر الثواب والعقاب فتخبرون به إخبار إيقاع، وإلا فقد نبأ الله في الدنيا بالحق فيما اختلفت الأمم فيه. 
قال القاضي أبو محمد : وهذه الآية بارعة الفصاحة جمعت المعاني الكثيرة في الألفاظ اليسيرة، وكل كتاب الله كذلك، إلا أنا بقصور أفهامنا َيبين في بعض لنا أكثر مما َيبين في بعض. 
١ - من الآية (٩٠) من سورة (الأنعام)
 .
٢ - في (اللسان) في مادة (زرب) نسب إلى ذي الرمة بقوله:
 وبالشمائل من جلاّن مقتنص رذل الثياب خفي الشخص منزرب
 وقال: انزرب الصائد في قُترته: دخل- وقال: وجلان: قبيلة، وابن عطية يفسر الشرائع هنا بأنها الطرق، ومندوب: به آثار جراح ونُدوب، فهو يصف صيّادا من قبيلة جلان بأن ثيابه بالية، وصوته خفي، وبه آثار ندوب، وهو يختفي في الطرق التي تمر بها فرائسه.
 .
٣ - الماء الرّواء- بفتح الراء المشددة: العذب، وقد روي البيت في (اللسان) وفي (القرطبي): "فهذا فلج" بدلا من: "فهذا نهج"..

### الآية 5:49

> ﻿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ ۖ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ ۗ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ [5:49]

وأن احكم  معطوف على  الكتاب  في قوله : وأنزلنا إليك الكتاب  \[ المائدة : ٤٨ \]، وقال مكي : وهو معطوف على **«الحق »** في قوله : وأنزلنا إليك الكتاب بالحق  \[ المائدة : ٤٨ \]، والوجهان حسنان، ويقرأ بضم النون من **«أنُ احكم »** مراعاة للضمة في عين الفعل المضارع، ويقرأ بكسرها على القانون في التقاء الساكنين، وهذه الآية ناسخة عند قوم للتخيير الذي في قوله  أو أعرض عنهم  \[ المائدة : ٤٢ \] وقد تقدم ذكر ذلك، ثم نهاه تعالى عن اتباع أهواء بني إسرائيل إذ هي مضلة، والهوى في الأغلب إنما يجيء عبارة عما لا خير فيه، وقد يجيء أحياناً مقيداً بما فيه خير، من ذلك قول عمر بن الخطاب في قصة رأيه ورأي أبي بكر في أسرى بدر : فهوى رسول الله رأي أبي بكر، ومنه قول عمر بن عبد العزيز وقد قيل له ما ألذ الأشياء عندك ؟ قال : حق وافق هوى، والهوى مقصور ووزنه فعل، ويجمع على أهواء، والهواء ممدود ويجمع على أهوية، ثم حذر تبارك وتعالى من جهتهم **«أن يفتنوه »** أي يصرفوه بامتحانهم وابتلائهم عن شيء مما أنزل الله عليه من الأحكام، لأنهم كانوا يريدون أن يخدعوا النبي صلى الله عليه وسلم، فقالوا له مراراً احكم لنا في نازلة كذا بكذا ونتبعك على دينك، وقوله تعالى : فإن تولوا  قبله محذوف من الكلام يدل عليه الظاهر، تقديره لا تتبع واحذر، فإن حكموك مع ذلك واستقاموا فنعما ذلك وإن تولوا فاعلم، ويحسن أن يقدر هذا المحذوف المعادل بعد قوله  الفاسقون ، قوله تعالى : فاعلم  الآية وعد للنبي صلى الله عليه وسلم فيهم، وقد أنجزه بقصة بني قينقاع وقصة قريظة والنضير وإجلاء عمر أهل خيبر وفدك وغيرهم، وخصص تعالى إصابتهم ببعض الذنوب دون كلها لأن هذا الوعيد إنما هو في الدنيا وذنوبهم فيها نوعان : نوع يخصهم كشرب الخمر ورباهم ورشاهم ونحو ذلك، ونوع يتعدى إلى النبي والمؤمنين كمعاملاتهم للكفار وأقوالهم في الدين، فهذا النوع هو الذي يوجد إليهم السبيل وبه هلكوا وبه توعدهم الله في الدنيا، فلذلك خصص البعض دون الكل، وإنما يعذبون بالكل في الآخرة، وقوله تعالى : وإن كثيراً من الناس لفاسقون  إشارة إليهم، لكن جاءت العبارة تعمهم وغيره ليتنبه سواهم ممن كان على فسق ونفاق وتولٍّ عن النبي عليه السلام فيرى أنه تحت الوعيد.

### الآية 5:50

> ﻿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ ۚ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ [5:50]

واختلف القراء في قوله تعالى : أفحكم الجاهلية يبغون  فقرأ الجمهور بنصب الميم على إعمال فعل ما يلي ألف الاستفهام بينه هذا الظاهر بعد، وقرأ يحيى بن وثاب والسلمي وأبو رجاء والأعرج **«أفحكُم »** برفع الميم، قال ابن مجاهد : وهي خطأ، قال أبو الفتح : ليس كذلك ولكنه وجه غيره أقوى منه. 
**وقد جاء في الشعر، قال أبو النجم :**
قد أصبحت أم الخيار تدعي. . . عليَّ ذنباً كلُّه لم اصنع
برفع كلّ. 
قال القاضي أبو محمد : وهكذا الرواية، وبها يتم المعنى الصحيح لأنه أراد التبرؤ من جميع الذنب، ولو نصب **«كل »** لكان ظاهر قوله إنه صنع بعضه، وهذا هو حذف الضمير من الخبر وهو قبيح، التقدير يبغونه ولم أصنع، وإنما يحذف الضمير كثيراً من الصلة كقوله تعالى : أهذا الذي بعث الله رسولاً [(١)](#foonote-١)، وكما تقول مررت بالذي أكرمت، ويحذف أقل من ذلك من الصفة، وحذفه من الخبر قبيح كما جاء في بيت أبي النجم، ويتجه بيته بوجهين : أحدهما أنه ليس في صدر قوله ألف استفهام يطلب الفعل كما هي في قوله تعالى : أفحكم  والثاني أن في البيت عوضاً من الهاء المحذوفة، وذلك حرف الإطلاق أعني الياء في اصنعي فتضعف قراءة من قرأ **«أفحكمُ »** بالرفع لأن الفعل بعده لا ضمير فيه ولاعوض من الضمير، وألف الاستفهام التي تطلب الفعل ويختار معها النصب وإن لفظ بالضمير حاضرة[(٢)](#foonote-٢)، وإنما تتجه القراءة على أن يكون التقدير أفحكم الجاهلية حكم يبغون ؟ فلا تجعل \[ يبغون \] خبراً، بل تجعله صفة لخبر محذوف وموصوف، ونظيره قوله تعالى : من الذين هادوا يحرفون الكلم [(٣)](#foonote-٣)، تقديره : قوم يحرفون فحذف الموصوف وأقام الصفة مقامه، ومثله قول الشاعر :
وما الدهر إلا تارتان فمنهما أموت وأخرى أبتغي العيش أكدح
وقرأ سليمان بن مهران **«أفحَكَمَ »** بفتح الحاء والكاف والميم وهو اسم جنس، وجاز إضافة اسم الجنس على نحو قولهم منعت العراق قفيزها ودرهمها ومصر أردبها، وله نظائر[(٤)](#foonote-٤). 
وقال القاضي أبو محمد : فكأنه قال أفحكام الجاهلية يبغون ؟ إشارة إلى الكهان الذين كانوا يأخذون الحلوان ويحكمون بحسبه وبحسب الشهوات، ثم ترجع هذه القراءة بالمعنى إلى الأولى لأن التقدير  أفحكم الجاهلية ، وقرأ ابن عامر **«تبغون »** بالتاء على الخطاب لهم أي قل لهم. وباقي السبعة **«يبغون »** بالياء من تحت، و  يبغون  معناه يطلبون ويريدون، وقوله تعالى : ومن أحسن من الله حكماً  تقرير أي لا أحد أحسن منه حكماً تبارك وتعالى وحسن دخول اللام في قوله : لقوم  من حيث المعنى يبين ذلك ويظهر لقوم يوقنون.

١ - من الآية (٤١) من سورة (الفرقان)..
٢ - قوله: "حاضرة" هو خبر المبتدأ: "وألف الاستفهام"...
 .
٣ - من الآية (٤٦) من سورة (النساء)..
٤ - القفيز: مكيال كان يكال به قديما، ويختلف مقداره باختلاف البلاد، والإردب: مكيال معروف لأهل مصر، والكلام أصله من حديث شريف: (منعت العراق درهمها وقفيزها، ومصر إردبها، وعدتم من حيث بدأتم) \[اللسان\]..

### الآية 5:51

> ﻿۞ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَىٰ أَوْلِيَاءَ ۘ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ ۚ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ ۗ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ [5:51]

نهى الله تعالى المؤمنين بهذه الآية عن اتخاذ اليهود والنصارى أولياء في النصرة والخلطة المؤدية إلى الامتزاج والمعاضدة. وحكم هذه الآية باق. وكل من اكثر مخالطة هذين الصنفين فله حظه من هذا المقت الذي تضمنه قوله تعالى : فإنه منهم ، وأما معاملة اليهودي والنصراني من غير مخالطة ولا ملابسة فلا تدخل في النهي، وقد عامل رسول الله صلى الله عليه وسلم يهودياً ورهنه درعه، واختلف المفسرون في سبب هذه الآية، فقال عطية بن سعد والزهري وابن إسحاق وغيرهم : سببها «أنه لما انقضت بدر وشجر أمر بني قينقاع أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم قتلهم فقام دونهم عبد الله بن أبي ابن سلول وكان حليفاً لهم، وكان لعبادة بن الصامت من حلفهم مثل ما لعبد الله، فلما رأى عبادة منزع رسول الله صلى الله عليه وسلم وما سلكته يهود من المشاقة لله ورسوله جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله إني أبرأ إلى الله من حلف يهود وولائهم ولا والي إلا الله ورسوله، وقال عبد الله بن أبي : أما أنا فلا أبرأ من ولاء يهود، فإني لا بد لي منهم إني رجل أخاف الدوائر[(١)](#foonote-١). 
وحكى ابن إسحاق في السير أنه قام إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأدخل يده في جيب درعه، وقال : يا محمد أحسن في مواليَّ، فقال له رسول الله : أرسل الدرع من يدك، فقال لا والله حتى تهبهم لي لأنهم ثلاثمائة دارع وأربعمائة حاسراً أفأدعك تحصدهم في غداة واحدة ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : قد وهبتهم لك »، ونزلت الآية في ذلك. 
وقال السدي : سبب هذه الآية أنه لما نزل بالمسلمين أمر أحد فزع منهم قوم وقال بعضهم لبعض نأخذ من اليهود عصماً ليعاضدونا إن ألمّت بنا قاصمة من قريش وسائر العرب فنزلت الآية في ذلك[(٢)](#foonote-٢). 
وقال عكرمة : سبب الآية أمر أبي لبابة بن عبد المنذر وإشارته إلى قريظة أنه الذبح حين استفهموه عن رأيه في نزولهم على حكم سعد بن معاذ[(٣)](#foonote-٣). 
قال القاضي أبو محمد : وكل هذه الأقوال محتمل، وأوقات هذه النوازل مختلفة، وقرأ أبي بن كعب وابن عباس **«لا تتخذوا اليهود والنصارى أرباباً بعضهم »**، وقوله تعالى : بعضهم أولياء بعض  جماعة مقطوعة من النهي يتضمن التفرقة بينهم وبين المؤمنين، وقوله تعالى : ومن يتولهم منكم فإنه منهم  إنحاء على عبد الله بن أبيّ وكل من اتصف بهذه الصفة من موالاتهم، ومن تولاهم بمعتقده ودينه فهو منهم في الكفر واستحقاق النقمة والخلود في النار، ومن تولاهم بأفعاله من العضد ونحوه دون معتقد ولا إخلال بإيمان فهو منهم في المقت والمذمة الواقعة عليهم وعليه، وبهذه الآية جوز ابن عباس وغيره ذبائح النصارى من العرب وقال : ومن يتولهم منكم فإنه منهم  فقال من دخل في دين قوم فهو منهم[(٤)](#foonote-٤)، وسئل ابن سيرين رحمه الله عن رجل أراد بيع داره من نصارى يتخذونها كنيسة فتلا هذه الآية، وقوله تعالى : إن الله لا يهدي القوم الظالمين  عموم فإما أن يراد به الخصوص فيمن سبق في علم الله أن لا يؤمن ولا يهتدي وإما أن يراد به تخصيص مدة الظلم والتلبس بفعله، فإن الظلم لا هدى فيه، والظالم من حيث هو ظالم فليس بمهديّ في ظلمه.

١ - الحديث مروي بطرق كثيرة عن عبادة بن الوليد- وعن ابن عباس، وعن عطية ابن سعد- ارجع إلى "الدر المنثور"..
٢ - أخرجه ابن جرير، وابن أبي حاتم- عن السدي (الدر المنثور). وقوله: "نأخذ من اليهود عصما" أي: حماة لنا يمنعوننا ويحفظوننا..
٣ - أخرجه ابن جرير- وابن المنذر- عن عكرمة. (الدر المنثور)..
٤ - أخرجه ابن جرير- عن ابن عباس. (الدر المنثور)..

### الآية 5:52

> ﻿فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَىٰ أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ ۚ فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَىٰ مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ [5:52]

وقوله تعالى : فترى الذين في قلوبهم مرض  الآية، مخاطبة محمد صلى الله عليه وسلم والإشارة إلى عبد الله بن أبيّ ابن سلول ومن تبعه من المنافقين على مذهبه في حماية بني قينقاع، ويدخل في الآية من كان من مؤمني الخزرج يتابعه جهالة وعصبية، فهذا الصنف له حظه من مرض القلب، وقراءة جمهور الناس **«ترى »** بالتاء من فوق، فإن جعلت رؤية عين  فيسارعون  حال وفيها الفائدة المقصودة، وإن جعلت رؤية قلب ف  يسارعون  في موضع المفعول الثاني، ويقولون حال، وقرأ إبراهيم النخعي ويحيى بن وثاب **«فيرى »** بالياء من تحت والفاعل على هذه القراءة محذوف ولك أن تقدر فيرى الله أو فيرى الرأي و  الذين  مفعول، ويحتمل أن يكون  الذين  فاعل والمعنى أن يسارعوا فحذفت **«أن »** إيجازاً[(١)](#foonote-١). 
و يسارعون فيهم  معناه في نصرتهم وتأنيسهم وتجميل ذكرهم، وقوله تعالى : يقولون نخشى أن تصيبنا دائرة  لفظ محظوظ عن عبد الله بن أبيّ، ولا محالة أنه قال بقوله منافقون كثير، والآية تعطي ذلك، و  دائرة  معناه نازلة من الزمان وحادثة من الحوادث تحوجنا إلى موالينا من اليهود، وتسمى هذه الأمور دوائر على قديم الزمان من حيث الليل والنهار في دوران، فكأن الحادث يدور بدورانها حتى ينزل فيمن نزل، ومنه قول الله تعالى : دائرة السوء [(٢)](#foonote-٢) و  يتربص بكم الدوائر [(٣)](#foonote-٣). 
**ومنه قول الشاعر :**
والدهر بالإنسان دواريّ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . [(٤)](#foonote-٤)
**وقول الآخر :**
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . \*\*\* ويعلم أن النائبات تدور
**وقول الآخر :**
يرد عنك القدر المقدورا. . . ودائرات الدهر أن تدورا
ويعضده قول النبي صلى الله عليه وسلم **«إن الزمان قد استدار »**. 
قال القاضي أبو محمد : وفعل عبد الله بن أبيّ في هذه النازلة لم يكن ظاهره مغالبة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولو فعل ذلك لحاربه رسول الله، وإنما كان يظهر للنبي صلى الله عليه وسلم أن يستبقيهم لنصرة محمد ولأن ذلك هو الرأي، وقوله إني امرؤ أخشى الدوائر أي من العرب وممن يحارب المدينة وأهلها، وكان يبطن في ذلك كله التحرز من النبي والمؤمنين وآلفت في أعضادهم، وذلك هو الذي أسر هو في نفسه ومن معه على نفاقه ممن يفتضح بعضهم إلى بعض، وقوله تبارك وتعالى : فعسى الله  مخاطبة للنبي صلى الله عليه وسلم وللمؤمنين ووعد لهم، و **«عسى »** من الله واجبة، واختلف المتأولون في معنى  الفتح  في هذه الآية فقال قتادة : يعني به القضاء في هذه النوازل، والفتاح القاضي، فكان هذا الوعد هو مما نزل ببني قينقاع بعد ذلك وبقريظة والنضير، وقال السدي ؟ يعني به فتح مكة. 
قال القاضي أبو محمد : وظاهر الفتح في هذه الاية ظهور رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلو كلمته، أي فيبدو الاستغناء عن اليهود ويرى المنافق أن الله لم يوجد سبيلاً إلى ما كان يؤمل فيهم من المعونة على أمر محمد صلى الله عليه وسلم والدفع في صدر نبوته فيندم حينئذ على ما حصل فيه من محادة الشرع، وتجلل ثوب المقت من الله تعالى ومن رسوله عليه السلام والمؤمنين كالذي وقع وظهر بعد، وقوله تعالى : أو أمر من عنده  قال السدي المراد ضرب الجزية. 
قال القاضي أبو محمد : ويظهر أن هذا التقسيم إنما هو لأن الفتح الموعود به هو ما يتركب على سعي النبي وأصحاب ويسببه جدهم وعملهم، فوعد الله تعالى إما بفتح بمقتضى تلك الأفعال وإما بأمر من عنده يهلك أعداء الشرع هو أيضاً فتح لا يقع للبشر فيه تسبيب، وقوله تعالى : فيصبحوا  معناه يكونون كذلك طول دهرهم، وخص الإصباح بالذكر لأن الإنسان في ليله مفكر متستر، فعند الصباح يرى بالحالة التي اقتضتها فكره أو أمراضه ونحو ذلك ومنه قول الشاعر :
\*أصبحت لا أحمل السلاح\*
إلى غير هذا من الأمثلة[(٥)](#foonote-٥). 
والذي أسروه هو ما ذكرناه من التمرس بالنبي صلى الله عليه وسلم وإعداد اليهود للثورة عليه يوماً ما، وقرأ ابن الزهري **«فيصبح الفساق على ما أسروا في أنفسهم نادمين »**.

١ - نقل أبو حيان في "البحر" هذا الرأي لابن عطية مع زيادة كلمة (ترى) عما في الأصول هنا، فقال: "قال ابن عطية: ويحتمل أن يكون (الذين) فاعل (ترى) والمعنى: أن يسارعوا، فحذفت "أن" إيجازا، انتهى، ثم قال: وهذا ضعيف، لأن حذف "أن" من نحو هذا لا يقاس. (البحر المحيط ٣/ ٥٠٨)..
٢ - من قوله تعالى: ومن الأعراب من يتخذ ما ينفق مغرما ويتربص بكم الدوائر عليهم دائرة السوء في الآية (٩٨) من سورة (التوبة). ووردت في الآية رقم (٦) من سورة (الفتح) في قوله تعالى: عليكم دائرة السوء وغضب الله عليكم..
٣ - من الآية (٩٨) من سورة (التوبة)- وقد سبقت في الهامش قبل هذا..
٤ - نسبة للعجاج في "اللسان"، وروي البيت بتمامه فقال: "قال العجاج في وصف الدهر: 
 والدهر بالإنسان دوّاريّ أفنى القرون وهو قعسريّ
 = شبه الدهر بالجمل الشديد، والقعسريّ: "الصلب الشديد". مادة (قعسر)- ثم ذكره أيضا في مادة (دور) وقال: "الدواريّ: الدائر بالإنسان أحوالا، أي: دائر به على إضافة الشيء لنفسه قال الفارسي: هو على لفظ النسب وليس بنسب، ونظيره: بُختيّ وكرسيّ".
 .
٥ - علّق في "البحر" على هذا الكلام فقال: "إن "أصبح" تأتي بمعنى صار من غير اعتبار كينونة في الصباح"، وقد ورد ذلك في القرآن كثيرا، كقوله تعالى: واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا.

### الآية 5:53

> ﻿وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا أَهَٰؤُلَاءِ الَّذِينَ أَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ ۙ إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ ۚ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَأَصْبَحُوا خَاسِرِينَ [5:53]

اختلف القراء في هذه الآية فقرأ ابن كثير وابن عامر ونافع **«يقول »** بغير واو عطف وبرفع اللام. وكذلك ثبت في مصاحف المدينة ومكة. وقرأ حمزة والكسائي وعاصم **«ويقول »** بإثبات الواو. وكذلك ثبت في مصاحف الكوفيين. وقال الطبري كذلك هي في مصاحف أهل الشرق. وقرأ أبو عمرو وحده **«ويقولَ »** بإثبات الواو وبنصب اللام. قال أبو علي وروى علي بن نصر عن أبي عمرو والنصب والرفع في اللام. فأما قراءة ابن كثير ونافع فمتعاضدة مع قراءة حمزة والكسائي. لأن الواو ليست عاطفة مفرد على مفرد مشركة في العامل وإنما هي عاطفة جملة على جملة وواصلة بينهما والجملتان متصلتان بغير واو. إذ في الجملة الثانية ذكر من الجملة المعطوف عليها. إذ الذين يسارعون وقالوا نخشى ويصبحون نادمين هم الذين قيل فيهم.  أهؤلاء الذين أقسموا بالله جهد أيمانهم  فلما كانت الجملتان هكذا حسن العطف بالواو وبغير الواو. كما أن قوله تعالى : سيقولون ثلاثة رابعهم كلبهم ويقولون خمسة سادسهم كلبهم [(١)](#foonote-١) لما كان في كل واحدة من الجملتين ذكر ما تقدم اكتفى بذلك عن الواو، وعلى هذا قوله تعالى : أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون [(٢)](#foonote-٢) ولو دخلت الواو فقيل **«وهم فيها خالدون »** كان حسناً. 
قال القاضي أبو محمد : ولكن براعة الفصاحة في الإيجاز، ويدل على حسن دخول الواو قوله تعالى : ويقولون سبعة وثامنهم كلبهم  \[ الكهف : ٢٢ \] فحذف الواو من قوله  ويقول الذين آمنوا  كحذفها من هذه الآية، وإلحاقها في قوله  ثامنهم . 
قال القاضي أبو محمد : وذهب كثير من المفسرين إلى أن هذا القول من المؤمنين إنما هو إذا جاء الفتح حصلت ندامة المنافقين وفضحهم الله تعالى، فحينئذ يقول المؤمنون  أهؤلاء الذين أقسموا  \[ المائدة : ٥٣ \] الآية. وتحتمل الآية أن تكون حكاية لقول المؤمنين في وقت قول الذين في قلوبهم مرض  نخشى أن تصيبنا دائرة  \[ المائدة : ٥٢ \] وعند أفعالهم ما فعلوا في حكاية بني قينقاع. فظهر فيها سرهم وفهم منهم أن تمسكهم بهم إنما هو إرصاد لله ولرسوله. فمقتهم النبي والمؤمنون، وترك النبي صلى الله عليه وسلم بني قينقاع لعبد الله بن أبيّ رغبة في المصلحة والألفة، وبحكم إظهار عبد الله أن ذلك هو الرأي من نفسه وأن الدوائر التي يخاف إنما هي ما يخرب المدينة وعلم المؤمنون وكل فطن أن عبد الله في ذلك بخلاف ما أبدى. فصار ذلك موطناً يحسن أن يقول فيه المؤمنون  أهؤلاء الذين أقسموا  الآية، وأما قراءة أبي عمرو ويقول بنصب اللام فلا يتجه معها أن يكون قول المؤمنين إلا عند الفتح وظهور ندامة المنافقين وفضيحتهم، لأن الواو عاطفة فعل على فعل مشركة في العامل، وتوجه عطف  ويقول  مطرد على ثلاثة أوجه، أحدها على المعنى، وذلك أن قوله : فعسى الله أن يأتي بالفتح  \[ المائدة : ٥٢ \] إنما المعنى فيه فعسى الله أن يأتي بالفتح فعطف قوله تعالى : يقول  على  يأتي  اعتماداً على المعنى، وإلا فلا يجوز أن يقال عسى الله أن يقول المؤمنون. وهكذا قوله تعالى : لولا أخرتني إلى أجل قريب فأصدق وأكن [(٣)](#foonote-٣) لما كان المعنى **«أخرني إلى أجل قريب »** أصدق وحمل  أكن  على الجزم الذي يقتضيه المعنى في قوله  فأصدق ، والوجه الثاني أن يكون قوله  أن يأتي بالفتح  \[ المائدة : ٥٢ \] بدلاً من اسم الله عز وجل كما أبدل من الضمير في قوله تعالى : وما أنسانيه إلا الشيطان أن أذكره [(٤)](#foonote-٤) ثم يعطف  ويقول  على أن يأتي لأنه حينئذ كأنك قلت عسى أن يأتي، والوجه الثالث أن يعطف قوله  ويقول  على  فيصبحوا  \[ المائدة : ٥٢ \] إذ هو فعل منصوب بالفاء في جواب التمني، إذ قوله عسى الله تمن وترج في حق البشر، وفي هذا الوجه نظر[(٥)](#foonote-٥)، وكذلك عندي في منعهم جواز عسى الله أن يقول المؤمنون نظر، إذ الله تعالى يصيرهم يقولون بنصره وإظهار دينه، فينبغي أن يجوز ذلك اعتماداً على المعنى. وقوله تعالى : جهد أيمانهم  نصب جهد على المصدر المؤكد والمعنى أهؤلاء هم المقسمون باجتهاد منهم في الإيمان  أنهم لمعكم  ثم قد ظهر الآن منهم من موالاة اليهود وخذل الشريعة ما يكذب إيمانهم، ويحتمل قوله تعالى : حبطت أعمالهم  أن يكون إخباراً من الله تعالى، ويحتمل أن يكون من قول المؤمنين على جهة الإخبار بما حصل في اعتقادهم إذ رأوا المنافقين في هذه الأحوال، ويحتمل أن يكون قوله  حبطت أعمالهم  على جهة الدعاء إما من الله تعالى عليهم وإما من المؤمنين، وحبط العمل إذا بطل بعد أن كان حاصلاً، وقد يقال حبط في عمل الكفار وإن كان لم يتحصل على جهة التشبيه، وقرأ جمهور الناس **«حبِطت بكسر الباء وقرأ أبو واقد والجراح »** حبَطت «بفتح الباء وهي لغة.

١ - من الآية (٢٢) من سورة (الكهف)..
٢ - تكرر ذلك كثيرا في آيات الكتاب الكريم، ونذكر على سبيل المثال الآيات (٣٩- ٨١-٢١٧-٢٥٧-٢٧٥) من سورة البقرة وحدها، وكما تكرر ذلك بالنسبة لأصحاب النار تكرر لأصحاب الجنة..
٣ - من قوله تعالى في الآية (١٠) من سورة (المناقفون): وأنفقوا مما رزقناكم من قبل أن يأتي أحدكم الموت فيقول رب لولا أخرتني إلى أجل قريب فأصدق وأكن من الصالحين..
٤ - من الآية (٦٤) من سورة (الكهف)..
٥ - هذا النظر هو: هل تجري (عسى) في الترجي مجرى (ليت) في التمني أم لا تجري، وقد قيل: إن (عسى) من الله واجبة فلا ترجي فيها- وهذا الوجه من تخريج ابن عطية، وتبعه ابن الحاجب كما قال في "البحر"، وخرج النحاس إعراب (ويقول) بالنصب تخريجا رابعا هو أن يكون معطوفا على قوله: (بالفتح)، أي: بأن يفتح ويقول- قال أبو حيان: ولا يصح هذا لأنه قد فصل بينهما بقوله تعالى: أو أمر من عنده. ولكلامه بقية مفيدة فارجع إليها في البحر جـ٣ ص ٥١٠.
 .

### الآية 5:54

> ﻿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ۚ ذَٰلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ ۚ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ [5:54]

وقوله تعالى : يا أيها الذين آمنوا من يرتدد[(١)](#foonote-١) منكم عن دينه  الآية قال فيها الحسن بن أبي الحسن ومحمد بن كعب القرظي والضحاك وقتادة نزلت الآية خطاباً للمؤمنين عامة إلى يوم القيامة، والإشارة بالقوم الذين يأتي الله بهم إلى أبي بكر الصديق وأصحابه الذين قاتلوا أهل الردة، وقال هذا القول ابن جريج وغيره[(٢)](#foonote-٢). 
قال القاضي أبو محمد : ومعنى الآية عندي أن الله وعد هذه الأمة من ارتد منها فإنه يجيء بقوم ينصرون الدين ويغنون عن المرتدين فكان أبو بكر وأصحابه ممن صدق فيهم الخبر في ذلك العصر، وكذلك هو عندي أمر عليّ مع الخوارج، وروى أبو موسى الأشعري أنه لما نزلت هذه الآية قرأها النبي صلى الله عليه وسلم وقال : هم قوم هذا يعني أبا موسى الأشعري[(٣)](#foonote-٣) وقال هذا القول عياض، وقال شريح بن عبيد : لما نزلت هذه الآية قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه : أنا وقومي هم يا رسول الله فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا ولكنهم قوم هذا، وأشار إلى أبي موسى[(٤)](#foonote-٤)، وقال مجاهد ومحمد بن كعب أيضاً : الإشارة إلى أهل اليمن، وقاله شهر بن حوشب. 
قال القاضي أبو محمد : وهذا كله عندي قول واحد، لأن أهل اليمن هم قوم أبي موسى، ومعنى الآية على هذا القول مخاطبة جميع من حضر عصر النبي صلى الله عليه وسلم على معنى التنبيه لهم والعتاب والتوعد، وقال السدي الإشارة بالقوم إلى الأنصار. 
قال القاضي أبو محمد : وهذا على أن يكون قوله تعالى : يا أيها الذين آمنوا  خطاباً للمؤمنين الحاضرين يعم مؤمنهم ومنافقهم. لأن المنافقين كانوا يظهرون الإيمان، والإشارة بالارتداد إلى المنافقين، والمعنى أن من نافق وارتد فإن المحققين من الأنصار يحمون الشريعة ويسد الله بهم كل ثلم، وقرأ أبو عمرو وابن كثير وحمزة والكسائي وعاصم **«يرتد »** بإدغام الدال في الدال، وقرأ نافع وابن عامر **«يرتدد »** بترك الإدغام، وهذه لغة الحجاز، مكة وما جاورها، والإدغام لغة تميم، وقوله تعالى  أذلة على المؤمنين  معناه متذللين من قبل أنفسهم غير متكبرين، وهذا كقوله تعالى : أشداء على الكفار رحماء بينهم [(٥)](#foonote-٥) وكقوله عليه السلام **«المؤمن هين لين »**، وفي قراءة ابن مسعود **«أذلة على المؤمنين غلظاء على الكافرين »**، وقوله تعالى : ولا يخافون لومة لائم  إشارة إلى الرد على المنافقين في أنهم كانوا يعتذرون بملامة الأخلاق والمعارف من الكفار ويراعون أمرهم. وقوله تعالى : ذلك فضل الله  الإشارة بذلك إلى كون القوم يحبون الله ويحبهم، وقد تقدم القول غير مرة في معنى محبة الله للعبد وأنها إظهار النعم المنبئة عن رضاه عنه وإلباسه إياها. و  واسع  معناه ذو سعة فيما يملك ويعطي وينعم.

١ - هكذا بدالين الأولى مكسورة والثانية مجزومة، وهي قراءة ابن عامر ونافع وأهل الشام والمدينة..
٢ - أخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم- عن الضحاك خبرا في هذا المعنى، وأخرج مثله عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وأبو الشيخ، والبيهقي، وابن عساكر- عن قتادة..
٣ - ورواه الحاكم أبو عبد الله في "المستدرك" بسنده- قال ذلك القرطبي.
 .
٤ - أخرجه ابن جرير عن شريح بن عبيد..
٥ - من الآية (٢٩) من سورة (الفتح).
 .

### الآية 5:55

> ﻿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ [5:55]

الخطاب بقوله : إنما وليكم الله  الآية للقوم الذين قيل لهم  لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء  \[ المائدة : ٥١ \]، و  إنما  في هذه الآية حاصرة يعطي ذلك المعنى، وولي اسم جنس[(١)](#foonote-١)، وقرأ ابن مسعود **«إنما مولاكم الله »** وقوله : والذين آمنوا  أي ومن آمن من الناس حقيقة لا نفاقاً وهم  الذين يقيمون الصلاة  المفروضة بجميع شروطها  ويؤتون الزكاة ، وهي هنا لفظ عام للزكاة المفروضة وللتطوع بالصدقة ولكل أفعال البر، إذ هي تنمية للحسنات مطهرة للمرء من دنس الذنوب، فالمؤمنون يؤتون من ذلك كل بقدر استطاعته، وقرأ ابن مسعود **«آمنوا والذين يقيمون »** بواو، وقوله تعالى : وهم راكعون  جملة معطوفة على جملة، ومعناها وصفهم بتكثير الصلاة وخص الركوع بالذكر لكونه من أعظم أركان الصلاة، وهو هيئة تواضع فعبر به عن جميع، الصلاة، كما قال  والُّرَّكع السجود [(٢)](#foonote-٢) وهي عبارة عن المصلين، وهذا قول جمهور المفسرين، ولكن اتفق أن علياً بن أبي طالب أعطى صدقة وهو راكع، قال السدي : هذه الآية في جميع المؤمنين ولكن علياً بن أبي طالب مر به سائل وهو راكع في المسجد فأعطاه خاتمه، وروي في ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج من بيته وقد نزلت عليه الآية فوجد مسكيناً فقال له هل أعطاك أحد شيئاً فقال نعم، أعطاني ذلك الرجل الذي يصلي خاتماً من فضة، وأعطانيه وهو راكع، فنظر النبي صلى الله عليه وسلم فإذا الرجل الذي أشار إليه علي بن أبي طالب، فقال النبي صلى الله عليه وسلم، الله أكبر وتلا الآية على الناس[(٣)](#foonote-٣). 
قال القاضي أبو محمد رضي الله عنه : وقال مجاهد : نزلت الآية في علي بن أبي طالب تصدق وهو راكع، وفي هذا القول نظر، والصحيح ما قدمناه من تأويل الجمهور، وقد قيل لأبي جعفر نزلت هذه الآية في علي، فقال علي من المؤمنين، والواو على هذا القول في قوله  وهم  واو الحال، وقام قوم نزلت الآية من أولها بسبب عبادة بن الصامت وتبرئه من بني قينقاع[(١)](#foonote-١) وقال ابن الكلبي نزلت بسبب قوم أسلموا من أهل الكتاب فجاؤوا فقالوا يا رسول الله بيوتنا بعيدة ولا متحدث لنا إلا مسجدك وقد أقسم قومنا أن لا يخالطونا ولا يوالونا، فنزلت الآية مؤنسة لهم[(٢)](#foonote-٢).

١ - ولهذا جاءت بالإفراد، ولم يقل الله تعالى: أولياؤكم وإن كان المخبر به متعددا لأن \[وليا\] اسم جنس، أو لأن الولاية حقيقة هي لله تعالى على سبيل التأصل، ثم نظم في سلكه من ذكر على سبيل التبع، ولو ذكر جمعا لم يتبين هذا المعنى من الأصالة والتبعية. ذكر ذلك أبو حيان في "البحر"..
٢ - من قوله تعالى في الآية (١٢٥) من سورة (البقرة): وعهدنا إلى إبراهيم وإسماعيل أن طهرا بيتي للطائفين والعاكفين والركع السجود، أو من قوله في الآية (٢٦) من سورة (الحج): وطهر بيتي للطائفين والقائمين والركع السجود..
٣ - الحديث مروي من طرق كثيرة مع اختلاف يسير في بعض الألفاظ، فقد أخرجه الخطيب في المتفق- عن ابن عباس رضي الله عنهما، وأخرجه الطبراني في الأوسط، وابن مردويه- عن عمار بن ياسر، وأخرج مثله أبو الشيخ وابن مردويه- عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه (الدر المنثور)..

### الآية 5:56

> ﻿وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ [5:56]

ثم أخبر تعالى أن من يتولى الله ورسوله والمؤمنين فإنه غالب كل من ناوأه، وجاءت العبارة عامة  فإن حزب الله هم الغالبون  اختصاراً لأن المتولي هو من حزب الله، وحزب الله غالب، فهذا الذي تولى الله ورسوله والمؤمنين غالب، و  من  يراد بها الجنس لا مفرد بعينه، و **«الحزب »** الصاغية[(٣)](#foonote-٣) والمنتمون إلى صاحب الحزب والمعانون فيما يحزب، ومنه قول عائشة رضي الله عنها في حمنة : وكانت تحارب في امر الإفك فهلكت فيمن هلك.

٣ - صاغية الرجل: خاصته الميّالون لاتباعه. وحزب الله هم: جند الله، أو أنصار الله، قال الشاعر:
 \*وكيف أضوى وبلال حزبي\*.

### الآية 5:57

> ﻿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِيَاءَ ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ [5:57]

ثم نهى الله تعالى المؤمنين عن اتخاذ اليهود والنصارى أولياء، فوسمهم بوسم يحمل النفوس على تجنبهم، وذلك اتخاذهم دين المؤمنين  هزؤاً ولعباً  والهزء السخرية والازدراء ويقرأ **«هزُؤاً »** بضم الزاي والهمز، و **«هزْؤاً »** بسكون الزاي والهمز ويوقف عليه هزاً بتشديد الزاي المفتوحة و **«هزُواً »** بضم الزاي وتنوين الواو و **«هزاً »** بزاي مفتوحة منونة، ثم بين تعالى جنس هؤلاء أنهم من أهل الكتاب اليهود والنصارى، واختلف القراء في إعراب  الكفار  فقرأ ابن كثير ونافع وابن عامر وعاصم وحمزة :**«والكفارَ »** نصباً، وقرأ أبو عمرو والكسائي **«والكفارِ »** خفضاً، وروى حسين الجعفي عن أبي عمرو النصب، قال أبو علي : حجة من قرأ بالخفض حمل الكلام على أقرب العاملين وهي لغة التنزيل. 
قال القاضي أبو محمد : ويدخل **«الكفار »** على قراءة الخفض فيمن اتخذ دين المؤمنين هزؤاً، وقد ثبت استهزاء الكفار في قوله : إنا كفيناك المستهزئين [(١)](#foonote-١) وثبت استهزاء أهل الكتاب في لفظ هذه الآية، وثبت استهزاء المنافقين في قولهم لشياطينهم  إنا معكم إنما نحن مستهزئون [(٢)](#foonote-٢)، ومن قرأ **«الكفارَ »** بالنصب حمل على الفعل الذي هو  لا تتخذوا ، ويخرج الكفار من أن يتضمن لفظ هذه الآية استهزاءهم، وقرأ أبيّ بن كعب **«ومن الكفار »** بزيادة **«من »** فهذه تؤيد قراءة الخفض، وكذلك في قراءة ابن مسعود **«من قبلكم من الذي أشركوا »** وفرقت الآية بين الكفار وبين الذين أوتوا الكتاب من حيث الغلب في اسم الكفار أن يقع على المشركين بالله إشراك عبادة أوثان، لأنهم أبعد شأواً في الكفر، وقد قال تعالى : جاهد الكفار والمنافقين [(٣)](#foonote-٣) ففرق بينهم إرادة البيان والجميع كفار، وكان هذا لأن عباد الأوثان هم كفار من كل جهة، وهذه الفرق تلحق بهم في حكم الكفر وتخالفهم في رتب، فأهل الكتاب يؤمنون بالله وببعض الأنبياء، والمنافقون بألسنتهم، ثم أمر تعالى بتقواه ونبه النفوس بقوله : إن كنتم مؤمنين  أي حق مؤمنين.

١ - الآية (٩٥) من سورة (الحجر)..
٢ - من الآية (١٤) من سورة (البقرة)..
٣ - من قوله تعالى في الآية (٩) من سورة (التحريم): يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم ومأواهم جهنم وبئس المصير..

### الآية 5:58

> ﻿وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ اتَّخَذُوهَا هُزُوًا وَلَعِبًا ۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْقِلُونَ [5:58]

قوله تعالى : وإذا ناديتم  الآية إنحاء على اليهود وتبيين لسوء فعلهم فإنهم كانوا إذا سمعوا قيام المؤمنين إلى الصلاة قال بعضهم لبعض، قد قاموا لا قاموا، إلى غير هذا من الألفاظ التي يستخفون بها في وقت الأذان وغيره، وكل ما ذكر من ذلك فهو مثال، وقد ذكر السدي أنه كان رجل من النصارى بالمدينة فكان إذا سمع المؤذن يقول أشهد أن محمداً رسول الله، قال حرق الله الكاذب، فما زال كذلك حتى سقط مصباح في بيته ليلة فأحرقه واحترق النصراني لعنه الله، ثم ذكر تعالى أن فعلهم هذا إنما هو لعدم عقولهم، وإنما عدموها إذ لم تتصرف كما ينبغي لها، فكأنها لم توجد.

### الآية 5:59

> ﻿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ هَلْ تَنْقِمُونَ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلُ وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فَاسِقُونَ [5:59]

ثم أمر تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم أن يقول لأهل الكتاب  هل تنقمون منا  ومعناه هل تعدون علينا ذنباً أو نقيصة، يقال **«نقَم »** بفتح القاف ينقِم بكسرها، وعلى هذه اللغة قراءة الجمهور، ويقال **«نقِم »** بكسر القاف ينقَم بفتحها وعلى هذه اللغة قرأ أبو حيوة وابن أبي عبلة وأبو الَبَرْهَسم[(١)](#foonote-١) والنخعي، وهذه الآية من المحاورة البليغة الوجيزة، ومثلها قوله تعالى : وما نقموا منهم، إلا أن يؤمنوا بالله [(٢)](#foonote-٢) ونظير هذا الغرض في الاسثناء قول النابغة :

ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم  بهن فلول من قراع الكتائب[(٣)](#foonote-٣)وقرأ الجمهور ****«أَنزل »**** بضم الهمزة، وكذلك في الثاني، وقرأ أبو نهيك ****«أَنزل »**** بفتح الهمزة والزاي فيهما، وقوله تعالى : وأن أكثركم فاسقون  هو عند أكثر المُتأولين معطوف على قوله : أن آمنا  فيدخل كونهم فاسقين فيما نقموه، وهذا لا يتجه معناه، وروي عن الحسن بن أبي الحسن أنه قال في ذلك بفسقهم نقموا علينا الإيمان. 
قال القاضي أبو محمد : وهذا الكلام صحيح في نفسه لكنه غير مغن في تقويم معنى الألفاظ، وإنما يتجه على أن يكون معنى المحاورة هل تنقمون منا إلا عموم هذه الحال من إنا مؤمنون وأنتم فاسقون، ويكون  وأن أكثركم فاسقون  مما قرره المخاطب لهم، وهذا كما تقول لمن تخاصمه هل تنقم مني إلا أن صدقت أنا وكذبت أنت، وهو لا يقر بأنه كاذب ولا ينقم ذلك، لكن معنى كلامك : هل تنقم إلا مجموع هذه الحال، وقال بعض المتأولين قوله : وأن أكثركم  معطوف على  ما ، كأنه قال  إلا أن آمنا بالله  وبكتبه وبأن أكثركم. 
قال القاضي أبو محمد : وهذا مستقيم المعنى، لأن إيمان المؤمنين بأن أهل الكتاب المستمرين على الكفر بمحمد َفَسَقة هو مما ينقمونه، وذكر الله تعالى الأكثر منهم من حيث فيهم من آمن واهتدى.

### الآية 5:60

> ﻿قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَٰلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ ۚ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ ۚ أُولَٰئِكَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضَلُّ عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ [5:60]

وقوله تعالى : قل هل أنبئكم  قرأ الجمهور بفتح النون وشد الباء، وقرأ ابن وثاب والنخعي **«انْبئكم »** بسكون النون وتخفيف الباء من أنبأ وقرأ أكثر الناس :**«مثُوْبة »** بضم الثاء وسكون الواو، وقرأ ابن بريدة والأعرج ونبيح وابن عمران **«مثْوَبة »** بسكون الثاء وفتح الواو، وقال أبو الفتح هذا مما خرج عن أصله شاذاً عن نظائره، ومثله قول العرب : الفاكهة مقْوَدة إلى الأذى، بسكون القاف وفتح الواو، والقياس مثابة ومقادة، وأما مثُوبة بضم الثاء فأصلها مثوبة وزنها مفعلة بضم العين نقلت حركة الواو إلى الثاء وكانت قبل مثووبة مثل مقوولة[(٤)](#foonote-٤)، والمعنى في القراءتين مرجعاً عند الله أي في الحشر يوم القيامة، تقول العرب : ثاب يثوب إذا رجع، منه قوله تعالى : وإذ جعلنا البيت مثابة للناس وأمناً [(٥)](#foonote-٥) ومشى المفسرون في هذه الآية على أن الذين أمر أن يقول لهم  هل أنبئكم  هم اليهود والكفار المتخذون ديننا هزؤاً ولعباً، قال ذلك الطبري وتوبع عليه ولم يسند في ذلك إلى متقدم شيئاً، والآية تحتمل أن يكون القول للمؤمنين، أي قل يا محمد للمؤمنين هل أنبئكم بشرٍّ من حال هؤلاء الفاسقين في وقت الرجوع إلى الله، أولئك أسلافهم الذين لعنهم الله وغضب عليهم، فتكون الإشارة بذلك إلى حالهم من كون أكثرهم فاسقين، وتحتمل الآية أن يكون القول للحاضرين من بني إسرائيل وتكون الإشارة بذلك إلى حال الحاضرين من كون أكثرهم فاسقين ويكون قوله  شر وأضل  صفتي تفضيل بين شيئين لهما اشتراك في الشر والضلال، وتحتمل الآية أن يكون القول للحاضرين من بني إسرائيل والإشارة بذلك إلى إيمان المؤمنين وجميع حالهم ويوجه التفضيل ب  شر وأضل  على أن الاشتراك في الشر والضلال هو في معتقد اليهود فأما في الحقيقة فلا شر ولا ضلال عند المؤمنين، ولا شركة لهم في ذلك مع اليهود والكفار، ويكون على هذا الاحتمال قوله : من لعنه الله  الآية يراد به جميع بني إسرائيل الأسلاف والأخلاف، لأن الخلف يذم ويعير بمذمات السلف إذا كان الخلف غير مراجع ولا ذام لما كان عليه سلفه، فهو في حكمه، وفي قراءة أبي بن كعب وعبد الله بن مسعود **«من غضب الله عليهم وجعلهم قردة وخنازير »**، واللعنة الإبعاد عن الخير، وقوله تعالى : وجعل  هي بمعنى صير، وقال أبو علي في كتاب الحجة هي بمعنى خلق. 
قال القاضي أبو محمد : وهذه منه رحمه الله نزعة اعتزالية، لأن قوله : وعبد الطاغوت  تقديره ومن عبد الطاغوت، والمعتزلة لا ترى أن الله يصير أحداً عابد الطاغوت، وقد تقدم قصص مسخهم قردة في سورة البقرة، وأما مسخهم خنازير، فروي أن ذلك بسبب امرأة كانت مؤمنة من بني إسرائيل وكفر ملك منهم في مدينة من مدنهم وكفر معه أهل مملكته، فدعت المرأة قوماً إلى نصرة الدين فأجابوها فخرجت بهم فهزموا ثم فعلت ذلك ثانية وثالثة في كل مرة يهزم جمعها، فيئست وباتت مهمومة، فلما أصبح رأت أهل تلك المدينة يسعون[(٦)](#foonote-٦) في نواحيها خنازير فقالت : الآن أعلم أن الله أعز دينه وآثر دينه، قال عمرو بن كثير بن أفلح مولى أبي أيوب الأنصاري ما كان مسخ بني إسرائيل إلا على يدي تلك المرأة، وقوله تعالى : وعبد الطاغوت  تقديره ومن عبد الطاغوت، وذلك عطف على قوله : من لعنه الله  أو معمول ل  جعل  وفي هذا يقول أبو علي : إن  جعل  بمعنى خلق، واختلفت القراءة في هذا الحرف فقرأ حمزة وحده **«وعَبُد الطاغوت »** بفتح العين وضم الباء وكسر التاء من الطاغوت وذلك أن ******«عبد »****** لفظ مبالغة كيقظ وَنُدَس[(٧)](#foonote-٧)، فهو لفظ مفرد يراد به الجنس وبني بناء الصفات، لأن **«عبداً »** في الأصل صفة وإن كان استعمل استعمال الأسماء، وذلك لا يخرجه عن حكم الصفة فلذلك لم يمتنع أن يبنى منه بناء الصفات، وقرأ بهذه القراءة الأعمش ويحيى بن وثاب، ومنه قول الشاعر\[ أوس بن حجر \] :\*\*\*
أبني لبينى إن أمكم أمة وإن أباكم َعُبُد
ذكره الطبري وغيره بضم الباء وقرأ الباقون **«وعَبَد الطاغوت »** بفتح العين والباء على الفعل الماضي وإعماله في الطاغوت وقد تقدم ذكره، وقرأ أبي بن كعب **«عبدوا الطاغوت »**، على إسناد الفعل الماضي إلى ضمير جمع، وقرأ ابن مسعود فيما روى عبد الغفار عن علقمة عنه **«وعَبُد الطاغوتُ »** بفتح العين وضم الباء ورفع التاء من الطاغوت، وذلك على أن يصير له أن ******«عبد »****** كالخلق والأمر المعتاد المعروف، فهي في معنى فقه وشرف وظرف، وقرأ ابن عباس وإبراهيم بن أبي عبلة **«وعَبَد الطاغوتِ »** بفتح العين والباء وكسر التاء من الطاغوت، وذلك على أن المراد عبدة الطاغوت وحذفت الهاء تخفيفاً[(٨)](#foonote-٨) ومثله قول الراجر :
\*قام ولاها فسقوها صرخدا[(٩)](#foonote-٩)\*
أراد ولاتها فحذف تخفيفاً، وقرأ الحسن بن أبي الحسن في رواية عباد عنه **«وعَبْد الطاغوتِ »** بفتح العين وسكون الباء وكسر التاء من الطاغوت وهذا على أنه اسم جنس مفرد يراد به جميع، وروي عن الحسن من غير طريق عباد أنه قرأ بفتح العين والدال وسكون الباء ونصب التاء من الطاغوت، وهذه تتجه على وجهين أحدهما أنه أراد و **«عبداً الطاغوت »** فحذف التنوين كما حذف في قول الشاعر :
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . \*\*\* ولا ذاكر الله إلا قليلا[(١٠)](#foonote-١٠)
والوجه الآخر أن يريد ******«عبد »****** الذي هو فعل ما ض وسكن الباء على نحو ما هي عين الفعل مسكنة في قول الشاعر :
وما كل مغبون ولو سلْف صفقة \*\*\*. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . [(١١)](#foonote-١١)
فإن اللام من سلف مسكنة ونحو هذا قول أبي السمال **«ولعْنوا بما قالوا »**[(١٢)](#foonote-١٢) بسكون العين، فهذه قراءات العين فيها مفتوحة، وقرأ أبو واقد الأعرابي في رواية العباس بن الفضل عنه **«وعُبَّادَ الطاغوتِ »** بضم العين وشد الباء المفتوحة وألف بعدها وفتح الدال وكسر التاء من الطاغوت وذلك جمع عابد، وقرأ عون العقيلي فيما روى عنه العباس بن الفضل أيضاً **«وعابدُ الطاغوت »** على وزن فاعل والدال مرفوعة، قال ابو عمرو تقديره : وهم عابد الطاغوت. 
قال القاضي أبو محمد : فهو اسم جنس، وروى عكرمة عن ابن عباس **«وعابدو الطاغوت »** بضمير جمع، وقد قال بعض الرواة في هذه الأخيرة إنها تجويز لا قراءة، وقرأ ابن بريدة **«وعابِدِ الطاغوتِ »** بفتح العين والدال وكسر الباء والتاء، وقرأ بعض البصريين و **«عباد الطاغوت »** بكسر العين وفتح الباء والدال وألف بينهما وكسر التاء، قال أبو الفتح فيحتمل أن يكون ذلك جمع عابد كقائم وقيام وصائم وصيام، وقد يجوز أن يكون جمع عبد، وقل ما يأتي عباد مضافاً إلى غير الله، وأنشد سيبويه :
أتوعدني بقومك يا ابن حجل \*\*\* أشابات يخالون العبادا[(١٣)](#foonote-١٣)
قال أبو الفتح يريد عباد آدم عليه السلام، ولو أراد عباد الله فليس ذلك شيء يسب به أحد، وجميع الخلق عباد الله. 
قال القاضي أبو محمد : وهذا التعليق بآدم صلى الله عليه وسلم شاذ بعيد والاعتراض فيه باق، وليس هذا مما يتخيل أن الشاعر قصده، وإنما أراد العبيد فساقته القافية إلى العباد، إذ يقال ذلك لمن تملك ملكة ما وقد ذكر أن عرب الحيرة من العراق إنما سمّوا العباد لأنهم دخلوا في طاعة كسرى فدانتهم مملكته، وذكر الطبري عن بريدة الأسلمي أنه كان يقرأ **«وعَابِدَ الشيطان »** بفتح العين والدال وكسر الباء وألف قبلها وذكر الشيطان بدل الطاغوت فهذه قراءات فيها ألف، وقرأ ابن عباس فيما روى عنه عكرمة وقرأها مجاهد ويحيى ابن وثاب **«وعُبُدَ الطاغوتِ »** بضم العين والباء وفتح الدال وكسر التاء، وذلك جمع عبد كرهن ورهن وسقف وسقف، وقال أحمد بن يحيى ثعلب : هو جمع عابد كشارف وشرف، ومنه قول القينة :
ألا يا حمز للشرف النواء \*\*\* وهن معلقات بالفناء[(١٤)](#foonote-١٤)
وقال أبو الحسن الأخفش : هو جمع عبيد وأنشد :
أنسب العبد إلى آبائه \*\*\* أسود الجلدة من قوم عبد[(١٥)](#foonote-١٥)
وقرأ الأعمش وغيره **«وعُبَّدَ الطاغوتِ »** بضم العين وشد الباء المفتوحة وفتح الدال وكسر التاء وذلك على جمع عابد كضارب وضرب. وقرأ إبراهيم النخعي وأبو جعفر بن القعقاع والأعمش في رواية هارون **«وعُبِدَ الطاغوتُ »** بضم العين وكسر الباء وفتح الدال وضم التاء كما تقول ضرب زيد، وضعّف الطبري هذه القراءة وهي متجهة[(١٦)](#foonote-١٦)، وروي عن عبد الله بن مسعود أنه قرأ **«وعبدت الطاغوت »** كما تقول ضربت المرأة، وروى علقمة عن عبد الله بن مسعود **«وعُبَدَ الطاغوتِ »** بضم العين وفتح الباء والدال وكسر التاء، وهذا أيضاً بناء مبالغة اسم مفرد يراد به هنا الجمع ُبِني كحطم ولبد، وروى عكرمة عن ابن عباس :**«وعُبَّدَ الطاغوت »** على وزن فعل بضم الفاء وشد العين المفتوحة وفتح اللام ونصب التاء وهذه تتخرج على أنه أراد وعبداً منوناً ثم حذف التنوين كما قال، ولا ذاكر الله، وقد تقدم نظيره[(١٧)](#foonote-١٧). 
و  الطاغوت  كل ما عبد من دون الله من وثن أو آدمي يرضى ذلك أو شيطان، وقد استوعبت تفسيره في سورة البقرة، و **«مكان »** يحتمل أن يريد في الآخرة، فالمكان على وجهه، أي : المحل إذ محلهم جهنم. وأن يريد في الدنيا فهي استعارة للمكانة والحالة. و  سواء السبيل  وسطه ومنه قول العرب قمت حتى انقطع سوائي، ومنه قوله تعالى : في سواء الجحيم [(١٨)](#foonote-١٨) وخط الاستقامة في السبل إنما هو متمكن غاية التمكن في الأوساط فلذلك خص السواء بالذكر، ومن لفظ السواء قيل خط الاستواء.

### الآية 5:61

> ﻿وَإِذَا جَاءُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَقَدْ دَخَلُوا بِالْكُفْرِ وَهُمْ قَدْ خَرَجُوا بِهِ ۚ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا يَكْتُمُونَ [5:61]

الضمير في  جاؤوكم  لليهود المعاصرين لمحمد صلى الله عليه وسلم وخاصة للمنافقين. نص على ذلك ابن عباس وقتادة والسدي، ثم أخبر تعالى عنهم أنهم دخلوا وهم كفار وخرجوا كذلك لم تنفعهم الموعظة ولا نفع فيهم التذكير، وقوله : وهم  تخليص من احتمال العبارة أن يدخل قوم بالكفر ثم يؤمنوا ويخرج قوم وهم كفرة فكان ينطبق على الجميع وقد دخلوا بالكفر وقد خرجوا به، فأزال الاحتمال قوله تعالى : وهم قد خرجوا به  أي هم بأعيانهم ثم فضحهم تعالى بقوله : والله أعلم بما كانوا يكتمون  أي من الكفر.

### الآية 5:62

> ﻿وَتَرَىٰ كَثِيرًا مِنْهُمْ يُسَارِعُونَ فِي الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ ۚ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [5:62]

وقوله تعالى لنبيه : وترى  يحتمل أن يكون من رؤية البصر ويحتمل من رؤية القلب ويكون المفعول الثاني  يسارعون ، وعلى الاحتمال الأول  يسارعون  حال،  في الإثم  معناه في موجبات هؤلاء كفرهم  والعدوان  مصدر من عدا الرجل إذا ظلم وتجاوز الحد، و  السحت  هو الرشا وسائر مكسبهم الخبيث، واللام في  لبئس  لام قسم، وقرأ أبو حيوة **«والعِدوان »** بكسر العين.

### الآية 5:63

> ﻿لَوْلَا يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الْإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ ۚ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ [5:63]

وقوله تعالى : لولا ينهاهم الربانيون والأحبار  تخصيص في ضمنه توبيخ لهم إذ تركوا اللازم، قال الطبري : كل العلماء يقولون ما في القرآن آية هي أشد توبيخاً للعلماء من هذه الآية ولا أخوف عليهم منها، وقال الضحاك بن مزاحم : ما في القرآن آية أخوف عندي منها إنا لا َنْنهى، وقال نحو هذا ابن عباس، وقرأ الجراح وأبو واقد **«الرِبانيون »** بكسر الراء واحدهم ربي إما منسوب إلى علم الرب وإما من تربية الناس بصغار العلم قبل كباره، وزيدت النون في نسبته مبالغة كشعراني ومنظراني ومخبراني، وقال الحسن : الرباني عالم الإنجيل والحبر عالم التوراة. 
قال القاضي أبو محمد رضي الله عنه : وقوله في الرباني شاذ بعيد. و  الأحبار  واحدهم حبر بكسر الحاء وفتحها وهم العلماء الذين لا يعنون لإصلاح الناس ولا يكلفون ذلك، والرباني هو العالم المدير المصلح، وقوله تعالى : عن قولهم الإثم  ظاهر أن  الإثم  هنا يراد به الكفر، ويحتمل أن يراد به سائر أقوالهم المنكرة في النبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنين، وقرأ عباس **«بئس ما كانوا يصنعون »** بغير لام قسم.

### الآية 5:64

> ﻿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ ۚ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا ۘ بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ ۚ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا ۚ وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَىٰ يَوْمِ الْقِيَامَةِ ۚ كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ ۚ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا ۚ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ [5:64]

وقوله تعالى : وقالت اليهود  إلى قوله  لا يحب المفسدين  هذه الآية تعديد كبيرة من أقوالهم وكفرهم أي فمن يقول هذه العظيمة فلا يستنكر عليه أن ينافق عليك يا محمد ويسعى في رد أمر الله الذي أوحاه إليك، وقال ابن عباس وجماعة من المتأولين معنى قولهم التبخيل، وذلك أنهم لحقتهم َسَنة وجهد فقالوا هذه العبارة يعنون بها أن الله بخل عليهم بالرزق والتوسعة، وهذا المعنى يشبه ما في قوله تعالى : ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك [(١)](#foonote-١) فإنما المراد لا تبخل، ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم : مثل البخيل والمتصدق، الحديث[(٢)](#foonote-٢) وذكر الطبري والنقاش أن هذه الآية نزلت في فنحاص اليهودي وأنه قالها، وقال الحسن بن أبي الحسن قوله : يد الله مغلولة  إنما يريدون عن عذابهم فهي على هذا في معنى قولهم  نحن أبناء الله وأحباؤه  \[ المائدة : ١٨ \] وقال السدي أرادوا بذلك أن يده مغلولة حتى يرد علينا ملكنا. 
قال القاضي أبو محمد : فكأنهم عنوا أن قوته تعالى نقصت حتى غلبوا ملكهم، وظاهر مذهب اليهود لعنهم الله في هذه المقالة التجسيم، وكذلك يعطي كثير من أقوالهم، وقوله تعالى : غلت أيديهم  دعاء عليهم، ويحتمل أن يكون خبراً، ويصح على كلا الاحتمالين أن يكون ذلك في الدنيا وأن يراد به الآخرة، وإذا كان خبراً عن الدنيا فالمعنى غلت أيديهم عن الخير والإنفاق في سبيل الله ونحوه، وإذا كان خبراً عن الآخرة فالمعنى غلت في نار جهنم أي حتم هذا عليهم ونفذ به القضاء كما حتمت عليهم اللعنة بقولهم هذا وبما جرى مجراه، وقرأ أبو السمال **«ولعْنوا »** بسكون العين، وذلك قصد للتخفيف لا سيما هنا الهبوط من ضمة إلى كسرة، وقوله تعالى : بل يداه مبسوطتان  العقيدة في هذا المعنى نفي التشبيه عن الله تعالى وأنه ليس بجسم ولا له جارحة ولا يشبه ولا يكيف ولا يتحيز في جهة كالجواهر ولا تحله الحوادث تعالى عما يقول المبطلون. 
ثم اختلف العلماء فيما ينبغي أن يعتقد في قوله تعالى : بل يداه  وفي قوله : بيدي [(٣)](#foonote-٣) و  عملت أيدينا [(٤)](#foonote-٤) و  يد الله فوق أيديهم [(٥)](#foonote-٥) و  لتصنع على عيني [(٦)](#foonote-٦) و  تجري بأعيننا [(٧)](#foonote-٧) و  اصبر لحكم ربك فإنك بأعيننا [(٨)](#foonote-٨)  وكل شيء هالك إلا وجهه [(٩)](#foonote-٩) ونحو هذا، فقال فريق من العلماء منهم الشعبي وابن المسيب وسفيان يؤمن بهذه الأشياء وتقرأ كما نصها الله ولا يعن لتفسيرها ولا يشقق النظر فيها[(١٠)](#foonote-١٠). 
قال القاضي أبو محمد : وهذا قول يضطرب لأن القائلين به يجمعون على أنها ليست على ظاهرها في كلام العرب فإذا فعلوا هذا فقد نظروا وصار السكون عن الأمر هذا مما يوهم العوام ويتيه الجهلة. 
وقال جمهور الأمة : بل تفسر هذه الأمور على قوانين اللغة ومجاز الاستعارة وغير ذلك من أفانين كلام العرب. فقالوا في العين والأعين إنها عبارة عن العلم والإدراك، كما يقال فلان من فلان بمرأى ومسمع، إذا كان يعني بأموره وإن كان غائباً عنه، وقالوا في الوجه إنه عبارة عن الذات وصفاتها، وقالوا في اليد واليدين والأيدي إنها تأتي مرة بمعنى القدرة كما تقول العرب لا يد لي بكذا، ومرة بمعنى النعمة كما يقال لفلان عند فلان يد، وتكون بمعنى الملك كما يقال يد فلان على أرضه، وهذه المعاني إذا وردت عن الله تبارك وتعالى عبر عنها باليد أو الأيدي أو اليدين استعمالاً لفصاحة العرب ولما في ذلك من الإيجاز، وهذا مذهب أبي المعالي والحذاق، وقال قوم من العلماء منهم القاضي ابن الطيب : هذه كلها صفات زائدة على الذات ثابتة لله دون أن يكون في ذلك تشبيه ولا تحديد، وذكر هذا الطبري وغيره، وقال ابن عباس في هذه الآية،  يداه  نعمتاه، ثم اختلفت عبارة الناس في تعيين النعمتين فقيل نعمة الدنيا ونعمة الآخرة، وقيل النعمة الظاهرة والنعمة الباطنة، وقيل نعمة المطر ونعمة النبات. 
قال القاضي أبو محمد : والظاهر أن قوله تعالى : بل يداه مبسوطتان  عبارة عن إنعامه على الجملة وعبر عنه بيدين جرياً على طريقة العرب في قولهم فلان ينفق بكلتا يديه ومنه قول الشاعر وهو الأعشى :

يداك يدا مجد فكفٌّ مفيدة  وكفٌّ إذا ما ضنَّ بالمال تنفق[(١١)](#foonote-١١)ويؤيد أن اليدين هنا بمعنى الإنعام قرينة الإنفاق، قال أبو عمرو الداني : وقرأ أبو عبد الله **«بل يداه بسطتان »** يقال يد بسطة أي مطلقة، وروي عنه **«بسطان »**، وقوله تعالى : وليزيدن كثيراً منهم ما أنزل إليك من ربك طغياناً وكفراً  إعلام لمحمد صلى الله عليه وسلم بأن هؤلاء اليهود من العتو والبعد عن الحق بحيث إذا سمعوا هذه الأسرار التي لهم والأقوال التي لا يعلمها غيرهم تنزل عليك، طغوا وكفروا، وكان عليهم أن يؤمنوا[(١٢)](#foonote-١٢) إذ يعلمون أنك لا تعرفها إلا من قبل الله، لكنهم من العتو بحيث يزيدهم ذلك طغياناً، وخص تعالى ذكر الكثير إذ فيهم من آمن بالله ومن لا يطغى كل الطغيان. 
وقوله تعالى : وألقينا بينهم العداوة والبغضاء  معطوف على قوله  وقالت اليهود  فهي قصص يعطف بعضها على بعض، و  العداوة  أخص من  البغضاء  لأن كل عدو فهو يبغض، وقد يبغض من ليس بعدو، وكأن العدواة شيء مشتهر يكون عنه عمل وحرب، والبغضاء قد لا تجاوز النفوس، وقد ألقى الله الأمرين على بني إسرائيل، وقوله تعالى : كلما أوقدوا ناراً للحرب أطفأها الله  استعارة بليغة تنبىء عن فض جموعهم وتشتيت آرائهم وتفريق كلمتهم، والآية تحتمل أن تكون إخباراً عن حال أسلافهم أي منذ عصوا وعتوا وهد الله ملكهم رماهم بهذه الأمور، فهم لا ترتفع لهم راية إلى يوم القيامة ولا يقاتلون جميعاً إلا في قرى محصنة، هذا قول الربيع والسدي وغيرهما. وقال مجاهد : معنى الآية كلما أوقدوا ناراً لحرب محمد أطفأها الله، فالآية على هذا تبشير لمحمد صلى الله عليه وسلم والمؤمنين وإشارة إلى حاضريه من اليهود، وقوله تعالى : ويسعون  معنى السعي في هذه الآية العمل والفعل، وقد يجيء السعي بمعنى الانتقال على القدم، وذلك كقوله تعالى : فاسعوا إلى ذكر الله [(١٣)](#foonote-١٣) وإن كان مالك رحمه الله قد قال في الموطأ : إن السعي في قوله : فاسعوا إلى ذكر الله  إنه العمل والفعل، ولكن غيره من أهل العلم جعله على الأقدام وهو الظاهر بقرينة ضيق الوقت وبالتعدية ب **«إلى »**، ويؤيده قراءة عمر بن الخطاب **«فامضوا إلى ذكر الله »** وقوله تعالى : والله لا يحب المفسدين  أي لا يظهر عليهم من أفعاله في الدنيا والآخرة ما يقتضي المحبة. 
١ - من الآية (٢٩) من سورة (الإسراء)..
٢ - رواه البخاري ومسلم وغيرهما، ولفظة: (مثل البخيل والمتصدق كمثل رجلين عليهما جبتان من حديد، من ثديهما إلى تراقيهما، فأما المنفق فلا ينفق إلا سبغت على جلده حتى تخفي بنانه وتطفو أثره، وأما البخيل فلا يريد أن ينفق إلا لزقت كل حلقة مكانها فهو يوسعها فلا تتسع)، والحديث مروي عن أبي هريرة، ورمز له في "الجامع الصغير" بأنه صحيح..
٣ - من قوله تعالى في الآية (٧٥) من سورة (ص): قال يا إبليس ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي..
٤ - من قوله تعالى في الآية (٧١) من سورة (يسن): أو لم يروا أنا خلقنا لهم مما عملت أيدينا أنعاما فهم لها مالكون..
٥ - من قوله تعالى في الآية (١٠) من سورة (الفتح): إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله يد الله فوق أيديهم..
٦ - من قوله تعالى في الآية (٣٩) من سورة (طه): وألقيت عليك محبة مني ولتصنع على عيني..
٧ - من قوله تعالى في الآية (١٤) من سورة (القمر): تجري بأعيننا جزاء لمن كان كفر..
٨ - من قوله تعالى في الآية (٤٨) من سورة (الطور): واصبر لحكم ربك فإنك بأعيننا وسبح بحمد ربك حين تقوم..
٩ - من قوله تعالى في الآية (٨٨) من سورة (القصص):كل شيء هالك إلا وجهه له الحكم وإليه ترجعون..
١٠ - يقال: أعننت بعنّة: إذا تعرضت لشيء لا أعرفه، والرجل المُعن هو الذي يدخل فيما لا يعنيه. والتشقيق مبالغة في الشق، وشقّق الكلام: وسّعه وبيّنه وولّد بعضه من بعض، وفي حديث البيعة: (تشقيق الكلام عليكم شديد)..
١١ - هذا البيت من قصيدته التي يمدح بها المحلق بن خنثم بن شداد بن ربيعة، ومطلعها: 
 أرقت وما هذا السهاد المؤرق وما بي من سقم وما بي معشق
 **ونص البيت في الديوان هكذا:**
 يداك يدا صدق فكف مفيدة وأخرى إذا ما ضنّ بالزّاد تنفق 
 .
١٢ - يريد: وكان المفروض أن يؤمنوا، يقال: ما َنْولك أن تفعل كذا، أي: لا ينبغي لك، وفي الحديث: (ما نول امرئ مسلم أن يقول غير الصواب)..
١٣ - من الآية (٩) من سورة (الجمعة)..

### الآية 5:65

> ﻿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَكَفَّرْنَا عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأَدْخَلْنَاهُمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ [5:65]

هذه الآية تحتمل أن يراد بها معاصرو محمد صلى الله عليه وسلم، والأظهر أنه يراد بها الأسلاف، والمعاصرون داخلون في هذه الأحوال بالمعنى، والغرض الإخبار عن أولئك الذين أطفأ الله نيرانهم وأذلهم بمعاصيهم لو آمنوا بالله وكتابه واتقوا في امتثال أوامره ونواهيه لكفرت سيئاتهم أي ُسترت وُأذهبت ولُأدخلوا الجنة.

### الآية 5:66

> ﻿وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ ۚ مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ ۖ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ سَاءَ مَا يَعْمَلُونَ [5:66]

ولو أنهم أقاموا التوراة  أي أظهروا أحكامها فهي كإقامة السوق وإقامة الصلاة، وذلك كله تشبيه بالقائم من الناس، إذ هي أظهر هيئات المرء، وقوله تعالى : والإنجيل  يقتضي دخول النصارى في لفظ  أهل الكتاب  في هذه الآية، وقوله تعالى : وما أنزل إليهم من ربهم  معناه من وحي وسنن على ألسنة الأنبياء، واختلف المفسرون في معنى  من فوقهم ومن تحت أرجلهم  فقال ابن عباس وقتادة ومجاهد والسدي : المعنى لأعطتهم السماء مطرها وبركتها والأرض نباتها بفضل الله تعالى. وحكى الطبري والزجّاج وغيرهما أن الكلام استعارة ومبالغة في التوسعة كما يقال فلان قد عمه الخير من قرنه إلى قدمه، وذكر النقاش أن المعنى : لأكلوا من فوقهم أي من رزق الجنة ومن تحت أرجلهم من رزق الدنيا، إذ هو من نبات الأرض. قوله تعالى  منهم أمة مقتصدة  معناه : معتدلة، والقصد والاقتصاد : الاعتدال والرفق والتوسط الحسن في الأقوال والأفعال، قال الطبري : معنى الآية أن من بني إسرائيل من هو مقتصد في عيسى عليه السلام يقولون هو عبد الله ورسول وروح منه، والأكثر منهم غلا فيه فقال بعضهم هو إله، وعلى هذا مشى الروم ومن دخل بأخرة[(١)](#foonote-١) في ملة عيسى عليه السلام، وقال بعضهم وهم الأكثر من بني إسرائيل : هو آدمي لغير رشدة، فكفر الطرفان، وقال مجاهد : المقتصدة مسلمة أهل الكتاب قديماً وحديثاً. 
قال القاضي أبو محمد : وعلى هذا يتخرج قول الطبري : ولا يقول في عيسى إنه عبد رسول إلا مسلم، وقال ابن زيد : هم أهل طاعة الله من أهل الكتاب، وهذا هو المترجح، وقد ذكر الزجّاج[(٢)](#foonote-٢) أنه يعني بالمقتصدة الطوائف التي لم تناصب الأنبياء مناصبة المتهتكين المجاهرين. 
قال القاضي أبو محمد : وإنما يتوجه أن توصف بالاقتصاد بالإضافة إلى المتمردة كما يقال في أبي البحتري بن هشام إنه مقتصد بالإضافة إلى أبي جهل بن هشام لعنه الله، ثم وصف تعالى الكثير منهم بسوء العمل عموماً، وذهب الطبري إلى أن ذلك في تكذيبهم الأنبياء، وكفر اليهود بعيسى والجميع من أهل الكتابين بمحمد صلى الله عليه وسلم  ساء  في هذه الآية هي المتصرفة كما تقول ساء الأمر يسوء، وقد تستعمل  ساء  استعمال نعم وبئس، كقوله عز وجل : ساء مثلاً [(٣)](#foonote-٣) فتلك غير هذه، يحتاج في هذه التي في قوله  ساء مثلاً  من الإضمار والتقدير إلى ما يحتاج في نعم وبئس، وفي هذا نظر.

### الآية 5:67

> ﻿۞ يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ ۖ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ ۚ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ ۗ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ [5:67]

وقوله تعالى : يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك  إلى قوله  على القوم الكافرين  هذه الآية أمر من الله ورسوله بالتبليغ على الاستيفاء والكمال. لأنه قد كان بلغ، فإنما أمر في هذه الآية بأن لا يتوقف عن شيء مخافة أحد، وذلك أن رسالته صلى الله عليه وسلم تضمنت الطعن على أنواع الكفرة وبيان فساد حالهم فكان يلقى منهم عنتاً وربما خافهم أحياناً قبل نزول هذه الآية، فقال الله له  بلغ ما أنزل إليك من ربك  أي كاملاً متمماً، ثم توعده تعالى بقوله : وإن لم تفعل فما بلغت رسالاته ، أي إنك إن تركت شيئاً فكأنما قد تركت الكل، وصار ما بلغت غير معتدّ به، فقوله تعالى : وإن لم تفعل  معناه وإن لم تستوف، ونحو هذا قول الشاعر :

سئلت فلم تمنع ولم تعط نائلاً  فسيان لا ذم عليك ولا حمد[(١)](#foonote-١)أي ولم تعط ما يعد نائلاً، وإلا فيتكاذب البيت، وقرأ أبو عمرو وحمزة والكسائي **«فما بلغت رسالته »** على الإفراد، وقرؤوا في الأنعام  حيث يجعل رسالته [(٢)](#foonote-٢) على الجمع، وكذلك في الأعراف  برسالاتي [(٣)](#foonote-٣)، وقرأ ابن كثير في المواضع الثلاثة بإفراد الرسالة، وقرأ نافع **«رسالاته »** بالجمع، وكذلك في الأنعام، وأفرد في الأعراف، وقرأ ابن عامر وعاصم في رواية أبي بكر بجمع الرسالة في المواضع الثلاثة، وروى حفص عن عاصم الإفراد في العقود والأنعام، والجمع في الأعراف، فمن أفرد الرسالة فلأن الشرع كله شيء واحد وجملة بعضها من بعض، ومن جمع فمن حيث الشرع معان كثيرة وورد دفعاً في أزمان مختلفة، وقالت عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها : من زعم أن محمداً كتم شيئاً من الوحي فقد أعظم الفرية، والله تعالى يقول : يا أيها الرسول  الآية[(٤)](#foonote-٤)، وقال عبد الله بن شقيق : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتعقبه أصحابه يحرسونه، فلما نزلت  والله يعصمك من الناس  خرج فقال : يا أيها الناس ألحقوا بملاحقكم فإن الله قد عصمني )[(٥)](#foonote-٥) وقال محمد بن كعب القرظي : نزلت : والله يعصمك من الناس  بسبب الأعرابي الذي اخترط سيف النبي صلى الله عليه وسلم ليقتله به. 
قال القاضي أبو محمد : هو غورث بن الحارث، والقصة في غزوة ذات الرقاع[(٦)](#foonote-٦)، وقال ابن جريج كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يهاب قريشاً فلما نزلت هذه الآية إلى قوله  والله يعصمك من الناس  استلقى وقال : من شاء فليخذلني، مرتين أو ثلاثاً[(٧)](#foonote-٧). 
و يعصمك  معناه يحفظك ويجعل عليك وقاية، ومنه قوله تعالى : يعصمني من الماء [(٨)](#foonote-٨) ومنه قول الشاعر :
فقلت عليكم مالكاً إن مالكاً. . . سيعصمكم إن كان في الناس عاصم[(٩)](#foonote-٩)
وهذه العصمة التي في الآية هي من المخاوف التي يمكن أن توقف عن شيء من التبليغ كالقتل والأسر والأذى في الجسم ونحوه، وأما أقوال الكفار ونحوها فليست في الآية، وقوله تعالى : لا يهدي القوم الكافرين  إما على الخصوص فيمن سبق في علم لا يؤمن، وإما على العموم على أن لا هداية في الكفر، ولا يهدي الله الكافر في سبل كفره. 
١ - النائل: ما ينال ويُدرك، أو العطية، فكلام ابن عطية يتفق تماما مع قصد الشاعر، وإلا كذّب الكلام بعضه بعضا..
٢ - من الآية (١٢٤) من سورة (الأنعام)..
٣ - من قوله تعالى في الآية (١٤٤) من سورة الأعراف: إني اصطفيتك على الناس برسالاتي وبكلامي..
٤ - الحديث في الصحيحين بلفظ: (فقد كذب)، وفي الطبري عن مسروق الأجدع بلفظ: (لقد أعظم الفرية). "فتح القدير والطبري"..
٥ - أخرجه ابن جرير، وابن مردويه- عن عبد الله بن شقيق- "الدر المنثور"- والأحاديث المروية في هذا كثيرة وهي ثابتة في الصحاح..
٦ - أخرج ابن أبي حاتم عن جابر بن عبد الله قال: لما غزا رسول الله صلى الله عليه وسلم بني أنمار نزل بذات الرقاع بأعلى نخل، فبينا هو جالس على رأس بئر قد دلى رجليه، قال غورث ابن الحارث: لأقتلن محمدا، فقال له أصحابه: كيف تقتله؟ قال: أقول له: أعطني سيفك فإذا أعطانيه قتلته به، فأتاه فقال: يا محمد، أعطني سيفك أشمه، فأعطاه إياه، فرعدت يده، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حال الله بينك وبين ما تريد، فأنزل الله: يا أيها الرسول بلغ.. الآية..
٧ - أخرجه ابن جرير عن ابن جريج (الدر المنثور)..
٨ -من الآية (٤٣) من سورة (هود) – في قوله تعالى: قال سآوي إلى جبل يعصمني من الماء.
٩ - لم نقف على نسبة البيت- والعاصم هو الحامي من الأعداء، أو من أحداث الزمان، وقوله: عليكم مالكا- أي: الزموه وقت الشدائد والمحن فإنه يحميكم ويدفع عنكم غائلات الزمان..

### الآية 5:68

> ﻿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَىٰ شَيْءٍ حَتَّىٰ تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ ۗ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا ۖ فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ [5:68]

ثم أمر تعالى نبيه محمداً عليه السلام أن يقول لأهل الكتاب الحاضرين معه  لستم على شيء  أي على شيء مستقيم حتى تقيموا التوراة والإنجيل، وفي إقامة هذين الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم، وقوله تعالى : وما أنزل إليكم من ربكم  يعني به القرآن، قاله ابن عباس وغيره ثم أخبر تعالى نبيه أنه سيطغى كثير منهم بسبب نبوة محمد صلى الله عليه وسلم، ويزيده نزول القرآن والشرع كفراً وحسداً، ثم سلاه عنهم وحقرهم بقوله  فلا تأس على القوم الكافرين  أي لا تحزن إذ لم يؤمنوا ولا تبال عنهم، والأسى الحزن يقال أسي الرجل يأسى أسىً إذا حزن، ومنه قول الراجز :
\*وانحلبت عيناه من فرط الأسى\*[(١)](#foonote-١)
وأسند الطبري إلى ابن عباس قال : جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم رافع بن جارية وسلام بن مشكم ومالك بن الصيف ورافع بن حريملة فقالوا : يا محمد ألست تزعم أنك على ملة إبراهيم وأنك تؤمن بالتوراة وبنبوة موسى وأن جميع ذلك حق ؟ قال : بلى، ولكنكم أحدثتم وغيرتم وكتمتم، فقالوا : إنّا نأخذ بما في أيدينا فإنه الحق ولا نصدقك ولا نتبعك، فنزلت الآية بسبب ذلك  قل يا أهل الكتاب  الآية[(٢)](#foonote-٢).

١ - قال في (اللسان): تحلب العرق وانحلب: سال: وتحلّب فوه: سال، وتحلبت عيناه وانحلبتا قال:
 \*وانحلبت عيناه من طول الأسى\*
 ولم ينسب الرجز إلى أحد..
٢ - أخرجه ابن إسحاق، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ- عن ابن عباس رضي الله عنهما..

### الآية 5:69

> ﻿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصَارَىٰ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ [5:69]

الذين  لفظ عام لكل مؤمن من ملة محمد ومن غيرها من الملل، فكأن ألفاظ الآية حصر بها الناس كلهم، وبينت الطوائف على اختلافها، وهذا تأويل جمهور المفسرين، وقال الزجاج المراد بقوله : إن الذين آمنوا  المنافقون، فالمعنى أن الذين آمنوا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم. 
قال القاضي أبو محمد : فكأن ألفاظ الآية عدت الطوائف التي يمكن أن تنتقل إلى الإيمان، ثم نفى عنهم الخوف والحزن بشرط انتقالهم إلى الإيمان بالله واليوم الآخر، وعلى التأويل الأول ويكون قوله  من آمن  في حيز المؤمنين بمعنى ثبت واستمر، وقد تقدم تفسير  هادوا  وتفسير **«الصائبين »** وتفسير  النصارى  في سورة البقرة، واختلف القراء في إعراب الصابئين في هذه الآية فقرأ الجمهور و **«الصابئون »** بالرفع وعليه مصاحف الأمصار والقراء السبعة، وقرأ عثمان بن عفان وعائشة وأبي بن كعب وسعيد بن جبير والجحدري **«والصابين »** وهذه قراءة بينة الإعراب، وقرأ الحسن بن أبي الحسن والزهري **«والصابيون »** بكسر الباء وضم الياء دون همز وقد تقدم في سورة البقرة وأما قراءة الجمهور ****«والصابئون »**** فمذهب سيبويه والخليل ونحاة البصرة أنه من المقدم الذي معناه التأخير وهو المراد به، كأنه قال **«إن الذين آمنوا والذين هادوا من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحاً فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون، والصابئون والنصارى »** كذلك، وأنشد الزجاج نظيراً في ذلك :وإلا فاعلموا أنا وأنتم  بغاة ما بقينا في شقاق[(٣)](#foonote-٣)فقوله وأنتم مقدم في اللفظ مؤخر في المعنى أي وأنتم كذلك، وحكى الزجّاج عن الكسائي والفراء أنهما قالا : و  الصابئون  عطف على  الذين ، إذ الأصل في  الذين  الرفع وإذ نصب  إن  ضعيف[(٤)](#foonote-٤) وخطأ الزجّاج هذا القول وقال : إن  أقوى النواصب، وحكي أيضاً عن الكسائي أنه قال و  الصابئون  عطف على الضمير في  هادوا  والتقدير هادوا هم الصابئون، وهذا قول يرده المعنى لأنه يقتضي أن الصابئين هادوا، وقيل إن معنى نعم، وما بعدها مرفوع بالابتداء[(٥)](#foonote-٥)، وروي عن بعضهم أنه قرأ ****«والصابئون »**** بالهمز، واتصال هذه الآية بالتي قبلها هو أن قيل لهم ليس الحق في نفسه على ما تزعمون من أنكم أبناء الله وأحباؤه، بل لستم على شيء مستقيم حتى تؤمنوا وتقيموا الكتب المنزلة، ثم استأنف الإخبار عن الحق في نفسه بأنه من آمن في كل العالم فهو الفائز الذي لا خوف عليه.

### الآية 5:70

> ﻿لَقَدْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَأَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ رُسُلًا ۖ كُلَّمَا جَاءَهُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَىٰ أَنْفُسُهُمْ فَرِيقًا كَذَّبُوا وَفَرِيقًا يَقْتُلُونَ [5:70]

قوله عز وجل : لقد أخذنا ميثاق بني إسرائيل  الآية، استئناف خبر بفعل أوائلهم وما نقضوا من العهود واجترحوا من الجرائم، أي**«إن العصا من العصية[(١)](#foonote-١) »**، وهؤلاء يا محمد من أولئك فليس قبيح فعلهم ببدع، و  كلما  ظرف والعامل فيه \[ كذبوا \] و\[ يقتلون \]. . وقوله تعالى : بما لا تهوى أنفسهم  يقتضي أن هواهم كان غير الحق وهو ظاهر هوى النفس متى أطلق، فمتى قيد بالخير ساغ ذلك، ومنه قول عمر رضي الله عنه في قصة أسارى بدر : فهوى رسول الله ما قال أبو بكر ولم يهو ما قلت أنا، وقوله تعالى : فريقاً كذبوا  معناه كذبوه فقط، يريد الفريق من الرسل ولم يقتلوه، وفريقاً من الرسل كذبوه وقتلوه، فاكتفى بذكر القتل إذ هو يستغرق التكذيب.

١ - العصا: فرس جذيمة، والعصية: أمها، يضرب في مناسبة الشيء سنخه (أصله) وكانتا كريمتين، ويروى: "العصا من العصية، والأفعى بنت حية" والمعنى أن العود الكبير ينشأ من الصغير الذي غرس أولا، يضرب للشيء الجليل الذي يكون في أوله حقيرا" (المستقصى في أمثال العرب- للزمخشري)..

### الآية 5:71

> ﻿وَحَسِبُوا أَلَّا تَكُونَ فِتْنَةٌ فَعَمُوا وَصَمُّوا ثُمَّ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ثُمَّ عَمُوا وَصَمُّوا كَثِيرٌ مِنْهُمْ ۚ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ [5:71]

المعنى في هذه الآية : وظن هؤلاء الكفرة والعصاة من بني إسرائيل أن لا يكون من الله ابتلاء لهم وأخذ في الدنيا وتمحيص فلجوا في شهواتهم وعموا فيها إذ لم يبصروا الحق شبهوا بالصم، ونحو هذا قول النبي صلى الله عليه وسلم :**«حبك الشيء يعمي ويصم »**[(١)](#foonote-١). 
وقوله تعالى : ثم تاب الله عليهم  قالت جماعة من المفسرين : هذه التوبة هي ردهم إلى بيت المقدس بعد الإخراج الأول ورد ملكهم وحالهم، ثم عموا وصموا بعد ذلك حتى أخرجوا الخرجة الثانية ولم ينجبروا أبداً، وقالت جماعة ثم تاب الله عليهم ببعث عيسى عليه السلام إليهم، وقالت جماعة : توبته تعالى عليهم بعث محمد عليه السلام وخص بهذا العمى[(٢)](#foonote-٢) كثيراً منهم لأن منهم قليلاً آمن، ثم توعدهم بقوله تعالى : والله بصير بما يعملون . 
وقرأ ابن كثير ونافع وعاصم وابن عامر **«ألا تكونَ »** بنصب النون، وقرأ أبو عمرو وحمزة والكسائي **«أن لا تكونُ »** برفع النون، ولم يختلفوا في رفع  فتنةٌ  لأن **«كان »** هنا هي التامة، فوجه قراءة النصب أن تكون ****«أن »**** هي الخفيفة الناصبة، ووجه قراءة الرفع أن تكون المخففة من الثقيلة، وحسن دخولها لأن **«لا »** قد وطأت أن يليها الفعل وقامت مقام الضمير المحذوف عوضاً منه، ولا بد في مثل هذا من عوض[(٣)](#foonote-٣)، مثل قولك علمت أن قد يقوم زيد، وقوله عز وجل  علم أن سيكون منكم مرضى [(٤)](#foonote-٤) وقولك علمت أن سوف يقوم زيد وأن لا تكون فتنة، وقوله تعالى  وأن ليس للإنسان إلا ما سعى [(٥)](#foonote-٥) حسن فيه أن لا يكون عوض لأن ( ليس ) بفعل حقيقي والأفعال ثلاثة ضروب : ضرب يجري مجرى تيقنت نحو علمت ودريت فهذا الضرب تليه ****«أن »**** الثقيلة التي تناسبه في الثبوت وحصول الوقوع، وضرب في الضد من ذلك نحو طمعت ورجوت وخفت هو مصرح بأن لم يقع، فهذا الضرب تليه **«أنْ »** الخفيفة إذ هي تناسبه، كقوله تعالى،  والذي أطمع أن يغفر لي [(٦)](#foonote-٦)  وتخافون أن يتخطفكم الناس [(٧)](#foonote-٧)  فإن خفتم ألا يقيما حدود الله [(٨)](#foonote-٨) و  فخشينا أن يرهقهما طغياناً [(٩)](#foonote-٩) و أأشفقتم أن تقدموا [(١٠)](#foonote-١٠) ونحو هذا، وضرب ثالث ينجذب إلى الأول مرة وإلى الثاني أحيانا نحو ظننت وحسبت وزعمت فيجري مجرى أرجو وأطمع، من حيث الظن والزعم والمحسبة أمور غير ثابتة ولا مستقرة، وقد تنزل منزلة العلم من حيث تستعمل استعماله، كقوله تعالى : والذين يظنون أنهم ملاقو ربهم [(١١)](#foonote-١١) وقوله  إني ظننت أني ملاق حسابيه [(١٢)](#foonote-١٢) وقرأ جمهور الناس **«عَموا وصَموا »** بفتح العين والصاد، وقرأ ابن وثاب والنخعي **«عُموا وصُموا »** بضم العين والميم مخففة وبضم الصاد وهذا هو على أن تجرى مجرى زكم الرجل وأزكمه الله وحم الرجل وأحمه الله، ولا يقال زكمه الله ولا حمه الله، فكذلك يجيء هذا عمى الرجل وأعماه غيره، وصم وأصمه غيره، ولا يقال عميته ولا صممته[(١٣)](#foonote-١٣). 
وقوله تعالى : ثم تاب الله عليهم  أي رجع بهم إلى الطاعة والحق، ومن فصاحة اللفظ استناد هذا الفعل الشريف إلى الله تعالى، واستناد العمى والصمم اللذين هما عبارة عن الضلال إليهم، وقوله تعالى  كثير  يرتفع من إحدى ثلاث جهات، إما على البدل من الواو في قوله  عموا وصموا  وإما على جمع الفعل وإن تقدم على لغة من قال : أكلوني البراغيث، وإما على أن يكون  كثير  خبر ابتداء مضمر[(١٤)](#foonote-١٤).

١ - رواه الإمام أحمد في مسنده، والبخاري في تاريخه، وأبو داود- عن أبي الدرداء في اعتلال القلوب عن أبي برزة بن عساكر، عن عبد الله بن أنيس- ورمز له في الجامع الصغير بأنه حديث حسن..
٢ - جاء في بعض النسخ: وخص بهذا المعنى، وما أثبتناه عن بقية النسخ أقرب إلى الصواب لأنه المناسب لقوله تعالى: ثم عموا وصموا كثير منهم..
٣ -زيادة على ما أشار إليه ابن عطية من وجود العوض فإنهم نزّلوا (حسب) منزلة (علم) لأنها استعملت في المتيقن قليلا- كما أشار هو بعد ذلك- قال الشاعر:
 حسبت التُّقى والجود خير تجارة رباحا إذا ما المرء أصبح ثاقلا
 **ومثل (حسب) في ذلك (زعم) قال الشاعر:**
 ألا زعمت بسباسة اليوم أنّني كبرت وأن لا يشهد اللهو أمثالي..
٤ - من الآية (٢٠) من سورة (المزمل)..
٥ - الآية (٣٩) من سورة (النجم)..
٦ - من قوله تعالى في الآية (٨٢) من سورة (الشعراء): والذي أطمع أن يغفر لي خطيئتي يوم الدين..
٧ - من الآية (٢٦) من سورة (الأنفال) واذكروا إذ أنتم قليل مستضعفون في الأرض تخافون أن يتخطفكم الناس..
٨ - من الآية (٢٢٩) من سورة (البقرة) فإن خفتم ألا يقيما حدود الله فلا جناح عليهما فيما افتدت به..
٩ - من الآية (٨٠) من سورة (الكهف)..
١٠ - من قوله تعالى في الآية (١٣) من سورة (المجادلة): أأشفقتم أن تقدموا بين يدي نجواكم صدقة.
١١ - من الآية (٤٦) من سورة (البقرة)..
١٢ - الآية (١٠) من سورة (الحاقة)..
١٣ - قال في "البحر المحيط" عن "زكم وحمّ" وأمثالهما: "وهي أفعال جاءت مبنية للمفعول الذي لم يسم فاعله، وهي متعدية ثلاثية، فإذا بنيت للفاعل صارت قاصرة، فإذا أردت بناءها للفاعل متعدية أدخلت همزة النقل، وهي نوع غريب في الأفعال".
 أما الزمخشري فيقول: "وعموا وصموا بالضم على تقدير" عماهم الله وصمهم، أي: رماهم بالعمى والصمم، كما يقال: تركته إذا ضربته بالنيزك، وركبته إذا ضربته بركبتك". اهـ..
١٤ - ذكر ثلاثة أوجه في إعراب \[كثير\] الأول: البدل من الواو- قال الأخفش سعيد: كما تقول: "رأيت قومك ثلثيهم"، الثاني: أن تكون على لغة من يجمع الفعل- أي اللغة المشهورة بلغة أكلوني البراغيث، قال القرطبي: وعليه قول الشاعر- وهو الفرزدق:
 ولكن ديافي أبوه وأمه بَحْوران يعصرن السليط أقاربه
 ودياف: قرية بالشام أو بالجزيرة، والسليط: الزيت- والبيت في هجاء عمرو بن عفراء.
 وعليه قوله تعالى: وأسروا النجوى الذين ظلموا. الثالث: أن تكون \[كثير\] خبر مبتدأ مضمر تقديره: العمي والصم كثير منهم، ثم قال القرطبي: ويجوز في غير القرآن (كثيرا) بالنصب، ويكون نعتا لمصدر محذوف..

### الآية 5:72

> ﻿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ ۖ وَقَالَ الْمَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ ۖ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ ۖ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ [5:72]

ثم أخبر تعالى إخباراً مؤكداً بلام القسم عن كفر القائلين : إن الله هو المسيح ابن مريم  وهذا قول اليعقوبية من النصارى، ثم أخبر تعالى عن قول المسيح لهم وتبليغه كيف كان ؟ قال : وقال المسيح يا بني إسرائيل  الآية، وهذه المعاني قول المسيح بألفاظ لغته، وهي بعينها موجودة في تبليغ محمد صلى الله عليه وسلم في قوله إن الله لا يغفر أن يشرك به [(١)](#foonote-١) إلى غير ذلك من الآيات، وأخبرهم عيسى عليه السلام أن الله تعالى هو ربه وربهم فضلوا هم وكفروا بسبب ما رأوا على يديه من الآيات، و **«المأوى »** هو المحل الذي يسكنه المرء ويرجع إليه، وقوله تعالى  وما للظالمين من أنصار  يحتمل أن يكون من قول عيسى عليه السلام لبني إسرائيل، ويحتمل أن يكون إخباراً مستأنفاً لمحمد صلى الله عليه وسلم، وقد تقدم القول في تفسير لفظة المسيح في سورة آل عمران.

١ - من الآية (١١٦) من سورة (النساء)..

### الآية 5:73

> ﻿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ ۘ وَمَا مِنْ إِلَٰهٍ إِلَّا إِلَٰهٌ وَاحِدٌ ۚ وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ [5:73]

هذه الآية إخبار مؤكد كالذي قبله، وهو عن هذه الفرقة الناطقة بالتثليت وهي- فيما يقال- الملكية، وهم فرق منهم النسطورية وغيرهم، ولا معنى لذكر أقوالهم في كتاب تفسير، إنما الحق أنهم على اختلاف أحوالهم كفار من حيث جعلوا في الألوهية عدداً ومن حيث جعلوا لعيسى عليه السلام حكماً إلهياً، وقوله تعالى  ثالث ثلاثة  لا يجوز فيه إلا الإضافة وخفض  ثلاثةٍ  لأن المعنى أحد ثلاثة فإن قلت زيد ثالث اثنين أو رابع ثلاثة جازلك أن تضيف كما تقدم، وجاز أن لا تضيف وتنصب ثلاثة على معنى زيد يربع ثلاثة، وقوله تعالى  وما من إله إلا إله واحد  خبر صادع بالحق، وهوالخالق المبتدع المتصف بالصفات العلى تعالى عما يقول المبطلون، ثم توعد تبارك وتعالى هؤلاء القائلين هذه العظيمة بمس العذاب، وذلك وعيد بعذاب الدنيا من القتل والسبي، وبعذاب الآخرة بعد، لا يفلت منه أحد منهم.

### الآية 5:74

> ﻿أَفَلَا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ ۚ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ [5:74]

ثم رفق جل وعلا بهم بتحضيضه إياهم على التوبة وطلب المغفرة، ثم وصف نفسه بالغفران والرحمة استجلاباً للتائبين وتأنيساً لهم ليكونوا على ثقة من الانتفاع بتوبتهم.

### الآية 5:75

> ﻿مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ ۖ كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ ۗ انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْآيَاتِ ثُمَّ انْظُرْ أَنَّىٰ يُؤْفَكُونَ [5:75]

ثم أخبر تعالى عن حقيقة أمر المسيح وأنه رسول بشر كالرسل المتقدمة قبله، و  خلت  معناه مضت وتقدمت في الخلاء من الأرض، وقرأ حطان بن عبد الله الرقاشي **«قد خلت من قبله رسل »** بتنكير الرسل، وكذلك قرأ  وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل [(١)](#foonote-١) وقد مضى القول على وجه هذه القراءة هناك، وقوله تعالى : وأمه صديقة  صفة ببناء مبالغة من الصدق، ويحتمل أن يكون من التصديق وبه سمي أبو بكر رضي الله عنه لتصديقه، وهذه الصفة لمريم تدفع قول من قال هي نبية، وقد يوجد في صحيح الحديث قصص قوم كلمتهم ملائكة في غير ما فن كقصة الثلاثة : الأقرع والأعمى والأبرص وغيرهم[(٢)](#foonote-٢)، ولا تكون هنالك نبوة، فكذلك أمر مريم، وقوله تعالى : كانا يأكلان الطعام  تنبيه على نقص البشرية على حال من الاحتياج إلى الغذاء تنتفي معها الألوهية، وذكر مكي والمهدي وغيرهما أنها عبارة عن الاحتياج إلى الغائط وهذا قول بشع ولا ضرورة تدفع إليه حتى يقصد هذا المعنى بالذكر وإنما هي عبارة عن الاحتياج إلى التغذي ولا محالة أن الناظر إذا تأمل بذهنه لواحق التغذي وجد ذلك وغيره، ثم أمر تعالى محمداً صلى الله عليه وسلم وفي الضمن أمته بالنظر في ضلال هؤلاء القوم وبعدهم عن سنن الحق، وأن الآيات تبين لهم وتبرز في غاية الوضوح، ثم هم بعد ذلك يصرفون أي تصرفهم دواعيهم ويزيلهم تكسلهم عن الحق، و  كيف  في هذه الآية ليست سؤالاً عن حال لكنها عبارة عن حال شأنها أن يسأل عنها بكيف، وهذا كقولك : كن كيف شئت فأنت صديق، و  أنى  معناها من أي جهة، قال سيبويه معناها كيف ومن أين، و  يؤفكون  معناه : يصرفون، ومنه قوله عز وجل : يؤفك عنه من أفك [(٣)](#foonote-٣) والأرض المأفوكة التي صرفت عن أن ينالها المطر، والمطر في الحقيقة هو المصروف، ولكن قيل أرض مأفوكة لما كانت مأفوكة عنها[(٤)](#foonote-٤).

### الآية 5:76

> ﻿قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا ۚ وَاللَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ [5:76]

أمر الله نبيه أن يوقفهم على عبادتهم شخصاً من البشر لا يملك أن يضرهم ولا أن ينفعهم، و  من دون  ودون فلان وما جاء من هذه اللفظة فإنما تضاف إلى من ليس في النازلة التي فيها القول، وتفسيرها ب ( غير ) أمر غير مطرد، و ****«الضَّر »**** بفتح الضاد المصدر، و ****«الضَّر »**** بضمها الاسم وهو عدم الخير، و  السميع  هنا إشارة إلى تحصيل أقوالهم والعليم بنياتهم، وقال بعض المفسرين : هاتان الصفتان منبهتان على قصور البشر، أي والله تعالى هو السميع العليم بالإطلاق لا عيسى ولا غيره، وهم مقرون أن عيسى قد كان مدة لا يسمع ولا يعلم، وقال نحوه مكي[(١)](#foonote-١).

١ - القول بأن عيسى عليه السلام قد كان مدة لا يسمع ولا يعلم أخذها بعض العلماء وجعلها سببا للتعبير بـ(ما) في قوله تعالى: أتعبدون من دون الله ما لا يملك ففي اختيار (ما) تنبيه على أول أحواله، إذ مرت عليه أزمان حالة الحمل لا يوصف فيها بالعقل- وقال سيبويه: (ما) مبهمة تقع على كل شيء، وقيل: أريد ما عبد من دون الله ممن يعقل ومما لا يعقل وعبر بما تغليبا لغير العاقل إذ أكثر ما عبد من دون الله هو لغير العاقل كالأوثان والأصنام. والله أعلم..

### الآية 5:77

> ﻿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ [5:77]

ثم أمر تعالى نبيه محمداً أن ينهاهم عن الغلو في دينهم، والغلو تجاوز الحد، غلا السهم إذا تجاوز الغرض المقصود واستوفى سومه من الاطراد[(١)](#foonote-١)، وتلك المسافة هي غلوته[(٢)](#foonote-٢)، وكما كان قوله  لا تغلوا  بمعنى لا تقولوا ولا تلتزموا نصب  غير  وليس معنى هذه الآية جنبوا من دينكم الذي أنتم عليه الغلو، وإنما معناه في دينكم الذي ينبغي أن يكون دينكم، لأن كل إنسان فهو مطلوب بالدين الحق وحري أن يتبعه ويلتزمه، وهذه المخاطبة هي للنصارى الذين غلوا في عيسى، والقوم الذين نهي النصارى عن اتباع أهوائهم بنو إسرائيل، ومعنى الآية لا تتبعوا أنتم أهواءكم كما اتبع أولئك أهواءهم، فالمعنى لا تتبعوا طرائقهم، والذي دعا إلى هذا التأويل أن النصارى في غلوهم ليسوا على هوى بني إسرائيل هم بالضد في الأقوال وإنما اجتمعوا في اتباع نوع الهوى، فالآية بمنزلة قولك لمن تلومه على عوج، هذه طريقة فلان، تمثله بآخر قد اعوج نوعاً آخر من الاعوجاج وإن اختلفت نوازله ووصف تعالى اليهود بأنهم ضلوا قديماً وأضلوا كثيراً من أتباعهم، ثم أكد الأمر بتكرار قوله تعالى : وضلوا عن سواء السبيل  وذهب بعض المتأولين إلى أن المعنى يا أهل الكتاب من النصارى لا تتبعوا أهواء هؤلاء اليهود الذين ضلوا من قبل، أي ضل أسلافهم وهم قبل مجيء محمد، وأضلوا كثيراً من المنافقين وضلوا عن سواء السبيل الآن بعد وضوح الحق.

١ - يقال: سام أي: مرّ، وسم الرياح مرّّها، وقال الأصمعي: السّوم: سرعة المرّ، فمعنى قول ابن عطية: "واستوفى سومه" أي: سرعة مروره، وقال غير الأصمعي: السّوم: سرعة المر مع قصد الصوب في السير (اللسان)..
٢ - الغَلوة: قدر رمية بسهم، وقد تستعمل الغلوة في سباق الخيل، والغلوة: الغاية مقدار رمية. (اللسان)..

### الآية 5:78

> ﻿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَىٰ لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ۚ ذَٰلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ [5:78]

وقوله تعالى : لعن الذين كفروا من بني إسرائيل  الآية. قد تقرر في غير موضع من القرآن ما جرى في مدة موسى من كفر بعضهم وعتوهم، وكذلك أمرهم مع محمد عليه السلام كان مشاهداً في وقت نزول القرآن، فخصت هذه الآية داود وعيسى إعلاماً بأنهم لعنوا في الكتب الأربعة وأنهم قد لعنوا على لسان غير موسى ومحمد عليهما السلام، وقال ابن عباس رحمه الله : لعنوا بكل لسان لعنوا على عهد موسى في التوراة وعلى عهد داود في الزبور وعلى عهد عيسى في الإنجيل وعلى عهد محمد في القرآن، وروى ابن جريج أنه اقترن بلعنتهم على لسان داود أن مسخوا خنازير، وذلك أن داود عليه السلام مر على نفر وهم في بيت فقال من في البيت ؟ قالوا : خنازير على معنى الانحجاب، قال : اللهم اجعلهم خنازير، فكانوا خنازير، ثم دعا عيسى على من افترى عليه على أن يكونوا قردة فكانوا قردة، وقال مجاهد وقتادة : بل مسخوا في زمن داود قردة وفي زمن عيسى خنازير، وحكى الزجّاج نحوه. 
قال القاضي أبو محمد : وذكر المسخ ليس مما تعطيه ألفاظ الآية، وإنما تعطي ألفاظ الآية أنهم لعنهم الله وأبعدهم من رحمته وأعلم بذلك العباد المؤمنون على لسان داود النبي في زمنه وعلى لسان عيسى في زمنه، وروي عن ابن عباس أنه قال : لعن على لسان داود أصحاب السبت، وعلى لسان عيسى الذين كفروا بالمائدة، وقوله تعالى : ذلك  إشارة إلى لعنتهم وباقي الآية بيّن.

### الآية 5:79

> ﻿كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ ۚ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ [5:79]

ذم الله تعالى هذه الفرقة الملعونة بأنهم  كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه  أي إنهم كانوا يتجاهرون بالمعاصي وإن نهى منهم ناه فعن غير جد، بل كانوا لا يمتنع الممسك منهم عن مواصلة العاصي ومؤاكلته وخلطته، وروى ابن مسعود قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :**«إن الرجل من بني إسرائيل كان إذا رأى أخاه على ذنب نهاه عنه تعزيراً، فإذا كان من الغد لم يمنعه ما رأى منه أن يكون خليطه وأكيله، فلما رأى الله ذلك منهم ضرب بقلوب بعضهم على بعض ولعنهم على لسان نبيهم داود وعيسى، قال ابن مسعود : وكان رسول الله متكئاً فجلس، وقال : لا والله حتى تأخذوا على يدي الظالم فتأطروه على الحق أطراً »**[(١)](#foonote-١). 
قال القاضي أبو محمد : والإجماع على أن النهي عن المنكر واجب لمن أطاقه ونهى بمعروف وَأِمن الضرر عليه وعلى المسلمين، فإن تعذر على أحد النهي لشيء من هذه الوجوه ففرض عليه الإنكار بقلبه وأن لا يخالط ذا المنكر، وقال حذاق أهل العلم : ليس من شروط الناهي أن يكون سليماً من المعصية، بل ينهى العصاة بعضهم بعضاً، وقال بعض الأصوليين فرض على الذين يتعاطون الكؤوس أن ينهى بعضهم بعضاً. واستدل قائل هذه المقالة بهذه الآية، لأن قوله  يتناهون  و  فعلوه  يقتضي اشتراكهم في الفعل وذمهم على ترك التناهي. وقوله تعالى  لبئس ما كانوا يفعلون  اللام لام قسم، جعل الزجاج  ما  مصدرية وقال : التقدير لبئس شيئاً فعلهم. 
قال القاضي أبو محمد : وفي هذا نظر، وقال غيره  ما  نكرة موصوفة، التقدير : لبئس الشيء[(٢)](#foonote-٢) الذي كانوا يفعلون فعلاً.

١ - أخرجه عبد الرزاق، وعبد بن حميد، وأبو داود، والترمذي، وحسنه، وابن ماجة، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، والبيهقي-عن ابن مسعود- وقد روى هذا الحديث من طرق كثيرة. وأحاديث في هذا الباب كثيرة. (فتح القدير. الدر المنثور)..
٢ - في بعض النسخ سقطت كلمة (الشيء) والمعنى صحيح..

### الآية 5:80

> ﻿تَرَىٰ كَثِيرًا مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا ۚ لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ [5:80]

وقوله تعالى لمحمد صلى الله عليه وسلم : ترى كثيراً  يحتمل أن يكون رؤية قلب وعلى هذا فيحتمل أن يريد من الأسلاف المذكورين، أي ترى الآن إذا خبرناك، ويحتمل أن يريد من معاصري محمد صلى الله عليه وسلم لأنه كان يرى ذلك من أمورهم ودلائل حالهم، ويحتمل أن تكون الرؤية رؤية عين فلا يريد إلا معاصري محمد صلى الله عليه وسلم، وقوله تعالى : لبئس ما قدمت لهم أنفسهم  أي قدمته للآخرة واجترحته، ثم فسر ذلك قوله تعالى : أن سخط الله عليهم  ف  أن سخط  في موضع رفع بدل من  ما ، ويحتمل أن يكون التقدير هو أن سخط الله عليهم، وقال الزجاج :**«أن »** في موضع نصب ب  أن سخط الله عليهم .

### الآية 5:81

> ﻿وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ وَلَٰكِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ فَاسِقُونَ [5:81]

وقوله تعالى : و  النبي  إن كان المراد الأسلاف فالنبي داود وعيسى، وإن كان المراد معاصري محمد فالنبي محمد عليه السلام، والذين كفروا هم عبدة الأوثان، وخص الكثير منهم بالفسق إذ فيهم قليل قد آمن. 
وذهب بعض المفسرين إلى أن قوله تعالى : ترى كثيراً منهم  كلام منقطع من ذكر بني إسرائيل وأنه يعني به المنافقين، وقال مجاهد رحمه الله : ولو كانوا يؤمنون  آية يعني بها المنافقون.

### الآية 5:82

> ﻿۞ لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا ۖ وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَىٰ ۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ [5:82]

اللام في قوله  لتجدن  لام الابتداء، وقال الزجّاج هي لام قسم، ودخلت هذه النون الثقيلة لتفصل بين الحال والاستقبال[(١)](#foonote-١). 
**قال القاضي أبو محمد :**
وهذا خبر مطلق منسحب على الزمن كله، وهكذا هو الأمر حتى الآن، وذلك أن اليهود َمَرنوا[(٢)](#foonote-٢) على تكذيب الأنبياء وقتلهم، وَدِربوا العتو والمعاصي[(٣)](#foonote-٣) وَمَردوا[(٤)](#foonote-٤) على استشعار اللعنة وضرب الذلة والمسكنة، فهم قد لحجت[(٥)](#foonote-٥) عداواتهم وكثر حسدهم، فهم أشد الناس عداوة للمؤمنين وكذلك المشركون عبدة الأوثان من العرب والنيران من المجوس لأن الإيمان إياهم كَّفر وعروشهم ثَّل[(٦)](#foonote-٦)، وبين أنهم ليسوا على شيء من أول أمرهم فلم يبق لهم بقية فعداوتهم شديدة. والنصارى أهل الكتاب يقضي لهم شرعنا بأن أول أمرهم صحيح لولا أنهم ضلوا، فهم يعتقدون أنهم لم يضلوا وأن هذه الآية لم تنسخ شرعهم[(٧)](#foonote-٧)، ويعظمون من أهل الإسلام من استشعروا منه صحة دين، ويستهينون من فهموا منه الفسق، فهم إذا حاربوا فإنما حربهم أنفة وكسب لا أن شرعهم يأخذهم بذلك، وإذا سالموا فسلمهم صاف، ويعين على هذا أنهم أمة شريفة الخلق، لهم الوفاء والخلال الأربع التي ذكر عمرو بن العاصي في صحيح مسلم[(٨)](#foonote-٨)، وتأمل أن النبي صلى الله عليه وسلم سر حين غلبت الروم فارس، وذلك لكونهم أهل كتاب، ولم يرد عليه السلام أن يستمر ظهور الروم وإنما ُسَّر بغلبة أهل كتاب لأهل عبادة النار، وانضاف إلى ذلك أن غلب العدو الأصغر وانكسرت شوكة العدو الأكبر المخوف على الإسلام، واليهود لعنهم الله ليسوا على شيء من هذه الخلق بل شأنهم الخبث والليّ بالألسنة، وفي خلال إحسانك إلى اليهودي يبغيك هو الغوائل[(٩)](#foonote-٩) إلا الشاذ القليل منهم ممن عسى أن تخصص بأدب وأمور غير ما علم أولا. ولم يصف الله تعالى النصارى بأنهم أهل ود وإنما وصفهم بأنهم أقرب من اليهود والمشركين، فهو قرب مودة بالنسبة إلى متباعدين، وفي قوله تعالى : الذين قالوا إنا نصارى  إشارة إلى أن المعاصرين لمحمد صلى الله عليه وسلم من النصارى ليسوا على حقيقة النصرانية بل كونهم نصارى قول منهم وزعم، وقوله تعالى : ذلك بأن منهم قسيسين ورهباناً  معناه ذلك بأن منهم بأن منهم أهل خشية وانقطاع إلى الله وعبادة وإن لم يكونوا على هدى، فهم يميلون إلى أهل العبادة والخشية وليس عند اليهود ولا كان قط أهل ديارات وصوامع وانقطاع عن الدنيا، بل هم معظمون لها متطاولون في البنيان وأمور الدنيا حتى كأنهم لا يؤمنون بالآخرة، فلذلك لا يرى فيهم زاهد، ويقال **«قس »** بفتح القاف وبكسرها وقسيس وهو اسم أعجمي عرّب، والقس في كلام العرب النميمة وليس من هذا[(١٠)](#foonote-١٠). 
وأما الرهبان فجمع راهب. وهذه تسمية عربية والرهب الخوف، ومن الشواهد على أن الرهبان جمع قول الشاعر جرير :

رهبان مدين لو رأوك تنزلوا  والعصم من شغف العقول الفادر[(١١)](#foonote-١١)وقد قيل الرهبان اسم مفرد والدليل عليه قول الشاعر :
لو عاينت رهبان دير في القلل تحدَّر الرهبان يمشي ونزل[(١٢)](#foonote-١٢)
قال القاضي أبو محمد : ويروى و **«يزل »** بالياء من الزلل، وهذه الرواية أبلغ في معنى غلبة هذه المرأة على ذهن هذا الراهب، ووصف الله تعالى النصارى بأنهم لا يستكبرون، وهذا بين موجود فيهم حتى الآن، واليهودي متى وجد غروراً طغى وتكبر، وإنما أذلهم الله وأضرعتهم الحمى وداسهم كلكل الشريعة ودين الإسلام أعلاه الله، وذكر سعيد بن جبير ومجاهد وابن عباس أن هذه الآية نزلت بسبب وفد بعثهم النجاشي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ليروه ويعرفوا حاله، فقرأ النبي صلى الله عليه وسلم عليهم القرآن وآمنوا ورجعوا إلى النجاشي فآمن، ولم يزل مؤمناً حتى مات فصلى عليه النبي صلى الله عليه وسلم. 
قال القاضي أبو محمد : وروي أن نعش النجاشي كشف للنبي صلى الله عليه وسلم فكان يراه من موضعه بالمدينة وجاء الخبر بعد مدة أن النجاشي دفن في اليوم الذي صلى فيه النبي صلى الله عليه وسلم عليه، وذكر السدي : أنهم كانوا اثني عشر : سبعة عليهم ثياب الصوف وكلهم صاحب صومعة اختارهم النجاشي الخِّير فالخِّير، وذكر السدي : أن النجاشي خرج مهاجراً فمات في الطريق. 
قال القاضي أبو محمد : وهذا ضعيف لم يذكره أحد من العلماء بالسيرة، وقال قتادة : نزلت هذه الآيات في قوم كانوا مؤمنين ثم آمنوا بمحمد عليه السلام. 
قال القاضي أبو محمد : وفرق الطبري بين هذين القولين وهما واحد، وروى سلمان الفارسي عن النبي صلى الله عليه وسلم ذلك بأن منهم صديقين ورهباناً[(١٣)](#foonote-١٣). 
١ - يرى ابن عطية أن اللام لام الابتداء، ويخالفه أبو حيان في "البحر"، ورأي الزجاج أنها لام قسم، أما قوله: "ودخلت هذه النون..." فهذا هو رأي الخليل وسيبويه، وليس من رأي الزجاج أو قوله كما قد يُفهم من الكلام..
٢ - مرن على الشيء: تعوّد تناوله بدون حياء أو خجل. "المعجم الوسيط- مرن"- والكلمة دقيقة في وصف اليهود..
٣ - (درِب) على وزن (فرح) لا تتعدى بنفسها، يقال: درب به دربا ودُربة: اعتاده وأولع به، ودرب على الشيء: مرن وحذق. ولعل الخطأ في الأصول من النساخ، والدليل على ذلك أن أبا حيان قد نقل عبارة ابن عطية هكذا: "وذلك أنهم مرنوا على تكذيب الأنبياء وقتلهم، وعلى العتو والمعاصي... الخ" بدون جملة (ودربوا). والعتو: الاستكبار ومجاوزة الحد..
٤ - (مرد): جاوز حد أمثاله في الطغيان، أو بلغ غاية يخرج بها من جملتهم، وفي التنزيل العزيز: (مردّوا على النفاق)..
٥ - لحجت العداوة: يريد تمكنت من صدورهم، ومنه: لحج السيف في غمده بمعنى: نشب فيه ولم يخرج. (المعجم الوسيط)..
٦ - أصل التعبير: "لأن الإيمان كفّر إياهم، وثلّ عروشهم" فقدم المفعول في الجملتين، ومعنى (تلّ عرشه) أذهب سلطانه، يقال: ثلّ الدار: هدمها، وثلّ الكثيب ثلاّ: هال تُربة. (اللسان)..
٧ - يريد بالملة: ملّة المسلمين، فالنصارى يعتقدون أن الإسلام لم ينسخ شريعتهم- وقد جاء في بعض النسخ (الآية) بدلا من (الملة)..
٨ - روى مسلم في "كتاب الفتن وأشراط الساعة" عن موسى بن علي عن أبي قال: قال المستورد القرشي عند عمرو بن العاص: "سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: تقوم الساعة والروم أكثر الناس، فقال له عمرو: أبصر ما تقول، قال: أقول ما سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: لئن قلت ذلك إن فيهم لخصالا أربعا: إنهم لأحلم الناس عند فتنة، وأسرعهم إفاقة بعد معصية، وأوشكهم كرّة بعد فرّة، وخيرهم لمسكين ويتيم وضعيف، وخامسة حسنة جميلة: وأمنعهم من ظلم الملوك"..
٩ -أخرج أبو الشيخ وابن مردويه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما خلا يهودي بمسلم إلا همّ بقتله، وفي لفظ: إلا حدّث نفسه بقتله. (الدر المنثور ٢/ ٣٠٢).
١٠ - القسيس: العالم، وأصله من قسّ إذا تتبّع الشيء فطلبه، قال رؤبة بن العجاج يصف نساء عفيفات لا يتتبعن النمائم:
 يمسين من قسّ الأذى غوافلا لا جعبريات ولا طهاملا
 والجعبريات: القصار، واحدتها: جعبرة، والطّهامل: الضخام مع قبح الخلقة، واحدتها: طهملة. والقس أيضا: رئيس من رؤساء النصارى في الدين والعلم، وجمعه قسوس وقسيس، على مثال: شرّ وشرير، ويجمع قسيس تكسيرا على قساوسة بإبدال إحدى السينين واوا. (راجع: لسان العرب- والقرطبي، وفتح القدير)..
١١ - هذا البيت لجرير من قصيدة مطلعها:
 طرب الحمام بذي الأراك فهاجني لا زلت في غلل وأيك ناضر
 والخطاب في قوله: "لو رأوك" لمن خاطبها في البيت السابق على البيت الذي استشهد به ابن عطية :"يا أم طلحة مالقينا مثلكم"، والعصم: الوعول، وإنما سميت عُصما لبياض في أيديها، والفادر: المسن منها، وجمعه: فُدور، والعقول: المتحرزة =في شغف الجبال، وشعف كل شيء: أعلاه، يقول: لو أن رهبان مدين المعروفين بالنسك والتصون رأوك لنزلوا من صوامعهم، وكذلك الوعول المسنة التي اعتصمت في أعالي الجبال..
١٢ -روى صاحب اللسان البيت هكذا:
 لو كلمت رهبان دير في القلل لانحدر الرهبان يسعى فنزل
 ولم ينسبه، بل قال: أنشد ابن الأعرابي، وكذلك رواه في التاج. ورواه في تفسير القرطبي: "لو أبصرت... في الجبل"، وكذلك رواه في "فتح القدير"، أما في "البحر" فقد رواه كما رواه ابن عطية، والقلل: جمع قلة وهي قمة الشيء وأعلاه، وإذا كان الرهبان جمعا كما هو المشهور فالمفرد راهب، الفعل رهب، والترهب هو التعبد في صومعة، قال النابغة:
 لو أنها عرضت لأشمط راهب عبد الإله صرورة متعبد
 لرنا لرؤيتها وحسن حديثهـا ولخاله رشدا وإن لم يرشد
 والصرورة: الذي لم يأت النساء..
١٣ - أخرج أبو عبيد في فضائله، وابن أبي شيبة في مسنده، وعبد بن حميد، والبخاري في تاريخه، والحارث بن أسامة في مسنده، والحكيم الترمذي في نوادر الأصول، والبزار، وابن الأنباري في المصاحف، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والطبراني، وابن مدرويه- عن سلمان أنه سئل عن قوله: ذلك بأن منهم قسيسين ورهبانا قال: الرهبان الذين في الصوامع، نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ذلك بأن منهم صديقين ورهبانا"، ولفظ البزار: دع القسيسين: أقرأني رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ذلك بأن منهم قسيسين) فاقرأني: "ذلك بأن منهم صديقين" (الدر المنثور ٢/ ٣٠٤)..

### الآية 5:83

> ﻿وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَىٰ أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ ۖ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ [5:83]

وقوله تعالى : وإذا سمعوا ما أنزل إلى الرسول ترى أعينهم  الآية، الضمير في  سمعوا  ظاهره العموم ومعناه الخصوص فيمن آمن من هؤلاء القادمين من أرض الحبشة، إذ هم عرفوا الحق وقالوا آمنا، وليس كل النصارى يفعل ذلك، وصدر الآية في قرب المودة عام فيها ولا يتوجه أن يكون صدر الآية خاصاً فيمن آمن، لأن من آمن فهو من الذين آمنوا، وليس يقال فيه : قالوا إنا نصارى ولا يقال في مؤمنين : ذلك بأن منهم قسيسين  ولا يقال إنهم أقرب مودة، بل من آمن فهو أهل مودة محضة، فإنما وقع التخصيص من قوله تعالى : وإذا سمعوا  وجاء الضمير عاماً إذ قد تحمد الجماعة بفعل واحد منها، وفي هذا استدعاء للنصارى ولطف من الله تعالى بهم، ولقد يوجد فيض الدموع غالباً فيهم وإن لم يؤمنوا[(١)](#foonote-١)، وروي أن وفداً من نجران قدم على أبي بكر الصديق في شيء من أمورهم فأمر من يقرأ القرآن بحضرتهم فبكوا بكاء شديداً فقال أبو بكر : هكذا كنا ولكن قست القلوب، وروي أن راهباً من رهبان ديارات الشام نظر إلى أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ورأى عبادتهم وجدهم في قتال عدوهم فعجب من حالهم، وبكى، وقال : ما كان الذين نشروا بالمناشير على دين عيسى بأصبر من هؤلاء ولا أجدّ في دينهم. 
قال القاضي أبو محمد : فالقوم الذين وصفوا بأنهم عرفوا الحق هم الذين بعثهم النجاشي ليروا النبي صلى الله عليه وسلم ويسمعوا ما عنده، فلما رأوه قرأ عليهم القرآن وهو المراد بقوله تعالى : ما أنزل إلى الرسول  فاضت أعينهم بالدمع من خشية الله ورقت القلوب. والرؤية رؤية العين، و  تفيض  حال من الأعين[(٢)](#foonote-٢)، و  يقولون  حال أيضاً و  آمنا  معناه صدقنا أن هذا رسولك، والمسموع كتابك. والشاهدون محمد وأمته، قاله ابن عباس وابن جريج وغيرهما، وقال الطبري : لو قال قائل : معنى ذلك : مع الشاهدين بتوحيدك من جميع العالم من تقدم ومن تأخر لكان ذلك صواباً. 
قال القاضي أبو محمد : هذا معنى قول الطبري وهو كلام صحيح، وكان ابن عباس رضي الله عنه خصص أمة محمد عليه السلام لقول الله تعالى : وكذلك جعلناكم أمة وسطاً [(٣)](#foonote-٣).

١ - هذا تعليل لطيف مقبول، وقد اتفق القرطبي مع ابن عطية في أن المدح لمن آمن من النصارى بمحمد صلى الله عليه وسلم دون من أصرّ منهم على كفره، قال: ولهذا قال: وأنهم لا يستكبرون أي عن الانقياد إلى الحق..
٢ - معنى \[تفيض من الدمع\] أنها تمتلئ فتفيض، لأن الفيض لا يكون إلا بعد الامتلاء، وقد جعل الأعين تفيض والفائض إنما هو الدمع قصدا للمبالغة، كقولهم: دمعت عينُه، قال امرؤ القيس:
 ففاضت دموع العين مني صبابة على النحر حتى بلّ دمعي محملي
 و(من) في \[من الدمع\] قال فيها أبو البقاء: يمكن أن تكون لابتداء الغاية، أي: فيضها من كثرة الدموع، ويمكن أن تكون حالا، والتقدير: تفيض مملوءة من الدمع مما عرفوا من الحق. وقال بعضهم (من) بمعنى الباء، أي: تفيض بالدمع. و(من) في \[مما عرفوا من الحق\] بيانيّة، والمعنى: كان الفيض ناشئا من معرفة الحق. قاله أبو حيان في "البحر المحيط" نقلا عن الزمخشري في "الكشاف" وعن غيره..
٣ - قوله تعالى: وكذلك جعلناكم أمة وسطا هي الآية (١٤٣) من سورة البقرة، وكأنما هي حجة ابن عباس في تخصيص أمة محمد صلى الله عليه وسلم وأنها هي المرادة بقوله تعالى هنا: فاكتبنا مع الشاهدين، ولكن هناك آراء أخرى، ومعنى \[اكتبنا\] اجعلنا كما قال القرطبي فيكون بمنزلة ما قد كتب ودوّن..

### الآية 5:84

> ﻿وَمَا لَنَا لَا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا جَاءَنَا مِنَ الْحَقِّ وَنَطْمَعُ أَنْ يُدْخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ [5:84]

قولهم  وما لنا  توقيف لأنفسهم أو محاجة لمن عارضهم من الكفار بأن قال لهم آمنتم وعجلتم. فقالوا وأي شيء يصدنا عن الإيمان وقد لاح الصواب وجاء الحق المنير  وما لنا  ابتداء وخبر، و  لا نؤمن  في موضع الحال، ولكنها حال هي المقصد وفيها الفائدة : كما تقول جاء زيد راكباً وأنت قد سئلت هل جاء ماشياً أو راكباً. وفي مصحف ابن مسعود **«وما لنا لا نؤمن بالله وما أنزل إلينا ربنا »**.  ونطمع  تقديره ونحن نطمع. فالواو عاطفة جملة على الجملة لا عاطفة فعل على فعل و **«القوم الصالحون »** محمد وأصحابه، قاله ابن زيد وغيره من المفسرين.

### الآية 5:85

> ﻿فَأَثَابَهُمُ اللَّهُ بِمَا قَالُوا جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ۚ وَذَٰلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ [5:85]

ثم ذكر الله تعالى ما أثابهم به من النعيم على إيمانهم وإحسانهم.

### الآية 5:86

> ﻿وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَٰئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ [5:86]

ثم ذكر حال الكافرين المكذبين وأنهم قرناء الجحيم[(١)](#foonote-١)، والمعنى قد علم من غير ما آية من كتاب الله أنه اقتران لازم دائم أبدي.

١ - الجحيم: النار الشدية الاتقاد، يقال: جحم فلان النار إذا شدد إيقادها، ويقال لَعْين الأسد: َجْحمة، لشدة اتقادها..

### الآية 5:87

> ﻿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا ۚ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ [5:87]

وقوله تعالى : يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم  الآية قال أبو مالك وعكرمة وإبراهيم النخعي وأبو قلابة وقتادة والسدي وعبد الله بن عباس رضي الله عنه وغيرهم : إنها نزلت بسبب جماعة من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم بلغت منهم المواعظ وخوف الله إلى أن حرم بعُضهم النساء، وبعُضهم النوم بالليل والطيب، وهمَّ بعضهم بالاختصاء وكان منهم علي بن أبي طالب وعثمان بن مظعون، قال عكرمة : ومنهم ابن مسعود والمقداد وسالم مولى أبي حذيفة، وقال قتادة رفضوا النساء واللحم وأرادوا أن يتخذوا الصوامع، وقال ابن عباس أخذوا الشفار[(١)](#foonote-١) ليقطعوا مذاكرهم، وطول السدي في قصة الحولاء امرأة عثمان بن مظعون مع أزواج النبي صلى الله عليه وسلم وإخبارها بأنه لم يلم بها، فلما أعلم رسول الله صلى الله عليه وسلم بحالهم قال :**«أما أنا فأقوم وأنام وأصوم وأفطر وآتي النساء وأنال الطيب، فمن رغب عن سنتي فليس مني »**[(٢)](#foonote-٢) قال الطبري : وكان فيما يتلى من رغب عن سنتك فليس من أمتك، وقد ضل سواء السبيل، وقال ابن زيد : سبب هذه الآية أن عبد الله بن رواحة ضافه ضيف فانقلب ابن رواحة وضيفه لم يتعشَّ فقال لزوجه ما عشيته ؟ قالت : كان الطعام قليلاً فانتظرتك، فقال : حبست ضيفي من أجلي، طعامك علي حرام إن ذقته فقالت هي : وهو علي حرام إن ذقته إن لم تذقه، وقال الضيف وهو عليّ حرام إن ذقته إن لم تذوقوه، فلما رأى ذلك ابن رواحة قال : قربي طعامك كلوا باسم الله فأكلوا جميعاً. ثم غدا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره فقال له رسول الله أحسنت ونزلت هذه الآية[(٣)](#foonote-٣). 
وأسند الطبري إلى ابن عباس أن الآية نزلت بسبب رجل أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله إني إذا أصبت من اللحم انتشرت وأخذتني شهوتي فحرمت اللحم فأنزل الله هذه الآية[(٤)](#foonote-٤). 
قال القاضي أبو محمد رحمه الله : و**«الطيبات »** في هذه الآية المسستلذات بدليل إضافتها إلى ما أحل وبقرينة ما ذكر من سبب الآية، واختلف المتأولون في معنى قوله  ولا تعتدوا  فقال السدي وعكرمة وغيرهما. وهو نهي عن هذه الأمور المذكورة من تحريم ما أحل الله وشرع ما لم يأذن به، فقوله  ولا تعتدوا  تأكيد لقوله  لا تحرموا  وقال الحسن بن أبي الحسن : المعنى ولا تعتدوا فتحلوا ما حرم الله، فالنهيان على هذا تضمنا الطرفين فكأنه قال : لا تشددوا فتحرموا حلالاً، ولا تترخصوا فتحلوا حراماً، وقد تقدم القول في معنى لا يحب المعتدين غير مرة.

١ - الشّفار: جمع شفرة، وهي ما عرض وحدد من الحديد كحد السيف والسكين، وتجمع أيضا على شفر..
٢ - أخرجه ابن جرير، وابن أبي حاتم، وابن مردويه- عن ابن عباس رضي الله عنهما، ولفظه: قال (نزلت في رهط من الصحابة قالوا: نقطع مذاكيرنا، ونترك شهوات الدنيا ونسيح في الأرض كما يفعل الرهبان، فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فأرسل إليهم فذكر لهم ذلك فقالوا: نعم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (لكني أصوم وأفطر، وأصلي وأنام، وأنكح النساء، فمن أخذ بسنتي فهو مني، ومن لم يأخذ بسنتي فليس مني). (الدر المنثور- وفتح القدير)- وزاد في فتح القدير: "وقد ثبت نحو هذا في الصحيحين وغيرهما من دون ذكر أن ذلك سبب نزول الآية"..
٣ - قال الشوكاني عن هذا الأثر: "أخرجه ابن جرير وابن أبي حاتم"، ثم قال: "وهذا أثر منقطع، ولكن في صحيح البخاري في قصة الصديق مع أضيافه ما هو شبيه بهذا".
٤ - أخرجه الترمذي وحسّنه، وابن جرير، وابن أبي حاتم، وابن عدي في الكامل، والطبراني، وابن مردويه- عن ابن عباس. (الدر المنثور ٢/ ٣٠٧).
 والأحاديث في ذلك كثيرة، ومنها ما أخرجه البخاري ومسلم عن عائشة رضي الله عنها أن ناسا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم سألوا أزواج النبي صلى الله عليه وسلم عن عمله في السر، فقال بعضهم: لا آكل اللحم، وقال بعضهم: لا أتزوج النساء، وقال بعضهم: لا أنام على فراش، فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فقال: ما بال أقوام يقول أحدهم كذا وكذا، لكني أصوم وأفطر، وأنام وأقوم، وآكل اللحم، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني..

### الآية 5:88

> ﻿وَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلَالًا طَيِّبًا ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ [5:88]

كلوا  في هذه الآية عبارة عن تمتعوا بالأكل والشرب واللباس والركوب. ونحو ذلك، وخص الأكل بالذكر لأنه أعظم المقصود[(١)](#foonote-١) وأخص الانتفاعات بالإنسان، والرزق عند أهل السنة ما صح الانتفاع به، وقالت المعتزلة : الرزق كل ما صح تملكه والحرام ليس برزق لأنه لا يصح تملكه. ويرد عليهم بأنه يلزمهم أن آكل الحرام ليس بمرزوق من الله تعالى وقد خرج بعض النبلاء أن الحرام رزق من قوله تعالى  كلوا من رزق ربكم واشكروا له بلدة طيبة ورب غفور [(٢)](#foonote-٢) قال فذكر المغفرة مشيراً إلى أن الرزق قد يكون فيه حرام، ورد أبو المعالي في الإرشاد على المعتزلة مشيراً إلى أن الرزق ما تملك يلزمهم أن ما ملك فهو الرزق، وملك الله تعالى الأشياء لا يصح أن يقال فيه إنه رزق له. 
قال القاضي أبو محمد : وهذا الذي ألزم غير لازم، فتأمله، وباقي الآية بين. 
١ - جاء في بعض النسخ: لأنه عظم المقصود، وما أثبتناه هنا يتفق مع ما نقله القرطبي عن ابن عطية رحمه الله..
٢ - من الآية (١٥) من سورة (سبأ)..

### الآية 5:89

> ﻿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَٰكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ ۖ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ ۖ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ۚ ذَٰلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ ۚ وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ ۚ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ [5:89]

وقد تقدم القول في سورة البقرة في نظير قوله تعالى  لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم  وقوله تعالى : بما عقدتم  معناه شددتم، وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو **«عقّدتم »** مشددة القاف، وقرأ عاصم في رواية أبي بكر وحمزة والكسائي ****«عقَدتم »**** خفيفة القاف، وقرأ ابن عامر ******«عاقدتم »****** بألف على وزن فاعلتم، قال أبو علي من شدد القاف احتمل أمرين أحدهما أن يكون لتكثير الفعل لأنه خاطب جماعة والآخر يكون عقد مثل ضعف لا يراد به التكثير كما أن ضاعف لا يراد به فعل من اثنين. ومن قرأ ****«عقَدتم »**** فخفف القاف جاز أن يراد به الكثير من الفعل والقليل، وعقد اليمين كعقد الحبل والعهد، وقال الحطيئة :
قوم إذا عقدوا عقداً لجارهم شدوا العناج وشدوا فوقه الَكَربا[(١)](#foonote-١)
ومن قرأ ******«عاقدتم »****** فيحتمل ضربين : أحدهما أن يكون كطارقت النعل وعاقبت اللص، والآخر أن يراد به فاعلت الذي يقتضي فاعلين كأن المعنى يؤاخذكم بما عاقدتم عليه الإيمان، ويعدى ( عاقد ) ب **«على »** لما هو في معنى عاهد، قال الله تعالى : ومن أوفى بما عاهد عليه الله [(٢)](#foonote-٢) وهذا كما عديت  ناديتم إلى الصلاة [(٣)](#foonote-٣) ب ****«إلى »**** وبابها أن تقول ناديت زيداً و  ناديناه من جانب الطور الأيمن [(٤)](#foonote-٤) لكن لما كانت بمعنى دعوت إلى كذا كقوله تعالى  ومن أحسن قولاً ممن دعا إلى الله [(٥)](#foonote-٥) عديت نادى ب ****«إلى »****، ثم يتسع في قوله تعالى ******«عاقدتم »****** عليه الإيمان فيحذف الجار، ويصل الفعل إلى المفعول، ثم يحذف من الصلة الضمير الذي يعود على الموصول، وتقديره يؤاخذكم بما عقدتموه الأيمان. كما حذف من قوله تعالى  فاصدع بما تؤمر [(٦)](#foonote-٦). 
و الأيمان  جمع يمين وهي الَأِلَّية[(٧)](#foonote-٧)، سميت يميناً لما كان عرفهم أن يصفقوا بأيمان بعضهم على بعض عند الألية. وقوله تعالى : فكفارته  معناه فالشيء الساتر على إثم الحنث في اليمين إطعام، والضمير على الصناعة النحوية عائد على \[ ما \][(٨)](#foonote-٨)، ويحتمل  ما  في هذا الموضع أن تكون بمعنى الذي، وتحتمل أن تكون مصدرية وهو عائد مع المعنى الذي ذكرناه على إثم الحنث، ولم يجر له ذكر صحيح لكن المعنى يقتضيه و  إطعام عشرة مساكين  معناه إشباعهم مرة، قال الحسن بن أبي الحسن إن جمعهم أشبعهم إشباعة واحدة، وإن أعطاهم أعطاهم مكوكاً مكوكاً[(٩)](#foonote-٩)، وحكم هؤلاء أن لا يتكرر واحد منهم في كفارة يمين واحدة، وسواء أطعموا أفراداً أو جماعة في حين واحد، ولا يجزىء في شيء من ذلك ذمي وإن أطعم صبي فيعطى حظ كبير، ولا يجوز أن يطعم عبد ولا ذو رحم تلزم نفقته، فإن كان ممن لا تلزم المكفر نفقته فقد قال مالك : لا يعجبني أن يطعمه، ولكن إن فعل وكان فقيراً اجزأه، ولا يجوز أن يطعم منها غني، وإن أطعم جهلاً بغناه ففي المدونة وغير كتاب أنه لا يجزىء وفي الأسدية أنه يجزىء واختلف الناس في معنى قوله  من أوسط  فرأى مالك رحمه الله وجماعة معه هذا التوسط في القدر، ورأى ذلك جماعة في الصنف، والوجه أن يعم بلفظ الوسط القدر والصنف. فرأى مالك أن يطعم المسكين بالمدينة مداً بمد النبي صلى الله عليه وسلم، وذلك رطل وثلث من دقيق، وهذا لضيق المعيشة بالمدينة، ورأى في غيرها أن يتوسع ولذلك استحسن الغداء والعشاء، وأفتى ابن وهب[(١٠)](#foonote-١٠) بمصر بمد ونصف وأشهب بمد وثلث، قال ابن المواز : ومد وثلث وسط من عيش أهل الأمصار في الغداء والعشاء، قال ابن حبيب[(١١)](#foonote-١١) : ولا يجزىء الخبز َقفاراً[(١٢)](#foonote-١٢) ولكن بِإدام[(١٣)](#foonote-١٣) زيت أو لبن أو لحم أو نحوه، وفي شرح ابن مزين أن الخبز القفار يجزىء، ورأى من يقول إن التوسط إنما هو في الصنف أن يكون الرجل المكفر يتجنب أدنى ما يأكل الناس في البلد وينحط عن الأعلى ويكفر بالوسط من ذلك، ومذهب المدونة أن يراعي المكِّفر عيَش البلد، وفي كتاب ابن المواز أن المراعى عيشه في أهله الخاص به[(١٤)](#foonote-١٤). 
وكأن الآية على التأويل الأول معناها من أوسط ما تطعمون أيها الناس أهليكم في الجملة من مدينة أو صقع، وعلى التأويل الثاني معناها من أوسط ما يطعم شخص أهله. وقرأ الجمهور **«أهليكم »** وهو جمع أهل على السلامة وقرأ جعفر بن محمد **«من أوسط ما تطعمون أهاليكم »**، وهذا جمع مكسر قال أبو الفتح **«أهال »** بمنزلة ليال، كأن واحدها أهلاة وليلاة، والعرب تقول أهل وأهلة ومنه قول الشاعر :
وأهلة ود قد تبريت ودهم \*\*\*. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . [(١٥)](#foonote-١٥)
**ويقال ليلة وليلاة وأنشد ابن الأعرابي :**
في كل ما يوم وكل ليلاه \*\*\* حتى يقول من رآه إذ رآه
يا ويحه من َجَمل ما أشقاه[(١٦)](#foonote-١٦)
وقرأ الجمهور **«أو كِسوتهم »** بكسر الكاف يراد به كسوة الثياب وقرأ سعيد بن المسيب وأبو عبد الرحمن وإبراهيم النخعي **«أو كُسوتهم »** بضم الكاف، وقرأ سعيد بن جبير ومحمد بن السميفع اليماني **«أو كأسوتهم »** من الأسوة قال أبو الفتح كأنه قال أو بما يكفي مثلهم فهو على حذف المضاف بتقدير أو ككفاية أسوتهم، قال وإن شئت جعلت الأسوة هي الكفاية فلم تحتج إلى حذف مضاف. 
قال القاضي أبو محمد : وفي هذا نظر، والقراءة مخالفة لخط المصحف، ومعناها على خلاف ما تأول أهل العلم من أن الحانث في اليمين بالله مخير في الإطعام أو الكسوة أو العتق، والعلماء على أن العتق أفضل ذلك ثم الكسوة الإطعام، وبدأ الله تعالى عباده بالأيسر فالأيسر، ورب ُمَّدة ومسغبة يكون فيها الإطعام أفضل من العتق، لكن ذلك شاذ وغير معهود والحكم للأغلب، واختلف العلماء في حد الكسوة فراعى على قوم نفس اللفظ، فإذا كان الحانث المكفر كاسياً والمسكين مكسواً حصل الإجزاء، وهذه رتبة تنحصل بثوب واحد أي ثوب كان بعد إجماع الناس أن القلنسوة بانفرادها لا تجزىء في كفارة اليمين، قال مجاهد : يجزىء في كفارة اليمين ثوب واحد فما زاد، وقال الحسن : الكسوة ثوب لكل مسكين وقاله طاوس، وقال منصور : الكسوة ثوب قميص أو رداء أو إزار قاله أبو جعفر وعطاء وابن عباس، وقال قد تجزىء العباءة في الكفارة وكذلك الشملة، وقال الحسن بن أبي الحسن : تجزىء العمامة في كفارة اليمين، وقال مجاهد : يجزىء كل شيء إلا التبان، وروي عن سلمان رضي الله عنه أنه قال : نعم الثوب التبان[(١٧)](#foonote-١٧)، أسنده الطبري وقال الحكم بن عتبة : تجزىء عمامة يلف بها رأسه، وراعى قوم معهود الزي والكسوة المتعارفة، فقال بعضهم لا يجزىء الثوب الواحد إلا إذا كان جامعاً مما قد يتزيى به كالكساء والملحفة، قال إبراهيم النخعي : يجزىء الثوب الجامع وليس القميص والدرع والخمار ثوباً جامعاً. 
قال القاضي أبو محمد : قد يكون القميص الكامل جامعاً وزياً، وقال بعضهم : الكسوة في الكفارة إزار وقميص ورداء قاله ابن عمر رضي الله عنه، وروي عن الحسن وابن سيرين وأبي موسى الأشعري أن الكسوة في الكفارة ثوبان لكل مسكين، وعلق مالك رحمه الله الحكم بما يجزىء في الصلاة، وهذا أحسن نظر، فقال : يجزىء في الرجل ثوب واحد، وقال ابن حبيب يكسى قميصاً أو إزاراً يبلغ أن يلتف به مشتملاً، وكلام ابن حبيب تفسير، قال مالك : تكسى المراة درعاً وخماراً، وقال ابن القاسم في العتبية : وإن كسا صغير الإناث فدرع وخمار كالكبيرة، والكفارة واحدة لا ينقص منها لصغير، قال عنه ابن المواز ولا تعجبني كسوة المراضع بحال، فأما من أمر بالصلاة فيكسوه قيمصاً ويجزئه، قال ابن المواز من رأيه : بل كسوة رجل كبير وإلا لم يجزىء، قال أشهب، تعطى الأنثى إذا لم تبلغ الصلاة ثوب رجل ويجزىء، وقاله ابن الماجشون، وقوله  أو تحرير رقبة  التحرير الإخراج من الرق، ويستعمل في الأسر والمشقات وتعب الدنيا ونحوها، فمنه قوله تعالى عن أم مريم : إني نذرت لك ما في بطني محرراً [(١٨)](#foonote-١٨) أي من شغوب[(١٩)](#foonote-١٩) الدنيا، ومن ذلك قول الفرزدق :
ابني غدانة إنني حررتكم \*\*\* فوهبتكم لعطية بن جعال[(٢٠)](#foonote-٢٠)
أي حررتكم من الهجاء، وخص الرقبة من الإنسان إذ هو العضو الذي فيه يكون الغل والتوثق غالباً من الحيوان، فهو موضع الملك فأضيف التحرير إليها، واختلف الناس في صفة المعتق في الكفارة كيف ينبغي أن يكون، فقالت جماعة من العلماء : هذه رقبة مطلقة لم تقيد بأيمان فيجوز في كفارة اليمين عتق الكافر، وهذا مذهب الطبري وجماعة من العلماء، وقالت فرقة كل مطلق في القرآن من هذا فهو راجع إلى المقيد في عتق الرقبة في القتل الخطأ فلا يجزي في شيء من الكفارات كافر، وهذا قول مالك رحمه الله وجماعة معه[(٢١)](#foonote-٢١)، وقال مالك رحمه الله : لا يجزي أعمى ولا أبرص ولا مجنون، وقال ابن شهاب وجماعة، وفي الأعور قولان في المذهب، وكذلك في الأصم وفي الخصي، وفي العلماء من رأى أن جميع هذا يجزىء وفرق النخعي فجوز عتق من يعمل أشغاله وخدمته ومنع عتق من لا يعمل كالأعمى والمقعد والأشل اليدين، قال مالك رحمه الله : والأعجمي عندي يجزىء من قصر النفقة وغيره أحب إليّ، قال سحنون يريد بعد أن يجيب إلى الإسلام، فإن كان الأعجمي لم يجب إلا أنه ممن يجبر على الإسلام كالكبير من المجوس والصغير من الحربيين الكتابيين فقال ابن القاسم يجزىء عتقه وإن لم يسلم وقال أشهب لا يجزىء حتى يسلم، ولا يجزىء عند مالك من فيه شعبة حرية كالمدبر وأم الولد ونحوه. 
وقوله تعالى  فمن لم يجد  معناه لم يجد في ملكه أحد هذه الثلاثة من الإطعام او الكسوة أو عتق الرقبة واختلف العلماء في حد هذا العادم الَوْجد حتى يصح له الصيام، فقال الشافعي رحمه الله وجماعة من العلماء إذا كان المكفر لا يملك إلا قوته وقوت عياله يومه وليلته فله أن يصوم، فإن كان عنده زائداً على ذلك ما يطعم عشرة مساكين لزمه الإطعام، وهذا أيضاً هو مذهب مالك وأصحابه قال مالك في المدونة : لا يجزئه صيام وهو يقدر على أحد الوجوه الثلاثة، وروي عن ابن القاسم أن من تفضل له نفقة يوم فإنه لا يصوم، وقال ابن المواز : ولا يصوم الحانث حتى لا يجد إلا قوته أو يكون في البلد لا يعطف عليه فيه، وقال ابن القاسم في كتاب ابن مزين : إن كان لحانث فضل عن قوت يومه أطعم إلا أن يخاف الجوع أو يكون في بلد لا يعطف عليه فيه، وقال سعيد بن جبير : إن لم يكن له إلا ثلاثة دراهم أطعم وقال قتادة : إذا لم يكن له إلا قدر ما يكفر به صام، وقال الحسن بن أبي الحسن : إذا كان له درهمان أطعم، قال الطبري : وقال آخرون : جائز لمن لم تكن عنده مائتا درهم أن يصوم وهو ممن لا يجد وقال آخرون : جائز لمن لم يكن عنده فضل على رأس ماله الذي يتصرف به في معاشه أن يصوم، وقرأ أبي بن كعب فصيام ثلاثة أيام متتابعات، وكذلك عبد الله بن مسعود وإبراهيم النخعي، وقال بذلك جماعة من العلماء منهم مجاهد وغيره، وقال مالك رحمه الله وغيره : إن تابع فحسن وإن فرق أجزأ، وقوله تعالى : ذلك كفارة أيمانكم  إشارة إلى ما ذكر من الأشياء الثلاثة وقوله  إذا حلفتم  معناه ثم أردتم الحنث أو وقعتم فيه وباقي الآية وصاة وتوقيف على النعمة والإيمان.

١ -قال الحطيئة هذا البيت يمدح قوما بأنهم عقدوا لجارهم عهدا فوفوا به ولم يخفروه، والعناج: خيط أو سير يُشد في أسفل الدلو ثم يشد في عروتها، والكرب: الحبل الذي يشد على الدلو بعد الحبل الأول (واسمه: المتين) فإذا انقطع المتين بقي الكرب. وقيل في المعاني غير هذا، وهذه أمثال ضربها الحطيئة لإيفائهم بالعهد. على أنه مما يؤيد ما ذهبنا إليه أن العرب تقول: دلو مكربة: ذات كرب. (اللسان). وقد سبق شرح هذا البيت في أول سورة المائدة عند تفسير قوله تعالى: يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود..
٢ - من الآية (١٠) من سورة (الفتح)..
٣ - من الآية (٥٨) من سورة (المائدة)..
٤ - من الآية (٥٢) من سورة (مريم)..
٥ - من الآية (٣٣) من سورة (فصلت)..
٦ - من الآية (٩٤) من سورة (الحجر).
٧ - الأليّة: اليمين، والألية بكسر اللام وتشديد الياء المفتوحة، والجمع: ألايا. أما الألية بسكون اللام وفتح الياء فهي العجيزة أو ما ركبها من شحم ولحم. (المعجم الوسيط)..
٨ - وضح أبو حيان هذا الكلام لأن عبارة ابن عطية هذه توحي بأن الضمير عائد على \[ما\] على الاحتمالين مع أن قوله بعد ذلك- "وهو عائد مع المعنى... الخ" يخالف هذا، قال أبو حيان في "البحر": والضمير في \[فكفارته\] عائد على \[ما\] إن كانت موصولة اسمية، وهو على حذف مضاف، وإن كانت مصدرية عاد الضمير على ما يفهم من المعنى وهو إثم الحنث وإن لم يجر له ذكر صريح لكن يقتضيه المعنى"- وهذا هو الذي أراده ابن عطية ولم تؤده عبارته بدقة..
٩ - المكّوك: مكيال قديم يختلف مقداره باختلاف اصطلاح الناس عليه في البلاد، قيل: يسع صاعا ونصف صاع..
١٠ - هو عبد الله بن وهب بن مسلم المصري، فقيه من الأئمة، من أصحاب مالك، جمع بين الفقه والحديث والعبادة، من كتبه: الجامع في الحديث، والموطأ في الحديث أيضا، وكان حافظا ثقة، عرض عليه القضاء فخبأ نفسه ولزم بيته، مولده ووفاته بمصر (ت ١٩٧هـ)- (الوفيات، والتهذيب)..
١١ - عبد الملك بن حبيب بن سليمان القرطبي، عالم الأندلس وفقيهها، سكن قرطبة، وزار مصر، ثم عاد إلى الأندلس وتوفي بقرطبة، كان عالما بالتاريخ والأدب، رأسا في فقه المالكية، له تصانيف كثيرة، قيل: تزيد على الألف، منها: "حروب الإسلام، طبقات الفقهاء والتابعين، تفسير موطأ مالك"، قال عنه ابن لبابة: عبد الملك بن حبيب عالم الأندلس، (معجم البلدان- الديباج- تاريخ علماء الأندلس)..
١٢ - القفار من الخبز، والجمع: أدم..
١٣ - الإدام: ما يستمرأ به الخبز، والجمع: أدم..
١٤ - الوسط هنا منزلة بين منزلتين، ونصفا بين طرفين: ومنه الحديث: (خير الأمور أوسطها). روي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: "كان الرجل يقوت أهله قوتا فيه سعة، وكان الرجل يقول أهله قوتا فيه شدة، فنزلت: من أوسط ما تطعمون أهليكم فدل هذا على أن الوسط: ما كان بين شيئين..
١٥ - البيت لأبي الطمحان القيني، وهو شاعر إسلامي اسمه: حنظلة بن الشرفي، والبيت بتمامه:
 وأهله ود قد تبريت ودّهم وأبليتهم في الحمد جهدي ونائلي.
 معنى (تبريت): تعرضت لودهم وبذلت في ذلك طاقتي من نائل، وهذه هي رواية اللسان، ورواية التاج "بذلي ونائلي"..
١٦ - قال في اللسان: وحكى ابن الأعرابي: "ليلاة"، وأنشد:
 في كل يوم ما وكلّ ليلاه
 حتى يقول كل راء إذا رآه
 يا ويحه من جمل ماأشقاه
 وتأمل الاختلاف في الرواية، فهي: "في كل يوم ما" بدلا من "في كل ما يوم"- وهي أيضا: "كل راء إذا رآه" بدلا من "رآه إذا رآه"، ورواية ابن جني في المحتسب مثل رواية اللسان
 .
١٧ -- التبّان- بضم التاء وتشديدها: سراويل صغير مقدار شبر يستر العوة المغلظة، قيل: يكون للملاحين، ومنه حديث عمار (أنه صلى في تبّان وقال: إني ممثون)، يعني أنه يشتكي من المثانة. وفي حديث عمر: (صلى رجل في تبّان وقميص) (النهاية في غريب الحديث والأثر-لابن الأثير)..
١٨ - من الآية (٣٥) من سورة (آل عمران)..
١٩ - الشغب: تهُّيج الشر وإثارة الفتن والاضطراب..
٢٠ - حرّره: أعتقه، والفرزدق يريد أنه حررهم من الهجاء الذي كان سيضع منهم ويضر بأحسابهم ومكانتهم، وقد فعل هذا عن قدرة..
٢١ -الرأي الأول وهو جواز عتق الكافر هو رأي أبي حنيفة رضي الله عنه- وأما الرأي الثاني وهو وجوب أن تكون الرقبة المعتقة مؤمنة (وهو رأي مالك) فدليله غير ما ذكر ابن عطية أن التحرير هنا قربة واجبة فلا يكون الكافر محلا لها كالزكاة. واشترط المالكية- مع الإيمان- أن تكون كاملة ليس فيها شرك لغيره لقوله تعالى: فتحرير رقبة وبعض الرقبة، ليس برقبة، واشترطوا كذلك أن تكون سليمة لأن النص يوجب أن تكون كاملة، والمعيبة بمرض أو عجز غير كاملة، وقد قال صلى الله عليه وسلم: (ما من مسلم يعتق امرءا مسلما إلا كان فكاكه من النار كل عضو منه بعضو منه حتى الفرج بالفرج)..

### الآية 5:90

> ﻿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ [5:90]

الخطاب للمؤمنين جميعاً، لأن هذه الأشياء شهوات وعادات قد تلبس بها في الجاهلية وغلبت على النفوس فكان بقي منها في نفوس كثير من المؤمنين[(١)](#foonote-١). 
فأما  الخمر  فكانت لم تحرم بعد وأما  الميسر  ففيه قمار ولذة للفارغ من النفوس ونفع أيضاً بوجه ما، وأما  الأنصاب  وهي حجارة يذكون عندها لفضل يعتقدونه فيها، وقيل هي الأصنام المعبودة كانوا يذبحون لها وعندها في الجاهلية. فإن كانت المرادة في هذه الآية الحجارة التي يذبح عندها فقط فذلك لأنه كان في نفس ضعفة المؤمنين شيء من تعظيم تلك الحجارة، وهذا كما قالت امرأة الطفيل بن عمرو الدوسي لزوجها : أتخاف على الصبية من ذي الشرى شيئاً ؟ وذو الشرى صنم لدوس، وإن كانت المرادة في هذه الآية الأصنام فإنما قرنت بهذه الأمور ليبين النقص في هذه إذ تقرن بالأصنام، ولا يتأول أنه بقي في نفس مؤمن شيء من تعظيم الأصنام والتلبس بها حتى يقال له اجتنبه، وأما  الأزلام  فهي الثلاثة التي كان أكثر الناس يتخذونها في أحدها **«لا »** وفي الآخر **«نعم »**، والآخر **«غفل »**، وهي التي حبسها سراقة بن جعشم حين اتبع النبي صلى الله عليه وسلم في وقت الهجرة، فكانوا يعظمونها، وبقي منها في بعض النفوس شيء ومن هذا القبيل هو [(٢)](#foonote-٢) الزجر بالطير وأخذ الفأل منها في الكتب ونحوه مما يصنعه الناس اليوم، وقد يقال لسهام الميسر أزلام، والزلم السهم وكان من الأزلام أيضاً ما يكون عند الكهان وكان منها سهام عند الأصنام وهي التي ضرب بها على عبد الله بن عبد المطلب أبي النبي صلى الله عليه وسلم، وكان عند قريش في الكعبة أزلام فيها أحكام ذكرها ابن إسحاق وغيره، فأخبر الله تعالى أن هذه الأشياء  رجس ، قال ابن زيد : الرجس الشر. 
قال القاضي أبو محمد : كل مكروه ذميم[(٣)](#foonote-٣)، وقد يقال للعذاب، وقال ابن عباس في هذه الآية  رجس  سخط، وقد يقال للنتن وللعذرة والأقذار رجس، والرجز العذاب لا غير، والركس العذرة لا غير، والرجس يقال للأمرين، وأمر الله تعالى باجتناب هذه الأمور واقترنت بصيغة الأمر في قوله  فاجتنبوه  نصوص الأحاديث وإجماع الأمة، فحصل الاجتناب في رتبة التحريم، فبهذا حرمت الخمر بظاهر القرآن ونص الحديث وإجماع الأمة، وقد تقدم تفسير لفظة  الخمر  ومعناها. وتفسير  الميسر  في سورة البقرة، وتقدم تفسير  الأنصاب  والاستقسام بالأزلام في صدر هذه السورة، واختلف الناس في سبب نزول هذه الآيات فقال أبو ميسرة : نزلت بسبب عمر بن الخطاب فإنه ذكر للنبي صلى الله عليه وسلم عيوب الخمر وما ينزل بالناس من أجلها ودعا إلى الله في تحريمها، وقال : اللهم بين لنا فيها بياناً شافياً، فنزلت هذه الآيات، فقال عمر انتهينا، انتهينا[(٤)](#foonote-٤) وقال مصعب بن سعد بن أبي وقاص عن أبيه سعد قال : صنع رجل من الأنصار طعاماً فدعانا فشربنا الخمر حتى انتشينا، فتفاخرت الأنصار وقريش، فقال كل فريق : نحن خير منكم، فأخذ الأنصار َلْحَي جمل فضرب به أنف سعد ففزره، فكان سعد أفزر الأنف، قال سعد ففيّ نزلت الآية إلى آخرها[(٥)](#foonote-٥). 
وقال ابن عباس : نزل تحريم الخمر في قبيلتين من الأنصار شربوا حتى إذا ثملوا عربدوا فلما صحوا جعل كل واحد منهم يرى الأثر بوجهه ولحيته وجسده، فيقول هذا فعل فلان بي، فحدث بينهم في ذلك ضغائن، فنزلت هذه الآيات في ذلك[(٦)](#foonote-٦). 
قال القاضي أبو محمد : وأمر الخمر إنما كان بتدريج ونوازل كثيرة، منها قصة حمزة حين جبَّ الأسنمة، وقال للنبي صلى الله عليه وسلم : وهل أنتم إلا عبيد أبي[(٧)](#foonote-٧)، ومنها قراءة علي بن أبي طالب في صلاة المغرب **«قل يا أيها الكافرون أعبد ما تعبدون »** فنزلت  يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى  الآية[(٨)](#foonote-٨)، ثم لم تزل النوازل تحزب[(٩)](#foonote-٩) الناس بسببها حتى نزلت هذه الآية، فحرمت بالمدينة وخمر العنب فيها قليل، إنما كانت خمرهم من خمسة أشياء من العسل ومن التمر ومن الزبيب ومن الحنطة ومن الشعير، والأمة مجمعة على تحريم القليل والكثير من خمر العنب التي لم تمسها نار ولا خالطها شيء، وأكثر الأمة على أن ما أسكر كثيره فقليله حرام ولأبي حنيفة وبعض فقهاء الكوفة إباحة ما لا يسكر مما يسكر كثيره من غير خمر العنب، وهو مذهب مردود، وقد خرج قوم تحريم الخمر من وصفها برجس وقد وصف تعالى في آية أخرى الميتة والدم المسفوح ولحم الخنزير بأنها رجس، فيجيء من ذلك أن كل رجس حرام. 
قال القاضي أبومحمد : وفي هذا نظر، والاجتناب أن يجعل الشيء جانباً أو ناحية.

١ - نقل القرطبي هذه العبارة عن ابن عطية أو غيره هكذا: "إذا كانت شهوات وعادات تلبسوا بها في الجاهلية وغلبت على النفوس، فكان نفي منها في نفوس كثير من المؤمنين". ومعنى نفي: بقية.
 .
٢ - نقل القرطبي هذه العبارة عن ابن عطية هكذا: "قال ابن عطية: ومن هذا القبيل هوى الزجر بالطير.."
 .
٣ - هذه الجملة خبر لمبتدأ محذوف تقديره: الرجس..
٤ - رواه ابن جرير عن أبي ميسرة من عدة طرق. (تفسير الطبري)..
٥ - أخرجه ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، وابن مردويه، والنحاس في ناسخه- عن سعد بن أبي وقاص. (الدر المنثور).
 هذا واللحي بفتح اللام وسكون الحاء: العظم الذي فيه الأسنان من كل ذل لحي- وهما لحيان. وفزر: شقّ.
٦ - أخرجه عبد بن حميد، والنسائي، وابن جرير، وابن المنذر، وأبو الشيخ، والحاكم وصححه، وابن مردويه، والبيهقي- عن ابن عباس. (الدر المنثور ٢/٣١٥)..
٧ - رواه البخاري ومسلم والإمام أحمد- وخلاصته أن عليا رضي الله عنه ربط ناقتين له أمام دار أحد الأنصار، وكان حمزة في الدار يشرب الخمر، فثار حمزة إلى الناقتين فجبّ أسنمتهما وبقر خواصرهما، وأخبر علي النبي صلى الله عليه وسلم فانطلق حتى دخل على حمزة فتغيظ عليه فرجّع حمزة بصره فقال: هل أنتم إلا عبيد لأبي، فرجع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقهقر حتى خرج عنهم. وكان ذلك قبل تحريم الخمر. (المسند ١/ ١٤٢)..
٨ -أخرج عبد بن حميد، وأبو داود، والترمذي وحسنه، والنسائي، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والنحاس، والحاكم وصححه- عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: "صنع لنا عبد الرحمان بن عوف طعاما فدعانا وسقانا من الخمر فأخذت الخمر منا، وحضرت الصلاة فقدموني فقرأت: (قل يا أيها الكافرون، لا أعبد ما تعبدون. "ونحن نعبد ما تعبدون"). فأنزل الله: يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون. (الدر المنثور ٢/١٦٥). والآية يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا هي رقم (٤٣) من سورة (النساء)..
٩ - حزبه الأمر: اشتد عليه ونابه، وفي الحديث: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا حزبه أمر صلى)..

### الآية 5:91

> ﻿إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ ۖ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ [5:91]

ثم أعلم تعالى عباده أن الشيطان إنما يريد أن تقع العداوة بسبب الخمر، وما كان يغري عليها بين المؤمنين وبسبب الميسر إذ كانوا يتقامرون على الأموال والأهل، حتى ربما بقي المقمور حزيناً فقيراً فتحدث من ذلك ضغائن وعداوة، فإن لم يصل الأمر إلى حد العداوة كانت بغضاء، ولا تحسن عاقبة قوم متباغضين، ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم :**«ولا تباغضوا ولا تحاسدوا ولا تدابروا وكونوا عباد الله إخواناً »**[(١)](#foonote-١)، وباجتماع النفوس والكلمة يحمى الدين ويجاهد العدو، و  البغضاء  تنقض عرى الدين وتهدم عماد الحماية، وكذلك أيضاً يريد الشيطان أن يصد المؤمنين عن ذكر الله وعن الصلاة ويشغلهم عنها بشهوات، فالخمر والميسر والقمار كله من أعظم آلاته في ذلك، وفي قوله تعالى : فهل أنتم منتهون  وعيد في ضمن التوقيف زائد على معنى انتهوا.

١ - رواه مسلم عن أبي هريرة. (الجامع الصغير).

### الآية 5:92

> ﻿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا ۚ فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَىٰ رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ [5:92]

ولما كان في الكلام معنى انتهوا حسن أن يعطف عليه  وأطيعوا  وكرر  أطيعوا  في ذكر الرسول تأكيداً، ثم حذر تعالى من مخالفة الأمر وتوعد من تولى بعذاب الآخرة أي إنما على الرسول ان يبلغ وعلى المرسل أن يعاقب أو يثيب بحسب ما يعصى أو يطاع.

### الآية 5:93

> ﻿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا وَآمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا ۗ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ [5:93]

سبب هذه الآية فيما قال ابن عباس والبراء بن عازب وأنس بن مالك : أنه لما نزل تحريم الخمر، قال قوم من الصحابة : يا رسول الله، كيف بمن مات منا وهو يشربها ويأكل الميسر ونحو هذا من القول ؟ فنزلت هذه الآية[(١)](#foonote-١). 
قال القاضي أبو محمد : وهذا نظير سؤالهم عمن مات على القبلة الأولى، ونزلت  وما كان الله ليضيع إيمانكم [(٢)](#foonote-٢) ولما كان أمر القبلة خطيراً ومعلماً من معالم الدين تخيل قوم نقص من فاته، وكذلك لما حصلت الخمر والميسر في هذا الحد العظيم من الذم، أشفق قوم وتخيلوا نقص من مات على هذه المذمات، فأعلم تعالى عباده أن الذم والجناح إنما يلحق من جهة المعاصي، وأولئك الذين ماتوا قبل التحريم لم يعصوا في ارتكاب محرم بعد بل كانت هذه الأشياء مكروهة لم ينص عليها بتحريم، والشرع هو الذي قبحها وحسن تجنبها، و **«الجناح »** الإثم والحرج، وهو كله الحكم الذي يتصف به فاعل المعصية والنسبة التي تترتب للعاصي و  طعموا  معناه ذاقوا فصاعداً في رتب الأكل والشرب وقد يستعار للنوم وغيره، وحقيقته في حاسة الذوق، والتكرار في قوله  اتقوا  يقتضي في كل واحدة زيادة على التي قبلها وفي ذلك مبالغة في هذه الصفات لهم، وذهب بعض المفسرين إلى أن يعين المراد بهذا التكرار فقال قوم : الرتبة الأولى هي اتقاء الشرك والكبائر والإيمان على كماله وعمل الصالحات، والرتبة الثانية هي الثبوت والدوام على الحالة المذكورة، والرتبة الثالثة هي الانتهاء في التقوى إلى امتثال ما ليس بفرض من النوافل في الصلاة والصدقة وغير ذلك، وهو الإحسان، وقال قوم الرتبة الأولى لماضي الزمن، والثانية للحال، والثالثة للاستقبال، وقال قوم : الاتقاء الأول هو في الشرك والتزام الشرع، والثاني في الكبائر، والثالث في الصغائر. 
قال القاضي أبو محمد رضي الله عنه : وليست هذه الآية وقفاً على من عمل الصالحات كلها، واتقى كل التقوى. بل هو لكل مؤمن وإن كان عاصياً أحياناً إذا كان قد عمل من هذه الخصال الممدوحة ما استحق به أن يوصف بأنه مؤمن عامل للصالحات متق في غالب أمره محسن، فليس على هذا الصنف جناح فيما طعم مما لم يحرم عليه، وقد تأول هذه الآية قدامة بن مظعون الجمحي من الصحابة رضي الله عنه، وهو ممن هاجر إلى أرض الحبشة مع أخويه عثمان وعبد الله، ثم هاجر إلى المدينة وشهد بدراً وعمرّ، وكان ختن[(٣)](#foonote-٣) عمر بن الخطاب خال عبد الله وحفصة، ولاه عمر بن الخطاب على البحرين ثم عزله لأن الجارود سيد عبد القيس قدم على عمر بن الخطاب فشهد عليه بشرب الخمر، فقال له عمر : ومن يشهد معك ؟ فقال : أبو هريرة، فجاء أبو هريرة فقال له عمر : بم تشهد ؟ قال لم أره يشرب ولكن رأيته سكران يقيء، فقال له عمر : لقد تنطعت في الشهادة، ثم كتب عمر إلى قدامة أن يقدم عليه، فقدم، فقال الجارود لعمر : أقم على هذا كتاب الله، فقال له عمر : أخصم أنت أم شهيد، قال : بل شهيد : قال : قد أديت شهادتك، فصمت الجارود ثم غدا على عمر، فقال أقم على قدامة كتاب الله، فقال له عمر : ما أراك إلا خصماً وما شهد معك إلا رجل واحد، قال الجارود : إني أنشدك الله، قال عمر : لتمسكن لسانك أو لأسوأنك، فقال الجارود : ما هذا والله يا عمر بالحق أن يشرب ابن عمك الخمر وتسوءني، فقال أبو هريرة : إن كنت تشك في شهادتنا فأرسل إلى ابنة الوليد فسلها، وهي امرأة قدامة، فبعث عمر إلى هند بنت الوليد ينشدها الله، فأقامت الشهادة على زوجها، فقال عمر لقدامة إني حادك، فقال : لو شربت كما يقولون لم يكن لك أن تحدني، قال عمر لم ؟ قال : لأن الله تعالى يقول  ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح  الآية، فقال له عمر : أخطأت التأويل، إنك إذا اتقيت الله اجتنبت ما حرم عليك، ثم حده عمر وكان مريضاً فقال له قوم من الصحابة لا نرى أن تجلده ما دام مريضاً، فأصبح يوماً وقد عزم على جلده، فقال لأصحابه : ما ترون في جلد قدامة ؟ قالوا : لا نرى ذلك ما دام وجعاً، فقال له عمر لأن يلقى الله وهو تحت السياط أحب إليَّ من أن ألقاه وهو في عنقي، وأمر بقدامة فجلد، فغاضب قدامة عمر وهجره إلى أن حج عمر وحج معه قدامة مغاضباً له، فلما كان عمر بالسقيا[(٤)](#foonote-٤) نام ثم استيقظ فقال : عجلوا عليَّ بقدامة، فقد أتاني آت في النوم فقال : سالم قدامة فإنه أخوك، فبعث في قدامة فأبى أن يأتي فقال عمر جروه إن أبى فلما جاء كلمه عمر واستغفر له فاصطلحا، قال أيوب بن أبي تميمة لم يحد أحد من أهل بدر في الخمر غيره[(٥)](#foonote-٥).

١ - أخرجه الفريابي، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، والطبراني، وابن مردويه، والحاكم وصححه، والبيهقي في شعب الإيمان- عن ابن عباس رضي الله عنهما. (الدر المنثور ٢/ ٣٢٠)..
٢ - من الآية (١٤٣) من سورة (البقرة)..
٣ - الختن: كل من كان من قبل المرأة كأبيها وأخيها- وقد ذكر ابن عطية أنه خال عبد الله وحفصة ابني عمر بن الخطاب رضي الله عنه.
 .
٤ - السقيا بضم السين: موضع بين المدينة ووادي الصفراء. (عن معلق تفسير القرطبي)..
٥ - ساق القرطبي هذا الخبر قائلا: "وذكر الحميدي عن أبي بكر البرقاني عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: لما قدم الجارود... الخ". وفي نهاية الخبر قال القرطبي: "وهو صحيح"..

### الآية 5:94

> ﻿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَخَافُهُ بِالْغَيْبِ ۚ فَمَنِ اعْتَدَىٰ بَعْدَ ذَٰلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ [5:94]

وقوله تعالى : يا أيها الذين آمنوا ليبلونكم الله بشيء من الصيد  أي ليختبركم ليرى طاعتكم من معصيتكم وصبركم من عجزكم عن الصيد، وكان الصيد أحد معايش العرب العاربة، وشائعاً عند الجميع منهم مستعملا جداً، فابتلاهم الله فيه مع الإحرام أو الحرم كما ابتلى بني إسرائيل في أن لا يعتدوا في السبت[(٦)](#foonote-٦). 
و من  تحتمل أن تكون للتبعيض، فالمعنى من صيد البر دون البحر، ذهب إليه الطبري وغيره، ويحتمل أن يكون التبعيض في حالة الحرمة إذ قد يزول الإحرام ويفارق الحرم، فصيد بعض هذه الأحوال بعض الصيد على العموم، ويجوز أن تكون لبيان الجنس، قال الزجّاج وهذا كما تقول لأمتحننك بشيء من الرزق، وكما قال تعالى : فاجتنبوا الرجس من الأوثان [(٧)](#foonote-٧) وقوله  بشيء  يقتضي تبعيضاً ما وقد قال كثير من الفقهاء إن الباء في قوله تعالى : وامسحوا برؤوسكم [(٨)](#foonote-٨) أعطت تبعيضاً ما، وقرأ ابن وثاب والنخعي **«يناله »** بالياء منقوطة من تحت، وقال مجاهد الأيدي تنال الفراخ والبيض وما لا يستطيع أن يفر، والرماح تنال كبار الصيد. 
قال القاضي أبو محمد : والظاهر أن الله تعالى خص الأيدي بالذكر لأنها عظم[(٩)](#foonote-٩) المتصرف في الاصطياد، وهي آلة الآلات وفيها تدخل الجوارح والحبالات، وما عمل باليد من فخاخ وشباك، وخص الرماح بالذكر لأنها ُعْظم ما يجرح به الصيد، وفيها يدخل السهم ونحوه، واحتج بعض الناس على أن الصيد[(١٠)](#foonote-١٠) للآخذ لا للمثير بهذه الآية، لأن المثير لم تنل يده ولا رمحه بعد شيئاً، وقوله تعالى  ليعلم  معناه ليستمر علمه عليه وهو موجود إذ علم تعالى ذلك في الأزل. وقرأ الزهري **«ليُعلِم الله »** بضم الياء وكسر اللام أي ليعلم عباده، و  بالغيب  قال الطبري معناه في الدنيا حيث لا يرى العبد ربه فهو غائب عنه، والظاهر أن المعنى بالغيب من الناس أي في الخلوة فمن خاف الله انتهى عن الصيد من ذات نفسه، وقد خفي له لو صاد، ثم توعد تعالى من اعتدى بعد هذا النهي الذي يأتي وهو الذي أراد بقوله  ليبلونكم  وأشار إليه قوله  ذلك  والعذاب الأليم هو عذاب الآخرة.

### الآية 5:95

> ﻿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ ۚ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَٰلِكَ صِيَامًا لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ ۗ عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ ۚ وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ ۗ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ [5:95]

الخطاب لجميع المؤمنين، وهذا النهي هو الابتلاء الذي أعلم به قوله قبل  ليبلونكم  \[ المائدة : ٩٤ \] و  الصيد  مصدر عومل معاملة الأسماء فأوقع على الحيوان المصيد، ولفظ الصيد هنا عام ومعناه الخصوص فيما عدا الحيوان الذي أباح رسول الله صلى الله عليه وسلم قتله في الحرم، ثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال :**«خمس فواسق يقتلن في الحرم الغراب والحدأة والفأرة والعقرب والكلب العقور »**[(١)](#foonote-١) ووقف مع ظاهر هذا الحديث سفيان الثوري والشافعي وأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه فلم يبيحوا للمحرم قتل شيء سوى ما ذكر، وقاس مالك رحمه الله على الكلب العقور كل ما كلب على الناس وعقرهم، ورآه داخلاً في اللفظ فقال للمحرم أن يقتل الأسد والنمر والفهد والذئب وكل السباع العادية مبتدئاً بها، فأما الهر والثعلب والضبع فلا يقتلها المحرم وإن قتلها فدى، وقال أصحاب الرأي إن بدأ السبع المحرم فله أن يقتله، وإن ابتدأه المحرم فعليه قيمته، وقال مجاهد والنخعي لا يقتل المحرم من السباع إلا ما عدا عليه، وقال ابن عمر ما حل بك من السباع فحلَّ به، وأما فراخ السبع الصغار قبل أن تفرس[(٢)](#foonote-٢) فقال مالك في " المدونة " لا ينبغي للمحرم قتلها، قال أشهب في كتاب محمد : فإن فعل فعليه الجزاء، وقال أيضاً أشهب وابن القاسم لا جزاء عليه، وثبت عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه أمر المحرمين بقتل الحيات وأجمع الناس على إباحة قتلها وثبت عن عمر رضي الله عنه إباحة قتل الزنبور لأنه في حكم العقرب، وقال مالك : يطعم قاتله شيئاً، وكذلك قال مالك فيمن قتل البرغوث والذباب والنمل ونحوه، وقال أصحاب الرأى لا شيء على قاتل هذه كلها، وأما سباع الطير فقال مالك لا يقتلها المحرم وإن فعل فدى، وقال ابن القاسم في كتاب محمد : وأحب إليَّ أن لا يقتل الغراب والحدأة حتى يؤذياه، ولكن إن فعل فلا شيء عليه. 
قال القاضي أبو محمد : وذوات السموم كلها في حكم الحية كالأفعى والرتيلا[(٣)](#foonote-٣)، وما عدا ما ذكرناه فهو مما نهى الله عن قتله في الحرمة بالبلد أو الحال، وفرض الجزاء على من قتله و  حرم  جمع حرام وهو الذي يدخل في الحرام أو في الإحرام، وحرام، يقال للذكر والأنثى والاثنين والجميع، واختلف العلماء في معنى قوله  متعمداً  فقال مجاهد وابن جريج والحسن وابن زيد : معناه متعمداً لقتله ناسياً لإحرامه، فهذا هو الذي يكفر وكذلك الخطأ المحض يكفر وأما إن قتله متعمداً ذاكراً لإحرامه فهذا أجلّ وأعظم من أن يكفر. قال مجاهد : قد حل ولا رخصة له، وقاله ابن جريج، وحكى المهدوي وغيره أنه بطل حجه، وقال ابن زيد : هذا يوكل إلى نقمة الله، وقال جماعة من أهل العلم منهم ابن عباس ومالك وعطاء وسعيد ابن جبير والزهري وطاوس وغيرهم، المتعمد هو القاصد للقتل الذاكر لإحرامه، وهو يكفر وكذلك الناسي والقاتل خطأً يكفران. 
قال الزهري : نزل القرآن بالعمد وجرت السنة في قتله خطأً أنهما يكفران، وقال بعض الناس لا يلزم القاتل خطأً كفارة، وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر **«فجزاءُ مثلِ ما »** بإضافة الجزاء إلى مثل وخفض مثل، وقرأ حمزة والكسائي وعاصم ****«فجزاء »**** بالرفع ****«مثلُ »**** بالرفع أيضاً فأما القراءة الأولى ومعناها فعليه جزاء مثل، وقرأ حمزة والكسائي وعاصم ****«فجزاء »**** بالرفع ****«مثلُ »**** بالرفع أيضاً فأما القراءة الأولى ومعناها بقولك أنا أكرمك، ونظير هذا قوله تعالى : أفمن كان ميتاً فأحييناه وجعلنا له نوراً يمشي به في الناس كمن مثله في الظلمات [(٤)](#foonote-٤) التقدير كمن هو في الظلمات. 
قال القاضي أبو محمد : ويحتمل قوله تعالى : فجزاء مثل  أن يكون : المعنى فعليه أن يجزي مثل ما، ثم وقعت الإضافة إلى المثل الذي يجزي به اتساعاً، وأما القراءة الثانية فمعناها : فالواجب عليه أو فاللازم له جزاء مثل ما و ****«مثل »**** على هذه القراءة صفة لجزاء، أي فجزاء مماثل، وقوله تعالى : من النعم  صفة لجزاء على القراءتين كلتيهما، وقرأ عبد الله بن مسعود **«فجزاؤه مثل ما »** بإظهار هاء يحتمل أن تعود على الصيد أو على الصائد القاتل، وقرأ أبو عبد الرحمن **«فجزاءُ »** بالرفع والتنوين **«مثلَ ما »** بالنصب، وقال أبو الفتح ****«مثل »**** منصوبة بنفس الجزاء أي فعليه أن يجزي مثل ما قتل، واختلف العلماء في هذه المماثلة كيف تكون ؟ ! فذهب الجمهور إلى أن الحكمين ينظران إلى مثل الحيوان المقتول في الخلقة وعظم المرأى فيجعلون ذلك من النعم جزاءه، قال الضحاك بن مزاحم والسدي وجماعة من الفقهاء : في النعامة وحمار الوحش ونحوه بدنة، وفي الوعل والإبل ونحوه بقرة، وفي الظبي ونحوه كبش، وفي الأرنب ونحوه ثنية من الغنم، وفي اليربوع حمل صغير، وما كان من جرادة ونحوها ففيها قبضة طعام، وما كان من طير فيقوم ثمنها طعاماً فإن شاء تصدق به وإن شاء صام لكل صاع يوماً، وإن أصاب بيض نعام فإنه يحمل الفحل على عدد أصاب من بكارة الإبل فما نتج منها أهداه إلى البيت وما فسد فيها منها فلا شيءٍ عليه فيه. 
قال القاضي أبو محمد : حكم عمر على قبيصة بن جابر في الظبي بشاة، وحكم هو وعبد الرحمن بن عوف، قال قبيصة : قلت يا أمير المؤمنين إن أمره أهون من أن تدعو من يحكم معك، قال : فضربني بالدرة حتى سابقته عَدْوا. 
ثم قال : أقتلت الصيد وأنت محرم ثم تغمض[(٥)](#foonote-٥) الفتوى ؟ وهذه القصة في الموطأ بغير هذه الألفاظ. وكذلك روي أنها نزلت بصاحب لقبيصة، وقبيصة هو راويها والله أعلم. وأما الأرنب واليربوع ونحوها فالحكم فيه عند مالك أن يقوم طعاماً، فإن شاء تصدق به وإن شاء صام بدل كلّ مدّ يوماً، وكذلك عنده الصيام في كفارة الجزاء إنما هو كله يوم بدل مد، وعند قوم صاع، وعند قوم بدل مدين، وفي حمام الحرم عند مالك شاة في الحمامة، وفي الحمام غيره حكومة وليس كحمام الحرم، وأما بيض النعام وسائر الطير ففي البيضة عند مالك عشر ثمن أمه، قال ابن القاسم : وسواء كان فيها فرخ أو لم يكن ما لم يستهل الفرخ صارخاً بعد الكسر فإن استهل ففيه الجزاء كاملاً كجزاء كبير ذلك الطير. قال ابن المواز : بحكومة عدلين، وقال ابن وهب : إن كان في بيضة النعامة فما دونها فرخ فعشر ثمن أمه، وإن لم يكن فصيام يوم أو مد لكل مسكين، وذهبت فرقة من أهل العلم[(٦)](#foonote-٦) منهم النخعي وغيره إلى أن المماثلة إنما هي في القيمة، يقوّم الصيد المقتول ثم يشتري بقيمته ندّه[(٧)](#foonote-٧) من النعم ثم يهدى، ورد الطبري وغيره على هذا القول، و  النعم  لفظ يقع على الإبل والبقر والغنم إذا اجتمع هذه الأصناف، فإذا انفرد كل صنف لم يقل **«نعم »** إلا للإبل وحدها، وقرأ الحسن **«من النعْم »** بسكون العين وهي لغة، والجزاء إنما يجب بقتل الصيد لا بنفس أخذه بحكم لفظ الآية، وذلك في المدونة ظاهر من مسألة الذي اصطاد طائراً فنتف ريشه ثم حبسه حتى نسل ريشه فطار، قال لا جزاء عليه، وقصر القرآن هذه النازلة على حكمين عدلين عالمين بحكم النازلة وبالتقدير فيها، وحكم عمر وعبد الرحمن بن عوف وأمر أبا جرير البجلي أن يأتي رجلين من العدول ليحكما عليه في عنز من الظباء أصابها قال :
فأتيت عبد الرحمن وسعداً فحكما عليّ تيساً أعفر، ودعا ابن عمر ابن صفوان ليحكم معه في جزاء، وعلى هذا جمهور الناس وفقهاء الأمصار، وقال ابن وهب رحمه الله في العتبية : من السنة أن يخير الحكمان من أصاب الصيد كما خيره الله في أن يخرج هدياً بالغ الكعبة أو كفارة طعام مساكين أو عدل ذلك صياماً. فإن اختار الهدي حكما عليه بما يريانه نظيراً لما أصاب ما بينهما وبين أن يكون عدل ذلك شاة لأنها أدنى الهدي. فما لم يبلغ شاة حكما فيه بالطعام، ثم خير في أن يطعمه أو يصوم مكان كل مد يوماً. وكذلك قال مالك في المدونة : إذا أراد المصيب أن يطعم أو يصوم وإن كان لما أصاب نظير من النعم فإنه يقوم صيده طعاماً لا دراهم، قال : وإن قوموه دراهم واشتري بها طعام لرجوت أن يكون واسعاً، والأول أصوب، فإن شاء أطعمه وإلا صام مكانه لكل مد يوماً وإن زاد ذلك على شهرين أو ثلاثة، وقال يحيى بن عمر من أصحابنا إنما يقال كم من رجل يشبع من هذا الصيد فيعرف العدد ثم يقال كم من الطعام يشبع هذا العدد، فإن شاء أخرج ذلك الطعام، وإن شاء صام عدد أمداده. 
قال القاضي أبو محمد : وهذا قول حسن أحتاط فيه لأنه قد تكون قيمة الصيد من الطعام قليلة فبهذا النظر يكثر الطعام، ومن أهل العلم من يرى أن لا يتجاوز في صيام الجزاء شهران، قالوا : لأنها أعلى الكفارات بالصيام، وقوله تعالى : هدياً بالغ الكعبة  يقتضي هذا اللفظ أن يشخص بهذا الهدي حتى يبلغ، وذكرت  الكعبة  لأنها أم الحرم ورأس الحرمة، والحرم كله منحر لهذا الهدي فما وقف به بعرفة من هذا الجزاء فينحر بمنى، وما لم يوقف به فينحر بمكة وفي سائر بقاع الحرم، بشرط أن يدخل من الحل لا بد أن يجمع فيه بين حل وحرم حتى يكون بالغاً الكعبة، وقرأ عبد الرحمن الأعرج **«هدِيّاً بالغ الكعبة »** بكسر الدال وتشديد الياء، و  هدياً  نصب على الحال من الضمير في  به ، وقيل على المصدر، و  بالغ  نكرة في الحقيقة لم تزل الإضافة عنه الشياع، فتقديره بالغاً الكعبة حذف تنويه تخفيفاً، وقرأ ابن كثير وعاصم وأبو عمرو وحمزة والكسائي **«أو كفارةً »** منوناً **«طعامُ مساكين »** برفع طعام وإضافته إلى جمع المساكين، وقرأ نافع وابن عامر برفع الكفارة دون تنوين وخفض الطعام على الإضافة ومساكين بالجمع، قال أبو علي : إعراب طعام في قراءة من رفعه أنه عطف بيان لأن الطعام هو الكفارة، ولم يضف الكفارة لأنها ليست للطعام إنما هي لقتل الصيد. 
قال القاضي أبو محمد : وهذا الكلام كله مبني على أن الكفارة هي الطعام وفي هذا نظر، لأن الكفارة هي تغطية الذنب بإعطاء الطعام، فالكفارة غير الطعام لكنها به، فيتجه في رفع الطعام البدل المحض[(٨)](#foonote-٨)، ويتجه قراءة من أضاف الكفارة إلى الطعام على أنها إضافة تخصيص، إذ كفارة هذا القتل قد تكون كفارة هدي أو كفارة طعام أو كفارة صيام، وقرأ الأعرج وعيسى بن عمرو **«أو كفارةٌ »** بالرفع والتنوين **«طعامُ »** بالرفع دون تنوين **«مسكين »** على الإفراد وهو اسم الجنس، وقال مالك رحمه الله وجماعة من العلماء : القاتل مخير في الرتب الثلاثة وإن كان غنياً، وهذا عندهم مقتضى  أو ، وقال ابن عباس وجماعة لا ينتقل المكفر من الهدي إلى الطعام إلا إذا لم يجد هدياً، وكذلك لا يصوم إلا إذا لم يجد ما يطعم، وقاله إبراهيم النخعي وحماد بن أبي سليمان، قالوا : والمعنى أو كفارة طعام إن لم يجد الهدي. 
ومالك رحمه الله وجماعة معه يرى أن المقوم إنما هو الصيد المقتول بالطعام كما تقدم، وقال العراقيون إنما يقوم الجزاء طعاماً، فمن قتل ظبياً قوم الظبي عند مالك وقوم عدله من الكباش أو غير ذلك عند أبي حنيفة وغيره، وحكى الطبري عن ابن عباس رضي الله عنه أنه قال : إذا أصاب المحرم الصيد حكم عليه جزاؤه من النعم، فإن وجد جزاءه ذبحه فتصدق به، وإن لم يجد قوم الجزاء دراهم ثم قومت الدراهم حنطة ثم صام مكان كل نصف صاع يوماً قال : وإنما أريد بذكر الطعام تبيين أمر الصوم، ومن يجد طعاماً فإنما يجد جزاء، وأسنده أيضاً عن السدي. 
قال القاضي أبو محمد

١ - روى مسلم، والنسائي، وابن ماجة، عن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (خمس فواسق تقتلن في الحل والحرم: الحية، والغراب الأبقع، والفأرة، والكلب العقور، والحديا)- وروى مثله أبو داود عن أبي هريرة، وروى مثله أيضا الإمام أحمد عن ابن عباس رضي الله عنهما، وصححه في "الجامع الصغير".
 .
٢ - يقال: فرس الأسد فريسته- فرسا: صادها وقتلها، وفرس الذبيحة: كسر عنقها قبل موتها..
٣ - الرتيلاء: ضرب من العناكب- ويقال فيها أيضا: رُتيلى. (المعجم الوسيط)..
٤ - من الآية (١٢٢) من سورة (الأنعام).
٥ - أغمض السلعة: استحط من ثمنها لرداءتها، وفي التنزيل ولستم بآخذيه إلا أن تغمضوا فيه فعمر رضي الله عنه يريد هنا: إنك تحط من شأن الفتوى وتقلل منها..
٦ - هذا هو الرأي الثاني في معنى "المماثلة" وأنها في "القيمة"، وأما الرأي الأول وهو المماثلة في الخلقة فقد ذكره من قبل عند قوله: "فذهب الجمهور إلى أن الحكمين ينظران إلى مثل الحيوان المقتول في الخلقة وعظم المرأى"..
٧ - الندّ: المثيل والنظير، يقال: هو نده، وهي ندّ فلانة، والجمع: أنداد، وفي التنزيل العزيز: فلا تجعلوا لله أندادا.
٨ - أعرب أبو علي \[طعام\] في قراءة الرفع أنها عطف بيان، لأن الطعام هو الكفارة، قال في "البحر المحيط": "وهذا على مذهب البصريين، لأنهم شرطوا في البيان أن يكون في المعارف لا في النكرات، فالأولى أن يعرب بدلا". لكن ابن عطية رد رأي الفارسي من ناحية أخرى إذ قال: إن الكفارة هي تغطية الذنب بإعطاء الطعام، فالكفارة غير الطعام، لكنها تكون بالطعام، وعلى هذا فالصواب أن يعرب \[طعام\] بدلا لا عطف بيان..

### الآية 5:96

> ﻿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ ۖ وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا ۗ وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ [5:96]

هذا حكم بتحليل صيد البحر وهو كل ما صيد من حيتانه، وهذا التحليل هو للمحرم وللحلال، والصيد هنا أيضاً يراد به الصيد، وأضيف إلى البحر لما كان منه بسبب، و  البحر  الماء الكثير ملحاً كان أو عذباً، وكل نهر كبير بحر، واختلف الناس في معنى قوله  وطعامه  قال أبو بكر الصديق وعمر بن الخطاب وجماعة كثيرة من الصحابة والتابعين ومن بعدهم : هو ما قذف به وما طفا عليه لأن ذلك طعام لا صيد، وسأل رجل ابن عمر عن حيتان طرحها البحر فنهاه عنها ثم قرأ المصحف فقال لنافع الحقه فمره بأكلها فإنها طعام البحر، وهذا التأويل ينظر إلى قول النبي صلى الله عليه وسلم **«هو الطهور ماؤه الحل ميتته »**[(١)](#foonote-١) وقال ابن عباس وسعيد بن جبير وإبراهيم النخعي وجماعة :**«طعامه »** كل ما ملح منه وبقي، وتلك صنائع تدخله فترده طعاماً، وإنما الصيد الغريض[(٢)](#foonote-٢)، وقال قوم  طعامه  ملحه الذي ينعقد من مائه وسائر ما فيه من نبات ونحوه. وكره قوم خنزير الماء، وقال مالك رحمه الله : أنتم تقولون خنزير، ومذهبه إباحته، وقول أبي بكر وعمر هو أرجح الأقوال، وهو مذهب مالك، وقرأ ابن عباس وعبد الله بن الحارث و **«طُعْمه »** بضم الطاء وسكون العين دون ألف و  متاعاً  نصب على المصدر والمعنى متعكم به متاعاً تنتفعون به وتأتدمون، و  لكم  يريد حاضري البحر ومدنه،  وللسيارة  المسافرين، وقال مجاهد أهل القرى هم المخاطبون، والسيارة أهل الأمصار. 
قال القاضي أبو محمد رضي الله عنه : كأنه يريد أهل قرى البحر وأن السيارة من أهل الأمصار غير تلك القرى يجلبونه إلى الأمصار. 
واختلف العلماء في مقتضى قوله  وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرماً  فتلقاه بعضهم على العموم من جميع جهاته، فقالوا إن المحرم لا يحل له أن يصيد ولا أن يأمر بصيد ولا أن يأكل صيداً صيد من أجله ولا من غير أجله[(٣)](#foonote-٣)، ولحم الصيد بأي وجه كان حرام على المحرم، وروي أن عثمان حج وحج معه علي بن أبي طالب فُأتي عثمان بلحم صيد صاده حلال فأكل منه ولم يأكل علي، فقال عثمان : والله ما صدنا ولا أمرنا ولا أشرنا، فقال علي : وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرماً [(٤)](#foonote-٤)، وروي أن عثمان استعمل على العروض أبا سفيان بن الحارث فصاد يعاقيب[(٥)](#foonote-٥) فجعلها في حظيرة فمر به عثمان بن عفان فطبخهن وقدمهن إليه، جاء علي بن أبي طالب فنهاهم عن الأكل، وذكر نحو ما تقدم قال : ثم لما كانوا بمكة أتي عثمان فقيل له هل لك في علي ؟ أهدي له تصفيف حمار فهو يأكل منه، فأرسل إليه عثمان فسأله عن أكله التصفيف وقال له : أما أنت فتأكل وأما نحن فتنهانا فقال له علي : إنه صيد عام أول، وأنا حلال، فليس علي بأكله بأس، وصيد ذلك- يعني اليعاقيب- وأنا محرم وذبحن وأنا حرام، وروي مثل قول علي عن ابن عباس وابن عمر وطاوس وسعيد بن جبير، وكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه لا يرى بأساً للمحرم أن يأكل لحم الصيد الذي صاده الحلال لحلال مثله ولنفسه، وسئل أبو هريرة عن هذه النازلة فأفتى بالإباحة، ثم أخبر عمر بن الخطاب فقال له لو أفتيت بغير هذا لأوجعت رأسك بهذه الدرة، وسأل أبو الشعثاء ابن عمر عن هذه المسألة فقال له، كان عمر يأكله، قال : قلت فأنت ؟ قال كان عمر خيراً مني، روي عن ابن عباس رضي الله عنه أنه قال : ما صيد أو ذبح وأنت حلال فهو لك حلال، وما صيد أو ذبح وأنت حرام فهو عليك حرام. 
قال القاضي أبو محمد : وهذا مثل قول علي بن أبي طالب، وروى عطاء عن كعب قال : أقبلت في ناس محرمين فوجدنا لحم حمار وحشي فسألوني عن أكله فأفتيتهم بأكله، فقدمنا على عمر فأخبروه بذلك، فقال : قد أمرته عليكم حتى ترجعوا، وقال بمثل قول عمر بن الخطاب عثمان بن عفان رضي الله عنهما والزبير بن العوام وهو الصحيح لأن النبي صلى الله عليه وسلم أكل من الحمار الذي صاده أبو قتادة وهو حلال والنبي محرم[(٦)](#foonote-٦)، قال الطبري وقال آخرون : إنما حرم على المحرم أن يصيد، فأما أن يشتري الصيد من مالك له فيذبحه فيأكله فذلك غير محرم ثم ذكر أن أبا سلمة بن عبد الرحمن، اشترى قطاً وهو بالعرج[(٧)](#foonote-٧) فأكله فعاب ذلك عليه الناس، ومالك رحمه الله يجيز للمحرم أن يأكل ما صاده الحلال وذبحه إذا كان لم يصده من أجل المحرم، فإن صيد من أجله فلا يأكله، وكذلك قال الشافعي، ثم اختلفا إن أكل، فقال مالك : عليه الجزاء وقال الشافعي لا جزاء عليه، وقرأ ابن عباس و **«حَرَّم »** بفتح الحاء والراء مشددة **«صيدَ »** بنصب الدال **«ما دمتم حَرماً »** بفتح الحاء، المعنى وحرم الله عليكم، و  حرماً  يقع للجميع والواحد كرضى وما أشبهه، والمعنى ما دمتم محرمين، فهي بالمعنى كقراءة الجماعة بضم الحاء والراء، ولا يختلف في أن ما لا زوال له من الماء أنه صيد بحر، وفيما لا زوال له من البر أنه صيد بر، واختلف فيما يكون في أحدهما وقد يعيش ويحيا في الآخر فقال مالك رحمه الله وأبو مجلز وعطاء وسعيد بن جبير وغيرهم كل ما يعيش في البر وله فيه حياة فهو من صيد البر إن قتله المحرم وداه : وذكر أبو مجلز في ذلك الضفادع والسلاحف والسرطان. 
قال القاضي أبو محمد : ومن هذه أنواع لا زوال لها من الماء فهي لا محالة من صيد البحر، وعلى هذا خرج جواب مالك في الضفادع في المدونة، فإنه قال الضفادع من صيد البحر، وروي عن عطاء بن أبي رباح خلاف ما ذكرناه، وهو أنه راعى أكثر عيش الحيوان، سئل عن ابن الماء أصيد بر أم صيد بحر ؟ فقال : حيث يكون أكثر فهو منه، وحيث يفرخ فهو منه. قال القاضي أبو محمد : والصواب في ابن ماء أنه صيد بر طائر يرعى ويأكل الحب وقوله تعالى : واتقوا الله  تشديد وتنبيه عقب هذا التحليل والتحريم.

١ - رواه الإمام أحمد، والشافعي، وأصحاب السنن الأربعة، وصححه البخاري، والترمذي، وابن حبان- (تفسير ابن كثير)..
٢ - الغريض: الطري من اللحم والتمر، وكل أبيض طري. (المعجم الوسيط=..
٣ - التعبير المألوف، والتركيب الصحيح أن يقال: "صيد من أجله أو من أجل غيره" فتأمل..
٤ - أخرجه ابن أبي شيبة، وابن جرير، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ- عن الحارث ابن نوفل..
٥ - اليعاقيب: مفردها يعقوب، وهو الذكر من الحجل والقطا، وهو مصروف لأنه عربي لم يُغير، قال الشاعر:
 \*عال يقصر دونه اليعقوب\*
 قال ابن بري: "وقد ذكر الجوهري هذا البيت شاهدا على أن اليعقوب ذكر الحجل، والظاهر أنه ذكر العُقاب". (اللسان-عقب)..
٦ - هذا الحديث صحيح، وهو قاطع في هذا الموضوع، ولهذا نورده بطوله. أخرج ابن أبي شيبة، والبخاري، ومسلم- عن أبي قتادة (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج حاجّا فخرجوا معه، فصرف طائفة منهم فيهم أبو قتادة، فقال: خذوا ساحل البحر حتى نلتقي، فأخذوا ساحل البحر، فلما انصرفوا أحرموا كلهم إلا أبو قتادة لم يحرم، فبينما هم يسيرون إذا رأوا حمر وحش، فحمل أبو قتادة على الحمر فعقر منها أتانا، فنزلوا فأكلوا من لحمها، فقالوا: نأكل لحم صيد ونحن محرمون؟ فحملنا ما بقي من لحمها، فلما أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم قالوا: يا رسول الله، إنا كما أحرمنا، وقد كان أبو قتادة لم يحرم، فرأينا حمر وحش فحمل عليها أبو قتادة فعقر منها أتانا، فنزلنا فأكلنا من لحمها، ثم قلنا: إنا نأكل لحم صيد ونحن محرمون، فحملنا ما بقي من لحمها. قال: أمنكم أحد أمره أن يحمل عليها أو أشار إليها؟ قالوا: لا، قال: فكلوا ما بقي من لحمها). (الدر المنثور ٢/ ٣٣٣)..
٧ - العرْج بفتح العين وسكون الراء: قرية جامعة في واد من نواحي الطائف، إليها ينسب العرجيّ الشاعر، وهي أول تهامة، وبينها وبين المدينة ثمانية وسبعون ميلا، وهي في بلاد هذيل: ولذلك يقول أبو ذؤيب:
 هم رجعوا بالعرج والقوم ُشَّهد هوازن تحدوها حماة بطارق.
 (معجم البلدان- عرج)..

### الآية 5:97

> ﻿۞ جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِلنَّاسِ وَالشَّهْرَ الْحَرَامَ وَالْهَدْيَ وَالْقَلَائِدَ ۚ ذَٰلِكَ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ [5:97]

ثم ذَّكر تعالى بأمر الحشر والقيامة مبالغة في التحذير، ولما بان في هذه الآيات تعظيم الحرم والحرمة بالإحرام من أجل الكعبة وأنها بيت الله وعنصر هذه الفضائل، ذكر تعالى في قوله تعالى : جعل الله  الآية ما سنه في الناس وهداهم إليه وحمل عليه الجاهلية الجهلاء من التزامهم أن الكعبة قوام و **«الهدي »** قوام و **«القلائد »** قوام أي أمر يقوم للناس بالتأمين وحل الحرب كما يفعل الملوك الذين هم قوام العالم، فلما كانت تلك الأمة لا ملك لها جعل الله هذه الأشياء كالملك لها، وأعلم تعالى أن التزام الناس لذلك هو مما شرعه وارتضاه، ويدل على مقدار هذه الأمور في نفوسهم أن النبي عليه السلام لما بعثت إليه قريش زمن الحديبية الحليس، فرآه النبي، قال : هذا رجل يعظم الحرمة فالقوه بالبدن مشعرة، فلما رآها الحليس عظم ذلك عليه، وقال : ما ينبغي أن يصد هؤلاء ورجع عن رسالتهم[(١)](#foonote-١). 
و\[ جعل \] في هذه الآية بمعنى صير، والكعبة بيت مكة، وسمي كعبة لتربيعه، قال أهل اللغة كل بيت مربع فهو مكعب وكعبة، ومنه قول الأسود بن يعفر :

أهل الخورنق والسدير وبارق  والبيت ذي الكعبات من سنداد[(٢)](#foonote-٢)قالوا : كانت فيه بيوت مربعة وفي كتاب سير ابن إسحاق أنه كان في خثعم بيت يسمونه كعبة اليمانية، وقال قوم : سميت كعبة لنتوئها ونشوزها على الأرض، ومنه كعب ثدي الجارية، ومنه كعب القدم ومنه كعوب القناة، و  قياماً  معناه أمر يقوم للناس بالأمنة والمنافع كما الملك قوام الرعية وقيامهم، يقال ذلك بالياء كالصيام ونحوه وذلك لخفة الياء فتستعمل أشياء من ذوات الواو بها، وقد يستعمل القوام على الأصل، قال الراجز :
قوام دنيا وقوام دين. . . وذهب بعض المتأولين إلى أن معنى قوله تعالى  قياماً للناس  أي موضع وجوب قيام بالمناسك والتعبدات وضبط النفوس في الشهر الحرام، ومع الهدي والقلائد، وقرأ ابن عامر وحده ****«قيماً »**** دون ألف، وهذا إما على أنه مصدر كالشبع ونحوه، وأعلّ فلم يجر مجرى عوض وحول من حيث أعلّ فعله، وقد تعل الجموع لاعتلال الآحاد، فأحرى أن تعلّ المصادر لاعتلال أفعالها، ويحتمل ****«قيماً »**** أن تحذف الألف وهي مرادة، وحكم هذا أن يجيء في شعر وغير َسَعة، وقرأ الجحدري **«قيِّماً »** بفتح القاف وشد الياء المكسورة. 
 والشهر  هنا اسم جنس والمراد الأشهر الثلاثة بإجماع من العرب، وشهر مضر[(٣)](#foonote-٣) وهو رجب الأصم، سمي بذلك لأنه كان لا يسمع فيه صوت الحديد، وسموه منصل الأسنة لأنهم كانوا ينزعون فيه أسنة الرماح، وهو شهر قريش، وله يقول عوف بن الأحوص :وشهر بني أمية والهدايا  إذا سيقت مدرجها الدماء[(٤)](#foonote-٤)وسماه النبي عليه السلام شهر الله أي شهر آل الله، وكان يقال لأهل الحرم آل الله، ويحتمل أن يسمى شهر الله لأن الله سنه[(٥)](#foonote-٥) وشدده إذ كان كثير من العرب لا يراه، وأما  الهدي  فكان أماناً لمن يسوقه لأنه يعلم أنه في عبادة لم يأت لحرب وأما  القلائد  فكذلك كان الرجل إذا خرج يريد الحج تقلد من لحاء السمر أو غيره شيئاً فكان ذلك أماناً له، وكان الأمر في نفوسهم عظيماً مكنه الله حتى كانوا لا يقدم من ليس بمحرم أن يتقلد شيئاً خوفاً من الله، وكذلك إذا انصرفوا تقلدوا من شجر الحرم، وقوله تعالى : للناس  لفظ عام، وقال بعض المفسرين أراد العرب. 
قال القاضي أبو محمد : ولا وجه لهذا التخصيص، وقال سعيد بن جبير جعل الله هذه الأمور للناس وهم لا يرجون جنة ولا يخافون ناراً، ثم شدد ذلك بالإسلام، وقوله تعالى : ذلك  إشارة إلى أن جعل هذه الأمور قياماً، والمعنى َفَعل ذلك لتعلموا أن الله تعالى يعلم تفاصيل أمور السماوات والأرض ويعلم مصالحكم أيها الناس قبل وبعد، فانظروا لطفه بالعباد على حال كفرهم، وقوله تعالى : بكل شيء عليم  عام عموماً تاماً في الجزئيات ودقائق الموجودات، كما قال عز وجل  وما تسقط من ورقة إلا يعلمها [(٦)](#foonote-٦) والقول بغير هذا إلحاد في الدين وكفر. 
١ - الحُليس بضم الحاء وفتح اللام بعدها ياء ساكنة هو ابن علقمة من بني الحارث ابن عبد مناف، وقد رجع من غير أن يبلغ رسالة قريش إلى النبي صلى الله عليه وسلم. راجع سيرة ابن هشام ففيها الخبر كاملا..
٢ - الخورنق: قصر بناه النعمان الأكبر بالعراق، والسدير: قصر ذو ثلاث شعب، وقيل: كانت له قبة في ثلاث قباب متداخلة. وبارق: موضع قريب من الكوفة، والسنداد: نهر- قال في اللسان: "كل بيت مربع فهو عند العرب: كعبة، وكان لربيعة بيت يطوفون به، يسمونه الكعبات، وقيل: ذي الكعبات، وقد ذكره الأسود بن يعفر في شعره". وذكر البيت. ويلتقي مع كلام اللسان قول ابن عطية هنا بعد البيت: "قالوا: كانت فيه بيوت مربعة".
 .
٣ - يسمى شهر رجب: شهر مضر، أو: رجب مضر إضافة إليهم لأنهم كانوا أشد تعظيما له من غيرهم، فكأنهم اختصوا به. (اللسان)..
٤ - يرجع نسب الشاعر إلى قيس بن عيلان بن مضر، وهو هنا يقسم بشهر رجب وبالهدي أن يظل وفيا لصاحبته خولة أبد الدهر..
٥ - في بعض النسخ: لأن الله متّنه، وهذا يتفق مع ما في تفسير القرطبي..
٦ - من الآية (٥٩) من سورة (الأنعام)..

### الآية 5:98

> ﻿اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ وَأَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ [5:98]

ثم خوف تعالى عباده، ورجاهم بقوله  اعلموا أن الله  الآية، وهكذا هو الأمر في نفسه حري أن يكون العبد خائفاً عاملاً بحسب الخوف متقياً متأنساً بحسب الرجاء.

### الآية 5:99

> ﻿مَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ ۗ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ [5:99]

قوله تعالى : ما على الرسول إلا البلاغ  إخبار للمؤمنين فلا يتصور أن يقال هي آية موادعة منسوخة بآيات القتال، بل هذه حال من آمن وشهد شهادة الحق. فإنه إذ قد عصم من الرسول ماله ودمه، فليس على الرسول في جهته أكثر من التبليغ والله تعالى بعد ذلك يعلم ما ينطوي عليه صدره، وهو المجازي بحسب ذلك ثواباً وعقاباً، و  البلاغ  مصدر من بلغ يبلغ، والآية معناها الوعيد للمؤمنين إن انحرفوا ولم يمتثلوا ما بلغ إليهم.

### الآية 5:100

> ﻿قُلْ لَا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ ۚ فَاتَّقُوا اللَّهَ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ [5:100]

وقوله  هل يستوي  الآية لفظ عام في جميع الأمور يتصور في المكاسب وعدد الناس والمعارف من العلوم ونحوها، ف  الخبيث  من هذا كله لا يفلح ولا ينجب ولا تحسن له عاقبة،  والطيب  ولو قل نافع جميل العاقبة وينظر إلى هذه الآية قوله تعالى : والبلد الطيب يخرج نباته بإذن ربه والذي خبث لا يخرج إلا نكداً [(١)](#foonote-١) والخبث هو الفساد الباطن في الأشياء حتى يظن بها الصلاح والطيب وهي بخلاف ذلك، وهكذا هو الخبث في الإنسان، وقد يراد بلفظة خبيث في الإنسان فساد نسبه، فهذا لفظ يلزم قائله على هذا القصد الحد، وقوله تعالى  فاتقوا الله يا أولي الألباب  تنبيه على لزوم الطيب في المعتقد والعمل، وخص  أولي الألباب  بالذكر لأنهم المتقدمون في ميز هذه الأمور والذين لا ينبغي لهم إهمالها مع ألبابهم وإدراكهم، وكأن الإشارة بهذه  الألباب  إلى لب التجربة الذي يزيد على لب التكليف بالحنكة والفطنة المستنبطة والنظر البعيد.

١ - من الآية (٥٨) من سورة (الأعراف)، وينظر إلى الآية أيضا قوله تعالى: أم نجعل الذين آمنوا وعملوا الصالحات كالمفسدين في الأرض أم نجعل المتقين كالفجار- وقوله تعالى: أم حسب الذين اجترحوا السيئات أن نجعلهم كالذين آمنوا وعملوا الصالحات..

### الآية 5:101

> ﻿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِنْ تَسْأَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا اللَّهُ عَنْهَا ۗ وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ [5:101]

وقوله تعالى : يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء  الآية، اختلف الرواة في سببها فقالت فرقة منهم أنس بن مالك وغيره : نزلت بسبب سؤال عبد الله بن حذافة السهمي[(١)](#foonote-١)، ( وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صعد المنبر مغضباً، فقال : لا تسألوني اليوم عن شيء إلا أخبرتكم به، فقام رجل فقال أين أنا ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : في النار فقام عبد الله بن حذافة السهمي وكان يطعن في نسبه، فقال من أبي ؟ فقال : أبوك حذافة ). 
قال القاضي أبو محمد رضي الله عنه : وفي الحديث مما لم يذكر الطبري ( فقام آخر فقال من أبي ؟ فقال أبوك سالم مولى أبي شيبة، فقام عمر بن الخطاب فجثا على ركبتيه وقال رضينا بالله رباً وبالإسلام ديناً ومحمد نبياً نعوذ بالله من الفتن، وبكى الناس من غضب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ونزلت هذه الآية بسبب هذه الاسئلة )[(٢)](#foonote-٢). 
قال القاضي أبو محمد : وصعود رسول الله صلى الله عليه وسلم المنبر مغضباً إنما كان بسبب سؤالات الأعراب والجهال والمنافقين، فكان منهم من يقول أين ناقتي ؟ وآخر يقول ما الذي ألقى في سفري هذا ؟ ونحو هذا مما هو جهالة أو استخفاف وتعنيت، وقال علي بن أبي طالب وأبو هريرة وأبو أمامة الباهلي وابن عباس، في لفظهم اختلاف، والمعنى واحد، خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس فقال : أيها الناس كتب عليكم الحج وقرأ عليهم  ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلاً [(٣)](#foonote-٣) قال علي : فقالوا يا رسول الله : أفي كل عام ؟ فسكت، فأعادوا، قال : لا ولو قلت نعم، لوجبت، وقال أبو هريرة : فقال عكاشة بن محصن وقال مرة فقال محصن الأسدي، وقال غيره فقام رجل من بني أسد، وقال بعضهم فقام أعرابي فقال يا رسول الله، أفي كل عام ؟ فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم قال : من السائل ؟ فقيل فلان، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم **«لو قلت نعم لوجبت ولو وجبت لم تطيقوه، ولو تركتموه، لهلكتم »**[(٤)](#foonote-٤) فنزلت هذه الآية بسبب ذلك، ويقوي هذا حديث سعد بن أبي وقاص أن النبي عليه السلام قال :**«إن أعظم المسلمين على المسلمين جرماً من سأل عن شيء لم يحرم فحرم من أجل مسألته »**[(٥)](#foonote-٥) وروي عن ابن عباس أنه قال : نزلت الآية بسبب قوم سألوا عن البحيرة والسائبة والوصيلة ونحو هذا من أحكام الجاهلية، وقاله سعيد بن جبير[(٦)](#foonote-٦). 
قال القاضي أبو محمد : وروي أنه لما بين الله تعالى في هذه الآيات أمر الكعبة والهدي والقلائد، وأعلم أن حرمتها هو الذي جعلها إذ هي أمور نافعة قديمة من لدن عهد إبراهيم عليه السلام، ذهب ناس من العرب إلى السؤال عن سائر أحكام الجاهلية ليروا هل تلحق بتلك أم لا، إذ كانوا قد اعتقدوا الجميع سنة لا يفرقون بين ما هو من عند الله وما هو من تلقاء الشيطان والمغيرين لدين إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام كعمرو بن لحي وغيره، وفي عمرو بن لحي قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : رأيته يجر قصبه في النار وكان أول من سيب السوائب[(٧)](#foonote-٧). 
قال القاضي أبو محمد : والظاهر من الروايات أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ألحت عليه الأعراب والجهال بأنواع من السؤالات حسبما ذكرناه، فزجر الله تعالى عن ذلك بهذه الآية و  أشياء  اسم جمع لشيء أصله عند الخليل وسيبويه شيئاً مثل فعال قلبت إلى الفعل لثقل اجتماع الهمزتين، وقال أبو حاتم  أشياء  وزنها أفعال وهو جمع شيء وترك الصرف فيه سماع، وقال الكسائي : لم ينصرف  أشياء  لشبه آخرها بآخر حمراء، ولكثرة استعمالها، والعرب تقول أشياوات كما تقول حمراوات، ويلزم على هذا أن لا ينصرف أسماء لأنهم يقولون أسماوات[(٨)](#foonote-٨)، وقال الأخفش : أشياء  أصلها أشياء على وزن أفعلاء، اسثقلت اجتماع الهمزتين فأبدلت الأولى ياء لانكسار ما قبلها ثم حذفت الياء استخفافاً، ويلزم على هذا أن يكون واحد الأشياء شيئاً مثل هين وأهوناء[(٩)](#foonote-٩). 
وقرأ جمهور الناس **«إن تُبدَ »** بضم التاء وفتح الدال وبناء الفعل للمفعول، وقرأ مجاهد **«إن تَبدُ »** بفتح التاء وضم الدال على بناء الفعل للفاعل، وقرأ الشعبي **«إن يبد لكم »** بالياء من أسفل مفتوحة والدال مضمومة **«يسؤكم »** بالياء من أسفل، أي يبده الله لكم. 
وقوله تعالى  وإن تسألوا عنها حين ينزل القرآن تبد لكم  قال ابن عباس : معناه لا تسألوا عن أشياء في ضمن الإخبار عنها مساءة لكم إما لتكليف شرعي يلزمكم وإما لخبر يسوء، كما قيل للذي قال أين أنا ؟ ولكن إذا نزل القرآن بشيء وابتدأكم ربكم بأمر فحينئذٍ إن سألتم عن تفصيله وبيانه ُبِّين لكم وُأبدى. 
قال القاضي أبو محمد رحمه الله : فالضمير في قوله  عنها  عائد على نوعها لا على الأولى التي نهى عن السؤال عنها، وقال أبو ثعلبة الخشني رضي الله عنه : إن الله فرض فرائض فلا تضيعوها ونهى عن أشياء فلا تنتهكوها وحد حدوداً فلا تعتدوها وعفا من غير نسيان عن أشياء فلا تبحثوا عنها، وكان عبيد بن عمير يقول : إن الله أحل وحرم فما أحل فاستحلوا وما حرم فاجتنبوا وترك بين ذلك أشياء لم يحلها ولم يحرمها، فذلك عفو من الله عفاه، ثم يتلو هذه الآية. 
قال القاضي أبو محمد : ويحتمل قوله تعالى : وإن تسألوا عنها حين ينزل القرآن تبد لكم  أن يكون في معنى الوعيد كأنه قال لا تسألوا وإن سألتم لقيتم عبء ذلك وصعوبته لأنكم تكلفون وتستعجلون علم ما يسوءكم كالذي قيل له إنه في النار، وقوله تعالى : عفا الله عنها  تركها ولم يعرف بها، وهذه اللفظة التي هي  عفا ، تؤيد أن الأشياء التي هي في تكليفات الشرع، وينظر إلى ذلك قول النبي عليه السلام ( إن الله قد عفا لكم عن صدقة الخيل )[(١٠)](#foonote-١٠)، و  غفور حليم  صفتان تناسب[(١١)](#foonote-١١) العفو وترك المباحثة والسماحة في الأمور.

١ - هو عبد الله بن حُذافة بن قيس القرشي- يقال: شهد بدرا وكانت فيه دُعابة، في صحيح البخاري عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: نزلت يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم في عبد الله بن حذافة، بعثه النبي صلى الله عليه وآله وسلم في سرية، وقال ابن يونس: شهد فتح مصر، وتوفي بها ودفن بمقبرتها. ولما قال: من أبي يا رسول الله؟ قال: أبوك حذافة قالت له أمه: ما سمعت بابن أعق منك، آمنت أن تكون أمك قارفت ما يقارف نساء الجاهلية فتفضحها على أعين الناس، قال: والله لو ألحقني بعبد أسود للحقت به..
٢ - الحديث مروي من طرق كثيرة، منها ما رواه عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن مردويه، من طريق قتادة- عن أنس في قول الله تعالى: يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم أن الناس سألوا نبي الله صلى الله عليه وسلم حتى أحفوه بالمسألة، فخرج ذات يوم حتى =صعد المنبر، فقال: لا تسألوني اليوم عن شيء إلا أنبأتكم به، فلما سمع القوم ذلك أرموا، وظنوا أن ذلك بين يدي أمر قد حضر، فجعلت ألتفت عن يميني وشمالي فإذا كل رجل لاف ثوبه برأسه يبكي، فأتاه رجل فقال: يا رسول الله، من أبي؟ قال: أبوك حذافة، وكان إذا لاحى يدعى إلى غير أبيه، فقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: رضينا بالله ربا، وبالإسلام دينا، ونعوذ بالله من سوء الفتن، قال: فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ما رأيت في الخير والشر كاليوم قط، إن الجنة والنار مثلتا لي حتى رأيتهما دون الحائط، قال قتادة: وإن الله يريه ما لا ترون، ويسمعه ما لا تسمعون، قال: وأنزل عليه:  يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء الآية... الخ (الدر المنثور ٢/ ٣٣٤)..
٣ - من الآية (٩٧) من سورة (آل عمران)..
٤ - أخرجه ابن جرير، وأبو الشيخ، وابن مردويه- عن أبي هريرة، (والسائل عكاشة) وأخرجه ابن حبان أيضا- (والسائل رجل) وأخرج مثله ابن جرير، والطبراني، وابن مردويه- عن أبي أمامة الباهلي، (والسائل رجل من الأعراب) (الدر المنثور ٢/ ٣٣٥)..
٥ - أخرجه الشافعي، وأحمد، والبخاري، ومسلم، وأبو داود، وابن المنذر- عن سعد بن أبي وقاص، وأوله: أعظم المسلمين في المسلمين جرما... فتأمل الفرق بين الروايتين. (الدر المنثور ٢/ ٣٣٦)- وقد قال أبو الفرج الجوزي: "هذا محمول على من سأل عن الشيء عنتا وعبثا فعوقب بسوء قصده بتحريم ما سأل عنه، والتحريم يعم..
٦ - قال القرطبي: رواه مجاهد عن ابن عباس رضي الله عنهما. (تفسير القرطبي).
٧ - رواه الإمام أحمد في مسنده هكذا: (رأيت عمرو بن عامر الخزاعي يجر قصبه في النار، وكان أول من سيب السوائب وبحر البحيرة). ورواه عن أبي هريرة. كما في الجامع الصغير، وقال عنه: وهو صحيح، لكن ابن الأثير قال في النهاية: وفيه (رأيت عمرو بن لحي يجر قصبه في النار) ثم قال: "القصب بالضم: المعى، وجمعه: أقصاب، وقيل: القصب اسم للأمعاء كلها، وقيل: هو ما كان أسفل البطن من الأمعاء، ومنه الحديث (الذي يتخطى رقاب الناس يوم الجمعة كالجار قصبه في النار)". اهـ. وهو ما يتفق مع لسان العرب في شرحه لمعنى قصب. وهو ما يتفق أيضا مع رواية البخاري. والسائبة: المهملة التي كانت تسيّب في الجاهلية لنذر أو نحوه..
٨ - قال الزجاج: وقد أجمع البصريون وأكثر الكوفيين على أن قول الكسائي خطأ في هذا، وألزموه ألا يصرف أبناء وأسماء-(عن لسان العرب)..
٩ - جاء في لسان العرب تعقيبا على رأي الأخفش هذا: "قال أبو إسحاق: وهذا القول أيضا غلط، لأن (شيئا) فعل، وفعل لا يجمع أفعلاء، فأما هيْن فأصله هيّن فجمع على أفعلاء كما يجمع فعيل على أفعلاء، مثل: نصيب وأنصباء". وهذا هو معنى قول ابن عطية: "ويلزم على هذا أن يكون واحد الأشياء شيئا مثل هيّن وأهوناء"..
١٠ - رواه الإمام أحمد، ومالك في الموطأ، ورواه ابن ماجة والدارمي..
١١ - هكذا في النسخ التي بين أيدينا، وهي من سهو النساخ..

### الآية 5:102

> ﻿قَدْ سَأَلَهَا قَوْمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ ثُمَّ أَصْبَحُوا بِهَا كَافِرِينَ [5:102]

وقرأ عامة الناس **«قد سَألها »** بفتح السين، وقرأ إبراهيم النخعي **«قد سِألها »** بكسر السين، والمراد بهذه القراءة الإمالة، وذلك على لغة من قالت ِسلت تسأل، وحكي عن العرب هما يتساولان، فهذا يعطي هذه اللغة هي من الواو لا من الهمزة[(١)](#foonote-١) فالإمالة إنما أريدت وساغ ذلك لانكسار ما قبل اللام في سلت كما جاءت الإمالة في خاف لمجيء الكسرة في خاء خفت، ومعنى الآية أن هذه السؤالات التي هي تعنيتات وطلب شطط واقتراحات ومباحثات قد سألتها قبلكم الأمم ثم كفروا بها، قال الطبري كقوم صالح في سؤالهم الناقة وكبني إسرائيل في سؤالهم المائدة. قال السدي : كسؤال قريش أن يجعل الله لهم الصفا ذهباً. 
قال القاضي أبو محمد : وإنما يتجه في قريش مثالاً سؤالهم آية، فلما شق لهم القمر كفروا، وهذا المعنى إنما يقال لمن سأل النبي عليه السلام أين ناقتي ؟ وكما قال له الأعرابي ما في بطن ناقتي هذه ؟ فأما من سأله عن الحج أفي كل عام هو ؟ فلا يفسر قوله قد سألها قوم الآية بهذه الأمثلة بل بأن الأمم قديماً طلبت التعمق في الدين من أنبيائها ثم لم تف لما كلفت.

١ - عبارة "البحر المحيط" في هذه النقطة هي: "وقرأ إبراهيم النخعي بكسر السين من غير همز، يعني بكسر الإمالة، وجعل الفعل من مادة (سين وواو ولام) لا من مادة (سين وهمزة ولام)، وهما لغتان ذكرهما سيبويه، ومن كلام العرب: هما يتساولان بالواو، وإمالة النخعي (سال) مثل إمالة حمزة (خاف)." وهي أوضح من عبارة ابن عطية..

### الآية 5:103

> ﻿مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلَا سَائِبَةٍ وَلَا وَصِيلَةٍ وَلَا حَامٍ ۙ وَلَٰكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ ۖ وَأَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ [5:103]

لما سأل قوم عن هذه الأحكام التي كانت في الجاهلية هل تلحق بحكم الله في تعظيم الكعبة والحرم. أخبر تعالى في هذه الآية أنه لم يجعل شيئاً منها ولا سنه لعباده. المعنى ولكن الكفار فعلوا ذلك إذ أكابرهم ورؤساؤهم كعمرو بن لحي وغيره يفترون على الله الكذب ويقولون هذه قربة إلى الله وأمر يرضيه وأكثرهم  يعني الأتباع  لا يعقلون  بل يتبعون هذه الأمور تقليداً وضلالاً بغير حجة و  جعل  في هذه الآية لا يتجه أن تكون بمعنى خلق الله. لأن الله تعالى خلق هذه الأشياء كلها. ولا هي بمعنى صير لعدم المفعول الثاني، وإنما هي بمعنى ما سنَّ ولا شرع فتعدت تعدي هذه التي بمعناه إلى مفعول واحد و ****«البحيرة »**** فعلية بمعنى مفعولة. وبحر شق كانوا إذا انتجت الناقة عشرة بطون شقوا أذنها بنصفين طولاً فهي مبحورة وتركت ترعى وترد الماء ولا ينتفع منها بشيء ويحرم لحمها إذا ماتت على النساء ويحل للرجال[(١)](#foonote-١)، وقال ابن عباس كانوا يفعلون ذلك بها إذا أنتجت خمسة بطون، وقال مسروق إذا ولدت خمساً أو سبعاً شقوا أذنها. 
قال القاضي أبو محمد : ويظهر مما يروى في هذا أن العرب كانت تختلف في المبلغ الذي تبحر عنده آذان النوق، فلكل سنة، وهي كلها ضلال، قال ابن سيده ويقال ****«البحيرة »**** هي التي خليت بلا راع، ويقال للناقة الغزيرة بحيرة. 
قال القاضي أبو محمد : أرى أن البحيرة تصلح وتسمن ويغزر لبنها فتشبه الغزيرات بالبحر، وعلى هذا يجيء قول ابن مقبل :

فيه من الأخرج المرتاع قرقرة  هدر الديامي وسط الهجمة البحر[(٢)](#foonote-٢)فإنما يريد النوق العظام وإن لم تكن مشققة الآذان. وروى الشعبي عن أبي الأحوص عن أبيه قال دخلت على النبي صلى الله عليه وسلم فقال لي أرأيت إبلك ألست تنتجها مسلمة آذانها، فتأخذ الموسى فتقطع آذانها، فتقول هذه بحر، وتقطع جلودها فتقول هذه صوم فتحرمها عليك وعلى أهلك ؟ قال نعم قال : فإن ما آتاك الله لك حل. وساعد الله أشد، وموسى الله أحُّد[(٣)](#foonote-٣). 
والسائبة : هي الناقة التي تسيب للآلهة، والناقة أيضاً إذا تابعت اثنتي عشرة إناثاً ليس فيهن ذكر سيبت، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأكثم بن الجون الخزاعي :**«يا أكثم رأيت عمرو بن لحي بن قمعة بن خندف يجر قصبه في النار فما رأيت أشبه به منك، قال أكثم : أيضرني شبهه يا رسول الله ؟ قال : لا إنك مؤمن وإنه كافر »**، هو أول من غير دين إسماعيل عليه اسلام ونصب الأوثان وسيب السوائب[(٤)](#foonote-٤)، وكانت السوائب أيضاً في العرب كالقربة عند المريض يبرأ منه، والقدوم من السفر، وإذا نزل بأحدهم أمر يشكر الله عليه تقرب بأن يسيب ناقة فلا ينتفع منها بلبن ولا ظهر ولا غيره، يرون ذلك كعتق بني آدم[(٥)](#foonote-٥)، ذكره السدي وغيره وكانت العرب تعتقد أن من عرض لهذه النوق فأخذها أو انتفع منها بشيء فإنه تلحقه عقوبة من الله، و ****«الوصيلة »**** قال أكثر الناس :
إن ****«الوصيلة »**** في الغنم قالوا إذا ولدت الشاة ثلاثة بطون أو خمسة فإن كان آخرها جدياً[(٦)](#foonote-٦) ذبحوه لبيت الآلهة وإن كانت عناقاً[(٧)](#foonote-٧) استحيوها[(٨)](#foonote-٨) وإن كان جذي وعناق استحيوهما وقالوا هذه العناق وصلت أخاها فمنعته من أن يذبح، وعلى أن الوصيلة في الغنم جاءت الروايات عن أكثر الناس وروي عن سعيد بن المسيب أن الوصيلة من الإبل كانت الناقة إذا ابتكرت بأنثى ثم ثنت بأخرى قالوا وصلت أنثيين، فكانوا يجدعونها لطواغيتهم أو يذبحونها. 
شك الطبري في إحدى اللفظين. وأما **«الحامي »** فإنه الفحل من الإبل إذا ضرب في الإبل عشرين وقيل إذا ولد من صلبه عشر وقيل إذا ولد ولده قالوا حمي ظهره فسيبوه لم يركب ولا سخر في شيء[(٩)](#foonote-٩)، وقال علقمة لمن سأله في هذه الأشياء ما تريد إلى شيء كان من عمل أهل الجاهلية وقد ذهب ؟ وقال نحوه ابن زيد. 
قال القاضي أبو محمد : وجملة ما يظهر من هذه الأمور أن الله تعالى قد جعل هذه الأنعام رفقاً لعباده ونعمة عددها عليهم ومنفعة بالغة، فكان أهل الجاهلية يقطعون طريق الانتفاع وُيذهبون نعمة الله فيها ويزيلون المصلحة التي للعباد في تلك الإبل، وبهذا فارقت هذه الأمور الأحباس والأوقاف، فإن المالك الذي له أن يهب ويتصدق له أن يصرف المنفعة في أي طريق من البر، ولم يسد الطريق إليها جملة كما فعل بالبحيرة والسائبة، وقال أبو حنيفة وأصحابه : لا تجوز الأحباس والأوقاف وقاسوا على البحيرة والسائبة، والفرق بين، ولو عمد رجل إلى ضيعة له فقال هذه تكون حبساً لا يجتنى ثمرها ولا يزرع أرضها ولا ينتفع منها بنفع لجاز أن يشبه هذا بالبحيرة والسائبة، وأما الحبس البين طريقه واستمرار الانتفاع به فليس من هذا، وحسبك بأن النبي عليه السلام قال لعمر بن الخطاب في مال له : اجعله حبساً لا يباع أصله، وحبس أصحاب النبي عليه الصلاة السلام[(١٠)](#foonote-١٠). 
وقوله تعالى  ولكن الذين كفروا  الآية، وقد تقدم أن المفترين هم المبتدعون، وأن الذين  لا يعقلون  هم الأتباع، وكذلك نص الشعبي وغيره وهو الذي تعطيه الآية، وقال محمد بن أبي موسى : الذين كفروا وافتروا هم أهل الكتاب، والذين  لا يعقلون  هم أهل الأوثان. 
قال القاضي أبو محمد : وهذا تفسير من انتزع ألفاظ آخر الآية عما تقدمها وارتبط بها من المعنى وعما تأخر أيضاً من قوله  وإذا قيل لهم  والأول من التأويلين أرجح. 
١ - وقيل أيضا: لم يركب ظهرها، ولم يجز وبرها، ولم يشرب لبنها إلا ضيف، فهي:
 محرمة لا يطعم الناس لحمها ولا نحن في شيء كذاك البحائر.
٢ - هذا البيت أنشده شمر كما قال في "اللسان" لابن مقبل شاهدا على أن بحيرة تُجمع على بحر، والضمير في (فيه) يعود على مكان معين. والأخرج: من نعت الظليم، قال الليث: هو الذي سواده أكثر من بياضه كلون الرماد، والمرتاع: الخائف الشديد الفزع. والقرقرة: الهدير. والهدر: مصدر للفعل هدر على وزن ضرب. والديامي: جماعة الإبل- (وفي رواية الزيامي)، والهجمة: الجماعة الضخمة من الإبل، والبحر بضمتين جمع بحيرة. يقول: في هذا المكان قرقرة عالية تصدر عن هذا الظليم الخائف المرتاع كأنها هدير جماعة ضخمة من الإبل وسط مجموعة كبيرة من البحر التي شقت آذانها. وتركت بدون راع فمضت ترعى وتهدر حيث تشاء..
٣ - أخرجه أحمد، وعبد بن حميد، والحكيم الترمذي في نوادر الأصول، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقي في الأسماء والصفات –عن أبي الأحوص. وفي آخر الحديث شرح أبو الأحوص المعنى، وفسّر الكلمات التي في الآية وهي: البحيرة، والسائبة، والوصيلة، والحام. (الدر المنثور ٢/٣٣٧)..
٤ - أخرجه ابن أبي شيبة، وابن جرير، وابن مردويه، والحاكم وصححه- عن أبي هريرة (الدر المنثور ٢/٣٣٨).
٥ - قال عكرمة: السائبة: البعير- تسيب بنذر يكون على الرجل إن سلمه الله من مرض أو بلّغه منزله أن يفعل ذلك، فلا تُحبس عن رعي ولا ماء، ولا يركبها أحد، قال الشاعر: 
 وسائبة لله تنمي تشكرا إن الله عافى عامرا أو مجاشعا
 وقيل: السائبة هي المُخلاة لا قيد عليها، ولا راعي لها، فاعل بمعنى مفعول، نحو: "عيشة راضية"، أي: مرضية، من سابت الحيّة وانسابت، قال الشاعر:
 عقرتم ناقة كانت لربي وسائبة فقوموا للعقاب.
٦ - الجدي: الذكر من أولاد الماعز، جمعه: أجد، وجداء، وجديان..
٧ -العناق: الأنثى من أولاد المعز، والغنم من حيث الولادة إلى تمام حول، وجمعه: أعنق، وعُنُقٌ، وعنوقٌ..
٨ -استحياه: تركه حيا فلم يقتله، وفي التنزيل العزيز: يذبحون أبناءكم ويستحيون نساءكم..
٩ - يؤيد هذا قول الشاعر:
 حماها أبو قابوس في عز ملكه كما حمى أولاد أولاده الفحل.
١٠ - روي أن أبا يوسف رجع عن قول أبي حنيفة في ذلك لما حدثه ابن عليّة، عن ابن عون، عن نافع، عن ابن عمر أنه استأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم في أن يتصدق بسهمه بخيبر، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: (احبس الأصل وسبّل الثمرة)، أي: اجعلها وقفا وأبح ثمرتها لمن وقفتها عليه.
 وقد قال القرطبي: "إن المسألة إجماع من الصحابة، وذلك أن أبا بكر وعمر وعثمان وعليّا وعائشة وفاطمة وعمرو بن العاص وابن الزبير وجابرا رضي الله عنهم كلهم وقفوا الأوقاف، وأوقافهم بمكة والمدينة معروفة ومشهورة".
 .

### الآية 5:104

> ﻿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَىٰ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قَالُوا حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا ۚ أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ [5:104]

والضمير في قوله  قيل لهم  عائد على الكفار المستنين بهذه الأشياء و  تعالوا  نداء بين، هذا أصله، ثم استعمل حيث الِبر وحيث ضده، و  إلى ما أنزل الله  يعني القرآن الذي فيه التحريم الصحيح و  حسبنا  معناه كفانا وقوله  أوَلوْ كان آباؤهم  ألف التوقيف دخلت على واو العطف كأنهم عطفوا بهذه الجملة على الأولى والتزموا شنيع القول فإنما التوقيف توبيخ لهم، كأنهم يقولون بعده نعم ولو كانوا كذلك.

### الآية 5:105

> ﻿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ ۖ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ ۚ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ [5:105]

قوله تعالى : يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم  اختلف الناس في تأويل هذه الآية، فقال أبو أمية الشعباني سألت أبا ثعلبة الخشني عن هذه الآيةا فقال : لقد سألت عنها خبيراً، سألت عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : ائتمروا بالمعروف وانهوا عن المنكر، فإذا رأيت دنيا مؤثرة وشحاً مطاعاً، وإعجاب كل ذي رأي برأيه فعليك بُخَويصة نفسك، وذر عوامهم فإن وراءكم أياماً أجر العامل فيها كأجر خمسين منكم[(١)](#foonote-١). 
قال القاضي أبو محمد : وهذا التأويل الذي لا نظر لأحد معه لأنه مستوف للصلاح صادر عن النبي عليه السلام، ويظهر من كلام أبي بكر الصديق رضي الله عنه أنه بلغه أن بعض الناس تأول الآية أنها لا يلزم معها أمر بمعروف ونهي عن منكر، فصعد المنبر فقال أيها الناس لا تغتروا بقول الله  عليكم أنفسكم  فيقول أحدكم عليَّ نفسي، والله لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر أو ليستعملن عليكم شراركم فليسومنّكم سوء العذاب[(٢)](#foonote-٢)، وروي عن ابن مسعود أنه قال : ليس هذا بزمان هذه الآية، قولو الحق ما ُْقِبل منكم، فإذا ُرَّد عليكم فعليكم أنفسكم[(٣)](#foonote-٣)، وقيل لابن عمر في بعض أوقات الفتن : لو تركت القول في هذه الأيام فلم تأمر ولم تنه ؟ فقال : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لنا : ليبلغ الشاهد الغائب، ونحن شهدنا فيلزمنا أن نبلغكم، وسيأتي زمان إذا قيل فيه الحق لم يقبل[(٤)](#foonote-٤). 
قال القاضي أبو محمد : وجملة ما عليه أهل العلم في هذا أن الأمر بالمعروف متعين متى ُرجي القبول أو ُرجي رد المظالم ولو بعنف ما لم يخف المرء ضرراً يلحقه في خاصيته أو فتنة يدخلها على المسلمين إما بشق عصا وإما بضرر يلحق طائفة من الناس، فإذا خيف هذا فعليكم أنفسكم بحكم واجب أن يوقف عنده، وقال سعيد بن جبير معنى هذه الآية  يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم  فالتزموا شرعكم بما فيه من جهاد وأمر بمعروف وغيره، ولا يضركم ضلال أهل الكتاب إذا اهتديتم وقال ابن زيد : معنى الآية : يا أيها الذين آمنوا من أبناء أولئك الذين بحروا البحيرة وسيبوا السوائب عليكم أنفسكم في الاستقامة على الدين ولا يضركم ضلال الأسلاف إذا اهتديتم، قال : وكان الرجل إذا أسلم قال له الكفار سفهت أباءك وضللتهم وفعلت وفعلت فنزلت الآية بسبب ذلك. 
قال القاضي أبو محمد : ولم يقل أحد فيما علمت أنها آية موادعة للكفار، وكذلك ينبغي أن لا يعارض أنها شيء مما أمر الله به في غير ما آية من القيام بالقسط والأمر بالمعروف، قال المهدوي : وقد قيل هي منسوخة بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. 
قال القاضي أبو محمد : وهذا ضعيف ولا يعلم قائله، وقال بعض الناس نزلت بسبب ارتداد بعض المؤمنين وافتتانهم كابن أبي سرح وغيره، فقيل للمؤمنين لا يضركم ضلالهم، وقرأ جمهور الناس **«لا يضُرُّكم »** بضم الضاد وشد الراء المضمومة، وقرأ الحسن بن أبي الحسن **«لا يضُرْكم »** بضم الضاد وسكون الراء، وقرأ إبراهيم **«لا يضِرك »** بكسر الضاد وهي كلها لغات بمعنى ضر يضر وضار يضور وضير، وقوله تعالى : إلى الله مرجعكم جميعاً  الآية، تذكير بالحشر وما بعده، وذلك مسل عن أمور الدنيا ومكروهها ومحبوبها، وروي عن بعض الصالحين أنه قال : ما من يوم إلا يجيء الشيطان فيقول : ما تأكل وما تلبس وأين تسكن ؟ فأقول له آكل الموت وألبس الكفن وأسكن القبر. 
قال القاضي أبو محمد : فمن فكر في مرجعه إلى الله تعالى فهذه حاله.

١ - أخرجه الترمذي وصححه، وابن ماجه، وابن جرير، والبغوي في معجمه، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والطبراني، وأبو الشيخ، وابن مردويه، والحاكم وصححه والبيهقي في الشعب- عن أبي أمية الشعباني. (الدر المنثور ٢/ ٣٣٩) (وفتح القدير ٢/ ٨٤)..
٢ - أخرجه ابن أبي شيبة، وأحمد، وعبد بن حميد، والسعدني، وابن منيع، والحميدي في مسانيدهم، وأبو داود، والترمذي وصححه، والنسائي، وابن ماجة، وأبو يعلى، وغيرهم كثيرون، ومع اختلاف في الألفاظ. (الدر المنثور. وفتح القدير)..
٣ - هذا جزء من خبر طويل أخرجه عبد بن حميد، ونعيم بن حماد في الفتن، وابن جرير، وابن أبي حاتم، وغيرهم كثيرون. (فتح القدير)...
٤ - أخرجه ابن جرير، وابن مردويه عن ابن عمر. (الدر المنثور ٢/٣٤٠)..

### الآية 5:106

> ﻿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَأَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ ۚ تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلَاةِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ إِنِ ارْتَبْتُمْ لَا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَىٰ ۙ وَلَا نَكْتُمُ شَهَادَةَ اللَّهِ إِنَّا إِذًا لَمِنَ الْآثِمِينَ [5:106]

قال مكي بن أبي طالب رضي الله عنه : هذه الآيات عند أهل المعاني من أشكل ما في القرآن إعراباً ومعنى وحكماً. 
قال القاضي أبو محمد : وهذا كلام من لم يقع له الثلج[(١)](#foonote-١) في تفسيرها، وذلك بين من كتابه رحمه الله وبه نستعين، لا نعلم خلافاً أن سبب هذه الآية أن تميماً الداري وعدي بن بداء، كانا نصرانيين سافرا إلى المدينة يريدان الشام لتجارتهما، قال الواقدي : وهما أخوان وقدم المدينة أيضاً ابن أبي مارية مولى عمرو بن العاص يريد الشام تاجراً فخرجوا رفاقة فمرض ابن أبي مارية في الطريق، قال الواقدي فكتب وصية بيده ودسها في متاعه وأوصى إلى تميم وعدي أن يؤديا رحله، فأتيا بعد مدة المدينة برحله فدفعاه، ووجد أولياؤه من بني سهم وصيته مكتوبة، ففقدوا أشياء قد كتبها فسألوهما عنها فقالا ما ندري، هذا الذي قبضناه له، فرفعوهما إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنزلت الآية الأولى فاستحلفهما رسول الله بعد العصر، فبقي الأمر مدة ثم عثر بمكة من متاعه على إناء عظيم من فضة مخوص بالذهب[(٢)](#foonote-٢)، فقيل لمن وجد عنده من أين صار لكم هذا الإناء ؟ قالوا : ابتعناه من تميم الداري وعدي بن بداء، فارتفع في الأمر إلى النبي عليه السلام فنزلت الآية الأخرى، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلين من أولياء الميت أن يحلفا، قال الواقدي : فحلف عبد الله بن عمرو بن العاص والمطلب بن أبي وداعة، واستحقا، وروى ابن عباس عن تميم الداري أنه قال : برىء الناس من هذه الآيات غيري وغير عدي بن بداء، وذكر القصة، إلا أنه قال وكان معه جام[(٣)](#foonote-٣) فضة يريد به الملك، فأخذته أنا وعدي فبعناه بألف وقسمنا ثمنه، فلما أسلمت بعد قدوم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة تأثمت من ذلك فأتيت أهله فأخبرتهم الخبر وأديت إليهم خمسمائة، فوثبوا إلى عدي فأتوا به رسول الله صلى الله عليه وسلم وحلف عمرو بن العاص ورجل آخر معه، ونزعت من عدي خمسمائة. 
قال القاضي أبو محمد : تختلف ألفاظ هذه القصة في الدواوين وما ذكرته هو عمود الأمر، ولم يصح لعدي صحبة فيما علمت ولا ثبت إسلامه، وقد صنفه في الصحابة بعض المتأخرين، وضعف أمره، ولا وجه عندي لذكره في الصحابة. 
وأما معنى الآية من أولها إلى آخرها، فهو أن الله تعالى أخبر المؤمنين أن حكمه في الشهادة على الموصي إذا حضره الموت أن تكون شهادة عدلين فإن كان في سفر وهو الضرب في الأرض ولم يكن معه من المؤمنين أحد ليشهد شاهدين ممن حضره من أهل الكفر، فإذا قدما وأديا الشهادة على وصيته حلفا بعد الصلاة أنهما ما كذبا ولا بدلا وأن ما شهدا به حق ما كتما فيه شهادة الله، وحكم بشهادتهما، فإن عثر بعد ذلك على أنهما كذبا أو خانا ونحو هذا مما هو إثم، حلف رجلان من أولياء الموصي في السفر وغرم الشاهدان ما ظهر عليهما، هذا معنى الآية على مذهب أبي موسى الأشعري وسعيد بن المسيب ويحيى بن يعمر وسعيد بن جبير وأبي مجلز وإبراهيم وشريح وعبيدة السلماني وابن سيرين ومجاهد وابن عباس وغيرهم، يقولون معنى قوله،  منكم  من المؤمنين، ومعنى،  من غيركم  من الكفار، قال بعضهم ذلك أن الآية نزلت ولا مؤمن إلا بالمدينة وكانوا يسافرون في التجارة صحبة أهل الكتاب وعبدة الأوثان وأنواع الكفرة، واختلفت هذه الجماعة المذكورة، فمذهب أبي موسى الأشعري وشريح وغيرهما أن الآية محكمة، وأسند الطبري إلى الشعبي أن رجلاً حضرته المنية بدقوقا[(٤)](#foonote-٤) ولم يجد أحداً من المؤمنين يشهده على وصيته، فأشهد رجلين من أهل الكتاب فقدما الكوفة فأتيا أبا موسى الأشعري فأخبراه وقدما بتركته، فقال أبو موسى الأشعري هذا أمر لم يكن بعد الذي كان في مدة النبي عليه السلام ثم أحلفهما بعد صلاة العصر وأمضى شهادتهما، وأسند الطبري عن شريح أنه كان لا يجيز شهادة النصراني واليهودي على مسلم إلا في الوصية، ولا تجوز أيضاً في الوصية إلا إذا كانوا في سفر، ومذهب جماعة ممن ذكر، أنها منسوخة بقوله تعالى : وأشهدوا ذوي عدل منكم [(٥)](#foonote-٥) وبما استند إليه إجماع جمهور الناس على أن شهادة الكافر لا تجوز. 
وتأول الآية جماعة من أهل العلم على غير هذا كله، قال الحسن بن أبي الحسن وقوله تعالى : منكم  يريد من عشيرتكم وقرابتكم، وقوله  أو آخران من غيركم  يريد من غير القرابة والعشيرة، وقال بهذا عكرمة مولى ابن عباس وابن شهاب، قالوا أمر الله بإشهاد عدلين من القرابة إذ هم ألحن[(٦)](#foonote-٦) بحال الوصية وأدرى بصورة العدل فيها، فإن كان الأمر في سفر ولم تحضر قرابة أشهد أجنبيان، فإذا شهدا فإن لم يقع ارتياب مضت الشهادة، وإن ارتيب أنهما مالا بالوصية إلى أحد أو زادا أو نقصا حلفا بعد صلاة العصر ومضت شهادتهما، فإن عثر بعد ذلك على تبديل منهما واستحقاق إثم حلف وليان من القرابة وبطلت شهادة الأولين[(٧)](#foonote-٧). 
وقال بعض الناس الآية منسوخة، ولا يحلف شاهد، ويذكر هذا عن مالك بن أنس والشافعي وكافة الفقهاء، وذكر الطبري رحمه الله أن هذا التحالف الذي في الآية إنما هو بحسب التداعي، وذلك أن الشاهدين الأولين إنما يحلفان إن ارتيب فقد ترتبت عليهما دعوى فلتزمهما اليمين، لكن هذا الارتياب إنما يكون في خيانة منهما، فإن عثر بعد ذلك على أنهما استحقا إثماً نظر، فإن كان الأمر بيناً غرما دون يمين َوِلَّيين، وإن كان بشاهد واحد أو بدلا بل تقتضي خيانتهما أو ما أشبه ذلك مما هو كالشاهد حمل على الظالم وحلف المدعيان مع ما قام لهما من شاهد أو دليل. 
قال القاضي أبو محمد : فهذا هو الاختلاف في معنى الآية وصورة حكمهما، ولنرجع الآن إلى الإعراب والكلام على لفظة لفظة من الآية، ولنقصد القول المفيد لأن الناس خلطوا في تفسير هذه الآية تخليطاً شديداً، وذكر ذلك والرد عليه يطول، وفي تبيين الحق الذي تتلقاه الأذهان بالقبول مقنع، والله المستعان، قوله  شهادة بينكم  قال قوم الشهادة هنا بمعنى الحضور، وقال الطبري : الشهادة بمعنى اليمين وليست بالتي ُتَؤَّدى. 
قال القاضي أبو محمد : وهذا كله ضعيف، والصواب أنها الشهادة التي تحفظ لتؤدى[(٨)](#foonote-٨)، ورفعهما بالابتداء والخبر في قوله  اثنان  قال أبو علي : التقدير شهادة بينكم في وصاياكم شهادة اثنين، فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه، وقدره غيره أولاً كأنه قال**«مقيم شهادة بينكم اثنان »** وأضيفت الشهادة إلى **«بين »** اتساعاً في الظرف بأن يعامل معاملة الأسماء، كما قال تعالى : لقد تقطع بينكم [(٩)](#foonote-٩). 
وقرأ الأعرج والشعبي والحسن **«شهادةٌ »** بالتنوين **«بينكَم »** بالنصب، وإعراب هذه القراءة على نحو إعراب قراءة السبعة وروي عن الأعرج وأبي حيوة **«شهادة »** بالنصب والتنوين **«بينكم »** نصب، قال أبو الفتح : التقدير ليقم شهادة بينكم اثنان، وقوله تعالى : إذا حضر أحدكم الموت  معناه إذا قرب الحضور وإلا فإذا حضر الموت لم يشهد ميت وهذا كقوله تعالى : فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله [(١٠)](#foonote-١٠) وكقوله  إذا طلقتم النساء فطلقوهن [(١١)](#foonote-١١) وهذا كثير، والعامل في  إذا  المصدر الذي هو  شهادة ، وهذا على أن تجعل  إذا  بمنزلة حين لا تحتاج إلى جواب ولك أن تجعل  إذا  في هذه الآية المحتاجة إلى الجواب، لكن استغني عن جوابها بما تقدم في قوله  شهادة بينكم  إذ المعنى إذا حضر أحدكم الموت فينبغي أن يشهد، وقوله  حين الوصية  ظرف زمان، والعامل فيه  حضر ، وإن شئت جعلته بدلاً من  إذا ، قال أبو علي :
ولك أن تعلقه  بالموت  لا يجوز أن تعمل فيه  شهادة  لأنها إذا عملت في ظرف من الزمان لم تعمل في ظرف آخر منه، وقوله  ذوا عدل  صفة لقوله اثنان، و  منكم  صفة أيضاً بعد صفة، وقوله تعالى : من غيركم  صفة لآخران، و  ضربتم في الأرض  معناه سافرتم للتجارة، تقول ضربت في الأرض أي سافرت للتجارة، وضربت الأرض ذهبت فيها لقضاء حاجة الإنسان، وهذا السفر كان الذي يمكن أن يعدم المؤمن مؤمنين، فلذلك خص بالذكر لأن سفر الجهاد لا يكاد يعدم فيه مؤمنين، قال أبو علي : قوله  تحبسونهما  صفة ل  آخران  واعترض بين الموصوف والصفة بقوله : إن أنتم إلى الموت، وأفاد الاعتراض أن العدول إلى  آخران  من غير الملة والقرابة حسب اختلاف العلماء في ذلك إنما يكون مع ضرورة السفر وحلول الموت فيه، واستغني عن جواب  إن  لما تقدم من قوله  أو آخران من غيركم  وقال جمهور العلماء  الصلاة  هنا صلاة العصر لأنه وقت اجتماع الناس، وقد ذكره النبي صلى الله عليه وسلم فيمن حلف على سلعته وأمر باللعان فيه، وقال ابن عباس : إنما هي بعد صلاة الذميين[(١٢)](#foonote-١٢)، وأما العصر فلا حرمة لها عندهما، والفاء في قوله  فيقسمان  عاطفة جملة على جملة لأن المعنى تم في قوله  من بعد الصلاة  قال أبو علي : وإن شئت لم تقدر الفاء عاطفة جملة على جملة، ولكن تجعله جزاء كقول ذي الرمة :

وإنسان عيني يحسر الماء تارة  فيبدو وتارات يجم فيغرق[(١٣)](#foonote-١٣)تقديره عندهم إذا حسر بدا، فكذلك إذا حبستموهما أقسما وقوله  إن ارتبتم  شرط لا يتوجه تحليف الشاهدين إلا به، ومتى لم يقع ارتياب ولا اختلاف فلا يمين، أما أنه يظهر من حكم أبي موسى تحليف الذميين أنه باليمين تكمل شهادتهما وتنفذ الوصية لأهلها وإن لم يرتب، وهذه الريبة عند من لا يرى الآية منسوخة ترتب في الخيانة وفي الاتهام بالميل إلى بعض الموصى لهما دون بعض وتقع مع ذلك اليمين عنده، وأما من يرى الآية منسوخة فلا يقع تحليف إلا بأن يكون الارتياب في خيانة أو تعد بوجه من وجوه التعدي فيكون التحليف عنده بحسب الدعوى على منكر لا على أنه تكميل للشهادة، والضمير في قول الحالفين  لا نشتري به ثمناً  عائد على القسم، ويحتمل أن يعود على اسم الله تعالى، قال أبو علي : يعود على تحريف الشهادة، وقوله  لا نشتري  جواب ما يقتضيه قوله : فيقسمان بالله، لأن القسم ونحوه يتلقى بما تتلقى به الأيمان، وتقديره به ثمناً، أي ذا ثمن لأن الثمن لا يشترى. 
وكذلك قوله تعالى : اشتروا بآيات الله ثمناً قليلاً [(١٤)](#foonote-١٤) معناه ذا ثمن، ولا يجوز أن يكون  نشتري  في هذه الآية بمعنى نبيع لأن المعنى يبطله وإن كان ذلك موجوداً في اللغة في غير هذا الموضع، وخص **«ذو القربى »** بالذكر لأن العرف ميل النفس إلى قرابتهم واستسهالهم في جنب نفعهم ما لا يستسهل، وقوله تعالى : ولا نكتم شهادة الله  أضاف  شهادة  إليه تعالى من حيث هو الآمر بإقامتها الناهي عن كتمانها، وقرأ الحسن والشعبي **«ولا نكتمْ »** بجزم الميم[(١٥)](#foonote-١٥)، وقرأ علي بن أبي طالب ونعيم بن ميسرة والشعبي بخلاف عنه ****«شهادةً »**** بالتنوين ****«الله »**** نصب ب  نكتم ، كأن الكلام ولا نكتم الله شهادة قال الزهري ويحتمل أن يكون المعنى **«ولا نكتم شهادة والله »** ثم حذفت الواو ونصب الفعل إيجازاً، وروى يحيى بن آدم عن أبي بكر بن عياش ****«شهادةً »**** بالتنوين( ألله ) بقطع الألف دون مد وخفض الهاء، ورويت أيضاً عن الشعبي وغيره أنه كان يقف على الهاء من الشهادة بالسكون، ثم يقطع الألف المكتوبة من غير مد كما تقدم، وروي عنه أنه كان يقرأ ****«الله »**** بمد ألف الاستفهام في الوجهين أعني بسكون الهاء من الشهادة وتحريكها منّونة منصوبة، ورويت هذه التي هي تنوين ( الشهادة ) ومد ألف ا١ -ثلجت النفس بالشيء: رضيت به وارتاحت واطمأنت إليه، وقيل: عرفته وسرّت به..
٢ - مخوّص بالذهب: أي عليه صفائح من الذهب مجدولة على هيئة خوص النخيل..
٣ - الجام: إناء..
٤ - دقوقا ودقوقاء (مقصورة وممدودة): مدينة معروفة بين إربل وبغداد- هكذا قال ياقوت في "معجم البلدان" ثم قال: لها ذكر في الأخبار والفتوح، كان بها وقعة للخوارج فقال الجعدي بن أبي صمام:
 شباب أطاعوا الله حتى أحبهم وكلهم شار يخاف ويطمــع 
 فلما تبووا من دقوقا بمنـزل لميعاد إخوان تداعوا فأجمعوا.
٥ - من الآية رقم (٢) من سورة (الطلاق)..
٦ -يُفهم من (ألحن) أنهم أعرف بالوصية، إذ يقال: لحن القول عنه: فهمه- ويقال: ألحن فلانا القول: أفهمه إيّاه، وفي بعض النسخ: "إذ هم أحق بحال الوصية" وهو ما يطابق عبارة أبي حيان في "البحر المحيط"..
٧ - يؤيد هذا الرأي النحاس بدليل لغوي، يقول: وهذا ينبني على معنى غامض في العربية، وذلك أن معنى (آخر) في العربية يكون من جنس الأول، تقول: مررت بكريم وكريم آخر، ولا تقول: مررت بكريم وخسيس آخر، فوجب من هذا أن يكون قوله: أو آخران من غيركم أي: عدلان، ومعنى هذا أنهما من المسلمين لا من الكفار، لأن الكفار لا يكونون عدولا، فيصح على هذا قول من قال: \[من غيركم\] من غير عشيرتكم من المسلمين. قال القرطبي تعليقا على ذلك: "وهذا معنى حسن من جهة اللسان، على أنه قد عورض بأن في أول الآية: يا أيها الذين آمنوا فخوطب الجماعة من المؤمنين". ومعنى هذا أن قوله: \[من غيركم\] يقتضي أن يكون المقصود "من غير المؤمنين" مادام الخطاب للمؤمنين..
٨ -جاءت (شهد) في القرآن بمعان مختلفة- بمعنى (قضى) كقوله سبحانه: (شهد الله أنه لا إله إلا هو)، وبمعنى (أقر) كقوله سبحانه: (والملائكة يشهدون). وبمعنى (حلف) كما في اللعان، وبمعنى (وصى) كقوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم) وعلى هذا رأي من يرى أنها هنا بمعنى (وصّى)..
٩ - من الآية (٩٤) من سورة (الأنعام)- وقد قيل: الأصل (ما بينكم) فحذفت (ما) وتمت الإضافات على السعة كقوله تعالى: هذا فراق بيني وبينك أي: ما بيني وبينك، وكقول الشاعر:
 تصافح من لاقيت لي ذا عداوة صفاحا، وعني بين عينيك منزوى
 أي: ما بين عينيك، ومن الإضافة على السعة قوله تعالى بل مكر الليل والنهار، أي: مكركم في الليل والنهار.
١٠ - من الآية (٩٨) من سورة (النحل)..
١١ -من الآية (١) من سورة (الطلاق)..
١٢ - لأن الشاهدين في هذه الحالة من أهل الذمة، وصلاتهم لها عندهما حرمة وقداسة..
١٣ -إنسان العين: ناظرها. وحسر الشيء حسورا: انكشف، وحسر الشيء: أزاله، وجمّ: اجتمع وكثر- يقول: إذا حسر الدمع وانكشف ظهر إنسان عينه، وإذا تجمع الماء وكثر غرق فيه فلا يظهر..
١٤ - من الآية (٩) من سورة (التوبة)..
١٥ - القراءة بجزم الميم من \[نكتم\] على معنى أنهم ينهيان نفسيهما عن كتمان الشهادة والعلماء يقولون: إن دخول (لا) الناهية على المتكلم قليل، ومنه قول الشاعر:
 إذا ما خرجنا من دمشق فلا نعد لها أبدا ما دام فيها الجراضم.

### الآية 5:107

> ﻿فَإِنْ عُثِرَ عَلَىٰ أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْمًا فَآخَرَانِ يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْأَوْلَيَانِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ لَشَهَادَتُنَا أَحَقُّ مِنْ شَهَادَتِهِمَا وَمَا اعْتَدَيْنَا إِنَّا إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ [5:107]

وقوله تعالى : فإن عثر  استعارة لما يوقع على علمه بعد خفائه اتفاقاً وبعد أن لم ُيرَج ولم يقصد، وهذا كما يقال : على الخبير سقطت، ووقعت على كذا، قال أبو علي : والإثم هنا اسم الشيء المأخوذ لأن آخذه يأخذه إثم، فسمي آثماً كما سمي ما يؤخذ بغير حق مظلمة، قال سيبويه : المظلمة اسم ما أخذ منك، وكذلك سمي هذا المأخوذ باسم المصدر. 
قال القاضي أبو محمد : والذي يظهر هنا أن الإثم عل بابه وهو الحكم اللاحق لهما والنسبة التي يتحصلان فيها بعد مواقعتها لتحريف الشهادة أو لأخذ ما ليس لهما أو نحو ذلك، و  استحقا  معناه استوجباه من الله وكانا أهلاً له فهذا استحقاق على بابه، أنه استيجاب حقيقة، ولو كان الإثم الشيء المأخوذ لم يقل فيه **«استحقا »** لأنهما ظلما وخانا فيه، فإنما استحقا منزلة السوء وحكم العصيان، وذلك هو الإثم، وقوله تعالى : فآخران  أي فإذا عثر على فسادهما فالأوليان باليمين وإقامة القضية آخران من القوم الذين هم ولاة الميت واستحق عليهم حظهم أو ظهورهم أو مالهم أو ما شئت من هذه التقديرات، وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو والكسائي ****«استُحق »**** مضمومة التاء. و  الأوليان  على التثنية لأولى وروى قرة عن ابن كثير ****«استَحق »**** بفتح التاء ******«الأوليان »****** على التثنية وكذلك ورى حفص عن عاصم، وقرأ حمزة وعاصم في رواية أبي بكر ****«استُحق »**** بضم التاء **«الأَّوَلين »** على جمع أول، وقرأ الحسن بن أبي الحسن ****«استَحق »**** بفتح التاء **«الأولان »** على تثنية أول، وقرأ ابن سيرين **«الأولين »** على تثنية أول، ونصبهما على تقدير الأولين، فالأولين في الرتبة والقربى[(١)](#foonote-١). 
قال أبو علي في قراءة ابن كثير ومن معه[(٢)](#foonote-٢) : لا يخلو ارتفاع الأوليان من أن يكون على الابتداء وقد أخر فكأنه في التقدير و ******«الأوليان »****** بأمر الميت آخران يقومان، أو يكون بدلاً من الضمير الذي في يقومان، أو يكون مسنداً إليه استحق، وأجاز أبو الحسن فيه شيئاً آخر، وهو أن يكون ******«الأوليان »****** صفة ل **«آخران »**، لأنه لما وصف خصص، فوصف من أجل الاختصاص الذي صار له[(٣)](#foonote-٣). 
قال القاضي أبو محمد : ثم قال أبو علي بعد كلامه هذا : فأما ما يسند إليه ****«استحق »**** فلا يخلو من أن يكون الأنصباء أو الوصية، أو الإثم. وسمي المأخوذ إثماً كما يقال لما يؤخذ من المظلوم مظلمة. ولذلك جاز أن يستند إليه  استحق  ثم قال بعد كلام : فإن قلت هل يجوز أن يسند  استحق  إلى  الأوليان  ؟. فالقول إن ذلك لا يجوز لأن المستحق إنما يكون الوصية أو شيئاً منها، وأما الأوليان بالميت فلا يجوز أن يستحقا فيسند استحق إليهما. 
قال القاضي أبو محمد : وفي هذا الكلام نظر. ويجوز عندي أن يسند  استحق  إلى  الأوليان . وذلك أن أبا علي حمل لفظة الاستحقاق على أنه حقيقي فلم يجوزه إلا حيث يصح الاستحقاق الحقيقي في النازلة، وإنما يستحق حقيقة النصيب ونحوه، ولفظة الاستحقاق في الآية إنما هي استعارة وليست بمعنى استحقا إثماً فإن الاستحقاق هنا حقيقة وفي قوله استحق مستعار، لأنه لا وجه لهذا الاستحقاق إلا الغلبة على الحال بحكم انفراد هذا الميت وعدمه لقرابته أو لأهل دينه. فاستحق هنا كما تقول لظالم يظلمك هذا قد استحق علي مالي أو منزلي بظلمه فتشبهه بالمستحق حقيقة. إذ قد تسور تسوره وتملك تملكه. وكذلك يقال فلان قد استحق ومنه شغل كذا إذا كان ذلك الأمر قد غلبه على أوقاته، وهكذا هي استحق في الآية على كل حال وإن أسندت إلى الأنصباء ونحوه لأن قوله  استحق  صلة ل  الذين ، و  الذين  واقع على الصنف المناقض للشاهدين الجائرين، فالشاهدان ما استحقا قط في هذه النازلة شيئاً حقيقة استحقاق، وإنما تسورا تسور المستحق فلنا أن نقدر الأوليان ابتداء وقد أخر. فيسند  استحق  على هذا إلى المال أو النصيب ونحوه على جهة الاستعارة. وكذلك إذا كان  الأوليان  خبر ابتداء وكذلك على البدل من الضمير في  يقومان  وعلى الصفة على مذهب أبي الحسن. ولنا أن نقدر الكلام بمعنى من الجماعة التي غابت وكان حقها والمبتغى أن يحضر وليها، فلما غابت وانفرد هذا الموصي استحقت هذا الحال وهذان الشاهدان من غير أهل الدين الولاية وأمر الأوليين على هذه الجماعة، ثم بني الفعل للمفعول على هذا المعنى إيجازاً ويقوي هذا الغرض أن تعدي الفعل ب ****«على »**** لما كان باقتدار وحمل هيئته على الحال. 
ولا يقال استحق منه أو فيه إلا في الاستحقاق الحقيقي على وجهه، وأما استحق عليه فيقال في الحمل والغلبة والاستحقاق المستعار والضمير في  عليم  عائد على كل حال في هذه القراءة على الجماعة التي تناقض شاهدي الزور الآثمين، ويحتمل أن يعود على الصنف الذين منهم شاهد الزور على ما نبينه الآن إن شاء الله في غير هذه القراءة وأما رواية قرة عن ابن كثير ****«استحق »**** بفتح التاء فيحتمل أن يكون الأوليان ابتداء أو خبر ابتداء، ويكون المعنى في الجمع أو القبيل الذي استحق القضية على هذا الصنف الشاهد بالزور، الضمير في عليهم عائد على صنف شاهدي الزور. 
قال القاضي أبو محمد رضي الله عنه : وفي هذا التأويل تحويل وتحليق وصنعة في  الذين ، وعليه ينبني كلام أبي علي في كتاب الحجة، ويحتمل أن يكون المعنى من الذين استحق عليهم القيام، والصواب من التأويلين أن الضمير في  عليهم  عائد على  الذين ، و  الأوليان  رفع ب  استحق  وذلك متخرج على ثلاثة معان[(٤)](#foonote-٤). 
أحدها أن يكون المراد من الذين استحق عليهم مالهم وتركتهم شاهدا الزور. فسمى شاهدي الزور أوليين من حيث جعلتهما الحال الأولى كذلك، أي صيرهم عدم الناس أولى بهذا الميت وتركته فجارا فيها، والمعنى الثاني أن يكون المراد من الجماعة الذين حق عليهم أن يكون منهم الأوليان، فاستحق بمعنى حق ووجب، كما تقول هذا بناء قد استحق بمعنى حق كعجب واستعجب ونحوه، والمعنى الثالث أن يجعل استحق بمعنى سعى واستوجب، فكأن الكلام فآخران من القوم الذين حضر أوليان منهم فاستحقا عليهم حقهم، أي استحقا لهم وسعيا فيه واستوجباه بأيمانهما وقرباهما، ونحو هذا المعنى الذي يعطيه التعدي ب ****«على »**** قول الشاعر :

اسعى على حيِّ بني ملك  كل امرىء في شأنه ساع[(٥)](#foonote-٥)وكذلك في الحديث :**«كنت أرعى عليهم الغنم »** في بعض طرق حديث الثلاثة الذين ذكر أحدهم بره بأبويه حين انحطت عليهم الصخرة[(٦)](#foonote-٦). 
وأما قراءة حمزة[(٧)](#foonote-٧) فمعناها من القوم الذين استحق عليهم أمرهم أي غلبوا عليه، ثم وصفهم بأنهم أولون أي في الذكر في هذه الآية، وذلك في قوله  اثنان ذوا عدل منكم  ثم بعد ذلك قال  أو آخران من غيركم  وقوله تعالى : فيقسمان بالله  يعني الآخرين اللذين يقومان مقام شاهدي التحريف، وقولهما  لشهادتنا أحق من شهادتهما  أي لما أخبرنا نحن به وذكرناه من نص القضية أحق مما ذكراه أولاً، وحرفا فيه، وما اعتدينا نحن في قولنا هذا ولا زدنا على الحد، وقولهما  إنا إذاً لمن الظالمين  في صيغة الاستعظام والاستقباح للظلم، والظلم وضع الشيء في غير موضعه. 
١ - قال النحاس: والقراءتان لحن، لا يقال في مثنى مثنان- ويريد بالقراءتين قراءة الحسن وقراءة ابن سيرين- نقل ذلك القرطبي..
٢ - وهي قراءة \[استحق\] بضم التاء، و\[الأوليان\] مثنى \[أولى\]..
٣ - اختار النحاس أن يكون \[الأوليان\] بدلا من قوله: \[فآخران\]، وهو أصلا إعراب ابن السري، وهو بدل المعرفة من النكرة، وهو جائز، قيل: لأن النكرة إذا ذكرها صارت معرفة كقوله تعالى: كمشكاة فيها مصباح ثم قال: المصباح في زجاجة، ثم قال: \[الزجاجة\]..
٤ - خرّج ابن عطية قراءة فتح التاء في \[استحق\] و\[الأوليان\] بالتثنية هذه التخريجات الثلاثة، أما الزمخشري فقال: "معناه: من الورثة الذين استحق عليهم أوليان من بينهم بالشهادة أن يجردوهما للقيام بالشهادة ويظهروا بهما كذب الكاذبين" وقال بعضهم: المفعول محذوف، أي: "من الذين استحق عليهم الأوليان من بينهم بالشهادة أن يجردوهما للقيام بالشهادة ويظهروا بهما كذب الكاذبين". وقال بعضهم: المفعول محذوف، أي: "من الذين استحق عليهم الأوليان وصيّهما".
 .
٥ - البيت في (اللسان) غير منسوب- والرواية فيه: أسعى على جل بني مالك. وقد شرح معنى التعدية بـ (على) فيه فقال: فلان يسعى على عياله، أي: يتصرف لهم..
٦ -الحديث رواه البخاري ومسلم والنسائي، عن ابن عمر رضي الله عنهما- ورواه ابن حبان في صحيحه من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. وهو حديث طويل ومشهور. وابن عطية أمين حين يقول: "في بعض طرق حديث الثلاث" لأن الجملة التي نقلها لا توجد في كل الطرق..
٧ - قراءة حمزة ومعه عاصم في رواية أبي بكر رضي الله عنه: \[استحق\] بضم الثاء، و\[الأولين\] جمع \[أول\].
 ونلاحظ أن ابن عطية قد أطال في إعراب هذه الآية، وكذلك فعل أبو حيان في "البحر المحيط"، وقد قال الزجاج: أصعب ما في القرآن من الإعراب قوله: من الذين استحق عليهم الأوليان). وحتى في الأحكام فإن الآية تحتاج إلى إعمال فكر ودقة نظر، وقد قال عمر رضي الله عنه: هذه الآية أعضل ما في هذه السورة من الأحكام، يريد قوله تعالى: {فإن عثر على أنهما استحقا إثما.
 ومع ذلك فنحن مع صاحب المنار حين لا يوافق علماء اللغة على ما ذهبوا إليه من وجود صعوبات في الإعراب، أو معضلات في فهم الأحكام، و"القرآن فوق النحو والفقه والمذاهب كلها، فهو أصل الأصول، فما وافقه فهو مقبول، وما خالفه فهو مردود مرذول" وبالله التوفيق..

### الآية 5:108

> ﻿ذَٰلِكَ أَدْنَىٰ أَنْ يَأْتُوا بِالشَّهَادَةِ عَلَىٰ وَجْهِهَا أَوْ يَخَافُوا أَنْ تُرَدَّ أَيْمَانٌ بَعْدَ أَيْمَانِهِمْ ۗ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاسْمَعُوا ۗ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ [5:108]

الإشارة ب  ذلك  هي إلى جميع ما حد الله قبل من حبس الشاهدين من بعد الصلاة لليمين، ثم إن عثر على جورهما ردت اليمين وغرما. فذلك كله يقرب اعتدال هذا الصنف فيما عسى أن ينزل من النوازل، لأنهم يخافون التحليف المغلظ بعقب الصلاة ثم يخافون الفضيحة ورد اليمين، هذا قول ابن عباس رحمه الله، ويظهر من كلام السدي أن الإشارة ب  ذلك  إنما هي إلى الحبس من بعد الصلاة فقط، ثم يجيء قوله تعالى : أو يخافون أن ترد أيمان  بإزاء  فإن عثر  \[ المائدة : ١٠٧ \] الآية، وجمع الضمير في  يأتوا. . . أويخافوا  إذ المراد صنف ونوع من الناس، و  أو  في هذه الآية على تأويل السدي بمنزلة قولك**«تجيئي يا زيداً أو تسخطني »** كأنك تريد وإلا أسخطتني فكذلك معنى الآية، ذلك أدنى أن يأتوا بالشهادة على وجهها وإلا خافوا رد الإيمان، وأما على مذهب ابن عباس فالمعنى ذلك الحكم كله أقرب إلى أن يأتوا وأقرب إلى أن يخافوا، وقوله تعالى : على وجهها  معناه على جهتها القويمة التي لم تبدل ولا حرفت، ثم أمر تعالى بالتقوى التي هي الاعتصام بالله وبالسمع لهذه الأمور المنجية، وأخبر أنه لا يهدي القوم الفاسقين، من حيث هم فاسقون، وإلا فهو تعالى يهديهم إذا تابوا، ويحتمل أن يكون لفظ  الفاسقين  عاماً والمراد الخصوص فيمن لا يتوب.

### الآية 5:109

> ﻿۞ يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَا أُجِبْتُمْ ۖ قَالُوا لَا عِلْمَ لَنَا ۖ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ [5:109]

وقوله تعالى : ويوم يجمع الله الرسل  ذهب قوم من المفسرين إلى أن العامل في  يوم  ما تقدم من قوله  لا يهدي ، وذلك ضعيف، ورصف الآية وبراعتها، إنما هو أن يكون هذا الكلام مستأنفاً، والعامل مقدر إما اذكروا وإما تذكروا وإما احذروا ونحو هذا مما حسن اختصاره لعلم السامع، والإشارة بهذا اليوم إلى يوم القيامة، وخص الرسل بالذكر لأنهم قادة الخلق، وفي ضمن جمعهم جمع الخلائق وهم المكلمون أولاً و  ماذا أجبتم  معناه ماذا أجابت به الأمم من إيمان أو كفر وطاعة أو عصيان، وهذا السؤال للأنبياء الرسل إنما هو لتقوم الحجة على الأمم ويبتدأ حسابهم على الواضح المستبين لكل مفطور. واختلف الناس في معنى قولهم عليهم السلام  لا علم لنا  فقال الطبري ذهلوا عن الجواب لهول المطلع، وذكر عن الحسن أنه قال : لا علم لنا من هول ذلك اليوم. وعن السدي أنه قال : نزلوا منزلاً ذهلت فيه العقول فقالوا لا علم لنا. ثم نزلوا منزلاً آخر شهدوا على قومهم، وعن مجاهد أنه قال : يفزعون فيقولون لا علم لنا. 
قال القاضي أبو محمد : وضعّف بعض الناس هذا المنزع بقوله تعالى : لا يحزنهم الفزع الأكبر [(١)](#foonote-١) والأنبياء في أشد أهوال يوم القيامة وحالة جواز الصراط يقولون سلم سلم وحالهم أعظم وفضل الله عليهم أكثر من أن تذهل عقولهم حتى يقولوا ما ليس بحق في نفسه، وقال ابن عباس رضي الله عنه : معنى الآية لا علم لنا إلا علماً أنت أعلم به منا. 
قال القاضي أبو محمد : وهذا حسن، كأن المعنى لا علم لنا يكفي وينتهي إلى الغاية، وقال ابن جريج : معنى ماذا أجبتم ؟ ماذا عملوا بعدكم وما أحدثوا ؟ فلذلك قالوا لا علم لنا. 
قال القاضي أبو محمد : وهذا معنى حسن في نفسه، ويؤيده قوله تعالى : إنك أنت علام الغيوب  لكن لفظة  أجبتم  لا تساعد قول ابن جريج إلا على كره، وقول ابن عباس أصوب هذه المناحي لأنه يتخرج على التسليم لله تعالى ورد الأمر إليه، إذ قوله  ماذا أجبتم  لا علم عندهم في جوابه إلا بما شوفهوا به مدة حياتهم، وينقصهم ما في قلوب المشافهين من نفاق ونحوه، وما ينقصهم ما كان بعدهم من أمتهم والله تعالى يعلم جميع ذلك على التفصيل والكمال. فرأوا التسليم له والخضوع لعلمه المحيط وقرأ أبو حيوة **«ماذا أَجبتم »** بفتح الهمزة.

١ - من الآية (١٠٣) من سورة (الأنبياء)..

### الآية 5:110

> ﻿إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلَىٰ وَالِدَتِكَ إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا ۖ وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ ۖ وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنْفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِي ۖ وَتُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ بِإِذْنِي ۖ وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتَىٰ بِإِذْنِي ۖ وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَنْكَ إِذْ جِئْتَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ إِنْ هَٰذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ [5:110]

يحتمل أن يكون العامل في  إذ  فعلا مضمراً تقديره اذكر يا محمد إذ جئتهم بالبينات و  قال  هنا بمعنى يقول، لأن ظاهر هذا القول أنه في القيامة تقدمه لقوله أنت قلت للناس، وذلك كله أحكام لتوبيخ الذين يتحصلون كافرين بالله في ادعائهم ألوهية عيسى، ويحتمل أن تكون  إذ  بدلاً من قوله  يوم يجمع الله  \[ المائدة : ١٠٩ \] ونعمة الله على عيسى هي بالنبوءة وسائر ما ذكر وما علم مما لا يحصى، وعددت عليه النعمة على أمة إذ هي نعمة صائرة إليه وبسببه كانت، وقرأ جمهور الناس **«أيّدتك »** بتشديد الياء، وقرأ مجاهد وابن محيصن **«آيدتك »** على وزن فاعلتك ويظهر أن الأصل في القراءتين **«أيدتك »** على وزن أفعلتك، ثم اختلف الإعلال، والمعنى فيهما قويتك من الأيد، وقال عبد المطلب :
الحمد لله الأعز الأكرم \*\*\* أيدنا يوم زحوف الأشرم[(١)](#foonote-١)
و **«روح القدس »** هو جبريل عليه السلام، وقوله  في المهد  حال كأنه قال صغيراً  وكهلاً  حال أيضاً معطوفة على الأول. ومثله قوله تعالى : دعانا لجنبه أو قاعداً أو قائماً [(٢)](#foonote-٢) والكهولة من الأربعين إلى الخمسين. وقيل هي من ثلاثة وثلاثين، و  الكتاب  في هذه الآية : مصدر كتب يكتب أي علمتك الخط. ويحتمل أن يريد اسم جنس في صحف إبراهيم وغير ذلك. ثم خص بعد ذلك التوراة  والإنجيل  بالذكر تشريفاً، و  الحكمة  : هي الفهم والإدراك في أمور الشرع، وقد وهب الله الأنبياء منها ما هم به مختصون، معصومون، لا ينطقون عن هوى. قوله تعالى : وإذ  في هذه الآية حيث ما تكررت فهي عطف على الأولى التي عملت فيها نعمتي، و  تخلق  معناه : تقدر وتهيىء تقديرا مستويا ًمتقنا، ومنه قول الشاعر :
ولأنت تفري ما خلقت وبع ض القوم يخلق ثم لا يفري[(٣)](#foonote-٣)
أي يهيىء ويقدر ليعمل ويكمل ثم لا يفعل، ومنه قول الآخر :
من كان يخلق ما يقو \*\*\* ل فحيلتي فيه قليلة[(٤)](#foonote-٤)
وكان عيسى عليه السلام يصور من الطين أمثال الخفافيش ثم ينفخ فيها أمام الناس فتحيا وتطير بإذن الله. وقد تقدم هذا القصص في آل عمران. وقرأ جمهور الناس **«كهيئة »** بالهمز، وهو مصدر من قولهم هاء الشيء يهاء إذا ثبت واستقر على أمر حسن، قال اللحياني : ويقال **«يهيء »** وقرأ الزهري **«كهيّة »** بتشديد الياء من غير همز وقرأ أبو جعفر بن القعقاع **«كهيئة الطائر »**. والإذن في هذه الآية كيف تكرر معناه التمكين مع العلم بما يصنع وما يقصد من دعاء الناس إلى الإيمان. وقوله تعالى : فتنفخ فيها  هو النفخ المعروف من البشر وإن جعل الله الأمر هكذا ليظهر تلبس عيسى بالمعجزة وصدورها عنه. 
وهذا كطرح موسى العصا. وكإيراد محمد عليه السلام القرآن. وهذا أحد شروط المعجزات. وقوله  فيها  بضمير مؤنث مع مجيء ذلك في آل عمران  فأنفخ فيه  \[ آل عمران : ٤٩ \] بضمير مذكر موضع قد اضطرب المفسرون فيه قال مكي : هو في آل عمران عائد على الطائر وفي المائدة عائد على الهيئة، قال ويصح عكس هذا، قال غيره الضمير المذكر عائد على الطين. 
قال القاضي أبو محمد : ولا يصح عود هذا الضمير لا على الطير ولا على الطين ولا على الهيئة لأن الطين أوالطائر الذي يجيء على الطين على هيئته لا نفخ فيه البتة، وكذلك لا نفخ في هيئته الخاصة بجسده وهي المذكورة في الآية، وكذالك الطين المذكور في الآية إنما هو الطين العام، ولا نفخ في ذلك، وإنما النفخ في الصور المخصوصة منه التي رتبتها يد عيسى عليه السلام، فالوجه أن يقال في عود الضمير المؤنث إنه عائد على ما تقتضيه الآية ضرورة، وذلك أن قوله  وإذ تخلق من الطين كهئية الطير  يقتضي صوراً أو أجساماً أو أشكالاً، وكذلك الضمير المذكر يعود على المخلوق الذي يقتضيه  تخلق ، ولك أن تعيده على ما تدل عليه الكاف في معنى المثل لأن المعنى وإذ تخلق من الطين مثل هيئة، ولك أن تعيد الضمير على الكاف نفسه فيمن يجوِّز أن يكون اسماً في غير الشعر، وتكون الكاف في موضع نصب صفة للمصدر المراد تقديره وإذا تخلق خلقاً من الطين كهيئة الطير وقرأ عبد الله بن عباس كهيئة الطير فتنفخها فيكون وقرأ الجمهور **«فتكون »** بالتاء من فوق وقرأ عيسى بن عمر فيها **«فيكون »** بالياء من تحت، وقرأ نافع وحده **«فتكون طائراً »** وقرأ الباقون **«طيراً »** بغير ألف والقراءتان مستفيضتان في الناس. 
فالطير جمع طائر كتاجر وتجر وصاحب وصحب وراكب وركب. والطائر اسم مفرد والمعنى على قراءة نافع فتكون كل قطعة من تلك المخلوقات طائراً قال أبو علي : ولو قال قائل إن الطائر قد يكون جمعاً كالحامل والباقر فيكون على هذا معنى القراءتين واحداً لكان قياساً، ويقوي ذلك ما حكاه أبو الحسن من قولهم طائرة فيكون من باب شعيرة وشعير، وتمرة وتمر وقد تقدم القول في الأكمه والأبرص وفي قصص إحيائه الموتى في آل عمران، و  تخرج الموتى  معناه من قبورهم، وكف بني إسرائيل عنه عليه السلام هو رفعه حين أحاطوا به في البيت مع الحواريين ومن أول ما منعه الله منهم هو الكف إلى تلك النازلة الآخرة فهنالك ظهر عظم الكف و **«البينات »** هي معجزاته وإنجيله وجميع ماجاء به، وقرأ ابن كثير وعاصم هنا وفي ( هود والصف ) **«إلا سحر »** بغير ألف، وقرأ حمزة والكسائي في المواضع الأربعة[(٥)](#foonote-٥) **«ساحر »** بألف فمن قرأ سحراً جعل الإشارة إلى البينات والحديث وما جاء به، ومن قرأ ساحراً جعل الإشارة إلى الشخص إذ هو ذو سحر عندهم وهذا مطرد في القرآن كله حيثما ورد هذا الخلاف.

١ - الأشرم هو أبرهة الحبشي صاحب الفيل، وزحوف: مصدر زحف- يقال: زحف: زحفا وزحوفا وزحفانا. فإذا استعملت في الجيش دلت على المشي إلى العدو في ثقل بسبب كثرة العدد..
٢ - من الآية (١٢) من سورة (يونس)..
٣ - البيت لزهير بن أبي سلمى المزني يمدح هرم بن سنان، والمعنى: إنه إذا قدر شيئا قطعه وأمضاه لمضاء عزمه وقوة إرادته. راجع ص ٢٢٢ من الجزء الأول..
٤ - أنشد المبرد هذا البيت في الكامل، ونسبه لبعض المحدثين، وقبله بيت آخر يقول:
 لي حلية فيمن ينم م وليس في الكذاب حيله
 ونسب البيتين في (معجم الأدباء) إلى منصور بن إسماعيل الشافعي أبي الحسن التميمي الفقيه الشاعر المصري الضرير. ونمّ بين القوم: حرش وأغرى، ونمّ الحديث: سعى به ليوقع فتنة بين الناس. راجع الجزء الأول صفحة ٢٢٢..
٥ - نلاحظ أن المواضع التي ذكرها ابن عطية هنا ثلاثة هي كما قال: "هنا، وفي هود والصف". والموضع الرابع هو قوله تعالى في الآية (٢) من سورة (يونس): إن هذا لساحر مبين. ولعله سقط من النساخ. وإثبات الألف على إرادة اسم الفاعل، وحذفها على إرادة المصدر..

### الآية 5:111

> ﻿وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي قَالُوا آمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ [5:111]

قوله تعالى : وإذ أوحيت  هو من جملة تعديد النعمة على عيسى و  أوحيت  في هذا الموضع إما أن يكون وحي إلهام أو وحي أمر كما قال الشاعر :
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . \*\*\* أوحى لها القرار فاستقرت[(١)](#foonote-١)
وبالجملة فهو إلقاء معنى في خفاء أوصله تعالى إلى نفوسهم كيف شاء، والرسول في هذه الآية عيسى عليه السلام، وقول الحواريين  واشهد  يحتمل أن يكون مخاطبة منهم لله تعالى ويحتمل أن يكون لعيسى عليه السلام، وقد تقدم تفسير لفظة الحواريين في آل عمران.

١ - هكذا في الأصول (أوحى)، والبيت للعجاج، وتمامه كما رواه القرطبي:
 بإذنه الأرض وما تعنت وحى لها القرار فاستقرت
 **ورواه في اللسان:**
 وحى لها القرار فاستقرت وشدّها بالراسيات الثبت
 **ورواه الألوسي هكذا:**
 الحمد لله الذي استقلت بإذنه السماء واطمأنت
 أوحى لها القرار فاستقرت.

### الآية 5:112

> ﻿إِذْ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ ۖ قَالَ اتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ [5:112]

وقوله تعالى : إذ قال الحواريون . . الآية اعتراض أثناء وصف حال قول الله لعيسى يوم القيامة، مضمن الاعتراض إخبار محمد عليه السلام وأمته بنازلة الحواريين في المائدة. إذ هي مثال نافع لكل أمة مع نبيها يقتدى بمحاسنه ويزدجر عم ينقد منه من طلب الآيات ونحوه، وقرأ جمهور الناس **«هل يستطيع ربُّك »** بالياء ورفع الباء من ربك. وهي قراءة السبعة حاشا الكسائي، وهذا ليس لأنهم شكوا في قدرة الله على هذا الأمر، لكنه بمعنى : هل يفعل تعالى هذا وهل تقع منه إجابة إليه ؟ وهذا كما قال لعبد الله بن زيد هل تستطيع أن تريني كيف كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتوضأ ؟ فالمعنى هل يخف عليك وهل تفعله ؟ أما أن في اللفظة بشاعة بسببها قال عيسى  اتقوا الله إن كنتم مؤمنين  وبسببها مال فريق من الصحابة وغيرهم إلى غير هذه القراءة فقرأ علي بن أبي طالب ومعاذ بن جبل وابن عباس وعائشة وسعيد بن جبير **«هل تستطيع ربَّك »** بالتاء ونصب الباء من ربك. المعنى هل تستطيع أن تسأل ربك ؟ قالت عائشة رضي الله عنها : كان الحواريون أعرف بالله من أن يقولوا هل يستطيع ربك[(١)](#foonote-١). 
قال القاضي ابو محمد : نزهتهم عائشة عن بشاعة اللفظ وإلا فليس يلزمهم منه جهل بالله تعالى على ما قد تبين آنفاً. وبمثل هذه القراءة قرأ الكسائي وزاد أنه أدغم اللام في التاء. قال أبو علي : وذلك حسن، و  أن  في قوله  أن ينزل  على هذه القراءة متعلقة بالمصدر المحذوف الذي هو سؤال. و  أن  مفعول به إذ هو في حكم المذكور في اللفظ وإن كان محذوفاً منه إذ لا يتم المعنى إلا به. 
قال القاضي أبو محمد : وقد يمكن أن يستغنى عن تقدير سؤال على أن يكون المعنى هل يستطيع أن يكون المعنى هل يستطيع أن ينزل ربك بدعائك أو بأثرتك عنده ونحوه هذا، فيردك المعنى ولا بد إلى مقدر يدل عليه ما ذكر من اللفظ، و **«المائدة »** فاعلة من ماد إذا تحرك، هذا قول الزجّاج أو من ماد إذا ماد وأطعم كما قال رؤبة :

تهدى رؤوس المترفين الأنداد  إلى أمير المؤمنين الممتاد[(٢)](#foonote-٢)أي الذي يستطعم ويمتاد منه، وقول عيسى عليه السلام  اتقوا الله إن كنتم مؤمنين  تقرير لهم كما تقول افعل كذا وكذا إن كنت رجلاً، ولا خلاف أحفظه في أن الحواريين كانوا مؤمنين، وهذا هو ظاهر الآية، وقال قوم قال الحواريون هذه المقالة في صدر الأمر قبل علمهم بأنه يبرىء الأكمه والأبرص ويحيي الموتى ويظهر من قوله عليه السلام  اتقوا الله  إنكار لقولهم ذلك، وذلك على قراءة من قرأ **«يستطيع »** بالياء من أسفل متوجه على أمرين : أحدهما : بشاعة اللفظ، والآخر إنكار طلب الآيات والتعرض إلى سخط الله بها والنبوات ليست مبنية على أن تتعنت، وأما على القراءة الأخرى فلم ينكر عليهم إلا الاقتراح وقلة طمأنينتهم إلى ما قد ظهر من آياته. 
١ - أخرجه ابن أبي شيبة، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، وابن مردويه- عن عائشة رضي الله عنها. (فتح القدير)..
٢ - على أن يكون (الممتاد) مفتعل معناه- كما وضح ابن عطية- المتفضل على الناس، وهو المستعطي المسؤول، أما (مائدة) على فاعلة فهي في المعنى مفعولة، وهي مثل: عيشة راضية، بمعنى مرضية، وقد قال الفارسي: "لا تسمى مائدة حتى يكون عليها طعام وإلا فهو خوان". (عن اللسان)..

### الآية 5:113

> ﻿قَالُوا نُرِيدُ أَنْ نَأْكُلَ مِنْهَا وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنَا وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ الشَّاهِدِينَ [5:113]

فلما خاطبهم عليه السلام بهذه المقالة صرحوا بالمذاهب التي حملتهم على طلب المائدة، فقالوا : نريد أن نأكل منها فنشرف في العالم. 
قال القاضي أبو محمد : لأن هذا الأكل ليس الغرض منه شبع البطن.  وتطمئن قلوبنا  معناه يسكن فكرنا في أمرك بالمعاينة لأمر نازل من السماء بأعيننا  ونعلم  على الضرورة والمشاهدة أن قد صدقتنا فلا تعترضنا الشبه التي تعرض في علم الاستدلال. 
قال القاضي أبو محمد : وبهذا يترجح قول من قال كان هذا قبل علمهم بآياته. ويدل أيضاً على ذلك أن وحي الله إليهم أن آمنوا إنما كان في صدر الأمر، وعند ذلك قالوا هذه المقالة ثم آمنوا ورأوا الآيات واستمروا وصبروا. وهلك من كفر وقرأ سعيد بن جبير و **«يعلم »** بالياء مضمومة على ما لم يسم فاعله، وقولهم  ونكون عليها من الشاهدين  معناه من الشاهدين بهذه الآية الناقلين لها إلى غيرنا الداعين إلى هذا الشرع بسببها. 
قال القاضي أبو محمد : وروي أن الذي نحا بهم هذا المنحى من الاقتراح هو أن عيسى عليه السلام قال لهم مرة هل لكم في صيام ثلاثين يوماً لله، ثم إن سألتموه حاجة قضاها ؟ فلما صاموها قالوا : يا معلم الخير إن حق من عمل عملاً أن يطعم، فهل يستطيع ربك ؟ فأرادوا أن تكون المائدة عند ذلك الصوم.

### الآية 5:114

> ﻿قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا أَنْزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ تَكُونُ لَنَا عِيدًا لِأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا وَآيَةً مِنْكَ ۖ وَارْزُقْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ [5:114]

ذكر الله تعالى عن عيسى أنه أجابهم إلى دعاء الله في أمر المائدة. فروي أنه لبس جبة شعر ورداء شعر وقام يصلي ويبكي ويدعو. و  اللهم  عند سيبويه أصلها يا الله فجعلت الميمان بدلاً من ياء و  ربنا  منادى آخر، ولا يكون صفة لأن  اللهم  يجري مجرى الأصوات من أجل ما لحقه من التغيير، وقرأ الجمهور **«تكون لنا »** على الصفة للمائدة. وقرأ ابن مسعود والأعمش **«تكن لنا »** على جواب  أنزل . 
والعيد : المجتمع واليوم المشهود، وعرفه أن يقال فيما يستدير بالسنة أو بالشهر والجمعة ونحوه. وهو من عاد يعود فأصله الواو ولكن لزمته الياء من أجل كسرة العين[(١)](#foonote-١). 
وقرأ جمهور الناس **«لأولنا وآخرنا »** وقرأ زيد بن ثابت وابن محيصن والجحدري :**«لأولنا وأخرانا »**[(٢)](#foonote-٢). واختلف المتأولون في معنى ذلك، فقال السدي وقتادة وابن جريج وسفيان : لأولنا معناه لأول الأمة ثم لمن بعدهم حتى لآخرها يتخذون ذلك اليوم عيداً. وروي عن ابن عباس أن المعنى يكون مجتمعاً لجميعنا أولنا وآخرنا، قال : وأكل من المائدة حين وضعت أول الناس كما أكل آخرهم. 
قال القاضي أبو محمد : فالعيد على هذا لا يراد به المستدير، وقوله  وآية منك  أي علامة على صدقي وتشريفي.

١ -وهذا كما في الميزان والميقات والميعاد. وقد قيل: إن العيد واحد الأعياد، وقد جمع بالياء وأصله الواو للزومها في الواحد، وقيل: للفرق بينه وبين أعواد الخشب.
 وسمي يوم الفطر ويوم النحر عيدا لأنه يعود كل سنة. وقيل: سمي بذلك لأنه يوم شريف تشبيها بالعيد، وهو فحل كريم مشهور عند العرب وينسبون إليه فيقال: إبل عيدية، قال رذاذ الكلبي: 
 ظلت تجوب بها البلدان ناجية عيدية أرهنت فيها الدنانير.
 .
٢ - قال صاحب "البحر المحيط": انّثوا على معنى الأمة والجماعة..

### الآية 5:115

> ﻿قَالَ اللَّهُ إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ ۖ فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لَا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ [5:115]

فأجاب الله دعوة عيسى وقال  إني منزلها عليكم  ثم شرط عليهم شرطه المتعارف في الأمم أنه من كفر بعد آية الاقتراح عذب أشد عذاب، وقرأ نافع وابن عامر وعاصم **«إني مُنَزّلها »** بفتح النون وشد الزاي، وقرأ الباقون **«منْزلها »** بسكون النون، والقراءتان متجهتان نزل وأنزل بمعنى واحد، وقرأ الأعمش وطلحة بن مصرف، **«قال الله إني سأنزلها عليكم »**، واختلف الناس في نزول المائدة، فقال الحسن بن أبي الحسن ومجاهد : إنهم لما سمعوا الشرط في تعذيب من كفر استعفوها فلم تنزل. قال مجاهد فهو مثل ضربه الله تعالى للناس لئلا يسألوا هذه الآيات، وقال جمهور المفسرين : نزلت المائدة، ثم اختلفت الروايات في كيفية ذلك، فروى الشعبي عن أبي عبد الرحمن السلمي، قال : نزلت المائدة خبزاً وسمكاً، وقال عطية : المائدة سمكة فيها طعم كل طعام، قال ابن عباس نزل خوان عليه خبز وسمك يأكلون منه أين ما نزلوا إذا شاؤوا، وقاله وهب بن منبه، قال إسحاق بن عبد الله : نزلت المائدة عليها سبعة أرغفة وسبعة أحوات، قال : فسرق منها بعضهم فرفعت، وقال عمار بن ياسر : سألوا عيسى عليه السلام مائدة يكون عليها طعام لا ينفذ، فقيل لهم : فإنها مقيمة لكم ما لم تخبئوا أو تخونوا، فإن فعلتم عذبتم قال فما مضى يوم حتى خبؤوا وخانوا فمسخوا قردة وخنازير، وقال ابن عباس في المائدة أيضاً، كان طعام ينزل عليهم حيث ما نزلوا، وقال عمار بن ياسر : نزلت المائدة عليها ثمار من ثمار الجنة، وقال ميسرة : كانت المائدة إذا وضعت لبني إسرائيل اختلفت عليها الأيدي بكل طعام إلا اللحم. 
قال القاضي أبو محمد : وكثر الناس في قصص هذه المائدة بما رأيت اختصاره لعدم سنده وقال قوم : لا يصح أن لا تنزل المائدة لأن الله تعالى أخبر أنه منزلها. 
قال القاضي أبو محمد : وهذا غير لازم لأن الخبر مقرون بشرط يتضمنه قوله  فمن يكفر بعد منكم ، وسائغ ما قال الحسن[(١)](#foonote-١)، أما أن الجمهور على أنها نزلت وكفرت جماعة منهم فمسخهم الله خنازير قاله قتادة وغيره، وقال عبد الله بن عمر رضي الله عنه : أشد الناس عذاباً يوم القيامة من كفر من أصحاب المائدة والمنافقون وآل فرعون، ويذكر أن شمعون رأس الحواريين قال لعيسى حين رأى طعام المائدة، يا روح الله أمن طعام الدنيا هو أم من طعام الآخرة ؟ قال عيسى عليه السلام : ألم ينهكم الله عن هذه السؤالات، هذا طعام ليس من طعام الدنيا ولا من طعام الآخرة، بل هو بالقدرة الغالبة، قال الله له كن فكان، وروي أنه كان على المائدة بقول سوى الثوم والكراث والبصل، وقيل كان عليها زيتون وتمر وحب رمان.

١ - قد يقال إن رأي الجمهور أرجح، وما ذكره ابن عطية من أن الخبر مقرون بشرط ليس بلازم، فإنما هو في الحقيقة حكم متفرع عما بعد الإنزال، أو مترتب عليه، والله قد وعد، والله لا يخلف وعده..

### الآية 5:116

> ﻿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَٰهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ ۖ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ ۚ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ ۚ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ ۚ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ [5:116]

اختلف المفسرون في وقت وقوع هذا القول. فقال السدي وغيره : لما رفع الله عيسى إليه قالت النصارى ما قالت وزعموا أن عيسى أمرهم بذلك، فسأله تعالى حينئذ عن قولهم فقال  سبحانك  الآية. 
قال القاضي أبو محمد : فتجيء  قال  على هذا متمكنة في المضي ويجيء قوله آخراً  وإن تغفر لهم  \[ المائدة : ١١٨ \] أي بالتوبة من الكفر، لأن هذا ما قاله عيسى عليه السلام وهم أحياء في الدنيا وقال ابن عباس وقتادة وجمهور الناس : هذا القول من الله إنما هو في يوم القيامة، يقول الله له على رؤوس الخلائق، فيرى الكفار تبرية منهم، ويعلمون أن ما كانوا فيه باطل[(١)](#foonote-١). 
قال القاضي أبو محمد : وقال على هذا التأويل بمعنى يقول. ونزل الماضي موضع المستقبل دلالة على كون الأمر وثبوته، وقوله آخراً  وإن تغفر لهم  \[ المائدة : ١١٨ \] معناه إن عذبت العالم كله فبحقك وإن غفرت وسبق ذلك في علمك فلأنك أهل لذلك لا معقب لحكمك ولا منازع لك، فيقول عيسى هذا على جهة التسليم والتعزي عنهم مع علمه بأنهم كفرة قد حتم عليهم العذاب، وليس المعنى أنه لا بد من أن تفعل أحد هذين الأمرين. بل قال هذا القول مع علمه بأن الله لا يغفر أن يشرك به. وفائدة هذا التوقيف على قول من قال إنه في يوم القيامة ظهور الذنب على الكفرة في عبادة عيسى وهو توقيف له يتقرر منه بيان ضلال الضالين. 
وسبحانك معناه تنزيهاً لك عن أن يقال هذا وينطق به، وقوله  ما يكون لي أن أقول . . . . الآية. نفي يعضده دليل العقل، فهذا ممتنع عقلاً أن يكون لبشر محدث أن يدعي الألوهية، وقد تجيء هذه الصيغة فيما لا ينبغي ولا يحسن مع إمكانه، ومنه قول الصديق رضي الله عنه : ما كان لابن قحافة أن يصلي بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم قال  إن كنت قلته فقد علمته  فوفق الله عيسى عليه السلام لهذه الحجة البالغة، وقوله  تعلم ما في نفسي  بإحاطة الله به، وخص النفس بالذكر لأنها مظنة الكتم والانطواء على المعلومات، والمعنى : أن الله يعلم ما في نفس عيسى ويعلم كل أمره مما عسى ألا يكون في نفسه، وقوله : ولا أعلم ما في نفسك  معناه : ولا أعلم ما عندك من المعلومات وما أحطت به. وذكر النفس هنا مقابلة لفظية في اللسان العربي يقتضيها الإيجاز، وهذا ينظر من طرف خفي إلى قوله  ومكروا ومكر الله [(٢)](#foonote-٢)  الله يستهزىء بهم [(٣)](#foonote-٣)، فتسمية العقوبة باسم الذنب إنما قاد إليها طلب المقابلة اللفظية إذ هي من فصيح الكلام وبارع العبارة، ثم أقر عليه السلام لله تعالى بأنه  علام الغيوب ، والمعنى ولا علم لي أنا بغيب فكيف تكون لي الألوهية ؟.

١ - قال القرطبي: "وهذا القول أصح، ويدل عليه ما قبله من قوله: يوم يجمع الله الرسل وما بعده هذا يوم ينفع الصادقين صدقهم"، وعلى هذا تكون (إذ) في قوله: وإذ قال الله بمعنى (إذا) كقوله تعالى: ولو ترى إذ فزعوا، وكما هي في قول أبي النجم:
 ثم جزاه الله عني إذ جزى جنات عدن في السماوات العُلا
 يعني: إذا جزى. وقال أبو عبيدة: إذ زائدة، وقال صاحب "البحر": والظاهر أنها على أصل وضعها، وأن ما بعدها من الفعل الماضي قد وقع، ولا يؤول بيقول..
٢ - من الآية (٥٤) من سورة (آل عمران)..
٣ - من الآية (١٥) من سورة (البقرة)..

### الآية 5:117

> ﻿مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ ۚ وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ ۖ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ ۚ وَأَنْتَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ [5:117]

ثم أخبر عما صنع في الدنيا وقال في تبليغه، وهو أنه لم يتعد أمر الله في أن أمرهم بعبادته وأقر بربوبيته و  أن  في قوله  أن اعبدوا الله  مفسرة لا موضع لها من الإعراب[(١)](#foonote-١). ويصح أن تكون بدلاً من  ما [(٢)](#foonote-٢) ويصح أن تكون في موضع خفض على تقدير بأن اعبدوا الله، ويصح أن تكون بدلاً من الضمير في  به  ثم أخبر عليه السلام أنه كان شهيداً ما دام فيهم في الدنيا، فما ظرفية. وقوله  فلما توفيتني  قبضتني إليك بالرفع والتصيير في السماء[(٣)](#foonote-٣). والرقيب : الحافظ المراعي.

١ - وهي في هذا مثلها في قوله تعالى: وانطلق الملأ منهم أن امشوا..
٢ - في قوله تعالى قبل ذلك: إلا ما أمرتني به، أي: ما قلت لهم إلا الذي أمرتني به وهو أن اعبدوا.. إلخ..
٣ - قال الحسن: الوفاة في كتاب الله عز وجل على ثلاثة أوجه: وفاة الموت، وذلك قوله تعالى: الله يتوفى الأنفس حين موتها يعني وقت انقضاء أجلها. ووفاة النوم، قال الله تعالى: وهو الذي يتوفاكم بالليل يعني: الذي ينيمكم، ووفاة الرفع، قال الله تعالى: يا عيسى إني متوفيك..

### الآية 5:118

> ﻿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ ۖ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ [5:118]

هذه الآية— على من قال :**«إن توقيف عيسى عليه السلام كان إثر رفعه »** مستقيمة المعنى، لأنه قال عنهم هذه المقالة وهم أحياء في الدنيا وهو لا يدري على ما يوافون. وهي— على قول من قال :**«إالتوقيف هو يوم القيامة »**—بمعنى : إن سبقت لهم كلمة العذاب كما سبقت فهم عبادك تصنع بحق الملك ما شئت لا اعتراض عليك،  وإن تغفر لهم  بتوبة كما غفرت لغيرهم فإنك أنت العزيز في قدرتك، الحكيم في أفعالك. لا تعارض على حال. فكأنه قال إن يكن لك في الناس معذبون فهم عبادك. وإن يكن مغفور لهم فعزتك وحكمتك تقتضي هذا كله. 
وهذا هو عندي القول الأرجح[(١)](#foonote-١). ويتقوى ما بعده. 
وذلك أن عيسى عليه السلام لما قرر أن الله تعالى له أن يفعل في عباده ما يشاء من تعذيب ومغفرة أظهر الله لعباده ما كانت الأنبياء تخبرهم به، كأنه يقول هذا أمر قد فرغ منه. وقد خلص للرحمة من خلص، وللعذاب من خلص. 
فقال تبارك وتعالى  هذا يوم ينفع الصادقين صدقهم  فدخل تحت هذه العبارة كل مؤمن بالله تعالى وكل ما كان[(١)](#foonote-١) أتقى فهو أدخل في العبارة، ثم جاءت هذه العبارة مشيرة إلى عيسى في حاله تلك وصدقه فيما قال. فحصل له بذلك في الموقف شرف عظيم وإن كان اللفظ يعمه وسواه، وذكر تعالى ما أعد لهم برحمته وطوله إلى قوله  ذلك الفوز العظيم . 
وقرأ نافع وحده **«هذا يومَ »** بنصب يوم، وقرأ الباقون **«يومُ »** بالرفع على خبر المبتدأ الذي هو  هذا  و  يوم  مضاف إلى  ينفع ، والمبتدأ والخبر في موضع نصب بأنه مفعول القول. إذ القول يعمل في الجمل، وأما قراءة نافع فتحتمل وجهين : أحدهما أن يكون ****«يوم »**** ظرفاً للقول كأن التقدير قال الله هذا القصص أو الخبر يوم. 
قال القاضي أبو محمد : وهذا عندي معنى يزيل رصف الآية وبهاء اللفظ، والمعنى الثاني أن يكون ما بعد قال حكاية عما قبلها ومن قوله لعيسى إشارة إليه، وخبر  هذا  محذوف إيجازاً، كأن التقدير قال الله : هذا المقتص يقع أو يحدث يوم ينفع الصادقين. 
قال القاضي أبو محمد : والخطاب على هذا لمحمد عليه السلام وأمته، وهذا أشبه من الذي قبله، والبارع المتوجه قراءة الجماعة، قال أبو علي، ولا يجوز أن تكون ****«يوم »**** في موضع رفع على قراءة نافع لأن هذا الفعل الذي أضيف إليه معرب، وإنما يكتسي البناء من المضاف إليه إذا كان المضاف إليه مبنياً نحو من عذاب يومئذ[(٢)](#foonote-٢)، ولا يشبه قول الشاعر[(٣)](#foonote-٣) :
على حين عاتبت المشيب على الصبا وقلت ألمّا أصحُ والشيب وازع ؟[(٤)](#foonote-٤)
لأن الماضي الذي في البيت مبني والمضارع الذي في الآية معرب وقرأ الحسن بن العباس الشامي :**«هذا يومٌ »** بالرفع والتنوين.

١ - روى الإمام أحمد عن جسرة العامرية عن أبي ذر رضي الله عنه قال: صلى النبي صلى الله عليه وسلم ذات ليلة فقرأ بآية حتى أصبح يركع بها ويسجد بها: إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم فلما أصبح قلت: يا رسول الله، ما زلت تقرأ هذه الآية حتى أصبحت تركع بها وتسجد بها؟ قال: "إني سألت ربي عز وجل الشفاعة لأمتي فأعطانيها، وهي نائلة إن شاء الله لمن لا يشرك بالله شيئا" اهـ. ورواه النسائي عن أبي ذر أيضا..

### الآية 5:119

> ﻿قَالَ اللَّهُ هَٰذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ ۚ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ۚ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ۚ ذَٰلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ [5:119]

نص مكرر لاشتراكه مع الآية ١١٨:هذه الآية— على من قال :****«إن توقيف عيسى عليه السلام كان إثر رفعه »**** مستقيمة المعنى، لأنه قال عنهم هذه المقالة وهم أحياء في الدنيا وهو لا يدري على ما يوافون. وهي— على قول من قال :****«إالتوقيف هو يوم القيامة »****—بمعنى : إن سبقت لهم كلمة العذاب كما سبقت فهم عبادك تصنع بحق الملك ما شئت لا اعتراض عليك،  وإن تغفر لهم  بتوبة كما غفرت لغيرهم فإنك أنت العزيز في قدرتك، الحكيم في أفعالك. لا تعارض على حال. فكأنه قال إن يكن لك في الناس معذبون فهم عبادك. وإن يكن مغفور لهم فعزتك وحكمتك تقتضي هذا كله. 
وهذا هو عندي القول الأرجح[(١)](#foonote-١). ويتقوى ما بعده. 
وذلك أن عيسى عليه السلام لما قرر أن الله تعالى له أن يفعل في عباده ما يشاء من تعذيب ومغفرة أظهر الله لعباده ما كانت الأنبياء تخبرهم به، كأنه يقول هذا أمر قد فرغ منه. وقد خلص للرحمة من خلص، وللعذاب من خلص. 
فقال تبارك وتعالى  هذا يوم ينفع الصادقين صدقهم  فدخل تحت هذه العبارة كل مؤمن بالله تعالى وكل ما كان[(١)](#foonote-١) أتقى فهو أدخل في العبارة، ثم جاءت هذه العبارة مشيرة إلى عيسى في حاله تلك وصدقه فيما قال. فحصل له بذلك في الموقف شرف عظيم وإن كان اللفظ يعمه وسواه، وذكر تعالى ما أعد لهم برحمته وطوله إلى قوله  ذلك الفوز العظيم . 
وقرأ نافع وحده ****«هذا يومَ »**** بنصب يوم، وقرأ الباقون ****«يومُ »**** بالرفع على خبر المبتدأ الذي هو  هذا  و  يوم  مضاف إلى  ينفع ، والمبتدأ والخبر في موضع نصب بأنه مفعول القول. إذ القول يعمل في الجمل، وأما قراءة نافع فتحتمل وجهين : أحدهما أن يكون ********«يوم »******** ظرفاً للقول كأن التقدير قال الله هذا القصص أو الخبر يوم. 
قال القاضي أبو محمد : وهذا عندي معنى يزيل رصف الآية وبهاء اللفظ، والمعنى الثاني أن يكون ما بعد قال حكاية عما قبلها ومن قوله لعيسى إشارة إليه، وخبر  هذا  محذوف إيجازاً، كأن التقدير قال الله : هذا المقتص يقع أو يحدث يوم ينفع الصادقين. 
قال القاضي أبو محمد : والخطاب على هذا لمحمد عليه السلام وأمته، وهذا أشبه من الذي قبله، والبارع المتوجه قراءة الجماعة، قال أبو علي، ولا يجوز أن تكون ********«يوم »******** في موضع رفع على قراءة نافع لأن هذا الفعل الذي أضيف إليه معرب، وإنما يكتسي البناء من المضاف إليه إذا كان المضاف إليه مبنياً نحو من عذاب يومئذ[(٢)](#foonote-٢)، ولا يشبه قول الشاعر[(٣)](#foonote-٣) :
على حين عاتبت المشيب على الصبا وقلت ألمّا أصحُ والشيب وازع ؟[(٤)](#foonote-٤)
لأن الماضي الذي في البيت مبني والمضارع الذي في الآية معرب وقرأ الحسن بن العباس الشامي :****«هذا يومٌ »**** بالرفع والتنوين. 
١ - روى الإمام أحمد عن جسرة العامرية عن أبي ذر رضي الله عنه قال: صلى النبي صلى الله عليه وسلم ذات ليلة فقرأ بآية حتى أصبح يركع بها ويسجد بها: إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم فلما أصبح قلت: يا رسول الله، ما زلت تقرأ هذه الآية حتى أصبحت تركع بها وتسجد بها؟ قال: "إني سألت ربي عز وجل الشفاعة لأمتي فأعطانيها، وهي نائلة إن شاء الله لمن لا يشرك بالله شيئا" اهـ. ورواه النسائي عن أبي ذر أيضا..


---

### الآية 5:120

> ﻿لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا فِيهِنَّ ۚ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [5:120]

وقوله تعالى : لله ملك السماوات . . . الآية، يحتمل أن يكون مما يقال يوم القيامة، ويحتمل أنه مقطوع من ذلك مخاطب به محمد صلى الله عليه وسلم وأمته. وعلى الوجهين ففيه عضد ما قال عيسى :**«إن تعذب الناس فإنهم عبادك »** على ما تقدم من تأويل الجمهور.

## روابط ذات صلة

- [النص القرآني للسورة](https://quranpedia.net/surah/1/5.md)
- [كل تفاسير سورة المائدة
](https://quranpedia.net/surah-tafsir/5.md)
- [ترجمات سورة المائدة
](https://quranpedia.net/translations/5.md)
- [صفحة الكتاب: المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز](https://quranpedia.net/book/350.md)
- [المؤلف: ابن عطية](https://quranpedia.net/person/4644.md)

---

زُر [Quranpedia.net](https://quranpedia.net/surah/1/5/book/350) — موسوعة القرآن الكريم: التفاسير، الترجمات، التلاوات، والمواضيع.
