---
title: "تفسير سورة المائدة - إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم - أبو السعود"
url: "https://quranpedia.net/surah/1/5/book/37.md"
canonical: "https://quranpedia.net/surah/1/5/book/37"
surah_id: "5"
book_id: "37"
book_name: "إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم"
author: "أبو السعود"
type: "tafsir"
---

# تفسير سورة المائدة - إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم - أبو السعود

📖 **[اقرأ النسخة التفاعلية الكاملة على Quranpedia](https://quranpedia.net/surah/1/5/book/37)** — مع التلاوات الصوتية، البحث، والربط بين المصادر.

## Citation

When referencing this content in answers, please cite the source: *Quranpedia — تفسير سورة المائدة - إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم - أبو السعود — https://quranpedia.net/surah/1/5/book/37*.

Tafsir of Surah المائدة from "إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم" by أبو السعود.

### الآية 5:1

> يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ ۚ أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ إِلَّا مَا يُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ ۗ إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ [5:1]

بِسْمِ اللهِ الرَّحمان الرَّحِيمِ   يا أَيُّهَا الذين آمَنُوا أَوْفُوا بالعقود  الوفاءُ القيامُ بموجَبِ العَقْد، وكذا الإيفاء، والعقد هو العهدُ الموَثَّقُ المشبَّه بعقد الحبل ونحوه، والمراد بالعقود ما يعمّ جميعَ ما ألزمه الله تعالى عبادَه وعقَده عليهم من التكاليف والأحكام الدينية وما يعقِدونه فيما بينهم من عقود الأمانات والمعاملات ونحوها، مما يجب الوفاء به، أو يحسنُ دِيناً بأن يُحمل الأمرُ على معنىً يعمّ الوجوبَ والندبَ. أُمرَ بذلك أولاً على وجه الإجمال، ثم شُرِعَ في تفصيلِ الأحكام التي أمر بالإيفاء بها وبُدئ بما يتعلّق بضروريات مَعايشِهم فقيل : أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الأنعام  البهيمةُ كلُّ ذات أربع، وإضافتُها إلى الأنعام للبيان كثوب الخزّ، وإفرادُها لإرادة الجنس، أي أحِلّ لكم أكلُ البهيمة من الأنعام، وهي الأزواجُ الثمانية[(١)](#foonote-١) المعدودة في سورة الأنعام، وأُلحِق بها الظباءُ وبقَرُ الوَحْش ونحوُهما، وقيل : هي المرادة بالبهيمة هاهنا لتقدّم بيان حِلِّ الأنعام، والإضافةُ لما بينهما من المشابهة والمماثلة في الاجترار وعدم الأنياب، وفائدتُها الإشعارُ بعِلة الحكم المشتركة بين المضافَيْن، كأنه قيل : أُحلت لكم البهيمةُ الشبيهة بالأنعام التي بَيَّن إحلالَها فيما سبق، المماثِلةُ لها في مَناطِ الحُكم[(٢)](#foonote-٢). وتقديم الجارّ والمجرور على القائم مَقام الفاعل لما مر مراراً من إظهار العناية بالمقدَّم، لما فيه من تعجيل المسرَّة والتشويق إلى المؤخَّر، فإن ما حقُّه التقديمُ إذا أُخِّر تبقى النفسُ مترقِّبةً إلى وروده، فيتمكّن عندها فضلُ تمكّن.  إِلاَّ مَا يُتلى عَلَيْكُمْ  استثناء من ( بهيمةُ ) أي إلا مُحرَّمَ ما يتلى عليكم من قوله تعالى : حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الميتة  ونحوَه، أو إلا ما يُتلى عليكم آيةُ تحريمه.  غَيْرَ مُحِلّي الصيد  أي الاصطيادِ في البَرّ أو أكلِ صيده، وهو نصبٌ على الحالية من ضمير لكم، ومعنى عدمِ إحلالِهم له تقريرُ حرمته عملاً واعتقاداً، وهو شائع في الكتاب والسنة، وقوله تعالى : وَأَنتُمْ حُرُمٌ  أي مُحرمون، حال من الضمير في مُحِلِّي. وفائدةُ تقييد إحلالِ بهيمةِ الأنعام بما ذُكر من عدم إحلالِ الصيد حالَ الإحرام على تقدير كونِ المراد بها الظباءَ ونظائرَها ظاهرةٌ، لما أن إحلالها غيرُ مُطلق، كأنه قيل : أحل لكم الصيدُ حالَ كونِكم ممتنعين عنه عند إحرامكم. وأما على التقدير الأول ففائدته إتمامُ النعمة وإظهارُ الامتنان بإحلالها بتذكير احتياجهم إليه، فإن حرمةَ الصيد في حالة الإحرام من مظانِّ حاجتهم إلى إحلال غيرِه حينئذ، كأنه قيل : أحلت لكم الأنعام مطلقاً حالَ كونكم ممتنِعين عن تحصيل ما يُغنيكم عنها في بعض الأوقات محتاجين إلى إحلالها. وفي إسناد عدم الإحلال إليهم بالمعنى المذكور مع حصول المراد بأن يقال : غيرُ محلَّلٍ لكم، أو محرماً عليكم الصيدُ حال إحرامكم مزيدُ تربيةٍ للامتنان، وتقرير للحاجة ببيان علتها القريبة، فإن تحريم الصيد عليهم إنما يوجب حاجتهم إلى إحلال ما يغنيهم عنه باعتبار تحريمهم له عملاً واعتقاداً، مع ما في ذلك من وصفهم بما هو اللائق بهم،  إِنَّ الله يَحْكمُ مَا يُرِيدُ  من الأحكام حسبما تقتضيه مشيئتُه المبْنيةُ على الحِكَم البالغة، فيدخل فيها ما ذُكر من التحليل والتحريم دخولاً أولياً، ومعنى الإيفاء بهما الجرَيانُ على موجبهما عقداً وعملاً، والاجتنابُ عن تحليل المحرمات وتحريم بعضِ المحلَّلاتِ كالبَحيرة[(٣)](#foonote-٣) ونظائرِها التي سيأتي بيانها. 
١ وهي اثنان من الظّأن واثنان من المعز واثنان من الإبل واثنان من البقر، على ما ورد في سورة الأنعام، الآيتين: ١٤٣، ١٤٤..
٢ مناط الحكم عند الأصوليين: علّته. يقال: مناط الحكم بتحريم الخمر هو الإسكار..
٣ البحيرة: الناقة كانت في الجاهلية إذا ولدت خمسة أبطن آخرها ذكر شقّوا أذنها وحرّموا ركوبها ودرّها ولا تُطرد عن ماء ولا عن موعى، وسيأتي في تفسير الآية: ١٠٣..

### الآية 5:2

> ﻿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ وَلَا الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَلَا الْهَدْيَ وَلَا الْقَلَائِدَ وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْوَانًا ۚ وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا ۚ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَنْ تَعْتَدُوا ۘ وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَىٰ ۖ وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۖ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ [5:2]

يا أيّها الذين آمنُوا لاَ تُحِلُّوا شَعَائِرَ الله  لمّا بيّن حُرمةَ إحلال الإحرام الذي هو من شعائر الحج عقّب ذلك ببيان حرمة إحلال سائر الشعائر، وإضافتُها إلى الله عز وجل لتشريفها وتهويلِ الخطب في إحلالها، وهي جمع شعيرةٍ وهي اسم لما أُشعِر، أي جُعل شِعاراً وعَلَماً للنُسُك من مواقيت الحج ومرامي الجمار والمطافِ والمسعى، والأفعالِ التي هي علاماتُ الحج يُعرف بها، من الإحرام والطوافِ والسعْي والحلق والنحر، وإحلالُها أن يُتهاوَن بحرمتها ويُحال بينها وبين المتنسّكين بها ويُحدَثَ في أشهر الحج ما يُصَدّ به الناسُ عن الحج. وقيل : المراد بها دينُ الله لقوله تعالى : وَمَن يُعَظِّمْ شعائر الله  \[ الحج، الآية ٣٢ \] أي دِينه، وقيل : حرماتِ الله، وقيل : فرائضَه التي حدّها لعباده، وإحلالُها الإخلالُ بها، والأول أنسبُ بالمقام.  وَلاَ الشهر الحرام  أي لا تُحِلّوه بالقتال فيه، وقيل : بالنّسيء[(١)](#foonote-١)، والأول هو الأولى بحالة المؤمنين، والمراد به شهر الحج، وقيل : الأشهر الأربعة الحرم، والإفراد لإرادة الجنس  وَلاَ الهدي  بأن يُتعرَّضَ له بالغَصْب أو بالمنع عن بلوغِ مَحِلِّه، وهو ما أُهدِيَ إلى الكعبة من إبل أو بقر أو شاءِ، جمعُ هَدْيَة كجَدْيٍ وجَدْية  وَلاَ القلائدَ  هي جمعُ قِلادة، وهي ما يُقلَّد به الهدْيُ من نعلٍ أو لِحاءِ شجرٍ ليُعلم به أنه هدْيٌ فلا يُتعرَّضَ له، والمراد النهيُ عن التعرض لذوات القلائد من الهدْي وهي البُدْن، وعطفُها على الهدي مع دخولها فيه لمزيد التوصية بها لمزيتها على ما عداها، كما عَطفَ جبريلَ وميكالَ على الملائكة عليهم السلام، كأنه قيل : والقلائدَ منه خصوصاً، أو النهيُ عن التعرض لنفس القلائدِ مبالغةً في النهي عن التعرض لأصحابها، على معنى لا تُحِلّوا قلائدَها فضلاً عن أن تحلوها، كما نهى عن إبداء الزينة بقوله تعالى : وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ  \[ النور، الآية ٣١ \] مبالغةً في النهي عن إبداء مواقِعِها  وَلاَ آمّين البيت الحرام  أي لا تُحلّوا قوماً قاصدين زيارته بأن تصُدّوهم عن ذلك بأي وجه كان، وقيل : هناك مضافٌ محذوف أي قتالَ قوم أو أذى قوم آمين الخ، وقرئ ولا آمِّي البيتِ الحرامِ بالإضافة، وقوله تعالى : يَبْتَغُونَ فَضْلاً من رَبّهِمْ ورضوانا  حالٌ من المستكنِّ في آمين لا صفةٌ له، لأن المختار أن اسم الفاعل إذا وُصف بطَلَ عملُه أي قاصدين زيارته حال كونهم طالبين أن يُثيبَهم الله تعالى ويرضَى عنهم. وتنكيرُ ( فضلاً ورضواناً ) للتفخيم، و( من ربهم ) متعلق بنفس الفعل، أو بمحذوفٍ وقع صفة لفضلاً مُغنيةً عن وصفِ ما عُطف عليه بها، أي فضلاً كائناً من ربهم ورضواناً كذلك. والتعرُّضُ لعنوان الربوبية مع الإضافة إلى ضميرهم لتشريفهم والإشعارِ بحصول مبتغاهم. وقرئ ( تَبْتغون ) على الخطاب، فالجملة حينئذ حال من ضمير المخاطَبين في ( لا تُحلوا ) على أن المرادَ بيانُ منافاة حالهم هذه للمنهيِّ عنه لا تقييدُ النهي بها، وإضافة الرب إلى ضمير الآمّين للإيماء إلى اقتصار التشريف عليهم، وحِرمانِ المخاطَبين عنه وعن نيل المبتغى، وفي ذلك من تعليلِ النهْي وتأكيدِه والمبالغة في استنكار المنهيّ عنه ما لا يخفي، ومن هاهنا قيل : المراد بالآمّين هم المسلمون خاصة، وبه تمسك من ذهب إلى أن الآية مُحْكمة، وقد رُوي أن النبي عليه الصلاة والسلام قال :**«سورة المائدة من آخِرِ القرآن نزولاً فأحِلّوا حَلالَها وحرِّموا حرامَها »** وقال الحسن رحمه الله تعالى : ليس فيها منسوخ، وعن أبي ميسرة : فيها ثماني عشرةَ فريضةً وليس فيها منسوخ. وقد قيل : هم المشركون خاصة لأنهم المحتاجون إلى نهي المؤمنين عن إحلالهم دون المؤمنين، على أن حرمة إحلالهم ثبتت بطريق دلالة النص، ويؤيده أن الآية نزلت في الحطم بنِ ضبيعة البَكْري وقد كان أتى المدينة فخلّف خيلَه خارجها فدخل على النبي عليه الصلاة والسلام وحده ووعده أن يأتيَ بأصحابه فيُسلموا، ثم خرج من عنده عليه السلام فمر بسَرْح المدينة فاستاقه، فلما كان في العام القابل خرج من اليمامة حاجاً في حُجّاج بكرِ بنِ وائل ومعه تجارة عظيمة وقد قلّدوا الهدْي، فسأل المسلمون النبي صلى الله عليه وسلم أن يُخلِّيَ بينهم وبينه فأباه النبي عليه الصلاة والسلام فأنزل الله عز وجل : يا أيّها الذين آمنُوا لاَ تُحِلُّوا شَعَائِرَ الله  الآية، وفُسِّر ابتغاءُ الفضل بطلب الرزق بالتجارة، وابتغاءُ الرضوان بأنهم كانوا يزعُمون أنهم على سِدادٍ من دَيْنهم، وأن الحج يقرّبهم إلى الله تعالى، فوصفهم الله تعالى بظنهم، وذلك الظنُّ الفاسد وإن كان بمعزل من استتباع رضوانِه تعالى لكن لا بُعدَ في كونه مداراً لحصول بعض مقاصدهم الدنيوية وخلاصِهم عن المكاره العاجلة لاسيما في ضمن مراعاة حقوق الله تعالى وتعظيم شعائره، وقال قتادة : هو أن يُصلح معايشَهم في الدنيا ولا يعجّلَ لهم العقوبة فيها، وقيل : هم المسلمون والمشركون، لما رُوي عن ابن عباسٍ رضي الله تعالى عنهما أن المسلمين والمشركين كانوا يُحجّون جميعاً فنهى الله المسلمين أن يمنعوا أحداً عن حج البيت بقوله تعالى : لاَ تُحِلُّوا  الآية، ثم نزل بعد ذلك،  إِنَّمَا المشركون نَجسٌ فَلاَ يَقْرَبُوا المسجد الحرام  \[ التوبة، الآية ٢٨ \] وقوله تعالى : مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَن يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ الله  \[ التوبة، الآية ١٧ \] وقال مجاهد والشعبي :( لا تحلوا ) نُسخ بقوله تعالى : فاقتلوا المشركين حَيْثُ وَجَدتُمُوهُمْ  \[ التوبة، الآية ٥ \] ولا ريب في تناول الآمّين للمشركين قطعاً، إما استقلالاً وإما اشتراكاً لما سيأتي من قوله تعالى : وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنآنُ قَوْمٍ  الخ، فيتعين النسخُ كُلاًّ أو بعضاً، ولابد في الوجه الأخير من تفسير الفضل والرضوان بما يناسب الفريقين، فقيل : ابتغاء الفضل أي الرزق للمؤمنين والمشركين عامة، وابتغاء الرضوان للمؤمنين خاصة، ويجوز أن يكون الفضلُ على إطلاقه شاملاً للفضل الأخروي أيضاً، ويختص ابتغاؤه بالمؤمنين  وَإِذَا حَلَلْتُمْ فاصطادوا  تصريح بما أشير إليه بقوله تعالى : وَأَنتُمْ حُرُم  من انتهاء حرمة الصيد بانتفاء موجِبِها، والأمر للإباحة بعد الحظر كأنه قيل : إذا حَلَلْتم فلا جُناح عليكم في الاصطياد، وقرئ أَحْللتم، وهو لغة في حلَّ، وقرئ بكسر الفاء بإلقاءِ حركة همزة الوصل عليها وهو ضعيف جداً.  وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ  نهَى عن إحلال قومٍ من الآمِّين خُصّوا به مع اندراجهم في النهي عن إحلال الكلِّ كافة، لاستقلالهم بأمور ربما يُتوهَّم كونُها مُصحِّحةً لإحلالهم، داعيةً إليه. وجَرَم جارٍ مَجْرى كَسَبَ في المعنى وفي التعدِّي إلى مفعول واحد وإلى اثنين، يقال : جَرَم ذنباً نحو كسبَه، وجرَمتُه ذنباً نحو كَسَبْتُه إياه، خلا أن جَرَم يستعمل غالباً في كسْبِ ما لا خير فيه، وهو السبب في إيثارِه هاهنا على الثاني. وقد يُنقل الأولُ من كلٍّ منهما بالهمزة إلى معنى الثاني، فيقال : أجرمته ذنباً وأكسبته إياه، وعليه قراءة من قرأ يُجرِمَنَّكم بضم الياء  شَنَانُ قَوْمٍ  بفَتْح النون وقرئ بسكونها، وكلاهما مصدرٌ أضيف إلى مفعوله، لا إلى فاعله كما قيل، وهو شدة البغض وغاية المقت  أَن صَدُّوكُمْ  متعلق بالشنآن بإضمار لام العلة أي لئن صدوكم عامَ الحُدَيْبية  عَنِ المسجد الحرام  عن زيارته والطواف به للعمرة، وهذه آية بيّنةٌ في عموم آمّين للمشركين قطعاً، وقرئ إِنْ صدوكم على أنه شرط معترضٌ أغنى عن جوابه ( لا يجرمنّكم )، قد أبرز الصدَّ المحقّقَ فيما سبق في معرِض المفروض، للتوبيخ والتنبيه على أن حقه ألا يكون وقوعُه إلا على سبيل الفرض والتقدير  أَن تَعْتَدُوا  أي عليهم، وإنما حُذف تعويلاً على ظهوره وإيماءً إلى أن المقصِدَ الأصلي من النهْي منعُ صدورِ الاعتداء عن المخاطَبين محافظةً على تعظيم الشعائر، لا منعُ وقوعِه على القوم مراعاة لجانبهم، وهو ثاني مفعولَيْ ( يجرمنكم )، أي لا يَكسِبَنَّكم شدةُ بغضِكم لهم لصدهم إياكم عن المسجد الحرام اعتداءَكم عليهم وانتقامَكم منهم للتشفّي، وهذا وإن كان بحسب الظاهر نهياً للشنآن عن كسب الاعتداء للمخاطَبين، لكنه في الحقيقة نهيٌ لهم عن الاعتداء على أبلغِ وجهٍ وآكَدِه، فإن النهي عن أسباب الشيء ومباديه المؤديةِ إليه نهيٌ عنه بالطريق البرهاني، وإبطالٌ للسببية، وقد يوجَّه النهيُ إلى المسبَّب ويراد النهيُ عن السبب كما في قوله : لا أُرَيَنّك هاهنا. يريد به نهي مخاطِبَه عن الحضور لديه، ولعل تأخير هذا النهي عن قوله تعالى : وَإِذَا حَلَلْتُمْ فاصطادوا  مع ظهور تعلقِه بما قبله للإيذان بأن حرمة الاعتداء لا تنتهي بالخروج عن الإحرام كانتهاء حرمة الاصطياد به، بل هي باقية ما لم تنقطع علاقتُهم عن الشعائر بالكلية وبذلك يُعلم بقاءُ حرمة التعرضِ لسائر الآمّين بالطريق الأَوْلى.  وَتَعَاوَنُوا عَلَى البرّ والتقوى  لما كان الاعتداءُ غالباً بطريق التظاهرُ والتعاون أُمروا إِثْرَ ما نُهوا عنه بأن يتعاونوا على كل ما هو من باب البر والتقوى، ومتابعةِ الأمر ومجانبةِ الهوى، فدخل فيه ما نحن بصدده من التعاون على العفو والإغضاءِ عما وقع منهم دخولاً أولياً، ثم نُهُوا عن التعاون في كل ما هو من مَقولة الظلمِ والمعاصي بقوله تعالى : وَلاَ تَعَاوَنُوا عَلَى الإثم والعدوان  فاندرج فيه النهيُ عن التعاون على الاعتداء والانتقام بالطريق البرهاني، وأصل ( لا تعاونوا ) لا تتعاونوا فحذَفَ منه إحدى التاءين تخفيفاً، وإنما أَخَّر النهْي عن الأمر، مع تقدُّم التخلية على التحلية، مسارعةً إلى إيجاب ما هو مقصود بالذات، فإن المقصود من إيجاب تركِ التعاونِ على الإثم والعدوان إنما هو تحصيلُ التعاون على البر والتقوى، ثم أُمروا بقوله تعالى : واتقوا الله  بالاتقاء في جميع الأمور التي من جملتها مخالفةُ ما ذُكر من الأوامر والنواهي، فثبت وجوبُ الاتقاءِ فيها بالطريق البرهاني ثم علل ذلك بقوله تعالى : إنَّ الله شَدِيدُ العقاب  أي لمن لا يتقيه فيعاقبكم لا محالة إن لم تتقوه، وإظهارُ الاسم الجليل لما مرّ مراراً من إدخال الرَّوْعة وتربية المهابةِ وتقويةِ استقلال الجملة. 
١ هو تأخير حرمة المحرّم إلى صفر أيام الجاهلية..

### الآية 5:3

> ﻿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلَامِ ۚ ذَٰلِكُمْ فِسْقٌ ۗ الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ ۚ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا ۚ فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ ۙ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ [5:3]

حُرّمَتْ عَلَيْكُمُ الميْتة  شروعٌ في بيان المُحرَّمات التي أشير إليها بقوله تعالى : إِلاَّ مَا يتلى عَلَيْكُمْ  والميتة ما فارقه الروحُ من غير ذبح  والدم  أي المسفوحُ منه لقوله تعالى : أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا  وكان أهلُ الجاهلية يصُبّونه في الأمعاء ويشْوونه، ويقولون : لم يُحرَّمْ مِنْ فَزْدٍ له أي من فصْدٍ له  وَلَحْمُ الخنزير وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ الله بِهِ  أي رفعُ الصوت لغير الله عند ذبحِه، كقولهم : باسم اللات والعزى  والمُنخنقة  أي التي ماتت بالخنق  والموقوذة  أي التي قُتلت بالضرب بالخشب ونحوِه، مِنْ وَقَذْتُه إذا ضربته  والمتردّية  أي التي تردّت مِنْ علوٍّ أو إلى بئرٍ فماتت  والنطيحة  أي التي نطحتها أخرى فماتت بالنطح، والتاء للنقل، وقرئ والمنطوحة  وَمَا أَكَلَ السّبع  أي وما أكل منه السبُعُ فمات ؛ وقرئ بسكون الباء، وقرئ وأكيلُ السبع، وفيه دليلٌ على أن جوارحَ الصيد إذا أكلت مما صادته لم يحِلّ  إِلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ  إلا ما أدركتم ذَكاتَه وفيه بقيةُ حياةٍ يضطرِبُ اضطرابَ المذبوح. وقيل : الاستثناء مخصوص بما أكل السبع. والذكاةُ في الشرع بقطع الحُلقومِ والمَرِيء بمُحدَّد  وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصب  قيل : هو مفردٌ، وقيل : جمع نِصاب، وقرئ بسكون الصاد، وأياً ما كان فهو واحد الأنصاب، وهي أحجار كانت منصوبةً حول البيت يَذبَحون عليها ويعدّون ذلك قُربة، وقيل : هي الأصنام  وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بالأزلام  جمع زَلَم وهو القدح أي وحرم عليكم الاستقسام بالقِداح وذلك أنهم إذا قصدوا فعلاً ضربوا ثلاثة قداحٍ مكتوب على أحدها أمرني ربي، وعلى الثاني نهاني ربي، وعلى الثالث غُفْل، فإن خرج الآمرُ مضَوا ذلك، وإن خرج الناهي اجتنبوا عنه، وإن خرج الغافل أجالوها مرة أخرى، فمعنى الاستقسام طلبُ معرفةِ ما قُسِم لهم بالأزلام، وقيل : هو استقسامُ الجَزورِ بالأقداح على الأنْصِباء المعهودة  ذلكم  إشارة إلى الاستقسام بالأزلام، ومعنى البعد فيه للإشارة إلى بُعد منزلتِه في الشر  فِسْقٌ  تمرّدٌ وخروجٌ عن الحد ودخولٌ في علم الغيب، وضلال باعتقاد أنه طريق إليه، وافتراء على الله سبحانه إن كان هو المراد بقولهم ربي، وشركٌ وجهالة إن كان هو الصنم، وقيل : ذلكم إشارةٌ إلى تناول المحرَّماتِ المعدودةِ لأن معنى تحريمها تحريمُ تناولِها.  اليوم  اللام للعَهْد، والمراد به الزمان الحاضرُ وما يتصل به من الأزمنة الماضية والآتية وقيل : يومُ نزولِها، وقد نزلت بعد عصر الجمعةِ يومَ عَرَفةَ في حَجةِ الوداع والنبي صلى الله عليه وسلم واقفٌ بعَرَفاتٍ على العضباء، فكادت عضُدُ الناقة تندق لثقلها فبرَكَت، وأياً ما كان فهو منصوب على أنه ظرف لقوله تعالى : يَئِسَ الذين كَفَرُوا مِن دِينِكُمْ  أي من إبطالِه ورُجوعِكم عنه بتحليل هذه الخبائِثِ أو غيرِها، أو مِنْ أن يغلِبوكم عليه لِمَا شاهدوا من أن الله عز وجل وفي بوعدِه حيث أظهره على الدين كلِّه وهو الأنسب بقوله تعالى : فَلاَ تَخْشَوْهُمْ  أي أنْ يظهرَوا عليكم  واخشونِ  أي وأخْلِصوا إليّ الخشية  اليوم أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ  بالنصر والإظهار على الأديان كلها، أو بالتنصيص على قواعد العقائد، والتوقيفِ على أصول الشرائع وقوانين الاجتهاد. وتقديمُ الجار والمجرور للإيذان من أول الأمرِ بأن الإكمالَ لمنفعتهم ومصلحتهم، كما في قوله تعالى : أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ  \[ الشرح، الآية ١ \] وعليكم في قوله تعالى : وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي  متعلِّقٌ بأتممت لا بنعمتي لأن المصدرَ لا يتقدم عليه معمولُه، وتقديمه على المفعول الصريح لما مرّ مراتٍ، أي أتممتُها بفتح مكةَ ودخولِها آمنين ظاهرين، وهدمِ منارِ الجاهلية ومناسكِها والنهْي عن حجِّ المشرك وطوافِ العُرْيان، أو بإكمال الدينِ والشرائع، أو بالهداية والتوفيق، قيل : معنى أتممت عليكم نعمتي أنجزتُ لكم وعدي بقولي : وَلأُتمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ  \[ البقرة، الآية ١٥٠ \]  وَرَضِيتُ لَكُمُ الإسلام دِيناً  أي اخترتُه لكم من بين الأديان وهو الدينُ عند الله لا غيرُ. عن عمرَ بنِ الخطاب رضي الله تعالى عنه أن رجلاً من اليهود قال له : يا أمير المؤمنين آيةٌ في كتابكم تقرؤونها لو علينا معشرَ اليهود نزلت لاتخذْنا ذلك اليوم عيداً، قال : أي آية ؟ قال : اليوم أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي  الآية. قال عمر رضي الله تعالى عنه : قد عرفنا ذلك اليومَ والمكانَ الذي أنزلت فيه على النبي عليه الصلاة والسلام وهو قائم بعرفَةَ يومَ الجمعة، أشار رضي الله تعالى عنه إلى أن ذلك اليومَ عيدٌ لنا، ورُوي أنه لما نزلت هذه الآيةُ بكى عمرُ رضي الله تعالى عنه فقال له النبي عليه الصلاة والسلام :**«ما يُبكيك يا عمر ؟ »** قال : أبكاني أنا كنا في زيادةٍ من دينِنا، فإذا كَمَلَ فإنه لا يكملُ شيءٌ إلا نقَصَ، فقال عليه الصلاة والسلام :**«صدقت »** فكانت هذه الآيةُ نعْيَ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم، فما لبِثَ بعد ذلك إلا أحداً وثمانين يوماً.  فَمَنِ اضطُرّ  متصلٌ بذكر المحرمات، وما بينهما اعتراضٌ بما يوجبُ أن يُجتنَبَ عنه، وهو أن تناوُلَها فسوقٌ، وحرمتُها من جملة الدينِ الكاملِ والنعمةِ التامةِ والإسلامِ المَرْضِيِّ، أي فمن اضطُر إلى تناول شيءٍ من هذه المحرمات  في مَخْمَصَةٍ  أي في مجاعة يَخافُ معها الموتَ أو مبادِيَه  غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لإِثْمٍ  قيل : غيرَ مائلٍ ومنحرفٍ إليه، بأن يأكُلَها تلذُّذاً أو مُجاوِزٍ حدَّ الرُّخصة أو ينتزِعَها من مضطرٍ آخَرَ كقوله تعالى : غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ   فَإِنَّ الله غَفُورٌ رَّحِيمٌ  لا يؤاخذه بذلك.

### الآية 5:4

> ﻿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ ۖ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ ۙ وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ ۖ فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ ۖ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۚ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ [5:4]

يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ  شروع في تفصيل المحلَّلاتِ التي ذَكَر بعضَها على وجه الإجمال إِثْرَ بيانِ المحرمات كأنهم سألوا عنها عند بيان أضدادِها، ولِتَضَمُّنِ السؤال معنى القولِ أوقعُ على الجملة، ف( ماذا ) مبتدأ و( أحل لهم ) خبرُه، وضميرُ الغَيْبَة لِمَا أنّ يسألون بلفظ الغيبة فإنه كما يُعتبرُ حالُ المحكيِّ عنه فيقال : أقسمَ زيدٌ لأفعلَنّ، يُعتبرُ حالُ الحاكي، فيقال : أقسمَ زيدٌ ليفعَلَنّ، والمسؤول ما أحل لهم من المطاعم  قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطيبات  أي ما لم تستخبثْه الطّباعُ السليمة ولم تنفِرْ عنه كما في قوله تعالى : وَيُحِلُّ لَهُمُ الطيبات وَيُحَرّمُ عَلَيْهِمُ الخبائث   وَمَا عَلَّمْتُمْ منَ الجوارح  عطفٌ على الطيبات بتقدير المضاف على أن ( ما ) موصولٌ والعائد محذوف، أي وصيدُ ما علَّمتُموه، أو مبتدأ على أن ( ما ) شرطيةٌ والجوابُ فكلوا، وقد جوَّزَ كونَها مبتدأً على تقديرِ كونِها موصولةً أيضاً والخبرُ كلوا، وإنما دخلته الفاء تشبيهاً للموصول باسم الشرط و( من الجوارح ) حالٌ من الموصول أو ضميرِه المحذوف، والجوارحُ الكواسبُ من سباع البهائم والطير، وقيل : سميت بها لأنها تجرَحُ الصيدَ غالباً  مُكَلِّبِينَ  أي معلِّمين لها الصيدَ والمكلِّبُ مؤدّبُ الجوارحِ ومُضْرِيها بالصيد، مشتقٌ من الكَلْب لأن التأديب كثيراً ما يقع فيه، أو لأن كلَّ سبُعٍ يسمى كَلْباً لقوله عليه الصلاة والسلام في حق عُتبةَ بنِ أبي لهبٍ حين أراد سفرَ الشأم، فقال النبي عليه الصلاة والسلام :**«اللهم سلِّطْ عليه كلباً من كلابك »** فأكلَه الأسد. وانتصابُه على الحالية من فاعلِ ( علَّمتم ) وفائدتُها المبالغةُ في التعليم لما أن اسم المكلّب لا يقع إلا على التحرير في علمِه. وقرئ مُكْلِبين بالتخفيف والمعنى واحد  تُعَلّمُونَهُنَّ  حال ثانية منه أو حالٌ من ضمير مكلِّبين أو استئناف  مِمَّا عَلَّمَكُمُ الله  من الحِيَل وطُرُق التعليم والتأديب، فإن العلمَ به إلهامٌ من الله تعالى أو مكتسَبٌ بالعقل الذي هو منحةٌ منه أو مما عرَّفَكم أن تعلموه من اتباعِ الصيدِ بإرسالِ صاحبِه وانزجارِه بزَجْرِه وانصرافِه بدعائه وإمساكِ الصيد عليه وعدمِ أكلِه منه  فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ  قد مر فيما سبق أن هذه الجملةَ على تقدير كونِ ما شرطيةً جوابُ الشرط، وعلى تقدير كونِها موصولةً مرفوعةٌ على الابتداءِ خبرٌ لها، وأما على تقدير كونِها عطفاً على الطيبات فهي جُملةٌ متفرِّعةٌ على بيان حلِّ صيدِ الجوارح المُعْلَمة مبيِّنةٌ للمضاف المقدَّر الذي هو المعطوف، وبه يتعلق الإحلالُ حقيقةً، ومشيرةٌ إلى نتيجةِ التعليم وأثره، داخلةٌ تحت الأمر، فالفاء فيها كما في قوله :\[ البسيط \]أمرتُك الخيرَ فافعَلْ ما أُمِرْتَ به  \[ فقد تركتك ذا مال وذا نشب \][(١)](#foonote-١)ومِنْ تبعيضيةٌ لما أن البعضَ مما لا يتعلق به الأكلُ كالجلودِ والعظامِ والريش وغير ذلك، وما موصولةٌ أو موصوفةٌ حذِفَ عائدُها و( على ) متعلقة بأمسكن أي فكلوا بعض ما أمسَكْنه عليكم وهو الذي لم يأكُلْن منه، وأما ما أكلن منه فهو مما أمسَكْنه على أنفسِهن لقوله عليه الصلاة والسلام لعديِّ بن حاتم :**«وإن أكل منه فلا تأكل، إنما أمْسَكَ على نفسِهِ »** وإليه ذهب أكثرُ الفقهاء. وقال بعضُهم : لا يشترط عدمُ الأكل في سباعِ الطير لما أن تأديبَها إلى هذه الدرجة متعذِّر، وقال آخرون : لا يُشترط ذلك مطلقاً، وقد رُوي عن سَلمانَ وسعدِ بن أبي وقاص، وأبي هريرة، رضي الله تعالى عنهم أنه إذا أكل الكلبُ ثلثيه وبقيَ ثلثُه وقد ذكرتَ اسم الله عليه فكُل  واذكروا اسم الله عَلَيْهِ  الضميرُ لما عَلَّمتم أي سمُّوا عليه عند إرسالِه، أو لِما أمسكنه، أي سموا عليه إذا أدركتم ذكاتَه  واتقوا الله  في شأن محرماته  إِنَّ الله سَرِيعُ الحساب  أي سريعُ إتيانِ حسابه، أو سريعُ تمامِه، إذا شرَعَ فيه يتِمُّ في أقربِ ما يكون من الزمان، والمعنى على التقديرين أنه يؤاخِذُكم سريعاً في كل ما جل ودق، وإظهارُ الاسم الجليل في موقع الإضمار لتربية المهابة وتعليلِ الحُكْم. 
١ البيت لعمرو بن معدي كرب في ديوانه ص ٦٣، وخزانة الأدب ٩/١٢٤، وشرح المغني ص ٧٢٧، والكتاب لسيبويه ١/٣٧؛ ومغني اللبيب ص ٣١٥. ولخفاف بن ندبة في ديوانه ص ١٢٦. وللعباس بن مرداس في ديوانه ص ١٣١. ولأعشى طرود في المؤتلف والمختلف ص ١٧. وهو لأحد الأربعة السابقين أو لزرعة بن خفاف في خزانة الأدب ١/٣٣٩. وبلا نسبة في شرح شذور الذهب ص ٤٧٧؛ وشرح المفصل ٨/٥٠؛ وكتاب اللامات ص ١٣٩؛ والمحتسب ١/٥١؛ والمقتضب ٢/٣٦..

### الآية 5:5

> ﻿الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ ۖ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ ۖ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلَا مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ ۗ وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ [5:5]

اليوم أُحِلَّ لَكُمُ الطيبات  قيل : المرادُ بالأيام الثلاثة وقتٌ واحدٌ، وإنما كرر للتأكيد، ولاختلافِ الأحداثِ الواقعةِ فيه حَسُنَ تكريرُه، والمراد بالطيبات ما مر  وَطَعَامُ الذين أُوتُوا الكتاب  أي اليهود والنصارى واستثنى عليٌّ رضي الله تعالى عنه نصارَى بني تغلِبَ، وقال : ليسوا على النصرانية، ولم يأخُذوا منها إلا شرْبَ الخمر، وبه أخذ الشافعي رضي الله عنه، والمراد بطعامهم ما يتناولُ ذبائِحَهم وغيرَها  حِلّ لَكُم  أي حلال، وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه سئل عن ذبائح نصارى العرب فقال : لا بأسَ، وهو قول عامة التابعين، وبه أخذ أبو حنيفة رضي الله عنه وأصحابُه، وحُكمُ الصابئين حكمُ أهلِ الكتاب عنده. وقال صاحباه : هما صنفان، صنفٌ يقرؤون الزَّبورَ ويعبُدون الملائكة عليهم السلام، وصنفٌ لا يقرؤون كتاباً، ويعبُدون النجوم، فهؤلاء ليسوا من أهل الكتاب. وأما المجوسُ فقد سُنَّ بهم سُنةَ أهل الكتاب في أخذ الجزيةِ منهم دون أكل ذبائحهم ونكاحِ نسائهم، لقوله عليه الصلاة والسلام :**«سُنوا بهم سُنّةَ أهلِ الكتاب غيرَ ناكِحِي نسائِهم »**  وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَّهُمْ  فلا عليكم أن تُطعِموهم وتَبيعوه منهم، ولو حُرِّم عليهم لم يجز ذلك.  والمحصناتُ مِنَ المؤمنات  رفع على أنه مبتدأ حُذف خبرُه لدلالةِ ما تقدم عليه أي حِلٌّ لكم أيضاً، والمرادُ بهن الحرائرُ العفائِف، وتخصيصُهن بالذكر للبعث على ما هو الأَوْلى لا لنَفْيِ ما عداهن، فإن نكاحَ الإماءِ المسلماتِ صحيحٌ بالاتفاق، وكذا نكاحُ غيرِ العفائِفِ منهن، وأما الإماءُ الكتابياتُ فهن كالمسلمات عند أبي حنيفة رضي الله عنه، خلافاً للشافعي رضي الله عنه  والمحصنات مِنَ الذين أُوتُوا الكتاب مِن قَبْلِكُمْ  أي هن أيضاً حل لكم، وإن كنّ حَرْبيات، وقال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما :**«لا تَحِلُّ الحربيات »**  إذا آتيتموهن أجورهن  أي مُهورَهن، وتقييدَ الحِلِّ بإيتائِها لتأكيد وجوبها، والحثِّ على الأولى، وقيل : المرادُ بإيتائها التزامُها، وإذا ظرفيةٌ عاملُها حَلَّ المحذوف، وقيل : شرطية حُذِف جوابُها، أي إذا آتيتموهن أجورهن حَلَلْنَ لكم  مُحْصِنِينَ  حال من فاعل آتيتموهن أي حال كونِكم أعفّاءَ بالنكاح وكذا قوله تعالى : غَيْرَ مسافحين  وقيل : حال من ضمير محصنين، وقيل : صفة لمحصِنين، أي غيرَ مجاهِرين بالزنا  وَلاَ مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ  أي ولا مُسرِّين به والخِدْنُ الصديق يقع على الذكر والأنثى، وهو إما مجرورٌ عطفاً على مسافحين وزِيدت لا لتأكيد النفي المستفادِ من غير، أو منصوبٌ عطفاً على ( غير مسافحين ) باعتبار أوجُهِهِ الثلاثة  وَمَن يَكْفُرْ بالإيمان  أي ومن ينكرْ شرائعَ الإسلام التي من جملتها ما بُيِّن هاهنا من الأحكام المتعلقة بالحِلِّ والحرمة، ويمتنعْ عن قَبولها  فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ  الصالح الذي عمِلَه قبل ذلك  وَهُوَ في الآخرة مِنَ الخاسرين  هو مبتدأ ( من الخاسرين ) خبرُه، و( في ) متعلِّقةٌ بما تعلق به الخبرُ من الكون المطلق، وقيل : بمحذوف دل عليه المذكورُ أي خاسر في الآخرة، وقيل : بالخاسرين على أن الألف واللام للتعريف لا موصولة، لأن ما بعدها لا يعمل فيما قبلها، وقيل : يُغتفرُ في الظرف ما لا يغتفر في غيره كما في قوله :\[ الرجز \]ربَّيْتُه حتى إذا تمَعْددا  كان جزائي بالعَصا أن أُجْلدا[(١)](#foonote-١)١ الرجز للعجاج في ملحق ديوانه ٢/٨١؛ وخزانة الأدب ٨/٤٢٩؛ والدرر ١/٢٩٢؛ والمحتسب ٢/٣١٠؛ وبلا نسبة في الأشباه والنظائر ٨/١٤٢؛ وشرح شافية ابن الحاجب ٢/٣٣٦؛ وشرح المفصل ٩/١٥١؛ واللامات ص ٥٩.
 وتمعدد الصبي: غلظ وصلب. والمهزول: أخذ في السِّمَن..

### الآية 5:6

> ﻿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ ۚ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا ۚ وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَىٰ أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ ۚ مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَٰكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ [5:6]

يا أيّها الذين آمنوا  شروعٌ في بيان الشرائع المتعلقةِ بدِينهم بعد بيانِ ما يتعلقُ بدنياهم  إذا قمتم إلى الصلاة  أي أردتم القيامَ إليها كما في قوله تعالى : فَإِذَا قَرَاتَ القرآن فاستعذ بالله  \[ النحل، الآية : ٩٨ \] عبر عن إرادة الفعل بالفعل المسبَّبِ عنها مَجازاً للإيجاز، والتنبيه على أن من أراد الصلاةَ حقُّه أن يبادِرَ إليها بحيث لا ينفك عن إرادتها، أو إذا قصدتم الصلاةَ إطلاقاً لاسمِ أحدِ لازميها على لازمِها الآخَرِ، وظاهرُ الآية الكريمةِ يوجبُ الوضوءَ على كل قائمٍ إليها وإن لم يكنْ محدِثاً، لما أن الأمرَ للوجوب قطعاً، والإجماعُ على خلافِه، وقد روي أن النبي عليه الصلاة والسلام صلى الصلواتِ الخمسَ يومَ الفتح بوُضوءٍ واحد، فقال عمرُ رضي الله تعالى عنه : صنعتَ شيئاً لم تكنْ تصنَعُه، فقال عليه الصلاة والسلام :**«عمداً فعلتُه يا عمر »** يعني بياناً للجواز، وحُمل الأمرُ بالنسبة إلى غيرِ المحدثِ على الندب مما لا مَساغَ له، فالوجهُ أن الخِطابَ خاصٌّ بالمُحْدِثين بقرينةِ دَلالةِ الحال، واشتراطِ الحدَثِ في التيمم الذي هو بدلُه، وما نُقل عن النبي عليه الصلاة والسلام والخلفاء من أنهم كانوا يتوضّؤون لكل صلاةٍ فلا دلالة فيه على أنهم كانوا يفعلونه بطريق الوجوبِ أصلاً، كيف لا وما رُوي عنه عليه الصلاة والسلام من قوله :**«من توضَّأ على طُهْرٍ كتبَ الله له عشرَ حسنات »** صريحٌ في أن ذلك كان منهم بطريق الندب، وما قيل من أنه كان ذلك أولَ الأمرِ ثم نُسخ يردُّه قوله عليه الصلاة والسلام :**«المائدةُ من آخِرِ القرآن نزولاً فأحِلُّوا حلالها وحرِّموا حرامها »**  فاغسِلوا وُجُوهَكُمْ  أي أمِرُّوا عليها الماء، ولا حاجةَ إلى الدلك خلافاً لمالك  وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى المرافق  الجمهورُ على دخول المِرْفَقَين في المغسول، ولذلك قيل :( إلى ) بمعنى مَعَ كما في قوله تعالى : وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إلى قُوَّتِكُمْ  \[ هود، الآية ٥٢ \] وقيل : هي إنما تُفيد معنى الغاية مطلقاً، وأما دخولُها في الحُكْم أو خروجُها منه فلا دلالة لها عليه، وإنما هو أمرٌ يدور على الدليلِ الخارجي، كما في حفِظْتُ القرآنَ من أولِه إلى آخِرِه، وقوله تعالى : فَنَظِرَةٌ إلى مَيْسَرَةٍ  \[ البقرة، الآية ٢٨٠ \] فإن الدخولَ في الأول والخروجَ في الثاني مُتيقَّنٌ بناءً على تحقُّق الدليل، وحيث لم يتحققْ ذلك في الآية وكانت الأيدي متناوِلةً للمرافِقِ حُكِمَ بدخولها فيها احتياطاً، وقيل :( إلى ) من حيث إفادتُها للغاية تقتضي خروجَها، لكن لما لم تتميَّزِ الغايةُ هاهنا عن ذي الغايةِ وجبَ إدخالُها احتياطياً.  وامسحوا بِرُؤُوسِكُمْ  الباءُ مزيدةٌ وقيل : للتبعيض، فإنه الفارقُ بين قولِك مسَحْتُ المِنْديلَ ومسحتُ بالمنديل، وتحقيقُه أنها تدل على تضمينِ الفعل معنى الإلصاق، فكأنه قيل : وألصِقوا المسحَ برؤوسِكم، وذلك لا يقتضي الاستيعابَ كما يقتضيه ما لو قيل : وامسحُوا رؤوسَكم، فإنه كقوله تعالى : فاغسلوا وُجُوهَكُمْ  واختلف العلماء في القدر الواجب، فأوجب الشافعيُّ أقلَّ ما ينطلِقُ عليه الاسمُ أخذاً باليقين، وأبو حنيفةَ ببيانِ رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث مسح على ناصيته وقدِّرها برُبُعِ الرأس، ومالكٌ مسَحَ الكُلَّ أخذاً بالاحتياط  وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الكعبين  بالنصب عطفاً على ( وجوهَكم )، ويؤيده السنةُ الشائعةُ وعَمَلُ الصحابةِ وقولُ أكثرِ الأئمةِ والتحديدُ، إذِ المسْحُ لم يُعهَدْ محدوداً، وقرئ بالجرِّ على الجِوار، ونظيرُه في القرآن كثير، كقوله تعالى : عَذَاب يَوْمٍ أَلِيمٍ  \[ هود، الآية ٢٦ \] ونظائرِه، وللنحاة في ذلك بابٌ مفرَدٌ، وفائدتُه التنبيهُ على أنه ينبغي أن يقتصِدَ في صبِّ الماء عليها ويغسِلَها غسلاً قريباً من المسح، وفي الفصل بينه وبين أخواتِه إيماءٌ إلى أفضلية الترتيب، وقرئ بالرفع أي وأرجلُكم مغسولةٌ  وَإِن كُنتُمْ جُنُباً فاطهّروا  أي فاغتسِلوا وقرئ ( فاطْهُروا ) أي فطهِّروا أبدانَكم وفي تعليق الأمرِ بالطهارة الكبرى بالحدثِ الأكبر إشارةٌ إلى اشتراط الأمر بالطهارةِ الصغرى بالحدث الأصغر.  وَإِنْ كُنتُم مرضى  مرضاً يُخاف به الهلاكُ أو ازديادُه باستعمال الماء  أَوْ على سَفَرٍ  أي مستقرِّين عليه  أَوْ جَاء أَحَدٌ مّنْكُمْ من الغائط أَوْ لامستم النساء فَلَمْ تَجِدُوا مَاء فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيّباً فامسحوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ منهُ  مِنْ لابتداء الغاية، وقيل : للتبعيض، وهي متعلقةٌ بامسحوا، وقرئ فأمُوا صعيداً وقد مر تفسيرُ الآية الكريمة مشبَعاً في سورة النساء فليرجَعْ إليه، ولعل التكريرَ ليتّصِلَ الكلامُ في أنواع الطهارة  مَا يُرِيدُ الله  أي ما يريد بالأمرِ بالطهارة للصلاةِ أو بالأمرِ بالتيمم  لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم من حَرَجٍ  من ضيقٍ في الامتثال به.  ولكن يُرِيدُ  ما يريد بذلك  ليُطَهّرَكُمْ  أي ليُنظِّفَكم أو ليطهِّرَكم عن الذنوب، فإن الوضوءَ مكفِّرٌ لها، أو ليطهرَكم بالتراب إذا أعْوَزَكم التطَهُّر بالماء، فمفعولُ ( يريد ) في الموضعين محذوفٌ، واللام للعلة، وقيل : مزيدة، والمعنى ما يريد الله أن يجعلَ عليكم من حرجٍ في باب الطهارة حتى لا يُرَخَّصَ لكم في التيمم، ولكن يريد أن يطهركم بالتراب إذا أعوزكم التطهّرُ بالماء  وَليُتمّ  بشرعه ما هو مُطَهِّرَةٌ لأبدانكم ومُكفِّرةٌ لذنوبكم  نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ  في الدين، أو ليُتم برُخَصِه إنعامَه عليكم بعزائمِه  لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ  نعمته. ومن لطائف الآية الكريمة أنها مشتملةٌ على سبعةِ أمور كلُّها مثنى، طهارتانِ : أصلٌ وبدلٌ، والأصلُ اثنان : مستوعَبٌ وغيرُ مستوعبٍ، وغيرُ المستوعَبِ باعتبار الفعل غسلٌ ومسح، وباعتبار المحلِّ محدودٌ وغيرُ محدود، وأن آلتَهما مائعٌ وجامِد، وموجِبُهما حدثٌ أصغرُ وأكبرُ، وأن المبيحَ للعُدول إلى البدلِ مَرَضٌ وسفر، وأن الموعودَ عليهما تطهيرُ الذنوب وإتمامُ النعمة.

### الآية 5:7

> ﻿وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمِيثَاقَهُ الَّذِي وَاثَقَكُمْ بِهِ إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا ۖ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ [5:7]

واذكروا نِعْمَةَ الله عَلَيْكُمْ  بالإسلام لتُذكِّرَكم المنعِمَ وتُرغِّبَكم في شكره  وميثاقَه الذي وَاثَقَكُم بِهِ  أي عهدَه المؤكَّدَ الذي أخذه عليكم وقوله تعالى : إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا  ظرفٌ ل( واثقكم به )، أو لمحذوفٍ وقع حالاً من الضمير المجرور في به، أو مِنْ ميثاقه، أي كائناً وقت قولِكم سمعنا وأطعنا، وفائدةُ التقييدِ به تأكيدُ وجوب مراعاته بتذكر قبولهم والتزامهم بالمحافظة عليه وهو الميثاق الذي أخذه على المسلمين حين بايعهم رسولُ الله عليه الصلاة والسلام على السمع والطاعة في حال العُسر واليُسر والمنشَطِ[(١)](#foonote-١) والمَكْره، وقيل : هو الميثاقُ الواقعُ ليلةَ العقبة وفي بَيْعةِ الرضوان، وإضافتُه إليه مع صدورِه عنه عليه الصلاة والسلام، لكنّ المرجِعَ إليه كما نطق به قولُه تعالى : إِنَّ الذين يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ الله  \[ الفتح، الآية ١٠ \] وقال مجاهد : هو الميثاقُ الذي أخذه الله تعالى على عباده حين أخرجهم من صُلْب آدمَ عليه السلام  واتقوا الله  أي في نِسيان نعمتِه ونقضِ ميثاقِه، أو في كلِّ ما تأتون وما تذرون، فيدخُل فيه ما ذُكر دخولاً أولياً  إِنَّ الله عَلِيمٌ بِذَاتِ الصدور  أي بخفيّاتِها الملابِسةِ لها ملابَسةً تامة مصحِّحة لإطلاق الصاحبِ عليها فيجازيكم عليها، فما ظنُّكم بجَلِيَّاتِ الأعمال، والجُملةُ اعتراضٌ تذييليٌّ وتعليلٌ للأمر بالاتقاءِ، وإظهارُ الاسمِ الجليل في موقعِ الإضمار لتربيةِ المهابة وتعليلِ الحُكْم وتقويةِ استقلال الجملة. 
١ المنْشَط: الأمر الذي تنشط له وتخف إليه وتؤثر فعله، وهو ضد المَكْرَه..

### الآية 5:8

> ﻿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ ۖ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُوا ۚ اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ ۖ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۚ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ [5:8]

يَا أَيُّهَا الذين آمنُوا  شروعٌ في بيان الشرائع المتعلقةِ بما يجري بينهم وبين غيرِهم إثْرَ بيانِ ما يتعلق بأنفسهم  كُونُوا قَوَّامِينَ للَّهِ  مقيمين لأوامره ممتثلين لها معظِّمين لها مراعين لحقوقها  شُهَدَاء بالقسط  أي بالعدل  وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ  أي لا يحمِلَنَّكم  شَنَانُ قَوْمٍ  أي شدةُ بغضِكم لهم  عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُوا  فلا تشهَدوا في حقوقهم بالعدل ؛ أو فتعتدوا عليهم بارتكاب ما لا يحِلُّ كَمُثلةٍ وقَذْفٍ وقتلِ نساءٍ وصِبْيةٍ ونقضِ عهدٍ تشفياً وغيرِ ذلك  اعدلوا هُوَ  أي العدلُ  أَقْرَبُ للتقوى  الذي أمرتم به، صرح لهم بالأمر بالعدل وبيّن أنه بمكانٍ من التقوى بعد ما نهاهم عن الجَوْر، وبيَّن أنه مقتضى الهوى، وإذا كان وجوبُ العدل في حق الكفار بهذه المثابة فما ظنُّك بوجوبه في حق المسلمين  واتقوا الله  أمرَ بالتقوى إثْرَ ما بين أن العدلَ أقربُ له اعتناءً بشأنه وتنبيهاً على أنه ملاكُ الأمر  إِنَّ الله خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ  من الأعمال فيجازيكم بذلك ؛ وتكريرُ هذا الحُكم إما لاختلاف السببِ، كما قيل إن الأولَ نزل في المشركين وهذا في اليهود، أو لمزيد الاهتمام بالعدل والمبالغة في إطفاءِ ثائرةِ الغيظ والجملة تعليلٌ لما قبلها وإظهارُ الجلالة لما مرَّ مرات.

### الآية 5:9

> ﻿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ۙ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ [5:9]

وحيث كان مضمونُها منبئاً عن الوعد والوعيد عقَّب بالوعد لمن يُحافظ على طاعته تعالى وبالوعيد لمن يُخِلُّ بها فقيل : وَعَدَ الله الذين آمنوا وَعَمِلُوا الصالحات  التي من جملتها العدل والتقوى.  لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ  حُذفَ ثانِيَ مفعولي وَعَدَ استغناءً عنه بهذه الجملة، فإنه استئنافٌ مبيِّنٌ له ؛ وقيل : الجملةُ في موقع المفعول، فإن الوعدَ ضربٌ من القول، فكأنه قيل : وعدَهم هذا القولَ.

### الآية 5:10

> ﻿وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَٰئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ [5:10]

والذين كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بآياتنا  التي من جملتها ما تُلِيَ من النصوص الناطقة بالأمر بالعدل والتقوى  أولئك  الموصوفون بما ذُكر من الكفر وتكذيبِ الآيات  أصحاب الجحيم  ملابسوها ملابَسةً مؤبَّدة. من السُنة السنية القرآنية شفْعُ الوعدِ بالوعيد، والجمعُ بين الترغيب والترهيب، إيفاءً لحق الدعوة بالتبشير والإنذار.

### الآية 5:11

> ﻿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ ۖ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۚ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ [5:11]

يا أيّها الذين آمنوا اذكروا نِعْمَةَ الله عَلَيْكُمْ  تذكيرٌ لنعمة الإنجاءِ من الشرِّ إثرَ تذكيرِ نعمةِ إيصالِ الخير الذي هو نعمةُ الإسلام وما يتبَعُها من الميثاق، وعليكم متعلِّقٌ بنعمة الله، أو بمحذوفٍ وقع حالاً منها وقوله تعالى : إِذْ هَمَّ قَوْمٌ  على الأول ظرفٌ لنفس النعمة، وعلى الثاني لِما تعلَّق به عليكم، ولا سبيلَ إلى كونه ظرفاً لاذْكُروا لتنافي زمانَيْهما، أي اذكروا إنعامه تعالى عليكم، أو اذكروا نعمته كائنةً عليكم في وقت همِّهم  أَن يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ  أي بأن يبطِشوا بكم بالقتل والإهلاك، يقال : بسَطَ إليه يدَه، وبسط إليه لسانَه إذا شتمه، وتقديم الجار والمجرور على المفعول الصريح للمسارعة إلى بيان رجوعِ ضررِ البسطِ وغائلتِه إليهم، حملاً لهم من أول الأمرِ على الاعتداد بنعمةِ دفعِه، كما أن تقديم ( لكم ) في قوله عز وجل : هُوَ الذي خَلَقَ لَكُم ما في الأرض  \[ البقرة، الآية ٢٩ \] للمبادرة إلى بيان كونِ المخلوق من منافعِهم تعجيلاً للمَسَرّة  فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنكُمْ  عطفٌ على هم، وهو النعمة التي أُريد تذكيرُها، وذكراً لهم للإيذان بوقوعها عند مزيد الحاجةِ إليها، والفاءُ للتعقيب المفيدِ لتمام النعمة وكمالِها، وإظهارُ ( أيديهم ) في موقع الإضمار لزيادة التقرير، أي منَعَ أيديَهم أن تُمدَّ إليكم عقيب همِّهم بذلك، لا أنه كفها عنكم بعد ما مدُّوها إليكم، وفيه من الدلالة على كمالِ النعمة من حيثُ إنها لم تكن مشوبةً بضَرَر الخوف والانزعاجِ الذي قلما يعْرَى عنه الكفُّ بعد المد ما لا يخفي مكانُه، وذلك ( ما رُوي أن المشركين لما رأوا رسولَ الله صلى الله عليه وسلم وأصحابَه بعُسْفانَ[(١)](#foonote-١) في غزوة ذي أنمار، وهي غزوةُ ذاتِ الرَّقاع[(٢)](#foonote-٢) وهي السابعةُ من مغازيه عليه الصلاة والسلام، قاموا إلى الظهر معاً فلما صلَّوْا ندِمَ المشركون ألا كانوا قد أكبُّوا عليهم، فقالوا إن لهم بعدها صلاةً هي أحبُّ إليهم من آبائهم وأبنائِهم يعنون صلاةَ العصر، وهمُّوا أن يوقعوا بهم إذا قاموا إليها، فرد الله تعالى كيدَهم بأن أنزلَ صلاةَ الخوف )، وقيل :( هو ما رُوي أن رسولَ الله صلى الله عليه وسلم أتى بني قُرَيْظَةَ ومعه الشيخانِ وعليٌّ رضي الله تعالى عنهم، يستقرِضُهم لدِيَةِ مسلمَيْن قتلهما عمْرُو بنُ أميةَ الضَّمُريُّ خطأً يحسَبُهما مشرِكَيْن، فقالوا : نعم يا أبا القاسم، اجلِسْ حتى نُطعِمَك ونعطِيك ما سألت، فأجلسوه في صُفَّةٍ وهمّوا بالفتك به، وعمَد عمرُو بنُ جِحاش إلى رَحا عظيمةٍ يطرَحُها عليه فأمسك الله تعالى يده، ونزل جبريلُ عليه السلام فأخبره، فخرج عليه الصلاة والسلام ). وقيل :( هو ما رُوي أنه عليه الصلاة والسلام، نزل منزِلاً وتفرّق أصحابُه في العِضاة يستظلون بها، فعلّق رسولُ الله صلى الله عليه وسلم سيفَه بشجرة، فجاء أعرابيٌّ فأخذه وسله فقال : مَنْ يمنعُك منيِّ، فقال صلى الله عليه وسلم :**«الله تعالى »** فأسقطه جبريلُ عليه السلام من يده، فأخذه الرسول عليه الصلاة والسلام فقال :**«من يمنعك مني »** فقال : لا أحدَ، أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسولُ الله )  واتقوا الله  عطفٌ على ( اذكُروا ) أي اتقوه في رعاية حقوقِ نعمتِه ولا تُخِلُّوا بشكرِها أو في كلِّ ما تأتون وما تذرون، فيدخُل فيه ما ذُكر دخولاً أولياً  وَعلَى الله  أي عليه تعالى خاصةً دون غيرِه استقلالاً واشتركاً  فَلْيَتَوَكَّلِ المؤمنون  فإنه يكفيهم في إيصال كلِّ خيرٍ ودفع كل شر، والجملة تذييلٌ مقرِّرٌ لما قبله، وإيثارُ صيغة أمْرِ الغائبِ وإسنادُها إلى المؤمنين لإيجابِ التوكل على المخاطَبين بالطريق البرهاني، وللإيذان بأن ما وُصفوا به عند الخطابِ من وصف الإيمان داعٍ إلى ما أُمروا به من التوكل والتقوى، وازعٌ عن الإخلال بهما، وإظهارُ الاسم الجليل في موقع الإضمار لتعليل الحُكْمِ وتقوية استقلالِ الجملة التذييلية. 
١ عُسْفان: على مرحلتين من مكة على طريق المدينة، وقد غزا النبي فيها بني لحيان (معجم البلدان)..
٢ وهي أيضا غزوة محارب، وغزوة بني ثعلبة، وغزوة صلاة الخوف وغزوة الأعاجيب. (السيرة النبوية لابن هشام، ج ٣ ص ٢٠٤، حاشية: ٢)..

### الآية 5:12

> ﻿۞ وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا ۖ وَقَالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ ۖ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلَاةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكَاةَ وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَلَأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ۚ فَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَٰلِكَ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ [5:12]

وَلَقَدْ أَخَذَ الله ميثاق بَني إسرائيل  كلامٌ مستأنفٌ مشتمِلٌ على ذكر بعضِ ما صدَر عن بني إسرائيلَ من الخِيانة ونقضِ الميثاق وما أدّى إليه ذلك من التّبِعاتِ، مَسوقٌ لتقرير المؤمنين على ذكر نعمةِ الله تعالى ومراعاةِ حقِّ الميثاقِ الذي واثقهم به، وتحذيرِهم من نقضِه، أو لتقرير ما ذُكر من الهم بالبطش وتحقيقِه، على تقدير كون ذلك من بني قريظة حسْبما مرّ من الرواية ببيان أن الغدرَ والخيانة عادةٌ لهم قديمةٌ توارثوها من أسلافهم، وإظهار الاسمِ الجليل لتربية المهابةِ وتفخيمِ الميثاق وتهويلِ الخطبِ في نقضه، مع ما فيه من رعاية حقِّ الاستئنافِ المستدعي للإنقطاع عما قبله، والالتفاتُ في قوله تعالى : وَبَعَثْنَا منهُمُ اثني عَشَرَ نَقِيباً  للجري على سننِ الكِبْرِياء، أو لأن البعثَ كان بواسطةِ موسى عليه السلام كما سيأتي، وتقديمُ الجار والمجرور على المفعول الصريح لما مرّ مراراً من الاهتمامِ بالمقدَّم والتشويقِ إلى المؤخَّر، والنقيبُ فعيل بمعنى فاعل مشتقٌ من النَّقْب، وهو التفتيش، ومنه قوله تعالى : فَنَقَّبُوا في البلاد  \[ سور ق، الآية ٣٦ \] سُمِّيَ بذلك لتفتيشِه عن أحوال القومِ وأسرارِهم. قال الزجاجُ : وأصله من النقْب وهو الثقب الواسع. رُوي ( أن بني إسرائيلَ لما استقروا بمصْرَ بعد مَهْلِكِ فرعونَ أمرهم الله عز وجل بالمسير إلى أَرِيحاءِ أرضِ الشام، وكان يسكُنها الجبابرةُ الكَنعانيون، وقال لهم : إني كتبتُها لكم داراً وقراراً فاخرُجوا إليها وجاهِدوا من فيها وإني ناصِرُكم، وأمر موسى عليه السلام أن يأخُذَ من كلِّ سِبطٍ نقيباً أميناً يكون كفيلاً على قومه بالوفاء بما أُمروا به توثِقَةً عليهم، فاختارَ النقباءَ وأُخذ الميثاقُ على بني إسرائيلَ وتكفَّلَ إليهم النُقباء، وسار بهم، فلما دنا من أرض كنعانَ بعث النقباءُ يتجسّسون فرأَوْا أجراماً عظيمةً وقوةً وشَوْكة، فهابوا ورَجَعوا وحدَّثوا قومَهم بما رأوا، وقد نهاهم موسى عن ذلك، فنكثوا الميثاقَ إلا كالبَ بنَ يوقنا نقيبَ سبطِ يَهوذا، ويُوشَعَ بنَ نونٍ نقيبَ سِبطِ أفراييمَ بن يوسُفَ الصّديقِ عليه الصلاة والسلام )، قيل : لما توجه النقباءُ إلى أرضهم للتجسس لقِيَهم عوجُ بنُ عناق، وكان طولُه ثلاثة آلاف وثلاثمائة وثلاثة وثلاثين ذراعا وقد عاش. ثلاثة آلاف سنة، وكان على رأسه حُزمةُ حطب، فأخذهم وجعلهم في الحُزمة وانطلق بهم إلى امرأته، وقال : انظُري إلى هؤلاء الذين يزعُمون أنهم يريدون قتالنا، فطرَحهم بين يدَيْها وقال : ألا أطحَنُهم برِجْلي، فقالت : لا بل خلِّ عنهم حتى يُخبِروا قومَهم بما رأوا، ففعل فجعلوا يتعرّفون أحوالَهم، وكان لا يحمِلُ عنقودَ عِنبِهم إلا خمسةُ رجال، أو أربعة، فلما خرج النقباءُ قال بعضُهم لبعض : إن أخبرتم بني إسرائيلَ بخبر القومِ ارتدوا عن نبي الله، ولكنِ اكتُموه إلا عن موسى وهارونَ عليهما السلام، فيكونان هما يَريانِ رأيَهما، فأخذ بعضُهم على بعضٍ الميثاقَ ثم انصرفوا إلى موسى عليه السلام وكان معهم حبةٌ من عنبِهم وِقْرَ[(١)](#foonote-١) رجل، فنكثوا عهدَهم وجعل كلٌّ منهم ينهى سِبْطه عن قتالِهم، ويُخبرهم بما رأى إلا كالبَ ويوشعَ، وكان معسكرُ موسى فرسخاً في فرسخ فجاء عوج حتى نظر إليهم ثم رجع إلى الجبل، فقور منه صخرة عظيمة على قدْرِ المعسكر ثم حملها على رأسه ليُطبِقَها عليهم فبعث الله تعالى الهُدُهُد فقوَّر من الصخرة وسَطَها المحاذِيَ لرأسه، فانتقبت فوقعت في عُنُق عوج، وطوقته فصرَعَتْه، وأقبل موسى عليه السلام وطولُه عشرةُ أذرُعٍ، وكذا طولُ العصا، فترامى في السماء عشرةَ أذرع، فما أصاب العصا إلا كعبَه وهو مصروعٌ فقتله، قالوا : فأقبلت جماعةٌ ومعهم الخناجرُ حتى حزّوا رأسَه.  وَقَالَ الله  أي لبني إسرائيل فقط إذ هم المحتاجون إلى ما ذُكر من الترغيب والترهيب كما يُنْبئُ عنه الالتفاتُ مع ما فيه من تربية المهابة وتأكيدِ ما يتضمنه الكلام من الوعد  إِنّي مَعَكُمْ  أي بالعلم والقدرة والنُّصرة، لا بالنصرة فقط، فإن تنبيهَهم على علمِه تعالى بكل ما يأتون وما يذرون وعلى كونهم تحت قُدرته وملكوتِه مما يحمِلُهم على الجد في الامتثال بما أمروا به والانتهاء عما نُهوا عنه، كأنه قيل : إني معكم أسمع كلامَكم وأرى أعمالَكم وأعلم ضمائِرَكم، فأجازيكم بذلك، هذا وقد قيل : المرادُ بالميثاق هو الميثاقُ بالإيمان والتوحيد، وبالنقباءِ ملوكُ بني إسرائيلَ الذين ينقُبون أحوالَهم، ويَلُون أمورَهم بالأمر والنهي، وإقامةِ العدل، وهو الأنسب بقوله تعالى : لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصلاة وَآتَيْتُمْ الزكاة وَآمَنتُم بِرُسُلِي  أي بجميعِهم واللامُ موطِّئةٌ للقسم المحذوفِ وتأخيرُ الإيمان عن إقامة الصلاة وإيتاءِ الزكاة مع كونهم من الفروع المترتبةِ عليه لِما أنهم كانوا معترفين بوجوبِهما مع ارتكابِهم لتكذيبِ بعضِ الرسل عليهم السلام، ولمراعاة المقارَنةِ بينه وبين قوله تعالى : وَعَزَّرْتُمُوهُمْ  أي نصرتموهم وقوَّيتموهم، وأصله الذّبُّ وقيل : التعظيمُ والتوقيرُ والثناءُ بخير. وقرئ ( وعزَرْتُموهم ) بالتخفيف  وَأَقْرَضْتُمُ الله  بالإنفاق في سبيل الخير، أو بالتصدق بالصدقات المندوبة، وقوله تعالى : قَرْضًا حَسَنًا  إما مصدرٌ مؤكّدٌ وارد على غير صيغة المصدر، كما في قوله تعالى : فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقبُولٍ حَسَنٍ وَأَنبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا  \[ آل عمران، الآية ٣٧ \] أو مفعولٌ ثانٍ لأقرضتم على أنه اسم للمال المُقْرَض، وقوله تعالى : لأكَفّرَنَّ عَنْكُمْ سيّئاتكم  جوابٌ للقسم المدلولِ عليه باللام سادٌّ مسدَّ جوابِ الشرط  وَلأُدْخِلَنَّكُمْ جنات تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأنهار  عطفٌ على ما قبله داخل معه في حُكم الجواب، متأخرٌ عنه في الحصول أيضاً، ضرورةَ تقدُّمِ التخلية على التحلية.  فَمَن كَفَرَ  أي برسلي أو بشيءٍ مما عُدِّد في حيِّز الشرط، والفاءُ لترتيب بيانِ حُكمِ من كفَر على بيان حُكمِ من آمن، تقويةً للترغيب بالترهيب  بَعْدَ ذَلِكَ  الشرطِ المؤكّدِ المُعلَّقِ به الوعدُ العظيمُ الموجِبُ للإيمان قطعاً  منكُمْ  متعلِّقٌ بمُضْمَرٍ وقعَ حالاً من فاعل كفَرَ، ولعل تغييرَ السبْكِ حيث لم يقل وإن كفرتم عطفاً على الشرطية السابقة لإخراج كفرِ الكلِّ عن حيِّز الاحتمال، وإسقاطِ من كفَرَ عن رُتبة الخطاب، وليس المرادُ إحداثَ الكفر بعد الإيمان، بل ما يعمُّ الاستمرارَ عليه أيضاً، كأنه قيل : فمن اتّصفَ بالكفر بعد ذلك، خلا أنه قصَدَ، بإيراد ما يدلّ على الحدوث، بيانَ ترقِّيهم في مراتب الكفر، فإن الاتصافَ بشيءٍ بعد ورودِ ما يوجبُ الإقلاعَ عنه، وإن كان استمراراً عليه لكنه بحسَب العنوان فعلٌ جديدٌ وصنعٌ حادث  فَقَدْ ضَلَّ سَوَاء السبيل  أي وسَطَ الطريق الواضحَ ضلالاً بيناً، وأخطأه خطأً فاحشاً، لا عذرَ معه أصلاً، بخلافِ من كفر قبل ذلك، إذْ ربما يمكنُ أن يكون له شُبْهةٌ، ويُتَوهَّمُ له معذرةً. 
١ أي حِمْلَ رجل..

### الآية 5:13

> ﻿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً ۖ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ ۙ وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ ۚ وَلَا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَىٰ خَائِنَةٍ مِنْهُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ ۖ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ [5:13]

فَبِمَا نَقْضِهِم ميثاقهم  الباء سببية، و( ما ) مزيدةٌ لتأكيد الكلام وتمكينِه في النفس، أي بسبب نقضِهم ميثاقَهم المؤكَّدَ لا بشيءٍ آخرَ استقلالاً أو انضماماً  لعنّاهم  طردناهم وأبعدناهم من رحمتنا، أو مسخناهم قِرَدَةً وخنازيرَ، أو أذللناهم بضرب الجزيةِ عليهم. وتخصيصُ البيان بما ذُكر مع أن حقَّه أن يبيَّنَ بعد بيانِ تحققِ نفسِ اللعنِ والنقضِ، بأن يقال مثلاً : فنقَضوا ميثاقَهم فلعنّاهم ضرورةَ تقدّمِ هيئةِ الشيءِ البسيطةِ على هيئتِه المُركّبة للإيذانِ بأن تحققَهما أمرٌ جليٌّ غنيٌّ عن البيان، وإنما المحتاجُ إلى ذلك ما بينهما من السببية والمُسبَّبية  وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً  بحيث لا تتأثرُ من الآيات والنذُر، وقيل : أملينا لهم ولم نعاجِلْهم بالعقوبة حتى قَسَتْ، أو خذلناهم ومنعناهم الألطافَ حتى صارت كذلك وقرئ ( قَسِيّة )، وهي إما مبالغةُ قاسية، وإما بمعنى رديئة، من قولهم : دِرْهمٌ قسيٌّ، أي رديء، إذا كان مغشوشاً له يَبْسٌ وخشونة، وقرئ بكسر القاف إتباعاً لها بالسين  يُحَرّفُونَ الكلم عَن مواضعه  استئنافٌ لبيان مرتبةِ قساوةِ قلوبهم فإنه لا مرتبةَ أعظمُ مما يصحح الاجتراءَ على تغيير كلامِ الله عز وجل والافتراءَ عليه، وصيغةُ المضارع للدلالة على التجدُّد والاستمرار، وقيل : حالٌ من مفعول لعناهم  وَنَسُوا حَظًّا  أي تركوا نصيباً وافراً  ممَّا ذُكّرُوا بِهِ  من التوراة ومن اتّباع محمدٍ عليه الصلاة والسلام، وقيل : حرفوا التوراةَ وزلَّتْ أشياءُ منها عن حفظهم، وعن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه :( قد ينسى المرءُ بعضَ العلم بالمعصية ) وتلا هذه الآية  وَلاَ تَزَالُ تَطَّلِعُ على خَائِنَةٍ منهُمْ  أي خيانةٍ على أنها مصدرٌ كلاغيةٍ وكاذبةٍ أو فَعْلةٍ خائنة، أي ذاتِ خيانة، أو طائفةٍ خائنة، أو شخصٍ خائنةٍ، على أن التاء للمبالغة، أو نفسٍ خائنةٍ، و( منهم ) متعلقٌ بمحذوف وقع صفةً لها، خلا أن ( مِنْ ) على الوجهين الأولين ابتدائيةٌ، أي على خيانةٍ أو على فعلةٍ خائنةٍ كائنةٍ منهم صادرةٍ عنهم، وعلى الوجوه الباقيةِ تبعيضية، والمعنى أن الغدرَ والخيانة عادةٌ مستمرة لهم ولأسلافهم بحيث لا يكادون يترُكونها ويكتُمونها فلا تزال ترى ذلك منهم.  إِلاَّ قَلِيلاً منهُم  استثناء من الضمير المجرور في ( منهم ) على الوجوه كلِّها، وقيل : مِنْ خائنة على الوجوه الثلاثةِ الأخيرة، والمرادُ بهم الذين آمنوا منهم كعبد اللَّه بنِ سَلام وأضرابِه، وقيل : من خائنة على الوجه الثاني، فالمرادُ بالقليل الفعلُ القليل، ومِنْ ابتدائيةٌ كما مر، أي إلا فعلاً قليلاً كائناً منهم  فاعف عَنْهُمْ واصفح  أي إن تابوا وآمنوا أو عاهدُوا والتزموا الجزية، وقيل : مطلقٌ نُسخ بآيةِ السيف  إِنَّ الله يُحِبُّ المحسنين  تعليلٌ للأمر وحثٌّ على الامتثال به، وتنبيهٌ على أن العفوَ على الإطلاقِ من باب الإحسان.

### الآية 5:14

> ﻿وَمِنَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَىٰ أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَىٰ يَوْمِ الْقِيَامَةِ ۚ وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللَّهُ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ [5:14]

وَمِنَ الذين قَالُوا إِنَّا نصارى أَخَذْنَا ميثاقهم  بيانٌ لقبائح النصارى وجناياتهم إثرَ بيان قبائحِ اليهود وخياناتِهم، و( مِن ) متعلقة ( بأخذنا )، إذِ التقديرُ وأخذنا من الذين قالوا إنا نصارى ميثاقهم، وتقديمُ الجار والمجرور للاهتمام به، ولأن ذكرَ حال إحدى الطائفتين مما يوقعُ في ذهن السامع أن حالَ الأخرى ماذا ؟ فكأنه قيل : ومن الطائفة الأخرى أيضاً أخذنا ميثاقهم، وقيل : هي متعلقةٌ بمحذوفٍ وقع خبراً لمبتدأ محذوفٍ قامت صفتُه أو صلتُه مَقامه، أي ومنهم قومٌ أخذنا ميثاقهم، أو مَنْ أخذنا ميثاقهم، وضميرُ ( ميثاقَهم ) راجعٌ إلى الموصوف المقدر، وأما في الوجه الأولِ فراجعٌ إلى الموصول، وقيل : راجع إلى بني إسرائيل، أي أخذنا من هؤلاء ميثاق أولئك، أي مثل ميثاقهم من الإيمان بالله والرسل، وبما يتفرع على ذلك من أفعال الخير، وإنما نَسَب تسميتَهم نصارى إلى أنفسهم دون أن يُقال ومن النصارى إيذاناً بأنهم في قولهم نحن أنصارُ الله بمعزلٍ من الصدق، وإنما هو تقوّلٌ محضٌ منهم، وليسوا من نُصْرة الله تعالى في شيء، أو إظهاراً لكمال سوء صنيعهم ببيان التناقض بين أقوالهم وأفعالهم، فإن ادعاءهم لنُصْرته تعالى يستدعي ثباتَهم على طاعته تعالى ومراعاة ميثاقه  فَنَسُوا  عَقيبَ أخذِ الميثاق من غير تلعثم  حَظًّا  وافراً  ممَّا ذُكِّرُوا بِهِ  في تضاعيف الميثاق من الإيمان بالله تعالى وغير ذلك حسبما مرَّ آنفاً، وقيل : هو ما كُتب عليهم في الإنجيل من أن يُؤمنوا بمحمد عليه الصلاة والسلام فتركوه ونبذوه وراء ظهورهم، واتبعوا أهواءهم فاختلفوا وتفرقوا نِسطوريةً ويعقوبيةً وملكانية أنصاراً للشيطان،  فَأَغْرَيْنَا  أي ألزمنا وألصَقنا، من غرِيَ بالشيء إذا لزمه ولصِق به، وأغراه غيرُه، ومنه الغِراء، وقوله تعالى : بَيْنَهُمْ  إما ظرف لأغرينا أو متعلق بمحذوف وقع حالاً من مفعوله، أي أغرينا  العداوة والبغضاء  كائنة بينهم، ولا سبيل إلى جعله ظرفاً لهما، لأن المصدر لا يعمل فيما قبله، وقوله تعالى : إلى يَوْمِ القيامة  إما غاية للإغراء أو للعداوة والبغضاء، أي يتعادَوْن ويتباغضون إلى يوم القيامة حسبما تقتضيه أهواؤهم المختلفة وآراؤُهم الزائغة المؤدية إلى التفرق إلى الفرق الثلاثة، فضمير ( بينهم ) لهم خاصة، وقيل : لهم ولليهود، أي أغرينا العداوة والبغضاء بين اليهود والنصارى  وَسَوْفَ يُنَبّئُهُمُ الله بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ  وعيد شديد بالجزاء والعذاب كقول الرجل لمن يتوعّده : سأخبرك بما فَعَلت، أي يجازيهم بما عملوه على الاستمرار من نقض الميثاق ونسيان الحظ الوافر مما ذُكِّروا به، و( سوف ) لتأكيد الوعيد، والالتفاتُ إلى ذكر الاسم الجليل لتربية المهابة وإدخال الروعة لتشديد الوعيد، والتعبيرُ عن العمل بالصنع للإيذان برسوخهم في ذلك، وعن المجازاة بالتنبئة للتنبيه على أنهم لا يعلمون حقيقةَ ما يعملونه من الأعمال السيئة واستتباعِها للعذاب، فيكونُ ترتيبُ العذاب عليها في إفادة العلم بحقيقة حالها بمنزلة الإخبار بها.

### الآية 5:15

> ﻿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ ۚ قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ [5:15]

يَا أَهْلَ الكتاب  التفاتٌ إلى خطاب الفريقين على أن الكتاب جنسٌ شاملٌ للتوراة والإنجيل إثرَ بيانِ أحوالهما من الخيانة وغيرها من فنون القبائح ودعوةٌ لهم إلى الإيمان برسول الله صلى الله عليه وسلم والقرآن، وإيرادُهم بعنوان أهلية الكتاب لانطواء الكلامِ المصدَّر به على ما يتعلق بالكتاب وللمبالغة في التشنيع، فإن أهلية الكتاب من موجباتِ مراعاته والعمل بمقتضاه وبيان ما فيه من الأحكام، وقد فعلوا من الكَتم والتحريف ما فعلوا وهم يعلمون  قَدْ جَاءكُمْ رَسُولُنَا  الإضافة للتشريف، والإيذانِ بوجوب اتباعه وقوله تعالى : يُبَيّنُ لَكُمْ  حال من رسولنا، وإيثارُ الجملة الفعلية على غيرها للدلالة على تجدّد البيان، أي قد جاءكم رسولُنا حال كونه مبيناً لكم على التدريج حسبما تقتضيه المصلحة  كَثِيراً ممَّا كُنتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الكتاب  أي التوراةِ والإنجيل كبِعثةِ محمد عليه الصلاة والسلام، وآيةِ الرجم في التوراة وبشارةِ عيسى بأحمدَ عليهما السلام في الإنجيل، وتأخيرُ ( كثيراً ) عن الجار والمجرور لما مر مراراً من إظهار العناية بالمُقدَّم، لما فيه من تعجيل المَسَرَّة والتشويق إلى المؤخر لأن ما حقُّه التقديمُ إذا أُخّر لاسيما مع الإشعار بكونه من منافع المخاطَب تبقَى النفسُ مترقبة إلى وروده، فيتمكن عندها إذا ورد فضلُ تمكنٍ، ولأن في المؤخَّر ضربَ تفصيل رمبا يُخِلُّ تقديمُه بتجاذب أطرافِ النظم الكريم، فإن ( مما ) متعلقٌ بمحذوفٍ وقع صفةً لكثيراً، و( ما ) موصولة اسمية وما بعدها صلتُها، والعائدُ إليها محذوف، و( من الكتاب ) متعلق بمحذوف هو حال من العائد المحذوف، والجمع بين صيغتي الماضي والمستقبل للدلالة على استمرارهم على الكتم والإخفاء، أي يبين لكم كثيراً من الذي تخفونه على الاستمرار حال كونه من الكتاب الذي أنتم أهله والمتمسكون به  وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ  أي ولا يُظهر كثيراً مما تخفونه، إذا لم تدعُ إليه داعيةٌ دينية صيانةً لكم عن زيادة الافتضاح كما يُفصحُ عنه التعبير عن عدم الإظهار بالعفو، وفيه حثّ لهم على عدم الإخفاء ترغيباً وترهيباً، والجملة معطوفة على الجملة الحالية داخلةٌ في حكمها، وقيل : يعفو عن كثيرٍ منكم ولا يؤاخذه، وقوله تعالى : قَدْ جَاءكُمْ من الله نُورٌ  جملة مستأنفةٌ مسوقةٌ لبيان أن فائدةَ مجيءِ الرسول ليست منحصرةً فيما ذُكر من بيانِ ما كانوا يُخفونه، بل له منافعُ لا تحصى، و( من الله ) متعلقٌ بجاء، و( من ) لابتداء الغاية مجازاً، أو بمحذوفٍ وقع حالاً من نور، وأياً ما كان فهو تصريحٌ بما يشعر به إضافةُ الرسول من مجيئه من جنابه عز وجل، وتقديمُ الجار والمجرور على الفاعل للمسارعة إلى بيان كون المجيء من جهته العالية، والتشويق إلى الجائي، ولأن فيه نوعَ تطويلٍ يُخلُّ تقديمُه بتجاوب أطراف النظم الكريم، كما في قوله تعالى : وَجَاءكَ في هذه الحق وَمَوْعِظَةٌ وذكرى لِلمُؤْمِنِينَ  \[ هود، الآية : ١٢٠ \] وتنوين ( نور ) للتفخيم، والمراد به وبقوله تعالى : وكتاب مبِينٌ  القرآن، لما فيه من كشف ظلمات الشرْك والشك وإبانة ما خفِيَ على الناس من الحق والإعجاز البيِّن، والعطف لتنزيل المغايَرَة بالعنوان منزلة المُغايرة بالذات، وقيل : المرادُ بالأول هو الرسول عليه الصلاة والسلام وبالثاني القرآن.

### الآية 5:16

> ﻿يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ [5:16]

يَهْدِي بِهِ الله  توحيد الضمير المجرور لاتحاد المرجِع بالذات أو لكونهما في حكم الواحد أو أريد يهدي بما ذُكر، وتقديم الجار والمجرور للاهتمام، وإظهارُ الجلالة لإظهار كمال الاعتناء بأمر الهداية، ومحل الجملة الرفع على أنها صفة ثانية لكتاب، أو النصبُ على الحالية منه لتخصصه بالصفة  مَنِ اتّبع رِضْوَانَهُ  أي رضاه بالإيمان به، و( مَنْ ) موصولةٌ أو موصوفة  سُبُلَ السّلام  أي طرق السلامة من العذاب والنجاة من العقاب، أو سبل الله تعالى وهي شريعتُه التي شرعها للناس، قيل : هو مفعول ثان ( ليهدي )، والحقُّ أن انتصابه بنزع الخافض على طريقة قوله تعالى : واختار موسى قَوْمَهُ  \[ الأعراف، الآية : ١٥٥ \] وإنما يُعدَّى إلى الثاني بإلى أو باللام كما في قوله تعالى : إِنَّ هذا القرآن يَهدي لِلَّتِى هِىَ أَقْوَمُ  \[ الإسراء، الآية : ٩ \]  وَيُخْرِجُهُمْ  الضمير لمن، والجمع باعتبار المعنى كما أن الإفراد في ( اتبع ) باعتبار اللفظ  مِنَ الظلمات  أي ظلمات فنون الكفر والضلال  إِلَى النور  إلى الإيمان  بِإِذْنِهِ  بتيسيره أو بإرادته  وَيَهْدِيهِم إلى صراط مُّسْتَقِيمٍ  هو أقرب الطرق إلى الله تعالى، ومؤدٍّ إليه لا محالة، وهذه الهداية عينُ الهداية إلى سبل السلام، وإنما عُطفت عليها تنزيلاً للتغاير الوَصْفيِّ منزلة التغايُر الذاتي كما في قوله تعالى : وَلَمَّا جَاء أَمْرُنَا نَجَّيْنَا هُودًا والذين آمنوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ منَّا وَنَجَّيْنَاهُمْ منْ عَذَابٍ غَلِيظٍ  \[ هود، الآية : ٥٨ \].

### الآية 5:17

> ﻿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ ۚ قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ أَنْ يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ۗ وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا ۚ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ ۚ وَاللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [5:17]

لقدْ كَفَرَ الذين قَالُوا إِنَّ الله هُوَ المسيح ابن مَرْيَمَ  أي لا غيرُ، كما يقال : الكرمُ هو التقوى، وهم اليعقوبيةُ القائلون بأنه تعالى قد يحِلُّ في بدن إنسان معين، أو في روحه، وقيل : لم يصرِّح به أحدٌ منهم، لكن حيث اعتقدوا اتصافَه بصفاتِ الله الخاصة وقد اعترفوا بأن الله تعالى موجود، فلزِمهم القولُ بأنه المسيح لا غير، وقيل : لما زعموا أن فيه لاهوتاً وقالوا : لا إله إلا واحدٌ، لزمهم أن يكونَ هو المسيح، فنُسب إليهم لازمُ قولِهم توضيحاً لجهلهم، وتفضيحاً لمعتَقَدِهم  قُلْ  أي تبكيتاً لهم وإظهاراً لبطلان قولِهمِ الفاسد وإلقاماً لهم الحجَرَ، والفاء في قوله تعالى : فَمَن يَمْلِكُ مِنَ الله شَيْئاً  فصيحة، و( مَنْ ) استفهامية للإنكار والتوبيخ، والمُلكُ الضبطُ والحِفظُ التامُّ عن حزم، و( من ) متعلقةٌ به على حذف المضاف، أي إن كان الأمرُ كما تزعُمون فمن يمنَعُ من قدرته تعالى وإرادته شيئاً ؟ وحقيقتُه فمن يستطيعُ أن يُمسك شيئاً منهما  إِنْ أَرَادَ أَن يُهْلِكَ المسيح ابن مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَن في الأرض جَمِيعاً . ومن حق مَنْ يكون إلها ألا يتعلقَ به ولا بشأنٍ من شؤونه، بل بشيءٍ من الموجودات قدرةُ غيرِه بوجهٍ من الوجوه، فضلاً عن أن يعجِزَ عن دفع شيءٍ منها عند تعلقِها بهلاكه، فلما كان عجزُه بيناً لا ريب فيه ظهرَ كونُه بمعزل مما تقوَّلوا في حقه. والمرادُ بالإهلاك الإماتةُ والإعدامُ مطلقاً، لا بطريق السُخْط والغضب، وإظهارُ المسيح على الوجه الذي نسبوا إليه الألوهية في مقام الإضمار لزيادة التقرير، والتنصيصِ على أنه من تلك الحيثية بعينها داخلٌ تحت قهره ومَلَكوته تعالى ونفْيِ المالكيةِ المذكورة بالاستفهام الإنكاري عن كل أحدٍ مع تحقق الإلزامِ والتبكيتِ بنفيها عن المسيح فقط، بأن يقال : فهل يملِك شيئاً من الله إن أراد الخ لتحقيق الحقِّ بنفيِ الألوهية عن كل ما عداه سبحانه. وإثباتُ المطلوب في ضمنه بالطريق البرهاني، فإن انتفاءَ المالكيةِ المستلزِمَ لاستحالة الألوهية متى ظهر بالنسبة إلى الكلِّ ظهر بالنسبة إلى المسيح على أبلغِ وجهٍ وآكَدِه فيظهر استحالةُ ألوهيتِه قطعاً. وتعميمُ إرادةِ الإهلاك للكل، مع حصول ما ذُكر من التحقّق بقَصْرها عليه، بأن يقال : فمن يملك من الله شيئاً إن أراد أن يُهلِك المسيح، لتهويل الخطب وإظهارِ كمالِ العجز ببيانِ أن الكلَّ تحت قهره تعالى وملَكوته، لا يقدِرُ أحدٌ على دفع ما أريد به فضلاً عن دفع ما أريد بغيره، وللإيذان بأن المسيحَ أُسوةٌ لسائر المخلوقات في كونه عُرْضةً للهلاك كما أنه أُسوة لها فيما ذُكر من العجز وعدم استحقاقِ الألوهية، وتخصيصُ أمِّه بالذكر مع اندراجها في ضمن مَنْ في الأرض لزيادة تأكيدِ عجْز المسيح، ولعل نَظْمَها في سِلْك من فَرضَ إرادةَ إهلاكهم مع تحقق هلاكها قبل ذلك لتأكيد التبكيت وزيادةِ تقريرِ مضمونِ الكلام، بجعل حالها أُنموذجاً لحال بقيةِ مَنْ فرَضَ إهلاكَه، كأنه قيل : قل فمن يملك من الله شيئاً إن أراد أن يُهلكَ المسيح وأمَّه ومن في الأرض، وقد أهلك أمَّه فهل مانَعَه أحد، فكذا حال مَنْ عداها من الموجودين وقوله تعالى : وَللَّهِ مُلْكُ السمااوات والأرض وَمَا بَيْنَهُمَا  أي ما بين قُطْرَي العالم الجسماني لا بين وجهِ الأرض ومُقعَّر فَلك القمر فقط، فيتناول ما في السماوات من الملائكة عليهم السلام وما في أعماق الأرض والبحار من المخلوقات، تنصيصٌ على كون الكلِّ تحت قهره تعالى وملكوته إثرَ الإشارة إلى كون البعض أي من في الأرض كذلك، أي له تعالى وحده ملك جميع الموجودات والتصرُّفُ المطلقُ فيها إيجاداً وإعداماً وإحياءً وإماتة لا لأحد سواه استقلالاً، ولا اشتراكاً فهو تحقيقٌ لاختصاص الألوهية به تعالى إثرَ بيان انتفائها عن كل ما سواه. وقوله تعالى : يَخْلُقُ مَا يَشَاء  جملةٌ مستأنفة مَسوقةٌ لبيان بعض أحكام المُلك والألوهية على وجه يُزيحُ ما اعتراهم من الشبهة في أمر المسيح لولادته من غير أب، وخَلْقِ الطير وإحياء الموتى وإبراء الأكمه والأبرص، أي يخلق ما يشاء من أنواع الخلق والإيجاد على أن ( ما ) نكرة موصوفة محلها النصبُ على المصدرية، لا على المفعولية، كأنه قيل : يخلق أيَّ خلق يشاؤه فتارةً يخلق من غير أصل كخلق السماوات والأرض، وأخرى من أصلٍ كخلق ما بينهما، فيُنشئ من أصلٍ ليس من جنسه كخلق آدمَ وكثيرٍ من الحيوانات، ومن أصلٍ يجانسه إما مِنْ ذكرٍ وحده كخلق حواءَ أو أنثى وحدها، كخلق عيسى عليه السلام، أو منهما كخلق سائر الناس، ويخلق بلا توسط شيء من المخلوقات كخلق عامة المخلوقات، وقد يخلُق بتوسط مخلوق آخرَ كخلق الطير على يد عيسى عليه السلام معجزةً له وإحياءِ الموتى وإبراءِ الأكمه والأبرص وغير ذلك فيجب أن يُنسَبَ كلُّه إليه تعالى لا إلى من أجرى ذلك على يده  والله على كُلّ شَيء قَدِير  اعتراض تذييلي مقرِّرٌ لمضمون ما قبله، وإظهار الاسم الجليل للتعليل وتقويةِ استقلال الجملة.

### الآية 5:18

> ﻿وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَىٰ نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ ۚ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ ۖ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ ۚ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ ۚ وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا ۖ وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ [5:18]

وَقَالَتِ اليهود والنصارى نَحْنُ أَبْنَاء الله وَأَحِبَّاؤُهُ  حكايةٌ لِما صدر عن الفريقين من الدعوى الباطلة وبيانٌ لبطلانها بعد ذكر ما صدر عن أحدهما وبيانِ بطلانه أي قالت اليهود : نحن أشياعُ ابنِه عُزَيْرٍ، وقالت النصارى : نحن أشياعُ ابنه المسيحِ، كما قيل لأشياع أبي خُبيب وهو عبد اللَّه بن الزبير : الخُبيبيّون، وكما يقول أقاربُ الملوك عند المفاخرة : نحن الملوك، وقال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما : إن النبي عليه الصلاة والسلام دعا جماعة من اليهود إلى دين الإسلام وخوَّفهم بعقاب الله تعالى فقالوا : كيف تخوِّفُنا به ونحن أبناءُ الله وأحباؤُه ؟ وقيل : إن النصارى يتلون في الإنجيل أَنَّ المسيح قال لهم : إني ذاهبٌ إلى أبي وأبيكم، وقيل : أرادوا أن الله تعالى كالأب لنا في الحُنُوِّ والعطف، ونحن كالأبناء له في القُرب والمنزلة، وبالجملة أنهم كانوا يدّعون أن لهم فضلاً ومَزيديةً عند الله تعالى على سائر الخلق، فردّ عليهم ذلك، وقيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم : قُلْ  إلزاماً لهم وتبكيتاً  فَلِمَ يُعَذّبُكُم بِذُنُوبِكُم  أي إن صح ما زعمتم فلأيِّ شيءٍ يعذبكم في الدنيا بالقتل والأسر والمسخ، وقد اعترفتم بأنه تعالى سيعذبكم في الآخرة بالنار أياماً بعدد أيامِ عبادتِكم العجلَ، ولو كان الأمر كما زعمتم لما صدر عنكم ما صدر، ولما وقع عليكم ما وقع، وقوله تعالى : بَلْ أَنتُمْ بَشَرٌ  عطف على مقدر ينسحب عليه الكلام، أي لستم كذلك بل أنتم بشر  ممَّنْ خَلَق  أي من جنس مَنْ خَلقه الله تعالى من غير مزيةٍ لكم عليهم  يَغْفِرُ لِمَن يَشَاء  أن يغفر له من أولئك المخلوقين، وهم الذين آمنوا به تعالى وبرسله  وَيُعَذّبُ مَن يَشَاء  أن يعذبه منهم، وهم الذين كفروا به وبرسله مثلَكم  وَللَّهِ مُلْكُ السماوات والأرض وَمَا بَيْنَهُمَا  من الموجودات لا ينتمي إليه سبحانه شيء منها إلا بالملوكية والعبودية والمقهورية تحت ملكوته، يتصرّف فيهم كيف يشاء إيجاداً وإعداماً، إحياء وإماتة، وإثابة وتعذيباً، فأنى لهم ادعاءُ ما زعموا  وَإِلَيْهِ المصير  في الآخرة خاصة لا إلى غيره استقلالاً أو اشتراكاً فيجازي كلاًّ من المحسن والمسيء بما يستدعيه عملُه من غير صارف يَثْنيه ولا عاطفٍ يَلْويه.

### الآية 5:19

> ﻿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلَىٰ فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ أَنْ تَقُولُوا مَا جَاءَنَا مِنْ بَشِيرٍ وَلَا نَذِيرٍ ۖ فَقَدْ جَاءَكُمْ بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ ۗ وَاللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [5:19]

يَا أَهْل الكتاب  تكريرٌ للخطاب بطريق الالتفات ولطفٌ في الدعوة  قَدْ جَاءكُمْ رَسُولُنَا يُبَيّنُ لَكُمْ  حال من رسولنا، وإيثارُه على مبيِّناً لما مر فيما سبق، أي يبين لكم الشرائعَ والأحكامَ الدينية المقرونة بالوعد والوعيد، ومن جملتها ما بين في الآيات السابقة من بطلان أقاويلِكم الشنعاء، وما سيأتي من أخبار الأمم السالفة، وإنما حُذف تعويلاً على ظهور أن مجيءَ الرسول إنما هو لبيانها، أو يفعلُ لكم البيانَ، ويبذُله لكم في كل ما تحتاجون فيه إلى البيان من أمور الدين، وأما تقديرُ مثل ما سبق في قوله تعالى : كَثِيراً ممَّا كُنتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الكتاب  كما قيل فمع كونه تكريراً من غير فائدة، يرده قوله عز وجل : على فَتْرَةٍ منَ الرسل  فإن فتورَ الإرسال وانقطاعَ الوحي إنما يُحوج إلى بيان الشرائع والأحكام لا إلى بيان ما كتموه و( على فترة ) متعلق ( بجاءكم ) على الظرفية كما في قوله تعالى : واتّبعوا مَا تَتْلُوا الشياطين على مُلْكِ سليمان  \[ البقرة، الآية ١٠٢ \] أي جاءكم على حين فتور من الإرسال وانقطاع من الوحي، ومزيدِ احتياج إلى بيان الشرائع والأحكام الدينية، أو بمحذوفٍ وقع حالاً من ضمير يبين، أو من ضمير لكم، أي يبين لكم ما ذُكر حال كونه على فترة من الرسل، أو حال كونكم عليها أحوجَ ما كنتم إلى البيان، و( من الرسل ) متعلق بمحذوفٍ وقع صفةً لفترة، أي كائنةٍ من الرسل مبتدَأةٍ من جهتهم. قوله تعالى : أَن تَقُولُوا  تعليل لمجيء الرسول بالبيان على حذف المضاف أي كراهةَ أن تقولوا معتذرين عن تفريطكم في مراعاة أحكام الدين  مَا جَاءنَا مِن بَشِيرٍ وَلاَ نَذِيرٍ  وقد انطمست آثارُ الشرائع السابقة، وانقطعت أخبارُها، وزيادة ( مِنْ ) في الفاعل للمبالغة في نفي المجيء، وتنكير بشير ونذير للتقليل، وهذا كما ترى يقتضي أن المقدر أو المنوي فيما سبق هو الشرائع والأحكام لا كيفما كانت، بل مشفوعة بما ذكر من الوعد والوعيد، وقوله تعالى : فَقَدْ جَاءكُمْ بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ  متعلق بمحذوف ينبئ عنه الفاء الفصيحة وتُبيِّنُ أنه مُعلَّل به، وتنوينُ ( بشيرٌ ونذيرٌ ) للتفخيم أي لا تعتذروا بذلك فقد جاءكم بشير أيُّ بشيرٍ ونذير أيُّ نذير  والله على كُلّ شَيْء قَدِيرٌ  فيقدِرُ على الإرسال تترى كما فعله بين موسى وعيسى عليهما السلام حيث كان بينهما ألفٌ وسبعُمائة سنة وألفُ نبيّ وعلى الإرسال بعد الفترة كما فعله بين عيسى ومحمد عليهما الصلاة والسلام، حيث كان بينهما ستُمائة سنةٍ أو خمسُمائةٍ وتسعٌ وستون سنةً أو خمسُمائةٍ وستٌ وأربعون سنةً وأربعةُ أنبياءَ على ما روى الكلبيّ ثلاثةٌ من بني إسرائيلَ وواحدٌ من العرب خالد بن سنان العبسي، وقيل : لم يكن بعد عيسى عليه السلام إلا رسولُ الله عليه السلام وهو الأنسبُ بما في تنوين ( فترةٍ ) من التفخيم اللائق بمقام الامتنان عليهم بأن الرسول قد بُعث إليهم عند كمالِ حاجتهم إليه بسبب مضيِّ زمانٍ طويل بعد انقطاعِ الوحي ليهشّوا إليه ويعُدّوه أعظمَ نعمةٍ من الله تعالى، وفتحَ بابٍ إلى الرحمة، وتلزَمُهم الحجةُ فلا يَعتلُّوا غداً بأنه لم يُرسَل إليهم من يُنبِّههم من غفلتهم.

### الآية 5:20

> ﻿وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا وَآتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ [5:20]

وَإِذْ قَالَ موسى لِقَوْمِهِ  جملةٌ مستأنفةٌ مسوقةٌ لبيان ما فعلت بنو إسرائيلَ بعد أخذِ الميثاق منهم، وتفصيلِ كيفيةِ نقضِهم له وتعلّقِه بما قبله، من حيث إن ما ذُكر فيه من الأمور التي وصفَ النبيَّ عليه السلام بيانُها، ومن حيث اشتمالُه على انتفاء فترة الرسل فيما بينهم، و( إذ ) نُصب على أنه مفعولٌ لفعل مقدرٍ خوطب به النبيُّ عليه الصلاة والسلام بطريق تلوينِ الخطاب، وصَرْفُه عن أهل الكتاب ليعدِّدَ عليهم ما صدر عن بعضهم من الجنايات. أي واذكُر لهم وقت قولِ موسى لقومه ناصحاً لهم ومستميلاً لهم بإضافتهم إليه  يا قوم اذكروا نِعْمَةَ الله عَلَيْكُمْ  وتوجيهُ الأمر بالذكر إلى الوقت دون ما وقع فيه من الحوادث مع أنها المقصودةُ بالذات للمبالغة في إيجابِ ذكرِها، لما أن إيجابَ ذكرِ الوقت إيجابٌ لذكر ما وقع فيه بالطريق البرهاني، ولأن الوقت مشتملٌ على ما وقع فيه تفصيلاً، فإذا استُحضِر كان ما وقع فيه حاضِراً بتفاصيله، كأنه مشاهَدٌ عِياناً، و( عليكم ) متعلق بنفس النعمة إذا جُعلت مصدراً، وبمحذوف وقع حالاً منها إذا جُعلت اسماً، أي اذكروا إنعامه عليكم، وكذا ( إذ ) في قوله تعالى : إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاء  أي اذكروا إنعامه تعالى عليكم في وقت جَعْله أو اذكروا نعمته تعالى كائنة عليكم في وقت جعْلِه فيما بينكم من أقربائكم أنبياءَ ذوِي عددٍ كثير وأُولي شأنٍ خطير، حيث لم يَبْعثْ من أمة من الأمم ما بَعَث من بني إسرائيلَ من الأنبياء  وَجَعَلَكُمْ مُّلُوكاً  عطفٌ على ( جعل ) فيكم أو منكم ملوكاً كثيرة، فإنه قد تكاثر فيهم الملوكُ تكاثرَ الأنبياء، وإنما حذف الظرف تعويلاً على ظهور الأمر أو جَعْل الكلِّ في مقام الامتنان عليهم ملوكاً، لما أن أقاربَ الملوك يقولون عند المفاخرة : نحن الملوك، وإنما لم يسلُكْ ذلك المسلكَ فيما قبله لما أن منصِبَ النبوةِ مِنْ عِظَم الخطر وعِزَّة المطلب وصعوبة المنال بحيث ليس يليقُ أن يُنْسبَ إليه ولو مجازاً، مَنْ ليس ممن اصطفاه الله تعالى له. وقيل : كانوا مملوكين في أيدي القِبْط فأنقذهم الله تعالى فسمَّى إنقاذهم مُلْكاً، وقيل : المَلِكُ مَنْ له مسكنٌ واسع فيه ماء جار، وقيل : من له بيت وخدم، وقيل : من له مال لا يَحتاج معه إلى تكلف الأعمال وتحمّل المشاق  وآتاكم ما لم يؤت أحدا من العالمين  من فلْق البحر وإغراقِ العدو وتظليل الغمام وإنزال المنّ والسلوى وغير ذلك مما آتاهم الله تعالى من الأمور العِظام، والمرادُ بالعالمين الأممُ الخالية إلى زمانهم، وقيل : مِنْ عالَمي زمانِهم.

### الآية 5:21

> ﻿يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَرْتَدُّوا عَلَىٰ أَدْبَارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ [5:21]

يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الأرض المُقَدَّسَةَ  كرر النداء بالإضافة التشريفية اهتماماً بشأن الأمر ومبالغةً في حثهم على الامتثال به، والأرض هي أرضُ بيت المقدس، سُمِّيت بذلك لأنها كانت قرارَ الأنبياء ومسكنَ المؤمنين. وقيل : هي الطورُ وما حوله، وقيل : دمشقُ وفِلَسطينُ وبعضُ الأردن، وقيل : هي الشام  التِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ  أي كتَبَ في اللوح المحفوظ أنها تكونُ مسكناً لكم إن آمنتم وأطعتم لقوله تعالى لهم بعد ما عصَوْا : فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ  \[ المائدة، الآية ٢٦ \] وقولِه تعالى : وَلاَ تَرْتَدُّوا على أدباركم فَتَنْقَلِبُوا خاسرين  فإن ترتيبَ الخَيبة والخُسران على الارتداد يدل على اشتراط الكَتْب بالمجاهدة المترتِّبة على الإيمان والطاعة قطعاً، أي لا ترجِعوا مُدبرين خوفاً من الجبابرة، فالجار والمجرور متعلقٌ بمحذوفٍ هو حال من فاعل ترتدوا، ويجوز أن يتعلق بنفس الفعل، قيل : لما سمعوا أحوالهم من النقباء بكَوْا وقالوا : يل ليتنا مِتْنا بمصر، تعالَوْا نجعلُ لنا رأساً ينصرِفْ بنا إلى مصر، أو لا ترتدوا عن دينكم بالعصيان وعدم الوثوق بالله تعالى، وقوله :( فتنقلبوا ) إما مجزومٌ عطفا على ترتدوا، أو منصوبٌ على جواب النهي، والخُسران خُسرانُ الدين والدنيا لاسيما دخولُ ما كتب لهم.

### الآية 5:22

> ﻿قَالُوا يَا مُوسَىٰ إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا حَتَّىٰ يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ [5:22]

قَالُوا  استئناف مبنيٌّ نشأ من مَساق الكلام كأنه قيل : فماذا قالوا بمقابلة أمرِه عليه السلام ونهيِه ؟ فقيل : قالوا غيرَ ممتثِلين بذلك : قَالُوا ياموسى إِنَّ فِيهَا قَوْماً جَبَّارِينَ  متغلِّبين لا يتأتّى منازعتهم ولا يتسنى مناصبتهم. والجبارُ العاتي الذي يُجبرُ الناسَ ويقسرهم كائناً من كان على ما يريده كائناً ما كان، فعّال من جبرَه على الأمر أي أجْبَره عليه  وَإِنَّا لَن ندْخُلَهَا حتى يَخْرُجُوا مِنْهَا  من غير صُنْع مِنْ قِبَلِنا، فإنه لا طاقة لنا بإخراجهم منها  فَإِن يَخْرُجُوا مِنْهَا  بسببٍ من الأسباب التي لا تعلُّقَ لنا بها  فَإِنَّا داخلون  حينئذ، أتَوْا بهذه الشرطية مع كون مضمونها مفهوماً مما سبق من توقيت عدمِ الدخول بخروجهم منها تصريحاً بالمقصود وتنصيصاً على أن امتناعهم من دخولها ليس إلا لمكانهم فيها، وأتَوا في الجزاء بالجملة الاسمية المصدرة بحرف التحقيق دلالةً على تقرُّر الدخول وثباتِه عند تحقّق الشرط لا محالة، وإظهاراً لكمال الرغبة فيه، وفي الامتثال بالأمر.

### الآية 5:23

> ﻿قَالَ رَجُلَانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ ۚ وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ [5:23]

قَالَ رَجُلاَنِ  استئنافٌ كما سبق كأنه قيل : هل اتفقوا على ذلك أو خالفهم البعض ؟ فقيل : قال رجلان : مِنَ الذين يَخَافُونَ  أي يخافون الله تعالى دون العدوِّ ويتّقونه في مخالفة أمرِه ونهيِه، وبه قرأ ابنُ مسعود، وفيه تعريضٌ بأن مَنْ عداهما لا يخافونه تعالى. بل يخافون العدو. وقيل : من الذين يخافون العدو أي منهم في النسب لا في الخوف وهما يوشَعُ بنُ نون وكالب بن يوقنا من النقباء، وقيل : هما رجلان من الجبابرة أسلما وسارا إلى موسى عليه السلام، فالواو حينئذ لبني إسرائيلَ، والموصول عبارة عن الجبابرة، وإليهم يعود العائد المحذوف، أي من الذين يخافهم بنو إسرائيل ويعضده قراءة من قرأ ( يُخافون ) على صيغة المبني للمفعول أي المَخُوفين، وعلى الأول يكون هذا من الإحافة أي من الذين يخوِّفون من الله تعالى بالتذكير أو يخوِّفهم الوعيدُ  أَنْعَمَ الله عَلَيْهِمَا  أي بالتثبيت وربْطِ الجأش والوقوف على شؤونه تعالى والثقة بوعده، أو بالإيمان وهو صفة ثانيةٌ لرجلان، أو اعتراض، وقيل : حال من الضمير في يخافون أو من رجلان لتخصّصه بالصفة، أي قالا مخاطِبين لهم ومشجعين  ادخلوا عَلَيْهِمُ الباب  أي بابَ بلدهم، وتقديم الجار والمجرور عليه للاهتمام به لأن المقصودَ إنما هو دخولُ الباب وهم في بلدهم أي باغِتوهم وضاغِطوهم في المَضيق وامنعوهم من البُروز إلى الصحراء لئلا يجدوا للحرب مجالاً  فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ  أي باب بلدهم وهم فيه  فَإِنَّكُمْ غالبون  من غير حاجة إلى القتال فإنا قد رأيناهم وشاهدنا أن قلوبَهم ضعيفة، وإن كانت أجسادُهم عظيمة، فلا تخشَوْهم واهجُموا عليهم في المضايق فإنهم لا يقدرون فيها على الكر والفر. وقيل : إنما حَكَما بالغَلَبة لما عَلِماها من جهة موسى عليه السلام ومن قوله تعالى : كَتَبَ الله لَكُمْ  \[ المائدة، الآية ٢١ \] أو لِما علِما من سنّته تعالى في نَصرة رسله وما عهِدا من صُنعه تعالى لموسى عليه السلام من قهر أعدائه، والأول أنسبُ بتعليق الغلَبةِ بالدخول.  وَعَلَى الله  تعالى خاصةً  فَتَوَكَّلُوا  بعد ترتيب الأسباب ولا تعتمدوا عليها فإنها بمعزلٍ من التأثير، وإنما التأثير من عند الله العزيز القدير  إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ  أي مؤمنين به تعالى مصدِّقين لوعده فإن ذلك مما يوجبُ التوكل عليه حتماً.

### الآية 5:24

> ﻿قَالُوا يَا مُوسَىٰ إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَدًا مَا دَامُوا فِيهَا ۖ فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ [5:24]

قَالُوا  استئنافٌ كما سبق أي قالوا غيرَ مبالين بهما وبمقالتهما مخاطِبين لموسى عليه السلام إظهاراً لإصرارهم على القول الأول وتصريحاً بمخالفتهم له عليه السلام  يا موسى إِنَّا لَنْ ندخُلَهَا  أي أرضَ الجبابرة فضلاً عن دخول بابهم وهم في بلدهم  أَبَدًا  أي دهراً طويلاً  ما دَامُوا فِيهَا  أي في أرضهم وهو بدل من ( أبداً ) بدلَ البعض أو عطفُ بيان  فاذهب  الفاء فصيحة أي فإذا كان الأمر كذلك فاذهب  أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا  أي فقاتلاهم، إنما قالوا ذلك استهانةً واستهزاء به سبحانه وبرسوله، وعدمَ مبالاةٍ بهما، وقصدوا ذهابَهما حقيقةً كما يُنبئ عنه غايةُ جهلِهم وقسوةُ قلوبهم، وقيل : أرادوا إرادتَهما وقصْدَهما كما تقول : كلمتُه فذهب يجيبني، كأنهم قالوا : فأَرِيدا قتالَهم واقْصِداهم. وقيل : التقدير فاذهبْ أنت وربُك يُعينُك، ولا يساعده قوله تعالى : فَقَاتِلا  ولم يذكروا هارون ولا الرجلين كأنهم لم يجزموا بذهابهم أو لم يعبأوا بقتالهم وقوله تعالى : إِنَّا هاهنا قاعدون  يؤيد الوجه الأول وأرادوا بذلك عدمَ التقدم لا عدمَ التأخر.

### الآية 5:25

> ﻿قَالَ رَبِّ إِنِّي لَا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَأَخِي ۖ فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ [5:25]

قَالَ  عليه السلام لما رأى منهم ما رأى من العِناد على طريقة البثِّ والحُزن والشكوى إلى الله تعالى مع رقة القلبِ التي بمثلها تُستجلبُ الرحمةُ وتُسْتَنزَلُ النُّصرة  رَبّ إِنّي لا أَمْلِكُ إِلاَّ نَفْسِي وَأَخِي  عطف على نفسي، وقيل : على الضمير في ( إني ) على معنى إني لا أملك إلا نفسي وإن أخي لا يملِكُ إلا نفسَه، وقيل : على الضمير في ( لا أملك ) للفصل  فافرق بَيْنَنَا  يريد نفسه وأخاه، والفاء لترتيب الفرق أو الدعاءِ به على ما قبله  وَبَيْنَ القوم الفاسقين  الخارجين عن طاعتك المُصِرّين على عِصيانك بأن تحكُم لنا بما نستحقّه وعليهم بما يستحقونه، وقيل : بالتبعيد بيننا وبينهم وتخليصِنا من صحبتهم.

### الآية 5:26

> ﻿قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ ۛ أَرْبَعِينَ سَنَةً ۛ يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ ۚ فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ [5:26]

قَالَ فَإِنَّهَا  أي الأرض المقدسة، والفاء لترتيب ما بعدها على ما قبلها من الدعاء  مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ  تحريمَ منعٍ لا تحريمَ تعبُّد، لا يدخُلونها ولا يملِكونها لأن كتابتها لهم كانت مشروطةً بالإيمان والجهاد، وحيث نكصوا على أدبارهم حُرموا ذلك وانقلبوا خاسرين، وقوله تعالى : أَرْبَعِينَ سَنَةً  إن جُعل ظرفاً ( لمحرمةٌ ) يكون التحريمُ مؤقتاً لا مؤبداً، فلا يكون مخالفاً لظاهر قولِه تعالى : كَتَبَ الله لَكُمْ  \[ المائدة، الآية ٢١ \] فالمراد بتحريمها عليهم أنه لا يدخلها أحد منهم في هذه المدة، لكن لا بمعنى أن كلَّهم يدخلونها بعدها بل بعضُهم بقيَ حسْبما رُوي أن موسى عليه السلام سار بمن بقيَ من بني إسرائيلَ إلى أريحا، وكان يوشعُ بنُ نون على مقدمته ففتحها وأقام بها ما شاء الله تعالى ثم قُبض عليه السلام، وقيل : لم يدخلها أحد ممن قال :( لن ندخُلها أبداً )، وإنما دخلها مع موسى عليه السلام النواشىءُ من ذرياتهم، فالمؤقت بالأربعين في الحقيقة تحريمها على ذرياتهم، وإنما جُعل تحريمُها عليهم لما بينهما من العلاقة التامة المتاخمة للاتحاد، وقوله تعالى : يَتِيهُونَ في الأرض  أي يتحيرون في البرية، استئناف لبيان كيفية حِرْمانهم، أو حال من ضمير عليهم، وقيل : الظرف متعلق بيتيهون فيكون التيه مؤقتاً والتحريم مطلقاً، قيل : كانوا ستمائة ألف مقاتل، وكان طول البرية تسعين فرسخاً، وقد تاهوا في ستة فراسخَ أو تسعة فراسخَ في ثلاثين فرسخاً، وقيل : في ستة فراسخَ في اثني عشرَ فرسخاً. روي أنهم كانوا كلَّ يوم يسيرون جادّين حتى إذا أمسَوا إذا هم بحيث ارتحلوا، وكان الغمامُ يُظلُّهم من حر الشمس، ويطلُع بالليل عمودٌ من نور يضيء لهم، ويَنزِلُ عليهم المن والسلوى، ولا تطول شعورُهم، وإذا ولد لهم مولود كان عليه ثوبٌ كالظُفُر يطول بطوله، وهذه الإنعاماتُ عليهم مع أنهم معاقَبون لِما أن عقابَهم كان بطريق العِراك والتأديب. قيل : كان موسى وهارون معهم ولكن كان ذلك لهما رَوْحاً وسلامة كالنار لإبراهيم وملائكةِ العذاب عليهم السلام، وروي أن هارون مات في التيه ومات موسى بعده فيه بسنة، ودخل يوشعُ أريحا بعد موته بثلاثة أشهر، ولا يساعده ظاهرُ النظم الكريم، فإنه تعالى بعد ما أقبل على بني إسرائيلَ وعذبهم بالتيه بعيدٌ أن ينجِّيَ بعضَ المدعوِّ عليهم أو ذراريهم ويقدّر وفاتَهما في محل العقوبة ظاهراً، وإن كان ذلك لهما منزِلَ رَوْحٍ وراحةٍ وقد قيل : إنهما لم يكونا معهم في التيه وهو الأنسب بتفسير الفرق بالمباعدة، ومن قال بأنهما كانا معهم فيه فقد فسر الفَرْقَ بما ذُكر من الحُكْمِ بما يستحقّه كلُّ فريق.  فَلاَ تَاسَ  فلا تحزن  عَلَى القوم الفاسقين  روي أنه عليه السلام ندِم على دعائه عليهم فقيل : لا تندمْ ولا تحزَن فإنهم أحِقّاءُ بذلك لفسقهم.

### الآية 5:27

> ﻿۞ وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ ۖ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ [5:27]

واتلُ عَلَيْهِمْ  عطف على مقدّر تعلق به قوله تعالى : وَإِذْ قَالَ موسى  \[ المائدة، الآية ١٩ \] الخ، وتعلُقه به من حيث إنه تمهيدٌ لما سيأتي من جِنايات بني إسرائيلَ بعد ما كُتب عليهم ما كُتب وجاءتهم الرسلُ بما جاءت به من البينات  نَبَأَ ابْنَي آدَم  هما قابيلُ وهابيلُ، ونُقل عن الحسن والضحاك أنهما رجلان من بني إسرائيلَ بقرينةٍ آخِرَ القصة، وليس كذلك. أوحى الله عز وجل إلى آدمَ أن يزوج كلاًّ منهما توأمةَ الآخر وكانت توأمةُ قابيلَ أجملَ واسمُها إقليما فحسده عليها أخاه وسخِط، وزعم أن ذلك ليس من عند الله تعالى بل من جهة آدمَ عليه السلام فقال لهما عليه السلام : قرِّبا قُرباناً فمِنْ أيِّكما قُبل تزوّجها، ففعلا، فنزلت نارٌ على قُربانِ هابيلَ فأكلتْه ولم تتعرَّضْ لقُربانِ قابيلَ، فازداد قابيلُ حسَداً وسُخْطاً وفعل ما فعل،  بالحق  متعلق بمحذوفٍ وقع صفةً لمصدرٍ محذوف، أي تلاوةً ملتبسةً بالحق والصِّحة، أو حالاً من فاعلِ ( اتْلُ ) أو من مفعوله، أي ملتبساً أنت أو \[ اتل \] نبأَهما بالحق والصدقِ حسبما تقرّر في كتب الأولين  إِذْ قَرَّبَا قرباناً  منصوب بالنبأ ظرفٌ له أي اتلُ قصتهما ونبأهما في ذلك الوقت، وقيل : بدلٌ منه على حذف المضافِ أي اتلُ عليهم نبأهما نبأَ ذلك الوقت، ورُد عليه بأن ( إذ ) لا يضاف إليها غيرُ الزمان كوقتئذ وحينئذ، والقُربان اسمٌ لما يُتقرَّب به إلى الله تعالى من نسُكٍ أو صَدَقةٍ كالحُلوان اسمٌ لما يُحْلى أي يعطى، وتوحيدُه لما أنه في الأصل مصدرٌ، وقيل : تقديره إذ قرّب كلٌّ منهما قرباناً  فَتُقُبّلَ مِن أَحَدِهِمَا  هو هابيلُ، قيل : كان هو صاحبَ ضَرْعٍ وقرب جَملاً سميناً فنزلت نارٌ فأكلتْه  وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الآخر  هو قابيل، قيل : كان هو صاحبَ زرع وقرّب أردأَ ما عنده من القمح فلم تتعرضْ له النارُ أصلاً.  قَالَ  استئناف مبنيٌّ على سؤالٍ نشأ من سَوْق الكلام كأنه قيل : فماذا قال من لم يُتقبَّلْ قُربانه ؟ فقيل : قال لأخيه لِتضاعُفِ سَخَطِه وحسَدِه لما ظهر فضلُه عليه عند الله عز وجل  لاَقْتُلَنَّكَ  أي والله لأقتلنَّك بالنون المشددة وقرئ بالمخففة  قَالَ  استئناف كما قبله أي قال الذي تُقُبِّل قُربانُه لمّا رأى أن حسَدَه لقَبول قُربانه وعدمِ قَبول قُربانِ نفسِه  إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ الله  أي القربانَ  مِنَ المتقين  لا من غيرهم، وإنما تقبَّلَ قُرباني وردّ قُربانَك لما فينا من التقوى وعدمِه، أي إنما أُتيتَ من قِبَل نفسِك لا من قِبَلي فلم تقتلني ؟ خلا أنه لم يصرِّحْ بذلك بل سلك مسلكَ التعريضِ حذراً من تهييج غضبه وحملاً له على التقوى والإقلاعِ عما نواه ولذلك أُسند الفعلُ إلى الاسم الجليل لتربية المهابة.

### الآية 5:28

> ﻿لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ ۖ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ [5:28]

ثم صرح بتقواه على وجهٍ يستدعي سكونَ غيظِه لو كان له عقلٌ وازعٌ حيث قال بطريق التوكيد  لَئِن بَسَطتَ إِلَيّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِي إِلَيْكَ لاأقْتُلَكَ  حيث صدَّر الشرطيةَ باللام الموطِّئةِ للقسم وقدم الجارَّ والمجرورَ على المفعول الصريح إيذاناً من أول الأمر برجوعِ ضررِ البسطِ وغائلتِه إليه، ولم يُجْعلْ جوابُ القسم السادُّ مسدَّ جوابِ الشرط جملةً فعليةً موافقة لما في الشرط، بل اسميةً مصدّرةً بما الحجازية المفيدةِ لتأكيدِ النفي بما في خبرها من الباء للمبالغة في إظهار براءتِه عن بسْطِ اليد ببيانِ استمراره على نفي البسط كما في قوله تعالى : وَمَا هُم بِمُؤمِنِينَ  \[ البقرة، الآية : ٨ \] وقوله : وَمَا هُم بخارجين مِنهَا  \[ المائدة، الآية : ٣٧ \] فإن الجملة الاسميةَ الإيجابيةَ كما تدل بمعونة المقام على دوام الثبوت كذلك السلبية تدل بمعونته على دوام الانتفاءِ لا على انتفاءِ الدوامِ، وذلك باعتبار الدوام والاستمرار بعد اعتبارِ النفي لا قبله حتى يردَ النفيُ على المقيّدِ بالدوام فيرفعَ قيدَه. أي والله لئن باشرتَ قتلي حسبما أوعدتني به وتحقق ذلك منك ما أنا بفاعلٍ مثلَه لك في وقت من الأوقات ثم علل ذلك بقوله : إِنّي أَخَافُ الله رَبَّ العالمين  وفيه من إرشادِ قابيلَ إلى خشية الله تعالى على أبلغ وجهٍ وآكدِه ما لا يخفى، كأنه قال : إني أخافه تعالى إن بسطتُ يدِيَ إليك لأقتلك أن يعاقبَني وإن كان ذلك مني لدفع عداوتِك عني فما ظنُّك بحالك وأنت البادئُ العادي، وفي وصفه تعالى بربوبية العالمين تأكيدٌ للخوف. قيل : كان هابيلُ أقوى منه ولكن تحرَّج عن قتله واستسلم خوفاً من الله تعالى لأن القتلَ للدفع لم يكون مُباحاً حينئذ، وقيل : تحرِّياً لما هو الأفضلُ حسبما قال عليه السلام :**«كن عبدَ الله المقتول ولا تكنْ عبدَ الله القاتل »** ويأباه التعليلُ بخوفه تعالى إلا أن يدّعى أن تركَ الأَوْلى عنده بمنزلة المعصية في استتباع الغائلة مبالغةً في التنزه.

### الآية 5:29

> ﻿إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ ۚ وَذَٰلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ [5:29]

وقوله تعالى : إِنّي أُرِيدُ أَن تَبُوء بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ  تعليل آخرُ لامتناعه عن المعارضة على أنه غرَضٌ متأخِّرٌ عنه كما أن الأولَ باعثٌ متقدِّمٌ عليه، وإنما لم يُعطفْ عليه تنبيهاً على كفاية كلَ منهما في العِلّية والمعنى إني أريد باستسلامي لك وامتناعي عن التعرّض لك أن ترجِعَ بإثمي أي بمثل إثمي لو بسطتُ يدي إليك وإثمِك ببسط يدِك إليّ، كما في قوله عليه السلام :**«المُسْتَبَّانِ مَا قَالاَ فَعَلَى البَادِئ مَا لَمْ يَعْتَدِ المَظْلُوم »** أي على البادئ عينُ إثمِ سبِّه ومثلُ سبِّ صاحبه بحكم كونه سَبَباً له، وقيل : معنى ( بإثمي ) إثمِ قتلي ومعنى ( بإثمك ) إثمِك الذي لأجله لم يُتقبَّلْ قُربانُك، وكلاهما نصب على الحالية أي ترجع ملتبساً بالإثمين حاملاً لهما. ولعل مرادَه بالذات إنما هو عدمُ ملابستِه للإثم لا ملابسةِ أخيه له، وقيل : المراد بالإثم عقوبتُه ولا ريب في جواز إرادة عقوبةِ العاصي ممن عُلِم أنه لا يرعوي عن المعصية أصلاً، ويأباه قولُه تعالى : فَتَكُونَ مِنْ أصحاب النار  فإن كونَه منهم إنما يترتّب على رجوعه بالإثمين لا على ابتلائِه بعقوبتهما، وحملُ العقوبة على نوعٍ آخَرَ يترتّبُ عليها العقوبةُ النارية يردّه قوله تعالى : وَذَلِكَ جَزَاء الظالمين  فإنه صريحٌ في أن كونه من أصحاب النار تمامُ العقوبة وكمالُها، والجملة تذييلٌ مقرِّرٌ لمضمون ما قبلها، ولقد سلك في صَرْفه عما نواه من الشر كلَّ مسلك من العظة والتذكير بالترغيب تارةً والترهيب أخرى، فما أورثه ذلك إلا الإصرارَ على الغيِّ والانهماك في الفساد.

### الآية 5:30

> ﻿فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ [5:30]

فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ  أي وسَّعَتْه وسهّلته، من طاعَ له المرتَعُ إذا اتسع، وترتيبُ التطويع على ما حُكي من مقالات هابيلَ مع تحققه قبلها أيضاً كما يُفصح عنه قولُه : لأقْتُلَنَّكَ  لِما أن بقاءَ الفعل بعد تقرّر ما يُزيله من الدواعي القوية وإن كان استمراراً عليه بحسَب الظاهر، لكنه في الحقيقة أمرٌ حادث وصُنع جديد، كما في قولك : وعظتُه فلم يتَّعظ، أو لأن هذه المرتبةَ من التطويع لم تكن حاصلةً قبلَ ذلك بناءً على تردُّده في قُدرته على القتل، لما أنه كان أقوى منه. وإنما حصلت بعد وقوفه على استسلام هابيلَ وعدم معارضتِه له، والتصريحُ بأُخوَّته لكمال تقبيحِ ما سوَّلته نفسُه. وقرئ ( فطاوعت ) على أنه فاعَلَ بمعنى فعل، أو على أن قتل أخيه كأنه دعا نفسه إلى الإقدام عليه فطاوعته ولم تمتنع، و( له ) لزيادة الربطِ كقولك : حفظتُ لزيد مالَه  فَقَتَلَهُ  قيل :( لم يدر قابيلُ كيف يقتل هابيلَ، فتمثل إبليسُ وأخذ طائراً ووضع رأسه على حجر ثم شدَخها بحجر آخرَ فتعلّم منه فرضخَ رأسَ هابيلَ بين حجرين وهو مستسلم لا يستعصي عليه )، وقيل : اغتالَه وهو نائم، وكان لهابيلَ يوم قُتل عشرون سنة واختلف في موضِع قتلِه، فقيل : عند عقبةِ حِراء، وقيل : بالبصرة في موضع المسجدِ الأعظم، وقيل : في جبل بود، ولما قتله تركه بالعَراء لا يدري ما يصنع به فخاف عليه السباع فحمله في جِراب على ظهره أربعين يوماً، وقيل : سنة، حتى أروح[(١)](#foonote-١) وعكفت عليه الطيور والسباع تنظر متى يرمي به فتأكلَه  فَأَصْبَحَ مِنَ الخاسرين  ديناً ودنيا. 
١ أروح الشيء: أنتن..

### الآية 5:31

> ﻿فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْءَةَ أَخِيهِ ۚ قَالَ يَا وَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَٰذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْءَةَ أَخِي ۖ فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ [5:31]

فَبَعَثَ الله غُرَاباً يَبْحَثُ في الأرض لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْأَةَ أَخِيهِ  روي ( أنه تعالى بعث غرابين فاقتتلا فقتل أحدهما الآخرَ فحفر له بمنقاره ورجليه حُفرة فألقاه فيها )، والمستكنُّ في ( يريَه ) لله تعالى أو للغراب، واللام على الأول متعلقة ببعَثَ حتماً، وعلى الثاني بيبحث، ويجوز تعلُّقها ببعث أيضاً و( كيف ) حال من ضمير ( يُواري ) والجملةُ ثاني مفعولي يُري، والمرادُ بسَوْءة أخيه جسدُه الميْتُ  قَالَ  استئنافٌ مبنيٌّ على سؤال نشأ من سوق الكلامِ كأنه قيل : فماذا قال عند مشاهدةِ حال الغراب ؟ فقيل : قال : يا ويلتى  هي كلمةُ جَزَعٍ وتحسّرٍ والألفُ بدلٌ من ياء المتكلم والمعنى يا ويلتي احضُري فهذا أوانك، والويلُ والويلةُ الهلَكة  أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ  أي عن أن أكون  مِثْلَ هذا الغراب فَأُوَارِيَ سَوْأَةَ أَخِي  تعجبٌ من عدم اهتدائِه إلى ما اهتدى إليه الغرابُ، وقولُه تعالى : فَأُوَارِيَ  بالنصب عطفٌ على أن أكون، وقرئ بالرفع أي فأنا أواري  فَأَصْبَحَ مِنَ النادمين  أي على قتله لِما كابد فيه من التحيّر في أمره وحملِه على رقبته مدةً طويلة. روي أنه لما قتله اسودّ جسدُه وكان أبيضَ، فسأله آدمُ عن أخيه فقال : ما كنت عليه وكيلاً، قال : بل قتلتَه ولذلك اسود جسدُك، ومكث آدمُ بعده مائةَ سنةٍ لا يضحك، وقيل : لما قتل قابيلُ هابيلَ هرب إلى عدن من أرض اليمن، فأتاه إبليسُ فقال له : إنما أكلت النارُ قربانَ هابيلَ لأنه كان يخدُمها ويعبُدها، فإن عبدتَها أيضاً حصل مقصودُك، فبنى بيتَ نارٍ فعبدها وهو أولُ مَنْ عبد النار.

### الآية 5:32

> ﻿مِنْ أَجْلِ ذَٰلِكَ كَتَبْنَا عَلَىٰ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا ۚ وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ بَعْدَ ذَٰلِكَ فِي الْأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ [5:32]

مِنْ أَجْلِ ذلك  شروعٌ فيما هو المقصودُ من تلاوة النبأ من بيان بعضٍ آخرَ من جنايات بني إسرائيل ومعاصيهم، وذلك إشارةٌ إلى عِظم شأنِ القتلِ وإفراطِ قُبحِه المفهومَين مما ذكر في تضاعيف القِصّةِ من استعظام هابيلَ له وكمالِ اجتنابه عن مباشرته، وإن كان ذلك بطريق الدفعِ عن نفسه واستسلامه لأن يُقتلَ خوفاً من عقابه وبيانِ استتباعِه لتحمل القاتلِ لإثم المقتول ومن كون قابيلَ بمباشرته من جُملة الخاسرين دينَهم ودنياهم ومن ندامته على فعله مع ما فيه من العتوّ وشدة الشكيمةِ وقساوةِ القلب، والأجْلُ في الأصل مصدر أجَل شراً إذا جناه، استعمل في تعليل الجناياتِ كما في قولهم : من جرّاك فعلتُه أي من أن جرَرْتَه وجنيتَه، ثم اتُّسع فيه واستُعمل في كل تعليل، وقرئ من إِجْل بكسر الهمزة وهي لغة فيه، وقرئ مِنَ اجْل بحذف الهمزة وإلقاء فتحتها على النون، ومن لابتداء الغايةِ متعلقةٌ بقوله تعالى : كَتَبْنَا على بَنِي إسرائيل  وتقديمُها عليه للقصر أي من ذلك ابتداءُ الكَتْب، ومنه نشأ لا من شيء آخرَ، أي قضينا عليهم وبيّنا  أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْساً  واحدةً من النفوس  بِغَيْرِ نَفْسٍ  أي بغير قتلِ نفسٍ يوجب الاقتصاص  أَوْ فَسَادٍ في الأرض  أي فساد يوجب إهدارَ دمِها، وهو عطفٌ على ما أضيف إليه ( غير ) على معنى نفي كِلا الأمرين، كما في قولك : من صلّى بغير وضوءٍ أو تيمُّمٍ بطلت صلاتُه، لا نفي أحدِهما، كما في قولك : من صلّى بغير وضوءٍ أو ثوبٍ بطلت صلاتُه، ومدارُ الاستعمالين اعتبارُ ورودِ النفي على ما يُستفاد من كلمة أو من الترديد بين الأمرين المنبئ عن التخيير والإباحة، واعتبارِ العكس، ومناطُ الاعتبارين اختلافُ حالِ ما أضيف إليه ( غير ) من الأمرين بحسب اشتراطِ نقيضِ الخُكمِ بتحقق أحدِهما، واشتراطِه بتحققهما معاً، ففي الأول يرد النفيُ على الترديد الواقعِ بين الأمرين قبل ورودِه فيفقِدُ نفيَهما معاً وفي الثاني يرد الترديدُ على النفي فيفيد نفيَ أحدهما حتماً إذ ليس قبل ورودِ النفيِ ترديدٌ حتى يُتصَوَّر عكسُه. وتوضيحُه أن كلَّ حكمٍ شُرِطَ بتحقق أحدِ شيئين مثلاً فنقيضُه مشروطٌ بانتفائهما معاً، وكلَّ حكمٍ شرط بتحققهما معاً فنقيضُه مشروطٌ بانتفاء أحدِهما ضرورةَ أن نقيضَ كلِّ شيءٍ مشروطٌ بنقيض شرطِه، ولا ريب في أن نقيضَ الإيجابِ الجزئي كما في الحكم الأول هو السلبُ الكليُّ، ونقيضَ الإيجابِ الكليِّ، كما في الحكم الثاني هو رفعُه المستلزِمُ للسلب الجزئي، فثبت اشتراطُ نقيضِ الأولِ بانتفائهما معاً واشتراطُ نقيضِ الثاني بانتفاء أحدِهما، ولمّا كان الحكمُ في قولك : من صلى بوضوء أو تيممٍ صحت صلاتُه مشروطاً بتحقق أحدِهما مُبْهماً كان نقيضُه في قولك : من صلى بغير وضوءٍ أو تيمم بطلتْ صلاتُه مشروطاً بنقيض الشرطِ المذكور البتةَ، وهو انتفاؤهما معاً، فتعين ورودُ النفي المستفادِ من ( غير ) على الترديد الواقعِ بين الوضوء والتيمّمِ بكلمة ( أو ) فانتفى تحققُهما معاً ضرورةَ عمومِ النفي الواردِ على المبهم، وعلى هذا يدور ما قالوا إنه إذا قيل : جالس العلماءَ أو الزهاد ثم أُدخل عليه لا الناهية امتنع فعلُ الجميع، نحو  وَلاَ تُطِعْ مِنْهُمْ آثِماً أَوْ كَفُوراً  \[ الإنسان، الآية ٢٤ \] إذ المعنى لا تفعلْ أحدَهما فأيُّهما فعله فهو أحدُهما وأما قولُك : من صلى بوضوء أو ثوبٍ صحت صلاتُه فحيث كان الحكمُ فيه مشروطاً بتحقق كِلا الأمرين كان نقيضُه في قولك : من صلى بغير وضوء أو ثوبٍ بطلتْ صلاتُه مشروطاً بنقيض الشرطِ المذكورِ وهو انتفاءُ أحدِهما فتعين ورودُ الترديد على النفي فأفاد نفيَ أحدِهما، ولا يخفي أن إباحةَ القتلِ مشروطةٌ بأحد ما ذكر من القتل والفساد، ومن ضرورته اشتراطُ حرمتِه بانتفائهما معاً فتعين ورودُ النفي على الترديد لا محالة، كأنه قيل : مَنْ قتل نفساً بغير أحدِهما  فَكَأَنَّمَا قَتَلَ الناس جَمِيعاً  فمن قال في تفسيره أو بغير فساد فقد أبعد عن توفية النظم الكريم حقَّه، وما في ( كأنما ) كافةٌ مهيئةٌ لوقوع الفعلِ بعدها، وجميعاً حالٌ من الناس أو تأكيد، ومناطُ التشبيهِ اشتراكُ الفعلين في هتك حرمةِ الدماء والاستعصاء على الله تعالى وتجسيرِ الناس على القتل وفي استتباع القَوَد واستجلابِ غضبِ الله تعالى وعذابِه العظيم.  وَمَنْ أحياها  أي تسبب لبقاء نفس واحدةٍ موصوفةٍ بعدم ما ذُكر من القتل والفساد في الأرض إما بنهي قاتلِها أو استنقاذِها من سائر أسبابِ الهلَكة بوجهٍ من الوجوه  فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً  وجهُ التشبيهِ ظاهرٌ والمقصودُ تهويلُ أمرِ القتلِ وتفخيمُ شأن الإحياءِ بتصوير كلَ منهما بصورة لائقة به في إيجاب الرهبةِ والرغبة، ولذلك صدر النظمُ الكريمُ بضمير الشأنِ المنبئ عن كمال شهرته ونباهته وتبادره إلى الأذهان عند ذكر الضمير الموجب لزيادة تقريرِ ما بعده في الذهن، فإن الضميرَ لا يفهم منه من أول الأمرِ إلا شأنٌ مبهمٌ له خطرٌ فيبقى الذهنُ مترقباً لما يعقُبه فيتمكن عند ورودِه فضلُ تمكّنٍ كأنه قيل : إن الشأن الخطيرَ هذا  وَلَقَدْ جَاءتْهُمْ رُسُلُنَا بالبينات  جملةٌ مستقلةٌ غيرُ معطوفةٍ على كتبنا أُكّدت بالتوكيد القسمي وحرفِ التحقيقِ لكمال العنايةِ بتحقق مضمونِها، وإنما لم يُقَلْ ولقد أرسلنا الخ للتصريح بوصول الرسالةِ إليهم، فإنه أدلُّ على تناهيهم في العتوّ والمكابرة، أي وبالله لقد جاءتهم رسلنا حسبما أرسلناهم بالآيات الواضحةِ الناطقةِ بتقرير ما كتبنا عليهم تأكيداً لوجوب مراعاتِه وتأييداً لتحتم المحافظةِ عليه.  ثُمَّ إِنَّ كَثِيراً منهُمْ بَعْدَ ذلك  أي بعد ما ذكر من الكَتْب وتأكيدِ الأمر بإرسال الرسلِ تترى وتجديدِ العهدِ مرة بعد أخرى، ووضعُ اسمِ الإشارةِ موضعَ الضمير للإيذان بكمال تميّزِه وانتظامِه بسبب ذلك في سلك الأمورِ المشاهدة، وما فيه من معنى البعدِ للإيماء إلى علو درجتِه وبُعد منزلتِه في عظم الشأنِ، وثم للتراخي في الرتبة والاستبعاد  في الأرض  متعلقٌ بقوله تعالى : لَمُسْرِفُونَ  وكذا الظرفُ المتقدم، ولا يقدح فيه توسطُ اللام بينه وبينهما لأنها لامُ الابتداءِ وحقّها الدخولُ على المبتدأ، وإنما دخولُها على الخبر لمكان إنّ، فهي في حيزها الأصلي، والإسرافُ في كل أمر التباعدُ عن حد الاعتدالِ مع عدم مبالاة به، أي مسرفون في القتل غيرُ مبالين به، ولما كان إسرافُهم في أمر القتلِ مستلزِماً لتفريطهم في شأن الإحياءِ وجوداً وذكراً وكان هو أقبحَ الأمرين وأفظعَهما اكتفي بذكره في مقام التشنيع.

### الآية 5:33

> ﻿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ۚ ذَٰلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا ۖ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ [5:33]

إِنَّمَا جَزَاء الذين يُحَارِبُونَ الله وَرَسُولَهُ  كلامٌ مستأنفٌ سيق لبيان حكمِ نوع من أنواع القتلِ وما يتعلق به من الفساد بأخذ المالِ ونظائرِه وتعيينِ موجبِه العاجلِ والآجلِ إثرَ بيانِ عظمِ شأن القتلِ بغير حق، وأُدرج فيه بيانُ ما أشير إليه إجمالاً من الفساد المبيحِ للقتل، قيل : أي يحاربون رسولَه، وذكرُ الله تعالى للتمهيد والتنبيه على رفعة محلّه عنده عز وجل، ومحاربةُ أهلِ شريعتِه وسالكي طريقتِه من المسلمين محاربةٌ له عليه السلام فيعم الحكمُ من يحاربهم ولو بعد أعصارٍ بطريق العبارة دون الدِلالةِ والقياس، لأن ورود النصِّ ليس بطريق خطابِ المشافهةِ حتى يختصَّ حكمُه بالمكلفين عند النزول فيُحتاجَ في تعميمه لغيرهم إلى دليل آخرَ، وقيل : جعلُ محاربة المسلمين محاربةً لله تعالى ورسولِه تعظيماً لهم والمعنى يحاربون أولياءَهما، وأصل الحربِ السلْب والمرادُ هاهنا قطعُ الطريق، وقيل : المكابرة بطريق اللصوصية وإن كانت في مِصْرٍ  وَيَسْعَوْنَ في الأرض  عطف على يحاربون، والجارُّ والمجرور متعلقٌ به وقوله تعالى : فَسَاداً  إما مصدرٌ وقع موقِعَ الحالِ من فاعل يسعون أي مفسدين أو مفعول له أي للفساد أو مصدر مؤكد ليسعون لأنه في معنى يفسدون على أنه مصدرٌ من أفسد بحذف الزوائد أو اسمُ مصدر. قيل :( نزلت الآية في قوم هلال بنِ عويمرٍ الأسلمي وكان وادَعه رسولُ الله صلى الله عليه وسلم على ألا يُعينَه ولا يُعين عليه، ومن أتاه من المسلمين فهو آمن لا يُهاج، ومن مر بهلال إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو آمن لا يهاج، فمر قومٌ من بني كنانةَ يريدون الإسلام بناس من قوم هلالٍ ولم يكن هلال يومئذ شاهداً فقطعوا عليهم وقتلوهم وأخذوا أموالهم )، وقيل :( نزلت في العُرَنيين[(١)](#foonote-١) وقصتُهم مشهورة )، وقيل :( في قوم من أهل الكتاب بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم عهدٌ فنقضوا العهدَ وقطعوا السبيل، وأفسدوا في الأرض )، ولما كانت المحاربةُ والفسادُ على مراتبَ متفاوتةٍ ووجوه شتى من القتل بدون أخذِ المالِ، ومن القتل مع أخذه، وأخذِه بدون القتل، ومن الإخافة بدون قتلٍ وأخذ، شُرعت لكل مرتبةٍ من تلك المراتب عقوبةٌ معينة بطريق التوزيعِ فقيل : أَن يُقَتَّلُوا  أي حداً من غير صلبٍ إن أفردوا القتلَ، ولو عفا الأولياءُ لا يلتفت إلى ذلك، لأنه حقُّ الشرعِ، ولا فرق بين أن يكون القتلُ بآلة جارحةٍ أو لا  أَوْ يُصَلَّبُوا  أي مع القتل إن جمعوا بين القتلِ والأخذِ بأن يصلّبوا أحياءً وتُبعَجَ بطونُهم برمح إلى أن يموتوا، وفي ظاهر الرواية أن الإمام مخير إن شاء اكتفي بذلك، وإن شاء قطع أيديَهم وأرجلَهم من خلاف وقتلهم وصلبهم، وصيغةُ التفعيل في الفعلين للتكثير وقرئ بالتخفيف فيهما  أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم منْ خلاف  أي أيديهم اليمنى وأرجلُهم اليسرى إن اقتصروا على أخذ المالِ من مسلم أو ذمي، وكان المقدار بحيث لو قسم عليهم أصاب كلاًّ منهم عشرةُ دراهمَ أو ما يساويها قيمتُه، أما قطعُ أيديهم فلأخذ المالِ وأما قطعُ أرجلهم فلإخافة الطريقِ بتفويت أمْنِه  أَوْ يُنفَوْا مِنَ الأرض  إن لم يفعلوا غيرَ الإخافةِ والسعي للفساد، والمرادُ بالنفي عندنا هو الحبسُ فإنه نفيٌ عن وجه الأرض لدفع شرِّهم عن أهلها ويُعزّرون أيضاً لمباشرتهم منكر الإخافة وإزالة الأمن، وعند الشافعي رضي الله عنه النفي من بلد إلى بلد لا يزال يُطلب وهو هاربٌ فزعاً، وقيل : هو النفي عن بلده فقط، وكانوا ينفونهم إلى دَهْلَك وهو بلد في أقصى تِهامة، وناصع وهو بلد من بلاد الحبشة. 
 ذلك  أي ما فصل من الأحكام والأجزية، قيل : هو مبتدأٌ وقوله تعالى : لَهُمْ خِزْيٌ  جملةٌ من خبر مقدمٍ على المبتدأ وقوله تعالى : في الدنيا  متعلقٌ بمحذوف وقع صفةً لخزيٌ أو متعلق بخزيٌ على الظرفية، والجملةُ في محل الرفع على أنها خبر لذلك، وقيل : خزيٌ خبرٌ لذلك و( لهم ) متعلقٌ بمحذوف وقع حالاً من خزي، لأنه في الأصل صفةٌ له، فلما قُدّم انتصب حالاً، وفي الدنيا إما صفةٌ لخزيٌ أو متعلقٌ به على ما مر، والخزيُ الذلُّ والفضيحة  وَلَهُمْ في الآخرة  غير هذا  عَذَابٌ عظِيمٌ  لا يقادَرُ قدرُه لغاية عِظمِ جنايتِهم فقوله تعالى : لَهُمْ  خبرٌ مقدم و  عَذَاب  مبتدأٌ مؤخرٌ و  في الآخرة  متعلق بمحذوف وقع حالاً من عذاب، لأنه في الأصل صفةٌ له فلما قدم انتصب حالاً أي كائناً في الآخرة. 
١ هم بنو عرينة بن نذير بن قيس بن عبقر بن أنمار، فهم الرهط الذين قدموا على رسول الله فاجتووا المدينة (كرهوا المقام بها) فبعث بهم في إبل الصدقة يشربون من ألبانها وأبوابها فصحّوا، وقتلوا راعي رسول الله واستاقوا الإبل، فبعث في طلبهم فأحضرهم فسمل أعينهم وتركهم بالحرّة يستسقون فلا يسقون. (نهاية الأرب للقلقشندي، ص ٣٢٧)..

### الآية 5:34

> ﻿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ ۖ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ [5:34]

إِلاَّ الذين تَابُوا مِن قَبْلِ أَن تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ  استثناءٌ مخصوصٌ بما هو من حقوق الله عز وجل كما ينبئ عنه قوله تعالى : فاعلموا أَنَّ الله غَفُورٌ رحِيمٌ  أما ما هو من حقوق الأولياءِ من القصاص ونحوِه فإليهم ذلك إن شاءوا عفَوْا وإن أحبوا استوفَوْا، وإنما يسقطُ بالتوبة وجوبُ استيفائِه لا جوازُه، وعن علي رضي الله عنه أن الحرثَ بن بدر جاءه تائباً بعد ما كان يقطع الطريقَ فقبِلَ توبته ودرأ عنه العقوبة.

### الآية 5:35

> ﻿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ [5:35]

يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله  لما ذُكِرَ عِظَمُ شأنِ القتلِ والفساد وبيَّن حُكمَهما وأُشير في تضاعيف ذلك إلى مغفرته تعالى لمن تاب من جنايته أُمِرَ المؤمنون بأن يتقوه تعالى في كل ما يأتون وما يذرون بترك ما يجبُ اتقاؤُه من المعاصي التي من جُملتها ما ذُكر من القتل والفساد، وبفعل الطاعات التي من زُمرتها السعيُ في إحياء النفوس ودفعِ الفساد والمسارعة إلى التوبة والاستغفار  وابتغوا  أي اطلُبوا لأنفسكم  إِلَيْهِ  أي إلى ثوابه والزّلفى منه  الوسيلة  هي فعيلةٌ بمعنى ما يُتوسّل به ويُتقرَّب إلى الله تعالى من فعل الطاعات وتركِ المعاصي، من وسَّل إلى كذا أي تقرّب إليه بشيء، و( إليه ) متعلقٌ بها قُدّم عليها للاهتمام به، وليست بمصدرٍ حتى لا تعملَ فيما قبلها، ولعل المراد بها الاتقاءُ المأمورُ به فإنه مَلاكُ الأمر كلِّه كما أشير إليه، وذريعةٌ لنيل كلِّ خير ومنجاةٌ من كل ضَيْر، فالجملة حينئذ جاريةٌ مما قبلها مجرى البيانِ والتأكيد. أو مطلقُ الوسيلة وهو داخل فيها دخولاً أولياً. وقيل : الجملةُ الأولى أمرٌ بترك المعاصي والثانية أمرٌ بفعل الطاعات، وحيث كان في كلَ من ترك المعاصي المشتهاةِ للنفس وفعلِ الطاعات المكروهة لها كُلفة ومشقة عقّب الأمرَ بهما بقوله تعالى : وجاهدوا في سَبِيلِهِ  بمحاربة أعدائِه البارزةِ والكامنة  لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ  بنيلِ مرضاتِه والفوزِ بكراماته.

### الآية 5:36

> ﻿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُوا بِهِ مِنْ عَذَابِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَا تُقُبِّلَ مِنْهُمْ ۖ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ [5:36]

إِنَّ الذين كَفَرُوا  كلامٌ مبتدأٌ مَسوقٌ لتأكيدِ وجوبِ الامتثالِ بالأوامر السابقة وترغيبِ المؤمنين في المسارعة إلى تحصيل الوسيلة إليه عز وجل قبل انقضاءِ أوانِه ببيان استحالةِ توسُّلِ الكفار يومَ القيامة بأقوى الوسائل إلى النجاة من العذاب فضلاً عن نيلِ الثواب.  لَوْ أَنَّ لَهُمْ  أي لكل واحدٍ منهم كما في قوله تعالى : وَلَوْ أَنَّ لِكُلّ نَفْسٍ ظَلَمَتْ  الخ، لا لجميعهم إذ ليس في ذلك هذه المرتبةُ من تهويل الأمر وتفظيعِ الحال  ما في الأرض  أي من أصناف أموالِها وذخائرِها وسائرِ منافعِها قاطبةً وهو اسمُ أن ولهم خبرُها ومحلُّها الرفعُ بلا خلاف، خلا أنه عند سيبويه رفعٌ على الابتداء ولا حاجة فيه إلى الخبر لاشتمال صلتِها على المُسنَدِ والمُسنَد إليه، وقد اختصَّتْ من بين سائر ما يُؤوّل بالاسم بالوقوع بعد لو، وقيل : الخبرُ محذوفٌ ثم قيل : يُقدّر مقدّماً، أي لو ثابتٌ كونُ ما في الأرض لهم. وقيل : يقدر مؤخراً أي لو كونُ ما في الأرض لهم ثابتٌ، وعند المبرِّد والزجّاج والكوفيين رُفعَ على الفاعلية والفعلُ مقدرٌ بعد لو أي لو ثبَتَ أن لهم ما في الأرض. وقوله تعالى : جَمِيعاً  توكيد للموصول أو حال منه  وَمِثْلَهُ  بالنصب عطفٌ عليه وقوله تعالى : مَعَهُ  ظرفٌ وقع حالاً من المعطوفِ، والضميرُ راجعٌ إلى الموصول وفائدتُه التصريحُ بفرض كينونَتِهما لهم بطريق المعيّة لا بطريق التعاقُب تحقيقاً لكمال فظاعةِ الأمر مع ما فيه من نوع إشعارٍ بكونهما شيئاً واحداً وتمهيداً لإفراد الضمير الراجع إليهما، واللام في قوله تعالى : لِيَفْتَدُوا بِهِ  متعلقةٌ بما تعلق به خبرُ أن، أعني الاستقرارَ المقدَّرَ في ( لهم ) وبالخبر المقدّر عند من يرى تقديرَ الخبرِ مقدماً أو مؤخراً، وبالفعل المقدّر بعد لو على رأي المبرِّد ومن نحا نحوه، ولا ريب في أن مدارَ الافتداءِ بما ذُكر هو كونُه لهم لا ثبوتُ كونِه لهم وإن كان مستلزِماً له، والباء في ( به ) متعلقةٌ بالافتداء، والضميرُ راجعٌ إلى الموصول و( مثله ) معاً، وتوحيدُه إما لما أشير إليه، وإما لإجرائه مُجرى اسمِ الإشارة كأنه قيل بذلك كما في قوله :\[ الرجز \]\[ فيها خطوطٌ من سوادٍ وبَلَقْ \]  كأنه في الجلد توليعُ البَهَقْ[(١)](#foonote-١)أي كأن ذلك، وقيل : هو راجعٌ إلى الموصول، والعائدُ إلى المعطوف أعني ( مثله ) محذوفٌ، كما حُذف الخبرُ من قيارٌ في قوله \[ الطويل \] :\[ فمن تكُ أمسى بالمدينة رحله \]  فإني وقيارٌ بها لغريبُ[(٢)](#foonote-٢)أي وقيار أيضاً غريبُ، وقد جوَّزَ أن يكون نُصب و( مثلَه ) على أنه مفعولٌ معه ناصِبُه الفعلُ المقدر بعد لو تفريعاً على مذهب المبرد، ومن رأى رأيَه، وأنت خبيرٌ بأنه يؤدِّي إلى كونِ الرافعِ للفاعل غيرَ الناصب للمفعول معه لأن المعنى على اعتبارِ المعيةِ بين ( ما في الأرض ومثله ) في الكينونة لهم، لا في ثبوت تلك الكينونةِ وتحقُقِها، ولا مَساغَ لجعل ناصبِه الاستقرارَ المقدرَ في ( لهم )، لِما أن سيبويهِ قد نصَّ على أنّ اسمَ الإشارةِ وحرفَ الجر المتضمِّنَ للاستقرار لا يعمَلانِ في المفعول معه وأن قوله : هذا لك وأباك قبيحٌ وإن جوزه بعضُ النحاة في الظروف وحرف الجر، وقولُه تعالى : مِنْ عَذَابِ يَوْمِ القيامة  متعلقٌ بالافتداء أيضاً، أي لو أن ( ما في الأرض مثله ) ثابتٌ لهم ليجعلوه فديةً لأنفسِهم من العذاب الواقعِ يومئذ.  مَا تُقُبّلَ مِنْهُمْ  ذلك، وهو جواب لو وترتيبُه على كون ذلك لهم لأجل افتدائِهم به من غير ذكرِ الافتداءِ بأن يقال : وافتدَوْا به مع أن الردَّ والقَبولَ إنما يترتب عليه لا على مباديه، للإيذانِ بأنه أمرٌ محقَّقُ الوقوع غنيٌّ عن الذكر، وإنما المحتاجُ إلى الفَرْض قدرتُهم على ما ذُكر أو للمبالغةِ في تحقيق الردِّ وتخييلِ أنه وقع قبل الافتداءِ على منهاج ما في قوله تعالى : أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُك فَلَمَّا رَآهُ مُستقرّاً عِندَه  \[ النمل، الآية ٤٠ \] حيث لم يقل : فأتى به فلما رآه الخ، وما في قوله تعالى : وَقَالَتِ اخرُج عَلَيْهِنَّ فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ  \[ يوسف، الآية ٣١ \] من غير ذكر خروجِه عليه السلام عليهن ورؤيتِهن له. والجملة الامتناعية بحالها خبرُ إن الذين كفروا، والمرادُ تمثيلُ لزوم العذاب لهم واستحالةُ نجاتِهم منه بوجهٍ من الوجوه المحققةِ والمفروضة. وعن النبي عليه الصلاة والسلام :**«يقالُ للكافر أرأيت لو كان لك ملءُ الأرض ذهباً أكنت تفتدي به ؟ فيقول : نعم، فيقال له : قد سُئلتَ أيسرَ من ذلك وهو كلمة الشهادة »** وقوله تعالى : وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ  تصريحٌ بما أشير إليه بعدم قَبول فِديتِهم لزيادة تقريرِه وبيانِ هَوْلِه وشدّتِه، قيل : محلّه النصب على الحالية ؛ وقيل : الرفعُ عطفاً على خبر إِن، وقيل : عطفٌ على إن الذين فلا محلَّ له كالمعطوف عليه. 
١ الرجز لرؤبة بن العجاج في ديوانه ص ١٠٤؛ وأساس البلاغة ص ٥٠٩؛ والأشباه والنظائر ٥/٦٣؛ وتخليص الشواهد ص ٥٣؛ وخزانة الأدب ١/٨٨؛ وشرح شواهد المغني ٢/٧٦٤؛ ولسان العرب (ولع، بهق). والبلق: سواد وبياض. والبهق: بياض يعتري الجسد بخلاف لونه، ليس من البرص. والتوليع: التلميع من البرص وغيره. وفرس مولّع: تلميعه مستطيل وهو الذي في بياض بلقه استطالةٌ وتفرّق. قال أبو عبيدة: قلت: لرؤبة: إن كانت الخطوط فقل كأنها، وإن كان سواد وبياض فقل كأنهما، فقال رؤبة: كأن ذا، ويلك، توليع البهق..
٢ البيت لضابئ بن الحارث البرجمي في الأصمعيات ص ١٨٤؛ والإنصاف ص ٩٤؛ وتخليص الشواهد ص ٣٨٥؛ وخزانة الأدب ٩/٣٢٦؛ وشرح أبيات سيبويه ١/٣٦٩؛ والكتاب ١/٧٥؛ ولسان العرب (قير)، وشرح شواهد المغني ص ٨٦٧؛ والشعر والشعراء ص ٣٥٨؛ والمقاصد النحوية ٢/٣١٨؛ ومعاهد التنصيص ١/١٨٦؛ وشرح المفصل ٨/٨٦..

### الآية 5:37

> ﻿يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْهَا ۖ وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ [5:37]

يُرِيدُونَ أَن يَخْرُجُوا مِنَ النار  استئنافٌ مَسوقٌ لبيان حالهم في أثناء مكابدة العذاب مبنيٌّ على سؤالٍ نشأ مما قبله، كأنه قيل : فكيف يكون حالُهم ؟ أو ماذا يصنعون ؟ فقيل : يريدون الخ، وقد بين في تضاعيفه أن عذابهم عذاب النار، قيل : إنهم يقصدون ذلك ويطلبون المخرَج فيلفَحُهم لهَبُ النار ويرفعُهم إلى فوق، فهناك يريدون الخروج ولاتَ حين مناصٍ، وقيل : يكادون يخرجون منها لقوة النار وزيادةِ رفعِها إياهم، وقيل : يتمنّونه ويريدونه بقلوبهم وقوله عز وجل : وَمَا هُم بخارجين مِنْهَا  إما حالٌ من فاعل يريدون، أو اعتراضٌ، وأياً ما كان فإيثارُ الجملة الاسمية على الفعلية مصدّرةً بما الحجازية الدالة بما في خبرها من الباء على تأكيد النفي لبيان كمالِ سوءِ حالهم باستمرار عدم خروجِهم منها، فإن الجملة الاسمية الإيجابية كما تفيدُ بمعونة المقام دوامَ الثبوت تفيد السلبيةَ أيضاً بمعونةِ دوامِ النفي لا نفْيِ الدوام، كما مر في قوله تعالى : مَا أَنَا بِبَاسِطٍ  \[ المائدة، الآية ٢٨ \] الخ، وقرئ ( أن يُخرَجوا ) على بناء المفعول من الإخراج  وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ  تصريح بما أشير إليه آنفاً من عدم تناهي مدتِه بعد بيان شدتِه.

### الآية 5:38

> ﻿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ [5:38]

والسارق والسارقة  شروعٌ في بيان حكم السرقةِ الصُّغرى بعد بيان أحكام الكبرى، وقد عرفت اقتضاءَ الحال لإيراد ما توسّط بينهما من المقال، ولمّا كانت السرقة معهودةً من النساء كالرجال صرح بالسارقة أيضاً مع أن المعهود في الكتاب والسنة إدراجُ النساء في الأحكام الواردة في شأن الرجال بطريق الدلالة لمزيد الاعتناءِ بالبيان والمبالغةِ في الزجْر، وهو مبتدأ خبرُه عند سيبويه محذوفٌ تقديرُه وفيما يتلى عليكم أو وفيما فُرِضَ عليكم السارقُ والسارقةُ أي حكمُهما وعند المبرِّد قوله تعالى : فاقطعوا أَيْدِيَهُمَا  والفاء لتضمُّن المبتدأ معنى الشرط، إذ المعنى الذي سرق والتي سرقت، وقرئ بالنصب وفضَّلها سيبويه على قراءة الرفع، لأن الإنشاء لا يقع خبراً إلا بتأويلٍ وإضمار، والسرقةُ أخذُ مال الغير خُفْيةً، وإنما توجب القطعَ إذا كان الأخذ من حِرزٍ والمأخوذُ يساوي عشرةَ دراهِمَ فما فوقها مع شروط فُصِّلت في موقعها، والمراد ( بأيديَهما ) أيمانُهما كما يُفصحُ عنه قراءةُ ابن مسعود رضي الله تعالى عنه : والسارقاتُ فاقطعوا أيمانهم، ولذلك ساغ وضعُ الجمْع موضعَ المثنى كما في قوله تعالى : فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا  \[ التحريم، الآية ٤ \] اكتفاءً بتثنية المضاف إليه، واليد اسمٌ لتمام الجارحة، ولذلك ذهب الخوارجُ إلى أن المقطَعَ هو المنكب، والجمهورُ على أنه الرُّسُغ، لأنه عليه الصلاة والسلام أُتيَ بسارقٍ فأمر بقطع يمينِه منه.  جَزَاءً  نُصبَ على أنه مفعولٌ له أي فاقطعوا للجزاء، أو مصدرٌ مؤكِّد لفعله الذي يدل عليه فاقطعوا، أي فجاوزوهما جزاء، وقوله تعالى : بِمَا كَسَبَا  على الأول متعلّقٌ بجزاءً وعلى الثاني فاقطعوا، و( ما ) مصدريةٌ، أي بسبب كسْبِهما أو موصولةٌ أي ما كسباه من السرقة التي تباشَر بالأيدي، وقوله تعالى : نكالا  مفعولٌ له أيضاً على البدلية من ( جزاءً ) لأنهما من نوع واحد، وقيل : القطعُ معلَّلٌ بالجزاء، والقطعُ المعللُ معلَّلٌ بالنَّكال، وقيل : هو منصوبٌ بجزاءً على طريقة الأحوال المتداخِلَة، فإنه علةٌ للجزاء، والجزاءُ علةٌ للقطع كما إذا قلتَ : ضربتُه تأديباً له إحساناً إليه، فإن الضربَ معلَّلٌ بالتأديب والتأديبُ معللٌ بالإحسان، وقد أجازوا في قوله عز وجل : أَن يَكْفُرُوا بِمَا أنزَلَ الله بَغْيًا أَن يُنَزِّلُ الله مِن فَضْلِهِ على مَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ  \[ البقرة، الآية ٩٠ \] أن يكون ( بغياً ) مفعولاً له ناصبُه أن يكفروا، ثم قالوا : إن قوله تعالى : أَن يُنَزّل الله  مفعولٌ له ناصبُه بغياً على أن التنزيلَ عَلةٌ للبغي، والبغْيَ علةٌ للكفر، وقوله تعالى : مِنَ الله  متعلقٌ بمحذوف وقع صفةً لنكالاً كائناً منه تعالى  والله عَزِيزٌ  غالبٌ على أمره يُمضيه كيف يشاء من غير نِدٍّ ينازعُه ولا ضدّ يمانعُه  حَكِيمٌ  في شرائعه لا يَحكُم إلا بما تقتضيه الحكمةُ والمصلحة، ولذلك شرَعَ هذه الشرائعَ المنطويةَ على فنون الحِكَمِ والمصالح.

### الآية 5:39

> ﻿فَمَنْ تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ ۗ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ [5:39]

فَمَن تَابَ  أي من السُرّاق إلى الله تعالى  مِن بَعْدِ ظُلْمِهِ  الذي هو سرِقتُه، والتصريحُ به مع أن التوبةَ لا تُتصوَّرُ قبلَه لبيان عِظَم نعمتِه تعالى بتذكير عِظمِ جنايتِه  وَأَصْلَحَ  أي أمره بالتقصِّي عن تبعات ما باشرَه والعزمِ على ترك المعاودةِ إليها  فَإِنَّ الله يَتُوبُ عَلَيْهِ  أي يقبل توبتَه فلا يعذّبه في الآخرة، وأما القطعُ فلا تُسقطُه التوبةُ عندنا، لأن فيه حقَّ المسروقِ منه، وتُسقطُه عند الشافعيِّ في أحد قوليه : إِنَّ الله غَفُورٌ رَّحِيمٌ  مبالِغٌ في المغفرة والرحمة ولذلك يَقبلُ توبتَه، وهو تعليلٌ لما قبلَه، وإظهارُ الاسمِ الجليل للإشعارِ بعِلَّة الحُكْم وتأييدِ استقلالِ الجملة وكذا في قوله عز وجل : أَلَمْ تَعْلَم أَنَّ الله لَهُ مُلْكُ السمااوات والأرض .

### الآية 5:40

> ﻿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ ۗ وَاللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [5:40]

أَلَمْ تَعْلَم أَنَّ الله لَهُ مُلْكُ السمااوات والأرض  فإن عُنوانَ الألوهية مدارُ أحكامِ ملكوتِهما، والجارُّ والمجرورُ خبرٌ مقدّم، ومُلكُ السماوات والأرض مبتدأ، والجملة خبرٌ لأنّ، وهي مع ما في حيِّزِها سادّةٌ مَسدَّ مفعوليْ ( تعلم ) عند الجمهور، وما فيه من تكريرِ الإسنادِ لتقويةِ الحُكْم، والخطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم بطريق التلوين. وقيل : لكل أحدٍ صالحٍ للخطاب، والاستفهامُ الإنكاريُّ لتقرير العلم، والمرادُ به الاستشهادُ بذلك على قدرته تعالى على ما سيأتي من التعذيب والمغفرةِ على أبلغ وجهٍ وأتمِّه، أي ألم تعلم أن الله له السلطانُ القاهر والاستيلاء الباهرُ المستلزِمانِ للقدرة التامة على التصرُّفِ الكليِّ فيهما وفيما فيهما إيجاداً وإعداماً وإحياءً وإماتةً إلى غير ذلك حسْبما تقتضيه مشيئتُه  يُعَذّبُ مَن يَشَاء  أن يعذِّبه  وَيَغْفِرُ لِمَن يَشَاء  أن يغفرَ له من غير نِدّ يساهمُه ولا ضدّ يزاحمُه، وتقديمُ التعذيبِ على المغفرة لمراعاةِ ما بين سببيهما من الترتيب، والجملة إما تقريرٌ لكون ملكوتِ السماوات والأرض له سبحانه، أو خبرٌ آخرُ لأن.  والله على كُلّ شَيْء قَدِيرٌ  فيقدِرُ على ما ذَكَر من التعذيب والمغفرة، والإظهارُ في موقع الإضمارِ لما مرَّ مراراً والجملة تذييلٌ مقرِّرٌ لما قبلها.

### الآية 5:41

> ﻿۞ يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ ۛ وَمِنَ الَّذِينَ هَادُوا ۛ سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ ۖ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ ۖ يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَٰذَا فَخُذُوهُ وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا ۚ وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا ۚ أُولَٰئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ ۚ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ ۖ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ [5:41]

يا أيها الرسول لاَ يَحْزُنكَ الذين يُسَارِعُونَ في الكفر  خُوطب عليه الصلاة والسلام بعنوان الرسالة للتشريفِ والإشعارِ بما يوجب عدمَ الحزن، والمسارعةُ في الشيء الوقوعُ فيه بسرعة ورَغبةً، وإيثارُ كلمة ( في ) على كلمة ( إلى ) الواقعة في قوله تعالى : وَسَارِعُوا إلى مَغْفِرَةٍ من رَبّكُمْ وَجَنَّةٍ  الخ \[ آل عمران، الآية : ١٣٣ \] للإيماء إلى أنهم مستقرون في الكفر لا يبرَحونه، وإنما ينتقِلون بالمسارعة عن بعض فنونِه وأحكامِه إلى بعضٍ آخرَ منها كإظهارِ موالاةِ المشركين، وإبرازِ آثارِ الكيدِ للإسلام ونحوِ ذلك، كما في قوله تعالى : أُوْلَئِكَ يسارعون في الخيرات  \[ المؤمنون، ٦١ \] فإنهم مستمرون على الخير مسارعون في أنواعِه وأفرادِه، والتعبيرُ عنهم بالموصول للإشارة بما في حيِّز صلتِه إلى مدار الحزن، وهذا وإن كان بحساب الظاهرِ نهياً للكَفَرة عن أن يُحزنوه عليه الصلاة والسلام بمسارعتهم في الكفر لكنه في الحقيقة نهيٌ له عليه الصلاة والسلام عن التأثر من ذلك والمبالاةِ بهم على أبلغِ وجهٍ وآكَدِه، فإن النهيَ عن أسباب الشيء ومباديه المؤديةِ إليه نهيٌ عنه بالطريق البرهاني، وقلعٌ له من أصله، وقد يوجَّه النهيُ إلى المسبَّبِ ويرادُ به النهيُ عن السبب، كما في قوله : لا أُرَينّك هاهنا يريد نهْيَ مخاطَبه عن الحضور بين يديه وقرئ ( لا يُحزِنْك ) من أحزنه منقولاً من حزِن بكسر الزاي وقرئ ( يُسرعون ) يقال : أسرع فيه الشيبُ أي وقع سريعاً أي لا تحزَنْ ولا تُبالِ بتهافتهم في الكفر بسرعة وقوله تعالى : مِنَ الذين قَالُوا آمَنَّا بأفواههم  بيان للمسارعين في الكفر، وقيل : متعلقٌ بمحذوفٍ وقع حالاً من فاعل يسارعون، وقيل : من الموصول أي كائنين من الذين الخ، والباء متعلقة بقالوا لا بآمنا وقوله تعالى : وَلَمْ تُؤْمِن قُلُوبُهُمْ  جملةٌ حالية من ضمير ( قالوا ) وقيل : عطف على قالوا وقوله تعالى : وَمِنَ الذين هادُوا  عطف على ( من الذين قالوا ) الخ، وبه يتم بيانُ المسارعين في الكفر بتقسيمهم إلى قسمين : المنافقين واليهود، فقوله تعالى : سمّاعون لِلْكَذِبِ  خبرٌ لمبتدأ محذوفٍ راجعٍ إلى الفريقين أو إلى المسارعين، وأما رجوعُه إلى الذين هادوا فمُخِلٌّ بعموم الوعيد الآتي ومباديه للكل كما ستقف عليه، وكذا جُعل قولُه : وَمِنَ الذين  الخ، خبراً على أن قولَه سماعون صفةٌ لمبتدأ محذوف أي ومنهم قومٌ سماعون الخ، لأدائه إلى اختصاص ما عُدِّد من القبائح وما يترتب عليها من الغوائل الدنيوية والأخروية بهم، فالوجهُ ما ذُكِرَ أولاً أي هم سماعون، واللامُ إما لتقوية العمل وإما لتضمين السماعِ معنى القبول، وإما لامُ كي والمفعولُ محذوف والمعنى هم مبالغون في سماع الكذب، أو في قَبول ما يفتريه أحبارُهم من الكذب على الله سبحانه وتحريفِ كتابه، أو سماعون أخبارَكم وأحاديثَكم ليكذبوا عليكم بأن يمسَخوها بالزيادة والنقص والتبديل والتغيير، أو أخبارَ الناس وأقاويلَهم الدائرة فيما بينهم ليكذبوا فيها بأن يرجِعوا بقتل المؤمنين وانكسارِ سراياهم ونحو ذلك مما يُضَرُّ بهم، وأياً ما كان فالجملة مستأنفةٌ جارية مَجرى التعليل للنهي، فإن كونهم سماعين للكذب على الوجوه المذكورة وابتناءَ أمورهم على ما لا أصلَ له من الأباطيل والأراجيف مما يقتضي عدمَ المبالاة بهم وتركَ الاعتداد بما يأتون وما يذرون للقطع بظهور بطلان أكاذيبهم واختلالِ ما بَنَوْا عليها من الأفاعيل الفاسدة المؤدِّية إلى الخزيِ والعذاب كما سيأتي، وقرئ ( سمّاعين ) للكذب بالنصب على الذم، وقوله تعالى : سمّاعون لِقَوْمٍ آخَرِين  خبرٌ ثانٍ للمبتدأ المقدر مقرِّرٌ للأول ومبينٌ لما هو المراد بالكذب على الوجهين الأولين، واللام مثلُ مَنْ في سمع الله لمن حمِده في الرجوع إلى معنى من أي قبِلَ منه حَمْدَه، والمعنى مبالِغون في قبول كلام قومٍ آخرين، وأما كونُها لامَ التعليل بمعنى سماعون منه عليه الصلاة والسلام لأجل قومٍ آخرين وجَّهوهم عُيوناً ليُبلِّغوهم ما سمعوا منه عليه الصلاة والسلام، أو كونُها متعلقةً بالكذب على أن سماعون الثانيَ مكررٌ للتأكيد بمعنى سماعون ليكذبوا لقومٍ آخرين فلا يكاد يساعده النظمُ الكريم أصلاً. وقوله تعالى : لَمْ يَاتُوكَ  صفة أخرى لقوم أي لم يُحضروا مجلسك وتجافَوْا عنك تكبراً وإفراطاً في البغضاء، قيل : هم يهودُ خيبر والسماعون بنو قُريظة وقوله تعالى : يُحَرّفُونَ الكلم مِن بَعْدِ مواضعه  صفةٌ أخرى لقوم وصِفوا أولاً بمغايَرَتِهم للسماعين تنبيهاً على استقلالهم وأصالتهم في الرأي والتدبير، ثم بعدم حضورِهم مجلسَ الرسول عليه الصلاة والسلام إيذاناً بكمال طغيانهم في الضلال، ثم باستمرارهم على التحريف بياناً لإفراطهم في العتوِّ والمكابرةِ والاجتراء على الافتراء على الله تعالى وتعييناً للكذب الذي سمعه السماعون، أي يُميلونه ويُزيلونه عن مواضعه بعد أن وضعه الله تعالى فيها إما لفظاً بإهمالِه أو تغييرِ وضعه، وإما معنى بحَمْلِه على غير المراد وإجرائِه في غير موردِه، وقيل : الجملةُ مستأنفة لا محل لها من الإعراب ناعيةٌ عليهم شنائعَهم. وقيل : خبرُ مبتدأ محذوفٍ راجع إلى القوم وقوله تعالى : يَقُولُونَ  كالجملة السابقة في الوجوه المذكورة، ويجوز أن يكون حالاً من ضمير ( يحرفون ) وأما تجويزُ كونها صفةً لسماعون أو حالاً من الضمير فيه فما لا سبيل إليه أصلاً، كيف لا وإن مقولَ القول ناطقٌ بأن قائلَه ممن لا يحضرُ مجلسَ الرسول صلى الله عليه وسلم، والمخاطَب به ممن يحضُره فكيف يمكن أن يقوله السماعون المترددون عليه عليه الصلاة والسلام لمن يحومُ حوله قطعاً ؟ وادعاءُ قولِ السماعين لأعقابهم المخالِطين للمسلمين تعسّفٌ ظاهرٌ مُخلٌّ بجزالة النظم الكريم، والحقُّ الذي لا محيد عنه أن المحرِّفين والقائلين هم القومُ الآخرون، أي يقولون لأتباعهم السماعين لهم عند إلقائهم إليهم أقاويلَهم الباطلةَ مشيرين إلى كلامهم الباطل  إِنْ أُوتِيتُمْ  من جهة الرسولِ عليه الصلاة والسلام  هذا فَخُذُوهُ  واعملوا بموجَبه فإنه الحق  وَإِن لمْ تُؤْتَوْهُ  بل أوتيتم غيرَه  فاحذروا  أي فاحذروا قبولَه، وإياكم وإياه، وفي ترتيب الأمر بالحذَر على مجردِ عدمِ إيتاء المحرَّف من المبالغة في التحذير ما لا يخفي. رُوي ( أن شريفاً من خَيْبرَ زنى بشريفةٍ وهما مُحصَنان وحدُّهما الرجمُ في التوراة فكرِهوا رجمَهما لشرفهما فبعثوا رهطاً منهم إلى بني قريظة ليسألوا رسولَ الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك وقالوا : إن أمرَكم بالجلد والتحميم[(١)](#foonote-١) فاقبَلوا، وإن أمركم بالرجم فلا تقبلوا، وأرسلوا الزانيَيْن معهم فأمرهم بالرَّجْم فأَبوْا أن يأخُذوا به فقال جبريلُ عليه السلام : اجعل بينك وبينهم ابنَ صوريا ووصفه له فقال عليه الصلاة والسلام :**«هل تعرفون شاباً أبيضَ أعورَ يسكن فَدَك يقال له ابن صوريا ؟ »** قالوا : نعم، وهو أعلمُ يهوديٍّ على وجه الأرض بما أنزل الله على موسى بنِ عِمرانَ في التوراة، قال :**«فأرسِلوا إليه »** ففعلوا، فأتاهم، فقال له النبي عليه الصلاة والسلام :**«أنت ابن صوريا ؟ »** قال : نعم، قال عليه الصلاة والسلام :**«وأنت أعلم اليهود ؟ »** قال : كذلك يزعُمون، قال لهم :**«أترضَوْن به حكماً ؟ »** قالوا : نعم، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم :**«أنشُدك الله الذي لا إله إلا هو الذي فلق البحرَ وأنجاكم وأغرق آلَ فرعون وظلل عليكم الغمام وأنزل عليكم المنّ والسلوى ورفعَ فوقكم الطورَ وأنزل عليكم التوراةَ فيها حلالُه وحرامُه هل تجدون في كتابكم الرجْمَ على من أُحصِن ؟ »** قال : نعم، والذي ذكرتني به لولا خشِيتُ أن تحرِقني التوراةُ إن كذبتُ أو غيَّرتُ ما اعترفت لك، ولكن كيف هي في كتابك يا محمد ؟ قال عليه الصلاة والسلام :**«إذا شهد أربعةُ رهطٍ عدولٌ أنه أَدخَل فيها كما يُدخَلُ الميلُ في المُكحُلة وجب عليه الرجم »** قال ابن صوريا : والذي أنزل التوراة على موسى هكذا أنزل الله في التوراة على موسى، فوثب عليه سَفَلةُ اليهود، فقال : خفتُ إن كذَبتُه أن ينزِل علينا العذاب، ثم سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أشياءَ كان يعرِفها من أعلامه فقال : أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله النبيُّ الأمي العربي الذي بشر به المرسلون. وأمر رسولُ الله صلى الله عليه وسلم بالزانيين فرُجما عند باب المسجد ).  وَمَن يُرِدِ الله فِتْنَتَهُ  أي ضلالته أو فضيحته كائناً من كان فيندرج فيه المذكورون اندراجاً أولياً، وعدمُ التصريح بكونهم كذلك للإشعار بكمال ظهورِه واستغنائه عن ذكره  فَلَن تَمْلِكَ لَهُ  فلن تستطيع له  مِنَ الله شَيْئاً  في دفعها، والجملةُ مستأنفة مقرّرة لما قبلها ومبينةٌ لعدم انفكاكِهم عن القبائح المذكورة أبداً  أولئك  إشارة إلى المذكورين من المنافقين واليهود، وما في اسْم الإشارةِ من معنى البعد للإيذان ببُعد منزلتهم في الفساد، وهو مبتدأ خبرُه قولُه تعالى : الذين لَمْ يُرِدِ الله أَن يُطَهّرَ قُلُوبَهُمْ  أي من رجْسِ الكفر وخَبَثِ الضلالة لأنهِماكِهم فيهما وإصرارِهم عليهما وإعراضِهم عن صرف اختيارهم إلى تحصيل الهداية بالكلية كما ينبئ عنه وصفُهم بالمسارعة في الكفر أولاً، وشرحُ فنونِ ضلالتهم آخراً، والجملة استئنافٌ مبينٌ لكون إرادتِه تعالى لفتنتِهم مَنوطةً بسوء اختيارِهم وقُبح صنيعِهم الموجبِ لها لا واقعةً منه تعالى ابتداءً  لَهُمْ في الدنيا خِزْيٌ  أما المنافقون فخزيُهم فضيحتُهم وهتكُ سِترتِهم بظهور نفاقِهم فيما بين المسلمين، وأما خزيُ اليهود فالذلُ والجزيةُ والافتضاحُ بظهور كَذِبهم في كِتمان نصِّ التوراة، وتنكيرُ ( خزيٌ ) للتفخيم وهو مبتدأ ولهم خبرُه وفي الدنيا متعلق بما تعلق به الخبرُ من الاستقرار، وكذا الحال في قوله تعالى : وَلَهُمْ في الآخرة  أي مع الخزي الدنيوي  عَذَابٌ عظِيمٌ  هو الخلودُ في النار، وضميرُ ( لهم ) في الجملتين للمنافقين واليهود جميعاً لا لليهود خاصة، كما قيل، وتكريرُ ( لهم ) مع اتحاد المرجِع لزيادة التقرير والتأكيد، والجملتان استئنافٌ مبنيٌّ على سؤال نشأ من تفصيل أفعالِهم وأحوالهم الموجبةِ للعقاب، كأنه قيل : فما لهم من العقوبة ؟ فقيل لهم : في الدنيا. 
١ التّحميم هنا بمعنى تسخيم وجه الرجل والمرأة بالحمم أي الفحم..

### الآية 5:42

> ﻿سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ ۚ فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ ۖ وَإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئًا ۖ وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ [5:42]

سمّاعون لِلْكَذِبِ  خبرٌ آخرُ للمبتدأ المقدّر كُرِّر تأكيداً لما قبله وتمهيداً لما بعده من قوله تعالى : أكّالون لِلسُّحْتِ  وهو أيضاً خبرٌ آخرُ للمقدَّر واردٌ على طريقة الذم، أو بناءً على أن المراد بالكذِب ما يفتعله الراشون عند الأكّالين، والسُحْت بضم السين وسكون الحاء في الأصل كلُّ ما لا يحِلُّ كسبُه، وقيل : هو الحرام مطلقاً من سَحَتَه إذا استأصله، سمي به لأنه مسحوتُ البركة، والمراد به هاهنا إما الرِّشا التي كان يأخذها المحرِّفون على تحريفهم وسائرِ أحكامِهم الزائغة، وهو المشهور، أو ما كان يأخذه فقراؤهم من أغنيائهم من المال ليُقيموا على اليهودية كما قيل، وإما مطلقُ الحرام المنتظِمِ لما ذُكر انتظاماً أولياً، وقرئ ( للسُحُت ) بضم السين والحاء وبفتحهما وبفتح السين وسكون الحاء وبكسر السين وسكون الحاء، وعن النبي عليه الصلاة والسلام :**«كلُّ لحمٍ أنبتَه السُّحْتُ فالنار أولى به »**.  فَإِن جَاءوكَ  لما بيَّن تفاصيلَ أمورِهم الواهية وأحوالَهم المختلفةَ الموجبة لعدم المبالاة بهم وبأفاعيلهم حسبما أُمر به عليه الصلاة والسلام خوطب عليه الصلاة والسلام ببعض ما يُبتنى عليه من الأحكام بطريق التفريع، والفاء فصيحة، أي وإذا كان حالُهم كما شُرح فإن جاؤوك متحاكمين إليك فيما شجَرَ بينهم من الخصومات  فاحكم بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ  غيرَ مبالٍ بهم ولا خائفٍ من جهتهم أصلاً، وهذا كما ترى تخييرٌ له عليه الصلاة والسلام بين الأمرين، فقيل : هو في أمرٍ خاصّ هو ما ذُكر من زنا المحصَن، وقيل : في قتيل قُتل من اليهود في بني قُريظةَ والنضيرِ، فتحاكموا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال بنو قريظة : إخوانُنا بنو النضير، أبونا واحد ودينُنا واحد، وإذا قَتَلوا منا قتيلاً لم يرضَوْا بالقَوَد وأعطَوْنا سبعين وَسْقاً من تمر، وإذا قتلنا منهم قتلوا القاتلَ وأخذوا منا الضِّعفَ مائة وأربعين وسقاً من تمر، وإن كان القتيلُ امرأةً قتلوا بها الرجلَ منا وبالرجل منهم الرجلين منا، وبالعبدِ منهم الحرَّ منا، فاقضِ بيننا. فجعل عليه الصلاة والسلام الدية سواءً، وقيل : هو عام في جميع الحكومات، ثم اختلفوا فمن قائل إنه ثابت وهو المرويُّ عن عطاءٍ والنَخَعيِّ والشَعْبيِّ وقَتادةَ وأبي بكرٍ الأصمِّ وأبي مسلم، وقائلٍ إنه منسوخ وهو قول ابنِ عباس والحسن ومجاهد وعِكْرِمة، قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما : لم يُنسخْ من المائدة إلا آيتان : قولُه تعالى : لاَ تُحِلُّوا شَعَائِرَ الله  \[ المائدة، الآية ٢ \] نسخَها قوله تعالى : فاقتلوا المشركين  \[ التوبة، الآية ٥ \] وقوله تعالى : فَإِن جَاءوكَ فاحكم بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ  نسخَها قوله تعالى : وَأَنِ احكم بَيْنَهُمْ بِمَا أَنزَلَ الله  \[ المائدة، الآية ٤٩ \] وعليه مشايخُنا  وَإِن تُعْرِضْ عَنْهُمْ  بيانٌ لحال الأمرين إثْرَ تخييرِه عليه الصلاة والسلام بينهما، وتقديمُ حالِ الإعراض للمسارعة إلى بيانِ أن لا ضررَ فيه حيث كان مظِنةُ الضرر لِما أنهم كانوا لا يتحاكمون إليه عليه الصلاة والسلام إلا لطلبِ الأيسر والأهونِ عليهم، فإذا أعرض عنهم وأبى الحكومةَ بينهم شق ذلك عليهم، فتشتد عداوتُهم ومضارّتُهم له عليه الصلاة والسلام، فأمَّنه الله عز وجل بقوله : فَلَن يَضُرُّوكَ شَيْئاً  من الضرر فإن الله عاصمُك من الناس.  وَإِنْ حَكَمْتَ فاحكم بَيْنَهُم بالقسط  بالعدل الذي أُمرت به كما حكمت بالرجم  إِنَّ الله يُحِبُّ المقسطين  ومن ضرورته أن يحفَظَهم عن كل مكروهٍ ومحذور.

### الآية 5:43

> ﻿وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِنْدَهُمُ التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللَّهِ ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِنْ بَعْدِ ذَٰلِكَ ۚ وَمَا أُولَٰئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ [5:43]

وَكَيْفَ يُحَكّمُونَكَ وَعِندَهُمُ التوراة فِيهَا حُكْمُ الله  تعجُّبٌ من تحكيمِهم لمن يؤمنون به وبكتابه والحالُ أن الحكم منصوصٌ عليه في كتابهم الذي يدّعون الإيمان به وتنبيهٌ على أنهم ما قصَدوا بالتحكيم معرفةَ الحق وإقامةَ الشرع وإنما طلبوا به ما هو أهونُ عليهم وإن لم يكن ذلك حكمَ الله على زعمهم، فقوله تعالى : وَعِندَهُمُ التوراة  حالٌ من فاعل يحكّمونك، وقوله تعالى : فِيهَا حُكْمُ الله  حالٌ من التوراة إن جُعِلت مرتفعةً بالظرف، وإن جُعلت مبتدأ فهو حالٌ من ضميرها المستكنِّ في الخبر، وقيل : استئنافٌ مَسوقٌ لبيانِ أن عندهم ما يُغنيهم عن التحكيم، وتأنيثها لكونها نظيرةَ المؤنث في كلامِهم كموماة ودوداة[(١)](#foonote-١)  ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ  عطفٌ على يحكمونك داخلٌ في حكم التعجيب، و( ثُم ) للتراخي في الرتبة وقوله تعالى : مِن بَعْدِ ذلك  أي من بعد ما حكّموك، تصريحٌ بما عُلم قطعاً بتأكيد الاستبعاد والتعجيب، أي ثم يُعرضون عن حكمك الموافق لكتابهم من بعد ما رضوُا بحكمك وقوله تعالى : وَمَا أُوْلَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ  تذييلٌ مقرِّرٌ لفحوى ما قبله، ووضعُ اسمِ الإشارة موضعَ ضميرِهم للقصد إلى إحضارِهم في الذهن بما وُصفوا به من القبائح إيماءً إلى علة الحُكم وإلى أنهم قد تميزوا بذلك عن غيرهم أكملَ تمييز حتى انتظموا في سلك الأمور المشاهَدة، و( ما ) فيه من معنى البعد للإيذان ببُعد درجتهم في العُتُوِّ والمكابرة أي وما أولئك الموصوفون بما ذكر بالمؤمنين أي بكتابهم، لإعراضهم عنه أولاً، وعن حُكمِك الموافقِ له ثانياً أو بهما، وقيل : وما أولئك بالكاملين في الإيمان تهكماً بهم. 
١ الموْماة: المفازة الواسعة. والدَوْدَاة: الأرجوحة، والجلبة..

### الآية 5:44

> ﻿إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ ۚ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ ۚ فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا ۚ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ [5:44]

إِنَّا أَنزَلْنَا التوراة  كلام مستأنفٌ سيق لبيان علوِّ شأن التوراةِ ووجوبِ مراعاة أحكامِها وأنها لم تزل مَرْعيّةً فيما بين الأنبياء ومَنْ يقتدي بهم كابراً عن كابر، مقبولةً لكل أحد من الحكام والمتحاكمين محفوظةً عن المخالفة والتبديل تحقيقاً لما وُصف به المحرِّفون من عدم إيمانهم بها، وتقريراً لكفرهم وظلمهم، وقوله تعالى : فِيهَا هُدًى وَنُورٌ  حالٌ من التوراة، فإن ما فيها من الشرائع والأحكام، من حيث إرشادُها للناس إلى الحق الذي لا مَحيدَ عنه، هدىً ومن حيث إظهارُها وكشفُها نورُ ما استَبْهَم من الأحكام وما يتعلَّق بها من الأمور المستورةِ بظلمات الجهل، وقوله تعالى : يَحْكُمُ بِهَا النبيُّون  أي أنبياءُ بني إسرائيلَ، وقيل : موسى ومَنْ بعده من الأنبياء، جملةٌ مستأنفة مبينةٌ لرِفعةِ رتبتِها وسُمُوِّ طبقتها، وقد جوَّز كونَه حالاً من التوراة فيكون حالاً مقدرة، أي يحكُمون بأحكامها ويحمِلون الناس عليها، وبه تمسك مَنْ ذهب إلى أن شريعةَ مَنْ قبلَنا شريعةٌ لنا ما لم تُنْسَخْ، وتقديمُ الجارِّ والمجرورِ على الفاعل لما مر مراراً من الاعتناء بشأن المقدَّم والتشويق إلى المؤخَّر، ولأن في المؤخَّر وما يتعلق به نوعَ طولٍ ربما يُخِلّ تقديمُه بتجاوُب أطرافِ النظم الكريم، وقوله تعالى : الذين أَسْلَمُوا  صفة أجريت على النبيين على سبيل المدح دون التخصيص والتوضيح، لكن لا للقصد إلى مدحهم بذلك حقيقة، فإن النبوة أعظم من الإسلام قطعاً، فيكون وصفُهم به بعد وصفِهم بها تنزلاً من الأعلى إلى الأدنى، بل لتنويه شأن الصفة فإن إبرازَ وصفٍ في معرِض مدح العظماء مُنبئٌ عن عِظَم قدر الوصْفِ لا محالة كما في وصف الأنبياءِ بالصلاحِ ووصفِ الملائكة بالإيمان عليهم السلام، ولذلك قيل : أوصافُ الأشراف أشرافُ الأوصاف، وفيه رفع لشأن المسلمين وتعريضٌ باليهود وأنهم بمعزِل من الإسلام، والاقتداءُ بدين الأنبياء عليهم السلام لاسيما مع ملاحظة ما وُصفوا به في قوله تعالى.  لِلَّذِينَ هَادُوا  وهو متعلق ( بيحكم ) أي يحكمون فيما بينهم، واللام إما لبيان اختصاصِ الحُكم بهم أعمَّ من أن يكون لهم أو عليهم، كأنه قيل : لأجل الذين هادوا، وإما للإيذان بنفعه للمحكوم عليه أيضاً بإسقاط التبعة عنه، وإما للإشعار بكمال رضاهم به وانقيادِهم له كأنه أمرٌ نافع لكلا الفريقين، ففيه تعريضٌ بالمحرِّفين، وقيل : التقديرُ للذين هادوا وعليهم فحُذِفَ ما حُذف لدلالة ما ذُكر عليه، وقيل : هو متعلق ( بأنزلنا ) وقيل :( بهدىً ونور ) وفيه فصلٌ بين المصدر ومفعولِه، وقيل : متعلق بمحذوفٍ وقع صفةً لهما أي هدى ونورٌ كائنان للذين هادوا  والربّانيون والأحبار  أي الزهاد والعلماءُ من وَلَد هارونَ الذين التزموا طريقة النبيين وجانبوا دينَ اليهود. وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما : الربانيون الذين يسوسون الناسَ بالعلم ويربُّونهم بصغاره قبل كباره، والأحبارُ هم الفقهاءُ واحدُه حَِبْرٌ بالفتح والكسر والثاني أفصح، وهو رأي الفراء، مأخوذ من التحبير والتحسين، فإنهم يُحبِّرون العلمَ ويزينونه ويُبيِّنونه، وهو عطفٌ على ( النبيون ) أي هم أيضاً يحكمُون بأحكامها، وتوسيطُ المحكومِ لهم بين المعطوفين للإيذان بأن الأصلَ في الحُكم بها وحَمْلِ الناس على ما فيها هم النبيون، وإنما الربانيون والأحبارُ خلفاءُ ونوابٌ لهم في ذلك كما يُنبئ عنه قوله تعالى : بِمَا استُحفظوا  أي بالذي استُحفظوه من جهة النبيين وهو التوراة، حيث سألوهم أن يحفَظُوها من التغيير والتبديل على الإطلاق، ولا ريب في أن ذلك منهم عليهم السلام استخلافٌ لهم في إجراء أحكامِها من غير إخلالٍ بشيء منها، وفي إبهامها أولاً ثم بيانِها ثانياً بقوله تعالى : مِن كتاب الله  من تفخيمها وإجلالِها ذاتاً وإضافةً، وتأكيدِ إيجاب حفظِها والعملِ بما فيها ما لا يَخْفى، وإيرادُها بعنوان الكتاب للإيماء إلى إيجاب حفظِها عن التغييرِ من جهة الكتابة، والباءُ الداخلة على الموصول متعلقةٌ ( بيحكم ) لكن لا على أنها صلةٌ كالتي في قوله تعالى : بِهَا ، ليلزَمَ تعلقُ حرفي جرٍ متحدَّيْ المعنى بفعلٍ واحد، بل على أنها سببية أي ويحكم الربانيون والأحبارُ أيضاً بسبب ما حفِظوه من كتاب الله حسْبما وصاهم به أنبياؤُهم وسألوهم أن يحفظوه، وليس المرادُ بسببيته لحكمهم مُلكَ سببيته من حيث الذاتُ بل من حيث كونُه محفوظاً، فإن تعليقَ حكمِهم بالموصول مُشعرٌ بسببية الحفظِ المترتب لا محالة على ما في حيِّز الصلة من الاستحفاظ له، وقيل : الباء صلةٌ لفعلٍ مقدر معطوفٍ على قوله تعالى : يَحْكُمُ بِهَا النبيون  عطفَ جُملةٍ على جملة، أي ويحكم الربانيون والأحبارُ بحكم كتابِ الله الذي سألهم أنبياؤهم أن يحفظوه من التغيير.  وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاء  أي رُقباءَ يحمُونه من أن يحوم حولَه التغييرُ والتبديلُ بوجه من الوجوه، فتغييرُ الأسلوب لما ذُكر من المزايا، وقيل :( بما استحفظوا ) بدلٌ من قوله تعالى : بِهَا  بإعادة العامل وهو بعيد، وكذا تجويزُ كونِ الضمير في استُحفظوا للأنبياء والربانيين والأحبارِ جميعاً على أن الاستحفاظَ من جنابِ الله عز وجل أي كلفهم الله تعالى أن يحفظوه ويكونوا عليه شهداء، وقوله تعالى وتقدَّسَ : فَلاَ تَخْشَوُا الناس  خطابٌ لرؤساء اليهود وعلمائهم بطريق الالتفات، وأما حكامُ المسلمين فيتناوبُهم النهْيُ بطريق الدلالة دون العبارة، والفاء لترتيبِ النهْيِ على ما فُصِّل من حال التوراة، وكونِها معتنىً بشأنها فيما بين الأنبياء عليهم السلام ومَنْ يُقتدى بهم من الربانيين والأحبار المتقدمين عملاً وحفظاً، فإن ذلك مما يوجبُ الاجتنابَ عن الإخلال بوظائف مراعاتِها والمحافظةِ عليها بأي وجهٍ كان فضلاً عن التحريف والتغيير، ولمّا كان مدارُ جراءتهم على ذلك خشيةَ ذي سلطانٍ أو رغبةً في الحظوظ الدنيوية نُهوا عن كل منهما صريحاً، أي إذا كان شأنُهما كما ذكر فلا تخشوا الناسَ كائناً من كان واقتدوا في مراعاة أحكامها وحفظِها بمن قبلكم من الأنبياء وأشياعِهم  واخشون  في الإخلالِ بحقوقِ مراعاتها فكيف بالتعرُّض لها بسوء.  وَلاَ تَشْتَرُوا بآياتي  الاشتراء استبدالُ السلعة بالثمن أي أخذُها بدلاً منه لا بذلُ الثمن لتحصيلها كما قيل، ثم استُعير لأخذ شيءٍ بدلاً مما كان له، عَيْناً كان أو معنىً أخذاً منوطاً بالرغبة فيما أُخذ، والإعراضِ عما أُعطِيَ ونُبذ، كما فُصِّل في تفسير قوله تعالى : أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى  \[ البقرة، الآية ١٦ و١٧٥ \] فالمعنى لا تستبدلوا بآياتي التي فيها بأن تُخرجوها منها أو تتركوا العملَ بها وتأخذوا لأنفسكم بدلاً منها  ثَمَناً قَلِيلاً  من الرِّشوة والجاهِ وسائرِ الحظوظ الدنيوية، فإنها وإن جلّت، قليلةٌ مستَرْذَلةٌ في نفسها، لاسيما بالنسبة إلى ما فات عنهم بترك العمل بها، وإنما عبَّر عن المشترى الذي هو العُمدةُ في عقود المعاوضة والمقصِدُ الأصليُّ بالثمن الذي شأنه أن يكونَ وسيلةً إلى تحصيله، وأُبرزَتِ الآياتُ التي حقُّها أن يتنافسَ فيها المتنافسون في معرِض الآلات والوسائطِ حيث قُرنت بالباء التي تصحَبُ الوسائلَ إيذاناً بمبالغتهم في التعكيس بأن جَعلوا المقصِدَ الأقصى وسيلةً والوسيلةَ الأدنى مقصِداً  وَمَن لم يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ الله  كائناً من كان دون المخاطبين خاصة فإنهم مندرجون فيه اندراجاً أولياً أي من لم يحكم بذلك مستهيناً به منكِراً كما يقتضيه ما فعلوه من تحريف آيات الله تعالى اقتضاءً بيناً  فَأُوْلَئِكَ  إشارةٌ إلى ( من )، والجمع باعتبار معناها كما أن الإفراد فيما سبق باعتبار لفظِها  هُمُ الكافرون  لاستهانتهم به، و( هم ) إما ضميرُ الفعل أو مبتدأ وما بعده خبره، والجملة لأولئك، وقد مر تفصيلُه في مطلع سورة البقرة، والجملة تذييلٌ مقرِّرٌ لمضمون ما قبلها أبلغَ تقريرٍ، وتحذيرٌ عن الإخلال به أشدَّ تحذير حيث علّق فيه الحكمَ بالكفر بمجرد ترك الحُكْم بما أنزل الله تعالى، فكيف وقد انضم إليه الحكمُ بخلافه، لاسيما مع مباشرة ما نُهوا عنه من تحريفه ووضع غيره موضِعَه، وادعاءِ أنه من عند الله ليشتروا به ثمناً قليلاً ؟

### الآية 5:45

> ﻿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ ۚ فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ ۚ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ [5:45]

وَكَتَبْنَا  عطفٌ على ( أنزلنا التوراة )  عَلَيْهِمْ  أي على الذين هادوا، وقرئ ( وأنزل الله على بني إسرائيلَ )  فِيهَا  أي في التوراة  أَنَّ النفس بالنفس  أي تُقاد بها إذا قَتلتْها بغير حق  والعين  تُفقأ  بالعين  إذا فُقئَتْ بغير حق  والأنف  يُجدَع  بالأنف  المقطوعِ بغير حق  والأذُن  تُصْلَم  بالأذن  المقطوعة ظلماً  والسن  تُقلعُ  بالسن  المقلوعة بغير حق  والجروح قِصَاصٌ  أي ذاتُ قصاص إذا كانت بحيث تُعرف المساواة، وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنهم كانوا لا يقتُلون الرجلَ بالمرأة فنزلت، وقرئ ( وإنّ الجروحَ قصاص ) وقرئ ( والعينُ ) إلى آخره بالرفع عطفاً على محل ( أن النفس ) لأن المعنى كتبنا عليهم : النفسُ بالنفس إما لإجراء كتبنا مجرى قلنا، وإما لأن معنى الجملة التي هي قولك : النفسُ بالنفس مما يقع عليه الكَتْبُ كما يقع عليه القراءة، تقول : كتبت ( الحمدُ لله ) وقرأتُ  سُورَةٌ أنزلناها  \[ النور، الآية ١ \]  فَمَن تَصَدَّقَ  أي من المستحقين  بِهِ  أي بالقصاص، أي فمن عفا عنه، والتعبيرُ عنه بالتصديق للمبالغة في الترغيب فيه  فَهُوَ  أي التصديق  كَفَّارَةٌ لهُ  أي للمتصدق يكفّر الله تعالى بها ذنوبَه، وقيل : للجاني إذا تجاوز عنه صاحب الحقِّ سقطَ عنه ما لزِمه، وقرئ ( فهو كفارته له )، أي فالمتصدقُ كفارتُه التي يستحقُّها بالتصدق له لا ينقُصُ منها شيء وهو تعظيمٌ لما فَعَل، كقوله تعالى : فَأَجْرُهُ عَلَى الله  \[ الشورى، الآية : ٤٠ \]  وَمَن لمْ يَحْكُم  كائناً من كان فيتناول من لا يرى قتلَ الرجل بالمرأة من اليهود تناولاً بيناً  بِمَا أنزَلَ الله  من الأحكام والشرائع كائناً ما كان فيدخل فيها الأحكامُ المحكية دخولاً أولياً  فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظالمون  المبالغون في الظلم المتعدُّون لحدودِه تعالى الواضعون للشيء في غير موضعه، والجملة تذييلٌ مقرِّر لإيجاب العمل بالأحكام المذكورة.

### الآية 5:46

> ﻿وَقَفَّيْنَا عَلَىٰ آثَارِهِمْ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ ۖ وَآتَيْنَاهُ الْإِنْجِيلَ فِيهِ هُدًى وَنُورٌ وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ [5:46]

وَقَفَّيْنَا على آثارهم  شروعٌ في بيان أحكام الإنجيلِ إثْرَ بيانِ أحكام التوراة وهو عطفٌ على ( أنزلنا التوراة ) أي آثارِ النبيين المذكورين، يقال : قَفَّيتُه بفلان إذا أتبعتُه إياه، فحذَفَ المفعولَ لدلالة الجار والمجرور عليه أي قفيناهم  بِعيسَى ابن مَرْيَمَ  أي أرسلناه عَقيبَهم  مُصَدّقاً لمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التوراة  حالٌ من عيسى عليه السلام  وَآتَيْنَاهُ الإِنجِيل  عطفٌ على قفَّينا وقرئ بفتح الهمزة  فِيهِ هُدًى وَنُورٌ  كما في التوراة وهو في محل النصْب على أنه حال من الإنجيل أي كائناً فيه ذلك كأنه قيل : مشتملاً على هدى ونور، وتنوينُ هدىً ونورٌ للتفخيم، ويندرج في ذلك شواهدُ نبوتِه عليه السلام  وَمُصَدّقاً لمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التوراة  عطف عليه داخلٌ في حكم الحالية وتكريرُ ( ما بين يديه من التوراة ) لزيادة التقرير  وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ للمُتَّقِينَ  عطفٌ على مصدقاً منتظمٌ معه في سلك الحالية جُعل كلُّه هدىً بعد ما جُعل مشتملاً عليه حيث قيل :( فيه هدى ) وتخصيصُ كونِه هدىً وموعظةً بالمتقين لأنهم المهتدون بهداه والمنتفعون بجَدْواه.

### الآية 5:47

> ﻿وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنْجِيلِ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ ۚ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ [5:47]

وَليَحْكُمْ أَهْلُ الإنجيل بِمَا أَنزَلَ الله فِيهِ  أمرٌ مبتدأٌ لهم بأن يحكموا ويعملوا بما فيه من الأمور التي من جملتها دلائلُ رسالتِه عليه الصلاة والسلام وشواهدُ نبوته وما قرَّرت الشريعة الشريفةُ من أحكامه، وأما أحكامُه المنسوخةُ فليس الحكمُ بهما حكماً بما أنزل الله فيه بل هو إبطالٌ وتعطيلٌ له، إذ هو شاهدٌ بنسخها وانتهاءِ وقت العمل بها، لأن شهادته بصحة ما ينسَخُها من الشريعة شهادةٌ بنسخها، وبأن أحكامَه ما قرَّرتْه تلك الشريعةُ التي شهد بصحتها كما سيأتي في قوله تعالى : قُلْ يا أهل الكتاب لَسْتُمْ على شَيء حتى تُقِيمُوا التوراة والإنجيل  \[ المائدة، الآية ٦٧ \] الآية، وقيل : هو حكايةٌ للأمر الوارد عليهم بتقدير فعلٍ معطوف على آتيناه أي وقلنا : ليحكم أهلُ الإنجيل الخ، وقرئ ( وأن ) ليحكم على أنّ ( أنْ ) موصولةٌ بالأمر كما في قولك : أمرته بأن قم، كأنه قيل : وآتيناه الإنجيل وأمَرْنا بأن يحكُمَ أهلُ الإنجيل الخ، وقرئ عل صيغة المضارع ولام التعليل على أنها متعلقةٌ بمقدَّر كأنه قيل : ولِيَحْكُمَ أهلُ الإنجيل بما أنزل الله فيه آتيناه إياه، وقد عُطِفَ على ( هدى وموعظة ) على أنهما مفعول لهما، كأنه قيل : وللهدى والموعظة آتيناه إياه وللحُكْم بما أنزل الله فيه.  وَمَن لم يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ الله  منكراً له مستهيناً به  فَأُوْلَئِكَ هُمُ الفاسقون  المتمردون الخارجون عن الإيمان، والجملة تذييلٌ مقرِّر لمضمون الجملة السابقة ومؤكِّد لوجوب الامتثال بالأمر، وفيه دلالة على أن الإنجيلَ مشتملٌ على الأحكام، وأن عيسى عليه السلام كان مستقلاً بالشرع مأموراً بالعمل بما فيه من الأحكام قلَّت أو كثُرت، لا بما في التوراة خاصة، وحملُه على معنى وليحكم بما أنزل الله فيه من إيجابِ العملِ بأحكام التوراة خلافُ الظاهر.

### الآية 5:48

> ﻿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ ۖ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ ۖ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ ۚ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا ۚ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَٰكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ ۖ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ ۚ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ [5:48]

وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الكتاب  أي الفردَ الكاملَ الحقيقيَّ بأن يسمى كتاباً على الإطلاق لحيازته جميعَ الأوصافِ الكمالية لجنس الكتابِ السماويِّ وتفوقِه على بقية أفراده وهو القرآنُ الكريم، فاللام للعهد والجملةُ عطف على ( أنزلنا ) وما عُطِف عليه، وقوله تعالى : بالحق  متعلق بمحذوفٍ وقع حالاً مؤكّدة من الكتاب أي ملتبساً بالحق والصدق، وقيل : من فاعل أنزلنا، وقيل : من الكاف في ( إليك ) وقوله تعالى : مُصَدّقاً لمَا بَيْنَ يَدَيْهِ  حال من الكتاب أي حالَ كونِه مصدقاً لما تقدَّمَه إما من حيث إنه نازلٌ حسْبما نُعِتَ فيه، أو من حيث إنه موافقٌ له في القِصصِ والمواعيدِ والدعوة إلى الحق والعدلِ بين الناس والنهْيِ عن المعاصي والفواحش، وأما ما يتراءى من مخالفتِه له في بعض جزئياتِ الأحكام المتغيِّرة بسبب تغيُّرِ الأعصارِ فليست بمخالفةٍ في الحقيقة بل هي موافِقةٌ لها من حيث إن كلاًّ من تلك الأحكام حقٌّ بالإضافة إلى عصره، متضمِّنٌ للحكمة التي عليها يدور أمرُ الشريعة، وليس في المتقدم دلالةٌ على أبديةِ أحكامِه المنسوخة حتى يخالفَه الناسخُ المتأخِّرُ، وإنما يدل على مشروعيتها مطلقاً من غير تعرُّض لبقائها وزوالِها، بل نقول : هو ناطقٌ بزوالها لما أن النطقَ بصحة ما ينسخها نطقٌ بنَسْخِها وزوالِها وقوله تعالى : منَ الكتاب  بيانٌ ( لِما )، واللام للجنس، إذ المراد هو الكتابُ السماوي وهو بهذا العنوان جنسٌ برأسه، وإن كان في نفسه نوعاً مخصوصاً من مدلول لفظ الكتاب، وعن هذا قالوا : اللام للعهد، إلا أن ذلك لا ينتهي إلى خصوصية الفردية بل إلى خصوصية النوعية التي هي أخصُّ من مُطلقِ الكتاب وهو ظاهر، ومن الكتاب السماوي أيضاً حيث خُصَّ بما عدا القرآن  وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ  أي رقيباً على سائر الكتبِ المحفوظة من التغيير لأنه يشهد بالصحة والثبات ويقرِّر أصولَ شرائعها وما يتأبد من فروعها، ويعيِّن أحكامَها المنسوخةَ ببيان انتهاءِ مشروعيتها المستفادة من تلك الكتب وانقضاءِ وقت العمل بها، ولا ريب في أن تمييزَ أحكامِها الباقيةِ على المشروعية أبداً عما انتهى وقتُ مشروعيتِه وخرج عنها من أحكام كونِه مهيمناً عليه، وقرئ ( ومُهيمَناً عليه ) على صيغة المفعول أي هُومِنَ عليه وحُوفظ من التغيير والتبديل كقوله عز وجل : لا يَاتِيهِ الباطل مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلاَ مِنْ خَلْفِهِ  \[ فصلت، الآية ٤٢ \] والحافظُ إما من جهته تعالى كما في قوله : إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذكر وَإِنَّا لَهُ لحافظون  \[ الحجر، الآية ٩ \] أو الحفاظُ في الأعصار والأمصار والفاء في قوله تعالى : فاحكم بَيْنَهُمْ  لترتيب ما بعدها على ما قبلها، فإن كونَ شأنِ القرآن العظيم حقاً مصدِّقاً لما قبله من الكتب المنزلة على الأمم مهيمناً عليه من مُوجباتِ الحكم المأمور به، أي إذا كان القرآن كما ذُكِر فاحكمْ بين أهل الكتابين عند تحاكُمِهم إليك  بِمَا أنزَلَ الله  أي بما أنزله إليك، فإنه مشتملٌ على جميع الأحكام الشرعية الباقيةِ في الكتب الإلهية، وتقديمُ ( بينهم ) للاعتناء ببيانِ تعميمِ الحكم لهم، ووضعُ الموصول موضعَ الضمير للتنبيه على عِلِّيَّةِ ما في حيز الصلة للحكم، والالتفات بإظهار الاسم الجليل لتربية المهابة والإشعار بعِلَّة الحكم.  وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ  الزائغة  عَمَّا جَاءكَ مِنَ الحق  الذي لا محيدَ عنه، و( عن ) متعلقة بلا تتَّبعْ على تضمين معنى العُدول ونحوِه، كأنه قيل : ولا تعدِلْ عما جاءك من الحق متبعاً أهواءهم، وقيل : بمحذوفٍ وقع حالاً من فاعله، أي لا تتبع أهواءهم عادلاً عما جاءك، وفيه أن ما وقع حالاً لابد أن يكون فعلاً عاماً، ووضع الموصول موضع ضمير الموصول الأول للإيماء بما في حيز الصلة من مجيء الحق إلى ما يوجب كمالَ الاجتناب عن اتباع الأهواء. وقوله تعالى : لِكُلّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً ومنهاجا  كلام مستأنَفٌ جيءَ به لحمل أهل الكتابين من معاصِريه عليه الصلاة والسلام على الانقياد لحُكمه بما أُنزل إليه من القرآن الكريم ببيان أنه هو الذي كُلِّفوا العملَ به دون غيره من الكتابين، وإنما الذين كلفوا العملَ بهما مَنْ مَضَى قبل نسخهما من الأمم السالفة، والخطابُ بطريق التلوين والالتفات للناس كافة لكن لا للموجودين خاصة بل للماضين أيضاً بطريق التغليب، واللام متعلقة ( بجعلنا ) المتعدي لواحد، وهو إخبارٌ بجَعَلَ، ماضٍ لا إنشاءٌ، وتقديمها عليه للتخصيص و( منكم ) متعلق بمحذوفٍ وقعَ صفةً لِما عُوِّض عنه تنوينُ كلَ، ولا ضيرَ في توسط ( جعلنا ) بين الصفة والموصوف كما في قوله تعالى : أغَيْرَ الله أَتَّخِذُ وَلِيّاً فَاطِرِ السماوات  \[ الأنعام، الآية ١٤ \] الخ، والمعنى لكل أمة كائنةٍ منكم أيها الأمم الباقية والخالية جعلنا أي عيّنّا ووضعنا شرعةً ومنهاجاً خاصَّين بتلك الأمة لا تكاد أمةٌ تتخطى شَرْعيتها التي عُيِّنت لها، فالأمة التي كانت من مبعث موسى إلى مبعث عيسى عليهما السلام شِرعتُهم التوراة والتي كانت من مبعث عيسى إلى مبعث النبي عليهما الصلاة والسلام شرعتهم الإنجيل، وأما أنتم أيها الموجودون فشِرْعتُكم القرآنُ ليس إلا، فآمنوا به واعملوا بما فيه، والشِّرْعةُ والشريعة هي الطريقة إلى الماء شُبِّه بها الدينُ لكونه سبيلاً موصولاً إلى ما هو سببٌ للحياة الأبدية، كما أن الماء سببٌ للحياة الفانية، والمنهاجُ الطريق الواضح في الدين من نهَجَ الأمرُ إذا وضَحَ، وقرئ ( شَرْعة ) بفتح الشين، قيل : فيه دليل على أنا غيرُ مُتعبَّدين بشرائِعِ مَنْ قبلنا، والتحقيق أنا متعبَّدون بأحكامها الباقية من حيث إنها أحكامُ شرعتِنا لا من حيث إنها شرعة للأولين.  وَلَوْ شَاء الله لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً واحدة  متفقةٌ على دين واحد في جميع الأعصار من غير اختلاف بينكم وبين من قبلكم من الأمم في شيء من الأحكام الدينية، ولا نسخَ ولا تحويل، ومفعولُ المشيئة محذوفٌ على دلالة الجزاء عليه، أي ولو شاء الله أن يجعلكم أمة واحدة لجعلكم الخ، وقيل : المعنى لو شاء الله اجتماعكم على الإسلام لأجبركم عليه.  ولكن لِيَبْلُوَكُمْ  متعلِّقٌ بمحذوف يستدعيه النظام، أي ولكن لم يشأ ذلك أي أن يجعلكم أمةً واحدة بل شاء ما عليه السنةُ الإلهية الجاريةُ فيما بين الأمم ليعامِلَكم معاملةَ من يبتليكم  فِيمَا آتاكم  من الشرائع المختلفة المناسبة لأعصارها وقرونِها هل تعملون بها مذعِنين لها معتقدين أن اختلافَها بمقتضى المشيئةِ الإلهية المبنيةِ على أساس الحِكَم البالغةِ والمصالحِ النافعة لكم في معاشكم ومعادِكم أو تزيغون عن الحق وتتبعون الهوَى وتستبدلون المضَرَّة بالجدوى وتشترون الضلالة بالهدى، وبهذا اتضح أن مدارَ عدم المشيئةِ المذكورة ليس مجردَ الابتلاء، بل العمدةُ في ذلك ما أشير إليه من انطواءِ الاختلاف على ما فيه مصلحتُهم معاشاً ومعاداً كما ينبئ عنه قوله عز وجل : فَاسْتَبِقُوا الخَيْرَاتِ  أي إذا كان الأمر كما ذُكر فسارعوا إلى ما هو خيرٌ لكم في الدارين من العقائد الحَقَّة والأعمالِ الصالحة المندرجة في القرآن الكريم، وابتدروها انتهازاً للفرصة وإحرازاً لسابقةِ الفَضْل والتقدم، ففيه من تأكيد الترغيبِ في الإذعان للحق وتشديدِ التحذير عن الزيغ ما لا يخفى، وقوله تعالى : إلى الله مَرْجِعُكُمْ  استئنافٌ مَسوقٌ مَساقَ التعليل لاستباق الخيرات بما فيه من الوعد والوعيد، وقوله تعالى : جَمِيعاً  حال من ضمير الخطاب، والعامل فيه إما المصدرُ المنحلُّ إلى حرفٍ مصدريَ وفعل مبني للفاعل أو مبني للمفعول وإما الاستقرارُ المقدَّر في الجار  فَيُنَبّئُكُم بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ  أي فيفعل بكم من الجزاء الفاصل بين المُحِقّ والمُبطل ما لا يبقى لكم معه شائبةُ شكٍ فيما كنتم فيه تختلفون في الدنيا، وإنما عبر عن ذلك بما ذكر لوقوعه موقع إزالة الاختلاف التي هي وظيفة الإخبار.

### الآية 5:49

> ﻿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ ۖ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ ۗ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ [5:49]

وَأَنِ احكم بَيْنَهُمْ بِمَا أَنزَلَ الله وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ  عطف على الكتاب، أي أنزلنا إليك الكتابَ والحُكْمَ بما فيه، والتعرُّضُ لعنوان إنزاله تعالى إياه لتأكيد وجوب الامتثال بالأمر، أو على الحق أي أنزلناه بالحق وبأن احكم، وحكايةُ إنزال الأمر بهذا الحكم بعد ما مر من الأمر الصريح بذلك تأكيد له وتمهيدٌ لما يعقُبه من قوله تعالى : واحذرهم أَن يَفْتِنُوكَ عَن بَعْضِ مَا أَنزَلَ الله إِلَيْكَ  أي يصرِفونك عن بعضه ولو كان أقلَّ قليلٍ بتصوير الباطل بصورة الحق، وإظهارُ الاسم الجليل لتأكيدِ الأمر بتهويل الخطب، و( أن ) بصلته بدلُ اشتمالٍ من ضمير ( هم ) أي احذر فتنتهم، أو مفعول له أي احذرهم مخافة أن يفتنوك، وإعادة ما أنزل الله لتأكيد التحذير بتهويل الخطب. رُوي ( أن أحبارَ اليهود قالوا : اذهبوا بنا إلى محمد فلعلنا نفتِنُه عن دينه، فذهبوا إليه صلى الله عليه وسلم وقالوا : يا أبا القاسم قد عرفت أنّا أحبارُ اليهود وأنّا إن اتبعناك اتبعنا اليهودُ كلهم، وإن بيننا وبين قومنا خصومةً فنتحاكم إليك فتقضي لنا عليهم ونحن نؤمن بك ونصدقك، فأبى رسولُ الله صلى الله عليه وسلم فنزلت )  فَإِن تَوَلَّوْا  أي أعرَضوا عن الحكم بما أنزل الله تعالى وأرادوا غيره  فاعلم أَنَّمَا يُرِيدُ الله أَن يُصِيبَهُم بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ  أي بذنب تولِّيهم عن حكم الله عز وجل، وإنما عبر بذلك إيذاناً بأن لهم ذنوباً كثيرة، هذا مع كمال عَظَمةِ واحدٍ من جملتها، وفي هذا الإبهام تعظيمٌ للتولِّي كما في قول لبيد :\[ الكامل \]\[ ترَّكُ أمكنة إذا لم أرضها \]  أو يرتبطْ بعضَ النفوس حِمامُها[(١)](#foonote-١)يريد به نفسه أي نفساً كبيرة ونفساً أيَّ نفس  وَإِنَّ كَثِيراً منَ الناس لفاسقون  أي متمردون في الكفر مصرُّون عليه خارجون عن الحدود المعهودة وهو اعتراض تذييليٌّ مقررٌ لمضمون ما قبله. 
١ البيت للبيد بن ربيعة في ديوانه ص ٣١٣؛ والخصائص ١/٧٤؛ وشرح ديوان الحماسة للمرزوقي ص ٧٧٢؛ وشرح شواهد الشافية ص ٤١٥؛ والصاحبي في فقه اللغة ص ٢٥١؛ ومجالس ثعلب ص ٦٣؛ والمحتسب ١/١١١..

### الآية 5:50

> ﻿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ ۚ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ [5:50]

أَفَحُكْمَ الجاهلية يَبْغُونَ  إنكار وتعجيبٌ من حالهم وتوبيخ لهم، والفاء للعطف على مقدّرٍ يقتضيه المقام، أي أيتولون عن حكمك فيبغون حكم الجاهلية ؟ وتقديمُ المفعول للتخصيص المفيدِ لتأكيد الإنكار والتعجيب، لأن التولَّيَ عن حكمه عليه الصلاة والسلام وطلبَ حكمٍ آخرَ منكرٌ عجيب، وطلبُ حكم الجاهلية أقبح وأعجب، والمراد بالجاهلية إما المِلةُ الجاهلية التي هي متابعةُ الهوى الموجبةُ للميل والمداهنةُ في الأحكام فيكون تعييراً لليهود بأنهم مع كونهم أهلَ كتاب وعلمٍ يبغون حكمَ الجاهلية التي هي هوى وجهلٌ لا يصدُر عن كتاب ولا يرجِعُ إلى وحي، وإما أهلُ الجاهلية، وحكمُهم ما كانوا عليه من التفاضل فيما بين القتلى، حيث رُوي ( أن بني النضيرِ لما تحاكموا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في خصومةِ قتلِ وقعت بينهم وبين بني قريظة طلبوا إليه عليه الصلاة والسلام أن يحكم بينهم بما كان عليه أهلُ الجاهلية من التفاضل، فقال عليه الصلاة والسلام :**«القتلى سواءٌ »** فقال بنو النضير : نحن لا نرضى بذلك فنزلت )، وقرئ برفع ( الحكم ) على أنه مبتدأ ويبغون خبرُه والراجعُ محذوفٌ حذْفَه في قوله تعالى : أهذا الذي بَعَثَ الله رَسُولاً  \[ الفرقان، الآية ٤١ \] وقد استُضعف ذلك في غير الشعر، وقرئ بتاء الخطاب إما بالالتفات لتشديد التوبيخ وإما بتقدير القول أي قل لهم أفحكم الخ، وقرئ بفتح الحاء والكاف أي أفحاكماً كحكام الجاهلية يبغون  وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ الله حُكْماً  إنكار لأن يكون أحدٌ حكمُه أحسنُ من حكمه تعالى أو مساوٍ له، وإن كان ظاهرُ السبك غيرَ متعرِّضٍ لنفي المساواة وإنكارِها، وقد مر تفصيله في تفسير قوله تعالى : وَمَنْ أَحْسَنُ دِيناً مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لله  \[ النساء، الآية ١٢٥ \]  لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ  أي عندهم، واللام كما في ( هَيْتَ لك )[(١)](#foonote-١)، أي هذا الاستفهام لهم فإنهم الذين يتدبرون الأمور بأنظارهم، فيعلمون يقيناً أن حكم الله عز وجل أحسنُ الأحكام وأعدلُها. 
١ هيْت لك: هلمّ، تعال. وفي سورة يوسف، الآية ٢٣: وغلّقت الأبواب وقالت هيت لك..

### الآية 5:51

> ﻿۞ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَىٰ أَوْلِيَاءَ ۘ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ ۚ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ ۗ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ [5:51]

يا أيها الذين آمنوا  خطاب يعُمّ حكمُه كافةَ المؤمنين من المخلصين وغيرهم، وإن كان سببُ ورودِه بعضاً منهم كما سيأتي، ووصفُهم بعنوان الإيمان لحملهم من أول الأمر على الانزجار عما نُهوا عنه بقوله عز وجل : لاَ تَتَّخِذُوا اليهود والنصارى أَوْلِيَاء  فإن تذكيرَ اتصافِهم بضد صفات الفريقين من أقوى الزواجر عن موالاتِهما، أي لا يتخذْ أحدٌ منكم أحداً منهم ولياً، بمعنى لا تُصافوُهم ولا تعاشِروهم مُصافاةَ الأحباب ومعاشرَتَهم لا بمعنى لا تجعلوهم أولياءَ لكم حقيقة، فإنه أمرٌ ممتنِعٌ في نفسه لا يتعلق به النهي  بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ  أي بعضُ كلِّ فريق من ذَيْنِك الفريقَيْن أولياءُ بعضٍ آخَرَ من ذلك الفريق لا من الفريق الآخر، وإنما أوثر الإجمالُ في البيان تعويلاً على ظهور المُراد لوضوح انتفاءِ الموالاة بين فريقَي اليهود والنصارى رأساً، والجملة مستأنفةٌ مَسوقة لتعليل النهي وتأكيدِ إيجاب الاجتناب عن المنْهيِّ عنه أو ( بعضُهم أولياء بعض ) متفقون على كلمة واحدة في كل ما يأتون وما يذرون ومن ضرورته إجماعُ الكل على مُضادَّتكم ومضارَّتِكم بحيث يسومونكم السوءَ ويبغونكم الغوائل، فكيف يُتصورُ بينكم وبينهم موالاة ؟ وقوله تعالى : وَمَن يَتَوَلَّهُمْ منكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ  حكمٌ مستنتَجٌ منه، فإن انحصارَ الموالاة فيما بينهم يستدعي كونَ من يواليهم منهم، ضرورةَ أن الاتحادَ في الدين الذي عليه يدور أمرُ الموالاة حيث لم يكن بكونهم ممن يواليهم من المؤمنين، تعيّنَ أن يكون ذلك بكَوْنِ من يواليهم منهم، وفيه زجرٌ شديد للمؤمنين عن إظهار صورةِ الموالاة لهم وإن لم تكن موالاةً في الحقيقة وقوله تعالى : إِنَّ الله لاَ يَهْدِي القوم الظالمين  تعليلٌ لكون من يتولاهم منهم أي لا يهديهم إلى الإيمان بل يخليهم وشأنَهم فيقعون في الكفر والضلالة، وإنما وَضعَ المُظْهَرَ موضع ضميرِهم تنبيهاً على أن تولِّيهم ظلمٌ، لما أنه تعريضٌ لأنفسهم للعذاب الخالد ووضعٌ للشيء في غير موضعه.

### الآية 5:52

> ﻿فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَىٰ أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ ۚ فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَىٰ مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ [5:52]

وقوله تعالى : فَتَرَى الذين في قُلُوبِهِم مرضٌ  بيان لكيفية توليهم، وإشعارٌ بسببه وبما يؤول إليه أمرُهم، والفاء للإيذان بترتُّبه على عدم الهداية، والخطابُ إما للرسول صلى الله عليه وسلم بطريق التلوين، وإما لكل أحدٍ ممن له أهليةٌ له، وفيه مزيدُ تشنيع للتشنيع، أي لا يهديهم بل يذرهم وشأنَهم فتراهم الخ، وإنما وُضع موضعَ الضمير الموصولُ ليُشارَ بما في حيز صلته إلى أن ما ارتكبوه من التولي بسبب ما في قلوبهم من مرض النفاق ورَخاوة العَقْد في الدين، وقوله تعالى : يسارعون فِيهِمْ  حال من الموصول والرؤية بصرية، وقيل : مفعولٌ ثانٍ والرؤية قلبية، والأول هو الأنسبُ بظهور نفاقهم، أي تراهم مسارعين في موالاتهم، وإنما قيل : فيهم مبالغةً في بيان رغبتِهم فيها وتهالُكِهم عليها، وإيثارُ كلمة ( في ) على كلمة ( إلى ) للدلالة على أنهم مستقرون في الموالاة، وإنما مسارعتُهم من بعضِ مراتبها إلى بعضٍ آخر منها كما في قوله تعالى : أُوْلَئِكَ يسارعون في الخيرات  \[ المؤمنون، الآية ٦١ \] لا أنهم خارجون عنها متوجِّهون إليها كما في قوله تعالى : وَسَارِعُوا إلى مَغْفِرَةٍ من رَبّكُمْ وَجَنَّةٍ  \[ آل عمران، الآية ١٣٣ \] وقرئ ( فيَرى ) بياء الغَيْبة على أن الضمير لله سبحانه، وقيل : لمن تصِحُّ منه الرؤية، وقيل : الفاعل هو الموصولُ والمفعول هو الجملة على حذف أن المصدرية، والرؤية قلبية أي ويرى القومُ الذين في قلوبهم مرض أن يسارعوا فيهم، فلما حُذفت أنْ انقلب الفعلُ مرفوعاً كما في قول من قال :

ألا أيُّهذا الزَّاجِريْ أحْضُرُ الوغى  \[ وأن أشهَدَ اللَّذاتِ هل أنت مُخْلدي \][(١)](#foonote-١)والمراد بهم عبدُ اللَّه بنُ أُبيّ وأضرابُه الذين كانوا يسارعون في مُوادَّةِ اليهود ونَصارى نجرانَ، وكانوا يعتذرون إلى المؤمنين بأنهم لا يأمنون أن تصيبَهم صروفُ الزمان وذلك قوله تعالى : يَقُولُونَ نخشى أَن تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ  وهو حال من ضمير يسارعون، والدائرةُ من الصفات الغالبة التي لا يُذكر معها موصوفُها، أي تدور علينا دائرةٌ من دوائر الدهر ودَوْلةٌ من دُولِه بأن ينقلبَ الأمرُ وتكون الدولةُ للكفار، وقيل : نخشى أن يصيبنا مكروهٌ من مكاره الدهر كالجدْب والقَحْط فلا يعطونا المِيرةَ والقَرْض. روي ( أن عبادة بنَ الصامت رضي الله تعالى عنه قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم : إن لي مواليَ من اليهود كثيراً عددُهم وإني أبرأ إلى الله ورسولِه من وَلايتهم، وأُوالي الله ورسوله. فقال عبد اللَّه بنُ أُبي : إني رجل أخاف الدوائرَ لا أبرأ من وِلاية مواليَّ ) وهم يهودُ بني قَيْقُناع، ولعله يُظهرُ للمؤمنين أنه يريد بالدوائر المعنى الأخيرَ ويُضمِرُ في نفسه المعنى الأول وقوله تعالى : فَعَسَى الله أَن يَاتِي بالفتح  رد من جهة الله تعالى لعللهم الباطلة وقطعٌ لأطماعهم الفارغة وتبشيرٌ للمؤمنين بالظفر، فإن ( عسى ) منه سبحانه وعدٌ محتوم، لما أن الكريمَ إذا أطْمَعَ أطعم لا محالة فما ظنك بأكرمِ الأكرمين ؟ و( أن يأتي ) في محل النصب على أنه خبرُ عسى وهو رأي الأخفش، أو على أنه مفعول به وهو رأيُ سيبويه، لئلا يلزَمَ الإخبارُ عن الجُثَّة بالحدَث كما في قولك : عسى زيد أن يقوم، والمراد بالفتح فتحُ مكةَ، قاله الكلبي والسُّديّ، وقال الضحاك : فتحُ قُرى اليهودِ من خيبرَ وفَدَك، وقال قَتادة ومقاتِلٌ : هو القضاءُ الفصلُ بنصره عليه الصلاة والسلام على من خالفه وإعزازِ الدين  أَوْ أَمْرٍ منْ عِندِهِ  بقطع شأفةِ اليهود من القتل والإجلاء  فَيُصْبِحُوا  أي أولئك المنافقون المتعلَّلون بما ذُكر وهو عطفٌ على ما يأتي داخلٌ معه في حيز خبرِ عسى، وإن لم يكن فيه ضميرٌ يعود إلى اسمها، فإن فاء السببية مغنيةٌ عن ذلك، فإنها تجعل الجملتين كجملة واحدة  على مَا أَسَرُّوا في أَنفُسِهِمْ نادمين  وهو ما كانوا يكتمونه في أنفسهم من الكفر والشك في أمره عليه الصلاة والسلام، وتعليقُ الندامة به لا بما كانوا يُظهرونه من موالاة الكفرة لِما أنه الذي كان يحمِلُهم على الموالاة ويُغريهم عليها فدل ذلك على ندامتهم عليها بأصلها وسببها. 
١ البيت لطرفة بن العبد في ديوانه ص ٣٢؛ والإنصاف ٢/٥٦٠؛ وخزانة الأدب ١/١١٩؛ وسر صناعة الاعراب ١/٢٨٥؛ وشرح شواهد المغني ٢/٨٠٠؛ والكتاب ٣/٩٩؛ ولسان العرب (أنن، دنا)؛ والمقاصد النحوية ٤/٤٠٢؛ والمقتضب ٢/٨٥. ويروى أيضا بالنصب بإضمار "أنْ"..

### الآية 5:53

> ﻿وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا أَهَٰؤُلَاءِ الَّذِينَ أَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ ۙ إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ ۚ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَأَصْبَحُوا خَاسِرِينَ [5:53]

وَيَقُولُ الذين آمنوا  كلام مبتدأ مَسوقٌ لبيان كمال سوء حال الطائفة المذكورة وقرئ بغير واو على أنه جواب سؤال نشأ مما سبق كأنه قيل : فماذا يقول المؤمنون حينئذ ؟ وقرئ ( ويقولَ ) بالنصب عطفاً على يصبحوا، وقيل : على ( يأتيَ ) باعتبار المعنى كأنه قيل : فعسى أن يأتيَ الله بالفتح ويقولَ الذين آمنوا والأولُ أوجهُ، لأن هذا القول إنما يصدر عن المؤمنين عند ظهور ندامةِ المنافقين لا عند إتيان الفتح فقط، والمعنى ويقول الذين آمنوا مخاطِبين لليهود مشيرين إلى المنافقين الذين كانوا يوالونهم ويرجون دولتَهم ويُظهرون لهم غاية المحبة وعدمَ المفارقة عنهم في السراء والضراء عند مشاهدتهم لخَيْبة رجائِهم وانعكاسِ تقديرهم بوقوع ضدِّ ما كانوا يترقبونه ويتعللون به، تعجيباً للمخاطَبين من حالهم وتعريضاً بهم  أهؤلاء الذين أَقْسَمُوا بالله جَهْدَ أيمانهم إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ  أي بالنصر والمعونة كما قالوا فيما حُكيَ عنهم ( وإن قوتلتم لننصُرَنَّكم ) \[ الحشر، الآية : ١١ \] واسمُ الإشارة مبتدأ وما بعده خبرُه، والمعنى إنكارُ ما فعلوه واستبعادُه وتخطئتُهم في ذلك، أو يقولُ بعضُ المؤمنين لبعضٍ مشيرين إلى المنافقين أيضاً أهؤلاء الذين أقسموا للكَفَرة إنهم لمعكم ؟ فالخطابُ في ( معكم ) لليهود على التقديرين إلا أنه على الأول من جهةِ المؤمنين وعلى الثاني من جهة المُقْسِمين، وهذه الجملةُ لا محلَّ لها من الإعراب لأنها تفسيرٌ وحكايةٌ لمعنى أقسَموا لكن لا بألفاظهم وإلا لقيل : إنا معكم، وجَهدُ الأيْمان أغلظُها وهو في الأصل مصدر ونصبُه على الحال على تقدير وأقسموا بالله يَجْهَدون جَهدَ أيمانهم، فحُذِفَ الفعلُ وأقيم المصدرُ مُقامَه، ولا يبالى بتعريفه لفظاً لأنه مؤوَّلٌ بنكرة أي مجتهدين في أيْمانهم أو على المصدر أي أقسموا إقسامَ اجتهادٍ في اليمين وقوله تعالى : حَبِطَتْ أعمالُهم فَأَصْبَحُوا خاسرين  إما جملةٌ مستأنفةٌ مَسوقةٌ من جهته تعالى لبيان مآلِ ما صنعوه من ادِّعاء الولاية والإقسام على المعيَّةِ في المنشَطِ والمكره إثرَ الإشارة إلى بُطلانه بالاستفهام الإنكاري، وإما خبرٌ ثانٍ للمبتدأ عندَ مَنْ يجوِّزُ كونَه جملةً كما في قوله تعالى : فَإِذَا هِي حَيَّةٌ تسعى  \[ طه، الآية ٢٠ \] أو هو الخبرُ والموصول مع ما في حيز صلتِه صفةٌ لاسم الإشارة، فالاستفهامُ حينئذٍ للتقرير، وفيه معنى التعجب كأنه قيل : ما أحبَطَ أعمالَهم فما أخسرَهم، والمعنى بطلتْ أعمالُهم التي عمِلوها في شأن موالاتكم وسعوا في ذلك سعياً بليغاً حيث لم تكن لكم دولةٌ فينتفعوا بما صنعوا من المساعي وتحمَّلوا من مكابدة المشاق، وفيه من الاستهزاء بالمنافقين والتقريع للمخاطَبين ما لا يخفى، وقيل : قاله بعضُ المؤمنين مخاطِباً لبعض تعجباً من سوء حال المنافقين واغتباطاً بما منّ الله تعالى على أنفسهم من التوفيق للإخلاص : أهؤلاءِ الذين أقسموا لكم بأغلظِ الأيْمان أنهم أولياؤُكم ومعاضِدوكم على الكفار ؟ بطَلتْ أعمالُهم التي كانوا يتكلّفونها في رأيِ أعينِ الناس، وأنت خبير بأن هذا الكلامَ من المؤمنين إنما يليقُ بما لو أظهرَ المنافقون حينئذ خلافَ ما كانوا يدَّعونه ويُقسِمون عليه من ولاية المؤمنين ومعاضَدَتِهم على الكفار فظهر كذِبُهم وافتُضحوا بذلك على رؤوس الأشهاد وبطَلتْ أعمالُهم التي كانوا يتكلفونها في رأي أعين المؤمنين، ولا ريب في أنهم يومئذ أشدُّ ادعاءً وأكثر إقساماً منهم قبل ذلك، فضلاً عن أن يظهروا خلافَ ذلك، وإنما الذي يظهر منهم الندامةُ على ما صنعوا وليس ذلك علامةً ظاهرةَ الدلالة على كفرهم وكذبهم في ادعائهم، فإنهم يدّعون أنْ ليست ندامتُهم إلا على ما أظهروه من موالاة الكَفَرةِ خشيةَ إصابةِ الدائرة.

### الآية 5:54

> ﻿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ۚ ذَٰلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ ۚ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ [5:54]

يا أيها الذين آمنوا مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ  وقرئ ( يرتدِدْ ) بالفك على لغة الحجاز، والإدغام لغة تميم، لمّا نهى فيما سلف عن موالاة اليهود والنصارى وبيّن أن موالاتَهم مستدعيةٌ للارتداد عن الدين وفصَّل مصيرَ أمْرِ من يواليهم من المنافقين شَرَع في بيان حال المرتدين على الإطلاق وهذا من الكائنات التي أخبر عنها القرآنُ قبل وقوعِها. ( روي أنه ارتد عن الإسلام إحدى عشرة فِرقةً، ثلاثٌ في عهد رسولِ الله عليه الصلاة والسلام بنو مدلج ورئيسُهم ذو الخِمار، وهو الأسود العنْسي، كان كاهناً تنبأ باليمن واستولى على بلاده فأخرج منها عُمّالَ رسول الله صلى الله عليه وسلم فكتب عليه الصلاة والسلام إلى معاذِ بنِ جبلٍ وإلى ساداتِ اليمنِ فأهلكه الله تعالى على يَدَيْ فيروزَ الدَّيْلمي، بيَّته فقتله، وأخبر رسولُ الله صلى الله عليه وسلم بقتلِه ليلةَ قُتل، فسُرَّ به المسلمون وقُبضَ عليه الصلاة والسلام من الغدِ، وأتى خبرُه في آخرِ شهرِ ربيع الأول، وبنو حنيفةَ قومُ مسيلِمَةَ الكذاب تنبأ وكتب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم : من مسيلِمةَ رسولِ الله إلى محمدٍ رسولِ الله أما بعد فإن الأرض نصفُها لي ونصفُها لك. فأجاب عليه الصلاة والسلام :**«من محمدٍ رسولِ الله إلى مسيلِمَةَ الكذاب، أما بعد فإن الأرض لله يورثُها من يشاء من عباده والعاقبةُ للمتقين »** فحاربه أبو بكر رضي الله عنه بجنودِ المسلمين، وقتل على يدَيْ وحشيّ قاتلِ حمزةَ رضي الله عنه. وكان يقول : قتلتُ في جاهليتي خيرَ الناس وفي إسلامي شرَّ الناس، وبنو أسد قومُ طليحةَ بنِ خويلد، تنبأ فبعث إليه أبو بكر رضي الله عنه خالدَ بن الوليد فانهزم بعد القتال إلى الشامِ فأسلم وحسُنَ إسلامُه، وسبعٌ في عهد أبي بكر رضي الله عنه فَزارةُ قومُ عيينةَ بنِ حِصْن، وغطَفانُ قوم قرَّةَ بنِ سلمة القشيري، وبنو سُلَيم قومُ الفُجاءة بنُ عبدِ ياليلَ، وبنو يَرْبوعٍ قومُ مالكِ بنِ نُوَيرة، وبعضُ تميم قومُ سَجاح بنتِ المنذر المتنبّئة، التي زوَّجَتْ نفسها من مسيلِمة الكذاب، وفيها يقول أبو العلاء المعري في كتاب \[ استغفرْ واستغفري \] :\[ البسيط \]آمتْ سَجاحِ ووالاها مسيلِمةٌ  كذابةٌ في بني الدنيا وكذّابُوكِندةُ قومُ الأشعث بن قيس، وبنو بكر بنِ وائل بالبحرَيْن قومُ الحطَمِ بنِ زيد، وكفي الله تعالى أمرَهم على يد أبي بكر رضي الله عنه، وفِرقة واحدةٌ في عهد عمرَ رضي الله عنه غسانُ قومُ جَبَلةَ بنِ الأيهم نصَّرتْه اللطمة[(١)](#foonote-١)، وسيَّرتْه إلى بلاد الروم وقصتُه مشهورة. وقوله تعالى : فَسَوْفَ يَاتِي الله  جواب الشرط والعائد إلى اسم الشرط محذوفٌ أي فسوف يأتي الله مكانهم بعد إهلاكهم  بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ  أي يريد بهم خيري الدنيا والآخرة، ومحل الجملة الجرُّ على أنها صفة لقوم، وقوله تعالى : وَيُحِبُّونَهُ  أي يريدون طاعته ويتحرّزون عن معاصيه، معطوفٌ عليها داخلٌ في حكمها، قيل : هم أهلُ اليمن لما روي أن النبي عليه الصلاة والسلام أشار إلى أبي موسى الأشعري وقال **«قومُ هذا »**، وقيل : هم الأنصارُ رضي الله عنهم، وقيل : هم الفرسُ لما روي أنه عليه السلام سئل عنهم فضرب بيده الكريمة على عاتق سَلمان رضي الله عنه وقال :**«هذا وذوُوه »** ثم قال :**«لو كان الإيمانُ معلقاً بالثريا لنالَه رجالٌ من أبناء فارسَ »** وقيل :( هم ألفان من النخَع وخمسةُ آلافٍ من كِندةَ وثلاثةُ آلاف من أفياءِ الناس جاهدوا يوم القادسية ).  أَذِلَّةٍ عَلَى المؤمنين  جمع ذليلٍ لا ذلول، فإن جمعه ذُلُلٌ أي أرِقّاءَ رحماءَ متذللين ومتواضعين لهم، واستعماله ( بعلى ) إما لتضمين معنى العطف والحُنُوّ، أو للتنبيه على أنهم مع علو طبقتِهم وفضلِهم على المؤمنين خافضون لهم أجنحتَهم، أو لرعاية المقابلة بينه وبين على في قوله تعالى : أَعِزَّةٍ عَلَى الكافرين  أي أشداء متغلبين عليهم من عزّه إذ غلبه كما في قوله عز وعلا : أَشِدَّاء عَلَى الكفار رُحَمَاء بَيْنَهُمْ  \[ الفتح، الآية ٢٩ \] وهما صفتان أُخريان لقومٍ تُرك بينهما العاطفُ للدلالة على استقلالهم بالاتصاف بكل منهما، وفيه دليل على صحة تأخير الصفة الصريحة من الجملة والظرف، كما في قوله تعالى : وهذا كتاب أنزلناه مُبَارَكٌ  \[ الأنعام، الآية ٩٢ و١٥٥ \] وقوله تعالى : مَا يَاتِيهِمْ من ذِكْرٍ من رَبّهِمْ محدَثٍ  \[ الأنبياء، الآية ٢ \] وقوله تعالى : مَا يَاتِيهِمْ من ذِكْرٍ من الرحمان مُحْدَثٍ  \[ الشعراء، الآية ٥ \] وما ذهب إليه من لا يجوِّزه من أن قوله تعالى : يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ  كرم معترِضٌ وأن ( مبارك ) خبرٌ بعد خبر أو خبرٌ لمبتدأ محذوفٍ وأن ( من ربهم ) و( من الرحمان ) حالان مقدمتان من ضمير ( محدَثٍ ) تكلفٌ لا يخفى، وقرئ ( أذلةً ) و( أعزةً ) بالنصب على الحالية من قوم لتخصصه بالصفة.  يجاهدون في سَبِيلِ الله  صفة أخرى لقومٍ مترتبةٌ على ما قبلها مُبيِّنةٌ مع ما بعدها لكيفية عزتهم، أو حالٌ من ضميرٍ في ( أعزة )  وَلاَ يخافون لَوْمَةَ لائِمٍ  عطف على يجاهدون بمعنى أنهم جامعون بين المجاهدة في سبيل الله وبين التصلب في الدين وفيه تعريضٌ بالمنافقين، فإنهم كانوا إذا خرجوا في جيش المسلمين خافوا أولياءَهم اليهودَ فلا يكادون يعملون شيئاً يلحقهم فيه لومٌ من جهتهم، وقيل : هو حال من فاعل يجاهدون بمعنى أنهم يجاهدون وحالُهم خلافُ حال المنافقين، واعتُرض عليه بأنهم نصُّوا على أن المضارعَ المنفيَّ بلا أو ما كالمُثْبَت في عدم جواز مباشرة واو الحال له واللَّوْمةُ المرةُ من اللوم، وفيها وفي تنكيرِ لائمٍ مبالغة لا تخفى.  ذلك  إشارة إلى ما تقدم من الأوصاف الجليلة وما فيه من معنى البعد للإيذان ببعد منزلتها في الفضل  فَضَّلَ الله  أي لطفُه وإحسانُه لا أنهم مستقلون في الاتصاف بها  يُؤْتِيهِ مَن يَشَاء  إيتاءً إياه ويوفقُه لكسبه وتحصيلِه حسبما تقتضيه الحِكْمةُ والمصلحة  والله واسع  كثيرُ الفواضل والألطاف  عَلِيمٌ  مبالِغٌ في العلم بجميع الأشياء التي من جملتها مَنْ هو أهلٌ للفضل والتوفيق، والجملةُ اعتراضٌ تذييليٌّ مقرِّرٌ لما قبله، وإظهارُ الاسمِ الجليل للإشعار بالعلة وتأكيد استقلال الجملة الاعتراضية. 
١ روى البلاذري في فتوح البلدان أنه لما قدم عمر بن الخطاب الشام سنة ١٧ لاحى (خاصم) جبلةُ رجلا من مزينة، فلطم عينه، فأمره عمر بالاقتصاص منه، فقال جبلة: أوَعينه مثل عيني؟! والله لا أقيم ببلد عليّ به سلطان، فدخل الروم مرتدا..

### الآية 5:55

> ﻿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ [5:55]

إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ الله وَرَسُولُهُ والذين آمنوا  لما نهاهم الله عز وجل عن موالاة الكفرة وعلّله بأن بعضَهم أولياءُ بعض لا يُتصوَّرُ ولايتُهم للمؤمنين، وبين أن من يتولاهم يكون من جملتهم، بيَّن هاهنا من هو وليُّهم بطريقٍ قصَرَ الولايةَ عليه كأنه قيل : لا تتخذوهم أولياءَ، لأن بعضَهم أولياءُ بعضٍ وليسوا بأوليائكم، إنما أولياؤكم الله ورسولُه والمؤمنون فاختصُّوهم بالموالاة ولا تتخطّوهم إلى غيرهم، وإنما أفرد الوليَّ مع تعدده للإيذان بأن الولايةَ أصالةً لله تعالى وولايتُه عليه السلام، وكذا ولايةُ المؤمنين بطريقِ التبعية لولايتِه عز وجل  الذين يُقِيمُونَ الصلاة وَيُؤْتُونَ الزكاة  صفة للذين آمنوا لجرَيانه مجرى الاسمِ أو بدلٌ منه أو نصْبٌ على المدح أو رفعٌ عليه  وَهُمْ رَاكِعُونَ  حال من فاعل الفعلين أي يعملون ما ذكر من إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة وهم خاشعون ومتواضعون لله تعالى، وقيل : هو حال مخصوصةٌ بإيتاء الزكاة، والركوعُ ركوعُ الصلاة، والمراد بيانُ كمال رغبتهم في الإحسان ومسارعتهم إليه، ورُوي أنها نزلت في علي رضي الله عنه حين سأله سائل وهو راكعٌ فطرح إليه خاتمه كأنه كان مرجاً[(١)](#foonote-١) في خِنْصَرِه غيرَ محتاجٍ في إخراجه إلى كثير عمل يؤدِّي إلى فساد الصلاة، ولفظ الجمع حينئذ لترغيب الناس في مثل فعلِه رضي الله عنه، وفيه دلالة على أن صدقة التطوُّع تسمّى زكاةً. 
١ مرج الخاتم في اليد: قلق، إذا اتسعت حلقته عن الإصبع..

### الآية 5:56

> ﻿وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ [5:56]

وَمَن يَتَوَلَّ الله وَرَسُولَهُ والذين آمنوا  أُوثرَ الإظهارُ على أن يقال : ومن يتولَّهم رعايةً لما مر من نُكتةِ بيانِ أصالتِه تعالى في الولاية كما ينبئ عنه قوله تعالى : فَإِنَّ حِزْبَ الله هُمُ الغالبون  حيث أضيفَ الحِزبُ إليه تعالى خاصة وهو أيضاً من باب وضْعِ الظاهِرِ موضعَ الضمير العائد إلى ( من )، أي فإنهم الغالبون لكنهم جُعِلوا حزبَ الله تعالى تعظيماً لهم وإثباتاً لغَلَبتهم بالطريق البرهاني، كأنه قيل : ومن يتولَّ هؤلاء فإنهم حزبُ الله وحزبُ الله هم الغالبون.

### الآية 5:57

> ﻿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِيَاءَ ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ [5:57]

يا أيها الذين آمنوا لاَ تَتَّخِذُوا الذين اتخذوا دِينَكُمْ هُزُواً وَلَعِباً  رُوي ( أن رُفاعةَ بنَ زيد وسويدَ بنَ الحارث، أظهرا الإسلامَ ثم نافقا، وكان رجالٌ من المؤمنين يُوادُّونهما ) فنُهوا عن موالاتهما، ورُتِّب النهيُ على وصف يعمُّهما وغيرَهما تعميماً للحكم وتنبيهاً على العلة وإيذاناً بأن مَنْ هذا شأنُه جديرٌ بالمعاداة فكيف بالموالاة ؟  مِنَ الذين أُوتُوا الكتاب مِن قَبْلِكُمْ  بيان للمستهزئين، والتعرّضُ لعنوان إيتاءِ الكتاب لبيان كمال شناعتِهم وغايةِ ضلالتهم، لِما أنَّ إيتاءَ الكتاب وازعٌ لهم عن الاستهزاء بالدين المؤسَّسِ على الكتابِ المصدِّقِ لكتابهم  والكفار  أي المشركين خُصّوا به لتضاعُفِ كفرهم، وهو عطف على الموصول الأول ففيه إشعارٌ بأنهم ليسوا بمستهزئين كما يُنبئُ عنه تخصيصُ الخطاب بأهل الكتاب في قوله تعالى : يا أهل الكتاب هَلْ تَنقِمُونَ مِنَّا  \[ المائدة، الآية ٥٩ \] الآية، وقرئ بالجر عطفاً على الموصول الأخير ويعضُده قراءةُ أُبيٍّ  وَمِن الكفار  وقراءةُ عبدِ اللَّه  وَمِنَ الذين أَشْرَكُوا  \[ البقرة، الآية ٩٦. وسورة آل عمران، الآية ١٨٦ \] فهم أيضاً من جملة المستهزئين  أَوْلِيَاء  وجانبوهم كلَّ المجانبة.  واتقوا الله  في ذلك بترك موالاتهم أو بترك المَناهي على الإطلاق فيدخل فيه تركُ موالاتِهم دخولاً أولياً  إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ  أي حقاً، فإن قضيةَ الإيمان توجب الاتقاءَ لا محالة.

### الآية 5:58

> ﻿وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ اتَّخَذُوهَا هُزُوًا وَلَعِبًا ۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْقِلُونَ [5:58]

وَإِذَا ناديتم إِلَى الصلاة اتخذوها  أي الصلاةَ أو المناداةَ، ففيه دلالة على شرعية الأذان  هُزُواً وَلَعِباً  بيان لاستهزائهم بالدين على الإطلاق إظهاراً لكمال شقاوتهم. رُوي ( أن نصرانياً بالمدينة كان إذا سمع المؤذن يقول : أشهد أن محمداً رسول الله، يقول : أحرق الله الكاذب، فدخل خادمُه ذاتَ ليلة بنار وأهلُه نيامٌ فتطايرَتْ منه شرارةٌ في البيت فأحرقَتْه وأهلَه جميعاً )  ذلك  أي الاستهزاء المذكور  بِأَنَّهُمْ  بسبب أنهم  قَوْمٌ لاَ يَعْقِلُونَ  فإن السَّفَه يؤدِّي إلى الجهل بمحاسِنِ الحق والهُزء به، ولو كان لهم عقلٌ في الجملة لما اجترءوا على تلك العظيمة.

### الآية 5:59

> ﻿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ هَلْ تَنْقِمُونَ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلُ وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فَاسِقُونَ [5:59]

قُلْ  أمرٌ لرسول الله صلى الله عليه وسلم بطريق تلوين الخطاب بعد نهْيِ المؤمنين عن تولِّي المستهزئين بأن يخاطِبَهم ويبيِّنَ أن الدين منزه عما يصحِّحُ صدورَ ما صدر عنهم من الاستهزاء، ويُظهرَ لهم سببَ ما ارتكبوه ويُلْقِمَهم الحجرَ، أي قل لأولئك الفجرة  يَا أَهْل الكتاب  وُصفوا بأهلية الكتاب تمهيداً لما سيأتي من تبكيتهم وإلزامهم بكفرهم بكتابهم  هَلْ تَنقِمُونَ مِنَّا  من نقَم منه كذا إذا عابه وأنكره وكرهه، ينقِمه من حدِّ ضرب، وقرئ بفتح القاف من حد علِمَ وهي أيضاً لغة، أي ما تَعيبون وما تُنكرون منا  إِلاَّ أَنْ آمَنَّا بِاللهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا  من القرآن المجيد  وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلُ  أي من قبل إنزاله من التوراة والإنجيل المنزَّلَيْن عليكم وسائرِ الكتبِ الإلهية  وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فاسقون  أي متمردون خارجون عن الإيمان بما ذكر فإن الكفر بالقرآن مستلزم بما يصدِّقُه لا محالة وهو عطف على ( أن آمنا ) على أنه مفعول له لتنقمون، والمفعول الذي هو الدينُ محذوفٌ ثقةً بدلالة ما قبله وما بعده عليه دلالةً واضحة، فإن اتخاذ الدين هزواً ولعباً عينُ نِقَمِه وإنكارِه، والإيمانُ بما فُصِّل عينُ الدين الذي نقَموه خلا أنه أبرَزَ في معرِض علةِ نقمِهم له تسجيلاً عليهم بكمال المكابرةِ والتعكيس حيث جعلوه موجِباً لنقمه مع كونه في نفسه موجباً لقَبوله وارتضائه، فالاستثناءُ من أعم العلل أي ما تنقِمون منا دينَنا لعلةٍ من العلل إلا لأنا آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أُنزل من قبلُ من كتُبكم، ولأن أكثركم متمردون غيرُ مؤمنين بواحدٍ مما ذُكر حتى لو كنتم مؤمنين بكتابكم الناطقِ بصحة كتابِنا لآمنتم به، وإسنادُ الفسق إلى أكثرِهم لأنهم الحاملون لأعقابهم على التمرُّد والعناد، وقيل : عطفٌ عليه على أنه مفعول لتنقمون منا، لكن لا على أن المستثنى مجموعُ المعطوفَيْن بل هو ما يلزَمهما من المخالفة كأنه قيل : ما تنقمون منا إلا مخالفتَكم حيث دخلنا الإيمانَ وأنتم خارجون عنه، وقيل : على حذف المضافِ، أي واعتقادَ أن أكثركم فاسقون، وقيل : عطف على ( ما ) أي ما تنقمون منا إلا أن آمنا بالله وما أنزل إلينا وبأنكم فاسقون، وقيل : عطفٌ على علة محذوفةٍ أي لقلة إنصافِكم ولأن أكثركم فاسقون، وقيل : الواو بمعنى مع أي ما تنقِمون منا إلا الإيمانَ مع أن أكثركم الخ، وقيل : هو مرفوعٌ على الابتداء والخبر محذوفٌ أي وفِسقُكم معلوم أي ثابت، والجملة حالية أو معترضة، وقرئ بإِن المكسورةِ والجملةُ مستأنَفة مبيّنةٌ لكون أكثرهم فاسقين متمرِّدين.

### الآية 5:60

> ﻿قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَٰلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ ۚ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ ۚ أُولَٰئِكَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضَلُّ عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ [5:60]

قُلْ هَلْ أُنَبّئُكُمْ بِشَرٍّ من ذلك  لما أمر عليه الصلاة والسلام بإلزامهم وتبكيتهم ببيان أن مدارَ نقمِهم للدين إنما هو اشتمالُه على ما يوجب ارتضاءَه عندهم أيضاً وكفرُهم بما هو مُسلَّم لهم، أُمر عليه الصلاة والسلام عَقيبَه بأن يُبكتَهم ببيان أن الحقيقَ بالنقم والعيبَ حقيقةً ما هم عليه من الدين المحرَّف وينعى عليهم في ضمن البيان جناياتِهم وما حاق بهم من تبِعاتها وعقوباتِها على منهاج التعريض لئلا يحمِلَهم التصريحُ بذلك على ركوب متن المكابرةِ والعنادِ، ويخاطِبَهم قبل البيانِ بما يُنبئ عن عِظَم شأن المبيَّنِ، ويستدعي إقبالَهم على تلقّيه من الجملة الاستفهامية المُشَوِّقة إلى المخبِر به والتنبئةِ المُشعرة بكونه أمراً خطيراً لما أن النبأ هو الخبرُ الذي له شأنٌ وخطَرٌ، وحيث كان مناطُ النقم شَرِّيَّةَ المنقوم حقيقةً أو اعتقاداً وكان مجردُ النقم غيرَ مفيد لشَرِّيته البتّةَ، قيل :( بشرٍّ ) من ذلك ولم يقُل : بأنقَمَ من ذلك تحقيقاً لشَرِّية ما سيُذكر وزيادةَ تقرير لها، وقيل : إنما قيل ذلك لوقوعه في عبارة المخاطَبين حيث أتى نفرٌ من اليهود فسألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن دينه فقال عليه الصلاة والسلام :**«أُومنُ بالله وما أنزل إلينا »** إلى قوله : وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ  فحين سمعوا ذكر عيسى عليه السلام قالوا : لا نعلم شراً من دينكم، وإنما اعتَبَر الشَّرِّيةَ بالنسبة إلى الدين وهو منزَّه عن شائبةِ الشرّية بالكلية مجاراةً معهم على زعمهم الباطِلِ المنعقدِ على كمال شريتِه ليثبِتَ أن دينهم شرٌ من كل شر، أي هل أخبركم بما هو شرٌّ في الحقيقة مما تعتقدونه شراً، وإن كان في نفسه خيراً محضاً  مَثُوبَةً عِندَ الله  أي جزاءً ثابتاً في حكمه، وقرئ ( مثوبةً ) وهي لغة فيها كمشُورة ومشْوَرة وهي مختصةٌ بالخير كما أن العقوبة مختصة بالشر، وإنما وضعت هاهنا موضعها على طريقة قوله :\[ الوافر \]\[ وخيلٌ قد دلفتُ لها بخيل \]  تحيةُ بينِهم ضَرْبٌ وجيعُ[(١)](#foonote-١)ونصبُها على التمييز من ( بشرّ ) وقوله عز وجل : مَن لعَنَهُ الله وَغَضِبَ عَلَيْهِ  خبر لمبتدأ محذوفٍ بتقدير مضافٍ قبله مناسبٍ لما أشير إليه بكلمة ذلك أي : دينُ مَنْ لعنه الخ، أو بتقدير مضافٍ قبلها مناسبٍ لمن، أي بشرّ مِنْ أهل ذلك، والجملة على التقديرين استئنافٌ وقع جواباً عن سؤال نشأ من الجملة الاستفهامية إما على حالها وهو الظاهرُ المناسب لسياق النظم الكريم، وإما باعتبار التقدير فيها فكأنه قيل : ما الذي هو شرٌّ من ذلك ؟ فقيل : هو دينُ مَنْ لعنه الله الخ، أو قيل في السؤال : من ذا الذي هو شرٌّ من أهل ذلك ؟ فقيل : هو مَنْ لعنه الله، ووضع الاسمِ الجليلِ موضع الضمير لتربية المهابةِ وإدخالِ الروعة وتهويلِ أمر اللعن وما تبعه، والموصولُ عبارةٌ عن المخاطبين حيث أبعدهم الله تعالى من رحمته وسخِط عليهم بكفرهم وانْهماكِهم في المعاصي بعد وضوح الآيات وسُنوحِ البينات.  وَجَعَلَ مِنْهُمُ القردة والخنازير  أي مسخ بعضَهم قردةً وهم أصحابُ السبْت وبعضَهم خنازيرَ وهم كفار مائدةِ عيسى عليه السلام، وقيل : كلا المسخين في أصحاب السبْت مُسِخت شبانُهم قردةً وشيوخُهم خنازيرَ وجمع الضمير الراجع إلى الموصول في ( منهم ) باعتبار معناه كما أن إفراد الضميرين الأولين باعتبار لفظه، وإيثارُ وضعه موضعَ ضمير الخِطاب المناسب لأنبئكم للقصدِ إلى إثبات الشرِّية بما عُدّد في حيز صلتِه من الأمورِ الهائلة الموجبةِ لها على الطريقة البرهانية مع ما فيه من الاحتراز عن تهييج لَجاجِهم  وَعَبَدَ الطاغوت  عطف على صلة ( مَنْ ) وإفراد الضمير لما مر وكذا عُبد الطاغوتُ على قراءة البناء للمفعول ورفع الطاغوتَ وكذا عبد الطاغوت بمعنى صار معبوداً، فالراجع إلى الموصول محذوف على القراءتين، أي عُبد فيهم أو بينهم، وتقديم أوصافِهم المذكورة بصدد إثباتِ شرّية دينِهم على وصفهم هذا مع أنه الأصلُ المستتبِعُ لها في الوجود وأن دلالته على شريته بالذات، لأن عبادة الطاغوتِ عينُ دينهم البيّنِ البطلان ودلالتُها عليها بطريق الاستدلال بشرِّيَّة الآثار على شرِّية ما يوجبُها من الاعتقاد، والعمل، إما للقصد إلى تبكيتهم من أول الأمر بوصفهم بما لا سبيل لهم إلى الجحود لا بشرِّيته وفظاعته ولا باتصافهم به، وإما للإيذان باستقلال كلَ من المقدم والمؤخر بالدلالة على ما ذكر من الشرِّية، ولو روعيَ ترتيبُ الوجود، وقيل : مَنْ عَبَدَ الطاغوتَ ولعنه الله وغضب عليه الخ، لربما فهم أن علة الشرية هو المجموعُ، وقد قرئ ( عابدَ الطاغوت ) وكذا ( عبِدَ الطاغوتِ ) بالإضافة على أنه نعتٌ كفطِنٍ ويقِظٍ، وكذا ( عبدَةَ الطاغوتِ )، وكذا ( عبَدَ الطاغوتِ ) بالإضافة على أنه جمع عابد كخَدَمٍ، أو على أن أصله ( عبدةَ ) حذفت تاؤه للإضافة، بالنصب في الكل عطفاً على القردة والخنازير، وقرئ ( عَبَدِ الطاغوتِ ) بالجر عطفاً على ( مَنْ ) بناءً على أنه مجرور بتقدير المضاف، وقد قيل : إن ( مَنْ ) مجرور على أنه بدلٌ من شرَ على أحد الوجهين المذكورين في تقدير المضاف، وأنت خبير بأن ذلك مع اقتضائه إخلاءَ النظم الكريم عن المزايا المذكورة بالمرة مما لا سبيل إليه قطعاً ضرورةَ أن المقصود الأصلي ليس مضمونَ الجملة الاستفهامية بل هو كما مر مقدّمة سيقت أمام المقصود لهُزُء المخاطبين وتوجيه أذهانهم نحو تلقي ما يلقى إليهم عَقيبها بجملة خبرية موافقةٍ في الكيفية للسؤال الناشئ عنها وهو المقصودُ إفادتُه، وعليه يدور ذلك الإلزام والتبكيتُ حسبما شُرح، فإذا جُعل الموصولُ بما في حيز صلتِه من تتمة الجملة الاستفهامية فأين الذي يلقى إليهم عقيبها جواباً عما نشأ منها من السؤال ليحصُلَ به الإلزامُ والتبكيت ؟ وأما الجملة الآتية فبمعزلٍ من صلاحية الجواب، كيف لا ولابد من موافقته في الكيفية للسؤال الناشئ عن الجملة الاستفهامية، وقد عرفت أن السؤال الناشئ عنها يستدعي وقوعَ الشر من تتمة المخبَرِ عنه لا خبراً كما في الجملة المذكورة، وسيتضح ذلك مزيدَ اتضاحٍ بإذن الله تعالى. والمراد بالطاغوت العِجْلُ، وقيل : هو الكهنة وكلُّ من أطاعوه في معصية الله عز وجل فيعم الحكمُ دينَ النصارى أيضاً. ويتضح وجه تأخيرِ ذكرِ عبادتِه عن العقوبات المذكورة، إذ لو قُدِّمت عليها لتُوُهِّم اشتراكُ الفريقين في تلك العقوبات ولما كان مآلُ ما ذُكرَ بصدر التبكيت أن ما هو شرٌّ مما نقَموه دينُهم أو أن من هو شرٌّ من أهل ما نقموه أنفسُهم بحسَب ما قدِّر من المضافين، وكانت الشرِّيةُ على كلا الوجهين من تتمة الموضوع غيرَ مقصودة الإثبات لدينهم أو لأنفسهم عقِبَ ذلك بإثباتها لهم على وجهٍ يُشعر بعِلِّية ما ذُكر من القبائح لثبوتها لهم بجملةٍ مستأنَفةٍ مسوِّغةٍ من جهته سبحانه شهادةً عليهم بكمال الشرارة والضلال، أو داخلةٍ تحت الأمر تأكيداً للإلزام وتشديداً للتبكيت فقيل : أُوْلَئِكَ شَرٌّ مكاناً  فاسسمُ الإشارة عبارة عمن ذُكرتْ صفاتُهم الخبيثة وما فيه من معنى البعد للإيذان ببعد منزلتِهم في الشرارة أي أولئك الموصوفون بتلك القبائح والفضائحِ شرٌّ مكانُهم، جَعَلَ مكاناً شراً ليكونَ أبلغَ في الدلالة على شرارتهم، وقيل : شر مكاناً أي مُنصَرَفاً  وَأَضَلُّ عَن سَوَاء السبيل  عطف على شر، مقرِّرٌ له أي أكثرُ ضلالاً عن الطريق المستقيم وفيه دلالة على كون دينهم شراً محضاً بعيداً عن الحق لأن ما يسلُكونه من الطريق دينُهم، فإذا كانوا أضلَّ كان دينُهم ضلالاً مُبيناً لا غايةَ وراءه، وصيغةُ التفضيل في الموضعين للزيادة مطلقاً لا بالإضافة إلى من يشاركهم في أصلِ الشرارة والضلال. 
١ البيت لعمرو بن معدي كرب في ديوانه ص ١٤٩؛ وخزانة الأدب ٩/٢٥٢؛ وشرح أبيات سيبويه ٢/٢٠٠؛ والكتاب ٣/٥٠؛ ونوادر أبي زيد ص ١٥٠..

### الآية 5:61

> ﻿وَإِذَا جَاءُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَقَدْ دَخَلُوا بِالْكُفْرِ وَهُمْ قَدْ خَرَجُوا بِهِ ۚ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا يَكْتُمُونَ [5:61]

وَإِذَا جَآؤُوكُم قَالُوا آمَنَّا  نزلت في ناس من اليهود كانوا يدخُلون على رسول الله صلى الله عليه وسلم ويُظهرون له الإيمان نفاقاً، فالخطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم، والجمعُ للتعظيم، أوْ له مَعَ مَنْ عنده من المسلمين، أي إذا جاؤوكم أظهروا الإسلام  وَقَدْ دَخَلُوا بالكفر وَهُمْ قَدْ خَرَجُوا بِهِ  أي يخرجون من عندك ملتبسين بالكفر كما دخلوا، لم يؤثِّرْ فيهم ما سمعوا منك، والجملتان حالان من فاعل قالوا، وبالكفر وبه حالان من فاعل دخلوا وخرجوا، وقد وإن دخلت لتقريب الماضي من الحال ليصح أن يقع حالاً، أفادت أيضاً بما فيها من معنى التوقع أن أمارات النفاق كانت لائحة، وكان الرسول صلى الله عليه وسلم يظنه ويتوقع أن يظهره الله تعالى، ولذلك قيل : والله أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا يَكْتُمُونَ  أي من الكفر، وفيه وعيد شديد لهم.

### الآية 5:62

> ﻿وَتَرَىٰ كَثِيرًا مِنْهُمْ يُسَارِعُونَ فِي الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ ۚ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [5:62]

وَتَرَى  خطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم أو لكل أحدٍ ممن يصلُح للخطاب والرؤية بصرية  كَثِيراً منهُمْ  من اليهود والمنافقين، وقولُه تعالى : يسارعون في الإثم  حال من كثيراً، وقيل : مفعول ثانٍ والرؤيةُ قلبية، والأول أنسبُ بحالهم وظهور نفاقهم، والمسارعة المبادرة والمباشرة للشيء بسرعة، وإيثار كلمة ( في ) على كلمة ( إلى ) الواقعة في قوله تعالى : وَسَارِعُوا إلى مَغْفِرَةٍ  الخ، لِما ذُكر في قوله تعالى : فَتَرَى الذين في قُلُوبِهِم مرضٌ يسارعون فِيهِمْ  والمرادُ بالإثم الكذبُ على الإطلاق، وقيل : الحرام، وقيل : كلمةُ الشرك وقولُهم : عزيرٌ ابنُ الله، وقيل : هو ما يختصُّ بهم من الآثام  والعدوان  أي الظلم المتعدي إلى الغير أو مجاوزة الحد في المعاصي  وَأَكْلِهِمُ السحت  أي الحرام، خصه بالذكر مع اندراجه في الإثم للمبالغة في التقبيح  لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ  أي لبئس شيئاً كانوا يعملونه، والجمعُ بين صيغتي الماضي والمستقبل للدلالة على الاستمرار.

### الآية 5:63

> ﻿لَوْلَا يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الْإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ ۚ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ [5:63]

لَوْلاَ ينهاهم الربانيّون والأحبار  قال الحسن : الربانيون علماء الإنجيل، والأحبار علماء التوراة، وقيل : كلهم في اليهود وهو تحضيضٌ للذين يقتدي بهم أفناؤهم ويَعْلمون قَباحةَ ما هم فيه وسوءَ مغبَّته على نهْيِ أسافلِهم عن ذلك مع توبيخ لهم على تركه  عَن قَوْلِهِمُ الإثم وَأَكْلِهِمُ السحت  مع علمهم بقبحهما ومشاهدتهم لمباشرتهم لهما  لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ  وهذا أبلغ مما قيل في حق عامتهم لما أن العمل لا يبلُغ درجة الصنع ما لم يتدرَّبْ فيه صاحبُه ولم يحصُلْ فيه مهارة تامة، ولذلك ذَمَّ به خواصَّهم، ولأن ترك الحسنة أقبحُ من مواقعة المعصية، لأن النفس تلتذ بها وتميل إليها، ولا كذلك تركُ الإنكار عليها، فكان جديراً بأبلغِ ذم، وفيه مما يُنعى على العلماء توانيهم في النهي عن المنكرات ما لا يخفى. وعن ابن عباس رضي الله عنهما أنها أشد آية في القرآن، وعن الضحاك : ما في القرآن آية أخوفُ عندي منها.

### الآية 5:64

> ﻿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ ۚ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا ۘ بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ ۚ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا ۚ وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَىٰ يَوْمِ الْقِيَامَةِ ۚ كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ ۚ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا ۚ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ [5:64]

وَقَالَتِ اليهود  قال ابن عباس وعكرمة والضحاك : إن الله تعالى كان قد بسط على اليهود حتى كانوا من أكثر الناس مالاً وأخصبَهم ناحيةً فلما عصَوا الله سبحانه بأن كفروا برسول الله صلى الله عليه وسلم وكذبوه كف عنهم ما بسَطَ عليهم، فعند ذلك قال فِنْحاصُ بنُ عازوراء : يَدُ الله مَغْلُولَةٌ  وحيث لم ينكر عليه الآخرون ورضُوا به نُسبت تلك العظيمةُ إلى الكل كما يقال : بنو فلان قتلوا فلاناً، وإنما القاتل واحدٌ منهم وأرادوا بذلك، لعنهم الله أنه قال : مُمسك يقتِّر بالرزق، فإن كلاًّ من غَلِّ اليد وبسْطِها مجازٌ عن محض البخل والجود من غير قصد في ذلك إلى إثبات يدٍ وغَلٍّ أو بسطٍ، ألا يُرى أنهم يستعملونه حيث لا يتصور فيه ذلك كما في قوله :\[ الكامل \]جاد الحمى بَسْطَ اليدين بوابلٍ  شكَرتْ نداهُ تِلاعُه ووِهادُهُوقد سلك لبيدٌ المسلكَ السديد حيث قال :\[ الكامل \]وغداةِ ريحٍ قد شهِدْتُ وقَرَّة  إذْ أصبَحَتْ بيد الشَّمال زِمامُها[(١)](#foonote-١)فإنه إنما أراد بذلك إثباتَ القدرة التامة للشَّمال على التصرفِ في القَرَّة كيفما تشاء على طريقة المجاز من غير أن يخطُرَ بباله أن يثبِتَ لها يداً ولا للقرّة زماماً، وأصله كناية فيمن يجوز عليه إرادة المعنى الحقيقي كما مر في قوله تعالى : وَلاَ يَنظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ القيامة  في سورة آل عمران \[ الآية : ٧٧ \]، وقيل : أرادوا ما حُكيَ عنهم بقوله تعالى : لقدْ سَمِعَ الله قَوْلَ الذين قَالُوا إِنَّ الله فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاء  \[ آل عمران، الآية ١٨١ \].  غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ  دعاء عليهم بالبخل المذموم والمسكَنة أو بالفقر والنَّكَد أو بغَلِّ الأيدي حقيقة، بأن يكونوا أسارى مغلولين في الدنيا ويُسحبوا إلى النار بأغلالِها في الآخرة، فتكون المطابقةُ حينئذ من حيث اللفظُ وملاحظةُ المعنى الأصلي كما في سبّني سبّ الله دابرَه  وَلُعِنُوا  عطف على الدعاء الأول أي أُبعدوا من رحمة الله تعالى  بِمَا قَالُوا  أي بسبب ما قالوا من الكلمة الشنعاء، وقيل : كلاهما خبر.  بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ  عطف على مقدَّرٍ يقتضيه المقامُ أي : كلاّ ليس كذلك بل هو في غاية ما يكونُ من الجود، وإليه أُشير بتثنية اليد، فإن أقصى ما ينتهي إليه هممُ الأسخياء أن يُعطوا ما يعطونه بكلتا يَدَيْهم، وقيل : التثنية للتنبيه على منحه تعالى لنعمتي الدنيا والآخرة، وقيل : على إعطائه إكراماً، وعلى إعطائه استدراجاً  يُنفِقُ كَيْفَ يَشَاء  جملة مستأنفة واردةٌ لتأكيدِه كمالَ وجوده وللتنبيه على سرِّ ما ابتلوا به من الضيق الذي اتخذوه من غاية جهلهم وضلالِهم ذريعةً إلى الاجتراء على تلك الكَفْرة العظيمة، والمعنى أن ذلك ليس لقصور في فيضه، بل لأن إنفاقه تابعٌ لمشيئته المبنيَّةِ على الحُكم التي عليها يدورُ أمرُ المعاش والمعاد، وقد اقتضتِ الحكمةُ بسبب ما فيهم من شؤم المعاصي أن يضيِّقَ عليهم كما يشير إليه ما سيأتي من قوله عز وجل : وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التوراة والإنجيل  الآية، و( كيف ) ظرفٌ ليشاء، والجملة في محل النصب على الحالية من ضمير ( ينفق ) أي ينفق كائناً على أي حال يشاء أي كائناً على مشيئته أي مريداً، وتركُ ذكرِ ما ينفقه لقصد التعميم.  وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيراً منهُم  وهم علماؤهم ورؤساؤهم  ما أُنزِلَ إِلَيْكَ  من القرآن المشتمل على الآيات، وتقديمُ المفعول للاعتناء به، وتخصيص الكثير منهم بهذا الحكم لِما أن بعضهم ليس كذلك  مِن رَبّكَ  متعلق بأنزل كما أن ( إليك ) كذلك، وتأخيره عنه مع أن حق المبتدئ أن يتقدم على المنتهي لاقتضاء المقامِ الاهتمامَ ببيان المنتهي، لأن مدار الزيادة هو النزولُ إليه عليه السلام كما في قوله تعالى : وَأَنزَلَ لَكُمْ مّنَ السماء مَاءً  \[ النمل، الآية ٦٠ \] والتعرضُ لعنوان الربوبية مع الإضافة إلى ضميره عليه السلام لتشريفه عليه السلام  طغيانا وَكُفْراً  مفعول ثان للزيادة أي ليزيدنهم طغياناً على طغيانهم وكفراً على كفرهم القديمين إما من حيث الشدةُ والغلوُّ وإما من حيث الكمُ والكثرة، إذ كلما نزلت آية كفروا بها فيزداد طغيانُهم وكفرُهم بحسب المقدار كما أن الطعامَ الصالح للأصِحّاء يزيد المرضى مرضاً.  وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ  أي بين اليهود، فإن بعضَهم جبْريةٌ وبعضَهم قَدَرية وبعضهم مُرْجئة وبعضهم مشبِّهة  العداوة والبغضاء  فلا يكاد تتوافق قلوبُهم ولا تتطابق أقوالهم، والجملة مبتدأةٌ مَسوقة لإزاحة ما عسى يُتوهَّمُ من ذكر طغيانهم وكفرهم من الاجتماع على أمرٍ يؤدِّي إلى الإضرار بالمسلمين، قيل : العداوة أخصُّ من البغضاء، لأن كل عدوَ مبغضٌ بلا عكسٍ كليٍّ  إلى يَوْمِ القيامة  متعلق بألقينا وقيل : بالبغضاء.  كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَاراً للحَرْبِ أَطْفَأَهَا الله  تصريح بما أشير إليه من عدم وصول غائلةِ ما هم فيه إلى المسلمين، أي كلما أرادوا محاربة الرسول عليه الصلاة والسلام ورتبوا مبادِيَها وركِبوا في ذلك متنَ كلِّ صعب وذَلولٍ ردهم الله تعالى وقهرهم، أو كلما أرادوا حرب أحد غُلبوا، فإنهم لما خالفوا حكم التوراة سلّط الله تعالى عليهم بُخْتَ نَصَّرَ، ثم أفسدوا فسلط الله عليهم فطرُسَ الروميّ، ثم أفسدوا فسلط الله عليهم المجوس، ثم أفسدوا فسلط الله عليهم المسلمين، و( للحرب ) إما صلةٌ لأوقدوا أو متعلق بمحذوف وقع صفةً ( لناراً )، أي كائنة للحرب  وَيَسْعَوْنَ في الأرض فَسَاداً  أي يجتهدون في الكيد للإسلام وأهله وإثارةِ الشر والفتنة فيما بينهم مما يُغايرُ ما عبَّر عنه بإيقاد نارِ الحرب، و( فساداً ) إما مفعول له أو في موقع المصدر أي يسعون للفساد أو يسعون سعي فساد  والله لاَ يُحِبُّ المفسدين  ولذلك أطفأ ثائرةَ إفسادهم، واللام إما للجنس وهم داخلون فيه دخولاً أولياً، وإما للعهد، ووضعُ المُظْهَرِ مَقام الضمير للتعليل وبيانِ كونِهم راسخين في الإفساد. 
١ البيت للبيد بن ربيعة في ديوانه ص ٣١٥؛ وأساس البلاغة (يدي)..

### الآية 5:65

> ﻿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَكَفَّرْنَا عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأَدْخَلْنَاهُمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ [5:65]

وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الكتاب  أي اليهود والنصارى، على أن المراد بالكتاب الجنسُ المنتظمُ للتوراة والإنجيل، وإنما ذكروا بذلك العنوان تأكيداً للتشنيع، فإنّ أهليةَ الكتاب توجب إيمانهم به، وإقامتَهم له لا محالة، فكفرُهم به وعدمُ إقامتهم له وهم أهلُه أقبحُ من كل قبيح وأشنعُ من كل شنيع، فمفعول قوله تعالى : آمنوا  محذوف ثقةً بظهوره مما سبَقَ من قوله تعالى : هَلْ تَنقِمُونَ مِنَّا إِلاَّ أَنْ آمَنَّا بالله وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلُ وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فاسقون  \[ المائدة، الآية ٥٩ \] وما لَحِقَ من قوله تعالى : وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التوراة  \[ المائدة، الآية ٦٦ \] الخ، أي لو أنهم مع صدور ما صدَرَ عنهم من فنون الجنايات قولاً وفعلاً آمنوا بما نُفِيَ عنهم الإيمانُ به فيندرج فيه فرضُ إيمانهم برسول الله صلى الله عليه وسلم، وأما إرادةُ إيمانهم به عليه السلام خاصة فيأباها المقام، لأن ما ذُكر فيما سبَقَ وما لَحِق من كفرهم به عليه السلام إنما ذُكر مشفوعاً بكفرهم بكتابِهم أيضاً قصداً إلى الإلزام والتبكيت ببيان أن الكفرَ به عليه الصلاة والسلام مستلزمٌ للكفر بكتابهم، فحملُ الإيمانِ هاهنا على الإيمان به عليه السلام خاصة مُخِلٌّ بتجاوُب أطرافِ النظم الكريم.  واتقوا  ما عدَدْنا من معاصيهم التي من جملتها مخالفةُ كتابهم  لَكَفَّرْنَا عَنْهُمْ سيئاتهم  التي اقترفوها وإن كانت في غاية العِظَم ونهايةِ الكثرة ولم نؤاخِذْهم بها  ولأدخلناهم  مع ذلك  جنات النعيم  وتكريرُ الام لتأكيدِ الوعد، وفيه تنبيه على كمال عِظَم ذنوبهم وكثرةِ معاصيهم وأن الإسلام يجبُّ ما قبله من السيئات وإن جلَّتْ وجاوزت كلَّ حدٍّ معهود.

### الآية 5:66

> ﻿وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ ۚ مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ ۖ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ سَاءَ مَا يَعْمَلُونَ [5:66]

وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التوراة والإنجيل  بمراعاة ما فيهما من الأحكام التي من جملتها شواهدُ نبوةِ النبي صلى الله عليه وسلم ومبشراتُ بِعثتِه، فإن إقامتهما إنما تكون بذلك لا بمراعاة جميع ما فيهما من الأحكام لانتساخِ بعضِها بنزول القرآن فليست مراعاةُ الكلِّ من إقامتهما في شيء  وَمَا أُنزِلَ إِلَيهِمْ من ربّهمْ  من القرآن المجيد المصدِّق لكتبهم، وإيرادُه بهذا العنوان للإيذان بوجوب إقامته عليهم لنزوله إليهم، وللتصريح ببطلان ما كانوا يدّعونه من عدم نزوله إلى بني إسرائيل، وتقديمُ ( إليهم ) لما مر من قبل، وفي إضافة الرب إلى ضمير ( هم ) مزيدُ لطف بهم في الدعوة إلى الإقامة، وقيل : المراد بما أنزل إليهم كتبُ أنبياءِ بني إسرائيل مثلُ كتاب ( شعياء ) وكتاب ( حبقوق ) وكتاب ( دانيال ) فإنها مملوءة بالبشارة بمبعثه صلى الله عليه وسلم  لأكَلُوا مِن فَوْقِهِمْ وَمِن تَحْتِ أَرْجُلِهِم  أي لوسَّع عليهم أرزاقَهم بأن يُفيض عليهم بركاتِ السماء والأرض، أو بأن يكثر ثمراتِ الأشجار وغلالَ الزروع أو بأن يرزقهم الجنان اليانعة الثمار فيجتنوا ما تهدّل منها من رؤوس الأشجار ويلتقطوا ما تساقط منها على الأرض، وقيل : المراد المبالغة في شرح السَّعَة والخِصْب لا تعيينُ الجهتين، كأنه قيل : لأكلوا من كل جهة، ومفعول ( أكلوا ) محذوف بقصد التعميم، أو للقصد إلى نفس الفعل كما في قوله : فلان يعطي ويمنع، و( مِنْ ) في الموضعين لابتداء الغاية وفي هاتين الشرطيتين، من حثِّهم على ما ذكر من الإيمان والتقوى والإقامةِ بالوعد بنيل سعادة الدارين وزجرِهم عن الإخلال به بما ذُكر ببيان إفضائِه إلى الحِرْمان عنها وتنبيههم على أن ما أصابهم من الضنك والضيق إنما هو من شؤم جناياتهم لا لقصورٍ في فيض الفياض، ما لا يخفى.  منهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ  جملة مستأنَفةٌ مبنيّةٌ على سؤال نشأ من مضمون الجملتين المصدّرتين بحرف الامتناع الدالتين على انتفاء الإيمان والاتقاءِ وإقامةِ الكتب المُنْزلة من أهل الكتاب، كأنه قيل : هل كلُّهم كذلك مصرّون على عدم الإيمان ؟ الخ، فقيل :( منهم أمة مقتصدة ) إما على أن ( منهم ) مبتدأ باعتبار مضمونه أي بعضهم أمة، وإما بتقدير الموصوف أي بعضٌ كائنٌ منهم كما مر في قوله تعالى : وَمِنَ الناس مَن يَقُولُ آمَنَّا بالله  الآية، أي طائفة معتدلة وهم المؤمنون منهم كعبد اللَّه بنِ سلام وأضرابِه، وثمانيةٌ وأربعون من النصارى، وقيل : طائفة حالُهم أَممٌ في عداوة رسول الله صلى الله عليه وسلم  وَكَثِيرٌ منهُمْ  مبتدأ لتخصُّصِه بالصفة خبرُه  سَاء مَا يَعْمَلُونَ  أي مقولٌ في حقهم هذا القولُ، أي بئسما يعملون وفيه معنى التعجب أي ما أسوأ عملَهم من العِناد والمكابرةِ وتحريفِ الحق والإعراض عنه، والإفراطِ في العداوة، وهم الأجلافُ المتعصِّبون ككعبِ بن الأشرف وأشباهه والروم.

### الآية 5:67

> ﻿۞ يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ ۖ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ ۚ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ ۗ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ [5:67]

يا أيها الرسول  نودي عليه السلام بعنوان الرسالة تشريفاً له وإيذاناً بأنها من موجبات الإتيان بما أُمر به من تبليغ ما أُوحِيَ إليه  بَلّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ  أي جميع ما أنزل إليك من الأحكام وما يتعلق بها كائناً ما كان، وفي قوله تعالى : مِن رَبّكَ  أي مالِكِ أمورِك ومبلِّغِك إلى كمالك اللائقِ بك، عِدَةٌ ضِمْنية بحفظه عليه السلام وكَلاءته، أي بلِّغْه غيرَ مراقِبٍ في ذلك أحداً ولا خائف أن ينالك مكروهٌ أبداً  وَإِن لم تَفْعَلْ  ما أُمرت به من تبليغ الجميع بالمعنى المذكور كما ينبئ عنه قوله تعالى : فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ  فإن ما لا تتعلق به الأحكامُ أصلاً من الأسرار الخفية ليست مما يُقصَدُ تبليغه إلى الناس، أي فما بلغت شيئاً من رسالته وانسلخْتَ مما شَرُفتَ به من عنوان الرسالة بالمرة، لِما أن بعضها ليس أولى بالأداء من بعض، فإذا لم تؤدِّ بعضها فكأنك أغفلتَ أداءَها جميعاً كما أن من لم يؤمن ببعضها كان كمن لم يؤمن بكلها، لإدلاء كلَ منها بما يُدليه غيرها، وكونُها لذلك في حكم شيءٍ واحد، ولا ريب في أن الواحد لا يكونُ مُبلَّغاً غيرَ مبلَّغٍ مؤمَناً به غيرَ مؤمَنٍ به، ولأن كتمان بعضها إضاعةٌ لما أُدِّيَ منها كترك بعض أركان الصلاة فإن عرضَ الدعوة ينتقض بذلك، وقيل : فكأنك ما بلغت شيئاً منها كقوله تعالى : فَكَأَنَّمَا قَتَلَ الناس جَمِيعاً  \[ المائدة، الآية ٣٢ \] من حيث أن كتمان البعض والكل سواءٌ في الشناعة واستجلاب العقاب، وقرئ ( فما بلغت رسالاتي ) وعن ابن عباس رضي الله عنهما إن كتمتَ آيةً لم تبلِّغْ رسالاتي، وروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم :**«بعثني الله برسالاته فضِقْتُ بها ذرعاً فأوحَى الله إلي إنْ لم تبلِّغْ رسالاتي عذبتُك وضمِن لي العصمة فقوِيْتُ »** وذلك قوله تعالى : والله يَعْصِمُكَ مِنَ الناس  فإنه كما ترى عِدَةٌ كريمةٌ بعصمته من لُحوق ضررهم بروحه العزيزِ باعثةٌ له عليه السلام على الجِدّ في تحقيق ما أمر به من التبليغ غيرَ مكترثٍ بعداوتهم وكيدهم. وعن أنس رضي الله عنه ( أنه عليه السلام كان يُحرَسُ حتى نزلت فأخرج رأسَه من قُبّةٍ أَدَمٍ فقال :**«انصرفوا أيها الناس فقد عصمني الله من الناس »** ) وقوله تعالى : إِنَّ الله لاَ يَهْدِي القوم الكافرين  تعليل لعصمته تعالى له عليه السلام أي لا يمكنهم مما يريدون بك من الإضرار، وإيرادُ الآية الكريمة في تضاعيف الآيات الواردة في حق أهل الكتاب لِما أن الكل قوارعُ[(١)](#foonote-١) يسوء الكفارَ سماعُها، ويشُقّ على الرسول صلى الله عليه وسلم مشافهتُهم بها، وخصوصاً ما يتلوها من النصِّ الناعي عليهم كمالَ ضلالتهم ولذلك أعيد الأمر فقيل :
 قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا فَلَا تَأسَ عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ . 
١ القوارع: جمع قارعة وهي المصيبة. وقرّعه: أوجعه باللوم والعتاب..

### الآية 5:68

> ﻿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَىٰ شَيْءٍ حَتَّىٰ تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ ۗ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا ۖ فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ [5:68]

قُلْ يا أهل الكتاب  مخاطِباً الفريقين  لَسْتُمْ على شَيء  أيْ دينٍ يُعتدّ به ويليق بأن يسمى شيئاً لظهور بُطلانه ووضوح فساده، وفي هذا التعبير من التحقير والتصغير ما لا غايةَ وراءه  حتى تُقِيمُوا التوراة والإنجيل  أي تراعوهما وتحافظوا على ما فيهما من الأمور التي من جملتها دلائلُ رسالة الرسول صلى الله عليه وسلم وشواهدُ نبوته، فإن إقامتهما إنما تكون بذلك، وأما مراعاة أحكامهما المنسوخةِ فليست من إقامتهما في شيء، بل هي تعطيل لهما وردٌّ لشهادتهما، لأنهما شاهدان بنسخها وانتهاءِ وقت العمل بها، لأن شهادتهما بصحة ما ينسخها شهادةٌ بنسخها وخروجها عن كونها من أحكامهما، وأن أحكامهما ما قرره النبي الذي بشَّرَ فيهما ببعثه، وذُكر في تضاعيفهما نعُوتُه، فإذن إقامتُهما بيانُ شواهدِ النبوة والعملُ بما قررته الشريعة من الأحكام كما يُفصح عنه قوله تعالى : وَمَا أُنزِلَ إِلَيْكُمْ من ربّكمْ  أي القرآن المجيد بالإيمان به، فإن إقامة الجميع لا تتأتَّى بغير ذلك، وتقديمُ إقامةِ الكتابين على إقامته مع أنها المقصودةُ بالذات لرعاية حقِّ الشهادة واستنزالِهم عن رتبة الشِّقاق، وإيرادُه بعنوان الإنزال إليهم لما مرّ من التصريح بأنهم مأمورون بإقامته والإيمان به لا كما يزعُمون من اختصاصه بالعرب، وفي إضافة الربِّ إلى ضميرهم ما أشير إليه من اللطف في الدعوة، وقيل : المراد بما أُنزل إليهم كتبُ أنبياءِ بني إسرائيلَ كما مر، وقيل : الكتبُ الإلهية فإنها بأسرها آمرةٌ بالإيمان لمن صدَّقَتْه المعجزةُ ناطقةٌ بوجوب الطاعة له. رُوي عن ابن عباس رضي الله عنهما أن جماعةً من اليهود قالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم : ألست تقرأ أن التوراة حقٌّ من عند الله تعالى ؟ فقال عليه السلام :**«بلى »**، فقالوا : فإنا مؤمنون بها ولا نؤمنُ بغيرها فنزلت، قوله تعالى : وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيراً منهُم ما أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَبّكَ طغيانا وَكُفْراً  جملة مستأنَفةٌ مبيِّنةٌ لشدة شكيمَتِهم وغُلوِّهم في المكابرة والعناد وعدمِ إفادة التبليغ نفعاً، وتصديرُها بالقسم لتأكيد مضمونها وتحقيق مدلولِها، والمرادُ بالكثير المذكور علماؤهم ورؤساؤهم، ونسبةُ الإنزال إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم مع نسبته فيما مر إليهم للإنباء عن انسلاخِهم عن تلك النسبة  فَلاَ تَأسَ عَلَى القوم الكافرين  أي لا تتأسف ولا تحزن عليهم لإفراطهم في الطغيان والكفر بما تُبلّغه إليهم، فإن غائلتَه آيلةٌ إليهم وتبِعَتَه حائقةٌ لا تتخطاهم، وفي المؤمنين مندوحةٌ[(١)](#foonote-١) لك عنهم، ووضعُ المُظْهر موضعَ المُضمَرِ للتسجيل عليهم بالرسوخ في الكفر. 
١ يقال: لك عن هذا الأمر مندوحة، أي سعة وفسحة. والمراد أن لك في المؤمنين غنًى عن هؤلاء..

### الآية 5:69

> ﻿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصَارَىٰ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ [5:69]

إِنَّ الذين آمنوا  كلام مستأنَفٌ مسوق لترغيب مَنْ عدا المذكورين في الإيمان والعمل الصالح أي الذين آمنوا بألسنتهم فقط وهم المنافقون، وقيل : أعمُّ من أن يُواطِئَها قلوبُهم أو لا  والذين هَادُوا  أي دخلوا في اليهودية  والصابئون والنصارى  جمعُ نَصْرانَ[(١)](#foonote-١) وقد مر تفصيله في سورة البقرة، وقوله تعالى : والصابئون  رفع على الابتداء وخبرُه محذوف والنيةُ به التأخرُ عما في حيّز إنّ والتقدير إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى حكمُهم كيتَ وكيتَ والصابئون كذلك كقوله :\[ الطويل \]
فإني وقيارٌ بها لغريبُ[(٢)](#foonote-٢) \*\*\*. . . . . . . . . . . . . . . . . . 
وقوله :\[ الوافر \]
وإلا فاعلموا أَنّا وأنتم \*\*\* بُغاةٌ ما بقِينا في شقاقِ[(٣)](#foonote-٣)
خلا أنه وسَطٌ بين اسْمِ إن وخبرِها دلالةً على أن الصابئين، مع ظهور ضلالهم وزيغهم عن الأديان كلِّها حيث قُبلت توبتُهم، إن صحَّ منهم الإيمانُ والعملُ الصالح، فغيرُهم أولى بذلك، وقيل : الجملة الآتية خبرٌ للمبتدأ المذكور، وخبرُ إن مقدر كما في قوله :\[ المنسرح \]
نحن بما عندنا وأنت بما \*\*\* عندك راضٍ والرأيُ مختلِفُ[(٤)](#foonote-٤)
وقيل :( النصارى ) مرفوعٌ على الابتداء كقوله تعالى : والصابئون ، عطفاً عليه وهو مع خبره عطفٌ على الجملة المصدَّرة بإن ولا مَساغَ لعطفه وحده على محل إن واسمها لاشتراط ذلك بالفراغ عن الخبر وإلا لارتفع الخبر بإن والابتداء معاً، واعتُذر عنه بأن ذلك إذا كان المذكورُ خبراً لهما، وأما إذا كان خبرُ المعطوف محذوفاً فلا محذورَ فيه ولا على الضمير في هادوا لعدم التأكيد والفصل، ولاستلزامه كونَ الصابئين هُوداً، وقرئ ( والصابيون ) بياء صريحةٍ بتخفيف الهمزة، وقرئ ( والصابون ) وهو من صبا يصبو لأنهم صبَوْا إلى اتباع الهوى والشهوات في دينهم، وقرئ ( والصابئين )، وقرئ يا أيها الذين آمنوا والذين هادوا والصابئون، وقوله تعالى : مَنْ آمَنَ بالله واليوم الآخر وَعَمِلَ صالحا  إما في محل الرفع على أنه مبتدأ خبره  فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ  والفاء لتضمن المبتدأ معنى الشرط، وجمع الضمائر الأخيرة باعتبار معنى الموصول كما أن إفرادَ ما في صلته باعتبار لفظه، والجملة خبر إن والعائد إلى اسمها محذوف، أي من آمن منهم، وإما في محل النصب على أنه بدل من اسم إن وما عُطف عليه، والخبر قوله تعالى : فَلاَ خَوْفٌ  والفاء كما في قوله عز وعلا : إِنَّ الذين فَتَنُوا المؤمنين والمؤمنات ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ  \[ البروج، الآية ١٠ \] الآية، فالمعنى على تقديم كون المراد بالذين آمنوا المنافقين وهو الأظهر أي من أحدث من هذه الطوائف إيماناً خالصاً بالمبدأ والمَعادِ على الوجه اللائق لا كما يزعمه أهل الكتاب فإن ذلك بمعزل من أن يكون إيماناً بهما، وعمل عملاً صالحاً حسبما يقتضيه الإيمانُ بهما فلا خوف عليهم حين يخاف الكفارُ العقابَ ولا هم يحزنون حيث يحزن المقصرون على تضييع العمر وتفويت الثواب، والمراد بيانُ دوام انتفائهما لا بيانُ انتفاء دوامهما كما يوهمُه كونُ الخبر في الجملة الثانية مضارعاً لما مر مراراً لأن النفي وإن دخل على نفس المضارع يفيد الدوام والاستمرار بحسب المقام، وأما على تقدير كون المراد بالذين آمنوا مطلقَ المتدينين بدين الإسلام المخلِصين منهم والمنافقين، فالمرادُ بمن آمن من اتصف منهم بالإيمان الخالص بالمبدأ والمَعادِ على الإطلاق سواء كان ذلك بطريق الثبات والدوام عليه كما هو شأن المخلصين أو بطريق إحداثه وإنشائه كما هو حالُ من عداهم من المنافقين وسائر الطوائف، وفائدةُ التعميم للمخلصين المبالغةُ في ترغيب الباقين في الإيمان ببيان أن تأخرهم في الاتصاف به غيرُ مُخلٍّ بكونهم أسوةً لأولئك الأقدمين الأعلام، وأما ما قيل : المعنى من كان منهم في دينه قبل أن يُنسَخَ مصدِّقاً بقلبه بالمبدأ أو المعاد عاملاً بمقتضى شرعه فمما لا سبيل إليه أصلاً كما مر تفصيله في سورة البقرة. 
١ نصران ونصرانة: بمعنى نصراني ونصرانية، وهما مفردان مهجوران في اللغة، وانظر تفصيل ذلك في لسان العرب، مادة: نصر..
٢ هذا عجز بيت لضابئ بن الحارث البرجمي. وقد سبق تخريجه.
 راجع ص ٢٦٧، حاشية (٢)..
٣ البيت لبشر بن أبي خازم في ديوانه ص ١٦٥؛ والإنصاف ١/١٩٠؛ وتخليص الشواهد ص ٣٧٣؛ وخزانة الأدب ١٠/٢٩٣؛ وشرح أبيات سيبويه ٢/١٤؛ وشرح التصريح ١/٢٢٨؛ والكتاب ٢/١٥٦؛ والمقاصد النحوية ٢/٢٧١..
٤ البيت لقيس بن الخطيم في ملحق ديوانه ص ٢٣٩؛ وتخليص الشواهد ص ٢٠٥؛ والكتاب ١/٧٥؛ والمقاصد النحوية ١/٥٥٧؛ ولعمرو بن امرىء القيس الخزرجي في شرح أبيات سيبويه ١/٢٧٩؛ وشرح شواهد الإيضاح ص ١٢٨؛ ولدرهم بن زيد الأنصاري في الإنصاف ١/٩٥..

### الآية 5:70

> ﻿لَقَدْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَأَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ رُسُلًا ۖ كُلَّمَا جَاءَهُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَىٰ أَنْفُسُهُمْ فَرِيقًا كَذَّبُوا وَفَرِيقًا يَقْتُلُونَ [5:70]

لَقَدْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إسراييل  كلام مبتدأٌ مَسوق لبيان بعضٍ آخرَ من جناياتهم المنادية باستبعاد الإيمان منهم أي بالله لقد أخذنا ميثاقهم بالتوحيد وسائر الشرائع والأحكام المكتوبة عليهم في التوراة.  وَأَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ رُسُلاً  ذوي عددٍ كثير وأولي شأنٍ خطير ليقرِّروهم على مراعاة حقوق الميثاق ويُطْلعوهم على ما يأتون وما يذرون في دينهم ويتعهدوهم بالعظة والتذكير، وقوله تعالى : كُلَّمَا جَاءهُمْ رَسُولٌ بِمَا لاَ تهوى أَنفُسُهُمْ  جملة شرطيةٌ مستأنَفةٌ وقعت جواباً عن سؤال نشأ من الإخبار بأخذ الميثاق وإرسال الرسل، وجواب الشرط محذوف، كأنه قيل : فما فعلوا بالرسل ؟ فقيل : كلما جاءهم رسول من أولئك الرسل بما لا تُحبه أنفسُهم المنهمكةُ في الغيِّ والفساد من الأحكام الحَقّة والشرائعِ عَصَوْه وعادَوْه، وقوله تعالى : فَرِيقاً كَذَّبُوا وَفَرِيقاً يَقْتُلُونَ  جواب مستأنَفٌ عن استفسار كيفية ما أظهروه من آثار المخالفة المفهومة من الشرطية على طريقة الإجمال كأنه قيل : كيف فعلوا بهم ؟ فقيل : فريقاً منهم كذبوهم من غير أن يتعرضوا لهم بشيء آخرَ من المَضارِّ وفريقاً آخر منهم لم يكتفوا بتكذيبهم بل قتلوهم أيضاً، وإنما أُوثر عليه صيغة المضارع على حكاية الحال الماضية لاستحضار صورتها الهائلة للتعجيب منها وللتنبيه على أن ذلك دَيْدنُهم المستمرُّ، وللمحافظة على رؤوس الآي الكريمة، وتقديم فريقاً في الموضعين للاهتمام به وتشويق السامع إلى ما فعلوا به لا للقصر هذا، وأما جعلُ الشرطية صفةً ( لرسلاً ) كما ذهب إليه الجمهور فلا يساعده المقام أصلاً ضرورةَ أن الجملة الخبرية إذا جُعلتْ صفةً أو صلةً يُنسخ ما فيها من الحكم وتُجعل عنواناً للموصوف تتمةً له في إثباتِ أمرٍ آخَرَ له ولذلك يجب أن يكون الوصفُ معلومَ الانتساب إلى الموصوف عند السامع قبل جعله وصفاً له، ومن هاهنا قالوا : إن الصفاتِ قبل العلم بها أخبارٌ، والأخبارُ بعد العلم بها أوصافٌ، ولا ريب في أن ما سبق له النظم إنما هو بيانُ أنهم جعلوا كل من جاءهم من رسل الله تعالى عُرضةً للقتل أو التكذيب حسبما يفيده جعلُها استئنافاً على أبلغِ وجهٍ وآكَدِه، لا بيانُ أنه تعالى أرسل إليهم رسلاً موصوفين بكون كل منهم كذلك كما هو مقتضى جعلِها صفةً.

### الآية 5:71

> ﻿وَحَسِبُوا أَلَّا تَكُونَ فِتْنَةٌ فَعَمُوا وَصَمُّوا ثُمَّ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ثُمَّ عَمُوا وَصَمُّوا كَثِيرٌ مِنْهُمْ ۚ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ [5:71]

وَحَسِبُوا أَلاَّ تَكُونَ فِتْنَةٌ  أي حسِب بنو إسرائيلَ أن لا يصيبَهم من الله تعالى بما أتَوْا من الداهية الدهياء والخُطة الشنعاء بلاءٌ وعذاب، وقرئ ( لا تكونُ ) بالرفع على أنّ أنْ هي المخففة من أنّ، واسمها ضمير الشأن المحذوف، وأصله أنه لا تكون فتنةٌ، وتعليقُ فعل الحُسْبان بها وهي للتحقيق لتنزيله منزلة العلم لكمال قوته، و( أن ) بما في حيِّزها سادٌّ مَسدَّ مفعوليه.  فَعَمُوا  عطف على ( حسِبوا ) والفاء للدلالة على ترتب ما بعدها على ما قبلها أي أمِنوا بأسَ الله تعالى فتمادَوْا في فُنون الغيِّ والفساد وعمُوا عن الدين بعد ما هداهم الرسلُ إلى معالمه الظاهرة وبينوا لهم مناهجه الواضحة  وَصَمُّوا  عن استماع الحق الذي ألقَوْه عليهم ولذلك فعلوا بهم ما فعلوا، وهذا إشارة إلى المرة الأولى من مرّتَيْ إفساد بني إسرائيلَ حين خالفوا أحكام التوراة وركِبوا المحارم وقتلوا شعياء، وقيل : حبسوا أرمياء عليهما السلام لا إلى عبادتهم العجلَ كما قيل، فإنها وإن كانت معصية عظيمة ناشئة عن كمال العمَى والصمَم لكنها في عصر موسى عليه السلام، ولا تعلُّقَ لها بما حُكي عنهم مما فعلوا بالرسل الذين جاؤوهم بعده عليه السلام بأعصار  ثُمَّ تَابَ الله عَلَيْهِمْ  حين تابوا ورجعوا عما كانوا عليه من الفساد بعد ما كانوا ببابلَ دهراً طويلاً تحت قهر بُخْتَ نَصَّرَ أسارى في غاية الذل والمهانة فوجه الله عز وجل ملكاً عظيماً من ملوك فارسَ إلى بيت المقدس ليعمُرَه ونجّى بقايا بني إسرائيل من أسر بختَ نصَّرَ بعد مهلكه وردَّهم إلى وطنهم وتراجَعَ من تفرق منهم في الأكناف فعَمَروه ثلاثين سنة فكثُروا وكانوا كأحسنَ ما كانوا عليه، وقيل : لما ورث بَهْمنُ بنُ اسفنديارَ المُلك من جدِّه كستاسُفَ ألقى الله عز وجل في قلبه شفقة عليهم فردهم إلى الشام وملّك عليهم دانيال عليه السلام، فاستولوا على من كان فيها من أتباع بختَ نصّر فقامت فيهم الأنبياءُ فرجعوا إلى أحسن ما كانوا عليه من الحال، وذلك قوله تعالى : ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الكرة عَلَيْهِمْ  \[ الإسراء ٦ \] وأما ما قيل من أن المراد قبولُ توبتهم عن عبادة العجل فقد عرفت أن ذلك لا تعلُّق له بالمقام ولم يُسنِد التوبةَ إليهم كسائر أحوالهم من الحُسبان والعمَى والصمم تجافياً عن التصريح بنسبة الخير إليهم وإنما أشير إليها في ضمن بيان توبته تعالى عليهم تمهيداً لبيان نقضهم إياها بقوله تعالى : ثُمَّ عَمُوا وَصَمُّوا  وهو إشارة إلى المرة الآخرة من مرّتيْ إفسادهم وهو اجتراؤهم على قتل زكريا ويحيى وقصدُهم قتلَ عيسى عليهم السلام لا إلى طلبهم الرؤية كما قيل لِما عرفت سره، فإن فنون الجناياتِ الصادرةِ عنهم لا تكاد تتناهى خلا أن انحصار ما حُكي عنهم هاهنا في المرتين وترتّبه على حكاية ما فعلوا بالرسل عليهم السلام يقضي بأن المراد ما ذكرناه والله عنده علم الكتاب، وقرئ ( عُموا وصُمّوا ) بالضم على تقدير أعماهم الله وصمهم أي رماهم وضربهم بالعمى والصمم، كما يقال : نَزَكتَهُ إذا ضربتَه بالنَّيْزَك ورَكَبتَهُ إذا ضربتَه بركبتك، وقوله تعالى : كَثِيرٌ منهُمْ  بدل من الضمير في الفعلين، وقيل : خبر مبتدأ محذوف أي أولئك كثير منهم.  والله بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ  أي بما عملوا، وصيغة المضارع لحكاية الحال الماضية استحضاراً لصورتها الفظيعة ورعايةً للفواصل، والجملة تذييلٌ أشير به إلى بطلان حُسْبانهم المذكور ووقوع العذاب من حيث لم يحتسبوا، إشارةٌ إجمالية اكتُفيَ بها تعويلاً على ما فُصِّل نوع تفصيل في سورة بني إسرائيلَ، والمعنى حسبوا أن لا يصيبهم عذابٌ ففعلوا ما فعلوا من الجنايات العظيمة المستوجبة لأشد العقوبات والله بصيرٌ بتفاصيلها فكيف لا يؤاخذهم بها ؟ ومن أين لهم ذلك الحسبانُ الباطل ؟ ولقد وقع ذلك في المرة الأولى حيث سلط الله تعالى عليهم بُخْتَ نصَّر عامل لهراسِبَ على بابل، وقيل : جالوتَ الجزري، وقيل : سنجاريبَ من أهل نينوى، والأول هو الأظهر فاستولى على بيت المقدس فقتل من أهله أربعين ألفاً ممن يقرأ التوراة، وذهب بالبقية إلى أرضه فبقُوا هناك على أقصى ما يكون من الذل والنكد إلى أن أحدثوا توبةً صحيحة، فردهم الله عز وجل إلى ما حكي عنهم من حسنِ الحال، ثم عادوا إلى المرة الآخرة من الإفساد، فبعث الله تعالى عليهم الفرسَ فغزاهم ملكُ بابلَ من ملوك الطوائف اسمُه خيدرود، وقيل : خيدروس، ففعل بهم ما فعل، قيل : دخل صاحب الجيش مذبحَ قرابينهم فوجد فيه دماً يغلي فسألهم، فقالوا : دمُ قربانٍ لم يقبل منا، فقال : ما صَدَقوني، فقتل عليه ألوفاً منهم، ثم قال : إن لم تصدُقوني ما تركت منكم أحداً، فقالوا : إنه دمُ يحيى عليه السلام، فقال : بمثل هذا ينتقم الله منكم، ثم قال : يا يحيى قد علم ربي وربك ما أصاب قومَك من أجلك فاهدأ بإذن الله تعالى قبل ألا أبقيَ أحداً منهم، فهدأ.

### الآية 5:72

> ﻿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ ۖ وَقَالَ الْمَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ ۖ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ ۖ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ [5:72]

لقَدْ كَفَرَ الذين قَالُوا إِنَّ الله هُوَ المسيح ابن مَرْيَمَ  شروع في تفصيل قبائح النصارى وإبطالِ أقوالهم الفاسدة بعد تفصيل قبائح اليهود، وهؤلاء هم الذين قالوا : إن مريم وَلَدت إلها، قيل : هم الملكانية والمار يعقوبية منهم، وقيل : هم اليعقوبية خاصة، قالوا : ومعنى هذا أن الله تعالى حل في ذات عيسى واتحد بذاته، تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً.  وَقَالَ المسيح  حال من فاعل قالوا بتقدير قد، مفيدةٌ لمزيد تقبيحِ حالهم ببيان تكذيبهم للمسيح وعدم انزجارِهم عما أصروا عليه بما أوعدهم به، أي قالوا ذلك، وقد قال المسيح مخاطباً لهم : يَا بَنِي إسرائيل اعبدوا الله رَبّي وَرَبَّكُمْ  فإني عبدٌ مربوبٌ مثلُكم، فاعبدوا خالقي وخالقَكم  إٍِنَّهُ  أي الشأن  مَن يُشْرِكْ بالله  أي شيئاً في عبادته أو فيما يختص به من صفات الألوهية  فَقَدْ حَرَّمَ الله عَلَيهِ الجنة  فلن يدخلها أبداً، كما لا يصل المحرم عليه إلى المحرم، فإنها دار الموحدين، وإظهار الاسم الجليل في موضع الإضمار لتهويل الأمر وتربية المهابة  وَمَاوَاهُ النار  فإنها هي المعدّة للمشركين، وهذا بيان لابتلائهم بالعقاب إثرَ بيانِ حرمانِهم الثوابَ.  وَمَا للظالمين مِنْ أَنصَارٍ  أي ما لهم من أحد ينصُرهم بإنقاذهم من النار، إما بطريق المغالبة أو بطريق الشفاعة، والجمع لمراعاة المقابلة بالظالمين، واللام إما للعهد والجمع باعتبار معنى ( مَنْ ) كما أن الإفراد في الضمائر الثلاثة باعتبار لفظها، وإما للجنس وهم داخلون فيه دخولاً أولياً، ووضعه على الأول موضع الضمير للتسجيل عليهم بأنهم ظلموا بالإشراك وعدلوا عن طريق الحق، والجملة تذييل مقرر لما قبله، وهو إما من تمام كلام عيسى عليه السلام، وإما واردٌ من جهته تعالى تأكيداً لمقالته عليه السلام، وتقريراً لمضمونها، وقد قيل : إنه من كلامه عز وجل على معنى أنهم ظلموا وعدلوا عن سبيل الحق فيما تقوّلوا على عيسى عليه السلام، فلذلك لم يساعدْهم عليه ولم ينصُرْ قولهم، ورده وأنكره، وإن كانوا معظِّمين له بذلك، ورافعين من مقداره. أو من قول عيسى عليه السلام على معنى لا ينصركم أحد فيما تقولون ولا يساعدكم عليه لاستحالته وبُعْده عن المعقول، وأنت خبير بأن التعبيرَ عما حُكي عنه عليه السلام، من مقابلته لقولهم الباطل بصريح الرد والإنكار، والوعيد بحرمان الجنة ودخول النار بمجرد عدم مساعدته على ذلك، ونفْي نُصْرته له، مع خُلوِّه عن الفائدة، تصويرٌ[(١)](#foonote-١) للقوي بصورة الضعيف وتهوين للخطب في مقام تهويله، بل ربما يوهم ذلك بحسب الظاهر ما لا يليق بشأنه عليه السلام من توهم المساعدةِ والنُصرة، لاسيما مع ملاحظة قوله : وإن كانوا معظمين له الخ، إلا أن يحمل الكلامُ على التهكم بهم، وكذا الحالُ على تقدير كونه من تمام كلامِه عليه السلام، فإن زجْرَه عليه السلام إياهم عن قولهم الفاسد بما ذُكر من عدم الناصرِ والمساعدِ بعد زجره إياهم بما مر من الرد الأكيدِ والوعيدِ الشديد، بمعزِلٍ من الإفادة والتأثير، ولا سبيل هاهنا إلى الاعتذار بالتهكم. 
١ خبر قوله "بأن التعبير"..

### الآية 5:73

> ﻿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ ۘ وَمَا مِنْ إِلَٰهٍ إِلَّا إِلَٰهٌ وَاحِدٌ ۚ وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ [5:73]

لقدْ كَفَرَ الذين قَالُوا إِنَّ الله ثالث ثلاثة  شروع في بيان كفر طائفةٍ أخرى منهم، ومعنى قولهم : ثالثُ ثلاثةٍ ورابع أربعة ونحو ذلك أحدُ هذه الأعداد مطلقاً لا الثالثُ والرابعُ خاصة، ولذلك منع الجمهور أن ينصِبَ ما بعده بأن يقال : ثالثٌ ثلاثةً ورابعٌ أربعةً، وإنما ينصبه إذا كان ما بعده دونه بمرتبة، كما في قولك : عاشرٌ تسعةً وتاسعٌ ثمانيةً، قيل : إنهم يقولون إن الإلهية مشتركة بين الله سبحانه وتعالى وعيسى ومريم، وكلُّ واحد من هؤلاء إله، ويؤكده قوله تعالى : أأنت قُلتَ لِلنَّاسِ اتخذوني وَأُمّي إلهين مِن دُونِ الله  \[ المائدة، الآية ١١٦ \] فقوله تعالى : ثالثُ ثلاثة  أي أحد ثلاثةِ آلهة، وهو المتبادر من ظاهر قوله تعالى : وَمَا مِنْ إله إِلاَّ إله واحد  أي والحال أنه ليس في الوجود ذاتُ واجبٍ مستحق للعبادة من حيث إنه مبدأُ جميعِ الموجودات إلا إله موصوفٌ بالوحدانية متعالٍ عن قَبول الشِرْكة، و( مِنْ ) مزيدة للاستغراق، وقيل : إنهم يقولون : الله جوهرٌ واحدٌ ثلاثةُ أقانيمَ، أقنومُ الأب وأقنومُ الابن وأقنومُ روح القدس، وإنهم يريدون بالأول الذات وقيل : الوجود، وبالثاني العِلْم، وبالثالث الحياة، فمعنى قوله تعالى : وَمَا مِنْ إله إِلاَّ إله واحد  \[ المائدة، الآية ٧٣ \] إلا إله واحد بالذات، منزه عن شائبةِ التعدد بوجهٍ من الوجوه.  وَإِن لم يَنتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ  من الكفر الشنيع ولم يوحّدوا، وقوله تعالى : لَيَمَسَّنَّ الذين كَفَرُوا  جوابُ قسمٍ محذوف سادٌّ مسد جواب الشرط، أي وبالله إن لم ينتهوا ليمسنهم، وإنما وُضع موضعَ ضميرِ ( هم ) الموصولُ لتكرير الشهادة عليهم بالكفر ( فمن )، في قوله تعالى : مِنْهُمْ  بيانية، أي ليمسن الذين بقُوا منهم على ما كانوا عليه من الكفر فمن تبعيضية، وإنما جيء بالفعل المنبئ عن الحدوث تنبيهاً على أن الاستمرار عليه، بعد ورود ما يُنحى عليه بالقلع عن نص عيسى عليه السلام وغيره، كفرٌ جديد وغلوٌّ زائد على ما كانوا عليه من أصل الكفر  عَذَابٌ أَلِيمٌ  أي نوع شديد الألم من العذاب.

### الآية 5:74

> ﻿أَفَلَا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ ۚ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ [5:74]

وهمزة الاستفهام في قوله تعالى : أَفَلاَ يَتُوبُونَ إلى الله وَيَسْتَغْفِرُونَهُ  لإنكار الواقع واستبعاده لا لإنكار الوقوع، وفيه تعجيب من إصرارهم، والفاء للعطف على مقدَّر يقتضيه المقام، أي ألا ينتهون عن تلك العقائد الزائغة والأقاويل الباطلة ؟ أفلا يتوبون إلى الله ويستغفرونه بالتوحيد والتنزيه عما نسبوه إليه من الاتحاد والحلول ؟ فمدارُ الإنكار والتعجيب عدمُ الانتهاء وعدم التوبة معاً، أو أيَسْمعون هذه الشهاداتِ المكررة والتشديدات المقررة فلا يتوبون عقِب ذلك، فمدارُهما عدم التوبة عَقيبَ تحقُّق ما يوجبها من سماع تلك القوارع الهائلة، وقوله عز وجل : والله غَفُورٌ رَّحِيمٌ  جملة حالية من فاعل يستغفرونه مؤكِّدةٌ للإنكار والتعجيب من إصرارهم على الكفر وعدم مسارعتهم إلى الاستغفار، أي والحال أنه تعالى مبالِغٌ في المغفرة فيغفرُ لهم عند استغفارهم ويمنحهم من فضله.

### الآية 5:75

> ﻿مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ ۖ كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ ۗ انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْآيَاتِ ثُمَّ انْظُرْ أَنَّىٰ يُؤْفَكُونَ [5:75]

ما المسيح ابن مَرْيَمَ إِلاَّ رَسُولٌ  استئناف مَسوقٌ لتحقيق الحق الذي لا محيد عنه، وبيانِ حقيقة حاله عليه السلام وحالِ أمه بالإشارة أولاً إلى أشرفِ ما لهما من نعوت الكمال التي بها صارا من زمرة أكمل أفراد الجنس، وآخراً إلى الوصف المشترك بينهما وبين جميع أفرادِ البشر، بل أفرادِ الحيوان استنزالاً لهم بطريق التدريج عن رتبة الإصرار على ما تقوّلوا عليهما وإرشاداً لهم إلى التوبة والاستغفار، أي هو مقصور على الرسالة لا يكاد يتخطاها، وقوله تعالى : قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرسل  صفة لرسول مُنْبئة عن اتصافه بما ينافي الألوهية. فإن خلو الرسل السالفة عليهم السلام منذر بخلوِّه المقتضي لاستحالة ألوهيته أي ما هو إلا رسول كالرسل الخالية من قبله خصه الله تعالى ببعضٍ من الآيات كما خص كلاًّ منهم ببعضٍ آخرَ منها، فإنْ أحيا الموتى على يده فقد أحيا العصا في يد موسى عليه السلام وجعلت حية تسعى، وهو أعجب منه، وإن خُلق من غير أبٍ فقد خَلَق آدمَ من غير أب ولا أم، وهو أغرب منه، وكل ذلك من جنابه عز وجل، وإنما موسى وعيسى مظاهرُ لشؤونه وأفعاله  وَأُمُّهُ صِدّيقَةٌ  أي وما أمه أيضاً إلا كسائر النساء اللاتي يلازِمْن الصدق أو التصديق، ويبالغْن في الاتصاف به فما رتبتُهما إلا رتبةُ بشرَيْن، أحدُهما نبي والآخر صحابي، فمن أين لكم أن تصفوهما بما لا يوصفُ به سائرُ الأنبياء وخواصُّهم ؟  كَانَا يَأكُلاَنِ الطعام  استئناف مبين لما أشير إليه من كونهما كسائر أفراد البشر في الاحتياج إلى ما يحتاج إليه كل فرد من أفراده بل من أفراد الحيوان، وقوله عز وجل : انظر كَيْفَ نُبَيّنُ لَهُمُ الآيات  تعجيب من حال الذين يدّعون لهما الربوبية ولا يرعوون في ذلك بعد ما بين لهم حقيقة حالهما بياناً لا يحوم حوله شائبةُ ريْب، و( كيف ) معمول لنبينُ، والجملة في حيز النصب معلِّقة لانظر، أي انظر كيف نبين لهم الآيات الباهرةَ المناديةَ ببطلان ما تقوّلوا عليهما نداءً يكاد يسمعه صمُّ الجبال  ثُمَّ انظر أنى يُؤفَكُونَ  أي كيف يُصرفون عن استماعها والتأمل فيها، والكلام فيه كما فيما قبله، وتكريرُ الأمر بالنظر للمبالغة في التعجيب، و( ثم ) لإظهار ما بين العجبين من التفاوت أي إن بياننا للآيات أمر بديع في بابه بالغٌ لأقاصي الغايات القاصيةِ من التحقيق والإيضاح، وإعراضُهم عنها مع انتفاء ما يصححه بالمرة وتعاضُدِ ما يوجب قبولَها أعجبُ وأبدع.

### الآية 5:76

> ﻿قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا ۚ وَاللَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ [5:76]

قُلْ  أمر عليه الصلاة والسلام بإلزامهم وتبكيتِهم إثْرَ تعجيبه من أحوالهم  أَتَعْبُدُونَ مِن دُونِ الله  أي متجاوزين إياه، وتقديمه على قوله تعالى : مَا لاَ يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرّاً وَلاَ نَفْعاً  لما مر مراراً من الاهتمام بالمقدم والتشويق إلى المؤخر، والموصول عبارةٌ عن عيسى عليه السلام، وإيثاره على كلمة مَنْ لتحقيق ما هو المراد من كونه بمعزلٍ من الألوهية رأساً، ببيان انتظامه عليه السلام في سلك الأشياء التي لا قدرة لها على شيء أصلاً، وهو عليه السلام وإن كان يملك ذلك بتمليكه تعالى إياه لكنه لا يملِكه من ذاته، ولا يملك مثل ما يُضِرُّ به الله تعالى من البلايا والمصائب، وما ينفع به من الصِّحة. وتقديم الضرر على النفع لأن التحرز عنه أهمُ من تحرّي النفع، ولأن أدنى درجات التأثير دفع الشر، ثم جلب الخير. وقوله تعالى : والله هُوَ السميع العليم  حال من فاعل ( أتعبدون ) مؤكِّد للإنكار والتوبيخ، ومقرِّر للإلزام والتبكيت، والرابط هو الواو أي أتشركون بالله تعالى ما لا يقدر على شيء من ضُرِّكم ونفعكم، والحال أن الله تعالى هو المختص بالإحاطة التامة بجميع المسموعات والمعلومات التي من جملتها ما أنتم عليه من الأقوال الباطلة، والعقائد الزائغة، والأعمال السيئة، وبالقدرة الباهرة على جميع المقدورات التي من جملتها مَضارُّكم ومنافعُكم في الدنيا والآخرة ؟

### الآية 5:77

> ﻿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ [5:77]

قُلْ يا أهل الكتاب  تلوينٌ للخطاب وتوجيهٌ له إلى فريقي أهل الكتاب، بطريق الالتفات على لسان النبي عليه الصلاة والسلام بعد إبطال مسلك كل منهما، للمبالغة في زجرهم عما سلكوه من المسلك الباطل، وإرشادهم إلى الأَمَم المِئْتاء[(١)](#foonote-١)  لاَ تَغْلُوا في دِينِكُمْ  أي لا تتجاوزوا الحد، وهو نهي للنصارى عن رفع عيسى عن رتبة الرسالة إلى ما تقوَّلوا في حقه من العظيمة، ولليهود عن وضعهم له عليه السلام عن رتبته العلية إلى ما تقوَّلوا عليه من الكلمة الشنعاء، وقيل : هو خاص بالنصارى كما في سورة النساء فذكَرَهم بعنوان أهلية الكتاب لتذكير أن الإنجيل أيضاً ينهاهم عن الغلو، وقوله تعالى : غَيْرَ الحق  نُصب على أنه نعتٌ لمصدر محذوف أي لا تغلوا في دينكم غلواً غيرَ الحق، أي غلواً باطلاً، أو حالٌ من ضمير الفاعل أي لا تغلوا مجاوزين الحق، أو من دينكم أي لا تغلوا في دينكم حال كونه باطلاً، وقيل : نُصب على الاستثناء المتصل، وقيل : على المنقطع  وَلاَ تَتَّبِعُوا أَهْوَاء قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِن قَبْلُ  هم أسلافهم وأئمتهم الذين ضلوا من الفريقين، أو من النصارى على القولين قبل مبعث النبي عليه الصلاة والسلام في شريعتهم.  وَأَضَلُّوا كَثِيراً  أي قوماً كثيراً ممن شايعهم في الزيغ والضلال، أو إضلالاً كثيراً، والمفعولُ محذوف  وَضَلُّوا  عند بعثةِ النبي عليه الصلاة والسلام وتوضيحِ مَحَجّةِ الحق وتبيين مناهجِ الإسلام  عَن سَوَاء السبيل  حين كذّبوه وحسبوه وحسدوه وبغَوْا عليه، وقيل : الأول إشارة إلى ضلالهم عن مقتضى العقل والثاني إلى ضلالِهم عما جاء به الشرع. 
١ الأمم: القصد، والطريق البيّن. والمئتاء والميتاء: الطريق يسلكه كل أحد، وآخر الغاية حيث ينتهي مجرى الخيل في السباق. والمراد إرشادهم إلى الطريق الذي يسلكه كل أحد. وفي الحديث الشريف: **«لولا أنه وعدٌ حق وقول صدق وطريق ميتاءٌ لحزنّا عليك أكثر ما حزنّا»**..

### الآية 5:78

> ﻿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَىٰ لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ۚ ذَٰلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ [5:78]

لُعِنَ الذين كَفَرُوا  أي لعنهم الله عز وجل، وبناءُ الفعل للمفعول للجَرْي على سَنن الكبرياء  مِن بَنِي إسرائيل  متعلق بمحذوفٍ وقع حالاً من الموصول أو من فاعل كفروا، وقوله تعالى : على لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابن مَرْيَمَ  متعلق بلُعن أي لعنهم الله تعالى في الزبور والإنجيل على لسانهما، وقيل : إن أهل أَيْلةَ لما اعتدَوا في السبت دعا عليهم داود عليه السلام وقال : اللهم العنهم واجعلهم آية، فمسخهم الله قردة، وأصحابُ المائدة لما كفروا قال عيسى عليه السلام : اللهم عذِّبْ من كفر بعدما أكل من المائدة عذاباً لم تعذِّبْه أحداً من العالمين، والعنهم كما لعنت أصحاب السبت، فأصبحوا خنازيرَ وكانوا خمسة آلاف رجل ما فيهم امرأة ولا صبي  ذلك  إشارة إلى اللعن المذكور وإيثارُه على الضمير للتنبيه على كمال ظهوره وامتيازِه عن نظائره وانتظامِه بسببه في سلك الأمور المشاهدة، وما فيه من معنى البعد للإيذان بكمال فظاعته وبعد درجته في الشناعة، وهو مبتدأ خبره قوله تعالى : بِمَا عَصَوا وكَانُوا يَعْتَدُونَ  والجملة مستأنَفةٌ واقعة موقع الجواب عما نشأ من الكلام كأنه قيل : بأي سبب وقع ذلك ؟ فقيل : ذلك اللعنُ الهائل الفظيعُ بسبب عصيانهم واعتدائهم المستمر، كما يفيده الجمعُ بين صيغتي الماضي والمستقبل.

### الآية 5:79

> ﻿كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ ۚ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ [5:79]

وينبئ عنه قوله تعالى : كَانُوا لاَ يتناهون عَن مُنكَرٍ فَعَلُوهُ  فإنه استئناف مفيد بعبارته لاستمرار عدم التناهي عن المنكر، ولا يمكن استمرارُه إلا باستمرار تعاطي المنكرات، وليس المراد بالتناهي أن ينْهَى كلُّ واحد منهم الآخَرَ عما يفعله من المنكر كما هو المعنى المشهورُ لصيغة التفاعل، بل مجرد صدور النهي عن أشخاص متعددة، من غير اعتبار أن يكون كل واحد منهم ناهياً ومنهياً معاً، كما في تراءَوْا الهلالَ، وقيل : التناهي بمعنى الانتهاء، يقال : تناهى عن الأمر وانتهى عنه إذا امتنع عنه وتركه، فالجملة حينئذ مفسرةٌ لما قبلها من المعصية والاعتداء، ومفيدة لاستمرارهما صريحاً، وعلى الأول مفيدة لاستمرار انتفاء النهي عن المنكر، بأن لا يوجد فيما بينهم من يتولاه في وقت من الأوقات، ومن ضرورته استمرارُ فعل المنكر حسبما سبق، وعلى كل تقدير فما يفيده تنكيرُ المنكر من الوحدة نوعية لا شخصية، فلا يقدح وصفه بالفعل الماضي في تعلق النهْي به، لِما أن متعلَّق الفعل إنما هو فرد من أفراد ما يتعلقُ به النهي، والانتهاء من مطلق المنكر، باعتبار تحقّقه في ضمن أي فرد كان من أفراده على أن المضي المعتبر في الصفة إنما هو بالنسبة إلى زمان النزول لا إلى زمان النهي حتى يلزمَ كونُ النهي بعد الفعل، فلا حاجة إلى تقدير المعاودة أو المِثْل أو جعلِ الفعل عبارةً عن الإرادة، على أن المعاودة كالنهي لا تتعلق بالمنكر المفعول فلابد من المصير إلى أحد ما ذُكر من الوجهين، أو إلى تقدير المثل، أو إلى جعل الفعل عبارة عن إرادته، وفي كل ذلك تعسفٌ لا يخفى.  لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ  تقبيح لسوء أعمالهم وتعجيب منه بالتوكيد القسمي، كيف لا وقد أداهم إلى ما شُرح من اللعن الكبير وليس في تسبُّبه بذلك دلالةٌ على خروج كفرهم عن السببية، مع الإشارة إلى سببيته له فيما سبق من قوله تعالى : لُعِنَ الذين كَفَرُوا  \[ المائدة، الآية ٧٨ \] فإن إجراء الحكم على الموصول مُشعرٌ بعِلِّية ما في حيز الصلة له، لما أن ما ذكر في حيز السببية مشتملٌ على كفرهم أيضاً.

### الآية 5:80

> ﻿تَرَىٰ كَثِيرًا مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا ۚ لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ [5:80]

ترى كَثِيراً منهُمْ  أي من أهل الكتاب ككعبِ بن الأشرف وأضرابِه حيث خرجوا إلى مشركي مكةَ ليتّفقوا على محاربة النبي عليه الصلاة والسلام، والرؤيةُ بصرية وقوله تعالى : يَتَوَلَّوْنَ الذين كَفَرُوا  حال من ( كثيراً ) لكونه موصوفاً، أي يوالون المشركين بُغضاً لرسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين، وقيل : مِنْ منافقي أهل الكتاب يتولَّوْن اليهود. وهو قول ابن عباس رضي الله تعالى عنهما ومجاهد والحسن، وقيل : يوالون المشركين ويُصافوُنهم  لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنفُسُهُمْ  لبئس شيئاً قدّموا ليَرِدوا عليه يوم القيامة  أَن سَخِطَ الله عَلَيْهِمْ  هو المخصوصُ بالذم على حذف المضاف وإقامةِ المضاف إليه مُقامَه، تنبيهاً على كمال التعلق والارتباط بينهما كأنهما شيء واحد، ومبالغةً في الذم أي موجبُ سُخطِه تعالى، ومحله الرفع على الابتداء والجملة قبله خبرُه، والرابط عند من يشترطه هو العموم، أو لا حاجة إليه، لأن الجملةَ عينُ المبتدأ، أو على أنه خبر لمبتدأ محذوف ينبئ عنه الجملة المتقدمة، كأنه قيل : ما هو ؟ أو أيُّ شيء هو ؟ فقيل : هو أنْ سخِط الله عليهم، وقيل : المخصوصُ بالذم محذوفٌ و( ما ) اسم تامٌّ معرفةٌ في محل رفع بالفاعلية لفعل الذم، و( قدمت لهم أنفسهم ) جملة في محل الرفع على أنها صفة للمخصوصِ بالذم قائمةٌ مَقامه، والتقدير لبئس الشيءُ شيءٌ قدّمتْه لهم أنفسُهم، فقوله تعالى : أَن سَخِطَ الله عَلَيْهِمْ  بدلٌ من ( شيء ) المحذوفِ، وهذا مذهب سيبويه  وَفي العذاب  أي عذاب جهنم  هُمْ خالدون  أبد الآبدين.

### الآية 5:81

> ﻿وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ وَلَٰكِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ فَاسِقُونَ [5:81]

وَلَوْ كَانُوا  أي الذين يتولون المشركين من أهل الكتاب  يُؤْمِنُونَ بِالْلهِ والنَّبِي  أي نبيهم  وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ  من الكتاب، أو لو كان المنافقون يؤمنون بالله ونبينا إيماناً صحيحاً  مَا اتَّخَذُوهُمْ  أي المشركين واليهود  أَوْلِيَاء  فإن الإيمان بما ذُكر وازعٌ عن تولِّيهم قطعاً  ولكن كَثِيراً منهُمْ فاسقون  خارجون عن الدين والإيمان بالله ونبيهم وكتابهم أو متمرِّدون في النفاق مفرِّطون فيه.

### الآية 5:82

> ﻿۞ لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا ۖ وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَىٰ ۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ [5:82]

لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ الناس عَدَاوَةً للذِينَ آمنوا اليهود والذين أَشْرَكُوا  جملة مستأنَفة مَسوقة لتقرير ما قبلها من قبائح اليهود وعَراقتهم في الكفر، وسائرِ أحوالهم الشنيعة التي من جملتها موالاتُهم للمشركين. أُكِّدت بالتوكيد القسَميّ اعتناءً ببيان تحققِ مضمونها، والخطاب إما لرسول الله صلى الله عليه وسلم، أو لكل أحد صالح له، إيذاناً بأن حالهم مما لا يخفى على أحد من الناس. والوُجدانُ متعدَ إلى اثنين، أحدُهما أشدُّ الناس ؛ والثاني اليهودُ وما عُطف عليه، وقيل : بالعكس لأنهما في الأصل مبتدأٌ وخبر، ومصبّ الفائدة هو الخبرُ لا المبتدأ، ولا ضيرَ في التقديم والتأخير إذ دل على الترتيب دليل، وهاهنا دليل واضح عليه، وهو أن المقصودَ بيانُ كون الطائفتين أشدَّ الناس عداوة للمؤمنين، لا كونِ أشدِّهم عداوةً لهم الطائفتين المذكورتين، وأنت خبير بأنه بمعزل من الدلالة على ذلك، كيف لا والإفادة في الصورة الثانية أتمّ وأكملُ مع خلوها عن تعسُّف التقديم والتأخير، إذ المعنى أنك إن قصدتَ أن تعرِفَ من أشدُّ الناس عداوةً للمؤمنين وتتبعْتَ أحوالَ الطوائف طُراً وأحطتَ بما لديهم خُبْراً، وبالغْتَ في تعرُّف أحوالهم الظاهرةِ والباطنة، وسعَيْتَ في تطلُّب ما عندهم من الأمور البارزة والكامنة، لتجدن الأشدَّ تَيْنِك الطائفتين لا غيرُ فتأملْ. واللام الداخلة على الموصول متعلقةٌ ( بعداوةً ) مقويةٌ لعملها، ولا يضرُّ كونُها مؤنثةً بالتاء مبنية عليها، كما في قوله : ورهبةً عقابَك، وقيل : متعلقةٌ بمحذوف هو صفةٌ لعداوة، أي كائنةً للذين آمنوا، وصفهم الله تعالى بذلك لشدة شكيمتهم وتضاعُف كفرهم، وانهماكهم في ابتاع الهوى، وقربهم إلى التقليد، وبعدهم عن التحقيق، وتمرُّنهم على التمرّد والاستعصاء على الأنبياء، والاجتراء على تكذيبهم ومُناصَبَتِهم. وفي تقديم اليهود على المشركين بعد لَزِّهما[(١)](#foonote-١) في قَرنٍ واحد إشعارٌ بتقدمهم عليهم في العداوة، كما أن في تقديمهم عليهم في قوله تعالى : وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ الناس على حياةٍ وَمِنَ الذين أَشْرَكُوا  \[ البقرة، الآية ٩٦ \] إيذاناً بتقدُّمهم عليهم في الحرص،  وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ موَدَّةً للذِينَ آمنوا  أعيد الموصول مع صلته رَوْماً لزيادة التوضيح والبيان  الذين قَالُوا إِنَّا نصارى  عبر عنهم بذلك إشعاراً بقرب مودتهم حيث يدّعون أنهم أنصارُ الله وأَوِدّاءُ أهل الحق وإن لم يظهروا اعتقاد حقية الإسلام، وعلى هذه النكتة مبنى الوجه الثاني في تفسير قوله تعالى : وَمِنَ الذين قَالُوا إِنَّا نصارى أَخَذْنَا ميثاقهم  \[ المائدة، الآية ١٤ \] والكلام في مفعولي لتجدن وتعلق اللام كالذي سبق، والعدولُ عن جعْل ما فيه التفاوتُ بين الفريقين شيئاً واحداً قد تفاوتا فيه بالشدة والضعف أو بالقرب والبعد بأن يقال آخِراً : ولتجدن أضعفَهم عداوة الخ، أو بأن يقال : أولا لتجدن أبعد الناس مودة الخ، للإيذان بكمال تبايُن ما بين الفريقين من التفاوتِ ببيان أن أحدَهما في أقصى مراتبِ أحدِ النقيضين، والآخَرَ في أقربِ مراتب النقيض الآخر.  ذلك  أي كونهم أقربَ مودةً للمؤمنين  بِأَنَّ مِنْهُمْ  أي بسبب أن منهم  قِسّيسِينَ  وهم علماءُ النصارى وعبّادهم ورؤساؤهم، والقِسّيسُ صيغةُ مبالغةٍ من تقَسَّسَ الشيءَ إذا تتبَّعه وطلبه بالليل، سُموا به لمبالغتهم في تتبع العلم، قاله الراغب، وقيل : القَسُّ بفتح القاف تتبُّعُ الشيء ومنه سمي عالم النصارى قسيساً لتتبعه العلم، وقيل : قصَّ الأثرَ وقسه بمعنى، وقيل : إنه أعجمي، وقال قُطرُبُ : القِسّ والقِسّيسُ العالم بلغة الروم، وقيل : ضيَّعت النصارى الإنجيلَ وما فيه، وبقي منهم رجل يقال له : قِسيسُ لم يبدِّلْ دينه، فمن راعى هديه ودينه قيل له : قسيس.  وَرُهْبَاناً  وهو جمع راهب كراكب ورُكبان وفارس وفُرسان، وقيل : إنه يطلق على الواحد وعلى الجمع وأُنشِدَ فيه قولُ من قال :\[ الرجز \]لو عايَنَتْ رُهبانَ ديْرٍ في قُلَل  لأقبل الرهبانُ يعدو ونزَلْ[(٢)](#foonote-٢)والترهب التعبد في الصومعة، قال الراغب : الرهبانية الغلوُّ في تحمل التعبد من فرط الخوف، والتنكير لإفادة الكثرة، ولابد من اعتبارها في القسيسين أيضاً، إذ هي التي تدل على مودة جنس النصارى للمؤمنين، فإن اتصاف أفرادٍ كثيرة لجنسٍ بخصلةٍ مظِنةٌ لاتصاف الجنس بها، وإلا فمن اليهود أيضاً قوم مهتدون، ألا يُرى إلى عبد اللَّه بن سلام وأضرابه، قال تعالى : منْ أَهْلِ الكتاب أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيات الله آنَاء اليل وَهُمْ يَسْجُدُونَ  \[ آل عمران، الآية ١١٣ \] الخ، لكنهم لما لم يكونوا في الكثرة كالذين من النصارى لم يتعدَّ حكمُهم إلى جنس اليهود  وَأَنَّهُمْ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ  عطف على ( أن منهم )، أي وبأنهم لا يستكبرون عن قبول الحق إذا فهموه، ويتواضعون ولا يتكبرون كاليهود، وهذه الخَصلةُ شاملة لجميع أفراد الجنس فسببيّتُها لأقربيّتهم مودةً للمؤمنين واضحة، وفيه دليل على أن التواضع والإقبال على العلم والعمل والإعراض عن الشهوات محمودٌ وإن كان ذلك من كافر. 
١ لزّه: شدّه وألصقه. والقَرَن، بالتحريك: هو الحبل..
٢ رواية لسان العرب (رهب): لو كلّمت رهبان دير في القلل.. الخ. وأنشده ابن الأعرابي..

### الآية 5:83

> ﻿وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَىٰ أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ ۖ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ [5:83]

وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنزِلَ إِلَى الرسول  عطف على لا يستكبرون أي ذلك بسبب أنهم لا يستكبرون، وأن أعينَهم تفيض من الدمع عند سماع القرآن، وهو بيانٌ لرقة قلوبهم وشدة خشيتهم، ومسارعتِهم إلى قبول الحق وعدم إبائهم إياه  تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدمع  أي تمتلئ بالدمع، فاستُعير له الفيضُ الذي هو الانصبابُ عن امتلاءٍ مبالغةً، أو جُعلت أعينُهم من فرط البكاء كأنها تفيض بأنفسها  مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الحق  ( من ) الأولى لابتداء الغاية، والثانية لتبيين الموصول، أي ابتدأ الفيض ونشأ من معرفة الحق وحصل من أجله وبسببه، ويحتمل أن تكون الثانية تبعيضية، لأن ما عرفوه بعضُ الحق، وحيث أبكاهم ذلك فما ظنك بهم لو عرفوا كله، وقرأوا القرآن، وأحاطوا بالسنة ؟ وقرئ ( تُرى أعينُهم ) على صيغة المبني للمفعول  يَقُولُونَ  استئنافٌ مبنيٌّ على سؤال نشأ من حكاية حالهم عند سماع القرآن كأنه قيل : ماذا يقولون ؟ فقيل : يقولون : رَبَّنَا آمَنَّا  بهذا أو بمن أنزل هذا عليه أو بهما، وقيل : حال من الضمير في عرفوا أو من الضمير المجرور في أعينهم، لما أن المضاف جزؤه، كما في قوله تعالى : وَنَزَعْنَا مَا في صُدُورِهِم منْ غِلّ إِخْوَانًا  \[ الحجر، الآية ٤٧ \]  فاكتبنا مَعَ الشاهدين  أي الذين شهدوا بأنه حق أو بنبوته، أو مع أمته الذين هم شهداءُ على الأمم يوم القيامة، وإنما قالوا ذلك لأنهم وجدوا ذكرهم في الإنجيل كذلك.

### الآية 5:84

> ﻿وَمَا لَنَا لَا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا جَاءَنَا مِنَ الْحَقِّ وَنَطْمَعُ أَنْ يُدْخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ [5:84]

وَمَا لَنَا لاَ نُؤْمِنُ بالله وَمَا جَاءنَا مِنَ الحق  كلام مستأنَفٌ قالوه تحقيقاً لإيمانهم، وتقريراً له بإنكار سبب انتفائه ونفيِه بالكلية، على أن قوله تعالى : لاَ نُؤْمِنُ  حال من الضمير في ( لنا )، والعامل ما فيه من الاستقرار أيْ أيُّ شيءٍ حصل لنا غيرَ مؤمنين ؟ على توجيه الإنكار والنفي إلى السبب والمسبَّب جميعاً، كما في قوله تعالى : وما لِي لاَ أَعْبُدُ الذي فَطَرَنِي  \[ يس، الآية ٢٢ \] ونظائرِه لا إلى السبب فقط مع تحقق المسبب كما في قوله تعالى : فَمَا لَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ  \[ الانشقاق، الآية ٢٠ \] وأمثاله فإن همزة الاستفهام كما تكون تارة لإنكار الواقع كما في أتضرِبُ أباك ؟ وأخرى لإنكار الوقوع كما في أأضرب أبي ؟ كذلك ما الاستفهامية قد تكون لإنكار سبب الواقع ونفْيِه فقط كما في الآية الثانية، وقوله تعالى : ما لَكُمْ لاَ تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَاراً  \[ نوح، الآية ١٣ \] فيكون مضمون الجملة الحالية محققاً، فإن كلاًّ من عدم الإيمان وعدم الرجاء أمرٌ محققٌ قد أنكروا نفي سببه، وقد يكون الإنكارُ سببَ الوقوعِ ونفيَه، فيسريان إلى المسبب أيضاً كما في الآية الأولى، فيكون مضمون الجملة الحالية مفروضاً قطعاً، فإن عدم العبادة أمر مفروض حتماً، وقوله تعالى : وَنَطْمَعُ أَن يُدْخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ القوم الصالحين  حال أخرى من الضمير المذكور بتقدير مبتدأ، والعامل فيها هو العامل في الأولى مقيداً بها، أي أيُّ شيء حصل لنا غير مؤمنين ؟ ونحن نطمع في صحبة الصالحين، أو من الضمير في ( لا نؤمن ) على معنى أنهم أنكروا على أنفسهم عدم إيمانهم، مع أنهم يطمعون في صحبة المؤمنين، وقيل : معطوف على ( نؤمن ) على معنى وما لنا نجمع بين ترك الإيمان وبين الطمع المذكور ؟

### الآية 5:85

> ﻿فَأَثَابَهُمُ اللَّهُ بِمَا قَالُوا جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ۚ وَذَٰلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ [5:85]

فَأَثَابَهُمُ الله بِمَا قَالُوا  أي عن اعتقاد، من قولك : هذا قول فلان أي مُعتقدُه، وقرئ ( فآتاهم الله )  جنات تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأنهار خالدين فِيهَا وذلك جَزَاء المحسنين  أي الذين أحسنوا النظر والعمل أو الذين اعتادوا الإحسان في الأمور، والآيات الأربع، رُوي ( أنها نزلت في النجاشي وأصحابه بعث إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم بكتابه فقرأه ثم دعا جعفرَ بن أبي طالب والمهاجرين معه وأحضر القسيسين والرهبان، فأمر جعفر أن يقرأ عليهم القرآن فقرأ سورة مريمَ، فبكَوْا وآمنوا بالقرآن )، وقيل : نزلت في ثلاثين أو سبعين رجلاً من قومه وفدوا على رسولِ الله صلى الله عليه وسلم فقرأ عليهم سورة مريم فبكَوا وآمنوا.

### الآية 5:86

> ﻿وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَٰئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ [5:86]

والذين كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بئاياتنا أولئك أصحاب الجحيم  عطَفَ التكذيب بآيات الله على الكفر مع أنه ضربٌ منه لِما أن القصد إلى بيان حال المكذبين، وذكَرهم بمقابلة المصدِّقين بها جمعاً بين الترغيب والترهيب.

### الآية 5:87

> ﻿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا ۚ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ [5:87]

يا أيها الذين آمنوا لاَ تُحَرّمُوا طيبات مَا أَحَلَّ الله لَكُمْ  أي ما طاب ولذ منه، كأنه لمّا تضمّن ما سلف من مدح النصارى على الترهّب وترغيب المؤمنين في كسر النفس ورفض الشهوات، عقّب ذلك بالنهي عن الإفراط في الباب، أي لا تمنعوها أنفسكم كمنع التحريم أو لا تقولوا حرمناها على أنفسنا مبالغةً منكم في العزم على تركها تزهداً منكم وتقشفاً. وروي ( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وصف القيامة لأصحابه يوماً فبالغ وأشبع الكلام في الإنذار فرقّوا واجتمعوا في بيت عثمانَ بنِ مظعونٍ، واتفقوا على ألا يزالوا صائمين قائمين وألا يناموا على الفُرش، ولا يأكلوا اللحم والودَك[(١)](#foonote-١)، ولا يقرَبوا النساء والطيِّب، ويرفضوا الدنيا ويلْبَسوا المُسوح[(٢)](#foonote-٢)، ويَسيحُوا في الأرض، ويجُبُّوا مذاكيرَهم[(٣)](#foonote-٣)، فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لهم :**«إني لم أومر بذلك، إن لأنفسكم عليكم حقاً، فصوموا وأفطروا، وقوموا وناموا، فإني أقوم وأنام، وأصوم وأُفطر، وآكلُ اللحم والدسم، وآتي النساء، فمن رغِب عن سنتي فليس مني »** فنزلت ).  وَلاَ تَعْتَدُوا  أي لا تتعدوا حدود ما أحل لكم إلى ما حرم عليكم، أو ولا تسرفوا في تناول الطيبات، أو جَعَلَ تحريمَ الطيبات اعتداءً وظلماً، فنهى عن مطلق الاعتداء ليدخُل تحته النهيُ عن تحريمها دخولاً أولياً لوروده عَقيبه، أو أريدَ ولا تعتدوا بذلك  إِنَّ الله لاَ يُحِبُّ المعتدين  تعليل لما قبله. 
١ الودك: الدسم، أو دسم اللحم ودهنه الذي يستخرج منه..
٢ المسوح: جمع مِسْح، وهو الكساء من شعر، أو ثوب الراهب..
٣ المذاكير: جمع ذكر، وهو من الإنسان عضو التذكير..

### الآية 5:88

> ﻿وَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلَالًا طَيِّبًا ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ [5:88]

وَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ الله حلالا طَيّباً  أي ما حل لكم وطاب مما رزقكم الله، فحلالاً مفعول ( كلوا )، ومما رزقكم إما حال منه تقدمت عليه لكونه نكرةً، أو متعلق بكلوا، ومِنْ ابتدائية، أو هو المفعول وحلالاً حال من الموصول، أو مِنْ عائدِه المحذوف، أو صفةٌ لمصدرٍ محذوف، أي أكلاً حلالاً، وعلى الوجوه كلها لو لم يقع الرزق على الحرام لم يكن لذكر الحلال فائدة زائدة  واتقوا الله الذي أَنتُم بِهِ مُؤْمِنُونَ  توكيد للوصية بما أَمَر به، فإن الإيمان به تعالى يوجب المبالغة في التقوى والانتهاء عما نهى عنه.

### الآية 5:89

> ﻿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَٰكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ ۖ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ ۖ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ۚ ذَٰلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ ۚ وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ ۚ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ [5:89]

لاَ يُؤَاخِذُكُمُ الله باللغو في أيمانكم  اللغو في اليمين الساقطُ الذي لا يتعلق به حُكم، وهو عندنا أن يحلِف على شيء يظن أنه كذلك وليس كما يظن، وهو قول مجاهد، قيل : كانوا حلفوا على تحريم الطيبات على ظنِّ أنه قُربة، فلما نزل النهي قالوا : كيف بأيْماننا ؟ فنزلت، وعند الشافعي رحمه الله تعالى، ما يبدو من المرء من غير قصد كقوله : لا والله وبلى والله، وهو قول عائشةَ رضي الله تعالى عنها، و( في أيمانكم ) صلةُ يؤاخذكم أو اللغو لأنه مصدر، أو حال منه  ولكن يُؤَاخِذُكُم بِمَا عَقَّدتُّمُ الأيمان  أي بتعقيدكم الأَيمانَ وتوثيقها عليه بالقصد والنية، والمعنى ولكن يؤاخذكم بما عقّدتموه إذا حنِثتم أو بنَكْثِ ما عقّدتم، فحُذِف للعلم به، وقرئ بالتخفيف، وقرئ ( عاقدتم ) بمعنى عقدتم  فَكَفَّارَتُهُ  أي فكفارةُ نكْثِه وهي الفعلة التي من شأنها أن تكفّرَ الخطيئة وتستُرَها، واستُدل بظاهره عن جواز التكفير قبل الحِنْث، وعندنا لا يجوز ذلك لقوله عليه الصلاة والسلام :**«من حلَف على يمينٍ ورأى غيرَها خيراً فليأتِ الذي هو خيرٌ ثم ليُكفِّرْ عن يمينه »**  إِطْعَامُ عَشَرَةِ مساكين مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ  أي ما أقصَدِه في النوع أو المقدار، وهو نصفُ صاع من بُر لكلِّ مسكين، ومحلُّه النصبُ لأنه صفةُ مفعولٍ محذوف تقديرُه أن تُطعموا عشرة مساكينَ طعاماً كائناً من أوسط ما تطعمون، أو الرفعُ على أنه بدل من إطعام، وأهلون جمعُ أهلٍ كأَرَضون جمع أرض، وقرئ ( أهاليكم ) بسكون الياء على لغة من يسكنها في الحالات الثلاث كالألف، وهذا أيضاً جمع أهلٍ كالأراضي في جمع أرض والليالي في جمع ليل، وقيل : جمع أهلاة  أَوْ كِسْوَتُهُمْ  عطف على ( إطعامُ ) أو على محلَّ ( من أوسط ) على تقدير كونه بدلاً من ( إطعام ) وهو ثوب يغطي العورة، وقيل : ثوب جامع قميص أو رداء أو إزار، وقرئ بضم الكاف وهي لغة كقِدوة في قُدوة وإسوة في أُسوة، وقرئ أو ( كأُسوتهم ) على أن الكاف في محل الرفع تقديره أو إطعامهم كأسوتهم بمعنى أو كمثل ما تطعمون أهليكم إسرافاً وتقتيراً تواسون بينهم وبينهم إن لم تُطعموهم الأوسط  أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ  أي أو إعتاقُ إنسان كيفما كان، وشرط الشافعي رضي الله تعالى عنه فيه الإيمان قياساً على كفارة القتل، ومعنى ( أو ) إيجابُ إحدى الخصال مطلقاً وخيارُ التعيين للمكلف.  فَمَن لم يَجِدْ  أي شيئاً من الأمور المذكورة  فَصِيَامُ  أي فكفارتُه صيام  ثلاثة أَيَّامٍ  والتتابع شرط عندنا لقراءة ( ثلاثة أيام متتابعات )، والشافعي رضي الله عنه لا يرى للشواذ حجة  ذلك  أي الذي ذكر  كَفَّارَةُ أيمانكم إِذَا حَلَفْتُمْ  أي وحنِثْتم  واحفظوا أيمانكم  بأن تضِنوا بها ولا تبذُلوها كما يُشعر به قوله تعالى : إِذَا حَلَفْتُمْ ، وقيل : بأن تَبَرّوا فيها ما استطعتم ولم يفُتْ بها خير، أو بأن تكفروها إذا حنِثتم، وقيل : احفظوها كيف حلفتم بها ولا تنسوها تهاوناً بها  كذلك  إشارة إلى مصدر الفعل الآتي لا إلى تبيينٍ آخَرَ مفهومٍ مما سبق، والكاف مقحمةٌ لتأكيد ما أفاده اسمُ الإشارة من الفخامة، ومحله في الأصل النصب على أنه نعتٌ لمصدر محذوف وأصل التقدير : يبين الله تبييناً كائناً مثلَ ذلك التبيين، فقدم على الفعل لإفادة القصر، واعتُبرت الكاف مقحمةً للنكتة المذكورة، فصار نفسَ المصدر لا نعتاً له، وقد مر تفصيله في قوله تعالى : وكذلك جعلناكم أُمَّةً وَسَطًا  \[ البقرة، الآية ١٤٣ \] أي ذلك البيان البديع  يُبَيّنُ الله لَكُمْ آياته  أعلام شريعته وأحكامه لا بياناً أدنى منه، وتقديم ( لكم ) على المفعول لما مر مراراً  لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ  نعمته فيما يعلمكم ويسهل عليكم المخرج.

### الآية 5:90

> ﻿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ [5:90]

يا أيها الذين آمَنُوا إِنَّمَا الخمر والميسر والأنصاب  أي الأصنامُ المنصوبةُ للعبادة  والأزلام  سلف تفسيرها في أوائل السورة الكريمة  رِجْسٌ  قذر تعاف عنه العقول، وإفراده لأنه خبرُ الخمر، وخبرُ المعطوفات محذوفٌ ثقةً بالمذكور، أو المضاف محذوف أي شأن الخمر والميسر، الخ  مِنْ عَمَلِ الشيطان  في محل الرفع على أنه صفةُ ( رجس )، أي كائن من عمله لأنه مسبَّبٌ من تسويله وتزيينه  فاجتنبوه  أي الرجس أو ما ذكر  لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ  أي راجين فلاحكم، وقيل : لكي تفلحوا بالاجتناب عنه وقد مر تحقيقه في تفسير قوله تعالى : لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ  \[ البقرة، الآية ٢١. والآية ٦٣. والآية ١٧٩. والآية ١٨٣ \] ولقد أُكِّد تحريم الخمر والميسر في هذه الآية الكريمة بفنون التأكيد حيث صُدِّرت الجملة بإنما وقُرِنا بالأصنام والأزلام، وسُمِّيا رجساً من عمل الشيطان تنبيهاً على أن تعاطيَها شرٌّ بحْتٌ، وأَمَر بالاجتناب عن عينهما وجعل ذلك سبباً يرجى عنه الفلاح، فيكون ارتكابهما خَيبة ومَحْقة.

### الآية 5:91

> ﻿إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ ۖ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ [5:91]

ثم قرر ذلك ببيان ما فيهما من المفاسد الدنيوية والدينية المقتضية للتحريم، فقيل : إِنَّمَا يُرِيدُ الشيطان أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ العداوة والبغضاء في الخمر والميسر  وهو إشارة إلى مفاسدهما الدنيوية  وَيَصُدَّكُمْ عَن ذِكْرِ الله وَعَنِ الصلاة  إشارة إلى مفاسدهما الدينية، وتخصيصُهما بإعادة الذكر وشرح ما فيهما من الوبال للتنبيه على أن المقصود بيانُ حالهما، وذكرُ الأصنام والأزلام للدلالة على أنهما مثلُهما في الحرمة والشرارة لقوله عليه الصلاة والسلام :**«شارب الخمر كعابد الوثن »** وتخصيصُ الصلاة بالإفراد مع دخولها في الذكر للتعظيم والإشعار بأن الصادَّ عنها كالصادِّ عن الإيمان لما أنها عِمادُه، ثم أعيد الحث على الانتهاء بصيغة الاستفهام مرتَّباً على ما تقدم من أصناف الصوارف، فقيل : فَهَلْ أَنْتُمْ مُنتَهُونَ  أيذاناً بأن الأمر في الزجر والتحذير وكشفِ ما فيهما من المفاسد والشرور قد بلغ الغاية وأن الأعذارَ قد انقطعت بالكلية.

### الآية 5:92

> ﻿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا ۚ فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَىٰ رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ [5:92]

وَأَطِيعُوا الله وَأَطِيعُوا الرسول  عطف على اجتنبوه أي أطيعوهما في جميع ما أمرا به ونهيا عنه  واحذروا  أي مخالفتَهما في ذلك فيدخل فيه مخالفةُ أمرِهما ونهْيِهما في الخمر والميسر دخولاً أولياً  فَإِن تَوَلَّيْتُمْ  أي أعرضتم عن الامتثال بما أُمرتم به من الاجتناب عن الخمر والميسر وعن طاعة الله تعالى وطاعةِ رسوله عليه الصلاة والسلام والاحترازِ عن مخالفتهما  فاعلموا أَنَّمَا على رَسُولِنَا البلاغ المبين  وقد فعل ذلك بما لا مزيد عليه وخرج عن عُهدة الرسالة أيَّ خروج، وقامت عليكم الحجة وانتهت الأعذار وانقطعت العلل، وما بقي بعد ذلك إلا العقاب. وفيه من عظم التهديد وشدة الوعيد ما لا يخفى، وأما ما قيل من أن المعنى فاعلموا أنكم لم تضُروا بتولِّيكم الرسولَ لأنه ما كُلّف إلا البلاغَ المبينَ بالآيات وقد فعل ؛ وإنما ضررتم أنفسكم حين أعرضتم عما كُلِّفتموه فلا يساعده المقام، إذ لا يُتوهم منهم ادعاءُ أنهم بتوليهم يضرونه عليه الصلاة والسلام حتى يردَ عليهم بأنهم لا يضرونه ؛ وإنما يضرون أنفسهم.

### الآية 5:93

> ﻿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا وَآمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا ۗ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ [5:93]

لَيْسَ عَلَى الذين آمنوا وَعَمِلُوا الصالحات جُنَاحٌ  أي إثم وحرج  فِيمَا طَعِمُوا  أي تناولوا أكلاً أو شرباً فإن استعماله في الشرب أيضاً مستفيضٌ، منه قولُه تعالى : وَمَن لمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنّي  \[ البقرة، الآية ٢٤٩ \] قيل :( لما أنزل الله تعالى تحريم الخمر بعد غزوة الأحزاب قال رجال من أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام : أصيب فلان يوم بدر وفلان يوم أحد وهم يشربونها، ونحن نشهد أنهم في الجنة )، وفي رواية أخرى :( لما نزل تحريم الخمر والميسر قالت الصحابة رضي الله تعالى عنهم : يا رسول الله فكيف بإخواننا الذين ماتوا وهم يشربون الخمر ويأكلون الميسر ؟ )، وفي رواية أخرى :( قال أبو بكر رضي الله تعالى عنه : يا رسول الله كيف بإخواننا الذين ماتوا وقد شربوا الخمر وفعلوا القمار ؟ فنزلت )، وليست كلمة ( ما ) في ما طعموا عبارةً عن المباحات الخاصة، والإلزام تقييدُ إباحتها باتقاء ما عداها من المحرمات لقوله تعالى : إِذَا مَا اتقوا  واللازمُ منْتفٍ بالضرورة، بل هي على عمومها موصولةً كانت أو موصوفة، وإنما تخصصت بذلك القيد الطارئ عليها، والمعنى ليس عليهم جُناحٌ فيما تناولوه من المأكول والمشروب كائناً ما كان إذا اتقَوْا أن يكون في ذلك شيء من المحرمات، وإلا لم يكن نفْيُ الجُناح في كل ما طعموه بل في بعضه ولا محذورَ فيه، إذِ اللازمُ منه تقييد إباحة الكل بأن لا يكون فيه محرم لا تقيد إباحة بعضه باتقاء بعضٍ آخرَ منه كما هو اللازم من الأول  وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَات  أي واستمروا على الإيمان والأعمال الصالحة، وقوله تعالى : ثُمَّ اتَّقَوا  عطف على ( اتقوا ) داخلٌ معه في حيِّز الشرط، أي اتقوا ما حُرّم عليهم بعد ذلك مع كونه مباحاً فيما سبق  وَآمنوا  أي بتحريمه، وتقديم الاتقاء عليه إما للاعتناء به أو لأنه الذي يدل على التحريم الحادث الذي هو المؤمَنُ به، أو واستمروا على الإيمان  ثُمَّ اتَّقَوا  أي ما حرم عليهم بعد ذلك مما كان مباحاً من قبل، على أن المشروط بالاتقاء في كل مرة إباحةُ كل ما طعِموه في ذلك الوقت لا إباحةُ كل ما طعموه قبله، لانتساخ إباحةِ بعضِه حينئذ  وَأَحْسَنُوا  أي عملوا الأعمال الحسنة الجميلة المنتظمة لجميع ما ذكر من الأعمال القلبية والقالبية، وليس تخصيص المرات بالذكر لتخصيص الحكم بها، بل لبيان التعدد والتكرر بالغاً ما بلغ، والمعنى أنهم إذا اتقوا المحرمات واستمروا على ما هم عليه من الإيمان والأعمال الصالحة، وكانوا في طاعة الله ومراعاةِ أوامرِه ونواهيه بحيث كلما حرِّم عليهم شيء من المباحات اتقَوْه، ثم. . . وثم. . فلا جناح عليهم فيما طعموه في كل مرة من المطاعم والمشارب، إذ ليس فيها شيء محرم عند طُعْمِه. وأنت خبير بأن ما عدا اتقاءِ المحرمات من الصفات الجميلة المذكورة لا دخْلَ لها في انتفاء الجُناح، وإنما ذكرت في حيز ( إذا ) شهادةً باتصاف الذين سُئل عن حالهم بها، ومدحاً لهم بذلك وحمداً لأحوالهم، وقد أشير إلى ذلك حيث جُعلت تلك الصفاتُ تبعاً للاتقاء في كل مرةٍ تمييزاً بينها وبين ما له دخل في الحكم، فإن مَساقَ النظم الكريم بطريق العبارة وإن كان لبيان حال المتصفين بما ذُكر من النعوت فيما سيأتي بقضية كلمة ( إذا ما )، لكنه قد أُخرج مُخْرَجَ الجواب عن حال الماضين لأثبات الحكم في حقهم في ضمن التشريع الكلي على الوجه البرهاني بطريق دلالة النص، بناءً على كمال اشتهارهم بالاتصاف بها، فكأنه قيل : ليس عليهم جُناح فيما طعِموه إذْ كانوا في طاعته تعالى مع ما لهم من الصفات الحميدة، بحيث كلما أمِروا بشيء تلقَّوْه بالامتثال. وإنما كانوا يتعاطَوْن الخمر والميسر في حياتهم لعدم تحريمها إذ ذاك، ولو حُرما في عصرهم لاتقوهما بالمرة. هذا وقد قيل : التكريرُ باعتبار الأوقات الثلاثة، أو باعتبار الحالات الثلاث : استعمالِ الإنسان التقوى بينه وبين نفسه، وبينه وبين الناس، وبينه وبين الله عز وجل، ولذلك جيءَ بالإحسان في الكرة الثالثة بدلَ الإيمان إشارةً إلى ما قاله عليه الصلاة والسلام في تفسيره، أو باعتبار المراتب الثلاث : المبدأ والوسط والمنتهى، أو باعتبار ما يُتَّقى، فإنه ينبغي أن يترك المحرمات توقياً من العقاب، والشبُهاتِ توقياً من الوقوع في الحرام، وبعضَ المباحات حفظاً للنفس عن الخِسة وتهذيباً لها عن دنَس الطبيعة، وقيل : التكريرُ لمجرد التأكيد كما في قوله تعالى : كَلاَّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ ثُمَّ كَلاَّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ  \[ التكتثر، الآية ٣ و٤ \] ونظائرِه، وقيل : المرادُ بالأول اتقاءُ الكفر، وبالثاني اتقاءُ الكبائر، وبالثالث اتقاءُ الصغائر. ولا ريب في أنه تعلَّقَ لهذه الاعتبارات بالمَقام فأَحسِنِ التأمل  والله يُحِبُّ المحسنين  تذييلٌ مقرِّر لمضمون ما قبله أبلغَ تقرير.

### الآية 5:94

> ﻿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَخَافُهُ بِالْغَيْبِ ۚ فَمَنِ اعْتَدَىٰ بَعْدَ ذَٰلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ [5:94]

يا أيها الذين آمنوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ الله  جوابُ قسمٍ محذوفٍ أي والله ليُعامِلَّنكم معاملةَ مَنْ يختبركم ليتعرَّفَ أحوالَكم  بِشَيء منَ الصيد  أي من صيدِ البَرّ مأكولاً أو غيرَ مأكول ما عدا المستثنياتِ من الفواسق، فاللام للعَهْد، نزلت عام الحُدَيْبية. ابتلاهم الله تعالى بالصيد وهم مُحرِمون كانت الوحوش تغشاهم في رحالهم بحيث كانوا متمكنين من صيدِها أخذاً بأيديهم وطعناً برماحهم وذلك قوله تعالى : تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ ورماحكم  فهمُّوا بأخذها فنزلت، ورُوي أنه عَنَّ لهم حمارُ وحشٍ فحمل عليه أبو اليَسَر بنُ عمرو فطعنه برمحه وقتله، فقيل له : قتلته وأنت مُحرم، فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم وسأله عن ذلك فأنزل الله تعالى الآية، فالتأكيد القَسَميُّ في ( ليبلونكم ) إنما هو لتحقيق أن ما وقع من عدم توحُّش الصيد عنهم ليس إلا لابتلائهم لا لتحقيق وقوعِ المبتلى به كما لو كان النزول قبل الابتلاء، وتنكير ( شيء ) للتحقير المُؤْذِن بأن ذلك ليس من الفِتن الهائلة التي تزِلُّ فيها أقدامُ الراسخين كالابتلاء بقتل الأنفس وإتلافِ الأموال، وإنما هو من قبيل ما ابتُليَ به أهلُ أَيْلَةَ من صيد البحر، وفائدته التنبيه على أن من لم يثبّتْ في مثل هذا كيف يثبتُ عند شدائد المحن ؟ ( فمن ) في قوله تعالى : منَ الصيد  بيانية قطعاً أي بشيء حقير هو الصيد، وجعلُها تبعيضيةً يقتضي اعتبارَ قِلَّته وحقارته بالنسبة إلى كل الصيد لا بالنسبة إلى عظائم البلايا فيَعْرَى الكلامُ عن التنبيه المذكور.  لِيَعْلَمَ الله مَن يَخَافُهُ بالغيب  أي ليتميز الخائفُ من عقابه الأخروي وهو غائبٌ مترقبٌ لقوة إيمانه، فلا يتعرض للصيد، ممن لا يخافه كذلك لضعف إيمانه فيُقدم عليه، وإنما عبر عنْ ذلك بعلم الله تعالى اللازم له إيذاناً بمدار الجزاءِ ثواباً وعقاباً فإنه أدْخَلُ في حملهم على الخوف، وقيل : المعنى ليتعلق علمه تعالى بمن يخافه بالفعل، فإن علمه تعالى بأنه سيخافه وإن كان متعلقاً به قبل خوفه لكنّ تعلُّقَه بأنه خائف بالفعل وهو الذي يدور عليه أمرُ الجزاء إنما يكون عند تحقق الخوف بالفعل، وقيل : هناك مضاف محذوف، والتقدير ليعلم أولياءَ الله، وقرئ ( ليُعلِمَ ) من الإعلام على حذف المفعول الأول أي ليُعْلِمَ الله عباده الخ، والعلمُ على القراءتين متعدَ إلى واحد، وإظهار الاسم الجليل في موقع الإضمار لتربية المهابة وإدخال الروعة  فَمَنِ اعتدى بَعْدَ ذلك  أي بعد بيان أنّ ما وقع ابتلاءٌ من جهته تعالى لِما ذُكر من الحِكمة لا بعد تحريمِه أو النهي عنه كما قاله بعضهم، إذ النهي والتحريم ليس أمراً حادثاً يترتب عليه الشرطية، بالفاء، ولا بعد الابتلاء كما اختاره آخرون، لأن نفس الابتلاء لا يصلح مداراً لتشديد العذاب، بل ربما يتوهم كونُه عذراً مسوِّغاً لتخفيفه، وإنما الموجب للتشديد بيانُ كونه ابتلاءً، لأن الاعتداء بعد ذلك مكابرةٌ صريحة، وعدمُ مبالاةٍ بتدبير الله تعالى، وخروجٌ عن طاعته، وانخلاع عن خوفه وخشيته بالكلية. أي : فمن تعرض للصيد بعد ما بينا أن ما وقع من كثرة الصيد وعدم توحُّشه منهم ابتلاءٌ مؤدٍّ إلى تمييز المطيع من العاصي  فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ  لما ذكر من أنه مكابرة محضة ولأن من لا يملك زمام نفسه ولا يراعي حكم الله تعالى في أمثال هذه البلايا الهيِّنة لا يكاد يُراعيه في عظائم المداحض. والمراد بالعذاب الأليم عذاب الدارين، قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما : يُوسَعُ ظهرُه وبطنه جَلداً وينزع ثيابه.

### الآية 5:95

> ﻿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ ۚ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَٰلِكَ صِيَامًا لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ ۗ عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ ۚ وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ ۗ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ [5:95]

يَا أَيُّهَا الذين آمَنُوا  شروع في بيان ما يتدارك به الاعتداءُ من الأحكام إثر بيانِ ما يلحقه من العذاب، والتصريح بالنهي في قوله تعالى : لاَ تَقْتُلُوا الصيد وَأَنْتُمْ حُرُمٌ  مع كونه معلوماً لاسيما من قوله تعالى : غَيْرَ مُحِلّي الصيد وَأَنتُمْ حُرُمٌ  لتأكيد الحرمة وترتيب ما يعقبُه عليه، واللام في الصيد للعهد حسبما سلف، وحُرُم جمع حَرام، وهو المُحرم وإن كان في الحِل، وفي حكمه من في الحَرَم وإن كان حَلالاً، كرُدُح جمع رَادح، والجملة حال من فاعل لا تقتلوا، أي لا تقتلوه وأنتم محرمون  وَمَن قَتَلَهُ  أي الصيد المعهود، وذِكرُ القتل في الموضعين دون الذبح للإيذان بكونه في حكم الميتة  منكُمْ  متعلق بمحذوف وقع حالاً من فاعل قتله أي كائناً منكم.  مُتَعَمّداً  حال منه أيضاً أي ذاكراً لإحرامه عالماً بحُرمة قتل ما يقتله، والتقييدُ بالتعمّد مع أن محظوراتِ الإحرام يستوي فيها العمْدُ والخطأ لِما أن الآية نزلتْ في المتعمِّد كما مرَّ من قصة أبي اليَسَر، ولأن الأصل فعلُ المتعمّد والخطأ لاحقٌ به للتغليظ، وعن الزُهري : نزل الكتاب بالعمد ووردت السنة بالخطأ. وعن سعيد بن جُبير رضي الله عنه : لا أرى في الخطأ شيئاً أخذاً باشتراط التعمّد في الآية، وهو قول داودَ عن مجاهد والحسن : أن المراد بالتعمد هو تعمدُ القتل مع نسيان الإحرام، أما إذا قتله عمْداً وهو ذاكرٌ لإحرامه فلا حكم عليه، وأمره إلى الله عز وجل، لأنه أعظمُ من أن يكون له كفارة.  فَجَزَاء مثلُ مَا قَتَلَ  برفعهما، أي فعليه جزاءٌ مماثلٌ لما قتله، وقرئ برفع الأول ونصب الثاني على إعمال المصدر، وقرئ بجرِّ الثاني على إضافته إلى مفعوله، وقرئ ( فجزاؤه مثلُ ) ما قتل على الابتداء والخبرية، وقرئ بنصبهما على تقدير فليجْزِ جزاءً أو فعليه أن يجزى جزاءً مثلَ ما قتل، والمرادُ به عند أبي حنيفة وأبي يوسف رضي الله عنهما المثلُ باعتبار القيمة، يُقوَّم الصيد حيث صِيدَ أو في أقرب الأماكن إليه، فإن بلغَت قيمتُه قيمةَ هدْيٍ يُخير الجاني بين أن يشتريَ بها قيمةَ الصيد فيُهدِيَه إلى الحرم، وبين أن يشتريَ بها طعاماً فيُعطيَ كل مسكين نصف صاع من بر أو صاعاً من غيره، وبين أن يصوم عن طعام كل مسكين يوماً، فإن فضل ما لا يبلغُ طعامَ مسكين تصدّق به أو صام عنه يوماً كاملاً، إذ لم يُعهد في الشرع صومُ ما دونه فيكون قوله تعالى : مِنَ النّعم  بياناً للهدْي المشترى بالقيمة على أحد وجوه التخيير، فإنَّ من فعل ذلك يصدُق عليه أنه جُزيَ بمثل ما قتل من النَّعم، وعن مالك والشافعي رحمهما الله تعالى ومن يرى رأيهما : هو المِثْلُ باعتبار الخِلْقة والهيئة لأن الله تعالى أوجب مثلَ المقتول مقيداً بالنَّعم، فمن اعتبَر المِثْل بالقيمة فقد خالف النص، وعن الصحابة رضي الله عنهم : أنهم أوجبوا في النَّعامة بدنةً، وفي الظبْيِ شاةً، وفي حمار الوَحش بقرَةً، وفي الأرنب عَناقاً، وعن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال :**«الضبُع صيدٌ وفيه شاةٌ إذا قتله المُحرم »** ولنا أن النصَّ أوجبَ المثْل، والمِثْلُ المطلق في الكتاب والسنة وإجماعِ الأمة والمعقولِ يُراد به إما المثلُ صورةً ومعنى، وإما المثلُ معنى. وأما المثلُ صورةً بلا معنى فلا اعتبارَ له في الشرع أصلاً، وإذا لم يمكن إرادةُ الأول إجماعاً تعيّنت إرادةُ الثاني لكونه معهوداً في الشرع كما في حقوق العباد، ألا يرى أن المماثلة بين أفراد نوعٍ واحد مع كونها في غاية القوة والظهور لم يعتبْرها الشرع، ولم يجعل الحيوانَ عند الإتلاف مضموناً بفردٍ آخَرَ من نوعه مماثلٍ له في عامة الأوصاف بل مضموناً بقيمتِه مع أن المنصوص عليه في أمثاله إنما هو المثل، قال تعالى : فاعتدوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعتدى عَلَيْكُمْ  فحيث لم تُعتبرْ تلك المماثلةُ القويةُ مع تيسُّر معرفتِها وسهولةِ مراعاتِها فَلأَنْ لا تُعتبرُ ما بين أفراد أنواع مختلفةٍ من المماثلة الضعيفة الخفيةِ، مع صعوبة مأخذِها وتعسُّرِ المحافظة عليها، أولى وأحرى، ولأن القيمة قد أريدت فيما لا نظيرَ له إجماعاً فلم يبق غيرُه مراداً، إذْ لا عمومَ للمشترَك في مواقع الإثبات، والمراد بالمرويِّ إيجابُ النظير باعتبار القيمة لا باعتبار العين، ثم الموجبُ الأصليُّ للجناية والجزاءِ المماثلِ للمقتول إنما هو قيمتُه، لكن لا باعتبار أن يعمِدَ الجاني إليها فيصرِفَها إلى المصارف ابتداءً، بل باعتبار أن يجعلَها معياراً فيقدِّرَ بها إحدى الخصال الثلاث فيُقِيمَها مُقامها، فقوله تعالى : مثلُ مَا قَتَلَ  وصفٌ لازم للجزاء، غيرُ مفارِقٍ عنه بحال، وأما قوله تعالى : مِنَ النعم  فوصفٌ له معتبرٌ في ثاني الحال بناءً على وصفه الأول الذي هو المعيارُ له ولِما بعده من الطعام والصيام، فحقُّهما أن يُعطفا على الوصف المفارِق لا على الوصف اللازم فضلاً عن العطف على الموصوف كما سيأتي بإذن الله تعالى. ومما يرشدك إلى أن المراد بالمثل هو القيمة قوله عز وجل : يَحْكُمُ بِهِ  أي بمثل ما قتل  ذَوَا عَدْلٍ منْكُمْ  أي حكَمان عادلان من المسلمين لكنْ لا لأن التقويمَ هو الذي يحتاج إلى النظر والاجتهاد من العُدول دون الأشياء المشاهدةَ التي يستوي في معرفتها كلُّ أحد من الناس، فإن ذلك ناشئ من الغفلةِ عما أرادوا بما به المماثلة، بل لأن ما جعلوه مدار المماثلة بين الصيد وبين النَّعم من ضربِ مشاكَلةٍ ومضاهاة في بعض الأوصاف والهيئات مع تحقق التبايُن بينهما في بقية الأحوال مما لا يَهتدي إليه، من أساطينِ أئمة الاجتهاد، وصناديدِ أهل الهداية والإرشاد، إلا المؤيدون بالقوة القدسية، ألا يُرى أن الإمام الشافعي رضي الله عنه أوجب في قتل الحمامة شاةً بناء على ما أثبتَ بينهما من المماثلة من حيث أن كلاًّ منهما يعُبّ ويهدِر، مع أن النسبة بينهما من سائر الحيثيات كما بين الضّبّ والنون[(١)](#foonote-١)، فكيف يُفوَّضُ معرفةُ أمثالِ هذه الدقائق العويصة إلى رأي عدْلين من آحاد الناس ؟ على أن الحكم بهذا المعنى إنما يتعلق بالأنواع لا بالأشخاص، فبعد ما عُيِّن، بمقابلة كل نوع من أنواع الصيد، نوعٌ من أنواع النعم يتم الحُكم ولا يبقى عند وقوع خصوصيات الحوادث حاجةٌ إلى حكمٍ أصلاً. وقرئ ( يحكم به ذو عدل ) على إرادة جنس العادل دون الوَحْدة، وقيل : بل على إرادة الإمام، والجملة صفة لجزاءٌ أو حال منه لتخصصه بالصفة، وقوله تعالى : هَدْياً  حال مقدرة من الضمير في ( به )، أو في ( جزاء ) لما ذكر من تخصصه بالصفة، أو بدلٌ من ( مثل ) فيمن نصبه، أو مِنْ محله فيمن جرَّه، أو نصبٌ على المصدر أي يهديه هدياً، والجملة صفة أخرى لجزاء.  بالغ الكعبة  صفةٌ ( لهدياً ) لأن الإضافة غير حقيقية  أَوْ كَفَّارَةٌ  عطف على محل ( من النعم ) على أنه خبر مبتدأ محذوف، والجملةُ صفة ثانية ( لجزاء ) كما أشير إليه، وقوله تعالى : طَعَامُ مساكين  عطفُ بيانٍ لكفارةٌ عند من لا يخصصه بالمعارف، أو بدل منه أو خبر مبتدأ محذوف، أي هي طعام مساكين، وقوله تعالى : أَو عَدْلُ ذلك صِيَاماً  عطف على طعام الخ، كأنه قيل : فعليه جزاءٌ مماثلٌ للمقتول هو من النَّعم أو طعامُ مساكينَ أو صيامُ أيامٍ بعددهم، فحينئذ تكون الماثلةُ وصفاً لازماً للجزاء يقدَّر به الهدْي والطعام والصيام، أما الأولان فبلا واسطة، وأما الثالث فبواسطة الثاني، فيختار الجاني كلاًّ منها بدلاً من الآخرَيْن، هذا وقد قيل : إن قوله تعالى : أَوْ كَفَّارَةٌ  عطف على ( جزاء ) فلا يبقى حينئذ في النظم الكريم ما يقدَّر به الطعام والصيام، والالتجاءُ إلى القياس على الهدْي تعسفٌ لا يخفى، هذا على قراءة ( جزاء ) بالرفع على سائر القراءات، فقوله تعالى : أَوْ كَفَّارَةٌ  خبر مبتدأ محذوفٍ، والجملة معطوفة على جملة هو ( من النعم ). وقرئ أو ( كفارةُ طعامِ مساكين ) بالإضافة لتبيين نوع الكفارة وقرئ طعامُ مِسْكين على أن التبيين يحصل بالواحد الدال على الجنس وقرئ ( أو عِدْل ) بكسر العين ؛ والفرق بينهما أن عَدلَ الشيء ما عادله من غير جنسه كالصوم والإطعام ؛ وعِدْلَه ما عُدِل به في المقدار ؛ كأن المفتوح تسمية بالمصدر والمكسور بمعنى المفعول ؛ وذلك إشارة إلى الطعام و( صياماً ) تمييز للعَدْل، والخيار في ذلك للجاني عند أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله وللحَكَمين عند محمد رحمه الله.  ليَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ  متعلق بالاستقرار في الجار والمجرور، أي فعليه جزاءٌ ليذوق الخ، وقيل : بفعل يدل عليه الكلام، كأنه قيل : شرع ذلك عليه ليذوق وبال أمره أي سوءَ عاقبةِ هَتْكه لحُرمة الإحرامِ، والوبال في الأصل : المكروهُ والضررُ الذي ينال في العاقبة مَنْ عمل سوءاً لثِقَله، ومنه قوله تعالى : فأخذناه أَخْذاً وَبِيلاً  \[ المزمل، الآية ١٦ \] ومنه الطعام الوبيلُ وهو الذي لا تستمرِئُه المَعِدة  عَفَا الله عَمَّا سَلَف  من قتل الصيد مُحرِماً قبل أن يسألوا رسول الله عليه الصلاة والسلام، وقيل : عما سلف منه في الجاهلية، لأنهم كانوا متعبَّدين بشرائع من قبلهم وكان الصيد فيها محرّماً  وَمَنْ عَادَ  إلى قتل الصيد بعد النهي عنه وهو محرم  فَيَنْتَقِمُ الله مِنْهُ  خبر مبتدأ محذوف تقديره فهو ينتقم الله منه، ولذلك دخلت الفاء كقوله تعالى : فَمَن يُؤْمِن بِرَبّهِ فَلاَ يَخَافُ بَخْساً وَلاَ رَهَقاً  \[ الجن، الآية ١٣ \] أي فذلك لا يخاف الخ، وقوله تعالى : وَمَن كَفَرَ فَأُمَتّعُهُ  \[ البقرة : ١٢٦ \] أي فأنا أمتعه، والمراد بالانتقام التعذيبُ في الآخرة، وأما الكفارة فعن عطاءٍ وإبراهيمَ وسعيدِ بن جبير والحسن أنها واجبة على العائد، وعن ابن عباس رضي الله عنهما وشُريح أنه لا كفارة عليه تعلقاً بالظاهر  والله عَزِيزٌ  غالب لا يُغالَب  ذُو انتقام  شديد فينتقم ممن أصر على المعصية والاعتداء. 
١ النون: الحوت..

### الآية 5:96

> ﻿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ ۖ وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا ۗ وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ [5:96]

أُحِلَّ لَكُمُ  الخطاب للمُحْرمين  صَيْدُ البحر  أي ما يصاد في المياه كلها بحراً كان أو نهراً أو غديراً، وهو ما لا يعيش إلا في الماء مأكولاً أو غير مأكول  وَطَعَامُهُ  أي وما يُطْعَم من صيده، وهو تخصيص بعد تعميم والمعنى أحل لكم التعرّضُ لجميع ما يصاد في المياه والانتفاعُ به، وأكلُ ما يؤكل منه وهو السمك عندنا، وعند ابن أبي ليلى جميعُ ما يصاد فيه، على أن تفسير الآية عنده أحل لكم صيدُ حيوانِ البحر وأن تَطْعَموه، وقرئ ( وطُعْمه )، وقيل : صيدُ البحر ما صيد فيه، وطعامُه ما قذفه أو نَضَب عنه  متاعا لكُمْ  نُصِب على أنه مفعول له مختص بالطعام كما أن ( نافلة ) في قوله تعالى : وَوَهَبْنَا لَهُ إسحاق وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً  \[ الأنبياء، الآية ٧٢ \] حالٌ مختصة بيعقوبَ عليه السلام، أي أحل لكم طعامه تمتيعاً للمقيمين منكم يأكلونه طرياً  وَلِلسَّيَّارَةِ  منكم يتزودونه قَديداً، وقيل : نُصب على أنه مصدر مؤكِّد لفعل مقدر، أي متّعكم به متاعاً، وقيل : مؤكد لمعنى ( أُحل لكم ) فإنه في قوة متّعكم به تمتيعاً كقوله تعالى : كتاب الله عَلَيْكُمْ  \[ النساء، الآية ٢٤ \]  وَحُرّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ البر  وقرئ على بناء الفعلِ للفاعل ونصْبِ ( صيدَ البر )، وهو ما يُفْرِخُ فيه وإن كان يعيش في الماء في بعض الأوقات كطير الماء  مَا دُمْتُمْ حُرُماً  أي محرمين، وقرئ بكسر الدال من دامَ يدامُ، وظاهرُه يوجب حرمة ما صاده الحَلالُ على المُحرم وإن لم يكن له مَدْخلٌ فيه، وهو قول \[ ابن \] عمرَ وابن عباس رضي الله عنهم. وعن أبي هريرة وعطاءٍ ومجاهدٍ وسعيدِ بنِ جُبير رضي الله عنهم أنه يحلُّ له أكلُ ما صاده الحلالُ وإن صاده لأجله إذا لم يُشِرْ إليه ولم يُدلَّ عليه، وكذا ما ذبحه قبل إحرامِه وهو مذهبُ أبي حنيفة، لأن الخِطاب للمحرمين، فكأنه قيل : وحرم عليكم ما صِدتُّم في البر فيَخرُج منه مَصيدُ غيرهم، وعند مالك والشافعي وأحمد لا يباح ما صِيدَ له  واتقوا الله  فيما نهاكم عنه أو في جميع المعاصي التي من جملتها ذلك  الذي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ  لا إلى غيره حتى يُتَوهَّمَ الخلاصُ من أخذه تعالى بالالتجاء إليه.

### الآية 5:97

> ﻿۞ جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِلنَّاسِ وَالشَّهْرَ الْحَرَامَ وَالْهَدْيَ وَالْقَلَائِدَ ۚ ذَٰلِكَ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ [5:97]

جَعَلَ الله الكعبة  قال مجاهد : سميت كعبةً لكونها مُكَعبّةً مُربَّعة، وقيل : لانفرادها من البناء، وقيل : لارتفاعها من الأرض ونتوئها، وقوله تعالى : البيتَ الحرام  عطفُ بيانٍ على جهة المدح دون التوضيح كما تجيء الصفةُ كذلك، وقيل : مفعولٌ ثانٍ لجعل، وقوله تعالى : قِيَاماً للنَّاسِ  نُصبَ على الحال، ويرده عطف ما بعده على المفعول الأول كما سيجيء، بل هذا هو المفعول الثاني، وقيل : الجعلُ بمعنى الإنشاءِ والخلق وهو حال كما مر. ومعنى كونه قياماً لهم أنه مدارٌ لقيام دينهم ودنياهم إذ هو سببٌ لانتعاشهم في أمور معاشِهم ومَعادِهم، يلوذ به الخائفُ، ويأمَن فيه الضعيف، ويربح فيه التجار، ويتوجه إليه الحجاج والعُمّار، وقرئ ( قِيَماً ) على أنه مصدر على وزن شِبَع أُعلَّ عينه بما أُعلَّ في فعله  والشهر الحرام  أي الذي يؤدى فيه الحجُ وهو ذو الحجة ؛ وقيل : جنس الشهر الحرام، وهو وما بعده عطف على الكعبة، فالمفعول الثاني محذوف ثقةً بما مر، أي وجعل الشهر الحرام  والهدي والقلائد  أيضاً قياماً لهم، والمرادُ بالقلائد ذواتُ القلائد وهي البُدْنُ، خُصّت بالذكر لأن الثواب فيها أكثر، وبهاءَ الحجَّ بها أظهر  ذلك  إشارة إلى الجعل المذكور خاصة أو مع ما ذكر من الأمر بحفظ حرمة الإحرام وغيره، ومحلُّه النصبُ بفعل مقدر يدل عليه السياق وهو العامل في اللام بعده أي شرَعَ ذلك.  لِتَعْلَمُوا أَنَّ الله يَعْلَمُ مَا في السماوات وَمَا فِي الأرض  فإن تشريع هذه الشرائعِ المستَتْبِعةِ لدفع المضارِّ الدينية والدنيوية قبل وقوعها وجلبِ المنافع الأولوية والأخروية من أوضح الدلائل على حكمة الشارع، وعدمِ خروجِ شيء عن علمه المحيط، وقوله تعالى : وَأَنَّ الله بِكُلّ شَىْء عَلِيمٌ  تعميمٌ إثْرَ تخصيصٍ للتأكيد، ويجوز أن يراد بما في السماوات والأرض الأعيانُ الموجودة فيهما، و( بكل شيء ) الأمورُ المتعلقة بتلك الموجودات من العوارض والأحوال التي هي من قبيل المعاني.

### الآية 5:98

> ﻿اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ وَأَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ [5:98]

اعلموا أَنَّ الله شَدِيدُ العقاب  وعيد لمن انتهك محارِمَه أو أصر على ذلك، وقوله تعالى : وَأَنَّ الله غَفُورٌ رحِيمٌ  وعد لمن حافظ على مراعاة حرماته تعالى أو أقلع عن الانتهاك بعد تعاطيه، ووجهُ تقديمِ الوعيد ظاهر.

### الآية 5:99

> ﻿مَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ ۗ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ [5:99]

ما عَلَى الرسول إِلاَّ البلاغ  تشديد في إيجاب القيام بما أَمَرَ به، أي الرسول قد أتى بما يوجب عليه من التبليغ بما لا مزيد عليه، وقامت عليكم الحجة ولزمتكم الطاعة، فلا عذر لكم من بعد في التفريط  والله يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ  فيؤاخذكم بذلك نقيراً وقِطْميراً[(١)](#foonote-١). 
١ النقير: ثقب دقيق في غلاف البذرة يوجد في العادة في الطرف الأمامي للبذرة بالقرب من السرّة؛ وما نقر من الحجر والخشب ونحوه. وهو كناية عن الشيء الضعيف الهيّن الحقير. والقطمير بنفس المعنى..

### الآية 5:100

> ﻿قُلْ لَا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ ۚ فَاتَّقُوا اللَّهَ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ [5:100]

قُل لا يَسْتَوِي الخبيث والطيب  حكم عام في نفي المساواة عند الله تعالى بين الرديء من الأشخاص والأعمال والأموال، وبين جيِّدها، قَصَد به الترغيب في جيِّد كل منها والتحذيرَ عن رديئها، وإن كان سببَ النزول شريحُ بنُ ضُبيعةَ البكريُّ الذي مرت قصته في تفسير قوله تعالى : يا أيها الذين آمنوا لاَ تُحِلُّوا شَعَائِرَ الله  \[ المائدة، الآية ٢ \] الخ، وقيل : نزلت في رجل سأل رسول الله عليه الصلاة والسلام : إن الخمر كانت تجارتي، وإني اعتقدت من بيعها مالاً، فهل ينفعني من ذلك المال إن عمِلت فيه بطاعة الله تعالى ؟ فقال النبي عليه الصلاة والسلام :**«إن أنفقته في حج أو جهاد أو صدقة لم يعدِلْ جَناحَ بعوضة، إن الله لا يقبل إلا الطيب »**، وقال عطاءٌ والحسنُ رضي الله عنهما : الخبيث والطيب الحرامُ والحلال، وتقديم الخبيث في الذكر للإشعار من أول الأمر بأن القصور الذي يُنْبئ عنه عدمُ الاستواء فيه لا في مقابِلِه، فإنه مفهومٌ عدمُ الاستواء بين الشيئين المتفاوتين زيادةً ونقصاناً وإن جاز اعتباره بحسب زيادة الزائد، لكن المتبادر اعتبارُه بحسب قصور القاصر كما في قوله تعالى : هَلْ يَسْتَوِي الأعمى والبصير  \[ الأنعام، الآية ٥٠. والرعد، الآية ١٦ \] إلى غير ذلك، وأما قوله تعالى : هَلْ يَسْتَوِي الذين يَعْلَمُونَ والذين لاَ يَعْلَمُونَ  \[ الزمر، الآية ٩ \] فلعل تقديمَ الفاضلِ فيه لما أن صِلتَه ملكة لصلة المفضول  وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الخبيث  أي وإن سرك كثرته، والخطاب لكل واحد من الذين أُمر النبي صلى الله عليه وسلم بخطابهم، والواو لعطف الشرطية على مثلها المقدَّر، وقيل : للحال وقد مر، أي ولو لم تُعجِبْك كثرة الخبيث ولو أعجبتك، وكلتاهما في موقع الحال من فاعل لا يستوي، أي لا يستويان كائنين على كل حال مفروض كما في قولك : أحسِنْ إلى فلان وإن أساء إليك، أي أحسن إليه وإن لم يُسِئ إليك وإن أساء إليك، أي كائناً على كل حال مفروض، وقد حُذفت الأولى حذفاً مطَّرداً لدِلالة الثانية عليها دلالة واضحة، فإن الشيء إذا تحقق مع المعارِض فلأن يتحقق بدونه أولى، وعلى هذا السر يدور ما في لو وإن الوصليتين من المبالغة والتأكيد، وجواب لو محذوف في الجملتين لدلالة ما قبلهما عليه، وسيأتي تمام تحقيقه في مواقعَ عديدةٍ بإذن الله عز وجل.  فاتقوا الله ياأولي الألباب  أي في تحرِّي الخبيث وإن كثر، وآثِروا عليه الطيِّب وإن قلّ، فإن مدارَ الاعتبار هو الجُودة والرداءةُ لا الكثرةُ والقِلة، فالمحمودُ القليلُ خيرٌ من المذموم الكثير، بل كلما كثر الخبيثُ كان أخبثَ  لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ  راجين أن تنالوا الفلاح.

### الآية 5:101

> ﻿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِنْ تَسْأَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا اللَّهُ عَنْهَا ۗ وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ [5:101]

يا أيها الذين آمنوا لاَ تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاء  هو اسمُ جمعٍ على رأي الخليل وسيبويه وجمهور البصريين، كطرفاء وقصباء أصله شيآء بهمزتين بينهما ألف، فقُلبت الكلمة بتقديم لامها على فائها فصار وزنها لفعاء، ومُنعت الصرفَ لألف التأنيث الممدودة، وقيل : هو جمع شيء على أنه مخفف من شيِّيء كهَيْنٍ مخففٌ من هيِّن، والأصل أشْيِئاء كأهوناء بزنة أفعِلاء، فاجتمعت همزتان لام الكلمة والتي للتأنيث، إذ الألف كالهمزة فخففت الكلمة بأن قلبت الهمزة الأولى ياء لانكسار ما قبلها فصارت أشياء وزنها أفلاء، ونعت الصرف لألف التأنيث، وقيل : إنما حذفت من أشيِياءَ الياءُ المنقلبةُ من الهمزة التي هي لام الكلمة وفُتحت الياء المكسورة لتسلم ألف الجمع فوزنها أفعاء، وقوله تعالى : إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ  صفةٌ لأشياء داعيةٌ إلى الانتهاء عن السؤال عنها، وحيث كانت المَساءةُ في هذه الشرطية معلقةً بإبدائها لا بالسؤال عنها عُقّبت بشرطية أخرى ناطقةٍ باستلزام السؤال عنها لإبدائها الموجِبِ للمحذور قطعاً، فقيل : وإِن تَسْأَلُوا عَنْهَا حِينَ ينزَّلُ القُرْآن تُبْدَ لَكُم  أي ( عن ) تلك الأشياء الموجِبة للمَساءة بالوحي كما ينبئ عنه تقييدُ السؤال بحينِ التنزيل، والمراد بها ما يشُق عليهم ويغمُهم من التكاليف الصعبة التي لا يطيقونها، والأسرارِ الخفية التي يفتضحون بظهورها، ونحوُ ذلك مما لا خير فيه، فكما أن السؤال عن الأمور الواقعة مستَتْبِعٌ لإبدائها كذلك السؤالُ عن تلك التكاليف مستتبعٌ لإيجابها عليهم بطريق التشديد لإساءتهم الأدب، واجترائِهم على المسألة والمراجعة، وتجاوزِهم عما يليق بشأنهم من الاستسلام لأمر الله عز وجل من غير بحث فيه ولا تعرّضٍ لكيفيته وكمِّيته، أي لا تُكثروا مُساءلةَ رسول الله صلى الله عليه وسلم عما لا يَعْنيكم من نحو تكاليفَ شاقةٍ عليكم إن أفتاكم بها وكلفكم إياها حسبما أُوحيَ إليه لم تطيقوها، ونحوِ بعضِ أمورٍ مستورة تكرهون بُروزَها، وذلك مِثلُ ما رُوي عن علي رضي الله تعالى عنه أنه قال : خطبنا رسولُ الله صلى الله عليه وسلم فحمِد الله تعالى وأثنى عليه ثم قال :**«إن الله تعالى كتَب عليكم الحجَّ »** فقام رجل من بني أسدٍ يقال لهُ : عُكاشةُ بنِ مِحْصَنٍ، وقيل : سُراقة بنُ مالك، فقال : أفي كل عامٍ يا رسول الله ؟ فأعرضَ عنه حتى أعاد مسألتَه ثلاثَ مرات، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :**«ويحك وما يُؤْمِنُك أن أقول نعم ؟ والله لو قلت نعم لوجبت، ولو وجبتْ ما استطعتم، ولو تركتم لكفرتم، فاترُكوني ما تركتكم. فإنما هلَك من كان قبلَكم بكثرة سؤالِهم واختلافِهم على أنبيائهم، فإذا أمرتُكم بأمر فخذوا منه ما استطعتم، وإذا نهيتُكم عن شيء فاجتنبوه »**. ومِثلُ ما رُوي عن أنسٍ وأبي هريرة رضي الله عنهما، أنه سأل الناسُ رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أشياءَ حتى أحفَوْه[(١)](#foonote-١) في المسألة، فقام عليه الصلاة والسلام مغْضَباً خطيباً فحمِد الله تعالى وأثنى عليه وقال :**«سلوني فوالله ما تسألوني عن شيءٍ ما دُمْت في مقامي هذا إلا بيّنتُه لكم »** فأشفق أصحابُ النبي عليه الصلاة والسلام أن يكون بين يَدَيْ أمرٍ قد حضَر، قال أنسٌ رضي الله عنه : فجعلتُ ألتفتُ يميناً وشِمالاً فلا أجدُ رجلاً إلا وهو لافٌّ رأسَه في ثوبه يبكي، فقام رجل من قريشٍ من بني سَهْمٍ يقال له : عبدُ اللَّه بنُ حُذافة، وكان إذا لاحى[(٢)](#foonote-٢) الرجال يدعى إلى غير أبيه وقال : يا نبي الله، مَنْ أبي ؟ فقال عليه الصلاة والسلام :**«أبوك حذافةُ بنُ قيسٍ الزهري »**، وقام آخرُ وقال : أين أبي ؟ قال عليه الصلاة والسلام :**«في النار »**، ثم قام عمر رضي الله عنه فقال : رضِينا بالله تعالى رباً وبالإسلام ديناً وبمحمدٍ رسولاً نبياً، نعوذ بالله تعالى من الفتن، إنا حديثو عهدٍ بجاهلية وشِرْكٍ فاعفُ عنا يا رسول الله، فسكن غضبُه عليه الصلاة والسلام.  عَفَا الله عَنْهَا  استئناف مَسوقٌ لبيان أن نهيهم عنها لم يكن لمجرد صيانتِهم عن المَساءة، بل لأنها في نفسها معصيةٌ مستتبِعةٌ للمؤاخذة وقد عفا عنها، وفيه مِنْ حثّهم على الجِدّ في الانتهاء عنها ما لا يخفى، وضميرُ ( عنها ) للمسألة المدلول عليها بلا تسألوا، أي عفا الله تعالى عن مسائلِكم السالفةِ حيث لم يفرِضْ عليكم الحج في كل عام جزاءً بمسألتكم، وتجاوَزَ عن عقوبتكم الأخروية بسائر مسائلكم، فلا تعودوا إلى مثلها. وأما جعلُه صفةً أخرى ( لأشياء ) على أن الضمير ( لها ) بمعنى لا تسألوا عن أشياءَ عفا الله عنها ولم يكلّفْكم إياها فمما لا سبيل إليه أصلاً، لاقتضائِه أن يكون الحجُّ قد فُرض أولاً في كل عامٍ ثم نُسخ بطريق العفو وأن يكون ذلك معلوماً للمخاطَبين ضرورةَ أن حقَّ الوصف أن يكونَ معلومَ الثبوت للموصوف عند المخاطب قبل جعلِه وصفاً له، وكلاهما ضروريُّ الانتفاء قطعاً، على أنه يستدعي اختصاصَ النهْي بمسألة الحجِّ ونحوِها إن سلِمَ وقوعُها، مع أن النظم الكريمَ صريحٌ في أنه مَسوق للنهي عن السؤال عن الأشياء التي يسوؤُهم إبداؤُها، سواءٌ كانت من قبيل الأحكام والتكاليفِ الموجبة لِمَساءتهم بإنشائها وإيجابها بسبب السؤال عقوبةً وتشديداً كمسألة الحج لولا عفوُه تعالى عنها، أو من قبيل الأمور الواقعةِ قبل السؤال الموجبةِ للمساءة بالإخبار بها كمسألة مَنْ قال : أين أبي ؟ إن قلتَ تلك الأشياءُ غير مُوجبةٍ للمَساءة البتةَ، بل هي محتمِلةٌ لإيجاب المَسرَّة أيضاً، لأن إيجابَها للأولى إن كانت من حيث وجودُها فهي من حيث عدمُها موجبةٌ للأخرى قطعاً، وليست إحدى الحيثيتَيْن محقّقةً عند السائل وإنما غَرَضُه من السؤال ظهورُها كيف كانت، بل ظهورُها بحيثية إيجابها للمَساءة ؟ قلتُ : لتحقيق المنهيِّ عنه كما ستعرِفه مع ما فيه من تأكيد النهْي وتشديدِه، لأن تلك الحيثيةَ هي الموجبةُ للانتهاء والانزجار، لا حيثيةُ إيجابِها للمسرة ولا حيثيةُ تردّدِها بين الإيجابين. إن قيل : الشرطية الثانية ناطقةٌ بأن السؤالَ عن تلك الأشياء الموجبة للمساءة مستلزمٌ لإبدائها البتةَ كما مر فلمَ تخلَّفَ الإبداءُ عن السؤال في مسألةِ الحج حيث لم يُفرَضْ في كل عام ؟ قلنا : لوقوع السؤال قبل ورودِ النهي، وما ذُكر في الشرطية إنما هو السؤال الواقعُ بعد وروده، إذ هو الموجبُ للتغليظ والتشديد ولا تخلُّفَ فيه، إن قيل : ما ذكرتَه إنما يتمشى فيما إذا السؤالُ عن الأمور المترددةِ بين الوقوع وعدمِه كما ذُكرَ من التكاليف الشاقةِ، وأما إذا كان عن الأمور الواقعةِ قبله فلا يكادُ يتسنّى، لأن ما يتعلق به الإبداءُ هو الذي وقع في نفس الأمرِ ولا مرد له، سواء كان السؤالُ قبل النهي أو بعده، وقد يكون الواقع ما يوجب المسرةَ كما في مسألة عبدِ اللَّه بنِ حذافةَ، فيكون هو الذي يتعلق به الإبداءُ لا غيرُ، فيتعين التخلُّفُ حتماً، قلنا : لا احتمالَ للتخلف فضلاً عن التعيُّن، فإن المنهيَّ عنه في الحقيقة إنما هو السؤالُ عن الأشياء الموجبةِ للمَساءة الواقعةِ في نفس الأمر قبل السؤال، كسؤال من قال : أين أبي ؟ لا عما يعُمُّها وغيرَها مما ليس بواقع، لكنه محتمِلٌ للوقوع عند المكلفين حتى يلزمَ التخلّفُ في صورةِ عدم الوقوع. وجملة الكلام أن مدلول النظم الكريم بطريق العبارة إنما هو النهيُ عن السؤال عن الأشياء التي يوجبُ إبداؤها المساءةَ البتة، إما بأن تكون تلك الأشياءُ بعَرَضية الوقوعِ فتُبدَى عند السؤال بطريق الإنشاء عقوبةً وتشديداً كما في صورة كونِها من قبيل التكاليف الشاقة، وإما بأن تكون واقعةً في نفس الأمر قبل السؤال فتُبدى عنده بطريق الإخبار بها، فالتخلفُ ممتنِعٌ في الصورتين معاً، ومنشأ توهّمِه عدمُ الفرق بين المنهي عنه وبين غيرِه بناءً على عدم امتياز ما هو موجودٌ أو بعَرَضية الوجود من تلك الأشياء في نفس الأمر وما ليس كذلك عند المكلفين وملاحظتهم للكل باحتمال الوجود والعدم، وفائدةُ هذا الإبهام الانتهاءُ عن السؤال عن تلك الأشياء على الإطلاق حِذارَ إبداء المكروه  والله غَفُورٌ حَلِيمٌ  اعتراضٌ تذييليٌّ مقرِّر لعفوه تعالى أي مبالغٌ في مغفرة الذنوب والإغضاءِ عن المعاصي، ولذلك عفا عنكم ولم يؤاخِذْكم بعقوبة ما فَرَط منكم. 
١ أحفى في المسالة: ألحّ في السؤال..
٢ لاحاه: نازعه وخاصمه..

### الآية 5:102

> ﻿قَدْ سَأَلَهَا قَوْمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ ثُمَّ أَصْبَحُوا بِهَا كَافِرِينَ [5:102]

قَدْ سَأَلَهَا قَوْمٌ  أي سألوا هذه المسألةَ لكنْ لا عينَها بل مثلَها في كونها محظورةً ومستتْبِعة للوبال، وعدمُ التصريح بالمثل للمبالغة في التحذير  مِن قَبْلِكُمْ  متعلق بسألها  ثُمَّ أَصْبَحُوا بِهَا  أي بسببها أو بمرجوعها  كافرين  فإن بني إسرائيلَ كانوا يستفتون أنبياءَهم في أشياءَ، فإذا أُمروا بها تركوها فهلكوا.

### الآية 5:103

> ﻿مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلَا سَائِبَةٍ وَلَا وَصِيلَةٍ وَلَا حَامٍ ۙ وَلَٰكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ ۖ وَأَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ [5:103]

مَا جَعَلَ الله مِن بَحِيرَةٍ وَلاَ سَآئِبَةٍ وَلاَ وَصِيلَةٍ وَلاَ حَامٍ  ردٌّ وإبطال لما ابتدعه أهلُ الجاهلية حيث كانوا إذا نُتِجَت الناقةُ خمسةَ أبطنٍ آخرُها ذكرٌ بَحروا أُذنها أي شقُّوها وحرَّموا ركوبها ودَرَّها، ولا تُطرد عن ماءٍ ولا عن مرعى، وكان يقول الرجل : إذا قدِمْت من سفري أو برِئْتُ من مرضي فناقتي سائبةٌ، وجعلَها كالبَحيرة في تحريم الانتفاعِ بها، وقيل : كان الرجل إذا أعتق عبداً قال : هو سائبة، فلا عقْلَ بينهما ولا ميراث، وإذا ولَدت الشاةُ أنثى فهي لهم وإن ولدت ذكراً فهو لآلهتهم، وإن ولدت ذكراً وأنثى قالوا : وصَلَتْ أخاها فلم يذبحوا الذكر لآلهتهم، وإذا نُتجت من صُلب الفحل عشَرةَ أبطُنٍ قالوا : قد حمَى ظهرَه فلا يُركب ولا يُحمل عليه ولا يُمنع من ماء ولا مرعى. ومعنى ( ما جعل ) ما شرع وما وضع، ولذلك عُدِّيَ إلى مفعول واحد هو بَحيرة وما عُطف عليها، و( من ) مزيدة لتأكيد النفي، فإن الجعلَ التكوينيَّ كما يجيء تارة متعدياً إلى مفعولين وأخرى إلى واحدٍ كذلك الجعلُ التشريعيُّ يجيء مرة متعدياً إلى مفعولين كما في قوله تعالى : جَعَلَ الله الكعبة البيت الحرام قِيَاماً للنَّاسِ  \[ المائدة، الآية ٩٧ \] وأخرى إلى واحد كما في الآية الكريمة.  ولكنّ الذين كَفَرُوا يَفْتَرُونَ على الله الكذب  حيث يفعلون ما يفعلون ويقولون : الله أمرنا بهذا، وإمامُهم عمْروُ بنُ لُحَيٍّ، فإنه أولُ من فعل هذه الأفاعيلَ الباطلة، هذا شأن رؤسائهم وكُبرَائهم  وَأَكْثَرُهُمُ  وهم أراذلُهم الذين يتبعونهم من معاصري رسول الله صلى الله عليه وسلم كما يشهد به سياقُ النظم الكريم  لاَ يَعْقِلُونَ  أنه افتراء باطلٌ حتى يخالفوهم ويهتدوا إلى الحق بأنفسهم فيبقَوْن في أسر التقليد، وهذا بيان لقصور عقولِهم وعجزِهم عن الاهتداء بأنفسهم.

### الآية 5:104

> ﻿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَىٰ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قَالُوا حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا ۚ أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ [5:104]

وقوله عز وجل : وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ  أي للذين عبَّر عنهم ( بأكثرُهم ) على سبيل الهداية والإرشاد  تَعَالَوْا إلى مَا أَنزَلَ الله  من الكتاب المبين للحلال والحرام  وَإِلَى الرسول  الذي أُنزل هو عليه لتقفوا على حقيقة الحال وتُميِّزوا الحرامَ من الحلال  قَالُوا حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءنَا  بيان لعنادهم واستعصائهم على الهادي إلى الحق وانقيادِهم للداعي إلى الضلال  أَوْ لو كَانَ آبَاؤُهم لاَ يَعْلَمُونَ شَيْئاً وَلاَ يَهْتَدُونَ  قيل : الواو للحال دخلت عليها الهمزة للإنكار والتعجيب، أي أحَسْبُهم ذلك ولو كان آباؤهم جَهَلةً ضالين ؟ وقيل : للعطف على شرطية أخرى مقدّرة قبلها وهو الأظهر، والتقدير أحَسْبهم ذلك أو أيقولون هذا القولَ لو لم يكن آباؤهم لا يعقلون شيئاً من الدين ولا يهتدون الصواب ؟ ولو كانوا لا يعلمون الخ. وكلتاهما في موقع الحال أي أحسْبُهم ما وجدوا عليه آباؤهم كائنين على كل حال مفروض ؟ وقد حُذفت الأولى في الباب حذفاً مطَّرداً لدلالة الثانية عليها دلالةً واضحةً، كيف لا وأن للشيء إذا تحقق عند المانع فلأَنْ يتحقّقَ عند عدمِه أولى كما في قولك : أحسِنْ إلى فلان وإن أساء إليك، أي أحسِنْ إليه إن لم يُسئ إليك وإن أساء، أي أحسن إليه كائناً على كل حال مفروض، وقد حذفت الأولى لدلالةِ الثانية عليها دَلالة ظاهرةً إذِ الإحسانُ حيث أُمِر به عند المانع، فلأَنْ يُؤْمَرَ به عند عدمه أولى، وعلى هذا السر يدورُ ما في إنْ ولو الوصليتين من المبالغة والتأكيد، وجوابُ لو محذوفٌ لدلالة ما سبق عليه، أي لو كان آباؤهم لا يعلمون شيئاً ولا يهتدون حسبُهم ذلك أو يقولون ذلك، وما في ( لو ) من معنى الامتناع والاستبعاد إنما هو بالنظر إلى زعمهم لا إلى نفس الأمر، وفائدتُه المبالغةُ في الإنكار والتعجيب ببيان أن ما قالوه موجبٌ للإنكار والتعجيب إذا كان كونُ آبائهم جَهلةً ضالين في حيز الاحتمال البعيد، فكيف إذا كان ذلك واقعاً لا ريب فيه ؟ وقيل : مآلُ الوجهين واحدٌ، لأن الجملة المقدرة حالٌ فكذا ما عُطف عليها، وأنت خبيرٌ بأن الحالَ على الوجه الأخير مجموعُ الجملتين لا الأخيرةُ فقط، وأن الواو للعطف لا للحال، وقد مر التحقيق في قوله تعالى : أَوْ لوْ كَانَ آبَاؤهم لاَ يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلاَ يَهْتَدُونَ  \[ البقرة، الآية ١٧٠ \] فتدبر.

### الآية 5:105

> ﻿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ ۖ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ ۚ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ [5:105]

يا أيها الذين آمنوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ  أي الزموا أمرَ أنفسِكم وإصلاحِها، وقرئ بالرفع على الابتداء أي واجبة عليكم أنفسُكم، وقوله عز وجل : لاَ يَضُرُّكُمْ من ضَلَّ إِذَا اهتديتم  إما مجزومٌ على أنه جوابٌ للأمر، أو نهْيٌ مؤكِّد له، وإنما ضُمَّتِ الراء إتباعاً لضمِّه الضاد المنقولة إليها من الراء المدغمة، إذِ الأصلُ لا يضْرُرْكم، ويؤيده القراءةُ بفتح الراء، وقراءةُ مَنْ قرأ ( لا يضِرْكم ) بكسر الضاد وضمها من ضارَه يَضيرُه، وإما مرفوع على أنه كلامٌ مستأنفٌ في موقع التعليل لما قبله، ويعضُده قراءةُ من قرأ ( لا يضيرُكم ضلالُ مَنْ ضل إذا كنتم مهتدين ) ولا يُتوهَّمَنَّ أن فيه رخصةً في ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مع استطاعتهما، كيف لا ومن جملة الاهتداء أن يُنكَر على المنكَر حسْبما تفي به الطاقة، قال عليه الصلاة والسلام :**«من رأى منكم منكراً فاستطاع أن يغيره فليغيْره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطِعْ فبقلبه »** وقد روي أن الصديقَ رضي الله تعالى عنه قال يوماً على المنبر :**«يا أيُّها الناسُ إنَّكُم تَقْرَأونَ هذه الآيةَ وتضعونها غيرَ موضعها ولا تدرون ما هي، وإني سمعتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول :«إن الناس إذا رأَوا منكراً فلم يغيِّروه عمهم الله بعقاب، فأمُروا بالمعروف وانهَوْا عن المنكر، ولا تغترّوا بقول الله عز وجل : يا أيها الذين آمنوا  الخ. فيقول أحدكم : عليَّ نفسي، والله لتأمُرنّ بالمعروف وتنهَوُنّ عن المنكر، أو ليستعمِلن الله عليكم شرارَكم فيسومونكم سوء العذاب، ثم ليدعُوَنَّ خيارُكم فلا يستجابُ لهم »**. وعنه عليه الصلاة والسلام :**«ما من قوم عُمل فيهم منكرٌ أو سُن فيهم قبيحٌ فلم يغيِّروه ولم ينكروه إلا وحقٌّ على الله تعالى أن يعُمَّهم بالعقوبة جميعاً ثم لا يستجابُ لهم »**، والآية نزلت لما كان المؤمنون يتحسَّرون على الكفرة، وكانوا يتمنَّوْن إيمانهم من الضلال بحيث لا يكادون يرعَوون عنه بالأمر والنهي، وقيل : كان الرجل إذا أسلم لاموُه وقالوا : سفّهتَ آباءك وضلّلتهم أي نسبتهم إلى السَّفاهة والضلال، فنزلت تسليةً له بأن ضلال آبائه لا يضرُّه ولا يَشينُه  إِلَى الله  لا إلى أحد سواه  مَرْجِعُكُمْ  رجوعُكم يوم القيامة  جَمِيعاً  بحيث لا يتخلف عنه أحد من المهتدين وغيرِهم  فَيُنَبّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ  في الدنيا من أعمال الهداية والضلال، فهو وعد ووعيد للفريقين، وتنبيه على أن أحداً لا يؤاخَذُ بعمل غيره.

### الآية 5:106

> ﻿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَأَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ ۚ تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلَاةِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ إِنِ ارْتَبْتُمْ لَا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَىٰ ۙ وَلَا نَكْتُمُ شَهَادَةَ اللَّهِ إِنَّا إِذًا لَمِنَ الْآثِمِينَ [5:106]

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا  استئناف مَسوقٌ لبيان الأحكامِ المتعلقة بأمور دنياهم إثرَ بيانِ الأحوال المتعلقةِ بأمور دينهم، وتصديرُه بحرفي النداءِ والتنبيه لإظهار كمالِ العناية بمضمونه، وقولُه عز وجل : شهادةُ بَيْنِكُمْ  بالرفع والإضافة إلى الظرف توسعاً، إما باعتبار جَرَيانِها بينهم، أو باعتبار تعلّقِها بما يجري بينهم من الخصومات، مبتدأ، وقوله تعالى : إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الموت  أي شارفه وظهرت علائمُه، ظرفٌ لها، وتقديمُ المفعول لإفادة كمالِ تمكن الفاعل عند النفْس وقت ورودِه عليها، فإنه أدخلُ في تهوين أمر الموت، وقولُه تعالى : حِينَ الوصية  بدلٌ منه لا ظرف للموت كما تُوُهِّم، ولا لحضوره كما قيل، فإن في الإبدال تنبيهاً على أن الوصية من المَهَمّات المقررة التي لا ينبغي أن يتهاون بها المسلم ويذهَلَ عنها، وقوله تعالى : اثنان  خبرٌ للمبتدأ بتقدير المضاف، أي شهادةُ بينكم حينئذ شهادةُ اثنين، أو فاعلُ ( شهادةُ بينكم ) على أن خبرها محذوف، أي فيما نزل عليكم أن يشهد بينكم اثنان، وقرئ ( شهادةٌ ) بالرفع والتنوين، والإعرابُ كما سبق، وقرئ ( شهادةً ) بالنصب والتنوين على أن عاملها المضمرَ هو العامل في اثنان أيضاً أي ليُقِمْ شهادةً بينكم اثنان  ذَوَا عَدْلٍ منكُمْ  أي من أقاربكم لأنهم أعلم بأحوال الميت وأنصح له، وأقرب إلى تحرِّي ما هو أصلح له. وقيل : من المسلمين وهما صفتان لاثنان.  أَوْ آخَرَان  عطف على اثنان تابع له فيما ذُكر من الخبرية والفاعلية، أي أو شهادةُ آخَرَيْن أو أن يشهد بينكم آخران، أو ليقم ( شهادةً بينكم ) آخران، وقوله تعالى : مِنْ غَيْرِكُمْ  صفةٌ ( لآخَران ) أي كائنان من غيركم أي من الأجانب، وقيل : من أهل الذمة، وقد كان ذلك في بدء الإسلام لعزة وجود المسلمين لاسيما في السفر، ثم نسخ. وعن مكحول أنه نسخها قوله تعالى : وَأَشْهِدُوا ذَوي عَدْلٍ منكُمْ  \[ الطلاق، الآية ٢ \].  إِنْ أَنتُمْ  مرفوعٌ بمُضْمرٍ يفسرُه ما بعده تقديره إن ضربتم، فلما حُذف الفعل انفصل الضمير، وهذا رأيُ جمهور البَصْريين، وذهب الأخفش والكوفيون إلى أنه مبتدأٌ بناءً على جواز وقوعِ المبتدأ بعد إنْ الشرطية كجواز وقوعِه بعد إذا، فقوله تعالى : ضَرَبْتُمْ في الأرض  أي سافرتم فيها، لا محل له من الإعراب عند الأولين لكونه مفسِّراً، ومرفوع على الخبرية عند الباقين. وقوله تعالى : فَأَصَابَتْكُم مُصِيبَةُ الموت  عطفٌ على الشرطية، وجوابُه محذوفٌ لدلالة ما قبله عليه، أي إن سافرتم فقاربَكم الأجلُ حينئذ، وما معكم من الأقارب أو من أهل الإسلام مَنْ يتولى أمرَ الشهادة كما هو الغالب المعتاد في الأسفار، فليشهد آخرانِ أو فاستشهدوا آخَرَيْن أو فالشاهدانِ آخرانِ كذا قيل، والأنسب أن يقدَّر عينُ ما سبق، أي فآخرانِ على معنى شهادةُ بينِكم شهادةُ آخَرَيْن، أو فأَنْ يشهَدَ آخران، على الوجوه المذكورة ثمَةَ، وقوله تعالى : تَحْبِسُونَهُمَا  استئنافٌ وقعَ جواباً عما نشأ من اشتراط العدالة كأنه قيل : فكيف نصنع إنِ ارْتبْنا بالشاهدين ؟ فقيل : تحبِسونهما وتَصْبِرونهما للتحليف  مِن بعد الصلاة  وقيل : هو صفة ( لآخران )، والشرط بجوابه المحذوف اعتراضٌ فائدته الدلالة على أن اللائق إشهادُ الأقارب أو أهلِ الإسلام، وأما إشهادُ الآخَرِين فعند الضرورة المُلجئةِ إليه، وأنت خبير بأنه يقتضي اختصاصَ الحبس بالآخرين مع شموله للأولين أيضاً قطعاً، على أن اعتبارَ اتصافهما بذلك يأباه مقامُ الأمر بإشهادهما، إذ مآلُه فآخرانِ شأنُهما الحبسُ والتحْليف، وإن أمكن إتمام التقريب باعتبار قَيدِ الارتياب بهما كما يفيده الاعتراضُ الآتي، والمرادُ بالصلاة صلاةُ العصر، وعدمُ تعيينها لتعيُّنِها عندهم بالتحْليف بعدها لأنه وقت اجتماع الناس ووقت تصادُمِ ملائكة الليل وملائكة النهار، ولأن جميع أهل الأديان يعظّمونه ويجتنبون فيه الحلِفَ الكاذب. وقد روي أن النبي عليه الصلاةَ والسلام وقتئذ حلّف من حلف كما سيأتي، وقيل : بعد أي صلاة كانت لأنها داعيةٌ إلى النطق بالصدق، وناهيةٌ عن الكذِب والزور  إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر  \[ العنكبوت، الآية ٤٥ \].  فَيُقْسِمَانِ بالله  عطفٌ على تحبسونهما وقوله تعالى : إِنِ ارتبتم  شرطية محذوفةُ الجواب لدلالة ما سبق من الحبس والإقسام عليه، سيقت من جهته تعالى معترِضةً بين القسمَ وجوابِه للتنبيه على اختصاص الحبس والتحليف بحال الارتياب، أي إن ارتاب بهما الوارِثُ منكم بخيانةٍ وأخذِ شيءٍ من التركة فاحبِسوهما وحلِّفوهما بالله، وقولُه تعالى : لاَ نَشْتَرِي بِهِ ثَمَناً  جوابٌ للقسم، وليس هذا من قبيل ما اجتمع فيه قَسَمٌ وشرط، فاكتُفِيَ بذكر جوابِ سابقِهما عن جواب الآخر كما هو الواقع غالباً، فإن ذلك إنما يكون عند سدِّ جواب السابق مَسدَّ جوابِ اللاحق لاتحاد مضمونها كما في قولك : والله إن أتيتَني لأكرمنك، ولا ريب في استحالة ذلك هاهنا لأن القسم وجوابه كلاهما \[ منفصل \] وقد عرفت أن الشرط من جهته تعالى، والاشتراءُ هو استبدال السلعة بالثمن أي أخذُها بدلاً منه لا بذلُه لتحصيلها كما قيل، وإن كان مستلزِماً له، فإن المعتبرَ في عقد الشراء ومفهومِه هو الجلبُ دون السلب المعتبر في عقد البيع، ثم استُعير لأخذ شيءٍ بإزالة ما عنده عيناً كان أو معنى على وجه الرغبة في المأخوذ والإعراض عن الزائل، كما هو المعتبر في المستعار منه حسبما مر تفصيلُه في تفسير قوله تعالى : أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى  \[ البقرة، الآية ١٦. والآية ١٧٥ \] والضمير في ( به ) لله، والمعنى لا نأخذ لأنفسنا بدلاً من الله، أي مِنْ حُرمته عَرَضاً من الدنيا بأن نهتِكَها ونُزيلَها بالحلف الكاذب، أي لا نحلف بالله كاذبين لأجل المال، وقيل : الضمير للقسم، فلابد من تقدير مضافٍ البتةَ، أي لا نستبدل بصحة القسم بالله، أي لا نأخذ لأنفسنا بدلاً منها عرَضاً من الدنيا بأن نُزيلَ عنه وصفَ الصدق ونصفَه بالكذب، أي لا نحلف كاذبين كما ذكر وإلا فلا سِدادَ للمعنى، سواءٌ أريد به القسمُ الصادقُ أو الكاذب، أما إن أريدَ به الكاذبُ فلأنه يفوِّتُ حينئذ ما هو المعتبرُ في الاستعارة من كون الزائل شيئاً مرغوباً فيه عند الحالف كحُرمة اسمِ الله تعالى ووصفِ الصحة والصدق في القسم، ولا ريب في أن القسم الكاذبَ ليس كذلك، وأما إن أريد به الصادقُ فلأنه، وإن أمكن أن يُتوسَّلَ باستعمالِه إلى عَرَض الدينا كالقسم الكاذب، لكن لا محذور فيه، وأما التوسلُ إليه بترك استعماله فلا إمكان له هاهنا حتى يصِحَّ التبروءُ منه، وإنما يُتوسَّلُ إليه باستعمال القسم الكاذب، وليس استعمالُه من لوازم ترْكِ استعمالِ الصادق ضرورةَ جوازِ تركِهما معاً حتى يُتصوَّرَ جعلُ ما أُخذَ باستعمالِه مأخوذاً بتركِ استعمالِ الصادق كما في صورة تقديرِ المضاف، فإن إزالةَ وصْفِ الصدق عن القسم مع بقاء الموصوفِ مستلزِمةٌ لثبوت وصفِ الكذِب له البتة فتأمل، وقوله تعالى : وَلَوْ كَانَ  أي المقسَمُ له المدلولُ عليه بفحوى الكلام  ذَا قربى  أي قريباً منا، تأكيدٌ لتبرُّئهم من الحلِف كاذباً ومبالغةٌ في التنزه عنه، كأنهما قالا : لا نأخذُ لأنفسنا بدلاً من حُرمة اسمه تعالى مالاً ولو انضمَّ إليه رعايةُ جانبِ الأقرباء، فكيف إذا لم يكنْ كذلك، وصيانةُ أنفسِهما وإن كانت أهمَّ من رعاية الأقرباء لكنها ليست ضميمةً للمال، بل هي راجعة إليه، وجواب ( لو ) محذوفٌ ثقةً بدلالة ما سبق عليه، أي لا نشتري به ثمناً، والجملة معطوفةٌ على أخرى مثلِها، كما فُصِّل في تفسير قوله تعالى : وَلَوْ أَعْجَبَكَ  \[ المائدة، الآية ١٠٠ \] الخ، وقوله عز وجل : وَلاَ نَكْتُمُ شهادة الله  أي الشهادة التي أمرَنا الله تعالى بإقامتها، معطوفٌ على ( لا نشتري به ) داخلٌ معه في حكم القسم، وعن الشعبي أنه وَقَفَ على شهادة، ثم ابتدأ ( آلله ) بالمد على حذف حرف القسم وتعويض حرف الاستفهام منه بغير مد، كقولهم : الله لأفعلن  إِنَّا إِذَاً لمنَ الآثمين  أي إن كتمناها، وقرئ ( لمِلاثِمين ) بحذف الهمزة وإلقاء حركتها على اللام وإدخال النون فيها.

### الآية 5:107

> ﻿فَإِنْ عُثِرَ عَلَىٰ أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْمًا فَآخَرَانِ يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْأَوْلَيَانِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ لَشَهَادَتُنَا أَحَقُّ مِنْ شَهَادَتِهِمَا وَمَا اعْتَدَيْنَا إِنَّا إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ [5:107]

فَإِنْ عُثِرَ  أي اطُّلع بعد التحليف  على أَنَّهُمَا استحقا إِثْماً  حسبما اعترفا به بقولهما : إنا إذاً لمن الآثمين، أي فعلا ما يوجبُ إثماً من تحريفٍ وكَتم بأن ظهر بأيديهما شيءٌ من التركة وادَّعيا استحقاقَهما له بوجهٍ من الوجوه كما وقع في سبب النزول حسبما سيأتي  فَآخَرَانِ  أي رجلان آخران، وهو مبتدأ خبرُه  يقُومَانُ مَقَامَهُمَا  ولا محذورَ في الفصل بالخبر بين المبتدأ وبين وَصفِه الذي هو الجارُّ والمجرور بعده، أي يوقمان مَقام اللذين عُثر على خيانتهما، وليس المراد بمقامهما مقامَ أداءِ الشهادة التي تولَّياها ولم يؤدِّياها كما هي، بل هو مقام الحبس والتحليف على الوجه المذكور لإظهار الحق وإبراز كذِبهما فيما ادعيا من استحقاقهما لما في أيديهما  مِنَ الذين استحق  على البناء للفاعل على قراءة عليٍّ وابنِ عباس وأُبيّ رضي الله عنهم، أي من أهل البيت الذين استحق  عَلَيْهِمُ الأوليان  من بينهم، أي الأقربانِ إلى الميت، الوارثانِ له، الأحقانِ بالشهادة أي باليمين كما ستعرفه، ومفعولُ ( استحق ) محذوفٌ أي استحقا عليهم أن يجرِّدوهما للقيام بها، لأنها حقُّهما ويُظهروا بهما كذِبَ الكاذبَيْن، وهما في الحقيقة الآخرانِ القائمان مَقام الأوَّلَيْن على وضع المُظْهر مقام المُضْمَر، وقرئ على البناء للمفعول وهو الأظهر، أي من الذين استُحق عليهم الإثمُ أي جُنيَ عليهم، وهم أهلُ الميت وعشيرتُه، فالأَوْليان مرفوعٌ على أنه خبرٌ لمبتدأ محذوفٍ كأنه قيل : ومن هما ؟ فقيل : الأوليان، أو بدلٌ من الضمير في ( يقومان ) أو من ( آخران ) وقد جوِّز ارتفاعَه باستَحق على حذف المضاف، أي استحقّ عليهم انتدابُ الأوَّلَيْن منهم للشهادة، وقرئ ( الأولِّين ) على أنه صفة للذين الخ، مجرور أو منصوب على المدح، ومعنى الأولية التقدمُ على الأجانب في الشهادة لكونهم أحقَّ بها، وقرئ ( الأولَيْن ) على التثنية وانتصابُه على المدح، وقرئ ( الأولان ).  فَيُقْسِمَانِ بالله  عطف على يقومان  لشهادتنا  المرادُ بالشهادة اليمينُ كما في قوله تعالى : فشهادةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شهادات بالله  \[ النور، الآية ٦ \] أي لَيَمينُنا على أنهما كاذبان فيما ادَّعيا من الاستحقاق مع كونِها حقةً صادقةً في نفسها  أَحَقُّ  بالقبول  مِن شهادتهما  أي من يمينهما مع كونها كاذبةً في نفسها لما أنه قد ظهر للناس استحقاقُهما للإثم، ويمينُنا منزهةٌ عن الرَّيْب والرِّيبة، فصيغةُ التفضيلِ مع أنه لا حقيةَ في يمينهما رأساً إنما هي لإمكان قَبولِها في الجُملة باعتبار احتمالِ صدقِهما في ادعاء تملُّكِهما لما ظهر في أيديهما  وَمَا اعتدينا  عطف على جواب القسم أي ما تجاوزنا فيها الحقَّ أو ما اعتدينا عليهما بإبطال حقهما  أَنَا إِذِنَ لمِنَ الظالمين  استئنافٌ مقرَّرٌ لما قبله، أي إنا إنِ اعتدَيْنا في يميننا لمن الظالمين أنفسهم بتعريضها لسخط الله تعالى وعذابه بسبب هتك حرمة اسم الله تعالى، أو لمن الواضعين الحقَّ في غير موضعه، ومعنى النظم الكريم أن المُحتَضَرَ ينبغي أن يُشهدَ على وصيته عدلين من ذوِي نسبِه أو دينه، فإن لم يجدْهما بأن كان في سفر فآخران من غيرهم، ثم إن وقع ارتيابٌ بهما أقسما على أنهما ما كتما من الشهادة ولا من التركة شيئاً بالتغليظ في الوقت، فإنِ اطُّلعَ بعد ذلك على كذبهما بأن ظهر بأيديهما شيءٌ من التركة، وادعيا تملُّكه من جهة الميت حلفَ الورثةُ وعُمل بأيْمانهم. ولعل تخصصَ الاثنين لخصوص الواقعة، فإنه رُوي ( أن تميمَ بنَ أوسٍ الداري وعديَّ بنَ بدَّاء خرجا إلى الشام للتجارة وكانا حينئذ نصْرانيين ومعهما بديلُ بنُ أبي مريم مولى عمْرو بنِ العاص وكان مسلماً مهاجراً، فلما قدِموا الشامَ مرضَ بديلٌ فكتب كتاباً فيه جميعُ ما معه وطرحه في متاعِه ولم يخبرْهما بذلك، وأوصى إليهما بأن يدفعا متاعَه إلى أهله، ومات، ففتشاه، فوجدوا فيه إناءً من فضة وزْنُه ثلثمائةِ مثقالٍ منقوشاً بالذهب، فغيَّباه ودفعا المتاعَ إلى أهله، فأصابوا فيه الكتاب، فطلبوا منهما الإناءَ فقالا : ما ندري، إنما أوصى إلينا بشيءٍ وأمرَنا أن ندفعَه إليكم ففعلنا، وما لنا بالإناء من علم، فرفعوهما إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فنزل  يا أيها الذين آمنوا  \[ المائدة، الآية ١٠٦ \] الآية، فاستحلَفَهما بعد صلاة العصر عند المِنْبر بالله الذي لا إله إلا هو أنهما لم يخْتانا شيئاً مما دَفَع ولا كتما فحلَفا على ذلك فخلَّى عليه الصلاة والسلام سبيلهما، ثم إن الإناءَ وُجد بمكةَ فقال مَنْ بيده : اشتريتُه من تميم وعدي، وقيل : لما طالت المدةُ أظهراه فبلغ ذلك بني سهمٍ فطلبوه منهما فقالا : كنا اشتريناه من بديل، فقالوا : ألم نقلْ لكما : هل باع صاحبُنا من متاعه شيئاً، فقلتما : لا ؟ قالا : ما كان لنا بينةٌ فكرِهنا أن نُقِرَّ به، فرفعوهما إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فنزل قوله عز وجل : فَإِنْ عُثِرَ  \[ المائدة، الآية ١٠٧ \] الآية، فقام عمروُ بنُ العاص والمطَّلِبُ بنُ أبي وداعةَ السَّهْميان فحلفا بالله بعد العصر أنهما كَذَبا وخانا، فدفع الإناءَ إليهما ). وفي رواية إلى أولياء الميت. واعلم أنهما إن كانا وارثين ( لبديل ) فلا نسخ إلا في وصف اليمين، فإن الوارثَ لا يُحَلَّفُ على البَتات، وإلا فهو منسوخ.

### الآية 5:108

> ﻿ذَٰلِكَ أَدْنَىٰ أَنْ يَأْتُوا بِالشَّهَادَةِ عَلَىٰ وَجْهِهَا أَوْ يَخَافُوا أَنْ تُرَدَّ أَيْمَانٌ بَعْدَ أَيْمَانِهِمْ ۗ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاسْمَعُوا ۗ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ [5:108]

ذلك  كلام مستأنف سيق لبيان أن ما ذُكر مستتبِعٌ للمنافع واردٌ على مقتضى الحِكمة والمصلحة، أي الحُكم الذي تقدم تفصيلُه  أدنى أَن يَأتُوا بالشهادة على وَجْهِهَا  أي أقربُ أن يؤدِّيَ الشهودُ الشهادةَ عن وجهها الذي تحمَّلوها عليه من غير تحريفٍ ولا خيانة خوفاً من العذاب الأخروي، وهذه كما ترى حكمةُ شَرْعيةِ التحليفِ بالتغليظ المذكور، وقوله تعالى : أَوْ يخافوا أَن تُرَدَّ أيمان بَعْدَ أيمانهم  بيانٌ لحِكمة شرعيةِ ردِّ اليمين على الورثة، معطوفٌ على مقدَّرٍ ينبئ عنه المقامُ كأنه قيل : ذلك أدنى أن يأتوا بالشهادة على وجهها ويخافوا عذابَ الآخرة بسبب اليمين الكاذبة أو يخافوا الافتضاح على رؤوس الأشهاد بإبطال أيمانهم والعملِ بأَيْمان الورثة فينزجروا عن الخيانة المؤدية إليه، فأيُّ الخوفين وقع حصل المقصِدُ الذي هو الإتيانُ بالشهادة على وجهها. وقيل : هو عطفٌ على ( يأتوا ) على معنى أن ذلك أقربُ إلى أن يأتوا بالشهادة على وجهها أو إلى أن يخافوا الافتضاحَ برد اليمين على الورثة فلا يحلِفوا على موجَب شهادتِهم إنْ لم يأتوا بها على وجهها، فيظهرُ كذبُهم بنكولهم، وأما ما قيل من أن المعنى أن ذلك أقربُ إلى أحد الأمرين اللذين أيُّهما وقع كان فيه الصلاحُ، وهو أداءُ الشهادة على الصدق، والامتناعُ عن أدائها على الكذب، فيأباه المقام، إذ لا تعلّق له بالحادثة أصلاً ضرورةَ أن الشاهدَ مضطرٌّ فيها إلى الجواب، فالامتناعُ عن الشهادة الكاذبة مستلزمٌ للإتيان بالصادقة قطعاً، فليس هناك أمران أيُّهما وقع كان فيه الصلاحُ حتى يَتوسَّطَ بينهما كلمةُ ( أو ) وإنما يتأتى ذلك في شهودٍ لم يُتَّهموا بخيانة، على أن إضافةَ الامتناع عن الشهادة الكاذبة إلى خوف رد اليمين على الورثة ونِسبةَ الإتيانِ بالصادقة إلى غيره مع أن ما يقتضي أحدُهما يقتضي الآخَرُ لا محالة تحكُّمٌ بحْتٌ فتأمل  واتقوا الله  في مخالفة أحكامه التي من جملتها هذا الحكمُ  واسمعوا  ما تؤمرون به كائناً ما كان سمعَ طاعةٍ وقَبول  والله لاَ يَهْدِي القوم الفاسقين  الخارجين عن الطاعة، أي فإن لم تتقوا ولم تسمعوا كنتم فاسقين ( والله لا يهدي القوم الفاسقين ) أي إلى طريق الجنة أو إلى ما فيه نفعُهم.

### الآية 5:109

> ﻿۞ يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَا أُجِبْتُمْ ۖ قَالُوا لَا عِلْمَ لَنَا ۖ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ [5:109]

يَوْمَ يَجْمَعُ الله الرسل  نُصب على أنه بدل اشتمال من مفعول اتقوا لما بينهما من الملابسة، فإن مدارَ البداية ليس ملابسةَ الظرفية والمظروفية ونحوِها فقط، بل هو تعلّقٌ ما، مُصحِّحٌ لانتقال الذهن من المُبدلَ منه إلى البَدَل بوجه إجماليٍّ كما فيما نحن فيه، فإن كونَه تعالى خالقَ الأشياء كافةً مالكَ يومِ الدين خاصةً كافٍ في الباب، مع أن الأمرَ بتقوى الله تعالى يتبادر منه إلى الذهن أن المتّقى أيُّ شأنٍ من شؤونه وأيُّ فعلٍ من أفعاله. وقيل : هناك مضافٌ محذوفٌ به يتحقق الاشتمال، أي اتقوا عذابَ الله فحينئذ يجوزُ انتصابُه منه بطريق الظرفية، وقيل : منصوب بمُضْمر معطوفٍ على ( اتقوا ) وما عُطف عليه، أي واحذروا أو اذكروا يوم الخ، فإن تذكير ذلك اليوم الهائل مما يُضْطرُّهم إلى تقوى الله عز وجل وتلقِّي أمره بسمع الإجابة والطاعة، وقيل : هو ظرف لقوله تعالى : لا يَهدي ، أي لا يهديهم يومئذ إلى طريق الجنة كما يهدي إليه المؤمنين، وقيل : منصوب بقوله تعالى : واسمعوا  بحذف مضاف، أي اسمعوا خبرَ ذلك اليوم، وقيل : منصوب بفعل مؤخر قد حُذف للدلالة على ضيق العبارة عن شرحه وبيانِه لكمال فظاعة ما يقع فيه من الطامّة التامة والدواهي العامة، كأنه قيل :( يوم يجمع الله الرسل فيقول ) الخ، يكون من الأحوال والأهوال ما لا يفي ببيانه ( نطاقُ ) المقال، وإظهارُ الاسمِ الجليل في موضع الإضمار لتربية المهابة وتشديد التهويل، وتخصيصُ الرسل بالذكر ليس لاختصاص الجمع بهم دون الأمم، كيف لا و  ذلك يَوْمٌ مجْمُوعٌ لهُ الناس وذلك يَوْمٌ مشهُودٌ  \[ هود، الآية ١٠٣ \] وقد قال الله تعالى : يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُنَاسٍ بإمامهم  \[ الإسراء، الآية : ٧١ \] بل لإبانة شرفهم وأصالتهم، والإيذان بعدم الحاجة إلى التصريح بجمعِ غيرِهم بناءً على ظهور كونهم أتباعاً لهم، ولإظهار سقوطِ منزلتهم وعدم لياقتهم بالانتظام في سلك جمع الرسل، كيف لا وهم عليهم السلام يُجمعون على وجه الإجلال، وأولئك يسحبون على وجوههم بالأغلال !  فَيَقُولُ  لهم مشيراً إلى خروجهم عن عُهدة الرسالة كما ينبغي حسبما يُعربُ عنه تخصيصُ السؤال بجواب الأمم إعراباً واضحاً، وإلا لصدر الخطاب بأن يقال : هل بلغتم رسالاتي ؟ وماذا في قوله عز وجل : مَاذَا أُجِبْتُمُ  عبارةٌ عن مصدر الفعل، فهو نصْبٌ على المصدرية أيْ أيَّ إجابةٍ أُجبتم من جهة أُممِكم إجابةَ قَبول أو إجابةَ رد ؟ وقيل : عبارة عن الجواب فهو في محل النصب بعد حذف الجارِّ عنه أيْ بأيِّ جوابٍ أجبتم ؟ وعلى التقديرين ففي توجيه السؤال عما صدرَ عنهم وهم شهودٌ إلى الرسل عليهم السلام كسؤال الموؤودة بمَحْضرٍ من الوائد، والعدولِ عن إسناد الجواب إليهم بأن يقال : ماذا أجابوا ؟ من الأنباء عن كمال تحقيرِ شأنهم وشدة الغيظ والسُّخط عليهم ما لا يخفى  قَالُوا  استئناف مبني على سؤال نشأ من سَوْق الكلام كأنه قيل : فماذا يقول الرسل عليهم السلام هنالك ؟ فقيل : يقولون : لاَ عِلْمَ لَنَا  وصيغةُ الماضي للدلالة على التقرر والتحقق كما في قوله تعالى : وَنَادَى أصحاب الجنة  \[ الأعراف، الآية : ٤٤ \]  ونادى أصحاب الأعراف  \[ الأعراف، الآية : ٤٨ \] ونظائرِهما، وإنما يقولون ذلك تفويضاً للأمر إلى علمه تعالى وإحاطتِه بما اعتراهم من جهتهم من مقاساة الأهوال ومعاناة الهموم والأوجال وعَرْضاً لعجزهم عن بيانه لكثرته وفظاعتِه  إِنَّكَ أَنتَ علاّم الغيوب  تعليل لذلك، أي فتعلَمُ ما أجابوا وأظهروا لنا وما لم نعلمْه مما أضمَروه في قلوبهم، وفيه إظهارٌ للشَّكاةِ وردّ للأمر إلى علمه تعالى بما لَقُوا من قبلهم من الخطوب، وكابدوا من الكروب، والتجاءٌ إلى ربهم في الانتقام منهم، وقيل : المعنى لا علم لنا بما أحدثوا بعدنا، وإنما الحكم للخاتمة ورُدَّ ذلك بأنهم يعرفونهم بسيماهم فكيف يخفى عليهم أمرُهم ؟ وأنت خبير بأن مُرادهم حينئذ أن بعضهم كانوا في زمانهم على الحق ثم صاروا كَفَرة، وعن ابن عباس ومجاهد والسُدّي رضي الله عنهم أنهم يفزَعون من أول الأمر ويذهَلون عن الجواب ثم يُجيبون بعدما ثابت إليهم عقولُهم بالشهادة على أممهم، ولا يلائمه التعليل المذكور. وقيل : المرادُ به المبالغةُ في تحقيق فضيحتهم، وقرئ ( علامَ الغيوب ) بالنصب على النداء أو الاختصاص بالمدح، على أن الكلام قد تم عند قوله تعالى : أَنتَ  أي إنك أنت المنعوتُ بنعوتِ كمالِك المعروفُ بذلك.

### الآية 5:110

> ﻿إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلَىٰ وَالِدَتِكَ إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا ۖ وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ ۖ وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنْفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِي ۖ وَتُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ بِإِذْنِي ۖ وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتَىٰ بِإِذْنِي ۖ وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَنْكَ إِذْ جِئْتَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ إِنْ هَٰذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ [5:110]

إِذْ قَالَ الله يا عيسى ابن مَرْيَمَ  شروعٌ في بيان ما جرى بينه تعالى وبين واحد من الرسل المجموعين من المفاوضة على التفصيلِ إثرَ بيانِ ما جرى بينه تعالى وبين الكل على وجه الإجمال ليكون ذلك كالأُنموذج لتفاصيلِ أحوال الباقين، وتخصيصُ شأن عيسى عليه السلام بالبيان تفصيلاً من بين شؤون سائر الرسل عليهم السلام مع دلالتها على كمال هَوْل ذلك اليوم ونهاية سوء حال المكذبين بالرسل لما أن شأنه عليه السلامُ متعلِّقٌ بكلا الفريقين من أهل الكتاب الذين نُعِيتْ عليهم في السورة الكريمة جناياتُهم، فتفصيلُه أعظمُ عليهم وأجلبُ لحسرتهم وندامتِهم وأفتُّ في أعضادهم وأدخَلُ في صرفهم عن غيّهم وعنادهم، و( إذ ) بدلٌ من ( يومَ يجمع الله ) الخ، وصيغة الماضي لما ذكر من الدلالة على تحقق الوقوع، وإظهار الاسم الجليل في مقام الإضمار لما مر من المبالغة في التهويل \[ وتربية المهابة \]. وكلمة على في قوله تعالى : اذكر نِعْمَتِي عَلَيْكَ وعلى والدتك  متعلقة بنفس النعمة إن جُعلت مصدراً، أي اذكر إنعامي عليكما، أو بمحذوفٍ هو حالٌ منها إن جُعلت اسماً، أي اذكر نعمتي كائنة عليكما، وليس المرادُ بأمره عليه السلام يومئذ بذكر النعمة المنتظمة في سلك التعديد تكليفَه عليه السلام شكرَها والقيامَ بمواجبها ولاتَ حينَ تكليف، مع خروجه عليه السلام عن عهدة الشكر في أوله أيَّ خروج، بل إظهارَ أمره عليه السلام بتعداد تلك النعم حسبما بينه الله تعالى اعتداداً بها وتلذذاً بذكرها على رؤوس الأشهاد، لتكون حكايةُ ذلك على ما أنبأ عنه النظم الكريم توبيخاً ومزجرةً للكفرة المختلفين في شأنه عليه السلام إفراطاً وتفريطاً وإبطالاً لقولهما جميعاً.  إِذْ أَيَّدتُكَ  ظرف لنعمتي أي اذكر إنعامي عليكما وقت تأييدي لك أو حال منها، أي اذكرها كائنة وقت تأييدي لك، وقرئ ( آيدتُك ) والمعنى واحد أي قويتك  بِرُوحِ القدس  بجبريلَ عليه السلام لتثبيت الحجة أو بالكلام الذي يحيى به الدين وإضافته إلى القدس لأنه سبب الطهر عن أوضار الآثام، أو يحيى به الموتى أو النفوسُ حياةً أبدية، وقيل : الأرواحُ مختلفةُ الحقائق، فمنها طاهرةٌ نورانية، ومنها خبيثةٌ ظُلمانية، ومنها مشرقةٌ، ومنها كَدِرةٌ، ومنها حُرة، ومنها نذْلة، وكان روحُه عليه الصلاة والسلام طاهرةً مشرقةً نورانية عُلوية، وأياً ما كان فهو نعمة عليهما  تُكَلّمُ الناس في المهد وَكَهْلاً  استئناف مبين لتأييده عليه السلام أو حال من الكاف، وذكر تكليمه عليه السلام في حال الكهولة لبيان أنّ كلامه عليه السلام في تينك الحالتين كان على نسق واحد بديعٍ صادراً عن كمال العقل مقارِناً لرزانة الرأي والتدبير، وبه استُدل على أنه عليه السلام سينزِل من السماء لِما أنه عليه السلامُ رفع قبل التكهُّل، قال ابن عباس رضي الله عنهما : أرسله الله تعالى وهو ابن ثلاثين سنةً، ومكث في رسالته ثلاثين شهراً، ثم رفعه الله تعالى إليه  وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الكتاب  عطف على قوله تعالى : إِذْ أَيَّدتُكَ  منصوب بما نصبه، أي اذكر نعمتي عليكما وقت تعليمي لك الكتاب  والحكمة  أي جنسهما  والتوراة والإنجيل  خُصا بالذكر مما تناوله الكتابُ والحكمةُ إظهاراً لشرفهما، وقيل : الخطُّ والحكمةُ الكلامُ المُحكَم الصواب.  وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطين كَهَيْئَةِ الطير  أي تُصوَّر منه هيئةً مماثلة لهيئة الطير  بِإِذْنِي  بتسهيلي وتيسيري، لا على أن يكون الخلقُ صادراً عنه عليه السلام حقيقة، بل على أن يظهر ذلك على يده عليه السلام عند مباشرةِ الأسباب مع كون الخلق حقيقةً لله تعالى كما ينبئ عنه قوله تعالى : فَتَنفُخُ فِيهَا  أي في الهيئة المصوَّرة  فَتَكُونُ  أي تلك الهيئة  طَيْراً بِإِذْنِي  فإن إذنه تعالى لو لم يكن عبارةً عن تكوينه تعالى للطير بل عن محضِ تيسيره مع صدور الفعل حقيقةً عما أُسند إليه لكان هذا تكوّناً من جهة الهيئة، وتكريرُ قوله : بِإِذْنِي  في الطير مع كونه شيئاً واحداً، للتنبيه على أن كلاًّ من التصوير والنفخ أمرٌ معظّم بديعٌ لا يتسنى ولا يترتب عليه شيء إلا بإذنه تعالى  وَتُبْرِئ الاكمهَ والابرصَ بِإِذْني  عطف على ( تخلُق ).  وَإِذْ تُخْرِجُ الموتى بِإِذْنِي  عطف على ( إذ تخلق ) أعيد فيه إذْ، لكون إخراج الموتى من قبورهم لاسيما بعد ما صارت رميماً، معجزةً باهرةً ونعمةً جليلة حقيقةً بتذكير وقتها صريحاً، قيل : أخرج سامَ بنَ نوح ورجلين وامرأةً وجاريةً، وتكرير قوله : بِإِذْنِي  في المواضع الأربعة للاعتناء بتحقيق الحق ببيان أن تلك الخوارقَ ليست من قبل عيسى عليه الصلاة والسلام بل من جهته سبحانه قد أظهرها على يديه معجزةً له ونعمةً خصَّها به، وأما ذكرُه في سورة آلِ عِمرانَ مرتين لما أن ذلك موضعُ الإخبار، وهذا موضعُ تعداد النعم  وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِي إسرائيل عَنكَ  عطف على ( إذ تخرج ) أي منعتُ اليهودَ الذين أرادوا بك السوء عن التعرُّض لك  إِذْ جِئْتَهُمْ بالبينات  بالمعجزات الواضحة مما ذُكر وما لم يُذكر، كالإخبار بما يأكلون وما يدّخِرون في بيوتهم ونحوِ ذلك، وهو ظرفٌ لكففت، لكن لا باعتبار المجيء بها فقط بل باعتبار ما يعقبُه من قوله تعالى : فَقَالَ الذين كَفَرُوا مِنْهُمْ إِنْ هذا إِلاَّ سِحْرٌ مُبِينٌ  فإن قولهم ذلك مما يدل على أنهم قصدوا اغتيالَه عليه السلام المُحوِجَ إلى الكف، أي كففتُهم عنك حين قالوا ذلك عند مجيئِك إياهم بالبينات، وإنما وُضع موضعَ ضميرِ ( هم ) الموصولُ لذمهم بما في حيِّز الصلة، فكلمة ( من ) بيانية، وهذا إشارة إلى ما جاء به، والتذكير لأن إشارتهم إلى ما رأَوْه من نفس المسمّى من حيث هو، أو من حيث هو سحر لا من حيث هو مسمى بالبينات، وقرئ ( إن هذا إلا ساحر مبين ) فهذا حينئذ إشارة إلى عيسى عليه السلام.

### الآية 5:111

> ﻿وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي قَالُوا آمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ [5:111]

وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الحواريين  عطف على ما قبله من أخواتها الواقعةِ ظروفاً للنعمة التي أُمر بذكرها، وهي وإن كانت في الحقيقة عينُ ما يُفيده الجملُ التي أُضيفت إليها تلك الظروفُ من التأييد بروح القدس وتعليم الكتاب والحكمة وسائرِ الخوارق المعدودة، لكنها لمغايَرَتها لها بعنوانٍ منْبئٍ عن غاية الإحسان أُمر بذكرها من تلك الحيثية، وجُعلت عاملةً في تلك الظروف لكفاية المغايَرَة الاعتبارية في تحقيق ما اعتُبر في مدلول كلمةِ ( إذ ) من تعدد النسبة، فإنه ظرف موضوعٌ لزمان نسبتين ماضيتين واقعتين فيه إحداهما معلومةُ الوقوعِ فيه للمخاطَب دون الأخرى، فيُراد إفادةُ وقوعها أيضاً له، فيضاف إلى الجملة المفيدة للنسبة الأولى، ويجعل ظرفاً معمولاً للنسبة الثانية، ثم قد تكون المغايَرةُ بين النسبتين بالذات كما في قولك : اذكُرْ إحساني إليك إذ أحسنتَ إليّ. تريد تنبيهَ المخاطَب على وقوع إحسانه إليك وهما نسبتان متغايرتان بالذات، وقد تكون بالاعتبار كما في قولك : اذكر إحساني إليك إذ منعتُك من المعصية، تريد تنبيهه على كون منعه منها إحساناً إليه لا على إحسانٍ آخرَ واقعٍ حينئذ، ومن هذا القبيل عامةُ ما وقع في التنزيل من قوله تعالى : يا قوم اذكروا نِعْمَةَ الله عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاء وَجَعَلَكُمْ مُلُوكاً  \[ المائدة، الآية ٢٠ \] الآية، وقولِه تعالى : يا أيها الذين آمنوا اذكروا نِعْمَةَ الله عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَن يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنكُمْ  \[ المائدة، الآية ١١ \] إلى غير ذلك من النظائر. ومعنى إيحائه تعالى إليهم أمرُه تعالى إياهم في الإنجيل على لسانه عليه السلام. وقيل : إلهامُه تعالى إياهم كما في قوله تعالى : وَأَوْحَيْنَا إلى أُمّ موسى  \[ القصص، الآية ٧ \] و( أنْ ) في قوله تعالى : أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي  مفسِّرة لما في الإيحاء من معنى القول، وقيل : مصدرية، وإيرادُه عليه السلام بعنوان الرسالة للتنبيه على كيفية الإيمان به عليه السلام كأنه قيل : آمنوا بوحدانيتي في الألوهية والربوبية وبرسالة رسولي ولا تُزيِّلوه عن حيِّزه حطّاً ولا رفعاً، وقوله تعالى : قَالُوا  استئناف مبنيٌّ على سؤال نشأ من سَوْق الكلام كأنه قيل : فماذا قالوا حين أوحِيَ إليهم ذلك ؟ فقيل : قالوا : آمنّا  أي بما ذُكر من وحدانيته تعالى وبرسالة رسولِه كما يُؤذِنُ به قولهم : وأشهد بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ  أي مخلِصون في إيماننا، مِنْ أسلم وجهَه لله، وهذا القولُ منهم بمقتضى وحيه تعالى وأمرِه لهم بذلك، نعمةٌ جليلة كسائر النعم الفائضة عليه عليه الصلاة والسلام، وكل ذلك نعمةٌ على والدته أيضاً. رُوي أنه عليه السلام لما علم أنه سيُؤمر بذكر هاتيك النعم العِظامِ جعل يلبَسُ الشَّعْرَ ويأكب الشجر ولا يدخر شيئاً لغد، يقول : لكل يوم رزقُه، لم يكن له بيت فيخرَبَ ولا ولد فيموتَ، أينما أمسى بات.

### الآية 5:112

> ﻿إِذْ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ ۖ قَالَ اتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ [5:112]

إِذْ قَالَ الحواريون  كلام مستأنفٌ مَسوقٌ لبيان بعض ما جرى بينه عليه السلام وبين قومه، منقطعٌ عما قبله كما ينبئ عنه الإظهارُ في موقع الإضمار و( إذ ) منصوب بمُضمر خوطب به النبي عليه الصلاة والسلام بطريق تلوين الخطاب والالتفات، لكن لا لأن الخطاب السابقَ لعيسى عليه السلام فإنه ليس بخطاب وإنما هو حكايةُ خطاب، بل لأن الخطابَ لمن خوطب بقوله تعالى : واتقوا الله  \[ المائدة، الآية ١٠٨ \] الآية، فتأمل، كأنه قيل للنبي صلى الله عليه وسلم عَقيبَ حكايةِ ما صدر عن الحواريين من المقالة المعدودة من نعم الله تعالى الفائضة على عيسى عليه السلام : اذكُر للناس وقت قولهم الخ، وقيل : هو ظرف لقالوا، أريد به التنبيهُ على أن ادعاءَهم الإيمانَ والإخلاصَ لم يكن عن تحقيقٍ وإيقان، ولا يساعده النظم الكريم  يا عيسى ابن مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَن يُنَزّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً منَ السماء  اختلف في أنهم هل كانوا مؤمنين أو لا ؟ فقيل : كانوا كافرين شاكّين في قدرة الله تعالى على ما ذَكَروا، وفي صدْقِ عيسى عليه السلام، كاذبين في دعوى الإيمان والإخلاص، وقيل : كانوا مؤمنين وسؤالُهم للاطمئنان والتثبّت لا لإزاحة الشك، و( هل يستطيع ) سؤال عن الفعل دون القدرة عليه تعبيراً عنه بلازمه، وقيل : الاستطاعة على ما تقتضيه الحكمة والإرادة، لا على ما تقتضيه القدرة، وقيل : المعنى هل يستطيع ربك ؟ بمعنى هل يجيبك ؟ واستطاع بمعنى أطاع كاستجاب بمعنى أجاب، وقرئ ( هل تستطيعُ ربَّك ) أي سؤال ربك، والمعنى هل تسأله ذلك من غير صارف يصرِفك عنه ؟ وهي قراءة علي وعائشةَ وابن عباس ومعاذٍ رضي الله عنهم، وسعيدِ بن جبير في آخرين، والمائدة الخِوانُ الذي عليه الطعام، من مادَه إذا أعطاه ورفدَه، كأنها تَميدُ مَنْ تُقدَّم إليه، ونظيرُه قولهم : شجرة مطعمة، وقال أبو عبيد : هي فاعلة بمعنى مفعولة كعيشة راضية  قَالَ  استئنافٌ مبنيٌّ على سؤال ناشئٍ مما قبله، كأنه قيل : فماذا قال لهم عيسى عليه السلام حين قالوا ذلك ؟ فقيل : قال : اتقوا الله  أي من أمثال هذا السؤال  إِن كُنتُم مُؤْمِنِينَ  أي بكمال قدرته تعالى وبصِحّة نبوتي أو إن صَدَقتم في ادّعاء الإيمانِ والإسلام فإن ذلك مما يوجب التقوى والاجتناب عن أمثال هذه الاقتراحات وقيل أمرهم بالتقوى ليصير ذلك ذريعةً لحُصول المسؤول، كقوله تعالى :
 وَمَن يَتَّقِ الله يَجْعَل لهُ مَخْرَجاً وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَحْتَسِبُ  \[ الطلاق، الآية٢ \] وقولِه تعالى : يَا أَيُّهَا الذين آمنوا اتقوا الله وابتغوا إِلَيهِ الوسيلة  \[ المائدة، الآية ٣٥ \].

### الآية 5:113

> ﻿قَالُوا نُرِيدُ أَنْ نَأْكُلَ مِنْهَا وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنَا وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ الشَّاهِدِينَ [5:113]

قَالُوا  استئناف كما سبق  نُرِيدُ أَن نَاكُلَ مِنْهَا  تمهيدُ عذرٍ وبيانٍ لِمَا دعاهم إلى السؤال، أي لسنا نريد بالسؤال إزاحةَ شُبهتِنا في قدرته سبحانه على تنزيلها أو في صحة نبوتك، حتى يقدحَ ذلك في الإيمان والتقوى، بل نريد أن نأكلَ منها أي أكلَ تبرّكٍ، وقيل : أكلَ حاجةٍ وتمتُّع  وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا  بكمال قدرته تعالى وإن كنا مؤمنين به من قبل، فإن انضمامَ علم المشاهدةِ إلى العلم الاستدلالي مما يوجب ازديادَ الطُمأنينة وقوةَ اليقين  وَنَعْلَمَ  أي علماً يقينياً لا يحوم حوله شائبةُ شُبهةٍ أصلاً، وقرئ ( ليُعْلَمَ ) على البناء للمفعول  أَن قَدْ صَدَقْتَنَا  ( أنْ ) هي المخففة من أنّ، وضميرُ الشأن محذوفٌ، أي ونلعم أنه قد صدقتنا في دعوى النبوة وأن الله يُجيب دعوتنا وإن كنا عالمين بذلك من قبل  وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ الشاهدين  نشهد عليها عند الذين لم يحضُروها من بني إسرائيل ليزدادَ المؤمنون منهم بشهادتنا طُمأنينةً ويقيناً، ويؤمنَ بسببها كفارُهم، أو ( من الشاهدين ) للعَيْن دون السامعين للخبر، و( عليها ) متعلقٌ بالشاهدين إن جُعل اللامُ للتعريف، وبيانٌ لما يشهدون عليه إن جُعلتْ موصولة، كأنه قيل : على أي شيء يشهدون ؟ فقيل : عليها، فإن ما يتعلق بالصلة لا يتقدم على الموصول، أو هو حال من اسم كان، أو هو متعلق بمحذوف يفسره من الشاهدين.

### الآية 5:114

> ﻿قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا أَنْزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ تَكُونُ لَنَا عِيدًا لِأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا وَآيَةً مِنْكَ ۖ وَارْزُقْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ [5:114]

قَالَ عِيسَى ابن مَرْيَمَ  لما رأى عليه السلام أن لهم غَرَضاً صحيحاً في ذلك، وأنهم لا يُقلعون عنه، أزمعَ على استدعائها واستنزالها، وأراد أن يُلزِمَهم الحجةَ بكمالها. رُوي أنه عليه الصلاة والسلام اغتسل ولبس المِسْح وصلى ركعتين فطأطأ رأسه وغض بصرَه ثم قال : اللهم رَبَّنَآ  ربنا، ناداه سبحانه وتعالى مرتين، مرةً بوصف الألوهية الجامعةِ لجميع الكمالات، ومرةً بوصف الربوبية المُنْبئةِ عن التربية، وإظهاراً لغاية التضرّع، ومبالغةً في الاستدعاء  أُنزِلَ عَلَيْنَا  تقديمُ الظرف على قوله : مَائِدَةً  لما مر مراراً من الاهتمام بالمقدم والتشويق إلى المؤخر، وقوله : منَ السماء  متعلق بأنزل أو بمحذوفٍ هو صفةٌ لمائدة، أي كائنةً من السماء نازلةً منها. وقوله : تَكُونُ لَنَا عِيداً  في محل النصب على أنه صفةٌ لمائدة، واسم تكون ضمير المائدة، وخبرُها إما عيداً و( لنا ) حال منه، أو من ضمير ( تكون ) عند من يجوِّز إعمالَها في الحال، وإما ( لنا )، وعيداً حال من الضمير في لنا، لأنه وقع خبراً فيحمِلُ ضميراً، أو من ضمير ( تكون ) عند من يرى ذلك، أي يكون يومُ نزولها عيداً نعظمه، وإنما أُسند ذلك إلى المائدة لأن شرَفَ اليوم مستعار من شرفها، وقيل : العيدُ السرورُ العائد، ولذلك سمِّيَ يومُ العيد عيداً، وقرئ ( تكن ) بالجزم على جواب الأمر كما في قوله : فَهَبْ لِي مِن لَدُنكَ وَلِيّاً يَرِثنِي  \[ مريم، الآية ٦ \] خلا أن قراءةَ الجزم هناك متواترة وهاهنا من الشواذ  لأوَّلِنَا وَآخِرِنَا  بدل من ( لنا ) بإعادة العامل، أي عيداً لمتقدمينا ومتأخرينا. رُوي أنها نزلت يوم الأحد، ولذلك اتخذه النصارى عيداً، وقيل : للرؤساء منا والأتباع، وقيل : يأكل منها أولُنا وآخرُنا، وقرئ ( لأُولانا وأُخْرانا ) بمعنى الأمة والطائفة  وَآيَةً  عطف على عيداً  مِنكَ  متعلق بمحذوف وهو صفة لآية، أي كائنةً منك دالةً على كمال قدرتك وصحةِ نبوتي  وارزقنا  أي المائدة أو الشكر عليها  وَأَنتَ خَيْرُ الرازقين  تذييلٌ جارٍ مَجْرى التعليل، أي خيرُ من يرزق لأنه خالقُ الأرزاق ومعطيها بلا عِوَض، وفي إقباله عليه السلام على الدعاء، بتكرير النداء المُنْبئ عن كمال الضراعة والابتهال وزيادتِه ما لم يخطُرْ ببال السائلين من الأمور الداعية إلى الإجابة والقَبول، دلالةٌ واضحةٌ على أنهم كانوا مؤمنين، وأن سؤالهم كان لتحصيل الطمأنينة، كما في قول إبراهيم عليه السلام.

### الآية 5:115

> ﻿قَالَ اللَّهُ إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ ۖ فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لَا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ [5:115]

قَالَ الله  استئناف كما سبق  إِنّى مُنَزّلُهَا عَلَيْكُمْ  ورودُ الإجابة منه تعالى بصيغة التفعيل المُنْبئة عن التكثير مع كون الدعاء منه عليه السلام بصيغة الإفعال لإظهار كمالِ اللطف والإحسان، كما في قوله تعالى : قُلِ الله يُنَجّيكُمْ منْهَا وَمِن كُلّ كَرْبٍ  \[ الأنعام، الآية ٦٤ \] الخ، بعد قوله تعالى : لئِنْ أنجانا مِنْ هذه  \[ الأنعام، الآية ٦٣ \] الخ، مع ما فيه من مراعاة ما وقعَ في عبارة السائلين، وفي تصدير الجملة بكلمة التحقيق وجعلِ خبرِها اسماً، تحقيقٌ للوعد وإيذان بأنه تعالى منجزٌ له لا محالة من غير صارفٍ يَثنيه ولا مانعٍ يَلويه، وإشعارٌ بالاستمرار أي إني منزلُ المائدة عليكم مراتٍ كثيرة، وقرئ بالتخفيف، وقيل : الإنزالُ والتنزيلُ بمعنى واحد  فَمَن يَكْفُرْ بَعْدُ  أي بعد تنزيلها  منكُمْ  متعلق بمحذوفٍ وقع حالاً من فاعل ( يكفرْ )  فَإِنّي أُعَذّبُهُ  بسبب كفره بعد معاينة هذه الآيةِ الباهرة  عَذَاباً  اسم مصدرٍ بمعنى التعذيب، وقيل : مصدر بحذف الزوائد، وانتصابه على المصدرية بالتقديرين المذكورين، وجَوَّز أن يكون الفعل مفعولاً به على الاتساع، وقوله تعالى : لا أُعَذّبُهُ  في محل النصب على أنه صفة لعذاباً، والضمير له أي ( أعذبه ) تعذيباً لا أعذب مثل ذلك التعذيب  أَحَداً من العالمين  أي من عالَمِي زمانِهم أو من العالمين جميعاً، قيل : لما سمعوا هذا الوعيد الشديد خافوا أن يكفر بعضُهم، فاستعفَوْا وقالوا : لا نريدها فلم تنزِلْ، وبه قال مجاهدٌ والحسن رحمهما الله : والصحيحُ الذي عليه جماهيرُ الأمة ومشاهيرُ الأئمة أنها قد نزلت. روي ( أنه عليه السلام لما دعا بما دعا وأُجيب بما أجيب، إذا بسفْرةٍ حمراءَ نزلت بين غمامتين، غمامةٌ من فوقها وغمامةٌ من تحتها، وهم ينظرون إليها حتى سقطت بين أيديهم، فبكى عيسى عليه الصلاة والسلام وقال : اللهم اجعلني من الشاكرين، اللهم اجعلها رحمةً للعالمين، ولا تجعلها مُثْلةً وعقوبة، ثم قام وتوضأ وصلى وبكى، ثم كشف المنديل وقال : بسم الله خيرِ الرازقين، فإذا سَمَكةٌ مشوية بلا فلوس[(١)](#foonote-١) ولا شَوْك تسيل دسَماً، وعند رأسها مِلْحٌ وعند ذنبها خَلٌّ، وحولها من ألوان البقول ما خلا الكُرَّاثَ، وإذا خمسةُ أرغفةٍ على واحد منها زيتونٌ، وعلى الثاني عَسَلٌ، وعلى الثالث سَمْنٌ، وعلى الرابع جُبْنٌ، وعلى الخامس قدَيدٌ، فقال شمعونُ رأسُ الحواريين : يا روحَ الله أمن طعام الدنيا أو من طعام الآخرة ؟ قال : ليس منهما ولكنه شيء اخترعه الله تعالى بالقُدرة العالية، كلوا ما سألتم واشكروا يُمدِدْكم الله ويزِدْكم من فضله، فقالوا : يا روحَ الله لو أَرَيتَنا من هذه الآية آيةً أخرى ؟ فقال : يا سمكةُ احْيَيْ بإذنِ الله، فاضطربت، ثم قال لها : عُودي كما كنت، فعادَتْ مشويةً ثم طارت المائدة، ثم عَصَوا فمُسخوا قردةً وخنازيرَ ). وقيل : كانت تأتيهم أربعين يوماً غِباً[(٢)](#foonote-٢)، يجتمع عليها الفقراء والأغنياء، والصغار والكبار، يأكلون حتى إذا فاء الفيء طارت وهم ينظرون في ظللها. ولم يأكل منها فقير إلا غَنِيَ مدةَ عُمُرِه، ولا مريضٌ إلا برِئَ ولم يمرَضْ أبداً، ثم أوحى الله تعالى إلى عيسى عليه الصلاة والسلام : أنِ اجعلْ مائدتي في الفقراء والمرضَى دون الأغنياء والأصحاء، فاضطرب الناسُ لذلك فمُسِخَ منهم من مُسِخَ، فأصبحوا خنازيرَ يسعَوْن في الطرقات والكُناسات[(٣)](#foonote-٣)، ويأكلون العَذِرة في الحُشوش[(٤)](#foonote-٤)، فلما رأى الناس ذلك فزِعوا إلى عيسى عليه السلام وبكَوُا الممسوخين، فلما أبصرت الخنازيرُ عيسى عليه السلام بكتْ وجعلت تطيف به، وجعل يدعوهم بأسمائهم واحداً بعد واحد، فيبكُون ويُشيرون برؤوسهم، ولا يقدِرون على الكلام، فعاشوا ثلاثةَ أيام ثم هلَكوا. وروي عن ابن عباس رضي الله عنهما : أن عيسى عليه السلام قال لهم : صوموا ثلاثين يوماً ثم سَلوا الله ما شئتم يُعطِكم، فصاموا فلما فرَغوا قالوا : إنا لو عمِلنا لأحدٍ فقضَيْنا عملَه لأطعَمَنا، وسألوا الله تعالى المائدة، فأقبلت الملائكةُ بمائدة يحمِلونها عليها سبعةُ أرغفةٍ وسبعةُ أحواتٍ، حتى وضعتْها بين أيديهم، فأكل منها آخِرُ الناس كما أكل منها أولُهم. قال كعب : نزلت منكوسةً تطير بها الملائكةُ بين السماء والأرض، عليها كلُّ الطعام إلا اللحمَ. وقال قتادة : كان عليها ثمرٌ من ثمار الجنة. وقال عطيةُ العوفي : نزلت من السماء سمكةٌ فيها طعمُ كل شيء. وقال الكلبي ومقاتل : نزلت سمكةٌ وخمسةُ أرغفةٍ فأكلوا ما شاء الله تعالى والناس ألفٌ ونيِّفٌ، فلما رجعوا إلى قُراهم ونشروا الحديث ضحِك من لم يشهَدْ وقالوا : ويحكم إنما سحَر أعينَكم، فمن أراد الله به الخيرَ ثبّته على بصيرة، ومن أراد فتنته رجَع إلى كفره، فمُسخوا خنازيرَ، فمكثوا كذلك ثلاثةَ أيام ثم هلكوا لم يتوالدوا، ولم يأكُلوا ولم يشربوا، وكذلك كلُّ ممسوخ. 
١ الفلوس: جمع فَلْس، وهو القشرة على ظهر السمكة..
٢ أي في الحين بعد الحين، أو تأتيهم يوما وتغيب يوما..
٣ الكناسة: القمامة، وموضع إلقائها..
٤ العذرة: الغائط. والحشوش: جمع حشّ، وهو البستان في الأصل، ثم أطلق اسما على مكان التغوّط، إذ كانوا يتغوطون في البساتين القريبة من سكناهم..

### الآية 5:116

> ﻿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَٰهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ ۖ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ ۚ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ ۚ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ ۚ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ [5:116]

وَإِذْ قَالَ الله ياعيسى ابن مَرْيَمَ  معطوف على ( إذ قال الحواريون ) منصوب بما نَصَبه من المُضمر المخاطَبِ به النبيُّ صلى الله عليه وسلم، أو بمُضمر مستقلٍّ معطوفٍ على ذلك، أي اذكُرْ للناس وقت قولِ الله عز وجل له عليه السلام في الآخرة توبيخاً للكَفَرة وتبكيتاً لهم، فإقرارُه عليه السلام على رؤوس الأشهاد بالعبودية، وأمرُه لهم بعبادته عز وجل، وصيغة الماضي لما مرّ من الدلالة على التحقّق والوقوع  أَأَنتَ قُلتَ لِلنَّاسِ اتخذوني وَأُمّي إلهين  الاتخاذُ إما متعدٍّ إلى مفعولين ( فإلهين ) ثانيهما، وإما إلى واحد فهو حال من المفعول، وليس مدارُ أصل الكلامِ أن القول متيَقَّنٌ، والاستفهامَ لتعيين القائل كما هو المتبادَرُ من إيلاء الهمزةَ المُبتدأ على الاستعمال الفاشي، وعليه قوله تعالى : أأَنتَ فَعَلْتَ هذا بآلهتنا  \[ الأنبياء، الآية ٦٢ \] ونظائرُه، بل على أن المتيقَّنَ هو الاتخاذُ والاستفهامُ لتعيين أنه بأمره عليه السلام، أو من تلقاء أنفسهم كما في قوله تعالى : أأنتم أضْلَلْتُمْ عِبَادِى هَؤُلاَء أَمْ هُمْ ضَلُّوا السبيل  \[ الفرقان، الآية ١٧ \] وقوله تعالى : مِن دُونِ الله  متعلق بالاتخاذ ومحله النصب على أنه حال من فاعله، أي متجاوزين الله، أو بمحذوفٍ هو صفة لإلهين، أي كائنيْن من دونه تعالى، وأياً ما كان فالمرادُ اتخاذُهما بطريق إشراكهما به سبحانه كما في قوله تعالى : وَمِنَ الناس مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ الله أَندَادًا  \[ البقرة، الآية ١٦٥ \] وقولِه عز وجل : وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ الله مَا لاَ يَضُرُّهُمْ وَلاَ يَنفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاء شفعاؤنا عِندَ الله  \[ سورة يونس، الآية ١٨ \] إلى قوله سبحانه وتعالى : عَمَّا يُشْرِكُونَ  \[ يونس، الآية ١٨ \] إذْ به يتأتّى التوبيخُ ويتسنّى التقريعُ والتبكيت. ومَنْ توهم أن ذلك بطريق الاستقلال، ثم اعتذر عنه بأن النصارى يعتقدون أن المعجزاتِ التي ظهرت على يد عيسى ومريمَ عليهما الصلاة والسلام لم يخلُقْها الله تعالى، بل هما خلقاها فصح أنهم اتخذوهما في حق بعض الأشياء إلهين مستقلَّيْن، ولم يتخذوه تعالى إلها في حق ذلك البعض، فقد أبعد عن الحق بمراحِلَ، وأما من تعمق فقال : إن عبادته تعالى مع عبادة غيره كلا عبادةٍ، فمن عبده تعالى مع عبادتهما كأنه عبدهما، ومن لم يعبُده تعالى فقد غفَل عما يُجْديه واشتغل بما لا يَعْنيه كدأب مَنْ قبله، فإن توبيخهم إنما يحصُل بما يعتقدونه ويعترفون به صريحاً، لا بما يلزَمُه بضربٍ من التأويل، وإظهارُ الاسم الجليل لكونه في حيِّز القولِ المُسند إلى عيسى عليه السلام.  قَالَ  استئناف مبنيٌّ على سؤال نشأ من صدر الكلام كأنه قيل : فماذا يقول عيسى عليه السلام حينئذ ؟ فقيل : يقول، وإيثارُ صيغة الماضي لما مرّ مراراً  سبحانك  ( سبحان ) عَلمٌ للتسبيح، وانتصابُه على المصدرية، ولا يكاد يُذْكر ناصبُه، وفيه من المبالغة في التنزيه من حيث الاشتقاق، من السَّبْح الذي هو الذهاب والإبعادُ في الأرض، ومن جهة النقل إلى صيغة التفعيل، ومن جهة العدولِ من المصدر إلى الاسم الموضوع له خاصةً، المشيرِ إلى الحقيقة الحاضرة في الذهن، ومن جهة إقامته مُقام المصدر مع الفعل ما لا يخفى، أي أنزهك تنزيهاً لائقاً بك من أن أقول ذلك أو من أن يقالَ في حقك ذلك، وأما تقديرُ من أن يكونَ لك شريكٌ في الألوهية فلا يساعده سِياقُ النظم الكريم وسياقُه، وقوله تعالى : مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقّ  استئنافٌ مقرِّر للتنزيه ومبين للمُنَزَّه منه، و( ما ) عبارة عن القول المذكور، أي ما يستقيم وما ينبغي لي أن أقول قولاً لا يحِقّ لي أن أقوله، وإيثارُ ليس على الفعل المنفيِّ لظهور دلالتِه على استمرار انتفاءِ الحقية وإفادةِ التأكيد بما في حيزه من الباء، فإن اسمه ضميرُه العائد إلى ( ما )، وخبرَه ( بحق ) والجار والمجرور فيما بينهما للتبيين كما في سُقياً لك أو نحوه. وقوله تعالى : إِن كُنتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ  استئناف مقرِّرٌ لعدم صدور القولِ المذكور عنه عليه السلام بالطريق البرهاني، فإن صدورَه عنه مستلزِمٌ لعلمه تعالى به قطعاً، فحيثُ انتفى علمُه تعالى به انتفى صدورُه عنه حتماً ضرورةَ أن عدمَ اللازم مستلزِمٌ لعدم الملزوم  تَعْلَمُ مَا في نَفْسِي  استئنافٌ جارٍ مجرى التعليل لما قبله كأنه قيل : لأنك تعلم ما أُخفيه في نفسي، فكيف بما أُعلنُه ؟ وقوله تعالى : وَلاَ أَعْلَمُ مَا في نَفْسِكَ  بيانٌ للواقع وإظهارٌ لقصوره، أي ولا أعلم ما تُخفيه من معلوماتك، وقوله : في نَفْسِكَ  للمشاكلة. وقيل : المرادُ بالنفس هو الذاتُ، ونسبةُ المعلومات إليها لما أنها مرجعُ الصفات التي من جملتها العلمُ المتعلِّقُ بها، فلم يكن كنسبتها إلى الحقيقة. وقوله تعالى : إِنَّكَ أَنتَ علاّم الغيوب  تعليلٌ لمضمون الجملتين منطوقاً ومفهوماً.

### الآية 5:117

> ﻿مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ ۚ وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ ۖ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ ۚ وَأَنْتَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ [5:117]

وقوله تعالى : مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلاَّ مَا أَمَرْتَنِي بِهِ  استئنافٌ مَسوقٌ لبيان ما صدر عنه قد أُدرج فيه عدمَ صدورِ القول المذكور عنه على أبلغِ وجهٍ وآكَدِه، حيثُ حكم بانتفاء صدور جميع الأقوالِ المغايِرَةِ للمأمور به، فدخل فيه انفاءُ صدور القولِ المذكور دخولاً أولياً، أي ما أمرتُهم إلا بما أمرتني به، وإنما قيل :( ما قلت لهم ) نزولاً على قضية حسن الأدب، ومراعاةً لما ورد في الاستفهام. وقوله تعالى : أَنِ اعبدوا الله رَبّي وَرَبَّكُمْ  تفسيرٌ للمأمور به، وقيل : عطفُ بيانٍ للضمير في به، وقيل : بدلٌ منه، وليس من شرط البدل جوازُ طرحِ المُبْدَل منه مُطلقاً ليلزَمَ بقاءُ الموصول بلا عائد، وقيل : خبرُ مُضمرٍ أو مفعولُه مثلُ هو أو أعني.  وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً  رقيباً أراعي أحوالهم وأحمِلُهم على العمل بموجب أمرك، وأمنعهم عن المخالفة، أو مشاهداً لأحوالهم من كفر وإيمان  ما دُمْتُ فِيهِمْ  ما مصدرية ظرفية تقدَّر بمصدرٍ مضافٍ إليه زمانٌ، ودمت صلتها، أي كنت شهيداً عليهم مدة دوامي فيما بينهم  فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي  بالرفع إلى السماء كما في قوله تعالى : إِنّي مُتَوَفّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيّ  \[ آل عمران، الآية ٥٥ \] فإن التوفيَ أخذُ الشيء وافياً، والموتُ نوع منه، قال تعالى : الله يَتَوَفى الأنفس حِينَ مِوْتِهَا والتي لَمْ تَمُتْ في مَنَامِهَا  \[ الزمر، الآية ٤٢ \]  كُنتَ أَنتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ  لا غيرَك، ( فأنت ) ضميرُ الفصل أو تأكيدٌ، وقرئ ( الرقيبُ ) بالرفع على أنه خبرُ ( أنت ) والجملة خبرٌ لكان وعليهم متعلق به، أي أنت كنت الحافظَ لأعمالهم والمراقبَ فمنعتَ من أردت عِصْمتَه عن المخالفة، بالإرشاد إلى الدلائل والتنبيه عليها، بإرسال الرسل وإنزال الآياتِ، وخذَلْتَ من خذلتَ من الضالين فقالوا ما قالوا  وَأَنتَ على كُلّ شَيء شَهِيد  اعتراضٌ تذييليٌّ مقرِّرٌ لما قبله، فيه إيذانٌ بأنه تعالى كان هو الشهيدَ على الكل حين كونِه عليه السلام فيما بينهم، و( على ) متعلقةٌ بشهيد، والتقديم لمراعاة الفاصلة.

### الآية 5:118

> ﻿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ ۖ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ [5:118]

إِن تُعَذّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ  وقد استحقوا ذلك حيث عبدوا غيرك  وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنتَ العزيز  أي القويُّ القادر على جميع المقدورات، ومن جملتها الثوابُ والعقاب  الحكيم  الذي لا يُريد ولا يفعل إلا ما فيه حكمةٌ ومصلحة، فإن المغفرة مستحسَنة لكل مجرم، فإن عذّبت فعدلٌ، وإن غفرت ففَضْلٌ، وعدمُ غفرانِ الشرك إنما هو بمقتضى الوعيد، فلا امتناعَ فيه لذاته ليمنعَ الترديدُ بالنسبة إلى فرقتين، والمعنى إن تعذبْهم أي مَنْ كفر منهم، وإن تغفرْ لهم أي من آمن منهم.

### الآية 5:119

> ﻿قَالَ اللَّهُ هَٰذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ ۚ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ۚ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ۚ ذَٰلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ [5:119]

قَالَ الله  كلامٌ مستأنَفٌ خَتَم به حكايةَ ما حُكيَ، مما يقعُ يوم يجمع الله الرسلَ عليهم الصلاة والسلام، وأُشير إلى نتيجته ومآله، أي يقول الله تعالى يومئذ عَقيبَ جواب عيسى عليه السلام، مشيراً إلى صدقه في ضمن بيان حال الصادقين الذين هو في زمرتهم، وصيغةُ الماضي لما مرَّ في نظائره مراراً، وقوله تعالى : هذا  إشارة إلى ذلك اليوم، وهو مبتدأ خبرُه ما بعده، أي هذا اليوم الذي حُكيَ بعضُ ما يقع فيه إجمالاً وبعضُه تفصيلاً  يَوْمُ يَنفَعُ الصادقين  بالرفع والإضافة، والمراد بالصادقين كما ينبئ عنه الاسم، المستمرّون في الدارين على الصدق في الأمور الدينية التي معظمُها التوحيدُ الذي نحن بصدده، والشرائعُ والأحكام المتعلقة به من الرسل الناطقين بالحق والصدق الداعين إلى ذلك، وبه تحصُل الشهادةُ بصِدْق عيسى عليه السلام، ومن الأمم المصدِّقين لهم المقتدين بهم عقداً وعملاً، وبه يتحقق المقصودُ بالحكاية من ترغيب السامعين في الإيمان برسول الله صلى الله عليه وسلم لا كلِّ من صدَقَ في أي شيء كان، ضرورةَ أن الجانِيَ المعترِفَ في الدنيا بجِنايته لا ينفعُه يومئذ اعترافُه وصِدْقُه  صِدْقُهُمْ  أي صدقهم فيما ذُكر من أمور الدين في الدنيا، إذ هو المستتبِعُ للنفع يومئذ، واعتبارُ استمراره في الدارين مع أنه لا حاجة إليه كما عرفت، ولا دخل له في استتباع النفع والجزاء مما لا وجه له، وهذه القراءةُ هي التي أطبق عليها الجمهورُ وهي الأليق بسياق النظم الكريم وسباقِه، وقد قرئ ( يومَ ) بالنصب إما على أنه ظرف لقال، فهذا حينئذ إشارةٌ إلى قوله تعالى : أأنت قُلت  الخ، وإما على أنه خبرٌ لهذا، فهو حينئذ إشارة إلى جواب عيسى عليه السلام، أي هذا الجواب منه عليه السلام واقعٌ يوم ينفع الخ، أو إلى السؤال والجواب معاً، وقيل : هو خبر ولكنه بني على الفتح، وليس بصحيح عند البصريين لأنه مضافٌ إلى متمكنٍّ[(١)](#foonote-١)، وقرئ ( يومٌ ) بالرفع والتنوين كقوله تعالى : واتقوا يَوْمًا لا تَجْزِي  \[ البقرة، الآيتان : ٤٨ و١٢٣ \] الآية.  لَهُمْ جنات تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الانهار خالدين فِيهَا أَبَداً  استئناف مَسوقٌ لبيان النفع المذكور كأنه قيل : ما لهم من النفع ؟ فقيل : لهم نعيمٌ دائم وثوابٌ خالد، وقوله تعالى : رضِي الله عَنْهُمْ  استئنافٌ آخرُ لبيان أنه عز وجل أفاض عليهم غيرَ ما ذُكر من الجنات ما لا قدْرَ لها عنده، وهو رضوانُه الذي لا غايةَ وراءَه كما ينبئ عنه قوله تعالى : وَرَضُوا عَنْهُ  إذ لا شيء أعزُّ منه حتى يمتدَّ إليه أعناقُ الهمم  وذلك  إشارةٌ إلى نيل رضوانه تعالى، وقيل : إلى نيل الكل  الفوز العظيم  لما أن عِظَمَ شأنِ الفوز تابعٌ لعِظَم شأن المطلوب الذي تعلّق به الفوز. وقد عرفت ألا مطلبَ وراء ذلك أصلاً. 
١ المتمكّن: (في علم النحو): الاسم الذي يقبل الحركات الثلاث: الرفع والنصب والجر، أي ما ليس مبنيا. وهو نوعان: متمكن أمكن، وهو المصروف، ومتمكن غير أمكن، وهو الممنوع من الصرف، وغير المتمكن هو الذي أشبه الحرف فكان مثله مبنيا، نحو: كيف وأين..

### الآية 5:120

> ﻿لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا فِيهِنَّ ۚ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [5:120]

وقوله تعالى : للَّهِ مُلْكُ السماوات والأرض وَمَا فِيهِنَّ  تحقيقٌ للحق وتنبيهٌ على كذِب النصارى وفسادِ ما زعَموا في حق المسيحِ وأمِّه، أي له تعالى خاصةً مُلك السماوات والأرض وما فيهما من العقلاء وغيرِهم، يتصرَّفُ فيها كيف يشاء، إيجاداً وإعداماً، إحياءً وإماتة، وأمراً ونهياً، من غير أن يكون لشيء من الأشياء مدخلٌ في ذلك، وفي إيثار ( ما ) على ( من ) المختصة بالعقلاء على تقدير تناولها للكل، مراعاةٌ للأصل وإشارةٌ إلى تساوي الفريقين في استحالة الربوبية حسَب تساويهما في تحقُّق المربوبية، وعلى تقدير اختصاصِها بغير العقلاء تنبيهٌ على كمال قصورهم عن رتبة الألوهية، وإهابةٌ بهم بتغليب غيرِهم عليهم  وَهُوَ على كُلّ شَيء  من الأشياء  قَدِيرٌ  مبالِغٌ في القدرة. عن رسول الله صلى الله عليه وسلم :**«من قرأ سورة المائدة أُعطِيَ من الأجر عشرَ حسنات، ومُحيَ عنه عشرُ سيئات، ورُفع له عشرُ درجات، بعدد كل يهوديٍّ ونصرانيٍّ يتنفس في الدنيا »**.

## روابط ذات صلة

- [النص القرآني للسورة](https://quranpedia.net/surah/1/5.md)
- [كل تفاسير سورة المائدة
](https://quranpedia.net/surah-tafsir/5.md)
- [ترجمات سورة المائدة
](https://quranpedia.net/translations/5.md)
- [صفحة الكتاب: إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم](https://quranpedia.net/book/37.md)
- [المؤلف: أبو السعود](https://quranpedia.net/person/4781.md)

---

زُر [Quranpedia.net](https://quranpedia.net/surah/1/5/book/37) — موسوعة القرآن الكريم: التفاسير، الترجمات، التلاوات، والمواضيع.
