---
title: "تفسير سورة المائدة - تأويلات أهل السنة - أبو منصور المَاتُرِيدي"
url: "https://quranpedia.net/surah/1/5/book/468.md"
canonical: "https://quranpedia.net/surah/1/5/book/468"
surah_id: "5"
book_id: "468"
book_name: "تأويلات أهل السنة"
author: "أبو منصور المَاتُرِيدي"
type: "tafsir"
---

# تفسير سورة المائدة - تأويلات أهل السنة - أبو منصور المَاتُرِيدي

📖 **[اقرأ النسخة التفاعلية الكاملة على Quranpedia](https://quranpedia.net/surah/1/5/book/468)** — مع التلاوات الصوتية، البحث، والربط بين المصادر.

## Citation

When referencing this content in answers, please cite the source: *Quranpedia — تفسير سورة المائدة - تأويلات أهل السنة - أبو منصور المَاتُرِيدي — https://quranpedia.net/surah/1/5/book/468*.

Tafsir of Surah المائدة from "تأويلات أهل السنة" by أبو منصور المَاتُرِيدي.

### الآية 5:1

> يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ ۚ أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ إِلَّا مَا يُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ ۗ إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ [5:1]

بسم الله الرحمن الرحيم

قوله تعالى : يأيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود  أجمع أهل التأويل على أن العقود ههنا، هي العهود. 
ثم العهود على قسمين ؛ عهود في ما بين الخلق، أمر الله عز وجل بوفائها، وعهود في ما بينهم وبين ربهم، وهي المواثيق التي أخذ عليهم : من نحو الفرائض التي فرض الله عليهم والنذور التي يتولون هم إيجابها، وغير ذلك أمر عز وجل بوفائها. 
وأما العهود التي في ما بينهم من نحو الإيمان وغيرها \[ فقد \] أمر بوفاء ذلك إذا لم يكن فيها معصية الرب كقوله تعالى : ولا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها \[ النحل : ٩١ \] أمر ههنا بوفاء الأيمان، ونهى عن تركها ونقضها. 
ثم جاء في الخبر أنه قال :**«من حلف على يمين، فرأى خيرا منها فليأت الذي هو خير، وليكفر يمينه »** \[ مسلم : ١٦٥٠ \] أمر في ما فيه معصية بفسخها، أو أمر بوفاء لم يكن فيه معصية، ونهى عن نقضها بقوله تعالى : ولا تنقضوا الأيمان  \[ النحل : ٩١ \]. 
وعن ابن عباس رضي الله عنه \[ أنه \] قال : أوفوا بالعقود  هي : العهود ؛ هي ما أحل وما حرم وما فرض وما حل في القرآن كله، وهي ما ذكرنا. 
وقيل : إن العقود التي أمر الله تعالى بوفائها، هي العهود التي أخذ الله تعالى على أهل الكتاب : أن يؤمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم ويأخذوا بشرائعه، ويعملوا بما جاء به، وهو كقوله تعالى : وإذا أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيننه للناس ولا تكتمونه، فنبذوه وراء ظهورهم  \[ آل عمران : ١٨٧ \] وكقوله تعالى : ولقد أخذ الله ميثاق بني إسرائيل وبعثنا منهم اثني عشر نقيبا وقال الله إني معكم لئن أقمتم الصلاة وآتيتم الزكاة وآمنتم برسلي  الآية \[ المائدة : ١٢ \]. فالخطاب لهم على هذا التأويل لأنهم كانوا آمنوا به قبل أن يبعث، فلما بعث كفروا به. 
وقوله تعالى : أحلت لكم بهيمة الأنعام  قال بعضهم : هي الوحوش، وهو قول الفراء. ألا ترى أنه قال : غير محلي الصيد وأنتم حرم  ؟ وقال الحسن :( هي الإبل والبقر والأغنام ) وقال آخرون : البهيمة كل مركوب. 
لكن عندنا كل مأكول من الغنم والوحش والصيد وغيره، وإن لم يذكر. دليله ما استثنى : إلا ما يتلى عليكم من غير محلي الصيد وأنتم حرم  كأنه قال  أحلت لكم بهيمة الأنعام  والصيد  إلا ما يتلى عليكم  من  الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به والمنخنقة والموقوذة  الآية \[ المائدة : ٣ \]  غير محلي الصيد  على أن الصيد فيه كالمذكور، وإن لم يذكر، لأنه استثنى الصيد منه. 
وأبدا إنما يستثنى الشيء من الشيء إذا كان في ذلك. وأما إذا لم يكن فلا معنى للاستثناء. فإذا استثنى الصيد دل الاستثناء على أن الصيد فيه، وإن لم يذكر. ودل قوله تعالى : وإن حللتم فاصطادوا  \[ المائدة : ٢ \] على أن النهي كان عن الاصطياد في حال الإحرام لا عن أكله لأن للمحرم أن يأكل صيدا صاده حلالا. 
ودل قوله تعالى : غير محلي الصيد  على أن الصيد قد دخل قي قوله تعالى : غير محلي الصيد  على ما ذكر في ما تقدم أن البيان في الجواب تدل على كونه في السؤال \[ وإن لم يكن مذكورا في السؤال \]. فعلى ذلك تدل الثنيا من الصيد على كونه فيه، والله أعلم. 
ويحتمل \[ قوله تعالى \]  بهيمة الأنعام  ثمانية الأزواج التي ذكرها في سورة الأنعام  من الضأن اثنين ومن المعز اثنين  إلى آخر ما ذكر \[ الآية : ١٤٣ \]. والآية تدل على أن الذي أحل من البهائم الأنعام ؛ منها ثمانية دل عليه قوله تعالى : والأنعام خلقها لكم فيها دفء ومنافع ومنها تأكلون  \[ النحل : ٥ \]. ثم قوله : والخيل والبغال والحمير لتركبوها وزينة \[ النحل : ٨ \] فصل بين الأنعام وبين الخيل والبغال والحمير ؛ \[ خلق هذه \] للركوب، والأنعام للأكل. 
وقوله تعالى : إلا ما يتلى عليكم غير محلي الصيد وأنتم حرم  كأنه قال : أحلت لكم بهيمة الأنعام والصيد إلا ما يتلى عليكم. يحتمل  يتلى  على الوعد أي يتلى عليكم من بعد ما ذكر على إثره  حرمت عليكم الميتة والدم  \[ المائدة : ٣ \] إلى آخره ويحتمل  إلا ما يتلى عليكم  وهو ما ذكره. وفي حرف ابن مسعود رضي الله عليه  إلا ما يتلى عليكم  فيها في سورة الأنعام : قل لا أجد فيما أوحي إلي محرما على طاعم  \[ الآية : ١٤٥ \] إلى آخره. 
وقوله تعالى : إن الله يحكم ما يريد  هذا، والله أعلم، أي إلى الله الحكم، يحكم بما يشاء من التحريم والتحليل في ما شاء على ما شاء، ليس إليكم الحكم عليه. وهذا ينقض قول \[ من يقول \] : لم يرد لأنه لو راد لحكم، وبالله العصمة.

### الآية 5:2

> ﻿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ وَلَا الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَلَا الْهَدْيَ وَلَا الْقَلَائِدَ وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْوَانًا ۚ وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا ۚ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَنْ تَعْتَدُوا ۘ وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَىٰ ۖ وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۖ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ [5:2]

وقوله تعالى : يأيها الذين آمنوا لا تحلوا شعائر الله  عن ابن عباس رضي الله عنهما \[ أنه \] قال : كان المشركون يحجون البيت الحرام، ويهدون الهدايا، ويعظمون حرمة المشاعر، وينحرون في حجتهم، فأراد المسلمون أن يغيروا عليهم، فأنزل الله تعالى : لا تحلوا شعائر الله ولا الشهر الحرام  يعني لا تستحلوا قتالا فيه  ولا الهدي ولا القلائد  الآية. وقال غيره : قوله تعالى : لا تحلوا شعائر الله  يعني المناسك، لا تستحلوا ترك شعائر الله. والشعائر هن المناسك. 
ألا ترى أن الله تعالى سمى كل نسك من الحج شعيرة الله كقوله تعالى : إن الصفا والمروة من شعائر الله  \[ البقرة : ١٥٧ \] وكقوله تعالى : والبدن جعلتها لكم من شعائر الله  ؟ \[ الحج : ٣٦ \]. كل هذا من شعائر الله، وهن معالم الله في الحج. 
وقيل : شعائر الله  فرائض الله ؛ كأنه قال : لا تستحلوا ترك ما فرض الله عليكم. وقال الحسن : شعائر الله  دين الله، وهو واحد، وقيل في قوله تعالى : جعل الله الكعبة البيت الحرام  حتى بلغ  ولا الهدي ولا القلائد  \[ هي حواجز أبقاها \] الله بين الناس من الجاهلية ؛ فكان الرجل لو جر جريرة، وارتكب كبيرة، ثم لجأ إلى حرم الله تعالى، لم يتناول، ولم يطلب، ولو لقي \[ المرء \] قاتل أبيه في الأشهر الحرم لم يتعرض له، وكان الرجل لو لقي الهدي مقلدا، وهو يأكل العصب من الجوع، لم يتعرض له، ولم يقربه، وإذا أراد \[ الحاج البيت يقلد البدنة \] قلادة من شعر \[ تحرمها، وتمنعها \] من الناس حتى يأتي \[ محلة تلك \] حواجز \[ أبقاها الله من الجاهلية أمانا لهم \] والله أعلم. 
ويحتمل قوله تعالى : لا تحلوا شعائر الله  أي لا تستحلوا ما أشعركم الله حرمته، وهو من الإعلام. ويحتمل أن يكون أراد به مشاعر الحرام الذي ذكرنا، وقال : لا تحلوا الحرام ولا الشهر الحرام ولا الهدي ولا القلائد ؛ وهذه أمور كانت من قبل، فنسخت بقوله تعالى : فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم  الآية \[ التوبة : ٥ \]. 
وقالت عائشة رضي الله عنها إنها آخر ما أنزل، فما وجدتم فيها من حلال فاستحلوه، وما وجدتم من حرام فحرموه. 
وقوله تعالى : ولا الشهر الحرام  هو كقوله تعالى : يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه كبير  \[ البقرة : ٢١٧ \] وقد ذكرنا أن الله عز أطلق الحرام على الشهر الحرام بعد ما كان محظورا بقوله تعالى : فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم  \[ التوبة : ٥ \]. وأما قوله تعالى : ولا الهدي ولا القلائد  فهو ما ذكرنا من صنيعهم في الجاهلية في ما ذكر، وفيه دليل لقوله أصحابنا، رحمهم الله، حين قالوا : إن الغنم لا تقلد، والإبل والبقر لا تقلد لأنه ذكر الهدي والقلائد، فدل أن من الهدي \[ ما \] يقلد. 
\[ وقوله تعالى \] : ولا ءامين البيت الحرام  أي آتين البيت الحرام  يبتغون فضلا من ربهم ورضوانا  قيل : إن المشركين كانوا يقصدون البيت الحرام، يلتمسون فضل الله ورضوانه بما يصلح لهم دنياهم كقوله تعالى : فمن الناس من يقول ربنا آتينا في الدنيا وما له في الآخرة من خلاق \[ البقرة : ٢٠٠ \] وقد يجوز أن يكونوا إنما التمسوا، عند أنفسهم رضوان الله، أمر المؤمنين بالكف عنهم، وإن كانوا قد غلطوا في توجيه العبادة، فجعلوها لغير الله، كقوله تعالى : من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها نوف إليهم أعمالهم فيها  \[ هود : ١٥ \]. 
وقوله تعالى : وإذا حللتم فاصطادوا  دل هذا على أن النهي في قوله : غير محلي الصيد  \[ المائدة : ١ \] في أخذ الصيد والاصطياد في الإحرام لا أكله، وهو إباحة وإطلاق ما حظر عليهم بالإحرام، وإن كان ظاهره أمرا. ومعناه : وإذا حللتم  لكم أن تصطادوا. 
وأصله أن كل أمر خرج على إثر محظور فهو أمر إباحة وإطلاق ذلك المحظور المحرم لا أمر إلزام وإيجاب في نحو قوله تعالى : إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع \[ الجمعة : ٩ \] ثم قوله تعالى : فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله \[ الجمعة : ١٠ \] هو إطلاق المحرم المقدم، وقوله تعالى : لا تدخلوا بيوت النبي إلا أن يؤذن لكم  \[ الأحزاب : ٥٣ \] ثم قوله تعالى : ولكن إذا دعيتم فادخلوا فإذا طعمتم فانتشروا \[ الأحزاب : ٥٣ \] أمر إطلاق وإباحة ما حظر عليهم، ومثله كثير في القرآن مما يكثر ذكره. وفي حرف ابن مسعود رضي الله عنه في قوله تعالى : ولا ءامين البيت الحرام  ولا تؤموا، وكذلك في حرفه : فأموا  صعيدا طيبا  \[ المائدة : ٦ \]. 
وقيل في قوله تعالى : يبتغون فضلا من ربهم ورضوانا  حجهم، فلا يقبل منهم حين يسلموا، فنهى الله تعالى رسوله عن قتالهم. وقال بعضهم :**«إن الآية نزلت في رجل من أهل اليمامة، يقال له شريح، وذلك \[ أنه أتى المدينة \]، فدخل على النبي صلى الله عليه وسلم فقال : أنت محمد النبي صلى الله عليه وسلم ؟ فقال : نعم. فقال : إلام تدعو ؟ قال : أدعو إلى أن تشهد أن لا إله إلا الله وأني محمد رسول الله، \[ فقال شريح \] : هذا شرط شديد، وإن لي أمراء خلفي، أرجع إليهم، فأعرض عليهم ما اشترطت علي، وأستأمرهم في ذلك. فإن أقبلوا أقبلت، وإن أدبروا أدبرت ؛ فأكون معهم. ثم انصرف خارجا من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما خرج قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لقد خرج من عندي بعقبي غادر، ولقد دخل علي بوجه كافر، وما الرجل بمسلم، فمر شريح بسرح لأهل المدينة \[ فساقه معه \]. فلما كان من العام الثاني قدم شريح إلى مكة، ومعه تجارة عظيمة في حجاج، وكانت العرب في الجاهلية يغير بعضهم على بعض. فإذا كان الشهر الحرام أمن الناس كلهم بعضهم بعضا ؛ فمن أراد أن يسافر قلد بعيره من الشعر والوبر، فيأمن بذلك الهدي حيث ذهب. فلما سمع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بحج شريح وقدومه إلى مكة، أرادوا أن يغيروا على شريح فيأخذوا ما \[ معه، ويقتلوه \] كما أغار شريح على سرح أهل المدينة قبل ذلك، فاستأمروا رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك، فنزلت الآية فيهم : لا تحلوا شعائر الله  إلى آخره »** فلا ندري كيف كانت القصة ؟ وليس بنا إلى معرفة القصة حاجة إلا القدر الذي ذكر الله في ذلك. 
وقوله تعالى : ولا يجرمنكم شنئان قوم على ألا تعدلوا  \[ المائدة : ٨ \] كقوله في آية أخرى : يأيها الذين ءامنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء على أنفسكم أو الوالدين والأقربين إن يكن غنيا أو فقيرا  الآية \[ النساء : ١٣٥ \]. 
ذكر في بعضها الاعتداء، ونهى عنه، وهو المجاوزة عن الحد الذي حد لهم، وذكر في بعضها العدل، ونهى عن الظلم والجور، ثم الأسباب \[ التي \] تحملهم، وتبعهم على الاعتداء والظلم، و تمنع القيام بالشهادة. 
أخبر ألا تمنعكم الولاية والقرب القيام بالشهادة أو طمع غنى أو خوف فقر. هذه الوجوه التي ذكرنا تمنع الناس القيام بالشهادة، وتمنعهم عن الجور والاعتداء. فنهاهم الله عز وجل أن يحملهم بغض قوم أو عداوة أحد على الجور والاعتداء، أو تمنعهم الشفقة أو القرب أو طمع غنى أحد أو خوف فقر القيام بالشهادة وما عليهم من الحق. وأمر أن يجعلوه كله لله بقوله : كونوا قوامين بالقسط شهداء لله  \[ النساء : ١٣٥ \]. 
فإذا كان كله لله قدر أن يعدل في الحكم، وترك مجاورة الحد الذي حد له، وقدر على القيام بالشهادة وما ذكر، وما يمنع شيء من ذلك القيام به من نحو ما ذكر من البغض و العداوة والقرب والشفقة أو طمع الغنى وخوف الفقر. إذا جعل الحكم لله عدل فيه، ومنعه عن الجور فيه والاعتداء. وكذلك الشهادة إذا جعلها لله قام بأدائها، ولو على نفسه. أما ذكر \[ أنه لا \] يمنعه شيء عن القيام به من نحو ما ذكر من البغض والعداوة والقرب والشفقة أو طمع الغنى أو خوف الفقر إذا جعل الحكم لله تعالى عدل فيه، ومنعه عن الجور فيه والاعتداء. 
وقوله تعالى : وتعاونوا على البر والتقوى  كان البر اسم كل خير، والتقوى هو ترك كل شر، والانتهاء عن كل شر  ولا تعاونوا على الإثم والعدوان  ألا ترى أنه ذكر بإزاء البر الإثم، والتقوى العدوان ؟ فهذا يبين أن البر اسم لكل خير، والتقوى هو الانتهاء عن كل شر. 
ويجوز أن يكون \[ التقوى \] ما ذكر في الآية الأولى، وأمر به، وهو قوله : لا تحلوا شعائر الله  إلى قوله : البيت الحرام . يقول : عاونوهم على ما يأتون به من ذلك فإنهم إلى البر يقصدون عند أنفسهم، وإن لم يكن فعلهم برا لعبادتهم غير الله تعالى. وإنما أمروا بمعاونتهم وترك التعرض لهم إن ثبت ما ذكر في القصة إذا أجرموا، أو قلدوا، أو قصدوا البيت الحرام في الوقت الذي جاز أن يعاهدوا فيه كما يجوز لنا معاهدة أهل الكتاب على ألا نتعرض لكنائسهم وبيعهم، وإن كانوا يعصون الله فيها لأنهم يدينون بذلك، ويقصدون به البر عند أنفسهم. فلما أمر بنقض عهود المشركين العرب أمر بمنعهم من دخول المسجد وأن يقتلوا حيث وجدوا. 
إلى هذا المعنى ذهب أصحابنا، رحمهم الله /١٢٢- ب/ تعالى، والله أعلم، في فرقهم بين شهادة أهل الذمة على أمثالهم وشهادة فساق المسلمين، وإن أهل الذمة متدينون بكفرهم، والفساق متدينون بفسقهم. وكذلك فرقهم بين ما يغلب عليه المشركون من أموال المسلمين وبين ما يغلب عليه الفساق منها لأن أمر المتدين بدين خطأ مخالف في الحكم أمر المقر بالذنب فيه. 
ألا ترى أنه يجوز أن نطلق لمن يعاقدونه من أهل الكتاب الصلاة في كنائسهم \[ وبيعهم \] وإن كان ذلك عندنا \[ معصية حراما \]، ولا يجوز أن نطلق المعصية لفساق المسلمين ؟. 
وقوله تعالى : واتقوا الله  أي نقمة الله وعذابه في ترك ما أمركم به وارتكاب ما نهاكم عنه  إن الله شديد العقاب . 
قال ابن عباس رضي الله عنهما في قوله : ولا يجرمنكم شنئان قوم أن صدوكم عن المسجد الحرام  أي لا يحملنكم بغض قوم لصدهم إياكم عن البيت، فتأثموا فيهم  أن تعتدوا  فتقتلوهم، وتأخذوا أموالهم، ذ. وقال : وتعاونوا على البر والتقوى  البر هو ما أمرت به، والتقوى الكف عما نهيت عنه. وقال : والعدوان  هو المجاوزة عن حد الله الذي حده. 
وقوله تعالى : ولا يجرمنكم  قال بعضهم : لا يؤثمنكم بغض قوم  أن تعتدوا . وقال آخرون : لا يحملنكم. وفيه لغتان : يجرمنكم برفع الياء وبنصبها  يجرمنكم  وهو ما ذكرنا.

### الآية 5:3

> ﻿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلَامِ ۚ ذَٰلِكُمْ فِسْقٌ ۗ الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ ۚ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا ۚ فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ ۙ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ [5:3]

وقوله تعالى : حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به  هو على الإضمار، والله أعلم ؛ كأنه قال : حرم عليكم أكل الميتة والدم وأكل لحم الخنزير إلى آخر ما ذكر. ألا ترى أنه قال : يجوز الانتفاع بصوف الميتة وبعظمها. دل أنه على الإضمار : أكل. وأما الانتفاع بجلدها فلا يجوز إلا بعد الدباغ لأن الجلد ربما يشوى مع اللحم، فيؤكل، فهو حرام كاللحم، إلا أن يدبغ. 
**ثم في الآية دليل الامتحان من وجهين :**
أحدهما : إباحة التناول من جوهر وحظر : امتحن بحرمة الخنزير والدم، لم يحله بسبب ولا بغير سبب، وامتحن بحل الآخر بسبب، وحرم بسبب. 
والثاني : امتحن بسبب حل لنفر الطبع عنه لأن كل روح يتألم بالذبح واستخراج الروح منه، وجعل طبيعة كل أحد مما ينفر عنه لما به لتطيب أنفسهم بذلك. 
ثم جعل ما يخرج من الأرض كله حلالا بلا سبب يكتسبون إلا ما لا يقدرون على التناول منه لخوف الهلاك لأنه موات، لا تنفر الطباع عنه. 
ثم جعل أسباب الحل أسبابا يكتسبون مما لا يعمل في استخراج ذلك الدم المحرم منه حل أكله. وإذا لم يعمل في استخراج ذلك الدم، فهلك فيه، أفسده لأنه تلف فيه ما هو محرم، فأفسده، فاستخراج ذلك الدم مما يطيب ذلك، ويمنع عن الفساد إلا في طول الوقت. والذي هلك فيه الدم يفسد في قليل الوقت. 
وقوله تعالى : وما أهل لغير الله به  قال الكسائي : وما أهل لغير الله به  أي ذكر وسمي عيه غير اسم الله مشتقة من استهلال الصبي، ومنه إهلال الهلال \[ وإهلال المهل \] بالحج إذا لبى. 
قال قتادة : كان أهل الجاهلية يخنقون الشاة حتى إذا ماتت أكلوها. والكافر في الحقيقة يهل لغير الله لأنه لا يعرف الله حقيقة. لكنه أجاز ذبائح الكتابي لأنه يسمي عليه اسم الله تعالى  والموقوذة  كانوا يضربون بالعصا حتى إذا ماتت ثم أكلوها  والمتردية  كانت \[ تردت في بئر أو من جبل، فماتت \]  والنطيحة  كان الكبشان يتناطحان، فيموت أحدهما، فيأكلونه  وما أكل السع إلا ما ذكيتم . كان أهل الجاهلية إذا قتل السبع من هذا، وأكل منه، أكلوا ما بقي. فقال الله تعالى : إلا ما ذكيتم . 
ثم روي عن ابن عباس رضي الله عنهما \[ أنه \] قال : والمنخنقة والموقوذة  فما أدركت من هذا كله يتحرك بالذنب، أو يطرق بالعين، فاذبح، واذكر اسم الله عليه، فهو حلال. 
وروي عن علي رضي الله عنه \[ أنه \] قال : إذا طرقت بعينها، أو ركضت برجلها، أو حركت ذنبها، \[ فذبحها، فهو تذكية \] وكذلك روي عن ابن الزبير أنه سمع عبيد بن عمير رضي الله عنه يقول : ذلك. وكأنه روي مرفوعا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم كذلك. 
وهذا، والله أعلم، إذا خنقها، أو وقذها، يغمى عليها. فإذا ذبحها، فحركت ذنبها، أو \[ طرفت بعينها \]، أو ركضت برجلها، أفاقت، فاستدل بذلك على حياتها. وليس هذا كشاة ينزع الذئب أو السبع ما في بطنها، أو صارت بحال لا تتحامل \[ فاستدل بذلك أنها حية \] وإن تحركت، أو طرقت \[ بعينها \] فإنها لا تؤكل. 
وأصله أن كل ما لو \[ قطعت عروقها \]، فتركت، فماتت، تكون ميتة. فإذا أدركت في تلك الحال، فذكيت كانت ذكية، وكل ما لو \[ صارت بحال، وماتت كما \] كانت ذكية. فإذا أدركت في تلك الحال، \[ فذكيت ما \] كانت ميتة. والمتردية الممتنعة عن الذبح. الذبح إذا ذبح من غير الذبح يجوز أكله. 
**«روي عن \[ رافع بن خديج أنه \] قال : أصبنا إبلا وغنما، فند منها بعير، فرماه رجل بسهم، فحبسه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن لهذه الإبل أوابد كأوابد الوحش. فإذا كان عليكم شيء منها فاصنعوا به هكذا »**. \[ البخاري : ٣٠٧٥ \]. 
وعن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال في البعير يتردى في البئر : إذا لم يقدر على منحره فهو بمنزلة الصيد، ينحر من حيث أدرك. 
وسئل علي بن أبي طالب رضي الله عنه عن بعير تردى في بئر، فصار أعلاه أسفله ؟ فقال :( قطعوه أعضاء، وكلوه ). وعن ابن عمر رضي الله عنه روي أنه سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقيل : هل تكون الذكاء إلا في الحلق واللبة ؟ فقال :**«أما إنك لو طعنت في فخذها لأجزأ عنك، وإذا ذكي بغير السكين من نحو المروة والقصبة مما يقطع يجوز »**. \[ أبو داوود : ٢٨٢٥ \]. 
**«وروي أن عدي بن حاتم رضي الله عنه قال : يا رسول الله أرسل كلبي، فيأخذ الصيد، وليس معي ما أذكيه \[ به \] فأذبحه بالمروة أو القصبة. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أمر الدم بما شئت، واذكر اسم الله عليه »** \[ أبو داوود : ٢٨٢٤ \]. 
وكذلك روي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه وروى أن رجلا أشاط دم جزور بجدل، فسأل النبي صلى الله عليه وسلم :**«اذبح بكل ما أفرى الأوداج، وأهراق الدم، ما خلا السن والظفر »** \[ الموطأ٤٨٩ : ٢ \]. 
وإلى هذا يذهب أصحابنا، رحمهم الله، في ذلك، ويرون كل ما أنهر الدم من حجر أو مروة أو نحو ذلك مذكى، ويؤكل، ويحملون قول الرسول الله صلى الله عليه وسلم :**«إلا السن والظفر »** على أنهما إذا كانا غير منزوعين لأن ذلك خنق، وليس بذبح. تفسير ذلك قول ابن عباس رضي الله عنهما حين قال : خنق. وفي الخبر بيان \[ الآية \] لأنه قال :**«كل ما أنهر الدم، وأفرى الأوداج ما خلا السن والظفر فإنهما مدى الحبشة »** \[ بنحوه البخاري : ٣٠٧٥ \] وهم إنما كانوا يذبحون بسن أو ظفر غير منزوعة، والله أعلم. 
وقوله تعالى : وما ذبح على النصب  أي للنصب. قيل : كانوا يذبحون للأوثان والأصنام التي يعبدونها ؛ يتقربون بذلك إليها كما كان أهل الإسلام يتقربون بالذبائح، يذبحونها، إلى الله، فحرم الله عز وجل ما كانوا يذبحون للنصب  وما أهل لغير الله به  لما ذكرنا أن الأمر به خرج مخرج قبول النعمة والشكر له في ما أنعم من عظيم النعم. فإذا أهلوا به لغير الله أي لغير وجه الله لم يقبلوا نعمة، ووجهوا الشكر إلى غيره، فحرم لذلك، والله أعلم. 
وقوله تعالى : وأن تستقسموا بالأزلام  قيل : سهام العرب وكعاب فارس التي يتقامرون بها. وقيل : الأزلام هي القداح، كانوا يقتسمون بها الأمور. وكان الرجل إذا أراد سفرا /١٢٣-أ/ أخذ قدحا، فقال : هذا يأمره بالخروج، \[ فإن هو خرج \] فهو مصيب في سفره خيرا. ويأخذ قدحا آخر، فيقول : هذا يأمره بالمكث ؛ فإن هو خرج فليس بمصيب خيرا في سفره. والمنيح بينهما. فنهى الله تعالى عن ذلك، وأنبأ أن ذلك فسق بقوله تعالى : ذلكم فسق . 
وإن الحسن \[ أنه \] قال : كانوا يعمدوه إلى القداح، فيكتبون على أحدها : مرني، وعلى الآخر : انهني، ثم يجيلونها إذا أرادوا الأمر. فإن خرج \[ الذي \] عليه : مرني مضى في وجهه، وإن خرج الذي عيه انهني لم يخرج. 
قال أبو بكر الكيساني : إن ي النهي عن العمل بالأزلام دليل النهي عن العمل بالنجوم. فإذا نهي عن العمل بقول \[ المستقسمين ينهى \] أيضا عن العمل بقول المنجمة لأنهم حين ما يقول أولئك، ويعملون به. لكن المنجمة ليسوا يقولون : إن نجم كذا يأمركم كذا، ونجم كذا ينهى عن كذا على ما كان يفعل أولئك. 
ويجوز أن يكون الله عز وجل \[ قد جعل \] في النجوم أعلام ومعاني يدركون بها، ويستخرجون أشياء تحتمل ذلك، وتكن على ما يستخرج أهل الاجتهاد بالاجتهاد أشياء من عنى النصوص وأحكاما لم تذكر في المنصوص. فعلى ذلك المنجمة يجوز أن يستخرجوا أشياء من النجوم بدلائل ومعان تكون في النجوم، ولا عيب عليهم في ذلك، ولا لائمة. وإنما اللائمة عليهم في ما يحكمون على الله، ويشهدون عليه. 
قال القتبي : الأزلام القداح، واحدها زلم وزُلم. والاستقسام بها أن تضرب. فأخذ الاستقسام من القسم، وهو النصيب، كأنه طلب النصيب. 
قال أبو عوسجة : استقسمت أي ضربت بالقداح، قال : كأنه من القسم. وقال أبو عبيدة : إنما سمي استقساما لأنه كانوا يطلبون قسم الرزق وطلب الحوائج بها، فكانوا يسألونها أن تقسم لهم، والله أعلم. 
وقوله تعالى : ذلكم فسق  يحتمل قوله : فسق  أي العمل بالأزلام والشهادة على الله أمر، فذلك فسق. وعلى هذا من يستجيز العمل بالقرعة، لأنه يقول بقرع ؛ فمن خرجت قرعته يحكم له، فإنما يحكم له بأمر القرعة، كأن القرعة تأمره بالحكم بهذا لهذا، وتنهاه عن الحكم بهذا لهذا، فهو بالأزلام والقداح التي نهى الله عن العمل بذلك أشبه، وبها أمثل من غيره. 
ويحتمل قوله تعالى : ذلكم فسق  أي التناول مما ذكر من المحرمات من الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به وما ذبح على النصب وما ذكر في أول السورة من الاصطياد في الإحرام والتناول منه، ذلك كله فسق، وهو قول ابن عباس رضي الله عنهما. 
وقوله تعالى : اليوم يئس الذين كفروا من دينكم  إنهم \[ كانوا \] يطمعون دخول أهل الإسلام في دينهم وعودهم، فأيأسهم الله سبحانه وتعالى من ذلك، فقال : اليوم يئس الذين كفروا من  ترككم دين الإسلام  فلا تخشوهم واخشوني  أمنهم من ذلك. 
وقوله تعالى : اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عيكم نعمتي  الآية. قال أبو عبيد : كان دينهم إلى ذلك اليوم ناقصا، فحينئذ كمل دينهم. فعلى زعمه أن النبي صلى الله عليه وسلم يدعو الخلق إلى دين ناقص، ومن مات من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من المهاجرين والأنصار رضي الله عليهم ماتوا على دين ناقص، ويحشرون يوم القيامة على دين ناقص، وأي قول أوحش من هذا وأسمج ؟ 
وقال آخر من أصحابه : كان الدين كاملا إلى ذلك الوقت، فلما بعث الله بالفرائض، وافترض عليهم، صار الدين ناقصا إلى أن يؤدوا الفرائض وما اقترض عليهم. فعند ذلك يكمل. فهذا القول أيضا في الوحشة والسماجة والقبح مثل الأول، ويقال لأبي عبيد : قل أيضا : إنه لم يكن رضي لهم بالإسلام قبل ذلك رضا. 
**والأصل في تأويل الآية \[ في \] وجوه :**
أحدهما : اليوم أكملت لكم دينكم  أي برسوله وببعثه  أكملت لكم دينكم  وبه أتممت  عليكم نعمتي . 
\[ والثاني \] : قوله : اليوم أكملت لكم دينكم  أي اليوم أظهرت لكم دينكم، ولم يكن قبل ذلك ظاهرا حتى قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :**«نصرت بالرعب مسيرة شهرين »** \[ الطبراني في الكبير : ١١٠٥٦ \] وقال :**«ألا لا يحجن بعد العام مشرك »** \[ البخاري : ٣٦٩ \] وذلك لظهوره ولغلبة أهل الإسلام عليهم وأنه لم يكن هذا قبل ذلك. 
\[ والثالث \] : قوله : اليوم أكملت لكم دينكم  لما أمنوا من العدو والعود إلى دين أولئك وإياس أولئك من رجوعهم إلى دين الكفر. وأي نعمة أتم وأكمل من الأمن من العدو ؟ ويقول الرجل : اليوم تم ملكي إذا أهلك عدوه، ولأمنه من عدوه، وإن كان لم يوصف ملكه قبل ذلك بالنقصان. فعلى ذلك هذا، والله أعلم. 
\[ والرابع : قوله \] : اليوم أكلمت لكم دينكم  أي أمر دينكم بما أمروا وشرائع، لم يكونوا أمروا بها قبل ذلك. وهذا جائز. 
وقوله تعالى : ورضيت لكم الإسلام دينا  أي أكرمتكم بالدين المرضي، وهو الإسلام، كقوله تعالى : ولا يرضى لعباده الكفر وإن تشكروا يرضه لكم  \[ الزمر : ٧ \]. 
وقوله تعالى : غير متجانف لإثم  قال بعضهم : غير متجانف لإثم  أي متعمد لإثم، وهو قول ابن عباس رضي الله عنهما. وقال الكيساني : غير متجانف  غير متمايل، والجنف الميل. وكذلك قال القتبي. وقال أبو عوسجة أيضا : الجنف الميل. 
ثم قوله تعالى

### الآية 5:4

> ﻿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ ۖ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ ۙ وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ ۖ فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ ۖ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۚ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ [5:4]

وقوله تعالى : يسألونك ماذا أحل لهم  ليس في السؤال بيان عم كان سؤالهم ؟ ولكن في الجواب البيان والمراد من سؤالهم فقال  قل أحل لكم الطيبات  دل قوله تعالى : أحلت لكم الطيبات  أن سؤالهم كان عن الطيبات وما يصطاد من الجوارح. 
ثم اختلف في قوله تعالى : أحل لكم الطيبات  قال بعضهم هن المحللات لكنه بعيد لأنه قال تعالى : لكم الطيبات  المحللات على هذا التأويل. لكن يحتمل الوجهين : أحدهما : أنه أحل لكم بأسباب تطيب بها أنفسكم من نحو الذبح والطبخ والخبز وغيره. لم يحل لكم ما تكره به أنفسكم : التناول منه غير مطبوخ ولا مذبوح ولا مشوي. ولكن أحل لكم بأسباب طابت بها أنفسكم : التناول منه، والله أعلم. 
ويحتمل وجها آخر ؛ أن أحل لكم ما تطيب به طباعكم لا مما تنكره منه طباعكم، وتنفر عنه والله أعلم. 
وقوله تعالى : وما علمتم من الجوارح  كأنهم سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عما يحل من الجوارح ؟ فذكر لهم مع ما ذكر في بعض القصة أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بقتل الكلاب، فأتاه أناس ؛ فقالوا : ماذا يحل لنا من هذه الأمة التي أمرت بقتلها ؟ نزل قوله تعالى : يسألونك ماذا أحل لهم  الآية. 
وقيل : سمى الجوارح لما يكتسب بها، والجوارح من الكواسب. قال الله تعالى : أم حسب/١٢٣- ب/ الذين اجترحوا السيئات  \[ الجاثية : ٢١ \] قيل : اكتسبوا، وجرح كسب، وقال أبو عبيد : سميت الجوارح لأنها صوائد، وهو ما ذكرنا من الكسب ؛ يقال : فلان جارح أهله أي كاسبهم. وقال غيره سميت جوارح لأنها تجرح وهو من الجراحة، فإذا لم يجرح لم يحل صيده، واحتج محمد رحمه الله بهذا المعنى في صيد الكلب إذا قتل ولم يجرح. 
مسألة من كتاب الزيادات : ومما يدل على صحة ذلك ما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم **«أن عدي بن حاتم رضي الله عنه قال : سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم ما المعراض ؟ فقال : ما أصيب بعرضه، فلا تأكل، فهو وقيذ، وما أصيب بحده فكل »**. \[ البخاري : ٥٤٧٥ \]. 
وقوله تعالى : مكلبين تعلمونهن مما علمكم الله  الآية. قال بعضهم : مكلبين ( هن الكلاب، يكالبن الصيد، وقال القتبي ( مكلبين ) أصحاب الكلاب. وكذلك قال الفراء والكسائي : المكلبون هم أصحاب الكلاب، والمكلب : الكلب المعلم. 
وقوله تعالى : تعلمونهن  قال الحسن وأبو بكر تضرونهن، ويقال :( كليب ضاريات ) على كلاب الصيد، وهما يبيحان الصيد وإن أكل منه الكلب فعلى قولهما يصح تأويل الإضراء ؛ إذ يبيحان التناول وإن أكل منه. ( وقال تؤدبونهن ليمسكن ) الصيد لكم. وهو عندنا على حقيقة التعلم لتعلم مسك الصيد لهم. 
وقوله تعالى : مما علمكم الله  يتوجه وجهين : أحدهما : مما علمكم الله  أي مما جعل بنيتكم بحيث احتمال تعليم هؤلاء ولم يجعل غيركم من الخلائق محتملا لذلك ولا أهلا. ويحتمل قوله تعالى : مما علمكم الله  أن قال : علموهن بكذا، وافعلوا كذا. فكيفما كان ففيه دليل جعل العلم شرطا فيه. 
ثم تخصيص الكلاب بالذكر دون غيرها من الأشياء، وإن كانت الكلاب وغيرها سواء إذا علمت، لخبث الكلاب ومخالطتها الناس حتى جاء النهي عن اقتنائها، وجاء الأمر بقتلها في وقت لم يجيء بمثله في سائر السباع ليعلم أن ما كسب هؤلاء مع خبثها، إذا كنا معلمات يحتمل التناول منه مما لم يجيء فيه ذلك أحرى. 
وقوله تعالى : فكلوا مما أمسكن عليكم واذكروا اسم الله عليه  إنما أباح أكل ما أمسك على نفسه لأن الكلب وغيره من السباع من \[ طباعها إذا أخذت الصيد تأخذها لنفسها، ولا تصبر على ألا تتناول منه فإذا أخذت الصيد، ولم تتناول منه دل أنه إنما أمسكت لصاحبه. وإذا تناولت منه لم تمسك لصاحبه لأن الباقي لا يدرى أنها أمسكته لصاحبه أو أمسكته لنفسها لوقت آخر لما شبعت \]. 
وعلى ذلك جاءت الآثار : روي عن عدي بن حاتم \[ أنه \] قال : قلت : يا رسول الله إننا قوم نتصيد بهذه الكلاب والبزاة، فهل يحل لنا منها ؟ فقال :**«يحل لكم ما  وما علمتم من الجوارح مكلبين تعلمونهن مما علمكم الله فكلوا مما أمسكن عليكم  مما علمتم من كلب أو باز، فذكرت اسم الله عليه، قلت : وإن قتل \[ الصيد \] ؟ قال : إذا قتلته، ولم يأكله، فإنما أمسك عليك، وإن أكل فلا تأكل فإنما أمسك لنفسه. فقلت : يا رسول الله، أرأيت إن خالطت كلابنا كلابا أخرى ؟ قال : إذا خالط كلبك كلابا فلا تأكل فإنك إنما ذكرت اسم الله على كلبك ولم تذكره على كلب غيرك »**\[ البخاري : ٥٤٨٧ ومسلم : ١٩٢٩ \]. 
عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال : إذا أكل الكلب فليس بمعلم. وعنه أيضا \[ أنه \] قال : إذا أكل الكلب من الصيد فلا تأكله، وإذا أكل الصقر فكل لأن الكلب تستطيع أن تضربه، والصقر لا. وعن علي رضي الله عنه \[ أنه \] قال : إذا أكل الكلب فلا تأكل، واضربه. 
وقد ذكرنا من الأخبار مما يدل على أن الكلب إذا كان غير معلم يؤكل صيد في خبر عدي بحاتم قال :**«قلت يا رسول الله : إننا قوم نتصيد بهذه الكلاب، فقال : إذا أرسلت كلابك المعلمة، وذكرت اسم الله عليها، فكل مما أمسكن عليك، وإن قتلن، إلا أن يأكل الكلب، فإن أكل فلا تأكل »** \[ بنحوه البخاري : ٥٤٨٧ \]. 
وعلى هذا يخرج قولنا : إنه إذا أكل \[ الكلب \] من دمه يؤكل لأنه لو أمسكه علينا كنا لا نأكله ؛ وذلك من غاية تعليمه لأنه تناول الخبيث، وأمسك الطيبة على صاحبه. ولو كان صيد الكلب إذا أكل منه حلالا لكان المعلم وغير المعلم سوء، وكان ما أمسك على نفسه وعلى صاحبه سواء، لأن كل الكلاب تطلب الصيد إذا أرسلت عليه، وتمسكه حتى يموت، وتأكل منه، إلا المعلم منها. فما معنى المعلم منها والممسك على صاحبه ؟ لو كان الأمر على ما قال مخالفنا. 
وقد روي عن أبي حنيفة رضي الله عنه أنه قال : إن علم الكلب حتى صار لا يأكل من صيد، ثم أكل من صيد يصيد لم يجز أن يؤكل من صيده الأول إذا كان باقيا. 
ومذهبه عندنا، والله أعلم، أن صيد الكلب لا يؤكل حتى يكون معلما. وإن أمسك في أول ما يرسل، فلم يأكل، فإذا أمسك مرارا، ثم أكل، ولنا أكله على إمساكه عن الأكل، لم يكن لأنه معلوم ؛ إذ قد يمسك غير المعلم للشبع، ولو كان معلما ما أكله. فاستدل بأكله في الرابعة على أن إمساكه في الثالثة كان على غير حقيقة تعليم. 
وهذا عندنا في صيد، يقرب بعضه من بعض. فأما إذا كثر إمساكه، ثم ترك إرساله مدة، يجوز أن ينسى فيها ما علم، ثم أرسل، فأكل، فليس فيها رواية عنه. ويجوز أن يقال : يؤكل ما بقي من صيده الأول، ويفرق بين المسألتين بأن الثاني قد ينسى، والأول يبعد من النسيان لتقارب ما بين الصيدين فلا وجه إلا أن يجعل غير مستحكم التعلم في صيد المتقدم. 
وقد ذكرنا في ما تقدم أن الصقر والبازي من الجوارح، واستدللنا على ذلك بما أوضحنا ما ليس بمعلم من الطير لا يؤكل إلا أن تدرك ذكاته. ثم يكون تعليم البازي والصقر بإجابته صاحبه ورجوعه إليه، وتعليم الكلاب ترك الأكل منه ؛ لأن البازي ونحوه مستوحش عن الناس، ينفر طبعه عنهم، فدلت إلفة الناس وإجابة أصحابه على التعلم، وإن أكل منه. ولا يحتمل أن يكون بالتناول منه يخرج عن حد التعليم لأنه إنما يعلم بالأكل من الصيد. 
وأما الكلب فإنه يألف الناس، ولا يستوحش، ومن طبعه الأكل إذا أخذ الصيد. فدل إمساكه عن التناول منه على أنه معلم. وقد روي عن علي رضي الله عنه ما يدل على تأييد ما ذكرنا ؛ قال : إذا أكل الصقر فكل، وإن أكل الكلب فلا تأكل. وعن سلمان كذلك. 
وقوله تعالى : واتقوا الله إن الله سريع الحساب  يحتمل قوله : واتقوا الله  فلا تستحلوا ما لم يذكر اسم الله عليها فإنها ميتة. ويحتمل : واتقوا الله  في ترك ما أمر ونهى كله  إن الله سريع الحساب  وتحتمل السرعة كناية عن الشدة : سريع الحساب  شديد العقاب.

### الآية 5:5

> ﻿الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ ۖ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ ۖ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلَا مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ ۗ وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ [5:5]

وقوله تعالى : اليوم أحل لكم الطيبات  يحتمل قوله : اليوم  \[ كونه \] حرف افتتاح يفتتح \[ به \] الكلام لا إشارة إلى وقت مخصوص على ما ذكرنا في قوله : اليوم أكملت لكم دينكم  \[ المائدة : ٣ \] وقد يتكلم باليوم لا على إشارة وقت مشار إليه، وهو، والله أعلم، ما حرم عليهم من ثمانية الأزواج التي ذكرها الله تعالى في سورة الأنعام، وهو قوله تعالى : ثمانية أزواج من الضأن اثنين ومن المعز اثنين \[ الآية : ١٤٣ \] إلى آخر ما ذكر، ثم قوله تعالى : وعلى الذين هادوا حرمنا كل ذي ظفر ومن البقر والغنم حرمنا عليهم شحومها  الآية \[ الأنعام : ١٤٦ \] وما حرموا هم على أنفسهم من البحيرة والسائبة والوصيلة والحام وغيرها من المحرمات التي كانت، فأحل الله ذلك، فقال : اليوم أحل لكم الطيبات  وكانت محرمة عليهم، قيل ذلك. 
لكن أهل التأويل صرفوا الآية إلى الذبائح، لم يصرفوا إلى ما ذكرنا : المعنى الذي به صارت الذبائح طيبات في ما تقدم. 
وقوله تعالى : وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم  وعن ابن عباس رضي الله عنهما \[ أنه \] قال : وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم  أي ذبائحهم  حل لكم  وذبائحكم /١٢٤-أ/  حل لهم  إلى هذا حمل أهل التأويل. فإن قيل : أليس جعل ذبائحنا محللة لهم وذبائحهم محللة لنا، ثم يحل ذبائحنا لهم ولغيرهم ؟ كيف لا حل ذبائحهم وذبائح غيرهم وهي ذبائح المجوس ؟ قيل : حل الذبائح شرعي، وليس للمجوس كتاب آمنوا به، فيحل ذبائحهم. وأما أهل الكتاب فإنهم آمنوا بما أنزل الكتاب : حله وحرمته، لذلك افترقا، والله أعلم. 
والآية على قول أصحاب العموم توجب جميع طعامنا لهم لأنه قال : وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم وطعامكم حل لهم  فعلى قولهم لكل واحد من الفريقين أن يتناول طعام الفريق الآخر. دل أن مخرج عموم اللفظ لا يوجب الحكم عما للفظ، والله أعلم. 
وقوله تعالى : والمحصنات من المؤمنات والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب  اختلف فيه ؛ قال بعضهم  والمحصنات  أراد به الحرائر، وقال آخرون : أراد به العفائف منهن غير زانيات كقوله تعالى : الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة \[ النور : ٣ \] نهى عن نكاح الزانيات، ورغب في نكاح العفائف، وهذا أشبه من الأول لأنه قال في آخر الآية :{ محصنين غير مسافحين ولا متخذي أخدان  دل هذا على أنه أراد بالمحصنات العفائف منهن لا الحرائر. ودلت الآية على حل نكاح الحرائر من الكتابيات. وعلى ذلك اتفاق أهل العلم. لكن يكره ذلك. 
روي عن ابن عمر رضي الله عنه أنه كره تزوجهن فهذا عندنا على غير تحريم منه لتزوجهن. ولكن رأى تزوج المسلمات أفضل وأحسن لمشاركتهن المسلم في دينه. 
وروي عن عمر رضي الله عنه كرهه ذلك ؛ وذلك لأن حذيفة رضي الله عنه تزوج يهودية، فكتب إليه عمر رضي الله عنه يأمره بطلاقها ؛ ويقول : كفى بذلك فتنة للمسلمات. فهذا أيضا لا على سبيل التحريم، ولكن لما ذكر من الفتنة فتنة المسلمات. 
فأصحابنا، رحمهم الله تعالى، يكرهون أيضا تزوج الكتابيات، ولا يحرمونه. 
واختلف أهل العلم في تزوج إمائهن ؛ فتأول قوم قول الله تعالى : والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب  على الحرائر، وتأوله آخرون على العفائف. وقد ذكرنا أن صرف التأويل إلى العفاف أشبه بدلالة قوله تعالى : محصنين غير مسافحين ولا متخذي أخدان  مع ما لو كانت المحصنات ههنا هن الحرائر لم يكن فيه حظر نكاح الإماء الكتابيات لأن إباحة نكاح الحرائر من الكتابيات. وليس في إباحة شيء في حال حظر غيره \[ تحريم، وقد \] ذكرنا الوجه في ذلك في ما تقدم. 
فالمجوسية ليست عندنا من أهل الكتاب، والدليل على ذلك قوله تعالى : وهذا كتاب أنزلنه مبارك فاتبعوه واتقوا لعلكم ترحمون   أن تقولوا إنما أنزل الكتاب على طائفتين من قبلنا وإن كنا عن دراستهم لغافلين  \[ الأنعام : ١٥٥، ١٥٦ \] فأخبر الله تعالى أن أهل الكتاب طائفتان، فلا يجوز أن يجعلوا ثلاث طوائف ؛ وذلك خلاف ما دل عليه القرآن. 
ألا ترى أن رجلا لو قال : إنما لي عليك يا فلان درهمان، لم يكن له أن يدعي عليه أكثر من ذلك. ولو قال : إنما لقيت اليوم رجلين، وقد لقي ثلاثة، كان كاذبا ؛ لأنه قوله : إنما لقيت رجلين كقوله : لقيت اليوم رجلين. ولا يجوز مثل هذا في أخبار الله تعالى لأنه الصادق في خبره عز وجل ؟ 
فإن قيل : هذا شيء حكاه الله عز وجل عن المشركين، وقد يجوز أن يكونوا غلطوا، فحكى الله تعالى عنهم ما قالوا. قيل له : لم يحك الله تعالى هذا القول عن المشركين، ولكن قطع بالقرآن عذرهم، فقال :\[  إنما أنزل الكتاب  لئلا يقولوا : أنزل \] الكتاب  على طائفتين من قبلنا وإن كنا عن دراستهم لغافلين  فهذا كلام الله واحتجاجه على المشركين، وليس حكاية عنهم. 
ومن الدليل أن المجوسي ليس من أهل الكتاب ما قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه وهو في مجلس بين القبر والمنبر : ما أدري كيف أصنع بالمجوس، وليسوا بأهل الكتاب ؟ فقال عبد الرحمان بن عوف : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول :**«سنوا بالمجوس سنة أهل الكتاب »** \[ الطبراني ١٩ : ٤٣٧ رقمه ١٠٥٩ \] صرح عمر رضي الله عنه بأنهم ليسوا أهل الكتاب، ولم ينكر عبد الرحمان ذلك عليه ولا أحد من الصحابة رضوان الله عليهم فلو كانوا أهل كتاب لم يقل : سنوا بهم سنة أهل الكتاب. 
وكذلك **«روي عن الحسن بن محمد أنه قال : كتب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى مجوس هجر، فقال : أدعوكم إلى الشهادة : أن لا إله إلا الله وأني رسول الله فإن أسلمتم فلكم ما لنا وعليكم ما علينا، ومن أبى فعليه الجزية، غير آكلي ذبائحهم ولا ناكحي نساءهم »** إلى هذا ذهب أصحابنا، رحمهم الله، في قولهم : إن المجوس ليسوا بأهل كتاب. 
وأما نصارى بني تغلب فإن عليا رضي الله عنه قال : لا تحل ذبائح نصارى العرب فإنهم ليسوا بأهل كتاب، وقرأ : ومنهم أميون لا يعلمون الكتاب إلا أماني  \[ البقرة : ٧٨ \] وقال ابن عباس رضي الله عنهما تؤكل، وقرأ : ومن يتولهم منكم فإنه منهم  \[ المائدة : ٥١ \]. 
والآية الأولى تدل على أنهم أهل كتاب لأن الله عز وجل قد جعلهم منهم بقوله  ومنهم أميون  \[ البقرة : ٧٨ \] فحكمهم حكمهم ؛ إذ أخبر الله عز وجل أنهم منهم. ومما يدل على ذلك أيضا قول رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قال :**«لا يتخلجن في صدرك طعام ضارعت فيه النصرانية »** \[ التزمذي : ١٥٦٥ \] لأنه عم فيه النصارى، فدخل فيه عربهم وعجمهم لأنهم دانوا بدينهم. وكل من دان بدين قوم فهو منهم. 
ومن الدليل على أن العرب، إذا دانوا بدين أهل الكتاب فهم من أهل الكتاب، أن العجم لما أسلموا صار حكمهم حكم عرب أهل الإسلام. فإذا ارتد أحد منهم، وسأل \[ سائل هل تؤخذ منه \] الجزية كما تؤخذ في الابتداء \[ من المجوس \] لم يجب إلى ذلك، وقيل له : إما أن تسلم، وإما أن تقتل ؛ فهو بمنزلة عربي مسلم لو ارتد عن الإسلام. فلما كان حكم العجمي إذا دان بدين النبي صلى الله عليه وسلم حكم العرب وجب أن يكون حكم العربي إذا دان بدين العجمي من أهل الكتاب أن يجعل حكمه حكمهم، وبالله بالتوفيق. 
وقوله تعالى : والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم إذا ءاتيتموهن أجورهن  وقد يحللن لنا إذا لم نؤت أجورهن. دل ذكر الحكم في حال لا يوجب حظره في حال أخرى، فهو دليل لنا في جواز نكاح الإماء من أهل الكتاب، وإن ذكر ي الآية المحصنات. 
وقوله تعالى : ومن يكفر بالإيمان فقد حبط عمله  الآية ؛ أي ومن يكفر بالذي عليه الإيمان به، وهو المؤمن به أي الله، لأنه يكفر بالإيمان، ولكن يؤمن به، وهو كقوله تعالى : حتى يأتيك اليقين  \[ الحرج : ٩٩ \] أي الموقن به. فعلى ذلك الأول ؛ معناه من يكفر بالذي عليه الإيمان به، وهو المؤمن به،  فقد حبط عمله، وهو في الآخرة من الخاسرين  والله العصمة والهداية.

### الآية 5:6

> ﻿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ ۚ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا ۚ وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَىٰ أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ ۚ مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَٰكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ [5:6]

وقوله تعالى : يأيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق  لو حملت الآية على ظاهرها لكان لا سبيل لأحد القيام بأداء ما فرض الله عليه من الصلاة لأنه كلما قام إلى الصلاة يلزمه الوضوء، فلا يبقى فيه، لكنها على الإضمار ؛ كأنه قال : يقال : إذا قمتم إلى الصلاة  وأنتم محدثون  فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق  وإلا ظاهر الآية يوجب ما ذكرنا. لكن الحدث مضمر فيه. 
ومن الناس من يوجب الوضوء لكل صلاة بظاهر هذه الآية. وقد جاء من الصحابة رضي الله عنهم الفعل بذلك ؛ روي عن أبي بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم أنهم توضؤوا لكل صلاة /١٢٤-ب/ وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم نحو ذلك. 
وروي أن علي بن أبي طالب رضي الله عنه صلى الظهر، ثم قعد في الرحبة. فلما حضرت ا لعصر دعا بكوز من ماء، فغسل يديه ووجهه وذراعيه ورجليه، وشرب فضله، وقال : هكذا رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يفعل، وقال : هذا وضوء من لم يحدث. وروي عن عبيد بن عمير أنه كان يتوضأ لكل صلاة، وتأول هذه الآية. 
**«وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه يتوضأ لكل صلاة، فلما كان يوم فتح مكة صلى الصلوات كلها بوضوء واحد فقال عمر رضي الله عنه : يا رسول الله إنك فعلت شيئا لم تكن تفعله، قال : إني عمدا فعلته يا عمر »** \[ مسلم : ٢٧٧ وأحمد : ٥/٣٥٨ \]. وروي عن أبي هريرة رضي الله عنه \[ أنه \] قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :**«لولا أن أشق على أمتي لأمرت في كل صلاة الوضوء ومع كل وضوء السواك »**\[ أحمد : ٢/٤٦٠ \]. 
وكل ما روي من الأخبار بالوضوء لكل صلاة، هو على الفضل عندنا والاستحباب لا على الحتم. ألا ترى أنه روي عن النبي صلى الله عليه وسلم صلى الصلوات كلها بوضوء واحد، وقال : إني فعلته عمدا. ذلك ما ذكرنا. 
وقد يحتمل تأويل الآية معنى آخر ما روي عن بعض الصحابة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا أرق ماء، نكلمه، فلا يكلمنا، ونسلم عليه، فلا يرد علينا حتى يأتي أهله، فيتوضأ وضوءه للصلاة، فقلنا له في ذلك حتى نزلت آية الرخصة \[ في \] قوله تعالى : يأيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة  فهذا يدل أن معنى الآية على الإضمار  إذا قمتم إلى الصلاة  وأنتم محدثون  فاغسلوا وجوهكم وأيدكم . 
وروي في تأويل هذه الآية : إذا قمتم من المضجع إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم. وقد رويت الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم **«أنه كان ينام، ثم يصلي الصبح ولا يتوضأ، فسئل عن ذلك فقال : إني لست كأحد منكم ؛ تنام عيناي ولا ينام قلبي، ولو أحدثت لعلمت »**\[ بنحوه البخاري : ١١٤٧ \]. 
وروي عن صفوان بن عسال \[ أنه قال \] :**«إذا كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في سفر يأمرنا ألا ننزع خفافنا إذا أدخلناهما طاهرتين، ولا نخلعهما من غائط ولا بول إلا من جنابة »**\[ النسائي : ١/٨٤ \]. 
فهذه الأحاديث توجب الوضوء من النوم مجملا. وجاء حديث آخر مفسرا بإيجاب الوضوء إذا نام مضطجعا ؛ روي عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :**«ليس على من نام قاعدا وضوء حتى يضطجع. فإذا اضطجع استرخت مفاصله »**\[ ينحوه الترمذي : ٧٧ \] فهذه الأخبار التي جاءت مجملة. 
وقد جاءت الأخبار أنه إذا نام في الصلاة قائما أو قاعدا أو ساجدا فلا وضوء عليه. فيدل ذلك على أن النوم في الصلاة ليس بحدث. وروي عن عمر رضي الله عليه \[ أنه \] قال : لا يوجب الوضوء حتى يضع الجنب، وينام. فهذا يؤيد \[ ما \] قلنا مع ما اجتمع أهل العلم في أن الوضوء ليس بواجب على من قام إلى الصلاة، وهو غير محدث. فكان التأويل ما ذكرنا. 
وقوله تعالى : فاغسلوا وجوهكم  الخطاب من الله عز وجل بغسل الوجه. فالتكلم فيه والتحديد أنه من كذا فضل تكلم، والأمر بالغسل يرجع إلى ما ظهر، وعرف أصله أنه وجه. 
وكذلك الأمر بمسح الرأس يرجع إلى ما عرف أصله أنه رأس، وليس كالأذنين لأن معرفة الأذنين أنهما من الرأس سمعي لأنهما لا تعرفان أنهما من الرأس إلا بالسمع. 
وكذلك الأمر بغسل اليد وغسل الرجل، يقع على ما يعرف الناس. وعرف الناس اليد إلى الإبط والرجل إلى الركبة. فخرج ذكر المرافق في غسل الأيدي إلى ما وراء المرافق، وكذلك ذكر الكعب في الرجل لإخراج ما وراء الكعب، لأن اسم اليد على الإطلاق يقع من أطراف الأصابع إلى الإبط. 
وقوله تعالى : وأرجلكم إلى الكعبين  قرؤوا بالنصب، وقرؤوه بالخفض. قال بعضهم : من قرأ بالنصب فهو يرجع إلى الغسل نسقا على الوج، وبالخفض إلى المسح مسح الخفاف نسقا على مسح الرأس. لكن هذا بعيد لأنه تناقض ؛ لا يجوز أن يؤمر بالغسل والمسح جميعا، ومعنى الخفض لقرب جوراه. يقول تعالى : وامسحوا برءوسكم  وقد يجوز ذلك نحو قوله تعالى : ولحم طير مما يشتهون وحور عين \[ الواقعة : ٢١ و٢٢ و٢٣ \] فمن قرأ بالخفض إنما قرأ لقرب جواره بالخفض. فعلى ذلك الأول. 
ثم الحكمة بالأمر بغسل هذه الأعضاء ليذكرهم تطهير باطنهم. والمعنى في غسل هذه الأعضاء الظاهرة، والله أعلم، بوجهين :
أحدهما : شكر أما اليد \[ فلما \] بها يتناول، ويقبض، وأما الرجل فلما بها يمشى، وبها يصل إليه. والوجه مجمع الحواس التي تعرف عظيم نعم الله عز وجل من نحو البصر والشم وغيرهما من الحواس التي بها يكون التلذذ و التشهي. 
والثاني : أمر بذلك تكفيرا لما ارتكب بهذه الحواس من الأجرام لأنه بها ترتكب جل الآثام، وبها يوصل إليها من المشي والقبض وغير ذلك. 
وقوله تعالى : وإن كنتم جنبا فاطهروا  قيل فاغتسلوا بأخذ الجنابة الظواهر من البدن وبواطنه، والحدث لا يأخذ إلا الظواهر من الأطراف لأن السبب الذي يوجب الجنابة لا يكون إلا باستعمال جميع ما فيه من القوة. ألا ترى أنه به يضعف إذا كثره، وبتركه يقوى. فعلى ذلك أخذ جميع البدن ظاهره وباطنه. وأما الحدث فإن سببه يكون بظواهر هذه الأطراف من نحو الأكل والشرب والحدث، وليس باستعمال كل البدن، والله أعلم. 
وقوله تعالى : وإن كنتم مرضى أو على سفر أو جاء أحد منكم من الغائط أو لامستم النساء  الآية. ذكر المرض والسفر والمجيء من الغائط والملامسة. ثم الحكم لم يتعلق باسم المرض ولا باسم السفر ولكن باسم الغائط، ولكن كان متعلقا لمعنى فيه دلالة جواز القياس لأنه ذكر الغائط \[ والمجيء منه، والغائط \] هو المكان الذي تقضى فيه، والمراد منه المعنى، وهو قضاء الحاجات. فهذا أصل لنا أن النص إذا ورد بمعنى، فوجد ذلك المعنى في غيره وجب ذلك الحكم في ذلك الغير. فإذا عدم الماء في المكان الذي يعدم، وإن لم يكن سفرا، يجوز التيمم فيه، وكذلك إذا خاف الضرر من الماء جاز له التيمم، يكون مريضا لأنه ليس أباح ذلك، هذا هو المعنى الثاني للمريض باسم المرض ولا باسم السفر، ولكن لمعنى فيه. 
وقوله تعالى : أو لامستم النساء  قد ذكرنا في ما تقدم أن الملامسة هو الجماع. \[ كذلك \] روي عن علي وابن عباس رضي الله عنهما وقال ابن عباس : الملامسة والمباشرة والإفضاء والرفث والغشيان، كله جماع، ولكن الله كريم يكني. 
وقوله تعالى : فتيمموا صعيدا طيبا  جعل الطهارة بالماء والتراب لأنه بهما معاش الخلق، وبهما قوام الأبدان حتى جعل جميع أغذية الخلق وجل مصالحهم منهما. فعلى ذلك جعل قيام هذه العبادات بهما، والله أعلم. 
ثم الحكمة في جعل الطهارة في أطراف البدن للتزين والتنظيف لأنه يقدم على الملك الجبار، ويقوم بين يديه ويناجيه. ومن أتى ملكا من ملوك الأرض يتكلف التنظيف والتزين. ثم يدخل عليه. فعلى ذلك هذا، والله أعلم. 
وقوله تعالى : وإن كنتم مرضى أو على سفر أو جاء أحد منكم من الغائط أو لامستم النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا  قال عبد الله بن مسعود وعمر /١٢٥- أ/ رضي الله عنهما الملامسة ما دون الجماع، فلم يدخل الجنب في هذه الآية، وأوجبا عليه الغسل بقوله تعالى : وإن كنتم جنبا فاطهروا  وجعلا قول الله تعالى : ولا جنبا إلا عابري سبيل حتى تغتسلوا  \[ النساء : ٤٣ \] على مرور الجنب في المسجد. ولم يجعلاه على أنه يصلي إذا كان مسافرا، ولم يجد الماء. فهذا الذي منع عند الله أن يطلق للجنب أن يصلي بالتيمم على حال. 
فأما علي وابن عباس رضي الله عنهما فإنهما جعلا اللمس الذي ذكره الله تعالى في هذه الآية الجماع، وقالا : كنى الله تعالى عن الجماع بالمسيس والغشيان والمباشرة. وجعلا قول الله تعالى : إلا عابري سبيل حتى تغتسلوا  \[ النساء : ٤٣ \] في المسافر الذي لم يجد الماء، وهو جنب. 
وقد روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه أذن للجنب من الجماع أن يتيمم إذا لم يجد الماء، فكان ذلك حجة على منع الجنب من التيمم. 
ثم قول الشافعي قول ثالث خارج عن قول الصحابة والسلف رضي الله عنهم لأنه يزعم أن اللمس هو الجماع وما دونه. فذلك ابتداع في الآية قولا وتفسيرا خالف فيه ما روي في تفسيرها عن الصحابة \[ رضي الله عنهم \] جملة والسلف. لذلك كان محيطا. 
وأصله أن الله تعالى ذكر الوضوء، وأمر به في الآية، وهو قوله تعالى : إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم  الآية، ولم يذكر \[ الحدث، وأمر \] بالاغتسال من الجنابة، وهو قوله تعالى : وإن كنتم جنبا فاطهروا  ولم يذكر من أي جنابة. ثم ذكر الحدث في قوله : أو جاء أحد منكم من الغائط  فعلى ذلك قوله تعالى : أو لامستم النساء  كان بيانا لما تقدم من الأمر بالاغتسال من الجنابة، والله أعلم. 
وقوله تعالى : فتيمموا صعيدا طيبا  قيل  صعيدا طيبا  والصعيد هو وجه الأرض. 
وقوله تعالى : طيبا  قال بعضهم : الطيب ما ينبت من الزرع وغيره. وقال آخرون : الطيب ههنا هو الطاهر. 
وروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم \[ أنه \] قال :**«جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا، أينما أدركتني الصلاة تيممت وصليت »** \[ البخاري : ٣٣٥ \] أخبر أن الأرض جعلت له مسجدا وطهورا. فكان قوله :**«طهورا »** تفسيرا لقوله تعالى : طيبا  والله أعلم. 
وقوله تعالى : فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه  قد ذكرنا في ما تقدم أن التيمم ضربتان : ضربة للوجه وضربة لليدين إلى المرفقين. 
وقوله تعالى : ما يريد ليجعل عليكم من حرج  يحتمل هذا وجهين :
يحتمل ما يريد أن يضيق عليكم ليأمركم بحمل الماء إلى حيث ما كنتم في الأسفار وغيره. ولكن جعل لكم التيمم، ورخص لكم أن تؤدوا ما فرض عليكم به، ولم يكلفكم حمل الماء في الأسفار وغيره، والله أعلم. 
ووجه آخر : ما أراد الله بما تعبدكم من أنواع العبادات أن يجعل  عليكم من حرج  ولكن أراد ما ذكر. 
وقوله تعالى : ولكن يريد ليطهركم  يحتمل يريد ليطهركم بالتوحيد والإيمان به وبالرسل جميعا. ويحتمل قوله  يريد ليطهركم  من الذنوب والآثام التي ارتكبوها كقوله تعالى : الحسنات يذهبن السيئات  \[ هود : ١١٤ \] ويحتمل التطهير من الأحداث والجنابات كما قال أهل التأويل. 
وقوله تعالى : وليتم نعمته عليكم  تمام ما ذكرنا من التوحيد والإيمان والهداية لدينه والتكفير مما ارتكبوا. ويجوز أن يكون هذا في قوم علم الله أنهم يموتون على الإيمان حين أخبر أنه يتم نعمته عليهم.

### الآية 5:7

> ﻿وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمِيثَاقَهُ الَّذِي وَاثَقَكُمْ بِهِ إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا ۖ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ [5:7]

وقوله تعالى : واذكروا نعمة الله عليكم  أمر، والله أعلم، بشكر ما أنعم عليهم من أنواع النعم. 
\[ وقوله تعالى \] : وميثاقه الذي واثقكم  يحتمل الميثاق ميثاق الخلقة وشهادتها، إذ خلقة كل أحد تشهد على وحدانيته وربوبيته، ويحتمل الميثاق الذي ذكر قول ما قالوه، وقبلوا ما دعوا إليه. 
وقوله تعالى : إذ قلتم سمعنا وأطعنا  قال بعضهم : أجبنا دعوتك، وأطعنا أمرك. قال آخرون : سمعنا قولك، وأطعنا أمرك. 
وقوله تعالى : واتقوا الله  في ترك ما أمركم ربكم وارتكاب ما نهاكم  إن الله عليم بذات الصدور  وهو على الوعيد.

### الآية 5:8

> ﻿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ ۖ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُوا ۚ اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ ۖ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۚ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ [5:8]

وقوله تعالى : يأيها الذين ءامنوا كونوا قوامين لله شهداء بالقسط  الآية. يحتمل أن تكون الآية في الشهادة نفسها، كأنه قال كونوا شهداء لله، واجعلوا الشهادة له. فإذا فعلوا هذا لا يمنعهم بغض أحد وولايته القيام بها. ندبهم الله أن يقولوا في الشهادة لله والحكم له ؛ يحكم للعدو كما يقوم للولي، والله أعلم. 
ويحتمل أن يكون في بيان الحق والحجج وتعليم الأحكام والشرائع ؛ كأنه يقول، والله أعلم، قوموا في بيان الحجج والحق وتعليم الأحكام لله، لا يمنعكم بغض قوم ولا رضاهم على ألا تبينوا الحق لهم، ولا تعلموا الحجج والأحكام لهم إشارة إلى قوله تعالى : ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله  \[ الزخرف : ٨٧ \]. 
وعن ابن عباس رضي الله عنهما \[ أنه \] قال : ولا يجرمنكم  أي لا يحملنكم  شنئان قوم  أي بغض قوم  على ألا تعدلوا  فيهم فإنما العدل لله في الرضا والسخط  اعدلوا هو أقرب للتقوى  يقول : قولوا العدل بالحق فإنه  أقرب للتقوى . 
وقوله تعالى : اعدلوا هو أقرب للتقوى  أي اعدلوا هو التقوى كقوله تعالى : إن رحمة الله قريب من المحسنين  \[ الأعراف : ٥٦ \] لأن العدل ليس إلا التقوى  واتقوا الله  في ترك ما أمركم به وارتكاب ما نهاكم عنه  إن الله خبير بما تعملون  وتضمرون من العدل والجور. خرج على الوعيد.

### الآية 5:9

> ﻿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ۙ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ [5:9]

وقوله تعالى : وعد الله الذين ءامنوا وعملوا الصالحات  قال بعضهم : هذه الآية هي صلة ما تقدم في قوله سبحانه وتعالى  يأيها الذين ءامنوا كونوا قوامين لله شهداء بالقسط  إلى آخر ما ذكرنا. فإذا فعلوا وقاموا في الشهادة والعدل في الحكم كان لهم ما ذكر من الوعد، والله أعلم. 
ولكن يحتمل على الابتداء، والله أعلم ؛ كأنه قال  وعد الله الذين ءامنوا وعملوا الصالحات  وعدا، ثم بين ما في ذلك الوعد، فقال : لهم مغفرة وأجر عظيم  ؛ يستر على ذنوبهم، ويتجاوز عنها  وأجر عظيم  الجنة. قال ابن عباس رضي الله عنهما : لهم مغفرة  في الدنيا لذنوبهم  وأجر عظيم  في الآخرة الجنة، وهو ما ذكرنا، والله أعلم.

### الآية 5:10

> ﻿وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَٰئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ [5:10]

وقوله تعالى : والذين كفروا وكذبوا بآياتنا أولئك أصحاب الجحيم  قيل : كفروا  بآيات الله  وكذبوا  بآياته ؛ يعني محمدا صلى الله عليه وسلم والقرآن  أولئك أصحاب الجحيم  وقيل : كفروا  بتوحيد الله  وكذبوا بآياتنا  بالقرآن بأنه ليس من الله تعالى، وهما واحد. وهذا يدل أن الآية على الابتداء. \[ خرجت ليست \] على الصلة على ما قالوا.

### الآية 5:11

> ﻿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ ۖ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۚ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ [5:11]

وقوله تعالى : يأيها الذين ءامنوا اذكروا نعمة الله عليكم إذ هم قوم أن يبسطوا إليكم أيديهم فكف أيديهم عنكم  يحتمل أن تكون هذه النعمة التي ذكر الله تعالى في هذه الآية من كف الأعداء عنهم بعدما بسطوا إليهم أيديهم في جملة المؤمنين لأن المؤمنين كانوا في ابتداء الأمر مختفين ما بين الكفرة، لا يقدرون على إظهار الإسلام وإعلانه، وقد هموا بقتل المؤمنين غير مرة. وفي ما كف  أيديهم عنكم  منة عظيمة علينا وعلى جميع المسلمين. ويحتمل أن يكون في قوم خاص ؛ قد أحاطوا بهم، وبسطوا أيديهم إليهم، وهموا بقتلهم، فكف الله بفضله أيديهم عنهم ومنع أيديهم. 
ثم اختلف فيه : عن ابن عباس \[ أنه \] قال : هم بنو قريظة، وبسطوا أيديهم بالقتل، فكف الله تعالى /١٢٥- ب/ أيديهم عنهم بالمنع. 
وقيل نزلت في اليهود ؛ دخل النبي صلى الله عليهم وسلم حائطا لهم في النخل، وأصحابه وراء الجدار، واستعانهم في مغرم دية غرمها، ثم قام من عندهم، فائتمروا بينهم بقتله، فخرج يمشي القهقرى معترضا ينظر من خيفتهم، ثم دعا أصحابه رضي الله عنهم إليه رجلا رجلا حتى تناهوا إليه. فلا ندري كيف ما كانت القصة ؟ وليس لنا في معرفة القصة حاجة بعد أن نعرف منة الله التي من علينا بكف الأعداء عنهم، ونشكر له على ذلك. 
وفي هذه الآية دلالة إثبات رسالة محمد صلى الله عليه وسلم لأنه أخبر عما كان بينهم من غير أن يشهد ذلك ليعلم أنه بالله أعلم. 
وقوله تعالى : وعلى الله فليتوكل المؤمنون  أي على الله يتكل المؤمن في كل أمره، وبه يثق.

### الآية 5:12

> ﻿۞ وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا ۖ وَقَالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ ۖ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلَاةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكَاةَ وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَلَأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ۚ فَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَٰلِكَ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ [5:12]

وقوله تعالى : ولقد أخذ الله ميثاق بني إسرائيل وبعثنا منهم اثني عشر نقيبا  هذا، والله أعلم، تعليم من الله تعالى هذه الأمة وإنباء منه أنه قد أخذ العهود والمواثيق على الأمم السالفة كما أخذ منكم لأنه ذكر أنه قد أخذ من هؤلاء الميثاق بقوله تعالى : واذكروا نعمة الله عليكم وميثاقه الذي واثقكم به  الآية \[ المائدة : ٧ \] ثم أعلمهم بما وعد لهم الثواب إن وفوا بتلك العهود والمواثيق التي أخذت عليهم وبما أوعد لهم من العقاب إن نقضوا العهود التي أخذ عليهم ليكونوا على حذر من نقضها وليقيموا على وفائها : أن يقال : إنما ذكر ما أخذ على أولئك من العهود والمواثيق ليكون ذلك آية من آيات رسالة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم لأنه إخبار عن الأمم السالفة، وهو لم يشهدها، ولا حضرها، ليعلموا أنه إنما علم ذلك بالله. 
ثم تحتمل تلك العهود والمواثيق التي أخذت عليهم ما ذكر على إثرها وسياقها، وهو قوله تعالى : وقال الله إني معكم لئن أقمتم الصلاة  إلى آخر ما ذكر. 
وتحتمل ما قال ابن عباس \[ وهو إحلال ما \] أحل الله وتحريم ما حرم الله وحسن مؤازرتهم،  وبعثنا منهم اثني عشر نقيبا  يعني ملكا، وهم الذين بعثهم موسى إلى بيت المقدس ليعلموا له علمها. 
ويحتمل أن يكونوا اختاروا من بينهم أولئك، فسألوا موسى أن يجعلهم عليهم قدوة يقتدون بهم، ويعلمونهم الدين والأحكام، ويأخذ عليهم المواثيق والعهود، والله أعلم. 
ثم اختلف في النقيب ؛ قال بعضهم : النقيب هو الملك، وهو قول ابن عباس رضي الله عنهما وقال أبو عوسجة : النقيب هو المنظور إليه والمصدور عن رأيه، وهو من وجوه القوم، وجمعه النقباء مثل العرفاء. وقال أبو عبيد : النقيب الأمير والضامن على القوم. وقال الكسائي والفراء : يقال منه : نقيب، عليه أنقب، نقابة، وهو فرق العريف، ويقال من العريف : عرفت عليهم عرافة، وهم النقباء والعرفاء والمناكب، واحدهم منكب، وهم كالعون يكون مع العريف. وقال القتبي : الكفيل على القوم، والنقابة والنكابة شبيهتان بالعرافة. 
وقوله تعالى : وقال الله إني معكم  قال بعضهم : قال للنقباء  إني معكم  في النصر والدفع عنكم  لئن أقمتم الصلاة وءاتيتم الزكاة  إلى آخر ما ذكر، وهو قول ابن عباس رضي الله عنهما ويحتمل أن يكون هذا الوعد لكل من قام بوفاء ذلك \[ من \] النقباء و غير النقباء، وما ذكر من الوعيد في الآية التي هي على إثر هذه على كل من نقض ذلك العهد النقيب وغير النقيب. 
ثم قوله تعالى : لئن أقمتم الصلاة وءاتيتم الزكاة  يحتمل وجهين :
يحتمل أنه أراد بالصلاة الخضوع والثناء له وبالزكاة تزكية النفس وطهارتها، وذلك في الفعل ؛ على كل أحد القيام به في كل وقت. 
ويحتمل أن يكون أراد بالصلاة المعروفة المعهودة والزكاة المعروفة. ففيه دليل وجوب الصلاة والزكاة على الأمم السالفة. 
وقوله تعالى : وءامنتم برسلي  يحتمل أن تؤمنوا برسلي جميعا، ولا تفرقوا بينهم : أن تكفروا ببعض، وتؤمنوا ببعض كقولهم : نؤمن ببعض ونكفر ببعض  \[ النساء : ١٥٠ \]  وعزرتموهم  قال القتبي وأبو عوسجة، قالا : وعظمتموهم، والتعزير التعظيم. وقال بعضهم : نصرتموهم. 
وعن ابن عباس رضي الله عنهما \[ أنه \] قال  وعزرتموهم  أعنتموهم ؛ يعني الأنبياء عليهم السلام. 
\[ وقوله تعالى \] : وأقرضتم الله قرض حسنا  \[ أي صادقا من كل أنفسكم \[ ابتغيتم به \] وجه الله. وقال بعضهم : وأقرضتم الله قرض حسنا  أي محتسبا ؛ طيبة \[ به أنفسكم \]. ويحتمل قوله تعالى : وأقرضتم الله قرضا حسنا  أي جعلتم عند الله أنفسكم أيادي ومحاسن ؛ تستوجبون بذلك الثواب الجزيل. 
وقوله تعالى : لأكفرن عنكم سيئاتكم ولأدخلنكم جنات تجري من تحتها الأنهار  وعد لهم بتكفير ما ارتكبوا من المآثم إذا قاموا بوفاء ما أخذ الله عليهم من المواثيق. 
وقوله تعالى : فمن كفر بعد ذلك منكم فقد ضل سواء السبيل  قال بعضهم : فمن كفر بعد ذلك  أي بعد المواثيق والعهود التي أخذ عليهم. ويحتمل قوله تعالى : فمن كفر بعد ذلك  أي من كفر  فقد ضل سواء السبيل  أي أخطأ سواء السبيل.

### الآية 5:13

> ﻿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً ۖ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ ۙ وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ ۚ وَلَا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَىٰ خَائِنَةٍ مِنْهُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ ۖ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ [5:13]

وقوله تعالى : فبما نقضهم ميثاقهم  أي فبنقضهم : قيل : ما زائدة

### الآية 5:14

> ﻿وَمِنَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَىٰ أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَىٰ يَوْمِ الْقِيَامَةِ ۚ وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللَّهُ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ [5:14]

وقوله تعالى : ومن الذين قالوا إنا نصارى  أي كانوا أنصار الله، فقالوا : بل نكون نصارى. 
وقوله تعالى : إنا نصارى أخذنا ميثاقهم فنسوا حظا مما ذكروا به  ما من أحد إلا وقد أخذ الله عز وجل عليه العهد والميثاق. وقد أخذ الميثاق على المؤمنين بقوله تعالى : واذكروا نعمة الله عليكم وميثاقه الذي واثقكم به  الآية \[ المائدة : ٧ \] وأخذ الميثاق على اليهود بقوله تعالى : ولقد أخذ الله ميثاق بني إسرائيل  الآية \[ المائدة : ١٢ \]. وأخبر أيضا أنه قد أخذ الميثاق على النصارى في هذه الآية بقوله تعالى : ومن الذين قالوا إنا نصارى أخذنا ميثاقهم  وقد تقدم ذكر الميثاق ومعناه في غير موضع. 
وقوله تعالى : فنسوا حظا مما ذكروا به  يحتمل هذا وجهين :
يحتمل أي تركوا حظهم مما أمروا به من توحيد الله والإيمان بالرسل كلهم والتمسك بكتاب /١٢٦-أ/ الله تعالى والوفاء بالعهود التي عهدت إليهم، فتركوا ذلك كله، وضيعوا. 
ويحتمل  فنسوا حظا مما ذكروا به  أي لم يحفظوا ما وعظوا. 
وقوله تعالى : فأغرينا بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة  قيل :
أغرينا ألقينا  بينهم العداوة والبغضاء  قال الحسن : من حِكم الله تعالى أن يلقي بينهم العداوة والبغضاء، ويجعل قلوبهم قاسية، ومن حِكمه أن يكون بين المسلمين رأفة ورحمة. 
وقال بعض المعتزلة : قوله تعالى : فأغرينا بينهم العداوة والبغضاء  أي خذلناهم، وتركناهم. لكن هذا كله منهم احتيال وفرار عما يلزمهم من سوء القول وقبحه، فيقال لهم : إن شئتم جعلتم خذلانا، وإن شئتم تركا جعلتم ما شئتم. 
ولكن هل كان من الله في ذلك صنع، أو أضاف ذلك إلى نفسه ؟ ولا فعل له في ذلك، ولا صنع له في ذلك. وذلك الحرف على غير إثبات الفعل فيه أو شيء حرف ذم، لا يجوز أن يضيف ذلك إلى نفسه، ولا فعل له في ذلك ولا صنع، فدل أن له فيه صنعا، وهو ما ذكرنا : أن خلق ذلك منهم. وكذلك في ما أضاف إلى نفسه \[ من جعل \] الرأفة والرحمة في قلوب المؤمنين. فلو لم يكن له في ذلك صنع لكان لا يضيف ذلك إلى نفسه، وذلك الحرف حرف الحمد والمدح. 
فدل أن له فيه صنعا، وهو أن خلق الرأفة والرحمة في قلوب المؤمنين وخلق القساوة والعداوة في قلوب أولئك الكفرة، وبالله التوفيق. 
وفي الآية دلالة إثبات رسالة محمد صلى الله عليه وسلم لأنه أخبر أنه ألقى  بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة  وأخبر ألا  تزال تطلع على خائنة منهم  \[ المائدة : ١٣ \] وكان كما قال على علم منهم أنه لا \[ يزال \] يطلع على ما في قلوبهم من الخيانة والقساوة وغير ذلك من الأمور. فدل أنه بالله علم ذلك. 
وقوله تعالى : وسوف ينبئهم الله  في الآخرة  بما كانوا يصنعون  في الدنيا، وهو قول ابن عباس.

### الآية 5:15

> ﻿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ ۚ قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ [5:15]

وقوله تعالى : يا أهل الكتاب قد جاءكم رسولنا يبين لكم كثيرا مما كنتم تخفون من الكتاب  الآية. قال عز و جل : قد جاءكم رسولنا  ولم يقل : فلان بن فلان ليعلم أن الرسل، عليهم الصلاة والسلام، ليسوا يعرفون بالأسامي والأنساب، ولكن إنما يعرفون بالآيات المعجزة والبراهين النيرة. 
وفيه دليل أن من آمن بالرسل، ولم يعرف بأسمائهم إنما يكون مؤمنا. ولم يأخذ علينا معرفة أسامي الرسل، إنما أخذ علينا الإيمان بهم جملة. ألا ترى أن الله عز وجل لم يذكر في الكتاب الأنبياء والرسل جميعا واحدا فواحدا، ولا ذكر أسماءهم ؟ إنما ذكر بعضا منهم. أفترى أن من لم يعرف أسماءهم لم يكن مؤمنا ؟ هذا بعيد. 
وفيه دلالة إثبات رسالة محمد صلى الله عليه وسلم لأنه قال : يبين لكم كثيرا مما كنتم تخفون من الكتاب  وهم إذن كتموا ذلك، وأخفوه \[ أعني الرؤساء، فلم يخبروا واحدا أنهم كتموا ذلك، وأخفوه \] حتى يبلغ الخبر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم اختلف إلى أحد منهم، أو أنظر في كتابهم قط ليعلم ما كتموا. فلما بين لهم ما قد كتموا، وأخفوا عن الناس، دل ذلك لهم أنه إنما علم ذلك بالله تعالى. 
وقوله تعالى : يبين لكم كثيرا مما كنتم تخفون من الكتاب ويعفوا عن كثير  اختلف في تأويله وقراءته : قال بعضهم : نبين بالنون ونعفو، كثيرا أي الله يبين لهم كثيرا \[ مما يخفون من الكتاب \] ويعفو \[ الله تعالى \] عن كثير إذا آمنوا، ورجعوا عما كانوا يخفون، ويكتمون. 
وقال آخرون  يبين لكم كثيرا مما كنتم تخفون من الكتاب ويعفوا عن كثير  أي جميع ما كانوا يخفون، ويعفو عن جميع ذلك. 
وأما عندنا فقوله : يبين لكم كثيرا مما كنتم تخفون من الكتاب ويعفوا عن كثير  بالياء أي رسول الله يبين لهم كثيرا  ويعفوا عن كثير  على قدر ما أذن له البيان لهم لأن الرسل إنما يأتون بالبراهين والحجج على قدر ما أذن لهم من الآيات. ألا ترى أن سحرة فرعون لما ألقوا  حبالهم وعصيهم  \[ الشعراء : ٤٤ \] فصارت حيات، ولم يلق موسى عصاه حتى أذن الله له في ذلك، وهو قوله تعالى : وأوحينا إلى موسى أن ألق عصاك فإذا هي تلقف ما يأفكون  \[ الأعراف : ١١٧ \] إنما أتى بالآية بعدما أذن له بذلك ؟ فعلى ذلك قوله تعالى : يبين لكم كثيرا  إنما يبين على قدر ما أذن له بالبيان والحجة، والله أعلم. 
وقوله تعالى : مما كنتم تخفون من الكتاب  يحتمل  مما كنتم تخفون من الكتاب  من الشرائع والأحكام، ويحتمل : كتموا ما في الكتاب من بعث محمد صلى الله عليه وسلم وصفته الكريمة. 
وقوله تعالى : قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين  هو القرآن ؛ سماه نورا لما يوضح، ويضيء كل شيء على ما هو عليه حقيقته. وعلى ذلك يخرج قوله عز وجل  الله نور السماوات والأرض  الآية \[ النور : ٣٥ \] أي به يتضح كل شيء على ما هو عليه في الحقيقة، وبالله التوفيق.

### الآية 5:16

> ﻿يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ [5:16]

وقوله تعالى : يهدي به الله من اتبع رضوانه  يحتمل قوله : يهدي به  أي الله بمحمد صلى الله عليه وسلم ويحتمل القرآن، أي يهدي الله  من اتبع رضوانه  يحتمل رضاه. 
وقوله تعالى : سبل السلام  : السلام  قيل : هو الله كقوله تعالى : السلام المؤمن المهيمن  الآية \[ الحشر : ٢٣ \] أي به يهدي  سبل السلام  سمى سبلا لأن سبيل الله، وإن كان كثيرا في الظاهر فهو في الحقيقة واحد. وسمى سبيل الشيطان سبلا، وقال : ولا تتبعوا السبل  الآية \[ الأنعام : ١٥٣ \] لأن سبله متفرقة مختلفة ليست ترجع إلى واحد. وأما سبيل الله، وإن كان سبلا في الظاهر فهي ترجع إلى واحد، وهو الهدى والصراط المستقيم.

### الآية 5:17

> ﻿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ ۚ قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ أَنْ يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ۗ وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا ۚ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ ۚ وَاللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [5:17]

وقوله تعالى : لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح ابن مريم  كفروا كفر مكابرة ومعاندة لا كفر شبهة وجهل لأنهم أقروا أنه ابن مريم، ثم يقولون : إنه إله، فإذا كان هو ابن مريم، وأمه أكبر منه، فمن البعيد أن يكون من هو أصغر منه إلها لمن هو أكبر منه وربا، وإلا الكفر قد يكون بدون ذلك القول. لكن التأويل هو ما ذكرنا أنهم كفروا معاندة ومكابرة مع إقرارهم أنه ابن مريم حين جعلوا الأصغر إله الأكبر وربا. 
وقوله تعالى : لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح ابن مريم قل فمن يملك من الله شيئا إن أراد أن يهلك المسيح ابن مريم وأمه ومن في الأرض جميعا  أي لا أحد يملك من دون الله شيئا إن أراد إهلاك المسيح وأمه ؛ أي لو كان إلها كما تقولون لكان يملك دفع الإهلاك عن نفسه وعن أمه ومن عبدهم في الأرض. 
وقيل : فمن يملك  أن يمنع  من الله شيئا  من عذابه  أن يلهك المسيح  بعذاب  وأمه ومن في الأرض جميعا  بعذاب أو موت، وهما واحد. 
ثم عظم نفسه عن قولهم، ونزهها حين  قالوا إن الله هو المسيح ابن مريم  فقال : ولله ملك السماوات والأرض  أي كلهم عبيده وإماؤه، يخلق من بشر وغير بشر  والله على كل شيء قدير  أي قادر على خلق الخلق من بشر ومن غير بشر، والله أعلم.

### الآية 5:18

> ﻿وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَىٰ نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ ۚ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ ۖ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ ۚ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ ۚ وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا ۖ وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ [5:18]

وقوله تعالى : وقالت اليهود والنصارى نحن أبناء الله وأحباؤه  الآية. يحتمل أن يكون هذا القول لم يكن من الفريقين جميعا، ولكن ما كان من أحد الفريقين هذا، ومن الفريق الآخر غيره، وكان قوله تعالى : وقالوا لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى  \[ البقرة : ١١١ \] كأن هذا القول كان \[ من \] كل فريق نفى دخول الفريق الآخر الجنة لا أن قالوا جميعا  لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى . 
ويحتمل أن كان من النصارى  نحن أبناء الله  لما ذكر في بعض القصة أن عيسى، على نبينا وعليه الصلاة والسلام، قال لقومه :**«أدعوكم إلى أبي وأبيكم الذي في السماء »** فقالوا عند ذلك  نحن أبناء الله  وكان من اليهود \[ قولهم \] :**«نحن أحباء الله »**. 
ويحتمل أن يكون هذا القول كله منهم جميعا ؛ قال كل واحد من الفريقين  نحن أبناء الله وأحباؤه . 
وقيل : إنهم قالوا ذلك في المنزلة /١٢٦-ب/ والقدر عند الله تعالى ؛ أي لهم عند الله من المنزلة والقدر كقدر الولد عند والده ومنزلته عنده، ولا يعذبنا. فقال : قل  يا محمد  فلم يعذبكم بذنوبكم  إن كان ما تقولون حقا،  فلم يعذبكم  حين جعل القردة والخنازير، ولا أحد من الخلق يحتمل قلبه أن يكون ولده أو صديقه قردا أو خنزيرا. وقال : لا أحد يحتمل قلبه تعذيب ولده و حبه بذنبه بالنار، وقد أقررتم أنكم تعذبون في الآخرة قدر ما عبد آباؤكم العجل. 
ثم قال : بل أنتم بشر ممن خلق  أي من اتخذ ولدا وحبا \[ فإنما يتخذه \] من شكله وجنسه فالله تعالى إنما خلقكم من بشر كغيركم من الخلق، وأنتم وهم في ذلك سواء، فكيف خصصتم أنفسكم بذلك ؟ وقوله تعالى : لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح ابن مريم  \[ المائدة : ١٧ \] دليل أن من رفع أحدا من الرسل فوق قدره \[ فهو \] في الكفر كمن حط عن قدره ومرتبته. 
وقوله تعالى : يغفر لمن يشاء  أي من تاب، وأسلم  ويعذب من يشاء  من دام على الكفر، ومات عليه. 
وقوله تعالى : ولله ملك السماوات والأرض وما بينهما  أي كلهم عبيده وإماؤه وخلقه ؛ يعظم نفسه عن قولهم : نحن أبناء الله وأحباؤه  ولا أحد يتخذ عبده ولدا ولا حبا، فأنتم إذا أقررتم أنكم عبيده كيف ادعيتم البنوة والمحبة ؟ والله أعلم. 
وفي الآية دلالة رسالة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم لأنهم قالوا قولا في ما بينهم، ثم أخبرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك ليعلم أنه إنما عرف ذلك بالله.

### الآية 5:19

> ﻿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلَىٰ فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ أَنْ تَقُولُوا مَا جَاءَنَا مِنْ بَشِيرٍ وَلَا نَذِيرٍ ۖ فَقَدْ جَاءَكُمْ بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ ۗ وَاللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [5:19]

وقوله تعالى : يا أهل الكتاب قد جاءكم رسولنا يبين لكم  يحتمل قوله تعالى : يبين لكم  ما كنتم تكتمون من بعثه وصفته، وتحرفون كقوله تعالى : يبين لكم كثيرا مما كنتم تخفون من الكتاب ويعفوا عن كثير  \[ المائدة : ١٥ \] ويحتمل : يبين لكم  مما لكم وعليكم من الأحكام والشرائع. ويحتمل  يبين لكم  مما كان عليه الأنبياء والرسل. 
وقوله تعالى : على فترة من الرسل  قيل : انقطاع من الرسل من لدن بني إسرائيل إلى عيسى عليه السلام لأنه قيل : إنه كان \[ رسولا على إثر \] رسول، لم يكن بين رسولين انقطاع. فأخبر عز وجل أنه بعث محمدا صلى الله عليه وسلم على حين  فترة من الرسل  ليس على انقطاع منهم، ولكن على ضعف أمور الرسل وآثارهم من الفتور ؛ يقال : فتر يفتر فتورا. يخبر، والله أعلم، أنما بعث الرسول بعدما درس آثار الرسل، وضعفت ووقع في ما بينهم اختلاف للضعف ليبين لهم ما ذكر أن تقولوا ما جاءنا من بشير ولا نذير  يقطع احتجاجهم بذلك، وإن لم يكن لهم في الحقيقة، وهو كما قال : لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل  \[ النساء : ١٦٥ \] وكقوله : أن لا يقولوا على الله إلا الحق  \[ الأعراف : ١٦٩ \]  بشير  بالجنة لمن أطاع  ونذير  بالنار لمن عصاه \[ وقوله تعالى \] : فقد جاءكم بشير ونذير والله على كل شيء قدير  يحتمل  على كل شيء قدير  من بعث الرسل على فترة منهم وإحياء ما درس من آثار الرسل وما ضعف من رسومهم، والله أعلم.

### الآية 5:20

> ﻿وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا وَآتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ [5:20]

وقوله تعالى : وإذ قال موسى لقومه يا قوم اذكروا نعمة الله عليكم  الآية، يحتمل قوله : اذكروا نعمة الله عليكم  ما ذكر من بعث الرسل والأنبياء عليهم السلام على فترة منهم. ويحتمل ما ذكر على إثره، وهو قوله : إذ جعل فيكم أنبياء وجعلكم ملوكا وءاتاكم ما لم يؤت أحدا من العالمين  كأنه يقول : اشكروا نعمتي التي أنعمت عليكم من جعل الأنبياء فيكم، ولم يكن ذلك لأمة من الخلق، وجعلكم ملوكا تستنصرون من الأعداء لأن الملوك في بني إسرائيل هم الذين كانوا يتولون القتال و أمر الحرب مع الأعداء كقوله تعالى : ابعث لنا ملكا نقاتل في سبيل الله  \[ البقرة : ٢٤٦ \] فأخبر أنه جعل فيهم الأنبياء يعلمونهم أمور الدنيا والآخرة، ويحتاج غيرهم إلى معرفة ذلك ؛ وإنما يعرفون ذلك بهم، وجعل فيهم ملوكا يتنصرون من الأعداء، ويقهرونهم، فيقرون، ويشرفون في الدنيا والآخرة.

### الآية 5:21

> ﻿يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَرْتَدُّوا عَلَىٰ أَدْبَارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ [5:21]

وقوله تعالى : يا قوم ادخلوا الأرض المقدسة التي كتب الله لكم  قيل : قوله : كتب الله لكم  أي كتب الله عليكم قتال أهل تلك الأرض ليسلموا، وهو كقوله : وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة  \[ البقرة : ١٩٣ والأنفال : ٣٩ \] يعني الكفر. فعلى ذلك قوله تعالى : ادخلوا الأرض المقدسة التي كتب الله لكم  قتال أهلها ليسلموا، والله أعلم. 
وقوله تعالى : لكم  أي عليكم، وهذا جائز في اللغة كقوله : وإن أسأتم فلها  \[ الإسراء : ٧ \] أي فعليها. وقيل : قوله : ادخلوا الأرض المقدسة التي كتب الله لكم  فتحها ؛ أي إن أطعتم أمر الله في ما أمركم به، وانتهيتم عما نهاكم عنه، وأجبتم رسوله إلى ما دعاكم إليه ؛ أي إذا فعلتم ذلك يفتح الله \[ لكم \] تلك الأرض، والله أعلم. 
وقوله تعالى : ولا ترتدوا على أدباركم  هذا، والله أعلم، كناية عن الرجوع عن الدين وهو كقوله تعالى : ومن ينقلب عن عقبيه فلن يضر الله شيئا  \[ آل عمران : ١٤٤ \] وإنما صار ذلك كناية عن الرجوع عن الدين، والله أعلم، لما ذكرنا في أحد التأويلين أنه كتب عليهم قتال أهل تلك الأرض، فتركوا أمر الله وطاعته. ويحتمل أن وعد الله لهم فتح تلك الأرض، قلم يصدقوا رسوله في ما أخبر عن الله من الفتح لهم، فكفروا بذلك. 
وقوله تعالى : فتنقلبوا خاسرين  يحتمل أن يكون ذلك لهم في الآخرة، ويحتمل في الدنيا منهزمين. 
وقوله تعالى : ولا ترتدوا على أدباركم  لا ترجعوا وراءكم، ولكن ادخلوها.

### الآية 5:22

> ﻿قَالُوا يَا مُوسَىٰ إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا حَتَّىٰ يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ [5:22]

وقوله تعالى : قالوا يا موسى إن فيها قوما جبارين وإنا لن ندخلها حتى يخرجوا منها فإن يخرجوا منها فإن داخلون  يحتمل أن يكون هذا، والله أعلم، لما رأوا فرعون مع قومه وكثرة جنوده مع ادعاء ما ادعى من الربوبية لنفسه لم يقدر على فتح تلك الأرض، وعجز عن غلبة أهلها وقهرهم وجعلهم تحت يديه رأوا هؤلاء أنهم لا يقدرون على ذلك مع ضعفهم في أنفسهم وقلة عددهم وقصور أسبابهم ؛ لذلك امتنعوا عن الدخول فيها إلا بعد خروج من فيها من الجبارين عنها خوفا منهم على أنفسهم. لكن موسى عليه السلام كان وعد لهم الفتح والنصر مع ضعفهم وقلة عددهم إذا دخلوا فيها.

### الآية 5:23

> ﻿قَالَ رَجُلَانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ ۚ وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ [5:23]

وقوله تعالى : قال رجلان من الذين يخافون أنعم الله عليهما ادخلوا عليهم الباب فإذا دخلتموه فإنكم غالبون  اختلف في الرجلين اللذين قالا ذلك لهم ؛ \[ قال \] قائلون : كان ذلك الرجلان من أولئك الذين بعثهم موسى عليه الصلاة والسلام، إلى أهل تلك الأرض وأمرهم بالدخول فيها، وهما ممن قد  أنعم الله عليهما  من تصديق ما وعد لهم موسى من الفتح والنصرة، فقالا : فإذا دخلتموه فإنكم غالبون  صدقا موسى بما وعد لهم من الفتح، وقال قائلون : كان ذلك الرجلان اللذان قالا ذلك هما /١٢٧-أ/ من أهل تلك الأرض ؛ لأنهم إذا سمعوا أن موسى قصد نحوهم خافوا من ذلك. فذلك معنى قوله : من الذين يخافون أنعم الله عليهما  من الإسلام، فقالا : ادخلوا عليهم الباب فإذا دخلتموه فإنكم غالبون  لما علموا من خوف أهلها من موسى ومن معه وفزعهم. 
وقوله تعالى : وعلى الله فتوكلوا إن كنتم مؤمنين  أي مصدقين بوعد موسى بالفتح لكم والنصر. ويحتمل  وعلى الله فتوكلوا إن كنتم مؤمنين  فإن كل من توكل على الله، ووثق \[ به \] نصره الله، وجعله غالبا على عدوه، والله أعلم. 
وقوله تعالى : ادخلوا عليهم الباب  كأن المراد من الباب ليس نفس الباب ولكن جهة من الجهات التي يكون الدخول عليهم من تلك الجهة أوفق وأهون ؛ كأنه قال  ادخلوا عليهم  جهة كذا، والله أعلم.

### الآية 5:24

> ﻿قَالُوا يَا مُوسَىٰ إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَدًا مَا دَامُوا فِيهَا ۖ فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ [5:24]

وقوله تعالى : قالوا يا موسى إنا لن ندخلها أبدا ما داموا فيها  من تعرض لرسول من الرسل بمثل ما تعرض هؤلاء لموسى  إنا لن ندخلها أبدا ما داموا فيها  يكفر لأن موسى عليه السلام قد وعد لهم النصر والفتح إذا دخلوها، فقالوا : لن ندخلها أبدا  لم يصدقوا موسى عليه السلام في ما وعد لهم من الفتح. ومن كذب رسولا من الرسل بشيء يخبر فهو كافر. 
وقوله تعالى : فاذهب أنت وربك فقاتلا  الآية. دل قوله تعالى : فاذهب أنت وربك فقاتلا  على أن المراد بالدخول فيها أمر بالقتال، والله أعلم. 
ثم قيل في قوله تعالى : فاذهب أنت وربك فقاتلا  من وجهين :
\[ أحدهما \] : قيل : اذهب أنت وربك فقاتل وحدك، وليعنك ربك وينصرك، لأنك تقول : إن الله قد وعدك فتحها والنصر عليهم، فالواحد والجماعة فيها سواء إذا الله ناصرك ومعينك. 
والثاني : اذهب أنت وأخوك بربك فقاتلا لأنهما كانا جميعا مأمورين بتبليغ الرسالة لأنهما إذا قاتلا إنما قاتلا بربهما. وتجوز الإضافة إلهي والنسبة إليه لما كان يفعل به كقوله تعالى : فلم يقتلوهم ولكن الله قاتلهم وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى  \[ الأنفال : ١٧ \] هم المباشرون للقتل والرمي في الحقيقة، لكنه أضيف إليه بنصره ومعونته قتلوا ورموا. فعلى ذلك الأول، والله أعلم، أضيف إليه لما بمعونته ونصره يقاتلون. 
وقوله تعالى : إنا هاهنا قاعدون  أي ليس يريد به القعود نفسه، ولكن، والله أعلم، إنا هاهنا منتظرون.

### الآية 5:25

> ﻿قَالَ رَبِّ إِنِّي لَا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَأَخِي ۖ فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ [5:25]

وقوله تعالى : قال رب إني لا أملك إلا نفسي وأخي  الآية ؛ يحتمل  إني لا أملك  في الإجابة والطاعة لك إلا نفسي وأخي، وأخي أيضا لما عرفت بالعصمة التي أعطيت له أن يجيبني، ويطيعني في ذلك وأما هؤلاء فإني لا أملك إجابتهم ولا طاعتهم  فافرق بيننا وبين القوم الفاسقين . 
ويحتمل  قال رب إني لا أملك إلا نفسي  وأخي أيضا لا يملك إلا نفسه، وعلى الإضمار لأنهما كانا جميعا رسولين مأمورين بتبليغ الرسالة بقوله تعالى : فقولا له قولا لينا  الآية \[ طه : ٤٤ \]. 
وقوله تعالى : فافرق بيننا وبين القوم الفاسقين  قال قائلون : إنما طلب موسى، عليه السلام، الفرقة \[ بينه \] وبين الذين أبوا الدخول فيها، وقالوا  لن ندخلها أبدا ما داموا فيها  وقال قائلون : إنما طلب موسى عليه السلام الفرقة بينهم وبين الجبابرة الذين كانوا في الأرض التي أمروا فيها والقتال معهم، والله أعلم.

### الآية 5:26

> ﻿قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ ۛ أَرْبَعِينَ سَنَةً ۛ يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ ۚ فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ [5:26]

وقوله تعالى : قال فإنها محرمة عليهم أربعين سنة  الآية، قوله تعالى : محرمة عليهم  من الحرمان والمنع هو، والله أعلم، ليس على التحريم كقوله تعالى : وحرمنا عليهم المراضع من قبل  \[ القصص : ١٢ \] ليس هو من التحريم الذي هو تحريم حكم، ولكن من المنع والحرمان. فعلى ذلك الأول، والله أعلم. 
وقال قائلون  فإنها محرمة عليهم  أبدا، لم يدخلوها حتى ماتوا، لكن ولد لهم أولاد، فلما ماتوا دخل أولادهم لأنهم قالوا : لن ندخلها أبدا . وقال قائلون : قوله تعالى : محرمة عليهم  أي التوبة محرمة عليهم ؛ لن يتوبوا أبدا، والله أعلم. 
وقوله تعالى : أربعين سنة يتيهون في الأرض  فالمدة هنا للتيه، و الله أعلم، لا لقوله تعالى : محرمة عليهم . 
ثم اختلف في التيه : قال قائلون : لم يكن موسى وهارون عليهما السلام معهم في التيه لأن ذلك لهم من الله كان عقوبة، ولا يحتمل أن يكون الله تعالى عز وجل يعذب رسوله بذنب قومه لأنه لم يعذب قوما بتكذيب الرسول قط إلا بعدما أخرج الرسول من بين أظهرهم. فعلى ذلك لا يحتمل أن يكون موسى يعذب بعصيان قومه، والله أعلم. 
وقال آخرون : كان موسى معهم في الأرض مقيما، فيها ولكن الحيرة والتيه كانت لقومه ؛ كانوا يرتحلون، ثم ينزلون من \[ حيث \] أصبحوا أربعين سنة، وكان مأواهم \[ الحجر \] الذي كان مع موسى، كان إذا نزل ضربه موسى بعصاه  فانفجرت منه اثنتا عشرة عينا  \[ البقرة : ٦٠ \] لكل سبط عين، ولم يكن حل \[ بموسى ما كان حل \] بقومه قليل ولا كثير. إنما أمر بالمقام فيها من غير أن كان به حيرة.

### الآية 5:27

> ﻿۞ وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ ۖ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ [5:27]

وقوله تعالى : واتل عليهم نبأ ابني ءادم بالحق إذ قربا قربانا فتقبل  وقال الحسن وغيره : لم يكونا ابني آدم من صلبه، ولكن كانا رجلين من بني إسرائيل  قربا قربانا فتقبل  قربان أحدهما  ولم يتقبل من الآخر  وقد نسبهما إلى آدم لأن كل البشر ولد آدم ينسب إليه كقوله تعالى : يا بني آدم  \[ الأعراف : ٢٦ و. . . \] افعلوا كذا، ولا تفعلوا كذا، ليس يريد به ولد آدم لصلبه \[ ولكنه يريد \] البشر كله. فعلى ذلك الأول، والله أعلم. 
وأما ابن عباس والكلبي وغيرهما من أهل التأويل فإنهم قالوا : إنهما كانا ابني آدم لصلبه ؛ أحدهما يسمى قابيل والآخر هابيل، وكان لكل واحد أخت ولدت معه في بطن واحد، وكانت إحداهما جميلة والأخرى دميمة، فأراد كل واحد منهما نكاح الجميلة منهما، فتنازعا في ذلك، فقال أحدهما لصاحبه : تعال نقرب قربانا، فإن تقبل قربانك فأنت أحق بها، وإن تقبل قرباني فأنا أحق بها، فقربا قربانهما، فقبل قربان قابيل، فحسده، فهم أن يقتله. فذلك قوله تعالى : إذ قربا قربانا فتقبل من أحدهما ولم يتقبل من الآخر قال إنما يتقبل الله من المتقين  ولكن لا ندري كيف كانت \[ القصة \] ؟ وفيم كانت ؟ وكانا ابني آدم لصلبه أو لم يكونا ؟ وليس لنا إلى معرفة هذا حاجة إنما الحاجة في هذا إلى معرفة ما فيه من الحكمة والعلم لنعلم ذلك، ونعمل به. فهو، والله أعلم، ما ذكر عز وجل في ما تقدم من قوله تعالى : يا أهل الكتاب قد جاءكم رسولنا يبين لكم كثيرا مما كنتم تخفون من الكتاب  \[ المائدة : ١٥ \] وقوله : يبين لكم على فترة من الرسل  \[ المائدة : ١٩ \] لتعلموا أنه إنما علم ذلك بالله لا بأحد من البشر لأنه إنما بعث عند دروس آثار الرسل وانقطاع العلوم، فبين لكم واحدا بعد واحد. 
ففيه دليل إثبات رسالة سيدنا محمد صلى الله عيه وسلم وسورة المائدة كان أكثرها نزل في مخاطبة أهل الكتاب لأنه يقول في موضع : يا أهل الكتاب قد جاءكم رسولنا يبين لكم كثيرا مما تخفون من الكتاب  \[ الآية : ١٥ \]  يبين لكم على فترة من الرسل  \[ الآية : ١٩ \] يدعوهم الإيمان بالرسل. ونزلت سورة الأنعام في مخاطبة أهل الشرك لإن فيها دعاء إلى التوحيد. 
وقوله تعالى : واتل عليهم نبأ ابني ءادم بالحق  يحتمل وجهين : يحتمل : بالحق  المعلوم المعروف على ما كانوا ليعلموا أنه بالله علم، وأنه علم سماوي. 
وقوله تعالى : إنما يتقبل الله من المتقين  هذا يحتمل وجهين : يحتملك  إنما يتقبل الله من المتقين  قربان من اتقى، لا يتقبل من لم يتق. وإلى هذا يذهب الحسن، ويقول : كانا رجلين من بني إسرائيل ؛ أحدهما مؤمن والآخر منافق، فتنازعا في شيء، فقربا ليعلم المحق منهما، فتقبل من المؤمن /١٢٧-ب/ ولم يتقبل من الآخر. 
وقال أبو بكر الأصم : كانا رجلين مصدقين لأن الكافر لا يقرب القربان، لكن أحدهما كان أتقى قلبا، فتقبل قربانه، والتقوى شرط في قبول القرابين وغيرها من القرب، كقوله عز وجل : إنما يتقبل الله من المتقين  والكافر لا يقرب القربان. يقال : قد تقرب لما يدعي من الدين أن الذي هو حق عليه، ليظهر المحق منهم. ألا ترى أنهم يدعون أن فيهم من هو أحق بالرسالة من محمد صلى الله عليه وسلم بقولهم : لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم  \[ الزخرف : ٣١ \] وغير ذلك من أباطيل قالوها ؟ وبالله التوفيق.

### الآية 5:28

> ﻿لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ ۖ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ [5:28]

وقوله تعالى : لئن بسطت إلي يدك لتقتلني ما أنا بباسط يدي إليك لأقتلك  قال بعض الناس : إن الواجب علينا أن نفعل مثل فعل أولئك، لا ينبغي لمن أراد أحد قتله أن يقتله، ولكن يمتنع عن ذلك على ما امتنع أحد ابني آدم حين قال له : ما أنا بباسط يدي إليك لأقتلك  واحتجوا في ذلك بأخبار رويت : روي عن أبي موسى الأشعري \[ أنه قال \] : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول :**«إذا توجه المسلمان بسيفهما، فقتل أحدهما صاحبه، فهما في النار، فقيل : يا رسول الله :\[ هذا القاتل، فما بال \] المقتول ؟ فقال : إنه أراد أن يقتل صاحبه »** \[ ابن ماجة : ٣٩٦٤ \]. 
وعن سعيد بن مالك رضي الله عنه \[ أنه \] قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :**«إن استطعت أن تكون عبد الله، ولا تقتل أحدا من أهل القتلة فافعل »** \[ أحمد٥/٢٩٢ \]. 
وعن الحسن رضي الله عنه \[ أنه \] قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :**«كيف تصنع يا أبا ذر إذا كان بالمدينة قتل بغير حجارة ؟ قال : قلت : ألبس سلاحي، قال : شاركت القوم إذن، قال : قلت : كيف أصنع يا رسول الله ؟ قال : إن خشيت أن يبهرك شعاع السيف فألق ناحية ثوبك على وجهك حتى يبوء بإثمك وإثمه »** \[ أبو داوود : ٤٢٦١ \]. يحتجون بمثل هذه الأخبار. 
وقال آخرون : له أن يقاتل إذا لم يتعظ صاحبه بالله، وأراد قتله، فهو في سعة من قتل من يريد أن يبتديه بالقتل استدلالا بما أمر الله تعالى بقتال أهل البغي كقوله تعالى : فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله  \[ الحجرات : ٩ \] فصار الحكم في أمتنا ما أمرهم الله به من قتال البغاة لأن الله تعالى قال : لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا  \[ المائدة : ٤٨ \]. على أن قتال المشركين كان محظورا في أول مبعث النبي صلى الله عليه وسلم وقبل ذلك بأوقات. وقالوا : فغير منكر أن يكون الوقت الذي ذكره الله في هذه الآية كان قتال المشركين، وتجريد السيف فيه محظورا، فأذن الله في قتالهم وقتال أهل البغي، فصار الحكم في أمتنا ما أمر الله به من قتال البغاة والمشركين، والله أعلم. 
وأما ما احتجوا به من الأخبار التي رويت من اقتتال المسلمين وأشباهها فإن ذلك، والله أعلم، ما احتجوا به من الأخبار التي رويت في حال الفتن وقتال الفئتين اللتين لا إمام فيهما يستحق الإمامة لحمية أو أمر جاهلية أو عصبية، فهما على خطأ. فالصواب في مثله ما ذكر من الأخبار. 
وأما إذا كان للناس إمام هدى، فعقدوا له البيعة، فخرجت عليه خارجة ظالمة، فقتالهم واجب اتباعا لعلي رضي الله عليه ومن حارب معه من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أهل البغي والخوارج، فهو كان لإجماع لأن جميع الطوائف قد حاربوهم. ورويت في ذلك آثار كثيرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى هذا يذهب من رأى قتل من يهم به قبله.

### الآية 5:29

> ﻿إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ ۚ وَذَٰلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ [5:29]

وقوله تعالى : إني أريد أن تبوأ بإثمي وإثمك  أن ترجع  بإثمي  بقتلك إياي  وإثمك  الذي عملته قبل قتلي \[ إياك \]. 
قال القتبي : بإثمي  أن تقتلني  وإثمك  ما أضمرت في نفسك من الحسد والعداوة. وقال الحسن : ترجع  بإثمي  بقتلك إياي  وإثمك  يعني الكفر الذي كان عليه، لأنه يقول : كان أحدهما كافرا، فقتل صاحبه، فيرجع بالكفر، والله أعلم. 
وقوله تعالى : إني أريد أن تبوأ بإثمي وإثمك  يجوز أن يتكل بالإرادة على غير تحقيق الفعل كقول القائل : أريد أن أسقط من السطح، وهو لا يريد سقوطه منه، وكقوله تعالى : فوجدا فيها جدارا يريد أن ينقض  \[ الكهف : ٧٧ \] والجدار لا فعل له. فإذا جازت إضافة الإرادة إلى من لا فعل له، يكون منه، دل أنه ليس على حقيقة الفعل، ولكن على ما يقع أنه يكون كذلك، ويؤول أمره إلى ذلك، أو أراد أن يبوء بإثمه لما علم منه أن يقتله، لا محالة، ويعصي ربه، أراد أن يبوء بإثمه. وذلك جائز، والله أعلم.

### الآية 5:30

> ﻿فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ [5:30]

وقوله تعالى : فطوعت له نفسه قتل أخيه  قال القتبي : أي شايعته، وانقادت له. و قال أبو عوسجة : فطوعت له نفسه  أي أمرت، وزينت له. وقال مجاهد : أي شجعته، وأعانته، وكله يرجع إلى واحد. وقوله تعالى : فأصبح من الخاسرين  كقوله في آية أخرى : فأصبح من النادمين  \[ المائدة : ٣١ \] يحتمل وجهين : يحتمل أصبح تائبا لأن الندامة توبة ؛ وذلك أن من أذنب ذنبا، فندم عليه، كان ذلك توبة منه. فإن لم يكن توبة فتأول قوله : فأصبح  أي يصبح في الآخرة  من النادمين ، وهو كفوه تعالى : وإذ قال الله يا عيسى بن مريم أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله  \[ المائدة : ١١٦ \] أي يقول في الآخرة، لا أن قال له. فعلى ذلك قوله تعالى : فأصبح من النادمين  في الآخرة والله أعلم، ويصبح من الخاسرين.

### الآية 5:31

> ﻿فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْءَةَ أَخِيهِ ۚ قَالَ يَا وَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَٰذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْءَةَ أَخِي ۖ فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ [5:31]

وقوله تعالى : فبعث الله غرابا يبحث في الأرض ليريه كيف يواري سوءة أخيه  استدل من قال : بأن القصة كانت في ابن آدم لصلبه بقوله تعالى : فبعث الله غرابا في الأرض ليريه كيف يواري سوءة أخيه  لأن القصة كانت في بني إسرائيل لم يكن ليجهل دفن الميت، إذ قد رأى ذلك غير مرة، وعاينه، فدل أنه كان أول ميت جعلت السنة فيه. 
وقال من قال : إنهما كانا رجلين من بني إسرائيل ؛ إذ قد يجوز أن يخفى على المرء شيء علمه قبل ذلك، وعاينه، إذا اشتد به الخوف، ونزل به الهول كقوله تعالى : يوم يجمع الله الرسل فيقول ماذا أجبتم قالوا لا علم لنا  \[ الآية : ١٠٩ \] وقد كان لهم علم بذلك لكن ذهب عنهم، والله أعلم. 
ثم اختلف في ما أخبر عن بحث التراب في الأرض ؛ قال الحسن رضي الله عنه يبحث التراب على ذلك الميت ليري ذلك القاتل، لا أنه كان يبحث التراب على غراب آخر على ما ذكرنا في القصة أن غرابا قتل آخر، ثم جعل يبحث التراب عليه لأنه ذكر السوءة، وليس للغراب سوءة، والسوءة العورة، لكنه ليريه كيف يواري سواء أخيه \[ لم يذكر السوءة في الغراب، إنما ذكرها في أخيه، وأخبر أنه يريد أن يريه \] كيف يواري سوأته، والله أعلم. 
وقوله تعالى : قال يا ويلتى أعجزت أن أكون مثل هذا الغراب فأواري سوءة أخي  \]  أعجزت  في الحيلة  أن أكون مثل هذا الغراب فأواري سوءة أخي  ؟

### الآية 5:32

> ﻿مِنْ أَجْلِ ذَٰلِكَ كَتَبْنَا عَلَىٰ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا ۚ وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ بَعْدَ ذَٰلِكَ فِي الْأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ [5:32]

وقوله تعالى : من أجل ذلك كتبنا على بني إسرائيل أنه من قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعا  الآية، يحتمل وجوها : أن من استحل قتل نفس حرم الله قتلها بغير حق فكأنما استحل قتل الناس جميعا لأنه باستحلال قتل نفس محرم قتلها، فكان كاستحلال قتل الناس جميعا لأن \[ من يكفر بآية \] من كتاب الله يصير كافرا بالكل. فعلى ذلك الأول : إذا استحل قتل نفس محرمة يصير كأنه استحل قتل الأنفس كلها. 
ويحتمل أن يكون هذا في أول قتيل قتل لم لم يكن \[ قتل \] قبل هذا قتيلا جعل الناس يقتلون بعد ذلك /١٢٨-أ/ بعضهم بعضا، وكان ذلك واحدا. وكان منه سنة استن الناس بها. فهو كما روي في الخبر أن **«من سن سنة سيئة فله وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة من غير أن ينقص من وزرهم شيئا، ليشترك هذا القاتل في وزر قتل كل قتيل إلى يوم القيامة بغير حق »** \[ أحمد٤ : ٣٦١ \]. وتحتمل الآية وجها آخر ؛ وهو ما قيل : إنه يجب عليه من القتل مثل ما أنه لو قتل الناس جميعا. 
وقوله تعالى : ومن أحياها  أعطاه \[ الله \] من الأجر مثل ما لو أنه أحيى الناس جميعا إذا أحياها فلم يقتلها، وعفا عنها. 
وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال : من أجل  \[ أحد \] ابني آدم حين قتل أخاه  كتبنا على بني إسرائيل أنه من قتل نفسا بغير نفس  بلا نفس وجب عليها القصاص  أو فساد في الأرض  يقول : الشرك في الأرض  فكأنما قتل الناس جميعا  يقول : يعذب عليها كما لو أنه قتل الناس جميعا بها، وهو مثل الأول. 
وعن عبد الله بن عمر \[ أنه قرأ \] : من أجل ذلك  الآية، وقال : لو لم يكن يؤخذ من بني إسرائيل أرش إنما كان قصاصا بقصاص، يقول : من قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعا  أي من استنقذ \[ نفسا \] من مهلكة فكأنما استنقذ الناس جميعا في الآخرة. وقيل : ومن أحياها  بالعفو أجر في إحيائها كما يؤجر من أحيى الناس جميعا ؛ إذ على الناس معونة ذلك. فإذا عفا عنها فكأنما عفا \[ عن \] الناس جميعا. 
قال الحسن : ومن أحياها  في الأجر، أما والله من يستطيع أن يحييها إذا جاء أجلها ؟ ولكنه أقيد فعفا. 
ووجه آخر : أنه يلزم الناس جميعا دفع ذلك عن نفسه ومعونته له. فإذا قتلها بها أو سعى عليها بالفساد فكأنما سعى بذلك على الناس كافة. فعلى ذلك من أحياها فكأنما أحيى الناس جميعا، والله أعلم. 
وقوله تعالى : ولقد جاءهم رسلنا بالبينات ثم إن كثيرا منهم بعد ذلك في الأرض لمسرفون  في الآية قلة تصبر رسول الله صلى الله عليه وسلم على تكذيب الكفرة الفجرة إياه، وإنه ليس بأول مكذب في الحق، بل كانت الرسل من قبل يكذبون في ما يأتون من الآيات والحجج و البيان.

### الآية 5:33

> ﻿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ۚ ذَٰلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا ۖ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ [5:33]

وقوله تعالى : إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادا  الآية، قال بعضهم : الآية نزلت في أهل الكفر وبيان الحكم فيهم، وهو قول الحسن وأبي بكر الأصم، وقالا : لأن الله عز وجل ذكر محاربة الله ورسوله، وذكر السعي في الأرض بالفساد. وكل كافر قد حارب الله ورسوله، وذكر السعي في الأرض بالفساد، فللإمام أن يقتلهم بأي أنواع القتل شاء ما دام الحرب في ما بينهم قائما. فإذا أثخنوا في الأرض بترك ذلك يمن عليهم إن شاء. وأما المسلم إذا قطع الطريق، فإنه لا يقال : إنه حارب الله ورسوله. فدل أنها نزلت في أهل الكفر للكفر لا لقطع الطريق. 
وقال آخرون : نزلت في المشركين إذا قطعوا الطريق على الناس، وأخافوهم **«روي عن ابن عباس رضي الله عنهما \[ أنه \] قال : وادع رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا بردة هلال بن عويمر الأسلمي فجاء أناس يريدون الإسلام، فقطع عليهم، فنزل جبريل على رسول الله صلى الله عليه وسلم بالحد فيهم : أن من قتل، ولم يأخذ المال، قتل، ومن أخذ المال، ولم يقتل، قطعت يده ورجله من خلاف، ومن جاء مسلما هدم بالإسلام ما كان في الشرك »** \[ القرطبي ٣/٢٦٦ \] فدل حديث ابن عباس رضي الله عنهما على أن الآية نزلت في الموادعين غير المحاربين. 
وروي عن أنس \[ أنه \] قال :**«إن أناسا من عكل أو عرينة أتوا النبي صلى الله عليه وسلم فشكوا إليه الجهد، فبعث معهم بلقاح وراع، وقال لهم : اشربوا ألبانها، وتداووا بأبوالها، فلما أن صحوا \[ قتلوا \] راعي النبي صلى الله عليه وسلم واستاقوا الإبل، وارتدوا عن الإسلام، فبعث في آثارهم، فأتى بهم بعد ما ترجل بهم النهار، فأمر بهم، فقطعت أيديهم وأرجلهم، وسملت أعينهم، وقطعت ألسنتهم، وتركوا بالمكان حتى ماتوا، فنزلت الآية »**. \[ البخاري : ٢٣٣ \]. 
وروي عن علي رضي الله عنه ما يخالف هذا ؛ روي أن حارثة بن بدر حارب الله ورسوله، وسعى في الأرض فسادا، وتاب من قبل أن يقدر عيه، فكتب علي بن أبي طالب إلى عامله بالبصرة أن حارثة \[ ابن بدر \] قد تاب قبل أن يقدر عليه، فلا تتعرض له إلا بالخير. 
ألا ترى أن حارثة \[ بن بدر \] قد تاب، أطلق فيه أنه حارب الله ورسوله صلى الله عليه وسلم وكان مؤمنا ؟ فهذا يدل على أن الحكم الذي أجري على قطاع الطرق الكفرة يجري ذلك الحكم في المسلمين إذا كان منهم ما كان من المشركين مع قطع الطريق على الناس وإخافته عليهم. وقد يتوهم أن الآية نزلت في أهل الحرب، وقد أبيح لنا قتل من ظفرنا به منهم كيف شئنا، وإن لم يفسدوا في الأرض، ولم يقطعوا الطريق. 
وهذا يدل \[ على \] أن الآية نزلت بالحكم في أهل الكفرة وأهل الإسلام جميعا إذا سعوا في الأرض بالفساد. 
ومن الدليل على ذلك أن الله تعالى قال : إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم  \[ المائدة : ٣٤ \] وأجمعوا أن الكافر إذا قتل المسلم، وأظهر في الأرض الفساد، فقدرنا عليه، وأسرناه، ثم أسلم، أنه يزول عنه القتل والقطع والصلب. فدل ذلك على أن الآية نزلت بالحكم في المسلمين لأنه يختلف حكمه إذا تابوا من قبل أن يقدر عليهم، أو بعد قدرتنا عليهم. 
فأما الذين رووا عن النبي صلى الله عليه وسلم من فعل بالعرنيين من نحو ابن سيرين وغيره فالواجب على من ادعى أن الآية نزلت في العرنيين دعواه. وكان أصحابنا، رحمهم الله، يذهبون إلى ما روي عن ابن عباس رضي الله عنهما ويرون أن يؤخذ المحارب إذا تاب قبل أن يقدر عليه بما أصاب من دم ومال على سبيل القصاص، ولا يصلب، و لا تقطع يده وجله في ما أصاب من مال. فكأنهم ذهبوا إلى أن يزال الحد الذي لله على المحارب بتوبته قبل أن يقدر عليه، وهو ما كان إلى الإمام إقامته، ولا أمر للولي فيه. 
وأما الحقوق التي هي للعباد فإن التوبة لا تعمل في إبطالها، ولكل ذي حق أن يأخذ حقه، لا حق للإمام لأن الحق صار للولي دون الإمام. 
وفي قوله تعالى : إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم  دلالة على أن السارق إذا رد السرقة أن يقدر عليه أن لا قطع عليه. وكذلك روى بعض المتقدمين أنهم قالوا ليس على تائب قطع. ودل قوله تعالى : ويسعون في الأرض فسادا  على أن السارق في المصر ليلا ونهارا لا يكون محاربا، وإنما هو سارق تقطع يده دون رجله لأنه ذكر السعي في الأرض بالفساد، والسارق في المصر لا يقال : سعى في الأرض. ألا ترى إلى قوله تعالى : وإذا ضربتم في الأرض  \[ النساء : ١٠١ \] لم يرد الضرب في المصر، ولكن أراد الأسفار. فعلى ذلك الأول. 
وأما الكلام في القتل والصلب والقطع فروي عن ابن عباس رضي الله عنهما \[ أنه \] قال : إذا حارب، وقتل، وأخذ المال، قطعت يده ورجله من خلاف، وصلب. فإن قتل، ولم يأخذ المال، قيل : وإن أخذ المال ولم يقتل، قطعت يده ورجله من خلاف. وتأويل الآية : إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله  الآية على أن الواجب على المحارب من العقوبة له على قدر جنايته، ويزاد في عقوبته بقدر زيادته في جرمه. 
وتأول غيره الآية على أنها نزلت في المحارب الذي يصيب المال أو النفس. وإذا أصاب الأمرين كان للإمام أن يقتله كيف شاء ؛ إن شاء قتله بالسيف قتلا، وإن شاء قطع يده ورجله، ثم يتركه حتى يموت، وإن شاء صلبه حيا. /١٢٨-ب/ وإن أبطأ عليه الموت طعن بالرماح حتى يموت. وإلى هذا ذهب أبو حنيفة رضي الله عنه. وأما يوسف ومحمد، رحمهما الله، فقالا : إذا صلب لم تقطع \[ يده ورجله \] من خلاف، وجعلا عقوبته مختلفة على قدر جنايته. فإن قيل : فما معنى التخيير فيه ؟ قيل معناه، والله أعلم : أن يقتل بالسيف، أو بالصلب أو يقتل بقطع اليد والرجل. 
وأصله أن حرف التخيير إذا كان في متفق الأسباب يخرج مخرج التخيير من نحو التخيير في كفارة اليمين وكفارة الظهار وكفارة المتأذى لأن سبب وجوبه واحد. وإذا كان في مختلف الأسباب فيخرج مخرج بيان الحكم للكل في نفسه كقوله تعالى : قلنا يا ذا القرنين إما أن تعذب وإما أن تتخذ فيهم حسنا  \[ الكهف : ٨٦ \] لا يحتمل التخيير. ولكنه على بيان الحكم لكل في نفسه لأن سبب وجوبه مختلف ؛ فتأويله : إما أن تعذب من ظلم، \[ وإما أن \] تتخذ الحسن في من آمن بالله. ألا ترى أنه قال : أما من ظلم فسوف نعذبه   وأما من ءامن وعمل صالحا فله جزاء الحسنى  ؟ \[ الكهف : ٨٧ و٨٨ \] وقول من جعل الحكم في من جمع القتل وقطع الطريق أقرب إلى التأويل، والله أعلم، ممن لم يجمع لأنه قال عز وجل : إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله  الآية فمن حارب، وأفسد في الأرض فقد أتى بالأمرين لأن محاربته أن يقتل، وإفساده في الأرض \[ أن \] يقطع الطريق. فإذا جمع هو بين الأمرين يجمع بين عقوبتين. وأصله أن أمر قطاع الطرق محمول على فضل تغليظ من نحو ما يجمع بين قطع اليد والرجل في أخذ المال، وذلك لا يجمع في أخذ المال في المصر، ومن نحو الصلب. وذلك لم يجعل في غيره من القتل في المصر، فدل أنه محمول على فضل تغليظ، فجاز أن يجمع ما ذكرنا. 
وقوله تعالى : أو ينفوا من الأرض ذلك لهم خزي في الدنيا  قال بعضهم : أو ينفوا  على إسقاط الألف، ويكون في القتل والصلب نفيه إذا قتل، وأخذ المال. وقال بعضهم : نفيه أن يطلب فلا يقدر عليه. 
وعن الحسن \[ أنه \] قال : يطلب حتى يخرج من أرض الإسلام ؛ وذلك إلى الإمام. وأصله ما ذكرنا أنه إذا قدر عليه، وقد قتل، وأخذ المال، يقتل، وفي القتل نفيه. وإذا لم يأخذ حبس إن قدر عليه، وفي الحبس نفيه، وإن يقدر عليه يطلب حتى يبرح الطريق، والله أعلم. 
وقول ابن عبيد حين قال : إنه يصلب بعد القتل لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن المثلة، \[ فيقال له : المثلة \] يراد بها على ما قال محمد بن الحسن، رحمه الله تعالى : إن الصلب جعل عقوبته، والميت لا يعاقب، ولو جاز \[ له أن يقول \] يصلب بعد القتل جاز لغيره أن يقول : تقطع يده ورجله بعد القتل، فذلك بعيد.

### الآية 5:34

> ﻿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ ۖ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ [5:34]

وقوله تعالى : إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم  قد ذكرنا في ما تقدم أن قطاع الطريق إذا تابوا، قبل أن يقدر عليهم سقطت عنهم الحدود التي هي لله تعالى، لا يؤاخذون بها، و ليست كغيرها من الحدود التي تلزم في غير المحاربة. إن التوبة لا يعمل في إسقاطها لوجهين :
أحدهما : أن التوبة من غير المحارب لا تظهر حقيقة، فإذا لم تظهر لم يعمل في إسقاط ما وجب، ومن المحارب تظهر لأنه في يدي نفسه إذا ترك المحاربة والسعي في الأرض بالفساد، وظهرت منه التوبة، فلم يؤاخذ به، وفي سائر الحدود لا يظهر منه ترك ما كان يرتكب لذلك \[ افترقا. 
والثاني : أنه لو لم يقل منه ذلك \] لتمادى في السعي بالفساد في حق المسلمين من الضرر أكثر مما لو آخذوه بذلك، فاستحسن قبول ذلك منهم ودرء ما وجب عليهم من الحدود التي هي لله تعالى. وأما الحقوق التي هي للعباد فذلك إلى الأولياء ؛ إن شاؤوا تركوا، والله أعلم. 
وقوله :**«ومن جاء مسلما هدم بالإسلام ما كان بالشرك »** \[ القرطبي : ٣/٢٦٦ \] معناه : إذا جاء تائبا لأن الحدود زواجر، والإسلام يزيد في الزجر والتغليظ، فلا يجوز ما كان سببا للتغليظ \[ أن يكون \] سببا لإسقاطه. دل أن المعنى منه : من جاء مسلما ثانيا، والله أعلم.

### الآية 5:35

> ﻿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ [5:35]

وقوله تعالى : يا أيها الذين ءامنوا اتقوا الله وابتغوا إليه الوسيلة  يحتمل أن تكون الآية صلة ما مضى من الآيات : من ذلك قوله تعالى : قربا قربانا فتقبل من أحدهما ولم يتقبل من الآخر قال لأقتلنك قال إنما يتقبل الله من المتقين  \[ المائدة : ٢٧ \] أخبر أنه إنما يتقرب بقربانه المتقي، وقوله تعالى : إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله  الآية \[ المائدة : ٣٣ \] ثم قوله تعالى : اتقوا الله وابتغوا إليه الوسيلة  أي ابتغوا بتقوى الله عن معاصيه القربة، و الوسيلة القربة. وكذلك الزلفة. يقال : توسل إلي بكذا أي تقرب، وهو قول القتبي : وأزلفت الجنة للمتقين  \[ الشعراء : ٩٠ وق : ٣١ \] أي قربت. 
وقوله تعالى : وجاهدوا في سبيله  الآية ؛ يحتمل هذا وجهين :
أحدهما : جاهدوا  أنفسكم في صرفها عن معاصيه إلى طاعته، وهو كقوله تعالى : والذين جاهدوا فينا لنهديهم سبلنا  \[ العنكبوت : ٦٩ \]. 
والثاني : وجاهدوا  مع أنفسكم وأموالكم أعداء الله في نصرة دينه، وبالله التوفيق.

### الآية 5:36

> ﻿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُوا بِهِ مِنْ عَذَابِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَا تُقُبِّلَ مِنْهُمْ ۖ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ [5:36]

وقوله تعالى : إن الذين كفروا لو أن لهم ما في الأرض جميعا ومثله معه ليفتدوا به من عذاب يوم القيامة ما تقبل منهم  كان الذي يمنعهم عن الإسلام والإيمان بالله والرسل قضاء شهواتهم وطلب العز والشرف بالأموال، فأخبر : لو أن لهم ما في الأرض جميعا ومثله معه ليفتدوا به  في صرف العذاب عن أنفسهم  ما تقبل منهم  ولا ينفعهم ذلك. يذكر هذا، والله أعلم، ليصرفوا أنفسهم عن معاصي الله والخلاف له بأدنى شيء يطلبون من الأموال والشهوات. وأخبر أنه لو كان  لهم ما في الأرض جميعا ومثله معه ليفتدوا به من عذاب يوم القيامة  ما نفعهم ذلك، و ما تقبل منهم . والحكمة في هذا، والله أعلم، ليعلموا أن الآخرة ليست بدار تقبل فيها الرشا كما تقبل في الدنيا. 
وقوله تعالى : ولهم عذاب أليم  دل هذا على أن من العذاب ما لا ألم فيه من نحو الحبس والقيد. فأخبر أن عذاب الآخرة أليم كله، ليس كعذاب الدنيا ؛ منه ما يكون أليما، ومنه ما لا يكون.

### الآية 5:37

> ﻿يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْهَا ۖ وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ [5:37]

وقوله تعالى : يريدون أن يخرجوا من النار وما هم بخارجين منها  الآية. يحتمل قوله عز وجل : يريدون أن يخرجوا  منها أي يطلبون، ويسألون الخروج منها من غير الخروج نفسه. ويحتمل قوله تعالى : يريدون أن يخرجوا  منها ولكن يردون، ويعادون إلى مكانهم كقوله تعالى : كلما أرادوا أن يخرجوا منها من غم أعيدوا فيها  \[ الحج : ٢٢ \] أي يجهدون في الخروج منها  أعيدوا فيها  فيه دليل أنهم يعملون عمل الخروج. ولكن يردون، ويعادون فيها.

### الآية 5:38

> ﻿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ [5:38]

وقوله تعالى : والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما  الآية عامة في السراق خاصة في السرقة لأنه يدخل أهل الخطاب في ذلك، وإن كان يجوز أن يدرأ الحد عن بعض السراق إذا سرقوا من محارمهم أو ممن له تأويل الملك في ماله أو شبهة التناول منه لأنه إذا سرق ممن ليس له ذلك التأويل ولا تلك الشبهة، قطع. فدل أنها عامة. و على هذا يخرج قول ابن عباس رضي الله عنهما حين سئل عن قوله تعالى : والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما  أخاص هو أم عام ؟ فقال : لا بل عام أي عام في السراق. ألا ترى أنه قال في خبر آخر حين سئل عن ذلك، فقال : ما كان من الرجال والنساء قطع ؟ وأما قولنا فخاص في السرقة لأنه \[ لا \] يحتمل قلب أحد قطع اليد في الشيء التافه الخسيس الذي إذا أخذ منه. دل أن الخطاب بذلك من الله عز وجل رجع إلى سرقة لا إلى كل ما يقع عليه اسم \[ المسروق \]. وكذلك الخطاب بقطع اليد رجع إلى بعض، وهو الكف وإن كان اسم اليد يقع من الأصابع إلى الإبط، لأن الناس مع اختلافهم /١٢٩-أ/ اتفقوا على أن اليد من الإبط ولا من المرفق لكنهم اختلفوا في ما دون ذلك، فعلى قول بعضهم تقطع الأصابع دون الكف. وعندنا أنه تقطع الأصابع بالكف لأنه بها يقبض الشيء، فخرج الخطاب بالقطع عاما، والمراد منه رجع إلى بعض اليد دون بعض. وكذلك قوله تعالى : فاقطعوا أيديهما  فخرج الخطاب بالقطع عاما، ليس فيه بيان من يتولى القطع ؛ المراد منه رجع إلى الولاة. فهذا كله يدل على أن ليس في مخرج عموم اللفظ دليل على عموم المراد، ولا في مخرج خصوص اللفظ دليل خصوصه. بل يعرف ذلك كله بدليل يقوم العموم بدليل العموم والخصوص بدليل الخصوص. فهذا ينقض قول من يقول : إنه على العموم حتى يقوم دليل الخصوص، والله أعلم. 
فإن قيل لنا إيش الحكمة في إقامة الحد في السرقة على ما به تكتسب السرقة، وهو اليد ؟ ولم يقم الحد في سائر الحدود في ما به كان اكتسابها من نحو القصاص \[ في الزنى \] وغيره : إنه إذا قتل \[ فلان \] آخر لا تقطع يده، وبها كان اكتساب القتل، وكذا الزنى لم يقم الحد إلا ما به كان الزنى، بل أقيم على غير ما به كان ذلك الفعل ؟ وفي السرقة أقيم على ما به كان ذلك الفعل خاصة ؟. قيل، والله أعلم، لخلتين : إما لقصور في الاستيفاء من الحق أو لخوف الزيادة في الاستيفاء على الحق لأنه إذا قتل، أو قطعت يده، بقيت له النفس، وقد تلفت نفس الآخر، فكان في ذلك قصور في استفاء الحق. وفي الزنى لو أقيم به على الذي كان اكتساب الفعل لخيف تلف نفسه به، فكان في ذلك استيفاء الزيادة على الحق. وأما السرقة فإنه أمكن استيفاء الحق مما كان به اكتسابها على غير قصور يقع في الاستيفاء ولا خوف الزيادة في الاستيفاء. لذلك كان ما ذكر، والله أعلم. 
فإن قيل : ما الحكمة في يد ؛ قيمتها ألوف بسرقة عشرة ؟ وذلك مما لا يماثله في الظاهر، وقد أخبر أن  ومن جاء بالسيئة فلا يجزى إلا مثلها  \[ الأنعام : ١٦٠ وغافر : ٤٠ \] كيف جزى هذا بأضعاف ذلك ؟ قيل : لهذا جوابان :
أحدهما : أن جزاء الدنيا محنة، يمتحن عباده بأنواع المحن ابتداء على غير جعل ذلك جزاء لكسب يكتسب. فمن له الامتحان بأنواع المحن على غير جعلها جزاء الشيء كان له الامتحان بأن يجعل ما يساوي ألوفا فلسا أو حبة. وبالله العصمة والنجاة. 
والثاني : أن ليس القطع في السرقة جزاء ما أخذ من المال، ولكنه جزاء ما هتك من الحرمة. ألا ترى أنه قال : جزاء بما كسبا  ولم يقل بما أخذا من الأموال ؟ فيجوز أن يبلغ جزاء هتك تلك الحرمة قطع اليد، وإن قصر علم البشر على ذلك لأن مقادير العقوبات إنما يعرفها من يعرف مقادير الإجرام. وليس أحد من الخلائق يحتمل علمه مبلغ مقادير الإجرام. فإذا لم يحتمل علمهم مبلغ مقادير عقوبات ماذا كان ؟ فحق القول فيه الاتباع والتسليم بعد العلم في الاتباع أن الله لا يجزي السيئة إلا مثلها، وبالله التوفيق. 
ثم الكلام في قطع اليد اليمنى ما روي في حرف ابن مسعود رضي الله عنه : فاقطعوا أيمانهما. وعن علي رضي الله عنه \[ أنه قال \] إذا سرق الرجل قطعت يده اليمنى. وعلى ذلك اتفاق الأئمة. 
ثم المسألة في مقدار السرقة، وليس في الآية ذكر مقدارها. واختلف أهل العلم في ذلك : فقال بعضهم : تقطع في ربع دينار فصاعدا. وقال أصحابنا : لا تقطع اليد إلا في عشرة دراهم فصاعدا أو دينار. 
وقد روي من الأخبار ما احتج به كل فريق منهم : روي عن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقطع في ربع دينار فصاعدا، وعروة بن الزبير يقول : كانت عائشة رضي الله عنها تحدث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال :**«لا تقطع اليد إلا في المجن أو في ثمنه »** \[ النسائي ٨/٨١ \] وتزعم أن قيمة المجن أربعة دراهم، فدل قول عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان لا يقطع اليد إلا في ثمن المجن. 
وقولها :**«إن النبي صلى الله عليه وسلم كان لا يقطع اليد إلا في ربع دينار »** \[ يدل على \] أن ثمن المجن كان عندها ربع دينار، أو لا يكون كذلك. وعلى ذلك ما روي عن ابن عمر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قطع في مجن، قيمته ثلاثة دراهم. 
وأما التقويم فإنما هو من عند عبد الله بن مالك رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قطع في مجن، فقيل يا أبا حمزة كم كانت ؟ قال : وزن خمسة دراهم. هذا يدل على أن التقويم، كان من \[ أنس \] : كان ذلك كتقويم ابن عمر وعائشة رضي الله عنهما وليس في التقويم حجة في واحد من المقومين لمخالفة كل واحد صاحبه، وإنما قوموه من قبل أنفسهم. فأما إن كان في مجنين مختلفين فهو التناسخ. وأما إن كان في مجن واحد في وقتين مختلفين : فإن كان في وقتين مختلفين لم يكن لمخالفنا فيه حجة لما يحتمل الزيادة والنقصان على اختلاف الأوقات. وإن كان في مجنين مختلفين فهو على التناسخ، فلم يظهر فلا يقدم على القطع بالشك. ثم الأخبار التي تمنع القطع بدون العشرة ما روي عن عمرو بن شعيب \[ أنه \] قال :**«دخلت على سعيد بن المسيب، فقلت له : إن أصحابك عروة ومحمد بن مسلم \[ وفلانا ورجلا \] آخر يقولون : ثمن المجن خمسة دراهم أو ثلاثة، فقال : أما هذا فقد مضت السنة فيه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم عشرة دارهم »**. وعن ابن عباس رضي الله عنهما \[ أنه \] كان لا يقطع اليد إلا في ثمن المجن، وهو يومئذ يساوي عشرة دراهم. فلما اختلف المقومون في قيمة المجن رجعنا إلى ما روي عن سعيد بن المسيب حين قال : مضت السنة من رسول الله صلى الله عليه وسلم بعشرة دراهم وإن كان مرسلا إذ لا معارض له. ويؤيد هذا ما روي عن نجباء الصحابة رضوان الله عليهم من نحو عمر وعثمان وعلي وعبد الله بن مسعود رضي الله عنهم. 
وروي عن عمر أتي بسارق، فأمر \[ بقطع يده، فقال \] عثمان رضي الله عنه : سرقته لا تساوي عشرة دراهم. فأمر بها فقومت بثمانية دراهم، \[ فقال \] :**«لا تقطع اليد إلا في عشرة دراهم »**. 
وروي عن عائشة \[ رضي الله عنها أنها \] قالت :**«لم تكن اليد تقطع على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم في الشيء التافه »**. فأخذ أصحابنا، رحمهم الله تعالى، بهذه الأخبار، ولم يروا قطع اليد بدون العشرة لأنهم مع اختلافهم اتفقوا على أن اليد تقطع في سرقة عشرة دراهم. واختلفوا في وجوب القطع في ما دون العشرة، وهو حد قد رئي للإشكال، والله أعلم. 
وأما قوله تعالى : جزاء بما كسبا نكالا من الله  الآية ؛ يحتمل قوله : نكالا من الله  أي عظة وزجرا من الله لغيره لأن من عاين آخر قطعت يده في سرقة اتعظ به، وزجره ذلك عن الإقدام عليه، والله أعلم.

### الآية 5:39

> ﻿فَمَنْ تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ ۗ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ [5:39]

وقوله تعالى : فمن تاب من بعد ظلمه  الآية أي تاب عن الشرك،  وأصلح  ما كان يفسده، ويرتكبه في حال شركه  فإن الله يتوب عليه إن الله غفور رحيم  وعد له المغفرة الرحمة إذا تاب عن الشرك، وأصلح ما كان يفسده، ويرتكبه في حال الشرك حتى لا يؤاخذ بشيء مما كان يرتكبه في حال الشرك، ويتعاطاه إذا أسلم. 
ألا ترى أنه قال تعالى : إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف  ؟ \[ الأنفال : ٣٨ \] والمسلم في حال الإسلام إذا ارتكب حدودا /١٢٩-ب/ وتعاطاها، ثم تاب، أوخذ بها لوجهين :
أحدهما : أن الكافر لو أوخذ بعدما أسلم بما كان ارتكب في حال الكفر، وتعاطاه، فذلك يمنعه عن الإسلام، ويزجره. فإذا كان كذلك فكان في إقامة ذلك والأخذ بها من الفساد أكثر من الصلاح، وأما المسلم إذا لم يؤاخذ بما ارتكب، وتعاطى بعد التوبة يدخل في ذلك الفساد ما يفحش، وذلك أنه لما أٍيد أن يقام عليه الحد تاب، فسقط ذلك عنه، ثم عاد ثانيا ثم ثالثا إلى ما لا يتناهى. فعمل في الأرض بكل الفساد من غير أن لحقه ضرر، لذلك أوخذ به بعد التوبة، والكافر لا، والله أعلم. 
والثاني : أن الكافر ما يرتكب في حال الكفر إنما يرتكبه تدينا بدين \[ يدين \] به. فإذا رجع عن ذلك الدين، ودان بدين آخر، ما يكون ذلك حراما في دينه الذي تمسك به، ترك ما كان يرتكب في دينه الأول تدينا، فيظهر ذلك منه، فلم يقل عليه لما يظهر منه : ترك ما تعاطى قبل ذلك. وأما المسلم فليس يتعاطى ما يتعاطى تدينا بدين \[ يدين \] به، ولكنه يتعطاه شهوة ؛ وذلك مما لا تظهر منه التوبة حقيقة. لذلك اختلفا، والله أعلم. 
وفيه دليل جواز تأخر البيان لأنه قال تعالى : والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما جزاء  ولا يحتمل أن يبين له جميع شرائط السرقة التي يجب فيها القطع و قت قرع الخطاب السمع. فدل أنه إنما بين له على قدر الحاجة بعد السؤال والبحث عنها، والله أعلم. 
وكان جميع ما ذكر من العقوبات إنما نزل في أهل الكفر لأنهم هم الذين كانوا يتعاطون ذلك دون المسلمين، وترك عامة العقوبات في المسلمين لأنه هم الذين \[ لا \] يرغبون فيها. ومن ذلك قوله تعالى : إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله  الآية، \[ المائدة : ٣٣ \] وما ذكر في ابني آدم وقوله تعالى : والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما جزاء  الآية، \[ المائدة : ٣٨ \]. 
وذكر عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال : نزلت في طعمة بن أبيرق سرق درع جاره، فنزلت الآية. وعلى ذلك قال عامة أهل التأويل. ثم صار الحكم في المسلمين إذا ارتكبوا تلك الأجرام. وفيه دليل جواز القياس، والله أعلم.

### الآية 5:40

> ﻿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ ۗ وَاللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [5:40]

وقوله تعالى : ألم تعلم أن الله له ملك السماوات والأرض يعذب من يشاء ويغفر لمن يشاء  هذا، والله أعلم، على إثر قوله : والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما جزاء  \[ المائدة : ٣٨ \] وعلى إثر قوله : إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله  الآية \[ المائدة : ٣٣ \]. إن  له ملك السماوات والأرض  وله أن  يعذب من يشاء  بعد التوبة وقبل التوبة  ويغفر لمن يشاء  ولا يعذب بعد التوبة. وذلك أن المحارب إذا تاب قبل أن يقدر عليه الحد الذي وجب في حال المحاربة، والسارق إذا تاب قبل أن يقدر عليه الأخذ به أخبر أن له أن يعذب من يشاء. 
وفيه نقض على المعتزلة لأنهم يقولون : الصغيرة مغفورة، وليس له أن يعذب عليها، والكبيرة يخلد صاحبها في النار، ليس له أن يعفو عنها. فلو كان على ما قالوا لذهب معنى التخيير بقوله تعالى : يعذب من يشاء ويغفر لمن يشاء  إن عفا عفا ما عليه أن يعفو، وكذلك ما عذب عذب ما عليه أن يعذب، فتذهب فائدة التخيير، وقد أخبر أنه  يعذب من يشاء ويغفر لمن يشاء .

### الآية 5:41

> ﻿۞ يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ ۛ وَمِنَ الَّذِينَ هَادُوا ۛ سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ ۖ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ ۖ يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَٰذَا فَخُذُوهُ وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا ۚ وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا ۚ أُولَٰئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ ۚ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ ۖ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ [5:41]

وقوله تعالى : يا أيها الرسول لا يحزنك الذين يسارعون في الكفر  الآية، يحتمل وجوها :
أحدهما : ألا يحزنك كفر من كفر منهم، ليس على النهي عن ذلك، ولكن ألا يحمل على نفسه بكفرهم ما يمنعه عن القيام بأمره كقوله تعالى : فلا تذهب نفسك عليهم حسرات  \[ فاطر : ٨ \] كقوله تعالى : لعلك باخع نفسك ألا يكونوا مؤمنين  \[ الشعراء : ٣ \] ونحو ذلك من الآيات مما يشتد به الحزن بكفرهم لشدة رغبته في إسلامهم. 
ويحتمل قوله تعالى : يسارعون في الكفر  أي لا يحزنك تمرد هؤلاء وتكذيبهم إياك فإن الله ناصرك ومظفرك عليهم. 
ويحتمل  لا يحزنك  صنع هؤلاء الكفرة وسوء عملهم فإنك لا تؤاخذ بصنيعهم كقوله تعالى : فإن تولوا فإنما عليه ما حمل وعليكم ما حملتم  \[ النور : ٥٤ \] وكقوله تعالى : لا يضركم من ضل إذا اهتيدتم  \[ المائدة : ١٠٥ \]. 
وفي قوله تعالى : يأيها الرسول  دلالة تفضيل رسول الله صلى الله عليه وسلم على غيره من الأنبياء والرسل لأنه تعالى في جميع ما خاطب رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : يا أيها الرسول  و  يأيها النبي  ولم يخاطبه باسمه، وسائر الأنبياء، عليهم الصلاة والسلام، إنما خاطبهم بأسمائهم : يا موسى  و يا إبراهيم  و يا نوح  وجميع من خاطب منهم، أو ذكر إنما خاطبهم بأسمائهم. 
وقوله تعالى : من الذين قالوا ءامنا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم  قال : قالوا آمنا بأفواههم  ولم يقل : آمنوا بأفواههم ليعلم أن القول به ليس من شرط الإيمان، إنما الإيمان هو تصديق بالقلب، لكن \[ يعبر \] به اللسان عن قلبه. ألا ترى أنه قال : ولم تؤمن قلوبهم  ؟ والإيمان هو التصديق في اللغة، لأن ضده التكذيب، فيجب أن يكون ضد التكذيب التصديق. \[ والإيمان \] يكون بالقلب حين قال صلى الله عليه وسلم : ولم تؤمن قلوبهم  لكن اللسان يعبر عن ضميره، فهو ترجمان القلب في ما بين الخلق. 
فهذا يدل أيضا على أن الإيمان ليس هو المعرفة لأن الإيمان لو كان معرفة لكان يجب أن يكون شده جهلا. فلما كان ضد الإيمان تكذيبا وجب أن يكون ضد التكذيب التصديق، والتصديق والإيمان في اللغة سواء. ولأن المعرفة قد تقع في القلب على غير اكتساب فعل، والتصديق لا يكون إلا باكتساب ترك مضادته، وهو التكذيب. لذلك قلنا : إن الإيمان ليس هو المعرفة، ولكنه التصديق. 
ثم اختلف في هؤلاء : قال بعضهم : هم المنافقون الذين كانوا يظهرون الإيمان باللسان، وقلوبهم كافرة، وقال آخرون، هم اليهود والمنافقون  الذين قالوا ءامنا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم  \[ على أنه \] في المنافقين. 
وقوله تعالى : سماعون للكذب سماعون لقوم آخرين لم يأتوك  يحتمل : سماعون  إلى النبي صلى الله عليه وسلم خبره  سماعون لقوم آخرين لم يأتوك  خبره بالكذب. ومعناه، والله أعلم، أنهم كانوا يستمعون إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم خبره وما يقول لهم، ثم يأتون الذين لم يأتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فيخبرونهم خلاف خبره وغير ما سمعوا منه. 
وقيل : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول : إن في التوراة كذا من الأحكام والشرائع، فإذا سمع هؤلاء منه ذلك أتوا أولئك الذين لم يأتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فيقولون : إنه كاذب، وليس في التوراة ما يقول هو، و نحو ذا. وقيل : إنهم كانوا طلائع الكفرة وعيونا لهم. فإذا أتى لهم خبر يخبرون ضعفة أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم خلاف ما أتاهم نحو قولهم  إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم  \[ آل عمران : ١٧٣ \] \[ لأنهم كانوا \] يخشونهم، لئلا يغزوهم، والله أعلم. 
وقوله تعالى : يحرفون الكلم من بعد مواضعه  يحتمل التحريف وجهين :
\[ يحتمل \] تبديل الكتابة من الأصل، كقوله تعالى : فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم ثم يقولون هذا من عند الله  \[ البقرة : ٧٩ \]. 
ويحتمل تغيير المعنى في العبارة على غير تبديل الكتاب ؛ يغيرون على السفلة والذين لا يعرفون غير ما فهموا منه. 
وقوله تعالى : يقولون إن أوتيتم هذا  يعنون ب  هذا  ما حرفوه، وغيروه  فخذوه وإن لم تؤتوه فاحذروا  عن ابن عباس رضي الله عنهما \[ أنه \] قال : نزلت الآية في رجل وامرأة من اليهود، زنيا، وإن كان حكم الله في التوراة في الزنى الرجم، وكانوا يرجمون الوضيع منهم إذا زنى، و لا يرجمون الشريف، وكانا في شرف وموضع، وكانا قد أحصنا، فكرهت اليهود رجمهما \[ وكان \] في كتابهم الرجم، وكانوا أرادوا أن يرتفع الرجم من بينهم وأن يكون /١٣٠-أ/ حدهم الجلد. فذلك قوله تعالى : إن أوتيتم هذا  يعنون الجلد  وإن لم تؤتوه فاحذروا  فكتبوا بذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فسألوا عن ذلك، فقالوا : يا محمد أخبرنا عن الزاني والزانية إذا أحصنا ما حدهما ؟ وهل تجد فيهما الرجم في ما أنزل الله تعالى عليك ؟ فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم : وهل ترضون بقضائي في ذلك ؟ قالوا : نعم. فنزل جبريل عليه السلام وقال له : إن أبوا أن يأخذوا به، فاسألهم عن رجل منهم، يقال له : ابن صوريا، قالوا : نعم. قال : فأي رجل، هو فيكم ؟ قالوا : وهو أعلم \[ اليهود على ظهر \] الأرض بما أنزل الله على موسى، قال : فأرسلوا إليه، ففعلوا، فأتاهم ابن صوريا، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : أنت ابن صوريا ؟ قال : نعم. قال : أنت أعلم اليهود ؟ قال : كذلك يزعمون. قال : اجعلوه بيني وبينكم، قالوا : نعم رضينا به إذا رضيت. قال : فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : فأنى تشرك بالله الذي لا إله إلا هو الذي أنزل التوراة على موسى ؟ هل تجدون في كتابكم الذي أتاكم به موسى في التوراة الرجم على من أحصن ؟ قال ابن صوريا : نعم، والذي ذكرتني لولا خشية أن تحرقني النار إن كذبت، أو غيرت، ما اعترفت لك. ففي هذا وجوه من الدلائل :
أحدهما : أن سألهم عما كتموا من الأحكام والحقوق التي بينهم وبين الله تعالى ليظهر خيانتهم وكذبهم في ما كتموا من بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم وصفته، ليعلموا أنه إنما عرف ذلك بالله. وفيه إثبات رسالته. 
والثاني : أنهم طلبوا منه الرخصة والتخفيف في الحد : أنهم عرفوا أنه رسول الله، لكنهم كابروا في الإنكار بعدما عرفوا أنه رسول الله صلى الله عليه وسلم حقا. وفيه دلالة شهادة بعضهم على بعض لأنه قبل شهادة ابن صوريا عليهم حين شهد بالرجم. 
\[ والثالث : ما \] قال بعضهم : قوله تعالى : يحرفون الكلم من بعض مواضعه يقولون إن أوتيتم هذا فخذوه  الآية إنها نزلت في قتيل قتل عمدا بين قبيلتين بني قريظة \[ وبني \] النضير. وكان القتيل من بني قريظة. وكان بنو النضير إذا قتلوا من بني قريظة، لم يعطوهم القود، ولن يعطونهم الدية، \[ وإذا \] قتل بنو قريظة من بني النضير لم يرضوا إلا بالقود ؛ يتعززون عليهم. فقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة، فأرادوا أن يرفعوا أمرهم إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم ليحكم بينهم، فقال رجل من المنافقين : إن قتيلكم قتل عمدا وأنا أخشى عليكم القود. فإن كان محمد أمركم بالدية لقتيل منكم، فأعطوه  وإن لم تؤتوه فاحذروا  فلا ندري فيم كانت القصة ؟ وفيه من الدلائل ما ذكرنا من إثبات الرسالة والنبوة، والله أعلم. 
وقوله تعالى : ومن يرد الله فتنته  قيل : من يرد الله عذابه وإهلاكه فلا يملك أحد دفع ذلك العذاب عنه. 
وقيل : الفتنة المحنة أي من يرد الله أن يمتحن بالرجم أو القتل فلن يملك له أحد رفع ذلك. 
وقوله تعالى : أولئك الذين لم يرد الله أن يطهر قلوبهم  قالت المعتزلة : قوله : لم يرد الله أن يطهر قلوبهم  تأويله يحتمل وجهين :
\[ الأول \] : يحتمل  لم يرد الله  أي لم يطهر الله قلوبهم. 
والثاني :\[ يحتمل \]  لم يرد الله أن يطهر قلوبهم  بالشرك والكفر، وذلك بعيد لأنه كيف يطهر بالكفر ؟ وبالكفر يتنجس. 
لكن الوجه عندنا في قوله تعالى : أولئك الذين لم يرد الله أن يطهر قلوبهم  أي  لم يرد الله أن يطهر قلوبهم  إن علم منهم أنهم يختارون ما اختاروا، ويريدون ما أرادوا فإنما أراد ما كان علم منهم \[ أنهم \] يريدون ما أرادوا، وإنما أراد ما كان علم منهم أنهم يريدون، ويختارون. وكذلك قوله تعالى : ومن يرد الله فتنته  إن علم أنه يريدها، ويختارها فإنما يريد ما أراد هو، ويختار. 
وظاهر الآية على المعتزلة لأنه قال : لم يرد الله أن يطهر قلوبهم  وذلك ظاهر الخلاف، وبالله العصمة. 
وقوله تعالى : لهم في الدنيا خزي  الخزي في الدنيا القتل والعذاب والخزية  ولهم في الآخرة عذاب عظيم .

### الآية 5:42

> ﻿سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ ۚ فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ ۖ وَإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئًا ۖ وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ [5:42]

وقوله تعالى : سماعون للكذب  يحتمل وجهين :
يحتمل : سماعون  أي مستمعون لرسول الله صلى الله عليه وسلم ليعرفوا، فيكذبوا عليه. 
ويحتمل قوله : سماعون للكذب  أي قائلون : ما ألقي إليهم من الكذب كانوا يقبلون، والله أعلم. 
وقوله تعالى : أكالون للسحت  قال بعضهم : كل حرام، هو سحت. وإن كان السحت اسم كل حرام فذلك يعم ك حرام وجميع الكفرة أو أكثرهم. وقال بعضهم : السحت هو الرشوة في الحكم. فإن كان السحت هذا فذلك يرجع إلى رؤسائهم الذي يحكمون في ما بينهم، ويأخذون على ذلك رشوة. 
وقوله تعالى : فإن جاءوك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم  اختلف فيه، قال بعضهم : هو على التخيير إذا رفعوا إلى الإمام \[ أمرهم \] إن شاء حكم بينهم، وإن شاء أعرض، ولم يحكم. \[ وقال بعضهم : إنه \] منسوخ بقوله تعالى : وأن احكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم واحذرهم  \[ الآية : ٤٩ \] أمر بالحكم بينهم، إذا جاؤوا، ونهى أن يتبع أهواءهم، وفي ترك الحكم بينهم اتباع هواهم. قالوا منسوخ بهذه الآية. 
وأمكن الجمع بينهم، وهو أن قوله تعالى : فاحكم بينهم أو أعرض عنهم  في قوم من أهل الحرب دخلوا دار الإسلام بأمان، فرفعوا إلى الإمام أمرهم، فالإمام بالخيار إن شاء ردهم إلى مأمنهم، ونقض عليهم، ولم يحكم بينهم، وإن شاء \[ ما \] تركهم، وحكم بينهم، فذلك معنى التخيير، والله أعلم. وقوله تعالى : وأن احكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم واحذرهم  ذلك في أهل الذمة الراضين بحكمنا ؛ إذا رفعوا إلى الحاكم \[ أمرهم \] يجب أن يحكم بينهم، ولا يرد عليهم ما طلبوا من إجراء الحكم عليهم لأنهم به ليس له فسخ ما أعطى لهم من العهود والمواثيق، وهم قد رضوا بحكمنا. لذلك ألزم الحكم بينهم، والله أعلم. 
وقوله تعالى : وإن تعرض عنهم فلن يضروك شيئا  يحتمل وجهين :
يحتمل أن يقع الإعراض عنهم موقع الجفاء، ويعدوا ذلك جفاء، فأمن عز وجل نبيه صلى الله عليه وسلم عن أن يلحقه ضرر منهم. 
ويحتمل قوله تعالى : فلن يضروك شيئا  أي ليس عليك ضرر ما هو فيه ؛ فإنما ضرر ذلك عليهم، وهو كقوله تعالى : فإنما عليه ما حمل وعليكم ما حملتم  \[ النور : ٥٤ \] وكقوله تعالى : ما عليك من حسابهم من شيء وما من حسابك عليهم من شيء  الآية \[ الأنعام : ٥٢ \]. 
وقوله تعالى : وإن حكمت فاحكم بينهم بالقسط  أي بالعدل كقوله تعالى : كونوا قوامين بالقسط شهداء لله  \[ النساء : ١٣٥ \] وكقوله تعالى : وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل  الآية \[ النساء : ٥٨ \]. 
\[ وقوله تعالى \] : إن الله يحب المقسطين  أي العادلين في الحكم.

### الآية 5:43

> ﻿وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِنْدَهُمُ التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللَّهِ ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِنْ بَعْدِ ذَٰلِكَ ۚ وَمَا أُولَٰئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ [5:43]

وقوله تعالى : وكيف يحكموك وعندهم التوراة فيها حكم الله  يعجب نبيه صلى الله عليه وسلم \[ من \] شدة سفههم وتعنتهم بتركهم الحكم بما كذبوا لأنهم صدقوا التوراة وما فيها من الحكم، وكذبوا ما أنزل على محمد، \[ عليه أفضل /١٣٠-ب/ الصلوات \]. يقول، والله أعلم : إنهم إذا لم يعملوا بالذي صدقوا كيف يعملون بالذي كذبوا ؟ وذلك تعجيب منه إياه \[ من \] شدة السفه والتعنت. 
وقوله تعالى : فيها حكم الله  أي حكم الله الذي تنازعوا فيه، وتشاجروا رجما كان أو قصاصا أو ما كان، والله أعلم. 
\[ وقوله تعالى : ثم يتولون من بعد ذلك  يحتمل وجهين :
يحتمل : يتولون من بعد  ما تحكم بينهم عما حكمت. 
ويحتمل : يتولون من بعد  ما عرفوا من الحكم عليهم بما في التوراة \].

### الآية 5:44

> ﻿إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ ۚ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ ۚ فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا ۚ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ [5:44]

وقوله تعالى : فلا تخشوا الناس  في ما تحكم عليهم  واخشون  أمن رسول الله صلى الله عليه وسلم شرهم ونكبتهم، وأمر أن يخشوه، يكفيه شرهم وأذاهم. 
ثم اختلف في  والربانيون والأحبار  قال بعضهم : الربانيون علماء اليهود، والأحبار علماء النصارى، وهما واحد، سموا باسمين مختلفين. وقيل : قوله تعالى : فلا تخشوا الناس واخشون  إنما خاطب علماءهم ؛ أي  فلا تخشوا الناس  أن تخبروهم بالحكم الذي في التوراة  واخشون ولا تشتروا بآياتي ثمنا قليلا  لهم خرج الخطاب بهذا على التأويل الثاني. 
\[ وقوله تعالى \] : ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون  هكذا من جحد بما أنزل الله، ولم يره حقا فهو كافر. ذكر في القصة أن الآية نزلت في قتيل كان بين بني قريظة وبني النضير ؛ إن بني النضير إذا قتلوا \[ من \] بني قريظة لم \[ يعطوهم القود \]، ولكن يعطونهم الدية فنزل  وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس .

### الآية 5:45

> ﻿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ ۚ فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ ۚ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ [5:45]

وقوله تعالى : وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس والعين بالعين  إلى آخره. أخبر الله عز وجل أنه كان كتب على أهل التوراة  النفس بالنفس  وقد كتب علينا أيضا قتل النفس بالنفس بقوله تعالى : كتب عليكم القصاص في القتل  \[ البقرة : ١٧٨ \] كأنه قال : كتبت عليكم القصاص في القتل بالنفس كما كنت عليهم. وأما القصاص في ما دون النفس فإنه لم يبين في الآية التي أخبر عز وجل أنه كتب علينا القصاص في القتل. 
ثم يحتمل أن يكون قوله تعالى : والعين بالعين والأنف بالأنف  إلى ما ذكر وجهين :
يحتمل أن يكون إخبارا عما كان مكتوبا عليهم من القصاص في ما دون النفس كالنفس. ألا ترى أنه قرئ في بعض القراءات بالنصب نسقا على الأول ؟ 
ويحتمل على الابتداء على غير إخبار منه، ولكن على الإيجاب ابتداء. 
والذي يدل على ذلك قوله تعالى : فمن تصدق به فهو كفارة له  لا يحتمل أن يكون هذا في الخبر لأن ذلك ترغيب في العفو في الحادث من الوقت. دل أنه ليس على الإخبار، ولكن على الابتداء. ألا ترى أكثر القراء قرؤوا بالرفع غير قوله : النفس بالنفس  فإنه بالنصب ؟ 
ثم ذكر  والعين بالعين والأنف بالأنف والأذن بالأذن  ولم يذكر اليد والرجل. وذلك يحتمل وجهين :
أحدهما : لم يحتمل أن يكون القصاص في اليد ظاهرا، فيستدل بوجوبه في ما هو أظهر منه لأن المنتفع بالنصر والأنف والسمع ليس إلا صاحبه، وقد ينتفع غيره بيد آخر وبرجله. 
والثاني : أن يكون وجوب القصاص في اليد في قوله : والجروح قصاص . 
ثم تخصيص الأسنان بوجوب القصاص دون غيرها من العظام لأن الأسنان بادية ظاهرة، ويقع عليها البصر، ويقدر على الاقتصاص. 
وأما غيرها من العظام مما لا يقع عليها البصر، ولا يقدر على الاقتصاص إلا بعد كسر آخر وقطع لحم، لذلك خصت الأسنان بالاقتصاص دون سائر العظام، والله أعلم. 
ثم فيه دليل وجوب القصاص في العضو الذي لا منفعة فيه سوى البهاء بذهاب البهاء لأنه ذكر الأنف والأذن، وليس في الأنف والأذن إلا ذهاب البهاء، فأوجب ذهاب البهاء القصاص كما أوجبه في ذهاب المنفعة. وعلى هذا يخرج قولنا : وجوب الدية في ذهاب البهاء على الكمال كوجوبها في ذهاب المنفعة على الكمال. على \[ أن \] أهل العلم مجمعون أن القصاص واجب بين الرجال الأحرار في العين والأنف والأذن والسن والجروح التي ليس فيها كسر عظم إذا جني على شيء من ذلك عمدا تحديده. وأما القصاص بين الرجال والنساء والعبيد والأحرار في ما دون النفس فأهل العلم اختلفوا فيه، وكان أصحابنا، رحمهم الله تعالى، لا يرون القصاص بينهم في ذلك، ويرون القصاص في الأنفس. فأهل العلم اختلفوا فيه. والفرق بينهم أن جماعة لو قتلوا به، ولو قطع جماعة يد رجل لم تقطع أيديهم. فالتفاضل في النفس غير معتبر به، ويعتبر في ما دون النفس، وقد ذكرنا هذه المسألة في ما تقدم ذكرا كافيا. 
وقوله تعالى : فمن تصدق به فهو كفارة له  اختلف فيه : قال بعضهم : هو صاحب الدم، كفارة لما كان ارتكب هو. وعلى ذلك روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم \[ أنه \] قال :**«من تصدق بدم فما دونه كان له كفارة من يوم ولد إلى يوم تصدق »** \[ أبو يعلى : ٦٨٦٩ \] وقال بعضهم : قوله تعالى : فمن تصدق به فهو كفارة له  يعني كفارة للقاتل إذا عفا الولي ؛ وهو قول ابن عباس رضي الله عنهما، وعن مجاهد هو كفارة للجارح وأجر للمتصدق على الله. والأول كأنه أقرب وأشبه، والله أعلم. 
وقوله تعالى : ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون  هذا إذا ترك الحكم بما أنزل الله جحودا منه فهو كافر.

### الآية 5:46

> ﻿وَقَفَّيْنَا عَلَىٰ آثَارِهِمْ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ ۖ وَآتَيْنَاهُ الْإِنْجِيلَ فِيهِ هُدًى وَنُورٌ وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ [5:46]

وقوله تعالى : وقفينا على آثارهم بعيسى ابن مريم  قوله تعالى  وقفينا  أي أتبعنا  على آثارهم  وهو من القضاء. وقوله : على آثارهم  يحتمل وجهين  على آثارهم  الرسل. ويحتمل على آثار الذين أنزل فيهم التوراة. 
وقوله تعالى : وآتيناه الإنجيل فيه هدى ونور  من الضلالة لمن تمسك به  ونور  لمن استناره  مصدقا لما بين يديه من التوراة  فهذا يدل أن الكتب كانت مصدقة بعضها بعضا على بعد أوقات النزول. تعالى الله عما يقول الظالمون  علوا كبيرا  \[ الإسراء : ٤٣ \]. 
وقوله تعالى : وموعظة للمتقين  يحتمل : موعظة للمؤمنين لأن المؤمن هو الذي يتعظ به. وأما غير المؤمن فلا يتعظ به. ويحتمل قوله تعالى : وموعظة للمتقين  الذين اتقوا المعاصي كلها. 
وفي قوله تعالى : فمن تصدق به فهو كفارة له ، و كذلك قوله تعالى : فمن عفي له من أخيه شيء  \[ البقرة : ١٧٨ \] دلالة \[ على \] أن القصاص للعباد خاصة \[ حين رغبهم \] في العفو عنه والترك له. ليس كالحدود التي هي لله لأنه لم يذكر في الحدود العفو ولا التصدق به، وذكره في القصاص والجراحات. دل أن ذلك للعبد، له تركه، وسائر الحدود لله، ليس لأحد إبطاله، والله أعلم.

### الآية 5:47

> ﻿وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنْجِيلِ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ ۚ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ [5:47]

وقوله تعالى : وليحكم أهل الإنجيل بما أنزل الله فيه ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون  ذكر في موضع : ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون  \[ الآية : ٤٤ \] وفي موضع : الظالمون  \[ الآية : ٤٥ \] وفي موضع  الفاسقون  \[ الآية : ٤٧ \] فأمكن أن يكون كله واحد ؛ من لم يحكم بما أنزل الله جحودا منه له واستخفافا فهو كافر ظالم فاسق. ويحتمل أن يكون ما ذكر من الكفر بترك الحكم به جحودا منه وإنكارا وما ذكر من الظلم والفسق في المسلمين لأنه قال : وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس و العين بالعين والأنف بالأنف  إلى آخر ما ذكر \[ الآية : ٤٥ \]، ثم قال : فمن تصدق به فهو كفارة له  ثم قال : ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون  \[ الآية : ٤٥ \] تركوا الحكم بما أنزل الله لأهوائهم لا جحودا فقد ظلموا أنفسهم لأن الظلم هو وضع الشيء في غير موضعه، والفسق هو الخروج عن الأمر كقوله تعالى : ففسق عن أمر ربه  \[ الكهف : ٥٠ \] أي خرج. ثم يجيء أن يكون هذا في حال الجهل والعلم سواء لأنه إذا /١٣١-أ/  لم يحكم بما أنزل الله  \[ الآية : ٤٥ \] فقد وضع الشيء في غير موضعه، وخرج عن أمره. لكن هذا في القول يقبح أن يقال : هو ظالم فاسق. وهو إنما يفعل عن جهل به، ويجوز أن يقال : فعله فعل ظلم وفسق. وأما في القول فهو قبح لما ذكرنا. 
\[ وقوله تعالى \] : وليحكم أهل الإنجيل بما أنزل الله  فيه من الأحكام : أي حكم كان فهو ما ذكرنا، والله أعلم.

### الآية 5:48

> ﻿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ ۖ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ ۖ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ ۚ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا ۚ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَٰكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ ۖ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ ۚ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ [5:48]

وقوله تعالى : وأنزلنا إليك الكتاب بالحق  قوله  بالحق  قد ذكرنا في ما تقدم في غير موضع. 
وقوله تعالى : ومهيمنا عليه  عن ابن عباس رضي الله عنهما \[ أنه \] قال : ومهيمنا عليه  مصدقا بهذه الكتب وأمينا عيها. والقتبي قال : أمينا عليه، وأبو عوسجة قال : مسلطا عليه وقيل : مفسرا يفسر التفسير. وقال أبو بكر الكسائي : قوله تعالى : ومهيمنا  هي كلمة مأخوذة من كتبهم غير معربة من لسان العرب. وفيه إثبات رسالته صلى الله عليه وسلم وتأويله : هو شاهد وحافظ على غيره من الكتب ومصدق لها من عند الله نزلت سوى ما غيروا فيها، وحرفوه ليميز المغير منها والمحرف. قال ابن عباس رضي الله عنهما : ومهيمنا عليه  القرآن شاهد على الكتب كلها. 
وقوله تعالى : فاحكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم عما جاءك من الحق  يحتمل قوله تعالى : فاحكم بينهم بما أنزل الله  من الرجم في الزاني الثيب على ما ذكر في بعض القصة أنهم رفعوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم \[ أمرهم \] في الزاني و الزانية منهم، فطلبوا منه الجلد، وكان في كتبهم الرجم  ولا تتبع أهواءهم  بقولهم : إن أوتيتم هذا فخذوه وإن لم تؤتوه فاحذروا  \[ المائدة : ٤١ \] وأن يقال : فاحكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم  من القتل لأنه ذكر في بعض القصة أن \[ بني النضير \] كانوا يرون لأنفسهم فضيلة على بني قريظة \]، وكانوا إذا قتلوا منهم أحدا لم يعطوهم القود، \[ ولكن \] يعطونهم الدية، والله أعلم بالقصة أن كيف كانت ؟ وليس بنا إلى معرفة القصة وماهيتها حاجة بعدما أودع فيه، وأدرج من المعاني. 
وقوله تعالى : لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا  الآية، فإن قيل : كيف نهاه عن اتباع أهوائهم، وقد أخبر عز وجل : لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا  وقد يجوز أن يكون ما هووا هم شريعة لهم ؟ قيل : يحتمل النهي عن اتباع هواهم، لا يجوز أن يهووا الحكم بالشريعة، قد نسخ الحكم بها، لما اعتادوا العمل بها. فالعمل المعتاد من الحكم أيسر، فهووا ذلك، أو كان ما نسخ أخف، فيهوون، فنهاه عن اتباع هواهم لأن العمل بالمنسوخ حرام. وإن كان هو في بعض على غيرها شرع، وفي بعض ما شرع، فما نهى عن اتباع هواهم لما لم يشرع، فإنما نهى. 
وقوله تعالى : لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا  وليس في نسخ شريعة بشريعة خروج عن الحكمة ؛ من عرف النسخ بيان منتهى الحكم إلى وقت، ليس على ما فهمت اليهود من البدء والرجوع عما كان، وقد ذكرنا الوجه في ذلك في ما قال ابن عباس رضي الله عنهما الشرعة هي السبيل، وهي الشريعة، وجمعها شرائع، وبها سميت شرائع الإسلام، وكل شيء شرعت فيه فهو شريعة. وقال : المنهاج السنة، والشرعة هي السبيل. وقيل : الشرعة السنة، والمنهاج السبيل ؛ يعني الطريق الواضح الذي يتضح لكل سالك فيه إلا المعاند والمكابر فإنه يترك السلوك فيه مكابرة. يخبر عز وجل والله أعلم، أنه لم يترك الناس حيارى، لم يبين لهم الطريق الواضح يسلكون فيه، بل يبين لهم ما يتضح لهم، إن لم يعاندوا ليقطع لهم العذر والحجاج، وإن لم يكن حجاج، وبالله التوفيق. 
وقوله تعالى : ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة  أي على دين واحد، وهو دين الإسلام، لم يجعل كافرا ولا مشركا، ولكن امتحنكم بأديان مختلفة على ما تختارون، وتؤثرون. ثم اختلف في المشيئة : قالت المعتزلة : هي مشيئة الجبر والقسر. وقال أصحابنا : المشيئة مشيئة الاختبار، وقد ذكرناها في غير موضع. 
وقوله تعالى : فاستبقوا الخيرات  قيل : سابقوا يا أمة محمد الأمم كلها بالخيرات. ويحتمل قوله تعالى : فاستبقوا الخيرات  إلى ما به يستوجبون المغفرة كقوله تعالى : سابقوا إلى مغفرة من ربكم  \[ الحديد : ٢١ \]. وأصل قوله : فاستبقوا الخيرات  أي اعملوا الخيرات كقوله تعالى : واعملوا صالحا  الآية، \[ المؤمن : ٥١ \].

### الآية 5:49

> ﻿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ ۖ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ ۗ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ [5:49]

وقوله تعالى : وأن احكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم  نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يتبع أهواءهم. والوجه فيه ما ذكرنا أن العصمة لا تمنع النهي، بل يؤيد ؛ وقد ذكرنا في ما تقدم. ويحتمل أن يرجع النهي إلى غيره ؛ ويراد بالنهي والأمر غير المخاطب به على ما ذكرنا من عادة الملوك أنهم إذا خاطبوا من هو أجل عندهم وأعظم \[ اتبعوا أهواءهم كما طلبوا منك \] الجلد مكان الرجم والدية مكان القصاص وكما رأى بنو النضير إلى أنفسهم من الفضل على بني قريظة، والله أعلم. 
وقوله تعالى : واحذرهم أن يفتنوك عن بعض ما أنزل الله إليك  قوله تعالى : أن يفتنوك  أن يصدوك عن الحكم  عن بعض ما أنزل الله إليك  و الفتنة هي المحنة، وهي تتوجه إلى وجوه، وقد ذكرنا الوجوه فيما تقدم. 
وقوله تعالى : فإن تولوا فاعلم أنما يريد الله أن يصيبهم ببعض ذنوبهم  قوله تعالى : فإن تولوا  فإن أعرضوا عن الحكم الذي تحكم بما أنزل الله  فاعلم أنما يريد الله أن يصيبهم ببعض ذنوبهم  اختلف فيه :
قال بعضهم : إنما يعذبهم الله ببعض ذنوبهم، لا يعذبهم بجميع ذنوبهم. 
وقال آخرون : عذاب الدنيا عذاب ببعض الذنوب ليس هو عذابا بكل الذنوب لأنه لا يدوم ؛ وأما في الآخرة فإنهم يعذبون بجميع ذنوبهم لأن عذاب الآخرة دائم ؛ فهو عذاب بجميع الذنوب، وعذاب الدنيا زائل ؛ فهو عذاب ببعض الذنوب، والله أعلم.

### الآية 5:50

> ﻿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ ۚ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ [5:50]

وقوله تعالى : أفحكم الجاهلية يبغون  قال بعضهم : إن هذا صلة قوله تعالى : إن أوتيتم هذا فخذوه وإن لم تؤتوه فأحذروا  \[ الآية : ٤١ \] فقال عز وجل : أفحكم الجاهلية يبغون  وقال آخرون : روي عن \[ ابن \] عباس رضي الله عنهما \[ أنه قال : أفحكمهم \] في الجاهلية يبغون عندك يا محمد في القرآن ؟ يعني بني النضير. 
وقوله تعالى : ومن أحسن من الله حكما لقوم يوقنون  أي لا أحد أحسن من الله حكما على إقرارهم أن الله إذا حكم لا يحكم إلا بالعدل.

### الآية 5:51

> ﻿۞ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَىٰ أَوْلِيَاءَ ۘ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ ۚ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ ۗ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ [5:51]

وقوله تعالى : يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض  يحتمل قوله تعالى : لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء  وجوها :
\[ أحدهما \] : يحتمل : لا تتخذوهم أولياء في الدين ؛ أي لا تدينوا بدينهم فإنكم إذا دنتم بدينهم صرتم أولياءهم في النصر والمعونة. 
\[ والثاني : يحتمل : لا تتخذوهم أولياء في النصر والمعونة \] لأنهم إذا اتخذوهم أولياء في النصر والمعونة صاروا أمثالهم، لأنهم إذا نصروا الكفار على المسلمين، وأعانوهم، فقد كفروا، وهو كقوله تعالى : يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا بطانة من دونكم  الآية \[ آل عمران : ١١٨ \] نهاهم أن يتخذوا أولئك موضع سرهم /١٣١-ب/ وخفياتهم. فعلى ذلك الأول، والله أعلم. 
والثالث :\[ يحتمل \] : لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء  في المكسب والدنيا فإنهم إذا فعلوا ذلك لا بد من أن يميلوا إليهم، ويصدروا عن رأيهم في شيء، فذلك مما يفسقهم، ويخرج شهادتهم. فهذا النهي يحتمل هذه الوجوه الثلاثة التي ذكرنا، والله أعلم. 
وفي الآية دلالة \[ على \] أن الكفر ملة واحدة، وإن اختلفت مذاهبهم، فالواجب أن يرث بعضهم بعضا بقوله تعالى : بعضهم أولياء بعض  كما أن أهل الإسلام يرث بعضهم بعضا، وإن اختلفت مذاهبهم. 
ألا ترى أنه قال \[ عز وجل \]  والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض  الآية \[ التوبة : ٧١ \] وليس ذلك بداخل في قول رسول الله صلى الله عليه وسلم **«لا يتوارث أهل ملتين »** فالإسلام ملة حق، والكفر ملة باطل، ولا نرثهم، ولا يرثوننا، وما روي \[ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم \] :**«لا نرث أهل الكتاب، ولا يرثوننا إلا أن يرث الرجل عبده وأمته »** \[ الطبراني في الأوسط : ٨٩١١ \] ليس بميراث ؛ إنما هو ملك كان يملكه قبل موته، فعلى ذلك بعد موته. وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم :**«لا يرث المسلم الكافر ولا الكافر المسلم »** \[ البخاري : ٦٧٦٤ \]. 
وقوله تعالى : ومن يتولهم منكم فإنه منهم  الوجوه التي ذكرنا : الولاية في الدين والولاية في النصر والمعونة فإنهم إذا فعلوا ذلك صاروا منهم في حكم الدنيا والآخرة، والولاية في المكسب والدنيا \[ فإنهم إذا فعلوا ذلك \] فيصيرون منهم في حكم الدنيا. فإن قيل : أليس يرث المسلم المرتد ؟ وقد قال \[ عز وجل \] : ومن يتولهم منكم فإنه منهم  أخبر أن من يتولهم من المسلمين فسيصير منهم، ونحن لا نرث اليهود والنصارى، كيف ورث من ضاد المسلمين ؟ قيل : معنى قوله : فإنهم منهم  في الدين والكفر لا في الحكم والحقوق، لأن المرتد إلى النصرانية ليس بمتروك على دينه، فلم يكن من أهل تلك الملة، وإنما الملة ما تقارن على أهلها. 
ألا ترى أن المرتد لا يرث النصراني إن \[ كان قريبه \] ؟ فلو كانت النصرانية له ملة ورثه بأهلها لأننا نعلم أن النصارى يرث بعضهم بعضا، فلما لم يرثوه دل ذلك على أنه ليس من ملتهم، وأن حكمه في الميراث حكم الملة التي يخبر عن الرجوع إليها. وعلى ذلك جاءت الآثار عن الصحابة رضي الله عنهم. 
روي عن علي رضي الله عنه أنه أتي برجل، ارتد عن الإسلام، فعرض عليه الإسلام، فأبى، فضرب عنقه، وجعل ميراثه لورثته المسلمين. وعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه كذلك. وروي عن زيد بن ثابت مثله. 
وقوله تعالى : إن الله لا يهدي القوم الظالمين  قد ذكرناه في ما تقدم.

### الآية 5:52

> ﻿فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَىٰ أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ ۚ فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَىٰ مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ [5:52]

وقوله تعالى : فترى الذين في قلوبهم مرض  هم المنافقون كقوله تعالى : أم حسب الذين في قلوبهم مرض  إلى قوله تعالى : ولتعرفنهم في لحن القول  \[ محمد : ٢٩-٣٠ \] وهو وصف المنافقين  يسارعون فيهم يقولون نخشى أن تصيبنا دائرة  كانوا يظهرون الموافقة للمسلمين خوفا منهم، وفي السر مع الكفرة لأنهم أهل ريب وشك، ولا دين لهم، يميلون إلى من رأوا السعة معهم والأمن، وكانوا على شك من أمر محمد صلى الله عليه وسلم وريب  نخشى أن تصيبنا دائرة  لعل محمدا لا ينصر، ولا يتم أمره، فيسرون في أنفسهم الموافقة للكفر والغش للإسلام وأهله، ويظهرون الموافقة للمؤمنين لما كانوا يستمعون \[ إلى \] رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد النصر والظفر، للمؤمنين، لكن ذلك لا يتحقق عندهم، وكانوا كما قال الله تعالى : مذبذبين بين ذلك لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء  الآية \[ النساء : ١٤٣ \] وكانوا ينتظرون النصر والظفر، فيميلون إلى حيث كان النصر والظفر، فيقولون للمؤمنين إن كان الظفر لهم : ألم نكن معكم وإن كان للكافرين نصيب قالوا ألم نستحوذ عليكم ونمنعكم من المؤمنين  \[ النساء : ١٤١ \]. 
وقوله تعالى : فعسى الله أن يأتي بالفتح  أي بالنصر نصر محمد صلى الله عليه وسلم الظفر له على أعدائه وفتح البلدان والأمصار وإظهار دينه دين الإسلام على ما روي \[ عن النبي صلى الله عليه وسلم \] :**«نصرت بالرعب مسيرة شهرين »** \[ الطبراني في الكبير : ١١٠٥٦ \] وعلى ما فتح له البلدان كلها. 
وقوله تعالى : أو أمر من عبده  قيل : عذاب أولئك الكفرة وهلاكهم في الدنيا  فيصبحوا على ما أسروا في أنفسهم نادمين  عند العذاب والهلاك، أو يندمون في الآخرة لما أصابهم من العذاب بما أسروا في أنفسهم في الدنيا من المودة لهم والعداوة للمؤمنين، والله أعلم. 
وفي قوله : يقولون نخشى أن تصيبنا دائرة  دلالة إثبات رسالة محمد صلى الله عليه وسلم لأنه لا يحتمل أن يقولوا  نخشى أن تصيبنا دائرة  من حيث يسمع أهل الإسلام ذلك منهم. دل ذلك لهم أنه إنما عرف ذلك بالله \[ وذلك ما \] أخبر من الوعد بالنصر له و الظفر، ثم كان على ما أخبر ووعد، دل أنه أخبر عن الله تعالى.

### الآية 5:53

> ﻿وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا أَهَٰؤُلَاءِ الَّذِينَ أَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ ۙ إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ ۚ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَأَصْبَحُوا خَاسِرِينَ [5:53]

وقوله تعالى : ويقول الذين آمنوا  بعضهم لبعض لما ظهر نفاق أهل النفاق، وقتلوا وافتضحوا كقوله تعالى : ملعونين أينما ثقفوا أخذوا وقتلوا تقتيلا  \[ الأحزاب : ٦١ \]. قال المؤمنون عند ذلك : أهؤلاء الذين أقسموا بالله جهد أيمانهم إنهم لمعكم  وقد كانوا يظهرون الموافقة للمؤمنين، ويحلفون بالله على ذلك، ويضمرون الخلاف لهم والعداوة والمودة للكفرة كقوله تعالى : يحلفون بالله ما قالوا  \[ الأحزاب : ٧٤ \]. \[ وكقوله تعالى \] : أهؤلاء الذين أقسموا بالله جهد أيمانهم إنهم لمعكم  والله أعلم. 
وقوله تعالى : حبطت أعمالهم فأصبحوا خاسرين  أي  حبطت أعمالهم  التي عملوها مثل إسرار  ما أسروا في أنفسهم  \[ المائدة : ٥٢ \] إذ أسروا في ذلك  فأصبحوا  أي صاروا  خاسرين  بعد الافتضاح حين ذهبت منافعهم التي كانت قبل الافتضاح وظهور نفاقهم. ويحتمل قوله تعالى : حبطت أعمالهم  التي عملوها ظاهرا مرآة للناس.

### الآية 5:54

> ﻿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ۚ ذَٰلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ ۚ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ [5:54]

وقوله تعالى : يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه  إن قوله تعالى : من يرتد  وإن كان حرف توحيد وتفريد فإن المراد منه الجماعة والعصابة، ولأن الواحد أو الاثنين إذا ارتد عن الإسلام يؤخذ، ويحبس، ويقتل، إن أبى الإسلام، والجماعة إذا ارتدوا عن الإسلام احتيج إلى نصب الحرب والقتال على \[ ما \] نصب مع أهل الردة. 
وفي الآية دلالة إمامة أبي بكر الصديق رضي الله عنه لأن العرب لما ارتدت عن الإسلام بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم حاربهم، وكان هو ومن قام بحربهم ممن أحب الله، وأحبه الله. 
وعن الحسن رضي الله عنه  فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه . أنه قال، والله \[ أعلم : هم :\] أبو بكر وأصحابه رضي الله عنهم وقوله تعالى : قل للمخلفين من الأعراب ستدعون إلى قوم أولي بأس شديد تقاتلونهم أو يسلمون فإن تطيعوا يؤتكم الله أجرا حسنا  \[ الفتح : ١٦ \] يدل على إمامة أبي بكر رضي الله عنه لأنه كان الداعي إلى حرب أهل الردة. 
فإن قيل : يجوز أن يكون النبي صلى الله عليهم وسلم هو الذي دعاهم قيل له : قال الله تعالى : فقل لن تخرجوا معي أبدا ولن تقاتلوا معي عدوا  \[ التوبة : ٨٣ \] فمحال أن يدعوهم، فيطيعوا، وقد قال تعالى : فقل لن تخرجوا معي أبدا . فإن قيل : قد يجوز أن يكون عمر رضي الله عنه هو الذي دعاهم قيل له : فإن كان فإمامة عمر رضي الله عنه ثابتة بدليل الآية. وإذا صحت إمامته صحت إمامة أبي بكر رضي الله عنه لأنه المختار له والمستخلف. فإن قيل : قد يجوز أن يكون علي رضي الله عنه هو الذي دعاهم إلى محاربة من حارب، قيل : قال الله تعالى : تقاتلونهم أو يسلمون  \[ الفتح : ١٦ \] وهذه صفة من يحارب /١٣٢-أ/ من مشركي العرب الذين لا تقبل منهم الجزية. وعلي رضي الله عنه إنما حارب أهل البغي، وهم مسلمون. ولم يحارب أحد بعد النبي صلى الله عليه وسلم أهل الردة غير أبي بكر رضي الله عنه فكانت الآية دليلا على صحة إمامته. 
وقوله تعالى : فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه  ؛  فسوف  كقوله : فعسى  \[ الآية : ٥٢ \] وال : عسى واجب. أخبر عز وجل أنه  يأتي بقوم يحبهم  لبذلهم أنفسهم في مجاهدة أعداء الله وتركهم في الله لومة لائم، فذلك لحبهم الله لأنه لا أحد يبذل نفسه للهلاك وترك لومة لائم إلا \[ من يحبون \] الله، ويحبهم الله لما أثنى عليهم بقوله : يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم  وحبهم لله لما بذلوا أنفسهم في مجاهدة أعدائه وتركهم لومة لائم. وفيه دلالة إثبات إمامة أبي بكر رضي الله عنه لأنه صلى الله عليه وسلم أثنى عليهم : بخروجهم في سبيل الله ومجاهدة أعدائه فلو كان غاصبا ذلك على علي رضي الله عنه أو كان غير محق بذلك لم يكن الله ليثني عليه بذلك لأنه كان أخذ ما ليس له مضيعا حقا لغيره. ومن كان هذا سبيله لم يكن يستوجب كل هذا الثناء من الله تعالى. فهذا ينقض على الروافض قولهم وما روي \[ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم :**«من كنت مولاه فعلي مولاه »** \[ الترمذي : ٣٧١٣ \] وغيره من الأخبار : وذلك في الوقت الذي طلب علي رضي الله عنه الخلافة، وحارب عليها لأنه لا يحتمل أن يعلم أن له الخلافة في زمن أبي بكر رضي الله عنه ويرى الحق لنفسه، ثم يترك طلبها لأنه كان مضيعا حق الله عليه. فدل سكوته وترك طلبه على أن الحق ليس له، ولكن كان لأبي بكر رضي الله عنه، والله أعلم. 
وقوله تعالى : أذلة على المؤمنين  أي للمؤمنين أي ذوي رحمة ورأفة للمؤمنين  أعزة على الكافرين  أي \[ ذوي مشاقة \] شديدة على الكافرين، وهو ما وصفهم عز وجل. 
وقوله تعالى : ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء  اختلف فيه :
قال بعضهم : ذلك الجهاد في سبيل الله أي في طاعة الله  ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء  وقيل : ذلك الإسلام  ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله واسع  قد ذكرنا هذا في غير موضع.

### الآية 5:55

> ﻿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ [5:55]

وقوله تعالى : إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا  الآية. قال بعض أهل التأويل : قوله تعالى : إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا  هو صلة قوله تعالى : يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض  \[ الآية : ٥١ \] وكذلك قوله تعالى : لا تتخذوا دينكم هزوا ولعبا من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم والكفار أولياء  \[ الآية : ٥٧ \] هو صلة ما تقدم ذكره. نهى المؤمنين أن يتخذوا  الذين أوتوا الكتاب  والذين لم يؤتوا الكتاب أولياء في غير آية من القرآن وأخبر أن الله ورسوله هو ولي الذين آمنوا، والمؤمنين أيضا بعضهم أولياء بعض بقوله تعالى : والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض  \[ التوبة : ٧١ \]. فإذا كان الله عز وجل  ورسوله والذين آمنوا  أولياء لمن آمن لم ينبغ أن \[ يتخذ المؤمنون \] الكفار أولياء. وذكر في بعض القصة أن عبد الله بن سلام قال للنبي صلى الله عليه وسلم : إن اليهود أظهروا لنا العداوة من أجل إسلامنا، وحلفوا ألا يكلمونا، ولا يخالطونا في شيء، ومنازلهم فيهم، وإنا لا نجد متحدثا دون هذا المسجد، فنزلت الآية، فقالوا : قد رضينا بالله ورسوله والمؤمنين أولياء. ثم اختلف في نزولها. قال بعضهم : نزلت في شأن علي رضي الله عنه تصدق بخاتمه. وهو في الركوع. ويقولون :**«خرج النبي صلى الله عليه وسلم فإذا هو بمسكين، فدعاه النبي صلى الله عليه وسلم \[ فقال : هل أعطاك أحد شيئا ؟ قال : نعم يا رسول الله. قال النبي صلى الله عليه وسلم ماذا ؟ قال : خاتم فضة. قال من أعطاك ؟ قال ذلك الرجل القائم، يعني عليا. قال النبي صلى الله عليه وسلم على أي حال أعطاك ؟ قال : أعطانيه، وهو راكع. فكبر النبي صلى الله عليه وسلم ودعا له وأثنى عليه \] »** \[ ابن الجوزي في زاد المسير ٢/٢٩٢ \]. 
فاحتج الروافض بهذه الآية على تفضيل علي بن أبي طالب رضي الله عنه وإثبات الخلافة له دون غيره. ويقولون : نزلت في شأنه رضي الله عنه لما روي عن أبي جعفر رضي الله عنه \[ أنه \] قال : تصدق علي بن أبي طالب رضي الله عنه بخاتمه وهو راكع، فنزل \[ قوله تعالى \] : الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون  \[ فيقال لهم : هبوا \] أن الآية نزلت في شأنه، وليس فيها دلالة إثبات الخلافة في زمن أبي بكر الصديق رضي الله عنه لأنا قد ذكرنا في الآية الأولى ما يدل على إثبات الإمامة له في الوقت الذي كان هو إماما، ونحن لا نجعل لعلي، كرم الله وجهه، الخلافة له في الوقت الذي لم ير لنفسه الخلافة لأنه روي عنه أنه قال : إن أبا بكر هو خير الناس بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم أو كلام نحو هذا. 
وفي الخبر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال :**«لو وليتم أبا بكر لوجدتموه قويا في دينه ضعيفا في بدنه، ولو وليتم عمر لوجدتموه قويا في دينه وبدنه، ولو وليتم عليا لوجدتموه هاديا مهديا مرشدا »** \[ أحمد١٠٩ : ١ \] فنقول نحن على ما كان من علي وسائر الصحابة رضي الله عنهم من تسليم الأموال إلى أبي بكر وتفويضهم إليه من غير منازعة ظهرت عن علي، كرم الله وجهه، في ذلك : لو كان الحق له في ذلك الوقت لظهرت منه المنازعة على ما ظهرت في الوقت الذي كان له، فقالوا : لأن عليا رضي الله عنه لم يكن له أنصار، وفي الوقت التي ظهرت المنازعة منه والطلب كان له أنصار. قيل : لا يحتمل أن يكون الحق له فيها، ثم لا يطلب لما لم يكن له أنصار. ألا ترى أن أبا بكر رضي الله عنه مع ضعفه في بدنه، خرج وحده لحرب أهل الردة حتى لما رأوه خرج وحده حينئذ تبعوه ؟ فأبو بكر لم يترك الحق لعدم الأنصار مع ضعفه في بدنه. فعلي رضي الله عنه مع شدته وقوته وفضل علمه بأمر الحرب حتى لم يبارز أحد من الأعداء إلا غلبه، وأهلكه. فكيف توهمتم فيه ترك طلب الحق لفقد الأنصار له والأعوان في ذلك ؟ هذا لعمري لا يتوهم في أضعف أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فضلا أن يتوهم في علي رضي الله عنه فدل ترك طلب ذلك منه على أنه ترك لما رأى الحق \[ ليس \] له، والله أعلم. 
واحتجوا بما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال لعلي :**«أنت مني بمنزلة هارون من موسى غير أن لا نبي بعدي »** \[ مسلم : ٢٤٠٤ \] وهارون كان خليفة \[ موسى، وما \] فكرتم أيضا أن عليا رضي الله عنه كان خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم قيل : لهذا جوابان :
أحدهما : أن قوله :**«أنت مني بمنزلة هارون من موسى »** يحتمل أن يكون في الأخوة التي آخاه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وليس إثبات الأخوة إثبات الخلافة له. 
والثاني : إن كانت له الخلافة في الوقت الذي كان هو، وليس في الخبر جعل الخلافة له في الأوقات كلها. وهكذا جواب ما روي عنه :**«من كنت مولاه فعلي مولاه »** \[ الترمذي : ٣٧١٣ \] والله أعلم. 
ثم إن الحديث الذي روي عن أبي جعفر رضي الله عنه صحيحا ففي الآية معنيان :
أحدهما : فضيلة علي، كرم الله وجهه، وقد كان كثير الفضائل مستكملا خصال الخير. 
والآخر : أن العمل اليسير في الصلاة لا يفسدها. 
وقد روي في بعض الأخبار عن النبي صلى الله عليه وسلم /١٣٢-ب/ أنه خلع نعله في الصلاة وأنه لمس لحيته وأنه أشار بيده وغير ذلك من العمل اليسير فعله في الصلاة. فيقاس كل عمل يسير على ما دل عليه الخبر على جواز الصلاة. 
وفيه وجه آخر هو أن صدقة التطوع تسمى زكاة لأن صدقة علي رضي الله عنه بالخاتم لم تكن صدقة مفروضة، بل كانت تطوعا، فسماها الله زكاة، وإن كانت تطوعا. ألا ترى أنه قال في آية أخرى : وما آتيتم من زكاة تريدون وجه الله  ؟ وظاهر الآية في جملة المؤمنين ليس علي رضي الله عنه أولى بها من غيره. فإن \[ كانت فيه نزلت \] فهو ما ذكرنا، والله أعلم.

### الآية 5:56

> ﻿وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ [5:56]

وقوله تعالى : ومن يتول الله ورسوله والذين آمنوا فإن حزب الله هو الغالبون  ظاهر هذا لو صرف إلى أبي بكر الصديق رضي الله عنه كان أقرب لأنه كان هو الغالب على أهل الردة من أول ما وقع بينهم إلى آخره. وعلي رضي الله عنه إنما صار الأمر له في آخره حين حارب الخوارج، و الله أعلم.

### الآية 5:57

> ﻿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِيَاءَ ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ [5:57]

وقوله تعالى : يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا الذين اتخذوا دينكم هزوا ولعبا  إلى آخره يحتمل النهي للمنافقين ألا يكونوا مع أولئك على المؤمنين. وقد ذكرنا هذا في ما تقدم. والحزب هو العون و النصر في اللغة. قال الكسائي : تقول العرب : فلان حزبي أي ناصري وعوني.

### الآية 5:58

> ﻿وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ اتَّخَذُوهَا هُزُوًا وَلَعِبًا ۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْقِلُونَ [5:58]

وقوله تعالى : وإذا ناديتم إلى الصلاة اتخذوها هزوا ولعبا  يخبر نبيه صلى الله عليه وسلم غاية سفههم بصنيعهم إذا نودي إلى الصلاة لأنه ذكر في القصة أنهم إذا سمعوا المنادي يقول : أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله \[ قال رجال من النصارى \] حرق الكاذب، وقالوا : والله ما نعلم أهل دين من هذه الأديان أقل حظا في الدنيا والآخرة منهم ؛ يعنون محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضي الله عنهم فدخلت خادمهم ليلة من الليالي بنار وهم نيام، فسقطت شرارة، فحرقت البيت وأهله. 
وقوله تعالى : ذلك بأنهم قوم لا يعقلون  نفى عنهم العقل لما لم ينتفعوا بما عقلوا، وإلا كانوا يعقلون. وعلى ذلك يخرج قوله \[ تعالى : لهم قلوب لا يفقهون بها ولهم أعين لا يبصرون بها ولهم آذان لا يسمعون بها  \] \[ الأعراف : ١٧٩ \] إنا نعلم أنهم كانوا يبصرون، ويسمعون. لكن نفى عنهم لما ينتفعوا بالبصر والسمع واللسان كمن ليس له ذلك في أصل، والله أعلم. 
ويحتمل وجها آخر، وهو أن شدة بغضهم وحسدهم لنبينا محمد صلى الله عليه وسلم تمنعهم عن فهم ما خوطبوا به، وتحول بينهم وبين معرفة ذلك. كانوا كمن ليس لهم ذلك رأسا.

### الآية 5:59

> ﻿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ هَلْ تَنْقِمُونَ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلُ وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فَاسِقُونَ [5:59]

وقوله تعالى : قل يا أهل الكتاب هل تنقمون منا  الآية، قيل : هل تنقمون منا  تطعنون علينا، وهو قول ابن عباس رضي الله عنهما وقيل : هل تعيبون علينا. وقال أبو عوسجة : هل تنقمون منا  أي تنكرون منا، وهو يرجع إلى واحد. والنقم هو العيب والطعن، والانتقام هو الانتصار. ومعناه  هل تنقمون منا إلا أن آمنا بالله ما أنزل إلينا وما أنزل من قبل  أي كيف تطعنون علينا، وتعيبون، و أنتم ممن قد دعيتم إلى الإيمان بما أنزل في الكتب، وأنتم ممن قد أوتيتم الكتاب، وفي كتابكم الإيمان بالله والإيمان بالكتب كلها ؟ فيكف تنكرون الإيمان بذلك كله، وتعيبون علينا ولا تعيبون على أنفسكم بفسقكم وخروجكم عن أمر الله تعالى وعما أمركم كتابكم، ودعاكم إليه، ونهاكم عما أنتم فيه. وما أنزل إلينا، هو القرآن، وهو يصدق ما قبله من الكتب وما أنزل من قبل من الكتب المتقدمة من التوراة والزبور والإنجيل وهي تصدق القرآن ؛ بعضها يصدق بعضا ؟ فكيف تنكرون الإيمان به ؟

### الآية 5:60

> ﻿قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَٰلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ ۚ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ ۚ أُولَٰئِكَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضَلُّ عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ [5:60]

وقوله تعالى : قل هل أنبئكم بشر من ذلك مثوبة عند الله من لعنة الله وغضب عليه  الآية ؛ ذكر هذا، والله أعلم، على إثر قوله تعالى : هل تنقمون منا أن ءامنا بالله  على إثر قوله تعالى : وإذا ناديتم إلى الصلاة اتخذتموها هزوا ولعبا  الآية \[ الآية : ٥٨ \] وذلك أنهم كانوا يستهزئون بالمؤمنين، ويضحكون منهم، ويطعنون في دينهم، ويعيبون عليهم. فقال على إثر ذلك : قل  يا محمد  هل أنبئكم بشر من ذلك  أي مما المؤمنون عليه ؟  مثوبة عند الله  قالوا : من ؟ قال : من لعنه الله وغضب عليه وجعل منهم القردة والخنازير  الآية. فمن كان هذا وصفه فهو شر مما عليه المؤمنون ؛ وقد كان فيهم جميع ذلك مما غضب الله عليهم، ولعنهم. أي حول جوهرهم إلى أقبح جواهر وأوحشها، وهي القردة والخنازير بسوء صنيعهم، أو يكون ذلك على إثر قول ما قالوا ما ذكر في بعض القصة : والله ما نعلم من أهل دين أقل حظا في الدنيا والآخرة من هؤلاء ؛ يعنون المؤمنين، لأنهم كانوا يدعون أن الدنيا والآخرة لهم، وليس لهؤلاء دنيا ولا آخرة. قال الله عز وجل : قل  يا محمد  هل أنبئكم بشر من ذلك مثوبة عند الله  أي ثوابا  عند الله  الآية، فقالوا : من هم ؟ قال  من لعنه الله وغضب عليه  والملعون هو المطرود عن الخيرات. وجعل من حول جوهره إلى جوهر \[ القرد والخنزير \] أقبح جوهر في الطبع والعقول وأوحشه. 
\[ وقوله تعالى \] : وعبد الطاغوت  يعني الشيطان  أولئك شر مكانا  في الدنيا لما حول جوهرهم إلى أقبح جوهر في الأرض من الذين لم يحول جوهرهم إلى ذلك ؛ إذ لم يروا أحدا من المؤمنين حول جوهره إلى جوهر من ذكر، وقد رأوا كثيرا من أوائلهم قد حولوا من جوهرهم إلى هذه الجواهر المستقبحة في الطبع المؤذية. ويحتمل أن يكون على الإضمار على إثر أمر كان، ونحن لم نعلم به، فنزل عند ذلك. 
وعن الحسن \[ أنه \] قال : قوله تعالى : قل هل أنبئكم بشر من ذلك  الذين لعنهم الله، والذين غضب عليهم والذين عبدوا الطاغوت والذين جعل منهم القردة والخنازير ؛ منهم من جعله قردا، ومنهم من أبقى على جوهره الذي كان  أولئك شر مكانا وأضل عن سواء السبيل  أي أخطأ طريقا ودينا، و الله أعلم بالقصة.

### الآية 5:61

> ﻿وَإِذَا جَاءُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَقَدْ دَخَلُوا بِالْكُفْرِ وَهُمْ قَدْ خَرَجُوا بِهِ ۚ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا يَكْتُمُونَ [5:61]

وقوله تعالى : وإذا جاءوكم قالوا ءامنا وقد دخلوا بالكفر وهم قد خرجوا به  قيل : إن الآية في اليهود، وقيل : إنها في المنافقين، وهي في المنافقين أشبه ؛ ذكر أنهم كانوا يدخلون على النبي صلى الله عليه وسلم ويظهرون الموافقة له، ويخبرونه أنهم يجدون بعثه صلى الله عليه وسلم وصفته في كتبهم، ويضمرون الخلاف له في السر، ويهزؤون به. فقال عند ذلك : وقد دخلوا بالكفر وهم قد خرجوا به  أخبر تعالى عز وجل نبيه صلى الله عليه وسلم أنهم دخلوا بالكفر لأنهم يقولون ذلك استهزاء، وعلى ذلك خرجوا. 
ففيه دلالة إثبات رسالة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم لأنه أخبر عما أضمروا ليعلموا أنه إنما علم ذلك بالذي يعلم الغيب مع علمهم أنه لا يعلم إلا الله، والله أعلم بما كانوا يكتمون، ويضمرون من الكفر والهزء.

### الآية 5:62

> ﻿وَتَرَىٰ كَثِيرًا مِنْهُمْ يُسَارِعُونَ فِي الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ ۚ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [5:62]

وقوله تعالى : وترى كثيرا منهم يسارعون في الإثم والعدوان وأكلهم السحت  الآية. يحتمل أن يكون قوله تعالى : وترى كثيرا منهم  من ملوكهم وعوامهم  يسارعون في الإثم  أي في قول الكفر  والعدوان  هو المجاوزة عن الحد الذي حد لهم، ويسارعون أيضا في أكل السحت. والسحت قيل : هو كل محرم، وقيل هو الرشوة في الحكم. 
وعن عمر رضي الله عنه أنه قال : الرشوة في الكفر، وأما السحت هو أن يدفع حاجة أخيه إلى السلطان، \[ فيأكلها \].

### الآية 5:63

> ﻿لَوْلَا يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الْإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ ۚ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ [5:63]

\[ وقوله تعالى \] : على إثر ذلك : لولا ينهاهم الربانيون والأحبار عن قولهم الإثم وأكلهم /١٣٣-أ/ السحت لبئس ما كانوا يصنعون  عاتب الله عز وجل الربانيين والأحبار على تركهم نهي أولئك عن صنيعهم واشتراكهم في الإثم شرعا سواء ليعلموا أن العامل بالإثم والمعصية والراضي به والتارك النهي عن ذلك سواء. وفيه دلالة تارك النهي عن المنكر يلحقه من الإثم ما يلحق الفاعل به
\[ وقوله تعالى \]  الربانيون والأحبار  قد ذكرنا في ما تقدم.

### الآية 5:64

> ﻿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ ۚ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا ۘ بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ ۚ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا ۚ وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَىٰ يَوْمِ الْقِيَامَةِ ۚ كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ ۚ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا ۚ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ [5:64]

وقوله تعالى : وقالت اليهود يد الله مغلولة  الآية. قال الحسن : قوله تعالى : يد الله مغلولة  أي محبوسة ممنوعة عن تعذيبنا لقولهم  نحن أبناء الله وأحباؤه  \[ الآية : ١٨ \]. وقوله تعالى : غلت أيديهم  في الآخرة بالسلاسل إلى أعناقهم. وقوله تعالى : بل يداه مبسوطتان . بالمغفرة والتعذيب  يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء  \[ البقرة : ٢٤٨ و آل عمران : ١٢٩ و. . . \]. 
وقال ابن عباس رضي الله عنه قولهم : يد الله مغلولة  لا يعنون بذلك أن يده موثقة مغلولة حقيقة اليد والغل، ولكن وصفوه بالبخل، وقالوا : أمسك ما عنده بخلا منه. تعالى الله عن ذلك. 
وقال آخرون : إن الله، تبارك، وتعالى، قد كان بسط على اليهود الرزق فكانوا من أخصب الناس وأكثرهم خيرا. فلما عصوا الله في محمد، \[ عليه أفضل الصلوات \]، وكفروا به، وبدلوا نعمة الله كفروا بالنعمة، كف الله تعالى عنهم بعض الذي بسط عليهم من السعة في الرزق. فعند ذلك قالوا : يد الله مغلولة  لم يقولوا : يده مغلولة إلى عنقه، ولكن ممسكة عنهم الرزق، فلا تبسط كما كان يبسط، وهو كقوله تعالى : ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط  \[ الإسراء : ٢٩ \] نهي عن البخل في الإنفاق، لا أنه أراد حقيقة \[ غل يده \] إلى عنقه. فعلى ذلك قولهم : يد الله مغلولة  كناية عن البخل ووصف به، لا حقيقة الغل، وبالله العصمة. 
وتأويل قوله تعالى : غلت أيديهم  على هذا التأويل أي أيديهم هي الممسكة عن الإنفاق، وهم الموصوفون بالبخل والشح : بل يداه مبسوطتان  أي نعمه مبسوطة ؛ يوسع على من يشاء، ويقتر على من يشاء. وفي حرف ابن مسعود رضي الله عنه بل يداه بسطان. قال الفراء : يقال : وجه مبسوط، ووجه بسط
ثم لا يحتمل أن يفهم من إضافة اليد إلى الله ما يفهم من الخلق لما وُجِد إضافة اليد إلى من لا يحتمِل أن يكون له اليد. من ذلك قوله تعالى :( لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ) ( فصلت ٤٢ ). لا يفهم من القرآن اليد كما يفهم من الخلق، فعلى ذلك لا يجوز أن يفهم من إضافة اليد إلى الله تعالى كما فهم من الخلق. ألا ترى أنه قال :( ذلك بما قدمت يداك ) ( الحج ١٠ ) \[ وقال \][(١)](#foonote-١) :( فبما كسبت أيديكم ) ( الشورى ٣٠ ) لم يفهم منه اليد نفسها ؟ [(٢)](#foonote-٢). وكذلك قوله :( ذلك بما قدمت أيديكم ) ؟ ( آل عمران ١٨٢ ) لكن أضيف ذلك إلى اليد لما باليد يقدم، ويعطي، ويكسب. ألا ترى أنه قال تعالى :( لا تقدموا بين يدي الله ورسوله ) ؟ ( الحجرات ١ ) ؟ ومعلوم أنه لم يفهم من اليد نفسها، ولكن أضيف ذلك إليه لِما ذكرنا، والله أعلم. 
وقوله تعالى :( ولعنوا بما قالوا ) قيل : عذبوا بما قالوا :( يد الله مغلولة )، واللعن هو الطرد، كأنه قال : طردوا عن رحمة الله، ولا يؤمنون[(٣)](#foonote-٣)، فماتوا على ذلك، فذلك دليل رسالته عليه السلام، والله أعلم. 
وقوله تعالى :( وليزيدن كثيرا منهم ما أنزل إليك من ربك ) قيل فيه بوجهين :
قيل : يزيد ما أنزل الله إليك من القرآن كثيرا منهم، يعني اليهود ( طغيانا وكفرا ). 
وقيل :( وليزيدن كثيرا منهم ما أنزل إليك من ربك ) من البيان عما تركوا من بعثه[(٤)](#foonote-٤) وصفته \[ اللذين كانا \][(٥)](#foonote-٥) في كتابهم، وما حرفوا فيه، وغيّروه من الأحكام، فذلك مما زادهم ( طغيانا وكفرا ). 
قيل :( طغيانا ) أي تماديا بالمعصية ( وكفرا ) بالقرآن. وقيل : الطغيان هو العدوان، وهو المجاوزة عن الحد الذي حُدّ. فإن قيل : ما معنى إضافة زيادة الطغيان إلى القرآن، والقرآن لا يزيد طغيانا ولا كفرا ؟ قيل : إضافة الأفعال إلى الأشياء تكون لوجوه[(٦)](#foonote-٦) ثلاثة : منها ما يضاف لحقيقة الفعل لها[(٧)](#foonote-٧). ومنها ما يضاف للأحوال، ومنها ما يضاف لمكان ما به يكون الفعل، وههنا أضيف ذلك إلى القرآن لما كان فيهم من الطغيان والكفر لما كان ما أنزل إليهم بالكفر الذي كان فيهم، وهو كقوله تعالى ( إنهن أضللن كثيرا من الناس ) ( إبراهيم ٣٦ ) ( إنهن ) لا يضللن أحدا في الحقيقة، ولكن لما صاروا بهن ضُلاّلاً أضيف الإضلال[(٨)](#foonote-٨) إليهن كقوله تعالى ( وغرتهم الحياة الدنيا ) ( الأنعام ٧ ) والحياة الدنيا لا تغر أحدا، ولكن لما لو كانت لها حواس لكان ما بَدَتْ من الزينة لغرّت. 
وقوله تعالى :( وألقينا بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة ) اختلفوا فيه :
قال بعضهم :( وألقينا بينهم ) بين اليهود والنصارى، أي لا يحب اليهودي نصرانيا ولا النصراني يهوديا. 
وقال آخرون :( بينهم ) أي بين اليهود ؛ لأن اليهود على مذاهب مختلفة وأهواء مشتتة ؛ منهم يقول ( عزير ابن الله ) ( التوبة ٣٠ )، ومنهم من يذهب مذهب التشبيه، هم على أهواء مختلفة ؛ فبينهم عداوة وبغضاء على ما ذكر الاختلاف الواقع بينهم، ثم إن معنى ما أضاف من إلقاء العداوة بينهم إلى نفسه لا يخلو : إما أن يكون له في نفس العداوة فعله، وإما[(٩)](#foonote-٩) أن يكون في سبب العداوة. 
ولا يجوز أن يكون له في فعل العداوة صُنْع لأنه فِعْلُهم، ولا في سبب العداوة أيضا ؛ لأن سببها[(١٠)](#foonote-١٠) الاختلاف، والاختلاف فِعلُهم أيضا. فإذا بطل أن يكون له في واحد من هذين صُنعٌ دل أن له ذلك من الوجه الآخر، وهو أن خلق فعل العداوة وسبب العداوة منه، وبالله التوفيق والعصمة. 
فإن قيل : ذكر ههنا أنه تعالى ألقى بينهم العداوة، وذكر في آية أخرى أن بعضهم أولياء بعض بقوله تعالى :( لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء، بعضهم أولياء بعض ) ( الآية ٥١ )، كيف يجمع بينهما ؟ قيل :( أولياء بعضهم أولياء بعض ) في أصل الدين، وهو الكفر، وبينهم عداوة لاختلاف الأهواء والمذاهب، والله أعلم. 
وفي الآية دلالة الامتنان على رسول الله صلى الله عليه وسلم بما أخبر أنه ألقى بينهم العداوة. ولو كانوا على مذهب واحد ولم يكن بينهم اختلاف وعداوة لكان ذلك عليه أشد، وفي المقام بينهم أصعب. لكن مَنَّ عليه بالاختلاف فيما بينهم لما جعل الاختلاف والتنازع سبب الفشل كقوله تعالى ( ولا تنازعوا فتفشلوا ) الآية ( الأنفال ٤٦ ). 
وقوله تعالى :( كلما أوقدوا نارا للحرب أطفأها الله ) يحتمل وجهين :
أحدهما[(١١)](#foonote-١١) : كلما أرادوا مكر رسول الله صلى الله عليه وسلم وأجمعوا أمرهم على قتله أطلع نبيه عليه السلام على ذلك حتى لم يقدروا على مكروه. 
والثاني : كلما انتصبوا للحرب مع رسول الله صلى الله عليه وسلم واجتمعوا عليه، فرّق الله شملهم، وجعلهم بحيث لا يجتمعون على ذلك، والله أعلم. 
وقوله تعالى :( ويسعون في الأرض فسادا ) يحتمل وجهين أيضا :
أحدهما[(١٢)](#foonote-١٢) : السعي بالفساد على حقيقة المشي على الأقدام، وهو ما كانوا يسعون في نصب الحرب مع المؤمنين والاتصال بغيرهم من الكفرة والاستعانة بهم، فذلك هو السعي في الأرض بالفساد. 
والثاني : ما كتموا من بعث[(١٣)](#foonote-١٣) الرسول وصفته، وحرفوا ما في كتبهم من أعلام نبوته وآيات رسالته، ودعوا الناس إلى غير ما نزل فيه، وذلك سعي في الأرض بالفساد، وبالله التوفيق. 
وقوله تعالى ( والله لا يحب المفسدين ) لأنه لا يحب الفساد ولا يرضى به.

١ ) ساقطة من الأصل وم..
٢ ) في الاصل وم: نفسه..
٣ ) في الأصل م: يؤمنوا..
٤ ) في الأصل وم: تعته..
٥ ) في الأصل وم: التي كانت..
٦ ) من م، في الأصل: الوجوه..
٧ ) ساقطة من م..
٨ ) ساقطة من الأصل وم..
٩ ) في الأصل وم: أو..
١٠ ) في الأصل وم: سببه..
١١ ) في الأصل وم: يحتمل..
١٢ ) في الأصل وم: يحتمل..
١٣ ) في الأصل وم: نعت..

### الآية 5:65

> ﻿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَكَفَّرْنَا عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأَدْخَلْنَاهُمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ [5:65]

وقوله تعالى : ولو أن أهل الكتاب ءامنوا /١٣٣-ب/ واتقوا لكفرنا عنهم سيئاتهم ولأدخلناهم جنات النعيم  عامل الله عز وجل خلقه معاملة أكرم الأكرمين حين وعد لهم المغفرة وتكفير ما ارتكبوا في حال الكفر قولهم في الله من القبيح الوحش، لو آمنوا، واتقوا الذي قالوا في الله، وهو كما قال الله : إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف  \[ الأنفال : ٣٨ \]، والله أعلم : إنه إن تاب، ورجع عن صنيعه، يرجع عن جميع ما كان منه، ويندم على ذلك، ويتمنى أن يكون ما كان منه في تلك الحال من الشر خيرا. فهو كقوله تعالى : فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات  \[ الفرقان : ٧٠ \] لأنهم يندمون على تلك السيئات التي كانت منهم، ويتمنون أن يكون الذي كان منهم في تلك الحال خيرا لا شرا.

### الآية 5:66

> ﻿وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ ۚ مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ ۖ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ سَاءَ مَا يَعْمَلُونَ [5:66]

وقوله تعالى : ولو أنهم أقاموا التوراة والإنجيل وما أنزل إليهم من ربهم  يحتمل هذا وجهين : يحتمل أنهم لو عملوا بها في التوراة والإنجيل وبما أنزل إليهم من القرآن  لأكلوا من  كذا. ويحتمل \]  ولو أنهم أقاموا التوراة والإنجيل  ورجعوا عما حرفوا فيهما، وغيره، وكتموه من بعث سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم وصفته وما فيهما من الأحكام لكان لهم ما ذكر، والله أعلم. 
وذلك لأنهم كانوا يخافون الضيق إذا أسلموا ؛ وهو، والله أعلم، وذلك قوله تعالى : وقالوا إن نتبع الهدى معك نتخطف من أرضنا  \[ القصص : ٥٧ \] فأخبر الله عز وجل أنهم لو آمنوا، واتقوا الشرك، لوسع عليهم العيش. 
وقوله تعالى : لأكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم  ليس على حقيقة الأكل، ولكن يخرج على المبالغة في الوصف والذكر كما يقال : فلان من قرن رأسه إلى قدمه في نعمة \[ ليس \] على حقيقة ما وصف، ولكن على المبالغة في الوصف بالسعة. ويحتمل أن يكون على حقيقة الأكل. 
أما ما يخرج الأرجل فهو ما يخرج من الأرض من المأكول والمشروب، و ومن فوقهم  من الثمار والفواكه فهو من الأشجار. ويحتمل ما ذكر  من فوقهم  الجبال،  ومن تحت أرجلهم  الأرض إخبار أن يكون \[ ما أنزل في \] الجبل والسهل جميعا. 
وقيل : لأكلوا من فوقهم  أي أرسل الله عليهم مدرارا  ومن تحت أرجلهم  تخرج الأرض بركتها، وتنبت الثمرة. وقال قتادة : لأعطتهم الأرض نباتها، والسماء بركتها، والله أعلم. 
وقوله تعالى : منهم أمة مقتصدة  قيل فيه بوجهين :\[ قيل : منهم أمة مقتصدة  من أسلم، وقيل :\]  منهم أمة مقتصدة  على كتاب لم يحرفون، ولا غيروه، ولا كتموا شيئا، ولا سعوا في الأرض بالفساد على ما عمل أكثرهم من التحريف والتغيير، والله أعلم.

### الآية 5:67

> ﻿۞ يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ ۖ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ ۚ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ ۗ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ [5:67]

وقوله تعالى : يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته  هذا، والله أعلم، وذلك أن أهل الكفر كانوا على طبقات ثلاث : منهم من يقول : لن نؤمن بهذا القرآن ولا بالذي بين يديه، وقولهم : لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا  \[ فصلت : ٢٦ \]، ومنهم من كان يخوفه، ويمكر به، ليقتلوه كقوله تعالى : وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك  الآية \[ الأنفال : ٣٠ \]، ومنهم من كان يعرض عليه النساء والقصور ليترك ذلك، وألا يدعوهم إلى دينه الذي هو عليه. 
كانوا على الوجوه التي ذكرنا، فأمر الله عز وجل أن يقوم على تبليغ رسالته، وألا يمنعه ما يخشى من مكرهم وكيدهم على قتله. لأن المرء قد يمتنع عن القيام بما عليه إذا كذب في القوم، ولحقه أذى بذلك. فأمر الله عز وجل نبيه \[ صلى الله عليه وسلم \] بتبليغ ما أنزل إليه، وإن خشي على نفسه الهلاك أو التكذيب في القول والأذى وترك طلب الموالاة. أي لا يمنعك شيء من ذلك من تبليغ ما أنزل إليك. 
أو أن يكون الأمر بتبليغ الرسالة في حادث الوقت أن تبلغ ما أنزل إليك من البيان كما بلغت تنزيلا، وهو كقوله تعالى : وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم  \[ إبراهيم : ٤ \] أخبر عز وجل أنه إنما \[ أرسل \] الرسل على لسان قومهم ليبينوا لهم. فعلى ذلك هذا، والله أعلم. 
وقوله تعالى : وإن لم تفعل فما بلغت رسالته  أي وإن \[ لم \] تبلغ ما أنزل لما تخشى من الهلاك والمكر بك فكأنك لم تبلغ الرسالة رأسا. لم يعذب نبيه صلى الله عليه وسلم في ترك تبليغ الرسالة. وإن خاف على نفسه الهلاك، ليس كمن أكره على الكفر أبيح له أن يتكلم بكلام الكفر بعد أن يكون قلبه مطمئنا بالإيمان إذا خاف الهلاك على نفسه. ولم يبح له ترك تبليغ الرسالة، وإن خشي على نفسه الهلاك. 
ذلك، والله أعلم، أن تبليغ الرسالة يتعلق باللسان دون القلب، والإيمان تعلقه بالقلب دون اللسان. فإذا أكره على الكفر أبيح له التكلم به بعد أن يكون القلب على حاله مطمئنا بالإيمان. 
وأما الرسالة فلا سبيل أن يبلغها إلا باللسان. لذلك لم يبح له تركها، وإن خاف الهلاك. ولهذا يدل قولنا في المكره بالطلاق والعتاق : إنه إذا تكلم به عمل لتعلقهما باللسان دون القلب. فالإكراه لا يمنع نفاذ ما تعلق باللسان دون القلب الرسالة التي ذكرنا، والله أعلم. 
ويحتمل قوله تعالى : وإن لم تفعل  أي لم تبلغ الرسالة في حادث فكأن لم تبلغ في ما مضى أو إن لم تبلغ البيان كما بلغت التنزيل في ما بلغت الرسالة، والله أعلم. 
وقوله تعالى : والله يعصمك من الناس  دليل إثبات رسالته صلى الله عليه وسلم لأنه عز وجل أخبر أنه عصمه من الناس، فكان ما قال، فدل أنه علم ذلك بالله. وكذلك في قوله تعالى : من دونه فكيدوني جميعا ثم لا تنظرون  \[ هود : ٥٥ \] كأن يقول بين ظهراني الكفرة : كيدوني جميعا، ثم لم يلحقه من كيدهم شيء. دل أنه كان بالله تعالى \[ معتصما \]. 
وعن عائشة رضي الله عنها \[ أنها قالت \] : كان النبي صلى الله عليه وسلم \[ يحرسه أصحابه \]. فلما نزل قوله تعالى : والله يعصمك من الناس  قال :**«انصرفوا إلى منازلكم فإن الله عصمني من الناس »** \[ القرطبي : ٦/١٨٠ \] فانصرفوا. 
ويحتمل قوله تعالى : بلغ ما أنزل إليك من ربك  أي بلغ ما أنزل إليك من الآيات والحجج والبراهين التي جعلها الله أعلاما لرسالتك وآثارا لنبوتك، ليلزمهم الحجة بذلك، والله أعلم.

### الآية 5:68

> ﻿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَىٰ شَيْءٍ حَتَّىٰ تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ ۗ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا ۖ فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ [5:68]

وقوله تعالى : قل يا أهل الكتاب لستم على شيء حتى تقيموا التوراة والإنجيل  لابتداء الكلام بمثل هذا لا عن قول أو دعوى تسبق، وليس في الآية بيان ما كان ادعوا أنهم على دين الله وعلى ولايته، أو ما قالوا : نحن أبناء الله وأحباؤه  \[ الآية : ١٨ \] أو \[ ما \] قالوا : لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى  \[ البقرة : ١١١ \] أو نحو ذلك من أمانيهم ودعاواهم التي ادعوا لأنفسهم. فقال لرسوله : قل  لهم  لستم على شيء حتى تقيموا التوراة والإنجيل وما أنزل إليكم من ربكم . 
قال الحسن : قوله تعالى : حتى تقيموا التوراة والإنجيل  أي حتى تقيموا ما حرفتم، وغيرتم من التوراة والإنجيل، وبدلتم وتستووا على ما أنزل، وتؤمنوا به. وقال غيره : قوله تعالى : حتى تقيموا التوراة والإنجيل  بالشهادة والتصديق لما فيهما. 
وعن ابن عباس رضي الله عنه \[ أنه قال \] : حتى تقيموا التوراة والإنجيل  حتى تعلموا بما في التوراة والإنجيل من صفة محمد ونعته ونبوته صلى الله عليهم وسلم وتبينوه للناس، ولا تكتموه. وما ذكرنا واحد. 
\[ وقوله تعالى \] : وما أنزل إليكم من ربكم  من كتب أنبيائكم، وحتى تقيموا أيضا ما أنزل من الكتب كتب الرسل أجمع. لأن الإيمان ببعض الرسل وببعض الكتب، والكفر ببعض لا ينفع حتى يؤمن بالرسل كلهم وبالكتب جملة. 
وقوله تعالى : وليزيدن كثيرا منهم ما أنزل إليك من ربك طغيانا وكفرا  قد ذكرنا. وقال بعضهم : وليزيدن كثيرا منهم ما أنزل إليك  القرآن من أمر الرجم والقصاص  طغيانا وكفرا . 
وقال بعضهم : لستم على شيء حتى تقيموا التوراة والإنجيل  هو \[ ما \] أمر الله نبيه \[ صلى الله عليه وسلم \] أن يبلغ ما أنزل عليه بقوله : وبلغ ما أنزل إليك من ربك  \[ الآية : ٦٧ \]. 
وقوله تعالى : فلا تأس على القوم الكافرين  أي لا تحزن على كفرهم كقوله تعالى : لعلك باخع نفسك ألا يكونوا مؤمنين  \[ الشعراء : ٣ \] ونحو قوله تعالى /١٣٤-أ/ : فلا تذهب نفسك عليهم حسرات  \[ فاطر : ٨ \].

### الآية 5:69

> ﻿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصَارَىٰ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ [5:69]

وقوله تعالى : إن الذين ءامنوا  قال ابن عباس رضي الله عنه هم الذين آمنوا بألسنتهم، ولم تؤمن قلوبهم. وقال بعضهم : هم الذين، آمنوا ببعض الرسل، لم يتسموا باليهودية، ولا النصرانية  والذين هادوا والصابئون  قد ذكرنا في ما تقدم من هم. 
وقوله تعالى : من ءامن بالله واليوم الآخر  تأويله الآية، والله أعلم : وإن اختلفت أديانهم، وتفرقت مذاهبهم، لو آمنوا بالله وما ذكر فلا خلاف عليهم بما كان منهم في حال كفرهم كقوله تعالى : إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف  \[ الأنفال : ٣٨ \]  ولا هم يحزنون  على فوت ما أعطاهم أي لا يفوتهم ذلك، والله أعلم.

### الآية 5:70

> ﻿لَقَدْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَأَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ رُسُلًا ۖ كُلَّمَا جَاءَهُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَىٰ أَنْفُسُهُمْ فَرِيقًا كَذَّبُوا وَفَرِيقًا يَقْتُلُونَ [5:70]

وقوله تعالى : لقد أخذنا ميثاق بني إسرائيل  قد أخذ الله عز وجل الميثاق على جميع البشر، وخصهم به دون غيرهم من الخلائق لما ركب فيهم ما يعرف كل به شهادة الخلقة على وحدانية ربه كقوله صلى الله عليهم وسلم : إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان  \[ الآية : ٧٢ \]. 
ثم خص بني إسرائيل من البشر بفضل الميثاق كما أرسل إليهم الرسل منهم، وهو قوله تعالى : وأرسلنا إليهم رسلا  وكأنهم قد قبلوا تلك المواثيق كقوله تعالى : إني معكم لئن أقمتم الصلاة  إلى آخره \[ الآية : ١٢ \] وكقوله تعالى : وأوفوا بعهدي أوف بعهدكم  \[ البقرة : ٤٠ \] كان من الله عهد، فأخبر أنهم إذا أوفوا بعهده يوفي بعهدهم. 
وقوله تعالى : كلما جاءهم رسول بما لا تهوى أنفسهم فريقا كذبوا وفريقا يقتلون  في الآية دلالة أنهم كانوا يخالفون دين الرسل بأجمعهم لما أحدثوا من اتباع أهوائهم، وأن الرسل، وإن اختلفت أوقات مجيئهم، فإنهم إنما يدعون بأجمعهم إلى دين واحد. 
وقوله تعالى : فريقا كذبوا وفريقا يقتلون  منهم من كذب، ومنهم من قتل. لكن القتل إن كان فهو في الأنبياء غير الرسل لأنه تعالى قال : إنا لننصر رسلنا والذين ءامنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد  \[ غافر : ٥١ \] أخبر أنه ينصر رسله، وليس في القتل نصر. ويحتمل قوله تعالى : وفريقا يقتلون  أي فريقا قصدوا قصد قتلهم. وقد ذكرنا هذا في ما تقدم.

### الآية 5:71

> ﻿وَحَسِبُوا أَلَّا تَكُونَ فِتْنَةٌ فَعَمُوا وَصَمُّوا ثُمَّ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ثُمَّ عَمُوا وَصَمُّوا كَثِيرٌ مِنْهُمْ ۚ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ [5:71]

وقوله تعالى : وحسبوا ألا تكون فتنة  ولم يبين ما الفتنة التي حسبوا ألا تكون ؟ فأهل التأويل اختلفوا فيها : قال قائلون : الفتنة المحنة التي فيها الشدة ؛ حسبوا ألا يأتيهم الرسل بامتحانهم على خلاف هواهم. بل جاءهم الرسل ليمتحنوا على خلاف ما أحدثوا من هوى أنفسهم. 
وقال بعضهم : قوله تعالى : وحسبوا ألا تكون فتنة  أي هلاك وعذاب تكذيبهم الرسل وقصدهم قصد قتلهم. 
وقال ابن عباس رضي الله عنه ألا يكون شر. وقيل : وحسبوا ألا تكون فتنة  أي حسبوا ألا يبتلوا بتكذيبهم الرسل وبقتلهم الأنبياء بالبلاء والقحط  فعموا  عن الهدى، فلم يبصروه  وصموا  عن الهدى فلم يسمعوا لما لم ينتفعوا به. 
\[ وقوله تعالى :\]  ثم تاب الله  فدفع عنهم البلاء، فلم يتوبوا بعد وقع البلاء. 
ويحتمل أن يكون قوله تعالى : وحسبوا ألا تكون فتنة فعموا وصموا ثم تاب الله عليهم ثم عموا وصموا  ما ذكره في آية أخرى، وهو قوله تعالى : وقضينا إلى بني إسرائيل في الكتاب لتفسدن في الأرض مرتين ولتعلن في الأرض مرتين ولتلعن علوا كبيرا  إلى قوله تعالى : ثم رددنا لكم الكرة عليهم  الآية \[ الإسراء : ٤ و٥ و٧ \]. تابوا مرة، ثم رجعوا، ثم تابوا. فذلك قوله تعالى : فعموا وصموا ثم تاب الله عليهم ثم عموا وصموا  الآية.

### الآية 5:72

> ﻿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ ۖ وَقَالَ الْمَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ ۖ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ ۖ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ [5:72]

وقوله تعالى : لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح ابن مريم  الآية. يحتمل قوله عز وجل : لقد كفر الذين قالوا  \[ وجهين :
أحدهما :\] أي كفروا بعيسى لأن عيسى كذبهم في قولهم : إنه ابن الله بقوله : يا بني إسرائيل اعبدوا الله ربي وربكم  الآية، وبقوله  إن الله ربي وربكم فاعبدوه  \[ آل عمران : ٥١ \] وبقوله : إني عبد الله ءاتاني الكتاب  الآية \[ مريم : ٣٠ \]. أخبر أنه عبد الله ليس هو إلها ولا ابنه. تعالى الله عن ذلك. 
والثاني : كفروا بعلمهم لأنه علموا أنه ابن مريم، ثم قالوا : هو الله أو ابن الله. فإن كان ابن مريم أنى تكون له ألوهية ؟ فإذا كانت أمه لم تستحق الألوهية، وهي أقدم منه، كيف تكون لمن بعدها ؟ ولكن لسفههم قالوا ذلك. تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا. 
وقوله تعالى : إنه من يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة ومأواه النار  إذا حرم عليه الجنة صار مأواه النار. 
وقيل : سمي مسيحا ؛ قال الحسن : سمي ذلك لأنه ممسوح بالبركات، وسمي الدجال مسيحا لأنه ممسوح باللعنة. 
وقيل : المسيح بمعنى الماسح، وذلك جائز : الفعيل بمعنى الفاعل ؛ وهو ما كان يمسح المريض والأكمة، فيبرأ، ويمسح الموتى، فيحيون، ومثل ذلك، فسمي بذلك، والله أعلم. 
والفعيل بمعنى المفعول جائز أيضا ؛ يقال : جريح ومجروح، وقتيل ومقتول. هذا كله جائز في اللغة.

### الآية 5:73

> ﻿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ ۘ وَمَا مِنْ إِلَٰهٍ إِلَّا إِلَٰهٌ وَاحِدٌ ۚ وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ [5:73]

وقوله تعالى : لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة  \[ يحتمل وجهين :
أحدهما \] : كفروا بعلمهم \[ لأنهم \] علموا بوحدانيته، فكيف يكون ثالث ثلاثة، وهو واحد ؟ فإذا قالوا : هو الله، فلا يكون هناك ثان، ولا ثالث، وذلك تناقض في العقل. 
والثاني :\[ كفروا لأنهم \] لم يروا غير الله خلق السماوات والأرض، ولا رأوا أحد خلقهم سوى الله، كيف سموا \[ من \] دونه إلها، ولم يخلق ما ذكرنا ؟ إنما خلق ذلك الذي لا إله غيره ؛ ذلك قوله تعالى : وما من إله إلا بإله واحد  أي يعلمون أنه لا إله إلا الله، إله واحد. لكنهم يتعنتون، ويكابرون في ذلك. 
وقوله تعالى : وإن لم ينتهوا عما يقولون  عما تقدم ذكره  ليمسن الذين كفروا منهم عذاب أليم .

### الآية 5:74

> ﻿أَفَلَا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ ۚ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ [5:74]

وقوله تعالى : أفلا يتوبون إلى الله ويستغفرونه  عن مقالتهم الشرك ؟ فإن فعلوا فإن الله  غفور رحيم  كقوله تعالى : إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف  \[ الأنفال : ٣٨ \] وبالله العصمة.

### الآية 5:75

> ﻿مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ ۖ كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ ۗ انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْآيَاتِ ثُمَّ انْظُرْ أَنَّىٰ يُؤْفَكُونَ [5:75]

وقوله تعالى : ما المسيح ابن مريم إلا رسول  في الآية دلالة المحاجة مع الفريقين \[ في وجهين : أحدهما : أنهم \] كانوا فريقين ؛ أحد الفريقين كانوا يكفرون أنه رسول، والفريق الآخر يدعون له الربوبية والألوهية. فقال : إنه ابن مريم، وابن مريم لا يحتمل أن يكون إلها. 
والثاني : أخبر أنه  رسول قد خلت من قبله الرسل  أي قد خلت من قبل عيسى رسل مع آيات وبراهين. لم يقل أحد من الأمم السالفة أنهم كانوا آلهة، فكيف قلتم أنتم بأن عيسى إله ؟ وإن كان معه آيات وبراهين رسالته. 
وقوله تعالى : وأمه صديقة  قيل : مطهرة من الأقدار كلها صالحة. وقيل : صديقة  تشبه النبيين، وذلك إن جبريل عليه السلام لما أتاها، وقال : قال إنما أنا رسول ربك لأهب لك غلاما زكيا  \[ مريم : ١٩ \] صدقته كتصديق الأنبياء والرسل الملائكة. وأما سائر الخلائق إنما يصدقون الملائكة بإخبار الرسل إياهم، وهي إنما صدقت جبريل بإخباره \[ إياها \] أنه ملك وأنه رسول. لذلك سميت صديقة، والله أعلم. 
وقيل : كل مؤمن صديق كقوله تعالى : والذين ءامنوا بالله ورسله، أولئك هم الصديقون  الآية \[ الحديد : ١٩ \]. 
وقوله تعالى : كانا يأكلان الطعام  فيه الاحتجاج عليهم من وجهين :
أحدهما : أن الجوع كان يغلبهما، ويحوجهما إلى أن يدفعا ذلك عن نفسهما. ومن غلبه الجوع، وقهره، كيف يصلح أن يكون ربا وإلها ؟ 
والثاني : أنهما إذا احتاجا إلى الطعام لا بد من أن يدفعهما ذلك إلى إزالة الأذى عن نفسهما ودفعه والقيام في أخبث الأماكن وأقبحها. فمن دفع إلى ذلك لا يكون إلها. تعالى الله عن ذلك علوا كثيرا. 
وقوله تعالى : انظر كيف نبين لهم الآيات  والآيات ما ذكر من وجهي المحاجة عليهم :
أحدهما : أنه ابن /١٣٤- ب/ مريم ؛ ومن كان ابن آخر لا يكون إلها. 
والثاني : من أكل الطعام احتاج أن يدفع عن نفسه الأذى، ويقوم في أخبث مكان. ومن كان هذا أمره لم يكن ربا. وليس في القرآن، والله أعلم، آية أكثر ولا أبين احتجاجا على النصارى ولا أقطع لقولهم \[ من \] هذه الآية للمعاني التي وصفنا. 
وقوله تعالى : ثم انظر أنى يؤفكون  أي من أين يكذبون ؟ قال أبو عبيدة : يؤفكون يصرفون، ويحادون عن الحق. كل من صرفته عن شيء فقد أفكته. ويقال : أفكت الأرض إذا صرف عنها القطر كقوله تعالى : يؤفك عنه من أفك  \[ الذاريات : ٩ \]. 
وقال ابن عباس رضي الله عنه : وذلك إفكهم وما كانوا يفترون  \[ الأحقاف : ٢٨ \] قال : أضلهم فقد صرفهم عن الهدى. 
قال أبو عوسجة : الإفك عندي الصرف عن الحق، وفي الأصل : الإفك الكذب. وقال القتبي : يؤفكون  يصرفون عن الحق، ويعذبون. وقيل : أنى يؤفكون  يخدعون بالكذب.

### الآية 5:76

> ﻿قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا ۚ وَاللَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ [5:76]

وقوله تعالى : قل أتعبدون من دون الله ما لا يملك لكم ضرا  إن خالفتموه  ولا نفعا  إن أطعتموه. وقيل : يحتمل قوله تعالى : ما لا يملك لكم ضرا  إن كان الله أراد بكم نفعا  ولا نفعا  إن أحل بكم الضر أي لا تملكون دفعه عنكم. 
وقوله تعالى : والله هو السميع العليم  لنسبتكم عيسى إليه، تعالى  العليم  بعبادتكم غير الله. ويحتمل  السميع  لنياتكم، والله أعلم.

### الآية 5:77

> ﻿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ [5:77]

وقوله تعالى : قل يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم غير الحق  خاطب الله عز وجل بالنهي عن الغلو في الدين أهل الكتاب، لم يخاطب أهل الشرك بذلك في ما خاطب كقوله : يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم ولا تقولوا على الله إلا الحق  \[ النساء : ١٧١ \] وذلك أن أهل الكتاب ادعوا أنهم على دين الأنبياء والرسل كانوا من قبل، فنهاهم الله عز وجل عن الغلو في الدين. والغلو هو المجاوزة عن الحد الذي حد والإفراط فيه و التعمق. فكأنه، والله أعلم، قال : لا تجاوزوا في الدين الحد الذي حد فيه بنسبته الألوهية إلى غير الله والعبادة له. 
وأما أهل الشرك فإنهم يعبدون ما يستحسنون، ويتركون ما يستقبحون، ليس لهم دين، يدينون به. وأما هؤلاء فإنهم يدعون أنهم على دين الأنبياء والرسل. كذلك خرج الخطاب لهم بذلك، والله أعلم. 
وقوله تعالى : ولا تتبعوا أهواء قوم قد ضلوا  يعني من قبل الرسول بذلك، والله أعلم،  وأضلوا كثيرا  أي أتباعهم  وضلوا عن سواء السبيل  أي عن قصد طريق الهدى.

### الآية 5:78

> ﻿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَىٰ لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ۚ ذَٰلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ [5:78]

وقوله تعالى : لعن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داود وعيسى ابن مريم  قال بعضهم : لعنوا بكل لسان ؛ لعنوا على عهد موسى عليه السلام في التوراة وعلى عهد داوود في الزبور وعلى عهد عيسى في الإنجيل وعلى عهد \[ رسول الله محمد، عليه أفضل الصلوات وأكمل التحيات \] في القرآن، وهو قول ابن عباس رضي الله عنه. 
وقيل : مسخوا \[ بدعاء الرسل \] بما اعتدوا قردة وخنازير. قال ابن عباس رضي الله عنه القردة والخنازير من نسل الذين مسخوا. وقال الحسن انقطع ذلك النسل. وأصل اللعن هو الطرد، كأنهم طردوا عن رحمة الله. 
ويحتمل تخصيص اللعن على لسان داوود، عليه السلام، كان به غلظة وخشونة، وهو الذين كان اتخذ الأسلحة وآلات الحرب، وعيسى كان به لين ورفق ليعلم أن اللعن الذي كان منهما كان لاعتدائهم على الحدود حدود الله وعصيانهم ربهم، وكانوا مستوجبين لذلك \[ محقين. ولذلك \] استجيب دعاؤهم باللعن ؛ أعني دعاء الرسل عليهم السلام.

### الآية 5:79

> ﻿كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ ۚ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ [5:79]

وقوله تعالى : كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه  ذكر في بعض القصة عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه \[ أنه \] قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :**«لما وقعت بنو إسرائيل في المعاصي نهاهم علماؤهم، فلم ينتهوا، فجالسوهم في مجالسهم، وآكلوهم، وشاربوهم، فضرب الله قلوب بعضهم ببعض، ولعنهم  على لسان داوود وعيسى ابن مريم ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون ، قال : فجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان متكئا، فقال : لا والذي نفسي بيده حتى تأطروهم على الحق أطرا »** \[ أحمد ١/٣٩١ \] قال أبو عبيد : يعني تعطفوهم عطفا. وقال غيره : حتى تكسروهم كسرا.

### الآية 5:80

> ﻿تَرَىٰ كَثِيرًا مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا ۚ لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ [5:80]

وقوله تعالى : ترى كثيرا منهم يتولون الذين كفروا  قيل : قوله : ترى كثيرا منهم  يعني المنافقين  يتولون الذين كفروا  يعني اليهود  يتولون الذين كفروا  من مشركي العرب وغيرهم ؛ كانوا يظاهرون على رسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين، ويعاونون عليهم، قد كان من الفريقين جميعا ذلك. 
ويحتمل وجها آخر : قوله تعالى : ترى كثيرا منهم  من هؤلاء الذين شهد لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم : يتولون الذين كفروا  يعني أسلافهم ورؤساءهم كقوله تعالى : لا تغلوا في دينكم غير الحق ولا تتبعوا أهواء قوم قد ضلوا من قبل وأضلوا كثيرا  الآية \[ الآية : ٧٧ \] تولى هؤلاء أولئك، واتبعوا أهواءهم. 
وقوله تعالى : لبئس ما قدمت لهم أنفسهم أن سخط الله عليهم  أي ما قدمت أنفسهم سخط الله عليهم.

### الآية 5:81

> ﻿وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ وَلَٰكِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ فَاسِقُونَ [5:81]

وقوله تعالى : ولو كانوا يؤمنون بالله والنبي  في المنافقين في أحد التأويلين. وفي تأويل آخر \[ في \] اليهود، أي لو صدق هؤلاء رسول الله صلى الله عليه وسلم وآمنوا به، وصدقوا ما  أنزل إليه  القرآن ما اتخذوا أولئك أولياء. 
ثم يحتمل قوله تعالى : ما اتخذوهم أولياء  في الدين أو في النصر والمعونة والمظاهرة  ولكن كثيرا منهم فاسقون .

### الآية 5:82

> ﻿۞ لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا ۖ وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَىٰ ۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ [5:82]

وقوله تعالى : لتجدن أشد الناس عداوة للذين ءامنوا اليهود والذين أشركوا 
 تحتمل الآية وجوها : تحتمل أن يكون ما ذكر من شدة العداوة للذين آمنوا قوما مخصوصين منهم، وتحتمل اليهود الذين كانوا بقرب رسول الله \[ صلى الله عليه وسلم \] وأصحابه، هم أشد عداوة لهم، ويحتمل اليهود جملة. 
فهو، والله أعلم، على ما كان منهم من قتل الأنبياء وتكذيبهم إياهم ونصب القتال والحرب مع رسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين، وما كان منهم من القول الوحش في الله سبحانه ما لم يستقم أحد بمثل ما وصفوا الله عز وجل بالبخل والفقر، وهو قوله تعالى : وقالت اليهود يد الله مغلولة  \[ الآية : ٦٤ \] \[ وقوله تعالى \] : إن الله فقير ونحن أغنياء  \[ آل عمران : ١٨١ \] وغير ذلك من القول ؛ وذلك لشدة بغضهم وعداوتهم وقساوة قلوبهم. فعلى ذلك كل من دعاهم إلى دين الله تعالى ؛ فهم له أشد عداوة وأقسى قلبا. 
وأما النصارى فلم يكن منهم واحد ممن كان من اليهود من قتل الأنبياء ونصب الحروب والقتال معهم. ولم يروا في مذهبهم القتال ولا الحرب، ولا كان منهم من القول الوحش ما كان من اليهود. بل كان منهم اللين والرفق حتى حملهم ذلك على القول في عيسى ما قالوا. وذلك منهم له تعظيم فوق القدر الذي جعل الله له حتى رفعوه من قدر العبودية إلى قدر الربوبية. لذلك كفروا. وإلا كانوا يؤمنون بالكتب والأنبياء عليهم السلام من قبل. 
ألا ترى أنه قال : ذلك بأن منهم قسيسين ورهبانا  أخبر عز وجل أن  منهم قسيسين ورهبانا  والرهبان هو العباد ؟ وقيل : القسيسون هم الصديقون. ولم يكن من اليهود رهبان ولا قسيسون. لذلك كان النصارى أقرب مودة وألين قلبا من اليهود، و الله أعلم. 
فإن كان ذلك في قوم مخصوصين مشار إليهم، فهو ما ذكر في القصة أن بني قريظة والنضير كانوا يعاونون، ويظاهرون مشركي العرب على قتال رسول الله صلى الله عليه وسلم ويأمرونهم. وبذلك ظاهروا، وأعانوا لمن لم يؤمن من بنبي ولا كتب /١٣٥- أ/ قط على من قد آمن بالأنبياء والكتب جميعا ؛ وذلك لسفههم وشدة تعنتهم حتى قاتلهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وأجلاهم من بلادهم إلى أٍرض الشام. إن \[ كان ذلك في \] قوم بقرب رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا مؤمنين فهو ما كان من يهود المدينة حين بايعوا أهل مكة على قتال رسول لله صلى الله عليه وسلم وكانوا عيونا لهم عليهم وطلائع. ولم يذكر في قصة من القصص أنه كان من النصارى \[ شيء من ذلك \[ لذلك كانوا \] \] أقرب مودة للمؤمنين، والله أعلم. 
وما قاله بعض أهل التأويل بأن من أسلم منهم كان أقرب مودة للمؤمنين من اليهود. 
فحاصل هذا الكلام أن المؤمن أقرب \[ مودة \] للمؤمنين من الكافرين، وذلك لا يفيد معنى.

### الآية 5:83

> ﻿وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَىٰ أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ ۖ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ [5:83]

وقوله تعالى : وإذا سمعوا ما أنزل إلى الرسول ترى أعينهم تفيض من الدمع 
 سرورا على أنفسهم مما ظفروا مما كانوا يسمعون من نعته صلى الله عليه وسلم ويطعمون من وجدوا. وقد يعمل السرور هذا العمل إذا اشتد به، وفرح القلب، فاضت عيناه سرورا. 
ويحتمل قوله تعالى : ترى أعينهم تفيض من الدمع  حزنا على قومهم حين لم يؤمنوا بعد أن بلغهم ما بلغ هؤلاء من إعلام النبوة وآثار الرسالة إشفاقا عليهم أن كيف لم يؤمنوا ؟ كقوله تعالى : وأعينهم تفيض من الدمع حزنا ألا يجدوا ما ينفقون  \[ التوبة : ٩٢ \] قد فاضت \[ أعينهم  ألا يجدوا ما ينفقون  والله أعلم \]. 
وقوله تعالى : يقولون ربنا آمنا  بما أنزلت، واتبعنا الرسول  فاكتبنا مع الشاهدين  قيل مع أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم وهو واحد. 
ثم ذكر في القصة أنها نزلت في النجاشي وأصحابه. وقيل : نزلت في أربعين رجلا من مسلمي أهل الإنجيل ؛ بعضهم قدموا من أرض الحبشة، وبعضهم قدموا من أرض الشام، فسمعوا القرآن من النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا : ما أشبه هذا بالذي نحدث من حديث عيسى ! فبكوا، وصدقوا، فنزلت الآية فيهم. فلا ندري كيف كانت القصة ؟ وفي من نزلت ؟ إذ ليس في الآية بيانه، وليس بنا إلى معرفة ذلك حاجة سوى ما فيه من شدة رغبتهم في القرآن وسرورهم على ذلك.

### الآية 5:84

> ﻿وَمَا لَنَا لَا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا جَاءَنَا مِنَ الْحَقِّ وَنَطْمَعُ أَنْ يُدْخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ [5:84]

وقوله تعالى : وما لنا لا نؤمن بالله وما جاءنا من الحق 
 الحق يحتمل الرسول صلى الله عليه وسلم ويحتمل القرآن، ويحتمل كليهما. 
وقوله تعالى : ونطمع أن يدخلنا ربنا مع القوم الصالحين  قال الحسن : قوله تعالى : ونطمع  أي نعلم  أن يدخلنا ربنا  الجنة إذا آمنا  بالله وما جاءنا من الحق  قيل : ونطمع  وهو الطمع والرضا أي نطمع، ونرجو  أن يدخلنا ربنا  في دين قوم صالحين. و الصالحين  يحتمل ما ذكرنا من الأنبياء والرسل، ويحتمل أصحاب محمد \[ صلوات الله عليه وسلامه \].

### الآية 5:85

> ﻿فَأَثَابَهُمُ اللَّهُ بِمَا قَالُوا جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ۚ وَذَٰلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ [5:85]

وقوله تعالى : فأثابهم الله بما قالوا 
 الثناء الحسن في الدنيا حين ذكرهم في القرآن، فيذكرون إلى يوم القيامة، ويثنى عليهم، وفي الآخرة الجنة ونعيمها  وذلك جزاء المحسنين  المحسن كأنه هو الذي يتقي المعاصي، ويأتي بالخيرات والحسنات جميعا ؛ يعمل عملين جميعا. والتقي هو الذي يتقي المعاصي والمكاره خاصة.

### الآية 5:86

> ﻿وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَٰئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ [5:86]

وقوله تعالى : والذين كفروا وكذبوا بآياتنا أولئك أصحاب الجحيم 
 قال بعضهم : الجحيم هو اسم معظم النار. وقال غيرهم : هو اسم درك من دركات النار، وكذلك السعير.

### الآية 5:87

> ﻿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا ۚ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ [5:87]

وقوله تعالى : يا أيها الذين ءامنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم  الآية
 ترد على المتقشفة لأنه \[ ما \] نهانا أن نأكل طيبات ما أحل الله لنا، وهم يحرمون ذلك. وقال الله عز وجل : قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق  \[ الأعراف : ٣٢ \]. ثم لا فرق بين ما أحل الله لنا من الطيبات وتحريم ما حرم الله علينا من الخبائث. ثم يلزمهم ألا يحرموا على أنفسهم التناول من الخير والماء، وهما من أطيب الطيبات. 
ألا ترى أن المرء قد يمل، ويسأم من التناول من غيرهما إيثارا منهم غيرهم على أنفسهم لما يلحق القوم من المؤن في غيرهما من الطيبات ولا يلحق في الخبز والماء، لأنهما موجودان، يجدهما كل أحد، ولا يجد غيرهما من الطيبات إلا من تحمل مؤنة عظيمة. فإن كان تركهم التناول منها لهذا الوجه فإنه لا بأس. 
وبعد فإن الله تعالى جعل الأطعمة والأشربة والفواكه للبشر في الوقت والحال التي تطيب أنفسهم بها، وتلذذ، لأنه لم يحل لهم في أول خروجها من الأرض، والنخيل إنما أحل لهم بعد نضجها وينعها واتخاذها خبزا وبلوغها في الطيب نهايته. وجعل للبهائم ذلك في أول ما يخرج. فإذا كان البشر خصوا بذلك لم يجب أن يحرم ذلك، ويبطل ذلك التخصيص والتفضيل، والله أعلم. 
فإن قيل : إنما لم يتناول منها لما يعجز عن شكر الله، لذلك يقتصر على ما يقيم الرمق فيه، قيل له : فيجب ألا يتزوج من النساء إلا أدونهن جمالا وأكبرهن سنا لأنها \[ تصونه من \] الفجور. فإن لم يكن في تزوج العجائز والقبائح وترك الشبان الحسان زهادة فليس في أكل خبز الشعير وترك الحور والميدة زهادة، ولكن لما خاف أن تدخله الرغبة في طيب الطعام في شبهة مكسبة. فواجب عليه ألا تدخله في ذلك المكسب، وينزه نفسه عنه، ويقتصر على القوت الذي لا بد له منه. 
وقيل : الآية نزلت في أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم منهم عمر وعلي وابن مسعود وعثمان بن مظعون والمقداد وسالم، رضوان الله تعالى عليهم أجمعين، وهؤلاء حرموا على أنفسهم الطعام والنساء، وهموا أن يقطعوا مذاكيرهم وأن يلبسوا المسوح، ويدخلوا الصوامع، فيتنزهوا فيها، فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم **«\[ فأتى منزل عثمان، فلم يجدهم النبي صلى الله عليه وسلم فقال : النبي \[ صلى الله عليه وسلم \] لامرأة عثمان : أحق ما بلغني عن عثمان وأصحابه ؟ قالت : إن كان عثمان أخبرك فقد صدقك، فقال النبي صلى الله عليه وسلم قولي لزوجك إذا جاء : إنه ليس منا من لم يستن بسنتنا، ويأكل من ذبيحتنا »** \[ بنحوه السيوطي في الدر المنثور ٣/١٣٩-١٤٢ \] فلما رجع عثمان وأصحابه أخبرته امرأته بقول النبي صلى الله عليه وسلم فقال عثمان : والله لقد بلغ النبي أمرنا، فما أعجبه ! فذروا الذي كره، فأنز الله : لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم  الآية. فلا ندري كيف كانت القصة ؟ ولكن فيه بيان ما ذكرنا، والله أعلم.

### الآية 5:88

> ﻿وَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلَالًا طَيِّبًا ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ [5:88]

وقوله تعالى : وكلوا مما رزقكم الله حلالا طيبا 
 يحتمل أن يكون الحلال هو الطيب، والطيب هو الحلال، سماها باسمين، وهما واحد. ويحتمل أن يكون قوله تعالى : وكلوا مما رزقكم الله حلالا  بالشريعة والدين، و طيبا  بالطبيعة لأن الحل والحرمة معرفتهما بالشريعة، والطيب ما تستطيب به الطبائع. 
وفي الآية دليل أنه قد يرزق ما هو خبيث، ليس بطيب، لأنه لو \[ لم \] يرزق لم يكن لشرط الحلال والطيب معنى، والله أعلم. 
وقوله تعالى : واتقوا الله الذي أنتم به مؤمنون  في الآية دلالة أن الخطاب للمؤمنين لأنه قال : واتقوا الله الذي أنتم به مؤمنون  ولم يقل : واتقوا الله  إن كنتم مؤمنين، ونحو هذا قد سماهم مؤمنين مطلقا. 
دل أنه يجوز أن يسمي  واتقوا الله  و لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم   الذي أنتم به مؤمنون  أنه لا يحل، ولا يحرم، إلا هو. وليس /١٣٥- ب/ إلى من \[ هو \] دونه تحليل أو تحريم.

### الآية 5:89

> ﻿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَٰكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ ۖ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ ۖ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ۚ ذَٰلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ ۚ وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ ۚ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ [5:89]

مسألة : اختلف الناس في تأويل أحرف ذكرت في قوله تعالى : لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان  إلى قوله تعالى  لعلكم تشكرون 
 لما للناس حاجة إلى معرفة حقيقة ما في كل حرف منها. إنه لم يزل تنازع أهل الفقه في أحكامه مما يعلم أن حق البيان في الخطاب لا يبلغ ما يقطع موضع التنازع فيه ولا بحيث يبلغ حقيقة كل سامع. وإن في شرط المحن بالأسباب التي يمتحن بها لزوم الفكر فيها والبحث عنها \[ والسؤال عنها الذين \] خصوا بفهمها بسؤالهم : من ولي الإبانة عنها ومقابلتهم بما سبق لهم العلم بها، في معرفة ذلك بيان ما خفي من معنى الذي قرع سمعه، أو بغير ذلك مما فيه دليل ذلك ؛ إذ لا يجوز المحنة بالذي لا يحتمل الوسع الوصول إليه، ولا في جملة ما به امتحن إيضاح ذلك لما يوجب الأمر بفعل ما هو عنه ممنوع، وذلك بعيد. بل يكون البيان السمعي على قدر البيان العقلي ؛ إن من المعارف ما يكون بالحواس، ومنها ما بها يوصل إليها إما بالاستدلال، فمثله حق السمعي، والله أعلم. 
من ذلك قوله تعالى : لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم  \[ البقرة : ٢٢٥ والمائدة : ٨٩ \]
 إنه عز وجل ذكر يمينا لا يؤاخذ فيها في موضعين من غير أن ذكر أنها : أي يمين هي ؟ ولا بأي شيء، لا يؤاخذ فيها ؟ والحاجة لازمة. إن ذلك في موضع الامتنان منه، جل وعلا، في العفو عن أمر كان له المؤاخذة. وحق على السامع معرفة منة الله تعالى ليشكره عليها. 
ثم معلوم أن اليمين لو كانت بالطلاق والعتاق كان صاحب ذلك يؤاخذ بما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم :**«أن ثلاثا جدهن جد، وهزلهن جد : الطلاق والعتاق والنكاح »** \[ أبو داوود : ٢١٩٤ \]. واللاغي لا يعدو أمرين مع ما كان يلزمان بلا شرط، يصير به الموقع حالفا. وأعظم ما في دفع المؤاخذة في اليمين أن يدفع عنه اليمين، وهما يجبان دونهما، فيقعان من غير أن كان في الآية ذكر التفضيل. ولكن تجب معرفة حقيقة ذلك بالذي بينا من الخير والنظر مع ما يعرف في ذلك خلافا. وهذا يوضح أن العفو في ما كانت الأيمان بالله تعالى. 
فعلى ذلك ما نسق على ما لا يؤاخذ من المؤاخذة ؛ وذلك يمنع من احتج بإيجاب الكفارة على الحالف بالقرب من حيث كان ذلك منه يمينا. والله أوجب باليمين كفارة. وإنما ذلك في اليمين لا في اليمين بالقرب. 
ثم كانت اليمين بالقرب : لو كانت على مخرج اليمين بالله لم يجب فيها شيء نحو أن تقول بالعتق : لا أفعل كذا أو بالصلاة أو بالصيام، ولو قال : بالله يجب. ثبت أن وجوب ذلك وصيرورته يمينا كان بحق النذور. 
وقد أمر الله ورسوله في النذور بالوفاء. فكذلك اليمين بها. ومما يبين ذلك أنه لو قال : إن فعل كذا فعله قتل فلان أو إتلاف ماله إنه لا يلزمه شيء. ثبت أن ما لزم لزم بحق لزوم ذلك في النذور. وحق ذلك الوفاء لا غير مع ما جاء الخبر بالأمر بالحلف بالله والنهي عن الحلف بغيره. والنذور أبدا لا تكون بغيره. ثبت أن وجوب ذلك بحق النذر. فذلك يجب الوفاء به، والله أعلم. 
ثم الأصل في ذلك أن الحلف بغير الله يكون على قسمين : قسم ألا يجب فيه شيء وقسم أنه لو وجب لأوجب\[ في الأصل وم : لجب \] المسمى نحو الطلاق والعتاق في ما يجب. فلما كان في الحلف بالقرب في الذمة، وهو حلف بغير الله تعالى، يجب أن يكون الواجب في ذلك ما أوجب، والله أعلم. 
ثم اختلف في معنى اللغو، فقال القوم : هو الإثم كقوله تعالى :( لا يسمعون فيها لغوا ولا تأثيما )\[ الواقعة : ٢٥ \] وقوله تعالى :( لا يسمعون فيها لغوا إلا سلاما )\[ مريم : ٦٢ \]. 
ثم اختلف \[ في \]\[ ساقطة من الأصل وم \] من قال بهذا على قولين :
أحدهما : أنه لا يؤاخذ بالإثم في أيمانكم التي لم تعقدوها\[ في الأصل وم : تعتدوها \]، لكنها جرت على اللسان. وبمثل ذلك روي عن عائشة رضي الله عنه أنها قالت : هو قول الرجل : لا والله ما كان كذا. وبه قال أبو بكر الكيساني في تفسيره. وأيد ذلك قوله تعالى :( ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم )\[ البقرة : ٢٢٥ \]. دل أن الأول بما يجري على اللسان دون ما يقصده قلبه. 
والثاني : ألا يؤاخذ بترك المحافظة في ما كان في المحافظة مأثم. دليله صلة ذلك قوله تعالى :( ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم )الآية\[ البقرة : ٢٢٤ \] فكأنهم يخرجون عن ترك المحافظة في ما سبقت منهم الإيمان قبل النهي بقوله تعالى :( ولا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها )\[ النحل : ٩١ \] فنزل قوله تعالى :( لا يؤاخذكم الله باللغو في ) بعض أيمانكم إذا كان حفظها مأثما ؛ وذلك نحو ما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال :**«من حلف على يمين، فرأى غيرها خيرا منها، فليأت بالذي هو خير وليكفر عن يمينه »**\[ مسلم : ١٦٥٠ \]. 
وعلى ذلك قوله تعالى :( ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان ) ولا يحتمل أن يؤاخذ بالعقد، وهو به معظم ربه، ولكن لمحافظة ما ( عقدتم الأيمان ) إذا كانت المحافظة إثما، وفي ما لم يكن فهو في قوله تعالى :( واحفظوا أيمانكم )\[ الآية : ٨٩ \] والله أعلم. 
وإلى هذا يذهب سعيد بن جبير في تأويل الآية. 
وقال قائلون\[ هذا وجه ثان في معنى اللغو \] هو الشيء الذي لا حقيقة له نحو اللعب. وعلى ذلك \[ قوله تعالى \]\[ ساقطة من الأصل وم \] :( لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه )\[ فصلت : ٢٦ \] أنهم لم يقصدوا تحقيق أمر يظهرونه، ولكن قصدوا التلبيس بما نطق به : ما كان كذا. قيل : لا يسمعون فيها لغوا باطلا بل كل ما يسمع فيها فهو حق وحكمة. 
**ثم رجع تأويله إلى وجهين :**
أحدهما : يجري على اللسان من غير عقد انقلب على ما مر به تفسيره. 
والثاني : أن يكون به الحلف بما لا حقيقة له على ظن أن حقيقة ما حلف عليه الحالف كما حلف. 
وكذلك روي عن ابن عباس والحسن رضي الله عنهما في تأويل الآية. 
ثم لو كانت الآية على التأويل الأول لكانت في وقع المأثم خاصة، وهو التأويل الذي ذكره سعيد بن جبير رضي الله عنه. 
وأما الكفارة فهي لازمة على ما ذكر في الخبر المرفوع في ما ذلك، وبما هي واجبة للحنث في اليمين وترك الوفاء من حيث لم يكن استثناء حالا منهما صاحبه. وذلك مبين أن ذلك للحلف في عقد اليمين أو لما يخرج الفعل مخرج الاستحقاق إذا قوبل فعله بعقد. وإن كان المسلم قد عصم عن ذلك الوجه، فأمر بتكفير ذلك، وذلك المعنى موجود في الوجهين. لذلك لزمت الكفارة في الأمرين، والله أعلم. 
لو كانت على التأويل الثاني أو على أحد وجهي تأويل لأمكن أن يؤاخذ بالمأثم ولا بالكفارة جميعا. 
والذي يبين أن هذا التأويل أنه ذكر المؤاخذة في الآيتين :
أحدهما\[ في الأصل وم : أحدهما، والمقصود قوله تعالى :( ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم )\[ البقرة : ٢٢٥ \] \] : بكسب القلوب. 
\[ والثانية : بكسبها \]\[ في الأصل وم : وكسبها، والمقصود قوله تعالى :( ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان )\[ المائدة : ٨٩ \] \] تعمدها. والمؤاخذة به تكون بالمأثم لا بالحقوق والكفارات ؛ إذ لا يؤاخذ بشيء يكسب القلب خاصة كفارة أو حقا يوجب. وإن كان قد يؤاخذ لذلك عند أفعال الجوارح. فأما \[ ما \]\[ ساقطة من الأصل وم \] له خاصة فلا، وقد يكون به الطاعة والمعصية. 
وعلى ذلك قوله تعالى :( وليس عليكم جناح فيما أخطأتم به ولكن ما تعمدت قلوبكم )\[ الأحزاب : ٥ \] وإذا ثبت أن ذلك في المأثم فلا يؤاخذ. ثم لا مأثم في ما ذكر من عقد اليمين في العقد ؛ إذ هو يخرج مخرج التعظيم لله، وقد رويت عقود الأيمان عن الرسل، فثبت أن المؤاخذة بالكفارة. فلا يؤاخذ بها في اللغو أيضا. 
وأيد ذلك أن الله تعالى ذكر ما لا يؤاخذ مرتين، وذكر المؤاخذة كذلك. فلو كانت المؤاخذة بواحد لكان الذكر الواحد كافيا. فثبت /١٣٦-أ/ أنه بأمرين مختلفين. 
فعلى ذلك أمر العفو، والله أعلم، مع ما أنه قد تبين في آية المعاقدة كيفية المؤاخذة، ولم يبين في كسب القلب أن يكون العفو عما جرى به بيان المؤاخذة أحق منه مما لم يجيء به، فثبت أنه في دفع المؤاخذة بالكفارة. 
ولو كان على ما يقوله سعيد \[ بن جبير \]\[ ساقطة من الأصل وم \] لكانت تجب الكفارة بما سلف بيانه. لذلك قلنا : إن هذا حق بالآية، والله أعلم. 
ثم إذا ثبت أن اللغو مما لا تجب فيه الكفارة يحتمل أن يكون لم تجب من حيث لم يعص الله به، ويحتمل أن تكون لم تجب لأن يمينه كانت على ما كانت، الحنث به معه أو قبله، فيمنع صحة اليمين. وإن أطلق لها الاسم إن كانت الأسماء مطلقة لما فسد من العقود، وصحت. وإنما تختلف لها الأحكام والمقاصد منها. 
فإن كان لما لم يعص الله فيجب أن يكون في كل حنث يؤمر به، لا تجب به الكفارة. فإذا جرت السنة بإيجابها على الأمر بالحنث قد يجب أيضا في ما كان فعل الحنث على حال خطإ أو لوم أو جنون أو فعل غير الحالف في ما الحنث به على تعمد أن يأثم بغيره، إذا قال الله عز وجل :( ولا تزر وازرة وزر أخرى )\[ الأنعام : ١٦٤و. . . \] ثبت أنها تجب لا لأنه لم يعص الله، ولكن للوجه الذي ذكرت، والله أعلم. 
ثم كان ذلك المعنى قائما في اليمين الذي تعمد عليه الكذب، وهو ما قيل : اليمين الغموس، يجب ألا تلزمه كفارة اليمين إنما يلزمه كفارة الجرأة والمخالفة لله، والله أعلم. 
**وأيد هذا الأصل وجهان :**
أحدهما : استواء الأمرين في اليمين المعقودة على الحادث في ما عصى من الحنث فيها، أو أطاع، أن يستويا في اليمين على الماضي في الوجهين جميعا. فإذا لم تجب الكفارة في أحد الوجهين لم تجب في الآخر، والله أعلم. 
والثاني : ما روي عن نبي الرحمة صلى الله عليه وسلم في شأن اللعان بعد الفراغ منه :**«إن الله يعلم أن أحدكما كاذب، فهل منكما تائب ؟ »**\[ البخاري : ٤٧٤٧ \] ومعلوم أن صاحبتهما لو كانت تجب فيه الكفارة \[ لاحتيج \]\[ ساقطة من الأصل وم \] إلى البيان عنها أكثر من صاحبتها إلى بيان كذب أحدهما. 
ثم لزوم التوبة إذ ذلك يعرفه كل سفيه وحكيم لا سمع، والكفارة لا تعرف إلى بالسمع، ثبت أنها غير واجبة. 
وكذا الأخبار التي رويت في الخصمين أنه قضي لأحدهما حتى ذكر فيه الوعيد الشديد حتى أمرهما بالتساهم بينهما وأن يحلل كل واحد منهما الآخر، فلا يحتمل أن يكون فيه كفارة، ولا تبين وكذلك علم في الموضع الذي أمر بالحنث ؛ إذ قد يشتبه على بعض من ليس له رؤية. 
وقد قال أبو إسحاق : أجمع المسلمون على ألا تجب فيه الكفارة. ولا تبين وكذلك علم في الموضع الذي أمر بالحنث ؛ إذ قد يشبته على بعض من ليس له رؤية. 
وقد قال إسحاق : أجمع المسلمون على ألا تجب فيه الكفارة. فقول من يوجبها ابتداء شرع ونصب وحكم الله تعالى على الخلق، وهو لم يشرك في حكمه أحدا. 
ثم الأصل في ذلك أن الأسباب التي ترفع العقود توجب الحرمات إذا تأخرت\[ في الأصل وم : تأخر \] العقود وأسباب الحل ؛ فهي على اختلافها متفقة على منع ابتدائها إذا قارنتها. فعلى ذلك أمر سبب الحنث. فلذلك تطلب اليمين والكفارة ؛ وهي كفارة اليمين فلا تجب في ما لا يمين تجب فيها. وليس كذلك كالقول بمس السماء ونحو ذلك لأن اليمين في هذا على ما يكون. فسبب الحنث لم يقترن لها، فصحت. لذلك اختلف الأمران. 
وهذه المسألة توضح حال رجلين :\[ حال \]\[ ساقطة من الأصل وم \] الشافعي في قوله : إن الكفارة تجب للحنث، وههنا لا حنث لما لم يصح العقد ليحنث فيه. ويكون الحنث أيضا بعد العقد، ولم يكن النص بالكفارة في اليمين المعقودة\[ في الأصل

### الآية 5:90

> ﻿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ [5:90]

وقوله تعالى :( يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس )الآية
 عن ابن عباس رضي الله عنه \[ أنه \]\[ ساقطة من الأصل وم \] قال : الميسر القمار. 
وعن النبي صلى الله عليه وسلم \[ أنه \]\[ ساقطة من الأصل وم \] قال :**«اجتنبوا الكعاب الموسومة التي تزجر زجرا فإنها ميسر العجم »**\[ بنحوه أحمد : ٤/٣٩٢ \] وعن ابن مسعود رضي الله عنه مثله، وعن أبي موسى الأشعري عن النبي صلى الله عليه وسلم :**«من لعب بالنرد فقد عصى الله ورسوله »**\[ أبو داوود٤٩٣٨ \]. 
وعن ابن عمر رضي الله عنه \[ أنه \]\[ ساقطة من الأصل وم \] قال : الميسر قمار. وعن علي رضي الله عنه \[ أنه قال \]\[ في الأصل وم : قال : مدرجة بعد أيضا \] أيضا : الشطرنج ميسر الأعاجم. وعن مجاهد وسعيد بن جبير والشعبي وهؤلاء السلف \[ أنهم \]\[ ساقطة من الأصل وم \] قالوا : الميسر القمار كله حتى الجوز الذي يلعب به الصبيان. 
وعن النبي صلى الله عليه وسلم \[ أنه \]\[ ساقطة من الأصل وم \] قال :**«لا جلب ولا جنب ولا شغار ولا وراط في الإسلام »**\[ الترمذي١١٢٣ \] وقيل : الوراط القمار، وقيل : الجلب هو أن يجلب وراء الفرس حتى يدنو، أو يحرك وراءه الشيء، يستحث السبق، والجنب هو الذي يجنب مع الفرس الذي به يسابق فرسا آخر حتى إذا داناه تحول راكبه إلى الفرس الجنوب، فأخذ السبق. 
وأجمع أهل العلم على أن القمار حرام، وأن الرهان هو المخاطرة مثل القمار. وما روي عن أبي بكر رضي الله عنه أنه خاطر أهل مكة في غلبة الروم فارس، فقال النبي صلى الله عليه وسلم **«زدهم في الخطر، وأبعدهم في الأجل »** فكان ذلك، والنبي صلى الله عليه وسلم بمكة في الوقت الذي لم ينفذ حكمه. 
فأما في دار الإسلام لا خلاف في أن ذلك لا يجوز إلا ما رخص فيه من الرهان في السبق في الدواب والإبل إذا كان الآخذ واحدا : إن سبق أخذ، وإن سبق لم يدفع شيء، وكذلك إن كان السبق بين الرجلين : أيهما سبق أخذ، و إن دخل بينهما فرس : إن سبق أخذ، وإن سُبق \[ لم \]\[ ساقطة من الأصل وم \] يغرم صاحبه شيئا، فهو جائز. ويسمى الداخل بينهما المحلل. 
فأما الرخصة فيه فما روي عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :**«لا سبق إلا في خف أو حافر أو نضال »**\[ أبو داوود٢٥٧٤ \]. هذا الذي وصفنا، كله من الميسر. والأنصاب هي الأحجار والأوثان التي كانوا ينصبونها، ويعبدونها، ويذبحون بها. وأما الأزلام فالقداح التي يستقسمون بها في أمورهم، ويستعملونها. ففيه دليل بطلان الحكم بالقرعة لأن الاستقسام بالقداح هو أن كانوا يجعلون الثمن على الذي خرج سهمه أخيرا، ويتصدقون بما اشتروا على الفقراء. ففيه إيجاب الثمن على الغير، فيجعلون الأمر إلى من ليس له تمييز. فعوتبوا على ذلك الحكم بالقرعة، تسلم\[ في الأصل وم : تسليم \] إلى من ليس له تمييز بين المحق وغير المحق، فيلحق هذا ما لحق أولئك. 
ثم أخبر أن ذلك كله ( رجس من عمل الشيطان ) وليس في الحقيقة عمل الشيطان ؛ لأن الشيطان لا يفعل هذا حقيقة. لكن نسب ذلك إليه لما يدعوهم إلى ذلك، ويزين لهم. 
وكذلك قول موسى عليه السلام :( هذا من عمل الشيطان إنه )\[ القصص : ١٥ \] كذا، وكذلك قوله تعالى :( فأخرجهما مما كانا فيه )\[ البقرة : ٣٦ \] وهو، لعنه الله، لم يتول إخراجهما، ولكن كان به سبب الإخراج والإذلال ؛ وهو الدعاء إلى ذلك والمراآة لهما\[ في الأصل وم : لهم \] فنسب ذلك إليه، والله أعلم.

### الآية 5:91

> ﻿إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ ۖ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ [5:91]

وقوله تعالى :( إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمْ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ ) 
هم في الظاهر لم يجتمعوا على العداوة والبغضاء، بل يكون اجتماعهم على الإلفة والمودة، على ذلك يجمعهم في الابتداء. لكن لما شربوا، وأخذهم الشرب، وقعت\[ في الأصل وم : وقع \] بينهم العداوة. فكان قصده\[ من م، في الأصل : تصدقوا \] إلى جمعهم في الابتداء على المحبة والمودة لما ظهر منه في العاقبة في إيقاع العداوة بينهم وتفريق جمعهم. وهو كقوله تعالى :( يدعوهم إلى عذاب السعير )\[ لقمان٢١ \]. ولو دعاهم إلى عذاب السعير لكانوا لا يجيبونه، لكن دعاهم إلى العمل الذي يوجب لهم عذاب السعير. 
فعلى ذلك هو يدعوهم إلى الاجتماع في الخمر والميسر إلى ما يوجب، ويوقع\[ في الأصل وم : ويقع \] بينهم العداوة والبغضاء. ففيه أن الأعمال تنظر فيها العواقب كما روي \[ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قوله \]\[ ساقطة من الأصل وم \] :**«الأعمال بالخواتيم »**\[ البخاري : ٦٦٠٧ \]. 
وفي الآية دليل تحريم الخمر لأنه قال :( رجس من عمل الشيطان ) والرجس حرام كقوله تعالى :( فإنه رجس أو فسقا )\[ الأنعام : ١٤٥ \]. وكذلك روي عن نبي الله صلى الله عليه وسلم أنه قام، فخطب الناس، فقال :**«أيها الناس إن الله يعرض على الخمر تعريضا لا أدري لعله سينزل فيها أمر »** ثم قال :**«يا أهل المدينة قد أنزل تحريم الخمر فمن كتب هذه الآية وعنده منها شيء فلا يشربها، ولا يبعها، فسكبوها في طريق المدينة »**\[ مسلم١٥٧٨ \]. 
وعن عمر رضي الله عنه \[ أنه \]\[ ساقطة من الأصل وم \] قال لما نزل تحريم الخمر : اللهم بين لنا في الخمر بيان شفاء، فنزلت الآية التي في البقرة ( يسألونك عن الخمر والميسر )\[ الآية : ٢١٩ \] فقرئت عليه، فقال عمر رضي الله عنه اللهم بين لنا في الخمر بيان شفاء، فنزلت الآية التي في النساء ( لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى )\[ الآية : ٤٣ \] فكان منادي رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قام إلى الصلاة قال : لا يقرب الصلاة سكران، فدعي عمر رضي الله عنه /١٣٨-ب/ فقرئت عليه، فقال : اللهم بين لنا في الخمر بيان شفاء، فنزلت الآية التي في المائدة :( إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء )\[ الآية : ٩١ \] فدعي عمر رضي الله عنه فقرئت عليه. فلما بلغ :( فهل أنتم منتهون ) قال انتهينا. 
وعن أنس بن مالك رضي الله عنه \[ أنه \]\[ ساقطة من الأصل وم \] قال : كنت ساقي القوم، ونبيذنا تمر وزبيب وبسر، خلطناه جميعا، فبينا نحن كذلك، والقوم يشربون، إذ دخل علينا رجل من المسلمين، فقال : ما تصنعون ؟ والله لقد أنزل تحريم الخمر، فأهرقنا الباطية، وكفأنا \[ كؤوسنا \]\[ ساقطة من الأصل وم \]، ثم خرجنا فوجدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم قائما على المنبر، يقرأ هذه الآية، ويكررها ( إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء ) إلى قوله تعالى :( فهل أنتم منتهون ) فالخليطان حرام. فأجمع أهل العلم على أن الخمر حرام : قليلها وكثيرها، وأن عصيرَ العنبِ، إذا غلي واشتد فصار سكرا، خمرٌ. 
واختلفوا في ما سوى ذلك من الأشربة ؛ فكان أبو حنيفة وأبو يوسف، رحمهما الله تعالى، يقولان : ما كان من الأشربة نيئا متخذا من النخلة والعنب فهو حرام كنبيذ البسر والتمر والزبيب، إذا سكر كثيره، فهو حرام عندهما. وعلى ذلك جاء الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال :**«الخمر من هاتين الشجرتين : من النخلة والعنب »**\[ مسلم١٩٨٥ \] فلا يحرم، وإن كان نيئا، إلا المسكر منه ؛ لأن غيرهما من الأشربة قد يتخذ لا للسكر\[ في الأصل وم : لهم \] ؛ وإن كان في مكان، لا يتخذ إلا للسكر، فهو مكروه قليله وكثيره كالمتخذ من النخلة والعنب. 
وكان يقولان : ما كان من الأنبذة مطبوخا فهو حلال، وإن قل طبخه، إلا العصير، فإنه لا يحل بالطبخ حتى يذهب ثلثاه، ويبقى ثلثه. وكانا يفرقان بين العصير وغيره ؛ فإن العصير ليس فيه شيء من غيره، وإن ترك بحاله على، فأسكر. فإذا طبخ حتى يذهب ثلثه أو نصفه فهو يغلي، ويسكر ؛ فلم يخرجه الطبخ من حدة الأول إذا كان قبل أن يطبخ، وهو الآن يسكر بنفسه إذ لم يجعل فيه شيء غيره. 
وسائر ما يتخذ منه الأنبذة، إن بقيت، لم\[ من م، في الأصل : لهم \] تشتد، ولم تسكر حتى يلقى عليه الماء، ويخلط بها غيره، فحينئذ يسكر، فهي مثل العصير إذا ذهب ثلثاه، وبقي ثلثه، إن بقي دهرا، لم يسكر حتى يلقى عليه الماء، فحينئذ يسكر. 
فإذا صار العصير في حال، إن بقي مدة لم يغل بنفسه، وهو أن يطبخ حتى يذهب ثلثاه، فقد ذهب سلطانه. 
وروي عن أنس بن مالك رضي الله عنه أن أبا عبيدة ومعاذ بن جبل وأبا طلحة رضي الله عنهما كانوا يشربون من الطلاء ما ذهب ثلثاه، وبقي ثلثه، وقد وصفنا فرق أبي حنيفة وأبي يوسف، رحمهما الله، بين المطبوخ وبين المثلث والمنصف من العصير. 
وأما فرقهم بين المطبوخ ما يتخذ من النخلة والعنب والنيء منه فهو الخمر التي لا خلاف في تحريمها في العصير التي يصير خمرا. فكل ما كان نيئا من الشجرتين اللتين سماهما النبي صلى الله عليه وسلم فهو حرام إذا أسكر. فإذا كان مطبوخا، فقد عمل فيه، خرج من حد الخمر. 
فإن قيل : يجب أن يقاس ذلك على النيء لأنه يسكر، وفيه صفات الخمر قيل : الخمر حرمت لعينها لما لا تتخذ إلا للسكر\[ في الأصل وم : السكر \]، ولا يقاس عليها غيرها. وإنما يقاس على ما حرم، وحل لعلة دون ما حرم بعينه. وأما غيره من الأنبذة فإنما يحرم منه السكر. 
ألا ترى أنه في الخبر أن النبي صلى الله عليه وسلم لما بعث أبا موسى إلى اليمن قال أبو موسى : إن شرابنا يقال له : البتع، فما نشرب منه ؟ وما ندع ؟ قال :**«اشربوا ولا تسكروا »**\[ البيهقي في الكبرى٨/٢٩٨ \]. 
وعن ابن عباس رضي الله عنه \[ أنه \]\[ ساقطة من الأصل وم \] قال : حرمت الخمر بعينها، قليلها وكثيرها، والسكر من كل شراب. 
وعن علي رضي الله عنه \[ أنه \]\[ ساقطة من الأصل وم \] قال : فما أسكر من النبيذ ثمان، وفي الخمر قليلها وكثيرها ثمانون. 
فدل قول علي رضي الله عنه في ما أسكر من النبيذ معناه : في السكر ثمانون. وذلك يدل أن قول النبي صلى الله عليه وسلم :**«كل مسكر حرام »**\[ البخاري٤٣٤٤و٤٣٤٥ \] أن السكر منه حرام. 
وعن عمر رضي الله عنه أنه أتي بسكران، قال : يا أمير المؤمنين إنما نشرب في نبيذك الذي في الإداوة، فقال عمر رضي الله عنه : لست أضربك على النبيذ، إنما أضربك على السكر. فهذه الأخبار التي ذكرنا دلت على تحريم الخمر بعينها والسكر من كل شراب. 
وقوله تعالى :( ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة ) يدل على تحريمها لأنه إذا سكر صده عن ذكر الله. وعن الصلاة.

### الآية 5:92

> ﻿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا ۚ فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَىٰ رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ [5:92]

وقوله تعالى :( وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ )
 في تحريم الخمر والميسر والأزلام والأنصاب ( واحذروا ) معصيتها ( فإن توليتم ) عن طاعتهما في ما حرم عليكم، وحذركم عنه ( فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلاغُ الْمُبِينُ ) في تحريم ذلك، والله أعلم.

### الآية 5:93

> ﻿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا وَآمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا ۗ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ [5:93]

وقوله تعالى :( ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا ) 
أي شربوا من الخمر قبل تحريمها، ( إذا ما اتقوا ) شربها بعد التحريم، ( وآمنوا ) أي وصدقوا بالتحريم، ( ثم اتقوا ) شربها، ( وآمنوا ) في حادث الوقت ( وأحسنوا ). 
وذكر في بعض القصة أنه لما نزل تحريم الخمر قالوا : كيف بإخواننا الذين ماتوا، وهم يشربون الخمر ؟ فنزل ( ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا )الآية، لكن هذا لا يحتمل أن يكون كما ذكر، لأنهم شربوا الخمر في وقت كان شرابها مباحا، ولم يشربوا بعد تحريمها. لكن هذا إن كان، فإنما قالوا في أنفسهم، فنزل أن ليس عليكم جناح في ما شربتم قبل تحريمها بعد أن اتقيتم شربها بعد نزول حرمتها، والله أعلم. 
وقال بعضهم : إن في الآية تكرارا في قوله تعالى :( إذا ما اتقوا وآمنوا وعملوا الصالحات ثم اتقوا وآمنوا ثم اتقوا وأحسنوا والله يحب المحسنين ) لكن الوجه فيه ما ذكرنا ليس على التكرار، والله أعلم.

### الآية 5:94

> ﻿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَخَافُهُ بِالْغَيْبِ ۚ فَمَنِ اعْتَدَىٰ بَعْدَ ذَٰلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ [5:94]

وقوله تعالى :( يا أيها الذين آمنوا ليبلونكم الله بشيء من الصيد )
 وليس فيه بيان أنه ابتلى بالأمر فيه أو بالنهي، لكن بيانه في آية أخرى ؛ إنما كان الابتلاء بالنهي عن الاصطياد بقوله تعالى :( وإذا حللتم فاصطادوا )\[ الآية : ٢ \]. ودل هذا على أن المحرم كان منهيا عن الاصطياد بقوله :( وإذا حللتم )، وأن الابتلاء الذي ذكر في الآية كان بالنهي عن الاصطياد، والله أعلم. 
ثم اختلف في الآية : قال بعضهم : النهي ( بشيء من الصيد ) لأهل الحرم. ألا ترى أنه روي في الخبر \[ أنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم \]\[ في الأصل وم : قال \] :**«لا ينفر صيدها »**. وأما المحرم فإنما نهي عن الاصطياد بقوله تعالى :( وإذا حللتم فاصطادوا )\[ الآية : ٢ \]، وبقوله تعالى :( لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم )\[ الآية : ٩٥ \]. 
وقال آخرون : الابتلاء بالنهي عن الاصطياد للمحرمين، وفي قوله تعالى :( لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم )\[ الآية : ٩٥ \] نهى عن قتله. وهناك نهي عن أخذه بقوله تعالى :( تناله أيديكم )\[ الآية : ٩٤ \] وقوله تعالى :( بشيء من الصيد ) أي في بعض الصيد دون بعض، لأن المحرم لم ينه عن أخذ صيد البحر بقوله تعالى :( أحل لكم صيد البحر ) وقوله\[ في الأصل وم : وقال \] تعالى :( وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرما )\[ الآية : ٩٦ \]. فذلك معنى قوله تعالى :( بشيء من الصيد )، والله أعلم. 
ويحتمل على التقديم والتأخير، كأنه قال : ليبلونكم الله بشيء تناله أيديكم ورماحكم من الصيد، والله أعلم. 
ثم اختلف في قوله تعالى :( تناله أيديكم ) قال بعضهم : ما تناله الأيدي هو البيض، وعلى هذا يخرج قولنا : إن المحرم منهي عن أخذ البيض. فإن أخذ بيضا فإن عليه الجزاء. 
والذي يدل على ذلك ما روى أبو هريرة رضي الله عنه ؛ قال : قال/١٣٩-أ/ رسول الله صلى الله عليه وسلم **«في بيض النعام صيام يوم أو إطعام مسكين »**\[ البيهقي في الكبرى٥/٢٠٧ \] وعن كعب بن عجوة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى في بيض نعام أصابه محرم بيمينه، وعن ابن عباس رضي الله عنه بثمنه\[ في الأصل وم : ثمنه \] أو قيمته. وعن ابن مسعود رضي الله عنه مثله. 
وقال بعضهم :( تناله أيديكم ) هو صيد الصغار، وهي الفراخ التي لا تطير، فيؤخذ بالأيدي. 
وقوله تعالى :( ورماحكم ) قال بعضهم : ما رميت، وطعنت. وقيل في قوله تعالى :( تناله أيديكم ) ما يؤخذ بغير سلاح ( ورماحكم ) ما يؤخذ بالسلاح من نحو النبل والرماح وغيرهما من السلاح. 
ثم في الآية دلالة أن المحرم قد نهي عن أخذ الصيد، وكذلك في قوله تعالى :( فاصطادوا )\[ الآية : ٢ \] والاصطياد هو الأخذ لا القتل. وإنما النهي عن القتل في قوله تعالى :( لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم )\[ الآية : ٩٥ \]. 
وقوله تعالى :( ليعلم الله من يخافه بالغيب ) ليعلم ما قد علم أنه يكون كائنا، أو يقال : ليعلم ما قد علم غائبا عن الخلق شاهدا كقوله تعالى :( عالم الغيب والشهادة ) الآية\[ الأنعام : ٧٣و. . . \]. 
وقوله تعالى :( من يخافه بالغيب ) اختلف فيه : قال بعضهم :( يخافه بالغيب ) بغيب الناس أي يخافه وإن لم يكن بحضرته أحد. وقال آخرون : يخاف العذاب بالإخبار، وإن لم يشهد، ويصدّق. والله أعلم. 
وقوله تعالى :( فمن اعتدى بعد ذلك ) أي من استحلّ قتل الصيد بعد ما ورد النهي والتحريم ( فله عذاب أليم ) إن شاء عذّب، وإن شاء عفا. وإذا عذب كان عذابه أليما.

### الآية 5:95

> ﻿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ ۚ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَٰلِكَ صِيَامًا لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ ۗ عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ ۚ وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ ۗ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ [5:95]

وقوله تعالى :( يا أيها الذين آمنوا لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم )
 أي وأنتم محرمون. الآية في ظاهرها على قتل الصيد كله. ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم رخّص في أشياء، أذن في قتلها ؛ فيُقال : في خمس من الدّواب لا جناح على من قتلهنّ، وهو محرم في الحرم : الحِدَأة والغراب والعقرب والفأرة والكلب العقور. 
وعن عائشة رضي الله عنها أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقتل خمس فواسق في الحِلّ والحرم : الحِدأة والغراب والعقرب والفأرة والكلب العقور. وفي بعض النسخ والأخبار : والذئب، فيحتمل أن يكون العقور : الذئب. 
وروي عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سُئل عما يقتل المحرم، فقال :**«الحية والعقرب والفويسقة والغراب والغيلة والكلب العقور والسبع العادي »** \[ أبو داود ١٨٤٨ \]، والكلب العقور الذي أمر المحرم بقتله ما قتل الناس، وعدا عليهم مثل الأسد والنمر والذئب. وما كان \[ من \] \[ ساقطة من الأصل وم \] السباع لا يعدو مثل الضبع والثعلب والحر وما أشبههن فلا يقتلهن المحرم فإن هو قتل شيئا منهن فداه. وإن قتل شيئا من الطير سوى ما ذكر في الخبر فعليه جزاؤه. 
وفي بعض الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم \[ أنه \] \[ ساقطة من الأصل وم \] قال :**«يقتل المحرم الفأرة فإنها توهن المَشْقَأَ »** \[ بنحوه البخاري ١٨٢٧ و١٨٢٨ \]. وقال بعض الناس : ما قتل المحرم من السباع الذي \[ في الأصل وم. التي \] لا يؤكل لحمه فلا فدية عليه. فكان تاركا لظاهر الآية، وهو قوله تعالى :\[ لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم \]. 
فإن احتج بحديث ابن عمر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم رخّص للمحرم في قتل خمس من الدّواب، وذلك ما لا يؤكل لحمه، قيل : أباح النبي صلى الله عليه وسلم قتل الخمس لعلّة أنه لا يؤكل لحمها ؟ فإن قال : نعم، قيل : ما الدليل على ذلك ؟ فإن قال : لأنها لا تؤكل ؛ فكلّ ما لا يؤكل من الصيد فقتله مباح. فيقال له : قولك : لا يؤكل، ليس بعلّة ؛ لأن ذلك لا يزول، لا يتغيّر. والعلة هي التي تحدث في وقت، وتزول في وقت. 
ولو كان قول القائل : لا يؤكل، علة في ما لا يؤكل، كان قوله : يؤكل، علة في ما يؤكل، وكان الشيء علة لنفسها. وهذا بين الخطإ. وإذا لم يكن تحريم أكل الخمسة التي أذن النبي صلى الله عليه وسلم في قتلها للمحرم علة في إطلاق قتلها كان القياس عليها على ما لا يحل أكله مخطئا لأن القياس إنما يكون على العلل. وما لا علة فيه لا يجوز القياس عليه. 
وعندنا أن هذه الخمسة المسماة تبتدئ المحرم وغيره بالأذى، وإن لم يبتدئها المحرم. وما سوى ذلك مما لا يؤكل لحمه لا يكاد يبتدئ بالأذى حتى يبتدئها الإنسان، فحينئذ تعرض له. 
وبيان ذلك أن الحدأة ربما أغارت على اللحم، تراه في يدي الرجل، والغراب يسقط على دبر الدابة\[ في الأصل وم : الدواب \]، فيفسده، والعقرب تقصد من تلدغه، وتتبع حسه، والكلب العقور لا يكاد يهرب من الناس كما تهرب السباع غيره. 
فأما الضبع والخنزير والكلب والذئب وأشباهها فهي ترهب من بني آدم، ولا تكاد تؤذيهم حتى يبتدئها بالأذى. 
جعلنا العلة في ما رخص النبي صلى الله عليه وسلم للمحرم قتله ما يعرف من قصدها لأذى المحرم، وأن يؤذيها المحرم إن كان معروفا فيها معلوما أنه أكثر شأنها. فلما لم يكن في سائر الطير المحرمة والسباع هذه العلة، وكان المعروف فيها أنها لا تبتدئ بالأذى لم يجز أن تشبه بالخمسة المسماة في الخبر. فإذا ابتدأ منها مبتدئ المحرم بالأذى كان حينئذ مثل الخمسة، فجاز له قتلها بغير فدية. 
وبعد فإن الذي لا يؤكل لحمه يسمى صيدا. والصيادون يصيدونه، فكان داخلا تحت عموم الخطاب. ومخالفنا تارك لأصله في العموم لأنه خص الآية بغير دليل. 
وأصحابنا، رحمهم الله، يجعلون الصيد كله محظورا أكل أو لم يؤكل إلا ما عدا منها فإن قتله قبل أن يعدو عليه لزمه الفداء. ذهبوا في ذلك إلى ما روي في الخبر خبر أبي سعيد \[ الخذري \]\[ ساقطة من الأصل وم \] رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : يقتل المحرم كذا وكذا والسبع العادي. فالعادي ما يعدو على المحرم، وإلى ما روي عن علي بن طالب رضي الله عنه، وغيره مع ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه جعل على المحرم قتل ضبعا جزاءه. وكذلك عن عمر وابن عباس وابن عمر رضي الله عنهم وهي مما لا تؤكل. 
وعن جابر \[ أنه \]\[ ساقطة من الأصل وم \] قال : سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن الضبع، فقال : هو صيد، وفيه كبش. وعن عمر رضي الله عنه كذلك، وابن عباس وابن عمر رضي الله عنه كذلك. 
وقوله تعالى :( ومن قتله منكم متعمدا فجزاء مثل ما قتل من النعم ) اختلف في الآية في تأويلها على وجهين :
فأحدهما : من جعل الآية على ظاهرها فلم يوجب في الخطإ كفارة. عن ابن عباس رضي الله عنه \[ أنه \]\[ ساقطة من الأصل وم \] قال : إذا أصاب المحرم الصيد خطأ فليس عليه شيء. وكذلك روي عن عطاء وسالم وقاسم أنهم قالوا : لا شيء عليه، مثل قول ابن عباس رضي الله عنه. 
والقول الثاني : ما قاله أكثر أهل التأويل ؛ قالوا : قوله تعالى :( ومن قتله منكم متعمدا ) لقتله ناسيا لإحرامه فذلك الذي يحكم عليه، وهو الخطأ المكفر. وإن قتله متعمدا لقتله ذاكرا لإحرامه يحكم\[ أدرج قبلها في الأصل وم : لم \] عليه. وكذلك روي عن الحسن أنه قال : متعمدا لصيده ناسيا لإحرامه، وقال :( ومن عاد فينتقم الله منه ) متعمدا للصيد وذاكرا لإحرامه. فكأنهم ذهبوا إلى أن المحرم لا يقصد الصيد، وهو ذاكرا لإحرامه، أحسنوا الظن به. 
وعندنا لأن الإحرام لا يجوز أن يخفى على المحرم، وينسى، لأن للمحرم أعلاما ؛ تذكره تلك الأعلام الحال التي هو فيها. وعندنا أن ما لا يجوز أن ينسى، ويخفى على المرء لم يعذر صاحبه في نسيانه. وعندنا أن على قاتل الصيد الكفارة ؛ عمدا قتله أو خطأ. 
وليست تخلو الآية من أن تكون أوجبت الكفارة على المتعمد للقتل الناسي لإحرامه كما قال الحسن ومجاهد، أو تكون أوجبت الكفارة على المتعمد للقتل ذاكرا لإحرامه أولى بالكفارة/١٣٩-ب/ لأن ذنبه أعظم وجرمه أكبر. فإن قيل : إنكم لا توجبون الكفارة على قاتل النفس عمدا فما منع أن يكون قتل الصيد مثل ذلك ؟ وإن كان جرمه\[ في الأصل وم : حرمته \] أعظم كما قيل \[ نقل \]\[ ساقطة من الأصل وم \] إن قاتل النفس عمدا، وإن كنا لم نوجب عليه الكفارة فقد أوجبنا عليه القصاص، وهو أعظم من الكفارة. وقاتل الصيد عمدا لقتله ذاكرا لإحرامه، لو أزلنا عنه الكفارة فلا شيء عليه سواها. لذلك اختلفا. 
ثم نقول : إنا عرفنا الحكم في قتل الصيد في الخطإ ؛ إنما يعرف بغيره، وليس في ذكر الحكم وبيانه في حال دليل نفيه في حال أخرى. ولنا على هذا في ما تقدم في غير موضع \[ أقوال \]\[ ساقطة من الأصل وم \] كرهنا إعادتها في هذا الموضع. ثم تخصيص ذكر الكفارة في قتل العمد يحتمل وجوها. 
أحدها : أن الكفارة في قتل النفس إنما ذكرت في قتل الخطإ، لم تذكر في قتل العمد ليعلم أنها إذا وجبت في العمد فهي\[ في الأصل وم : فهو \] في الخطإ أوجب. 
والثاني : أن الكفارة إنما وجبت بجنايته على صيد آمن به في الحرم. وكل ذي أمانة إذا أتلفت الأمانة لزم الغرم، عمدا كان إتلافه أو خطإ. فعلى ذلك هذا، والله أعلم. 
والثالث : أن ذكر التخيير في حال الضرورة يخرج مخرج التوسيع والتخفيف على أهلها. ولا يكون ذلك في غير حال الضرورة، فدل ذكره في غير حال الضرورة على أن ذلك كالمذكور في حال الضرورة. 
وقوله تعالى :( فجزاء مثل ما قتل من النعم يحكم به ذوا عدل منكم ) اختلف أهل العلم في ما يجب من المثل ؛ فقال قوم : في الظبي شاة، وفي النعامة بدنة، وفي حمال الوحش\[ في الأصل وم : الوحشي \] بقرة، وأشباه ذلك. 
وقال آخرون : المثل قيمة الصيد يقومه عدلان، فيوجبان قيمته دراهم، فيشتري بتلك الدراهم شاة، أو يجعله طعاما، فيتصدق به ؛ على كل مسكين نصف صاع، أو يصوم عن كل نصف صاع يوما. 
وقال غيرهم : إن بلغ دما ذبح شاة، وإن لم يبلغ دما يصدق به. 
وأما قولنا : إن المثل هو القيمة لا المثل في رأي\[ في الأصل وم/ : دار \] العين، ذهبنا في ذلك إلى وجوه :
أحدها : أن المحرم إذا أصاب يدا في هذا الوقت حكم بجزائه حكمان. فلو كان مثل الظبي شاة في كل الدهور والأوقات كان ما تقدم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم والسلف من الحكم في ذلك كائنا لا يحتاج إلى حكم غيرهم. فدل اجتماعهم على أن حكم الحكمين باق، وعلى أن المثل غير مؤقت ؛ بل هو مختلف على قدر الأزمنة والمواضع والأوقات. 
وإذا جعلنا المثل قيمة كانت الحاجة إلى الحكمين قائمة. وإذا جعلناه هديا فالحاجة إليها زائلة. ولا يجوز أن يعطل أمر الحكمين، وقد ذكره الله تعالى في كتابه. 
والثاني : ما أجمعوا عليه أن ما لا مثل له في الأنعام من الصيد إذا أصابه المحرم فعليه قيمته. فإذا كان المثل في بعض الصيد قيمته فهو في كل الصيد قيمته. وكذلك روي عن ابن عباس وغيره من السلف رضي الله عنهم أنهم قالوا ذلك. فإن قيل : ما لا مثل له من النعم لا يمكن \[ تقدير \]\[ ساقطة من الأ صل وم \] قيمة أكثر من قيمته. قيل له : فتجعل ذلك مثلا ؟ فإن قال : بلى، قيل : فقد صارت القيمة مثلا في بعض الصيد، فما منع أن يكون مثلا في كل الصيد ؟ فإن قال : المثل هو الهدي في ما له مثل. فأما ما لا مثل له من الهدي فليس الواجب فيه بمثل إنما ذلك قيمة. ولم يجب ذلك بنص الكتاب، وإنما وجب ذلك بنص الكتاب : المثل من الهدي. فأما ما لا مثل له فإنما وجبت\[ في الأصل وم : وجب \] قيمته بالإجماع. 
قيل له : حدثنا عن قول الله تعالى :( لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم ) هل دخل في عموم الآية الفرخ ونحوه ؟ فيكون منهيا عن قتله. فإن قال : نعم، قيل : فإذا دخل الفرخ في عموم النهي عن قتل الصيد فهو أيضا داخل في عموم قوله :( ومن قتله منكم متعمدا ) الآية. فإن قال : لا يدخل الفرخ في عموم قوله تعالى :( لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم ) قيل له : قد قال الله تعالى :( ليبلونكم الله بشيء من الصيد تناله أيديكم ورماحكم )\[ الآية : ٩٤ \] فروي أن\[ من م، في الأصل : أنه \] ذلك البيض والفراخ. فإن لم يجعل الفراخ ولا شيئا منها داخلا في الآية فما معنى الآية ؟ ونحن لا ننال بأيدينا من الصيد إلا ضعافه وما يعجز عن الطيران والعدو منه. 
فالآية توجب أن الصيد كله قد دخل في عمومها ما قلت قيمته وما كثرت. وذلك يوجب أن يكون الواجب من قيمة الفرخ والعصفور مثلا، والله أعلم. ولأن النعامة، لا مثل لها من النعم، فمن أوجب فيها بدنة فقد أوجب فيها ما ليس بمثل لها، ولا نظير. ومن أوجب فيها قيمتها فقد أوجب مثلا لها، فهو موافق للنص عندنا، والله أعلم. 
وكذلك الموجب في الحمامة شاة، لا تشبه الصيد المقتول في عينه ولا في صفته ولا في جنسه، فهو غير موجب المثل بل الموجب فيه القيمة أقرب إلى إيجاب المثل فيه، والله أعلم. 
فإن قيل : كيف سمى قيمة الشيء مثلا، وليست من جنسه، وإنما المثل ما كان من جنس الشيء ؟ قيل : قد ذكرنا أن قيمة ما لا مثل له من النعم يسمى مثلان ولأن الله تعالى قال :( أو عدل ذلك صياما ) وإذا جاز أن يسمى الصيام عدلا للطعام جاز أن تسمى القيمة عدلا للصيد. وإنما صار

### الآية 5:96

> ﻿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ ۖ وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا ۗ وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ [5:96]

وقوله تعالى :( أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعاً لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُماً ) 
أخبر الله تعالى أن صيده وطعامه حلال للمحرم. ثم اختلف أهل التأويل في تأويله ؛ قال بعضهم : صيده ما صيد، وطعامه ما قذف البحر. كذلك روي عن عمر رضي الله عنهم أنه قال : صيده ما صيد، وطعامه ما قذف. وعن أبي بكر وابن عباس رضي الله عنه \[ أنهما \]\[ ساقطة من الأصل وم \] قالا : طعامه ما قذف، وقال بعضهم : صيده ما أخذ طريا، وطعامه : ما تزودت في سفرك. 
ثم يجيء على قول أصحاب الظواهر أن يكون كل صيد البحر وطعامه حلالا مباحا بظاهر قوله تعالى :( أحل لكم صيد البحر وطعامه )الآية. وكذلك ما روي عن نبي الله صلى الله عليه وسلم \[ أنه \]\[ ساقطة من الأصل وم \] قال :**«هو الطهور ماؤه والحل ميتته »**\[ أبو داوود٨٣ \] إنه لم يخص ميتة دون ميتة ولا طعاما دون طعام، غير أن المراد عندنا رجع إلى السمك خاصة ما روي عنه صلى الله عليه وسلم \[ أنه \]\[ ساقطة من الأصل وم \] قال :**«أحلت لنا ميتتان ودمان »**\[ أحمد : ٢/٩٧ \] أما الميتتان فالجراد والسمك. دل الخبر أن المراد من الآية والخبر رجع إلى السمك، والله أعلم. 
وقوله تعالى :( وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرما ) عن ابن عباس رضي الله عنه \[ أنه \]\[ ساقطة من الأصل وم \] قال : بهيمة\[ في الأصل وم : بهمة \] لا يحل لك أن تصيده، ولا أن تأكله. وروي عن علي رضي الله عنه وهو محرم، أنه دعي إلى طعامه، فقرب إليه بعقاب\[ في الأصل وم : يعاقب \] وحجل. فلما رأى ذلك علي قام، وقام معه ناس، فقيل لصاحب الطعام : ما قام هذا ومن معه إلا كراهية لطعامك، فأرسل إليه، فجاء، فقال : ما كرهت من هذا، ما أشرنا، ولا أمرنا، ولا صِدْنا قال علي رضي الله عنه ( وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرما ) ثم انطلق. 
وعن عثمان رضي الله عنه مثله، وقريب\[ في الأصل وم : وقريبا \]، منه. 
وأما عندنا فإنه يحل للمحرم أن يأكل لحم الصيد إذا لم يصد هو، ولا صيد له، ما روي عن أبي قتادة رضي الله عنه أنه كان مع النبي صلى الله عليه وسلم حتى إذا كان ببعض الطريق بمكة يختلف مع أصحاب له محرمين، وهو غير محرم، فرأى حمار وحش، فاستوى على فرسه، فسأل أصحابه أن يناولوه سوطا، فأبوا، فسألهم رمحه، فأخذ، ثم اشتد على الحمار، فقتله، فأكل\[ في الأصل وم : فأكله \] منه بعض أصحابه، وأبى بعضهم. فلما أدركوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فسألوه عن ذلك، فقال : إنما هي طعمة أطعمكموها الله سبحانه، وقال : هل معكم من لحمه شيء ؟ 
وفي خبر آخر عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه \[ أنه \]\[ ساطقة من الأصل وم \] قال : عقر أبو قتادة حمار وحش، ونحن محرمون، وهو حلال، فأكلنا منه، ومعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم. 
وفي خبر آخر عن أبي قتادة رضي الله عنه \[ أنه \]\[ ساقطة من الأصل وم \] قال : أني أصبت حمار وحش، وعندي منه، فقال للقوم : كلوا، وهم محرمون. 
وفي بعض الأخبار عن جابر بن عبد الله \[ أنه \]\[ ساقطة من الأصل وم \] قال : قال رسول الله صلى عليه وسلم :**«صيد البر حلال لكم، وأنتم حرم، ما لم تصيدوه، أو يصد لكم »**\[ أبو داوود١٨٥١ \] رخص النبي صلى الله عليه وسلم في أكل لحم الصيد للمحرم، إذا لم يصد ولم يصد له. وبذلك أخذ أصحابنا. 
وفي الآية دليل لقولنا، وهو قوله تعالى :( لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم )\[ الآية : ٩٥ \] وقال تعالى :( وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرما )\[ الآية : ٩٦ \] فمنعنا، والله أعلم، اصطياده. ألا ترى أن صيد ما لا يؤكل محظور ؟ فدل ذلك على أن الآية نزلت في الاصطياد لا في أكل لحمه ؛ لأن لحم الصيد من أن يصاد ؛ فالتحريم غير واقع عليه، ليس كالبيض قد يصير صيدا، واللحم ليس كذلك، ولأن المحرم لو أتلف البيض غرم قيمتها، ولو\[ في الأصل وم : ولم \] أتلف لحم الصيد لم يضمن شيئا. فمن الضمان منع عن أكله، وما لم يلزمه لا، ولأنه لو حرم على المحرم التناول من لحم صيد، صاده حلال \[ لوجب أن يحرم \]\[ في الأصل : ليجب أن يخرج، في م : ليجب أن يحرم \] على أهل مكة التناول منه ؛ إذ هم أهل حرم الله، وذلك بعيد. 
فأخذ أصحابنا، رحمهم الله تعالى، بما روينا من الأخبار \[ والأحاديث عن \]\[ في الأصل وم : وعن \] رسول الله صلى الله عليه وسلم مثل\[ في الأصل وم : من \] حديث أبي قتادة وغيره، وربما دل عليه ظاهر الكتاب، وهو قول عمر وعثمان وغيرهما\[ في الأصل وم : وغيره \] رضي الله عنهم. 
فإن قيل : روي عن ابن عباس رضي الله عنهم عن زيد بن أرقم أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى المحرم عن لحم الصيد، وفي خبر آخر عن زيد بن أرقم رضي الله عنه \[ أنه \]\[ ساقطة من الأصل وم \] قال :**«أهدي لرسول الله صلى الله عليه وسلم عضو\[ في الأصل وم : عضوا \] من لحم صيد، فرده، فقال : إنا حرم لا نأكله »**\[ مسلم١١٩٥ \]وفي خبر آخر **«أنه سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن محرم، أتي بلحم صيد\[ فقال : لا يأكل \]\[ في الأصل وم : قال لا نأكله \] منه »**. 
لكن هذا الحديث يجوز أن يحمل على أن كان صيدا بعد أن أحرم أن يكون صيد من أجله. وإذا صيد من أجله لم يحل له أكله. دليله من خبر عثمان رضي الله عنه : ما أمرت بصيد، ولا صيد من أجلي، وخبر جابر رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم \[ أنه \]\[ ساقطة من الأصل وم \] قال :**«لحم صيد البر حلال لكم، وأنتم حرم، ما لم تصيدوه، أو يصد لكم »**\[ أبو داوود١٨٥١ \]. 
ثم المسألة في معرفة صيد البر من البحر. قال بعضهم : ما كان يعيش في البر والبحر فلا تصده، وما كانت\[ في الأصل وم : كان \] حياته في الماء فذاك البحري. وقال آخرون : أكثر ما يكون في الماء حتى يفرخ. وقال غيرهم : صيد البر هو الذي أخذه الصائد حيا، فمات في يده لم يحل \[ ولا يحل إلا إذا أدرك زكاته بتزكيته \]\[ في الأصل : إذا أدرك زكاته إلا بتزكيته، في م : ولا يحل إذا أدرك زكاته بتزكيته \]. فكل ما كانت هذه صفته فهو البري، وإن كان يعيش في الماء، وما كان الصائد أخذه حيا، وهو يعيش في الماء، فمات في يده، أكله، فذلك صيد البحر، وذلك السمك. 
وفي ذلك وجه آخر ؛ وهو أن كل ما ألقاه البحر، وقذفه، فمات، فحل لنا أكله، فذلك طعامه. وما لم يحل أكله فليس بطعامه. فما كان طعامه، وألقاه فمات، فهو إذن صيد البحر. وما لا يحل كله، إذا ألقاه، فليس بصيد البحر إذا صيد لأن الله تعالى أباح صيد البحر وطعامه. فما ليس /١٤٠-ب/ بطعامه إذا ألقاه، فمات، فليس بصيد إذا أخذه حيا، والله أعلم. 
وقوله تعالى :( واتقوا الله ) في استحلال قتل الصيد في حال الإحرام بعد النهي. أو اتقوا الله في كل ما لا يحل ( الذي إليه تحشرون ) فتجزون بأعمالكم إن خيرا فخير، وإن شر فشر. 
ويحتمل قوله تعالى :( إليه تحشرون ) أي إلى حكمه تصيرون كقوله تعالى :( وله الحكم وإليه ترجعون )\[ القصص : ٧٠ \] والله أعلم.

### الآية 5:97

> ﻿۞ جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِلنَّاسِ وَالشَّهْرَ الْحَرَامَ وَالْهَدْيَ وَالْقَلَائِدَ ۚ ذَٰلِكَ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ [5:97]

\[ وقوله تعالى \]\[ ساقطة من الأصل وم \] :( جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَاماً لِلنَّاسِ ) الآية
 اختلف فيه : قال بعضهم : قوله تعالى :( قياما للناس ) أي ثباتا للناس ودواما، لأن الله تعالى جعلها موضعا لإقامة العبادات من نحو الحج والطواف والصلوات، \[ وإقامة حرماته \]\[ في الأصل : وأراقة، في م : وإراقة حرماته \] والهدايا وغير ذلك من العبادات، جعلها ثابتة دائمة، لا تبدل ولا تنسخ أبدا. فذلك معنى القيام للناس، والله أعلم. 
وقال بعضهم ( قياما ) بمعنى قواما أي جعلها قواما لهم في معادهم لأنه جعلها مأمنا لهم وملجأ حتى إن من ارتكب كبيرة، أو أجرم جريمة، ثم لجأ إليه، ثم لم يتعرض له بشيء من ذلك، ولا ينال\[ في الأصل وم : يتناول \] منه. وكانوا إذا وجدوا هديا مقلدا لم يتعرضوا له، وإن كانت حاجتهم إليه شديدة، ونحو هذا كثير مما يطول ذكره. وجعل فيها عبادات ومقصدا ما لم يجعل في غيرها من البقاع من قضاء\[ في الأصل وم : القضاء \] المناسك وغيرها. 
وكذلك الشهر الحرام كان جعله مأمنا لهم، إذا دخلوا فيه يأمنون\[ من م، في الأصل : مامنون \] من كل خوف كان بهم. 
وجعل في الهدايا والقلائد منفعة لأهلها، فكان في ذلك قواما لهم في معاشهم ومعادهم. وعن سعيد بن جبير \[ أنه قال \]\[ ساقطة من الأصل وم \] : قال الله تعالى :( جعل الله الكعبة البيت الحرام قياما للناس ) شدة لدينهم. 
وقوله تعالى :( ذلك لتعلموا ) أي ذلك الأمن، وما ذكرنا من جعل الكعبة قواما لهم في معاشهم ومعادهم ( لتعلموا أن الله يعلم ما في السموات وما في الأرض ) أي على علم جعل هكذا قبل أن يكون. 
وقال بعضهم : قوله تعالى :( ذلك ) أي ما سبق ذكره من تحريف الكتب وتغيير\[ في الأصل وم : وتغييره \] وتبديل بعثه\[ في الأصل وم : نعته \] صلى الله عليه وسلم وصفته، أي على علم منه بالتحريف والتبديل، خلقكم لا عن جهل، ليمتحنكم، لما لا يضره كفر كافر، ولا ينفعه إيمان مؤمن. بل حاصل ضرر الكفر يرجع إلى الكافر، وحاصل نفع الإيمان يرجع إلى المؤمن.

### الآية 5:98

> ﻿اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ وَأَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ [5:98]

وقوله تعالى :( اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ )
 لمن عصاه، وخالف أمره، على ما علمتم أنه على علم منه كان جميع ما كان، ( وأن الله غفور رحيم ) واعلموا أيضا أن ( الله غفور رحيم ) لمن تاب، وأناب إليه، ( شديد العقاب ) \[ لأن من العقاب ما ليس بشديد، ومنه ما هو بشديد \]\[ في الأصل : لا من العقوبات ما ليس بشديد، في م : لأن العقاب منه ما ليس بشديد \] وخاصة عقاب\[ في الأصل وم : عقوبة \]الآخرة، لا انقضاء له، ولا فناء، لذلك وصفه\[ في الأصل وم : وصف \] بالشدة، والله أعلم.

### الآية 5:99

> ﻿مَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ ۗ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ [5:99]

وقوله تعالى :( ما على الرسول إلا البلاغ ) فيه وجهان :
أحدهما : رد\[ في الأصل وم : ردا \] على من يقول : الموعظة لا تنفع، ولا تنجع فيه، إذا لم يكن الواعظ مستعملا \[ لما يعظ غيره \]\[ من م، في الأصل : لا يعظ غير \] ؛ إذ ليس أحد من الخلق أشد استعمالا من الرسل عليهم السلام ثم لا تنفع مواعظهم وذكرهم قومهم، ولا تنجع فيهم لشؤمهم ولشدة تعنتهم. 
والثاني : إنباء أن ( ما على الرسول إلا البلاغ ) ولا ضرر عليهم بترك القوم إجابتهم كقوله تعالى :( فإن تولوا فإنما عليه ما حمل وعليكم ما حملتم وإن تطيعوا الله تهتدوا وما على الرسول إلا البلاغ المبين )\[ النور : ٥٤ \]. 
وقوله تعالى :( والله يعلم ما تبدون وما تكتمون ) ( ما تبدون ) من العداوة لمحمد صلى الله عليه وسلم ولأصحابه ونصب\[ في الأصل وم : وبنصب \] الحرب والقتال معهم ( وما تكتمون ) من المكر له والقصد لقتله، كقوله تعالى :( وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين )\[ الأنفال٣٠ \] كانوا يمكرونه، ويقصدون قصد إهلاكه، لكن الله عز وجل أطلع رسوله على مكرهم، وأخبر أنه يعصمه من الناس، وقال الله عز وجل :( كلما أوقدوا نارا للحرب أطفأها الله ويسعون في الأرض فسادا )\[ الآية : ٦٤ \].

### الآية 5:100

> ﻿قُلْ لَا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ ۚ فَاتَّقُوا اللَّهَ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ [5:100]

وقوله تعالى : قُلْ لا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ  الآية
 تحتمل وجهين : أحدهما : خرج عن سؤال قد سبق من كثرة الأموال لما رأوا أولئك كانوا يستكبرون، ويجمعون من حيث يحل ولا يحل، فمالت أنفسهم إلى ذلك، ورَغِبت، فقال : قلْ لا يستوي الخبيث والطيب  كأنه قال : إن القليل والطيب خير من الكثير من الخبيث، والله أعلم. 
والثاني : أنهم رغبوا في عبادة أولئك من الترهيب والاعتزال عن الناس لدفع أذى خبثهم عنهم وكثرة ما كانوا يتحملون من الشدائد، ورغبوا في ذلك، وهموا على ذلك على ما ذكر في القصة عن بعض أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أنهم هموا أن يترهبوا، أو يعتزلوا عن الناس، فقال صلى الله عليه وسلم : قل لا يستوي الخبيث والطيب  إن العمل القليل مع أصل طيب خير من الكثير مع خبث الأصل. 
وقوله تعالى : فاتقوا الله  في مخافة أمره ونهيه  يا أولي الألباب  فيه دلالة أن الله لا يخاطب أحدا إلا من كمل عقله وتم. وبالله العصمة.

### الآية 5:101

> ﻿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِنْ تَسْأَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا اللَّهُ عَنْهَا ۗ وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ [5:101]

وقوله تعالى : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ  
يحتمل أن يكون النهي عن السؤال عن أشياء، عن أسئلة كانت منهم لم تكن لهم حاجة إليها، فنهوا عن ذلك إلى أن تقع لهم الحاجة. فعند ذلك يسألون. كأنهم سألوه عن البيان والإيضاح قبل أن يحتاجوا إليه. 
ألا ترى أنه قال صلى الله عليه وسلم  وَإِنْ تَسْأَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ  الآية ؟ 
ويحتمل أن يكون خرج النهي عن السؤال ابتداء على غير تقدم سؤال كان منهم. ولكن نهوا عن السؤال عنها. ثم يحتمل بعد هذا أن كان على ابتداء السؤال كان من أهل النفاق، ؛ يسألون سؤال تعنت لا سؤال استرشاد ؛ يسألون عن آيات بعد ما ظهرت لهم، وثبتت عندهم الحجج، وعرفوا أنه رسول الله صلى الله عليه وسلم فإن كان النهي للمؤمنين فهو ما ذكرنا من سؤال البيان قبل وقوع الحاجة إليه. وقيل نزلت في قوم سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم \[ عن \] الحج، فقال رجل : أفي كل عام يا رسول الله ؟ \[ فرد عليه رسول الله \] :**«لو قلت : نعم صار مفروضا، فإذا صار مفروضا تركتم، وإذا تركتم جحدتم، وإذا جحدتم كفرتم »** \[ السيوطي في الدر المنثور ٣/٢٠٦ \]. لأن من جحد فرضا مما فرضه الله كفر، أو كلا من نحو هذا. 
ولا يجب أن يفسر هذا أنه كان في كذا ؛ إذ ليس في كتاب الله بيانه سوى أن فيه النهي عن سؤال ما لا يحتاج إليه. وعن ابن عباس رضي الله عنه \[ أنه \] قال : لا تسألوا عن أشياء، قد عفا الله عنها.  إن تبد لكم تسؤكم  إن تظهر لكم إن أمرتم العمل بها، والله أعلم بذلك.

### الآية 5:102

> ﻿قَدْ سَأَلَهَا قَوْمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ ثُمَّ أَصْبَحُوا بِهَا كَافِرِينَ [5:102]

وقوله تعالى : قد سألها من قبلكم ثم أصبحوا بها كافرين 
 هذا يدل على أن النهي عن السؤال في الآي لأحد شيئين : إما أن يسألوا \[ عن الآيات \] بعد ما ظهرت، وثبتت لهم رسالته. فلما أتى بها كفروا بها. ألا ترى أنه قال تعالى : قَدْ سَأَلَهَا قَوْمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ ثُمَّ أَصْبَحُوا بِهَا كَافِرِينَ  وقد كان الأمم السالفة يسألون من الرسل، عليهم الصلاة والسلام، الآيات بعد ظهور عندهم ؟ 
ويحتمل ما ذكرنا من قولهم : أين نحن ؟ ومن أين ؟ ومن أنا ؟ ونحوه. فلما أن أخبرهم بذلك كفروا به، والله أعلم.

### الآية 5:103

> ﻿مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلَا سَائِبَةٍ وَلَا وَصِيلَةٍ وَلَا حَامٍ ۙ وَلَٰكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ ۖ وَأَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ [5:103]

وقوله تعالى : مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلا سَائِبَةٍ وَلا وَصِيلَةٍ وَلا حَامٍ 
 أي ما جعل الله قربانا مما جعلوا هم لأنهم كانوا يجعلون ما ذكر من البحيرة والسائبة وما ذكر قربانا يتقربون بذلك إلى الأصنام والأوثان التي كانوا يعبدونها دون الله، فقال : ما جعل الله من ذلك شيئا مما جعلتم أنتم من البحيرة و السائبة. 
فقوله تعالى : مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ  وما ذكر أي ما أمر بذلك، ولا أذن بها. قيل : حرم أهل الجاهلية هذه الأشياء ؛ منها ما حرموه على نسائهم دون رجالهم، ومنها ما حرموه على الرجال والنساء، ومنها ما جعلوه لآلهتهم به. 
ثم قيل : البحيرة : ما كانوا يجدعون آذانها، ويدعونها لآلهتهم. والسائبة : ما كانوا يسيبونها. والوصيلة : ما كانت الناقة إذا ولدت ذكرا وأنثى في بطن قالوا وصلت أخاها، فلم يذبحوها، وتركوها لآلهتهم. 
قال أبو عبيدة : البحيرة إذا نتجت خمسة أبطن قطعت آذانها، وتُركت. والسائبة ولدت خمسة أبطن سيبت، فلا ترد عن حوض ولا علف. والوصيلة من الغنم إذا ولدت عناقين تُركا، وإذا ولدت عناقا وجديا قالوا : وصلت العناق الجدي، وتُرِكا، وإذا نتجت \[ ذكرا \] ذبح، والحامي إذا بطر إلى عشرة من ولده قيل : حمي ظهره، فلا يركب، ولا يحمل عليه شيء. 
وقال مجاهد : ولا حام  إذا ضرب \[ الفحل عشرا تركوه \] فهو الحامي، والحامي اسم. والسائبة من الغنم على نحو ذلك، إلا أنها \[ ما \] ولدت من ولد بينها ستة أولاد كانت على هيئتها، فإذا ولدت السابع ذكرا أو ذكرين، نُحِرَ، فأكله رجالهم دون نسائهم. وإن أتْأَمَتْ بذكر أو أنثى فهي وصيلة ؛ يُترك ذبح الذكر بالأنثى، وإن كانتا اثنتين تركتا. 
وقال القتبي : البحيرة الناقة إذا نتجت خمسة أبطن، والخامس ذكر، نحرن فأكله الرجال والنساء. وإن كان الخامس أنثى شقوا أذنها، وكان حراما على النساء لحمها ولبنها. فإذا ماتت حلت للنساء. والسائبة البعير يسيب بنذر يكون على الرجل إن سلمه الله من مرضه، أو بلَّغه منزلة أن يفعل ذلك. 
والوصيلة من الغنم : كانوا إذا ولدت الشاة سبعة أبطن نظروا، فإن كان السابع ذكرا، ذبح، فأكل منه الرجال والنساء، وإن كان أنثى تُركت في الغنم، وإن \[ أَتْأَمت ذكرا أو أنثى \] قالوا : وصلت أخاها فلم يذبح لمكانها، وكانت لحومها حراما على النساء، وليست الأنثى حراما على النساء إلا أن يموت منهما شيء، فيأكله الرجال والنساء. 
والحامي الفَحْل إذا رُكب ولدُ ولدِه، ويقال : إذا نُتِج من صلبه عشرة أبطن قالوا : حُمِيَ ظهره، ولا يركب، ولا يمنع من كلإ ولا ماء. 
كانوا يحرمون الانتفاع بما ذكرنا، ويقولون : إن الله حرم ذلك علينا. وهو ما ذكر في آية أخرى : قوله تعالى : وجعلوا لله ما ذرأ من الحرث والأنعام نصيبا فقالوا هذا لله بزعمهم وهذا لشركائنا  ( الآية الأنعام : ١٣٦ ) يحرمون أشياء على أنفسهم، ويضيفون تحريمها إلى الله. 
ثم سفَّه أحلامهم بقوله تعالى : ثمانية أزواج من الضأن اثنين ومن المعز اثنين قل ءالذكرين حرم أم الأنثيين أما اشتملت عليه أرحام الأنثيين \[ الأنعام ١٤٣ \] لم يكن تحريمهم هذه الأشياء بالسمع، ولكن رياء منهم وتنجؤٌ. واحتج الله عليه على ذلك الوجه ليظهر فساد قولهم من الوجه الذي ادعوا، فقال : قل ءآلذكرين حرم أم الأنثيين  فإن قالوا : الذكرين فقد كان من الذكر ما لم يحرم. فإن قالوا : أنثى فقد كان من الأنثى لم يكن فيها تحريم. ففيه دليل أن الحكم إذا كان بعلة يجب وجوب ذلك الحكم ما كانت تلك العلة قائمة، والله أعلم.

### الآية 5:104

> ﻿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَىٰ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قَالُوا حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا ۚ أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ [5:104]

وقوله تعالى : وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قَالُوا حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا  الآية 
كأنها نزلت في مشركي العرب، وكانوا أهل تقليد لا يؤمنون بالرسل، ولا يقرون بهم، إنما يقلدون آباءهم في عبادة الأوثان والأصنام. فإذا ما دعاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى ما أنزل الله إليه، أو دعاهم أحد إلى ذلك  قَالُوا حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا  \[ وقالوا \] : إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على ءاثارهم مقتدون  \[ الزخرف : ٢٣ \] ونحو ذلك ؛ يقلدون آباءهم في ذلك. 
فقال الله : أَوَ لَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لا يَعْلَمُونَ شَيْئاً وَلا يَهْتَدُونَ  أي تتبعون آباءكم، وتقتدون بهم، وإن كنتم تعلمون أن آباءكم لا يعلمون شيئا في أمر الدين، ولا يهتدون. وكذلك قوله تعالى : قال أو لو جئتكم بأهدى مما وجدتم عليه ءاباءكم \[ الزخرف : ٢٤ \] تتبعون آباءكم، وتقتدون بهم، وإن جئتكم بأهدى مما كان عليه آباؤكم ؛ يسفههم في أحلامهم في تقليدهم آباءهم، وإن ظهر عندهم أنهم على ضلال وباطل.

### الآية 5:105

> ﻿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ ۖ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ ۚ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ [5:105]

وقوله تعالى : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ  
ظن بعض الناس أن الآية دفعت الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والسعي في ترك ذلك وليس فيه دفع الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. ولكن إنباء أن ليس علينا في ما يردن ولا يقبل من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر شيء، وهو كقوله تعالى : ما عليك من حسابهم من شيء وما من حسابك عليهم  \[ الأنعام : ٥٢ \] وكقوله تعالى : فإن تولوا فإنما عليه ما حمل  الآية \[ النور : ٥٤ \] ليس فيه رخصة ترك تبليغ الرسالة إليهم ودفعه عنهم. ولكن إخبار ليس عليه في ما يُرد وترك القبول شيء كقوله تعالى : إن عليك إلا البلاغ \[ الشورى : ٤٨ \] فعلى ذلك الأول، والله أعلم. 
ويحتمل أن يكون \[ الآية ليس فيها \]\[ في الأصل وم : في الآية ليس فيه \] رخصة دليل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لأنه قال : لا يضركم من ضل  بترك قبول الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر  إذا اهتديتم  أنتم بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجب. وبذلك وصف الله تعالى هذه الأمة بقوله :( كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر )\[ آل عمران : ١١٠ \]. 
وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم \[ أنه \]\[ ساقطة من الأصل وم \] قال :**«من لم يرحم صغيرنا، ولم يوقر كبيرنا، ولم يأمر بالمعروف، ولم ينه عن المنكر فليس منا »**\[ أبو داوود٤٩٤٣ \] وعن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل علي، وقد حضره النفس، فتوضأ، ثم خرج إلى المسجد، فقمت من وراء الحجاب، فصعد المنبر، ثم قال :**«أيها الناس إن الله يقول : مروا بالمعروف وانهوا عن المنكر قبل أن تدعوني فلا أجيبكم، وتسألوني فلا أعطيكم، وتستغيثوني فلا أغيثكم، وتستنصروني فلا أنصركم »**\[ أحمد : ٦/١٥٩ \]. 
وعن أبي بكر الصديق رضي الله عنه \[ أنه \]\[ ساقطة من الأصل وم \] قال :**«يا أيها الناس إنكم تقرؤون هذه الآية، وإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول :«إن الناس إذا رأوا منكرا فلم يغيره يوشك أن يعمهم الله بعقاب »**\[ ابن ماجة٤٠٠٥ \]. 
وقوله تعالى :( لولا ينهاهم الربانيون والأحبار عن قولهم الإثم )الآية\[ الآية : ٦٢ \] ثم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على مراتب مع الكفرة بالقتال والحرب ومع المؤمنين باليد واللسان. 
الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجب فرض ما لم يدخل في ذلك فساد، ويصير الأمر به والنهي عنه منكرا. فإذا خشوا ذلك يرخص لهم الترك، وإلا. 
وروي عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه \[ أنه \]\[ ساقطة من الأصل وم \] قال : قولوها ما لم يكن دونها السيف والسوط. فإذا كان دونها السيف والسوط فعليكم أنفسكم. 
وقوله تعالى :( إلى الله مرجعكم جميعا ) الذي يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، والذي يرد عنه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ( فينبئكم بما كنتم تعلمون ) خرج على الوعيد والتحذير.

### الآية 5:106

> ﻿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَأَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ ۚ تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلَاةِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ إِنِ ارْتَبْتُمْ لَا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَىٰ ۙ وَلَا نَكْتُمُ شَهَادَةَ اللَّهِ إِنَّا إِذًا لَمِنَ الْآثِمِينَ [5:106]

وقوله تعالى :( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمْ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ ) الآية. اختلف فيه :
عن قتادة \[ أنه \]\[ ساقطة من الأصل وم \] قال : رجل مات بقرية من الأرض، وترك تركة، وأوصى وصية، وأشهد على وصيته رجلين \[ قال : إنهما \]\[ ساقطة من الأصل وم \] في شهادتهما استحلفا بعد صلاة العصر. وكان يقال : عندها تصير الأيمان. فإن عثر أي أطلع منهما على خيانة على أنهما كتما، أو كذبا، وشهد رجلان أعدل منهما بخلاف \[ ما \]\[ من م، في الأصل : فان اتمها \] قالا أجيزت شهادتهما، وأبطلت /١٤١-ب/ شهادة الأولين. ( اثنان ذوا عدل منكم ) من المسلمين ( أو آخران من غيركم ) من أهل الكتاب ؛ إذا كان أهل عشيرتكم، فنقول : إن الحق على المسلم إذا أراد أن يوصي أن يسند الوصاية إلى أحد عشيرته، وكذلك أن يشهد على ذلك من أهل عشيرته لأن أهل عشيرته أحفظ لذلك وأحوط وأكثر عناية ( وأقوم للشهادة )\[ البقرة : ٢٨٢ \] ولا كذلك الأجنبيان. 
فإن \[ قال \]\[ ساقطة من الأصل وم \] قائل : خاطب الله عز وجل المؤمنين جملة بقوله :( يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم )الآية فكيف يحتمل أن يكون قوله :( أو آخران من غيركم ) من غير دينكم ؟ فنقول : سبحان الله ما أعظم هذا القول : يرد شهادة موحد مخلص دينه لله لفسق يرتكبه، ويأمر بقول شهادة كافر كاذب قاتل الله بالولد والشريك ! هذا مما لا يحتمل. وقال أيضا :( تحبسونهما من بعد الصلاة ) وهم كانوا يستهزئون بالصلاة إذا نودي لها بقوله تعالى :( وإذا ناديتم إلى الصلاة اتخذوها هزوا ولعبا )\[ الآية : ٥٨ \] دل أنه لا يحتمل ما ذكروا. 
وعن سيعد بن جبير في قوله تعالى :( أو آخران من غيركم ) \[ أنه \]\[ ساقطة من الأصل وم \] قال : إذا حضر المسلم الموت في السفر، فلم يجد مسلمين، فأوصى إلى أهل الكتاب، فإن جاؤوا بتركته، فاتهموا، حلف هؤلاء أن متاعه كذا وكذا، وأخذوه. وبعض الناس يجيزون شهادة النصارى واليهود في السفر في الوصية بظاهر الآية. 
وقال مجاهد :( أو آخرين من غيركم ) من غير ملتكم. وعن عامر الشعبي \[ أنه \]\[ ساقطة من الأصل وم \] قال : شهد نصرانيان على وصية مسلم مات عندهم، فارتاب أهل الوصية، فأتوا بهما إلى أبي موسى الأشعري، فاستحلفهما بعد صلاة العصر بالله. ما اشترينا\[ في الأصل وم : اشتريتما \] به ثمنا قليلا، ولا كتمنا\[ في الأصل وم : كتما \] شهادة الله ( إنا إذا لمن الآثمين ) ثم قال أبو موسى الأشعري : والله إن هذه القصة ما قضي بها منذ مات رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى اليوم. 
قد بين الشعبي أن أبا موسى إنما استحلفهما في ما اتهمهما به من تركة\[ في الأصل وم : تركته \] الميت. وهذه يمين واجبة عند المسلمين جميعا، ولم يحلفهما على أن ما شهدا به كما شهدا به كما زعم قوم أن شهادتهما تصح بيمينهما. 
وعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه \[ أنه \]\[ ساقطة من الأصل وم \] قال : خرج رجل من المسلمين، فمر بقرية، ومعه رجلان من المسلمين، فدفع إليهما ماله، ثم قال : ادعوا إلي من أشهد على ما قبضتما، فلم يجدا\[ في الأصل وم : يجدوا \] أحدا من المسلمين في تلك القرية، فدعوا ناسا من اليهود والنصارى، وأشهدهم على ما دفع إليهما. ثم إن المسلمين قدما إلى أهله فدفعا ماله إلى أهله. فقال الورثة : لقد كان معه من المال أكثر مما أتيتما، فاستحلفوهما بالله : ما دفع إليهما غير هذا ؟ ثم قدم ناس من اليهود والنصارى، فسألهم أهل الميت، فأخبروهم أنه هلك بقريتهم \[ رجل \]\[ ساقطة من الأصل وم \] وترك كذا وكذا من المال، فعلم أهل المتوفى أن قد عثروا على أن المسلمين قد استحقا إثما، فانطلقوا إلى ابن مسعود، فأخبروه بالذي كان من أمرهم، فقال ابن مسعود رضي الله عنه ما من كتاب الله من شيء إلا قد جاء على الدلالة إلا هذه الآية، فالآن جاء تأويلها، فأمر المسلمين أن يحلفا بالله ( لا نشتري به ثمنا ولو كان ذا قربى ولا نكتم شهادة الله إنا إذا لمن الآثمين ). 
ثم أمر اليهود والنصارى أن يحلفوا بالله : لقد ترك من المال كذا وكذا، ولشهادتنا أحق من شهادة هذين المسلمين ( إنا إذا لمن الظالمين ). 
ثم أمر أهل الميت أن يحلفوا بالله : أن كان ما شهدت به اليهود والنصارى حقا\[ في الأصل وم : حق \]، فحلفوا، فأمرهم ابن مسعود \[ أن \]\[ ساطقة من الأصل وم \] يأخذوا من المسلمين ما شهدت به اليهود والنصارى. وكان ذلك في خلافة عثمان بن عفان. 
فإن ثبت هذا عن ابن مسعود رضي الله عنه فهو خلاف ما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال :**«لو يعطى الناس بدعواهم لادعى قوم دماء قوم وأموالهم. \[ ولكن اليمين على المدعى عليه »**\[ مسلم١٧١١ \] وقال :**«البينة \]\[ في الأصل وم : لكن البينة \] على المدعي واليمين على المدعى عليه »**\[ الترمذي : ١٣٤١ \] وهو أيضا غير موافق لظاهر الآية، فلا نراه. 
ثبت هذا عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال : كان تميم الداري وعدي بن بداء يختلفان إلى مكة في التجارة، فخرج رجل من بني سهم، فتوفي بأرض، ليس فيها مسلم، فأولى إليهما، فدفعا تركته إلى أهله، وحبسا جاما من فضة، فاستحلفهما رسول الله صلى الله عليه وسلم ما كتمتما، ولا أطلعتما. ثم عرض \[ رجلان \]\[ ساقطة من الأصل وم \] الجام بمكة، فقالا : اشتريناه من عدي وتميم، فقام رجلان من أولياء السهمي \[ فقالا \]\[ ساقطة من الأصل وم \] :( لشهادتنا أحق من شهادتهما ) فأخذ الجام. وفيهم نزلت هذه الآية. 
وفي الحديث أن اليمين وجبت على المدعى عليهما لما ادعى عليهم الورثة أنهما تركا بعض تركة الميت، وفيه أن الإناء لما ظهر ادعاه\[ في الأصل وم : ادعى \] تميم وصاحبه، وهذان حكمان موافقان لسائر الأحكام والسنن. فإن كان الأمر كما ذكر في هذا فليس في الآية نسخ، ولا فيها ما يخالف الأحكام الظاهرة. وليس يجوز عندنا أن يحلف الشاهدان إن كانا كافرين مع شهادتهما لأن ظاهر الآية نسخ، ولا فيها أحكام توجب اليمين على العدلين منا ومن غيرنا. 
فلما لم يجز أن يحلف الشهود المسلمين على الوصية التي يشهدوا لها، وإنما يحلفون على شيء \[ ادعي أنهما حبساه \]\[ في الأصل وم : ادعوا أنهم حبسوه \]، كان سبيل الكفارة كذلك. 
وإذا كانت الآية نزلت في قصة تميم وصاحبه، وكانا نصرانيين، فإن ذلك يدل على أن شهادة بعضهم على بعض جائزة لأن الله تعالى قال :( اثنان ذوا عدل منكم أو آخرين من غيركم ) فمعنى الآية على هذا التأويل، والله أعلم، أن يكون الميت خلف تركته عند ذميين على ما ذكر في القصة، وقالا : ترك في أيدينا كذا وكذا، وادعى أكثر من ذلك، واستحلف المدعى عليهما قبلهم، وقوله :( تحبسونهما ) على هذا التأويل هما\[ في الأصل وم : هو \] المدعى عليهما.

### الآية 5:107

> ﻿فَإِنْ عُثِرَ عَلَىٰ أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْمًا فَآخَرَانِ يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْأَوْلَيَانِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ لَشَهَادَتُنَا أَحَقُّ مِنْ شَهَادَتِهِمَا وَمَا اعْتَدَيْنَا إِنَّا إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ [5:107]

وقوله تعالى :( فَإِنْ عُثِرَ عَلَى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْماً ) 
يريد، والله أعلم، أن يشهد عليهما شاهدان منا أو منهم بشيء جحداه أنه من تركة الميت، فهذا استحقاق الورثة. فإذا قال المدعي قبلهما : اشتريناه من الميت فعلى الورثة أن يحلفوا. فهذا، والله أعلم، معنى :( فآخران يقومان مقامهما ) لأن الورثة صاروا مدعى عليهم، فقاموا في هذه الحال في وجوب اليمين عليهم مقام الأولين لما كانت الدعوى عليهم. 
فهذا، والله أعلم، أقرب الوجوه في تأويل الآية وأشبهها ؛ وهو، إن شاء الله، معنى ما روي عن ابن عباس رضي الله عنه وإن لم يذكر تفسير قوله :( من غيركم ) وهو، والله أعلم، على غير ديننا لأنه ذكر المؤمنين جملة وأصحابنا لا يجيزون شهادة أهل الكفر في الوصية لمسلم لا في ضرورة ولا في غيرها لأنهم على اختلافهم اتفقوا في أن شهادة الكفار لا تجوز على غير الوصية في حال ضرورة ولا في غيرها. فشهادتهم في الوصية على المسلمين مثل ذلك. 
وأمكن أن يكون تأويل الآية :( شهادة بينكم إذا حضر أحدكم الموت حين الوصية اثنان ذوا عدل منكم ) في بيان ما يجوز شهادة ذوي العدل منا في الحضر والسفر في الوصية وفي غير الوصية كقوله تعالى :( وأشهدوا ذوي عدل منكم )\[ الطلاق : ٢ \] وقوله تعالى :( واشهدوا/١٤٢-أ/شهيدين من رجالكم )الآية\[ البقرة : ٢٨٢ \] هذا في السفر والحضر في الدين وغير الدين سواء. فعلى ذلك الأول. 
ثم ابتدأ الحكم في غيره، فقال تعالى :( أو آخران من غيركم إن أنتم ضربتم في الأرض فأصابتكم مصيبة الموت تحبسونهما من بعد الصلاة ).

### الآية 5:108

> ﻿ذَٰلِكَ أَدْنَىٰ أَنْ يَأْتُوا بِالشَّهَادَةِ عَلَىٰ وَجْهِهَا أَوْ يَخَافُوا أَنْ تُرَدَّ أَيْمَانٌ بَعْدَ أَيْمَانِهِمْ ۗ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاسْمَعُوا ۗ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ [5:108]

فإن قيل : فما معنى قوله تعالى :( ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يَأْتُوا بِالشَّهَادَةِ عَلَى وَجْهِهَا ) ؟ 
قيل : في ذلك بيان أن المؤمن إذا ادعيت عليه الخيانة، وقال هو : ما رددت ما كان في يدي فإنه لا يصدق إلا بعد أن يحلف. فإذا علم أنه لا يقبل قوله إلا بيمين كان أحرى أن يقول حذرا من أن يحلف على كذب، أو يقر خوفا من الإثم في اليمين، فتتبين خيانته. 
فإن قيل : ما معنى قوله :( تحبسونهما من بعد صلاة فيقسمان بالله إن ارتبتم ) ؟ قيل : يحتمل أن يكون على زيادة التغليظ في اليمين. وللحاكم أن يغلظ في اليمين على الخصم إذا اتهمه بأكثر من هذا، وهو أن يحضر يمينه جماعة، إذا سأل الخصم ذلك، أو ذكر بعد الصلاة لما كان ذلك الوقت هو وقت لجلوس الحاكم بعد صلاة الفجر أو بعد صلاة العصر على التغليظ. 
وإن كانت الآية نزلت في ما ذكر ابن عباس رضي الله عنه في نصرانيين فقد يجوز أن يكون الله أمر بذلك تغليظا عليهما، وهما تميم وصاحبه، إذ كانوا يعظمون وقت غروب الشمس وما قرب من ذلك ووقت طلوعها لأنه وقت عبادتهم إياها، والله أعلم. 
وقوله تعالى :( فإن عثر على أنهما استحقا إثما ) قال بعضهم : فإن اطلع منهما على خيانة أنهما كتما، وكذبا، فجاء آخران يشهدان على غير ما شهدا عليه، أجيزت شهادة الآخرين، وأبطلت شهادة الأولين. 
قال القتبي :( فإن عثر ) أي ظهر، وقال أبو عوسجة : قوله تعالى :( فإن عثر ) أي علم واطلع عليه ؛ يقال : عثرت على فلان وعلى ما يفعل فلا ؛ أي علمت به، واطلعت عليه، أعثر عثرا. وكذلك :( أعثرنا عليهم ) في سورة الكهف\[ الآية : ٢١ \] من هذا ؛ أي أطلعنا عليهم، وأعلمناهم بمكانهم. ويقال : أعثرت فلانا على سر فلان أي أعلمته. 
ثم وعظ الله المؤمنين، وحذرهم أن يفعلوا مثل ذلك، فقال :( واتقوا الله واسمعوا ) مواعظه ( والله لا يهدي القوم الفاسقين ) ما داموا في فسقهم، أو قال ذلك لقوم على الله منهم أنهم لا يرجعون عن ذلك أبدا.

### الآية 5:109

> ﻿۞ يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَا أُجِبْتُمْ ۖ قَالُوا لَا عِلْمَ لَنَا ۖ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ [5:109]

وقوله تعالى :( يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَا أُجِبْتُمْ قَالُوا لا عِلْمَ لَنَا إِنَّكَ أَنْتَ عَلاَّمُ الْغُيُوبِ )
 دل أنه لما ذكروا، ولكن للوجهين. قال أهل التأويل : بل إنما يقولون ذلك لفزعهم من هول ذلك اليوم وشدته تطير قلوبهم، وتذهل أفئدتهم، فيقولون :( لا علم لنا إنك أنت علام الغيوب ). 
فلو كان ذلك منهم للهول والفزع على ما قاله أهل التأويل لكان لا تتهيأ لهم الإجابة، وقد قالوا :( لا علم لنا إنك أنت علام الغيوب ) دل أنه لا لما\[ من م، في الأصل : لأنه \] ذكروا، ولكن للوجهين الآخرين، والله أعلم. 
أحدهما : أن سألهم عن حقيقة إجابة قومهم لهم بالضمائر ؛ أ \] لم تطلعنا على علم الضمائر والغيوب، فأنت أعلم بذلك. 
والثاني : أن أحدثوا أمورا، وأبدعوها\[ في الأصل وم : وأبدعوهما \] من ذات أنفسهم، فنسبوا ذلك إلى الرسل كقوله تعالى :( أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلاهين من دون الله قال سبحانك ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحق إن كنت قلته فقد علمته ) إلى قوله ( ما قلت لهم إلا ما أمرتني به )\[ الآيتين : ١١٦و١١٧ \] كأنهم قالوا : إن عيسى \[ صلوات الله على نبينا وعليه السلام \]\[ في م : عليه السلام \] هو الذي دعاهم إلى ذلك، فيقول لهم :( ماذا أجبتم ) فقالوا ( لا علم لنا ) في ما ادعوا علينا من الأمور التي أتوها ( إنك أنت علام الغيوب ) بأنا لم نقل لهم، ولم ندعهم إلى ما ادعوا من الأمور. 
على هذين الوجهين يخرج تأويل الآية، والله أعلم. ومثل هذا السؤال لهم بما أخبر في آية أخرى أنه يسألهم كقوله تعالى :( فلنسألن الذين أرسل إليهم و لنسألن المرسلين )\[ الأعراف : ٦ \] يسأل الرسل عن تبليغ الرسالة إلى قومهم، ويسأل قومهم عن إجابتهم لهم ليقطع احتجاجهم، وإن لم يكن أمر الحجاج.

### الآية 5:110

> ﻿إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلَىٰ وَالِدَتِكَ إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا ۖ وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ ۖ وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنْفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِي ۖ وَتُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ بِإِذْنِي ۖ وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتَىٰ بِإِذْنِي ۖ وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَنْكَ إِذْ جِئْتَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ إِنْ هَٰذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ [5:110]

وقوله تعالى :( إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلى وَالِدَتِكَ ) 
أما نعمه عليه فما\[ في الأصل وم : ما \] ذكر على إثره ( إِذْ أَيَّدتُّكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلاً ). وقوله\[ في الأصل وم : إلى قوله \] :( إني عبد الله آتاني الكتاب وجعلني نبيا ) ( وجعلني مباركا أين ما كنت )الآية\[ مريم : ٣٠و٣١ \] شهد في حال طفولته بوحدانية الله تعالى وربوبيته وإخلاص عبوديته له، وذلك من أعظم نعم الله عليه وأجل مننه. وما ذكره أيضا :( إذ علمتك الكتاب والحكمة والتوراة والإنجيل وإذ تخلق من الطين كهيئة الطير بإذن الله )الآية إلى آخر ما ذكر من إحياء الموتى وإبراء الأكمه والأبرص وكف\[ من م، في الأصل : وكيف \] بني إسرائيل عنه عند مجيء الآيات، وهو كقوله تعالى :( والله يعصمك من الناس )\[ الآية : ٦٧ \] ؛ ففيه أعظم النعم عليه. وما ذكر أيضا في بعض القصة، إن ثبتت، أن عيسى لما دفع \[ المعلم إليه الكتاب جعل \]\[ في الأصل وم : إلى الكتاب جعل له المعلم \] يقول له : بسم، فيقول هو : بسم الله، \[ فإذا قال \]\[ من م، في الأصل : وإن \] المعلم : بسم الله فيقول هو : الرحمن، وإذ قال : الرحمن فيقول هو : الرحيم، فيقول المعلم : كيف أعلم من هو \[ أعلم \]\[ من م، ساقطة من الأصل \] مني. ونحو هذا كثير مما يكثر، ويطول ذكره\[ في الأصل وم : ذكرها \]. 
وأما ما أنعم الله على والدته فهو\[ في الأصل وم : هو \] ما ذكر في قوله تعالى :( فتقبلها ربها بقبول حسن وأنبتها نباتا حسنا وكفلها زكريا كلما دخل عليها زكريا المحراب وجد عندها رزقا ) الآية\[ آل عمران : ٣٧ \] وما ذكر في قوله تعالى :( يا مريم إن الله اصطفاك وطهرك واصطفاك على نساء العالمين )\[ آل عمران : ٤٢ \] طهرها من\[ في الأصل وم : عن \] جميع ما ابتلى به بنات آدم ؛ فذلك من أعظم النعم وأجل المنن. 
ثم أمر عيسى بشكر ما أنعم عليه وعلى والدته حين\[ في الأصل وم : حيث \] قال :( اذكر نعمتي عليك وعلى والدتك ) وفي ذكر النعم شكرها. وأمر أيضا بشكر ما أنعم على والدته ليعلم أن على المرء شكر ما أنعم على والدته كما يلزم شكر ما أنعم على نفسه. 
وقوله تعالى :( إذ أيدتك بروح القدس ) اختلف فيه : قال بعضهم : بروحه المبارك الذي به كان يحيي الموتى، ويبرئ الأكمه والأبرص بدعائه. وقال أهل التأويل : الروح جبريل، والقدس هو الله كقوله تعالى :( نزل به الروح الأمين )\[ الشعراء : ١٩٣ \] أي جبريل. 
وقوله تعالى :( وإذ علمتك الكتاب والحكمة ) قال الحسن : الكتاب والحكمة واحد : الكتاب هو الحكمة، والحكمة هي الكتاب لأن جميع كتب الله كان حكمة. وقال بعضهم : الكتاب ما يكتب من العلم، والحكمة هي ما يعطى الإنسان من العلم على غير تعلم. وقال بعضهم : الكتاب هو ما يحفظ، والحكمة هي القصة، وهو واحد. 
وقوله تعالى :( وإذ تخلق من الطين كهيئة الطير بإذني ) قوله :( وإذ تخلق من الطين ) أي تصور، وتقدر ( من الطين كهيئة الطير ) كان من عيسى ليكون آية لصدقه ونبوته. وعلى ذلك الآيات التي يأتي بها الرسل ليست الرسل يأتون بها في الحقيقة، وبل كان الله هو الآتي بها والمنشئ تلك الآيات حقيقة، لكنه يجريها على أيدي الرسل لتكون آيات صدقهم ودلالات رسالتهم. فأما أن يأتي الرسل بالآيات والحجج من عند أنفسهم فلا. 
وقوله تعالى :( تخلق ) ذكر التخليق لما تسمي العرب تصوير الشيء وتقديره\[ الواو ساقطة من الأصل وم \] تخليقا. فعلى ذلك خرج الخطاب، وقد ذكرنا هذا في ما تقدم. 
وقوله تعالى :( وتبرئ الأكمه ) قيل : الأكمه الذي يولد أعمى، وأما الأعمى فهو الذي يذهب بصره بعد ما كان بصيرا. وقيل : الأكمه هو الذي لا حدق له، وهو ما ذكرنا، والله أعلم/١٤٢-ب/.

### الآية 5:111

> ﻿وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي قَالُوا آمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ [5:111]

وقوله تعالى :( وإذ أوحيت إلى الحواريين )
 والحواريون قيل : هم خواصه، وكذلك أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم هم حواريوه. وقد ذكرنا في سورة آل عمران\[ في تفسير الآية\[ ٥٢ \] \]، الاختلاف فيه. 
 ثم قوله تعالى :( أوحيت إلى الحواريين ) يحتمل الوحي إليهم وجهين :
أحدهما : أنه أوحى إلى رسول الله عيسى عليه السلام فنسب ذلك إليهم، وأضيف لأن\[ من م، في الأصل : أن \] الوحي إلى عيسى كالوحي إليهم كقوله تعالى :( وقولوا آمنا بالذي أنزل إلينا وأنزل إليكم )\[ العنكبوت : ٤٦ \]، وما أنزل على كذا ما أنزل إلى رسول الله كالمنزل إلينا. فعلى ذلك الوحي إلى عيسى هو كالوحي إليهم. 
والثاني :\[ أنه \]\[ ساقطة من الأصل وم \] أوحى إليهم وحي إلهام كقوله تعالى :( وأوحى ربك إلى النحل ) الآية\[ النحل : ٦٨ \]، وقوله تعالى :( وأوحينا إلى أم موسى )\[ القصص : ٧ \] ونحوه أنه وحي إلهام وقذف لا وحي إرسال. والقذف في القلب غير تكلف ولا كسب، وهو الإخطار بالقلب على السرعة ( أن آمنوا بي وبرسولي ) والخطر يكون من الله تعالى، ويكون من الشيطان. لكن ما يكون من الله تعالى يكون خيرا ؛ يتبين ذلك في آخره. 
وقوله تعالى :( قالوا آمنا واشهد بأننا مسلمون ) يحتمل وجهين ؛ يحتمل قالوا لعيسى : واشهد أنت عند ربك ( بأننا مسلمون ) ويحتمل أن سألوا ربهم أن يكتبهم مع الشاهدين كقوله تعالى :( آمنا فاكتبنا مع الشاهدين )\[ الآية : ٨٣ \].

### الآية 5:112

> ﻿إِذْ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ ۖ قَالَ اتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ [5:112]

وقوله تعالى :( إِذْ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنْ السَّمَاءِ ) 
اختلف فيه : قيل : إن قوما سألوا\[ في الأصل وم : من \] الحواريين أن يسألوا عيسى عليه السلام حتى يسأل ربه أن ينزل علينا مائدة من السماء لأن الحواريين قد قلنا : إنهم كانوا خواص عيسى عليه السلام فكان كمن بدت له حاجة إلى بعض الملوك فإنه إنما يرفع\[ من م، في الأصل : وقع \] إلى خواصه ؛ فهم الذين يتولون رفعها إلى الملك. فعلى ذلك رفعوا حاجتهم إلى الحواريين ليسألوا هم نبي الله عيسى عليه السلام ليسأل ربه. 
وقال آخرون : لم يسألهم\[ في الأصل وم : يسألوا \] قومهم ذلك، ولكن الحواريين هم الذين سألوا عيسى عليه السلام أن يسأل ربه حتى ينزل عليهم مائدة من السماء. 
لكن سؤالهم\[ في الأصل وم : سألهم \] ذلك يحتمل \[ وجوها :
أحدها \]\[ ساقطة من الأصل وم \] سألوا ذلك لما أرادوا أن يشاهدوا الآية، ولم يكونوا شاهدوا قبل ذلك، فأحبوا أن يشاهدوها، وإن كانوا قد آمنوا به، وصدقوه من قبل \[ ليزدادوا هم \]\[ في الأصل وم : ليزداد \] بذلك طمأنينة ويقينا، وهو كقول إبراهيم عليه السلام ( رب أرني كيف تحي الموتى قال أولم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبي )\[ البقرة : ٢٦٠ \] لما يحتمل أن نفسه كانت تحدث، وتنازع في ذلك، وأحب أن يعاين ذلك، ويشاهده ليزداد هو\[ في الأصل وم : له \] طمأنينة ويقينا. فعلى ذلك أولئك كانت\[ في الأصل وم : كان \] أنفسهم تحدث، وتنازع في مشاهدة الآيات، فأحبوا أن يريهم بذلك \[ ليزدادوا هم \]\[ في الأصل وم : ليزداد لهم \] طمأنينة ويقينا وصلابة في التصديق، والله أعلم. 
والثاني : يحتمل أن يكون عيسى يخبرهم أن لهم كرامة ومنزلة عند الله، فأحبوا أن يعرفوا منزلتهم عند الله وكرامتهم. 
والثالث : سألوا ذلك ليعرفوا منزلة عيسى عليه السلام عند الله وكرامته ؛ هل يجيب ربه دعاءه إذا سأل ربه، والله أعلم ؟ 
وإن كان السؤال من قوم غير الحواريين فهو لما بدت لهم من الحاجة إليها، لا يعلم ذلك إلا بالخبر الصادق. 
وقوله تعالى :( هل يستطيع ربك ) يقرأ بالتاء والياء جميعا\[ قرأ الكسائي : تستطيع بالتاء، ربك بالنصب وقرأ الباقون : يستطيع بالياء، ربك بالرفع، انظر حجة القراءات ص٢٤٠ \]. فمن قرأ بالتاء ذهب في التأويل إلى أن فيه إضمارا ؛ كأنهم قالوا : هل تستطيع أن تسأل ربك ( أن ينزل علينا مائدة من السماء ) ومن قرأ بالياء قال :( هل يستطيع ربك ) أي هل يجيب ربك دعاءك إذا دعوته ؟ ( أن ينزل علينا مائدة من السماء ). 
قال الفراء : قد يكون مثل هذا السؤال على غير الجهل من السائل بالمسؤول لأنه يجوز أن يقال في الكلام : هل يستطيع فلان أن يقوم بحاجتنا وفي أمرنا على علم منه ؟ هل يستطيع ربك على علم منهم أن عيسى يستطيع السؤال لربه ؟ لكنهم قالوا ذلك لما ذكر. وذلك جائز في اللغة. 
ويجوز أن يراد بالاستطاعة الإرادة ؛ يقول الرجل : لا أستطيع أن أنظر إلى فلان، وهو يقدر النظر، لكنه يريد بذلك : لا أريد أن أنظر إليه. فعلى ذلك قوله تعالى :( هل يستطيع ربك ) هل يأذن ربك بالسؤال في ذلك، والله أعلم. 
وقوله تعالى :( اتقوا الله إن كنتم مؤمنين ) أي اتقوا الله ؛ لا تسألوا شيئا لم يأذن لكم في ذلك ( إن كنتم مؤمنين ).

### الآية 5:113

> ﻿قَالُوا نُرِيدُ أَنْ نَأْكُلَ مِنْهَا وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنَا وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ الشَّاهِدِينَ [5:113]

وقوله تعالى :( قَالُوا نُرِيدُ أَنْ نَأْكُلَ مِنْهَا وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا )
 قوله ( تطمئن قلوبنا ) يدل أنهم سألوا ذلك لما كانت تحدث أنفسهم، وتنازع في مشاهدة الآيات ومعاينتها، وإن كانوا صدقوا عيسى عليه السلام في ما يقول لهم، ويخبر عن الله للمعنى الذي ذكرنا في إبراهيم عليه السلام والله أعلم. 
وقوله تعالى :( ونعلم أن قد صدقتنا ) اختلف في تلاوته \[ وفي تأويله بوجهين :
أحدهما :\]\[ في م : وفي تأويله، ساقطة من الأصل \] قال بعضهم : بالنصب نَعْلَم، فهي القراءة الظاهرة المشهورة، ومعناه : وأن نعلم ما قد صدقتنا. 
والثاني :\[ قرأ سعيد بن جبير : ونُعلم، ويُعلم، وقرأ الأعمش : وتَعلم \]\[ ساقطة من الأصل وم، انظر معجم القراءات القرآنية( ج٢ص٢٤٨ ) \] :\[ ومعناه \]\[ ساقطة من الأصل وم \] أن العلم بالشيء من جهة الخبر بما تعترضه\[ في الأصل وم : يعترض \] الوساوس والشبه، فطلبوا آية من جهة الحس والعيان ليكون ذلك أدفع لما يعترض من الشبه والوساوس. 
وقوله تعالى :( ونكون عليها من الشاهدين ) أي نكون عليها لمن أنكرها من الشاهدين أنها نزلت.

### الآية 5:114

> ﻿قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا أَنْزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ تَكُونُ لَنَا عِيدًا لِأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا وَآيَةً مِنْكَ ۖ وَارْزُقْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ [5:114]

وقوله تعالى :( قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا أَنزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنْ السَّمَاءِ تَكُونُ لَنَا عِيداً لأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا )
 أي طعاما دائما. قال بعضهم : قوله :( تكون لنا عيدا ) أي مجتمعا، وسمى يوم العيد \[ عيدا \]\[ ساقطة من الأصل وم \] لاجتماع الخلق. 
ثم قيل : نزلت يوم الأحد، فجعلوا ذلك اليوم يوم عيدهم. 
**ثم اختلف في نزول المائدة \[ بوجهين :**
أحدهما : ما \]\[ ساقطة من الأصل وم \] قال الحسن : لم\[ من م، في الأصل : ثم \] تنزل المائدة لأنه سأل أن تكون ( تكون لنا عيدا لأولنا وآخرنا ) ونحن من آخرهم، فلم يكن لما ما ذكر.

### الآية 5:115

> ﻿قَالَ اللَّهُ إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ ۖ فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لَا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ [5:115]

والثاني :\[ قوله تعالى \]\[ ساقطة من الأصل وم \] :( قَالَ اللَّهُ إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَاباً لا أُعَذِّبُهُ أَحَداً مِنْ الْعَالَمِينَ ) وقد كفر منهم، ثم لم يظهر أنه عذبهم عذابا لم يعذب أحدا من العالمين. 
وقال بعضهم : ليس فيه دلالة أنها لم تنزل لأنه يجوز أن يكون قوله :( تكون لنا عيدا لأولنا وآخرنا ) ما لم يأت النسخ. فكان لهم ذلك إلى أن يبعث نبينا محمد صلى الله عليه وسلم فنسخ ذلك يوم الجمعة. 
 وقالوا : قوله تعالى :( فإني أعذبه عذابا لا أعذبه أحدا من العالمين ) ذكر في بعض القصة أن من كفر منهم بعد ذلك مسخهم خنازير. فذلك تعذيب لم يعذب ( أحدا من العالمين ). 
وقيل : يحتمل قوله :( فإني أعذبه عذابا لا أعذبه أحدا من العالمين ) في الآخرة، والله أعلم بذلك كله.

### الآية 5:116

> ﻿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَٰهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ ۖ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ ۚ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ ۚ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ ۚ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ [5:116]

وقوله تعالى :( وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّي إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ ) الآية
 **يحتمل هذا القول أوجها ثلاثة :**
أحدها : أن كان هذا القول منه في الوقت الذي كان عيسى بين أظهرهم ليكون ذلك آية حجة لمن تبعه على من زاغ عن طريقه، وضل عن سبيل الهدى لأنه تبرأ أن يكون قال لهم ذلك. 
ويحتمل أن يكون قال ذلك له وقت رفعه إلى السماء ؛ قر\[ في الأصل وم : قرر \] عنده أن قومه يقولون ذلك القول بعد مفارقته قومه. 
وقيل : يقول ذلك له يوم القيامة، ويكون قال بمعنى يقول كقوله تعالى :( وقال الذين في النار لخزنة جهنم )\[ غافر : ٤٩ \] وكقوله تعالى :( يوم يجمع الله الرسل فيقول ماذا أجبتم قالوا لا علم لنا )\[ الآية : ١٠٩ \] أي\[ في الأصل وم : أن \] يقولون، وذلك جائز : قال بمعنى يقول. وذلك في القرآن كثير. 
واتخاذهم عيسى وأمه إلهين قول متناقض لأنهم سموها أم عيسى. فإذا ثبتت لها الأمومة بطل أن يكون إلها لأنه لا يكون ابن غيره إلها. لكنهم قوم سفهاء ؛ يقولون ذلك عن سفه. 
\[ وقوله تعالى \]\[ ساقطة من الأصل وم \] :( سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ ) أي لأنه لا ينبغي أن أقول ما ليس لي ذلك ( إِنْ كُنتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ ) يتكلم على وجهين :
أحدهما : يراد ما يضمر. 
والثاني : على إرادة الذات. فإن كان الله، تعالى عن أن يوصف بالذات كما يوصف الخلق، دل أنما يراد /١٤٣-أ/ بذلك غيره ؛ وهو أن يقال : تعلم ما عندي، ولا أعلم ما عندك، أو يقول : تعلم ما كان مني، ولا أطلع على غيبك ( إنك أنت علام الغيوب ) أي أنت علام ما غاب عن الخلق.

### الآية 5:117

> ﻿مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ ۚ وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ ۖ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ ۚ وَأَنْتَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ [5:117]

وقوله تعالى :( مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلاَّ مَا أَمَرْتَنِي بِهِ )
 أي ما دعوتهم إلا ما أمرتني أن أدعوهم إليه من التوحيد والعبادة لك. 
وقوله تعالى :( وكنت عليهم شهيدا ) أي شاهدا عليهم. هذا يدل على أن ذلك القول كان منه وقت رفعه إلى السماء، ويكون يوم القيامة ويقال :( وكنت عليهم شهيدا ما دمت فيهم ) أي كنت عليهم حفيظا ما كنت بين أظهرهم ( فلما توفيتني كنت أنت الرقيب عليهم وأنت على كل شيء شهيد ) بما أمرتهم من التوحيد والعبادة لك وشاهدا عليهم بما قالوا من البهتان. 
وذكر في بعض القصة لما قال الله تعالى لعيسى :( أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله )\[ الآية : ١١٦ \] قيل : فارتعدت مفاصله، وخشي أن يكون قالها، فقال :( سبحانك ما يكون أن أقول ما ليس لي بحق إن كنت قلته فقد علمته )الآية. 
وذكر أيضا : متكلمان يتكلمان يوم القيامة : نبي الله عيسى ابن مريم عليه السلام وعدو الله إبليس، لعنه الله، فأما كلام عيسى عليه السلام \[ فهو \]\[ ساقطة من الأصل وم \] يقول الله تعالى :( أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله ) فيقول\[ في الأصل وم : فقال \] عيسى ابن مريم :( سبحانك ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحق ) إلى قوله :( فإنك أنت العزيز الحكيم )\[ الآيات : ١١٦-١١٨ \]. 
وأما كلام اللعين فهو\[ في الأصل وم : فيقول \] ( وما كان لي عليكم من سلطان )الآية\[ إبراهيم : ٢٢ \].

### الآية 5:118

> ﻿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ ۖ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ [5:118]

وقوله تعالى :( إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ )
 **اختلف فيه \[ بوجوه :**
أحدها \]\[ ساقطة من الأصل وم \] : عن الحسن \[ أنه \]\[ ساقطة من الأصل وم \] قال : ذلك في الآخرة :( إن تعذبهم ) أي أن تعذب من مات على ما كان منه من القول الوحش في الله ( وإن تغفر لهم ) أي وإن تغفر لما أكرمته\[ في الأصل وم : أكرمت له \] بالإسلام والهدى ( فإنك أنت العزيز الحكيم ) لأن منهم من أسلم\[ في الأصل وم : قرأ \] من بعد هذا القول الوحش في الله. 
وقال\[ هذا هو الوجه الثاني \] آخرون : هذا القول كان من عيسى في الدنيا :( إن تعذبهم ) يقول : إن تعذب من مات على الكفر الذي كان منهم ( فإنهم عبادك وإن تغفر ) لمن \[ أكرمته بالهدى \]\[ في الأصل وم : أكرمت له الهدى \] ( فإنك أنت العزيز الحكيم ) أنت العزيز، وهم عبادك أذلاء. 
وفي حرف ابن مسعود رضي الله عنه فإنك أنت الغفور الرحيم ؛ وهو ظاهر لأنه ذكر أنه غفور على إثر المغفرة. 
وروي في الخبر أن نبي الله عليه السلام كان أحيى ليلة بقوله ( إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم ) قام، وبه سجد، وبه قعد، فهو، والله أعلم، على التشفع له والتضرع إليه ؛ كأنه قال : إن خذلتهم فمن الذي ينصرهم، ويدفع ذلك عنهم دونك، وهم عبادك أذلاء ؟ وإن أكرمتهم فمن ذا الذي يمنعك عن إكرامهم ؟ 
والثالث :( إن تعذبهم ) فلك سلطان عليهم. ولست أنت في تعذيبهم إياهم جائرا لأنهم عبادك ؛ لأن الجور هو المجاوزة عن الحد الذي له إلى الحد الذي ليس له.

### الآية 5:119

> ﻿قَالَ اللَّهُ هَٰذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ ۚ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ۚ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ۚ ذَٰلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ [5:119]

وقوله تعالى :( قال الله هذا ) قيل : قال بمعنى يقول الله يوم القيامة ( يوم ينفع الصادقين صدقهم ) أي اليوم ينفع الصادقين صدقهم في الدنيا، وينفع صدق الصادق أيضا في الدنيا ؛ لأنه إذا عرف بالصدق قبل قوله، وإن لم يظهر صدقه في قوله. 
ثم اختلف في الصادقين من هم ؟ قال بعضهم : هم المؤمنون جملة أي يومئذ ينفع إيمان المؤمنين وتوحيد الموحدين في الدنيا كقوله تعالى :( والذين آمنوا بالله ورسله أولئك هم الصديقون )\[ الحديد : ١٩ \] وقال بعضهم : الصادقون هم الأنبياء عليهم السلام. 
وقوله تعالى :( لهم جنات تجري من تحتها الأنهار ) قد ذكرنا في ما تقدم ( خالدين فيها أبدا ) وخالدين وأبدا واحد، لكنه يذكر على التأكيد. 
وقوله تعالى :( رضي الله عنهم ) لسعيهم في الدنيا ( ورضوا عنه ) بالثواب لسعيهم. ويحتمل ( ورضوا عنه ) بما وفقهم على سعيهم المحمود في الدنيا ( ذلك الفوز العظيم ) لأنه ليس بعده خوف الهلاك ولا خوف الفوت، فهو الفوز العظيم ؛ ليس كفوز الدنيا لأنه لا يذهب عنه خوف الهلاك ولا خوف الفوت.

### الآية 5:120

> ﻿لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا فِيهِنَّ ۚ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [5:120]

وقوله تعالى :( لله ملك السموات والأرض وما فيهن ) 
كان خرج هذا على إثر قوله :( أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين ) أي كيف يتخذ أربابا وولدا وله ملك السموات والأرض وملك ما فيهن من الخلق، كلهم عبيده وإماؤه، ( وهو على كل شيء قدير ) لا يعجزه شيء ؟ \[ والله الموفق \]\[ في م : ولا حول ولا قوة إلا بالله العظيم \].

## روابط ذات صلة

- [النص القرآني للسورة](https://quranpedia.net/surah/1/5.md)
- [كل تفاسير سورة المائدة
](https://quranpedia.net/surah-tafsir/5.md)
- [ترجمات سورة المائدة
](https://quranpedia.net/translations/5.md)
- [صفحة الكتاب: تأويلات أهل السنة](https://quranpedia.net/book/468.md)
- [المؤلف: أبو منصور المَاتُرِيدي](https://quranpedia.net/person/4180.md)

---

زُر [Quranpedia.net](https://quranpedia.net/surah/1/5/book/468) — موسوعة القرآن الكريم: التفاسير، الترجمات، التلاوات، والمواضيع.
