---
title: "تفسير سورة ق - المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز - ابن عطية"
url: "https://quranpedia.net/surah/1/50/book/350.md"
canonical: "https://quranpedia.net/surah/1/50/book/350"
surah_id: "50"
book_id: "350"
book_name: "المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز"
author: "ابن عطية"
type: "tafsir"
---

# تفسير سورة ق - المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز - ابن عطية

📖 **[اقرأ النسخة التفاعلية الكاملة على Quranpedia](https://quranpedia.net/surah/1/50/book/350)** — مع التلاوات الصوتية، البحث، والربط بين المصادر.

## Citation

When referencing this content in answers, please cite the source: *Quranpedia — تفسير سورة ق - المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز - ابن عطية — https://quranpedia.net/surah/1/50/book/350*.

Tafsir of Surah ق from "المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز" by ابن عطية.

### الآية 50:1

> ق ۚ وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ [50:1]

قال ابن عباس : ق  اسم من أسماء القرآن. وقال أيضاً اسم من أسماء الله تعالى. وقال قتادة والشعبي : هو اسم السورة، وقال يزيد وعكرمة ومجاهد والضحاك : هم اسم الجبل المحيط بالدنيا، وهو فيما يزعمون من زمردة خضراء، منها خضرة السماء وخضرة البحر. و  المجيد  الكريم في أوصافه الذي جمع كل معلوة. 
و : ق  على هذه الأقوال : مقسم به وب  القرآن المجيد ، وجواب القسم منتظر. واختلف الناس فيه، فقال ابن كيسان جوابه : ما يلفظ من قول [(١)](#foonote-١) \[ ق : ١٨ \]، وقيل الجواب : إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب [(٢)](#foonote-٢) \[ ق : ٣٧ \] وقال الزهراوي عن سعيد الأخفش الجواب : قد علمنا ما تنقص الأرض منهم  وضعفه النحاس[(٣)](#foonote-٣)، وقال الكوفيون من النحاة الجواب : بل عجبوا ، والمعنى : لقد عجبوا. قال منذر بن سعيد : إن جواب القسم في قوله : ما يبدل القول لدي [(٤)](#foonote-٤) \[ ق : ٢٩ \]، وفي هذه الأقوال تكلف وتحكم على اللسان. 
وقال الزجاج والمبرد والأخفش : الجواب مقدر تقديره : ق ،  والقرآن المجيد  لتبعثن، وهذا قول حسن وأحسن منه : أن يكون الجواب الذي يقع عنه الإضراب ب  بل ، كأنه قال.  ق والقرآن المجيد  ما ردوا أمرك بحجة، أو ما كذبوك ببرهان، ونحو هذا مما لا بد لك من تقديره بعد الذي قدر الزجاج، لأنك إذا قلت الجواب : لتبعثن فلا بد بعد ذلك أن يقدر خبر عنه يقع الإضراب، وهذا الذي جعلناه جواباً وجاء المقدر أخصر. وقال جماعة من المفسرين في قوله : ق  إنه حرف دال على الكلمة، على نحو قول الشاعر :\[ الرجز \]
قلت لها قفي فقالت قاف. . . [(٥)](#foonote-٥)
واختلفوا بعد، فقال القرطبي : هو دال على أسماء الله تعالى هي : قادر، وقاهر، وقريب، وقاض، وقابض، وقيل المعنى : قضي الأمر من رسالتك ونحوه،  والقرآن المجيد ، فجواب القسم في الكلام الذي يدل عليه قاف. وقال قوم المعنى : قف عند أمرنا. وقيل المعنى : قهر هؤلاء الكفرة، وهذا أيضاً وقع عليه القسم ويحتمل أن يكون المعنى : قيامهم من القبور حق،  والقرآن المجيد ، فيكون أول السورة من المعنى الذي اطرد بعد، وعلى هذه الأقوال فثم كلام مضمر عنه وقع الإضراب، كأنه قال : ما كذبوك ببرهان، ونحو هذا مما يليق مظهراً. 
وقرأ جمهور من القراء  ق  بسكون الفاء. قال أبو حاتم : ولا يجوز غيرها إلا جواز سوء. 
قال القاضي أبو محمد : وهذه القراءة تحسن مع أن يكون  ق  حرفاً دالاً على كلمة. وقرأ الثقفي وعيسى : قاف بفتح الفاء، وهذه تحسن مع القول بأنها اسم للقرآن أو لله تعالى، وكذلك قرأ الحسن وابن أبي إسحاق بكسر الفاء، وهي التي في رتبة التي قبلها في أن الحركة للالتقاء وفي أنها اسم للقرآن. 
و  المجيد  الكريم الأوصاف الكثير الخير[(٦)](#foonote-٦).

١ من الآية (١٨) من السورة..
٢ من الآية(٣٧) من السورة..
٣ قالوا: لأنه لا يعرف في أجوبة الأيمان قد، وإنما تُجاب الأيمان إذا أُجيبت بأحد الحروف الأربعة"اللام، وإن، وما، ولا"، أو بترك جوابها فيكون ساقطا..
٤ من الآية(٢٩) من السورة..
٥ هذا صدر بيت للوليد بن عقبة بن أبي مُعيط، كان أخا لعثمان بن عفان رضي الله عنه لأمه، وقد تولى الكوفة فاتُّهم بشرب الخمر، فكتب إليه الخليفة يأمره بالشخوص إليه، فخرج في جماعة، ونزل الوليد يسوق بهم، فقال:
 قلت لها: قفي، فقالت: قاف لا تحسبينا قد نسينا الإيجاف
 والنشوات من مُعتق صاف وعزف قينات علينا عزاف
 والإيجاف: العدو، وهو أيضا الحمل عليه، وانظر الخصائص لابن جني، والأغاني٥-١٣١، وشواهد الشافية، والمحتسب في وجوه شواذ القراءات لابن جني، ومعاني القرآن للفراء، واللسان والتاج-مادة وقف-، والشعر في اللسان غير منسوب، قال:"إنما أراد:(قد وقفت) فاكتفى بذكر القاف، قال ابن جني: ولو نقل هذا الشاعر إلينا شيئا من جملة الحال فقال-مع قوله قالت قاف-: وأمسكت زمام بعيرها أو عاجته علينا، لكان أبين لما كانوا عليه وأدل على أنها أرادت: قفي لنا قفي لنا، أي: تقول لي: قفي لنا متعجبة منه، وهو إذا شاهدها وقد وقفت علم أن قولها(قاف) إجابة له لا رد لقوله وتعجب منه". قال ابن كثير في تفسيره:"وفي هذا التفسير نظر، لأن الحذف في الكلام إنما يكون إذا دل عليه دليل، ومن أين يُفهم هذا من ذكر هذا الحرف؟"، كذلك قال ابن جني تعليقا على كلام الفراء واستشهاده بهذا الشعر:"وفي هذا ضعف، ألا ترى إلى الفتح والكسر فيه؟" يعني أنه لو كان حرفا من كلمة لما جاءت فيه القراءة بفتح الفاء وبكسرها..
٦ قال ابن جني:"يحتمل (قاف) بالفتح أمرين: أحدهما أن تكون حركته لالتقاء الساكنين، كما أن من يقرأ بالكسر كذلك، غير أن من فتح أتبع الفتحة صوت الألف لأنها منها، ومن كسر فعلى أصل التقاء الساكنين، والآخر أن (قاف) منصوبة الموضع بفعل مضمر، ولم تُصرف لاجتماع التعريف والتأنيث في معنى السورة"..

### الآية 50:2

> ﻿بَلْ عَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ فَقَالَ الْكَافِرُونَ هَٰذَا شَيْءٌ عَجِيبٌ [50:2]

واختلف الناس في الضمير في : عجبوا  لمن هو فقال جمهور المتأولين : هو لجميع الناس مؤمنهم وكافرهم لأن كل مفطور عجب من بعثة بشر رسولا لله[(١)](#foonote-١)، لكن المؤمنون نظروا واهتدوا، والكافرون بقوا في عمايتهم وصموا وحاجوا بذلك العجب، ولذلك قال تعالى : فقال الكافرون هذا شيء عجيب . وقال آخرون بل الضمير في  عجبوا  للكافرين، وكرر الكلام تأكيداً ومبالغة. والإشارة بهذا يحتمل أن تكون إلى نفس مجيء البشر. 
ويحتمل أن تكون إلى القول الذي يتضمنه الإنذار، وهو الخبر بالبعث، ويؤيد هذا القول ما يأتي بعد.

١ في بعض النسخ"من بعثة بشر رسول لله"..

### الآية 50:3

> ﻿أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا ۖ ذَٰلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ [50:3]

وقرأ الأعرج وشيبة وأبو جعفر ****«إذا »**** على الخبر دون استفهام[(١)](#foonote-١)، والعامل  رجع بعيد ، قال ابن جني ويحتمل أن يكون المعنى **«أإذا متنا بعد رجعنا »**، فيدل : ذلك  رجع بعيد  على هذا الفعل الذي هو بعد ويحل محل الجواب لقولهم :****«إذا »****. والرجع : مصدر رجعته. وقوله  بعيد  في الأوهام والفكر كونه فأخبر الله تعالى رداً على قولهم بأنه يعلم ما تأكل الأرض من ابن آدم وما تبقى منه، وإن ذلك في الكتاب، وكذلك يعود في الحشر معلوماً ذلك كله.

١ يرى أبو حيان الأندلسي أنه يجوز أن يكون استفهاما حذفت منه الهمزة، ويجوز أن يكونوا عدلوا إلى الخبر وجواب\[إذا\] مضمر..

### الآية 50:4

> ﻿قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنْقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ ۖ وَعِنْدَنَا كِتَابٌ حَفِيظٌ [50:4]

و **«الحفيظ »** : الجامع الذي لم يفته شيء. وقال الرماني : حفيظ  متبع أن يذهب ببلى ودروس، وروي في الخبر الثابت : أن الأرض تأكل ابن آدم إلا عجب الذنب[(١)](#foonote-١)، وهو عظم كالخرجلة، فمنه يركب ابن آدم، وحفظ ما تنقص الأرض إنما هو ليعود بعينه يوم القيامة، وهذا هو **«الحق »**. وذهب بعض الأصوليين غلى أن الأجساد المبعثرة يجوز أن تكون غير هذه، وهذا عندي خلاف لظاهر كتاب الله ولو كانت غيرها فكيف كانت تشهد الأيدي والأرجل على الكفرة إلى غير ذلك مما يقتضي أن أجساد الدنيا هي التي تعود. وقال ابن عباس ومجاهد والجمهور، المعنى : ما تنقص من لحومهم وأبشارهم وعظامهم. وقال السدي معنى قوله : قد علمنا ما تنقص الأرض منهم  أي ما يحصل في بطنها من موتاهم، وهذا قول حسن مضمنه الوعيد. 
وقال ابن عباس أيضاً في ما حكى الثعلبي، ممعناه : قد علمنا ما تنقص أرض الإيمان من الكفرة الذين يدخلون في الإيمان، وهذا قول أجنبي من المعنى الذي قبل وبعد.

١ روى مسلم في صحيحه، وأبو داود، والنسائي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (كل ابن آدم يأكله التراب إلا عجب الذنب، منه خُلق، ومنه يركب)، وهو عن أبي هريرة رضي الله عنه، وقد أورده الإمام السيوطي في (الجامع الصغير)، ورمز له بأنه صحيح. والعجب-بسكون الجيم-: العظم الذي في أسفل الصلب عند العجُز، وفي اللسان أنه ما انضم عليه الورِكان من أصل الذنب المغروز في مؤخر العَجُز..

### الآية 50:5

> ﻿بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ [50:5]

وقيل قوله : بل كذبوا  مضمر، عنه وقع الإضراب تقديره : ما أجادوا النظر أو نحو هذا، والذي يقع عنه الإضراب ب  بل ، الأغلب فيه أنه منفي تقضي  بل  بفساده، وقد يكون أمراً موجباً تقضي  بل  بترك القول فيه لا بفساده، وقرأ الجمهور :**«لَمّا »** بفتح اللام وشد الميم. وقرأ الجحدري :**«لِمَا »** بكسر اللام وتخفيف الميم، قال أبو الفتح : هي كقولهم : أعطيته لما سأل، وكما في التاريخ : لخمس خلون، ونحو هذا، ومنه قوله تعالى :
 لا يجليها لوقتها إلا هو [(١)](#foonote-١) \[ الأعراف : ١٨٧ \] ومنه قول الشاعر :\[ الوافر \]
إذا هبت لقاربها الرياح. . . [(٢)](#foonote-٢)
و :**«المريج »** : معناه : المختلط، قاله ابن زيد، أي بعضهم يقول ساحر، وبعضهم كاهن، وبعضهم يقول شاعر[(٣)](#foonote-٣) إلى غير ذلك من تخليطهم، وكذلك عادت فكرة كل واحد منهم مختلطة في نفسها، قال ابن عباس : المريج : المنكر. وقال مجاهد : الملتبس، والمريج المضطرب أيضاً، وهو قريب من الأول، ومنه الحديث : مرجت عهود الناس ومنه  مرج البحرين [(٤)](#foonote-٤) \[ الفرقان : ٥٣، الرحمن : ١٩ \] وقال الشاعر \[ أبو دؤاد \] :
مرج الدين فأعددت له. . . مشرف الحارك محبوك الكتد[(٥)](#foonote-٥)

١ من الآية(١٨٧) من سورة الأعراف، والمعنى في هذه الآية: لا يجليها عند وقتها إلا الله تعالى، وكذلك المعنى في قولهم:"أعطيته لما سأل": أعطيته لسؤاله، والمثال الذي ذكره أبو الفتح في المحتسب:"أعطيته ما سأل لطلبه"، أي عند طلبه، أو مع طلبه، وليس كما ذكر هنا إذ نقل محرفا، ومعنى"لخمس خلون": عند خمس خلون، أو مع خمس خلون. وعلى هذا يرجع المعنى في قراءة\[لِما\] بكسر اللام وفتح الميم خفيفة لمعنى القراءة العامة \[لما\] بفتح اللام وشد الميم..
٢ هذا عجز بيت ذكره في اللسان(عقر) شاهدا على أن العقر موضع معين، والبيت بتمامه: كرهت العقر عقر بني شُليل إذا هبت لقاريها الرياح
 والبيت في المحتسب لابن جني، والرواية فيه:"شَنِئْتُ العقر"، ومعنى شنئت: كرهت، وضُبطت (شليل) في اللسان بفتح الشين وكسر اللام الأولى، وضبطت في المحتسب بضم الشين وفتح اللام، ومعنى"إذا هبت لقاريها": إذا هبت عند وقتها الرياح، وهو موضع الاستشهاد هنا..
٣ في الأصول:"وبعضهم كاهن، وبعضهم شاعر"، والزيادة للتوضيح..
٤ من الآية (١٩) من سورة (الرحمن)..
٥ البيت لأبي دؤاد الإيادي-جارية بن الحجاج-، وهو في اللسان(مرج)، قال:"ومرِج العهد والأمانة والدين: فسد، قال أبو دؤاد: مرج الدين…البيت. والحارك: الكاهل، والكتد: مجتمع الكتفين وهو الكاهل، ويقال كتَِد-بفتح التاء وكسرها-وفي الحديث (كنا يوم الخندق ننقل التراب على أكتادنا). يقول: إنه عندما اختلط الدين أعد للجهاد فرسا عالي الكاهل محكم الكتفين متين البناء، ومثل هذا البيت قول الداخل الهذلي يصف بقرة رماها بسهم:
 فجالت فالتمست به حشاها فخر كأنه خوط مريج..

### الآية 50:6

> ﻿أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ [50:6]

ثم دل تعالى على العبرة بقوله : أفلم ينظروا إلى السماء  الآية،  وزيناها  معناه : بالنجوم. و **«الفروج »** الفطور والشقوق خلالها وأثناءها، قاله مجاهد وغيره، وحكى النقاش أن هذه الآية تعطي أن السماء مستديرة، وليس الأمر كما حكي، إذا تدبر اللفظ وما يقتضي.

### الآية 50:7

> ﻿وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ [50:7]

و **«الرواسي »** : الجبال. و **«الزوج »** : النوع. و **«البهيج »** قال ابن عباس وقتادة وابن زيد هو : الحسن المنظر.

### الآية 50:8

> ﻿تَبْصِرَةً وَذِكْرَىٰ لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ [50:8]

وقوله عز وجل : تبصرة وذكرى  منصوب على المصدر بفعل مضمر. و :**«المنيب »** الراجع إلى الحق عن فكرة ونظر. قال قتادة : هو المقبل بقلبه إلى الله وخص هذه الصنيفة بالذكر تشريفاً من حيث هي المنتفعة بالتبصرة والذكرى، وإلا فهذه المخلوقات هي تبصرة وذكرى لكل بشر. وقال بعض النحويين : تبصرة وذكرى  مفعولان من أجله، وهذا يحتمل والأول أرجح.

### الآية 50:9

> ﻿وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكًا فَأَنْبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ [50:9]

قوله تعالى : ماء مباركاً  قيل يعني جميع المطر، كله يتصف بالبركة وإن ضر بعضه أحياناً، ففيه مع ذلك الضر الخاص البركة العامة. وقال أبو هريرة : كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا جاء المطر فسالت الميازيب قال :**«لا محل عليكم العام »** وقال بعض المفسرين : ماء مباركاً  يريد به ماء مخصوصاً خالصاً للبركة ينزله الله كل سنة، وليس كل المطر يتصف بذلك.  وحب الحصيد  هو البر والشعير ونحوه مما هو نبات محبب يُحصد، و\[ الحصيد \] صفة لمحذوف[(١)](#foonote-١)، وقال مجاهد : حب الحصيد : الحنطة.

١ التقدير:"وحب النبت الحصيد"، وهذا قول البصريين، أما الكوفيون فيقولون: ها من إضافة الشيء إلى نفسه، كما يقال: مسجد الجامع، وربيع الأول، إذ المراد: المسجد الجامع، والربيع الأول، ومن هذا قوله تعالى: في سورة الواقعة:لهو حق اليقين، وقوله تعالى في هذه السورة:من حبل الوريد، وإنما تضاف هذه الأشياء إلى أنفسها لاختلاف لفظ اسمها، وهذا هو قول الفراء، ذكره في "معاني القرآن"، وهو أيضا قول ابن قتيبة..

### الآية 50:10

> ﻿وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَهَا طَلْعٌ نَضِيدٌ [50:10]

و : باسقات  معناه : طويلات ذاهبات في السماء، ومنه قول ابن نوفل في ابن هبيرة :\[ مجزوء الكامل مرفّل \]
يا ابن الذين لمجدهم. . . بسقت على قيس فزارهْ[(١)](#foonote-١)
وروى قطبة بن مالك عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قرأ :**«باصقات »** بالصاد[(٢)](#foonote-٢)، قال أبو الفتح الأصل : السين وإنما الصاد بدل منه، لاستعلاء القاف. و **«الطلع »** أول ظهور التمر في الكفرى[(٣)](#foonote-٣) وهو أبيض منضد كحب الرمان. فما دام ملتصقاً بعضه ببعض فهو  نضيد ، فإذا خرج من الكفرى تفرق فليس بنضيد.

١ هذا البيت من شواهد أبي عبيدة في "مجاز القرآن"، قال:"والنخل باسقات طوال، يقال: جبل باسق، وحَسَب باسق، قال أبو نوفل لابن هُبيرة:"يابن الذين... البيت". وذكر صاحب اللسان هذا البيت شاهدا على أن البُسوق هو الارتفاع في الفضل، قال:"وبَسَق على قومه: علاهم في الفضل، وأنشد ابن بري لأبي نوفل: يابن الذين... البيت"، والرواية في مجاز القرآن وفي اللسان:"بفضلهم" بدلا من "بِجدهم"، وفي حديث ابن الحنفية: كيف بسق أبو بكر أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ أي: كيف ارتفع ذكره دونهم؟..
٢ ذكر ذلك الثعلبي، ونقله القرطبي، ثم قال:"قلت: الذي في صحيح مسلم عن قطبة بن مالك قال: صليت وصلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقرأق والقرآن المجيد، حتى قرأ:والنخل باسقات، قال: فجعلت أرددها ولا أدري ما قال، إلا أنه لا يجوز إبدال الصاد من السين لأجل القاف"اهـ..
٣ وعاء طلع النخل هو الكفر، ويقال فيه: الكُفُرَّى والكِفِرَّى والكَفَرَّى، والكُفَرَّى.(انظر اللسان)..

### الآية 50:11

> ﻿رِزْقًا لِلْعِبَادِ ۖ وَأَحْيَيْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا ۚ كَذَٰلِكَ الْخُرُوجُ [50:11]

و : رزقاً  نصب على المصدر والضمير في : به  عائد على المطر. ووصف البلدة ب **«ميت »** على تقدير القطر والبلد. 
وقرأ الناس **«ميْتاً »** مخففاً، وقرأ أبو جعفر وخالد **«ميّتاً »** بالتثقيل. 
ثم بين تعالى موضع الشبه فقال : كذلك الخروج ، هذه الآيات كلها إنما هي أمثلة وأدلة على البعث. و  الخروج  يريد به من القبور.

### الآية 50:12

> ﻿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَأَصْحَابُ الرَّسِّ وَثَمُودُ [50:12]

وأصحاب الرس  قوم كان لهم بئر عظيمة وهي  الرس ، وكل ما لم يطو من بئر أو معدن أو نحوه فهو رسّ. وأنشد أبو عبيدة للنابغة الجعدي :
سبقت إلى قرطبا هل. . . تنابلة يحفرون الرساسا[(١)](#foonote-١)
وجاءهم نبي يسمى حنظلة بن صفوان فيما روي فجعلوه في  الرس  وردموا عليه. فأهلكهم الله، وقال كعب الأحبار في كتاب الزهراوي : أصحاب الرس  هم أصحاب الأخدود وهذا ضعيف. لأن أصحاب الأخدود لم يكذبوا نبياً، إنما هو ملك أحرق قوماً. وقال الضحاك  الرس  : بئر قتل فيها صاحب ياسين، قال منذر وروي عن ابن عباس أنهم قوم عاد. 
١ البيت في اللسان، والفرط-بفتح الفاء والراء-: القوم يتقدمون إلى الماء قبل الوارد فيهيئون لهم الدلاء والأرسان ويملئون الحياض ويستقون لهم، ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم:(أنا فَرَطُكم على الحوض) بمعنى: أنا المتقدم منكم إليه يوم القيامة، والناهل هو الشارب وإن شئت العطشان،(انظر اللسان)، ويروى"باهل" بالباء، وهكذا هي في الطبري، ومعناها المتردد بلا عمل، والنَّاهل أنسب للمعنى هنا، والتنابلة جمع تنبل على وزن جعفر، وهو الرجل القصير، ولعل ذلك يشير إلى كسل أو عجز عن العمل، والرساس جمع رس، والَّرسُّ: البئر القديمة، أو هي المعدن، أي المنجم الذي يستخرج منه المعادن، وابن عطية يستشهد بالبيت هنا على أن كل ما حُفِر من بئر أو قبر أو منجم يُسمى رسّا، فإذا عرشت البئر بالحجارة فهي طوي..

### الآية 50:13

> ﻿وَعَادٌ وَفِرْعَوْنُ وَإِخْوَانُ لُوطٍ [50:13]

غيرها فكيف كانت تشهد الأيدي والأرجل على الكفرة إلى غير ذلك مما يقتضي أن أجساد الدنيا هي التي تعود. وقال ابن عباس ومجاهد والجمهور، المعنى: ما تنقص من لحومهم وأبشارهم وعظامهم. وقال السدي معنى قوله: قَدْ عَلِمْنا ما تَنْقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ أي ما يحصل في بطنها من موتاهم، وهذا قول حسن مضمنه الوعيد.
 وقال ابن عباس أيضا في ما حكى الثعلبي، معناه: قد علمنا ما تنقص أرض الإيمان من الكفرة الذين يدخلون في الإيمان، وهذا قول أجنبي من المعنى الذي قبل وبعد، وقيل قوله: بَلْ كَذَّبُوا مضمر، عنه وقع الإضراب تقديره: ما أجادوا النظر أو نحو هذا، والذي يقع عنه الإضراب ب بَلْ، الأغلب فيه أنه منفي تقضي بَلْ بفساده، وقد يكون أمرا موجبا تقضي بَلْ بترك القول فيه لا بفساده، وقرأ الجمهور:
 **«لمّا»** بفتح اللام وشد الميم. وقرأ الجحدري: **«لما»** بكسر اللام وتخفيف الميم، قال أبو الفتح: هي كقولهم: أعطيته لما سأل، وكما في التاريخ: لخمس خلون، ونحو هذا، ومنه قوله تعالى: لا يُجَلِّيها لِوَقْتِها \[الأعراف: ١٨٧\] ومنه قول الشاعر: \[الوافر\] إذا هبت لقاربها الرياح و: **«المريج»** : معناه: المختلط، قاله ابن زيد، أي بعضهم يقول ساحر، وبعضهم كاهن، وبعضهم شاعر إلى غير ذلك من تخليطهم، وكذلك عادت فكرة كل واحد منهم مختلطة في نفسها، قال ابن عباس:
 المريج: المنكر. وقال مجاهد: الملتبس، والمريج المضطرب أيضا، وهو قريب من الأول، ومنه الحديث: مرجت عهود الناس ومنه مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ \[الفرقان: ٥٣، الرحمن: ١٩\] وقال الشاعر \[أبو دؤاد\] :

مرج الدين فأعددت له  مشرف الحارك محبوك الكتد ثم دل تعالى على العبرة بقوله: أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّماءِ الآية، وَزَيَّنَّاها معناه: بالنجوم.
 و **«الفروج»** الفطور والشقوق خلالها وأثناءها، قاله مجاهد وغيره، وحكى النقاش أن هذه الآية تعطي أن السماء مستديرة، وليس الأمر كما حكي، إذا تدبر اللفظ وما يقتضي. و **«الرواسي»** : الجبال. و **«الزوج»** :
 النوع. و **«البهيج»** قال ابن عباس وقتادة وابن زيد هو: الحسن المنظر، وقوله عز وجل: تَبْصِرَةً وَذِكْرى منصوب على المصدر بفعل مضمر. و: **«المنيب»** الراجع إلى الحق عن فكرة ونظر. قال قتادة: هو المقبل بقلبه إلى الله وخص هذه الصنيفة بالذكر تشريفا من حيث هي المنتفعة بالتبصرة والذكرى، وإلا فهذه المخلوقات هي تبصرة وذكرى لكل بشر. وقال بعض النحويين: تَبْصِرَةً وَذِكْرى مفعولان من أجله، وهذا يحتمل والأول أرجح.
 **قوله عز وجل:**
 \[سورة ق (٥٠) : الآيات ٩ الى ١٥\]
 وَنَزَّلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً مُبارَكاً فَأَنْبَتْنا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ (٩) وَالنَّخْلَ باسِقاتٍ لَها طَلْعٌ نَضِيدٌ (١٠) رِزْقاً لِلْعِبادِ وَأَحْيَيْنا بِهِ بَلْدَةً مَيْتاً كَذلِكَ الْخُرُوجُ (١١) كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَأَصْحابُ الرَّسِّ وَثَمُودُ (١٢) وَعادٌ وَفِرْعَوْنُ وَإِخْوانُ لُوطٍ (١٣)
 وَأَصْحابُ الْأَيْكَةِ وَقَوْمُ تُبَّعٍ كُلٌّ كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ وَعِيدِ (١٤) أَفَعَيِينا بِالْخَلْقِ الْأَوَّلِ بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ (١٥)

قوله تعالى: ماءً مُبارَكاً قيل يعني جميع المطر، كله يتصف بالبركة وإن ضر بعضه أحيانا، فقيه مع ذلك الضر الخاص البركة العامة. وقال أبو هريرة: كان النبي ﷺ إذا جاء المطر فسالت الميازيب قال: **«لا محل عليكم العام»** وقال بعض المفسرين: ماءً مُبارَكاً يريد به ماء مخصوصا خالصا للبركة ينزله الله كل سنة، وليس كل المطر يتصف بذلك. وَحَبَّ الْحَصِيدِ الحنطة. و: باسِقاتٍ معناه:
 طويلات ذاهبات في السماء، ومنه قول ابن نوفل في ابن هبيرة: \[مجزوء الكامل مرفّل\]
 يا ابن الذين لمجدهم... بسقت على قيس فزاره
 وروى قطبة بن مالك عن النبي ﷺ أنه قرأ: **«باصقات»** بالصاد، قال أبو الفتح الأصل: السين وإنما الصاد بدل منه، لاستعلاء القاف. و **«الطلع»** أول ظهور التمر في الكفرى وهو أبيض منضد كحب الرمان. فما دام ملتصقا بعضه ببعض فهو نَضِيدٌ، فإذا خرج من الكفرى تفرق فليس بنضيد. و: رِزْقاً نصب على المصدر والضمير في: بِهِ عائد على المطر. ووصف البلدة ب **«ميت»** على تقدير القطر والبلد.
 وقرأ الناس **«ميتا»** مخففا، وقرأ أبو جعفر وخالد **«ميّتا»** بالتثقيل.
 ثم بين تعالى موضع الشبه فقال: كَذلِكَ الْخُرُوجُ، هذه الآيات كلها إنما هي أمثلة وأدلة على البعث. والْخُرُوجُ يريد به من القبور، وَأَصْحابُ الرَّسِّ قوم كان لهم بئر عظيمة وهي الرَّسِّ، وكل ما لم يطو من بئر أو معدن أو نحوه فهو رسّ. وأنشد أبو عبيدة للنابغة الجعدي:
 سبقت إلى قرطبا هل... تنابلة يحفرون الرساسا
 وجاءهم نبي يسمى حنظلة بن صفوان فيما روي فجعلوه في الرَّسِّ وردموا عليه. فأهلكهم الله، وقال كعب الأحبار في كتاب الزهراوي: أَصْحابُ الرَّسِّ هم أصحاب الأخدود وهذا ضعيف. لأن أصحاب الأخدود لم يكذبوا نبيا، إنما هو ملك أحرق قوما. وقال الضحاك الرَّسِّ: بئر قتل فيها صاحب ياسين، قال منذر وروي عن ابن عباس أنهم قوم عاد.
 والْأَيْكَةِ: الشجر الملتف، وهم قوم شعيب، والألف واللام من الْأَيْكَةِ غير معرفة، لأن **«أيكة»** اسم علم كطلحة يقال أيكة وليكة، فهي كالألف واللام في الشمس والقمر وفي الصفات الغالبة وفي هذا نظر. وقرأ **«الأيكة»** بالهمز أبو جعفر ونافع وشيبة وطلحة.
 وَقَوْمُ تُبَّعٍ هم حمير وتُبَّعٍ- سم فيهم، يذهب تبع ويجيء تبع ككسرى في الفرس وقيصر في الروم، وكان أسعد أبو كرب أحد التبابعة رجلا صالحا صحب حبرين فتعلم منهما دين موسى عليه السلام ثم إن قومه أنكروا ذلك عليه فندبهم إلى محاجة الحبرين، فوقعت بينهم مجادلة، واتفقوا على أن يدخلوا

### الآية 50:14

> ﻿وَأَصْحَابُ الْأَيْكَةِ وَقَوْمُ تُبَّعٍ ۚ كُلٌّ كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ وَعِيدِ [50:14]

و  الأيكة  : الشجر الملتف، وهم قوم شعيب، والألف واللام من  الأيكة  غير معرفة، لأن **«أيكة »** اسم علم كطلحة يقال أيكة وليكة، فهي كالألف واللام في الشمس والقمر وفي الصفات الغالبة وفي هذا نظر. وقرأ **«الأيكة »** بالهمز أبو جعفر ونافع وشيبة وطلحة. 
 وقوم تبع  هم حمير و  تبع  - سم فيهم، يذهب تبع ويجيء تبع ككسرى في الفرس وقيصر في الروم، وكان أسعد أبو كرب أحد التبابعة رجلاً صالحاً صحب حبرين فتعلم منهما دين موسى عليه السلام ثم إن قومه أنكروا ذلك عليه فندبهم إلى محاجة الحبرين، فوقعت بينهم مجادلة، واتفقوا على أن يدخلوا جميعهم النار التي في القربان، فمن أكلته فهو المبطل، فدخلوها فاحترق  قوم تبع ، وخرج الحبران تعرق جباههما، فهلك القوم المخالفون وآمن سائر  قوم تبع  بدين الحبرين. 
وفي الحديث اختلاف كثير. أثبت أصح ذلك على ما في سير ابن هشام. وذكر الطبري عن سهل بن سعد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :**«لا تلعنوا تبعاً، فإنه كان قد أسلم »**[(١)](#foonote-١) وحكى الثعلبي عن ابن عباس أن تبعاً كان نبياً. 
وقوله تعالى : كل كذب الرسل  قال سيبويه، التقدير : كلهم وحذف لدلالة كل عليه إيجازاً. و **«الوعيد »** الذي حق : هو ما سبق به القضاء من تعذيب الكفرة وإهلاك الأمم المكذبة، ففي هذا تخويف من كذب محمداً صلى الله عليه وسلم.

١ أخرجه ابن جرير الطبري، عن يونس، عن ابن وهب، عن ابن لُهيعة، عن عمرو بن جابر الحضرمي، عن سهل بن سعد الساعدي..

### الآية 50:15

> ﻿أَفَعَيِينَا بِالْخَلْقِ الْأَوَّلِ ۚ بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ [50:15]

وقوله تعالى : أفعيينا  توقيف للكفار وتوبيخ وإقامة للحجة الواضحة عليهم، وذلك أن جوابهم على هذا التوقيف هو لم يقع عي، ثم هم مع ذلك في لبس من الإعادة. وهذا تناقض، ويقال عيى يعيى إذا عجز عن الأمر ويلح به، ويدغم هذا الفعل الماضي من هذا الفعل ولا يدغم المستقبل منه فيقال عي، ومنه قول الشاعر \[ عبيد بن الأبرص \] :
عيوا بأمرهم كما. . . عيت ببيضتها الحمامه[(١)](#foonote-١)
و ****«الخلق الأول »**** إنشاء الإنسان من نطفة على التدريج الملعوم، وقال الحسن :****«الخلق الأول »**** آدم عليه السلام، حكاه الرماني، واللبس : الشك والريب واختلاط النظر. والخلق الجديد : البعث في القبور.

١ هذا البيت لعبيد بن الأبرص الأسدي، وهو من قصيدة أنشدها أمام حُجر يصف حال قومه بعد أن أذلهم حُجر وجعلهم عبيد العصا، وهو في اللسان، ويروى:
 برمت بنو أسد كما برمت ببيضتها الحمامه
 والبيت هنا كما في اللسان شاهد على أن الإدغام أكثر من التخفيف في (عيي)، يقال: عيَّ بأمره وعيي إذا لم يهتد إلى الصواب..

### الآية 50:16

> ﻿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ ۖ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ [50:16]

هذه آيات فيها إقامة حجج على الكفار في إنكارهم البعث والجزاء. والخلق : إنشاء الشيء على ترتيب وتقدير حكمي. و : الإنسان  اسم الجنس. قال بعض المفسرين  الإنسان  هنا آدم عليه السلام و  توسوس  معناه : تتحدث في فكرتها، وسمي صوت الحلي وسواساً لخفائه، والوسوسة إنما تستعمل في غير الخير، وقوله تعالى : نحن أقرب إليه من حبل الوريد  عبارة عن قدرة الله على العبد، وكون العبد في قبضة القدرة، والعلم قد أحيط به، فالقرب هو بالقدرة والسلطان، إذ لا ينحجب عن علم الله باطن ولا ظاهر، وكل قريب من الأجرام فبينه وبين قلب الإنسان حجب. و : الوريد  عرق كبير في العنق، يقال : إنهما وريدان عن يمين وشمال. قال الفراء : هو ما بين الحلقوم والعلباوين وقال الحسن : الوريد  الوتين. 
قال الأثرم : هو نهر الجسد هو في القلب الوتين، وفي الظهر الأبهر، وفي الذراع والفخذ : الأكحل والنسا وفي الخنصر : إلا سليم، **«والحبل »** : اسم مشترك فخصصه بالإضافة إلى  الوريد ، وليس هذا بإضافة الشيء إلى نفسه بل هي كإضافة الجنس إلى نوعه كما تقول : لا يجوز حي الطير بلحمه.

### الآية 50:17

> ﻿إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ [50:17]

وأما قوله تعالى : إذ يتلقى المتلقيان  فقال المفسرون العامل في : إذ ،  أقرب ، ويحتمل عندي أن يكون العامل فيه فعلاً مضمراً تقديره : اذكر  إذ يتلقى المتلقيان ، ويحسن هذا المعنى، لأنه أخبر خبراً مجرداً بالخلق والعلم بخطرات الأنفس والقرب بالقدرة والملك، فلما تم الإخبار، أخبر بذكر الأحوال التي تصدق هذا الخبر وتبين وروده عند السامع، فمنها  إذ يتلقى المتلقيان ، ومنها مجيء سكرة الموت، ومنها النفخ في الصور ومنها مجيء كل نفس، و  المتلقيان  : الملكان الموكلان بكل إنسان : ملك اليمين الذي يكتب الحسنات، وملك الشمال الذي يكتب السيئات. قال الحسن : الحفظة : أربعة، اثنان بالنهار واثنان بالليل. 
قال القاضي أبو محمد : ويؤيد ذلك الحديث، **«يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار »** الحديث بكامله[(١)](#foonote-١). ويروى أن ملك اليمين أمير على ملك الشمال، وأن العبد إذا أذنب يقول ملك اليمين للآخر تثبت لعله يتوب رواه إبراهيم التيمي وسفيان الثوري. 
و  قعيد  معناه : قاعد، وقال قوم هو بمنزلة أكيل، فهو بمعنى مقاعد وقال الكوفيون : أراد قعوداً فجعل الواحد موضع الجنس، والأول أصوب لأن المقاعد إنما يكون مع قعود الإنسان، وقال مجاهد : قعيد  : رصد ومذهب سيبويه أن التقدير عن اليمين قعيد، فاكتفى بذكر الآخر عن ذكر الأول ومثله عنده قول الشاعر \[ كثير عزة \] :\[ الطويل \]
وعزة ممطول معنّى غريمها. . . [(٢)](#foonote-٢)
ومثله قول الفرزدق :\[ الكامل \]
إني ضمنت لمن أتاني ما جنى. . . وأبى وكان وكنت غير غدور[(٣)](#foonote-٣)
وهذه الأمثلة كثيرة، ومذهب المبرد : أن التقدير عن اليمين  قعيد  وعن الشمال فأخر  قعيد  عن مكانه ومذهب الفراء أن لفظ  قعيد  يدل على الاثنين والجمع فلا يحتاج إلى تقدير غير الظاهر.

١ أخرجه البخاري في المواقيت والتوحيد، ومسلم في المساجد، والنسائي في الصلاة، ومالك في السفر، وأحمد في مسنده(٢-٢٥٧)، عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:(يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار، ويجتمعون في صلاة الفجر وصلاة العصر، ثم يعرج الذين باتوا فيكم فيسألهم وهو اعلم بهم: كيف تركتم عبادي؟ فيقولون: تركناهم وهم يصلون، وأتيناهم وهم يصلون). واللفظ للبخاري..
٢ هذا عجز بيت قاله كثير من قصيدة له، والبيت بتمامه:
 قضى كل ذي دين فوفى غريمه وعزة ممطول مُعنى غريمها
 وقضى: أدى ما عليه من الدين لصاحبه، ووفى: أعطاه حقه كاملا وافيا تاما، والغريم: الدائن، وممطول: لم يأخذ حقه بل تأجل موعد الوفاء به مرة بعد أخرى، والمُعنى: المُتعب الذي كُلف ما يشق عليه او الأسير، يقول: إن صاحب كل دين أخذ حقه كاملا إلا غريم عزة وهو أنا، فلم أزل محروما مُتبعا لا انال إلا الوعود بعد الوعود، والشاهد الذي يقصده ابن عطية هو قول كثير:"غريمها" فقد تنازع فيه كل من (ممطول) و(معنى)، وهو يريد هنا أن الثاني وهو (معنى) هو الذي عمل في (غريمها)، واكتفى بذكره عن ذكره مع الأول وهو (ممطول)، على أن بين النحويين خلاف طويل هنا، ويمكن الرجوع إليه في كتب النحو، وفي البيت شاهد آخر في الموضوع ذاته، وهو في الشطر الأول لأن(قضى) تطلب (غريمه) مفعولا، وكذلك (وفى) تطلبه، والخلاف بين النحويين في أيهما أحق بالعمل مذكور في كتب النحو..
٣ بيت الفرزدق هذا من شواهد النحويين أيضا في باب التنازع، فإن (كان)و(كنت) كل منهما تطلب الخبر وهو "غير غدور"، وأصل الكلام: فكان غير غدور، وكنت غير غدور، فحذف أحد الخبرين اكتفاء بدلالة الآخر عليه، وعند البصريين-وابن عطية على مذهبهم- أن الخبر الموجود هو خبر الثاني، أما خبر الأول فقد حذف لدلالة الثاني عليه، وقد استشهد بهذا البيت الطبري والقرطبي، وهو مذكور في (معاني القرآن) للفراء، والكتاب لسيبويه، ومع كل هذا فهو غير موجود في الديوان..

### الآية 50:18

> ﻿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ [50:18]

وقوله تعالى : ما يلفظ من قول  قال الحسن بن أبي الحسن وقتادة : يكتب الملكان الكلام فيثبت الله من ذلك الحسنات، والسيئات، ويمحو غير ذلك، وهذا هو ظاهر الآية، قال أبو الجوزاء ومجاهد : يكتبان عليه كل شيء حتى أنينه في مرضه، وقال عكرمة : المعنى : ما يلفظ من قول  خير أو شر، وأما ما خرج من هذا فإنه لا يكتب والأول أصوب، وروي أن رجلاً قال لجمله :" حل " [(١)](#foonote-١)، فقال ملك اليمين لا أكتبها، وقال ملك الشمال لا أكتبها، فأوحى الله إلى ملك الشمال أن اكتب ما ترك ملك اليمين، وروي نحوه عن هشام الحمصي وهذه اللفظة إذا اعتبرت فهي بحسب مشيه ببعيره، فإن كان في طاعة فحل حسنة، وإن كان في معصية فهي سيئة والمتوسط بين هذين عسير الوجود ولا بد أن يقترن بكل أحوال المرء قرائن تخلصها للخير أو لخلافه. 
وحكى الثعلبي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال : قال النبي صلى الله عليه وسلم :**«إن مقعد الملكين على الثنيتين، قلمهما اللسان، ومدادهما الريق »**[(٢)](#foonote-٢) وقال الضحاك والحسن : مقعدهما تحت الشعر، وكان الحسن يحب أن ينظف غفقته لذلك قال الحسن : حتى إذا مات طويت صحيفته وقيل له يوم القيامة : اقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيباً [(٣)](#foonote-٣) \[ الإسراء : ١٤ \] عدل والله عليه من جعله حسيب نفسه. والرقيب : المراقب. والعتيد : الحاضر.

١ في اللسان:"يقال للناقة إذا زجرتها: حل جزم، وحل مُنون،…وقال ابن سيدة: ومن خفيف هذا الاسم: حَلْ وحلٍ لإناث الإبل خاصة". فهو صوت لزجر الناقة أو الجمل، وقال الجوهري في الصحاح: حل: زجر للناقة، وحوب: زجر للبعير"..
٢ ذكره السيوطي في الدر المنثور عن علي رضي الله تعالى عنه موقوفا، قال: أخرج ابن أبي الدنيا في الصمت، عن علي رضي الله عنه، قال:( لسان الإنسان قلم الملك وريقه مداده)، وذكره مرفوعا من رواية أبي نعيم، والديلمي، عن معاذ بن جبل رضي الله عنه، قال:"إن الله لطّف الملكين الحافظين حتى أجلسهما على الناجذين، وجعل لسانه قلمهما، وريقه مدادهما". والناجذ: الضرس..
٣ من الآية(١٤) من سورة (الإسراء)..

### الآية 50:19

> ﻿وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ۖ ذَٰلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ [50:19]

وقوله : وجاءت  عطف عندي على قوله : إذ يتلقى  فالتقدير : وإذ تجيء سكرة الموت، وجعل الماضي في موضع المستقبل تحقيقاً وتثبيتاً للأمر، وهذا أحث على الاستعداد واستشعار القرب، وهذه طريقة العرب في ذلك، ويبين هذا في قوله : ونفخ في الصور   وجاءت كل نفس  فإنها ضرورة بمعنى الاستقبال. وقرأ أبو عمرو : وجاءت سكرة  بإدغام التاء في السين. و  سكرة الموت  : ما يعتري الإنسان عند نزاعه والناس فيها مختلفة أحوالهم، لكن لكل واحد سكرة، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم في نزاعه يقول :**«إن للموت لسكرات »**[(١)](#foonote-١). 
وقوله تعالى : بالحق  معناه : بلقاء الله وفقد الحياة الدنيا. وفي مصحف عبد الله بن مسعود :******«وجاءت سكرة الحق بالموت »******. وقرأها ابن جبير وطلحة، ويروى أن أبا بكر الصديق رضي الله عنه قالها كذلك لابنته عائشة وذلك أنها قعدت عند رأسه وهو ينازع فقالت :\[ الطويل \]
لعمرك ما يغني الثراء عن الفتى. . . إذا حشرجت يوماً وضاق بها الصدر[(٢)](#foonote-٢)
ففتح أبو بكر رضي الله عنه عينه فقال : لا تقولي هكذا، وقولي :******«وجاءت سكرة الحق بالموت »******  ذلك ما كنت منه تحيد . وقد روي هذا الحديث على مشهور القراءة  وجاءت سكرة الموت بالحق [(٣)](#foonote-٣) فقال أبو الفتح : إن شئت علقت الباء ب  جاءت ، كما تقول : جئت بزيد، وإن شئت كانت بتقدير : ومعها الموت[(٤)](#foonote-٤). 
واختلف المتأولون في معنى :******«وجاءت سكرة الحق بالموت »****** فقال الطبري وحكاه الثعلبي :**«الحق »** الله تعالى، وفي إضافة السكرة إلى اسم الله تعالى بعد وإن كان ذلك سائغاً من حيث هي خلق له، ولكن فصاحة القرآن ورصفه لا يأتي فيه هذا. وقال بعض المتأولين المعنى : وجاءت سكرة فراق الحياة بالموت وفراق الحياة حق يعرفه الإنسان ويحيد منه بأمله. ومعنى هذا الحيد : أنه يقول : أعيش كذا وكذا، فمتى فكر في قرب الموت حاد بذهنه وأمله إلى مسافة بعيدة من الزمن، وأيضاً فحذر الموت وتحرزاته ونحو هذا حيد كله.

١ اخرجه ابن أبي شيبة، والبخاري، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه، عن عائشة رضي الله عنها، ولفظه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كانت بين يديه ركوة أو علبة فيها ماء، فجعل يدخل يديه في الماء فيمسح بهما وجهه ويقول: لا إله إلا الله، إن للموت لسكرات..
٢ هذا البيت لحاتم الطائي، وهو من قصيدة أكثر فيها من الحكم، والرواية في الديوان:"أماويّ، ما يغني الثراء"، والبيت في اللسان، والحشرجة: صوت النفس، وهو الغرغرة في الصدر. أما"ماوية" فهي امرأة حاتم، وهو هنا يناديها ويوجه لها الحديث في هذا البيت وفي ستة أبيات أخرى من القصيدة نفسها، يقول في مطلع كل بيت: أماوية..
٣ أخرجه أحمد، وابن جرير، عن عبد الله بن اليمني مولى الزبير بن العوام، قال: لما حضر أبو بكر تمثلت عائشة بهذا البيت:
 أعاذل ما يغني الحِذار عن الفتى إذا حشرجت يوما وضاق بها الصدر
 فقال أبو بكر رضي الله عنه: ليس كذلك يا بنية، ولكن قولي:وجاءت سكرة الموت بالحق ذلك ما كنت منه تحيد. أما ما نقله ابن عطية هنا وهو (وجاءت سكرة الحق بالموت) فقيل إنها قراءة قرأ بها أبو بكر رضي الله عنه، وقال القرطبي:"إن أبا بكر رضي الله عنه رويت عنه روايتان: إحداهما موافقة للمصحف فعليها العمل، والأخرى مرفوضة تجري مجرى النسيان منه إن كان قالها، أو الغلط من بعض من نقل الحديث".
٤ فهي متعلقة بمحذذوف، وتقع حالا، كقولك: خرج بثيابه، أي: وثيابه عليه، ومن ذلك قوله تعالى:فخرج على قومه في زينته أي: وزينته عليه. أما على قول من قال إن قراءة أبي بكر رضي الله عنه:(وجاءت سكرة الحق بالموت) قراءة فقد قال أبو الفتح بعد أن نسبها إلى طلحة وسعيد بن جبير:"كيف يجوز أن تقول:(جاءت سكرة الحق بالموت) وأنت تريد به(جاءت سكرة الموت بالحق)؟ فياليت شعري أيتها الجائية بصاحبتها؟ قيل: إنهما اشتركتا في الحال، وكل منهما قريبة من صاحبتها حتى كأن كل واحدة منهما جاءت بالأخرى". اهـ. بتصرف..

### الآية 50:20

> ﻿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ ۚ ذَٰلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ [50:20]

وقد تقدم القول في النفخ في الصور مراراً. و : يوم الوعيد  هو يوم القيامة وأضافه إلى الوعيد تخويفاً.

### الآية 50:21

> ﻿وَجَاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ [50:21]

وقوله تعالى : وجاءت كل نفس معها سائق وشهيد  وقرأ طلحة بن مصرف :**«محّها »** بالحاء المثقلة[(١)](#foonote-١). والسائق : الحاث على السير. 
واختلف الناس في السائق والشهيد، فقال عثمان بن عفان ومجاهد وغيره : ملكان موكلان بكل إنسان أحدهما يسوقه والآخر من حفظته يشهد عليه. وقال ابو هريرة : السائق ملك، والشهيد : العمل وقال منذر بن سعيد : السائق : الملك والشهيد : النبي صلى الله عليه وسلم، قال وقيل : الشهيد : الكتاب الذي يلقاه منشوراً. وقال بعض النظار : سائق ، اسم جنس، و  شهيد  كذلك، فالساقة للناس ملائكة يوكلون بذلك، والشهداء : الحفظة في الدنيا وكل ما يشهد. 
وقال ابن عباس والضحاك : السائق ملك، والشهيد : جوارح الإنسان، وهذا يبعد على ابن عباس، لأن الجوارح إنما تشهد بالمعاصي. 
وقوله تعالى : كل نفس  يعم الصالحين، فإنما معناه : وشهيد بخيره، وشره، ويقوى في : شهيد  اسم الجنس، فتشهد بالخير الملائكة والبقاع، ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم :**«لا يسمع مدى صوت المؤذن إنس ولا جن ولا شيء إلا شهد له يوم القيامة »**[(٢)](#foonote-٢) وكذلك يشهد بالشر الملائكة والبقاع والجوارح. وقال أبو هريرة : السائق : ملك، والشهيد : العمل. وقال ابن مسلم : السائق : شيطان. حكاه عنه الثعلبي والقول في كتاب منذر بن سعيد وهو ضعيف.

١ مع إدغام العين في الهاء فانقلبتا حاء، كما قالوا: ذهب "مَحُّمْ" يريدون "معهم"، انظر البحر المحيط٨-١٢٤..
٢ رواه البخاري في كتاب الأذان، باب رفع الصوت بالنداء، عن عبد الرحمن بن عبد الله الأنصاري ثم المازني، عن أبيه، أنه أخبره أن أبا سعيد الخدري قال له: إني أراك تحب الغنم والبادية، فإذا كنت في غنمك أو باديتك فأذنت بالصلاة فارفع صوتك بالنداء، فإنه لا يسمع مدى صوت المؤذن جن ولا إنس ولا شيء إلا شهد له في القيامة، قال أبو سعيد: سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم. ورواه البخاري أيضا في (بدء الخلق)، كما أخرجه النسائي في الأذان، ومالك في النداء، وأحمد في مسنده(٣-٣٥، ٤٣، ٦٠)..

### الآية 50:22

> ﻿لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَٰذَا فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ [50:22]

قرأ الجحدري :**«لقد كنتِ »** على مخاطبة النفس وكذلك كسر الكافات بعد. 
وقال صالح بن كيسان والضحاك وابن عباس معنى قوله : لقد كنت  أي يقال للكافر الغافل من ذوي النفس التي معها السائق والشهيد إذا حصل بين يدي الرحمن وعاين الحقائق التي كان لا يصدق بها في الدنيا ويتغافل عن النظر فيها،  لقد كنت في غفلة من هذا ، فلما كشف الغطاء عنك الآن احتد بصرك أي بصيرتك وهذا كما تقول : فلان حديد الذهن والفؤاد ونحوه، وقال مجاهد : هو بصر العين إذا احتد التفاته إلى ميزانه وغير ذلك من أهوال القيامة. 
وقال زيد بن أسلم قوله تعالى : ذلك ما كنت منه تحيد  \[ ق : ١٩ \] وقوله تعالى : لقد كنت  الآية، مخاطبة لمحمد صلى الله عليه وسلم، والمعنى أنه خوطب بهذا في الدنيا، أي لقد كنت يا محمد في غفلة من معرفة هذا القصص والغيب حتى أرسلناك وأنعمنا عليك وعلمناك،  فبصرك اليوم حديد ، وهذا التأويل يضعف من وجوه، أحدها أن الغفلة إنما تنسب أبداً إلى مقصر، ومحمد صلى الله عليه وسلم لا تقصير له قبل بعثه ولا بعده وثان : أن قوله : بعد هذا : وقال قرينه  يقتضي أن الضمير إنما يعود على أقرب مذكور، وهو الذي يقال له  فبصرك اليوم حديد  وإن جعلناه عائداً على ذي النفس في الآية المتقدمة جاء هذا الاعتراض لمحمد صلى الله عليه وسلم بين الكلامين غير متمكن فتأمله. وثالث : أن معنى توقيف الكافر وتوبيخه على حاله في الدنيا يسقط، وهو أحرى بالآية وأولى بالرصف، والوجه عندي ما قاله الحسن وسالم بن عبد الله إنها مخاطبة للإنسان ذي النفس المذكورة من مؤمن وكافر. 
و : فكشفنا عنك غطاءك ، قال ابن عباس : هي الحياة بعد الموت، وينظر إلى معنى كشف الغطاء قول النبي صلى الله عليه وسلم :**«الناس نيام فإذا ماتوا انتبهوا »**.

### الآية 50:23

> ﻿وَقَالَ قَرِينُهُ هَٰذَا مَا لَدَيَّ عَتِيدٌ [50:23]

وقوله تعالى : وقال قرينه هذا ما لدي عتيد ، قال جماعة من المفسرين : قرينه  من زبانية جهنم، أي قال هذا العذاب الذي لدي لهذا الإنسان الكافر حاضر عتيد، ففي هذا تحريض على الكافر واستعجال به. وقال قتادة وابن زيد : قرينه  الملك الموكل بسوقه، فكأنه قال : هذا الكافر الذي جعل إلى سوقه، فهو لدي حاضر. وقال الزهراوي وقيل : قرينه  شيطانه. 
قال القاضي أبو محمد : وهذا ضعيف، وإنما أوقع فيه أن القرين في قوله : قال قرينه ربنا ما أطغيته  هو شيطانه في الدنيا ومغويه بلا خلاف. 
ولفظ القرين : اسم جنس، فسائقه قرين، وصاحبه من الزبانية قرين، وكاتب سيئاته في الدنيا قرين وتحتمله هذه الآية، أي هذا الذي أحصيته عليه عتيد لدي، وهو موجب عذابه، ومماشي الإنسان في طريقه قرين، وقال الشاعر \[ عدي بن زيد العبادي \] :\[ الطويل \]
عن المرء لا تسأل وسل عن قرينه. . . فكل قرين بالمقارن يقتدي[(١)](#foonote-١)
والقرين الذي في هذه الآية، غير القرين الذي في قوله : قال قرينه ربنا ما أطغيته  إذ المقارنة تكون على أنواع، وقال بعض العلماء : قرينه  في هذه الآية : عمله قلباً وجارحاً، وقوله عز وجل : ألقيا في جهنم  معناه : يقال  ألقيا في جهنم . واختلف الناس لم يقال ذلك ؟ فقال جماعة من المفسرين : هو قول الملكين من ملائكة العذاب.

١ هذا البيت شاهد على أن القرين يقال لمن يمشي مع إنسان في طريقه، وأن كلمة القرين تطلق على كل من يقترن بالمرء في عمله أو في حياته، قال في اللسان:"والقرين: صاحبك الذي يقارنك، وقرينك: الذي يقارنك، والجمع قرناء"..

### الآية 50:24

> ﻿أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ [50:24]

وقال عبد الرحمن بن زيد في كتاب الزهراوي : هو قول للسائق والشهيد، وحكى الزهراوي أن المأمور بإلقاء الكافر في النار اثنان، وعلى هذين القولين لا نظر في قوله : ألقيا . وقال مجاهد وجماعة من المتأولين : هو قول للقرين : إما السائق، وإما الذي هو من الزبانية حسبما تقدم واختلف أهل هذه المقالة في معنى قوله : ألقيا  وهو مخاطبة لواحد، فقال المبرد معناه : الق الق، فإنما أراد تثنية الأمر مبالغة وتأكيداً، فرد التثنية إلى الضمير اختصاراً كما قال \[ امرؤ القيس \] :
لفتك الأمين على نابل. . . [(١)](#foonote-١)
يريد : ارم ارم. وقال بعض المتأولين :****«ألقين »**** فعوض من النون ألف كما تعوض من التنوين. وقال جماعة من أهل العلم بكلام العرب : هذا جرى على عادة العرب، وذلك أنها كان الغالب عندها أن تترافق في الأسفار ونحوها ثلاثة، فكل واحد منهم يخاطب اثنين، فكثر ذلك في أشعارها وكلامها حتى صار عرفاً في المخاطبة، فاستعمل في الواحد، ومن هذا قولهم في الأشعار : خليلي، وصاحبي، وقفا نبك[(٢)](#foonote-٢) ونحوه، وقد جرى المحدثون على هذا الرسم، فيقول الواحد : حدثنا، وإن كان سمع وحده، ونظير هذه الآية في هذا القول قول الزجاج : يا حارسي اضربا عنقه، وهو دليل على عادة العرب، ومنه قول الشاعر \[ سويد بن كراع العكلي \] :\[ الطويل \]
فإن تزجراني بابن عفان أنزجر. . . وإن تدعاني أحم عرضاً ممنعا[(٣)](#foonote-٣)
وقرأ الحسن بن أبي الحسن :****«ألقين »**** بتنوين الياء و : كفار  مبالغة. و : عنيد  معناه : عاند عن الحق أي منحرف عنه.

١ هذا عجز بيت قاله امرؤ القيس من أبيات له قالها بعد أن انتصر على بني أسد، والبيت بتمامه:
 نطعنهم سُلكى ومخلوجة لفتك لأمين على نابل
 وهو في الديوان واللسان، والرواية في الديوان:"كرك" بدلا من "لفتك"، وسُلكى: طعنا مستويا أو أمام الوجه، ومخلوجة: معوجة عن يمين وشمال، يريد أنهم يطعنونهم من أمام ومن يمين وشمال، وكرك: ردك، وكذلك لفتك، واللأم: السهم، والنابل: من يرمي بالنبل، والمعنى: إننا نطعنهم ونعيد الطعن بسرعة كما نرد سهمين على صاحب نبل يرمي بسهمين ثم يعادان عليه بسرعة. وقد روى صاحب اللسان أن بعض أهل العلم سأل رؤبة عن هذا البيت فقال: حدثني أبي عن أبيه، قال: حدثتني عمتي وكانت في بني دارم أنها سألت امرأ القيس وهو يشرب طلاء مع علقمة بن عبدة عن معناه فقال: مررت بنابل وصاحبه يناوله الريش لؤاما وظُهارا فما رأيت أسرع منه فتشبهت به..
٢ أما (خليلي) فمثاله قول امرئ القيس:
 خليلي مُرّا بي على أم جندب نقضي لبانات الفؤاد المُعذب
 **وأما (صاحبي) فمثاله قول أبي تمام:**
 يا صاحبي تقصيا نظريكما تريا وجوه الأرض كيف تصور
 تريا نهارا مشمسا قد شابه زهر الربى فكأنما هو مقمر
 وأما (قفا نبك)، فهو في مطلع معلقة امرئ القيس:
 قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل بسقط اللوى بين الدخول فحومل.
٣ هذا البيت من شواهد الفراء التي ذكرها في (معاني القرآن)، قال:"العرب تأمر الواحد بما يؤمر به الاثنان، فيقولون للرجل: قوما عنا" وروى في ذلك مثالا ثم قال:"وأنشدني أبو ثروان: وإن تزجراني... البيت، ونرى أن ذلك منهم أن الرجل أدنى أعوانه في إبله وغنمه اثنان، وكذلك الرفقة أدنى ما يكونون ثلاثة، فجرى كلام الواحد على صاحبيه"، والزجر: المنع والنهي والانتهار، يقال: زجره يزجره فانزجر وازدجر، والحماية: المنع والصيانة، والعرض: ما يمدح ويُذم من الإنسان سواء كان في نفسه أو سلفه أو من يلزمه أمره، ومعنى البيت: إن تركتماني حميت عرضي ممن يؤذيني، وإن زرجتماني انزجرت وصبرت. هذا والبيت لسويد بن كُراع العُكلي، وكان قد هجا بني عبد الله بن دارم فاستعدوا عليه سعيد بن عثمان، فأراد ضربه، فقال سويد قصيدة بدأها بقوله:
 تقول ابنة العوفي ليلى: ألا ترى إلى ابن كراع لا يزال مُفزعا؟
 مخافة هذين الأميرين سهّدت رُقادي وغشتني بياضا مُقزعا
 فإن أنتما أحكمتماني فازجرا أراهط تؤذي من الناس رُضعا وإن تزجراني يا بن عفان أنزجر وإن تدعاني أحم عرضا ممنعا
 وهذا يدل على أن العرب تخاطب الواحد بلفظ الاثنين، فقد خاطب سعيد بن عفان بقوله:(وإن تزجراني)، ولعله أراد سعيد بن عفان هذا ومن ينوب عنه أو يحضر معه. كذلك نلحظ أنه قال أيضا(أحكمتماني) وهو خطاب للواحد بلفظ الاثنين..

### الآية 50:25

> ﻿مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ مُرِيبٍ [50:25]

وقوله تعالى : مناع للخير  لفظ عام للمال والكلام الحسن والمعاون على الأشياء. وقال قتادة ومجاهد وعكرمة، معناه : الزكاة المفروضة، وهذا التخصيص ضعيف، و : معتد  معناه : بلسانه ويده. و : مريب  معناه : متلبس بما يرتاب به، أراب الرجل : إذا أتى بريبة ودخل فيها. قال الثعلبي قيل نزلت في الوليد بن المغيرة. 
وقال الحسن : مريب  شاك في الله تعالى ودينه.

### الآية 50:26

> ﻿الَّذِي جَعَلَ مَعَ اللَّهِ إِلَٰهًا آخَرَ فَأَلْقِيَاهُ فِي الْعَذَابِ الشَّدِيدِ [50:26]

وقوله تعالى : الذي جعل  الآية يحتمل أن يكون  الذي  بدلاً من  كفار  ويحتمل أن يكون صفة له من حيث تخصص  كفار  بالأوصاف المذكورة فجاز وصفه بهذه المعرفة، ويحتمل أن يكون  الذي  ابتداء وخبره قوله : فألقياه  ودخلت الفاء في قوله : فألقياه  للإبهام الذي في  الذي ، فحصل الشبه بالشرط وفي هذا نظر. 
قال القاضي أبو محمد : ويقوى عندي أن يكون  الذي  ابتداء، ويتضمن القول حينئذ بني آدم والشياطين المغوين لهم في الدنيا. 
ولذلك تحرك القرين الشيطان المغوي في الدنيا، فرام أن يبرئ نفسه ويخلصها بقوله : ربنا ما أطغيته  لأنه كذب من نفي الإطغاء عن نفس جملة، والحقيقة أنه أطغاه بالوسوسة والتزين، وأطغاه الله بالخلق، والاختراع حسب سابق قضائه الذي هو عدل منه، لا رب غيره، وبوصف الضلال بالبعيد مبالغة، أي لتعذر رجوعه إلى الهدى.

### الآية 50:27

> ﻿۞ قَالَ قَرِينُهُ رَبَّنَا مَا أَطْغَيْتُهُ وَلَٰكِنْ كَانَ فِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ [50:27]

نص مكرر لاشتراكه مع الآية ٢٦:وقوله تعالى : الذي جعل  الآية يحتمل أن يكون  الذي  بدلاً من  كفار  ويحتمل أن يكون صفة له من حيث تخصص  كفار  بالأوصاف المذكورة فجاز وصفه بهذه المعرفة، ويحتمل أن يكون  الذي  ابتداء وخبره قوله : فألقياه  ودخلت الفاء في قوله : فألقياه  للإبهام الذي في  الذي ، فحصل الشبه بالشرط وفي هذا نظر. 
قال القاضي أبو محمد : ويقوى عندي أن يكون  الذي  ابتداء، ويتضمن القول حينئذ بني آدم والشياطين المغوين لهم في الدنيا. 
ولذلك تحرك القرين الشيطان المغوي في الدنيا، فرام أن يبرئ نفسه ويخلصها بقوله : ربنا ما أطغيته  لأنه كذب من نفي الإطغاء عن نفس جملة، والحقيقة أنه أطغاه بالوسوسة والتزين، وأطغاه الله بالخلق، والاختراع حسب سابق قضائه الذي هو عدل منه، لا رب غيره، وبوصف الضلال بالبعيد مبالغة، أي لتعذر رجوعه إلى الهدى. ---

### الآية 50:28

> ﻿قَالَ لَا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُمْ بِالْوَعِيدِ [50:28]

وقوله تعالى : لا تختصموا لدي  معناه : قال الله  لا تختصموا لدي  بهذا النوع من المقاولة التي لا تفيد شيئاً إذ قد استوجب جميعكم النار، وقد أخبر بأنه تقع الخصومة لديه في الظلامات ونحوها مما فيه اختصاص. واقتضاء فائدة بقوله تعالى : ثم إنكم يوم القيامة عند ربكم تختصمون [(١)](#foonote-١) \[ الزمر : ٣١ \]، وجمع الضمير في قوله : لا تختصموا  يريد بذلك مخاطبة جميع القرناء، إذ هو أمر شائع لا يقف على اثنين فقط، وهذا كما يقول الحاكم لخصمين : لا تغلطوا علي، يريد الخصمين ومن هو في حكمهما. وتقدمته إلى الناس بالوعيد هو ما جاءت به الرسل والكتب من تعظيم الكفرة. 
المعنى : قدمت بالوعيد أني أعذب الكفار في ناري، فلا يبدل قولي ولا ينقص ما أبرمه كلامي.

١ الآية(٣١) من سورة (الزمر)..

### الآية 50:29

> ﻿مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَمَا أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ [50:29]

ثم أزال عز وجل موضع الاعتراض بقوله : وما أنا بظلام للعبيد  أي هذا عدل فيهم، لأني أعذرت وأمهلت وأنعمت بالإدراكات وهديت السبيل والنجدين وبعثت الرسل وقال الفراء معنى قوله : ما يبدل القول لدي  ما يكذب لدي، لعلمي بجميع الأمور. 
قال القاضي أبو محمد : فتكون الإشارة على هذا إلى كذب الذي قال : ما أطغيته  \[ ق : ٢٧ \]

### الآية 50:30

> ﻿يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلَأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ [50:30]

وقوله تعالى : يوم يقول  يجوز أن يعمل في الظرف قوله : بظلام  ويجوز أن يعمل فيه فعل مضمر. 
وقرأ جمهور من القراء وحفص عن عاصم :**«نقول »** بالنون، وهي قراءة الحسن وأبي رجاء وأبي جعفر والأعمش ورجحها أبو علي بما تقدم من قوله :**«قدمت وما أنا »** وقرأ نافع وعاصم في رواية أبي بكر :**«يقول »** على معنى يقول الله، وهي قراءة الأعرج وشيبة وأهل المدينة، وقرأ ابن مسعود والحسن والأعمش أيضاً :**«يقال »** على بناء الفعل للمفعول. 
وقوله : هل امتلأت  تقرير وتوقيف، واختلف الناس هل وقع هذا التقرير ؟ وهي قد امتلأت أو هي لم تمتلئ فقال بكل وجه جماعة من المتأولين وبحسب ذلك تأولوا قولها : هل من مزيد . فمن قال إنها كانت ملأى جعل قولها : هل من مزيد  على معنى التقرير ونفي المزيد، أي هل عندي موضع يزاد فيه شيء ونحو هذا التأويل قول النبي صلى الله عليه وسلم :**«وهل ترك لنا عقيل منزلاً »**[(١)](#foonote-١) وهو تأويل الحسن وعمرو وواصل، ومن قال : إنها كانت غير ملأى جعل قولها  هل من مزيد  على معنى السؤال والرغبة في الزيادة. قال الرماني وقيل المعنى : وتقول خزنتها، والقول إنها القائلة أظهر. 
واختلف الناس أيضاً في قول جهنم هل هو حقيقة أو مجاز ؟ أي حالها حال من لو نطق لقال كذا وكذا فيجري هذا مجرى :
شكا إلي جملي طول السرى[(٢)](#foonote-٢)، 
**ومجرى قول ذي الرمة :**
تكلمني أحجاره وملاعبه[(٣)](#foonote-٣). 
والذي يترجح في قول جهنم : هل من مزيد  أنها حقيقة وأنها قالت ذلك وهي غير ملأى وهو قول أنس بن مالك، وبين ذلك الحديث الصحيح المتواتر قول النبي صلى الله عليه وسلم :**«يقول الله لجهنم هل امتلأت ؟ وتقول : هل من مزيد  حتى يضع الجبار فيها قدمه، فتقول قط قط، وينزوي بعضها إلى بعض »**[(٤)](#foonote-٤) واضطرب الناس في معنى هذا الحديث، وذهبت جماعة من المتكلمين، إلى أن الجبار اسم جنس، وأنه يريد المتجبرين من بني آدم، وروي أن الله تعالى يعد من الجبابرة طائفة يملأ بهم جهنم آخراً. وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم :
**«إن جلدة الكافر يصير في غلظها أربعون ذراعاً »** ويعظم بدنه على هذه النسبة[(٥)](#foonote-٥)، وهذا كله من ملء جهنم وذهب الجمهور إلى أن الجبار اسم الله تعالى، وهذا هو الصحيح، فإن في الحديث الصحيح :**«فيضع رب العالمين فيها قدمه »**[(٦)](#foonote-٦) وتأويل هذا : ان القدم لها من خلقه وجعلهم في علمه ساكنيها، ومنه قول الله تعالى : وبشر الذين آمنوا أن لهم قدم صدق عند ربهم [(٧)](#foonote-٧) \[ يونس : ٢ \] فالقدم هنا ما قدم من شيء ومنه قول الشاعر \[ الوضاح الخصي \] :\[ المنسرح \]
صل لربك واتخذ قدماً. . . ينجيك يوم العثار والزلل[(٨)](#foonote-٨)
ومنه قول العجاج :\[ الرمل \]
وسنى الملك لملك ذي قدم. . . [(٩)](#foonote-٩)
أي ذي شرف متقدم، وهذا التأويل مروي عن ابن المبارك[(١٠)](#foonote-١٠) وعن النضر بن شميل[(١١)](#foonote-١١)، وهو قول الأصوليين. وفي كتاب مسلم بن الحجاج :( فيضع الجبار فيها رجله )[(١٢)](#foonote-١٢)، ومعناه : الجمع الذي أعد لها يقال للجمع الكثير من الناس : رجل تشبيهاً برجل الجراد، قال الشاعر :
فمر بها رجل من الناس وانزوى. . . إليها من الحي اليماني أرجل[(١٣)](#foonote-١٣). 
وملاك النظر في هذا الحديث : أن الجارحة والتشبيه وما جرى مجراه منتف كل ذلك فلم يبق إلا إخراج ألفاظ على هذه الوجوه السابقة في كلام العرب.

١ هذا جزء من حديث أخرجه البخاري، ومسلم، وأحمد، وأبو داود، عن علي ابن أبي طالب رضي الله عنه، قال: أصبت شارفا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في المغنم يوم بدر، وأعطاني رسول الله صلى الله عليه وسلم شارفا أخرى، فأنختها يوما عند باب رجل من الأنصار وأنا أريد أن أحمل عليها إذخرا لأبيعه، ومعي صائغ من بني قينقاع لأستعين به على وليمة فاطمة، وحمزة بن عبد المطلب يشرب في ذلك البيت، فثار إليهما حمزة بالسيف، فجبّ أسنمتهما وبقر خواصرهما ثم أخذ من أكبادهما، قلت لابن شهاب: ومن السنام؟-وابن شهاب أحد الرواة-قال: جبّ أسنمتهما فذهب بهما، قال: فنظرت إلى منظر أفظعني، فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم وعنده زيد بن حارثة فأخبرته الخبر، فخرج ومعه زيد، فانطلق معه، فدخل على حمزة فتغيظ عليه، فرجع حمزة بصره فقال: هل أنتم إلا عبيد لأبي؟ فرجع رسول الله صلى الله عليه وسلم يُقهقر حتى خرج عنهم، وذلك قبل تحريم الخمر. اهـ. وفي رواية لمسلم أن حمزة كان يشرب ومعه قينة تغنيه، والشارف: الناقة المُسنة، وجمعها: شرف-بضم الشين وسكون الراء، والإذخر: حشيش طيب الريح، وله ثمرة تُطحن فتدخل في الطيب، وجبّ: قطع، وبقر: شقّ، وتغيظ: أظهر الغيظ والغضب..
٢ هذا البيت من الرجز في اللسان غير منسوب، وذكر معه بيتا آخر، قال: يقال للبعير إذا أتعبه السير فمد عنقه وكثر أنينه: قد شكا، ومنه قول الراجز:
 شكا إلي جملي طول السرى صبرا جُميلي فكلانا مبتلى
 والسرى: السير ليلا، والابتلاء: المحنة تنزل بالمرء ليختبر بها، او الغم والحزن والجهد الشديد في الأمر..
٣ هذا عجز بيت قاله ذو الرمة، وهو مع بيت قبله:
 وقفت على رسم لمية ناقتي فما زلت أبكي عنده وأخاطبه
 وأسقيه حتى كاد مما أبثه تكلمني أحجاره وملاعبه
 ومعنى أسقيه: أدعو له بالسقيا، وأبثه: أشكو إليه، والبيت كالشاهد السابق يدل على أن العرب قد تنسب القول إلى الحيوان والجماد تجوزا..
٤ هذا جزء من حديث أخرجه أحمد، والبخاري، ومسلم، والترمذي، والنسائي، وابن حرير، وابن مردويه، والبيهقي في الأسماء والصفات عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:(لا تزال جهنم يُلقى فيها وتقول: هل من مزيد؟ حتى يضع رب العزة فيها قدمه فينزوي بعضها إلى بعض وتقول: قط قط بعزتك وكرمك، ولا يزال في الجنة فضل حتى ينشئ الله لها خلقا فيسكنهم فضل الجنة)، واللفظ لمسلم..
٥ رواه مسلم في "الجنة"، والترمذي في "جهنم"، وأحمد في مسنده(٢-٢٦)، عن مجاهد، عن ابن عمر، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال:(يعظم أهل النار في النار حتى إن بين شحمة أُذن أحدهم إلى عاتقه مسيرة سبعمائة عام، وإن غلظ جلده سبعون ذراعا، وإن ضرسه مثل أحد)..
٦ جاء التعبير بـ"رب العالمين" في رواية لمسلم في الحديث الذي خرجناه في الهامش قبل السابق على هذا..
٧ من الآية(٢) من سورة (يونس)، وقد اختلف المفسرون في معنى قوله تعالى:قدم صدق وذكر أقوالهم ابن عطية في الجزء السابع ص٩٦ وما بعدها، والمختار أن "قدم الصدق" هو ما قدموه من أعمال، وهو الذي اختاره الطبري..
٨ قال هذا البيت الوضاح(جَذيمة بن مالك بن فهم التنوخي)، والرواية في القرطبي "صل لذي العرش"، والشاهد أن"قدما" هنا بمعنى ما يُقدمه الإنسان من عمل، يقول: اعبد الله واعمل الأعمال الصالحة فتنجو يوم القيامة. ورُوي عن أحمد بن يحيى أن القَدَم هي كل ما قدمت من خير، ذكر ذلك صاحب اللسان..
٩ هذا عجز بيت، وقد ورد البيت كاملا في القرطبي مع اختلاف في الألفاظ قال:
 زلّ بنو العوام عن آل الحكم وتركوا المُلك لِملك ذي قدم
 والشاهد هنا أن قوله:"ذي قدم" معناه: ذو سابقة في الأفعال، أو ذي شرف متقدم كما قال ابن عطية..
١٠ هو عبد الله بن المبارك المروزي، مولى بني حنظلة، ثقة، ثبت، فقيه عالم، جواد مجاهد، جُمعت فيه خصال الخير، مات سنة إحدى وثمانين، وله ثلاث وستون سنة.(تقريب التهذيب)..
١١ هو النضر بن شميل المازني، أبو الحسن النحوي، نزيل مرو، ثقة ثبت، مات سنة أربع ومائتين، وله اثنتان وثمانون سنة، (تقريب التهذيب)..
١٢ جاء ذلك في إحدى الروايات التي رواها مسلم رحمه الله..
١٣ هذا البيت شاهد على أن(الرِّجل) بكسر الراء وسكون الجيم هو الطائفة من الشيء، أو الجمع من الشيء، وقد استشهد به القرطبي، وذكره مع بيت آخر غير منسوبين، قال: يقال رأيت رِجلا من الناس ورِجلا من الجراد، قال الشاعر:
 فمر بنا رِجل من الناس وانزوى إليهم من الحي اليمانين أرجل
 قبائل من لخم وعُكل وحمير على ابني نزار بالعداوة أحفل
 وفي اللسان:"والرِّجل: الطائفة من الشيء، أنثى، وخص بعضهم به القطعة العظيمة من الجراد، والجمع أرجال... ومنه حديث ابن عباس رضي الله عنهما: أنه دخل مكة رِجل من جراد، فجعل غلمان مكة يأخذون منه، فقال: أما إنهم لو علموا لم يأخذوا منه، كره ذلك في الحرم لأنه صيد"..

### الآية 50:31

> ﻿وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ [50:31]

و : أزلفت  معناه : قربت، و : غير بعيد  تأكيد وبيان أن هذا التقدير هو في المسافة، لأن قربت كان يحتمل أن معناه : بالوعد والإخبار، فرفع الاحتمال بقوله : غير بعيد .

### الآية 50:32

> ﻿هَٰذَا مَا تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ [50:32]

وقوله تعالى : هذا ما توعدون  الآية، يحتمل أن يكون معناه : يقال لهم في الآخرة عند إزلاف الجنة هذا هو الذي كنتم توعدون في الدنيا، ويحتمل أن يكون المعنى خطاب لأمة محمد صلى الله عليه وسلم، أي هذا الذي توعدون به أيها الناس  لكل أواب حفيظ . والأواب : الرجاع إلى الطاعة وإلى مراشد نفسه. وقال ابن عباس وعطاء : الأواب : المسبح لقوله : يا جبال أوبي معه [(١)](#foonote-١) \[ سبأ : ١٠ \]. وقال الشعبي ومجاهد : هو الذي يذكر ذنوبه فيستغفر. وقال المحاسبي : هو الراجح بقلبه إلى ربه. وقال عبيد بن عمير : كنا نحدث أنه الذي إذا قام من مجلسه استغفر الله مما جرى في ذلك المجلس وكذلك كان النبي صلى الله عليه وسلم يفعل. والحفيظ معناه : بأوامر الله فيمتثلها، أو لنواهيه فيتركها. وقال ابن عباس : حفيظ  لذنوبه حتى يرجع عنها.

١ من الآية (١٠) من سورة (سبأ)..

### الآية 50:33

> ﻿مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَٰنَ بِالْغَيْبِ وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ [50:33]

وقوله تعالى : من خشي  يحتمل أن يكون  من  نعت الأواب أو بدلاًمن \[ كل \][(١)](#foonote-١). ويحتمل أن يكون رفعاً بالابتداء والخبر يقال لهم  ادخلوها ، ويحتمل أن تكون شرطية فيكون الجواب يقال لهم ادخلوها. وقوله : بالغيب  أي غير مشاهد له إنما يصدق رسوله ويسمع كلامه وجاء معناه يوم القيامة. والمنيب الراجع إلى الخير المائل إليه.

١ في قوله تعالى:لكل أوّاب حفيظ..

### الآية 50:34

> ﻿ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ ۖ ذَٰلِكَ يَوْمُ الْخُلُودِ [50:34]

وقوله تعالى : ادخلوها  تقديره يقال لهم على ما تقدم. و  بسلام  معناه بأمن وسلامة من جميع الآفات. وقوله تعالى : ذلك يوم الخلود  معادل لقوله قبل في الكفار
 ذلك يوم الوعيد  \[ ق : ٢٠ \].

### الآية 50:35

> ﻿لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ [50:35]

وقوله تعالى : لهم ما يشاؤون فيها ولدينا مزيد  خبر بأنهم يعطون آمالهم أجمع. ثم أبهم تعالى الزيادة التي عنده للمؤمنين المنعمين، وكذلك هي مبهمة في قوله تعالى : فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين [(١)](#foonote-١) \[ السجدة : ١٧ \] وقد فسر ذلك الحديث الصحيح قوله صلى الله عليه وسلم :**«يقول الله تعالى : أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر بل ما أطلعتهم عليه »**. وقد ذكر الطبري وغيره في تعيين هذا المزيد أحاديث مطولة وأشياء ضعيفة، لأن الله تعالى يقول : فلا تعلم نفس ما أخفي لهم  \[ السجدة : ١٧ \] وهم يعينونها تكلفاً وتعسفاً. وروي عن جابر بن عبد الله وأنس بن مالك أن المزيد : النظر إلى وجه الله تعالى بلا كيف.

١ من الآية(١٧) من سورة (السجدة)..

### الآية 50:36

> ﻿وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَشَدُّ مِنْهُمْ بَطْشًا فَنَقَّبُوا فِي الْبِلَادِ هَلْ مِنْ مَحِيصٍ [50:36]

كم  للتكثير وهي خبرية، المعنى كثيراً  أهلكنا قبلهم . والقرن : الأمة من الناس الذين يمر عليهم قدر من الزمن. واختلف الناس في ذلك القدر، فقال الجمهور : مائة سنة، وقيل غير هذا، وقد تقدم القول فيه غير مرة. وشدة البطش : هي كثرة القوة والأموال والملك والصحة والأدهان إلى غير ذلك. 
وقرأ جمهور من الناس :**«فنقَّبوا »** بشد القاف المفتوحة على إسناد الفعل إلى القرون الماضية، والمعنى : ولجوا البلاد من أنقابها وفي الحديث :**«أن على أنقاب المدينة ملائكة لا يدخلها الطاعون ولا الدجال »**[(١)](#foonote-١). والمراد تطوفوا ومشوا طماعين في النجاة من الهلكة ومنه قول الشاعر \[ امرؤ القيس \] :\[ الوافر \]
وقد نقبت في الآفاق حتى. . . رضيت من الغنيمة بالإياب[(٢)](#foonote-٢)
ومنه قول الحارث بن حلزة :\[ الخفيف \]
نقبوا في البلاد من حذر الموت. . . وجالوا في الأرض كل مجال[(٣)](#foonote-٣)
وقرأ ابن يعمر وابن عباس ونصر بن سيار وأبو العالية :**«فنقِّبوا »** بشد القاف المكسورة على الأمر لهؤلاء الحاضرين. 
و : هل من محيص  توقيف وتقرير، أي لا محيص، والمحيص : المعدل موضع الحيص وهو الروغان والحياد، قال قتادة : حاص الكفرة فوجدوا أمر الله منيعاً مدركاً، وفي صدر البخاري ( فحاصوا حيصة حمر الوحش إلى الأبواب )[(٤)](#foonote-٤). وقال ابن عبد شمس في وصف ناقته :\[ الوافر \]
إذا حاص الدليل رأيت منها. . . جنوحاً للطريق على اتساق[(٥)](#foonote-٥)
وقرأ أبو عمرو في رواية عبيد عنه :**«فنقَبوا »** بفتح القاف وتخفيفها هي بمعنى التشديد، واللفظة أيضاً قد تقال بمعنى البحث والطلب، تقول : نقب عن كذا اي استقصى عنه، ومنه نقيب القوم لأنه الذي يبحث عن أمورهم ويباحث عنها، وهذا عندي تشبيه بالدخول من الأنقاب. 
١ أخرجه البخاري في فضائل المدينة وفي الفتن، ومسلم في الحج، ومالك في المدينة، وأحمد في مسنده(٢-٢٣٧، ٣٧٨)، عن نعيم بن عبد الله أنه سمع أبا هريرة يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:(على أنقاب المدينة ملائكة لا يدخلها الدجال ولا الطاعون)، والنقب: الخرق في الجدار، وجمعه أنقاب..
٢ هذا البيت لامرئ القيس، وهو في الديوان، واللسان، ومجاز القرآن، والطبري، والقرطبي، والبحر، ورواية الديوان:(وقد طوفت في الآفاق)، والتنقيب: الذهاب في الأرض والتطواف، وهو وضع الاستشهاد هنا، والشاعر 
 يفخر بنفسه في هذا البيت وفي القصيدة كلها، ويقول: إنه قاد الجيوش في سبيل تحقيق مآربه الكبيرة، لكنه بعد أن تعب رضي بالعودة سالما..
٣ هو شاهد على أن معنى"نقبوا في البلاد..." هو: طوفوا في البلاد، وذهبوا فيها مذاهب متعددة يلتمسون الهروب من الموت. والمجال: موضع الجولان، يقول: جالوا في الأرض وطوفوا في كل مكان..
٤ أخرجه البخاري في بدء الوحي وفي تفسير سورة النساء، وكل من بني داود والترمذي في الجهاد، وأحمد في المسند(٢-٧٠، ١٠٠)، وهو حديث طويل، رواه ابن عباس رضي الله عنهما، عن أبي سفيان حين كان في تجارة بالشام في المدة التي كان رسول الله صلى الله عليه وسلم مادَّ فيها أبا سفيان وكفار قريش، قال: إن هرقل أرسل إليه مع صحبه وسألهم عن النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: أيكم أقرب نسبا بهذا الرجل الذي يزعم أنه نبي؟ فقال أبو سفيان: قلت: انا أقربهم نسبا، فلما سأله هرقل قال أبو سفيان: فوالله لولا الحياء من أن يأثروا علي كذبا لكذبت عنه. وفي آخر الحديث أن هرقل أُتي برجل أرسل به ملك غسان يخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما استخبره هرقل قال: اذهبوا فانظروا أمختتن هو أم لا، فنظروا إليه فحدثوه أنه مُختتن، وسأله عن العرب، فقال: هم يختتنون، فقال هرقل: هذا ملك هذه الأمة قد ظهر، ثم كتب هرقل إلى صاحب له برومية، وكان نظيره في العلم، وسار هرقل إلى حمص، فلم يَرِم حمص حتى أتاه كتاب من صاحبه يوافق رأي هرقل على خروج النبي صلى الله عليه وسلم، وأنه نبي، فأذن هرقل لعظماء الروم في دسكرة له بحمص، ثم أمر بأبوابها فغلقت، ثم اطلع فقال: يا معشر الروم، هل لكم في الفلاح والرشد وأن يثبت مُلككم فتبايعوا هذا النبي؟ فحاصوا حيصة حُمُر الوحش إلى الأبواب فوجدوها قد غلقت، فلما رأى هرقل نفرتهم وأيس من الإيمان قال: ردوهم علي، وقال: إني قلت مقالتي آنفا أختبر بها شدتكم على دينكم، فقد رأيت، فسجدوا له، ورضوا عنه، فكان ذلك آخر شأن هرقل. اهـ..
٥ يستشهد المؤلف بهذا البيت على ان الحيص هو الحيد والروغان، قال في اللسان: "الحيص: الحيد عن الشيء، حاص عنه يحيص حيصا: رجع، ويقال: ما عنه ىمحيص، أي محيد ومهرب"، والدليل: المرشد، والجُنُوح: الميل، والاتساق: الانتظام والاستواء. يقول الشاعر: إذا حاد الدليل عن الطريق فإن ناقته تميل بحسها وخبرتها إلى الطريق الصحيح فتمضي فيه على اتساق..

### الآية 50:37

> ﻿إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَذِكْرَىٰ لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ [50:37]

وقوله تعالى : إن في ذلك  يعني إهلاك من مضى، والذكرى : التذكرة، والقلب : عبارة عن العقل إذ هو محله. والمعنى : لمن كان له قلب  واع ينتفع به. وقال الشبلي معناه : قلب حاضر مع الله لا يغفل عنه طرفة عين. 
وقوله تعالى : أو ألقى السمع وهو شهيد  معناه : صرف سمعه إلى هذه الأنباء الواعظة وأثبته في سماعها، فذلك إلقاء له عليها، ومنه قوله تعالى : وألقيت عليك محبة مني [(١)](#foonote-١) \[ طه : ٣٩ \] أي أثبتها عليك، وقال بعض الناس قوله تعالى : ألقى السمع ، وقوله : فضربنا على آذانهم [(٢)](#foonote-٢) \[ الكهف : ١١ \] وقوله : سقط في أيديهم [(٣)](#foonote-٣) \[ الأعراف : ١٤٩ \] هي كلها مما قل استعمالها الآن وبعدت معانيها. 
قال القاضي أبو محمد : وقول هذا القائل ضعيف، بل هي بينة المعاني، وقد تقدمت في موضعها. 
وقوله تعالى : وهو شهيد  قال بعض المتأولين : معناه : وهو مشاهد مقبل على الأمر غير معرض ولا منكر في غير ما يسمع. وقال قتادة : هي إشارة إلى أهل الكتاب، فكأنه قال : إن هذه العبرة التذكرة لمن له فهم فيتدبر الأمر أو لمن سمعها من أهل الكتاب فيشهد بصحتها لعلمه بها من كتابه التوراة وسائر كتب بني إسرائيل : ف  شهيد  على التأويل الأول من المشاهدة، وعلى التأويل الثاني من الشهادة. 
وقرأ السدي : أو ألقى السمع [(٤)](#foonote-٤) قال ابن جني ألقى السمع منه حكى أبو عمرو الداني أن قراءة السدي ذكرت لعاصم فمقت السدي وقال : أليس الله يقول : يلقون السمع [(٥)](#foonote-٥) \[ الشعراء : ٢٢٣ \].

١ من الآية (٣٩) من سورة (طه)..
٢ من الآية (١١) من سورة (الكهف)..
٣ من الآية (١٤٩) من سورة (الأعراف)..
٤ جاءت القراءة في الأصول بدون ضبط، وقد ضبطها ابن جني في المحتسب، وأبو حيان في البحر، وهي بضم الهمزة وكسر القاف من \[ألقي\] وبرفع العين من \[السمع\]، فالفعل مبني للمفعول، و\[السمع\] نائب فاعل. قال أبو الفتح:"أي: أُلقي منه، وهذا كأنه أندى معنى إلى النفس من القراءة العامة، وذلك أن قوله تعالى:أو ألقى السمع وهو شهيد معناه: ألقى سمعه نحو كتاب الله تعالى، وهو شهيد، أي: قلبه حاضر معه، ليس غرضه أن يصغي كما أُمر بالاصغاء نحو القرآن، ولا يجعل قلبه إليه، إلا أن ظاهر الأمر وأكثره أنه إذا ألقى سمعه أيضا نحوه معه، وهذه القراءة المنفردة كأنها أشد تشابه لفظ؛ لأن ظاهرها أن قلبه أُلقي إليه، وليس في اللفظ أنه هو ألقاه، فاتصل بعض ببعض، فكأنه ألقي إليه سمعه وقلبه، حتى كأن مُلقيا غيره ألقى سمعه إلى القرآن، وليس عجبا أن يقال: عن قلبه عند ذلك معه، لأنه إذا كان هو الذي ألقاه نحوه فالعرف أن يكون قلبه معه، وهو شاهد لا غائب"، قارن هذا بما ذكر عن عاصم..
٥ من الآية(٢٢٣) من سورة (الشعراء)..

### الآية 50:38

> ﻿وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ [50:38]

وقوله تعالى : ولقد خلقنا السماوات والأرض  الآية خبر مضمنه الرد على اليهود الذين قالوا إن الله خلق الأشياء كلها في ستة أيام ثم استراح يوم السبت فنزلت : وما مسنا من لغوب  واللغوب : الإعياء والنصب والسأم، يقال لغب الرجل يلغب إذا أعيى[(١)](#foonote-١). 
وقرأ السلمي وطلحة :**«لَغوب »** بفتح اللام. وتظاهرت الأحاديث بأن خلق الأشياء كان يوم الأحد وفي كتاب مسلم وفي الدلائل لثابت حديث مضمنه : أن ذلك كان يوم السبت وعلى كل قول فأجمعوا على أن آدم خلق يوم الجمعة. فمن قال إن البداءة يوم السبت جعل خلق آدم كخلق بنيه لا يعد مع الجملة الأولى وجعل اليوم الذي كملت المخلوقات عنده يوم الجمعة.

١ في اللسان: لغب يلغب-بفتح الغين في الماضي وضمها في المضارع، ولغب-بكسر الغين- لغة ضعيفة..

### الآية 50:39

> ﻿فَاصْبِرْ عَلَىٰ مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ [50:39]

وقوله تعالى : فاصبر على ما يقولون  قال بعض المفسرين : أراد أهل الكتاب لقولهم، ثم استراح يوم السبت. 
قال القاضي أبو محمد : وهذه المقالات من أهل الكتاب كانت بمكة قبل الهجرة. 
وقال النظار من المفسرين قوله تعالى : فاصبر على ما يقولون  يراد به أهل الكتاب وغيرهم من الكفرة، وعم بذلك جميع الأقوال الزائغة من قريش وغيرهم، وعلى هذا التأويل يجيء قول من قال : الآية منسوخة بآية السيف.  وسبح  معناه : صل بإجماع من المتأولين وقوله : بحمد ربك  الباء للاقتران أي سبح سبحة[(١)](#foonote-١) يكون معها حمد ومثله  تنبت بالدهن [(٢)](#foonote-٢) على بعض الأقوال فيها و : قبل طلوع الشمس  هي الصبح  وقبل الغروب  هي العصر قاله قتادة وابن زيد والناس، وقال ابن عباس : قبل الغروب  هي العصر والظهر.

١ في اللسان:"السبحة: الدعاء، وصلاة التطوع والنافلة، يقال: فرغ من سُبحته، أي من صلاته النافلة، قال ابن الأثير: وإنما خُصّت النافلة بالسبحة وإن شاركتها الفريضة في معنى التسبيح لأن التسبيحات في الفرائض نوافل، فقيل لصلاة النافلة سُبحة"..
٢ من الآية(٢) من سورة(المؤمنون)..

### الآية 50:40

> ﻿وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَأَدْبَارَ السُّجُودِ [50:40]

ومن الليل  هي صلاة العشاءين وقال ابن زيد هي العشاء فقط. 
وقال مجاهد : هي صلاة الليل وقوله : وإدبار السجود  قال عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب رضي الله عنهما وأبو هريرة والحسن والشعبي وإبراهيم، ومجاهد والأوزاعي : هي الركعتان بعد المغرب وأسنده الطبري عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم[(١)](#foonote-١) كأنه روعي إدبار صلاة النهار كما روعي إدبار النجوم في صلاة الليل، فقيل هي الركعتان مع الفجر. وروي عن ابن عباس أن  إدبار السجود  : الوتر، حكاه الثعلبي وقال ابن زيد وابن عباس ايضاً ومجاهد : هي النوافل إثر الصلوات وهذا جار مع لفظ الآية، وقال بعض العلماء العارفين : هي صلاة الليل، قال الثعلب : وقال بعض العلماء في قوله : قبل طلوع الشمس  هي ركعتا الفجر  وقبل الغروب  الركعتان قبل المغرب وقال بعض التابعين : رأيت أصحاب محمد يهبون إليها كما يهبون إلى المكتوبة، وقال قتادة : ما أدركت أحداً يصلي الركعتين قبل المغرب إلا أنساً وأبا برزة. 
وقرأ ابن كثير ونافع وحمزة وابن عباس وأبو جعفر وشيبة وعيسى وشبل وطلحة والأعمش **«وإدبار »** بكسر الألف وهي مصدر أضيف إليه وقت، ثم حذف الوقت، كما قالوا : جئتك مقدم الحاج وخفوق النجم ونحوه، وقرأ الباقون والحسن والأعرج، **«وأدبار »** بفتح الهمزة وهو جمع دبر كطنب وأطناب، أي وفي **«أدبار السجود »** أي في أعقابه وقال أوس بن حجر :\[ الطويل \]
على دبر الشهر الحرام بأرضنا. . . وما حولها جدب سنون تلمع[(٢)](#foonote-٢)
١ قال الطبري: حدثنا أبو كريب، قال: ثنا أبو فضيل، عن رشيد بن كريب، عن أبيه، عن ابن عباس، قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم:(يا ابن عباس، ركعتان بعد المغرب أدبار السجود)..
٢ لم أجد هذا البيت في الديوان (دار صادر-تحقيق د. محمد يوسف نجم)، ودبر الشهر: آخره، يقال: جئتك دُبُر الشهر وفي دُبُره، والجمع من كل ذلك أدبار. وأرض جدب وجدبة بمعنى مجدبة، والجمع جدوب، وسنت الأرض فهي مسنونة وسنين إذا أُكل نباتها، ويقال: هذه بلاد سَنين أي جدبة، (راجع اللسان) فقد ذكر ذلك، واستشهد عليه بقول الطرماح:
 بمنخرق تحن الريح فيه حنين الجُلب في البلد السنين 
 يعني: في البلد المحل..

### الآية 50:41

> ﻿وَاسْتَمِعْ يَوْمَ يُنَادِ الْمُنَادِ مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ [50:41]

قوله تعالى : واستمع  بمنزلة، وانتظر، وذلك أن محمداً صلى الله عليه وسلم لم يؤمر بأن يستمع في يوم النداء، لأن كل من فيه يستمع وإنما الآية في معنى الوعيد للكفار، وقيل لمحمد تحسس وتسمع هذا اليوم وارتقبه، وهذا كما تقول لمن تعده بورود فتح استمع كذا وكذا، أي كن منتظراً له مستمعاً، وعلى هذا فنصب  يوم  إنما هو على المفعول الصريح. 
وقرأ ابن كثير :**«المنادي »** بالياء في الوصل والوقف على الأصل الذي هو ثبوتها، إذ الكلام غير تام وإنما الحذف ابداً في الفواصل، والكلام التام تشبيهاً بالفواصل. وقرأ أبو عمرو ونافع، بالوقف بغير ياء لأن الوقف موضع تغيير، ألا ترى أنها تبدل من التاء فيه الهاء في نحو طلحة وحمزة، ويبدل من التنوين الألف ويضعف فيه الحرف كقولك هذا فرج، ويحذف فيه الحرف في القوافي، وقرأ الباقون وطلحة والأعمش وعيسى بحذف الياء في الوصل والوقف جميعاً وذلك اتباع لخط المصحف، وأيضاً فإن الياء تحذف مع التنوين فوجب أن تحذف مع معاقب التنوين وهي الألف واللام. 
وقوله تعالى : من مكان قريب  قيل وصفه بالقرب من حيث يسمع جميع الخلق. وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم :**«أن ملكاً ينادي من السماء : أيتها الأجسام الهامدة والعظام البالية والرمم الذاهبة، هلم إلى الحساب والوقوف بين يدي الله تعالى »**[(١)](#foonote-١). وقال كعب الأحبار وقتادة وغيرهما : المكان صخرة بيت المقدس واختلفوا في معنى صفته بالقرب فقال قوم : وصفها بذلك لقربها من النبي صلى الله عليه وسلم أي من مكة. وقال كعب الأحبار : وصفه بالقرب من السماء، وروي أنها أقرب الأرض إلى السماء بثمانية عشر ميلاً، وهذا الخبر إن كان بوحي، وألا سبيل للوقوف على صحته.

١ أخرجه ابن عساكر، والواسطي في (فضائل بيت المقدس)، عن يزيد بن جابر، في قوله تعالى:واستمع يوم ينادي المنادي، وفيه أن الملك هو إسرافيل، وأخرج مثله ابن جرير عن كعب.(الدر المنثور)..

### الآية 50:42

> ﻿يَوْمَ يَسْمَعُونَ الصَّيْحَةَ بِالْحَقِّ ۚ ذَٰلِكَ يَوْمُ الْخُرُوجِ [50:42]

و : الصيحة  هي صيحة المنادي و : الخروج  هو من القبور، و :**«يومه »** هو يوم القيامة، و  يوم الخروج  في الدنيا هو يوم العيد قال حسان بن ثابت :\[ الكامل \]
ولأنت أحسن إذ برزت لنا. . . يوم الخروج بساحة القصر
من درة أغلى الملوك بها. . . مما تربَّب حائر البحر[(١)](#foonote-١)

١ هذان البيتان من قصيدة قالها حسان ومطلعها:
 حي النضيرة ربة الخِدر أسرت إليك ولم تكن تسري
 وهما في الديوان، وفي اللسان-حير-والرواية فيه"بساحة العقر"، ورُوي البيت الثاني "من درة أغلى الملوك بها"، والحائر: المكان المطمئن يجتمع فيه الماء فيتحير لا يخرج منه، وهو يريد الدرة التي تتربى في الصدف في قاع البحر. والشاهد أن"يوم الخروج" هو يوم العيد، يشبه حسان هذه المرأة بالدرة التي يعتز بها ملك وقد نمت وتكونت في أعماق البحر..

### الآية 50:43

> ﻿إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَإِلَيْنَا الْمَصِيرُ [50:43]

وأسنده الطبري عن ابن عباس عن النبي ﷺ كأنه روعي إدبار صلاة النهار كما روعي إدبار النجوم في صلاة الليل، فقيل هي الركعتان مع الفجر. وروي عن ابن عباس أن أَدْبارَ السُّجُودِ: الوتر، حكاه الثعلبي وقال ابن زيد وابن عباس أيضا ومجاهد: هي النوافل إثر الصلوات وهذا جار مع لفظ الآية، وقال بعض العلماء العارفين: هي صلاة الليل، قال الثعلبي: وقال بعض العلماء في قوله: قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ هي ركعتا الفجر وَقَبْلَ الْغُرُوبِ الركعتان قبل المغرب وقال بعض التابعين: رأيت أصحاب محمد يهبون إليها كما يهبون إلى المكتوبة، وقال قتادة: ما أدركت أحدا يصلي الركعتين قبل المغرب إلا أنسا وأبا برزة.
 وقرأ ابن كثير ونافع وحمزة وابن عباس وأبو جعفر وشيبة وعيسى وشبل وطلحة والأعمش **«وإدبار»** بكسر الألف وهي مصدر أضيف إليه وقت، ثم حذف الوقت، كما قالوا: جئتك مقدم الحاج وخفوق النجم ونحوه، وقرأ الباقون والحسن والأعرج، **«وأدبار»** بفتح الهمزة وهو جمع دبر كطنب وأطناب، أي وفي **«أدبار السجود»** أي في أعقابه وقال أوس بن حجر: \[الطويل\]

على دبر الشهر الحرام بأرضنا  وما حولها جدب سنون تلمع **قوله عز وجل:**
 \[سورة ق (٥٠) : الآيات ٤١ الى ٤٥\]
 وَاسْتَمِعْ يَوْمَ يُنادِ الْمُنادِ مِنْ مَكانٍ قَرِيبٍ (٤١) يَوْمَ يَسْمَعُونَ الصَّيْحَةَ بِالْحَقِّ ذلِكَ يَوْمُ الْخُرُوجِ (٤٢) إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَإِلَيْنَا الْمَصِيرُ (٤٣) يَوْمَ تَشَقَّقُ الْأَرْضُ عَنْهُمْ سِراعاً ذلِكَ حَشْرٌ عَلَيْنا يَسِيرٌ (٤٤) نَحْنُ أَعْلَمُ بِما يَقُولُونَ وَما أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخافُ وَعِيدِ (٤٥)
 قوله تعالى: وَاسْتَمِعْ بمنزلة، وانتظر، وذلك أن محمدا ﷺ لم يؤمر بأن يستمع في يوم النداء، لأن كل من فيه يستمع وإنما الآية في معنى الوعيد للكفار، وقيل لمحمد تحسس وتسمع هذا اليوم وارتقبه، وهذا كما تقول لمن تعده بورود فتح استمع كذا وكذا، أي كن منتظرا له مستمعا، وعلى هذا فنصب يَوْمَ إنما هو على المفعول الصريح.
 وقرأ ابن كثير: **«المنادي»** بالياء في الوصل والوقف على الأصل الذي هو ثبوتها، إذا الكلام غير تام وإنما الحذف أبدا في الفواصل، والكلام التام تشبيها بالفواصل. وقرأ أبو عمرو ونافع، بالوقف بغير ياء لأن الوقف موضع تغيير، ألا ترى أنها تبدل من التاء فيه الهاء في نحو طلحة وحمزة، ويبدل من التنوين الألف ويضعف فيه الحرف كقولك هذا فرج، ويحذف فيه الحرف في القوافي، وقرأ الباقون وطلحة والأعمش وعيسى بحذف الياء في الوصل والوقف جميعا وذلك اتباع لخط المصحف، وأيضا فإن الياء تحذف مع التنوين فوجب أن تحذف مع معاقب التنوين وهي الألف واللام.
 وقوله تعالى: مِنْ مَكانٍ قَرِيبٍ قيل وصفه بالقرب من حيث يسمع جميع الخلق. وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم: **«أن ملكا ينادي من السماء: أيتها الأجسام الهامدة والعظام البالية والرمم الذاهبة، هلم إلى الحساب الوقوف بين يدي الله»**. وقال كعب الأحبار وقتادة وغيرهما: المكان صخرة بيت المقدس

واختلفوا في معنى صفته بالقرب فقال قوم: وصفها بذلك لقربها من النبي ﷺ أي من مكة. وقال كعب الأحبار: وصفه بالقرب من السماء، وروي أنها أقرب الأرض إلى السماء بثمانية عشر ميلا، وهذا الخبر إن كان بوحي، وألا سبيل للوقوف على صحته. و: الصَّيْحَةَ هي صيحة المنادي و: الْخُرُوجِ هو من القبور، و: **«يومه»** هو يوم القيامة، ويَوْمُ الْخُرُوجِ في الدنيا هو يوم العيد قال حسان بن ثابت: \[الكامل\]

ولأنت أحسن إذ برزت لنا  يوم الخروج بساحة القصرمن درة أغلى الملوك بها  مما تربّب حائر البحر وقوله تعالى: يَوْمَ تَشَقَّقُ العامل في يَوْمَ، الْمَصِيرُ. وقرأ ابن كثير ونافع وابن عامر:
 **«تشّقق»** بتشديد الشين. وقرأ الباقون: **«تشقق»** بتخفيف الشين و: سِراعاً حال قال بعض النحويين وهي من الضمير في قوله: عَنْهُمْ والعامل في الحال تَشَقَّقُ وقال بعضهم التقدير: يَوْمَ تَشَقَّقُ الْأَرْضُ عَنْهُمْ يخرجون سِراعاً فالحال من الضمير في: ****«يخرجون»****، والعامل ****«يخرجون»****.
 وقوله تعالى: ذلِكَ حَشْرٌ عَلَيْنا يَسِيرٌ كلام معادل لقول الكفرة: ذلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ \[ق: ٣\].
 وقوله تعالى: نَحْنُ أَعْلَمُ بِما يَقُولُونَ وعيد محض للكفرة. واختلف الناس في معنى قوله: وَما أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ. فقال قتادة: نهى الله عن التجبر وتقدم فيه، فمعناه: وما أنت عليهم بمتعظم من الجبروت.
 وقال الطبري وغيره معناه: وما أنت عليهم بمسلط تجبرهم على الإيمان، ويقال جبرته على كذا، أي قسرته ف **«جبار»** بناء مبالغة من جبر وأنشد المفضل: \[الوافر\]عصينا عزمة الجبار حتى  صحبنا الخوف إلفا معلمينا قال: أراد ب **«الجبار»** النعمان بن المنذر لولايته، ويحتمل أن نصب عزمة على المصدر وأراد عصينا مقدمين عزمة جبار، فمدح نفسه وقومه بالعتو والاستعلاء أخلاق الجاهلية والحياة الدنيا، وروى ابن عباس أن المؤمنين قالوا: يا رسول الله لو خوفتنا، فنزلت: فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخافُ وَعِيدِ.
 قال القاضي أبو محمد: ولو لم يكن هذا سببا فإنه لما أعلمه أنه ليس بمسلط على جبرهم، أمره بالاقتصار على تذكير الخائفين من الناس.

### الآية 50:44

> ﻿يَوْمَ تَشَقَّقُ الْأَرْضُ عَنْهُمْ سِرَاعًا ۚ ذَٰلِكَ حَشْرٌ عَلَيْنَا يَسِيرٌ [50:44]

وقوله تعالى : يوم تشقق  العامل في  يوم ،  المصير . وقرأ ابن كثير ونافع وابن عامر :**«تشّقق »** بتشديد الشين. وقرأ الباقون :**«تشقق »** بتخفيف الشين و : سراعاً  حال قال بعض النحويين وهي من الضمير في قوله : عنهم  والعامل في الحال  تشقق  وقال بعضهم التقدير : يوم تشقق الأرض عنهم  يخرجون  سراعاً  فالحال من الضمير في :****«يخرجون »****، والعامل ****«يخرجون »****. 
وقوله تعالى : ذلك حشر علينا يسير  كلام معادل لقول الكفرة : ذلك رجع بعيد [(١)](#foonote-١) \[ ق : ٣ \].

١ من الآية(٣) من هذه السورة (ق)..

### الآية 50:45

> ﻿نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ ۖ وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ ۖ فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخَافُ وَعِيدِ [50:45]

وقوله تعالى : نحن أعلم بما يقولون  وعيد محض للكفرة. 
واختلف الناس في معنى قوله : وما أنت عليهم بجبار . فقال قتادة : نهى الله عن التجبر وتقدم فيه، فمعناه : وما أنت عليهم بمتعظم من الجبروت. وقال الطبري وغيره معناه : وما أنت عليهم بمسلط تجبرهم على الإيمان، ويقال جبرته على كذا، أي قسرته ف **«جبار »** بناء مبالغة من جبر وأنشد المفضل :\[ الوافر \]
عصينا عزمة الجبار حتى. . . صحبنا الخوف إلفاً معلمينا[(١)](#foonote-١)
قال : أراد ب **«الجبار »** النعمان بن المنذر لولايته، ويحتمل أن نصب عزمة على المصدر وأراد عصينا مقدمين عزمة جبار، فمدح نفسه وقومه بالعتو والاستعلاء أخلاق الجاهلية والحياة الدنيا، وروى ابن عباس أن المؤمنين قالوا : يا رسول الله لو خوفتنا، فنزلت : فذكر بالقرآن من يخاف وعيد . 
قال القاضي أبو محمد : ولو لم يكن هذا سبباً فإنه لما أعلمه أنه ليس بمسلط على جبرهم، أمره بالاقتصار على تذكير الخائفين من الناس.

١ هذا البيت من شواهد الفراء في (معاني القرآن)، ذكره مع بيت آخر فقال: "لست عليهم بمسلط، جعل الجبار في موضع السلطان من الجبرية، وانشدني المُفضل:
 ويوم الحزن إذ حشدت معد وكان الناس إلا نحن دينا
 عصينا عزمة الجبار حتى صحبنا الخوف إلفا معلمينا
 وقد استشهد صاحب اللسان بالشطر الثاني من البيت الأول على أن(دين) بمعنى (دائن)، قال:"قوم دين أي دائنون" قال: وذكر النصف الثاني من البيت.
 وروي الشطر الثاني من البيت الثاني في (معاني القرآن):"صبحنا الجوف إلفا معلمينا"، ثم ذكر أن المراد بالجبار هو النعمان بن المنذر لأنه كان واليا عليهم. والإلف: المألوف الذي اعتاده الناس..

## روابط ذات صلة

- [النص القرآني للسورة](https://quranpedia.net/surah/1/50.md)
- [كل تفاسير سورة ق
](https://quranpedia.net/surah-tafsir/50.md)
- [ترجمات سورة ق
](https://quranpedia.net/translations/50.md)
- [صفحة الكتاب: المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز](https://quranpedia.net/book/350.md)
- [المؤلف: ابن عطية](https://quranpedia.net/person/4644.md)

---

زُر [Quranpedia.net](https://quranpedia.net/surah/1/50/book/350) — موسوعة القرآن الكريم: التفاسير، الترجمات، التلاوات، والمواضيع.
