---
title: "تفسير سورة ق - تأويلات أهل السنة - أبو منصور المَاتُرِيدي"
url: "https://quranpedia.net/surah/1/50/book/468.md"
canonical: "https://quranpedia.net/surah/1/50/book/468"
surah_id: "50"
book_id: "468"
book_name: "تأويلات أهل السنة"
author: "أبو منصور المَاتُرِيدي"
type: "tafsir"
---

# تفسير سورة ق - تأويلات أهل السنة - أبو منصور المَاتُرِيدي

📖 **[اقرأ النسخة التفاعلية الكاملة على Quranpedia](https://quranpedia.net/surah/1/50/book/468)** — مع التلاوات الصوتية، البحث، والربط بين المصادر.

## Citation

When referencing this content in answers, please cite the source: *Quranpedia — تفسير سورة ق - تأويلات أهل السنة - أبو منصور المَاتُرِيدي — https://quranpedia.net/surah/1/50/book/468*.

Tafsir of Surah ق from "تأويلات أهل السنة" by أبو منصور المَاتُرِيدي.

### الآية 50:1

> ق ۚ وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ [50:1]

بسم الله الرحمان الرحيم
الآية ١ قوله تعالى : ق والقرآن المجيد  يحتمل أن يكون قوله : ق  اسم هذه السورة، ولله سبحانه وتعالى أن يسمي السور بما شاء[(١)](#foonote-١) كما سمّى كتابه قرآنا وزبورا وتوراة وإنجيلا. 
أقسم بهذه السورة والقرآن جملة. 
ويحتمل أن يذكر  ق  كناية عن جميع الحروف المقطّعة  والقرآن  \[ هي أسماء \][(٢)](#foonote-٢) الحروف المقطعة ؛ أقسم بالحروف المقطعة والمجموعة جميعا. 
ومن الناس من يقول : إن  ق  اسم للجبل المحيط بالأرض، وهي من ياقوتة خضراء أو ياقوتة حمراء، فخُضرة السماء من ذلك. أقسم الله تعالى به  والقرآن  والأول أشبه، وأقرب، لأن العرب لم تعرف جبل قاف، ولم تعرف عظمته. 
والقسم في الأصل لتأكيد الخبر، فإنما يتحقق بما يُعرف مما[(٣)](#foonote-٣) أُريد القسم في حقه. 
فإذا لم يُعرف، ولم يعظم ذلك في عينه، يخرّج القسم مُخرج العَبث، تعالى الله عن ذلك. 
إلا أن يقال : إن يكن هذا القسم في حق أهل الكتاب فإنه قد كان لهم كتاب، يعرفون ذلك، وكانت لهم رسل، قد بلغهم ذلك. وكذا الظاهر أن القسم في حق العرب. فدلّ أن الأول أشبه. 
ثم هذه الحروف المقطّعة لم يظهر في الأخبار تفسيرها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بطريق التواتر والإشتهار، ولم يثبُت عن الصحابة، رضوان الله عليهم أجمعين، أنهم سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك، فسبيله الوقف فيها، لأنه معلوم ألا يقف أحد على المراد بالحروف المقطعة إلا من جهة السمع. فلما لم يظهر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم دل أنهم تركوا ذلك، وإنما تركوا لوجوه. 
إما لأن هذه الحروف المقطعة كانت بيان أحكام في نوازل عرفوها، وتركوا سؤالها، لما عرفوا تلك الأحكام والنوازل. 
وإما أن تركوا ذلك من السرائر التي يُطلع الله تعالى الخلق على ذلك، وهو المتشابه الذي يجب الإيمان به، ولا يطلب له تفسير، وكان ذلك مما اختص الرسول صلى الله عليه وسلم بمعرفته لقوله تعالى : إلا من ارتضى من رسول  \[ الجن : ٢٧ \] فلم يسألوا منه بيان ذلك. 
وإما أن كان عندهم أسماء السور لتعريف السور، وأسماء الأعلام لا تُطلب فيها المعاني، لذلك لم يسألوا معانيها، ولم يرد التعليم من النبي صلى الله عليه وسلم. 
كما أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم تركوا سؤال التفسير للآيات :
إما لأن في وُسعهم الوصول إلى معرفة ما تضمنتها الآيات، وعرفوا المراد منها باللسان، وعرفوا مواقع النوازل، ففهموا المراد، فلم يحتاجوا إلى السؤال. 
وإما أن تركوا لما أنها تضمنت أحكاما، عرفوها، وتركوا السؤال. 
فعلى ذلك هذا، والله أعلم. 
ثم ذكر القسم، ولم يبين موضع \[ جواب \][(٤)](#foonote-٤) القسم واختُلف فيه :
قال بعضهم : موضع \[ جواب \][(٥)](#foonote-٥) القسم في آخر السورة : ولقد خلقنا الإنسان ونعلم ما توسوس به نفسه  الآية \[ ١٦ \]. 
وقال بعضهم :\[ في \][(٦)](#foonote-٦) قوله : ولقد خلقنا السماوات والأرض  الآية \[ ٣٨ \]. 
وقال بعضهم : موضع \[ جواب \][(٧)](#foonote-٧) القسم قوله تعالى : فهم في أمر مريج  \[ الآية : ٥ \] أقسم بقوله : ق والقرآن المجيد  بأن الكفرة في أمر مريج. 
ويحتمل أن يكون موضع \[ جواب \][(٨)](#foonote-٨) القسم هو ما \[ قال \][(٩)](#foonote-٩)  بل عجِبوا أن جاءهم مُنذر منهم فقال الكافرون هذا شيء عجيب   أإذا متنا وكنا ترابا ذلك رجعٌ بعيد  \[ الآيتان : ٢ و٣ \] ذكر ههنا عجبهم من شيئين :
أحدهما : ما ذكر : أن جاءهم منذر منهم  أي من البشر  فقال الكافرون هذا شيء عجيب  وهو كقولهم : أبعث الله بشرا رسولا  \[ الإسراء : ٩٤ \] وقولهم : ما أنت إلا بشر مثلنا  \[ الشعراء : ١٥٤ \] لا يزالون ينكرون الرسالة في البشر. 
والثاني : من الإحياء بعد الموت لقولهم : أإذا متنا وكنا ترابا ذلك رجع بعيد  \[ الآية : ٣ \] وقد ذكر في غير آية[(١٠)](#foonote-١٠) من القرآن عجبهم وإنكارهم البعث بعد الموت. 
فجائز أن يكون موضع \[ جواب \][(١١)](#foonote-١١) القسم ما عجبوا، أو أنكروا \[ أن يكون من \][(١٢)](#foonote-١٢) البشر رسول، أو يحيوا[(١٣)](#foonote-١٣) بعد الموت أقسم بما ذكر من قوله عز وجل : ق والقرآن المجيد  أنه يكون ذلك ردًّا لإنكارهم وتعجّبهم، والله أعلم. 
ثم إنكار الكفرة وعجبهم أن كيف بُعث من البشر رسول ؟ أو كيف لا اختار بعث الرسل ممن عنده، وهم الملائكة ؟ وأبدا إنما يُبعث الرسل ممن كان عند المُرسِل، لا ممن كان \[ هو مبعوثا \][(١٤)](#foonote-١٤) إليهم في الشاهد، لا معنى، ولا ينبغي لهم أن ينكروا بعث الرسول ممن هو عند المبعوث إليهم، وأن يعجبوا من ذلك، لأن بعث الرسول من جنس المُرسَل إليهم والمبعوث إليهم في معرفة صدقه وحقيقة دعواه أقرب من أن يكون من خلاف جنسهم، لأنهم إنما يعرفون رسالته بآيات ودلالات، يقيمها على رسالته بحيث يخرج عن وُسعهم إقامتها، ولا يعرفون صدق تلك الآيات وحقيقتها، إذا كانت تلك من غير جنسهم بما لعل أن ما أتاهم به، وزعم أنها آيات، ليست بآيات، لما في وسعه إتيان مثلها، وليس في وسعهم ذلك لما أن القِوى تختلف عند اختلاف الجنس. 
فدلّ أن بعث /٥٢٥-أ/ الرسول من جنس المرسَل إليهم أحق وأقرب إلى معرفة صدق الآيات والمعجزات، والله الموفّق. ولأن كل ذي نوع من نوعه وكل ذي شكل من شكله أميل، وبه[(١٥)](#foonote-١٥) آنس من خلاف جنسه ونوعه، فكان الغرض[(١٦)](#foonote-١٦)، وهو التأليف والاجتماع، في هذا أقرب إلى الحصول، والله أعلم. 
ثم قولهم : هلاّ بعث إلينا الرسل ممن هو عنده فاسد، لأن الخلائق جميعا من حيث العند لله تعالى واحد، لا يوصف أحد من الخلائق أنه عنده إلا من حيث القرب به بالطاعة له والائتمار بأمره وترك الخلاف له. فأما على ما يوصف المخلوق عند مخلوق فلا ؛ إذ ذاك وصف المتمكّن في المكان. تعالى الله عن ذلك علُوًّا كبيرا. 
فإن كان المراد من عنده من حيث القُرب به بالطاعة والقيام بأمره مما يُثبت أهليّة الرسالة وصلاحها فذلك مما لا يوجب الفضل بين البشر والملائكة، بل من جهة البشر أحق لما هم يفعلون عن غيب الدلائل اجمع دون العيان، والله أعلم بحُجّتهم : أنه لو أراد إخبارنا، كيف أماتنا ؟ ولا أحد في الشاهد يبني بناء، فيهدمه، ويبني مثله، فليس بشيء، لأنه لو لم يكن أماته، ثم أحياه، لكان الجزاء بالأعمال يكون بحضرة الأفعال، بذلك يوجب أن يكون إيمانهم إيمان اضطرار لا إيمان اختيار وإيثار، لأن من عاين أنه يدخل النار، ويعذَّب فيها أبد الآبدين، لا يعمل ذلك العمل الذي أوعد به، بل يتركه. وكذا من عاين أن من آمن بالله تعالى، وعمل طاعة وعبادة، يُدخَل الجنة، ويُكرَم أبد الآبدين، لا يعمل غير ذلك العمل. فترتفع المحنة، ويكون الإيمان بحق الاضطرار، فأخّر ذلك ليكون الإيمان بحق الاختيار، حتى يكون الإيمان بحق الاختيار حتى تكون له قيمة. 
ثم قوله تعالى : ق والقرآن المجيد  وصف القرآن مرة بأنه كريم ومرة بأنه حكيم ومرة بأنه مجيد. يحتمل أنما سمّاه بهذه الأسماء على معنى من تمسّك به يصر مجيدا ريما حكيما أي بمنزلة[(١٧)](#foonote-١٧) مجيد كريم حكيم، ويحتمل أن تكون هذه صفات القرآن راجعة إلى عينه كما يقال : كلام حكمة وكلام سَفَهٍ، وإنما يراد به عينه. فعلى هذا يحتمل، والله أعلم. 
قال أبو عوسجة : المجيد الماجد والتمجيد التعظيم، وأمجدت الدابة من العلف إذا أكثرت ذلك، وأمجد القوم إذا أكثروا من الطعام والشراب.

١ في الأصل وم: ذكر ق كناية..
٢ في الأصل وم: هو اسم..
٣ في الأصل وم: من..
٤ ساقطة من الأصل وم..
٥ ساقطة من الأصل وم..
٦ ساقطة من الأصل وم..
٧ ساقطة من الأصل وم..
٨ ساقطة من الأصل وم..
٩ ساقطة من الأصل وم..
١٠ في الأصل وم: آي..
١١ ساقطة من الأصل وم..
١٢ في الأصل وم: من أن يكون..
١٣ في الأصل وم: يحيون..
١٤ في الأصل: هذا مبعوث، في م: هو مبعوث..
١٥ الواو ساقطة من الأصل..
١٦ من م، في الأصل: العرش..
١٧ الباء ساقطة من الأصل وم..

### الآية 50:2

> ﻿بَلْ عَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ فَقَالَ الْكَافِرُونَ هَٰذَا شَيْءٌ عَجِيبٌ [50:2]

الآية ٢ وقوله تعالى : بل عجِبوا أن جاءهم منذر منهم فقال الكافرون هذا شيء عجيب  قد ذكرنا تأويله.

### الآية 50:3

> ﻿أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا ۖ ذَٰلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ [50:3]

الآية ٣ وقوله تعالى : أإذا متنا وكنا ترابا ذلك رجعٌ بعيد  أي لا يكون ؛ كنّوا بالبعيد عما لا يكون عندهم. 
كذلك قال القتبيّ، وقال أبو عوسجة : رجعٌ بعيد  أي ردّ ؛ يقال : رُجِع رجعا إذا رُدّ، ورَجع رجوعا إذا انصرف.

### الآية 50:4

> ﻿قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنْقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ ۖ وَعِنْدَنَا كِتَابٌ حَفِيظٌ [50:4]

الآية ٤ وقوله تعالى : قد علمنا ما تنقص الأرض منهم  ظاهر هذا أن يكون هذا قول أولئك الكفرة ؛ قالوا ذلك على سبيل الاحتجاج لما أنكروا من البعث، أي قد علمنا ما تنقص الأرض من لحومنا، وتأكل من أنفسنا، فأنّى يُحيِي بعد ذلك، وهو كقولهم : من يُحي العظام وهي رميم  \[ يس : ٧٨ \] ونحوه. 
لكن أهل التأويل بأجمعهم صرفوا هذا القول إلى الله تعالى أنه قال ذلك جوابا لقولهم : أإذا متنا وكنا ترابا ذلك رجعٌ بعيد  فقال : قد علمنا ما تنقص الأرض منهم  أي عن علم منا بما أكل منكم، وينقصُ، قلنا : إنكم تُبعثون، وتُحيوَن، على علم منا، بذلك أخبركم الرسل بالإحياء والبعث بعد الموت والله أعلم. 
وقوله تعالى : وعندنا كتاب حفيظ  أي عندنا كتاب يحفظ أحوالهم وأفعالهم وجميع ما يكون منهم. 
وقال بعضهم : أي مع علمي فيهم، هم عندا في كتاب حفيظ. 
وقال قتادة : ما أكلت الأرض منهم، وكانوا ترابا، ونحن عالمون، وهم مع علمنا في كتاب حفيظ، وهو مثل الأول.

### الآية 50:5

> ﻿بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ [50:5]

الآية ٥ وقوله تعالى : بل كذّبوا بالحق لما جاءهم  أي بالقرآن، يحتمل أي بمحمد[(١)](#foonote-١) صلى الله عليه وسلم وقد كذّبوا بهما معا. 
وقوله تعالى : فهُم في أمر مريج  قال القتبيّ وأبو عوسجة : في أمر مريج  أي مختلط ؛ يقال : مَرَج أمر الناس، ومَرَج الدين، وأصل المَرَج : أن يقلق الشيء، فلا يستقر، يقال : مرج الخاتم في يدي مرجا، إذا قلق للهُزال، أي تحرّك. وقيل : مضطرب، مختلف. 
وهكذا كان قولهم مختلفا مضطربا في القرآن والرسول جميعا : قالوا في الرسول صلى لله عليه وسلم أقوالا مضطربة مختلفة : مرة نسبوه إلى السحر، ومرة إلى الشّعر، ومرة إلى الجنون، ومرة إلى الافتراء على الله تعالى وإنه يتلقّاه من فلان، ونحو ذلك من أقوال مختلفة مضطربة في ما يدفع كل واحد من ذلك الآخر. 
وكذلك قالوا في القرآن : مرة إنه سحر، ومرة إنه شعر، وأنه من أساطير الأولين، وإنه مفترى، وإنه اختلاق، وكل ذلك مما يدفع بعضه بعضا. وهذا هو الاضطراب والاختلاف والاختلاط، والله أعلم. 
وقوله تعالى : في أمر مريج  أي ضلال.

١ الباء ساقطة من الأصل وم..

### الآية 50:6

> ﻿أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ [50:6]

الآية ٦ وقوله تعالى : أفلم ينظروا إلى السماء فوقهم كيف بنيناها وزيّناها وما لها من فروج  الآية ؛ يحتمل أن تكون هذه الآيات صلة ما ذكر من عجبهم من بعث الرسل من البشر والبعث بعد الموت بقوله : بل عجبوا أن جاءهم منذر منهم  كأنه يقول : أفلم ينظروا إلى السماء فوقهم كيف بنيناها  مرتفعة ملتصقة بعضها ببعض متّسقة بلا فروج ولا عماد مع صلابتها وكثافتها وغِلظها ؟ 
وألم ينظروا إلى الأرض كيف بسطناها، وألقينا فيها الجبال الرواسي أوتادا لئلا تميد بأهلها حتى عرفوا إن من قدر على رفع السماء بلا عمد مع ارتفاعها وغِلظها وصلابتها حتى \[ لا \][(١)](#foonote-١) ينتهي أحد إلى طرف من طرفها ولا علم نهايتها، وجعل منافع السماء متصلة بمنافع[(٢)](#foonote-٢) الأرض مع بعد ما بينهما قادر على الإحياء بعد الموت، وأنه لا يُعجزه شيء، وأن من فعل هذا لا يفعل عبثا باطلا، ولكن يفعله عن حكمة وتدبير ؟ 
ولو كان على ما قالوا أن لا بعث، ولا جزاء، كان خلق ذلك كله عبثا باطلا، ويكون فعل ذلك فعل سفه، لا فعل حكمة. 
فلما كان فعل ذلك كله على التدبير الذي ذكر وعلى الاتساق الذي جرى حُكمه أنشأ ذلك من غير تفاوت، دل أنه لم ينشئ الخلق من المكلّفين ليترُكهم سدى : لا يأمر، ولا ينهي، ولا يمتحن، فيكون \[ خلقهم \][(٣)](#foonote-٣) عبثا، بل ليمتحنهم بالأمر والنهي، ليكون فعله في العقلاء على نهج الحكمة كما في غيرهم من الخلائق. 
فإذا كان كذلك فلا بدّ من رسول يخبرهم، ويعلّمهم ما لا يقف عليه العقل من كيفية شكر المُنعم ومقداره ووقته ونحو ذلك ومؤكّد ذلك الأمر والنهي بالوعد والوعيد. 
ثم كان له وضع الرسالة في من شاء وفي أي جنس شاء لأنه حكيم عليم، لا يكون منه الخطأ في التدبير والجهل بالأصل والأوفق بالحكمة. فدلّ ذلك على إثبات الرسالة والبعث بعد الموت، والله أعلم. 
ثم قوله تعالى : أفلم ينظروا  يخرّج على وجهين :
أحدهما : أي انظروا إلى ما ذكر. والثاني : قد نظروا بأبصارهم، ولكم لم ينظروا نظر معتبر، ينظر بقلبه[(٤)](#foonote-٤)، والله أعلم. 
وقوله تعالى : وما لها من فُروج  قيل : من صدوع وشقوق، والواحد فرج، وهو الموضع /٥٢٥-ب/ بين الموضعين والفرجة \[ مثلّثة \][(٥)](#foonote-٥) من الفرج ؛ ومنه يقال : فرّجت عنه الغم، أي كشفت، وهو كقوله تعالى : فارجع البصر هل ترى من فطور  \[ الملك : ٣ \]. 
أخبر أنكم لم تروا في السماء شقوقا وفطورا، وفي الشاهد البناء، وإن عظُم، وأُحكِم، لا يخلو من نقصان وشقوق، ترد عليه، فإذا لم تروا ذلك فهلاّ دلّكم ذلك على أن خالقه قادر على الكمال، لا يُعجزه شيء ؟

١ من م، ساقطة من الأصل..
٢ الباء ساقطة من الأصل..
٣ ساقطة من الأصل وم..
٤ من نسخة الحرم المكي، في الأصل وم: القلب..
٥ في الأصل وم: بهما..

### الآية 50:7

> ﻿وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ [50:7]

الآية ٧ وقوله تعالى : والأرض مددناها وألقينا فيها ورواسي  قد ذكرنا في ما تقدّم. 
وقوله تعالى : وأنبتنا فيها من كل زوج بهيج  اسم الزوج يقع على الشكل والضدّ، وكل ذي شكل، هو ذو ضدّ، والبهيج ما يُبهِج به أهله ؛ فمعناه : أنبتنا من كل زوج ما يُبهج به أهله، وما يسرّون بذلك من ألوان النبات، وجواهرها. 
وقال القتبيّ : من كل زوج بهيج  ما يُبهج به أهله، أي من كل جنس حسن ؛ يقال : بهُج يبهج بهاجة[(١)](#foonote-١)، فهو بهيج، أي حسن، وأما من السرور فيقال[(٢)](#foonote-٢) : بهِج يبهج بهجا، أي مسرور.

١ في الأصل وم: بهجا..
٢ في الأصل وم: فقال..

### الآية 50:8

> ﻿تَبْصِرَةً وَذِكْرَىٰ لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ [50:8]

الآية ٨ وقوله تعالى : تبصرة وذكرى لكل عبد منيب  أي يُبصر ذلك كل عبد منيب، أي منفعة ذلك تكون لمن ذكر، وهو العبد المنيب إلى الله تعالى والمقبل على طاعته، فأما من اعتقد الخلاف له فلا.

### الآية 50:9

> ﻿وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكًا فَأَنْبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ [50:9]

الآية ٩ وقوله تعالى : ونزّلنا من السماء ماء مباركا  لأنه يستعمل في أمر الدين والدنيا، \[ ويطهّر به \][(١)](#foonote-١) كل شيء، ويزيّن، وبه حياة كل شيء ونماؤه. والمبارك كل خير يكون على النماء والزيادة في كل وقت، والله أعلم. 
وقوله تعالى : فأنبتنا به جنات وحَبّ الحصيد  يقول : أنبتنا بذلك الماء المبارك المُنزل من السماء جنات أي بساتين. والمكان الذي جُمع فيه كل أنواع الشجر سُمّي بستانا وجنة. 
وقوله تعالى : وحبّ الحصيد  أي أنبت ذلك الماء كل حبّ حصيد ؛ فدخل قوله تعالى : وحبّ الحصيد  أنواع الشجر والغرس والنبات. 
ثم قوله تعالى : وحبّ الحصيد  والحصيد، هو الحبُّ نفسه. لكن أضاف الحبّ إلى الحصيد. ويجوز مثل هذا كما يقال. صلاة الأولى ومسجد الجامع، وقال بعضهم : هما متغايران[(٢)](#foonote-٢) : الحبّ ما يخرُج منه \[ النبات \][(٣)](#foonote-٣) والحصيد ما يُحصد من القصب الذي يصير نبتا، لأن الحبّ، لا يُحصَد، وإنما يُحصد الساق منه. لذلك أضاف الحبّ إلى الحصيد، وهو ثمره[(٤)](#foonote-٤)، وقوامه به. لذلك أضاف إليه كما يقال : ثمر الشجرة ونحو ذلك.

١ من م، في الأصل: ويطهره..
٢ في الأصل وم: غيران..
٣ ساقطة من الأصل وم..
٤ في الأصل وم: شجره..

### الآية 50:10

> ﻿وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَهَا طَلْعٌ نَضِيدٌ [50:10]

الآية ١٠ وقوله تعالى : والنخل باسقات لها طلع نضيد  قوله : والنخل باسقات  أي طوالا[(١)](#foonote-١) ؛ يقال : بَسَق الشيء بسوقا إذا طال. 
وقال أبو عوسجة : باسقات  أي حوامل ؛ يخبر الله عز وجل عن بركة الماء أنه بلطفه قد[(٢)](#foonote-٢) جعل الماء بحيث يظهر بركته ونماءه وأثره على رأس النخيل، وإن طال، يسقي الأصل \[ والرأس \][(٣)](#foonote-٣) لما جعل في سرّيته من البركة والمعنى ما يُظهر ذلك، ولا تُعلم حقيقة ذلك المعنى. 
وقوله تعالى : لها طلع نضيد  أي منضود، والطّلع أول ما يخرج من النخيل، فيحمل، والتنضيد، هو التأليف والتركيب، أي يؤلَّف بعضه إلى بعض، ويركّب، ويسمى ذلك كُفُرّى، وإذا نضج استوجب الطّلع، وتفرّق، وصار رطبا. 
وقال أبو عوسجة : نضيد  أي متراكم بعضه على بعض، والميل المتراكم ؛ يقال له : منضود، والتنضيد، هو جعل بعضه فوق بعض، ونضع الشيء بنفسه، فهو نضيد، وقيل : نضيد أي كثير.

١ في الأصل وم: طوال..
٢ في الأصل وم: و..
٣ ساقطة من الأصل وم..

### الآية 50:11

> ﻿رِزْقًا لِلْعِبَادِ ۖ وَأَحْيَيْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا ۚ كَذَٰلِكَ الْخُرُوجُ [50:11]

الآية ١١ وقوله تعالى : رزقا للعباد  أخبر أن ذلك كله إنما أنبته، وأخرجه  رزقا للعباد . 
وقوله تعالى : وأحيينا به بلدة  أي بالماء  بلدة ميتا  أي أحيى بالماء كل بلدة ميت وكل بقعة ميتة وكل غرس، فصار به حياة كل حيّ ونماء كل شيء. 
ثم قوله[(١)](#foonote-١) تعالى : كذلك الخروج  أي كما قدر على إحياء ما ذكر من الأرض بعد موتها وإحياء النبات والغرس وكل شيء بعد موته بذلك الماء \[ فعلى ذلك هو \][(٢)](#foonote-٢) قادر على إحيائكم بعد موتكم وبعد ما صرتم ترابا. 
والأعجوبة في إحياء ما ذكر كله من الأرض والنبات والغرس إن لم يكن أكثر لم يكن دون ما \[ في \][(٣)](#foonote-٣) إحياء الناس بعد موتهم. 
فإذ قد عرفوا قدرته في إحياء ما ذكر، وأقرّوا به، كذلك لزم أن يقرّوا به في إحياء كل شيء، والله أعلم.

١ في الأصل وم: قال..
٢ في م: فعلى ذلك، ساقطة من الأصل..
٣ من م، ساقطة من الأصل..

### الآية 50:12

> ﻿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَأَصْحَابُ الرَّسِّ وَثَمُودُ [50:12]

الآية ١٢ و١٣ و١٤ وقوله تعالى : كذّبت قبلهم قوم نوح وأصحاب الرّسّ وثمود   وعاد وفرعون وإخوان لوط   وأصحاب الأيكة وقوم تُبّع كل كذّب الرسل فحق وعيد  ذكر هذه الأنباء لوجهين :
أحدهما : يصبّر رسوله صلى الله عليه وسلم على أذى قومه وتكذيبهم إياه كما صبّر أولئك ؛ يقول : إنك لست بأول رسول، كذّبه قومه، بل كان قبلك رسل، كذّبهم قومهم، فصبروا على ذلك، فاصبر أنت أيضا، وهو كقوله : فاصبر كما صبر أولوا العزم من الرسل  \[ الأحقاف : ٣٥ \]. 
والثاني : يحذّر قومه أن ينزل بتكذيبهم إياه وسوء معاملتهم به كما نزل بمن ذكر من الأقوام بتكذيبهم وسوء معاملتهم. 
وعلى هذين المعنيين جمع ما ذكر في القرآن من الأنباء، والله أعلم. 
ثم أصحاب الرّسّ : اختُلف في الرّسّ. \[ قال بعضهم :\][(١)](#foonote-١) هو بئر دون اليمامة، وكان عندها أقوام، كذّبوا رسلهم، فأهلكم الله تعالى. وقيل : الرّسّ، هو الوادي. وقال \[ بعضهم \][(٢)](#foonote-٢) : الرّسّ، هو خدٌّ خدّوه، وجعلوا فيه النار، وأحرقوا فيها نبيهم عليه السلام. وقال بعضهم : سمّوا بذلك لأنهم رسّوا نبيهم عليه السلام في البئر. وقال بعضهم : هم قوم الرسل الذين ذكرهم في سورة يس بقوله تعالى : إذ أرسلنا إليهم اثنين فكذّبوهما فعزّزنا بثالث فقالوا إنا إليكم مرسلون  \[ يس : ١٤ \]. 
وعن الأصم أنه قال : الرّسّ كل موضع، خُدَّ فيه، ولذلك سُمي الخدّ خدّا لجري الدمع عليه، والله أعلم. 
وقوله تعالى : وإخوان لوط  أي قوم لوط. 
وقوله تعالى : وقوم تُبّع  قيل : إنه كان رجلا مسلما صالحا، مدحه الله تعالى، وذمّ قومه، سُمّي تُبّعا لكثرة أتباعه. ولا حاجة بنا إلى تفسيره بأنه \[ من \][(٣)](#foonote-٣) كان ؟ وما اسمه ؟ كما ذكر بعض أهل التأويل لما لم يُذكر في القرآن، ولم يثبت بالتواتر، فلا نزيد على ذلك القدر احترازا عن الكذب، والله أعلم.

١ ساقطة من الأصل وم..
٢ ساقطة من الأصل وم..
٣ من م، ساقطة من الأصل..

### الآية 50:13

> ﻿وَعَادٌ وَفِرْعَوْنُ وَإِخْوَانُ لُوطٍ [50:13]

نص مكرر لاشتراكه مع الآية ١٢:الآية ١٢ و١٣ و١٤ وقوله تعالى : كذّبت قبلهم قوم نوح وأصحاب الرّسّ وثمود   وعاد وفرعون وإخوان لوط   وأصحاب الأيكة وقوم تُبّع كل كذّب الرسل فحق وعيد  ذكر هذه الأنباء لوجهين :
أحدهما : يصبّر رسوله صلى الله عليه وسلم على أذى قومه وتكذيبهم إياه كما صبّر أولئك ؛ يقول : إنك لست بأول رسول، كذّبه قومه، بل كان قبلك رسل، كذّبهم قومهم، فصبروا على ذلك، فاصبر أنت أيضا، وهو كقوله : فاصبر كما صبر أولوا العزم من الرسل  \[ الأحقاف : ٣٥ \]. 
والثاني : يحذّر قومه أن ينزل بتكذيبهم إياه وسوء معاملتهم به كما نزل بمن ذكر من الأقوام بتكذيبهم وسوء معاملتهم. 
وعلى هذين المعنيين جمع ما ذكر في القرآن من الأنباء، والله أعلم. 
ثم أصحاب الرّسّ : اختُلف في الرّسّ. \[ قال بعضهم :\][(١)](#foonote-١) هو بئر دون اليمامة، وكان عندها أقوام، كذّبوا رسلهم، فأهلكم الله تعالى. وقيل : الرّسّ، هو الوادي. وقال \[ بعضهم \][(٢)](#foonote-٢) : الرّسّ، هو خدٌّ خدّوه، وجعلوا فيه النار، وأحرقوا فيها نبيهم عليه السلام. وقال بعضهم : سمّوا بذلك لأنهم رسّوا نبيهم عليه السلام في البئر. وقال بعضهم : هم قوم الرسل الذين ذكرهم في سورة يس بقوله تعالى : إذ أرسلنا إليهم اثنين فكذّبوهما فعزّزنا بثالث فقالوا إنا إليكم مرسلون  \[ يس : ١٤ \]. 
وعن الأصم أنه قال : الرّسّ كل موضع، خُدَّ فيه، ولذلك سُمي الخدّ خدّا لجري الدمع عليه، والله أعلم. 
وقوله تعالى : وإخوان لوط  أي قوم لوط. 
وقوله تعالى : وقوم تُبّع  قيل : إنه كان رجلا مسلما صالحا، مدحه الله تعالى، وذمّ قومه، سُمّي تُبّعا لكثرة أتباعه. ولا حاجة بنا إلى تفسيره بأنه \[ من \][(٣)](#foonote-٣) كان ؟ وما اسمه ؟ كما ذكر بعض أهل التأويل لما لم يُذكر في القرآن، ولم يثبت بالتواتر، فلا نزيد على ذلك القدر احترازا عن الكذب، والله أعلم. 
١ ساقطة من الأصل وم..
٢ ساقطة من الأصل وم..
٣ من م، ساقطة من الأصل..


---

### الآية 50:14

> ﻿وَأَصْحَابُ الْأَيْكَةِ وَقَوْمُ تُبَّعٍ ۚ كُلٌّ كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ وَعِيدِ [50:14]

نص مكرر لاشتراكه مع الآية ١٢:الآية ١٢ و١٣ و١٤ وقوله تعالى : كذّبت قبلهم قوم نوح وأصحاب الرّسّ وثمود   وعاد وفرعون وإخوان لوط   وأصحاب الأيكة وقوم تُبّع كل كذّب الرسل فحق وعيد  ذكر هذه الأنباء لوجهين :
أحدهما : يصبّر رسوله صلى الله عليه وسلم على أذى قومه وتكذيبهم إياه كما صبّر أولئك ؛ يقول : إنك لست بأول رسول، كذّبه قومه، بل كان قبلك رسل، كذّبهم قومهم، فصبروا على ذلك، فاصبر أنت أيضا، وهو كقوله : فاصبر كما صبر أولوا العزم من الرسل  \[ الأحقاف : ٣٥ \]. 
والثاني : يحذّر قومه أن ينزل بتكذيبهم إياه وسوء معاملتهم به كما نزل بمن ذكر من الأقوام بتكذيبهم وسوء معاملتهم. 
وعلى هذين المعنيين جمع ما ذكر في القرآن من الأنباء، والله أعلم. 
ثم أصحاب الرّسّ : اختُلف في الرّسّ. \[ قال بعضهم :\][(١)](#foonote-١) هو بئر دون اليمامة، وكان عندها أقوام، كذّبوا رسلهم، فأهلكم الله تعالى. وقيل : الرّسّ، هو الوادي. وقال \[ بعضهم \][(٢)](#foonote-٢) : الرّسّ، هو خدٌّ خدّوه، وجعلوا فيه النار، وأحرقوا فيها نبيهم عليه السلام. وقال بعضهم : سمّوا بذلك لأنهم رسّوا نبيهم عليه السلام في البئر. وقال بعضهم : هم قوم الرسل الذين ذكرهم في سورة يس بقوله تعالى : إذ أرسلنا إليهم اثنين فكذّبوهما فعزّزنا بثالث فقالوا إنا إليكم مرسلون  \[ يس : ١٤ \]. 
وعن الأصم أنه قال : الرّسّ كل موضع، خُدَّ فيه، ولذلك سُمي الخدّ خدّا لجري الدمع عليه، والله أعلم. 
وقوله تعالى : وإخوان لوط  أي قوم لوط. 
وقوله تعالى : وقوم تُبّع  قيل : إنه كان رجلا مسلما صالحا، مدحه الله تعالى، وذمّ قومه، سُمّي تُبّعا لكثرة أتباعه. ولا حاجة بنا إلى تفسيره بأنه \[ من \][(٣)](#foonote-٣) كان ؟ وما اسمه ؟ كما ذكر بعض أهل التأويل لما لم يُذكر في القرآن، ولم يثبت بالتواتر، فلا نزيد على ذلك القدر احترازا عن الكذب، والله أعلم. 
١ ساقطة من الأصل وم..
٢ ساقطة من الأصل وم..
٣ من م، ساقطة من الأصل..


---

### الآية 50:15

> ﻿أَفَعَيِينَا بِالْخَلْقِ الْأَوَّلِ ۚ بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ [50:15]

الآية ١٥ وقوله تعالى : أفعيينا بالخلق الأول  هو يخرّج على وجهين :
أحدها : أفعيينا  أي أعجزنا عن خلق ؟ أي حين[(١)](#foonote-١) لم نعجز عن الخلق الأول، فكيف نسبونا إلى العجز عن الخلق الثاني ؟. 
والثاني : أفعيينا  أي أجهِلنا، وخفي علينا تدبير الخلق الثاني وابتداء تدبير الخلق الأول ؟ وإنشاؤه أشدّ عندهم من إعادته والإعادة عندكم أهون. 
فإذا لم نعجز عن ابتداء إنشاءه، ولم نجهل، ولم يخف علينا الابتداء، فأنّى نعجز عن الإعادة ؟ 
ثم قال بعضهم : الخلق الأول، هو آدم عليه السلام، وقال عامّتهم : هو ابتداء خلقهم، والله أعلم. 
وقوله تعالى : بل هم في لبس من خلق جديد  أي هم في شك واختلاط من خلق /٥٢٦-أ/ جديد لما تركوا النظر في سبب المعرفة ليقع عليهم العلم بذلك.

١ في الأصل وم: حيث..

### الآية 50:16

> ﻿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ ۖ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ [50:16]

الآية ١٦ وقوله تعالى : وقد خلقنا الإنسان ونعلم ما توسوس به نفسه  هو يخرّج على وجهين :
أحدهما : يقول على علم منا يحدّث به نفسه من أنواع الحديث والوسوسة لا عن جهل وخفاء عن ذلك. فإن هو كفّها، وحبسها عما تدعو به إليه نفسه، وتهواه، وصرفها[(١)](#foonote-١) إلى ما يدعوه عقله وذهنه، نجا، وفاز، كقوله تعالى : إن النفس لأمّارة بالسوء إلا من رحم ربي  \[ يوسف : ٥٣ \] وقوله[(٢)](#foonote-٢) : وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى   فإن الجنة هي المأوى  \[ النازعات : ٤٠ و٤١ \]. 
وإن تركها حتى تمادى في هواها هلك. قال الله تعالى : فأما من طغى   وآثر الحياة الدنيا   فإن الجحيم هي المأوى  \[ النازعات : ٣٧ و٣٨ و٣٩ \] وقال في آية أخرى : أرأيت من اتخذ إلهه هواه  \[ الفرقان : ٤٣ \]. 
والثاني : يذكر : ولقد خلقنا الإنسان ونعلم ما توسوس به نفسه  أي نحن مطّلعون على ذلك، ليس علم ذلك إلى الحفظة، وهم يتولّون كتابته، أي لم يجعل ذلك إلى أحد، إنما ذلك إلى الله تعالى، هو العالم بذلك، وهو المطّلِع عليه دون الملائكة، وإنما إلى الملائكة ما يلفظه، ويفعل بالجوارح لقوله : ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عنيد  \[ ق : ١٨ \] \[ وقوله في سورة \][(٣)](#foonote-٣) أخرى : وإن عليكم حافظين   كراما كاتبين   يعلمون ما تفعلون  \[ الانفطار : ١٠و١١ و١٢ \] أخبر أن الحَفَظة إنما يعلمون ما تفعلون ظاهرا. أما ما تُسرّون في قلوبكم فالله هو المطّلع على ذلك، العالم، لتكونوا أبدا على اليقظة والحذر، والله أعلم. 
وقوله تعالى : ونحن أقرب إليه من حبل الوريد  يُفهم من قرب الرب تعالى إلى العبد ما يُفهم من قرب العبد إلى الله. 
وإنما يكون قُرب العبد إلى الله تعالى بالطاعة له والقيام بأمره والانقياد والخضوع له. هذا هو المفهوم من قرب العبد إلى الله تعالى لا قرب شيء آخر. فعلى ذلك يُفهم من قرب الله تعالى إلى العبد الإجابة والنصر والمعونة والتوفيق على الطاعات. 
وعلى ذلك ما يُقال : فلان قريب إلى فلان، لا يعنون قرب نفسه من نفسه في المكان، ولكم يعنون نصره له ومعونته إياه وإجابته. 
ويحتمل أن يُذكر القرب منه كناية عن العلم بأحواله ظاهرا وباطنا، والله أعلم. 
وأصله أن تُعتبر الأحوال في ما ذكر من القُرب :
فإن كان في السؤال فالمراد أنه قريب منه بالإجابة له، أي يجيبه كقوله تعالى : وإذا سألك عبادي عني فإني قريب  \[ البقرة : ١٨٦ \]. 
وإن كان في ما يُسرّون، ويُضمرون، فيفهم من القُرب في تلك الحالة العلم به كقوله تعالى : ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم  \[ المجادلة : ٧ \] فعلى ذلك قوله : ونحن أقرب إليه من حبل الوريد  وقوله : ونحن أقرب إليه منكم ولكن لا تبصرون  \[ الواقعة : ٨٥ \] يُفهم منه النصر والمعونة أو العلم. 
فيكون قوله : ونحن أقرب إليه من حبل الوريد  أي أعلم وأولى به وأحق من غيره في النصر والمعونة وأولى به في الإجابة، والله أعلم. 
وعلى ذلك يخرّج ما رُوي عن النبي صلى الله عليه وسلم \[ عن الله عز وجل \][(٤)](#foonote-٤) \[ من تقرّب إليّ شبرا تقربت منه شبرين \] \[ بنحوه البخاري ٧٥٣٧ \] على ما ذكرنا من قرب الطاعة له وقرب الرّب إليه بالنصر والمعونة لا قرب المكان، ولا قوة إلا بالله. 
وقوله تعالى : من حبل الوريد  قال بعضهم : عرق العُنق، والوريد العُنُق. وقال بعضهم : هو عرق بين القلب والحلقوم. وقال بعضهم : هو عرق القلب، معلّق به، فإذا قُطع ذلك العرق يموت الإنسان والله أعلم.

١ في الأصل وم: ويصرفها..
٢ في الأصل وم: وقال..
٣ في الأصل وم: وقال في آية..
٤ ساقطة من الأصل وم..

### الآية 50:17

> ﻿إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ [50:17]

الآيتان ١٧ و١٨ وقوله تعالى : إذ يتلقّى المتلقّيان عن اليمين وعن الشمال قعيد   ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد  أي اذكر تلقّي المتلقِّيَين، أو احفظ تلقّي المتقّيَين، وهما الملكان المسلّطان على أعمالك وأقوالك، إذ يتلقّيان منك أعمالك وأقوالك، ويحفظان عليك، ويكتبان. 
يذكر هذا \[ ويخبر أن عليه \][(١)](#foonote-١) حافظا ورقيبا، وإن كان هو تعالى حافظا لجميع \[ أفعاله وأقواله \][(٢)](#foonote-٢) عالما به فحفظ الملائكة وعدم ذلك بمنزلة في حق الله تعالى. 
لكن يُخرّج الأمر للملائكة بحفظ أعماله[(٣)](#foonote-٣) وكتابة ذلك على وجوه من الحكمة :
أحدها : ليكون[(٤)](#foonote-٤) على حذرٍ أبدا مما \[ يقول، ويفعل \][(٥)](#foonote-٥) ما يكون في الشاهد من علم أن عليه حافظا ورقيبا في أمر يكون أبدا على حذر وخوف من ذلك الأمر، وذلك أذكر له، وأدعى إلى الانتهاء عن ذلك. فعلى ذلك إذا علم العبد أن عليه حفيظا، يكتب ذلك عليه، وأنه يكلّف تلاوة ذلك المكتوب بين يدي الله تعالى يستحيي[(٦)](#foonote-٦) من ذلك أشد الاستحياء، ويكون[(٧)](#foonote-٧) ذلك أزجر له، وأبلغ في المنع. 
وإلا لكان[(٨)](#foonote-٨) إحصاء ذلك على الله تعالى مع الكتاب وغير الكتاب سواء ؛ إذ هو عالم بذاته لا بالأسباب، وهو تأويل \[ قوله تعالى \][(٩)](#foonote-٩)ك  لا يضل ربي ولا ينسى  \[ طه : ٥٢ \] والله أعلم. 
والثاني : من الحكمة امتحان الملائكة بحفظ أعمال بني آدم وأقوالهم وكتابه ذلك، فيمتحنُهم لذلك، ويأمرهم به، ولله أن يمتحن الملائكة : من شاء منهم بالتسبيح والتعظيم، ومن شاء منهم بالركوع، ومن شاء \[ منهم \][(١٠)](#foonote-١٠) بحمل العرش والكرسي، ومن شاء \[ منهم \][(١١)](#foonote-١١) بحفظ بني آدم، ومن شاء منهم بسوق السحاب وإنزال المطر مما في ذلك منافع بني آدم. 
ويكون ذلك كله بحق العبادة ليُعلم أن من امتحن منهم بالركوع والسجود والتسبيح والتكبير والتهليل لم يمتحنهم لمنافع ترجع إليه في ذلك. ولكن يمتحنهم بمِحن بما شاء وفي ما شاء، ويكون ذلك كله عبادة، وإن اختلفت أنواعه. 
فعلى ذلك أمره إياهم بحفظ أعمالهم وأقوالهم وكتابتها، والله أعلم. 
والمحنة بحفظ تلك الأعمال والأصوات وكتابتها أشد من محنة غيرهم من الملائكة بالركوع والسجود والقيام أو التكبير أو التهليل ونحو ذلك، ومن محنة بني آدم من إقامة العبادات والامتناع عن المحرّمات ونحوها، إذ لو اجتمع الخلائق على معرفة كيفية عمل واحد ما قدروا عليه. فدلّ أن هذا التأويل مُحتمل. 
والثالث : وهو أن الله تعالى أخبره[(١٢)](#foonote-١٢) بكتابة المَلَكين \[ أعمالَه وبقعودهما \][(١٣)](#foonote-١٣) عن اليمين والشمال من غير أن رأى أحد من البشر إياهما[(١٤)](#foonote-١٤) ولا رأى كتابتهم، ولا سمع صوت كتابتهم، وقد أقدرهم على العلم بما في ضمائرهم وكتابة ذلك كله، وأقدرهم على رؤيتنا، ولم يُقدرنا على رؤيتهم، وهم أجسام \[ غير \][(١٥)](#foonote-١٥) مرئية ليعلموا بذلك قدرة الله تعالى على ما شاء من الفعل وألا يقدّروا قوة كل خلق الله تعالى بقوة أنفسهم ولا رؤية غيرهم برؤية أنفسهم، وأن قوة الرؤية تختلف باختلاف الأوقات والأشخاص ؛ فإن الملائكة يروننا، ولا نراهم في الدنيا، وإن كانوا أجساما \[ غير \][(١٦)](#foonote-١٦) مرئية فيرى[(١٧)](#foonote-١٧) بعضهم بعضا[(١٨)](#foonote-١٨). 
ثم أخبره[(١٩)](#foonote-١٩)، وقال : ونُخرج له يوم القيامة كتابا يلقاه منشورا  \[ الإسراء : ١٣ \] أخبر أنه يرى ذلك الكتاب في الآخرة، وإن كان لا يراه في الدنيا، وكذا يرى الملائكة في الآخرة ؛ وهذا لأن هذه البنية لا تحتمل أشياء لضعف فيها ولحجاب يكون في ذلك في الدنيا. 
ثم تحتمل أن تكون في الآخرة أقوى في احتمال ذلك، فتُبصَر في الآخرة. 
وفي هذا ردّ قول المعتزلة في إنكارهم رؤية الله تعالى أنه لو كان يرى لرُئي في كل مكان على ما تُرى الملائكة في الآخرة دون الدنيا /٥٢٦-ب/ ونحو ذلك. فعلى ذلك رؤية الله تعالى. 
ثم قراءة العامة : إذ يتلقّى المُتلقّيان عن اليمين وعن الشمال قعيد  وقراءة ابن مسعود رضي الله عنه : إذ يتلقّى المتلقّيان عنه عن اليمين وعن الشمال قعيد. 
فعلى قراءته يُخرّج تأويل الآية على وجه واحد ؛ أي يؤخذ الملكان عن ابن آدم ما \[ فعل، وقال، وعلى \][(٢٠)](#foonote-٢٠) قراءة العامة يخرّج على وجهين :
أحدهما : أن يأخذ الملكان عنه ما أدّى إليهما من قول أو فعل. 
والثاني : أن يتلقّى أحد الملكين عن الآخر ما ألقى إليه ذلك المَلَك على ما رُوي عن أبي أُمامة رضي الله عنه أنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :( صاحب اليمين أمين على صاحب الشمال، وإذا عمل العبد سيئة قال له صاحب اليمين : أمسك فيُمسِك عنه مبلغ ساعات، فإن استغفر الله لم يكتبها عليه، وإن لم يستغفر كتبا سيئة واحدة ) \[ الطبراني في الكبير ٧٧٨٧ \]. 
ويجوز أن يكون أحدهما كاتبا دون الآخر، وإن كانا يتلقّيان، ويأخذان منه ذلك لما ذكر في آية أخرى حين[(٢١)](#foonote-٢١) قال : وقال قرينه هذا ما لديّ عتيد  ولم يُقرأ : قريناه. 
ويجوز أن يكون المتلقّيان جميعا يكتبان على ما رُوي عن ابن عباس رضي الله عنه أنه قال : كاتبان : كاتب عن يمين وكاتب عن يساره، فيكتبان \[ ما كان من \][(٢٢)](#foonote-٢٢) الحسنات والسيئات، ثم يرفعان إلى من فوقهما كل إثنين وخميس، فيُثبتان[(٢٣)](#foonote-٢٣) من ذلك \[ ما كان \][(٢٤)](#foonote-٢٤) من ذلك من ثواب أو عقاب، ويُلقيان[(٢٥)](#foonote-٢٥) ما سوى ذلك. 
ورُوي أيضا عنه وعن غيره من أهل التأويل أنهما يكتبان ما كان من خير وشر، وما سوى ذلك فلا. 
ولكن ظاهر الكتاب يدلّ على أنه يكتب كل شيء، وهو قوله تعالى : ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد  إلا أن يقال : المراد  من قول  هو سبب الثواب والمأثم كما قال في آية أخرى : لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها  \[ الكهف : ٤٩ \] أي لا يغادر صغيرة من المآثم ولا كبيرة منها إلا مطلق صغائر الأشياء وكبائرها. فعلى ذلك هذا، والله أعلم. 
ثم جعل المتلقّيين اثنين يحتمل على ما جعل في الشهادة اثنين في ما بينهم في أحكام والحقوق يشهدان عليه في الآخرة. 
وقوله تعالى : ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد  في ظاهر الآية أن الملائكة إنما يكتبون ظاهر الأقوال والأفعال لا \[ ما \][(٢٦)](#foonote-٢٦) في الضمائر. لكنه غير مُستنكر في العقول أن يكون الله تعالى أقدرهم على العلم بما في ضمائرهم، فيعرفون ذلك، ويكتبون. ولكن ظاهر الآية يشير إلى ما قلنا، والله أعلم. 
ثم قوله تعالى : عن اليمين وعن الشمال قعيد  قال القتبيّ : أراد  قعيد  من كل جانب منهما، إلا أنه اكتفى بذكر الواحد إذ كان دليلا على الآخر.  وقعيد  بمعنى : قاعد كما يقال : قدير، وقادر، أو يكون بمنزلة أكيل وشريب، أي هو مُؤاكِل ومشارب : قعيد  أي مقاعد. وبه قال أبو عوسجة. قعيد من المقاعدة كما يقال : قعيدي وجليسي، والله أعلم. 
وقوله تعالى : رقيب عتيد  الرقيب الحفيظ والعتيد الحاضر، أي ليس بغائب حتى يغيب عنه شيء، والله أعلم.

١ في الأصل وم: ويخبرهم أن عليهم..
٢ في الأصل وم: أفعالهم وأقوالهم..
٣ في الأصل وم: أعمالهم..
٤ في الأصل وم: ليكونوا..
٥ في الأصل وم: يقولون ويفعلون..
٦ في الأصل وم: فيستحيي..
٧ الواو ساقطة من الأصل وم..
٨ في الأصل وم: مكان..
٩ ساقطة من الأصل وم..
١٠ ساقطة من الأصل وم..
١١ ساقطة من الأصل وم..
١٢ في الأصل وم: أخبرهم..
١٣ في الأصل وم: أعمالهم وبقعودهم..
١٤ في الأصل وم: إياهم..
١٥ ساقطة من الأصل وم..
١٦ ساقطة من الأصل وم..
١٧ في الأصل وم: حيث يرى..
١٨ في الأصل وم: لبعض..
١٩ في الأصل وم: أخبر..
٢٠ في الأصل وم: فعلوا وقالوا على..
٢١ في الأصل وم: حيث..
٢٢ في الأصل: ما كان، ساقطة من م..
٢٣ في الأصل وم: فيثبتون..
٢٤ ساقطة من م..
٢٥ في الأصل وم: ويلقون..
٢٦ ساقطة من الأصل وم..

### الآية 50:18

> ﻿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ [50:18]

نص مكرر لاشتراكه مع الآية ١٧:الآيتان ١٧ و١٨ وقوله تعالى : إذ يتلقّى المتلقّيان عن اليمين وعن الشمال قعيد   ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد  أي اذكر تلقّي المتلقِّيَين، أو احفظ تلقّي المتقّيَين، وهما الملكان المسلّطان على أعمالك وأقوالك، إذ يتلقّيان منك أعمالك وأقوالك، ويحفظان عليك، ويكتبان. 
يذكر هذا \[ ويخبر أن عليه \][(١)](#foonote-١) حافظا ورقيبا، وإن كان هو تعالى حافظا لجميع \[ أفعاله وأقواله \][(٢)](#foonote-٢) عالما به فحفظ الملائكة وعدم ذلك بمنزلة في حق الله تعالى. 
لكن يُخرّج الأمر للملائكة بحفظ أعماله[(٣)](#foonote-٣) وكتابة ذلك على وجوه من الحكمة :
أحدها : ليكون[(٤)](#foonote-٤) على حذرٍ أبدا مما \[ يقول، ويفعل \][(٥)](#foonote-٥) ما يكون في الشاهد من علم أن عليه حافظا ورقيبا في أمر يكون أبدا على حذر وخوف من ذلك الأمر، وذلك أذكر له، وأدعى إلى الانتهاء عن ذلك. فعلى ذلك إذا علم العبد أن عليه حفيظا، يكتب ذلك عليه، وأنه يكلّف تلاوة ذلك المكتوب بين يدي الله تعالى يستحيي[(٦)](#foonote-٦) من ذلك أشد الاستحياء، ويكون[(٧)](#foonote-٧) ذلك أزجر له، وأبلغ في المنع. 
وإلا لكان[(٨)](#foonote-٨) إحصاء ذلك على الله تعالى مع الكتاب وغير الكتاب سواء ؛ إذ هو عالم بذاته لا بالأسباب، وهو تأويل \[ قوله تعالى \][(٩)](#foonote-٩)ك  لا يضل ربي ولا ينسى  \[ طه : ٥٢ \] والله أعلم. 
والثاني : من الحكمة امتحان الملائكة بحفظ أعمال بني آدم وأقوالهم وكتابه ذلك، فيمتحنُهم لذلك، ويأمرهم به، ولله أن يمتحن الملائكة : من شاء منهم بالتسبيح والتعظيم، ومن شاء منهم بالركوع، ومن شاء \[ منهم \][(١٠)](#foonote-١٠) بحمل العرش والكرسي، ومن شاء \[ منهم \][(١١)](#foonote-١١) بحفظ بني آدم، ومن شاء منهم بسوق السحاب وإنزال المطر مما في ذلك منافع بني آدم. 
ويكون ذلك كله بحق العبادة ليُعلم أن من امتحن منهم بالركوع والسجود والتسبيح والتكبير والتهليل لم يمتحنهم لمنافع ترجع إليه في ذلك. ولكن يمتحنهم بمِحن بما شاء وفي ما شاء، ويكون ذلك كله عبادة، وإن اختلفت أنواعه. 
فعلى ذلك أمره إياهم بحفظ أعمالهم وأقوالهم وكتابتها، والله أعلم. 
والمحنة بحفظ تلك الأعمال والأصوات وكتابتها أشد من محنة غيرهم من الملائكة بالركوع والسجود والقيام أو التكبير أو التهليل ونحو ذلك، ومن محنة بني آدم من إقامة العبادات والامتناع عن المحرّمات ونحوها، إذ لو اجتمع الخلائق على معرفة كيفية عمل واحد ما قدروا عليه. فدلّ أن هذا التأويل مُحتمل. 
والثالث : وهو أن الله تعالى أخبره[(١٢)](#foonote-١٢) بكتابة المَلَكين \[ أعمالَه وبقعودهما \][(١٣)](#foonote-١٣) عن اليمين والشمال من غير أن رأى أحد من البشر إياهما[(١٤)](#foonote-١٤) ولا رأى كتابتهم، ولا سمع صوت كتابتهم، وقد أقدرهم على العلم بما في ضمائرهم وكتابة ذلك كله، وأقدرهم على رؤيتنا، ولم يُقدرنا على رؤيتهم، وهم أجسام \[ غير \][(١٥)](#foonote-١٥) مرئية ليعلموا بذلك قدرة الله تعالى على ما شاء من الفعل وألا يقدّروا قوة كل خلق الله تعالى بقوة أنفسهم ولا رؤية غيرهم برؤية أنفسهم، وأن قوة الرؤية تختلف باختلاف الأوقات والأشخاص ؛ فإن الملائكة يروننا، ولا نراهم في الدنيا، وإن كانوا أجساما \[ غير \][(١٦)](#foonote-١٦) مرئية فيرى[(١٧)](#foonote-١٧) بعضهم بعضا[(١٨)](#foonote-١٨). 
ثم أخبره[(١٩)](#foonote-١٩)، وقال : ونُخرج له يوم القيامة كتابا يلقاه منشورا  \[ الإسراء : ١٣ \] أخبر أنه يرى ذلك الكتاب في الآخرة، وإن كان لا يراه في الدنيا، وكذا يرى الملائكة في الآخرة ؛ وهذا لأن هذه البنية لا تحتمل أشياء لضعف فيها ولحجاب يكون في ذلك في الدنيا. 
ثم تحتمل أن تكون في الآخرة أقوى في احتمال ذلك، فتُبصَر في الآخرة. 
وفي هذا ردّ قول المعتزلة في إنكارهم رؤية الله تعالى أنه لو كان يرى لرُئي في كل مكان على ما تُرى الملائكة في الآخرة دون الدنيا /٥٢٦-ب/ ونحو ذلك. فعلى ذلك رؤية الله تعالى. 
ثم قراءة العامة : إذ يتلقّى المُتلقّيان عن اليمين وعن الشمال قعيد  وقراءة ابن مسعود رضي الله عنه : إذ يتلقّى المتلقّيان عنه عن اليمين وعن الشمال قعيد. 
فعلى قراءته يُخرّج تأويل الآية على وجه واحد ؛ أي يؤخذ الملكان عن ابن آدم ما \[ فعل، وقال، وعلى \][(٢٠)](#foonote-٢٠) قراءة العامة يخرّج على وجهين :
أحدهما : أن يأخذ الملكان عنه ما أدّى إليهما من قول أو فعل. 
والثاني : أن يتلقّى أحد الملكين عن الآخر ما ألقى إليه ذلك المَلَك على ما رُوي عن أبي أُمامة رضي الله عنه أنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :( صاحب اليمين أمين على صاحب الشمال، وإذا عمل العبد سيئة قال له صاحب اليمين : أمسك فيُمسِك عنه مبلغ ساعات، فإن استغفر الله لم يكتبها عليه، وإن لم يستغفر كتبا سيئة واحدة ) \[ الطبراني في الكبير ٧٧٨٧ \]. 
ويجوز أن يكون أحدهما كاتبا دون الآخر، وإن كانا يتلقّيان، ويأخذان منه ذلك لما ذكر في آية أخرى حين[(٢١)](#foonote-٢١) قال : وقال قرينه هذا ما لديّ عتيد  ولم يُقرأ : قريناه. 
ويجوز أن يكون المتلقّيان جميعا يكتبان على ما رُوي عن ابن عباس رضي الله عنه أنه قال : كاتبان : كاتب عن يمين وكاتب عن يساره، فيكتبان \[ ما كان من \][(٢٢)](#foonote-٢٢) الحسنات والسيئات، ثم يرفعان إلى من فوقهما كل إثنين وخميس، فيُثبتان[(٢٣)](#foonote-٢٣) من ذلك \[ ما كان \][(٢٤)](#foonote-٢٤) من ذلك من ثواب أو عقاب، ويُلقيان[(٢٥)](#foonote-٢٥) ما سوى ذلك. 
ورُوي أيضا عنه وعن غيره من أهل التأويل أنهما يكتبان ما كان من خير وشر، وما سوى ذلك فلا. 
ولكن ظاهر الكتاب يدلّ على أنه يكتب كل شيء، وهو قوله تعالى : ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد  إلا أن يقال : المراد  من قول  هو سبب الثواب والمأثم كما قال في آية أخرى : لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها  \[ الكهف : ٤٩ \] أي لا يغادر صغيرة من المآثم ولا كبيرة منها إلا مطلق صغائر الأشياء وكبائرها. فعلى ذلك هذا، والله أعلم. 
ثم جعل المتلقّيين اثنين يحتمل على ما جعل في الشهادة اثنين في ما بينهم في أحكام والحقوق يشهدان عليه في الآخرة. 
وقوله تعالى : ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد  في ظاهر الآية أن الملائكة إنما يكتبون ظاهر الأقوال والأفعال لا \[ ما \][(٢٦)](#foonote-٢٦) في الضمائر. لكنه غير مُستنكر في العقول أن يكون الله تعالى أقدرهم على العلم بما في ضمائرهم، فيعرفون ذلك، ويكتبون. ولكن ظاهر الآية يشير إلى ما قلنا، والله أعلم. 
ثم قوله تعالى : عن اليمين وعن الشمال قعيد  قال القتبيّ : أراد  قعيد  من كل جانب منهما، إلا أنه اكتفى بذكر الواحد إذ كان دليلا على الآخر.  وقعيد  بمعنى : قاعد كما يقال : قدير، وقادر، أو يكون بمنزلة أكيل وشريب، أي هو مُؤاكِل ومشارب : قعيد  أي مقاعد. وبه قال أبو عوسجة. قعيد من المقاعدة كما يقال : قعيدي وجليسي، والله أعلم. 
وقوله تعالى : رقيب عتيد  الرقيب الحفيظ والعتيد الحاضر، أي ليس بغائب حتى يغيب عنه شيء، والله أعلم. 
١ في الأصل وم: ويخبرهم أن عليهم..
٢ في الأصل وم: أفعالهم وأقوالهم..
٣ في الأصل وم: أعمالهم..
٤ في الأصل وم: ليكونوا..
٥ في الأصل وم: يقولون ويفعلون..
٦ في الأصل وم: فيستحيي..
٧ الواو ساقطة من الأصل وم..
٨ في الأصل وم: مكان..
٩ ساقطة من الأصل وم..
١٠ ساقطة من الأصل وم..
١١ ساقطة من الأصل وم..
١٢ في الأصل وم: أخبرهم..
١٣ في الأصل وم: أعمالهم وبقعودهم..
١٤ في الأصل وم: إياهم..
١٥ ساقطة من الأصل وم..
١٦ ساقطة من الأصل وم..
١٧ في الأصل وم: حيث يرى..
١٨ في الأصل وم: لبعض..
١٩ في الأصل وم: أخبر..
٢٠ في الأصل وم: فعلوا وقالوا على..
٢١ في الأصل وم: حيث..
٢٢ في الأصل: ما كان، ساقطة من م..
٢٣ في الأصل وم: فيثبتون..
٢٤ ساقطة من م..
٢٥ في الأصل وم: ويلقون..
٢٦ ساقطة من الأصل وم..


---

### الآية 50:19

> ﻿وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ۖ ذَٰلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ [50:19]

الآية ١٩ وقوله تعالى : وجاءت سكرة الموت  أي شدّته. يخبر أن لا بد أن ينزل بالنفس عند الموت شدة ومشقّة. ثم الآية تخرّج على وجهين :
أحدهما : ألا يُجزيَ على ظاهر ما في الماضي، أعني لفظة  وجاءت  أي جاءت سكرة الموت على الذين كانوا من قبلكم، فوجدتهم غير متأهّبين ولا مستعدّين له، والله أعلم. 
والثاني : أن يكون قوله : وجاءت  بمعنى تجيء، وكذلك  وجاءت كل نفس معها سائق وشهيد  \[ الآية : ٢١ \] وذلك جائز في اللغة. 
وقوله تعالى : بالحق  أي من أهل الشقاوة أم من أهل السعادة. يقول : عند ذلك يتبيّن له، ويظهر أنه من أهل السعادة أو من أهل الشقاوة أو من أهل الجنة أو من أهل النار. 
وأصله عندنا أن الحق، هو ما وعد كل نفس من خير وما أوعد كل نفس من الشر ؛ إن كان مؤمنا، وقد وعد له الجنة، فيتحقّق له ذلك، وإن كان كافرا، وقد أوعد له النار، فيتحقق له ذلك. 
ويحتمل ما ذكر من الحق ههنا، هو الموت نفسه، أخبر أنه لا بد من الموت وأنه كائن لا محالة، وهو كقوله تعالى : وما جعلنا لبشر من قبلك الخُلد  \[ الأنبياء : ٣٤ \] يقول : لم يخلق الخلق للخلود في الدنيا، ولكن للآخرة، فلا بدّ من الموت، والله أعلم. 
وقوله تعالى : ذلك ما كنت منه تحيد  يحتمل وجهين :
\[ أحدهما \][(١)](#foonote-١) : أي أتاك ما كنت تكره مجيئه، وتُنكر، ولم تؤمن به، وهو البعث، ويوم القيامة الذي ينكرونه، ويكرهونه. 
والثاني : يحتمل الموت نفسه، أي أتاك ما كنت تكره، وتفر منه ؛ إذ هم كانوا يكرهون الموت، ويفرّون منه، فإنه \[ ملاقيك أي يأتيك \][(٢)](#foonote-٢) من حيث لا مفرّ لقوله : قل إن الموت الذي تفرّون منه فإنه ملاقيكم  \[ الجمعة : ٨ \] أي أتاكم من حيث لا مفرّ لكم منه[(٣)](#foonote-٣). ثم الحَيدًُ، هو الميل والكراهة. 
وقال أبو عوسجة : الحَيد الفرار ؛ يقال : حادَ يحِيد حَيدا، فهو حائد.

١ ساقطة من الأصل وم..
٢ في الأصل وم: ملاقيكم أي يأتيكم..
٣ في الأصل وم: عنده..

### الآية 50:20

> ﻿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ ۚ ذَٰلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ [50:20]

الآية ٢٠ وقوله تعالى : ونُفخ في الصور ذلك يوم الوعيد  يحتمل أن يكون أراد النفخة الأولى، وهي النفخة التي يفزع عنها أهل السماوات والأرض، فيموتون. 
ويحتمل أن يريد النفخة الثانية التي عندها البعث وإدخال الأرواح في الأجساد. 
ويحتمل أن يريد عند ما يوضع كل واحد في القبر، وهو أن يُسأل على ما جاءت الأخبار من سؤال منكر ونكير، وذلك أيضا هو يوم الوعيد في حق ذلك الرجل وهذا الكافر خاصة. 
وقوله تعالى : ذلك يوم الوعيد  أي ذلك يوم وقوع الوعيد، إذ يوم الوعيد الدنيا. فأما القيامة فهو يوم وقوع الوعيد وتحقّقه والله أعلم.

### الآية 50:21

> ﻿وَجَاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ [50:21]

الآية ٢١ وقوله تعالى : وجاءت كل نفس معها سائق وشهيد  قال بعضهم : السائق الذي يقبض روحه، والشاهد الذي يحفظ عمله. وقال بعضهم : السائق هو المَلَك الذي يكتب عليه سيئاته، والشهيد هو الذي يكتب حسناته. وقيل : السائق، هو النار التي تأتي، تسوق الكفرة إلى المحشر، والشهيد، هو عمله الذي عمل في الدنيا، وقيل : السائق الكاتب والشهيد جوارحه لقوله تعالى : يوم تشهد عليهم ألسنتهم  الآية \[ النور : ٢٤ \]. 
وأصله ما ذكر في قوله : وسيق الذين كفروا  \[ الزمر : ٧١ \]،  وسيق الذين اتقوا  \[ الزمر : ٧٣ \] ذكر السَّوْق في الفريقين، وذكر في الكفرة  احشروا الذين ظلموا وأزواجهم  \[ الصافات : ٢٢ \] وقال تعالى : ويوم يُحشر أعداء الله إلى النار  \[ فصلت : ١٩ \]. 
فالسائق، هو مَلَك يسوق إلى ما أمر من الجنة أو النار، والشهيد، هم الملائكة الذين يكتبون علينا[(١)](#foonote-١) الأعمال، فيشهدون في الآخرة : إن كانت[(٢)](#foonote-٢) شرا فشر، وإن كانت[(٣)](#foonote-٣) خيرا فخير، والله أعلم بحقيقة ما أراد، وإن كان ما قالوا مُحتمَلا[(٤)](#foonote-٤)، والله أعلم.

١ من م، في الأصل: لنا..
٢ في الأصل وم: كان..
٣ في الأصل وم: كان..
٤ في الأصل وم: فمحتمل..

### الآية 50:22

> ﻿لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَٰذَا فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ [50:22]

الآية ٢٢ وقوله تعالى : لقد كنت في غفلة من هذا فكشفنا عنك غطاءك فبصرُك اليوم حديد  يقول : لقد كنت في الدنيا في غفلة /٥٢٧-أ/ من هذا \[ الذي \][(١)](#foonote-١) تُعاين، وتشاهد، أو في غفلة مما أوعدت من المواعيد والشدائد التي عاينتها  فكشفنا عنك غطاءك  أي كشفنا عنك الشُّبَه التي تمنع وقوع العلم به والتجلّي له  فبصرك اليوم حديد  أي ثاقب نيِّر يُبصر الحق كقوله تعالى : أسمع بهم وأبصر يوم يأتوننا  \[ مريم : ٣٨ \]. وقيل : حديد  من الحِدّة أي نافذ، لا يخفى عليه شيء، فكأنه أراد، والله أعلم \[ بقوله تعالى \][(٢)](#foonote-٢) : إنك كنت في الدنيا جاهلا عن هذا اليوم وعن هذه الحال، والآن قد عاينت ما كنت عنه في غفلة، وأيقنت به، وهو كقوله عز وجل : لتروُنّ الجحيم   ثم لتروُنّها عين اليقين  \[ التكاثر : ٦ و٧ \].

١ ساقطة من الأصل وم..
٢ في الأصل: وقوله تعالى، ساقطة من م..

### الآية 50:23

> ﻿وَقَالَ قَرِينُهُ هَٰذَا مَا لَدَيَّ عَتِيدٌ [50:23]

الآية ٢٣ وقوله تعالى : وقال قرينه هذا ما لديّ عتيد  أي يقول الملَك الذي كان عليه \[ رقيبا : إنّ \][(١)](#foonote-١) كل ما عمل فهو عندي حاضر من تكذيب وعمل السوء. فيُشبه أن تكون شهادة الحَفَظة عليه هذا القول. 
ويحتمل أن يكون ذلك على السؤال للملائكة عما كتبوا، وحفظوا ؛ يقول كل مَلَك : هذا ما لديّ عتيد  أي هذا الذي عمل هذا عندي حاضر محفوظ ؛ إذ الكتاب الذي كتبت فيه أعماله حاضر. 
ثم جائز أن الذي يكتب الأعمال لكل واحدٍ واحدٌ. على هذا حيث قال : وقال قرينه هذا ما لديّ عتيد  ولم يقل قريناه، وإن كان قال : إذ يتلقّى المتلقّيان  \[ ق : ١٧ \] على ما ذكرنا أنهما ملكان. لكن يجوز أن يتولّى الكتابة واحد، والآخر شاهد. 
وجائز أن يكونا يكتبان جميعا بقوله : كراما كاتبين  \[ الانفطار : ١١ \] لكنه ذكر ههنا بحرف التوحيد، فقال : وقال قرينُه  لما يقول كل واحد منهما ذلك على حدة، وهو كما ذكرنا في قوله : عن اليمين وعن الشمال قعيد  والله أعلم.

١ في الأصل وم: رقيب أي..

### الآية 50:24

> ﻿أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ [50:24]

الآية ٢٤ وقوله تعالى : القيا في جهنم كل كفّار عنيد  يحتمل أن يكون الخطاب بقوله تعالى : ألقيا  الاثنين على ما هو ظاهر الصّيغة : الذي يسوقه والذي يشهد عليه حين[(١)](#foonote-١) قال : وجاءت كل نفس معها سائق وشهيد  كان الأمر بذلك لهما. 
ويحتمل أن يكون المراد بالخطاب، هو القرين الذي سبق ذكره : وقال قرينُه هذا ما لديّ عتيد . 
لكن قال : ألقيا  لوجهين :
أحدهما : ما قيل : إن العرب قد تذكر حرف التّثنية على إرادة الواحد والجماعة. 
والثاني : ما قال بعضهم : إن المواد من قوله  ألقيا  أي ألقِ ألقِ على التأكيد كقوله : هيهات هيهات  \[ المؤمنون : ٣٦ \] على لوعيد في الذمّ \[ وما \][(٢)](#foonote-٢) يقال في المدح : بخٍ بخٍ، ونحو ذلك على التأكيد، والله أعلم. 
وقوله تعالى : كل كفار عنيد  يحتمل كل كفار لنعم الله تعالى حين[(٣)](#foonote-٣) صرف شكرها إلى غيره، أو كل كفّار لتوحيد الله وتسمية غيره إلها. 
والعنيد : قال بعضهم : هو الذي بلغ في الخلاف غايته، والمخالف أشد الخلاف من عَنِد يَعْنَدُ عُنودا، فهو عاندٌ، وعنيد بمعنى عاندٍ، وقيل : هو الذي يُنصِف من نفسه. 
وقيل : هو الذي يكابر، ويعاند بعد ظهور الحق له، والله أعلم.

١ في الأصل وم: حيث..
٢ في الأصل وم: و..
٣ في الأصل وم: حيث..

### الآية 50:25

> ﻿مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ مُرِيبٍ [50:25]

الآية ٢٥ وقوله تعالى : منّاعٍ للخير  يحتمل وجهين :
أحدهما : منّاع عن الخير، وهو منع غيره عن التوحيد وقبول الحق. 
والثاني : منّاع للخير  أي منع ما عنده من الحقوق التي وجبت في أمواله ونفسه. 
وقال بعض أهل التأويل : أراد به الوليد بن المغيرة المخزومي. لكن هذا عادة كل كافر كقوله عز وجل : إن الإنسان خُلق هلوعا   إذا مسّه الشر جَزُوعا   وإذا مسّه الخير مَنُوعا  \[ المعارج : ١٩ و٢٠ و٢١ \] فلا معنى لتخصيص واحد به. 
وقوله تعالى : مُعتدٍ مريب  المعتدي من الاعتداء، وهو المجاوز عن حدود الله، والمريب من الرّيبة، وهي[(١)](#foonote-١) الشك والفساد ؛ فكان المريب، هو الذي فيه الشّك والفساد جميعا.

١ في الأصل وم: وهو..

### الآية 50:26

> ﻿الَّذِي جَعَلَ مَعَ اللَّهِ إِلَٰهًا آخَرَ فَأَلْقِيَاهُ فِي الْعَذَابِ الشَّدِيدِ [50:26]

الآية ٢٦ ثم نعت ذلك الإنسان فقال : الذي جعل مع الله إلها آخر فألقِياه في العذاب الشديد  أي وصف، وذكر مع الله إلها آخر، وهو كقوله تعالى : ويجعلون لله البنات  \[ النحل : ٥٧ \] وقوله تعالى : وجعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن إناثا  \[ الزخرف : ١٩ \] أي قالوا، ووصفوا أنهم إناث، وإلا لا يملكون جعل ذلك حقيقة. 
وقوله تعالى : فألقياه في العذاب الشديد  وصف نار جهنم بالشدة لما أنه، لا انقطاع لها. وكل عذاب يُرجى انقطاعه في بعض الأزمان ففيه بعض الراحة، والله أعلم.

### الآية 50:27

> ﻿۞ قَالَ قَرِينُهُ رَبَّنَا مَا أَطْغَيْتُهُ وَلَٰكِنْ كَانَ فِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ [50:27]

الآية ٢٧ وقوله تعالى : قال قرينه ربنا ما أطغيتُه ولكن كان في ضلال بعيد  أي قال شيطانُه الذي أضلّه، ودعاه إلى ما دعاه، فصار قرينه في الآخرة لقوله تعالى : ومن يعشُ عن ذكر الرحمن نُقيّض له شيطانا فهو له قرين  \[ الزخرف : ٣٦ \]. 
ويحتمل : قرينه  أي رفيقُه الذي كان معه، يتبعُه، ويُصدر عن رأيه. 
ثم هذا القول من قرينه إنما كان بعد أن كان منه من الكفر والشّرك عن اختيار، وقال : هذا الذي أضلّني، وأطغاني، وهو الذي حملني عليه كقولهم : هؤلاء أضلّونا فآتهم عذابا ضِعفًا من النار  \[ الأعراف : ٣٨ \] يقول رفيقه : ربنا ما أطغيتُه ولكن كان في ضلال بعيد  وكانت الكفرة لحيرتهم وقلة حيلتهم أحيانا يُنكرون الشرك كقولهم[(١)](#foonote-١) : والله ربنا ما كنا مشركين  \[ الأنعام : ٢٣ \] وقوله تعالى : يوم يبعثُهم الله جميعا فيحلِفون له كما يحلفون لكم ويحسَبون أنهم على شيء ألا إنهم هم الكاذبون [(٢)](#foonote-٢) \[ المجادة : ١٨ \]. 
وأحيانا يقولون : هؤلاء أضلّونا  \[ الأعراف : ٣٨ \] وأحيانا يلعن[(٣)](#foonote-٣) بعضهم بعضا. 
وقوله تعالى : ربنا ما أطغيُته  أي ما قهرته على الضلال، ولا لي قوة ذلك، ولكن اتّبعني على ما كنت أنا فيه، وأطاعني من غير أن يكون مني إكراه وإجبار على ذلك، وهو ما ذكر : ولكن كان في ضلال بعيد  لا يُرجى \[ منه \][(٤)](#foonote-٤) الرجوع ولا الانقطاع. 
وقال بعض أهل التأويل : إن ذلك الكافر يُكذّب الحَفَظة بأنهم كتبوا ما لم يعمل، وهم كانوا يكذبون في ذلك اليوم لخزيتهم كقولهم : والله ربنا ما كنا مشركين  \[ الأنعام : ٢٣ \] فيقول[(٥)](#foonote-٥) قرينُه، وهو الذي يكتب أعماله : ربنا ما أطغيته ولكن كان في ضلال بعيد . 
لكن هذا فاسد، وهذا القول من الشيطان، لا من الملائكة الإطغاء والإغواء ؛ إذ هم لا يدّعون على الملائكة الإطغاء والإغواء. ألا ترى أنه  قال لا تختصِموا لديّ وقد قدّمت إليكم بالوعيد  ؟ \[ ق : ٢٨ \] واختصامهم مع الشيطان كما أخبر عز وجل في غير آية[(٦)](#foonote-٦) من القرآن. 
قال الله تعالى : وأقبل بعضهم على بعض يتساءلون   قالوا إنكم كنتم تأتوننا عن اليمين   قالوا بل لم تكونوا مؤمنين  \[ الصافات : ٢٧ و٢٨ و٢٩ \] وقال[(٧)](#foonote-٧) تعالى : وقال الشيطان لما قُضي الأمر إن الله وعدكم وعد الحق  إلى قوله : وما كان لي عليكم من سلطان إلا أن دعوتُكم فاستجبتم لي  الآية \[ إبراهيم : ٢٢ \]. 
فهذه الخصومة بينهم وبين قرنائهم، وهم الشياطين : ومن يكُن الشيطان له قرينا فساء قرينًا  \[ النساء : ٣٨ \] والله أعلم.

١ في الأصل وم: كقوله..
٢ أدرج بعدها في الأصل وم: ثم قال..
٣ هو قوله تعالى: ويلعن بعضكم بعضا \[العنكبوت: ٢٥\]..
٤ ساقطة من الأصل وم..
٥ في الأصل وم: فقال..
٦ في الأصل وم: آي..
٧ في الأصل وم: وقوله..

### الآية 50:28

> ﻿قَالَ لَا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُمْ بِالْوَعِيدِ [50:28]

الآية ٢٨ وقوله تعالى : قال لا تختصموا لديّ  خصومتهم ما ذكر ما قالت الأتباع : ربنا هؤلاء أضلّونا فآتهم عذابا ضعفا من النار } \[ الأعراف : ٣٨ \] وما ذكر من لعن بعضهم على بعض ومن تبرّي بعضهم من بعض. فقال الله عز وجل : لا تختصموا لديّ وقد قدّمت إليكم بالوعيد  أي قدّمت إليكم من الوعيد في الدنيا، فما انقطعت خصوماتكم هذه، أي بيّنتُ في الدنيا ما يلحق بمن ضل بنفسه ومن ضل بغيره. 
كان هؤلاء الكفرة يطلبون وجه الاعتذار بما لا عُذر لهم. فلذلك يقول[(١)](#foonote-١) لهم : لا تختصموا لديّ وقد قدّمت إليكم بالوعيد  أي أرسلت إليكم الرسل، معهم الكتب، وفيها الوعيد. فلم تقبلوا ذلك كله. فإن قيل : قال ههنا : لا تختصموا لديّ  وقال في موضع آخر : ثم إنكم يوم القيامة /٥٢٧-ب/ عند ربكم تختصمون  \[ الزمر : ٣١ \] وبين الآيتين مخالفة من حيث الظاهر. فما وجه التوفيق بينهما ؟ قيل : من وجوه ثلاثة :
أحدها : ما قال بعضهم : قوله : لا تختصموا لديّ  في أهل الكفر خاصة، وقوله : ثم إنكم يوم القيامة عند ربكم تختصمون  في أهل القِبلة، وهو في المظالم التي كانت بينهم في الدنيا. 
والثاني : ما قال بعضهم : إن إحدى الآيتين في موضع، فيُؤذَن لهم بالكلام فيه حتى يكون جميعا بين الآيتين، وهو كقوله تعالى : فيومئذ لا يُسأل عن ذنبه إنس ولا جان  \[ الرحمن : ٣٩ \] وقال في آية أخرى : ولا يتساءلون  \[ المؤمنون : ١٠١ \] وقال في آية أخرى : في جنات يتساءلون   عن المجرمين   ما سلككُم في سَقَر  \[ المدثر : ٣٠ و٣١ و٣٢ \] فعلى ذلك هذا. 
والثالث : جائز أن يكون قوله تعالى : لا تختصموا لديّ  في الدين : ي ما بينهم وبين ربهم \[ في \][(٢)](#foonote-٢) دفع عذاب الله عن أنفسهم، وذلك لا يملكون، ولا ينتفعون به. وأما قوله تعالى : ثم إنكم يوم القيامة عند ربكم تختصمون  في ما بين أنفسهم في المظالم والغرامات، والله أعلم.

١ في الأصل وم: يقال..
٢ من م، ساقطة من الأصل..

### الآية 50:29

> ﻿مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَمَا أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ [50:29]

الآية ٢٩ وقوله تعالى : ما يبدَّل القول لديّ  هذا يحتمل وجوها :
أحدها : ما يبدّل ما استحق كل واحد منكم من العذاب والثواب ما سبق مني من الوعد والوعيد في الدنيا بأن أجعل جزاء الكافر الجنة وجزاء المؤمن النار ؛ إذ قد سبق مني وعدي ووعيدي بأن أجعل الجنة مثوى المؤمنين والنار مثوى الكافرين، فلا يبدّل ذلك الوعد والوعيد. 
والثاني : ما يبدّل القول لديّ  يحتمل أنه أراد به قوله : لأملأن جهنم من الجِنة والناس أجمعين  \[ هود :‍‍١١٩ والسجدة : ١٣ \]. 
والثالث : أي لا يبدّل اليوم ما يستوجب به الجنة والخلود فيها، وهو الإيمان عن غيب كما أخبر تعالى، عز وجل  من خشي الرحمن بالغيب وجاء بقلب منيب  \[ ق : ٣٣ \] فأما الإيمان بعد العِيان فلا ينفع كما أخبر عز وجل  فلم يكُ ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا  الآية \[ غافر : ٨٥ \]. 
وقوله تعالى : وما أنا بظلاّم للعبيد  أي في العقل والحكمة تعذيب من أتى بالكفر والشرك، فيكون ترك تعذيبه سفها.

### الآية 50:30

> ﻿يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلَأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ [50:30]

الآية ٣٠ وقوله تعالى : يوم نقول لجهنم هل امتلأت وتقول هل من مزيد  هذا يخرّج على وجهين :
أحدهما : على تحقيق القول من الله تعالى : لجهنم هل امتلأت  وعلى تحقيق القول من جهنم والإجابة له : هل من مزيد  وذلك جائز أن يُنطق الله تعالى جهنم حتى تجيب له بما ذكر : هل من مزيد  على ما ذكرنا من شهادة الجوارح عليهم والنّطق منها للكل حتى أجابت الجوارح لهم لمّا قالوا : لجلودهم لما شهدتم علينا قالوا أنطقنا الله الذي أنطق كل شيء  \[ فصلت : ٢١ \]. 
وعلى ذلك ما ذكرنا في قوله، جلّ، وعلا : يا جبال أوّبِي معه والطير  \[ سبأ : ١٠ \] ونحو ذلك، ومثل هذا غير مستنكر في العقول على تقدير أحداث الحياة منها التي هي شرط النطق عن علم، والله أعلم. 
والثاني على التمثيل لا على تحقيق القول : هل امتلأت  وعلى تحقيق الإجابة منها، فنقول : هل من مزيد  ولكن على التمثيل لوجهين :
أحدهما : أي أن جهنم لو كانت بحيث تنطق، وتسمع، وتعلم ؛ لو قلت لها : هل امتلأت وتقول هل من مزيد  يُخبر عن انقياد المخلوقات له والطاعة الإجابة، وهو ما ذكرنا في قوله عز وجل : وغرّتهم الحياة الدنيا  \[ الأنعام : ٧٠و. . . \] لا يكون من الدنيا حقيقة التّغرير قولا ولا فعلا. ولكن معناه أنها بحال من التزيين وما فيها من الشهوات لو كان لها تمييز وعقل لغرّتهم، والله أعلم. 
والثاني : وصف لها بالعِظم والسعة، وإخبار عن أنها تحتمل المزيد، وإن جُمع من الكفرة ما لا يُحصى على التمثيل. وهو كقوله تعالى : لو أنزلنا هذا القرآن على جبل لرأيته خاشعا متصدّعًا من خشية الله  \[ الحشر : ٢١ \] وكذلك قوله، جل، وعلا : وغرّتهم الحياة الدنيا  وصف لها بالتزيُّن والحسن الظاهر ما \[ لو \][(١)](#foonote-١) لم يتأمّل الناظر فيها العاقبة لاغترّ بها من حسنها وزينتها. فعلى ذلك هذا، والله اعلم. 
ثم قوله تعالى : هل من مزيد  يخرّج على وجهين :
أحدهما : هل بقي من أحد يُزاد فيّ ؟ فإني قد امتلأت، وليس فيّ سعة تحتمل غيره[(٢)](#foonote-٢). 
والثاني : هل من مزيد  هل فيّ سعة عظيمة ؟ فهل من زيادة خلقٍ أمتلئُ بها، لأن الله تعالى وعد أن يملأ جهنم بقوله : لأملأن جهنم من الجِنة والناس أجمعين  \[ هود : ١١٩ والسجدة : ١٣ \] فتسأل المزيد من ربها لتُملأ، والله أعلم بذلك. 
وقال أهل التأويل : إنها تسأل الزيادة حتى يضع قدمه فيها، فتضيق بأهلها حتى لا يبقى فيها مدخل رجل واحد، ورَوَوا[(٣)](#foonote-٣) خبرا عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك. 
وإنه فاسد، وقول بالتشبيه، وقد قامت الدلائل العقلية على إبطال التشبيه، فكل خبر ورد مخالفا للدلائل العقلية يجب ردّه لأنه[(٤)](#foonote-٤) مخالف لنص التنزيل، وهو قوله عز وجل : ليس كمثل شيءٌ  \[ الشورى : ١١ \]. 
ثم هذا القول على قول المشبّهة على ما توهّموا مُخالف للكتاب لأن الله عز وجل قال : لأملأن جهنم من الجِنة والناس أجمعين  وعندهم لا تمتلئ بهم ما لم يضع الرحمة قدمه فيها. 
ثم ذكر البلخيّ أن مدار ما ذكروا أن مدار ما ذكروا من الحديث على حمّاد بن سَلَمة، وكان خرِفًا منفّدًا في ذلك الوقت، لم يجُز أن يُؤخذ منه مع ما رُوي في خبر أنس رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال :( يأتي الله ببشرٍ، فيضع في النار حتى تمتلئ ) فهذا يحتمل إلا ما رووا، والله الموفّق.

١ ساقطة من الأصل وم..
٢ في الأصل وم: غيرها..
٣ في الأصل وم: وروي..
٤ في الأصل وم: و..

### الآية 50:31

> ﻿وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ [50:31]

الآية ٣١ وقال[(١)](#foonote-١) تعالى : وأُزلفت الجنة للمتقين  أي قُرّبت. وذكر في آية أخرى : وسيق الذين اتقوا ربهم إلى الجنة زُمرًا  \[ الزمر : ٧٣ \] ذكر ههنا تقريب الجنة إلى أهلها، وذكر ثم سوق أهل الجنة إليها، فبين الآيتين مخالفة من حيث الظاهر. ولكن يحتمل وجهين :
أحدهما : أن أهل الجنة إذا قُرّبوا منها بالسوق إليها، قرّبت هي إليهم لأن أحد الشيئين إذا قُرّب إلى الآخر قَرُب الآخر منه، ويزول البُعد بزوال المسافة، وذلك ومعروف. 
والثاني[(٢)](#foonote-٢) : أن يكون إخبارا عن وصف الجنة أنها بحال تُقرّب إلى أهلها، وتُزلَف. 
ذكر في الجنة التقريب وفي النار البُروز والظهور بقوله : وبُرّزت الجحيم للغاوين  \[ الشعراء : ٩١ \]. فهو، والله أعلم، لأن[(٣)](#foonote-٣) أهل النار كانوا يجحدون النار، وينكرونها  وبُرّزت لجحيم للغاوين  ليروها، ويطّالعوا عليها، وهو كقوله عز وجل : لتروُنّ الجحيم  \[ التكاثر : ٦ \]. 
فأما أهل التوحيد فإنهم كانوا يقرّون بالجنة، ولكن لا يرون أنفسهم من أهلها لما بدا[(٤)](#foonote-٤) منهم من الخطايا. والزّلاّت، ويرونها بعيدة من أنفسهم. فذكر الله تعالى التقريب لهم، ووعدهم بذلك، والله أعلم. 
وقوله تعالى : غير بعيدٍ  \[ يحتمل وجوها :
أحدها :\][(٥)](#foonote-٥) أي  غير بعيد  منهم بل بحيث يرونها وقت وقوفهم في القيامة، والله أعلم. 
والثاني : أي  غير بعيد  منهم في الدنيا، أي يأتونها[(٦)](#foonote-٦)، ويكونون من أهلها عن قريب لأن كل آت فكأنه قد أتى، والله أعلم. 
والثالث[(٧)](#foonote-٧) : أي  غير بعيد  منهم في الجنة إذا دخلوها : الثمار[(٨)](#foonote-٨) والفواكه، بل قريب منهم، يتناولون كيف شاؤوا والله أعلم.

١ في الأصل وم: وقوله..
٢ في الأصل وم: ويحتمل..
٣ في الأصل وم: أن..
٤ في الأصل وم: بدوت..
٥ ساقطة من الأصل وم..
٦ من م، في الأصل: يأتوننا..
٧ في الأصل وم: ويحتمل..
٨ أدرج قبلها في الأصل وم: من..

### الآية 50:32

> ﻿هَٰذَا مَا تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ [50:32]

الآية ٣٢ وقوله تعالى : هذا ما توعدون لكل أوّابٍ حفيظ  الأوّاب الرّجّاع، من الأوبَة، وهي الرّجوع. فمعناه : لكل رجّاع إلى الله تعالى في كل وقت، أو رجّاع إلى أمره وطاعته. 
وقوله تعالى : حفيظ  أي يحفظ نفسه عن المعاصي والزّلاّت سرًّا وعلانيةً، والحافظ لحدوده في أوامره ونواهيه، وهو كقوله تعالى : للمتقين  /٥٢٨-أ/ \[ آل عمران : ١٣٣و. . . \] وقوله[(١)](#foonote-١) : المحسنين  \[ المائدة : ٨٥و. . . \] إذ التقوى، هو الائتمار بما أمر والامتناع عمّا نهى، وحَظَر، والإحسان هو العمل بجميع ما يحسُن في العقول.

١ في الأصل وم: و..

### الآية 50:33

> ﻿مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَٰنَ بِالْغَيْبِ وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ [50:33]

الآية ٣٣ وقوله تعالى : من خشي الرحمن بالغيب  أي خالفه، وحذِره مما أوعد، ثم يخرّج على وجهين :
أحدهما : من خشي الرحمن بالغيب  أي قبل أن يرد على ظاهر ما ذكر. 
والثاني : أي من خشِي الرحمن في الدنيا التي هي حال غيب الدلائل بالمواعيد التي أُوعدَها، وحذر منها قبل أن يعاينها، إذ هو لم ير ذلك العذاب، فيُصدّقه في ما أوعد، وخافه، وهو كقوله تعالى : ويحذّركُم الله نفسه  \[ آل عمران : ٢٨ \] أي عقوبته ونقمته، والله أعلم. 
وقوله تعالى : وجاء بقلبٍ منيبٍ  والمنيب، هو المُقبل على الله تعالى بجميع أوامره ونواهيه المطيع له في ذلك كله.

### الآية 50:34

> ﻿ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ ۖ ذَٰلِكَ يَوْمُ الْخُلُودِ [50:34]

الآية ٣٤ وقوله تعالى : ادخلوها بسلام  \[ يحتمل وجهين :
أحدهما :\][(١)](#foonote-١) كأنه على الإضمار، أي يقال لهم : ادخلوها بسلام الملائكة أي تُسلِّم الملائكة عليهم وقت دخولهم الجنة كقوله : سلام عليكم طِبتم فادخلوها خالدين  \[ الزمر : ٧٣ \]. 
والثاني : السلام، هو اسم من أسماء الله تعالى : فيقال لهم : ادخلوها باسم الله على ما هو الأصل في كل خبر أنه يُبتدأ باسم الله تعالى امتثالا لحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ( كل أمر ذو بال، لم يُبدأ باسم الله فهو أبتر ) \[ الألباني في سلسلة الأحاديث الضعيفة ٩٠٢ \]. 
وقال بعضهم : ادخلوها بسلام  أي سالمين من الخوف والحُزن، لا آفة تصيبكم فيها، وهو كقوله : ادخلوها بسلام آمنين  \[ الحجر : ٤٦ \] من الخوف والحزن. 
ويحتمل : أي ادخلوها، ولا كُلفة عليكم \[ كما \][(٢)](#foonote-٢) في الدنيا، ولا أمر، ولا مِحنة، سوى الثناء على الله تعالى والحمد له وتسليم بعضكم على بعض، بل تسقط عنكم جميع المِحن والأوامر التي عليكم في الدنيا ؛ وذلك قوله تعالى : وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين  \[ يونس : ١٠ \] وكأنه لا شيء \[ من \][(٣)](#foonote-٣) الذي في الدنيا على أهل الإيمان إلا[(٤)](#foonote-٤) الثناء على الله تعالى وتسليم بعضكم على بعض. فلذلك أُبقيَ ذلك في الجنة، وأُسقط ما وراء ذلك، والله أعلم. 
وقوله تعالى : ذلك يوم الخلود  يحتمل أن ذلك يوم الخلود لأهل الجنة بالسرور والراحة ولأهل النار بالعقوبة والعذاب. ويحتمل أي يوم لا انقطاع لذلك الذي وُعِدوا في الجنة، والله أعلم.

١ ساقطة من الأصل وم..
٢ ساقطة من الأصل وم..
٣ ساقطة من الأصل وم..
٤ في الأصل وم: من..

### الآية 50:35

> ﻿لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ [50:35]

الآية ٣٥ وقوله تعالى : لهم ما يشاءون فيها  أي لهم ما يختارون فيها، لا يُجبرون، ولا يُكرهون فيها على شيء، إذ المشيئة، هي صفة كل فاعل مختار، وإن كانت المشيئة مشيئة لتّمني والتّشهي، فكأنه قال : لهم ما يتمنّون، ويتخيّرون، لقوله : ولكم فيها ما تشتهي أنفسكم ولكن فيها ما تدّعون  \[ فصلت : ٣١ \] وقوله عز وجل :\[  وفيها ما تشتهيه الأنفس  \[ الزخرف : ٧١ \] \][(١)](#foonote-١). 
وقوله تعالى : لدينا مزيد  قال بعض أهل التأويل : إنه تأتيهم سحابة، فتُمطرهم كل ما تشاءون، وذلك هو المزيد لهم في الجنة. وقال بعضهم : إنه تنبت لهم في الجنة شجرة، فتُقطر لهم كل ما يشاؤون، وذلك هو المزيد. 
**لكن يحتمل وجهين :**
أحدهما : النظر إلى رؤية الربّ، جل، وعلا، وهو كقوله تعالى : للذين أحسنوا الحسنى وزيادة  \[ يونس : ٢٦ \] قيل : الزيادة هي رؤية الله تعالى في الجنة. 
والثاني[(٢)](#foonote-٢) : ولدينا مزيد  من نعيمها ما لا يبلُغ تمنّيهم وشهواتهم كقوله عليه السلام في صفة نعيم الجنة :( ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر ) \[ البخاري ٣٢٤٤ \] لأن الأماني والشهوات إنما تكون لما سبق لجنسه من الذي تقع عليه الرؤية والنظر أو الخير. فأما ما لا معرفة له فلا يُتمنّى، ولا يُشتهى، والله أعلم.

١ في الأصل وم: ولهم ما يشتهون \[النحل: ٥٧\]..
٢ في الأصل وم: ويشبه..

### الآية 50:36

> ﻿وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَشَدُّ مِنْهُمْ بَطْشًا فَنَقَّبُوا فِي الْبِلَادِ هَلْ مِنْ مَحِيصٍ [50:36]

الآية ٣٦ وقوله تعالى : وكم أهلكنا قبلهم من قرنٍ هم أشدّ منهم بطشا فنقّبوا في البلاد هل من محيص  هذا يخرّج على وجهين :
أحدهما : يقول : وكم أهلكنا قبلهم من قرن  لم يملكوا دفع ذلك عن أنفسهم ولا الانتصار على ذلك، فكيف يملك قومك دفع ما ينزل بهم لو أصرّوا على التكذيب ؟ 
والثاني : يقول : قد أهلك الذين كانوا قبل قومك : الذين كذّبوا رسلهم، أُهلكوا إهلاك عقوبة وتعذيب، والذين صدّقوا أُهلكوا بآجالهم لا إهلاك عقوبة. 
وقد كانوا جميعا المصدّقين والمكذبين سواء في هذه الدنيا. وفي الحكمة التفريق بينهم[(١)](#foonote-١). دلّ أن هنالك دارا أخرى يفرّق بينهم[(٢)](#foonote-٢)، والله أعلم. 
وقوله تعالى : فنقّبوا في البلاد  قال أبو عوسجة : فنقّبوا في البلاد هل من محيص  أي صاروا في البلاد، هل من مفرّ ؟ 
وقال القتبيّ : فنقّبوا في البلاد  أي طافوا، وتباعدوا  هل من محيص  أي هل يجدون من الموت محيصًا أي مفرًّا ؟ 
ويحتمل أي تقلّبوا في البلاد في تجاراتهم \[ فلم يجدوا \][(٣)](#foonote-٣) ملجأ يردّ به هلاكهم ؛ يوعد بما ذكر أهل مكة أنهم لم يجدوا محيصا، فكيف تجدون أنتم ؟

١ في الأصل وم: بينهما..
٢ في الأصل وم: بينهما..
٣ في الأصل وم: فلا يجدون..

### الآية 50:37

> ﻿إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَذِكْرَىٰ لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ [50:37]

الآية ٣٧ وقوله تعالى : إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب  يحتمل وجوها :
أحدها : إن في ذلك لذكرى  أي عِظة  لمن كان له قلب . 
والثاني :\[ إن \][(١)](#foonote-١) ما ذكر من إهلاك الأمم الخالية وذهاب آثارهم بتكذيبهم الرسل لَذكرى لمن ذكر. 
والثالث : إن[(٢)](#foonote-٢) في ما ذكرنا[(٣)](#foonote-٣) من استواء المُحسِن والمُفسِد في هذه \[ الدنيا \][(٤)](#foonote-٤) والصالح والطالح  لذكرى لمن له قلب  أن هنالك دارا يُميَّز فيها بينهما. 
وقوله تعالى : لمن كان له قلب  ينتفع به في التأمّل والنظر، وإنما كنّى بالقلب عن العقل، لأن الناس اختلفوا \[ قال بعضهم :\][(٥)](#foonote-٥) إن القلب محلّ العقل، وقال بعضهم : محلُّه الرأس، لكن نوره[(٦)](#foonote-٦) يصل إلى القلب، فيُبصر القلب الأشياء الغائبة بواسطة العقل، فلذلك كنّى بالقلب عن العقل لمجاورةٍ بينهما، وهو شائع في اللغة. 
وقوله تعالى : أو ألقى السمع وهو شهيد  أي يستمع، وهو شاهد سمعه وقلبه. 
وأصله أن القلب جُعل للوعي والحفظ بعد الإدراك والإصابة. 
**ثم أصل ما يقع به العلم والفهم شيئان :**
\[ أحدهما \][(٧)](#foonote-٧) : التأمّل والنظر في المحسوس. 
والثاني : أن يُلقى إليه الخبر، وهو يستمع له ؛ فكأنه يقول، والله أعلم : إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب  يطلب الرشد والصّواب، وينظُر، ويعي، ويحفظ. 
\[ ويحتمل \][(٨)](#foonote-٨) : أو ألقى السمع  أي يستمع لما[(٩)](#foonote-٩) أُلقي عليه، وهو شاهد السمع والقلب، فتكن الذكرى لمن اختصّ بهذين أو انتفع به هذان الصنفان بالتأمّل، فيرى بالعقل محاسن الأشياء ومساوئها، أو يستمع حقيقة ذلك بالسمع، فيتذكّر، والله أعلم.

١ ساقطة من الأصل وم..
٢ في الأصل وم: أي..
٣ من نسخة الحرم المكي، في الأصل وم: ذكروا..
٤ من م، ساقطة من الأصل..
٥ في الأصل: قالوا، في م: بعضهم قالوا..
٦ الهاء ساقطة من الأصل..
٧ ساقطة من الأصل وم..
٨ ساقطة من الأصل وم..
٩ في الأصل وم: بما..

### الآية 50:38

> ﻿وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ [50:38]

الآية ٣٨ وقوله تعالى : ولقد خلقنا السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام وما مسّنا من لُغوب  قد ذكرنا في ما تقدم تأويل خلق السماوات والأرض في ستة أيام. 
وقوله تعالى : وما مسّنا من لُغوب  أي من إعياء وتعب ونصَب. وفيه نقض قول اليهود، لعنهم الله :\[ في الاستراحة \][(١)](#foonote-١) ونفي. فهم[(٢)](#foonote-٢) المُشبّهة في قوله[(٣)](#foonote-٣) : ثم استوى على العرش  \[ الأعراف : ٥٤ و. . . \] وتبيُّن المراد من قوله تعالى : ثم استوى على العرش . 
أما نقض قول اليهود. لعنهم الله. فإنهم يقولون : خلق الله السماوات والأرض في ستة أيام، ثم استراح في يوم السبت، وهم يتركون العمل يوم السبت لهذا. فالله عز وجل أخبر أنه لم يمسسه بخلق ما ذكر إعياء ولا لُغوب على ما زعمت اليهود، لعنهم الله، فيكون ردًّا لقولهم صريحا. 
وأما نفي فهم[(٤)](#foonote-٤) المُشبّهة فإنهم توهّموا أن قوله :{ ثم استوى على العرش على إثر خلق السماوات والأرض وما بينهما في آية أخرى /٥٢٨-ب/ أن ذلك للراحة، فشبّهوا الله تعالى بالخلق : أنهم إذا فرغوا من أعمال عملوها، ثم استووا على شيء، إنما يستوون للراحة، فقالوا بالاستواء على العرش حقيقة. 
فالله تعالى نفى التّعب عن نفسه في خلق السماوات والأرض على أن استواءه ليس للراحة حتى يراد به الاستقرار كما في الشاهد بين الخلق، وبيّن تعاليه وبراءته عما توهّمت المُشبّهة، وشبّهوه بالخلق. 
ويتبين بذكر الاستواء على العرش بعد خلق السماوات والأرض أن[(٥)](#foonote-٥) المراد منه التمام، أي تمّ ملكه بعد خلق السماوات والأرض بخلق العرش، ويُذكر الاستواء، ويراد به التّمام، والله أعلم. 
قال أبو عوسجة : اللّغوب الإعياء، يقال : لغِب يلغب لُغوبا، فهو لاغِب. 
وأصله ما ذكرنا أن خلق الله تعالى الأشياء لا لمنفعة له أو حاجة تقع له ولا بالآلات والأسباب التي بها يقع التعب والإعياء في الشاهد ؛ إذ الإعياء إنما يلحق من فعله الحركة والانتقال والسكون. 
فأما الله تعالى إنما يخلُق الأشياء بقوله : كُن  ولا يلحقه شيء من ذلك. وهو قادر بذاته فاعل لا بآلة وسبب، فأنّى يقع له الإعياء والتعب ؟ تعالى الله عما يقول الظالمون علوًّا كبيرًا.

١ في الأصل وم: مراحًا..
٢ في الأصل وم: انفهام..
٣ في الأصل وم: قولهم..
٤ في الأصل وم: إبهام..
٥ أدرج قبلها في الأصل وم: على..

### الآية 50:39

> ﻿فَاصْبِرْ عَلَىٰ مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ [50:39]

الآية ٣٩ وقوله تعالى : فاصبر على ما يقولون  أي فاصبر على ما يقولون فيك : إنك ساحر وشاعر ومجنون ونحوه ؛ فأمره بالصبر على ذلك وألاّ يدعو عليهم بالهلاك. 
ويحتمل : فاصبر على ما يقولون  في الله من معاني الخلق، ولا تُحاربهم ولا تقاتلهم، ولا تدع عليهم بالهلاك. ولكن اصبر فإن الله تعالى ينتقم لك. 
وإنما أمره بالصبر لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان سريع الغضب لله تعالى بما عاين من المناكير، وسمع، وكذلك جميع الأنبياء والرسل عليهم السلام لذلك أمره بالصبر على ما يقولون في الله أو فيه. 
وقوله عز وجل : وسبّح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل الغروب  قيل : بحمد ربك  أي بالثناء على ربك أي أثن عليه بما هو أهله وما يليق به. 
وأهل التأويل يُفسّرون التسبيح في هذا الموضع وفي غيره من المواضع بالصلاة ؛ فمعنى قوله تعالى : وسبّح بحمد ربك  أي صلّ بأمر ربك. وإنما صرفوا التسبيح إلى الصلاة لأن الصلاة من أوّلها إلى آخرها وصف الرّب تعالى بالتعظيم والتنزيه والبراءة من كل عيب قولا وفعلا، ولأنه لما \[ قال المرء \][(١)](#foonote-١) إلى الصلاة فقد فارق جميع الخلائق بما هم فيه، وكذلك إذا جثا[(٢)](#foonote-٢) للركوع والسجود فقد[(٣)](#foonote-٣) فارق جميع الخلائق في ما هم فيه من الأمور، واعتزلهم، واشتغل بمناجاة ربه، جل، وعلا، فجائز أن تكون تسميتُهم التسبيح صلاة لهذا. 
ويحتمل أن سمّوه صلاة لما أن في الصلاة تسبيحا. 
وقوله تعالى : قبل طلوع الشمس وقبل الغروب  قال بعضهم : قبل صلاة الفجر وقبل غروبها. وقال بعضهم : صلاة العصر. وقال بعضهم : صلاة العصر والظهر لأنهما جميعا قبل غروب الشمس.

١ في الأصل وم قال..
٢ في للأصل وم: جئنا..
٣ في الأصل: و، ساقطة من م..

### الآية 50:40

> ﻿وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَأَدْبَارَ السُّجُودِ [50:40]

الآية ٤٠ وقوله تعالى : ومن الليل فسبّحه وأدبار السجود  قوله \][(١)](#foonote-١) : وأدبار السجود  قال عامّة أهل التأويل : هما ركعتان بعد المغرب، وجائز محتمل أن يكون  وأدبار السجود  ما ذكر في آية أخرى حين[(٢)](#foonote-٢) قال : أو لم يروا إلى ما خلق الله من شيء يتفيّؤا ظلالُه عن اليمين والشمائل سُجّدا لله  \[ النحل : ٤٨ \]. 
وتفيُّؤ الظلال إنما يكون بالنهار، وهو تسبيح الظلال ؛ فمعناه : وسبِّحه وقت أدبار سجود تلك الظلال. 
والذي أخبر أنه يتفيّؤ \[ قال \][(٣)](#foonote-٣) إنه يتفيُّؤه، هو تسبيحه، وهو ما ذكر في قوله تعالى : ومن الليل فسبّحه وإدبار النجوم  \[ الطور : ٤٩ \] وإدبار النجوم، هو ذهاب النجوم. 
فعلى ذلك قوله تعالى : وأدبار السجود  أي سبّحه بعد ذهاب سجود الظلال. فكذلك إنما يكون بعد ذهاب الشمس وغيبوبتها، والله أعلم.

١ ساقطة من الأصل وم..
٢ في الأصل وم: حيث..
٣ ساقطة من الأصل وم..

### الآية 50:41

> ﻿وَاسْتَمِعْ يَوْمَ يُنَادِ الْمُنَادِ مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ [50:41]

الآية ٤١ وقوله تعالى : واستمع يوم يُنادِ المُناد من مكان قريب  كأن هذا صلة قوله عز وجل : فاصبر على ما يقولون  وانظر يوم ينادي المنادي، ولا تكافئهم، ولا تنتقم منهم، ولكن اصبر، وانتظر ذلك اليوم. 
ثم قوله تعالى : يُناد المُناد  يخرّج على وجهين :
أحدهما : كقوله تعالى : يوم يدع الدّاع إلى شيء نُكُرٍ  \[ القمر : ٦ \] أي يوم يدعوهم الداعي إلى شيء، أنكروه. 
والثاني : ما ذكر من نداء بعض لبعض كقوله تعالى : ونادى أصحاب الجنة أصحاب النار  الآية \[ الأعراف : ٤٤ \] وقوله تعالى : ونادى أصحاب النار أصحاب الجنة  \[ الأعراف : ٥٠ \] يقول عز وجل انتظر يوم ينادون، ويُدعون إلى ما أنكروا، ويوم ينادي بعضهم بعضا. 
وقوله تعالى : من مكان قريب  أي من مكان يسمعون ما ينادون، ويُدعون، ويعرفون ما يراد بالدعاء، ومن يراد به : ينتهي ذلك الدعاء والدعاء إلى كل في نفسه حتى يعرفه. 
وذكر أهل التأويل أن المنادي، هو جبريل عليه السلام عند بيت المقدس بنداء يسمعُه كل أحد، وبيت المقدس أرفع مكان في الأرض، وهو يقرُب من السماء بكذا كذا ذراعا، فهو المكان القريب. 
ولكن هذا لا معنى له، فإنه يسمع صوته جميع الخلائق، وإن لم يُقِم في ذلك المكان. وليس المراد من القرب ما ذكره، ولكن على الأسماع في أيّ موضع كانوا، ومن يسمع شيئا فذلك منه قريب، والله أعلم.

### الآية 50:42

> ﻿يَوْمَ يَسْمَعُونَ الصَّيْحَةَ بِالْحَقِّ ۚ ذَٰلِكَ يَوْمُ الْخُرُوجِ [50:42]

الآية ٤٢ وقوله تعالى : يوم يسمعون الصّيحة بالحق  الصيحة النفخة أو النداء الذي ذكر. 
ثم قوله تعالى : بالحق  يحتمل وجهين :
أحدهما : أي يستمعون الصيحة بما أوعدهم الرُّسل من المواعيد، فيتحقّق لهم ذلك في ذلك اليوم. 
والثاني[(١)](#foonote-١) : يحتمل  بالحق  أي بتحقّق ذلك اليوم، لأن الرسل عليهم السلام قد أخبروهم بذلك اليوم، وهم أنكروه، أو  بالحق  الذي لبعضهم على بعض، أي يستوفي بعض من بعض ما لهم من الحق في ذلك اليوم إذ[(٢)](#foonote-٢) أُمروا بأداء الحقوق في ذلك اليوم، والله أعلم. 
وقوله تعالى : ذلك يوم الخروج  قيل : يوم الخروج من قبورهم، وقيل : يوم الخروج  والبروز إلى الله تعالى.

١ في الأصل وم: و..
٢ في الأصل وم: و..

### الآية 50:43

> ﻿إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَإِلَيْنَا الْمَصِيرُ [50:43]

الآية ٤٣ وقوله تعالى : إنا نحن نُحيي ونُميت  أي نُحيي الموتى، ونميت الأحياء، أي نحن نملك ذلك، لا يملك أحد ذلك غيرنا. 
وقوله تعالى : وإلينا المصير  خصّ ذلك اليوم بالمصير إليه، وإن كانوا في الأوقات كلها صائرين إليه بما ذكرنا من الوجوه في غير موضع، والله أعلم.

### الآية 50:44

> ﻿يَوْمَ تَشَقَّقُ الْأَرْضُ عَنْهُمْ سِرَاعًا ۚ ذَٰلِكَ حَشْرٌ عَلَيْنَا يَسِيرٌ [50:44]

الآية ٤٤ وقوله تعالى : يوم تشقّق الأرض عنهم سِراعًا  يتمل أن يكون ما ذكر من السِّراع، هو صفة تشقّق الأرض ؛ كأنه يقول : يوم تشقّق سِراعا لا تنتظر طرفة عين، ولكن تتشقّق أسرع من لمحة البصر. 
ويحتمل أن يكون وصف سرعة خروجهم من الأرض ؛ يقول : يوم يُسرعون بالخروج من الأرض. 
وقوله تعالى : ذلك حشرٌ علينا يسير  وغير الحشر يسير على الله تعالى أيضا ؛ ليس شيء أيسر عليه من شيء، لكن خصّ ذلك بالذكر، لأن أولئك الكفرة استبعدوا ذلك اليوم، واستعظموا كونه، فخصّ ذلك اليوم باليُسر لهذا ؛ إذ وجود الأشياء كلها بالتكوين الأزليّ، وعبّر عن ذلك بحرف  كُن  لمعرفة العباد لا أنّ التكوين الذي به وجود المكوَّنات مما يوصف بالحرف. 
وذلك يستوي ابتداء الخلق وإعادته والحشر وكل شيء، ولا قوة إلا بالله، وهو كقوله : وما أمر الساعة إلا كلمح البصر  \[ النحل : ٧٧ \] والله الموفّق.

### الآية 50:45

> ﻿نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ ۖ وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ ۖ فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخَافُ وَعِيدِ [50:45]

الآية ٤٥ وقوله تعالى : نحن أعلم بما يقولون /٥٢٩-أ/ وما أنت عليهم بجبّار  يقول، والله أعلم : فاصبر على ما يقولون   نحن أعلم بما يقولون  فنُكافئهم. أو يقول : عن علم بذلك نتركهم على ذلك، ونُمهلُهم ؛ يصبّر رسوله صلى الله عليه وسلم على ذلك ليتسلّى به بعض ما يُحزن قلبه. 
وقوله تعالى : وما أنت عليهم بجبّار  قال بعضهم : من الجبر والقهر، أي ما أنت بقاهر عليهم وجبّار، تُجبرهم على التوحيد. 
وقال بعضهم : من التجبُّر والتكبّر، والجبّار، هو الذي يقتل بلا ذنب ولا حق. 
وقيل : أي وما أنت بمُسلَّط عليهم، وهو كقوله عز وجل : وما جعلناك عليهم حفيظا  \[ الأنعام : ١٠٧ \] أي مسلَّطًا. 
وقوله تعالى : فذكّر بالقرآن من يخاف وعيدِ  أي بلّغ ما أُنزل إليك، فعليك التبليغ، وأنا المجازي لهم والمكافئ بما يفعلون. 
ثم لم يخصّ بالتذكير من يخاف الوعيد، لكن أمر بتذكير الكل لأن[(١)](#foonote-١) منفعة الذكرى تكون لمن يخاف الوعيد، لا لمن لا يخاف الوعيد. فلذلك خصّه بالذكر، لكن التخصيص بالذكر لا يكون تخصيصا بالحُكم ونفيا عن غيره. 
فيُبطل بهذا مذهب من ادّعى ذلك. والله أعلم بما أراد \[ والله الموفّق \][(٢)](#foonote-٢).

١ في الأصل وم: لا أن..
٢ من م، ساقطة من الأصل..

## روابط ذات صلة

- [النص القرآني للسورة](https://quranpedia.net/surah/1/50.md)
- [كل تفاسير سورة ق
](https://quranpedia.net/surah-tafsir/50.md)
- [ترجمات سورة ق
](https://quranpedia.net/translations/50.md)
- [صفحة الكتاب: تأويلات أهل السنة](https://quranpedia.net/book/468.md)
- [المؤلف: أبو منصور المَاتُرِيدي](https://quranpedia.net/person/4180.md)

---

زُر [Quranpedia.net](https://quranpedia.net/surah/1/50/book/468) — موسوعة القرآن الكريم: التفاسير، الترجمات، التلاوات، والمواضيع.
