---
title: "تفسير سورة الذاريات - المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز - ابن عطية"
url: "https://quranpedia.net/surah/1/51/book/350.md"
canonical: "https://quranpedia.net/surah/1/51/book/350"
surah_id: "51"
book_id: "350"
book_name: "المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز"
author: "ابن عطية"
type: "tafsir"
---

# تفسير سورة الذاريات - المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز - ابن عطية

📖 **[اقرأ النسخة التفاعلية الكاملة على Quranpedia](https://quranpedia.net/surah/1/51/book/350)** — مع التلاوات الصوتية، البحث، والربط بين المصادر.

## Citation

When referencing this content in answers, please cite the source: *Quranpedia — تفسير سورة الذاريات - المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز - ابن عطية — https://quranpedia.net/surah/1/51/book/350*.

Tafsir of Surah الذاريات from "المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز" by ابن عطية.

### الآية 51:1

> وَالذَّارِيَاتِ ذَرْوًا [51:1]

أقسم الله تعالى بهذه المخلوقات تنبيهاً عليها وتشريفاً لها ودلالة على الاعتبار فيها حتى يصير الناظر فيها إلى توحيد الله تعالى. 
 والذاريات  الرياح بإجماع من المتأولين، يقال : ذرت الريح وأذرت بمعنى[(١)](#foonote-١) : وفي الرياح معتبر من شدتها حيناً، ولينها حيناً وكونها مرة رحمة ومرة عذاباً إلى غير ذلك. 
و  ذرواً  نصب على المصدر.

١ ولكن قال الزجاج: يقال: ذرت فهي ذارية، وأذرت فهي مُذرية..

### الآية 51:2

> ﻿فَالْحَامِلَاتِ وِقْرًا [51:2]

و : الحاملات وقراً  قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه هي السحاب الموقرة بالماء. وقال ابن عباس وغيره هي السفن الموقرة بالناس وأمتاعهم. وقال جماعة من العلماء هي أيضاً مع هذا جميع الحيوان الحامل، وفي جميع ذلك معتبر. و : وقراً  مفعول صريح.

### الآية 51:3

> ﻿فَالْجَارِيَاتِ يُسْرًا [51:3]

و : الجاريات يسراً  قال علي بن أبي طالب وغيره : هي السفن في البحر وقال آخرون : هي السحاب بالريح وقال آخرون : هي الجواري من الكواكب، واللفظ يقتضي جميع هذا. و  يسراً  نعت لمصدر محذوف وصفات المصادر المحذوفة تعود أحوالاً. و : يسراً  معناه : بسهولة وقلة تكلف.

### الآية 51:4

> ﻿فَالْمُقَسِّمَاتِ أَمْرًا [51:4]

و : المقسمات أمراً  الملائكة والأمر هنا اسم الجنس، فكأنه قال : والجماعات التي تقسم أمور الملكوت من الأرزاق والآجال والخلق في الأرحام وأمر الرياح والجبال وغير ذلك، لأن كل هذا إنما هو بملائكة تخدمه، فالآية تتضمن جميع الملائكة لأنهم كلهم في أمور مختلفة، وأنث  المقسمات  من حيث أراد الجماعات. 
وقال أبو طفيل عامر بن واثلة[(١)](#foonote-١) : كان علي بن أبي طالب رضي الله عنه على المنبر فقال : لا تسألوني عن آية من كتاب الله أو سنة ماضية إلا قلت، فقام إليه ابن الكواء فسأله عن هذه، فقال : الذاريات  الرياح. 
و  الحاملات  السحاب، و  الجاريات  السفن، و  المقسمات  الملائكة. ثم قال له سل سؤال تعلم ولا تسأل سؤال تعنت[(٢)](#foonote-٢).

١ هو عامر بن واثلة بن عبد الله بن عمرو بن جحش الليثي، أبو الطفيل، وربما سمي عمرا، ولد عام أحد، ورأى النبي صلى الله عليه وسلم، وروى عن أبي بكر فمن بعده، وعمِّر إلى أن مات سنة عشر ومائة على الصحيح، وهو آخر من مات من الصحابة، قال ذلك مُسلم وغيره.(تقريب التهذيب)، أما ابن الكواء فاسمه عبد الله..
٢ وروي أن رجلا قال لعمر بن الخطاب رضي الله عنه: إني مررت برجل يسأل عن تفسير مشكل القرآن-وهذا الرجل اسمه صبيغ على وزن أمير-فقال عمر: اللهم أمكني منه، فدخل هذا الرجل يوما على عمر وهو يلبس ثيابا وعمامة، وكان عمر يقرأ القرآن، فلما فرغ قام إليه الرجل فقال: يا أمير المؤمنين، ما"الذاريات ذروا"؟ فقام عمر فحسر عن ساعديه وجعل يجلده، ثم قال: ألبسوه ثيابه، واحملوه على قتب، وابلغوا به حيه، ثم ليقم خطيب فليقل: إن"صبيغا" طلب العلم فأخطأه، فلم يزل وضيعا في قومه بعد أن كان سيدا فيهم..

### الآية 51:5

> ﻿إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَصَادِقٌ [51:5]

وهذا القسم واقع على قوله : إنما توعدون لصادق ، و  توعدون  يحتمل أن يكون من الإيعاد، ويحتمل أن يكون من الوعد، وأيها كان فالوصف له بالصدق صحيح و : صادق  هنا موضوع بدل صدق، ووضع الاسم موضع المصدر.

### الآية 51:6

> ﻿وَإِنَّ الدِّينَ لَوَاقِعٌ [51:6]

و : الدين  الجزاء. وقال مجاهد الحساب، والأظهر في الآية أنها للكفار وأنها وعيد محض بيوم القيامة.

### الآية 51:7

> ﻿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْحُبُكِ [51:7]

ثم أقسم تعالى بمخلوق آخر فقال : والسماء ذات الحبك  فظاهر لفظة  السماء  أنها لجميع السماوات، وقال عبد الله بن عمرو بن العاصي : هي السماء السابعة. و : الحُبُك  بضم الحاء والباء : الطرائق التي هي على نظام في الأجرام، فحبك الرمان والماء : الطرائق التي تصنع فيها الريح الهابة عليها، ومنه قول زهير :
مكلل بعميم النبت تنسجه. . . ريح خريف لضاحي مائه حبك[(١)](#foonote-١)
وحبك الدرع : الطرائق المتصلة في موضع اتصال الحلق بعضها ببعض، وفي بعض أجنحة الطير حبك على نحو هذا، ويقال لتكسر الشعر حبك، وفي الحديث :**«أن من ورائكم الكذاب المضل، وأن من ورائه حبكاً حبكاً »**[(٢)](#foonote-٢)
يعني جعودة شعره فهو يكسره، ويظهر في المنسوجات من الأكسية وغيرها طرائق في موضع تداخل الخيوط هي حبك، ويقال نسج الثوب فأجاد حبكه، فهذه هي الحبك في اللغة. وقال منذر بن سعيد : إن في السماء في تألق جرمها هي هكذا لها حبك، وذلك لجودة خلقتها وإتقان صنعتها، ولذلك عبر ابن عباس في تفسير قوله  والسماء ذات الحبك  بأن قال : حبكها حسن خلقتها، وقال ابن جبير : الحبك  : الزينة. وقال الحسن : حبكها كواكبها، وقال ابن زيد : الحبك  : الشدة، وحبكت شدت، وقرأ  سبعاً شداداً [(٣)](#foonote-٣) \[ النبأ : ١٢ \] وقال ابن جني : الحبك  طرائق الغيم ونحو هذا، وواحد  الحبك  : حباك، ويقال للظفيرة التي يشد بها حظار القصب ونحوه، وهي مستطيلة تمنع في ترحيب الغرسات المصطفة حباك وقد يكون واحد  الحبك  حبيكة، وقال الراجز :\[ الوافر \]
كأنما جللها الحواك، . . . طنفسة في وشيها حباك[(٤)](#foonote-٤)
وقرأ جمهور الناس :**«الحُبُك »** بضم الحاء والباء. وقرأ الحسن بن أبي الحسن وأبو مالك الغفاري بضم الحاء وسكون الباء تخفيفاً، وهي لغة بني تميم كرسل في رسل، وهي قراءة أبي حيوة وأبي السمال. وقرأ الحسن أيضاً وأبو مالك الغفاري :**«الحِبِك »** بكسر الحاء والباء على أنها لغة كإبل وإطل. 
وقرأ الحسن أيضاً فيما روي عنه :**«الحِبْك »** بكسر الحاء وسكون الباء كما قالوا على جهة التخفيف : إبل وإطل بسكون الباء والطاء. وقرأ ابن عباس :**«الحَبَك »** بفتح الحاء والباء. وقرأ الحسن أيضاً فيما روي عنه ****«الحِبُك »**** بكسر الحاء وضم الباء وهي لغة شاذة غير متوجهة، وكأنه أراد كسرهما ثم توهم ****«الحِبُك »**** قراءة الضم بعد أن كسر الحاء فضم الباء، وهذا على تداخل اللغات وليس في كلام العرب هذا البناء[(٥)](#foonote-٥). وقرأ عكرمة **«الحُبَك »** بضم الحاء وفتح الباء جمع حبكة، وهذه كلها لغات والمعنى ما ذكرناه. والفرس المحبوك الشديد الخلقة الذي له حبك في مواضع من منابت شعره، وذلك دليل على حسن بنيته[(٦)](#foonote-٦).

١ هذا البيت من قصيدة زهير التي قالها بعد أن أغار الحارث بن ورقاء الأسدي على بني عبد الله بن غطفان واستاق إبل زهير وراعيه يسارا، فقال زهير القصيدة يطالبه برد إبله وراعيه. ورواية الديوان والمحتسب:(مكلل بأصول النبت)، ويروى:(بأصول النجم) كما في القرطبي والكشاف، ورواية اللسان كرواية ابن عطية هنا. والبيت في وصف ماء ظاهر على وجه الأرض قد اصطفت على حافته طيور صغيرة بيضاء، وزينه النبات الذي امتد على جوانبه كالأكاليل، وتنسجه: تضم بعضه إلى بعض، فالريح تنسج الماء في هذا الوادي بمعنى أنها تضرب وجهه فتجعل فيه طرائق بعد أن تضم بعضه إلى بعض، والخريق: الشديدة، وهي صفة للريح، والضاحي: البارز للشمس، والحُبُك: الطرائق، وهو موضع الاستشهاد هنا، والمعنى أن هذا الماء الظاهر على وجه الأرض قد زينته أكاليل النبات ومرت عليه الريح الشديدة فجمعت بعضه إلى بعض حتى أصبح طرائق من تكسره..
٢ أخرجه الإمام أحمد في مسنده(٤-٢٠، ٥-٣٧٢) عن هشام بن عامر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:(إن رأس الدجال من ورائه حبك حبُك، فمن قال: أنت ربي افتتن، ومن قال: كذبت، ربي الله عليه توكلت، فلا يضره، أو قال: فلا فتنة عليه)..
٣ من الآية(١٢) من سورة (النبأ)..
٤ يصف الراجز ظهر أتان من حُمُر الوحش بأن فيه خطوطا وطرائق، وجلّلها: ألبسها وكساها، والحوّاك: الذي يحوك الثياب أي ينسجها، والطِّنفسة: البساط أو النُّمرقة فوق الرحل، والوشي: الزخرف والنقش، والحِباك: الطريقة التي تحدثها الرياح في الرمال أو المياه، وهي موضع الاستشهاد هنا، يقول: موشاة فيها خطوط مستقيمة ذات ألوان متعددة. والبيتان في تفسير الطبري ومعهما ثالث، وكذلك استشهد بهما القرطبي..
٥ يعني بناء(فِعلُ) بكسر الفاء وضم العين، وقال بعض العلماء: إن هذا ليس من تداخل اللغات، وإنما هو تركيب من قرائتين، فإن صح الأخذ به فإنه لا يبدو بعيدا..
٦ أي: هيئة البناء الذي قام عليه شكله، وفي بعض النسخ:"على حسن مُنبته"..

### الآية 51:8

> ﻿إِنَّكُمْ لَفِي قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ [51:8]

وقوله تعالى : إنكم لفي قول مختلف ، يحتمل أن يكون خطاباً لجميع الناس مؤمن وكافر، أي اختلفتم بأن قال فريق منكم : آمنا بمحمد وكتابه، وقال فريق آخر : كفرنا، وهذا قول قتادة. ويحتمل أن يكون خطاباً للكفرة فقط، أي : أنتم في جنس من الأقوال مختلف في نفسه، قوم منكم يقولون : ساحر، وقوم : كاهن، وقوم : شاعر، وقوم : مجنون إلى غير ذلك، وهذا قول ابن زيد والضمير في : عنه  قال الحسن وقتادة : هو عائد على محمد أو كتابه وشرعه.

### الآية 51:9

> ﻿يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ [51:9]

و : يؤفك  معناه : يصرف، فالمعنى : يصرف عن كتاب الله من صرف ممن غلبت شقاوته، وكان قتادة يقول : المأفوك منا اليوم عن كتاب الله كثيراً، ويحتمل أن يعود الضمير على القول، أي : يصرف بسببه من أراد الإسلام، بأن يقال له هو سحر، هو كهانة ؛ وهذا حكاه الزهراوي. 
ويحتمل أن يعود الضمير في  عنه  على القول، أي يصرف عنه بتوفيق الله إلى الإسلام من غلبت سعادته، وهذا على أن يكون قوله : إنكم لفي قول مختلف  للكفار فقط. 
قال القاضي أبو محمد : وهذا وجه حسن لا يُخِلُّ به، إلا أن عُرْفَ الاستعمال في **«أَفَكَ »**، إنما هو في الصرف من خير إلى شر، وتأمل ذلك تجدْها أبداً في المصروفين المذمومين، وحكى أبو عمرو عن قتادة أنه قرأ **«من أَفَكَ »** بفتح الهمزة والفاء.

### الآية 51:10

> ﻿قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ [51:10]

وقوله تعالى : قتل الخراصون  دعاء عليهم، كما تقول : قاتلك الله وقتلك الله، وعقرى حلقى[(١)](#foonote-١) ونحوه، وقال بعض المفسرين معناه : لعن الخراصون، وهذا تفسير لا تعطيه اللفظة. والخراص : المخمن القائل بظنه فتحته الكاهن والمرتاب وغيره ممن لا يقين له، والإشارة إلى مكذبي محمد على كل جهة من طرقهم[(٢)](#foonote-٢).

١ يقال للمرأة:"عقرى حلقى"، بمعنى: عقرها الله وحلقها، أي: حلق شعرها أو أصابها بوجع في حلقها، وقد قيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم: إن صفية بنت حيي رضي الله عنها حائض، فقال:(عقرى حلقى، ما أُراها إلا حابستنا)، قال أبو عبيد: هو:"عقرا حلقا" بالتنوين، والمحدثون يقولون:"عقرى حلقى"، وأصل هذا ومعناه: عقرها الله وحلقها، أي أصابها بوجع في حلقها، كما تقول: رأسته، وبطنته. (راجع اللسان، ومجمع الأمثال والمستقصى في أمثال العرب)..
٢ قيل للكذاب: خراص لأن الخرص في الأصل هو حرز ما على النخل من الرطب تمرا، أ تقدير ما عليها من البلح، وهو قائم على الظن والتخمين، والخراصون جمع خارص، ويقال: خرص واخترص، وخلق واختلق، وبشك وابتشك، وسرج واسترج ومان، بمعنى: كذب..

### الآية 51:11

> ﻿الَّذِينَ هُمْ فِي غَمْرَةٍ سَاهُونَ [51:11]

والغمرة : ما يغشى الإنسان ويغطيه كغمرة الماء، والمعنى في غمرة من الجهالة. و : ساهون  معناه عن أنهم  في غمرة  وعن غير ذلك من وجوه النظر.

### الآية 51:12

> ﻿يَسْأَلُونَ أَيَّانَ يَوْمُ الدِّينِ [51:12]

وقوله تعالى : يسألون أيان يوم الدين  معناه : يقولون متى يوم الدين ؟ على معنى التكذيب، وجائز أن يقترن بذلك من بعضهم هزء وأن لا يقترن. 
وقرأ السلمي والأعمش :**«إيَان »** بكسر الهمزة وفتح الياء المخففة.

### الآية 51:13

> ﻿يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ [51:13]

وقوله تعالى : يوم هم على النار يفتنون  قال الزجاج : نصبوا  يوم  على الظرف من مقدر تقديره : هو كائن  يوم هم على النار  ونحو هذا، وقال الخليل وسيبويه : نصبه على البناء لما أضيف إلى غير متمكن. قال بعض النحاة : وهو في موضع رفع على البدل من  يوم الدين . و : يفتنون  معناه : يحرقون ويعذبون في النار، قاله ابن عباس ومجاهد وعكرمة والجميع، ومنه قيل للحرة : فتين، كأن الشمس أحرقت حجارتها. 
**ومنه قول كعب بن مالك :**
معاطي تهوى إليها الحقو. . . ق يحسبها من وراءها الفتينا[(١)](#foonote-١)
وفتنت الذهب أحرقته، ولما كان لا يحرق إلا لمعنى الاختبار قيل لكل اختبار فتنة، واستعملوا : فتن، بمعنى اختبر، وعلى هنا موصلة إلى معنى في.

١ هذا البيت من قصيدة قالها كعب بن مالك في غزوة أحد يفتخر، وقبل هذا البيت يقول:
 وأبقت لنا جلمات الجُرُ بممن نوازي لدن أن برينا
 وجلمات: من الجلم وهو القطع، ونُوازي: نساوي، وبُرينا أصله بُرئنا بمعنى خُلقنا، أما المعاطن فهي مبارك الإبل على الماء، والحِقّ هو من أولاد الإبل الذي بلغ أن يُركب ويُحمل عليه ويَضرب الناقة، وإن كان صاحب اللسان لم ينص على أن (الحقوق) تكون جمعا له، والفتين من الأرض: الحَرّة التي قد ألبستها كلها حجارة سود كأنها مُحرقة، ويقال للأمة السوداء: مفتونة؛ لأنها كالحرة في السواد كأنها محترقة، وهذا هو موضع الاستشهاد هنا، فالشاعر يشبه الجمال الرابضة في معاطنها بالحجارة السوداء التي حرقتها الشمس بلهيبها. ومثل هذا البيت قول الكميت:
 ظعائن من بني الحُلاف تأوي إلى خرس نواطق كالفتينا..

### الآية 51:14

> ﻿ذُوقُوا فِتْنَتَكُمْ هَٰذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ [51:14]

وفي قوله تعالى : ذوقوا فتنتكم  معناه : يقال لهم ذوقوا حرقكم وعذابكم، قاله قتادة وغيره، والذوق : هنا استعارة، وهذا إشارة إلى حرقهم واستعجالهم : هو قولهم : أيان يوم الدين  وغير ذلك من الآيات التي تقتضي استعجالهم على جهة التكذيب منهم.

### الآية 51:15

> ﻿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ [51:15]

ولما ذكر تعالى حالة الكفرة وما يلقون من عذاب الله، عقب ذلك بذكر المتقين وما يلقون من النعيم ليبين الفرق ويتبع الناس طريق الهدى، " والجنات " و " العيون " معروف[(١)](#foonote-١). والمتقي في الآية مطلق في اتقاء الكفر والمعاصي.

١ هكذا في الأصول، وكأنه يريد: أمرهما معروف..

### الآية 51:16

> ﻿آخِذِينَ مَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ ۚ إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَٰلِكَ مُحْسِنِينَ [51:16]

وقوله تعالى : آخذين  نصب على الحال. وقرأ ابن أبي عبلة :**«آخذون »** بواو. وقال ابن عباس المعنى : آخذين  في دنياهم  ما آتاهم ربهم  من أوامره ونواهيه وفرائضه وشرعه، فالحال على هذا محكية وهي متقدمة في الزمان على كذبهم في جنات وعيون. وقال جماعة من المفسرين معنى قوله : آخذين ما آتاهم ربهم  أي محصلين لنعم الله التي أعطاهم من جنته ورضوانه، وهذه حال متصلة في المعنى بكونهم في الجنات. وهذا التأويل أرجح عندي لاستقامة الكلام به. وقوله : قبل ذلك  يريد في الدنيا محسنين بالطاعة والعمل الصالح.

### الآية 51:17

> ﻿كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ [51:17]

معنى قوله عز وجل : كانوا قليلاً من الليل ما يهجعون  أن نومهم كان قليلاً لاشتغالهم بالصلاة والعبادة، فالمراد من كل ليلة، والهجوع : النوم. 
وقال الأحنف بن قيس : لست من أهل هذه الآية، وهذا إنصاف منه. وقيل لبعض التابعين مدح الله قوماً  كانوا قليلاً من الليل ما يهجعون ، ونحن قليل من الليل ما تقوم، فقال رحم الله عبداً رقد، إذا نعس، وأطاع ربه إذا استيقظ. وفسر أنس بن مالك هذه الآية بأنهم كانوا ينتفلون بين المغرب والعشاء، وقال الربيع بن خيثم، المعنى : كانوا يصيبون من الليل حظاً. وقال مطرف بن عبد الله، المعنى : قل ليلة أتت عليهم هجوعها كله، وقاله ابن أبي نجيح ومجاهد، فالمراد عند هؤلاء بقوله : من الليل  أي من الليالي. وظاهر الآية عندي أنهم كانوا يقومون الأكثر من ليلهم، أي من كل ليلة وقد قال الحسن في تفسير هذه الآية : كابدوا قيام الليل لا ينامون منه إلا قليلاً. 
وأما إعراب الآية : فقال الضحاك في كتاب الطبري ما يقتضي أن المعنى  كانوا قليلاً  في عددهم وتم خبر كان، ثم ابتدأ  من الليل ما يهجعون  ف  ما  : نافية. و  قليلاً  وقف حسن. 
وقال بعض النحاة : ما  زائدة، و  قليلاً  مفعول مقدم ب  يهجعون . وقال جمهور النحويين  ما  مصدرية و  قليلاً  خبر **«كان »**، والمعنى كانوا قليلاً من الليل هجوعهم. والهجوع مرتفع ب **«قليل »** على أنه فاعل، وعلى هذا الإعراب يجيء قول الحسن وغيره، وهو الظاهر عندي أن المراد كان هجوعهم من الليل قليلاً. وفسر ابن عمر والضحاك  يستغفرون  ب **«يصلون »**. وقال الحسن معناه : يدعون في طلب المغفرة.

### الآية 51:18

> ﻿وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ [51:18]

و **«الأسحار »** مظنة الاستغفار. ويروى أن أبواب الجنة تفتح سحر كل يوم. وفي قصة يعقوب عليه السلام في قوله : سوف أستغفر لكم ربي [(١)](#foonote-١) \[ يوسف : ٩٨ \] قال أخر الاستغفار لهم إلى السحر. قال ابن زيد في كتاب الطبري : السحر : السدس الآخر من الليل.

١ من الآية (٩٨) من سورة (يوسف)..

### الآية 51:19

> ﻿وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ [51:19]

وقوله تعالى : وفي أموالهم حق  الصحيح أنها محكمة، وأن هذا الحق هو على وجه الندب، لا على وجه الفرض، و : معلوم [(١)](#foonote-١) يراد به متعارف، وكذلك قيام الليل الذي مدح به ليس من الفرائض، وأكثر ما تقع الفريضة بفعل المندوبات، وقال منذر بن سعيد : هي الزكاة المفروضة وهذا ضعيف، لأن السورة مكية وفرض الزكاة بالمدينة. وقال قوم من المتأولين : كان هذا ثم نسخ بالزكاة، وهذا غير قوي وما شرع الله عز وجل بمكة قبل الهجرة شيئاً من أخذ الأموال. 
واختلف الناس في  المحروم  اختلافاً، هو عندي تخليط من المتأخرين، إذ المعنى واحد، وإنما عبرعلماء السلف في ذلك بعبارات على جهة المثالات فجعلها المتأخرون أقوالاً وحصرها مكي ثمانية. 
و : المحروم  هو الذي تبعد عنه ممكنات الرزق بعد قربها منه فيناله حرمان وفاقة، وهو مع ذلك لا يسأل، فهذا هو الذي له حق في أموال الأغنياء كما للسائل حق، قال الشعبي : أعياني أن أعلم ما  المحروم  ؟ وقال ابن عباس : المحروم  : المعارف الذي ليس له في الإسلام سهم مال، فهو ذو الحرفة المحدود. وقال أبو قلابة : جاء سيل باليمامة فذهب بمال رجل، فقال رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم : هذا  المحروم . وقال زيد بن أسلم : هو الذي أجيحت ثمرته من المحرومين. 
وقال غيره : هو الذي ماتت ماشيته، وقال عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه : هو الكلب. 
**قال القاضي أبو محمد رحمه الله :**
وقد يكون الكلب محروما في بعض الأوقات والحالات، ألا ترى إلى الذي كان يأكل الثرى من العطش. . . الحديث[(٢)](#foonote-٢) ؛ إلى غير هذا من الأقوال التي إنما ذكرت مثالا، كأنه يقول : الذي أصيبت ثمرته من المحرومين. 
والمعنى الجامع لهذه الأقوال أنه الذي لا مال له لحرمان أصابه، وإلا فالذي أجيحت ثمرته وله مال كثير غيرها فليس في هذه الآية بإجماع، وبعد هذا مقدر من الكلام تقديره : فكونوا مثلهم أيها الناس وعلى طريقتهم فإن النظر المؤدي إلى ذلك متوجه، ف  في الأرض آيات  لمن اعتبر وأيقن.

١ لم ترد كلمة\[معلوم\] في هذه الآية، ولكنه يشير إلى ما ورد في الآيتين(٢٤، ٢٥) من سورة (المعارج)، فقد قال الله تعالى:والذين في أموالهم حق معلوم، للسائل والمحروم..
٢ يشير الحديث المعروف الذي أخرجه البخاري في الشرب والمظالم والأدب، ومسلم في السلام، وأبو داود في الجهاد، ومالك في صفة النبي صلى الله عليه وسلم، وأحمد في مسنده(٢-٣٧٥)، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:(بينما رجل يمشي وهو بطريق إذ اشتد عليه العطش، فوجد بئرا فنزل فيها فشرب، ثم خرج فإذا كلب يلهث يأكل الثرى من العطش. فقال: لقد بلغ هذا الكلب من العطش مثل الذي بلغني، فنزل فملأ خفه ماء ثم أمسكه بفيه حتى رقي به فسقى الكلب فشكر الله له فغفر له)، قالوا: يا رسول الله، وإن لنا في البهائم لأجرا؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:(في كل ذات كبد رطبة أجر)..

### الآية 51:20

> ﻿وَفِي الْأَرْضِ آيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ [51:20]

في الأرض آيات  لمن اعتبر وأيقن. قال القاضي أبو محمد : وهذه إشارة إلى لطائف الحكمة وعجائب الخلقة التي في الأرضين والجبال والمعادن والعيون وغير ذلك. وقرأ قتادة :**«آية »** على الإفراد.

### الآية 51:21

> ﻿وَفِي أَنْفُسِكُمْ ۚ أَفَلَا تُبْصِرُونَ [51:21]

وقوله تعالى : وفي أنفسكم  إحالة على النظر في شخص الإنسان فإنه أكثر المخلوقات التي لدينا عبرة لما جعل الله فيه مع كونه من تراب من لطائف الحواس ومن أمر النفس وجهاتها ونطقها، واتصال هذا الجزء منها بالعقل، ومن هيئة الأعضاء واستعدادها لتنفع أو تجمل أو تعين. قال ابن زيد : إنما القلب مضغة في جوف ابن آدم جعل الله فيه العقل، أفيدري أحد ما ذاك العقل ؟ وما صفته ؟ وكيف هو ؟ وقال الرماني : النفس خاصة : الشيء التي لو بطل ما سواها مما ليست مضمنة به لم تبطل، وهذا تعمق لا أحمده. وقوله : أفلا تبصرون  توقيف وتوبيخ.

### الآية 51:22

> ﻿وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ [51:22]

وقوله تعالى : وفي السماء رزقكم . قال الضحاك وابن جبير : أراد المطر والثلج. وقال واصل الأحدب ومجاهد : أراد القضاء والقدر، أي الرزق عند الله يأتي به كيف يشاء، لا رب غيره. وقرأ ابن محيصن **«وفي السماء رازقكم »**. 
و : توعدون  يحتمل أن يكون من الوعد، ويحتمل أن يكون من الوعيد، والكل في السماء. قال الضحاك المراد : من الجنة والنار. وقال مجاهد المراد : الخير والشر. وقال ابن سيرين المراد : الساعة.

### الآية 51:23

> ﻿فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ [51:23]

ثم أقسم تعالى بنفسه على صحة هذا القول والخبر وشبهه في اليقين به بالنطق من الإنسان، وهو عنده في غاية الوضوح، ولا يمكن أن يقع فيه اللبس ما يقع في الرؤية والسمع، بل النطق أشد تخلصاً من هذه واختلف القراء في قوله : مثل ما ، فقرأ حمزة والكسائي وعاصم في رواية أبي بكر **«مثلُ »** بالرفع، ورويت عن الحسن وابن أبي إسحاق والأعمش بخلاف عنهم. 
وقرأ نافع وأبو عمرو وابن كثير وابن عامر وأبو جعفر وأهل المدينة وجل الناس :******«مثلَ »****** بالنصب، فوجه الأولى الرفع على النعت، وجاز نعت النكرة بهذا الذي قد أضيف إلى المعرفة من حرث كان لفظ مثل شائعاً عاماً لوجوه كثيرة، فهو لا تعرفه الإضافة إلى معرفة، لأنك إذا قلت : رأيت مثل زيد فلم تعرف شيئاً، لأن وجوه المماثلة كثيرة، فلما بقي الشياع جرى عليه حكم النكرة فنعتت به النكرة. و  ما  زائدة تعطي تأكيداً، وإضافة ****«مثل »**** هي إلى قوله : إنكم . ووجه قراءة النصب أحد ثلاثة وجوه : إما أن يكون مثل قد بني لما أضيف إلى غير متمكن وهو في موضع رفع على الصفة  لحق  ولحقه البناء، لأن المضاف إليه قد يكسب المضاف بعض صفته كالتأنيث في قوله :
شرقت صدر القناة. . . [(١)](#foonote-١)
ونحوه، وكالتعريف في غلام زيد إلى غير ذلك، ويجري ******«مثلَ »****** حينئذ مجرى  عذاب يومئذ [(٢)](#foonote-٢) \[ المعارج : ١١ \] على قراءة من فتح الميم، ومنه قول الشاعر \[ النابغة الذبياني \] :\[ الطويل \]
على حين عاتبت المشيب على الصبا. . . [(٣)](#foonote-٣)
ومنه قول الآخر :\[ البسيط \]
لم يمنع الشرب منها غير أن هتفت. . . [(٤)](#foonote-٤)
ف **«غير »** فاعلة ولكنه فتحها. والوجه الثاني وهو قول المازني إن ******«مثلَ »****** بني لكونه مع  ما  شيئاً واحداً، وتجيء على هذا في مضمار ويحما وأينما، ومنه قول حميد بن ثور :\[ الطويل \]
ألا هيما مما لقيت وهيما. . . وويهاً لمن لم يدر ما هن ويحما[(٥)](#foonote-٥)
فلولا البناء وجب أن يكون منوناً، وكذلك قول الشاعر \[ حسان بن ثابت \] :\[ الطويل \]
فأكرم بنا أماً وأكرم بنا ابنما. . . [(٦)](#foonote-٦)
والوجه الثالث : أن تنصب ****«مثل »**** على الحال من قوله : لحق  وهي حال من نكرة وفيه خلاف لكن جوز ذلك الجرمي، وأما غيره فيراه حالاً من الذكر[(٧)](#foonote-٧) المرفوع في قوله  لحق  لأن التقدير  لحق  هو، وفي هذا نظر. والنطق في هذه الآية : الكلام بالحروف والأصوات في ترتيب المعاني. وروي أن بعض الأعراب الفصحاء سمع هذه الآية فقال : من أحوج الكريم إلى أن يحلف ؟ والحكاية وقعت في كتاب الثعلبي وسبل الخيرات متممة عن الأصمعي، وروي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :**«قاتل الله قوماً أقسم لهم ربهم بنفسه فلم يصدقوه »**[(٨)](#foonote-٨) وروى أبو سعيد الخدري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :**«لو فر أحدكم من رزقه لتبعه كما يتبعه الموت »**[(٩)](#foonote-٩) وأحاديث الرزق والأشعار فيه كثيرة.

١ هذه الجملة جزء من بيت قاله الأعشى ميمون بن قيس، ويسمى صنّاجة العرب، أدرك الإسلام ولم يسلم، والبيت من الطويل، وهو بتمامه:
 وتشرق بالقول الذي قد أذعته كما شرقت صدر القناة من الدم
 ومعنى أذعته: أفشيته وأعلنته، والقناة: الرمح، وشرق بريقه إذا غص وهو من باب علِم يعلم، وقد استشهد به المؤلف على أن المضاف إليه قد يُكسب المضاف بعض صفاته كالتأنيث، فالقناة مؤنث، وصدر مذكر، ولكن لما أضيف إلى القناة اكتسب منها التأنيث ولهذا أنث الفعل "شرق" فلحقت به تاء التأنيث فقيل:"شرقت"، والقياس أن يقال:"شرق صدر". ومثل هذا كثير في اللغة..
٢ من قوله تعالى في الآية(١١) من سورة(المعارج):يود المجرم لو يفتدي من عذاب يومئذ ببنيه في قراءة نصب الميم، ومعنى هذا أنها مبنية على الفتح لنها مضافة إلى مبني، قال الخليل في كتاب سيبويه تعليلا لنصب الذي في موضع الرفع:"هذا كنصب بعضهم"يومئذ" في كل موضع، ومثل هذه الآية قوله تعالى:فلما جاء أمرنا نجينا صالحا والذين آمنوا معه برحمة منا ومن خزي يومئذ..
٣ هذا صدر بيت للنابغة الذبياني، والبيت بتمامه:
 على حين عاتبت المشيب على الصبا وقلت: ألما أصح والشيب وازع؟
 وهو في الديوان، وابن الشجري، والإنصاف، وشرح شواهد المغني، وابن يعيش، والمنصف، وخزانة الأدب، والهمع، وشرح شواهد العيني. والوازع: الزاجر الناهي، وقد أسند الوزع إلى الشيب تجوزا، يقول: إنه بكى على الديار في وقت مشيبه ومعاتبته لنفسه على هذا الضرب، أي: عاتبت نفسي على الصبا لمكان شيبتي. والشاهد في "حين" لأنه بني على الفتح لإضافته إلى فعل بناؤه لازم وهو زمان مبهم، فهو ظرف، والمعنى: في وقت عاتبت، كقوله تعالى:ودخل المدينة على حين غفلة أي: في وقت غفلة. قال النحويون: ويجوز كسره للإعراب، ولكن المختار والأرجح بناؤه إذا تلاه فعل مبني للتناسب بينهما، قال سيبويه:"كأنه جعل (حين) و(عاتبت) شيئا واحدا"، ومثله قول الشاعر:
 لأجتذبن منهن قلبي تحلما على حين يستصبين كل حليم
 إلا أن بناء الفعل في البيت الأول لازم، وفي البيت الثاني عارض..
٤ هذا صدر بيت، وهو بتمامه:
 لم يمنع الشرب منها غير أن هتفت حمامة في غصون ذات أوقالد
 وهذا البيت مختلف في نسبته-فقيل: هو لأبي قيس بن الأسلت"صيفي بن عامر"، وقيل: لقيس بن رفاعة، وقيل: للشماخ"معقل بن ظرار"، وليس في ديوانه، وهو في خزانة الأدب، واللسان-وكتاب سيبويه، ومغني اللبيب، وانظر أيضا ابن يعيش، والتصريح، وابن الشجري، والهمع. والضمير في "منها" يعود على الوجناء وهي الناقة في بيت قبله، وفي البيت قلب، إذ أصل الكلام:"لم يمنعها من الشرب" فقال بعد القلب:"لم يمنع الشرب منها"، ويروى"نطقت" بدلا من "هتفت"، ويروى:"في سحوق" بدلا من "غصون"، والسَّحوق: ما طال من شجر الدوم، والأوقال: جمع وقل، والوقل ثمار شجر الدوم كما قال في اللسان، والشاهد في البيت هنا أن"غير" فاعل ولكنها رويت بفتح الراء، ومعنى هذا أنها مبنية على الفتح لأنها مضافة إلى مبني غير متمكن، ومعنى البيت أن هذه الناقة أرادت الشرب ولكن منعها منه أنها سمعت صوت حمامة في الغصون فنفرت وخافت، يصفها بأنها حديدة النفس، شديدة الحذر، دائمة الفزع..
٥ هذا البيت في اللسان، و"هي" كلمة معناها التأسف والأسى، وقيل: التعجب، و"ما" في موضع رفع زائدة، قال ابن بري: ومنه قول حميد الأرقط: ألا هيما... البيت، وقال الكسائي:"ومن العرب من يتعجب بهي وفيّ وشيّ، ومنهم من يزيد"ما" فيقول: يا هيما ويا فيّما ويا شيّما، أي: ما أحسن هذا"، وقيل: بل تلهف، و"ويح" كلمة تقال رحمة، وكذلك"ويحما"، قال الليث:"ويح كلمة رحمة لمن تنزل به بلية، وربما جعلت مع"ما" كلمة واحدة فقيل: ويحما"، ومعنى هذا أن \[مثل\] في الآية ركبت مع\[ما\] في كلمة واحدة كما جعلت "ويح" مع"ما" في البيت..
٦ هذا عجز بيت قاله حسّان بن ثابت من قصيدة له في الفخر مطلعها:
 ألم تسأل الربع الجديد التكلما بمدفع أشداخ فبُرقه أظلما
 **والبيت بتمامه:**
 ولدنا بني العنقاء وابني مُحرق فأكرم بنا خالا وأكرم بنا ابنما
 وقد ورد الشطر الثاني في الأصول:"فأكرم بها أما وأكرم بنا ابنما"، والتصويب عن الديوان واللسان. والعنقاء: ثعلبة بن عمرو مُزيقياء بن عامر بن ماء السماء، ومُحرق هو الحارث بن عمرو مزيقياء، وكان أول من عاقب بالنار، وقال الكلبي: سمي عمرو بن هند مُحرقا لأن سويد بن ربيعة التميمي قتل أخالا له ثم هرب، فقتل ابن هند سبعة من ولد سويد، وأقسم ليقتلن مائة من بني تميم، فبلغ ثمانية وتسعين أحرقهم بالنار، وصادف أن أقبل رجل من البراجم حين رأى الدخان ساطعا وهو يحسب الطعام يُعمل-والبراجم جماعة من بني تميم تحالفوا وقالوا: نكون كبراجم اليد، أي مفاصلها-فلما دنا الرجل من النار قيل له: ممن أنت؟ قال: من البراجم، فقال ابن هند:"إن الشقي وافد البراجم" وألقاه في النار، فذهب قوله مثلا، وتحلل من يمينه بالحمراء بنت ضمرة النهشلية تتمة المائة. أما"ابنما" فهي "ابن" زيدت عليها الميم كما زيدت في (شدقم وزرقم وشجعم) لنوع من الحيات، ويجوز عند إعراب "ابنم" أن تعرب الميم وحدها لأنها صارت آخر الاسم، وتبقى النون والميم، وابن عطية يستشهد بالبيت لأن"ابن" بُنيت مع"ما" فصارتا معا كلمة واحدة، وجاءت"ابن" مفتوحة على الرأي الأول الذي ذكرناه في الإعراب..
٧ يعني/ من ضمير الذِّكر، والذِّكر هو القرآن، إذ تقدير الكلام: إن الذكر لحق..
٨ أخرجه ابن جرير، وابن أبي حاتم عن الحسن رضي الله عنه في قوله تعالى:فورب السماء والأرض الآية.(الدر المنثور)..
٩ قال القرطبي بعد أن ذكر هذا الحديث:"أسنده الثعلبي"..

### الآية 51:24

> ﻿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ [51:24]

وقوله : هل أتاك  تقرير لتجتمع نفس المخاطب، وهذا كما تبدأ المرء إذا أردت أن تحدثه بعجيب فتقرره هل سمع منك أم لا ؟ فكأنه تقتضي منه أن يقول لا، ويستطعمك الحديث[(١)](#foonote-١). و : ضيف  اسم جنس يقع للجميع والواحد. وروي أن أضياف إبراهيم هؤلاء : جبريل ومكائيل وإسرافيل وأتباع لهم من الملائكة. 
وجعلهم تعالى **«مكرمين »** إما لأنهم عنده كذلك، وهذا قول الحسن. وإما من حيث أكرمهم إبراهيم وخدمهم هو وسارة. وذبح لهم العجل. وقيل من حيث رفع مجالسهم

١ استطعم فلانا الحديث: طلب منه أن يحدثه فيذيقه طعم حديثه.(المعجم الوسيط)، وفي قوله تعالى:هل أتاك تفخيم لحديث ضيف إبراهيم، وتنبيه على أنه لم يكن معروفا للنبي صلى الله عليه وسلم وإنما عرفه بالوحي..

### الآية 51:25

> ﻿إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلَامًا ۖ قَالَ سَلَامٌ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ [51:25]

و : سلاماً  منصوب على المصدر كأنهم قالوا : تسلم سلاماً، أو سلمت سلاماً[(١)](#foonote-١)، ويتجه فيه أن يعمل فيه  قالوا  على أن نجعل  سلاماً  بمنزلة قولاً. ويكون المعنى حينئذ أنهم قالوا تحية وقولاً معناه : سلاماً  وهذا قول مجاهد. 
وقوله : سلام  مرتفع على خبر ابتداء. أي أمر  سلام . أو واجب لكم  سلام ، أو على الابتداء والخبر محذوف، كأنه قال : سلام عليكم وإبراهيم عليه السلام قد حيا بأحسن لأن قولهم دعاء وقوله واجب قد تحصل لهم. 
وقرأ ابن وثاب والنخعي وحمزة والكسائي وطلحة وابن جبير قال :**«سِلْم »** بكسر السين وسكون اللام. والمعنى نحن سلم وأنتم سلم. 
وقوله : قوم منكرون  معناه : لا نميزهم ولا عهد لنا بهم. وهذا أيضاً على تقدير : أنتم  قوم منكرون  وقال أبو العالية : أنكر سلامهم في تلك الأرض وفي ذلك الزمن.

١ فهو المصدر الساد مسد الفعل المستغني به..

### الآية 51:26

> ﻿فَرَاغَ إِلَىٰ أَهْلِهِ فَجَاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ [51:26]

و :**«راغ »** معناه مضى إثر حديثه تشبيه بالروغان المعروف، لأن الرائغ يوهم أنه لم يزل. والعجل : هو الذي حنذه لهم[(١)](#foonote-١)، والقصة قد مضت مستوعبة في غير هذه السورة، وروي عن قتادة أن أكثر مال إبراهيم كان البقر وكان مضيافاً. وحسبك أنه أوقف للضيافة أوقافاً تمضيها الأمم على اختلاف أديانها وأجناسها.

١ كما قال تعالى في سورة هود:فما لبث أن جاء بعجل حنيذ، والحنيذ: المشوي، أو الذي يقطر دهنه..

### الآية 51:27

> ﻿فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ قَالَ أَلَا تَأْكُلُونَ [51:27]

المعنى  فقربه إليهم  فأمسكوا عنه فقال : ألا تأكلون  فيروى في الحديث أنهم قالوا : لا نأكل إلا ما أدينا ثمنه. فقال إبراهيم وأنا لا أبيحه لكم إلا بثمن. قالوا : وما هو ؟ قال : أن تسموا الله تعالى عند الابتداء وتحمدوه عند الفراغ من الأكل. فقال بعضهم لبعض : بحق اتخذه الله خليلاً.

### الآية 51:28

> ﻿فَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً ۖ قَالُوا لَا تَخَفْ ۖ وَبَشَّرُوهُ بِغُلَامٍ عَلِيمٍ [51:28]

فلما استمروا على ترك الأكل  أوجس منهم خيفة . والوجيس تحسيس النفس وخواطرها في الحذر. وذلك أن أكل الضيف أمنة ودليل على انبساط نفسه والطعام حرمة و ذمام. والامتناع منه وحشة. فخشي إبراهيم عليه السلام أن امتناعهم من أكل طعامه إنما هو لشر يريدونه، فقالوا له : لا تخف  وعرفوه أنهم ملائكة،  وبشروه  وبشروا سارة معه  بغلام عليم . أي عالم في حال تكليفه وتحصيله، أي سيكون عليماً و : عليم  بناء مبالغة. وجمهور الناس على أن الغلام هنا إسحاق ابن سارة الذي ذكرت البشارة به في غير موضع. وقال مجاهد، هذا الغلام هو إسماعيل. والأول أرجح، وهذا وهم. ويروى أنه إنما عرف كونهم ملائكة استدلالاً من بشارتهم إياه بغيب.

### الآية 51:29

> ﻿فَأَقْبَلَتِ امْرَأَتُهُ فِي صَرَّةٍ فَصَكَّتْ وَجْهَهَا وَقَالَتْ عَجُوزٌ عَقِيمٌ [51:29]

وقوله تعالى : فأقبلت امرأته  يحتمل أن يكون قربت إليهم من ناحية من نواحي المنزل، ويحتمل أن يكون هذا الإقبال كما تقول : أقبل فلان يشتمني، أو يفعل كذا إذا جد في ذلك وتلبس به، والصرة : الصيحة، كذا فسره ابن عباس ومجاهد وسفيان والضحاك، والمضطر الذي يصيح وقال قتادة معناه : في رقة. وقال الطبري قال بعضهم : أوه[(١)](#foonote-١)، بصياح وتعجب. قال النحاس : وقيل : في صرة  في جماعة نسوة يتبادرن نظراً إلى الملائكة. 
وقوله : فصكت وجهها ، معناه : ضربت وجهها، قال ابن عباس : لطمت، وهذا مما يفعله الذي يرد عليه أمر يستهوله. وقال سفيان والسدي ومجاهد معناه : ضربت بكفها جبهتها وهذا مستعمل في الناس حتى الآن. وقولها : عجوز عقيم ، إما أن يكون تقديره : أنا  عجوز عقيم  فكيف ألد ؟ وإما أن يكون التقدير : عجوز عقيم  تكون منها ولادة، وقدره الطبري : أتلد  عجوز عقيم . ويروى أنها كانت لم تلد قط. والعقيم من النساء التي لا تلد، ومن الرياح التي لا تلقح شجراً، فهي لا بركة فيها.

١ مقصورة الألف، كما قال الطبري..

### الآية 51:30

> ﻿قَالُوا كَذَٰلِكِ قَالَ رَبُّكِ ۖ إِنَّهُ هُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ [51:30]

وقولهم : كذلك قال ربك  أي كقولنا الذي أخبرناك قال ربك أن يكون. و : الحكيم  ذو الحكمة. و : العليم  معناه بالمصالح وغير ذلك من العلومات.

### الآية 51:31

> ﻿۞ قَالَ فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ [51:31]

ثم قال إبراهيم عليه السلام للملائكة : فما خطبكم  والخطب : الأمر المهم، وقل ما يعبر به إلا عن الشدائد والمكاره، حتى قالوا : خطوب الزمان ونحو هذا، فكأنه يقول لهم : ما هذه الطامة التي جئتم لها ؟

### الآية 51:32

> ﻿قَالُوا إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَىٰ قَوْمٍ مُجْرِمِينَ [51:32]

فأخبروه حينئذ أنهم أرسلوا إلى سدوم ؛ قرية لوط ؛ بإهلاك أهلها الكفرة العاصين المجرمين. والمجرم : فاعل الجرائم، وهي صعاب المعاصي : كفر ونحوه واحدتها جريمة.

### الآية 51:33

> ﻿لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ طِينٍ [51:33]

وقولهم : لنرسل عليهم  أي لنهلكهم بهذه الحجارة. ومتى اتصلت **«أرسل »** ب **«على »** : فهي بمعنى المبالغة في المباشرة والعذاب. ومتى اتصلت ب **«إلى »**، فهي أخف. وانظر ذلك تجده مطرداً. 
وقوله تعالى : حجارة من طين  بيان يخرج عن معتاد حجارة البرد التي هي من ماء. ويروى أنه طين طبخ في نار جهنم حتى صار حجارة كالآجر.

### الآية 51:34

> ﻿مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُسْرِفِينَ [51:34]

و : مسومة  نعت ل  حجارة ، وقيل معناه متروكة وسومها من الإهلاك والأنصباب. وقيل معناه : معلمة بعلامتها من السيما والسومى[(١)](#foonote-١) وهي العلامة، أي إنها ليست من حجارة الدنيا، وقال الزهراوي والرماني، وقيل معناه : على حجر اسم المضروب به. وقال الرماني وقيل كان عليها أمثال الخواتم. وقال ابن عباس : تسويمها إن كان في الحجارة السود نقط بيض وفي البيض سود. ويحتمل أن يكون المعنى : أنها بجملتها معلومة عند ربك لهذا المعنى معلمة له. لا أن كل واحد منها له علامة خاصة به. والمسرف : الذي يتعدى الطور، فإذا جاء مطابقاً فهو لأبعد الغايات الكفر فما دونه.

١ جاء في اللسان:"والسومة والسيمة والسيماء والسيمياء: العلامة". ثم جاء:"والأصل في سيما وسمى، فحولت الواو من موضع الفاء فوضعت في موضع العين، كما قالوا: ما أطيبه وأيطبه، فصار سِومى، وجعلت الواو ياء لسكونها وانكسار ما قبلها"..

### الآية 51:35

> ﻿فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ [51:35]

ثم أخبر تعالى أنه أخرج بأمره من كان في قرية لوط  من المؤمنين  منجياً لهم. وأعاد الضمير على القرية. ولم يصرح لها قبل ذلك بذكر ؛ لشهرة أمرها. ولأن القوم المجرمين معلوم أنهم في قرية ولا بد. قال المفسرون : ولا فرق بين تقدم ذكر المؤمنين وتأخره، وإنما هما وصفان ذكرهم[(١)](#foonote-١) أولاً بأحدهما ثم آخر بالثاني. قال الرماني : الآية دالة على أن الإيمان هو الإسلام. 
قال القاضي أبو محمد : ويظهر إليّ أن في المعنى زيادة تحسن التقديم للإيمان، وذلك أنه ذكره مع الإخراج من القرية، كأنه يقول : نفذ أمرنا بإخراج كل مؤمن، ولا يشترط فيه أن يكون عاملاً بالطاعات. بل التصديق بالله فقط.

١ الضمير في "ذكرهم" يعود على الموصوفين بالإيمان وبالإسلام..

### الآية 51:36

> ﻿فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ [51:36]

ثم لما ذكر حال الموحدين ذكرهم بالصفة التي كانوا عليها، وهي الكاملة التصديق والأعمال، والبيت من المسلمين : هو بيت لوط، وكان هو وابنتاه، وقيل وبنته. وفي كتاب الثعلبي : وقيل لوط وأهل بيته ثلاثة عشر، وهلكت امرأته فيمن هلك، وهذه القصة بجملتها ذكرت على جهة المثال لقريش. أي أنهم إذا كفروا وأصابهم مثل ما أصاب هؤلاء المذكورين.

### الآية 51:37

> ﻿وَتَرَكْنَا فِيهَا آيَةً لِلَّذِينَ يَخَافُونَ الْعَذَابَ الْأَلِيمَ [51:37]

المعنى : وتركنا  في القرية المذكورة، وهي سدوم أثراً من العذاب باقياً مؤرخاً لا يفنى ذكره فهو : آية  أي علامة على قدرة الله وانتقامه من الكفرة. ويحتمل أن يكون. والمعنى : وتركنا  في أمرها كما قال : لقد كان في يوسف وإخوته آيات للسائلين [(١)](#foonote-١) \[ يوسف : ٧ \] وقال ابن جريج : ترك فيها حجراً منضوداً كثيراً جداً. و : للذين يخافون العذاب  هم العارفون بالله تعالى.

١ الآية (٧) من سورة (يوسف)..

### الآية 51:38

> ﻿وَفِي مُوسَىٰ إِذْ أَرْسَلْنَاهُ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ [51:38]

وقوله تعالى : وفي موسى  يحتمل أن يكون عطفاً على قوله  فيها  أي وتركنا في موسى وقصته أثراً أيضاً هو آية. ويحتمل أن يكون عطفاً على قوله قيل : وفي الأرض آيات  \[ الذاريات : ٢٠ \]،  وفي موسى . و : فرعون  هو صاحب مصر. والسلطان في هذه الآية الحجة.

### الآية 51:39

> ﻿فَتَوَلَّىٰ بِرُكْنِهِ وَقَالَ سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ [51:39]

و : تولى  معناه : فأعرض وأدبر عن أمر الله و : بركنه  بسلطانه وجنده وشدة أمره. وهو الأمر الذي يركن فرعون إليه ويسند في شدائده. قال ابن زيد : بركنه  بجموعه قال قتادة : بقومه. وقول فرعون في موسى  ساحر أو مجنون  هو تقسيم ظن أن موسى لا بد أن يكون أحد هذين. وقال أبو عبيدة : أو  هنا بمعنى الواو. واستشهد ببيت جرير :\[ الوافر \]
أثعلبة الفوارس أو رياحاً. . . عدلت بهم طهية والخشابا ؟[(١)](#foonote-١)
والخشاب : بيوت في بني تميم، وقول أبي عبيدة ضعيف لا داعية إليه في هذا الموضع.

١ قال جرير هذا البيت من قصيدة يهجو بها الراعي النميري، والبيت في اللسان أيضا، وطُهية على وزن سُمية: حي من تميم نُسبوا إلى أمهم، والخِشاب: بنو رازم بن مالك، وربيعة وكعب بن مالك، وحنظلة، وهم بطون من تميم أيضا. قال أبو عبيدة\[أو\] ها هنا في موضع الواو التي للموالاة-أي للعطف- لأنه قد قالهما جميعا له. ولكن ابن عطية لا يوافق أبا عبيدة على رأيه هذا لأن فرعون قالهما فعلا لموسى عليه السلام ولكنه أراد بهما الإبهام على السامع. قال ذلك أبو حيان الأندلسي في البحر..

### الآية 51:40

> ﻿فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ وَهُوَ مُلِيمٌ [51:40]

و : نبذناهم  معناه : طرحناهم و : اليم  البحر. وفي مصحف ابن مسعود :**«فنبذناه »**، و **«المليم »** : الذي أتى من المعاصي ونحوها ما يلام عليه وقال أمية بن أبي الصلت :\[ الوافر \]
ومن يخذل أخاه فقد ألاما. . . [(١)](#foonote-١)

١ هذا عجز بيت، وهو بتمامه:
 تعد معاذرا لا عذر فيها ومن يخذل أخاه فقد ألاما
 ولم أجده في ديوان أمية، ولكن وجدته في لسان العرب منسوبا إلى أم عُمير بن سلمى الحنفي تخاطب ولدها عُميرا لأنه كان قد أسلم أخاه لرجل كلابي له عليه دم فقتله، فعاتبته أمه في ذلك وقالت هذا البيت، قال ابن بري: وعُذره الذي اعتذر به أن الكلابي التجأ إلى قبر سلمى والد عُمير، فقال لها عُمير:
 قتلنا أخانا للوفاء بجارنا وكان أبونا قد تجير مقابره..

### الآية 51:41

> ﻿وَفِي عَادٍ إِذْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ الْعَقِيمَ [51:41]

وقوله : وفي عاد  عطف على قوله : وفي موسى ، و  عاد  هي قبيلة هود النبي عليه السلام. 
و  العقيم  التي لا بركة فيها ولا تلقح شجراً ولا تسوق مطراً. وقال سعيد بن المسيب : كانت ريح الجنوب. وروي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه قال : كانت نكباء[(١)](#foonote-١). وهذا عندي لا يصح عن علي رضي الله عنه لأنه مردود بقوله صلى الله عليه وسلم :**«نصرت بالصبا وأهلكت عاد بالدبور »**[(٢)](#foonote-٢).

١ الريح النكباء: ريح انحرفت ووقعت بين ريحين كالصبا والشمال، والجمع "نكب"..
٢ أخرجه البخاري في الاستسقاء والمغازي وبدء الخلق والأنبياء، ومسلم في الاستسقاء، وأحمد في مسنده(١-٢٢٣، ٣٢٤، ٣٥٥) عن ابن عباس رضي الله عنهما. ومعنى قول المؤلف قبل هذا الحديث:"لأنه يراد قول النبي صلى الله عليه وسلم" أنه يعارضه ويختلف عنه..

### الآية 51:42

> ﻿مَا تَذَرُ مِنْ شَيْءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ إِلَّا جَعَلَتْهُ كَالرَّمِيمِ [51:42]

و : تذر  معناه : تدع. وقوله تعالى : من شيء أتت عليه  يعني مما أذن لها في إهلاكه. و : الرميم  الفاني المتقطع يبساً أو قدماً من الأشجار والورق والحبال والعظام، ومنه قوله تعالى  من يحيي العظام وهي رميم [(١)](#foonote-١) \[ يس : ٧٨ \] أي في قوام الرمال وروي أن تلك الريح كانت تهب على الناس فيهم العادي وغيره، فتنتزع العادي من بين الناس وتذهب به[(٢)](#foonote-٢).

١ من الآية(٧٨) من سورة (يسن)..
٢ أخرج ابن عساكر عن وهب قال: لما أرسل الله الريح على عاد اعتزل هود ومن معه من المؤمنين في حظيرة، ما يصيبهم من الريح إلا ما تلين عليه الجلود وتلذه الأنفس، وإنها لتمر بالعادي فتحمله بين السماء والأرض وتدمغه بالحجارة-ذكر ذلك الإمام السيوطي في (الدر المنثور)، والعادي: نسبة إلى عاد..

### الآية 51:43

> ﻿وَفِي ثَمُودَ إِذْ قِيلَ لَهُمْ تَمَتَّعُوا حَتَّىٰ حِينٍ [51:43]

وقوله تعالى : وفي ثمود إذ قيل لهم تمتعوا حتى حين  يحتمل أن يريد إذ قيل لهم في أول بعث صالح آمنوا وأطيعوا فتمتعوا متاعاً حسناً إلى آجالكم، وهو الحين على هذا التأويل وهو قول الحسن حكاه عن الرماني.

### الآية 51:44

> ﻿فَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ وَهُمْ يَنْظُرُونَ [51:44]

ويجيء قوله تعالى : فعتوا  مرتباً لفظاً في الآية ومعنى في الوجود متأخراً عن القول لهم  تمتعوا ، ويحتمل أن يريد : إذ قيل لهم بعد عقر الناقة : تمتعوا في داركم ثلاثة أيام [(١)](#foonote-١)، وهي الحين على هذا التأويل وهو قول الفراء، ويجيء قوله : فعتوا  غير مرتب المعنى في وجوده، لأن عتوهم كان قبل أن يقال لهم  تمتعوا  وكأن المعنى فكان من أمرهم قبل هذه المقالة أن عتوا وهو السبب في أن قيل لهم ذلك وعذبوا. 
وقرأ جمهور القراء :**«الصاعقة »** وقرأ الكسائي وهي قراءة عمر وعثمان **«الصعقة »**، وهي على القراءتين الصيحة العظيمة، ومنه يقال للوقعة الشديدة من الرعد : صاعقة. وهي التي تكون معها النار التي يروى في الحديث أنها من المخراق الذي بيد ملك يسوق السحاب[(٢)](#foonote-٢). 
وقوله : وهم ينظرون  يحتمل أن يريد فجأة وهم يبصرون بعيونهم حالهم، وهذا قول الطبري ويحتمل أن يريد : وهم ينظرون  ذلك في تلك الأيام الثلاثة التي أعلموا به فيها ورأوا علاماته في تلونه، وهذا قول مجاهد حسبما تقدم تفسيره، وانتظارهم العذاب هو أشد من العذاب.

١ من الآية(٦٥) من سورة (هود)..
٢ حديث المَلَك الذي يسوق السحاب أخرجه الترمذي في تفسير سورة الرعد، وأخرجه أحمد في مسنده(٦-٢٧٤)، وهو حديث طويل رواه سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما، وفيه أن اليهود أقبلوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فسألوه عن خمسة أشياء، وقالوا: إن أنبأتنا بهن عرفنا أنك نبي، وكان آخر سؤال هو: أخبرنا ما هذا الرعد؟ قال:(مَلَك من ملائكة الله عز وجل موكل بالسحاب، بيده او في يده مِخراق من نار يزجر به السحاب يسوقه حيث أمر الله)، قالوا: فما هذا الصوت الذي يُسمع؟ قال:(صوته)، قالوا: صجقت، الخ الحديث. والمِخراق: السيف..

### الآية 51:45

> ﻿فَمَا اسْتَطَاعُوا مِنْ قِيَامٍ وَمَا كَانُوا مُنْتَصِرِينَ [51:45]

قال بعض المفسرين : من قيام  معناه : ما استطاعوا أن يقوموا من مصارعهم. وقال قتادة وغيره معناه : ما قيام بالأمر ودفعه كما تقول : ما أن له بكذا وكذا قيام، أي استضلاع وانتهاض.

### الآية 51:46

> ﻿وَقَوْمَ نُوحٍ مِنْ قَبْلُ ۖ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ [51:46]

وقرأ ابن كثير ونافع وابن عامر وعاصم :**«وقوم نوح »** بالنصب، وهو عطف إما على الضمير في قوله : فأخذتهم  \[ الذاريات : ٤٤ \] إذ هو بمنزلة أهلكناهم، وإما على الضمير في قوله : فنبذناهم  \[ الذاريات : ٤٠ \]، وقرأ أبو عمرو فيما روى عنه عبد الوارث :**«وقومُ نوح »** بالرفع وذلك على الابتداء وإضمار الخبر وقرأ أبو عمرو وحمزة والكسائي :**«وقومِ »** بالخفض عطفاً على ما تقدم من قوله : وفي ثمود  \[ الذاريات : ٤٣ \] وقد روي النصب عن أبي عمرو.

### الآية 51:47

> ﻿وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ [51:47]

وقوله : والسماءَ  نصب بإضمار فعل تقديره : وبنينا السماء بنيناها. والأيد : القوة قاله ابن عباس ومجاهد وقتادة، ووقعت في المصحف بياءين وذلك على تخفيف الهمز، وفي هذا نظر. 
وقوله : لموسعون  يحتمل أن يريد : إنا نوسع الأشياء قوة وقدرة كما قال تعالى : وعلى الموسع قدره [(١)](#foonote-١) \[ البقرة : ٢٣٦ \] أي الذي يوسع أهله إنفاقاً، ويحتمل أن يريد : لموسعون  في بناء السماء، أي جعلناها واسعة وهذا تأويل ابن زيد وقال الحسن : أوسع الرزق بمطر السماء.

١ من الآية (٢٣٦) من سورة (البقرة)..

### الآية 51:48

> ﻿وَالْأَرْضَ فَرَشْنَاهَا فَنِعْمَ الْمَاهِدُونَ [51:48]

و **«الماهد »** المهيئ الموطئ للموضع الذي يتمهد ويفترش.

### الآية 51:49

> ﻿وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ [51:49]

وقوله تعالى : ومن كل شيء خلقنا زوجين  أي مصطحبين ومتلازمين، فقال مجاهد معناه أن هذه إشارة إلى المتضادات والمتقابلات من الأشياء كالليل والنهار والشقوة والسعادة والهدى والضلالة والأرض والسماء والسواد والبياض والصحة والمرض والكفر والإيمان ونحو هذا، ورجحه الطبري بأنه دل على القدرة التي توجد الضدين، بخلاف ما يفعل بطبعه فعلاً واحداً كالتسخين والتبريد. وقال ابن زيد وغيره : هي إشارة غلى الأنثى والذكر من كل حيوان والترجي الذي في قوله : لعلكم  هو بحسب خلق البشر وعرفها. وقرأ الجمهور **«تذّكرون »** بشد الذال والإدغام. وقرأ أبي بن كعب :**«تتذكرون »** بتاءين وخفة الذال.

### الآية 51:50

> ﻿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ ۖ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ [51:50]

وقوله : ففروا  أمر بالدخول في الإيمان وطاعة الله، وجعل الأمر بذلك بلفظ الفرار لينبه على أن وراء الناس عقاباً وعذاباً وأمراً حقه أن يفر منه، فجمعت لفظة **«فروا »** بين التحذير والاستدعاء، وينظر إلى هذا المعنى قول النبي صلى الله عليه وسلم :**«لا ملجأ ولا منجى منك إلا إليك »**[(١)](#foonote-١) الحديث، قال الحسن بن الفضل : من فر إلى غير الله.

١ أخرجه البخاري في الوضوء والدعوات والتوحيد، ومسلم في الذكر، وأبو داود في الأدب، والترمذي وابن ماجه في الدعاء، والدارمي في الاستئذان، وأحمد في مسنده(٤-٢٨٥، ٢٩٠، ٢٩٢)، وهو عن البراء بن عازب، ولفظه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر رجلا من الأنصار أن يقول إذا أخذ مضجعه:(اللهم أسلمت نفسي إليك، ووجهت وجهي إليك، وفوضت أمري إليك، وألجأت ظهري إليك، رغبة ورهبة إليك، لا ملجأ ولا منجى منك إلا إليك، آمنت بكتابك الذي أنزلت، وبنبيك الذي أرسلت)، فإن مات مات على الفطرة..

### الآية 51:51

> ﻿وَلَا تَجْعَلُوا مَعَ اللَّهِ إِلَٰهًا آخَرَ ۖ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ [51:51]

وقوله : ولا تجعلوا مع الله  الآية نهي عن عبادة الأصنام والشياطين وكل مدعو من دون الله وفائدة تكرار قوله : إني لكم منه نذير مبين  الإبلاغ وهز النفس وتحكيم التحذير وإعادة الألفاظ بعينها في هذه المعاني بليغة بقرينة شدة الصوت.

### الآية 51:52

> ﻿كَذَٰلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ [51:52]

وقوله تعالى : كذلك  تقديره : سيرة الأمم كذلك، أو الأمر في القديم كذلك. وقوله : إلا قالوا ساحر أو مجنون  معناه : إلا قال بعض : هذا وبعض : هذا وبعض : الجميع ألا ترى أن قوم نوح لم يقولوا قط : ساحر  وإنما قالوا : به جنة  \[ سبأ : ٨ \] فلما اختلف الفرق جعل الخبر عن ذلك بإدخال أو بين الصفتين، وليس المعنى أن كل أمة قالت عن نبيها إنه ساحر أو هو مجنون، فليست هذه كالمتقدمة في فرعون، بل هذه كأنه قال : إلا قالوا هو ساحر وهو مجنون.

### الآية 51:53

> ﻿أَتَوَاصَوْا بِهِ ۚ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ [51:53]

قوله تعالى : أتواصوا به  توقيف وتعجيب من توارد نفوس الكفرة في تكذيب الأنبياء على تفرق أزمانهم أي أنهم لم يتواصوا، لكنهم فعلوا فعل من يتواصى. 
والعلة في ذلك أن جميعهم طاغ، والطاغي : المستعلي في الأرض المفسد العاتي على الله.

### الآية 51:54

> ﻿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ فَمَا أَنْتَ بِمَلُومٍ [51:54]

وقوله تعالى : فتول عنهم  أي عن الحرص المفرط عليهم، وذهاب النفس حسرات، ويحتمل أن يراد : فقول عن التعب المفرط في دعائهم وضمهم إلى الإسلام فلست بمصيطر عليهم ولست  بملوم  إذ قد بلغت، فنح نفسك عن الحزن عليهم، وذكر فقط، فإن الذكرى نافعة للمؤمنين ولمن قضي له أن يكون منهم في ثاني حال، وعلى هذا التأويل : فلا نسخ في الآية. إلا في معنى الموادعة التي فيها، إن آية السيف نسخت جميع الموادعات. 
وروى قتادة وذكره الطبري عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه لما نزلت  فتول عنهم فما أنت بملوم  حزن المسلمون وظنوا أنه مر بالتوالي عن الجميع وأن الوحي قد انقطع حتى نزلت : وذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين  فسروا بذلك.

### الآية 51:55

> ﻿وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَىٰ تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ [51:55]

نص مكرر لاشتراكه مع الآية ٥٤:وقوله تعالى : فتول عنهم  أي عن الحرص المفرط عليهم، وذهاب النفس حسرات، ويحتمل أن يراد : فقول عن التعب المفرط في دعائهم وضمهم إلى الإسلام فلست بمصيطر عليهم ولست  بملوم  إذ قد بلغت، فنح نفسك عن الحزن عليهم، وذكر فقط، فإن الذكرى نافعة للمؤمنين ولمن قضي له أن يكون منهم في ثاني حال، وعلى هذا التأويل : فلا نسخ في الآية. إلا في معنى الموادعة التي فيها، إن آية السيف نسخت جميع الموادعات. 
وروى قتادة وذكره الطبري عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه لما نزلت  فتول عنهم فما أنت بملوم  حزن المسلمون وظنوا أنه مر بالتوالي عن الجميع وأن الوحي قد انقطع حتى نزلت : وذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين  فسروا بذلك. ---

### الآية 51:56

> ﻿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ [51:56]

وقوله تعالى : وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون  اختلف الناس في معناه مع إجماع أهل السنة على أن الله تعالى لم يرد أن تقع العبادة من الجميع، لأنه لو أراد ذلك لم يصح وقوع الأمر بخلاف إرادته، فقال ابن عباس وعلي بن أبي طالب رضي الله عنهما المعنى : ما خلقت الجن والإنس إلا لآمرهم بعبادتي، وليقروا لي بالعبودية فعبر عن ذلك بقوله : ليعبدون  إذ العبادة هي مضمن الأمر، وقال زيد بن أسلم وسفيان : المعنى خاص، والمراد : وما خلقت  الطائعين من  الجن والإنس  إلا لعبادتي، ويؤيد هذا التأويل أن ابن عباس روى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قرأ :**«وما خلقت الجن والإنس من المؤمنين إلا ليعبدوني »**، وقال ابن عباس أيضاً معنى : ليعبدون  أي ليتذللوا لي ولقدرتي، وإن لم يكن ذلك على قوانين الشرع. 
قال القاضي أبو محمد : وعلى هذا التأويل فجميع الجن والإنس عابد متذلل والكفار كذلك، ألا تراهم عند القحط والأمراض وغير ذلك. وتحتمل الآية، أن يكون المعنى : ما خلقت الجن والإنس إلا معدين ليعبدون، وكأن الآية تعديد نعمة، أي خلقت لهم حواس وعقولاً وأجساماً منقادة نحو العبادة، وهذا كما تقول : البقر مخلوقة للحرث، والخيل للحرب، وقد يكون منها ما لا يحارب به أصلاً، فالمعنى أن الإعداد في خلق هؤلاء إنما هو للعبادة، لكن بعضهم تكسب صرف نفسه عن ذلك، ويؤيد هذا المنزع قول النبي صلى الله عليه وسلم :**«اعملوا فكل ميسر لما خلق له »**[(١)](#foonote-١). وقوله :**«كل مولود يولد على الفطرة »**[(٢)](#foonote-٢) والحديث.

١ أخرجه الطبراني في الكبير عن ابن عباس، وعن عمران بن حصين رضي الله عنهما ورمز له الإمام السيوطي في (الجامع الصغير) بأنه صحيح..
٢ أخرجه أبو يعلى في مسنده، والطبراني في الكبير، والبيهقي في السنن، عن الأسود ابن سريع، ولفظه كما ذكره الإمام السيوطي في (الجامع الصغير):(كل مولود يولد على الفطرة حتى يعرب عنه لسانه، فأبواه يُهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه)، وقد رمز له السيوطي بأنه حديث صحيح..

### الآية 51:57

> ﻿مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ [51:57]

وقوله : من رزق  أي أن يرزقوا أنفسهم ولا غيرهم. 
وقوله : أن يطمعون  إما أن يكون المعنى أن يطمعوا خلقي فأضيف ذلك إلى الضمير على جهة التجوز، وهذا قول ابن عباد. وإما أن يكون الإطعام هنا بمعنى النفع على العموم، كما تقول : أعطيت فلاناً كذا وكذا طعمة، وأنت قد أعطيته عرضاً أو بلداً يحييه، ونحو هذا فكأنه قال : ولا أريد أن ينفعوني، فذكر جزءاً من المنافع وجعله دالاً على الجميع.

### الآية 51:58

> ﻿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ [51:58]

وقرأ الجميع :****«إن الله هو الرزاق »****. وروى أبو إسحاق السبيعي عن عبد الله بن يزيد، قال أبو عمرو الداني عن ابن مسعود قال : أقراني رسول الله صلى الله عليه وسلم **«إني أنا الرزاق »** وقرأ الجمهور :****«إن الله هو الرزاق »**** وقرأ ابن محيصن **«هو الرازق »**
وقرأ جمهور القراء :**«المتينُ »** بالرفع إما على أنه خبر بعد خبر، أو صفة ل  الرزاق . وقرأ يحيى بن وثاب، والأعمش ****«المتينِ »**** بالخفض على النعت ل  القوة ، وجاز ذلك من حيث تأنيث  القوة  غير حقيقي. فكأنه قال : ذو الأيد، أو ذو الحبل ونحوه  فمن جاءه موعظة [(١)](#foonote-١) \[ البقرة : ٢٧٥ \] وجوز أبو الفتح أن يكون خفض ****«المتينِ »**** على الجوار و : المتين  : الشديد.

١ هذا رأي أبي الفتح ابن جني: يقول: ذكره على معنى الحبل، يريد: قُوى الحبل؛ لقوله سبحانه:فقد استمسك بالعروة الوثقى لا انفصام لها..

### الآية 51:59

> ﻿فَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذَنُوبًا مِثْلَ ذَنُوبِ أَصْحَابِهِمْ فَلَا يَسْتَعْجِلُونِ [51:59]

وقوله تعالى : فإن للذين ظلموا  يريد أهل مكة، وهذه آية وعيد صراح، وقرأ الأعمش **«فإن للذين كفروا »**. والذنوب : الحظ والنصيب، وأصله من الدلو، وذلك أن الذنوب هو ملء الدلو من الماء، وقيل الذنوب : الدلو العظيمة، ومنه قول الشاعر :\[ الرجز \]
إنا إذا نازلنا غريب. . . 
له ذنوب ولنا ذنوب
فإن أبيتم فلنا القليب. . . [(١)](#foonote-١)
وهو السجل[(٢)](#foonote-٢)، ومنه قول علقمة بن عبدة :\[ الطويل \]
وفي كل حي قد خبطت بنعمة. . . فحق لشأس من نداك ذنوب[(٣)](#foonote-٣)
فيروى أن الملك لما سمع هذا البيت قال نعم وأذنب، ومنه قول حسان :\[ الطويل \]
لا يبعدن ربيعة بن مكدم. . . وسقى الغوادي قبره بذنوب[(٤)](#foonote-٤)
و  أصحابهم  يريد به من تقدم من الأمم المعذبة. وقوله : فلا يستعجلون  تحقيق للأمر، بمعنى هو نازل بهم لا محالة في وقته المحتوم، فلا يستعجلوه، وقرأ يحيى بن وثاب :**«فلا تستعجلون »** بالتاء من فوق.

١ من الآية (٢٧٥) من سورة (البقرة)، وقد سقطت تاء التأنيث في قوله سبحانه:(جاءه) لأن تأنيث "الموعظة" غير حقيقي..
٢ استشهد الفراء في (معاني القرآن) بالبيتين الثاني والثالث، قال:"والذنوب في كلام العرب: الدلو العظيمة، ولكن العرب تذهب بها إلى الحظ والنصيب، وبذلك أتى التفسير: فإن للذين ظلموا حظا من العذاب، كما نزل بالذين من قبلهم، وقال الشاعر:
 لنا ذنوب ولكم ذَنوب فإن أبيتم فلنا القليب
 والذنوب يُذكر ويُؤنث". وقد أخذ عنه المفسرون هذا الاستشهاد، ونقلوا البيتين كما رواهما "لنا ولكم"، لكن ابن عطية زاد هنا البيت الأول، وجاءت الرواية فيه:"له ولنا" كما ترى، والبيتان أيضا في اللسان والتاج، والرواية فيهما:"لها ذنوب ولكم ذنوب"، وقد نقل صاحب الكلام الفراء الذي نقلناه هنا. والقَليب: البئر، تذكر وتؤنث، وفي الحديث أنه صلى الله عليه وسلم وقف على قليب بدر، والجمع قُلُبٌ..
٣ السَّجل: الدلو العظيمة، مملوءة، أو فيها ماء قلّ أو كثر(مذكر). هذا البيت لعلقمة الفحل، وهو من قصيدة له يمدح فيها الحارث ملك الغساسنة في الشام على أثر الوقعة المعروفة باسم"يوم حليمة"، ومطلع القصيدة:
 طحا بك قلب في الحسان طروب بُعيد الشباب عصر حان مشيب
 وكان الحارث قد انتصر في "يوم حليمة" وأسر شأسا شقيق الشاعر، وقد طلب الشاعر من الملك بعد أن مدحه أن يعفو عن أخيه تقديرا لبطولته وإخلاصه لقومه وإن كان قد حارب الملك، واستجاب الملك لطلب الشاعر وأطلق سراح شأس وجميع الأسرى، وكان لكلمة الشاعر الأثر الكبير في ذلك.
 ومعنى:"قد خبطت بنعمة": اعطيت من غير معرفة بمن تعطيه، وهذا غاية لمدح، والذَّنوب: الدلو فيها ماء، أو لا ماء فيها، او التي يكون الماء فيها قريبا من ملئها... على اختلاف كلام اللغويين، ولكن المراد بها الحظ والنصيب، يقول الشاعر: إنك أيها الملك تعطي النعمة من لا تعرفه، وتجود على كل الناس، وهذا يعطي أخي حقا في أن يكون له نصيب من جودك ومعروفك، وقد سارت أبيات علقمة في الحارث مثلا في مديح الملوك..
٤ هذا البيت واحد من أربعة أبيات نُسبت لحسان بن ثابت، وقيل: لضرار بن الخطاب الفهري، وقيل: لمكرز بن خوص بن الأخيف العامري، وقال ابن سلام: الصحيح انها لعمر بن شقيق بن سلامان، وربيعة بن مكدم من بني كنانة، وكانت بينهم وبين بني سليم وقعة قتل فيها ربيعة أربعة من بني سليم، وطعنه بعضهم طعنة قاتلة، فذهب إلى أمه يطلب منها ان تسقيه فرفضت وطلبت إليه أن يقف على ثنية الوادي حتى لا يهاجمهم القوم، ولكن ثعلبا مر بفرسه التي كان عليها وقد مات، فنفرت الفرس وسقط ربيعة فدفن على الثنية، وقال الشاعر هذه الأبيات. والغوادي: جمع غادية وهي السحابة تنشأ فتمطر غدوة، يدعو له بالسقيا والري لما أظهره من الشجاعة والتضحية..

### الآية 51:60

> ﻿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ يَوْمِهِمُ الَّذِي يُوعَدُونَ [51:60]

ثم أوجب تعالى لهم الويل من يومهم الذي يأتي فيه عذابهم. والويل : الشقاء والهم، وروي أن في جهنم وادياً يسمى : ويلاً. والطبري يذهب أبداً إلى أن التوعد إنما هو به، وذلك في هذا الموضع قلق، لأن هذا الويل إنما هو  من يومهم  الذي هو في الدنيا، و : من  لابتداء الغاية. وقال جمهور المفسرين : هذا التوعد هو بيوم القيامة. وقال آخرون ذكره الثعلبي هو يوم بدر. وفي : يوعدون  ضمير عائد، التقدير : يوعدون به، أو يوعدونه. 
نجز تفسير سورة **«الذاريات »** والحمد لله رب العالمين كثيراً، وصلى الله عليه سيدنا محمد خاتم النبيين وإمام المرسلين وعلى آله الطيبين الطاهرين وعن جميع تابعيه.

## روابط ذات صلة

- [النص القرآني للسورة](https://quranpedia.net/surah/1/51.md)
- [كل تفاسير سورة الذاريات
](https://quranpedia.net/surah-tafsir/51.md)
- [ترجمات سورة الذاريات
](https://quranpedia.net/translations/51.md)
- [صفحة الكتاب: المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز](https://quranpedia.net/book/350.md)
- [المؤلف: ابن عطية](https://quranpedia.net/person/4644.md)

---

زُر [Quranpedia.net](https://quranpedia.net/surah/1/51/book/350) — موسوعة القرآن الكريم: التفاسير، الترجمات، التلاوات، والمواضيع.
