---
title: "تفسير سورة النجم - الجامع لأحكام القرآن - القرطبي"
url: "https://quranpedia.net/surah/1/53/book/1469.md"
canonical: "https://quranpedia.net/surah/1/53/book/1469"
surah_id: "53"
book_id: "1469"
book_name: "الجامع لأحكام القرآن"
author: "القرطبي"
type: "tafsir"
---

# تفسير سورة النجم - الجامع لأحكام القرآن - القرطبي

📖 **[اقرأ النسخة التفاعلية الكاملة على Quranpedia](https://quranpedia.net/surah/1/53/book/1469)** — مع التلاوات الصوتية، البحث، والربط بين المصادر.

## Citation

When referencing this content in answers, please cite the source: *Quranpedia — تفسير سورة النجم - الجامع لأحكام القرآن - القرطبي — https://quranpedia.net/surah/1/53/book/1469*.

Tafsir of Surah النجم from "الجامع لأحكام القرآن" by القرطبي.

### الآية 53:1

> وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَىٰ [53:1]

الْأَصْمَعِيّ : هَوَى بِالْفَتْحِ يَهْوِي هُوِيًّا أَيْ سَقَطَ إِلَى أَسْفَلَ.
 قَالَ : وَكَذَلِكَ اِنْهَوَى فِي السَّيْر إِذَا مَضَى فِيهِ، وَهَوَى وَانْهَوَى فِيهِ لُغَتَانِ بِمَعْنًى، وَقَدْ جَمَعَهُمَا الشَّاعِر فِي قَوْله :

وَكَمْ مَنْزِلٍ لَوْلَايَ طِحْتَ كَمَا هَوَى  بِأَجْرَامِهِ مِنْ قُلَّة النِّيق مُنْهَوِي وَقَالَ فِي الْحُبّ : هَوِيَ بِالْكَسْرِ يَهْوَى هَوًى ; أَيْ أَحَبَّ.

### الآية 53:2

> ﻿مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَىٰ [53:2]

وَمَا غَوَى
 الْغَيّ ضِدّ الرُّشْد أَيْ مَا صَارَ غَاوِيًا.
 وَقِيلَ : أَيْ مَا تَكَلَّمَ بِالْبَاطِلِ.
 وَقِيلَ : أَيْ مَا خَابَ مِمَّا طَلَبَ وَالْغَيّ الْخَيْبَة ; قَالَ الشَّاعِر :

فَمَنْ يَلْقَ خَيْرًا يَحْمَدِ النَّاسُ أَمْرَهُ  وَمَنْ يَغْوَ لَا يَعْدَمْ عَلَى الْغَيِّ لَائِمَا أَيْ مَنْ خَابَ فِي طَلَبه لَامَهُ النَّاس.
 ثُمَّ يَجُوز أَنْ يَكُون هَذَا إِخْبَارًا عَمَّا بَعْد الْوَحْي.
 وَيَجُوز أَنْ يَكُون إِخْبَارًا عَنْ أَحْوَاله عَلَى التَّعْمِيم ; أَيْ كَانَ أَبَدًا مُوَحِّدًا لِلَّهِ.
 وَهُوَ الصَّحِيح عَلَى مَا بَيَّنَّاهُ فِي " الشُّورَى " عِنْد قَوْله :" مَا كُنْت تَدْرِي مَا الْكِتَاب وَلَا الْإِيمَان " \[ الشُّورَى : ٥٢ \].

### الآية 53:3

> ﻿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَىٰ [53:3]

وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى
 قَالَ قَتَادَة : وَمَا يَنْطِق بِالْقُرْآنِ عَنْ هَوَاهُ وَقِيلَ :" عَنْ الْهَوَى " أَيْ بِالْهَوَى ; قَالَهُ أَبُو عُبَيْدَة ; كَقَوْلِهِ تَعَالَى :" فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا " \[ الْفُرْقَان : ٥٩ \] أَيْ فَاسْأَلْ عَنْهُ.
 النَّحَّاس : قَوْل قَتَادَة أَوْلَى، وَتَكُون " عَنْ " عَلَى بَابهَا، أَيْ مَا يَخْرُج نُطْقه عَنْ رَأْيه، إِنَّمَا هُوَ بِوَحْيٍ مِنْ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ ; لِأَنَّ بَعْده :" إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْي يُوحَى ".

### الآية 53:4

> ﻿إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَىٰ [53:4]

إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى
 قَدْ يَحْتَجّ بِهَذِهِ الْآيَة مَنْ لَا يُجَوِّز لِرَسُولِ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الِاجْتِهَاد فِي الْحَوَادِث.
 وَفِيهَا أَيْضًا دَلَالَة عَلَى أَنَّ السُّنَّة كَالْوَحْيِ الْمُنَزَّل فِي الْعَمَل.
 وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي مُقَدِّمَة الْكِتَاب حَدِيث الْمِقْدَام بْن مَعْدِي كَرِبَ فِي ذَلِكَ وَالْحَمْد لِلَّهِ.
 قَالَ السِّجِسْتَانِيّ : إِنْ شِئْت أَبْدَلْت " إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْي يُوحَى " مِنْ " مَا ضَلَّ صَاحِبكُمْ " قَالَ اِبْن الْأَنْبَارِيّ : وَهَذَا غَلَط ; لِأَنَّ " إِنْ " الْخَفِيفَة لَا تَكُون مُبْدَلَة مِنْ " مَا " الدَّلِيل عَلَى هَذَا أَنَّك لَا تَقُول : وَاَللَّه مَا قُمْت إِنْ أَنَا لَقَاعِد.

### الآية 53:5

> ﻿عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَىٰ [53:5]

عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى
 يَعْنِي جِبْرِيل عَلَيْهِ السَّلَام فِي قَوْل سَائِر الْمُفَسِّرِينَ ; سِوَى الْحَسَن فَإِنَّهُ قَالَ : هُوَ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ، وَيَكُون قَوْله تَعَالَى :

### الآية 53:6

> ﻿ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَىٰ [53:6]

فَاسْتَوَى
 يَعْنِي اللَّه عَزَّ وَجَلَّ ; أَيْ اِسْتَوَى عَلَى الْعَرْش.
 رُوِيَ مَعْنَاهُ عَنْ الْحَسَن.
 وَقَالَ الرَّبِيع بْن أَنَس وَالْفَرَّاء :" فَاسْتَوَى ".

### الآية 53:7

> ﻿وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَىٰ [53:7]

وَقَدْ مَضَى الْقَوْل فِيهِ فِي " الْأَعْرَاف ".
 قَوْله تَعَالَى :" وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى " جُمْلَة فِي مَوْضِع الْحَال، وَالْمَعْنَى فَاسْتَوَى عَالِيًا، أَيْ اِسْتَوَى جِبْرِيل عَالِيًا عَلَى صُورَته وَلَمْ يَكُنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَبْل ذَلِكَ يَرَاهُ عَلَيْهَا حَتَّى سَأَلَهُ إِيَّاهَا عَلَى مَا ذَكَرْنَا.
 وَالْأُفُق نَاحِيَة السَّمَاء وَجَمْعه آفَاق.
 وَقَالَ قَتَادَة : هُوَ الْمَوْضِع الَّذِي تَأْتِي مِنْهُ الشَّمْس.
 وَكَذَا قَالَ سُفْيَان : هُوَ الْمَوْضِع الَّذِي تَطْلُع مِنْهُ الشَّمْس.
 وَنَحْوه عَنْ مُجَاهِد.
 وَيُقَال : أُفْق وَأُفُق مِثْل عُسْر وَعُسُر.
 وَقَدْ مَضَى فِي " حم السَّجْدَة ".
 وَفَرَس أُفُق بِالضَّمِّ أَيْ رَائِع وَكَذَلِكَ الْأُنْثَى ; قَالَ الشَّاعِر \[ عَمْرُو بْن قِنْعَاس الْمُرَادِيّ \] :

أُرَجِّل لِمَّتِي وَأَجُرّ ذَيْلِي  وَتَحْمِل شِكَّتِي أُفُق كُمَيْتُ وَقِيلَ :" وَهُوَ " أَيْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى " يَعْنِي لَيْلَة الْإِسْرَاء وَهَذَا ضَعِيف ; لِأَنَّهُ يُقَال : اِسْتَوَى هُوَ وَفُلَان، وَلَا يُقَال اِسْتَوَى وَفُلَان إِلَّا فِي ضَرُورَة الشِّعْر.
 وَالصَّحِيح اِسْتَوَى جِبْرِيل عَلَيْهِ السَّلَام وَجِبْرِيل بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى عَلَى صُورَته الْأَصْلِيَّة ; لِأَنَّهُ كَانَ يَتَمَثَّل لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا نَزَلَ بِالْوَحْيِ فِي صُورَة رَجُل، فَأَحَبَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَرَاهُ عَلَى صُورَته الْحَقِيقِيَّة، فَاسْتَوَى فِي أُفُق الْمَشْرِق فَمَلَأَ الْأُفُق.

### الآية 53:8

> ﻿ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّىٰ [53:8]

ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى
 أَيْ دَنَا جِبْرِيل بَعْد اِسْتِوَائِهِ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى مِنْ الْأَرْض " فَتَدَلَّى " فَنَزَلَ عَلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْوَحْيِ.
 الْمَعْنَى أَنَّهُ لَمَّا رَأَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ عَظَمَته مَا رَأَى، وَهَالَهُ ذَلِكَ رَدَّهُ اللَّه إِلَى صُورَة آدَمِيّ حِين قَرُبَ مِنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْوَحْيِ، وَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى :" فَأَوْحَى إِلَى عَبْده " يَعْنِي أَوْحَى اللَّه إِلَى جِبْرِيل وَكَانَ جِبْرِيل " قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى " قَالَهُ اِبْن عَبَّاس وَالْحَسَن وَقَتَادَة وَالرَّبِيع وَغَيْرهمْ.
 وَعَنْ اِبْن عَبَّاس أَيْضًا فِي قَوْله تَعَالَى :" ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى " أَنَّ مَعْنَاهُ أَنَّ اللَّه تَبَارَكَ وَتَعَالَى " دَنَا " مِنْ مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " فَتَدَلَّى ".
 وَرَوَى نَحْوه أَنَس بْن مَالِك عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
 وَالْمَعْنَى دَنَا مِنْهُ أَمْره وَحُكْمه.
 وَأَصْل التَّدَلِّي النُّزُول إِلَى الشَّيْء حَتَّى يَقْرُب مِنْهُ فَوُضِعَ مَوْضِع الْقُرْب ; قَالَ لَبِيد :

فَتَدَلَّيْت عَلَيْهِ قَافِلًا  وَعَلَى الْأَرْض غَيَابَات الطَّفَل وَذَهَبَ الْفَرَّاء إِلَى أَنَّ الْفَاء فِي " فَتَدَلَّى " بِمَعْنَى الْوَاو، وَالتَّقْدِير ثُمَّ تَدَلَّى جِبْرِيل عَلَيْهِ السَّلَام وَدَنَا.
 وَلَكِنَّهُ جَائِز إِذَا كَانَ مَعْنَى الْفِعْلَيْنِ وَاحِدًا أَوْ كَالْوَاحِدِ قَدَّمْت أَيّهمَا شِئْت، فَقُلْت فَدَنَا فَقَرُبَ وَقَرُبَ فَدَنَا، وَشَتَمَنِي فَأَسَاءَ وَأَسَاءَ فَشَتَمَنِي ; لِأَنَّ الشَّتْم وَالْإِسَاءَة شَيْء وَاحِد.
 وَكَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى :" اِقْتَرَبَتْ السَّاعَة وَانْشَقَّ الْقَمَر " \[ الْقَمَر : ١ \] الْمَعْنَى وَاَللَّه أَعْلَمُ : اِنْشَقَّ الْقَمَر وَاقْتَرَبَتْ السَّاعَة.
 وَقَالَ الْجُرْجَانِيّ : فِي الْكَلَام تَقْدِيم وَتَأْخِير أَيْ تَدَلَّى فَدَنَا ; لِأَنَّ التَّدَلِّيَ سَبَب الدُّنُوّ.
 وَقَالَ اِبْن الْأَنْبَارِيّ : ثُمَّ تَدَلَّى جِبْرِيل أَيْ نَزَلَ مِنْ السَّمَاء فَدَنَا مِنْ مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
 وَقَالَ اِبْن عَبَّاس : تَدَلَّى الرَّفْرَف لِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَيْلَة الْمِعْرَاج فَجَلَسَ عَلَيْهِ ثُمَّ رُفِعَ فَدَنَا مِنْ رَبّه.
 وَسَيَأْتِي.
 وَمَنْ قَالَ : الْمَعْنَى فَاسْتَوَى جِبْرِيل وَمُحَمَّد بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى قَدْ يَقُول : ثُمَّ دَنَا مُحَمَّد مِنْ رَبّه دُنُوّ كَرَامَة فَتَدَلَّى أَيْ هَوَى لِلسُّجُودِ.
 وَهَذَا قَوْل الضَّحَّاك.
 قَالَ الْقُشَيْرِيّ : وَقِيلَ عَلَى هَذَا تَدَلَّى أَيْ تَدَلَّلَ ; كَقَوْلِك تَظَنَّى بِمَعْنَى تَظَنَّنَ، وَهَذَا بَعِيد ; لِأَنَّ الدَّلَال غَيْر مَرْضِيّ فِي صِفَة الْعُبُودِيَّة.

### الآية 53:9

> ﻿فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَىٰ [53:9]

وَقِيلَ :( أَوْ ) بِمَعْنَى الْوَاو أَيْ قَابَ قَوْسَيْنِ وَأَدْنَى.
 وَقِيلَ : بِمَعْنَى بَلْ أَيْ بَلْ أَدْنَى.
 وَقَالَ سَعِيد بْن الْمُسَيِّب : الْقَاب صَدْر الْقَوْس الْعَرَبِيَّة حَيْثُ يُشَدّ عَلَيْهِ السَّيْر الَّذِي يَتَنَكَّبهُ صَاحِبه، وَلِكُلِّ قَوْس قَاب وَاحِد.
 فَأَخْبَرَ أَنَّ جِبْرِيل قَرُبَ مِنْ مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَقُرْبِ قَاب قَوْسَيْنِ.
 وَقَالَ سَعِيد بْن جُبَيْر وَعَطَاء وَأَبُو إِسْحَاق الْهَمْدَانِيّ وَأَبُو وَائِل شَقِيق بْن سَلَمَة :( فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ ) أَيْ قَدْر ذِرَاعَيْنِ، وَالْقَوْس الذِّرَاع يُقَاس بِهَا كُلّ شَيْء، وَهِيَ لُغَة بَعْض الْحِجَازِيِّينَ.
 وَقِيلَ : هِيَ لُغَة أَزْد شَنُوءَة أَيْضًا.
 وَقَالَ الْكِسَائِيّ : قَوْله :" فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى " أَرَادَ قَوْسًا وَاحِدًا ; كَقَوْلِ الشَّاعِر :

وَمَهْمَهَيْنِ قَذَفَيْنِ مَرَّتَيْنِ  قَطَعْته بِالسَّمْتِ لَا بِالسَّمْتَيْنِ أَرَادَ مَهْمَهًا وَاحِدًا.
 وَالْقَوْس تُذَكَّر وَتُؤَنَّث فَمَنْ أَنَّثَ قَالَ فِي تَصْغِيرهَا قُوَيْسَة وَمَنْ ذَكَّرَ قَالَ قُوَيْس ; وَفِي الْمَثَل هُوَ مِنْ خَيْر قُوَيْس سَهْمًا.
 وَالْجَمْع قِسِيّ قُسِيّ وَأَقْوَاس وَقِيَاس ; وَأَنْشَدَ أَبُو عُبَيْدَة :
 وَوَتَّرَ الْأَسَاوِرُ الْقِيَاسَا
 وَالْقَوْس أَيْضًا بَقِيَّة التَّمْر فِي الْجُلَّة أَيْ الْوِعَاء.
 وَالْقَوْس بُرْج فِي السَّمَاء.
 فَأَمَّا الْقُوس بِالضَّمِّ فَصَوْمَعَة الرَّاهِب ; قَالَ الشَّاعِر \[ جَرِير \] وَذَكَرَ اِمْرَأَة :
 لَاسْتَفْتَنَتْنِي وَذَا الْمِسْحَيْنِ فِي الْقُوس

### الآية 53:10

> ﻿فَأَوْحَىٰ إِلَىٰ عَبْدِهِ مَا أَوْحَىٰ [53:10]

فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى
 تَفْخِيم لِلْوَحْيِ الَّذِي أُوحِيَ إِلَيْهِ.
 وَتَقَدَّمَ مَعْنَى الْوَحْي وَهُوَ إِلْقَاء الشَّيْء بِسُرْعَةٍ وَمِنْهُ الْوَحَاء الْوَحَاء.
 وَالْمَعْنَى فَأَوْحَى اللَّه تَعَالَى إِلَى عَبْده مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا أَوْحَى.
 وَقِيلَ : الْمَعْنَى " فَأَوْحَى إِلَى عَبْده " جِبْرِيل عَلَيْهِ السَّلَام " مَا أَوْحَى ".
 وَقِيلَ : الْمَعْنَى فَأَوْحَى جِبْرِيل إِلَى عَبْد اللَّه مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا أَوْحَى إِلَيْهِ رَبّه.
 قَالَهُ الرَّبِيع وَالْحَسَن وَابْن زَيْد وَقَتَادَة.
 قَالَ قَتَادَة : أَوْحَى اللَّه إِلَى جِبْرِيل وَأَوْحَى جِبْرِيل إِلَى مُحَمَّد.
 ثُمَّ قِيلَ : هَذَا الْوَحْي هَلْ هُوَ مُبْهَم ؟ لَا نَطَّلِع عَلَيْهِ نَحْنُ وَتُعُبِّدْنَا بِالْإِيمَانِ بِهِ عَلَى الْجُمْلَة، أَوْ هُوَ مَعْلُوم مُفَسَّر ؟ قَوْلَانِ.
 وَبِالثَّانِي قَالَ سَعِيد بْن جُبَيْر، قَالَ : أَوْحَى اللَّه إِلَى مُحَمَّد : أَلَمْ أَجِدك يَتِيمًا فَآوَيْتُك ! أَلَمْ أَجِدك ضَالًّا فَهَدَيْتُك ! أَلَمْ أَجِدك عَائِلًا فَأَغْنَيْتُك ! " أَلَمْ نَشْرَح لَك صَدْرك.
 وَوَضَعْنَا عَنْك وِزْرك.
 الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرك.
 وَرَفَعْنَا لَك ذِكْرك " \[ الِانْشِرَاح : ٤ \].
 وَقِيلَ : أَوْحَى اللَّه إِلَيْهِ أَنَّ الْجَنَّة حَرَام عَلَى الْأَنْبِيَاء حَتَّى تَدْخُلهَا يَا مُحَمَّد، وَعَلَى الْأُمَم حَتَّى تَدْخُلهَا أُمَّتك.

### الآية 53:11

> ﻿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَىٰ [53:11]

مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى
 أَيْ لَمْ يَكْذِب قَلْب مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَيْلَة الْمِعْرَاج ; وَذَلِكَ أَنَّ اللَّه تَعَالَى جَعَلَ بَصَره فِي فُؤَاده حَتَّى رَأَى رَبّه تَعَالَى وَجَعَلَ اللَّه تِلْكَ رُؤْيَة.
 وَقِيلَ : كَانَتْ رُؤْيَة حَقِيقَة بِالْبَصَرِ.
 وَالْأَوَّل مَرْوِيّ عَنْ اِبْن عَبَّاس.
 وَفِي صَحِيح مُسْلِم أَنَّهُ رَآهُ بِقَلْبِهِ.
 وَهُوَ قَوْل أَبِي ذَرّ وَجَمَاعَة مِنْ الصَّحَابَة.
 وَالثَّانِي قَوْل أَنَس وَجَمَاعَة.
 وَرُوِيَ عَنْ اِبْن عَبَّاس أَيْضًا أَنَّهُ قَالَ : أَتَعْجَبُونَ أَنْ تَكُون الْخُلَّة لِإِبْرَاهِيم، وَالْكَلَام لِمُوسَى، وَالرُّؤْيَة لِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
 وَرُوِيَ عَنْ اِبْن عَبَّاس أَيْضًا أَنَّهُ قَالَ : أَمَّا نَحْنُ بَنِي هَاشِم فَنَقُول إِنَّ مُحَمَّدًا رَأَى رَبّه مَرَّتَيْنِ.
 وَقَدْ مَضَى الْقَوْل فِي هَذَا فِي " الْأَنْعَام " عِنْد قَوْله :" لَا تُدْرِكهُ " الْأَبْصَار وَهُوَ يُدْرِك الْأَبْصَار " \[ الْأَنْعَام : ١٠٣ \].
 وَرَوَى مُحَمَّد بْن كَعْب قَالَ : قُلْنَا يَا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْك رَأَيْت رَبّك ؟ قَالَ :( رَأَيْته بِفُؤَادِي مَرَّتَيْنِ ) ثُمَّ قَرَأَ :" مَا كَذَبَ الْفُؤَاد مَا رَأَى ".
 وَقَوْل : ثَالِث أَنَّهُ رَأَى جَلَاله وَعَظَمَته ; قَالَهُ الْحَسَن.
 وَرَوَى أَبُو الْعَالِيَة قَالَ : سُئِلَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هَلْ رَأَيْت رَبّك ؟ قَالَ :( رَأَيْت نَهَرًا وَرَأَيْت وَرَاء النَّهَر حِجَابًا وَرَأَيْت وَرَاء الْحِجَاب نُورًا لَمْ أَرَ غَيْر ذَلِكَ ).
 وَفِي صَحِيح مُسْلِم عَنْ أَبِي ذَرّ قَالَ : سَأَلْت رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هَلْ رَأَيْت رَبّك ؟ قَالَ :( نُور أَنَّى أَرَاهُ ) الْمَعْنَى غَلَبَنِي مِنْ النُّور وَبَهَرَنِي مِنْهُ مَا مَنَعَنِي مِنْ رُؤْيَته.
 وَدَلَّ عَلَى هَذَا الرِّوَايَة الْأُخْرَى ( رَأَيْت نُورًا ).
 وَقَالَ اِبْن مَسْعُود : رَأَى جِبْرِيل عَلَى صُورَته مَرَّتَيْنِ.
 وَقَرَأَ هِشَام عَنْ اِبْن عَامِر وَأَهْل الشَّام " مَا كَذَّبَ " بِالتَّشْدِيدِ أَيْ مَا كَذَّبَ قَلْب مُحَمَّد مَا رَأَى بِعَيْنِهِ تِلْكَ اللَّيْلَة بَلْ صَدَّقَهُ.
 ف " مَا " مَفْعُوله بِغَيْرِ حَرْف مُقَدَّر ; لِأَنَّهُ يَتَعَدَّى مُشَدَّدًا بِغَيْرِ حَرْف.
 وَيَجُوز أَنْ تَكُون " مَا " بِمَعْنَى الَّذِي وَالْعَائِد مَحْذُوف، وَيَجُوز أَنْ يَكُون مَعَ الْفِعْل مَصْدَرًا.
 الْبَاقُونَ مُخَفَّفًا ; أَيْ مَا كَذَبَ فُؤَاد مُحَمَّد فِيمَا رَأَى ; فَأَسْقَطَ حَرْف الصِّفَة.
 **قَالَ حَسَّان رَضِيَ اللَّه عَنْهُ :**

لَوْ كُنْتِ صَادِقَة الَّذِي حَدَّثْتِنِي  لَنَجَوْت مَنْجَى الْحَارِث بْن هِشَام أَيْ فِي الَّذِي حَدَّثْتنِي.
 وَيَجُوز أَنْ يَكُون مَعَ الْفِعْل مَصْدَرًا.
 وَيَجُوز أَنْ يَكُون بِمَعْنَى الَّذِي ; أَيْ مَا كَذَبَ فُؤَاد مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الَّذِي رَأَى.

### الآية 53:12

> ﻿أَفَتُمَارُونَهُ عَلَىٰ مَا يَرَىٰ [53:12]

أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى
 قَرَأَ حَمْزَة وَالْكِسَائِيّ " أَفَتَمْرُونَهُ " بِفَتْحِ التَّاء مِنْ غَيْر أَلِف عَلَى مَعْنَى أَفَتَجْحَدُونَهُ.
 وَاخْتَارَهُ أَبُو عُبَيْد ; لِأَنَّهُ قَالَ : لَمْ يُمَارُوهُ وَإِنَّمَا جَحَدُوهُ.
 يُقَال : مَرَاه حَقّه أَيْ جَحَدَهُ وَمَرَيْته أَنَا ; قَالَ الشَّاعِر :

لَئِنْ هَجَرْت أَخَا صِدْقٍ وَمَكْرُمَةٍ  لَقَدْ مَرَيْت أَخًا مَا كَانَ يَمْرِيكَا أَيْ جَحَدْته.
 وَقَالَ الْمُبَرِّد : يُقَال مَرَاه عَنْ حَقّه وَعَلَى حَقّه إِذَا مَنَعَهُ مِنْهُ وَدَفَعَهُ عَنْهُ.
 قَالَ : وَمِثْلُ عَلَى بِمَعْنَى عَنْ قَوْلُ بَنِي كَعْب بْن رَبِيعَة : رَضِيَ اللَّه عَلَيْك ; أَيْ رَضِيَ عَنْك.
 وَقَرَأَ الْأَعْرَج وَمُجَاهِد " أَفَتُمْرُونَهُ " بِضَمِّ التَّاء مِنْ غَيْر أَلِف مِنْ أَمْرَيْت ; أَيْ تُرِيبُونَهُ وَتُشَكِّكُونَهُ.
 الْبَاقُونَ " أَفَتُمَارُونَهُ " بِأَلِفٍ، أَيْ أَتُجَادِلُونَهُ وَتُدَافِعُونَهُ فِي أَنَّهُ رَأَى اللَّه ; وَالْمَعْنَيَانِ مُتَدَاخِلَانِ ; لِأَنَّ مُجَادَلَتهمْ جُحُود.
 وَقِيلَ : إِنَّ الْجُحُود كَانَ دَائِمًا مِنْهُمْ وَهَذَا جِدَال جَدِيد ; قَالُوا : صِفْ لَنَا بَيْت الْمَقْدِس وَأَخْبِرْنَا عَنْ عِيرنَا الَّتِي فِي طَرِيق الشَّام.
 عَلَى مَا تَقَدَّمَ.

### الآية 53:13

> ﻿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَىٰ [53:13]

وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى
 " نَزْلَة " مَصْدَر فِي مَوْضِع الْحَال كَأَنَّهُ قَالَ : وَلَقَدْ رَآهُ نَازِلًا نَزْلَة أُخْرَى.
 قَالَ اِبْن عَبَّاس : رَأَى مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَبّه مَرَّة أُخْرَى بِقَلْبِهِ.
 رَوَى مُسْلِم عَنْ أَبِي الْعَالِيَة عَنْهُ قَالَ :" مَا كَذَبَ الْفُؤَاد مَا رَأَى " " وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَة أُخْرَى " قَالَ : رَآهُ بِفُؤَادِهِ مَرَّتَيْنِ ; فَقَوْله :" نَزْلَة أُخْرَى " يَعُود إِلَى مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ; فَإِنَّهُ كَانَ لَهُ صُعُود وَنُزُول مِرَارًا بِحَسَبِ أَعْدَاد الصَّلَوَات الْمَفْرُوضَة، فَلِكُلِّ عَرْجَة نَزْلَة ) وَعَلَى هَذَا قَوْله تَعَالَى :" عِنْد سِدْرَة الْمُنْتَهَى " أَيْ وَمُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِنْد سِدْرَة الْمُنْتَهَى وَفِي بَعْض تِلْكَ النَّزَلَات.
 وَقَالَ اِبْن مَسْعُود وَأَبُو هُرَيْرَة فِي تَفْسِير قَوْله تَعَالَى :" وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَة أُخْرَى " إِنَّهُ جِبْرِيل.
 ثَبَتَ هَذَا أَيْضًا فِي صَحِيح مُسْلِم.
 وَقَالَ اِبْن مَسْعُود : قَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :( رَأَيْت جِبْرِيل بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى لَهُ سِتّمِائَةِ جَنَاح يَتَنَاثَر مِنْ رِيشه الدُّرّ وَالْيَاقُوت ) ذَكَرَهُ الْمَهْدَوِيّ.

### الآية 53:14

> ﻿عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَىٰ [53:14]

السَّادِس : لِأَنَّهُ تَنْتَهِي إِلَيْهَا أَرْوَاح الْمُؤْمِنِينَ ; قَالَهُ قَتَادَة.
 السَّابِع : لِأَنَّهُ يَنْتَهِي إِلَيْهَا كُلّ مَنْ كَانَ عَلَى سُنَّة مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمِنْهَاجه ; قَالَهُ عَلِيّ رَضِيَ اللَّه عَنْهُ وَالرَّبِيع بْن أَنَس أَيْضًا.
 الثَّامِن : هِيَ شَجَرَة عَلَى رُءُوس حَمَلَة الْعَرْش إِلَيْهَا يَنْتَهِي عِلْم الْخَلَائِق ; قَالَهُ كَعْب أَيْضًا.
 قُلْت : يُرِيد - وَاَللَّه أَعْلَمُ - أَنَّ اِرْتِفَاعهَا وَأَعَالِي أَغْصَانهَا قَدْ جَاوَزَتْ رُءُوس حَمَلَة الْعَرْش ; وَدَلِيله عَلَى مَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّ أَصْلهَا فِي السَّمَاء السَّادِسَة وَأَعْلَاهَا فِي السَّمَاء السَّابِعَة، ثُمَّ عَلَتْ فَوْق ذَلِكَ حَتَّى جَاوَزَتْ رُءُوس حَمَلَة الْعَرْش.
 وَاَللَّه أَعْلَمُ.
 التَّاسِع : سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأَنَّ مَنْ رُفِعَ إِلَيْهَا فَقَدْ اِنْتَهَى فِي الْكَرَامَة.
 وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَة لَمَّا أُسْرِيَ بِرَسُولِ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اِنْتَهَى بِهِ إِلَى سِدْرَة الْمُنْتَهَى فَقِيلَ لَهُ هَذِهِ سِدْرَة الْمُنْتَهَى يَنْتَهِي إِلَيْهَا كُلّ أَحَد خَلَا مِنْ أُمَّتك عَلَى سُنَّتك ; فَإِذَا هِيَ شَجَرَة يَخْرُج مِنْ أَصْلهَا أَنْهَار مِنْ مَاء غَيْر آسِن ! وَأَنْهَار مِنْ لَبَن لَمْ يَتَغَيَّر طَعْمه، وَأَنْهَار مِنْ خَمْر لَذَّة لِلشَّارِبِينَ، وَأَنْهَار مِنْ عَسَل مُصَفًّى، وَإِذَا هِيَ شَجَرَة يَسِير الرَّاكِب الْمُسْرِع فِي ظِلّهَا مِائَة عَام لَا يَقْطَعهَا، وَالْوَرَقَة مِنْهَا تُغَطِّي الْأُمَّة كُلّهَا ; ذَكَرَهُ الثَّعْلَبِيّ.

### الآية 53:15

> ﻿عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَىٰ [53:15]

عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى
 تَعْرِيف بِمَوْضِعِ جَنَّة الْمَأْوَى وَأَنَّهَا عِنْد سِدْرَة الْمُنْتَهَى.
 وَقَرَأَ عَلِيّ وَأَبُو هُرَيْرَة وَأَنَس وَأَبُو سَبْرَة الْجُهَنِيّ وَعَبْد اللَّه بْن الزُّبَيْر وَمُجَاهِد " عِنْدهَا جَنَّة الْمَأْوَى " يَعْنِي جَنَّة الْمَبِيت.
 قَالَ مُجَاهِد : يُرِيد أَجَنَّهُ.
 وَالْهَاء لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
 وَقَالَ الْأَخْفَش : أَدْرَكَهُ كَمَا تَقُول جَنَّهُ اللَّيْل أَيْ سَتَرَهُ وَأَدْرَكَهُ.
 وَقِرَاءَة الْعَامَّة " جَنَّة الْمَأْوَى " قَالَ الْحَسَن : هِيَ الَّتِي يَصِير إِلَيْهَا الْمُتَّقُونَ.
 وَقِيلَ : إِنَّهَا الْجَنَّة الَّتِي يَصِير إِلَيْهَا أَرْوَاح الشُّهَدَاء ; قَالَهُ اِبْن عَبَّاس.
 وَهِيَ عَنْ يَمِين الْعَرْش.
 وَقِيلَ : هِيَ الْجَنَّة الَّتِي آوَى إِلَيْهَا آدَم عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام إِلَى أَنْ أُخْرِجَ مِنْهَا وَهِيَ فِي السَّمَاء السَّابِعَة.
 وَقِيلَ : إِنَّ أَرْوَاح الْمُؤْمِنِينَ كُلّهمْ فِي جَنَّة الْمَأْوَى.
 وَإِنَّمَا قِيلَ لَهَا : جَنَّة الْمَأْوَى لِأَنَّهَا تَأْوِي إِلَيْهَا أَرْوَاح الْمُؤْمِنِينَ وَهِيَ تَحْت الْعَرْش فَيَتَنَعَّمُونَ بِنَعِيمِهَا وَيَتَنَسَّمُونَ بِطِيبِ رِيحهَا.
 وَقِيلَ : لِأَنَّ جِبْرِيل وَمِيكَائِيل عَلَيْهِمَا السَّلَام يَأْوِيَانِ إِلَيْهَا.
 وَاَللَّه أَعْلَم.

### الآية 53:16

> ﻿إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَىٰ [53:16]

إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى
 قَالَ اِبْن عَبَّاس وَالضَّحَّاك وَابْن مَسْعُود وَأَصْحَابه : فَرَاش مِنْ ذَهَب.
 وَرَوَاهُ مَرْفُوعًا اِبْن مَسْعُود وَابْن عَبَّاس إِلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
 وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي صَحِيح مُسْلِم عَنْ اِبْن مَسْعُود قَوْله.
 وَقَالَ الْحَسَن : غَشِيَهَا نُور رَبّ الْعَالَمِينَ فَاسْتَنَارَتْ.
 قَالَ الْقُشَيْرِيّ : وَسُئِلَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا غَشِيَهَا ؟ قَالَ :( فَرَاش مِنْ ذَهَب ).
 وَفِي خَبَر آخَر ( غَشِيَهَا نُور مِنْ اللَّه حَتَّى مَا يَسْتَطِيع أَحَد أَنْ يَنْظُر إِلَيْهَا ).
 وَقَالَ الرَّبِيع بْن أَنَس : غَشِيَهَا نُور الرَّبّ وَالْمَلَائِكَة تَقَع عَلَيْهَا كَمَا يَقَع الْغِرْبَان عَلَى الشَّجَرَة.
 وَعَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ :( رَأَيْت السِّدْرَة يَغْشَاهَا فَرَاش مِنْ ذَهَب وَرَأَيْت عَلَى كُلّ وَرَقَة مَلَكًا قَائِمًا يُسَبِّح اللَّه تَعَالَى وَذَلِكَ قَوْله :" إِذْ يَغْشَى السِّدْرَة مَا يَغْشَى " ) ذَكَرَهُ الْمَهْدَوِيّ وَالثَّعْلَبِيّ.
 وَقَالَ أَنَس بْن مَالِك :" إِذْ يَغْشَى السِّدْرَة مَا يَغْشَى " قَالَ جَرَاد مِنْ ذَهَب وَقَدْ رَوَاهُ مَرْفُوعًا.
 وَقَالَ مُجَاهِد : إِنَّهُ رَفْرَف أَخْضَر.
 وَعَنْهُ عَلَيْهِ السَّلَام :( يَغْشَاهَا رَفْرَف مِنْ طَيْر خُضْر ).
 وَعَنْ اِبْن عَبَّاس : يَغْشَاهَا رَبّ الْعِزَّة ; أَيْ أَمْرُهُ كَمَا فِي صَحِيح مُسْلِم مَرْفُوعًا :( فَلَمَّا غَشِيَهَا مِنْ أَمْر اللَّه مَا غَشِيَ ).
 وَقِيلَ : هُوَ تَعْظِيم الْأَمْر ; كَأَنَّهُ قَالَ : إِذْ يَغْشَى السِّدْرَة مَا أَعْلَمَ اللَّه بِهِ مِنْ دَلَائِل مَلَكُوته.
 وَهَكَذَا قَوْله تَعَالَى :" فَأَوْحَى إِلَى عَبْده مَا أَوْحَى " " وَالْمُؤْتَفِكَة أَهْوَى.
 فَغَشَّاهَا مَا غَشَّى " \[ النَّجْم : ٥٣ \] وَمِثْله :" الْحَاقَّة مَا الْحَاقَّة " \[ الْحَاقَّة : ١ \].
 وَقَالَ الْمَاوَرْدِيّ فِي مَعَانِي الْقُرْآن لَهُ : فَإِنْ قِيلَ لِمَ اُخْتِيرَتْ السِّدْرَة لِهَذَا الْأَمْر دُون غَيْرهَا مِنْ الشَّجَر ؟ قِيلَ : لِأَنَّ السِّدْرَة تَخْتَصّ بِثَلَاثَةِ أَوْصَاف : ظِلّ مَدِيد، وَطَعْم لَذِيذ، وَرَائِحَة ذَكِيَّة ; فَشَابَهَتْ الْإِيمَان الَّذِي يَجْمَع قَوْلًا وَعَمَلًا وَنِيَّة ; فَظِلّهَا مِنْ الْإِيمَان بِمَنْزِلَةِ الْعَمَل لِتَجَاوُزِهِ، وَطَعْمهَا بِمَنْزِلَةِ النِّيَّة لِكُمُونِهِ، وَرَائِحَتهَا بِمَنْزِلَةِ الْقَوْل لِظُهُورِهِ.
 وَرَوَى أَبُو دَاوُدَ فِي سُنَنه قَالَ : حَدَّثَنَا نَصْر بْن عَلِيّ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَة عَنْ اِبْن جُرَيْج عَنْ عُثْمَان بْن أَبِي سُلَيْمَان عَنْ سَعِيد بْن مُحَمَّد بْن جُبَيْر بْن مُطْعِم عَنْ عَبْد اللَّه بْن حَبَشِيّ، قَالَ : قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :( مَنْ قَطَعَ سِدْرَة صَوَّبَ اللَّه رَأْسه فِي النَّار ) وَسُئِلَ أَبُو دَاوُدَ عَنْ مَعْنَى هَذَا الْحَدِيث فَقَالَ : هَذَا الْحَدِيث مُخْتَصَر يَعْنِي مَنْ قَطَعَ سِدْرَة فِي فَلَاة يَسْتَظِلّ بِهَا اِبْن السَّبِيل وَالْبَهَائِم عَبَثًا وَظُلْمًا بِغَيْرِ حَقّ يَكُون لَهُ فِيهَا صَوَّبَ اللَّه رَأْسه فِي النَّار.

### الآية 53:17

> ﻿مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَىٰ [53:17]

مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى
 قَالَ اِبْن عَبَّاس : أَيْ مَا عَدَلَ يَمِينًا وَلَا شِمَالًا، وَلَا تَجَاوَزَ الْحَدّ الَّذِي رَأَى.
 وَقِيلَ : مَا جَاوَزَ مَا أُمِرَ بِهِ.
 وَقِيلَ : لَمْ يَمُدّ بَصَره إِلَى غَيْر مَا رَأَى مِنْ الْآيَات.
 وَهَذَا وَصْف أَدَب لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي ذَلِكَ الْمَقَام ; إِذْ لَمْ يَلْتَفِت يَمِينًا وَلَا شِمَالًا.

### الآية 53:18

> ﻿لَقَدْ رَأَىٰ مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَىٰ [53:18]

لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى
 قَالَ اِبْن عَبَّاس : رَأَى رَفْرَفًا سَدَّ الْأُفُق.
 وَذَكَرَ الْبَيْهَقِيّ عَنْ عَبْد اللَّه قَالَ :( " رَأَى مِنْ آيَات رَبّه الْكُبْرَى " قَالَ اِبْن عَبَّاس : رَأَى رَفْرَفًا أَخْضَر سَدَّ أُفُق السَّمَاء.
 وَعَنْهُ قَالَ : رَأَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جِبْرِيل عَلَيْهِ السَّلَام فِي حُلَّة رَفْرَف أَخْضَر، قَدْ مَلَأَ مَا بَيْن السَّمَاء وَالْأَرْض ) قَالَ الْبَيْهَقِيّ : قَوْله فِي الْحَدِيث ( رَأَى رَفْرَفًا ) يُرِيد جِبْرِيل عَلَيْهِ السَّلَام فِي صُورَته فِي رَفْرَف، وَالرَّفْرَف الْبِسَاط.
 وَيُقَال : فِرَاش.
 وَيُقَال : بَلْ هُوَ ثَوْب كَانَ لِبَاسًا لَهُ ; فَقَدْ رُوِيَ أَنَّهُ رَآهُ فِي حُلَّة رَفْرَف.
 قُلْت : خَرَّجَهُ التِّرْمِذِيّ عَنْ عَبْد اللَّه قَالَ :( " مَا كَذَبَ الْفُؤَاد مَا رَأَى " قَالَ : رَأَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جِبْرِيل عَلَيْهِ السَّلَام فِي حُلَّة مِنْ رَفْرَف قَدْ مَلَأَ مَا بَيْن السَّمَاء وَالْأَرْض ) قَالَ : هَذَا حَدِيث حَسَن صَحِيح.
 قُلْت : وَقَدْ رُوِيَ عَنْ اِبْن عَبَّاس فِي قَوْله تَعَالَى :" دَنَا فَتَدَلَّى " أَنَّهُ عَلَى التَّقْدِيم وَالتَّأْخِير ; أَيْ تَدَلَّى الرَّفْرَف لِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَيْلَة الْمِعْرَاج فَجَلَسَ عَلَيْهِ ثُمَّ رُفِعَ فَدَنَا مِنْ رَبّه.
 قَالَ :( فَارَقَنِي جِبْرِيل وَانْقَطَعَتْ عَنِّي الْأَصْوَات وَسَمِعْت كَلَام رَبِّي ) فَعَلَى هَذَا الرَّفْرَف مَا يُقْعَد وَيُجْلَس عَلَيْهِ كَالْبِسَاطِ وَغَيْره.
 وَهُوَ بِالْمَعْنَى الْأَوَّل جِبْرِيل.
 قَالَ عَبْد الرَّحْمَن بْن زَيْد وَمُقَاتِل بْن حَيَّان : رَأَى جِبْرِيل عَلَيْهِ السَّلَام فِي صُورَته الَّتِي يَكُون فِيهَا فِي السَّمَوَات ; وَكَذَا فِي صَحِيح مُسْلِم عَنْ عَبْد اللَّه قَالَ :" لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَات رَبّه الْكُبْرَى " قَالَ رَأَى جِبْرِيل فِي صُورَته لَهُ سِتّمِائَةِ جَنَاح.
 وَلَا يَبْعُد مَعَ هَذَا أَنْ يَكُون فِي حُلَّة رَفْرَف وَعَلَى رَفْرَف.
 وَاَللَّه أَعْلَمُ.
 وَقَالَ الضَّحَّاك : رَأَى سِدْرَة الْمُنْتَهَى.
 وَعَنْ اِبْن مَسْعُود : رَأَى مَا غَشِيَ السِّدْرَة مِنْ فَرَاش الذَّهَب ; حَكَاهُ الْمَاوَرْدِيّ.
 وَقِيلَ : رَأَى الْمِعْرَاج.
 وَقِيلَ : هُوَ مَا رَأَى تِلْكَ اللَّيْلَة فِي مَسْرَاهُ فِي عَوْده وَبَدْئِهِ ; وَهُوَ أَحْسَنُ ; دَلِيله :" لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتنَا " \[ الْإِسْرَاء : ١ \] و " مِنْ " يَجُوز أَنْ تَكُون لِلتَّبْعِيضِ، وَتَكُون " الْكُبْرَى " مَفْعُولَة ل " رَأَى " وَهِيَ فِي الْأَصْل صِفَة الْآيَات وَوُحِّدَتْ لِرُءُوسِ الْآيَات.
 وَأَيْضًا يَجُوز نَعْت الْجَمَاعَة بِنَعْتِ الْأُنْثَى ; كَقَوْلِهِ تَعَالَى :" وَلِيَ فِيهَا مَآرِب أُخْرَى " \[ طَه : ١٨ \] وَقِيلَ :" الْكُبْرَى " نَعْت لِمَحْذُوفٍ ; أَيْ رَأَى مِنْ آيَات رَبّه الْكُبْرَى.
 وَيَجُوز أَنْ تَكُون " مِنْ " زَائِدَة ; أَيْ رَأَى آيَات رَبّه الْكُبْرَى.
 وَقِيلَ : فِيهِ تَقْدِيم وَتَأْخِير ; أَيْ رَأَى الْكُبْرَى مِنْ آيَات رَبّه.

### الآية 53:19

> ﻿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّىٰ [53:19]

وَقَرَأَ اِبْن عَبَّاس وَابْن الزُّبَيْر وَمُجَاهِد وَحُمَيْد وَأَبُو صَالِح " اللَّاتّ " بِتَشْدِيدِ التَّاء وَقَالُوا : كَانَ رَجُلًا يَلُتّ السَّوِيق لِلْحَاجِّ ذَكَرَ الْبُخَارِيّ عَنْ اِبْن عَبَّاس - فَلَمَّا مَاتَ عَكَفُوا عَلَى قَبْره فَعَبَدُوهُ.
 اِبْن عَبَّاس : كَانَ يَبِيع السَّوِيق وَالسَّمْن عِنْد صَخْرَة وَيَصُبّهُ عَلَيْهَا، فَلَمَّا مَاتَ ذَلِكَ الرَّجُل عَبَدَتْ ثَقِيف تِلْكَ الصَّخْرَة إِعْظَامًا لِصَاحِبِ السَّوِيق.
 أَبُو صَالِح : إِنَّمَا كَانَ رَجُلًا بِالطَّائِفِ فَكَانَ يَقُوم عَلَى آلِهَتهمْ وَيَلُتّ لَهُمْ السَّوِيق فَلَمَّا مَاتَ عَبَدُوهُ.
 مُجَاهِد : كَانَ رَجُل فِي رَأْس جَبَل لَهُ غُنَيْمَة يَسْلِي مِنْهَا السَّمْن وَيَأْخُذ مِنْهَا الْأَقِط وَيَجْمَع رِسْلهَا، ثُمَّ يَتَّخِذ مِنْهَا حَيْسًا فَيُطْعِم الْحَاجّ، وَكَانَ بِبَطْنِ نَخْلَة فَلَمَّا مَاتَ عَبَدُوهُ وَهُوَ اللَّاتّ.
 وَقَالَ الْكَلْبِيّ كَانَ رَجُلًا مِنْ ثَقِيف يُقَال لَهُ صِرْمَة بْن غُنْم.
 وَقِيلَ : إِنَّهُ عَامِر بْن ظَرِب الْعَدْوَانِيّ.
 **قَالَ الشَّاعِر :**

لَا تَنْصُرُوا اللَّاتَ إِنَّ اللَّهَ مُهْلِكُهَا  وَكَيْفَ يَنْصُركُمْ مَنْ لَيْسَ يَنْتَصِر وَالْقِرَاءَة الصَّحِيحَة " اللَّات " بِالتَّخْفِيفِ اِسْم صَنَم وَالْوُقُوف عَلَيْهَا بِالتَّاءِ وَهُوَ اِخْتِيَار الْفَرَّاء.
 قَالَ الْفَرَّاء : وَقَدْ رَأَيْت الْكِسَائِيّ سَأَلَ أَبَا فَقْعَس الْأَسَدِيّ فَقَالَ ذَاهْ لِذَات وَلَاهْ لِلَّاتِ وَقَرَأَ " أَفَرَأَيْتُمْ اللَّاهَ " وَكَذَا قَرَأَ الدَّوْرِيّ عَنْ الْكِسَائِيّ وَالْبَزِّيّ عَنْ اِبْن كَثِير " اللَّاهْ " بِالْهَاءِ فِي الْوَقْف، وَمَنْ قَالَ : إِنَّ " اللَّات " مِنْ اللَّه وَقْف بِالْهَاءِ أَيْضًا.
 وَقِيلَ : أَصْلهَا لَاهَة مِثْل شَاة أَصْلُهَا شَاهَة وَهِيَ مِنْ لَاهَتْ أَيْ اِخْتَفَتْ ; قَالَ الشَّاعِر :لَاهَتْ فَمَا عُرِفَتْ يَوْمًا بِخَارِجَةٍ  يَا لَيْتَهَا خَرَجَتْ حَتَّى رَأَيْنَاهَا وَفِي الصِّحَاح : اللَّات اِسْم صَنَم كَانَ لِثَقِيفٍ وَكَانَ بِالطَّائِفِ، وَبَعْض الْعَرَب يَقِف عَلَيْهَا بِالتَّاءِ، وَبَعْضهمْ بِالْهَاءِ ; قَالَ الْأَخْفَش : سَمِعْنَا مِنْ الْعَرَب مَنْ يَقُول اللَّاتِ وَالْعُزَّى، وَيَقُول هِيَ اللَّاتْ فَيَجْعَلهَا تَاء فِي السُّكُوت وَهِيَ اللَّاتِ فَأَعْلَمَ أَنَّهُ جُرَّ فِي مَوْضِع الرَّفْع ; فَهَذَا مِثْل أَمْسِ مَكْسُور عَلَى كُلّ حَال وَهُوَ أَجْوَد مِنْهُ ; لِأَنَّ الْأَلِف وَاللَّام اللَّتَيْنِ فِي اللَّات لَا تَسْقُطَانِ وَإِنْ كَانَتَا زَائِدَتَيْنِ ; وَأَمَّا مَا سَمِعْنَا مِنْ الْأَكْثَر فِي اللَّات وَالْعُزَّى فِي السُّكُوت عَلَيْهَا فَاللَّاهْ لِأَنَّهَا هَاء فَصَارَتْ تَاء فِي الْوَصْل وَهِيَ فِي تِلْكَ اللُّغَة مِثْل كَانَ مِنْ الْأَمْر كَيْتِ وَكَيْتِ، وَكَذَلِكَ هَيْهَاتِ فِي لُغَة مَنْ كَسَرَهَا ; إِلَّا أَنَّهُ يَجُوز فِي هَيْهَاتِ أَنْ تَكُون جَمَاعَة وَلَا يَجُوز ذَلِكَ فِي اللَّات ; لِأَنَّ التَّاء لَا تُزَاد فِي الْجَمَاعَة إِلَّا مَعَ الْأَلِف، وَإِنْ جُعِلَتْ الْأَلِف وَالتَّاء زَائِدَتَيْنِ بَقِيَ الِاسْم عَلَى حَرْف وَاحِد.

### الآية 53:20

> ﻿وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَىٰ [53:20]

وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى
 قَرَأَ اِبْن كَثِير وَابْن مُحَيْصِن وَحُمَيْد وَمُجَاهِد وَالسُّلَمِيّ وَالْأَعْشَى عَنْ أَبِي بَكْر " وَمَنَاءَة " بِالْمَدِّ وَالْهَمْز.
 وَالْبَاقُونَ بِتَرْكِ الْهَمْز لُغَتَانِ.
 وَقِيلَ : سُمِّيَ بِذَلِكَ ; لِأَنَّهُمْ كَانُوا يُرِيقُونَ عِنْده الدِّمَاء يَتَقَرَّبُونَ بِذَلِكَ إِلَيْهِ.
 وَبِذَلِكَ سُمِّيَتْ مِنًى لِكَثْرَةِ مَا يُرَاق فِيهَا مِنْ الدِّمَاء.
 وَكَانَ الْكِسَائِيّ وَابْن كَثِير وَابْن مُحَيْصِن يَقِفُونَ بِالْهَاءِ عَلَى الْأَصْل.
 الْبَاقُونَ بِالتَّاءِ اِتِّبَاعًا لِخَطِّ الْمُصْحَف.
 وَفِي الصِّحَاح : وَمَنَاة اِسْم صَنَم كَانَ لِهُذَيْلٍ وَخُزَاعَة بَيْن مَكَّة وَالْمَدِينَة، وَالْهَاء لِلتَّأْنِيثِ وَيُسْكَت عَلَيْهَا بِالتَّاءِ وَهِيَ لُغَة، وَالنِّسْبَة إِلَيْهَا مَنَوِيّ.
 وَعَبْد مَنَاة بْن أُدّ بْن طَابِخَة، وَزَيْد مَنَاة بْن تَمِيم بْن مُرّ يُمَدّ وَيُقْصَر ; قَالَ هَوْبَر الْحَارِثِيّ :

أَلَا هَلْ أَتَى التَّيْم بْن عَبْد مَنَاءَة  عَلَى الشِّنْءِ فِيمَا بَيْننَا اِبْن تَمِيم قَوْله تَعَالَى :" الْأُخْرَى " الْعَرَب لَا تَقُول لِلثَّالِثَةِ أُخْرَى وَإِنَّمَا الْأُخْرَى نَعْت لِلثَّانِيَةِ، وَاخْتَلَفُوا فِي وَجْههَا فَقَالَ الْخَلِيل : إِنَّمَا قَالَ ذَلِكَ لِوِفَاقِ رُءُوس الْآي ; كَقَوْلِهِ :" مَآرِب أُخْرَى " \[ طَه : ١٨ \] وَلَمْ يَقُلْ أُخَر.
 وَقَالَ الْحُسَيْن بْن الْفَضْل : فِي الْآيَة تَقْدِيم وَتَأْخِير مَجَازهَا أَفَرَأَيْتُمْ اللَّات وَالْعُزَّى الْأُخْرَى وَمَنَاة الثَّالِثَة.
 وَقِيلَ : إِنَّمَا قَالَ " وَمَنَاة الثَّالِثَة الْأُخْرَى " لِأَنَّهَا كَانَتْ مُرَتَّبَة عِنْد الْمُشْرِكِينَ فِي التَّعْظِيم بَعْد اللَّات وَالْعُزَّى فَالْكَلَام عَلَى نَسَقه.
 وَقَدْ ذَكَرْنَا عَنْ اِبْن هِشَام : أَنَّ مَنَاة كَانَتْ أَوَّلًا فِي التَّقْدِيم، فَلِذَلِكَ كَانَتْ مُقَدَّمَة عِنْدهمْ فِي التَّعْظِيم ; وَاَللَّه أَعْلَم.
 وَفِي الْآيَة حَذْف دَلَّ عَلَيْهِ الْكَلَام ; أَيْ أَفَرَأَيْتُمْ هَذِهِ الْآلِهَة هَلْ نَفَعَتْ أَوْ ضَرَّتْ حَتَّى تَكُون شُرَكَاء لِلَّهِ.

### الآية 53:21

> ﻿أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثَىٰ [53:21]

أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثَى
 قَالَ عَلَى جِهَة التَّقْرِيع وَالتَّوْبِيخ :" أَلَكُمْ الذَّكَر وَلَهُ الْأُنْثَى " رَدًّا عَلَيْهِمْ قَوْلهمْ : الْمَلَائِكَة بَنَات اللَّه، وَالْأَصْنَام بَنَات اللَّه.

### الآية 53:22

> ﻿تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَىٰ [53:22]

قِسْمَةٌ ضِيزَى
 أَيْ جَائِرَة عَنْ الْعَدْل، خَارِجَة عَنْ الصَّوَاب، مَائِلَة عَنْ الْحَقّ.
 يُقَال : ضَازَ فِي الْحُكْم أَيْ جَارَ، وَضَازَ حَقّه يَضِيزهُ ضَيْزًا - عَنْ الْأَخْفَش - أَيْ نَقَصَهُ وَبَخَسَهُ.
 قَالَ : وَقَدْ يُهْمَز فَيُقَال ضَأَزَهُ يَضْأَزهُ ضَأْزًا وَأَنْشَدَ :

فَإِنْ تَنْأَ عَنَّا نَنْتَقِصْك وَإِنْ تُقِمْ  فَقِسْمُك مَضْئُوزٌ وَأَنْفُك رَاغِمُ وَقَالَ الْكِسَائِيّ : يُقَال ضَازَ يَضِيز ضَيْزًا، وَضَازَ يَضُوز، وَضَأَزَ يَضْأَز ضَأْزًا إِذَا ظَلَمَ وَتَعَدَّى وَبَخَسَ وَانْتَقَصَ ; قَالَ الشَّاعِر :ضَازَتْ بَنُو أَسَد بِحُكْمِهِمُ  إِذْ يَجْعَلُونَ الرَّأْس كَالذَّنَبِ قَوْله تَعَالَى :" قِسْمَة ضِيزَى " أَيْ جَائِرَة، وَهِيَ فُعْلَى مِثْل طُوبَى وَحُبْلَى ; وَإِنَّمَا كَسَرُوا الضَّاد لِتَسْلَم الْيَاء ; لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي الْكَلَام فِعْلَى صِفَة، وَإِنَّمَا هُوَ مِنْ بِنَاء الْأَسْمَاء كَالشِّعْرَى وَالدِّفْلَى.
 قَالَ الْفَرَّاء : وَبَعْض الْعَرَب تَقُول ضُوزَى وَضِئْزَى بِالْهَمْزِ.
 وَحَكَى أَبُو حَاتِم عَنْ أَبِي زَيْد : أَنَّهُ سَمِعَ الْعَرَب تَهْمِز " ضِيزَى ".
 قَالَ غَيْره : وَبِهَا قَرَأَ اِبْن كَثِير ; جَعَلَهُ مَصْدَرًا مِثْل ذِكْرَى وَلَيْسَ بِصِفَةٍ ; إِذْ لَيْسَ فِي الصِّفَات فِعْلَى وَلَا يَكُون أَصْلهَا فُعْلَى ; إِذْ لَيْسَ فِيهَا مَا يُوجِب الْقَلْب، وَهِيَ مِنْ قَوْلهمْ ضَأَزْته أَيْ ظَلَمْته.
 فَالْمَعْنَى قِسْمَة ذَات ظُلْم.
 وَقَدْ قِيلَ هُمَا لُغَتَانِ بِمَعْنًى.
 وَحُكِيَ فِيهَا أَيْضًا سِوَاهُمَا ضَيْزَى وَضَأْزَى وَضُوزَى وَضُؤْزَى.
 وَقَالَ الْمُؤَرِّج : كَرِهُوا ضَمَّ الضَّاد فِي ضِيزَى، وَخَافُوا اِنْقِلَاب الْيَاء وَاوًا وَهِيَ مِنْ بَنَات الْوَاو ; فَكَسَرُوا الضَّاد لِهَذِهِ الْعِلَّة، كَمَا قَالُوا فِي جَمْع أَبْيَض بِيض، وَالْأَصْل بُوض ; مِثْل حُمْر وَصُفْر وَخُضْر.
 فَأَمَّا مَنْ قَالَ : ضَازَ يَضُوز فَالِاسْم مِنْهُ ضُوزَى مِثْل شُورَى.

### الآية 53:23

> ﻿إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ ۚ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ ۖ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَىٰ [53:23]

وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى
 أَيْ الْبَيَان مِنْ جِهَة الرَّسُول أَنَّهَا لَيْسَتْ بِآلِهَةٍ.

### الآية 53:24

> ﻿أَمْ لِلْإِنْسَانِ مَا تَمَنَّىٰ [53:24]

أَمْ لِلْإِنْسَانِ مَا تَمَنَّى
 أَيْ اِشْتَهَى أَيْ لَيْسَ ذَلِكَ لَهُ.
 وَقِيلَ :" لِلْإِنْسَانِ مَا تَمَنَّى " مِنْ الْبَنِينَ ; أَيْ يَكُون لَهُ دُون الْبَنَات.
 وَقِيلَ :" أَمْ لِلْإِنْسَانِ مَا تَمَنَّى " مِنْ غَيْر جَزَاء ! لَيْسَ الْأَمْر كَذَلِكَ.
 وَقِيلَ :" أَمْ لِلْإِنْسَانِ مَا تَمَنَّى " مِنْ النُّبُوَّة أَنْ تَكُون فِيهِ دُون غَيْره.
 وَقِيلَ :" أَمْ لِلْإِنْسَانِ مَا تَمَنَّى " مِنْ شَفَاعَة الْأَصْنَام ; نَزَلَتْ فِي النَّضْر بْن الْحَارِث.
 وَقِيلَ : فِي الْوَلِيد بْن الْمُغِيرَة.
 وَقِيلَ : فِي سَائِر الْكُفَّار.

### الآية 53:25

> ﻿فَلِلَّهِ الْآخِرَةُ وَالْأُولَىٰ [53:25]

فَلِلَّهِ الْآخِرَةُ وَالْأُولَى
 يُعْطِي مَنْ يَشَاء وَيَمْنَع مَنْ يَشَاء لَا مَا تَمَنَّى أَحَد.

### الآية 53:26

> ﻿۞ وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَىٰ [53:26]

وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى
 هَذَا تَوْبِيخ مِنْ اللَّه تَعَالَى لِمَنْ عَبَدَ الْمَلَائِكَة وَالْأَصْنَام، وَزَعَمَ أَنَّ ذَلِكَ يُقَرِّبهُ إِلَى اللَّه تَعَالَى، فَأَعْلَمَ أَنَّ الْمَلَائِكَة مَعَ كَثْرَة عِبَادَتهَا وَكَرَامَتهمْ عَلَى اللَّه لَا تَشْفَع إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ أَنْ يُشْفَع لَهُ.
 قَالَ الْأَخْفَش : الْمَلَك وَاحِد وَمَعْنَاهُ جَمْع ; وَهُوَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى :" فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَد عَنْهُ حَاجِزِينَ " \[ الْحَاقَّة : ٤٧ \].
 وَقِيلَ : إِنَّمَا ذَكَرَ مَلَكًا وَاحِدًا، لِأَنَّ كَمْ تَدُلّ عَلَى الْجَمْع.

### الآية 53:27

> ﻿إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ لَيُسَمُّونَ الْمَلَائِكَةَ تَسْمِيَةَ الْأُنْثَىٰ [53:27]

لَيُسَمُّونَ الْمَلَائِكَةَ تَسْمِيَةَ الْأُنْثَى
 أَيْ كَتَسْمِيَةِ الْأُنْثَى، أَيْ يَعْتَقِدُونَ أَنَّ الْمَلَائِكَة إِنَاث وَأَنَّهُمْ بَنَات اللَّه.

### الآية 53:28

> ﻿وَمَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ ۖ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ ۖ وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا [53:28]

إِلَّا الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا
 فِي أَنَّ الْمَلَائِكَة إِنَاث.

### الآية 53:29

> ﻿فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّىٰ عَنْ ذِكْرِنَا وَلَمْ يُرِدْ إِلَّا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا [53:29]

وَلَمْ يُرِدْ إِلَّا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا
 نَزَلَتْ فِي النَّضْر.
 وَقِيلَ : فِي الْوَلِيد.

### الآية 53:30

> ﻿ذَٰلِكَ مَبْلَغُهُمْ مِنَ الْعِلْمِ ۚ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اهْتَدَىٰ [53:30]

وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اهْتَدَى
 فَيُجَازِي كُلًّا بِأَعْمَالِهِمْ.

### الآية 53:31

> ﻿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى [53:31]

وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى
 اللَّام مُتَعَلِّقَة بِالْمَعْنَى الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ " وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَات وَمَا فِي الْأَرْض " كَأَنَّهُ قَالَ : هُوَ مَالِك ذَلِكَ يَهْدِي مَنْ يَشَاء وَيُضِلّ مَنْ يَشَاء لِيَجْزِيَ الْمُحْسِن بِإِحْسَانِهِ وَالْمُسِيء بِإِسَاءَتِهِ.
 وَقِيلَ :" لِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَات وَمَا فِي الْأَرْض " مُعْتَرِض فِي الْكَلَام ; وَالْمَعْنَى : إِنَّ رَبّك هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيله وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ اِهْتَدَى لِيَجْزِيَ.
 وَقِيلَ : هِيَ لَام الْعَاقِبَة، أَيْ وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَات وَمَا فِي الْأَرْض ; أَيْ وَعَاقِبَة أَمْر الْخَلْق أَنْ يَكُون فِيهِمْ مُسِيء وَمُحْسِن ; فَلِلْمُسِيءِ السُّوأَى وَهِيَ جَهَنَّم، وَلِلْمُحْسِنِ الْحُسْنَى وَهِيَ الْجَنَّة.

### الآية 53:32

> ﻿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ ۚ إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ ۚ هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ ۖ فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ ۖ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَىٰ [53:32]

هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى
 أَيْ أَخْلَصَ الْعَمَل وَاتَّقَى عُقُوبَة اللَّه ; عَنْ الْحَسَن وَغَيْره.
 قَالَ الْحَسَن : قَدْ عَلَّمَ اللَّه سُبْحَانه كُلّ نَفْس مَا هِيَ عَامِلَة، وَمَا هِيَ صَانِعَة، وَإِلَى مَا هِيَ صَائِرَة.
 وَقَدْ مَضَى فِي " النِّسَاء " الْكَلَام فِي مَعْنَى هَذِهِ الْآيَة عِنْد قَوْله تَعَالَى :" أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسهمْ " \[ النِّسَاء : ٤٩ \] فَتَأَمَّلْهُ هُنَاكَ.
 وَقَالَ اِبْن عَبَّاس : مَا مِنْ أَحَد مِنْ هَذِهِ الْأُمَّة أُزَكِّيه غَيْر رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
 وَاَللَّه تَعَالَى أَعْلَم.

### الآية 53:33

> ﻿أَفَرَأَيْتَ الَّذِي تَوَلَّىٰ [53:33]

أَفَرَأَيْتَ الَّذِي تَوَلَّى
 الْآيَاتِ لَمَّا بَيَّنَ جَهْلَ الْمُشْرِكِينَ فِي عِبَادَة الْأَصْنَام ذَكَرَ وَاحِدًا مِنْهُمْ مُعَيَّنًا بِسُوءِ فِعْله.
 قَالَ مُجَاهِد وَابْن زَيْد وَمُقَاتِل : نَزَلَتْ فِي الْوَلِيد بْن الْمُغِيرَة، وَكَانَ قَدْ اِتَّبَعَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى دِينه فَعَيَّرَهُ بَعْض الْمُشْرِكِينَ، وَقَالَ : لِمَ تَرَكْت دِين الْأَشْيَاخ وَضَلَّلْتهمْ وَزَعَمْت أَنَّهُمْ فِي النَّار ؟ قَالَ : إِنِّي خَشِيت عَذَاب اللَّه ; فَضَمِنَ لَهُ إِنْ هُوَ أَعْطَاهُ شَيْئًا مِنْ مَاله وَرَجَعَ إِلَى شِرْكه أَنْ يَتَحَمَّل عَنْهُ عَذَاب اللَّه، فَأَعْطَى الَّذِي عَاتَبَهُ بَعْض مَا كَانَ ضَمِنَ لَهُ ثُمَّ بَخِلَ وَمَنَعَهُ فَأَنْزَلَ اللَّه تَعَالَى هَذِهِ الْآيَة.
 وَقَالَ مُقَاتِل : كَالَ الْوَلِيد مَدَحَ الْقُرْآن ثُمَّ أَمْسَكَ عَنْهُ فَنَزَلَ :" وَأَعْطَى قَلِيلًا وَأَكْدَى ".

### الآية 53:34

> ﻿وَأَعْطَىٰ قَلِيلًا وَأَكْدَىٰ [53:34]

وَأَكْدَى
 أَيْ قَطَعَ ذَلِكَ وَأَمْسَكَ عَنْهُ.
 وَعَنْهُ أَنَّهُ أَعْطَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَقْدَ الْإِيمَان ثُمَّ تَوَلَّى فَنَزَلَتْ :" أَفَرَأَيْت الَّذِي تَوَلَّى " الْآيَة.
 وَقَالَ اِبْن عَبَّاس وَالسُّدِّيّ وَالْكَلْبِيّ وَالْمُسَيِّب بْن شَرِيك : نَزَلَتْ فِي عُثْمَان بْن عَفَّان رَضِيَ اللَّه عَنْهُ كَانَ يَتَصَدَّق وَيُنْفِق فِي الْخَيْر، فَقَالَ لَهُ أَخُوهُ مِنْ الرَّضَاعَة عَبْد اللَّه بْن أَبِي سَرْح : مَا هَذَا الَّذِي تَصْنَع ؟ يُوشِك أَلَّا يَبْقَى لَك شَيْء.
 فَقَالَ عُثْمَان : إِنَّ لِي ذُنُوبًا وَخَطَايَا، وَإِنِّي أَطْلُب بِمَا أَصْنَع رِضَا اللَّه تَعَالَى وَأَرْجُو عَفْوه ! فَقَالَ لَهُ عَبْد اللَّه : أَعْطِنِي نَاقَتك بِرَحْلِهَا وَأَنَا أَتَحَمَّل عَنْك ذُنُوبك كُلّهَا.
 فَأَعْطَاهُ وَأَشْهَدَ عَلَيْهِ، وَأَمْسَكَ عَنْ بَعْض مَا كَانَ يَصْنَع مِنْ الصَّدَقَة فَأَنْزَلَ اللَّه تَعَالَى :" أَفَرَأَيْت الَّذِي تَوَلَّى.
 وَأَعْطَى قَلِيلًا وَأَكْدَى " فَعَادَ عُثْمَان إِلَى أَحْسَنِ ذَلِكَ وَأَجْمَلِهِ.
 ذَكَرَ ذَلِكَ الْوَاحِدِيّ وَالثَّعْلَبِيّ.
 وَقَالَ السُّدِّيّ أَيْضًا : نَزَلَتْ فِي الْعَاص بْن وَائِل السَّهْمِيّ، وَذَلِكَ أَنَّهُ كَانَ رُبَّمَا يُوَافِق النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
 وَقَالَ مُحَمَّد بْن كَعْب الْقُرَظِيّ : نَزَلَتْ فِي أَبِي جَهْل بْن هِشَام، قَالَ : وَاَللَّه مَا يَأْمُر مُحَمَّد إِلَّا بِمَكَارِمِ الْأَخْلَاق ; فَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى :" وَأَعْطَى قَلِيلًا وَأَكْدَى ".
 وَقَالَ الضَّحَّاك : هُوَ النَّضْر بْن الْحَارِث أَعْطَى خَمْس قَلَائِص لِفَقِيرٍ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ حِين اِرْتَدَّ عَنْ دِينه، وَضَمِنَ لَهُ أَنْ يَتَحَمَّل عَنْهُ مَأْثَم رُجُوعه.
 وَأَصْل " أَكْدَى " مِنْ الْكُدْيَة يُقَال لِمَنْ حَفَرَ بِئْرًا ثُمَّ بَلَغَ إِلَى حَجَر لَا يَتَهَيَّأ لَهُ فِيهِ حَفْر : قَدْ أَكْدَى، ثُمَّ اِسْتَعْمَلَتْهُ الْعَرَب لِمَنْ أَعْطَى وَلَمْ يُتَمِّم، وَلِمَنْ طَلَبَ شَيْئًا وَلَمْ يَبْلُغ آخِره.
 **وَقَالَ الْحُطَيْئَة :**

فَأَعْطَى قَلِيلًا ثُمَّ أَكْدَى عَطَاءَهُ  وَمَنْ يَبْذُلِ الْمَعْرُوف فِي النَّاس يُحْمَدِ قَالَ الْكِسَائِيّ وَغَيْره : أَكْدَى الْحَافِر وَأَجْبَلَ إِذَا بَلَغَ فِي حَفْره كُدْيَة أَوْ جَبَلًا فَلَا يُمْكِنهُ أَنْ يَحْفِر.
 وَحَفَرَ فَأَكْدَى إِذَا بَلَغَ إِلَى الصُّلْب.
 وَيُقَال : كَدِيَتْ أَصَابِعُهُ إِذَا كَلَّتْ مِنْ الْحَفْر.
 وَكَدِيَتْ يَده إِذَا كَلَّتْ فَلَمْ تَعْمَل شَيْئًا.
 وَأَكْدَى النَّبْت إِذَا قَلَّ رِيعه، وَكَدَتْ الْأَرْض تَكْدُو كَدْوًا وَكُدُوًّا فَهِيَ كَادِيَة إِذَا أَبْطَأَ نَبَاتهَا ; عَنْ أَبَى زَيْد.
 وَأَكْدَيْت الرَّجُل عَنْ الشَّيْء رَدَدْته عَنْهُ.
 وَأَكْدَى الرَّجُل إِذَا قَلَّ خَيْره.
 وَقَوْله :" وَأَعْطَى قَلِيلًا وَأَكْدَى " أَيْ قَطَعَ الْقَلِيل.

### الآية 53:35

> ﻿أَعِنْدَهُ عِلْمُ الْغَيْبِ فَهُوَ يَرَىٰ [53:35]

أَعِنْدَهُ عِلْمُ الْغَيْبِ فَهُوَ يَرَى
 أَيْ أَعِنْد هَذَا الْمُكْدِي عِلْم مَا غَابَ عَنْهُ مِنْ أَمْر الْعَذَاب ؟.
 " فَهُوَ يَرَى " أَيْ يَعْلَم مَا غَابَ عَنْهُ مِنْ أَمْر الْآخِرَة، وَمَا يَكُون مِنْ أَمْره حَتَّى يَضْمَن حَمْل الْعَذَاب عَنْ غَيْره، وَكَفَى بِهَذَا جَهْلًا وَحُمْقًا.
 وَهَذِهِ الرُّؤْيَة هِيَ الْمُتَعَدِّيَة إِلَى مَفْعُولَيْنِ وَالْمَفْعُولَانِ مَحْذُوفَانِ ; كَأَنَّهُ قَالَ : فَهُوَ يَرَى الْغَيْب مِثْل الشَّهَادَة.

### الآية 53:36

> ﻿أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَىٰ [53:36]

أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَى
 كَمَا فِي سُورَة " الْأَعْلَى " " صُحُف إِبْرَاهِيم وَمُوسَى " \[ الْأَعْلَى : ١٩ \] أَيْ لَا تُؤْخَذ نَفْس بَدَلًا عَنْ أُخْرَى ; كَمَا قَالَ " أَنْ لَا تَزِر وَازِرَة وِزْر أُخْرَى " وَخَصَّ صُحُف إِبْرَاهِيم وَمُوسَى بِالذِّكْرِ ; لِأَنَّهُ كَانَ مَا بَيْن نُوح وَإِبْرَاهِيم يُؤْخَذ الرَّجُل بِجَرِيرَةِ أَخِيهِ وَابْنه وَأَبِيهِ ; قَالَهُ الْهُذَيْل بْن شُرَحْبِيل.
 وَقَرَأَ سَعِيد بْن جُبَيْر وَقَتَادَة " وَفَى " خَفِيفَة وَمَعْنَاهَا صَدَقَ فِي قَوْله وَعَمَله، وَهِيَ رَاجِعَة إِلَى مَعْنَى قِرَاءَة الْجَمَاعَة " وَفَّى " بِالتَّشْدِيدِ أَيْ قَامَ بِجَمِيعِ مَا فُرِضَ عَلَيْهِ فَلَمْ يَخْرِم مِنْهُ شَيْئًا.
 وَقَدْ مَضَى فِي " الْبَقَرَة " عِنْد قَوْله تَعَالَى :" وَإِذْ اِبْتَلَى إِبْرَاهِيم رَبّه بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ " \[ الْبَقَرَة : ١٢٤ \] وَالتَّوْفِيَة الْإِتْمَام.
 وَقَالَ أَبُو بَكْر الْوَرَّاق : قَامَ بِشَرْطِ مَا اِدَّعَى ; وَذَلِكَ أَنَّ اللَّه تَعَالَى قَالَ لَهُ :" أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْت لِرَبِّ الْعَالَمِينَ " \[ الْبَقَرَة : ١٣١ \] فَطَالَبَهُ اللَّه بِصِحَّةِ دَعْوَاهُ، فَابْتَلَاهُ فِي مَاله وَوَلَده وَنَفْسه فَوَجَدَهُ وَافِيًا بِذَلِكَ ; فَذَلِكَ قَوْله :" وَإِبْرَاهِيم الَّذِي وَفَّى " أَيْ اِدَّعَى الْإِسْلَام ثُمَّ صَحَّحَ دَعْوَاهُ.
 وَقِيلَ : وَفِي عَمَله كُلّ يَوْم بِأَرْبَعِ رَكَعَات فِي صَدْر النَّهَار ; رَوَاهُ الْهَيْثَم عَنْ أَبِي أُمَامَةَ عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
 وَرَوَى سَهْل بْن سَعْد السَّاعِدِيّ عَنْ أَبِيهِ ( أَلَا أُخْبِركُمْ لِمَ سَمَّى اللَّه تَعَالَى خَلِيله إِبْرَاهِيم " الَّذِي وَفَّى " لِأَنَّهُ كَانَ يَقُول كُلَّمَا أَصْبَحَ وَأَمْسَى :" فَسُبْحَان اللَّه حِين تُمْسُونَ وَحِين تُصْبِحُونَ " \[ الرُّوم : ١٧ \] ) الْآيَة.
 وَرَوَاهُ سَهْل بْن مُعَاذ عَنْ أَنَس عَنْ أَبِيهِ عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
 وَقِيلَ :" وَفَّى " أَيْ وَفَّى مَا أُرْسِلَ بِهِ، وَهُوَ قَوْله :" أَنْ لَا تَزِر وَازِرَة وِزْر أُخْرَى " قَالَ اِبْن عَبَّاس : كَانُوا قَبْل إِبْرَاهِيم عَلَيْهِ السَّلَام يَأْخُذُونَ الرَّجُل بِذَنْبِ غَيْره، وَيَأْخُذُونَ الْوَلِيّ بِالْوَلِيِّ فِي الْقَتْل وَالْجِرَاحَة ; فَيُقْتَل الرَّجُل بِأَبِيهِ وَابْنه وَأَخِيهِ وَعَمّه وَخَاله وَابْن عَمّه وَقَرِيبه وَزَوْجَته وَزَوْجهَا وَعَبْده، فَبَلَّغَهُمْ إِبْرَاهِيم عَلَيْهِ السَّلَام عَنْ اللَّه تَعَالَى :" أَنْ لَا تَزِر وَازِرَة وِزْر أُخْرَى " وَقَالَ الْحَسَن وَقَتَادَة وَسَعِيد بْن جُبَيْر فِي قَوْله تَعَالَى " وَفَّى " : عَمِلَ بِمَا أُمِرَ بِهِ وَبَلَّغَ رِسَالَات رَبّه.
 وَهَذَا أَحْسَن ; لِأَنَّهُ عَامّ.
 وَكَذَا قَالَ مُجَاهِد :" وَفَّى " بِمَا فُرِضَ عَلَيْهِ.
 وَقَالَ أَبُو مَالِك الْغِفَارِيّ قَوْله تَعَالَى :" أَنْ لَا تَزِر وَازِرَة وِزْر أُخْرَى " إِلَى قَوْله :" فَبِأَيِّ آلَاء رَبّك تَتَمَارَى " \[ النَّجْم : ٥٥ \] فِي صُحُف إِبْرَاهِيم وَمُوسَى.

### الآية 53:37

> ﻿وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّىٰ [53:37]

وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى
 كَمَا فِي سُورَة " الْأَعْلَى " " صُحُف إِبْرَاهِيم وَمُوسَى " \[ الْأَعْلَى : ١٩ \] أَيْ لَا تُؤْخَذ نَفْس بَدَلًا عَنْ أُخْرَى ; كَمَا قَالَ " أَنْ لَا تَزِر وَازِرَة وِزْر أُخْرَى " وَخَصَّ صُحُف إِبْرَاهِيم وَمُوسَى بِالذِّكْرِ ; لِأَنَّهُ كَانَ مَا بَيْن نُوح وَإِبْرَاهِيم يُؤْخَذ الرَّجُل بِجَرِيرَةِ أَخِيهِ وَابْنه وَأَبِيهِ ; قَالَهُ الْهُذَيْل بْن شُرَحْبِيل.
 وَقَرَأَ سَعِيد بْن جُبَيْر وَقَتَادَة " وَفَى " خَفِيفَة وَمَعْنَاهَا صَدَقَ فِي قَوْله وَعَمَله، وَهِيَ رَاجِعَة إِلَى مَعْنَى قِرَاءَة الْجَمَاعَة " وَفَّى " بِالتَّشْدِيدِ أَيْ قَامَ بِجَمِيعِ مَا فُرِضَ عَلَيْهِ فَلَمْ يَخْرِم مِنْهُ شَيْئًا.
 وَقَدْ مَضَى فِي " الْبَقَرَة " عِنْد قَوْله تَعَالَى :" وَإِذْ اِبْتَلَى إِبْرَاهِيم رَبّه بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ " \[ الْبَقَرَة : ١٢٤ \] وَالتَّوْفِيَة الْإِتْمَام.
 وَقَالَ أَبُو بَكْر الْوَرَّاق : قَامَ بِشَرْطِ مَا اِدَّعَى ; وَذَلِكَ أَنَّ اللَّه تَعَالَى قَالَ لَهُ :" أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْت لِرَبِّ الْعَالَمِينَ " \[ الْبَقَرَة : ١٣١ \] فَطَالَبَهُ اللَّه بِصِحَّةِ دَعْوَاهُ، فَابْتَلَاهُ فِي مَاله وَوَلَده وَنَفْسه فَوَجَدَهُ وَافِيًا بِذَلِكَ ; فَذَلِكَ قَوْله :" وَإِبْرَاهِيم الَّذِي وَفَّى " أَيْ اِدَّعَى الْإِسْلَام ثُمَّ صَحَّحَ دَعْوَاهُ.
 وَقِيلَ : وَفِي عَمَله كُلّ يَوْم بِأَرْبَعِ رَكَعَات فِي صَدْر النَّهَار ; رَوَاهُ الْهَيْثَم عَنْ أَبِي أُمَامَةَ عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
 وَرَوَى سَهْل بْن سَعْد السَّاعِدِيّ عَنْ أَبِيهِ ( أَلَا أُخْبِركُمْ لِمَ سَمَّى اللَّه تَعَالَى خَلِيله إِبْرَاهِيم " الَّذِي وَفَّى " لِأَنَّهُ كَانَ يَقُول كُلَّمَا أَصْبَحَ وَأَمْسَى :" فَسُبْحَان اللَّه حِين تُمْسُونَ وَحِين تُصْبِحُونَ " \[ الرُّوم : ١٧ \] ) الْآيَة.
 وَرَوَاهُ سَهْل بْن مُعَاذ عَنْ أَنَس عَنْ أَبِيهِ عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
 وَقِيلَ :" وَفَّى " أَيْ وَفَّى مَا أُرْسِلَ بِهِ، وَهُوَ قَوْله :" أَنْ لَا تَزِر وَازِرَة وِزْر أُخْرَى " قَالَ اِبْن عَبَّاس : كَانُوا قَبْل إِبْرَاهِيم عَلَيْهِ السَّلَام يَأْخُذُونَ الرَّجُل بِذَنْبِ غَيْره، وَيَأْخُذُونَ الْوَلِيّ بِالْوَلِيِّ فِي الْقَتْل وَالْجِرَاحَة ; فَيُقْتَل الرَّجُل بِأَبِيهِ وَابْنه وَأَخِيهِ وَعَمّه وَخَاله وَابْن عَمّه وَقَرِيبه وَزَوْجَته وَزَوْجهَا وَعَبْده، فَبَلَّغَهُمْ إِبْرَاهِيم عَلَيْهِ السَّلَام عَنْ اللَّه تَعَالَى :" أَنْ لَا تَزِر وَازِرَة وِزْر أُخْرَى " وَقَالَ الْحَسَن وَقَتَادَة وَسَعِيد بْن جُبَيْر فِي قَوْله تَعَالَى " وَفَّى " : عَمِلَ بِمَا أُمِرَ بِهِ وَبَلَّغَ رِسَالَات رَبّه.
 وَهَذَا أَحْسَن ; لِأَنَّهُ عَامّ.
 وَكَذَا قَالَ مُجَاهِد :" وَفَّى " بِمَا فُرِضَ عَلَيْهِ.
 وَقَالَ أَبُو مَالِك الْغِفَارِيّ قَوْله تَعَالَى :" أَنْ لَا تَزِر وَازِرَة وِزْر أُخْرَى " إِلَى قَوْله :" فَبِأَيِّ آلَاء رَبّك تَتَمَارَى " \[ النَّجْم : ٥٥ \] فِي صُحُف إِبْرَاهِيم وَمُوسَى.

### الآية 53:38

> ﻿أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ [53:38]

وَلَا يُعَارَضُ مَا قُلْنَاهُ أَوَّلًا بِقَوْلِهِ :" وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالهمْ " وَأَثْقَالًا مَعَ أَثْقَالهمْ " \[ الْعَنْكَبُوت : ١٣ \] ; فَإِنَّ هَذَا مُبَيَّن فِي الْآيَة الْأُخْرَى قَوْله :" لِيَحْمِلُوا أَوْزَارهمْ كَامِلَة يَوْم الْقِيَامَة وَمِنْ أَوْزَار الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْم " \[ النَّحْل : ٢٥ \].
 فَمَنْ كَانَ إِمَامًا فِي الضَّلَالَة وَدَعَا إِلَيْهَا وَاتُّبِعَ عَلَيْهَا فَإِنَّهُ يَحْمِل وِزْر مَنْ أَضَلَّهُ مِنْ غَيْر أَنْ يُنْقَص مِنْ وِزْر الْمُضِلّ شَيْء، عَلَى مَا يَأْتِي بَيَانه إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى.

### الآية 53:39

> ﻿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَىٰ [53:39]

قُلْت : وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون قَوْله :" وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى " خَاصّ فِي السَّيِّئَة ; بِدَلِيلِ مَا فِي صَحِيح مُسْلِم عَنْ أَبِي هُرَيْرَة عَنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ :( قَالَ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ إِذَا هَمَّ عَبْدِي بِحَسَنَةٍ وَلَمْ يَعْمَلهَا كَتَبْتهَا لَهُ حَسَنَة فَإِنْ عَمِلَهَا كَتَبْتهَا لَهُ عَشْر حَسَنَات إِلَى سَبْعمِائَةِ ضِعْف وَإِذَا هَمَّ بِسَيِّئَةٍ وَلَمْ يَعْمَلهَا لَمْ أَكْتُبهَا عَلَيْهِ فَإِنْ عَمِلَهَا كَتَبْتهَا سَيِّئَة وَاحِدَة ).
 وَقَالَ أَبُو بَكْر الْوَرَّاق :" إِلَّا مَا سَعَى " إِلَّا مَا نَوَى ; بَيَانه قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :( يُبْعَث النَّاس يَوْم الْقِيَامَة عَلَى نِيَّاتهمْ ).

### الآية 53:40

> ﻿وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَىٰ [53:40]

وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى
 أَيْ يُرِيه اللَّه تَعَالَى جَزَاءَهُ يَوْم الْقِيَامَة

### الآية 53:41

> ﻿ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاءَ الْأَوْفَىٰ [53:41]

ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاءَ الْأَوْفَى
 أَيْ يُجْزَى بِهِ " الْجَزَاء الْأَوْفَى " قَالَ الْأَخْفَش : يُقَال جَزَيْته الْجَزَاء، وَجَزَيْته بِالْجَزَاءِ سَوَاء لَا فَرْق بَيْنهمَا قَالَ الشَّاعِر :

إِنْ أَجْزِ عَلْقَمَة بْن سَعْد سَعْيه  لَمْ أَجْزِهِ بِبَلَاءِ يَوْم وَاحِدِ فَجَمَعَ بَيْن اللُّغَتَيْنِ.

### الآية 53:42

> ﻿وَأَنَّ إِلَىٰ رَبِّكَ الْمُنْتَهَىٰ [53:42]

وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنْتَهَى
 أَيْ الْمَرْجِع وَالْمُرَاد وَالْمَصِير فَيُعَاقِب وَيُثِيب.
 وَقِيلَ : مِنْهُ اِبْتِدَاء الْمِنَّة وَإِلَيْهِ اِنْتِهَاء الْأَمَان.
 وَعَنْ أُبَيّ بْن كَعْب قَالَ : قَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي قَوْله :" وَأَنَّ إِلَى رَبّك الْمُنْتَهَى " قَالَ :( لَا فِكْرَة فِي الرَّبّ ).
 وَعَنْ أَنَس : قَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :( إِذْ ذُكِرَ اللَّه تَعَالَى فَانْتَهِ ).
 قُلْت : وَمِنْ هَذَا الْمَعْنَى قَوْله عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام :( يَأْتِي الشَّيْطَان أَحَدكُمْ فَيَقُول مَنْ خَلَقَ كَذَا وَكَذَا حَتَّى يَقُول لَهُ مَنْ خَلَقَ رَبّك فَإِذَا بَلَغَ ذَلِكَ فَلْيَسْتَعِذْ بِاَللَّهِ وَلْيَنْتَهِ ) وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي آخِر ( الْأَعْرَاف ).
 **وَلَقَدْ أَحْسَنَ مَنْ قَالَ :**

وَلَا تُفْكِرَنْ فِي ذِي الْعُلَا عَزَّ وَجْهه  فَإِنَّك تُرْدَى إِنْ فَعَلْت وَتُخْذَلوَدُونك مَصْنُوعَاتِهِ فَاعْتَبِرْ بِهَا  وَقُلْ مِثْل مَا قَالَ الْخَلِيل الْمُبَجَّل

### الآية 53:43

> ﻿وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَىٰ [53:43]

وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى
 ذَهَبَتْ الْوَسَائِط وَبَقِيَتْ الْحَقَائِق لِلَّهِ سُبْحَانه وَتَعَالَى فَلَا فَاعِل إِلَّا هُوَ ; وَفِي صَحِيح مُسْلِم عَنْ عَائِشَة رَضِيَ اللَّه عَنْهَا قَالَتْ : لَا وَاَللَّه مَا قَالَ رَسُول اللَّه قَطُّ إِنَّ الْمَيِّت يُعَذَّب بِبُكَاءِ أَحَد، وَلَكِنَّهُ قَالَ :( إِنَّ الْكَافِر يَزِيدهُ اللَّه بِبُكَاءِ أَهْله عَذَابًا وَإِنَّ اللَّه لَهُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى وَمَا تَزِر وَازِرَة وِزْر أُخْرَى ).
 وَعَنْهَا قَالَتْ : مَرَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى قَوْم مِنْ أَصْحَابه وَهُمْ يَضْحَكُونَ، فَقَالَ :( لَوْ تَعْلَمُونَ مَا أَعْلَم لَضَحِكْتُمْ قَلِيلًا وَلَبَكَيْتُمْ كَثِيرًا ) فَنَزَلَ عَلَيْهِ جِبْرِيل فَقَالَ : يَا مُحَمَّد ! إِنَّ اللَّه يَقُول لَك :" وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى ".
 فَرَجَعَ إِلَيْهِمْ فَقَالَ :( مَا خَطَوْت أَرْبَعِينَ خُطْوَة حَتَّى أَتَانِي جِبْرِيل فَقَالَ ايْتِ هَؤُلَاءِ فَقُلْ لَهُمْ إِنَّ اللَّه تَعَالَى يَقُول :" هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى " أَيْ قَضَى أَسْبَاب الضَّحِك وَالْبُكَاء.
 وَقَالَ عَطَاء بْن أَبِي مُسْلِم : يَعْنِي أَفْرَحَ وَأَحْزَنَ ; لِأَنَّ الْفَرَح يَجْلِب الضَّحِك وَالْحُزْن يَجْلِب الْبُكَاء.
 وَقِيلَ لِعُمَر : هَلْ كَانَ أَصْحَاب رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَضْحَكُونَ ؟ قَالَ : نَعَمْ ! وَالْإِيمَانُ وَاَللَّهُ أَثْبَتُ فِي قُلُوبهمْ مِنْ الْجِبَال الرَّوَاسِي.
 وَقَدْ تَقَدَّمَ هَذَا الْمَعْنَى فِي " النَّمْل " و " التَّوْبَة ".
 قَالَ الْحَسَن : أَضْحَكَ اللَّه أَهْل الْجَنَّة فِي الْجَنَّة، وَأَبْكَى أَهْل النَّار فِي النَّار.
 وَقِيلَ : أَضْحَكَ مَنْ شَاءَ فِي الدُّنْيَا بِأَنْ سَرَّهُ وَأَبْكَى مَنْ شَاءَ بِأَنْ غَمَّهُ.
 الضَّحَّاك : أَضْحَكَ الْأَرْض بِالنَّبَاتِ وَأَبْكَى السَّمَاء بِالْمَطَرِ.
 وَقِيلَ : أَضْحَكَ الْأَشْجَار بِالنَّوَّارِ، وَأَبْكَى السَّحَاب بِالْأَمْطَارِ.
 وَقَالَ ذُو النُّون : أَضْحَكَ قُلُوب الْمُؤْمِنِينَ وَالْعَارِفِينَ بِشَمْسِ مَعْرِفَته، وَأَبْكَى قُلُوب الْكَافِرِينَ وَالْعَاصِينَ بِظُلْمَةِ نُكْرَته وَمَعْصِيَته.
 وَقَالَ سَهْل بْن عَبْد اللَّه : أَضْحَكَ اللَّه الْمُطِيعِينَ بِالرَّحْمَةِ وَأَبْكَى الْعَاصِينَ بِالسَّخَطِ.
 وَقَالَ مُحَمَّد بْن عَلِيّ التِّرْمِذِيّ : أَضْحَكَ الْمُؤْمِن فِي الْآخِرَة وَأَبْكَاهُ فِي الدُّنْيَا.
 وَقَالَ بَسَّام بْن عَبْد اللَّه : أَضْحَكَ اللَّه أَسْنَانهمْ وَأَبْكَى قُلُوبهمْ.
 **وَأَنْشَدَ :**

السِّنُّ تَضْحَكُ وَالْأَحْشَاءُ تَحْتَرِقُ  وَإِنَّمَا ضَحِكُهَا زُورٌ وَمُخْتَلَقُيَا رُبَّ بَاكٍ بِعَيْنٍ لَا دُمُوع لَهَا  وَرُبَّ ضَاحِكِ سِنٍّ مَا بِهِ رَمَقُ وَقِيلَ : إِنَّ اللَّه تَعَالَى خَصَّ الْإِنْسَان بِالضَّحِكِ وَالْبُكَاء مِنْ بَيْن سَائِر الْحَيَوَان، وَلَيْسَ فِي سَائِر الْحَيَوَان مَنْ يَضْحَك وَيَبْكِي غَيْر الْإِنْسَان.
 وَقَدْ قِيلَ : إِنَّ الْقِرْد وَحْده يَضْحَك وَلَا يَبْكِي، وَإِنَّ الْإِبِل وَحْدهَا تَبْكِي وَلَا تَضْحَك.
 وَقَالَ يُوسُف بْن الْحُسَيْن : سُئِلَ طَاهِر الْمَقْدِسِيّ أَتَضْحَكُ الْمَلَائِكَة ؟ فَقَالَ : مَا ضَحِكُوا وَلَا كُلّ مَنْ دُونَ الْعَرْش مُنْذُ خُلِقَتْ جَهَنَّم.

### الآية 53:44

> ﻿وَأَنَّهُ هُوَ أَمَاتَ وَأَحْيَا [53:44]

وَأَنَّهُ هُوَ أَمَاتَ وَأَحْيَا
 أَيْ قَضَى أَسْبَاب الْمَوْت وَالْحَيَاة.
 وَقِيلَ : خَلَقَ الْمَوْت وَالْحَيَاة كَمَا قَالَ :" الَّذِي خَلَقَ الْمَوْت وَالْحَيَاة " \[ الْمُلْك : ٢ \] قَالَهُ اِبْن بَحْر.
 وَقِيلَ : أَمَاتَ الْكَافِر بِالْكُفْرِ وَأَحْيَا الْمُؤْمِن بِالْإِيمَانِ ; قَالَ اللَّه تَعَالَى :" أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ " \[ الْأَنْعَام : ١٢٢ \] الْآيَة.
 وَقَالَ :" إِنَّمَا يَسْتَجِيب الَّذِينَ يَسْمَعُونَ وَالْمَوْتَى يَبْعَثهُمْ اللَّه " عَلَى مَا تَقَدَّمَ، وَإِلَيْهِ يَرْجِع قَوْل عَطَاء : أَمَاتَ بِعَدْلِهِ وَأَحْيَا بِفَضْلِهِ.
 وَقَوْل مَنْ قَالَ : أَمَاتَ بِالْمَنْعِ وَالْبُخْل وَأَحْيَا بِالْجُودِ وَالْبَذْل.
 وَقِيلَ : أَمَاتَ النُّطْفَة وَأَحْيَا النَّسَمَة.
 وَقِيلَ : أَمَاتَ الْآبَاء وَأَحْيَا الْأَبْنَاء.
 وَقِيلَ : يُرِيد بِالْحَيَاةِ الْخِصْب وَبِالْمَوْتِ الْجَدْب.
 وَقِيلَ : أَنَامَ وَأَيْقَظَ.
 وَقِيلَ : أَمَاتَ فِي الدُّنْيَا وَأَحْيَا لِلْبَعْثِ.

### الآية 53:45

> ﻿وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَىٰ [53:45]

وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى
 أَيْ مِنْ أَوْلَاد آدَم وَلَمْ يُرِدْ آدَم وَحَوَّاء بِأَنَّهُمَا خُلِقَا مِنْ نُطْفَة.

### الآية 53:46

> ﻿مِنْ نُطْفَةٍ إِذَا تُمْنَىٰ [53:46]

مِنْ نُطْفَةٍ إِذَا تُمْنَى
 وَالنُّطْفَة الْمَاء الْقَلِيل، مُشْتَقّ مِنْ نَطَفَ الْمَاء إِذَا قَطَرَ.
 " تُمْنَى " تُصَبُّ فِي الرَّحِم وَتُرَاق ; قَالَهُ الْكَلْبِيّ وَالضَّحَّاك وَعَطَاء بْن أَبِي رَبَاح.
 يُقَال : مَنَى الرَّجُل وَأَمْنَى مِنْ الْمَنِيّ، وَسُمِّيَتْ مِنًى بِهَذَا الِاسْم لِمَا يُمْنَى فِيهَا مِنْ الدِّمَاء أَيْ يُرَاق.
 وَقِيلَ :" تُمْنَى " تُقَدَّر ; قَالَهُ أَبُو عُبَيْدَة.
 يُقَال : مَنَيْت الشَّيْء إِذَا قَدَّرْته، وَمُنِيَ لَهُ أَيْ قُدِّرَ لَهُ ; قَالَ الشَّاعِر :
 حَتَّى تَلَاقِي مَا يَمْنِي لَك الْمَانِي
 أَيْ مَا يُقَدِّر لَك الْقَادِر.

### الآية 53:47

> ﻿وَأَنَّ عَلَيْهِ النَّشْأَةَ الْأُخْرَىٰ [53:47]

وَأَنَّ عَلَيْهِ النَّشْأَةَ الْأُخْرَى
 أَيْ إِعَادَة الْأَرْوَاح فِي الْأَشْبَاح لِلْبَعْثِ.
 وَقَرَأَ اِبْن كَثِير وَأَبُو عَمْرو " النَّشَاءَة " بِفَتْحِ الشِّين وَالْمَدّ ; أَيْ وَعَدَ ذَلِكَ وَوَعْده صِدْق.

### الآية 53:48

> ﻿وَأَنَّهُ هُوَ أَغْنَىٰ وَأَقْنَىٰ [53:48]

وَأَنَّهُ هُوَ أَغْنَى وَأَقْنَى
 قَالَ اِبْن زَيْد : أَغْنَى مَنْ شَاءَ وَأَفْقَرَ مَنْ شَاءَ ; ثُمَّ قَرَأَ " يَبْسُط الرِّزْق لِمَنْ يَشَاء مِنْ عِبَاده وَيَقْدِر لَهُ " \[ سَبَأ : ٣٩ \] وَقَرَأَ " يَقْبِض وَيَبْسُط " \[ الْبَقَرَة : ٢٤٥ \] وَاخْتَارَهُ الطَّبَرِيّ.
 وَعَنْ اِبْن زَيْد أَيْضًا وَمُجَاهِد وَقَتَادَة وَالْحَسَن :" أَغْنَى " مَوَّلَ " وَأَقْنَى " أَخْدَمَ.
 وَقِيلَ :" أَقْنَى " جَعَلَ لَكُمْ قِنْيَة تَقْتَنُونَهَا، وَهُوَ مَعْنَى أَخْدَمَ أَيْضًا.
 وَقِيلَ : مَعْنَاهُ أَرْضَى بِمَا أَعْطَى أَيْ أَغْنَاهُ ثُمَّ رَضَّاهُ بِمَا أَعْطَاهُ ; قَالَهُ اِبْن عَبَّاس.
 وَقَالَ الْجَوْهَرِيّ : قَنِيَ الرَّجُل يَقْنَى قِنًى ; مِثْل غَنِيَ يَغْنَى غِنًى، وَأَقْنَاهُ اللَّه أَيْ أَعْطَاهُ اللَّه مَا يُقْتَنَى مِنْ الْقِنْيَة وَالنَّشَب.
 وَأَقْنَاهُ اللَّه أَيْضًا أَيْ رَضَّاهُ.
 وَالْقِنَى الرِّضَا، عَنْ أَبِي زَيْد ; قَالَ وَتَقُول الْعَرَب : مَنْ أُعْطِيَ مِائَة مِنْ الْمَعْز فَقَدْ أُعْطِيَ الْقِنَى، وَمَنْ أُعْطِيَ مِائَة مِنْ الضَّأْن فَقَدْ أُعْطِيَ الْغِنَى، وَمَنْ أُعْطِيَ مِائَة مِنْ الْإِبِل فَقَدْ أُعْطِيَ الْمُنَى.
 وَيُقَال : أَغْنَاهُ اللَّه وَأَقْنَاهُ أَيْ أَعْطَاهُ مَا يَسْكُن إِلَيْهِ.
 وَقِيلَ :" أَغْنَى وَأَقْنَى " أَيْ أَغْنَى نَفْسه وَأَفْقَرَ خَلْقه إِلَيْهِ ; قَالَ سُلَيْمَان التَّيْمِيّ.
 وَقَالَ سُفْيَان : أَغْنَى بِالْقَنَاعَةِ وَأَقْنَى بِالرِّضَا.
 وَقَالَ الْأَخْفَش : أَقْنَى أَفْقَرَ.
 قَالَ اِبْن كَيْسَان : أَوْلَدَ.
 وَهَذَا رَاجِع لِمَا تَقَدَّمَ.

### الآية 53:49

> ﻿وَأَنَّهُ هُوَ رَبُّ الشِّعْرَىٰ [53:49]

وَأَنَّهُ هُوَ رَبُّ الشِّعْرَى
 "الشِّعْرَى " الْكَوْكَب الْمُضِيء الَّذِي يَطْلُع بَعْد الْجَوْزَاء، وَطُلُوعه فِي شِدَّة الْحَرّ، وَهُمَا الشِّعْرِيَّانِ الْعَبُور الَّتِي فِي الْجَوْزَاء وَالشِّعْرَى الْغُمَيْصَاء الَّتِي فِي الذِّرَاع ; وَتَزْعُم الْعَرَب أَنَّهُمَا أُخْتَا سُهَيْل.
 وَإِنَّمَا ذُكِرَ أَنَّهُ رَبّ الشِّعْرَى وَإِنْ كَانَ رَبًّا لِغَيْرِهِ ; لِأَنَّ الْعَرَب كَانَتْ تَعْبُدهُ ; فَأَعْلَمَهُمْ اللَّه جَلَّ وَعَزَّ أَنَّ الشِّعْرَى مَرْبُوب لَيْسَ بِرَبٍّ.
 وَاخْتُلِفَ فِيمَنْ كَانَ يَعْبُدهُ ; فَقَالَ السُّدِّيّ : كَانَتْ تَعْبُدهُ حِمْيَر وَخُزَاعَة.
 وَقَالَ غَيْره : أَوَّل مَنْ عَبَدَهُ أَبُو كَبْشَة أَحَد أَجْدَاد النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ قِبَل أُمَّهَاته، وَلِذَلِكَ كَانَ مُشْرِكُو قُرَيْش يُسَمُّونَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اِبْن أَبِي كَبْشَة حِين دَعَا إِلَى اللَّه وَخَالَفَ أَدْيَانهمْ ; وَقَالُوا : مَا لَقِينَا مِنْ اِبْن أَبِي كَبْشَة ! وَقَالَ أَبُو سُفْيَان يَوْم الْفَتْح وَقَدْ وَقَفَ فِي بَعْض الْمَضَايِق وَعَسَاكِر رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَمُرّ عَلَيْهِ : لَقَدْ أَمِرَ أَمْرُ اِبْنِ أَبِي كَبْشَة.
 وَقَدْ كَانَ مَنْ لَا يَعْبُد الشِّعْرَى مِنْ الْعَرَب يُعَظِّمهَا وَيَعْتَقِد تَأْثِيرهَا فِي الْعَالَم، قَالَ الشَّاعِر :

مَضَى أَيْلُول وَارْتَفَعَ الْحَرُور  وَأَخْبَتَ نَارهَا الشِّعْرَى الْعَبُور وَقِيلَ : إِنَّ الْعَرَب تَقُول فِي خُرَافَاتهَا : إِنَّ سُهَيْلًا وَالشِّعْرَى كَانَا زَوْجَيْنِ، فَانْحَدَرَ سُهَيْل فَصَارَ يَمَانِيًّا، فَاتَّبَعَتْهُ الشِّعْرَى الْعَبُور فَعَبَرَتْ الْمَجَرَّة فَسُمِّيَتْ الْعَبُور، وَأَقَامَتْ الْغُمَيْصَاء فَبَكَتْ لِفَقْدِ سُهَيْل حَتَّى غَمِصَتْ عَيْنَاهَا فَسُمِّيَتْ غُمَيْصَاء لِأَنَّهَا أَخْفَى مِنْ الْأُخْرَى.

### الآية 53:50

> ﻿وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عَادًا الْأُولَىٰ [53:50]

وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عَادًا الْأُولَى
 سَمَّاهَا الْأُولَى لِأَنَّهُمْ كَانُوا مِنْ قِبَل ثَمُود.
 وَقِيلَ : إِنَّ ثَمُود مِنْ قِبَل عَاد.
 وَقَالَ اِبْن زَيْد : قِيلَ لَهَا عَاد الْأُولَى لِأَنَّهَا أَوَّل أُمَّة أُهْلِكَتْ بَعْد نُوح عَلَيْهِ السَّلَام.
 وَقَالَ اِبْن إِسْحَاق : هُمَا عَادَانِ فَالْأُولَى أُهْلِكَتْ بِالرِّيحِ الصَّرْصَر، ثُمَّ كَانَتْ الْأُخْرَى فَأُهْلِكَتْ بِالصَّيْحَةِ.
 وَقِيلَ : عَاد الْأُولَى هُوَ عَاد بْن إِرَم بْن عَوْص بْن سَام بْن نُوح، وَعَاد الثَّانِيَة مِنْ وَلَد عَاد الْأُولَى ; وَالْمَعْنَى مُتَقَارِب.
 وَقِيلَ : إِنَّ عَاد الْآخِرَة الْجَبَّارُونَ وَهُمْ قَوْم هُود.
 وَقِرَاءَة الْعَامَّة " عَادًا الْأُولَى " بِبَيَانِ التَّنْوِين وَالْهَمْز.
 وَقَرَأَ نَافِع وَابْن مُحَيْصِن وَأَبُو عَمْرو " عَادًا الْأُولَى " بِنَقْلِ حَرَكَة الْهَمْزَة إِلَى اللَّام وَإِدْغَام التَّنْوِين فِيهَا، إِلَّا أَنَّ قَالُونَ وَالسُّوسِيّ يُظْهِرَانِ الْهَمْزَة السَّاكِنَة.
 وَقَلَبَهَا الْبَاقُونَ وَاوًا عَلَى أَصْلهَا ; وَالْعَرَب تَقْلِب هَذَا الْقَلْب فَتَقُول : قُمِ الَّانَ عَنَّا وَضُمَّ لِثْنَيْنِ أَيْ قُمِ الْآن وَضُمَّ الِاثْنَيْنِ.

### الآية 53:51

> ﻿وَثَمُودَ فَمَا أَبْقَىٰ [53:51]

وَثَمُودَ فَمَا أَبْقَى
 ثَمُود هُمْ قَوْم صَالِح أُهْلِكُوا بِالصَّيْحَةِ.
 قُرِئَ " ثَمُودًا " \[ التَّوْبَة : ٧٠ \] وَقَدْ تَقَدَّمَ.
 وَانْتَصَبَ عَلَى الْعَطْف عَلَى عَاد.

### الآية 53:52

> ﻿وَقَوْمَ نُوحٍ مِنْ قَبْلُ ۖ إِنَّهُمْ كَانُوا هُمْ أَظْلَمَ وَأَطْغَىٰ [53:52]

إِنَّهُمْ كَانُوا هُمْ أَظْلَمَ وَأَطْغَى
 وَذَلِكَ لِطُولِ مُدَّة نُوح فِيهِمْ، حَتَّى كَانَ الرَّجُل فِيهِمْ يَأْخُذ بِيَدِ اِبْنه فَيَنْطَلِق إِلَى نُوح عَلَيْهِ السَّلَام فَيَقُول : اِحْذَرْ هَذَا فَإِنَّهُ كَذَّاب، وَإِنَّ أَبِي قَدْ مَشَى بِي إِلَى هَذَا وَقَالَ لِي مِثْل مَا قُلْت لَك ; فَيَمُوت الْكَبِير عَلَى الْكُفْر، وَيَنْشَأ الصَّغِير عَلَى وَصِيَّة أَبِيهِ.
 وَقِيلَ : إِنَّ الْكِنَايَة تَرْجِع إِلَى كُلّ مَنْ ذُكِرَ مِنْ عَاد وَثَمُود وَقَوْم نُوح ; أَيْ كَانُوا أَكْفَرَ مِنْ مُشْرِكِي الْعَرَب وَأَطْغَى.
 فَيَكُون فِيهِ تَسْلِيَة وَتَعْزِيَة لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ; فَكَأَنَّهُ يَقُول لَهُ : فَاصْبِرْ أَنْتَ أَيْضًا فَالْعَاقِبَة الْحَمِيدَة لَك.

### الآية 53:53

> ﻿وَالْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوَىٰ [53:53]

وَالْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوَى
 يَعْنِي مَدَائِن قَوْم لُوط عَلَيْهِ السَّلَام اِئْتَفَكَتْ بِهِمْ، أَيْ اِنْقَلَبَتْ وَصَارَ عَالِيهَا سَافِلهَا.
 يُقَال : أَفَكْته أَيْ قَلَبْته وَصَرَفْته.
 " أَهْوَى " أَيْ خُسِفَ بِهِمْ بَعْد رَفْعهَا إِلَى السَّمَاء ; رَفَعَهَا جِبْرِيل ثُمَّ أَهْوَى بِهَا إِلَى الْأَرْض.
 وَقَالَ الْمُبَرِّد : جَعَلَهَا تَهْوِي.
 وَيُقَال : هَوَى بِالْفَتْحِ يَهْوِي هُوِيًّا أَيْ سَقَطَ و " أَهْوَى " أَيْ أَسْقَطَ.

### الآية 53:54

> ﻿فَغَشَّاهَا مَا غَشَّىٰ [53:54]

فَغَشَّاهَا مَا غَشَّى
 أَيْ أَلْبَسَهَا مَا أَلْبَسَهَا مِنْ الْحِجَارَة ; قَالَ اللَّه تَعَالَى :" فَجَعَلْنَا عَالِيهَا سَافِلهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَة مِنْ سِجِّيل " \[ الْحِجْر : ٧٤ \] وَقِيلَ : إِنَّ الْكِنَايَة تَرْجِع إِلَى جَمِيع هَذِهِ الْأُمَم ; أَيْ غَشَّاهَا مِنْ الْعَذَاب مَا غَشَّاهُمْ، وَأَبْهَمَ لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمْ أُهْلِكَ بِضَرْبٍ غَيْر مَا أُهْلِكَ بِهِ الْآخَر.
 وَقِيلَ : هَذَا تَعْظِيم الْأَمْر.

### الآية 53:55

> ﻿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكَ تَتَمَارَىٰ [53:55]

فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكَ تَتَمَارَى
 أَيْ فَبِأَيِّ نِعَم رَبّك تَشُكّ.
 وَالْمُخَاطَبَة لِلْإِنْسَانِ الْمُكَذِّب.
 وَالْآلَاء النِّعَم وَاحِدهَا أَلًى وَإِلًى وَإِلْيٌ.
 وَقَرَأَ يَعْقُوب " تَّمَارَى " بِإِدْغَامِ إِحْدَى التَّاءَيْنِ فِي الْأُخْرَى وَالتَّشْدِيد.

### الآية 53:56

> ﻿هَٰذَا نَذِيرٌ مِنَ النُّذُرِ الْأُولَىٰ [53:56]

هَذَا نَذِيرٌ مِنَ النُّذُرِ الْأُولَى
 قَالَ اِبْن جُرَيْج وَمُحَمَّد بْن كَعْب : يُرِيد أَنَّ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَذِير بِالْحَقِّ الَّذِي أَنْذَرَ بِهِ الْأَنْبِيَاء قَبْله، فَإِنْ أَطَعْتُمُوهُ أَفْلَحْتُمْ، وَإِلَّا حَلَّ بِكُمْ مَا حَلَّ بِمُكَذِّبِي الرُّسُل السَّالِفَة.
 وَقَالَ قَتَادَة : يُرِيد الْقُرْآن، وَأَنَّهُ نَذِير بِمَا أَنْذَرَتْ بِهِ الْكُتُب الْأُولَى.
 وَقِيلَ : أَيْ هَذَا الَّذِي أَخْبَرْنَا بِهِ مِنْ أَخْبَار الْأُمَم الْمَاضِيَة الَّذِينَ هَلَكُوا تَخْوِيف لِهَذِهِ الْأُمَّة مِنْ أَنْ يَنْزِل بِهِمْ مَا نَزَلَ بِأُولَئِكَ مِنْ النُّذُر أَيْ مِثْل النُّذُر ; وَالنُّذُر فِي قَوْل الْعَرَب بِمَعْنَى الْإِنْذَار كَالنُّكُرِ بِمَعْنَى الْإِنْكَار ; أَيْ هَذَا إِنْذَار لَكُمْ.
 وَقَالَ أَبُو مَالِك : هَذَا الَّذِي أَنْذَرْتُكُمْ بِهِ مِنْ وَقَائِع الْأُمَم الْخَالِيَة هُوَ فِي صُحُف إِبْرَاهِيم وَمُوسَى.
 وَقَالَ السُّدِّيّ أَخْبَرَنِي أَبُو صَالِح قَالَ : هَذِهِ الْحُرُوف الَّتِي ذَكَرَ اللَّه تَعَالَى مِنْ قَوْله تَعَالَى :" أَمْ لَمْ يُنَبَّأ بِمَا فِي صُحُف مُوسَى.
 وَإِبْرَاهِيم " \[ النَّجْم : ٣٧ \] إِلَى قَوْله :" هَذَا نَذِير مِنْ النُّذُر الْأُولَى " كُلّ هَذِهِ فِي صُحُف إِبْرَاهِيم وَمُوسَى.

### الآية 53:57

> ﻿أَزِفَتِ الْآزِفَةُ [53:57]

أَزِفَتِ الْآزِفَةُ
 أَيْ قَرُبَتْ السَّاعَة وَدَنَتْ الْقِيَامَة.
 وَسَمَّاهَا آزِفَة لِقُرْبِ قِيَامهَا عِنْده ; كَمَا قَالَ :" يَرَوْنَهُ بَعِيدًا وَنَرَاهُ قَرِيبًا " \[ الْمَعَارِج :
 ٦ - ٧ \].
 وَقِيلَ : سَمَّاهَا آزِفَة لِدُنُوِّهَا مِنْ النَّاس وَقُرْبهَا مِنْهُمْ لِيَسْتَعِدُّوا لَهَا ; لِأَنَّ كُلّ مَا هُوَ آتٍ قَرِيب.
 **قَالَ :**

أَزِفَ التَّرَحُّل غَيْر أَنَّ رِكَابنَا  لَمَّا تَزَلْ بِرِحَالِنَا وَكَأَنْ قَدِ وَفِي الصِّحَاح : أَزِفَ التَّرَحُّل يَأْزَف أَزَفًا أَيْ دَنَا وَأَفِدَ ; وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى :" أَزِفَتْ الْآزِفَة " يَعْنِي الْقِيَامَة، وَأَزِفَ الرَّجُل أَيْ عَجِلَ فَهُوَ آزِف عَلَى فَاعِل، وَالْمُتَآزِف الْقَصِير وَهُوَ الْمُتَدَانِي.
 قَالَ أَبُو زَيْد : قُلْت لِأَعْرَابِيٍّ مَا الْمُحْبَنْطِئُ ؟ قَالَ : الْمُتَكَأْكِئ.
 قُلْت : مَا الْمُتَكَأْكِئ ؟ قَالَ : الْمُتَآزِف.
 قُلْت : مَا الْمُتَآزِف ؟ قَالَ : أَنْتَ أَحْمَقُ وَتَرَكَنِي وَمَرَّ.

### الآية 53:58

> ﻿لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ كَاشِفَةٌ [53:58]

لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ كَاشِفَةٌ
 أَيْ لَيْسَ لَهَا مِنْ دُون اللَّه مَنْ يُؤَخِّرهَا أَوْ يُقَدِّمهَا.
 وَقِيلَ : كَاشِفَة أَيْ اِنْكِشَاف أَيْ لَا يَكْشِف عَنْهَا وَلَا يُبْدِيهَا إِلَّا اللَّه ; فَالْكَاشِفَة اِسْم بِمَعْنَى الْمَصْدَر وَالْهَاء فِيهِ كَالْهَاءِ فِي الْعَاقِبَة وَالْعَافِيَة وَالدَّاهِيَة وَالْبَاقِيَة ; كَقَوْلِهِمْ : مَا لِفُلَانٍ مِنْ بَاقِيَة أَيْ مِنْ بَقَاء.
 وَقِيلَ : أَيْ لَا أَحَد يَرُدّ ذَلِكَ ; أَيْ أَنَّ الْقِيَامَة إِذَا قَامَتْ لَا يَكْشِفهَا أَحَد مِنْ آلِهَتهمْ وَلَا يُنْجِيهِمْ غَيْر اللَّه تَعَالَى.
 وَقَدْ سُمِّيَتْ الْقِيَامَة غَاشِيَة، فَإِذَا كَانَتْ غَاشِيَة كَانَ رَدّهَا كَشْفًا، فَالْكَاشِفَة عَلَى هَذَا نَعْتُ مُؤَنَّثٍ مَحْذُوفٍ ; أَيْ نَفْس كَاشِفَة أَوْ فِرْقَة كَاشِفَة أَوْ حَال كَاشِفَة.
 وَقِيلَ : إِنَّ " كَاشِفَة " بِمَعْنَى كَاشِف وَالْهَاء لِلْمُبَالَغَةِ مِثْل رَاوِيَة وَدَاهِيَة.

### الآية 53:59

> ﻿أَفَمِنْ هَٰذَا الْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ [53:59]

تَعْجَبُونَ
 تَكْذِيبًا بِهِ

### الآية 53:60

> ﻿وَتَضْحَكُونَ وَلَا تَبْكُونَ [53:60]

وَلَا تَبْكُونَ
 اِنْزِجَارًا وَخَوْفًا مِنْ الْوَعِيد.
 وَرُوِيَ أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا رُئِيَ بَعْد نُزُول هَذِهِ الْآيَة ضَاحِكًا إِلَّا تَبَسُّمًا.
 وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَة : لَمَّا نَزَلَتْ " أَفَمِنْ هَذَا الْحَدِيث تَعْجَبُونَ " قَالَ أَهْل الصُّفَّة :" إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ " ثُمَّ بَكَوْا حَتَّى جَرَتْ دُمُوعهمْ عَلَى خُدُودهمْ، فَلَمَّا سَمِعَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بُكَاءَهُمْ بَكَى مَعَهُمْ فَبَكَيْنَا لِبُكَائِهِ ; فَقَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :( لَا يَلِج النَّار مَنْ بَكَى مِنْ خَشْيَة اللَّه وَلَا يَدْخُل الْجَنَّة مُصِرّ عَلَى مَعْصِيَة اللَّه وَلَوْ لَمْ تُذْنِبُوا لَذَهَبَ اللَّه بِكُمْ وَلَجَاءَ بِقَوْمٍ يُذْنِبُونَ فَيَغْفِر لَهُمْ وَيَرْحَمهُمْ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُور الرَّحِيم ).
 وَقَالَ أَبُو حَازِم : نَزَلَ جِبْرِيل عَلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعِنْده رَجُل يَبْكِي، فَقَالَ لَهُ : مَنْ هَذَا ؟ قَالَ : هَذَا فُلَان ; فَقَالَ جِبْرِيل : إِنَّا نَزِن أَعْمَال بَنِي آدَم كُلّهَا إِلَّا الْبُكَاء، فَإِنَّ اللَّه تَعَالَى لَيُطْفِئ بِالدَّمْعَةِ الْوَاحِدَة بُحُورًا مِنْ جَهَنَّم.

### الآية 53:61

> ﻿وَأَنْتُمْ سَامِدُونَ [53:61]

وَأَنْتُمْ سَامِدُونَ
 أَيْ لَاهُونَ مُعْرِضُونَ.
 عَنْ اِبْن عَبَّاس ; رَوَاهُ الْوَالِبِيّ وَالْعَوْفِيّ عَنْهُ.
 وَقَالَ عِكْرِمَة عَنْهُ : هُوَ الْغِنَاء بِلُغَةِ حِمْيَر ; يُقَال : سَمِّدْ لَنَا أَيْ غَنِّ لَنَا، فَكَانُوا إِذَا سَمِعُوا الْقُرْآن يُتْلَى تَغَنَّوْا وَلَعِبُوا حَتَّى لَا يَسْمَعُوا.
 وَقَالَ الضَّحَّاك : سَامِدُونَ شَامِخُونَ مُتَكَبِّرُونَ.
 وَفِي الصِّحَاح : سَمَدَ سُمُودًا رَفَعَ رَأْسه تَكَبُّرًا وَكُلّ رَافِع رَأْسه فَهُوَ سَامِد ; قَالَ :
 سَوَامِدُ اللَّيْلِ خِفَافُ الْأَزْوَادْ
 يَقُول : لَيْسَ فِي بُطُونهَا عَلَف.
 وَقَالَ اِبْن الْأَعْرَابِيّ : سَمَدْت سُمُودًا عَلَوْت.
 وَسَمَدَتْ الْإِبِل فِي سَيْرهَا جَدَّتْ.
 وَالسُّمُود اللَّهْو، وَالسَّامِد اللَّاهِي ; يُقَال لِلْقَيْنَةِ : أَسْمِدِينَا ; أَيْ أَلْهِينَا بِالْغِنَاءِ.
 وَتَسْمِيد الْأَرْض أَنْ يَجْعَل فِيهَا السَّمَاد وَهُوَ سِرْجِين وَرَمَاد.
 وَتَسْمِيد الرَّأْس اِسْتِئْصَال شَعْره، لُغَة فِي التَّسْبِيد.
 وَاِسْمَأَدَّ الرَّجُل بِالْهَمْزِ اِسْمِئْدَادًا أَيْ وَرِمَ غَضَبًا.
 وَرُوِيَ عَنْ عَلِيّ رَضِيَ اللَّه عَنْهُ أَنَّ مَعْنَى " سَامِدُونَ " أَنْ يَجْلِسُوا غَيْر مُصَلِّينَ وَلَا مُنْتَظِرِينَ الصَّلَاة.
 وَقَالَ الْحَسَن : وَاقِفُونَ لِلصَّلَاةِ قَبْل وُقُوف الْإِمَام ; وَمِنْهُ مَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ خَرَجَ وَالنَّاس يَنْتَظِرُونَهُ قِيَامًا فَقَالَ :( مَا لِي أَرَاكُمْ سَامِدِينَ ) حَكَاهُ الْمَاوَرْدِيّ.
 وَذَكَرَهُ الْمَهْدَوِيّ عَنْ عَلِيّ، وَأَنَّهُ خَرَجَ إِلَى الصَّلَاة فَرَأَى النَّاس قِيَامًا يَنْتَظِرُونَهُ فَقَالَ :( مَا لَكُمْ سَامِدُونَ ) قَالَهُ الْمَهْدَوِيّ.
 وَالْمَعْرُوف فِي اللُّغَة : سَمَدَ يَسْمُد سُمُودًا إِذَا لَهَا وَأَعْرَضَ.
 وَقَالَ الْمُبَرِّد : سَامِدُونَ خَامِدُونَ ; قَالَ الشَّاعِر :

أَتَى الْحِدْثَان نِسْوَة آل حَرْب  بِمَقْدُورٍ سَمَدْنَ لَهُ سُمُودًا وَقَالَ صَالِح أَبُو الْخَلِيل : لَمَّا قَرَأَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " أَفَمِنْ هَذَا الْحَدِيث تَعْجَبُونَ.
 وَتَضْحَكُونَ وَلَا تَبْكُونَ.
 وَأَنْتُمْ سَامِدُونَ " لَمْ يُرَ ضَاحِكًا إِلَّا مُبْتَسِمًا حَتَّى مَاتَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
 ذَكَرَهُ النَّحَّاس.

### الآية 53:62

> ﻿فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا ۩ [53:62]

فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا
 قِيلَ : الْمُرَاد بِهِ سُجُود تِلَاوَة الْقُرْآن.
 وَهُوَ قَوْل اِبْن مَسْعُود.
 وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَة وَالشَّافِعِيّ.
 وَقَدْ تَقَدَّمَ أَوَّل السُّورَة مِنْ حَدِيث اِبْن عَبَّاس أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَجَدَ فِيهَا وَسَجَدَ مَعَهُ الْمُشْرِكُونَ.
 وَقِيلَ : إِنَّمَا سَجَدَ مَعَهُ الْمُشْرِكُونَ لِأَنَّهُمْ سَمِعُوا أَصْوَات الشَّيَاطِين فِي أَثْنَاء قِرَاءَة رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِنْد قَوْله :" أَفَرَأَيْتُمْ اللَّات وَالْعُزَّى.
 وَمَنَاة الثَّالِثَة الْأُخْرَى " \[ النَّجْم : ١٩ \] وَأَنَّهُ قَالَ : تِلْكَ الْغَرَانِيق الْعُلَا وَشَفَاعَتهنَّ تُرْتَجَى.
 كَذَا فِي رِوَايَة سَعِيد بْن جُبَيْر تُرْتَجَى.
 وَفِي رِوَايَة أَبِي الْعَالِيَة وَشَفَاعَتهنَّ تُرْتَضَى، وَمِثْلهنَّ لَا يُنْسَى.
 فَفَرِحَ الْمُشْرِكُونَ وَظَنُّوا أَنَّهُ مِنْ قَوْل مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى مَا تَقَدَّمَ بَيَانه فِي " الْحَجّ ".
 فَلَمَّا بَلَغَ الْخَبَر بِالْحَبَشَةِ مَنْ كَانَ بِهَا مِنْ أَصْحَاب النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجَعُوا ظَنًّا مِنْهُمْ أَنَّ أَهْل مَكَّة آمَنُوا ; فَكَانَ أَهْل مَكَّة أَشَدّ عَلَيْهِمْ وَأَخَذُوا فِي تَعْذِيبهمْ إِلَى أَنْ كَشَفَ اللَّه عَنْهُمْ.
 وَقِيلَ : الْمُرَاد سُجُود الْفَرْض فِي الصَّلَاة وَهُوَ قَوْل اِبْن عُمَر ; كَانَ لَا يَرَاهَا مِنْ عَزَائِم السُّجُود.
 وَبِهِ قَالَ مَالِك.
 وَرَوَى أُبَيّ بْن كَعْب رَضِيَ اللَّه عَنْهُ : كَانَ آخِر فِعْل النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَرْك السُّجُود فِي الْمُفَصَّل.
 وَالْأَوَّل أَصَحّ وَقَدْ مَضَى الْقَوْل فِيهِ آخِر " الْأَعْرَاف " مُبَيَّنًا وَالْحَمْد لِلَّهِ رَبّ الْعَالَمِينَ.
 تَمَّ تَفْسِير سُورَة " وَالنَّجْم ".

## روابط ذات صلة

- [النص القرآني للسورة](https://quranpedia.net/surah/1/53.md)
- [كل تفاسير سورة النجم
](https://quranpedia.net/surah-tafsir/53.md)
- [ترجمات سورة النجم
](https://quranpedia.net/translations/53.md)
- [صفحة الكتاب: الجامع لأحكام القرآن](https://quranpedia.net/book/1469.md)
- [المؤلف: القرطبي](https://quranpedia.net/person/3966.md)

---

زُر [Quranpedia.net](https://quranpedia.net/surah/1/53/book/1469) — موسوعة القرآن الكريم: التفاسير، الترجمات، التلاوات، والمواضيع.
