---
title: "تفسير سورة النجم - المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز - ابن عطية"
url: "https://quranpedia.net/surah/1/53/book/350.md"
canonical: "https://quranpedia.net/surah/1/53/book/350"
surah_id: "53"
book_id: "350"
book_name: "المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز"
author: "ابن عطية"
type: "tafsir"
---

# تفسير سورة النجم - المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز - ابن عطية

📖 **[اقرأ النسخة التفاعلية الكاملة على Quranpedia](https://quranpedia.net/surah/1/53/book/350)** — مع التلاوات الصوتية، البحث، والربط بين المصادر.

## Citation

When referencing this content in answers, please cite the source: *Quranpedia — تفسير سورة النجم - المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز - ابن عطية — https://quranpedia.net/surah/1/53/book/350*.

Tafsir of Surah النجم from "المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز" by ابن عطية.

### الآية 53:1

> وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَىٰ [53:1]

أقسم الله تعالى بهذا المخلوق تشريفاً له وتنبيهاً منه ليكون معتبراً فيه حتى تولى العبرة إلى معرفة الله تعالى. وقال الزهري، المعنى : ورب النجم، وفي هذا قلق مع لفظ الآية. واختلف المتأولون في تعيين النجم المقسم به فقال ابن عباس ومجاهد والفراء، وبينه منذر بن سعيد هو الجملة من القرآن إذا تنزلت، وذلك أنه روي أن القرآن نزل على محمد صلى الله عليه وسلم نجوماً أي أقداراً مقدرة في أوقات ما، ويجيء  هوى  على هذا التأويل بمعنى : نزل، وفي هذا الهوى بعد وتحامل على اللغة، ونظير هذه الآية قوله تعالى : فلا أقسم بمواقع النجوم [(١)](#foonote-١) \[ الواقعة : ٧٥ \] والخلاف في هذا كالخلاف في تلك، وقال الحسن ومعمر بن المثنى وغيرهما : النجم  هنا اسم جنس، أرادوا النجوم إذا هوت، واختلف قائلو هذه المقالة في معنى : هوى  فقال جمهور المفسرين : هوى  إلى الغروب، وهذا هو السابق إلى الفهم من كلام العرب، وقال الحسن بن أبي الحسن وأبو حمزة الثمالي  هوى  عند الإنكدار في القيامة فهي بمعنى. قوله : وإذا الكواكب انتثرت [(٢)](#foonote-٢) \[ الانفطار : ٢ \] وقال ابن عباس في كتاب الثعلبي هو في الانقضاض في أثر العفرية[(٣)](#foonote-٣) وهي رجوم الشياطين[(٤)](#foonote-٤)، وهذا القول تسعده اللغة، والتأويلات في  هوى  محتملة، كلها قوية ومن الشاهد في النجم الذي هو اسم الجنس قول الراعي :
فتاقت تعد النجم في مستحيرة\*\*\* سريع بأيدي الآكلين جمودها[(٥)](#foonote-٥)
يصف إهالة صافية، والمستحيرة : القدر التي يطبخ فيها، قاله الزجاج. وقال الرماني وغيره : هي شحمة صافية حين ذابت، وقال مجاهد وسفيان : النجم  في قسم الآية الثريا، وسقوطها مع الفجر هو هويها والعرب لا تقول النجم مطلقاً إلا للثريا، ومنه قول العرب \[ مجزوء الرمل \]
طلع النجم عشاء\*\*\* فابتغى الراعي كساء
 " طلع النجم غدية فابتغى الراعي شكية " [(٦)](#foonote-٦)
و  هوى  على هذا القول يحتمل الغروب ويحتمل الانكدار[(٧)](#foonote-٧)، و  هوى  في اللغة معناه : خرق الهوى ومقصده السفل أو مسيره إن لم يقصده إليه، ومنه قول الشاعر :\[ مجزوء الكامل \]
هوى ابني شفا جبل\*\*\* فزلّتْ رجله ويده[(٨)](#foonote-٨)
وقول الشاعر :\[ الطويل \]
وإن كلام المرء في غير كنهه\*\*\* لك النبل تهوي ليس فيها نصالها[(٩)](#foonote-٩)
**وقول زهير :**
هَوِي الدلو أسلمها الرشاء. . [(١٠)](#foonote-١٠). 
ومنه قولهم للجراد : الهاوي[(١١)](#foonote-١١)، ومنه هوى العقاب.

١ الآية (٧٥) من سورة (الواقعة)، وقد نقل الفراء عن عبد الله أنه قال عن قراءة الكسائي:فلا أقسم بمواقع النجوم: هو محكم القرآن..
٢ الآية(٢) من سورة(الانفطار)..
٣ في اللسان"قال الخليل: شيطان عفرية وعفريت، وهم العفارية والعفاريت، والعِفرية: الداهية"..
٤ وهي التي أشار إليها قوله تعالى في سورة الصافات:إنا زينا السماء الدنيا بزينة الكواكب، وحِفظا من كل شيطان مارد الآيات إلى قوله سبحانه:إلا من خطف الخطفة فأتبعه شِهاب ثاقب..
٥ الراعي هو حُصين بن معاوية النُّميري، لُقب بالراعي لأنه كان يصف راعي الإبل في شعره، والبيت في اللسان، وفي حماسة أبي تمام، وفي مجاز القرآن لأبي عبيدة، والمستحيرة: الجفنة او القِدر التي يُطبخ فيها، سميت مستحيرة لأن الدسم يتحير فيها، والشاعر يتحدث في البيت عن امرأة أضافها، وقال: إنها كانت تعدّ النجم في هذه القدر، وأراد بالنجم كما قال صاحب اللسان: الثُّريا؛ لأن فيها ستة أنجم ظاهرة يتخللها نجوم صغار خفية، وابن عطية يقول: إن النجم هنا اسم جنس يراد به جميع النجوم، ومعنى(تعد النجم) أنها ترى النجوم في هذه المستحيرة وتستطيع أن تعدها-من العدد- لأنها صافية والنجوم ظاهرة فيها، قال أبو العلاء: وقد يجوز هذا الوجه، وقد يحتمل أن يكون(تعد) بمعنى: تحسب وتظن، بمعنى أن المرأة تظن أن النجم في القدر لما تراه من بياض الشحم، وهذا الشحم الصافي الذي ذاب في القدر يجمد بسرعة عندما يأخذه الآكلون بأيديهم ويبعد عن النار..
٦ ذكر هذا السجع صاحب اللسان في (نجم)، قال:"وفي التنزيل العزيزوالنجم إذا هوى، أقسم الله تعالى بالنجم، وجاء في التفسير أنه الثُّريا، وكذلك سمتها العرب، ومنه قول ساجعهم: طلع النجم عشاء\*\*\*الخ والشكية هي الشكوى، يقال: شكوت فلانا أشكوه شكوى وشِكاية وشكية وشكاة..
٧ أي: التناثر في جهات متفرقة، قال الله تعالى:وإذا النجوم انكدرت، والمعنى: انتثرت..
٨ هوى: سقط إلى أسفل وهو لم يقصد ذلك، وهذا هو موضع الشاهد، والشفا: حرف الشيء وحدّه، قال الله تعالى:على شفا جرف هار، وزلّ: زلق، ولم أقف على قائله..
٩ البيت في اللسان غير منسوب، قال:"كنه كل شيء: قدره ونهايته وغايته\*\*\*تقول: بلغت كنه هذا الأمر، أي غايته، وفعلت كذا في غير كنهه، وأنشد:(وإن كلام المرء في غير كنهه\*\*\*البيت)، ولا يُشتق منه فعل، والنبل: السهام، وهي مؤنثة لا واحد لها من لفظها، لا يقال نبلة، وتهوي: تسرع إلى الرمية، والنَّصل: حديدة السهم، يقول الشاعر: إن كلام المرء في غير مكانه ووقته وبدون هدف كالنبل يرمي بها الإنسان وليس فيها نصلها، فهي لا تصيب هدفا ولا تحقق غاية ولا قيمة لها ولا نتيجة..
١٠ هذا عجز بيت قاله زهير بن أبي سُلمى، والبيت بتمامه:
 فشج بها الأماعز فهي تهوي هُوي الدلو أسلمها الرِّشاء
 والبيت في الديوان، وفي اللسان، والشاعر يصف فيه حمارا وحشيا يقود قطيعا من الأتن في أرض وعرة، فالفاعل بالفعل"شج" هو الحمار، والضمير في "بها" يعود على الأتُن، وشجّ الأرض معناها: ركب الأرض وعلاها، والأماعز: حُزون الأرض الكثيرة الحصى، وتهوي: تُسرع في انطلاقها وسط هذه الحُزون، والرشاء: الحبل الذي ترفع به الدلو من البئر، ومعنى"أسلمها" تركها وانقطع فهي تسقط بسرعة، يشبه زهير هذه الأتن وهي تجري بسرعة كبيرة وسط هذه الأرض الجرداء وخلف هذا الحمار الذي يقودها، يشبهها في سرعتها وانقضاضها بالدلو التي انقطع حبلها وهي ملأى بالماء فاندفعت تهوي إلى أسفل..
١١ إذا أجدب الناس قال العرب:"أتى الهاوي والعاوي، فالهاوي: الجراد، والعاوي: الذئب"(من اللسان)..

### الآية 53:2

> ﻿مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَىٰ [53:2]

والقسم واقع على قوله : ما ضل صاحبكم وما غوى  والضلال أبداً يكون من غير قصد من الإنسان إليه. والغي كأنه شيء يكتسبه الإنسان ويريده، نفى الله تعالى عن نبيه هذين الحالين، و  غوى  : الرجل يغوي إذا سلك سبيل الفساد والعوج، ونفى الله تعالى عن نبيه أن يكون ضل في هذه السبيل التي أسلكه الله إياها، وأثبت له تعالى في الضحى أنه قد كان قبل النبوءة ضالاً بالإضافة إلى حاله من الرشد بعدها[(١)](#foonote-١).

١ وذلك في قوله تعالى في سورة الضحى:ووجدك ضالا فهدى..

### الآية 53:3

> ﻿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَىٰ [53:3]

وقوله تعالى : وما ينطق عن الهوى  يريد محمداً صلى الله عليه وسلم أنه ليس يستكلم عن هواه، أي بهواه وشهوته. وقال بعض العلماء : المعنى : وما ينطق القرآن المنزل عن هوى وشهوة، ونسب النطق إليه من حيث تفهم عنه الأمور كما قال : هذا كتابنا ينطق عليكم بالحق [(١)](#foonote-١) \[ الجاثية : ٢٩ \] وأسند الفعل إلى القرآن ولم يتقدم له ذكر لدلالة المعنى عليه.

١ من الآية(٢٩) من سورة (الجاثية)..

### الآية 53:4

> ﻿إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَىٰ [53:4]

وقوله : إن هو إلا وحي يوحى  يراد به القرآن بإجماع، والوحي : إلقاء المعنى في خفاء، وهذه عبارة تعم الملك والإلهام والإشارة وكل ما يحفظ من معاني الوحي.

### الآية 53:5

> ﻿عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَىٰ [53:5]

والضمير في قوله : علمه  يحتمل أن يكون للقرآن، والأظهر أنه لمحمد صلى الله عليه وسلم. وأما المعلم فقال قتادة والربيع وابن عباس : هو جبريل عليه السلام، أي علم محمداً القرآن. وقال الحسن المعلم الشديد القوى هو الله تعالى. و  القوى  جمع قوة، وهذا في جبريل مكتمن، ويؤيده قوله تعالى : ذي قوة عند ذي العرش مكين [(١)](#foonote-١) \[ التكوير : ٢٠ \].

١ الآية(٢٠) من سورة (التكوير)..

### الآية 53:6

> ﻿ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَىٰ [53:6]

و  ذو مرة  معناه : ذو قوة، قاله قتادة وابن زيد والربيع، ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم :**«لا تحل الصدقة لغني ولا لذي مرة سوي »**[(١)](#foonote-١). وأصل المرة من مرائر الحبل[(٢)](#foonote-٢)، وهي فتله وإحكام عمله، ومنه قول امرئ القيس :\[ الطويل \]
بكل ممر الفتل شد بيذبل\*\*\*[(٣)](#foonote-٣)
وقال قوم ممن قال إن ذا المرة جبريل. معنى : ذو مرة  ذو هيئة حسنة وقال آخرون : بل معناه ذو جسم طويل حسن. 
قال القاضي أبو محمد : وهذا كله ضعيف[(٤)](#foonote-٤). 
و  استوى  مستند إلى الله تعالى في قول الحسن الذي قال : إنه لمتصف : ب  شديد القوى ، وكذلك يجيء قوله : وهو بالأفق الأعلى  صفة الله تعالى على معنى وعظمته وقدرته وسلطانه تتلقى نحو **«الأفق الأعلى »**، ويجيء المعنى نحو قوله تعالى : الرحمن على العرش استوى [(٥)](#foonote-٥) \[ طه : ٥ \]، ومن قال إن المتصف ب  شديد القوى  هو جبريل عليه السلام قال : إن  استوى  مستند إلى جبريل، واختلفوا بعد ذلك، فقال الربيع والزجاج : المعنى : فاستوى  جبريل في الجو، وهو إذ ذاك،  بالأفق الأعلى  إذ رآه رسول الله صلى الله عليه وسلم بحراء قد سد الأفق، له ستمائة جناح، وحينئذ دنا من محمد حتى كان  قاب قوسين ، وكذلك هو المراد في هذا القول النزلة الأخرى في صفته العظيمة له ستمائة جناح عند السدرة وقال الطبري والفراء المعنى : فاستوى  جبريل.

١ أخرجه أبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه، والدارمي، وأحمد، عن عبد الله بن عمرو. والسوي: الصحيح السليم الأعضاء..
٢ في اللسان:"المرائر: الحبال المفتولة على أكثر من طاق، واحدها مرير ومريرة" وفيه "كل قوة من قوى الحبل مِرة، وجمعها مِرر"..
٣ هذا عجز بيت لامرئ القيس، روي بهذه الألفاظ، وورد هكذا في الأصول، ولكن الرواية الثابتة في الديوان، وفي شرح القصائد السبع لأبي بكر الأنباري، وفي موسوعة الشعر العربي تختلف عن ذلك، وليسفيها شاهد هنا، والبيت بتمامه كما في الديوان:
 فيا لك من ليل كأن نجومه بكل مُغار الفتل شُدت بيذبل
 ويروى:(كأن نجومه بأمراس كتان إلى صم جندل)، وقد قال ابن الأنباري: إن الأصمعي لم يرو هذا البيت ضمن معلقة امرئ القيس، ورواه يعقوب وغيره، قال يعقوب: معناه: كأن نجومه شُدّت بيذبل، وهو الجبل، والمغار: الحبل الشديد الفتل، وكذلك (ممر الفتل) معناه: مُحكم الفتل، وقوله:(من ليل) معناه التفسير للتعجيب، ولم يستشهد بهذا البيت أحد من المفسرين المعروفين كالطبري والقرطبي والزمخشري لأن الرواية الصحيحة ليست فيها كلمة(مرة أو مُمِرّ)..
٤ استشهد المفسرون على ذلك بأبيات من الشعر، ولكن ابن عطية لم يقبلها ويرى أنها أقوال ضعيفة..
٥ الآية(٥) من سورة (طه)..

### الآية 53:7

> ﻿وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَىٰ [53:7]

وقوله : وهو  يعني محمداً صلى الله عليه وسلم، وقد تقدم ذكره في الضمير في  علمه . وفي هذا التأويل العطف على المضمر المرفوع دون أن يؤكد، وذلك عند النحاة مستقبح، وأنشد الفراء على قوله :\[ الطويل \]
ألم تر أن النبع يصلب عوده \[ ولا يستوي والخروع المتقصف[(١)](#foonote-١)
وقد ينعكس هذا الترتيب فيكون **«استوى »** لمحمد وهو لجبريل عليه السلام، وأما  الأعلى  فهو عندي لقمة الرأس وما جرى معه. 
وقال الحسن وقتادة : هو أفق مشرق الشمس وهذا التخصيص لا دليل عليه.

١ هذا البيت من شواهد الفراء في (معاني القرآن)، والرواية فيه(يُخلق) بدلا من (يصلب)، والنبع: شجر صلب متين ينبت في أعالي الجبال، ومن خشبه تُتخذ القِسي والسِّهام، والخِروع: شجر لين يتقصف بسهولة، ومن بذوره الملساء الكبيرة الحجم يُستخرج زيت الخروع، وهو بكسر الخاء، أم الخروع بفتح الخاء فهو المرأة الفاجرة أو الناعمة التي تتثنى لينا، وفرق كبير بين النبع والخِروع فلا يستوي الخروع بالنبع في الصلابة والمتانة، وهذا هو معنى البيت، أما الشاهد فيه فقد وضحه الفراء بقوله:"استوى هو وجبريل بالأفق الأعلى لما أسري به، وهو مطلع الشمس الأعلى، فأضمر الاسم في (استوى)، ورد عليه (هو)، وأكثر كلام العرب أن يقولوا: استوى هو وأبوه، ولا يكادون يقولون: استوى وأبوه، وهو جائز لأن في الفعل مُضمرا، أنشدني بعضهم: ألم تر ان النبع\*\*\*البيت"، ومعنى ذلك أنه تم عطف(هو) الضمير البارز على الضمير المستتر في (استوى)، وفي البيت هنا عطف (الخروع) على الضمير المستتر في (يستوي)، ومثله في ذلك قوله تعالى:أئذا كنا ترابا وآباؤنا فقد عطف (الآباء) على الضمير في (كنا)، وحسن ذلك الفصل بينهما بقوله:(ترابا).
 هذا هو الرأي الذي قاله الطبري واستشهد بكلام الفراء، وقد علق عليه الإمام ابن كثير في تفسيره فقال:"وهذا الذي قاله من جهة العربية متجه، ولكن لا يساعده المعنى على ذلك؛ فإن هذه الرؤيا لجبريل لم تكن ليلة الإسراء بل قبلها، ورسول الله صلى الله عليه وسلم في الأرض، فهبط عليه جبريل عليه السلام وتدلى إليه، فاقترب منه وهو على الصورة التي خلقه الله عليها، له ستمائة جناح، ثم رآه بعد ذلك نزلة أخرى عند سدرة المنتهى، يعني ليلة الإسراء"..

### الآية 53:8

> ﻿ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّىٰ [53:8]

واختلف الناس إلى من استند قوله.  ثم دنا فتدلى  فقال الجمهور : استند إلى جبريل عليه السلام، أي دنا إلى محمد في الأرض عند حراء. وقال ابن عباس وأنس في حديث الإسراء ما يقتضي أنه يستند إلى الله تعالى، ثم اختلف المتأولون، فقال مجاهد : كان الدنو إلى جبريل. وقال بعضهم : كان إلى محمد. و : دنا فتدلى  على هذا القول معه حذف مضاف. أي دنا سلطانه ووحيه وقدره لا الانتقال، وهذه الأوصاف منتفية في حق الله تعالى. والصحيح عندي أن جميع ما في هذه الآيات هو مع جبريل، بدليل قوله : ولقد رآه نزلة أخرى  \[ النجم : ١٣ \] فإن ذلك يقضي بنزلة متقدمة، وما روي قط أن محمداً رأى ربه قبل ليلة الإسراء، أما أن الرؤية بالقلب لا تمنع بحال و  دنا  أعم من :**«تدلى »**، فبين تعالى بقوله : فتدلى  هيئة الدنو كيف كانت.

### الآية 53:9

> ﻿فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَىٰ [53:9]

و : قاب  معناه : قدر. وقال قتادة وغيره : معناه من طرف العود إلى طرفه الآخر. وقال الحسن ومجاهد : من الوتر إلى العود في وسط القوس عند المقبض. 
وقرأ محمد بن السميفع اليماني :**«فكان قيس قوسين »**، والمعنى قريب من  قاب ، ومن هذه اللفظة قول النبي عليه السلام :**«لقاب قوس أحدكم في سبيل الله خير من الدنيا وما فيها »**[(١)](#foonote-١) وفي حديث آخر :**«لقاب قوس أحدكم في الجنة »**. 
وقوله : أو أدنى  معناه : على مقتضى نظر البشر، أي لو رآه أحدكم لقال في ذلك قوسان أو أدنى من ذلك، وقال أبو زيد ليست بهذه القوس، ولكن قدر الذراعين أو أدنى، وحكى الزهراوي عن ابن عباس أن القوس في هذه الآية ذراع تقاس به الأطوال، وذكره الثعلبي وأنه من لغة الحجاز.

١ أخرجه البخاري في الجهاد، وبدء الخلق، والرقاق، والترمذي في فضائل الجهاد، وأحمد في مسنده(٢-٤٨٢، ٣-١٤١)، ولفظه كما في البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:(لقاب قوس في الجنة خير مما تطلع عليه الشمس وتغرب)، وقال:(لغدوة أو روحة في سبيل الله خير مما تطلع عليه الشمس وتغرب)..

### الآية 53:10

> ﻿فَأَوْحَىٰ إِلَىٰ عَبْدِهِ مَا أَوْحَىٰ [53:10]

وقوله تعالى : فأوحى إلى عبده ما أوحى ، قال ابن عباس المعنى : فأوحى  الله  إلى عبده  جبريل  ما أوحى . وفي قوله : ما أوحى  إبهام على جهة التفخيم والتعظيم، والذي عرف من ذلك فرض الصلاة، وقال الحسن المعنى : فأوحى جبريل إلى عبد الله محمد ما أوحى كالأولى في الإبهام، وقال ابن زيد المعنى : فأوحى جبريل إلى عبد الله محمد ما أوحى الله إلى جبريل.

### الآية 53:11

> ﻿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَىٰ [53:11]

وقوله تعالى : ما كذب الفؤاد ما رأى  قرأ جمهور القراء بتخفيف الذال على معنى لم يكذب قلب محمد الشيء الذي رأى، بل صدقه وتحققه نظراً، و  كذب  يتعدى، وقال أهل التأويل ومنهم ابن عباس وأبو صالح : رأى محمد الله تعالى بفؤاده. وقال النبي صلى الله عليه وسلم :**«جعل الله نور بصري في فؤادي، فنظرت إليه بفؤادي »**[(١)](#foonote-١). 
وقال آخرون من المتأولين المعنى : ما رأى بعينه لم يكذب ذلك قلبه، بل صدقه وتحققه، ويحتمل أن يكون التقدير فيما رأى، وقال ابن عباس فيما روي عنه وعكرمة وكعب الأحبار إن محمداً صلى الله عليه وسلم رأى ربه بعيني رأسه. بسط الزهراوي هذا الكلام عنهم وأبت ذلك عائشة، وقالت : أنا سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن هذه الآيات، فقال لي :**«هو جبريل فيها كلها »**[(٢)](#foonote-٢). وقال الحسن المعنى : ما رأى من مقدورات الله وملكوته. وسأل أبو ذر رسول الله صلى الله عليه وسلم : هل رأيت ربك ؟ قال :**«هو نور أنى أراه »**[(٣)](#foonote-٣)، وهذا قول الجمهور، وحديث عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم قاطع بكل تأويل في اللفظ، لأن قول غيرها إنما هو منتزع من ألفاظ القرآن. وقرأ ابن عامر فيما روى عنه هشام :**«ما كذّب »** بشد الذال، وهي قراءة أبي رجاء وأبي جعفر وقتادة والجحدري وخالد، ومعناه بين على بعض ما قلناه، وقال كعب الأحبار : إن الله تعالى قسم الكلام والرؤية بين موسى ومحمد، فكلم موسى مرتين، ورآه محمد مرتين، وقالت عائشة رضي الله عنها : لقد وقف شعري من سماع هذا وتلت : لا تدركه الأبصار، وهو يدرك الأبصار [(٤)](#foonote-٤) \[ الأنعام : ١٠٣ \]. وذهبت هي وابن مسعود وقتادة وجمهور العلماء إلى أن المرئي هو جبريل عليه السلام في المرتين : في الأرض وعند سدرة المنتهى ليلة الإسراء، وقد ذكرتها في سورة **«سبحان »** وهي مشهورة في الكتب الصحاح. 
وقرأ ابن كثير وعاصم وابن عامر هذه السورة كلها بفتح أواخر آيها وأمال عاصم في رواية أبي بكر :**«رأى »**. وقرأ نافع وأبو عمرو بين الفتح. وأمال حمزة والكسائي جميع ما في السورة، وأمال أبو عمرو فيما روى عنه عبيد :**«الأعلى »** و :**«تدلى »**.

١ هذا جزء ورد في آخر حديث الخصومات من رواية لابن جرير عن ابن عباس رضي الله عنهما، قال عنها ابن كثير: فيها زيادة غريبة، وبعد أن نقل الحديث قال: وإسناده ضعيف، وحديث الخصومات أخرجه الإمام أحمد عن معاذ رضي الله عنه، وقال عنه الإمام ابن كثير:"وهو حديث المنام المشهور"، يعني أن الرؤيا التي وردت فيه كانت مناما، وكذلك أخرجه الترمذي من حديث جهضم بن عبد الله اليمامي، وقال الحسن: صحيح، وأخرجه عبد الرزاق عن ابن عباس أيضا وفي أوله:(أتاني ربي الليلة في أحسن صورة-أحسبه يعني في النوم-)، أما رواية ابن جرير التي فيها هذا الجزء الذي ذكره ابن عطية فهي كما في تفسير الطبري:(رأيت ربي في أحسن صورة، فقال لي: يا محمد، هل تدري فيم يختصم الملأ الأعلى؟ فقلت: لا يا رب، فوضع يده بين كتفي، فوجدت بردها بين ثديي، فعلمت ما في السماوات والأرض، فقلت: يا رب في الدرجات والكفارات ونقل الأقدام إلى الجمعات، وانتظار الصلاة بعد الصلاة، فقلت: يا رب إنك اتخذت إبراهيم خليلا، وكلمت موسى تكليما، وفعلت وفعلتَ، فقال: ألم أشرح لك صدرك؟ ألم أضع عنك وزرك؟ ألم افعل بك؟ ألم أفعل؟ قال: فأفضى إليّ بأشياء لم يؤذن لي أن أحدثكموها، قال: فذلك قوله في كتابه يحدثكموه:ثم دنا فتدلى، فكان قاب قوسين أو أدنى، فأوحى إلى عبده ما أوحى، ما كذب الفؤاد ما رأى، فجعل نور بصري في فؤادي فنظرت إليه بفؤادي)..
٢ هذا جزء من حديث أخرجه البخاري في تفسير سورة النجم، ومسلم في الإيمان، وأحمد في مسنده(٦-٤٩)، والترمذي في تفسير سورة النجم، وهو عن مسروق، وزاد السيوطي في "الدر المنثور" نسبته إلى عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، والحاكم، وابن مردويه عن الشعبي، ولفظه كما جاء في صحيح مسلم: قال: كنت متكئا عند عائشة، فقالت: يا أبا عائشة-وهذه كنية الإمام مسروق-ثلاث من تكلم بواحدة فيهن فقد أعظم على الله الفرية، قلت: ما هن؟ قالت: من زعم أن محمدا صلى الله عليه وسلم رأى ربه فقد أعظم الفرية، قال: وكنت متكئا فجلست فقلت: يا أم المؤمنين أنظريني ولا تعجليني، ألم يقل الله عز وجل:ولقد رآه بالأفق المبين، ولقد رآه نزلة أخرى، فقالت: أنا أول هذه الأمة سأل عن ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إنما هو جبريل، لم أره على صورته التي خلق عليها غير هاتين المرتين، رأيته منهبطا من السماء سادا عِظم خلقه ما بين السماء إلى الأرض، فقالت: أو لم تسمع أن الله يقول:لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار وهو اللطيف الخبير، أو لم تسمع أن الله يقول:وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا أو من وراء حجاب أو يرسل رسولا فيوحي بإذنه ما يشاء إنه علي حكيم. قالت: ومن زعم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كتم شيئا من كتاب الله فقد أعظم على الله الفرية، والله يقول:يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته. قالت: ومن زعم أنه يخبر بما يكون في غد فقد أعظم على الله الفرية، والله يقول:قل لا يعلم من في السموات والأرض الغيب إلا الله..
٣ أخرجه مسلم في الإيمان، والترمذي في التفسير، وأحمد في مسنده(٥-١٥٧، ١٧١، ١٧٥)ن عن عبد الله بن شقيق، ولفظه كما جاء في صحيح مسلم(عن ابي ذر قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم: هل رأيت ربك؟ قال: نور أنى أراه؟)، قال شراح الحديث: المعنى: حِجابه نور فكيف أراه؟ وقال بعضهم: المعنى: إن النور منعني من الرؤية..
٤ راجع الهامش(١) من صفحة(٩٣) فهو نفس الحديث. والآية من سورة (الأنعام). ورقمها(١٠٣)..

### الآية 53:12

> ﻿أَفَتُمَارُونَهُ عَلَىٰ مَا يَرَىٰ [53:12]

قوله تعالى : أفتمارونه  خطاب لقريش، وهو من الصراء والمعنى أتجادلونه في شيء رآه وأبصره، وهذه قراءة الجمهور وأهل المدينة، وقرأ علي بن أبي طالب وابن عباس وابن مسعود وحمزة والكسائي :**«أفتَمرونه »** بفتح التاء دون ألف بعد الميم، والمعنى : أفتجحدونه[(١)](#foonote-١) ؟ وذلك أن قريشاً لما أخبرها رسول الله صلى الله عليه وسلم بأمره في الإسراء مستقصى، كذبوا واستخفوا حتى وصف لهم بيت المقدس وأمر عيرهم وغير ذلك مما هو في حديث الإسراء مستقصى، ورواها سعيد عن النخعي :**«أفتُمرونه »** بضم التاء، قال أبو حاتم : وذلك غلط من سعيد. وقوله : يرى  مستقبلاً والرؤية قد مضت عبارة تعم جميع ما مضى وتشير غلى ما يمكن أن يقع بعد، وفي هذا نظر.

١ قال ابن خالويه:"الحجة لمن أثبت الألف في \[أفتمارونه\] أنه أراد: أفتجادلونه، من المماراة والمجادلة بالباطل، ومنه قوله صلى الله عليه وسلم:(لا تماروا بالقرآن فإن مِراء فيه كفر)، والحجة لمن حذفها أنه أراد: أفتجحدونه"، واختار أبو عبيد هذه الأخيرة، قال:"لم يماروه وإنما جحدوه"، ويقال: مريته حقه أي جحدته، قال الشاعر:
 لئن هجرت أخا صِدق ومكرمة لقد مريت أخا ما كان يمريكا..

### الآية 53:13

> ﻿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَىٰ [53:13]

واختلف الناس في الضمير في قوله : ولقد رآه  حسبما قدمناه، فقال ابن عباس وكعب الأحبار : هو عائد على الله، وقال ابن مسعود وعائشة ومجاهد والربيع : هو عائد على جبريل. و : نزلة  معناه : مرة، ونصبه علىلمصدر في موضع الحال.

### الآية 53:14

> ﻿عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَىٰ [53:14]

و : سدرة المنتهى  هي شجرة نبق[(١)](#foonote-١)، قال كعب : هي في السماء السابعة، وروى ذلك مالك بن صعصعة عن النبي صلى الله عليه وسلم[(٢)](#foonote-٢). وقال ابن مسعود : في السماء السادسة. وقيل لها : سدرة المنتهى  لأنها إليها ينتهي علم كل عالم، ولا يعلم ما وراءها صعداً إلا الله تعالى. وقيل سميت بذلك لأنها إليها ينتهي من مات على سنة النبي صلى الله عليه وسلم. 
قال القاضي أبو محمد : هم المؤمنون حقاً من كل جيل. 
وقيل سميت بذلك، لأن ما نزل من أمر الله فعندها يتلقى ولا يتجاوزها ملائكة العلو، وما صعد من الأرض فعندها يتلقى ولا يتجاوزها ملائكة السفل. وروي عن النبي عليه السلام أن الأمة من الأمم تستظل بظل الفنن منها[(٣)](#foonote-٣)، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :**«رفعت لي  سدرة المنتهى ، فإذا نبقها مثل قلال هجر، وإذا ورقها مثل آذان الفيلة »**[(٤)](#foonote-٤).

١ النبؤق-بكسر الباء-: ثمر السِّدر، والواحدة نبِقة، ويقال: نبق بفتح النون وسكون الباء، وقد ذكر اللغتين ابن السكيت في (إصلاح المنطق)، وهي لغة المصريين، والأولى أفصح، وهي التي ثبتت عن النبي صلى الله عليه وسلم..
٢ جاء ذلك في حديث انس بن مالك عن مالك بن صعصعة، رواه أحمد في مسنده..
٣ رواه الترمذي عن أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما، وزاد السيوطي في الدر المنثور نسبته إلى ابن جرير، والحاكم، وابن مردويه، قالت:(سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يصف سدرة المنتهى، قال: يسير الراكب في الفنن منها مائة سنة، يستظل بالفنن منها مائة راكب، فيها فراش من ذهب، كأن ثمرها القلال). قال أبو عيسى: هذا حديث حسن..
٤ أخرجه أحمد، وابن جرير، عن أنس رضي الله عنه.(الدر المنثور)..

### الآية 53:15

> ﻿عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَىٰ [53:15]

وقوله تعالى : عندها جنة المأوى  قال الجمهور : أراد أن يعظم مكان السدرة ويشرفه بأن  جنة المأوى  عندها. قال الحسن : وهي الجنة التي وعد بها العالم المؤمن. وقال قتادة وابن عباس بخلاف هي جنة يأوي إليها أرواح الشهداء والمؤمنين، وليست بالجنة التي وعد بها المؤمنون جنة النعيم، وهذا يحتاج إلى سند وما أراه يصح عن ابن عباس. 
وقرأ علي بن أبي طالب وابن الزبير بخلاف، وأنس بن مالك بخلاف، وأبو الدرداء وزر بن حبيش وقتادة ومحمد بن كعب :****«جنة المأوى »**** بالهاء في جنة، وهو ضمير محمد صلى الله عليه وسلم، والمعنى : ستره وضمه إيواء الله تعالى وجميل صنعه به، يقال : جنه وأجنه، وردت عائشة وصحابة معها هذه القراءة وقالوا : أجن الله من قرأها. 
والجمهور قرأ :**«جنة »** كالآية الأخرى : فلهم جنات المأوى نزلاً [(١)](#foonote-١) \[ السجدة : ١٩ \] وحكى الثعلبي أن معنى ****«جنة المأوى »**** : ضمه المبيت والليل[(٢)](#foonote-٢).

١ من الآية(١٩) من سورة (السجدة)..
٢ قال أبو حاتم بعد أن ذكر هذه القراءة وما فيها من اختلاف:"والذي عليه اللغة أن"جنه الليل": أدركه الليل، و"جن عليه الليل، وأجنه": ألبسه سواده"..

### الآية 53:16

> ﻿إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَىٰ [53:16]

وقوله : إذ يغشى السدرة ما يغشى  التعامل في : إذ ،  رآه . المعنى : رآه في هذه الحال. و  ما يغشى  معناه من قدرة الله، وأنواع الصفات التي يخترعها لها، وذلك منهم على جهة التفخيم والتعظيم، وقال مجاهد تبدل أغصانها دراً وياقوتاً ونحوه. وقال ابن مسعود ومسروق ومجاهد : ذلك جراد من ذهب كان يغشاها. وروى ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :**«رأيتها ثم حال دونها فراش الذهب »**[(١)](#foonote-١). وقال الربيع وأبو هريرة : كان تغشاها الملائكة كما تغشى الطير الشجر، وقيل غير هذا مما هو تكلف في الآية، لأن الله تعالى أبهم ذلك وهم يريدون شرحه، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :**«فغشيها ألوان لا أدري ما هي ؟ »**[(٢)](#foonote-٢)

١ رواه الحكيم الترمذي، وأبو يعلى، عن ابن عباس رضي الله عنهما..
٢ جاء ذلك في حديث رواه أنس عن أبي كعب الأنصاري، وقد أخرجه عبد الله بن الإمام أحمد في مسند أبيه، وفيه يقول النبي صلى الله عليه وسلم:(ثم انطلق بي-يعني جبريل- حتى أتى سدرة المنتهى، قال: فغشيها ألوان ما أدري ما هي)، قال:( ثم دخلت الجنة فإذا فيها جنابذ اللؤلؤ، وإذا ترابها المسك)، قال الإمام ابن كثير بعد أن ذكر هذا الحديث:"هكذا رواه عبد الله بن أحمد في مسند أبيه، وليس هو في شيء من الكتب الستة، وقد تقدم في الصحيحين من طريق يونس، عن الزهري، عن أنس، عن أبي ذر هذا السياق سواء، فالله أعلم"..

### الآية 53:17

> ﻿مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَىٰ [53:17]

وقوله تعالى : ما زاغ الصبر  قال ابن عباس معناه : ما جال هكذا ولا هكذا[(١)](#foonote-١). وقوله : وما طغى  معناه : ولا تجاوز المرئي، بل وقع عليه وقوعاً صحيحاً، وهذا تحقيق للأمر ونفي لوجود الريب عنه.

١ يعني: ما اعوج ولا مال هكذا ولا هكذا، يقال: حال الشيء بمعنى: اعوجّ بعد استواء..

### الآية 53:18

> ﻿لَقَدْ رَأَىٰ مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَىٰ [53:18]

وقوله تعالى : لقد رأى من آيات ربه الكبرى  قال جماعة من أهل التأويل معناه : رأى الكبرى من آيات ربه، والمعنى  من آيات ربه  التي يمكن أن يراها البشر، ف  الكبرى  على هذا مفعول ب  رأى . وقال آخرون المعنى : لقد رأى  بعضاً  من آيات ربه الكبرى ، ف  الكبرى  على هذا وصف للآيات، والجمع مما لا يعقل في المؤنث يوصف أبداً على حد وصف الواحدة. وقال ابن عباس وابن مسعود : رأى رفرفاً أخضر من الجنة قد سد الأفق. وقال ابن زيد : رأى جبريل في صورته التي هو بها في السماوات.

### الآية 53:19

> ﻿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّىٰ [53:19]

قوله تعالى : أفرأيتم  مخاطبة لقريش، وهي من رؤية العين، لأنه أحال على أجرام مرئية، ولو كانت : أرأيت : التي هي استفتاء لم تتعد. ولما فرغ من ذكر عظمة الله وقدرته، قال على جهة التوقيف : أرأيتم هذه الأوثان وحقارتها وبعدها عن هذه القدرة والصفات العلية و : اللات  اسم صنم كانت العرب تعظمه، قال أبو عبيدة وغيره : كان في الكعبة، وقال قتادة : كان بالطائف. وقال ابن زيد : كان بنخلة عند سوق عكاظ، وقول قتادة أرجح يؤيده قول الشاعر :\[ المتقارب \]
وفرّت ثقيف إلى لاتها\*\*\* بمنقلب الخائب الخاسر[(١)](#foonote-١)
والتاء في : اللات  لام فعل كالباء من باب، وقال قوم هي تاء تأنيث، والتصريف يأبى ذلك، وقرأ ابن عباس ومجاهد وأبو صالح :**«اللاّت »** بشد التاء، وقالوا : كان هذا الصنم حجراً وكان عنده رجل من بهز يلت سويق الحاج على ذلك الحجر ويخدم الأصنام، فلما مات عبدوا الحجر الذي كان عنده إجلالاً لذلكا لرجل وسموه باسمه، ورويت هذه القراءة عن ابن كثير وابن عامر[(٢)](#foonote-٢)،  والعزى  : صخرة بيضاء كانت العرب تعبدها وتعظمها، قاله سعيد بن جبير وقال ابن مجاهد : كانت شجيرات تعبد ثم ببلاها انتقل أمرها إلى صخرة. و **«عزى »** مؤنثة عزيز ككبرى وعظمى[(٣)](#foonote-٣)، وكانت هذه الأوثان تعظم الوثن منها قبيلة وتعبدها، ويجيء كل من عز من العرب فيعظمها بتعظيم حاضرها. وقال أبو عبيدة معمر : كانت  العزى   ومناة  في الكعبة، وقال ابن زيد : وكانت  العزى  بالطائف، وقال قتادة : كانت بنخلة.

١ ثقيف: قبيلة كانت بالطائف، وهذا دليل على أن "اللات" كانت بالطائف..
٢ وهي أيضا قراءة منصور بن المعتمر أبو عتاب السلمي الكوفي المتوفي سنة١٣٣هـ..
٣ وقيل: هي واحدة من شجر السّمر، وكانت لغطفان، وكانوا يعبدونها وأقاموا عليها بيتا وجعلوا لها سدنة، فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم خالد بن الوليد إليها فهدم البيت وأحرق السَّمرة وهو يقول:
 يا عز كفرانك لا سبحانك إني رأيت الله قد أهانك
 و"عبد العزى" هو أبو لهب، وقد كناه الله تعالى فقال:تبت يدا أبي لهب، ولم يسمه لأن اسمه محال..

### الآية 53:20

> ﻿وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَىٰ [53:20]

وأما  مناة  فكانت بالمشلل من قديد، وذلك بين مكة والمدينة، وكانت أعظم هذه الأوثان قدراً وأكثرها عابداً، وكانت الأوس والخزرج تهل لها، ولذلك قال تعالى : الثالثة الأخرى  فأكدها بهاتين الصفتين، كما تقول رأيت فلاناً وفلاناً ثم تذكر ثالثاً أجل منهما، فتقول وفلاناً الآخر الذي من أمره وشأنه. 
ولفظة آخر وأخرى يوصف به الثالث من المعدودات، وذلك نص في الآية، ومنه قول ربيعة بن مكدم :\[ الكامل \]
\*ولقد شفعتهما بآخر ثالث\*[(١)](#foonote-١)
وهو التأويل الصحيح في قول الشاعر \[ عبيد بن الأبرص \] :\[ مجزوء الكامل \]
جعلت لها عودين من\*\*\* نشم وآخر من ثمامه[(٢)](#foonote-٢)
وقرأ ابن كثير وحده :**«ومناءة »** بالهمز والمد وهي لغة فيها، والأول أشهر وهي قراءة الناس، ومنها قول جرير :\[ الوافر \]
أزيد مناة توعد بابن تيم\*\*\* تأمل أين تاه بك الوعيد[(٣)](#foonote-٣)

١ هذا شاهد على أن لفظة"آخر" يوصف بها الثالث، فالشاعر يقول: لقد أتبعتهما بثالث، وقال عنه: آخر، ولكن في اللسان أن الشفيع من الأعداد: ما كان زوجا، تقول: كان وترا فشفعته بآخر، قال الشاعر:
 ما كان أبصرني بِغِرات الصبا فالآن قد شُفعت لي الأشباح
 يعني أنه يحسب الشخص اثنين لضعف بصره، فقد وصف الثاني بلفظ "آخر"..
٢ النشم: شجر جبلي تُتخذ منه القِسي، وهو من عُتُق العيدان، وهو مثل النبع في المتانة والاستعمال، والثُّمامة: واحدة الثُّمام، وهو نبت ضعيف له خوص أو ما يشبه الخوص، وربما حَشي به وسُدّ به خصاص البيوت، والشاهد في البيت هو استعمال لفظ "آخر" صفة العدد الثالث، فقد جعل الشاعر عودين من هذا الشجر المتين القوي المُسمى بالنشم، ثم جعل ثالثا من هذا النبات الضعيف، ووصفه بأنه"آخر"، ولم أقف على قائل هذا البيت..
٣ هذا البيت من قصيدة قالها جرير يهجو التيم، ومطلعها:
 ألا زارت وأهل منى هجود وليت خيالها بِمنى يعود
 والرواية في الديوان:"تبين" بدلا من "تأمل"، ومناة: صنم كان لهذيل وخزاعة بين مكة والمدينة، يعبدونها من دون الله، والهاء فيه للتأنيث، ويُسكت عليها بالتاء، وزيد مناة: ابن تميم بن مُر، يُمد ويُقصر، قال ابن بري: قال الوزير: من قال زيد مناه بالهاء فقد أخطأ.(راجع اللسان)..

### الآية 53:21

> ﻿أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثَىٰ [53:21]

ووقف تعالى الكفار على هذه الأوثان وعلى قولهم فيها، لأنهم كانوا يقولون : هي بنات الله، فكأنه قال : أرأيتم هذه الأوثان وقولكم هي بنات الله  ألكم الذكر وله الأنثى ، أي النوع المستحسن المحبوب هو لكم وموجود فيكم ؟ والمذموم المستثقل عندكم هو له بزعمكم، ثم قال تعالى على جهة الإنكار.

### الآية 53:22

> ﻿تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَىٰ [53:22]

تلك إذاً قسمة ضيزى  أي عوجاء، قاله مجاهد، وقيل  ضيزى  معناه : جائرة، قاله ابن عباس وقتادة، وقال سفيان معناه : منقوصة، وقال ابن زيد معناه : مخالفة، والعرب تقول : ضزته حقه أضيزه، بمعنى : منعته منه وظلمته فيه، و : ضيزى  من هذا التصريف وأصلها فُعلى بضم الفاء ضوزى لأنه القياس، إذ لا يوجد في الصفات فِعلى بكسر الفاء، كذا قال سيبويه وغيره، فإذا كان هذا فهي ضوزى : كسر أولها كما كسر أول عِين وبيض طلباً للتخفيف، إذ الكسرة والياء أخف من الضمة والواو كما قالوا بيوت وعصى هي في الأصل فعول بضم الفاء، وتقول العرب : ضزته أضوزه فكان يلزم على هذا التصريف أن يكون ضوزى فعلى، وفي جميع هذا نظر. 
وقرأ ابن كثير :**«ضئيزى »** بالهمز على أنه مصدر كذكرى، وقرأ الجمهور بغير همز.

### الآية 53:23

> ﻿إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ ۚ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ ۖ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَىٰ [53:23]

ثم قال تعالى : إن هي إلا أسماء  يعني أن هذه الأوصاف من أنها إناث وأنها تعبد آلهة ونحو هذا إلا أسماء، أي تسميات اخترعتموها  أنتم وآباؤكم  لا حقيقة لها ولا أنزل الله تعالى بها برهاناً ولا حجة، وقرأ عيسى بن عمر :**«سلُطان »** بضم اللام، وقرأ هو وابن مسعود وابن عباس وابن وثاب وطلحة والأعمش **«إن تتبعون »** بالتاء على المخاطبة، وقرأ أبو عمرو وعاصم ونافع والأعمش أيضاً والجمهور :**«يتبعون »** بالياء على الحكاية عن الغائب و  الظن  : ميل النفس إلى أحد معتقدين متخالفين دون أن يكون ميلها بحجة ولا برهان وهوى الأنفس : هو إرادتها الملذة لها وإنما تجد هوى النفس أبداً فيترك الأفضل، لأنها مجبولة بطبعها على حب الملذ، وإنما يردعها ويسوقها إلى حسن العاقبة العقل والشرع. 
وقوله تعالى : ولقد جاءهم من ربهم الهدى  اعتراض بين الكلام فيه توبيخ لهم، لأن سرد القول إنما هو يتبعون ولا  الظن وما تهوى الأنفس .

### الآية 53:24

> ﻿أَمْ لِلْإِنْسَانِ مَا تَمَنَّىٰ [53:24]

أم للإنسان ما تمنى ، وقف على جهة التوبيخ والإنكار لحالهم ورأيهم، ثم اعترض بعد قوله : وما تهوى الأنفس ولقد جاءهم من ربهم الهدى  جملة في موضع الحال، والهدى المشار إليه، ومحمد وشرعه. 
وقرأ ابن مسعود وابن عباس :**«ولقد جاءكم من ربكم »** بالكاف فيهما، وقال الضحاك إنهما قرآ **«ولقد جاءك من ربك »**. 
و ****«الإنسان »**** في قوله : أم للإنسان ، اسم الجنس، كأنه يقول ليست الأشياء بالتمني والشهوات، إنما الأمر كله لله والأعمال جارية على قانون أمره ونهيه فليس لكم، أيها الكفرة مرادكم في قولكم هذه آلهتنا وهي تنفعنا وتقربنا زلفى ونحو هذا. وقال ابن زيد والطبري :****«الإنسان »**** هنا : محمد، بمعنى أنه لم ينل كرامتنا بتأميل، بل بفضل الله أو بمعنى بل إنه تمنى كرامتنا فنالها، إذ الكل لله يهب ما شاء، وهذا لا تقتضيه الآيات، وإن كان اللفظ يعمه.

### الآية 53:25

> ﻿فَلِلَّهِ الْآخِرَةُ وَالْأُولَىٰ [53:25]

و : الآخرة والأولى  الداران، أي له كل أمرهما ملكاً ومقدوراً وتحت سلطانه.

### الآية 53:26

> ﻿۞ وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَىٰ [53:26]

وقوله تعالى : وكم من ملك  الآية، رد على قريش في قولهم : الأوثان شفعاؤنا، كأنه يقول : هذه حال الملائكة الكرام، فكيف بأوثانكم، و  كم  للتكثير وهي في موضع رفع بالابتداء والخبر : لا تغني  والغناء حلب النفع ودفع الضر بحسب الأمر الذي يكون فيه الغناء وجمع الضمير في  شفاعتهم  على معنى : كم  ومعنى الآية : أن يأذن الله  في أن يشفع لشخص ما ويرضى عنه كما أذن في قوله : الذين يحملون العرش ومن حوله  الآية[(١)](#foonote-١) \[ غافر : ٧ \].

١ من الآية(٧) من سورة (غافر)..

### الآية 53:27

> ﻿إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ لَيُسَمُّونَ الْمَلَائِكَةَ تَسْمِيَةَ الْأُنْثَىٰ [53:27]

الذين لا يؤمنون بالآخرة  هم كفار العرب، وقوله : ليسمون الملائكة  معناه : ليصفون الملائكة بأوصاف الأنوثة.

### الآية 53:28

> ﻿وَمَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ ۖ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ ۖ وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا [53:28]

وأخبر تعالى عنهم أنهم لا علم لهم بذلك، وإنما هي ظنون منهم لا حجة لهم عليها وقرأ ابن مسعود :**«من علم إلا اتباع الظن »**. 
وقوله : إن الظن لا يغني من الحق شيئاً  أي في المعتقدات المواضع التي يريد الإنسان أن يحرر ما يعقل ويعتقد فإنها مواضع حقائق لا تنفع الظنون فيها، وأما في الأحكام وظواهرها فيجتزى فيها بالظنونات.

### الآية 53:29

> ﻿فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّىٰ عَنْ ذِكْرِنَا وَلَمْ يُرِدْ إِلَّا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا [53:29]

ثم سلى تعالى نبيه وأمره بالإعراض عن هؤلاء الكفرة، وما في الآية من موادعتهم منسوخ بآية السيف. وقوله : ولم يرد إلا الحياة الدنيا  معناه لا يصدق بغيرها، فسعيه كله وعمله إنما هو لدنياه.

### الآية 53:30

> ﻿ذَٰلِكَ مَبْلَغُهُمْ مِنَ الْعِلْمِ ۚ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اهْتَدَىٰ [53:30]

وقوله تعالى : ذلك مبلغهم من العلم  معناه هنا انتهى تحصيلهم من المعلومات، وذلك أن المعلومات منها ما هي معقولات نافعة في الآخرة، ومنها ما هي أمور فانية وأشخاص بادية كالفلاحة وكثير من الصنائع وطلب الرئاسة على الناس بالمخرقة، فكلها معلومات ولها علم ومبلغ الكفرة إنما هو في مدة الدنياويات. 
وقوله تعالى : إن ربك هو أعلم  الآية تصل بمعنى التسلية في قوله : فأعرض عمن تولى عن ذكرنا ، وقوله : إن ربك هو أعلم  الآية، ووعيد للكفار ووعد للمؤمنين، وأسند الضلالة والهدى إليهم بكسبهم وإن كان الجميع خلقاً له واختراعاً، واللام في قوله : ليجزي  متعلقة بقوله : ضل  وبقوله : اهتدى  فكأنه قال : ليصير أمرهم جميعاً إلى أن يجزى.

### الآية 53:31

> ﻿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى [53:31]

وقوله : ولله ما في السماوات وما في الأرض  اعتراض بين الكلام بليغ، وقال بعض النحويين اللام متعلقة بما في المعنى من التقدير، لأن تقديره : ولله ما في السماوات وما في الأرض  يضل من يشاء ويهدي من يشاء  ليجزي  والنظر الأول أقل تكلفاً من هذا الإضمار. وقال قوم : اللام متعلقة في أول السورة : إن هو إلا وحي يوحى  \[ النجم : ٤ \] وهذا بعيد، و : الحسنى  هي الجنة ولا حسنى دونها.

### الآية 53:32

> ﻿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ ۚ إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ ۚ هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ ۖ فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ ۖ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَىٰ [53:32]

قوله : الذين  نعت ل  الذين  \[ النجم : ٣١ \] المتقدم قبله، و : يجتنبون  معناه : يدعون جانباً. وقرأ جمهور القراء والناس :**«كبائر الإثم »** وقرأ ابن وثاب وطلحة والأعمش وعيسى وحمزة والكسائي :****«كبير الإثم »**** على الإفراد الذي يراد به الجمع وهذا كقوله : فما لنا من شافعين ولا صديق حميم [(١)](#foonote-١) \[ الشعراء : ١٠٠ \]، وكقوله : وحسن أولئك رفيقاً [(٢)](#foonote-٢) \[ النساء : ٦٩ \] ونحو هذا. 
واختلف الناس في الكبائر ما هي ؟ فذهب الجمهور إلى أنها السبع الموبقات التي وردت في الأحاديث وقد مضى القول في ذكرها واختلاف الأحاديث فيها في سورة النساء. وتحرير القول في الكبائر أنها كل معصية يوجد فيها حد في الدنيا، أو توعد بنار في الآخرة، أو لعنة ونحو هذا خاصاً بها فهي كثيرة العدد، ولهذا قال ابن عباس حين قيل له أسبع هي ؟ فقال : هي إلى السبعين أقرب منها إلى السبع. وقال زيد بن أسلم :****«كبير الإثم »**** هنا يراد به : الكفر. و  الفواحش  هي المعاصي المذكورة. 
وقوله : إلا اللمم  هو استثناء يصح أن يكون متصلاً، وإن قدرته منقطعاً ساغ ذلك، واختلف في معنى  اللمم  فقال ابن عباس وابن زيد معناه : ما ألموا به من الشرك والمعاصي في الجاهلية قبل الإسلام. قال الثعلبي عن ابن عباس وزيد بن ثابت وزيد بن أسلم وابنه : إن سبب الآية أن الكفار قالوا للمسلمين : قد كنتم بالأمس تعملون أعمالنا، فنزلت الآية وهي مثل قوله تعالى : وأن تجمعوا بين الأختين إلا ما قد سلف [(٣)](#foonote-٣) \[ النساء : ٢٣ \] وقال ابن عباس وغيره : ما ألموا من المعاصي الفلتة والسقطة دون دوام ثم يتوبون منه، ذكر الطبري عن الحسن أنه قال في اللمة : من الزنا والسرقة والخمر ثم لا يعود. 
قال القاضي أبو محمد : وهذا كالذي قبله، فكأن هذا التأويل يقتضي الرفق بالناس في إدخالهم في الوعد بالحسنى، إذ الغالب في المؤمنين مواقعة المعاصي، وعلى هذا أنشدوا وقد تمثل به النبي صلى الله عليه وسلم :\[ الرجز \]
إن تغفر اللهم تغفر جما\*\*\* وأي عبد لك لا ألما[(٤)](#foonote-٤)
وقال أبو هريرة وابن عباس والشعبي وغيرهم : اللمم  صغار الذنوب التي بين الحدين الدنيا والآخرة وهي ما لا حد فيه ولا وعيد مختصاً بها مذكوراً لها، وإنما يقال صغار بالإضافة إلى غيرها، وإلا فهي بالإضافة إلى الناهي عنها كبائر كلها، ويعضد هذا القول، قول النبي صلى الله عليه وسلم :**«إن الله كتب على ابن آدم حظه من الزنا لا محالة، فزنى العين : النظر، وزنى اللسان : المنطق، والفرج يصدق ذلك أو يكذبه فإن تقدم فرجه فهو زان، وإلا فهو اللمم »**[(٥)](#foonote-٥) وروي أن هذه الآية نزلت في نبهان التمار[(٦)](#foonote-٦) فالناس لا يتخلصون من مواقعة هذه الصغائر ولهم مع ذلك الحسنى إذا اجتنبوا التي هي في نفسها كبائر. 
وتظاهر العلماء في هذا القول، وكثر المائل إليه. وذكر الطبري عن عبد الله بن عمرو بن العاصي أنه قال : اللمم  ما دون الشرك، وهذا عندي لا يصح عن عبد الله بن عمرو. وذكر المهدوي عن ابن عباس والشعبي : اللمم  ما دون الزنا. وقال نفطويه : اللمم  ما ليس بمعتاد. وقال الرماني : اللمم  الهم بالذنب وحديث النفس به دون أن يواقع. وحكى الثعلبي عن سعيد بن المسيب : أنه ما خطر على القلب، وذلك هو لمة الشيطان. قال الزهراوي وقيل : اللمم  نظرة الفجأة، وقاله الحسين بن الفضل. ثم أنس تعالى بعد هذا بقوله : إن ربك واسع المغفرة . 
وقوله تعالى : هو أعلم بكم  الآية، روي عن عائشة أنها نزلت بسبب قوم من اليهود كانوا يعظمون أنفسهم ويقولون للطفل إذا مات لهم هذا صديق عند الله، ونحو هذا من الأقاويل المتوهمة، فنزلت الآية فيهم[(٧)](#foonote-٧)، ثم هي بالمعنى عامة جميع البشر، وحكى الثعلبي عن الكلبي ومقاتل أنها نزلت في قوم من المؤمنين فخروا بأعمالهم، وقوله : أعلم بكم  قال مكي بن أبي طالب في المشكل معناه : هو عالم بكم. وقال جمهور أهل المعاني : بل هو التفضيل بالإطلاق، أي هو أعلم من الموجودين جملة، والعامل في  إذ   أعلم ، وقال بعض النحاة العامل فيه فعل مضمر تقديره : اذكروا إذ، والمعنى الأول أبين، لأن تقديره : فإذا كان علمه قد أحاط بكم وأنتم في هذه الأحوال فأحرى أن يقع بكم وأنتم تعقلون وتجترحون، والإنشاء من الأرض : يراد به خلق آدم عليه السلام، ويحتمل أن يراد به إنشاء الغذاء. و : أجنة  جمع جنين. 
وقوله : فلا تزكوا أنفسكم  ظاهره النهي عن أن يزكي نفسه، ويحتمل أن يكون نهياً عن أن يزكي بعض الناس بعضاً وإذا كان هذا فإنما ينهى عن تزكية السمعة والمدح للدنيا والقطع بالتزكية، ومن ذلك الحديث في عثمان بن مظعون عند موته[(٨)](#foonote-٨). وأما تزكية الإمام والقدرة أحداً ليؤتم به أوليتهم الناس بالخير فجائز، وقد زكى رسول الله صلى الله عليه وسلم بعض أصحابه أبا بكر وغيره، وكذلك تزكية الشهود في الحقوق جائزة للضرورة إليها، وأصل التزكية إنما هو التقوى، والله تعالى هو أعلم بتقوى الناس منكم.

١ الآيتان (١٠٠)، (١٠١) من سورة (الشعراء)..
٢ من الآية(٦٩) من سورة(النساء)..
٣ من الآية(٢٣) من سورة (النساء)..
٤ يُنسب هذا البيت إلى أمية بن أبي الصلت، على أنه قاله عند احتضاره، والجَمّ: الكثير، وألم الرجل: من اللمم وهو صغار الذنوب، أو هو مقاربة المعصية دون مواقعة، والأول هو المناسب لمعنى البيت، وهو موضع الشاهد هنا، وقد نسب هذا البيت مع بيت آخر قبله إلى أبي خراش، قيل إنه مر يسعى بين الصفا والمروة وهو يقول:
 لا همّ هذا خامس وإن تما أتمه الله وقد أتما
 إن تغفر اللهم تغفر جما وأي عبد لك لا ألما؟
 وقد ذكر ذلك صاحب اللسان نقلا عن ابن بري، وقد أخرج سعيد بن منصور، والترمذيوصححه، والبزار، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والحاكم وصححه، وابن مردويه، والبيهقي في شعب الإيمان، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله تعالى:إلا اللمم، قال: هو الرجل يلم بالفاحشة ثم يتوب منها، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:(إن تغفر اللهم تغفر جما، وأي عبد لك لا ألما)؟ ذكر ذلك الإمام السيوطي في الدر المنثور، وهذا هو الذي أشار إليه ابن عطية بقوله:"وقد تمثل به النبي صلى الله عليه وسلم"..
٥ أخرجه عبد الرزاق، وسيد بن منصور، وأحمد، وعبد بن حميد، والبخاري، ومسلم، وابن جرير، وابن المنذر، وابن مردويه، والبيهقي في سننه، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: ما رأيت شيئا أشبه باللمم مما قال أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال:(إن الله كتب على ابن آدم\*\*\*)الحديث.(الدر المنثور)..
٦ وكان لنبهان هذا حانوت يبيع فيه تمرا، فجاءت امرأة تشتري منه تمرا، فقال لها: إن الداخل الدكان ما هو خير من هذا، فلما دخلت راودها فأبت وانصرفت، فندم نبهان وأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله: ما من شيء يصنعه الرجل إلا وقد فعلته إلا الجماع، فقال:(لعل زوجها غاز)؟ وفي رواية عن أبي اليسر أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال له:(أخلفتَ غازيا في سبيل الله في أهله بمثل هذا؟) حتى تمنى-أي نبهان- أنه لم يكن أسلم إلا تلك الساعة، حتى ظن أنه من أهل النار، قال: وأطرق رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أوحى الله إليهأقم الصلاة طرفي النهار وزلفا من الليل إن الحسنات يذهبن السيئات ذلك ذكرى للذاكرين، قال أبو اليسر: فأتيته فقرأها علي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال أصحابه: يا رسول الله! ألهذا خاصة أم للناس عامة؟ فقال: (بل للناس عامة)، قال أبو عيسى: هذا حديث حسن غريب، وفي الترمذي: هذا حديث حسن صحيح..
٧ اخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم، والطبراني، وأبو نعيم في المعرفة، وابن مردويه، والواحدي، عن ثابت بن الحارث الأنصاري، قال: كانت اليهود إذا هلك لهم صبي صغير قالوا: هذا صِدّيق، فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فقال:(كذبت اليهود، ما من نسمة يخلقها الله في بطن أمها إلا أنه شقي أو سعيد)، فأنزل الله عند ذلك:هو أعلم بكم إذ أنشأكم من الأرض الآية.(الدر المنثور)..
٨ حديث عثمان بن مظعون أخرجه البخاري في الجنائز والتعبير، وأحمد في مسنده(٦-٤٣٦)، ولفظه كما في البخاري عن خارجة بن زيد بن ثابت أن أم العلاء-امرأة من الأنصار- بايعت النبي صلى الله عليه وسلم، أخبرته أن اقتسم المهاجرون قُرعة، فطار لنا عثمان ابن مظعون، فأنزلناه في أبياتنا، فوجع وجعه الذي توفي فيه، فلما توفي وغسّل وكفن في أثوابه دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقلت: رحمة الله عليك أبا السائب، فشهادتي عليك لقد أكرمك الله، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: وما يدريك أن الله أكرمه؟ فقلت: بأبي أنت يا رسول الله، فمن يكرمه الله؟ فقال عليه الصلاة والسلام: أما هو فقد جاءه اليقين، والله إني لأرجو له الخير، والله ما أدري-وأنا رسول الله- ما يُفعل بي، قالت: فوالله لا أزكي أحدا بعده أبدا..

### الآية 53:33

> ﻿أَفَرَأَيْتَ الَّذِي تَوَلَّىٰ [53:33]

وقوله تعالى : أفرأيت الذي تولى  الآية، قال مجاهد وابن زيد وغيرهما نزلت في الوليد بن المغيرة المخزومي وذلك أنه سمع قراءة النبي صلى الله عليه وسلم وجلس إليه ووعظه رسول الله، فقرب من الإسلام، وطمع النبي عليه السلام فيه، ثم إنه عاتبه رجل من المشركين وقال له : أتترك ملة آبائك ؟ ارجع إلى دينك واثبت عليه وأنا أتحمل لك بكل شيء تخافه في الآخرة، لكن على أن تعطيني كذا وكذا من المال، فوافقه الوليد على ذلك، ورجع عما هم به من الإسلام وضل ضلالاً بعيداً، وأعطى بعض ذلك المال لذلك الرجل ثم أمسك عنه وشح، فنزلت الآية فيه. 
وذكر الثعلبي عن قوم أنها نزلت في عثمان بن عفان في قصة جرت له مع عبد الله بن سعد بن أبي سرح[(١)](#foonote-١) وذلك كله عندي باطل، وعثمان رضي الله عنه منزه عن مثله، وقال السدي : نزلت في العاصي بن وائل.

١ ذكر القرطبي أن خبر عثمان بن عفان مع أخيه ابن أبي سرح نقل عن ابن عباس، والسدي، والكلبي، والمُسيب بن شريك، وفيه أن عثمان رضي الله عنه كان يتصدق وينفق في الخير، فقال له أخوه من الرضاعة عبد الله بن أبي سرح: ما هذا الذي تصنع؟ يوشك ألا يبقى لك شيء، فقال عثمان: إن لي ذنوبا وخطايا، وإني أطلب بما أصنع رضا الله تعالى وأرجو عفوه، فقال له عبد الله: أعطني ناقتك برحلها وأنا أتحمل عنك ذنوبك كلها، فأعطاه وأشهد عليه، وأمسك عما كان يصنع من الصدقة، فأنزل الله تعالى:أفرأيت الذي تولى، وأعطى قليلا وأكدى، فعاد عثمان إلى أحسن ذلك وأجمله، وقد ذكر ذلك الثعلبي، وذكره الواحدي في (أسباب النزول)، وسابقة عثمان رضي الله عنه وتاريخه في الإسلام يجعلنا نؤكد رأي ابن عطية في نفي ذلك عنه..

### الآية 53:34

> ﻿وَأَعْطَىٰ قَلِيلًا وَأَكْدَىٰ [53:34]

فقوله : وأعطى قليلاً وأكدى  -على هذا القول- هو في المال، وقال مقاتل بن حيان في كتاب الثعلبي المعنى : وأعطى من نفسه قليلاً من قربه من الإيمان ثم  أكدى  أي انقطع ما أعطى، وهذا بين من اللفظ، والآخر يحتاج إلى رواية. و : تولى  معناه : أدبر وأعرض ومعناه عن أمر الله.  وأكدى  معناه : انقطع عطاؤه وهو مشبه بالحافر في الأرض، فإذا انتهى إلى كدية، وهي ما صلب من الأرض وقف وانقطع حفره، وكذلك أجبل الحافر إذ انتهى إلى جبل، ثم قيل لمن انقطع عمله : أكدى وأجبل.

### الآية 53:35

> ﻿أَعِنْدَهُ عِلْمُ الْغَيْبِ فَهُوَ يَرَىٰ [53:35]

وقوله تعالى : أعنده علم الغيب فهو يرى  معناه : أعلم من الغيب أن من تحمل ذنوب آخر فإن المتحمل عنه ينتفع بذلك، فهو لهذا الذي علمه يرى الحق وهو له فيه بصيرة أم هو جاهل لم ينبأ أي يعلم ما في صحف موسى وهي التوراة وفي صحف إبراهيم وهي كتب نزلت عليه من السماء من أنه لا تزر وازرة وزر أخرى، أي لا تحمل حاملة حمل أخرى، وإنما يؤخذ كل واحد بذنوب نفسه، أي فلما كان جاهلاً بهذا وقع في عطاء ماله للذي قال له : إني أتحمل عنك درك الآخرة[(١)](#foonote-١).

١ أي: تبعة الآخرة، يقال: ما لحقك من درك فعلي خلاصه..

### الآية 53:36

> ﻿أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَىٰ [53:36]

نص مكرر لاشتراكه مع الآية ٣٥:وقوله تعالى : أعنده علم الغيب فهو يرى  معناه : أعلم من الغيب أن من تحمل ذنوب آخر فإن المتحمل عنه ينتفع بذلك، فهو لهذا الذي علمه يرى الحق وهو له فيه بصيرة أم هو جاهل لم ينبأ أي يعلم ما في صحف موسى وهي التوراة وفي صحف إبراهيم وهي كتب نزلت عليه من السماء من أنه لا تزر وازرة وزر أخرى، أي لا تحمل حاملة حمل أخرى، وإنما يؤخذ كل واحد بذنوب نفسه، أي فلما كان جاهلاً بهذا وقع في عطاء ماله للذي قال له : إني أتحمل عنك درك الآخرة[(١)](#foonote-١). 
١ أي: تبعة الآخرة، يقال: ما لحقك من درك فعلي خلاصه..


---

### الآية 53:37

> ﻿وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّىٰ [53:37]

واختلف المفسرون في معنى قوله : وفى  ما هو الموفى ؟ فقال ابن عباس : كانوا قبل إبراهيم يأخذون الولي بالولي في القتل ونحوه فوفى إبراهيم وبلغ هذا الحكم من أنه  لا تزر وازرة وزر أخرى .

### الآية 53:38

> ﻿أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ [53:38]

لا تزر وازرة وزر أخرى  وقال ابن عباس ايضاً والربيع : وفى طاعة الله في أمر ذبح ابنه. وقال الحسن وابن جبير وقتادة وغيره، وفي تبليغ رسالته والظاهر في ذات ربه، وقال عكرمة، وفي هذه العشر الآيات،  ألا تزر  وما بعدها، وقال ابن عباس وقتادة وغيره  وفى  ما افترض عليه من الطاعات على وجهها وتكلمت له شعب الإيمان والإسلام فأعطاه الله براءته من النار. قال ابن عباس : وفي شرائع الإسلام ثلاثين سهماً. وقال أبو أمامة ورفعه إلى النبي عليه السلام  وفى  أربع صلوات في كل يوم، والأقوى من هذه الأقوال كلها القول العام لجميع الطاعات المستوفية لدين الإسلام، فروي أنها لم تفرض على أحد مكملة فوفاها الأعلى وإبراهيم ومحمد عليهما السلام ومن الحجة لذلك قوله تعالى : وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن [(١)](#foonote-١) \[ البقرة : ١٢٤ \]. 
وقرأ ابن جبير وأبو مالك وابن السميفع :**«وفى »** مخففة الفاء، والخلاف فيما وفى به كالخلاف فيما وفاه على القراءة الأولى التي فسرنا، ورويت القراءة عن النبي عليه السلام، وقرأها أبو أمامة[(٢)](#foonote-٢). 
والوزر : الثقل، وأنث الوزارة إما لأنه أراد النفس وإما أراد المبالغة كعلامة ونسابة وما جرى مجراها و ****«أن »**** في قوله : ألا تزر  مخففة من الثقيلة، وتقديرها أنه لا تزر، وحسن الحائل بينها وبين الفعل ان بقي الفعل مرتفعاً، فهي كقوله : علم أن سيكون منكم مرضى [(٣)](#foonote-٣) \[ المزمل : ٢٠ \] ونحوه، و ****«أن »**** في موضع رفع أو خفض، كلاهما مرتب. 
١ من الآية (١٢٤) من سورة (البقرة)..
٢ قال ابن جني:"وهذا على تسمية المسبب باسم سببه، ألا ترى أن معناه، الذي وعد ذلك فوفى بحاضره وسيفي بغائبه يوم القيامة، وذلك منهم لصدق الوعد، أي: إذا قال فقد فعل أو قد وقع ما يقوله، وهذا كقولهم: وعد الكرين نقد، ونقد اللئيم وعد"..
٣ من الآية(٢٠) من سورة(المزمل)..

### الآية 53:39

> ﻿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَىٰ [53:39]

قوله تعالى : وأن ليس للإنسان  وقوله بعد ذلك  وأنه ،  وأنه  معطوف كل ذلك على أن المقدرة أولاً في قوله :**«أنه لا تزر »** وهي كلها بفتح الألف في قراءة الجمهور. وقرأ أبو السمال قعنب **«وإن إلى ربك »** بكسر الهمزة فيهما وفيما بعدها وروي عن ابن عباس رضي الله عنه أن قوله : وأن ليس للإنسان إلا ما سعى  منسوخ بقوله : والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم بإيمان ألحقنا بهم ذريتهم [(١)](#foonote-١) \[ الطور : ٢١ \] وهذا لا يصح عندي على ابن عباس، لأنه خبر لا ينسخ، ولأن شروط النسخ ليست هنا، اللهم إلا أن يتجوز في لفظة النسخ ليفهم سائلاً، وقال عكرمة : كان هذا الحكم في قوم إبراهيم وموسى، وأما هذه الأمة فلها سعي غيرها، والدليل حديث سعد بن عبادة قال : يا رسول الله هل لأمي إن تطوعت عنها ؟ قال : نعم[(٢)](#foonote-٢). وقال الربيع بن أنس :**«الإنسان »** الذي في هذه الآية هو الكافر وأما المؤمن فله ما سعى وما سعى له غيره. وسأل عبد الله بن طاهر بن الحسين والي خراسان الحسين بن الفضل عن هذه الآية مع قوله : والله يضاعف لمن يشاء [(٣)](#foonote-٣) \[ البقرة : ٢٦١ \] فقال ليس له بالعدل إلا ما سعى، وله بفضل الله ما شاء الله، فقبل عبد الله رأس الحسين. وقال الجمهور : الآية محكمة. والتحرير عندي في هذه الآية أن ملاك المعنى هو في اللام من قوله : للإنسان  فإذا حققت الشيء الذي هو حق الإنسان يقول فيه لي كذا لم يجده إلا سعيه، وما بعد من رحمة ثم شفاعة أو رعاية أب صالح أو ابن صالح أو تضعيف حسنات أو تغمد بفضل ورحمة دون هذا كله فليس هو للإنسان ولا يسعه أن يقول لي كذا إلا على تجوز وإلحاق بما هو له حقيقة. واحتج بهذه الآية من يرى أنه لا يعمل أحد عن أحد بعد موته ببدن ولا مال. وفرق بعض العلماء بين البدن والمال، وهي عندي كلها فضائل للعامل وحسنات تذكر للمعمول عنه. وقد أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم سعداً بالصدقة عن أمه. والسعي : التكسب.

١ من الآية (٢١) من سورة (الطور)..
٢ أخرج الإمام أحمد في مسنده عن هشام، قال: أخبرني أبي، قال: أخبرتني عائشة أن رجلا قال للنبي صلى الله عليه وسلم: إن أمي افتُلتت نفسها، وأظنها لو تكلمت تصدقت، فهل لها أجر أن أتصدق عنها؟ قال: نعم، وأخرجه مسلم في صحيحه من عدة طرق، كلها تنتهي إلى هشام، ومعنى "افتُلتت"، ماتت فجأة. قال الإمام ابن حزام النووي في شرحه لصحيح مسلم:"وفي هذا الحديث أن الصدقة عن الميت تنفع الميت ويصله ثوابها، وهو كذلك بإجماع العلماء، وكذلك أجمعوا على وصول الدعاء وقضاء الدين بالنصوص الواردة في الجميع، ويصح الحج عن الميت إذا كان حج الإسلام، وكذا إذا وصى بحج التطوع على الأصح عندنا، واختلف العلماء في الصوم إذا مات وعليه صوم، فالراجح جوازه عنه للأحاديث الصحيحة فيه، وأما الصلاة وسائر الطاعات فلا تصله عندنا ولا عند الجمهور، وقال أحمد: يصله ثواب الجميع". وقد وضح القرطبي اسم الرجل كما هنا، وذكر أن الرجل سأل: فأي الصدقة أفضل؟ قال: سقي الماء..
٣ من الآية(٢٦١) من سورة (البقرة)..

### الآية 53:40

> ﻿وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَىٰ [53:40]

وقوله : يرى  فاعله حاضر والقيامة، أي يراه الله ومن شاهد الأمر، وفي عرض الأعمال على الجميع تشريف للمحسنين وتوبيخ للمسيئين، ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم :**«من سمع بأخيه فيما يكره سمع الله به سامع خلقه يوم القيامة »**[(٤)](#foonote-٤).

### الآية 53:41

> ﻿ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاءَ الْأَوْفَىٰ [53:41]

وفي قوله : ثم يجزاه الجزاء الأوفى  وعيد للكافرين ووعد للمؤمنين.

### الآية 53:42

> ﻿وَأَنَّ إِلَىٰ رَبِّكَ الْمُنْتَهَىٰ [53:42]

و : المنتهى  يحتمل أن يريد به الحشر، والمصير بعد الموت فهو منتهى بالإضافة إلى الدنيا وإن كان بعده منتهى آخر وهو الجنة أو النار، ويحتمل أن يريد ب  المنتهى  : الجنة أو النار، فهو منتهى على الإطلاق، لكن في الكلام حذف مضاف إلى عذاب ربك أو رحمته. 
وقال أبي بن كعب قال النبي عليه السلام في قوله تعالى : وأن إلى ربك المنتهى [(١)](#foonote-١) ( لا فكرة في الرب )[(٢)](#foonote-٢). وروى أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :**«إذا ذكر الرب فانتهوا »**. وقال أبو هريرة : خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم يوماً إلى أصحابه فقال :**«فيم أنتم »** قالوا : نتفكر في الخالق، فقال :**«تفكروا في الخلق، لا تتفكروا في الخالق، فإنه لا تحيط به الفكرة »** \*\*\*الحديث[(٣)](#foonote-٣).

١ أخرجه الدارقطني في الإفراد، والبغوي في تفسيره، عن أبي بن كعب، وأخرجه أبو الشيخ في العظمة عن سفيان الثوري..
٢ ذكره القرطبي بلفظ:(إذا ذكر الله تعالى فانته)، وذكره الإمام السيوطي في (الجامع الصغير)، عن البزار، عن أبي سعيد المقبري مرسلا بلفظ(إذا ذكرتك بالله فانتهوا)..
٣ أخرجه أبو الشيخ عن يونس بن ميسرة، قال: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم على أصحابه وهم يذكرون عظمة الله تعالى، فقال: ما كنتم تذكرون؟ قالوا: كنا نتفكر في عظمة الله تعالى، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ألا في الله فلا تفكروا، ثلاثا، ألا فتفكروا في عِظم ما خلق، ثلاثا، وأخرج مثله أيضا أبو الشيخ عن ابي أمية مولى شبرمة واسمه الحكم، عن بعض أئمة الكوفة، مع زيادة في آخره، وأخرج أبو الشيخ أيضا عن ابن عباس رضي الله عنهما مثله مع زيادة واختلاف في الألفاظ. ذكر ذلك الإمام السيوطي في "الدر المنثور"..

### الآية 53:43

> ﻿وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَىٰ [53:43]

وذكر الضحك والبكاء لأنهما صفتان تجمعان أصنافاً كثيرة من الناس، إذ الواحدة دليل السرور، والأخرى دليل الحزن في الدنيا والآخرة، فنبه تعالى على هاتين الخاصتين اللتين هما للإنسان وحده، وقال مجاهد المعنى : أضحك  الله أهل الجنة  وأبكى  أهل النار[(١)](#foonote-١). وحكى الثعلبي في هذا أقوالاً استعارية كمن قال  أضحك  الأرض بالنبات،  وأبكى  السماء بالمطر، ونحوه : و  أمات وأحيا .

١ أخرج ابن مردويه عن عائشة رضي الله عنها قالت: مرّ رسول الله صلى الله عليه وسلم على قوم يضحكون، فقال: لو تعلمون ما أعلم لبكيتم كثيرا ولضحكتم قليلا، فنزل عليه جبريل فقال: إن الله هو أضحك وأبكى، فرجع إليهم فقال: ما خطوت أربعين خطوة حتى أتاني جبريل فقال: ائت هؤلاء فقل لهم: عن الله أضحك وأبكى."الدر المنثور"..

### الآية 53:44

> ﻿وَأَنَّهُ هُوَ أَمَاتَ وَأَحْيَا [53:44]

وحكى الثعلبي قولاً إنه أحيا بالإيمان وأمات بالكفر.

### الآية 53:45

> ﻿وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَىٰ [53:45]

و  الزوجين  في هذه الآية يريد به المصطحبين من الناس من الرجل والمرأة وما ضارع من الحيوان، والخنثى متميز ولا بد لأحد الجهتين. والنطفة في اللغة : القطعة من الماء كانت يسيرة أو كثيرة. ويراد بها هاهنا ماء الذكران[(١)](#foonote-١).

١ أي: يراد بها ماء الرجال..

### الآية 53:46

> ﻿مِنْ نُطْفَةٍ إِذَا تُمْنَىٰ [53:46]

وقوله : تمنى  يحتمل أن يكون من قولك : أمنى الرجل : إذا خرج منه المني، ويحتمل أن يكون من قولك منى الله الشيء : إذا خلقه، فكأنه قال : إذا تخلق وتقدر.

### الآية 53:47

> ﻿وَأَنَّ عَلَيْهِ النَّشْأَةَ الْأُخْرَىٰ [53:47]

و : النشأة الأخرى  هي إعادة الأجسام إلى الحشر بعد البلي في التراب. وقرأ الناس :**«النشْأة »** بسكون الشين والهمز والقصر، وقرأ أبو عمرو والأعرج :**«النشآة »** ممدودة.

### الآية 53:48

> ﻿وَأَنَّهُ هُوَ أَغْنَىٰ وَأَقْنَىٰ [53:48]

وأقنى  معناه : أكسب، يقال : قنبت المال، أي كسبته، ثم يعدى بعد ذلك بالهمزة، وقد يعدى بالتضعيف، ومنه قول الشاعر :\[ البسيط \]
كم من غني أصاب الدهر ثروته\*\*\* ومن فقير يقنّى بعد إقلالِ[(١)](#foonote-١)
وعبر المفسرون عن  أقنى  بعبارات مختلفة. وقال بعضهم : أقنى  معناه : أكسب ما يقتني، وقال مجاهد معناه : أغنى وأرضى. وقال حضرمي معناه : أغنى عن نفسه  وأقنى  أفقر عباده إليه. وقال الأخفش : أقنى  أفقر، وهذه عبارات لا تقتضيها اللفظة، والوجه فيها بحسب اللغة أكسب ما يقتني. وقال ابن عباس : أقنى  قنع. والقناعة خير قنية، والغنى عرض زائل، فلله در ابن عباس. 
١ هذا البيت شاهد هنا على أن(قني) تتعدى بالتضعيف، و"كم" هنا للتكثير، وأصاب ثروته: أضاعها، فكأنه أنزل بها إصابة ماحقة، والإقلال: الفقر والحاجة، يقول: كثير من الأغنياء أصابهم الدهر فضاعت ثرواتهم، وكثير من الفقراء أغناهم الدهر وأكسبهم الثروة، ولم أقف على قائل هذا البيت..

### الآية 53:49

> ﻿وَأَنَّهُ هُوَ رَبُّ الشِّعْرَىٰ [53:49]

و : الشعرى  نجم في السماء، قال مجاهد وابن زيد : هو من زمر الجوزاء[(١)](#foonote-١)، وهم شعريان، إحداهما : الغميصاء[(٢)](#foonote-٢)، والأخرى العبور، لأنها عبرت المجرة، وكانت خزاعة ممن يعبد هذه  الشعرى ، ومنهم أبو كبشة، ذكره الزهراوي واسمه عبد العزى، فلذلك خصت بالذكر، أي وهو رب هذا المعبود الذي لكم.

١ أي الذي يأتي بعد الجوزاء ويتبعها، وهو اسم لعدد من النجوم أشهرها مِرزمان: هما الشعريان: العبور والغُميصاء، وأم مِرزم: الريح، أو ريح الشمال الباردة؛ لأنها تأتي بنوء المِرزم ومعه المطر والبرد.(المعجم الوسيط). وفي اللسان:"الشعرى: كوكب نيّر يقال له: المِرزم، يطلع بعد الجوزاء وطلوعه في شدة الحر"..
٢ سماها العرب بالغُميصاء لأنهم قالوا: إنها بكت على إثر العَبور حتى غمِصت، أي صغرت، وهذا كناية عن قلة ضوئها..

### الآية 53:50

> ﻿وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عَادًا الْأُولَىٰ [53:50]

وعاد : هم قوم هود، واختلف في معنى وصفها ب  الأولى ، فقال ابن زيد والجمهور : ذلك لأنها في وجه الدهر وقديمه، فهي أولى بالإضافة إلى الأمم المتأخرة، وقال الطبري : سميت أولى، لأن ثم عاداً أخيرة وهي قبيلة كانت بمكة مع العماليق وهم بنو لقيم بن هزال. 
قال القاضي أبو محمد : والقول الأول أبين، لأن هذا الأخير لم يصح. وقال المبرد عاداً الأخيرة هي ثمود، والدليل قول زهير :\[ الطويل \]
\*\*\*. كأحمر عاد ثم ترضع فتفطم[(١)](#foonote-١)
ذكره الزهراوي، وقيل الأخيرة : الجبارون. 
وقرأ ابن كثير وعاصم، وابن عامر وحمزة، والكسائي **«عاد الأولى »** منونة وبهمز. وقرأ نافع فيما روي عنه :**«عادا الأولى »** بإزالة التنوين والهمز. وهذا كقراءة من قرأ **«أحد الله »**[(٢)](#foonote-٢) وكقول الشاعر \[ أبو الأسود الدؤلي \] :\[ المتقارب \]
\*\*\*\*\*\*. ولا ذاكر الله إلا قليلا[(٣)](#foonote-٣)
وقرأ قوم : عاداً الأولى  والنطق بها **«عادن الأولى »**. واجتمع سكون نون التنوين وسكون لام التعريف فكسرت النون للالتقاء، ولا فرق بينهما وبين قراءة الجمهور ولا ترك الهمز. وقرأ نافع أيضاً وأبو عمرو بالوصل والإدغام **«عاد الولى »** بإدغام النون في اللام ونقل حركة الهمزة إلى اللام. وعاب أبو عثمان المازني والمبرد هذه القراءة، وقال : إن هذا النقل لا يخرج اللام عن حد السكون وحذف ألف الوصل أن تبقى كما تقول العرب إذا نقلت الهمزة من قولهم الأحمر فإنهم يقولون الحمر جاء فكذلك يقال هاهنا **«عاداً الولى »**، قال أبو علي : والقراءة سائغة، وأيضاً فمن العرب من يقول : لحمر جاء فيحذف الألف مع النقل ويعتد بحركة اللام ولا يراها في حكم السكون، وقرأ نافع فيما روي عنه **«عاداً الأولى »** بهمز الواو، ووجه ذلك أنه لما لم يكن بين الواو والضمة حائل تخيل الضمة عليها فهمزها كما تهمز الواو المضمومة، وكذلك فعل من قرأ :**«على سؤقه »**[(٤)](#foonote-٤)، وكما قال الشاعر \[ جرير \] :\[ الوافر \]
لحَبّ المؤقدان إلي مؤسى\*\*\*[(٥)](#foonote-٥) وهي لغة

١ هذا عجز بيت من المعلقة، وهو واحد من الأبيات التي يصف فيها الحرب وينفر منها، والبيت بتمامه مع بيت قبله:
 فتعرككم عرك الرحى بِثفالها وتلقح كِشافا ثم تنتج فتُتئم
 فتنتج لكم غِلمان أشأم كلهم كأحمر عاد ثم ترضع فتفطم
 يقول: إن الحرب تعرككم كما تعرك الرحى الحَبّ مع الثفاله وهو الخِرقة التي توضع تحت الرحى ليقع عليها الطحين، والحرب تلقح في السنة مرتين وتلد توأمين، والشؤم: ضد اليُمن، ورجل مشئوم كما يقال رجل ميمون، والأشأم: أفعل من الشؤم وهو مبالغة، وأراد بأحمر عاد أحمر ثمود وهو قدار بن سالف الذي عقر الناقة، يقول: فتلد لكم أبناء في أثناء تلك الحروب كل واحد منهم أشأم كعاقر الناقة، ثم ترضعهم الحرب وتفطمهم، أي تكون ولادتهم ونشأتهم في أثناء الحرب فيصبحون مشائيم على آبائهم، والشاهد هو أنه أراد بأحمر عاد أحمر ثمود، فعاد تطلق على ثمود، وهي عاد الأخيرة..
٢ من قوله تعالى في الآيتين الأولى والثانية من سورة (الصمد):قل هو الله أحد، الله الصمد، فقد قرئت:\[أحد\] بدون تنوين..
٣ هذا عجز بيت لأبي الأسود الدؤلي-ظالم بن عمرو بن سفيان الدؤلي- والبيت بتمامه:
 فألفيته غير مُستعتب ولا ذاكر الله إلا قليلا
 وهو في الكتاب، وخزانة الأدب، وابن الشجري، والأغاني، والمغني، واللسان، ويروى أن أبا الأسود أغوته امرأة بجمالها، وزعمت أنها صناع الكف حسنة التدبير، وعرضت عليه الزواج فتزوجها، ولكنه وجدها قد أسرفت في ماله، ومذت يدها إلى خيانته، فهجاها بأبيات منها هذا البيت، وغير مُستعتب: أي غير راجع بالعتاب عن قبيح فعله، وهو يعني هذه المرأة، والشاهد في البيت حذف التنوين من "ذاكر" لالتقاء الساكنين ونصب ما بعده وإن كان الوجه الإضافة..
٤ من قوله تعالى في الآية(٢٩) من سورة (الفتح):فاستوى على سوقه يُعجب الزراع ليغيظ بهم الكفار..
٥ هذا صدر بيت قاله جرير من قصيدة له يمدح هشام بن عبد الملك، ويروى: لحبَّ الواقدان، وأحب الموقدين، وأنشده الزمخشري في كشافه كما هنا، والبيت بتمامه:
 لحب المؤقدان إليك مؤسى وجعدة إذ أضاءهما الوقود
 وحَبَّ: فعل ماض أصله حبُبَ، مثل كرُم، ومعناه: صار محبوبا، فأدغمت الباء الأولى في الثانية إما للقلب، وإما لنقلها إلى الحاء قبلها، فلِذا روي "لَحَبَّ-بفتح الحاء وضمها- واللام في "لَحَبَّ" لام جواب قسم محذوف، والمُؤقدان هما موسى وجعدة، فإنهما يوقدان نار القرى للضيوف، كناية عن الكرم، والوُقود-بضم الواو-مصدر بمعنى الإيقاد، وبالفتح ما يوقد به من حطب ونحوه، والمعنى: لما أضاء إيقاد النار موسى وجعدة ورأيتهما ذوي ضياء وبهجة صارا محبوبين، والشاهد هو قلب الواو همزة في "المؤقدان"، وفي "مؤسى" إجراء لضمة ما قبلها مجرى ضمتها هي، وهذا هو مذهب سيبويه، وقد سبق الاستشهاد بهذا البيت في أكثر من مناسبة..

### الآية 53:51

> ﻿وَثَمُودَ فَمَا أَبْقَىٰ [53:51]

. وقرأ الجمهور :**«وثموداً »** بالنصب عطفاً على عاد. وقرأ عاصم وحمزة والحسن وعصمة **«وثمود »** بغير صرف، وهي في مصحف ابن مسعود بغير ألف بعد الدال. 
وقوله : فما أبقى  ظاهره : فما أبقى  عليهم، وتأول ذلك بعضهم  فما أبقى  منهم عيناً تطرف، وقد قال ذلك الحجاج حين سمع قول من يقول إن ثقيفاً من ثمود فأنكر ذلك وقال : إن الله تعالى قال : وثموداً فما أبقى . وهؤلاء يقولون بقي منهم باقية.

### الآية 53:52

> ﻿وَقَوْمَ نُوحٍ مِنْ قَبْلُ ۖ إِنَّهُمْ كَانُوا هُمْ أَظْلَمَ وَأَطْغَىٰ [53:52]

نصب  قوم نوح  عطفاً على **«ثمود »** وقوله : من قبل  لأنهم كانوا أول أمة كذبت من أهل الأرض، و  نوح  أول الرسل، وجعلهم  أظلم وأطغى  : لأنهم سبقوا إلى التكذيب دون اقتداء بأحد قبلهم، وأيضاً فإنهم كانوا في غاية من العتو، وكان عمر نوح قد طال في دعائهم، فكان الرجل يأتي إليه مع ابنه فيقول : أحذرك من هذا الرجل فإنه كذاب، ولقد حذرني منه أبي وأخبرني أن جدي حذره منه، فمشت على ذلك أخلافهم ألفاً إلا خمسين عاماً.

### الآية 53:53

> ﻿وَالْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوَىٰ [53:53]

و  المؤتفكة  قرية قوم لوط بإجماع من المفسرين، ومعنى  المؤتفكة  : المنقلبة لأنها أفكت فائتفكت، ومنه الإفك، لأنه قلب الحق كذباً، وقرأ الحسن بن أبي الحسن :**«والمؤتفكات أهوى »** على الجمع. و  أهوى  معناه : طرحها من هواء عال إلى أسفل، هذا ما روي من أن جبريل عليه السلام اقتلعها بجناحه حتى بلغ بها قرب السماء ثم حولها قلبها فهبط الجميع واتبعوا حجارة وهي التي غشاها الله تعالى.

### الآية 53:54

> ﻿فَغَشَّاهَا مَا غَشَّىٰ [53:54]

نص مكرر لاشتراكه مع الآية ٥٣:و  المؤتفكة  قرية قوم لوط بإجماع من المفسرين، ومعنى  المؤتفكة  : المنقلبة لأنها أفكت فائتفكت، ومنه الإفك، لأنه قلب الحق كذباً، وقرأ الحسن بن أبي الحسن :****«والمؤتفكات أهوى »**** على الجمع. و  أهوى  معناه : طرحها من هواء عال إلى أسفل، هذا ما روي من أن جبريل عليه السلام اقتلعها بجناحه حتى بلغ بها قرب السماء ثم حولها قلبها فهبط الجميع واتبعوا حجارة وهي التي غشاها الله تعالى. ---

### الآية 53:55

> ﻿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكَ تَتَمَارَىٰ [53:55]

وقوله : فبأي ألاء ربك تتمارى  مخاطبة للإنسان الكافر، كأنه قيل له : هذا هو الله الذي له هذه الأفاعيل، وهو خالقك المنعم عليك بكل النعم، ففي أيها تشك. و : تتمارى  معناه : تتشكك. وقرأ يعقوب **«ربك تتمارى »** بتاء واحدة مشددة. وقال أبو مالك الغفاري[(١)](#foonote-١) إن قوله : ألا تزر  \[ النجم : ٣٨ \] إلى قوله : تتمارى  هو في صحف إبراهيم وموسى.

١ اسمه غزوان الغِفاري، أبو مالك الكوفي، مشهور بكنيته، ثقة، من الثالثة.(تقريب التهذيب)..

### الآية 53:56

> ﻿هَٰذَا نَذِيرٌ مِنَ النُّذُرِ الْأُولَىٰ [53:56]

وقوله : هذا نذير  يحتمل أن يشير إلى محمد صلى الله عليه وسلم، وهذا قول قتادة وأبي جعفر ومحمد بن كعب القرظي، ويحتمل أن يشير إلى القرآن، وهو تأويل قوم، وقال أبو مالك : الإشارة بهذا النذير إلى ما سلف من الأخبار عن الأمم. و : نذير  يحتمل أن يكون بناء اسم فاعل، ويحتمل أن يكون مصدراً، ونذر جمع نذير. وقال  الأولى  بمعنى أنه في الرتبة والمنزلة والأوصاف من تلك المتقدمة، والأشبه أن تكون الإشارة إلى محمد.

### الآية 53:57

> ﻿أَزِفَتِ الْآزِفَةُ [53:57]

وقوله : أزفت  معناه : قربت القريبة. و : الآزفة  عبارة عن القيامة بإجماع من المفسرين. وأزف معناه : قرب جداً، قال كعب بن زهير :\[ البسيط \]
بان الشباب وأمسى الشيب قد أزفا\*\*\* ولا أرى لشباب ذاهب خلفا[(١)](#foonote-١)

١ يبكي شبابه ويتوجس خيفة من الشيب، وبان: ذهب وارتحل، وأزف: دنا واقترب جدا، وهو موضع الاستشهاد هنا، يقول: ذهب الشباب واقترب المشيب فالكبر والعجز، وليس بعد ذلك إلا الفناء، فإذا ذهب الشباب فقد ذهب العمر كله في الحقيقة..

### الآية 53:58

> ﻿لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ كَاشِفَةٌ [53:58]

وقوله : كاشفة  يحتمل أن يكون صفة لمؤنث، التقدير : حالة  كاشفة ، أو منة  كاشفة . قال الرماني أو جماعة، ويحتمل أن يكون مصدراً كالعاقبة و  خائنة الأعين [(١)](#foonote-١) \[ غافر : ١٩ \]. ويحتمل أن يكون بمعنى كاشف، والهاء للمبالغة، كما قال : فهل ترى لهم من باقية [(٢)](#foonote-٢) \[ الحاقة : ٨ \] وأما معنى  كاشفة  فقال الطبري والزجاج : هو من كشف السر، أي ليس من دون الله من يكشف وقتها ويعلمه. وقال الزهراوي عن منذر بن سعيد : هو من كشف الضر ودفعه، أي ليس من يكشف خطبها وهولها. 
وقرأ طلحة : ليس لها  مما تدعون  من دون الله كاشفة  وهي على الظالمين سوءات الغاشية[(٣)](#foonote-٣)، وهذا الحديث هو القرآن.

١ جاءت في قوله تعالى في الآية(١٩) من سورة (غافر):يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور..
٢ الآية(٨) من سورة (الحاقة)..
٣ قال أبو الفتح ابن جني:"هذه القراءة تدل على أن المراد بقراءة الجماعة:ليس لها من جزاء من دون الله كاشفة، حذف مضاف بعد مضاف، ألا ترى أن التقدير:"ليس لها من جزاء معبود دون الله كاشفة"، فالعبادة-على هذا- مصدر مضاف إلى المفعول، كقوله تعالى:لا يسأم الإنسان من دعاء الخير، ثم حذف المضاف الأول فصار تقديره:"ليس لها من عبادة معبود دون الله كاشفة"، ثم حذف المضاف الثاني الذي هو"عبادة" فصار التقدير:"ليس لها من معبود دون الله كاشفة"، ثم حذف المضاف الثالث فصار إلىليس لها من دون الله كاشفة. وقوله:"وهي على الظالمين ساءت الغاشية" جار مجرى قولهم:"زيد بئس الرجل"؛ لأن ساء بمعنى بِئس..

### الآية 53:59

> ﻿أَفَمِنْ هَٰذَا الْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ [53:59]

وقوله : أفمن  توقيف وتوبيخ. وفي حرف أبيّ وابن مسعود :**«تعجبون »** **«تضحكون »** بغير واو العطف.

### الآية 53:60

> ﻿وَتَضْحَكُونَ وَلَا تَبْكُونَ [53:60]

وفي قوله عز وجل : ولا تبكون  حض على البكاء عند سماع القرآن. وروى سعد بن أبي وقاص أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :**«إن هذا القرآن أنزل يخوف، فإذا قرأتموه فابكوا، فإن لم تبكوا فتباكوا »**[(١)](#foonote-١)، ذكره الثعلبي.

١ أخرجه ابن ماجه في الإقامة والزهد. وسعد هو أول من رمى بسهم في سبيل الله، وهو أحد العشرة المبشرين بالجنة..

### الآية 53:61

> ﻿وَأَنْتُمْ سَامِدُونَ [53:61]

والسامد : اللاعب اللاهي، وبهذا فسر ابن عباس وغيره من المفسرين. وقال الشاعر \[ هذيلة بنت بكر \] :\[ مجزوء الكامل \]
قيل قم فانظر إليهم\*\*\* ثم دع عنك السمودا[(١)](#foonote-١)
وسمد بلغة حمير غنى، وهو معنى كله قريب من بعض، وأسند الطبري عن أبي خالد الوالبي[(٢)](#foonote-٢) قال : خرج علينا عليّ ونحن قيام ننتظر الصلاة فقال : ما لي أراكم سامدين. 
قال القاضي أبو محمد : يشبه أنه رآهم في أحاديث ونحوه مما يظن أنه غفلة ما. وقد قال إبراهيم كانوا يكرهون أن ينتظروا خروج الإمام قياماً، وفي الحديث :**«إذا أقيمت الصلاة فلا تقوموا حتى تروني »**[(٣)](#foonote-٣).

١ البيت في اللسان-سمد-غير منسوب، وفي "الدر المنثور" ذكره الإمام السيوطي مع بيت قبله منسوبا إلى هزيلة بنت بكر، قال: أخرج الطسي في مسائله، والطبراني، عن ابن عباس أن نافع بن الأزرق سأله عن قوله تعالى:\[سامدون\]، قال: السُّمود: اللهو والباطل، قال: وهل تعرف العرب ذلك؟ قال: نعم، أما سمعت قول هزيلة بنت بكر وهي تبكي قوم عاد:
 ليت عادا قبلوا الحق ولم يبدوا جحودا
 قيل قم فانظر إليهم ثم دع عنك السمودا
 وقد فسر السمود بمعاني كثيرة، فقيل: هو اللهو واللعب، وقيل: هو الغِناء، وقيل: الاستكبار، وقيل: القيام في تحير، وهذا المعنى يلائم البيت موضع الاستشهاد، وقيل: السمود: الغفلة والذهاب عن الشيء، وقيل: السمود يكون سرورا وحزنا، ومما روي في السمود قول القائل:
 رمى الحِدثان نسوة آل حرب بأمر قد سمدن له سمودا
 فردّ شعورهن السود بيضا ورد وجوههن البيض سودا..
٢ هو أبو خالد الوالبي-بموحدة قبلها كسرة- الكوفي، اسمه هرمز، وقيل: هرم، مقبول، من الثانية، وفد على عمر، وقيل: حديثه مرسل فيكون من الثالثة، وخبره المروي هنا أخرجه عبد الرزاق، وعبد بن حميد، وابن جرير. ذكر ذلك السيوطي في "الدر المنثور"..
٣ أخرجه البخاري في الجمعة والأذان، ومسلم في المساجد، وأبو داود، والترمذي في الصلاة، والنسائي في الإمامة والأذان، والدارمي في الصلاة، وأحمد في مسنده(٥-٣٠٤، ٣٠٥، ٣٠٧، ٣٠٨، ٣١٠)، ولفظه كما في مسلم، عن أبي قتادة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:(إذا أقيمت الصلاة فلا تقوموا حتى تروني)، وقال ابن حاتم:(إذا أقيمت أو نودي) وزاد إسحق في روايته حديث معمر وشيبان:(حتى ترون قد خرجت). قال العلماء: والنهي عن لاقيام قبل أن يروه لئلا يطول عليهم القيام، ولأنه قد يعرض له عارض فيتأخر بسببه..

### الآية 53:62

> ﻿فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا ۩ [53:62]

ثم أمر تعالى بالسجود وعبادة الله تحذيراً وتخويفاً، وهاهنا سجدة في قول كثير من أهل العلم، منهم عمر بن الخطاب رضي الله عنه وردت بها أحاديث صحاح، وليس يراها مالك رحمه الله تعالى[(١)](#foonote-١)، وقال زيد بن وثاب إنه قرأ بها عند النبي صلى الله عليه وسلم فلم يسجد.

١ لأنه يرى أن السجود المطلوب في الآية هو سجود الفرض في الصلاة، أما أكثر العلماء فيرون أن المراد هو سجود تلاوة القرآن، وبه قال أبو حنيفة والشافعي..

## روابط ذات صلة

- [النص القرآني للسورة](https://quranpedia.net/surah/1/53.md)
- [كل تفاسير سورة النجم
](https://quranpedia.net/surah-tafsir/53.md)
- [ترجمات سورة النجم
](https://quranpedia.net/translations/53.md)
- [صفحة الكتاب: المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز](https://quranpedia.net/book/350.md)
- [المؤلف: ابن عطية](https://quranpedia.net/person/4644.md)

---

زُر [Quranpedia.net](https://quranpedia.net/surah/1/53/book/350) — موسوعة القرآن الكريم: التفاسير، الترجمات، التلاوات، والمواضيع.
