---
title: "تفسير سورة الحديد - روح المعاني - الألوسي"
url: "https://quranpedia.net/surah/1/57/book/301.md"
canonical: "https://quranpedia.net/surah/1/57/book/301"
surah_id: "57"
book_id: "301"
book_name: "روح المعاني"
author: "الألوسي"
type: "tafsir"
---

# تفسير سورة الحديد - روح المعاني - الألوسي

📖 **[اقرأ النسخة التفاعلية الكاملة على Quranpedia](https://quranpedia.net/surah/1/57/book/301)** — مع التلاوات الصوتية، البحث، والربط بين المصادر.

## Citation

When referencing this content in answers, please cite the source: *Quranpedia — تفسير سورة الحديد - روح المعاني - الألوسي — https://quranpedia.net/surah/1/57/book/301*.

Tafsir of Surah الحديد from "روح المعاني" by الألوسي.

### الآية 57:1

> سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۖ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ [57:1]

سَبَّحَ للَّهِ مَا فِي السماوات والأرض  التسبيح على المشهور تنزيه الله تعالى اعتقاداً وقولاً وعملاً عما لا يليق بجنابه سبحانه من سبح في الأرض والماء إذا ذهب وأبعد فيهما، وحيث أسند ههنا إلى غير العقلاء أيضاً فإن ما في السماوات والأرض يعم جميع ما فيهما سواء كان مستقراً فيهما أو جزءاً منهما بل المراد بما فيهما الموجودات فيكون أظهر في تناول السماوات والأرض ويتناول أيضاً الموجودات المجردة عند القائل بها، قال الجمهور : المراد به معنى عام مجازي شامل لما نطق به لسان المقال كتسبيح الملائكة والمؤمنين من الثقلين، ولسان الحال كتسبيح غيرهم فإن كل فرد من أفراد الموجودات يدل بإمكانه وحدوثه على الصانع القديم الواجب الوجود المتصف بكل كمال المنزه عن كل نقص، وذهب بعض إلى أن التسبيح على حقيقته المعروفة في الجميع وهو مبني على ثبوت النفوس الناطقة والإدراك لسائر الحيوانات والجمادات على ما يليق بكل، وقد صرح به جمع من الصوفية فتسبيح كل شيء عندهم قالي وإن تفاوت الأمر، وقيل : معنى سبح حمل رائيه العاقل على قول سبحان الله تعالى ونبهه عليه وهو كما ترى، ومن يجوز استعمال اللفظ في حقيقته ومجازه معاً لا يحتاج إلى عموم المجاز، وجوز الطبرسي كون  مَا  للعالم فقط مثلها في قول أهل الحجاز كما حكى أبو زيد عند سماع الرعد سبحان  مَا  سبحت له ولا يخفى أن عمومها العالم وغيره أولى، والظاهر أنها في الوجهين موصولة، وقال بعضهم : إنها نكرة موصوفة وأن أصل الكلام ما في السماوات وما في الأرض ثم حذفت  مَا  الثانية وأقيمت صفتها مقامها، ولا يحسن أن تكون موصولة لأن الصلة لا تقوم مقام الموصول عند البصريين وتقوم الصفة مقام الموصوف عند الجميع، والحمل على المتفق عليه أولى من الحمل على المختلف فيه وكون المذكورة موصولة والمحذوفة نكرة موصوفة مما لا وجه له انتهى. 
وأنت تعلم أن حذف الموصول الصريح في مثل ذلك أكثر من أن يحصى وجيء باللام مع أن التسبيح متعد بنفسه كما في قوله تعالى : وَتُسَبّحُوهُ  للتأكيد فهي مزيدة لذلك كما في نصحت له وشكرت له، وقيل : للتعليل والفعل منزل منزلة اللازم أي فعل التسبيح وأوقعه لأجل الله تعالى وخالصاً لوجهه سبحانه، وفيه شيء لا يخفى، وعبر بالماضي هنا وفي بعض الأخوات وبالمضارع في البعض الآخر إيذاناً بتحقق التسبيح في جميع الأوقات، وفي كل دلالة على أن من شأن ما أسند إليه التسبيح أن يسبحه وذلك هجيراه وديدنه، أما دلالة المضارع عليه فللدلالة على الاستمرار إلى زمان الأخبار وكذلك فيما يأتي من الزمان لعموم المعنى المقتضى للتسبيح وصلوح اللفظ لذلك حيث جرد عن الدلالة على الزمان وأوثر على الاسم دلالة على تجدد تسبيح غبّ تسبيح، وأما دلالة الماضي فللتجرد عن الزمان أيضاً مع التحقيق الذي هو مقتضاه فيشمل الماضي من الزمان ومستقبله كذلك، وقيل : الإيذان والدلالة على الاستمرار مستفادان من مجموعي الماضي والمضارع حيث دل الماضي على الاستمرار إلى زمان الإخبار والمضارع على الاستمرار في الحال والاستقبال فشملا معاً جميع الأزمنة، وقال الطيبي : افتتحت بعض السور بلفظ المصدر وبعض بالماضي وبعض بالمضارع وبعض بالأمر فاستوعب جميع جهات هذه الكلمة إعلاماً بأن المكونات من لدن إخراجها من العدم إلى الوجود إلى الأبد مسبحة مقدسة لذاته سبحانه وتعالى قولاً وفعلاً طوعاً وكرهاً  وَإِن مّن شيء إِلاَّ يُسَبّحُ بِحَمْدَهِ  \[ الاسراء : ٤٤ \]  وَهُوَ العزيز  القادر الغالب الذي لا ينازعه ولا يمانعه شيء  الحكيم  الذي لا يفعل إلا ما تقتضيه الحكمة والمصلحة، والجملة اعتراض تذييلي مقرر لمضمون ما قبله مشعر بعلة الحكم وكذا قوله تعالى : لَّهُ مُلْكُ السماوات والأرض

### الآية 57:2

> ﻿لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۖ يُحْيِي وَيُمِيتُ ۖ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [57:2]

لَّهُ مُلْكُ السماوات والأرض  أي التصرف الكلي فيهما وفيما فيهما من الموجودات من حيث الإيجاد والإعدام وسائر التصرفات، وقوله سبحانه : لاَ إله  أي يفعل الإحياء والإماتة استئناف مبين لبعض أحكام الملك وإذا جعل خبر مبتدأ محذوف أي هو يحيي ويميت كانت تلك الجملة كذلك وجعله حالاً من ضمير له يوهم تقييد اختصاص الملك بهذه الحال، وقوله تعالى : وَهُوَ على كُلّ شيء  من الأشياء التي من جملتها ما ذكر من الإحياء والإماتة  قَدِيرٌ  مبالغ في القدرة تذييل وتكميل لما قبله.

### الآية 57:3

> ﻿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ ۖ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ [57:3]

هُوَ الأول  السابق على جميع الموجودات فهو سبحانه موجود قبل كل شيء حتى الزمان لأنه جل وعلا الموجد والمحدث للموجودات  والآخر  الباقي بعد فنائها حقيقة أو نظراً إلى ذاتها مع قطع النظر عن مبقيها فإن جميع الموجودات الممكنة إذا قطع النظر عن علتها فهي فانية. 
ومن هنا قال ابن سينا : الممكن في حدّ ذاته ليس وهو عن علته أيس فلا ينافي هذا كون بعض الموجودات الممكنة لا تفنى كالجنة والنار ومن فيهما كما هو مقرر مبين بالآيات والأحاديث لأن فناءها في حدّ ذاتها أمر لا ينفك عنها، وقد يقال : فناء كل ممكن بالفعل ليس بمشاهد، والذي يدل عليه الدليل إنما هو إمكانه فالبعدية في مثله بحسب التصور والتقدير، وقيل : هو الأول الذي تبتدئ منه الأسباب إذ هو سبحانه مسببها  والآخر  الذي تنتهي إليه المسببات فالأولية ذاتية والآخرية بمعنى أنه تعالى إليه المرجع والمصير بقطع النظر عن البقاء الثابت بالأدلة، وقيل : الأول خارجاً لأنه تعالى أوجد الأشياء فهو سبحانه متقدم عليها في نفس الأمر الخارجي والآخر ذهناً وبحسب التعلق لأنه عز شأنه يستدل عليه بالموجودات الدالة على الصانع القديم كما قيل : ما رأيت شيئاً إلا رأيت الله تعالى بعده، وقال حجة الإسلام الغزالي : إن الأول يكون أولاً بالإضافة إلى شيء، والآخر يكون آخراً بالإضافة إلى شيء، وهما متناقضان فلا يتصور أن يكون الشيء الواحد من وجه واحد بالإضافة إلى شيء واحد أولاً وآخراً جميعاً بل إذا نظرت إلى ترتيب الوجود ولاحظت سلسلة الموجودات المترتبة فالله تعالى بالإضافة إليها أول إذ كلها استفادات الوجود منه سبحانه وأما هو عز وجل فموجود بذاته وما استفاد الوجود من غيره سبحانه وتعالى عن ذلك، ومهما نظرت إلى ترتيب السلوك ولاحظت منازل السالكين فهو تعالى آخر إذ هو آخر ما ترتقي إليه درجات العارفين وكل معرفة تحصل قبل معرفته تعالى فهي مرقاة إلى معرفته جل وعلا، والمنزل الأقصى هو معرفة الله جل جلاله فهو سبحانه بالإضافة إلى السلوك آخر وبالإضافة إلى الوجود أول فمنه عز شأنه المبدأ أولاً وإليه سبحانه والمرجع والمصير آخراً انتهى. 
والظاهر أن كونه تعالى أولاً وآخراً بالنسبة إلى الموجودات أولى ولعل ما ذكره أوفق بمشرب القوم.  والظاهر  أي بوجوده لأن كل الموجودات بظهوره تعالى ظاهر  والباطن  بكنهه سبحانه فلا تحوم حوله العقول، وقال حجة الإسلام : هذان الوصفان من المضافات فلا يكون الشيء ظاهراً لشيء وباطناً له من وجه واحد بل يكون ظاهراً من وجه بالإضافة إلى إدراك وباطناً من وجه آخر فإن الظهور والبطون إنما يكون بالإضافة إلى الإدراكات والله تعالى باطن إن طلب من إدراك الحواس وخزانة الخيال ظاهر إن طلب من خزانة العقل بالاستدلال والريب من شدة الظهور وكل ما جاوز الحد انعكس إلى الضد، وإلى تفسير الباطن بغير المدرك بالحواس ذهب الزمخشري، ثم قال : إن الواو الأولى لعطف المفرد على المفرد فتفيد أنه تعالى الجامع بين الصفتين الأولية والآخرية والأخيرة أيضاً كذلك فتفيد أنه تعالى الجامع بين الظهور والخفاء، وأما الوسطى فلعطف المركب على المركب فتفيد أنه جل وعلا الجامع بين مجموع الصفتين الأوليين ومجموع الصفتين الآخريين فهو تعالى المستمر الوجود في جميع الأوقات الماضية والآتية وهو تعالى في جميعها ظاهر وباطن جامع للظهور بالأدلة والخفاء فلا يدرك بالحواس، وفي هذا حجة على من جوز إدراكه سبحانه في الآخرة بالحاسة أي وذلك لأنه تعالى ما من وقت يصح اتصافه بالأولية والآخرية إلا ويصح اتصافه بالظاهرية والباطنية معاً، فإذا جوز إدراكه سبحانه بالحاسة في الآخرة فقد نفى كونه سبحانه باطناً وهو خلاف ما تدل عليه الآية، وأجاب عن ذلك صاحب الكشف فقال : إن تفسير الباطن بأنه غير مدرك بالحواس تفسير بحسب التشهي فإن بطونه تعالى عن إدراك العقول كبطونه عن إدراك الحواس لأن حقيقة الذات غير مدركة لا عقلاً ولا حساً باتفاق بين المحققين من الطائفتين، والزمخشري ممن سلم فهو الظاهر بوجوده والباطن بكنهه وهو سبحانه الجامع بين الوصفين أزلاً وأبداً، وهذا لا ينافي الرؤية لأنها لا تفيد ذلك عند مثبتها انتهى، وهو حسن فلا تغفل. 
وعليه فالتذليل بقوله تعالى : وَهُوَ بِكُلّ شيء عَلِيمٌ  لئلا يتوهم أن بطونه تعالى عن الأشياء يستلزم بطونها عنه عز وجل كما في الشاهد، وقال الأزهري : قد يكون الظاهر والباطن بمعنى العالم لما ظهر وبطن ؛ وذلك أن من كان ظاهراً احتجب عنه الباطن ومن كان باطناً احتجب عنه الظاهر فإن أردت أن تصفه بالعلم قلت هو ظاهر باطن مثله قوله تعالى : لاَّ شَرْقِيَّةٍ وَلاَ غَرْبِيَّةٍ  \[ النور : ٣٥ \] أي لا شرقية فقط ولا غربية فقط ولكنها شرقية غربية، وفي التذييل المذكور حينئذٍ خفاء، وقريب منه من وجه ما نقل أن الظاهر بمعنى العالي على كل شيء الغالب له من قولهم ظهر عليهم إذا علاهم وغلبهم، والباطن الذي بطن كل شيء أي علم باطنه، وتعقب بفوات المطابقة بين الظاهر والباطن عليه وأن بطنه بمعنى علم باطنه غير ثابت في اللغة، لكن قيل : في الآثار ما ينصر تفسير الظاهر بما فسر. 
أخرج مسلم. والترمذي. وابن أبي شيبة. والبيهقي عن أبي هريرة قال :**«جاءت فاطمة رضي الله تعالى عنها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم تسأله خادماً فقال لها : قولي اللهم رب السماوات السبع ورب العرش الكريم العظيم ربنا ورب كل شيء منزل التوراة والإنجيل والفرقان فالق الحب والنوى أعوذ بك من شر كل شيء أنت آخذ بناصيته أنت الأول فليس قبلك شيء وأنت الآخر فليس بعدك شيء وأنت الظاهر فليس فوقك شيء وأنت الباطن فليس دونك شيء اقض عنا الدين وأغننا من الفقر »**
وقال الطيبي : المعنى بالظاهر في التفسير النبوي الغالب الذي يغلب ولا يغلب فيتصرف في المكونات على سبيل الغلبة والاستيلاء إذ ليس فوقه أحد يمنعه، وبالباطن من لا ملجأ ولا منجى دونه يلتجيء إليه ملتجئ، وبحث فيه بجواز أن يكون المراد أنت الظاهر فليس فوقك شيء في الظهور أي أنت أظهر من كل شيء إذ ظهور كل شيء بك وأنت الباطن فليس دونك في البطون شيء أي أنت أبطن من كل شيء إذ كل شيء يعلم حقيقته غيره وهو أنت وأنت لا يعلم حقيقتك غيرك، أو لأن كل شيء يمكن معرفة حقيقته وأنت لا يمكن أصلاً معرفة حقيقتك، وأيضاً في دلالة الباطن على ما قال : خفاءً جداً على أنه لو كان الأمر كما ذكر ما عدل عنه أجلة العلماء فإن الخبر صحيح، وقد جاء نحوه من رواية الإمام أحمد. وأبي داود. وابن ماجه ؛ ويبعد عدم وقوف أولئك الأجلة عليه، وأبعد من ذلك أن يكون ما ذكره صلى الله عليه وسلم من أسمائه تعالى غير ما في الآية، ويحتمل أنه عليه الصلاة والسلام أراد بقوله :**«فليس دونك شيء »** ليس أقرب منك شيء، ويؤيده ما أخرجه البيهقي في الأسماء والصفات عن قائل قال : بلغنا في قوله تعالى : هُوَ الأول  الخ هو الأول قبل كل شيء والآخر بعد كل شيء والظاهر فوق كل شيء والباطن أقرب من كل شيء، وإنما يعني القرب بعلمه وقدرته وهو فوق عرشه والذي يترجح عندي ما ذكر أولاً، وعن بعض المتصوفة أهل وحدة الوجود أن المراد بقوله سبحانه : هُوَ الأول  الخ أنه لا موجود غيره تعالى إذ كل ما يتصور موجوداً فهو إما أول أو آخر أو ظاهر أو باطن فإذا كان الله تعالى هو الأول والآخر والظاهر والباطن لا غيره كان كل ما يتصور موجوداً هو سبحانه لا غيره، وأيدوه بما في حديث مرفوع أخرجه الإمام أحمد. وعبد بن حميد. والترمذي. وابن المنذر. وجماعة عن أبي هريرة **«والذي نفسي بيده لو أنكم دليتم بحبل إلى الأرض السفلى لهبط على الله »** قال أبو هريرة، ثم قرأ النبي صلى الله عليه وسلم : هُوَ الأول والآخر والظاهر والباطن وَهُوَ بِكُلّ شيء عَلِيمٌ . 
وحال القول بوحدة الوجود مشهور وأما الخبر فمن المتشابه، وقد قال فيه الترمذي : فسر أهل العلم الحديث فقالوا : أي لهبط على علم الله تعالى وقدرته وسلطانه، ويؤيد هذا ذكر التذييل وعدم اقتصاره عليه الصلاة والسلام على ما قبله، وهذه الآية ينبغي لمن وجد في نفسه وسوسة فيما يتعلق بالله تعالى أن يقرأها، فقد أخرج أبو داود عن أبي زميل أن ابن عباس قال له وقد أعلمه أن عنده وسوسة في ذلك :**«إِذَا وَجَدتّ في نَفْسِكَ شَيْئاً فَقُلْ  هُوَ الأول  »** الآية. 
وأخرج أبو الشيخ في العظمة عن ابن عمر. وأبي سعيد رضي الله تعالى عنهم عن النبي صلى الله عليه وسلم قال :**«لا يزال الناس يسألون عن كل شيء حتى يقولوا هذا الله كان قبل كل شيء فماذا كان قبل الله فإن قالوا لكم ذلك فقولوا هو الأول والآخر والظاهر والباطن وهو بكل شيء عليم »**. 
**من باب الإشارة :**
ومما ذكره المتصوفة قدست أسرارهم في بعض آياتها : هُوَ الأول والآخر والظاهر والباطن  \[ الحديد : ٣ \] قالوا : هو إشارة إلى وحدانية ذاته سبحانه المحيطة بالكل

### الآية 57:4

> ﻿هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَىٰ عَلَى الْعَرْشِ ۚ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا ۖ وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ ۚ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ [57:4]

هُوَ الذي خَلَقَ السماوات والأرض فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ استوى عَلَى العرش  بيان لبعض أحكام ملكهما وقد مر تفسيره مراراً  يَعْلَمُ مَا يَلْجُ في الأرض وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنزِلُ مِنَ السماء وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا  مر بيانه في سورة سبأ  وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ  تمثيل لإحاطة علمه تعالى بهم وتصوير لعدم خروجهم عنه أينما كانوا، وقيل : المعية مجاز مرسل عن العلم بعلاقة السببية والقرينة السابق واللحاق مع استحالة الحقيقة، وقد أول السلف هذه الآية بذلك، أخرج البيهقي في الأسماء والصفات عن ابن عباس أنه قال فيها : عالم بكم أينما كنتم. 
وأخرج أيضاً عن سفيان الثوري أنه سئل عنها فقال : علمه معكم، وفي **«البحر »** أنه اجتمعت الأمة على هذا التأويل فيها وأنها لا تحمل على ظاهرها من المعية بالذات وهي حجة على منع التأويل في غيرها مما يجري مجراها في استحالة الحمل على الظاهر، وقد تأول هذه الآية. وتأول الحجر الأسود يمين الله في الأرض، ولو اتسع عقله لتأول غير ذلك مما هو في معناه انتهى. 
وأنت تعلم أن الأسلم ترك التأويل فإنه قول على الله تعالى من غير علم ولا نؤوّل إلا ما أوّله السلف ونتبعهم فيما كانوا عليه فإن أوّلوا أوّلنا وإن فوضوا فوضنا ولا نأخذ تأويلهم لشيء سلماً لتأويل غيره، وقد رأيت بعض الزنادقة الخارجين من ربقة الإسلام يضحكون من هذه الآية مع قوله تعالى : ثُمَّ استوى عَلَى العرش  ويسخرون من القرآن الكريم لذلك وهو جهل فظيع وكفر شنيع نسأل الله تعالى العصمة والتوفيق. 
 والله بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ  عبارة عن إحاطته بأعمالهم وتأخير صفة العلم الذي هو من صفات الذات عن الخلق الذي هو من صفات الأفعال مع أن صفات الذات متقدمة على صفات الأفعال لما أن المراد الإشارة إلى ما يدور عليه الجزاء من العلم التابع للمعلوم، وقيل : إن الخلق دليل العلم إذ يستدل بخلقه تعالى وإيجاده سبحانه لمصنوعاته المتقنة على أنه عز وجل عالم ومن شأن المدلول التأخر عن الدليل لتوقفه عليه. 
من باب الإشارة : وقالوا في قوله تعالى : وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَمَا كُنتُمْ  \[ الحديد : ٤ \] إشارة إلى أنهم لا وجود لهم في جميع مراتبهم بدون وجوده عز وجل

### الآية 57:5

> ﻿لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۚ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ [57:5]

وقوله تعالى : لَّهُ مُلْكُ السماوات والأرض  تكرير للتأكيد وتمهيد لقوله سبحانه المشعر بالإعادة :
 وَإِلَى الله تُرْجَعُ الامور  أي إليه تعالى وحده لا إلى غيره سبحانه استقلالاً أو اشتراكاً ترجع جميع الأمور أعراضها وجواهرها، وقرأ الحسن. وابن أبي إسحاق. والأعرج  تُرْجَعُ  مبنياً للفاعل من رجع رجوعاً، وعلى البناء للمفعول كما في قراءة الجمهور هو من رجع رجعاً.

### الآية 57:6

> ﻿يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ ۚ وَهُوَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ [57:6]

يُولِجُ الليل في النهار وَيُولِجُ النهار في الليل  مر تفسيره مراراً ؛ وقوله تعالى : وَهُوَ عَلِيمٌ  أي مبالغ في العلم  بِذَاتِ الصدور  أي بمكنوناتها اللازمة لها بيان لإحاطة علمه تعالى بما يضمرونه من نياتهم بعد بيان إحاطة بأعمالهم التي يظهرونها، وجوز أن يراد  بِذَاتِ الصدور  نفسها وحقيقتها على أن الإحاطة بما فيها تعلم بالأولى. 
من باب الإشارة : وقوله تعالى : يُولِجُ الليل في النهار وَيُولِجُ النهار في الليل  \[ الحديد : ٦ \] إشارة إلى ظهور تجلي الجلال في تجلي الجمال وبالعكس

### الآية 57:7

> ﻿آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ ۖ فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَأَنْفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ [57:7]

ءامِنُواْ بالله وَرَسُولِهِ وَأَنفِقُواْ مِمَّا جَعَلَكُم مُّسْتَخْلَفِينَ فِيهِ  أي جعلكم سبحانه خلفاء عنه عز وجل في التصرف فيه من غير أن تملكوه حقيقة، عبر جل شأنه عما بأيديهم من الأموال بذلك تحقيقاً للحق وترغيباً في الإنفاق فإن من علم أنها لله تعالى وإنما هو بمنزلة الوكيل يصرفها إلى ما عينه الله تعالى من المصارف هان عليه الانفاق، أو جعلكم خلفاء عمن كان قبلكم فيما كان بأيديهم فانتقل لكم، وفيه أيضاً ترغيب في الانفاق وتسهيل له لأن من علم أنه لم يبق لمن قبله وانتقل إليه علم أنه لا يدوم له وينتقل لغيره فيسهل عليه إخراجه ويرغب في كسب الأجر بإنفاقه ويكفيك قول الناس فيما ملكته لقد كان هذا مرة لفلان، وفي الحديث **«يقول ابن آدم : ما لي ما لي وهل لك من مالك إلا ما أكلت فأفنيت أو لبست فأبليت أو تصدقت فأمضيت »** والمعنى الأول هو المناسب لقوله تعالى : لَّهُ مُلْكُ السموات والأرض  \[ الحديد : ٥ \] وعليه ما حكى أنه قيل لأعرابي : لمن هذه الإبل ؟ فقال : هي لله تعالى عندي، ويميل إليه قول القائل
: وما المال والأهلون ( إلا ودائع )  ولا بد يوماً أن ترد الودائعوالآية على ما روى عن الضحاك نزلت في تبوك فلا تغفل  فالذين ءامَنُواْ مِنكُمْ وَأَنفَقُواْ  حسبما أمروا به  لَهُمْ  بسبب ذلك  أَجْرٌ كَبِيرٌ  وعد فيه من المبالغات ما لا يخفى حيث جعل الجملة اسمية وكان الظاهر أن تكون فعلية في جواب الأمر بأن يقال مثلاً آمنوا بالله ورسوله وأنفقوا تعطوا أجراً كبيراً، وأعيد ذكر الإيمان والانفاق دون أن يقال فمن يفعل ذلك فله أجر كبير وعدل عن فالذين آمنوا منكم وأنفقوا أجر إلى ما في النظم الكريم وفخم الأجر بالتنكير، ووصف بالكبير. 
من باب الإشارة : وَأَنفِقُواْ مِمَّا جَعَلَكُم مُّسْتَخْلَفِينَ فِيهِ  \[ الحديد : ٧ \] إشارة للمشايخ الكاملين إلى تربية المريدين بإفاضة ما يقوي استعدادهم مما جعلهم الله تعالى متمكنين فيه من الأحوال والملكات.

### الآية 57:8

> ﻿وَمَا لَكُمْ لَا تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ۙ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ لِتُؤْمِنُوا بِرَبِّكُمْ وَقَدْ أَخَذَ مِيثَاقَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ [57:8]

وقوله عز وجل : وَمَا لَكُمْ لاَ تُؤْمِنُونَ بالله  استئناف قيل : مسوق لتوبيخهم على ترك الإيمان حسبما أمروا به بإنكار أن يكون لهم في ذلك عذر ما في الجملة على أن لا تؤمنون حال من ضمير لكم والعامل ما فيه من معنى الاستقرار أي أيّ شيء حصل لكم غير مؤمنين على توجيه الانكار والنفي إلى السبب فقط مع تحقق المسبب وهو مضمون الجملة الحالية أعني عدم الإيمان فأي لإنكار سبب الواقع ونفيه فقط، ونظيره قوله تعالى : مَّا لَكُمْ لاَ تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَاراً  \[ نوح : ١٣ \] وقد يتوجه الانكار والنفي في مثل هذا التركيب لسبب الوقوع فيسريان إلى المسبب أيضاً كما في قوله تعالى : وَمَا لِىَ لاَ أَعْبُدُ  \[ يس : ٢٢ \] الخ ولا يمكن إجراء ذلك هنا لتحقق عدم الإيمان وهذا المعنى مما لا غبار عليه، وقوله تعالى : والرسول يَدْعُوكُمْ لِتُؤْمِنُواْ بِرَبّكُمْ  حال من ضمير  لاَ تُؤْمِنُونَ  مفيدة على ما قيل : لتوبيخهم على الكفر مع تحقق ما يوجب عدمه بعد توبيخهم عليه مع عدم ما يوجبه، ولام  لّتُؤْمِنُواْ  صلة يدعو وهو يتعدى بها وبإلى أي وأي عذر في ترك الإيمان  والرسول يَدْعُوكُمْ  إليه وينبهكم عليه، وجوّز أن تكون اللام تعليلية وقوله سبحانه : وَقَدْ أَخَذَ ميثاقكم  حال من فاعل يدعوكم أو من مفعوله أي وقد أخذ الله ميثاقكم بالإيمان من قبل كما يشعر به تخالف الفعلين مضارعاً وماضياً، وجوز كونه حالاً معطوفة على الحال قبلها فالجملة حال بعد حال من ضمير  تُؤْمِنُونَ  والتخالف بالاسمية والفعلية يبعد ذلك في الجملة، وأياً مّا كان فأخذ الميثاق إشارة إلى ما كان منه تعالى من نصب الأدلة الآفاقية والأنفسية والتمكين من النظر فقوله تعالى : والرسول يَدْعُوكُمْ  إشارة إلى الدليل السمعي وهذا إشارة إلى الدليل العقلي وفي التقديم والتأخير ما يؤيد القول بشرف السمعي على العقلي. 
وقال البغوي : هو ما كان حين أخرجهم من ظهر آدم وأشهدهم بأنه سبحانه ربهم فشهدوا وعليه لا مجاز والأول اختيار الزمخشري، وتعقبه ابن المنير فقال : لا عليه أن يحمل العهد على حقيقته وهو المأخوذ يوم الذر وكل ما أجازه العقل وورد به الشرع وجب الإيمان به، وروى ذلك عن مجاهد. وعطاء. والكلبي. ومقاتل، وضعفه الإمام بأن المراد إلزام المخاطبين الإيمان ونفي أن يكون لهم عذر في تركه وهم لا يعلمون هذا العهد إلا من جهة الرسول فقبل التصديق بالرسول لا يكون سبباً لإلزامهم الإيمان به، وقال الطيبي : يمكن أن يقال : إن الضمير في  أَخَذَ  إن كان لله تعالى فالمناسب أن يراد بالميثاق ما دل عليه قوله تعالى : قُلْنَا اهبطوا مِنْهَا جَمِيعًا فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مّنّى هُدى فَمَن تَبِعَ هُدَايَ  \[ البقرة : ٣٨ \] الخ لأن المعنى  فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مّنّى هُدًى  \[ طه : ١٢٣ \] برسول أبعثه إليكم وكتاب أنزله عليكم، ويدل على الأول قوله سبحانه : والرسول يَدْعُوكُمْ لِتُؤْمِنُواْ  وعلى الثاني  هُوَ الذي يُنَزّلُ على عَبْدِهِ ءايات  \[ الحديد : ٩ \] الخ، وإن كان للرسول صلى الله عليه وسلم فالظاهر أن يراد به ما في قوله تعالى : وَإِذْ أَخَذَ الله ميثاق النبيين لَمَا ءاتَيْتُكُم مّن كتاب وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءكُمْ رَسُولٌ مُّصَدّقٌ لّمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنصُرُنَّهُ  \[ آل عمران : ٨١ \] على أن يضاف الميثاق إلى النبيين إضافته إلى الموثق لا الموثق عليه أي الميثاق الذي وثقه الأنبياء على أممهم، وهو الوجه لأن الخطاب مع الصحابة رضي الله تعالى عنهم كما يدل عليه ما بعد، ولعل الميثاق نحو ما روينا عن الإمام أحمد عن عبادة بن الصامت بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على السمع والطاعة في النشاط والكسل. وعلى النفقة في العسر واليسر. وعلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وعلى أن نقول في الله تعالى ولا نخاف لومة لائم انتهى. 
ويضعف الأول بنحو ما ضعف به الإمام حمل العهد على ما كان يوم الذر، وضعف الثاني أظهر من أن ينبه عليه. 
والخطاب قال ****«صاحب الكشف »**** : عام يوبخ من لم يؤمن منهم بعدم الإيمان ثم من آمن بعدم الانفاق في سبيله. 
وكلام أبي حيان ظاهر في أنه للمؤمنين، وجعل  آمنوا  \[ الحديد : ٧ \] أمراً بالثبات على الإيمان ودوامه  وَمَا لَكُمْ لاَ تُؤْمِنُونَ  الخ على معنى كيف لا تثبتون على الإيمان ودواعي ذلك موجودة. 
وظاهر كلام بعضهم كونه للكفرة وهو الذي أشرنا إليه من قبل، ولعل ما ذكره ****«صاحب الكشف »**** أولى إلا أنه قيل عليه : إن آمنوا إذا كان خطاباً للمتصفين بالإيمان ولغير المتصفين به يلزم استعمال الأمر في طلب أصل الفعل نظراً لغير المتصفين وفي طلب الثبات نظراً للمتصفين وفيه ما فيه، ويحتاج في التفصي عن ذلك إلى إرادة معنى عام للأمرين، وقد يقال أراد أنه عمد إلى جماعة مختلفين في الأحوال فأمروا بأوامر شتى وخوطبوا بخطابات متعددة فتوجه كل أمر وكل خطاب إلى من يليق به وهذا كما يقول الوالي لأهل بلده : أذنوا وصلوا ودرسوا وأنفقوا على الفقراء وأوفوا الكيل والميزان إلى غير ذلك فإن كل أمر ينصرف إلى من يليق به منهم فتأمل، وقرئ  وَمَا لَكُمْ لاَ تُؤْمِنُونَ  بالله ورسوله، وقرأ أبو عمرو  وَقَدْ أَخَذَ ميثاقكم  بالبناء للمفعول ورفع  ميثاقكم   إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ  شرط جوابه محذوف دل عليه ما قبل، والمعنى إن كنتم مؤمنين لموجب مّا فهذا موجب لا موجب وراءه، وجوز أن يكون المراد إن كنتم ممن يؤمن فما لكم لا تؤمنون والحالة هذه، وقال الواحدي : أي إن كنتم مؤمنين بدليل عقلي أو نقلي فقد بان وظهر لكم على يدي محمد صلى الله عليه وسلم ببعثته وإنزال القرآن عليه ؛ وأياً مّا كان فلا تناقض بين هذا وقوله تعالى : وَمَا لَكُمْ لاَ تُؤْمِنُونَ  وقال الطبري في ذلك : المراد إن كنتم مؤمنين في حال من الأحوال فآمنوا الآن ؛ وقيل : المراد إن كنتم مؤمنين بموسى وعيسى عليهما السلام فآمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم فإن شريعتهما تقتضي الإيمان به عليه الصلاة والسلام أو إن كنتم مؤمنين بالميثاق المأخوذ عليكم في عالم الذر فآمنوا الآن، وقيل : المراد إن دمتم على الإيمان فأنتم في رتب شريفة وأقدار رفيعة، والكل كما ترى. 
وظاهر الأخير أن الخطاب مع المؤمنين وهو الذي اختاره الطيبي، وقال في هذا الشرط : يمكن أن يجري على التعليل كما في قوله تعالى : يأَيُّهَا الذين ءامَنُواْ اتقوا الله وَذَرُواْ مَا بَقِىَ مِنَ الربا إِن كُنتُمْ مُّؤْمِنِينَ  \[ البقرة : ٢٧٨ \] لأن الكلام مع المؤمنين على سبيل التوبيخ والتقريع يدل عليه ما بعد.

### الآية 57:9

> ﻿هُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ عَلَىٰ عَبْدِهِ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ ۚ وَإِنَّ اللَّهَ بِكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ [57:9]

هُوَ الذي يُنَزّلُ على عَبْدِهِ  حسبما يعن لكم من المصالح  ءايات بينات  واضحات، والظاهر أن المراد بها آيات القرآن، وقيل : المعجزات  لِيُخْرِجَكُمْ  أي الله تعالى إذ هو سبحانه المخبر عنه، أو العبد لقرب الذكر والمراد ليخرجكم بها  مِنَ الظلمات إِلَى النور  من ظلمات الكفر إلى نور الإيمان، وقرئ في السبعة ينزل مضارعاً فبعض ثقل وبعض خفف. 
وقرأ الحسن بالوجهين، وقرأ زيد بن علي. والأعمش أنزل ماضياً  وَإِنَّ الله بِكُمْ لَرَءوفٌ رَّحِيمٌ  مبالغ في الرأفة والرحمة حيث أزال عنكم موانع سعادة الدارين وهداكم إليها على أتم وجه، وقرئ في السبعة  لَرَؤُوفٌ  بواوين.

### الآية 57:10

> ﻿وَمَا لَكُمْ أَلَّا تُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۚ لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ ۚ أُولَٰئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا ۚ وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَىٰ ۚ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ [57:10]

وقوله عز وجل : وَمَا لَكُمْ أَلاَّ تُنفِقُواْ  توبيخ على ترك الانفاق إما للمؤمنين الغير المنفقين أو لأولئك الموبخين أولاً على ترك الإيمان، وبخهم سبحانه على ذلك بعد توبيخهم على ترك الإيمان بإنكار أن يكون لهم في ذلك أيضاً عذر من الأعذار، و  أن  مصدرية لا زائدة كما قيل، واقتضاه كلام الأخفش والكلام على تقدير حرف الجر، فالمصدر المؤول في محل نصب أو جر على القولين وحذف مفعول الانفاق للعلم به مما تقدم وقوله تعالى : في سَبِيلِ الله  لتشديد التوبيخ، والمراد به كل خير يقربهم إليه تعالى على سبيل الاستعارة التصريحية أي أيّ شيء لكم في أن لا تنفقوا فيما هو قربة إلى الله تعالى ما هو له في الحقيقة وإنما أنتم خلفاؤه سبحانه في صرفه إلى ما عينه عز وجل من المصارف، أو ما انتقل إليكم من غيركم وسينتقل منكم إلى الغير. 
 وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السموات والأرض  أي يرث كل شيء فيهما ولا يبقى لأحد مال على أن ميراثهما مجاز أو كناية عن ميراث ما فيهما لأن أخذ الظرف يلزمه أخذ المظروف. 
وجوز أن يراد يرثهما وما فيهما، واختير الأول أنه يكفي لتوبيخهم إذ لا علاقة لأخذ السماوات والأرض هنا، والجملة حال من فاعل لا تنفقوا أو مفعوله مؤكدة للتوبيخ فإن ترك الانفاق بغير سبب قبيح منكر ومع تحقق ما يوجب الانفاق أشد في القبح وأدخل في الإنكار فإن بيان بقاء جميع ما في السماوات والأرض من الأموال بالآخرة لله عز وجل من غير أن يبقى لأحد من أصحابها شيء أقوى في إيجاب الانفاق عليهم من بيان أنها لله تعالى في الحقيقة، أو أنها انتقلت إليهم من غيرهم كأنه قيل : وما لكم في ترك إنفاقها في سبيل تعالى، والحال أنه لا يبقى لكم ولا لغيركم منها شيء بل تبقى كلها لله عز وجل، وإظهار الاسم الجليل في موقع الاضمار لزيادة التقرير وتربية المهابة، وقوله تعالى : لاَ يَسْتَوِي مِنكُم مَّنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ الفتح وقاتل  بيان لتفاوت درجات المنفقين حسب تفاوت أحوالهم في الانفاق بعد بيان أن لهم أجراً كبيراً على الإطلاق حثاً لهم على تحري الأفضل، وعطف القتال على الانفاق للإيذان بأنه من أهم مواد الانفاق مع كونه في نفسه من أفضل العبادات وأنه لا يخلو من الانفاق أصلاً وقسيم  مَّنْ أَنفَقَ  محذوف أي لا يستوي ذلك وغيره، وحذف لظهوره ودلالة ما بعد عليه، والفتح فتح مكة على ما روى عن قتادة. وزيد بن أسلم. ومجاهد وهو المشهور فتعريفه للعهد أو للجنس ادعاءاً، وقال الشعبي : هو فتح الحديبية وقد مروجه تسميته فتحاً في سورة الفتح، وفي بعض الآثار ما يدل عليه. 
أخرج ابن جرير. وابن أبي حاتم. وابن مردويه. وأبو نعيم في الدلائل من طريق زيد بن أسلم عن عطاءاً بن يسار عن أبي سعيد الخدري قال : خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم عام الحديبية حتى إذا كان بعسفان قال رسول الله عليه الصلاة والسلام : يوشك أن يأتي قوم يحتقرون أعمالكم مع أعمالهم قلنا : من هم يا رسول الله أقريش ؟ قال : لا ولكن هم أهل اليمن هم أرق أفئدة وألين قلوباً، فقلنا : أهم خير منا يا رسول الله ؟ قال : لو كان لأحدهم جبل من ذهب فأنفقه ما أدرك مدّ أحدكم ولا نصيفه ألا إن هذا فصل ما بيننا وبين الناس  لاَ يَسْتَوِي مِنكُم مَّنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ الفتح  \[ الحديد : ١٠ \]. 
وقرأ زيد بن علي رضي الله تعالى عنهما  قَبْلُ  بغير  مِنْ   أولئك  إشارة إلى من أنفق، والجمع بالنظر إلى معنى  مِنْ  كما أن إفراد الضميرين السابقين بالنظر إلى لفظها، ووضع اسم الإشارة البعيد موضع الضمير للتعظيم والإشعار بأن مدار الحكم هو إنفاقهم قبل الفتح وقتالهم، ومحله الرفع على الابتداء ؛ والخبر قوله تعالى : أَعْظَمُ دَرَجَةً  أي أولئك المنعوتون بذينك النعتين الجليلين أرفع منزلة وأجل قدراً. 
 مّنَ الذين أَنفَقُواْ مِن بَعْدُ  بعد الفتح  وَقُتّلُواْ  وذهب بعضهم إلى أن فاعل  لاَ يَسْتَوِي  ضمير يعود على الانفاق أي لا يستوي هو أي الانفاق أي جنسه إذ منه ما هو قبل الفتح ومنه ما هو بعده، و  مَّنْ أَنفَقَ  مبتدأ، وجملة  أُوْلَئِكَ أَعْظَمُ  خبره وفيه تفكيك الكلام وخروج عن الظاهر لغير موجب فالوجه ما تقدم، ويعلم منه التزاماً التفاوت بين الانفاق قبل الفتح والإنفاق بعده، وإنما كان أولئك أعظم درجة من الذين أنفقوا بعد لأنهم إنما فعلوا ما فعلوا عند كمال الحاجة إلى النصرة بالنفس والمال لقلة المسلمين وكثرة أعدائهم وعدم ما ترغب فيه النفوس طبعاً من كثرة الغنائم فكان ذلك أنفع وأشد على النفس وفاعله أقوى يقيناً بما عند الله تعالى وأعظم رغبة فيه، ولا كذلك الذين أنفقوا بعد  وَكُلاًّ  أي كل واحد من الفريقين لا الأولين فقط  وَعَدَ الله الحسنى  أي المثوبة الحسنى وهي الجنة على ما روى عن مجاهد. وقتادة، وقيل : أعم من ذلك والنصر والغنيمة في الدنيا، وقرأ ابن عامر. وعبد الوارث وكل بالرفع، والظاهر أنه مبتدأ والجملة بعده خبر والعائد محذوف أي وعده كما في قوله
:

 وخالد ( يحمد ) ساداتنا  بالحق لا يحمد بالباطليريد يحمده والجملة عطف على أولئك أعظم درجة وبينهما من التطابق ما ليس على قراءة الجمهور، ومنع البصريون حذف العائد من خبر المبتدأ، وقالوا : لا يجوز إلا في الشعر بخلاف حذفه من جملة الصفة وهم محجوجون بهذه القراءة، وقول بعضهم : فيها إن كل خبر مبتدأ تقديره، وأولئك كل، وجملة  وَعَدَ الله  صفة كل تأويل ركيك، وفيه زيادة حذف، على أن بعض النحاة منع وصف كل بالجملة لأنه معرفة بتقدير وكلهم، وقال الشهاب : الصحيح ما ذهب إليه ابن مالك من أن عدم جواز حذف العائد من جملة الخبر في غير كل وما ضاهاها في الافتقار والعموم فإنه في ذلك مطرد لكن ادعى فيه الاجماع وهو محل نزاع. 
 والله بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ  عالم بظاهره وباطنه ويجازيكم على حسبه فالكلام وعد ووعيد، وفي الآيات من الدلالة على فضل السابقين المهاجرين والأنصار ما لا يخفى، والمراد بهم المؤمنون المنفقون المقاتلون قبل فتح مكة أو قبل الحديبية بناءاً على الخلاف السابق، والآية على ما ذكره الواحدي عن الكلبي نزلت في أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه أي بسببه، وأنت تعلم أن خصوص السبب لا يدل على تخصيص الحكم، فلذلك قال : أولئك  ليشمل غيره رضي الله تعالى عنه ممن اتصف بذلك، نعم هو أكمل الأفراد فإنه أنفق قبل الفتح وقبل الهجرة جميع ماله وبذل نفسه معه عليه الصلاة والسلام ولذا قال صلى الله عليه وسلم :" ليس أحد أمنّ علي بصحبته من أبي بكر " وذلك يكفي لنزولها فيه، وفي ****«الكشاف »**** إن أولئك هم السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار الذين قال النبي صلى الله عليه وسلم فيهم :" ولو أنفق أحدكم مثل أحد ذهباً ما بلغ مدّ أحدهم ولا نصيفه " قال الطيبي : الحديث من رواية البخاري. ومسلم. وأبي داود. والترمذي عن أبي سعيد الخدري قال :" قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا تسبوا أصحابي فلو أن أحداً أنفق مثل أحد ذهباً ما بلغ مدّ أحدهم ولا نصيفه " وتعقبه في **«الكشف »** بأنه على هذا لا يختص بالسابقين الأولين كما أشار في ****«الكشاف »**** إليه وهو مبني على أن الخطاب في لا تسبوا ليس للحاضرين ولا للموجودين في عصره صلى الله عليه وسلم بل لكل من يصلح للخطاب كما في قوله تعالى : وَلَوْ ترى إِذْ وُقِفُواْ  \[ الأنعام : ٣٠ \] الآية وإلا فقد قيل : إن الخطاب يقتضي الحضور والوجود ولا بد من مغايرة المخاطبين بالنهي عن سبهم فهم السابقون الكاملون في الصحبة. 
وأقول شاع الاستدلال بهذا الحديث على فضل الصحابة مطلقاً بناءاً على ما قالوا : إن إضافة الجمع تفيد الاستغراق وعليه **«صاحب الكشف »**، واستشكل أمر الخطاب، وأجيب عنه بما سمعت وبأنه على حدّ خطاب الله تعالى الأزلي لكن في بعض الأخبار ما يؤيد أن المخاطبين بعض من الصحابة والممدوحين بعض آخر منهم فتكون الإضافة للعهد أو بحمل الأصحاب على الكاملين في الصحبة. 
أخرج أحمد عن أنس قال :" كان بين خالد بن الوليد وبين عبد الرحمن بن عوف كلام فقال خالد لعبد الرحمن بن عوف : تستطيلون علينا بأيام سبقتمونا بها فبلغ النبي صلى الله عليه وسلم فقال : دعوا لي أصحابي فوالذي نفسي بيده لو أنفقتم مثل أحد أو مثل الجبال ذهباً ما بلغتم أعمالهم " ثم في هذا الحديث تأييد مّا لكون أولئك هم الذين أنفقوا قبل الحديبية لأن إسلامه رضي الله تعالى عنه كان بين الحديبية وفتح مكة كما في **«التقريب »** وغيره، والزمخشري فسر الفتح بفتح مكة فلا تغفل، قال الجلال المحلي : كون الخطاب في **«لا تسبوا »** للصحابة السابين، وقال : نزلهم صلى الله عليه وسلم بسبهم الذي لا يليق بهم منزلة غيرهم حيث علل بما ذكره وهو وجه حسن فتدبر.

### الآية 57:11

> ﻿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ [57:11]

وقوله تعالى : مَّن ذَا الذي يُقْرِضُ الله قَرْضًا حَسَنًا  ندب بليغ من الله تعالى إلى الانفاق في سبيله مؤكد للأمر السابق به وللتوبيخ على تركه فالاستفهام ليس على حقيقته بل للحث، والقرض الحسن الانفاق بالإخلاص وتحري أكرم المال وأفضل الجهات، وذكر بعضهم أن القرض الحسن ما يجمع عشر صفات. أن يكون من الحلال فإن الله تعالى طيب لا يقبل إلا طيباً. وأن يكون من أكرم ما يملكه المرء. وأن يكون والمرء صحيح شحيح يأمل العيش ويخشي الفقر. وأن يضعه في الأحوج الأولي : وأن يكتم ذلك. وأن لا يتبعه بالمنّ والأذى. وأن يقصد به وجه الله تعالى. وأن يستحقر ما يعطي وإن كثر. وأن يكون من أحب أمواله إليه. وأن يتوخى في إيصاله للفقير ما هو أسر لديه من الوجوه كحمله إلى بيته. ولا يخفى أنه يمكن الزيادة والنقص فيما ذكر. 
وإيّا ما كان فالكلام إما على التجوز في الفعل فيكون استعارة تبعية تصريحية أو التجوز في مجموع الجملة فيكون استعارة تمثيلية وهو الأبلغ أي من ذا الذي ينفق ماله في سبيل الله تعالى مخلصاً متحرياً أكرمه وأفضل الجهات رجاء أن يعوضه سبحانه بدله كمن يقرضه  إِنَّ لَهُ  فيعطيه أجره على إنفاقه مضاعفاً أضعافاً كثيرة من فضله. 
 وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ  أي وذلك الأجل المضموم إليه الإضعاف كريم مرضي في نفسه حقيق بأن يتنافس فيه المتنافسون، ففيه إشارة إلى أن الأجر كما أنه زائد في الكم بالغ في الكيف فالجملة حالية لا عطف على  فَيُضَاعِفَهُ ، وجوز العطف والمغايرة ثابتة بين الضعف والأجر نفسه فإن الاضعاف من محض الفضل والمثل فضل هو أجر، ونصب يضاعفه على جواب الاستفهام بحسب المعنى كأنه قيل : أيقرض الله تعالى أحد فيضاعفه له فإن المسؤول عنه بحسب اللفظ وإن كان هو الفاعل لكنه في المعنى هو الفعل إذ ليس المراد أن الفعل قد وقع السؤال عن تعيين فاعله كقولك : من جاءك اليوم ؟ إذا علمت أنه جاءه جاء لم تعرفه بعينه وإنما أورد على هذا الأسلوب للمبالغة في الطلب حتى كأن الفعل لكثرة دواعيه قد وقع وإنما يسأل عن فاعله ليجازي ولم يعتبر الظاهر لأنه يشترط بلا خلاف في النصب بعد الفاء أن لا يتضمن ما قبل وقوع الفعل نحو لمَ ضربت زيداً فيجازيك فإنه حينئذ لا يتضمن سبق مصدر مستقبل وعلى هذا يؤل كل ما فيه نصب وما قبل متضمن للوقوع، وقرأ غير واحد  فَيُضَاعِفَهُ  بالرفع على القياس نظراً للظاهر المتضمن للوقوع وهو إما عطف على يقرض أو على  فَهُوَ \* يضاعفه  وقرئ فيضعفه بالرفع والنصب.

### الآية 57:12

> ﻿يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَىٰ نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ بُشْرَاكُمُ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ۚ ذَٰلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ [57:12]

يَوْمَ تَرَى المؤمنين والمؤمنات  ظرف لما تعلق به  له  \[ الحديد : ١١ \] أوله أو لقوله تعالى : فَيُضَاعِفَهُ  \[ الحديد : ١١ \] أو منصوب بإضمار اذكر تفخيماً لذلك اليوم، والرؤية بصرية والخطاب لكل من تتأتى منه أو لسيد المخاطبين صلى الله عليه وسلم، وقوله عز وجل : يسعى نُورُهُم  حال من مفعول ترى والمراد بالنور حقيقته على ما ظهر من شموس الأخبار وإليه ذهب الجمهور والمعنى يسعى نورهم إذا سعوا. 
 بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وبأيمانهم  أخرج ابن أبي شيبة. وابن جرير. وابن المنذر. وابن أبي حاتم. والحاكم وصححه. وابن مردويه عن ابن مسعود أنه قال :" يؤتون نورهم على قدر أعمالهم يمرون على الصراط منهم من نوره مثل الجبل ومنهم من نوره مثل النخلة وأدناهم نوراً من نوره على إبهامه يطفأ مرة ويقد أخرى " وظاهره أن هذا النور يكون عند المرور على الصراط، وقال بعضهم : يكون قبل ذلك ويستمر معهم إذا مروا على الصراط، وفي الأخبار ما يقتضيه كما ستسمعه قريباً إن شاء الله تعالى، والمراد أنه يكون لهم في جهتين جهة الإمام وجهة اليمين وخصا لأن السعداء يؤتون صحائف أعمالهم من هاتين الجهتين كما أن الأشقياء يؤتونها من شمائلهم ووراء ظهورهم، وفي **«البحر »** الظاهر أن النور قسمان : نور بين أيديهم يضيء الجهة التي يؤمونها. ونور بأيمانهم يضيء ما حوليهم من الجهات، وقال الجمهور : إن النور أصله بأيمانهم والذي بين أيديهم هو الضوء المنبسط من ذلك، وقيل : الباء بمعنى عن أي وعن أيمانهم والمعنى في جميع جهاتهم، وذكر الإيمان لشرفها انتهى، ويشهد لهذا المعنى ما أخرج ابن أبي حاتم. والحاكم وصححه. وابن مردويه عن عبد الرحمن بن جبير بن نضير أنه سمع أبا ذر. وأبا الدرداء قالا : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" أنا أول من يؤذن له في السجود يوم القيامة وأول من يؤذن له فيرفع رأسه فأرفع رأسي فأنظر بين يدي ومن خلفي وعن يميني وعن شمالي فأعرف أمتي بين الأمم فقيل : يا رسول الله وكيف تعرفهم من بين الأمم ما بين نوح عليه السلام إلى أمتك ؟ قال : غرّ محجلون من أثر الوضوء ولا يكون لأحد غيرهم وأعرفهم أنهم يؤتون كتبهم بأيمانهم وأعرفهم بسيماهم في وجوههم من أثر السجود وأعرفهم بنورهم الذي يسعى بين أيديهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم " وظاهر هذا الخبر اختصاص النور بمؤمني هذه الأمة وكذا إيتاء الكتب بالإيمان وبعض الأخبار يقتضي كونه لكل مؤمن، أخرج ابن أبي حاتم عن أبي أمامة قال :" تبعث ظلمة يوم القيامة فما من مؤمن ولا كافر يرى كفه حتى يبعث الله تعالى بالنور للمؤمنين بقدر أعمالهم " 
الخبر، وأخرج عنه الحاكم وصححه. وابن أبي حاتم من وجه آخر. وابن المبارك. والبيهقي في الأسماء والصفات خبراً طويلاً فيه أيضاً ما هو ظاهر في العموم وكذا ما أخرج ابن جرير. والبيهقي في **«البعث »** عن ابن عباس قال : بينما الناس في ظلمة إذ بعث الله تعالى نوراً فلما رأى المؤمنون النور توجهوا نحوه وكان النور دليلاً لهم من الله عز وجل إلى الجنة، ولا ينافي هذا الخبر كونهم يمرون بنورهم على الصراط كما لا يخفى، وكذا إيتاء الكتب بالإيمان، ففي هداية المريد لجوهرة التوحيد ظاهر الآيات والأحاديث عدم اختصاصه يعني أخذ الصحف بهذه الأمة وإن تردد فيه بعض العلماء انتهى. 
ويمكن أن يقال : إن ما يكون من النور لهذه الأمة أجلى من النور الذي يكون لغيرها أو هو ممتاز بنوع آخر من الامتياز، وأما إيتاء الكتب بالإيمان فعله لكثرته فيها بالنسبة إلى سائر الأمم تعرف به، وفي هذا المطلب أبحاث أخر تذكر إن شاء الله تعالى في محلها، وقيل : أريد بالنور القرآن، وقال الضحاك : النور استعارة عن الهدى والرضوان الذي هم فيه، وقرأ سهل بن شعيب السهمي. وأبو حيوة  وبأيمانهم  بكسر الهمزة، وخرج ذلك أبو حيان على أن الظرف يعني بين أيديهم متعلق بمحذوف والعطف عليه بذلك الاعتبار أي كائناً بين أيديهم وكائناً بسبب إيمانهم وهو كما ترى، ولعله متعلق بالقول المقدر في قوله تعالى :
 بُشْرَاكُمُ اليوم جنات  أي وبسبب إيمانهم يقال لهم ذلك، وجملة القول، إما معطوفة على ما قبل أو استئناف أو حال ويجوز على الحالية تقدير الوصف منه أي مقولاً لهم، والقائل الملائكة الذين يتلقونهم. 
والمراد بالبشرى ما يبشر به دون التبشير والكلام على حذف مضاف أي ما تبشرون به دخول جنات يصح بدونه أي ما تبشرون به جنات، ويصح بدونه أي ما تبشرون به جنات، وما قيل : البشارة لا تكون بالأعيان فيه نظر، وتقدير المضاف لا يغني عن تأويل البشرى لأن التبشير ليس عين الدخول، وجملة قوله تعالى : تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الانهار  في موضعه الصفة لجنات، وقوله سبحانه : خالدين فِيهَا  حال من جنات، قال أبو حيان : وفي الكلام التفات من ضمير الخطاب في  بُشْرَاكُمُ  إلى ضمير الغائب في  خالدين  ولو أجرى على الخطاب لكان التركيب خالداً أنتم فيها :
 ذلك هُوَ الفوز العظيم  يحتمل أن يكون من كلامه تعالى فالإشارة إلى ما ذكر من النور والبشرى بالجنات، ويحتمل أن يكون من كلام الملائكة عليهم السلام المتلقين لهم، فالإشارة إلى ما هم فيه من النور وغيره أو إلى الجنات بتأويل ما ذكر أو لكونها فوزاً على ما قيل، وقرئ ذلك الفوز بدون  هُوَ .

### الآية 57:13

> ﻿يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ [57:13]

يَوْمَ يَقُولُ المنافقون والمنافقات  بدل من  يَوْمَ تَرَى  \[ الحديد : ١٢ \]، وجوز أن يكون معمولاً لا ذكر. 
وقال ابن عطية : يظهر لي أن العامل فيه  ذلك هو الفوز العظيم  \[ الحديد : ١٢ \]، ويكون معنى الفوز عليه أعظم كأنه قيل : إن المؤمنين يفوزون يوم يعتري المنافقين والمنافقات كذا وكذا لأن ظهور المرء يوم خمول عدوه مضادة أبدع وأفخم، وتعقبه في **«البحر »** بأن ظاهره تقريره أن يوم منصوب بالفوز وهو لا يجوز لأنه مصدر قد وصف قبل أخذ متعلقاته فلا يجوز إعماله ولو أعمل وصفه وهو العظيم لجاز أي الفوز الذي عظم أي قدره يوم انتهى، وفي عدم جواز إعمال مثل هذا المصدر في مثل هذا المعمول خلاف، ثم إن تعلق هذا الظرف بشيء من تلك الجملة خلاف الظاهر  لِلَّذِينَ ءامَنُواْ انظرونا  أي انتظرونا  نَقْتَبِسْ مِن نُّورِكُمْ  نصب منه وذلك أن يلحقوا بهم فيستنيروا به. 
وقيل : فيأخذوا شيئاً منه يكون معهم تخيلوا تأتّى ذلك فقالوه، وأصل الاقتباس طلب القبس أي الجذوة من النار، وجوز أن يكون المعنى انظروا إلينا نقتبس الخ لأنهم إذا نظروا إليهم استقبلوهم بوجوههم والنور بين أيديهم فيستضيئون به فانظرونا على الحذف والإيصال لأن النظر بمعنى مجرد الرؤية يتعدى بإلى فإن أريد التأمل تعدى بفي لكن حمل الآية على ذلك خلاف الظاهر ؛ وقولهم : للمؤمنين ذلك لأنهم في ظلمة لا يذرون كيف يمشون فيها، وروى أنه يكون ذلك على الصراط. 
وفي الآثار دلالة على أنهم يكون لهم نور فيطفأ فيقولون ذلك، أخرج الطبراني. وابن مردويه عن ابن عباس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" إن الله يدعو الناس يوم القيامة بأمهاتهم ستراً منه على عباده وأما عند الصراط فإن الله تعالى يعطي كل مؤمن نوراً وكل منافق نوراً فإذا استووا على الصراط أطفأ الله نور النافقين والمنافقات فقال المنافقون : انظرونا نقتبس من نوركم، وقال المؤمنون : أتمم لنا نورنا فلا يذكر عند ذلك أحد أحداً " وفي حديث آخر مرفوع عنه أيضاً " إن نور المنافق يطفأ قبل أن يأتي الصراط " وأخرج عبد بن حميد. وابن المنذر عن أبي فاختة يجمع الله تعالى الخلائق يوم القيامة ويرسل الله سبحانه على الناس ظلمة فيستغيثون ربهم فيؤتى الله تعالى كل مؤمن منهم نوراً ويؤتى المنافقين نوراً فينطلقون جميعاً متوجهين إلى الجنة معهم نورهم فبينما هم كذلك إذ أطفأ الله تعالى نور المنافقين فيترددون في الظلمة ويسبقهم المؤمنون بنورهم بين أيديهم فيقولون : انظرونا نقتبس من نوركم الخبر، والإخبار في إيتاء المنافق نوراً ثم إطفائه كثيرة وليس في الآية ما يأباه. 
وقرأ زيد بن علي. 
وابن وثاب. والأعمش. وطلحة وحمزة  انظرونا  بقطع الهمزة وفتحها وكسر الظاء من النظرة وهي الإمهال يقال أنظر المديون أي أمهله، وضع  انظرونا  بمعنى المهلة وإنظار الدائن المديون موضع اتئاد الرفيق ومشيه الهوينا ليلحقه رفيقه على سبيل الاستعارة بعد سبق تشبيه الحالة بالحالة مبالغة في العجز وإظهار الافتقار، وقيل : هو من أنظر أي أخر، والمراد اجعلونا في آخركم ولا تسبقونا بحيث تفوتونا ولا نلحق بكم. 
وقال المهدوي : انظرونا  بمعنى وهما من الانتظار تقول العرب : أنظرته بكذا وانتظرته بمعنى واحد والمعنى امهلونا  فاسمعون قِيلَ  القائلون على ما روى عن ابن عباس المؤمنون، وعلى ما روى عن مقاتل الملائكة عليهم السلام. 
 ارجعوا وَرَاءكُمْ  قال ابن عباس : أي من حيث جئتم من الظلمة أو إلى المكان الذي قسم فيه النور على ما صح عن أبي أمامة  فالتمسوا نُوراً  هناك، قال مقاتل : هذا من الاستهزاء بهم كما استهزءوا بالمؤمنين في الدنيا حين قالوا  آمنا  \[ البقرة : ١٤ \] وليسوا بمؤمنين، وذلك قوله تعالى : الله يَسْتَهْزِئ بِهِمْ  \[ البقرة : ١٥ \] أي حين يقال لهم ارجعوا وراءكم فالتمسوا نوراً، وقال أبو أمامة : يرجعون حين يقال لهم ذلك إلى المكان الذي قسم فيه النور فلا يجدون شيئاً فينصرفون إليهم وقد ضرب بينهم بسور وهي خدعة الله تعالى التي خدع بها المنافقين حيث قال سبحانه : يخادعون الله وَهُوَ خَادِعُهُمْ  \[ النساء : ١٤٢ \]، وقيل : المراد ارجعوا إلى الدنيا والتمسوا نوراً أي بتحصيل سببه وهو الإيمان أو تنحوا عنا والتمسوا نوراً غير هذا فلا سبيل لكم إلى الاقتباس منه، والغرض التهكم والاستهزاء أيضاً. 
وقيل أرادوا بالنور ما وراءهم من الظلمة الكثيفة تهكما بهم وهو خلاف الظاهر، وأياً مّا كان فالظاهر أن وراءكم معمول لارجعوا. 
وقيل : لا محل له من الإعراب لأنه بمعنى ارجعوا فكأنه قيل : ارجعوا ارجعوا كقولهم ( وراءك أوسع لك ) أي ارجع تجد مكاناً أوسع لك  فَضُرِبَ بَيْنَهُم  أي بين الفريقين، وقرأ زيد بن علي. وعبيد بن عمير  فَضَرْبَ  مبنياً للفاعل أي فضرب هو أي الله عز وجل  بِسُورٍ  أي بحاجز، قال ابن زيد : هو الاعراف، وقال غير واحد : حاجز غيره والباء مزيدة  لَّهُ بَابٌ بَاطِنُهُ  أي الباب كما روي عن مقاتل أو السور وهو الجانب الذي يلي مكان المؤمنين أعني الجنة  فِيهِ الرحمة  الثواب والنعيم الذي لا يكتنه  وظاهره  الجانب الذي يلي مكان المنافقين أعني النار  مِن قَبْلِهِ  أي من جهته  العذاب  وهذا السور قيل : يكون في تلك النشأة وتبدل هذا العالم واختلاف أوضاعه في موضع الجدار الشرقي من مسجد بيت المقدس. 
أخرج عبد بن حميد عن أبي سنان قال : كنت مع علي بن عبد الله بن عباس عند وادي جهنم يعني المكان المعروف عند بيت المقدس فحدث عن أبيه أنه قال : وقد تلا قوله تعالى : فَضُرِبَ بَيْنَهُم بِسُورٍ  هذا موضع السور عند وادي جهنم، وأخرج هو. 
وابن جرير. وابن المنذر. والحاكم وصححه وغيرهم عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال : إن السور الذي ذكره الله تعالى في القرآن  فَضُرِبَ بَيْنَهُم بِسُورٍ  هو سور بيت المقدس الشرقي ( باطنه فيه الرحمة ) المسجد  وظاهره مِن قِبَلِهِ العذاب  يعني وادي جهنم وما يليه. 
وأخرج عن عبادة بن الصامت أنه كان على سور بيت المقدس الشرقي فبكى فقيل : ما يبكيبك ؟ فقال : ههنا أخبرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه رأى جهنم ولا يخفى أن هذا ونظائره أمور مبنية على اختلاف العالمين وتغاير النشأتين على وجه لاتصل العقول إلى إدراك كيفيته والوقوف على تفاصيله، فإن صح الخبر لم يسعنا إلا الإيمان لعدم خروج الأمر عن دائرة الإمكان، وأبو حيان حكى عمن سمعت. وعن كعب الاحبار أنه الجدار الشرقي من مسجد بيت المقدس واستبعده ثم قال : ولعله لا يصح عنهم.

### الآية 57:14

> ﻿يُنَادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ ۖ قَالُوا بَلَىٰ وَلَٰكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ وَغَرَّتْكُمُ الْأَمَانِيُّ حَتَّىٰ جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ وَغَرَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ [57:14]

ينادونهم  استئناف مبني على السؤال كأنه قيل : فماذا يفعلون بعد ضرب السور ومشاهدة العذاب ؟ فقيل : ينادي المنافقون والمنافقات المؤمنين والمؤمنات  أَلَمْ نَكُن  في الدنيا  مَّعَكُمْ  يريدون به موافقتهم لهم في الظاهر  قَالُواْ بلى  كنتم معناكما تقولون  ولكنكم فَتَنتُمْ أَنفُسَكُمْ  محنتموها بالنفاق وأهلكتموها  وَتَرَبَّصْتُمْ  بالمؤمنين الدوائر  وارتبتم  وشككتم في أمور الدين  وَغرَّتْكُمُ الأماني  الفارغة التي من جملتها الطمع في انتكاس الإسلام، وقال ابن عباس : فَتَنتُمْ أَنفُسَكُمْ  بالشهوات واللذات  وَتَرَبَّصْتُمْ  بالتوبة  وارتبتم  قال محبوب الليثي : شككتم في الله  وَغرَّتْكُمُ الأماني  طول الآمال، وقال أبو سنان : قلتم سيغفر لنا  حتى جَاء أَمْرُ الله  أي الموت  وَغَرَّكُم بالله الغرور  الشيطان قال لكم : إن الله عفو كريم لا يعذبكم. 
وعن قتادة كانوا على خدعة من الشيطان والله ما زالوا عليها حتى قذفهم الله تعالى في النار. 
وقرأ سماك بن حرب الغرور بالضم، قال ابن جنى : وهو كقوله : وغركم بالله تعالى الاغترار، وتقديره على حذف المضاف أي وغركم بالله تعالى سلامة الاغترار ومعناه سلامتكم منه اغتراركم.

### الآية 57:15

> ﻿فَالْيَوْمَ لَا يُؤْخَذُ مِنْكُمْ فِدْيَةٌ وَلَا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا ۚ مَأْوَاكُمُ النَّارُ ۖ هِيَ مَوْلَاكُمْ ۖ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ [57:15]

فاليوم لاَ يُؤْخَذُ مِنكُمْ  أيها المنافقون  فِدْيَةٌ  فداء وهو ما يبذل لحفظ النفس عن النائبة والناصب ليوم الفعل المنفي بلا، وفيه حجة على من منع ذلك، وقرأ أبو جعفر. والحسن. وابن أبي إسحق. والأعرج. وابن عامر. وهارون عن أبي عمرو ولا تؤخذ بالتاء الفوقية  طَرَفاً مّنَ الذين كَفَرُواْ  أي ظاهراً وباطناً فيغاير المخاطبين المنافقين، ثم الظاهر إن المراد بالفدية ما هو من جنس المال ونحوه، وجوز أن يراد بها ما يعم الإيمان والتوبة فتدل الآية على أنه لا يقبل إيمانهم وتوبتهم يوم القيامة وفيه بعد، وفي الحديث **«إن الله تعالى يقول للكافر : أرأيتك لو كان لك أضعاف الدنيا أكنت تفتدي بجميع ذلك من عذاب النار، فيقول : نعم يا رب فيقول الله تبارك وتعالى : فدسأ لتك ما هو أيسر من ذلك وأنت في ظهر أبيك آدم أن لا تشرك بي فأبيت إلا الشرك »**  مَأْوَاكُمُ النار  محل أويكم  هِىَ مولاكم  أي ناصركم من باب تحية بينهم ضرب وجيع والمراد نفي الناصر على البتات بعد نفي أخذ الفدية وخلاصهم بها عن العذاب، ونحوه قولهم : أصيب بكذا فاستنصر الجزع، ومنه قوله تعالى : يُغَاثُواْ بِمَاء كالمهل  \[ الكهف : ٢٩ \] وقال الكلبي. والزجاج. والفراء. وأبو عبيدة : أي أولى بكم كما في قول لبيد يصف بقرة وحشية نفرت من صوت الصائد :فغدت كلا الفرجين تحسب أنه  مولى المخافة خلفها وأمامهاأي فغدت كلا جانبيها الخلف والإمام تحسب أنه أولى بأن يكون فيه الخوف، قال الزمخشري : وحقيقة مولاكم هي على هذا محراكم ومقمنكم أي المكان الذي يقال فيه هو أولى بكم كما قيل : هو مئنة للكرم أي مكان لقول القائل : إنه لكريم فأولى نوع من اسم المكان لوحظ فيه معنى أولى إلا أنه مشتق منه كما أن المئنة ليست مشتقة من إن التحقيقية، وفي التفسير الكبير إن قولهم ذلك بيان لحاصل المعنى وليس بتفسير اللفظ لأنه لو كان مولى وأولى بمعنى واحد في اللغة لصح استعمال كل لأمنهما في مكان الآخر وكان يجب أن يصح هذا أولى فلان كما يقال : هذا مولى فلان ولما بطل ذلك علمنا أن الذي قالوه معنى وليس بتفسير، ثم صرح بأنه أراد بذلك رد استدلال الشريف المرتضى بحديث الغدير **«من كنت مولاه »** فعليّ مولاه على إمامة الأمير كرم الله تعالى وجهه حيث قال : أحد معاني المولى الأولى. 
وحمله في الخبر عليه متعين لأن إرادة غيره يجعل الأخبار عبثاً كإرادة الناصر والصاحب وابن العم، أو يجعله كذباً كالمعتق والمعتق ولا يخفى على المنصف أنه إن أراد بكونه معنى لا تفسير ما أشار إليه الزمخشري من التحقيق فهو لا يرد الاستدلال إذ يكفي للمرتضى أن يقول : المولى في الخبر بمعنى المكان الذي يقال فيه أولى إذ يلزم على غيره العبث أو الكذب وإن أراد أن ذلك معنى لازم لما هو تفسير له كأن يكون تفسيره القائم بمصالحكم ونحوه مما يكون ذلك لازماً له ففي رده الاستدلال أيضاً تردد، وإن أراد شيئاً آخر فنحن لا ندري ما هو وهو لم يبينه والحق أنه ولو جعل المولى بمعنى الأولى أو المكان الذي يقال فيه الأولى لا يتم الاستدلال بالخبر على الإمامة التي تدعيها الإمامية للأمير كرم الله تعالى وجهه لما بين في موضعه، وفي التحفة الاثنى عشرية ما فيه كفاية لطالب الحق. 
وقال ابن عباس أي مصيركم وتحقيقه على ما قال الإمام : إن المولى بمعنى موضع الولي وهو القرب والمعنى هي موضعكم الذي تقربون منه وتصلون إليه، وأنت تعلم أن الأخبار بذلك بعد الأخبار بأنها مأواهم ليس فيه كثير جدوى على أن وضع اسم المكان للموضع الذي يتصف صاحبه بالمأخذ حال كونه فيه والقرب من النار وصف لأولئك قبل الدخول فيها ولا يحسن وصفهم به بعد الدخول ولو اعتبر مجاز الكون كما لا يخفى، وجوز بعضهم اعتبار كونه اسم مكان من الولي بمعنى القرب لكن على أن المعنى هي مكان قربكم من الله سبحانه ورضوانه على التهكم بهم ؛ وقيل : أي متوليكم أي المتصرفة فيكم كتصرفكم فيما أوجبها واقتضاها في الدنيا من المعاصي والتصرف استعارة للإحراق والتعذيب، وقيل : مشاكلة تقديرية  وَبِئْسَ المصير  أي النار وهي المخصوص بالذم المحذوف لدلالة السياق.

### الآية 57:16

> ﻿۞ أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ ۖ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ [57:16]

أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ ءامَنُواْ أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ الله  استئناف لعتاب المؤمنين على الفتور والتكاسل فيما ندبوا إليه والمعاتب على ما قاله الزجاج طائفة من المؤمنين وإلا فمنهم من لم يزال خاشعاً منذ أسلم إلى أن ذهب إلى ربه، وما نقل عن الكلبي. ومقاتل أن الآية نزلت في المنافقين فهم المراد بالذين آمنوا مما لا يكاد يصح، وقد سمعت صدر السورة الكريمة ما روي عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه. 
وأخرج ابن المبارك. وعبد الرزاق. وابن المنذر عن الأعمش قال : لما قدم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة فأصابوا من لين العيش ما أصابوا بعد ما كان لهم من الجهد فكأنهم فتروا عن بعض ما كانوا عليه فعوتبوا فنزلت  أَلَمْ يَأْنِ  الآية. 
وأخرج ابن أبي حاتم. وابن مردويه عن ابن عباس قال : إن الله تعالى استبطأ قلوب المهاجرين فعاتبهم على رأس ثلاث عشرة سنة من نزول القرآن فقال سبحانه : أَلَمْ يَأْنِ  الآية، وفي خبر ابن مردويه عن أنس بعد سبع عشرة سنة من نزول القرآن. 
وأخرج عن عائشة قالت : خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم على نفر من أصحابه في المسجد وهم يضحكون فسحب رداءه محمراً وجهه فقال : أتضحكون ولم يأتكم أمان من ربكم بأنه قد غفر لكم وقد نزل علي في ضحككم آية  أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ  الخ ؟ قالوا : يا رسول الله فما كفارة ذلك ؟ قال : تبكون بقدر ما ضحكتم، وفي خبر أن أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام قد ظهر فيهم المزاح والضحك فنزلت، وحديث مسلم ومن معه السابق مقدم على هذه الآثار على ما يقتضيه كلام أهل الحديث، و  يَأْنِ  مضارع أني الأمر أنياً وأناءاً وإناءاً بالكسر إذا جاء أناه أي وقته، أي ألم يجيء وقت أن تخشع قلوبهم لذكره عز وجل. 
وقرأ الحسن. وأبو السمال ألما بالهمزة، ولما النافية الجازمة كلم إلا أن فيه أن المنفى متوقع. 
وقرأ الحسن يئن مضارع آن أينا بمعنى أني السابق، وقال أبو العباس : قال قوم : إن يئين أينا الهمزة مقلوبة فيه عن الحاء وأصله حان يحين حيناً وأصل الكلمة من الحين  وَمَا نَزَلَ مِنَ الحق  أي القرآن وهو عطف على ذكر الله فإن كان هو المراد به أيضاً فالعطف لتغاير العنوانين نحو :
هو الملك القرم وابن الهمام \*\*\* فإنه ذكر وموعظة كما أنه حق نازل من السماء وإلا بأن كان المراد به تذكير الله تعالى إياهم فالعطف لتغاير الذاتين على ما هو الشائع في العطف وكذا إذا أريد به ذكرهم الله تعالى بالمعنى المعروف، وجوز العطف على الاسم الجليل إذا أريد بالذكر التذكير وهو كما ترى، وقال الطيبي : يمكن أن يحمل الذكر على القرآن وما نزل من الحق على نزول السكينة معه أي الواردات الإلهية ويعضده ما روينا عن البخاري. 
ومسلم. والترمذي عن البراء **«كان رجل يقرأ سورة الكهف وعنده فرس مربوط بشطنين فغشيته سحابة فجعلت تدنو وجعل فرسه ينفر منها فلما أصبح أتى النبي صلى الله عليه وسلم فذكر له ذلك فقال : تلك السكينة تنزل للقرآن »** وفي رواية **«اقرأ فلان فإنها السكينة تنزل عند القرآن أو للقرآن »** انتهى، ولا يخفى بعد ذلك جدّاً ولعلك تختار حمل الذكر وما نزل على القرءان لما يحس مما بعد من نوع تأييد له، وفسر الخشوع للقرآن بالانقياد التام لأوامره ونواهيه والعكوف على العمل بما فيه من الأحكام من غير توان ولا فتور، والظاهر أنه اعتبر كون اللام صلة الخشوع، وجوز كونها للتعليل على أوجه الذكر فالمعنى ألم يأن لهم أن ترق قلوبهم لأجل ذكر الله تعالى وكتابه الحق النازل فيسارعوا إلى الطاعة على أكمل وجوهها، وفي الآية حض على الخشوع، وكان ابن عمر رضي الله تعالى عنهما كما أخرج عنه ابن المنذر إذا تلاها بكى ثم قال : بلى يا رب بلى يا رب، وعن الحسن أما والله لقد استبطأهم وهم يقرؤون من القرآن أقل مما تقرؤون فانظروا في طول ما قرأتم وما ظهر فيكم من الفسق، وروي السلمي عن أحمد بن أبي الحواري قال بينا أنا في بعض طرقات البصرة إذ سمعت صعقة فأقبلت نحوها فرأيت رجلاً قد خر مغشياً عليه فقلت : ما هذا ؟ فقالوا : كان رجلا حاضر القلب فسمع آية من كتاب الله فخر مغشياً عليه فقلت : ما هي ؟ فقيل : قوله تعالى : أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ ءامَنُواْ أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ الله  فأفاق الرجل عند سماع كلامنا فأنشأ يقول :أما آن للهجران أن يتصرما  وللغصن غصن البان أن يتبسماوللعاشق الصب الذي ذاب وانحنى  ألم يأن أن يبكي عليه ويرحماكتبت بماء الشوق بين جوانحي  كتاباً حكى نقش الوشى المنمنماثم قال : إشكال إشكال إشكال فخر مغشياً عليه فحركناه فإذا هو ميت، وعن أبي بكر رضي الله تعالى عنه إن هذه الآية قرئت بين يديه وعنده قوم من أهل اليمامة فبكوا بكاءاً شديداً فنظر إليهم فقال : هكذا كنا حتى قست القلوب، ولعله أراد رضي الله تعالى عنه أن الطراز الأول كان كذلك حتى قست قلوب كثير من الناس ولم يتأسوا بالسابقين وغرضه مدح أولئك القوم بما كان هو ونظراؤه عليه رضي الله تعالى عنهم، ويحتمل أن يكون قد أراد ما هو الظاهر، والكلام من باب هضم النفس كقوله رضي الله تعالى عنه : أقيلوني فلست بخيركم، وقال شيخ الإسلام أبو حفص السهروردي قدس سره : معناه تصلبت وأدمنت سماع القرآن وألفت أنواره فما تستغر به حتى تتغير كما تغير هؤلاء السامعون انتهى وهو خلاف الظاهر، وفيه نوع انتقاص للقوم ورمز إلى أن البكاء عند سماع القرآن لا يكون من كامل كما يزعمه بعض جهلة الصوفية القائلين : إن ذلك لا يكون إلا لضعف القلب عن تحمل الواردات الإلهية النورانية ويجل عن ذلك كلام الصديق رضي الله تعالى عنه، وقرأ غير واحد من السبعة  وَمَا نَزَلَ  بالتشديد، والجحدري. 
وأبو جعفر. والأعمش. وأبو عمرو في رواية يونس. وعباس عنه  نَزَّلَ  مبنياً للمفعول مشدداً، وعبد الله أنزل بهمزة النقل مبنياً للفاعل. 
 وَلاَ يَكُونُواْ كالذين أُوتُواْ الكتاب مِن قَبْلُ   لا  نافية وما بعدها منصوب معطوف على تخشع. 
وجوز أن تكون ناهية وما بعدها مجزوم بها ويكون ذلك انتقالاً إلى نهي أولئك المؤمنين عن مماثلة أهل الكتاب بعد أن عوتبوا بما سمعت وعلى النفي هو في المعنى نهى أيضاً، وقرأ أبو بحرية. وأبو حيوة. وابن أبي عبلة. وإسماعيل عن أبي جعفر، وعن شيبة. ويعقوب. وحمزة في رواية عن سليم عنه  وَلاَ تَكُونُواْ  بالتاء الفوقية على سبيل الالتفات للاعتناء بالتحذير، وفي  لا  ما تقدم، والنهي مع الخطاب أظهر منه مع الغيبة. 
 فَطَالَ عَلَيْهِمُ الامد  أي الأجل بطول أعمارهم وآمالهم، أو طال أمد ما بينهم وبين أنبيائهم عليهم السلام وبعد العهد بهم، وقيل : أمد انتظار القيامة والجزاء، وقيل : أمد انتظار الفتح، وفرقوا بين الأمد والزمان بأن الأمد يقال باعتبار الغاية والزمان عام في المبدأ والغاية، وقرأ ابن كثير في رواية الأمدّ بتشديد الدال أي الوقت الأطول  فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ  صلبت فهي كالحجارة، أو أشد قسوة  وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فاسقون  خارجون عن حدود دينهم رافضون لما في كتابهم بالكلية، قيل : من فرط القسوة وذكر أنه مأخوذ من كون الجملة حال، وفيه خفاء والأظهر أنه من السياق، والمراد بالكتاب الجنس فالموصول يعم اليهود والنصارى وكانوا كلهم في أوائل أمرهم يحول الحق بينهم وبين كثير من شهواتهم وإذا سمعوا التوراة والإنجيل خشعوا لله تعالى ورقت قلوبهم فلما طال عليهم الزمان غلبهم الجفاء والقسوة وزالت عنهم الروعة التي كانت يجدونها عند سماع الكتابين وأحدثوا ما أحدثوا واتبعوا الأهواء وتفرقت بهم السبل، والقسوة مبدأ الشرور وتنشأ من طول الغفلة عن الله تعالى، وعن عيسى عليه السلام لا تكثروا الكلام بغير ذكر الله تعالى فتقسو قلوبكم فإن القلب القاسي بعيد من الله عز وجل ولا تنظروا إلى ذنوب العباد كأنكم أرباب وانظروا في ذنوبكم كأنكم عباد والناس رجلان مبتلي ومعافى فارحموا أهل البلاء واحمدوا على العافية ومن أحس بقسوة في قلبه فليهرع إلى ذكر الله تعالى وتلاوة كتابه يرجع إليه حاله كما أشار إليه قوله عز وجل :

### الآية 57:17

> ﻿اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا ۚ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ [57:17]

اعلموا أَنَّ الله يحيي الأرض بَعْدَ مَوْتِهَا  فهو تمثيل ذكر استطراداً لاحياء القلوب القاسية بالذكر والتلاوة بإحياء الأرض الميتة بالغيث للترغيب في الخشوع والتحذير عن القساوة  قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الآيات  التي من جملتها هذه الآيات  لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ  كي تعقلوا ما فيها وتعملوا بموجبها فتفوزوا بسعادة الدارين. 
من باب الإشارة : وقال سبحانه : اعلموا أَنَّ الله يحيي الأرض بَعْدَ مَوْتِهَا  \[ الحديد : ١٧ \] لئلا يقنط القاسي من رحمته تعالى ويترك الاشتغال بمداواة القلب الميت

### الآية 57:18

> ﻿إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقَاتِ وَأَقْرَضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضَاعَفُ لَهُمْ وَلَهُمْ أَجْرٌ كَرِيمٌ [57:18]

إِنَّ المصدقين والمصدقات  أي المتصدقين والمتصدقات، وقد قرأ أبيّ كذلك، وقرأ ابن كثير، وأبو بكر. والمفضل. وأبان. وأبو عمر وفي رواية هارون بتخفيف الصاد من التصديق لا من الصدقة كما في قراءة الجمهور أي الذين صدقوا واللاتي صدقن الله عز وجل ورسوله صلى الله عليه وسلم، والقرءاة الأولى أنسب بقوله تعالى : وَأَقْرِضُواُ الله قَرْضاً حَسَناً  وقيل : الثانية أرجح لأن الإقراض يغني عن ذكر التصدق، وأنت ستعلم إن شاء الله تعالى فائدته، وعطف  أقرضوا  على معنى الفعل من المصدقين على ما اختاره أبو علي. والزمخشري لأن أل بمعنى الذين، واسم الفاعل بمعنى الفعل فكأنه قيل : إن الذين اصدقوا أو صدقوا على القراءتين  الزكواة وَأَقْرِضُواُ  وتعقبه أبو حيان وغيره بأن فيه الفصل بين أجزاء الصلة إذ المعطوف على الصلة صلة بأجنبي وهو المصدقات، وذلك لا يجوز، وقال صاحب التقريب : هو محمول على المعنى كأنه قيل : إن الناس الذين تصدقوا وتصدقن وأقرضوا فهو عطف على الصلة من حيث المعنى بلا فصل، وتعقب بأنه لا محصل له إلا إذا قيل : إن أل الثانية زائدة لئلا يعطف على صورة جزء الكلمة، وفيه بعد، ولا يخفى أن حديث اعتبار المعنى يدفع ما ذكر، ومن هنا قيل : إنه قريب ولا يبعد تنزيل ما تقدم عن أبي علي، والزمخشري عليه، وقيل : العطف على صلة أل في المصدقات واختلاف الضمائر تأنيثاً وتذكيراً لا يضر لأن أل تصلح للجميع فيراد بها معنى اللاتي عند عود ضمير جمع الإناث عليها ومعنى الذين عند عود ضمير جمع الذكور عليها وهو كما ترى، ومثله ما قيل : هو من باب كل رجل وضيعته أي إن المصدقين مقرونون مع المصدقات في الثواب والمنزلة، أو يقدر خبر أي إن المصدقين والمصدقات يفلحون  وَأَقْرِضُواُ  في الوجهين ليس عطفاً على الصلة بل مستأنف ويضاعف بعد صفة قرضاً أو استئناف ومن أنصف لم ير ذلك مما ينبغي أن يخرج عليه كلام أدنى الفصحاء فضلاً عن كلام رب العالمين، واختار أبو حيان تخريج ذلك على حذف الموصول لدلالة ما قبله عليه كأنه قيل : والذين أقرضوا فيكون مثل قوله
: فمن يهجر رسول الله منكم  ( ويمدحه وينصره ) سواءوهو مقبول على رأي الكوفيين دون رأي البصريين فإنهم لا يجوزون حذف الموصول في مثله، وبعض أئمة المحققين بعد أن استقرب توجيه التقريب ولم يستبعد تنزيل ما سمعت عن الزمخشري. وأبي علي عليه قال : وأقرب منه أن يقال : إن  المصدقات  منصوب على التخصيص كأنه قيل : إن المتصدقين  عاماً على التغليب وأخص المتصدقات منهم كما تقول : إن الذين آمنوا ولاسيما العلماء منهم وعملوا الصالحات لهم كذا. 
ووجه التخصيص ما ورد في قوله صلى الله عليه وسلم :**«يا معشر النساء تصدقن فإني أريتكن أكثر أهل النار »** يحضهن على الصدقة بأنهن إذا فعلن ذلك كان له تعالى أقبل وجزاؤه عنه سبحانه أوفر وأفضل، ثم قال : ولما لم يكن الاقراض غير ذلك التصدق قيل : وأقرضوا أي بذلك التصدق تحقيقاً لكينونته وأنهم مثل ذلك ممثلون عند الله تعالى بمن يعامل مع أجود الأجودين معاملة برضاه، ولو قيل : والمقرضين لفاتت هذه النكتة انتهى. 
ولا يخفى أن نصب المصدقات على التخصيص خلاف الظاهر، وأما ما ذكره في نكتة العدول عن المقروضين فحسن وهو متأت على تخريج أبي علي. والزمخشري، وعلى تخريج أبي حيان، وقال الخفاجي : القول أي قول أبي البقاء بأن أقرضوا الخ معترض بين اسم إن وخبرها أظهر وأسهل، وكأن النكتة فيه تأكيد الحكم بالمضاعفة، وزعم أن الجملة حال بتقدير قد أو بدونها من ضميري المصدقين والمصدقات لا يخفى معنى وعربية فتدبر  يُضَاعَفُ لَهُمُ  الضمير لجميع المتقدمين الذكور والإناث على التغليب كضمير أقرضوا، والجار والمجرور نائب الفاعل، وقيل : هو ضمير التصدق أو ضمير القرض على حذف مضاف أي يضاعف ثواب التصدق أو ثواب القرض لهم، وقرأ ابن كثير. وابن عامر يضعف بتشديد العين، وقرئ يضاعف بالبناء للفاعل أي يضاعف الله عز وجل لهم ثواب ذلك  وَلَهُمْ أَجْرٌ كَرِيمٌ  قد مر الكلام فيه.

### الآية 57:19

> ﻿وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أُولَٰئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ ۖ وَالشُّهَدَاءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ ۖ وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَٰئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ [57:19]

والذين ءامَنُواْ بالله وَرُسُلِهِ  قد بين كيفية إيمانهم في خاتمة سورة البقرة، والموصول مبتدأ أول، وقوله تعالى : أولاك  مبتدأ ثان، وهو إشارة إلى الموصول وما فيه من معنى البعد لما مر مراراً، وقوله سبحانه : يَسْتَأْذِنُونَكَ وَهُمْ  مبتدأ ثالث، وقوله عز وجل : الصديقون والشهداء  خبر الثالث، والجملة خبر الثاني وهو مع خبره خبر الأول أو هم ضمير فصل وما بعده خبر الثاني، وقوله تعالى : عِندَ رَبّهِمْ  متعلق على ما قيل : بالثبوت الذي تقتضيه الجملة أي أولئك عند ربهم عز وجل وفي حكمه وعلمه سبحانه هم الصديقون والشهداء. 
والمراد أولئك في حكم الله تعالى بمنزلة الصديقين والشهداء المشهورين بعلو الرتبة ورفعة المحل وهم الذين سبقوا إلى التصديق ورسخوا فيه واستشهدوا في سبيل الله جل جلاله وسمي من قتل مجاهداً في سبيله تعالى شهيداً لأن الله سبحانه وملائكته عليهم السلام شهود له بالجنة، وقيل : لأنه حي لم يمت كأنه شاهد أي حاضر، وقيل : لأن ملائكة الرحمة تشهده، وقيل : لأنه شهد ما أعد الله تعالى له من الكرامة، وقيل : غير ذلك فهو إما فعيل بمعنى فاعل أو بمعنى مفعول على اختلاف التأويل، وقوله تعالى : لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ  خبر ثان للموصول على أنه جملة من مبتدأ وخبر، أو  لَهُمْ  الخبر وما بعده مرتفع به على الفاعلية وضمير  لَهُمْ  للموصول، والضميران الأخيران للصديقين والشهداء، والغرض بيان ثمرات ما وصفوا به من نعوت الكمال أي أولئك لهم مثل أجر الصديقين والشهداء ونورهم المعروفين بغاية الكمال وعزة المنال، وقد حذف أداة التشبيه تنبيهاً على قوة المماثلة وبلوغها حد الاتحاد كما فعل ذلك أولا حيث قيل : أولئك هم الصديقون والشهداء وليست المماثلة بين ما للفريق الأول من الأجر والنور. وبين تمام ما للفريقين الأخيرين بل بين تمام للأول من الأصل والإضعاف وبين ما للأخيرين من الأصل بدون الإضعاف، فالإضعاف هو الذي امتاز به الفريقان الأخيران على الفريق الأول وقد لا يعتبر تشبيه بليغ في الكلام أصلا ويبقى على ظاهره والضمائر كلها للموصول أي أولئك هم المبالغون في الصدق حيث آمنوا وصدقوا جميع أخبار الله تعالى وأخبار رسله عليهم الصلاة والسلام والقائمون بالشهادة لله سبحانه بالوحدانية وسائر صفات الكمال ولهم بما يليق بهم من ذلك لهم الأجر والنور الموعودان لهم، وقال بعضهم : وصفهم بالشهادة لكونهم شهداء على الناس كما نطق به قوله تعالى : وكذلك جعلناكم أُمَّةً وَسَطًا لّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى الناس  \[ البقرة : ١٤٣ \] فعند ربهم متعلق بالشهداء، والمراد والشهداء على الناس يوم القيامة، وجوز تعلقه بالشهداء أيضاً على الوجه الأول على معنى الذين شهدوا مزيد الكرامة بالقتل في سبيل الله تعالى يوم القيامة أو في حظيرة رحمته عز وجل أو نحو ذلك، ويشهد لكون الشهداء معطوفاً على الصديقين آثار كثيرة. 
أخرج ابن جرير عن البراء بن عازب قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول :**«إن مؤمني أمتي شهداء »** ثم تلا النبي صلى الله عليه وسلم : والذين ءامَنُواْ بالله وَرُسُلِهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الصديقون والشهداء عِندَ رَبّهِمْ ، وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي هريرة أنه قال يوماً لقوم عنده : كلكم صديق وشهيد قيل له : ما تقول يا أبا هريرة ؟ قال : اقرءوا  والذين ءامَنُواْ بالله وَرُسُلِهِ  الآية، وأخرج عبد الرزاق. وعبد بن حميد عن مجاهد قال : كل مؤمن صديق وشهيد ثم تلا الآية، وأخرج عبد بن حميد نحوه عن عمرو بن ميمون، وأخرج ابن حبان عن عمرو بن مرة الجهني قال :**«جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله أرأيت إن شهدت أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله وصليت الصلوات الخمس وأديت الزكاة وصمت رمضان وقمته فممن أنا ؟ قال : من الصديقين والشهداء »** وينبغي أن يحمل الذين آمنوا على من لهم كمال في ذلك يعتدّ به ولا يتحقق إلا بفعل طاعات يعتدّ بها وإلا فيبعد أن يكون المؤمن المنهمك في الشهوات الغافل عن الطاعات صديقاً شهيداً، ويستأنس لذلك بما جاء من حديث عمر رضي الله تعالى عنه ما لكم إذا رأيتم الرجل يخرق أعراض الناس أن لا تعيبوا عليه ؟ قالوا : نخاف لسانه قال : ذلك أحرى أن لا تكونوا شهداء، قال ابن الأثير : أي إذا لم تفعلوا ذلك لم تكونوا في جملة الشهداء الذين يستشهدون يوم القيامة على الأمم التي كذبت أنبياءها، وكذا بقوله عليه الصلاة والسلام : اللعانون لا يكونون شهداء بناءاً على أحد قولين فيه. 
وفي بعض الأخبار ما ظاهره إرادة طائفة من خواص المؤمنين، أخرج ابن مردويه عن أبي الدرداء قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :**«من فرّ بدينه من أرض إلى أرض مخافة الفتنة على نفسه ودينه كتب عند الله صديقاً فإذا مات قبضه الله شهيداً وتلا هذه الآية : والذين ءامَنُواْ بالله وَرُسُلِهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الصديقون والشهداء  ثم قال : هذه فيهم ثم قال : والفرّارون بدينهم من أرض إلى أرض يوم القيامة مع عيسى ابن مريم في درجته في الجنة »** ويجوز أن يراد من قوله :**«هذه فيهم »** أنها صادقة عليهم وهم داخلون فيها دخولاً أولياً، ويقال : في قوله عليه الصلاة والسلام :**«مع عيسى في درجته »** المراد معه في مثل درجته وتوجه المماثلة بما مر والخبر إذا صح يؤيد الوجه الأول في الآية. 
وروي عن الضحاك أنها نزلت في ثمانية نفر سبقوا أهل الأرض في زمانهم إلى الإسلام وهم أبو بكر. وعمر. وعثمان. وعلي. وحمزة. وطلحة. والزبير. وسعد. وزيد رضي الله تعالى عنهم أجمعين، وهذا لا يضر في العموم كما لا يخفى، وقيل : الشهداء مبتدأ و  عِندَ رَبّهِمْ  خبره، وقيل : الخبر  لَهُمْ أَجْرُهُمْ  والكلام عليهما قد تم عند قوله تعالى : الصديقون ، وأخرج هذا ابن جرير عن ابن عباس. والضحاك قالا : والذين ءامَنُواْ بالله وَرُسُلِهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الصديقون  هذه مفصولة سماهم صديقين، ثم قال : والشهداء عند ربهم لهم أجرهم ونورهم. 
وروي جماعة عن مسروق ما يوافقه، واختلفوا في المراد بالشهداء على هذا فقيل : الشهداء في سبيل الله تعالى. 
وحكى ذلك عن مقاتل بن سليمان، وقيل : الأنبياء عليهم السلام الذين يشهدون للأمم عليهم، وحكى ذلك عن مسروق. ومقاتل بن حيان. واختاره الفراء. والزجاج، وزعم أبو حيان أن الظاهر كون الشهداء مبتدأ وما بعده خبر، ومن أنصف يعلم أنه ليس كما قفال، وأن الذي تقتضيه جزالة النظم الكريم هو ما تقدم، ثم النور على الجميع الأوجه على حقيقته، وعن مجاهد. وغيره أنه عبارة عن الهدى والكرامة والبشرى. 
 والذين كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بآياتنا  أي بجميعها على اختلاف أنواعها وهو إشارة إلى كفرهم بالرسل عليهم السلام جميعهم  أولئك  الموصوفون بتلك الصفة القبيحة  أصحاب الجحيم  بحيث لا يفارقونها أبداً.

### الآية 57:20

> ﻿اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ ۖ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا ۖ وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ ۚ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ [57:20]

اعلموا أَنَّمَا الحياة الدنيا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ في الأموال والأولاد  بعدما بين حال الفريقين في الآخرة شرح حال الحياة التي اطمأن بها الفريق الثاني، وأشير إلى أنها من محقرات الأمور التي لا يركن إليها العقلاء فضلاً عن الاطمئنان بها بأنها لعب لا ثمرة فيها سوى التعب  وَلَهْوٌ  تشغل الإنسان عما يعنيه ويهمه  وَزِينَةٌ  لا يحصل منها شرف ذاتي كالملابس الحسنة والمراكب البهية والمنازل الرفيعة  وَتَفَاخُرٌ  بالأنساب والعظام البالية  وَتَكَاثُرٌ  بالعدد والعدد، وقرأ السلمي  وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ  بالإضافة، ثم أشير إلى أنها مع ذلك سريعة الزوال وشيكة الاضمحلال بقوله سبحانه : كَمَثَلِ غَيْثٍ  مطر  أَعْجَبَ الكفار  أي راقهم  نباتُهُ  أي النبات الحاصل به، والمراد بالكفار إما الحراث على ما روي عن ابن مسعود لأنهم يكفرون أي يسترون البذر في الأرض ووجه تخصيصهم بالذكر ظاهر، وأما الكافرون بالله سبحانه ووجه تخصيصهم أنهم أشد إعجاباً بزينة الدنيا فإن المؤمن إذا رأى معجباً انتقل فكره إلى قدرة موجده عز وجل فأعجب بها، ولذا قال أبو نواس في النرجس
: عيون من لجين شاخصات  على أطرافها ذهب سبيك على قضب الزبرجد شاهدات( بأن الله ليس له شريك ) \*\*\* والكافر لا يتخطى فكره عما أحس به فيستغرق إعجاباً  أَلْوَانُهُ ثُمَّ يَهِيجُ  يتحرك إلى أقصى ما يتأتى له، وقيل : أي يجف بعد خضرته ونضارته  فترياه  يا من تصح منه الرؤية  فَتَرَاهُ مُصْفَرّاً  بعد ما رأيته ناضراً مونقاً، وقرئ مصفاراً وإنما لم يقل فيصفر قيل : إيذاناً بأن اصفراره غير مقارن لهيجانه وإنما المترتب عليه رؤيته كذلك، وقيل : للإشارة إلى ظهور ذلك لكل أحد  ثُمَّ يَكُونُ حُطَاماً  هشيماً متكسراً من اليبس، ومحل الكاف قيل : النصب على الحالية من الضمير في  لَعِبٌ  لأنه في معنى الوصف، وقيل : الرفع على أنه خبر بعد خبر للحياة الدنيا بتقدير المضاف إليه أي مثل الحياة كمثل الخ، ولتضمن ذلك تشبيه جميع ما فيها من السنين الكثيرة بمدة نبات غيث واحد يفنى ويضمحل في أقل من سنة جاءت الإشارة إلى سرعة زوالها وقرب اضمحلالها، وبعد ما بين حقارة أمر الدنيا تزهيداً فيها وتنفيراً عن العكوف عليها أشير إلى فخامة شأن الآخرة وعظم ما فيها من اللذات والآلام ترغيباً في تحصيل نعيمها المقيم وتحذيراً من عذابها الأليم، وقدم سبحانه ذكر العذاب فقال جل وعلا : وَفي الآخرة عَذَابٌ شَدِيدٌ  لأنه من نتائج الانهماك فيما فصل من أحوال الحياة الدنيا  وَمَغْفِرَةٌ  عظيمة  مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ  عظيم لا يقادر قدره، وفي مقابلة العذاب الشديد بشيئين إشارة إلى غلبة الرحمة وأنه من باب **«لن يغلب عسر يسرين »**. 
وفي ترك وصف العذاب بكونه من الله تعالى مع وصف ما بعده بذلك إشارة إلى غلبتها أيضاً ورمز إلى أن الخير هو المقصود بالقصد الأولى  وَما الحياة الدنيا إِلاَّ متاع الغرور  لمن اطمأن بها ولم يجعلها ذريعة للآخرة ومطية لنعيمها، روي عن سعيد بن جبير الدنيا متاع الغرور إن ألهتك عن طلب الآخرة، فأما إذا دعتك إلى طلب رضوان الله تعالى وطلب الآخرة فنعم المتاع ونعم الوسيلة.

### الآية 57:21

> ﻿سَابِقُوا إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ۚ ذَٰلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ ۚ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ [57:21]

سَابِقُواْ إلى مَغْفِرَةٍ  أي سارعوا مسارعة السابقين لأقرانهم في المضمار إلى أسباب مغفرة عظيمة كائنة  مّن رَّبّكُمْ  والكلام على الاستعارة أو المجاز المرسل واستعمال اللفظ في لازم معناه وإنما لزم ذلك لأن اللازم أن يبادر من يعمل ما يكون سبباً للمغفرة ودخول الجنة لا أن يعمله أو يتصف بذلك سابقاً على آخر ؛ وقيل : المراد سابقوا ملك الموت قبل أن يقطعكم بالموت عن الأعمال الموصلة لما ذكر ؛ وقيل : سابقوا إبليس قبل أن يصدكم بغروره وخداعه عن ذلك وهو كما ترى. 
والمراد بتلك الأسباب الأعمال الصالحة على اختلاف أنواعها، وعن علي كرم الله تعالى وجهه أنه قال في الآية : كن أوّل داخل المسجد وآخر خارج، وقال عبد الله : كونوا في أول صف القتال، وقال أنس : اشهدوا تكبيرة الإحرام مع الإمام وكل ذلك من باب التمثيل، واستدل بهذا الأمر على أن الصلاة بأول وقتها أفضل من التأخير  وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السماء والأرض  أي كعرضهما جميعاً لو ألصق أحدهما بالآخر وإذا كان العرض وهو أقصر الامتدادين موصوفاً بالسعة دل على سعة الطول بالطريق الأولى فالاقتصار عليه أبلغ من ذكر الطول معه، وقيل : المراد بالعرض البسطة ولذا وصف به الدعاء ونحوه مما ليس من ذوي الأبعاد وتقدم قول آخر في تفسير نظير الآية من سورة آل عمران وتقديم المغفرة على الجنة لتقدم التخلية على التحلية. 
 أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ ءامَنُواْ بالله وَرُسُلِهِ  أي هيئت لهم، واستدل بذلك على أن الجنة موجودة الآن لقوله تعالى : أُعِدَّتْ  بصيغة الماضي والتأويل خلاف الظاهر، وقد صرح بخلافه في الأحاديث الصحيحة وتمام الكلام في علم الكلام، وعلى أن الإيمان وحده كاف في استحقاق الجنة لذكره وحده فيما في حيز ما يشعر بعلة الإعداد وإدخال العمل في الإيمان المعدّى بالباء غير مسلم كذا قالوا، ومتى أريد بالذين آمنوا المذكورين من لهم درجة في الإيمان يعتد بها، وقيل : بأنها لا تحصل بدون الأعمال الصالحة على ما سمعته منا قريباً انخدش الاستدلال الثاني في الجملة كما لا يخفى، وذكر النيسابوري في وجه التعبير هنا بسابقوا وفي آية آل عمران بسارعوا وبالسماء هنا، بالسماوات هناك –وبكعرض- هنا- وبعرض- بدون أداة تشبيه ثمّ كلاماً مبنياً على أن المراد بالمتقين هناك السابقون المقربون، وبالذين آمنوا هنا من هم دون أولئك حالاً لتأمل  ذلك  أي الذي وعد من المغفرة والجنة  فَضَّلَ الله  عطاؤه الغير الواجب عليه  يُؤْتِيهِ مَن يَشَاء  إيتاءه  والله ذُو الفضل العظيم  فلا يبعد منه عز وجل التفضل بذلك على من يشاء وإن عظم قدره، فالجملة تذييل لإثبات ما ذيل بها.

### الآية 57:22

> ﻿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا ۚ إِنَّ ذَٰلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ [57:22]

مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ  أي نائبة أيّ نائبة وأصلها في الرمية وهي من أصاب السهم إذا وصل إلى المرمى بالصواب ثم خصت بها. 
وزعم بعضهم أنها لغة عامة في الشر والخير وعرفا خاصة بالشر، و  مِنْ  مزيدة للتأكيد، وأصاب جاء في الشر كما هنا، وفي الخير كقوله تعالى : وَلَئِنْ أصابكم فَضْلٌ مِنَ الله  \[ النساء : ٧٣ \] وذكر بعضهم أنه يستعمل في الخير اعتباراً بالصواب أي بالمطر وفي الشر اعتباراً بإصابة السهم، وكلاهما يرجعان إلى أصل وتذكير الفعل في مثل ذلك جائز كتأنيثه، وعليه قوله تعالى : مَّا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا  \[ الحجر : ٥ \] والكلام على العموم لجميع الشرور أي مصيبة أيّ مصيبة  في الأرض  كجدب وعاهة في الزرع والثمار وزلزلة وغيرها  وَلاَ في أَنفُسِكُمْ  كمرض وآفة كالجرح والكسر  إِلاَّ في كتاب  أي إلا مكتوبة مثبتة في اللوح المحفوظ، وقيل : في علم الله عز وجل. 
 مّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَا  أي نخلقها، والضمير على ما روي عن ابن عباس. وقتادة. والحسن. وجماعة للأنفس، وقيل : للأرض، واستظهر أبو حيان كونه للمصيبة لأنها هي المحدث عنها، وذكر الأرض والأنفس إنما هو على سبيل ذكر محلها، وذكر المهدوي جواز عوده على جميع ما ذكر، وقال جماعة : يعود على المخلوقات وإن لم يجر لها ذكر، وقيل : المراد بالمصيبة هنا الحوادث من خير وشر وهو خلاف الظاهر من استعمال المصيبة إلا أن فيما بعد نوع تأييد له وأياً مّا كان ففي الأرض متعلق بمحذوف مرفوع أو مجرور صفة لمصيبة على الموضع أو على اللفظ، وجوز أن يكون ظرفاً لأصاب أو للمصيبة، قيل : وإنما قيدت المصيبة بكونها في الأرض والأنفس لأن الحوادث المطلقة كلها ليست مكتوبة في اللوح لأنها غير متناهية، واللوح متناه وهو لا يكون ظرفاً لغير المتناهي ولذا جاء **«جف القلم بما هو كائن إلى يوم القيامة »** وفي الآية تخصيص آخر وهو أنه سبحانه لم يذكر أحوال أهل السماوات لعدم تعلق الغرض بذلك مع قلة المصائب في أهلها بل لا يكاد يصيبهم سوى مصيبة الموت، وما ذكره في وجه التخصيص الأول لا يتم إذا أريد بالكتاب علمه سبحانه، وقيل : بأن كتابة الحوادث فيه على نحو كتابتها في القرآن العظيم بناءاً على ما يقولون : إنه ما من شيء إلا ويمكن استخراجه منه حتى أسماء الملوك ومددهم وما يقع منهم ولو قيل في وجهه إن الأوفق بما تقدم من شرح حال الحياة الدنيا إنما هو ذكر المصائب الدنيوية فلذا خصت بالذكر لكان تاماً مطلقاً  إِنَّ ذلك  أي إثباتها في كتاب  عَلَى الله  لا غيره سبحانه  يَسِيرٌ  لاستغنائه تعالى فيه عن العدة والمدة، وإن أريد بذلك تحققها في علمه جل شأنه فيسره لأنه من مقتضيات ذاته عز وجل، وفي الآية رد على هشام بن الحكم الزاعم أنه سبحانه لا يعلم الحوادث قبل وقوعها، وفي الإكليل إن فيها رداً على القدرية، وجاء ذلك في خبر مرفوع، أخرج الديلمي عن سليم بن جابر الجهيمي قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :
**«سيفتح على أمتي باب من القدر في آخر الزمان لا يسدّه شيء يكفيكم منه أن تلقوه بهذه الآية ما أصاب من مصيبة »**. 
وأخرج الإمام أحمد. والحاكم وصححه عن أبي حسان أن رجلين دخلا على عائشة رضي الله تعالى عنها فقالا :**«إن أبا هريرة يحدث أن نبي الله صلى الله عليه وسلم كان يقول : إنما الطيرة في المرأة والدابة والدار فقالت : والذي أنزل القرآن على أبي القاسم صلى الله عليه وسلم ما هكذا كان يقول، ولكن كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : كان أهل الجاهلية يقولون : إنما الطيرة في المرأة والدابة والدار »** ثم قرأت  مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ  الآية.

### الآية 57:23

> ﻿لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَىٰ مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ ۗ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ [57:23]

لّكَيْلاَ تَأْسَوْاْ  أي أخبرناكم بذلك لئلا تحزنوا  على مَا فَاتَكُمْ  من نعم الدنيا  وَلاَ تَفْرَحُواْ بِمَا ءاتاكم  أي أعطاكموه الله تعالى منها فإن من علم أن الكل مقدر يفوت ما قدّر فواته ويأتي ما قدّر إتيانه لا محالة لا يعظم جزعه على ما فات ولا فرحه بما هو آت، وعلم كون الكل مقدراً مع أن المذكور سابقاً المصائب دون النعم وغيرها لأنه لا قائل بالفرق وليس في **«النظم الكريم »** اكتفاءً كما توهم، نعم إن حملت المصيبة على الحوادث من خير وشر كان أمر العلم أوضح كما لا يخفى وترك التعادل بين الفعلين في الصلتين حيث لم يسندا إلى شيء واحد بل أسند الأول إلى ضمير الموصول والثاني إلى ضميره تعالى لأن الفوات والعدم ذاتي للأشياء فلو خليت ونفسها لم تبق بخلاف حصولها وبقائها فإنه لا بد من استنادهما إليه عز وجل كما حقق في موضعه، وعليه قول الشاعر
: فلا تتبع الماضي سؤالك لم مضى  وعرج على الباقي وسائله لم بقيومثل هذه القراءة قراءة عبد الله أوتيتم مبنياً للمفعول أي أعطيتم، وقرأ أبو عمرو أتاكم من الإتيان أي جاءكم وعليها بين الفعلين تعادل، والمراد نفي الحزن المخرج إلى ما يذهب صاحبه عن الصبر والتسليم لأمر الله تعالى ورجاء ثواب الصابرين ونفي الفرح المطغي الملهي عن الشكر، وأما الحزن الذي لا يكاد الإنسان يخلو منه مع الاستسلام والسرور بنعمة الله تعالى والاعتداد بها مع الشكر فلا بأس بهما. 
أخرج جماعة منهم الحاكم وصححه عن ابن عباس أنه قال في الآية : ليس أحد إلا وهو يحزن ويفرح ولكن من أصابته مصيبة جعلها صبراً ومن أصابه خير جعله شكراً، وقوله تعالى :
  والله لاَ يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ  تذييل يفيد أن الفرح المذموم هو الموجب للبطر والاختيال والمختال المتكبر عن تخيل فضيلة تراءت له من نفسه، والفخور المباهي في الأشياء الخارجة عن المرء كالمال والجاه. 
وذكر بعضهم أن الاختيال في الفعل والفخر فيه وفي غيره، والمراد من لا يحب يبغض إذ لا واسطة بين الحب والبغض في حقه عز وجل وأولاً بالإثابة والتعذيب، ومذهب السلف ترك التأويل مع التنزيه، ومن لا يحب كل مختال لا يحب كل فرد فرد من ذلك لا أنه لا يحب البعض دون البعض ويرد بذلك على الشيخ عبد القاهر في قوله : إذا تأملنا وجدنا إدخال كل في حيز النفي لا يصلح إلا حيث يراد أن بعضاً كان وبعضاً لم يكن، نعم إن هذا الحكم أكثري لا كلي.

### الآية 57:24

> ﻿الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ ۗ وَمَنْ يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ [57:24]

وقوله تعالى : الذين يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ الناس بالبخل  بدل من  كُلَّ مُخْتَالٍ  \[ الحديد : ٢٣ \] بدل كل من كل فإن المختال بالمال يضن به غالباً ويأمر غيره بذلك، والظاهر أن المراد أنهم يأمرون حقيقة، وقيل : كانوا قدوة فكأنهم يأمرون أو هو خبر مبتدأ محذوف أي هم الذين الخ، أو مبتدأ خبره محذوف تقديره يعرضون عن الإنفاق الغني عنه الله عز وجل، ويدل عليه قوله تعالى : وَمَن يَتَوَلَّ فَإِنَّ الله هُوَ الغنى الحميد  فإن معناه ومن يعرض عن الإنفاق فإن الله سبحانه غني عنه وعن إنفاقه محمود في ذاته لا يضره الإعراض عن شكره بالتقرب إليه بشيء من نعمه جل جلاله، وقيل : تقديره مستغنى عنهم، أو موعودون بالعذاب أو مذمومون. 
وجوز أن يكون في موضع نصب على إضمار أعني أو على أنه نعت لكل مختال فإنه مخصص نوعاً مّا من التخصيص فساغ وصفه بالمعرفة وهذا ليس بشيء، وقال ابن عطية : جواز مثل ذلك مذهب الأخفش ولا يخفى ما في الجملة من الإشعار بالتهديد لمن تولى، وقرأ نافع. وابن عامر فإن الله الغني بإسقاط هو وكذا في مصاحف المدينة والشام وهو في القراءة الآخرى ضمير فصل، قال أبو علي : ولا يحسن أن يكون مبتدأ وإلا لم لم يجز حذفه في القراءة الثانية لأن ما بعده صالح لأن يكون خبراً فلا يكون هناك دليل على الحذف وهذا مبني على وجوب توافق القراءتين إعراباً وليس بلازم.

### الآية 57:25

> ﻿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ ۖ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ ۚ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ [57:25]

لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا  أي من بني آدم كما هو الظاهر  بالبينات  أي الحجج والمعجزات  وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الكتاب  أي جنس الكتاب الشامل للكل، والظرف حال مقدرة منه على ما قال أبو حيان، وقيل : مقارنة بتنزيل الاتصال منزلة المقارنة  والميزان  الآلة المعروفة بين الناس كما قال ابن زيد وغيره، وإنزاله إنزال أسبابه، ولو بعيدة، وأمر الناس باتخاذه مع تعليم كيفيته. 
 لِيَقُومَ الناس بالقسط  علة لإنزال الكتاب والميزان والقيام بالقسط أي بالعدل يشمل التسوية في أمور التعامل باستعمال الميزان، وفي أمور المعاد باحتذاء الكتاب وهو لفظ جامع مشتمل على جميع ما ينبغي الاتصاف به معاشاً ومعاداً. 
 وَأَنزْلْنَا الحديد  قال الحسن : أي خلقناه كقوله تعالى : وَأَنزَلَ لَكُمْ مّنَ الانعام ثمانية أزواج  \[ الزمر : ٦ \] وهو تفسير بلازم الشيء فإن كل مخلوق منزل باعتبار ثبوته في اللوح وتقديره موجوداً حيث ما ثبت فيه. 
وقال قطرب : هيأناه لكم وأنعمنا به عليكم من نزل الضيف  فِيهِ بَأْسٌ  أي عذاب  شَدِيدٍ  لأن آلات الحرب تتخذ منه، وهذا إشارة إلى احتياج الكتاب والميزان إلى القائم بالسيف ليحصل القيام بالقسط فإن الظلم من شيم النفوس، وقوله تعالى : ومنافع لِلنَّاسِ  أي في معايشهم ومصالحهم إذ ما من صنعة إلا والحديد أو ما يعمل به آلتها للإيماء إلى أن القيام بالقسط كما يحتاج إلى الوازع وهو القائم بالسيف يحتاج إلى ما به قوام التعايش، ومن يقوم بذلك أيضاً ليتم التمدن المحتاج إليه النوع، وليتم القيام بالقسط، كيف وهو شامل أيضاً لما يخص المرء وحده، والجملة الظرفية في موضع الحال، وقوله سبحانه :
 وَلِيَعْلَمَ الله مَن يَنصُرُهُ وَرُسُلَهُ  عطف على محذوف يدل عليه السياق أو الحال لأنها متضمنة للتعليل أي لينفعهم وليعلم الله علماً يتعلق به الجزاء من ينصره ورسله باستعمال آلات الحرب من الحديد في مجاهدة أعدائه والحذف للإشعار بأن الثاني هو المطلوب لذاته وأن الأول مقدمة له، وجوز تعلقه بمحذوف مؤخر والواو اعتراضية أي وليعلم الخ أنزله أو مقدم والواو عاطفة والجملة معطوفة على ما قبلها وقد حذف المعطوف وأقيم متعلقه مقامه، وقوله تعالى : بالغيب  حال من فاعل ينصر، أو من مفعوله أي غائباً منهم أو غائبين منه، وقوله عز وجل : إِنَّ الله قَوِىٌّ عَزِيزٌ  اعتراض تذييلي جيء به تحقيقاً للحق وتنبيهاً على أن تكليفهم الجهاد وتعريضهم للقتال ليس لحاجته سبحانه في إعلاء كلمته وإظهار دينه إلى نصرتهم بل إنما هو لينتفعوا به ويصلوا بامتثال الأمر فيه إلى الثواب وإلا فهو جل وعلا غني بقدرته وعزته عنهم في كل ما يريد. 
هذا وذهب الزمخشري إلى أن المراد بالرسل رسل الملائكة عليهم السلام أي أرسلناهم إلى الأنبياء عليهم السلام، وفسر البينات كما فسرنا بناءاً على الملائكة ترسل بالمعجزات كإرسالها بالحجج لتخبر بأنها معجزات وإلا فكان الظاهر الاقتصار على الحجج وإنزال الكتاب أي الوحي مع أولئك الرسل ظاهر، وإنزال الميزان بمعنى الآلة عنده على حقيقته، قال : روي أن جبريل عليه السلام نزل بالميزان فدفعه إلى نوح عليه السلام، وقال : مُرْ قومك يزنوا به، وفسره كثير بالعدل، وعن ابن عباس في إنزال الحديد نزل مع آدم عليه السلام الميقعة والسندان والكلبتان، وروى أنه نزل ومعه المرّ والمسحاة، وقيل : نزل ومعه خمسة أشياء من الحديد السندان والكلبتان والإبرة والمطرقة والميقعة، وفسرت بالمسن، وتجيء بمعنى المطرقة أو العظيمة منها، وقيل : ما تحدّ به الرحى، وفي حديث ابن عباس نزل آدم عليه السلام من الجنة بالباسنة وهي آلات الصناع، وقيل : سكة الحرث وليس بعربي محض والله تعالى أعلم. واستظهر أبو حيان كون ليقوم الناس بالقسط علة لإنزال الميزان فقط وجوز ما ذكرناه وهو الأولى فيما أرى.

### الآية 57:26

> ﻿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا وَإِبْرَاهِيمَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ ۖ فَمِنْهُمْ مُهْتَدٍ ۖ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ [57:26]

**وقوله تعالى :**
 وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحاً وإبراهيم  نوع تفصيل لما أجمل في قوله تعالى : لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا  \[ الحديد : ٢٥ \] وتكرير القسم لإظهار مزيد الاعتناء بالأمر أي وبالله لقد أرسلنا نوحاً وإبراهيم. 
 وَجَعَلْنَا في ذُرّيَّتِهِمَا النبوة والكتاب  بأن استنبأناهم وأوحينا إليهم الكتب، وقال ابن عباس : الكتاب الخط بالقلم، وفي مصحف عبد الله والنبية مكتوبة بالياء عوض الواو  فَمِنْهُمْ  أي من الذرية ؛ وقيل : أي من المرسل إليهم المدلول عليهم بذكر الإرسال والمرسلين  مُّهْتَدٍ وَكَثِيرٌ مّنْهُمْ فاسقون  خارجون عن الطريق المستقيم، ولم يقل ومنهم ضال مع أنه أظهر في المقابلة لأن ما عليه النظم الكريم أبلغ في الذم لأن الخروج عن الطريق المستقيم بعد الوصول بالتمكن منه، ومعرفته أبلغ من الضلال عنه ولإيذانه بغلبة أهل الضلال على غيرهم.

### الآية 57:27

> ﻿ثُمَّ قَفَّيْنَا عَلَىٰ آثَارِهِمْ بِرُسُلِنَا وَقَفَّيْنَا بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَآتَيْنَاهُ الْإِنْجِيلَ وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا ۖ فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ ۖ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ [57:27]

ثُمَّ قَفَّيْنَا على ءاثارهم بِرُسُلِنَا  أي أرسلنا بعدهم رسولاً بعد رسول، وأصل التقفية جعل الشيء خلف القفا، وضمير آثارهم لنوح وإبراهيم ومن أرسلا إليهم من قومهما. وقيل : لمن عاصرهما من الرسل عليهم السلام. 
واعترض بأنه لو عاصر رسول نوحاً فإما أن يرسل إلى قومه كهارون مع موسى عليهما السلام أو إلى غيرهم كلوط مع إبراهيم عليهما السلام ولا مجال للأول لمخالفته للواقع ولا إلى الثاني إذ ليس على الأرض قوم غيره، وأجيب بأن ذاك توجيه لجمع الضمير وكون لوط مع إبراهيم كاف فيه، وقيل : للذرية، وفيه أن الرسل المقفى بهم من الذرية فلو عاد الضمير عليهم لزم أنهم غيرهم أو اتحاد المقفى والمقفى به وتخصيص الذرية مرجع الضمير بالأوائل منهم خلاف الظاهر من غير قرينة تدل عليه  وَقَفَّيْنَا بِعِيسَى ابن مَرْيَمَ  جعلناه بعده. 
وحاصل المعنى أرسلنا رسولاً بعد رسول حتى انتهى الإرسال إلى عيسى عليه الصلاة والسلام  وءاتيناه  بأن أوحيناه إليه وليس هو الذي بين أيدي النصارى اليوم أعني المشتمل على قصة ولادته وقصة صلبه المفتراة ؛ وقرأ الحسن  أَهْلُ الإنجيل  بفتح الهمزة، قال أبو الفتح : وهو مثال لا نظير له، قال الزمخشري : وأمره أهون من أمر البرطيل بفتح الباء والكسر أشهر وهو حجر مستطيل واستعماله في الرشوة مولد مأخوذ منه بنوع تجوز لأنه عجمي وهذا عربي وهم يتلاعبون بالعجمي ولا يلتزمون فيه أوزانهم، وزعم بعض أن لفظ الإنجيل عربي من نجلت بمعنى استخرجت لاستخراج الأحكام منه  وَجَعَلْنَا في قُلُوبِ الذين اتبعوه رَأْفَةً وَرَحْمَةً  أي خلقنا أو صيرنا ففي قلوب في موضع المفعول الثاني وأياً مّا كان فالمراد جعلنا ذلك في قلوبهم فهم يرأف بعضهم ببعض ويرحم بعضهم بعضاً، ونظيره في شأن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم  رُحَمَاء بَيْنَهُمْ  \[ الفتح : ٢٩ \] والرأفة في المشهور الرحمة لكن قال بعض الأفاضل : إنها إذا ذكرت معها يراد بالرأفة ما فيه درء الشر ورأب الصدع، وبالرحمة ما فيه جلب الخير ولذا ترى في الأغلب تقديم الرأفة على الرحمة وذلك لأن درء المفاسد أهم من جلب المصالح وقرئ رآفة على فعالة كشجاعة  وَرَهْبَانِيَّةً  منصوب بفعل مضمر يفسره الظاهر أي وابتدعوا رهبانية. 
 ابتدعوها  فهو من باب الاشتغال، واعترض بأنه يشترط فيه كما قال ابن الشجري. وأبو حيان أن يكون الاسم السابق مختصاً يجوز وقوعه مبتدأ والمذكور نكرة لا مسوغ لها من مسوغات الابتداء، ورد بأنه على فرض تسليم هذا الشرط الاسم هنا موصوف معنى بما يؤخذ من تنوين التعظيم كما قيل في قولهم : شر أهر ذا ناب. 
ومما يدل عليه من النسبة كما ستسمعه إن شاء الله تعالى أو منصوب بالعطف على ما قبل، وجملة  ابتدعوها  في موضع الصفة والكلام على حذف مضاف أي وجعلنا في قلوبهم رأفة ورحمة وحب رهبانية مبتدعة لهم، وبعضهم جعله معطوفاً على ما ذكر ولم يتعرض للحذف، وقال : الرهبانية من أفعال العباد لأنها المبالغة في العبادة بالرياضة والانقطاع عن الناس، وأصل معناها الفعلة المنسوبة إلى الرهبان وهو الخائف فعلان من رهب كخشيان من خشي، وأفعال العباد يتعلق بها جعل الله تعالى عند أهل الحق وهي في عين كونها مخلوقة له تعالى مكتسبة للعبد، والزمخشري جوز العطف المذكور وفسر الجعل بالتوفيق كأنه قيل : وفقناهم للتراحم بينهم ولابتداع الرهبانية واستحداثها بناءاً على مذهبه أن الرهبانية فعل العبد المخلوق له باختياره، وفائدة  في قُلُوبِ  على هذا التصوير على ما قيل، ولا يخفى ما في هذا التفسير من العدول عن الظاهر لكن الإنصاف أنه لا يحسن العطف بدون هذا التأويل أو اعتبار حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه على ما تقدم أو تفسير الرهبانية بما هو من أفعال القلوب كالخوف المفرط المقتضى للغلو في التعبد ويرتكب نوع تجوز في ابتدعوها وما بعده كأن يكون المراد ابتداع أعمالها وآثارها أو ارتكاب استخدام في الكلام بأن يعتبر للرهبانية معنيان الخوف المفرط مثلاً، ويراد في جعلنا في قلوبهم رهبانية والأعمال التعبدية الشاقة كرفض الدنيا وشهواتها من النساء وغيرهن، ويراد في  ابتدعوها  وما بعده وليس الداعي للتأويل الاعتزال بل كون الرهبانية بمعنى الأعمال البدنية ليست مما تجعل في القلب كالرأفة والرحمة فتأمل. 
وقرئ  رُهبانية  بضم الراء وهي منسوبة إلى الرهبان بالضم وهو كما قال الراغب : يكون واحداً وجمعاً فالنسبة إليه باعتبار كونه واحداً ومن ظن اختصاص المضموم بالجمع قال : إنه لما اختص بطائفة مخصوصة أعطى حكم العلم فنسبته إليه كما قالوا في أنصار وأنصاري أو أن النسبة إلى رهبان المفتوح وضم الراء في المنسوب من تغييرات النسب كما في دهري بضم الدال، وقوله تعالى : ابتدعوها مَا كتبناها عَلَيْهِمْ . جملة مستأنفة، وقوله سبحانه :
 إِلاَّ ابتغاء رضوان الله  استثناء منقطع أي ما فرضناها نحن عليهم رأساً ولكن ابتدعوها وألزموا أنفسهم بها ابتغاء رضوان الله تعالى، وقوله تعالى : فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا  أي ما حافظوا عليها حق المحافظة ذم لهم من حيث إن ذلك كالنذر وهو عهد مع الله تعالى يجب رعايته لاسيما إذا قصد به رضاه عز وجل. 
واستدل بذلك على أن من اعتاد تطوعاً كره له تركه، وجوز أن يكون قوله تعالى : مَا كتبناها  الخ صفة أخرى لرهبانية والنفي متوجه إلى قيد الفعل لا نفسه كما في الوجه الأول، وقوله سبحانه : إِلاَّ ابتغاء  الخ استثناء متصل من أعم العلل أي ما قضيناها عليهم بأن جعلناهم يبتدعونها لشيء من الأشياء إلا ليبتغوا بها رضوان الله تعالى ويستحقوا بها الثواب، ومن ضرورة ذلك أن يحافظوا عليها ويراعوها حق رعايتها فما رعوها كذلك والوجه الأول مروى عن قتادة. 
وجماعة، وهذا مروى عن مجاهد ولا مخالفة عليه بين  ابتدعوها  و  وَمَا كتبناها عَلَيْهِمْ  الخ حيث إن الأول يقتضي أنهم لم يؤمروا بها أصلاً والثاني يقتضي أنهم أمروا بها لابتغاء رضوان الله تعالى لما أشرنا إليه من معنى  مَا كتبناها عَلَيْهِمْ إِلاَّ ابتغاء  الخ، ودفع بعضهم المخالفة بأن يقال : الأمر وقع بعد ابتداعها أو يؤل ابتدعوها بأنهم أول من فعلها بعد الأمر ويؤيد ما ذكره في الدفع أولاً ما أخرجه أبو داود. وأبو يعلى. والضياء عن أنس **«أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : لا تشددوا على أنفسكم فيشدد عليكم فإن قوماً شددوا على أنفسهم فشدد عليهم فتلك بقاياهم في الصوامع والديارات رهبانية مّا ابتدعوها ما كتبناها عليهم »** يعني الآية، والظاهر أن ضمير فما رعوها لأولئك الذين ابتدعوا الرهبانية، والمراد نفي وقوع الرعاية من كلهم على أن المعنى فما رعاها كلهم بل بعضهم، وليس المراد بالموصول فيما سبق أشخاصاً بأعيانهم بل المراد به ما يعم النصارى إلى زمان الإسلام ولا يضر في ذلك أن أصل الابتداع كان من قوم مخصوصين لأن إسناده على نحو الإسناد في بنو تميم قتلوا زيداً والقاتل بعضهم. 
وقال الضحاك. وغيره : الضمير في  فَمَا رَعَوْهَا  للأخلاف الذين جاءوا بعد المبتدعين والأول أوفق بالصناعة، والمراد بالذين آمنوا في قوله تعالى : ثُمَّ قَفَّيْنَا ءامَنُواْ مِنْهُمْ  الذين آمنوا إيماناً صحيحاً وهو لمن أدرك وقت النبي صلى الله عليه وسلم الإيمان به عليه الصلاة والسلام أي فآتينا الذين آمنوا منهم إيماناً صحيحاً بعد رعاية رهبانيتهم  أَجْرَهُمْ  أي ما يختص بهم من الأجر وهو الأجر على ما سلف منهم والأجر على الإيمان به عليه الصلاة والسلام، وليس المراد بهم الذين بقوا على رعاية الرهبانية إلى زمان البعثة ولم يؤمنوا لأن رعايتها لغو محض وكفر بحت وإنما لها استتباع الأجر، ويجوز أن يقال : إن الذين لم يرعوا الرهبانية حق رعايتها هم الذين كذبوه عليه الصلاة والسلام، قال الزجاج : قوله تعالى : فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا  على ضربين : أحدهما : أن يكونوا قصروا فيما ألزموه أنفسهم، والآخر : وهو الأجود أن يكونوا حين بعث النبي صلى الله عليه وسلم ولم يؤمنوا فكانوا تاركين لطاعة الله تعالى فما رعوا تلك الرهبانية، ودليل ذلك قوله تعالى : ثُمَّ قَفَّيْنَا على ءاثارهم  الخ انتهى، فحمل الذين آمنوا على من أدرك وقته عليه الصلاة والسلام منهم وآمن به صلى الله عليه وسلم والفاسقين في قوله تعالى : وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فاسقون  على الذين لم يؤمنوا به صلى الله عليه وسلم، ومقتضى حمل الذين آمنوا على ما سمعت أولاً حمله على الأعم الشامل لمن خرج عن اتباع عيسى عليه السلام من قبل وحمل الفريقين على من مضى من المراعين لحقوق الرهبانية قبل النسخ والمخلين بها إذ ذاك بالتثليث والقول بالاتحاد وقصد السمعة ونحو ذلك من غير تعرض لإيمانهم برسول الله صلى الله عليه وسلم وكفرهم به مما لا يساعده المقام. 
وفي الآثار ما يأباه ففي حديث طويل أخرجه جماعة منهم الحاكم وصححه. والبيهقي في **«شعب الإيمان »** من طرق عن ابن مسعود " اختلف من كان قبلنا على ثنتين وسبعين فرقة نجا منها ثلاث وهلك سائرها فرقة وازت الملوك وقاتلتهم على دين الله وعيسى ابن مريم، وفرقة لم تكن لهم طاقة بموازاة الملوك فأقاموا بين ظهراني قومهم فدعوهم إلى دين الله ودين عيسى فقتلتهم الملوك ونشرتهم بالمناشر، وفرقة لم تكن لهم طاقة بموازاة الملوك ولا بالمقام معهم فساحوا في الجبال وترهبوا فيها وهم الذين قال الله : وَرَهْبَانِيَّةً ابتدعوها مَا كتبناها عَلَيْهِمْ إِلاَّ ابتغاء رضوان الله فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا فَئَاتَيْنَا الذين ءامَنُواْ مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ  الذين آمنوا بي وصدقوني  وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فاسقون  الذين حجدوا بي وكفروا بي " وهذا الخبر يؤيد ما استجوده الزجاج، ويعلم منه أيضاً سبب ابتداع الرهبانية وليس في الآية ما يدل على ذم البدعة مطلقاً، والذي تدل عليه ظاهراً ذم عدم رعاية ما التزموه، وتفصيل الكلام في البدعة ما ذكره الإمام محيي الدين النووي في شرح **«صحيح مسلم »**. قال العلماء : البدعة خمسة أقسام واجبة ومندوبة. ومحرمة. ومكروهة. ومباحة فمن الواجبة تعلم أدلة المتكلمين للرد على الملاحدة والمبتدعين وشبه. ذلك، ومن المندوبة تصنيف كتب العلم وبناء المدارس والربط وغير ذلك، ومن المباحة التبسط في ألوان الأطعمة وغير ذلك، والحرام والمكروه ظاهران، فعلم أن قوله صلى الله عليه وسلم **«كل بدعة ضلالة »** من العام المخصوص. 
وقال صاحب جامع الأصول : الابتداع من المخلوقين إن كان في خلاف ما أمر الله تعالى به ورسوله صلى الله عليه وسلم فهو في حيز الذم والإنكار وإن كان واقعاً تحت عموم ما ندب الله تعالى إليه وحض عليه أو رسوله صلى الله عليه وسلم فهو في حيز المدح وإن لم يكن مثاله موجوداً كنوع من الجود والسخاء وفعل المعروف، ويعضد ذلك قول عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه في صلاة التراويح : نعمت البدعة هذه. 
من باب الإشارة : فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا  \[ الحديد : ٢٧ \] أوردها الصوفية في باب الرعاية وقسموها إلى رعاية الأعمال والأحوال والأوقات ويرجع ما قالوه فيها على ما قيل إلى حفظها عن إيقاع خلل فيها.

### الآية 57:28

> ﻿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ۚ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ [57:28]

يَأَيُّهَا الذين ءامَنُواْ  استظهر أبو حيان كون الخطاب لمن آمن من أمته صلى الله عليه وسلم غير أهل الكتاب والآثار تؤيد ذلك، أخرج الطبراني في **«الأوسط »** عن ابن عباس. وابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير قالا : إن أربعين من أصحاب النجاشي قدموا على النبي صلى الله عليه وسلم فشهدوا معه أحداً فكانت فيهم جراحات ولم يقتل منهم أحد فلما رأوا ما بالمؤمنين من الحاجة قالوا : يا رسول الله إنا أهل ميسرة فأذن لنا نجيء بأموالنا نواسي بها المسلمين فأنزل الله تعالى فيهم : الذي آتيناهم الكتاب مِن قَبْلِهِ هُم بِهِ يُؤْمِنُونَ  إلى قوله سبحانه : أُوْلَئِكَ يُؤْتُونَ أَجْرَهُم مَّرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُواْ  \[ القصص : ٥٢، ٥٤ \] فجعل لهم أجرين فلما نزلت هذه الآية قالوا : يا معشر المسلمين أما من آمن منا بكتابكم فله أجران ومن لم يؤمن بكتابكم فله أجر كأجوركم فأنزل الله تعالى  ذَلِكَ بِأَنَّ الذين كَفَرُواْ  الآية أي راداً عليهم قولهم : ومن لم يؤمن بكتابكم فله أجر كأجوركم. 
وفي **«الكشاف »** إن قائل ذلك من لم يكن آمن من أهل الكتاب قالوه حين سمعوا تلك الآية يفخرون به على المسلمين، والمعنى يا أيها الذين اتصفوا بالإيمان  اتقوا الله  أثبتوا على تثواه عز وجل فيما نهاكم عنه. 
 وَءامِنُواْ بِرَسُولِهِ  وأثبتوا على الإيمان برسوله الذي أرسله إليكم وهو محمد صلى الله عليه وسلم، وفي التعبير عنه بذلك ما لا يخفى من الدلالة على جلالة قدره عليه الصلاة والسلام  يُؤْتِكُمْ  بسبب ذلك. 
 كِفْلَيْنِ مِن رَّحْمَتِهِ  قال أبو موسى الأشعري : ضعفين بلسان الحبشة، وقال غير واحد : نصيبين، والمراد إيتاؤهم أجرين كمؤمني أهل الكتاب كأنه قيل : يؤتكم ما وعد من آمن من أهل الكتاب من الأجرين لأنكم مثلهم في الإيمان بالرسل المتقدمين وبخاتمهم صلى الله عليه وسلم عليهم أجمعين لا تفرقون بين أحد من رسله. 
وقال الراغب : الكفل الحظ الذي فيه الكفاية كأنه تكفل بأمره، والكفلان هما المرغوب فيهما بقوله تعالى : رَبَّنَا ءاتِنَا في الدنيا حَسَنَةً وَفِي الآخرة حَسَنَةً  \[ البقرة : ٢٠١ \]. 
 وَيَجْعَل لَّكُمْ نُوراً تَمْشُونَ بِهِ  يوم القيامة وهو النور المذكور في قوله تعالى : يسعى نُورُهُم بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وبأيمانهم  \[ الحديد : ١٢ \]  وَيَغْفِرْ لَكُمْ  ما سلف منكم  والله غَفُورٌ رَّحِيمٌ  أي مبالغ في المغفرة والرحمة فلا بدع إذا فعل سبحانه ما فعل. 
من باب الإشارة : يا أيها الذين ءامَنُواْ اتقوا الله وَءامِنُواْ بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِن رَّحْمَتِهِ  أي نصيبين نصيباً من معارف الصفات الفعلية ونصيباً من معارف الصفات الذاتية  وَيَجْعَل لَّكُمْ نُوراً  من نور ذاته عز وجل وهو على ما قيل : إشارة إلى البقاء بعد الفناء، وقيل : هذا النور إشارة إلى نور الكشف والمشاهدة رتب سبحانه جعله للمؤمن على تقواه وإيمانه برسوله الأعظم صلى الله عليه وسلم، وقيل : هو نور العلم النافع الذي يتمكن معه من السير في الحضرات الإلهية كما يشير إليه وصفه بقوله عز وجل : تَمْشُونَ بِهِ  \[ الحديد : ٢٨ \] ؛ وفي بعض الآثار **«من عمل بما علم علمه الله تعالى علم ما لم يعلم »** وقال سبحانه : اتقوا الله \* وَيُعَلّمُكُمُ الله  \[ البقرة : ٢٨٢ \] وكل ذلك في الحقيقة فضل الله تعالى والله عز وجل ذو الفضل العظيم نسأله سبحانه أن لا يحرمنا من فضله العظيم ولطفه العميم وأن يثبتنا على متابعة حبيبه الكريم عليه من الله تعالى أفضل الصلاة وأكمل التسليم.

### الآية 57:29

> ﻿لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَلَّا يَقْدِرُونَ عَلَىٰ شَيْءٍ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ ۙ وَأَنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ ۚ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ [57:29]

وقوله تعالى : لّئَلاَّ يَعْلَمَ أَهْلُ الكتاب أَلاَّ يَقْدِرُونَ على شيء مّن فَضْلِ الله  قيل : متعلق بمضمون الجملة الطلبية المتضمنة لمعنى الشرط إذ التقدير إن تتقوا الله وتؤمنوا برسوله يؤتكم كذا وكذا لئلا الخ، وقيل : متعلق بالأفعال الثلاثة قبله على التنازع، أو بمقدر كفعل ذلك وأعلمهم ونحوه و  لا  مزيدة مثلها في قوله تعالى : مَا مَنَعَكَ أَلاَّ تَسْجُدَ  \[ الأعراف : ١٢ \] ويجوز زيادتها مع القرينة كثيراً و  أن  مخففة من الثقيلة واسمها المحذوف ضمير أهل الكتاب أي أنهم، وقيل : ضمير الشأن وما بعد خبرها والجملة في حيز النصب على أنها مفعول يعلم أي ليعلم أهل الكتاب القائلون من آمن بكتابكم منا فله أجران ومن لم يؤمن بكتابكم فله أجر كأجوركم أنهم لا ينالون شيئاً من فضل الله من الأجرين وغيرهما ولا يتمكنون من نيله ما لم يؤمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم وحاصله الإعلام بأن إيمانهم بنبيهم لا ينفعهم شيئاً ما لم يؤمنوا بالنبي عليه الصلاة والسلام فقولهم : من لم يؤمن بكتابكم فله أجر باطل. 
 وأخرج ابن أبي حاتم عن مقاتل بن حيان قال : لما نزلت  أُوْلَئِكَ يُؤْتُونَ أَجْرَهُم مَّرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُواْ  \[ القصص : ٥٤ \] فخر مؤمنو أهل الكتاب على أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا : لنا أجران ولكم أجر فاشتد ذلك على أصحابه عليه الصلاة والسلام فأنزل الله تعالى : ذَلِكَ بِأَنَّ الذين كَفَرُواْ  \[ الحديد : ٢٨ \] الخ فجعل لهم سبحانه أجرين مثل ما لمؤمني أهل الكتاب، وقال الثعلبي : فأنزل الله تعالى : يا أيها الذين ءامَنُواْ اتقوا الله  الآية فجعل لهم أجرين وزادهم النور ثم قال سبحانه : لّئَلاَّ يَعْلَمَ  الخ، وحاصله على هذا ليعلموا أنهم ليسوا ملاك فضله عز وجل فيزووه عن المؤمنين ويستبدوا به دونهم، وقوله تعالى : وَأَنَّ الفضل بِيَدِ الله  عطف على أن لا يقدرون داخل معه في حيز العلم، وقوله سبحانه : يُؤْتِيهِ مَن يَشَاء  خبر ثان لأن أو هو الخبر وما قبله على ما قيل : حال لازمة أو استئناف، وقوله عز وجل : والله ذُو الفضل العظيم  اعتراض تذييلي مقرر لمضمون ما قبله. 
وذهب بعض إلى أن الخطاب لمن آمن من أهل الكتاب اليهود والنصارى أو لمن يؤمن منهم بعد، فالمعنى يا أيها الذين آمنوا بموسى وعيسى عليهما السلام آمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم أي أثبتوا على الإيمان به أو أحدثوا الإيمان به عليه الصلاة والسلام يؤتكم نصيبين من رحمته نصيباً على إيمانكم بمن آمنتم به أولاً ونصيباً على إيمانكم بمحمد صلى الله عليه وسلم آخراً ليعلم الذين لم يؤمنوا من أهل الكتاب أنهم لا ينالون شيئاً مما يناله المؤمنون منهم ولا يتمكنون من نيله حيث لم يأتوا بشرطه الذي هو الإيمان برسوله صلى الله عليه وسلم، وأيد ذلك بما في **«صحيح البخاري »** :**«من كانت له أمة علمها فأحسن تعليمها وأدبها فأحسن تأديبها وأعتقها وتزوجها فله أجران، وأيما رجل من أهل الكتاب آمن بنبيه وآمن بي فله أجران، وأيما مملوك أدى حق الله تعالى وحق مواليه فله أجران »** ولا إشكال في ذلك بالنسبة إلى النصارى، ولذا قيل : الخطاب لهم لأن ملتهم غير منسوخة قيل ظهور الملة المحمدية ومعرفتهم بها فيثابون على العمل بها حتى يجب عليهم الإيمان بالنبي صلى الله عليه وسلم فإذا آمنوا أثيبوا أيضاً فكان لهم ثوابان، نعم قد يستشكل بالنسبة إلى غيرهم لأن مللهم منسوخة بملة عيسى عليه السلام والمنسوخ لا ثواب في العمل به، ويجاب بأنه لا يبعد أن يثابوا على العمل بملتهم السابقة وإن كانت منسوخة ببركة الإسلام. 
وأجاب بعضهم أن الإثابة على نفس إيمان ذلك الكتابي بنبيه وإن كان منسوخ الشريعة فإن الإيمان بكل نبي فرض سواء كان منسوخ الشريعة أم لا، وقيل : إن  لا  في  لِأَنْ لاَ يَعْلَمَ  غير مزيدة وضمير لا يقدرون للنبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنين أي فعلنا ما فعلنا لئلا يعتقد أهل الكتاب أن الشأن لا يقدر النبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنون به على شيء من فضل الله تعالى الذي هو عبارة عما أوتوه من سعادة الدارين ولا ينالونه، أو أنهم أي النبي عليه الصلاة والسلام والمؤمنون لا يقدرون الخ، على أن عدم علمهم بعدم قدرتهم على ذلك كناية عن علمهم بقدرتهم عليه فيكون قوله سبحانه : وَأَنَّ الفضل  الخ معطوفاً على أن لا يعلم داخلاً معه في حيز التعليل دون أن لا يقدر فكأنه قيل : فعلنا لئلا يعتقدوا كذا ولأن الفضل بيد الله فيكون من عطف الغاية على الغاية بناءاً على المشهور ولتكلف هذا القيل مع مخالفته لبعض القراءات لم يذهب إليه معظم المفسرين، وقرأ خطاب ابن عبد الله لأن لا يعلم بالإظهار، وعبد الله بن مسعود. وابن عباس. وعكرمة. والجحدري. وعبد الله بن سلمة على اختلاف ليعلم، وقرأ الجحدري أيضاً وليعلم على أن أصله لئن يعلم فقلبت الهمزة ياءاً لكسرة ما قبلها وأدغمت النون في الياء بغير غنة، وروى ابن مجاهد عن الحسن ليلاً مثل ليلى اسم المرأة  يَعْلَمْ  بالرفع، ووجه بأن أصله لأن لا بفتح لام الجر وهي لغة وعليه قوله :

أريد لأنسى ذكرها فكأنما  تمثل لي ليلى بكل سبيلفحذفت الهمزة اعتباطاً وأدغمت النون في اللام فصار للا فاجتمعت الأمثال وثقل النطق بها فأبدلوا من اللام المدغمة ياءاً نظير ما فعلوا في قيراط ودينار حيث أن الأصل قراط ودنار فأبدلوا أحد المثلين فيهما ياءاً للتخفيف فصار ليلا ورفع الفعل لأن أن هي المخففة من الثقيلة لا الناصبة للمضارع، وروى قطرب عن الحسن أيضاً ليلاً بكسر اللام ووجهه كالذي قبله إلا أن كسر اللام على اللغة الشهيرة في لام الجر ؛ وعن ابن عباس كي يعلم، وعنه أيضاً لكيلا يعلم، وعن عبد الله
وابن جبير. وعكرمة لكي يعلم. 
وقرأ عبد الله أن لا يقدروا بحذف النون على أن إن هي الناصبة للمضارع، والله تعالى أعلم.

## روابط ذات صلة

- [النص القرآني للسورة](https://quranpedia.net/surah/1/57.md)
- [كل تفاسير سورة الحديد
](https://quranpedia.net/surah-tafsir/57.md)
- [ترجمات سورة الحديد
](https://quranpedia.net/translations/57.md)
- [صفحة الكتاب: روح المعاني](https://quranpedia.net/book/301.md)
- [المؤلف: الألوسي](https://quranpedia.net/person/4400.md)

---

زُر [Quranpedia.net](https://quranpedia.net/surah/1/57/book/301) — موسوعة القرآن الكريم: التفاسير، الترجمات، التلاوات، والمواضيع.
