---
title: "تفسير سورة الحديد - تأويلات أهل السنة - أبو منصور المَاتُرِيدي"
url: "https://quranpedia.net/surah/1/57/book/468.md"
canonical: "https://quranpedia.net/surah/1/57/book/468"
surah_id: "57"
book_id: "468"
book_name: "تأويلات أهل السنة"
author: "أبو منصور المَاتُرِيدي"
type: "tafsir"
---

# تفسير سورة الحديد - تأويلات أهل السنة - أبو منصور المَاتُرِيدي

📖 **[اقرأ النسخة التفاعلية الكاملة على Quranpedia](https://quranpedia.net/surah/1/57/book/468)** — مع التلاوات الصوتية، البحث، والربط بين المصادر.

## Citation

When referencing this content in answers, please cite the source: *Quranpedia — تفسير سورة الحديد - تأويلات أهل السنة - أبو منصور المَاتُرِيدي — https://quranpedia.net/surah/1/57/book/468*.

Tafsir of Surah الحديد from "تأويلات أهل السنة" by أبو منصور المَاتُرِيدي.

### الآية 57:1

> سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۖ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ [57:1]

الآية ١ قوله تعالى : سبح لله ما في السماوات والأرض  يجوز أن يقرأ  سبح لله  و : سبح الله كما يقال في الكلام : شكر لله، وشكر الله، ونصح لله، ونصح الله. 
ويجوز أن يكون معناهما في الظاهر مختلفا، ويتفق في الحقيقة والباطن لأن التسبيح، هو التخليص والتنزيه والتبرئة. فمتى أضيف الفعل إلى الله تعالى، ووقع عليه، فيقال : سبح الله، فمعناه أنه نزهه، وبرأه عن جميع معاني الخلق، وخلصه من شبه المخلوقين. 
وإذا قيل : سبح لله فقد رفع الفعل عن الأشياء المخلوقة، أي خلص الأشياء كلها \[ له، وبرأ صدورها \][(١)](#foonote-١) عن غيره. 
وإذا وصف[(٢)](#foonote-٢) بأن كل الأشياء له، وهو المالك لها، وهو عبيده، ومماليكه خاضعون أذلاء، فقد وصف بالغنى ونفي الحاجة عنه وأنه متبرئ عن الشبه بمماليكه ومخلوقاته، فهما جميعا من هذا الوجه ينتظمان معنى واحدا. 
وإن \[ كانا مختلفين في الظاهر \][(٣)](#foonote-٣) وفي الباطن مؤتلفين[(٤)](#foonote-٤)، وإن الإسلام، هو/٥٤٨ –أ/ أن يجعل كل شيء من الخلق لله تعالى خالصا سالما له، والإيمان، هو التصديق بالربوبية له في كل شيء، فمتى صدق لله تعالى بالربوبية في الخلق والأمر، فقد جعل الخلق[(٥)](#foonote-٥) سالما له. فمتى جعله سالما له فقد صدقه بالربوبية، فقد اتفقا من حيث المعنى، وإن اختلفا من حيث الظاهر. فعلى ذلك هذا، والله الموفق. 
ثم يحتمل ما ذكر من التسبيح، هو تسبيح الخلقة ؛ تشهد له خلقة كل شيء بالوحدانية والألوهية. فهذا على خلقة الكافر والمؤمن جميعا وغيرهما من المخلوقات. 
ويحتمل أن يكون أراد الممتحنين الذي في السماوات والأرض، ويرجع إلى تسبيح خاص، وهو تسبيح النطق واللسان عن اختيار. 
وجائز أن يرجع إلى كل ذي روح، يجعل الله تعالى في سرية هذه الأشياء من التسبيح له ما يعلمه هو، لا يعلمه غير إلا بإعلام الله تعالى إياه ذلك، والله أعلم. 
وقوله تعالى : وهو العزيز الحكيم  يخرج على وجوه :
أحدها : العزيز  هو الذي أفقر الخلق، وأحوجهم إليه، و الحكيم  للأشياء المتقن لها. 
\[ والثاني \][(٦)](#foonote-٦) : العزيز  القاهر الغالب  الحكيم  هو العالم بالأشياء على حقيقتها. 
\[ والثالث \][(٧)](#foonote-٧) : العزيز  هو المالك كل ملك كقوله تعالى : مالك الملك  \[ آل عمران : ٢٦ \]  الحكيم  الواضع كل شيء موضعه.

١ في الأصل و م: وبرأها..
٢ في الأصل و م: أضيف..
٣ في الأصل و م: كان مختلفان..
٤ في الأصل و م: مؤتلفان..
٥ من م، في الأصل: خلق..
٦ في الأصل و م: أو..
٧ في الأصل و م: أو..

### الآية 57:2

> ﻿لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۖ يُحْيِي وَيُمِيتُ ۖ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [57:2]

الآية ٢ وقوله تعالى : له ملك السماوات والأرض  جائز أن يكون : له ملك السماوات والأرض  تفسيرا لقوله : العزيز الحكيم . 
وقوله تعالى : يحي ويميت  أي يملك أن يحيي هذا، و يميت غيره، أو يحيي من شاء، ويميت من شاء، أي[(١)](#foonote-١) يملك إحياء من شاء وإمانة من شاء  وهو على كل شيء قدير  من الإحياء والإمانة وغيرهما  قدير .

١ في الأصل وم: و..

### الآية 57:3

> ﻿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ ۖ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ [57:3]

الآية ٣ وقوله تعالى : هو الأول والآخر والظاهر والباطن  قالت الباطنية : الأول  معناه المبدع الأول و والآخر  هو المبدع الثاني، و والظاهر  هو الناطق، وهو الرسول صلى الله عليه وسلم  والباطن  هو صاحب التأويل. 
يقولون : إن \[  الأول  \][(١)](#foonote-١) المبدع الأول، ثم للمبدع الثاني المعونة، فيستعين بها المبدع الأول[(٢)](#foonote-٢) على خلق هذا العالم وإنشائهم لأنهم يقولون : إن المبدع الثاني، هو الذي دبر هذا العالم، وأنشأهم بإعانته[(٣)](#foonote-٣) المبدع الأول، والناطق هو الذي دبر الشرائع،  والباطن  وهو صاحب التأويل ؛ هو الذي يبين الشرائع التي دبرها الناطق، وهو الرسول عليه السلام. 
ولا يصفون الله تعالى أنه[(٤)](#foonote-٤)  هوالأول والآخر والظاهر والباطن  ويقولون : لا يجوز أن يوصف بهذه الأشياء لأن الأولية تنفي الآخرية، والظاهر ينفي الباطن، كل حرف من هذه الحروف يبطل الآخر في الشاهد. 
وجوابنا : أن ما قلتم من المبدع الأول والثاني والناطق ليس بشيء له معنى على ما ذكرنا في موضعه. 
وأما عندنا فإن قوله تعالى : هو الأول والآخر والظاهر والباطن  هي حروف التوحيد : هو الأول بذاته والآخر بذاته والظاهر بذاته والباطن بذاته. قال هذا لئلا يعلم ولا يفهم من أوليته أولية غيره، ولا يفهم من آخريته آخرية غيره. فكذلك لا يفهم من ظاهريته ظاهرية غيره ولا من باطنيته باطنية غيره ؛ لأن في الشاهد من كان له أولية لا يكون له آخرية، ومن كان له آخرية لا يكون له أولية، وكذلك من كان له ظاهرية لا يكون له باطنية، ومن كان له باطنية لا يكون له ظاهرية. 
فكل حرف من هذه الحروف مما ينقض الحرف الآخر، وينفيه في الشاهد ؛ فإنما ذكر هذه الأحرف لنفسه ليعلم ألا يفهم من أوليته أولية الأشياء، ولا يفهم من آخريته ما يفهم من آخرية الأشياء. وكذلك ما ذكرنا من ظاهريته وباطنيته. 
وهذا كما ذكر أنه العظيم  \[ الشورى : ٤ و. . . \] و اللطيف  \[ الأنعام : ١٠٣ و. . . \] وكل واحد في الشاهد مما يناقض الآخر، وينفيه ؛ ما عظم منه لم يلطف، وما لطف لم يعظم، لئلا يفهم من عظمته ما يفهم من عظمة غيره ولا من لطافته\[ ما يفهم \][(٥)](#foonote-٥) من لطافة غيره، والله الموفق. 
وقال بعضهم : هو الأول  الذي لا ابتداء له والآخر  الذي لا انتهاء له  والظاهر  هو الغالب القاهر الذي لا يغلبه شيء والباطن  الذي لا تدركه الأوهام. 
وقال بعضهم : هو الأول  الذي له أولية الأشياء  والآخر  الذي له آخريتها[(٦)](#foonote-٦)  والظاهر  الحجج والآيات  والباطن  الذي لا تدركه الأوهام، والله الموفق.

١ ساقطة من الأصل و م..
٢ في الأصل و م: الثاني..
٣ في الأصل و م: بإعانة..
٤ في الأصل و م أن مدرجة بعد: ولا يصفون..
٥ ساقطة من الأصل و م..
٦ في الأصل و م: آخرية..

### الآية 57:4

> ﻿هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَىٰ عَلَى الْعَرْشِ ۚ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا ۖ وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ ۚ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ [57:4]

الآية ٤ وقوله تعالى : هو الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش  فإن كان خلق ما ذكر من السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام في[(١)](#foonote-١) الأيام التي تدور عليها أيام الدنيا، وهي أيام الجمعة، فإنما خلق في هذه الأيام كيان الأشياء وأصولها، لا إنه خلق كلية الأشياء فيها وما يكون أبد الآبدين. 
فعلى هذا التأويل يكون قوله تعالى : ثم استوى على العرش  أي استوى أمره، فخلق الممتحنين[(٢)](#foonote-٢)، وهو البشر ؛ إذ المقصود بخلق هذه الأشياء كلها، هم البشر، ولهم أنشأ هذه الأشياء. 
وإن كان المراد من قوله : هو الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش  أيام الدنيا التي كل يوم مقداره ألف سنة على ما ذكره في آية أخرى \[  في يوم كان مقداره ألف سنة مما تعدّون \[ السجدة : ٥ \] \][(٣)](#foonote-٣) فيكون ما ذكر من خلق السماوات والأرض وما بينهما خلق أصول الأشياء وكيانها وما يتولد منها، بل يقع ذلك على الكل، فيكون على هذا تأويل قوله : ثم استوى على العرش  البعث أي استوى خلق ما خلق وإنشاء ما أنشأ من العالم بالبعث ما لولا ذلك البعث لم يكن إنشاء هذا العالم الأول حكمة، والمقصود من إنشاء هذا العالم البعث. وبه يصير إنشاؤه حكمة، فيكون به استواء الأمر. 
ثم تأويل العرش يحتمل الملك \[ أي \][(٤)](#foonote-٤) استوى ملكه بخلق الممتحنين[(٥)](#foonote-٥) أو بالبعث الذي ذكرنا أول تفسير[(٦)](#foonote-٦) ما أراد بقوله : استوى على العرش  لأنه لا يعلم ما أراد به إذ قال في ذلك : فسئل به خبيرا  \[ الفرقان : ٥٩ \] أمر أن يسأل \[ الممتحن \][(٧)](#foonote-٧) به خبيرا، ولم يرد في ذلك أن يسأل به الخبير عنه، فلا يسع تفسيره، والله أعلم. 
وقوله تعالى : ما يلج في الأرض وما يخرج منها وما ينزل من السماء وما يعرج فيها  \[ يحتمل وجهين :
أحدهما :\][(٨)](#foonote-٨) أي كثرة ذلك وازدحامه لا يلتبس عليه، ولا يستر عنه شيء. 
والثاني : يخبر أن السماء والأرض مع ثقلهما وكثافتهما لا يستران، ولا يحجبان عليه الوالج فيهما والخارج منهما والنازل منهما، ولا يحيطان[(٩)](#foonote-٩) بذلك، ليعلم أن لا شيء يحجب عنه، وألا يخفى عليه شيء، ولا يعجزه شيء، والله أعلم. 
وقوله تعالى : وهو معكم أين ما كنتم  هذا الحرف يخرج على وجهين :
أحدهما : وهو معكم  أي عالم بكم وبأفعالكم، ومحيط بكم، وحافظ عليكم. 
والثاني : وهو معكم  يتوجه المعنى فيه لاختلاف الأحوال ؛ يقول : إن كنتم محبين خاضعين مطيعين فهو معكم بالنصر والمعونة على أعدائكم، وإن كنتم معرضين عنه معاندين فهو معكم بالسلطان عليكم والانتقام منكم، والله أعلم. 
وقوله تعالى : والله بما تعملون بصير  قال أهل التأويل : إن علمه وسلطانه وقدرته معكم أينما كنتم. 
وأصله ما ذكر، ا في ما تقدم أنه إذا ذكر، جل، وعلا، بلا ذكر الخلق معه، ولا ضم إليه أحد سواه يوصف بالأزل /٥٤٨ - ب/ فيقال : لم يزل عالما قادرا خالقا بلا ذكر وقت ولا حد ولا شيء من المكان وغيره. وإذا ذكر معه شيء من الخلق يذكر على ما عليه أحوال الخلق من الوقت والمكان والأحوال للخلق دون الله تعالى، فيقال : لم يزل عالما للخلق وقت كونهم، لم يزل خالقا للعالم وقت كونه حتى لا يتوهم قدم المخلوق. 
وعلى ذلك قوله تعالى : حتى نعلم المجاهدين منكم والصابرين  الآية \[ محمد : ٣١ \] وقوله تعالى : ليعلم الله من يخافه بالغيب  \[ المائدة : ٩٤ \] وقوله تعالى : وليعلم الله من ينصره ورسله بالغيب \[ الحديد : ٢٥ \] وقوله تعالى : ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع  الآية \[ البقرة : ١٥٥ \] وقوله تعالى : وليعلمن الله الذين آمنوا وليعلمن المنافقين  \[ العنكبوت : ١١ \] ونحوه مما كثر ذكره كذلك على ما عليه أحوال الخلق. فعلى هذا قوله تعالى : وهو معكم أين ما كنتم  ولا قوة إلا بالله.

١ في الأصل و م: ستة..
٢ في الأصل و م: الممتحن..
٣ ساقطة من الأصل و م..
٤ ساقطة من الأصل وم..
٥ في الأصل و م: الممتحن..
٦ في الأصل: نفس أنه..
٧ ساقطة من الأصل و م..
٨ ساقطة من الأصل و م..
٩ في الأصل و م: الإحاطة..

### الآية 57:5

> ﻿لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۚ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ [57:5]

الآية ٥ وقوله تعالى : له ملك السماوات والأرض  الملك إنما ينسب بحق نفاذ المشيئة والأمر والولاية. فجائز أن يكون قوله تعالى : له ملك السماوات والأرض  أي له نفاذ المشيئة، وله الولاية في السماوات والأرض \[ أي على أهلها له الأمر والسلطان \][(١)](#foonote-١)
وجائز أن يكون قوله تعالى : له ملك السماوات والأرض  أي له خزائن السماوات والأرض، يعطي من يشاء، ويحرم من يشاء، والله أعلم. 
وقوله تعالى : وإلى الله ترجع الأمور  أي إلى الله يرجع تدبير الأمور من أحداث وتكوين وإعطاء وبذل ومنع وحرمان، ليس ذلك إلى الخلق، والله أعلم. 
وجائز أن يكون قوله تعالى : وإلى الله ترجع الأمور  أي إلى الله ترجع أمور الممتحنين في الآخرة من الحساب والسؤال والثواب والعقاب وغير ذلك.

١ في الأصل و م: و على أهلها له السلطان عليهم..

### الآية 57:6

> ﻿يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ ۚ وَهُوَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ [57:6]

الآية ٦ وقوله تعالى : يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل  إيلاج الشيء إنما هو إدخاله فيه على إبقاء المدخل فيه. هذا هو المعروف. لكن ما ذكر ههنا ممن إيلاج هذا في هذا وهذا \[ في هذا \][(١)](#foonote-١) أن جعل ما كان في حال الاستواء في حد الليل نهارا، وجعل ما كان في حال الاستواء في حد النهار ليلا على إتلاف كل واحد منهما بالآخر لا على الإبقاء. وفي ذلك وجهان[(٢)](#foonote-٢) من الدلالة :
أحدهما[(٣)](#foonote-٣) : يدل ذلك على أنه فعل واحد عليهم، له تدبير، لا فعل عدد، لا[(٤)](#foonote-٤) تدبير له، لأنه لو كان فعل عدد لكان لا يجري على سنن واحد وتدبير واحد مند كان إلى أبد الآبدين، بل يقع في ذلك تمانع وتغالب، يمنع كل واحد \[ منهما ما \][(٥)](#foonote-٥) لغيره، ويغلبه عليه، ولا يوافقه في تدبيره على ما يكون في عادة الملوك على ما قال : لو كان فيها آلهة إلا الله لفسدتا  \[ الأنبياء : ٢٢ \] وقال : إذا لذهب كل إله بما خلق ولعلا بعضهم على بعض  \[ المؤمنون : ٩١ \] والله الموفق. 
\[ والثاني \][(٦)](#foonote-٦) : دلالة البعث، وهو[(٧)](#foonote-٧) إتيان الليل بعد ذهاب أثر النهار وإتيان النهار بعد ذهاب أثر الليل، ونحو ذلك على ما تقدم ذكره. 
وقوله تعالى : وهو عليم بذات الصدور  قال أهل التأويل : أي عليم بما في الصدور. وجائز أن يكون تأويله : هو عليم بما في صدور أرباب الصدور، وهم البشر الذين لهم الصدور والتدبير، لأن الصدور إنما يقال للذين لهم تدبير وتمييز وهم البشر، والله أعلم.

١ ساقطة من الأصل و م..
٢ في الأصل: دلالة وجوه..
٣ في الأصل و م: أحدها..
٤ في الأصل و م: ولا..
٥ في الأصل و م: ماله مما..
٦ في الأصل و م: وفيه..
٧ الواو ساقطة من الأصل و م..

### الآية 57:7

> ﻿آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ ۖ فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَأَنْفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ [57:7]

الآية ٧ وقوله تعالى : آمنوا بالله ورسوله  الإيمان بالله : هو أن يجعل[(١)](#foonote-١) رب كل شيء، وأن له الخلق والأمر والإيمان برسوله هو أن يصدّق[(٢)](#foonote-٢) في كل ما يخبر عن الله تعالى وفي كل قول وفعل، وأنه محق، ويعلم أنه بأمر الله تعالى ونهيه يأمر، وينهى، ويفعل، لا من ذات نفسه. هذا الإيمان بالله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم. 
وقوله تعالى : وأنفقوا مما جعلكم مستخلفين فيه  يقول، والله أعلم : وأنفقوا من المال الذي جعلكم فيه خلفاء من تقدمكم لأن الناس يخلف بعضهم بعضا في هذه الأموال ؛ كأنه يقول : أنفقوا من المال الذي جعلكم خلفاء من تقدمكم قبل أن يخلفكم من بعدكم كما ترك الإنفاق من تقدمكم ؛ إذ هي إنما أنشئت للإنفاق والانتفاع بها لا للترك كما هي، والله أعلم. 
ثم أخبر تعالى بقوله : فالذين آمنوا منكم وأنفقوا لهم أجر كبير  أن من كان آمن به، وأنفق، فله أجر كبير : ما وعد لهم من الأجر على جهة الإنعام منه والإفضال فوق الاستحقاق ؛ إذ المال ماله، وهم عبيده، ولا يلزم للعبد أجر على سيده، والله الموفق.

١ في الأصل و م: يجعله..
٢ في الأصل و م: يصدقه..

### الآية 57:8

> ﻿وَمَا لَكُمْ لَا تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ۙ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ لِتُؤْمِنُوا بِرَبِّكُمْ وَقَدْ أَخَذَ مِيثَاقَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ [57:8]

الآية ٨ وقوله تعالى : وما لكم لا تؤمنون بالله والرسول يدعوكم لتؤمنوا بربكم  في ظاهره متناقض، لأنه يقول : وما لكم لا تؤمنون بالله والرسول يدعوكم لتؤمنوا بربكم  ولو كانوا لا يؤمنون بالله كيف يقرون بالله و بالرسول ؟ ويصدقون أنه رسول الله ؟ إذ التصديق بالرسول تصديق بالرسل، وهم لا يؤمنون بالله فكيف يصدقون الرسول ؟ لكنه يخرج على وجهين :
أحدهما : أي ما لكم لا تؤمنون بقدرة الله على بعثكم وإحيائكم بعد \[ موتكم، وقد أتاكم الرسول \][(١)](#foonote-١) ودعاكم، وأنبأكم بما يبين لكم من قدرته وسلطانه على البعث، فما لكم لا تؤمنون بقدرته ؟ 
على هذا جائز أن يخرج لأن أهل مكة كانوا أصنافا : منهم من يذهب مذهب الدهرية[(٢)](#foonote-٢)، ومنهم من يذهب مذهب الشرك، ومنهم من يقر بالتوحيد، وينكر البعث، والله أعلم. 
والثاني : يقول : أي عذر لكم في ترككم[(٣)](#foonote-٣) الإيمان بالله تعالى ؟ والرسول دعاكم، وقد أتاكم من الآيات والحجج ما يدفع عنكم العذر، ويزيح عنكم الشبه، فأي عذر لكم في ترككم الإيمان به ؟ فما لكم لا تؤمنون ؟. 
وقوله تعالى : وقد أخذ ميثاقكم  قد ذكر في ما تقدم أن أخذ الميثاف من الله تعالى يخرج على وجوه :
أحدها : على ألسن الرسل عليهم السلام كقوله تعالى : ولقد أخذ الله ميثاق بني إسرائيل وبعثنا منهم اثنى عشر نقيبا وقال الله إني معكم لئن أقمتم الصلاة وآتيتم الزكاة وآمنتم برسل  \[ المائدة : ١٢ \] إلى آخر ما ذكر وغير ذلك من أمثاله. 
والثاني : أخذ الميثاق ما جعل في خلقه كل أحد من شهادة الوحدانية. 
والثالث :\[ ما \][(٤)](#foonote-٤) عهد إليهم حين[(٥)](#foonote-٥) ركب فيهم العقول والأفهام، وجعلهم بحيث يميزون ما لهم مما عليهم في ما لا يحتمل إهمال مثلهم وتركهم سدى. 
\[ والرابع \][(٦)](#foonote-٦) : ما ذكر بعض أهل التأويل من إخراجهم من صلب آدام عليه السلام والوجوه الأولى أقرب. 
وجائز أن يكون قوله : وما لكم لا تؤمنون بالله والرسول يدعوكم لتؤمنوا بربكم  في أهل الكتاب الذين كانوا مؤمنين بالله ورسوله محمد عليه السلام قبل أن يبعث \[ فلما بعث \][(٧)](#foonote-٧) كفروا به ؛ يقول، والله أعلم  وما لكم لا تؤمنون بالله والرسول  الذي كنتم مؤمنين به \[ قد أخذ ميثاقكم  يدعوكم لتؤمنوا بربكم  \][(٨)](#foonote-٨). 
ويحتمل أن تكون الآية في أهل النفاق الذين كانوا يظهرون الإيمان به، ولا يحققونه ؛ يقول : ما لكم لا تحققون الإيمان بالله، والرسول يدعوكم لتحققوا الإيمان بربكم، وهو كقوله تعالى : وكيف تكفرون وأنتم تتلى عليكم آيات الله وفيكم رسوله \[ آل عمران : ١٠١ \] أي لا عذر لكم في الكفر بالله ورسوله وترك الإيمان بهما. فعلى ذلك الأول، والله أعلم. 
وقوله تعالى : إن كنتم مؤمنين  بالآيات والحجج. أو يذكر هذا لا على الشرط بل عل التأكيد كقوله تعالى : ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن إن كن يؤمن بالله واليوم الأخر \[ البقرة : ٢٢٨ \] لأنهن إذا كن أذعن للإيمان لم يحل  لهن أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن  كتمان[(٩)](#foonote-٩) ما في أرحامهن.

١ في الأصل و م: موتها قد أتاكم..
٢ في الأصل و م: الدهر..
٣ في الأصل و م: ترك..
٤ ساقطة من الأصل و م..
٥ في الأصل و م: حيث..
٦ في الأصل و م: ويحتمل..
٧ من م ساقطة من الأصل.
٨ من نسخة الحرم المكي، ساقطة من الأصل و م..
٩ أدرج قبلها في الأصل و م: أيضا..

### الآية 57:9

> ﻿هُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ عَلَىٰ عَبْدِهِ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ ۚ وَإِنَّ اللَّهَ بِكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ [57:9]

الآية ٩ وقوله تعالى : هو الذي ينزل على عبده آيات بينات  الآيات في الحقيقة هي الأعلام. لكن فسرت الآيات بالحجج/ ٥٤٩ – أ/ لأن الآيات حجج من عند الله تعالى جاءت، لا أنها معتقدات[(١)](#foonote-١) من الخلق. 
وقوله تعالى : بينات  موضحات أنها من عند الله جاءت لا من عند الخلق، أو  بينات  أمره ونهيه وما لهم وما عليهم وما يؤتى وما يتقى. 
وقوله تعالى : ليخرجكم من الظلمات إلى النور  ما أضيف إلى الله تعالى من الإخراج فهو على وجهين :
أحدهما : على حقيقة الإخراج، وهو أن \[ يوفقهم للإيمان \][(٢)](#foonote-٢) ويعطيهم المعونة والعصمة، فيخرجوا[(٣)](#foonote-٣) مما ذكر من الكفر إلى الإيمان. 
والثاني : يخرج على الأمر به والدعاء إلى الإيمان، ليس على حقيقة الإخراج، وهو كقوله تعالى : ليخرجكم من الظلمات إلى النور  في هذه الآية. 
ونظير حقيقة الإخراج قوله تعالى : الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور والذين كفروا أولياؤهم الطاغوت يخرجونهم من النور  \[ البقرة : ٢٥٧ \] وعلى هذا تخرج إضافة الهداية إلى الله تعالى\[ على وجهين :
أحدهما :\][(٤)](#foonote-٤)على التوفيق وإنشاء فعل الهداية منهم. 
والثاني : على الدعاء والبيان من الله تعالى، والله أعلم. 
وقوله تعالى : وإن الله بكم لرؤوف رحيم  جائز أن يكون معناه : وإن الله بمن خرج من الظلمات إلى النور لرؤوف رحيم، وهو يرجع إلى المؤمنين خاصة. 
وجائز أيضا أن يوصف بالرحمة والرأفة على الكل أي : بكم لرؤوف رحيم  بما أرسل إليكم الرسول وأنزل عليكم الكتاب، وإن كان في أنفسكم وعقولكم كفاية على معرفة وحدانية الله تعالى وربوبيته بدون إنزال الكتاب وإرسال الرسول. لكن بفضله ورحمته أرسل الرسل، وأنزل الكتب ليكون ذلك أدعى لهم وأوصل إلى إدراك ما يدعو إليه وأقرب في دفع الشبه والعذر، والله أعلم.

١ من م، في الأصل: متعلقات..
٢ في الأصل و م: يوفق لهم على الإيمان..
٣ في الأصل و م: فيخرجون..
٤ ساقطة من الأصل و م..

### الآية 57:10

> ﻿وَمَا لَكُمْ أَلَّا تُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۚ لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ ۚ أُولَٰئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا ۚ وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَىٰ ۚ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ [57:10]

الآية ١٠ وقوله تعالى : وما لكم ألا تنفقوا في سبيل الله ولله ميراث السماوات والأرض  هذا يخرج على وجهين :
أحدهما : ما قال أهل التأويل : إن الخلق يفنون كلهم، ويبقى الله تعالى كقوله تعالى كقوله تعالى : إنا نحن نرث الأرض ومن عليها  \[ مريم : ٤٠ \] فعلى هذا قوله تعالى : وما لكم ألا تنفقوا في سبيل الله  أي ما لكم لا تنفقون في سبيل الله قبل أن يزول ملككم، ويصير[(١)](#foonote-١) ميراثا لله تعالى. 
وجائر أن يكون قوله تعالى : ولله ميراث السماوات والأرض  إضافة وراثة بعضهم من بعض إليه لما أنهم عبيده وإماؤه، ومال العبد يكون لسيده، فيصير كأنه يقول : ما لكم ألا تنفقوا لأنفسكم وما يرجع إلى منافعكم قبل أن يصير ذلك ميراثا لغيركم، والله أعلم. 
وقوله تعالى : لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل أولئك أعظم درجة  الآية. قال بعضهم : لا يستوي منكم من أنفق  أي لا يستوي منكم من آمن من قبل الفتح، لأنه قبل الفتح كان على من آمن الهلاك وأنواع العقوبات، لأن الغلبة في ذلك الوقت كانت لأهل الكفر. لذلك لم يستو من آمن منهم قبل الفتح ومن آمن منهم بعد الفتح ومن آمن منهم بعد الفتح. 
وعلى ذلك يخرج ما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : لو وزن إيمان أبي بكر بإيمانهم لرجح  \[ ابن عدي في الكامل ٥/٣٣٥ \] لأن إيمانه رضي الله عنه في وقت الخوف على \[ أن \][(٢)](#foonote-٢) يبقى الإسلام، أو لما يكون بإيمانه إيمان نفر كثير لأنه كان رئيسهم. 
وكذلك الإنفاق في ذلك الوقت أفضل وأعظم لما في الإنفاق في ذلك الوقت معونة لرسول الله صلى الله عليه وسلم ولمن تابعه، أو لما أن الإنفاق من بعد الفتح يقع به طمع الوصول إلى المنافع و الأبدال من الصدقات والمغانم. وقبل الفتح لم يكن ذلك المعنى ؛ فهو كله خالص بلا بدل ولا طمع كان معه، والله أعلم. 
وقيل : لا يستوي من هاجر ومن لم يهاجر، ولا هجرة بعد الفتح، فلذلك روي عنه صلى الله عليه وسلم \[ أنه قال :\][(٣)](#foonote-٣)  لا هجرة بعد اليوم، ولكن جهاد ونية  \[ البخاري ١٨٣٤ \]. 
وقوله تعالى : و كلا وعد الله الحسنى  أي وعد الله لكلا الفريقين : من أنفق قبل الفتح وبعده الجنة والثواب الحسن. 
وقال بعض أهل التأويل : هذه الآية نزلت في فتح الحديبية : قيل : يارسول الله أفتح هو ؟ قال : نعم فتح عظيم  \[ ابن جرير الطبري في تفسيره : ٢٧/٢٢٠ \]. 
وعن قتادة \[ أنه قال \][(٤)](#foonote-٤) : هو فتح مكة، والله أعلم. 
وقوله تعالى : والله بما تعملون خبير  فيه ترغيب وترهيب في ما يرغب فيه ويرغب عنه.

١ في الأصل و م: صار..
٢ ساقطة من الأصل و م..
٣ ساقطة من الأصل و م..
٤ ساقطة من الأصل و م..

### الآية 57:11

> ﻿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ [57:11]

الآية ١١ وقوله تعالى : من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا فيضاعفه له وله أجر كريم  قد ذكرنا في ما تقدم أنه، جل وعلا، عامل بكرمه وجوده معاملة من لا حق له ولا ملك في أنفسهم وأموالهم لا معاملة من[(١)](#foonote-١)حقيقة أملاكهم وأموالهم وأنفسهم له من نحو ما ذكر من الإقراض له وما ذكر من شرائه أنفسهم وأموالهم منهم بأن لهم الجنة وما ذكر لأعمالهم من الأجر، وهو عبيده، وأعمالهم التي يعملون لأنفسهم كأنهم عاملون له، وما يمسكون لأنفسهم يدخرونها في وقت الحاجة لهم سماه قرضا، وما يكتسبون به للحياة الدائمة والنعم الباقية فهم المنتفعون بها. ولا أحد في الشاهد يستقرض مال نفسه من آخر، يبذل، ثم يعطى له الأجر على ذلك. هذا كله خارج عن عادة الخلق وطبعهم وصنيعهم بعضهم مع بعض. 
لكن عاملهم بما يليق بكرمه وجوده، وعد لهم بما أمسكوا لأنفسهم أضعافا مضاعفة. 
ثم جائز تسمية ما يمسكون لوقت حاجتهم قرضا لئلا يمنوا على الفقراء وأهل الحاجة بما أعطوهم منه لما عرف من طبعهم الامتنان عليهم أو لما يدفع عنهم مؤونة حفظ ذلك إلى وقت حاجتهم من السرقة والغضب وغير ذلك من أنواع ما يخاف التلف منها، والله أعلم. 
وقوله تعالى : وله أجر كريم  قال أهل التأويل : أي أجر حسن، والله أعلم
وجائز تسميته كريما لما أن من ناله يصير كريما، أو لما يؤمل، ويرجى أن يكون لهم ذلك. 
والكريم في الشاهد هو الذي يرجى منه كل خير، ويؤمل، والله أعلم.

١ من م، ساقطة من الأصل.

### الآية 57:12

> ﻿يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَىٰ نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ بُشْرَاكُمُ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ۚ ذَٰلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ [57:12]

الآية ١٢ وقوله تعالى : يوم ترى المؤمنين والمؤمنات يسعى نورهم بين أيديهم وبأيمانهم  جائز أن يكون قوله تعالى : يسعى نورهم  أي كتبهم التي يعطون في الآخرة ؛ فإنه يعطى كتاب المقربين أو السابقين من أمامهم وقدّامهم، وكتاب سائر المؤمنين من أيمانهم، وكتاب أهل الشرك[(١)](#foonote-١) من وراء ظهورهم. يؤيده حرف حفصة رضي الله عنها : نورهم يسعى بين أيديهم وفي أيمانهم كقوله تعالى : فأما من أوتى كتابه بيمينه  الآية \[ الحاقة : ١٩ \] وجائز أن يكون نور إيمانهم ودينهم الذي كانوا عليه في الدنيا. 
وجائز أن يكون نورهم الذي ذكر كناية عن الطريق الذي يسلك فيه السابقون يرون ما أمامهم، وسائر المؤمنين عن أيمانهم على ما سلكوا في الدنيا، وأهل الشرك بشمالهم، وأهل النفاق من ورائهم. 
وجائز أن يكون قوله : و بأيمانهم  كناية عن اليمن[(٢)](#foonote-٢) و البركة لأن[(٣)](#foonote-٣) الأيمان تنال اليمن والبركات، فسماها بذلك. ويحتمل ما ذكر أهل التأويل أنه يرفع لهم نور، فيمشون بذلك. 
وقوله تعالى : بشراكم اليوم جنات تجرى من تحتها الأنهار خالدين فيها  إنما يقال ذلك \[ قبل \][(٤)](#foonote-٤) دخول أهل الجنة \[ الجنة \][(٥)](#foonote-٥) و أهل النار النار. 
وقوله تعالى : ذلك هو الفوز العظيم  لأنه لا هلاك بعده، ولا تبعة، ولا انقطاع ؛ ذلك لذلك. 
ثم قوله تعالى : يوم ترى المؤمنين والمؤمنات  ليس أن يراه هو خاصة، لا يرى غيره ذلك، ولكن يرى ذلك جميع المؤمنين، فيبطل به قول من جعل التنصيص على الشيء دالا على التخصيص ونفي غيره. 
وعن قتادة أنه قال : ذكر لنا أن نبي الله صلى الله عليه وسلم قال } إن من المؤمنين/٥٤٩ – ب/ من يضيء نوره من المدينة إلى عدن أو إلى صنعاء ودون ذلك حتى إن من المؤمنين من لا يضيء نوره إلا موضع قدميه، وللناس منازل بأعمالهم } \[ السيوطي في الدر المنثور٨/٥٢ \]. 
وروي في بعض الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم \[ أنه \][(٦)](#foonote-٦) قال  يسعى نورهم بين أيديهم  ما أفرطوا من أولادهم }.

١ من م، في الأصل: المشركين..
٢ من م، في الأصل: اليمين..
٣ في الأصل و م: فإن..
٤ من م، ساقطة من الأصل..
٥ من م، ساقطة من الأصل..
٦ ساقطة من الأصل و م..

### الآية 57:13

> ﻿يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ [57:13]

الآية ١٣ وقوله تعالى : يوم يقول المنافقون والمنافقات للذين آمنوا انظرونا نقتبس من نوركم  منهم من قرأ  للذين آمنوا انظرونا نقتبس من نوركم  ومنهم من قرأها[(١)](#foonote-١) مقطوعة من أنظرت. 
قال أبو عبيدة : فالاتصال أحب إلينا لأن تأويلها، والله أعلم : انتظرونا ؛ يقال منه : نظرت فلانا انظره. وأما القراءة الأخرى فإنها من التأخير ؛ يقال منه : أنظرت فلانا أنظره إذا أخرته، ولا أعرف للتأخير ههنا موضعا. 
وقال أبو عوسجة : أنظرته، ونظرته، أي انتظرته ؛ يقال منه : نظر نظرة. 
ثم الآية دلت على أن أهل النفاق يكونون ببعد من المؤمنين، ولا[(٢)](#foonote-٢) ينتفعون بنور المؤمنين. ولكن يرون ذلك اليوم من بعد فيقولون[(٣)](#foonote-٣) : انظرونا نقتبس من نوركم  ولو كانوا بقرب منهم، أو ينتفعون بنورهم لكانوا لا يطلبون منهم الانتظار لهم والاقتباس من نورهم، والله أعلم. 
وقوله تعالى : قيل ارجعوا وراءكم فالتمسوا نورا  من الناس من يقول : إن هذا هو الاستهزاء الذي ذكر في آية أخرى أنه يستهزئ بهم حين[(٤)](#foonote-٤) قال : الله يستهزئ بهم  \[ البقرة : ١٥ \] بقوله : ارجعوا وراءكم فالتمسوا نورا  هو ذلك الاستهزاء. 
وقلنا نحن في قوله : الله يستهزئ بهم أي يجزيهم جزاء استهزائهم الذي استهزؤوا برسول الله صلى الله عليه وسلم وبالمؤمنين. 
وجائز أن يكون قوله : ارجعوا وراءكم  ليس على الأمر بالرجوع إلى وراء والتماس النور، ولكن على التوبيخ والتعبير، أي النور إنما يطلب من وراء هذا اليوم، أي من قبل هذا اليوم لا يطلب فيه، والله أعلم. 
وقوله تعالى : فضرب بينهم بسور له باب باطنه فيه الرحمة وظاهره من قبله العذاب . 
جائز أن يكون السور الذي ذكر الذي ضرب بينهم ما ذكر في سورة الأعراف حين[(٥)](#foonote-٥) قال : وبينهما حجاب وعلى الأعراف رجال  \[ الآية : ٤٦ \] السور هو الأعراف الذي ذكر أنه[(٦)](#foonote-٦) يكون حجابا بين أهل النار وأهل الجنة. يرفع ذلك السور بينهم لئلا ينتفعوا بنور المؤمنين. 
وقوله تعالى : له باب باطنه فيه الرحمة وظاهره من قبله العذاب  جائز أن يكون قوله : له باب  ليس على حقيقة الباب \[ ولكن \][(٧)](#foonote-٧) كناية عن الطريق والسبيل ؛ يقول : هو طريق وسبيل من يأخذ ذلك السبيل أفضاه إلى الرحمة. ومن سلك ظاهره أفضاه إلى العذاب. 
وجائز أن يفتح من النار إلى الجنة باب، فيرون ما حل بهم من العذاب، ويرى[(٨)](#foonote-٨) أهل النار أهل الجنة على \[ ما هم \][(٩)](#foonote-٩) عليه من النعيم ليزدادوا[(١٠)](#foonote-١٠) حسرة وندامة، أو يكون اطلاعا لا من باب ولكن من السور والأعراف الذي ذكر، وهو ما قال : فاطلع فرآه في سواء الجحيم  \[ الصافات : ٥٥ \]. 
والاطلاع في الظاهر إنما يكون من مكان عال مرتفع إلى موضع منحدر، والله أعلم.

١ في الأصل و م: قرأ، انظر معجم القراءات القرآنية ج٧/٨٣..
٢ في الأصل و م: وأن لا..
٣ في الأصل و م: حيث قالوا..
٤ في الأصل و م: حيث..
٥ في الأصل و م: حيث..
٦ في الأصل و م: أنها.
٧ في م: ولكن الباب، ساقطة من الأصل..
٨ في الأصل و م: يرون..
٩ في الأصل: هو، في م: ما هو..
١٠ في الأصل و م: ليزداد لهم..

### الآية 57:14

> ﻿يُنَادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ ۖ قَالُوا بَلَىٰ وَلَٰكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ وَغَرَّتْكُمُ الْأَمَانِيُّ حَتَّىٰ جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ وَغَرَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ [57:14]

الآية ١٤ وقوله تعالى : ينادونهم ألم نكن معكم  أي ينادي أهل النفاق المؤمنين : ألم نكن معكم قالوا بلى  جائز أن يكون هذا القول منهم : ألم نكن معكم  تغرير منهم للمسلمين يومئذ كما يغرونهم في الدنيا، وهو ما أخبر عنهم \[ أنهم \][(١)](#foonote-١) يكذبون في الآخرة كما كانوا في الدنيا حين[(٢)](#foonote-٢) قال : يوم يبعثهم الله جميعا فبحلفون له كما يحلفون لكم ويحسبون أنهم على شيء ألا إنهم هم الكاذبون  \[ المجادلة : ١٨ \] في حلفهم. 
فعلى ذلك جائز أن يكون قولهم : ألم نكن معكم  يخرج على تغريرهم إياهم. 
ثم الإشكال والكلام قول المؤمنين : بلى  وقد علموا أنهم لم يكونوا معهم، فكيف  قالوا بلى  ؟ 
فنقول : جائز أن يكون جوابهم خرج لأولئك على ما عرفوا من خطئهم ومرادهم، فأجابرهم على ذلك، أو أن يكون قولهم : بلى  أي كنتم تقولون : إنا معكم، ولكن لم تكونوا معنا، أو أن يخرج جوابهم على ظاهر ما يرون من أنفسهم الموافقة دون الحقيقة. 
وقوله تعالى : ولكنكم فتنتم أنفسكم  يخرج على وجوه :
أحدها : امتحنتم أنفسكم في الرجوع إلى من جعل لكم المنافع والعاقبة كقوله تعالى : ومن الناس من يعبد الله على حرف فإن أصابه خير اطمأن به وإن أصابته فتنة انقلب على وجهه  \[ الحج : ١١ \] أي شدة. 
وقال القتبي : فتنتم أنفسكم  أي أتيتموها. 
وقوله تعالى : وتربصتم  يخرج على وجهين :
يحتمل  وتربصتم  برسول الله صلى الله عليه وسلم أنه سيموت عن قريب، أو أنه يرجع عن الإسلام إلى دين أولئك الكفرة. 
وقوله تعالى : وارتبتم  أي شككتم، وإن قام لكم ما يدفع الارتياب والشك عنكم والشبه. 
وقوله تعالى : وغرتكم الأماني  تحتمل الأماني وجهين :
أحدهما : ما ذكرنا من اتباعهم المنافع التي كانوا يتوقعونها، فكيف ما كانوا يتبعون غرضهم في ذلك. 
والثاني : ما تمنت أنفسهم من موت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهلاكه أو عوده إلى دينهم. 
وقوله تعالى : حتى جاء أمر الله  أي الأمر بالهلاك أو يوم القيامة. 
وقوله تعالى : وغركم بالله الغرور  أي غركم عن دين الله الشيطان.

١ ساقطة من الأصل و م..
٢ في الأصل و م: حيث..

### الآية 57:15

> ﻿فَالْيَوْمَ لَا يُؤْخَذُ مِنْكُمْ فِدْيَةٌ وَلَا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا ۚ مَأْوَاكُمُ النَّارُ ۖ هِيَ مَوْلَاكُمْ ۖ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ [57:15]

الآية ١٥ وقوله تعالى : فاليوم لا تؤخذ منكم فدية ولا من الذين كفرا  قرئ بالياء والتاء[(١)](#foonote-١)، وأكثرهم على الياء، ومعناهما واحد، أي لا يكون لهم فذية يومئذ، ليس أنه تكون له فدية، ولا تؤخذ، أو يقول على التمثيل أي لو كان لهم فدية لكانت لا تقبل منهم. يخبر أن أمر الآخرة على خلاف ما يكون في الدنيا ؛ إذ في الدنيا ربما يحتال لدفع البلاء بالفداء مرة وبالشفاعة ثانيا. 
وقوله تعالى : مأواكم النار  أي تأوون إليها. 
وقوله تعالى : هي مولاكم  أي أولى بكم وأحق. 
وقوله تعالى : وبئس المصير  أي بئس ما يصيرون إليها. 
ثم في الآية نقض قول المعتزلة في تخليد أصحاب الكبائر في النار، لأنه تعالى جعل الناس على ثلاث فرق، وأنزلهم منازل ثلاثة : المنافقين والكافرين كفر تصريح والمؤمنين، وجعل النار لأهل الكفر وأهل النفاق، ولم يجعلها لغيرهما، وصاحب الكبيرة، ليس هو بمنافق ولا كافر عندهم. 
و كذلك ما قسم الله تعالى الناس أقساما ثلاثة : السابقين وأصحاب اليمين وأصحاب الشمال \[ وأصحاب الشمال \][(٢)](#foonote-٢) هم المكذبون، وأصحاب الكبائر ليسوا بمكذبين عندهم وهو ما جعل النار إلا للمكذبين :
ألا ترى أنه قال في آخره : فأما إن كان من المقربين   فروح وريحان وجنت نعيم   وأما إن كان من أصحاب اليمين   فسلام لك من أصحاب اليمين   وأما إن كان من المكذبين الضالين   فنزل من حميم   وتصلية جحيم  ؟ \[ الواقعة : ٨٨- ٩٤ \]. 
جعل الجنة للمقربين وأصحاب اليمين والنار للمكذبين خاصة، لم يجعلها لغيرهم. فمن جعلها لغيرهم فهو مخالف لظاهر هذه الآيات التي ذكرنا، والله أعلم.

١ انظر معجم القراءات القرآنية ج٧/٨٤..
٢ ساقطة من الأصل و م..

### الآية 57:16

> ﻿۞ أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ ۖ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ [57:16]

الآية ١٦ وقوله تعالى : ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله وما نزل من الحق  وما نزل قرئ مخففا ومثقلا[(١)](#foonote-١) ؛ فمن شدد شدد لما سبق من ذكر الله تعالى، ومن خفف جعل الفعل للحق. 
**ثم الآية تحتمل وجوها :**
أحدها : ما قال بعض أهل التأويل : إنها نزلت في المنافقين الذين أظهروا الإيمان، وأضمروا الكفر : ألم يأن  أي قد أنى للذين آمنوا ظاهرا، وأظهروا الموافقة للمؤمنين  أن تخشع قلوبهم لذكر الله  أي إذا ذكر الله  وما نزل من الحق  أي القرآن إذا يتلى عليهم أن ترق قلوبهم، وتؤمن به، لأنهم كانوا يتربصون برسول الله صلى الله عليه وسلم الدوائر/٥٥٠-أ/ويطمعون بهلاكه. 
أمّن الله تعالى المؤمنين من ذلك، وآيس أولئك مما تربصوا فيه من نزول الدوائر، فقال تعالى : ألم يأن للذين آمنوا  ظاهرا  أن تخشع قلوبهم لذكر الله  والقرآن، وترق لذلك، وتؤمن به ؟ والله أعلم. 
وقال[(٢)](#foonote-٢) تعالى : ولا يكونوا كالذين أوتوا الكتاب من قبل فطال عليهم الأمد فقست قلوبهم  على هذا التأويل ؛ أي لا تكونوا كأولئك الذين تمادوا في الضلال وقساوة القلوب لما طال عليهم الوقت، وتركوا النظر في الكتب. 
\[ والثاني \][(٣)](#foonote-٣) : أن تكون الآية في أهل الكتاب الذين كانوا مؤمنين برسول الله صلى الله عليه وسلم قبل أن يبعث. 
فيقول تعالى : ألم يأن للذين آمنوا  به من قبل أن يبعث  أن تخشع قلوبهم لذكر الله  أي كتابهم  وما نزل من الحق  وهو القرآن أن يؤمنوا به كما كانوا آمنو به لما وجدوا بعثه في كتابهم. 
ويقول[(٤)](#foonote-٤) تعالى : ولا يكونوا كالذين أوتوا الكتاب من قبل  أي لا تكونوا كالذين كانوا من قبلكم من أهل الكتاب  فطال عليهم الأمد  أي طال عليهم أن ينظروا في كتبهم  فقست قلوبهم  بطول ترك نظرهم فيها، والله أعلم. 
\[ والثالث \][(٥)](#foonote-٥) : أن تكون الآية في المؤمنين الذين حققوا الإيمان بالله ورسوله، وهو مخرج على وجهين :
أحدهما : ألم يأن  أي قد أنى  أن تخشع قلوبهم لذكر الله  بالنظر والتأمل[(٦)](#foonote-٦) في ذلك، فيحملهم ذلك على خشوع قلوبهم \[ كقوله تعالى : إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا وعلى ربهم يتوكلون  \[ الأنفال : ٢ \] جعل وصف المؤمنين أن توجل قلوبهم \][(٧)](#foonote-٧) عند ذكر الله، ويزداد لهم الإيمان واليقين بالنظر فيه والتفكر وفهم ما فيه، والله أعلم. 
والثاني : ألم يأن  أي قد أنى للذين آمنوا أن  تقطع شهواتهم وأمانيهم في الدنيا، وتخشع قلوبهم لذكر الله  ولا يكونوا كالذين أوتو الكتاب  أي لا تغفلوا عن كتاب الله وذكره، ولا تتركوا النظر فيه والتفكر، فتغفلوا عما فيه  فقست قلوبهم  فلا تكونوا أنتم كهم، فتقسو قلوبكم كما قست قلوبهم. 
وقوله تعالى : وكثير منهم فاسقون  أي كثير من أولئك الذين أوتوا الكتاب فاسقون لتركهم النظر في الكتاب. 
وجائز : وكثير منهم فاسقون  أي المعاندون، والقليل منهم المقلدون، وهو كقوله تعالى : وأكثرهم للحق كارهون  \[ المؤمنون : ٧٠ والزخرف : ٧٨ \] أي معاندون، وهم الرؤساء، والقادة الذين كابروا رسل الله، وعاندوهم إلا قليلا[(٨)](#foonote-٨) منهم اتبعوهم، وقلدوهم.

١ انظر معجم القراءات القرآنية ج٧/٨٦..
٢ في الأصل و م: ثم قوله..
٣ في الأصل و م: ويحتمل..
٤ في الأصل و م: ثم وقوله..
٥ في الأصل و م: ويحتمل..
٦ من م، في الأصل: و التأويل..
٧ ساقطة من م..
٨ في الأصل و م: قليل..

### الآية 57:17

> ﻿اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا ۚ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ [57:17]

الآية ١٧ وقوله تعالى : اعلموا أن الله يحي الأرض بعد موتها  ذكر هذا، ليس على أنهم لم يكونوا علموا أن الله هو يحيي الأرض بعد موتها، بل كانوا عالمين بذلك، لكنه ذكر كما ذكر لرسول الله صلى الله عليه وسلم حين[(١)](#foonote-١) قال : فاعلم أنه لا إله إلا الله  \[ محمد : ١٩ \] أي أشعر قلبك في كل وقت وساعة الربوبية لله تعالى والوحدانية له. 
فعلى هذا يحتمل قوله : اعلموا أن الله يحيي الأرض بعد موتها  أي أشعروا قلوبكم في كل وقت جعل الألوهية والربوبية لله تعالى وصرف العبادة إليه والتنزيه والتبرئة له مما لا يليق به \[ مما يوصف به \][(٢)](#foonote-٢) الخلق ؛ إذ علمتم أنه يحيي الأرض بعد موتها، فاعلموا أنه يمتحنكم بأنواع المحن ؛ إذ لا يحتمل إحياء ما ذكر بغير فائدة وتركهم سدى. 
أو يقول : قد علمتم أن الله، هو يحيي الأرض بعد موتها، وأنتم ترغبون في ما أحياه الله، وتصيبون منه، وتجتهدون في نيل ذلك وإصابته، فاجتهدوا في إصابة البركات الدائمة في الحياة الباقية. 
أو يقول : لما علمتم أنه قادر على إحياء الأرض بعد موتها فاعلموا أنه قادر على البعث، والله أعلم. 
وقوله تعالى : قد بينا لكم الآيات لعلكم تعقلون  قد ذكرنا في ما تقدم أن حرف : لعل من الله تعالى يخرج على الإيجاب لكن يخرج ههنا على الترجي وإطماع العقل للآيات والفهم لها إذا نظروا فيها، وتأملوا أنها آيات من الله تعالى، أو أن يرجع ذلك إلى خاص من الناس لو خرج حرف : لعل للإيجاب دون الترجي، وهم الذين علم الله تعالى أنهم يعقلون أنها آيات، ويؤمنون بها، والله أعلم.

١ في الأصل و م: حيث..
٢ من م، ساقطة من الأصل..

### الآية 57:18

> ﻿إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقَاتِ وَأَقْرَضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضَاعَفُ لَهُمْ وَلَهُمْ أَجْرٌ كَرِيمٌ [57:18]

الآية ١٨ وقوله تعالى : إن المصدقين والمصدقات  قرئ مشدد الصاد والدال ومخفف الصاد[(١)](#foonote-١) فمن شدده جعله من التصدق : أي المتصدقين والمتصدقات، فأدغم التاء في الصاد، فصار[(٢)](#foonote-٢) مثل المزمل والمدثر. يؤيد ذلك ما ذكر في حرف أبي بن كعب رضي الله عنه أنه قرأه بالتاء : إن المتصدقين والمتصدقات. ومن خفّفه جعله[(٣)](#foonote-٣) من التصدق والإيمان. 
وقوله تعالى : وأقرضوا الله قرضا حسنا يضاعف لهم ولهم أجر كريم  قد ذكرنا تأويله في ما تقدم.

١ انظر القراءات القرآنية ج٨/٨٧..
٢ في الأصل و م: فيصير..
٣ في الأصل و م: جعلها..

### الآية 57:19

> ﻿وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أُولَٰئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ ۖ وَالشُّهَدَاءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ ۖ وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَٰئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ [57:19]

الآية ١٩ و قوله تعالى : والذين آمنوا بالله ورسله أولئك هم الصدّيقون  سمى المؤمنين صديقين \[ والصديق \][(١)](#foonote-١) لا يقال إلا لمن يكثر منه التصديق، وقد يكثر منه التصديق، وقد يكثر من كل مؤمن التصديق، وإن كان ما يأتي به، إنما هو شيء واحد، نحو أنه إذا صدق الله صدق رسله[(٢)](#foonote-٢) في ما أخبروا عن الله تعالى وفي ما دعوا[(٣)](#foonote-٣) إلى ما دعوا، وبلغوا عن الله إلى الناس، وصدق الخلائق جميعا في ما شهدوا على وحدانية الله تعالى وأوهيته من حيث شهادة الخلقة وشهادة الأخبار في حق المؤمنين. فتصديقه يكثر، وإن كان الكلام في نفسه يقل، وهو كما قلنا لأبي حنيفة، رحمه الله، في جواز الخطبة بتسبيحه أو تهليله : إنها كلمة وجيزة، لو فسرت، وبسطت صارت خطبة طويلة، والله أعلم. 
فإن قيل : إن أبا بكر رضي الله عنه فضل باسم الصديق على غيره من الأمة، فإذا استحق غيره من المؤمنين هذا الاسم لم يختص هو بتلك الفضيلة. 
قيل : إن أبا بكر رضي الله عنه سمي صديقا، وخص به من بين سائر الصحابة والمؤمنين لمعنى اختص به من غيرهم، وغيره من المؤمنين \[ ما \][(٤)](#foonote-٤) سموا صديقين من بين سائر أهل الأرض جميعا إلا في \[ مقابلتهم كهو ما \][(٥)](#foonote-٥) اختص بهذا الاسم من بين سائرهم إلا في مقابلة النبي وسائر الأنبياء عليهم السلام هذا هو معنى تفضيله. والفضل عند المقابلة يكون. 
ويحتمل أن يكون ذلك الاختصاص له للاعتقاد والمعاملة جميعا، وسائر المؤمنين سموا صديقين للاعتقاد خاصة، ومن وفّى الأمرين جميعا كان أفضل ممن وفّى أمرا واحدا. 
وقوله تعالى : والشهداء عند ربهم  من الناس من جعل قوله : والشهداء عند ربهم  على الابتداء مقطوعا من قوله : أولئك هم الصديقون  ومنهم من وصله به. 
فمن قطعه عنه فإنه يقول : الشهداء هم الرسل لقوله تعالى : فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدا  ؟ \[ النساء : ٤١ \] وإخباره[(٦)](#foonote-٦) أن لهم أجرهم. 
ومن قال : إنه \[ موصول بالأول \][(٧)](#foonote-٧) ذهب إلى أن المؤمنين شهداء على الناس كقوله تعالى : لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا  الآية \[ البقرة : ١٤٣ \] سماهم شهداء على غيرهم من الأمم، والله أعلم. 
ولأهل الاعتزال أدنى تعلق بظاهر هذه الآية ؛ وذلك أنهم يقولون : إن الله تعالى إذا ذكر المؤمنين على الإطلاق ذكر على إثر ذلك ما وعد لهم من الكرامات والثواب الجزيل، وإذا ذكرهم مع جريمتهم ذكر الوعيد لهم ؛ يستدلون بذكر الوعيد على إثر ذلك على أنهم قد خرجوا من الإيمان. 
لكن ليس لهم بذلك دليل لأنه ذكر مقابل ما ذكر للمؤمنين من الكرامات للكفار الجحيم، والله أعلم.

١ من م، ساقطة من الأصل..
٢ في الأصل و م: رسوله..
٣ في الأصل و م: دعواهم..
٤ ساقطة من الأصل و م..
٥ في الأصل و م: مقابلته كهو..
٦ في الأصل و م: ثم أخبر..
٧ من نسخة الحرم المكي، في الأصل و م: موصولة.

### الآية 57:20

> ﻿اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ ۖ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا ۖ وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ ۚ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ [57:20]

الآية ٢٠ وقوله تعالى : اعلموا أنما الحياة الدنيا لعب ولهو وزينة وتفاخر بينكم وتكاثر في الأموال والأولاد  / ٥٥٠ – ب/ ففي ظاهر ما ذكر من هذه الآية ونحوها من الآيات لأهل الإلحاد طعن عظيم ؛ فإنهم يقولون : إن كانت الحياة لعبا ولهوا فلم أنشأها الله لعبا ولهوا، ولا منشئ سواه ؟ 
فلهم موضع الطعن على الوجه، ولهم دعوى التناقض أيضا فيه لما ذكر في بعض الآيات، فقال : وما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما لاعبين \[ الدخان : ٣٨ \] وقال : وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما باطلا  \[ ص : ٢٧ \] وقال في هذه الآية وغيرها : اعلموا أنما الحياة الدنيا لعب ولهو . 
**فنقول : إن الآية تخرج على وجوه :**
أحدها : على التقديم والتأخير مع الإضمار ؛ كأنه قال : اعلموا أنّ مثل الحياة الدنيا وزينتها وتفاخرها وتكاثرها ولعبها ولهوها، أي \[ ما \][(١)](#foonote-١) تتزينون به[(٢)](#foonote-٢)، وتتفاخرون بالأولاد والأموال، وتتلهون به[(٣)](#foonote-٣)، وتلعبون  كمثل غيث أعجب الكفار نباته  ثم يصير ما ذكر حتى لا ينتفع به. فعلى ذلك الحياة الدنيا. 
والثاني : أنما الحياة على ما هي عندكم وعلى ما اتخذتموها وعلى ما ظننتم أنه لا بعث ولا حياة بعده، كان إنشاؤها عبثا ولهوا ؛ إذ لو كان على ما ظنوا لم يكن إنشاؤها إلا للإفناء والإهلاك خاصة، وبناء البناء المحكم للإفناء خاصة عبث وسفه، ليس بحكمة، وهو ما ذكر : وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما باطلا ذلك ظن الذين كفرا فويل للذين كفرا \[ ص : ٢٧ \] وكان ظنهم أن لا بعث ولا حياة بعده. 
فعلى ما كان ظنهم كان إنشاؤها لعبا ولهوا \[ وعلى[(٤)](#foonote-٤) ما كان عند أهل الإلحاد، هو[(٥)](#foonote-٥) سفه وباطل \][(٦)](#foonote-٦). 
فأما الحياة الدنيا على ما هي عند أهل التوحيد \[ فهي \][(٧)](#foonote-٧) حكمة وحق وصواب وقدرة الله تعالى عليهم بقوله تعالى : أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا وأنكم إلينا لا ترجعون  \[ المؤمنون : ١١٥ \]. 
\[ والثالث \][(٨)](#foonote-٨) : جائز أن يكون معنى قوله : أنما الحياة الدنيا لعب ولهو  أي لو قوبلت بالحياة الآخرة لكان عبثا ولهوا، لأن الدنيا بنيت على الفناء والانقطاع والزوال عن قريب، والآخرة على الدوام والبقاء، وهو ما ذكر : قل متاع الدنيا قليل والآخرة خير لمن اتقى  \[ النساء : ٧٧ \] لأنها باقية. أو يقول : أنما الحياة الدنيا  للدنيا خاصة \[ لعب ولهو، أي من جعل الحياة الدنيا للدنيا خاصة \][(٩)](#foonote-٩) فتكون لعبا ولهوا، ومن جعل الحياة الدنيا زادا للآخرة وبلغة إليها، فهي[(١٠)](#foonote-١٠) ليست بلعب، وهي[(١١)](#foonote-١١) ما قال تعالى : مثل ما ينفقون في هذه الحياة الدنيا كمثل ريح فيها صر أصابت حرث قوم ظلموا أنفسهم  \[ آل عمران : ١١٧ \]. 
أخبر أن الإنفاق للدنيا كمثل ريح فيها صرّ \[ وقال \][(١٢)](#foonote-١٢) في النفقة التي تكون في الدنيا لحياة الآخرة : مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبة أنبتت سبع سنابل  الآية \[ البقرة : ٢٦١ \] والله أعلم. 
وقوله تعالى : كمثل غيث أعجب الكفار نباته  الإشكال أنه كيف خص الكفار بإعجابهم بالنبات ؟ وقد أعجب النبات أهل الإيمان ؟ 
فنقول : لأن الكفار يعجبهم ظاهر ذلك النبات وما يرون من النزهة، لا يرون إلى ما ضمن في ذلك النبات، وجعل فيه من المنفعة في العاقبة، لكن ينظرون إلى ظاهره. 
وأما المؤمنون فإنما[(١٣)](#foonote-١٣) يعجبهم ما في ذلك النبات من المنفعة في العاقبة، وإلى ذلك يكون نظرهم لا إلى ظاهره، وهو كما شبه إنفاق الكفرة بالريح التي فيها صر، يصيب حرث قوم لما لا يقصدون بإنفاقهم سوى نفس الإنفاق، وشبه نفقة أهل الإيمان بالحبة التي تنبت  سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة   البقرة : ٢٦١  لما كان مقصدهم في الإنفاق عاقبته لا عين الإنفاق. 
ويحتمل أن يكون المراد من الكفار الزراع، وبه فسر بعض أهل الأدب، وهو كقوله : يعجب الزراع \[ الفتح : ٢٩ \] فعلى هذا التأويل يرجع إلى الكل، والله أعلم. 
وقوله تعالى : وفي الآخرة عذاب شديد  أي لهؤلاء الذين اتخذوا الدنيا لعبا ولهوا، وصيروها تفاخرا وتكاثرا دون أن يتخذوها زاد وبلغة إلى الآخرة. 
وقوله تعالى : ومغفرة من الله ورضوان  فهو للمؤمنين الذين اتخذوا الدنيا للآخرة، وعقلوا الآيات التي بينها لهم للنظر فيها والتفكر والتأمل \[ فتأملوها، ووضعوها مواضعها \][(١٤)](#foonote-١٤) والله أعلم. 
وقوله تعالى : وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور  هو يخرج على الوجوه التي ذكرنا في قوله تعالى : اعلموا أنما الحياة الدنيا لعب ولهو  قال إمام الهدى رضي الله عنه في قوله : وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور  : إن الحياة الدنيا وحبها لنفسه وعلى ما أنشئت، وجعلت له، حكمة وحق وسرور، ليست بغرور، وأما اختيارها وحبها لغيره واستعمالها لغير الذي أنشئت، وجعلت \[ فهو \][(١٥)](#foonote-١٥) غرور و لعب ولهو، لأن من أحب شيئا استكثر منه، وحبسه لنفسه[(١٦)](#foonote-١٦)، وحفظه من تلفه وضياعه، واستبقاه لوقت حاجته ويوم فقره. فعلى ذلك من جمع الدنيا لنفسه، وأحبها، واستعملها في ما أذن له، وأمر، وهو أن يجعلها زادا للآخرة وبلغة إليها. فإذا علم ذلك استكثر منها عند الله ليوم فاقته. 
فمن أحبها واختارها لهذا فهو ليس بغرور ولا لعب، بل سرور وبهجة، ومن طلبها لغيره، واستعملها في غير ما أنشئت كان غرورا ولعبا على ما ذكر. فخرج قوله : وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور  على ما يختارونها، ويحبونها. 
وذلك أن الله تعالى أنشأ لنا هذه النعم حين[(١٧)](#foonote-١٧) قال : خلق لكم ما في الأرض جميعا  \[ البقرة : ٢٩ \] وقال : وسخر لكم ما في السماوات وما في الأرض جميعا منه  \[ الجاثية : ١٣ \] يجب أن ينظر إلى ذلك بالتعظيم لها والإجلال لا بعين الاستخفاف والهوان. 
ألا ترى أن ملكا من ملوك الأرض لو أكرم أحدا بكرامة، وأهدى هدية، ثم علم منه الاستخفاف بهديته، يسلب منه هديته، ويستحقره ؟ 
فعلى ذلك يجب أن يتلقى نعم الله تعالى بالتعظيم والتبجيل والقبول الحسن لا على الاستخفاف بها والإهانة. 
ثم الناس بعد هذا رجلان : رجل يرغب في نعم الدنيا وجمعها وجعلها عند الله ذخرا وزادا ليوم فقره وحاجته، ورجل زهد فيها خوفا للتقصير في عبادة الله تعالى في حقوقه أن يشتغل بها، ويمنعه ذلك عن أداء ما عليه والاقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم في ما أمره، وله أسوة حسنة بنبيه صلى الله عليه وسلم. 
من ترك الدنيا وما أنشأ الله تعالى فيها من النعم استخفافا بها وهوانا فهو الجاهل المستخف بنعم الله تعالى الغافل عما أنشئت له الدنيا وما فيها. 
فهذا والذي طلب الدنيا للدنيا مذمومان[(١٨)](#foonote-١٨)، والذي طلبها لنفسه زادا للآخرة والذي زهد فيها محمودان، والله أعلم. 
وعلى ذلك يخرج ما ذكر أن حب الدنيا رأس كل خطيئة وأن من أحبها لغيره أي[(١٩)](#foonote-١٩) لغير الذي جعلت له فيكون رأس كل خطيئة. ومن أحبها لنفسه، واتخذها زادا للآخرة فهو[(٢٠)](#foonote-٢٠) رأس كل حسنة وطاعة، والله أعلم.

١ من نسخة الحرم المكي، ساقطة من الأصل و م..
٢ في الأصل و م: بها..
٣ في الأصل و م: بها..
٤ في الأصل و م: فعلى..
٥ في الأصل و م: وهو..
٦ أدرجت هذه العبارة في الأصل و م بعد: وصواب..
٧ ساقطة من الأصل و م..
٨ في الأصل و م: و..
٩ من م، ساقطة من الأصل..
١٠ في الأصل و م: وهي..
١١ في الأصل و م: وهو..
١٢ من نسخة الحرم المكي، ساقطة من الأصل و م..
١٣ الفاء ساقطة من الأصل و م..
١٤ من م، في الأصل: فتأملوا و وضعوها..
١٥ ساقطة من الأصل و م..
١٦ اللام ساقطة من الأصل..
١٧ في الأصل و م: حيث..
١٨ في الأصل و م: مأمونان..
١٩ في الأصل و م..
٢٠ في الأصل و م: فهي..

### الآية 57:21

> ﻿سَابِقُوا إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ۚ ذَٰلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ ۚ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ [57:21]

الآية ٢١ وقوله تعالى : سابقوا إلى مغفرة من ربكم  يقول : اجعلوا المسابقة في ما بينكم في مغفرة ربكم إلى جنة لا إلى جمع الأموال والأولاد. وكان أهل الكفر جعلوا المسابقة في الدنيا في جمع الأموال والتفاخر والتكاثر بها، فيقول لأهل الإيمان : اجعلوا أنتم المسابقة في طلب مغفرة الله وجنته[(١)](#foonote-١)، والله أعلم. 
ويحتمل : سابقوا آجالكم بأعمالكم التي توجب لكم المغفرة، والله أعلم. 
وقوله تعالى : وجنة عرضها كعرض السماء والأرض  الآية ذكر سعة الجنة لأن العرض إنما يذكر لسعة تكون للشيء، و قد ذكر سعة \[ لها حين \][(٢)](#foonote-٢) قال : في سدر مخضود   وطلح منضود   وظل ممدود   وماء مسكوب   وفاكهة كثيرة   لا مقطوعة ولا ممنوعة   وفرش مرفوعة  \[ الواقعة : ٢٨ – ٣٤ \] وقال أيضا : وفيها/ ٥٥١- أ/ ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين  \[ الزخرف : ٧١ \] ونحو ذلك ؛ ذكر ما فيها من السعة وسعتها، والله أعلم. 
ثم ذكر عرضها  كعرض السماء والأرض  ليس يخرج على التحديد والتقدير أن عرضها مثل عرض السماوات والأرض، لكن لما لا شيء أوسع في أوهام الخلق مما ذكر، وهو كقوله : خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض  \[ هود : ١٠٧ \] ذكر دوامها : لا شيء أبقى وأدوم منها في الأذهان، وإلا كانتا تفنيان. 
ويحتمل أن يقول : عرضها كعرض السماء والأرض  أن تصير السماء والأرض جميعا جنة لهم. 
ثم وصف الجنة بالسعة ووصف النار بالضيق حيث \[ قوله تعالى \][(٣)](#foonote-٣) : وإذا ألقوا منها مكانا ضيقا مقربين دعوا هنالك ثبورا  \[ الفرقان : ١٣ \] وذلك أنه ليس في فضل النار على قدر المجعول عذابا لم يصل إلى المعذب بها فائدة، فضيقت، وفضل الجنة على قدر الحاجة لذة وسرور ومنفعة، فوسعت لذلك، والله أعلم. 
ثم أخبر أنها  أعدت للذين آمنوا بالله ورسله  والإيمان بالله تعالى، هو أن نصدق كل شيء يشهد على وحدانية الله وألوهيته، والإيمان برسله، هو أن نصدقهم في ما أخبروا عن الله تعالى. وكل صاحب كبيرة مصدق بالذي ذكرنا، هو[(٤)](#foonote-٤) مؤمن، وذلك على المعتزلة. 
وقوله تعالى : ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء  دلت الآية أن ما يعطي من الثواب لعبيده فضل منه، وأن ما سماه جزاء وأجرا لسابق منه إليهم من الإحسان والنعم ما يصير تلك الأفعال، وإن كثرت، شكرا لأدنى نعمة، وإن طال عمره، فكيف يستوجب الجزاء والثواب على تلك الأعمال ؟ \[ ولكن بفضله ورحمته يجعل لتلك الأعمال \][(٥)](#foonote-٥) ثوابا وجزاء، والله الموفق.

١ الواو ساقطة من الأصل..
٢ في الأصل و م: فيها حيث..
٣ من م، ساقطة من الأصل..
٤ في الأصل و م: فهو..
٥ من نسخة الحرم المكي، ساقطة من الأصل و م..

### الآية 57:22

> ﻿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا ۚ إِنَّ ذَٰلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ [57:22]

الآية ٢٢ وقوله تعالى : ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها  أي ذكرها في كتاب، كان ذلك قبل أن \[ نبرأ تلك \][(١)](#foonote-١) المصائب، أي نخلقها ؛ إذ لا يحتمل كون أنفس تلك المصائب في الكتاب قبل خلقها، فدل أنه على كون ذكر المصائب فيه، وهو كقوله : والشجرة الملعونة في القرآن  \[ الإسراء : ٦٠ \] \[ ليست عين تلك الشجرة في القرآن \][(٢)](#foonote-٢) ولكن ذكرها فيه. 
وعلى ذلك ما روي في الخبر أنه نهى أن يسافر بالقرآن إلى أرض العدو، أي نهى أن يسافر بالذي كتب فيه القرآن، وإلا لم يكن عين القرآن في ذلك المصحف. فعلى ذلك ما ذكر من المصائب، وذلك يخرج على المجاز دون الحقيقة، والله أعلم. 
ثم اختلف في قوله تعالى : من قبل أن نبرأها  منهم من قال : من قبل أن نخلق تلك المصائب، ومنه من قال : من قبل أن نبرأ تلك الأنفس والأرض، والأول أظهر. 
وقوله تعالى : إن ذلك على الله يسير  يخرج على وجهين :
\[ أحدهما : أن \][(٣)](#foonote-٣) كثرة ما يصيب الخلق في أنفسهم وأموالهم يسير على الله غير شديد، ليس كملوك الأرض لأن ما يصيب حشمهم وخدمهم من المصائب يشتد عليهم لما أن قوامهم بحشمهم وخدمهم، ولهم منافع. فيخبر الله تعالى بهذا أن ليس له في بقاء الخلق منفعة، ولا في ذهابهم وفنائهم ضرر، فذلك يكون عليه يسير. 
والثاني : أن كتابة ما لم يكن بعد، ولم يخلق، وعلمه قبل كونه، على الله يسير هين ؛ يخبر أنه عالم في الأزل بكون الأشياء في أوقاتها، لا يصعب عليه شيء، ولا يشتد عليه العلم بها قبل كونها كما يشتد على الخلق ويصعب عليهم، والله أعلم. 
وفي الآية دلالة خلق أفعال العباد لأن اسم المصائب، يقع على ما للخلق فيه صنع كما يقع على ما لا صنع لهم فيها. 
ثم إضافة[(٤)](#foonote-٤) الله تعالى خلقها إلى أنفسها مطلقا بقوله : من قبل أن نبرأها  دلت أن أفعال العباد مخلوقة لله تعالى. 
ألا ترى أن الله تعالى سمى ما يصيب بأيدي الخلق مصيبة، فقال : قل هل تربصون بنا إلا إحدى الحسنيين ونحن نتربص بكم أن يصيبكم الله بعذاب من عنده أو بأيدينا فتربصوا إنا معكم متربصون \[ التوبة : ٥٢ \] وقال في آية أخرى : قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم  ؟ 
قالت المعتزلة : يقال : أصابنا كذا \[ في ما \][(٥)](#foonote-٥) لا صنع للخلق \[ في ذلك. فأما في ما \[ فيه \][(٦)](#foonote-٦) صنع للخلق \][(٧)](#foonote-٧) فيقال[(٨)](#foonote-٨) : أصبنا بكم. 
هذا فاسد ؛ فإنه جائز أن يقال في كل ما أصابك : أصبته، وما \[ أصابتك إصابته \][(٩)](#foonote-٩) لأنه إذا أصابك شيء فقد أصبته، وذلك جائز في اللغة، والله أعلم.

١ في الأصل: نبرأها تلك..
٢ من نسخة الحرم المكي، ساقطة من الأصل و م..
٣ في الأصل و م: أي..
٤ في الأصل و م: أضاف..
٥ ساقطة من الأصل و م..
٦ ساقطة من م..
٧ من م، ساقطة من الأصل..
٨ في الأصل و م: يقال..
٩ في الأصل و م: أصبته أصابتك..

### الآية 57:23

> ﻿لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَىٰ مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ ۗ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ [57:23]

الآية ٢٣ وقوله تعالى : لكيلا تأسوا على ما فاتكم ولا تفرحوا بما أتاكم  جعل الله تعالى في طباع الخلق الحزن والأسى على ما فاتكم من النعمة، وينزل بهم \[ من \][(١)](#foonote-١) البلاء والشدة، والفرح والسرور بما ينالون من النعمة. هذا هو المنشأ والمجعول في طباعهم. 
ثم يخرج تأويل الآية بالنهي عن الأسى والحزن بفوت النعمة وعن الفرح والسرور عند إصابتها على وجوه :
أحدها : يقول، والله أعلم : لئلا تستكثروا من الأسى والحزن على ما فاتكم، فيحملكم ذلك على الشكوى من الله تعالى  ولا تفرحوا بما آتاكم  أي لا تستكثروا الفرح والسرور حتى يحملكم ذلك على الطغيان والعدوان. 
ومثله ذكر في الخبر : أعوذ بالله من الفقر والنسيء والغنى المطغى  \[ بمعناه الترمذي ٢٣٠٦ \] والله أعلم. 
والثاني : يقول : لكيلا يشغلكم الأسى والحزن على ما فاتكم من النعمة حتى يفوتكم أضعاف ذلك، وهو ما وعد لهم من الثواب إذا صبروا كقوله تعالى : ولنبلوكم بشيء من الخوف والجوع  إلى قوله : وبشر الصابرين  \[ البقرة : ١٥٥ \] وقوله[(٢)](#foonote-٢) تعالى : أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون  \[ البقرة : ١٥٧ \]. 
يقول : لا يشغلكم الجزع وترك الصبر عما[(٣)](#foonote-٣) وعد لكم من الصلاة والرحمة والاهتداء، و لذلك قيل : الجزع في المصيبة أعظم المصيبتين، ويقول أيضا : ولا يشغلكم شدة الفرح والسرور بما آتاكم عن الشكر حتى تفوتكم الزيادة على ذلك، لأن الله تعالى وعد الزيادة على النعمة إذا شكر بقوله : لئن شكرتم لأزيدنكم  \[ إبراهيم : ٧ \] والله أعلم. 
والثالث : يقول : لكيلا تأسوا على ما فاتكم  ولكن انظروا إلى ما كان منكم من الجريمة حتى فاتكم ذلك حين[(٤)](#foonote-٤) قال : و ا أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم  \[ الشورى : ٣٠ \] يقول : لكيلا تأسوا على ما فاتكم  ولكن انظروا إلى تفريطكم في جنب الله، وارجعوا عن ذلك، ولذلك يقول : ولا تفرحوا بما أتاكم  ولكن انظروا إلى إحسان الله الذي كان إليكم، والله أعلم. 
ويحتمل أن يقول : لكيلا تأسوا على ما فاتكم ولا تفرحوا بما آتاكم  ولكن انظروا إلى ما امتحنكم به و ابتلاكم ؛ إذ هو امتحن بعضا بالشدائد والبلايا، وأمرهم بالصبر على ذلك، وبعضا بالسعة والرخاء، وأمرهم بالشكر على ذلك، فاصبروا، ولا تجزعوا إن فاتتكم النعم، وأصابتكم المصائب، واشكروا له، ولا تفرحوا عند النعم فرحا، يكون بطرا وأشرا. 
أو يقول : لكيلا تأسوا على ما فاتكم  فإن الذي أخذ منكم لم يكن في الحقيقة لكم، إنما هو لغيركم، ومن كان عنده مال لآخر، فيأخذه، فلا يجب أن يحزن على ذلك  ولا تفرحوا بما آتاكم  قرئ ممدودا ومقصورا[(٥)](#foonote-٥). فمن مده رد الفعل إلى الله تعالى، ومن قصره جعل الفعل لذلك الشيء لموافقة قوله  على ما أتاكم  ولم يقل أفاتكم. 
وقوله تعالى : والله لا يحب كل مختال فخور  ولكن يحب ضد ذلك وخلاف[(٦)](#foonote-٦) المختال المتكبر، فيحب المتواضع الخاضع ؛ والفخور، هو الذي يفتخر بما أنعم الله تعالى عليه وعلى الناس، ويحب الشكور الذي يشكر على نعمه بالتوسيع على عباده. 
وجائز أن يكون هذا كله وصف الكفار ؛ كأنه يقول : لا يحب كل كفار لقوله[(٧)](#foonote-٧)  إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور  \[ إبراهيم : ٥ و. . . . \] أي يحب المؤمن، لأن المؤمن، يكون صبارا على المصائب/ ٥٥١ – ب/ شكورا لنعمائه، والله أعلم.

١ ساقطة من الأصل و م..
٢ في الأصل و م: ثم قال..
٣ من نسخة الحرم المكي، في الأصل و م: على ما..
٤ في الأصل و م: حيث..
٥ انظر معجم القراءات القرآنية ج ٧/٨٨..
٦ في الأصل و م: و خلافه..
٧ في الأصل و م: كقوله يجب..

### الآية 57:24

> ﻿الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ ۗ وَمَنْ يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ [57:24]

الآية ٢٤ وقوله تعالى : الذين يبخلون ويأمرون الناس بالبخل  جائز أن يكون هذا صلة قوله : و الله لا يحب كل مختال فخور  وتفسيرا[(١)](#foonote-١) له. 
وجائز أن يكون على الابتداء، وهو كقوله تعالى : وكذلك حقت كلمت ربك على الذين كفرا أنهم أصحاب النار   الذين يحملون العرش ومن حوله  \[ غافر : ٦ و٧ \] كأن قوله تعالى : الذين يحملون العرش مفصولا من الأول. وكذلك هذا. 
ثم قوله تعالى : يبخلون ويأمرون الناس بالبخل  يحتمل ما ذكر من بخلهم في آية أخرى، فقال : وإذا قيل لهم أنفقوا مما رزقكم الله قال الذين كفروا للذين أمنوا أنطعم من لو يشاء الله أطعمه  \[ يس : ٤٧ \] بخلوا بالإنفاق على المؤمنين، أو بخلوا بالإنفاق على أتباعهم ليبقى الكرم والرئاسة عليهم. 
وجائز أن يكون ما ذكره بعض أهل التأويل أن ذلك نزل في الرؤساء من أهل الكتاب ؛ بخلوا ببيان بعث[(٢)](#foonote-٢) محمد صلى الله عليه وسلم الذي كان في كتبهم، وأمروا أمثالهم وأشكالهم بكتمان ذلك، والله أعلم. 
وقوله تعالى : ومن يتول فإن الله هو الغني الحميد  أي ومن يعرض عن ذلك فالله هو الغني الحميد ؛ الغني عن عبادتكم وعما دعاكم إليه ؛ إذ لم يدعكم إلى ما دعاكم لحاجة نفسه ؛ إذ هو الغني بذاته، الحميد بفعاله، أي بما علم منكم من الرد لرسالته، لا يخرج فعله من أن يكون محمودا، ولا يصير لفعله إلى أعدائه بما صنع غير حميد، والله أعلم. 
ثم في قوله تعالى : لكيلا تأسوا على ما فاتكم  وجوه أيضا :
أحدها : أن المصائب ربما تجري على أيدي الناس، وتصيبهم منهم، فقال : لكيلا تأسوا على ما فاتكم  ما جرى على أيدي الناس لئلا يزول، فيحملكم ذلك على العداوة والبغضاء، ولكن يرون ذلك مكتوبا عليهم من الله تعالى وكذلك ما ذكر في ما يؤتيهم من النعم على أيدي الخلق، فلا يزال ذلك منهم فيشغلهم عن القيام بشكر الرب، جل، وعلا، ولكن يزول من فضل الله تعالى ومنه، فيشكرونه. 
والثاني : يحتمل أن يكون النهي عن الحزن أمرا بالفرح، أي لا تأسوا على ما فاتكم، ولكن افرحوا بما لعل الذي \[ فاتكم لو لم يفتكم لكان يشغلكم \][(٣)](#foonote-٣) عن القيام بحقوق الله تعالى وأداء ما عليكم[(٤)](#foonote-٤) من الفرائض، والله أعلم. 
وفي قوله تعالى : ولا تفرحوا بما آتاكم  أمر بالحزن، وقد يذكر \[ نفي \][(٥)](#foonote-٥) الشيء، ويراد به إثبات ضده كقوله تعالى : فما ربحت تجارتهم  \[ البقرة : ١٦ \] أي خسرت تجارتهم. وينبغي أن تتلقى نعم الله على وجهين :
أحدهما : بحسن القبول لها والتعظيم والشكر للمنعم إذ أغناه بذلك عن النظر بما في أيدي الناس ودفع الحاجة، وذلك من أعظم \[ النعم \][(٦)](#foonote-٦). 
والثاني : بالخوف[(٧)](#foonote-٧) لما لعله فعل ذلك به استدراجا وامتحانا، إذ الأموال ربما تكون فتنة وبلاء، أو تشغله عن أداء ما عليه، إذ كان سبب استدراجه وبلائه، فأخذ منه، أو لما يحصل[(٨)](#foonote-٨) بذهابه إلى أداء الفرائض من العبادات، وكان ذلك يمنعه، ويحزنه من وجهين أيضا :
أحدها : لما لعل قوته يحوجه إلى ما في أيدي الناس، وكان غنيا عنهم. 
\[ والثاني \][(٩)](#foonote-٩) : لما لعل ذلك عقوبة لتفريط كان منه كقوله : وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم  \[ الشورى : ٣٠ \] والله أعلم. 
ثم أضاف ما نالوا من النعم إلى نفسه حين[(١٠)](#foonote-١٠) قال : ولا تفرحوا بما آتاكم  ولم يضف ما فاتهم إلى نفسه، وهو كما قال في آية أخرى : ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك  \[ النساء : ٧٩ \]. 
وهو ما ذكرنا أنه جائز أن يكون ما يفوتهم من النعم باكتساب وبسبب كان منهم، والله أعلم.

١ الواو ساقطة من الأصل و م..
٢ في الأصل و م: صفة..
٣ في الأصل و م: فاتهم لو يفتهم لكان يشغلهم..
٤ في الأصل و م: عليهم..
٥ ساقطة من الأصل و م..
٦ من نسخة الحرم المكي، ساقطة من الأصل و م..
٧ في الأصل و م: يخاف..
٨ في الأصل و م: يصل..
٩ في الأصل و م: أو.
١٠ في الأصل و م: حيث..

### الآية 57:25

> ﻿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ ۖ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ ۚ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ [57:25]

الآية ٢٥ وقوله تعالى : لقد أرسلنا رسلنا بالبينات يحتمل وجهين :
أحدهما : أي أرسلنا ما يبين، ويوضح أنهم رسل الله، وأن تلك الآيات التي أتوا بها من عند الله لا باختراع من عندهم لما هي خارجة عن وسع البشر. 
والثاني : ما يبين صدق الرسل في خبرهم وعدلهم في حكمهم، أو يبين ما لهم وما عليهم. 
وقوله تعالى : وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط  كقوله في آية أخرى  الله الذي أنزل الكتاب بالحق والميزان \[ الشورى : ١٧ \]
ثم يحتمل  والميزان  الموازين المعروفة التي بها تستوفى الحقوق في ما بين الناس وبها توفى وبها تحفظ حقوق الأموال التي بينهم وحدودها. فإن كان المراد هذا فكأنه قال : وأنزلنا معهم الكتاب  الذي به يحفظ الدين وحدوده  والميزان  الذي به تحفظ حدود الأموال، لا يزاد على الحق، ولا ينقص منه، والله أعلم. 
وجائز أن يكون المراد بالميزان الحكمة إذ ذكره على إثر الكتاب كقوله : ويعلمه الكتاب والحكمة  \[ آل عمران : ٤٨ \] كأنه يقول، والله أعلم : وأنزلنا معهم الكتاب  والحكمة ؛ فيكون الكتاب به[(١)](#foonote-١) تحفظ حدود الأفعال والأقوال، وتكون الحكمة ما يقوم الناس بها بالقسط. 
أو[(٢)](#foonote-٢) أن تكون الحكمة ما أودع في الكتاب من المعاني. 
وقال الحسن في قوله : ويعلمه الكتاب والحكمة  : إنهما[(٣)](#foonote-٣) واحد. 
وقوله تعالى : ليقوم الناس بالقسط  يخرج على وجهين :
أحدهما : أنزل ما ذكر من الكتاب والميزان ليلزم الناس بالقيام بالعدل، وقد ألزمهم ذلك بما أنزل عليهم من الكتاب والميزان، وبين الحدود. 
والثاني : أنزل ما ذكر  ليقوم الناس بالقسط  على وجود القيام بالعدل. 
فإن كان المراد منه الوجود فهو راجع إلى خاص من الناس. وإن كان على الإلزام فهو راجع إلى الكل، وهو كقوله تعالى : وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون  \[ الذاريات : ٥٦ \]. 
وإن كان \[ المراد \][(٤)](#foonote-٤) على وجود العبادة فهو يرجع إلى خاص من الناس. 
وإن كان المراد بقوله : إلا ليعبدون  أي لآمرهم، وألزمهم، هو للكل ؛ فإنه قد خلقهم ليأمرهم، ويلزمهم، وقد أمرهم، وألزمهم، والله أعلم. 
وقوله تعالى : وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد ومنافع للناس  خص الله تعالى ذكر الحديد بما جعل فيه من البأس من بين غيره من الأشياء، وإن كان يشاركه غيره في احتمال الأذى والضرر به، ما يطعن به، فينفذ، ويضرب به، ويستعمل في الحروب والقتال \[ بوجهين :\][(٥)](#foonote-٥). 
أحدهما : أنه هو الكافل[(٦)](#foonote-٦) في الظفر والنفاذ والجرح، وإن كان يتحقق من غيره. ولذلك اعتاده الناس آلة للقتال والحرب فيكون البأس فيه أشد. 
والثاني : لما يختص به باتخاذ الدرع لقوله تعالى : وعلمناه صنعة لبوس لكم لتحصنكم من بأسكم  \[ الأنبياء : ٨٠ \] لهذا خص الحديد به، والله أعلم. 
وقوله تعالى : ومنافع للناس  جعل الله تعالى في الحديد منافع، ليست تلك في غيره، وهو ما يتخذ منه ما يخرز به، ويخاط من الخفاف وغيره مما لا يحتمل هذا النوع لغيره. 
وكذلك حوائج الخلق، لا تقوم في سائر أنواع الحرف والأعمال من التجارة والزراعة والبناء وغيرها. 
وفيه خصوصية في حق المحن، وهو ما يظهر عند فرض القتال \[ من \][(٧)](#foonote-٧) صدق إيمان المحقق ونفاق في المرتاب بقوله : فلما كتب عليهم القتال إذا فريق منهم يخشون الناس كخشية الله أو أشد خشية  \[ النساء : ٧٧ \] ونحو ذلك. 
فظهور[(٨)](#foonote-٨) الصادق من الكاذب في الحروب، وإنما ذلك بالحديد، فصار مخصوصا في حق المحنة، وغيرها من المنافع حق لا يلتأم أمر من أمور المعاش إلا به. فلذلك[(٩)](#foonote-٩) خص، والله أعلم. 
وقال أهل التأويل : أنزل من السماء المطرقة والعلاة والكلبتين. 
وعندنا ليس على حقيقة الإنزال من السماء كذلك، ومعنى[(١٠)](#foonote-١٠) قوله : وأنزلنا الحديد  أي خلقنا كقوله : وأنزل لكم من الأنعام ثمانية أزواج  \[ الزمر : ٦ \] أي خلقها وقوله تعالى : قد أنزلنا عليكم لباسا / ٥٥٢ – أ/ يوارى سوآتكم  \[ الأعراف : ٢٦ \] ومعلوم أنه لم ينزل اللباس على ما هو عليهن ولكن معناه خلقه لباسا لكم. كذلك هذا. 
وقوله تعالى : وليعلم الله من ينصره ورسله بالغيب  يحتمل  من ينصره  أي دينه، أو أراد بإضافة النصر إلى نفسه نصر رسوله محمد وسائر رسله صلى الله عليه وسلم. 
ثم نصر الرسل مرة يكون بتبليغ ما أمروا إلى قومهم ؛ ينصرونهم. هذا يحتمل، وعلى هذا يخرج قوله تعالى : إن تنصروا الله ينصركم  \[ محمد : ٧ \] والله أعلم. 
وجائز أن يكون المراد من إضافة النصر إليه نصر أنفسهم ودينهم ؛ إذ هم المنتفعون بذلك، ولهم يحصل ذلك النفع وتلك المعونة، لكنه بفضله وكرمه سمى ذلك نصره وأضافه إلى نفسه على ما جعل لأعمالهم التي يعملونها لأنفسهم ثوابا، وذكر لهم على ذلك أجرا ؛ كأنهم عاملون له، وهم المنتفعون بها المحتاجون إليها. 
فعلى ذلك جائز أن يكون ما عملوا لأنفسهم سماه نصرا، وإن كان النصر لهم، وإنه ناصر الكل حين[(١١)](#foonote-١١) قال : إن ينصركم الله فلا غالب لكم  \[ آل عمران : ١٦٠ \] أخبر أنه إذا نصرهم لا غالب لهم سواه، وإذا خذلهم لا ناصر لهم دونه، والله أعلم. 
ثم قوله تعالى : وليعلم الله من ينصره ورسله بالغيب  يخرج على وجهين :
أحدهما : ليعلم من قد علم أنه ينصر ناصرا، وليعلم من قد علم بالغيب أنه يكون كائنا شاهدا، والتغييب على المعلوم لا على العلم. 
والثاني : يريد بالمعلوم العلم، وذلك جائز في اللغة : ذكر العلم والفعل على إرادة المعلوم والمفعول نحو ما يقال : الصلاة \[ أمر الله \][(١٢)](#foonote-١٢) أي بأمر الله، لأن الصلاة، لا تكون أمره. 
وقوله تعالى : إن الله قوي عزيز  ذكر هذا ليعلم أنه لم يأمر في ما أمرهم من القتال والنصر لحاجة نفسه، ولا استعملهم في ما استعمل من النصر والمعونة لنفسه، ولا أنه[(١٣)](#foonote-١٣) يكتسب بذلك العز لنفسه. 
أخبر أنه قوي بنفسه، عزيز بذاته. ولكن إنما أمرهم بما أمر، واستعملهم في ما استعمل لنصر أنفسهم ولقوتهم، والله أعلم.

١ في الأصل و م: بها..
٢ في الأصل و م: و..
٣ في الأصل و م: إنها..
٤ ساقطة من الأصل و م..
٥ ساقطة من الأصل و م..
٦ في الأصل و م: الكامل..
٧ ساقطة من الأصل و م..
٨ في الأصل و م: فظهر..
٩ من م، في الأصل: فذلك..
١٠ في الأصل و م: ومعناه..
١١ في الأصل و م: حيث.
١٢ من م، ساقطة من الأصل..
١٣ في الأصل و م: أن..

### الآية 57:26

> ﻿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا وَإِبْرَاهِيمَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ ۖ فَمِنْهُمْ مُهْتَدٍ ۖ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ [57:26]

الآية ٢٦ وقوله تعالى : ولقد أرسلنا نوحا وإبراهيم وجعلنا في ذريتهما النبوة والكتاب  وإنما ذكر نوحا وإبراهيم، والله أعلم، لما أخبر أنه جعل في ذريتهما النبوة والكتاب، وإلا فقد أرسل الرسل بجملتهم في قوله : لقد أرسلنا رسلنا بالبينات  \[ الآية : ٢٥ \] فدخل نوح وإبراهيم عليهم السلام في قوله تعالى : لقد أرسلنا رسلنا بالبينات . 
ثم ذكر أن منهم من اهتدى أي من قومهم، وكثير منهم فسقوا بقوله : فمنهم مهتد وكثير منهم فاسقون  يخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قد كان في قومهم من اتبعهم، فصاروا مهتدين، ومنهم من ترك اتباعهم، وخرجوا عن أمر الله، فصاروا فاسقين ؛ يصبره، ويسكن قلبه على ما كان في قوم من تقدم من الرسل من المجيبين لرسله والتاركين للإجابة كقومك، أي لست أنت بأول من كذب، ورد قوله تعنتا وعنادا، والله الهادي.

### الآية 57:27

> ﻿ثُمَّ قَفَّيْنَا عَلَىٰ آثَارِهِمْ بِرُسُلِنَا وَقَفَّيْنَا بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَآتَيْنَاهُ الْإِنْجِيلَ وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا ۖ فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ ۖ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ [57:27]

الآية ٢٧ وقوله تعالى : ثم قفينا على آثارهم برسلنا  أخبر أنه جعل في ذريتهما النبوة والكتاب، وبعث منهم رسلا ؛ ذكر في الآية الأولى أنه جعل في ذريتهما النبوة والكتاب، ولم يذكر الرسالة، وذكر في هذه الآية الرسالة فيهم وفي ذريتهم، أي أرسلنا رسولا على إثر رسول، وأتبعنا بعضهم بعضا، من قفا يقفو، ثم ذكر أنه قفى بعيسى ابن مريم، لأن عيسى عليه السلام من أولاد إسحاق عليهم السلام فبعث محمدا صلى الله عليه وسلم من بعده، وهو من ولد إسماعيل عليه السلام. 
وقال بعض أهل التأويل : وقفينا  أي أتبعنا، ويقال : قفيت فلانا، أي عينته، وسميته، وقفوته أقفوه قفوا  وقفينا  واقتفيت به، أي لزمته. 
وقوله تعالى : وجعلنا في قلوب الذين اتبعوه رأفة ورحمة  وصف الله تعالى الذين اتبعوا الرسل، وآمنوا بهم بالرحمة والرأفة في ما بينهم، وهو كما ذكر في آية أخرى : إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا  \[ آل عمران : ١٠٣ \]
وقال \[ في آية أخرى :\][(١)](#foonote-١)  إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات سيجعل لهم الرحمن ودا   مريم : ٩٦  وقال في آية أخرى : أشداء على الكفار رحماء بينهم   الفتح : ٢٩  وقال في آية أخرى :}[(٢)](#foonote-٢)\[ المائدة : ٥٤ \] ونحو ذلك ؛ وذلك لأن السبب الذي جمعهم واحد، وهو التوحيد والإسلام. 
فإن قيل : كيف وقع بينهم من العداوة والبغضاء ما وقع، وسبب الجمع قائم، حتى استحل بعضهم قتال بعض من نحو الخوارج والمعتزلة ؟ 
قيل : إنما وقع ذلك في ما بينهم، وإن كان سبب الجمع قائما، لما كانت الألفة والرأفة بلطف من الله تعالى، وقد زال ذلك اللطف، وارتفع، وحدث بينهم ما حدث. 
أو نقول : إن الخوارج قد أحدثوا من أنفسهم أشياء حتى سموا المسلمين كفرة بما ارتكبوا من الكبائر حتى نصبوا القتال والحرب معهم، وكذلك المعتزلة سموا أصحاب الكبائر فسقة وفجرة، وأنزلوهم بين الكفر والإيمان. ومن سمي آخر كافرا أو فاسقا فلا شك أن يحدث بينهما عداوة وتباغض. فما حدث بيننا وبينهم من العداوة بتسميتهم إيانا فسقة وفجرة وكفرة بارتكاب الكبائر، وإن كان السبب الذي جمعهم قائما عندنا، والله الموفق. 
وقوله تعالى : ورهبانية ابتدعوها ما كتبناها  الآية ؛ ذكر في القصة أن الفترة التي كانت بين عيسى ومحمد عليهم السلام، كان على بني إسرائيل ملوك غيروا التوراة والإنجيل، وبقي منهم أناس مؤمنون بعيسى عليه السلام ويعملون بما في الكتب، فهم أولئك الملوك أن يقتلوهم لإبائهم والعود إلى مذهبهم، فخرجوا من بغيهم، فترهبوا رجاء أن يتخلصوا منهم. 
فذلك قوله : ورهبانية ابتدعوها ما كتبناها  أي \[ ما \][(٣)](#foonote-٣) فرضنا عليهم تلك الرهبانية، ولم نأمرهم بها، ولكن فرض عليهم وكتب في الجملة ابتغاء رضوان الله تعالى، فابتدعوا تلك الرهبانية رجاء أن يكون فيها رضوان الله تعالى، والله أعلم. 
قال : فما رعوها حق رعايتها  أخبر أنهم ابتدعوا شيئا لم يكتب عليهم، ثم ذكر أنهم لم يرعوه[(٤)](#foonote-٤) حق رعايته ؛ ذمهم لتركهم الرعاية لما ابتدعوه ؛ ففيه دلالة أن من افتتح قربة، لم تفرض عليه من صلة أو صوم أو نحو \[ ذلك \][(٥)](#foonote-٥) ثم لم يقم \[ بوفائها وإتمامها \][(٦)](#foonote-٦) لحقه ذم كما لحق هؤلاء. 
وقوله تعالى : فآتينا الذين آمنوا منهم أجرهم وكثير منهم فاسقون  أخبر أن الذين آمنوا، وثبتوا على الإيمان، يؤتيهم أجرهم، أي يوجب لهم  أجرهم وكثير منهم فاسقون  أي كافرون. كذلك ذكر في حرف ابن مسعود رضي الله عنه وكثير منهم كافرون. 
وذكر أن بعضا منهم بعدما ترهبوا اشتد عليهم الترهب، فعادوا، ورجعوا، ودخلوا في دين أولئك الملوك، والله أعلم. 
قال القتبي : ورهبانية  أي العبادة، يعني الخوف، و ابتدعوها  الابتداع أن تفعل شيئا، لم يفعل قبلك، يقال منه : أبدعت، وابتدعت أيضا. و قيل : الرهبانية اسم مبني من الرهبة لما \[ فضل عن المقدار، وأفرط \][(٧)](#foonote-٧) فيه، وهو ما نهى الله تعالى عنه بقوله تعالى : لا تغلوا في دينكم  \[ النساء : ١٧١ والمائدة : ٧٧ \] ويقال : دين الله بين المقصر والغالي، وقوله تعالى : ما كتبناها عليهم  أي ما أمرناهم بها، والله أعلم.

١ ساقطة من الأصل و م..
٢ ساقطة من الأصل وم.
٣ ساقطة من الأصل و م..
٤ الهاء ساقطة من الأصل و م..
٥ من م: ساقطة من الأصل..
٦ في الأصل و م: بوفائه و إتمامه..
٧ من تفسير غريب القرآن ص: ٤٥٤..

### الآية 57:28

> ﻿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ۚ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ [57:28]

الآية ٢٨ وقوله تعالى : يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وآمنوا برسوله  يقول بعض أهل التأويل : يا أيها الذين آمنوا بعيسى عليه السلام / ٥٥٢ – ب / ابن مريم : آمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم ولكن هذا ضعيف، لأن الإيمان برسول من[(١)](#foonote-١) الرسل إيمان بجميع الرسل عليهم السلام. 
وتأويل الآية : يا أيها الذين آمنوا  بالرسل جملة على غير الإشارة. والتفسير آمنوا برسول الله محمد صلى الله عليه وسلم على الإشارة به، لأن الإيمان بالرسل على غير الإشارة أمر سهل، وإنما يصعب الإيمان به، ويشتد بالإشارة إلى واحد لأنه لما آمن بالمشار إليه لزمه اتباع أمره ونهيه، ويلزمه موالاة من والاه، واتبعه، ويلزمه معاداة من عاداه، وخالفه في أمره ونهيه وترك اتباعه، وإن كان له ابنا أو أبا أو جدا، وكان يجب أن يكون أحب الناس إليه وأقربه[(٢)](#foonote-٢) وأبره. 
فهذه معاملة الرسول الذي آمن به على الإشارة إليه، وإنها تشتد، وتصعب. وأما عند الإجمال والإرسال فأمر سهل، إنما فيه تصديق كل صادق وتكذيب كل كاذب. وكل الناس قد اعتقدوا في الأصل تصديق الصادق وتكذيب الكاذب وليس في الإجمال والإرسال إلا ذلك. 
وأما عند التعيين فيوجب الامتحان، وبه يظهر نفاق المنافقين وتحقيق المؤمنين المحققين. وذلك قوله تعالى : أم حسب الذين في قلوبهم مرض أن لن يخرج الله أضغانهم   ولو نشاء لأريناكهم  \[ محمد : ٢٩ و ٣٠ \] ظهر نفاقهم لما أمروا بالجهاد والخروج معه على الإشارة إليه، وقوله[(٣)](#foonote-٣) تعالى : \* ومنهم من عاهد الله لئن آتانا من فضله لنصدقن ولنكونن من الصالحين   فلما آتاهم من فضله بخلوا به وتولوا وهم معرضون \[ التوبة ٧٥ و ٧٦ \] وقد وعدوا في الجملة أنه لو أعطاهم كذا من فضله  لنصدقن ، فلما أوتوا ذلك، وأمروا بإخراجه أبوا إخراج ذلك عند الإشارة إليه. 
فعلى ذلك جائز أن يكون قوله : يا أيها الذين آمنوا  بالرسل جملة آمنوا بهذا الرسول المشار إليه لما يصعب الأمر ولما يلزم في ذلك معاداة من خالفه، وترك اتباعه، وإن كان أقرب الخلائق إليه. 
وكذلك عامل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أقاربهم وأرحامهم لما آمنوا برسول الله صلى الله عليه وسلم وصار عندهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أحب إليهم من أنفسهم وآبائهم وأولادهم، وعادوا جميع أقاربهم الذين خالفوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وتركوا اتباعه. 
وفي ذلك آية عظيمة، ولذلك فضل إيمان من آمن في أول خروجه على إيمان من تأخر منهم عن ذلك الوقت، ولا قوة إلا بالله. 
وقوله تعالى : يؤتكم كفلين من رحمته  قوله : يؤتكم  أي يوجب لكم  كفلين من رحمته  أي أجرين أجر الإيمان بالرسل كلهم على الإجمال وأجر الإيمان بالرسل على الإشارة والتفصيل. 
ذكر ههنا  كفلين من رحمته  وقال في آية أخرى : أولئك يؤتون أجرهم مرتين بما صبروا  \[ القصص : ٥٤ \]. 
ويحتمل قوله : كفلين  مرتين، وقوله : مرتين ، كفلين، فيكون أحدهما تفسيرا للآخر. 
ثم ذكر ههنا الأجر لهم من رحمته، وذكر هنالك الأجر مطلقا ليعلم أن ما ذكر لأعمالهم من الأجر، إنما هو فضل منه ورحمة لا استحقاق[(٤)](#foonote-٤) على ما ذكرنا، والله الموفق. 
ثم يحتمل ما ذكر من الأجر مرتين : يكون مرة في الدنيا وأخرى[(٥)](#foonote-٥) في الآخرة، كقوله تعالى : للذين أحسنوا في هذه الدنيا حسنة ولدار الآخرة خير  الآية \[ النحل : ٣٠ \] أي[(٦)](#foonote-٦) لهم في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة، والله أعلم. 
ويحتمل أن يكون ما ذكر من الأجر مرتين وعدا[(٧)](#foonote-٧) في الآخرة، ويكون قوله : مرتين  أي كفلين أي ضعفين كقوله : يضاعف لهم ولهم أجر كريم  \[ الحديد : ١٨ \]. 
ثم قوله : كفلين  قال أكثر أهل التأويل : أي أجرين. وقال بعضهم : حظين ونصيبين. 
وجائز أن يكون سماه كفلا لأنه كفله. ألا ترى أن ذا الكفل ذكر أنه[(٨)](#foonote-٨) سمي به لأنه كان يكفل لفلان ؟ فعلى ذلك جائز تسمية هذا كفلا لأنه يكفل به، والله أعلم. 
وقوله تعالى : ويجعل لكم نورا تمشون به  هذا يخرج على وجهين :
أحدهما : النور كناية عما يبصر به، ويتضح، والمشي كناية عن الأمور ؛ يقول، والله أعلم : يجعل ما تبصرون به السبيل، وتتضح لكم الأمور، وتزول عنكم الشبه، فيكون المشي كناية عن الأمور، والنور كناية عن البصر. وهو كقوله تعالى : أو من كان ميتا فأحييناه وجعلنا له نورا يمشي به في الناس كمن مثله في الظلمات  \[ الأنعام : ١٢٢ \] أي لا سواء، وهو كناية عما ذكرنا، ليس بتصريح. 
والثاني : على حقيقة إرادة المشي وحقيقة النور ؛ وذلك يكون في الآخرة، كقوله تعالى : والذين آمنوا معه نورهم يسعى بين أيديهم وبأيمانهم يقولون ربنا أتمم لنا نورنا  الآية \[ التحريم : ٨ \]. 
وقال أهل التأويل : النور ههنا القرآن، أي أعطاكم قرآنا يفضي بكم إلى سبيل الخير، والله أعلم. 
وقوله تعالى : ويغفر لكم  الغفران من الستر، كأنه يقول : يستر عليكم مساوئكم بينكم، لأن ذكر المساوئ ينغصهم النعم، ويحملهم على الحياء من ربهم.

١ من م، في الأصل: الله..
٢ في الأصل و م: و أقرب..
٣ في الأصل و م: و كقوله..
٤ في الأصل و م استحقاقا..
٥ في الأصل و م: و الأخرى..
٦ في الأصل و م: و قوله..
٧ أدرج قبلها في الأصل و م: يكون..
٨ في الأصل و م: أنما..

### الآية 57:29

> ﻿لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَلَّا يَقْدِرُونَ عَلَىٰ شَيْءٍ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ ۙ وَأَنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ ۚ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ [57:29]

وقوله تعالى : والله غفور رحيم  أي يرحمهم، ويخلدهم في جنته. 
الآية ٢٩ وقوله تعالى : لئلا يعلم أهل الكتاب  أجمع أهل التأويل واللغة أن حرف : لا زيادة ههنا وصلة، أي ليعلم أهل الكتاب. وقد يزاد في الكلام حرف : لا، ويسقط[(١)](#foonote-١) بحق الصلة، يعرف ذلك أهل الحكمة والفقه كقوله تعالى : يبين الله لكم أن تضلوا  \[ النساء : ١٧٦ \] ليس يبين لنا أن نضل، ولكن يبين لنا لنعلم، ونهتدي، فعرف الحكماء والفقهاء أن كلمة : لا أسقطت ههنا. فعلى ذلك عرفوا أن حرف : لا ههنا في قوله : لئلا يعلم  زيادة، معناه : ليعلم  أهل الكتاب ألا يقدرون على شيء من فضل الله  على غير تقدم كان منهم حتى خرج هذا جوابا لهم عن ذلك. 
ولكن يذكر شيئا، يشبه أن يكون الذي ذكر، هو جواب ذلك الذي كان منهم، وهو أنهم كانوا أهل كتاب وأهل علم بالكتاب، يرون لأنفسهم فضلا على غيرهم وخصوصية ليست لغيرهم عندهم. 
فلما بعث الله تعالى محمد صلى الله عليه وسلم رسولا إليهم وإلى الناس كافة، وأنزل عليه كتابا، وهو أمين عندهم، وذكر في كتابه ما كان في كتبهم، وأمرهم باتباعه والانقياد له والطاعة، وأحوجهم جميعا إليه وإلى ما في كتابه أنكروا فضل الله عليه وإحسانه إليه، فعند ذلك قال : لئلا يعلم أهل الكتاب ألا يقدرون على شيء من فضل الله وأن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء  أي يفضل من يشاء على من يشاء، ليس ذلك إليهم. 
ثم قوله تعالى : لئلا يعلم أهل الكتاب ألا يقدرون على شيء من فضل الله  دلالة نقص قول المعتزلة في أن الله تعالى قد أعطى كل إنسان[(٢)](#foonote-٢) ما يقدر على الوصول إلى جميع فضائله وإحسانه، وقد أخبر ليعلموا أنهم لا يقدرون على شيء من فضل الله، والمعتزلة يقولون : بل يقدرون ؛ فهذا خلاف لظاهر الآية، والله أعلم. 
وفي قوله تعالى : وأن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء  أيضا دلالة نقض قول المعتزلة من جهة أخرى، وهو أنه ذكر المشيئة في ما هو حقه فضل، وما هو حقه عدل حين[(٣)](#foonote-٣) قال : وأن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء  ولم يذكر المشيئة في ما هو حقه عدل وما هو حقه ظلم وجور، بل أطلق القول في ذلك فقال : وما ربك بظلام للعبيد  \[ فصلت : ٤٦ \] وقال : وما الله يريد ظلما للعباد  \[ غافر : ٣١ \] وقال : إن الله لا يظلم مثقال ذرة  \[ النساء : ٤٠ \] وقال  إن الله لا يظلم الناس شيئا  \[ يونس : ٤٤ \] وغير ذلك من الآيات ؛ نفى أن يلحق أحدا[(٤)](#foonote-٤) منه الظلم والجور ليعلم أن فعل الهدى منه يصل إلى من هداه، وأرشده، والإضلال منه/ ٥٥٣- أ/ عدل. وكذلك قال : يضل من يشاء ويهدي من يشاء  \[ فاطر : ٨ \] أي \[ من \][(٥)](#foonote-٥) نال الهدى والرشد إنما ناله بفضله ورحمته، ومن ضل فذلك عدل منه ؛ ولذلك قال : بل الله يمن عليكم أن هداكم للإيمان \[ الحجرات : ١٧ \] والله الهادي \[ والله أعلم بالصواب \][(٦)](#foonote-٦).

١ من م، الأصل: ولا يسقط..
٢ في الأصل و م: شيء..
٣ في الأصل و م: حيث..
٤ في الأصل و م: أحد..
٥ من م، ساقطة من الأصل..
٦ ساقطة من م..

## روابط ذات صلة

- [النص القرآني للسورة](https://quranpedia.net/surah/1/57.md)
- [كل تفاسير سورة الحديد
](https://quranpedia.net/surah-tafsir/57.md)
- [ترجمات سورة الحديد
](https://quranpedia.net/translations/57.md)
- [صفحة الكتاب: تأويلات أهل السنة](https://quranpedia.net/book/468.md)
- [المؤلف: أبو منصور المَاتُرِيدي](https://quranpedia.net/person/4180.md)

---

زُر [Quranpedia.net](https://quranpedia.net/surah/1/57/book/468) — موسوعة القرآن الكريم: التفاسير، الترجمات، التلاوات، والمواضيع.
