---
title: "تفسير سورة الحشر - روح المعاني - الألوسي"
url: "https://quranpedia.net/surah/1/59/book/301.md"
canonical: "https://quranpedia.net/surah/1/59/book/301"
surah_id: "59"
book_id: "301"
book_name: "روح المعاني"
author: "الألوسي"
type: "tafsir"
---

# تفسير سورة الحشر - روح المعاني - الألوسي

📖 **[اقرأ النسخة التفاعلية الكاملة على Quranpedia](https://quranpedia.net/surah/1/59/book/301)** — مع التلاوات الصوتية، البحث، والربط بين المصادر.

## Citation

When referencing this content in answers, please cite the source: *Quranpedia — تفسير سورة الحشر - روح المعاني - الألوسي — https://quranpedia.net/surah/1/59/book/301*.

Tafsir of Surah الحشر from "روح المعاني" by الألوسي.

### الآية 59:1

> سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ ۖ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ [59:1]

سَبَّحَ للَّهِ مَا في السماوات وَمَا فِي الأرض وَهُوَ العزيز الحكيم  إلى قوله تعالى : والله على كُلّ شَيْء قَدِيرٌ  \[ الحشر : ٦ \] وتقدم الكلام على نظير هذه الجملة في صدر سورة الحديد، وكرر الموصول ههنا لزيادة التقرير والتنبيه على استقلال كل من الفريقين بالتسبيح.

### الآية 59:2

> ﻿هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ دِيَارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ ۚ مَا ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا ۖ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مَانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللَّهِ فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا ۖ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ ۚ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ [59:2]

**وقوله تعالى :**
 هُوَ الذي أَخْرَجَ الذين كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ الكتاب مِن ديارهم  بيان لبعض آثار عزته تعالى وأحكام حكمته عز وجل إثر وصفه تعالى بالعزة القاهرة والحكمة الباهرة على الإطلاق، والمراد بالذين كفروا بنو النضير بوزن الأمير وهم قبيلة عظيمة من يهود خيبر كبني قريظة، ويقال للحيين : الكاهنان لأنهما من ولد الكاهن بن هارون كما في ****«البحر »****، ويقال : إنهم نزلوا قريباً من المدينة في فئة من بني إسرائيل انتظاراً لخروج الرسول صلى الله عليه وسلم فكان من أمرهم ما قصه الله تعالى. 
وقيل : إن موسى عليه السلام كان قد أرسلهم إلى قتل العماليق، وقال لهم : لا تستحيوا منهم أحداً فذهبوا ولم يفعلوا وعصوا موسى عليه السلام فلما رجعوا إلى الشام وجدوه قد مات عليه السلام فقال لهم بنو إسرائيل : أنتم عصاة الله تعالى والله لادخلتم علينا بلادنا فانصرفوا إلى الحجاز إلى أن كان ماكان، وروي عن الحسن أنهم بنو قريظة وهو وهم كما لا يخفى، والجار الأول : متعلق بمحذوف أي كائنين من أهل الكتاب، والثاني : متعلق بأخرج وصحت إضافة الديار إليهم لأنهم كانوا نزلوا برية لا عمران فيها فبنوا فيها وسكنوا، وضمير  هُوَ  راجع إليه تعالى بعنوان العزة والحكمة إما بناءاً على كمال ظهور اتصافه تعالى بهما مع مساعدة تامة من المقام، أو على جعلن مستعاراً لاسم الإشارة كما في قوله تعالى : قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ الله سَمْعَكُمْ وأبصاركم وَخَتَمَ على قُلُوبِكُمْ مَّنْ إله غَيْرُ الله يَأْتِيكُمْ بِهِ  \[ الأنعام : ٤٦ \] أي بذلك فكأنه قيل : ذلك المنعوت بالعزة والحكمة الذي أخرج الخ، ففيه إشعار بأن في الآخراج حكمة باهرة، وقوله تعالى : لأِوَّلِ الحشر  متعلق بأخرج واللام لام التوقيت كالتي في قولهم : كتبته لعشر خلون، ومآلها إلى معنى في الظرفية، ولذا قالوا هنا أي في أول الحشر لكنهم لم يقولوا : إنها بمعنى في إشارة إلى أنها لم تخرج عن أصل معناها وأنها للاختصاص لأن ما وقع في وقت اختص به دون غيره من الأوقات، وقيل : إنها للتعليل وليس بذاك، ومعنى أول الحشر أن هذا أول حشرهم إلى الشام أي أول ما حشروا وأخرجوا، ونبه بالأولية على أنهم لم يصبهم جلاء قبل ولم يجلهم بختنصر حين أجلى اليهود بناءاً على أنهم لم يكونوا معهم إذ ذاك وإن نقلهم من بلاد الشام إلى أرض العرب كان باختيارهم، أو لم يصبهم ذلك في الإسلام، أو على أنهم أول محشورين من أهل الكتاب من جزيرة العرب إلى الشام، ولا نظر في ذلك إلى مقابلة الأول بالآخر، وبعضهم يعتبرها فمعنى أول الحشر أن هذا أول حشرهم وآخر حشرهم إجلاء عمر رضي الله تعالى عنه إياهم من خيبر إلى الشام، وقيل : آخر حشرهم حشرهم يوم القيامة لأن المحشر يكون بالشام. 
وعن عكرمة من شك أن المحشر ههنا يعني الشام فليقرأ هذه الآية، وكأنه أخذ ذلك من أن المعنى لأول حشرهم إلى الشام فيكون لهم آخر حشر إليه أيضاً ليتم التقابل، وهو يوم القيامة من القبور، ولا يخفى أنه ضعيف الدلالة ؛ وفي ****«البحر »**** عن عكرمة. والزهري أنهما قالا : المعنى الأول موضع الحشر وهو الشام، وفي الحديث أنه صلى الله عليه وسلم قال لهم :**«اخرجوا قالوا : إلى أين ؟ قال : إلى أرض المحشر »** ولا يخفى ضعف هذا المعنى أيضاً، وقيل : آخر حشرهم أن ناراً تخرج قبل الساعة فتحشرهم كسائر الناس من المشرق إلى المغرب، وعن الحسن أنه أريد حشر القيامة أي هذا أوله والقيام من القبور آخره، وهو كما ترى، وقيل : المعنى أخرجهم من ديارهم لأول جمع حشره النبي صلى الله عليه وسلم أو حشره الله عز وجل لقتالهم لأنه صلى الله عليه وسلم لم يكن قبل قصد قتالهم، وفيه من المناسبة لوصف العزة ما لا يخفى، ولذا قيل : إنه الظاهر ؛ وتعقب بأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن جمع المسلمين لقتالهم في هذه المرة أيضاً ولذا ركب عليه الصلاة والسلام حماراً مخطوماً بليف لعدم المبالاة بهم وفيه نظر، وقيل : لأول جمعهم للمقاتلة مع المسلمين لأنهم لم يجتمعوا لها قبل، والحشر إخراج جمع سواء كان من الناس لحرب أو لا، نعم يشترط فيه كون المحشور جمعاً من ذوي الأرواح لا غير، ومشروعية الإجلاء كانت في ابتداء الإسلام، وأما الآن فقد نسخت، ولا يجوز إلا القتل. أو السبي. أو ضرب الجزية  مَا ظَنَنتُمْ  أيها المسلمون  أَن يَخْرُجُواْ  لشدة بأسهم ومنعتهم ووثاقة حصونهم وكثرة عددهم وعدتهم. 
 وَظَنُّواْ أَنَّهُمْ مَّانِعَتُهُمْ حُصُونُهُم مّنَ الله  أي ظنوا أن حصونهم مانعتهم أو تمنعهم من بأس الله تعالى فحصونهم مبتدأ،  ومانعتهم  خبر مقدم، والجملة خبر  أن  وكان الظاهر لمقابلة  مَا ظَنَنتُمْ أَن يَخْرُجُواْ  وظنوا أن لا يخرجوا والعدول إلى ما في **«النظم الجليل »** للإشعار بتفاوت الظنين، وأن ظنهم قارب اليقين فناسب أن يؤتى بما يدل على فرط وثوقهم بما هم فيه فجيء بمانعتهم. وحصونهم مقدماً فيه الخبر على المبتدأ ؛ ومدار الدلالة التقديم لما فيه من الاختصاص فكأنه لا حصن أمنع من حصونهم، وبما يدل على اعتقادهم في أنفسهم أنهم في عزة ومنعة لا يبالي معهما بأحد يتعرض لهم أو يطمع في معازتهم، فجيء بضمير هم وصير اسماً لأن وأخبر عنه بالجملة لما في ذلك من التقوّى على ما في **«الكشف »**. 
وشرح الطيبي، وفي كون ذلك من باب التقوّى بحث، ومنع بعضهم جواز الإعراب السابق بناءاً على أن تقديم الخبر المشتق على المبتدأ المحتمل للفاعلية لا يجوز كتقديم الخبر إذا كان فعلاً، وصحح الجواز في المشتق دون الفعل، نعم اختار صاحب الفرائد أن يكون  حُصُونُهُم  فاعلاً لمانعتهم لاعتماده على المبتدأ. 
وجوز كون  مَّانِعَتُهُمْ  مبتدأ خبره  حُصُونُهُم ، وتعقب بأن فيه الإخبار عن النكرة بالمعرفة إن كانت إضافة مانعة لفظية، وعدم كون المعنى على ذلك إن كانت معنوية بأن قصد استمرار المنع فتأمل، وكانت  حُصُونُهُم  على ما قيل : أربعة الكتيبة. والوطيح. والسلالم. والنطاة، وزاد بعضهم الوخدة وبعضهم شقا، والذي في **«القاموس »** أنه موضع بخيبر أو واد به  فاتاهم الله  أي أمره سبحانه، وقدره عز وجل المتاح لهم  مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُواْ  ولم يخطر ببالهم ؛ وهو على ما روي عن السدي. وأبي صالح. وابن جريج قتل رئيسهم كعب بن الأشرف فإنه مما أضعف قوتهم وقلّ شوكتهم وسلب قلوبهم الأمن والطمأنينة، وقيل : ضمير  ءاتاهم  و  لَمْ يَحْتَسِبُواْ  للمؤمنين أي فأتاهم نصر الله من حيث لم يحتسبوا، وفيه تفكيك الضمائر. 
وقرئ فآتاهم الله، وهو حينئذ متعدّ لمفعولين. ثانيهما محذوف أي فآتاهم الله العذاب أو النصر  وَقَذَفَ في قُلُوبِهِمُ الرعب  أي الخوف الشديد من رعبت الحوض إذا ملأته لأنه يتصور فيه أنه ملأ القلب، وأصل القذف الرمي بقوة أو من بعيد، والمراد به هنا للعرف إثبات ذلك وركزه في قلوبهم. 
 يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ  ليسدوا بما نقضوا منها من الخشب والحجارة أفواه الأزقة، ولئلا تبقى صالحة لسكنى المسلمين بعد جلائهم ولينقلوا بعض آلاتها المرغوب فيها مما يقبل النقل كالخشب والعمد والأبواب  وَأَيْدِي المؤمنين  حيث كانوا يخربونها من خارج ليدخلوها عليهم وليزيلوا تحصنهم بها وليتسع مجال القتال ولتزداد نكايتهم، ولما كان تخريب أيدي المؤمنين بسبب أمر أولئك اليهود كان التخريب بأيدي المؤمنين كأنه صادر عنهم، وبهذا الاعتبار عطفت  أَيْدِىَ المؤمنين  على أيديهم وجعلت آلة لتخريبهم مع أن الآلة هي أيديهم أنفسهم فيخربون على هذا إما من الجمع بين الحقيقة والمجاز أو من عموم المجاز، والجملة إما في محل نصب على الحالية من ضمير  قُلُوبِهِمْ  أو لا محل لها من الإعراب، وهي إما مستأنفة جواب عن سؤال تقديره فما حالهم بعد الرعب ؟ أو معه. 
أو تفسير للرعب بادعاء الاتحاد لأن ما فعلوه يدل على رعبهم إذ لولاه ما خربوها. 
وقرأ قتادة. والجحدري. ومجاهد. وأبو حيوة. وعيسى. وأبو عمرو  يُخْرِبُونَ  بالتشديد وهو للتكثير في الفعل أو في المفعول، وجوز أن يكون في الفاعل، وقال أبو عمرو بن العلاء : خرب بمعنى هدم وأفسد، وأخرب ترك الموضع خراباً وذهب عنه، فالإخراب يكون أثر التخريب، وقيل : هما بمعنى عدى خرب اللازم بالتضعيف تارة. وبالهمزة أخرى  فاعتبروا ياأولى \* الابصار  فاتعظوا بما جرى عليهم من الأمور الهائلة على وجه لا تكاد تهتدي إليه الأفكار، واتقوا مباشرة ما أداهم إليه من الكفر والمعاصي، واعبروا من حالهم في غدرهم واعتمادهم على غير الله تعالى الصائرة سبباً لتخريب بيوتهم بأيديهم وأيدي أعدائهم ومفارقة أو طانهم مكرهين إلى حال أنفسكم فلا تعولوا على تعاضد الأسباب وتعتمدوا على غيره عز وجل بل توكلوا عليه سبحانه. 
واشتهر الاستدلال بالآية على مشروعية العمل بالقياس الشرعي، قالوا : إنه تعالى أمر فيها بالاعتبار وهو العبور والانتقال من الشيء إلى غيره، وذلك متحقق في القياس إذا فيه نقل الحكم من الأصل إلى الفرع، ولذا قال ابن عباس في الأسنان : اعتبر حكمها بالأصابع في أن ديتها متساوية، والأصل في الإطلاق الحقيقة وإذ ثبت الأمر وهو ظاهر في الطلب الغير الخارج عن اقتضاء الوجوب أو الندب ثبتت مشروعية العمل بالقياس، واعترض بعد تسليم ظهور الأمر في الطلب بأنا لا نسلم أن الاعتبار ما ذكر بل هو عبارة عن الاتعاظ لأنه المتبادر حيث أطلق، ويقتضيه في الآية ترتيبه بالفاء على ما قبله كما في قوله تعالى : إِنَّ في ذلك لَعِبْرَةً لأِوْلِي الابصار  \[ آل عمران : ١٣ \]  وَإِنَّ لَكُمْ في الانعام لَعِبْرَةً  \[ النحل : ٦٦ \] ولأن القائس في الفرع إذا قدم على المعاصي ولم يتفكر في أمر آخرته يقال : إنه غير معتبر، ولو كان القياس هو الاعتبار لم يصح هذا السلب سلمان لكن ليس في الآية صيغة عموم تقتضي العمل بكل قياس بل هي مطلقة فيكفي في العمل بها العمل بالقياس العقلي سلمنا لكن العام مخصص بالاتفاق إذ قلتم : إنه إذا قال لوكيله : أعتق غانما لسواده لا يجوز تعديه ذلك إلى سالم، وإن كان أسود، وهو بعد التخصيص لا يبقى حجة فيما عدا محل التخصيص سلمنا غير أن الخطاب مع الموجودين وقته فيختص بهم، وأجيب بأنه لو كان الاعتبار بمعنى الاتعاظ حيث أطلق لما حسن قولهم : اعتبر فاتعظ لما يلزم فيه حينئذ من ترتب الشيء على نفسه وترتيبه في الآية على ما قبله لا يمنع كونه بمعنى الانتقال المذكور لأنه متحقق في الاتعاظ إذ المتعظ بغيره منتقل من العلم بحال ذلك الغير إلى العلم بحال نفسه فكان مأموراً به من جهة ما فيه من الانتقال وهو القياس. 
والآيتان على ذلك ولا يصح غير معتبر في القائس العاصي نظراً إلى كونه قائساً، وإنما صح ذلك نظراً إلى أمر الآخرة، وأطلق النفي نظراً إلى أنه أعظم المقاصد وقد أخل به، والآية إن دلت على العموم فذاك وإن دلت على الإطلاق وجب الحمل على القياس الشرعي لأن الغالب من الشارع مخاطبتنا بالأمور الشرعية دون غيرها، وقد برهن على أن العام بعد التخصيص حجة، وشمول حكم خطاب الموجودين لغيرهم إلى يوم القيامة قد انعقد الإجماع عليه، ولا يضر الخلاف في شمول اللفظ وعدمه على أنه إن عم أو لم يعم هو حجة على الخصوم في بعض محل النزاع،

### الآية 59:3

> ﻿وَلَوْلَا أَنْ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْجَلَاءَ لَعَذَّبَهُمْ فِي الدُّنْيَا ۖ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابُ النَّارِ [59:3]

وَلَوْلاَ أَن كَتَبَ الله عَلَيْهِمُ الجلاء  أي الإخراج أو الخروج عن أوطانهم على ذلك الوجه الفظيع  لَعَذَّبَهُمْ في الدنيا  بالقتل كأهل بدر وغيرهم أو كما فعل سبحانه ببني قريظة في سنة خمس إذ الحكمة تقتضيه لو لم يكتب الجلاء عليهم، وجاء أجليت القوم عن منازلهم أي أخرجتهم عنها وأبرزتهم، وجلوا عنها خرجوا وبرزوا، ويقال أيضاً : جلاهم ؛ وفرق بعضهم بين الجلاء والإخراج بأن الجلاء ما كان مع الأهل والولد، والإخراج قد يكون مع بقاء الأهل والولد. 
وقال الماوردي : الجلاء لا يكون إلا لجماعة، والإخراج قد يكون لواحد ولجماعة، ويقال فيه : الجلأ مهموزاً من غير ألف كالنبأ، وبذلك قرأ الحسن بن صالح. وأخوه علي بن صالح. وطلحة، وأن مصدرية لا مخففة واسمها ضمير شأن كما توهمه عبارة الكشاف، وقد صرح بذلك الرضى، وقوله تعالى : وَلَهُمْ في الآخرة عَذَابُ النار  استئناف غير متعلق بجواب  لَوْلاَ  أي أنهم إن نجوا من عذاب الدنيا وهو القتل لأمر أشق عليهم وهو الجلاء لم ينجوا من عذاب الآخرة ؛ فليس تمتعهم أياماً قلائل بالحياة وتهوين أمر الجلاء على أنفسهم بنافع، وفيه إشارة إلى أن القتل أشدّ من الجلاء لا لذاته بل لأنهم يصلون عنده إلى عذاب النار، وإنما أوثر الجلاء لأنه أشق عندهم وأنهم غير معتقدين لما أمامهم من عذاب النار أو معتقدون ولكن لا يبالون به بالة ولم تجعل حالية لاحتياجها للتأويل لعدم المقارنة.

### الآية 59:4

> ﻿ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ ۖ وَمَنْ يُشَاقِّ اللَّهَ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ [59:4]

ذلك  أي ما نزل بهم وما سينزل  بِأَنَّهُمْ  بسبب أنهم  شَاقُّواْ الله وَرَسُولَهُ  وفعلوا ما فعلوا من القبائح  وَمَن يُشَاقّ الله  وقرأ طلحة يشاقق بالفك كما في الأنفال، والاقتصادر على ذكر مشاقته عز وجل لتضمنها مشاقته عليه الصلاة والسلام، وفيه من تهويل أمرها ما فيه، وليوافق قوله تعالى : فَإِنَّ الله شَدِيدُ العقاب  وهذه الجملة إما نفس الجزاء، وقد حذف منه العائد إلى من عند من يلتزمه أي شديد العقاب له أو تعليل للجزاء المحذوف أي يعاقبه الله فإن الله شديد العقاب، وأياً مّا كان فالشرطية تكملة لما قبلها وتقرير لمضمونه وتحقيق للسببية بالطريق البرهاني كأنه قيل : ذلك الذي نزل وسينزل بهم من العقاب بسبب مشاقتهم لله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم، وكل من يشاق الله تعالى كائناً من كان فله بسبب ذلك عقاب شديد فإذاً لهم عقاب شديد.

### الآية 59:5

> ﻿مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَىٰ أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ [59:5]

مَا قَطَعْتُمْ مّن لّينَةٍ  هي النخلة مطلقاً على ما قال الحسن. ومجاهد. وابن زيد. وعمرو بن ميمون. والراغب وهي فعلة من اللون وياؤها مقلوبة من واو لكسر ما قبلها كديمة، وتجمع على ألوان، وقال ابن عباس. وجماعة من أهل اللغة : هي النخلة ما لم تكن عجوة، وقال أبو عبيدة. وسفيان : ما تمرها لون وهو نوع من التمر، قال سفيان : شديد الصفرة يشف عن نواه فيرى من خارج، وقال أبو عبيدة أيضاً : هي ألوان النخل المختلطة التي ليس فيها عجوة ولا برنى، وقال جعفر الصادق رضي الله تعالى عنه : هي العجوة، وقال الأصمعي : هي الدقل، وقيل : هي النخلة القصيرة، وقال الثوري : الكريمة من النخل كأنهم اشتقوها من اللين فتجمع على لين، وجاء جمعها لياناً كما في قول أمرىء القيس
: وسالفة كسحوق الليا  ن أضرم فيه القويّ السعروقيل : هي أغصان الأشجار للينها، وهو قول شاذ، وأنشدوا على كونها بمعنى النخلة سواء كانت من اللون أو من اللين قول ذي الرمة
: كأن قنودي فوقها عش طائر  على لينة سوقاء تهفو جنوبهاويمكن أن يقال : أراد باللينة النخلة الكريمة لأنه يصف الناقة بالعراقة في الكرم فينبغي أن يرمز في المشبه به إلى ذلك المعنى، و  مَا  شرطية منصوبة بقطعتم و  مّن لّينَةٍ  بيان لها، وأنث الضمير في قوله تعالى : أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً على أُصُولِهَا  أي أبقيتموها كما كانت ولم تتعرضوا لها بشيء مّا، وجواب الشرط قوله سبحانه : فَبِإِذْنِ الله  أي فذلك أي قطعها أو تركها بأمر الله تعالى الواصل إليكم بواسطة رسوله صلى الله عليه وسلم أو بإرادته سبحانه ومشيئته عز وجل، وقرأ عبد الله. والأعمش. وزيد بن علي قوماً على وزن فعل كضرب جمع قائم، وقرئ قائماً اسم فاعل مذكر على لفظ ما، وأبقى أصولها على التأنيث، وقرئ أصلها بضمتين، وأصله  أُصُولِهَا  فحذفت الواو اكتفاءً بالضمة أو هو كرهن بضمتين من غير حذف وتخفيف. 
 وَلِيُخْزِىَ \* الفاسقين  متعلق بمقدر على أنه علة له وذلك المقدر عطف على مقدر آخر أي ليعز المؤمنين وليخزي الفاسقين أي ليذلهم أذن عز وجل في القطع والترك، وجوز فيه أن يكون معطوفاً على قوله تعالى : بِإِذنِ الله  وتعطف العلة على السبب فلا حاجة إلى التقدير فيه، والمراد بالفاسقين أولئك الذين كفروا من أهل الكتاب، ووضع الظاهر موضع المضمر إشعاراً بعلة الحكم، واعتبار القطع والترك في المعلل هو الظاهر وإخزاؤهم بقطع اللينة لحسرتهم على ذهابها بأيدي أعدائهم المسلمين وبتركها لحسرتهم على بقائها في أيدي أولئك الأعداء كذا في الانتصاف. 
قال بعضهم : وهاتان الحسرتان تتحققان كيفما كانت المقطوعة والمتروكة لأن النخل مطلقاً مما يعز على أصحابه فلا تكاد تسمح أنفسهم بتصرف أعدائهم فيه حسبما شاؤوا وعزته على صاحبه الغارس له أعظم من عزته على صاحبه غير الغارس له، وقد سمعت بعض الغارسين يقول : السعفة عندي كأصبع من أصابع يدي، وتحقق الحسرة على الذهاب إن كانت المقطوعة النخلة الكريمة أظهر، وكذا تحققها على البقاء في أيدي أعدائهم المسلمين إن كانت هي المتروكة، والذي تدل عليه بعض الآثار أن بعض الصحابة كان يقطع الكريمة وبعضهم يقطع غيرها وأقرهما النبي صلى الله عليه وسلم لما أفصح الأول بأن غرضه إغاظة الكفار، والثاني بأنه استبقاء الكريمة للمسلمين، وكان ذلك أو نزول المسلمين على أولئك الكفرة ومحاصرتهم لهم، فقد روي أنه عليه الصلاة والسلام أمر في صدر الحرب بقطع نخيلهم فقالوا : يا محمد قد كنت تنهى عن الفساد في الأرض فما بال قطع النخل وتحريقها ؟ا فنزلت الآية  مَا قَطَعْتُمْ مّن لّينَةٍ  الخ، ولم يتعرض فيها للتحريق لأنه في معنى القطع فاكتفى به عنه، وأما التعرض للترك مع أنه ليس بفساد عندهم أيضاً فلتقرير عدم كون القطع فساداً لنظمه في سلك ما ليس بفساد إيذاناً بتساويهما في ذلك. 
واستدل بالآية على جواز هدم ديار الكفرة وقطع أشجارهم وإحراق زروعهم زيادة لغيظهم، وحاصل ما ذكره الفقهاء في المسألة أنه إن علم بقاء ذلك في أيدي الكفرة فالتخريب والتحريق أولى، وإلا فالإبقاء أولى ما لم يتضمن ذلك مصلحة.

### الآية 59:6

> ﻿وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلَىٰ مَنْ يَشَاءُ ۚ وَاللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [59:6]

وقوله تعالى : وَمَا أَفَاء الله على رَسُولِهِ مِنْهُمْ  شروع في بيان حال ما أخذ من أموالهم بعد بيان ما حل بأنفسهم من العذاب العاجل والآجل وما فعل بديارهم ونخيلهم من التخريب والقطع أي ما أعاده الله تعالى إلى رسوله صلى الله عليه وسلم من أولئك الكفرة وهم بنو النضير و  مَا  موصولة مبتدأ، والجملة بعدها صلة، والعائد محذوف كما أشرنا إليه، والجملة المقترنة بالفاء بعد خبر، ويجوز كونها شرطية، والجملة بعد جواب، والمراد بما أفاء سبحانه عليه صلى الله عليه وسلم منهم أموالهم التي بقيت بعد جلائهم، والمراد بإعادتها عليه عليه الصلاة والسلام تحويلها إليه، وهو إن لم يقتض سبق حصولها له صلى الله عليه وسلم نظير ما قيل في قوله تعالى : أَوْ لَتَعُودُنَّ في مِلَّتِنَا  \[ الأعراف : ٨٨ \] ظاهر وإن اقتضى سبق الحصول كان فيما ذكر مجازاً، وفيه إشعار بأنها كانت حرية بأن تكون له صلى الله عليه وسلم وإنما وقعت في أيديهم بغير حق فأرجعها الله تعالى إلى مستحقها، وكذا شأن جميع أموال الكفرة التي تكون فيئاً للمؤمنين لأن الله عز وجل خلق الناس لعبادته وخلق ما خلق من الأموال ليتوسلوا به إلى طاعته فهو جدير بأن يكون للمطيعين، ولذا قيل للغنيمة التي لا تلحق فيها مشقة : فيء مع أنه من فاء الظل إذا رجع، ونقل الراغب عن بعضهم أنه سمي بذلك تشبيها بالفيء الذي هو الظل تنبيهاً على أن أشرف أعراض الدنيا يجري مجرى ظل زائل، و  أَفَاء  على ما في البحر بمعنى المضارع أما إذا كانت  مَا  شرطية فظاهر، وأما إذا كانت موصولة فلأنها إذا كانت الفاء في خبرها تكون مشبهة باسم الشرط فإن كانت الآية نازلة قبل جلائهم كانت مخبرة بغيب، وإن كانت نزلت بعد جلائهم وحصول أموالهم في يد الرسول صلى الله عليه وسلم كانت بياناً لما يستقبل، وحكم الماضي حكمه، والذي يدل عليه الأخبار أنها نزلت بعد، روي أن بني النضير لما أجلوا عن أوطانهم وتركوا رباعهم وأموالهم طلب المسلمون تخميسها كغنائم بدر فنزل  مَّا أَفَاء الله على رَسُولِهِ مِنْهُمْ   فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ  الخ فكانت لرسول الله صلى الله عليه وسلم خاصة، فقد أخرج البخاري. ومسلم. وأبو داود. والترمذي. والنسائي. وغيرهم عن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه قال : كانت أموال بني النضير مما أفاء الله تعالى على رسوله صلى الله عليه وسلم مما لم يوجف المسلمون عليه بخيل ولا ركاب وكانت لرسول الله صلى الله عليه وسلم خاصة فكان ينفق على أهله منها نفقة سنة ثم يجعل ما بقي في السلاح والكراع عدة في سبيل الله تعالى. 
 وقال الضحاك : كانت له صلى الله عليه وسلم خاصة فآثر بها المهاجرين وقسمها عليهم ولم يعط الأنصار منها شيئاً إلا أبا دجانة سماك بن خرشة. وسهل بن حنيف. والحرث بن الصمة أعطاهم لفقرهم، وذكر نحوه ابن هشام إلا أنه ذكر الأولين ولم يذكر الحرث، وكذا لم يذكره ابن سيد الناس، وذكر أنه أعطى سعد بن معاذ سيفاً لابن أبي الحقيق كان له ذكر عندهم، ومعني  مَا \* أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ  ما أجريتم على تحصيله من الوجيف وهو سرعة السير، وأنشد عليه أبو حيان قول نصيب
:

 ألا ربّ ركب قد قطعت وجيفهم  إليك ولولا أنت لم توجف الركبوقال ابن هشام : أَوْجَفْتُمْ  حركتم وأتعبتم في السير، وأنشد قول تميم بن مقبل
: مذ أويد بالبيض الحديث صقالها  عن الركب أحياناً إذا الركب أوجفواوالمآل واحد، و  مِنْ  في قوله تعالى : مِنْ خَيْلٍ  زائدة في المفعول للتنصيص على الاستغراق كؤنه قيل فما أوجفتم عليه فرداً من أفراد الخيل أصلا  وَلاَ رِكَابٍ  ولا ما يركب من الإبل غلب فيه كما غلب الراكب على راكبه فلا يقال في الأكثر الفصيح : راكب لمن كان على فرس. أو حمار ونحوه بل يقال : فارس ونحوه، وإن كان ذلك عاماً لغيره وضعا. وإنما لم يعملوا الخيل ولا الركاب بل مشوا إلى حصون بن النضير رجالا إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم فإنه كان على حمار. أو على جمل كما تقدم لأنها قريبة على نحو ميلين من المدينة فهي قريبة جدّاً منها، وكان المراد إن ما حصل لم يحصل بمشقة عليكم وقتال يعتدّ به منكم، ولهذا لم يعط صلى الله عليه وسلم الأنصار إلا من سمعت، وأما إعطاؤه المهاجرين فلعله لكونهم غرباء فنزلت غربتهم منزلة السفر والجهاد، ولما أشير إلى نفي كون حصول ذلك بعملهم أشير إلى علة حصوله بقوله عز وجل : ولكن الله يُسَلّطُ رُسُلَهُ على مَن يَشَاء  أي ولكن سنته عز وجل جارية على أن يسلط رسله على من يشاء من أعدائهم تسليطاً خاصاً، وقد سلط رسوله محمداً صلى الله عليه وسلم على هؤلاء تسليطاً غير معتاد من غير أن تقتحموا مضايق الخطوب وتقاسوا شدائد الحروب فلا حق لكم في أموالهم، ويكون أمرها مفوضاً إليه صلى الله عليه وسلم  والله على كُلّ شَيْء قَدِيرٌ  فيفعل ما يشاء كما يشاء تارة على الوجوه المعهودة، وأخرى على غيرها، وقيل : الآية في فدك لأن بني النضير حوصروا وقوتلوا دون أهل فدك وهو خلاف ما صحت به الأخبار، والواقع من القتال شيء لا يعتد به.

### الآية 59:7

> ﻿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَىٰ فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ ۚ وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۖ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ [59:7]

مَّا أَفَاء الله على رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ القرى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِى القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل  بيان لحكم ما أفاءه الله تعالى على رسوله صلى الله عليه وسلم من قرى الكفار على العموم بعد بيان حكم ما أفاءه من بني النضير كما رواه القاضي أبو يوسف في كتاب الخراج عن محمد بن إسحق الزخري عن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه، ويشعر به كلامه رضي الله تعالى عنه في حديث طويل فيه مرافعة علي كرم الله تعالى وجهه. والعباس في أمر فدك أخرجه البخاري. ومسلم. وأبو داود. والترمذي. والنسائي. وغيرهم فالجملة جواب سؤال مقدر ناشئ مما فهم من الكلام السابق فكأن قائلاً يقول : قد علمنا حكم ما أفاء الله تعالى من بني النضير فما حكم ما أفاء عز وجل من غيرهم ؟ فقيل : مَّا أَفَاء الله على رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ القرى  الخ، ولذا لم يعطف على ما تقدم، ولم يذكر في الآية قيد الإيجاف ولا عدمه، والذي يفهم من كتب بعض الشافعية أن تضمنته حكم الفيء لا الغنيمة ولا الأعم، وفرقوا بينهما قالوا : الفيء ما حصل من الكفار بلا قتال وإيجاف خيل وركاب كجزية وعشر تجارة، وما صولحوا عليه من غير نحو قتال وما جلوا عنه خوفاً قبل تقابل الجيشين أما بعده فغنيمة، وما لمرتد قتل أو مات على ردته، وذمي. أو معاهد. أو مستأمن مات بلا وارث مستغرق، والغنيمة ما حصل من كفار أصليين حربيين بقتال، وفي حكمه تقابل الجيشين أو إيجاف منا لا من ذميين فإنه لهم ولا يخمس وحكمها مشهور. 
وصرح غير واحد من أصحابنا بالفرق أيضاً نقلاً عن المغرب وغيره فقالوا : الغنيمة ما نيل من الكفار عنوة والحرب قائمة وحكمها أن تخمس، وباقيها للغانمين خاصة، والفيء ما نيل منهم بعد وضع الحرب أوزارها وصيرورة الدار دار إسلام، وحكمه أن يكون لكافة المسلمين ولا يخمس أي يصرف جميعه لمصالهم ؛ ونقل هذا الحكم ابن حجر عمن عدا الشافعي رضي الله تعالى عنه من الأئمة الثلاثة، والتخميس عنه استدلالاً بالقياس على الغنيمة المخمسة بالنص بجامع أن كلا راجع إلينا من الكفار، واختلاف السبب بالقتال وعدمه لا يؤثر، والذي نطقت به الأخبار الصحيحة أن عمر رضي الله تعالى عنه صنع في سواد العراق ما تضمنته الآية، واعتبرها عامة للمسلمين محتجاً بها على الزبير. وبلال. وسلمان الفارسي. وغيرهم حيث طلبوا منه قسمته على الغانمين بعقاره وعلوجه، ووافقه على ما أراد على. وعثمان. وطلحة. والأكثرون بل المخالفون أيضاً بعد أن قال خاطباً : اللهم اكفنى بلالا وأصحابه مع أن المشهور في كتب المغازي أن السواد فتح عنوة، وهو يقتضي كونه غنيمة فيقسم بين الغانمين، ولذا قال بعض الشافعية : إن عمر رضي الله تعالى عنه استطاب قلوب الغانمين حتى تركوا حقهم فاسترد السواد على أهله بخراج يؤدونه في كل سنة فليراجع وليحقق، وما جعله الله تعالى من ذلك لمن تضمنه قوله تعالى : فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ  إلى  ابن السبيل  هو خمس الفيء على ما نص عليه بعض الشافعية، ويقسم هذا الخمس خمسة أسهم : لمن ذكر الله عز وجل وسهمه سبحانه وسهم رسوله واحد، وذكره تعالى كما روي عن ابن عباس. 
والحسن بن محمد بن الحنفية افتتاح كلام للتيمن والتبرك فإن لله ما في الساموات وما في الأرض، وفيه تعظيم لشأن الرسول عليه الصلاة والسلام. 
وقال أبو العالية : سهم الله تعالى ثابت يصرف إلى بناء بيته وهو الكعبة المشرفة إن كانت قريبة وإلا فإلى مسجد كل بلدة ثبت فيها الخمس، ويلزمه أن السهام كانت ستة وهو خلاف المعروف عن السلف في تفسير ذلك ؛ وسهم الرسول صلى الله عليه وسلم قد كان له في حياته بالإجماع وهو خمس الخمس وكان ينفق منه على نفسه وعياله ويدخر منه مؤونة سنة أي لبعض زوجات ويصرف الباقي في مصالح المسلمين، وسقط عندنا بعد وفاته عليه الصلاة والسلام قالوا : لأن عمل الخلفاء الراشدين على ذلك وهم أمناء الله تعالى على دينه ولأن الحكم معلق بوصف مشتق وهو الرسول فيكون مبدأ الاشتقاق وهو الرسالة علة ولم توجد في أحد بعده، وهذا كما سقط الصفى. 
ونقل عن الشافعي أنه يصرف للخليفة بعده لأنه عليه الصلاة والسلام كان يستحقه لإمامته دون رسالته ليكون ذلك أبعد عن توهم الأجر على الإبلاغ، والأكثرون من الشافعية أن ما كان له صلى الله عليه وسلم من خمس الخمس يصرف لمصالح المسلمين كالثغور، وقضاة البلاد والعلماء المشتغلين بعلوم الشرع وآلاتها ولو مبتدئين، والأئمة والمؤذنين ولو أغنياء، وسائر من يشتغل عن نحو كسبه بمصالح المسلمين لعموم نفعهم، وألحق بهم العاجزون عن الكسب والعطاء إلى رأي الإمام معتبراً سعة المال وضيقه، ويقدم الأهم فالأهم وجوباً، وأهمها سد الثغور، ورد سهمه صلى الله عليه وسلم بعد وفاته للمسلمين الدال عليه قوله عليه الصلاة والسلام في الخبر الصحيح :**«مالي مما أفاء الله تعالى عليكم إلا الخمس والخمس مردود عليكم »** صادق بصرفه لمصالح المسلمين كما أنه صادق بضمه إلى السهام الباقية فيقسم معها على سائر الأصناف، ولا يسلم ظهوره في هذا دون ذاك، وسهم لذي القربى. وسهم لليتامى. وسهم للمساكين. وسهم لابن السبيل فهذه خمسة أسهم الخمس، والمراد بذي القربى قرابته صلى الله عليه وسلم، والمراد بهم بنو هاشم. وبنو المطلب لأنه صلى الله عليه وسلم وضع السهم فيهم دون بني أخيهما شقيقهما عبد شمس، ومن ذريته عثمان. وأخيهما لأبيهما نوفل مجيباً عن ذلك بقوله صلى الله عليه وسلم :" نحن وبنو المطلب شيء واحد " وشبك بين أصابعه رواه البخاري أي لم يفارقوا بني هاشم في نصرته صلى الله عليه وسلم جاهلية ولا إسلاماً، وكأنه لمزيد تعصبهم وتواقفهم حتى كأنهم على قلب رجل واحد قيل : لذي القربى دون لذوي بالجمع. 
قال الشافعي : يشترك في هذا الشهم الغني والفقير لإطلاق الآية ولإعطائه صلى الله عليه وسلم العباس وكان غنياً، بل قيل : كان له عشرون عبداً يتجرون له، والنساء لأن فاطمة. وصفية عمة أبيها رضي الله تعالى عنهما كانا يأخذان منه، ويفضل الذكر كالارث بجامع أنه استحقاق بقرابة الأب فله مثل حظي الأنثى، ويستوي فيه العالم والصغير وضدهما، ولو أعرضوا عنه لم يسقط كالإرث، ويثبت كون الرجل هاشمياً أو مطلبياً بالبينة، وذكر جمع أنه لا بد معها من الاستفاضة، ويقول الشافعي قال أحمد، وعند مالك الأمر مفوض إلى الإمام إن شاء قسم بينهم وإن شاء أعطى بعضهم دون بعض وإن شاء أعطى غيرهم إن كان أمره أهم من أمرهم. 
وقال المزني. والثوري : يستوي الذكر والأنثى ويدفع للقاضي والداني ممن له قرابة، والغني والفقير سواء لإطلاق النص، ولأن الحكم المعلق بوصف مشتق معلل بمبدأ الاشتقاق، وعندنا ذو القربى مخصوص ببني هاشم. وبني المطلب للحديث إلا أنهم ليس لهم سهم مستقل ولا يعطون مطلقاً، وإنما يعطي مسكينهم ويتيمهم وابن سبيلهم لاندراجه في  اليتامى والمساكين وابن السبيل  لكن يقدمون على غيرهم من هذه الأصناف لأن الخلفاء الثلاثة لم يخرجوا لهم سهماً مخصوصاً، وإنما قسموا الخمس ثلاثة أسهم : سهم لليتامى. وسهم للمساكين. وسهم لابن السبيل، وعلي كرم الله تعالى وجهه في خلافته لم يخالفهم في ذلك مع مخالفته لهم في مسائل، ويحمل على الرجوع إلى رأيهم إن صح عنه أنه كان يقول : سهم ذوي القربى على ما حكى عن الشافعي، وفائدة ذكره على القول بأن استحقاقهم لوصف آخر غير القرابة كالفقر دفع توهم أن الفقير منهم مثلاً لا يستحق شيئاً لأنه من قبيل الصدقة ولا تحل لهم، ومن تتبع الأخبار وجد فيها اختلافاً كثيراً ؛ ومنها ما يدل على أن الخلفاء كانوا يسهمونهم مطلقاً، وهو رأي علماء أهل البيت، واختار بعض أصحابنا أن المذكور في الآية مصارف الخمس على معنى أن كلا يجوز أن يصرف له لا المستحقين فيجوز الاقتصار عندنا على صنف واحد كأن يعطي تمام الخمس لابن السبيل وحده مثلاً. 
والكلام مستوفى في **«شروح الهداية »** والمراد باليتامى الفقراء منهم قال الشافعية : اليتيم هو صغير لا أب له وإن كان له جد، ويشترط إسلامه وفقره، أو مسكنته على المشهور أن لفظ اليتيم يشعر بالحاجة، وفائدة ذكرهم مع شمول المساكين لهم عدم حرمانهم لتوهم أنهم لا يصلحون للجهاد وإفرادهم بخمس كامل ويدخل فيهم ولد الزنا، والمنفي لا اللقيط على الأوجه لأنا لم نتحقق فقد أبيه على أنه غنى بنفقته في بيت المال، ولا بد في ثبوت اليتيم والإسلام والفقر هنا من البينة، ويكفي في المسكين وابن السبيل قولهما ولو بلا يمين. وإن اتهما، نعم يظهر في مدعى تلف مال له عرف أو عيال أنه يكلف بينة انتهى، واشتراط الفقر في اليتيم مصرح به عندنا في أكثر الكتب وليراجع الباقي. 
هذا والأربعة الأخماس الباقية مصرفها على ما قال صاحب الكشف وهو شافعي بعد أن اختار جعل  لِلْفُقَرَاء  بدلا من  القربى واليتامى  وما عطف عليه من تضمنه قوله تعالى : والذين  إلى قوله سبحانه : ذُرّيَّةً مّن بَعْدِهِمْ  \[ الحشر : ٩- ١٠ \] على معنى أن له عليه الصلاة والسلام أن يعم الناس بها حسب اختياره، وقال : إنها للمقاتلين الآن على الأصح، وفي تحفة ابن حجر أنها على الأظهر للمرتزقة وقضاتهم وأئمتهم ومؤذنيهم وعمالهم ما لم يوجد تبرع، والمرتزقة الأجناد الموصودون في الديوان للجهاد لحصول النصرة بهم بعده صلى الله عليه وسلم، وصرح في التحفة بأن الأكثرين على أن هذه الأخماس الأربعة كانت له عليه الصلاة والسلام مع خمس الخمس، فجملة ما كان يأخذه صلى الله عليه وسلم من الفيء أحد وعشرون سهماً من خمسة وعشرين، وكان على ما قال الروياني : يصرف العشرين التي له عليه الصلاة والسلام يعني الأربعة الأخماس للمصالح وجوباً في قول وندبا في آخر، وقال الغزالي : كان الفيء كله له صلى الله عليه وسلم في حياته، وإنما خمس بعد وفاته. 
وقال الماوردي : كان له صلى الله عليه وسلم في أول حياته ثم نسخ في آخرها، وقال الزمخشري : إن قوله تعالى : مَّا أَفَاء الله  الخ بيان للجملة الأولى يعني قوله تعالى : وَمَا أَفَاء الله على رَسُولِهِ مِنْهُمْ  \[ الحشر : ٦ \] ولذا لم يدخل العاطف عليها بين فيها لرسول الله صلى الله عليه وسلم ما يصنع بما أفاء الله تعالى عليه وأمره أن يضعه حيث يضع الخمس من الغنائم مقسوماً على الأقسام الخمسة، وظاهره أن الجملة استئناف بياني، والسؤال عن مصارف ما أفاء الله تعالى على رسوله صلى الله عليه وسلم من بني النضير الذي أفادت الجملة الأولى أن أمره مفوض إليه صلى الله عليه وسلم لا يلزم أن يقسم قسمة الغنائم التي قوتل عليها قتالاً معتداً به، وأخذت عنوة وقهراً كما طلب الغزاة لتكون أربعة أخماسها لهم وأن ما يوضع موضع الخمس من الغنائم هو الكل لا أن خمسه كذلك والباقي وهو أربعة أخماسه لمن تضمنه قوله تعالى :
 والذين  إلى قوله سبحانه : ذُرّيَّةً مّن بَعْدِهِمْ  \[ الحشر : ١٠ \] على ما سمعت سابقاً، وأن المراد بأهل القرى هو المراد بالضمير في  مِنْهُمْ  \[ الحشر : ٦ \] أعني بني النضير، وعدل عن الضمير إلى ذلك على ما في الإرشاد إشعاراً بشمول ما في  مَّا أَفَاء الله  لعقاراتهم أيضاً، واعترض صاحب الكشف ما يشعر به الظاهر من أن الآية دالة على أمره صلى الله عليه وسلم بأن ي

### الآية 59:8

> ﻿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ۚ أُولَٰئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ [59:8]

لِلْفُقَرَاء المهاجرين  قال الزمخشري : بدل من قوله تعالى : ذَا القربى  \[ الحشر : ٧ \] والمعطوف عليه، والذي منع الإبدال من  لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ  وما بعد وإن كان المعنى لرسول الله صلى الله عليه وسلم عز وجل أخرج رسوله عليه الصلاة والسلام من الفقراء في قوله سبحانه : وَيَنصُرُونَ الله وَرَسُولَهُ  وأنه يترفع برسول الله عليه الصلاة والسلام عن التسمية بالفقير، وأن الإبدال على ظاهر اللفظ من خلاف الواجب في تعظيم الله عز وجل، وهذا كما لا يجوز أن يوصف سبحانه بعلامة لأجل التأنيث لفظاً لأن فيه سوء أدب انتهى. 
وعنى أنه بدل كل من كل لاعتبار المبدل منه مجموع ما ذكر، قال الإمام : فكأنه قيل : أعني بأولئك الأربعة هؤلاء الفقراء والمهاجرين، وما ذكر من الإبدال من  ذَا القربى  وما بعده مبني على قول الحنفية إنه لا يعطي الغني من ذوي القربى وإنما يعطي الفقير، ومن يرى كالشافعي أنه يعطي غنيهم كما يعطي فقيرهم خص الإبدال باليتامى وما بعده، وقيل : يجوز ذلك أيضاً إلا أنه يقول بتخصيص اعتبار الفقير بفيء بني النضير فإنه عليه الصلاة والسلام لم يعط غنياً شيئاً منه، والآية نازلة فيه وفيه تعسف ظاهر. 
وفي **«الكشف »** أن  لِلْفُقَرَاء  ليس للقيد بل بياناً للواقع من حال المهاجرين وإثباتاً لمزيد اختصاصهم كأنه قيل : لله وللرسول وللمهاجرين، وقال ابن عطية : لِلْفُقَرَاء  الخ بيان لقوله تعالى : اليتامى والمساكين وابن السبيل  \[ الحشر : ٧ \] وكررت لام الجر لما كان ما تقدم مجروراً بها لتبيين أن البدل هو منها، وقيل : اللام متعلقة بما دل عليه قوله تعالى : كَى لاَ يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الاغنياء مِنكُمْ  \[ الحشر : ٧ \] كأنه قيل : ولكن يكون للفقراء المهاجرين. 
وسيأتي إن شاء الله تعالى ما خطر لنا في ذلك من الاحتمال بناءاً على ما يفهم من ظاهر كلام عمر بن الخطاب بمحضر جمع من الأصحاب  الذين أُخْرِجُواْ مِن ديارهم وأموالهم  حيث اضطرهم كفار مكة وأحوجوهم إلى الخروج فخرجوا منها، وهذا وصف باعتبار الغالب، وقيل : كان هؤلاء مائة رجل  يَبْتَغُونَ فَضْلاً مّنَ الله وَرِضْوَاناً  أي طالبين منه تعالى رزقاً في الدنيا ومرضاة في الآخرة، وصفوا أولاً بما يدل على استحقاقهم للفيء من الإخراج من الديار والأموال، وقيد ذلك ثانياً بما يوجب تفخيم شأنهم ويؤكده مما يدل على توكلهم التام ورضاهم بما قدره المليك العلام  وَيَنصُرُونَ الله وَرَسُولَهُ  عطف على  يَبْتَغُونَ  فهي حال مقدرة أي ناوين لنصرة الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم أو مقارنة فإن خروجهم من بين الكفار مراغمين لهم مهاجرين إلى المدينة نصرة وأي نصرة  أولئك  الموصون بما ذكر من الصفات الجليلة  هُمُ الصادقون  أي الكاملون في الصدق في دعواهم الإيمان حيث فعلوا ما يدل أقوى دلالة عليه مع إخراجهم من أوطانهم وأموالهم لأجله لا غيرهم ممن آمن في مكة ولم يخرج من داره وماله، ولم يثبت منه نحو ما ثبت منهم لنحو لين منه مع المشركين فالحصر إضافي ووجه بغير ذلك، وحمل بعضهم الكلام على العموم لحذف متعلق الصدق وتمسك به لذلك فيه الاستدلال على صحة إمامة أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه لأن هؤلاء المهاجرين كانوا يدعونه بخليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم، والله تعالى قد شهد بصدقهم فلا بد أن تكون إمامته رضي الله تعالى عنه صحيحة ثابتة في نفس الأمر وهو تمسك ضعيف مستغنية عن مثله دعوى صحة خلافة الصديق رضي الله تعالى عنه بإجماع الصحابة، ومنهم علي كرم الله تعالى وجهه، ونسبة التقية إليه بالموافقة لا يوافق الشيعة عليها متق كدعوى الإكراه بل مستغنية بغير ذلك أيضاً.

### الآية 59:9

> ﻿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَىٰ أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ ۚ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [59:9]

والذين تَبَوَّءوا الدار والإيمان  الأكثرون على أنه معطوف على المهاجرين، والمراد بهم الأنصار ؛ والتبوّؤ النزول في المكان، ومنه المباءة للمنزل ؛ ونسبته إلى الدار والمراد بها المدينة ظاهر، وأما نسبته إلى الإيمان فباعتبار جعله مستقراً ومتوطناً على سبيل الاستعارة المكنية التخييلية، والتعريف في الدار للتنويه كأنها الدار التي تستحق أن تسمى داراً وهي التي أعدها الله تعالى لهم ليكون تبوّؤهم إياها مدحاً لهم. 
وقال غير واحد : الكلام من باب
علفتها تبناً وماءاً بارداً \*\*\* أي تبوأوا الدار وأخلصوا الإيمان، وقيل : التبوؤ مجاز مرسل عن اللزوم وهو لازم معناه فكأنه قيل : لزموا الدار والإيمان، وقيل : في توجيه ذلك أن أل في الدار للعهد، والمراد دار الهجرة وهي تغني غناء الإضافة وفي  والإيمان  حذف مضاف أي ودار الإيمان فكأنه قيل : تبوأوا دار الهجرة ودار الإيمان على أن المراد بالدارين المدنية، والعطف كما في قولك : رأيت الغيث والليث وأنت تريد زيداً، ولا يخفى ما فيه من التكلف والتعسف، وقيل : إن الإيمان مجاز عن المدينة سمي محل ظهور الشيء باسمه مبالغة وهو كما ترى، وقيل : الواو للمعية والمراد تبوأوا الدار مع إيمانهم أي تبوأوها مؤمنين، وهو أيضاً ليس بشيء، وأحسن الأوجه ما ذكرناه أولاً، وذكر بعضهم أن الدار علم بالغلبة على المدينة كالمدينة، وأنه أحد أسماء لها منها طيبة. وطابة. ويثرب. وجابرة إلى غير ذلك. 
وأخرج الزبير بن بكار عن زيد بن أسلم حديثاً مرفوعاً يدل على ذلك  مِن قَبْلِهِمُ  أي من قبل المهاجرين، والجار متعلق بتبوأوا، والكلام بتقدير مضاف أي من قبل هجرتهم فنهاية ما يلزم سبق الإيمان الأنصار على هجرة المهاجرين، ولا يلزم منه سبق إيمانهم على إيمانهم ليقال : إن الأمر بالعكس، وجوز أن لا يقدر مضاف، ويقال : ليس المراد سبق الأنصار لهم في أصل الإيمان بل سبقهم إياهم في التمكن فيه لأنهم لم ينازعوا فهي لما أظهروه. 
وقيل : الكلام على التقديم والتأخير، والتقدير تبوأوا الدار من قبلهم والإيمان فيفيد سبقهم إياهم في تبوىء الدار فقط وهو خلاف الظاهر على أن مثله لا يقبل ما لم يتضمن نكتة سرية وهي غير ظاهرة ههنا ؛ وقيل : لا حاجة إلى شيء مما ذكر، وقصار ما تدل الآية عليه تقدم مجموع تبوىء الأنصاري وإيمانهم على تبوىء المهاجرين وإيمانهم، ويكفي في تقديم المجموع تقدم بعض أجزائه وهو ههنا تبوؤ الدار، وتعقب بمنع الكفاية ولو سلمت لصح أن يقال : بتقدم تبوىء المهاجرين وإيمانهم على تبوىء الأنصار وإيمانهم لتقدم إيمان المهاجرين  يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ  في موضع الحال من الموصول، وقيل : استئناف، والكلام قيل : كناية عن مواساتهم المهاجرين وعدم الاستثقال والتبرم منهم إذا احتاجوا إليهم، وقيل : على ظاهره أي يحبون المهاجرين إليهم من حيث مهاجرته إليهم لحبهم الإيمان  وَلاَ يَجِدُونَ في صُدُورِهِمْ  أي ولا يعلمون في أنفسهم. 
 حَاجَةً  أي طلب محتاج إليه  مّمَّا أُوتُواْ  أي مما أعطى المهاجرون من الفيء وغيره، وحاصله أن نفوسهم لم تتبع ما أعطى المهاجرون ولم تطمح إلى شيء منه تحتاج إليه، فالوجدان إدراك علمي وكونه في الصدر من باب المجاز، والحاجة بمعنى المحتاج إليه، وهو استعمال شائع يقال : خذ منه حاجتك وأعطاه من ماله حاجته، و  مِنْ  تبعيضية، وجوز كونها بيانية والكلام على حذف مضاف وهو طلب، وفيه فائدة جليلة كأنهم لم يتصوروا ذلك ولا مرّ في خاطرهم أن ذلك محتاج إليه حتى تطمح إليه النفس. 
ويجوز أن يكون المعنى لا يجدون في أنفسهم ما يحمل عليه الحاجة كالحزازة والغيظ والحسد والغبطة لأجل ما أعطى المهاجرون على أن الحاجة مجاز عما يتسبب عنها، وقيل : على أنها كناية عما ذكر لأنه لا ينفك عن الحاجة فأطلق اسم اللازم على الملزوم، وما تقدم أولى، وقول بعضهم : أي أثر حاجة تقدير معنى لا إعراب، و  مِنْ  في قوله تعالى : مّمَّا أُوتُواْ  تعليلية  وَيُؤْثِرُونَ  أي يقدمون المهاجرين  عَلَى أَنفُسِهِمْ  في كل شيء من الطيبات حتى أن من كان عنده امرأتان كان ينزل عن إحداهما ويزوجها واحداً منهم، ويجوز أن لا يعتبر مفعول يؤثرون خصوص المهاجرين، أخرج البخاري. ومسلم. والترمذي. والنسائي. وغيرهم عن أبي هريرة قال : أتى رجل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله أصابني الجهد فأرسل إلى نسائه فلم يجد عندهن شيئاً فقال عليه الصلاة والسلام :" ألا رجل يضيف هذا الرجل الليلة رحمه الله ؟ فقام رجل من الأنصار وفي رواية فقال أبو طلحة : أنا يا رسول الله فذهب به إلى أهله فقال لامرأته : أكرمي ضيف رسول الله صلى الله عليه وسلم قالت : والله ما عندي إلا قوت الصبية قال : إذا أراد الصبية العشاء فنوميهم وتعالى فاطفئي السراج ونطوي الليلة لضيف رسول الله صلى الله عليه وسلم ففعلت ثم غدا الضيف على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : لقد عجب الله الليلة من فلان وفلانة وأنزل الله تعالى فيهما  وَيُؤْثِرُونَ  " الخ. 
وأخرج الحاكم وصححه. وابن مردويه. والبيهقي في ******«الشعب »****** عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما، قال : أهدي لرجل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم رأس شاة فقال : إن أخي فلاناً وعياله أحوج إلى هذا منا فبعث به إليه فلم يزل يبعث به واحد إلى آخر حتى تداوله أهل سبعة أبيات حتى رجع إلى الأول فنزلت  وَيُؤْثِرُونَ على أَنفُسِهِمْ   وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ  أي حاجة من خصاص البيت وهو ما يبقي بين عيدانه من الفرج والفتوح، والجملة في موضع الحال، وقد تقدم وجه ذلك مراراً  وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ  الشح اللؤم وهو أن تكون النفس كزة حريصة على المنع كما قال :يمارس نفساً بين جنبيه كزة  إذا هم بالمعروف قالت له مهلاًوأضيف إلى النفس لأنه غريزة فيها، وأما البخل فهو المنع نفسه، وقال الراغب : الشح بخل مع حرص ؛ وذلك فيما كان عادة، وأخرج ابن المنذر عن الحسن أنه قال : البخل أن يبخل الإنسان بما في يده، والشح أن يشح على ما في أيدي الناس، وأخرج عبد بن حميد. وابن جرير. وابن أبي شيبة. وابن أبي حاتم. والبيهقي في ******«الشعب »******. والحاكم وصححه. وجماعة عن ابن مسعود أن رجلاً قال له : إني أخاف أن يكون قد هلكت قال : وما ذاك ؟ قال : إني سمعت الله تعالى يقول : وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ  الآية وأنا رجل شحيح لا يكاد يخرج مني شيء فقال له ابن مسعود : ليس ذاك بالشح ولكنه البخل ولا خير في البخل، وإن الشح الذي ذكره الله تعالى أن تأكل مال أخيك ظلماً، وأخرج ابن المنذر. وابن مردويه عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما أنه قال : ليس الشح أن يمنع الرجل ما له ولكنه البخل إنما الشح أن تطمح عين الرجل إلى ما ليس له، ولم أر لأحد من اللغويين شيئاً من هذه التفاسير للشح، ولعل المراد أنه البخل المتناهي بحيث يبخل المتصف به بمال غيره أي لا يودّ جود الغير به وتنقبض نفسه منه ويسعى في أن لا يكون، أو بحيث يبلغ به الحرص إلى أن يأكل مال أخيه ظلماً أو تطمح عينه إلى ما ليس له ولا تسمح نفسه بأن يكون لغيره فتأمل. 
وقرأ أبو حيوة. وابن أبي عبلة  وَمَن يُوقَ  بشدّ القاف، وقرأ ابن عمر. وابن أبي عبلة  شُحَّ  بكسر الشين، وجاء في لغة الفتح أيضاً، ومعنى الكل واحد، ومعنى الآية ومن يوق بتوفيق الله تعالى ومعونته شح نفسه حتى يخالفها فيما يغلب عليها من حب المال وبغض الانفاق  فَأُوْلَئِكَ هُمُ المفلحون  الفائزون بكل مطلوب الناجون من كل مكروه، والجملة الشرطية تذييل حسن ومدح للأنصار بما هو غاية لتناوله إياهم تناولاً أولياً، وفي الإفراد أولاً والجمع ثانياً رعاية للفظ من ومعناها وإيماء إلى قلة المتصفين بذلك في الواقع عدداً وكثرتهم معنى :والناس ألف منهم كواحد  وواحد كالألف إن أمر عناويفهم من الآية ذم الشح جداً، وقد وردت أخبار كثيرة بذمه، أخرج الحكيم الترمذي. وأبو يعلى. وابن مردويه عن أنس مرفوعاً " ما محق الإسلام محق الشح شيء قط " وأخرج ابن أبي شيبة. والنسائي. والبيهقي في ******«الشعب »******. والحاكم وصححه عن أبي هريرة مرفوعاً " لا يجتمع غبار في سبيل الله ودخان نار جهنم في جوف عبد أبداً ولا يجتمع الإيمان والشح في قلب عبد أبداً ". 
وأخرج أبو داود. والترمذي وقال غريب والبخاري في الأدب. وغيرهم عن أبي سعيد الخدري مرفوعاً " خصلتان لا يجتمعان في جوف مسلم البخل وسوء الخلق " وأخرج ابن أبي الدنيا. وابن عدي. والحاكم. والخطيب عن أنس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" خلق الله تعالى جنة عدن وغرس أشجارها بيده ثم قال لها : انطقي فقالت : قد أفلح المؤمنون فقال الله عز وجل : وعزتي وجلالي لا يجاورني فيك بخيل ثم تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم  وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ المفلحون  ". 
وأخرج أحمد. والبخاري في **«الأدب »**. ومسلم. والبيهقي عن جابر بن عبد الله أن رسول الله عليه الصلاة والسلام قال :" اتقوا الظلم فإن الظلم ظلمات يوم القيامة واتقوا الشح فإن الشح قد أهلك من كان قبلكم حملهم على أن سفكوا دماءهم واستحلوا محارمهم " إلى غير ذلك من الأخبار، لكن ينبغي أن يعلم أن تقوى الشح لا تتوقف على أن يكون الرجل جواداً بكل شيء، فقد أخرج عبد بن حميد. وأبو يعلى. والطبراني. والضياء عن مجمع بن يحيى مرفوعاً " برىء من الشح من أدى الزكاة وقرى الضيف وأدى في النائبة ". 
وأخرج ابن مردويه عن جابر بن عبد الله ما يقرب منه، وكذا ابن جرير. والبيهقي عن أنس، وأخرج ابن المنذر عن علي كرم الله تعالى وجهه قال : من أدى زكاة ماله فقد وقى شح نفسه.

### الآية 59:10

> ﻿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ [59:10]

وقوله تعالى : والذين جَاءوا مِن بَعْدِهِمْ  عطف عند الأكثرين أيضاً على  المهاجرين  \[ الحشر : ٨ \]، والمراد بهؤلاء قيل : الذين هاجروا حين قوي الإسلام، فالمجيء حسي وهو مجيئهم إلى المدينة، وضمير  مّن بَعْدِهِمْ  للمهاجرين الأولين، وقيل : هم المؤمنون بعد الفريقين إلى يوم القيامة، فالمجيء إما إلى الوجود أو إلى الإيمان وضمير  مّن بَعْدِهِمْ  للفريقين المهاجرين والأنصار، وهذا هو الذي يدل عليه كلام عمر رضي الله تعالى عنه وكلام كثير من السلف كالصريح فيه، فالآية قد استوعبت جميع المؤمنين، وجملة قوله تعالى : يَقُولُونَ  الخ حالية، وقيل : استئناف. 
 رَبَّنَا اغفر لَنَا ولإخواننا  أي في الدين الذي هو أعز وأشرف عندهم من النسب  الذين سَبَقُونَا بالإيمان  وصفوهم بذلك اعترافاً بفضلهم  وَلاَ تَجْعَلْ في قُلُوبِنَا غِلاًّ  أي حقداً، وقرئ غمراً  لِلَّذِينَ ءامَنُواْ  على الإطلاق  رَبَّنَا إِنَّكَ رَءوفٌ رَّحِيمٌ  أي مبالغ في الرأفة والرحمة، فحقيق بأن تجيب دعاءنا، وفي الآية حث على الدعاء للصحابة وتصفية القلوب من بغض أحد منهم، وأخرج عبد بن حميد. وابن المنذر. وجماعة عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت : أمروا أن يستغفروا لأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فسبوهم ثم قرأت هذه الآية  والذين جَاءوا  الخ. 
وأخرج ابن مردويه عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما أنه سمع رجلاً وهو يتناول بعض المهاجرين فدعاه فقرأ عليه  لِلْفُقَرَاء المهاجرين  \[ الحشر : ٨ \] الآية، ثم قال : هؤلاء المهاجرون أفمنهم أنت ؟ قال : لا، ثم قرأ عليه  والذين تَبَوَّءوا الدار والإيمان  \[ الحشر : ٩ \] الآية، ثم قال : هؤلاء الأنصار أفمنهم أنت ؟ قال : لا. ثم قرأ عليه  والذين جَاءوا مِن بَعْدِهِمْ  الآية، ثم قال : أفمن هؤلاء أنت ؟ قال : أرجو قال : لا والله ليس من هؤلاء من سب هؤلاء. 
وفي رواية أن ابن عمر رضي الله تعالى عنه بلغه أن رجلاً نال من عثمان رضي الله تعالى عنه فدعاه فقرأ عليه الآيات وقال له ما قال، وقال الإمام مالك : من كان له في أحد من الصحابة رضي الله تعالى عنهم قول سيء أو بغض فلاحظ له في الفيء أخذاً من هذه الآية، وفيها ما يدل على ذم الغل لأحد من المؤمنين، وفي حديث أخرجه الحكيم الترمذي. والنسائي عن أنس رضي الله تعالى عنه **«أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : في أيام ثلاثة يطلع عليكم الآن رجل من أهل الجنة فطلع فيها رجل من الأنصار فبات معه عبد الله بن عمرو بن العاص ثلاث ليال مستكشفاً حاله فلم ير له كثير عمل فأخبره الخبر فقال له : ما هو إلا ما رأيت غير أني لا أجد في نفسي غلا لأحد من المسلمين ولا أحسده على خير أعطاه الله تعالى إياه فقال له عبد الله : هذه التي بلغت بك وهي التي لا نطيق وفي رواية أنه قال : لو كانت الدنيا لي فأخذت مني لم أحزن عليها ولو أعطيته لم أفرح بها وأبيت وليس في قلبي غل على أحد فقال عبد الله : لكني أقوم الليل وأصوم النهار ولو وهبت لي شاة لفرحت بها ولو ذهبت لحزنت عليها والله لقد فضلك الله تعالى علينا فضلاً بيناً »**
هذا وذهب بعضهم إلى أن قوله تعالى : والذين تبوأوا  \[ الحشر : ٩ \] الخ مبتدأ، وجملة  هؤلاء يُحِبُّونَ  الخ خبره، والكلام استئناف مسوق لمدح الأنصار، وجوز كون ذلك معطوفاً على  أولئك  فيفيد شركة الأنصار للمهاجرين في الصدق، وجملة  يُحِبُّونَ  الخ إما استئناف مقرر لصدقهم أو حال من ضمير  تبوأوا  وإلى أن قوله تعالى : المفلحون والذين جَاءوا  الخ مبتدأ ؛ وجملة  يَقُولُونَ  الخ خبره، والجملة معطوفة على الجملة السابقة مسوقة لمدح هؤلاء بمحبتهم من تقدمهم من المؤمنين ومراعاتهم لحقوق الأخوة في الدين والسبق بالإيمان كما أن ما عطفت عليه من الجملة السابقة لمدح الأنصار. 
واستدل لعدم عطف  الذين تبوأوا  \[ الحشر : ٩ \] على  لِلْفُقَرَاء المهاجرين  \[ الحشر : ٨ \] بما روى أن النبي عليه الصلاة والسلام قسم أموال بني النضير على المهاجرين ولم يعط الأنصار إلا ثلاثة كما تقدم، وقال عليه الصلاة والسلام لهم :**«إن شئتم قسمتم للمهاجرين من أموالكم ودياركم وشاركتموهم من هذه الغنيمة وإن شئتم كانت لكم دياركم وأموالكم ولم يقسم لكم شيء من الغنيمة فقالوا : بل نقسم لهم أي للمهاجرين من أموالنا وديارنا ونؤثرهم بالغنيمة ولا نشاركهم فيها »** فنزلت الآية  والذين \* تَبَوَّءوا الدار والإيمان  إلى آخره، وبعض القائلين بالعطف يقولون : إن قوله تعالى : والذين  الخ بيان لحكم الأخماس الأربعة على معنى أن له عليه الصلاة والسلام أن يعم الناس بها حسن اختياره وأن الأنصار مصرف من المصارف، ولكن قد اختار صلى الله عليه وسلم أن يكون إعطاؤهم بالشرط الذي ذكره عليه الصلاة والسلام لهم، وهم اختاروا ما اختاروا إيثاراً منهم، وذلك لا يخرجهم عن كونهم مصرفاً بل في قوله تعالى : أُوتُواْ وَيُؤْثِرُونَ على أَنفُسِهِمْ  \[ الحشر : ٩ \] رمز إليه على أن في الأخبار ما هو أصح وأصرح في الدلالة على عطفهم على ما تقدم، وأنهم يعطون من الفيء، وكذا عطف الذين جاءوا من بعدهم فقد أخرج البخاري. ومسلم. وأبو داود. والترمذي. والنسائي. وابن حبان. وغيرهم عن مالك بن أوس بن الحدثان في حديث طويل أن عمر رضي الله تعالى عنه قال أي في قضاء بين علي كرم الله تعالى وجهه. وعمه العباس رضي الله تعالى عنه في فدك، وقد كان عمر دفعها إليهما وأخذ عليهما عهد الله تعالى على أن يعملا فيها بما كان رسول الله عليه الصلاة والسلام يعمل به فيها فتنازعا إن الله تعالى قال : مَّا أَفَاء الله على رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلاَ رِكَابٍ ولكن الله يُسَلّطُ رُسُلَهُ على مَن يَشَاء والله على كُلّ شيء  \[ الحشر : ٦ \] فكانت لرسول الله صلى الله عليه وسلم خاصة، ثم قال سبحانه : مَّا أَفَاء الله على رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ القرى فلله وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي القربى  \[ الحشر : ٧ \] إلى آخر الآية، ثم والله ما أعطاها هؤلاء وحدهم حتى قال تعالى : لِلْفُقَرَاء المهاجرين الَّذِينَ أُخْرِجُواْ مِن ديارهم وأموالهم يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّنَ الله ورضوانا وَيَنصُرُونَ الله وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ الصادقون  \[ الحشر : ٨ \]، ثم والله ما جعلها لهؤلاء وحدهم حتى قال سبحانه : والذين جَاءوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغفر لَنَا  إلى قوله تعالى : رَّحِيمٌ  فقسمها هذا القسم على هؤلاء الذين ذكر، ولئن بقيت ليأتين الرويعي بصنعاء حقه ودمه في وجهه، وظاهر هذا الخبر يقتضي أن للمهاجرين سهماً غير السهام السابقة، فلا يكون  لِلْفُقَرَاء  بدل من لذي القربى وما بعده ولا مما بعده دونه، وكذا ظاهر ما في مصحف عبد الله. وزيد بن ثابت كما أخرج ابن الأنباري في المصاحف عن الأعمش ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى فاللّه وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل والمهاجرين في سبيل الله على أن الإبدال يقتضي ظاهراً كون اليتامى مهاجرين أخرجوا من ديارهم وأموالهم إلى آخر الصفات، وفي صدق ذلك عليهم بعد، وكذا يقتضي كون ابن السبيل كذلك، وفيه نوع بعد أيضاً كما لا يخفى فلعله اعتبر تعلقه بفعل محذوف والجملة استئناف بياني، وذلك أنهم كانوا يعلمون أن الخمس يصرف لمن تضمنه قوله تعال : فلله وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل  \[ الحشر : ٧ \] فلما ذكر ذلك انقدح في أذهانهم أن المذكورين مصرف الخمس ولم يعلموا مصرف الأخماس الأربعة الباقية فكأنهم قالوا : فلمن تكون الأخماس الأربعة الباقية. أو فلمن يكون الباقي ؟ فقيل : تكون الأخماس الأربعة الباقية أو يكون الباقي  لِلْفُقَرَاء المهاجرين  إلى آخره ولم أر من تعرض لذلك فتأمل، والله تعالى الهادي إلى أحسن المسالك.

### الآية 59:11

> ﻿۞ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نَافَقُوا يَقُولُونَ لِإِخْوَانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلَا نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَدًا أَبَدًا وَإِنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكُمْ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ [59:11]

أَلَمْ تَرَ إِلَى الذين نافقوا  حكاية لما جرى بين الكفرة والمنافقين من الأقوال الكاذبة والأحوال الفاسدة وتعجيب منها بعد حكاية محاسن أحوال المؤمنين على اختلاف طبقاتهم. والخطاب لرسول الله عليه الصلاة والسلام أو لكل أحد ممن يصلح للخطاب، والآية كما أخرج ابن إسحق. وابن المنذر. وأبو نعيم عن ابن عباس نزلت في رهط من بني عوف منهم عبد الله بن أبي سلول. ووديعة بن مالك. وسويد. وداعس بعثوا إلى بني النضير بما تضمنته الجمل المحكية بقوله تعالى : يَقُولُونَ  الخ. 
وقال السدي : أسلم ناس من بني قريظة. والنضير وكان فيهم منافقون فبعثوا إلى بني النضير ما قص الله تعالى، والمعول عليه الأول، وقوله سبحانه : يَقُولُونَ  استئناف لبيان المتعجب منه، وصيغة المضارع للدلالة على استمرار قولهم، أو لاستحضار صورته، واللام في قوله عز وجل :
 لإِخْوَانِهِمُ الذين كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ الكتاب  للتبليغ ؛ والمراد بإخوتهم الأخوة في الدين واعتقاد الكفرة أو الصداقة، وكثر جمع الأخ مراداً به ما ذكر على إخوان، ومراداً به الأخوة في النسب على إخوة، وقل خلاف ذلك، واللام في قوله تعالى : لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ  موطئة للقسم ؛ وقوله سبحانه : لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ  جواب القسم أي والله لئن أخرجتم من دياركم قسراً لنخرجن من ديارنا معكم البتة ونذهبن في صحبتكم أينما ذهبتم  وَلاَ نُطِيعُ فيكُمْ  في شأنكم  أَحَدًا  يمنعنا من الخروج معكم وهو لدفع أن يكونوا وعدوهم الخروج بشرط أن يمنعوا منه  أَبَدًا  وإن طال الزمان، وقيل : لا نطيع في قتالكم أو خذلانكم، قال في **«الإرشاد »** : وليس بذاك لأن تقدير القتال مترقب بعد، ولأن وعدهم لهم على ذلك التقدير ليس مجرد عدم طاعتهم لمن يدعوهم إلى قتالهم بل نصرتهم عليه كما ينطق به قوله تعالى : وَإِن قُوتِلْتُمْ لَنَنصُرَنَّكُمْ  أي لنعاوننكم على عدوكم على أن دعوتهم إلى خذلان اليهود مما لا يمكن صدوره عن رسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين حتى يدعوا عدم طاعتهم فيها ضرورة أنها لو كانت لكانت عند استعدادهم لنصرتهم وإظهار كفرهم، ولا ريب في أن ما يفعله عليه الصلاة والسلام عند ذلك قتلهم لا دعوتهم إلى ترك نصرتهم، وأما الخروج معهم فليس بهذه المرتبة من إظهار الكفر لجواز أن يدّعوا أن خروجهم معهم لما بينهم من الصداقة الدنيوية لا للموافقة في الدين، ونوقش في ذلك، وجواب  إن  محذوف، و  لَنَنصُرَنَّكُمْ  جواب قسم محذوف قبل  إن  الشرطية، وكذا يقال فيما بعد على ما هو القاعدة المشهورة فيما إذا تقدم القسم على الشرط  والله يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لكاذبون  في مواعيدهم المؤكدة بالإيمان.

### الآية 59:12

> ﻿لَئِنْ أُخْرِجُوا لَا يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ وَلَئِنْ قُوتِلُوا لَا يَنْصُرُونَهُمْ وَلَئِنْ نَصَرُوهُمْ لَيُوَلُّنَّ الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يُنْصَرُونَ [59:12]

وقوله تعالى : لَئِنْ أُخْرِجُواْ لاَ يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ  إلى آخره تكذيب لهم في كل واحد من أقوالهم على التفصيل بعد تكذيبهم في الكل على الإجمال  وَلَئِن قُوتِلُواْ لاَ يَنصُرُونَهُمْ  وكان الأمر كذلك، والإخبار عن خلفهم في الميعاد قيل : من الإخبار بالغيب وهو من أدلة النبوة وأحد وجوه الإعجاز، وهذا مبني على أن السورة نزلت قبل وقعة بني النضير، وكلام أهل الحديث. والسير على ما قيل : يدل على خلافه. 
وقال بعض الأجلة : إن قوله تعالى : يَقُولُونَ لَئِن أُخْرِجْتُمْ  \[ الحشر : ١١ \] الخ من باب الإخبار بالغيب بناءاً على ما روي أن عبد الله بن أبيّ دس إليهم لا يخرجوا فأطلع الله تعالى رسوله عليه الصلاة والسلام على ما دسه  وَلَئِن نَّصَرُوهُمْ  على سبيل الفرض والتقدير  لَيُوَلُّنَّ  أي المنافقون  الادبار  فراراً  ثُمَّ لاَ يُنصَرُونَ  بعد ذلك أي يهلكهم الله تعالى ولا ينفعهم نقاقهم لظهور كفرهم، أو  لَيُوَلُّنَّ  أي اليهود المفروضة نصرة المنافقين إياهم ولينهزمن، ثم لا ينفعهم نصرة المنافقين، وقيل : الضمير المرفوع في  نَّصَرُوهُمْ  لليهود، والمنصوب للمنافقين أي ولئن نصر اليهود المنافقين ليولي اليهود الأدبار وليس بشيء، وكأنه دعا قائله إليه دفع ما يتوهم من المنافاة بين  لاَ يَنصُرُونَهُمْ وَلَئِن نَّصَرُوهُمْ  على الوجه السابق، وقد أشرنا إلى دفع ذلك من غير حاجة إلى هذا التوجيه الذي لا يخفى حاله.

### الآية 59:13

> ﻿لَأَنْتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِمْ مِنَ اللَّهِ ۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ [59:13]

لأَنتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً  أي أشدّ مرهوبية على أن  رَهْبَةً  مصدر من المبني للمفعول لأن المخاطبين وهم المؤمنون مرهوب منهم لا راهبون  في صُدُورِهِمْ مّنَ الله  أي رهبتهم منكم في السر أشد مما يظهرونه لكم من رهبة الله عز وجل وكانوا يظهرون لهم رهبة شديدة من الله عز وجل، ويجوز أن يراد أنهم يخافونكم في صدورهم أشد من خوفهم من الله تعالى ولشدة البأس والتشجع ما كانوا يظهرون ذلك، قيل : إن  في صُدُورِهِمْ  على الوجه الأول مبالغة وتصوير على نحو رأيته بعيني  ذلك  أي ما ذكر من كونكم أشد رهبة في صدورهم من الله تعالى  بِأَنَّهُمْ  بسبب أنهم  قَوْمٌ لاَّ يَفْقَهُونَ  شيئاً حتى يعلموا عظمة الله عز وجل فيخشوه حق خشيته سبحانه وتعالى، والمراد بهؤلاء اليهود، وقيل : المنافقون ؛ وقيل : الفريقان.

### الآية 59:14

> ﻿لَا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعًا إِلَّا فِي قُرًى مُحَصَّنَةٍ أَوْ مِنْ وَرَاءِ جُدُرٍ ۚ بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ ۚ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّىٰ ۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْقِلُونَ [59:14]

لاَ يقاتلونكم  أي اليهود والمنافقون، وقيل : اليهود يعني لا يقتدرون على قتالكم  جَمِيعاً  أي مجتمعين متفقين في موطن من المواطن  إِلاَّ في قُرًى مُّحَصَّنَةٍ  بالدروب والخنادق ونحوها  أَوْ مِن وَرَاء جُدُرٍ  يتسترون بها دون أن يصحروا لكم ويبارزوكم لقذف الله تعالى الرعب في قلوبهم ومزيد رهبتهم منكم. 
وقرأ أبو رجاء. والحسن. وابن وثاب  جُدُرٍ  بإسكان الدال تخفيفاً، ورويت عن ابن كثير. وعاصم. والأعمش، وقرأ أبو عمرو. وابن كثير في الرواية المشهورة. وكثير من المكيين جدار بكسر الجيم وألف بعد الدال وهي مفرد الجدر، والقصد فيه إلى الجنس، أو المراد به السور الجامع للجدر والحيطان. 
وقرأ جمع من المكيين. وهارون عن ابن كثير  جُدُرٍ  بفتح الجيم وسكون الدال، قال صاحب اللوامح : وهو الجدار بلغة اليمن، وقال ابن عطية : معناه أصل بنيان كسور وغيره، ثم قال : ويحتمل أن يكون من جدر النخل أي من وراء نخلهم إذ هي مما يتقى به عند المصافة  بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ  استئناف سيق لبيان أن ما ذكر من رهبتهم ليس لضعفهم وجبنهم في أنفسهم فإن بأسهم إذا اقتتلوا شديد وإنما ضعفهم وجبنهم بالنسبة إليكم بما قذف الله تعالى في قلوبهم من الرعب  تَحْسَبُهُمْ جَمِيعاً  أي مجتمعين ذوي ألفة واتحاد  وَقُلُوبُهُمْ شتى  جمع شتيت أي متفرقة لا ألفة بينها يعني أن بينهم إحناً وعدوات فلا يتعاضدون حق التعاضد ولا يرمون عن قوس واحدة، وهذا تجسير للمؤمنين وتشجيع لقلوبهم على قتالهم. 
وقرأ مبشر بن عبيد  شتى  بالتنوين جعل الألف ألف الإلحاق، وعبد الله وقلوبهم أشت أي أكثر أو أشد تفرقاً  ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ  أي ما ذكر من تشتت قلوبهم بسبب أنهم  قَوْمٌ لاَّ يَعْقِلُونَ  شيئاً حتى يعلموا طرق الألفة وأسباب الاتفاق، وقيل : لاَ يَعْقِلُونَ  أن تشتت القلوب مما يوهن قواهم المركوزة فيهم بحسب الخلقة ويعين على تدميرهم واضمحلالهم وليس بذاك.

### الآية 59:15

> ﻿كَمَثَلِ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ قَرِيبًا ۖ ذَاقُوا وَبَالَ أَمْرِهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ [59:15]

وقوله تعالى : كَمَثَلِ الذين مِن قَبْلِهِمْ  خبر مبتدأ محذوف تقديره مثلهم أي مثل المذكورين من اليهود بني النضير، أو منهم ومن المنافقين كمثل أهل بدر كما قال مجاهد أو كبني قنيقاع كما قال ابن عباس وهم شعب من اليهود الذين كانوا حوالي المدينة غزاهم النبي صلى الله عليه وسلم يوم السبت على رأس عشرين شهراً من الهجرة في شوال قبل غزوة بني النضير حيث كانت في ربيع سنة أربع وأجلاهم عليه الصلاة والسلام إلى أذرعات على ما فصل في كتب السير. 
وقيل : أي مثل هؤلاء المنافقين كمثل منافقي الأمم الماضية  قَرِيبًا  ظرف لقوله تعالى : ذَاقُواْ وَبَالَ أَمْرِهِمْ  أي ذاقوا سوء عاقبة كفرهم في زمن قريب من عصيانهم أي لم تتأخر عقوبتهم وعوقبوا في الدنيا إثر عصيانهم. 
وقيل : انتصاب  قَرِيبًا  بمثل إذ التقدير كوقوع مثل الذين، وتعقب بأن الظاهر أنه أريد أن في الكلام مضافاً هو العامل حقيقة في الظرف إلا أنه لما حذف عمل المضاف إليه فيه لقيامه مقامه، ولا يخفى أن المعنى ليس عليه لأن المراد تشبيه المثل بالمثل أي الصفة الغريبة لهؤلاء بالصفة الغريبة للذين من قبلهم دون تشبيه المثل بوقوع المثل، وأجيب بأن الإضافة من إضافة الصفة إلى موصوفها فيرجع التشبيه إلى تشبيه المثل بالمثل فكأنه قيل : مثلهم كمثل الذين من قبلهم الواقع قريباً، وفيه أن ذلك التقدير ركيك وما ذكر لا يدفع الركاكة، والقول بتقدير مضاف في جانب المبتدأ أيضاً أي وقوع مثلهم كوقوع مثل الذين من قبلهم قريباً فيكون قد شبه وقوع المثل بوقوع المثل تعسف لا ينبغي أن يرتكب في الفصيح. 
وقيل : إن العامل فيه التشبيه أي يشبونهم في زمن قريب، وقيل : متعلق الكاف لأنه يدل على الوقوع، وكلا القولين كما ترى، ولا يبعد تعلقه بما تعلقت به الصلة أعني من قبلهم أي الذين كانوا من قبلهم في زمن قريب فيفيد أن قبليتهم قبلية قريبة، ويلزم من ذلك قرب ما فعل بهم وهو المثل، ويكون هذا مطمح النظر في الإفادة ويتضمن تعييرهم بأنهم كانت لهم في أهل بدر ؛ أو بني قينقاع أسوة فبعد لم ينطمس آثار ما وقع بهم وهو كذلك على تقدير الوقوع ونحوه، وجملة  ذَاقُواْ  مفسرة للمثل لا محل لها من الإعراب، ويتعين تعلق  قَرِيبًا  بما بعد على تقدير أن يراد بمن قبل منافقو الأمم الماضية فتدبر  وَلَهُمْ  في الآخرة  عَذَابٌ أَلِيمٌ  لا يقادر قدره، والجملة قيل : عطف على الجملة السابقة وإن اختلفتا فعلية واسمية، وقيل : حال مقدرة من ضمير  ذَاقُواْ  وأياً مّا كان فهو داخل في حيز المثل، وقيل : عطف على جملة مثلهم كمثل الذين من قبلهم ولا يخفى بعده.

### الآية 59:16

> ﻿كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلْإِنْسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ [59:16]

وقوله تعالى : كَمَثَلِ الشيطان  جعله غير واحد خبر مبتدأ محذوف أيضاً أي مثلهم كمثل الشيطان على أن ضمير مثلهم ههنا للمنافقين وفيما تقدم لبني النضير، وقال بعضهم : ضمير مثلهم المقدر في الموضعين للفريقين، وجعله بعض المحققين خبراً ثانياً للمبتدأ المحذوف في قوله تعالى : كَمَثَلِ الذين  \[ الحشر : ١٥ \] على أن الضمير هناك للفريقين إلا أن المثل الأول : يخص بني النضير، والثاني : يخص المنافقين، وأسند كل من الخبرين إلى ذلك المقدر المضاف إلى ضميرهما من غير تعيين ما أسند إليه بخصوصه ثقة بأن السامع يرد كلاً إلى ما يليق به ويماثله كأنه قيل : مثل أولئك الذين كفروا من أهل الكتاب في حلول العذاب بهم كمثل الذين من قبلهم ومثل المنافقين في إغرائهم إياهم على القتال حسبما نقل عنهم كمثل الشيطان  إِذْ قَالَ للإنسان اكفر  أي أغراه على الكفر إغراء الآمر للمأمور به فهو تمثيل واستعارة  فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنّي بَرِيء مّنكَ إِنّي أَخَافُ الله رَبَّ العالمين  تبرأ منه مخافة أن يشاركه في العذاب ولم ينفعه ذلك كما قال سبحانه : فَكَانَ عاقبتهما أَنَّهُمَا في النار خالدين فِيهَا .

### الآية 59:17

> ﻿فَكَانَ عَاقِبَتَهُمَا أَنَّهُمَا فِي النَّارِ خَالِدَيْنِ فِيهَا ۚ وَذَٰلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ [59:17]

فَكَانَ عاقبتهما أَنَّهُمَا في النار خالدين فِيهَا  أبد الآبدين  وَذَلِكَ  أي الخلود في النار  مِنَ الظالمين  على الإطلاق دون المذكورين خاصة، والجمهور على أن المراد بالشيطان والإنسان الجنس فيكون التبري يوم القيامة وهو الأوفق بظاهر قوله : إِنّى أَخَافُ  \[ الحشر : ١٦ \] الخ. 
وذهب بعضهم إلى أن المراد بالشيطان إبليس، وبالإنسان أبو جهل عليهما اللعنة قال له يوم بدر : لا غالب لكم اليوم من الناس وإني جار لكم فلما وقعوا فيما وقعوا قال : إني بريء منكم إني أرى ما لا ترون إني أخاف الله  \[ الأنفال : ٤٨ \] الآية، وفي الآية عليه مع ما تقدم عن مجاهد لطيفة ؛ وذلك أنه لما شبه أولاً حال إخوان المنافقين من أهل الكتاب بحال أهل بدر شبه هنا حال المنافقين بحال الشيطان في قصة أهل بدر، ومعنى  اكفر  على تخصيص الإنسان بأبي جهل دم على الكفر عند بعضد وقال الخفاجي : لا حاجة لتأويله بذلك لأنه تمثيل. 
وأخرج أحمد في الزهد. والبخاري في تاريخه. والبيهقي في **«الشعب »**. والحاكم وصححه. وغيرهم عن علي كرم الله تعالى وجهه أن رجلاً كان يتعبد في صومعته وأن امرأة كانت لها إخوة فعرض لها شيء فأتوه بها فزينت له نفسه فوقع عليها فحملت فجاءه الشيطان فقال : اقتلها فإنهم إن ظهروا عليك افتضحت فقتلها ودفنها فجاءوه فأخذوه فذهبوا به فبينما هم يمشون إذ جاءه الشيطان فقال : أنا الذي زينت لك فاسجد لي سجدة أنجيك فسجد له أي ثم تبرأ منه وقال له ما قال، فذلك قوله تعالى : كَمَثَلِ الشيطان إِذْ قَالَ للإنسان اكفر  \[ الحشر : ١٦ \] الآية، وهذا الرجل هو برصيصا الراهب، وقد رويت قصته على وجه أكثر تفصيلاً مما ذكر وهي مشهورة في القصص، وفي **«البحر »** إن قول الشيطان : إني أَخَافُ الله  \[ الحشر : ١٦ \] كان رياءاً وهو لا يمنعه الخوف عن سوء يوقع فيه ابن آدم ؛ وقرئ أنا بريء، وقرأ الحسن. وعمرو بن عبيد. وسليم بن أرقم فكان عاقبتهما بالرفع على أنه اسم كان، وأنهما الخ في تأويل مصدر خبرها على عكس قراءة الجمهور. 
وقرأ عبد الله. وزيد بن علي. والأعمش. وابن أبي عبلة خالدان بالألف على أنه خبر إن،  وَفي النار  متعلق به، وقدم للاختصاص، وفيها تأكيد له وإعادة بضميره، وجوز أن يكون في النار خبر إن، و خالدان خبر ثانياً وهو في قراءة الجمهور حال من الضمير في الجار والمجرور.

### الآية 59:18

> ﻿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ ۖ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۚ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ [59:18]

يأَيُّهَا الذين ءامَنُواْ اتقوا الله  في كل ما تأتون وتذرون  وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ  أي أيّ شيء قدمت من الأعمال ليوم القيامة عبر عنه بذلك لدنوه دنو الغد من أمسه، أو لأن الدنيا كيوم والآخرة غده يكون فيها أحوال غير الأحوال السابقة، وتنكيره لتفخيمه وتهويله كأنه قيل : لِغَدٍ  لا يعرف كنهه لغاية عظمه، وأما تنكير  نَفْسٌ  فلاستقلال الأنفس النواظر كأنه قيل : ولتنظر نفس واحدة في ذلك، وفيه حث عظيم على النظر وتعيير بالترك وبأن الغفلة قد عمت الكل فلا أحد خلص منها، ومنه ظهر كما في **«الكشف »** أن جعله من قبيل قوله تعالى : عَلِمَتْ نَفْسٌ مَّا أَحْضَرَتْ  \[ التكوير : ١٤ \] غير مطابق للمقام أي فهو كما في الحديث **«الناس كإبل مائة لا تجد فيها راحلة »** لأن الأمر بالنظر وإن عم لكن المؤتمر الناظر أقل من القليل، والمقصود بالتقليل هو هذا لأن المأمور لا ينظر إليه ما لم يأتمر، وجوز ابن عطية أن يراد بغد يوم الموت، وليس بذاك، وقرأ أبو حيوة. ويحيى بن الحرث ولتنظر بكسر اللام، وروي ذلك عن حفص عن عاصم، وقرأ الحسن بكسرها وفتح الراء جعلها لام كي، وكان المعنى ولكي تنظر نفس ما قدمت لغد أمرنا بالتقوى  واتقوا الله  تكرير للتأكيد، أو الأول في أداء الواجبات كما يشعر به ما بعده من الأمر بالعمل وهذا في ترك المحارم كما يؤذن به الوعيد بقوله سبحانه : إِنَّ الله خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ  أي من المعاصي، وهذا الوجه الثاني أرجح لفضل التأسيس على التأكيد، وفي ورود الأمرين مطلقين من الفخامة ما لا يخفى، وقيل : إن التقوى شاملة لترك ما يؤثم ولا وجه وجيه للتوزيع والمقام مقام الاهتمام بأمرها، فالتأكيد أولى وأقوى، وفيه منع ظاهر، وكيف لا والمتبادر مما قدمت أعمال الخير كذا قيل، ولعل من يقول بالتأكيد يقول : إن قوله سبحانه : إِنَّ الله خَبِيرٌ  الخ يتضمن الوعد والوعيد ويعمم ما قدمت أيضاً، ولعلك مع هذا تميل للتأسيس.

### الآية 59:19

> ﻿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ ۚ أُولَٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ [59:19]

وَلاَ تَكُونُواْ كالذين نَسُواْ الله  أي نسوا حقوقه تعالى شأنه، وما قدروا الله حق قدره ولم يراعوا مواجب أمره سبحانه ونواهيه عز وجل حق رعايتها  فأنساهم  الله تعالى بسبب ذلك  أَنفُسِهِمْ  أي جعلهم سبحانه ناسين لها حتى لم يسعوا بما ينفعها ولم يفعلوا ما يخلصها، أو أراهم جل جلاله يوم القيامة من الأهوال ما أنساهم أنفسهم أي أراهم أمراً هائلاً وعذاباً أليماً، ونسيان النفس حقيقة قيل : مما لا يكون لأن العلم بها حضوري، وفيه نظر وإن نص عليه ابن سينا وأشياعه  أُولَئِكَ هُمُ الفاسقون  الكاملون في الفسوق. 
وقرأ أبو حيوة ولا يكونوا بياء الغيبة على سبيل الالتفات، وقال ابن عطية : كناية عن نفس المراد بها الجنس.

### الآية 59:20

> ﻿لَا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ ۚ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفَائِزُونَ [59:20]

لاَ يَسْتَوِي أصحاب النار  الذين نسوا الله تعالى فاستحقوا الخلود في النار  وأصحاب الجنة  الذين اتقوا الله فاستحقوا الخلود في الجنة، ولعل تقديم أصحاب النار في الذكر للإيذان من أول الأمر بأن القصور الذي ينبئ عنه عدم الاستواء من جهتهم لا من جهة مقابليهم فإن مفهوم عدم الاستواء بين الشيئين المتفاوتين زيادة ونقصاناً وإن جاز اعتباره بحسب زيادة الزائد لكن المتبادر اعتباره بحسب نقصان الناقص ؛ وعليه قوله تعالى : هَلْ يستوي الاعمى والبصير أَمْ هَلْ تستوي الظلمات والنور  \[ الرعد : ١٦ \] إلى غير ذلك. 
ولعل تقديم الفاضل في قوله تعالى : هَلْ يستوي الذين يَعْلَمُونَ والذين لاَ يَعْلَمُونَ  \[ الزمر : ٩ \] لأن صفته ملكة لصفة المفضول والإعدام مسبوقة بملكاتها، والمراد بعدم الاستواء عدم الاستواء في الأحوال الأخروية كما ينبئ عنه التعبير عن الفريقين بصاحبية النار وصاحبية الجنة، وكذا قوله تعالى : أصحاب الجنة هُمُ الفائزون  فإنه استئناف مبين لكيفية عدم الاستواء بينهما أي هم الفائزون في الآخرة بكل مطلوب الناجون عن كل مكروه، والآية تنبيه للناس وإيذان بأنهم لفرط غفلتهم وقلة فكرهم في العاقبة وتهالكهم على إيثار العاجلة واتباع الشهوات الزائلة كأنهم لا يعرفون الفرق بين الجنة والنار والبون العظيم بين أصحابهما وأن الفوز مع أصحاب الجنة فمن حقهم أن يعلموا ذلك وينبهوا عليه، وهذا كما تقول لمن عق أباه : هو أبوك تجعله بمنزلة من لا يعرفه فتنبهه على حق الأبوة الذي يقتضي البر والتعطف، ومما ذكر يعلم ضعف استدلال أصحاب الشافعي رضي الله تعالى عنه بالآية على أن المسلم لا يقتل بالكافر، وأن الكفار لا يملكون أموال المسلمين بالقهر، وانتصر لهم بأن لهم أن يقولوا : لما حث سبحانه على التقوى فعلاً وتركاً وزجر عز وجل عن الغفلة التي تضادها غاية المضادة بذكر غايتها أعني نسيان الله تعالى ترشيحاً للتقريع أردفه سبحانه بأن أصحاب التقوى وأصحاب هذه الغفلة لا يستوون في شيء مّا، وعبر عنهم بأصحاب الجنة وأصحاب النار زيادة تصوير وتبيين، فالمقام يقتضي التباين في حكمي الدارين وإن كان المقصود بالقصد الأول تباينهم في الدار التي هي المدار، وأنت تعلم أن بيان اقتضاء المقام ذلك في مقابلة قول أصحاب أبي حنيفة. إن المقام يقتضي التخصيص وإلا فالشافعية يقولون : إن العموم مدلول نفي السماوات لغة لأن النفي داخل على مسمى المساواة فلا بد من انتفائها من جميع الوجوه إذ لو وجدت من وجه لما كان مسماها منتفياً هو خلاف مقتضى اللفظ، وقول الحنفية : إن الاستواء مطلقاً أعم من الاستواء من كل وجه ومن وجه دون وجه، والنفي إنما دخل على الاستواء الأعم فلا يكون مشعراً بأحد القسمين الخاصين. 
وحاصله أن الأعم لا يشعر بالأخص فيه إن ذلك في الإثبات مسلم وفي النفي ممنوع، ألا ترى أن من قال : ما رأيت حيواناً وكان قد رأى إنساناً مثلاً عد كاذباً ؟ وتمام ذلك في كتب الأصول، والإنصاف أن كون المراد هنا نفي الاستواء في الأمور الآخروية ظاهر جداً فلا ينبغي الاستدلال بها على ما ذكر.

### الآية 59:21

> ﻿لَوْ أَنْزَلْنَا هَٰذَا الْقُرْآنَ عَلَىٰ جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ ۚ وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ [59:21]

لَوْ أَنزَلْنَا هذا القرءان  العظيم الشأن المنطوي على فنون القوارع  على جَبَلٍ  من الجبال أو جبل عظيم  لَّرَأَيْتَهُ  مع كونه علماً في القسوة وعدم التأثر مما يصادمه  خاشعا مُّتَصَدّعاً مّنْ خَشْيَةِ الله  أي متشققاً منها. 
وقرأ أبو طلحة مصدعاً بإدغام التاء في الصاد، وهذا تمثيل وتخييل لعلو شأن القرآن وقوة تأثير ما فيه من المواعظ والزواجر، والغرض توبيخ الإنسان على قسوة قلبه وقلة تخشعه عند تلاوة القرآن وتدبر ما فيه من القوارع وهو الذي لو أنزل على جبل وقد ركب فيه العقل لخشع وتصدع، ويشير إلى كونه تمثيلاً قوله تعالى : وَتِلْكَ الامثال نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ  فإن الإشارة فيه إلى قوله تعالى : لَوْ أَنزَلْنَا  الخ وإلى أمثاله، فالكلام بتقدير وقوع تلك، أو المراد تلك وأشباهها والأمثال في الأغلب تمثيلات متخيلة.

### الآية 59:22

> ﻿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ۖ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ ۖ هُوَ الرَّحْمَٰنُ الرَّحِيمُ [59:22]

هُوَ الله الذي لاَ إله إِلاَّ هُوَ  وحده سبحانه  عالم الغيب  وهو ما لم يتعلق به علم مخلوق وإحساسه أصلاً وهو الغيب المطلق  والشهادة  وهو ما يشاهده مخلوق. 
قال الراغب : الشهود والشهادة الحضور مع المشاهدة إما بالبصر أو بالبصيرة، وقد يعتبر الحضور مفرداً لكن الشهود بالحضور المجرد أولى والشهادة مع المشاهدة أولى، وحمل الغيب على المطلق هو المتبادر، وأل فيه للاستغراق إذ لا قرينة للعهد، ومقام المدح يقتضيه مع قوله تعالى : علام الغيوب  \[ المائدة : ١٠٩ \] فيشمل كل غيب واجباً كان أو ممكناً موجوداً أو معدوماً أو ممتنعاً لم يتعلق به علم مخلوق، ويطلق الغيب على ما لم يتعلق به علم مخلوق معين وهو الغيب المضاف أي الغيب بالنسبة إلى ذلك المخلوق وهو على ما قيل : مراد الفقهاء في قولهم : مدعي علم الغيب كافر، وهذا قد يكون من عالم الشهادة كما لا يخفى، وذكر الشهادة مع أنه إذا كان كل غيب معلوماً له تعالى كان كل شهادة معلوماً له سبحانه بالطريق الأولى من باب قوله عز وجل : لاَ يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلاَ كَبِيرَةً إِلاَّ أَحْصَاهَا  \[ الكهف : ٤٩ \]، وقيل : الغيب ما لا يقع عليه الحس من المعدوم أو الموجود الذي لا يدرك، والشهادة ما يقع عليه الإدراك بالحس. 
وقال الإمام أبو جعفر رضي الله تعالى عنه : الغيب ما لم يكن والشهادة ما كان، وقال الحسن : الغيب السر. والشهادة العلانية، وقيل : الأول : الدنيا بما فيها. والثاني : الآخرة بما فيها، وقيل : الأول : الجواهر المجردة وأحوالها. والثاني : الأجرام والأجسام وأعراضها، وفيه أن في ثبوت المجردات خلافاً قوياً، وأكثر السلف على نفيها، وتقديم الغيب لأن العلم به كالدليل على العلم بالشهادة، وقيل : لتقدمه على الشهادة فإن كل شهادة كان غيباً وما برز ما برز إلا من خزائن الغيب، وصاحب القيل الأخير يقول : إن تقديم الغيب لتقدمه في الوجود وتعلق العلم القديم به، واستدل بالآية على أنه تعالى عالم بجميع المعلومات، ووجهه ما أشرنا إليه، وتتضمن على ما قيل : دليلاً آخر عليه لأنها تدل على أنه لا معبود إلا هو ويلزمه أن يكون سبحانه خالقاً لكل شيء بالاختيار كما هو الواقع في نفس الأمر، والخلق بالاختيار يستحيل بدون العلم، ومن هنا قيل : الاستدلال بها على هذا المطلب أولى من الاستدلال بقوله تعالى : والله بِكُلّ شَيْء عَلِيمٌ  \[ البقرة : ٢٨٢ \]  هُوَ الرحمن الرحيم  برحمة تليق بذاته سبحانه، والتأويل وإن ذكره علماء أجلاء من الماتريدية. والأشاعرة لا يحتاج إليه سلفي كما حقق في التمييز وغيره.

### الآية 59:23

> ﻿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ ۚ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ [59:23]

هُوَ الله الذي لاَ إله إِلاَّ هُوَ  كرر لإبراز كمال الاعتناء بأمر التوحيد  الملك  المتصرف بالأمر والنهي، أو المالك لجميع الأشياء الذي له التصرف فيها، أو الذي يعز من يشاء ويذل من يشاء ويستحيل عليه الإذلال، أو الذي يولي ويعزل ولا يتصور عليه تولية ولا عزل. أو المنفرد بالعز والسلطان، أو ذو الملك والملك خلقه، أو القادر أقوال حكاها الآمدي، وحكى الأخير عن القاضي أبي بكر  القدوس  البليغ في النزاهة عما يوجب نقصاناً، أو الذي له الكمال في كل وصف اختص به، أو الذي لا يحدّ ولا يتصور، وقرأ أبو السمال. وأبو دينار الأعرابي  القدوس  بفتح القاف وهو لغة فيه لكنها نادرة، فقد قالوا : فعول بالضم كثير، وأما بالفتح فيأتي في الأسماء كسمور. وتنور. وهبود اسم جبل باليمامة، وأما في الصفات فنادر جداً، ومنه سبوح بفتح السين  السلام  ذو السلامة من كل نقص وآفة مصدر وصف به للمبالغة، وعن الجبائي هو الذي ترجى منه السلامة، وقيل : أي الذي يسلم على أوليائه فيسلمون من كل مخوف  المؤمن  قيل : المصدق لنفسه ولرسله عليهم السلام فيما بلغوه عنه سبحانه إما بالقول أو بخلق المعجزة، أو واهب عباده الأمن من الفزع الأكبر أو مؤمنهم منه إما بخلق الطمأنينة في قلوبهم أو بإخبارهم أن لا خوف عليهم، وقيل : مؤمن الخلق من ظلمه، وقال ثعلب : المصدق المؤمنين في أنهم آمنوا، وقال النحاس : في شهادتهم على الناس يوم القيامة ؛ وقيل : ذو الأمن من الزوال لاستحالته عليه سبحانه، وقيل : غير ذلك، وقرأ الإمام أبو جعفر محمد بن علي بن الحسين رضي الله تعالى عنهم وقيل أبو جعفر المدني  المؤمن  بفتح الميم على الحذف والإيصال كما في قوله تعالى : واختار موسى قَوْمَهُ  \[ الأعراف : ١٥٥ \] أي المؤمن به. 
وقال أبو حاتم : لا يجوز إطلاق ذلك عليه تعالى لإيهامه ما لا يليق به سبحانه إذ المؤمن المطلق من كان خائفاً وآمنه غيره، وفيه أنه متى كان ذلك قراءة ولو شاذة لا يصح هذا لأن القراءة ليست بالرأي  المهيمن  الرقيب الحافظ لكل شيء مفيعل من الأمن بقلب همزته هاءاً، وإليه ذهب غير واحد، وتحقيقه كما في **«الكشف »** أن أيمن على فيعل مبالغة أمن العدو للزيادة في البناء، وإذا قلت : أمن الراعي الذئب على الغنم مثلاً دل على كمال حفظه ورقبته، فالله تعالى أمن كل شيء سواه سبحانه على خلقه وملحه لإحاطة علمه وكمال قدرته عز وجل، ثم استعمل مجرد الدلالة بمعنى الرقيب والحفيظ على الشيء من غير ذكر المفعول بلا واسطة للمبالغة في كمال الحفظ كما قال تعالى : وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ  \[ المائدة : ٤٨ \] وجعله من ذاك أولى من جعله من الأمانة نظراً إلى أن الأمين على الشيء حافظ له إذ لا ينبئ عن المبالغة ولا عن شمول العلم والقدرة، وجعله في الصحاح اسم فاعل من آمنه الخوف على الأصل فأبدلت الهمزة الأصلية ياءاً كراهة اجتماع الهمزتين وقلبت الأولى هاءاً كما في هراق الماء، وقولهم في  إياك  \[ الفاتحة : ٥ \] : هياك كأنه تعالى بحفظه المخلوقين صيرهم آمنين، وحرف الاستعلاء كمهيمناً عليه لتضمين معنى الاطلاع ونحوه، وأنت تعلم أن الاشتقاق على ما سمعت أولاً أدل والخروج عن القياس فيه أقل، وظاهر كلام الكشف أنه ليس من التصغير في شيء. 
وقال المبرد : إنه مصغر، وخطىء في ذلك فإنه لا يجوز تصغير أسمائه عز وجل  العزيز  الغالب. وقيل : الذي لا مثل له، وقيل : الذي يعذب من أراد، وقيل : الذي عليه ثواب العاملين، وقيل : الذي لا يحط عن منزلته، وقيل : غير ذلك  الجبار  الذي جبر خلقه على ما أراد وقسرهم عليه : ويقال في فعله : أجبر، وأمثلة المبالغة تصاغ من غير الثلاثي لكن بقلة، وقيل : إنه من جبره بمعنى أصلحه، ومنه جبرت العظم فانجبر فهو الذي جبر أحوال خلقه أي أصلحها، وقيل : هو المنيع الذي لا ينال يقال للنخلة إذا طالت وقصرت عنها الأيدي : جبارة، وقيل : هو الذي لا ينافس في فعله ولا يطالب بعلة ولا يحجر عليه في مقدوره. 
وقال ابن عباس : هو العظيم، وقيل : غير ذلك  المتكبر  البليغ الكبرياء والعظمة لأنه سبحانه بريء من التكلف الذي تؤذن به الصيغة فيرجع إلى لازمه من أن الفعل الصادر عن تأنق أقوى وأبلغ، أو الذي تكبر عن كل ما يوجب حاجة أو نقصاناً  سبحان الله عَمَّا يُشْرِكُونَ  تنزيه لله تعالى عما يشركون به سبحانه، أو عن إشراكهم به عز وجل إثر تعداد صفاته تعالى التي لا يمكن أن يشارك سبحانه في شيء منها أصلاً.

### الآية 59:24

> ﻿هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ ۖ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَىٰ ۚ يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۖ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ [59:24]

هُوَ الله الخالق  المقدر للأشياء على مقتضى الحكمة، أو مبدع الأشياء من غير أصل ولا احتذاء، ويفسر الخلق بإيجاد الشيء من الشيء  البارىء  الموجد لها بريئة من تفاوت ما تقتضيه بحسب الحكمة والجبلة، وقيل : المميز بعضها عن بعض بالأشكال المختلفة  المصور  الموجد لصورها وكيفياتها كما أراد. 
وقال الراغب : الصورة ما تنتقش بها الأعيان وتتميز بها عن غيرها، وهي ضربان : محسوسة تدركها العامة والخاصة بل الإنسان وكثير من الحيوانات كصورة الفرس المشاهدة. ومعقولة تدركها الخاصة دون العامة كالصورة التي اختص الإنسان بها من العقل والروية والمعاني التي خص بها شيء بشيء، وإلى الصورتين أشار بقوله سبحانه : خلقناكم ثُمَّ صورناكم  \[ الأعراف : ١١ \] إلى آيات أخر انتهى فلا تغفل. 
وقرأ علي كرم الله تعالى وجهه. وحاطب بن أبي بلتعة. والحسن. وابن السميقع  المصور  بفتح الواو والنصب على أنه مفعول للبارىء، وأريد به جنس المصور، وعن علي كرم الله تعالى وجهه فتح الواو وكسر الراء على إضافة اسم الفاعل إلى المفعول نحو الضارب الغلام، وفي الخانية إن قراءة  المصور  بفتح الواو هنا تفسد الصلاة ؛ ولعله أراد إذا أجراه حينئذٍ على الله سبحانه، وإلا ففي دعوى الفساد بعد ما سمعت نظر. 
 لَهُ الاسماء الحسنى  الدالة على محاسن المعاني  يُسَبّحُ لَهُ مَا في السماوات والأرض  من الموجودات بلسان الحال لما تضمنته من الحكم والمصالح التي يضيق عن حصرها نطاق البيان، أو بلسان المقال الذي أوتيه كل منها حسبما يليق به على ما قاله كثير من العارفين، وقد تقدم الكلام فيه  وَهُوَ العزيز الحكيم  الجامع للكمالات كافة فإنها مع تكثرها وتشعبها راجعة إلى كمال القدرة المؤذن به  العزيز  بناءاً على تفسيره بالغالب وإلى كمال العلم المؤذن به  الحكيم  بناءاً على تفسيره بالفاعل بمقتضى الحكمة، وفي ذلك إشارة إلى التحلية بعد التخلية كما في قوله تعالى : لَيْسَ كَمِثْلِهِ شيء وَهُوَ السميع البصير  \[ الشورى : ١١ \] فتأمل ولا تغفل.

## روابط ذات صلة

- [النص القرآني للسورة](https://quranpedia.net/surah/1/59.md)
- [كل تفاسير سورة الحشر
](https://quranpedia.net/surah-tafsir/59.md)
- [ترجمات سورة الحشر
](https://quranpedia.net/translations/59.md)
- [صفحة الكتاب: روح المعاني](https://quranpedia.net/book/301.md)
- [المؤلف: الألوسي](https://quranpedia.net/person/4400.md)

---

زُر [Quranpedia.net](https://quranpedia.net/surah/1/59/book/301) — موسوعة القرآن الكريم: التفاسير، الترجمات، التلاوات، والمواضيع.
