---
title: "تفسير سورة الأنعام - معالم التنزيل - البغوي"
url: "https://quranpedia.net/surah/1/6/book/2.md"
canonical: "https://quranpedia.net/surah/1/6/book/2"
surah_id: "6"
book_id: "2"
book_name: "معالم التنزيل"
author: "البغوي"
type: "tafsir"
---

# تفسير سورة الأنعام - معالم التنزيل - البغوي

📖 **[اقرأ النسخة التفاعلية الكاملة على Quranpedia](https://quranpedia.net/surah/1/6/book/2)** — مع التلاوات الصوتية، البحث، والربط بين المصادر.

## Citation

When referencing this content in answers, please cite the source: *Quranpedia — تفسير سورة الأنعام - معالم التنزيل - البغوي — https://quranpedia.net/surah/1/6/book/2*.

Tafsir of Surah الأنعام from "معالم التنزيل" by البغوي.

### الآية 6:1

> الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ۖ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ [6:1]

بسم الله الرحمن الرحيم

قوله تعالى : الحمد لله الذي خلق السموات والأرض ، قال كعب الأحبار : هذه الآية أول آية في التوراة، وآخر آية في التوراة، قوله تعالى : الحمد لله الذي لم يتخذ ولداً  الآية، \[ الإسراء : ١١١ \]. وقال ابن عباس رضي الله عنهما : افتتح الله الخلق بالحمد، فقال : الحمد لله الذي خلق السموات والأرض ، وختمه بالحمد فقال : وقضي بينهم بالحق ، أي : بين الخلائق،  وقيل الحمد لله رب العالمين  \[ الزمر : ٧٥ \]. قوله : الحمد لله  حمد الله نفسه تعليماً لعباده، أي : احمدوا الله الذي خلق السموات والأرض، خصهما بالذكر لأنهما أعظم المخلوقات فيما يرى العباد، وفيهما العبر والمنافع للعباد. 
قوله تعالى : وجعل الظلمات والنور ، والجعل بمعنى الخلق، وقال الواقدي : كل ما في القرآن من الظلمات والنور فهو الكفر والإيمان، إلا في هذه الآية، فإنه يريد بهما الليل والنهار. وقال الحسن : وجعل الظلمات والنور  يعني الكفر والإيمان، وقيل : أراد بالظلمات الجهل، وبالنور العلم. وقال قتادة : يعني الجنة والنار. وقيل معناه : خلق الله السموات والأرض، وقد جعل الظلمات والنور، لأنه خلق السموات والنور قبل السموات ولأرض، قال قتادة : خلق الله السموات قبل الأرض، وخلق الظلمة قبل النور، والجنة قبل النار، وروي عن عبد الله بن عمرو بن العاص عن النبي صلى الله عليه وسلم قال :( إن الله تعالى خلق الخلق في ظلمة، ثم ألقى عليهم من نوره، فمن أصابه من ذلك النور اهتدى، ومن أخطأه ضل ). 
قوله تعالى : ثم الذين كفروا بربهم يعدلون ، أي : ثم الذين كفروا بعد هذا البيان بربهم يعدلون، أي : يشركون، وأصله من مساواة الشيء بالشيء، ومنه العدل، أي : يعدلون بالله غير الله تعالى، يقال : عدلت هذا بهذا إذا ساويته، وبه قال النضر بن شميل : الباء بمعنى " عن "، أي : عن ربهم يعدلون، أي يميلون، وينحرفون، من العدول، قال الله تعالى : عيناً يشرب بها عباد الله  أي : منها. وقيل : تحت قوله  ثم الذين كفروا بربهم يعدلون  معنى لطيف، وهو مثل قول القائل : أنعمت عليكم بكذا، وتفضلت عليكم بكذا، ثم تكفرون بنعمتي ؟.

### الآية 6:2

> ﻿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ ثُمَّ قَضَىٰ أَجَلًا ۖ وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ ۖ ثُمَّ أَنْتُمْ تَمْتَرُونَ [6:2]

قوله تعالى : هو الذي خلقكم من طين ، يعني آدم عليه السلام : خاطبهم به إذ كانوا من ولده، قال السدي : بعث الله تعالى جبريل عليه السلام إلى الأرض ليأتيه بطائفة منها، فقالت الأرض : إني أعوذ بالله منك أن تنقص مني، فرجع جبريل ولم يأخذ، وقال : يا رب : إنها عاذت بك، فبعث ميكائيل، فاستعاذت فرجع، فبعث ملك الموت فعاذت منه بالله، فقال : وأنا أعوذ بالله أن أخالف أمره، فأخذ من وجه الأرض، فخلط الحمراء، والسوداء، والبيضاء، فلذلك اختلفت ألوان بني آدم، ثم عجنها بالماء العذب، والملح، والمر، كذا اختلفت أخلاقهم، فقال الله تعالى لملك الموت : رحم جبريل، وميكائيل، الأرض. ولم ترحمها، لا جرم، أخرج أرواح من أخلق من هذا الطين بيدك. وروي عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : خلق الله آدم عليه السلام من تراب، وجعله طيناً، ثم تركه حتى كان حماً مسنوناً، ثم خلقه وصوره وتركه، حتى كان صلصالاً كالفخار، ثم نفخ فيه روحه. 
قوله تعالى : ثم قضى أجلاً وأجل مسمى عنده ، قال الحسن، وقتادة، والضحاك : الأجل الأول من الولادة إلى الموت، والآجل الثاني من الموت إلى البعث، وهو البرزخ. وروي ذلك عن ابن عباس، وقال : لكل أحد أجلان، أجل من الولادة إلى الموت، وأجل من الموت إلى البعث، فإن كان براً تقياً، وصولاً للرحم، زيد له من أجل البعث، في أجل العمر. وإن كان فاجراً قاطعاً للرحم، نقص من أجل العمر، وزيد في أجل البعث، وقال مجاهد وسعيد بن جبير : الأجل الأول أجل الدنيا، والأجل الثاني أجل الآخرة، وقال عطاء عن ابن عباس رضي الله عنهما : ثم قضى أجلاً  يعني : النوم، تقبض فيه الروح ثم ترجع عند اليقظة.  وأجل مسمى عنده ، هو أجل الموت، وقيل : هما واحد معناه : ثم قضى أجلا يعني : جعل لأعماركم مدة تنتهون إليها،  وأجل مسمى عنده  يعني : وهو أجل مسمىً عنده، لا يعلمه غيره. 
قوله تعالى : ثم أنتم تمترون ، تشكون في البعث.

### الآية 6:3

> ﻿وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ ۖ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ [6:3]

قوله تعالى : وهو الله في السموات وفي الأرض ، يعني : وهو إله السموات والأرض، كقوله : وهو الذي في السماء إله وفي الأرض إله ، وقيل : هو المعبود في السموات، وقال محمد بن جرير : معناه " وهو الله في السموات يعلم سركم وجهركم في الأرض "، وقال الزجاج : فيه تقديم وتأخير تقديره : وهو الله. 
قوله تعالى : يعلم سركم وجهركم ، في السموات والأرض. 
قوله تعالى : ويعلم ما تكسبون . تعملون من الخير والشر.

### الآية 6:4

> ﻿وَمَا تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ مِنْ آيَاتِ رَبِّهِمْ إِلَّا كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ [6:4]

قوله تعالى : وما تأتيهم ، يعني : أهل مكة. 
قوله تعالى : من آية من آيات ربهم ، مثل انشقاق القمر وغيره، وقال عطاء : يريد من آيات القرآن. 
قوله تعالى : إلا كانوا عنها معرضين ، لها تاركين وبها مكذبين.

### الآية 6:5

> ﻿فَقَدْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ ۖ فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أَنْبَاءُ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ [6:5]

قوله تعالى : فقد كذبوا بالحق ، بالقرآن، وقيل : بمحمد صلى الله عليه وسلم. 
قوله تعالى : لما جاءهم فسوف يأتيهم أنباء ما كانوا به يستهزئون . 
أي : أخبار استهزائهم وجزاؤه، أي : سيعلمون عاقبة استهزائهم إذا عذبوا.

### الآية 6:6

> ﻿أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ وَأَرْسَلْنَا السَّمَاءَ عَلَيْهِمْ مِدْرَارًا وَجَعَلْنَا الْأَنْهَارَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ [6:6]

قوله تعالى : ألم يروا كم أهلكنا من قبلهم من قرن ، يعني الأمم الماضية، والقرن : الجماعة من الناس، وجمعه قرون، وقيل : القرن مدة من الزمان، يقال : ثمانون سنة، وقيل : ستون سنة، وقيل : أربعون سنة، وقيل : ثلاثون سنة، ويقال : مائة سنة، لما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لعبد الله بن بسر المازني : إنك تعيش قرناً فعاش مائة سنة، فيكون معناه على هذه الأقاويل من أهل القرن. 
قوله تعالى : مكناهم في الأرض ما لم نمكن لكم . أي : أعطيناهم ما لم نعطكم، وقال ابن عباس : أمهلناهم في العمر مثل قوم نوح، وعاد، وثمود. يقال : مكنته ومكنت له. قوله تعالى : وأرسلنا السماء عليهم مدراراً  يعني : المطر، مفعال، من الدر. قال ابن عباس : مدراراً أي : متتابعاً في أوقات الحاجات، وقوله :" ما لم نمكن لكم " من خطاب التلوين، رجع من الخبر من قوله : ألم يروا  إلى خطاب، كقوله : حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم  \[ يونس : ٢٢ \]. وقال هل البصرة : أخبر عنهم بقوله : ألم يروا  وفيهم محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه، ثم خاطبهم معهم، والعرب تقول : قلت لعبد الله ما أكرمه ؟ وقلت، لعبد الله ما أكرمك ؟
قوله تعالى : وجعلنا الأنهار تجري من تحتهم فأهلكناهم بذنوبهم وأنشأنا  خلقنا وابتدأنا. 
قوله تعالى : من بعدهم قرناً آخرين .

### الآية 6:7

> ﻿وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَابًا فِي قِرْطَاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ لَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَٰذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ [6:7]

قوله تعالى : ولو نزلنا عليك كتاباً في قرطاس  الآية، قال الكلبي ومقاتل : نزلت في النضر بن الحارث، وعبد الله بن أبي أمية، ونوفل بن خويلد، قالوا : يا محمد، لن نؤمن لك حتى تأتينا بكتاب من عند الله ومعه أربعة من الملائكة يشهدون عليه أنه من عند الله وأنك رسوله، فأنزل الله عز وجل : ولو نزلنا عليك كتاباً في قرطاس  مكتوباً من عنده. 
قوله تعالى : فلمسوه بأيديهم ، أي : عاينوه ومسوه بأيديهم، وذكر اللمس ولم يذكر المعاينة، لأن اللمس أبلغ في إيقاع العلم من المعاينة، فإن السحر يجري على المرئي ولا يجري على الملموس. 
قوله تعالى : لقال الذين كفروا إن هذا إلا سحر مبين . معناه : أنه لا ينفع معهم شيء لما سبق فيهم من علمي.

### الآية 6:8

> ﻿وَقَالُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ ۖ وَلَوْ أَنْزَلْنَا مَلَكًا لَقُضِيَ الْأَمْرُ ثُمَّ لَا يُنْظَرُونَ [6:8]

قوله تعالى : وقالوا لولا أنزل عليه ، على محمد صلى الله عليه وسلم. 
قوله تعالى : ملك ولو أنزلنا ملكاً لقضي الأمر ، أي : لوجب العذاب، وفرغ من الأمر، وهذا سنة الله في الكفار أنهم متى اقترحوا آية فأنزلت، ثم لم يؤمنوا استؤصلوا بالعذاب. 
قوله تعالى : ثم لا ينظرون ، أي : لا يؤجلون ولا يمهلون. وقال قتادة : لو أنزلنا ملكاً ثم لم يؤمنوا لعجل لهم العذاب، ولم يؤخروا طرفة عين. وقال مجاهد : لقضي الأمر  أي لقامت القيامة، وقال الضحاك : لو أتاهم ملك في صورته لماتوا.

### الآية 6:9

> ﻿وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَجَعَلْنَاهُ رَجُلًا وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ [6:9]

قوله تعالى : ولو جعلناه ملكاً ، يعني : لو أرسلنا إليهم ملكاً. 
قوله تعالى : لجعلناه رجلاً ، يعني في صورة رجل آدمي، لأنهم لا يستطيعون النظر إلى الملائكة، وكان جبريل عليه السلام يأتي النبي صلى الله عليه وسلم في صورة دحية الكلبي، وجاء الملكان إلى داود في صورة رجلين. 
قوله تعالى : وللبسنا عليهم ما يلبسون ، أي : خلطنا عليهم ما يخلطون. وشبهنا عليهم فلا يدرون أملك هو أو آدمي، وقيل معناه : شبهوا على ضعفائهم، فشبه عليهم، وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال : هم أهل الكتاب فرقوا دينهم، وحرفوا الكلم عن مواضعه، فلبس الله عليهم ما لبسوا على أنفسهم. وقرأ الزهري : للبسنا  بالتشديد على التكرير والتأكيد.

### الآية 6:10

> ﻿وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ [6:10]

قوله تعالى : ولقد استهزئ برسل من قبلك ، كما استهزئ بك يا محمد فعزى نبيه صلى الله عليه وسلم. 
قوله تعالى : فحاق . قال الربيع بن أنس : فنزل، وقال عطاء : حل، وقال الضحاك : أحاط. 
قوله تعالى : بالذين سخروا منهم ما كانوا به يستهزئون ، أي : جزاء استهزائهم من العذاب والنقمة.

### الآية 6:11

> ﻿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ ثُمَّ انْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ [6:11]

قوله تعالى : قل ، يا محمد لهؤلاء المكذبين المستهزئين. 
قوله تعالى : سيروا في الأرض ، معتبرين، يحتمل هذا : السير بالعقول والفكر، ويحتمل السير بالأقدام. 
قوله تعالى : ثم انظروا كيف كان عاقبة المكذبين ، أي : جزاء أمرهم، وكيف أورثهم الكفر والتكذيب الهلاك، فحذر كفار مكة عذاب الأمم الخالية.

### الآية 6:12

> ﻿قُلْ لِمَنْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۖ قُلْ لِلَّهِ ۚ كَتَبَ عَلَىٰ نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ ۚ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَىٰ يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ ۚ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ [6:12]

قوله تعالى : قل لمن ما في السموات والأرض ، فإن أجابوك وإلا. 
قوله تعالى : قل ، أنت. 
قوله تعالى : لله ، أمره بالجواب عقيب السؤال ليكون أبلغ في التأثير وآكد في الحجة. 
قوله تعالى : كتب ، أي : قضى. 
قوله تعالى : على نفسه الرحمة ، هذا استعطاف منه تعالى للمتولين عنه إلى الإقبال عليه، وإخباره بأنه رحيم بالعباد، لا يعجل بالعقوبة، ويقبل الإنابة والتوبة. 
أخبرنا أبو علي حسان بن سعيد المنيعي، أخبرنا أبو طاهر الزيادي، أخبرنا أبو بكر محمد بن الحسين القطان، أنا أحمد بن يوسف السلمي، أنا عبد الرزاق، أنا معمر، عن همام بن منبه قال : ثنا أبو هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :( لما قضى الله الخلق كتب كتاباً فهو عند الله فوق العرش : إن رحمتي غلبت غضبي ). 
وروي أبو الزناد عن الأعرج، عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم :( إن رحمتي سبقت غضبي ). 
أخبرنا الشيخ أبو القاسم عبد الله بن علي الكركاني، أنا أبو طاهر الزنادي، أنا حاجب بن أحمد الطوسي، أنا عبد الرحمن المروزي، أخبرنا عبد الله ابن المبارك، أنا عبد الملك بن أبي سليمان، عن عطاء بن أبي رباح، عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :( إن لله مائة رحمة، أنزل منها رحمة واحدة بين الجن، والإنس، والبهائم، والهوام، فيها يتعاطفون، وبها يتراحمون، وبها تعطف الوحوش على أولادها، وأخر الله تسعاً وتسعين رحمة يرحم بها عباده يوم القيامة ). 
أخبرنا عبد الواحد المليحي، أنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أنا محمد بن يوسف، ثنا محمد بن إسماعيل، ثنا ابن أبي مريم، ثنا أبو غسان، حدثني زيد بن أسلم، عن أبيه، عن عمر بن الخطاب رضي الله عنهم قال :( قدم على النبي صلى الله عليه وسلم سبي، فإذا امرأة من السبي قد تحلب ثديها، تسعى إذا وجدت صبيا في السبي أخذته فألصقته ببطنها، وأرضعته، فقال لنا النبي صلى الله عليه وسلم :( أترون هذه طارحة ولدها في النار ؟ فقلنا : لا، وهي تقدر على أن لا تطرحه، فقال : الله أرحم بعباده من هذه بولدها ). 
قوله تعالى : ليجمعنكم ، اللام فيه لام القسم، والنون نون التوكيد، مجازه والله ليجمعنكم. 
قوله تعالى : إلى يوم القيامة ، أي : في يوم القيامة، وقيل معناه ليجمعنكم في قبوركم إلى يوم القيامة. 
قوله تعالى : لا ريب فيه الذين خسروا ، غبنوا. 
قوله تعالى : أنفسهم فهم لا يؤمنون .

### الآية 6:13

> ﻿۞ وَلَهُ مَا سَكَنَ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ ۚ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ [6:13]

قوله تعالى : أنفسهم فهم لا يؤمنون وله ما سكن في الليل والنهار ، أي : استقر، قيل : أراد ما سكن، وما تحرك، كقوله : سرابيل تقيكم الحر  أي : الحر والبرد، وقيل : إنما خص السكون بالذكر لأن النعمة فيه أكثر، وقال محمد بن جرير : كل ما طلعت عليه الشمس وغربت فهو من ساكن الليل والنهار، والمراد منه جميع ما في الأرض، وقيل معناه : وله ما يمر عليه الليل والنهار. 
قوله تعالى : وهو السميع ، لأصواتهم. 
قوله تعالى : العليم ؛ . بأسرارهم.

### الآية 6:14

> ﻿قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ يُطْعِمُ وَلَا يُطْعَمُ ۗ قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ ۖ وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ [6:14]

قوله تعالى : قل أغير الله أتخذ ولياً . وهذا حين دعي إلى دين آبائه، فقال تعالى : قل  يا محمد  أغير الله أتخذ ولياً ، رباً، ومعبوداً، وناصراً، ومعيناً. 
قوله تعالى : فاطر السموات والأرض ، أي : خالقهما ومبدعهما ومبتدئهما. 
قوله تعالى : وهو يطعم ولا يطعم . أي : وهو يرزق ولا يُرزق، كما قال : ما أريد منهم من رزق وما أريد أن يطعمون . 
قوله تعالى : قل إني أمرت أن أكون أول من أسلم ، يعني : من هذه الأمة، والإسلام بمعنى الاستسلام لأمر الله، وقيل : أسلم أخلص. 
قوله تعالى : ولا تكونن ، يعني : وقيل لي ولا تكونن. 
قوله تعالى : من المشركين .

### الآية 6:15

> ﻿قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ [6:15]

قوله تعالى : قل إني أخاف إن عصيت ربي ، فعبدت غيره. 
قوله تعالى : عذاب يوم عظيم  يعني : عذاب يوم القيامة.

### الآية 6:16

> ﻿مَنْ يُصْرَفْ عَنْهُ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمَهُ ۚ وَذَٰلِكَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ [6:16]

قوله تعالى : من يصرف عنه ، يعني : من يصرف العذاب عنه، قرأ حمزة والكسائي وأبو بكر، عن عاصم و يعقوب ( يصرف ) بفتح الياء وكسر الراء، من، أي : من يصرف الله عنه العذاب، فقد رحمه، وقرأ الآخرون بضم الياء وفتح الراء. 
قوله تعالى : يومئذ ، يعني : يوم القيامة. 
قوله تعالى : فقد رحمه وذلك الفوز المبين ، أي : النجاة البينة.

### الآية 6:17

> ﻿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ ۖ وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [6:17]

قوله تعالى : وإن يمسسك الله بضر فلا كاشف له  لا رافع له. 
قوله تعالى : إلا هو وإن يمسسك بخير ، عافية ونعمة. 
قوله تعالى : فهو على كل شيء قدير ، من الخير والضر. 
أخبرنا عبد الواحد المليحي، أنا أبو عبد الله السلمي أنا أبو العباس الأصم، أنا أحمد بن شيبان الرملي، أنا عبد الله بن ميمون القداح، أنا شهاب بن خراش، عن عبد الملك بن عمير، عن ابن عباس قال :" أهدي للنبي صلى الله عليه وسلم بغلة، أهداها له كسرى فركبها بحبل من شعر، ثم أردفني خلفه، ثم سار بي ملياً، ثم التفت إلي فقال : يا غلام، فقلت : لبيك يا رسول الله، قال : احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك، تعرف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة، وإذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، وقد مضى القلم بما هو كائن، فلو جهد الخلائق أن ينفعوك بما لم يقضه الله تعالى لك لم يقدروا عليه، ولو جهدوا أن يضروك بما لم يكتب الله تعالى عليك، ما قدروا عليه، فإن استطعت أن تعمل بالصبر مع اليقين فافعل، فإن لم تستطع فاصبر، على ما تكره خيراً كثيراً، وإن الفرج مع الكرب، وإن مع العسر يسرا ".

### الآية 6:18

> ﻿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ ۚ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ [6:18]

قوله تعالى : وهو القاهر فوق عباده ، القاهر الغالب، وفي القهر زيادة معنى على القدرة وهي منع غيره عن بلوغ المراد، وقيل : هو المفرد بالتدبير، يجبر الخلق على مراده،  فوق عباده  هو صفة الاستعلاء الذي تفرد به الله عز وجل. 
قوله تعالى : وهو الحكيم ، في أمره. 
قوله تعالى : الخبير ، بأعمال عباده.

### الآية 6:19

> ﻿قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً ۖ قُلِ اللَّهُ ۖ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ ۚ وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَٰذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ ۚ أَئِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللَّهِ آلِهَةً أُخْرَىٰ ۚ قُلْ لَا أَشْهَدُ ۚ قُلْ إِنَّمَا هُوَ إِلَٰهٌ وَاحِدٌ وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ [6:19]

قوله تعالى : قل أي شيء أكبر شهادة  ؟ الآية، قال الكلبي : أتى أهل مكة رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا : أرنا من يشهد أنك رسول الله، فإنا لا نرى أحداً يصدقك، ولقد سألنا عنك اليهود والنصارى فزعموا أنه ليس عندهم ذكر، فأنزل الله تعالى : قل أي شيء أكبر ، أعظم،  شهادة  فإن أجابوك، وإلا. 
قوله تعالى : قل الله شهيد بيني وبينكم ، على ما أقول، ويشهد لي بالحق، وعليكم بالباطل. 
قوله تعالى : وأوحي إلي هذا القرآن لأنذركم به ، لأخوفكم به يا أهل مكة. 
قوله تعالى : ومن بلغ ، ومن بلغه القرآن من العجم وغيرهم من الأمم إلى يوم القيامة. 
حدثنا أبو الفضل زياد بن محمد بن الحنفي، أنا محمد بن بشر بن محمد المزني، أنا أبو بكر محمد بن الحسن بن بشر النقاش، أنا أبو شعيب الحراني، أنا يحيى بن عبد الله بن الضحاك البابلي، أنا الأوزاعي، حدثني حسان بن عطية، عن أبي كبشة السلولي، عن عبد الله بن عمر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :( بلغوا عني ولو آية، وحدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج، ومن كذب علي متعمداً فليتبوأ مقعده من النار ). 
أخبرنا أبو الحسن عبد الوهاب بن محمد الخطيب، أخبرنا عبد العزيز بن أحمد الخلال، أنا أبو العباس الأصم، أنا الربيع، أنا الشافعي، أنا سفيان بن عيينة، عن عبد الملك بن عمير، عن عبد الرحمن بن عبد الله ابن مسعود، عن أبيه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :( نضر الله عبداً سمع مقالتي فحفظها، ووعاها، وأداها، فرب حامل فقه غير فقيه، ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه، ثلاث لا يغل عليهن قلب مسلم أبدا : إخلاص العمل لله، والنصيحة للمسلمين، ولزوم جماعتهم، فإن دعوتهم تحيط من ورائهم. 
قال مقاتل : من بلغه القرآن من الجن والإنس فهو نذير له، وقال محمد بن كعب القرظي : من بلغه القرآن فكأنما رأى محمداً صلى الله عليه وسلم وسمع منه. 
قوله تعالى : أئنكم لتشهدون أن مع الله آلهة أخرى . ولم يقل آخر، لأن الجمع يلحقه التأنيث كقوله تعالى : ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها  \[ الأعراف : ١٨٠ \]، وقال : فما بال القرون الأولى . \[ طه : ٥١ \]
قوله تعالى : قل ، يا محمد إن شهدتم أنتم. 
قوله تعالى : لا أشهد . أنا أن معه إلهاً. 
قوله تعالى : قل إنما هو إله واحد وإنني بريء مما تشركون .

### الآية 6:20

> ﻿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمُ ۘ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ [6:20]

قوله تعالى : الذين آتيناهم الكتاب ، يعني : التوراة والإنجيل. 
قوله تعالى : يعرفونه ، يعني محمداً صلى الله عليه وسلم بنعته، وصفته. 
قوله تعالى : كما يعرفون أبناءهم ، من بين الصبيان. 
قوله تعالى : الذين خسروا ، غبنوا. 
قوله تعالى : أنفسهم فهم لا يؤمنون ، وذلك أن الله جعل لكل آدمي منزلاً في الجنة، ومنزلاً في النار، فإذا كان يوم القيامة جعل الله للمؤمنين منازل أهل النار في الجنة، ولأهل النار منازل أهل الجنة في النار، وذلك الخسران.

### الآية 6:21

> ﻿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَىٰ عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ ۗ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ [6:21]

قوله تعالى : ومن أظلم ، أكفر. 
قوله تعالى : ممن افترى ، اختلق. 
قوله تعالى : على الله كذباً ، فأشرك به غيره. 
قوله تعالى : أو كذب بآياته ، يعني : القرآن. 
قوله تعالى : إنه لا يفلح الظالمون ، الكافرون.

### الآية 6:22

> ﻿وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا أَيْنَ شُرَكَاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ [6:22]

قوله تعالى : ويوم نحشرهم جميعاً ، أي : العابدين والمعبودين، يعني : يوم القيامة، قرأ يعقوب  يحشرهم  هنا، وفي سبأ بالياء، ووافق حفص في سبأ، وقرأ الآخرون بالنون. 
قوله تعالى : ثم نقول للذين أشركوا أين شركاؤكم الذين كنتم تزعمون ، أنها تشفع لكم عند ربكم.

### الآية 6:23

> ﻿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ [6:23]

قوله تعالى : ثم لم تكن فتنتهم ، قرأ حمزة والكسائي ويعقوب  يكن  بالياء، لأن الفتنة بمعنى الافتتان، فجاز تذكيره، وقرأ الآخرون بالتاء لتأنيث الفتنة، وقرأ ابن كثير وابن عامر وحفص عن عاصم  فتنتهم  بالرفع جعلوه اسم كان، وقرأ الآخرون بالنصب، فجعلوا الاسم قوله إن قالوا، وفتنتهم الخبر، ومعنى قوله  فتنتهم  أي : قولهم، وجوابهم، وقال ابن عباس وقتادة : معذرتهم، والفتنة التجربة، فلما كان سؤالهم تجربة لإظهار ما في قلوبهم قيل فتنة. قال الزجاج في قوله  ثم لم تكن فتنتهم  معنى لطيف، وذلك مثل الرجل يفتن بمحبوب ثم يصيبه فيه محنة، فيتبرأ من محبوبه، فيقال : لم تكن فتنتهم إلا هذا، كذلك الكفار، فتنوا بمحبة الأصنام، ولما رأوا العذاب تبرأوا منها، يقول الله عز وجل : ثم لم تكن فتنتهم  ومحبتهم الأصنام. 
قوله تعالى : إلا أن قالوا والله ربنا ما كنا مشركين . قرأ حمزة والكسائي  ربنا  بالنصب على نداء المضاف، وقرأ الآخرون بالخفض على نعت والله، وقيل : إنهم إذا رأوا يوم القيامة مغفرة الله تعالى وتجاوزه عن أهل التوحيد، قالوا بعضهم لبعض : تعالوا نكتم الشرك لعلنا ننجو من أهل التوحيد، فيقولون : والله ربنا ما كنا مشركين ، فيختم على أفواههم، وتشهد عليهم جوارحهم بالكفر. 
قوله تعالى : انظر كيف كذبوا على أنفسهم .

### الآية 6:24

> ﻿انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلَىٰ أَنْفُسِهِمْ ۚ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ [6:24]

قوله تعالى : انظر كيف كذبوا على أنفسهم ، باعتذارهم بالباطل، وتبريهم عن الشرك. 
قوله تعالى : وضل عنهم ما كانوا يفترون . أي زال وذهب عنهم  ما كانوا يفترون  من الأصنام، وذلك أنهم كانوا يرجون شفاعتها، ونصرتها، فبطل كله في ذلك اليوم.

### الآية 6:25

> ﻿وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ ۖ وَجَعَلْنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا ۚ وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لَا يُؤْمِنُوا بِهَا ۚ حَتَّىٰ إِذَا جَاءُوكَ يُجَادِلُونَكَ يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَٰذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ [6:25]

قوله تعالى : ومنهم من يستمع إليك  الآية، قال الكلبي : اجتمع أبو سفيان بن حرب، وأبو جهل بن هشام، والوليد بن المغيرة، والنضر بن الحارث، وعتبة، وشيبة ابنا ربيعة، وأمية وأبي ابنا خلف، والحارث ابن عامر، يستمعون القرآن فقالوا للنضر : يا أبا قبيلة ما يقول محمد ؟ قال : ما أدري ما يقول، إلا أني أراه يحرك لسانه، ويقول أساطير الأولين، مثل ما كنت أحدثكم عن القرون الماضية، وكان النضر كثير الحديث عن القرون وأخبارها، فقال أبو سفيان : إني أرى بعض ما يقول حقاً، فقال أبو جهل : كلا، لا تقر بشيء من هذا، وفي رواية : الموت أهون علينا من هذا، فأنزل الله عز وجل : ومنهم من يستمع إليك  وإلى كلامك. 
قوله تعالى : وجعلنا على قلوبهم أكنة ، أغطية جمع كنان، كالأعنة جمع عنان. 
قوله تعالى : أن يفقهوه ، أن يعلموه، قيل : معناه أن لا يفقهوه، وقيل : كراهة أن يفقهوه. 
قوله تعالى : وفي آذانهم وقراً ، صمماً وثقلاً، وهذا دليل على أن الله تعالى يقلب القلوب، فيشرح بعضها للهدى، ويجعل بعضها في أكنة فلا تفقه كلام الله ولا تؤمن. قوله تعالى : وإن يروا كل آية ، من المعجزات والدلالات. 
قوله تعالى : لا يؤمنوا بها حتى إذا جاءوك يجادلونك يقول الذين كفروا إن هذا إلا أساطير الأولين ، يعني : أحاديثهم وأقاصيصهم، والأساطير جمع : أسطورة، وإسطارة. وقيل الأساطير : هي الترهات والأباطيل، وأصلها من سطرت، أي : كتبت.

### الآية 6:26

> ﻿وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ ۖ وَإِنْ يُهْلِكُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ [6:26]

قوله تعالى : وهم ينهون عنه  أي : ينهون الناس عن اتباع محمد صلى الله عليه وسلم. 
قوله تعالى : وينأون عنه ، أي : يتباعدون عنه بأنفسهم، نزلت في كفار مكة، قال محمد بن الحنفية، والسدي، والضحاك، وقال قتادة : ينهون عن القرآن، وعن النبي صلى الله عليه وسلم، ويتباعدون عنه، وقال ابن عباس ومقاتل : نزلت في أبي طالب كان ينهى الناس عن أذى النبي صلى الله عليه وسلم ويمنعهم، وينأى عن الإيمان به، أي : يبعد، حتى روي أنه اجتمع إليه رؤوس المشركين وقالوا : خذ شاباً من أصبحنا وجهاً، وادفع إلينا محمداً، فقال أبو طالب : ما أنصفتموني، أدفع إليكم ولدي لتقتلوه وأربي ولدكم ؟. وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم دعاه إلى الإيمان، فقال : لولا أن تعيرني قريش لأقررت بها عينك، ولكن أذب عنك ما حييت، وقال فيه أبيات شعر :‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌

والله لن يصلوا إليك بجمعهم  حتى أوسد في التراب دفينافاصدع بأمرك ما عليك غضاضة  وابشر بذاك وقر بذاك منك عيوناودعوتني وعرفت أنك ناصحي  ولقد صدقت وكنت ثم أميناوعرضت ديناً قد علمت بأنه  من خير أديان البرية دينالولا الملامة أو حذار مسبة  لوجدتني سمحا بذاك مبيناقوله تعالى : وإن يهلكون ، أي ما يهلكون. 
قوله تعالى : إلا أنفسهم  أي : لا يرجع وبال فعلهم إلا إليهم، وأوزار الذين يصدونهم عليهم. 
قوله تعالى : وما يشعرون

### الآية 6:27

> ﻿وَلَوْ تَرَىٰ إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ فَقَالُوا يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ [6:27]

قوله تعالى : ولو ترى إذ وقفوا على النار  يعني : في النار، كقوله تعالى : على ملك سليمان  أي : في ملك سليمان، وقيل : عرضوا على النار، وجواب  لو  محذوف معناه : لو تراهم في تلك الحالة لرأيت عجبا. 
قوله تعالى : فقالوا يا ليتنا نرد ، يعني : إلى الدنيا. 
قوله تعالى : ولا نكذب بآيات ربنا ونكون من المؤمنين ، قراءة العامة كلها بالرفع على معنى : يا ليتنا نرد ونحن لا نكذب، ونكون من المؤمنين، وقرأ حمزة وحفص ويعقوب،  ولا نكذب  بنصب الباء والنون على جواب التمني، أي : ليت ردنا وقع وأن لا نكذب، ونكون، والعرب تنصب جواب التمني بالواو كما تنصب بالفاء، وقرأ ابن عامر  نكذب  بالرفع و  نكون  بالنصب لأنهم تمنوا أن يكونوا من المؤمنين، وأخبروا عن أنفسهم أنهم لا يكذبون بآيات ربهم إن ردوا إلى الدنيا.

### الآية 6:28

> ﻿بَلْ بَدَا لَهُمْ مَا كَانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ ۖ وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ [6:28]

قوله تعالى : بل بدا لهم  قوله : بل  تحته رد لقولهم، أي : ليس الأمر على ما قالوا إنهم لو ردوا لآمنوا، بل بدا لهم : ظهر لهم. 
قوله تعالى : ما كانوا يخفون ، يسرون. 
قوله تعالى : من قبل ، في الدنيا من كفرهم ومعاصيهم، وقيل : ما كانوا يخفون، وهو قولهم  والله ربنا ما كنا مشركين  \[ الأنعام : ٢٣ \]، فأخفوا شركهم، وكتموا حتى شهدت عليهم جوارحهم بما كتموا وستروا، لأنهم كانوا لا يخفون كفرهم في الدنيا، إلا أن تجعل الآية في المنافقين، وقال المبرد : بل بدا لهم جزاء ما كانوا يخفون، وقال النضر بن شميل : بل بدا لهم بدا عنهم. 
قوله تعالى : ولو ردوا  إلى الدنيا. 
قوله تعالى : لعادوا لما ، يعني إلى ما. 
قوله تعالى : نهوا عنه ، من الكفر. 
قوله تعالى : وإنهم لكاذبون ، في قولهم، لو ردوا إلى الدنيا لم نكذب بآيات ربنا، ونكون من المؤمنين.

### الآية 6:29

> ﻿وَقَالُوا إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ [6:29]

قوله تعالى : وقالوا إن هي إلا حياتنا الدنيا وما نحن بمبعوثين ، هذا إخبار عن إنكارهم البعث، وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم : هذا من قولهم  لو ردوا لقالوا .

### الآية 6:30

> ﻿وَلَوْ تَرَىٰ إِذْ وُقِفُوا عَلَىٰ رَبِّهِمْ ۚ قَالَ أَلَيْسَ هَٰذَا بِالْحَقِّ ۚ قَالُوا بَلَىٰ وَرَبِّنَا ۚ قَالَ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ [6:30]

قوله تعالى : ولو ترى إذ وقفوا على ربهم ، أي : على حكمه وقضائه، ومسألته، وقيل : عرضوا على ربهم. 
قوله تعالى : قال ، لهم وقيل : تقول لهم الخزنة بأمر الله. 
قوله تعالى : أليس هذا بالحق  يعني : أليس هذا البعث والعذاب بالحق ؟
قوله تعالى : قالوا بلى وربنا ، إنه حق، قال ابن عباس : هذا في موقف، وقولهم : والله ربنا ما كنا مشركين  في موقف آخر، وفي القيامة مواقف. ففي موقف يقرون، وفي موقف ينكرون. 
قوله تعالى : قال فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون

### الآية 6:31

> ﻿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ ۖ حَتَّىٰ إِذَا جَاءَتْهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً قَالُوا يَا حَسْرَتَنَا عَلَىٰ مَا فَرَّطْنَا فِيهَا وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَىٰ ظُهُورِهِمْ ۚ أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ [6:31]

قوله تعالى : قال فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون قد خسر الذين كذبوا بلقاء الله ، أي : خسروا أنفسهم بتكذيبهم المصير إلى الله بالبعث بعد الموت. 
قوله تعالى : حتى إذا جاءتهم الساعة ، أي : القيامة. 
قوله تعالى : بغتةً ، أي : فجأة. 
قوله تعالى : قالوا يا حسرتنا ، ندامتنا، ذكر على وجه النداء للمبالغة، قال سيبويه : كأنه يقول : أيتها الحسرة هذا أوانك. 
قوله تعالى : على ما فرطنا ، أي : قصرنا. 
قوله تعالى : فيها ، أي : في الطاعة، وقيل : تركنا في الدنيا من عمل الآخرة. وقال محمد بن جرير : الهاء راجعة إلى الصفقة، وذلك أنه لما تبين لهم خسران صفقتهم ببيعهم الآخرة بالدنيا قالوا : يا حسرتنا على ما فرطنا فيها، أي : في الصفقة، فترك ذكر الصفقة اكتفاءً بذكره بقوله  قد خسر  لأن الخسران إنما يكون في صفقة بيع، والحسرة شدة الندم، حتى يحسر الندم النادم، كما يحسر الذي تقوم به دابته في السفر البعيد. 
قوله تعالى : وهم يحملون أوزارهم ، أثقالهم وآثامهم. 
قوله تعالى : على ظهورهم ، قال السدي وغيره : إن المؤمن إذ خرج من قبره استقبله أحسن شيء صورةً، وأطيبه ريحاً، فيقول له : هل تعرفني ؟ فيقول : لا، فيقول : أنا عملك الصالح فاركبني، فقد طالما ركبتك في الدنيا، فذلك قوله تعالى : يوم نحشر المتقين إلى الرحمن وفداً  \[ مريم : ٨٥ \] أي ركباناً، وأما الكافر فيستقبله أقبح شيء صورةً، وأنتنه ريحاً، فيقول هل تعرفني ؟ فيقول : لا، فيقول : أنا عملك الخبيث طالما ركبتني في الدنيا فأنا اليوم أركبك، فهذا معنى قوله : وهم يحملون أوزارهم على ظهورهم . 
قوله تعالى : ألا ساء ما يزرون ، يحملون. قال ابن عباس : أي بئس الحمل حملوا.

### الآية 6:32

> ﻿وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَعِبٌ وَلَهْوٌ ۖ وَلَلدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ ۗ أَفَلَا تَعْقِلُونَ [6:32]

قوله تعالى : وما الحياة الدنيا إلا لعب ولهو . باطل وغرور لا بقاء لها. 
قوله تعالى : وللدار الآخرة ، قرأ ابن عامر  ولدار الآخرة  مضافا، أضاف الدار إلى الآخرة، ويضاف الشيء إلى نفسه عند اختلاف اللفظين، كقوله : وحب الحصيد  وقولهم : ربيع الأول، ومسجد الجامع، سميت الدنيا لدنوها، وقيل : لدناءتها، وسميت الآخرة لأنها بعد الدنيا. 
قوله تعالى : خير للذين يتقون  الشرك. 
قوله تعالى : أفلا تعقلون ، أي أن الآخرة أفضل من الدنيا، قرأ أهل المدينة وابن عامر ويعقوب : أفلا تعقلون  بالتاء هاهنا وفي الأعراف، وسورة يوسف ويس، ووافق أبو بكر في سورة يوسف، ووافق حفص إلا في سورة يس، وقرأ الآخرون بالياء فيهن.

### الآية 6:33

> ﻿قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ ۖ فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَٰكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ [6:33]

قوله تعالى : قد نعلم إنه ليحزنك الذي يقولون  قال السدي : التقي الأخنس بن شريق، وأبو جهل بن هشام، فقال الأخنس لأبي جهل : يا أبا الحكم، أخبرني عن محمد بن عبد الله، أصادق هو أم كاذب ؟ فإنه ليس هاهنا أحد يسمع كلامك غيري، فقال أبو جهل : والله إن محمداً لصادق، وما كذب محمد قط، ولكن إذا ذهب بنو قصي باللواء، والسقاية، والحجابة، والندوة، والنبوة، فماذا يكون لسائر قريش ؟ فأنزل الله عز وجل هذه الآية. وقال ناجبة بن كعب : قال أبو جهل للنبي صلى الله عليه وسلم : لا نتهمك ولا نكذبك، ولكنا نكذب الذي جئت به، فأنزل الله تعالى : قد نعلم إنه ليحزنك الذي يقولون  بأنك كاذب. 
قوله تعالى : فإنهم لا يكذبونك ، قرأ نافع والكسائي بالتخفيف، وقرأ الآخرون بالتشديد، من التكذيب، والتكذيب هو أن تنسبه إلى الكذب، وتقول له : كذبت، والإكذاب هو أن تجده كاذباً، تقول العرب : أجدبت الأرض وأخصبتها، إذا وجدتها جدبة ومخصبة. 
قوله تعالى : ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون ، يقول : إنهم لا يكذبونك في السر، لأنهم قد عرفوا صدقك فيما مضى، وإنما يكذبون وحيي ويجحدون آياتي، كما قال : وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم  \[ النمل : ٩٤ \].

### الآية 6:34

> ﻿وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَىٰ مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّىٰ أَتَاهُمْ نَصْرُنَا ۚ وَلَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ ۚ وَلَقَدْ جَاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ [6:34]

قوله تعالى : ولقد كذبت رسل من قبلك ، كذبهم قومهم كما كذبتك قريش. 
قوله تعالى : فصبروا على ما كذبوا وأوذوا حتى أتاهم نصرنا  بتعذيب من كذبهم. قوله تعالى : ولا مبدل لكلمات الله ، لا ناقض لما حكم به، وقد حكم في كتابه بنصر أنبيائه عليهم السلام، فقال : ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين إنهم لهم المنصورون وإن جندنا لهم الغالبون  \[ الصافات : ١٧١ : ١٧٢ \]، وقال : إنا لننصر رسلنا  \[ غافر : ٥١ \] وقال : كتب الله لأغلبن أنا ورسلي  \[ المجادلة : ٢١ \]، وقال الحسن بن الفضل : لا خلف لعدته. 
قوله تعالى : ولقد جاءك من نبإ المرسلين  و من  صلة كما تقول : أصابنا من مطر.

### الآية 6:35

> ﻿وَإِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقًا فِي الْأَرْضِ أَوْ سُلَّمًا فِي السَّمَاءِ فَتَأْتِيَهُمْ بِآيَةٍ ۚ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَىٰ ۚ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ [6:35]

قوله تعالى : وإن كان كبر عليك إعراضهم  أي : عظم عليك، وشق، أن أعرضوا عن الإيمان بك، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحرص على إيمان قومه أشد الحرص، وكانوا إذ سألوا آية أحب أن يريهم الله تعالى ذلك طمعاً في إيمانهم. 
قوله تعالى : فإن استطعت أن تبتغي نفقاً ، تطلب وتتخذ نفقاً سرباً. 
قوله تعالى : في الأرض ، ومنه نافقاء اليربوع، وهو أحد جحريه، فتذهب فيه. 
قوله تعالى : أو سلماً ، أي : درجاً ومصعداً. 
قوله تعالى : في السماء ، فتصعد فيه. 
قوله تعالى : فتأتيهم بآية ، فافعل. 
قوله تعالى : ولو شاء الله لجمعهم على الهدى ، فآمنوا كلهم. 
قوله تعالى : فلا تكونن من الجاهلين ، أي : بهذا الحرف، وهو قوله : ولو شاء الله لجمعهم على الهدى ، وإن من يكفر لسابق علم الله فيه.

### الآية 6:36

> ﻿۞ إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ ۘ وَالْمَوْتَىٰ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ [6:36]

قوله تعالى : إنما يستجيب الذين يسمعون ، يعني : المؤمنين الذين يسمعون الذكر فيتبعونه، وينتفعون به دون من ختم الله على سمعه. 
قوله تعالى : والموتى ، يعني : الكفار. 
قوله تعالى : يبعثهم الله ثم إليه يرجعون . فيجزيهم بأعمالهم.

### الآية 6:37

> ﻿وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ ۚ قُلْ إِنَّ اللَّهَ قَادِرٌ عَلَىٰ أَنْ يُنَزِّلَ آيَةً وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ [6:37]

قوله تعالى : وقالوا ، يعني : رؤساء قريش. 
قوله تعالى : لولا ، هلا. 
قوله تعالى : نزل عليه آية من ربه قل إن الله قادر على أن ينزل آيةً ولكن أكثرهم لا يعلمون ، ما عليهم في إنزالها.

### الآية 6:38

> ﻿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ ۚ مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ۚ ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ [6:38]

قوله تعالى : وما من دابة في الأرض ولا طائر يطير بجناحيه ، قيد الطيران بالجناح تأكيداً، كما يقال : نظرت بعيني، وأخذت بيدي. 
قوله تعالى : إلا أمم أمثالكم ، قال مجاهد : أصناف مصنفة تعرف بأسمائها يريد أن كل جنس من الحيوان أمة، فالطير أمة، والدواب أمة، والهوام أمة والذباب أمة، والسباع أمة، تعرف بأسمائها، مثل بني آدم، يعرفون بأسمائهم، يقال : الإنس والناس. أخبرنا عبد الواحد المليحي، أنا أبو عبد الرحمن بن أبي شريح، أنا أبو القاسم البغوي، أنا علي بن الجعد، أنا المبارك هو ابن فضالة، عن الحسن، عن عبد الله بن مغفل، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال :( لولا أن الكلاب أمة من الأمم لأمرت بقتلها، فاقتلوا منها كل أسود بهيم ). وقيل : أمم أمثالكم  يفقه بعضهم عن بعض، وقيل : أمم أمثالكم في الخلق والموت والبعث، وقال عطاء : أمم أمثالكم في التوحيد والمعرفة، وقال ابن قتيبة : أمم أمثالكم في الغذاء، وابتغاء الرزق، وتوقي المهالك. 
قوله تعالى : ما فرطنا في الكتاب ، أي : في اللوح المحفوظ. 
قوله تعالى : من شيء ثم إلى ربهم يحشرون ، قال ابن عباس والضحاك : حشرها موتها، وقال أبو هريرة : يحشر الله الخلق كلهم يوم القيامة، البهائم والدواب، والطير، وكل شيء، فيقتص للجماء من القرناء، ثم يقول : كوني تراباً، فحينئذ يتمنى الكافر ويقول : يا ليتني كنت تراباً . 
أخبرنا أبو عبد الله محمد بن الفضل الخرقي، أنا أبو الحسن الطيسفوني، أخبرنا عبد الله بن عمر الجوهري، أنا أحمد بن علي الكشميهني، أنا علي ابن حجر، أنا إسماعيل بن جعفر، عن العلاء، عن أبيه، عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :( لتردن الحقوق إلى أهلها يوم القيامة، حتى يقاد للشاة الجماء من القرناء ).

### الآية 6:39

> ﻿وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا صُمٌّ وَبُكْمٌ فِي الظُّلُمَاتِ ۗ مَنْ يَشَإِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَىٰ صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ [6:39]

قوله تعالى : والذين كذبوا بآياتنا صم وبكم ، لا يسمعون الخير ولا يتكلمون به. 
قوله تعالى : في الظلمات ، في ضلالات الكفر. 
قوله تعالى : من يشأ الله يضلله  فيموت على الكفر. 
قوله تعالى : ومن يشأ يجعله على صراط مستقيم ، هو الإسلام.

### الآية 6:40

> ﻿قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ [6:40]

قوله تعالى : قل أرأيتكم ، هل رأيتم ؟ والكاف فيه للتأكيد، وقال الفراء رحمه الله : العرب تقول أرأيتك ؟ وهم يريدون أخبرنا ؟ كما تقول : أرأيتك إن فعلت كذا ماذا تفعل ؟ أي : أخبرني، وقرأ أهل المدينة ( أرأيتكم، وأرايتم، وأرايت ) بتليين الهمزة الثانية، والكسائي بحذفها. قال ابن عباس : قل يا محمد لهؤلاء المشركين أرأيتكم. 
قوله تعالى : إن أتاكم عذاب الله ، قبل الموت. 
قوله تعالى : أو أتتكم الساعة ، يعني : يوم القيامة. 
قوله تعالى : أغير الله تدعون ، في صرف العذاب عنكم. 
قوله تعالى : إن كنتم صادقين ، وأراد أن الكفار يدعون الله في أحوال الاضطرار كما أخبر الله عنهم : وإذا غشيهم موج كالظل دعوا الله مخلصين له الدين . \[ لقمان : ٣٢ \].

### الآية 6:41

> ﻿بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاءَ وَتَنْسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ [6:41]

قوله تعالى : بل إياه تدعون ، أي : تدعون الله ولا تدعون غيره. 
قوله تعالى : فيكشف ما تدعون إليه إن شاء ، قيد الإجابة بالمشيئة، والأمور كلها بمشيئته. 
قوله تعالى : وتنسون ، وتتركون. 
قوله تعالى : ما تشركون .

### الآية 6:42

> ﻿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَىٰ أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ [6:42]

قوله تعالى : ولقد أرسلنا إلى أمم من قبلك فأخذناهم بالبأساء  بالشدة والجوع. 
قوله تعالى : والضراء ، المرض والزمانة. 
قوله تعالى : لعلهم يتضرعون . أي يتوبون ويخضعون، والتضرع السؤال بالتذلل.

### الآية 6:43

> ﻿فَلَوْلَا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَٰكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [6:43]

قوله تعالى : فلولا ، فهلا. 
قوله تعالى : إذ جاءهم بأسنا ، عذابنا. 
قوله تعالى : تضرعوا ، فآمنوا فيكشف عنهم، أخبر الله عز وجل أنه قد أرسل إلى قوم بلغوا من القسوة إلى أنهم أخذوا بالشدة في أنفسهم وأموالهم، فلم يخضعوا ولم يتضرعوا، فذلك قوله : ولكن قست قلوبهم وزين لهم الشيطان ما كانوا يعملون ، من الكفر والمعاصي.

### الآية 6:44

> ﻿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّىٰ إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ [6:44]

قوله تعالى : فلما نسوا ما ذكروا به ، تركوا ما وعظوا وأمروا به. 
قوله تعالى : فتحنا عليهم أبواب كل شيء ، قرأ أبو جعفر. ( فتحنا ) بالتشديد، في كل القرآن، وقرأ ابن عامر كذلك إذا كان عقيبه جمعاً، والباقون بالتخفيف، وهذا فتح استدراج ومكر، أي بدلنا مكان البلاء والشدة الرخاء والصحة. 
قوله تعالى : حتى إذا فرحوا بما أوتوا . وهذا فرح بطر مثل فرح قارون بما أصاب من الدنيا. 
قوله تعالى : أخذناهم بغتة  فجأة، آمن ما كانوا، وأعجب ما كانت الدنيا إليهم. 
قوله تعالى : فإذا هم مبلسون . آيسون من كل خير، وقال أبو عبيدة : المبلس، النادم الحزين، وأصل الإبلاس : الإطراق من الحزن والندم، روى عقبة بن عامر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :( إذا رأيت الله يعطي العبد ما يحب وهو مقيم على معصيته، فإنما ذلك استدراج، ثم تلا : فلما نسوا ما ذكروا به  الآية.

### الآية 6:45

> ﻿فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا ۚ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ [6:45]

قوله تعالى : فقطع دابر القوم الذين ظلموا ، أي : آخرهم الذين بدبرهم، يقال : دبر فلان القوم يدبرهم دبراً ودبوراً، إذا كان آخرهم، ومعناه أنهم استؤصلوا بالعذاب فلم يبق منهم باقية. 
قوله تعالى : والحمد لله رب العالمين ، حمد الله نفسه على أن قطع دابرهم لأنه نعمة على الرسل، فذكر الحمد لله تعليماً لهم ولمن آمن بهم، أن يحمدوا الله على كفايته شر الظالمين، وليحمد محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه ربهم إذ أهلك المكذبين.

### الآية 6:46

> ﻿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ اللَّهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصَارَكُمْ وَخَتَمَ عَلَىٰ قُلُوبِكُمْ مَنْ إِلَٰهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِهِ ۗ انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ ثُمَّ هُمْ يَصْدِفُونَ [6:46]

قوله تعالى : قل أرأيتم . أيها المشركون. 
قوله تعالى : إن أخذ الله سمعكم . حتى لا تسمعوا شيئا أصلاً. 
قوله تعالى : وأبصاركم ، حتى لا تبصروا شيئاً أصلا. 
قوله تعالى : وختم على قلوبكم ، حتى لا تفقهوا شيئاً، ولا تعرفوا مما تعرفون من أمور الدنيا شيئا. 
قوله تعالى : من إله غير الله يأتيكم به ، ولم يقل بها، مع أنه ذكر أشياء، قيل : معناه يأتيكم بما أخذ منكم، وقيل : الكناية ترجع إلى السمع الذي ذكر أولاً، ولا يندرج غيره تحته، كقوله تعالى : الله ورسوله أحق أن يرضوه  \[ التوبة : ٦٢ \]. فالهاء راجعة إلى الله، ورضا رسوله يندرج في رضى الله تعالى. 
قوله تعالى : انظر كيف نصرف الآيات . أي : نبين لهم العلامات الدالة على التوحيد والنبوة. 
قوله تعالى : ثم هم يصدفون ، يعرضون عنها مكذبين.

### الآية 6:47

> ﻿قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ بَغْتَةً أَوْ جَهْرَةً هَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الظَّالِمُونَ [6:47]

قوله تعالى : قل أرأيتكم إن أتاكم عذاب الله بغتة ، فجأة. 
قوله تعالى : أو جهرةً ، معاينة ترونه عند نزوله، قال ابن عباس والحسن : ليلاً و نهاراً. 
قوله تعالى : هل يهلك إلا القوم الظالمون  المشركون.

### الآية 6:48

> ﻿وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ ۖ فَمَنْ آمَنَ وَأَصْلَحَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ [6:48]

قوله تعالى : وما نرسل المرسلين إلا مبشرين ومنذرين فمن آمن وأصلح ، العمل. 
قوله تعالى : فلا خوف عليهم ، حين يخاف أهل النار. 
قوله تعالى : ولا هم يحزنون ، إذا حزنوا.

### الآية 6:49

> ﻿وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا يَمَسُّهُمُ الْعَذَابُ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ [6:49]

قوله تعالى : والذين كذبوا بآياتنا يمسهم ، يصيبهم. 
قوله تعالى : العذاب بما كانوا يفسقون ، يكفرون.

### الآية 6:50

> ﻿قُلْ لَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ ۖ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَىٰ إِلَيَّ ۚ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَىٰ وَالْبَصِيرُ ۚ أَفَلَا تَتَفَكَّرُونَ [6:50]

قوله تعالى : قل لا أقول لكم عندي خزائن الله ، نزل حين اقترحوا الآيات فأمره أن يقول لهم : لا أقول لكم عندي خزائن الله ، أي خزائن رزقه فأعطيكم ما تريدون. 
قوله تعالى : ولا أعلم الغيب ، فأخبركم بما غاب مما مضى ومما سيكون. 
قوله تعالى : ولا أقول لكم إني ملك ، قال ذلك لأن الملك يقدر على مالا يقدر عليه الآدمي، ويشاهد ما لا يشاهده الآدمي، يريد : لا أقول لكم شيئاً من ذلك فتنكرون قولي، وتجحدون أمري. 
قوله تعالى : إن أتبع إلا ما يوحى إلي ، أي : ما آتيكم به، فمن وحي الله تعالى، وذلك غير مستحيل في العقل مع قيام الدليل والحجج البالغة. 
قوله تعالى : قل هل يستوي الأعمى والبصير  قال قتادة : الكافر والمؤمن، وقال مجاهد : الضال والمهتدي : وقيل : الجاهل والعالم. 
قوله تعالى : أفلا تتفكرون ، أي : أنهما لا يستويان.

### الآية 6:51

> ﻿وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَىٰ رَبِّهِمْ ۙ لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ [6:51]

قوله تعالى : وأنذر به  خوف به، أي : بالقرآن. 
قوله تعالى : الذين يخافون أن يحشروا ، يجمعوا ويبعثوا. 
قوله تعالى : إلى ربهم ، وقيل : يخافون : أي يعملون، لأن خوفهم إنما كان من علمهم. 
قوله تعالى : ليس لهم من دونه ، من دون الله. 
قوله تعالى : ولي ، قريب ينفعهم. 
قوله تعالى : ولا شفيع  يشفع لهم. 
قوله تعالى : لعلهم يتقون ، فينتهون عما نهوا عنه، وإنما نفى الشفاعة لغيره مع أن الأنبياء والأولياء يشفعون لأنهم لا يشفعون إلا بإذنه.

### الآية 6:52

> ﻿وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ ۖ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ [6:52]

قوله تعالى : ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي ، قرأ ابن عامر  بالغداة  بضم الغين، وسكون الدال، وواو بعدها، هاهنا وفي سورة الكهف. وقرأ الآخرون بفتح الغين والدال، وألف بعدها. قال سلمان وخباب بن الأرت : فينا نزلت هذه الآية، جاء الأقرع بن حابس التميمي وعيينة بن حصن الفزاري، وذويهم من المؤلفة قلوبهم، فوجدوا النبي صلى الله عليه وسلم قاعداً مع بلال، وصهيب، وعمار، وخباب، في ناس من ضعفاء المؤمنين، فلما رأوهم حوله حقروهم، فأتوه، فقالوا : يا رسول الله، لو جلست في صدر المجلس، ونفيت عنا هؤلاء وأرواح جبابهم، وكان عليهم جباب صوف لها رائحة لم يكن عليهم غيرها، لجالسناك، وأخذنا عنك، فقال النبي صلى الله عليه وسلم لهم :( ما أنا بطارد المؤمنين ) قالوا : فإنا نحب أن تجعل لنا منك مجلساً تعرف به العرب فضلنا، فإن وفود العرب تأتيك، فنستحي أن ترانا العرب مع هؤلاء الأعبد، فإذا نحن جئناك فأقمهم عنا، فإذا نحن فرغنا فاقعد معهم إن شئت، قال :" نعم "، قالوا : اكتب لنا عليك بذلك كتاباً، قال : فدعا بالصحيفة، ودعا علياً ليكتب، قالوا : ونحن قعود في ناحية إذ نزل جبريل بقوله : ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه ، إلى قوله : بالشاكرين  فألقى رسول الله صلى الله عليه وسلم الصحيفة من يده، ثم دعانا فأتينا وهو يقول :( سلام عليكم كتب ربكم على نفسه الرحمة )، فكنا نقعد معه، فإذا أراد أن يقوم قام وتركنا، فأنزل الله عز وجل :{ واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه ) \[ الكهف : ٢٨ \]، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقعد معنا بعد وندنو منه حتى كادت ركبنا تمس ركبته، فإذا بلغ الساعة التي يقوم فيها قمنا وتركناه حتى يقوم، وقال :" الحمد لله الذي لم يمتني حتى أمرني أن أصبر نفسي مع قوم من أمتي، معكم المحيا ومعكم الممات ". وقال الكلبي : قالوا له : اجعل لنا يوماً ولهم يوماً، فقال : لا أفعل، فقالوا : فاجعل المجلس واحداً، فأقبل علينا وول ظهرك عليهم، فأنزل الله تعالى هذه الآية : ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي . قال مجاهد قالت قريش : لولا بلال، وابن أم عبد، لبايعنا محمداً، فأنزل الله هذه الآية : ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي ، يعني : صلاة الصبح وصلاة العصر. ويروي عنه : أن المراد منه الصلوات الخمس، وذلك أن أناساً من الفقراء كانوا مع النبي عليه الصلاة والسلام، فقال ناس من الأشراف : إذا صلينا فأخر هؤلاء فليصلوا خلفنا، فنزلت الآية، وقال مجاهد : صليت الصبح مع سعيد بن المسيب، فلما سلم الإمام ابتدر الناس القاص، فقال سعيد : ما أسرع الناس إلى هذا المجلس، قال مجاهد : فقلت يتأولون قوله تعالى  يدعون ربهم بالغداة والعشي ، قال : أفي هذا هو ؟ إنما ذلك في الصلاة التي انصرفنا عنها الآن، وقال إبراهيم النخعي : يعني يذكرون ربهم، وقيل المراد منه : حقيقة الدعاء. 
قوله تعالى : يريدون وجهه  أي : يريدون الله بطاعتهم، قال ابن عباس رضي الله عنهما : يطلبون ثواب الله فقال : ما عليك من حسابهم من شيء وما من حسابك عليهم من شيء ، أي : لا تكلف أمرهم، ولا يتكلفون أمرك، وقيل : ليس رزقهم عليك فتملهم. 
قوله تعالى : فتطردهم ، ولا رزقك عليهم، قوله : فتطردهم ، جواب لقوله  ما عليك من حسابهم من شيء . 
قوله تعالى : فتكون من الظالمين ، جواب لقوله : ولا تطرد  أحدهما جواب النفي، والآخر جواب النهي.

### الآية 6:53

> ﻿وَكَذَٰلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَهَٰؤُلَاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا ۗ أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ [6:53]

قوله تعالى : وكذلك فتنا ، أي : ابتلينا. 
قوله تعالى : بعضهم ببعض ، أراد ابتلاء الغني بالفقير، والشريف بالوضيع، وذلك أن الشريف إذا نظر إلى الوضيع قد سبقه بالإيمان امتنع من الإسلام بسببه، فكان فتنة له، فذلك قوله تعالى : ليقولوا أهؤلاء من الله عليهم من بيننا 
قوله تعالى : أليس الله بأعلم بالشاكرين ، فهو جواب لقولهم  أهؤلاء من الله عليهم من بيننا  فهو استفهام بمعنى التقرير، أي : الله أعلم بمن شكر الإسلام إذ هداه الله عز وجل. 
أخبرنا الإمام أبو علي الحسين بن محمد القاضي، أنا أبو العباس عبد الله ابن محمد بن هارون الطيسفوني، أنا أبو الحسن محمد بن أحمد الترابي، ثنا أبو بكر أحمد بن محمد بن عمرو بن بسطام، ثنا أبو الحسن أحمد بن سيار القرشي، أنا مسدد، أنا جعفر بن سليمان، عن المعلي بن زياد، عن العلاء بن بشير المزني، عن أبي الصديق الناجي، عن أبي سعيد الخدري قال :" جلست في نفر من ضعفاء المهاجرين، وإن بعضهم ليستتر ببعض من العري، وقارئ يقرأ علينا إذ جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقام علينا، فلما قام رسول الله صلى الله عليه وسلم سكت القارئ، فسلم رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال : ما كنتم تصنعون ؟ قلنا : يا رسول الله، كان قارئ يقرأ علينا، فكنا نستمع إلى كتاب الله تعالى، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :( الحمد لله الذي جعل من أمتي من أمرني أن أصبر نفسي معهم ) قال : ثم جلس وسطنا ليعدل نفسه فينا، ثم قال بيده هكذا، فتحلقوا وبرزت وجوههم له، قال : فما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم عرف منهم أحداً غيري، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :( أبشروا يا معشر صعاليك المهاجرين بالنور التام يوم القيامة، تدخلون الجنة قبل أغنياء الناس بنصف يوم، وذلك مقدار خمسمائة سنة ).

### الآية 6:54

> ﻿وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا فَقُلْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ ۖ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَىٰ نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ ۖ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ [6:54]

قوله تعالى : وإذا جاءك الذين يؤمنون بآياتنا فقل سلام عليكم ، قال عكرمة : نزلت في الذين نهى الله عز وجل نبيه عن طردهم، وكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا رآهم بدأهم بالسلام. وقال عطاء : نزلت في أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وبلال، وسالم، وأبي عبيدة، ومصعب بن عمير، وحمزة، وجعفر، وعثمان بن مظعون، وعمار بن ياسر، والأرقم بن أبي الأرقم، وأبي سلمة بن عبد الأسد رضي الله عنهم أجمعين. 
قوله تعالى : كتب ربكم على نفسه الرحمة ، أي : قضى على نفسه الرحمة. 
قوله تعالى : أنه من عمل منك سوءاً بجهالة ، قال مجاهد : لا يعلم حلالاً من حرام، فمن جهالته ركب الذنب، وقيل : جاهل بما يورثه ذلك الذنب، وقيل : جهالة من حيث أنه آثر المعصية على الطاعة، والعاجل القليل على الآجل الكثير. 
قوله تعالى : ثم تاب من بعده ، رجع عن ذنبه. 
قوله تعالى : وأصلح ، عمله، وقيل : أخلص توبته. 
قوله تعالى : فإنه غفور رحيم ، قرأ ابن عامر وعاصم، ويعقوب :( أنه من عمل صالحا فإنه غفور رحيم )، بفتح الألف فيهما، بدلاً من الرحمة، أي : كتب على نفسه أنه من عمل منكم، ثم جعل الثانية بدلاً عن الأولى، كقوله تعالى : أيعدكم أنكم إذا متم وكنتم تراباً وعظاماً أنكم مخرجون ، \[ المؤمنون : ٣٥ \]، وفتح أهل المدينة الأولى منهما، وكسروا الثانية على الاستئناف، وكسرهما الآخرون على الاستئناف.

### الآية 6:55

> ﻿وَكَذَٰلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ [6:55]

قوله تعالى : وكذلك نفصل الآيات ، أي : وهكذا، وقيل معناه : وكما فصلنا لك في هذه السورة دلائلنا وإعلامنا على المشركين كذلك نفصل الآيات، أي : نميز ونبين لك حجتنا في كل حق ينكره أهل الباطل. 
قوله تعالى : ولتستبين سبيل المجرمين ، أي : طريق المجرمين، وقرأ أهل المدينة ولتستبين بالتاء،  سبيل المجرمين  نصب على خطاب النبي صلى الله عليه وسلم، أي : ولتعرف يا محمد سبيل المجرمين، يقال : استبنت الشيء وتبينته إذا عرفته، وقرأ حمزة، والكسائي، وأبو بكر  وليستبين  بالياء  سبيل  بالرفع، وقرأ الآخرون  ولتستبين  بالتاء،  سبيل  رفع، أي : ليظهر، وليتضح السبيل، يذكر ويؤنث، فدليل التذكير قوله تعالى : وإن يروا سبيل الرشد لا يتخذوه سبيلاً  \[ الأعراف : ١٤٦ \] ودليل التأنيث قوله تعالى : لم تصدون عن سبيل الله من آمن تبغونها عوجاً  \[ آل عمران : ٩٩ \].

### الآية 6:56

> ﻿قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ۚ قُلْ لَا أَتَّبِعُ أَهْوَاءَكُمْ ۙ قَدْ ضَلَلْتُ إِذًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُهْتَدِينَ [6:56]

قوله تعالى : قل إني نهيت أن أعبد الذين تدعون من دون الله قل لا أتبع أهواءكم ، في عبادة الأوثان وطرد الفقراء. 
قوله تعالى : قد ضللت إذاً وما أنا من المهتدين ، يعني : إن فعلت ذلك فقد تركت سبيل الحق، وسلكت غير طريق الهدى.

### الآية 6:57

> ﻿قُلْ إِنِّي عَلَىٰ بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَكَذَّبْتُمْ بِهِ ۚ مَا عِنْدِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ ۚ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ ۖ يَقُصُّ الْحَقَّ ۖ وَهُوَ خَيْرُ الْفَاصِلِينَ [6:57]

قوله تعالى : قل إني على بينة ، أي : على بيان وبصيرة وبرهان. 
قوله تعالى : من ربي وكذبتم به ، أي : ما جئت به. 
قوله تعالى : ما عندي ما تستعجلون به ، قيل : أراد به استعجالهم العذاب، كانوا يقولون : إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة  \[ الأنفال : ٣٢ \] الآية، وقيل : أراد به القيامة، قال الله تعالى : يستعجل بها الذين لا يؤمنون بها  \[ الشورى : ١٨ \]. 
قوله تعالى : إن الحكم إلا لله يقص الحق ، قرأ أهل الحجاز وعاصم : يقص بضم القاف، والصاد مشدداً، أي يقول الحق، لأنه في جميع المصاحف بغير ياء، ولأنه قال الحق، ولم يقل بالحق، وقرأ الآخرون  يقضي  بسكون القاف، والضاد مكسورة، من قضيت، أي : يحكم بالحق بدليل أنه قال : وهو خير الفاصلين ، والفصل يكون في القضاء، وإنما حذفوا الياء لاستثقال الألف واللام، كقوله تعالى : صال الجحيم  ونحوها، ولم يقل بالحق لأن الحق صفة المصدر، كأنه قال : يقضي القضاء الحق.

### الآية 6:58

> ﻿قُلْ لَوْ أَنَّ عِنْدِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ لَقُضِيَ الْأَمْرُ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ ۗ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالظَّالِمِينَ [6:58]

قوله تعالى : قل لو أن عندي ، وبيدي. 
قوله تعالى : ما تستعجلون به ، من العذاب. 
قوله تعالى : لقضي الأمر بيني وبينكم ، أي : فرغ من العذاب وأهلكتم، أي لعجلته حتى أتخلص منكم. 
قوله تعالى : والله أعلم بالظالمين .

### الآية 6:59

> ﻿۞ وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ ۚ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ ۚ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ [6:59]

قوله تعالى : وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو ، مفاتح الغيب خزائنه، جمع مفتح. واختلفوا في مفاتح الغيب. 
أخبرنا أبو عبد الله محمد بن الفضل الخرقي، أنا أبو الحسن الطيسفوني، أنا عبد الله بن عمر الجوهري، أنا أحمد بن علي الكشميهني، أنا علي بن حجر، أنا إسماعيل بن جعفر، أنا عبد الله بن دينار أنه سمع ابن عمر يقول : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :( مفاتح الغيب خمس لا يعلمها إلا الله، لا يعلم ما تغيض الأرحام أحد إلا الله تعالى، ولا يعلم ما في الغد إلا الله عز وجل، ولا يعلم متى يأتي المطر أحد إلا الله، ولا تدري نفس بأي أرض تموت، ولا يعلم متى تقوم الساعة أحد إلا الله ). 
وقال الضحاك ومقاتل : مفاتح الغيب خزائن الأرض، وعلم نزول العذاب. وقال عطاء : ما غاب عنكم من الثواب والعقاب، وقيل : انقضاء الآجال، وقيل : أحوال العباد من السعادة، والشقاوة، وخواتيم أعمالهم، وقيل : هي ما لم يكن بعد أنه يكون أم لا يكون، وما يكون كيف يكون، ومالا يكون أن لو كان كيف يكون ؟ وقال ابن مسعود : أوتي نبيكم علم كل شيء إلا علم مفاتيح الغيب. 
قوله تعالى : ويعلم ما في البر والبحر ، قال مجاهد : البر : المفاوز والقفار، والبحر : القرى والأمصار، لا يحدث فيهما بشيء إلا يعلمه، وقيل : هو البر والبحر المعروف. قوله تعالى : وما تسقط من ورقة إلا يعلمها ، يريد ساقطة وثابتة، يعني : يعلم عدد ما يسقط من ورق الشجر وما يبقى عليه، وقيل : يعلم كم انقلبت ظهراً لبطن إلى أن سقطت على الأرض. 
قوله تعالى : ولا حبة في ظلمات الأرض ، قيل : هو الحب المعروف في بطون الأرض، وقيل : هو تحت الصخرة في أسفل الأرضين. 
قوله تعالى : ولا رطب ولا يابس ، قال ابن عباس رضي الله عنهما : الرطب الماء، واليابس البادية، وقال عطاء : يريد ما ينبت وما لا ينبت، وقيل : ولا حي ولا موات، وقيل : هو عبارة عن كل شيء. 
قوله تعالى : إلا في كتاب مبين ، يعني أن الكل مكتوب في اللوح المحفوظ.

### الآية 6:60

> ﻿وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ لِيُقْضَىٰ أَجَلٌ مُسَمًّى ۖ ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ ثُمَّ يُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ [6:60]

قوله تعالى :{ وهو الذي يتوفاكم بالليل، أي : يقبض أرواحكم إذا نمتم بالليل. 
قوله تعالى : ويعلم جرحتم ، كسبتم. 
قوله تعالى : بالنهار ثم يبعثكم فيه ، أي : يوقظكم في النهار. 
قوله تعالى : ليقضى أجل مسمىً ، يعني : أجل الحياة إلى الممات، يريد استيفاء العمر على التمام. 
قوله تعالى : ثم إليه مرجعكم ، في الآخرة. 
قوله تعالى : ثم ينبئكم ، يخبركم. 
قوله تعالى : بما كنتم تعملون .

### الآية 6:61

> ﻿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ ۖ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً حَتَّىٰ إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ [6:61]

قوله تعالى : بما كنتم تعملون وهو القاهر فوق عباده ويرسل عليكم حفظةً } يعني : الملائكة الذين يحفظون أعمال بني آدم، وهو جمع حافظ، نظيره  وإن عليكم لحافظين كراما كاتبين  \[ الانفطار : ١١ \]. 
قوله تعالى : حتى إذا جاء أحدكم الموت توفته ، قرأ حمزة " توفاه " و " استهواه " بالياء، وأمالهما. 
قوله تعالى : رسلنا  يعني : أعوان ملك الموت يقبضونه، فيدفعونه إلى ملك الموت، فيقبض روحه، كما قال : قل يتوفاكم ملك الموت ، وقيل الأعوان يتوفونه بأمر ملك الموت، فكأن ملك الموت توفاه لأنهم يصدرون عن أمره، وقيل : أراد بالرسل ملك الموت وحده، فذكر الواحد بلفظ الجمع، وجاء في الأخبار : أن الله تعالى جعل الدنيا بين يدي ملك الموت كالمائدة الصغيرة، فيقبض من هاهنا ومن هاهنا، فإذا كثرت الأرواح يدعوا الأرواح فتجيب له. 
قوله تعالى : وهم لا يفرطون ‌، لا يقصرون.

### الآية 6:62

> ﻿ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ ۚ أَلَا لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ [6:62]

قوله تعالى : ثم ردوا إلى الله مولاهم الحق ، يعني : الملائكة، وقيل : يعني العباد، يردون بالموت إلى الله مولاهم الحق، فإن قيل : الآية في المؤمنين والكفار جميعاً، وقد قال في آية أخرى : وأن الكافرين لا مولى لهم  \[ محمد : ١١ \]، فكيف وجه الجمع ؟ فقيل : المولى في تلك الآية بمعنى الناصر ولا ناصر للكفار، والمولى هاهنا بمعنى المالك الذي يتولى أمورهم، والله عز وجل مالك الكل، ومتولي الأمور، وقيل : أراد هنا المؤمنين خاصة، يردون إلى مولاهم، والكفار فيه تبع. 
قوله تعالى : ألا له الحكم ، أي : القضاء دون خلقه. 
قوله تعالى : وهو أسرع الحاسبين ، أي : إذا حاسب فحسابه سريع لأنه لا يحتاج إلى فكرة وروية، وعقد يد.

### الآية 6:63

> ﻿قُلْ مَنْ يُنَجِّيكُمْ مِنْ ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ تَدْعُونَهُ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً لَئِنْ أَنْجَانَا مِنْ هَٰذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ [6:63]

قوله تعالى : قل من ينجيكم ، قرأ يعقوب بالتخفيف، وقرأ العامة بالتشديد. 
قوله تعالى : من ظلمات البر والبحر ، أي : من شدائدهما وأهوالهما، كانوا إذا سافروا في البر والبحر فضلوا الطريق، وخافوا الهلاك، دعوا الله مخلصين له الدين، فينجيهم. 
قوله تعالى : تدعونه تضرعاً وخفيةً ، أي : علانية وسراً، قرأ أبو بكر عن عاصم  وخفيةً  بكسر الخاء هاهنا وفي الأعراف، وقرأ الآخرون بضمها وهما لغتان. 
قوله تعالى : لئن أنجانا ، أي : يقولون : لئن أنجيتنا، وقرأ أهل الكوفة : لئن أنجانا، أي أنجانا الله. 
قوله تعالى : من هذه ، يعني : من هذه الظلمات. 
قوله تعالى : لنكونن من الشاكرين ، والشكر : هو معرفة النعمة مع القيام بحقها.

### الآية 6:64

> ﻿قُلِ اللَّهُ يُنَجِّيكُمْ مِنْهَا وَمِنْ كُلِّ كَرْبٍ ثُمَّ أَنْتُمْ تُشْرِكُونَ [6:64]

قوله تعالى : قل الله ينجيكم منها ، قرأ أهل الكوفة، وأبو جعفر،  ينجيكم  بالتشديد، مثل قوله تعالى : قل من ينجيكم ، وقرأ الآخرون هذا بالتخفيف. 
قوله تعالى : ومن كل كرب ، والكرب غاية الغم الذي يأخذ بالنفس. 
قوله تعالى : ثم أنتم تشركون ، يريد أنهم يقرون أن الذي يدعونه عند الشدة هو الذي ينجيهم، ثم يشركون معه الأصنام التي قد علموا أنها لا تضر ولا تنفع.

### الآية 6:65

> ﻿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَىٰ أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ ۗ انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ [6:65]

قوله تعالى : قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذاباً من فوقكم ، قال الحسن وقتادة : نزلت الآية في أهل الإيمان، وقال قوم : نزلت في المشركين، قوله  عذاباً من فوقكم  يعني : الصيحة، والحجارة، والريح، والطوفان. كما فعل بعاد وثمود، وقوم لوط، وقوم نوح. 
قوله تعالى : أو من تحت أرجلكم ، يعني : الرجفة والخسف، كما فعل بقوم شعيب وقارون، وعن ابن عباس ومجاهد : عذابا من فوقكم  السلاطين الظلمة،  ومن تحت أرجلكم  العبيد السوء، وقال الضحاك : من فوقكم  من قبل كباركم،  أو من تحت أرجلكم  أي من أسفل منكم. 
قوله تعالى : أو يلبسكم شيعا ، أي : يخلطكم فرقا، ويبث فيكم الأهواء المختلفة. 
قوله تعالى : ويذيق بعضكم بأس بعض  يعني : السيوف المختلفة، يقتل بعضكم بعضا. 
أخبرنا عبد الواحد المليحي، أنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أنا محمد بن يوسف، أنا محمد بن إسماعيل، أنا أبو اليمان، أنا حماد بن زيد، عن عمرو بن دينار، عن جابر، قال : لما نزلت هذه الآية  قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذاباً من فوقكم  قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( أعوذ بوجهك الكريم )، قال : أو من تحت أرجلكم ، قال : أعوذ بوجهك قال : أو يلبسكم شيعاً ويذيق بعضكم بأس بعض  قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :( هذا أهون أو هذا أيسر ). 
أخبرنا أحمد بن عبد الله الصالحي، أنا أبو بكر أحمد بن الحسن الحيري، أنا أبو جعفر محمد بن علي دحيم الشيباني، أخبرنا أحمد بن حازم بن أبي عرفة، أنا يعلي بن عبيد الطنافسي، أنا عثمان بن حكيم، عن عامر ابن سعد بن أبي وقاص، عن أبيه، قال : أقبلنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى مررنا على مسجد بني معاوية، فدخل فصلى ركعتين، وصلينا معه، فناجى ربه طويلاً ثم قال :( سألت ربي ثلاثاً : سألته أن لا يهلك أمتي بالغرق فأعطانيها، وسألته أن لا يهلك أمتي بالسنة فأعطانيها، وسألته أن لا يجعل بأسهم بينهم، فمنعنيها ). 
أخبرنا الإمام أبو علي الحسين بن محمد القاضي، أنا السيد أبو الحسن محمد الحسين بن داود العلوي، أنا أبو بكر محمد بن أحمد بن دلويه الدقاق، ثنا محمد بن إسماعيل البخاري، ثنا إسماعيل بن أبي أويس، حدثني أخي، عن سليمان بن بلال، عن عبيد الله بن عبد الرحمن الأنصاري، أن عبد الله بن عمر جاءهم ثم قال : إن النبي صلى الله عليه وسلم : دعا في مسجد فسأل الله ثلاثاً، فأعطاه اثنتين ومنعه واحدة، سأله أن لا يسلط على أمته عدواً من غيرهم يظهر عليهم فأعطاه ذلك، وسأله أن لا يهلكهم بالسنين فأعطاه ذلك، وسأله أن لا يجعل بأس بعضهم على بعض، فمنعه ذلك. 
قوله تعالى : انظر كيف نصرف الآيات لعلهم يفقهون .

### الآية 6:66

> ﻿وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وَهُوَ الْحَقُّ ۚ قُلْ لَسْتُ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ [6:66]

قوله تعالى : انظر كيف نصرف الآيات لعلهم يفقهون وكذب به قومك ، أي بالقرآن، وقيل : بالعذاب. 
قوله تعالى : وهو الحق قل لست عليكم بوكيل ، برقيب، وقيل : بمسلط ألزمكم الإسلام شئتم أو أبيتم، إنما أنا رسول.

### الآية 6:67

> ﻿لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ ۚ وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ [6:67]

قوله تعالى : لكل نبإ ، خبر من أخبار القرون. 
قوله تعالى : مستقر ، حقيقة ومنتهى ينتهي إليه، فيتبين صدقه من كذبه، وحقه من باطله، إما في الدنيا وإما في الآخرة. 
قوله تعالى : وسوف تعلمون ، وقال مقاتل : لكل خبر يخبره الله وقت وقته، ومكان يقع فيه، من غير خلف ولا تأخير، وقال ‌ الكلبي : لكل قول وفعل حقيقة، إما في الدنيا وإما في الآخرة، وسوف تعلمون ما كان في الدنيا فستعرفونه، وما كان في الآخرة فسوف يبدو لكم.

### الآية 6:68

> ﻿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّىٰ يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ ۚ وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَىٰ مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ [6:68]

قوله تعالى : وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا ، يعني : في القرآن بالاستهزاء. قوله تعالى : فأعرض عنهم ، فاتركهم ولا تجالسهم. 
قوله تعالى : حتى يخوضوا في حديث غيره وإما ينسينك ، قرأ ابن عامر بفتح النون، وتشديد السين، وقرأ الآخرون بسكون النون وتخفيف السين. 
قوله تعالى : الشيطان ، نهينا. 
قوله تعالى : فلا تقعد بعد الذكرى مع القوم الظالمين ، يعني : إذا جلست معهم ناسياً فقم من عندهم بعدما تذكرت.

### الآية 6:69

> ﻿وَمَا عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَلَٰكِنْ ذِكْرَىٰ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ [6:69]

قوله تعالى : وما على الذين يتقون من حسابهم من شيء ، روي عن ابن عباس أنه قال : لما نزلت هذه الآية : وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا فأعرض عنهم ، قال المسلمون : كيف نقعد في المسجد الحرام ونطوف بالبيت وهم يخوضون أبداً ؟ وفي رواية، قال المسلمون : فإنا نخاف الإثم حين نتركهم ولا ننهاهم، فأنزل الله عز وجل : وما على الذين يتقون ، الخوض  من حسابهم ، أي : من آثام الخائضين  من شيء . قوله تعالى : ولكن ذكرى ، أي : ذكروهم وعظوهم بالقرآن، والذكر والذكرى واحد، يريد ذكروهم ذكرى، فيكون في محل النصب. 
قوله تعالى : لعلهم يتقون ، الخوض إذا وعظتموهم، فرخص في مجالستهم على الوعظ لعلهم يمنعهم من ذلك الخوض، وقيل : لعلهم يستحيون.

### الآية 6:70

> ﻿وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِبًا وَلَهْوًا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا ۚ وَذَكِّرْ بِهِ أَنْ تُبْسَلَ نَفْسٌ بِمَا كَسَبَتْ لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ وَإِنْ تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لَا يُؤْخَذْ مِنْهَا ۗ أُولَٰئِكَ الَّذِينَ أُبْسِلُوا بِمَا كَسَبُوا ۖ لَهُمْ شَرَابٌ مِنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ [6:70]

قوله تعالى : وذر الذين اتخذوا دينهم لعباً ولهواً ، يعني : الكفار الذين إذا سمعوا آيات الله استهزؤوا بها، وتلاعبوا عند ذكرها، وقيل : إن الله تعالى جعل لكل قوم عيداً، فاتخذ كل قوم دينهم أي : عيدهم لعباً ولهواً، وعيد المسلمين الصلاة وتكبيراتها، وفعل الخير، مثل الجمعة، والفطر، والنحر. 
قوله تعالى : وغرتهم الحياة الدنيا وذكر به . أي : وعظ بالقرآن. 
قوله تعالى : أن تبسل ، أي : لأن لا تبسل، أي : لا تسلم. 
قوله تعالى : نفس ، للهلاك. 
قوله تعالى : بما كسبت ، قاله مجاهد وعكرمة والسدي : وقال ابن عباس : تهلك، وقال قتادة : أن تحبس، وقال الضحاك : تحرق، وقال ابن زيد : تؤخذ، ومعناه : ذكرهم ليؤمنوا، كيلا تهلك نفس بما كسبت، وقال الأخفش : تبسل، تجازى، وقيل : تفضح، وقال الفراء : ترتهن، وأصل الإبسال التحريم، والبسل الحرام، ثم جعل نعتاً لكل شدة تتقى وتترك. 
قوله تعالى : ليس لها ، أي لتلك النفس. 
قوله تعالى : من دون الله ولي ، قريب. 
قوله تعالى : ولا شفيع ، يشفع لها في الآخرة. 
قوله تعالى : وإن تعدل كل عدل ، أي : تفد كل فداء. 
قوله تعالى : لا يؤخذ منها ، هنا. 
قوله تعالى : أولئك الذين أبسلوا ، أسلموا للهلاك. 
قوله تعالى : بما كسبوا، لهم شراب من حميم وعذاب أليم بما كانوا يكفرون .

### الآية 6:71

> ﻿قُلْ أَنَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُنَا وَلَا يَضُرُّنَا وَنُرَدُّ عَلَىٰ أَعْقَابِنَا بَعْدَ إِذْ هَدَانَا اللَّهُ كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ فِي الْأَرْضِ حَيْرَانَ لَهُ أَصْحَابٌ يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى ائْتِنَا ۗ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَىٰ ۖ وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ [6:71]

قوله تعالى : قل أندعوا من دون الله ما لا ينفعنا ، إن عبدناه. 
قوله تعالى : ولا يضرنا ، إن تركناه، يعني : الأصنام ليس إليها نفع ولا ضر. 
قوله تعالى : ونرد على أعقابنا ، إلى الشرك مرتدين. 
قوله تعالى : بعد إذ هدانا الله كالذي استهوته الشياطين . أي : يكون مثلنا كمثل الذي استهوته الشياطين، أي : أضلته. 
قوله تعالى : في الأرض حيران ، قال ابن عباس : كالذي استغوته الغيلان في المهامه، فأضلوه فهو حائر بائر، والحيران : المتردد في الأمر، لا يهتدي إلى مخرج منه. 
قوله تعالى : له أصحاب يدعونه إلى الهدى ائتنا ، هذا مثل ضربه الله تعالى لمن يدعو إلى الآلهة ولمن يدعوا إلى الله تعالى، كمثل رجل في رفقة، ضل به الغول عن الطريق، يدعوه أصحابه من أهل الرفقة هلم إلى الطريق، ويدعوه الغول فيبقى حيران لا يدري أين يذهب، فإن أجاب الغول انطلق به حتى يلقيه إلى الهلكة، وإن أجاب من يدعوه إلى الطريق اهتدى. 
قوله تعالى : قل إن هدى الله هو الهدى ، يزجر عن عبادة الأصنام، كأنه يقول : لا تفعل ذلك فإن الهدى هدى الله، لا هدى غيره. 
قوله تعالى : وأمرنا لنسلم ، أي : أن نسلم. 
قوله تعالى : لرب العالمين ، والعرب تقول : أمرتك لتفعل، وأن تفعل، وبأن تفعل.

### الآية 6:72

> ﻿وَأَنْ أَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَاتَّقُوهُ ۚ وَهُوَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ [6:72]

قوله تعالى : وأن أقيموا الصلاة واتقوه ، أي : وأمرنا بإقامة الصلاة والتقوى. 
قوله تعالى : وهو الذي إليه تحشرون  أي : تجمعون في الموقف للحساب.

### الآية 6:73

> ﻿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ ۖ وَيَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ ۚ قَوْلُهُ الْحَقُّ ۚ وَلَهُ الْمُلْكُ يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ ۚ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ ۚ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ [6:73]

قوله تعالى : وهو الذي خلق السموات والأرض بالحق ، قيل : الباء بمعنى اللام، أي : إظهاراً للحق، لأنه جعل صنعه دليلاً على وحدانيته. 
قوله تعالى : ويوم يقول كن فيكون ، قيل هو راجع إلى خلق السموات والأرض، والخلق بمعنى : القضاء والتقدير، أي : كل شيء قضاه وقدره قال له : كن فيكون . وقيل : يرجع إلى القيامة، يدل على سرعة أمر البعث والساعة، كأنه قال : ويوم يقول للخلق : موتوا فيموتون، وقوموا فيقومون. 
قوله تعالى : قوله الحق ، أي : الصدق الواقع لا محالة، يريد أن ما وعده حق كائن. قوله تعالى : وله الملك يوم ينفخ في الصور ، يعني : ملك الملوك يومئذ زائل، كقوله : مالك يوم الدين ، وكما قال : والأمر يومئذ لله ، والأمر لله في كل وقت، ولكن لا أمر في ذلك اليوم لأحد مع أمر الله، والصور : قرن ينفخ فيه، قال مجاهد : كهيئة البوق، وقيل : هو بلغة أهل اليمن، وقال أبو عبيدة : الصور هو الصور، وهو جمع الصورة، وهو قول الحسن، والأول أصح. والدليل عليه ما أخبرنا محمد بن عبد الله بن أبي توبة، أنا أبو طاهر المحاربي، أنا محمد بن يعقوب الكسائي، أنا أبو عبد الله بن محمود، أنا إبراهيم بن عبد الله الخلال، أنا عبد الله بن المبارك، عن سليمان التيمي، عن أسلم، عن بشر بن شغاف، عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال : جاء أعرابي إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : ما الصور ؟ قال : قرن ينفخ فيه. 
أخبرنا أحمد بن عبد الله الصالحي، أنا أبو سعيد محمد بن موسى الصيرفي أنا عبد الله بن محمد بن عبد الله الصفار، أنا أحمد بن محمد بن عيسى البرقي، أنا أبو حذيفة، أنا سفيان، عن الأعمش، عن عطية بن سعد العوفي. عن أبي سعيد الخدري، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :( كيف أنعم وصاحب الصور قد التقمه، وأصغى سمعه، وحنى جبهته، ينتظر متى يؤمر ؟ فقالوا : يا رسول الله، وما تأمرنا ؟ قال : قولوا حسبنا الله ونعم الوكيل ). 
وقال أبو العلاء، عن عطية، متى يؤمر بالنفخ فينفخ ؟
قوله تعالى : عالم الغيب والشهادة ، يعني يعلم ما غاب عن العباد وما يشاهدونه، لا يغيب عن علمه شيء. 
قوله تعالى : وهو الحكيم الخبير .

### الآية 6:74

> ﻿۞ وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا آلِهَةً ۖ إِنِّي أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ [6:74]

قوله تعالى : وإذ قال إبراهيم لأبيه آزر ، قرأ يعقوب : آزر بالرفع، يعني آزر، والقراءة المعروفة بالنصب، وهو اسم أعجمي لا ينصرف، فينصب في موضع الخفض، قال محمد بن إسحاق، والضحاك، والكلبي : آزر اسم أبي إبراهيم، وهو تارخ أيضاً، مثل إسرائيل ويعقوب، وكان من كوثى، قرية من سواد الكوفة، وقال مقاتل بن حيان وغيره : آزر لقب لأبي إبراهيم، واسمه تارخ، وقال سليمان التيمي : هو سب وعيب، ومعناه في كلامهم المعوج، وقيل : معناه الشيخ الهرم بالفارسية، وقال سعيد بن المسيب ومجاهد : آزر اسم صنم، فعلى هذا يكون في محل النصب تقديره : أتتخذ آزر إلهاً. 
قوله تعالى : أصناماً آلهةً ، دون الله. 
قوله تعالى : إني أراك وقومك في ضلال مبين أي في خطأ بين.

### الآية 6:75

> ﻿وَكَذَٰلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ [6:75]

قوله تعالى : وكذلك نري إبراهيم ، أي : كما أريناه البصيرة في دينه، والحق في خلاف قومه، كذلك نريه  ملكوت السموات والأرض ، والملكوت : الملك، زيدت فيه التاء للمبالغة، كالجبروت والرحموت، والرهبوت، قال ابن عباس : يعني خلق السموات والأرض، وقال مجاهد وسعيد بن جبير : يعني آيات السموات والأرض، وذلك أنه أقيم على صخرة، وكشف له عن ملكوت السموات والأرض حتى العرش، وأسفل الأرضين، ونظر إلى مكانه في الجنة، فذلك قوله تعالى : وآتيناه أجره في الدنيا  يعني : أريناه مكانه في الجنة. وروي عن سلمان رضي الله عنه، ورفعه بعضهم عن علي رضي الله عنه : لما أري إبراهيم ملكوت السموات والأرض أبصر رجلاً على فاحشة، فدعا عليه فهلك، ثم أبصر آخر فدعا عليه فهلك، ثم أبصر آخر فأراد أن يدعوا عليه فقال له الرب عز وجل :( يا إبراهيم إنك رجل مستجاب الدعوة، فلا تدعون على عبادي، فإنما أنا من عبدي على ثلاث خصال : إما أن يتوب إليّ فأتوب عليه، وإما أن أخرج منه نسمة تعبدني، وإما أن يبعث إليّ فإن شئت عفوت عنه، وإن شئت عاقبته. ) وفي رواية :( وإما أن يتولى فإن جهنم من ورائه ). وقال قتادة : ملكوت السموات : الشمس، والقمر، والنجوم، وملكوت الأرض : الجبال، والشجر، والبحار. 
قوله تعالى : وليكون من الموقنين ، عطف على المعنى، ومعناه : نريه ملكوت السموات والأرض، ليستدل به، وليكون من الموقنين.

### الآية 6:76

> ﻿فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَىٰ كَوْكَبًا ۖ قَالَ هَٰذَا رَبِّي ۖ فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ [6:76]

قوله تعالى : فلما جن عليه الليل رأى كوكباً ، الآية. قال أهل التفسير : ولد إبراهيم عليه السلام في زمن نمرود بن كنعان، وكان نمرود أول من وضع التاج على رأسه، ودعا الناس إلى عبادته، وكان له كهان ومنجمون، فقالوا له : إنه يولد في بلدك هذه السنة غلام يغير دين أهل الأرض، ويكون هلاكك وزوال ملكك على يديه، ويقال : إنهم وجدوا ذلك في كتب الأنبياء عليهم السلام، وقال السدي : رأى نمرود في منامه كأن كوكبا طلع، فذهب بضوء الشمس والقمر، حتى لم يبق لهما ضوء، ففزع من ذلك فزعاً شديداً، فدعا السحرة والكهنة فسألهم عن ذلك، فقالوا : هو مولود يولد في ناحيتك في هذه السنة، فيكون هلاكك، وهلاك ملكك، وأهل بيتك على يديه، قالوا : فأمر بذبح كل غلام يولد في ناحيته في تلك السنة، وأمر بعزل الرجال عن النساء، وجعل على كل عشرة رجلاً، فإذا حاضت المرأة خلى بينها وبين زوجها، لأنهم كانوا لا يجامعون في الحيض، فإذا طهرت حال بينهما، فرجع آزر، فوجد امرأته قد طهرت من الحيض، فواقعها، فحملت بإبراهيم عليه السلام. وقال محمد بن إسحاق : بعث نمرود إلى كل امرأة حبلى بقرية، فحبسها عنده إلا ما كان من أم إبراهيم عليه السلام، فإنه لم يعلم بحبلها، لأنها كانت جارية حديثة السن، لم يعرف الحبل في بطنها، وقال السدي : خرج نمرود بالرجال من المعسكر، ونحاهم عن النساء تخوفاً من ذلك المولود أن يكون، فمكث بذلك ما شاء الله، ثم بدت له حاجة إلى المدينة، فلم يأتمن عليها أحداً من قومه إلا آزر، فبعث إليه، ودعاه، وقال له : إن لي أريد أن أوصيك بها، ولا أبعثك إلا لثقتي بك، فأقسمت عليك أن لا تدنو من أهلك، فقال آزر : أنا أشح على ديني من ذلك، فأوصاه بحاجته، فدخل المدينة، وقضى حاجته، ثم قال : لو دخلت على أهلي فنظرت إليهم، فلما نظر إلى أم إبراهيم عليه السلام لم يتمالك حتى واقعها، فحملت بإبراهيم عليه السلام. وقال ابن عباس رضي الله عنهما : لما حملت أم إبراهيم قال الكهان لنمرود : إن الغلام الذي أخبرناك به قد حملته أمه الليلة، فأمر نمرود بقتل الغلمان، فلما دنت ولادة أم إبراهيم عليه السلام وأخذها المخاض، خرجت هاربة مخافة أن يطلع عليها، فيقتل ولدها، فوضعته في نهر يابس، ثم لفته في خرقة، ووضعته في حلفاء، فرجعت، فأخبرت زوجها بأنها ولدت، وأن الولد في موضع كذا وكذا، فانطلق أبوه، فأخذه من ذلك المكان، وحفر له سرباً عند نهر فواراه فيه، وسد عليه بابه بصخرة، مخافة السباع، وكانت أمه تختلف إليه، فترضعه، وقال محمد بن إسحاق : لما وجدت أم إبراهيم الطلق خرجت ليلاً إلى مغارة كانت قريبة منها، فولدت فيها إبراهيم عليه السلام، وأصلحت من شأنه ما يصنع بالمولود، ثم سدت عليه المغارة، ورجعت إلى بيتها، ثم كانت تطالعه لتنظر ما فعل، فتجده حياً يمص إبهامه. قال أبو روق : قالت أم إبراهيم ذات يوم : لأنظرن إلى أصابعه، فوجدته يمص من أصبع ماءً، ومن أصبع لبناً، ومن أصبع عسلاً، ومن أصبع تمراً، ومن أصبع سمناً. وقال محمد بن إسحاق : كان آزر قد سأل أم إبراهيم عن حملها ما فعل ؟ فقالت : قد ولدت غلاماً فمات، فصدقها، فسكت عنها، وكان اليوم على إبراهيم في النشوء كالشهر، والشهر كالسنة، فلم يمكث إبراهيم في المغارة إلا خمسة عشر شهراً حتى قال لأمه أخرجيني، فأخرجته عشاءً، فنظر وتفكر في خلق السموات والأرض، وقال : إن الذي خلقني ورزقني، وأطعمني، وسقاني، لربي الذي مالي إله غيره، ثم نظر إلى السماء، فرأى كوكباً فقال : هذا ربي، ثم أتبعه بصره، ينظر إليه حتى غاب، فلما أفل، قال : لا أحب الآفلين، ثم رأى القمر بازغاً قال : هذا ربي، ثم أتبعه ببصره حتى غاب، ثم طلعت الشمس هكذا إلى آخره، ثم رجع إلى أبيه آزر وقد استقامت وجهته، وعرف ربه، وبرئ من دين قومه، إلا أنه لم ينادهم بذلك، فأخبره أنه ابنه، وأخبرته أم إبراهيم أنه ابنه، وأخبرته بما كانت صنعت في شأنه، فسر آزر بذلك، وفرح فرحاً شديداً، وقيل : إنه كان في السرب سبع سنين، وقيل : ثلاث عشرة سنة، وقيل : سبع عشرة سنة، قالوا : فلما شب إبراهيم عليه السلام، وهو في السرب قال لأمه : من ربي ؟ قالت : أنا، قال : فمن ربك ؟ قالت : أبوك، قال : فمن رب أبي ؟ قالت : نمرود، قال : فمن ربه ؟ قالت له : اسكت فسكت، ثم رجعت إلى زوجها فقالت : أرأيت الغلام الذي كنا نحدث أنه يغير دين أهل الأرض فإنه ابنك، ثم أخبرته بما قال، فأتاه أبوه آزر، فقال له إبراهيم عليه السلام : يا أبتاه من ربي ؟ قال : أمك، قال : فمن رب أمي ؟ قال : أنا. قال : فمن ربك ؟ قال : نمرود. قال : فمن رب نمرود ؟ فلطمه لطمة وقال له : اسكت، فلما جن عليه الليل دنا من باب السرب فنظر من خلال الصخرة، فأبصر كوكباً، قال : هذا ربي. ويقال : إنه قال لأبويه أخرجاني، فأخرجاه من السرب، وانطلقا به حين غابت الشمس، فنظر إبراهيم إلى الإبل والخيل والغنم، فسأل أباه ما هذه ؟ فقال : إبل، وخيل، وغنم، فقال : ما لهذه بد من أن يكون لها رب وخالق، ثم نظر، فإذا المشتري قد طلع، ويقال : الزهرة، فكان تلك الليلة في آخر الشهر، فتأخر طلوع القمر فيها، فرأى الكوكب قبل القمر، فذلك قوله عز وجل : فلما جن عليه الليل  أي : دخل الليل، يقال : جن الليل، وأجن الليل، وجنه الليل، وأجن عليه الليل، يجن جنوناً وجناناً، إذا أظلم وغطى كل شيء، وجنون الليل سواده،  رأى كوكباً  قرأ أبو عمرو ( رأى ) بفتح الراء، وكسر الألف، ويكسرهما ابن عامر، وحمزة، والكسائي، وأبو بكر، فإن اتصل بكاف أو هاء فتحهما ابن عامر، وإن لقيهما ساكن كسر الراء، وفتح الهمزة حمزة، وأبو بكر، وفتحهما الآخرون. 
قوله تعالى : قال هذا ربي . واختلفوا في قوله، ذلك : فأجراه بعضهم على الظاهر، وقالوا : كان إبراهيم عليه السلام مسترشداً، طالباً للتوحيد، حتى وفقه الله تعالى، وآتاه رشده، فلم يضره ذلك في حال الاستدلال، وأيضاً كان ذلك في حال طفولته، قبل قيام الحجة عليه، فلم يكن كفراً، وأنكر الآخرون هذا القول، وقالوا : لا يجوز أن يكون لله رسول يأتي عليه وقت من الأوقات إلا وهو لله موحد، وبه عارف، ومن كل معبود سواه بريء، وكيف يتوهم هذا على من عصمه الله، وطهره، وآتاه رشده. من قبل، وأخبره عنه، وقال : إذ جاء ربه بقلب سليم  \[ الصافات : ٨٤ \] وقال : وكذلك نري إبراهيم ملكوت السموات والأرض ، أفتراه أراه الملكوت ليوقن، فلما أيقن رأى كوكباً قال : هذا ربي معتقدا ؟ فهذا ما لا يكون أبداً. ثم قال : فيه أربعة أوجه من التأويل : أحدها : أن إبراهيم عليه السلام أراد أن يستدرج القوم بهذا القول، ويعرفهم خطأهم وجهلهم في تعظيم ما عظموه، وكانوا يعظمون النجوم ويعبدونها، ويرون أن الأمور كلها إليها، فأراهم أنه معظم ما عظموه وملتمس الهدى من حيث ما التمسوه، فلما أفل أراهم النقص الداخل على النجوم، ليثبت خطأ ما يدعون، ومثل هذا مثل الحواري الذي ورد على قوم يعبدون الصنم، فأظهر تعظيمه فأكرموه، حتى صدروا في كثر من الأمور عن رأيه، إلى أن دهمهم عدو فشاوروه في أمره، فقال : الرأي أن ندعو هذا الصنم حتى يكشف عنا ما قد أظلنا، فاجتمعوا حوله يتضرعون، فلما تبين لهم أنه لا ينفع ولا يدفع دعاهم إلى أن يدعوا الله فدعوه، فصرف عنهم ما كانوا يحذرون، فأسلموا. والوجه الثاني من التأويل : أنه قال على وجه الاستفهام تقديره : أهذا ربي ؟ كقوله تعالى : أفإن مت فهم الخالدون  \[ الأنبياء : ٣٤ \] أي : أفهم الخالدون ؟ وذكره على وجه التوبيخ، منكراً لفعلهم، يعني : أمثل هذا يكون رباً ؟ أي : ليس هذا ربي ؟ والوجه الثالث : أنه ذكره على وجه الاحتجاج عليهم، يقول : هذا ربي بزعمكم، فلما غاب قال : لو كان إلهاً لما غاب، كما قال : ذق إنك أنت العزيز الكريم  \[ الدخان : ٤٩ \]، أي : عند نفسك وبزعمك، وكما أخبر عن موسى أنه قال : وانظر إلى إلهك الذي ظلت عليه عاكفاً لنحرقنه  \[ طه : ٩٧ \] يريد إلهك بزعمك. والوجه الرابع فيه إضمار، وتقديره : يقولون هذا ربي، كقوله تعالى : وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل ربنا تقبل منا ، \[ البقرة : ١٢٧ \] أي : يقولان ربنا تقبل منا. 
قوله تعالى : فلما أفل قال لا أحب الآفلين ، وما لا يدوم.

### الآية 6:77

> ﻿فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَٰذَا رَبِّي ۖ فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ [6:77]

قوله تعالى : فلما رأى القمر بازغاً ، طالعاً. 
قوله تعالى : قال هذا ربي فلما أفل قال لئن لم يهدني ربي ، قيل : لئن لم يثبتني ربي على الهدى، ليس أنه لم يكن مهتدياً، والأنبياء لم يزالوا يسألون الله تعالى الثبات على الإيمان، وكان إبراهيم يقول : واجنبني وبني أن نعبد الأصنام  \[ إبراهيم : ٣٥ \]. 
قوله تعالى : لأكونن من القوم الضالين ، أي : عن الهدى.

### الآية 6:78

> ﻿فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَٰذَا رَبِّي هَٰذَا أَكْبَرُ ۖ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ [6:78]

قوله تعالى : فلما رأى الشمس بازغةً  طالعة. 
قوله تعالى : قال هذا ربي هذا أكبر ، أي : أكبر من الكوكب والقمر، ولم يقل هذه مع أن الشمس مؤنثة لأنه أراد هذا الطالع، أو رده إلى المعنى، وهو الضياء والنور، لأنه رآه أضوأ من النجوم والقمر. 
قوله تعالى : فلما أفلت ، غربت. 
قوله تعالى : قال يا قوم إني بريء مما تشركون .

### الآية 6:79

> ﻿إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا ۖ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ [6:79]

فِي تَعْظِيمِ مَا عَظَّمُوهُ، وَكَانُوا يُعَظِّمُونَ النُّجُومَ وَيَعْبُدُونَهَا، وَيَرَوْنَ أَنَّ الْأُمُورَ كُلَّهَا إِلَيْهَا فَأَرَاهُمْ أَنَّهُ مُعَظِّمٌ مَا عَظَّمُوهُ وَمُلْتَمِسٌ الْهُدَى مِنْ حَيْثُ مَا الْتَمَسُوهُ، فَلَمَّا أَفَلَ أَرَاهُمُ النَّقْصَ الدَّاخِلَ عَلَى النُّجُومِ لِيُثْبِتَ خَطَأَ مَا يَدَّعُونَ، وَمَثَلُ هَذَا مَثَلُ الْحَوَارِيِّ الَّذِي وَرَدَ عَلَى قَوْمٍ يَعْبُدُونَ الصَّنَمَ، فَأَظْهَرَ تَعْظِيمَهُ فَأَكْرَمُوهُ حَتَّى صَدَرُوا فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأُمُورِ عَنْ رَأْيِهِ إِلَى أَنْ دَهَمَهُمْ عَدُوٌّ فَشَاوَرُوهُ فِي أَمْرِهِ، فَقَالَ: الرَّأْيُ أَنْ نَدْعُوَ هَذَا الصَّنَمَ حَتَّى يَكْشِفَ عَنَّا مَا قَدْ أَظَلَّنَا، فَاجْتَمَعُوا حَوْلَهُ يَتَضَرَّعُونَ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ لَا يَنْفَعُ وَلَا يَدْفَعُ دَعَاهُمْ إِلَى أَنْ يَدْعُوا اللَّهَ فَدَعَوْهُ فَصَرَفَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ، فَأَسْلَمُوا.
 وَالْوَجْهُ الثَّانِي مِنَ التَّأْوِيلِ: أَنَّهُ قَالَهُ عَلَى وَجْهِ الِاسْتِفْهَامِ تَقْدِيرُهُ: أَهَذَا رَبِّي؟ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: (أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ) (الْأَنْبِيَاءُ، ٣٤) ؟ أَيْ: أَفَهُمُ الْخَالِدُونَ؟ وَذَكَرَهُ عَلَى وَجْهِ التَّوْبِيخِ مُنْكِرًا لِفِعْلِهِمْ، يَعْنِي: وَمِثْلُ هَذَا يَكُونُ رَبًّا، أَيْ: لَيْسَ هَذَا رَبِّي.
 وَالْوَجْهُ الثَّالِثِ: أَنَّهُ عَلَى وَجْهِ الِاحْتِجَاجِ عَلَيْهِمْ، يَقُولُ: هَذَا رَبِّي بِزَعْمِكُمْ؟ فَلَمَّا غَابَ قَالَ: لَوْ كَانَ إِلَهًا لَمَا غَابَ، كَمَا قَالَ: \[ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ\] (الدُّخَانُ، ٤٩)، أَيْ: عِنْدَ نَفْسِكَ وَبِزَعْمِكَ، وَكَمَا أَخْبَرَ عَنْ مُوسَى أَنَّهُ قَالَ:\] (١) (وَانْظُرْ إِلَى إِلَهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفًا لَنُحَرِّقَنَّهُ) (طه ٩٧) يُرِيدُ إِلَهَكَ بِزَعْمِكَ.
 وَالْوَجْهُ الرَّابِعُ: فِيهِ إِضْمَارٌ وَتَقْدِيرُهُ يَقُولُونَ هَذَا رَبِّي، كَقَوْلِهِ (وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا)، (الْبَقَرَةُ، ١٢٧) أَيْ: يَقُولُونَ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا. فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ وَمَا لَا يَدُومُ.
 فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ (٧٧) فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (٧٨) إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٧٩) 
 فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا طَالِعًا، قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي قِيلَ: لَئِنْ لَمْ يُثَبِّتْنِي عَلَى الْهُدَى، لَيْسَ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مُهْتَدِيًا، وَالْأَنْبِيَاءُ لَمْ يَزَالُوا يَسْأَلُونَ اللَّهَ تَعَالَى الثَّبَاتَ عَلَى

 (١) ما بين القوسين زيادة من "ب".

### الآية 6:80

> ﻿وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ ۚ قَالَ أَتُحَاجُّونِّي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدَانِ ۚ وَلَا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبِّي شَيْئًا ۗ وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا ۗ أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ [6:80]

قوله تعالى : قال يا قوم إني بريء مما تشركون إني وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفا وما أنا من المشركين وحاجه قومه قال أتحاجوني في الله وقد هدان ، ولما رجع إبراهيم عليه السلام إلى أبيه، وصار من الشباب بحالة، سقط عنه طمع الذباحين، وضمه آزر إلى نفسه، جعل آزر يصنع الأصنام ويعطيها إبراهيم ليبيعها، فيذهب إبراهيم عليه السلام وينادي : من يشتري ما يضره ولا ينفعه، فلا يشتريها أحد، فإذا بارت عليه ذهب بها إلى نهر، فصوب فيه رؤوسها، وقال : اشربي، استهزاءً بقومه، وبما هم فيه من الضلالة، حتى فشا استهزاؤه بها في قومه وأهل قريته، فحاجه أي خاصمه وجادله قومه في دينه، قال : أتحاجوني في الله ، قرأ أهل المدينة وابن عامر بتخفيف النون، وقرأ الآخرون بتشديدها إدغاماً لإحدى النونين في الأخرى، ومن خفف حذف إحدى النونين تخفيفاً، يقول : أتجادلونني في توحيد الله، وقد هداني للتوحيد والحق ؟
قوله تعالى : ولا أخاف ما تشركون به . وذلك أنهم قالوا له : احذر الأصنام، فإنا نخاف أن تمسك بسوء من خبل، أو جنون، لعيبك إياها، فقال لهم : ولا أخاف ما تشركون به 
قوله تعالى : إلا أن يشاء ربي شيئاً ، وليس هذا باستثناء عن الأول، بل هو استثناء منقطع معناه : لكن إن يشأ ربي شيئاً، أي سوءا، فيكون ما شاء. 
قوله تعالى : وسع ربي كل شيء علماً ، أي : أحاط علمه بكل شيء. 
قوله تعالى : أفلا تتذكرون .

### الآية 6:81

> ﻿وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلَا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا ۚ فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ ۖ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ [6:81]

قوله تعالى : وكيف أخاف ما أشركتم ، يعني الأصنام، وهي لا تبصر، ولا تسمع، ولا تضر ولا تنفع. 
قوله تعالى : ولا تخافون أنكم أشركتم بالله ما لم ينزل به عليكم سلطاناً ، حجة وبرهاناً، وهو القاهر القادر على كل شيء. 
قوله تعالى : فأي الفريقين أحق ، أولى. 
قوله تعالى : بالأمن ، أنا وأهل ديني أم أنتم ؟
قوله تعالى : إن كنتم تعلمون .

### الآية 6:82

> ﻿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَٰئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ [6:82]

قوله تعالى : الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم ، لم يخلطوا إيمانهم بشرك. 
قوله تعالى : أولئك لهم الأمن وهم مهتدون . 
أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي، أنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أنا محمد بن يوسف، ثنا محمد بن إسماعيل، ثنا إسحاق، ثنا عيسى بن يونس، أنا الأعمش، أنا إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله قال : لما نزلت : الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم  شق ذلك على المسلمين فقالوا : يا رسول الله فأينا لا يظلم نفسه ؟ فقال :( ليس ذلك، إنما هو الشرك، ألم تسمعوا إلى ما قال لقمان لابنه وهو يعظه : يا بني لا تشرك بالله إن الشرك لظلم عظيم  ؟ \[ لقمان : ١٣ \].

### الآية 6:83

> ﻿وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَىٰ قَوْمِهِ ۚ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ ۗ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ [6:83]

قوله تعالى : وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم على قومه  حتى خصمهم وغلبهم بالحجة، قال مجاهد : هي قوله : الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن ، وقيل : أراد به الحجاج الذي حاج به نمرود على ما سبق في سورة البقرة. 
قوله تعالى : نرفع درجات من نشاء ، بالعلم، قرأ أهل الكوفة ويعقوب : درجات  بالتنوين هاهنا، وفي سورة يوسف، أي : نرفع درجات من نشاء بالعلم، والفهم، والفضيلة، والعقل. كما رفعنا درجات إبراهيم حتى اهتدى، وحاج قومه في التوحيد. قوله تعالى : إن ربك حكيم عليم .

### الآية 6:84

> ﻿وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ ۚ كُلًّا هَدَيْنَا ۚ وَنُوحًا هَدَيْنَا مِنْ قَبْلُ ۖ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَىٰ وَهَارُونَ ۚ وَكَذَٰلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ [6:84]

قوله تعالى : إن ربك حكيم عليم ووهبنا له إسحاق ويعقوب كلا هدينا ، وفقنا وأرشدنا. 
قوله تعالى : ونوحاً هدينا من قبل ، أي : من قبل إبراهيم. 
قوله تعالى : ومن ذريته ، أي من ذرية نوح عليه السلام، ولم يرد من ذرية إبراهيم، لأنه ذكر في جملتهم يونس ولوطاً، ولم يكونا من ذرية إبراهيم. 
قوله تعالى : داود ، يعني : داود بن إيشا. 
قوله تعالى : وسليمان ، يعني ابنه. 
قوله تعالى : وأيوب ، وهو أيوب بن أموص، بن رازح، بن روم، بن عيص، بن إسحاق، بن إبراهيم. 
قوله تعالى : ويوسف ، هو يوسف بن يعقوب، بن إسحاق، بن إبراهيم عليه السلام. 
قوله تعالى : وموسى ، وهو موسى بن عمران، بن يصهر، بن قاهث، بن لاوي، بن إسحاق، بن إبراهيم. 
قوله تعالى : وهارون ، هو أخو موسى أكبر منه بسنة. 
قوله تعالى : وكذلك ، أي : كما جزينا إبراهيم على توحيده بأن رفعنا درجته، ووهبنا له أولاداً أنبياء أتقياء، كذلك. 
قوله تعالى : نجزي المحسنين ، على إحسانهم، وليس ذكرهم على ترتيب أزمانهم.

### الآية 6:85

> ﻿وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَىٰ وَعِيسَىٰ وَإِلْيَاسَ ۖ كُلٌّ مِنَ الصَّالِحِينَ [6:85]

قوله تعالى : وزكريا ، هو زكريا بن آذن. 
قوله تعالى : ويحيى ، وهو ابنه. 
قوله تعالى : وعيسى ، وهو ابن مريم بنت عمران. 
قوله تعالى : وإلياس ، واختلفوا فيه، قال ابن مسعود : هو إدريس، وله اسمان مثل يعقوب وإسرائيل، والصحيح أنه غيره، لأن الله تعالى ذكره في ولد نوح، وإدريس جد أبي نوح، وهو إلياس بن بشر، بن فنحاص، بن عيزار، بن هارون، بن عمران. 
قوله تعالى : كل من الصالحين .

### الآية 6:86

> ﻿وَإِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطًا ۚ وَكُلًّا فَضَّلْنَا عَلَى الْعَالَمِينَ [6:86]

قوله تعالى : كل من الصالحين وإسماعيل ، وهو ولد إبراهيم. 
قوله تعالى : واليسع ، وهو ابن أخطوب، بن العجوز، وقرأ حمزة والكسائي واليسع بتشديد اللام، وسكون الياء هنا وفي ص. 
قوله تعالى : ويونس ، وهو يونس بن متى. 
قوله تعالى : ولوطاً ، وهو لوط بن هاران، ابن أخي إبراهيم. 
قوله تعالى : وكلاً فضلنا على العالمين ، أي : عالمي زمانهم.

### الآية 6:87

> ﻿وَمِنْ آبَائِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَإِخْوَانِهِمْ ۖ وَاجْتَبَيْنَاهُمْ وَهَدَيْنَاهُمْ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ [6:87]

قوله تعالى : ومن آبائهم ، من فيه للتبعيض، لأن آباء بعضهم كانوا مشركين. 
قوله تعالى : وذرياتهم ، أي : ومن ذرياتهم، وأراد ذرية بعضهم. لأن عيسى ويحيى لم يكن لهما ولد، وكان في ذرية بعضهم من كان كافراً. 
قوله تعالى : وإخوانهم واجتبيناهم ، اخترناهم واصطفيناهم. 
قوله تعالى : وهديناهم  أرشدناهم. 
قوله تعالى : إلى صراط مستقيم .

### الآية 6:88

> ﻿ذَٰلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ ۚ وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [6:88]

قوله تعالى : ذلك هدى الله ، دين الله. 
قوله تعالى : يهدي به ، يرشد به. 
قوله تعالى : من يشاء من عباده، ولو أشركوا ، أي : هؤلاء الذين سميناهم. 
قوله تعالى : لحبط ، لبطل وذهب. 
قوله تعالى : عنهم ما كانوا يعملون .

### الآية 6:89

> ﻿أُولَٰئِكَ الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ۚ فَإِنْ يَكْفُرْ بِهَا هَٰؤُلَاءِ فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا لَيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ [6:89]

قوله تعالى : أولئك الذين آتيناهم الكتاب ، أي : الكتب المنزلة عليهم. 
قوله تعالى : والحكم ، يعني : العلم والفقه. 
قوله تعالى : والنبوة فإن يكفر بها هؤلاء ، يعني : أهل مكة. 
قوله تعالى : فقد وكلنا بها قوماً ليسوا بها بكافرين ، يعني : الأنصار، وأهل المدينة، قاله ابن عباس ومجاهد، وقال قتادة : فإن يكفر بها هؤلاء الكفار فقد وكلنا بها قوماً ليسوا بها بكافرين، يعني : الأنبياء الثمانية عشر الذين ذكرهم هاهنا، وقال أبو رجاء العطاري : معناه فإن يكفر بها أهل الأرض فقد وكلنا بها أهل السماء، وهم الملائكة، قوما ليسوا بها بكافرين.

### الآية 6:90

> ﻿أُولَٰئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ ۖ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ ۗ قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا ۖ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرَىٰ لِلْعَالَمِينَ [6:90]

قوله تعالى : أولئك الذين هدى الله ، أي : هداهم الله. 
قوله تعالى : فبهداهم ، فبسنتهم وسيرتهم. 
قوله تعالى : اقتده ، الهاء فيها هاء الوقف، وحذف حمزة والكسائي ويعقوب الهاء في الوصل، والباقون بإثباتها وصلاً ووقفاً، وقرأ ابن عامر :( اقتده ) بإشباع الهاء كسراً. 
قوله تعالى : قل لا أسألكم عليه أجراً إن هو ، ما هو. 
قوله تعالى : إلا ذكرى ، أي : تذكرة وموعظة. 
قوله تعالى : للعالمين .

### الآية 6:91

> ﻿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَىٰ بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ ۗ قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَىٰ نُورًا وَهُدًى لِلنَّاسِ ۖ تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًا ۖ وَعُلِّمْتُمْ مَا لَمْ تَعْلَمُوا أَنْتُمْ وَلَا آبَاؤُكُمْ ۖ قُلِ اللَّهُ ۖ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ [6:91]

قوله تعالى : وما قدروا الله حق قدره ، أي ما عظموه حق عظمته، وقيل : ما وصفوه حق وصفه. 
قوله تعالى : إذ قالوا ما أنزل الله على بشر من شيء ، قال سعيد ابن جبير : جاء رجل من اليهود يقال له مالك بن الصيف، يخاصم النبي صلى الله عليه وسلم بمكة، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : أنشدك بالذي أنزل التوراة على موسى، أما تجد في التوراة أن الله يبغض الحبر السمين، وكان حبراً سميناً، فغضب، فقال : والله ما أنزل الله على بشر من شيء. وقال السدي : نزلت في فنحاص بن عازوراء، وهو قائل هذه المقالة. وفي القصة : أن مالك بن الصيف لما سمعت اليهود منه تلك المقالة عتبوا عليه، وقالوا : أليس أن الله أنزل التوراة على موسى ؟ فلم قلت ما أنزل الله على بشر من شيء ؟ فقال مالك بن الصيف : أغضبني محمد فقلت ذلك، فقالوا له : وأنت إذا غضبت تقول على الله غير الحق، فنزعوه من الحبرية، وجعلوا مكانه كعب بن الأشرف. وقال ابن عباس رضي الله عنهما : قالت اليهود : يا محمد أنزل الله عليك كتاباً ؟ قال : نعم، قالوا : والله ما أنزل الله من السماء كتاباً، فأنزل الله : وما قدروا الله حق قدره إذ قالوا ما أنزل الله على بشر من شيء . 
قوله الله تعالى : قل ، لهم. 
قوله تعالى : من أنزل الكتاب الذي جاء به موسى نوراً وهدى للناس ، يعني التوراة. قوله تعالى : تجعلونه قراطيس تبدونها وتخفون كثيراً ، أي : تكتبون عنه دفاتر وكتباً مقطعة، تبدونها أي : تبدون ما تحبون، وتخفون كثيراً من نعت محمد صلى الله عليه وسلم وآية الرجم. وقرأ ابن كثير وأبو عمر ( يجعلونه ويبدونها ويخفونها )، بالياء جميعاً لقوله تعالى : وما قدروا الله حق قدره ، وقرأ الآخرون بالتاء، لقوله تعالى  قل من أنزل الكتاب الذي جاء به موسى . 
قوله تعالى : وعلمتم ما لم تعلموا ، الأكثرون على أنها خطاب لليهود، يقول : علمتم على لسان محمد صلى الله عليه وسلم ما لم تعلموا. 
قوله تعالى : أنتم ولا آباؤكم ، قال الحسن : جعل لهم علم ما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم فضيعوه، ولم ينتفعوا به، وقال مجاهد : هذا خطاب للمسلمين، يذكرهم النعمة فيما علمهم على لسان محمد صلى الله عليه وسلم. 
قوله تعالى : قل الله ، هذا راجع إلى قوله  قل من أنزل الكتاب الذي جاء به موسى  فإن أجابوك وإلا فقل أنت : الله، أي : قل أنزله الله. 
قوله تعالى : ثم ذرهم في خوضهم يلعبون .

### الآية 6:92

> ﻿وَهَٰذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَىٰ وَمَنْ حَوْلَهَا ۚ وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ يُؤْمِنُونَ بِهِ ۖ وَهُمْ عَلَىٰ صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ [6:92]

قوله تعالى : وهذا كتاب أنزلناه مبارك ، أي : القرآن كتاب مبارك أنزلناه. 
قوله تعالى : مصدق الذي بين يديه ولتنذر ، يا محمد، قرأ أبو بكر عن عاصم  ولينذر  بالياء، أي : ولينذر الكتاب. 
قوله تعالى : أم القرى ، يعني : مكة، سميت أم القرى لأن الأرض دحيت من تحتها، فهي أصل الأرض كلها، كالأم أصل النسل، وأراد أهل أم القرى. 
قوله تعالى : ومن حولها ، أي : أهل الأرض كلها شرقاً وغرباً. 
قوله تعالى : والذين يؤمنون بالآخرة يؤمنون به ، بالكتاب. 
قوله تعالى : وهم على صلاتهم ، يعني : الصلوات الخمس. 
قوله تعالى : يحافظون ، يداومون، يعني : المؤمنين.

### الآية 6:93

> ﻿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَىٰ عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ وَمَنْ قَالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ ۗ وَلَوْ تَرَىٰ إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ ۖ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنْتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ [6:93]

قوله تعالى : ومن أظلم ممن افترى ، أي : اختلق. 
قوله تعالى : على الله كذباً ، فزعم أن الله تعالى بعثه نبياً. 
قوله تعالى : أو قال أوحي إلي ولم يوح إليه شيء ، قال قتادة : نزلت في مسيلمة الكذاب، وكان يسجع ويتكهن، فادعى النبوة، وزعم أن الله أوحى إليه، وكان قد أرسل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم رسولين، فقال النبي صلى الله عليه وسلم لهما : أتشهدان أن مسيلمة نبي ؟ قالا : نعم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : لولا أن الرسل لا تقتل لضربت أعناقكما. 
أخبرنا حسان بن سعيد المنيعي، أنا أبو طاهر الزيادي، أنا أبو بكر محمد بن الحسين القطان، أنا أحمد بن يوسف السلمي، أنا عبد الرزاق، أنا معمر، عن همام بن منبه، أنا أبو هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :( بينما أنا نائم إذ أوتيت خزائن الأرض، فوضع في يدي سواران من ذهب، فكبرا علي، وأهماني، فأوحي إلى أن انفخهما، فنفختهما فذهب. فأولتهما الكذابين اللذين أنا بينهما، صاحب صنعاء وصاحب اليمامة ). 
أراد بصاحب صنعاء الأسود العنسي، وبصاحب اليمامة مسيلمة الكذاب. 
قوله تعالى : ومن قال سأنزل مثل ما أنزل الله ، قيل : نزلت في عبد الله بن سعد بن أبي سرح، وكان قد أسلم، وكان يكتب للنبي صلى الله عليه وسلم، وكان إذا أملى عليه : سميعاً بصيراً، كتب عليماً حكيماً، وإذا قال : عليماً حكيماً، كتب : غفوراً رحيماً، فلما نزلت : ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين  \[ المؤمنون : ١٢ \] أملاها عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم فعجب عبد الله من تفصيل خلق الإنسان، فقال : تبارك الله أحسن الخالقين، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : اكتبها فهكذا نزلت، فشك عبد الله، وقال : لئن كان محمد صادقاً لقد أوحي إلي كما أوحي إليه، فارتد عن الإسلام، ولحق بالمشركين، ثم رجع عبد الله إلى الإسلام قبل فتح مكة، إذ نزل النبي صلى الله عليه وسلم بمر الظهران. وقال ابن عباس : قوله : ومن قال سأنزل مثل ما أنزل الله ، يريد المستهزئين، وهو جواب لقولهم : لو نشاء لقلنا مثل هذا . 
قوله تعالى : ولو ترى ، يا محمد. 
قوله تعالى : إذ الظالمون في غمرات الموت ، سكراته، وهي جمع غمرة، وغمرة كل شيء معظمه، وأصلها : الشيء الذي يغمر الأشياء فيغطيها، ثم وضعت في موضع الشدائد والمكاره. 
قوله تعالى : والملائكة باسطوا أيديهم ، بالعذاب والضرب، يضربون وجوههم وأدبارهم، وقيل بقبض الأرواح. 
قوله تعالى : أخرجوا ، أي : يقولون أخرجوا. 
قوله تعالى : أنفسكم ، أي : أرواحكم كرهاً، لأن نفس المؤمن تنشط للقاء ربه، والجواب محذوف، يعني : لو تراهم في هذه الحال لرأيت عجباً. 
قوله تعالى : اليوم تجزون عذاب الهون ، أي : الهوان. 
قوله تعالى : بما كنتم تقولون على الله غير الحق وكنتم عن آياته تستكبرون ، تتعظمون عن الإيمان بالقرآن ولا تصدقونه.

### الآية 6:94

> ﻿وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَىٰ كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ ۖ وَمَا نَرَىٰ مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ ۚ لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنْكُمْ مَا كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ [6:94]

قوله تعالى : ولقد جئتمونا فرادى ، هذا خبر من الله أنه يقول للكفار يوم القيامة : ولقد جئتمونا فرادى  وحداناً، لا مال معكم، ولا زوج، ولا ولد، ولا خدم، وفرادى جمع فردان، مثل سكران وسكارى، وكسلان وكسالى، وقرأ الأعرج : فردى، بغير ألف، مثل سكرى. 
قوله تعالى : كما خلقناكم أول مرة ، عراةً حفاةً غرلاً. 
قوله تعالى : وتركتم  خلفتم. 
قوله تعالى : ما خولناكم ، أعطيناكم من الأموال والأولاد والخدم. 
قوله تعالى : وراء ظهوركم ، خلف ظهوركم، في الدنيا. 
قوله تعالى : وما نرى معكم شفعاءكم الذين زعمتم أنهم فيكم شركاء ، وذلك أن المشركين زعموا أنهم يعبدون الأصنام لأنهم شركاء الله وشفعاؤهم عنده. 
قوله تعالى : لقد تقطع بينكم ، قرأ أهل المدينة والكسائي، وحفص، عن عاصم بنصب النون، على معنى لقد تقطع وصلكم وذلك مثل قوله : وتقطعت بهم الأسباب  \[ البقرة : ١٦٦ \] أي : الوصلات، والبين من الأضداد، يكون وصلاً ويكون هجراً. 
قوله تعالى : وضل عنكم ما كنتم تزعمون .

### الآية 6:95

> ﻿۞ إِنَّ اللَّهَ فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَىٰ ۖ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ ۚ ذَٰلِكُمُ اللَّهُ ۖ فَأَنَّىٰ تُؤْفَكُونَ [6:95]

قوله تعالى : إن الله فالق الحب والنوى ، الفلق الشق، قال الحسن و قتادة والسدي : معناه يشق الحبة عن السنبلة، والنواة عن النخلة، فيخرجها منها، والحب جمع الحبة، وهي اسم لجميع البذور والحبوب، من البر، والشعير، والذرة، وكل ما لم يكن له نوى، وقال الزجاج : يشق الحبة اليابسة، والنواة اليابسة، فيخرج منها ورقاً أخضر. وقال مجاهد : يعني الشقين اللذين فيهما، أي : يشق الحب عن النبات ويخرجه منه، ويشق النوى عن النخل ويخرجها منه. والنوى جمع النواة، وهي كل ما لم يكن له حب كالتمر، والمشمش، والخوخ ونحوها. وقال الضحاك : فالق الحب والنوى  يعني : خالق الحب والنوى. 
قوله تعالى : يخرج الحي من الميت ومخرج الميت من الحي ذلكم الله فأنى تؤفكون  تصرفون عن الحق.

### الآية 6:96

> ﻿فَالِقُ الْإِصْبَاحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا ۚ ذَٰلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ [6:96]

قوله تعالى : فالق الإصباح ، شاق عمود الصبح عن ظلمة الليل وكاشفه، وقال الضحاك : خالق النهار، والإصباح مصدر، كالإقبال والإدبار، وهو الإضاءة، أراد به الصبح، وهو أول ما يبدو من النهار، يريد : ومبدي الصباح وموضحه. 
قوله تعالى : وجعل الليل سكناً ، يسكن فيه خلقه، وقرأ أهل الكوفة : وجعل ، على الماضي،  الليل ، نصب اتباعاً للمصحف، وقرأ إبراهيم النخعي :( فلق الإصباح وجعل الليل سكناً ). 
قوله تعالى : والشمس والقمر حسباناً ، أي : جعل الشمس والقمر بحساب معلوم لا يجاوزانه حتى ينتهيا إلى أقصى منازلهما، والحسبان مصدر كالحساب، وقيل جمع حساب. 
قوله تعالى : ذلك تقدير العزيز العليم .

### الآية 6:97

> ﻿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ ۗ قَدْ فَصَّلْنَا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ [6:97]

قوله تعالى : وهو الذي جعل لكم النجوم  أي خلقها لكم. 
قوله تعالى : لتهتدوا بها في ظلمات البر والبحر . والله تعالى خلق النجوم لفوائد : أحدها هذا : وهو أن راكب السفينة، والسائر في القفار يهتدي بها في الليالي إلى مقاصدهم. والثاني : أنها زينة للسماء كما قال : ولقد زينا السماء الدنيا بمصابيح  \[ الملك : ٥ \]. ومنها رمي الشياطين، كما قال : وجعلناها رجوماً للشياطين ، \[ الملك : ٥ \] قوله تعالى : قد فصلنا الآيات لقوم يعلمون .

### الآية 6:98

> ﻿وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ ۗ قَدْ فَصَّلْنَا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ [6:98]

قوله تعالى : وهو الذي أنشأكم ، خلقكم وابتدأكم. 
قوله تعالى : من نفس واحدة ، يعني : آدم عليه السلام. 
قوله تعالى : فمستقر ومستودع  "، قرأ ابن كثير وأهل البصرة  فمستقر  بكسر القاف، يعني : فمنكم مستقر ومنكم مستودع، وقرأ الآخرون بفتح القاف، أي : فلكم مستقر ومستودع. واختلفوا في المستقر والمستودع، قال عبد الله بن مسعود : فمستقر في الرحم إلى أن يولد، ومستودع في القبر إلى أن يبعث. وقال سعيد بن جبير وعطاء : فمستقر في أرحام الأمهات، ومستودع في أصلاب الآباء، وهو رواية عكرمة عن ابن عباس. قال سعيد بن جبير : قال لي ابن عباس : هل تزوجت ؟ قلت : لا. 
قال : أما أنه ما كان من مستودع في ظهرك فيستخرجه الله عز وجل. وروي عن أبي أنه قال : مستقر في أصلاب الآباء، ومستودع في أرحام الأمهات. وقيل : مستقر في الرحم، ومستودع فوق الأرض، قال الله تعالى : ونقر في الأرحام ما نشاء  \[ الحج : ٥ \]. وقال مجاهد : مستقر على ظهر الأرض في الدنيا، ومستودع عند الله في الآخرة، ويدل عليه قوله تعالى : ولكم في الأرض مستقر ومتاع إلى حين  \[ البقرة : ٣٦ \]. وقال الحسن : المستقر في القبر، والمستودع في الدنيا، وكان يقول : يا بن آدم، أنت وديعة في أهلك، ويوشك أن تلحق بصاحبك. وقيل : المستودع القبر، والمستقر الجنة والنار، لقوله تعالى في صفة الجنة والنار : حسنت مستقراً ومقاما  \[ الفرقان : ٧٦ \] وفي صفة أهل النار  ساءت مستقراً ومقاما  \[ الفرقان : ٦٦ \]. 
قوله تعالى : قد فصلنا الآيات لقوم يفقهون .

### الآية 6:99

> ﻿وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِرًا نُخْرِجُ مِنْهُ حَبًّا مُتَرَاكِبًا وَمِنَ النَّخْلِ مِنْ طَلْعِهَا قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ وَجَنَّاتٍ مِنْ أَعْنَابٍ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُشْتَبِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ ۗ انْظُرُوا إِلَىٰ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكُمْ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ [6:99]

قوله تعالى : وهو الذي أنزل من السماء ماءً فأخرجنا به ، أي : بالماء. 
قوله تعالى : نبات كل شيء فأخرجنا منه ، أي من الماء، وقيل : من النبات. 
قوله تعالى : خضراً ، يعني : أخضر مثل العور، والأعور، يعني : ما كان رطباً أخضر مما ينبت من القمح والشعير ونحوهما. 
قوله تعالى : نخرج منه حباً متراكباً ، أي متراكباً بعضه على بعض، مثل : سنابل البر والشعير، والأرز، وسائر الحبوب. 
قوله تعالى : ومن النخل من طلعها ، والطلع أول ما يخرج من ثمر النخل. 
قوله تعالى : قنوان  جمع قنو، وهو العذق مثل : صنو وصنوان، ولا نظير لهما في الكلام. 
قوله تعالى : دانية ، أي : قريبة المتناول، ينالها القائم والقاعد، وقال مجاهد : متدلية، وقال الضحاك : قصار ملتزقة بالأرض، وفيه اختصار معناه : ومن النخل ما قنوانها دانية، ومنها ما هي بعيدة، فاكتفى بذكر القريبة عن البعيدة لسبقه إلى الافهام، كقوله تعالى : سرابيل تقيكم الحر  \[ النمل : ٨١ \] يعني : الحر والبرد، فاكتفى بذكر أحدهما. 
قوله تعالى : وجنات من أعناب ، أي : وأخرجنا منه جنات، وقرأ الأعمش عن عاصم وجنات بالرفع نسقاً على قوله  قنوان  وعامة القراء على خلافه. 
قوله تعالى : والزيتون والرمان ، يعني : وشجر الزيتون وشجر الرمان. 
قوله تعالى : مشتبهاً وغير متشابه ، قال قتادة : معناه مشتبهاً ورقها، مختلفاً ثمرها، لأن ورق الزيتون يشبه ورق الرمان، وقيل : مشتبه في المنظر، مختلف في الطعم. قوله تعالى : انظروا إلى ثمره ، قرأ حمزة والكسائي بضم الثاء والميم، هذا وما بعده وفي ( يس )على جمع الثمار، وقرأ الآخرون بفتحهما على جمع الثمرة، مثل : بقرة وبقر. 
قوله تعالى : إذا أثمر وينعه ، ونضجه وإدراكه. 
قوله تعالى : إن في ذلكم لآيات لقوم يؤمنون .

### الآية 6:100

> ﻿وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ ۖ وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ ۚ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىٰ عَمَّا يَصِفُونَ [6:100]

قوله تعالى : وجعلوا لله شركاء الجن ، يعني : الكافرين جعلوا لله شركاء الجن. 
قوله تعالى : وخلقهم ، يعني : وهو خلق الجن، قال الكلبي : نزلت في الزنادقة، أثبتوا الشركة لإبليس في الخلق، فقالوا : الله خالق النور، والناس، والدواب، والأنعام، وإبليس خالق الظلمة، والسباع، والحيات، والعقارب. وهذا كقوله : وجعلوا بينه وبين الجنة نسباً  \[ الصافات : ١٥٨ \] وإبليس من الجن. 
قوله تعالى : وخرقوا ، قرأ أهل المدينة  وخرقوا ، بتشديد الراء على التكثير، وقرأ الآخرون بالتخفيف، أي : اختلقوا. 
قوله تعالى : له بنين وبنات بغير علم ، وذلك مثل قول اليهود ( عزير ابن الله )، وقول النصارى ( المسيح ابن الله )، وقول كفار مكة ( الملائكة بنات الله )، ثم نزه نفسه فقال : سبحانه وتعالى عما يصفون .

### الآية 6:101

> ﻿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۖ أَنَّىٰ يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ ۖ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ ۖ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ [6:101]

قوله تعالى : بديع السموات والأرض ، أي : مبدعهما لا على مثال سبق. 
قوله تعالى : أنى يكون له ولد ، أي : كيف يكون له ولد ؟
قوله تعالى : ولم تكن له صاحبة ، زوجة. 
قوله تعالى : وخلق كل شيء وهو بكل شيء عليم .

### الآية 6:102

> ﻿ذَٰلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ ۖ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ۖ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ ۚ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ [6:102]

قوله تعالى : وخلق كل شيء وهو بكل شيء عليم ذلكم الله ربكم لا إله إلا هو خالق كل شيء فاعبدوه ، فأطيعوه. 
قوله تعالى : وهو على كل شيء وكيل ، بالحفظ له والتدبير. 
قوله تعالى : لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار ، يتمسك أهل الاعتزال بظاهر هذه الآية في نفي رؤية الله عز وجل عياناً، ومذهب أهل السنة : إثبات رؤية الله عز وجل عياناً، قال الله تعالى : وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة  \[ القيامة : ٢٣ \]، وقال : كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون  \[ المطففين : ١٥ \]، قال مالك رضي الله عنه : لو لم ير المؤمنون ربهم يوم القيامة لم يعير الله الكفار بالحجاب. 
وقرأ النبي صلى الله عليه وسلم : للذين أحسنوا الحسنى وزيادة  \[ يونس : ٢٦ \]، وفسره بالنظر إلى وجه الله عز وجل. 
أخبرنا عبد الواحد المليحي، أنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أنا محمد بن يوسف، ثنا محمد بن إسماعيل، ثنا يوسف بن موسى، ثنا عاصم بن يوسف اليربوعي، أنا أبو شهاب، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس ابن حازم، عن جرير بن عبد الله قال : قال النبي صلى الله عليه وسلم :( إنكم سترون ربكم عياناً ).

### الآية 6:103

> ﻿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ ۖ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ [6:103]

وأما قوله  لا تدركه الأبصار ، فاعلم أن الإدراك غير الرؤية لأن الإدراك هو : الوقوف على كنه الشيء والإحاطة به، والرؤية : المعاينة، وقد تكون الرؤية بلا إدراك، قال الله تعالى في قصة موسى  فلما تراء الجمعان قال أصحاب موسى إنا لمدركون قال كلا  \[ الشعراء : ٦١ \] وقال  لا تخاف دركاً ولا تخشى  \[ طه : ٧٧ \]، فنفى الإدراك مع إثبات الرؤية، فالله عز وجل يجوز أن يرى من غير إدراك وإحاطة، كما يعرف في الدنيا، ولا يحاط به، قال الله تعالى : لا يحيطون به علماً  \[ طه : ١١٠ \] فنفى الإحاطة مع ثبوت العلم، قال سعيد بن المسيب : لا تحيط به الأبصار، وقال عطاء : كلت أبصار المخلوقين عن الإحاطة به، وقال ابن عباس ومقاتل : لا تدركه الأبصار في الدنيا، وهو يرى في الآخرة، قوله تعالى : وهو يدرك الأبصار ، أي لا يخفى على الله شيء ولا يفوته. 
قوله تعالى : وهو اللطيف الخبير ، قال ابن عباس رضي الله عنهما : اللطيف بأوليائه، الخبير بهم، وقال الأزهري : معنى : اللطيف  الرفيق بعباده، وقيل : اللطيف الموصل الشيء باللين والرفق، وقيل : اللطيف الذي ينسي العباد ذنوبهم لئلا يخجلوا، واصل اللطف دقة النظر في الأشياء.

### الآية 6:104

> ﻿قَدْ جَاءَكُمْ بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ ۖ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ ۖ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْهَا ۚ وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ [6:104]

قوله تعالى : قد جاءكم بصائر من ربكم ، يعني الحجج البينة التي تبصرون بها الهدى من الضلالة، والحق من الباطل. 
قوله تعالى : فمن أبصر ، أي : فمن عرفها وآمن بها. 
قوله تعالى : فلنفسه  عمله، ونفعه له. 
قوله تعالى : ومن عمي فعليها ، أي : من عمي عنها فلم يعرفها، ولم يصدقها، فعليها، أي : بنفسه ضر، ووبال العمى عليه. 
قوله تعالى : وما أنا عليكم بحفيظ ، برقيب أحصي عليكم أعمالكم، إنما أنا رسول أبلغكم رسالات ربي وهو الحفيظ عليكم، الذي لا يخفى عليه شيء من أفعالكم.

### الآية 6:105

> ﻿وَكَذَٰلِكَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ وَلِيَقُولُوا دَرَسْتَ وَلِنُبَيِّنَهُ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ [6:105]

قوله تعالى : وكذلك نصرف الآيات ، نفصلها ونبينها في كل في كل وجه. 
قوله تعالى : وليقولوا ، قيل : معناه لئلا يقولوا. 
قوله تعالى : درست ، وقيل : اللام لام العاقبة أي عاقبة أمرهم أن يقولوا : درست، أي قرأت على غيرك، وقيل : قرأت كتب أهل الكتاب، كقوله تعالى : فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدواً وحزناً  \[ القصص : ٨ \]، ومعلوم أنهم لم يلتقطوه لذلك، ولكن أراد أن عاقبة أمرهم أن كان عدواً لهم. قال ابن عباس : وليقولوا يعني : أهل مكة حين تقرأ عليهم القرآن درست، أي : تعلمت من يسار وجبر، كانا عبدين من سبي الروم، ثم قرأت علينا تزعم أنه من عند الله، من قولهم : درست الكتاب أدرس درساً ودراسة. وقال الفراء رحمه الله : يقولون تعلمت من اليهود، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو :( دارست ) بالألف أي : قارأت أهل الكتاب، من المدارسة بين الاثنين، يقول : قرأت عليهم وقرأوا عليك، وقرأ ابن عامر و يعقوب : درست بفتح السين وسكون التاء، أي : هذه الأخبار التي تتلوها علينا قديمة، قد درست وانمحت، من قولهم : درس الأثر يدرس دروسا. 
قوله تعالى : ولنبينه لقوم يعلمون . أي القرآن، وقيل  نصرف الآيات لقوم يعلمون  قال ابن عباس : يريد أولياءه الذين هداهم إلى سبيل الرشاد، وقيل : يعني أن تصريف الآيات ليشقى به قوم ويسعد بها آخرون، فمن قال درست فهو شقي، ومن تبين له الحق فهو سعيد.

### الآية 6:106

> ﻿اتَّبِعْ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ ۖ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ۖ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ [6:106]

قوله تعالى : اتبع ما أوحي إليك من ربك ، يعني : القرآن اعمل به. 
قوله تعالى : لا إله إلا هو وأعرض عن المشركين ، فلا تجادلهم.

### الآية 6:107

> ﻿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكُوا ۗ وَمَا جَعَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا ۖ وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ [6:107]

قوله تعالى : ولو شاء الله ما أشركوا ، أي : لو شاء لجعلهم مؤمنين، 
قوله تعالى : وما جعلناك عليهم حفيظاً ، رقيباً، قال عطاء : وما جعلناك عليهم حفيظاً  تمنعهم مني، أي : لم تبعث لتحفظ المشركين من العذاب، إنما بعثت مبلغاً. قوله تعالى : وما أنت عليهم بوكيل .

### الآية 6:108

> ﻿وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ ۗ كَذَٰلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّهِمْ مَرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [6:108]

قوله تعالى : ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله  الآية، قال ابن عباس : لما نزلت  إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم  \[ الأنبياء : ٩٨ \] قال المشركون : يا محمد، لتنتهين عن سب آلهتنا أو لنهجون ربك، فنهاهم الله تعالى أن يسبوا أوثانهم. وقال قتادة : كان المسلمون يسبون أصنام الكفار، فنهاهم الله عز وجل عن ذلك، لئلا يسبوا الله فإنهم قوم جهلة. وقال السدي : لما حضرت أبا طالب الوفاة قالت قريش : انطلقوا فلندخل على هذا الرجل فلنأمرنه أن ينهى عنا ابن أخيه فإنا نستحي أن نقتله بعد موته، فتقول العرب : كان يمنعه عمه، فلما مات قتلوه، فانطلق أبو سفيان، وأبو جهل، والنضر بن الحارث، وأمية وأبي ابنا خلف، وعقبة بن أبي معيط، وعمرو بن العاص، والأسود بن أبي البختري إلى أبي طالب، فقالوا : يا أبا طالب، أنت كبيرنا وسيدنا، وإن محمداً قد آذانا وآلهتنا، فنحب أن تدعوه وتنهاه عن ذكر آلهتنا، ولندعنه وإلهه، فدعاه فقال : يا محمد هؤلاء قومك يقولون نريد أن تدعنا وآلهتنا وندعك وإلهك، وقد أنصفك قومك فاقبل منهم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم :( أرأيتم إن أعطيتكم هذا هل أنتم معطي كلمة إن تكلمتم بها ملكتم العرب ودانت لكم بها العجم ؟ فقال أبو جهل : نعم وأبيك لنعطينكها وعشرة أمثالها، فما هي ؟ قال :( قولوا لا إله إلا الله، فأبوا وتفرقوا )، فقال أبو طالب : قل غيرها يابن أخي. فقال : يا عم ما أنا بالذي أقول غيرها، ولو أتوني بالشمس فوضعوها في يدي، فقالوا له : لتكفن عن شتمك آلهتنا أو لنشتمنك ولنشتمن من يأمرك، فأنزل الله عز وجل : ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله ، يعني الأوثان. 
قوله تعالى : فيسبوا الله عدواً ، أي : اعتداء وظلماً. 
قوله تعالى : بغير علم . وقرأ يعقوب  عدواً  بضم العين والدال وتشديد الواو، فلما نزلت هذه الآية قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه :( لا تسبوا ربكم، فأمسك المسلمون عن سب آلهتهم ). 
وظاهر الآية، وإن كان نهياً عن سب الأصنام، فحقيقته النهي عن سب الله تعالى، لأنه سبب لذلك. 
قوله تعالى : كذلك زينا لكل أمة عملهم ، أي : كما زينا لهؤلاء المشركين عبادة الأصنام، وطاعة الشيطان بالحرمان والخذلان، كذلك زينا لكل أمة عملهم من الخير والشر، والطاعة والمعصية. 
قوله تعالى : ثم إلى ربهم مرجعهم فينبئهم ، ويجازيهم. 
قوله تعالى : بما كانوا يعملون .

### الآية 6:109

> ﻿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ جَاءَتْهُمْ آيَةٌ لَيُؤْمِنُنَّ بِهَا ۚ قُلْ إِنَّمَا الْآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ ۖ وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَا إِذَا جَاءَتْ لَا يُؤْمِنُونَ [6:109]

قوله تعالى : وأقسموا بالله جهد أيمانهم  الآية. قال محمد بن كعب القرظي والكلبي : قالت قريش : يا محمد : إنك تخبرنا أن موسى كان معه عصىً يضرب بها الحجر فينفجر منه اثنتا عشرة عيناً، وتخبرنا أن عيسى عليه السلام كان يحيي الموتى فأتنا من الآيات حتى نصدقك، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أي شيء تحبون ؟ قالوا : تجعل لنا الصفا ذهباً، وابعث لنا بعض موتانا حتى نسأله عنك أحق ما تقول أم باطل ؟ و أرنا الملائكة يشهدون لك، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : فإن فعلت بعض ما تقولون أتصدقونني ؟ قالوا : نعم، والله لئن فعلت لنتبعنك أجمعين، وسأل المسلمون رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ينزلها عليهم حتى يؤمنوا، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو الله أن يجعل الصفا ذهباً فجاءه جبريل عليه السلام، فقال له : اختر ما شئت إن شئت أصبح ذهباً ولكن إن لم يصدقوا عذبتهم، وإن شئت تركتهم حتى يتوب تائبهم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : بل يتوب تائبهم، فأنزل الله عز وجل : وأقسموا بالله جهد أيمانهم ، أي : حلفوا بالله جهد أيمانهم، أي : بجهد أيمانهم، يعني أوكد ما قدروا عليه من الأيمان وأشدها. 
قال الكلبي ومجاهد : إذا حلف الرجل بالله، فهو جهد يمينه. 
قوله تعالى : لئن جاءتهم آية ، كما جاءت من قبلهم من الأمم. 
قوله تعالى : ليؤمنن بها قل  يا محمد. 
قوله تعالى : إنما الآيات عند الله ، والله قادر على إنزالها. 
قوله تعالى : وما يشعركم ، وما يدريكم، واختلفوا في المخاطبين بقوله  وما يشعركم  فقال بعضهم : الخطاب للمشركين الذين أقسموا. وقال بعضهم : الخطاب للمؤمنين. قوله تعالى : أنها إذا جاءت لا يؤمنون ، قرأ ابن كثير وأهل البصرة، وأبو بكر عن عاصم  إنها  بكسر الألف على الابتداء، وقالوا : تم الكلام عند قوله  وما يشعركم ، ثم من جعل الخطاب للمشركين قال : معناه : وما يشعركم أيها المشركون أنها لو جاءت آمنتم ؟ ومن جعل الخطاب للمؤمنين قال معناه : وما يشعركم أيها المؤمنون أنها لو جاءت آمنوا ؟ لأن المسلمين كانوا يسألون رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يدعو الله تعالى حتى يريهم ما اقترحوا حتى يؤمنوا فخاطبهم بقوله : وما يشعركم ، ثم ابتدأ فقال جل ذكره : إنها إذا جاءت لا يؤمنون ، وهذا في قوم مخصوصين حكم الله عليهم بأنهم لا يؤمنون، وقرأ الآخرون : أنها  بفتح الألف وجعلوا الخطاب للمؤمنين، واختلفوا في قوله : لا يؤمنون ، فقال الكسائي : لا  صلة، ومعنى الآية : وما يشعركم أيها المؤمنون أن الآيات إذا جاءت المشركين يؤمنون ؟ كقوله تعالى : وحرام على قرية أهلكناها أنهم لا يرجعون  \[ الأنبياء : ٩٥ \]، أي : يرجعون وقيل : إنها بمعنى لعل، وكذلك هو في قراءة أبي، تقول العرب : اذهب إلى السوق إنك تشتري شيئاً، أي : لعلك، وقال عدي بن زيد :

أعاذل ما يدريك أن منيتي  إلى ساعة في اليوم أو في ضحى الغدأي : لعل منيتي، وقيل : فيه حذف وتقديره : وما يشعركم أنها إذا جاءت يؤمنون أو لا يؤمنون ؟ وقرأ ابن عامر و حمزة  لا تؤمنون  بالتاء على الخطاب للكفار، واعتبروا بقراءة أبي : إذا جاءتكم لا تؤمنون، وقرأ الآخرون بالياء على الخبر، دليلها قراءة الأعمش : أنها إذا جاءتهم لا يؤمنون .

### الآية 6:110

> ﻿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ [6:110]

قوله تعالى : ونقلب أفئدتهم وأبصارهم كما لم يؤمنوا به أول مرة ، قال ابن عباس : يعني ونحول بينهم وبين الإيمان، فلو جئناهم بالآيات التي سألوا ما آمنوا بها كما لم يؤمنوا به أول مرة، أي : كما لم يؤمنوا بما قبلها من الآيات من انشقاق القمر وغيره، وقيل : كما لم يؤمنوا به أول مرة ، يعني : معجزات موسى وغيره من الأنبياء عليهم السلام، كقوله تعالى  أولم يكفروا بما أوتي موسى من قبل ، \[ القصص : ٤٨ \]، وفي الآية محذوف تقديره : فلا يؤمنون كما لم يؤمنوا به أول مرة، وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس : المرة الأولى دار الدنيا، يعني لو ردوا من الآخرة إلى الدنيا نقلب أفئدتهم وأبصارهم عن الإيمان كما لم يؤمنوا في الدنيا قبل مماتهم، كما قال : ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه  \[ الأنعام : ٢٨ \]. 
قوله تعالى : ونذرهم في طغيانهم يعمهون ، قال عطاء : نخذلهم وندعهم في ضلالتهم يتمادون.

### الآية 6:111

> ﻿۞ وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَىٰ وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ [6:111]

قوله تعالى : ولو أننا نزلنا إليهم الملائكة ، فرأوهم عياناً. 
قوله تعالى : وكلمهم الموتى ، بإحيائنا إياهم فشهدوا لك بالنبوة كما سألوا. 
قوله تعالى : وحشرنا ، وجمعنا. 
قوله تعالى : عليهم كل شيء قبلاً ، قرأ أهل المدينة وابن عامر  قبلاً  بكسر القاف أو فتح الباء، أي معاينة، وقرأ الآخرون بضم القاف والباء، قيل : هو جمع قبيل، وهو الكفيل، مثل : رغيف ورغف، وقضيب وقضب. أي : ضمناء وكفلاء، وقيل : هو جمع قبيل وهو القبيلة، أي : فوجاً فوجاً، وقيل : هو بمعنى المقابلة والمواجهة من قولهم : أتيتك قبلاً لا دبراً إذا أتاه من قبل وجهه. 
قوله تعالى : ما كانوا ليؤمنوا إلا أن يشاء الله  ذلك. 
قوله تعالى : ولكن أكثرهم يجهلون .

### الآية 6:112

> ﻿وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا ۚ وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ ۖ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ [6:112]

قوله تعالى : وكذلك جعلنا لكل نبي عدواً ، أي : أعداء، فيه تعزية للنبي صلى الله عليه وسلم، يعني : كما ابتليناك بهؤلاء القوم، فكذلك جعلنا لكل نبي قبلك أعداء، ثم فسرهم فقال : شياطين الإنس والجن ، قال عكرمة، والضحاك، والسدي، والكلبي : معناه شياطين الإنس التي مع الإنس، وشياطين الجن التي مع الجن، وليس للإنس شياطين، وذلك أن إبليس جعل جنده فريقين، فبعث فريقاً منهم إلى الإنس، وفريقاً منهم إلى الجن، وكلا الفريقين أعداء للنبي صلى الله عليه وسلم ولأوليائه، وهم الذين يلتقون في كل حين، فيقول شيطان الإنس لشيطان الجن : أضللت صاحبي بكذا فأضل صاحبك بمثله، وتقول شياطين الجن لشياطين الإنس كذلك، فذلك  يوحي بعضهم إلى بعض . قال قتادة، ومجاهد، والحسن : إن من الإنس شياطين، كما أن من الجن شياطين، والشيطان : العاتي المتمرد من كل شيء، قالوا : إن الشيطان إذا أعياه المؤمن وعجز من إغوائه ذهب إلى متمرد من الإنس وهو شيطان الإنس فأغراه بالمؤمن ليفتنه، يدل عليه ما روي عن أبي ذر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : هل تعوذت بالله من شياطين الجن والإنس ؟ فقلت : يا رسول الله، وهل للإنس من شياطين ؟ قال نعم، هم شر من شياطين الجن. وقال مالك بن دينار : إن شياطين الإنس أشد علي من شياطين الجن، وذلك أني إذا تعوذت بالله ذهب عني شياطين الجن، وشيطان الإنس يجيئني، فيجرني إلى المعاصي عياناً. 
قوله تعالى : يوحي بعضهم إلى بعض ، أي : يلقي. 
قوله تعالى : زخرف القول ، وهو قول مموه مزخرف بالباطل، لا معنى تحته. 
قوله تعالى : غروراً ، يعني : هؤلاء الشياطين يزينون الأعمال القبيحة لبني آدم، ويغرونهم غروراً، والغرور : القول الباطل. 
قوله تعالى : ولو شاء ربك ما فعلوه ، أي : ما ألقوه من الوسوسة في القلوب. 
قوله تعالى : فذرهم وما يفترون

### الآية 6:113

> ﻿وَلِتَصْغَىٰ إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُوا مَا هُمْ مُقْتَرِفُونَ [6:113]

قوله تعالى : ولتصغى إليه أفئدة الذين لا يؤمنون بالآخرة ، أي : تميل إليه، والصغو : الميل، يقال : صغو فلان معك، أي : ميله، والفعل منه : صغى يصغي، صغاً، وصغى يصغى، ويصغو صغواً، والهاء راجعة إلى زخرف القول. 
قوله تعالى : وليرضوه وليقترفوا ، ليكتسبوا. 
قوله تعالى : ما هم مقترفون ، يقال : اقترف فلان مالاً أي اكتسبه. 
وقال تعالى : ومن يقترف حسنةً  \[ الشورى : ٢٣ \]، وقال الزجاج : أي ليعملوا من الذنوب ما هم عاملون.

### الآية 6:114

> ﻿أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلًا ۚ وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ ۖ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ [6:114]

قوله تعالى : أفغير الله  فيه إضمار، أي : قل لهم يا محمد أفغير الله. 
قوله تعالى : أبتغي ، أطلب. 
قوله تعالى : حكماً ، قاضياً بيني وبينكم، وذلك أنهم كانوا يقولون للنبي صلى الله عليه وسلم : اجعل بيننا وبينك حكماً، فأجابهم به. 
قوله تعالى : وهو الذي أنزل إليكم الكتاب مفصلاً ، مبيناً فيه أمره ونهيه، يعني : القرآن، وقيل : مفصلاً أي خمساً خمساً، وعشراً عشراً، كما قال : لنثبت به فؤادك . \[ الفرقان : ٣٢ \]. 
قوله تعالى : والذين آتيناهم الكتاب ، يعني : علماء اليهود والنصارى الذين آتيناهم التوراة والإنجيل، وقيل : هم مؤمنو أهل الكتاب، وقال عطاء : هم رؤوس أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، والمراد بالكتاب هو القرآن. 
قوله تعالى : يعلمون أنه منزل ، يعني : القرآن، قرأ ابن عامر وحفص : منزل، بالتشديد، من التنزيل، لأنه أنزل نجوماً متفرقة، وقرأ الآخرون بالتخفيف من الإنزال، لقوله تعالى : وهو الذي أنزل إليكم الكتاب . 
قوله تعالى : من ربك بالحق فلا تكونن من الممترين ، من الشاكين أنهم يعلمون ذلك.

### الآية 6:115

> ﻿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا ۚ لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ ۚ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ [6:115]

قوله تعالى : وتمت كلمة ربك ، قرأ أهل الكوفة ويعقوب  كلمة  على التوحيد، وقرأ الآخرون  كلمات  بالجمع، وأراد بالكلمات أمره ونهيه ووعده ووعيده. 
قوله تعالى : صدقاً وعدلاً ، أي : صدعاً في الوعد والوعيد، وعدلاً في الأمر والنهي، قال قتادة ومقاتل : صدقاً فيما وعد، وعدلاً فيما حكم. 
قوله تعالى : لا مبدل لكلماته ، قال ابن عباس : لا راد لقضائه، ولا مغير لحكمه، ولا خلف لوعده. 
قوله تعالى : وهو السميع العليم ، قيل : أراد بالكلمات القرآن ( لا مبدل له )، لا يزيد فيه المفترون ولا ينقصون.

### الآية 6:116

> ﻿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ۚ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ [6:116]

قوله تعالى : وإن تطع أكثر من في الأرض يضلوك عن سبيل الله ، عن دين الله، وذلك أن أكثر أهل الأرض كانوا على الضلالة، وقيل : أراد أنهم جادلوا رسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين في أكل الميتة، وقالوا : أتأكلون ما تقتلون، ولا تأكلون ما قتله الله عز وجل ؟ فقال : وإن تطع أكثر من في الأرض  أي : وإن تطعهم في أكل الميتة يضلوك عن سبيل الله. 
قوله تعالى : إن يتبعون إلا الظن ، يريد أن دينهم الذي هم عليه ظن وهوىً، لم يأخذوه عن بصيرة. 
قوله تعالى : وإن هم إلا يخرصون  يكذبون.

### الآية 6:117

> ﻿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ مَنْ يَضِلُّ عَنْ سَبِيلِهِ ۖ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ [6:117]

قوله تعالى : إن ربك هو أعلم من يضل عن سبيله ، قيل : موضع من نصب بنزع حرف الصفة، أي : بمن يضل، وقال الزجاج : موضعه رفع بالابتداء، ولفظها لفظ الاستفهام، والمعنى : إن ربك هو أعلم أي الناس يضل عن سبيله. 
قوله تعالى : وهو أعلم بالمهتدين ، أخبر أنه أعلم بالفريقين الضالين والمعتدين فيجازي كلاً بما يستحقه.

### الآية 6:118

> ﻿فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ بِآيَاتِهِ مُؤْمِنِينَ [6:118]

قوله تعالى : فكلوا مما ذكر اسم الله عليه ، أي : كلوا مما ذبح على اسم الله. 
قوله تعالى : إن كنتم بآياته مؤمنين ، وذلك أنهم كانوا يحرمون أصنافاً من النعم ويحلون الأموات، فقيل لهم : أحلوا ما أحل الله وحرموا ما حرم الله.

### الآية 6:119

> ﻿وَمَا لَكُمْ أَلَّا تَأْكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ ۗ وَإِنَّ كَثِيرًا لَيُضِلُّونَ بِأَهْوَائِهِمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ ۗ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُعْتَدِينَ [6:119]

ثم قال : وما لكم ، يعني : أي شيء لكم. 
قوله تعالى : أن لا تأكلوا ، وما يمنعكم من أن تأكلوا. 
قوله تعالى : مما ذكر اسم الله عليه ، من الذبائح. 
قوله تعالى : وقد فصل لكم ما حرم عليكم ، قرأ أهل المدينة ويعقوب، وحفص ( فصل وحرم ) بالفتح فيهما، أي فصل الله ما حرمه عليكم، لقوله  اسم الله  وقرأ ابن كثير، وابن عامر، و أبو عمرو بضم الفاء والحاء، وكسر الصاد والراء، على غير تسمية الفاعل، لقوله  ذكر ، وقرأ حمزة، والكسائي، وأبو بكر  فصل  بالفتح و حرم  بالضم، وأراد بتفصيل المحرمات ما ذكر في قوله تعالى  حرمت عليكم الميتة والدم  \[ المائدة : ٣ \]. 
قوله تعالى : إلا ما اضطررتم إليه ، من هذه الأشياء فإنه حلال لكم عند الاضطرار. قوله تعالى : وإن كثيراً ليضلون ، قرأ أهل الكوفة بضم الياء، وكذلك قوله  ليضلوا  في سورة يونس، لقوله تعالى : يضلوك عن سبيل الله ، وقيل : أراد به عمرو بن لحي فمن دونه من المشركين الذين اتخذوا البحائر والسوائب، وقرأ الآخرون بالفتح لقوله : من يضل . 
قوله تعالى : بأهوائهم بغير علم ، حين امتنعوا من أكل ما ذكر اسم الله عليه ودعوا إلى أكل الميتة. 
قوله تعالى : إن ربك هو أعلم بالمعتدين ، الذين يجاوزون الحلال إلى الحرام.

### الآية 6:120

> ﻿وَذَرُوا ظَاهِرَ الْإِثْمِ وَبَاطِنَهُ ۚ إِنَّ الَّذِينَ يَكْسِبُونَ الْإِثْمَ سَيُجْزَوْنَ بِمَا كَانُوا يَقْتَرِفُونَ [6:120]

قوله تعالى : وذروا ظاهر الإثم وباطنه ، يعني : الذنوب كلها لأنها لا تخلو من هذين الوجهين، قال قتادة : علانيته وسره، وقال مجاهد : ظاهره ما يعمله الإنسان بالجوارح من الذنوب، وباطنه ما ينويه ويقصده بقلبه، كالمصر على الذنب القاصد له. قال الكلبي : ظاهره الزنا، وباطنه المخالفة. وأكثر المفسرين على أن ظاهر الإثم الإعلان بالزنا، وهم أصحاب الرايات، وباطنه الاستسرار به، وذلك أن العرب كانوا يحبون الزنا، وكان الشريف منهم يتشرف فيسر به، وغير الشريف لا يبالي به فيظهره، فحرمهما الله عز وجل، وقال سعيد بن جبير : ظاهر الإثم نكاح المحارم، وباطنه الزنا. وقال ابن زيد : إن ظاهر الإثم التجرد من الثياب، والتعري في الطواف، والباطن الزنا، وروى حيان، عن الكلبي : ظاهر الإثم طواف الرجال بالبيت نهاراً عراة، وباطنه طواف النساء بالليل عرايا. 
قوله تعالى : إن الذين يكسبون الإثم سيجزون ، في الآخرة. 
قوله تعالى : بما كانوا يقترفون  يكتسبون في الدنيا.

### الآية 6:121

> ﻿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ ۗ وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَىٰ أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ ۖ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ [6:121]

قوله تعالى : ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه  قال ابن عباس رضي الله عنهما : الآية في تحريم الميتات وما في معناها من المنخنقة وغيرها. قال عطاء : الآية في تحريم الذبائح التي كانوا يذبحونها على اسم الأصنام. واختلف أهل العلم في ذبيحة المسلم إذا لم يذكر اسم الله عليها، فذهب قوم إلى تحريمها، سواء ترك التسمية عامداً أو ناسياً، وهو قول ابن سيرين، والشعبي، واحتجوا بظاهر هذه الآية. وذهب قوم إلى تحليلها، يروى ذلك عن ابن عباس وهو قول مالك، والشافعي، وأحمد رضوان الله عليهم أجمعين. وذهب قوم إلى أنه إن ترك التسمية عامداً لا يحل، وإن تركها ناسياً يحل، حكى الخرقي من أصحاب أحمد : أن هذا مذهبه، وهو قول الثوري وأصحاب الرأي، من أباحها قال : المراد من الآية الميتات، و ما ذبح على غير اسم الله، بدليل أنه قال :
قوله تعالى : وإنه لفسق ، والفسق في ذكر اسم غير الله كما قال في آخر السورة  قل لا أجد في ما أوحي إلي محرما على طاعم  إلى قوله  أو فسقاً أهل لغير الله به . واحتج من أباحها بما أخبرنا عبد الواحد المليحي، أنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا محمد بن يوسف، ثنا محمد بن إسماعيل، ثنا يوسف بن موسى، ثنا أبو خالد الأحمر قال : سمعت هشام بن عروة يحدث عن أبيه، عن عائشة رضي الله عنها، قالت : إن قوما قالوا يا رسول الله، إن هنا أقواماً حديثا عهدهم بشرك، يأتون بلحمان لا ندري يذكرون اسم الله عليها أم لا ؟ قال :( اذكروا أنتم اسم الله وكلوا ). ولو كانت التسمية شرطاً للإباحة لكان الشك في وجودها مانعاً من أكلها كالشك في أصل الذبح. قوله تعالى : وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم ليجادلوكم . أراد أن الشياطين ليوسوسون إلى أوليائهم من المشركين ليجادلوكم، وذلك أن المشركين قالوا : يا محمد، أخبرنا عن الشاة إذا ماتت من قتلها ؟ فقال : الله قتلها، قالوا : فتزعم أن ما قتلت أنت وأصحابك حلال، وما قتله الكلب والصقر والفهد حلال، وما قتله الله حرام ؟ فأنزل الله هذه الآية. 
قوله تعالى : وإن أطعتموهم ، في أكل الميتة. 
قوله تعالى : إنكم لمشركون ، قال الزجاج : وفيه دليل على أن من أحل شيئاً مما حرم الله، أو حرم ما أحل الله فهو مشرك.

### الآية 6:122

> ﻿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا ۚ كَذَٰلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [6:122]

قوله تعالى : أو من كان ميتاً فأحييناه ، قرأ نافع  ميتاً ،  ولحم أخيه ميتاً  \[ الحجرات : ١٢ \] و الأرض الميتة أحييناها  \[ يس : ٣٣ \] بالتشديد فيهن، وقرأ الآخرون بالتخفيف  فأحييناه ، أي : كان ضالاً فهديناه، كان ميتاً بالكفر فأحييناه بالإيمان. قوله تعالى : وجعلنا له نوراً ، يستضيء به. 
قوله تعالى : يمشي به في الناس ، على قصد السبيل، قيل : النور هو الإسلام، لقوله تعالى : يخرجهم من الظلمات إلى النور  \[ البقرة : ٢٥٧ \]، وقال قتادة : هو كتاب الله، بينه من الله مع المؤمن، بها يعمل وبها يأخذ وإليها ينتهي. 
قوله تعالى : كمن مثله في الظلمات ، المثل صلة، أي : كمن هو في الظلمات. 
قوله تعالى : ليس بخارج منها ، يعني : من ظلمة الكفر. 
قيل : نزلت هذه الآية في رجلين بأعيانهما، ثم اختلفوا فيهما، قال ابن عباس : جعلنا له نوراً  يريد حمزة بن عبد المطلب،  كمن مثله في الظلمات  يريد أبا جهل بن هشام، وذلك أن أبا جهل رمى رسول الله صلى الله عليه وسلم بفرث، فأخبر حمزة بما فعل أبو جهل، وهو راجع من قنصه، وبيده قوس، وحمزة لم يؤمن بعد، فأقبل غضبان حتى رمى أبا جهل بالقوس وهو يتضرع إليه، ويقول : يا أبا يعلي، أما ترى ما جاء به ؟ سفه عقولنا، وسب آلهتنا، وخالف آباءنا، فقال حمزة : ومن أسفه منكم ؟ تعبدون الحجارة من دون الله، أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، فأنزل الله هذه الآية. وقال الضحاك : نزلت في عمر بن الخطاب وأبي جهل. وقال عكرمة والكلبي : نزلت في عمار بن ياسر وأبي جهل. 
قوله تعالى : كذلك زين للكافرين ما كانوا يعملون ، من الكفر والمعصية. قال ابن عباس : يريد زين لهم الشيطان عبادة الأصنام.

### الآية 6:123

> ﻿وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَابِرَ مُجْرِمِيهَا لِيَمْكُرُوا فِيهَا ۖ وَمَا يَمْكُرُونَ إِلَّا بِأَنْفُسِهِمْ وَمَا يَشْعُرُونَ [6:123]

قوله تعالى : وكذلك جعلنا في كل قرية أكابر مجرميها ، أي : كما أن فساق مكة أكابرها، كذلك جعلنا فساق كل قرية أكابرها، أي : عظماءها، جمع أكبر، مثل : أفضل وأفاضل، وأسود وأساود، وذلك سنة الله تعالى أنه جعل في كل قرية أتباع الرسل ضعفاءهم، كما قال في قصة نوح عليه السلام : أنؤمن لك واتبعك الأرذلون  \[ الشعراء : ١١١ \]، وجعل فساقهم أكابرهم. 
قوله تعالى : ليمكروا فيها ، وذلك أنهم أجلسوا على كل طريق من طرق مكة أربعة نفر ليصرفوا الناس عن الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم، يقولون لكل من يقدم : إياك وهذا الرجل، فإنه كاهن، ساحر، كذاب. 
قوله تعالى : وما يمكرون إلا بأنفسهم ، لأن وبال مكرهم يعود عليهم. 
قوله تعالى : وما يشعرون ، أنه كذلك.

### الآية 6:124

> ﻿وَإِذَا جَاءَتْهُمْ آيَةٌ قَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتَّىٰ نُؤْتَىٰ مِثْلَ مَا أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ ۘ اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ ۗ سَيُصِيبُ الَّذِينَ أَجْرَمُوا صَغَارٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا كَانُوا يَمْكُرُونَ [6:124]

قوله تعالى : وإذا جاءتهم آية قالوا لن نؤمن حتى نؤتى مثل ما أوتي رسل الله ، يعني : مثل ما أوتي رسل الله من النبوة، وذلك أن الوليد بن المغيرة قال : لو كانت النبوة حقاً لكنت أولى بها منك، لأني أكبر منك سناً وأكثر منك مالاً، فأنزل الله تعالى هذه الآية. وقال مقاتل : نزلت في أبي جهل، وذلك أنه قال : زاحمنا بنو عبد مناف في الشرف حتى إذا صرنا كفرسي رهان، قالوا : منا نبي يوحى إليه، والله لا نؤمن به، ولا نتبعه أبداً، إلا أن يأتينا وحي كما يأتيه، فأنزل الله عز وجل : وإذا جاءتهم آية ، حجة على صدق محمد صلى الله عليه وسلم قالوا : يعني أبا جهل،  لن نؤمن حتى نؤتى مثل ما أوتي رسل الله ، يعني : محمداً صلى الله عليه وسلم. 
قال الله تعالى : الله أعلم حيث يجعل رسالته ، قرأ ابن كثير وحفص ( رسالته ) على التوحيد، وقرأ الآخرون رسالاته بالجمع، يعني : الله أعلم بمن هو أحق بالرسالة. قوله تعالى : سيصيب الذين أجرموا صغار ، ذل وهوان. 
قوله تعالى : عند الله ، أي : من عند الله. 
قوله تعالى : وعذاب شديد بما كانوا يمكرون ، قيل : صغار في الدنيا، وعذاب شديد في الآخرة.

### الآية 6:125

> ﻿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ ۖ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ ۚ كَذَٰلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ [6:125]

قوله تعالى : فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ، أي : يفتح قلبه وينوره حتى يقبل الإسلام، ولما نزلت هذه الآية سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن شرح الصدر، فقال :( نور يقذفه الله في قلب المؤمن فينشرح له وينفسح )، قيل : فهل لذلك أمارة ؟ قال : نعم، الإنابة إلى دار الخلود، والتجافي عن دار الغرور، والاستعداد للموت قبل نزول الموت. 
قوله تعالى : ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقاً ، قرأ ابن كثير  ضيقا ، بالتخفيف هاهنا وفي الفرقان، والباقون بالتشديد، وهما لغتان مثل : هين وهين، ولين ولين. 
قوله تعالى : حرجا ، قرأ أهل المدينة وأبو بكر بكسر الراء، والباقون بفتحها، وهما لغتان أيضا مثل : الدنف والدنف، وقال سيبويه الحرج بالفتح : المصدركالطلب، ومعناه ذا حرج، وبالكسر الاسم، وهو أشد الضيق، يعني : يجعل قلبه ضيقاً حتى لا يدخله الإيمان. وقال الكلبي : ليس للخير فيه منفذ. قال ابن عباس : إذا سمع ذكر الله اشمأز قلبه، وإذا ذكر شيئاً من عبادة الأصنام ارتاح إلى ذلك. وقرأ عمر ابن الخطاب رضي الله عنه هذه الآية، فسأل أعرابياً من كنانة : ما الحرجة فيكم ؟ قال : الحرجة فينا الشجرة تكون بين الأشجار التي لا تصل إليها راعية، ولا وحشية، ولا شيء، فقال عمر رضي الله عنه : كذلك قلب المنافق لا يصل إليه شيء من الخير. قوله تعالى : كأنما يصعد في السماء ، قرأ ابن كثير : يصعد ، بالتخفيف، وسكون الصاد، وقرأ أبو بكر عن عاصم يصاعد بالألف. 
أي يتصاعد، وقرأ الآخرون  يصعد ، بتشديد الصاد والعين، أي : يتصعد، يعني يشق عليه الإيمان كما يشق عليه صعود السماء، وأصل الصعود المشقة، ومنه قوله تعالى : سأرهقه صعوداً  أي : عقبة شاقة. 
قوله تعالى : كذلك يجعل الله الرجس على الذين لا يؤمنون ، قال ابن عباس : الرجس هوا لشيطان، أي : يسلط عليه. وقال الكلبي : هو المأثم، وقال مجاهد : الرجس ما لا خير فيه. وقال عطاء : الرجس العذاب مثل الرجز. وقيل : هو النجس. روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا دخل الخلاء قال :( اللهم إني أعوذ بك من الرجس النجس ). وقال الزجاج : الرجس اللعنة في الدنيا والعذاب في الآخرة.

### الآية 6:126

> ﻿وَهَٰذَا صِرَاطُ رَبِّكَ مُسْتَقِيمًا ۗ قَدْ فَصَّلْنَا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ [6:126]

قوله تعالى : وهذا صراط ربك مستقيماً ، أي : هذا الذي بينا. وقيل هذا الذي أنت عليه يا محمد طريق ربك، ودينه الذي ارتضاه لنفسه مستقيماً لا عوج فيه وهو الإسلام. 
قوله تعالى : قد فصلنا الآيات لقوم يذكرون .

### الآية 6:127

> ﻿۞ لَهُمْ دَارُ السَّلَامِ عِنْدَ رَبِّهِمْ ۖ وَهُوَ وَلِيُّهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [6:127]

قوله تعالى : لهم دار السلام عند ربهم ، يعني : الجنة. قال أكثر المفسرين : السلام هو الله، وداره الجنة، وقيل : السلام هو السلامة، أي : لهم دار السلامة من الآفات، وهي الجنة، وسميت دار السلام لأن كل من دخلها سلم من البلايا والرزايا. وقيل : سميت بذلك لأن جميع حالاتها مقرونة بالسلام، يقال في الابتداء : ادخلوها بسلام آمنين  \[ الحجر : ٤٦ \]  والملائكة يدخلون عليهم من كل باب سلام عليكم  \[ الرعد : ٢٣ \]، وقال : لا يسمعون فيها لغوا ولا تأثيما إلا قيلا سلاما سلاما  \[ الواقعة، ٢٦ \]، وقال : تحيتهم فيها سلام  \[ إبراهيم : ٢٣ \].  سلام قولاً من رب رحيم  \[ يس : ٥٨ \]
قوله تعالى : وهو وليهم بما كانوا يعملون ، قال الحسين بن الفضل : يتولاهم في الدنيا بالتوفيق، وفي الآخرة بالجزاء.

### الآية 6:128

> ﻿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الْإِنْسِ ۖ وَقَالَ أَوْلِيَاؤُهُمْ مِنَ الْإِنْسِ رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ وَبَلَغْنَا أَجَلَنَا الَّذِي أَجَّلْتَ لَنَا ۚ قَالَ النَّارُ مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ ۗ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ [6:128]

قوله تعالى : ويوم يحشرهم ، قرأ حفص : يحشرهم ، بالياء. 
قوله تعالى : جميعاً ، يعني : الجن والإنس يجمعهم في موقف القيامة فيقول : يا معشر الجن ، والمراد بالجن : الشياطين
قوله تعالى : قد استكثرتم من الإنس ، أي : استكثرتم من الإنس بالإضلال والإغواء، أي : أضللتم كثيراً. 
قوله تعالى : وقال أولياؤهم من الإنس ، يعني : أولياء الشياطين الذين أطاعوهم من الإنس. 
قوله تعالى : ربنا استمتع بعضنا ببعض  قال الكلبي : استمتاع الإنس بالجن هو أن الرجل كان إذا سافر ونزل بأرض قفر، وخاف على نفسه من الجن قال : أعوذ بسيد هذا الوادي من سفهاء قومه، فيبيت في جوارهم، وأما استمتاع الجن بالإنس هو أنهم قالوا : قد سدنا الإنس مع الجن، حتى عاذوا بنا، فيزدادون شرفاً في قومهم، وعظماً في أنفسهم، وهذا كقوله تعالى : وأنه كان رجال من الإنس يعوذون برجال من الجن فزادوهم رهقاً . وقيل : استمتاع الإنس بالجن، ما كانوا يلقون إليهم من الأراجيف والسحر والكهانة، وتزيينهم لهم الأمور التي يهوونها، حتى يسهل فعلها عليهم، واستمتاع الجن بالإنس طاعة الإنس لهم فيما يزينون لهم من الضلالة والمعاصي. قال محمد بن كعب : هو طاعة بعضهم بعضاً، وموافقة بعضهم لبعض. 
قوله تعالى : وبلغنا أجلنا الذي أجلت لنا ، يعني : القيامة والبعث، 
قوله تعالى : قال  الله تعالى : النار مثواكم  مقامكم. 
قوله تعالى : خالدين فيها إلا ما شاء الله . اختلفوا في هذا الاستثناء كما اختلفوا في قوله : خالدين فيها ما دامت السموات والأرض إلا ما شاء ربك  \[ هود : ١٠٧ \]. قيل : أراد إلا قدر مدة ما بين بعثهم إلى دخولهم جهنم، يعني : هم خالدون في النار إلا هذا المقدار. وقيل : الاستثناء يرجع إلى العذاب، وهو قوله  النار مثواكم ، أي : خالدين في النار سوى ما شاء الله من أنواع العذاب، وقال ابن عباس : الاستثناء يرجع إلى قوم سبق فيهم علم الله أنهم يسلمون فيخرجون من النار، و( ما ) بمعنى ( من ) على هذا التأويل. 
قوله تعالى : إن ربك حكيم عليم ، قيل : عليم بمن استثنى، عليم بما في قلوبهم من البر والتقوى.

### الآية 6:129

> ﻿وَكَذَٰلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ [6:129]

قوله تعالى : وكذلك نولي بعض الظالمين بعضاً بما كانوا يكسبون ، قيل : أي كما خذلنا عصاة الجن والإنس حتى استمتع بعضهم ببعض نولي بعض الظالمين بعضاً، أي : نسلط بعضهم على بعض، فنأخذ من الظالم بالظالم، كما جاء :( من أعان ظالماً سلطه الله عليه ). وقال قتادة : نجعل بعضهم أولياء بعض، فالمؤمن ولي المؤمن أين كان، والكافر ولي الكافر حيث كان. وروي عن معمر عن قتادة : نتبع بعضهم بعضاً في النار، من الموالاة. وقيل : معناه نولي ظلمة الإنس ظلمة الجن، ونولي ظلمة الجن ظلمة الإنس، أي : نكل بعضهم إلى بعض، كقوله تعالى : نوله ما تولى  \[ النساء : ١١٥ \]، وروى الكلبي عن أبي صالح، عن ابن عباس رضي الله عنهما في تفسيرها : هو أن الله تعالى إذا أراد بقوم خيراً ولى أمرهم خيارهم، وإذا أراد بقوم شراً ولى أمرهم شرارهم.

### الآية 6:130

> ﻿يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَٰذَا ۚ قَالُوا شَهِدْنَا عَلَىٰ أَنْفُسِنَا ۖ وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَشَهِدُوا عَلَىٰ أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ [6:130]

قوله تعالى : يا معشر الجن والإنس ألم يأتكم رسل منكم ، واختلفوا في أن الجن هل أرسل إليهم منهم رسول ؟ فسئل الضحاك عنه، فقال : بلى ألم تسمع الله يقول : ألم يأتكم رسل منكم ، يعني : بذلك رسلاً من الإنس، ورسلاً من الجن. قال الكلبي : كانت الرسل من قبل أن يبعث محمد صلى الله عليه وسلم يبعثون إلى الجن وإلى الإنس جميعا. ومحمد الرسول صلى الله عليه وسلم بعث إلى الجن والإنس كافة، قال مجاهد : الرسل من الإنس، والنذر من الجن، ثم قرأ  ولوا إلى قومهم منذرين  \[ الأحقاف : ٢٩ \]، وهم قوم يسمعون كلام الرسل فيبلغون الجن ما سمعوا، وليس للجن رسل، فعلى هذا قوله : رسل منكم  ينصرف إلى أحد الصنفين وهم الإنس، كما قال تعالى : يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان  \[ الرحمن : ٢٢ \]، وإنما يخرج من الملح دون العذاب، وقال : وجعل القمر فيهن نوراً  \[ نوح : ١٦ \]، وإنما هو في سماء واحدة. 
قوله تعالى : يقصون عليكم ، أي : يقرؤون عليكم. 
قوله تعالى : آياتي ، كتبي. 
قوله تعالى : وينذرونكم لقاء يومكم هذا ، وهو يوم القيامة. 
قوله تعالى : قالوا شهدنا على أنفسنا ، أنهم قد بلغوا، قال مقاتل : وذلك حين شهدت عليهم جوارحهم بالشرك والكفر. 
قوله تعالى : وغرتهم الحياة الدنيا ، حتى لم يؤمنوا. 
قوله تعالى : وشهدوا على أنفسهم أنهم كانوا كافرين .

### الآية 6:131

> ﻿ذَٰلِكَ أَنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَىٰ بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا غَافِلُونَ [6:131]

قوله تعالى : ذلك أن لم يكن ربك مهلك القرى بظلم ، أي : ذلك الذي قصصنا عليك من أمر الرسل وعذاب من كذبهم، لأنه لم يكن ربك مهلك القرى بظلم، أي : لم يكن يهلكهم بظلم، أي : بشرك من أشرك. قوله تعالى : وأهلها غافلون ، لم يهلكوا حتى نبعث إليهم رسلاً ينذرونهم. وقال الكلبي : لم يهلكهم بذنوبهم من قبل أن يأتيهم الرسل. وقيل : معناه لم يكن ليهلكهم دون التنبيه والتذكير بالرسل، فيكون قد ظلمهم، وذلك أن الله تعالى أجرى السنة أن لا يأخذ أحداً إلا بعد وجود الذنب، وإنما يكون مذنباً إذا أمر فلم يأتمر، ونهى فلم ينته، وذلك يكون بعد إنذار الرسل.

### الآية 6:132

> ﻿وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا ۚ وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ [6:132]

قوله تعالى : ولكل درجات مما عملوا ، يعني في الثواب والعقاب على قدر أعمالهم في الدنيا، فمنهم من هو أشد عذاباً، ومنهم من هو أجزل ثواباً. 
قوله تعالى : وما ربك بغافل عما يعملون ، قرأ ابن عامر  تعملون  بالتاء، والباقون بالياء.

### الآية 6:133

> ﻿وَرَبُّكَ الْغَنِيُّ ذُو الرَّحْمَةِ ۚ إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَسْتَخْلِفْ مِنْ بَعْدِكُمْ مَا يَشَاءُ كَمَا أَنْشَأَكُمْ مِنْ ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِينَ [6:133]

قوله تعالى : وربك الغني ، عن خلقه. 
قوله تعالى : ذو الرحمة ، قال ابن عباس : بأوليائه وأهل طاعته، وقال الكلبي : بخلقه ذو التجاوز. 
قوله تعالى : إن يشأ يذهبكم ، يهلككم، وعيد لأهل مكة. 
قوله تعالى : ويستخلف ، ويخلف وينشئ. 
قوله تعالى : من بعدكم ما يشاء . خلقاً غيركم أمثل وأطوع. 
قوله تعالى : كما أنشأكم من ذرية قوم آخرين ، أي : آبائهم الماضين قرناً بعد قرن.

### الآية 6:134

> ﻿إِنَّ مَا تُوعَدُونَ لَآتٍ ۖ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ [6:134]

قوله تعالى : إن ما توعدون ، أي : ما توعدون من مجيء الساعة والحشر، 
قوله تعالى : لآت  كائن. 
قوله تعالى : وما أنتم بمعجزين ، أي : بفائتين، يعني : يدرككم حيث ما كنتم.

### الآية 6:135

> ﻿قُلْ يَا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلَىٰ مَكَانَتِكُمْ إِنِّي عَامِلٌ ۖ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ تَكُونُ لَهُ عَاقِبَةُ الدَّارِ ۗ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ [6:135]

قوله تعالى : قل  يا محمد. 
قوله تعالى : يا قوم اعملوا على مكانتكم ، قرأ أبو بكر عن عاصم  مكاناتكم  بالجمع حيث كان، أي : على تمكنكم. قال عطاء : على حالاتكم التي أنتم عليها. قال الزجاج : اعملوا على ما أنتم عليه. يقال للرجل إذا أمر أن يثبت على حاله : على مكانتك يا فلان، أي : اثبت على ما أنت عليه، وهذا أمر وعيد على المبالغة، يقول الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم : قل لهم اعملوا على ما أنتم عاملون. 
قوله تعالى : إني عامل ، ما أمرني به ربي عز وجل. 
قوله تعالى : فسوف تعلمون من تكون له عاقبة الدار ، أي : الجنة، قرأ حمزة و الكسائي : يكون  بالياء هنا وفي القصص، وقرأ الآخرون بالتاء لتأنيث العاقبة. 
قوله تعالى : إنه لا يفلح الظالمون ، قال ابن عباس : معناه لا يسعد من كفر بي وأشرك. قال الضحاك : لا يفوز.

### الآية 6:136

> ﻿وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعَامِ نَصِيبًا فَقَالُوا هَٰذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَٰذَا لِشُرَكَائِنَا ۖ فَمَا كَانَ لِشُرَكَائِهِمْ فَلَا يَصِلُ إِلَى اللَّهِ ۖ وَمَا كَانَ لِلَّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلَىٰ شُرَكَائِهِمْ ۗ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ [6:136]

قوله تعالى : وجعلوا لله مما ذرأ من الحرث والأنعام نصيباً  الآية، كان المشركون يجعلون لله من حروثهم وأنعامهم وثمارهم، وسائر أموالهم نصيباً، وللأوثان نصيباً، فما جعلوه لله صرفوه إلى الضيفان والمساكين، وما جعلوه للأصنام أنفقوه على الأصنام وخدمها، فإن سقط شيء مما جعلوه لله تعالى في نصيب الأوثان تركوه وقالوا : إن الله غني عن هذا، وإن سقط شيء من نصيب الأصنام فيما جعلوه لله ردوه إلى الأوثان، وقالوا : إنها محتاجة، وكان إذا هلك أو انتقص شيء مما جعلوه لله لم يبالوا به، وإذا هلك أو انتقص شيء مما جعلوا للأصنام جبروه بما جعلوه لله، فذلك قوله تعالى : وجعلوا لله مما ذرأ  من خلق الحرث والأنعام نصيبا، وفيه اختصار مجازه : وجعلوا لله نصيباً ولشركائهم نصيباً. 
قوله تعالى : فقالوا هذا لله بزعمهم ، قرأ الكسائي ( بزعمهم ) بضم الزاي، والباقون بفتحها، وهما لغتان، وهو القول من غير حقيقة. 
قوله تعالى : وهذا لشركائنا ، يعني : الأوثان. 
قوله تعالى : فما كان لشركائهم فلا يصل إلى الله وما كان لله فهو يصل إلى شركائهم  ومعناه : ما قلنا أنهم كانوا يتمون ما جعلوا للأوثان مما جعلوه لله، ولا يتمون ما جعلوه لله مما جعلوه للأوثان، وقال قتادة : كانوا إذا أصابتهم سنة استعانوا بما جزؤوا لله، وأكلوا منه، فوفروا ما جزؤوا لشركائهم ولم يأكلوا منه. 
قوله تعالى : ساء ما يحكمون ، أي : بئس ما يقضون.

### الآية 6:137

> ﻿وَكَذَٰلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلَادِهِمْ شُرَكَاؤُهُمْ لِيُرْدُوهُمْ وَلِيَلْبِسُوا عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ ۖ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا فَعَلُوهُ ۖ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ [6:137]

قوله تعالى : وكذلك زين لكثير من المشركين ، أي : كما زين لهم تحريم الحرث والأنعام كذلك زين لكثير من المشركين. 
قوله تعالى : قتل أولادهم شركاؤهم ، قال مجاهد : شركاؤهم، أي : شياطينهم زينوا وحسنوا لهم وأد البنات خيفة العيلة، سميت الشياطين شركاء لأنهم أطاعوهم في معصية الله، وأضيف شركاء إليهم لأنهم اتخذوها. 
وقال الكلبي : شركاؤهم : سدنة آلهتهم الذين كانوا يزينون للكفار قتل الأولاد، وكان الرجل منهم يحلف لئن ولد له كذا غلاماً لينحرن أحدهم كما حلف عبد المطلب على ابنه عبد الله. وقرأ ابن عامر :( زين ) بضم الزاي وكسر الياء، ( قتل ) رفع ( أولادهم ) نصب، ( شركائهم ) بالخفض على التقديم، كأنه قال : زين لكثير من المشركين قتل شركائهم أولادهم، فصل بين الفعل وفاعله بالمفعول به، وهم الأولاد، كما قال الشاعر :
فزججته متمكنا \*\*\* زج القلوص أبي مزاده
أي : زج أبي مزادة القلوص، فأضيف الفعل وهو القتل إلى الشركاء، وإن لم يتولوا ذلك، لأنهم هم الذين زينوا ذلك ودعوا إليه، فكأنهم فعلوه. 
قوله تعالى : ليردوهم ، ليهلكوهم. 
قوله تعالى : وليلبسوا عليهم ، ليخلطوا عليهم. 
قوله تعالى : دينهم ، قال ابن عباس : ليدخلوا عليهم الشك في دينهم، وكانوا على دين إسماعيل فرجعوا عنه بلبس الشياطين. 
قوله تعالى : ولو شاء الله ما فعلوه ، أي : لو شاء الله لعصمهم حتى ما فعلوا ذلك من تحريم الحرث والأنعام وقتل الأولاد. 
قوله تعالى : فذرهم  يا محمد. 
قوله تعالى : وما يفترون ، يختلقون من الكذب، فإن الله تعالى لهم بالمرصاد.

### الآية 6:138

> ﻿وَقَالُوا هَٰذِهِ أَنْعَامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ لَا يَطْعَمُهَا إِلَّا مَنْ نَشَاءُ بِزَعْمِهِمْ وَأَنْعَامٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُهَا وَأَنْعَامٌ لَا يَذْكُرُونَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا افْتِرَاءً عَلَيْهِ ۚ سَيَجْزِيهِمْ بِمَا كَانُوا يَفْتَرُونَ [6:138]

قوله تعالى : وقالوا  يعني : المشركين. 
قوله تعالى : هذه أنعام وحرث حجر ، أي حرام، يعني : ما جعلوا لله ولآلهتهم من الحرث والأنعام على ما مضى ذكره. 
وقال مجاهد : يعني بالأنعام : البحيرة والسائبة والوصيلة والحام. 
قوله تعالى : لا يطعمها إلا من نشاء بزعمهم ، يعنون الرجال دون النساء. 
قوله تعالى : وأنعام حرمت ظهورها ، هي : الحوامي كانوا لا يركبونها. 
قوله تعالى : وأنعام لا يذكرون اسم الله عليها ، أي : يذبحونها باسم الأصنام لا باسم الله، وقال أبو وائل : معناه لا يحجون عليها ولا يركبونها لفعل الخير، لأنه جرت العادة بذكر اسم الله على فعل الخير عبر بذكر الله تعالى عن فعل الخير. 
قوله تعالى : افتراء عليه  يعني : أنهم يفعلون ذلك، ويزعمون أن الله أمرهم به افتراءً. 
قوله تعالى : سيجزيهم بما كانوا يفترون .

### الآية 6:139

> ﻿وَقَالُوا مَا فِي بُطُونِ هَٰذِهِ الْأَنْعَامِ خَالِصَةٌ لِذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ عَلَىٰ أَزْوَاجِنَا ۖ وَإِنْ يَكُنْ مَيْتَةً فَهُمْ فِيهِ شُرَكَاءُ ۚ سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ ۚ إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ [6:139]

قوله تعالى : وقالوا ما في بطون هذه الأنعام خالصة لذكورنا ومحرم على أزواجنا ، أي : نسائنا. 
قال ابن عباس وقتادة، والشعبي : أراد أجنة البحائر والسوائب، فما ولد منها حياً فهو خالص للرجال دون النساء، وما ولد ميتاً أكله الرجال والنساء جميعاً. وأدخل الهاء في  خالصة  للتأكيد كالخاصة والعامة، كقولهم : نسابة، وعلامة، وقال الفراء رحمه الله : أدخلت الهاء لتأنيث الأنعام لأن ما في بطونها مثلها فأنثت بتأنيثها. وقال الكسائي : خالص وخالصة واحد، مثل وعظ وموعظة. 
قوله تعالى : وإن يكن ميتةً ، قرأ ابن عامر وأبو جعفر : تكن  بالتاء  ميتة  رفع ذكر الفعل بعلامة التأنيث، لأن الميتة في اللفظ مؤنثة. وقرأ أبو بكر عن عاصم :( تكن ) بالتاء ( ميتة ) نصب، أي : وإن تكن الأجنة ميتة، وقرأ ابن كثير : وإن يكن  بالياء  ميتة  رفع، لأن المراد بالميتة الميت، أي : وإن يقع ما في البطون ميتاً، وقرأ الآخرون : وإن يكن  بالياء  ميتة  نصب، رده إلى ما، أي : وإن يكن ما في البطون ميتة، يدل عليه أنه قال : فهم فيه شركاء ، ولم يقل فيها، وأراد أن الرجال والنساء فيه شركاء. 
قوله تعالى : سيجزيهم وصفهم ، أي : بوصفهم، أو على وصفهم الكذب على الله. قوله تعالى : إنه حكيم عليم .

### الآية 6:140

> ﻿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلَادَهُمْ سَفَهًا بِغَيْرِ عِلْمٍ وَحَرَّمُوا مَا رَزَقَهُمُ اللَّهُ افْتِرَاءً عَلَى اللَّهِ ۚ قَدْ ضَلُّوا وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ [6:140]

قوله تعالى : قد خسر الذين قتلوا أولادهم . قرأ ابن عامر وابن كثير  قتلوا  بتشديد التاء على التكثير، وقرأ الآخرون بالتخفيف. 
قوله تعالى : سفهاً ، جهلاً. 
قوله تعالى : بغير علم ، نزلت في ربيعة ومضر وبعض العرب من غيرهم، كانوا يدفنون البنات أحياء مخافة السبي والفقر، وكان بنو كنانة لا يفعلون ذلك. 
قوله تعالى : وحرموا ما رزقهم الله ، يعني : البحيرة والسائبة والوصيلة والحام. قوله تعالى : افتراءً على الله ، حيث قالوا : إن الله أمرهم بها. 
قوله تعالى : قد ضلوا وما كانوا مهتدين .

### الآية 6:141

> ﻿۞ وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ جَنَّاتٍ مَعْرُوشَاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ مُخْتَلِفًا أُكُلُهُ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُتَشَابِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ ۚ كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ ۖ وَلَا تُسْرِفُوا ۚ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ [6:141]

قوله تعالى : وهو الذي أنشأ جنات  بساتين. 
قوله تعالى : معروشات وغير معروشات  أي : مسموكات مرفوعات وغير مرفوعات. وقال ابن عباس : معروشات : ما انبسط على وجه الأرض. فانتشر مما يعرش مثل : الكرم والقرع والبطيخ وغيرها. وغير معروشات : ما قام على ساق ونسق، مثل : النخل والزرع وسائر الأشجار. 
وقال الضحاك : كلاهما من الكرم خاصة، منها ما عرش ومنها ما لم يعرش. 
قوله تعالى : والنخل والزرع ، أي : وأنشأ النخل والزرع. 
قوله تعالى : مختلفاً أكله ، ثمره وطعمه، منها الحلو والحامض، والجيد، والرديء. قوله تعالى : والزيتون والرمان متشابهاً ، في النظر. 
قوله تعالى : وغير متشابه ، في المطعم مثل الرمانتين لونهما واحد وطعمهما مختلف. 
قوله تعالى : كلوا من ثمره إذا أثمر ، هذا أمر إباحة. 
قوله تعالى : وآتوا حقه يوم حصاده ، قرأ أهل البصرة وابن عامر وعاصم  حصاده  بفتح الحاء، وقرأ الآخرون بكسرها ومعناهما واحد، كالصرام والصرام، والجذار والجذاز. واختلفوا في هذا الحق، فقال ابن عباس، وطاووس، والحسن، وجابر بن زيد، وسعيد بن المسيب : إنها الزكاة المفروضة من العشر ونصف العشر. وقال علي ابن الحسين، وعطاء، ومجاهد، وحماد، والحكم : هو حق في المال سوى الزكاة، أمر بإتيانه، لأن الآية مكية وفرضت الزكاة بالمدينة. قال إبراهيم : هو الضغث، وقال الربيع : لقاط السنبل. وقال مجاهد : كانوا يعلقون العذق عند الصرام فيأكل منه من مر. وقال يزيد بن الأصم : كان أهل المدينة إذا صرموا يجيئون بالعذق فيعلقونه في جانب المسجد، فيجيء المسكين فيضربه بعصاه فيسقط منه فيأخذه. وقال سعيد بن جبير : كان هذا حقاً يؤمر بإتيانه في ابتداء الإسلام، فصار منسوخاً بإيجاب العشر. قال مقسم عن ابن عباس : نسخت الزكاة كل نفقة في القرآن. 
قوله تعالى : ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين ، قيل : أراد بالإسراف إعطاء الكل. قال ابن عباس في رواية الكلبي : عمد ثابت بن قيس بن شماس فصرم خمسمائة نخلة وقسمها في يوم واحد ولم يترك لأهله شيء، فأنزل الله عز وجل هذه الآية. قال السدي : لا تسرفوا  أي لا تعطوا أموالكم فتقعدوا فقراء. قال الزجاج : على هذا إذا أعطى الإنسان كل ماله ولم يوصل إلى عياله شيئاً فقد أسرف، لأنه قد جاء في الخبر ( أبدأ بمن تعول ). وقال سعيد بن المسيب : معناه لا تمنعوا الصدقة. فتأويل هذه الآية على هذا لا تتجاوز الحد في البخل والإمساك حتى تمنعوا الواجب من الصدقة. وقال مقاتل : لا تشركوا الأصنام في الحرث والأنعام. وقال الزهري : لا تنفقوا في المعصية. وقال مجاهد : الإسراف ما قصرت به عن حق الله عز وجل، وقال : لو كان أبو قيس ذهباً لرجل فأنفقه في طاعة الله لم يكن مسرفاً، ولو أنفق درهماً أو مداً في معصية الله كان مسرفاً، وقال إياس بن معاوية : ما جاوزت به أمر الله فهو سرف وإسراف. وروى ابن وهب عن أبي زيد قال : الخطاب للسلاطين، يقول : لا تأخذوا فوق حقكم.

### الآية 6:142

> ﻿وَمِنَ الْأَنْعَامِ حَمُولَةً وَفَرْشًا ۚ كُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ ۚ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ [6:142]

قوله تعالى : ومن الأنعام ، أي : وأنشأ من الأنعام. 
قوله تعالى : حمولةً ، وهي كل ما يحمل عليها من الإبل. 
قوله تعالى : وفرشاً ، هي الصغار من الإبل التي لا تحمل. 
قوله تعالى : كلوا مما رزقكم الله ولا تتبعوا خطوات الشيطان ، لا تسلكوا طريقه وآثاره في تحريم الحرث والأنعام. 
قوله تعالى : إنه لكم عدو مبين .

### الآية 6:143

> ﻿ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ ۖ مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ ۗ قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الْأُنْثَيَيْنِ ۖ نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ [6:143]

قوله تعالى : إنه لكم عدو مبين  ثم بين الحمولة والفرش فقال : ثمانية أزواج ، نصبها على البدل من الحمولة والفرش، أي : وأنشأ من الأنعام ثمانية أزواج أصناف. قوله تعالى : من الضأن اثنين  أي : الذكر والأنثى، فالذكر زوج والأنثى زوج، والعرب تسمي الواحد زوجاً إذا كان لا ينفك عن الآخر، والضأن النعاج، وهي ذوات الصوف من الغنم، والواحد ضائن، والأنثى ضائنة، والجمع ضوائن. 
قوله تعالى : ومن المعز اثنين ، قرأ ابن كثير، وابن عامر، وأهل البصرة  من المعز  بفتح العين، والباقون بسكونها، والمعز والمعزى جمع لا واحد له من لفظه، وهي ذوات الشعر من الغنم، وجمع الماعز معزى، وجمع الماعزة مواعز. 
قوله تعالى : قل  يا محمد. 
قوله تعالى : آلذكرين حرم ، الله عليكم ؟ يعني ذكر الضأن والمعز. 
قوله تعالى : أم الأنثيين ، يعني أنثى الضأن والمعز. 
قوله تعالى : أما اشتملت عليه أرحام الأنثيين ، منهما، فإنها لا تشتمل إلا على ذكر أو أنثى. 
قوله تعالى : نبئوني ، أخبروني. 
قوله تعالى : بعلم  قال الزجاج : فسروا ما حرمتم بعلم. 
قوله تعالى : إن كنتم صادقين  أن الله تعالى حرم هذا.

### الآية 6:144

> ﻿وَمِنَ الْإِبِلِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْبَقَرِ اثْنَيْنِ ۗ قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الْأُنْثَيَيْنِ ۖ أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ وَصَّاكُمُ اللَّهُ بِهَٰذَا ۚ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَىٰ عَلَى اللَّهِ كَذِبًا لِيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ ۗ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ [6:144]

قوله تعالى : ومن الإبل اثنين ومن البقر اثنين قل آلذكرين حرم أم الأنثيين أما اشتملت عليه أرحام الأنثيين ، وذلك أنهم كانوا يقولون : هذه أنعام وحرث حجر، وقالوا : ما في بطون هذه الأنعام خالصة لذكورنا ومحرم على أزواجنا، وحرموا البحيرة والسائبة والوصيلة والحام، كانوا يحرمون بعضها على الرجال والنساء، وبعضها على النساء دون الرجال، فلما قام الإسلام وثبتت الأحكام جادلوا النبي صلى الله عليه وسلم، وكان خطيبهم مالك بن عوف أبو الأحوص الجشمي، فقال : يا محمد بلغنا أنك تحرم أشياء مما كان آباؤنا يفعلونه، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : إنكم قد حرمتم أصنافاً من الغنم على غير أصل، وإنما خلق الله هذه الأزواج الثمانية للأكل والانتفاع بها، فمن أين جاء هذا التحريم ؟ من قبل الذكر أم من قبل الأنثى ؟ فسكت مالك ابن عوف وتحير فلم يتكلم. 
فلو قال : جاء هذا التحريم بسبب الذكور وجب أن يحرم جميع الذكور، وإن كان بسبب الأنوثة وجب أن يحرم جميع الإناث، وإن كان باشتمال الرحم عليه فينبغي أن يحرم الكل، لأن الرحم لا يشتمل إلا على ذكر أو أنثى، فأما تخصيص التحريم بالولد الخامس أو السابع أو بالبعض فمن أين ؟ ويروى أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لمالك : مالك يا مالك لا تتكلم ؟ قال له مالك : بل تكلم وأسمع منك. 
قوله تعالى : أم كنتم شهداء إذ وصاكم الله بهذا فمن أظلم ممن افترى على الله كذباً يضل الناس بغير علم ، قيل : أراد به : عمرو بن لحي ومن جاء بعده على طريقته. 
قوله تعالى : إن الله لا يهدي القوم الظالمين .

### الآية 6:145

> ﻿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَىٰ طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ ۚ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ [6:145]

ثم بين أن التحريم والتحليل يكون بالوحي والتنزيل، فقال : قل لا أجد في ما أوحي إلي محرما . أي شيء محرما، وروي أنهم قالوا : فما المحرم إذاً فنزل : قل  يا محمد  لا أجد في ما أوحي إلي محرما . 
قوله تعالى : على طاعم يطعمه ، آكل يأكله. 
قوله تعالى : إلا أن يكون ميتةً ، قرأ ابن عامر وأبو جعفر  تكون  بالتاء،  ميتة  رفع أي : إلا أن تقع ميتة، وقرأ ابن كثير وحمزة  تكون  بالتاء،  ميتة  نصب على تقدير اسم مؤنث، أي : إلا أن تكون النفس، أو : الجثة ميتة، وقرأ الباقون  يكون  بالياء  ميتة  نصب، يعني إلا أن يكون المطعوم ميتة. 
قوله تعالى : أو دماً مسفوحاً ، أي : مهراقاً سائلاً، قال ابن عباس : يريد ما خرج من الحيوان، وهن أحياء، وما يخرج من الأوداج عند الذبح، ولا يدخل فيه الكبد والطحال، لأنهما جامدان، وقد جاء الشرع بإباحتهما، ولا ما اختلط باللحم من الدم، لأنه غير سائل. قال عمران بن جرير : سألت أبا مجلز عما يختلط باللحم من الدم، وعن القدر يرى فيهما حمرة الدم، فقال : لا بأس به، إنما نهى عن الدم المسفوح. وقال إبراهيم : لا بأس بالدم في عرق أو مخ، إلا المسفوح الذي تعمد ذلك. وقال عكرمة : لولا هذه الآية لاتبع المسلمون من العروق ما يتبع اليهود. 
قوله تعالى : أو لحم خنزير فإنه رجس أو فسقاً أهل لغير الله به . وهو ما ذبح على غير اسم الله تعالى، فذهب بعض أهل العلم إلى أن التحريم مقصور على هذه الأشياء، يروى ذلك عن عائشة وابن عباس قالوا : ويدخل في الميتة المنخنقة والموقوذة، وما ذكر في أول سورة المائدة. 
وأكثر العلماء على أن التحريم لا يختص بهذه الأشياء، بل المحرم بنص الكتاب ما ذكر هنا، وذلك معنى قوله تعالى : قل لا أجد في ما أوحي إلي محرما ، وقد حرمت السنة أشياء يجب القول بها. منها : ما أخبرنا إسماعيل بن عبد القاهر، ثنا عبد الغافر بن محمد، ثنا محمد بن عيسى الجلودي، ثنا إبراهيم بن محمد بن سفيان، ثنا مسلم بن الحجاج قال : ثنا عبيد الله بن معاذ العنبري، أخبرنا أبي، أنا شعبة عن الحكم، عن ميمون بن مهران، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن كل ذي ناب من السباع، وكل ذي مخلب من الطير. 
أخبرنا أبو الحسن السرخسي، ثنا زاهر بن أحمد، ثنا أبو إسحاق الهاشمي، ثنا أبو مصعب، عن مالك، عن إسماعيل بن أبي حكيم، عن عبيدة بن سفيان الحضرمي، عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :( أكل كل ذي ناب من السباع حرام ). 
والأصل عند الشافعي : أن ما لم يرد فيه نص تحريم أو تحليل، فإن كان مما أمر الشرع بقتله كما قال :( خمس فواسق يقتلن في الحل والحرم )، أو نهى عن قتله، كما روي أنه ( نهى عن قطع النخلة، وقتل النملة فهو حرام ) وما سوى ذلك فالمرجع فيه إلى الأغلب من عادات العرب، فما يأكله الأغلب منهم فهو حلال، وما لا يأكله الأغلب منهم فهو حرام، لأن الله تعالى خاطبهم بقوله : قل أحل لكم الطيبات  فثبت أن ما استطابوه فهو حلال. 
قوله تعالى : فمن اضطر غير باغ ولا عاد فإن ربك غفور رحيم ، أباح الله كل هذه المحرمات عند الاضطرار في غير العدوان.

### الآية 6:146

> ﻿وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ ۖ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا إِلَّا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا أَوِ الْحَوَايَا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ ۚ ذَٰلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِبَغْيِهِمْ ۖ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ [6:146]

قوله تعالى : وعلى الذين هادوا حرمنا  يعني اليهود. 
قوله تعالى : كل ذي ظفر ، وهو ما لم يكن مشقوق الأصابع من البهائم، والطير. مثل : البعير، والنعامة، والأوز، والبط، قال القتيبي : هو كل ذي مخلب من الطير، وكل ذي حافر من الدواب، وحكاه عن بعض المفسرين، وقال : سمي الحافر ظفراً على الاستعارة. 
قوله تعالى : ومن البقر والغنم حرمنا عليهم شحومهما  يعني شحوم الجوف، وهي الثروب، وشحم الكليتين. 
قوله تعالى : إلا ما حملت ظهورهما ، أي : إلا ما علق بالظهر والجنب من داخل بطونهما. 
قوله تعالى : أو الحوايا ، وهي المباعر، واحدتها : حاوية وحوية، أي : ما حملته الحوايا من الشحم. 
قوله تعالى : أو ما اختلط بعظم ، يعني : شحم الألية، هذا كله داخل في الاستثناء، والتحريم مختص بالثرب وشحم الكلية. 
أخبرنا عبد الواحد المليحي، أنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أنا محمد بن يوسف، ثنا محمد بن إسماعيل، ثنا قتيبة، أنا الليث، عن يزيد بن أبي حبيب، عن عطاء بن أبي رباح، عن جابر بن عبد الله أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول عام الفتح وهو بمكة : إن الله ورسوله حرم بيع الخمر والميتة والخنزير، والأصنام. فقيل : يا رسول الله أرأيت شحوم الميتة، فإنه يطلى بها السفن، ويدهن بها الجلود، ويستضيء بها الناس ؟ فقال : لا، هو حرام. 
ثم قال رسول الله عند ذلك : قاتل الله اليهود، إن الله عز وجل لما حرم شحومها جملوه ثم باعوه فأكلوا ثمنه. 
قوله تعالى : ذلك جزيناهم ، أي : ذلك التحريم عقوبة لهم. 
قوله تعالى : ببغيهم ، أي : بظلمهم من قتلهم الأنبياء، وصدهم عن سبيل الله، وأخذهم الربا، واستحلال أموال الناس بالباطل. 
قوله تعالى : وإنا لصادقون ، في الإخبار عما حرمنا عليهم وعن بغيهم.

### الآية 6:147

> ﻿فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ رَبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ وَاسِعَةٍ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُهُ عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ [6:147]

قوله تعالى : فإن كذبوك فقل ربكم ذو رحمة واسعة ، بتأخير العذاب عنكم. 
قوله تعالى : ولا يرد بأسه  عذابه. 
قوله تعالى : عن القوم المجرمين ، إذا جاء وقته.

### الآية 6:148

> ﻿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ ۚ كَذَٰلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّىٰ ذَاقُوا بَأْسَنَا ۗ قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا ۖ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ [6:148]

قوله تعالى : سيقول الذين أشركوا ، لما لزمتهم الحجة، وتيقنوا بطلان ما كانوا عليه من الشرك بالله، وتحريم ما لم يحرمه الله. 
قوله تعالى : لو شاء الله ما أشركنا  نحن. 
قوله تعالى : ولا آباؤنا  من قبل. 
قوله تعالى : ولا حرمنا من شيء ، من البحائر، والسوائب، وغيرهما. أرادوا أن يجعلوا قوله : لو شاء الله ما أشركنا ، حجةً لهم على إقامتهم على الشرك، وقالوا إن الله تعالى قادر على أن يحول بيننا وبين ما نحن عليه حتى لا نفعله، فلولا أنه رضي بما نحن عليه وأراده منا، وأمرنا به، لحال بيننا وبين ذلك، فقال الله تعالى تكذيباً لهم : كذلك كذب الذين من قبلهم ، من كفار الأمم الخالية. 
قوله تعالى : حتى ذاقوا بأسنا ، عذابنا، ويستدل أهل القدر بهذه الآية، يقولون : إنهم لما قالوا : لو شاء الله ما أشركنا  كذبهم الله، ورد عليهم، فقال : كذلك كذب الذين من قبلهم . قلنا : التكذيب ليس في قولهم.  لو شاء الله ما أشركنا ، بل ذلك القول صدق، ولكن في قولهم : إن الله تعالى أمرنا بها، ورضي بما نحن عليه، كما أخبر عنهم في سورة الأعراف  وإذا فعلوا فاحشةً قالوا وجدنا عليها آباءنا والله أمرنا بها ، فالرد عليهم في هذا كما قال تعالى : قل إن الله لا يأمر بالفحشاء . والدليل على أن التكذيب ورد فيما قلنا لا في قولهم : لو شاء الله ما أشركنا ، قوله : كذلك كذب الذين من قبلهم ، بالتشديد، ولو كان ذلك خبراً من الله عز وجل عن كذبهم في قولهم : لو شاء الله ما أشركنا ، لقال : كذلك كذب الذين من قبلهم  بالتخفيف فكان نسبهم إلى الكذب لا إلى التكذيب، وقال الحسن ابن الفضل : لو ذكروا هذه المقالة تعظيماً وإجلالاً لله عز وجل، ومعرفة منهم به لما عابهم بذلك، لأن الله تعالى قال : ولو شاء الله ما أشركوا  وقال : وما كانوا ليؤمنوا إلا أن يشاء الله ، \[ الأنعام : ١١١ \]، والمؤمنون يقولون ذلك، ولكنهم قالوه تكذيباً وتخرصاً، وجدلاً من غير معرفة بالله وبما يقولون، نظيره قوله تعالى : وقالوا لو شاء الرحمن ما عبدناهم  \[ الزخرف : ٢٠ \]، قال الله تعالى : ما لهم بذلك من علم إن هم إلا يخرصون  \[ الأنعام : ١١٦ \]. وقيل في معنى الآية : إنهم كانوا يقولون الحق بهذه الكلمة إلا أنهم كانوا يعدونه عذراً لأنفسهم، ويجعلونه حجة لأنفسهم في ترك الإيمان، ورد عليهم في هذا لأن أمر الله بمعزل عن مشيئته وإرادته، فإنه مريد لجميع الكائنات غير آمر بجميع ما يريد، وعلى العبد أن يتبع أمره وليس له أن يتعلق بمشيئته، فإن مشيئته لا تكون عذراً لأحد. قوله تعالى : قل هل عندكم من علم ، أي : كتاب وحجة من الله. 
قوله تعالى : فتخرجوه لنا ، حتى يظهر ما تدعون على الله تعالى من الشرك و تحريم ما حرمتموه. 
قوله تعالى : إن تتبعون ، ما تتبعون فيما أنتم عليه. 
قوله تعالى : إلا الظن ، من غير علم ويقين. 
قوله تعالى : وإن أنتم إلا تخرصون ، تكذبون.

### الآية 6:149

> ﻿قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ ۖ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ [6:149]

قوله تعالى : قل فلله الحجة البالغة ، التامة على خلقه بالكتاب، والرسول، والبيان. 
قوله تعالى : فلو شاء لهداكم أجمعين ، فهذا يدل على أنه لم يشأ إيمان الكافر، ولو شاء لهداه.

### الآية 6:150

> ﻿قُلْ هَلُمَّ شُهَدَاءَكُمُ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ أَنَّ اللَّهَ حَرَّمَ هَٰذَا ۖ فَإِنْ شَهِدُوا فَلَا تَشْهَدْ مَعَهُمْ ۚ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَهُمْ بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ [6:150]

قوله تعالى : قل هلم ، يقال للواحد والاثنين والجمع هلم. 
قوله تعالى : شهداءكم الذين يشهدون  أي : ائتوا بشهدائكم الذين يشهدون. 
قوله تعالى : أن الله حرم هذا ، هذا راجع إلى ما تقدم من تحريمهم الأشياء على أنفسهم، ودعواهم أن الله أمرهم به. 
قوله تعالى : فإن شهدوا ، وهم كاذبون. 
قوله تعالى : فلا تشهد ، أنت. 
قوله تعالى : معهم ولا تتبع أهواء الذين كذبوا بآياتنا والذين لا يؤمنون بالآخرة وهم بربهم يعدلون ، أي : يشركون.

### الآية 6:151

> ﻿۞ قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ ۖ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا ۖ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا ۖ وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ ۖ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ ۖ وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ ۖ وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ۚ ذَٰلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ [6:151]

قوله تعالى : قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم أن لا تشركوا به شيئا ، وذلك أن المشركين سألوا وقالوا : أي شيء الذي حرم الله تعالى ؟ فقال عز وجل : قل تعالوا أتل  أقرأ  ما حرم ربكم عليكم  حقاً ويقيناً، لا ظناً وكذباً كما تزعمون. فإن قيل : ما معنا قوله : حرم ربكم عليكم أن لا تشركوا به شيئا  والمحرم هو الشرك لا ترك الشرك ؟ قيل : موضع ( أن ) رفع، معناه : هو أن لا تشركوا، وقيل : محله نصب، واختلفوا في وجه انتصابه، قيل : معناه حرم عليكم أن تشركوا، و( لا ) صلة كقوله تعالى  ما منعك أن لا تسجد  \[ الأعراف : ١٢ \]، أي : منعك أن تسجد. وقيل : تم الكلام عند قوله  حرم ربكم  ثم قال : عليكم أن لا تشركوا به شيئاً  على وجه الإغراء. قال الزجاج : يجوز أن يكون هذا محمولاً على المعنى، أي : أتل عليكم تحريم الشرك، وجائز أن يكون على معنى : أوصيكم ألا تشركوا. 
قوله تعالى : وبالوالدين إحساناً ولا تقتلوا أولادكم من إملاق ، فقر. 
قوله تعالى : نحن نرزقكم وإياهم ، أي : لا تئدوا بناتكم خشية العيلة، فإني رازقكم وإياهم. 
قوله تعالى : ولا تقربوا الفواحش ما ظهر منها وما بطن ، ما ظهر يعني : العلانية، وما بطن، يعني السر، وكان أهل الجاهلية يستقبحون الزنا في العلانية ولا يرون به بأساً في السر فحرم الله تعالى الزنا في العلانية والسر. وقال الضحاك : ما ظهر الخمر، وما بطن الزنا. 
قوله تعالى : ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق ، حرم الله تعالى قتل المؤمن، والمعاهد، إلا بالحق، إلا بما يبيح قتله من ردة، أو قصاص، أو زنا يوجب الرجم. أخبرنا أحمد بن عبد الله الصالحي، ثنا أبو بكر أحمد بن الحسين الحيري، ثنا حاجب بن أحمد الطوسي، ثنا محمد بن حماد، ثنا أبو معاوية عن الأعمش، عن عبد الله بن مرة، عن مسروق، عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :( لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله إلا بإحدى ثلاث : الثيب الزاني، والنفس بالنفس، والتارك لدينه المفارق للجماعة ). 
قوله تعالى : ذلكم  الذي ذكرت. 
قوله تعالى : وصاكم به ، أمركم به. 
قوله تعالى : لعلكم تعقلون .

### الآية 6:152

> ﻿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّىٰ يَبْلُغَ أَشُدَّهُ ۖ وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ ۖ لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا ۖ وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَىٰ ۖ وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا ۚ ذَٰلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ [6:152]

قوله تعالى : ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن ، يعني : بما فيه صلاحه وتثميره. وقال مجاهد : هو التجارة فيه. وقال الضحاك : هو أن يبتغي له فيه ولا يأخذ من ربحه شيئاً. 
قوله تعالى : حتى يبلغ أشده ، قال الشعبي ومالك : الأشد : الحلم، حتى يكتب له الحسنات، وتكتب عليه السيئات. قال أبو العالية : حتى يعقل وتجتمع قوته، وقال الكلبي : الأشد ما بين الثماني عشرة سنة إلى ثلاثين سنة. وقيل : إلى أربعين سنة. وقيل : إلى ستين سنة. وقال الضحاك : عشرون سنة. وقال السدي : ثلاثون سنة. وقال مجاهد : الأشد ثلاث وثلاثون سنة. والأشد جمع شد، مثل قد وأقد، وهو استحكام قوة شبابه وسنه، ومنه شد النهار وهو ارتفاعه. وقيل : بلوغ الأشد أن يؤنس رشده بعد البلوغ. وتقدير الآية : ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن  على الأبد حتى يبلغ أشده، فادفعوا إليه ماله إن كان رشيداً. 
قوله تعالى : وأوفوا الكيل والميزان بالقسط ، بالعدل. 
قوله تعالى : لا نكلف نفساً إلا وسعها ، أي : طاقتها في إيفاء الكيل والميزان، لم يكلف المعطي أكثر مما وجب عليه، ولم يكلف صاحب الحق الرضا بأقل من حقه، حتى لا تضيق نفسه عنه، بل أمر كل واحد منهما بما يسعه مما لا حرج عليه فيه. قوله تعالى : وإذا قلتم فاعدلوا ، فاصدقوا في الحكم والشهادة. 
قوله تعالى : ولو كان ذا قربى ، ولو كان المحكوم والمشهود عليه ذا قرابة. 
قوله تعالى : وبعهد الله أوفوا ذلكم وصاكم به لعلكم تذكرون ، تتعظون، قرأ حمزة والكسائي وحفص تذكرون خفيفة الذال، كل القرآن، والآخرون بتشديدها. قال ابن عباس : هذه الآيات محكمات في جميع الكتب، لم ينسخهن شيء وهن محرمات على بني آدم كلهم، وهن أم الكتاب، من عمل بهن دخل الجنة، ومن تركهن دخل النار.

### الآية 6:153

> ﻿وَأَنَّ هَٰذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ ۖ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ۚ ذَٰلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ [6:153]

قوله تعالى : وأن هذا ، أي : هذا الذي وصيتكم به في هاتين الآيتين. 
قوله تعالى : صراطي ، طريقي وديني. 
قوله تعالى : مستقيماً ، مستوياً، قويماً. 
قوله تعالى : فاتبعوه ، قرأ حمزة والكسائي و( إن ) بكسر الألف على الاستئناف، وقرأ الآخرون : بفتح الألف، قال الفراء : والمعنى وأتل عليكم أن هذا صراطي مستقيماً. وقرأ ابن عامر ويعقوب : بسكون النون. 
قوله تعالى : ولا تتبعوا السبل ، أي : الطرق المختلفة التي عدا هذا الطريق، مثل اليهودية والنصرانية، وسائر الملل، وقيل : الأهواء والبدع. 
قوله تعالى : فتفرق ، فتميل. 
قوله تعالى : بكم ، وتشتت. 
قوله تعالى : عن سبيله ، عن طريقه ودينه الذي ارتضى، وبه أوصى. 
قوله تعالى : ذلكم ، الذي ذكرنا. 
قوله تعالى : وصاكم به لعلكم تتقون . 
أخبرنا أبو بكر محمد بن عبد الصمد الراني المعروف بأبي بكر بن أبي الهيثم، أخبرنا الحاكم أبو الفضل محمد بن الحسين الحدادي، ثنا أبو بكر بن يحيى بن خالد، ثنا أبو يعقوب إسحاق بن إبراهيم الحنظلي، ثنا عبد الرحمن ابن مهدي، عن حماد بن زيد، عن عاصم بن بهدلة، عن أبي وائل، عن عبد الله قال : خط لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم خطاً ثم قال : هذا سبيل الله، ثم خط خطوطاً عن يمينه وعن شماله، وقال : هذه سبل، على كل سبيل منها شيطان يدعو إليه، ثم قرأ : وأن هذا صراطي مستقيماً فاتبعوه  الآية.

### الآية 6:154

> ﻿ثُمَّ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ تَمَامًا عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لَعَلَّهُمْ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ [6:154]

قوله تعالى : ثم آتينا موسى الكتاب ، فإن قيل لم ؟ قال : ثم آتينا. 
وحرف ( ثم ) للتعقيب، وإيتاء موسى الكتاب كان قبل مجيء القرآن. قيل : معناه ثم أخبركم أنا آتينا موسى الكتاب، فدخل ( ثم ) لتأخير الخبر لا لتأخير النزول. 
قوله تعالى : تماماً على الذي أحسن ، اختلفوا فيه، قيل : تماماً على المحسنين من قومه، فيكون ( الذي ) بمعنى ( من )، أي : على من أحسن من قومه، وكان بينهم محسن ومسيء، يدل عليه قراءة ابن مسعود : على الذين أحسنوا ، وقال أبو عبيدة : معناه على كل من أحسن، أي : أتممنا فضيلة موسى بالكتاب على المحسنين، يعني : أظهرنا فضله عليهم، والمحسنون هم الأنبياء والمؤمنون، وقيل :( الذي أحسن ) هو موسى، و( الذي ) بمعنى ما، أي : على ما أحسن موسى، تقديره : آتيناه الكتاب، يعني التوراة، إتماماً عليه للنعمة، لإحسانه في الطاعة والعبادة، وتبليغ الرسالة، وأداء الأمر. وقيل : الإحسان بمعنى العلم، وأحسن بمعنى علم، ومعناه : تماماً على الذي أحسن موسى من العلم والحكمة، أي آتيناه الكتاب زيادة على ذلك. وقيل : معناه تماماً مني على إحساني إلى موسى. 
قوله تعالى : وتفصيلاً ، بياناً. 
قوله تعالى : لكل شيء ، يحتاج إليه من شرائع الدين. 
قوله تعالى : وهدىً ورحمةً ، هذا في صفة التوراة. 
قوله تعالى : لعلهم بلقاء ربهم يؤمنون ، قال ابن عباس : كي يؤمنوا بالبعث ويصدقوا بالثواب والعقاب.

### الآية 6:155

> ﻿وَهَٰذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ [6:155]

قوله تعالى : وهذا ، يعني : القرآن. 
قوله تعالى : كتاب أنزلناه  إليك. 
قوله تعالى : مبارك فاتبعوه ، فاعملوا بما فيه. 
قوله تعالى : واتقوا ، وأطيعوا. 
قوله تعالى : لعلكم ترحمون .

### الآية 6:156

> ﻿أَنْ تَقُولُوا إِنَّمَا أُنْزِلَ الْكِتَابُ عَلَىٰ طَائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنَا وَإِنْ كُنَّا عَنْ دِرَاسَتِهِمْ لَغَافِلِينَ [6:156]

قوله تعالى : أن تقولوا ، يعني لئلا تقولوا. كقوله تعالى : يبين الله لكم أن تضلوا ، \[ النساء : ١٧٦ \]، أي : لئلا تضلوا، وقيل معناه : أنزلناه كراهية  أن تضلوا  أن تقولوا. قال الكسائي : معناه : واتقوا أن تقولوا يا أهل مكة. 
قوله تعالى : إنما أنزل الكتاب على طائفتين من قبلنا ، يعني : اليهود والنصارى. 
قوله تعالى : وإن كنا ، وقد كنا. 
قوله تعالى : عن دراستهم ، قراءتهم. 
قوله تعالى : لغافلين ، لا نعلم ما هي، معناه أنزلنا عليكم القرآن لئلا تقولوا إن الكتاب أنزل على من قبلنا بلسانهم ولغتهم، فلم نعرف ما فيه وغفلنا عن دراسته، فتجعلوه عذراً لأنفسكم.

### الآية 6:157

> ﻿أَوْ تَقُولُوا لَوْ أَنَّا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْكِتَابُ لَكُنَّا أَهْدَىٰ مِنْهُمْ ۚ فَقَدْ جَاءَكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ ۚ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَّبَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَصَدَفَ عَنْهَا ۗ سَنَجْزِي الَّذِينَ يَصْدِفُونَ عَنْ آيَاتِنَا سُوءَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُوا يَصْدِفُونَ [6:157]

قوله تعالى : أو تقولوا لو أنا أنزل علينا الكتاب لكنا أهدى منهم ، وقد كان جماعة من الكفار قالوا ذلك لو أنا أنزل علينا ما أنزل على اليهود والنصارى لكنا خيراً منهم. 
قوله تعالى : فقد جاءكم بينة من ربكم ، حجة واضحة، بالغة تعرفونها. 
قوله تعالى : وهدىً ، بيان. 
قوله تعالى : ورحمة ، ونعمة لمن اتبعه. 
قوله تعالى : فمن أظلم ممن كذب بآيات الله وصدف  أعرض. 
قوله تعالى : عنها  سنجزي الذين يصدفون عن آياتنا سوء العذاب }، أي شدة العذاب. قوله تعالى : بما كانوا يصدفون  يعرضون.

### الآية 6:158

> ﻿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ ۗ يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا ۗ قُلِ انْتَظِرُوا إِنَّا مُنْتَظِرُونَ [6:158]

قوله تعالى : هل ينظرون ، أي : هل ينتظرون بعد تكذيبهم الرسل وإنكارهم القرآن. قوله تعالى : إلا أن تأتيهم الملائكة ، لقبض أرواحهم، وقيل : بالعذاب، قرأ حمزة والكسائي، يأتيهم، بالياء هاهنا وفي النحل، والباقون بالتاء. 
قوله تعالى : أو يأتي ربك ، بلا كيف، لفصل القضاء بين خلقه في موقف القيامة. 
قوله تعالى : أو يأتي بعض آيات ربك ، يعني طلوع الشمس من مغربها، عليه أكثر المفسرين، ورواه أبو سعيد الخدري مرفوعا. 
قوله تعالى : يوم يأتي بعض آيات ربك لا ينفع نفساً إيمانها لم تكن آمنت من قبل . أي : لا ينفعهم الإيمان عند ظهور الآية التي تضطرهم إلى الإيمان. 
قوله تعالى : أو كسبت في إيمانها خيراً ، يريد : لا يقبل إيمان كافر ولا توبة فاسق. قوله تعالى : قل انتظروا ، يا أهل مكة. 
قوله تعالى : إنا منتظرون ، بكم العذاب. 
أخبرنا أبو علي حسان بن سعيد المنيعي، ثنا أبو طاهر محمد بن محمد بن محمش الزيادي، ثنا أبو بكر محمد بن الحسين القطان، ثنا أحمد بن يوسف السلمي، ثنا عبد الرزاق، ثنا معمر، عن همام بن منبه، ثنا أبو هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :( لا تقوم الساعة حتى تطلع الشمس من مغربها، فإذا طلعت ورآها الناس آمنوا أجمعون، وذلك حين لا ينفع نفساً إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرا ). 
أخبرنا أحمد بن عبد الله الصالحي، أخبرنا أبو بكر أحمد بن الحسن الحيري، أنا حاجب بن أحمد الطوسي، أنا محمد بن حماد، ثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن عمرو بن مرة، عن عبيدة، عن أبي موسى الأشعري قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :( يدا الله يبسطان لمسيء الليل ليتوب بالنهار، ولمسيء النهار ليتوب بالليل، حتى تطلع الشمس من مغربها ). 
أخبرنا عبد الواحد المليحي، ثنا أبو منصور محمد بن محمد بن سمعان، أخبرنا أبو جعفر محمد بن أحمد بن عبد الجبار الزياتي، أنا حميد بن زنجويه، أنا النضر بن شميل، أنا هشام، عن ابن سيرين، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :( من تاب قبل أن تطلع الشمس من مغربها تاب الله عليه ). أخبرنا عبد الواحد المليحي، أنا أبو منصور السمعاني، أنا أبو جعفر الزياتي، أنا حميد بن زنجويه، أنا أحمد بن عبد الله، أنا حماد بن زيد، أنا عاصم بن أبي النجود، عن زر بن حبيش قال : أتيت صفوان بن عسال المرادي فذكر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم :( إن الله عز وجل جعل بالمغرب باباً مسيرة عرضه سبعون عاماً للتوبة لا يغلق ما لم تطلع الشمس من قبله ). وذلك قول الله تعالى : يوم يأتي بعض آيات ربك لا ينفع نفساً إيمانها لم تكن آمنت من قبل . 
وروى أبو حازم، عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :( ثلاث إذا خرجن لا ينفع نفساً إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيراً : الدجال، والدابة، وطلوع الشمس من مغربها ).

### الآية 6:159

> ﻿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ ۚ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ [6:159]

قوله تعالى : إن الذين فرقوا دينهم ، قرأ حمزة والكسائي : فارقوا بالألف ها وفي سورة الروم، أي : خرجوا من دينهم وتركوه وقرأ الآخرون :( فرقوا ) مشدداً، أي : جعلوا دين الله وهو واحد دين إبراهيم عليه السلام الحنيفية أدياناً مختلفة، فتهود قوم، وتنصر قوم، يدل عليه قوله تعالى : وكانوا شيعا  أي : صاروا فرقاً مختلفة وهم اليهود، والنصارى في قول مجاهد، وقتادة، والسدي. وقيل : هم أصحاب البدع والشبهات من هذه الأمة. وروي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لعائشة :( يا عائشة، إن الذين فارقوا دينهم وكانوا شيعاً هم أصحاب البدع والشبهات من هذه الأمة ). 
حدثنا أبو الفضل زياد بن محمد بن زياد الحنفي، أنا أبو محمد عبد الرحمن بن أحمد بن محمد الأنصاري، أنا أبو عبد الله محمد بن عقيل بن الأزهري البلخي، أنا الزيادي، أنا أحمد بن منصور، أنا الضحاك بن مخلد، أنا ثور بن يزيد، أنا خالد بن معدان، عن عبد الرحمن بن عمر السلمي، عن العرباض بن سارية قال : صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم الصبح فوعظنا موعظةً بليغة ذرفت منها العيون، ووجلت منها القلوب، وقال قائل : يا رسول الله كأنها موعظة مودع فأوصنا : فقال :( أوصيكم بتقوى الله، والسمع والطاعة، وإن كان عبداً حبشياً، فإنه من يعش منكم فسيرى اختلافاً كثيراً، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين، عضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل بدعة ضلالة ). 
وروي عن عبد الله بن عمرو قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :( إن بني إسرائيل تفرقت على اثنين وسبعين فرقة، وتفرق أمتي على ثلاث وسبعين ملة، كلهم في النار إلا واحدة، قالوا : من هي يا رسول الله ؟ قال ما أنا عليه وأصحابي ). قال عبد الله بن مسعود : فإن أحسن الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها. ورواه جابر مرفوعاً إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم. 
قوله تعالى : لست منهم في شيء ، قيل : لست من قتالهم في شيء، نسختها آية القتال، وهذا على قول من يقول : المراد في الآية اليهود والنصارى، ومن قال : أراد بالآية أهل الأهواء قال : المراد من قوله : لست منهم في شيء  أي أنت منهم بريء وهم منك برآء، تقول العرب : إن فعلت كذا فلست مني ولست منك أي : كل واحد منا بريء من صاحبه. 
قوله تعالى : إنما أمرهم إلى الله ، يعني : في الجزاء والمكافآت. 
قوله تعالى : ثم ينبئهم بما كانوا يفعلون ، إذا وردوا للقيامة.

### الآية 6:160

> ﻿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا ۖ وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَىٰ إِلَّا مِثْلَهَا وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ [6:160]

قوله تعالى : من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها ، أي : له عشر حسنات أمثالها، وقرأ يعقوب ( عشر ) منون، ( أمثالها ) بالرفع. 
قوله تعالى : ومن جاء بالسيئة فلا يجزى إلا مثلها وهم لا يظلمون . أخبرنا حسان به سعيد المنيعي، ثنا أبو طاهر محمد بن محمد بن محمش الزيادي، ثنا أبو بكر محمد بن الحسن القطان، ثنا محمد بن يوسف السلمي، ثنا عبد الرزاق، أنا معمر، عن همام بن منبه، ثنا أبو هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :( إذا أحسن أحدكم إسلامه فكل حسنة يعملها تكتب بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف، وكل سيئة يعملها تكتب له بمثلها حتى يلقى الله عز وجل ). 
وأخبرنا إسماعيل بن عبد القاهر الجرجاني ثنا عبد الغافر بن محمد الفارسي، ثنا محمد بن عيسى الجلودي، ثنا إبراهيم بن محمد بن سفيان، ثنا مسلم بن الحجاج، ثنا أبو بكر بن أبي شيبة، ثنا وكيع، ثنا الأعمش، عن المعرور بن سويد، عن أبي ذر رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :( يقول الله تبارك وتعالى : من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها وأزيد، ومن جاء بالسيئة فجزاء سيئة بمثلها أو أغفر، ومن تقرب مني شبراً تقربت منه ذراعاً ومن تقرب مني ذراعاً تقربت منه باعاً، ومن أتاني يمشي أتيته هرولةً، ومن لقيني بقراب الأرض خطيئةً لا يشرك بي شيئاً لقيته بمثلها مغفرة ). 
قال ابن عمر : الآية في غير الصدقات من الحسنات، فأما الصدقات : تضاعف سبعمائة ضعف.

### الآية 6:161

> ﻿قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَىٰ صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا ۚ وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ [6:161]

قوله تعالى : قل إنني هداني ربي إلى صراط مستقيم ديناً قيماً ، قرأ أهل الكوفة والشام :( قيماً ) بكسر القاف وفتح الياء خفيفةً، وقرأ الآخرون بفتح القاف وكسر الياء مشدداً، ومعناهما واحد وهو القويم المستقيم، وانتصابه على معنى هداني ديناً قيماً. قوله تعالى : ملة إبراهيم حنيفاً وما كان من المشركين .

### الآية 6:162

> ﻿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ [6:162]

قوله تعالى : قل إن صلاتي ونسكي ، قيل : أراد بالنسك الذبيحة في الحج والعمرة، وقال مقاتل : نسكي : حجي، وقيل : ديني. قوله تعالى : ومحياي ومماتي ، أي : حياتي ووفاتي. 
قوله تعالى : لله رب العالمين ، أي : هو يحييني ويميتني، وقيل : محياي بالعمل الصالح، ومماتي إذا مت على الإيمان لله رب العاملين، وقيل : طاعتي في حياتي لله، وجزائي بعد مماتي من الله رب العالمين. قرأ أهل المدينة : محياي  بسكون الياء، و مماتي  بفتحها، وقراءة العامة  محياي  بفتح الياء لئلا يجتمع ساكنان.

### الآية 6:163

> ﻿لَا شَرِيكَ لَهُ ۖ وَبِذَٰلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ [6:163]

قوله تعالى : لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين ، قال قتادة : وأنا أول المسلمين من هذه الأمة.

### الآية 6:164

> ﻿قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبًّا وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ ۚ وَلَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْهَا ۚ وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ ۚ ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ [6:164]

قوله تعالى : قل أغير الله أبغي رباً ، قال ابن عباس رضي الله عنهما : سيداً وإلهاً. 
قوله تعالى : وهو رب كل شيء ، وذلك أن الكفار كانوا يقولون للنبي صلى الله عليه وسلم : ارجع إلى ديننا. قال ابن عباس : كان الوليد بن المغيرة يقول : اتبعوا سبيلي أحمل عنكم أوزاركم. 
قوله تعالى : ولا تكسب كل نفس إلا عليها ، لا تجني كل نفس إلا ما كان من إثمه على الجاني. 
قوله تعالى : ولا تزر وازرة وزر أخرى ، أي لا تحمل نفس حمل أخرى، أي : لا يؤاخذ أحد بذنب غيره. 
قوله تعالى : ثم إلى ربكم مرجعكم فينبئكم بما كنتم فيه تختلفون .

### الآية 6:165

> ﻿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ الْأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ ۗ إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ [6:165]

قوله تعالى : وهو الذي جعلكم خلائف الأرض ، يعني : أهلك القرون الماضية وأورثكم الأرض يا أمة محمد صلى الله عليه وسلم من بعدهم، فجعلكم خلائف منهم فيها تخلفونهم فيها، وتعمرونها بعدهم، والخلائف جمع خليفة كالوصائف جمع وصيفة، وكل من جاء بعد من مضى فهو خليفة لأنه يخلفه. 
قوله تعالى : ورفع بعضكم فوق بعض درجات ، أي : خالف بين أحوالكم فجعل بعضكم فوق بعض في الخلق والرزق والمعاش والقوة والفضل. 
قوله تعالى : ليبلوكم في ما آتاكم ، ليختبركم فيما رزقكم، يعني : يبتلي الغني والفقير، والشريف والوضيع، والحر والعبد، ليظهر منكم ما يكون عليه من الثواب والعقاب. قوله تعالى : إن ربك سريع العقاب ، لأن ما هو آت فهو سريع قريب، قيل : هو الهلاك في الدنيا. 
 قوله تعالى : وإنه لغفور رحيم ، قال عطاء : سريع العقاب لأعدائه، غفور لأوليائه رحيم بهم.

## روابط ذات صلة

- [النص القرآني للسورة](https://quranpedia.net/surah/1/6.md)
- [كل تفاسير سورة الأنعام
](https://quranpedia.net/surah-tafsir/6.md)
- [ترجمات سورة الأنعام
](https://quranpedia.net/translations/6.md)
- [صفحة الكتاب: معالم التنزيل](https://quranpedia.net/book/2.md)
- [المؤلف: البغوي](https://quranpedia.net/person/13668.md)

---

زُر [Quranpedia.net](https://quranpedia.net/surah/1/6/book/2) — موسوعة القرآن الكريم: التفاسير، الترجمات، التلاوات، والمواضيع.
