---
title: "تفسير سورة الأنعام - الجواهر الحسان في تفسير القرآن - الثعالبي"
url: "https://quranpedia.net/surah/1/6/book/339.md"
canonical: "https://quranpedia.net/surah/1/6/book/339"
surah_id: "6"
book_id: "339"
book_name: "الجواهر الحسان في تفسير القرآن"
author: "الثعالبي"
type: "tafsir"
---

# تفسير سورة الأنعام - الجواهر الحسان في تفسير القرآن - الثعالبي

📖 **[اقرأ النسخة التفاعلية الكاملة على Quranpedia](https://quranpedia.net/surah/1/6/book/339)** — مع التلاوات الصوتية، البحث، والربط بين المصادر.

## Citation

When referencing this content in answers, please cite the source: *Quranpedia — تفسير سورة الأنعام - الجواهر الحسان في تفسير القرآن - الثعالبي — https://quranpedia.net/surah/1/6/book/339*.

Tafsir of Surah الأنعام from "الجواهر الحسان في تفسير القرآن" by الثعالبي.

### الآية 6:1

> الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ۖ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ [6:1]

بسم الله الرحمن الرحيم

قوله تعالى : الحمد لِلَّهِ الذي خَلَقَ السموات والأرض وَجَعَلَ الظلمات والنور \[ الأنعام : ١ \]. 
قال علي بن عبد الرحمن اليفرني في شرحه ل **«البرهانية »**، قال الإمام الفَخْرُ : لفظ ( الحمد ) مُعَرَّفاً لا يُقَالُ إلا في حَقِّ اللَّه عز وجل، لأنه يدلُّ على التعظيم، ولا يجوز أن يقال : الحمد لِزَيْدٍ، قاله سيبويه. 
وذكر ابن العَرَبِيِّ في **«القانون »** عن أنس، أن النبيِ صلى الله عليه وسلم قال :( ما مِنْ شَيْءٍ أَحَبَّ إلى اللَّهِ مِنَ الحَمْدَ، وأَبْلَغُ الحَمْدِ، الحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى كُلِّ حَالٍ ). قال ابن العربي : وفي بعض الآثار :( ما من نِعْمَةٍ عَظْمَتْ إلا والحمد للَّه أعْظَمُ منها )، انتهى. 
قال ( ع ) : و جَعَلَ  هاهنا بمعنى :**«خلق »**، ولا يجوز غَيْرُ ذلك، قال قتادة، والسُّدِّيُّ، وجمهور من المفسرين :( الظلمات ) الليل، ( والنور ) النهار، وقالت فرقة :( الظُّلمات ) الكُفْرُ، ( والنور ) الإيمان. 
قال ( ع ) : وهذا على جهة التَّشْبِيهِ صحيح، وعلى ما يفهمه عُبَّادُ الأوثان غير جيد، لأنه إخراج لَفْظ بين في اللغة عن ظاهره الحقيقي إلى بَاطِنٍ لغير ضَرُورَةٍ، وهذا هو طريق اللُّغْزِ الذي بَرِئَ القُرْآنُ منه، والنور أيضاً هنا لِلْجِنْسِ. 
وقوله تعالى : ثُمَّ  دالة على قُبْحِ فعل الذين كَفَرُوا، لأن المعنى : أن خلقه السَّمَوَاتِ والأَرْض، وغيرها الموجبة لحمده، وتوحيده، قد تقرر، وآياته قد سَطَعَتْ، وإنعامه بِذَلِكَ على العباد قد تَبَيَّنَ، فكان الواجب عليهم إخْلاَصَ التوحيد له، ثم هم بعد هذا كله  بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ  أي : يُسَوّون، ويمثلون، وعدل الشيء قرينه ومَثِيلُهُ. 
و الذين كَفَرُواْ  في هذا المَوْضِعِ كل من عَبَدَ شَيْئاً سوى اللَّه، إلا أن السَّابِقَ من حال النبي صلى الله عليه وسلم أن الإشَارَةَ إلى عَبَدَةِ الأوثان من العرب، لمجاورتهم له، ولفظ الآية أيضاً يشير إلى المَانَوِيَّةِ العابدين للنور، القائلين : أن الخَيْرَ من فِعْلِ النور، والشر من فِعْلِ الظلام.

### الآية 6:2

> ﻿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ ثُمَّ قَضَىٰ أَجَلًا ۖ وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ ۖ ثُمَّ أَنْتُمْ تَمْتَرُونَ [6:2]

قوله تعالى : هُوَ الذي خَلَقَكُمْ مّن طِينٍ \[ الأنعام : ٢ \]. 
فالمعنى : خَلَقَ آدم من طِينٍ. 
وقوله سبحانه : ثُمَّ قَضَى أَجَلاً وَأَجَلٌ مُّسمًّى عِندَهُ  اختلف في هذين الأَجَلَيْنِ، فقال الحسن بن أبي الحَسَنِ وغيره : أَجَلاً  أَجَلُ الإنسان من لَدُنْ وِلاَدَتِهِ إلى موته، والأجل المسمى عنده : من وَقْت موته إلى حَشْره، ووصفه ب  مُّسمًّى عِندَهُ ، لأنه استأثر سبحانه بعِلْمِ وَقْتِ القيامة، وقال ابن عباس : أَجَلاً  الدنيا،  وَأَجَلٌ مُّسَمًّى  الآخرة، وقيل غير هذا. 
 وتمْتَرُونَ  معناه : تشكون.

### الآية 6:3

> ﻿وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ ۖ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ [6:3]

قوله سبحانه : وَهُوَ الله فِي السموات وَفِي الأرض يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ \[ الأنعام : ٣ \]. 
قاعدة الكلام في هذه الآية : أن حُلُولَ اللَّه في الأمَاكِنِ مُسْتَحِيلٌ تعالى أن يَحْوِيَهُ مكان، كما تَقَدَّسَ أن يَحُدَّهُ زمان، بل كان قبل أن خَلَقَ المكان والزمان، وهو الآن على ما عليه كان. 
وإذا تَقَرَّرَ هذا، فقالت فرقة من العلماء : تَأْوِيلُ ذلك على تقدير صِفَةٍ محذوفة من اللفظ ثَابِتَةٍ في المعنى، كأنه قال : وهو اللَّه المَعْبُودُ في السموات وفي الأرض، وعبر بعضهم بأن قدر : وهو اللَّه المدبر للأمر في السموات والأرض. 
وقال الزَّجَّاجُ : فِي  متعلقة بما تَضَمَّنَهُ اسْمُ اللَّه من المعاني، كما يقال : أمير المؤمنين الخليفة في المَشْرِقِ والمغرب. 
قال ( ع ) : وهذا عِنْدِي أَفْضَلُ الأقوال، وأكثرها إحرازاً لِفَصَاحَةِ اللفظ، وجزالة المعنى، وإيضاحه : أنه أراد أن يَدُلَّ على خلقه، وآثار قدرته، وإحاطته، واستيلائه، ونحو هذه الصفات، فجمع هذه كلها في قَوْلِهِ : وَهُوَ الله  أي : الذي له هذه كلها ( في السموات، وفي الأرض )، كأنه قال : وهو اللَّه الخَالِقُ، الرازق، المحيي، المحيط في السموات وفي الأرض، كما تقول : زيد السلطان في المَشْرِقِ، والمغرب والشام، و العراق، فلو قصدت ذَاتَ زَيْد لَقُلْتَ مُحَالاً، وإذا كان مَقْصِدُ قولك الآمِرَ، النَّاهِيَ، الناقض، المُبْرِمَ، الذي يعزل، ويُوَلِّي، في المشرق والمغرب، فأقمت السلطان مقام هذه، كان فصيحاً صحيحاً، فكذلك في الآية أقام لَفْظَةَ  الله  مقام تلك الصِّفَاتِ المذكورة، وقالت فرقة : وَهُوَ الله  ابتداء وخَبَرٌ، تم الكَلاَمُ عنده، ثم استأنف، وتعلق قوله : فِي السموات  بمفعول  يَعْلَمْ ، كأنه قال : وهو اللَّه ( يَعْلَم سِرَّكُمْ وجهركم ) في السموات، وفي الأرض. 
وقوله تعالى : يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ  خبر في ضمنه تَحْذِيرٌ وزَجْرٌ، و تَكْسِبُونَ  لفظ عام لجميع الاعْتِقَادَاتِ، والأقوال، والأفعال.

### الآية 6:4

> ﻿وَمَا تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ مِنْ آيَاتِ رَبِّهِمْ إِلَّا كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ [6:4]

قوله سبحانه : وَمَا تَأْتِيهِم مِّنْ آيَةٍ مِّنْ آيات رَبِّهِمْ إِلاَّ كَانُواْ عَنْهَا مُعْرِضِينَ \[ الأنعام : ٤ \]. 
تضمنت هذه الآية مَذَمَّةَ هؤلاء الذين يَعْدِلُونَ باللَّه سواه، بأنهم يُعْرِضُونَ عن كل آية، وكذبوا بالحق، وهو محمد عليه السلام، وما جاء به. 
قال ( ص ) : مِّنْ آيَةٍ مِّنْ آيات رَبِّهِمْ  ( من ) الأولى زَائِدَةٌ للاستغراق، وما بعدها فاعل بقوله : تَأْتِيَهُمُ . 
و( من ) الثانية للتبعيض، انتهى.

### الآية 6:5

> ﻿فَقَدْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ ۖ فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أَنْبَاءُ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ [6:5]

قوله تعالى : فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أَنْبَاءُ مَا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ \[ الأنعام : ٥ \]. 
هذا وَعِيدٌ لهم شديد، وهذه العُقُوبَاتُ التي تُوُعِّدُوا بها، تعمُّ عُقُوبَاتِ الدنيا كَبَدْرٍ وغيرها، وعقوبات الآخرة.

### الآية 6:6

> ﻿أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ وَأَرْسَلْنَا السَّمَاءَ عَلَيْهِمْ مِدْرَارًا وَجَعَلْنَا الْأَنْهَارَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ [6:6]

قوله سبحانه : أَلَمْ يَرَوْاْ كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِم مّن قَرْنٍ مكناهم فِي الأرض مَا لَمْ نُمَكِّن لَّكُمْ \[ الأنعام : ٦ \]. 
هذا حَضٌّ على العِبْرَةِ، والرؤية هنا رُؤْيَةُ القلب، والقَرْنُ : الأمة المقترنة في مُدَّةٍ من الزمن، واختلف في مدة القَرْنِ كم هي ؟ فالأكثر على أنها مائة سَنَةٍ، وقيل غير هذا. 
وقيل : القَرْنُ الزمن نَفْسُهُ، وهو على حَذْفِ مضاف، تقديره : من أَهْلِ قرن، قال عياض في **«الإكمال »** : واختلف في لَفْظِ القَرْنِ، وذكر الحربي فيه الاخْتِلاَفَ من عَشْرِ سنين إلى مائة وعشرين، ثم قال يعني الحربي : وليس منه شيء وَاضِحٌ، وأرى القرن كُلّ أمة هَلَكَتْ، فلم يَبْقَ منها أحد، انتهى. 
والضمير في  مكناهم  عائد على القَرْنِ، والمخاطبة في  لَكُمْ  هي للمؤمنين، ولجميع المُعَاصِرِينَ لهم من سائر الناس، و السماء  هنا المَطَرُ، و  مِّدْرَاراً  بناء تكثير، ومعناه : يدرُّ عليهم بِحَسَبِ المنفعة. 
وقوله سبحانه : وَأَنشَأْنَا مِن بَعْدِهِمْ قَرْناً آخرِينَ ،  أَنشَأْنَا  : اخترعنا، وخلقنا، ويظهر من الآية أن القَرْنَ إنما هو وَفَاةُ الأَشْيَاخِ، ثم وِلاَدَةُ الأطفال.

### الآية 6:7

> ﻿وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَابًا فِي قِرْطَاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ لَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَٰذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ [6:7]

قوله تعالى : وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كتابا فِي قِرْطَاسٍ \[ الأنعام : ٧ \]. 
لمْا أَخْبَرَ عنهم سبحانه بأنهم كذبوا بكل ما جَاءَهُمْ من آية، أَتْبَعَ ذلك بإخْبَارٍ فيه مُبَالغة، والمعنى :( ولو نزلنا ) بِمَرْأًى منهم عليك ( كتاباً ) أي : كلاماً مَكْتُوباً ( في قِرْطَاسٍ )، أي : في صحيفة. 
 فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ  يريد : أنهم بالغوا في مَيْزِهِ وتقليبه، ليرتفع كل ارْتِيَابٍ لعاندوا فيه، وتابعوا كُفْرَهُمْ، وقالوا : هذا سحر مبين.

### الآية 6:8

> ﻿وَقَالُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ ۖ وَلَوْ أَنْزَلْنَا مَلَكًا لَقُضِيَ الْأَمْرُ ثُمَّ لَا يُنْظَرُونَ [6:8]

قوله سبحانه : وَقَالُواْ لَوْلا أُنزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ \[ الأنعام : ٨ \]. 
أي : يصدّق محمداً في نُبُوءَتِهِ، ثم رَدَّ اللَّه عليهم بقوله : وَلَوْ أَنزَلْنَا مَلَكاً لَّقُضِيَ الأمر  قال ابن عَبَّاسٍ وغيره : في الكلام حَذْفٌ، تقديره : ولو أنزلنا مَلَكاً، فكذبوه ( لَقُضِيَ الأمر ) بعَذَابِهِمْ، ولم يُنْظَرُوا حسبما سَلَفَ في كل أمة اقْتَرَحَتْ بآية، وكذبت بعد أن أُظْهِرَتْ إليها. 
وقالت فرقة : لَقُضِيَ الأمر  أي : لَمَاتُوا من هَوْلِ رؤية المَلَكِ في صورته، ويؤيد هذا التَّأْوِيلَ ما بعده من قوله : وَلَوْ جعلناه مَلَكاً لجعلناه رَجُلاً  فإن أَهْلَ التأويل مُجْمِعُونَ أن ذلك، لأنهم لم يكونوا يُطِيقُونَ رؤية المَلَكِ في صورته، فإذ قد تَقَعَّدَ أنهم لا يطيقون رُؤْيَةَ المَلَكِ في صورته، فالأولى في قوله : لَقُضِيَ الأمر  أي : لماتوا، لِهَوْلِ رؤيته،  ثُمَّ لاَ يُنظَرُونَ ، أي : لا يُؤَخَّرُونَ. 
ومما يؤيد هذا المعنى الحَدِيثُ الوَارِدُ عن الرجلين اللذين صَعَدَا على الجَبَلِ يوم بَدْرٍ ليريا ما يَكُونُ في حَرْبِ النبي صلى الله عليه وسلم للمشركين، فَسَمِعَا حِسَّ الملائكة، وقَائِلاً يقول في السحاب : أَقْدِمْ حَيْزُومُ، فانكشف قِنَاعُ قَلْبِ أحدهما، فمات لِهَوْلِ ذلك، فكيف برؤية مَلَكٍ في خِلْقَتِهِ.

### الآية 6:9

> ﻿وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَجَعَلْنَاهُ رَجُلًا وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ [6:9]

وَلَلَبَسْنَا  أي : لفعلنا لهم في ذَلِكَ فِعلاً مُلْبَساً، يطرق لهم إلى أن يَلْبَسوا به، وذلك لا يحسن. 
قلت : وفي البخاري : وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِم مَّا يَلْبِسُونَ  : لشبهنا.

### الآية 6:10

> ﻿وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ [6:10]

قوله سبحانه : وَلَقَدِ استهزئ بِرُسُلٍ مّن قَبْلِكَ \[ الأنعام : ١٠ \]. 
تَسْلِيَةٌ للنبي صلى الله عليه وسلم بالأُسْوَةِ في الرسل، وتقوية لنفسه على مُحَاجَّةِ المشركين، وإخبار يَتَضَمَّنُ وعيد مُكَذِّبِيهِ، والمستهزئين به. 
و حاق  معناه : نزل، وأحاط، وهي مَخْصُوصَةٌ في الشر، يقال : حَاقَ يَحِيقُ حَيْقاً.

### الآية 6:11

> ﻿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ ثُمَّ انْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ [6:11]

قوله سبحانه : قُلْ سِيرُواْ فِي الأرض \[ الأنعام : ١١ \]. 
حَضٌّ على الاعتبار بآثارَ مَنْ مضى ممن فَعَلَ مِثْلَ فعلهم.

### الآية 6:12

> ﻿قُلْ لِمَنْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۖ قُلْ لِلَّهِ ۚ كَتَبَ عَلَىٰ نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ ۚ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَىٰ يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ ۚ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ [6:12]

قوله سبحانه : قُل لِّمَن مَّا فِي السموات والأرض قُل لِلَّهِ \[ الأنعام : ١٢ \]. 
قال بعض أَهْلِ التَّأوِيلِ : تَقْدِيرُ الكلام : قُلْ لِمَنْ مَا فِي السموات والأرض، فإذا تحيروا فلم يُجِيبُوا ( قل للَّه )، والصحيح من التَّأويل أن اللَّه عزَّ وَجَلَّ أمر نبيه عليه السلام أن يَقْطَعَهُمْ بهذه الحُجَّةِ، والبرهان القطعي، الذي لا مُدَافَعَةَ فيه عندهم، ولا عند أَحَدٍ ليعتقدَ هذا المعتقد الذي بينه وبينهم، ثم يَتَرَكَّب احْتِجَاجُهُ عليه، فكأن النبي صلى الله عليه وسلم قال لهم : يأيها الكافرون العَادِلُونَ بربهم، لمن ما في السموات والأَرْضِ، ثم سَبَقَهُمْ فقال :( للَّه ) أي لا مُدَافَعَةَ في هذا عندكم، ولا عند أحد. 
ثم ابتدأ يخبر عن اللَّه تعالى : كَتَبَ على نَفْسِهِ الرحمة  معناه : قضاها وأَنْفَذَهَا، وفي هذا المعنى أحاديث صَحِيحَةٌ، ففي **«صَحِيحِ مُسْلِمٍ »**، عن النبي صلى الله عليه وسلم ( جَعَلَ اللَّهُ الرَّحْمَةَ مَائَةً جُزْءٍ، فأمسك عنده تِسْعَةً وَتِسْعِينَ، وَأنْزَلَ في الأَرْضِ جُزْءاً وَاحِداً، فمن ذَلِكَ الجُزْءِ يَتَرَاحَمُ الخَلاَئِقُ، حتى تَرْفَعُ الدَّابَّةُ حَافِرَهَا عَنْ وَلَدِهَا، خَشْيَةَ أن تُصِيبَهُ ). ولمسلم في طَرِيقٍ آخر :" كُلُّ رَحْمَةٍ مِنْهَا طبَاقُ مَا بَيْنِ السَّمَاءِ والأَرْضِ، فإذا كان يَوْمُ القِيَامَةِ أَكْمَلَهَا بهذه الرَّحْمة ". وخرج مسلم، والبخاري، وغيرهما عنه صلى الله عليه وسلم قال :( لما خَلَقَ اللَّه الخَلْقَ كَتَبَ في كِتَابٍ، فهو عِنْدَهُ فَوْقَ العَرْشِ : إن رَحْمَتِي تَغْلِبُ غَضَبِي ). وفي طريق :( سَبَقَتْ غَضَبِي ) إلى غير ذلك من الأحاديث، انتهى. 
قال ( ع ) : فما أشقى مَنْ لم تَسَعْهُ هذه الرَّحَمَاتُ، تَغَمَّدَنَا اللَّهِ بِفَضْلٍ منه. 
ويتضمن هذا الإخبار عن اللَّه سبحانه بأنه كتب الرَّحْمَةَ لتأنيس الكفار، ونفي يَأْسهم من رَحْمَةِ اللَّه إذا أَنَابُوا. 
واللام في قوله : لَيَجْمَعَنَّكُمْ  لام قَسَم، والكلام مستأنف، وهذا أظهر الأَقْوَالِ وأصحها. 
وقوله سبحانه : الذين خَسِرُواْ أَنفُسَهُمْ فَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ \[ الأنعام : ١٢ \]. 
 الذين  رفع بالابتداء، وخبره : فَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ .

### الآية 6:13

> ﻿۞ وَلَهُ مَا سَكَنَ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ ۚ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ [6:13]

قوله تعالى : وَلَهُ مَا سَكَنَ فِي الليل والنهار \[ الأنعام : ١٣ \]. 
 وَلَهُ  عطف على قوله : لِلَّهِ ، و سَكَنَ  هي من السُّكْنَى، ونحوه، أي : ما ثَبَتَ وتَقَرَّرَ، قاله السدي، وغيره، وقالت فرقَةٌ : هو من السُّكُونِ، وهو ضعيف.

### الآية 6:14

> ﻿قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ يُطْعِمُ وَلَا يُطْعَمُ ۗ قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ ۖ وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ [6:14]

قوله تعالى : قُلْ أَغَيْرَ الله أَتَّخِذُ وَلِيّاً فَاطِرِ السموات والأرض \[ الأنعام : ١٤ \]. 
قال الطبري، وغيره : أُمِرَ عليه السلام أن يَقُولَ هذه المَقَالَةَ لِلْكَفَرَةِ الذين دعوه إلى عبادة أوثانهم، فَتَجِيءُ الآية على هذا جَوَاباً لكلامهم. 
قال ( ع ) : وهذا يَحْتَاجُ إلى سَنَدٍ، والفصيح أنه لما قَرَّرَ معهم أن اللَّه تعالى له ما في السَّمَوَاتِ والأرض، ( وله ما سَكَنَ في اللَّيْلِ والنهار )، أُمِرَ أن يقول لهم على جِهَةِ التَّوْبِيخِ، والتوقيف :( أغَيْرَ اللَّه ) الذي هذه أَفْعالُهُ ( اتخذ وليًّا )، بمعنى : أن هذا خَطَأٌ بَيِّنٌ ممن يفعله. 
والولي : لفظ عام لمَعْبُودٍ وغير ذلك، ثم أخذ في صفات اللَّه تعالى فقال : فَاطِر  بخَفْضِ الراء، نَعْتٌ للَّه عز وجل. 
قال ( ص ) : فَاطِر  الجمهور بالجَرِّ، وَوَجَّهَهُ ابن عَطِيَّةَ، وغيره على أنه نَعْتٌ  لِلَّهِ . 
وأبو البقاء على أنه بَدَلٌ، وكأنه رأى الفَصْلَ بين البَدَلِ والمبدل أَسْهَلَ، لأن البَدَلَ في المشهور على نِيَّةِ تَكْرَارِ العامل، انتهى. 
و( فطر ) معناه : ابتدع، وخلق، وأنشأ، وفطر أيضاً في اللُّغَةِ : شَقَّ، ومنه  هَلْ ترى مِن فُطُورٍ  \[ الملك : ٣ \] أي : من شُقُوقِ. 
و يُطْعِمُ وَلاَ يُطْعَمُ  المقصود به : يَرْزُقُ ولا يُرْزَقُ. 
وقوله : قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ. . .  \[ الأنعام : ١٤ \] إلى  عظِيمٌ . 
قال المفسرون : المعنى أول من أَسْلَمَ من هذه الأمة، وبهذه الشَّرِيعَةِ.

### الآية 6:15

> ﻿قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ [6:15]

ولفظة  عَصَيْتُ  عامة في أنواع المَعَاصِي، ولكنها هاهنا إنما تُشِيرُ إلى الشِّرْكِ المَنْهِيِّ عنه، واليوم العَظِيمُ : هو يَوْمُ القيامة.

### الآية 6:16

> ﻿مَنْ يُصْرَفْ عَنْهُ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمَهُ ۚ وَذَٰلِكَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ [6:16]

وقرأ نَافِعٌ وغيره ( من يُصْرَف عنه ) مسنداً إلى المفعول، وهو الضمير العائد على العَذَابِ. 
قرأ حمزة وغيره **«مَنْ يَصْرِف »** بإسناد الفَعْلِ إلى الضمير العائد إلى ( ربي )، ويعمل في ضَمِيرِ العَذَابِ المذكور، لكنه محذوف. 
وقوله : وَذَلِكَ  إشارة إلى صَرْفِ العذاب، وحُصُولِ الرحمة، و الفوز  النَّجَاةُ.

### الآية 6:17

> ﻿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ ۖ وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [6:17]

قوله تعالى : وَإِن يَمْسَسْكَ الله بِضُرٍّ فَلاَ كاشف لَهُ إِلاَّ هُوَ \[ الأنعام : ١٧ \]. 
( يَمْسَسْكَ ) : معناه يُصِبْكَ، ويَنَلْكَ، والضُّرُّ : بضم الضاد سوء الحَالِ في الجِسْمِ، وغيره، وبفتحها ضِدُّ النَّفْعِ، ومعنى الآية : الإخْبَارُ أن الأَشْيَاءَ كلها بِيَدِ اللَّه، إن ضَرَّ فلا كَاشِفَ لضره غَيْرُه، وإن أصَابَ بِخَيْرٍ، فكذلك أيضاً. 
وعن ابن عَبَّاسٍ قال : كنت خَلْفَ النبي صلى الله عليه وسلم يوماً فقال :( يا غُلاَمُ إنِّي أُعَلِّمَكَ كَلِمَاتٍ : احْفَظِ اللَّهِ يَحْفَظْكَ، احْفَظِ اللَّهَ تَجِدْهُ تُجَاهَكَ، وَإذَا سَأَلْتَ فَاسْأَلِ اللَّه، وإذَا اسْتَعَنْتَ فَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ، واعْلَم أنَّ الأُمَّةَ لَوِ اجْتَمَعَتْ عَلَى أنْ يَنْفَعُوكَ بِشَيْءٍ، لم يَنْفَعُوكَ إلاَّ بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّه لَكَ، وإن اجْتَمَعُوا عَلَى أن يَضُرُّوكَ بِشَيْءٍ لم يَضُرُّوكَ إلاَّ بِشَيْءٍ قد كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَيْكَ، رفعت الأَقْلاَمُ وَجَفَّتِ الصُّحُفُ ) رويناه في الترمذي، وقال : حديث حسن صحيح. 
وفي رواية غير الترمذي زيادة :( احْفَظِ اللَّه تَجِدْهُ أمَامَكَ، تَعَرَّفْ إلى اللَّهِ في الرَّخَاءِ يَعْرِفْكَ فِي الشِّدَّةِ، واعْلَمْ أن ما أَخْطَأَكَ لم يَكُنْ لِيُصِيبَكَ، وَمَا أَصَابَكَ لَمْ يَكُنْ لِيُخْطِئَكَ. . . ). وفي آخره :( واعلم أن النَّصْرَ مع الصَّبْرِ، وأنّ الفَرَجَ مع الكَرْبِ، وأن مع العُسْرِ يُسْرا ). قال النووي : هذا حديث عَظِيمُ الموقع، انتهى من **«الحِلْيَة »**. 
وقرأت فرقة : وَأَوحَي إلَيَّ هذا القُرآنّ \[ الأنعام : ١٩ \] على بناء الفعل للفاعل، ونصب ( القرآن )، وفي ( أوحى ) ضمير يَعُودُ على اللَّه تعالى.

### الآية 6:18

> ﻿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ ۚ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ [6:18]

ثم أخذ في صفات اللَّه- تعالى- فقال: فاطِرِ بخفض الراء نعت لله عز وجل.
 قال ص: فاطِرِ الجمهور **«١»** بالجَرِّ، وَوَجَّهَهُ ابن عَطِيَّةَ **«٢»**، وغيره على أنه نَعْتٌ لِلَّهِ.
 وأبو البقاء على أنه بَدَلٌ، وكأنه رأى الفَصْلَ بين البَدَلِ والمبدل أَسْهَلَ لأن البَدَلَ في المشهور على نِيَّةِ تَكْرَارِ العامل. انتهى.
 و **«فطر»** معناه: ابتدع، وخلق، وأنشأ، وفطر أيضاً في اللُّغَةِ: شَقَّ، ومنه هَلْ تَرى مِنْ فُطُورٍ \[الملك: ٣\] أي: من شقوق.
 ويُطْعِمُ وَلا يُطْعَمُ المقصود به: يَرْزُقُ ولا يُرْزَقُ.
 وقوله: قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ... إلى عَظِيمٍ.
 قال المفسرون: المعنى أول من أَسْلَمَ من هذه الأمة، وبهذه الشَّرِيعَةِ، ولفظة عَصَيْتُ عامة في أنواع المَعَاصِي، ولكنها هاهنا إنما تُشِيرُ إلى الشِّرْكِ المَنْهِيِّ عنه. واليوم العَظِيمُ هو يَوْمُ القيامة.
 وقرأ نَافِعٌ **«٣»** وغيره **«من يُصْرَف عنه»** مسنداً إلى المفعول، وهو الضمير العائد على العَذَابِ.
 وقرأ حمزة وغيره **«مَنْ يَصْرِف»** بإسناد الفَعْلِ إلى الضمير العائد إلى **«ربي»**، ويعمل في ضَمِيرِ العَذَابِ المذكور، ولكنه محذوف.
 وقوله: وَذلِكَ إشارة إلى صَرْفِ العذاب، وحُصُولِ الرحمة، والْفَوْزُ النّجاة.
 \[سورة الأنعام (٦) : الآيات ١٧ الى ١٩\]
 وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٧) وَهُوَ الْقاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ (١٨) قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهادَةً قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَأُوحِيَ إِلَيَّ هذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ أَإِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللَّهِ آلِهَةً أُخْرى قُلْ لا أَشْهَدُ قُلْ إِنَّما هُوَ إِلهٌ واحِدٌ وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (١٩)

 (١) ينظر: ****«البحر المحيط»**** (٤/ ٩٠) و ****«الدر المصون»**** (٣/ ٢٠).
 (٢) ينظر: **«المحرر الوجيز»** (٢/ ٢٧٣). [.....]
 (٣) ينظر: ****«الدر المصون»**** (٣/ ٢٢)، و **«حجة القراءات»** (٢٤٣)، و **«الكشاف»** (٢/ ١٠)، و **«النشر»** (٢/ ٢٥٧)، و ****«البحر المحيط»**** (٤/ ٩١)، و **«السبعة»** (٢٥٤)، و **«التبيان»** (١/ ٤٨٤) (٤٨٥)، و **«الزجاج»** (٢/ ٢٥٦)، و **«المشكل»** (٢/ ٢٤٧)، و **«معاني القراءات»** (١/ ٣٤٦)، و **«الحجة»** (٣/ ٢٨٥)، و **«العنوان»** (٩٠)، و **«شرح الطيبة»** (٤/ ٢٤٢)، و **«إعراب القراءات»** (١/ ١٥٢).

وقوله تعالى: وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ.
 يَمْسَسْكَ: معناه يُصِبْكَ، ويَنَلْكَ، والضُّرُّ بضم الضاد: سوء الحَالِ في الجِسْمِ وغيره، وبفتحها ضِدُّ النَّفْعِ، ومعنى الآية: الإخْبَارُ أن الأَشْيَاءَ كلها بِيَدِ اللَّه إن ضَرَّ فلا كَاشِفَ لضره غَيْرُه، وإن أصَابَ بِخَيْرٍ، فكذلك أيضاً.
 وعن ابن عَبَّاسٍ قال: كنت خلف النبيّ صلّى الله عليه وسلّم يوماً فقال: **«يا غُلاَمُ إنِّي أُعَلِّمَكَ كَلِمَاتٍ:
 احْفَظِ اللَّهِ يَحْفَظْكَ، احْفَظِ اللَّهَ تَجِدْهُ تُجَاهَكَ، وَإذَا سَأَلْتَ فَاسْأَلِ اللَّه، وإذَا اسْتَعَنْتَ فَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ، واعْلَم أنَّ الأُمَّةَ لَوِ اجْتَمَعَتْ عَلَى أنْ يَنْفَعُوكَ بِشَيْءٍ، لم يَنْفَعُوكَ إلاَّ بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّه لَكَ، وإن اجْتَمَعُوا عَلَى أن يَضُرُّوكَ بِشَيْءٍ لم يَضُرُّوكَ إلاَّ بِشَيْءٍ قد كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَيْكَ، رفعت الأَقْلاَمُ وَجَفَّتِ الصُّحُفُ»**. رويناه في الترمذي، وقال: حديث حسن صحيح **«١»**.
 وفي رواية غير الترمذي زيادة: **«احْفَظِ اللَّه تَجِدْهُ أمَامَكَ، تَعَرَّفْ إلى اللَّهِ في الرَّخَاءِ يَعْرِفْكَ فِي الشِّدَّةِ، واعْلَمْ أن ما أَخْطَأَكَ لم يَكُنْ لِيُصِيبَكَ، وَمَا أَصَابَكَ لَمْ يَكُنْ لِيُخْطِئَكَ... »** وفي آخره: **«واعلم أن النَّصْرَ مع الصَّبْرِ، وأنّ الفَرَجَ مع الكَرْبِ، وأن مع العُسْرِ يُسْراً»** **«٢»**.
 قال النووي: هذا حديث عَظِيمُ الموقع. انتهى من **«الحِلْيَة»**.
 وقرأت فرقة: **«وَأَوْحَى إلَيَّ هذا القُرآن»** على بناء الفعل للفاعل، ونصب **«القرآن»**، وفي **«أوحى»** ضمير يَعُودُ على اللَّه تعالى.
 وقوله: لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ معناه على قول الجمهور: بلاغ القرآن، أي:
 لأنْذِرَكُمْ وأُنْذِرَ مَنْ بَلَغَهُ، ففي **«بلغ»** ضمير محذوف لأنه في صلة **«من»** فحُذِفَ لطول الكلام.

 (١) أخرجه الترمذي (٤/ ٦٦٧) كتاب **«صفة القيامة»**، باب (٥٩)، حديث (٢٥١٦) وأحمد (١/ ٣٠٧).
 وقال الترمذي: حديث حسن صحيح.
 (٢) أخرجه عبد بن حميد في **«المنتخب»** (ص ٢١٤) رقم (٦٣٦) من طريق المثنى بن الصباح، عن عطاء بن أبي رباح، عن ابن عباس به.
 والمثنى بن الصباح ضعيف.

### الآية 6:19

> ﻿قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً ۖ قُلِ اللَّهُ ۖ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ ۚ وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَٰذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ ۚ أَئِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللَّهِ آلِهَةً أُخْرَىٰ ۚ قُلْ لَا أَشْهَدُ ۚ قُلْ إِنَّمَا هُوَ إِلَٰهٌ وَاحِدٌ وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ [6:19]

قوله : لأُنذِرَكُمْ بِهِ وَمَن بَلَغَ \[ الأنعام : ١٩ \]. 
معناه على قول الجمهور : بلاغ القرآن، أي : لأنْذِرَكُمْ وأُنْذِرَ مَنْ بَلَغَهُ، ففي ( بلغ ) ضمير محذوف، لأنه في صلة ( من ) فحُذِفَ لِطُولِ الكلام، 
وقالت فرقة :( ومن بلغ ) الحُلُمَ. 
وروي في معنى التأويل الأَوَّلِ أَحَادِيثُ، وظاهر الآية أنها في عَبَدَةِ الأصنام. 
وذكر الطبري أنه قد وَرَدَ من وَجْهٍ لم تثبت صحته أنها في قَوْمٍ من اليهود، قالوا : يا محمد ما تَعْلَمُ مع اللَّه إلهاً غيره، فقال لهم :( لا إلهَ إلاَّ اللَّهُ، وبِذَلِكَ أُمِرْتُ ) فنزلت الآية، واللَّه أعلم. 
وأمر اللَّه سبحانه نَبِيَّهُ عليه السلام أن يعلن بالتَّبَرِّي من شَهَادَةِ الكفرة، والإعلان بالتوحيد للَّه عز وجل، والتبرِّي من إشراكهم. 
قال الغزالي في " الإحياء ". وينبغي للتَّالِي أن يقدر أنه المقصود بكل خِطَابٍ في القرآن، فإن سمع أمراً أو نَهْياً قَدَّرَ المَنْهِيُّ، والمأمور، وكذا إن سَمِعَ وَعْداً أو وعيداً، وكذا ما يَقِفُ عليه من القَصَصِ، فالمقصود به الاعْتِبَارُ، قال تعالى : وَكُلاًّ نَّقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرسل مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ  \[ هود : ١٢٠ \]. 
وقال تعالى : هذا بَيَانٌ لِّلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لّلْمُتَّقِينَ  \[ آل عمران : ١٣٨ \]. 
وقال : وَأَوحَيَ إلَيَّ هذا القُرءَانُ لأُنذِرَكُمْ بِهِ وَمَن بَلَغَ \[ الأنعام : ١٩ \]. 
قال محمد بن كَعْبٍ القُرظي : من بلغه القرآن، فكأنما كَلَّمَهُ اللَّه عز وجل، انتهى.

### الآية 6:20

> ﻿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمُ ۘ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ [6:20]

قوله سبحانه : الذين آتيناهم الكتاب يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءهُمْ \[ الأنعام : ٢٠ّ \]. 
قال قتادة، وغيره : يعرفون محمداً عليه السلام. 
وقوله : الذين خَسِرُواْ أَنفُسَهُم ، روي أن كل عَبْدٍ له مَنْزِلٌ في الجَنَّةِ، ومنزل في النار، فالمؤمنون يَنْزِلُونَ مَنَازِلَ أهل الكُفْرِ في الجَنَّةِ، والكافرون يَنْزِلُونَ مَنَازِلَ أهل الجَنَّةِ في النار، فهنا هي الخِسَارَةُ البَيِّنَةُ، والربح للآخرين، وباقي الآية بَيِّنٌ.

### الآية 6:21

> ﻿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَىٰ عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ ۗ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ [6:21]

وقالت فرقة: ومن بلغ الحُلُمَ.
 وروي في معنى التأويل الأَوَّلِ أَحَادِيثُ. وظاهر الآية أنها في عَبَدَةِ الأصنام.
 وذكر الطبري **«١»** أنه قد وَرَدَ من وَجْهٍ لم تثبت صحته أنها في قَوْمٍ من اليهود، قالوا:
 يا محمد ما تَعْلَمُ مع اللَّه إلهاً غيره، فقال لهم: **«لا إلهَ إلاَّ اللَّهُ وبِذَلِكَ أُمِرْتُ»** فنزلت الآية.
 واللَّه أعلم.
 وأمر اللَّه- سبحانه- نَبِيَّهُ- عليه السلام- أن يعلن بالتَّبَرِّي من شهادة الكفرة، والإعلان بالتوحيد لله- عز وجل- والتبرِّي من إشراكهم.
 قال الغزالي في **«الإحياء»**. وينبغي للتَّالِي أن يقدر أنه المقصود بكل خِطَابٍ في القرآن، فإن سمع أمراً أو نَهْياً قَدَّرَ المَنْهِيُّ، والمأمور، وكذا إن سَمِعَ وَعْداً أو وعيداً، وكذا ما يَقِفُ عليه من القَصَصِ/، فالمقصود به الاعْتِبَارُ. قال تعالى: وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْباءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤادَكَ \[هود: ١٢٠\].
 وقال تعالى: هذا بَيانٌ لِلنَّاسِ وَهُدىً وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ \[آل عمران: ١٣٨\].
 وقال: وَأُوحِيَ إِلَيَّ هذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ.
 قال محمد بن كَعْبٍ القُرظي: من بلغه القرآن فكأنما كَلَّمَهُ الله عز وجل **«٢»** انتهى.
 \[سورة الأنعام (٦) : الآيات ٢٠ الى ٢٢\]
 الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أَبْناءَهُمُ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ (٢٠) وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أَوْ كَذَّبَ بِآياتِهِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ (٢١) وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا أَيْنَ شُرَكاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ (٢٢)
 وقوله سبحانه: الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أَبْناءَهُمُ.
 قال قتادة، وغيره: يعرفون محمداً- عليه السلام- **«٣»**.
 وقوله: الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ الآية روي أن كل عَبْدٍ له مَنْزِلٌ في الجَنَّةِ، ومنزل في النار، فالمؤمنون يَنْزِلُونَ مَنَازِلَ أهل الكُفْرِ في الجَنَّةِ، والكافرون يَنْزِلُونَ مَنَازِلَ أهل الجنّة

 (١) ينظر الطبري (٥/ ١٦٣).
 (٢) أخرجه الطبري في ******«تفسيره»****** (٥/ ١٦٢) (١٣١٢٧) بلفظ: **«من بلغه القرآن، فقد أبلغه محمد صلّى الله عليه وسلّم»**، وذكره البغوي (٢/ ٨٨) بلفظ: **«من بلغه القرآن، فكأنما رأى محمدا صلّى الله عليه وسلّم، وسمع منه»**.
 (٣) أخرجه الطبري في ******«تفسيره»****** (٥/ ١٦٢) برقم (١٣١٣٣)، وذكره ابن عطية في ******«تفسيره»****** (٢/ ٢٧٦).

### الآية 6:22

> ﻿وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا أَيْنَ شُرَكَاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ [6:22]

قوله سبحانه : وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُواْ أَيْنَ شُرَكَاؤُكُمُ الذين كُنتُمْ تَزْعُمُونَ \[ الأنعام : ٢٢ \]
المعنى : واذكر يوم نحشرهم.

### الآية 6:23

> ﻿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ [6:23]

قوله تعالى : ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلاَّ أَن قَالُواْ والله رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ \[ الأنعام : ٢٣ \]. 
الفِتْنَةُ في كلام العرب : لفظة مشتركة، تقال بمعنى حُبِّ الشيء، والإعجاب به، وتقال بمعنى الاخْتِبَارِ، ومن قال : إن أَصْلَ الفتنة الاخْتِبَارُ من : فَتَنْتُ الذَّهَبَ في النَّارِ، ثم يُسْتَعَارُ بعد ذلك في غَيْرِ ذلك، فقد أَخْطَأَ، لأن الاسْمَ لا يُحْكَمُ عليه بمعنى الاسْتِعَارَةِ حتى يقطع عليه باسْتِحَالَةِ حَقِيقَتِهِ في المَوْضِع الذي استعير له، كقول ذي الرّمّةِ :\[ الطويل \]
وَلَفَّ الثُّرَيَّا فِي مُلاَءَتِهِ الفَجْرُ\*\*\*
ونحوه، والفتنة لا يَسْتَحِيلُ أن تكون حَقِيقَةً في كل مَوْضِعٍ قيلت عليه، وباقي الآية مضى تَفْسِيرُهُ عند قوله سُبْحَانَهُ : وَلاَ يَكْتُمُونَ الله حَدِيثاً  \[ النساء : ٤٢ \] فانظره هناك. 
قال ( ع ) : وعبر قَتَادَةُ عن الفِتْنَةِ هنا بأن قال : معذرتهم. 
وقال الضَّحَّاك : كلامهم. 
وقيل غير هذا مما هو في ضِمْنِ ما ذكرناه.

### الآية 6:24

> ﻿انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلَىٰ أَنْفُسِهِمْ ۚ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ [6:24]

قوله سبحانه : انظر كَيْفَ كَذَبُواْ على أَنفُسِهِمْ \[ الأنعام : ٢٤ \]. 
هذا خِطَابٌ للنبي صلى الله عليه وسلم، والنظر : نَظَرُ القَلْبِ، وقال : كَذَّبُواْ  في أَمْرِ لم يَقَعْ، إذ هي حِكَايَةٌ عن يوم القيامة، فلا إشْكَالَ في اسْتِعْمَالِ المَاضِي فيها موضع المستقبل، ويفيدنا استعمال الماضي تَحْقِيقاً في الفعل، وإثْبَاتاً له، وهذا مَهْيَعٌ في اللُّغَةَ. 
 وَضَلَّ عَنْهُم  معناه : ذَهَبَ افْتِرَاؤُهُمْ في الدنيا، وكَذِبُهُمْ على اللَّه.

### الآية 6:25

> ﻿وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ ۖ وَجَعَلْنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا ۚ وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لَا يُؤْمِنُوا بِهَا ۚ حَتَّىٰ إِذَا جَاءُوكَ يُجَادِلُونَكَ يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَٰذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ [6:25]

قوله سبحانه : وَمِنْهُمْ مَّن يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ وَجَعَلْنَا على قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً \[ الأنعام : ٢٥ \]. 
( أكِنَّة ) جمع : كنان، وهو الغِطَاءُ  أَن يَفْقَهُوهُ  أي : يفهموه، والوَقْرُ : الثقل. 
وقوله سبحانه : وإِن يَرَوْاْ كُلَّ آيَةٍ لاَّ يُؤْمِنُواْ بِهَا  الرؤية هنا : رُؤْيَةُ العَيْنِ، يريد كانشقاق القَمَرِ، وشبهه، وقولهم : إِنْ هذا إِلاَّ أساطير الأولين  إشارة إلى القرآن، والأَسَاطِيرُ جمع أَسْطَار، كأقوال وأقاويل، وأسطار جمع سَطْر أوْ سَطَر. وقيل : أَسَاطِير : جمع إسْطَارَة، وهي التُّرَّهَاتُ. 
وقيل : جمع أُسْطُورة، كَأُعْجُوبة، وأُضْحُوكة. وقيل : هم اسم جَمْعٍ، لا واحد له من لَفْظِهِ، كعَبَادِيدَ، وشَمَاطِيطَ، والمعنى : إخبار الأولين وقصصهم وأحاديثهم التي تُسَطَّرُ، وتحكى، ولا تُحَقَّقُ كالتواريخ، وإنما شَبَّهَهَا الكفار بأحاديث النَّضْرِ بن الحَارِثِ، وعبد اللَّه بن أبي أُمَيَّة، عن رستم، ونحوه، ومُجَادَلَة الكفار كانت مُرَادّتهم نُورَ اللَّهِ بأقوالهم المُبْطَلَةِ.

### الآية 6:26

> ﻿وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ ۖ وَإِنْ يُهْلِكُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ [6:26]

وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ \[ الأنعام : ٢٦ \] قال قتادة وغيره : المعنى : يَنْهَوْنَ عن القرآن، وقال ابن عباس، وغيره : يَنْهَوْنَ عن النبي صلى الله عليه وسلم والمعنى : ينهون غَيْرَهُمْ، ويبعدون هم بأنفسهم، والنَّأْيُ البُعْدُ. 
قال ( ص ) : وَإِن يُهْلِكُونَ  : إن نافية بمعنى ( ما )، و أَنفُسِهِمْ  مفعول ب  يُهْلِكُونَ ، انتهى.  وَمَا يَشْعُرُونَ  معناه : ما يَعْلَمُونَ عِلْمَ حسٍّ، ونَفْيُ الشعور مذمَّةٌ بالغة، إذ البهائم تشعر وتحسّ، فإذا قلت : فلان لا يَشْعُرُ، فقد نَفَيْتَ عنه العِلْمَ النفي العام، الذي يقتضي أنه لا يَعْلَمُ ولا المَحْسُوسات.

### الآية 6:27

> ﻿وَلَوْ تَرَىٰ إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ فَقَالُوا يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ [6:27]

قوله جَلَّتْ عظمته : وَلَوْ ترى إِذْ وُقِفُواْ عَلَى النار \[ الأنعام : ٢٧ \]. 
المُخَاطَبَةُ فيه للنبي صلى الله عليه وسلم، وجواب ( لو ) محذوف، تقديره في آخر الآية : لرأيت هَوْلاً عظيماً ونحوه. 
و وُقِفُواْ  معناه : حبسوا، ويحتمل قوله : وُقِفُواْ عَلَى النار  بمعنى دخلوها. قاله الطَّبَرِيُّ. 
ويحتمل أن يكون أَشْرَفُوا عليها، وعاينوها. 
وقولهم : يا ليتنا نُرَدُّ  معناه إلى الدنيا.

### الآية 6:28

> ﻿بَلْ بَدَا لَهُمْ مَا كَانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ ۖ وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ [6:28]

قوله سبحانه : بَلْ بَدَا لَهُمْ مَّا كَانُواْ يُخْفُونَ مِن قَبْلُ \[ الأنعام : ٢٨ \]. 
يَتَضَمَّنُ أنهم كانوا يُخْفُونَ أموراً في الدنيا، فظهرت لهم يوم القِيَامَةِ، أو ظهر وَبَالُ ذلك وعاقبته، فحذف المُضَاف، وأقيم المضَافُ إليه مقامه. 
وقيل : إن الكُفَّارَ كانوا إذَا وَعَظَهُمُ النبي صلى الله عليه وسلم خافوا، وأَخْفَوْا ذلك الخوف، لَئلا يشعر بهم أتباعهم، فظهر لهم ذَلِكَ يوم القيامة، 
ويصح أن يكون مَقْصِدُ الآية الإخْبَارَ عن هَوْلِ ما لقوه، فعبِّر عن ذلك بأنهم ظَهَرَتْ لهم مَسْتُورَاتهم في الدنيا من مَعَاصٍ وغيرها، فكيف الظَّنُّ بما كانوا يعلنونه من كُفْرٍ ونحوه، وينظر إلى هذا التأويل قوله تعالى في تَعْظِيمِ شَأْنِ يوم القيامة : يَوْمَ تبلى السرائر  \[ الطارق : ٩ \]. 
وقوله سبحانه : وَلَوْ رُدُّواْ لعادوا  إخبار عن أَمْرٍ لا يكون كَيْفَ كان يُوجَدُ، وهذا النوع مما اسْتَأْثَرَ اللَّه تعالى بعِلْمِهِ، فإن أعلم بشيء منه علم، وإلا لم يُتَكَلَّمْ فيه. 
قال الفخر : قال الوَاحِدِيُّ : هذه الآية من الأدلة الظاهرة على فَسَادِ قول المُعْتَزِلةِ، لأن اللَّه تعالى حكى عن هؤلاء أنهم لو رُدُّوا لَعَادُوا لما نُهُوا عنه، وما ذاك إلا لِلْقَضَاءِ السابق فيهم، انتهى.

### الآية 6:29

> ﻿وَقَالُوا إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ [6:29]

قوله تعالى : وَقَالُواْ إِنْ هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا الدنيا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ \[ الأنعام : ٢٩ \]. 
هذا على تأويل الجمهور ابتداء كَلاَمٍ، وإخبار عنهم بهذه المَقَالَةِ، و( إن ) نافية، ومعنى الآية عنهم التكذيب بالحَشْرِ، والعَوْدَة إلى اللَّه.

### الآية 6:30

> ﻿وَلَوْ تَرَىٰ إِذْ وُقِفُوا عَلَىٰ رَبِّهِمْ ۚ قَالَ أَلَيْسَ هَٰذَا بِالْحَقِّ ۚ قَالُوا بَلَىٰ وَرَبِّنَا ۚ قَالَ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ [6:30]

قوله سبحانه : أَلَيْسَ هذا بالحق \[ الأنعام : ٣٠ \]. 
الإشَارَةُ بهذا إلى البَعْثِ الذي كذبوا به في الدنيا، وقولهم : بلى وَرَبَّنَا  إيْمَانٌ، ولكنه حِينَ لا يَنْفَعُ. 
وقوله : فَذُوقُواْ  استعارة بليغة، والمعنى بَاشِرُوهُ مُبَاشَرَةِ الذائق، و بَغْتَةً  معناه : فجأة، تقول : بَغَتَنِي الأمر، أي : فجأني، ومنه قول الشاعر :\[ الطويل \]

وَلَكِنَّهُمْ بَانُوا وَلَمْ أَخْشَ بَغْتَةً  وَأَفْظَعُ شَيْءٍ حِينَ يَفْجَأُكَ البَغْتُونصبها على المَصْدَرِ في موضع الحال.

### الآية 6:31

> ﻿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ ۖ حَتَّىٰ إِذَا جَاءَتْهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً قَالُوا يَا حَسْرَتَنَا عَلَىٰ مَا فَرَّطْنَا فِيهَا وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَىٰ ظُهُورِهِمْ ۚ أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ [6:31]

قولهم : قَالُواْ يا حسرتنا على مَا فَرَّطْنَا فِيهَا \[ الأنعام : ٣١ \] فيها نداء الحَسَرَةِ على تَعْظِيمِ الأمر، وتشنيعه. 
و فَرَّطْنَا  معناه : قَصَّرْنَا، والضمير في قوله : فِيهَا  عائد على السَّاعَةِ، أي : في التَّقْدِمَةِ لها قاله الحسن. 
ويحتمل أن يَعُودَ الضمير على الدنيا، إذ المعنى يَقْتَضِيهَا، ومجيء الظرفية أمكن. 
قلت : قال عَبد الحق في ( العَاقِبَةِ ) : لا يَعْرِفُ مِقْدَارَ الحياة إلا الموتى، لأنهم قد ظَهَرَتْ لهم الأمور، وانكشفت لهم الحَقَائِقُ، وتَبَدَّتْ لهم المَنَازِلُ، وعلموا مِقْدَارَ الأعمال الصَّالِحَةِ، ولما اسْتَبَانَ لهم ذلك، وعلموا مِقْدَارَ ما ضيعوا، وقيمة ما فيه فَرَّطُوا، نَدِمُوا وَأَسِفُوا، وودُّوا أنهم إلى الدنيا رَجَعُوا، فالذي عمل صالحًا ودَّ أن لو رَجَعَ إلى الدنيا لِيَزْدَادَ من عَمَلِهِ الصالح، ويكثر من تَجْرِهِ الرابح، والمُقَصِّرُ يَوَدُّ أنه لو رُدَّ ليستدرك ما فيه فَرَّطَ، وقد قال عليه السَّلاَمُ :( ما مِنْ أَحَدٍ يَمُوتُ إلاَّ نَدِمَ )، قَالُوا : وَمَا نَدَامَتُهُ يا رسول اللَّه ؟ قال :( إنْ كَانَ مُحْسِناً نَدِمَ أن لاَّ يكون ازْدَادَ، وإن كَانَ مُسِيئاً نَدِمَ أن لا يَكُونَ نَزَعَ ) خرجه الترمذي، انتهى. 
وقوله تعالى : وَهُمْ يَحْمِلُونَ \[ الأنعام : ٣١ \]. 
الواو واو الحَالِ، و( الأَوْزَارُ ) جمع وِزْر بكسر الواو، وهو الثّقْلُ من الذنوب، والوِزْرُ هنا تَجَوُّز وتَشْبِيهٌ بثقل الأَحْمَالِ، ومن قال : إنه من الوَزَرِ، وهو الجَبَلُ الذي يُلْجَأُ إلَيْهِ، فهو قول غير بَيِّنِ. 
وقال الطبري وغيره : هذا على جهة الحَقِيقَةِ، وَرَوَوْا في ذلك خَبَراً :( إنَّ المُؤْمِنَ يَلْقَاهُ عمله في أَحْسَنِ صُورَةً وأَفْوَحِهَا، فَيُسَلِّمُ عليه وَيَقُولُ : طَالَ مَا رَكِبْتُكَ في الدُّنْيَا، وَأَجْهَدْتُكَ، فَارْكَبْنِي اليَوْمَ، قال : فَيَحْمِلُهُ تِمْثَالُ العَمَلِ. وإن الكَافِرَ يَلْقَاهُ عَمَلَهُ في أَقْبَحِ صُورَةً وأَنْتَنِهَا فَيَشْتِمُهُ، ويقول : أنا عَمَلُكَ الخَبِيثُ طَالَ مَا رَكِبْتَنِي فِي الدُّنْيَا بِشَهَوَاتِكَ، فَأَنا أرْكَبُك اليَوْمَ، قال : فيحمل تِمْثَالَ عَمَلِهِ الخَبِيثَ، وَأَوْزَارَهُ على ظَهْرِهِ ). 
قلت : والأحاديث الصحيحة في معنى ما ذَكَرَهُ الطبري كثيرةٌ، كأحاديث مَانِعِي الزكاة، وغيرها. 
قال مكي : وروى المَقْبُرِيُّ عن أبي هريرة : في حديث يرفعه : قال :( إذا كان يَوْمُ القِيَامَةِ بَعَثَ اللَّه مع كل امْرِئٍ مُؤْمِنٍ عَمَلَهُ، وبَعَثَ مع الكافر عَمَلَهُ، فلا يرى المُؤْمِنُ شَيْئاً يروعه، ولا شَيْئاً يُفْزِعُهُ ويخافه إلاَّ قَالَ له عَمَلُهُ : أَبْشِرْ بالَّذِي يَسُرُّكَ، فَإنَّكَ لَسْتَ بِالَّذِي يُرَادُ بهذا، ولا يرى الكَافِر شَيْئاً يُفْزِعُهُ، ويروعه، ويَخَافُهُ إلا قال له عَمَلُهُ : أبْشِرْ يَا عَدُوَّ اللَّهِ بالذي يَسُوؤُكَ، فَوَاللَّهِ إنك لأنْتَ الذي تُرَادُ بهَذَا ) انتهى.

### الآية 6:32

> ﻿وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَعِبٌ وَلَهْوٌ ۖ وَلَلدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ ۗ أَفَلَا تَعْقِلُونَ [6:32]

قوله سبحانه : وَمَا الحياة الدنيا إِلاَّ لَعِبٌ وَلَهْوٌ \[ الأنعام : ٣٢ \]. 
هذا ابتداء خَبَرٍ عن حَالِ الدنيا، والمعنى : أنها إذ كانت فَانِيَةٌ لا طائل لها أشبهت اللَّعِبَ، واللهو، الذي لا طَائِلَ له، إذا تقضى، وهذه الآية تتضمن الرَّدَّ على قولهم : إِنْ هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا الدنيا  \[ الأنعام : ٢٩ \] وهو المقصود بها. 
قال عبد الحق في **«العاقبة »** : اعلم رحمك اللَّه أن حُبَّ الدُّنْيَا هو سَبَبُ طُولِ الأَمَلِ، والإكْبَابُ عليها يَمْنَعُ من الفِكْرَةِ في الخروج عنها، والجهل بغَوَائِلِهَا يحمل على الإرادة لها، والازدياد منها، لأن من أَحَبَّ شَيْئاً أحَبَّ الكَوْنَ معه، والازدياد منه، ومن كان مَشْغُوفاً بالدنيا مُحِبًّا لها قد خَدَعَتْهُ بزُخْرُفِهَا وَأَمَالَتْهُ برَوْنَقِهَا، كيف يحبُّ مفارقتها، أو يحب مُزَايَلَتَهَا ؟، هذا أمر لم تَجْرِ العادة له، ولا حُدِّثْنَا عنه، بَلْ نجد مَنْ كَانَ على هذه الصفة أَعْمَى عَنْ طريق الخَيْرِ، أصم عن دَاعِي الرشد، أَفِنَ الرأي، سَيِّئَ النظر، ضَعِيفَ الإيمان، لم تترك له الدُّنْيَا ما يَسْمَعُ به، ولا ما يرى، إنما دِينُهُ وشغله وحديثه دُنْيَاهُ، لها ينظر، ولها يَسْمَعُ، قد ملأت عينه وقلبه، ثم قال : واعلم أن أَهْلَ القُبُورِ إنما يَنْدَمُونَ على ما يتركون، ويفرحون بما يُقَدِّمُونَ، فما عليه أهل القُبُورِ يندمون، أَهْلُ الدنيا عليه يَقْتَتِلُو، انتهى.

### الآية 6:33

> ﻿قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ ۖ فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَٰكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ [6:33]

قوله سبحانه : قَدْ نَعْلَمُ. . .  \[ الأنعام : ٣٣ \]. 
 نَعْلَم  : إذا كانت من اللَّه تعالى تَتَضَمَّنُ استمرار العَلْمِ وقِدَمَهُ، فهي تعمُّ الماضي، والحال، والاستقبال. 
قلت : ونحو هذا لأبي حَيَّانَ قال : وعبر هنا بالمُضَارِعِ، لأنَّ المُرَادَ الاتصاف بالعلم، واستمراره، ولم يلحظ فيه الزمان، كقولهم : فلان يعطي ويمنع، انتهى. 
وقرأ نافع وحده ( لَيُحْزِنُكَ ) من أَحْزَنَ، وقرأ الباقون :( لَيَحْزُنْكَ ) من حَزَنْتُ الرجلَ. 
وقرأ ابن كثير، وأبو عمرو، وابن عامر، وعاصم، وحمزة ( لاَ يُكَذِّبُونَكَ ) بتشديد الذال، وفتح الكاف، وقرأها ابن عباس، ورَدَّهَا على قارئٍ قرأ عليه ( يُكذبونك ) بضم الياء، وقال : إنهم كانوا يسمونه الأَمِينَ. 
وقرأ نافع، والكسائي بسكون الكاف، وتخفيف الذال، وهما قراءتان مشهورتان، صحيحتان، وهما بمعنى واحد، فمعنى :( لا يكذبونك )، أي : لا يعتقدون كذبك، وإنهم يعلمون صِدْقَكَ، ولكنهم يَجْحَدُونَ عنَاداً وظُلْماً، وهذا تأويل قتادة، والسُّدي، وغيرهما. 
وحكي عن طائفة من الكُفَّارِ أنها كانت تَقُولُ : إنا لنعلم أن محمداً صادق، ولكن إذا آمنَّا به فضلنا بنو هاشم بالنبوءة، فنحن لا نُؤْمِنُ به أَبَداً، رويت هذه المَقَالَةِ عن أَبِي جَهْلٍ، ومن جرى مجراه. 
وأسْنَدَ الطَّبَريُّ : أن جِبْريلَ وجد النبي صلى الله عليه وسلم حَزِيناً فسأله، فقال :( كذبني هؤلاء )، فقَال : إنهم لا يكذبونك بل يعلمون أَنَّكَ صَادِقٌ  ولكن الظالمين بآيات اللَّه يَجْحَدُونَ  وجَحْدُ العِنَادِ جائز الوُقُوعِ، بمقتضى النظر، وظواهر القرآن تعطيه، و يَجْحَدُونَ  : حِقِيقِتُهُ في كلام العرب : الإنْكارُ بعد معرفة، وهو ضد الإقرار.

### الآية 6:34

> ﻿وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَىٰ مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّىٰ أَتَاهُمْ نَصْرُنَا ۚ وَلَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ ۚ وَلَقَدْ جَاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ [6:34]

قوله سبحانه : وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِّن قَبْلِكَ فَصَبَرُواْ \[ الأنعام : ٣٤ \]. 
قال ابن جُرَيْجٍ، والضحاك : عزى اللَّه بهذه الآية نَبِيَّهُ عليه السلام، ثم قَوَّى سبحانه رَجَاء نَبِيِّهِ فيما وَعَدَهُ من النصر، بقوله : وَلاَ مُبَدِّلَ لكلمات الله ، أي : لاَ رَادَّ لأَمْرِهِ، وكلماته السابقة بما يكون، فكأن المعنى : فاصبر كما صَبَرُوا، وانتظر ما يأتي، وَثِقْ بهذا الإخبار، فإنه لا مُبَدِّلَ له.

### الآية 6:35

> ﻿وَإِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقًا فِي الْأَرْضِ أَوْ سُلَّمًا فِي السَّمَاءِ فَتَأْتِيَهُمْ بِآيَةٍ ۚ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَىٰ ۚ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ [6:35]

قوله تعالى : وَإِن كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ. . .  \[ الأنعام : ٣٥ \]. 
فيها إلزام الحجة للنبي صلى الله عليه وسلم، وتقسيم الأحوال عليه، حتى يبين أنْ لاَ وَجْهَ إلا الصَّبر، والمعنى : إن كنت تعظم تكذيبهم، وكفرهم على نَفْسِكَ، وتلتزم الحُزْنَ، فإن كنت تقدر على دُخُولِ سَرَبٍ في أعماق الأرض، أو على ارْتِقَاءِ سُلَّمٍ في السماء، فافعل، أي : ولست بِقَادِرٍ على شيء من هذا، ولا بُدَّ لك من التزام الصَّبْرِ، واحتمال المشقة، وَلَوْ شَاء الله لَجَمَعَهُمْ عَلَى الهدى  فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الجاهلين  في أن تَأْسَفَ وتحزن على أَمْرٍ أراده اللَّه، وأمضاه، وروى الدَّارَقُطْنِيُّ في **«سننه »** عن النبي صلى الله عليه وسلم أنَّهُ قال :( إذا أَصَابَ أَحَدَكُمْ هَمٌّ أوْ حُزْنٌ فليقل سَبْعَ مَرَّاتٍ : اللَّه اللَّه رَبِّي لاَ أُشْرِكُ به شَيْئاً )، انتهى من **«الكوكب الدُّري »**. 
و  تَأْتِيَهُم بِآيَةٍ  أي : بعلامة. 
وقال مَكّي، والمَهْدوي : الخِطَابُ بقوله : فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الجاهلين  للنبي صلى الله عليه وسلم، والمُرَادُ أمته، وهذا ضَعِيفٌ لا يقتضيه اللفظ، قلت : وما قاله ( ع ) : فيه عندي نَظَرٌ، لأن هذا شَأْنُ التأويل إخراج اللَّفْظِ عن ظاهره لموجب، عَلَى أن أَبَا محمد مَكِّيًّا رحمه اللَّه نَقَلَ هذا القول عن غيره نَقْلاً، ولفظه : فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الجاهلين  أي : ممن لا يعلم أن اللَّه لو شَاءَ لَجَمَعَ على الهُدَى جميع خَلْقِهِ. 
وقيل : معنى الخطاب لأُمَّةِ النبي صلى الله عليه وسلم، والمعنى : فلا تكونوا من الجاهلين، ومثله في القرآن كثير، انتهى من " الهِدَايَةِ ".

### الآية 6:36

> ﻿۞ إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ ۘ وَالْمَوْتَىٰ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ [6:36]

قوله سبحانه : إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الذين يَسْمَعُونَ \[ الأنعام : ٣٦ \]. هذا من النَّمَطِ المُتَقَدِّمِ في " التسلية " أي : لا تحفل بمن أعرض، فإنما يَسْتَجِيبُ لداعي الإيمان الذين يَفْهَمُونَ الآيات، ويتلقون البَرَاهِينَ بالقَبُولِ، فعبر عن ذلك كله ب  يَسْمَعُونَ  إذ هو طريق العلم، وهذه لفظة تستعملها الصُّوفِيَّةُ رضي اللَّه عنهم إذا بلغت المَوْعِظَةُ من أحد مبلغاً شافياً، قالوا : سمع. 
ثم قال تعالى : والموتى  يُرِيدُ الكفار أي : هم بمَثَابَةِ الموتى، فعبر عنهم بِضِدِّ ما عبر عن المؤمنين، وبالصفة التي تُشْبِهُ حالهم في العمى عن نور اللَّه، والصَّمَمِ عن وَعْيِ كلماته، قاله مجاهد، والحسن، وقتادة. 
و يَبْعَثُهُمُ الله  يحتمل معنيين : قال الحسن : معناه : يبعثهم بأن يُؤْمنوا حين يوفقهم، وقراءة الحسن ( ثم إليه تُرْجَعُون ) بالتاء من فوق، فَتَنَاسَبَت الآية. 
وقال مجاهد، وقتادة : والموتى  يريد الكفار  ويَبْعَثُهُمُ الله ، أي : يَحْشرهم يوم القيامة،  ثُمَّ إِلَيْهِ ، أي : إلى سَطْوته، وعقابه ( يرجعون ).

### الآية 6:37

> ﻿وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ ۚ قُلْ إِنَّ اللَّهَ قَادِرٌ عَلَىٰ أَنْ يُنَزِّلَ آيَةً وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ [6:37]

قوله سبحانه : وَقَالُواْ لَوْلاَ نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِّن رَّبِّهِ \[ الأنعام : ٣٧ \]. 
( لَوْلاَ ) تحضيض بمعنى **«هلاَ »**، ومعنى الآية : هلا نزل على محمد بَيَانٌ واضح كَمَلَكٍ يَشْهَدُ له، أو كَنْزٍ، أو غير ذلك من تَشَطُّطهِم المَحْفُوظِ في هذا، ثم أُمِرَ عليه السلام بالرَّدِّ عليهم بأن اللَّه عز وجل قَادِرٌ على ذلك،  ولكن أكثرهم لا يَعْلَمُونَ  أنها لو نَزَلَتْ، ولم يؤمنوا لَعُوجِلُوا بالعَذَابِ، ويحتمل  ولكن أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ  أنه سبحانه إنما جعل الإِنْذَارَ في آيات معرضة للنظر، والتأمُّلِ ليهتدي قَوْمٌ، ويضل آخرون.

### الآية 6:38

> ﻿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ ۚ مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ۚ ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ [6:38]

قوله سبحانه : وَمَا مِن دَابَّةٍ فِي الأرض وَلاَ طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلاَّ أُمَمٌ أمثالكم \[ الأنعام : ٣٨ \]. 
المعنى : في هذه الآية التَّنْبِيهُ على آيات اللَّه المَوْجُودَةِ في أنواع مَخْلُوقَاتِهِ، المَنْصُوبَةِ لمن فَكَّرَ واعتبر، كالدواب والطير، ويدخل في هَذَيْنِ جَمِيعُ الحَيَوَانِ، وهي ( أمم ) أي : جَمَاعَاتٌ مماثلة للناس في الخَلْقِ، والرزق، والحَيَاةِ، والمَوْتِ، والحَشْرِ. 
ويحتمل أن يريد بالمُمَاثَلَةِ في كونها أمماً لا غير، إلا أن الفَائِدَةَ في هذه الآية بأن تكون المُمَاثَلَةُ في أَوْصَافٍ غير كونها أمماً. 
قال الطبري، وغيره : والمُمَاثَلَةُ في أنها يُهْتَبَلُ بأعمالها، وتحاسب، ويقتصّ لبعضها من بَعْضٍ، على ما روي في الأحَادِيثِ، أي : فإذا كان هذا يُفْعَلْ بالبهائم، فأنتم أَحْرَى، إذ أنتم مُكَلَّفُونَ عُقَلاَء. 
وروى أبو ذَرٍّ : أنه انْتَطَحَتْ عنزان بِحَضْرَةِ النبي صلى الله عليه وسلم فقال :( أَتَعْلَمُونَ فِيمَا انْتَطَحَتَا ؟ قِلْنَا : لا، قال : فَإنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ، وَسَيَقْضِي بَيْنَهُمَا ). وقال مَكّي : المُمَاثَلَةُ في أنها تَعْرِفُ اللَّه، وتعبده. 
وقوله : بِجَنَاحَيْهِ  تأكيد، وببيان وإزالة للاستعارة المُتَعَاهَدَةِ في هذه اللفظة، إذ يقال : طائر السَّعْدِ، والنَّحْسِ. وقال تعالى : ألزمناه طائره فِي عُنُقِهِ  \[ الإسراء : ١٣ \]، ويقال : طار لفلان طائر كذا، أي : سهمه في المقتسمات، فقوله تعالى : بِجَنَاحَيْهِ  إخراج للطائر عن هذا كله. 
وقوله سبحانه : مَّا فَرَّطْنَا فِي الكتاب مِن شَيْءٍ  التفريط : التقصير في الشَّيْءِ مع القُدْرَةِ على تَرْكِ التقصير. 
قال أبو حيان : أصل ( فَرَّطْنَا ) أن يَتَعَدَّى ب **«في »** ثم يضمن معنى أغفلنا، فيتعدى إلى مَفْعُولٍ به، وهو هنا كذلك، فيكون  مِن شَيْءٍ  في مَوْضِعِ المفعول به، انتهى. 
و  الكتاب  : القرآن وهو الذي يقتضيه نَظَامُ المعنى في هَذِهِ الآيَاتِ، 
وقيل : اللوح المحفوظ،  وَمِنْ شَيء  على هذا القول عَامٌّ في جَمِيعِ الأشياء، وعلى القول بأنه القُرْآن خَاصٌّ. 
و يُحْشَرُونَ ، قالت فرقة من العلماء : حَشْرُ البهائم بَعْثُهَا، واحتجوا بالأَحَادِيثِ المضمنة أن اللَّه تعالى يَقْتَصُّ لِلْجَمَّاءِ من القَرْنَاءِ، ومن قال : إنما هي كِنَايَةٌ عن العَدْلِ، وليست بحقيقة، فهو قول مَرْدُودٌ ينحو إلى القَوْلِ بالرُّمُوزِ ونحوها.

### الآية 6:39

> ﻿وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا صُمٌّ وَبُكْمٌ فِي الظُّلُمَاتِ ۗ مَنْ يَشَإِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَىٰ صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ [6:39]

قوله سبحانه : والذين كَذَّبُواْ بآياتنا صُمٌّ وَبُكْمٌ. . .  \[ الأنعام : ٣٩ \]. 
كأنه قال : وما من دَابَّةٍ، ولا طائر، ولا شَيْءٍ، إلاَّ وفيه آية منصوبة دالة على وَحْدَانِيَّةِ اللَّه تعالى، ولكن ( الذين كَذَّبُوا بآياتنا صُمّ وبكم ) لا يتلقون ذلك، ولا يَقْبَلُونَهُ، وظاهر الآية أنها تعمُّ كل مُكَذِّبٍ. 
وقال النقاش : نزلت في بني عَبْدِ الدَّارِ. 
قال ( ع ) : ثم تَنْسَحِبُ على سواهم، وقوله : فِي الظلمات  يَنُوبُ عن عمي، و في الظلمات  أَهْوَل عبارة، وأفصح، وأوقع في النَّفْسِ. 
قال أبو حَيَّانَ : فِي الظلمات  خبر مبتدأ مَحْذُوفٍ، أي : هم في الظلمات، أو صفة ل  بِكُمْ ، أي : كائنون في الظلمات، أو حال من الضمير المقدر في الخبر، أي : ضالون في الظلمات، انتهى.

### الآية 6:40

> ﻿قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ [6:40]

قوله سبحانه : قُلْ أَرَأَيْتَكُم \[ الأنعام : ٤٠ \]. 
ابتداء احْتِجَاجٍ على الكفار الجاعلين للَّه شركاء، والمعنى : أرأيتم إذا خِفْتُمْ عَذَابَ اللَّه، أو خفتم هَلاَكاً، أو خفتم السَّاعَةَ، أتدعون أَصْنَامَكُمْ، وتَلْجَئُون إليها في كَشْفِ ذلك  إن كنتم صادقين  في قولكم : إنها آلهة، بل إنما تدعون اللَّه الخَالِقَ الرازق، فيكشف ما خِفْتُمُوه،  إن شاء، وتنسون  أصنامكم، أي : تتركونهم، فعبر عن التَّرْكِ بأعظم وجوهه الذي هو مَعَ التَّرْكِ ذهول، وإغفال، فكيف يجعل إلهاً من هذه حَالُهُ في الشدائد والأَزَمَاتِ.

### الآية 6:41

> ﻿بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاءَ وَتَنْسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ [6:41]

القول بأنه القرآن خاصّ.
 ويُحْشَرُونَ قالت فرقة من العلماء: حَشْرُ البهائم بَعْثُهَا، واحتجوا بالأَحَادِيثِ المضمنة أن اللَّه- تعالى- يَقْتَصُّ لِلْجَمَّاءِ من القَرْنَاءِ، ومن قال: إنما هي كِنَايَةٌ عن العَدْلِ، وليست بحقيقة، فهو قول مردود ينحو إلى القول بالرّموز ونحوها.
 \[سورة الأنعام (٦) : الآيات ٣٩ الى ٤١\]
 وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا صُمٌّ وَبُكْمٌ فِي الظُّلُماتِ مَنْ يَشَأِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (٣٩) قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتاكُمْ عَذابُ اللَّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٤٠) بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ ما تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شاءَ وَتَنْسَوْنَ ما تُشْرِكُونَ (٤١)
 وقوله سبحانه: وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا صُمٌّ وَبُكْمٌ... الآية كأنه قال: وما من دَابَّةٍ، ولا طائر، ولا شَيْءٍ، إلاَّ وفيه آية منصوبة دالة على وَحْدَانِيَّةِ اللَّه- تعالى- ولكن الذين كَذَّبُوا بآياتنا صُمّ وبكم لا يتلقون ذلك، ولا يَقْبَلُونَهُ، وظاهر الآية أنها تعمُّ كل مُكَذِّبٍ.
 وقال النقاش: نزلت في بني عَبْدِ الدَّارِ.
 قال ع **«١»** : ثم تَنْسَحِبُ على سواهم.
 وقوله: فِي الظُّلُماتِ يَنُوبُ عن عمي، وفي الظلمات أَهْوَل عبارة، وأفصح، وأوقع في النَّفْسِ.
 قال أبو حَيَّانَ **«٢»** : فِي الظُّلُماتِ خبر مبتدإ مَحْذُوفٍ، أي: هم في الظلمات، أو صفة ل بُكْمٌ أي: كائنون في الظلمات، أو حال من الضمير المقدر في الخبر، أي:
 ضالون في الظلمات. انتهى.
 وقوله سبحانه: قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ ابتداء احْتِجَاجٍ على الكفار الجاعلين للَّه شركاء، والمعنى: أرأيتم إذا خِفْتُمْ عَذَابَ اللَّه، أو خفتم هَلاَكاً، أو خفتم السَّاعَةَ، أتدعون أَصْنَامَكُمْ وتَلْجَئُون إليها في كَشْفِ ذلك إن كنتم صادقين في قولكم: إنها آلهة، بل إنما تدعون اللَّه الخَالِقَ الرازق، فيكشف ما خِفْتُمُوه، إن شاء، وتنسون أصنامكم، أي: تتركونهم، فعبر عن التَّرْكِ بأعظم وجوهه الذي هو مَعَ التَّرْكِ ذهول، وإغفال، فكيف يجعل إلهاً من هذه حاله في الشدائد والأزمات.

 (١) ينظر: **«المحرر»** (٢/ ٢٩٠).
 (٢) ينظر: **«البحر المحيط»** (٤/ ١٢٧).

### الآية 6:42

> ﻿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَىٰ أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ [6:42]

قوله سبحانه : وَلَقَدْ أَرْسَلنَا إلى أُمَمٍ مِّن قَبْلِكَ فأخذناهم \[ الأنعام : ٤٢ \]. 
في الكلام حَذْفٌ، تقديره : فكذبوا ( فأخذناهم ) أي : تابعناهم ( بالبَأْسَاءِ ) الآية، ( والبأساء ) المَصَائِبُ في الأموال، ( والضراء ) في الأَبْدَانِ، هذا قول الأكثر. 
وقيل : قد يُوضَعُ كل واحد بَدَلَ الآخر، والتضرُّعُ : التذلل، والاستكانة، ومعنى الآية توعد الكفار، وضرب المَثَلِ لهم، و لَوْلاَ  تحضيض، وهي التي تلي الفِعْلَ بمعنى :**«هلا »** وهذا على جِهَةِ المعاتبة لِمُذْنِبٍ غائب، وإظهار سوء فعله مع تَحَسُّرِ ما عليه، قلت : أي : مع تَحَسُّرٍ ما، باعتبار حالة البَشَرِ.

### الآية 6:43

> ﻿فَلَوْلَا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَٰكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [6:43]

\[سورة الأنعام (٦) : الآيات ٤٢ الى ٤٥\]

 وَلَقَدْ أَرْسَلْنا إِلى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَخَذْناهُمْ بِالْبَأْساءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ (٤٢) فَلَوْلا إِذْ جاءَهُمْ بَأْسُنا تَضَرَّعُوا وَلكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (٤٣) فَلَمَّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنا عَلَيْهِمْ أَبْوابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذا فَرِحُوا بِما أُوتُوا أَخَذْناهُمْ بَغْتَةً فَإِذا هُمْ مُبْلِسُونَ (٤٤) فَقُطِعَ دابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ (٤٥)
 وقوله سبحانه: وَلَقَدْ أَرْسَلْنا إِلى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَخَذْناهُمْ في الكلام حَذْفٌ، تقديره: فكذبوا فأخذناهم؟ أي: تابعناهم بالبَأْسَاءِ الآية، والبأساء المَصَائِبُ في الأموال، والضراء في الأَبْدَانِ. هذا قول الأكثر.
 وقيل: قد يُوضَعُ كل واحد بَدَلَ الآخر، والتضرُّعُ التذلل، والاستكانة، ومعنى الآية توعد الكفار، وضرب المثل لهم، وفَلَوْ لا تحضيض، وهي التي تلي الفِعْلَ بمعنى:
 **«هلا»** وهذا على جِهَةِ المعاتبة لِمُذْنِبٍ غائب، وإظهار سوء فعله مع تَحَسُّرِ ما عليه.
 قلت: أي: مع تَحَسُّرٍ ما، باعتبار حالة البَشَرِ.
 وقوله سبحانه: فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ... الآية عبر عن الترك بالنّسيان، وفَتَحْنا عَلَيْهِمْ أَبْوابَ كُلِّ شَيْءٍ أي: من النِّعَمِ الدنيوية بعد الذي أَصَابَهُمْ من البَأْسَاءِ والضراء، وفَرِحُوا معناه: بطروا، / وأعجِبوا، وظنوا أن ذَلِكَ لا يَبيدُ، وأنه دَالٌّ على رضا اللَّه عنهم، وهو اسْتِدْرَاجٌ من اللَّه تعالى.
 وقد رُوِيَ عن بعض العلماء: رحم اللَّه عبداً تَدَبَّر هذه الآية حَتَّى إِذا فَرِحُوا بِما أُوتُوا أَخَذْناهُمْ بَغْتَةً.
 وروى عقبة بن عامر أن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم قال: إذا رأيت اللَّه- تعالى- يعطي العِبَادَ ما يشاءون على مَعَاصيهم، فذلك اسْتِدْرَاجٌ ثم تلا: فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ... الآية **«١»** كلها، وأَخَذْناهُمْ في هذا المَوْضِعِ معناه: استأصلناهم بَغْتَةً أي: فجأة، والمبلس الحَزِينُ الباهت اليَائِسُ من الخَيْرِ الذي لا يَحِيرُ جَوَاباً لشدة ما نَزَلَ به من سوء الحال.
 وقوله تعالى: فَقُطِعَ دابِرُ الْقَوْمِ... الآية.
 (١) أخرجه أحمد (٤/ ١٤٥)، والدولابي في **«الكنى»** (١/ ١١١)، والطبري (٥/ ١٩٤) رقم (١٣٢٤٤)، والبيهقي في **«شعب الإيمان»** (٤/ ١٢٨) رقم (٤٥٤٠)، والطبراني في **«الكبير»** (١٧/ ٣٣٠- ٣٣١) رقم (٩١٣)، وابن أبي الدنيا في كتاب **«الشكر»** (ص ٩) من حديث عقبة بن عامر والحديث ذكره العراقي في **«تخريج الإحياء»** (٤/ ١١٥) وقال: رواه أحمد، والطبراني، والبيهقي في **«الشعب»** بسند حسن.

### الآية 6:44

> ﻿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّىٰ إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ [6:44]

قوله سبحانه : فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكّرُواْ بِهِ. . .  \[ الأنعام : ٤٤ \]. 
عبر عن الترك بالنِّسْيَانِ، و فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلّ شَيْءٍ  أي : من النِّعَمِ الدنيوية، بعد الذي أَصَابَهُمْ من البَأْسَاءِ والضراء، و فَرِحُواْ  معناه : بطروا، وأعجِبوا، وظنوا أن ذَلِكَ لا يَبيدُ، وأنه دَالٌّ على رضا اللَّه عنهم، وهو اسْتِدْرَاجٌ من اللَّه تعالى، وقد رُوِيَ عن بعض العلماء : رحم اللَّه عبداً تَدَبَّر هذه الآية  حتى إِذَا فَرِحُواْ بِمَا أُوتُواْ أخذناهم بَغْتَةً . 
وروى عقبة بن عامر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :( إذا رأيت اللَّه تعالى يعطي العِبَادَ ما يشاءون على مَعَاصيهم، فذلك اسْتِدْرَاجٌ ثم تلا : فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِ. . .  " الآية كلها )، و أخذناهم  في هذا المَوْضِعِ معناه : استأصلناهم، ( بَغْتَةً ) أي : فجأة، والمبلس الحَزِينُ الباهت، اليَائِسُ من الخَيْرِ الذي لا يَحِيرُ جَوَاباً لشدة ما نَزَلَ به من سوء الحال.

### الآية 6:45

> ﻿فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا ۚ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ [6:45]

قوله تعالى : فَقُطِعَ دَابِرُ القوم. . .  \[ الأنعام : ٤٥ \]. 
الدَّابر : آخر القوم الذي يَأتي من خَلْفِهِم، وهذه كناية عن استئصال شافتهم، ومَحْوِ آثارهم، كأنهم وَرَدُوا العَذَابَ حتى ورد آخرهم الذي دَبَرَهُمْ، وحَسُنَ الحمد عَقِبَ هذه الآية لِجَمَالِ الأفعال المتقدمة في أن أرسل سبحانه الرسل، ولطف في الأَخْذِ بالبَأْسَاءِ والضَّرَّاءِ، ليتضرع إليه، فيرحم، وينعم، وقطع في آخر الأمر دابر الظَّلَمَة، وذلك حَسَنٌ في نفسه، ونعمة على المؤمنين، فحسن الحَمْدُ عقب هذه الأفعال، وبحمده سبحانه ينبغي أن يُخْتَمَ كل فعل، وكل مَقَالٍ، إذ هو المحمود على كُلِّ حال، لا رَبَّ غيره، ولا خير إلاَّ خَيْرُهُ.

### الآية 6:46

> ﻿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ اللَّهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصَارَكُمْ وَخَتَمَ عَلَىٰ قُلُوبِكُمْ مَنْ إِلَٰهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِهِ ۗ انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ ثُمَّ هُمْ يَصْدِفُونَ [6:46]

قوله تعالى : قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ الله سَمْعَكُمْ وأبصاركم. . .  \[ الأنعام : ٤٦ \].  أَخَذَ  معناه أَذْهَبَ، والضمير في  بِهِ  عائد على المأخوذ، و يَصْدِفُونَ  معناه : يعرضون، وينفرون، ومنه قول الشاعر :\[ البسيط \]

إذَا ذَكَرْنَ حَدِيثاً قُلْنَ أَحْسَنَهُ  وَهُنَّ عَنْ كُلِّ سُوءٍ يُتَّقَى صُدُفُ

### الآية 6:47

> ﻿قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ بَغْتَةً أَوْ جَهْرَةً هَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الظَّالِمُونَ [6:47]

قوله تعالى : قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أتاكم عَذَابُ الله بَغْتَةً. . .  \[ الأنعام : ٤٧ \]. 
وعيد وتهديد، قال :( ع ) : أَرَأيْتُمْ  عند سيبويه : تَتَنَزَّلُ منزلة **«أخبروني »**، ولذلك لا تَحْتَاجُ إلى مفعولين. 
وقوله : بَغْتَةً  معناه : لم يَتَقَدَّمْ عندكُمْ منه عِلْمٌ، و وجَهْرَة ، معناه : تبدو لكم مَخَايلُهُ ومَبَاديه، ثم يتوالى حتى ينزل. 
قال الحَسَنُ بْنُ أبي الحَسَنِ : بَغْتَةً  لَيْلاً و جَهْرَةً  : نهارا، وقال مجاهد : بَغْتَةً  فُجَاءَةً  آمِنِينَ . و جَهْرَةً  : وهم ينظرون، قال أبو حَيَّان : هَلْ يُهْلَكُ  ( هل ) حَرْفُ استفهام، معناه هنا النَّفْيُ، أي : ما يهلك، ولذلك دخَلَتْ **«إلاَّ »** على ما بعدها، انتهى.

### الآية 6:48

> ﻿وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ ۖ فَمَنْ آمَنَ وَأَصْلَحَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ [6:48]

قوله سبحانه : وَمَا نُرْسِلُ المرسلين إِلاَّ مُبَشِّرِينَ \[ الأنعام : ٤٨ \]. 
أي : إلاَّ ليبشِّروا بإنعامنا وَرَحْمَتِنَا مَنْ آمن، ومُنْذِرِينَ بعذابنا وعِقَابنا مَنْ كَذَّب وكَفَر، قال أبو حَيَّان : مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ  : حالٌ فيها معنَى العِلِّيَّة، أي : أرسلناهم للتبشير والإنذار، انتهى. 
ثم وَعَدَ سبحانَهُ مَنْ سلَكَ طريقَ البِشَارة، فآمَنَ وأصْلَح في امتثال الطاعةِ، وأوعد الآخَرِينَ.

### الآية 6:49

> ﻿وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا يَمَسُّهُمُ الْعَذَابُ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ [6:49]

الدَّابر: آخر القوم الذي يَأتي من خَلْفِهِم، وهذه كناية عن استئصال شأفتهم، ومَحْوِ آثارهم، كأنهم وَرَدُوا العَذَابَ حتى ورد آخرهم الذي دَبَرَهُمْ، وحَسُنَ الحمد عَقِبَ هذه الآية لِجَمَالِ الأفعال المتقدمة في أن أرسل- سبحانه- الرسل، ولطف في الأَخْذِ بالبَأْسَاءِ والضَّرَّاءِ ليتضرع إليه، فيرحم، وينعم، وقطع في آخر الأمر دابر الظَّلَمَة، وذلك حَسَنٌ في نفسه، ونعمة على المؤمنين، فحسن الحَمْدُ عقب هذه الأفعال، وبحمده سبحانه ينبغي أن يُخْتَمَ كل فعل، وكل مَقَالٍ، إذ هو المحمود على كُلِّ حال لا رب غيره، ولا خير إلا خيره.
 \[سورة الأنعام (٦) : الآيات ٤٦ الى ٤٩\]
 قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ اللَّهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصارَكُمْ وَخَتَمَ عَلى قُلُوبِكُمْ مَنْ إِلهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِهِ انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآياتِ ثُمَّ هُمْ يَصْدِفُونَ (٤٦) قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتاكُمْ عَذابُ اللَّهِ بَغْتَةً أَوْ جَهْرَةً هَلْ يُهْلَكُ إِلاَّ الْقَوْمُ الظَّالِمُونَ (٤٧) وَما نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلاَّ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ فَمَنْ آمَنَ وَأَصْلَحَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (٤٨) وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا يَمَسُّهُمُ الْعَذابُ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ (٤٩)
 وقوله تعالى: قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ اللَّهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصارَكُمْ... الآية أَخَذَ معناه أَذْهَبَ، والضمير في بِهِ عائد على المأخوذ، ويَصْدِفُونَ معناه: يعرضون، وينفرون، ومنه قول الشاعر: \[البسيط\]
 إذَا ذَكَرْنَ حَدِيثاً قُلْنَ أَحْسَنَهُ... وَهُنَّ عَنْ كُلِّ سُوءٍ يُتَّقَى صُدُفُ **«١»**
 وقوله تعالى: قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتاكُمْ عَذابُ اللَّهِ بَغْتَةً... الآية وعيد وتهديد.
 قال ع **«٢»** : أَرَأَيْتُمْ عند سيبويه: تَتَنَزَّلُ منزلةَ **«أخبروني»** ولذلك لا تَحْتَاجُ إلى مفعولين.
 وقوله: بَغْتَةً: معناه: لم يتقدّم عندكم منه علم، وجَهْرَةً، معناه: تبدو لكم مَخَايلُهُ ومَبَاديه، ثم يتوالى حتّى ينزل.

 (١) البيت لعدي بن الرقاع، وهو في **«تفسير الطبري»** (١١/ ٣٦٦)، **«البحر»** (٤/ ١١٧) و **«الدر المصون»** (٣/ ٦٦).
 وصدف: جمع: صدوف، كصبر في جمع صبور. وقيل: معنى صدف: مال، مأخوذ من الصدف في البعير، وهو أن يميل خفه من اليد إلى الرجل من الجانب الوحشيّ. والصّدف: جمع صدفة، وهي المحارة التي تكون فيها الدّرّة، قال: [البسيط]
 وزادها عجبا أن رحت في سمل... وما درت درّ أنّ الدّرّ في الصّدف
 والصّدف والصّدف- بفتح الصاد والدال وضمهما، وضم الصاد وسكون الدال- ناحية الجبل المرتفع.
 (٢) ينظر: **«المحرر»** (٢/ ٢٩٣).

### الآية 6:50

> ﻿قُلْ لَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ ۖ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَىٰ إِلَيَّ ۚ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَىٰ وَالْبَصِيرُ ۚ أَفَلَا تَتَفَكَّرُونَ [6:50]

قوله تعالى : قُل لاَّ أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَائِنُ الله وَلا أَعْلَمُ الغيب وَلاَ أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ. . .  \[ الأنعام : ٥٠ \]. 
هذا مِنَ الرَّدِّ على القائلين : لَوْلاَ نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ  \[ الأنعام : ٣٧ \] والطَّالِبِينَ أنْ ينزَّل ملَكٌ، أو تكونَ له جَنَّةٌ أو كَنْزٌ، ونَحْوُ هَذَا، والمعنى : إنما أنا بشر، وإنما أَتَّبِعُ ما يوحى إليَّ، وهو القرآنُ، وسَائِرُ ما يأتيه مِنَ اللَّه سبحانه، أي : وفي ذلك عِبَرٌ وآياتٌ لمن تأمَّل. 
وقوله سبحانه : قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الأعمى والبصير ، أي : هل يستوي المؤمِنُ المُفَكِّرُ في الآياتِ، معِ الكافِرِ المُعْرِضِ عَنِ النَّظَر،  أفلا تتفكَّرون ، وجاء الأمر بالفِكْرة في عبارة العَرْض والتَّحْضيض.

### الآية 6:51

> ﻿وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَىٰ رَبِّهِمْ ۙ لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ [6:51]

قوله تعالى : وَأَنذِرْ بِهِ \[ الأنعام : ٥١ \] أي : وأنذر بالقرآن الذين هُمْ مَظِنَّةُ الإيمان، وأهْلٌ للاِنتفاعِ، والضميرُ في  بِهِ  عائدٌ على ما يوحى. 
وقوله سبحانه : لَيْسَ لَهُمْ مِّن دُونِهِ وَلِيٌّ وَلاَ شَفِيعٌ \[ الأنعام : ٥١ \]. 
إخبارٌ من اللَّه سبحانه عَنْ صفة الحالِ يَوْمَ الحَشْرِ، قال الفَخْر : قوله : لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ  قال ابن عَبَّاس : معناه : وأنذرهم لكَيْ يخافوا في الدنيا، وينتهوا عن الكُفْر والمعاصِي، انتهى.

### الآية 6:52

> ﻿وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ ۖ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ [6:52]

قوله سبحانه : وَلاَ تَطْرُدِ الذين يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بالغداة والعشي \[ الأنعام : ٥٢ \]. 
المرادُ ب  الذين  ضَعَفَةَ المُؤْمنين في ذلك الوَقْت في أمور الدُّنْيا، كَبَلاَلٍ، وصُهَيْبٍ، وعَمَّارٍ، وَخَبَّابٍ، وصُبَيْحٍ، وذي الشِّمَالَيْنِ والمِقْدَادِ، ونحوِهِمْ، وسببُ الآية أنَّ بعض أشراف الكُفَّار قالوا للنبيِّ صلى الله عليه وسلم : نَحْنُ لِشَرَفِنَا وأقْدَارِنَا لاَ يُمْكِنُنَا أنْ نختلطَ بهؤلاءِ، فلو طَرَدْتَّهم، لاتَّبَعْنَاكَ، وَرَدَ في ذلك حديثٌ عن ابْنِ مسعود، وظاهر الأمر أنهم أرادوا بذلك الخَدِيعَةَ، فنزلَتِ الآية، و يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بالغداة والعشي  : قال الحَسَنُ بنُ أبي الحَسَن : المراد به صلاةُ مكَّة الَّتي كانَتْ مرَّتين في اليومِ، بُكْرةً وعَشِيًّا، وقيل قوله : بالغداة والعشي  : عبارةٌ عن استمرار الفعْلِ، وأنَّ الزمان معمورٌ به، والمرادُ على هذا التأويل، قيل : الصلواتُ الخَمْس، قاله ابنُ عَبَّاس وغيره. وقيل : الدُّعاء، وذِكْرُ اللَّه، واللفظةُ على وجهها، وقيل : القُرآنُ وتعلُّمه، قاله أبو جعفر، وقيل : العبادةُ، قاله الضَّحَّاك. 
وقوله تعالى : يُرِيدُونَ وَجْهَهُ  قلتُ : قال الغَزَّالِيُّ في **«الجَوَاهر »** : النيةُ والعَمَلُ، بهما تمامُ العبادةِ، فالنِّيَّة أحد جُزْأيِ العبَادةِ، لكنها خير الجزأَيْن، ومعنى النيَّة إرادةُ وَجْه اللَّه سبحانه بالعَمَلِ، قال اللَّه تعالى : وَلاَ تَطْرُدِ الذين يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بالغداة والعشي يُرِيدُونَ وَجْهَهُ ، ومعنى إخلاصها تصفيةُ الباعِثِ عن الشوائِبِ، ثم قال الغَزَّالِيُّ : وإذا عرفْتَ فَضْل النية، وأنَّها تحلُّ حَدَقَةَ المقْصود، فاجتهد أنْ تستكثر مِنَ النِّيَّة في جميع أعمالِكَ، حتى تنوي بعملٍ واحدٍ نيَّاتٍ كثيرةً، فاجتهد ولو صَدَقَتْ رغبتُكَ، لَهُدِيتَ لطريقِ رشدك، انتهى. 
وقوله سبحانه : مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِم مّن شَيْءٍ ، قال الحَسَنُ والجمهورُ : أيْ : مِنْ حسابِ عملهم، والمعنى : أنك لم تُكَلَّفْ شيئاً غيْرَ دعائهم، وقوله : فَتَطْرُدَهُمْ  : هو جوابُ النفْيِ في قوله : مَا عَلَيْكَ ، وقوله : فَتَكُونُ  : جوابُ النهْيِ في قوله : وَلاَ تَطْرُدِ .

### الآية 6:53

> ﻿وَكَذَٰلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَهَٰؤُلَاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا ۗ أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ [6:53]

فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ \[ الأنعام : ٥٣ \] أي : ابتلينا، و لِّيَقُولواْ  : معناه : ليصيرَ بحُكْم القَدَرِ أمرُهُمْ إلى أن يقولُوا، على جهة الاِستخْفَافِ والهُزْء : أَهَؤُلاء مَنَّ الله عَلَيْهِم مِّن بَيْنِنَا ، فاللامُ في  لِّيَقُولواْ  : لامُ الصَّيْرورة. 
وقوله سبحانه : أَلَيْسَ الله بِأَعْلَمَ بالشاكرين \[ الأنعام : ٥٣ \]. 
أيْ : يأيُّها المستخفُّون، ليس الأمر أمر استخفاف، فاللَّه أعلَمُ بمَنْ يشكر نعمه.

### الآية 6:54

> ﻿وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا فَقُلْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ ۖ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَىٰ نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ ۖ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ [6:54]

قوله سبحانه : وَإِذَا جَاءَكَ الذين يُؤْمِنُونَ بآياتنا فَقُلْ سلام عَلَيْكُمْ \[ الأنعام : ٥٤ \]. 
قال جمهور المفسِّرين : هؤلاءِ هم الذينَ نَهَى اللَّهُ عَنْ طردهم، وشَفَعَ ذلك بِأنْ أَمَرَ سبحانه أنْ يسلِّم النبيُّ عليه السلام عليهم، ويُؤْنِسَهُمْ، قال خَبَّابُ بْنُ الأَرَتَّ : لما نزلَتْ : وَإِذَا جَاءَكَ الذين يُؤْمِنُونَ بآياتنا. . .  الآية، فكُنَّا نأتي النبيِّ صلى الله عليه وسلم، فيقولُ لنا : سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ، ونقعُدُ معه، فإذا أراد أنْ يقوم، قَامَ، وتركَنا، فأنزل اللَّه تعالى : واصبر نَفْسَكَ مَعَ الذين يَدْعُونَ رَبَّهُم. . .  \[ الكهف : ٢٨ \]، فكان يَقْعُدُ معنا، فإذا بَلَغَ الوقْتَ الذي يقومُ فيه، قُمْنا وتركْنَاه، حتى يقوم، و سلام عَلَيْكُم  : ابتداءٌ، والتقديرُ : سَلاَمٌ ثابتٌ أو واجبٌ عليكم، والمعنَى : أمَنَةً لكُمْ مِنْ عذاب اللَّه في الدنيا والآخرة، ولفظه لفظُ الخَبَر، وهو في معنى الدُّعَاء، قال الفَخْر قوله تعالى : كَتَبَ رَبُّكُمْ على نَفْسِهِ الرحمة \[ الأنعام : ٥٤ \] النَّفْسُ هاهنا : بمعنى الذَّات، والحقيقةِ، لا بمعنى الجِسْمِ، واللَّهُ تعالى مقدَّس عنه، انتهى. 
قلتُ : قالَ ابْنُ العَرَبِيِّ في كتاب **«تفسير الأَفْعَال الواقعة في القُرآن »** : قوله تعالى : كَتَبَ رَبُّكُمْ على نَفْسِهِ الرحمة ، قال علماؤنا :( كَتَبَ ) معناه أَوْجَبَ، وعندي أنه كَتَبَ حقيقةً، قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم :( إنَّ اللَّهَ خَلَقَ القَلَمَ، فَقَالَ لَهُ : اكتب، فَكَتَبَ مَا يَكُونُ إلى يَوْمِ القِيَامَةِ )، انتهى. 
وقرأ عاصمٌ، وابنُ عَامِرٍ، ( أنَّهُ ) بفَتْحِ الهَمْزةِ في الأولى، والثانيةِ **«فإنَّهُ »** : الأولى بدلٌ من  الرحمة ، و ( أنَّهُ ) الثانيةُ : خبرُ ابتداءٍ مضمرة، تقديرُهُ : فأمره أنَّه ( غفورٌ رحيمٌ )، هذا مذْهَبُ سيبَوَيْه، وقرأ ابنُ كَثِيرٍ، وأبو عَمْرٍو، وحمزة، والكسائي ( إنَّهُ ) بكسر الهمزة في الأولى، والثانية، وقرأ نافعٌ بفَتْح الأولى، وكَسْر الثانية، والجهالةُ في هذا الموضِعِ : تعمُّ التي تُضَادُّ العِلْمَ، والتي تُشَبَّه بها، وذلك أنَّ المتعمِّد لفعْلِ الشيء الذي قَدْ نُهِيَ عنه، تسمى معصيته تِلْكَ جِهَالَةً، قال مجاهدٌ : مِنَ الجهالةِ ألاَّ يعلم حَلاَلاً مِنْ حرامٍ، ومن جهالته أنْ يركِّب الأمر، قُلْتُ : أيْ : يتعمَّده، من الجهالة الَّتي لا تُضَادُّ العلم، قولُهُ صلى الله عليه وسلم في استعاذته :( أَوْ أَجْهَلَ أَوْ يُجْهَلَ عَلَيَّ )، ومنها قولُ الشَّاعر :\[ الوافر \]

أَلاَ لاَ يَجْهَلَنْ أَحَدٌ علَيْنَا  فَنَجْهَلَ فَوْقَ جَهْلِ الجَاهِلِينَاقال الفخْر : قال الحَسَنُ : كُلُّ مَنْ عَمِلَ معصيةً، فهو جاهلٌ، فقيل : المعنى أنه جاهلٌ بمقدارِ ما فاتَهُ منَ الثَّواب، وما استحقه من العقابِ، قلْتُ : وأيضاً فهو جاهلٌ بقَدْر مَنْ عصاه، انتهى.

### الآية 6:55

> ﻿وَكَذَٰلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ [6:55]

الإشارةُ بقوله تعالى : وكذلك نُفَصِّلُ الآيات \[ الأنعام : ٥٥ \] إلى ما تقدَّم من النهْيِ عن طَرْدِ المؤمنين، وبَيَانِ فَسَادِ مَنْزَعِ العارضين لذلك، وتفصيلُ الآياتِ : تبيينُها وشَرْحُها وإظهارُها، قلْتُ : ومما يناسِبُ هذا المَحَلَّ ذِكْرُ شيء ممَّا ورد في فَضْلِ المُصَافَحَة، وقد أسند أبُو عُمَر في ****«التمهيد »****، ( عن عبد الرحْمَنِ بْنِ الأسود، عن أَبِيهِ وعلقمة، أنهما قَالاَ :**«مَنْ تَمَامِ التَّحِيَّةِ المُصَافَحَةُ »** )، وروى مالكٌ في **«الموطأ »**، عن عطاءٍ الخُرَاسَانِيِّ، قالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم :( تَصَافَحُوا، يَذْهَبُ الغِلُّ، وَتَهَادَوْا، تَحَابُّوا، وَتَذْهَب الشَّحْنَاءُ )، قال أبو عُمَر في ****«التمهيد »**** : هذا الحديثُ يتَّصلُ مِنْ وجوه شتى حِسَانٍ كلُّها، ثم أسند أبو عُمَر من طريقِ أبي دَاوُد وغَيْره، عن البَرَاءِ، قال : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم :( مَا مِنْ مُسْلِمَيْنِ يَلْتَقِيَانِ، فَيَتَصَافَحَانِ إلاَّ غُفِرَ لَهُمَا قَبْلَ أَنْ يَتَفَرَّفَا )، ثم أسند أبو عُمَرَ ( عن البَرَاء بنِ عَازِبٍ، قال :" لَقِيتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فَأَخَذَ بِيَدِي، فَقُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ، إنْ كُنْتُ لأحْسِبُ أَنَّ المُصَافَحَةَ لِلْعَجَمِ، فَقَالَ : نَحْنُ أَحَقُّ بِالمُصَافَحَةِ مِنْهُمْ، مَا مِنْ مُسْلِمَيْنِ يَلْتَقِيَانِ، فَيَأْخُذُ أَحَدُهُمَا بِيَدِ صَاحِبِهِ مَوَدَّةً بَيْنَهُمَا، ونَصِيحَةً، إلاَّ أُلْقِيَتْ ذُنُوبُهُمَا بَيْنَهُمَا ) "، وأسند أبو عُمَرَ عن عمر بْنِ الخَطَّابِ، قال : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم :( إذَا التقى المُسْلِمَانِ، فَتَصَافَحَا، أنْزَلَ اللَّهُ عَلَيهِمَا مِائَةَ رَحْمَةٍ، تِسْعُونَ مِنْهَا لِلَّذِي بَدَأَ بِالمُصَافَحَةِ، وَعَشَرَةٌ لِلَّذِي صُوفِحَ، وَكَانَ أَحَبَّهُمَا إلَى اللَّهِ أَحْسَنُهُمَا بِشْراً بِصَاحِبِهِ ) انتهى. 
وقد ذكرنا طَرَفاً مِنْ آدَابِ المُصَافحة فِي غَيْرِ هذا الموضعِ، فَقِفْ عليه، واعمل به، تَرْشَدْ، فإنَّ العلْم إنما يرادُ للعَمَل، وباللَّه التوفيق. 
وخُصَّ سبيلُ المُجْرمينَ بالذِّكْر، لأنهم الذين آثَرُوا ما تقدَّم من الأقوال، وهو أهَمُّ في هذا الموضِعِ، لأنها آياتُ رَدٍّ علَيْهم. 
وأيضاً : فتَبْيِينُ سَبِيلِهِمْ يتضمَّن بيانَ سَبِيلِ المُؤْمنين، وتَأوَّلَ ابنُ زَيْد، أنَّ قوله : المجرمين  مَعْنِيٌّ به الآمِرُونَ بطَرْد الضَّعَفَةِ.

### الآية 6:56

> ﻿قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ۚ قُلْ لَا أَتَّبِعُ أَهْوَاءَكُمْ ۙ قَدْ ضَلَلْتُ إِذًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُهْتَدِينَ [6:56]

قوله سبحانه : قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الذين تَدْعُونَ مِن دُونِ الله قُلْ لاَّ أَتَّبِعُ أَهْوَاءَكُمْ. . .  \[ الأنعام : ٥٦ \]. 
أَمَرَ اللَّهُ سبحانه نَبيَّه عليه السلام، أنْ يجاهرهم بالتبرِّي ممَّا هم فيه، و تَدْعُونَ  : معناه تعبدون، ويْحْتَمَلُ أنْ يريدَ : تَدْعُونَ في أموركُمْ، وذلك مِنْ معنى العبَادةِ، واعتقادهم الأصنامَ آلهة.

### الآية 6:57

> ﻿قُلْ إِنِّي عَلَىٰ بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَكَذَّبْتُمْ بِهِ ۚ مَا عِنْدِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ ۚ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ ۖ يَقُصُّ الْحَقَّ ۖ وَهُوَ خَيْرُ الْفَاصِلِينَ [6:57]

قوله تعالى : قُلْ إِنِّي على بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّي \[ الأنعام : ٥٧ \]. 
المعنى : قل إني على أمْر بيِّن،  وَكَذَّبْتُم بِهِ ، الضمير في **«بِهِ »** عائدٌ على **«بَيِّن »**، أو علَى الرَّبِّ، وقيل : على القُرآن، وهو جليٌّ، وقال بعضُ المفسِّرين : الضميرُ في **«به »** الثانِي عائدٌ على **«مَا »**، والمُرَادُ بها الآياتُ المقْتَرَحَةُ، على ما قال بعض المفسِّرين، وقيل : المرادُ به العذابُ، وهو يترجَّح من وجْهَيْن :
أحدهما : مِنْ جهة المعنى، وذلك أنَّ قوله : وَكَذَّبْتُم بِهِ  يتضمَّن أنَّكم واقعتم مَا تَسْتَوْجِبُون به العَذَابَ إلاَّ أنه ليس عنْدِي. 
والآخَرُ : مِنْ جهة لَفْظِ الاستعجالِ الذي لَمْ يأت في القُرآن إلاَّ للعذابِ. 
وأما اقتراحهم للآيَاتِ، فَلمْ يكُنْ باستعجال. 
وقوله : إِنِ الحكم إِلاَّ لِلَّهِ  أي : القضاءُ والإنفاذُ، و يَقُصُّ الحق ، أيْ : يخبر به، والمعنى : يقُصُّ القَصَص الحَقَّ، وقرأ حمزةُ والكِسَائيُّ وغيرهما :( يَقْضِي الحَقَّ )، أي : يُنْفِذُهُ.

### الآية 6:58

> ﻿قُلْ لَوْ أَنَّ عِنْدِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ لَقُضِيَ الْأَمْرُ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ ۗ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالظَّالِمِينَ [6:58]

قوله سبحانه : قُل لَّوْ أَنَّ عِندِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ لَقُضِيَ الأمر بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ \[ الأنعام : ٥٨ \]. 
المعنى : لو كان عندي الآياتُ المُقْتَرَحةُ، أو العذابُ، علَى التأويل الآخر، ( لقُضِيَ الأمر )، أي : لَوَقَع الانفصال، وتَمَّ النزاعُ، لظهور الآية المُقْتَرَحَةِ، أو لِنزولِ العذابِ، بحسب التأْويلَيْنِ، وقِيلَ : المعنى : لَقَامَتِ القيامةُ، وقوله : والله أَعْلَمُ بالظالمين  يتضمَّن الوعيدَ، والتَّهْديدَ.

### الآية 6:59

> ﻿۞ وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ ۚ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ ۚ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ [6:59]

قوله تعالى : وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الغيب لاَ يَعْلَمُهَا إِلاَّ هُوَ \[ الأنعام : ٥٩ \]
( مفَاتِحُ ) : جَمْعُ مَفْتَحٍ، وهذه استعارة، عبارةً عن التوصُّل إلى الغيوب، كما يَتوصَّل في الشاهِدِ بالمِفْتَاحِ إلى الغَيب، ولو كان جَمْعَ **«مِفْتَاحٍ »**، لقال : مَفَاتِيح، ويظهرُ أيضاً أنَّ **«مَفَاتِح »** جمْعُ **«مَفْتَح »** بفتح الميم، أي : مواضِعِ تَفْتَحُ عن المغيَّبات، ويؤيِّد هذا قَوْلُ السُّدِّيِّ وغيره : مَفَاتِحُ الغيب  : خزائِنُ الغَيْب، فأما مِفْتَح بالكسر، فهو بمعنى مِفْتَاح، قال الزَّهْرَاوِيُّ : وَمِفْتَحٌ أفصحُ، وقال ابنُ عَبَّاسٍ، وغيره : الإشارةُ بِمَفَاتِحِ الغَيْبِ هي إلى الخَمْسة في آخر لُقْمَان : إِنَّ الله عِندَهُ عِلْمُ الساعة. . .  \[ لقمان : ٣٤ \] الآية. 
قلت : وفي **«صحيحِ البخاريِّ »**، عن سالمِ بنِ عبد اللَّهِ، عَنْ أبيه، أنَّ رسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قالَ :( مَفَاتِحُ الغَيْبِ خَمْسٌ لاَ يَعْلَمُهُنَّ إلاَّ اللَّهُ : إِنَّ الله عِندَهُ عِلْمُ الساعة، وَيُنَزِّلُ الغيث وَيَعْلَمُ مَا فِي الأرحام، وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَداً، وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ الله عَلِيمٌ خَبِيرٌ  \[ لقمان : ٣٤ \]، انتهى. 
وقوله سبحانه : مِن وَرَقَةٍ ، أي : من وَرَقِ النَّبَاتِ،  وَلاَ حَبَّةٍ فِي ظلمات الأرض ، يريدُ : في أشدِّ حالِ التَّغَيُّبِ، وحكى بعضُ النَّاسِ عن جَعْفَرِ بنِ محمَّد قولاً : أنَّ الورقَةَ يُرَادُ بها السِّقْطُ مِنْ أولادِ بني آدم، والحَبَّة : يرادُ بها الذي لَيْسَ بِسِقْطٍ، والرَّطْب يرادُ به الحَيُّ، واليابسُ يراد به المَيِّت، وهذا قولٌ جارٍ على طريقةِ الرُّمُوز، ولا يصحُّ عن جعفر بن محمَّد، ولا ينبغي أن يُلْتَفَتَ إلَيْه. 
وقوله تعالى : إِلاَّ فِي كتاب مُّبِينٍ ، قيل : يعني كتاباً على الحقيقةِ، ووجْهُ الفائدة فيه امتحان ما يكتبه الحَفَظَةُ، وذلك أنَّه رُوِيَ أنَّ الحَفَظَةَ يرفَعُونَ مَا كَتَبُوهُ، ويُعَارِضُونَهُ بهذا الكِتَابِ المُشَارِ إلَيْه، ليتحقَّقوا صِحَّة ما كتبوه، وقيل : المراد بقوله : إِلاَّ فِي كتاب  عِلْمِ اللَّهِ عزَّ وجلَّ المحيطِ بكلِّ شيءٍ. 
قال الفَخْرُ : وهذا هو الأصْوَبُ، ويجوزُ أنْ يقالَ : ذَكر تعالى ما ذَكَر مِنَ الوَرَقَةِ وَالحَبَّة، تنبيهاً للمكلَّفين على أمر الحساب، انتهى. 
قال مَكِّيٌّ : قالَ عبْدُ اللَّه بْنُ الحارِثِ : ما في الأرْض شَجَرة، ولا مَغْرَزُ إبرةٍ، إلاَّ علَيْها مَلَكٌ، موكَّل، يأتي اللَّه بعلْمها، بيَبَسِها إذا يَبِسَتْ، ورُطُوبَتِها إذا رَطِبَتْ. 
وقيل : المعنى في كَتْبِها، أنه لتعظيمِ الأمرِ، ومعناه : اعلموا أنَّ هذا الذي لَيْسَ فيه ثوابٌ ولا عقابٌ مكتوبٌ، فكيف ما فِيهِ ثوابٌ أو عقابٌ، انتهى من **«الهداية »**.

### الآية 6:60

> ﻿وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ لِيُقْضَىٰ أَجَلٌ مُسَمًّى ۖ ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ ثُمَّ يُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ [6:60]

قوله سبحانه : وَهُوَ الذي يتوفاكم بالليل \[ الأنعام : ٦٠ \]. 
يعني به : النَّوْمَ، و يَعْلَمُ مَا جَرَحْتُم ، أي : مَا كَسَبْتم ( بالنَّهار )، ويحتمل أنْ يكون  جَرَحْتُم  هنا من الجرح، كأن الذنْبَ جرح في الدِّين، والعربُ تقولُ : وَجُرْحُ اللِّسَانِ كَجُرْحِ اليَدِ. 
و يَبْعَثُكُمْ  : يريد به الإيقاظَ، والضميرُ في  فِيهِ  عائدٌ على النهار، قاله مجاهد وغيره، ويحتملُ أنْ يعود الضمير على التوفِّي، أي : يوقظُكُم في التوفِّي، أي : في خلالِهِ وتضاعِيفِهِ، قاله عبد اللَّه بن كَثير. 
و ليقضى أَجَلٌ مُّسَمًّى  : المراد به آجالُ بني آدمَ،  ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ ، يريدُ : بالبَعْثِ والنشورِ،  ثُمَّ يُنَبِّئُكُم ، أي : يُعْلِمُكُمْ إعلامَ توقيفٍ، ومحاسبةٍ، ففي هذه الآية إيضاحُ الآياتِ المنصوبةِ للنَّظَر، وفيها ضَرْبُ مثالٍ للبعْثِ من القبور، لأن هذا أيضاً إماتةٌ وبعْثٌ على نَحوٍ مَّا.

### الآية 6:61

> ﻿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ ۖ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً حَتَّىٰ إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ [6:61]

قوله سبحانه : وَهُوَ القاهر فَوْقَ عِبَادِهِ \[ الأنعام : ٦١ \]. 
( القاهرُ ) إنْ أُخِذَ صِفَةَ فِعْلٍ، أي : مظهر القَهْر بالصواعقِ والرياحِ والعذابِ، فيصحُّ أنْ تجعل  فَوْقَ  ظرفيةً للجهةِ، لأن هذه الأشياء إنما تعاهَدَها العبادُ مِنْ فوقهم، وإنْ أُخِذَ  القاهر  صفَةَ ذَاتٍ، بمعنى القُدْرة والاستيلاء، ف  فَوْقَ  : لا يجوزُ أنْ تكون للجهةِ، وإنما هي لعلُوِّ القَدْر والشِّأن، على حد ما تقولُ : اليَاقُوتُ فَوْقَ الحَدِيدِ، والأحرارُ فَوْقَ العبيدِ، و يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ  معناه : يَبُثُّهم فيكم، وَ حَفَظَةً  : جمع حَافِظٍ، والمراد بذلكَ الملائكةُ الموكَّلون بكَتْبِ الأعمال، ورُوِيَ أنهم الملائكةُ الَّذين قالَ فيهِمُ النبيُّ صلى الله عليه وسلم :( يَتَعاقَبُ فِيكُمْ مَلاَئِكَةٌ بِاللَّيْلِ وَمَلاَئِكَةٌ بِالنَّهَارِ ) وقال السُّدِّيُّ وقتادة، وقال بعْض المفسِّرين :( حَفَظَةً ) يَحفظُونَ الإنسانَ مِنْ كلِّ شيءٍ، حتى يأتي أجله، والأول أظهر. 
وقرأ حمزةُ وحْده :( تَوَفَّاهُ ). 
وقوله تعالى : رُسُلُنَا  : يريد به، على ما ذكر ابنُ عباس، وجميعُ أهل التأويل : ملائكةً مقترنينَ بمَلَكِ المَوْت، يعاونونه، ويَأْتَمِرُونَ له.

### الآية 6:62

> ﻿ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ ۚ أَلَا لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ [6:62]

ثُمَّ رُدُّواْ ، أي : العبادُ،  إلى الله مولاهم ، وقوله : الحق  : نعْتٌ ل  مولاهم ، ومعناه : الذي لَيْسَ بباطلٍ، ولا مَجَاز،  أَلاَ لَهُ الحكم  : كلامٌ مضمَّنه التنبيهُ، وهَزُّ النفوسِ،  وَهُوَ أَسْرَعُ الحاسبين  : قيل لِعَليٍّ ( رضي اللَّه عنه ) : كَيْفَ يُحَاسِبُ اللَّهُ العِبَادَ فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ ؟ قَالَ : كَمَا يَرْزُقُهُمْ فِي الدُّنْيَا فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ.

### الآية 6:63

> ﻿قُلْ مَنْ يُنَجِّيكُمْ مِنْ ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ تَدْعُونَهُ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً لَئِنْ أَنْجَانَا مِنْ هَٰذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ [6:63]

قوله تعالى : قُلْ مَن يُنَجِّيكُمْ مِّن ظلمات البر والبحر تَدْعُونَهُ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً. . .  \[ الأنعام : ٦٣ \]
هذا تَمَادٍ في توبيخِ العادِلِينَ باللَّه الأوثانَ، وتركِهِمْ عبادَةَ الرَّحْمَنِ، الذي يُنْجِي من الهَلَكَاتِ، ويُلْجَأُ إلَيْه في الشَّدَائد، ودَفْعِ الملمَّاتِ، و ظلمات البر والبحر  يريدُ بها شدائِدَهُما، فهو لفظٌ عامٌّ يستغرقُ ما كان مِنَ الشدائدِ، بظلمةٍ حقيقيةٍ، وما كان بغَيْر ظلمةٍ، والعَرَبُ تقول : عَامٌ أَسْوَدُ، ويَوْمٌ مُظْلِمٌ، ويَوْمٌ ذو كواكِبَ، يريدُونَ به الشِّدَّة، قال قتادة وغيره : المعنى مِنْ كَرْبِ البَرِّ والبَحْرِ، و( تَدْعُونَهُ ) : في موضعِ الحالِ، والتَّضَرُّعُ : صفَةٌ باديةٌ على الإنسانِ، و( خُفْيَة ) : معناه الاختفاء، وقرأ عاصمٌ في رواية أبي بَكْر :( وخِفْيةَ ) بكسر الخاء، وقرأ الأعمشُ :( وخِيفَةً )، من الخَوْف.

### الآية 6:64

> ﻿قُلِ اللَّهُ يُنَجِّيكُمْ مِنْهَا وَمِنْ كُلِّ كَرْبٍ ثُمَّ أَنْتُمْ تُشْرِكُونَ [6:64]

قوله سبحانه : قُلِ الله يُنَجِّيكُمْ مِّنْهَا. . .  \[ الأنعام : ٦٤ \]. 
سبق في المُجَادَلة إلى الجَوَابِ، إذْ لا محيدَ عنْه،  وَمِن كُلِّ كَرْبٍ  : لفظٌ عامٌّ أيضاً، ليتَّضِحَ العُمُومُ الذي في **«الظلماتِ »**،  ثُمَّ أَنتُمْ ، أي : ثم بَعْدَ معرفتكم بهذا كلِّه، وتحَقُّقِكُمْ له، ( أنْتُمْ تُشْرِكُونَ ).

### الآية 6:65

> ﻿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَىٰ أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ ۗ انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ [6:65]

قوله تعالى : قُلْ هُوَ القادر على أَن يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَاباً مِّن فَوْقِكُمْ أَوْ مِن تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ. . .  \[ الأنعام : ٦٥ \]. 
هذا إخبارٌ يتضمَّن الوعيدَ، والأظهرُ مِنْ نَسَقِ الآياتِ : أنَّ هذا الخطابَ للكفَّار الذين تَقَدَّم ذكرهم، وهو مَذْهَبُ الطبريِّ. 
وقال أُبَيُّ بنُ كَعْبٍ، وجماعة : هو للمؤمِنِينَ، وهم المرادُ، وهذا الاختلافُ إنما هو بحَسَبِ ما يَظْهَرُ منْ أنَّ الآية تتناوَلُ معانِيهَا المشركِينَ والمؤمنينَ، وفي **«البخاريِّ »**، وغيره مِنْ حَدِيثِ جابرٍ، وغيره :" أنَّ النبيِّ صلى الله عليه وسلم، لما نزلَتِ الآيةُ : قُلْ هُوَ القادر على أَن يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَاباً مِّن فَوْقِكُمْ ، قَالَ : أَعُوذُ بِوَجْهِكَ، فلما نزلَتْ : أَوْ مِن تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ ، قَالَ : أَعُوذُ بِوَجْهِكَ، فلما نزلَتْ : أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ  قال : هذه أهونُ أو أيَسر ). فاحتج بهذا الحديثِ مَنْ قال : إنَّها نَزَلَتْ فِي المؤمنينَ، قال الطَّبريُّ، وغيره : مُمْتَنِعٌ أنْ يكون النبيُّ صلى الله عليه وسلم تعوَّذ لأمَّته مِنْ هذه الأشياءِ الَّتي توعَّد بها الكُفَّار، وهَوَّنَ الثالثةَ، لأنَّها بالمعنى هي التي دعا فيها، فمنع حسب حديثِ **«المُوطَّأ »** وغيره، و مِّن فَوْقِكُمْ أَوْ مِن تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ  : لفظٌ عامٌّ للمنطبقِينَ علَىَ الإنسان، وقال السُّدِّيُّ، عن أبي مالِكٍ : مِّن فَوْقِكُمْ  : الرَّجْم،  أَوْ مِن تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ  : الخَسْف، وقاله سعيدُ بن جُبَيْر، ومجاهد. 
وقوله سبحانه : أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً  : معناه : يخلِّطكم فِرَقاً، والبأْسُ : القَتْل، وما أشبهه من المَكَارِهِ، وفي قوله تعالى : انظر كَيْفَ نُصَرِّفُ الآيات  : استرجاعٌ لهم، وإنْ كان لفظها لَفْظَ تعجيب للنبيِّ صلى الله عليه وسلم فمضمَّنها أنَّ هذه الآياتِ والدلائلَ، إنما هي لاستصرافهم عن طريقِ غَيِّهم، والفِقْهُ : الفَهْمُ.

### الآية 6:66

> ﻿وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وَهُوَ الْحَقُّ ۚ قُلْ لَسْتُ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ [6:66]

قوله تعالى : وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وَهُوَ الحق \[ الأنعام : ٦٦ \]. 
الضمير في  بِهِ  عائدٌ على القُرآن الذي فيه جاءَ تصريفُ الآياتِ، قاله السُّدِّيُّ : وهذا هو الظاهرُ، ويحتملُ أنْ يعود الضميرُ على الوَعِيدِ الذي تضمَّنَتْه الآيةُ، ونحا إليه الطبريُّ، وقوله : قُل لَّسْتُ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ  : معناه : لسْتُ بمدفوعٍ إلى أخْذكم بالإيمان، والهدى، وهذا كان قَبْلَ نزول آياتِ الجهادِ، والأمْرِ بالقتالِ، ثم نُسِخَ.

### الآية 6:67

> ﻿لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ ۚ وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ [6:67]

قوله سبحانه : لّكُلِّ نَبَإٍ مُّسْتَقَرٌّ \[ الأنعام : ٦٧ \]. 
أيْ : غايةٌ يعرف عنْدَها صِدْقُه من كَذبِه، و سَوْفَ تَعْلَمُونَ  : تهديدٌ محْضٌ، ووعيدٌ.

### الآية 6:68

> ﻿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّىٰ يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ ۚ وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَىٰ مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ [6:68]

قوله تعالى : وَإِذَا رَأَيْتَ الذين يَخُوضُونَ فِي آياتنا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حتى يَخُوضُواْ فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ \[ الأنعام : ٦٨ \]. 
هذا خطابٌ للنبيِّ صلى الله عليه وسلم، والمؤمنون داخلُونَ في الخطاب معه، هذا هو الصحيحُ، لأنَّ علَّة النهْي، وهي سماعُ الخَوْض في آياتِ اللَّه، تَشْمَلُهُمْ وإيَّاه، فأُمِرَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم هو والمؤمنون أنْ ينابذُوا الكُفَّار بالقيام عنهم، إذا استهزءوا وخاضوا، ليتأدَّبوا بذلك، ويدَعُوا الخَوْضَ والاستهزاءَ، قلْتُ : ويدلُّ على دخولِ المؤمنينَ مع النبيِّ صلى الله عليه وسلم في الخطابِ قولُهُ تعالى : وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الكتاب أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيات الله يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلاَ تَقْعُدُواْ مَعَهُمْ حتى يَخُوضُواْ فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ  \[ النساء : ١٤٠ \]، انتهى. 
والخَوْضُ : أصله في الماءِ، ثم يستعملُ بعدُ في غمرات الأشياء التي هي مجاهلُ، تشبيهاً بغَمَرَات الماء. 
 وَإِمَّا يُنسِيَنَّكَ  :( إما ) : شرط، وتلزمها النونُ الثقيلة في الأغلب، وقرأ ابن عامر وحده :( يُنَسِّيَنَّكَ ) بتشديدِ السينِ، وفتحِ النونِ، والمعنى واحدٌ، إلا أن التشديد أكثر مبالغةً، و الذكرى  والذِّكْر واحدٌ في المعنى، ووصْفُهم ب  الظالمين  متمكِّن، لأنهم وضعوا الشيء في غير موضعه، و أَعْرِضْ ، في هذه الآية : بمعنى المفارقة على حقيقة الإعراض، وأكملِ وجوهه، ويدُلُّ على ذلك : فَلاَ تَقْعُدْ .

### الآية 6:69

> ﻿وَمَا عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَلَٰكِنْ ذِكْرَىٰ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ [6:69]

قوله سبحانه : وَمَا عَلَى الذين يَتَّقُونَ مِنْ حِسَابِهِم مِّن شَيْء \[ الأنعام : ٦٩ \]. روي أنه لما نزلَتْ : فَلاَ تَقْعُدُواْ مَعَهُمْ  \[ النساء : ١٤٠ \] قال المؤمنون إذا كنا لا نقْرَبُ المشركين، ولا نسمع أقوالهم، فلا يمكننا طَوَافٌ، ولا قضاءُ عبادةٍ في الحرمِ، فنزلَتْ لذلك : وَمَا عَلَى الذين يَتَّقُونَ. . . . 
قال ( ع ) : فالإباحة في هذا هي في القَدْر الذي يحتاجُ إلَيْه من التصرُّف بَيْن المشركين في عبادةٍ، ونحوها، وقيل : إن هذه الآية الأخيرةَ ليْسَتْ إباحة بوجه، وإنما معناها : لا تَقْعُدوا معهم، ولا تَقْرَبوهم حتى تسمعوا استهزاءهم وخوضهم، وليس نهيكم عن القعود، لأنَّ عليكم شيئاً من حسابهم، وإنما هو ذكرى لكم، ويحتملُ المعنى : ولكنْ ذكرى لعلَّهم إذا جانبتموهم، يتقون بالإمساكِ عن الاستهزاءِ، ويحتملُ المعنى : ولكن ذكِّروهم ذكرى، وينبغي للمؤمن أنْ يمتثل حكم هذه الآية مع المُلْحِدِين، وأهْلِ الجدلِ والخَوْضِ فيه، وحكى الطبريُّ، عن أبي جعفر، أنه قال :" لاَ تُجَالِسُوا أَهْلَ الخُصُومَاتِ، فإنَّهُمْ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ "، وفي الحديث، عنه صلى الله عليه وسلم :( أَنَا زَعِيمٌ بِبَيْتٍ فِي رَبَضِ الجَنَّةِ لِمَنْ تَرَكَ المِرَاءَ، وَإنْ كَانَ مُحِقًّا، وَبِبَيْتٍ فِي وَسَطِ الجَنَّةِ لِمَنْ تَرَكَ الكَذِبَ، وإنْ كَانَ مَازِحاً، وبِبَيْتٍ فِي أَعْلَى الجَنَّةِ لِمَنْ حَسَّنَ خُلُقه )، خَرَّجه أبو داود، انتهى من **«الكوكب الدري »**، وقد ذكرنا هذا الحديثَ من غير طريقِ أبي داود بلفظ أوضَحَ من هذا.

### الآية 6:70

> ﻿وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِبًا وَلَهْوًا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا ۚ وَذَكِّرْ بِهِ أَنْ تُبْسَلَ نَفْسٌ بِمَا كَسَبَتْ لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ وَإِنْ تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لَا يُؤْخَذْ مِنْهَا ۗ أُولَٰئِكَ الَّذِينَ أُبْسِلُوا بِمَا كَسَبُوا ۖ لَهُمْ شَرَابٌ مِنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ [6:70]

قوله سبحانه : وَذَرِ الذين اتخذوا دِينَهُمْ لَعِباً وَلَهْواً \[ الأنعام : ٧٠ \]. 
هذا أمر بالمتاركة، وكان ذلك بحَسَب قلَّة المسلمين يومَئِذٍ، قال قتادة : ثم نُسِخَ ذلك، وما جرى مجراه بالقتَالِ، وقال مجاهد : الآيةُ إنما هي للتهديدِ والوعيدِ، فهي كقوله تعالى : ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً  \[ المدثر : ١١ \]، وليس فيها نَسْخٌ، لأنها متضمنة خبراً، وهو التهديدُ،  وَغَرَّتْهُمُ الحياة الدنيا \[ الأنعام : ٧٠ \]، أيْ : خدعتهم من الغُرُور، وهو الأطماعُ بما لا يتحصَّل، فاغتروا بنعم اللَّه وإمهاله، وطَمَعُهُمْ ذلك فيما لم يتحصَّل من رحمته، واعلم أنَّ أعقلَ العقلاء مؤمنٌ مقبِلٌ على آخرته، قد جَعَلَ الموْتَ نُصْبَ عينيه، ولم يغترَّ بزخارف الدنيا، كما اغتر بها الحمقى، بل جعل همَّهُ واحداً، هَمَّ المعاد، ِ وما هو صائرٌ إليه، وقد روى البَزَّار في مسنده، عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم، أنَّهُ قَالَ :( مَنْ جَعَلَ الهُمُومَ هَمًّا وَاحِداً، هَمَّ المَعَادِ، كَفَاهُ اللَّهُ هَمَّ الدُّنْيَا، وَمَنْ تَشَعَّبَتْ بِهِ الهُمُومُ، هُمُومُ الدُّنْيَا، لَمْ يُبَالِ اللَّهُ تعالى فِي أَيِّ أَوْدِيَتِهَا هَلَكَ ) انتهى من **«الكوكب الدريِّ »**. 
وقوله سبحانه : وَذَكِّرْ بِهِ  : أي بالقرآن، وقيل : الضمير في  بِهِ  عائدٌ على الدِّين، و أَن تُبْسَلَ  في موضع المفعولِ له، أي : لَئِلاَّ تُبْسَلَ، ومعناه : تُسْلَمَ، قاله الحسن، وعكرمة، وقال قتادةُ : تُحْبَسَ وتُرْهَنْ، وقال ابن عبَّاس : تُفْضَح، وقال ابن زيد : تجزى، وهذه كلُّها متقاربةُ المعنى، ومنه قول الشنفرى :\[ الطويل \]

هُنَالِكَ لاَ أَرْجُو حَيَاةً تَسُرُّنِي  سَمِيرَ اللَّيَالِي مُبْسَلاً بِالْجَرَائِرِوباقي الآية بيِّن،  وَإِن تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ ، أي : وإن تعط كلَّ فدية، وإنْ عظُمت، فتجعلها عِدْلاً لها، ( لا يُقْبَل منها )، وقال أبو عُبَيْدة : وَإِن تَعْدِلْ ، هو من العَدْلِ المضادِّ للجور، وردَّه الطبريُّ بالإجماع على أنَّ توبة الكافر مقبولةً. 
قال ( ع ) : ولا يلزم هذا الردُّ، لأنَّ الأمر إنما هو يوم القيامة، ولا تقبلُ فيه توبة، ولا عملٌ، قلْتُ : وأجلى من هذا أنْ يحمل كلامُ أبي عُبَيْدة على معنى أنَّه لا يقبلُ منها عدلُها، لاختلال شَرْطه، وهو الإيمانُ، و أُبْسِلُواْ  : معناه : أُسْلِمُوا بما اجترحوه من الكُفْر، ( والحميمُ ) : الماءُ الحارُّ، ومنه : الحَمَّام، والحَمَّة.

### الآية 6:71

> ﻿قُلْ أَنَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُنَا وَلَا يَضُرُّنَا وَنُرَدُّ عَلَىٰ أَعْقَابِنَا بَعْدَ إِذْ هَدَانَا اللَّهُ كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ فِي الْأَرْضِ حَيْرَانَ لَهُ أَصْحَابٌ يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى ائْتِنَا ۗ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَىٰ ۖ وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ [6:71]

قوله سبحانه : قُلْ أَنَدْعُواْ مِن دُونِ الله مَا لاَ يَنفَعُنَا وَلاَ يَضُرُّنَا \[ الأنعام : ٧١ \]. 
المعنى : قل في احتجاج : أنطيع رأيكم في أنْ ندعو من دون اللَّه، والدعاءُ : يعم العبادة وغيرها، لأن مَنْ جعل شيئاً موضعَ دعائه، فإياه يَعْبُدُ، وعليه يتوكَّل، و مَا لاَ يَنفَعُنَا وَلاَ يَضُرُّنَا  يعني : الأصنام،  وَنُرَدُّ على أعقابنا  : تشبيهٌ بمَشْيِ القهقرى، وهي المِشْية الدنيَّة، فاستعمل المَثَل بها فيمَنْ رجَعَ مِنْ خيرٍ إلى شَرٍّ. 
وقوله سبحانه : كالذي استهوته الشياطين  في الكلام حذفٌ، تقديره : ردًّا كَرَدِّ الذي، و استهوته  بمعنى : استدعت هواه وأمالته، و هَدَانَا  بمعنى : أرشَدَنَا، فسياقُ هذا المثل كأنه قال : أيَصْلُحُ أن نكون بعد الهدى نعبد الأصنام، فيكون ذلك منَّا ارتدادا على العَقِبِ، فنكون كَرَجُلٍ على طريق واضحٍ، فاستهوته عنه الشياطينُ، فخرج عنه إلى دعوتهم، فبقي حائراً. 
وقوله : لَهُ أصحاب  : يريد : له أصحابٌ على الطريق الذي خَرَجَ منه، فيشبَّه بالأصحاب على هذا المؤمنون الذين يَدْعُونَ مَن ارتد إلى الرجوع إلى الهدى، وهذا تأويلُ مجاهد، وابن عباسٍ، و ائتنا  من الإتيان بمعنى المجيء، وقول من قال إن المراد ( بالذي ) في هذه الآية : عبدُ الرحمنِ بْنُ أبي بَكْرٍ، وبالأصحاب أبواه قوله ضعيفٌ، يردُّه قول عائشة في الصحيحِ :" مَا نَزَلَ فِينَا مِنَ القُرآنِ شَيْءٌ إلاَّ بَرَاءَتِي " قلتُ : تريد وقصَّة الغارِ،  إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ  \[ التوبة : ٤٠ \]، وقوله : وَلاَ يَأْتَلِ أُوْلُواْ الفضل مِنكُمْ. . .  \[ النور : ٢٢ \]، إذ نزلَتْ في شأن أبي بكر، وشأن مِسْطَحٍ. 
قال ( ع ) : حدثني أبي ( رضي اللَّه عنه ) قال : سمعْتُ الفقيه الإمام أبا عبد اللَّه المعروفَ بالنحْويِّ المجاوِرِ بمكَّة، يقول : مَنْ نازع أحداً من المُلْحِدِينَ، فإنما ينبغي أن يردَّ عليه بالقرآن والحديث، فيكونُ كَمَنْ يدعو إلى الهدى بقوله : آيتنا ، ومَنْ ينازعهم بالجَدَل، ويحلِّق عليهم به، فكأنه بَعُدَ من الطريق الواضح أكْثَرَ، ليردَّ هذا الزائغَ، فهو يخافُ علَيْه أنْ يضلَّ. 
قال ( ع ) : وهذا انتزاعٌ حسنٌ جدًّا، وباقي الآية بيِّن.

### الآية 6:72

> ﻿وَأَنْ أَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَاتَّقُوهُ ۚ وَهُوَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ [6:72]

ذكِّروهم ذكرى، وينبغي للمؤمن أنْ يمتثل حكم هذه الآية مع المُلْحِدِين، وأهْلِ الجدلِ والخَوْضِ فيه، وحكى الطبريُّ **«١»**، عن أبي جعفر أنه قال: **«لاَ تُجَالِسُوا أَهْلَ الخُصُومَاتِ فإنَّهُمْ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِ «٢»** اللَّهِ»، وفي الحديث، عنه صلّى الله عليه وسلّم: **«أَنَا زَعِيمٌ بِبَيْتٍ فِي رَبَضِ الجَنَّةِ لِمَنْ تَرَكَ المِرَاءَ وَإنْ كَانَ مُحِقًّا، وَبِبَيْتٍ فِي وَسَطِ الجَنَّةِ لِمَنْ تَرَكَ الكَذِبَ وإنْ كَانَ مَازِحاً، وبِبَيْتٍ فِي أَعْلَى الجَنَّةِ لِمَنْ حَسَّنَ خُلُقه»**، خَرَّجه أبو داود **«٣»**. انتهى من **«الكوكب الدري»**، وقد ذكرنا هذا الحديثَ من غير طريقِ أبي داود بلفظ أوضَحَ من هذا.
 \[سورة الأنعام (٦) : الآيات ٧٠ الى ٧٣\]
 وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِباً وَلَهْواً وَغَرَّتْهُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا وَذَكِّرْ بِهِ أَنْ تُبْسَلَ نَفْسٌ بِما كَسَبَتْ لَيْسَ لَها مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيٌّ وَلا شَفِيعٌ وَإِنْ تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لا يُؤْخَذْ مِنْها أُولئِكَ الَّذِينَ أُبْسِلُوا بِما كَسَبُوا لَهُمْ شَرابٌ مِنْ حَمِيمٍ وَعَذابٌ أَلِيمٌ بِما كانُوا يَكْفُرُونَ (٧٠) قُلْ أَنَدْعُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لاَ يَنْفَعُنا وَلا يَضُرُّنا وَنُرَدُّ عَلى أَعْقابِنا بَعْدَ إِذْ هَدانَا اللَّهُ كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّياطِينُ فِي الْأَرْضِ حَيْرانَ لَهُ أَصْحابٌ يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى ائْتِنا قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدى وَأُمِرْنا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعالَمِينَ (٧١) وَأَنْ أَقِيمُوا الصَّلاةَ وَاتَّقُوهُ وَهُوَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (٧٢) وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَيَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ قَوْلُهُ الْحَقُّ وَلَهُ الْمُلْكُ يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ (٧٣)
 وقوله سبحانه: وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِباً وَلَهْواً: هذا أمر بالمتاركة، وكان ذلك بحَسَب قلَّة المسلمين يومَئِذٍ، قال قتادة: ثم نُسِخَ ذلك، وما جرى مجراه بالقتَالِ **«٤»**، وقال مجاهد: الآيةُ إنما هي للتهديدِ والوعيدِ، فهي كقوله تعالى: ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً **«٥»** \[المدثر: ١١\]، وليس فيها نَسْخٌ لأنها متضمنة خبراً، وهو التهديدُ، وَغَرَّتْهُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا، أيْ: خدعتهم من الغُرُور، وهو الأطماعُ بما لا يتحصَّل فاغتروا بنعم/ الله

 (١) ينظر الطبري (٥/ ٢٢٥).
 (٢) أخرجه الطبري (٥/ ٢٢٦) برقم (١٣٣٩٥)، وذكره ابن عطية (٢/ ٣٠٥)، وذكره السيوطي في ******«الدر المنثور»****** (٣/ ٣٨)، وعزاه لعبد بن حميد، وابن جرير، وأبي نعيم في **«الحلية»** عن أبي جعفر.
 (٣) أخرجه أبو داود (٢/ ٦٦٨) كتاب **«الأدب»** باب في حسن الخلق، حديث (٤٨٠٠) من حديث أبي أمامة مرفوعا. [.....]
 (٤) أخرجه الطبري (٥/ ٢٢٨) برقم (١٣٤٠٧، ١٣٤٠٨) بنحوه، ذكره ابن عطية (٢/ ٣٠٥)، وذكره السيوطي في ******«الدر المنثور»****** (٣/ ٣٩)، وعزاه لعبد بن حميد، وأبي داود، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والنحاس عن قتادة بنحوه.
 (٥) أخرجه الطبري (٥/ ٢٢٨) برقم (١٣٤٠٥) بنحوه، وذكره ابن عطية (٢/ ٣٠٥)، وذكره السيوطي في ******«الدر المنثور»****** (٣/ ٣٩)، وعزاه لعبد بن حميد، وابن أبي حاتم، وأبي الشيخ عن مجاهد بنحوه.

وإمهاله، وطَمَعُهُمْ ذلك فيما لم يتحصَّل من رحمته، واعلم أنَّ أعقلَ العقلاء مؤمنٌ مقبِلٌ على آخرته قد جَعَلَ الموْتَ نُصْبَ عينيه، ولم يغترَّ بزخارف الدنيا كما اغتر بها الحمقى، بل جعل همَّهُ واحداً هَمَّ المعادِ وما هو صائرٌ إليه وقد روى البَزَّار في مسنده، عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم أنَّهُ قَالَ: **«مَنْ جَعَلَ الهُمُومَ هَمًّا وَاحِداً هَمَّ المَعَادِ، كَفَاهُ اللَّهُ هَمَّ الدُّنْيَا، وَمَنْ تَشَعَّبَتْ بِهِ الهُمُومُ هُمُومُ الدُّنْيَا، لَمْ يُبَالِ اللَّهُ تعالى فِي أَيِّ أَوْدِيَتِهَا هَلَكَ»** **«١»**. انتهى من **«الكوكب الدريِّ»**.
 وقوله سبحانه: وَذَكِّرْ بِهِ: أي بالقرآن، وقيل: الضمير في بِهِ عائد على الدّين، وأَنْ تُبْسَلَ في موضع المفعولِ له، أي: لَئِلاَّ تُبْسَلَ، ومعناه: تُسْلَمَ قاله الحسن وعكرمة **«٢»** وقال قتادةُ: تُحْبَسَ وتُرْهَنْ **«٣»**، وقال ابن عبَّاس: تُفْضَح **«٤»**، وقال ابن زيد **«٥»** : تجزى، وهذه كلُّها متقاربةُ المعنى ومنه قول الشّنفرى **«٦»** :\[الطويل\]

 (١) أخرجه ابن ماجه (١/ ٩٥) المقدمة، باب الانتفاع بالعلم والعمل به، حديث (٢٥٧) والعقيلي في **«الضعفاء»** (٤/ ٣٠٩- ٣١٠) وأبو نعيم في **«الحلية»** (٢/ ١٠٥) من طريق نهشل بن سعيد، عن الضحاك، عن الأسود، عن ابن مسعود به.
 وقال أبو نعيم: غريب من حديث الأسود لم يرفعه إلا الضحاك، ولا عنه إلا نهشل.
 وقال البوصيري: إسناده ضعيف، فيه نهشل بن سعيد قيل: إنه يروي المناكير. وقيل: بل الموضوعات.
 وللحديث شاهد من حديث ابن عمر.
 أخرجه الحاكم (٢/ ٤٤٣) وقال: صحيح الإسناد، ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي.
 (٢) أخرجه الطبري (٥/ ٢٢٨) برقم (١٣٤٠٩، ١٣٤١٠)، وذكره البغوي (٢/ ١٠٦) عن عكرمة، وذكره ابن عطية (٢/ ٣٠٥) وذكره ابن كثير (٢/ ١٤٤) عن الحسن، وعكرمة.
 (٣) أخرجه الطبري (٥/ ٢٢٩) برقم (١٣٤١٥، ١٣٤١٦) بنحوه، وذكره البغوي (٢/ ١٠٦)، وذكره ابن عطية (٢/ ٣٠٥)، وذكره ابن كثير (٢/ ١٤٤) وذكره السيوطي في ******«الدر المنثور»****** (٣/ ٤٠)، وعزاه لعبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن قتادة.
 (٤) أخرجه الطبري (٥/ ٢٢٩) رقم (١٣٤١٨)، وذكره ابن عطية (٢/ ٣٠٥)، وذكره ابن كثير (٢/ ١٤٤)، وذكره السيوطي في ******«الدر المنثور»****** (٣/ ٣٩) وعزاه لابن المنذر، وابن أبي حاتم عن ابن عباس.
 (٥) أخرجه الطبري (٥/ ٢٢٩) برقم (١٣٤١٧) بنحوه، وذكره البغوي (٢/ ١٠٦)، وذكره ابن عطية (٢/ ٣٠٥)، وذكره ابن كثير (٢/ ١٤٤) وذكره السيوطي في ******«الدر المنثور»****** (٣/ ٤٠)، وعزاه لابن أبي حاتم عن ابن زيد بنحوه.
 (٦) عمرو بن مالك الأزدي، من قحطان شاعر جاهلي، يماني، من فحول الطبقة الثانية. كان من فتاك العرب وعدّائيهم. وهو أحد الخلعاء الذين تبرأت منهم عشائرهم. قتله بنو سلامان. وهو صاحب **«لامية العرب»** التي مطلعها: [الطويل]**«أقيموا بني أمي صدور مطيكم**  فإني إلى قوم سواكم لأميل» -

هُنَالِكَ لاَ أَرْجُو حَيَاةً تَسُرُّنِي  سَمِيرَ اللَّيَالِي مُبْسَلاً بِالْجَرَائِرِ **«١»** وباقي الآية بيِّن.
 وَإِنْ تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ، أي: وإن تعط كلَّ فدية، وإنْ عظُمت، فتجعلها عِدْلاً لها، لا يُقْبَل منها، وقال أبو عُبَيْدة: وَإِنْ **«٢»** تَعْدِلْ، هو من العَدْلِ المضادِّ للجور وردَّه الطبريُّ **«٣»** بالإجماع على أنَّ توبة الكافر مقبولةً.
 قال ع **«٤»** : ولا يلزم هذا الردُّ، لأنَّ الأمر إنما هو يوم القيامة، ولا تقبلُ فيه توبة، ولا عملٌ. قلْتُ: وأجلى من هذا أنْ يحمل كلامُ أبي عُبَيْدة على معنى أنَّه لا يقبلُ منها عدلُها لاختلال شَرْطه، وهو الإيمان، وأُبْسِلُوا: معناه: أُسْلِمُوا بما اجترحوه من الكُفْر، والحميمُ: الماءُ الحارُّ ومنه: الحَمَّام، والحَمَّة.
 وقوله سبحانه: قُلْ أَنَدْعُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لاَ يَنْفَعُنا وَلا يَضُرُّنا، المعنى: قل في احتجاجك: أنطيع رأيكم في أنْ ندعو من دون اللَّه، والدعاءُ: يعم العبادة وغيرها لأن مَنْ جعل شيئاً موضعَ دعائه، فإياه يَعْبُدُ، وعليه يتوكّل، وما لاَ يَنْفَعُنا وَلا يَضُرُّنا: يعني:
 الأصنام، وَنُرَدُّ عَلى أَعْقابِنا: تشبيهٌ بمَشْيِ القهقرى، وهي المِشْية الدنيَّة فاستعمل المَثَل بها فيمَنْ رجَعَ مِنْ خيرٍ إلى شَرٍّ.
 وقوله سبحانه: كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّياطِينُ في الكلام حذفٌ، تقديره: ردًّا كَرَدِّ الذي، واسْتَهْوَتْهُ: بمعنى: استدعت هواه وأمالته، وهَدانَا: بمعنى: أرشَدَنَا، فسياقُ هذا المثل كأنه قال: أيَصْلُحُ أن نكون بعد الهدى نعبد الأصنام فيكون ذلك منَّا ارتدادا على العَقِبِ فنكون كَرَجُلٍ على طريق واضحٍ، فاستهوته عنه الشياطينُ، فخرج عنه إلى دعوتهم، فبقي حائرا.
 - شرحها الزمخشري في **«أعجب العجب»**.
 ينظر: **«الأعلام»** (٥/ ٨٥)، **«الأغاني»** (٢١/ ١٣٤- ١٤٣)، **«المقتطف»** (٦/ ١٨٦)، **«خزانة الأدب»** (٢/ ١٦- ١٨).
 (١) البيت في ديوانه (٣٦)، و **«المغتالين»** لابن حبيب (٨٧٣)، و **«الحماسة»** (٢٤٢)، **«العقد الفريد»** (١/ ٥٣)، **«محاضرات الراغب»** (١٢٨٧)، وابن أبي الحديد (٢/ ٢٩٤)، وفي **«الحيوان»** (٦/ ١٥٣) لتأبط شرّا، وفي **«المرتضى»** (٣/ ١٥٨)، 
 (٢) ذكره ابن عطية (٢/ ٣٠٦).
 (٣) ينظر الطبري (٥/ ٢٣٠).
 (٤) ينظر: **«المحرر»** (٢/ ٣٠٦).

وقوله: لَهُ أَصْحابٌ: يريد: له أصحابٌ على الطريق الذي خَرَجَ منه، فيشبَّه بالأصحاب على هذا المؤمنون الذين يَدْعُونَ مَن ارتد إلى الرجوع إلى الهدى، وهذا تأويلُ مجاهد وابن عباس **«١»**، وائْتِنا: من الإتيان، بمعنى المجيء، وقول من قال: إن المراد بالذي في هذه الآية: عبدُ الرحمنِ بْنُ أبي بَكْرٍ: وبالأصحاب: أبواه- قول ضعيفٌ يردُّه قول عائشة في الصحيحِ: **«مَا نَزَلَ فِينَا مِنَ القُرآنِ شَيْءٌ إلاَّ بَرَاءَتِي»**، قلتُ: تريد وقصَّة الغارِ إِذْ يَقُولُ لِصاحِبِهِ \[التوبة: ٤٠\]، وقوله: وَلا يَأْتَلِ أُولُوا الْفَضْلِ مِنْكُمْ...
 \[النور: ٢٢\] إذ نزلَتْ في شأن أبي بكر، وشأن مِسْطَحٍ **«٢»**.
 قال ع **«٣»** : حدثني أبي (رضي الله عنه) قال: سمعْتُ الفقيه الإمام أبا عبد اللَّه المعروفَ بالنحْويِّ المجاوِرِ بمكَّة، يقول: مَنْ نازع أحداً من المُلْحِدِينَ، فإنما ينبغي أن يردَّ عليه بالقرآن والحديث فيكونُ كَمَنْ يدعو إلى الهدى بقوله: ائْتِنا، ومَنْ ينازعهم بالجَدَل، ويحلِّق عليهم به، فكأنه بَعُدَ من الطريق الواضح أكْثَرَ، ليردَّ هذا الزائغَ/، فهو يخافُ علَيْه أنْ يضلَّ.
 قال ع **«٤»** : وهذال انتزاعٌ حسنٌ جدًّا، وباقي الآية بيِّن.
 وقوله سبحانه: وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ، أي: لم يخلقْها باطلاً لغير معنًى، بل لمعانٍ مفيدةٍ، وحقائقَ بيِّنة.
 وقوله سبحانه: وَيَوْمَ يَقُولُ **«يوم»** : نصب على الظرْفِ، وتقديرُ الكلامِ: واذكر الخَلْق والإعادة يَوْمَ، وتحتمل الآية مع هذا أنْ يكون معناها، واذكر الإعادة يَوْمَ يقولُ اللَّه للأجساد: كوني معادةً.
 وقوله تعالى: يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ، الجمهورُ أنَّ الصُّورَ هو القَرْن الذي قال فيه

 (١) أخرجه الطبري (٥/ ٢٣٣) برقم (١٣٤٣١) بنحوه عن مجاهد، وذكره ابن عطية (٢/ ٣٠٧). [.....]
 (٢) مسطح بن أثاثة: بن عباد بن المطلب بن عبد مناف بن قصيّ المطلبيّ. كان اسمه عوفا، وأما مسطح فهو لقبه وأمه بنت خالة أبي بكر، أسلمت، وأسلم أبوها قديما وكان أبو بكر يمونه لقرابته منه، ومات مسطح سنة أربع وثلاثين في خلافة عثمان ويقال: عاش إلى خلافة عليّ، وشهد معه صفّين، ومات في تلك السّنة سنة سبع وثلاثين.
 ينظر: **«الإصابة»** (٦/ ٧٤)، **«طبقات ابن سعد»** (٣/ ١/ ٣٦)، **«أسد الغابة»** (ت ٤٨٧٢)، **«الاستيعاب»** (ت ٢٥٧٩)، **«حلية الأولياء»** (٢/ ٢٠)، **«تهذيب الأسماء واللغات»** (٢/ ٨٩)، **«العبر»** (١/ ٣٥).
 (٣) ينظر: ****«المحرر»**** (٢/ ٣٠٧).
 (٤) ينظر: ****«المحرر»**** (٢/ ٣٠٨).

### الآية 6:73

> ﻿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ ۖ وَيَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ ۚ قَوْلُهُ الْحَقُّ ۚ وَلَهُ الْمُلْكُ يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ ۚ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ ۚ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ [6:73]

قوله سبحانه : وَهُوَ الذي خَلَقَ السموات والأرض بالحق \[ الأنعام : ٧٣ \]. أي : لم يخلقْها باطلاً لغير معنًى، بل لمعانٍ مفيدةٍ، وحقائقَ بيِّنة. 
وقوله سبحانه : وَيَوْمَ يَقُولُ  يوم : نصب على الظرْفِ، وتقديرُ الكلامِ : واذكر الخَلْق والإعادة يَوْمَ، وتحتمل الآية مع هذا أنْ يكون معناها، واذكر الإعادة يَوْمَ يقولُ اللَّه للأجساد : كوني معادةً. 
وقوله تعالى : يَوْمَ يُنفَخُ فِي الصور ، الجمهورُ أنَّ الصُّورَ هو القَرْن الذي قال فيه النبيُّ صلى الله عليه وسلم :( إنَّهُ يُنْفَخُ فِيهِ لِلصَّعْقِ ثُمَّ لِلْبَعْثِ، ) وباقي الآية بيِّن.

### الآية 6:74

> ﻿۞ وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا آلِهَةً ۖ إِنِّي أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ [6:74]

قوله تعالى : وَإِذْ قَالَ إبراهيم لأَبِيهِ ءَازَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَاماً ءَالِهَةً إِنِّي أراك وَقَوْمَكَ فِي ضلال مُّبِينٍ \[ الأنعام : ٧٤ \]. 
قال الطبري : نبه اللَّه نبيَّنا محمداً صلى الله عليه وسلم على الاِقتداء بإبراهيم في محاجَّته قومَه، إذ كانوا أهل أصْنَام، وكان قومُ النبيِّ صلى الله عليه وسلم أهْلَ أصنام، وقوله : أَصْنَاماً ءَالِهَةً  : مفعولانِ، وذُكِرَ أن آزر أبا إبراهيِمَ عليه السلام كَانَ نَجَّاراً محسناً، ومهنْدِساً، وكان نُمْرُود يتعلَّق بالهندسةِ والنجُومِ، فحَظِيَ عنده آزر لذلك، وكان على خُطَّةِ عملِ الأَصنامِ تُعْمَلُ بأمره وتَدْبيره، ويَطْبَع هو في الصنمِ بخَتْمٍ معلومٍ عنده، وحينئذٍ يُعْبَدُ ذلك الصنمُ، فلما نشأ إبراهيمُ ابنه على الصفة التي تأتي بعْدُ، كان أبوه يكلِّفه ببيعها، فكان إبراهيم ينادِي عليها : مَنْ يَشْتَري ما يضرُّه ولا ينفعه، ويستخفُّ بها، ويجعلها في الماءِ منكوسةً، ويقول لها : اشربي، فلما اشتهر أمْرُه بذلك، وأخذ في الدعاءِ إلى اللَّه عزَّ وجلَّ، قال لأبيه هذه المقالةَ، و أراك ، في هذا الموضعِ : يشترك فيها القلبُ، والبصرُ، و مُّبِينٌ  : بمعنى : ظاهر واضح.

### الآية 6:75

> ﻿وَكَذَٰلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ [6:75]

قوله سبحانه : وكذلك نُرِي إبراهيم مَلَكُوتَ السموات والأرض \[ الأنعام : ٧٥ \]. 
المتقدِّمةُ تقْضِي بهدايةِ إبْرَاهيم عليه السلام، والإشارةُ هنا ( بذلك ) هي إلى تلك الهداية، أي : وكما هدَيْنَاه إلى الدعاء إلى اللَّه وإنكارِ الكُفْر، أريناه ملكوتَ، و نُرِي  : لفظها : الاستقبال، ومعناها : المضيُّ، وهذه الرؤْية قيل : هي رؤية البَصَر، ورُوِيَ في ذلك، أنَّ اللَّه عزَّ وجلَّ فرج لإِبراهيم عليه السلام السمواتِ والأرْضَ، حتى رأَى ببَصَره الملكوتَ الأعلى، والملكوتَ الأسفلَ، وهذا هو قولُ مجاهدٍ قال : تفرَّجتْ له السمواتُ والأرَضُون، فرأى مكانه في الجنَّة، وبه قال سعيدُ بنُ جُبَيْر، وسلمانُ الفارسيُّ، وقيل : هي رؤيةَ بَصرٍ في ظاهر الملكوت، وقع له معها من الاعتبارِ، ورؤيةِ القَلْب : ما لم يقعْ لأحد من أهل زمنه الذين بُعِثَ إليهم، قاله ابن عباس، وغيره. وقيل : هي رؤية قَلْب، رأى بها ملكوتَ السمواتِ والأرضِ بفكرته ونظره، و مَلَكُوتَ  : بناءُ مبالغةٍ، وهو بمعنى المُلْك، والعربُ تقول : لفلانٍ مَلَكُوتُ اليَمَنِ، أي : مُلْكُه، واللام في : لِيَكُونَ  : متعلِّقة بفعلٍ مؤخَّر، تقديره : وليكونَ من الموقنين  أَرَيْنَاهُ، والمُوقُنِ : العالِمُ بالشيء علماً لا يمكنُ أنْ يطرأ له فيه شك، وروي عن ابنِ عبَّاس في تفسير : وَلِيَكُونَ مِنَ الموقنين  قال : جلّى له الأمورَ سرَّها وعلانيتَها، فلم يَخْفَ عليه شيْءٌ من أعمال الخلائق، فلما جعل يلْعَنُ أصحابَ الذنوبِ، قال اللَّه له : إنَّكَ لاَ تَسْتَطِيعُ هذا، فَرَدَّه لا يرى أعمالهم.

### الآية 6:76

> ﻿فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَىٰ كَوْكَبًا ۖ قَالَ هَٰذَا رَبِّي ۖ فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ [6:76]

قوله سبحانه : فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ الليل رَأى كَوْكَباً قَالَ هذا رَبِّي \[ الأنعام : ٧٦ \]. 
 جَنَّ اللَّيْلُ  : ستَرَ وغطى بظلامه، ذهب ابن عباس، وناسٌ كثيرون إلى أنَّ هذه القصة وقعَتْ في حال صباه، وقبل البلوغ والتكليفِ، ويحتملُ أنْ تكون وقعتْ له بعد بلوغه وكونه مكلَّفاً، وحكى الطبريُّ هذا عَنْ فرقةٍ، وقالتْ : إنه استفهم قومَهُ، على جهة التوقيفِ والتوبيخِ، أي : هذا ربِّي، وحكي أن النمرودَ جَبَّارَ ذلك الزمان رأى له منجِّموه أنَّ مولوداً يُولَدُ في سَنَةِ كذا في عمله يكون خَرَابُ المُلْك على يديه، فجعل يَتَتَبَّعُ الحبالى، ويوكِّل بهن حُرَّاساً، فمن وضَعَتْ أنثى، تُركَتْ، ومَنْ وضعتْ ذكَراً، حمل إلى المَلِك فذَبَحه، وأن أمَّ إبراهيمَ حَمَلَتْ، وكانَتْ شابَّة قويةً، فسَتَرَتْ حملها، فلما قربت ولادتُها، بعثَتْ أبا إبراهيم إلى سَفَر، وتحيَّلت لمضيِّه إليه، ثم خرجَتْ هي إلى غارٍ، فولدَتْ فيه إبراهيم، وتركته في الغار، وكانَتْ تتفقَّده فوجدَتْه يتغذى بأنْ يمصَّ أصابعه، فيخرج له منها عسلٌ وسَمْنٌ، ونحو هذا، وحُكِيَ : بل كان يغذِّيه مَلَكٌ، وحُكِيَ : بل كانَتْ أمه تأتيه بألبان النِّساء التي ذُبِحَ أبناؤهن، واللَّه أعلم، أيُّ ذلك كان، فشبَّ إبراهيم أضعافَ ما يشب غيره، والمَلِكُ في خلالِ ذلك يحسُّ بولادته، ويشدِّد في طلبه، فمكَثَ في الغار عَشَرَةَ أعوامٍ، وقيل : خمسَ عَشْرة سنةً، وأنه نظر أول ما عَقَل من الغارِ، فرأى الكواكِبَ، وجرَتْ قصة الآية، واللَّه أعلم. 
فإن قلنا بأنه وقعَتْ له القصَّة في الغارِ في حال الصَّبْا، وعدمِ التكليفِ، على ما ذهب إليه بعض المفسِّرين، ويحتمله اللفظ، فذلك ينقسمُ على وجْهين : إما أنْ يجعل قوله : هذا رَبِّي  تصميماً واعتقادا، وهذا باطلٌ، لأن التصميم على الكُفْر لم يقع من الأنبياء صلوات اللَّه عليهم، وإما أنْ نجعله تعريضاً للنظر والاستدلال، كأنه قال : أَهَذَا المُنِيرُ البهيُّ ربِّي، إنْ عَضَّدتَ ذلك الدلائلُ. 
وإن قلنا : إن القصَّة وقَعَتْ له في حال كِبَرِهِ، وهو مكلَّف، فلا يجوز أنْ يقولَ هذا مصمِّماً ولا مُعَرِّضاً للنظر، لأنها رتبة جهلٍ أو شكٍّ، وهو عليه السلام منزَّه معصوم من ذلك كلِّه، فلم يبق إلاَّ أنْ يقولها على جهة التَّقْرير لقومه، والتوبيخ لهم، وإقامةِ الحُجَّة عليهم في عبادة الأصنام، كأنه قال : أَهَذَا المُنِيرُ ربِّي، وهو يريد : على زعمكم، كما قال تعالى : أَيْنَ شُرَكَائِيَ  \[ القصص : ٦٢ \]، أي : على زعمكم، ثم عَرَضَ إبراهيم عليهم مِنْ حَرَكَة الكوكب وأفولِهِ أَمارةَ الحدوث، وأنه لا يصلحُ أن يكون ربًّا، ثم في آخر أعظم منه وأحرى كذلك، ثم في الشَّمْس كذلك، فكأنه يقول : فإذا بان في هذه المُنِيرَاتِ الرفيعةِ، أنها لا تصلح للربوبيَّة، فأصنامكم التي هي خشبٌ وحجارةٌ أحرى أنْ يبين ذلك فيها، ويَعْضُدُ عندي هذا التأويلَ قولُهُ : إِنّي بَرِيءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ \[ الأنعام : ٧٨ \] قلت : وإلى ترجيحِ هذا أشار عِيَاضٌ في **«الشفا »**، قال : وذهب معظمُ الحُذَّاق من العلماء والمفسرين إلى أن إبراهيم إنما قال ذلك مبكِّتاً لقومه، ومستدلاًّ عليهم. 
قال ( ع ) : ومَثَّلَ لهم بهذه الأمور، لأنهم كانوا أصْحَابَ علْمِ نجومٍ، ونظرٍ في الأفلاك، وهذا الأمر كلُّه إنما وقع في ليلةٍ واحدةٍ، رأى الكوكب، وهو الزُّهْرَةُ في قولِ قتادة، وقال السُّدِّيُّ : هو المشتري جانحاً إلى الغروب، ( فلما أَفَلَ ) بزغ القمر، وهو أول طلوعه، فَسَرَى الليل أجْمَعُ، فلما بزغَتِ الشمسُ، زال ضوء القمرِ قبلها، لانتشار الصباحِ، وخَفِيَ نوره، ودنا أيضاً مِنْ مغربه، فسمى ذلك أفولاً، لقربه من الأُفُولِ التامِّ، على تجوُّز في التسمية، وهذا الترتيبُ يستقيمُ في الليلة الخامسةَ عَشَرَ من الشَّهْر إلى ليلة عشْرين، وليس يترتَّب في ليلةٍ واحدة، كما أجمع أهل التفسير، إلاَّ في هذه الليالي، وبذلك يصحُّ التجوُّز في أفول القمر، و( أَفَلَ )، في كلام العرب : معناه غاب، وقيل : معناه ذَهَبَ، وهذا خلافٌ في العبارة فقَطْ، والبزوغُ في هذه الأنوارِ : أوَّلُ الطلوع، وما في كَوْنِ هذا الترتيب في ليلةٍ من التجوُّز في أفول القمر، لأنَّ أفوله لو قدَّرناه مَغِيبَهُ، لكان ذلك بَعْد بزوغ الشمسِ، وجميع ما قلناه يعطيه الاعتبار، و يَهْدِنِي  : يرشدْنِي، وهذا اللفظ يؤيِّد قول من قال : إن القصة في حالِ الصِّغَر، والقومُ الضالُّون هنا عبدةُ المخلوقاتِ، كالأصنام وغيرها، ولما أفَلَتِ الشمسُ، لم يبقَ شيءٌ يمثِّل لهم به، فظهرَتْ حُجَّته، وقَوِيَ بذلك على منابذتهم، والتبرِّي من إشراكهم، وقوله : إِنِّي بَرِيءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ  يؤيِّد قول من قال : إن القصة في حال الكِبر والتكليفِ.

### الآية 6:77

> ﻿فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَٰذَا رَبِّي ۖ فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ [6:77]

مكانه في الجنَّة، وبه قال سعيدُ بنُ جُبَيْر، وسلمانُ الفارسيُّ **«١»**، وقيل: هي رؤيةَ بَصرٍ في ظاهر الملكوت، وقع له معها من الاعتبارِ ورؤيةِ القَلْب: ما لم يقعْ لأحد من أهل زمنه الذين بُعِثَ إليهم قاله ابن عباس **«٢»** وغيره، وقيل: هي رؤية قَلْب، رأى بها ملكوتَ السمواتِ والأرضِ بفكرته ونظره، ومَلَكُوتَ: بناءُ مبالغةٍ، وهو بمعنى المُلْك، والعربُ تقول: لفلانٍ مَلَكُوتُ اليَمَنِ، أي: مُلْكُه، واللام في: لِيَكُونَ: متعلِّقة بفعلٍ مؤخَّر، تقديره: وليكونَ من الموقنين، أَرَيْنَاهُ، والمُوقُنِ: العالِمُ بالشيء علماً لا يمكنُ أنْ يطرأ له فيه شك، وروي عن ابنِ عبَّاس في تفسير: وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ قال: جلى له الأمورَ سرَّها وعلانيتَها، فلم يَخْفَ عليه شيْءٌ من أعمال الخلائق **«٣»**، فلما جعل يلْعَنُ أصحابَ الذنوبِ، قال اللَّه له: إنَّكَ لاَ تَسْتَطِيعُ هذا، فَرَدَّه لا يرى أعمالهم.
 \[سورة الأنعام (٦) : الآيات ٧٦ الى ٧٩\]
 فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأى كَوْكَباً قالَ هذا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قالَ لا أُحِبُّ الْآفِلِينَ (٧٦) فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بازِغاً قالَ هذا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ (٧٧) فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بازِغَةً قالَ هذا رَبِّي هذا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قالَ يا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (٧٨) إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفاً وَما أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٧٩)
 وقوله سبحانه: فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأى كَوْكَباً قالَ هذا رَبِّي... الآية: جَنَّ اللَّيْلُ: ستَرَ وغطى بظلامه، ذهب ابن عباس/ وناسٌ كثيرون إلى أنَّ هذه القصة وقعَتْ في حال صباه وقبل البلوغ والتكليفِ **«٤»**، ويحتملُ أنْ تكون وقعتْ له بعد بلوغه وكونه مكلَّفاً، وحكى الطبريُّ هذا عَنْ فرقةٍ، وقالتْ: إنه استفهم قومَهُ على جهة التوقيفِ والتوبيخِ، أي:
 هذا ربِّي، وحكي أن النمرودَ جَبَّارَ ذلك الزمان رأى له منجِّموه أنَّ مولوداً يُولَدُ في سَنَةِ كذا في عمله يكون خَرَابُ المُلْك على يديه، فجعل يَتَتَبَّعُ الحبالى، ويوكِّل بهن حُرَّاساً، فمن وضَعَتْ أنثى، تُركَتْ، ومَنْ وضعتْ ذكَراً، حمل إلى المَلِك فذَبَحه، وأن أمَّ إبراهيمَ حَمَلَتْ، وكانَتْ شابَّة قويةً، فسَتَرَتْ حملها، فلما قربت ولادتُها، بعثَتْ أبا إبراهيم إلى

 (١) أخرجه الطبري (٥/ ٢٤٢) رقم (١٣٤٥٥، ١٣٤٥٦) بنحوه، وذكره البغوي (٢/ ١٠٨) بنحوه، وذكره ابن عطية (٢/ ٣١١)، وذكره ابن كثير (٢/ ١٥٠) بنحوه، وذكره السيوطي في **«الدر المنثور»** (٣/ ٤٥)، وعزاه لسعيد بن منصور، وابن أبي شيبة، وابن المنذر، وأبي الشيخ عن سلمان.
 (٢) أخرجه الطبري (٥/ ٢٤١) رقم (١٣٤٤٥) بنحوه، وذكره البغوي (٢/ ١٠٨) بنحوه، وذكره ابن عطية (٢/ ٣١١)، وذكره ابن كثير (٢/ ١٥٠).
 (٣) أخرجه الطبري (٥/ ٢٤٣) رقم (١٣٤٦٤)، وذكره ابن عطية (٢/ ٣١٢)، وذكره ابن كثير (٢/ ١٥٠).
 (٤) أخرجه الطبري (٥/ ٢٤٥) رقم (١٣٤٦٨) بنحوه عن ابن عباس، وذكره ابن كثير (٢/ ١٥١) بنحوه.

سَفَر، وتحيَّلت لمضيِّه إليه، ثم خرجَتْ هي إلى غارٍ، فولدَتْ فيه إبراهيم، وتركته في الغار، وكانَتْ تتفقَّده فوجدَتْه يتغذى بأنْ يمصَّ أصابعه، فيخرج له منها عسلٌ وسَمْنٌ ونحو هذا، وحُكِيَ: بل كان يغذِّيه مَلَكٌ، وحُكِيَ: بل كانَتْ أمه تأتيه بألبان النِّساء التي ذُبِحَ أبناؤهن، واللَّه أعلم، أيُّ ذلك كان، فشبَّ إبراهيم أضعافَ ما يشب غيره، والمَلِكُ في خلالِ ذلك يحسُّ بولادته، ويشدِّد في طلبه، فمكَثَ في الغار عَشَرَةَ أعوامٍ، وقيل: خمسَ عَشْرة سنةً، وأنه نظر أول ما عَقَل من الغارِ، فرأى الكواكِبَ، وجرَتْ قصة الآية، واللَّه أعلم **«١»**.
 فإن قلنا بأنه وقعَتْ له القصّة في الغار في حال الصّبوة، وعدمِ التكليفِ على ما ذهب إليه بعض المفسّرين، ويحتمله اللفظ، فذلك ينفسم على وجْهين: إما أنْ يجعل قوله:
 هذا رَبِّي تصميماً واعتقادا، وهذا باطلٌ لأن التصميم على الكُفْر لم يقع من الأنبياء- صلوات اللَّه عليهم-، وإما أنْ نجعله تعريضاً للنظر والاستدلال كأنه قال: أَهَذَا المُنِيرُ البهيُّ ربِّي إن عضّدت ذلك الدلائل.
 وإنا قلنا إن القصَّة وقَعَتْ له في حال كِبَرِهِ، وهو مكلَّف، فلا يجوز أنْ يقولَ هذا مصمِّماً ولا مُعَرِّضاً للنظر لأنها رتبة جهلٍ أو شكٍّ، وهو- عليه السلام- منزَّه معصوم من ذلك كلِّه فلم يبق إلاَّ أنْ يقولها على جهة التَّقْرير لقومه والتوبيخ لهم، وإقامةِ الحُجَّة عليهم في عبادة الأصنام كأنه قال: أَهَذَا المُنِيرُ ربِّي، وهو يريد: على زعمكم كما قال تعالى:
 أَيْنَ شُرَكائِيَ \[النحل: ٢٧\]، أي: على زعمكم، ثم عَرَضَ إبراهيم عليهم مِنْ حَرَكَة الكوكب وأفولِهِ أَمارةَ الحدوث، وأنه لا يصلحُ أن يكون ربًّا، ثم في آخر أعظم منه وأحرى كذلك، ثم في الشَّمْس كذلك فكأنه يقول: فإذا بان في هذه المُنِيرَاتِ الرفيعةِ أنها لا تصلح للربوبيَّة، فأصنامكم التي هي خشبٌ وحجارةٌ أحرى أنْ يبين ذلك فيها ويَعْضُدُ عندي هذا التأويلَ قولُهُ: إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ، قلت: وإلى ترجيحِ هذا أشار عِيَاضٌ في **«الشفا»** قال: وذهب معظمُ الحُذَّاق من العلماء والمفسرين إلى أن إبراهيم إنما قال ذلك مبكِّتاً لقومه، ومستدلاًّ عليهم.
 قال ع **«٢»** : ومَثَّلَ لهم بهذه الأمور لأنهم كانوا أصْحَابَ علْمِ نجومٍ ونظرٍ في الأفلاك، وهذا الأمر كلُّه إنما وقع في ليلةٍ واحدةٍ، رأى الكوكب، وهو الزّهرة في قول

 (١) ذكره ابن عطية (٢/ ٣١٢).
 (٢) ينظر: **«المحرر»** (٢/ ٣١٣).

### الآية 6:78

> ﻿فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَٰذَا رَبِّي هَٰذَا أَكْبَرُ ۖ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ [6:78]

نص مكرر لاشتراكه مع الآية ٧٧:الأنعام قيل كلها مكية إلا آيات يسيرة قال ابن عباس : نزلت سورة الأنعام وحولها سبعون ألف ملك، لهم زجل، يجأرون بالتسبيح، قلت : وعن جابر بن عبد الله قال لما نزلت سورة الأنعام سبح رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال :( لقد شيع هذه السورة من الملائكة ما سد الأفق ) رواه الحاكم في " المستدرك على الصحيحين " وقال صحيح على شرط مسلم، انتهى من " السلاح ". ---

### الآية 6:79

> ﻿إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا ۖ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ [6:79]

وَجَّهْتُ وَجْهِيَ ، أي : أقبلْتُ بقَصْدي وعبادتِي وتوحيدِي وإيمانِي  للذي فَطَر السمواتِ والأرْضَ ، أي : اخترعها و حَنِيفاً  : أي مستقيماً، والحَنَف : المَيْل، فكأنه مال عن كلِّ جهةٍ إلى القِوَامِ.

### الآية 6:80

> ﻿وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ ۚ قَالَ أَتُحَاجُّونِّي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدَانِ ۚ وَلَا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبِّي شَيْئًا ۗ وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا ۗ أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ [6:80]

قوله تعالى : وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ قَالَ أَتُحَاجُّونّي فِي الله \[ الأنعام : ٨٠ \]. 
أي : أتراجعوني في الحجَّة في توحيد اللَّه،  وَقَدْ هدان ، أي : قد أرشدني إلى معرفتِهِ وتوحيده،  وَلاَ أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ ، الضميرُ في  بِهِ  يعودُ على  الله ، والمعنى : ولا أخافُ الأصنامُ التي تشركونَهَا باللَّه في الربوبيَّة، ويحتمل أنْ يعود على ( ما ) والتقديرُ : ما تشركون بسَبَبِهِ، وقوله : إِلاَّ أَن يَشَاءَ رَبِّي شَيْئاً  استثناءٌ ليس من الأوَّل، و شَيْئاً  : منصوبٌ ب  يَشَاء ، ولما كانتْ قوة الكلامِ أنه لا يخَافُ ضرراً، استثنى مشيئةَ ربِّه تعالى في أنْ يريده بضُرٍّ. و عِلْماً  نصبٌ على التمييز، وهو مصدرٌ بمعنى الفاعل، كما تقول العرب : تَصَبَّبَ زَيْدٌ عَرَقاً، المعنى : تصبَّبَ عَرَقُ زَيْدٍ، فكذلك المعنى هنا ( وِسَعِ علْمُ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ )،  أَفَلاَ تَتَذَكَّرُونَ  : توقيفٌ وتنبيه، وإظهار لموضعِ التقصيرِ منهم.

### الآية 6:81

> ﻿وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلَا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا ۚ فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ ۖ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ [6:81]

قوله : وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ. . .  الآيةَ إلى  تَعْلَمُونَ ، هي كلُّها من قول إبراهيم عليه السلام لقومه، وهي حجته القاطعة لهم، والمعنى : وكيف أخاف أصناماً لا خَطْب لها، إذ نبذتُها، ولا تخافُونَ أنتم اللَّهَ عزَّ وجلَّ، وقد أشركتم به في الربوبيَّة  مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سلطانا  والسلطانُ : الحُجَّة، ثم استفهم، على جهة التقرير : فَأَيُّ الفريقين ، مني ومنكم  أَحَقُّ بالأمن ، قال أبو حَيَّان : وَكَيْفَ  : استفهام، معناه التعجُّب والإنكار، انتهى.

### الآية 6:82

> ﻿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَٰئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ [6:82]

قوله سبحانه : الذين آمَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُواْ إيمانهم بِظُلْمٍ. . .  \[ الأنعام : ٨٢ \]. قال ابنُ إسحاق، وابنُ زيدٍ، وغيرهما : هذا قولٌ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وجلَّ ابتداء حُكْمٍ فَصْلٍ عامٍّ لِوَقْتِ مُحاجَّة إبراهيم، وغيره، ولكلِّ مؤمن تقدَّم أو تأَخَّر. 
قال ( ع ) : هذا هو البيِّن الفصيحُ الذي يرتبطُ به معنى الآية، ويحسُنُ رصْفها، وهو خبرٌ من اللَّه عزَّ وجلَّ، و يَلْبِسُواْ  : معناه يخالِطُوا، والظُّلْم، في هذا الموضع : الشِّرْك، تظاهرت بذلك الأحاديثُ الصحيحةُ، وفي قراءة مجاهدٍ :( وَلَمْ يَلْبِسُوا إيمَانَهُمْ بِشِرْكٍ )  وَهُمْ مُّهْتَدُونَ ، أي : راشدون.

### الآية 6:83

> ﻿وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَىٰ قَوْمِهِ ۚ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ ۗ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ [6:83]

قوله تعالى : وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتيناها إبراهيم على قَوْمِهِ \[ الأنعام : ٨٣ \]. 
تلك : إشارةٌ إلى هذه الحجَّة المتقدِّمة. 
وقوله سبحانه : نَرْفَعُ درجات مَّن نَّشَاءُ ، ( الدرجات ) : أصلها في الأجسام، ثم تستعملُ في المراتِبِ والمنازل المعنويَّة.

### الآية 6:84

> ﻿وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ ۚ كُلًّا هَدَيْنَا ۚ وَنُوحًا هَدَيْنَا مِنْ قَبْلُ ۖ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَىٰ وَهَارُونَ ۚ وَكَذَٰلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ [6:84]

قوله سبحانه : وَوَهَبْنَا لَهُ إسحاق وَيَعْقُوبَ. . .  \[ الأنعام : ٨٤ \]. 
 وَوَهَبْنَا  : عطْفٌ على ( آتينا ) وإسحاق ابنُهُ من سارَّة، ويعقوبُ هو ابْنُ إسحاقَ، وقوله : وَمِن ذُرِّيَّتِهِ  : المعنى : وهَدَيْنَا من ذرِّيته، والضمير في  ذُرِّيَّتِهِ ، قال الزَّجَّاج : جائزٌ أنْ يعود على إبراهيم، ويعترض هذا بذكْرِ لوطٍ عليه السلام، إذ ليس هو مِنْ ذرِّيَّة إبراهيم، بل هو ابْنُ أخيه، وقيلَ : ابنُ أختِهِ، ويتخرَّج ذلك عند مَنْ يرى الخالَ أباً، وقيل : يعود الضميرُ على نُوحٍ، وهذا هو الجيِّد، ونصْبُ  دَاوُودَ  : يحتملُ أنْ يكون ب  وَهَبْنَا ، ويحتمل أنْ يكون ب  هَدَيْنَا ،  وكذلك نَجْزِي المحسنين  : وعدٌ من اللَّه عزَّ وجلَّ لمن أحْسَنَ في عبادته، وترغيبٌ في الإحسان، وفي هذه الآية أنَّ عيسى عليه السلام مِنْ ذرِّية نوحٍ أو إبراهيم، بحَسَب الاختلاف في عَوْد الضمير من  ذُرِّيَّتِهِ ، وهو ابنُ ابنة، وبهذا يستدلُّ في الأحباس على أنَّ ولد البنْتِ من الذِّرِّيَّة، ويُونُسُ هو ابن متى.

### الآية 6:85

> ﻿وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَىٰ وَعِيسَىٰ وَإِلْيَاسَ ۖ كُلٌّ مِنَ الصَّالِحِينَ [6:85]

ب يَشاءَ، ولما كانتْ قوة الكلامِ أنه لا يخَافُ ضرراً، استثنى مشيئةَ ربِّه تعالى في أن يريده بضرّ، وعِلْماً: نصبٌ على التمييز، وهو مصدرٌ بمعنى الفاعل كما تقول العرب: تَصَبَّبَ زَيْدٌ عَرَقاً، المعنى: تصبَّبَ عَرَقُ زَيْدٍ فكذلك المعنى هنا وِسَعِ علْمُ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ، أَفَلا تَتَذَكَّرُونَ: توقيفٌ وتنبيه وإظهار لموضعِ التقصيرِ منهم، وقوله: وَكَيْفَ أَخافُ مَا أَشْرَكْتُمْ... الآيةَ إلى تَعْلَمُونَ، هي كلُّها من قول إبراهيم- عليه السلام- لقومه، وهي حجته القاطعة لهم، والمعنى: وكيف أخاف أصناماً لا خَطْب لها، إذ نبذتُها، ولا تخافُونَ أنتم اللَّهَ عزَّ وجلَّ، وقد أشركتم به في الربوبيَّة مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطاناً والسلطانُ: الحُجَّة، ثم استفهم على جهة التقرير: فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ، مني ومنكم أَحَقُّ بِالْأَمْنِ، قال أبو حَيَّان **«١»** : وَكَيْفَ: استفهام، معناه التعجّب والإنكار. انتهى.
 وقوله سبحانه: الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمانَهُمْ بِظُلْمٍ... الآية، قال ابنُ إسحاق، وابنُ زيدٍ، وغيرهما: هذا قولٌ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وجلَّ ابتداء حُكْمٍ فَصْلٍ عامٍّ لِوَقْتِ مُحاجَّة إبراهيم وغيره، ولكلِّ مؤمن **«٢»** تقدَّم أو تأَخَّر.
 قال ع **«٣»** : هذا هو البيِّن الفصيحُ الذي يرتبطُ به معنى الآية، ويحسُنُ رصْفها، وهو خبرٌ من اللَّه عزَّ وجلَّ، ويَلْبِسُوا: معناه: يَخْلِطُوا، والظُّلْم في هذا الموضع:
 الشِّرْك تظاهرت بذلك الأحاديثُ الصحيحةُ، وفي قراءة **«٤»** مجاهدٍ: **«وَلَمْ يَلْبِسُوا إيمَانَهُمْ بِشِرْكٍ»** وَهُمْ مُهْتَدُونَ، أي: راشدون.
 \[سورة الأنعام (٦) : الآيات ٨٣ الى ٨٦\]
 وَتِلْكَ حُجَّتُنا آتَيْناها إِبْراهِيمَ عَلى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجاتٍ مَنْ نَشاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ (٨٣) وَوَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ كُلاًّ هَدَيْنا وَنُوحاً هَدَيْنا مِنْ قَبْلُ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ داوُدَ وَسُلَيْمانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسى وَهارُونَ وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (٨٤) وَزَكَرِيَّا وَيَحْيى وَعِيسى وَإِلْياسَ كُلٌّ مِنَ الصَّالِحِينَ (٨٥) وَإِسْماعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطاً وَكلاًّ فَضَّلْنا عَلَى الْعالَمِينَ (٨٦)
 وقوله تعالى: وَتِلْكَ حُجَّتُنا آتَيْناها إِبْراهِيمَ عَلى قَوْمِهِ: **«تلك»** : إشارةٌ إلى هذه الحجَّة المتقدِّمة.
 وقوله سبحانه: نَرْفَعُ دَرَجاتٍ مَنْ نَشاءُ، **«الدرجات»** : أصلها في الأجسام، ثم

 (١) ينظر: ****«البحر المحيط»**** (٤/ ١٧٥).
 (٢) أخرجه الطبري (٥/ ٢٥٠) رقم (١٣٤٧٧، ١٣٤٧٨) بنحوه وذكره ابن عطية (٢/ ٣١٦).
 (٣) ينظر: ****«المحرر الوجيز»**** (٢/ ٣١٦).
 (٤) ينظر: ****«المحرر الوجيز»**** (٢/ ٣١٥)، و ****«البحر المحيط»**** (٤/ ١٧٥- ١٧٦).

### الآية 6:86

> ﻿وَإِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطًا ۚ وَكُلًّا فَضَّلْنَا عَلَى الْعَالَمِينَ [6:86]

وَكُلاًّ فَضَّلْنَا عَلَى العالمين  : معناه : عالَمِي زَمَانِهِمْ.

### الآية 6:87

> ﻿وَمِنْ آبَائِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَإِخْوَانِهِمْ ۖ وَاجْتَبَيْنَاهُمْ وَهَدَيْنَاهُمْ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ [6:87]

قوله سبحانه : وَمِنْ آبائِهِمْ وذرياتهم \[ الأنعام : ٨٧ \]. 
المعنى : وهدَيْنا من آبائهم وذرياتهم وإخوانهم جماعاتٍ، ( فمِنْ ) للتبعيض، والمراد : مَنْ آمن منهم، نبيًّا كان أو غير نبيٍّ، و اجتبيناهم ، أي : تخيَّرناهم ( وهَدَيْنَاهم )، أيْ : أرشدْناهم إلى الإيمان، والفوز برضا اللَّه عزَّ وجلَّ، والذرية : الأبناءُ، ويطلَقُ على جميعِ البَشَر ذرِّيَّة، لأنهم أبناء.

### الآية 6:88

> ﻿ذَٰلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ ۚ وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [6:88]

قوله تعالى : ذلك هُدَى الله. . .  \[ الأنعام : ٨٨ \]
 ذلك  : إشارة إلى النعمة في قوله : واجتبيناهم .

### الآية 6:89

> ﻿أُولَٰئِكَ الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ۚ فَإِنْ يَكْفُرْ بِهَا هَٰؤُلَاءِ فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا لَيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ [6:89]

أولئك  : إشارة إلى مَنْ تقدَّم ذكره، والكتابُ : يراد به الصُّحُفُ، والتوراةُ، والإنجيل، والزَّبُور. 
وقوله سبحانه : فَإِن يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلاءِ \[ الأنعام : ٨٩ \]. 
إشارة إلى كُفَّار قريشٍ، وإلى كلِّ كافر في ذلك العَصْر، قاله ابن عباس، وغيره، وقوله : فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْماً لَّيْسُواْ بِهَا بكافرين  هم مؤمنو أهْل المدينة، قاله ابن عباس، وغيره، والآية على هذا التأويلِ، وإن كان القصْدُ بنزولها هذَيْن الصِّنْفَيْن، فهي تعم الكَفَرة والمؤمنين إلى يوم القيامة، وقال الحسن وغيره : المراد ب( القَوْم ) : مَنْ تَقَدَّم ذكْره من الأنبياء والمؤمنين، وقال أبو رجاء : المرادُ : الملائكةُ، قلتُ : ويحتمل أنْ يكون المراد الجميعَ.

### الآية 6:90

> ﻿أُولَٰئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ ۖ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ ۗ قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا ۖ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرَىٰ لِلْعَالَمِينَ [6:90]

قوله سبحانه : أولئك الذين هَدَى الله فَبِهُدَاهُمُ اقتده \[ الأنعام : ٩٠ \]. 
الظاهر في الإشارة ب  أولئك  إلى المذكورين قبلُ من الأنبياء ومَنْ معهم من المؤمنين المهديين، ومعنى الاقتداء : اتباع الأثر في القول والفعل والسِّيرة، وإنما يصحُّ اقتداؤه صلى الله عليه وسلم بجميعهم في العقودِ، والإيمان، والتوحيدِ الذي ليْسَ بينهم فيه اختلاف، وأما أعمالُ الشرائع فمختلفةٌ، وقد قال عزَّ وجلَّ : لِكُلّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً ومنهاجا  \[ المائدة : ٤٨ \]، واعلم أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم هو وغيره مخاطَبٌ بشَرْع مَنْ قبله في العقود والإيمانِ والتوحيدِ، لأنا نجد شرعنا ينبئ أنَّ الكفار الذين كانوا قبل النبيِّ صلى الله عليه وسلم كَأَبَوَيْهِ وغيرهما في النَّار، ولا يُدْخِلُ اللَّهُ تعالى أحداً النار إلا بتَرْك ما كُلِّفَ، وذلك في قوله سبحانه : وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حتى نَبْعَثَ رَسُولاً  \[ الإسراء : ١٥ \]، وغير ذلك، وقاعدةُ المتكلِّمين : أن العقل لا يوجِبُ ولا يكلِّف، وإنما يوجب الشرْعُ، فالوجه في هذا أنْ يقال : إنَّ آدم عليه السلام فَمَنْ بعده، دعا إلى توحيد اللَّه ( عزَّ وجلَّ ) دعاءً عامًّا، واستمر ذلك على العالَمِ، فواجبٌ على الآدميِّ أنْ يبحث عن الشرْعِ الآمِرِ بتوحيدِ اللَّهِ تعالى، وينظر في الأَدلَّة المنصوبة على ذلك، بحسب إيجاب الشرعِ النَّظَرَ فيها، ويؤمنَ ولا يَعْبُدَ غير اللَّه، فمَنْ فَرَضْناه لم يجدْ سبيلاً إلى العلْمِ بشرعٍ آمِرٍ بتوحيد اللَّهِ، وهو مع ذلك لم يَكْفُرْ، ولا عَبَدَ صنماً، بل تخلى، فأولئك أَهْلُ الفَتراتِ الذين أَطْلَقَ عليهم أهل العلْمِ أنهم في الجَنَّة، وهم بمنزلةِ الأطفالِ والمجانينِ، ومَنْ قَصَّرَ في النظر والبَحْث، فعبد صنماً أو غيره، وكَفَرَ، فهو تاركٌ للواجب عليه، مستوجِبٌ للعقاب بالنَّار، فالنبيُّ صلى الله عليه وسلم قَبْلَ مبعثِهِ ومَنْ كان معه مِنَ النَّاس وقَبْلَه مخاطَبُونَ على أَلْسِنَةِ الأنبياء قَبْلُ بالتوحيد، وغيرُ مخاطبين بفُرُوعِ شرائعهم، إذ هي مختلفةٌ، وإذ لم يدعهم إليها نبيٌّ. قال الفَخْر : واحتجَّ العلماءُ بهذه الآية على أن محمداً صلى الله عليه وسلم أَفْضَلُ من جميع الأنبياءِ عليهم السلام، وتقريره : أنا بيَّنَّا أنَّ خصال الكمالِ وصفاتِ الشَّرَفِ كانَتْ مفرَّقة فيهم، ثم إنه تعالى، لمَّا ذكر الكل، أمر محمداً صلى الله عليه وسلم أنْ يجمع من خصال الطاعة والعبوديَّة والأخلاقِ الحميدة كُلَّ الصفاتِ التي كانَتْ مفرَّقة فيهم بأجمعهم، ولمَّا أمره اللَّه تعالى بذلك، امتنع أنْ يقال : إنه قصَّر في تحصيلها، فثبت أنه حَصَّلها، ومتى كان الأمر كذلك، ثبت أنه اجتمع فيه مِنْ خصال الخَيْر ما كان فيهم مفرَّقاً بأسرهم، ومتى كان الأمر كذلك، وجب أنْ يقال : إنه أفضلهم بكلِّيَّتهم، واللَّه أعلم، انتهى. 
وقرأ حمزة والكسائيُّ :( فَبِهُدَاهُمُ اقتد ) بحذف الهاءِ في الوَصْل، وإثباتها في الوَقْف، وهذا هو القياسُ شبيهة بألفِ الوَصْل في أنها تُقْطَعُ في الابتداء، وتَسْقُط في الوَصْل. 
وقوله سبحانه : قُل لاَّ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً \[ الأنعام : ٩٠ \] أي : قل لهؤلاء الكفرة المعاندين : لا أسألكم على دعائي إياكم بالقُرآن إلى عبادة اللَّه تعالى أُجْرَةً، إن هو إلا موعظةٌ وذكرى، ودعاءٌ لجميع العالمين.

### الآية 6:91

> ﻿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَىٰ بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ ۗ قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَىٰ نُورًا وَهُدًى لِلنَّاسِ ۖ تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًا ۖ وَعُلِّمْتُمْ مَا لَمْ تَعْلَمُوا أَنْتُمْ وَلَا آبَاؤُكُمْ ۖ قُلِ اللَّهُ ۖ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ [6:91]

قوله سبحانه : وَمَا قَدَرُواْ الله حَقَّ قَدْرِهِ. . .  \[ الأنعام : ٩١ \]. 
قال ابنُ عبَّاس : هذه الآيةُ نزلَتْ في بني إسرائيل، قال النَّقَّاش : وهي آية مدنية، وقيل : المراد رجُلٌ مخصوص منهم، يقال له مالكُ بْنُ الضيْفِ، قاله ابن جُبَيْر، وقيل : فنْحَاص، قاله السُّدِّيُّ : و قَدَرُواْ  : هو من توفيَةِ القَدْرِ والمنزلةِ، وتعليلُه بقولهم : مَا أَنزَلَ الله  يقضي بأنهم جَهِلُوا، ولم يعرفوا اللَّه حقَّ معرفتِهِ، إذ أحالوا عليه بعثةَ الرُّسُل، قال الفَخْر : قال ابن عباس : مَا قَدَرُواْ الله حَقَّ قَدْرِهِ ، أيْ : ما عظَّموا اللَّه حقَّ تعظيمه، وقال الأخفشُ : ما عَرَفُوه حقَّ معرفته، وقال أبو العالية : ما وصفوه حقَّ قُدْرته وعَظَمته، وهذه المعانِي كلُّها صحيحةٌ، انتهى. 
وروي أنَّ مالك بن الصَّيْفِ كان سَمِيناً، فجاء يخاصم النبيَّ صلى الله عليه وسلم بزعمه : فقال له رَسُول اللَّه صلى الله عليه وسلم :( أَنْشُدُكَ اللَّه، أَلَسْتَ تَقْرَأُ فِيمَا أُنْزِلَ على موسى : إنَّ اللَّهَ يَبْغَضُ الْحِبْرَ السَّمِينَ )، فَغَضِبَ، وقال :( واللَّهِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ على بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ )، قال الفَخْر : وهذه الآية تدلُّ على أن النكرة في سياقِ النفْي تعمُّ، ولو لم تفد العمومَ، لما كان قوله تعالى : قُلْ مَنْ أَنزَلَ الكتاب الذي جَاء بِهِ موسى نُوراً  إبطالاً لقولهم، ونقْضاً عليهم، انتهى. 
وقوله تعالى : قُلْ مَنْ أَنزَلَ الكتاب  يعني : التوراةَ، و قراطيس  : جمع قِرْطَاس، أي : بطائق وأوراقاً، وتوبيخهم بالإبداء والإِخفاء هو على إخفائهم أمر محمَّد صلى الله عليه وسلم، وجَميعَ ما عليهم فيه حُجَّة. 
وقوله سبحانه : وَعُلِّمْتُمْ مَّا لَمْ تَعْلَمُواْ أَنتُمْ وَلاَ آبَاؤُكُمْ  يحتمل وجهين :
أحدهما : أنْ يقصد به الامتنانَ عليهم، وعلى آبائهم. 
والوجه الثاني : أنْ يكون المقصود ذمَّهم، أي : وعلِّمتم أنتم وآباؤكم ما لم تعلموه، فما انتفعتم به، لإعراضكم وضلالكم.

### الآية 6:92

> ﻿وَهَٰذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَىٰ وَمَنْ حَوْلَهَا ۚ وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ يُؤْمِنُونَ بِهِ ۖ وَهُمْ عَلَىٰ صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ [6:92]

ثم أمره سبحانه بالمبادرة إلى موضع الحُجَّة، أي :( قل اللَّه هو الذي أنْزَلَ الكتابَ على موسى ) ثم أمره سبحانَهُ بتَرْك مَنْ كَفَر، وأعرض، وهذه آية منسوخةٌ بآية القتالِ، إن تُؤُوِّلَتْ موادعةً، ويحتمل أن لاَّ يدخلها نسْخٌ إذا جُعِلَتْ تتضمَّن تهديداً ووعيداً مجرَّداً من موادعة. 
وقوله سبحانه : وهذا كتاب أنزلناه مُبَارَكٌ \[ الأنعام : ٩٢ \]. 
( هذا ) : إشارة إلى القرآن، وقوله : مُّصَدِّقُ الذي بَيْنَ يَدَيْهِ ، يعني : التوراةَ والإنجيل، لأن ما تقدَّم، فهو بيْنَ يدَيْ ما تأَخَّر، و أُمَّ القرى  : مكَّة، ثم ابتدأ تباركَ وتعالى بمَدْحِ قومٍ وصفهم، وأخبر عنهم، أنهم يؤمنون بالآخرةِ والبَعْثِ والنشورِ، ويؤمنون بالقُرآن، ويصدِّقون بحقيقتِهِ، ثم قوى عزَّ وجلَّ مدحهم بأنهم يحافظون على صَلاَتهم التي هي قاعدةُ العباداتِ، وأمُّ الطاعاتِ، وإذا انضافت الصلاةُ إلى ضميرٍ، لم تكتب إلا بالألِفِ، ولا تكتبُ في المُصْحَف بواوٍ إلا إذا لم تُضَفْ إلى ضمير. 
وقد جاءت آثار صحيحةٌ في ثواب مَنْ حافظ على صلاته، وفي فَضْل المشْيِ إليها، ففي **«سنن أبي داود »**، عن بُرَيْدة، عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ :( بِشِّرِ المَشَّائِينَ فِي الظُّلَمِ إلَى المَسَاجِدِ بِالنُّورِ التَّامِّ يَوْمَ القِيَامَةِ )، وروى أبو داود أيضاً بسنده :( عن سعيدِ بْنِ المُسَيَّبِ، قال : حضر رجلاً من الأنصار المَوْتُ، فقال : إني محدِّثكم حديثاً ما أحدثكموه إلا احتسابا، سمعتُ رسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ :( إذَا تَوَضَّأَ أَحَدُكُمْ، فَأَحْسَنَ الوُضُوءَ، ثُمَّ خَرَجَ إلَى الصَّلاَةِ، لَمْ يَرْفَعْ قَدَمَهُ اليمنى إلاَّ كَتَبَ اللَّهُ لَهُ حَسَنَةً، وَلَمْ يَضَعْ قَدَمَهُ اليسرى إلاَّ حَطَّ اللَّهُ عَنْهُ سَيِّئَةً، فَلْيَقْرُبْ أَوْ لِيُبْعِدْ، فَإنْ أَتَى المَسْجِدِ، فصلى فِي جَمَاعَةٍ، غُفِرَ لَهُ، فَإنْ أَتَى المَسْجِدَ، وَقَدْ صَلَّوْا بَعْضاً، وَبَقِيَ بَعْضٌ، صلى مَا أَدْرَكَ وَأَتَمَّ مَا بَقِيَ كَانَ كَذَلِكَ، فَإنْ أَتَى المَسْجِدَ، وَقَدْ صَلَّوْا، فَأَتَمَّ الصَّلاَةَ، كَانَ كَذَلِكَ )، وأخرج أبو داود، عن أبي هريرة، قال : قال رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم :( مَنْ تَوَضَّأَ فَأَحْسَنَ وُضُوءَهُ، ثُمَّ رَاحَ فَوَجَدَ النَّاسَ قَدْ صَلَّوْا، أَعْطَاهُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ مِثْلَ أَجْرِ مَنْ صَلاَّهَا أَوْ حَضَرَهَا، لاَ يَنْقُصُ ذَلِكَ مِنْ أُجُورِهِمْ ) انتهى.

### الآية 6:93

> ﻿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَىٰ عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ وَمَنْ قَالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ ۗ وَلَوْ تَرَىٰ إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ ۖ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنْتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ [6:93]

قوله سبحانه : وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افترى عَلَى الله كَذِباً أَوْ قَالَ أُوْحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ وَمَن قَالَ سَأُنزِلُ مِثْلَ مَا أَنزَلَ الله \[ الأنعام : ٩٣ \]. 
هذه ألفاظٌ عامَّة، فكل مَنْ واقَعَ شيئاً مما يدخُلُ تحت هذه الألفاظ، فهو داخلٌ في الظُّلْم الذي قد عَظَّمه اللَّه تعالى، وقال قتادةُ وغيره : المرادُ بهذه الآياتِ مُسَيْلِمَةُ، والأسودُ العَنْسِيُّ. 
قال عكرمة : أوَّلها في مُسَيْلِمَة، والآخر في عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي سَرْحٍ، وقيل : نزلَتْ في النَّضْرِ بنِ الحارِثِ، وبالجملة فالآيةُ تتناولُ مَنْ تعرَّض شيئاً من معانيها إلى يوم القيامةِ، كَطُلَيْحَةَ الأَسَدِيِّ، والمُخْتَارِ بنِ أبِي عُبَيْدٍ وسواهما. 
وقوله تعالى : وَلَوْ تَرَى إِذِ الظالمون فِي غَمَرَاتِ الموت. . .  الآية، جوابُ **«لو »** محذوفٌ، تقديره :**«لَرَأَيْتَ عَجَباً أو هَوْلاً، ونحْوُ هذا، وحَذْفُ هذا الجواب أبلغُ في نفس السامعِ، و الظالمون  لفظٌ عامٌّ في أنواعِ الظلمِ الذي هو كُفْر، و( الغَمَرَاتُ ) : جمع غَمْرةٍ، وهي المُصِيبة المُذْهِلة، وهي مشبَّهة بغمرة الماء، والملائكة، يريد : ملائكةَ قَبْضِ الرُّوحِ، و بَاسِطُواْ أَيْدِيهِمْ  : كنايةٌ عن مدِّها بالمكروهِ، وهذا المكروهُ هو لا مَحَالة أوائلُ العذابِ، وأماراته، قال ابنُ عبَّاس : يَضْرِبُون وجوههم وأدبارهم، وقوله : أَخْرِجُواْ أَنفُسَكُمُ  حكايةٌ لما تقولُه الملائكة، والتقدير : يقولون لهم : أخرجوا أنْفُسَكم، وذلك على جهةِ الإهانة، وإدْخَال الرعْبِ عليهم، ويحتملُ : أخرجوا أنفسكُمْ مِنْ هذه المصائبِ والمحنِ، إنْ كان ما زعمتموه حقًّا في الدنيا، وفي ذلك توبيخٌ وتوقيفٌ على سالف فعلهم القبيحِ، قلت : والتأويل الأولُ هو الصحيحُ، وقد أسند أبو عمر في «التمهيد »**، عن ابن وَضَّاحٍ، قال : حدَّثنا أبو بكرِ بْنُ أبي شَيْبة، ثم ذَكَر سنده، عن أبي هريرة، عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ :( المَيِّتُ تَحْضُرُهُ المَلاَئِكَةُ، فَإذَا كَانَ الرَّجُلُ الصَّالِحُ، قَالَت : اخرجي، أيَّتُهَا النَّفْسُ الطَّيِّبَةِ كَانَتْ فِي الجَسَدِ الطَّيِّبِ، اخرجي حَمِيدَةً، وَأَبْشِرِي بِرَوْحٍ وَرَيْحَانٍ، وَرَبٍّ غَيْرِ غَضْبَانٍ، قَالَ : فَلاَ تَزَالُ يُقَالُ لَهَا ذَلِكَ حَتَّى تَخْرُجَ، ثُمَّ يُعْرَجُ بِهَا إلَى السَّمَاءِ، فَيُفْتَحُ لَهَا، فَيُقَالُ : مَنْ هَذَا ؟ فَيَقُولُون : فُلاَنٌ، فَيُقَالُ : مَرْحَباً بِالنَّفْسِ الطَّيِّبَةِ، كَانَتْ فِي الجَسَدِ الطَّيِّبِ، ادخلي حَمِيدَةً، وَأَبْشِرِي بِرَوْحٍ وَرَيْحَانٍ، وَرَبٍّ غَيْرِ غَضْبَان، فَلاَ تَزَالُ يُقَالُ لَهَا ذَلِكَ حتى يَنْتَهِيَ بِهَا إلَى السَّمَاءِ، يَعْنِي : السَّابِعَةَ، وَإذَا كَانَ الرُّجُلُ السُّوءُ، وَحَضَرَتْهُ المَلاَئِكَةُ عِنْدَ مَوْتِهِ، قالَتِ : اخرجي، أيَّتُهَا النَّفْسُ الخَبِيثَةُ، كَانَتْ فِي الجَسَدِ الخَبِيثِ، اخرجي ذَمِيمَةً، وَأَبْشِرِي بِحَمِيمٍ وَغَسَّاقٍ، وآخَرَ مِنْ شَكْلِهِ أَزْوَاجٍ، فَلاَ تَزَالُ يُقَالُ لَهَا ذَلِكَ حتى تَخْرُجَ. . . ) وذكر الحديثَ. انتهى. و الهون  : الهَوَان. 
وقوله تعالى : بِمَا كُنتُمْ تَقُولُونَ عَلَى الله غَيْرَ الحق. . .  الآية، لفظ عامٌّ لأنواع الكفر، ولكنه يظهر منه الإنحاءُ على مَنْ قَرُب ذِكْرُه.

### الآية 6:94

> ﻿وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَىٰ كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ ۖ وَمَا نَرَىٰ مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ ۚ لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنْكُمْ مَا كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ [6:94]

قوله سبحانه : وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فرادى كَمَا خلقناكم أَوَّلَ مَرَّةٍ. . .  \[ الأنعام : ٩٤ \]. 
هذه حكايةٌ عما يقالُ لهم بعد قَبْض أرواحهم، واعلم أيها الأخُ، أنَّ هذه الآية الكريمةَ ونَحْوَها من الآيِ، وإن كان مساقها في الكُفَّار، فللمؤمن الموقِنِ فيها مُعْتَبَرٌ ومزدَجَر، وقد قيل : إن القبر بحْرُ النداماتِ، وقد روى ابن المبارك في **«رقائقه »** بسنده، عن أبي هريرة، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم :( مَا مِنْ أَحَدٍ يَمُوتُ إلاَّ نَدِمَ، قَالُوا : وَمَا نَدَامَتُهُ، يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قَالَ : إنْ كَانَ مُحْسِناً، نَدِمَ أن لاَّ يَكُونَ ازداد، وإنْ كَانَ مُسِيئاً، نَدِمَ أَن لاَّ يَكُونَ نَزَعَ )، انتهى. 
و كَمَا خلقناكم أَوَّلَ مَرَّةٍ  : تشبيهاً بالاِنفراد الأول في وقت الخِلْقة، و  خولناكم ، معناه : أعطيناكم، و وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ  : إشارة إلى الدنيا، لأنهم يتركون ذلك موجوداً. 
وقوله سبحانه : وَمَا نرى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ  : توقيفٌ على الخطأ في عبادة الأصنام، واعتقادهم أنها تشفع وتُقَرِّب إلى اللَّه زلفى، قال أبو حَيَّان : وَمَا نرى  : لفظه لفظُ المستقبلِ، وهو حكاية حال، انتهى. 
وقرأ نافع والكسائي :( بَيْنَكُمْ ) بالنصب، على أنه ظرْفٌ، والتقدير : لقد تقطَّع الاِتصال والاِرتباطُ بينكم، ونحْو هذا، وهذا وجهٌ واضحٌ، وعليه فسَّره الناس، مجاهد وغيره، وقرأ باقي السَّبْعة :( بَيْنُكُمْ ) بالرفع، وقرأ ابن مسعودٍ وغيره :( لَقَد تَقَطَّعَ مَا بَيْنَكُمْ )، و ضَلَّ ، معناه : تَلِفَ وذَهَب، و مَّا كُنتُمْ تَزْعُمُونَ ، يريد : دعواهم أنها تشفَعُ، وأنها تشاركُ اللَّه في الألوهيَّة، تعالى اللَّه عن قولهم.

### الآية 6:95

> ﻿۞ إِنَّ اللَّهَ فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَىٰ ۖ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ ۚ ذَٰلِكُمُ اللَّهُ ۖ فَأَنَّىٰ تُؤْفَكُونَ [6:95]

قوله سبحانه : إِنَّ الله فَالِقُ الحب والنوى \[ الأنعام : ٩٥ \]. 
هذا ابتداءُ تنبيهٍ على العبرة والنظَرِ، ويتصلُ المعنى بما قبله، لأن المقصد أنَّ اللَّه فالقُ الحبِّ والنوى لا هذه الأصنامُ، قال قتادة وغيره : هذه إشارة إلى فعل اللَّه سبحانه في أنّ يشُقَّ جميع الحَبِّ عن جميع النباتِ الذي يكُونُ منه، ويشُقُّ النوى عن جميع الأشجار الكائِنَة مِنه. 
وقوله : يُخْرِجُ الحي مِنَ الميت. . .  الآية، قال ابن عباس وغيره : الإشارة إلى إخراج الإنسان الحيِّ من النطفة الميِّتة، وإخراج النطفة الميِّتة من الإنسان الحيِّ، وكذلك سائرُ الحيوان من الطَّير وغيره، وهذا القول أرجح ما قيل هنا. 
وقوله سبحانه : ذلكم الله  ابتداء وخبَرٌ متضمِّن التنبيه،  فأنى تُؤْفَكُونَ ، أي : تُصْرَفُون وتُصَدُّون.

### الآية 6:96

> ﻿فَالِقُ الْإِصْبَاحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا ۚ ذَٰلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ [6:96]

فَالِقُ الإصباح \[ الأنعام : ٩٦ \]. 
أي : شَاقُّه ومُظْهره، والفَلَقُ : الصُبح، و حُسْبَاناً  : جمع حسابٍ، أي : يجريان بحسَابٍ، هذا قول ابنِ عباس وغيره، وقال مجاهد في **«صحيح البخاريِّ »** : المرادُ بحُسْبَان كحسبان الرحى، وهو الدَّوْلاَب والعُودُ الذي عليه دَوَرانه.

### الآية 6:97

> ﻿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ ۗ قَدْ فَصَّلْنَا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ [6:97]

قوله سبحانه : وَهُوَ الذي جَعَلَ لَكُمُ النجوم لِتَهْتَدُواْ بِهَا فِي ظلمات البر والبحر. . .  \[ الأنعام : ٩٧ \]. 
هذه المخاطبةُ تعمُّ المؤمنين والكافرين، والحُجَّةُ بها على الكافرين قائمةٌ، والعبرة بها للمؤمنين متمكَّنة.

### الآية 6:98

> ﻿وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ ۗ قَدْ فَصَّلْنَا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ [6:98]

قوله سبحانه : وَهُوَ الذي أَنشَأَكُم مِّن نَّفْسٍ واحدة \[ الأنعام : ٩٨ \]. 
يريد : آدم عليه السلام،  فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ ، اختلف المتأوِّلون في معنى هذا الاستقرارِ والاِستيداعِ. 
فقال الجمهور : مستقَرٌّ في الرحِمِ، ومستودَعٌ في ظهور الآباءِ حتى يَقْضِيَ اللَّه بخروجهم، قال ابنُ عَوْن : مشَيْتُ إلى منزل إبراهيمَ النَّخَعيِّ وهو مريضٌ، فقالوا : قد تُوُفِّيَ، فأخبرني بعضهم أنَّ عبد الرحمن بْنَ الأسود سأله عن : مُّسْتَقِرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ ، فقال : مستقرٌّ في الرحِمِ، ومستودع في الصُّلْبِ، وقال ابن عباس : المستقرُّ : الأرض، والمستودَعُ : عند الرحمن، وقال ابن جُبَيْر : المستودَعُ : في الصلب، والمستقَرُّ في الآخرة، قال الفَخْر : والمنقول عن ابن عباس في أكثر الرواياتِ أن المستقرَّ هو الأرحام، والمستودَعُ الأصلاب، ثم قرأ : ونُقِرُّ فِي الأرحام مَا نَشَاءُ  \[ الحج : ٥ \] ومما يدلُّ على قوة هذا القولِ، أنَّ النطفة لا تبقى في صُلْب الأب زماناً طويلاً، والجنينُ في رَحِمِ الأم يبقى زماناً طويلاً، ولما كان المُكْث في الرحمِ أكثر مما في صُلْب الأب، كان حمل الاستقرارِ على المُكْث في الرحمِ أولَى، انتهى. 
قال ( ع ) : والذي يقتضيه النظر أنَّ ابن آدم هو مستودَعٌ في ظهر أبيه، وليس بمستقِرٍّ فيه استقرارا مطلقاً، لأنه ينتقل لا محالة، ثم ينتقلُ إلى الرحِمِ، ثم ينتقل إلى الدنيا، ثم ينتقلُ إلى القبر، ثم ينتقلُ إلى المَحْشَر، ثم ينتقلُ إلى الجَنَّة أو النار، فيستقرُّ في أحدهما استقرارا مطلقاً، وليس فيها مستودَعٌ، لأنه لا نُقْلَة له بَعْدُ، وهو في كلِّ رتبة متوسِّطة بين هذين الطرفَيْن مُسْتَقِرٌّ بالإضافة إلى التي قبلها، ومستودَعٌ بالإضافة إلى التي بعدها، لأن لفظ الوديعةِ يقتضي فيها نُقْلة، ولا بُدَّ.

### الآية 6:99

> ﻿وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِرًا نُخْرِجُ مِنْهُ حَبًّا مُتَرَاكِبًا وَمِنَ النَّخْلِ مِنْ طَلْعِهَا قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ وَجَنَّاتٍ مِنْ أَعْنَابٍ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُشْتَبِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ ۗ انْظُرُوا إِلَىٰ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكُمْ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ [6:99]

قوله تعالى : وَهُوَ الذي أَنزَلَ مِنَ السماء مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ \[ الأنعام : ٩٩ \]. 
 السماء ، في هذا الموضع : السحابُ، وكلُّ ما أظلَّك فَهُو سماءٌ، وقوله : نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ ، قيل : معناه : ممَّا ينبتُ، وقال الطبريُّ : المراد ب  كُلِّ شَيْءٍ  : كلُّ ما ينمو مِنْ جميع الحيوان والنباتِ والمعادِنِ، وغير ذلك، لأن ذلك كله يتغذى وينمو بنزولِ الماء من السماءِ، والضمير في  مِنْهُ  يعود على النباتِ، وفي الثانِي يعود على الخَضِر، و خُضراً  : بمعنى : أَخْضَر، ومنه قوله عليه السلام :( الدُّنْيَا خَضِرَةً حُلْوَةٌ )، بمعنى : خضراء، وكأن خَضِراً إنما يأتي أبداً لمعنى النَّضَارة، وليس لِلَّوْن فيه مدخلٌ، وأخضر إنما تمكُّنه في اللون، وهو في النَّضَارة تجوّز،  حَبّاً مُّتَرَاكِباً  : يعم جميع السنابلِ وما شاكَلَها، كالصَّنَوْبر، والرُّمَّان، وغيرِ ذلك. 
وقوله : وَمِنَ النخل ، تقديره : ونُخْرِجُ مِنَ النخلِ والطَّلْعِ أولَ ما يخرج من النَّخْل، في أكمامه، و قنوان  : جمع قِنْو، وهو العِذْق بكسر العين، وهي الكِبَاسَةُ، والعُرْجُونُ : عوده الذي فيه ينتظمُ التمر، و دَانِيَةٌ  : معناه : قريبةٌ من التناول، قاله ابن عباس. . 
وقرأ الجمهور :( وجَنَّاتٍ ) بالنصب، عطفاً على قوله :( نَبَاتَ )، وروي عن عاصم :( وجَنَّاتٌ ) بالرفع، على تقدير : ولكُمْ جناتٌ أو نحو هذا،  والزيتون والرمان  بالنصب إجماعاً، عطفاً على قوله :( حَبًّا )، و مُشْتَبِهاً وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ ، قال قتادة : معناه يتشابه في الوَرَقِ ويتبايَنُ في الثَّمَرِ، وقال الطبريُّ : جائز أن يتشابه في الثَّمَر ويتبايَنُ في الطَّعْم، ويحتمل أن يريد يتشابه في الطَّعْمِ ويتباين في المَنْظَرِ، وهذه الأحوال موجودةٌ بالاعتبار في أنواع الثمرات. 
وقوله سبحانه : انظروا ، وهو نظرُ بَصَرٍ تتركَّب عليه فكرةُ قَلْبٍ، ( والثمر )، في اللغة : جَني الشجر وما يطلع، وإن سمي الشجر : ثماراً، فبتجوُّز، وقرأ جمهور الناس : وَيَنْعِهِ  بفتح الياء، وهو مصدر يَنَعَ يَيْنَعُ، إذا نَضِجَ، وبالنُّضْج فسره ابن عباس، وقد يستعمل ( يَنَعَ ) بمعنى استقل واخضر ناضراً، قال الفخر : وقدَّم سبحانه الزَّرع، لأنه غذاء، والثِّمار فواكهٌ وإنما قدَّم النخل على الفواكِهِ، لأن التمر يجرِي مجرى الغذاءِ بالنسبة إلى العرب، انتهى.

### الآية 6:100

> ﻿وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ ۖ وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ ۚ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىٰ عَمَّا يَصِفُونَ [6:100]

قوله سبحانه : وَجَعَلُواْ لِلَّهِ شُرَكَاءَ الجن \[ الأنعام : ١٠٠ \]. 
 جَعَلُواْ  : بمعنى صَيَّروا، و الجن  : مفعولٌ، و شُرَكَاءَ  مفعولٌ ثانٍ، 
قال ( ص ) : وَجَعَلُواْ لِلَّهِ شُرَكَاء الجن   جَعَلُواْ  : بمعنى : صَيَّروا، والجمهورُ على نَصْب ( الجنِّ )، فقال ابن عطيَّة وغيره : هو مفعولٌ أول لِ  جَعَلُواْ ، و شُرَكَاء  الثاني، وجوَّزوا فيه أن يكون بدلاً من  شُرَكَاء ، و لِلَّهِ  في موضع المفعولِ الثانيِ، و شُرَكَاء  الأول، وردَّه أبو حَيَّان، بأن البدل حينئذ لا يَصحُّ أن يحل محلَّ المبدل منه، إذ لو قلْتَ : وجعلوا للَّه الجنَّ، لم يصحَّ، وشرط البدل أنْ يكون على نيَّة تكرار العامل، على الأشهر، أو معمولاً للعاملِ، في المُبْدَلِ منه، على قول، وهذا لا يصحُّ، كما ذكرنا، قلْتُ : وفيه نظر، انتهى. 
قلتُ : وما قاله الشيخُ أبو حَيَّان عندي ظاهرٌ، وفي نظر الصَّفَاقُسِيِّ نَظَرٌ، وهذه الآية مشيرة إلى العادِلِينَ باللَّه تعالى، والقائلين : إن الجنَّ تعلم الغيْبَ، العابدين للجنِّ، وكانت طوائفُ من العرب تفعَلُ ذلك، وتستجير بجِنِّ الوادِي في أسفارها ونحوِ هذا، وأما الذين خَرَقُوا البنينَ، فاليهودُ في ذكْر عُزَيْرٍ، والنصارى في ذكر المسيحِ، وأما ذاكرو البناتِ، فالعربُ الذين قالوا : الملائكةُ بناتُ اللَّهِ، تعالى اللَّه عن قولهم، فكأنَّ الضمير في  جَعَلُواْ  و خَرَقُوا ، لجميع الكفَّار، إذ فَعَلَ بعضُهم هذا، وبعضُهم هذا، وبنحو هذا فسَّر السُّدِّيُّ وابن زَيْد، وقرأ الجمهورُ :( وَخلَقَهُمْ ) بفتح اللام، على معنى : وهو خلقهم، وفي مصحف ابنِ مسعود :( وَهُوَ خَلَقَهُمْ )، والضمير في  خَلْقَهُمْ  يَحْتَمِلُ العودَةَ على الجاعلين، ويحتملُها على المجْعُولِينَ، وقرأ السبعة سوى نافعٍ :( وَخَرَقُوا ) بتخفيف الراء، بمعنى اختلقوا وافتروا، وقرأ نافع :( وَخَرَّقُوا ) بتشديد الراء، على المبالغة، وقوله : بِغَيْرِ عِلْمٍ  نصٌّ على قُبْح تقحُّم المَجْهَلة، وافتراءِ الباطلِ على عَمًى، و سبحانه  معناه : تنزَّه عن وصفهم الفاسدِ المستحيلِ عليه تبارك وتعالى.

### الآية 6:101

> ﻿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۖ أَنَّىٰ يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ ۖ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ ۖ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ [6:101]

بَدِيعُ  : بمعنى : مُبْدِع، و أنى  : بمعنى : كيف، وأين، فهي استفهام في معنى التوقيفِ والتقريرِ، وهذه الآيةُ ردٌّ على الكفار بقياس الغائِبِ على الشاهد. 
وقوله سبحانه : وَخَلَقَ كُلَّ شَيء \[ الأنعام : ١٠١ \] لفظٌ عامٌّ لكلِّ ما يجوز أن يدخل تحته، ولا يجوز أنْ تدخل تحته صفاتُ اللَّهِ تعالى، وكلامُهُ، فليس هو عموماً مخصَّصاً، على ما ذهب إليه قوم، لأن العموم المخصَّص هو أن يتناول العموم شيئاً، ثم يخرجه التخصيصُ، وهذا لم يتناولْ قطُّ هذه التي ذكرناها، وإنما هذا بمنزلة قَوْلِ الإنسان : قَتَلْتُ كُلَّ فَارِسٍ، وأَفْحَمْتُ كُلَّ خَصْمٍ، فلم يدخلِ القائلُ قطُّ في هذا العمومِ الظاهرِ من لفظه، وأما قوله : وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ  فهو عمومٌ على الإطلاق، لأنه سبحانه يعلم كلَّ شيء، لا ربَّ غيره، وباقي الآية بيِّن.

### الآية 6:102

> ﻿ذَٰلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ ۖ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ۖ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ ۚ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ [6:102]

بالاعتبار في أنواع الثمرات.
 وقوله سبحانه: انْظُرُوا، وهو نظرُ بَصَرٍ تتركَّب عليه فكرةُ قَلْبٍ، **«والثمر»** في اللغة: جَنَى الشجر وما يطلع، وإن سمي الشجر: ثماراً، فبتجوُّز، وقرأ جمهور **«١»** الناس:
 وَيَنْعِهِ- بفتح الياء-، وهو مصدر يَنَعَ يَيْنَعُ إذا نَضِجَ، وبالنُّضْج فسره ابن **«٢»** عباس، وقد يستعمل **«يَنَعَ»** بمعنى استقل واخضر ناضراً، قال الفخر **«٣»** : وقدَّم سبحانه الزَّرع لأنه غذاء، والثِّمار فواكهٌ وإنما قدَّم النخل على الفواكِهِ لأن التمر يجرِي مجرى الغذاءِ/ بالنسبة إلى العرب. انتهى.
 \[سورة الأنعام (٦) : الآيات ١٠٠ الى ١٠٢\]
 وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ الْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَناتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمَّا يَصِفُونَ (١٠٠) بَدِيعُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (١٠١) ذلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (١٠٢)
 وقوله سبحانه: وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ الْجِنَّ: جَعَلُوا: بمعنى صيّروا، والْجِنَّ: مفعول، وشُرَكاءَ مفعولٌ ثانٍ.
 قال ص: وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ الْجِنَّ: جَعَلُوا: بمعنى: صَيَّروا، والجمهورُ على نَصْب **«الجنِّ»**، فقال ابن عطيَّة **«٤»** وغيره: هو مفعولٌ أول ل جَعَلُوا، وشُرَكاءَ الثاني، وجوَّزوا فيه أن يكون بدلاً من شُرَكاءَ، ولِلَّهِ في موضع المفعول الثاني، وشُرَكاءَ الأول، وردَّه أبو حَيَّان **«٥»** بأن البدل حينئذ لا يَصحُّ أن يحل محلَّ المبدل منه إذ لو قلْتَ: وجعلوا للَّه الجنَّ، لم يصحَّ، وشرط البدل أنْ يكون على نيَّة تكرار العامل على الأشهر، أو معمولاً للعاملِ، في المُبْدَلِ منه على قول، وهذا لا يصحُّ كما ذكرنا، قلْتُ: وفيه نظر. انتهى، قلتُ: وما قاله الشيخُ أبو حَيَّان عندي ظاهرٌ، وفي نظر الصَّفَاقُسِيِّ نَظَرٌ، وهذه الآية مشيرة إلى العادِلِينَ باللَّه تعالى، والقائلين: إن الجنَّ تعلم الغيْبَ، العابدين للجنِّ، وكانت طوائفُ من العرب تفعَلُ ذلك، وتستجير بجِنِّ الوادِي

 (١) ينظر: ****«المحرر الوجيز»**** (٢/ ٣٢٨)، و ****«البحر المحيط»**** (٤/ ١٩٥)، و **«الدر المصون»** (٢/ ١٤٣). [.....]
 (٢) أخرجه الطبري (٥/ ٢٩٠) برقم (١٣٦٧٧، ١٣٦٧٨)، وذكره ابن عطية (٢/ ٣٢٨)، وابن كثير (٢/ ١٥٩)، والسيوطي (٣/ ٦٧)، وعزاه لابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبي الشيخ عن ابن عباس.
 (٣) ينظر: **«الرازي»** (١٣/ ٨٩).
 (٤) ينظر: ****«المحرر الوجيز»**** (٢/ ٣٢٩).
 (٥) ينظر: ****«البحر المحيط»**** (٤/ ١٩٦).

### الآية 6:103

> ﻿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ ۖ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ [6:103]

قوله سبحانه : لاَّ تُدْرِكُهُ الأبصار وَهُوَ يُدْرِكُ الأبصار \[ الأنعام : ١٠٣ \]. أجمع أهلُ السنَّة على أن اللَّه عزَّ وجلَّ يُرى يوم القيامة، يَرَاهُ المؤمنون، والوَجْه أنْ يبيَّن جواز ذلك عقلاً، ثم يستند إلى ورود السمعِ بوقوعِ ذلك الجائِزِ، واختصار تبْيِينِ ذلك : أنْ يعتبر بعلمنا باللَّه عز وجل، فمن حيثُ جاز أنْ نعلمه، لا في مكانٍ، ولا متحيِّزاً، ولا مُقَابَلاً، ولم يتعلَّق علمنا بأكثر من الوجودِ، جاز أن نراه، غير مقابلٍ، ولا محاذًيا، ولا مكيَّفاً، ولا محدَّداً، وكان الإمام أبو عبد اللَّه النحويُّ يقولُ : مسألةُ العِلْمِ حَلَقَتْ لِحَى المُعْتَزِلة، ثم ورد الشرْعُ بذلك، كقوله عزَّ وجلَّ : وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ إلى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ  \[ القيامة : ٢٢، ٢٣ \]، وتعدية النَّظَر ب **«إلى »** إنما هو في كلام العربِ، لمعنى الرؤية لا لمعنى الانتظار، على ما ذهب إليه المعتزلة، ومنه قول النبيِّ صلى الله عليه وسلم فيما صحَّ عنه، وتواتر، وكثر نقله :( إنَّكُمْ تَرَوْنَ رَبَّكُمْ يَوْمَ القِيَامَةِ، كَمَا تَرَوْنَ القَمَرَ لَيْلَةَ البَدْرِ )، ونحوه من الأحاديث الصحيحةِ علَى اختلاف ألفاظها، واستحمل المعتزلةُ الرؤيةَ بآراءٍ مجرَّدةٍ، وتمسَّكوا بقوله تعالى : لاَّ تُدْرِكُهُ الأبصار \[ الأنعام : ١٠٣ \] وانفصال أهل السنَّة عن تمسُّكهم، بأن الآية مخصُوصَةٌ في الدنيا، ورؤية الآخرة ثابتةٌ بأخبارها، وأيضاً فإنا نَفْرُقُ بين معنى الإدراك، ومعنى الرؤْيةِ، ونقول : إنه عز وجل تراه الأبصار، ولا تدركه، وذلك أن الإدراك يتضمَّن الإحاطة بالشيء، والوصولَ إلى أعماقِهِ وحَوْزِهِ من جميع جهاتِهِ، وذلك كلُّه محالٌ في أوصافِ اللَّه عزَّ وجلَّ، والرؤيةُ لا تفتقرُ إلى أنْ يحيطَ الرائي بالمرئيِّ، ويبلغ غايته، وعلى هذا التأويل يترتَّب العَكْس في قوله : وَهُوَ يُدْرِكُ الأبصار ، ويحسن معناه، ونحو هذا رُوِيَ عن ابن عباسٍ وقتادة وعطيَّة العَوْفِيِّ، أنهم فَرَقُوا بين الرؤية والإدراك، و اللطيف  : المتلطِّف في خلقه واختراعه.

### الآية 6:104

> ﻿قَدْ جَاءَكُمْ بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ ۖ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ ۖ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْهَا ۚ وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ [6:104]

البَصَائِرُ  : جمع بَصِيرة، فكأنه قال : قد جاءكم في القرآن والآياتِ طرائقُ إبصار الحقِّ، والبصيرةُ للقَلْبِ مستعارةٌ من إبصارِ العَيْن، والبصيرةُ أيضاً هي المُعْتَقَدُ. 
وقوله سبحانه : فَمَنْ أَبْصَرَ ، و مَنْ عَمِيَ \[ الأنعام : ١٠٤ \]. 
عبارةٌ مستعارةٌ فيمن اهتدى، ومَنْ ضَلَّ، وقوله : وَمَا أَنَاْ عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ  كان في أول الأمر وقَبْلَ ظهور الإسلام، ثم بعد ذلك كان صلى الله عليه وسلم حفيظاً على العَالَمِ، آخذاً لهم بالإسلام، أو السيفِ.

### الآية 6:105

> ﻿وَكَذَٰلِكَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ وَلِيَقُولُوا دَرَسْتَ وَلِنُبَيِّنَهُ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ [6:105]

قوله سبحانه : وكذلك نُصَرِّفُ الآيات \[ الأنعام : ١٠٥ \] أي : نردِّدها ونوضِّحها، وقرأ الجمهور :( وَلِيَقُولُوا دَرَسْتَ ) بكسر اللام، على أنها لامُ كَيْ، وهي على هذا لامُ الصيرورة، أي : لَمَّا صار أمرهم إلى ذلك، وقرأ نافع وغيره :( دَرَسْتَ )، أي : يا محمد دَرَسْتَ في الكتبِ القديمةِ ما تجيئُنا به، وقرأ ابن كثير وغيره :( دَارَسْتَ )، أي : دارَسْتَ غيرك وناظرته، وقرأ ابن عامر :( دَرَسَتْ ) بإسناد الفعل إلى الآيات، كأنهم أشاروا إلى أنها تردَّدت على أسماعهم، حتى بَلِيَتْ في نفوسهم، وامّحت، واللام في قوله : لِّيَقُولواْ ، وفي قوله : وَلِنُبَيِّنَهُ  : متعلِّقانِ بفعلِ متأخِّر، وتقديره :( صَرَّفْنَاهَا )، وذهب بعض الكوفيِّين إلى أنَّ ****«لا »**** : مضمرةٌ بعد **«أَنِ »** المقدَّرةِ في قوله : وَلِيَقُولُواْ ، فتقدير الكلام عندهم : وَلأنْ لاَ يَقُولُوا دَرَسْتَ، كما أضمروها في قوله : يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا  \[ النساء : ١٧٦ \]. 
قال ( ع ) : وهذا قَلِقٌ، ولا يجيز البصريُّون إضمار ****«لا »**** في موضعٍ من المواضعِ. 
قلت : ولكنه حسن جدًّا من جهة المعنى، إذ لا يعلمون أنه دَرَسَ أو دَارَسَ أحداً صلى الله عليه وسلم، فتأمَّله.

### الآية 6:106

> ﻿اتَّبِعْ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ ۖ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ۖ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ [6:106]

قوله سبحانه : اتبع مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ لا إله إِلاَّ هُوَ. . .  \[ الأنعام : ١٠٦ \]. 
هذه الآيةُ فيها موادَعَةٌ، وهي منسوخةٌ.

### الآية 6:107

> ﻿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكُوا ۗ وَمَا جَعَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا ۖ وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ [6:107]

في أسفارها ونحوِ هذا، وأما الذين خَرَقُوا البنين، فاليهود في ذكر عزيز، والنصارى في ذكر المسيحِ، وأما ذاكرو البناتِ، فالعربُ الذين قالوا: الملائكةُ بناتُ اللَّهِ، تعالى اللَّه عن قولهم فكأنَّ الضمير في جَعَلُوا وخَرَقُوا لجميع الكفَّار إذ فَعَلَ بعضُهم هذا، وبعضُهم هذا، وبنحو هذا فسَّر السُّدِّيُّ وابن **«١»** زَيْد، وقرأ الجمهورُ **«٢»** :**«وَخلَقَهُمْ»** - بفتح اللام- على معنى: وهو خلقهم، وفي مصحف ابنِ **«٣»** مسعود: **«وَهُوَ خَلَقَهُمْ»**، والضمير في خَلَقَهُمْ يَحْتَمِلُ العودَةَ على الجاعلين، ويحتملُها على المجْعُولِينَ، وقرأ السبعة **«٤»** سوى نافعٍ: **«وَخَرَقُوا»** - بتخفيف الراء- بمعنى اختلقوا وافتروا، وقرأ نافع: **«وَخَرَّقُوا»** - بتشديد الراء- على المبالغة، وقوله: بِغَيْرِ عِلْمٍ نصٌّ على قُبْح تقحُّم المجهلة، وافتراء الباطل على عمى، وسُبْحانَهُ: معناه: تنزَّه عن وصفهم الفاسدِ المستحيلِ عليه تبارك وتعالى، وبَدِيعُ: بمعنى: مبدع، وأَنَّى: بمعنى: كيف، وأين، فهي استفهام في معنى التوقيفِ والتقريرِ، وهذه الآيةُ ردٌّ على الكفار بقياس الغائِبِ على الشاهد.
 وقوله سبحانه: وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ لفظٌ عامٌّ لكلِّ ما يجوز أن يدخل تحته، ولا يجوز أن تدخل تحته صفاتُ اللَّهِ تعالى، وكلامُهُ، فليس هو عموماً مخصَّصاً على ما ذهب إليه قوم لأن العموم المخصَّص هو أن يتناول العموم شيئاً، ثم يخرجه التخصيصُ، وهذا لم يتناولْ قطُّ هذه التي ذكرناها، وإنما هذا بمنزلة قَوْلِ الإنسان: قَتَلْتُ كُلَّ فَارِسٍ، وأَفْحَمْتُ كُلَّ خَصْمٍ، فلم يدخلِ القائلُ قطُّ في هذا العمومِ الظاهرِ من لفظه، وأما قوله:
 وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ فهو عمومٌ على الإطلاق لأنه سبحانه يعلم كلَّ شيء، لا ربَّ غيره، وباقي الآية بيّن.
 \[سورة الأنعام (٦) : الآيات ١٠٣ الى ١٠٧\]
 لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (١٠٣) قَدْ جاءَكُمْ بَصائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْها وَما أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ (١٠٤) وَكَذلِكَ نُصَرِّفُ الْآياتِ وَلِيَقُولُوا دَرَسْتَ وَلِنُبَيِّنَهُ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (١٠٥) اتَّبِعْ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ (١٠٦) وَلَوْ شاءَ اللَّهُ ما أَشْرَكُوا وَما جَعَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً وَما أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ (١٠٧)

 (١) أخرجه الطبري (٥/ ٢٩٢) برقم (١٣٦٩١) عن السدي، و (١٣٦٩٢) عن ابن رشد، وذكره ابن عطية (٢/ ٣٢٩)، وابن كثير (٢/ ١٦٠) عن السدي، والسيوطي (٣/ ٦٨)، وعزاه لابن أبي حاتم عن السدي.
 (٢) ينظر: **«المحرر الوجيز»** (٢/ ٣٢٩).
 (٣) ينظر السابق.
 (٤) ومعنى القراءة بالتشديد أي: مرة بعد مرة، قال الزمخشري: وقرىء: وخرّقوا بالتشديد للتكثير لقوله:
 بَنِينَ وَبَناتٍ.
 ينظر: **«الكشاف»** (٢/ ٥٣)، و **«السبعة»** (٢٦٤)، و **«الحجة»** (٣/ ٣٧٢)، و **«إعراب القراءات»** (١/ ١٦٦)، و **«معاني القراءات»** (١/ ٣٧٦)، و **«العنوان»** (٩٢)، و **«شرح الطيبة»** (٤/ ٢٦٦)، و **«شرح شعلة»** (٣٧١)، و **«إتحاف»** (٢/ ٢٥).

وقوله سبحانه: لاَّ تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصارَ، أجمع أهلُ السنَّة على أن اللَّه عزَّ وجلَّ يرى يوم القيامة، يَرَاهُ المؤمنون، والوَجْه أنْ يبيَّن جواز ذلك عقلاً، ثم يستند إلى ورود السمعِ بوقوعِ ذلك الجائِزِ، واختصار تبْيِينِ ذلك: أنْ يعتبر بعلمنا باللَّه- عز وجل- فمن حيثُ جاز أنْ نعلمه لا في مكانٍ، ولا متحيِّزاً، ولا مُقَابَلاً، ولم يتعلَّق علمنا بأكثر من الوجودِ، جاز أن نراه غير مقابلٍ، ولا محاذًى، ولا مكيَّفاً، ولا محدَّداً، وكان الإمام أبو عبد اللَّه النحويُّ يقولُ: مسألةُ العِلْمِ حَلَقَتْ لِحَى المُعْتَزِلة، ثم ورد الشرْعُ بذلك/ كقوله عزَّ وجلَّ: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ \[القيامة: ٢٢، ٢٣\]، وتعدية النَّظَر ب **«إلى»** إنما هو في كلام العربِ لمعنى الرؤية لا لمعنى الانتظار على ما ذهب إليه المعتزلة ومنه قول النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم فيما صحَّ عنه، وتواتر، وكثر نقله: **«إنَّكُمْ تَرَوْنَ رَبَّكُمْ يَوْمَ القِيَامَةِ كَمَا تَرَوْنَ القَمَرَ لَيْلَةَ البَدْرِ»** **«١»**، ونحوه من الأحاديث الصحيحةِ علَى اختلاف ألفاظها، واستمحل **«٢»** المعتزلةُ الرؤيةَ بآراءٍ مجرَّدةٍ، وتمسَّكوا بقوله تعالى: لاَّ تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ وانفصال أهل السنَّة عن تمسُّكهم بأن الآية مخصُوصَةٌ في الدنيا **«٣»**، ورؤية الآخرة ثابتةٌ بأخبارها وأيضاً فإنا نَفْرُقُ بين معنى الإدراك، ومعنى الرؤية، ونقول: إنه عز وجل تراه الأبصار، ولا تدركه وذلك أن الإدراك يتضمَّن الإحاطة بالشيء، والوصولَ إلى أعماقِهِ وحَوْزِهِ من جميع جهاتِهِ، وذلك كلُّه محالٌ في أوصافِ اللَّه عزَّ وجلَّ، والرؤيةُ لا تفتقرُ إلى أنْ يحيطَ الرائي بالمرئيِّ، ويبلغ غايته، وعلى هذا التأويل يترتَّب العَكْس في قوله: وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصارَ، ويحسن معناه، ونحو هذا رُوِيَ عن ابن عباسٍ وقتادة وعطيَّة العَوْفِيِّ **«٤»** أنهم فرقوا بين الرؤية والإدراك، واللَّطِيفُ: المتلطّف في خلقه واختراعه،

 (١) أخرجه البخاري (٨/ ٤٦٢- ٤٦٣) كتاب **«التفسير»**، باب وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ، حديث (٤٨٥١)، ومسلم (١/ ٤٣٩- ٤٤٠) كتاب **«المساجد»**، باب فضل صلاة الصبح والعصر والمحافظة عليهما، حديث (٢١١، ٢١٢/ ٦٣٣) من حديث جرير.
 (٢) يعني: استبعد. ينظر: **«لسان العرب»** (٤١٤٧، ٤١٤٨)، و **«المعجم الوسيط»** (٨٦٣).
 (٣) تقدم الكلام على الرؤية مفصلا.
 (٤) أخرجه الطبري (٥/ ٢٩٤) برقم (١٣٦٩٨) عن ابن عباس (١٣٦٩٩) عن قتادة (١٣٧٠٠) عن عطية العوفي، وذكره البغوي (٢/ ١٢٠) عن ابن عباس، وابن عطية (٢/ ٣٣٠)، وابن كثير (٢/ ١٦١، ١٦٢)، والسيوطي (٣/ ٦٩)، وعزاه لابن جرير عن ابن عباس، وعزاه لعبد بن حميد، وأبي الشيخ عن قتادة، وعزاه لابن أبي حاتم عن السدي، وعطية هذا هو عطية بن سعد بن جنادة العوفي الجدلي أبو الحسن-

والبَصَائِرُ: جمع بَصِيرة، فكأنه قال: قد جاءكم في القرآن والآياتِ طرائقُ إبصار الحقِّ، والبصيرةُ للقَلْبِ مستعارةٌ من إبصارِ العَيْن، والبصيرةُ أيضاً هي المعتقد.
 وقوله سبحانه: فَمَنْ أَبْصَرَ، ومَنْ عَمِيَ: عبارةٌ مستعارةٌ فيمن اهتدى، ومَنْ ضَلَّ، وقوله: وَما أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ- كان في أول الأمر وقَبْلَ ظهور الإسلام، ثم بعد ذلك كان صلّى الله عليه وسلّم حفيظاً على العَالَمِ، آخذاً لهم بالإسلام أو السيفِ.
 وقوله سبحانه: وَكَذلِكَ نُصَرِّفُ الْآياتِ أي: نردِّدها ونوضِّحها، وقرأ الجمهور **«١»** :**«وَلِيَقُولُوا دَرَسْتَ»** - بكسر اللام- على أنها لامُ كَيْ، وهي على هذا لامُ الصيرورة، أي: لَمَّا صار أمرهم إلى ذلك، وقرأ نافع وغيره: **«دَرَسْتَ»**، أي: يا محمد دَرَسْتَ في الكتبِ القديمةِ ما تجيئُنا به، وقرأ ابن كثير وغيره: **«دَارَسْتَ»**، أي: دارَسْتَ غيرك وناظرته، وقرأ ابن عامر: **«دَرَسَتْ»** - بإسناد الفعل إلى الآيات- كأنهم أشاروا إلى أنها تردَّدت على أسماعهم حتى بَلِيَتْ في نفوسهم، وامحت، واللام في قوله:
 لِيَقُولُوا، وفي قوله: وَلِنُبَيِّنَهُ: متعلِّقانِ بفعلِ متأخِّر، وتقديره: **«صَرَّفْنَاهَا»**، وذهب بعض الكوفيِّين إلى أنَّ ****«لا»**** : مضمرةٌ بعد **«أَنِ»** المقدَّرةِ في قوله: وَلِيَقُولُوا، فتقدير الكلام عندهم: وَلأنْ لاَ يَقُولُوا دَرَسْتَ كما أضمروها في قوله: يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا \[النساء: ١٧٦\].
 قال ع **«٢»** : وهذا قَلِقٌ، ولا يجيز البصريُّون إضمار ****«لا»**** في موضعٍ من المواضعِ.
 قلت: ولكنه حسن جدًّا من جهة المعنى إذ لا يعلمون أنه دَرَسَ أو دارس أحدا صلّى الله عليه وسلّم، فتأمَّله.
 وقوله سبحانه: اتَّبِعْ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ... الآية: هذه الآية فيها موادعة، وهي منسوخة.

 - الكوفي، عن: أبي هريرة، وأبي سعيد، وابن عباس، وعنه: ابناه عمر، والحسن.
 ينظر: **«الخلاصة»** (٢/ ٢٣٣).
 (١) ينظر: **«السبعة»** (٢٦٤)، و **«الحجة للقراء السبعة»** (٣/ ٣٧٢)، و **«إعراب القراءات»** (١/ ١٦٦)، و **«معاني القراءات»** (١/ ٣٧٦)، و **«شرح الطيبة»** (٤/ ٢٦٦)، و **«شرح شعلة»** (٣٧٢)، و **«حجة القراءات»** (٢٦٤)، و **«العنوان»** (٩٢)، و **«إتحاف فضلاء البشر»** (٢/ ٢٥). [.....]
 (٢) ينظر: **«المحرر الوجيز»** (٢/ ٣٣١).

### الآية 6:108

> ﻿وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ ۗ كَذَٰلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّهِمْ مَرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [6:108]

قوله تعالى : وَلاَ تَسُبُّواْ الذين يَدْعُونَ مِن دُونِ الله. . .  \[ الأنعام : ١٠٨ \]. مخاطبةٌ للمؤمنين والنبيِّ صلى الله عليه وسلم قال ابن عباس : سببها أن كفَّار قريشٍ قالوا لأبي طَالِبٍ : إما أنْ ينتهِيَ محمَّد وأصحابه عن سَبِّ آلهتنا والغَضِّ منها، وإما أنْ نَسُبَّ إلهه ونَهْجُوه، فنزلَتِ الآية، وحكْمُها على كلِّ حال باقٍ في الأمة، فلا يحلُّ لمسلمٍ أنْ يتعرَّض إلى ما يؤدِّي إلى سبِّ الإسلام أو النبيِّ صلى الله عليه وسلم، أو اللَّه عزَّ وجلَّ، وعبَّر عن الأصنامِ بالذين، وهي لا تَعْقِلُ، وذلك على معتقدِ الكَفَرة فيها، وفي هذه الآية ضَرْبٌ من الموادعة، و عَدْواً  : مصدرٌ من الاعتداء، و بِغَيْرِ عِلْمٍ  : بيانٌ لمعنى الاعتداءِ. 
وقوله تعالى : كذلك زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ  : إشارة إلى ما زَيَّنَ لهؤلاء من التمسُّك بأصنامهم، وتَزْيينُ اللَّه عَمَلَ الأممِ هو ما يخلقه سبحانه في النُّفُوس من المحبَّة للخَيْر والشَّرِّ، وتزيينُ الشيطان هو ما يَقْذِفُه في النفُوسِ من الوسوسة وخَطَراتِ السُّوء، وقوله : ثُمَّ إلى رَبِّهِمْ مَّرْجِعُهُمْ. . .  الآية، تتضمَّن وعداً جميلاً للمحسنين، ووعيداً ثقيلاً للمسيئين.

### الآية 6:109

> ﻿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ جَاءَتْهُمْ آيَةٌ لَيُؤْمِنُنَّ بِهَا ۚ قُلْ إِنَّمَا الْآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ ۖ وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَا إِذَا جَاءَتْ لَا يُؤْمِنُونَ [6:109]

قوله سبحانه : وَأَقْسَمُواْ بالله جَهْدَ أيمانهم لَئِن جَاءتْهُمْ آيَةٌ لَّيُؤْمِنُنَّ بِهَا \[ الأنعام : ١٠٩ \]. 
اللام في قوله : لَئِنْ  لامُ توطئة للقَسَمِ، وأما المُتَلَقِّيَةُ للقَسَمِ فهي قوله : لَّيُؤْمِنُنَّ بِهَا ، و( آية ) : يريد : علامة، وحُكِيَ أنَّ الكفار لمَّا نزلَتْ : إِن نَّشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِّنَ السماء آيَةً فَظَلَّتْ أعناقهم لَهَا خاضعين  \[ الشعراء : ٤ \]، أقسموا حينئذٍ، أنها إنْ نزلَتْ، آمنوا، فنزلَتْ هذه الآيةُ، وحُكِيَ أنهم اقترحُوا أنْ يعود الصفا ذَهَباً، وأقسموا على ذلك، فقام النبيُّ صلى الله عليه وسلم يَدْعُو في ذلك، فجاءه جِبْريلُ، فقال له : إنْ شئْتَ أصْبَحَ ذَهَباً، فإن لم يؤمنُوا، هَلَكُوا عَنْ آخرهم معاجلَةً، كما فعل بالأمم المُقْتَرِحَةِ، وإن شئْتَ، أُخِّرُوا حتى يتوبَ تائبهم، فقال عليه الصلاة والسلام : بل حتَّى يتوبَ تائبهم، ونزلَتِ الآية. 
قال ابنُ العربيِّ : قوله : جَهْدَ أيمانهم ، يعني : غاية أيمانهم التي بلغها علمهم، وانتهت إليها قدرتهم، انتهى من **«الأحكام »**. 
ثم قال تعالى : قل لهم، يا محمَّد، على جهة الردِّ والتخطئةِ : إنما الآياتُ عند اللَّه وليْسَتْ عندي، فَتُقْتَرَحَ علَيَّ، ثم قال : وَمَا يُشْعِرُكُمْ ، قال مجاهدٌ : وابن زيد : المخاطَبُ بهذا الكفَّار، وقال الفَرَّاء وغيره : المخاطَبُ بهذا المؤمنون،  وَمَا يُشْعِرُكُمْ  معناه : وما يُعْلِمُكم وما يُدْرِيكم، وقرأ ابن كثير وغيره :( إنَّهَا ) بكسر الألف، على القطعِ، واستئناف الأخبار، فمن قرأ ( تُؤْمِنُونَ ) بالتاء، وهي قراءة ابن عامر وحمزة، استقامت له المخاطبةُ، أولاً وآخراً، للكفَّار، ومن قرأ بالياء، وهي قراءةُ نافعٍ. وغيره، فيحتمل أنْ يخاطب، أولاً وآخراً، المؤمنين، ويحتمل أن يخاطب بقوله : وَمَا يُشْعِرُكُمْ  الكفَّار، ثم يستأنف الإخبار عنهم للمؤمنين، وقرأ نافعٌ وغيره :( أَنَّهَا ) بفتح الألف، فقيل : إنَّ ( لا ) زائدةٌ في قوله : لاَ يُؤْمِنُونَ ، كما زيدَتْ في قوله تعالى : وَحَرَامٌ على قَرْيَةٍ أهلكناها أَنَّهُمْ لاَ يَرْجِعُونَ  \[ الأنبياء : ٩٥ \]، ودعا إلى التزامِ هذا حفْظُ المعنى، لأنها لو لم تكُنْ زائدةً، لعاد الكلام عذراً للكفَّار، وفَسَدَ المراد بالآية، وضَعَّف الزَّجَّاج وغيره زيادةَ ( لا )، ومنهم مَنْ جعل  أَنَّهَا  بمعنى لَعَلَّها، وحكاه سيبَوَيْهِ عن الخليلِ، وهذا التأويل لا يحتاجُ معه إلى تقديرِ زيادةٍ، ( لا )، وحكى الكسائيُّ : أنه كذلك في مُصْحف أُبَيٍّ ( وَمَا أَدْرَاكُمْ لَعَلَّهَا إذَا جَاءَتْ )، ورجَّح أبو عليٍّ أنْ تكون ( لا ) زائدةً، وبسط شواهده في ذلك.

### الآية 6:110

> ﻿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ [6:110]

قوله سبحانه : وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وأبصارهم كَمَا لَمْ يُؤْمِنُواْ بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ \[ الأنعام : ١١٠ \]. 
فالمعنى، على ما قالت فرقة : ونقلِّب أفئدتهم وأبصارهم في النَّار، وفي لهبها في الآخرة، لمَّا لم يُؤْمِنُوا في الدنيا، ثم استأنف على هذا : ونَذَرُهُمْ في الدنيا في طغيانهم يعمهون، وقالتْ فرقة : إنما المراد بالتقْلِيبِ التَّحْويلُ عن الحَقِّ والهدى والتَّرْكُ في الضلالةِ والكُفْر، ومعنى الآية : أن هؤلاء الذين أقسموا أنَّهم يؤمنُون إنْ جاءت آية نحْنُ نقلِّب أفئدتهم وأبصارهم، أنْ لو جاءت فلا يؤمنون بها، كما لم يؤمنوا أولَ مرَّة بما دُعُوا إلَيْه من عبادة اللَّه تعالى، فأخبر اللَّه عزَّ وجلَّ على هذا التأويل بصورة فعله بهم، وقالتْ فرقة : قوله : كَمَا ، في هذه الآية : إنما هي بمعنى المجازاة، أي : لما لم يؤمنوا أولَ مرَّة، نجازيهم، بأنْ نقلِّب أفئدتهم عن الهدى، ونطبع على قلوبهم، فكأنه قال : ونحْنُ نقلِّب أفئدتهم وأبصارهم، جَزَاءً لِمَا لم يؤمنوا أول مرة بما دُعُوا إلَيْه من الشرع، والضميرُ في  بِهِ  يحتمل أنْ يعود على اللَّه عزَّ وجلَّ، أو على القرآن، أو على النبيِّ صلى الله عليه وسلم  وَنَذَرُهُمْ  : معناه : نتركُهم، والطغيانُ : التخبُّط في الشرِّ، والإفراطُ فيما يتناوله المرء، و يَعْمَهُونَ  : معناه : يتردَّدون في حيرتهم.

### الآية 6:111

> ﻿۞ وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَىٰ وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ [6:111]

قوله سبحانه : وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الملائكة وَكَلَّمَهُمُ الموتى. . .  \[ الأنعام : ١١١ \]. 
أخبر سبحانه أنه لو أتى بجميع ما اقترحوه مِنْ إنزال ملائكةٍ، وإحياءِ سلفهم، حَسْبما اقترحه بعضُهم، أنْ يُحْشَرَ قُصَيٌّ وغيره، فيخبر بصدْقِ محمَّد عليه السلام، أو يحشر عليهم كلُّ شيء قُبُلاً ما آمنوا إلا بالمشيئةِ واللُّطْفِ الذي يخلقه، ويَخْتَرِعُه سبحانه في نفْسِ مَنْ يشاء، لا ربَّ غيره. 
وقرأ نافع وغيره :( قبلاً )، ومعناه مواجهةً ومعاينةً، قاله ابن عباس وغيره، ونصبه علَى الحالِ، وقال المبرِّد : معناه : ناحيةً، كما تقول : لِي قِبَلَ فلانٍ دَيْنٌ. 
قال ( ع ) : فنصبه، على هذا : هو على الظرفِ، وقرأ حمزة وغيره :( قُبُلاً ) بضمِّ القافِ والباءِ، واختلف في معناه، فقال بعضهم : هو بمعنى ( قِبَل ) بكسر القافِ، أي : مواجهةً، كما تقول : قُبُل ودُبُر. 
وقال الزَّجَّاج والفَرَّاء : هو جَمْعُ قَبِيلٍ، وهو الكفيل، أي وحشرنا عليهم كلَّ شيء كُفَلاَءَ بصدْقِ محمَّد صلى الله عليه وسلم، وقال مجاهد وغيره : هو جمع قَبِيلٍ، أي : صنفاً صنفاً، ونوعاً نوعاً، والنصب في هذا كلِّه على الحال،  ولكن أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ ، أي : يجهلون في اعتقادهم أن الآية تقتَضِي إيمانهم، ولا بُدَّ، فيقتضي اللفظ أنَّ الأقلَّ لا يجهل، فكان فيهم من يعتقد أنَّ الآية لو جاءت لم يُؤْمِنْ إلا مَنْ شاء اللَّه منه ذلك، قُلْتُ : وقال مكِّيٌّ : ولكن أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ ، أي : في مخالَفَتِكَ، وهم يعلمون أنَّك نبيٌّ صادقٌ فيما جئْتَهم به، وروي أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم كَانَ يُدَاعِبُ أَبَا سُفْيَانَ بَعْدَ الفَتْحِ بِمِخْصَرَةٍ فِي يَدِهِ، وَيَطْعُنُ بِهَا أَبَا سُفْيَانَ، فَإذَا أَحْرَقَتْهُ، قَالَ : نَحِّ عَنِّي مِخْصَرَتَكَ، فَوَاللَّهِ، لَوْ أَسْلَمْتُ إلَيْكَ هَذَا الأَمْرَ، مَا اختلف عَلَيْكَ فِيهِ اثنان. فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم :( أَسْأَلُكَ بِالَّذِي أَسْلَمْتَ لَهُ، قِتَالُكَ إيَّايَ عَنْ أَيِّ شَيْءٍ كَانَ ؟ ) فَقَالَ لَهُ أَبُو سُفْيَانَ : تَظُنُّ أَنِّي كُنْتُ أُقَاتِلُكَ تَكْذِيباً مِنِّي لَكَ، وَاللَّهِ، مَا شَكَكْتُ فِي صَدْقِكَ قَطُّ، وَمَا كُنْتُ أُقَاتِلُكَ إلاَّ حَسَداً مِنِّي لَكَ، فَالحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي نَزَعَ ذَلِكَ مِنْ قَلْبِي، فَكَانَ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم يَشْتَهِي ذَلِكَ مِنْهُ، وَيََبَتسمُ " انتهى من **«الهداية »**.

### الآية 6:112

> ﻿وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا ۚ وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ ۖ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ [6:112]

قوله سبحانه : وكذلك جَعَلْنَا لِكُلِّ نِبِيٍّ عَدُوّاً شياطين الإنس والجن. . .  \[ الأنعام : ١١٢ \]. 
تتضمَّن تسلية النبيِّ صلى الله عليه وسلم وعَرْضَ القُدْوة عليه، أي : هذا الذي امتحنت به، يا محمَّد، مِن الأعداء قد امتحن به غَيْرُك من الأنبياء، ليبتليَ اللَّه أُولِي العَزْم منهم، و شياطين الإنس والجن  : يريدُ : المتمردِّين من النوعَيْن، و يُوحِي  معناه : يلقيه في اختفاء، فهو كالمناجاةِ والسِّرَارِ، و زُخْرُفَ القول  : محسَّنه ومُزَيَّنه بالأباطيل، قاله عكرمة ومجاهد، والزخرفة، أكثر ما تستعملُ في الشرِّ والباطل، و غُرُوراً  : مصدرٌ، ومعناه يغرُّون به المضلَّلين، والضمير في  فعَلُوهُ  عائدٌ على اعتقادهم العداوةَ، ويحتملُ على **«الوحْيِ »** الذي تضمَّنه  يُوحِي . 
وقوله سبحانه : فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ  : لفظٌ يتضمَّن الأمر بالموادعة، وهو منسوخٌ، قال قتادة : كُلُّ **«ذَرْ »** في كتاب اللَّه منسوخٌ بالقتالِ.

### الآية 6:113

> ﻿وَلِتَصْغَىٰ إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُوا مَا هُمْ مُقْتَرِفُونَ [6:113]

قوله سبحانه : ولتصغى \[ الأنعام : ١١٣ \]. 
معناه : لِتَمِيلَ، قال الفَخْر : والضميرُ في قوله : ولتصغى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الذين لاَ يُؤْمِنُونَ بالآخرة  يعود على زُخْرفِ القولِ، وكذلك في قوله : وَلِيَرْضَوْهُ  والاقترافُ : معناه الاكتساب. 
وقال الزجَّاج : و ليقترفوا ، أي : يختلقوا ويَكْذِبوا، والأول أفصحُ، انتهى. 
والقُرَّاء على كسر اللامِ في الثلاثةِ الأفعالِ، على أنها لام كَيْ معطوفة على غُروراً.

### الآية 6:114

> ﻿أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلًا ۚ وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ ۖ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ [6:114]

حُكْماً  أبلغُ من حاكِمٍ، إذ هي صيغةٌ للعَدْلِ من الحكام، والحاكم جَارٍ على الفعل، فقَدْ يقال للجائِرِ، و مُفَصَّلاً  معناه : مزالُ الإشكال، والكتاب أولاً هو القرآن، وثانياً اسم جنسٍ للتوراةِ، والإنجيلِ، والزبورِ، والصُّحُفِ. 
وقوله تعالى : فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الممترين \[ الأنعام : ١١٤ \]. 
تثبيتٌ ومبالغةٌ وطَعْنٌ على الممترين. 
قلتُ : وقد تقدَّم التنبيهُ على أنه صلى الله عليه وسلم مَعْصُومٌ، وأنَّ الخطاب له، والمراد غيره ممَّنْ يْمُكِنُ منه الشَّكُّ.

### الآية 6:115

> ﻿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا ۚ لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ ۚ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ [6:115]

قوله سبحانه : وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقاً وَعَدْلاً. . .  \[ الأنعام : ١١٥ \].  تَمَّتْ ، في هذا الموضع : بمعنى : استمرت وصحَّتْ في الأزل صدقاً وعدلاً، وليس بتمامٍ مِنْ نقصٍ، ومثله ما وقَع في كتب **«السِّيرة »** مِنْ قولهم : وتَمَّ حَمْزَةُ على إسْلاَمِهِ، في الحديثِ مع أبي جهل، والكلماتُ : ما أنزل على عباده، و لاَ مُبَدِّلَ لكلماته  معناه : في معانيها.

### الآية 6:116

> ﻿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ۚ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ [6:116]

قوله سبحانه : وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِي الأرض. . .  \[ الأنعام : ١١٦ \]. المعنى : فامض، يا محمَّد لما أُمِرْتَ به، وبلِّغ ما أُرْسِلْتَ به، فإنك إنْ تطع أكثر من في الأرض يضلُّوك، قال ابنُ عباس : الأرض هنا : الدنيا، وحُكِي أنَّ سبب هذه الآية أنَّ المشركين جادلوا النبيَّ صلى الله عليه وسلم في أمر الذبائحِ، وقالوا : أتأكُلُ ما تقتُلُ، وتترُكُ ما قَتَلَ اللَّه، فنزلَتِ الآية، ثم وصفهم تعالى بأنهم إنما يقتَدُون بظنُونهم ويتَّبعون تخرُّصهم، والخَرْصُ : الحزر والظنُّ.

### الآية 6:117

> ﻿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ مَنْ يَضِلُّ عَنْ سَبِيلِهِ ۖ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ [6:117]

وهذه الآية خبر في ضمْنه وعيدٌ للضالِّين، ووعدٌ للمهتدين.

### الآية 6:118

> ﻿فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ بِآيَاتِهِ مُؤْمِنِينَ [6:118]

قوله سبحانه : فَكُلُواْ مِمَّا ذُكِرَ اسم الله عَلَيْهِ إِن كُنتُم بآياته مُؤْمِنِينَ. . .  \[ الأنعام : ١١٨ \]. 
القصْد بهذه الآية النهْيُ عما ذبح للنُّصُب وغيرها، وعن الميتة وأنواعها، ولا قصد في الآية إلى ما نَسِيَ المؤمن فيه التسميَة أو تعمَّدها بالترْكِ.

### الآية 6:119

> ﻿وَمَا لَكُمْ أَلَّا تَأْكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ ۗ وَإِنَّ كَثِيرًا لَيُضِلُّونَ بِأَهْوَائِهِمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ ۗ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُعْتَدِينَ [6:119]

قوله سبحانه : وَمَا لَكُمْ أَلاَّ تَأْكُلُواْ. . .  \[ الأنعام : ١١٩ \]
( ما ) : استفهام يتضمَّن التقريرَ،  وَقَدْ فَصَّلَ لَكُم مَّا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ ، أي : فصَّل الحرامَ من الحلالِ، وانتزعه بالبيانِ، و( ما ) في قوله : إِلاَّ مَا اضطررتم إِلَيْهِ ، يريد بها : مِنْ جميع ما حَرَّم، كالميتة وغيرها، وهي في موضع نَصْب بالاستثناء، والاستثناءُ منقطعٌ. 
وقوله سبحانه : وَإِنَّ كَثِيراً  يريد الكفرة المحادِّين المجادلين، ثم توعَّدهم سبحانه بقوله : إِنَّ رَّبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بالمعتدين .

### الآية 6:120

> ﻿وَذَرُوا ظَاهِرَ الْإِثْمِ وَبَاطِنَهُ ۚ إِنَّ الَّذِينَ يَكْسِبُونَ الْإِثْمَ سَيُجْزَوْنَ بِمَا كَانُوا يَقْتَرِفُونَ [6:120]

قوله جلَّت عظمته : وَذَرُواْ ظاهر الإثم وَبَاطِنَهُ  نهْيٌ عامٌّ، والظاهرُ والباطنُ : يستوفيان جميع المعاصي، وقال قوم : الظاهر : الأعمالُ، والباطنُ : المعتَقَد، وهذا أيضاً حسن، لأنه عامٌّ، وروى ابن المبارك في **«رقائقه »** بسنده، عن أبي أُمَامة، قال :" سَأَلَ رجُلٌ النبيَّ صلى الله عليه وسلم : مَا الإثْمُ ؟ قَالَ : مَا حَكَّ فِي صَدْرِكَ، فَدَعْهُ "، وروى ابن المبارك أيضاً بسنده، أنَّ رجلاً قال :" يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا يَحِلُّ لِي مِمَّا يَحْرُمُ عَلَيَّ ؟ فَسَكَتَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فَرَدَّ عَلَيْهِ ثَلاَثَ مَرَّاتٍ فِي كُلِّ ذَلِكَ يَسْكُتُ رَسُولُ اللَّهِ، ثُمَّ قَالَ :( أَيْنَ السَّائِلُ ) فَقَالَ : أَنَا ذَا، يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ :( مَا أَنْكَرَ قَلْبُكَ، فَدَعْهُ )، انتهى. وقد ذكرنا معناه مِنْ طرُقٍ في غير هذا الموضعِ، فأغنى عن إعادته. 
ثم توعَّد تعالى كَسَبَةَ الإثمِ بالمجازاةِ على ما اكتسبوه من ذلك، والاقتراف : الاكتساب.

### الآية 6:121

> ﻿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ ۗ وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَىٰ أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ ۖ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ [6:121]

قوله سبحانه : وَلاَ تَأْكُلُواْ مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسم الله عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ. . .  \[ الأنعام : ١٢١ \]. 
مقصد الآية النهْيُ عن الميتة، إذ هي جواب لقول المشركين : تَتْرُكُونَ ما قَتَلَ اللَّهُ، ومع ذلك، فلفظها يعمُّ ما تُرِكَتِ التسميةُ عليه من ذبائِحِ الإسلام، وبهذا العمومِ تعلَّق ابن عمر وابنُ سيرينَ والشَّعْبِيُّ وغيرهم، فقالوا : ما تُرِكَتِ التسميةُ علَيْه، لم يؤكَلْ، عمداً كان أو نسياناً، وجمهورُ العلماء على أنه يؤكل إن كان تركُها نسياناً، بخلاف العَمْدِ، وقيل : يؤكل، سواءٌ تركَتْ عمداً أو نسياناً، إلا أنْ يكون مستخِفًّا. 
وقوله تعالى : وَإِنَّ الشياطين. . .  الآية، قال عكرمة : هم مَردَةُ الإنس من مجوسِ فَارِس، وذلك أنهم كانوا يوالُونَ قُرَيْشاً على عداوة النبيِّ صلى الله عليه وسلم : لَيُوحُونَ إلى أَوْلِيَائِهِمْ ، من قريش  ليجادلوكم ، بقولهم : تأكلون ما قَتَلْتُمْ، ولا تأكلون ما قَتَلَ اللَّه، فذلك من مخاطبتهمْ هو الوحْيُ، والأولياء هم قريشٌ، وقال ابن زَيْد، وعبد اللَّه بن كثير : بل الشياطينِ الجِنُّ، واللفظة على وجْهها، وأولياؤهم : كَفَرة قريش، ووحْيُهم بالوسوسة، وعلى ألسنة الكُهَّان. 
ثم نهى سبحانه عن طاعتهم، بلفظ يتضمَّن الوعيدَ وعرض أصعب مثالٍ في أن يشبه المؤمن بالمُشْرك، قال ابن العربيِّ : قوله تعالى : وَإِنَّ الشياطين لَيُوحُونَ إلى أَوْلِيَائِهِمْ ، سمَّى اللَّه تعالى ما يقع في القلوبِ في الإلهام وحياً، وهذا مما يطلقه شيوخُ المتصوِّفة، وينكره جُهَّال المتوسِّمين بالعلْمِ، ولم يعلموا أن الوحْيَ على ثمانيةِ أقسامٍ، وأن إطلاقه في جميعها جائزٌ في دِينِ اللَّه، انتهى من **«أحكام القرآن »**.

### الآية 6:122

> ﻿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا ۚ كَذَٰلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [6:122]

قوله سبحانه : أَوَ مَن كَانَ مَيْتاً فأحييناه \[ الأنعام : ١٢٢ \]. 
لما تقدَّم ذكْر المؤمنين، وذكْر الكافرين، مثَّل سبحانه في الطائفتين بأنْ شَبَّه الذين آمنوا بَعْد كفرهم بأمواتٍ أُحْيُوا، هذا معنى قول ابن عباس ومجاهد وغيرهما، وشَبَّه الكافرين وحَيْرَةَ جهلهم بقَوْمٍ في ظلمات يتردَّدون فيها، ولا يمكنهم الخروجُ منها، ليبيِّن عزَّ وجلَّ الفرق بيْنَ الطائفتَيْن، والبَوْن بين المنزلتَيْن، و نُوراً  أمكن ما يعني به الإيمان، قيل : ويحتمل أن يراد به النُّور الذي يُؤْتَاهُ المؤمن يوم القيامة.

### الآية 6:123

> ﻿وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَابِرَ مُجْرِمِيهَا لِيَمْكُرُوا فِيهَا ۖ وَمَا يَمْكُرُونَ إِلَّا بِأَنْفُسِهِمْ وَمَا يَشْعُرُونَ [6:123]

وَجَعَلْنَا ، في هذه الآية : بمعنى صَيَّرنا، فهي تتعدى إلى مفعولَيْن، الأول : مُجْرِمِيهَا ، والثاني : أكابر ، وفي الكلام، على هذا : تقديمٌ وتأخير، وتقديره : وكذلك جعلنا في كلِّ قريةٍ مجرميها أَكَابِرَ، وقدَّم الأهمَّ، إذ لعلَّة كِبْرهم أجرموا، ويصح أن يكون المفعولُ الأول :**«أكابر »**، و**«مجرميها »**، مضافٌ، والمفعولُ الثانيِ : في قوله : فِي كُلِّ قَرْيَةٍ ، و لِيَمْكُرُواْ  : نصب بلامِ الصيرورةِ، والأكابر : جمع أكْبَر، كما الأفاضلُ جمع أفْضَل، قال الفَخْر : وإنما جعل المجرمين أكابر، لأنهم لأجل رياستهم أقْدَرُ على الغَدْرِ والمَكْرِ ورُكُوبِ الباطلِ من غيرهم، ولأن كثرة المال والجاه يَحْمِلاَنِ الإنسان على المبالغةِ في حِفْظهما، وذلك الحِفْظُ لا يتمُّ إلا بجميع الأخلاق الذميمةِ، كالغَدْر والمَكْر والكَذِب والغِيبة، والنَّميمة، والأَيْمَان الكاذبة، ولو لم يكن للمالِ والجاهِ سوى أنَّ اللَّه تعالى حَكَم بأنه إنما وصفَ بهذه الأوصافِ الذميمةِ مَنْ كان له مالٌ وجاه، لكفى ذلك دليلاً على خَسَاسة المالِ والجَاهِ، انتهى. وما ذكره في المال والجاه هو الأغلَبُ. 
 وما يَشْعُرُونَ ، أي : ما يعلمون.

### الآية 6:124

> ﻿وَإِذَا جَاءَتْهُمْ آيَةٌ قَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتَّىٰ نُؤْتَىٰ مِثْلَ مَا أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ ۘ اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ ۗ سَيُصِيبُ الَّذِينَ أَجْرَمُوا صَغَارٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا كَانُوا يَمْكُرُونَ [6:124]

قوله سبحانه : وَإِذَا جَاءَتْهُمْ آيَةٌ \[ الأنعام : ١٢٤ \]. 
أي : علامةٌ ودليلٌ على صحَّة الشرع، تشطَّطوا، و( قالوا ) : لَنْ نؤمن حتَّى  يُفْلَقَ لنا البَحْرُ، ويحيي لنا الموتى، ونحْوَ ذلك، فردَّ اللَّه تعالى عليهم بقوله : الله أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ  فيمن اصطفاه، وانتخبه، لا فيمن كَفَرَ، وجعل يتشطَّط على اللَّه سبحانه، قال الفَخْر : قال المفسِّرون : قال الوليدُ بْنُ المُغِيرَةِ : لو كانتِ النبوءة حقًّا، لكنْتُ أولى بها، قال الضَّحَّاك : أراد كلُّ واحد من هؤلاء الكفرة أنْ يُخَصَّ بالوحْيِ والرسالةِ، كما أخبر عنهم سبحانه : بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امرئ مِّنْهُمْ أَن يؤتى صُحُفاً مُّنَشَّرَةً  \[ المدثر : ٥٢ \]، انتهى. 
ثم توعَّد سبحانه بأن هؤلاء المجرمين الأكابر في الدنيا سيصيبهم عند اللَّه صَغَارٌ وذلَّة.

### الآية 6:125

> ﻿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ ۖ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ ۚ كَذَٰلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ [6:125]

قوله سبحانه : فَمَن يُرِدِ الله أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ للإسلام. . .  \[ الأنعام : ١٢٥ \]. 
 مَنْ  : شَرْطٌ، و يَشْرَحْ  جوابُ الشرط. 
والآيةُ نصٌّ في أن اللَّه تعالى يريدُ هدي المؤمن، وضلالَ الكافر، وهذا عند جميعِ أهْل السنَّة بالإرادةِ القديمةِ التي هي صفةُ ذاته تبارك وتعالى، والهدى هنا : هو خَلْق الإيمان في القَلْبِ، وشَرْحُ الصدرِ : هو تسهيلُ الإيمان، وتحبيبُه، وإعدادُ القَلْبِ لقبولِهِ وتحصيلِهِ، والصَّدْر : عبارةٌ عن القلب، وفي  يَشْرَحْ  ضمير يعود على اسم اللَّهِ عزَّ وجلَّ يَعْضُدُهُ اللفظ والمعنى، ولا يَحْتَمِلُ غَيْرَهُ، والقولُ بأنه عائدٌ على **«المَهْدِيِّ »** قولٌ يتركَّب عليه مذهب القَدَريَّة في خَلْق الأعمال، ويجبُ أن يُعتقد ضَعْفُهُ، والحَذَرُ منه، ورُوِيَ عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم " أنه لَمَّا نزلَتْ هذه الآية، قَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ، كَيْفَ يُشْرَحُ الصَّدْرُ ؟ قَالَ :( إذَا نَزَلَ النُّورُ فِي القَلْبِ، انشرح لَهُ الصَّدْرُ، وانفسح )، قَالُوا : وَهَلْ لِذَلِكَ عَلاَمَةٌ، يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قَالَ :( نَعَمِ، الإنَابَةُ إلى دَارِ الخُلُودِ، وَالتَّجَافِي عَنْ دَارِ الغُرُورِ، والاسْتِعْدَادُ لِلْمَوْتِ، قَبْلَ المَوْتِ )، والقول في قوله : وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُ  كالقول في قوله : فَمَن يُرِدِ الله أَن يَهْدِيَهُ ، وقرأ حمزة وغيره :( 'حَرَجاً ) بفتح الراء، وروي أن عمر بن الخطاب ( رضي اللَّه عنه ) قرأها يوماً بفتح الراء، فقرأها له بعضُ الصَّحابة بكَسْر الراء، فقال : ابغوني رجُلاً من كِنَانَةَ، وليكنْ رَاعياً، وليكُنْ من بني مدلج، فلما جاء، قال له : يَا فتى، مَا الحَرِجَةُ عنْدَكُمْ ؟ قال الشَّجَرَةُ تكُونُ بَيْن الأشجار لا تَصِلُ إليها راعيَةٌ ولا وَحْشِيَّة، قال عمر : كذلِكَ قَلْبُ المنافق لا يَصِلُ إليه شَيْءٌ من الخير. 
وقوله سبحانه : كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السماء ، أي : كأنَّ هذا الضَّيِّقَ الصَّدْرِ متى حاول الإيمان أو فكَّر فيه، يجد صعوبته عليه، والعياذُ باللَّه، كصعوبةِ الصُّعود في السماء، قاله ابن جُرَيْج وغيره، و فِي السماء ، يريد : مِنْ سفل إلى علوٍ، وتحتمل الآية أنْ يكون التشبيهُ بالصاعدِ في عَقَبَةٍ كَئُود، كأنه يَصْعَدُ بها في الهواء، ويَصْعَدُ : معناه : يعلو، ويَصَّعَّدُ : معناه : يتكلَّف من ذلك ما يشقُّ عليه. 
وقوله : كذلك يَجْعَلُ الله الرجس ، أي : وكما كان الهدى كله من اللَّه، والضلال بإرادته تعالى ومشيئته، كذلك يجعل اللَّه الرجْسَ، قال أهل اللغة : الرجْسُ يأتي بمعنى العَذَابِ، ويأتي بمعنى النَّجَس.

### الآية 6:126

> ﻿وَهَٰذَا صِرَاطُ رَبِّكَ مُسْتَقِيمًا ۗ قَدْ فَصَّلْنَا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ [6:126]

قوله تعالى : وهذا صراط رَبِّكَ مُسْتَقِيماً \[ الأنعام : ١٢٦ \]. 
هذا إشارة إلى القرآن والشرْعِ الذي جاء به نبيُّنا محمَّد صلى الله عليه وسلم، قاله ابن عباس، و فَصَّلْنَا ، معناه : بيَّنا وأوضحنا. 
وقوله سبحانه : لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ ، أي : للمؤمنين.

### الآية 6:127

> ﻿۞ لَهُمْ دَارُ السَّلَامِ عِنْدَ رَبِّهِمْ ۖ وَهُوَ وَلِيُّهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [6:127]

الضمير في قوله : لَهُمْ دَارُ السلام  عائد عليهم، والسَّلام : يتجه أن يكون اسما من أسماء اللَّه عزَّ وجلَّ، ويتجه أن يكون مصدراً بمعنى السلامة. 
وقوله تعالى : عِندَ رَبِّهِمْ \[ الأنعام : ١٢٧ \] يريد في الآخرة بعد الحشر، و( وليُّهم )، أي : وليُّ الإنعام عليهمْ، و بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ ، أي : بسَبَبِ ما كانوا يُقَدِّمون من الخير، ويفعلون من الطاعة والبر.

### الآية 6:128

> ﻿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الْإِنْسِ ۖ وَقَالَ أَوْلِيَاؤُهُمْ مِنَ الْإِنْسِ رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ وَبَلَغْنَا أَجَلَنَا الَّذِي أَجَّلْتَ لَنَا ۚ قَالَ النَّارُ مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ ۗ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ [6:128]

قوله سبحانه : وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً يا معشر الجن قَدِ استكثرتم مِّنَ الإنس \[ الأنعام : ١٢٨ \]. 
المعنى : واذكر يَوْمَ، وفي الكلامِ حذفٌ، تقديره : نقول : يا معشر الجنِّ، وقوله : استكثرتم  : معناه : أفرطتم، و مِّنَ الإنس  : يريد : في إضلالهم وإغوائهم، قاله ابن عباس وغيره، وقال الكُفَّار من الإنْس، وهم أولياء الجنِّ الموبَّخين، على جهة الاعتذار عن الجنِّ : رَبَّنَا استمتع بَعْضُنَا بِبَعْضٍ ، أي : انتفع، وذلك كاستعاذتهم بالجنِّ، إذ كان العربيُّ إذا نزل وادياً، ينادي : يا رَبَّ الوادِي، إنِّي أستجيرُ بك في هذه الليلة، ثم يرى سلامته إنما هي بحفْظِ جَنِّيِّ ذلك الوادِي، ونحو ذلك، وبلغ الأجَلِ المؤجَّلِ : هو الموتُ، وقيل : هو الحشر. 
وقوله تعالى : قَالَ النار مَثْوَاكُمْ. . .  \[ الأنعام : ١٢٨ \]
إخبارٌ من اللَّه تعالى عما يقولُ لهم يوم القيامة إثْرَ كلامهم المتقدِّم، و مَثْوَاكُمْ ، أي : مَوْضِعُ ثَوَابكُمْ، كَمُقَامِكُمُ الذي هو مَوْضِعُ الإقامة، قاله الزَّجَّاج، والاستثناءُ في قوله : إِلاَّ مَا شَاءَ الله  قالتْ فرقة :**«مَا »** بمعنى **«مَنْ »**، فالمراد : إلا مَنْ شاء اللَّه مِمَّنْ آمن في الدنيا بعد أن كان مِنْ هؤلاء الكَفَرة، وقال الطبريُّ : إن المستثنى هي المُدَّة التي بَيْنَ حشرهم إلى دخولهم النار، وقال الطبريُّ، عن ابن عباس : إنه كان يتأوَّل في هذا الاستثناء، أنه مبلغ حالِ هؤلاء في علْمِ اللَّه، ثم أسند إليه أنه قال : إن هذه الآية آية لا ينبغي لأحَدٍ أنْ يحكم على اللَّه في خَلْقه لا يُنْزِلُهم جنَّةً ولا ناراً. 
قال ( ع ) : والإجماع على التخليد الأبديِّ في الكُفَّار، ولا يصحُّ هذا عن ابن عباس ( رضي اللَّه عنه ). 
قال ( ص ) : إِلاَّ مَا شَاءَ الله  قيل : استثناء منقطعٌ، أي : لكِنْ ما شاء اللَّه مِنَ العذابِ الزائِدِ على النَّار، وقيل : متصلٌ، واختلفوا في تقديره، فقيل : هو استثناء مِنَ الأشخاصِ، وهم مَنْ آمن في الدنيا، ورُدَّ بأنه يختلف زمان المستثنى والمستثنى منه، فيكون منقطعاً لا متصلاً، لأنَّ مِنْ شرط المتصل اتحاد زمانَيِ المُخْرَجِ والمُخْرَجِ منه، انتهى. وقيل غير هذا.

### الآية 6:129

> ﻿وَكَذَٰلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ [6:129]

قوله سبحانه : وكذلك نُوَلِّي بَعْضَ الظالمين بَعْضاً \[ الأنعام : ١٢٩ \]. 
قال قتادة : معناه : نجعل بعضهم وليَّ بعض في الكفر والظلم، وقال أيضاً : المعنى نجعلُ بعضهم يَلِي بعضاً في دخول النار، وقال ابن زيد : معناه : نسلِّط بعض الظالمين على بعض، ونجعلهم أولياء النقمة منهم. 
قال ( ع ) : وقد حفظ هذا في استعمال الصحابة والتابعين، كقول ابن الزُّبَيْر : أَلاَ إنَّ فَمَ الذِّبَّانِ قَتَلَ لَطِيمَ الشَّيْطَانِ، وَ كذلك نُوَلِّي بَعْضَ الظالمين بَعْضاً بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ .

### الآية 6:130

> ﻿يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَٰذَا ۚ قَالُوا شَهِدْنَا عَلَىٰ أَنْفُسِنَا ۖ وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَشَهِدُوا عَلَىٰ أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ [6:130]

قوله تعالى : يا معشر الجن والإنس أَلَمْ يَأْتِكُمْ. . .  \[ الأنعام : ١٣٠ \]. 
هذا الكلامُ داخلٌ في القول يَوْمَ الحشر. 
قال الفَخْر : قال أهل اللغة : المَعْشَر : كلُّ جماعةٍ أَمْرهم واحدٌ، وتَحْصُلُ بينهم معاشرةٌ ومخالطةٌ، فالمَعْشَر : المُعَاشِر، انتهى. و مِّنكُمْ  : يعني : مِنَ الإنس، قاله ابن جُرَيْج وغيره، وقال ابن عباس : من الطائفَتَيْنِ، ولكنْ رسلُ الجِنِّ هم رُسُلِ الإنسِ، وهم النُّذُر، و يَقُصُّونَ  : من القَصَص، وقولهم : شَهِدْنَا  : إقرار منهم بالكفر. 
وقوله سبحانه : وَغَرَّتْهُمُ الحياة الدنيا  : التفاتة فصيحةٌ تضمَّنت أنَّ كفرهم كان بأذَمِّ الوجوه لهم، وهو الاغترار الذي لا يواقعه عاقلٌ، ويَحْتَمِلُ  غَرَّتهم ، أنْ يكون بمعنى : أشبعتهم وأطغتهم بحَلْوَائها، كما يقال : غَرَّ الطَّائِرُ فَرْخَهُ. 
وقوله سبحانه : وَشَهِدُواْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُواْ كافرين  : الجمع بيْنَ هذه الآية وبَيْن الآي التي تقتضي إنكار المشركين الإشْرَاكَ هو إمَّا بأنها طوائفُ، وإما بأنها طائفةٌ واحدةٌ في مواطنَ شتى.

### الآية 6:131

> ﻿ذَٰلِكَ أَنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَىٰ بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا غَافِلُونَ [6:131]

قوله : ذلك أَن لَّمْ يَكُنْ \[ الأنعام : ١٣١ \]، أي : ذلك الأمر، و القرى  : المُدُن، والمراد : أهل القرى، و بِظُلْمٍ  : يحتمل معنيين :
أحدهما : أنه لم يكُنْ سبحانه لِيُهْلِكَهم دون نِذَارة، فيكون ظُلْماً لهم، واللَّه تعالى ليس بظلاَّم للعبيد. 
والآخر : أنَّ اللَّه عزَّ وجلَّ لم يُهْلِكْهم بظلمٍ واقعٍ منهم دون أنْ ينذرهم، وهذا هو البيِّن القويُّ، وذكر الطبري ( رحمه اللَّه ) التأويلين.

### الآية 6:132

> ﻿وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا ۚ وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ [6:132]

قوله سبحانه : وَلِكُلٍّ درجات مِّمَّا عَمِلُواْ. . .  \[ الأنعام : ١٣٢ \]. 
إخبارٌ من اللَّه سبحانه أنَّ المؤمنين في الآخرة على درجاتٍ من التفاضُل بحَسَب أعمالهم، وتفضُّل المولى سبحانه عليهم، ولكنْ كلٌّ راضٍ بما أعطِيَ غايةَ الرضا، والمشركون أيضاً على دركاتٍ من العذابِ، قلتُ : وظاهر الآية أن الجنَّ يثابون وينالُونَ الدَّرَجَاتِ والدَّرَكَاتِ، وقد ترجم البخاريُّ على ذلك، فقال : ذِكْر الجنِّ وثَوَابِهِم وعقابِهِم، لقوله تعالى : يا معشر الجن والإنس أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِّنْكُمْ. . .  \[ الأنعام : ١٣٠ \] الآية، إلى قوله : وَمَا رَبُّكَ بغافل عَمَّا يَعْمَلُونَ. . .  \[ الأنعام : ١٣٢ \]، قال الداوديُّ : قال الضحاكُ : مِنَ الجنِّ مَنْ يدخل الجنَّة، ويأكل ويشرب، انتهى.

### الآية 6:133

> ﻿وَرَبُّكَ الْغَنِيُّ ذُو الرَّحْمَةِ ۚ إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَسْتَخْلِفْ مِنْ بَعْدِكُمْ مَا يَشَاءُ كَمَا أَنْشَأَكُمْ مِنْ ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِينَ [6:133]

قوله سبحانه : وَرَبُّكَ الغني ذُو الرحمة إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَسْتَخْلِفْ مِن بَعْدِكُم مَّا يَشَاءُ \[ الأنعام : ١٣٣ \]. 
متضمِّنةٌ وعيداً وتحذيراً من بطْشِ اللَّه عزَّ وجلَّ في التعجيل بذلك، وإمَّا مع المُهْلَة ومرورِ الجَدِيدَيْن، فذلك عادته سبحانه في الخَلْق بإذهاب خَلْقِ واستخلاف آخرين.

### الآية 6:134

> ﻿إِنَّ مَا تُوعَدُونَ لَآتٍ ۖ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ [6:134]

قوله سبحانه : إِنَّمَا تُوعَدُونَ لآتٍ \[ الأنعام : ١٣٤ \]. 
هو من الوعيدِ، بقرينة : وَمَا أَنتُم بِمُعْجِزِينَ ، أي : وما أنتم بناجين هَرَباً فتعجزون طالبكم.

### الآية 6:135

> ﻿قُلْ يَا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلَىٰ مَكَانَتِكُمْ إِنِّي عَامِلٌ ۖ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ تَكُونُ لَهُ عَاقِبَةُ الدَّارِ ۗ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ [6:135]

أمر سبحانه نبيَّه عليه السلام أنْ يتوعدَّهم بقوله : اعملوا ، أي : فسترون عاقبةَ عملكم الفاسدِ، وصيغةُ **«افعل »** هنا : هي بمعنى الوعيدِ والتهديدِ، و  على مَكَانَتِكُمْ  : معناه : على حالِكُمْ وطريقَتِكم، و عاقبة الدار ، أي : مآل الآخرة، ويحتمل مآل الدنيا، بالنصر والظهورِ، ففي الآية إعلام بغَيْب.

### الآية 6:136

> ﻿وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعَامِ نَصِيبًا فَقَالُوا هَٰذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَٰذَا لِشُرَكَائِنَا ۖ فَمَا كَانَ لِشُرَكَائِهِمْ فَلَا يَصِلُ إِلَى اللَّهِ ۖ وَمَا كَانَ لِلَّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلَىٰ شُرَكَائِهِمْ ۗ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ [6:136]

قوله : وَجَعَلُواْ لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ \[ الأنعام : ١٣٦ \]. 
يعني : مشركي العربِ الذين تقدَّم الردُّ عليهم من أول السورة، و ذَرَأَ  : معناه : خلَق وأنشأَ وبَثَّ، وسبَبُ نزول هذه الآية أنَّ العرب كانَتْ تجعل من غَلاَّتها وزُرُوعها، وثمارها، وأنعامها، جُزْءاً تسميِّه للَّه، وَجْزْءاً تسميه لأصنامها، وكانت عادتها التحفِّي، والاهتبال بنَصيبِ الأصنام أكْثَرَ منها بنصيب اللَّهِ، إذ كانوا يعتقدون أن الأصنام بها فَقْر، وليس ذلك باللَّه سبحانه، فكانوا إذا جمعوا الزَّرْعَ، فهبَّت الريحُ، فحملَتْ مِنَ الذي للَّه إلى الذي لشركائِهِمْ، أقروه، وإذا حملَتْ من الذي لشركائِهِمْ إلى الذي للَّه، ردُّوه، وإذا لم يُصِيبُوا في نصيبِ شركائهم شيئاً، قالوا : لا بُدَّ للآلهة مِنْ نفقةٍ، فيجعلون نصيب اللَّه تعالى في ذلك، قال هذا المعنى ابن عباس ومجاهدٌ والسديُّ وغيرهم، أنهم كانوا يفعلُونَ هذا ونحوه من الفعْلِ، وكذلك في الأنعامِ، كانوا إذا أصابتهم السَّنَةُ، أكلوا نصيبَ اللَّه، وتحامَوْا نصيبَ شركائهم.

### الآية 6:137

> ﻿وَكَذَٰلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلَادِهِمْ شُرَكَاؤُهُمْ لِيُرْدُوهُمْ وَلِيَلْبِسُوا عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ ۖ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا فَعَلُوهُ ۖ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ [6:137]

قوله سبحانه : وكذلك زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِّنَ المشركين قَتْلَ أولادهم شُرَكَاؤُهُمْ \[ الأنعام : ١٣٧ \]، الكثير هنا يرادُ به مَنْ كان يَئِدُ مِنْ مشركي العرب، والشركاء، هاهنا : الشياطين الآمِرُونَ بذلك، المزيِّنون له، والحاملون عليه أيضاً من بني آدم، ومقصد الآية الذمُّ للوأْد والإنْحَناءُ على فَعَلَته، و لِيُرْدُوهُمْ  : معناه : ليهلكوهم من الردى، و لِيَلْبِسُواْ  : معناه : ليخلِّطلوا. 
وقوله سبحانه : وَلَوْ شَاءَ الله مَا فَعَلُوهُ  يقتضي أن لا شيء إلا بمشيئة اللَّه عزَّ وجلَّ، وفيها ردٌّ على من قال بأن المرء يَخْلُقُ أفعاله، وقوله : فَذَرْهُمْ  : وعيدٌ محضٌ.

### الآية 6:138

> ﻿وَقَالُوا هَٰذِهِ أَنْعَامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ لَا يَطْعَمُهَا إِلَّا مَنْ نَشَاءُ بِزَعْمِهِمْ وَأَنْعَامٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُهَا وَأَنْعَامٌ لَا يَذْكُرُونَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا افْتِرَاءً عَلَيْهِ ۚ سَيَجْزِيهِمْ بِمَا كَانُوا يَفْتَرُونَ [6:138]

قوله سبحانه : وَقَالُواْ هذه أنعام وَحَرْثٌ حِجْرٌ لاَّ يَطْعَمُهَا إِلاَّ مَن نَّشَاء بِزَعْمِهِمْ وأنعام حُرِّمَتْ ظُهُورُهَا \[ الأنعام : ١٣٨ \]. 
تتضمَّن ما شرعوه لأنفسهم والتزموه على جهة القربة كذباً منهم على اللَّه سبحانه، و حِجْرٍ  : معناه : التحجيرُ، وهو المنعُ والتحريمُ،  وأنعام لاَّ يَذْكُرُونَ اسم الله عَلَيْهَا  : قال جماعةٌ من المفسِّرين : إنَّهم كانت لهم سُنَّة في أنعامٍ مَّا، ألاَّ يُحَجُّ عليها، فكانَتْ تُرْكَبُ في كلِّ وجه إلا في الحَجِّ، وقالت فرقة : بل ذلك في الذبائحِ، جعلوا لآلهتهم نصيباً منها لا يذكُرُونَ اللَّه على ذبحها.

### الآية 6:139

> ﻿وَقَالُوا مَا فِي بُطُونِ هَٰذِهِ الْأَنْعَامِ خَالِصَةٌ لِذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ عَلَىٰ أَزْوَاجِنَا ۖ وَإِنْ يَكُنْ مَيْتَةً فَهُمْ فِيهِ شُرَكَاءُ ۚ سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ ۚ إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ [6:139]

قوله سبحانه : وَقَالُواْ مَا فِي بُطُونِ هذه الأنعام خَالِصَةٌ لِّذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ على أزواجنا. . .  \[ الأنعام : ١٣٩ \]. 
كان مِنْ مذاهبهم الفاسدةِ في بَعْض الأنعامِ أنْ يحرِّموا ما وَلَدَتْ على نسائهم، ويخصِّصونه لذُكُورهم، ف  أزواجنا  : يراد به جماعةُ النساءِ التي هِيَ معدَّة أن تكون أزواجاً، قاله مجاهد، وقوله : وَإِن يَكُن مَّيْتَةً ، يعني : أنه كان من سُنَّتهم أنَّ ما خرج من الأجنَّة ميتاً مِنْ تلك الأنعام الموقوفة، فهو حلالٌ للرجال والنساء جميعاً، وكذلك ما مات مِنَ الأنعامِ الموقوفةِ نَفْسِها، ثم أعقب تعالى بوعيدهم على ما وصفوا أنه من القربات.

### الآية 6:140

> ﻿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلَادَهُمْ سَفَهًا بِغَيْرِ عِلْمٍ وَحَرَّمُوا مَا رَزَقَهُمُ اللَّهُ افْتِرَاءً عَلَى اللَّهِ ۚ قَدْ ضَلُّوا وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ [6:140]

قوله سبحانه : قَدْ خَسِرَ الذين قَتَلُواْ أولادهم سَفَهاً بِغَيْرِ عِلْمٍ. . .  \[ الأنعام : ١٤٠ \]. 
تتضمَّن التشنيع بسوء فعلهم، والتَّعْجيبَ مِنْ سوء حالهم فيما ذَكَر، قال عكرمة : وكان الوَأْدُ في رَبِيعَةَ وفِي مُضَرَ. 
قال ( ع ) : وكان جمهورُ العرب لا يفعله، ثم إنَّ فاعليه كان منهم مَنْ يفعله خَوْفَ العَيْلَة والافتقار، وكان منهم من يفعله غَيْرَةً، مخافةَ السِّبَاءِ، و قَدْ ضَلُّواْ  : إخبارٌ عنهم بالحَيْرة،  وَمَا كَانُواْ  : يريد في هذه الفَعْلَةِ، ويحتمل أن يريدَ : وما كانوا قبل ضلالهم بهذه الفَعْلة مهتدين، ولكنَّهم زادوا بهذه الفَعْلَةِ ضلالاً.

### الآية 6:141

> ﻿۞ وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ جَنَّاتٍ مَعْرُوشَاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ مُخْتَلِفًا أُكُلُهُ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُتَشَابِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ ۚ كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ ۖ وَلَا تُسْرِفُوا ۚ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ [6:141]

قوله سبحانه : وَهُوَ الذي أَنشَأَ جنات معروشات وَغَيْرَ معروشات. . .  \[ الأنعام : ١٤١ \]. 
تنبيهٌ على مواضع الاِعتبار، و أَنشَأَ  : معناه : خلَقَ واخترع، و معروشات ، قال ابنُ عَبَّاس : ذلك في ثَمَر العِنَبِ، مِنْها : ما عرش وسمك، ومنها : ما لم يعرش، و متشابها  : يريد : في المَنْظَر، و غَيْرِ متشابه  : في الطعم، قاله ابن جُرَيْج وغيره، وقوله : كُلُواْ مِن ثَمَرِهِ  : نصٌّ في الإباحة، وقوله سبحانه : وَآتُواْ حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ  : قال ابن عباس وجماعة : هي في الزكاة المفْرُوضة. 
قال ( ع ) : وهذا القولُ مُعْتَرَضٌ بأن السورة مكِّيَّةٌ، وبأنَّه لا زكاة فيما ذُكِرَ من الرُّمَّانِ، وما في معناه، وحكى الزجَّاج، أنَّ هذه الآية قيل فيها : إنها نزلَتْ بالمدينة، وقال مجاهدٌ وغيره : بل قوله : وَآتُواْ حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ  : نَدْبٌ إلى إعطاء حقوقٍ مِنَ المال غَيْر الزكاة، والسُّنَّة أن يُعْطِيَ الرجُلُ من زرعه عند الحصَادِ، وعِنْدَ الذَّرْوِ، وعنْدَ تكديسه في البَيْدَرِ، فإذا صفى وكال، أخرَجَ من ذلك الزكاةَ. 
وقالتْ طائفة : هذا حكم صدَقَاتِ المسلمين، حتى نزلَت الزكاةُ المفروضةُ، فنسخَتْها. 
قال ( ع ) : والنسخ غَيْرُ مترتِّب في هذه الآية، ولا تَعَارُضَ بينها وبيْن آية الزكاة، بل تَنْبَنِي هذه على النَّدْبِ، وتلك على الفرض. 
وقوله سبحانه : وَلاَ تُسْرِفُواْ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ المسرفين  النهْيُ عن الإسراف : إما للناس عن التمنُّع عن أدائها، لأن ذلك إسراف من الفعْلِ، وإما للولاة عن التشطُّط على الناسِ والإذاية لهم، وكلٌّ قد قيلَ به في تأويل الآية.

### الآية 6:142

> ﻿وَمِنَ الْأَنْعَامِ حَمُولَةً وَفَرْشًا ۚ كُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ ۚ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ [6:142]

قوله سبحانه : وَمِنَ الأنعام حَمُولَةً وَفَرْشاً \[ الأنعام : ١٤٢ \]. 
 حَمُولَةً  : عطْفٌ على  جنات معروشات . التقدير : وأنشأنا من الأنعامِ حمولةً، والحَمُولَةُ : ما تحمل الأثقال مِنَ الإبل والبقر عنْدَ مَنْ عادته أنْ يحمل عليها، والفَرْش : ما لا يحمل ثقلاً، كالغنم وصِغَار البَقَر والإبل، وهذا هو المرويُّ عن ابْنِ مسعود، وابن عباس، والحَسَن، وغيرهم، ولا مَدْخَل في الآية لغَيْر الأنعام، وقوله : كُلُواْ مِمَّا رَزَقَكُمُ الله  : نصُّ إباحةٍ، وإزالةُ مَا سَنَّه الكفرة من البَحِيرَة والسَّائبة وغير ذلك، ثم تابع النهْيَ عن تلك السُّنَن الآفكة، بقوله سبحانه : وَلاَ تَتَّبِعُواْ خطوات الشيطان ، وهي جمع خُطْوَة، أي : لا تَمْشُوا في طريقه، قُلْتُ : ولفظ البخاريِّ : خطوات  من الخَطْو، والمعنى : آثاره، انتهى.

### الآية 6:143

> ﻿ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ ۖ مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ ۗ قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الْأُنْثَيَيْنِ ۖ نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ [6:143]

قوله سبحانه : ثمانية أزواج \[ الأنعام : ١٤٣ \] واختلف في نَصْبِها فقيل : على البدل من **«مَا »** في قوله : كُلُواْ مِمَّا رَزَقَكُمُ الله ، وقيل : على الحال، وقيل : على البدل من قوله : حَمُولَةً وَفَرْشاً ، وهذا أصوب الأقوال، وأجراها مع معنى الآيةِ، والزَّوْج : الذكر، والزَّوْج الأنثى، فكل واحدٍ منهما زَوْجُ صاحبِهِ، وهي أربعة أنواعٍ، فتجيء ثمانية أزواجٍ، والضَّأْن : جمع ضَائِنَة وضَائِن. 
وقوله سبحانه : قُلْ ءَالذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الأنثيين ، هذا تقسيمٌ على الكفَّار، حتى يتبيَّن كذبهم على اللَّه، أي : لا بد أن يكون حَرَّم الذكَرَيْن، فيلزمكم تحريمُ جميعِ الذُّكور، أو الأنثيين، فيلزمكم تحريمُ جميع الإناث،  أَمَّا اشتملت عَلَيْهِ أَرْحَامُ الأنثيين ، فيلزمكم تحريمُ الجميعِ، وأنتم لم تلتزموا شيئاً يوجبه هذا التقسيمُ، وفي هذه السؤالاتِ تقريعٌ وتوبيخٌ، ثم أتْبَعَ تقريعَهُم بقوله : نَبِّئُونِي ، أي : أخبروني  بِعِلْمٍ ، أي : من جهة نبوءة أو كتابٍ من كتب اللَّهِ  إِن كُنتُمْ صادقين ، و إن  شرطٌ، وجوابه في  نَبِّئُونِي .

### الآية 6:144

> ﻿وَمِنَ الْإِبِلِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْبَقَرِ اثْنَيْنِ ۗ قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الْأُنْثَيَيْنِ ۖ أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ وَصَّاكُمُ اللَّهُ بِهَٰذَا ۚ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَىٰ عَلَى اللَّهِ كَذِبًا لِيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ ۗ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ [6:144]

قوله سبحانه : وَمِنَ الإبل اثنين وَمِنَ البقر اثنين قُلْ ءَالذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ. . .  \[ الأنعام : ١٤٤ \]. 
القولُ في هذه الآية في المعنى وترتيبِ التقسيمِ، كما تقدَّم، فكأنه قال : أنتم الذين تدَّعون أن اللَّه حرم خصائصَ مِنْ هذه الأنعام لا يَخْلُو تحريمه مِنْ أن يكون في الذَّكَرَيْن، أو في الأُنْثَيَيْن، أو فيما اشتملت عليه أرحامُ الأنثيين، لكنه لم يُحَرِّم لا هذا، ولا هذا، ولا هذا، فلم يَبْقَ إلا أنه لم يَقَعْ تحريمٌ، قال الفَخْر : والصحيحُ عندي أن هذه الآية لم ترد على سبيل الاستدلال على بطلان قولهم، بل هي استفهام على سبيل الإنكار، وحاصلُ الكلام : أنكم لا تعترفُون بنبوءة أحد من الأنبياء، فكيف تثبتون هذه الأحكام المختلفة، انتهى. 
وقوله سبحانه : أَمْ كُنتُمْ شُهَدَاء إِذْ وصاكم الله بهذا  : استفهامٌ، على سبيل التوبيخِ، و شُهَدَاء  : جمعُ شهيدٍ، وباقي الآية بيِّن.

### الآية 6:145

> ﻿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَىٰ طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ ۚ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ [6:145]

قوله تعالى : قُل لا أَجِدُ فِي مَا أُوْحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً على طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلا أَن يَكُونَ مَيْتَةً. . .  \[ الأنعام : ١٤٥ \]. 
هذه الآيةُ نزلَتْ بمكَّة، ولم يكن في الشريعة في ذلك الوقْتِ شيء محرَّم غير هذه الأشياء، ثم نزلَت، سورة المائدة بالمدينة، وزيدَ في المحرَّمات، كالخمر، وكأكل كل ذي نابٍ من السباعِ ممَّا وردَتْ به السُّنَّة. 
قال ( ع ) : ولفظة التحريمِ، إذا وردَتْ على لسان رَسُولِ اللَّه صلى الله عليه وسلم، فإنَّها صالحةٌ أن تنتهي بالشيء المذكور غَايَةَ المنْعِ والحظرِ، وصالحةٌ بحسب اللغة أنْ تقف دون الغاية في حَيِّز الكراهية ونحوها، فما اقترنت به قرينةُ التسليمِ من الصحابة المتأوِّلينِ، وأجمع عليه الكلُّ منهم، ولم تَضْطَرِبْ فيه ألفاظ الأحاديث، وأمضاه الناسُ وجب بالشَّرْعِ أنْ يكون تحريمه قَدْ وصَل الغايةَ من الحَظْر والمَنْع، ولحق بالخنزير والميتة، وهذه صفة تحريم الخمر، وما اقترنت به قرينةُ اضطراب ألفاظ الحديثِ، واختلف الأمة فيه، مع علمهم بالأحاديث، كقوله عليه السلام :
( كُلُّ ذِي نَابٍ مِنَ السِّبَاعِ حَرَامٌ )، وقد روي عنه **«نهى رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَنْ أَكْلِ كُلِّ ذِي نَابٍ مِنَ السِّبَاعِ »**، ثم اختلفتِ الصحابة ومَنْ بعدهم في تحريمِ ذلك، فجاز لهذه الوجوه لِمَنْ ينظر أَنْ يحمل لفظ التحريم على المَنْع الذي هو على الكراهية ونحوها، وما اقترنت به قرينةُ التأويلِ، كتحريمه عليه السلام لُحُومَ الحُمُرِ الإنْسِيَّةِ، فتأول بعض الصحابة الحاضِرِينَ ذلك، لأنها لم تخمَّس، وتأوَّل بعضهم أن ذلك لئَلاَّ تفنى حمولةُ النَّاس، وتأول بعضهم التحريمَ المَحْضَ، وثبت في الأمة الاختلافُ في لَحْمها، فجائز لِمَنْ ينظر من العلماءِ أنْ يحمل لفظ التحريمِ بحسب اجتهاده وقياسه على كراهية أو نحوها، وباقي الآية بيِّن.

### الآية 6:146

> ﻿وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ ۖ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا إِلَّا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا أَوِ الْحَوَايَا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ ۚ ذَٰلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِبَغْيِهِمْ ۖ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ [6:146]

قوله سبحانه : وَعَلَى الذين هَادُواْ حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ. . .  \[ الأنعام : ١٣٧ \]. 
هذا خبر مِنَ اللَّهِ سبحانه يتضمَّن تكذيبَ اليَهُودِ في قولهم :**«إن اللَّه لم يحرِّم علينا شيئاً، وإنما حرمنا على أنفسنا ما حَرَّمه إسرائيل على نفسه »**، و كُلَّ ذِي ظُفُرٍ  : يراد به الإبلُ، والنَّعَام، والإوَزُّ ونحوه من الحيوانِ الذي هو غير مُنْفَرِجِ الأصابع، وله ظُفُر، وأخبرنا سبحانه في هذه الآية بتحريمِ الشحومِ عليهم، وهي الثُّرُوب وشَحْمُ الكلى، ومَا كان شحماً خالصاً خارجاً عن الاستثناء الذي في الآية، واختلف في تحريم ذلك على المسلمين من ذبائحهم، فعن مالكٍ : كراهيةُ شحومهم من غير تحريمٍ. 
وقوله تعالى : إِلاَّ مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا ، يريد : ما اختلط باللحْمِ في الظَّهْرِ والأجنابِ ونحوه، قال السُّدِّيُّ وأبو صالح : الإَلْيَاتُ ممَّا حملَتْ ظهورهما، والحَوَايَا : ما تحوى في البَطْن، واستدار، وهي المَصَارِينُ والحُشْوة، ونحوها، وقال ابن عباس وغيره : هي المَبَاعِر، وقوله : أَوْ مَا اختلط بِعَظْمٍ ، يريد : في سائر الشخْصِ. 
وقوله سبحانه : ذلك جزيناهم بِبَغْيِهِمْ  يقتضي أنَّ هذا التحريم إنما كان عقوبةً لهم على بغيهم، واستعصائهم على أنبيائهم. 
وقوله سبحانه : وِإِنَّا لصادقون  : إخبار يتضمَّن التعريضَ بكَذِبهم في قولهم : ما حرَّم اللَّهُ علينا شيئاً.

### الآية 6:147

> ﻿فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ رَبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ وَاسِعَةٍ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُهُ عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ [6:147]

قوله سبحانه : فَإِن كَذَّبُوكَ \[ الأنعام : ١٤٧ \]. 
أي : فيما أخبرْتَ به، أنَّ اللَّه حرَّمه عليهم،  فَقُل رَّبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ واسعة  أي في إمهاله، إذ لم يعاجلْكم بالعقوبةِ، مع شدَّة جُرْمِكم، ولكنْ لا تغترُّوا بسعة رحمته، فإن له بَأْساً لا يُرَدُّ عن القوم المجْرِمِين، إما في الدنيا وإما في الآخرة، وهذه الآية وما جانَسَها من آياتِ مكَّة مرتفعٌ حكْمُها بآية القتالِ.

### الآية 6:148

> ﻿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ ۚ كَذَٰلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّىٰ ذَاقُوا بَأْسَنَا ۗ قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا ۖ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ [6:148]

أخبر سبحانه نبيَّه عليه السلام، بأن المشركين سيحتجُّون، لتصويبِ ما هُمْ عليه من شركهم وتديُّنهم : بتحريمِ تلك الأشياءِ بإمهال اللَّه تعالى لهم، وتقريرِهِ حالهم، وأنه لو شاء غَيْرَ ذلك، لما تَرَكَهم على تلْك الحال، ولا حُجَّة لهم فيما ذكَروه، لأنه سبحانه شاء إشراكهم وأقدرهم على الاكتساب، ويلزمهم على احتجاجهم أنْ تكون كلُّ طريقةٍ وكلُّ نحلةٍ صواباً، إذْ كلها لو شاء اللَّه لَمْ تكُنْ، وفي الكلامِ حذفٌ يدلُّ عليه تناسُقُ الكلامِ، كأنه قال : سيقول المشركون كذا، وكذا، وليس في ذلك حُجَّة لهم، ولا شَيْء يقتضي تكذيبَكَ، ولكن،  كذلك كَذَّبَ الذين مِن قَبْلِهِمْ ، بنحو هذه الشبهة مِنْ ظَنِّهم أنَّ ترك اللَّه لهم دليلٌ على رضاه بحالهم، وفي قوله تعالى : حتى ذَاقُواْ بَأْسَنَا \[ الأنعام : ١٤٨ \]. وعيدٌ بيِّن. 
وقوله سبحانه : قُلْ هَلْ عِندَكُم مِّنْ عِلْمٍ \[ الأنعام : ١٤٨ \]. أي : مِنْ قِبَلِ اللَّه.

### الآية 6:149

> ﻿قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ ۖ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ [6:149]

قُلْ فَلِلَّهِ الحجة البالغة \[ الأنعام : ١٤٩ \]. يريد البالغةَ غاية المَقْصِدِ في الأمر الذي يحتجُّ له، ثم أعلم سبحانه أنَّه لو شاء، لهدَى العالَم بأسْره.

### الآية 6:150

> ﻿قُلْ هَلُمَّ شُهَدَاءَكُمُ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ أَنَّ اللَّهَ حَرَّمَ هَٰذَا ۖ فَإِنْ شَهِدُوا فَلَا تَشْهَدْ مَعَهُمْ ۚ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَهُمْ بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ [6:150]

و ( هَلُمَّ ) : معناها : هَاتِ، وهي حينئذ متعدِّية، وقد تكون بمعنى :**«أَقْبِلْ »**، فلا تتعدى، وبعضُ العرب يجعلها اسم فعْلٍ، ك **«رُوَيْدَكَ »**، وبعضهم يجعلها فِعْلاً، ومعنى الآية : قل هاتوا شهداءكم الذين يشهدون أن اللَّه حرَّم ما زعمتم تحريمَهُ،  فَإِن شَهِدُواْ \[ الأنعام : ١٥٠ \]، أي : فإن افترى لهم أحدٌ أو زَوَّرَ شهادةً أو خبراً عن نبوءة ونَحوَ ذلك، فجَنِّبْ أنْتَ ذلك، ولا تَشْهد معهم، قلْتُ : وهذه الآية والتي بعدها مِنْ نوعَ ما تقدَّم من أن الخطاب له صلى الله عليه وسلم، والمراد غيره ممَّن يمكن ذلك منه.  وَهُم بِرَبِهِمْ يَعْدِلُونَ ، أي : يجعلون لَهُ أنداداً يسوُّونهم به، تعالَى اللَّه عن قولهم.

### الآية 6:151

> ﻿۞ قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ ۖ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا ۖ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا ۖ وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ ۖ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ ۖ وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ ۖ وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ۚ ذَٰلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ [6:151]

قوله سبحانه : قُلْ تَعَالَوْاْ أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلاَّ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئاً \[ الأنعام : ١٥١ \]. 
هذا أمر من اللَّه عزَّ وجلَّ لنبيِّه عليه السلام أنْ يدعو جميع الخَلْق إلى سماع تلاوة ما حَرَّم اللَّه بشَرْع الإسلام المبعوثِ به إلى الأسود والأحمر، و مَا  نصبَتْ بقوله : اتل ، وهي بمعنى **«الَّذِي »**، و**«أنْ »**، في قوله : أَلاَّ تُشْرِكُواْ  في موضع رفع، التقدير : الأمر أنْ، أو ذَاكَ أنْ، وقال كعب الأحبار : هذه الآية هي مفتتحُ التوراة : بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ. . .  إلى آخر الآيات، وقال ابن عباس : هذه الآيات هي المحْكَمَات المذْكُورة في آل عمران، اجتمعت عليها شرائعُ الخَلْقِ، ولم تنسخ قطُّ في ملة، وقد قيل : إنها العَشْر الكلمات المنزَّلة على موسى، والإملاق : الفَقْر وعدَمُ المال، قاله ابن عباس وغيره، قال القُشَيْريُّ : خوفُ الفقر قرينةُ الكفر، وحُسْنُ الثقةِ بالرَّبِّ سبحانه نتيجةُ الإَيمان، انتهى من **«التحبير »**.

### الآية 6:152

> ﻿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّىٰ يَبْلُغَ أَشُدَّهُ ۖ وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ ۖ لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا ۖ وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَىٰ ۖ وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا ۚ ذَٰلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ [6:152]

قوله سبحانه : وَلاَ تَقْرَبُواْ مَالَ اليتيم إِلاَّ بالتي هِيَ أَحْسَنُ \[ الأنعام : ١٥٢ \]. قال مجاهد : التي هِيَ أَحْسَنُ  : التجارة فيه، والأَشُدُّ هنا : الحَزْمُ والنظرُ في الأمور وحُسْنُ التصرُّف فيها، وليس هذا بالأَشُدِّ المقرونِ بالأربعين، بل هذا يكون مع صِغَر السِّنِّ في ناسٍ كثيرٍ. 
وقوله سبحانه : وَأَوْفُواْ الكيل والميزان  : أمر بالاعتدال. 
وقوله سبحانه : لاَ نُكَلِّفُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا  : يقتضي أن هذه الأوامر إنما هِيَ فيما يقع تَحْتَ قُدْرة البَشَر من التحفُّظ والتحرُّز. 
وقوله تعالى : وَإِذَا قُلْتُمْ فاعدلوا  : يتضمَّن الشهاداتِ والأحكامَ والتوسُّطَ بيْنَ الناسِ وغيْرَ ذلك، أي : ولو كان ميل الحقِّ على قراباتكم.

### الآية 6:153

> ﻿وَأَنَّ هَٰذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ ۖ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ۚ ذَٰلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ [6:153]

قوله سبحانه : وَأَنَّ هذا صراطي مُسْتَقِيمًا فاتبعوه \[ الأنعام : ١٥٣ \]. الإشارة ب  هذا  هي إلى الشرعِ الذي جَاءَ بِهِ نبيُّنا محمَّد صلى الله عليه وسلم، وقال الطبريُّ : الإشارة هي إلى هذه الوصايا التي تقدَّمت مِنْ قوله : قُلْ تَعَالَوْاْ ، وقال ابن مسعود : إن اللَّه سبحانه جَعَلَ طريقه صراطاً مستقيماً طرقه محمَّد صلى الله عليه وسلم وشرعه، ونهايتُه الجنَّة، وتتشعَّب منه طُرُقٌ، فمن سَلَك الجادَّة نجا، ومن خَرَج إلى تلْكَ الطرُقِ أفْضَتْ به إلى النَّار، وقال أيضاً : خطَّ لنا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَوْماً خطًّا، فَقَالَ :( هَذَا سَبِيلُ اللَّهِ ) ثُمَّ خَطَّ عَنْ يَمِينِ ذَلِكَ وَعَنْ شِمَالِهِ خُطُوطاً، فَقَالَ :( هَذِهِ سُبُلٌ على كُلِّ سَبِيلٍ مِنْهَا شَيْطَانٌ يَدْعُو إلَيْهَا ) ثم قرأ هذه الآية. 
قال ( ع ) : وهذه الآية تعمُّ أهل الأهواء والبِدَع والشُّذُوذ في الفُرُوع وغير ذلك من أهل التعمُّق في الجَدَلِ، والخَوْضِ في الكلامِ، هذه كلُّها عُرْضَة للزَّلَل، ومَظِنَّة لسوء المعتقَدِ، و لَعَلَّكُمْ  ترجٍّ بحسبنا، ومن حيث كانَتِ المحرَّمات الأوَلُ لا يقع فيها عاقلٌ قد نظر بعَقْله، جَاءَتِ العبارةُ : لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ، والمحرَّمات الأُخَرُ شهواتٌ، وقد يقع فيها من العقلاءِ مَنْ لم يتذكَّر، وركوبُ الجادَّة الكاملة يتضمَّن فعل الفضائلِ، وتلك درجةُ التقوى.

### الآية 6:154

> ﻿ثُمَّ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ تَمَامًا عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لَعَلَّهُمْ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ [6:154]

قوله سبحانه : ثُمَّ ءَاتَيْنَا مُوسَى الكتاب تَمَامًا عَلَى الذي أَحْسَنَ \[ الأنعام : ١٥٤ \]. 
 ثُمَّ ، في هذه الآية : إنما مُهْلَتها في ترتيب القولِ الذي أمر به نبيُّنا محمد صلى الله عليه وسلم، كأنه قال : ثم ممَّا قضَيْناه أنَّا آتينا موسَى الكتاب، ويدعو إلى ذلك أن موسى عليه السلام متقدِّم بالزمانِ على نبيِّنا محمد صلى الله عليه وسلم وتلاوته ما حرَّم اللَّه، و الكتاب  : التوراةُ، و تَمَاماً  : مصدر، وقوله : عَلَى الذي أَحْسَنَ  : مختلفٌ في معناه، فقالت فرقة : الذي  بمعنى الَّذِينَ و أَحْسَنَ  : فعلٌ ماضٍ صلَةُ **«الذين »**، وكأن الكلام : وآتينا موسَى الكتابَ تفضُّلاً على المحسنين من أهْل ملَّته، وإتماماً للنعمة عليهم، وهذا تأويل مجاهد، ويؤيِّده ما في مصحف ابْنِ مسعود :( تَمَاماً عَلَى الَّذِينَ أحْسَنُوا )، وقالت فرقة : المعنى : تماماً على ما أحْسَنَ هو مِنْ عبادة ربِّه، يعني : موسى عليه السلام وهذا تأويل الربيع وقتادة، وقالت فرقة : المعنى : تماماً على الذي أحسن اللَّه فيه إلى عباده من النبوءات وسائر النعم، و بِلَقَاء رَبِّهِمْ ، أي : بالبعث.

### الآية 6:155

> ﻿وَهَٰذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ [6:155]

قوله سبحانه : وهذا كتاب أنزلناه مُبَارَكٌ فاتبعوه واتقوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ \[ الأنعام : ١٥٥ \]،  هذا  إشارة إلى القرآن، و مُّبَارَكٌ  : وصف بما فيه من التوسُّعات وأنواعِ الخَيْرات، ومعناه : مُنَمًّى خيره مُكثَّر، والبركةُ : الزيادةُ والنموُّ،  فاتبعوه  : دعاء إلى الدِّين،  واتقوا  : أمر بالتقوَى العامَّة في جميع الأشياء، بقرينةِ قوله : لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ .

### الآية 6:156

> ﻿أَنْ تَقُولُوا إِنَّمَا أُنْزِلَ الْكِتَابُ عَلَىٰ طَائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنَا وَإِنْ كُنَّا عَنْ دِرَاسَتِهِمْ لَغَافِلِينَ [6:156]

( أنْ ) في قوله : أَن تَقُولُواْ  في موضعِ نصبٍ، والعاملُ فيه : أنزلناه ، والتقدير : وهذا كتاب أنزلناه، كراهيةَ أنْ تقولوا، والطائفتان : اليهودُ والنصارى بإجماع المتأوِّلين، والدِّرَاسَة : القراءةُ والتعلُّم بها، ومعنى الآية : إزالة الحجة مِنْ أيدي قُرَيْشٍ وسائرِ العربِ، ولما تقرَّر أن البينة قد جاءَتْهم، والحجَّةَ قد قامَتْ عليهم حَسُنَ بعد ذلك أنْ يقع التقريرُ بقوله سبحانه : فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن كَذَّبَ بآيات الله وَصَدَفَ عَنْهَا \[ الأنعام : ١٥٧ \] أيْ : حَادَ عنها، وزَاغَ، وأعرض، و سَنَجْزِي الذين  : وعيدٌ.

### الآية 6:157

> ﻿أَوْ تَقُولُوا لَوْ أَنَّا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْكِتَابُ لَكُنَّا أَهْدَىٰ مِنْهُمْ ۚ فَقَدْ جَاءَكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ ۚ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَّبَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَصَدَفَ عَنْهَا ۗ سَنَجْزِي الَّذِينَ يَصْدِفُونَ عَنْ آيَاتِنَا سُوءَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُوا يَصْدِفُونَ [6:157]

نص مكرر لاشتراكه مع الآية ١٥٦:( أنْ ) في قوله : أَن تَقُولُواْ  في موضعِ نصبٍ، والعاملُ فيه : أنزلناه ، والتقدير : وهذا كتاب أنزلناه، كراهيةَ أنْ تقولوا، والطائفتان : اليهودُ والنصارى بإجماع المتأوِّلين، والدِّرَاسَة : القراءةُ والتعلُّم بها، ومعنى الآية : إزالة الحجة مِنْ أيدي قُرَيْشٍ وسائرِ العربِ، ولما تقرَّر أن البينة قد جاءَتْهم، والحجَّةَ قد قامَتْ عليهم حَسُنَ بعد ذلك أنْ يقع التقريرُ بقوله سبحانه : فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن كَذَّبَ بآيات الله وَصَدَفَ عَنْهَا \[ الأنعام : ١٥٧ \] أيْ : حَادَ عنها، وزَاغَ، وأعرض، و سَنَجْزِي الذين  : وعيدٌ. ---

### الآية 6:158

> ﻿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ ۗ يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا ۗ قُلِ انْتَظِرُوا إِنَّا مُنْتَظِرُونَ [6:158]

قوله سبحانه : هَلْ يَنظُرُونَ \[ الأنعام : ١٥٨ \]. 
أي : ينتظرُونَ، يعني : العربَ المتقدِّمَ الآن ذكرهُم، و الملائكة  هنا : هم ملائكة المَوْت الذين يصحبون عزرائيل المخْصُوصَ بقَبْض الأرواح، قاله مجاهد وقتادة وابنُ جْرَيْج. 
وقوله تعالى : أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ ، قال الطبريُّ : لموقف الحساب يَوْمَ القيامة، وأسند ذلك إلى قتادة وجماعةٍ من المتأوِّلين، وقال الزَّجَّاج : إن المراد :( أو يأتي عذاب ربك ). 
قال ( ع ) : وعلى كلِّ تأويل فإنما هو بحذفِ مضافٍ، تقديره : أمر ربك، أو بَطْش رَبِّك، أو حسابُ ربك، وإلا فالإتيانُ المفهومُ من اللغة مستحيلٌ على اللَّه تعالى، ألا ترى أن اللَّه عزَّ وجلَّ يقول : فأتاهم الله مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُواْ  \[ الحشر : ٢ \]، فهذا إتيان قد وقع، وهو على المجازِ، وحذفِ المضافِ. 
قال الفَخْر : والجواب المعتمَدُ عليه هنا أنَّ هذا حكايةُ مذهب الكفَّار، واعتقادِهِم، فلا يفتقر إلى تأويله، وأجمعوا على أن المراد بهذه الآيات علاماتُ القيامةِ، انتهى. 
قلتُ : وما ذكره الفَخْر من أن هذا حكايةُ مذهب الكفار هي دعوى تفتقر إلى دليلٍ. 
وقوله سبحانه : أَو يَأْتِيَ بَعْضُ ءايات رَبِّكَ ، قال مجاهد وغيره هي إشارة إلى طلوعِ الشمْسِ من مغربها، بدليلِ الَّتي بعدها. 
قال ( ع ) : ويصحُّ أن يريد سبحانه بقوله : أَو يَأْتِيَ بَعْضُ ءايات رَبِّكَ  جميعَ ما يُقْطَعُ بوقوعه من أشراط الساعة، ثم خصَّص سبحانه بعد ذلك بقوله : يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ ءايات رَبِّكَ  الآيةَ التي ترتفع التوبةُ معها، وقد بيَّنت الأحاديثُ الصِّحاح في البخاريِّ ومسلمٍ، أنها طلوع الشمس مِنْ مغربها، ومقْصِدُ الآية تهديدُ الكفَّار بأحوالٍ لا يخلُونَ منها، وقوله : أَوْ كَسَبَتْ فِي إيمانها خَيْراً ، يريد : جميعَ أعمال البرِّ، وهذا الفَصْل هو للعُصَاة من المؤمنين، كما أن قوله : لَمْ تَكُنْ ءَامَنَتْ مِن قَبْلُ  هو للكافرين، فالآية المشارُ إليها تقْطَعُ توبة الصِّنْفَيْنِ، قال الداوديُّ : قوله تعالى : أَوْ كَسَبَتْ فِي إيمانها خَيْراً ، يريد أن النفس المؤمنة التي ارتكبت الكبائر لا تُقْبَلُ منها التوبة يومئذ، وتكونُ في مشيئة اللَّه تعالى، كأن لم تَتُبْ، وعن عائشة ( رضي اللَّه عنها ) : إذا خرجَتْ أول الآيات، طُرِحَتِ الأقلامُ، وحُبِسَتِ الحَفَظَةُ، وشَهِدَتِ الأجساد على الأعمال. انتهى. 
وقوله سبحانه : قُلِ انتظروا إِنَّا مُنتَظِرُونَ  : لفظٌ يتضمَّن الوعيد.

### الآية 6:159

> ﻿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ ۚ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ [6:159]

قوله سبحانه : إِنَّ الذين فَرَّقُواْ دِينَهُمْ وَكَانُواْ شِيَعاً لَّسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ \[ الأنعام : ١٥٩ \]. 
قال ابن عباس وغيره : المراد ب **«الذين »** اليهود والنصارى، أي : فَرَّقوا دين إبراهيم، ووَصَفَهم ب **«الشِّيَعِ »**، إذ كل طائفة منهم لها فرق واختلافات، ففي الآية حضٌّ للمؤمنين على الائتلاف وتركِ الاختلافِ، وقال أبو الأحْوَص وأم سلمة زوجُ النبيِّ صلى الله عليه وسلم :" الآية في أهْل البدع والأهواء والفتنِ "، ومَنْ جرى مَجْراهم من أمة نبيِّنا محمد صلى الله عليه وسلم، أي : فَرَّقوا دين الإسلام، وقرأ حمزة والكسائيُّ :**«فارَقُوا »**، ومعناه : تركوا. 
وقوله تعالى : لَّسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ  : أي : لا تشفع لهم، ولا لهم بك تعلُّق، وهذا على الإطلاق في الكفَّار، وعلى جهة المبالغة في العُصَاة. 
وقوله سبحانه : إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى الله. . .  الآية، وعيدٌ محضٌ، وقال السدي : هذه آية لم يؤمر فيها بقتالٍ، فهي منسوخة بالقتال. 
قال ( ع ) : الآية خبر لا يدخله نسخٌ، ولكنها تضمَّنت بالمعنى أمراً بموادعةٍ، فيشبه أنْ يقال : إن النسخ وقع في ذلك المعنَى الذي قد تقرَّر نسخه في آيات أخرى.

### الآية 6:160

> ﻿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا ۖ وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَىٰ إِلَّا مِثْلَهَا وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ [6:160]

قوله سبحانه : مَن جَاء بالحسنة فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا. . .  \[ الأنعام : ١٦٠ \]. 
قال ابن مسعود وغيره : الحسنة  هنا :**«لا إله إلا اللَّه »**، و السيئة  : الكفر. 
قال ( ع ) : وهذه هي الغاية من الطرفَيْنِ، وقالت فرقة : ذلك لفظٌ عامٌّ في جميع الحسناتِ والسيئاتِ، وهذا هو الظاهر، وتقديرُ الآية : مَنْ جاء بالحسنة، فله ثوابُ عَشْرِ أمثالها، وقرأ يعقوبُ وغيره :**«فَلَهُ عَشْرٌ »** بالتنوين **«أَمْثَالُهَا »** بالرفع.

### الآية 6:161

> ﻿قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَىٰ صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا ۚ وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ [6:161]

قوله تعالى : قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إلى صراط مُّسْتَقِيمٍ دِيناً قِيَماً مِّلَّةَ إِبْرَاهِيمَ. . .  \[ الأنعام : ١٦١ \]. 
في غاية الوضوحِ والبيانِ، و قِيَماً  : نعت للدِّين، ومعناه : مستقيماً، و مِلَّةَ  : بدلٌ من الدِّين.

### الآية 6:162

> ﻿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ [6:162]

قوله سبحانه : قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي. . .  \[ الأنعام : ١٦٢ \]. 
أمْر من اللَّه عز وجل لنبيِّه عليه السلام أنْ يعلن بأنَّ مقصده في صلاته، وطاعتِهِ من ذبيحة وغيرها، وتصرفَهُ مدَّةَ حياتِهِ، وحالهُ من إخلاصٍ وإيمانٍ عند مماته إنما هو للَّه عزَّ وجلَّ، وإرادةِ وجهه، وطَلَبِ رضاه، وفي إعلان النبيِّ صلى الله عليه وسلم بهذه المقالة ما يلزمُ المؤمنين التأسِّي به، حتى يلتزموا في جميع أعمالهم قَصْدَ وجه اللَّه عزَّ وجلَّ، ويحتمل أن يريد بهذه المقالة، أنَّ صلاته ونسكه وحياته ومماته بِيَدِ اللَّه عزَّ وجلَّ، واللَّه يصرفه في جميع ذلك كَيْفَ شاء سبحانه، ويكون قوله : وبذلك أُمِرْتُ \[ الأنعام : ١٦٣ \]، على هذا التأويل راجعاً إلى قوله : لاَ شَرِيكَ لَهُ  فقطْ، أو راجعاً إلى القول، وعلى التأويل الأول، يرجع إلى جميع ما ذُكِرَ من صلاة وغيرها، وقالتْ فرقة : النُّسُكُ، في هذه الآية : الذبائح. 
قال ( ع ) : ويُحَسِّن تخصيصَ الذبيحة بالذِّكْر في هذه الآية، أنها نازلةٌ قد تقدَّم ذكرها، والجَدَل فيها في السُّورة، وقالتْ فرقة : النسك، في هذه الآية : جميع أعمال الطاعاتِ، مِنْ قولك : نَسَكَ فُلاَنٌ، فَهُوَ نَاسِكٌ، إذا تعبَّد، وقرأ السبعة سوى نافع :**«وَمَحْيَايَ »** بفتح الياء، وقرأ نافع وحده :**«وَمَحْيَايْ »** بسكون الياء، قال أبو حَيَّان : وفيه جمع بين ساكنَيْنِ، وسوَّغ ذلك ما في الألفِ من المَدِّ القائمِ مَقَام الحركَة، انتهى. وقوله : وأنا أول المسلمين ، أي : من هذه الأمة.

### الآية 6:163

> ﻿لَا شَرِيكَ لَهُ ۖ وَبِذَٰلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ [6:163]

نص مكرر لاشتراكه مع الآية ١٦٢:قوله سبحانه : قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي...  \[ الأنعام : ١٦٢ \]. 
أمْر من اللَّه عز وجل لنبيِّه عليه السلام أنْ يعلن بأنَّ مقصده في صلاته، وطاعتِهِ من ذبيحة وغيرها، وتصرفَهُ مدَّةَ حياتِهِ، وحالهُ من إخلاصٍ وإيمانٍ عند مماته إنما هو للَّه عزَّ وجلَّ، وإرادةِ وجهه، وطَلَبِ رضاه، وفي إعلان النبيِّ صلى الله عليه وسلم بهذه المقالة ما يلزمُ المؤمنين التأسِّي به، حتى يلتزموا في جميع أعمالهم قَصْدَ وجه اللَّه عزَّ وجلَّ، ويحتمل أن يريد بهذه المقالة، أنَّ صلاته ونسكه وحياته ومماته بِيَدِ اللَّه عزَّ وجلَّ، واللَّه يصرفه في جميع ذلك كَيْفَ شاء سبحانه، ويكون قوله : وبذلك أُمِرْتُ \[ الأنعام : ١٦٣ \]، على هذا التأويل راجعاً إلى قوله : لاَ شَرِيكَ لَهُ  فقطْ، أو راجعاً إلى القول، وعلى التأويل الأول، يرجع إلى جميع ما ذُكِرَ من صلاة وغيرها، وقالتْ فرقة : النُّسُكُ، في هذه الآية : الذبائح. 
قال ( ع ) : ويُحَسِّن تخصيصَ الذبيحة بالذِّكْر في هذه الآية، أنها نازلةٌ قد تقدَّم ذكرها، والجَدَل فيها في السُّورة، وقالتْ فرقة : النسك، في هذه الآية : جميع أعمال الطاعاتِ، مِنْ قولك : نَسَكَ فُلاَنٌ، فَهُوَ نَاسِكٌ، إذا تعبَّد، وقرأ السبعة سوى نافع :****«وَمَحْيَايَ »**** بفتح الياء، وقرأ نافع وحده :****«وَمَحْيَايْ »**** بسكون الياء، قال أبو حَيَّان : وفيه جمع بين ساكنَيْنِ، وسوَّغ ذلك ما في الألفِ من المَدِّ القائمِ مَقَام الحركَة، انتهى. وقوله : وأنا أول المسلمين ، أي : من هذه الأمة. ---

### الآية 6:164

> ﻿قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبًّا وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ ۚ وَلَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْهَا ۚ وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ ۚ ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ [6:164]

قوله سبحانه : قُلْ أَغَيْرَ الله أَبْغِي رَبّاً وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ. . .  \[ الأنعام : ١٦٤ \]. 
حكى النَّقَّاش أنه روي أنَّ الكُفَّار قالوا للنبيِّ صلى الله عليه وسلم : ارجع يا محمَّد إلى ديننا، واعبد آلهتنا، واترك ما أنت عليه، ونحن نتكفَّل لك بكلِّ تباعة تتوقَّعها في دُنْيَاك وآخرتك، فنزلَتْ هذه الآية، وهي استفهام يقتضي التوبيخَ لهم، و أَبْغِي  : معناه أَطْلُبْ، فكأنه قال : أفَيَحْسُنُ عندكم أن أَطْلُبَ إلهاً غير اللَّه الذي هو رَبُّ كلِّ شيء، وما ذكَرْتُم من كَفَالَتِكُمْ باطلٌ ليس الأمرُ كما تظُنُّون، فلا تَكْسِبُ كلُّ نفس من الشَّرِّ والإثم إلا عليها وحْدها،  وَلاَ تَزِرُ ، أي : تحملُ  وازرة ، أي : حاملةٌ حمل أخرى وثقلها، و**«الوِزْر »** : أصله الثقل، ثم استعمل في الإثم، تجوُّزاً واستعارة،  ثُمَّ إلى رَبِّكُمْ مَّرْجِعُكُمْ  : تهديد ووعيد، وقوله : فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ ، أي : في أمري في قول بعضكم : هو سَاحِرٌ، وبعضكم : هو شاعرٌ، إلى غير ذلك، قاله بعض المتأوِّلين، وهذا التأويلُ يَحْسُنُ في هذا الموضع، وإن كان اللفظ يعمُّ جميع أنواع الاختلافاتِ بَيْن الأديان والمِلَلِ والمَذَاهِب وغَيْرِ ذلك.

### الآية 6:165

> ﻿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ الْأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ ۗ إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ [6:165]

خلائف  : جمع خَلِيفَةِ، أي : يخلف بعضُكم بعضاً، لأن مَنْ أتى خليفةٌ لِمَنْ مضى، وهذا يتصوَّر في جميع الأممِ وسائرِ أصنافِ الناسِ، ولكنه يحْسُنُ في أمة نبيِّنا محمد صلى الله عليه وسلم أن يسمى أهلها بجملتهم خلائِف للأمم، وليس لهم من يخلفهم، إذ هم آخر الأمم، وعليهم تقومُ الساعة، وروى الحَسَنُ بْنُ أبي الحسن، أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قال :( تُوفونَ سَبْعِينَ أُمَّةً أَنْتُمْ خَيْرُهَا وَأَكْرَمُهَا عَلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ )، ويروى :( أَنْتُمْ آخِرُهَا وَأَكْرَمُهَا عَلَى اللَّهِ ). وقوله : وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ درجات \[ الأنعام : ١٦٥ \] لفظٌ عامٌّ في المالِ، والقوةِ، والجاهِ، وجودةِ النفُوسِ والأذهانِ، وغير ذلك، وكل ذلك إنما هو ليختبر اللَّه سبحانه الخلْقَ، فيَرَى المحْسِنَ من المُسيء، ولما أخبر اللَّه عزَّ وجلَّ بهذا، ففسح للنَّاس مَيْدَانَ العَمَل، وحضَّهم سبحانه على الاستباقِ إلى الخيراتِ، توعَّد ووَعَد، تخويفاً منه وترجيةً، فقال : إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ العقاب  إما بأخَذَاته في الدنيا، وإما بعقاب الآخرة، وحَسُنَ أنْ يوصف عقابُ الآخرة ب **«سريع »**، لما كان متحقّقاً مضمون الإتيانِ والوقوعِ، وكلُّ آت قريبٌ،  وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ  : ترجيةٌ لمن أذنب وأراد التوبة، وهذا في كتاب اللَّه كثيرٌ، وهو اقتران الوعيد بالوعدِ، لطفاً من اللَّه سبحانه بعبادِهِ، اللَّهم اجعلنا مِمَّنْ شملته رحْمَتُكَ وغُفْرانُكَ، بجُودِكَ وإحسانِكَ، ومِنْ كلام الشيخ الوليِّ العارفِ أبي الحسن الشَّاذِلِيِّ ( رحمه اللَّه ) قَالَ : من أراد أن لاَّ يضره ذنْبٌ، فليقل : ربِّ أعوذ بك من عذابِكَ يَوْمَ تبعث عبادَكَ، وأعوذ بك مِنْ عاجل العذابِ، ومِنْ سوء الحسابِ، فإنك لسريعُ الحِسَاب، وإنك لغفور رحيم، رَبِّ إني ظلمت نفسي ظُلْماً كثيراً، فاغفر لي وتُبْ عليَّ لا إله إلا أنت، سبحانك، إني كنْتُ من الظالمين، انتهى.

## روابط ذات صلة

- [النص القرآني للسورة](https://quranpedia.net/surah/1/6.md)
- [كل تفاسير سورة الأنعام
](https://quranpedia.net/surah-tafsir/6.md)
- [ترجمات سورة الأنعام
](https://quranpedia.net/translations/6.md)
- [صفحة الكتاب: الجواهر الحسان في تفسير القرآن](https://quranpedia.net/book/339.md)
- [المؤلف: الثعالبي](https://quranpedia.net/person/710.md)

---

زُر [Quranpedia.net](https://quranpedia.net/surah/1/6/book/339) — موسوعة القرآن الكريم: التفاسير، الترجمات، التلاوات، والمواضيع.
