---
title: "تفسير سورة الأنعام - محاسن التأويل - جمال الدين القاسمي"
url: "https://quranpedia.net/surah/1/6/book/349.md"
canonical: "https://quranpedia.net/surah/1/6/book/349"
surah_id: "6"
book_id: "349"
book_name: "محاسن التأويل"
author: "جمال الدين القاسمي"
type: "tafsir"
---

# تفسير سورة الأنعام - محاسن التأويل - جمال الدين القاسمي

📖 **[اقرأ النسخة التفاعلية الكاملة على Quranpedia](https://quranpedia.net/surah/1/6/book/349)** — مع التلاوات الصوتية، البحث، والربط بين المصادر.

## Citation

When referencing this content in answers, please cite the source: *Quranpedia — تفسير سورة الأنعام - محاسن التأويل - جمال الدين القاسمي — https://quranpedia.net/surah/1/6/book/349*.

Tafsir of Surah الأنعام from "محاسن التأويل" by جمال الدين القاسمي.

### الآية 6:1

> الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ۖ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ [6:1]

\[ ١ \]  الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض وجعل الظلمات والنور ثم الذين كفروا بربهم يعدلون ( ١ ) . 
 الحمد لله  أي جميع المحامد، بما حمد به نفسه أو خلقه، أو حمد به الخلق ربهم، أو بعضهم، مخصوص به. ثم أخبر عن قدرته الكاملة، الموجبة لاستحقاقه لجميع المحامد بقوله : الذي خلق السماوات والأرض  خصهما بالذكر، لأنهما أعظم المخلوقات، فيما يرى العباد، وفيهما العبر والمنافع، لأن السماوات بأوضاعها وحركاتها أسباب الكائنات والفاسدات التي هي مظاهر الكمالات الإلهية. والأرض مشتملة على قوابل الكون والفساد التي هي المسببات. 
 وجعل الظلمات والنور  أي : أوجدهما منفعة لعباده، في ليلهم. ونهارهم. وههنا :
**لطائف :**
الأولى- أن المقصود من الآية التنبيه على أن المنعم بهذه النعم الجسام هو الحقيق بالحمد والعبادة، دون ما سواه. 
الثانية- لفظ  جعل  يتعدى إلى واحدة إذا كان بمعنى أحدث وأنشأ، كما هنا ؛ وإلى مفعولين إذا كان بمعنى ( صير ) كقوله[(١)](#foonote-١) : وجعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن إناثا . والفرق بين ( الخلق ) و ( الجعل ) : أن ( الخلق ) فيه معنى التقدير، وفي ( الجعل ) معنى التضمين، كإنشاء شيء من شيء أو تصيير شيء شيئا، أو نقله من مكان إلى مكان. ومن ذلك :/  وجعل منها زوجها [(٢)](#foonote-٢)  أجعل الآلهة إلها واحدا [(٣)](#foonote-٣). وإنما حسن لفظ ( الجعل ) ههنا، لأن النور والظلمة لما تعاقبا، صار كأن كل واحد منهما إنما تولد من الآخر- قاله الرازي- وسبقه إليه الزمخشري. 
قال الناصر في ( الانتصاف ) : وقد وردت ( جعل ) و ( خلق ) موردا واحدا. فورد : وخلق منها زوجها [(٤)](#foonote-٤). وورد : وجعل منها زوجها [(٥)](#foonote-٥). وذلك ظاهر في الترادف. إلا أن للخاطر ميلا إلى الفرق الذي أبداه الزمخشري. ويؤيده أن ( جعل ) لم يصحب السماوات والأرض، وإنما لزمتهما ( خلق ). وفي إضافة ( الخلق ) في هذه الآية إلى السماوات والأرض، و ( الجعل ) على الظلمات والنور، مصداق للمميز بينهما- والله أعلم-. 
الثالثة- إن قيل : لم جمعت السماوات دون الأرض مع أنها مثلهن لقوله تعالى : ومن / الأرض مثلهن [(٦)](#foonote-٦)، وفي الحديث :[(٧)](#foonote-٧) " هل تدرون ما هذه ؟ قالوا : هذه أرض. هل تدرون ما تحتها ؟ قالوا : الله ورسوله أعلم ! قال : أرض أخرى، وبينهما مسير خمسمائة عام، حتى عد سبع أرضين، بين كل أرضين مسيرة خمسمائة عام ". - أخرجه الترمذي، وأبو الشيخ عن أبي هريرة رضي الله عنه ؟. 
 فالجواب : لأن السماوات طبقات متفاضلة بالذات، مختلفة بالحقيقة، بخلاف الأرضين- كما قاله البيضاوي-. 
وقال الرازي : إن السماء جارية مجرى الفاعل. والأرض مجرى القابل. فلو كانت السماء واحدة لتشابه الأثر، وذلك يخل بمصالح هذا العالم. أما لو كانت كثيرة اختلفت الاتصالات الكوكبية، فحصل بسببها الفصول الأربعة، وسائر الأحوال المختلفة، وحصل بسبب تلك الاختلافات مصالح هذا العالم. أما الأرض فهي قابلة للأثر، والقابل الواحد كاف في القبول. انتهى. 
وقدم السماوات لشرفها وعلو مكانها. 
الرابعة- الظاهر في  الظلمات والنور  أن المراد منهما الأمران المحسوسان بحس البصر. والذي يقوي ذلك أن اللفظ حقيقة فيهما. والأصل حمل اللفظ على حقيقته، ولأن  الظلمات والنور  إذا قرنا بالسماوات والأرض، لم يفهم منهما إلا الأمران المحسوسان. 
ونقل عن بعض السلف أنه عنى بهما الكفر والإيمان. 
ورجح بعضهم الثاني بأن المعنى : أنه لما خلق السماوات والأرض، فقد نصب الأدلة على معرفته وتوحيده. ثم بين طرق الضلال، وطريق الهدى، بإنزال الشرائع والكتب السماوية.  ثم الذين كفروا بربهم يعدلون ، فناسب المقام ( ثم ) الاستبعادية، إذ يبعد من العاقل الناظر بعد إقامة الدليل. اختيار الباطل. انتهى. 
وعليه فجمع  الظلمات  وتوحيد  النور  ظاهر. لأن الهدى واحد، والضلال متعدد، كما قال في آخر هذه السورة[(٨)](#foonote-٨) : وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله . 
 وعلى الأول، فجمعها لظهور كثرة أسبابها ومحالها عند الناس، فإن لكل جرم ظلمة، وليس لكل جرم نور. وأما تقديمها فلسبقها في التقدير والتحقق، على النور. 
وفي الأثر[(٩)](#foonote-٩) :" إن الله خلق الخلق في ظلمة ثم رش عليهم من نوره ". 
وقوله تعالى : ثم الذين كفروا بربهم يعدلون  معطوف على الجملة السابقة الناطقة بما مر من موجبات اختصاصه تعالى، بالحمد المستدعي لاقتصار العبادة عليه. مسوق لإنكار ما عليه الكفرة، واستبعاده من مخالفتهم لمضمونها، واجترائهم على ما يقضي ببطلانه بديهة/ العقول. والمعنى أنه تعالى مختص باستحقاق الحمد والعبادة، باعتبار ذاته، وباعتبار ما فصل من شؤونه العظيمة الخاصة به، الموجبة لقصر الحمد والعبادة عليه. ثم هؤلاء الكفرة لا يعملون بموجبه، ويعدلون به سبحانه. أي : يسوون به غيره في العبادة التي هي أقصى غايات الشكر، الذي رأسه الحمد، مع كون كل ما سواه مخلوقا له، غير متصف بشيء من مبادئ الحمد. 
وكلمة ( ثم ) لاستبعاد الشرك بعد وضوح ما ذكر من الآيات التكوينية، القاضية ببطلانه. و ( الباء ) متعلقة ب  يعدلون  ووضع  الرب  موضع ضميره تعالى، لزيادة التشنيع والتقبيح. والتقديم لمزيد الاهتمام، والمسارعة إلى تحقيق مدار الإنكار والاستبعاد، والمحافظة على الفواصل. وترك المفعول لظهوره، أو لتوجيه الإنكار إلى نفس الفعل، بتنزيله منزلة اللازم، إيذانا بأنه المدار في الاستبعاد، لا خصوصية المفعول. هذا هو الحقيق بجزالة التنزيل- أفاده أبو السعود-. 
ثم ناقش ما وقع للمفسرين هنا مما يخالفه. فانظره. 
وأصل ( العدل ) مساواة الشيء بالشيء. والمعنى : أنهم يجعلون له عديلا من خلقه، مما لا يقدر على شيء. فيعبدون الحجارة، مع إقرارهم بأن الله خلق السماوات والأرض. 
وقال النضر بن شميل :( الباء ) بمعنى ( عن ) أي : عن ربهم يعدلون وينحرفون، من العدول عن الشيء. 
**لطيفة :**
قال ابن عطية رحمه الله :( ثم ) دالة على قبح فعل الذين كفروا، لأن المعنى أن خلقه السماوات قد تقرر، وآياته قد سطعت، وإنعامه بذلك قد تبين. ثم بعد هذا كله قد عدلوا بربهم. فهذا كما تقول : أعطيتك وأحسنت إليك، ثم تشتمني ؟ ولو وقع العطف في هذا ونحوه ب ( الواو ) لم يلزم التوبيخ كلزومه ب ( ثم ) انتهى. أي : ففيها الدلالة على التوبيخ والإنكار، كالتعجيب أيضا. 
 قال أبو حيان : هذا الذي ذهب إليه ابن عطية من أن ( ثم ) للتوبيخ. والزمخشري من أنها للاستبعاد- مفهوم من سياق الكلام، لا من مدلول ( ثم ). انتهى. 
وإنما لم تحمل ( ثم ) على التراخي، مع استقامته، لكون الاستبعاد أوفق بالمقام، لأن التراخي الزماني معلوم فيه، فلا فائدة في ذكره.

١ - (٤٣/ الزخرف / ١٩)..
٢ - \[٧/ الأعراف/ ١٨٩\] ونصها: هو الذي خلقكم من نفس واحدة وجعل منها زوجها ليسكن إليها فلما تغشاها حملت حملا خفيا فمرت به فلما أثقلت دعوا الله ربهما لئن آتيتنا صالحا لنكونن من الشاكرين (١٨٩).
 و\[٣٩/ الزمر/ ٦\] ونصها: خلقكم من نفس واحدة ثم جعل منها زوجها وأنزل لكم من الأنعام ثمانية أزواج يخلقكم في بطون أمهاتكم خلقا من بعد خلق في ظلمات ثلاث ذلكم الله ربكم له الملك لا إله إلا هو فأنى تصرفون (٦)..
٣ - \[٣٨/ ص / ٥\]..
٤ - \[٤/ النساء/ ١\] ونصها: يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساء واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيبا(١)..
٥ - \[٧/ الأعراف/ ١٨٩\] ونصها: هو الذي خلقكم من نفس واحدة وجعل منها زوجها ليسكن إليها فلما تغشاها حملت حملا خفيا فمرت به فلما أثقلت دعوا الله ربهما لئن آيتينا صالحا لتكونن من الشاكرين (١٨٩).
 و\[٣٩/ الزمر/ ٦\] ونصها: خلقكم من نفس واحدة ثم جعل منها زوجها وأنزل لكم من الأنعام ثمانية أزواج يخلقكم في بطون أمهاتكم خلقا من بعد خلق في ظلمات ثلاث ذلكم الله ربكم له الملك لا إله إلا هو فأنى تصرفون (٦)..
٦ - \[٦٥/ الطلاق/ ١٢\] ونصها: الله الذي خلق سبع سماوات ومن الأرض مثلهن يتنزل الأمر بينهن لتعلموا أن الله على كل شيء وقدير وأن الله قد أحاط بكل شيء علما (١٢)..
٧ - أخرجه الترمذي في: ٤٤- كتاب التفسير، ٥٧- سورة الحديد، ونصه:
 عن أبي هريرة قال: بينا نبي الله صلى الله عليه وسلم جالس وأصحابه إذ أتى عليهم سحاب. فقال نبي الله صلى الله عليه وسلم "هل تدرون ما هذا"؟ فقالوا: الله ورسوله أعلم. قال: "هذا العنان. هذه روايا الأرض، يسوقه الله تبارك وتعالى إلى قوم لا يشكرونه ولا يدعونه" قال "هل تدرون ما فوقكم"؟ قالوا: الله ورسوله أعلم. قال "فإنها الرقيع، سقف محفوظ وموج مكفوف" ثم قال: "هل تدرون كم بينكم وبينها"؟ قالوا: الله ورسوله أعلم. قال:"يبنكم وبينها مسيرة خمسمائة سنة" حتى عدد سبع سماوات، ما بين كل سماءين كما بين السماء والأرض. ثم قال: "هل تدرون ما فوق ذلك"؟ قالوا: الله ورسوله أعلم. قال:" فإن فوق ذلك العرش، وبينه وبين السماء بعد ما بين السماءين" ثم قال: هل تدرون ما الذي تحتكم"؟ قالوا: الله ورسوله أعلم. قال:"فإنها الأرض" ثم قال: "هل تدرون ما الذي تحت ذلك"؟ قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: "تحتها الأرض الأخرى، بينهما مسيرة خمسمائة سنة" حتى عدد سبع أرضين، بين كل أرضين مسيرة خمسمائة سنة. ثم قال:"والذي نفس محمد بيده ! لو أنكم دليتم رجلا بحبل إلى الأرض السفلى لهبط على الله"
 ثم قرأ: هو الأول والآخر والظاهر والباطن وهو بكل شيء عليم..
٨ - \[٦/ الأنعام/ ١٥٣\] ونصها:وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله ذلكم وصاكم به لعلكم تتقون (١٥٣)..
٩ - أخرجه الإمام في المسند بالصفحة ١٧٦ من الجزء الثاني (طبعة الحلبي) والحديث رقم ٦٦٤٤ (طبعة المعارف) ونصه:
 عن عبد الله بن الديلمي قال: دخلت على عبد الله بن عمرو، وهو في حائط له بالطائف، يقال له الوهط، وهو مخاصر فتى من قريش، يزن بشرب الخمر. فقلت له: بلغني عنك حديث: أن من شرب شربة خمر لم يقبل الله له توبة أربعين صباحا. وأن الشقي من شقي في بطن أمه. وأن من أتى بيت المقدس لا ينهزه إلا الصلاة فيه خرج من خطيئته مثل يوم ولدته أمه.
 فلما سمع الفتى ذكر الخمر، اجتذب يده من يده ثم انطلق.
 ثم قال عبد الله بن عمر: إني لا أحل لأحد أن يقول علي ما لم أقل.
 سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول....
 وسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:"إن الله عز وجل خلق الخلق في ظلمة، ثم ألقى عليهم من نوره يومئذ. فمن أصابه من نوره يومئذ اهتدى، ومن أخطأه ضل. فلذلك أقول: جف القلم على علم الله عز وجل".
 وسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول....
 ورواه الترمذي في: ٣٨- كتاب الإيمان، ١٨- باب ما جاء في افتراق هذه الأمة..

### الآية 6:2

> ﻿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ ثُمَّ قَضَىٰ أَجَلًا ۖ وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ ۖ ثُمَّ أَنْتُمْ تَمْتَرُونَ [6:2]

\[ ٢ \]  هو الذي خلقكم من طين ثم قضى أجلا وأجل مسمى عنده ثم أنتم تمترون ( ٢ ) . 
 هو الذي خلقكم من طين  استئناف مسوق لبيان بطلان كفرهم بالبعث، مع مشاهدتهم لما يوجب الإيمان به، إثر بيان بطلان إشراكهم به تعالى، مع معاينتهم لموجبات توحيده. وتخصيص خلقهم بالذكر من بين سائر دلائل صحة البعث، مع أن ما ذكره من خلق السماوات والأرض من أوضحها وأظهرها، كما ورد في قوله تعالى[(١)](#foonote-١) : أو ليس الذي خلق السماوات والأرض بقادر على أن يخلق مثلهم  - لما أن محل النزاع بعثهم. فدلالة بدء خلقهم على ذلك أظهر، وهم بشؤون أنفسهم أعرف، والتعامي عن الحجة النيرة أقبح. والالتفات لمزيد التشنيع والتوبيخ. أي : ابتدأ خلقكم منه، فإنه المادة الأولى للكل، لما أنه منشأ آدم الذي هو أبو البشر. وإنما نسب هذا الخلق إلى المخاطبين، لا إلى آدم عليه السلام، وهو المخلوق منه حقيقة، بأن يقال : هو الذي خلق أباكم... الخ مع كفاية علمهم بخلقه عليه السلام منه، في إيجاب الإيمان بالبعث، وبطلان الامتراء- لتوضيح منهاج القياس، وللمبالغة في إزاحة الاشتباه والالتباس. مع ما فيه من تحقيق الحق والتنبيه على حكمة خفية : هي أن كل فرد من أفراد البشر له حظ من إنشائه، عليه السلام، منه، / حيث لم تكن فطرته البديعة مقصورة على نفسه، بل كانت أنموذجا منطويا على فطرة سائر آحاد الجنس، انطواء إجماليا، مستتبعا لجريان آثارها على الكل. فكان خلقه عليه السلام من الطين خلقا لكل أحد من فروعه منه. كما هو المفهوم من نسبة الخلق المذكور إليه، وأدل على عظم قدرة الخلاق العليم، وكمال علمه وحكمته، وكان ابتداء حال المخاطبين أولى بأن يكون معيارا لانتهائها- فعل ما فعل. ولله در شان التنزيل ! وعلى هذا السر مدار قوله تعالى : ولقد خلقناكم ثم صورناكم...  [(٢)](#foonote-٢) الخ. وقوله تعالى : وقد خلقتك من قبل ولم تك شيئا [(٣)](#foonote-٣). كما سيأتي. 
وقيل : المعنى خلق أباكم منه، على حذف المضاف. وقيل : معنى خلقهم منه، خلقهم من النطفة الحاصلة من الأغذية المتكونة من الأرض. وأيا ما كان، ففيه من وضوح الدلالة على كمال قدرته تعالى على البعث، ما لا يخفى. فإن من قدر على إحياء ما لم يشم رائحة الحياة قط، كان على إحياء ما قرانها مدة أظهر قدرة- أفاده أبو السعود-. 
وفي ( العناية ) : أن في الآية التفاتا، لأن الخطاب- وإن صح كونه عاما- خاص بالذين كفروا، كما يقتضيه  ثم أنتم تمترون . ونكتته أن دليل الأنفس أقرب إلى الناظرين من دليل الآفاق الذي في الآية السابقة، والشكر عليه أوجب. وقد أشير في كل من الدليلين إلى المبدأ والمعاد، وما بينهما. انتهى. 
 أخرج أبو داود[(٤)](#foonote-٤) والترمذي عن أبي موسى الأشعري قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول :" إن الله خلق آدم من قبضة قبضها من جميع الأرض، فجاء بنو آدام على قدر الأرض. جاء منهم الأحمر والأبيض والأسود، وبين ذلك. والسهل والحزن، والخبيث والطيب ". 
وقوله تعالى : ثم قضى أجلا  أي : كتب لموت كل واحد منكم أجلا خاصا به. أي : حدا معينا من الزمان يفنى عند حلوله. أو كتب، لما بين أن يولد كل منكم إلى يوم أن يموت، أجلا. 
 وأجل مسمى عنده  أي : وحد معين لبعثكم جميعا، مثبت معين في علمه، لا يقبل التغيير، ولا يقف على وقت حلوله أحد. كقوله تعالى[(٥)](#foonote-٥) : إنما علمها عند ربي لا يجليها لوقتها إلا هو . فمعنى  عنده  أنه مستقل بعلمه. و  أجل  مبتدأ لتخصيصه بالصفة، ولوقوعه في موقع التفصيل. وتنوينه لتفخيم شأنه، وتهويل أمره، ولذلك أوثر تقديمه على الخبر الذي هو  عنده ، مع أن الشائع في مثله التأخير، كأنه قيل : وأي أجل معين في علمه لا يعلمه أحد لا مجملا ولا مفصلا. وأما أجل الموت فمعلوم إجمالا وتقريبا، بناء على ظهور أماراته، أو على ما هو المعتاد في أعمار الإنسان. 
 ثم أنتم تمترون  استبعاد واستنكار لامترائهم في البعث، بعد معاينتهم لما ذكر/ من الحجج الباهرة الدالة عليه. أي : تمترون في وقوعه وتحققه في نفسه، مع مشاهدتكم في أنفسكم ما يقطع مادة الامتراء. فإن من قدر على خلق المواد وجمعها وإيداع الحياة فيها. وإبقائها ما يشاء، كان أقدر على جمع تلك المواد وإحيائها ثانيا.

١ - \[٣٦/ يس/ ٨١\] ... وهو الخلاق العليم (٨١)..
٢ - \[٧/ الأعراف/ ١١\] ... ثم قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس لم يكن من الساجدين (١١)..
٣ - \[١٩/ مريم/ ٩\] ونصها: قال كذلك قال ربك هو علي هين وقد خلقتك من قبل ولم تك شيئا (٩)..
٤ - أخرجه أبو داود في: ٣٩- كتاب السنة، ١٦- باب في القدر، حديث ٤٦٩٣.
 وأخرجه الترمذي في: ٤٤- كتاب التفسير، ٢- سورة البقرة، ١- حدثنا محمد بن بشار..
٥ - \[٧/ الأعراف/ ١٨٧\] ونصها: يسألونك عن الساعة أيان مرساها قل إنما علمها عند ربي لا يجليها لوقتها إلا هو ثقلت في السماوات والأرض لا تأتيكم إلا بغتة يسألونك كأنك حفي عنها قل إنما علمها عند الله ولكن أكثر الناس لا يعلمون (١٨٧)..

### الآية 6:3

> ﻿وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ ۖ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ [6:3]

\[ ٣ \]  وهو الله في السماوات وفي الأرض يعلم سركم وجهركم ويعلم ما تكسبون ( ٣ ) . 
 وهو الله في السماوات وفي الأرض  أي المعبود فيهما،  يعلم سركم وجهركم  أي من الأقوال أو الدواعي والصوارف القلبية وأعمال الجوارح،  ويعلم ما تكسبون  أي : ما تفعلونه من خير أو شر، فيثيب عليه ويعاقب. وتخصيصه بالذكر، مع اندراجه فيما سبق، على التفسير الثاني للسر والجهر- لإظهار كمال الاعتناء به لأنه الذي يتعلق به الجزاء، وهو السر في إعادة  يعلم . 
قال الناصر [(١)](#foonote-١)في ( الانتصاف ) : وما هاتان الآيتان الكريمتان- يعني الآية وآية الزخرف، وهي قوله تعالى : وهو الذي في السماء إله وفي الأرض إله  - إلا توأمتان. فإن التمدح في آية الزخرف، وقع بما وقع التمدح به ههنا من القدرة على الإعادة والاستئثار بعلم الساعة والتوحد في الألوهية. وفي كونه تعالى المعبود في السماوات والأرض. 
وقال الإمام ابن كثير رحمه الله تعالى : للمفسرين في هذه الآية أقوال، بعد اتفاقهم على إنكار قول الجهمية الأول، القائلين- تعالى عن قولهم علوا كبيرا- بأنه في كل مكان، حيث حملوا الآية على ذلك. فالأصح من الأقوال أنه المدعو في السماوات والأرض، أي :/ يعبده ويوحده ويقر له بالإلهية من في السماوات ومن في الأرض، ويسمونه الله، ويدعونه رغبا ورهبا[(٢)](#foonote-٢) إلا من كفر من الجن والإنس. وهذه الآية- على هذا القول- كقوله تعالى : وهو الذي في السماء إله وفي الأرض إله . أي : هو إله من في المساء وإله من في الأرض. وعلى هذا. فيكون قوله : يعلم سركم وجهركم  خبرا أو حالا. 
والقول الثاني- إن قوله : في السماوات وفي الأرض  تقديره : وهو الله يعلم سركم وجهركم في السماوات... الخ. 
والقول الثالث- إن قوله : وهو الله في السماوات  وقف تام ثم استأنف الخبر فقال : وفي الأرض يعلم سركم وجهركم  وهذا اختيار ابن جرير. انتهى. 
ورجح ابن عطية في الآية : أنه الذي يقال له ( الله ) فيهما. قال : وهذا عندي أفضل الأقوال، وأكثرها إحرازا لفصاحة اللفظ، وجزالة المعنى. وإيضاحه : أنه أراد أن يدل على خلقه، وآيات قدرته، وإحاطته واستيلائه، ونحو هذه الصفات. فجمع هذه كلها في قوله : وهو الله- الذي له هذه كلها- في السماوات وفي الأرض  كأنه قال : وهو الخالق والرازق والمحيي والمميت فيهما. 
**تنبيه :**
قال الرازي : الآية تدل على كون الإنسان مكتسبا للفعل، والكسب هو الفعل المفضي إلى اجتلاب نفع، أو دفع ضر. ولهذا السبب لا يوصف فعل الله بأنه كسب، لكونه تعالى منزها عن جلب النفع، ودفع الضر- والله أعلم-.

١ - \[٤٣/ الزخرف/ ٨٤\] ونصها: وهو الذي في السماء إله وفي الأرض إله وهو الحكيم العليم (٨٤)..
٢ - يشير إلى قوله تعالى في: \[٢١/ الأنبياء/ ٩٠\] ونصها: فاستجبنا له ووهبنا له يحيى وأصلحنا له زوجه إنهم كانوا يسارعون في الخيرات ويدعوننا رغبا ورهبا وكانوا لنا خاشعين (٩٠)..

### الآية 6:4

> ﻿وَمَا تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ مِنْ آيَاتِ رَبِّهِمْ إِلَّا كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ [6:4]

\[ ٤ \]  وما تأتيهم من آية من آيات ربهم إلا كانوا عنها معرضين ( ٤ ) . 
 وما تأتيهم من آية من آيات ربهم  يعني : ما يظهر لكفار مكة دليل من الأدلة التي يجب فيها النظر والاعتبار، أو معجزة من المعجزات، أو آية من آيات القرآن، التي جملتها الآيات السالفة، الناطقة ببدائع صنعه وقدرته على البعث  إلا كانوا عنها معرضين  أي : على وجه التكذيب والاستهزاء، لقلة خوفهم وتدبرهم، في العواقب.

### الآية 6:5

> ﻿فَقَدْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ ۖ فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أَنْبَاءُ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ [6:5]

\[ ٥ \]  فقد كذبوا بالحق لما جاءهم فسوف يأتيهم أنباء ما كانوا به يستهزءون ( ٥ ) . 
 فقد كذبوا بالحق لما جاءهم  يعني : القرآن الذي تحدوا به، فعجزوا عنه  فسوف يأتيهم أنباء ما كانوا به يستهزءون  أي : مصداق أنباء الحق الذي كانوا يكذبون به على سبيل الاستهزاء. وأنباؤه عبارة عما سيحيق بهم من العقوبات العاجلة. فهو وعيد شديد لهم بأنه لابد لهم أن يذوقوا وباله. وقد ذاقوه يوم بدر وغيره.

### الآية 6:6

> ﻿أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ وَأَرْسَلْنَا السَّمَاءَ عَلَيْهِمْ مِدْرَارًا وَجَعَلْنَا الْأَنْهَارَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ [6:6]

\[ ٦ \]  ألم يروا كم أهلكنا من قبلهم من قرن مكناهم في الأرض ما لم نمكن لكم وأرسلنا السماء عليهم مدرارا وجعلنا الأنهار تجري من تحتهم فأهلكناهم بذنوبهم وأنشأنا من بعدهم قرنا آخرين ( ٦ ) . 
 ألم يروا  أي : ألم يعلموا علما يشبه الرؤية بالبصر، لما سمعوا بالتواتر من إتيان المستهزئين قبلهم، أنباءهم مرارا كثيرة  كم أهلكنا من قبلهم من قرن  أي من أمة، فلم نبق منها / أحدا، مثل قوم نوح وعاد وثمود، وغيرهم من الأمم الماضية، والقرون الخالية.  مكناهم في الأرض  أي : قررناهم وثبتناهم في الأرض،  ما لم نمكن لكم  أي : ما لم نجعل لكم من السعة والرفاهية وطول الأعمار، يا أهل مكة !  وأرسلنا السماء  أي المطر. قال المهايمي : هو أبلغ من  أنزلنا  في الدلالة على الكثرة،  عليهم مدرارا  أي كثيرا،  وجعلنا الأنهار تجري من تحتهم  أي من تحت أشجارهم، فعاشوا في الخصب بين الأنهار والثمار، وسقيا الغيث المدرار،  فأهلكناهم بذنوبهم  أي : بسبب ذنوبهم وكفرهم، وتكذيبهم رسلهم، وجعلناهم أحاديث، فما أغنى عنهم ما كانوا فيه. أي وسيحل بهؤلاء مثل ما حل بهم من العذاب.  وأنشأنا من بعدهم قرنا آخرين  أي : بدلا من الهالكين. يعني : فلا يتعاظمه تعالى أن يهلك هؤلاء، ويخلي ديارهم منهم وينشئ أمة سواهم، فما هم بأعز على الله منهم. والرسول الذي كذبوه أكرم على الله من رسلهم. فهم أولى بالعذاب، ومفاجأة العقوبة، لولا لطفه وإحسانه.

### الآية 6:7

> ﻿وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَابًا فِي قِرْطَاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ لَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَٰذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ [6:7]

ثم بين تعالى شدة مكابرتهم، إثر إعراضهم، بقوله سبحانه :
\[ ٧ \]  ولو نزلنا عليك كتابا في قرطاس فلمسوه بأيديهم لقال الذين كفروا إن هذا إلا سحر مبين ( ٧ ) . 
 ولو نزلنا عليك كتابا في قرطاس  أي مكتوبا في ورق،  فلمسوه بأيديهم  أي : فمسوه،  لقال الذين كفروا إن هذا  أي : ليس هذا المعظم بهذه الوجوه الدالة على أنه لا يكون إلا من الله،  إلا سحر مبين  تعنتا وعنادا. وتخصيص ( اللمس ) لأن التزوير لا يقع فيه، فلا يمكنهم أن يقولوا إنما سكرت أبصارنا، ولأنه يتقدمه الإبصار، حيث لا مانع. وتقييده ب ( الأيدي ) لرفع التجوز، فإنه قد يتجوز به للفحص، كقوله[(١)](#foonote-١) : وأنا لمسنا السماء  - أفاده البيضاوي. 
 قال الناصر في ( الانتصاف ) : والظاهر أن فائدة زيادة لمسهم له بأيديهم، تحقيق القراءة على قرب. أي : فقرءوه وهو في أيديهم، لا بعيد عنهم، لما آمنوا. 
وقال ابن كثير : وهذا كما قال تعالى مخبرا عن مكابرتهم للمحسوسات : ولو فتحنا عليهم بابا من السماء فظلوا فيه يعرجون، لقالوا إنما سكرت أبصارنا بل نحن قوم مسحورون [(٢)](#foonote-٢). ولقوله تعالى : وإن يروا كسفا من السماء ساقطا يقولوا سحاب مركوم [(٣)](#foonote-٣).

١ - \[٧٢/ الجن/ ٨\] ... فوجدناها ملئت حرسا شديدا وشهبا (٨)..
٢ - \[١٥ / الحجر/ ١٤ و١٥\]..
٣ - \[٥٢/ الطور/ ٤\]..

### الآية 6:8

> ﻿وَقَالُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ ۖ وَلَوْ أَنْزَلْنَا مَلَكًا لَقُضِيَ الْأَمْرُ ثُمَّ لَا يُنْظَرُونَ [6:8]

\[ ٨ \]  وقالوا لولا أنزل عليه ملك ولو أنزلنا ملكا لقضي الأمر ثم لا ينظرون ( ٨ ) . 
 وقالوا لولا أنزل عليه ملك  أي : ليكون معه فيكلمنا أنه نبي، كقوله[(١)](#foonote-١) : لولا أنزل إليه ملك فيكون معه نذيرا . 
 ولو أنزلنا ملكا لقضي الأمر  جواب لمقترحهم، وبيان لمانعه، وهو البقيا عليهم، كيلا يكونوا كالباحث عن حتفه بظلفه. والمعنى : أن الملك لو أنزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم في صورته، وهي آية لا شيء أبين منها وأيقن، ثم لم يؤمنوا، لحاق بهم العذاب، كما قال تعالى : ما ننزل الملائكة إلا بالحق وما كانوا / إذا منظرين [(٢)](#foonote-٢). وقوله تعالى : يوم يرون الملائكة لا بشرى يومئذ للمجرمين [(٣)](#foonote-٣). 
 ثم لا ينظرون  أي : لا يمهلون بعد نزوله طرفة عين، فضلا عن أن ينذروا به. ومعنى  ثم  بعدما بين الأمرين، قضاء الأمر، وعدم الإنظار. جعل عدم الإنظار. أشد من قضاء الأمر، لأن مفاجأة الشدة أشد من نفس الشدة. 
**تنبيه :**
ذكر الزمخشري وجها ثانيا في تعجيل عذابهم، عند نزول الملائكة، وهو أنه يزول الاختيار الذي هو قاعدة التكليف، فيجب إهلاكهم، وفي ( الكشف ) الاختيار قاعدة التكليف ؟ وهذه آية ملجئة. قال تعالى : فلم يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا [(٤)](#foonote-٤). فوجب إهلاكهم، لئلا يبقى وجودهم عاريا عن الحكمة، إذ ما خلقوا إلا للابتلاء بالتكليف، وهو لا يبقى مع الإلجاء هذا تقريره على مذهبهم، وهو غير صاف عن الإشكال. انتهى. وفيه إشارة إلى أنه ليس على قواعد السنة، وكأن وجه إشكاله أنه وقع في القرآن، والواقع ما ينافيه، كما في قوله تعالى : أو كالذي مر على قرية...  [(٥)](#foonote-٥) الآية- كذا في ( العناية ) - / وذكر أيضا وجها ثالثا. وهو أنهم إذا شاهدوا ملكا في صورته، زهقت أرواحهم من هول ما يشاهدون. 
قال في ( الانتصاف ) : ويقوي هذا الوجه قوله : ولو جعلناه ملكا لجعلناه رجلا . قال ابن عباس " ليتمكنوا من رؤيته، ولا يهلكوا من مشاهدة صورته ". انتهى. 
وهذا الوجه آثره أبو السعود في التقديم حيث قال : أي لو أنزلنا ملكا على هيئته حسبما اقترحوه، والحال أنه من هول المنظر، بحيث لا تطيق بمشاهدته قوى الآحاد البشرية. ألا يرى أن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام كانوا يشاهدون الملائكة ويفاوضونهم على الصورة البشرية ؟ كضيف إبراهيم ولوط، وخصم داود عليهم السلام، وغير ذلك. وحيث كان شأنهم كذلك، وهم مؤيدون بالقوى القدسية، فما ظنك بمن عداهم من العوام ؟ فلو شاهدوه كذلك لقضى أمر هلاكهم بالكلية، واستحال جعله نذيرا، وهو – مع كونه خلاف مطلوبهم- مستلزم لإخلاء العالم عما عليه يدور نظام الدنيا والآخرة، من إرسال الرسل، وتأسيس الشرائع. وقد قال سبحانه : وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا [(٦)](#foonote-٦). انتهى. 
وفي ( العناية ) أن الوجه الثالث لا يناسب قوله : ثم لا ينظرون ، لأنه يدل على إهلاكهم، لا على هلاكهم، برؤية الملك، إلا بتكلف. 
هذا، وقال الناصر في ( الانتصاف ) : على الوجه الأول لا يحسن أن يجعل سبب مناجزتهم بالهلاك وضوح الآية في نزول الملك. فإنه ربما يفهم هذا الكلام أن الآيات التي لزمهم الإيمان بها دون نزول الملك في الوضوح، وليس كذلك. فالوجه – والله أعلم- أن يكون سبب تعجيل عقوبتهم بتقدير نزول الملك وعدم إيمانهم، أنهم اقترحوا ما لا يتوقف وجوب الإيمان عليه، إذ الذي يتوقف الوجوب عليه المعجز من حيث كونه معجزا، لا المعجز الخاص، / فإذا أجيبوا على وفق مقترحهم، فلم ينجع فيهم، كانوا حينئذ على غاية من الرسوخ في العناد المناسب لعدم النظرة- والله أعلم-
قال المهايمي : لا دليل على النبوة سوى شهادة الملك، وتنزيل الملك بصورته الملكوتية يقطع أمر التكليف، إذ لا ينفع الإيمان بعد انكشاف عالم الملكوت، فلا يمهلون، لأن الإمهال للنظر. والمعجزة – وإن أفادت علما ضروريا- لا تخلو عن خفاء يحتاج إلى أدنى نظر، ولا خفاء مع انكشاف عالم الملكوت، فلا وجه للإمهال للنظر، فلا يقبل الإيمان معه، فلابد من المؤاخذة عقيبه. انتهى – فليتأمل-.

١ - \[٢٥/ الفرقان/ ٧\] ونصها: وقالوا مال هذا الرسول يأكل الطعام ويمشي في الأسواق لولا أنزل إليه ملك فيكون معه نذيرا (٧)..
٢ - \[١٥/ الحجر/ ٨\]..
٣ - \[٢٥/ الفرقان/ ٢٢\] ... ويقولون حجرا محجورا (٢٢)..
٤ - \[٤٠/ الفتح /٨٥\] ... سنت الله التي قد خلت في عباده وخسر هنالك الكافرون (٨٥)..
٥ - \[٢/ البقرة/ ٢٥٩\] ونصها: أو كالذي مر على قرية وهي خاوية على عروشها قال أنى يحيي هذه الله بعد موتها فأماته الله مائة عام ثم بعثه قال كم لبثت قال لبثت يوما أو بعض يوم قال بل لبثت مائة عام فانظر إلى طعامك وشرابك لم يتسنه وانظر إلى حمارك ولنجعلك آية للناس وانظر إلى العظام كيف ننشزها ثم نكسوها لحما فلما تبين له قال أعلم أن الله على كل شيء قدير (٢٥٩)..
٦ - \[١٧/ الإسراء/ ١٥\] ونصها: من اهتدى فإنما يهتدي لنفسه ومن ضل فإنما يضل عليها ولا تزر وازرة وزر أخرى وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا (١٥)..

### الآية 6:9

> ﻿وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَجَعَلْنَاهُ رَجُلًا وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ [6:9]

\[ ٩ \]  ولو جعلناه ملكا لجعلناه رجلا وللبسنا عليهم ما يلبسون ( ٩ ) . 
 ولو جعلناه ملكا لجعلناه رجلا  جواب ثان. أي : ولو جعلنا النذير الذي اقترحوه ملكا لمثلناه رجلا، لما مر من عدم استطاعة الآحاد، لمعاينة الملك على صورته، من النور. إنما رآه كذلك الأفراد من الأنبياء بقوتهم القدسية.  وللبسنا عليهم ما يلبسون . جواب محذوف. أي : ولو جعلناه رجلا لشبهنا عليهم ما يشبهون على أنفسهم حينئذ، بأن يقولوا له : إنما أنت بشر، ولست بملك. ولو استدل على ملكيته بالقرآن المعجز، الناطق بها، أو بمعجزات أخر غير ملجئة إلى التصديق – لكذبوه، كما كذبوا النبي عليه الصلاة والسلام. ولو أظهر لهم صورته الأصلية لزم ما تقدم من قضاء الأمر. 
**تنبيهات :**
الأول- في إيثار ( رجلا ) على ( بشرا ) إيذان بأن الجعل بطريق التمثيل، لا بطريق قلب الحقيقة، وتعيين لما يقع به التمثيل. 
الثاني- في الآية بيان لرحمته تعالى بخلقه، وهو أنه يرسل إلى كل صنف من الخلائق/ رسلا منهم، ليدعو بعضهم بعضا، وليمكن بعضهم أن ينتفع ببعض في المخاطبة والسؤال. كما قال تعالى : لقد من الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا من أنفسهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم...  [(١)](#foonote-١). الآية وقال تعالى : قل لو كان في الأرض ملائكة يمشون مطمئنين لنزلنا عليهم من السماء ملكا رسولا [(٢)](#foonote-٢). 
الثالث- التعبير عن تمثيله تعالى : رجلا  باللبس إما لكونه في صورة اللبس، أو لكونه سببا للبسهم، أو لوقوعه في صحبته بطريق المشاكلة. وفيه تأكيد لاستحالة جعل النذير ملكا، كأنه قيل : لو فعلنا ما لا يليق بشأننا من لبس الأمر عليهم- أفاده أبو السعود. 
الرابع- جوز بعضهم وجها ثانيا في قوله تعالى : ولو جعلناه ملكا  وهو أن يكون جواب اقتراح ثان، على أن الضمير عائد للرسول، لا لمقترحهم السابق. قال : لأنهم تارة يقولون : لولا أنزل عليه ملك  وتارة يقولون : لو شاء ربنا لأنزل ملائكة [(٣)](#foonote-٣). والمعنى : ولو جعلنا الرسول ملكا لمثلناه رجلا. والظاهر هو الوجه الأول.

١ - \[٣/ آل عمران/ ١٦٤\] ... ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين (١٦٤)..
٢ - \[١٧/ الإسراء/ ٩٥\[..
٣ - \[٤١/ فصلت/ ١٤\] ونصها: إذ جاءتهم الرسل من بين أيديهم ومن خلفهم ألا تعبدوا إلا الله قالوا لو شاء ربنا لنزل ملائكة فإنا بما أرسلتم به كافرون (١٤)..

### الآية 6:10

> ﻿وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ [6:10]

\[ ١٠ \]  ولقد استهزئ برسل من قبلك فحاق بالذين سخروا منهم ما كانوا به يستهزئون ( ١٠ ) . 
وقوله تعالى : ولقد استهزئ برسل من قبلك فحاق بالذين سخروا منهم ما كانوا به يستهزئون . تسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم عما يلقاه من قومه، ووعد له وللمؤمنين به بالنصر، والعاقبة الحسنة في الدنيا والآخرة. و ( حاق ) بمعنى نزل وحل. ولا يكاد يستعمل إلا في الشر. أي : فنزل بهم وبال استهزائهم، أو العذاب الذي كانوا يسخرون من التخويف به، إذ هلكوا في الدنيا على أقبح الوجوه. ثم ردوا إلى أفظع العذاب أبد الآبدين. وجعل الرسل في أعلى منازل القرب من رب العالمين.

### الآية 6:11

> ﻿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ ثُمَّ انْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ [6:11]

ثم أمر تعالى أن يصدعهم بالتجول في الأرض إن ارتابوا فيما تواتر، أو تعاموا عما رأوا، بقوله :
\[ ١١ \]  قل سيروا في الأرض ثم انظروا كيف كان عاقبة المكذبين ( ١١ ) . 
 قل سيروا في الأرض ثم انظروا كيف كان عاقبة المكذبين  أي : سيروا في الأرض لتعرف أحوال أولئك الأمم، وتفكروا في أنهم كيف أهلكوا لما كذبوا الرسل وعاندوا، فتعرفوا صحة ما توعظون به. وفي السير في الأرض، والسفر في البلاد، ومشاهدة تلك الآثار الخاوية على عروشها- تكملة للاعتبار، وتقوية للاستبصار. أي : فلا تغتروا بما أنتم عليه من التمتع بلذات الدنيا وشهواتها. 
وفي هذه الآية تكملة للتسلية، بما في ضمنها من العدة اللطيفة، بأنه سيحيق بهم مثل ما حاق بأضرابهم المكذبين. وقد أنجز ذلك يوم بدر أي إنجاز. 
 **لطيفة :**
وقع هنا  ثم انظروا . وفي النمل[(١)](#foonote-١) : قل سيروا في الأرض فانظروا . وكذا في العنكبوت[(٢)](#foonote-٢). فتكلف بعضهم لتخصيص ما هنا ب ( ثم )، كما هو مبسوط في ( العناية )، مع ما عليه. ونقل عن بعضهم أن السير متحد فيهما، ولكنه أمر ممتد، يعطف بالفاء تارة، نظرا لآخره، وب ( ثم ) نظرا لأوله، ولا فرق بينهما. 
وفي ( الانتصاف ) : الأظهر أن يجعل الأمر بالسير في المكانين واحدا، ليكون ذلك سببا في النظر، فحيث دخلت الفاء، فلإظهار السببية. وحيث دخلت ( ثم )، فللتنبيه على أن النظر هو المقصود من السير، وأن السير وسيلة إليه لا غير. وشتان بين المقصود والوسيلة- والله أعلم-.

١ - \[٢٧/ النمل/ ٦٩\] ... كيف كان عاقبة المجرمين (٦٩)..
٢ - \[ ٢٩/ العنكبوت/ ٢٠\] ... كيف بدأ الخلق ثم الله ينشئ النشأة الآخرة إن الله على كل شيء قدير (٢٠)..

### الآية 6:12

> ﻿قُلْ لِمَنْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۖ قُلْ لِلَّهِ ۚ كَتَبَ عَلَىٰ نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ ۚ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَىٰ يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ ۚ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ [6:12]

\[ ١٢ \]  قل لمن ما في السماوات والأرض قل لله كتب على نفسه الرحمة ليجمعنكم إلى يوم القيامة لا ريب فيه الذين خسروا أنفسهم فهم لا يؤمنون ( ١٢ ) . 
 قل لمن ما في السماوات والأرض  أي : خلقا وملكا، وهو سؤال تبكيت وتقريع،  قل لله  تقرير للجواب، نيابة عنهم. أي : هو لله، لا خلاف بيني وبينكم، ولاتقدرون أن تضيفوا شيئا منه إلى غيره، ففيه تنبيه على تعينه للجواب اتفاقا، كما في قوله تعالى : ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن الله . ومن المقرر أن أمر السائل بالجواب إنما يحسن في موضع يكون فيه الجواب قد بلغ من الظهور إلى حيث لا يقدر / على إنكاره منكر، ولا على دفعه دافع، كما هنا. قيل : وفيه إشارة إلى أنهم تثاقلوا في الجواب، مع تعينه، لكونهم محجوجين. 
وقوله تعالى : كتب على نفسه الرحمة  جملة مستقلة داخلة تحت الأمر، ناطقة بشمول رحمته الواسعة لجميع الخلق، شمول ملكه وقدرته للكل، مسوقة لبيان أنه تعالى رؤوف بعباده، لا يعجل عليهم بالعقوبة، ويقبل منهم التوبة والإنابة، وأن ما سبق ذكره، وما لحق من أحكام الغضب، ليس من مقتضيات ذاته تعالى، بل من جهة الخلق. كيف لا ؟ ومن رحمته أن خلقهم على الفطرة السليمة، وهداهم إلى معرفته وتوحيده، بنصب الآيات الأنفسية والآفاقية، وإرسال الرسل، وإنزال الكتب المشحونة بالدعوة إلى موجبات رضوانه، والتحذير عن مقتضيات سخطه. وقد بدلوا فطرة الله تبديلا، وأعرضوا عن الآيات بالمرة، وكذبوا بالكتب، واستهزءوا بالرسل،  وما ظلمناهم ولكن كانوا هم الظالمين [(١)](#foonote-١). ولولا شمول رحمته لسلك بهؤلاء أيضا مسلك الغابرين. ومعنى : كتب على نفسه الرحمة  أنه تعالى أوجبها وقضاها بطريق التفضل والإحسان على ذاته المقدسة، بالذات، لا بتوسط شيء أصلا. وفي التعبير عن ( الذات ) ب ( النفس ) حجة على من ادعى أن لفظ ( النفس ) لا يطلق على الله تعالى، وإن أريد به الذات، إلا مشاكلة. لما ترى من انتفاء المشاكلة ههنا – أفاده أبو السعود-. 
وقوله تعالى : ليجمعنكم إلى يوم القيامة  جواب قسم محذوف. والجملة استئناف مسوق للوعيد، على إشراكهم وإغفالهم النظر، لأنه لما بين كمال إلهيته، بقوله : قل لمن ما في السماوات والأرض، قل لله . ثم أخبر بأنه يرحمهم في الدنيا بالإمهال، ودفع عذاب الاستئصال، أعلم أنه يجمعهم لذلك اليوم، ويحاسبهم على كل ما فعلوا، لأن الملك الحكيم / لا يهمل أمر رعيته، ولا يسوغ في حكمته أن يسوي بين المطيع والعاصي قيل : ليجمعنكم  جواب لقوله : كتب ، لأنه يجري مجرى القسم. 
وقيل : ليجمعنكم  بدل من الرحمة، بدل البعض. 
قال المهايمي : كمال الرحمة في الجزاء، إذ بدونه تضيع مشاق المعارف الإلهية، والأعمال الصالحة، وتضيع المظالم، ولا جزاء في دار الدنيا، لأنه فرع التكليف، ودار التكليف لا تكون دار الجزاء، لأن مشاهدته مانعة من التكليف. انتهى. 
و  إلى  بمعنى اللام، كقوله[(٢)](#foonote-٢) : إنك جامع الناس ليوم لا ريب فيه  أي في اليوم، أو في الجمع. 
 الذين خسروا أنفسهم  أي : بتضييع رأس مالهم، وهو الفطرة الأصلية، والعقل السليم، والاستعداد القريب الحاصل من مشاهدة الرسول عليه الصلاة والسلام، واستماع الوحي، وغير ذلك من آثار الرحمة. 
 فهم لا يؤمنون  أي : لا يصدقون بالمعاد، ولا يخافون شر ذلك اليوم. 
قال أبو السعود : والفاء لتضمن المبتدأ معنى الشرط، والإشعار بأن عدم إيمانهم بسبب خسرانهم، فإن إبطال العقل باتباع الحواس، والانهماك في التقليد، وإغفال النظر، أدى بهم إلى الإصرار على الكفر، والامتناع من الإيمان. والجملة تذييل مسوق من جهته تعالى، لتقبيح حالهم، غير داخل تحت الأمر. 
**تنبيه :**
روي في معنى هذه الآية عن أبي هريرة [(٣)](#foonote-٣)قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" لما خلق الله / الخلق كتب في كتاب، فهو عنده فوق العرش : إن رحمتي تغلب غضبي " - رواه الشيخان-. 
وفي البخاري :" إن الله كتب كتابا قبل أن يخلق الخلق : إن رحمتي سبقت غضبي، فهو مكتوب عنده، فهو العرش ". 
وفي رواية لهما :" أن الله لما خلق الخلق ". 
 وعند مسلم :" لما قضى الله الخلق، كتب في كتاب كتبه على نفسه، فهو موضوع عنده ". زاد البخاري : على عرش. ثم اتفقا :" إن رحمتي تغلب غضبي ". 
وسنذكر، إن شاء الله، شذرة من أحاديث الرحمة عند آية  كتب ربكم على نفسه الرحمة  قريبا. 
قال أبو السعود : ومعنى سبق الرحمة وغلبتها أنها أقدم تعلقا بالخلق، وأكثر وصولا إليهم، مع أنها من مقتضيات الذات المفيضة للخير.

١ - \[٤٣/ الزخرف/ ٧٦\]..
٢ - \[٣/ آل عمران/ ٩\] ونصها: ربنا إنك جامع الناس ليوم لا ريب فيه إن الله لا يخلف الميعاد (٩)..
٣ - يضطرنا هذا السياق إلى سرد جميع روايات هذا الحديث كما جاءت في كتابنا (جامع مسانيد صحيح البخاري) والحديث رقم ١٥٠٩ في الصحيح ورقم ٢٣٤ من مسند أبي هريرة، فهاكموها بنصها الكامل:
 ٥٩- كتاب بدء الخلق، ١- باب ما جاء في قول الله تعالى: وهو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده.
 حدثنا قتيبة بن سعيد. حدثنا مغيرة بن عبد الرحمن القرشي عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لما قضى الله الخلق كتب في كتابه فهو عنده فوق العرش: إن رحمتي سبقت غضبي".
 ٨٧- كتاب التوحيد، ١٥ باب قول الله تعالى: ويحذركم الله نفسه.
 حدثنا عبدان عن أبي حمزة، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لما قضى الله الخلق، كتب في كتابه، وهو يكتب على نفسه، وهو وضع عنده على العرش: إن رحمتي تغلب غضبي".
 ٩٧- كتاب التوحيد، ٢٢- باب: وكان عرشه على الماء. وهو رب العرش العظيم.
 حدثنا أبو اليمان. أخبرنا شعيب. حدثنا أبو الزناد عن الأعرج، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إن الله لما قضى الخلق، كتب عنده فوق عرشه: إن رحمتي سبقت غضبي".
 ٩٧- كتاب التوحيد، ٢٨- باب ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين.
 حدثنا إسماعيل. حدثني مالك عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة رضي الله عنه؛ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " لما قضى الله الخلق كتب عنده فوق عرشه؛ إن رحمتي سبقت غضبي".
 ٩٧- كتاب التوحيد، ٥٥- باب قول الله تعالى: بل هو قرآن مجيد في لوح محفوظ.
 وقال لي خليفة بن خياط. حدثنا معتمر. سمعت أبي عن قتادة، عن أبي رافع، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لما قضى الله الخلق كتب كتابا عنده: غلبت (أو قال سبقت) رحمتي غضبي، فهو عنده فوق العرش".
 ٩٧- كتاب التوحيد، ٥٥- باب قول الله تعالى: بل هو قرآن مجيد في لوح محفوظ.
 حدثني محمد بن أبي غالب. حدثنا محمد بن إسماعيل. حدثنا معتمر. سمعت أبي يقول: حدثنا قتادة؛ أن أبا رافع حدثه أنه سمع أبا هريرة يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "إن الله كتب كتابا قبل أن يخلق الخلق؛ إن رحمتي سبقت غضبي. فهو مكتوب عنده فوق العرش".
 وأخرجه مسلم في: ٤٩- كتاب التوبة، رقم ١٤ و١٥ و١٦ (طبعتنا).
 الحديث رقم ١٤؛ أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لما خلق الله الخلق، كتب في كتابه، فهو عنده فوق العرش: إن رحمتي سبقت غضبي".
 الحديث رقم ١٥؛ عن النبي صلى الله عليه وسلم "قال الله عز وجل، سبقت رحمتي غضبي".
 الحديث رقم ١٦؛ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لما قضى الله الخلق، كتب في كتابه على نفسه، فهو موضوع عنده: إن رحمتي تغلب غضبي"..

### الآية 6:13

> ﻿۞ وَلَهُ مَا سَكَنَ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ ۚ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ [6:13]

\[ ١٣ \]  وله ما سكن في الليل والنهار وهو السميع العليم ( ١٣ ) . 
 وله  أي : ولله عز وجل،  ما سكن في الليل والنهار  أي ما استقر وحل، من ( السكنى ) بمعنى ( الحلول ). كقوله تعالى : وسكنتم في مساكن الذين ظلموا أنفسهم [(١)](#foonote-١). والمعنى : له تعالى كل ما حصل في الليل والنهار، مما طلعت عليه الشمس أو غربت. شبه الاستقرار بالزمان، بالاستقرار في المكان، فاستعمل استعماله فيه. أو ( سكن ) من ( السكون )، مقابل الحركة. أي : ما سكن فيهما وما تحرك، فاكتفى بأحد الضدين عن الآخر، كما في قوله : سرابيل تقيكم الحر [(٢)](#foonote-٢)، لأن ذلك يعرف بالقرينة. وعليه، فإنما اكتفى بالسكون عن ضده دون العكس. لأن السكون أكثر وجودا، والنعمة فيه أكثر. 
قال بعضهم : لا حاجة لدعوى الاكتفاء، فإن ما سكن يعم جميع المخلوقات، إذ ليس شيء منها غير متصف بالسكون، حتى المتحرك، حال حركته، على ما حقق في الكلام : من أن تفاوت الحركات بالسرعة والبطء لقلة السكنات المتخللة وكثرتها. 
**لطيفة :**
قال أبو مسلم الأصفهاني : ذكر تعالى في الآية الأولى السماوات والأرض، إذ لا مكان سواهما. وفي هذه الآية ذكر الليل والنهار، إذ لا زمان سواهما. فالزمان والمكان ظرفان / للمحدثات، فأخبر سبحانه أنه مالك للمكان والمكانيات، ومالك للزمان والزمانيات. وهذا بين في غاية الجلالة. 
وقال الرازي : ههنا دقيقة أخرى. وهو أن الابتداء وقع بذكر المكان والمكانيات، ثم ذكر عقيبه الزمان والزمانيات. وذلك لأن المكان والمكانيات أقرب إلى العقول والأفكار من الزمان والزمانيات، لدقائق مذكورة في العقليات الصرفة. والتعليم الكامل هو الذي يبدأ فيه بالأظهر فالأظهر مترقيا إلى الأخفى فالأخفى. وهذا من سر نظم الآية مع ما قبلها. 
 وهو السميع العليم  يسمع كل مسموع، ويعلم كل معلوم، فلا يخفى عليه شيء مما يشتمل عليه الملوان.

١ - \[١٤/ إبراهيم/ ٤٥\] ... وتبين لكم كيف فعلنا بهم وضربنا لكم الأمثال (٤٥)..
٢ - \[١٦/ النحل/ ٨١\] ونصها: والله جعل لكم مما خلق ظلالا وجعل لكم من الجبال أكنانا وجعل لكم سرابيل تقيكم الحر وسرابيل تقيكم بأسكم كذلك يتم نعمته عليكم لعلكم تسلمون (٨١)..

### الآية 6:14

> ﻿قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ يُطْعِمُ وَلَا يُطْعَمُ ۗ قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ ۖ وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ [6:14]

\[ ١٤ \]  قل أغير الله أتخذ وليا فاطر السماوات والأرض وهو يطعم ولا يطعم قل إني أمرت أن أكون أول من أسلم ولا تكونن من المشركين ( ١٤ ) . 
 قل  أي لكفار مكة المبكتين بما تقدم : أغير الله أتخذ وليا  أي معبودا. كقوله تعالى : قل أفغير الله تأمروني أعبد أيها الجاهلون . والمعنى : لا أتخذ وليا إلا الله وحده.  فاطر السماوات والأرض  أي : خالقهما ومبدعهما على غير مثال سبق. بالجر، صفة للجلالة، مؤكدة للإنكار،  وهو يطعِم ولا يطعَم  أي : يَرزق ولا يُرزق. أي : المنافع كلها من عنده، ولا يجوز عليه الانتفاع. أي : فيجب اتخاذه وليا ليعبد شكرا على إنعامه، وكفايته الحوائج بلا طلب عوض. قيل : المراد بالطعم الرزق، بمعناه اللغوي. وهو كل ما ينتفع به، بدليل وقوعه مقابلا له في قوله تعالى :" ما أريد منهم من رزق وما أريد أن يطعمون }[(١)](#foonote-١). فعبر بالخاص عن العام مجازا، لأنه أعظمه وأكثره، لشدة الحاجة إليه. واكتفى به عن العام، لأنه يعلم، من نفى ذلك، نفى ما سواه. 
  قل إني أمرت أن أكون أول من أسلم . أي : وجهه لله مخلصا له، لأصير متبوعا للباقين. كقوله : وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين [(٢)](#foonote-٢). وكقول موسى : سبحانك تبت إليك وأنا أول المؤمنين [(٣)](#foonote-٣). 
 ولا تكونن من المشركين  أي : وقيل لي : ولا تكونن . فهو معطوف على  أمرت  بمعنى أمرت بالإسلام، ونهيت عن الشرك صريحا مؤكدا، بعد النهي في ضمن الأمر. ونهي المتبوع نهي التابعين. ويجوز عطفه على  قل . وفي الآية إرشاد إلى أن كل آمر ينبغي أن يكون عاملا بما أمر به، لأنه مقتداهم. بل : هذه الآية للتحريض، كما يأمر الملك رعيته بأمر، ثم يقول : وأنا أول من يفعل ذلك، ليحملهم على الامتثال.

١ - \[٥١/ الذاريات/ ٥٧\]..
٢ - \[٦/ الأنعام/ ١٦٣\] ونصها: لا شريك له.....
٣ - \[٧/ الأعراف / ١٤٣\] ونصها: ولما جاء موسى لميقاتنا وكلمه ربه قال رب أرني أنظر إليك قال لن تراني ولكن انظر إلى الجبل فإن استقر مكانه فسوف تراني فلما تجلى ربه للجبل جعله دكا وخر موسى صعقا فلما أفاق قال سبحانك تبت إليك وأنا أول المؤمنين (١٤٣)..

### الآية 6:15

> ﻿قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ [6:15]

\[ ١٥ \]  قل إني أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم ( ١٥ ) . 
 قل إني أخاف إن عصيت ربي  أي : بمخالفة أمره ونهيه أي عصيان. فيدخل فيه ما ذكر دخولا أوليا.  عذاب يوم عظيم  يعني : عذاب يوم القيامة، الذي تظهر فيه عظمة القهر الإلهي. وفي الآية مبالغة أخرى في قطع أطماعهم، وتعريض لهم بأنهم عصاة مستوجبون للعذاب العظيم. ووجه التعريض إسناد ما هو معلوم الانتفاء، ب ( إن ) التي تفيد الشك تعريضا. وجيئ بالماضي إبرازا له في صورة الحاصل على سبيل الفرض، تعريضا / بمن صدر عنهم ذلك. وحيث كان تعريضا لهم، والمراد تخويفهم إذا صدر منهم ذلك – لم يكن فيه دلالة على أنه يخاف هو صلى الله عليه وسلم على نفسه المعصية، مع أنه معصوم. كما لا يتوهم مثله في قوله : لئن أشركت ليحبطن عملك [(١)](#foonote-١) وحينئذ فلا حاجة إلى ما أجيب عن ظاهر دلالته على ما ذكر، بأن الخوف تعلق بالعصيان الممتنع الوقوع امتناعا عاديا، فلا يدل إلا على أنه يخاف لو صدر عنه العصيان. وهذا لا يدل على حصول الخوف. 
قال بعضهم : لا يقال على تقدير العصيان، يكون الجواب هو استحقاق العذاب، لا الخوف. لأنا نقول : لا منافاة بينهما. فالخوف إما على حقيقته، أو كناية عن الاستحقاق. انتهى.

١ - \[٩/ الزمر/ ٦٥\] ونصها: ولقد أوحي إليك وإلى الذين من قبلك.....

### الآية 6:16

> ﻿مَنْ يُصْرَفْ عَنْهُ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمَهُ ۚ وَذَٰلِكَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ [6:16]

\[ ١٦ \]  من يصرف عنه يومئذ فقد رحمه وذلك الفوز المبين ( ١٦ ) . 
 من يصرف  بالبناء للمفعول، أي العذاب،  عنه يومئذ فقد رحمه  أي : نجاه وأنعم عليه، أو أدخله الجنة، لقوله : فمن زحزح عن النار وأدخل الجنة [(١)](#foonote-١). 
وقوله : يدخل من يشاء في رحمته [(٢)](#foonote-٢) والجملة مستأنفة مؤكدة لتهويل العذاب.  وذلك  أي الصرف أو الرحمة،  والفوز المبين  أي : الظاهر.

١ - \[٣/ آل عمران/ ١٨٥\] ونصها: كل نفس ذائقة الموت وإنما توفون أجوركم يوم القيامة فمن زحزح عن النار وأدخل الجنة فقد فاز وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور(١٨٥)..
٢ - \[٤٢/ الشورى/ ٨\] ونصها: ولو شاء الله لجعلهم أمة واحدة ولكن يدخل من يشاء في رحمته والظالمون مالهم من ولي ولا نصير (٨)..

### الآية 6:17

> ﻿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ ۖ وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [6:17]

ثم ذكر تعالى دليلا آخر، في أنه لا يجوز للعاقل أن يتخذ وليا غير الله تعالى، بقوله :
 \[ ١٧ \]  وإن يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا هو وإن يمسسك بخير فهو على كل شيء قدير ( ١٧ ) . 
 وإن يمسسك الله بضر  أي ببلية، كفقر ومرض ونحوهما. و ( الضر ) : اسم جامع لما ينال الإنسان من مكروه،  فلا كاشف له إلا هو  أي : فلا يقدر على دفعه إلا هو وحده.  وإن يمسسك بخير  من عافية ورخاء ونحوهما : و ( الخير ) اسم جامع لما ينال الإنسان من محبوب له،  فهو على كل شيء قدير  أي : ومن جملته ذلك، فيقدر عليه، فيمسك به، ويحفظه عليك من غير أن يقدر على دفعه أو رفعه أحد. كقوله تعالى : فلا راد لفضله [(١)](#foonote-١). وكقوله سبحانه : ما يفتح الله للناس من رحمة فلا ممسك لها وما يمسك فلا مرسل له من بعده [(٢)](#foonote-٢). 
وفي ( الصحيح ) [(٣)](#foonote-٣) أن رسول الله كان يقول :" اللهم ! لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجد منك الجد ". 
 وعن ابن عباس رضي الله عنه[(٤)](#foonote-٤) قال :" كنت خلف النبي صلى الله عليه وسلم فقال : يا غلام ! إني أعلمك كلمات : احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك، إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله. واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء، لم ينفعوك إلا بشيء، قد كتبه الله لك، ولو اجتمعوا على أن يضروك بشيء، لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك. رفعت الأقلام، وجفت الصحف " - رواه الترمذي- وقال : حسن صحيح.

١ - \[١٠/يونس/ ١٠٧\] ونصها:وإن يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا هو وإن يردك بخير فلا راد لفضله يصيب به من يشاء من عباده وهو الغفور الرحيم (١٠٧)..
٢ - \[٣٥/ فاطر/ ٢\] ... وهو العزيز الحكيم (٢)..
٣ - أخرجه البخاري في: ١٠- كتاب الأذان، ١٥٥- باب الذكر بعد الصلاة، حديث رقم ٥٠٠ وهذا نصه:
 عن وراد، كاتب المغيرة بن شعبة، في كتاب إلى معاوية؛ أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول في دبر كل صلاة مكتوبة "لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير. اللهم ! لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجد منك الجد"..
٤ - أخرجه الترمذي في: ٣٥- كتاب القيامة، ٥٩- باب حدثنا بشر بن هلال البصري..

### الآية 6:18

> ﻿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ ۚ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ [6:18]

\[ ١٨ \]  وهو القاهر فوق عباده وهو الحكيم الخبير ( ١٨ ) . 
 وهو القاهر فوق عباده وهو الحكيم الخبير  أي : هو الغالب بقدرته، المستعلي فوق عباده، يدير أمرهم بما يريد، فيقع في ذلك ما يشق عليهم ويثقل ويغم ويحزن، فلا يستطيع أحد منهم رد تدبيره، والخروج من تحت قهره وتقديره. 
**قال أبو البقاء : في ( فوق ) وجهان :**
أحدهما- في موضع نصب على الحال من الضمير في ( القاهر ) أي : مستعليا وغالبا. 
والثاني- في موضع رفع على أنه بدل من ( القاهر ) أو خبر ثان.

### الآية 6:19

> ﻿قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً ۖ قُلِ اللَّهُ ۖ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ ۚ وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَٰذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ ۚ أَئِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللَّهِ آلِهَةً أُخْرَىٰ ۚ قُلْ لَا أَشْهَدُ ۚ قُلْ إِنَّمَا هُوَ إِلَٰهٌ وَاحِدٌ وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ [6:19]

\[ ١٩ \]  قل أي شيء أكبر شهادة قل الله شهيد بيني وبينكم وأوحي إلي هذا القرآن لأنذركم به ومن بلغ أئنكم لتشهدون أن مع الله آلهة أخرى قل لا أشهد قل إنما هو إله واحد وإنني بريء مما تشركون ( ٢٩ ) . 
 قل أي شيء أكبر شهادة  أي بحيث لا يمكن معارضته بما يساويه  قل الله  / أي : أكبر شهادة، إذ لا احتمال لطرو الكذب في خبره أصلا، جل شأنه. وأمره صلى الله عليه وسلم بأن يتولى الجواب بنفسه، إما للإيذان بعينه، وعدم قدرتهم على أن يجيبوا بغيره، أو لأنهم ربما يتلعثمون فيه، لا لترددهم في أنه تعالى أكبر من كل شيء، بل في كونه شهيدا في هذا الشأن. 
وقوله تعالى : شهيد بيني وبينكم  خبر لمحذوف، أو خبر عن لفظ الجلالة. ودل على جواب  أي  من طريق المعنى، لأنه إذا كان تعالى هو الشهيد بينه وبينهم، كان أكبر شيء شهادة، شهيدا له. فيكون من الأسلوب الحكيم، لأنه عدل عن الجواب المتبادر- إليه، ليدل على أن أكبر شيء شهادة شهيد للرسول، فإن الله أكبر شيء شهادة، والله شهيد له، فينتج الأكبر شهادة شهيد له. والقياس المذكور من الشكل الثالث، لأن الحد الأوسط موضوع في المقدمتين، لا من الثاني، كما وقع للشهاب في ( العناية ) وهو من بديهيات الميزان. 
قال بعضهم : الغرض من السؤال ب  أي شيء أكبر شهادة  أن شاهدي أكبر شهادة. فقوله  شهيد...  الخ تنصيص له، والسؤال المذكور لا يحتاج إلى جواب، لكونه معلوما بينا عند الخصم، فحاصله أن الله هو أكبر شهادة، شهيد بذلك. انتهى. 
ومعنى  شهيد  مبالغ في الشهادة على نبوتي، بحيث يقطع النزاع بيني وبينكم، إذ شهد سبحانه بالقول في الكتب التي أنزلها على الأولين، وبالفعل فيما ظهر على يدي من المعجزات، لا سيما معجزة القرآن، كما قال تعالى :
 وأوحي إلي هذا القرآن  أي : الجامع للعلوم التي يحتاج إليها في المعارف والشرائع، في ألفاظ يسيرة، في أقصى مراتب الحسن والبلاغة، معجزة شاهدة بصحة رسالتي. لأنكم أنتم الفصحاء والبلغاء، وقد عجزتم عن معارضته  لأنذركم به ، أي بما فيه من الوعيد،  ومن بلغ  عطف على ضمير المخاطبين. أي : لأنذركم به، يا أهل مكة ! وسائر من بلغه/ من الناس كافة، فهو نذير لكل من بلغه، كقوله تعالى : ومن يكفر به من الأحزاب فالنار موعده [(١)](#foonote-١). 
 أئنكم لتشهدون أن مع الله آلهة أخرى  تقرير لهم مع إنكار واستبعاد. 
 قل لا أشهد  بما تشهدون،  قل إنما هو إله واحد  أي : بل أشهد أن لا إله إلا هو، لا يشارك في إلهيته، ولا في صفات كماله : وإنني بريء مما تشركون  يعني : الأصنام. 
**وفي هذه الآية :**
**مسائل :**
الأولى ؛ استدل الجمهور بقوله تعالى : قل الله  في جواب  أي شيء أكبر شهادة  على جواز إطلاق ( الشيء ) عليه تعالى. وكذا بقوله سبحانه وتعالى : كل شيء هالك إلا وجهه [(٢)](#foonote-٢)، فإن المستثنى يجب أن يدخل تحت المستثنى منه، وذلك لأن الشيء أعم العام- كما قال سيبويه- لوقوعه على كل ما يصح أن يعلم ويخبر عنه. واختار الزمخشري شموله حتى للمستحيل. وصرح كثير من المحققين بأنه يختص بالموجود ؛ وضعفوا من أطلقه على المعدوم، بأنه محجوب بعدم استعمال العرب ذلك، كما علم باستقراء كلامهم، وبنحو : كل شيء هالك/ إلا وجهه ، إذ المعدوم لا يتصف بالهلاك، وبنحو : وإن من شيء إلا يسبح بحمده [(٣)](#foonote-٣). إذ المعدوم لا يتصور منه التسبيح. 
قال الناصر في ( الانتصاف ) : هذه المسألة معدودة من علم الكلام باعتبار ما، وأما هذا البحث فلغوي، والتحاكم فيه لأهل اللغة. وظاهر قولهم : غضبت من لا شيء. و
 \* إذا رأى غير شيء ظنه رجلا[(٤)](#foonote-٤) \*
\- أن الشيء لا ينطلق إلا على الموجود، إذ لو كان الشيء كل ما يصح أن يعلم، عدما كان أو وجودا، أو ممكنا أو مستحيلا، لما صدق على أمر ما أنه ليس بشيء، والأمر في ذلك قريب. انتهى. 
 هذا، وتمسك من منع إطلاقه عليه تعالى بقوله تعالى : ولله الأسماء الحسنى فادعوا بها [(٥)](#foonote-٥). والاسم إنما يحسن لحسن مسماه، وهو أن يدل على صفة من صفات الكمال، ونعت من نعوت الجلال. ولفظ ( الشيء ) أعم الأشياء، فيكون مسماه حاصلا في أحسن الأشياء وفي أرذلها. ومتى كان كذلك، لم يكن المسمى بهذا اللفظ صفة من صفات الكمال، فوجب أن لا يجوز دعوة الله بهذا الاسم، لأنه ليس من الأسماء الحسنى، وقد أمر تعالى بأن يدعى بها. وأجيب : بأن كونه ليس من الأسماء الحسنى، لكونها توقيفية، وكونه لا يدعى به لعدم وروده- لا ينافي شموله للذات العلية، شمول العام. والمراد بإطلاقه عليه تعالى ( فيما تقدم ) شموله، لا تسميته به. وبالجملة، فلا يلزم من كونه ليس من الأسماء الحسنى، أن لا يشمل الذات المقدسة شمولا كليا، كيف ؟ وهو الموضوعات العامة. والتحاكم للغويين في ذلك- كما قدمنا-. 
الثانية- ما أسلفناه من أن المعني بالشهادة هو شهادته تعالى في ثبوت النبوة له صلى الله عليه وسلم، هو الذي جنح إليه الأكثر. وكأن مشركي مكة طلبوا منه صلى الله عليه وسلم شاهدا على نبوته. فقيل لهم : أكبر شيء شهادة هو الله تعالى، وقد شهد لي بالنبوة، لأنه أوحى إلي هذا القرآن، وتحداكم بمعارضته، فعجزتم، وأنتم في مقام البلاغة. وإذ كان معجزا، كان إظهاره تعالى إياه على وفق دعواي، شهادة منه على صدقي في النبوة. 
ولبعضهم وجه آخر، وهو، المعني، شهادته تعالى في ثبوت وحدانيته، وتنزهه عن الأنداد والأشباه. ويرشحه تتمة الآية، وهو قوله : أئنكم لتشهدون...  الخ وقوله : شهد الله أنه لا إله إلا هو...  [(٦)](#foonote-٦)، وقوله : فإن شهدوا فلا تشهد/ معهم [(٧)](#foonote-٧)، مما يدل على أن الشهادة إنما عني بها، في موارد التنزيل، ثبوت الوحدانية. والقرآن يفسر بعضه بعضا- والله أعلم-. 
الثالثة- إنما اقتصر على الإنذار في قوله : لأنذركم به  لكون الخطاب مع كفار مكة، وليس فيهم من يبشر. أو اكتفى به عن ذكر البشارة على حد  سرابيل تقيكم الحر [(٨)](#foonote-٨). 
الرابعة- استدل بقوله تعالى : لأنذركم به ومن بلغ  على أنه صلى الله عليه وسلم مبعوث إلى الناس كافة، وإلى الجن. 
الخامسة- استدل به أيضا على أن أحكام القرآن تعم الموجودين يوم نزوله، ومن سيوجد بعد إلى يوم القيامة، خلا أن ذلك بطريق العبارة في الكل- عند الحنابلة- وبالإجماع عندنا في غير الموجودين، وفي غير المكلفين يومئذ- أفاده أبو السعود-. 
السادسة- روى ابن أبي حاتم عن محمد بن كعب في قوله  ومن بلغ  :" من بلغه القرآن، فكأنما رأى النبي صلى الله عليه وسلم وكلمه ". ورواه ابن جرير[(٩)](#foonote-٩) عنه بلفظ :" من بلغه القرآن فقد أبلغه محمد صلى الله عليه وسلم ". 
 وروى [(١٠)](#foonote-١٠)عبد الرزاق عن قتادة في هذه الآية ؛ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :" بلغوا عن الله، فمن بلغته آية من كتاب الله، فقد بلغه أمر الله ". 
وقال الربيع بن أنس :" حق على من اتبع رسول الله صلى الله عليه وسلم، أن يدعو كالذي دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأن ينذر بالذي أنذر ". 
السابعة- دل قوله تعالى : قل إنما هو إله واحد  وقوله : وإنني بريء مما تشركون  على إثبات التوحيد بأعظم طرق البيان، وأبلغ وجوه التأكيد. لأن ( إنما ) تفيد الحصر، و ( الواحد ) صريح في نفي الشركاء. ثم صرح بالبراءة عن إثبات الشركاء. وقد استحب الشافعي لمن أسلم بعد إتيانه بالشهادتين، أن يتبرأ من كل دين سوى دين الإسلام، لقوله : وإنني بريء مما تشركون  عقب التصريح بالتوحيد.

١ - \[١١/ هود/ ١٧\] ونصها:أفمن كان على بينة من ربه ويتلوه شاهد منه ومن قبله كتاب موسى إماما ورحمة أولئك يؤمنون به ومن يكفر به من الأحزاب فالنار موعده فلا تك في مرية منه إنه الحق من ربك ولكن أكثر الناس لا يؤمنون (١٧)..
٢ - \[٢٨/ القصص/ ٨٨\] ونصها: ولا تدع مع الله إلها آخر لا إله إلا هو كل شيء هالك إلا وجهه له الحكم وإليه ترجعون (٨٨)..
٣ - \[١٧/ الإسراء/ ٤٤\] ونصها/ تسبح له السماوات السبع والأرض ومن فيهن وإن من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم إنه كان حليما غفورا (٤٤)..
٤ - صدر البيت: \* وضاقت الأرض حتى كان هاربهم\*
 من قصيدة لأبي الطيب المتنبي، قالها في صباه، يمدح سعيد بن عبد الله بن الحسن بن الكلابي المنبجي.
 أحيـا ! وأيســر ما لاقيـت مــا قتــلا\*\*\*والبيــن جـــار علــى ضعفـــي ومـــا عــدلا
 قال الواحدي: يعني لشدة ما لحقهم من الخوف ضاقت عليهم الأرض، فلم يجدوا مهربا- كقوله تعالى: ضاقت عليهم الأرض بما رحبت- وهاربهم إذا رأى غير شيء يعبأ به أو يكفر في مثله، ظنه إنسانا يطلبه. وكذا عادة الهارب الخائف. كقوله جرير:
 مـا زلت تحسـب، كـل شـيء بعدهم\*\*\* خيـــــلا تكـــــــر عليهــــم، ورجـــــــــــالا.
٥ - \[٤/ الأعراف/ ١٨٠\] ونصها:ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها وذروا الذين يلحدون في أسمائه سيجزون ما كانوا يعملون (١٨٠)..
٦ - \[٣/ آل عمران/ ١٨\] ونصها: شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولو العلم قائما بالقسط لا إله إلا هو العزيز الحكيم (١٨)..
٧ - \[٦/ الأنعام/ ١٥٠\] ونصها: قل هلم شهداءكم الذين يشهدون أن الله حرم هذا فإن شهدوا فلا تشهد معهم ولا تتبع أهواء الذين كذبوا بآياتنا والذين لا يؤمنون بالآخرة وهم بربهم يعدلون (١٥٠)..
٨ - \[١٦/ النحل/ ٨١\] ونصها: والله جعل لكم مما خلق ظلالا وجعل لكم من الجبال أكنانا وجعل لكم سرابيل تقيكم الحر وسرابيل تقيكم بأسكم كذلك يتم نعمته عليكم لعلكم تسلمون (٨١)..
٩ - \[الأثر رقم ١٣١٢٤ من التفسير..
١٠ - الأثر رقم ١٣١١٩ من تفسير ابن جرير..

### الآية 6:20

> ﻿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمُ ۘ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ [6:20]

\[ ٢٠ \]  الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم الذين خسروا أنفسهم فهم لا يؤمنون ( ٢٠ ) . 
وقوله تعالى : الذين آتيناهم الكتاب  يعني : اليهود والنصارى  يعرفونه  أي : يعرفون رسول الله صلى الله عليه وسلم بحليته ونعته الثابت في الكتابين  كما يعرفون أبناءهم  بحلاهم ونعوتهم، لا يخفون عليهم، ولا يلتبسون بغيرهم. 
قال المهايمي : لأنه صلى الله عليه وسلم ذكر في الكتاب نعته. وهو، وإن لم يفد تعينه باللون والشكل والزمان والمكان، تعين بقرائن المعجزات. فبقاء الاحتمال البعيد فيه، كبقائه في الولد، بأنه يمكن أن يكون غير ما ولدته امرأته، أو يكون من الفجور، مع دلالة القرائن على براءتها من التزوير والفجور. فهو، كما يعرفون أبناءهم في ارتفاع الاحتمال البعيد بالقرائن على براءتها. 
 قال الزمخشري : وهذا استشهاد لأهل مكة بمعرفة أهل الكتاب، وبصحة نبوته. 
ثم بين تعالى أن إنكاره خسران لما عرفوه، ولما أمروا بالتدين به بقوله : الذين خسروا أنفسهم  أي : من المشركين  فهم لا يؤمنون  أي : بهذا الأمر الجلي الظاهر الذي بشرت به الأنبياء، ونوهت به، لأنه مطبوع على قلوبهم.

### الآية 6:21

> ﻿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَىٰ عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ ۗ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ [6:21]

\[ ٢١ \]  ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو كذب بآياته إنه لا يفلح الظالمون ( ٢١ ) . 
 ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا  كقولهم : الملائكة بنات الله[(١)](#foonote-١)، وهؤلاء شفعاؤنا عند الله. قال تعالى : وإذا فعلوا فاحشة قالوا وجدنا عليها آباءنا والله أمرنا بها [(٢)](#foonote-٢). 
  أو كذب بآياته  أي : القرآن والمعجزات، حيث سموها سحرا. وإنما ذكر ( أو ) مع أنهم جمعوا بين الأمرين، تنبيها على أن كلا منهما وحده بالغ غاية الإفراط في الظلم على النفس. فكيف ؟ وهم قد جمعوا بينهما، فأثبتوا ما نفاه الله تعالى، ونفوا ما أثبته. 
 إنه لا يفلح الظالمون  أي : لا ينجون من مكروه، ولا يفوزون بمطلوب. وإذا كان حال الظالمين هذا، فكيف بمن لا أحد أظلم منه ؟
**تنبيه :**
ما ذكرناه من كون الموصول كناية عن المشركين هو الظاهر، لأن السورة مكية والخطاب مع مشركي أهلها. وجعله البيضاوي لهم، ولأهل الكتاب، وقوفا مع عموم اللفظ. والمهايمي ؛ لأهل الكتاب خاصة، ربطا للآية بما قبلها. والظاهر الأول، لما قلنا. وعبارة المهايمي : الذين خسروا أنفسهم  بتفويت ما أوتوا من الكتاب، وما أمروا به، فهم لا يؤمنون. وكيف لا يخسرون، وهم ظالمون، وكل ظالم خاسر ؟ وإنما قلنا : إنهم ظالمون، لأنهم يحرفون كتاب الله لفظا أو معنى، فيفترون على الله الكذب، ويكذبون آيات الله من كتابهم، ومعجزات محمد صلى الله عليه وسلم وكتابه. وقد يسترون بعض ما في كتابهم، وهو أيضا تكذيب. فعلوا جميع ذلك لأنه لا يتأتى لهم ترك الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم وكتابه. وقد يسترون بعض ما في كتابهم، وهو أيضا تكذيب. فعلوا جميع ذلك لأنه لا يتأتى لهم ترك الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم بدون أحد هذه الأمور. 
وقال في قوله تعالى : ومن أظلم…  الآية : لأنهم بالتحريف يدَّعون إلهية أنفسهم، وبالتكذيب يريدون تعجيز الله عن تصديقه الرسل، وينسبون إيجادها إلى غير الله، مع افتقارها إلى القدرة الكاملة. وإنما قلنا : كل ظالم خاسر، لأن كل ظالم لا يفلح. كما قال تعالى : إنه لا يفلح الظالمون  أي : لا يفلحون في الدنيا بانقطاع الحجة عنهم، وظهور المسلمين عليهم. وفيه إشارة إلى أن مدعي الرسالة، لو كان كاذبا كان مفتريا على الله، فلا يكون مفلحا، فلا يكون سببا لصلاح العالم، ولا محلا لظهور المعجزات. انتهى.

١ - \[٦/ الأنعام/ ١٠٠\] ونصها:وجعلوا لله شركاء الجن وخلقهم وخرقوا له بنين وبنات بغير علم سبحانه وتعالى عما يصفون (١٠٠).
 و\[١٦/ النحل/ ٥٧\] ونصها:يجعلون لله البنات سبحانه ولهم ما يشتهون (٥٧).
 و\[١٧/ الإسراء/ ٤٠\] ونصها:أفأصفاكم ربكم بالبنين واتخذ من الملائكة إناثا إنكم لتقولون قولا عظيما ((٤٠).
 و\[٣٧/ الصافات/ ١٥٠\] ونصها:أم خلقنا الملائكة إناثا وهم شاهدون(١٥٠).
 و\[٤٣/ الزخرف/ ١٩\] ونصها: وجعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن إناثا أشهدوا خلقهم ستكتب شهادتهم ويسألون(١٩).
 و\[٥٣/ النجم/ ٢٧\] ونصها: إن الذين لا يؤمنون بالآخرة ليسمون الملائكة تسمية الأنثى (٢٧)..
٢ - \[٧/ الأعراف/ ٢٨\] ونصها: وإذا فعلوا فاحشة قالوا وجدنا عليها آباءنا والله أمرنا بها قل إن الله لا يأمر بالفحشاء أتقولون على الله ما لا تعلمون (٢٨)..

### الآية 6:22

> ﻿وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا أَيْنَ شُرَكَاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ [6:22]

\[ ٢٢ \]  ويوم نحشرهم جميعا ثم نقول للذين أشركوا أين شركاؤكم الذين كنتم تزعمون ( ٢٢ ) . 
 ويوم نحشرهم  أي : الإنس والجن والشياطين. منصوب بمضمر تهويلا للأمر.  جميعا  ليفتضح من لا يفلح من الظالمين مزيد افتضاح، ويظهر المفلحون بكمال الإعزاز. 
 ثم نقول للذين أشركوا  أي مضوا على الشرك، بان ماتوا عليه، وهم الشاهدون أن مع الله آلهة أخرى  أين شركاؤكم  أي الذين جعلتموهم شركاءنا، وهم شركاؤكم في العبودية – كذا قاله المهايمي- وعليه، فالإضافة على بابها. 
وفي ( العناية ) : الإضافة فيه لأدنى ملابسة، كما أشار إليه القاضي بقوله : أي آلهتكم التي جعلتموها شركاء لله، لأنه لا شركة بينهم، وإنما سموهم شركاء، فلهذه الملابسة أضيفوا إليهم. 
قيل : قوله تعالى : احشروا الذين ظلموا وأزواجهم وما كانوا يعبدون  يقتضي حضورهم معهم في المحشر، و ( أين ) يسأل بها عن غير الحاضر ؟ أجيب بأنه بتقدير مضاف. أي : أين نفعهم وشفاعتهم، أو أنهم بمنزلة الغيب، لعدم ما رجوا منهم من الشفاعة. وعلى كل، فالقصد من السؤال توبيخهم وتقريعهم، وأن يقرر في نفوسهم أن ما كانوا يرجونه مأيوس منه. وذلك تنبيه لهم في دار الدنيا على فساد هذه الطريقة. 
وقوله تعالى : الذين كنتم تزعمون  أي : تزعمونها شركاء من عند أنفسكم. أي : فقصدتم بذلك فعل الفاتنين في المملكة بجعلها لغير من هي له.

### الآية 6:23

> ﻿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ [6:23]

\[ ٢٣ \]  ثم لم تكن فتنهم إلا أن قالوا والله ربنا ما كنا مشركين ( ٢٣ ) . 
 ثم لم تكن فتنتهم  أي : جواب ما اعترض به على فتنتهم التي هي شهادة أن مع الله آلهة أخرى. وعبر عن جوابهم بالفتنة، لأنه كذب  إلا أن قالوا والله ربنا ما كنا مشركين  اعتذروا عن أصنامهم بنفيها مؤكدا بالقسم بالاسم الجامع، مع نسبة الربوبية إليه تعالى، لا إلى ما سواه، مبالغة في التبرؤ من الإشراك. فكان هذا العذر ذنبا آخر مؤكدا لافترائهم بالإشراك الذي نفوه. كما قال تعالى : انظر كيف كذبوا على أنفسهم وضل عنهم ما كانوا يفترون ( ٢٤ ) .

### الآية 6:24

> ﻿انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلَىٰ أَنْفُسِهِمْ ۚ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ [6:24]

\[ ٢٤ \]  انظر كيف كذبوا على أنفسهم وضل عنهم ما كانوا يفترون ( ٢٤ ) . 
 انظر كيف كذبوا على أنفسهم  أي : بنفي الإشراك عنها أمام علام الغيوب، بحضرة من لا ينحصر من الشهود ( وضل ) أي : وكيف ضاع وغاب  عنهم ما كانوا يفترون  أي : من الشركاء، فلم تغن عنهم شيئا، فقدوا ما رجوا من شفاعتها ونصرتها لهم، كقوله تعالى : ثم قيل لهم أين ما كنتم تدعون من دون الله قالوا ضلوا عنا [(١)](#foonote-١). ف ( ما ) موصولة، كناية عن الشركاء. وإيقاع الافتراء عليها، مع أنه في الحقيقة واقع على أحوالها من الإلهية، والشركة والشفاعة ونحوها- للمبالغة في أمرها، كأنها نفس المفترى. 
 تنبيهات
الأول- ما ذكرناه من أنه عبر عن جوابهم بالفتنة هو الأظهر. فالمراد : الجواب بما هو كذب، لأنه سبب الفتنة، فتجوز بها إطلاقا للمسبب على السبب، أو هو استعارة. وقيل : الفتنة بمعنى العذر، لأنها التخليص من الغش لغة، والعذر يخلص من الذنب، فاستعيرت له. وقيل : بمعنى الكفر، لأن الفتنة ما تفتتن به ويعجبك، وهم كانوا معجبين بكفرهم مفتخرين به، ويظنون شيئا، فلم تكن عاقبته إلا الخسران، والتبرؤ منه، وليس هذا على تقدير مضاف، بل جعل عاقبة الشيء عينه، ادعاء. 
قال الزجاج : تأويل هذه الآية حسن في اللغة، لا يعرفه إلا من عرف معاني الكلام، وتصرف العرب في ذلك. وذلك أن الله تعالى بين كون المشركين مفتونين بشركهم، متهالكين على حبه. فأعلم في هذه الآية، أنه لم يكن افتتانهم بشركهم، وإقامتهم عليه، إلا أن تبرؤوا منه وتباعدوا عنه، فحلفوا أنهم ما كانوا مشركين. ومثاله : أن ترى إنسانا يحب غاويا مذموم الطريقة، فإذا وقع في محنة بسببه تبرأ منه، فيقال له : ما كانت محبتك لفلان إلا أن انتفيت منه. 
قال الخفاجي- بعد نقله ما ذكر- : وليس هذا من قبيل عتابك السيف، ولا من تقدير المضاف، وإن صح فاحفظه، فإنه من البدائع الروائع. 
الثاني- ما بيناه من أن ( ما ) في قوله تعالى : وضل عنهم ما كانوا يفترون  موصولة، كناية عن الشركاء، بمعنى عدم إغنائها عنهم- هو الموافق للآية الثانية التي سقناها. وجوز كونها مصدرية. أي : انظر كيف ذهب وزال عنهم افتراؤهم من الإشراك، حتى نفوا صدوره عنهم بالكلية، وتبرؤوا منه بالمرة. 
هذا، وجعل الناصر في ( الانتصاف )  ضل  بمعنى سلبوا علمه، فكأنهم نسوه وذهلوه دهشا. وهو بعيد، لعدم ملاقاته للآية الأخرى. والتنزيل يفسر بعضه بعضا. وعبارته :/ في الآية دليل بين على أن الإخبار بالشيء على خلاف ما هو به، كذب، وإن لم يعلم المخبر مخالفة خبره بمخبره. ألا تراه جعل إخبارهم وتبريهم كذبا ؟ مع أنه تعالى أخبر أنهم ضل عنهم ما كانوا يفترون. أي : سلبوا علمه حينئذ دهشا وحيرة، فلم يرفع ذلك إطلاق الكذب عليهم. انتهى. 
الثالث- قال الزمخشري : فإن قلت : كيف يصح أن يكذبوا حين يطلعون على حقائق الأمور، وعلى أن الكذب والجحود لا وجه لمنفعته ؟
قلت : الممتحن ينطق بما ينفعه وبما لا ينفعه، من غير تمييز بينهما، حيرة ودهشا. ألا تراهم يقولون : ربنا أخرجنا منها فإن عدنا فإنا ظالمون [(٢)](#foonote-٢) ؟ وقد أيقنوا بالخلود، ولم يشكوا فيه.  ونادوا يا مالك ليقض علينا ربك [(٣)](#foonote-٣)، وقد علموا أنه لا يقضى عليهم. 
وأما قول من يقول : معناه ما كنا مشركين عند أنفسنا، وما علمنا أنا على خطأ في معتقدنا، وحمل قوله : انظر كيف كذبوا على أنفسهم  يعني في الدنيا- فتمحل وتعسف وتحريف لأفصح الكلام، إلى ما هو عي وإفحام. لأن المعنى الذي ذهبوا إليه، ليس هذا الكلام بمترجم عنه، ولا منطبق عليه، وهو ناب عنه أشد النبو. وما أدري ما يصنع، من ذلك تفسيره، بقوله تعالى : يوم يبعثهم جميعا فيحلفون له كما يحلفون لكم ويحسبون أنهم على شيء ألا إنهم هم الكاذبون [(٤)](#foonote-٤) بعد قوله : ويحلفون على الكذب وهم يعلمون  فشبه كذبهم في الآخرة بكذبهم في الدنيا. انتهى. 
والقول المذكور، والحمل الذي ناقش فيه، أصله لأبي علي الجبائي والقاضي. فإنهما/ ذهبا على أن أهل القيامة لا يجوز إقدامهم على الكذب، واعتلا بوجوه واهية ساقها الرازي. فلتنظر ثمت، فإنا لا نسود وجوه صحائفنا بما فيه تحكيم العقل على النقل.

١ - \[٧/ الأعراف/ ٣٧\] ونصها: فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو كذب بآياته أولئك ينالهم نصيبهم من الكتاب حتى إذا جاءتهم رسلنا يتوفونهم قالوا أين ما كنتم تدعون من دون الله قالوا ضلوا عنا وشهدوا على أنفسهم أنهم كانوا كافرين (٣٧)..
٢ - \[٢٣/ المؤمنون/ ١٠٧\]..
٣ - \[٤٣/ الزخرف/ ٧٧\] ... قال إنكم ماكثون (٧٧)..
٤ - \[٥٨/ المجادلة/ ١٨\]..

### الآية 6:25

> ﻿وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ ۖ وَجَعَلْنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا ۚ وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لَا يُؤْمِنُوا بِهَا ۚ حَتَّىٰ إِذَا جَاءُوكَ يُجَادِلُونَكَ يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَٰذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ [6:25]

ثم بين تعالى بعض ما كان يصدر من مشركي مكة، مما طبع على قلوبهم بسببه فقال سبحانه :
\[ ٢٥ \]  ومنهم من يستمع إليك وجعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه وفي آذانهم وقرا وإن يروا كل آية لا يؤمنوا بها حتى إذا جاءوك يجادلونك يقول الذين كفروا إن هذا إلا أساطير الأولين ( ٢٥ ) . 
 ومنهم من يستمع إليك  أي : يصغي حين تتلو القرآن، ولا يجزئ عنه شيئا، لأنه لا يتدبر فيه حتى يطلع على إعجازه، ويؤثر فيه الإرشاد  وجعلنا على قلوبهم أكنة  أي حجبا، جمع كنانة. كغطاء وأغطية، لفظا ومعنى  أن يفقهوه  أي : كراهة أن يفهموا، ببواطن قلوبهم، بواطنه التي بها إعجازه وإرشاده، بإقامة الدلائل ورفع الشبه.  وفي آذانهم وقرا  أي : وجعلنا في آذانهم، التي هي طريق الوصول إلى بواطن القلوب، صمما مانعا من وصول السماع النافع. وقد مر في أول البقرة تحقيق ذلك. فتذكر !
وقوله تعالى : وإن يروا كل آية لا يؤمنوا بها  إشارة إلى أنه لا يختص ما ذكر منهم بالقرآن، لرؤيتهم قصورا فيه، بل مهما يروا من الآيات والحجج مما يدل على صدق الرسول لا يؤمنوا بها، ويحملوها على السحر. لفرط عنادهم، واستحكام التقليد فيهم، فلا فهم عندهم ولا إنصاف. كقوله تعالى : ولو علم الله فيهم خيرا لأسمعهم [(١)](#foonote-١). 
 حتى إذا جاءوك يجادلونك  أي : بلغ تكذيبهم الآيات على أنهم إذا جاءوك يحاجونك ويناظرونك في الحق بالباطل. ثم فسر المجادلة بقوله : يقول الذين كفروا إن / هذا إلا أساطير الأولين  أي : أباطيلهم وأحاديثهم التي لا نظام لها. وعد أحسن الحديث وأصدقه، من قبيل الأباطيل :( وهو الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خفه ) - رتبة من الكفر لا غاية وراءها.

١ - \[٨/ الأنفال/ ٢٣\] ونصها:... ولو أسمعهم لتولوا وهم معرضون (٢٣)..

### الآية 6:26

> ﻿وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ ۖ وَإِنْ يُهْلِكُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ [6:26]

\[ ٢٦ \]  وهم ينهون عنه وينأون عنه وإن يهلكون إلا أنفسهم وما يشعون ( ٢٦ ) . 
 وهم ينهون عنه  أي : لا يقنعون بما ذكر من تكذيبه، بل ينهون الناس عن استماعه. 
قال المهايمي : وهم لرؤيتهم حلاوة نظمه فوق نثرهم وشعرهم، مع متانة معانيه. يعرفون أن التدبر فيه يفيد التطلع على إعجازه. فيخافون تأثيره في قلوب الخلائق. لذلك ينهون عنه. أي : عن قراءته واستماعه، لئلا يدعوهم إلى التدبير فيه، فيفسد عليهم أغراضهم الفاسدة. 
 وينأون عنه  أي : يتباعدون عنه بأنفسهم، إظهارا لغاية نفورهم عنه، وتأكيدا لنهيهم عنه. فإن اجتناب الناهي عن المنهي عنه، من متممات النهي. ولعل ذلك هو السر في تأخير ( النأي ) عن ( النهي ) - أفاده أبو السعود-. 
ولما أشعر ذلك بكونهم يبغون الغوائل لرسول الله صلى الله عليه وسلم وللمؤمنين، خوفا من قوة تأثير التنزيل في القلوب، أتبعه بأنه لا يحصل لهم هذا المطلوب، لأن الله متم نوره، ومظهر دينه، وإن الدائرة عليهم بقوله : وإن يهلكون إلا أنفسهم  بتعريضها لأشد العذاب عاجلا وآجلا  وما يشعرون  أي بذلك. 
**تنبيه :**
روى الحاكم وغيره، عن ثلة من التابعين، أن هذه الآية نزلت في أبي طالب، كان ينهى عن النبي صلى الله عليه وسلم أن يؤذى، وينأى عنه فلا يؤمن به، وجمعيته حينئذ، باعتبار استتباعه لأتباعه. 
وروى ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير أنها نزلت في عمومة النبي صلى الله عليه وسلم، وكانوا عشرة، / فكانوا أشد الناس معه في العلانية، وأشدهم عليه في السر. ولا يخفى أن لفظ التنزيل مما يصدق على ما ذكر ولا ينافيه، وهو المراد بالنزول – كما أسلفنا مرارا- وقد قال أبو طالب يخاطب النبي صلى الله عليه وسلم :
والله لن يصلوا إليك بجمعهم\*\*\*حتى أوسَّد في التراب دفينا
فاصدع بأمرك ما عليك غضاضة\*\*\* وابشر بذاك وقر منه عيونا
ودعوتني وزعمت أنك ناصح\*\*\* ولقد صدقت وكنت ثم أمينا
وعرضت دينا لا محالة أنه\*\*\*من خير أديان البرية دينا
لولا الملامة أو حذارى سبة\*\*\* لوجدتني سمحا بذاك مبينا
وفي  ينهون  و  ينأون  تجنيس بديع.

### الآية 6:27

> ﻿وَلَوْ تَرَىٰ إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ فَقَالُوا يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ [6:27]

ولما أخبر تعالى أنهم يهلكون أنفسهم، شرح كيفيته مع بيان ما سيصدر عنهم في الآخرة من القول المناقض لعقدهم الدنيوي، بقوله سبحانه :
\[ ٢٧ \]  ولو ترى إذ وقفوا على النار فقالوا يا ليتنا نرد ولا نكذب بآيات ربنا ونكون من المؤمنين ( ٢٧ ) . 
 ولو ترى إذ وقفوا على النار  أي : اطلعوا عليها فعاينوها. يقال : وقف فلانا على ذنبه : أطلعه عليه. أو أدخلوها فعرفوا ما فيها من العذاب. يقال : وقفت على ما عند فلان، تريد : فهمته وتبنيته. والوقف عليها مجازي، أو هو حقيقي بمعنى القيام : و ( على ) إما على حقيقتها. أي : أقيموا واقفين فوق النار على الصراط، وهو جسر فوق جهنم. أو هي بمعنى ( في )، أي : أقيموا في جوف النار وغاصوا فيها، وهي محيطة بهم. وصحح معنى الاستعلاء حينئذ، كون النار دركات وطبقات، بعضها فوق بعض. 
 فقالوا يا ليتنا نرد ولا نكذب بآيات ربنا ونكون من المؤمنين } تمنوا الرجوع إلى الدنيا، حين لا رجوع، واعدين أن لا يكذبوا بما جاءهم، وأن يكونوا من المؤمنين، أي : بآياته، العاملين بمقتضاها، حتى لا نرى هذا الموقف الهائل. أو من فريق المؤمنين الناجين من العذاب، الفائزين بحسن المآب. 
**تنبيه :**
جواب ( لو ) محذوف، تفخيما للأمر، وتعظيما للشأن. وجاز حذفه لعلم المخاطب به. وأشباهه كثيرة في القرآن والشعر. ولو قدرت الجواب، كان التقدير : لرأيت سوء منقلبهم. وحذف الجواب في ذلك أبلغ في المعنى من إظهاره. ألا ترى أنك لو قلت لغلامك : والله ! لئن قمت إليك. وسكت عن الجواب، ذهب بفكره إلى أنواع المكروه من الضرب والقتل والكسر، وعظم الخوف، ولم يدر أي الأقسام تبغي. ولو قلت : لأضربنك، فأتيت بالجواب لأمن غير الضرب، ولم يخطر بباله نوع من المكروه سواه. فثبت أن حذف الجواب أقوى تأثيرا في حصول الخوف- أفاده الرازي- وملخصه : أن حذف الجواب ثقة بظهوره، وإيذانا بقصور العبارة عن تفصيله.

### الآية 6:28

> ﻿بَلْ بَدَا لَهُمْ مَا كَانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ ۖ وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ [6:28]

\[ ٢٨ \]  بل بدا لهم ما كانوا يخفون من قبل ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه وإنهم لكاذبون ( ٢٨ ) . 
 بل بدا لهم ما كانوا يخفون من قبل  إضراب عما يدل عليه تمنيهم الباطل من الوعد، بالتصديق والإيمان، أي : ليس ذلك عن عزم صحيح، وخلوص اعتقاد، بل هو بسبب آخر، وهو أنه ظهر لهم ما كانوا يكتمون في أنفسهم من الكفر والشرك، بقولهم : والله ربنا ما كنا مشركين ، وعرفوا أنهم هالكون بشركهم، فتمنوا لذلك، / أو بشهادة جوارحهم عليهم، أو ما كانوا يكتمون في أنفسهم في الدنيا من صدق ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم، وإن كانوا يظهرون لأتباعهم خلافه، كقوله تعالى مخبرا عن موسى أنه قال لفرعون : قال لقد علمت ما أنزل هؤلاء إلا رب السماوات والأرض بصائر...  [(١)](#foonote-١) – وقوله تعالى[(٢)](#foonote-٢) مخبرا عن فرعون وقومه : وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلما وعلوا . أو هذه الآية إخبار عن حال المنافقين، وأنه يظهر نفاقهم الذي كانوا يسرونه. ولا ينافي هذا كون السورة مكية، والنفاق إنما كان من بعض أهل المدينة، ومن حولها من الأعراب بعد الهجرة. لأن الله تعالى ذكر وقوع النفاق في سورة مكية وهي ( العنكبوت ) فقال : وليعلمن الله الذين آمنوا وليعلمن المنافقين [(٣)](#foonote-٣). هذا ما ذكروه مما يمكن تنزيل اللفظ الكريم عليه لعمومه. وقد ناقش في ذلك كله العلامة أبو السعود، واعتمد أن المراد ب ( ما كانوا يخفونه في الدنيا ) النار التي وقفوا عليها، إذ هي التي سيق الكلام لتهويل أمرها، والتعجيب من فظاعة حال الموقوفين عليها، و ( بإخفائها ) تكذيبهم بها، فإن التكذيب بالشيء كفر به، وإخفاء له محالة. وإيثاره على صريح التكذيب الوارد في قوله عز وجل : هذه جهنم التي يكذب بها المجرمون [(٤)](#foonote-٤) وقوله تعالى : هذه النار التي كنتم بها تكذبون [(٥)](#foonote-٥). مع كونه أنسب بما قبله من قولهم :/  ولا نكذب بآيات ربنا [(٦)](#foonote-٦) لمراعاة ما في مقابلته من البدو. هذا هو الذي تستدعيه جزالة النظم الكريم. 
ثم قال في الوجوه المتقدمة : إنه بعد الإغضاء عما في كل منها من الاعتساف والاختلال، لا سبيل إلى شيء من ذلك أصلا، لما عرفت من أن سوق النظم الشريف لتهويل أمر النار، وتفظيع حال أهلها، وقد ذكر وقوفهم عليها، وأشير إلى أنه اعتراهم عند ذلك من الخوف والخشية والحيرة والدهشة ما لا يحيط به الوصف. ورتب عليه تمنيهم المذكور ب ( الفاء ) القاضية بسببية ما قبلها لما بعدها، فإسقاط النار بعد ذلك من تلك السببية، وهي نفسها أدهى الدواهي، وأزجر الزواجر، وإسنادها إلى شيء من الأمور المذكورة التي دونها في الهول والزجر، مع عدم جريان ذكرها، ثمت- أمر يجب تنزيه ساحة التنزيل عن أمثاله. وأما ما قيل من أن المراد جزاء ما كانوا يخفون، فمن قبيل دخول البيوت من ظهورها، وأبوابها مفتوحة. فتأمل. 
أقول : لا ريب في بلاغة ما قرره ونفاسته، لولا تكلفه حمل الإخفاء على ما ذكره، مما هو غير ظاهر فيه، وليس له نظائر في التنزيل الكريم. فمجازيته حينئذ من قبيل المعمى. وفي الوجوه الأول إبقاؤه على حقيقته بلا تكلف، وشموله لها- غير بعيد. لأن في كل منها ما يؤيده، كما بيناه. غاية الأمر أن ما قرره وجه منها بديع. وأما كونه المراد لا غير، فدونه خرط القتاد – والله أعلم بأسرار كتابه-. 
 ولو ردوا  أي عن موقفهم ذلك إلى الدنيا كما تمنوه، وغاب عنهم ما شهدوه من الأهوال  لعادوا لما نهوا عنه  من الكفر والشرك  وإنهم لكاذبون  في وعدهم بالإيمان، أو ديدنهم الكذب في أحوالهم.

١ - \[١٧/ الإسراء/ ١٠٢\] ... وإني لأظنك يا فرعون مثبورا(١٠٢)..
٢ - \[٢٧/ النمل/ ١٤\] ... فانظر كيف كان عاقبة المفسدين (١٤)..
٣ - \[٢٩/ العنكبوت/ ١١\]..
٤ - \[٥٥/ الرحمن/ ٤٣\]..
٥ - \[٥٢/ الطور/ ١٤\]..
٦ - \[٦/ الأنعام/ ٢٧\] ونصها: ولو ترى إذ وقفوا على النار فقالوا يا ليتنا نرد ولا نكذب بآيات ربنا ونكون من المؤمنين (٢٧)..

### الآية 6:29

> ﻿وَقَالُوا إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ [6:29]

\[ ٢٩ \]  وقالوا إن هي إلا حياتنا الدنيا وما نحن بمبعوثين ( ٢٩ ) . 
 وقالوا  عطف على  لعادوا  أو استئناف،  إن هي  أي ما الحياة، فالضمير لما بعده،  إلا حياتنا الدنيا  أي : ليست الحياة التي يتوهم فيها البعث، والتي يتوهم فيها الرد إلا حياتنا الأولى  وما نحن بمبعوثين  أي : بعد مفارقتنا هذه الحياة.

### الآية 6:30

> ﻿وَلَوْ تَرَىٰ إِذْ وُقِفُوا عَلَىٰ رَبِّهِمْ ۚ قَالَ أَلَيْسَ هَٰذَا بِالْحَقِّ ۚ قَالُوا بَلَىٰ وَرَبِّنَا ۚ قَالَ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ [6:30]

\[ ٣٠ \]  ولو ترى إذ وقفوا على ربهم قال أليس هذا بالحق قالوا بلى وربنا قال فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون ( ٣٠ ) . 
 ولو ترى إذ وقفوا على ربهم  قال الجلال : أي عرضوا عليه. وقال ابن كثير : أي وقفوا بين يديه.  قال أليس هذا  أي المعاد  بالحق  تقريعا لهم، وردا لما يتوهمون عند الرد  قالوا بلى وربنا  أي : إنه لحق وليس بباطل، كما كنا نظن. أكدوا اعترافهم باليمين إظهارا لكمال يقينهم بحقيته، وإيذانا بصدور ذلك عنه بالرغبة والنشاط، طمعا في نفعه.  فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون .

### الآية 6:31

> ﻿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ ۖ حَتَّىٰ إِذَا جَاءَتْهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً قَالُوا يَا حَسْرَتَنَا عَلَىٰ مَا فَرَّطْنَا فِيهَا وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَىٰ ظُهُورِهِمْ ۚ أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ [6:31]

\[ ٣١ \]  قد خسر الذين كذبوا بلقاء الله حتى إذا جاءتهم الساعة بغتة قالوا يا حسرتنا على ما فرطنا فيها وهم يحملون أوزارهم على ظهورهم ألا ساء ما يزرون ( ٣١ ) . 
 قد خسر الذين كذبوا بلقاء الله  أي : ببلوغ الآخرة وما يتصل بها، أو هو مجرى على ظاهره، لأن منكر البعث منكر للرؤية- قال النسفي- والثاني هو الصواب، وإن / اقتصر كثيرون على الأول، وجعلوه استعارة تمثيلية لحالهم بحال عبد قدم على سيده بعد مدة، وقد اطلع السيد على أحواله. فإما أن يلقاه ببشر لما يرضى من أفعاله، أو بسخط لما يسخط منها – فإنه نزعة اعتزالية. ولا عدول إلى المجاز ما أمكنت الحقيقة. 
وفي كلام النسفي إشعار بأن اللقاء معناه الرؤية وهو ما في ( القاموس ). قال شارحه الزبيدي : وهو مما نقدوه، وأطالوا فيه البحث، ومنعوه. وقالوا : لا يلزم من الرؤية اللقي، كالعكس. 
وقال الراغب : هو مقابلة الشيء ومصادفته معا، وعبر به عن كل منهما. ويقال ذلك في الإدراك بالحس والبصر. 
**لطيفة :**
قال الخفاجي في ( العناية ) : قيل : روي عن علي رضي الله عنه أنه نظم أبياتا على وفق هذه الآية وفي معناها وهي :
زعم المنجم والطبيب، كلاهما\*\*\* لا تحشر الأجساد. قلت : إليكما
إن صح قولكما فلست بخاسر\*\*\* أو صح قولي، فالخسار عليكما
قال الخفاجي : لا أدري من أيهما أعجب ؟ الرواية أم الدراية ؟ فإن هذا الشعر لأبي العلاء المعري في ديوانه وهو :
قال المنجم والطبيب، كلاهما : \*\*\* لا تحشر الأجساد. قلت : إليكما
إن صح قولكما فلست بخاسر\*\*\*أو صح قولي، فالخسار عليكما
أضحى التقى والشر يصطرعون في الد\*\*\* نيا. فأيهما أبر لديكما
طهرت ثوبي للصلاة وقبله\*\*\* جسدي. فأين الطهر من جسديكما
وذكرت ربي في الضمائر مؤنسا \*\*\* خلدي بذاك، فأوحشا خلديكما
 وبكرت في البردين[(١)](#foonote-١) أبغي رحمة\*\*\* منه، ولا ترعان في برديكما
إن لم تعد بيدي، منافع بالذي\*\*\* آتي، فهل من عائد بيدكما
برد التقي، وإن تهلهل نسجه، \*\*\* خير، بعلم الله، من برديكما
قال ابن السيد في ( شرحه ). هذا منظوم مما روي عن علي رضي الله عنه ؛ أنه قال لبعض من تشكك في البعث والآخرة : إن كان الأمر كما تقول من أنه لا قيامة، فقد تخلصنا جميعا. وإن لم يكن الأمر كما تقول، فقد تخلصنا وهلكت. فذكروا أنه ألزمه فرجع عن اعتقاده. وهذا الكلام، وإن خرج مخرج الشك، فإنما هو تقرير للمخاطب على خطابه، وقلة أخذه بالنظر والاحتياط لنفسه. مع أن المناظر على ثقة من أمره، وهو نوع من أنواع الجدل. 
وقوله :( إليكما ) كلمة يراد بها الردع والزجر. ومعناها : كفا عما تقولان، وحقيقته : قولكما مصروف لكما، لا حاجة لي به. انتهى. 
ومن له معرفة بقرض الشعر، يعلم أنه شعر مولد. 
ثم نبه الخفاجي على أن هذا النوع يسمى استدراجا. 
قال في ( المثل السائر ) : الاستدراج نوع من البلاغة استخرجته من كتاب الله تعالى، وهو مخادعات الأقوال التي تقوم مقام مخادعات الأفعال، يستدرج الخصم حتى ينقاد ويذعن، / وهو قريب من المغالطة، وليس منها. كقوله تعالى : أتقتلون رجلا أن يقول ربي الله، وقد جاءكم بالبينات من ربكم وإن يك كاذبا فعليه كذبه وإن يك صادقا يصبكم بعض الذي يعدكم، إن الله لايهدي من هو مسرف كذاب [(٢)](#foonote-٢). ألا ترى لطف احتجاجه على طريقة التقسيم بقوله :( إن يك كاذبا فكذبه عائد عليه، وإن يصدق يصبكم بعض ما وعدكم به )، ففيه من الإنصاف والأدب ما لا يخفى، فإنه نبي صادق، فلابد أن يصيبهم كل ما وعد به )، لا بعضه، لكنه أتى بما هو أذعن لتسليمهم وتصديقهم، لما فيه من الملاطفة في النصح، بكلام منصف غير مشتط مشدد. أراهم أنه لم يعطه حقه، ولم يتعصب له، ويحام عنه، حتى لا ينفروا عنه. ولذا قدم قوله : كاذبا ، ثم ختم بقوله : إن الله لا يهدي...  الخ يعني : أنه نبي على الهدى، ولو لم يكن كذلك ما آتاه الله النبوة وعضده. وفيه من خداع الخصم واستدراجه ما لا يخفى. انتهى. 
وقوله تعالى : حتى إذا جاءتهم الساعة بغتة  أي : جاءتهم القيامة فجأة. وسميت القيامة ( ساعة )، لأنها تفجأ الناس بغتة في ساعة لا يعلمها أحد إلا هو تعالى. والمعنى : جاءتهم منيتهم. على أن المراد بالساعة، الصغرى. قال الراغب : الساعة الكبرى بعث الناس للمحاسبة، والصغرى موت الإنسان. فساعة كل إنسان موته، وهي المشار إليها بقوله تعالى : قد خسر الذين كذبوا بلقاء الله حتى إذا جاءتهم الساعة بغتة . ومعلوم أن الحشر ينال الإنسان عند موته. انتهى. 
و  بغتة  مصدر في موضع الحال، أي : مباغتة، أو مصدر لمحذوف، أي : تبغتهم. أو للمذكور. فإن  جاءتهم ، بمعنى ( بغتتهم ). 
  قالوا  يعني : منكري البعث، وهم كفار قريش، ومن سلك سبيلهم في الكفر والاعتقاد.  يا حسرتنا  أي : يا ندامتنا ! والحسرة : التلهف على الشيء الفائت. وذكرت على وجه النداء للمبالغة. والمراد : تنبيه المخاطبين على ما وقع بهم من الحسرة.  على ما فرطنا  أي : قصرنا  فيها  أي : في الحياة الدنيا. أضمرت وإن لم يجر ذكرها، للعلم بها. أي : على ما ضيعنا فيها، إذ لم نكتسب من الاعتقادات والأخلاق والأعمال ما ينجينا. أو الضمير للساعة، أي : على ما فرطنا في شأنها، ومراعاة حقها، والاستعداد لها، بالإيمان بها، واكتساب الأعمال الصالحة. 
وقال ابن جرير[(٣)](#foonote-٣) : الضمير يعود إلى الصفقة التي دل عليها قوله : قد خسر...  الخ الخسران لا يكون إلا في صفقة بيع قد جرت. قال : والمعنى : قد وكس الذين كذبوا بلقاء الله، ببيعهم الإيمان الذي يستوجبون به من الله رضوانه وجنته، بالكفر الذي يستوجبون به منه سخطه وعقوبته. ولا يشعرون ما عليهم من الخسران في ذلك، حتى تقوم الساعة. فإذا جاءتهم بغتة، فرأوا ما لحقهم من الخسران في بيعهم، قالوا حينئذ تندما : يا حسرتنا على ما فرطنا فيها . 
وقوله تعالى : وهم يحملون أوزارهم على ظهورهم  حال من فاعل  قالوا ، فائدته الإيذان بأن عذابهم ليس مقصورا على ما ذكر من الحسرة، على ما فات وزال، بل يقاسمون، مع ذلك، تحمل الأوزار الثقال. والإيماء على أن تلك الحسرة من الشدة، بحيث لا تزول ولا تنسى بما يكابدونه من فنون العقوبات – قاله أبو السعود-. 
والأوزار : جمع وزر، وهو في الأصل : الحمل الثقيل، سمي به الذنب لثقله على صاحبه. قيل : جعلها محمولة على الظهور استعارة تمثيلية، مثل لزومها لهم، على وجه لا يفارقهم، بذلك. وخص الظهر، لأنه المعهود حمل الأثقال عليه. كما عهد الكسب بالأيدي. 
 وقيل : هو حقيقة، لما روي عن السدي[(٤)](#foonote-٤) أنه قال :" ليس من رجل ظالم يموت فيدخل قبره، إلا جاءه رجل قبيح الوجه، أسود اللون، منتن الريح، عليه ثياب دنسة، حتى يدخل معه قبره. فإذا رآه قال له : ما أقبح وجهك ! قال : كذلك كان عملك قبيحا. قال : ما أنتن ريحك ! قال : كذلك كان عملك منتنا. قال : ما أدنس ثيابك ! قال فيقول : إن عملك كان دنسا. قال : من أنت ؟ قال : أنا عملك. قال : فيكون معه في قبره. فإذا بعث يوم القيامة قال له : إني كنت أحملك في الدنيا باللذات والشهوات، وأنت اليوم تحملني. قال : فيركب على ظهره فيسوقه، حتى يدخله النار. فذلك قوله تعالى : وهم يحملون...  الآية ". 
قال الخفاجي : ولعل هذا تمثيل أيضا. وقريب منه ما قيل : من قال بالميزان، واعتقد وزن الأعمال، لا يقول إنه تمثيل. انتهى. 
 ألا ساء ما يزرون  أي : بئس ما يحملونه.

١ - البردان: الغداة والعشي:
 ومنه الحديث الشريف المروي في الصحيحين، عن أبي موسى الأشعري، رقم ٣٦٩ (اللؤلؤ والمرجان، فيما اتفق عليه الشيخان) ونصه:
 "من صلى البردين دخل الجنة".
 أي: من صلى صلاة الفجر والعصر، لأنهما في بردي النهار، أي طرفيه، حين يطيب الهواء وتذهب سورة الحر.
 وترعان من ورع يرع. قال في اللسان: الورع الكف عن المحارم والتحرج..
٢ - \[٤٠/ غافر/ ٢٨\] ونصها: وقال رجل مؤمن من آل فرعون يكتم إيمانه أتقتلون رجلا أن يقول ربي الله وقد جاءكم بالبينات من ربكم وإن يك كذبا فعليه كذبه وإن يك صادقا يصبكم بعض الذي يعدكم إن الله لا يهدي من هو مسرف كذاب (٢٨)..
٣ - تفسير ابن جرير (طبعة المعارف) بالصفحة ٣٢٠ من الجزء الحادي عشر..
٤ - الأثر رقم ١٣١٨٨ من تفسير ابن جرير..

### الآية 6:32

> ﻿وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَعِبٌ وَلَهْوٌ ۖ وَلَلدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ ۗ أَفَلَا تَعْقِلُونَ [6:32]

\[ ٣٢ \]  وما الحياة الدنيا إلا لعب ولهو وللدار الآخرة خير للذين يتقون أفلا تعقلون ( ٣٢ ) . 
 وما الحياة الدنيا إلا لعب  أي : هزل، وعمل لا يجدي نفعا  ولهو  أي : اشتغال بهوى وطرب، وما لا تقتضيه الحكمة، وما يشغل الإنسان عما يهمه مما يلتذ به ثم ينقضي. 
 وللدار الآخرة خير للذين يتقون  لدوامها، وخلوص منافعها ولذاتها عن المضار والآلام. 
 أفلا تعقلون  ذلك حتى تتقوا ما أنتم عليه من الكفر والمعاصي، ولا تؤثرون الأدنى الفاني، على الأعلى الباقي. وههنا. 
 لطائف
الأولى- قال الرازي : اعلم أن المنكرين للبعث والقيامة تعظم رغبتهم في الدنيا، وتحصيل لذاتها. فذكر الله تعالى هذه الآية تنبيها على خساستها وركاكتها. واعلم أن نفس هذه الحياة لا يمكن ذمها. لأن هذه الحياة العاجلة لا يصح اكتساب السعادات الأخروية إلا فيها. فلهذا السبب حصل في تفسير هذه الآية قولان :
الأول- أن المراد منه حياة الكافر. قال ابن عباس :" يريد حياة أهل الشرك والنفاق ". والسبب في وصف حياة هؤلاء بهذه الصفة، أن حياة المؤمن يحصل فيها أعمال صالحة، فلا تكون لعبا ولهوا. 
والقول الثاني- إن هذا عام في حياة المؤمن والكافر. والمراد منه : اللذات الحاصلة في هذه الحياة، والطيبات المطلوبة في هذه الحياة، وإنما سماها ب ( اللعب واللهو ) لأن الإنسان، حال اشتغاله باللعب واللهو، يلتذ به. ثم عند انقراضه وانقضائه لا يبقى منه إلا الندامة. فكذلك هذه الحياة، لا يبقى عند انقراضها إلا الحسرة والندامة. 
الثانية : قال الخفاجي : جمع اللهو واللعب في آيات. فتارة يقدم اللعب، كما هنا. وتارة قدم اللهو كما في العنكبوت[(١)](#foonote-١). ولهذا التفنن نكتة مذكورة في ( درة التأويل ) ملخصها : أن الفرق بين اللهو واللعب، مع اشتراكهما في أنهما الاشتغال بما لا يعني العاقل ويهمه من هوى أو طرب، سواء كان حراما أم لا ؛ أن اللهو أعم من اللعب، فكل لعب لهو، ولا عكس. فاستماع الملاهي لهو، وليس بلعب. وقد فرقوا بينهما أيضا بأن اللعب ما قصد به تعجيل المسرة، والاسترواح به، واللهو كل ما شغل من هوى وطرب، وإن لم يقصد به / ذلك، كما نقل عن أهل اللغة، قالوا : واللهو، إذا أطلق، فهو اجتلاب المسرة بالنساء، كما قال امرؤ القيس[(٢)](#foonote-٢) :

ألا زعمت بسباسة اليوم أنني  كبرت وأن لا يحسن اللهو أمثالهوقال قتادة : اللهو، في لغة اليمن ( المرأة ). وقيل : اللعب طلب : المسرة والفرح بما لا يحسن أن يطلب به. واللهو : صرف الهم بما لا يصلح أن يصرف به. 
ولما كانت الآية ردا على الكفرة في إنكار الآخرة، وحصر الحياة في الحياة الدنيا، وليس في اعتقادهم إلا ما عجل من المسرة بزخرف الدنيا الفانية – قدم اللعب الدال على ذلك، وتمم باللهو. وأما في العنكبوت فالمقام لذكر قصر مدة الحياة وتحقيرها، بالقياس على الآخرة. ولذا ذكر باسم الإشارة المشعر بالتحقير. والاشتغال باللهو، مما يقصر به الزمان، وهو أدخل من اللعب فيه. وأيام السرور قصار، كما قال :
وليلة إحدى الليالي الزهر\*\*\*لم تك غير شفق وفجر
 **الثالثة :**
في قوله تعالى : للذين يتقون  تنبيه على أن ما ليس من أعمال المتقين، لعب ولهو. 
١ - \[٢٩/ العنكبوت/ ٦٤\] ونصها: ... وما هذه الحياة الدنيا إلا لهو ولعب وإن الدار الآخرة لهي الحيوان لو كانوا يعلمون (٦٤)..
٢ - من قصيدته التي مطلعها:
 ألا عــم صبــاحـا أيها الطلل البالـــي\*\*\* لـــم تـــك غيــــــر شفــــــق وفجــــــــــــر
 قال السندوبي: بسباسة إحدى صواحباته التي يتغزل بهن.
 لا يحسن اللهو (ويروي: لا يحسن السر) وهو ما يكون بين الرجل والمرأة.
 **وقال الوزير أبو بكر عاصم بن أيوب:**
 ويروي السر، وهو النكاح.
 وأمثال جمع مثل، أراد أمثالي من الرجال.
 ومعنى البيت: أنه لما عيرته وقالت له: كبرت وشغلت عن اللهو. ولا يحسن أمثالك من الرجال اللهو، وإذا لم يحسنه أمثالك فأنت لا تحسنه.
 وإذا قالت العرب (مثلك لا يحسن كذا) فإنما هو على طريقة التعظيم أن يذكروا مثله ولا يذكروه..

### الآية 6:33

> ﻿قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ ۖ فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَٰكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ [6:33]

\[ ٣٣ \] { قد نعلم إنه ليحزنك الذي يقلون فإنهم لا يكذبونك ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون ( ٣٣ ) \]. 
وقوله تعالى : قد نعلم إنه ليحزنك  قرئ بفتح الياء وضمها،  الذي يقولون  أي : يقولونه فيك، من أنك كاذب أو ساحر أو شاعر أو مجنون. 
قال أبو السعود : استئناف مسوق لتسليته صلى الله عليه وسلم عن الحزن الذي يعتريه، مما حكى عن الكفرة من الإصرار على التكذيب، والمبالغة فيه، ببيان أنه عليه الصلاة والسلام بمكانة من الله عز وجل، وأن ما يفعلونه في حقه فهو راجع إليه تعالى في الحقيقة، ينتقم منه أشد انتقام. وكلمة  قد  لتأكيد العلم بما ذكر، المفيد لتأكيد الوعيد. 
وقوله تعالى : فإنهم لا يكذبونك ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون  الفاء للتعليل، لأن قوله تعالى : قد نعلم  بمعنى لا تحزن، كما يقال في مقام المنع والزجر : نعلم ما تفعل ! ووجه التعليل في تسليته له صلى الله عليه وسلم بأن التكذيب في الحقيقة لي، وأنا الحليم الصبور، فتخلق بأخلاقي. 
قال أبو السعود : وهذا يفيد بلوغه عليه الصلاة والسلام في جلالة القدر، ورفعة المحل، والزلفى من الله عز وجل، إلى حيث لا غاية وراءه، حيث لم يقتصر على جعل تكذيبه عليه الصلاة والسلام تكذيبا لآياته سبحانه، على طريقة قوله تعالى : من يطع الرسول فقد أطاع الله [(١)](#foonote-١)، بل نفى تكذيبهم عنه، وأثبت لآياته تعالى على طريقة قوله تعلى : إن الذين / يبايعونك إنما يبايعون الله [(٢)](#foonote-٢)، إيذانا بكمال القرب، واضمحلال شؤونه عليه الصلاة والسلام في شأن الله عز وجل. وفيه استعظام لجنايتهم، منبئ عن عظم عقوبتهم. وقيل : المعنى : فإنهم لا يكذبوك بقلوبهم، ولكنهم يجحدون بألسنتهم، عنادا أو مكابرة. ويعضده ما روى سفيان الثوري عن أبي إسحاق عن ناجية عن علي رضي الله عنه قال :" قال أبو جهل للنبي صلى الله عليه وسلم : إنا لا نكذبك، ولكن نكذب بما جئت به، فأنزل الله : فإنهم لا يكذبونك  الآية " – رواه الحاكم وصححه. 
وروى ابن جرير[(٣)](#foonote-٣) عن السدي قال :" لما كان يوم بدر، خلا الأخنس بأبي جهل فقال : يا أبا الحكم ! أخبرني عن محمد، أصادق هو أم كاذب ؟ فإنه ليس ههنا من قريش غيري وغيرك يستمع كلامنا، فقال أبو جهل : ويحك ! والله إن محمدا لصادق، وما كذب محمد قط، ولكن إذا ذهبت بنو قصي باللواء والسقاية والحجابة والنبوة، فماذا يكون لسائر قريش ؟ فذلك قوله : فإنهم لا يكذبونك ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون  فآيات الله محمد صلى الله عليه وسلم ". 
قال الرازي : وهذا القول غير مستبعد، ونظيره قوله تعالى[(٤)](#foonote-٤) في قصة موسى : وجحدوا بها واستيقنتنا أنفسهم ظلما وعلوا . وقيل المعنى فإنهم لا يكذبونك لأنك عندهم الصادق الموسوم بالصدق، ولكنهم يجحدون بآيات الله. كما يروى أن أبا جهل كان يقول لرسول الله صلى الله عليه وسلم :" ما نكذبك، وإنك عندنا لصادق، ولكننا نكذب ما جئتنا به ". 
 قال أبو السعود : وكان صدق المخبر عند الخبيث، بمطابقة خبره لاعتقاده. والأول هو الذي تستدعيه الجزالة التنزيلية. وقرئ : لا يكذبونك  من  أكذبه ، بمعنى وجده كاذبا، أو نسبه إلى الكذب، أو بين كذبه، وقال : أكذبه وكذبه بمعنى – كذا في ( القاموس وشروحه ).

١ - \[٤/ النساء/ ٨٠\] ... ومن تولى فما أرسلناك عليهم حفيظا (٨٠)..
٢ - \[٤٨/ الفتح/ ١٠\] ... يد الله فوق أيديهم فمن نكث فإنما ينكث على نفسه ومن أوفى بما عاهد عليه الله فسيؤتيه أجرا عظيما (١٠)..
٣ - الأثر رقم ١٣١٩٣..
٤ - \[٢٧/ النمل/ ١٤\] ... فانظر كيف كان عاقبة المفسدين (١٤)..

### الآية 6:34

> ﻿وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَىٰ مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّىٰ أَتَاهُمْ نَصْرُنَا ۚ وَلَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ ۚ وَلَقَدْ جَاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ [6:34]

\[ ٣٤ \]  ولقد كذبت رسل من قبلك فصبروا على ما كذبوا وأوذوا حتى أتاهم نصرنا ولا مبدل لكلمات الله ولقد جاءك من نبإ المرسلين ( ٣٤ ) . 
 ولقد كذبت رسل من قبلك  افتنان في تسليته عليه الصلاة والسلام، فإن عموم البلية ربما يهون أمرها بعض تهوين. وإرشاد له صلى الله عليه وسلم إلى الاقتداء بمن قبله من الرسل الكرام، في الصبر على ما أصابهم من أممهم، من فنون الأذية. وعدة ضمنية له صلى الله عليه وسلم بمثل ما منحوه من النصر. وتصدير الكلام بالقسم، لتأكيد التسلية. وتنوين ( رسل ) للتفخيم والتكثير – أفاده أبو السعود-. 
قال الزمخشري : في قوله تعالى : ولقد كذبت  دليل على أن قوله : فإنهم لا يكذبونك  ليس بنفي لتكذيبه، وإنما هو من قولك لغلامك : ما أهانوك، ولكنهم أهانوني ! انتهى. 
وناقشه الناصر في ( الانتصاف ) بأنه لا دلالة فيه، لأنه مؤتلف مع نفي التكذيب أيضا، وموقعه حينئذ من الفضيلة أبين. أي : هؤلاء لم يكذبوك، فحقك أن تصبر عليهم، ولا يحزنك أمرهم. وإذا كان من قبلك من الأنبياء قد كذبهم قومهم، فصبروا عليهم، وأنت إذ لم يكذبوك أجدر بالصبر. فقد ائتلف، كما ترى بالتفسيرين جميعا. ولكنه من غير الوجه الذي استدل به، فيه تقريب لما اختاره، وذلك أن مثل هذه التسلية قد وردت مصرحا بها / في نحو قوله تعالى : وإن يكذبوك فقد كذبت رسل من قبلك [(١)](#foonote-١) فسلاه عن تكذيبهم له، بتكذيب غيرهم من الأمم لأنبيائهم. وما هو إلا تفسير حسن مطابق للواقع، مؤيد بالنظائر- والله أعلم-. 
 فصبروا على ما كذبوا وأوذوا  أي على تكذيبهم وإيذائهم، فتأس بهم  حتى أتاهم نصرنا ولا مبدل لكلمات الله  أي : لمواعيده، من قوله : ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين، إنهم لهم المنصورون [(٢)](#foonote-٢)، وقوله  كتب الله لأغلبن أنا ورسلي [(٣)](#foonote-٣). 
 ولقد جاءك من نبإ المرسلين  أي من خبرهم في مصابرة الكافرين، وما منحوه من النصر، فلابد أن نزيل حزنك بإهلاكهم، وليس إمهالهم لإهمالهم، بل لجريان سنته تعالى بتحقيق صبر الرسل وشكرهم.

١ - \[٣٥/ فاطر/ ٤\] ... وإلى الله ترجع الأمور (٤)..
٢ - \[٣٧/ الصافات/ ١٧١ و١٧٢\]..
٣ - \[٥٨/ المجادلة/ ٢١\] ونصها: ... كتب الله لأغلبن أنا ورسلي إن الله قوي عزيز (٢١)..

### الآية 6:35

> ﻿وَإِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقًا فِي الْأَرْضِ أَوْ سُلَّمًا فِي السَّمَاءِ فَتَأْتِيَهُمْ بِآيَةٍ ۚ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَىٰ ۚ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ [6:35]

\[ ٣٥ \]  وإن كان كبر عليك إعراضهم فإن استطعت أن تبتغي نفقا في الأرض أو سلما في السماء فتأتيهم بآية ولو شاء الله لجمعهم على الهدى فلا تكونن من الجاهلين ( ٣٥ ) . 
 وإن كان كبر  أي : شق وثقل،  عليك إعراضهم  أي : عن الإيمان بما جئت به من القرآن، ونأيهم عنه، ونهيهم الناس عنه : فإن استطعت أن تبتغي نفقا في الأرض  أي سربا ومنفذا تنفذ فيه إلى ما تحت الأرض، حتى تطلع لهم آية يؤمنون / بها،  أو سلما في السماء  أي مصعدا تعرج به فيها،  فتأتيهم بآية  أي : مما اقترحوه، فافعل. وحسن حذف الجواب لعلم السامع به. أي : لكن لم يجعل الله لك هذه الاستطاعة، إذ يصير الإيمان ضروريا غير نافع. 
 ولو شاء الله لجمعهم على الهدى  أي : ولكنه شاء بمقتضى جلاله وجماله، إظهار غاية قهره، وغاية لطفه،  فلا تكونن  أي : بالحرص على إيمانهم، أو الميل إلى نزول مقترحهم  من الجاهلين  أي : بما تقتضيه شؤونه تعالى، التي من جملتها ما ذكر من عدم تعلق مشيئته تعالى بإيمانهم. إما اختيارا، فلعدم توجههم إليه. وإما اضطرارا، فلخروجه عن الحكمة التشريعية المؤسسة على الاختيار. 
**تنبيهات :**
الأول- في هذه الآية ما لا يخفى من الدلالة على المبالغة في حرصه صلى الله عليه وسلم على إسلام قومه، وتراميه عليه، إلى حيث لو قدر أن يأتيهم بآية من تحت الأرض، أو من فوق السماء، لأتى بها. رجاء إيمانهم، وشفقة علهم. 
الثاني- قال الناصر في ( الانتصاف ) : هذه الآية كافلة بالرد على القدرية في زعمهم أن الله تعالى شاء جمع الناس كلهم على الهدى فلم يكن. ألا ترى أن الجملة مصدرة ب ( لو )، ومقتضاها امتناع جوابها، لامتناع الواقع بعدها. فامتناع اجتماعهم على الهدى، إذا إنما كان لامتناع المشيئة. فمن ثم ترى الزمخشري يحمل المشيئة على قهرهم على الهدى بآية ملجئة، لا يكون الإيمان معها اختيارا. حتى يتم له أن هذا الوجه من المشيئة لم يقع، وأن مشيئته اجتماعهم على الهدى على اختيار منهم، ثابتة غير ممتنعة، ولكن لم يقع متعلقها. وهذه من خباياه ومكامنه فاحذرها- والله الموفق-. 
الثالث- لم يقل  لا تكن جاهلا  بل من قوم ينسبون إلى الجهل، تعظيما لنبيه صلى الله عليه وسلم / بأن لم يسند الجهل إليه، للمبالغة في نفيه عنه. وما فيه من شدة الخطاب، سره تبعيد جنابه الكريم عن الحرص على ما لا يكون والجزع في مواطن الصبر، مما لا يليق إلا بالجاهلين.

### الآية 6:36

> ﻿۞ إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ ۘ وَالْمَوْتَىٰ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ [6:36]

\[ ٣٦ \]  إنما يستجيب الذين يسمعون والموتى يبعثهم الله ثم إليه يرجعون . 
وقوله تعالى : إنما يستجيب الذين يسمعون والموتى يبعثهم الله ثم إليه يرجعون  تقرير لما مر من أن على قلوبهم أكنة. وتحقيق لكونهم بذلك من قبيل الموتى، لا يتصور منهم الإيمان ألبتَّة. أي : إنما يستجيب لك، بقبول دعوتك إلى الإيمان، الأحياء الذين يسمعون ما يلقى إليهم، سماع تفهم، دون الموتى الذين هؤلاء منهم. كقوله تعالى : إنك لا تسمع الموتى [(١)](#foonote-١) وإن كانوا أحياء بالحياة الحيوانية، أموات بالنسبة إلى الإنسانية، لموت قلوبهم بسموم الاعتقادات الفاسدة، والأخلاق الرديئة. 
و  الموتى  مبتدأ. يعني : الكفار الذين لا يسمعون ولا يستجيبون، يبعثهم الله يوم القيامة، ثم إليه يرجعون، فيجزيهم بأعمالهم. فالموتى مجاز عن الكفرة كما قيل :
لا يُعجبَنَّ الجهولَ بِزَّتَهُ \*\*\* فذاك ميْتٌ ثِيابُه كَفَنُ
قيل : فيه رمز على أن هدايتهم كبعث الموتى، فلا يقدر عليه إلا الله. ففيه إقناط للرسول صلى الله عليه وسلم عن إيمانهم. وفي تسميتهم ( موتى ) من التهكم بهم، والإزراء عليهم، ما لا يخفى.

١ - \[٢٧/ النمل/ ٨٠\] ... ولا تسمع الصم الدعاء إذا ولوا مدبرين (٨٠)..

### الآية 6:37

> ﻿وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ ۚ قُلْ إِنَّ اللَّهَ قَادِرٌ عَلَىٰ أَنْ يُنَزِّلَ آيَةً وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ [6:37]

\[ ٣٧ \]  وقالوا لولا نزل عليه ءاية من ربه قل إن الله قادر على أن ينزل ءاية ولكن أكثرهم لا يعلمون 
 وقالوا  يعني : مشركي مكة، بيان لنوع آخر من تعنتهم، إذ لم يقتنعوا بما شاهدوا من البينات ومما تخر لها صم الجبال،  لولا نزل عليه آية من ربه  أي : خارق، على مقتضى ما كانوا يريدون ومما يتعنتون. كقولهم[(١)](#foonote-١) : وقالوا لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعا...  الآيات. 
 قل إن الله قادر على أن ينزل آية ولكن أكثرهم لا يعلمون  أي : إن اقتراحاها جهل، لما أن في تنزيلها قلعا لأساس التكليف، المبني على قاعدة الاختيار. أو استئصالا لهم بالكلية، فإن من لوازم جحد الآية الملجئة، الهلاك، جريا على سنته تعالى في الأمم السالفة. وتخصيص عدم العلم بأكثرهم، لما أن بعضهم واقفون على حقيقة الحال، وإنما يفعلون ما يفعلون مكابرة وعنادا.

١ - \[١٧/ الإسراء/ ٩٠\]..

### الآية 6:38

> ﻿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ ۚ مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ۚ ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ [6:38]

وما من دابة في الأرض ولا طائر يطير بجناحيه إلا أمم أمثالكم ما فرطنا في الكتاب من شيء ثم إلى ربهم يحشرون ( ٣٨ ) . 
 وما من دابة في الأرض  أي : مستقرة فيها، لا ترتفع عنها  ولا طائر  يرتفع عنها إذ  يطير بجناحيه إلا أمم أمثالكم  أي : أصناف مصنفة في ضبط أحوالها، وعدم إهمال شيء منها، وتدبير شؤونها، وتقدير أرزاقها. 
  ما فرطنا في الكتاب  أي : ما تركنا، وما أغفلنا، في لوح القضاء المحفوظ،  من شيء  أي : جليل أو دقيق، فإنه مشتمل على ما يجري في العالم، لم يهمل فيه أمر شيء : والمعنى : أن الجميع علمهم عند الله، لا ينسى واحدا منها من رزقه وتدبيره. كقوله : وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها ويعلم مستقرها ومستودعها، كل في كتاب مبين [(١)](#foonote-١) أي : مفصح بأسمائها وأعدادها ومظانها، وحاصر لحركاتها وسكناتها.  ثم إلى ربهم يحشرون  يعني : الأمم كلها، من الدواب والطير، فينصف بعضهم من بعض، حتى يبلغ من عدله أن يأخذ للجماء من القرناء. وإيراد ضميرها على صيغة جمع العقلاء، لإجرائها مجراهم. 
تنبيهات
الأول- قال الزمخشري : إن قلت : فما الغرض في ذكر ذلك ؟ قلت : الدلالة على عظم قدرته، ولطف علمه، وسعة سلطانه، وتدبيره تلك الخلائق المتفاوتة الأجناس، المتكاثرة الأصناف، وهو حافظ لما لها وما عليها، مهيمن على أحوالها، لا يشغله شأن عن شأن، وأن المكلفين ليسوا بمخصوصين بذلك دون من عداهم من سائر الحيوان. 
وقال الرازي : المقصود أن عناية الله لما كانت حاصلة لهذه الحيوانات، فلو كان إظهار آية ملجئة مصلحة، لأظهرها، فيكون كالدليل على أنه تعالى قادر على أن ينزل آية. 
وقال القاضي : إنه تعالى لما قدم ذكر الكافر، وبين أنهم يرجعون إلى الله ويحشرون، بين بعده بقوله : وما من دابة...  الخ. أن البعث حاصل في حق البهائم أيضا. 
الثاني- زيادة  من  في قوله : وما من دابة في الأرض  لتأكيد الاستغراق. و ( في ) متعلقة بمحذوف هو وصف ل  دابة  مفيد لزيادة التعميم. كأنه قيل : وما فرد من / أفراد الدواب يستقر في قطر من أقطار الأرض. وكذا زيادة الوصف في قوله : يطير بجناحيه . 
قال في ( الانتصاف ) : في وجه زيادة التعميم، أن موقع قوله : في الأرض  و  يطير بجناحيه  موقع الوصف العام – وصف العام عامة- ضرورة المطابقة، فكأنه مع زيادة الصفة، تضافرت صفتان عامتان. 
الثالث- قال الزمخشري : إن قلت : كيف قيل ( الأمم ) مع إفراد الدابة والطائر ؟ قلت : لما كان قوله تعالى : وما من دابة في الأرض ولا طائر  دالا على معنى الاستغراق، ومغنيا عن أن يقال : وما من دواب ولا طير، حمل قوله : إلا أمم  على المعنى. 
الرابع- دلت الآية على أن كل صنف من البهائم أمة، وجاء في الحديث :" لولا أن الكلاب أمة من الأمم، لأمرت بقتلها " - رواه أبو داود[(٢)](#foonote-٢) والترمذي عن عبد الله بن مغفل رضي الله عنه-. 
الخامس- ما ذكرناه في معنى مماثلة الأمم لنا، من تدبيره تعالى لأمورها، وتكفله برزقها، وعدم إغفال شيء منها، مما يبين شمول القدرة، وسعة العلم- هو الأظهر. موافقة لقوله تعالى : وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها...  [(٣)](#foonote-٣) الآية- والقرآن يفسر بعضه بعضا. ونقل الواحدي عن ابن عباس :" أن المماثلة هي في معرفته تعالى، وتوحيده وتحميده " كقوله تعالى : وإن من شيء إلا يسبح بحمده [(٤)](#foonote-٤)، وقوله :/  كل قد علم صلاته وتسبيحه [(٥)](#foonote-٥). 
وعن أبي الدرداء قال : أبهمت عقول البهائم عن كل شيء، إلا عن أربعة أشياء : معرفة الإله، وطلب الرزق، ومعرفة الذكر والأنثى، وتهيؤ كل واحد منهما لصاحبه ". 
وقيل : المماثلة في أنها تحشر يوم القيامة كالناس. 
أقول : لا شك في صحة الوجهين بذاتهما، وصدق المثلية فيهما، ولكن الحمل عليهما يبعد عدم ملاقاته للآية الأخرى. فالأمس، تأييدا للنظائر، ما ذكرناه أولا- والله أعلم-. 
السادس- ما بيناه في معنى ( الكتاب ) من أنه اللوح المحفوظ في العرش، وعالم السماوات المشتمل على جميع أحوال المخلوقات على التفصيل التام – هو الأظهر، لملاقاته للآية التي ذكرناها تأييدا للنظائر القرآنية. ولم يذكر الإمام ابن كثير سواه، على توسعه. 
وقيل : المراد منه القرآن كقوله تعالى : ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء [(٦)](#foonote-٦). قال الخفاجي : قيل : حمله على القرآن لا يلائم ما قبله وما بعده. ويدفع بأن المعنى لم نترك شيئا من الحجج وغيرها إلا ذكرناه، فكيف يحتاج إلى آية أخرى مما اقترحوه، ويكذب بآياتنا ؟ فالكلام بعضه آخذ بحجز بعض بلا شبهة. 
وقال أبو السعود : أي ما تركنا في القرآن شيئا من الأشياء المهمة التي من جملتها بيان أنه تعالى مراع لمصالح جميع مخلوقاته. 
قال الشهاب في قول البيضاوي :( فإنه قد دون فيه ما يحتاج إليه من أمر الدين مفصلا / أو مجملا ) : يشير إلى أن ما ثبت بالأدلة الثلاثة ثابت بالقرآن، لإشارته بنحو قوله[(٧)](#foonote-٧) : فاعتبروا يا أولي الأبصار  على القياس. وقوله : وما آتاكم الرسول فخذوه [(٨)](#foonote-٨) إلى السنة. بل قيل : إنه بهذه الطريقة يمكن استنباط جميع الأشياء منه، كما سأل بعض الملحدين بعضهم عن طبخ الحلوى، أين ذكر في القرآن ؟ فقال : في قوله تعالى[(٩)](#foonote-٩)  فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون  انتهى. 
واستظهر الرازي أن المراد ( بالكتاب ) القرآن، واحتج بأن الألف واللام إذا دخلا على الاسم الفرد، انصرف إلى المعهود السابق، والمعهود السابق من الكتاب عند المسلمين هو القرآن. فوجب أن يكون المراد من ( الكتاب ) في هذه الآية القرآن. إذا ثبت هذا، فلقائل أن يقول : كيف قال تعالى : ما فرطنا في الكتاب من شيء  مع أنه ليس فيه تفاصيل مذاهب الناس ودلائلهم في علم الأصول والفروع ؟
والجواب : أن قوله : ما فرطنا في الكتاب من شيء  يجب أن يكون مخصوصا ببيان الأشياء التي يجب معرفتها، والإحاطة بها، وبيانه من وجهين :
الأول- أن لفظ ( التفريط ) لا يستعمل نفيا وإثباتا، إلا فيما يجب أن يبين، لأن أحدا لا ينسب إلى التفريط والتقصير في أن لا يفعل ما لا حاجة إليه، وإنما يذكر هذا اللفظ فيما إذا قصر فيما يحتاج إليه. 
الثاني- أن جميع آيات القرآن، أو الكثير منها، دالة بالمطابقة أو التضمن أو الالتزام على أن المقصود من إنزال هذا الكتاب وبيان الدين، ومعرفة الله، ومعرفة أحكام الله. وإذا كان هذا التقييد معلوما من كل القرآن، كان المطلق ههنا محمولا على ذلك المقيد. أما قوله : إن هذا الكتاب غير مشتمل على جميع علوم الأصول والفروع، فنقول : أما علم الأصول فإنه بتمامه حاصل فيه، لأن الدلائل الأصلية مذكورة فيه على أبلغ الوجوه. فأما روايات المذاهب، وتفاصيل الأقاويل، فلا حاجة إليها. وأما تفاصيل علم الفروع، فقال العلماء : إن القرآن دل على أن الإجماع، وخبر الواحد، والقياس، حجة في الشريعة. فكل ما دل عليه أحد هذه الأصول الثلاثة، كان ذلك في الحقيقة موجودا في القرآن. 
وذكر الواحدي رحمه الله لهذا المعنى أمثلة ثلاثة :
المثال الأول- روي أن ابن مسعود[(١٠)](#foonote-١٠) كان يقول :" مالي لا ألعن من لعنه الله في كتابه ؟ " / يعني : الواشمة والمستوشمة ؛ والواصلة والمستوصلة. 
وروى " أن امرأة قرأت جميع القرآن، ثم أتته، فقالت : يا ابن أم عبد ! تلوت البارحة ما بين الدفتين، فلم أجد فيه لعن الواشمة والمستوشمة ! فقال. لو تلوتيه لوجدتيه، قال الله تعالى : وما آتاكم الرسول فخذوه  وإن مما آتانا به رسول الله أنه قال : لعن الله الواشمة والمستوشمة ". 
قال الرازي : وأقول : يمكن وجدان هذا المعنى في كتاب الله بطريق أوضح من ذلك، لأنه تعالى قال في سورة النساء  وإن يدعون إلا شيطانا مريدا، لعنه الله [(١١)](#foonote-١١) فحكم / عليه باللعن، ثم عدد بعده قبائح أفعاله، وذكر من جملتها قوله[(١٢)](#foonote-١٢) : ولأمرنهم فليغيرن خلق الله . وظاهر هذه الآية يقتضي أن تغيير الخلق يوجب اللعن. انتهى. 
قلت : وتتمة الحديث تؤيد ذلك أيضا. ولفظه :" لعن الله الواشمات والمستوشمات والنامصات والمتنمصات والمتفلجات للحسن المغيرات خلق الله " – رواه الإمام أحمد والشيخان وأصحاب ( السنن ) عن ابن مسعود-[(١٣)](#foonote-١٣). 
**قال الرازي :**
المثال الثاني- ذكر أن الشافعي رحمه الله كان جالسا في المسجد الحرام فقال : لا تسألوني عن شيء إلا أجبتكم فيه من كتاب الله تعالى. فقال رجل : ما تقول في المحرم إذا قتل الزنبور ؟ فقال : لا شيء عليه. فقال : أين هذا في كتاب الله ؟ فقال : قال الله تعالى : وما آتاكم الرسول فخذوه  ثم ذكر إسنادا إلى النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال :" عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي ". ثم ذكر إسنادا إلى عمر رضي الله عنه أنه قال :" للمحرم قتل الزنبور ". قال الواحدي : فأجابه من كتاب الله مستنبطا بثلاث درجات. 
وأقول : ههنا طريق آخر أقرب منه، وهو أن الأصل في أموال المسلمين العصمة. قال تعالى : لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت [(١٤)](#foonote-١٤). وقال : لا يسألكم أموالكم [(١٥)](#foonote-١٥) وقال : ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم [(١٦)](#foonote-١٦) فنهى عن أكل أموال الناس إلا بطريق التجارة، فعند عدم التجارة وجب أن يبقى على أصل الحرمة. وهذه العمومات تقتضي أن لا يجب على المحرم الذي قتل الزنبور شيء، وذلك لأن التمسك بهذه العمومات يوجب الحكم بمرتبة واحدة. 
المثال الثالث- قال الواحدي : روي في حديث العسيف الزاني[(١٧)](#foonote-١٧) أن أباه قال للنبي صلى الله عليه وسلم : اقض بيننا بكتاب الله. فقال عليه السلام :" والذي نفسي بيده لأقضين بينكما بكتاب الله ". / ثم قضى بالجلد والتغريب على العسيف، وبالرجم على المرأة إن اعترفت. قال الواحدي : وليس للجلد والتغريب ذكر في نص الكتاب. وهذا يدل على أن كل ما حكم به النبي صلى الله عليه وسلم فهو عين كتاب الله. قال الرازي : وهذا حق، لأنه تعالى قال : لتبين للناس ما نزل إليهم ، وكل ما بينه الرسول عليه الصلاة والسلام كان داخلا تحت هذه الآية. انتهى. 
وبالجملة، فالقرآن الكريم كلية الشريعة، والمجموع فيه أمور كليات، لأن الشريعة تمت بتمام نزوله، فإذا نظرنا إلى رجوع الشريعة إلى كليتها، وجدناها قد تضمنها القرآن على الكمال. وقد جود البحث في هذه المسألة المهمة، العلامة الشاطبي في ( الموافقات ) في الطرف الثاني، في الأدلة على التفصيل. فارجع إليه. 
وقد نقلنا شذرة منه في مقدمة هذا التفسير. فتذكر !
السابع- قال أبو البقاء :( من ) في قوله تعالى : من شيء  زائدة. و ( شيء ) هنا واقع موقع المصدر. أي : تفريطا. وعلى هذا التأويل لا يبقى في الآية حجة لمن ظن أن الكتاب يحتوي على ذكر كل شيء صريحا. ونظير ذلك : لا يضركم كيدهم شيئا [(١٨)](#foonote-١٨). أي :/ ضررا. وقد ذكرنا له نظائر. ولا يجوز أن يكون ( شيئا ) مفعولا به، لأن  فرطنا  تتعدى بنفسها، بل بحرف الجر، وقد عديت ب  في  إلى  الكتاب ، فلا تتعدى بحرف آخر. ولا يصح أن يكون المعنى : ما تركنا في الكتاب من شيء، لأن المعنى على خلافه، فبان أن التأويل ما ذكرنا. انتهى. 
وقال الخفاجي : التفريط التقصير. وأصله أن يتعدى ب ( في ) وقد ضمن هنا معنى ( أغفلنا وتركنا ). ف  من شيء  في موضع المفعول به، و  من  زائدة. والمعنى : ما تركنا في الكتاب شيئا يحتاج إليه من دلائل الألوهية والتكاليف١ - \[١١/ هود/ ٦\]..
٢ - أخرجه أبو داود في: ١٦- كتاب الأضاحي، ٢٢- باب في اتخاذ الكلاب للصيد وغيره، حديث ٢٨٤٥.
 والترمذي في: ١٦- كتاب الصيد، ١٦- باب ما جاء في قتل الكلاب..
٣ - \[١١/ هود/ ٦\]..
٤ - \[١٧/ الإسراء/ ٤٤\] ونصها: تسبح له السماوات والأرض ومن فيهن وإن من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم إنه كان حليما غفورا (٤٤)..
٥ - \[٢٤/ النور/ ٤١\] ونصها: ألم تر أن الله يسبح له من في السماوات والأرض والطير صافات كل قد علم صلاته وتسبيحه والله عليم بما يفعلون (٤١)..
٦ - \[١٦/ النحل/ ٨٩\] ونصها:ويوم نبعث في كل أمة شهيدا عليهم من أنفسهم وجئنا بك شهيدا على هؤلاء ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء وهدى ورحمة وبشرى للمسلمين (٨٩)..
٧ - \[٥٩/ الحشر/ ٢\] ونصها: هو الذي أخرج الذين كفروا من أهل الكتاب من ديارهم لأول الحشر ما ظننتم أن يخرجوا وظنوا أنهم مانعتهم حصونهم من الله فأتاهم الله من حث لم يحتسبوا وقذف في قلوبهم الرعب يخربون بيوتهم بأيديهم وأيدي المؤمنين فاعتبروا يا أولي الأبصار (٢)..
٨ - \[٥٩/ الحشر/ ٧\] ونصها: ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى فلله وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل كي لا يكون دولة بين الأغنياء منكم وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا واتقوا الله إن الله شديد العقاب (٧)..
٩ - \[١٦/ النحل/ ٤٣\] ونصها:وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا نوحي إليهم فسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون (٤٣)..
١٠ - أخرجه البخاري في ؛ ٦٥- كتاب التفسير، ٥٩ سورة الحشر، ٤- باب وما آتاكم الرسول فخذوه.
 عن عبد الله قال: "لعن الله الواشمات والمستوشمات والمتفلجات للحسن المغيرات خلق الله.
 فبلغ ذلك امرأة من بني أسد يقال لها: أم يعقوب.
 فجاءت فقالت: إنه بلغني إنك لعنت كيت وكيت. فقال: ومالي لا ألعن من لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومن هو في كتاب الله؟
 فقالت: لقد قرأت ما ين اللوحين فما وجدت فيه ما تقول.
 قال: لئن كنت قرأتيه، لقد وجدتيه. أما قرأت: وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا؟ 
 قالت بلى.
 قال: فإنه قد نهى عنه.
 قالت: فإني أرى أهلك يفعلونه.
 قال: فاذهبي فانظري.
 فذهبت فنظرت فلم تر من حاجتها شيئا.
 فقال: لو كانت كذلك ما جمعتنا"
 وأخرجه مسلم في: ٣٧- كتاب اللباس والزينة، حديث ١٢٠ (طبعتنا)..
١١ - \[٤/ النساء/ ١١٧ و١١٨\] ونصها: إن يدعون من دونه إلا إناثا وإن يدعون إلا شيطانا مريدا (١١٧) لعنه الله وقال لأتخذ من عبادك نصيبا مفروضا(١١٨)..
١٢ - \[٤/ النساء/ ١١٩\] ونصها: ولأضلنهم ولأمنينهم ولأمرنهم فليبتكن آذان الأنعام ولأمرنهم فليغيرن خلق الله ومن يتخذ الشيطان وليا من دون اله فقد خسر خسرانا مبينا (١١٩)..
١٣ - انظر الحاشية رقم ٢ ص ٣٠٨؟؟؟.
١٤ - \[٢/ البقرة/ ٢٨٦\] ونصها: لا يكلف الله نفسا إلا وسعها لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا ربنا ولا تحمل علينا إصرا كما حملته على الذين من قبلنا ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به واعف عنا واغفر لنا وارحمنا أنت مولانا فانصرنا على القوم الكافرين (٢٨٦)..
١٥ - \[٤٧/ محمد صلى الله عليه وسلم/ ٣٦\] ونصها: إنما الحياة الدنيا لعب ولهو وإن تؤمنوا وتتقوا يؤتيكم أجوركم ولا يسألكم أموالكم(٣٦)..
١٦ - \[٤/ النساء/٢٩\] ونصها: يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيما(٢٩)..
١٧ - أما حديث العسيف فهاكموه بنصه الكامل:
 فقد أخرجه البخاري في: ٨٦- كتاب الحدود، ٣٠- باب الاعتراف بالزنى، حديث ١١٥٤ و١١٥٥.
 عن أبي هريرة وزيد بن خالد قالا: كنا عند النبي صلى الله عليه وسلم، فقام رجل فقال: أنشدك الله إلا قضيت بيننا بكتاب الله.
 فقام خصمه، وكان أفقه منه، فقال: اقض بيننا بكتاب الله وأذن لي.
 قال "قل".
 قال: إن ابني كان عسيفا على هذا، فزنى بامرأته. فافتديت منه بمائة شاة وخادم. ثم سألت رجالا من أهل العلم فأخبروني؛ أن على ابني جلد مائة وتغريب عام، وعلى امرأته الرجم.
 فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "والذي نفسي بيده ! لأقضين بينكما بكتاب الله، جل ذكره. المائة شاة والخادم رد. وعلى انك جلد مائة وتغريب عام، واغد، يا أنيس ! على امرأة هذا، فإن اعترفت فارجمها".
 فغدا عليها، فاعترفت، فرجمها.
 وأخرجه مسلم في: ٢٩- كتاب الحدود، حديث ٢٥ (طبعتنا)..
١٨ - \[٣/ آل عمران/ ١٢٠\] ونصها: إن تمسسكم حسنة تسؤهم وإن تصبكم سيئة يفرحوا بها وإن تصبروا وتتقوا لا يضركم كيدهم شيئا إن الله بما يعملون محيط (١٢٠)..

### الآية 6:39

> ﻿وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا صُمٌّ وَبُكْمٌ فِي الظُّلُمَاتِ ۗ مَنْ يَشَإِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَىٰ صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ [6:39]

\[ ٣٩ \]  والذين كذبوا بآياتنا صم وبكم في الظلمات من يشاء الله يضلله ومن يشأ يجعله على صراط مستقيم . 
 والذين كذبوا بآياتنا صم وبكم في الظلمات  أي : مثلهم في جهلهم، وعدم فهمهم، وسوء حالهم، كمثل الصم ( جمع أصم وهو الذي لا يسمع ) والبكم ( جمع أبكم، وهو الذي لا يتكلم ). وهم مع ذلك في ظلمات لا يبصرون. فكيف يهتدي مثلهم إلى الطريق، أو يخرج مما هو فيه ؟ وقد كثر تشبيههم بذلك في التنزيل، إعلاما ببيان كمال عرافتهم في الجهل، وانسداد باب الفهم والتفهيم بالكلية. 
ثم أشار إلى أنهم من أهل الطبع بقوله ؛  من يشإ الله يضلله ومن يشأ يجعله على صراط مستقيم  أي : فهو المتصرف في خلقه بما يشاء، فمن أحب هدايته، وفقه بفضله وإحسانه للإيمان. ومن شاء ضلالته تركه على كفره.  ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور . 
ثم أمر تعالى رسوله بأن يبكتهم بما لا سبيل لهم إلى إنكاره، ببيان أنهم إذا نزلت بهم شدة، فإنهم يفزعون إليه تعالى، لا إلى الأصنام، فقال تعالى :

### الآية 6:40

> ﻿قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ [6:40]

\[ ٤٠ \]  قل أرأيتكم إن أتاكم عذاب الله أو أتتكم الساعة أغير الله تدعون إن كنتم صادقين . 
 قل أرأيتكم  أي : أخبروني  إن أتاكم عذاب الله  أي : مثل ما نزل بالأمم الماضية الكافرة،  أو أتتكم الساعة  يعني القيامة  أغير الله تدعون  أي : في كشف العذاب عنكم. وهذا محط التبكيت. أي : أتخصون آلهتكم بالدعوة إلى رفع تلك الشدة، بل لا تدعونها مع الله أيضا  إن كنتم صادقين  متعلق ب  أرأيتكم  مؤكد للتبكيت، كاشف عن كذبهم.

### الآية 6:41

> ﻿بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاءَ وَتَنْسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ [6:41]

\[ ٤١ \]  بل إياه تدعون فيكشف ما تدعون إليه إن شاء وتنسون ما تشركون ( ٤١ ) . 
 بل إياه تدعون  أي : تخصون بالدعوة  فيكشف ما تدعون إليه إن شاء  أي : إن شاء كشفه. والتقييد بالمشيئة لبيان أن إجابتهم غير مطردة، بل هي تابعة لمشيئته تعالى، المبنية على حكم استأثر بعلمها  وتنسون ما تشركون  أي : تتركون ما تشركون تركا كليا لعلمكم بأنها لا تضر ولا تنفع. عطف على  تدعون ، وتوسيط الكشف بينهما مع تقارنهما، وتأخر الكشف عنهما، لإظهار كمال العناية بشأن الكشف والإيذان بترتبه على الدعاء خاصة. 
ثم بين تعالى أن من كفار الأمم السالفة من بلغوا في القسوة إلى أن أخذوا بالشدائد ليخضعوا ويلتجئوا إلى الله تعالى، فلم يفعلوا. تسلية لنبيه صلى الله عليه وسلم فقال :

### الآية 6:42

> ﻿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَىٰ أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ [6:42]

\[ ٤٢ \]  ولقد أرسلنا إلى أمم من قبلك فأخذناهم بالبأساء والضراء لعلهم يتضرعون ( ٤٢ ) . 
 ولقد أرسلنا إلى أمم من قبلك  أي : رسلا، فكذبوهم ولم يبالوا، لكونهم في الرخاء،  فأخذناهم بالبأساء  أي : الشدة والقحط،  والضراء  أي : المرض ونقصان الأنفس والأموال  لعلهم يتضرعون  أي : يتذللون ويتخشعون لربهم ويتوبون إليه من كفرهم ومعاصيهم، فالنفوس تتخشع عند نزول الشدائد.

### الآية 6:43

> ﻿فَلَوْلَا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَٰكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [6:43]

\[ ٤٣ \]  فلولا إذ جاءهم بأسنا تضرعوا ولكن قست قلوبهم وزين لهم الشيطان ما كانوا يعملون ( ٤٣ ) . 
 فلولا إذ جاءهم بأسنا تضرعوا  أي : بالتوبة والتمسكن. ومعناه : نفي التضرع. كأنه قيل : فلم يتضرعوا. وجيء ب ( لولا ) ليفيد أنه لم يكن لهم عذر في ترك التضرع إلا عنادهم، كما قال : ولكن قست قلوبهم  فلم يكن فيها لين يوجب التضرع، ولم ينزجروا وإنما ابتلوا به،  وزين لهم الشيطان ما كانوا يعملون  أي : من الشرك. فالاستدراك على المعنى لبيان الصارف لهم عن التضرع، وأنه لا مانع لهم إلا قساوة قلوبهم، وإعجابهم بأعمالهم المزينة لهم. 
**لطيفة :**
إن قلت : قد أسند تعالى هنا التزيين إلى الشيطان، وأسنده إلى نفسه في قوله : وكذلك زينا لكل أمة عملهم [(١)](#foonote-١) فهل هو حقيقة فيهما، أو في أحدهما ؟ قلت : وقع التزيين / في مواقع كثيرة : فتارة أسنده إلى الشيطان، كالآية الأولى، وتارة إلى نفسه كالثانية، وتارة إلى البشر كقوله : زين لكثير من المشركين قتل أولادهم شركاؤهم [(٢)](#foonote-٢) - في قراءة- وتارة مجهولا غير مذكور فاعله كقوله : زين للمسرفين [(٣)](#foonote-٣)، لأن التزيين له معان يشهد بها الاستعمال واللغة : أحدها : إيجاد الشيء حسنا مزينا في نفس الأمر، كقوله : زينا السماء الدنيا [(٤)](#foonote-٤)، والثاني : جعله مزينا من غير إيجاد، كتزيين الماشطة العروس، والثالث : جعله محبوبا للنفس، مشتهى للطبع، وإن لم يكن في نفسه كذلك. فهذا إن كان بمعنى خلق الميل في النفس والطبع لا يسند إلا إلى الله، لأنه الفاعل له حقيقة، لإيجاده له، ولغة ونحوا لا تصافه بخلقه. وإن كان بمجرد تزويره وترويجه بالقول وما يشبهه، كالوسوسة والإغواء، / فهذا لا يسند إليه تعالى حقيقة. وإنما يسند إلى البشر أو الشيطان. وإذا لم يذكر فاعله، يقدر في كل مكان ما يليق به – كذا في ( العناية ) -.

١ - \[٦/ الأنعام/ ١٠٨\] ونصها:ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدوا بغير علم كذلك زينا لكل أمة عملهم ثم إلى ربهم مرجعهم فينبئهم بما كانوا يعملون (١٠٨)..
٢ - ٦/ الأنعام/ ١٣٧\] ونصها:وكذلك زين لكثير من المشركين قتل أولادهم شركاؤهم ليردوهم وليلبسوا عليهم دينهم ولو شاء الله ما فعلوه فذرهم وما يفترون(١٣٧)..
٣ - \[١٠/ يونس/ ١٢\] ونصها: وإذا مس الإنسان الضر دعانا لجنبه أو قاعدا أو قائما فلما كشفنا عنه ضره مر كأن لم يدعنا إلى ضر مسه كذلك زين للمسرفين ما كانوا يعملون (١٢)..
٤ - \[٣٧/ الصافات/ ٦\] ونصها: إنا زينا السماء الدنيا بزينة الكواكب(٦).
 و\[٤١/ فصلت/ ١٢\] ونصها: فقضاهن سبع سماوات في يومين وأوحى في كل سماء أمرها وزينا السماء الدنيا بمصابيح وحفظا ذلك تقدير العزيز العليم (١٢)..

### الآية 6:44

> ﻿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّىٰ إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ [6:44]

\[ ٤٤ \]  فلما نسوا ما ذكروا به فتحنا عليهم أبواب كل شيء حتى إذا فرحوا بما أوتوا أخذناهم بغتة فإذا هم مبلسون ( ٤٤ ) . 
 فلما نسوا ما ذكروا به  أي : من البأساء والضراء، أي تركوا الاتعاظ به  فتحنا عليهم أبواب كل شيء  أي : من النعم، كالصحة والسعة وراحة البال والأمن، وصنوف رغائبهم، استدراجا وإملاء ومكرا بهم، عياذا بالله من مكره،  حتى إذا فرحوا بما أوتوا  من مطالبهم ورغائبهم، مع الشرك  أخذناهم  أي : بالعذاب المستأصل،  بغتة  أي : فجأة بلا تقديم مذكر، إذ لم يفدهم في المرة الأولى،  فإذا هم مبلسون  متحسرون، يئسون من كل خير.

### الآية 6:45

> ﻿فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا ۚ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ [6:45]

\[ ٤٥ \]  فقطع دابر القوم الذي ظلموا والحمد لله رب العالمين ( ٤٥ ) . 
 فقطع دابر القوم الذي ظلموا  أي : أخرهم. كناية عن الاستئصال، لأن ذهاب آخر الشيء يستلزم ذهاب ما قبله. وهو من ( دبره ) إذا تبعه، فكان في دبره. أي : خلفه. فالدابر ما يكون بعد الآخر، ويطلق عليه تجوزا. وقال أبو عبيد : دابر القوم آخرهم. وقال الأصمعي : الدابر الأصل، ومنه : قطع الله دابره. أي : أصله. 
 والحمد لله رب العالمين  أي : على ما جرى عليهم من الهلاك. فإن إهلاك الكفار والعصاة من حيث إنه تخليص لأهل الأرض، من شؤم عقائدهم وأعمالهم، نعمة جليلة يحق أن يحمد عليها، لا سيما مع ما فيه من إعلاء كلمة الحق التي نطقت بها رسلهم، عليهم السلام. 
 تنبيهات
الأول- روي في هذه الآية أخبار وآثار. منها ما أخرجه الإمام أحمد[(١)](#foonote-١) عن عقبة بن عامر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال :" إذا رأيت الله يعطي العبد من الدنيا على معاصيه ما يحب، فإنما هو استدراج. ثم تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم : فلما نسوا ما ذكروا به... إلى... هم مبلسون  " ورواه ابن جرير[(٢)](#foonote-٢) وابن أبي حاتم عنه. 
وروى ابن أبي حاتم أيضا عن عبادة بن الصامت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول :" إذا أراد الله بقوم اقتطاعا فَتح لهم " أو فُتح عليهم باب خيانة،  حتى إذا فرحوا بما أوتوا أخذناهم بغتة...  الآية ". ورواه أحمد وغيره. 
وقال الحسن البصري : من وسع الله عليه، فلم ير أنه يمكر به، فلا رأي له. ومن قتر عليه، ولم ير أنه ينظر له فلا رأي له. ثم قرأ : فلما نسوا...  الآية – قال الحسن : مكر بالقوم، ورب الكعبة ! أعطوا حاجتهم ثم أخذوا ". 
وقال قتادة :" بغت القوم أمر الله "، وما أخذ الله قوما قط إلا عند سكرتهم وغرتهم ونعمتهم، فلا تغتروا بالله، فإنه لا يغتر بالله إلا القوم الفاسقون " - روى ذلك ابن أبي حاتم-. 
الثاني- قال الرازي : قال أهل المعاني : وإنما أخذوا في حال الرخاء والراحة ليكون أشد، لتحسرهم على ما فاتهم من السلامة والعافية. 
الثالث- قال الزمخشري : في قوله تعالى : والحمد لله رب العالمين  إيذان بوجوب الحمد عند هلاك الظلمة، وأنه من أجل النعم، وأجزل القسم. أي : فهو إخبار بمعنى الأمر، تعليما للعباد. 
 قال الناصر في ( الانتصاف ) : ونظيرها قوله تعالى[(٣)](#foonote-٣) : وأمطرنا عليهم مطرا، فساء مطر المنذرين. قل الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى  فيمن وقف ههنا، وجعل الحمد على إهلاك المتقدم ذكرهم من الطاغين. ومنهم من وقف على  المنذرين  وجعل الحمد متصلا بما بعده من إقامة البراهين على وحدانية الله تعالى، وأنه جل جلاله خير مما يشركون. فعلى الأول يكون الحمد ختما، وعلى الثاني فاتحة، وهو مستعمل فيهما شرعا، ولكنه في آية النمل أظهر في كونه مفتتحا لما بعده، في آية الأنعام ختم لما تقدمه حتما، إذ لا يقتضي السياق غير ذلك. انتهى. 
قلت : إذا جرينا على ما هو الأسد في الآي من توافق النظائر، اقتضى حمل آية النمل على ما هنا، وإدعاء الأظهرية فيها ممنوع، فإن التنزيل يفسر بعضه بعضا. فتأمل. ثم أمر تعالى رسوله بتكرير التبكيت عليهم. وتثنية الإلزام.

١ - أخرجه في المسند بالصفحة ١٤٥ من الجزء الرابع (طبعة الحلبي).
٢ - الأثر رقم ١٣٢٤١..
٣ - \[٢٧/ النمل/ ٥٩\] ... آلله خير أما يشركون (٥٩)..

### الآية 6:46

> ﻿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ اللَّهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصَارَكُمْ وَخَتَمَ عَلَىٰ قُلُوبِكُمْ مَنْ إِلَٰهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِهِ ۗ انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ ثُمَّ هُمْ يَصْدِفُونَ [6:46]

\[ ٤٦ \]  قل أرأيتم إن أخذ الله سمعكم وأبصاركم وختم على قلوبكم من إله غير الله يأتيكم به، انظر كيف نصرف الآيات ثم هم يصدفون ( ٤٦ ) . 
بقوله تعالى : قل أرأيتم إن أخذ الله سمعكم وأبصاركم  بأن أصمكم وأعماكم،  وختم على قلوبكم  بأن غطى عليها ما يزول به عقلكم وفهمكم  من إله غير الله يأتيكم به  ؟ : بذلك المأخوذ. وإنما خصت هذه الأعضاء الثلاثة بالذكر، لأنها أشرف أعضاء الإنسان، فإذا تعطلت اختل نظام الإنسان، وفسد أمره، وبطلت مصالحه في الدين والدنيا. 
 انظر كيف نصرف الآيات  أي نوردها بطرق مختلفة، كتصريف الرياح. و ( انظر ) يفيد التعجيب من عدم تأثرهم بما عاينوا من الآيات الباهرة. 
  ثم هم يصدفون  أي : بعد رؤيتهم تصريف الآيات يعرضون عنها، فلا يتأملون فيها، عنادا وحسدا وكبرا. 
تنبيهات
الأول- المراد بالآيات : إما مطلق الدلائل، أو الدلائل القرآنية مطلقا، أو ما ذكر من أول السورة إلى هنا، أو ما ذكر قبل هذا من المقدمات العقلية الدالة على وجود الصانع وتوحيده المشار إليها بقوله : إن أتاكم عذاب الله...  الآية. ومن الترغيب قوله.  فيكشف ما تدعون إليه ، والترهيب بقوله : إن أتاكم عذاب الله...  الآية. ومن التنبيه والتذكير بأحوال المتقدمين. ذهب إلى كل بعض من المفسرين، وعموم اللفظ يصدق على ذلك كله بلا تدافع. 
الثاني- قال بعض المفسرين من الزيدية : دلت الآية على جواز الاحتجاج في أمر الدين. انتهى. وهو ظاهر. 
الثالث- المقصود من هذه الآية : بيان أن القادر على تحصيل هذه القوى الثلاث، وصونها عن الآفات، ليس إلا الله تعالى. وإذا كان الأمر كذلك، كان المنعم بهذه النعم العالية، والخيرات الرفيعة، هو الله تعالى. فوجب أن يقال : المستحق للتعظيم والثناء والعبودية ليس إلا الله تعالى. وذلك يدل على أن عبادة الأصنام طريقة باطلة فاسدة- قرره الرازي-.

### الآية 6:47

> ﻿قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ بَغْتَةً أَوْ جَهْرَةً هَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الظَّالِمُونَ [6:47]

ثم أشار تعالى إلى تبكيت لهم آخر بإلجائهم إلى الاعتراف باختصاص العذاب بهم بقوله سبحانه : قل أرأيتكم إن أتاكم عذاب الله بغتة أو جهرة هل يهلك إلا القوم الظالمون ( ٤٧ ) . 
 قل أرأيتكم إن أتاكم  لإعراضكم عن الآيات بعد تصريفها  عذاب الله  أي : المستأصل لكم،  بغتة  أي : فجأة من غير تقديم ما يشعر به ؛ إذ لم يفد ما تقدم،  أو جهرة  بتقديمه مبالغة في إزاحة العذر. وقيل : ليلا أو نهارا، كما في قوله تعالى : بياتا أو نهارا ، لما أن الغالب فيما أتى ليلا البغتة، وفيما أتى نهارا الجهرة  هل يهلك إلا القوم الظالمون  أي : هل يهلك بذلك العذاب إلا أنتم ؟ ووضع الظاهر موضعه، تسجيلا عليهم بالظلم، وإيذانا بأن مناط إهلاكهم ظلمهم الذي هو وضعهم الإعراض عما صرف الله له من الآيات، موضع الإيمان.

### الآية 6:48

> ﻿وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ ۖ فَمَنْ آمَنَ وَأَصْلَحَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ [6:48]

ثم أشار تعالى إلى وظيفة الرسل، وتحقيق ما في عهدتهم، لبيان أن ما يقترحه الكفار عليه، صلى الله عليه وسلم، ليس مما يتعلق بالرسالة أصلا، بقول سبحانه :
\[ ٤٨ \]  وما نرسل المرسلين إلا مبشرين ومنذرين فمن آمن وأصلح فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون ( ٤٨ ) 
 وما نرسل المرسلين إلا مبشرين  بالثواب لأهل الإيمان والأعمال الصالحة،  ومنذرين  بالعقاب لأهل الكفر والمعاصي،  فمن آمن وأصلح  للأعمال والأخلاق، فهم أهل البشارة،  فلا خوف عليهم  أي : من العذاب الذي أنذروا به دنيويا وأخرويا،  ولا هم يحزنون  أي : بفوات ما بشروا به من الثواب العاجل والآجل.

### الآية 6:49

> ﻿وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا يَمَسُّهُمُ الْعَذَابُ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ [6:49]

\[ ٤٩ \]  والذين كذبوا بآياتنا يمسهم العذاب بما كانوا يفسقون ( ٤٩ ) . 
 والذين كذبوا بآياتنا بمسهم العذاب  أي : الذي أنذروا به عاجلا أو آجلا  بما كانوا يفسقون  أي : عن أمر الله في ترك الإيمان، ومباشرة الأعمال الطالحة واكتساب الأخلاق الرديئة.

### الآية 6:50

> ﻿قُلْ لَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ ۖ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَىٰ إِلَيَّ ۚ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَىٰ وَالْبَصِيرُ ۚ أَفَلَا تَتَفَكَّرُونَ [6:50]

\[ ٥٠ \]  قل لا أقول لكم عندي خزائن الله ولا أعلم الغيب ولا أقول لكم إني ملك إن أتبع إلا ما يوحى إلي قل هل يستوي الأعمى والبصير أفلا تتفكرون ( ٥٠ ) . 
وقوله تعالى : قل لا أقول لكم عندي خزائن الله  أي : قل لهؤلاء المشركين المقترحين عليك تارة تنزيل الآيات، وأخرى غير ذلك : لا أدعي أن خزائن رزق الله مفوضة إلي، فأعطيكم منها ما تريدون من قلب الجبال ذهبا، وغير ذلك. 
و ( الخزائن : جمع خزانة، وهي اسم للمكان الذي يخزن فيه الشيء. وخزن الشيء إحرازه، بحيث لا تناله الأيدي ). 
 ولا أعلم الغيب  أي : من أفعاله تعالى حتى تسألوني عن وقت الساعة، أو وقت نزول العذاب أو نحوهما. 
 ولا أقول لكم إني ملك  أي : حتى تكلفوني من الأفاعيل الخارقة للعادات ما لا يطيقه البشر، من الرقي من السماء ونحوه، أو تعدوا عدم اتصافي بصفاتهم قادحا في أمري، كما ينبئ عنه قوله : ما لهذا الرسول يأكل الطعام ويمشي في الأسواق . والمعنى : إني لا أدري شيئا من هذه الأشياء الثلاثة، حتى تقترحوا علي ما هو من آثارها وأحكامها، / وتجعلوا عدم إجابتي إلى ذلك، دليلا على عدم صحة ما أدعيه من الرسالة التي لا تعلق لها بشيء مما ذكر قطعا. بل إنما هي عبارة عن تلقي الوحي من جهة الله عز وجل، والعمل بمقتضاه فقط، كما ينبئ عنه قوله تعالى : إن أتبع إلا ما يوحى إلي  أي : ما أتبع فيما أقول لكم إلا ما يوحى إلي من جهته تعالى، شرفني بذلك وأنعم به علي، إذ يكشف لي عن الملائكة فيخبرونني. 
**ثم كرر تثنية للتبكيت بقوله :**
 قل هل يستوي الأعمى والبصير  مثل للضال والمهتدي على الإطلاق. والاستفهام إنكاري والمراد إنكار استواء من لا يعلم ما ذكر من الحقائق، ومن يعلمها. وفيه من الإشعار بكمال ظهورها، ومن التنفير عن الضلال، والترغيب في الاهتداء- ما لا يخفى. أفاده أبو السعود. 
وقوله تعالى : أفلا تتفكرون  تقريع وتوبيخ داخل تحت الأمر. أي : أفلا تتفكرون فتهتدوا، ولا تكونوا ضالين أشباه العميان. 
تنبيهات
الأول- جعل بعض المفسرين قوله تعالى : قل لا أقول لكم عندي خزائن الله ولا أعلم الغيب  تبرؤا من دعوى الألوهية، لأن قسمة الأرزاق بين العباد، ومعرفة الغيب، مخصوصان به تعالى. قال : ولذا كرر في الملكية لفظ  ولا أقول . والمعنى لا أدعي الألوهية ولا الملكية. 
وأورد على هذا أن المراد : لا أملك أن أفعل ما أريد مما تقترحونه، وليس المراد التبرؤ عن دعوى الإلهية، وإلا لقيل : لا أقول لكم إني إله. كما قيل : ولا أقول لكم إني ملك . وأيضا في الكناية عن الألوهية ب  عندي خزائن الله  ما لا يخفى من البشاعة، بل هو جواب عن اقتراحهم عليه صلى الله عليه وسلم أن يوسع عليهم خيرات الدنيا – كذا في ( العناية ) -. 
قال أبو السعود : وجعل هذا تبرؤا عن دعوى الإلهية، مما لا وجه له قطعا. 
 الثاني- قال الجبائي : الآية دالة على أن الملك أفضل من الأنبياء، لأن المعنى : لا أدعي منزلة فوق منزلتي. ولولا أن الملك أفضل، وإلا لم يصح ذلك. 
قال القاضي : إن كان الغرض بما نفى طريقة التواضع، فالأقرب أن يدل ذلك على أن الملك أفضل، وإن كان لبشر من ملك خزائن الله، وهي قسمه بين الخلق وأرزاقه، وعلم الغيب، وإني من الملائكة الذين هم أشرف جنس خلقه الله تعالى، وأفضله، وأقربه منزلة منه. أي : لم أدع إلهية ولا ملكية، لأنه ليس بعد الإلهية منزلة أرفع من منزلة الملائكة، حتى تستبعدوا دعواي وتستنكروها، وإنما أدعي ما كان مثله لكثير من البشر، وهو النبوة. انتهى. 
وتعقبه الناصر في ( الانتصاف ) بقوله : هو يبني على القاعدة المتقدمة له، في تفضيل الملائكة على الأنبياء. ولعمري إن ظاهر هذه الآية يؤيده، فلذلك انتهز الفرصة في الاستدلال بها. ولمخالفه أن يقول : إنما أوردت الآية ردا على الكفار في قولهم : ما لهذا الرسول يأكل الطعام ويمشي في الأسواق لولا أنزل عليه ملك فيكون معه نذيرا أو يلقى إليه كنز...  الآية- فرد قولهم : ما لهذا الرسول يأكل الطعام  بأنه بشر، وذلك شأن البشر، ولم يدع أنه ملك حتى يتعجب من أكله للطعام، وحينئذ لا يلزم منها تفضيل الملائكة على الأنبياء، لأنه لا خلاف أن الأنبياء، يأكلون الطعام، وأن الملائكة ليسوا كذلك، فالتفرقة بهذا الوجه متفق عليها، ولا يوجب ذلك اتفاقا على أن الملائكة أفضل من الأنبياء. 
وكذلك رد قولهم : أو يلقى إليه كنز  بأنه لا يملك خزائن الله تعالى حتى يأتيكم بكنز منها على وفق مقترحهم، ولا قال لهم ذلك حتى يقام عليه الحجة به. 
 ثم قال الناصر رحمه الله : ولم يحسن الزمخشري في قوله : ليس بعد الإلهية منزلة أرفع من منزلة الملائكة ) فإنه جعل الإلهية من جملة المنازل كالملكية، ومثل هذا الإطلاق لا يسوغ. والمنزلة عبارة عن المحل الذي ينزل الله فيه العبد من علو وغيره. فإطلاقها على الإلهية تحريف. والله الموفق للصواب. 
الثالث- قال الرازي : ظاهر قوله تعالى : إن أتبع إلا ما يوحى إلي  يدل على أنه صلى الله عليه وسلم لا يعمل إلا بالوحي، وهو يدل على حكمين :
الأول- أن هذا النص يدل على أنه صلى الله عليه وسلم لم يكن يحكم من تلقاء نفسه في شيء من الأحكام، وأنه ما كان يجتهد، بل جميع أحكامه صادرة عن الوحي، ويتأكد هذا بقوله تعالى : وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى . 
الثاني- أن نفاة القياس قالوا : ثبت بهذا النص أنه صلى الله عليه وسلم ما كان يعمل إلا بالوحي النازل عليه، فوجب أن لا يجوز لأحد من أمته أن يعملوا إلا بالوحي النازل عليه، بقوله تعالى : فاتبعوا ، وذلك ينفي جواز العمل بالقياس. ثم أكد هذا الكلام بقوله : قل هل يستوي الأعمى والبصير  وذلك لأن العمل بغير الوحي يجري مجرى عمل الأعمى. والعمل بمقتضى نزول الوحي يجري مجرى عمل البصير. ثم قال : أفلا تتفكرون  والمراد منه التنبيه على أنه يجب على العاقل أن يعرف الفرق بين هذين البابين، وأن لا يكون غافلا عن معرفته. انتهى. 
وفي ( فتح الرحمن ) : تمسك بذلك من لم يثبت اجتهاد الأنبياء، عملا بما يفيده القصر في هذه الآية والمسألة مدونة في الأصول. وقد صح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال :" أوتيت القرآن ومثله معه ".

### الآية 6:51

> ﻿وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَىٰ رَبِّهِمْ ۙ لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ [6:51]

ثم لما أخبر تعالى : أن أولئك المشركين كالصم البكم العمي، بل الموتى، إذ لم يتعظوا بتصريف الآيات الباهرة، أمر بتوجيه الإنذار إلى من يتأثر بما يوحى إليه، اطراحا لأولئك الفجار، فقال تعالى :
 وأنذر به الذين يخافون أن يحشروا إلى ربهم ليس لهم من دونه ولي ولا شفيع لعلهم يتقون ( ٥١ ) . 
 وأنذر به  أي : بما يوحى، المتقدم ذكره  الذين يخافون أن يحشروا إلى ربهم ليس لهم من دونه  يعني : من دون الله تعالى،  ولي  أي : ناصر ينصرهم  ولا شفيع  يشفع لهم وينجيهم من العذاب، غيره تعالى : لعلهم يتقون  أي : الاعتقادات الفاسدة، والأعمال الطالحة، والأخلاق الرديئة. 
قال في ( العناية ) : خص بالذكر هؤلاء، لأنهم الذين ينفعهم الإنذار، ويقودهم إلى التقوى. وليس المراد الحصر حتى يرد أن إنذاره لغيرهم لازم أيضا. انتهى. 
وجملة  ليس لهم  في موضع الحال من  يحشروا ، فإن المخوف هو الحشر على هذه الحال. والمراد ب، ( الولي ) و ( الشفيع ) الآلهة التي كان المشركون يزعمون أنها شفعاؤهم، وحينئذ فلا دلالة في الآية على نفي الشفاعة للمسلمين، لأن شفاعة الرسل يومئذ إنما تكون بإذنه تعالى، فكأنها منه تعالى.

### الآية 6:52

> ﻿وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ ۖ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ [6:52]

\[ ٥٢ \]  ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه ما عليك من حسابهم من شيء وما من حسابك عليهم من شيء فتطردهم فتكون من الظالمين ( ٥٢ ) . 
روى الإمام مسلم[(١)](#foonote-١) عن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه قال :" كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ستة نفر، فقال له المشركون : اطرد هؤلاء يجترئون علينا ! قال : وكنت أنا وابن مسعود ورجل من هذيل وبلال ورجلان لست أسميهما، فوقع في نفس رسول الله صلى الله عليه وسلم ما شاء الله أن يقع، فحدث نفسه، فأنزل الله تعالى : ولا تطرد الذين...  الآية ". 
وأخرج نحوه الحاكم وابن حبان في ( صحيحيهما ). 
وروى الإمام أحمد[(٢)](#foonote-٢) عن ابن مسعود قال :" مر الملأ من قريش على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعنده خباب وصهيب وبلال وعمار، فقالوا : يا محمد ! أرضيت بهؤلاء ؟ فنزل عليه القرآن : وأنذر به الذين يخافون أن يحشروا إلى ربهم  إلى قوله : أليس الله بأعلم بالشاكرين  ". 
ورواه بن جرير[(٣)](#foonote-٣) عن ابن مسعود أيضا قال :" مر الملأ من قريش برسول الله صلى الله عليه وسلم وعنده صهيب وبلال وعمار وخباب وغيرهم من ضعفاء المسلمين. 
 وفيه : فقالوا : يا محمد ! أرضيت بهؤلاء من قومك، أهؤلاء من الله عليهم من بيننا ونحن نصير تبعا لهؤلاء ؟ اطردهم، فلعلك إن طردتهم نتبعك ! فنزلت هذه الآية : ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي...  الآية ". 
ووراء ما ذكرنا، روايات لا تصح ولا يوثق بها. 
إذا علمت ذلك تبين أنه صلى الله عليه وسلم لم يطردهم بالفعل، وإنما هم بإبعادهم عن مجلسه آن قدوم أولئك، ليتألفهم فيقودهم ذلك إلى الإيمان، فنهاه الله عن إمضاء ذلك الهم. 
فما أورده الرازي من كونه صلى الله عليه وسلم طردهم، ثم أخذ بتكليف في الجواب عنه، لمنافاته العصمة على زعمه، فبناء على واه. والقاعدة المقررة أن البحث في الأثر فرع ثبوته، وإلا فالباطل يكفي في رده، كونه باطلا. وقد أوضحت ذلك في كتابي ( قواعد التحديث من فنون مصطلح الحديث ). والمعنى : لا تبعد هؤلاء المتصفين بهذه الصفات عنك، بل اجعلهم جلساءك وأخصاءك. كقوله[(٤)](#foonote-٤) : واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه ولا تعد عيناك عنهم تريد زينة الحياة الدنيا، ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا واتبع هواه وكان أمره فرطا . 
وقوله تعالى : يدعون ربهم  أي يعبدونه ويسألونه،  بالغداة والعشي  قال سعيد بن المسيب وغيره : المراد به الصلاة المكتوبة. 
وقوله تعالى : يريدون وجهه  المراد بالوجه الذات، كما في قوله : كل شيء هالك إلا وجهه  ومعنى إرادة الذات الإخلاص لها، والجملة حال من  يدعون  ربهم مخلصين له فيه، وتقييده به لتأكيد عليته للنهي، فإن الإخلاص من أقوى موجبات الإكرام، المضاد للطرد. 
وقوله تعالى : ما عليك من حسابهم من شيء وما من حسابك عليهم من شيء  / كقول نوح عليه السلام في الذين قالوا[(٥)](#foonote-٥) : أنؤمن لك واتبعك الأرذلون قال وما علمي بما كانوا يعملون إن حسابهم إلا على ربي لو تشعرون  أي : إنما حسابهم على الله عز وجل، وليس علي من حسابهم من شيء، كما أنه ليس عليهم من حسابي من شيء. 
قال العلامة أبو السعود : الجملة اعتراض وسط بين النهي وجوابه، تقريرا له ودفعا لما عسى يتوهم كونه مسوغا لطردهم من أقاويل الطاعنين في دينهم، كدأب قوم نوح حيث قالوا : ما نراك اتبعك إلا الذين هم أراذلنا بادي الرأي  أي : ما عليك شيء من حساب إيمانهم وأعمالهم الباطنة، حتى تتصدى له، وتبني على ذلك ما تراه من الأحكام، وإنما وظيفتك، حسبما هو شأن منصب النبوة، اعتبار ظواهر الأعمال، وإجراء الأحكام على موجبها. وأما بواطن الأمور فحسابها على العليم بذات الصدور، كقوله تعالى : إن حسابهم إلا على ربي  وذكر قوله تعالى : وما من حسابك عليهم من شيء  مع أن الجواب قد تم بما قبله، للمبالغة في بيان انتفاء كون حسابهم عليه صلى الله عليه وسلم، بنظمه في سلك ما لا شبهة فيه أصلا، وهو انتفاء كون حسابه عليه السلام، عليهم، على طريقة قوله تعالى : لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون [(٦)](#foonote-٦) وأما ما قيل من أن ذلك لتنزيل الجملتين منزلة / واحدة، لتأدية معنى واحد، على نهج قوله تعالى : ولا تزر وازرة وزر أخرى  فغير حقيق بجلالة شأن التنزيل. انتهى. 
والقول المذكور للزمخشري، حيث ذهب إلى أن الجملتين في معنى جملة واحدة، تؤدي مؤدى  ولا تزر  الآية، وأنه لابد منهما. 
هذا، وقيل : الضمير للمشركين، والمعنى : لا يؤاخذون بحسابك، ولا أنت بحسابهم، حتى يهمك إيمانهم، ويجرك الحرص عليه على أن تطرد المؤمنين. 
وأغرب المهايمي حيث قال : والعماة، لكونهم أرباب شرف ومال، يكرهون مجالستهم، لقلة شرفهم ومالهم، فقال عز وجل لأشرف الناس : ما عليك من حسابهم من شيء  أي : ما يعود عليك من نقصهم في الشرف والمال من شيء  وما من حسابك عليهم من شيء  أي : وما يعود عليهم من كمالك في الشرف والمال عليهم من شيء، فإذا لم يلحقك نقصهم، ولم يأخذوا كمالك في الشرف والمال عليهم من شيء، فإذا لم يلحقك نقصهم، ولم يأخذوا كمالك بسلبه عنك، فلا وجه لطردهم. انتهى. 
وفيه بعد، لعدم ملاقاته لآية نوح السالفة. ولا يخفى مراعاة النظائر. 
وفي ( العناية ) : قدم خطابه صلى الله عليه وسلم في الموضعين، تشريفا له. وإلا كان الظاهر ( وما عليهم من حسابك من شيء ) بتقديم ( على ) ومجرورها، كما في الأول. وفي النظم رد العجز على الصدر، كما في قوله : عادات السادات، سادات والعادات. 
وقوله تعالى : فتطردهم فتكون من الظالمين  الظلم : وضع الشيء في غير محله، أي : فلا تهم بطردهم عنك، فتضع الشيء في غير موضعه.

١ - أخرجه مسلم في: ٤٤- كتاب فضائل الصحابة، حديث ٤٥ و٤٦ (طبعتنا)..
٢ - أخرجه في المسند بالصفحة ٤٢٠ من الجزء الأول (طبعة الحلبي) والحديث رقم ٣٩٨٥ (طبعتنا)..
٣ - الأثر رقم ١٣٢٥٥ من التفسير..
٤ - \[٤٨/ الكهف/ ٢٨\]..
٥ - \[٢٦/ الشعراء/ ١١١- ١١٣\] وهاكم نصها حسب الكتاب: قالوا انؤمن لك واتبعك الأرذلون (١١١) قال وما علمي بما كانوا يعملون (١١٢) إن حسابهم إلا على ربي لو تشعرون (١١٣)..
٦ - \[٧/ الأعراف/ ٣٤\] ونصها: ولكل أمة أجل فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون (٣٤).
 و\[١٠/ يونس/ ٤٩\] ونصها:قل لا أملك لنفسي ضرا ولا نفعا إلا ما شاء الله لكل أمة أجل إذا جاء أجلهم فلا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون (٤٩)..

### الآية 6:53

> ﻿وَكَذَٰلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَهَٰؤُلَاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا ۗ أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ [6:53]

\[ ٥٣ \]  وكذلك فتنا بعضهم ببعض ليقولوا أهؤلاء من الله عليهم من بيننا أليس الله بأعلم بالشاكرين ( ٥٣ ) . 
 وكذلك فتنا بعضهم  هم الشرفاء  ببعض  وهم المستضعفون، بما / مننا عليهم بالإيمان. وقوله : ليقولوا  أي : الشرفاء  أهؤلاء  أي المستضعفون  من الله عليهم من بيننا  أي : بشرف الإيمان، مع أن الشرفاء على زعمهم، أولى بكل شرف، فلو كان شرفا لانعكس الأمر، فهو إنكار لأن يخص هؤلاء من بينهم بإصابة الحق، والسبق إلى الخير، كقولهم : لو كان خيرا ما سبقونا إليه [(١)](#foonote-١). 
ثم أشار تعالى إلى أنه إنما من عليهم بنعمة الإيمان، لأنه علم أنهم يعرفون قدر هذه النعمة، فيشكرونها حق شكرها. وأما أولئك، فلا يعرفون قدرها، فلا يشكرونها، بقوله سبحانه : أليس الله بأعلم بالشاكرين  ؟ فهو رد لقولهم ذلك، وإبطال له، وإشارة إلى أن مدار استحقاق الإنعام، معرفة شأن النعمة، والاعتراف بحق المنعم. كما أن فيه من الإشارة إلى أن أولئك المستضعفين عارفون بحق نعم الله تعالى في تنزيل القرآن، والتوفيق للإيمان، شاكرون له تعالى على ذلك، مع التعريض بأن القائلين بمعزل عن ذلك كله- ما لا يخفى. 
قال الحافظ ابن كثير : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان غالب من اتبعه في أول بعثته ضعفاء الناس، من الرجال والنساء، والعبيد والإماء، ولم يتبعه من الأشراف إلا قليل. كما قال قوم نوح لنوح  وما نراك اتبعك إلا الذين هم أراذلنا بادي الرأي...  [(٢)](#foonote-٢) الآية – وكما سأل هرقل[(٣)](#foonote-٣) ملك الروم أبا سفيان- حين سأله عن تلك المسائل- :( فأشراف الناس/ يتبعونه أم ضعفاؤهم ؟ قال : بل ضعفاؤهم. فقال : هم أتباع الرسل ) وكان مشركوا مكة يسخرون بمن آمن من ضعفائهم، ويعذبون من يقدرون عليه منهم، وكانوا يقولون : أهؤلاء من الله عليهم من بيننا  كقوله : لو كان خيرا ما سبقونا إليه [(٤)](#foonote-٤). وكقوله تعالى : وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات قال الذين كفروا للذين آمنوا أي الفريقين خير مقاما وأحسن نديا [(٥)](#foonote-٥) ؟ قال الله تعالى في جواب ذلك : وكم أهلكنا قبلهم من قرن هم أحسن أثاثا ورئيا [(٦)](#foonote-٦) وقال في جوابهم هنا : أليس الله بأعلم بالشاكرين ، أي : له بأقوالهم وأفعالهم وضمائرهم، فيوفقهم ويهديهم سبل السلام، ويخرجهم من الظلمات إلى النور بإذنه، ويهديهم إلى صراط مستقيم، كما قال تعالى : والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا وإن الله لمع المحسنين [(٧)](#foonote-٧).. 
وفي الحديث الصحيح[(٨)](#foonote-٨) :" إن الله لا ينظر إلى صوركم، ولا إلى ألوانكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالهم :. 
 وروى ابن جرير[(٩)](#foonote-٩) عن عكرمة قال : جاء عتبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة، ومطعم بن عدي، والحرث بن نوفل، وقرظة بن عبد عمرو بن نوفل، في أشراف من بين عبد مناف، من الكفار، إلى أبي طالب فقالوا : يا أبا طالب ! لو كان ابن أخيك يطرد عنه موالينا وحلفاءنا، فإنما هم عبيدنا وعسفاؤنا- كان أعظم في صدورنا، وأطوع له عندنا، وأدنى لاتباعنا إياه، وتصديقنا له. فأتى أبو طالب النبي صلى الله عليه وسلم، فحدثه بالذي كلموه به، فقال عمر بن الخطاب : لو فعلت ذلك، حتى تنظر ما الذي يريدون، وإلام يصيرون من قولهم ! فأنزل الله عز وجل هذه الآية : وأنذر به الذين يخافون أن يحشروا إلى ربهم [(١٠)](#foonote-١٠). إلى قوله : أليس الله بأعلم بالشاكرين . قال : وكانوا : بلال وعمار بن ياسر وسالم مولى أبي حذيفة وصبيح مولى أسيد. ومن الحلفاء : ابن مسعود، والمقداد بن عمر، ومسعود بن القارئ، وواق بن عبد الله الحنظلي، وعمر بن عبد عمرو الشمالين، ومرثد بن أبي مرثد- وأبو مرثد من غني، حليف حمزة بن عبد المطلب- وأشباههم من الحلفاء. ونزلت في أئمة الكفر من قريش والموالي والحلفاء : وكذلك فتنا بعضهم...  الآية – فلما نزلت أقبل عمر، فاعتذر من مقالته، فأنزل الله عز وجل : وإذا جاءك الذين يؤمنون بآياتنا...  [(١١)](#foonote-١١) الآية. 
تنبيهات وفوائد
**قال بعض المفسرين : ثمرة الآية :**
١- أن الواجب في الدعاء الإخلاص به، لأنه تعالى قال : يريدون وجهه  - هكذا قال الحاكم- وهكذا جميع الطاعات، لا تكون لغرض الدنيا. قال النفس الزكية عليه السلام :/ إذا دعا الإمام ثم وجد أفضل منه، وجب عليه أن يسلم الأمر له. فإن لم يفعل ذلك فسق، لأنه إن لم يفعل دل أنه طالب للدنيا. 
٢- ودلت على أن الغداة والعشي لهما اختصاص بفضل العمل والدعاء، فلذلك خصهما بالذكر. 
٣- ودلت على أن الفضل بالأعمال. وما خرج من المفاضلة من غير أمر الدين، كالكفاءة في النكاح، فذلك لمخصص، نحو قوله عليه السلام[(١٢)](#foonote-١٢) :" العرب بعضهم أكفاء للبعض ". 
٤- ودلت على أن أحدا لا يؤخذ بذنب غيره، وهي كقوله تعالى : ولا تزر وازرة وزر أخرى [(١٣)](#foonote-١٣). وقد تقدم ما ذكر فيما ورد أن الميت ليعذب ببكاء أهله، على أن المراد إذا أوصاهم بذلك. 
٥- ودلت على أن حديث النفس لا يؤاخذ به، لأنه قد روي أنه صلى الله عليه وسلم قد هم بذلك. 
٦- ودلت على أن الفقر لا يؤثر في حال المؤمن. وقد ورد في الحديث[(١٤)](#foonote-١٤) عنه صلى الله عليه وسلم :" يدخل فقراء المؤمنين الجنة قبل أغنيائهم بكذا سنة ". وروي أن آخر من يدخل الجنة/ من الصحابة عبد الرحمن بن عوف لكثرة ماله. وروي أن عليا عليه السلام لم يخلف شيئا بعد وفاته- هكذا في ( التهذيب ) - انتهى. 
أقول : الحديث الأول، رواه الترمذي عن أبي هريرة : حسن صحيح، ولفظه :" يدخل الفقراء الجنة قبل الأغنياء بخمسمائة عام ". وأما حديث : آخر من يدخل الجنة من الصحابة... فلم أجده بهذا اللفظ. 
وقد روى البزار وأبو نعيم عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم :" أول من يدخل الجنة من أغنياء أمتي عبد الرحمن بن عوف. والذي نفس محمد بيده ! لن يدخلها إلا حبوا ". 
قال السيوطي : إسناده ضعيف- كذا في ( منتخب كنز العمال ) في ترجمة عبد الرحمان بن عوف رضي الله عنه، في ( فضائل الصحابة ). 
٧- هذا، وقال ابن الفرس : قد يؤخذ من هذه الآية أن لا يمنع من يذكر الناس بالله وأمور الآخرة في جامع أو طريق أو غير. قال : وقد اختلف المتأخرون في مؤذن يؤذن بالأسحار، ويبتهل بالدعاء، يردد ذلك إلى الصباح، وتأذى به الجيران، هل يمنع ؟ واستدل ( من قال : لا يمنع ) بهذه الآية وبقوله : ومن أظلم من منع مساجد الله [(١٥)](#foonote-١٥). الآية. انتهى. 
٨- قرأ ابن عامر  بالغدوة  بالواو وضم الغين، هنا وفي سورة الكهف، والباقون بالألف وفتح الغين. وهي قراءة الحسن ومالك بن دينار وأبي رجاء العطاردي وغيرهم. 
قال أبو عبيد : قرأ ابن عامر وأبو عبد الرحمن السلمي  بالغدوة ، وقرأ العامة  بالغداة  ونراهما قرأ ذلك اتباعا للخط، لأنها رسمت في جميع المصاحف بالواو، كالصلاة والزكاة/ وليس، في إثباتهم الواو في الكتابة، دليل على أنها القراءة، لأنهم قد كتبوا ( الصلاة والزكاة ) بالواو، ولفظهما على تركهما، فكذلك  الغداة ، على هذا وجدنا ألفاظ العرب. انتهى. 
وقال أبو علي الفارسي : الوجه قراءة العامة ( بالغداة )، لأنها تستعلم نكرة فأمكن تعريفها بإدخال لام التعريف عليها. فأما ( غدوة ) فمعرفة، وهو علم صيغ له، وحينئذ فيمتنع دخول لام التعريف عليه، كسائر المعارف وكتابتها بالواو لا تدل على قولهم. انتهى. 
قال الشهاب مجيبا ومناقشا : إن ( غدوة ) وإن كان المعروف فيها أنها علم جنس، ممنوع من الصرف، ولا تدخله الألف واللام، ولا تصح إضافته، فلا تقول غدوة يوم الخميس- كما قال الفراء- ولكنه سمع اسم جنس أيضا، منكرا مصروفا، فتدخله اللام، وقد نقله سيبويه في كتابه عن الخليل، وذكره جم غفير من أهل اللغة والنحو، فلا عبرة بقول أبي عبيدة أن من قرأ بالواو أخطأ، وأنه اتبع رسم الخط، لأن الغداة تكتب بالواو، كالصلاة والزكاة، وهو علم الجنس، لا تدخله الألف واللام، والمخطئ مخطئ، لما مر. وقد ذكر المبرد عن العرب تنكيره وصرفه، وإدخال الألف واللام عليه، إذا لم يرد غدوة يوم بعينه، ومن حفظ حجة على من لم يحفظ وكفى بوقوعه في القراءة المتواترة حجة، فلا حاجة إلى ما قيل : إنه علم، لكنه نكر، لأن تنكير علم الجنس لم يعهد. ولا أنه معرفة، ودخلته اللام لمشاكلة العشي، كما في قوله : رأيت الوليد بن اليزيد مباركا، إذ قال ( اليزيد ) لمجاورة الوليد. ومنه تعلم أن المشاكلة قد تكون حقيقة. انتهى. 
٩- وفي ( القاموس ) الغدوة بالضم، البكرة، أو ما بين صلاة الفجر وطلوع الشمس كالغداة والعشية : أخر النهار. 
وفي ( الصحاح ) : من صلاة المغرب إلى العتمة. 
وقال الأزهري : يقع العشي على ما بين الزوال والغروب. 
١٠- جعل الزمخشري ( ذلك ) إشارة إلى الفتن المذكور، حيث قال : ومثل ذلك/ الفتن العظيم فتنا بعض الناس ببعض، أي : ابتليناهم بهم. وعبر عنه بذلك، إيذانا بتفخيمه كقولك : ضربت زيدا ذلك الضرب. ولا يلزم منه تشبيه الشيء بنفسه، لأن المثل ليس بمراد، إنما جيئ به مبالغة، كما يقال ( ذلك كذلك ) كذا قرره العلامة. يعني : أن التشبيه كما يجعل كناية عن الاستمرار، لأن ما له أمثال يستمر نوعه بتجدد أمثاله، كما أشار إليه شراح الحماسة في قوله. 
هكذا يذهب الزمان ويفنى الع \*\*\* لم فيه ويدرس الأثر
والاستمرار يقتضي التحقق والتقرر ويستلزمه، فجعل في أمثال هذا بواسطة الإشارة إلى البعيد عبارة عن تحقق أمر عظيم. وكونه عظيما مستفاد من لفظ ( ذلك ) المشار به إلى هذا الفتن القريب المذكور، وليست الكاف فيه زائدة. ومن قال إنها مقحمة أراد أن التشبيه فيه غير مقصود فيه، بل المراد لازمه الكنائي أو المجازي. والزمخشري، لما في هذا الوجه من البلاغة والدقة، اختاره فيما ورد فيه كذلك- كذا في ( العناية ) -. 
وقال أبو السعود :( ذلك ) إشارة إلى مصدر ما بعده من الفعل، ومحله في الأصل النصب على أنه نعت لمصدر مؤكد محذوف. والتقدير : فتنا بعضهم ببعض فتونا كائنا مثل الفتون، والكاف مقحمة لتأكيد ما أفاده اسم الإشارة من الفخامة، فصار نفس المصدر المؤكد، لا نعتا له. والمعنى : ذلك الفتون الكامل فتنا. 
قال الشهاب : هذا الإقحام للمبالغة، مطرد في عرفي العرب والعجم. انتهى. 
وقيل : الكاف ليست بزائدة، والمشار إليه هو المشبه به، الأمر المقرر في الذهن، والمشبه ما دل عليه الكلام من الأمر الخارجي، والمبالغة إنما يفيدها الإبهام الذهني والتفسير بقوله : فتنا ، وهو ما يعلمه كل أحد من الفتن من هو – انظر ( العناية ) -.

١ - \[٤٦/ الأحقاف/ ١١\] ونصها: وقال الذين كفروا للذين آمنوا لو كان خيرا ما سبقونا إليه وإذ لم يهتدوا به فسيقولون هذا إفك قديم(١١)..
٢ - \[١١/ هود/ ٢٧\] ونصها: فقال الملأ الذين كفروا من قومه ما نراك إلا بشرا مثلنا وما نراك اتبعك إلا الذين هم أراذلنا بادي الرأي وما نرى لكم علينا من فضل بل نظنكم كاذبين (٢٧)..
٣ - انظر صحيح البخاري في: ١- كتاب بدء الوحي، ٦- حدثنا أبو اليمان الحكم بن نافع، حديث ٧، عن أبي سفيان لما أرسل إليه هرقل في ركب من قريش، وكانوا تجارا بالشام، في المدة التي كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ماد فيها أبا سفيان وكفار قريش، فأتوه وهم بإيلياء فدعاهم في مجلسه... وحديث طويل يوجه فيه هرقل إلى أبي سفيان عما يعلمه أبو سفيان عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. لا يفت مسلما الاطلاع على هذا الحديث فإن فيه خيرا كثيرا..
٤ - \[٤٦/ الأحقاف/ ١١\] ونصها: وقال الذين كفروا للذين آمنوا لو كان خيرا ما سبقونا إليه وإذ لم يهتدوا به فسيقولون هذا إفك قديم (١١)..
٥ - \[١٩/ مريم/ ٧٣\]..
٦ - \[١٩/ مريم/ ٧٤\]..
٧ - \[٢٩/ العنكبوت/ ٦٩\]..
٨ - أخرجه مسلم في: ٤٥- كتاب البر والصلة والآداب، حديث ٣٣ (طبعتنا) ونصه:
 عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "إن الله لا ينظر إلى أجسادكم ولا إلى صوركم، ولكن ينظر إلى قلوبكم" وأشار بأصابعه إلى صدره.
 وأخرجه الإمام أحمد في المسند بالصفحة رقم ٢٨٥ من الجزء الثاني (طبعة الحلبي) حديث رقم ٧٨١٤ (طبعة المعارف)..
٩ - الأثر رقم ١٣٢٦٤ من التفسير..
١٠ - \[٦/ الأنعام/ ٥١\]..
١١ - \[٦/ الأنعام/ ٥٤\]..
١٢ - أخرج في الجامع الصغير، عن عائشة في سنن البيهقي. ونصه: العرب للعرب أكفاء. والموالي أكفاء للموالي، إلا حائك أو حجام..
١٣ - \[٦/ الأنعام/ ١٦٤ ونصها: قل أغير الله أبغي ربا وهو رب كل شيء ولا تكسب كل نفس إلا عليها ولا تزر وازرة وزر أخرى ثم إلى ربكم مرجعكم فينبئكم بما كنتم فيه تختلفون(١٦٤)..
١٤ - أخرج الترمذي في: ٣٤- كتاب الزهد، ٣٧- باب ما جاء أن فقراء المهاجرين يدخلون الجنة قبل أغنيائهم، ونصه:
 عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "تدخل الفقراء الجنة قبل الأغنياء، بخمسمائة عام، نصف يوم" وقال: هذا حديث حسن صحيح..
١٥ - \[٢/ البقربة/ ١١٤\] ونصها: ومن أظلم ممن منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه وسعى في خرابها أولئك ما كان لهم أن يدخلوها إلا خائفين لهم في الدنيا خزي ولهم في الآخرة عذاب عظيم(١١٤)..

### الآية 6:54

> ﻿وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا فَقُلْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ ۖ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَىٰ نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ ۖ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ [6:54]

\[ ٥٤ \]  وإذا جاءك الذين يؤمنون بآياتنا فقل سلام عليكم كتب ربكم على نفسه الرحمة أنه من عمل منكم سوءا بجهالة ثم تاب من بعده وأصلح فإنه غفور رحيم ( ٥٤ ) . 
وقوله تعالى : وإذا جاءك الذين يؤمنون بآياتنا فقل سلام عليكم، كتب ربكم على نفسه الرحمة، أنه من عمل منكم سوءا بجهالة ثم تاب من بعده وأصلح فإنه غفور رحيم  : ذهب جماعة من المفسرين إلى أن هؤلاء هم الذين سأل المشركون طردهم وإبعادهم، فأكرمهم الله تعالى بهذا الإكرام. 
قال البيضاوي : وصفهم تعالى بالإيمان بالقرآن، واتباع الحجج، بعد ما وصفهم بالمواظبة على العبادة، وأمره بأن يبدأهم بالتسليم، أو يبلغ سلام الله تعالى إليهم، ويبشرهم بسعة رحمة الله تعالى وفضله، بعد النهي عن طردهم، إيذانا بأنهم الجامعون لفضيلتي العلم والعمل. ومن كان كذلك ينبغي أن يقرب ولا يطرد، ويعز ولا يذل، ويبشر من الله بالسلامة في الدنيا، والرحمة في الآخرة. انتهى. 
وسلف عن ابن جرير[(١)](#foonote-١) أنها نزلت في عمر رضي الله عنه. وأخرج الفرباني وابن أبي حاتم عن ماهان، قال :" جاء ناس إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا : إنا أصبنا ذنوبا عظاما، فما رد عليهم شيئا، فأنزل الله : وإذا جاءك...  الآية ". ولا يخفى أن الآية تشمل جميع ذلك، وربما تتعدد الوقائع المشتركة في حكم واحد، فتنزل الآية بيانا للكل. وتقدم لنا في مقدمة هذا التفسير، في بحث سبب النزول، أن قول السلف : نزلت في كذا، قد يقصدون به أن واقعته مما يشملها لفظ الآية، لنزولها إثرها، فتذكره، وأجل فكرك في أطرافه، فإنه مهم جدا. وبمعرفته يندفع إشكال الرازي الذي قرره هنا. 
 وقوله تعالى : كتب على نفسه الرحمة  أي : أوجبها على ذاته المقدسة، تفضلا منه وإحسانا وامتنانا. 
وقوله : أنه من عمل  الخ بدل من  الرحمة . وقرئ بكسر الهمزة على أنه تفسير للرحمة بطريق الاستئناف. 
وقوله : بجهالة  في موضع الحال، أي : عمله وهو جاهل، وفيه معنيان :
أحدهما- أنه فاعل فعل الجهلة، لأن من عمل ما يؤدي إلى الضرر في العاقبة، وهو عالم بذلك، أو ظان، فهو من أهل السفه والجهل، لا من أهل الحكمة والتدبير، ومنه[(٢)](#foonote-٢) قول الشاعر :
على أنها قالت عشية زرتها\*\*\* جهلت على عمد ولم تك جاهلا
والثاني- أنه جاهل بما يتعلق به من المكروه والمضرة، ومن حق الحكيم أن لا يقدم على شيء حتى يعلم حاله وكيفيته- كذا في ( الكشاف ) -. 
 فعلى الأول، الجهل : بمعنى السفه والمخاطرة من غير نظر للعواقب، كما في قوله[(٣)](#foonote-٣) :
 \* فنجهل فوق جهل الجاهلينا \*
وكانت العرب تتمدح به، فلا حاجة لتقدير مفعول. 
وعلى الثاني، المراد : الجهالة بمضار ما يفعله. 
وقوله تعالى : وأصلح  أي : العمل. كقوله : وعمل عملا صالحا [(٤)](#foonote-٤). 
وروى الإمام أحمد والشيخان[(٥)](#foonote-٥) عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" لما قضى الله على الخلق كتب في كتابه، فهو عنده فوق العرش : إن رحمتي غلبت غضبي ". 
**تنبيه :**
نقل بعض المفسرين عن الحاكم أنه قال : دلت الآية على وجوب تعظيم المؤمنين. / ودلت على أنه ينبغي إنزال المسرة بالمؤمن، لأنه أمر بأن يقول لهم : كتب على نفسه الرحمة  لتطيب قلوبهم. انتهى.

١ - الأثر رقم ١٣٢٦٤ من التفسير (انظر الحاشية رقم ٣ ص ٣٢٤..
٢ - استشهد به الزمخشري في الكشاف وقال: 
 وفيه معنيان: أحدهما أنه فاعل فعل الجهلة. لأن من عمل ما يؤدي على الضرر في العاقبة، وهو عالم بذلك. أو ظان، فهو من أهل السفه والجهل، لا من أهل الحكمة والتدبير. ومنه قول الشاعر. أي: جاهل بما يتعلق به من المكروه والمضرة. ومن حق الحكيم أن لا يقدم على شيء حتى يعلم حاله وكيفيته.
 وقال شارحه: ولا يشتري الحلم بالجهل، ولا الأناة بالطيش، ولا الرفق بالخرق، كما قال: 
 فإن تــزعمينـــي كنـــت أجهل فيــكم\*\*\* فإني شريـــت الحلــم بعدك بالجهــل.
 وإن لم يكن كذلك، يصدق عليه أنه من أكبر الجهال، والحمار أفضل منه. انتهى..
٣ - هذا البيت السادس والتسعون من معلقة عمرو بن كلثوم، وهو آخرها. وصدره:
 \* ألا، لا يجهلن أحد علينا \*
 قال التبريزي: معناه نهلكه ونعاقبه بما هو أعظم من جهله.
 فنسب الجهل إلى نفسه وهو يريد الإهلاك والمعاقبة، ليزدوج اللفظتان فتكون الثانية على مثل لفظة الأولى، وهي تخالفها في المعنى، لأن ذلك أخف على اللسان من اختلافهما.
 **ومطلع القصيدة:**
 ألا هبــي بصحنــك فــاصبحينــا\*\*\*ولا تبقــي خمــــــور الأنـــدرينــــــا.
٤ - \[٢٥/ الفرقان/ ٧٠\] ونصها: إلا من تاب وآمن وعمل عملا صالحا فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات وكان الله غفورا رحيما(٧٠)..
٥ - انظر الحاشية رقم (١) بالصفحة ٢٨٢ وفيها سردنا جميع روايات هذا الحديث، كما جاءت في كتابنا (جامع مسانيد صحيح البخاري)..

### الآية 6:55

> ﻿وَكَذَٰلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ [6:55]

\[ ٥٥ \]  وكذلك نفصل الآيات ولتستبين سبيل المجرمين ( ٥٥ ) . 
 وكذلك نفصل الآيات  أي : آيات القرآن، في صفة المطيعين والمجرمين. ومر قريبا الكلام على ( كذلك ) و  لتستبين سبيل المجرمين  بتأنيث الفعل بناء على تأنيث الفاعل. وقرئ بالتذكير بناء على تذكيره، فإن ( السبيل ) مما يذكر ويؤنث، وهو عطف على علة محذوفة للفعل المذكور، لم يقصد تعليله بها بعينها، فيكون مستأنفا. أي : ولتستبين سبيلهم نفعل ما نفعل من التفصيل. وقرئ بنصب ( السبيل ) على أن الفعل متعد، وتاؤه للخطاب. أي : ولتستوضح أنت، يا محمد ! سبيل المجرمين، فتعاملهم بما يليق بهم – أفاده- أبو السعود-.

### الآية 6:56

> ﻿قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ۚ قُلْ لَا أَتَّبِعُ أَهْوَاءَكُمْ ۙ قَدْ ضَلَلْتُ إِذًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُهْتَدِينَ [6:56]

\[ ٥٦ \]  قل إني نهيت أن أعبد الذين تدعون من دون الله قل لا أتبع أهواءكم قد ضللت إذا وما أنا من المهتدين ( ٥٦ ) . 
 قل إني نهيت أن أعبد الذين تدعون من دون الله  أي : تعبدونه أو تسمونه آلهة. ثم كرر الأمر تأكيدا لقطع أطماعهم بقوله تعالى : قل لا أتبع أهواءكم  أي : في عبادة الأصنام، وطرد من ذكر. 
ثم قال البيضاوي : هو إشارة إلى الموجب للنهي. وعلة الامتناع عن متابعتهم، واستجهال لهم، وبيان لمبدأ ضلالهم، أن ما هم عليه هوى، وليس بهدى. وتنبيه لمن تحرى الحق على أن يتبع الحجة ولا يقلد. انتهى. 
  قد ضللت إذا  أي : إن اتبعت أهواءكم، لمخالفة الأمر الإلهي والعقل جميعا.  وما أنا من المهتدين  أي : للحق إن اتبعت ما ذكر. وفيه تعريض بأنهم كذلك.

### الآية 6:57

> ﻿قُلْ إِنِّي عَلَىٰ بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَكَذَّبْتُمْ بِهِ ۚ مَا عِنْدِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ ۚ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ ۖ يَقُصُّ الْحَقَّ ۖ وَهُوَ خَيْرُ الْفَاصِلِينَ [6:57]

\[ ٥٧ \]  قل إني على بينة من ربي وكذبتم به ما عندي ما تستعجلون به إن الحكم إلا لله يقص الحق وهو خير الفاصلين ( ٥٧ ) . 
 قل إني على بينة من ربي  أي : على بصيرة من شريعة الله التي أوحاها إلي، لا يمكن التشكيك فيها  وكذبتم به  استئناف أو حال، والضمير للبينة. والتذكير باعتبار المعنى المراد. أعني : الوحي، أو القرآن، أو نحوهما.  ما عندي ما تستعجلون به  أي ؛ من العذاب. 
قال أبو السعود : استئناف مبين لخطئهم في شأن ما جعلوه منشأ لتكذيبهم بالبينة، وهو عدم مجيء ما وعد فيها من العذاب الذي كانوا يستعجلونه بقولهم : متى هذا الوعد إن كنتم صادقين [(١)](#foonote-١) ؟. وقال : أحكمت آياته ثم فصلت [(٢)](#foonote-٢)، وقال : نفصل الآيات [(٣)](#foonote-٣). انتهى. 
قال الشهاب : معنى ( يقصه ) أي يبينه بيانا شافيا، وهو عين القضاء.

١ - \[٨٦/ الطارق/ ١٣\]..
٢ - \[١١/ هود/ ١\] ونصها: الر كتاب أحكمت آياته ثم فصلت من لدن حكيم خبير (١)..
٣ - \[٧/ الأعراف/ ٣٢\] ونصها: قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق قل هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا خالصة يوم القيامة كذلك نفصل الآيات لقوم يعلمون (٣٢)..

### الآية 6:58

> ﻿قُلْ لَوْ أَنَّ عِنْدِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ لَقُضِيَ الْأَمْرُ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ ۗ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالظَّالِمِينَ [6:58]

\[ ٥٨ \]  قل لو أن عندي ما تستعجلون به لقضي الأمر بيني وبينكم والله أعلم بالظالمين ( ٥٨ ) . 
 قل لو أن عندي ما تستعجلون به لقضي الأمر بيني وبينكم والله أعلم بالظالمين  أي : لو أن في قدرتي وإمكاني العذاب الذي تتعجلونه، بأن يكون أمره مفوضا إلي من قبله تعالى، لقضي الأمر بيني وبينكم، بأن ينزل ذلك عليكم إثر استعجالكم. 
وفي ( العناية ) : قضي الأمر بمعنى قطع. وقضاؤه كناية عن إهلاكهم. 
قال أبو السعود : وفي بناء الفعل للمفعول من الإيذان بتعيين الفاعل، الذي هو الله تعالى، وتهويل الأمر، ومراعاة حسن الأدب – ما لا يخفى. فيما قيل في تفسيره. لأهلكتكم / عاجلا، غضبا لربي، واقتصاصا من تكذيبكم به، ولتخلصت سريعا- بمعزل من توفية المقام حقه. 
وقوله تعالى : والله أعلم بالظالمين  اعتراض مقرر لما أفادته الجملة الامتناعية، من انتفاء كون أمر العذاب مفوضا إليه صلى الله عليه وسلم، المستتبع لانتفاء قضاء الأمر، وتعليل له. والمعنى : والله تعالى أعلم بحال الظالمين، وبأنهم مستحقون للإمهال بطريق الاستدراج، لتشديد العذاب، ولذلك لم يفوض الأمر إلي، فلم يقض الأمر بتعجيل العذاب. انتهى. 
**تنبيه :**
قال ابن كثير : فإن قيل : فما الجمع بين هذه الآية، وبين ما ثبت في ( الصحيحين ) [(١)](#foonote-١) عن عائشة أنها قالت لرسول الله صلى الله عليه وسلم :" يا رسول الله هل أتى عليك يوم كان أشد من يوم أحد ؟ فقال : لقد لقيت من قومك، وكان أشد ما لقيت منهم يوم العقبة، إذ عرضت نفسي على ابن عبد ياليل بن عبد كلال، فلم يجبني إلى ما أردت، فانطلقت وأنا مهموم على وجهي، فلم أستفق إلا بقرن[(٢)](#foonote-٢) الثعالب، فرفعت رأسي، فإذا أنا بسحابة قد أظلتني، فنظرت فإذا فيها جبريل، فناداني فقال : إن الله عز وجل قد سمع قول قومك لك، وما ردوا عليك، وقد بعث إليك ملك الجبال لتأمره بما شئت فيهم. قال فناداني ملك الجبال، وسلم علي، ثم قال : يا محمد ! إن الله قد سمع قول قومك لك. وأنا ملك الجبال. وقد بعثني ربك إليك لتأمرني بأمرك. فما شئت ؟ إن شئت أن أطبق عليهم الأخشبين ! فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده لا يشرك به شيئا ". 
 وهذا لفظ مسلم. فقد عرض عليه عذابهم واستئصالهم فاستأناهم، وسأل لهم التأخير، لعل الله أن يخرج من أصلابهم من لا يشرك به شيئا. 
فالجواب- والله أعلم- أن هذه الآية دلت على أنه لو كان إليه وقوع العذاب الذي يطلبونه، حال طلبهم له، لأوقعه بهم. وأما الحديث فليس فيه أنهم سألوه وقوع العذاب بهم، بل عرض عليه ملك الجبال، أنه إن شاء أطبق عليهم الأخشبين، وهما جبلا مكة، يكتنفانها جنوبا وشمالا، فلهذا استأنى بهم، وسأل الرفق لهم. انتهى.

١ - أخرجه البخاري في: ٥٩- كتاب بدء الخلق، ٧- باب إذا قال أحدكم آمين في السماء، فوافقت إحداهما الأخرى، غفر له ما تقدم من ذنبه، الحديث رقم ١٥٢٥..
٢ - قال ياقوت في (معجم البلدان):
 وقال القاضي عياض: قرن المنازل، وهو قرن الثعالب، ميقات أهل نجد، تلقاء مكة على يوم وليلة..

### الآية 6:59

> ﻿۞ وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ ۚ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ ۚ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ [6:59]

ثم بين تعالى اختصاص المقدورات الغيبية به، من حيث العلم، إثر بيان اختصاص جميعها به تعالى من حيث القدرة، بقوله :
\[ ٥٩ \]  وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو ويعلم ما في البر والبحر وما تسقط من ورقة إلا يعلمها ولا حبة في ظلمات الأرض ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين ( ٥٩ ) . 
 وعنده مفاتح الغيب  جمع ( مفتح بكسر الميم، وهو المفتاح ) وقرئ  مفاتيح الغيب  شبه بالأمور الجليلة التي يستوثق منها بالأقفال، وأثبت لها المفاتيح تخييلا. 
وقوله تعالى : لا يعلمها إلا هو  تأكيد لمضمون ما قبله، وإيذان بأن المراد الاختصاص من حيث العلم. والمعنى : ما تستعجلونه من العذاب ليس مقدورا لي، حتى ألزمكم بتعجيله، ولا معلوما لدي لأخبركم بوقت نزوله، بل هو مما يختص به تعالى قدرة وعلما، فينزله حسبما تقتضيه مشيئته، المبنية على الحكم والمصالح- أفاده أبو السعود-. 
ثم لما بين تعالى تعلق علمه بالمغيبات، تأثره بالمشاهدات، على اختلاف أنواعها، وتكثر أفرادها بقوله/  ويعلم ما في البر والبحر  من الخلق والعجائب. ثم بالغ في إحاطة علمه / بالجزئيات الفائتة للحصر بقوله سبحانه : وما تسقط من ورقة إلا يعلمها ولا حبة في ظلمات الأرض ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين  أي : مكتوب ومحفوظ في العلم الإلهي. 
تنبيهات
الأول- قال الحاكم : دل قوله تعالى : وعنده مفاتح الغيب  على بطلان قول الإمامية : إن الإمام يعلم شيئا من الغيب. انتهى. 
وفي ( فتح البيان ) : في هذه الآية الشريفة ما يدفع أباطيل الكهان والمنجمين والرمليين وغيرهم من مدعي الكشف والإلهام، ما ليس من شأنهم، ولا يدخل تحت قدرتهم، ولا يحيط به علمهم. ولقد ابتلي الإسلام وأهله بقوم سوء من هذه الأجناس الضالة، والأنواع المخذولة، ولم يربحوا من أكاذيبهم وأباطيلهم بغير خطة السوء المذكورة في قول الصادق المصدق صلى الله عليه وسلم[(١)](#foonote-١) :" من أتى كاهنا أو منجما فقد كفر بما أنزل على محمد ". 
قال ابن مسعود :" أوتي نبيكم كل شيء إلا مفاتيح الغيب ". 
وقال ابن عباس :" إنها الأقدار والأرزاق ". 
وقال الضحاك : خزائن الأرض، وعلم نزول العذاب. 
وقال عطاء : هو ما غاب عنكم من الثواب والعقاب. 
 وقيل : هو انقضاء الآجال، وعلم أحوال العباد من السعادة والشقاوة وخواتيم أعمالهم. واللفظ أوسع من ذلك. 
وعن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال[(٢)](#foonote-٢) :" مفاتح الغيب خمس لا يعلمها / إلا الله تعالى. لا يعلم أحد ما يكون في غد إلا الله. ولا يعلم أحد ما يكون في الأرحام إلا الله. ولا تعلم نفس ماذا تكسب غدا. ولا تدري نفس بأي أرض تموت. ولا يدري أحد متى يجيء المطر ". - أخرجه البخاري- وله ألفاظ. وفي رواية :" ولا يعلم أحد متى تقوم الساعة إلا الله ". انتهى. 
الثاني- قرئ  ولا حبة ولا رطب ولا يابس  بالرفع، وفيه وجهان : أن يكون عطفا على محل ( من ورقة ) وأن يكون رفعا على الابتداء، وخبره  إلا في كتاب مبين  كقولك : لا رجل منهم ولا امرأة إلا في الدار – كذا في ( الكشاف ) -. 
الثالث- ما أسلفناه في ( الكتاب المبين ) من أنه ( اللوح المحفوظ ) هو المتبادر من إطلاقه أينما ورد. وقيل : الكتاب المبين علم الله تعالى. والأظهر الأول. 
قال الزجاج : يجوز أن يكون الله عز وجل ثناؤه أثبت كيفية المعلومات في كتاب من قبل أن يخلق الخلق، كما قال عز وجل : ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها [(٣)](#foonote-٣) وفائدة هذا الكتاب أمور :
 أحدهما- أنه تعالى إنما كتب هذه الأحوال في اللوح المحفوظ لتقف الملائكة على نفاذ علم الله تعالى في المعلومات، وأنه لا يغيب عنه مما في السماوات والأرض شيء، فيكون ذلك عبرة تامة كاملة للملائكة الموكلين باللوح المحفوظ، لأنهم يقابلون به ما يحدث في صحيفة هذا العالم، فيجدونه موافقا له. 
وثانيها- يجوز أن يقال : أنه تعالى ذكر ما ذكر، من الورقة والحبة، تنبيها للمكلفين على أمر الحساب، وإعلاما بأنه لا يفوته من كل ما يصنعون في الدنيا شيء، لأنه إذا كان لا يهمل الأحوال التي ليس فيها ثواب ولا عقاب ولا تكليف، فبأن لا يهمل الأحوال المشتملة على الثواب والعقاب أولى. 
وثالثها- أنه تعالى علم أحوال جميع الموجودات، فيمتنع تغييرها عن مقتضى ذلك العلم، وإلا لزم الجهل، فإذا كتب أحوال جميع الموجودات في ذلك الكتاب على التفصيل التام، امتنع أيضا تغييرها، وإلا لزم الكذب، فتصير كتبه جملة الأحوال في ذلك الكتاب موجبا تاما، وسببا كاملا في أنه يمتنع تقدم ما تأخر، وتأخر ما تقدم، كما قال صلوات الله عليه[(٤)](#foonote-٤) :" جف القلم بما هو كائن إلى يوم القيامة ". انتهى. 
الرابع- روى ابن أبي حاتم عن ابن عباس :" في قوله تعالى : وما تسقط من ورقة إلا يعلمها  قال : ما من شجرة في بر ولا بحر، إلا ملك موكل بها، يكتب ما يسقط منها ". 
 وأخرج أيضا عن عبد الله بن الحرث قال :" ما في الأرض من شجرة، ولا كمغرز إبرة، إلا عليها ملك موكل يأتي الله بعلمها. يبسها إذا يبست ورطوبتها إذ رطبت ". وكذا رواه ابن جرير[(٥)](#foonote-٥). 
وروى ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال :" خلق الله النون وهي الدواة، وخلق الألواح، فكتب فيها أمر الدنيا حتى تنقضي، ما كان من خلق مخلوق، أو رزق حلال أو حرام، أو عمل بر أو فجور، وقرأ هذه الآية : وما تسقط من ورقة...  إلى آخر الآية ".

١ - أخرجه الإمام أحمد في المسند بالصفحة رقم ٤٠٨ من الجزء الثاني (طبعة الحلبي) ونصه: 
 عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "من أتى حائضا أو امرأة في دبرها، أو كاهنا فصدقه، فقد برئ مما أنزل الله على محمد عليه الصلاة والسلام".
 واخرجه ابن ماجة في: ١- كتاب الطهارة، ١٢٢- باب النهي عن إتيان الحائض، الحديث رقم ٦٣٩ (طبعتنا)..
٢ - لتعدد روايات هذا الحديث، ولاختلاف بعض ألفاظ فيها، ترانا مضطرين إلى سرد جميعها عن كتابنا (جامع مسانيد صحيح البخاري) والحديث رقم ٥٧٩. وهو برقم ٧٢ من مسند عبد الله بن عمر. وهاكمو نصوص رواياته:
 ١٥- كتاب الاستسقاء، ٢٩ باب لا يدري متى يجيء المطر إلا الله.
 حدثنا محمد بن يوسف، قال: حدثنا سفيان عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "مفتاح الغيب خمس لا يعلمها إلا الله: لا يعلم أحد ما يكون في غد، ولا يعلم أحد ما يكون في الأرحام. ولا تعلم نفس ماذا تكسب غدا. وما تدري نفس بأي أرض تموت. وما يدري أحد متى يجيء المطر".
 ٦٥- كتاب التفسير، ٦- سورة الأنعام، ١- باب وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو.
 حدثنا عبد العزيز بن عبد الله. حدثنا إبراهيم بن سعد عن ابن شهاب عن سالم بن عبد الله عن أبيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "مفاتح الغيب خمس: إن الله عنده علم الساعة وينزل الغيث ويعلم ما في الأرحام وما تدري نفس ماذا تكسب غدا وما تدري نفس بأي أرض تموت، إن الله عليم خبير.".
 ٦٥- كتاب التفسير ١٣- سورة الرعد، ١- باب إن الله يعلم ما تحمل كل أنثى.
 حدثني إبراهيم بن المنذر. حدثنا معن قال: حدثني مالك عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "مفاتيح الغيب خمس لا يعلمها إلا الله: لا يعلم ما في غد إلا الله. ولا يعلم ما تغيض الأرحام إلا الله. ولا يعلم متى يأتي المطر أحد إلا اله. ولا تدري نفس بأي أرض تموت. ولا يعلم متى تقوم الساعة إلا الله".
 ٦٥- كتاب التفسير، ٣١- سورة لقمان، ٢- باب إن الله عنده علم الساعة.
 حدثنا يحيى بن سليمان قال: حدثني ابن وهب قال: حدثني عمر بن محمد بن زيد بن عبد الله بن عمر؛ أن أباه حدثه أن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: "مفاتيح الغيب خمس" ثم قرأ: إن الله عنده علم الساعة.
 ٩٧- كتاب التوحيد، ٤- باب قول الله تعالى: عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدا.
 حدثنا خالد بن مخلد. حدثنا سليمان بن بلال. حدثني عبد الله بن دينار عن ابن عمر رضي الله عنهما، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "مفاتيح الغيب خمس لا يعلمها إلا الله: لا يعلم ما في غد إلا الله. ولا يعلم ما تغيض الأرحام إلا الله. ولا يعلم متى يأتي المطر أحد إلا الله. ولا تدري نفس بأي أرض تموت. ولا يعلم متى تقوم الساعة إلا الله"..
٣ - \[٥٧/ الحديد/ ٢٢\] ... إن ذلك على الله يسير (٢٢)..
٤ - أخرجه الإمام أحمد في المسند بالصفحة رقم ١٩٧ من الجزء الثاني (طبعة الحلبي) والحديث رقم ٦٨٥٤ م ت(طبعة المعارف) ونصه:
 عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: وسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "إن الله خلق خلقه، ثم جعلهم في ظلمة، ثم أخذ من نوره ما شاء ثم ألقاه عليهم، فأصاب النور من شاء أن يصيبه، وأخطأ من شاء. فمن أصابه النور يومئذ فقد اهتدى، ومن أخطأ يومئذ ضل. فلذلك قلت: جف القلم بما هو كائن"..
٥ - الأثر رقم ١٣٣٠٨ من التفسير..

### الآية 6:60

> ﻿وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ لِيُقْضَىٰ أَجَلٌ مُسَمًّى ۖ ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ ثُمَّ يُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ [6:60]

\[ ٦٠ \]  وهو الذي يتوفاكم بالليل  أي : ينيمكم فيه. استعير ( التوفي ) من الموت للنوم، لما بينهما من المشاركة في زوال الإحساس والتمييز، فإن أصله قبض الشيء بتمامه. 
 ويعلم ما جرحتم بالنهار  أي فيه. وتخصيص الليل بالنوم، والنهار بالكسب، جريا على المعتاد.  ثم يبعثكم  أي : يوقظكم. أطلق البعث ترشيحا للتوفي  فيه  أي : في النهار،  ليقضى أجل مسمى  أي ليتم مقدار حياة كل أحد. 
 ثم إليه مرجعكم  أي : رجوعكم بالبعث بعد الموت،  ثم ينبئكم بما كنتم تعملون  أي : في ليلكم ونهاركم، بالمجازاة عليه، مبالغة في عدله. 
تنبيهان
الأول- ظاهر الخطاب في الآية على العموم. وخصه في ( الكشاف ) بالكفرة، ذهابا إلى أن قوله : ويعلم ما جرحتم بالنهار ثم يبعثكم  يدل على تهديد شديد، لا يليق إلا / بالمعاندين الجاحدين، وأن المقصود بيان حالهم المذمومة في الليل. كما أن قوله : ما جرحتم  بيان حالهم المذمومة في النهار. وحمل ( البعث ) لا على الإيقاظ، بل على البعث من القبور. و ( فيه ) بمعنى ( من أجله ) كقولك : فيم دعوتني ؟ فتقول : في أمر كذا. والمعنى : أنكم ملقون كالجيف بالليل كاسبون للآثام بالنهار. وأنه تعالى مطلع على أعمالكم، يبعثكم من القبور في شان ما قطعتم به أعماركم، من النوم بالليل، وكسب الآثام بالنهار، ليقضي الأجل الذي سماه وضربه لبعث الموتى، وجزائهم على أعمالهم. والذي حمله على ذلك، زعمه أن قوله : ويعلم ما جرحتم بالنهار  دال على حال اليقظة، وكسبهم فيها. وكلمة ( ثم ) تقتضي تأخير البعث عنها. 
قال شارحه : ولا يخفى ما فيه من التكلف، وأنه لا حاجة إليه، لأن قوله : ويعلم ما جرحتم بالنهار  إشارة إلى ما كسب في النهار السابق على ذلك الليل، ولا دلالة على الإيقاظ من هذا التوفي، وأن الإيقاظ متأخر عن التوفي. وإن قولنا ( يفعل ذلك التوفي لنقضي مدة الحياة المقدرة ) كلام منتظم غاية الانتظام. 
الثاني- قال الشريف المرتضى في ( الدرر والغرر ) فيما وقع من القرآن من ذكر الرجوع إلى الله نحو : إليه ترجع الأمور  : كيف ترجع إليه، وهي لم تخرج من يده ؟ وأجاب : بأنه في دار التكليف قد يتغير البعض، فيضيف بعض أفعاله تعالى إلى غيره، فإذا انكشف الغطاء، انقطعت حبال الآمال عن غيره، فيرجع إليه. أو أن المراد أن الأمور في يده من غير خروج ورجوع حقيقي. ف ( رجع ) بمعنى ( صار ). تقول العرب : رجع علي من فلان مكروه، بمعنى صار، ولم يكن سبق. فهو بمعنى المصير إليه، كما تشهد به اللغة. أو أنه في دار ما يكون للعباد ظاهرا كالعبد لسيده، فإذا أفضى الأمر إلى الآخرة، زال ذلك ورجع الأمر كله إلى الله، ظاهرا وباطنا.

### الآية 6:61

> ﻿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ ۖ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً حَتَّىٰ إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ [6:61]

\[ ٦١/  وهو القاهر فوق عباده ويرسل عليكم حفظة حتى إذا جاء أحدكم الموت توفته رسلنا وهم لا يفرطون ( ٦١ ) . 
 وهو القاهر فوق عباده  قد مر تفسيره، وأنه المتصرف في أمورهم لا غيره، يفعل بهم ما يشاء. 
 ويرسل عليكم حفظة  أي : ملائكة تحفظ أعمالكم وتحصيها، وهم الكرام الكاتبون[(١)](#foonote-١)، كقوله : وإن عليكم لحافظين  وقوله : وإذ يتلقى المتلقيان [(٢)](#foonote-٢) الآية. 
**لطيفة :**
الحكمة في ذلك أن المكلف إذا علم أن أعماله تكتب عليه، وتعرض على رؤوس الأشهاد، كان أزجر عن المعاصي. وأن العبد إذا وثق بلطف سيده، واعتمد على عفوه وستره، لم يحتشم منه احتشامه من خدمه المطلعين عليه – أفاده القاضي-. 
 حتى إذا جاء أحدكم الموت  أي ؛ أسبابه ومباديه  توفته رسلنا  أي ملائكة موكلون بذلك،  وهم لا يفرطون  أي : بالتواني والتأخير. وقال ابن كثير : أي : في حفظ روح المتوفى، بل يحفظونها ويتركونها حيث شاء الله عز وجل، إن كان من الأبرار ففي عليين، وإن كان من الفجار في سجن.

١ - يشير إلى قوله تعالى: \[٨٢/ الانفطار/ ١٠ و١١\] ونصها: وإن عليكم لحافظين (١٠) كراما كاتبين (١١)..
٢ - \[٥٠/ ق/ ١٧\] ... عن اليمين وعن الشمال قعيد (١٧)..

### الآية 6:62

> ﻿ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ ۚ أَلَا لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ [6:62]

\[ ٦٢ \]  ثم ردوا إلى الله مولاهم الحق ( ٦٢ ) 
 ثم ردوا إلى الله مولاهم الحق  أي : الذي يتولى أمورهم. و  الحق  : العدل الذي لا يحكم إلا بالحق. قال ابن كثير : الضمير للملائكة. أو للخلائق المدلول عليهم ب ( أحد ). والإفراد أولا، والجمع آخرا لوقوع التوفي على الانفراد، والرد على الاجتماع. أي : ردوا بعد البعث، فيحكم فيهم بعدله، كما قال : قل إن الأولين والآخرين، لمجموعون إلى ميقات يوم معلوم [(١)](#foonote-١). وقال : وحشرناهم فلم نغادر منهم أحدا [(٢)](#foonote-٢) إلى قوله : ولا يظلم ربك أحدا  ولهذا قال : مولاهم الحق . 
 ألا له الحكم  يومئذ لا حكم فيه لغيره،  وهو أسرع الحاسبين  يحاسب الخلائق في أسرع زمان. 
**فوائد :**
الأول- قال ابن كثير : ونذكر ههنا الحديث الذي رواه الإمام [(٣)](#foonote-٣)أحمد عن سعيد بن يسار عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال :{ إن الميت تحضره/ الملائكة، فإذا كان الرجل الصالح، قالوا : اخرجي أيتها النفس الطيبة، كانت في الجسد الطيب، أخرجي حميدة وأبشري بروح وريحان، ورب غير غضبان، فلا يزال يقال ذلك، حتى تخرج. ثم يعرج بها إلى السماء، فيستفتح لها، فيقال : من هذا ؟ فيقال : فلان. فيقولون، مرحبا بالنفس الطيبة، كانت في الجسد الطيب، ادخلي حميدة، وابشري بروح وريحان، ورب غير غضبان. فلا يزال يقال لها، حتى ينتهي بها إلى السماء التي فيها الله عز وجل. وإذا كان الرجل السوء، قالوا : اخرجي أيتها النفس الخبيثة، كانت في الجسد الخبيث. اخرجي ذميمة، وأبشري بحميم وغساق، وآخر من شكله أزواج. فلا يزال حتى تخرج، ثم يعج بها إلى السماء، فيستفتح لها، فيقال : من هذا ؟ فيقال : فلان ! فيقال : لا مرحبا بالنفس الخبيثة، كانت في الجسد الخبيث. ارجعي ذميمة، فإنه لا يفتح لك أبواب السماء، فترسل من السماء، ثم تصير إلى القبر. فيجلس الرجل الصالح، فيقال له مثل ما قيل في الحديث الأول، ويجلس الرجل السوء، فيقال له مثل ما قيل في الحديث الأول ". قال الحافظ ابن كثير : هذا حديث غريب. 
الثانية- قال بعض أهل الكلام : إن لكل حاسة من هذه الحواس روحا تقبض عند النوم، ثم ترد إليها إذا ذهب النوم. فأما الروح التي تحيا بها النفس، فإنها لا تقبض إلا عند انقضاء الأجل. والمراد بالأرواح، المعاني والقوى التي تقوم بالحواس، ويكون بها السمع والبصر، والأخذ والمشي والشم. ومعنى : ثم يبعثكم فيه  أي : يوقظكم، ويرد إليكم أرواح الحواس، فيستدل به على منكري البعث، لأنه بالنوم يذهب أرواح هذه الحواس، ثم يردها إليها. فكذا يحيى الأنفس بعد موتها- نقله النسفي-. 
الثالثة- قال الخازن : فإن قلت : قال الله تعالى في آية : الله يتوفى الأنفس حين موتها [(٤)](#foonote-٤) / وقال في آية أخرى : قل يتوفاكم ملك الموت الذي وكل بكم [(٥)](#foonote-٥)، وقال هنا : توفته رسلنا ، فكيف الجمع بين هذه الآيات ؟
قلت : وجه الجمع أن المتوفي في الحقيقة هو الله. فإذا حضر أجل العبد، أمر الله ملك الموت بقبض روحه، ولملك الموت أعوان من الملائكة، يأمرهم بنزع روح ذلك العبد من جسده. فإذا وصلت إلى الحلقوم، تولى قبضها ملك الموت نفسه، فحصل الجمع. 
قال مجاهد : جعلت الأرض لملك الموت، مثل الطشت، يتناول من حيث شاء. وجعلت له أعوان ينزعون الأنفس ثم يقبضها منهم. انتهى.

١ - \[٥٦/ الواقعة/ ٤٩ و٥٠\]..
٢ - \[١٨/ الكهف/ ٤٧-٤٩\] ونصها: ويوم نسير الجبال وترى الأرض بارزة وحشرناهم فلم نغادر منهم أحدا (٤٧) وعرضوا على ربك صفا لقد جئتمونا كما خلقناكم أول مرة بل زعمتم ألن نجعل لم موعدا (٤٨) ووضع الكتاب فترى المجرمين مشفقين مما فيه ويقولون يا ويلنا مال هذا الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها ووجدوا ما عملوا حاضرا ولا يظلم ربك أحدا (٤٩)..
٣ - رواه في المسند بالصفحة رقم ٣٦٤ من الجزء الثاني (طبعة الحلبي)..
٤ - \[٣٩/ الزمر/ ٤٢\] ونصها: الله يتوفى النفس حين موتها والتي لم تمت في منامها فيمسك التي قضى عليها الموت ويرسل الأخرى إلى أجل مسمى إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون (٤٢)..
٥ - \[٣٢/ السجدة/ ١١\] ثم إلى ربكم ترجعون (١١)..

### الآية 6:63

> ﻿قُلْ مَنْ يُنَجِّيكُمْ مِنْ ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ تَدْعُونَهُ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً لَئِنْ أَنْجَانَا مِنْ هَٰذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ [6:63]

ثم أمر تعالى أن يبكت المشركون بانحطاط شركائهم عما زعموا لها، بأنهم يخصون الحق تعالى بالالتجاء إليه عند الشدائد بقوله :
\[ ٦٣ \]  قل من ينجيكم من ظلمات البر والبحر تدعونه تضرعا وخفية لئن أنجانا من هذه لنكونن من الشاكرين ( ٦٣ ) . 
 قل من ينجيكم من ظلمات البر  أي : شدائده، كخوف العدو، وضلال الطريق،  والبحر  كخوف الغرق، والضلال، وسكون الريح. استعيرت الظلمة للشدة، لمشاركتهما في الهول، وإبطال الأبصار، ودهش العقول. يقال لليوم الشديد : يوم مظلم، ويوم ذو كواكب. أي : اشتدت ظلمته حتى عاد كالليل، وظهرت الكواكب فيه. 
 تدعونه تضرعا  أي : تذللا إليه، تحقيقا للعبودية،  وخفية  بضم الخاء، / وقرئ بكسرها. أي سرا، تحقيقا للإخلاص.  لئن أنجيتنا  حال من الفاعل بتقدير القول. أي : قائلين، وعدا بالشكر، لئن أنجيتنا  من هذه  أي : الشدة المعبر عنها بالظلمات،  لنكونن من الشاكرين  أي : لك، باعتقاد أنك المخصوص بالثناء الجميل.

### الآية 6:64

> ﻿قُلِ اللَّهُ يُنَجِّيكُمْ مِنْهَا وَمِنْ كُلِّ كَرْبٍ ثُمَّ أَنْتُمْ تُشْرِكُونَ [6:64]

\[ ٦٤ \]  قل الله ينجيكم منها ومن كل كرب ثم أنتم تشركون ( ٦٤ ) . 
ثم أمره تعالى بالجواب تنبيها على ظهوره وتعينه عندهم، أو إهانة لهم إذ لا يلتفتون لخطابه بقوله : قل الله ينجيكم منها ومن كل كرب  أي : من غير شفاعة أحد ولا عون،  ثم أنتم تشركون  أي : ثم أنتم بعد ما تشاهدون من النجاة عنها، الموعود فيها بالشكر وعدا وثيقا بالقسم، تشركون، بعبادته والثناء عليه، غيره. وتنسبون النجاة الحاصلة بعد تخصيصه بالدعوة، على شفاعة الشريك، فقد جعلتم الشرك مكان الشكر. 
تنبيهات
الأول- ما قدمناه من ظلمات  البر والبحر  مجاز عن مخاوفها وأهوالها، هو ما قاله المحققون. 
قال الرازي : ومنهم من حمله على حقيقته فقال : أما ظلمات البحر، فهي أن تجتمع ظلمة الليل، وظلمة البحر، وظلمة السحاب، ويضاف الرياح الصعبة، والأمواج الهائلة إليها، فلم يعرفوا كيفية الخلاص. وعظم الخوف. وأما ظلمات البر، فهي ظلمة الليل، وظلمة السحاب، والخوف الشديد من هجوم الأعداء والخوف الشديد من عدم الاهتداء إلى طريق الصواب. والمقصود أن عند اجتماع هذه الأسباب الموجبة للخوف الشديد، لا يرجع / الإنسان إلا إلى الله تعالى. وهذا الرجوع يحصل ظاهرا وباطنا، لأن الإنسان في هذه الحالة يعظم إخلاصه في حضرة الله تعالى، وينقطع رجاؤه عن كل ما سوى الله تعالى. وهو المراد من قوله : تضرعا وخفية . فبين تعالى أنه إذا شهدت الفطرة السليمة، والخلقة الأصلية في هذه الحالة بأنه لا ملجأ إلا إلى الله، ولا تعويل إلا على فضل الله، وجب أن يبقى هذا الإخلاص عند كل الأحوال والأوقات. ولكنه ليس كذلك، ومن المفسرين من يقول : المقصود من هذه الآية الطعن في إلهية الأصنام والأوثان. 
ثم قال الرازي رحمه الله، وأنا أقول : التعلق بشيء مما سوى الله في طريق العبودية، يقرب من أن يكون تعلقا بالوثن، ولذلك فإن أهل التحقيق يسمونه بالشرك الخفي. انتهى. 
الثاني- قال بعض المفسرين : دل قوله تعالى : تدعونه تضرعا وخفية  على أن دعاء السر أفضل. قيل : وكان جهر النبي صلى الله عليه وسلم بالدعاء ليعلم غيره. انتهى. 
وهذا بناء على أن قوله تعالى : تضرعا  تذللا، لا جهرا. وكثير من المفسرين ذهب إلى أن المعنى جهرا وسرا، ولعله الصواب. فإن العيان يؤيده، إذ لا يتمالك من اشتد عليه الأمر، وأظلم عليه طريق الخلاص، على الاقتصار على دعاء السر وحده-والله أعلم-. 
وفي ( القاموس وشرحه ) : تضرع إلى الله، أي : ابتهل وتذلل. وقيل : أظهر الضراعة، وهي شدة الفقر والحاجة إلى الله تعالى : ومنه قوله تعالى : تضرعا وخفية  أي : مظهرين الضراعة، وحقيقة الخشوع. انتهى. 
الثالث- المراد بالكرب ما يعم ما تقدم، ولا محذور في التعميم بعد التخصيص، لكثرة وروده. أو ما يعتري المرء من العوارض النفسية التي لا تتناهى، كالأمراض والأسقام / وما قيل ؛ إن المراد بالأول كرب مخصوص، أو الأولى نعمة رفع، وهذه نعمة دفع، وأنه من قبيل ( متقلدا سيفا ورمحا ) - تكلف لا داعي له- كذا في ( العناية ) -. 
الرابع- وضع  تشركون ، موضع ( لا تشكرون ) الذي هو مقتضى الظاهر المناسب لقوله : لنكونن من الشاكرين  لأن إشراكهم تضمن عدم صحة عبادتهم، وشكرهم لأنه عبادة، بل نفيها لعدم الاعتداد بها معه. إذ التوحيد ملاك الأمر، وأساس العبادة، فوضعه موضعه توبيخا لهم، لعدم الوفاء بالعهد. ولم يذكر متعلقه لتنزيله منزلة اللام، تنبيها على استبعاد الشرك في نفسه – كذا في ( العناية ) -.

### الآية 6:65

> ﻿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَىٰ أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ ۗ انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ [6:65]

\[ ٦٥ \]  قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذابا من فوقكم أو من تحت أرجلكم أو يلبسكم شيعا ويذيق بعضكم بأس بعض انظر كيف نصرف الآيات لعلهم يفقهون ( ٦٥ ) . 
 قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذابا من فوقكم  قال المهايمي : أي : قل للمشركين بعد النجاة الموعود فيها بالشكر : إنما أشركتم لأمنكم من الشدائد، لكن لا وجه للأمان منها، لاستمرار منشأ الخوف، وهو القدرة الإلهية على أنواع الشدائد من الجهات كلها. إذ هو القادر على إرسال عذاب أعظم من تلك الشدة من فوقكم، كإمطار النار أو الحجارة، أو إسقاط السماء. 
 أو من تحت أرجلكم  كالخسف والطوفان  أو يلبسكم شيعا  أي : يخلطكم فرقا خلط اضطراب، فيجعلكم متحزبين مختلفين في القتال، بأن يقوي أعداءكم  ويذيق بعضكم بأس  أي : شدة  بعض  يعني : يسلط بعضكم على بعض بالقتل والتعذيب. 
  انظر كيف نصرف الآيات  أي : نحولها من نوع إلى آخر.  لعلهم يفقهون  أي : يفهمون ويعتبرون، فيكفوا عن كفرهم وعنادهم. 
**تنبيهان :**
الأول- روى البخاري[(١)](#foonote-١) عن جابر رضي الله عنه قال :" لما نزلت هذه الآية : قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذابا من فوقكم  قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أعوذ بوجهك !  أو يلبسكم شيعا ويذيق بعضكم بأس بعض . قال : هذا أهون، أو هذا أيسر ". 
قال الحافظ ابن حجر : وقد روى ابن مردويه من حديث ابن عباس ما يفسر به حديث جابر، ولفظه : عن النبي صلى الله عليه وسلم قال :" دعوت الله أن يرفع عن أمتي أربعا، فرفع عنهم ثنتين، وأبى أن يرفع عنهم اثنتين. دعوت الله أن يرفع عنهم الرجم من السماء والخسف من الأرض، وأن لا يلبسهم شيعا، ولا يذيق بعضهم بأس بعض ؛ فرفع الله عنهم الخسف والرجم، وأبى أن يرفع عنهم الأخريين ". فيستفاد من هذه الرواية المراد بقوله : من فوقهم أو من تحت أرجلهم ، ويستأنس له أيضا بقوله تعالى : أفأمنتم أن يخسف بكم جانب البر أو يرسل عليكم [(٢)](#foonote-٢). 
وروى الإمام مسلم[(٣)](#foonote-٣) عن سعد بن أبي وقاص :" أنه أقبل مع النبي صلى الله عليه وسلم ذات يوم من العالية، حتى إذا مر بمسجد بني معاوية، دخل فركع فيه ركعتين، وصلينا معه، ودعا ربه طويلا، ثم انصرف إلينا فقال : سألت ربي ثلاثا، فأعطاني ثنتين ومنعني واحدة. سألت / ربي أن لا يهلك أمتي بالسنة. فأعطانيها. وسألته أن لا يهلك أمتي بالغرق، فأعطانيها. وسألت ربي أن لا يجعل بأسهم بينهم، فمنعنيها ". 
وروى الإمام أحمد [(٤)](#foonote-٤)من حديث أبي بصرة نحوه، لكن قال ( بدل خصلة الإهلاك )، أن لا يجمعهم على ضلالة[(٥)](#foonote-٥). وكذا الطبري من مرسل الحسن. 
قال الخفاجي : فإن قلت : كيف أجيبت الدعوتان، وسيكون خسف بالمشرق وخسف بجزيرة العرب ؟ أي : كما رواه الترمذي[(٦)](#foonote-٦) وغيره. 
قلت : الممنوع خسف مستأصل لهم. وأما عدم إجابته في بأسهم، فبذنوبهم منهم، ولأنهم بعد تبليغه صلى الله عليه وسلم لهم، ونصيحته لهم، لم يعملوا بقوله. انتهى. 
وقد روى أحمد والترمذي[(٧)](#foonote-٧) من حديث سعد بن أبي وقاص قال :" سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن هذه الآية : قل هو القادر ... الخ، فقال : أما إنها كائنة، ولم يأت تأويلها بعد ". قال الحافظ ابن حجر : وهذا يحتمل أن لا يخالف حديث جابر، بأن المراد بتأويلها / ما يتعلق بالفتن ونحوها. انتهى. أي : مما ستصدق عليها الآية، ولما تقع بالمسلمين. فقوله : إنها كائنة، أي : في المسلمين، لا أنها خطاب لهم، ونزولها فيهم – كما وهم- إذ يدفعه السياق والسباق، وتتمة الآية- كما لا يخفى- وسنزيده بيانا. 
الثاني- ما روي عن ابن عباس من أنه كان يقول :" في قوله تعالى : عذابا من فوقهم  يعني أئمة السوء  ومن تحت أرجلهم  يعني : خدم السوء ". رواه ابن جرير[(٨)](#foonote-٨) وابن أبي حاتم. فإن صح عنه، فمراده أن لفظ الآية مما يصدق على ذلك. لأن العذاب كل ما مر ( من المرارة ) على النفس، وشق عليها، لا أن ذلك هو المراد من الآية، لنبوه عن مقام التهويل، في شديد الوعيد، ولخفاء الكناية عن ذلك من جوهر اللفظ، ولعدم موافقته لنظائر الآية في هذا الباب- كما لا يخفى-. 
والظاهر أن السلف كانوا يتلون بعض الآيات في بعض المقامات، إشعارا بأن معناها يحاكي تلك الواقعات، لا أنها نزلت في تلك القضيات. ومن ذلك قول أبي بن كعب، قال في هذه الآية :" هن أربع خلال، كلهن واقع، منها ثنتان بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم بخمس وعشرين ( ألبسوا شيعا ) و ( ذاق بعضهم بأس بعض )، وبقيت اثنتان لابد منهما الرجم والخسف " – رواه أحمد[(٩)](#foonote-٩) وغيره- وقد أعل هذا الأثر بأن أبيا لم يدرك سنة خمس وعشرين من الوفاة النبوية، وكأن التقييد بذلك من كلام أبي العالية، رواية عنه. وبالجملة، فاستشهاد السلف بالآيات في بعض الشؤون، للإشعار المذكور- مما لا ينكر، فافهم ذلك، فإنه ينفعك في مواطن كثيرة.

١ - أخرجه البخاري في: ٦٥- كتاب التفسير، ٦- سورة الأنعام، ٢- باب قل هل القادر على أن يبعث عليكم عذابا من فوقكم... الآية. الحديث رقم ٢٠٠٢..
٢ - \[١٧/ الإسراء/ ٦٨\] ... حاصبا ثم لا تجدوا لكم وكيلا (٦٨)..
٣ - أخرجه البخاري في: ٥٢- كتاب الفتن وأشراط الساعة، حديث ٢٠ (طبعتنا)..
٤ - أخرجه الإمام أحمد في المسند بالصفحة رقم ٣٩٦ من الجزء السادس (طبعة الحلبي)..
٥ - الأثر رقم ١٣٣٧٥ من التفسير..
٦ - أخرجه الترمذي في؛ ٣١- كتاب الفتن، ٢١- باب ما جاء في الخسف ونصه:
 عن حذيفة بن أسيد قال: أشرف علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم من غرفة ونحن نتذاكر الساعة. فقال النبي صلى الله عليه وسلم؛ "لا تقوم الساعة حتى تروا عشر آيات: طلوع الشمس من مغربها ويأجوج ومأجوج والدابة وثلاثة خسوف بالمشرق وخسف بالمغرب وخسف بجزيرة العرب. ونار تخرج من قعر عدن تسوق الناس (أو تحشر الناس) فتبيت معهم حيث باتوا، وتقيل معهم حيث قالوا"..
٧ - أخرجه الترمذي في: ٤٤- كتاب التفسير، ٦- سورة الأنعام، ٣- حدثنا الحسن بن عرفة..
٨ - الأثر رقم ١٣٣٤٩ من التفسير..
٩ - أخرجه في المسند بالصفحة رقم ١٣٥ من الجزء الخامس (طبعة الحلبي)..

### الآية 6:66

> ﻿وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وَهُوَ الْحَقُّ ۚ قُلْ لَسْتُ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ [6:66]

\[ ٦٦ \]  وكذب به قومك وهو الحق قل لست عليكم بوكيل . 
وقوله تعالى : كذب به قومك  أي بالقرآن المجيد  وهو الحق  أي الكتاب الصادق في كل ما نطق به.  قل لست عليكم بوكيل  أي : لم يفوض إلي أمركم فأمنعكم من التكذيب، وأجبركم على التصديق. إنما أنا منذر، وقد بلغت. وبعضهم أرجع الضمير في ( به ) للعذاب. أي : كذب بالعذاب الموعود، قومك المعاندون، وهو الواقع لا محالة.

### الآية 6:67

> ﻿لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ ۚ وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ [6:67]

\[ ٦٧ \]  لكل نبإ مستقر وسوف تعلمون ( ٦٧ ) . 
 لكل نبإ مستقر  أي : لكل خبر عظيم وقت استقرار، لصدقه أو كذبه.  وسوف تعلمون  أي : مستقر هذا النبأ ومآله، وأن العاقبة له، كما قال تعالى : ولتعلمن نبأه بعد حين .

### الآية 6:68

> ﻿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّىٰ يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ ۚ وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَىٰ مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ [6:68]

\[ ٦٨ \]  وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا فأعرض عنهم حتى يخوضوا في حديث غيره وإما ينسينك الشيطان فلا تقعد بعد الذكرى مع القوم الظالمين ( ٦٨ ) . 
 وإذا رأيت الذين يخوضون  أي : بالطعن والاستهزاء،  في آياتنا  أي : المنسوبة إلى مقام عظمتنا، التي حقها أن تعظم بما يناسب عظمتنا. والموصول كناية عن مشركي مكة، فقد كان ديدنهم ذلك،  فأعرض عنهم  أي فلا تجالسهم، وقم عنهم،  حتى يخوضوا في حديث غيره  أي : حتى يأخذوا في كلام آخر، غير ما كانوا فيه من الخوض في آياتنا. / و  إما ينسينك الشيطان  بأن يشغلك فتنسى النهي عن مجالستهم،  فلا تقعد بعد الذكرى مع القوم الظالمين  أي : ينسينك الشيطان، فجلست معهم، فلا تؤاخذ به، لكن إذا ذكرت النهي، فلا تقعد معهم، لأنهم ظالمون بالطعن في الكلام المعجز، عنادا. 
وفي الحديث[(١)](#foonote-١) :" إن الله وضع عن أمتي الخطأ والنسيان، وما استكرهوا عليه " – رواه الطبراني عن ثوبان مرفوعا. وإسناده صحيح- وهذه الآية هي المشار إليها في قوله تعالى : وقد نزل عليكم في الكتاب أن إذا سمعتم آيات الله يكفر بها ويستهزأ بها فلا تقعدوا معهم حتى يخوضوا في حديث غيره إنكم إذا مثلهم...  [(٢)](#foonote-٢) الآية، لأن في حضور المنكر مع إمكان التباعد عنه، مشاركة لصاحبه. 
**فوائد :**
قال السيوطي في ( الإكليل ) : في هذه الآية وجوب اجتناب مجالس الملحدين، وأهل اللغو، ويستدل بها على أن الناسي غير مكلف، وأنه إذا ذكر عاد إليه التكليف، فيعفى عما ارتكبه في حال نسيانه. ويندرج تحت ذلك مسائل كثيرة في العبادات والتعليقات. انتهى. 
وقال الرازي : ومن الحشوية من استدل بهذه الآية في النهي عن الاستدلال والمناظرة في ذات الله تعالى وصفاته. قال : لأن ذلك خوض في آيات الله، والخوض في آيات الله حرام بدليل هذه الآية. 
والجواب عنه : أن المراد من الخوض في الآية، الشروع في الطعن والاستهزاء. فسقط هذا الاستدلال- والله أعلم-. 
 وقال بعض مفسري الزيدية، ثمرة الآية أحكام :
الأول- وجوب الإعراض عن مجالس المستهزئين بآيات الله أو بحججه أو برسله، وأن لا يقعد معهم، لأن في القعود إظهار عدم الكراهية، وذلك لأن التكليف عام لنا، ولرسول الله صلى الله عليه وسلم. وإنما يجب الإعراض، وترك الجلوس معهم، إذا لم يطمع في قبولهم، فإذا انقطع طمعه إذا، فلا فائدة في دعائهم. ويجب القيام عن مجالسهم إذا عرف أن قيامه يكون سببا في ترك الخوض، وأنهم إنما يفعلونه مغايظة للواقف، إذا كان وقوفه يوهم عدم الكارهة. 
الحكم الثاني- جواز مجالسة الكفار، مع عدم الخوض، لأنه إنما أمرنا بالإعراض مع الخوض. وأيضا فقد قال تعالى : حتى يخوضوا في حديث غيره  قال الحاكم : والآية تدل أيضا على المنع من مجالسة الظلمة والفسقة، إذا أظهروا المنكرات. وتدل على إباحة الدخول عليهم لغرض، كما يباح للتذكير. وفي الآية أيضا دلالة على وجوب الإنكار، لأن الإعراض إنكار. قال : وتدل على ان التقية من الأنبياء والأئمة بإظهارهم المنكر لا تجوز، خلاف الإمامية، وتدل على جواز النسيان على الأنبياء. 
الحكم الثالث- أن الناسي مرفوع عنه الحرج. فإن قيل : النسيان فعل الله، فلم أضيف إلى الشيطان ؟ أجيب : بأن السبب من الشيطان، وهو الوسوسة والإعراض عن الذكر، فأضيف إليه لذلك. كما أن من ألقى غيره في النار فمات، يقال : إنه القاتل، وإن كان الإحراق فعل الله. واختلف في النسيان ما هو ؟ فقال الحاكم : هو : معنى يحدثه الله في القلب. وقال أبو هاشم وأصحابه : ليس بمعنى، وإنما هو زوال العلم الضروري الذي جرت العادة بحصوله. انتهى.

١ - أخرجه ابن ماجة في: ١١- كتاب الطلاق، ١٦- باب طلاق المكره والناسي، حديث رقم ٢٠٤٥ (طبعتنا) عن ابن عباس..
٢ - \[٤/ النساء/ ١٤٠\] ... إن الله جامع المنافقين والكافرين في جهنم جميعا (١٤٠)..

### الآية 6:69

> ﻿وَمَا عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَلَٰكِنْ ذِكْرَىٰ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ [6:69]

\[ ٦٩ \]  وما على الذين يتقون من حسابهم من شيء ولكن ذكرى لعلهم يتقون ( ٦٩ ) . 
 وما على الذين يتقون من حسابهم من شيء  أي : وما يلزم المتقين الذين يجالسونهم شيء عما يحاسبون عليه في خوضهم،  ولكن ذكرى  أي : ولكن أمروا بالإعراض عنهم، ليكون ذكرى لضعفاء المسلمين، لئلا يقع شيء من مطاعن المستهزئين في قلوبهم.  لعلهم يتقون  أي : يبلغ مبالغ التوقي من شبهتهم، بالجلوس مع علمائه بدلهم. 
تنبيهان
الأول- ما ذكرناه في معنى الآية، هو ما قرره المهايمي رحمه الله تعالى. وقيل : المعنى ولكن على المتقين أن يذكروهم ذكرى إذا سمعوهم يخوضون، بالقيام عنهم، وإظهار الكراهة لهم وموعظتهم، لعلهم يتقون الخوض حياء أو كراهة لمساءتهم، فلا يعودون إليه. وجوزوا أن يكون الضمير  للذين يتقون ، أي : يذكرونهم رجاء أن يثبتوا على تقواهم، أو يزدادوها. انتهى. 
وما ذكرناه أسد وأوجه. 
وروى ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير، قال في الآية :" أي ما عليك أن يخوضوا في آيات الله إذا فعلت ذلك ". أي : إذا تجنبتهم، وأعرضت عنهم. وعليه فالموصول كناية عن النبي صلى الله عليه وسلم. التفت به تعظيما وتكريما. 
الثاني- قال السيوطي في ( الإكليل ) : قد يستدل بقوله تعالى : وما على الذين يتقون...  الخ على أن من جالس أهل المنكر، وهو غير راض بفعلهم، فلا إثم عليه. لكن آية النساء تدل على أنه آثم، ما لم يفارقهم، لأنه قال : إنكم إذا مثلهم [(١)](#foonote-١) أي :/ إن قعدتم فأنتم مثلهم في الإثم، وهي متأخرة. فيحتمل أن تكون ناسخة لهذه، كما ذهب إليه قوم منهم السدي. ١ه. 
أقول : المنفي في الآية هو لحوق شيء من وبال الخائضين، وإثم كفرهم لمجالسيهم المتقين، فلا ينافي ذلك لحوق وبال المجالسة على انفرادها، وهو ما أفادته آية النساء. فالمثلية إذن في مطلق الإثم، وإن تباين ( ما صدقه ) فيهما، إذ لا قائل بأن مطلق مجالستهم ردة وكفر. نعم ! لو قيل بأن المثلية محمولة على ما إذا حصل الرضا بشأن مجالستهم، فلا إشكال إذن. وبالجملة فاستدلال ( الإكليل ) واه، ولذا عبر ب ( قد )، ودعوى النسخ أوهى. فتأمل !.

١ - \[٤/ النساء/ ١٤٠\] ونصها: وقد نزل عليكم في الكتاب أن إذا سمعتم آيات الله يكفر بها ويستهزأ بها فلا تقعدوا معهم حتى يخوضوا في حديث غير إنكم إذا مثلهم إن الله جامع المنافقين والكافرين في جهنم جميعا (١٤٠)..

### الآية 6:70

> ﻿وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِبًا وَلَهْوًا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا ۚ وَذَكِّرْ بِهِ أَنْ تُبْسَلَ نَفْسٌ بِمَا كَسَبَتْ لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ وَإِنْ تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لَا يُؤْخَذْ مِنْهَا ۗ أُولَٰئِكَ الَّذِينَ أُبْسِلُوا بِمَا كَسَبُوا ۖ لَهُمْ شَرَابٌ مِنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ [6:70]

\[ ٧٠ \]  وذر الذين اتخذوا دينهم لعبا ولهوا وغرتهم الحياة الدنيا وذكر به أن تبسل نفس بما كسبت ليس لها من دون الله ولي ولا شفيع وإن تعدل كل عدل لا يؤخذ منها أولئك الذين أبسلوا بما كسبوا لهم شراب من حميم وعذاب أليم بما كانوا يكفرون ( ٧٠ ) . 
 وذر الذين اتخذوا دينهم  أي : الذي كلفوه ودعوا إليه، وهو دين الإسلام،  لعبا ولهوا  حيث سخروا به واستهزؤوا  وغرتهم الحياة الدنيا  حيث اطمأنوا بها، وزعموا أن لا حياة بعدها أبدا، وأن السعادة في لذاتها. أي : أعرض عنهم، ودعهم، ولا تبال بتكذيبهم، وأمهلهم قليلا، فإنهم صائرون إلى عذاب عظيم.  وذكر به  أي : ذكر الناس بهذا القرآن  أن تبسل نفس بما كسبت  أي : مخافة أن تسلم إلى الهلاك، وترتهن بسوء كسبها، وغرورها بإنكار الآخرة. يقال : أبسله لكذا : عرضه ورهنه، / أو أسلمه للهلكة.  ليس لها من دون الله ولي  ينصرها بالقوة  ولا شفيع  يدفع عنها بالمسألة. 
 وإن تعدل كل عدل لا يؤخذ منها  أي : وإن تفد كل نوع من أنواع الفداء، بما يقابل العذاب، لا يقبل منها، لبعدهم عن مقام الفداء. والعدل : الفدية، لأن الفادي يعدل المفدي بمثله. 
 أولئك  إشارة إلى المتخذين دينهم لعبا ولهوا  الذين أبسلوا  أي : سلموا للهلاك، بحيث يعارضه شيء،  بما كسبوا  بهذا الاغترار من إنكار الآخرة معها، والانهماك في الشهوات المحرمة  لهم شراب من حميم  أي : ماء مغلي يتجرجر في بطونهم، وتتقطع به أمعاؤهم،  وعذاب أليم  أي : بنار تشتعل بأبدانهم،  بما كانوا يكفرون  أي : بسبب كفرهم.

### الآية 6:71

> ﻿قُلْ أَنَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُنَا وَلَا يَضُرُّنَا وَنُرَدُّ عَلَىٰ أَعْقَابِنَا بَعْدَ إِذْ هَدَانَا اللَّهُ كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ فِي الْأَرْضِ حَيْرَانَ لَهُ أَصْحَابٌ يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى ائْتِنَا ۗ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَىٰ ۖ وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ [6:71]

\[ ٧١ \]  قل أندعوا من دون الله ما لا ينفعنا ولا يضرنا ونرد على أعقابنا بعد إذ هدانا الله كالذي استهوته الشياطين في الأرض حيران له أصحاب يدعونه إلى الهدى ائتنا قل إن هدى الله هو الهدى وأمرنا لنسلم لرب العالمين ( ٧١ ) . 
 قل أندعوا من دون الله ما لا ينفعنا ولا يضرنا  أي : أنعبد من دونه ما لا يقدر على نفعنا، إن دعوناه، ولا ضرنا إن تركناه،  ونرد على أعقابنا  عطف على ( ندعو )، داخل في حكم الإنكار والنفي. أي : ونرد إلى الشرك. والتعبير عنه بالرد على الأعقاب- لزيادة تقبيحه بتصويره بصورة ما هو علم في القبح، مع ما فيه من الإشارة إلى كون الشرك حالة قد تركت ونبذت وراء الظهر- أفاده أبو السعود-. 
 بعد إذ هدانا الله  أي : للإسلام والتوحيد، وأنقذنا من عبادة الأصنام، فنصير / كالمستمر على الضلال، بل  كالذي استهوته الشياطين  أي : استمالته عن الطريق الواضح مردة الجن،  في الأرض  القفر المهلكة،  حيران  أي : تائها ضالا عن الجادة، لا يدري كيف يصنع  له  أي : لهذا المستهوى  أصحاب  أي : رفقة  يدعونه إلى الهدى  أي : إلى الطريق المستقيم،  ائتنا  على إرادة القول، أي : يقولون ائتنا. أي : وقد اعتسف المهمه، تابعا للشياطين، لا يجيبهم ولا يأتيهم. فشبه حال من خلص من الشرك، ثم عاد له، بحال من ذهبت به المردة في مهمه بعد ما كان على الجادة، ولا يدري مقصده الذي هو سائر إليه، مع وجود رفقة تناديه لتهديه، وهو لا يسمع لهم. 
 قل إن هدى الله  أي : الذي أرسل به رسله،  هو الهدى  أي : وما وراءه ضلال وغي،  وأمرنا لنسلم لرب العالمين .

### الآية 6:72

> ﻿وَأَنْ أَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَاتَّقُوهُ ۚ وَهُوَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ [6:72]

\[ ٧٢ \]  وأن أقيموا الصلاة واتقوه وهو الذي إليه تحشرون ( ٧٢ ) . 
 وأن أقيموا الصلاة واتقوه  أي : في مخالفة أمره.  وأن أقيموا  عطف على  لنسلم . ومعناه : أن نسلم. فاللام فيه رديفة ( أن )، أو عطف عليه ؛ واللام تعليلية، أي : للإسلام، ولإقامة الصلاة. وفي ورود  أقيموا الصلاة  محكيا بصيغته، وورود  نسلم  محكيا بمعناه، احتمال أن يكون صلى الله عليه وسلم حكى قول الله بمعناه، دون لفظه. انظر ( الانتصاف ). 
**تنبيه :**
في تخصيص الصلاة بالذكر من بين أنواع الشرائع، وعطفها على الأمر بالإسلام، وقرنها بالأمر بالتقوى- دليل على تفخيم أمرها، وعظم شأنها- ذكره بعض الزيدية-. 
 وهو الذي إليه تحشرون .

### الآية 6:73

> ﻿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ ۖ وَيَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ ۚ قَوْلُهُ الْحَقُّ ۚ وَلَهُ الْمُلْكُ يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ ۚ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ ۚ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ [6:73]

\[ ٧٣ \]  وهو الذي خلق السماوات والأرض بالحق ويوم يقول كن فيكون قوله الحق وله الملك يوم ينفخ في الصور عالم الغيب والشهادة وهو الحكيم الخبير . 
 وهو الذي خلق السماوات والأرض بالحق  أي : بالحكمة، كقوله : وما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما باطلا [(١)](#foonote-١). 
وقوله تعالى : ويوم يقول كن فيكون قوله الحق  بيان لقدرته تعالى على حشرهم، بكون مراده لا يتخلف عن أمره، وأن قوله وأمره هو النافذ والواقع. والمراد ب ( القول ) كلمة ( كن ) تحقيقا أو تمثيلا. ف  قوله الحق  مبتدأ وخبر. و  يوم  ظرف لمضمون هذه الجملة. كقوله تعالى : إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون [(٢)](#foonote-٢) وكأن قوله تعالى : وهو الذي خلق السماوات  الخ عقب قوله : وهو الذي إليه تحشرون  سيق للاحتجاج على قدرته تعالى على البعث، ردا على منكري ذلك من المشركين، الذين السياق فيهم. وما أشبه الآية بقوله تعالى : أو ليس الذي خلق السماوات والأرض بقادر على أن يخلق مثلهم، بلى وهو الخلاق العليم، إنما أمره إذا أراد شيئا...  [(٣)](#foonote-٣) الآية. 
ولا يخفى أن باستحضار النظائر القرآنية، تنجلي الحقائق. وقد توسع المفسرون هنا في إعراب هذه الجملة، بسرد وجوه ضاع الظاهر بينها- وقد علمته، فاحرص عليه-. 
  وله الملك يوم ينفخ في الصور  أي : فلابد أن يفعل بالمطيع والعاصي فعل الملوك، لمن يطيعهم أو يعصيهم. ف  يوم  ظرف لقوله : وله الملك  - قاله أبو السعود- وتقييد اختصاص الملك به تعالى، بذلك اليوم، مع عموم الاختصاص لجميع الأوقات، لغاية ظهور ذلك، بانقطاع العلائق المجازية الكائنة في الدنيا، المصححة للمالكية المجازية في الجملة، كقوله تعالى : لمن الملك اليوم، لله الواحد القهار [(٤)](#foonote-٤). وقوله : الملك يومئذ الحق للرحمن [(٥)](#foonote-٥). 
وقد زعم بعضهم أن المراد ب  الصور  هنا جمع صورة، أي : يوم ينفخ فيها، فتحيى. قال ابن كثير : والصحيح أن المراد ب  الصور  القرن الذي ينفخ فيه إسرافيل عليه السلام، وهكذا قال ابن جرير[(٦)](#foonote-٦) : الصواب عندنا ما تظاهرت به الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال[(٧)](#foonote-٧) :" إن إسرافيل قد التقم الصور، وحنى جبهته ينتظر متى يؤمر فينفخ ". 
وروى الإمام أحمد[(٨)](#foonote-٨) عن عبد الله بن عمرو قال :" إن أعرابيا سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن الصور ؟ / فقال : قرن ينفخ فيه ". ورواه أبو داود والترمذي والحاكم، عنه أيضا. 
 عالم الغيب والشهادة  أي هو عالمهما،  وهو الحكيم الخبير  ذو الحكمة في سائر أفعاله. والعلم بالأمور الجلية والخفية.

١ - \[٣٨/ ص/ ٢٧\] ... ذلك ظن الذين كفرا فويل للذين كفروا من النار (٢٧)..
٢ - \[٣٦/ يس/ ٨١ و٨٢\]..
٣ - \[٣٦/ يس/ ٨١ و٨٢\]..
٤ - \[٤٠/ غافر/ ١٦\] ونصها: يوم هم بارزون لا يخفى على الله منهم شيء لمن الملك اليوم لله الواحد القهار (١٦)..
٥ - \[٢٥/ الفرقان/ ٢٦\] ... وكان يوما على الكافرين عسيرا(٢٦)..
٦ - تفسير ابن جرير بالصفحة رقم ٤٦٣ من الجزء الحادي عشر (طبعة المعارف)..
٧ - أخرجه الإمام أحمد في مسنده بالصفحة رقم ٧٣ من الجزء الثالث (طبعة الحلبي). ونصه: عن أبي سعيد الخدري ان النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول: "كيف أنعم؟ وصاحب الصور قد التقم الصور، وحنى جبهته وأصغى سمعه، ينتظر متى يؤمر"..
٨ - تفسير ابن جرير بالصفحة رقم ٤٦٣ من الجزء الحادي عشر (طبعة المعارف)..

### الآية 6:74

> ﻿۞ وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا آلِهَةً ۖ إِنِّي أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ [6:74]

ثم أمر تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم أن يذكر لمن اتخذ دينه هزوا ولعبا إنكارا إبراهيم عليه الصلاة والسلام- الذي يزعمون أنهم على دينه، ويفتخرون به- على أبيه في شركه بقوله سبحانه :
\[ ٧٤ \]  وإذ قال إبراهيم لأبيه أزار أتتخذ أصناما  أي : صورا مصنوعة،  آلهة إني أراك وقومك في ضلال مبين  ؛ باعتقاد إلهيتها، أو اتصافها بصفاته، أو استحقاقها للعبادة، لأن الإلهية بوجوب الوجود بالذات. وهي ممكنة مصنوعة وأنى لها الاتصاف بصفاته، وهي عاجزة عن النفع والضر، خالية عن الحياة والسمع والبصر، والعبادة غاية التذلل، فلا يستحقها من لا يخلو عن هذه الوجوه من الذلة، وإنما يستحقها من كان في غاية العلو- أفاده المهايمي-. 
**تنبيهات :**
الأول- قرئ  آزر  بالنصب، عطف بيان، لقوله :( لأبيه ) وبالضم على النداء. 
الثاني- الآية حجة على الشيعة في زعمهم أنه لم يكن أحد من آباء الأنبياء كافرا، وأن آزر عم إبراهيم، لا أبوه، على ما بسطه الرازي هنا، وذلك لأن الأصل في الإطلاق الحقيقة، مثله لا يجزم به من غير نقل. 
 الثالث- قال بعض مفسري الزيدية : في الآية دلالة على بطلان قول الإمامية : إن الإمام لا يجوز أن يكون أبوه كافرا. لأنه إذا جاز نبي، أبوه وزوجته كافران، فالإمام أولى. 
اشتمل كلام إبراهيم عليه الصلاة والسلام على ذكر الحجة العقلية إجمالا على فساد قول عبدة الأصنام، بإنكاره اتخاذها آلهة، وهي ما هي في عجزها. وقد جاءت مفصلة في سورة مريم في قوله تعالى : واذكر في الكتاب إبراهيم، إنه كان صديقا نبيا، إذ قال لأبيه يا أبت لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغني عنك شيئا، يا أبت إني قد جاءني من العلم ما لم يأتك فاتبعني أهدك صراطا سويا، يا أبت لا تعبد الشيطان، إن الشيطان كان للرحمن عصيا، يا أبت إني أخاف أن يمسك عذاب من الرحمن فتكون للشيطان وليا، قال أراغب أنت عن آلهتي يا إبراهيم، لئن لم تنته لأرجمنك، واهجرني مليا...  [(١)](#foonote-١) الآيات. 
قال ابن كثير : ثبت في " الصحيح " [(٢)](#foonote-٢) عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال :" يلقى إبراهيم أباه آزر يوم القيامة وعلى وجه آزر قترة وغبرة. فيقول له إبراهيم : ألم أقل لك لا تعصني ؟ فيقول أبوه : فاليوم لا أعصيك، فيقول إبراهيم : يا رب ! إنك وعدتني أن لا تخزني يوم يبعثون، فأي خزي أخزى من أبي الأبعد ؟ فيقول الله تعالى : إني حرمت الجنة على الكافرين. ثم يقال : يا إبراهيم ! انظر ما تحت رجليك، فينظر فإذا هو بذيخ متلطخ، فيؤخذ بقوائمه فيلقى في النار ". 
الرابع- قال بعض مفسري الزيدية : ثمرة الآية الدلالة على وجوب النصيحة في الدين، لا سيما للأقارب، فإن من كان أقرب، فهو أهم. ولهذا قال تعالى : وأنذر عشيرتك/ الأقربين [(٣)](#foonote-٣)، وقال تعالى : قوا أنفسكم وأهليكم نارا [(٤)](#foonote-٤). وقال صلى الله علي وسلم[(٥)](#foonote-٥) :" إبدأ بنفسك ثم بمن تعول ". ولهذا بدأ صلى الله عليه وسلم بعلي وخديجة وزيد، وكانوا معه في الدار، فآمنوا وسبقوا، ثم بسائر قريش، ثم بالعرب، ثم بالموالي. وبدأ إبراهيم بأبيه، ثم بقومه. وتدل هذه الآية على أن النصيحة في الدين والذم والتوبيخ لأجله. ليس من العقوق، كالهجرة – هكذا في " التهذيب " انتهى.

١ - \[١٩/ مريم/ ٤١-٤٦\]..
٢ - أخرجه البخاري في: ٦٠- كتاب الأنبياء، ٨- باب قول الله تعالى: واتخذ الله إبراهيم خليلا، حديث رقم ١٥٨٦..
٣ - \[٢٦/ الشعراء/ ٢١٤\]..
٤ - \[٦٦/ التحريم/ ٦\] ونصها: يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم نارا وقودها الناس والحجارة عليها ملائكة غلاظ شداد لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون (٦)..
٥ - هذا الحديث (ابدأ بنفسك ثم بمن تعول) ملفق من حديثين:
 الأول (ابدأ بنفسك ثم تصدق عليها) أخرجه مسلم في؛ ١٢- كتاب الزكاة، حديث ٤١ (طبعتنا) ونصه:
 عن جابر قال: أعتق رجل من بني عذرة عبدا له عن دبر، بلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "ألك مال غيره"؟ فقال: لا. فقال: "من يشتريه مني"؟ فاشتراه نعيم بن عبد الله العدوي بثمانمائة درهم. فجاء بها رسول الله صلى الله عليه وسلم. فدفعها إليه، ثم قال: "ابدأ بنفسك فتصدق عليها. فإن فضل شيء فلأهلك. فإن فضل عن أهلك شيء فلذي قرابتك. فإن فضل عن ذي قرابتك شيء فهكذا وهكذا".
 يقول: فبين يديك وعن يمينك وعن شمالك.
 والحديث الثاني (ابدأ بمن تعول) وأخرجه البخاري في: ٢٤- كتاب الزكاة، ١٨- باب لا صدقة إلا عن ظهر غنى، حديث ٧٦٣ ونصه:
 عن حكيم بن حزام رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "اليد العليا خير من اليد السفلى، وابدأ بمن تعول. وخير الصدقة عن ظهر غنى. ومن يستعفف يعفه الله ومن يستغن يغنه الله"..

### الآية 6:75

> ﻿وَكَذَٰلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ [6:75]

\[ ٧٥ \]  وكذلك نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض وليكون من الموقنين ( ٧٥ ) 
 وكذلك نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض  أي : نطلعه على حقائقهما، ونبصره في دلالتهما على شؤونه عز وجل، من حيث إنهما بما فيهما، مربوبان ومملوكان، له تعالى. و ( الملكوت ) مصدر على زنة المبالغة، كالرهبوت والجبروت، ومعناه : الملك العظيم، والسلطان القاهر. وقيل : ملكوتهما عجائبهما وبدائعهما. وقد أسلفنا الكلام في ( وكذلك ) قريبا عند قوله تعالى : وكذلك فتنا [(١)](#foonote-١) وأن مختار الزمخشري كونه إشارة إلى مصدر ما بعده، والكاف مقحمة، والتقدير : تلك الإراءة والتبصير البديع، نريه ونبصره. فجدد به عهدا. 
 وليكون من الموقنين  عطف على علة محذوفة لم تقصد بعينها، إشعارا بأن لتلك الإراءة فوائد جمة من جملتها ما ذكر. 
قال المهايمي في الآية : وكذلك نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض  ليعلم أن شيئا من روحانيات الأفلاك والكواكب والمشايخ والشياطين لا يصلح للإلهية.  وليكون من الموقنين  بالتوحيد بالاستدلال بالأدلة الكثيرة. وقيل : وليكون  علة لمقدر هو عبارة عن المذكور. أي : وليكون من الموقنين بالتوحيد. فعلنا ما فعلنا من الإراءة والتبصير بآيات السماوات والأرض. 
لطائف
الأولى- قال الرازي : وههنا دقيقة عقلية، وهي أن نور جلال الله تعالى لائح غير/ منقطع ولا زائل البتة، والأرواح البشرية، لا تصير محرومة عن تلك الأنوار إلا لأجل حجاب، وذلك الحجاب ليس إلا الاشتغال بغير الله تعالى. فإذا كان الأمر كذلك، فبقدر ما يزول ذلك الحجاب، يحصل هذا التجلي. فقول إبراهيم عليه الصلاة والسلام : أتتخذ أصناما آلهة ) إشارة إلى تقبيح الاشتغال بعبادة غير الله تعالى، لأن كل ما سوى الله فهو حجاب عن الله تعالى، فلما زال ذلك الحجاب، لا جرم تجلى له ملكوت السماوات بالتمام. فقوله :{ وكذلك نري إبراهيم ملكوت السماوات  معناه : وبعد زوال الاشتغال بغير الله حصل له نور تجلى جلال الله تعالى، فكان قوله : وكذلك  منشأ لهذه الفائدة الشريفة الروحانية. 
الثانية- قال الرازي : اليقين عبارة عن علم يحصل بعد زوال الشبهة بسبب التأمل. ولهذا المعنى لا يوصف علم الله تعالى بكونه يقينا، لأن علمه غير مسبوق بالشبهة، وغير مستفاد من الفكر والتأمل. واعلم أن الإنسان في أول ما يستدل به، فإنه لا ينفك قلبه عن شك وشبهة من بعض الوجوه، فإذا كثرت الدلائل وتوافقت وتطابقت، صارت سببا لحصول اليقين. وذلك لوجوه :
الأول- أنه يحصل لكل واحد من تلك الدلائل نوع تأثر وقوة، فلا تزال القوة تتزايد حتى تنتهي إلى الجزم. 
الثاني- أن كثرة الأفعال سبب لحصول الملكة. فكثرة الاستدلال بالدلائل المختلفة على المدلول الواحد، جار مجرى تكرار الدرس الواحد. فكما أن كثرة التكرار يفيد الحفظ المتأكد الذي لا يزول عن القلب، فكذا ههنا. 
الثالث- أن القلب عند الاستدلال كان مظلما جدا، فإذا حصل فيه الاعتقاد المستفاد من الدليل الأول، امتزج نور ذلك الاستدلال بظلمة سائر الصفات الحاصلة في القلب، فحصل فيه حالة شبيهة بالحالة الممتزجة من النور والظلمة، فإذا حصل الاستدلال الثاني امتزج نوره بالحالة الأولى، فيصير الإشراق واللمعان أتم. وكما أن الشمس إذا قربت من المشرق ظهر / نورها في أول الأمر، وهو الصبح. فكذلك الاستدلال الأول يكون كالصبح. ثم، كما أن الصبح لا يزال يتزايد بسبب تزايد قرب الشمس من سمت الرأس، فإذا وصلت إلى سمت الرأس حصل النور التام، فكذلك العبد كلما كان تدبره في مراتب مخلوقات الله تعالى أكثر، كان شروق نور المعرفة والتوحيد أجلى. إلا أن الفرق بين شمس العلم، وشمس العالم، أن شمس العالم الجسماني لها في الاتقاء والتصاعد حد معين، لا يمكن أن يزاد عليه في الصعود. وأما شمس المعرفة والعقل والتوحيد، فلا نهاية لتصاعدها، ولا غاية لازديادها. فقوله : وكذلك نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض  إشارة إلى مراتب الدلائل والبينات. وقوله : وليكون من الموقنين  إشارة إلى درجات أنوار التجلي، وشروق شمس المعرفة والتوحيد. انتهى. 
الثالثة- ذكر تعالى الإراءة في هذه الآية مجملة، ثم فصلها بقوله :\[ ٧٦ \]  فلما جن عليه الليل رأى كوكبا قال هذا ربي فلما أفل قال لا أحب الآفلين ( ٧٦ ) .

١ - \[٦/ الأنعام/ ٥٣\] ونصها: وكذلك فتنا بعضهم ببعض ليقولوا أهؤلاء من الله عليهم من بيننا أليس الله بأعلم بالشاكرين (٥٣)..

### الآية 6:76

> ﻿فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَىٰ كَوْكَبًا ۖ قَالَ هَٰذَا رَبِّي ۖ فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ [6:76]

\[ ٧٦ \]  فلما جن عليه الليل رأى كوكبا قال هذا ربي فلما أفل قال لا أحب الآفلين ( ٧٦ ) . 
 فلما جن عليه الليل رأى كوكبا قال هذا ربي  قال المهايمي : لما رأى- يعني إبراهيم عليه الصلاة والسلام- الملكوت، وأيقن أن شيئا منها لا يصلح للإلهية، أراد الرد على قومه في اعتقاد إلهيتها لخستها، باعتبار افتقارها في أفعالها إلى أجسام لها دناءة الأفول، وإن كانت علوية، وكذا في اعتقاد إلهية تلك الأجسام. كما رد عليهم في اعتقاد إلهية الأصنام، فلتظهر ظهور الكواكب التي كانوا يعبدونها. انتهى. 
وبالجملة، فالآية بيان لكيفية استدلاله عليه الصلاة والسلام، ووصوله إلى رتبة الإيقان. 
ومعنى  جن عليه الليل  ستره بظلامه. و ( الكوكب ) قيل : الزهرة، وقيل : المشتري. 
 أقول :( الكوكب ) لغة : النجم. قال الزبيدي في ( شرح القاموس ) : وكونه علما بالغلبة على الزهرة غير معتد به، وإنما هي الكوكبه بالهاء. انتهى. 
قال الزمخشري : كان أبوه وقومه يعبدون الأصنام والشمس والقمر والكواكب، فأراد أن ينبههم على الخطأ في دينهم، وأن يرشدهم إلى طريق النظر والاستدلال، ويعرفهم أن النظر الصحيح مؤد إلى أن شيئا منها لا يصح أن يكون إلها، لقيام دليل الحدوث فيها، وأن وراءها محدثا أحدثها، وصانعا صنعها، ومدبرا دبر طلوعها وأفولها وانتقالها ومسيرها وسائر أحوالها. وقول إبراهيم لقومه : هذا ربي  إرخاء للعنان معهم بإظهار موافقته لهم أولا، ثم إبطال قولهم بالاستدلال، لأنه أقرب لرجوع الخصم. 
قال الزمخشري : قول إبراهيم ذلك، هو قول من ينصف خصمه، مع علمه بأنه مبطل. يحكي قوله كما هو غير متعصب لمذهبه، لأن ذلك أدعى إلى الحق، وأنجى من الشغب. ثم يكر عليه بعد حكايته، فيبطله بالحجة. 
 فلما أفل  أي : غاب،  قال لا أحب الآفلين  أي : لا أحب عبادة من كان كذلك، فإن الأفول دناءة تنافي الإلهية، بل تمنع من الميل إلى صاحبها، فضلا عن اتخاذه إلها أو معبودا، فضلا عما يفتقر إليه.

### الآية 6:77

> ﻿فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَٰذَا رَبِّي ۖ فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ [6:77]

\[ ٧٧ \]  فلما رأى القمر بازغا قال هذا ربي فلما أفل قال لئن لم يهدني ربي لأكونن من القوم الضالين ( ٧٧ ) . 
 فلما رأى القمر بازغا  أي : طالعا منتشر الضوء  قال هذا ربي  على الأسلوب المتقدم  فلما أفل قال لئن لم يهدني ربي لأكونن من القوم الضالين  فإن ما رأيته لا يليق بالإلهية لدناءته بمحوره. 
 قال الزمخشري : وفيه تنبيه لقومه على أن من اتخذ القمر إلها، وهو نظير الكواكب في الأفول، فهو ضال. وأن الهداية إلى الحق بتوفيق الله تعالى ولطفه. 
وفي ( الانتصاف ) : التعريض بضلالهم ثانيا أصرح وأقوى من قوله أولا  لا أحب الآفلين  وإنما ترقى إلى ذلك، لأن الخصوم قد أقامت عليه، بالاستدلال الأول، حجة فأنسوا بالقدح في معتقدهم، ولو قيل هذا في الأول فلعلهم كانوا ينفرون، ولا يصغون إلى الإستدلال. فما عرض صلوات الله عليه بأنهم في ضلالة، إلا بعد أن وثق بإصغائهم إلى تمام المقصود، واستماعهم إلى آخره. والدليل على ذلك أنه ترقى في النوبة الثالثة إلى التصريح بالبراءة منهم، والتقريع بأنهم على شرك حين تم قيام الحجة، وتبلج الحق، وبلغ من الظهور غاية المقصود. كما قال تعالى : فلما رأى الشمس بازغة قال هذا ربي هذا أكبر فلما أفلت قال يا قوم إني بريء مما تشركون ( ٧٨ ) .

### الآية 6:78

> ﻿فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَٰذَا رَبِّي هَٰذَا أَكْبَرُ ۖ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ [6:78]

\[ ٧٨ \]  فلما رأى الشمس بازغة قال هذا ربي هذا أكبر فلما أفلت قال يا قوم إني بريء مما تشركون ( ٧٨ ) . 
 فلما رأى الشمس بازغة قال هذا ربي  على نحو ما تقدم، وتذكير اسم الإشارة لتذكير الخبر، أو لأنه أراد : هذا الطالع، أو الذي أراه، أو لصيانة الرب عن شبهة التأنيث، ليستدرجهم. إذ لو حقر بوجه ما كان سببا لعدم إصغائهم- وعلى الأخير اقتصر المهايمي ؛ فقال : لم يؤنثه لئلا يعارض عظمته نقص الأنوثة، ولو غير حقيقية، وهي وإن كانت في الواقع لم يأت بها لفظا، لأنه قصد بذلك مساعدة الخصم أولا. 
وقوله تعالى : هذا أكبر  أي : أكبر الكواكب جرما، وأعظمها قوة، فهو أولى بالإلهية. وفيه تأكيد لما رامه عليه الصلاة والسلام من إظهار النصفة، مع إشارة خفية إلى فساد دينهم من جهة أخرى، ببيان أن الأكبر أحق بالربوبية من الأصغر. 
  فلما أفلت قال  صادعا بالحق : يا قوم إني بريء مما تشركون  أي من الأجرام المحدثة المتغيرة من حالة إلى أخرى، أو من إشراككم.

### الآية 6:79

> ﻿إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا ۖ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ [6:79]

إني وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفا وما أنا من المشركين ( ٧٩ ) . 
 إني وجهت وجهي  أي : وجه قلبي وروحي في المحبة والمعادلة، بل جعلته مسلما  للذي فطر السماوات والأرض حنيفا  أي : مائلا عن الأديان الباطلة، والعقائد الزائغة،  وما أنا من المشركين . 
**وفي هذا المقام :**
مباحث
الأول- توسع المفسرون هنا في قوله : هذا ربي  :
فمن قائل بأن المتكلم بهذا آزر، وأنه لما قال ذلك، قال إبراهيم  لا أحب الآفلين . 
وقيل : إنه إبراهيم، وكان ذلك في حال الطفولية، قبل استحكام النظر في معرفة الله تعالى لقوله : لئن لم يهدني ربي...  الخ. 
وقيل : بعد بلوغه وتكريمه بالرسالة، إلا أنه أراد الاستفهام الإنكاري، توبيخا لقومه، فحذف الهمزة، ومثله كثير. 
وقيل : على إضمار القول أي : يقولون هذا ربي، وإضمار القول كثير. 
وقيل : المعنى في زعمكم واعتقادكم. 
وقيل : الإخبار على سبيل الاستهزاء... إلى أقوال أخر. 
والقصد في ذلك تنزيه مقامه عليه الصلاة والسلام عن الشك والحيرة، واعتقاد ربوبية ذلك، لمنافاته للعصمة. 
 وأقول : هذا مسلم بلا ريب، ولكن الأوجه من جميع ذلك كله ما أسلفناه أولا من أن قوله : هذا ربي  من باب استعمال النصفة مع الخصوم، على سبيل الوضع، وهو سوق مقدمة في الدليل لا يعتقدها، لكونها مسلمة عند غيره، لأجل إلزامه بها. وهو مصطلح أهل الجدل. وقد اقتصر الزمخشري على هذا الوجه الفريد. 
قال الناصر في ( الانتصاف ) : وذلك متعين. وقد ورد في الحديث الوارد في الشفاعة[(١)](#foonote-١) " أنهم يأتون إبراهيم عليه الصلاة والسلام، فيلتمسون منه الشفاعة، فيقول : نفسي ! نفسي ! ويذكر كذباته الثلاث، ويقول : لست لها، يريد قوله لسارة هي أختي، وإنما عنى : في الإسلام. وقوله : إنه سقيم، وإنما عنى همه بقومه وبشركهم والمؤمن يسقمه ذلك- وقوله : بل فعله كبيرهم  "، وقد ذكرت فيه وجوه من التعريض. فإذا عد صلوات الله عليه وسلامه على نفسه هذه الكلمات، مع العلم بأنه غير مؤاخذ بها، دل ذلك على أنها أعظم ما صدر منه. فلو كان الأمر على ما يقال، من أن هذا الكلام محكي عنه على أنه نظره لنفسه، لكان أولى أن يعده، وأعظم، مما ذكرناه. لأنه حينئذ يكون شكا، بل جزما. على أن الصحيح أن الأنبياء قبل النبوة معصومون من ذلك. انتهى. 
وقال الحافظ ابن كثير : اختلف المفسرون في هذا المقام، هل هو مقام نظر أو مناظرة ؟ فروى ابن جرير[(٢)](#foonote-٢) من طريق علي بن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس ما يقتضي أنه مقام نظر. واختاره ابن جرير مستدلا عليه بقوله : لئن لم يهدني ربي  الآية. وقال محمد بن إسحاق : قال ذلك حين خرج من السرب الذي ولدته فيه أمه، حين تخوفت عليه من نمرود بن كنعان، / لما كان قد أخبر بوجود مولود يكون ذهاب ملكه على يديه، فأمر بقتل الغلمان عامئذ. فلما حملت أم إبراهيم به. وحان وضعها، ذهبت إلى سرب، ظاهر البلدة. فولدت فيه إبراهيم، وتركته هناك. وذكر أشياء من خوارق العادات، كما ذكرها غيره من المفسرين. 
ثم قال ابن كثير : والحق أن إبراهيم عليه الصلاة والسلام كان في هذا المقام مناظرا لقومه، مبينا لهم بطلان ما كانوا عليه من عبادة الهياكل والأصنام، فبين، في المقام الأول مع أبيه، خطأهم في عبادة الأصنام الأرضية، التي هي على صورة الملائكة السماوية ليشفعوا لهم إلى الخالق العظيم الذي هم عند أنفسهم أحقر من أن يعبدوه، وإنما يتوسلون إليه بعبادة ملائكته، ليشفعوا لهم عنده في الرزق، وغير ذلك مما يحتاجون إليه. بين في هذا المقام خطأهم وضلالهم في عبادة الهياكل، وهي الكواكب السيارة السبعة. وأشدهن إضاءة وأشرفهن عندهم، الشمس ثم القمر ثم الزهرة. فبين أولا صلوات الله وسلامه عليه أن هذه الزهرة لا تصلح للإلهية، فإنها مسخرة مقدرة بسير معين، لا تزيغ عنه، ولا تملك لنفسها تصرفا، بل هي جرم من الأجرام، خلقها الله منيرة، لما له في ذلك من الحكم العظيمة، وهي تطلع من المشرق، ثم تسير فيما بينه وبين المغرب، حتى تغيب عن الأبصار فيه، ثم تبدو في الليلة القابلة على هذا المنوال. وهذه لا تصلح للإلهية. ثم بين في القمر ما بين في النجم، ثم الشمس كذلك. فلما انتفت الإلهية عن هذه الأجرام الثلاثة، التي هي أنور ما تقع عليه الأبصار، وتحقق ذلك بالدليل القاطع، تبرأ من عبادتهن وموالاتهن، وأخبر بأنه يعبد خالقهن ومسخرهن. 
ثم قال ابن كثير : وكيف يجوز أن يكون ناظرا في هذا المقام، وهو الذي قال الله في حقه : ولقد آتينا إبراهيم رشده من قبل وكنا به عالمين، إذ قال لأبيه وقومه ما هذه التماثيل التي أنتم لها عاكفون [(٣)](#foonote-٣). وقال تعالى : إن إبراهيم كان أمة / قانتا لله حنيفا ولم يك من المشركين، شاكرا لأنعمه، اجتباه وهداه إلى صراط مستقيم [(٤)](#foonote-٤). 
وقد ثبت في ( الصحيحين ) [(٥)](#foonote-٥) عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال :" كل مولود يولد على الفطرة ". 
وفي ( صحيح مسلم ) [(٦)](#foonote-٦) عن عياض ابن حمار أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : قال الله تعالى : إني خلقت عبادي حنفاء ". وقال تعالى : فطرت الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله  وقال تعالى : وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى [(٧)](#foonote-٧). ومعناه على أحد القولين، كقوله : فطرت الله التي فطر الناس عليها . فإذا كان هذا في حق سائر الخليقة، فكيف يكون إبراهيم الخليل / الذي جعله الله : أمة قانتا لله حنيفا ولم يك من المشركين  ناظر في هذا المقام ؟ بل هو أولى الناس بالفطرة السليمة، بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، بلا شك ولا ريب. 
ومما يؤيد أنه كان في هذا المقام مناظرا لقومه فيما كانوا فيه من الشرك، لا ناظرا، قوله تعالى : وحاجه قومه...  الآية الآتية. انتهى. 
وممن جود هذا المبحث الجليل، وبين أن إبراهيم عليه الصلاة والسلام كان مناظرا لقومه، العلامة الشهرستاني في كتابه ( الملل والنحل )، ونحن نسوقه عنه تأييدا لهذا البحث المهم، وتعرفا بمعتقد قومه، وما دفعهم إليه، لما فيه من الفوائد. 
قال رحمه الله تحت ترجمة ( أصحاب الهياكل والأشخاص ) : هؤلاء من فرق الصابئة ( وهم المتعصبون للروحانيين )، وقد أدرجنا مقالتهم في المناظرات جملة، ونذكرها ههنا تفصيلا :
اعلم أن أصحاب الروحانيات، لما عرفوا أن لابد للإنسان من متوسط، ولابد للمتوسط من أن يرى فيتوجه إليه، ويتقرب به، ويستفاد منه فزعوا إلى الهياكل التي هي السيارات السبع، فتعرفوا أولا بيوتها ومنازلها، وثانيا مطالعها ومغاربها، وثالثا اتصالاتها على أشكال الموافقة والمخالفة، مرتبة على طبائعها، ورابعا تقسيم الأيام والليالي والساعات عليها، وخامسا تقدير الصور والأشخاص والأقاليم والأمصار عليها، فعملوا الخواتيم، وتعلموا العزائم والدعوات، وعينوا ليوم زحل مثلا يوم السبت، وراعوا فيه ساعته الأولى، وتختموا بخاتمه المعمول على صورته وصفته، ولبسوا اللباس الخاص به، وبخروا ببخوره الخاص، ودعوا بدعواته الخاصة، وسألوا حاجاتهم منه، الحاجة التي تستدعي من زحل من أفعاله وآثاره الخاصة به. 
وكذلك رفع الحاجة التي تختص بالمشتري في يومه وساعته، وجميع الإضافات التي/ ذكرنا إليه. وكذلك سائر الحاجات إلى الكواكب. وكانوا يسمونها : أربابا آلهة، والله تعالى هو رب الأرباب، وإله الآلهة. ومنهم من جعل الشمس إله الآلهة ورب الأرباب، فكانوا يتقربون إلى الهياكل، تقربا إلى الروحانيات- يعني الملائكة- ويتقربون إلى الروحانيات، تقربا إلى البارئ تعالى، لاعتقادهم بأن كل روحاني هيكلا، ولكل هيكل فلكا، فالهياكل أبدان الروحانيات، ونسبتها إلى الروحانيات نسبة أجسادنا إلى أرواحنا فهم الأحياء الناطقون بحياة الروحانيات، وهي أربابها ومدبراتها، تتصرف في أبدانها تدبيرا وتصريفا وتحريكا، كما يتصرف في أبداننا. ولا شك أن من تقرب إلى شخص فقد تقرب إلى روحه. ثم استخرجوا من عجائب الحيل المرتبة على عمل الكواكب ما كان يقضي منهم العجب. وهذه الطلسمات المذكورة في الكتب والسحر والكهانة والتختيم والتعزيم والخواتيم والصور، كلها من علومهم. وأما أصحاب الأشخاص فقالوا : إذا كان لابد من متوسط يتوسل به، وشفيع يتشفع إليه، والروحانيات وإن كانت هي الوسائل، لكنا إذا لم نرها بالأبصار، ولم نخاطبها بالألسن، لم يتحقق القرب إليها إلا بهياكلها، ولكن الهياكل قد ترى في وقت، ولا ترى في وقت، لأنها لها طلوعا وأفولا، وظهورا بالليل، وخفاء بالنهار، فلم يصف لنا التقرب بها، والتوجه إليها، فلا بد لنا من صور وأشخاص موجودة قائمة منصوبة نصب أعيننا، فنعكف عليها، ونتوسل بها إلى الهياكل، فنتقرب بها إلى الروحانيات، ونتقرب بالروحانيات إلى الله تعالى، فنعبدهم ليقربونا إلى الله زلفى، فاتخذوا أصناما أشخاصا على مثال الهياكل السبعة، كل شخص في مقابلة هيكل، وراعوا في ذلك جوهر الهيكل، أعني الجوهر الخاص به من الحديد وغيره، وصوروه بصورته على الهيأة التي تصدر أفعاله عنه، وراعوا في ذلك الزمان والوقت والساعة والدرجة والدقيقة وجميع الإضافات النجومية، من اتصال محمود يؤثر في نجاح المطالب التي تستدعي منه، فتقربوا إليه في يومه وساعته، وتبخروا بالبخور الخاص به وتختموا بخاتمه، ولبسوا ثيابه، وتضرعوا بدعائه، وعزموا / بعزائمه، وسألوا حاجتهم منه، فيقولون : كان تقضى حوائجهم بعد رعاية هذه الإضافات كلها، وذلك هو الذي أخبر التنزيل عنهم أنهم عبدة الكواكب والأوثان. فأصحاب الهياكل هم عبدة الكواكب، إذ قالوا بإلهيتها- كما شرحنا- وأصحاب الأشخاص هم عبدة الأوثان، إذ سموها آلهة في مقابلة آلهة أولئك السماوية، وقالوا : هؤلاء شفعاؤنا عند الله [(٨)](#foonote-٨). وقد ناظر الخليل عليه الصلاة والسلام هذين الفريقين، فابتدأ بكسر مذهب أصحاب الأشخاص، وذلك قوله تعالى : وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم على قومه نرفع درجات من نشاء إن ربك حكيم عليم . وتلك الحجة أن كسرهم قولا بقوله : أتعبدون ما تنحتون والله خلقكم وما تعملون . ولما كان أبوه آزر هو أعلم القوم بعمل الأشخاص والأصنام ورعاية الإضافات النجومية فيها حق الرعاية، لهذا كانوا يشترون منه الأصنام، لا من غيره، كان أكثر الحجج معه، وأقوى الإلزامات عليه  إذ قال لأبيه آزر أتتخذ أصناما آلهة إني أراك وقومك في ضلال مبين  وقال : يا أبت لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغني عنك شيئا [(٩)](#foonote-٩) لأنك جهدت كل الجهد، واستعملت كل العلم، حتى عملت أصناما في مقابلة الأجرام السماوية فما بلغت قوتك العلمية والعملية إلى أن تحدث فيه سمعا وبصرا، وأن تغني عنك، وتضر وتنفع، وإنك بفطرتك وخلقتك أرفع درجة منها، لأنك خلقت سميعا بصيرا ضارا ونافعا. والآثار السماوية فيك أظهر منها في هذا المتخذ تكلفا، والمعمول تصنعا، فيا لها من حيرة، إذ صار المصنوع بيدك، معبودا لك، والصانع أشرف من المصنوع : يا أبت لا تعبد الشيطان   يا أبت إني قد / جاءني من العلم ما لم يأتيك فاتبعني أهدك صراطا سويا قال أراغب أنت عن آلهتي يا إبراهي١ - حديث الشفاعة هذا أخرجه البخاري في مواضع. ومنها في؛ ٩٧- كتاب التوحيد، ٢٤- باب قول الله تعالى: {وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة، حديث ٤٠- عن أنس وفيه ذكره، عليه السلام، كذباته الثلاث..
٢ - الأثر رقم ١٣٤٦٢ من التفسير..
٣ - \[٢١/ الأنبياء/ ٥١ و٥٢\]..
٤ - \[١٦/ النحل/ ١٢٠ و١٢١\]..
٥ - أخرجه البخاري في: ٢٣- كتاب الجنائز، ٨٠- باب أسلم الصبي فمات، هل يصلى عليه؟ حديث ٧١٦ ونصه:
 أن أبا هريرة كان يحدث قال النبي صلى الله عليه وسلم: "ما من مولود إلا يولد على الفطرة. فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه. كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء. هل تحسون فيها من جدعاء؟".
 ثم يقول أبو هريرة رضي الله عنه: فطرت الله التي فطر الناس عليها....{الآية..
٦ - قطعة من حديث أخرجه مسلم في: ٥١- كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها، حديث رقم ٦٣ (طبعتنا).
 وانظر نصه الكامل بالصفحة)١٥٦٩) من هذا التفسير..
٧ - \[٧/ الأعراف/ ١٧٢\] {... شهدنا أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين (١٧٢)..
٨ - \[١٠/ يونس/ ١٨\] ونصها: ويعبدون من دون الله ما لا يضرهم ولا ينفعهم ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله قل أتنبئون الله بما لا يعلم في السماوات ولا في الأرض سبحانه وتعالى عما يشركون (١٨)..
٩ - \[١٩/ مريم/ ٤٢\] ونصها: إذ قال لأبيه.....

### الآية 6:80

> ﻿وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ ۚ قَالَ أَتُحَاجُّونِّي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدَانِ ۚ وَلَا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبِّي شَيْئًا ۗ وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا ۗ أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ [6:80]

\[ ٨٠ \]  وحاجه قومه قال أتحاجوني في الله وقد هدان ولا أخاف ما تشركون به إلا أن يشاء ربي شيئا وسع ربي كل شيء علما أفلا تتذكرون ( ٨٠ ) . 
وقوله تعالى : وحاجه قومه  أي جادلوه، وأرادوا مغالبته بالحجة، فيما ذهب إليه من توحيد الله، ونفي الشركاء عنه، تارة بأدلة فاسدة، واقفة في حضيض التقليد، وأخرى بالتخويف، وقد أشير إلى جواب كل منهما.  قال أتحاجوني في الله وقد هدان  أي : أتجادلونني في توحيده، وقد هداني لإقامة الحجج، ورفع الشبه على نفي إلهية ما سواه، / وقد ثبت أنها ناقصة في ذواتها، فكمالاتها من غيرها، ولا إلهية للناقص بالذات، لأن كماله لا يكون مطلقا. و  تحاجوني  بإدغام نون الجمع في نون الوقاية، وقرئ بحذف الأولى. 
وقوله تعالى : ولا أخاف ما تشركون به  أي : لا أخاف معبوداتكم، لأنها جمادات لا تضر بنفسها ولا تنفع، وهو جواب عما خوفوه عليه الصلاة والسلام في أثناء المحاجة من إصابة مكروه من جهة أصنامهم، كما قال لهود عليه السلام قومه : إن نقول إلا اعتراك بعض آلهتنا بسوء [(١)](#foonote-١). وتخويفهم، وإن لم يسبق له ذكر، لكنه فهم من قوله : ولا أخاف . 
وقال ابن كثير : أي ومن الدليل على بطلان قولكم ؛ إن هذه المعبودات لا تؤثر شيئا، وأنا لا أخافها ولا أباليها، فإن كان لها كيد فكيدوني بها ولا تنظرون. انتهى. 
 إلا أن يشاء ربي شيئا  أي : من إصابة مكروه بي من جهتها، وذلك إنما هو من جهته تعالى، من غير دخل لمعبوداتكم فيه أصلا. 
وفي ( الانتصاف ) : غاية خوف إبراهيم منها، المعلق على مشيئة الله تعالى لذلك، خوف الضرر عندها بقدرة الله تعالى، / لا بها، وكأنه في الحقيقة لم يخف إلا من الله، لأن الخوف الذي أثبته منها معلق بمشيئة الله وقدرته، وهو كلا خوف منها – والله أعلم-. 
وقوله تعالى : وسع ربي كل شيء علما  كأنه علة الاستثناء، أي : أحاط بكل شيء علما. فلا يبعد أن يكون في علمه إنزال المخوف بي من جهتها، أي : كرجمه بالنجوم. لأنه إذا أحيل شيء إلى علم الله، أشعر بجواز وقوعه. وفي الإظهار في موضع الإضمار، مع التعرض لعنوان الربوبية، إظهار منه عليه الصلاة والسلام لانقياده لحكمه سبحانه وتعالى، واستسلام لأمره، واعتراف بكونه تحت ملكوته وربوبيته. 
 هذا، وجعل المهايمي ذلك علة لاستدراك محذوف، لعلمه من المقام، حيث قال في الآية : ولا أخاف الضرر على نفسي من تأثير ما تشركون به، إلا أن يشاء ربي أن يجعل لهم شيئا من التأثير. لكنه لا يشاء في شأني، لأنه : وسع ربي كل شيء علما  فعلم أنه لو أوجد التأثير فيهم بما يضرون به من بعثه لتوحيده، صار محجوبا. انتهى. - والأول أقرب-. 
 أفلا تتذكرون  أي : تعتبرن بأن هذه المعبودات جمادات، لا تضر ولا تنفع، وأن النافع الضار هو الذي خلق السماوات والأرض.

١ - \[١١/ هود/ \] قال إني أشهد الله واشهدوا إني بريء مما تشركون (٥٤)..

### الآية 6:81

> ﻿وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلَا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا ۚ فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ ۖ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ [6:81]

\[ ٨١ \]  وكيف أخاف ما أشركتم ولا تخافون أنكم أشركتم بالله ما لم ينزل به عليكم سلطانا فأي الفريقين أحق بالأمن إن كنتم تعلمون ( ٨١ ) . 
 وكيف أخاف ما أشركتم  أي : معبوداتكم، وهي مأمونة الخوف،  ولا تخافون أنكم أشركتم بالله ما لم ينزل به ، أي : بإشراكه  عليكم سلطانا  أي : حجة. إذ الإشراك لا يصح أن يكون عليه حجة. والمعنى : وما لكم تنكرون علي الأمن في موضع الأمن، ولا تنكرون على أنفسكم الأمن في موضع أعظم المخوفات وأهولها.  فأي الفريقين  أي : فريقي الموحدين والمشركين،  أحق بالأمن  أي : من لحوق الضرر،  إن كنتم تعلمون  أي : ما يحق أن يخاف منه. أو من أحق بالأمن أو من أولي العلم ؟ وجواب الشرط محذوف. أي : فأخبروني.

### الآية 6:82

> ﻿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَٰئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ [6:82]

ثم بين تعالى من له الأمن، جوابا عما استفهم عنه الخليل عليه السلام بقوله :
\[ ٨٢ \]  الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن وهم مهتدون ( ٨٢ ) . 
 الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم  أي : بشرك، كما يفعله الفريق المشركون، / حيث يزعمون أنهم يؤمنون بالله عز وجل، وأن عبادتهم للأصنام من تتمات إيمانهم وأحكامه، لكونها لأجل التقريب والشفاعة، كما قالوا : ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى [(١)](#foonote-١). وهذا معنى اللبس- أفاده أبو السعود- وسيأتي زيادة لذلك. 
 أولئك لهم الأمن  يوم القيامة  وهم مهتدون  أي : إلى الحق، ومن عداهم في ضلال. 
روى البخاري ومسلم وغيرهما عن عبد الله قال :" لما نزلت : ولم يلبسوا إيمانهم بظلم  قال أصحابه : وأينا لم يظلم نفسه ؟ فنزلت : إن الشرك لظلم عظيم [(٢)](#foonote-٢) " – هذا لفظ رواية البخاري-. 
ولفظ رواية الإمام أحمد عن عبد الله قال :" لما نزلت هذه الآية : الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم  شق ذلك على الناس، فقالوا : يا رسول الله ! فأينا لا يظلم نفسه ؟ قال : إنه ليس الذي تعنون، ألم تسمعوا ما قال العبد الصالح : يا بني لا تشرك بالله إن الشرك لظلم عظيم [(٣)](#foonote-٣) ؟ إنما هو الشرك ". 
أقول : هذه الرواية توضح رواية البخاري السابقة- أعني : قول ابن مسعود : فنزلت : إن الشرك...  الخ- من جهة أن النزول أريد به تفسير الآية، لا سبب نزولها، وهو اصطلاح للصحابة والتابعين دقيق، ينبغي التنبه له. وقد أشرنا له في المقدمة. فجدد به عهدا. 
ولابن أبي حاتم عن عبد الله مرفوعا :"  ولم يلبسوا إيمانهم بظلم  قال : بشرك ". / قال : وروي عن أبي بكر وعمر وأبي بن كعب وسلمان وحذيفة وابن عباس وابن عمر وعمرو بن شرحبيل وأبي عبد الرحمن السلمي ومجاهد وعكرمة والنخعي والضحاك وقتادة والسدي، وغير واحد نحو ذلك. نقله ابن كثير. وبالجملة في ذلك، فلا يعلم مخالف من الصحابة والتابعين في تفسير ( الظلم ) هنا بالشرك، وقوفا مع الحديث الصحيح في ذلك، المبين للنظائر القرآنية الموضح بعضها لما أبهم في بعض. وتعرف تلك القاعدة من مثل هذا الحديث يكشف غمة أوهام كثيرة. ولو قيل : لا يلزم من قوله : إن الشرك لظلم عظيم  أن غير الشرك لا يكون ظلما، يجاب : بأن التنوين في  بظلم  للتعظيم، فكأنه قيل : لم يلبسوا إيمانهم بظلم عظيم. ولما تبين أن الشرك ظلم علم أن المراد : لم يلبسوا إيمانهم بشرك، أو أن المتبادر من المطلق أكمل أفراده- كذا في ( العناية ). 
قال الرازي : والدليل على أن هذا هو المراد، أن هذه القصة من أولها إلى آخرها إنما وردت في نفي الشركاء، والأضداد والأنداد، وليس فيها ذكر الطاعات والعبادات، فوجب حمل الظلم ههنا على ذلك. 
**تنبيه :**
حيث علم أن الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم فسر الآية بما تقدم، فليعض عليه بالنواجذ. وأما ما هذي به الزمخشري من قوله في تفسير الآية : أي لم يخلطوا إيمانهم بمعصية تفسقهم، وأبى تفسير الظلم بالكفر، لفظ ( اللبس ) أي : لأن لبس الإيمان بالشرك أي : خلطه به، مما لا يتصور، لأنهما ضدان لا يجتمعان- على زعمه- فمدفوع بأنه يلابسه، لأنه إن أريد بالإيمان مطلق التصديق، سواء كان باللسان أو غيره، فظاهر أنه يجامع الشرك كالمنافق. وكذا إن أريد تصديق القلب، لجواز أن يصدق بوجود الصانع، دون وحدانيته لما في قوله تعالى : وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون [(٤)](#foonote-٤). وهو ما أشير إليه قبل. / ولو أريد التصديق بجميع ما يجب التصديق به بحيث يخرج عن الكفر، فلا يلزم من لبس الإيمان بالشرك الجمع بينهما، بحيث يصدق عليه أنه مؤمن ومشرك، بل تغطيته بالكفر، وجعله مغلوبا مضمحلا، أو اتصافه بالإيمان، ثم الكفر، ثم الإيمان ثم الكفر مرارا. وبعد تسليم ما ذكر، فاختصاص الأمن بغير العصاة لا يوجب كون العصاة معذبين البتة، بل خائفين ذلك، متوقعين للاحتمال، ورجحان جانب الوقوع- كذا في ( شرح الكشاف ). 
وفي ( الانتصاف ) : إنما يروم الزمخشري بذلك تنزيله على معتقده، في وجوب وعيد العصاة، وأنهم لاحظ لهم في الأمن كالكفار. ويجعل هذه الآية تقتضي تخصيص الأمن بالجامعين بين الأمرين : الإيمان والبراءة من المعاصي. ونحن نسلم ذلك، لا يلزم أن يكون الخوف اللاحق للعصاة، هو الخوف اللاحق للكفار، لأن العصاة من المؤمنين إنما يخافون العذاب المؤقت، وهم آمنون من الخلود. وأما الكفار فغير آمنين بوجه ما. انتهى. 
وأما قول المعتزلة : حديث عبد الله المتقدم- إن صح- يكون خبر واحد، في مقابلة الدليل القطعي، ومثله لا يعمل به- فالجواب : بأنه صح بلا ريب، لتخريج الشيخين له. 
 \* وإذا جاء نهر الله، بطل نهر معقل[(٥)](#foonote-٥) \*
وقولهم : في مقابلة الدليل القعطعي، بهتان عظيم. ويالله العجب من هؤلاء، قابلوا السنة الصحيحة بكناسة الرأي، ولم يستحيوا من الله تعالى ورسوله في هذه المخالفة، فأين تذهب/ بعقولهم ؟ إلى الحق أم إلى الباطل ؟ ولكن كما قال ابن سهل[(٦)](#foonote-٦) :
 \* فما أضيع البرهان عند المقلد \*
هذا، وقد روى ابن مردويه عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال :" كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في مسير ساره، إذ عرض له أعرابي فقال : يا رسول الله ! والذي بعثك بالحق ! لقد خرجت من بلادي وتلادي ومالي، لأهتدي بهداك، وآخذ من قولك، وما بلغتك حتى مالي طعام إلا من خضر الأرض، فتردى الأعرابي، فاعرض علي، فعرض عليه سول الله صلى الله عليه وسلم فقبل. فازدحمنا حوله، فدخل خف بكره في بيت جرذان، فتردى الأعرابي، فانكسرت عنقه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : صدق ! والذي بعثني بالحق ! لقد خرج من بلاده وتلاده وماله ليهتدي بهداي، ويأخذ من قولي، وما بلغني حتى ما له من طعام إلا من خضر الأرض. أسمعتم بالذي عمل قليلا وأجر كثيرا ؟ هذا منهم ! أسمعتم ب  الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن وهم مهتدون  ؟ فإن هذا منهم ". 
وفي لفظ قال :" هذا عمل قليلا وأجر كثيرا }. 
وروى نحوه الإمام أحمد[(٧)](#foonote-٧) عن جرير بن عبد الله مطولا، وفيه بيان قوله :" فاعرض علي "، ولفظه :" ما الإيمان ؟ قال : تشهد أن لا إله إلا الله، وان محمدا رسول الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت. قال : قد أقررت ".

١ - \[٣٩/ الزمر/ ٣\] ونصها: ألا لله الدين الخالص والذين اتخذوا من دونه أولياء ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى إن الله يحكم بينهم في ما هم فيه يختلفون إن الله لا يهدي من هو كاذب كفار (٣)..
٢ - \[٣١/ لقمان/١٣\] ونصها: وإذ قال لقمان لابنه وهو يعظه يا بني لا تشرك بالله إن الشرك لظلم عظيم(١٣)..
٣ - \[٣١/ لقمان/١٣\] ونصها: وإذ قال لقمان لابنه وهو يعظه يا بني لا تشرك بالله إن الشرك لظلم عظيم(١٣)..
٤ - \[١٢/ يوسف/ ١٠٦\]..
٥ - قال ياقوت في معجم البلدان: نهر معقل منسوب إلى معقل بن يسار بن عبد الله بن معبر..... ، صحب النبي صلى الله عليه وسلم. وهو نهر معروف بالبصرة، فمه عند فم نهر الإجانة.
 ذكر الواقدي أن عمر أمر أبا موسى الأشعري أن يحفر نهرا بالبصرة، وأن يجري على يدي معقل بن يسار المزني، فنسب إليه..
٦ - عجز مطلع قصيدة له وصدره:
 \* أقلــد وجـدي، فليبرهن مفنــدي\*.
٧ - أخرجه في المسند بالصفحة ٣٥٩ من الجزء الرابع (طبعة الحلبي)..

### الآية 6:83

> ﻿وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَىٰ قَوْمِهِ ۚ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ ۗ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ [6:83]

\[ ٨٣ \]  وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم على قومه نرفع درجات من نشاء إن ربك حكيم عليم ( ٨٣ ) . 
وقوله تعالى : وتلك  أي : الدلائل المشار إليها في قوله : أتتخذ أصناما آلهة  إلى ههنا  حجتنا  أي : التي لا يمكن نقضها  آتيناها إبراهيم  أي : أرشدناه إليها، وعلمناه إياها، بلا واسطة معلم  على قومه  متعلق ب  حجتنا  إن جعل خبر  تلك ، وبمحذوف إن جعل بدله، أي : آتيناها حجة ودليلا على قومه الكثيرين، ليغلب وحده. 
 نرفع درجات من نشاء  يعني : في العلم والحكمة، وقرئ بالتنوين.  إن ربك حكيم  في رفعه وخفضه،  عليم  بحال من يرفعه واستعداده له.

### الآية 6:84

> ﻿وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ ۚ كُلًّا هَدَيْنَا ۚ وَنُوحًا هَدَيْنَا مِنْ قَبْلُ ۖ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَىٰ وَهَارُونَ ۚ وَكَذَٰلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ [6:84]

\[ ٨٤ \]  ووهبنا له إسحاق ويعقوب كلا هدينا ونوحا هدينا من قبل ومن ذريته داود وسليمان وأيوب ويوسف وموسى وهارون وكذلك نجزي المحسنين ( ٨٤ ) .

### الآية 6:85

> ﻿وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَىٰ وَعِيسَىٰ وَإِلْيَاسَ ۖ كُلٌّ مِنَ الصَّالِحِينَ [6:85]

\[ ٨٥ \]  وإسماعيل واليسع ويونس ولوطا وكلا فضلنا على العالمين ( ٨٥ ) . 
 ووهبنا له  أي : لإبراهيم عوضا عن قومه، لما اعتزلهم وما يعبدون،  إسحاق ويعقوب  أي ولدا، وولد ولد، لتقر عينه ببقاء العقب  كلا هدينا  أي : كلا منهما هديناه الهداية الكبرى، بلحوقهما بدرجة أبيهما في النبوة، كما قال تعالى : فلما اعتزلهم وما يعبدون من دون الله وهبنا له إسحاق ويعقوب، وكلا جعلنا نبيا [(١)](#foonote-١). 
 قال ابن كثير : يذكر تعالى أنه وهب لإبراهيم إسحاق، وذلك بعد أن طعن في السن، وأيس وامرأته سارة، من الولد، فجاءته الملائكة وهم ذاهبون إلى قوم لوط، فبشروهما بإسحاق، فتعجبت المرأة من ذلك : قالت يا ولتا أألد وأنا عجوز وهذا بعلي شيخا، إن هذا لشيء عجيب[(٢)](#foonote-٢)، قالوا أتعجبين من أمر الله، رحمت الله وبركاته عليكم أهل البيت، إنه حميد مجيد [(٣)](#foonote-٣) فبشروهما فتعجبت، وبشروهما مع وجوده بنبوته، وبأن له نسلا وعقبا، كما قال تعالى : وبشرناه بإسحاق نبيا من الصالحين [(٤)](#foonote-٤). وهذا أكمل في البشارة، وأعظم في النعمة. وقال : فبشرناها بإسحاق ومن وراء إسحاق يعقوب [(٥)](#foonote-٥) أي : ويولد لهذا المولود ولد في حياتكما، فتقر أعينكما به، كما قرت بوالده، وإن الفرح بولد الولد شديد، لبقاء النسل والعقب. ولما كان ولد الشيخ والشيخة قد يتوهم أنه لا يعقب لضعفه، وقعت البشارة به، وبولد اسمه يعقوب، الذي فيه اشتقاق العقب والذرية، وكانت هذه المجازاة لإبراهيم عليه السلام حين اعتزل قومه وتركهم، ونزح عنهم، وهاجر من بلادهم، ذاهبا إلى عبادة الله في الأرض، فعوضه الله عز وجل عن قومه وعشيرته بأولاد صالحين، من صلبه، على دينه، لتقر بهم عينه، كما قال تعالى : فلما اعتزلهم وما يعبدون...  [(٦)](#foonote-٦) الآية. 
 ونوحا هدينا من قبل  أي : من قبله، هديناه كما هديناه. وعد هداه نعمة على إبراهيم، من حيث إنه أبوه، وشرف الوالد يتعدى إلى الولد. 
 قال ابن كثير : كل منهما له خصوصية عظيمة. أما نوح عليه السلام فإن الله تعالى لما أغرق أهل الأرض، إلا من آمن به، وهم الذين صحبوه في السفينة، جعل الله ذريته هم الباقين، فالناس كلهم من ذريته. وأما الخليل إبراهيم عليه السلام، فلم يبعث الله عز وجل بعده نبيا إلا من ذريته، كما قال تعالى : وجعلنا في ذرته النبوة والكتاب...  [(٧)](#foonote-٧) الآية. وقال تعالى : ولقد أرسلنا نوحا وإبراهيم وجعلنا في ذريتهما النبوة والكتاب [(٨)](#foonote-٨). وقال تعالى : أولئك الذين أنعم الله عليهم من النبيين من ذرية آدم وممن حملنا مع نوح ومن ذرية إبراهم وإسرائيل وممن هدينا واجتبينا، إذا تتلى عليهم آيات الرحمن خروا سجدا وبكيا [(٩)](#foonote-٩). 
وقوله تعالى : ومن ذريته  الضمير لإبراهيم أو لنوح، على ما يأتي،  داود  عطف على  نوح  أي : وهدينا داود،  وسليمان وأيوب ويوسف وموسى وهارون وكذلك نجزي المحسنين . 
 وزكريا ويحيى وعيسى وإلياس كل من الصالحين . 
 وإسماعيل واليسع ويونس ولوطا وكلا فضلنا على العالمين . 
اعلم أن المقصود من هذه الآيات، وما قبلها، وما يلحقها، تعديد أنواع نعم الله تعالى فذكر تعالى أولا رفع درجته، بإيتائه الحجة على قومه، وتخصيصه بها، ثم جعله عزيزا في الدنيا، حسبا ونسبا، أصلا وفرعا، لأنه تولد من نوح أول المرسلين / رسالة عامة، ووهبت له الذرية الطاهرة، أنبياء البشر. ولذا ذهب الأكثرون إلى أن الضمير في : ومن ذريته  لإبراهيم، لأن مساق النظم لبيان شؤونه العظيمة، كأنه قيل : ولم نزل نرفع درجاته بعد ذلك إذ هدينا من ذريته داود... الخ، فهو المقصود بالذكر في هذه الآيات. وذكر نوح عليه السلام، لأن كون إبراهيم من أولاده أحد موجبات رفعته كما تقدم. والغاية هي إلزام من ينتمي إليه من المشركين. 
ولا يقال : إن لوطا ليس من ذرية إبراهيم لأنه ابن أخيه، لأنه يقال : إن العرب تجعل العم أبا، كما أخبر تعالى عن أبناء يعقوب أنهم قالوا : نعبد إلهك وإله آبائك إبراهيم وإسماعيل وإسحاق [(١٠)](#foonote-١٠)، مع أن إسماعيل عم يعقوب، ودخل في آبائه تغليبا. 
وقال محيي السنة رحمه الله تعالى : ومن ذريته  أي : ذرية نوح صلى الله عليه وسلم، ولم يرد من ذرية إبراهيم عليه الصلاة والسلام، لأنه ذكر في جملتهم يونس صلى الله عليه وسلم، وكان من الأسباط، في زمن شعياء، أرسله الله تعالى إلى أهل نينوى من الموصل. 
وقال : إن لوطا عليه السلام كان ابن أخي إبراهيم عليه السلام، آمن بإبراهيم، وشخص معه مهاجرا إلى الشام، فأرسله الله إلى أهل سدوم. 
ومن قال : الضمير لإبراهيم صلى الله عليه وسلم، يقدر : ومن ذرية إبراهيم وداود وسليمان هدينا. لأن إبراهيم وهو المقصود بالذكر. وذكر نوح لتعظيم إبراهيم. ولذلك ختم بيونس ولوط، وجعلهما معطوفين على  نوحا هدينا  من عطف الجملة على الجملة. وصاحب ( الكشف ) أخرج ( إلياس ) صلى الله عليه وسلم. وليس كذلك. لما في ( جامع الأصول ) عن الكسائي، أنهما من ذريته. فبقي لوط خارجا. ولما كان ابن أخيه آمن به، وهاجر معه، أمكن أن يجعل من ذريته على سبيل التغليب- كما ذكره الطيبي-. 
 وبالجملة، فالآية المذكورة من المنن على إبراهيم على كلا الوجهين، لأن شرف الذرية وشرف الأقارب شرف، لكنه على الأول أظهر، ويكون تطرية في مدح إبراهيم صلى الله عليه وسلم بالعود إليه مرة بعد أخرى. 
**تنبيهات :**
الأول- قال الحافظ ابن كثير : في ذكر عيسى عليه السلام، في ذرية إبراهيم أو نوح ( على القول الآخر ) دلالة على دخول ولد البنات في ذرية الرجل، لأن انتساب عيسى ليس إلا من جهة أمه مريم عليهما السلام. وقد روى ابن أبي حاتم أن الحجاج أرسل إلى يحيى بن يعمر فقال : بلغني أنك تزعم أن الحسن والحسين من ذرية النبي صلى الله عليه وسلم، تجده في كتاب الله وقد قرأته من أوله إلى آخر فلم أجده ! ؟ قال : أليس تقرأ سورة الأنعام : من ذريته داود وسليمان... حتى بلغ : ويحيى وعيسى  قال : بلى ! قال أليس من ذرية إبراهيم، وليس له أب ؟ قال : صدقت ! فلهذا إذا أوصى الرجل لذريته، أو وقف على ذريته، أو وهبهم دخل أولاد البنات فيهم. فأما إذا أعطى الرجل بنيه، أو وقف عليهم، فإنه يختص بذلك بنوه لصلبه، وبنو بنيه، واحتجوا بقول الشاعر :
بنونا بنو ابنائنا. وبناتنا بنوهن أبناء الرجال الأباعد
وقال آخرون : يدخل بنو البنات فيهم، لما ثبت في ( صحيح البخاري ) [(١١)](#foonote-١١) :" أن رسول الله صلى الله عليه وسلم / قال للحسن بن علي : إن ابني هذا سيد، ولعل الله أن يصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين ". فسماه ( ابنا ) فدل على دخوله في الأبناء. وقال آخرون : هذا تجوز. انتهى. 
وفي ( العناية ) : أورد على الاستدلال بتناول الذرية أولاد البنت من هذه الآية، بأن عيسى عليه السلام ليس له أب، يصرف إضافته إلى الأم إلى نفسه، فلا يظهر قياس غيره عليه. والمسألة مختلف فيها، والقائل بها استدل بهذه الآية، وآية المباهلة، حيث دعا صلى الله عليه وسلم الحسن والحسين رضي الله عنهما بعدما نزل : ندع أبناءنا وأبناءكم [(١٢)](#foonote-١٢). إن لم نقل إنه من خصائصه صلى الله عليه وسلم. انتهى. 
الثاني- إنما لم يذكر إسماعيل عليه السلام مع إسحاق، بل أخر ذكره عنه، لأن المقصود بالذكر ههنا أنبياء بني إسرائيل، وهم بأسرهم أولاد إسحاق ويعقوب، وأما إسماعيل فلم يخرج من صلبه من الأنبياء إلا خاتمهم وأفضلهم صلى الله عليه وسلم. ولا يقتضي المقام ذكره صلى الله عليه وسلم لأنه أمر أن يحتج على العرب في نفي الشرك بأن إبراهيم لما ترك قومه وما يعبدون، إلى عبادة الله وحده، رزقه الله النعم العظيمة في الدين والدنيا، ومنها إيتاؤه أولادا أنبياء. فإذا كان المحتج بها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلا يذكر في هذا المعرض. ولهذا السبب لم يذكر إسماعيل مع إسحاق- أفاده الرازي-. 
الثالث- اعلم أنه تعالى ذكر هنا ثمانية عشر نبيا من الأنبياء عليهم السلام من غير ترتيب لا بحسب الزمان ؛ ولا بحسب الفضل، لأن الواو لا تقتضي الترتيب ولكن هنا لطيفة في هذا الترتيب، وهي أن الله خص كل طائفة من طوائف الأنبياء عليهم الصلاة والسلام بنوع من الكرامة والفضل، فذكر أولا نوحا وإبراهيم وإسحاق ويعقوب لأنهم أصول/ الأنبياء، وإليهم ترجع أنسابهم جميعا. ثم من المراتب المعتبرة، بعد النبوة، الملك والقدرة والسلطان. وقد أعطى الله داود وسليمان من ذلك حظا وافرا. ومن المراتب الصبر عند نزول البلاء والمحن والشدائد، وقد خص الله بهذه أيوب عليه السلام. ؟ ثم عطف على هاتين المرتبتين من جمع بينهما، وهو يوسف عليه السلام، فإنه صبر على البلاء والشدة إلى أن آتاه الله ملك مصر مع النبوة. ثم من المراتب المعتبرة في تفضيل الأنبياء عليهم السلام كثرة المعجزات، وقوة البراهين، وقد خص الله موسى وهارون من ذلك بالحظ الوافر. ثم من المراتب المعتبرة الزهد في الدنيا، والإعراض عنها، وقد خص الله بذلك زكريا ويحيى وعيسى وإلياس عليه السلام، ولهذا السبب وصفهم بأنهم من الصالحين. ثم ذكر الله من بعد هؤلاء الأنبياء، من لم يبق له أتباع ولا شريعة، وهم إسماعيل واليسع ويونس ولوط. فإذا اعتبرنا هذه اللطيفة على هذا الوجه، كان هذا الترتيب من أحسن شيء يذكر، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه- أفاده الخازن وأصله للرازي-. 
الرابع- استدل بقوله تعالى : وكلا فضلنا على العالمين  من يرى أن الأنبياء أفضل من الملائكة. لأن العالم اسم لكل موجود سوى الله تعالى، فيدخل فيه الملك. 
الخامس- نكتة ذكر ( الهداية ) في قوله تعالى : كلا هدينا  هو تعديد النعم على إبراهيم صلى الله عليه وسلم بشرف الأصول والفروع – كما أسلفنا- والولد لا يعد نعمة ما لم يكن مهديا. 
السادس- قال السيوطي في ( الإكليل ) : استدل بقوله تعالى : كلا هدينا ونوحا هدينا  من أنكر إفادة التقديم الحصر.

١ - \[١٩/ مريم / ٤٩\]..
٢ - \[١١/ هود/ ٧٢\]..
٣ - \[١١/ هود/ ٧٣\]..
٤ - \[٣٧/ الصافات/ ١١٢\]..
٥ - \[١١/ هود/ ٧١\] ونصها: وامرأته قائمة فضحكت.....
٦ - \[١٩/ مريم/ ٤٩\] ونصها: ... فلما اعتزلهم وما يعبدون من دون الله وهبنا له إسحاق ويعقوب وكلا جعلنا نبيا (٤٩)..
٧ - \[٢٩/ العنكبوت/ ٢٧\] ونصها: ووهبنا له إسحاق ويعقوب وجعلنا في ذريته النبوة والكتاب وآتيناه أجره في الدنيا وانه في الآخرة لمن الصالحين (٢٧)..
٨ - \[٥٧/ الحديد/ ٢٦\] ونصها: ... فمنهم مهتد وكثير منهم فاسقون (٢٦)..
٩ - \[١٩/ مريم/ ٥٨\]..
١٠ - \[٢/ البقرة/ ١٣٣\] ونصها: أم كنتم شهداء إذ حضر يعقوب الموت إذ قال لبنيه ما تعبدون من بعدي قالوا نعبد إلهك وإله آبائك إبراهيم وإسماعيل وإسحاق إلها واحدا ونحن له مسلمون (١٣٣)..
١١ - أخرجه البخاري في: ٩٢- كتاب الفتن، ٢٠- باب قول النبي صلى الله عليه وسلم للحسن بن علي: إن ابني هذا لسيد، ولعل الله أن يصلح به بين فئتين من المسلمين، حديث ١٣٠٧ ونصه:
 حدثنا الحسن قال: لما سار الحسن بن علي رضي الله عنهما إلى معاوية بالكتائب، قال عمرو بن العاص لمعاوية: أرى كتيبة لا تولي حتى تدبر أخراها. قال معاوية: من لذراري المسلمين؟ 
 قال الحسن: ولقد سمعت أبا هريرة قال: بينا النبي صلى الله عليه وسلم يخطب جاء الحسن. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "ابني هذا سيد، ولعل الله أن يصلح به بين فئتين من المسلمين"..
١٢ - \[٣/ آل عمران/ ٦١\] ونصها: فمن حاجك فيه من بعد ما جاءك من العلم فقل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم ثم نبتهل فنجعل لعنت الله على الكاذبين(٦١)..

### الآية 6:86

> ﻿وَإِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطًا ۚ وَكُلًّا فَضَّلْنَا عَلَى الْعَالَمِينَ [6:86]

إلى هاهنا حُجَّتُنا أي: التي لا يمكن نقضها آتَيْناها إِبْراهِيمَ أي:
 أرشدناه إليها، وعلمناه إياها، بلا واسطة معلّم عَلى قَوْمِهِ متعلق ب حُجَّتُنا إن جعل خبر تِلْكَ، وبمحذوف إن جعل بدله، أي: آتيناها حجة ودليلا على قومه الكثيرين، ليغلب وحده.
 نَرْفَعُ دَرَجاتٍ مَنْ نَشاءُ يعني: في العلم والحكمة، وقرئ بالتنوين. إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ في رفعه وخفضه، عَلِيمٌ بحال من يرفعه واستعداده له.
 القول في تأويل قوله تعالى: \[سورة الأنعام (٦) : الآيات ٨٤ الى ٨٦\]
 وَوَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ كُلاًّ هَدَيْنا وَنُوحاً هَدَيْنا مِنْ قَبْلُ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ داوُدَ وَسُلَيْمانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسى وَهارُونَ وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (٨٤) وَزَكَرِيَّا وَيَحْيى وَعِيسى وَإِلْياسَ كُلٌّ مِنَ الصَّالِحِينَ (٨٥) وَإِسْماعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطاً وَكلاًّ فَضَّلْنا عَلَى الْعالَمِينَ (٨٦)
 وَوَهَبْنا لَهُ أي: لإبراهيم عوضا عن قومه، لما اعتزلهم وما يعبدون، إِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ أي ولدا، وولد ولد، لتقر عينه ببقاء العقب كُلًّا هَدَيْنا أي: كلّا منهما هديناه الهداية الكبرى، بلحوقهما بدرجة أبيهما في النبوة، كما قال تعالى: فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَما يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ، وَكُلًّا جَعَلْنا نَبِيًّا \[مريم: ٤٩\].
 قال ابن كثير: يذكر تعالى أنه وهب لإبراهيم إسحاق، وذلك بعد أن طعن في السن، وأيس وامرأته سارة، من الولد، فجاءته الملائكة وهم ذاهبون إلى قوم لوط، فبشروهما بإسحاق، فتعجبت المرأة من ذلك: قالَتْ يا وَيْلَتى أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهذا بَعْلِي شَيْخاً، إِنَّ هذا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ \[هود: ٧٢\]. قالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ، رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ، إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ \[هود: ٧٣\] فبشروهما فتعجبت، وبشروهما مع وجوده بنبوته، وبأن له نسلا وعقبا، كما قال تعالى:
 وَبَشَّرْناهُ بِإِسْحاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ \[الصافات: ١١٢\]. وهذا أكمل في البشارة، وأعظم في النعمة. وقال: فَبَشَّرْناها بِإِسْحاقَ وَمِنْ وَراءِ إِسْحاقَ يَعْقُوبَ \[هود: ٧١\]. أي: ويولد لهذا المولود ولد في حياتكما، فتقرّ أعينكما به، كما قرت بوالده، وإن الفرح بولد الولد شديد، لبقاء النسل والعقب. ولما كان ولد الشيخ

والشيخة قد يتوهم أنه لا يعقب لضعفه، وقعت البشارة به، وبولد اسمه يعقوب، الذي فيه اشتقاق العقب والذرية، وكانت هذه المجازاة لإبراهيم عليه السلام حين اعتزل قومه وتركهم، ونزح عنهم، وهاجر من بلادهم، ذاهبا إلى عبادة الله في الأرض، فعوضه الله عز وجل عن قومه وعشيرته بأولاد صالحين، من صلبه، على دينه، لتقر بهم عينه، كما قال تعالى: فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَما يَعْبُدُونَ.. \[مريم: ٤٩\]. الآية.
 وَنُوحاً هَدَيْنا مِنْ قَبْلُ أي: من قبله، هديناه كما هديناه. وعدّ هداه نعمة على إبراهيم، من حيث إنه أبوه، وشرف الوالد يتعدى إلى الولد.
 قال ابن كثير: كل منهما له خصوصية عظيمة، أما نوح عليه السلام فإن الله تعالى لما أغرق أهل الأرض، إلا من آمن به، وهم الذين صحبوه في السفينة، جعل الله ذريته هم الباقين، فالناس كلهم من ذريته. وأما الخليل إبراهيم عليه السلام، فلم يبعث الله عز وجل بعده نبيا إلا من ذريته، كما قال تعالى: وَجَعَلْنا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتابَ \[العنكبوت: ٢٧\] الآية. وقال تعالى: وَلَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً وَإِبْراهِيمَ وَجَعَلْنا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَالْكِتابَ \[الحديد: ٢٦\]. وقال تعالى: أُولئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنا مَعَ نُوحٍ وَمِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْراهِيمَ وَإِسْرائِيلَ وَمِمَّنْ هَدَيْنا وَاجْتَبَيْنا، إِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُ الرَّحْمنِ خَرُّوا سُجَّداً وَبُكِيًّا \[مريم: ٥٨\].
 وقوله تعالى: وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ الضمير لإبراهيم أو لنوح، على ما يأتي، داوُدَ عطف على نُوحاً أي: وهدينا داود، وَسُلَيْمانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسى وَهارُونَ وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ.
 وَزَكَرِيَّا وَيَحْيى وَعِيسى وَإِلْياسَ كُلٌّ مِنَ الصَّالِحِينَ.
 وَإِسْماعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطاً وَكلًّا فَضَّلْنا عَلَى الْعالَمِينَ.
 اعلم أن المقصود من هذه الآيات، وما قبلها، وما يلحقها، تعديد أنواع نعم الله تعالى على إبراهيم عليه الصلاة والسلام، جزاء اعتزاله قومه وما يعبدون، وقيامه بنصرة التوحيد، ودحض الشرك. فذكر تعالى أولا رفع درجته، بإيتائه الحجة على قومه، وتخصيصه بها، ثم جعله عزيزا في الدنيا، حسبا ونسبا، أصلا وفرعا، لأنه تولد من نوح أول المرسلين رسالة عامة، ووهبت له الذرية الطاهرة، أنبياء البشر. ولذا ذهب الأكثرون إلى أن الضمير في وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ لإبراهيم، لأن مساق النظم لبيان شؤونه العظيمة، كأنه قيل: ولم نزل نرفع درجاته بعد ذلك إذ هدينا من ذريته داود..

إلخ، فهو المقصود بالذكر في هذه الآيات. وذكر نوح عليه السلام، لأن كون إبراهيم من أولاده أحد موجبات رفعته كما تقدم. والغاية هي إلزام من ينتمي إليه من المشركين.
 ولا يقال: إن لوطا ليس من ذرية إبراهيم لأنه ابن أخيه، لأنه يقال: إن العرب تجعل العمّ أبا، كما أخبر تعالى عن أبناء يعقوب أنهم قالوا: نَعْبُدُ إِلهَكَ وَإِلهَ آبائِكَ إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ \[البقرة: ١٣٣\]، مع أن إسماعيل عم يعقوب، ودخل في آبائه تغليبا.
 وقال محي السنة رحمه الله تعالى: وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ أي: ذرية نوح صلى الله عليه وسلم، ولم يرد من ذرية إبراهيم عليه الصلاة والسلام، لأنه ذكر في جملتهم يونس صلى الله عليه وسلم، وكان من الأسباط، في زمن شعياء، أرسله الله تعالى إلى أهل نينوى من الموصل.
 وقال: إن لوطا عليه السلام كان ابن أخي إبراهيم عليه السلام، آمن بإبراهيم، وشخص معه مهاجرا إلى الشام، فأرسله الله إلى أهل سدوم.
 ومن قال: الضمير لإبراهيم صلى الله عليه وسلم، يقدّر: ومن ذرية إبراهيم وداود وسليمان هدينا. لأن إبراهيم هو المقصود بالذكر. وذكر نوح لتعظيم إبراهيم. ولذلك ختم بيونس ولوط، وجعلهما معطوفين على نُوحاً هَدَيْنا من عطف الجملة على الجملة. وصاحب (الكشف) أخرج (إلياس) صلى الله عليه وسلم. وليس كذلك. لما في (جامع الأصول) عن الكسائي، أنهما من ذريته. فبقي لوط خارجا، لما كان ابن أخيه آمن به، وهاجر معه، أمكن أن يجعل من ذريته على سبيل التغليب- كما ذكره الطيبي-.
 وبالجملة، فالآية المذكورة من المنن على إبراهيم على كلا الوجهين، لأن شرف الذرية، وشرف الأقارب شرف، لكنه على الأول أظهر، ويكون تطرية في مدح إبراهيم ﷺ بالعود إليه مرة بعد أخرى.
 **تنبيهات:**
 الأول- قال الحافظ ابن كثير: في ذكر عيسى عليه السلام، في ذرية إبراهيم أو نوح (على القول الآخر) دلالة على دخول ولد البنات في ذرية الرجل، لأن انتساب عيسى ليس إلا من جهة أمه مريم عليهما السلام، وقد روى ابن أبي حاتم أن الحجاج أرسل إلى يحيى بن يعمر فقال: بلغني أنك تزعم أن الحسن والحسين من ذرية النبيّ صلى الله عليه وسلم، تجده في كتاب الله وقد قرأته من أوله إلى آخره فلم أجده؟! قال: أليس تقرأ سورة الأنعام وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ داوُدَ وَسُلَيْمانَ... حتى بلغ: وَيَحْيى وَعِيسى قال:

بلى! قال: أليس من ذرية إبراهيم، وليس له أب؟ قال: صدقت! فلهذا إذا أوصى الرجل لذريته أو وقف على ذريته، أو وهبهم دخل أولاد البنات فيهم. فأما إذا أعطى الرجل بنيه، أو وقف عليهم، فإنه يختص بذلك بنوه لصلبه، وبنو بنيه، واحتجوا بقول الشاعر:

بنونا بنو أبنائنا وبناتنا  بنوهنّ أبناء الرجال الأباعد وقال آخرون: ويدخل بنو البنات فيهم، لما
 ثبت في صحيح البخاري **«١»** أن رسول الله ﷺ قال للحسن بن عليّ: إن ابني هذا سيّد، ولعل الله أن يصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين
 . فسماه (ابنا) فدل على دخوله في الأبناء. وقال آخرون: هذا تجوّز: انتهى.
 وفي (العناية) : أورد على الاستدلال بتناول الذرية أولاد البنت من هذه الآية، بأن عيسى عليه السلام ليس له أب يصرف إضافته إلى الأم إلى نفسه، فلا يظهر قياس غيره عليه. والمسألة مختلف فيها، والقائل بها استدل بهذه الآية، وآية المباهلة، حيث دعا النبي ﷺ الحسن والحسين رضي الله عنهما بعد ما نزل: نَدْعُ أَبْناءَنا وَأَبْناءَكُمْ \[آل عمران: ٦١\]. إن لم نقل إنه من خصائصه صلى الله عليه وسلم. انتهى.
 الثاني- إنما لم يذكر إسماعيل عليه السلام مع إسحاق، بل أخّر ذكره عنه، لأن المقصود بالذكر هاهنا أنبياء بني إسرائيل، وهم بأسرهم أولاد إسحاق ويعقوب، وأما إسماعيل فلم يخرج من صلبه من الأنبياء إلا خاتمهم وأفضلهم صلى الله عليه وسلم. ولا يقتضي المقام ذكره ﷺ لأنه أمر أن يحتج على العرب في نفي الشرك بأن إبراهيم لما ترك قومه وما يعبدون إلى عبادة الله وحده، رزقه الله النعم العظيمة في الدين والدنيا، ومنها إيتاؤه أولادا أنبياء. فإذا كان المحتج بها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلا يذكر في هذا المعرض. ولهذا السبب لم يذكر إسماعيل مع إسحاق- أفاده الرازي-.
 الثالث- اعلم أنه تعالى ذكر هنا ثمانية عشر نبيّا من الأنبياء عليهم السلام من
 (١)
 أخرجه البخاري في: الفتن، ٢٠- باب قول النبيّ ﷺ للحسن بن عليّ: إن بني هذا لسيّد، ولعل الله أن يصلح به بين فئتين من المسلمين، حديث ١٣٠٧ ونصه: حدثنا الحسن قال: لما سار الحسن بن عليّ رضي الله عنهما إلى معاوية بالكتائب، قال عمرو بن العاص لمعاوية: أرى كتيبة لا تولّى حتى تدبر أخراها. قال معاوية: من لذراري المسلمين؟
 قال الحسن: ولقد سمعت أبا هريرة قال: بينا النبيّ ﷺ يخطب جاء الحسن. فقال النبيّ ﷺ **«ابني هذا سيد، ولعلّ الله أن يصلح به بين فئتين من المسلمين»**
 .

### الآية 6:87

> ﻿وَمِنْ آبَائِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَإِخْوَانِهِمْ ۖ وَاجْتَبَيْنَاهُمْ وَهَدَيْنَاهُمْ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ [6:87]

\[ ٨٧ \]  ومن آبائهم وذرياتهم وإخوانهم واجتبيناهم وهديناهم إلى صراط مستقيم ( ٨٧ ) . 
 ومن آبائهم وذرياتهم وإخوانهم  عطف على  كلا  أو  نوحا  أي : كلا منهم فضلنا، وفضلنا بعض آبائهم، أو هدينا من آبائهم ومن معهم للدين الخالص جماعات كثيرة، فالمفعول محذوف.  واجتبيناهم وهديناهم إلى صراط مستقيم  أي : في الاعتقادات والأخلاق والأعمال، فجعلت لهم هذه الفضائل أيضا، ولحقت إبراهيم، فازداد ارتفاع درجاته.

### الآية 6:88

> ﻿ذَٰلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ ۚ وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [6:88]

\[ ٨٨ \]  ذلك هدى الله يهدي به من يشاء من عباده ولو أشركوا لحبط عنهم ما كانوا يعملون ( ٨٨ ) . 
 ذلك هدى الله  إشارة إلى ما دانوا به،  يهدي به من يشاء من عباده ولو أشركوا  أي : هؤلاء مع عظمتهم  لحبط عنهم ما كانوا يعملون  من الأعمال المرضية. فكيف بمن عداهم ؟
قال ابن كثير : فيه تشديد لأمر الشرك، وتغليظ لشأنه، وتعظيم لملابسته، كقوله تعالى : ولقد أوحي إليك وإلى الذين من قبلك لئن أشركت ليحبطن عملك...  [(١)](#foonote-١) الآية وهذا شرط، والشرط لا يقتضي جواز الوقوع، كقوله : قل إن كان للرحمن ولد فأنا أول العابدين [(٢)](#foonote-٢). وكقوله : لو أردنا أن نتخذ لهوا لاتخذناه من لدنا إن كنا /فاعلين [(٣)](#foonote-٣). وكقوله : لو أراد الله أن يتخذ ولدا لاصطفى مما يخلق ما يشاء، سبحانه، هو الله الواحد القهار [(٤)](#foonote-٤).

١ - \[٣٩/ الزمر/ ٦٥\] ... ولتوكنن من الخاسرين (٦٥)..
٢ - \[٤٣/ الزخرف/ ٨١\]..
٣ - \[٢١/ الأنبياء/ ١٧\]..
٤ - \[٣٩/ الزمر/ ٤\]..

### الآية 6:89

> ﻿أُولَٰئِكَ الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ۚ فَإِنْ يَكْفُرْ بِهَا هَٰؤُلَاءِ فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا لَيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ [6:89]

\[ ٨٩ \]  أولئك الذين آتيناهم الكتاب والحكم والنبوة فإن يكفر بها هؤلاء فقد وكلنا بها قوما ليسوا بها بكافرين ( ٨٩ ) . 
 أولئك  إشارة إلى المذكورين من الأنبياء الثمانية عشر، والمعطوفين عليهم، باعتبار اتصافهم بما ذكر من الهداية وغيرها.  الذين آتيناهم الكتاب  أي : جنس الكتاب المتحقق في ضمن أي فرد كان من أفراد الكتب السماوية. والمراد ب ( إيتائه ) التفهيم التام بما فيه من الحقائق. والتمكين من الإحاطة بالجلائل والدقائق، أعم من أن يكون ذلك بالإنزال ابتداء، أو بالإيراث بقاء. فإن المذكورين لم ينزل على كل واحد منهم كتاب معين – أفاده أبو السعود-. 
 والحكم  أي : الحكمة، أو فصل الأمر على ما يقتضيه الحق والصواب،  والنبوة  قال الخفاجي : النبوة وإن كانت أعم، إلا أن المراد بها ما يشمل الرسالة، لأن المذكورين رسل. انتهى. 
 فإن يكفر بها  أي : بهذه الثلاثة،  هؤلاء  يعني : قريشا، فإنهم بكفرهم برسول الله صلى الله عليه وسلم وما أنزل عليه من القرآن، كافرون بما يصدقه جميعا،  فقد وكلنا بها  أي : وفقنا للإيمان بها،  قوما ليسوا بها بكافرين  وهم الأنبياء عليهم السلام، المذكورون وأتباعهم. وأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم- وهو الأظهر- في مقابلة / كفار قريش. أي : فإن في إيمانهم غنية عن إيمان الكفرة بها. وفي التكنية عن توفيقهم للإيمان بها، بالتوكيل الذي أصله الحفظ للشيء، ومراعاته- إيذان بفخامتها وعلوها، وأنه مما ينبغي أن يقدر قدرها قياما بحق الوكالة، وعهد الاستحفاظ. 
قال الرازي : دلت هذه الآية على أنه تعالى سينصر نبيه، ويقوي دينه، ويجعله مستعليا على كل من عاداه، قاهرا من نازعه. وقد وقع هذا الذي أخبر الله تعالى عنه في هذا الموضع. فكان جاريا مجرى الإخبار عن الغيب، فيكون معجزا.

### الآية 6:90

> ﻿أُولَٰئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ ۖ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ ۗ قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا ۖ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرَىٰ لِلْعَالَمِينَ [6:90]

\[ ٩٠ \]  أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده قل لا أسألكم عليه أجرا إن هو إلا ذكرى للعالمين ( ٩٠ ) 
 وأولئك  إشارة إلى الأنبياء المذكورين  الذين هدى الله  أي : إلى الصراط المستقيم  فبهداهم اقتده  أي : بطريقتهم في الإيمان بالله وتوحيده، والأخلاق الحميدة، والأفعال المرضية، والصفات الرفيعة، اعمل. 
تنبيهات
الأول- استدل بهذه الآية من قال : إن شرع من قبلنا شرع لنا، ما لم يرد ناسخ. 
الثاني- استدل بها ابن عباس رضي الله عنه على استحباب السجدة في ( ص )، لأن داود عليه السلام سجدها، رواه البخاري وغيره- ولفظ البخاري[(١)](#foonote-١) : عن العوام، قال :" سألت مجاهدا عن سجدة ( ص )، فقال : سألت ابن عباس : من أين سجدت ؟ فقال : أو ما تقرأ : ومن ذريته داود وسليمان... أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده  فكان داود / ممن أمر نبيكم صلى الله عليه وسلم أن يقتدي به، فسجدها داود عليه السلام فسجدها رسول الله صلى الله عليه وسلم ". 
الثالث- قال الرازي : احتج العلماء بهذه الآية على أن رسولنا صلى الله عليه وسلم أفضل من جميع الأنبياء عليهم الصلاة والسلام. وتقريره : أن بينا أن خصال الكمال، وصفة الشرف، كانت مفرقة فيهم بأجمعهم، فداود وسليمان كانا من أصحاب الشكر على النعمة، وأيوب كان من أصحاب الصبر على البلاء، ويوسف كان مستجمعا لهاتين الحالتين، وموسى عليه السلام كان صاحب الشريعة القوية القاهرة، والمعجزات الظاهرة، وزكرياء ويحيى وعيسى وإلياس كانوا اصحاب الزهد، وإسماعيل كان صاحب الصدق، ويونس كان صاحب التضرع، فثبت أنه تعالى لما ذكر كل واحد من هؤلاء الأنبياء، لأن الغالب عليه خصلة معينة من خصال المدح والشرف. ثم إنه تعالى لما ذكر الكل، أمر نبينا صلى الله عليه وسلم بأن يقتدي بهم بأسرهم، فكأنه أمر بأن يجمع من خصال العبودية والطاعة كل الصفات التي كانت مفرقة فيهم بأجمعهم، وهو معصوم عن مخالفة ما أمر به، فثبت أنه اجتمع فيه جميع ما تفرق فيهم من الكمال، وثبت أنه أفضلهم. وهو استنباط حسن. 
الرابع-  اقتده  يقرأ بسكون الهاء وإثباتها في الوقف دون الوصل، وهي على هذا هاء السكت. ومنهم من يثبتها في الوصل أيضا لشبهها بهاء الإضمار. ومنهم من يكسرها وفيه وجهان : أحدهما هي هاء السكت أيضا، شبهت بهاء الضمير، وليس بشيء. والثاني هي هاء الضمير والمضمر المصدر أي : اقتد الاقتداء. ومثله[(٢)](#foonote-٢) :
هذا سراقة للقرآن يدرسه \*\*\* والمرء عند الرشا، إن يلقها ذيب
 ( فالفاء ) ضمير ( الدرس ) لا مفعول، لأن ( يدرس ) قد تعدى إلى ( القرآن ) وقيل : من سكن الهاء جعلها هاء الضمير، وأجرى الوصل مجرى الوقف- أفاده أبو البقاء-. 
وأما قول الواحدي : الذين أثبتوا الهاء راموا موافقة المصحف، فإن الهاء ثابتة في الخط، فكرهوا مخالفة الخط في حالتي الوقف والوصل، فأثبتوا – فقد قال الخفاجي : إنه مما لا ينبغي ذكره، لأنه يقتضي أن القراءة بغير نقل تقليدا للخط، فمن قاله فقد وهم. 
 قل لا أسألكم عليه أجرا  أي : على القرآن أو التبليغ، فإن مساق الكلام يدل عليهما، وإن لم يجر ذكرهما،  إن هو إلا ذكرى للعالمين  أي : عظة وتذكير لهم ليرشدوا من العمى إلى الهدى. 
**تنبيهان :**
الأول- فيه دليل على أنه صلى الله عليه وسلم كان مبعوثا إلى جميع الخلق، من الجن والإنس. وأن دعوته قد عمت جميع الخلائق. 
الثاني- قال الخفاجي : قيل : الآية تدل على أنه يحل أخذ الأجر للتعليم وتبليغ الأحكام. قال : وللفقهاء فيه كلام. انتهى. 
 وعكس بعض مفسري الزيدية حيث قال : في هذا إشارة إلى أنه لا يجوز اخذ الأجرة على تعليم العلوم، لأن ذلك جرى مجرى تبليغ الرسالة. انتهى. 
أقول : إن الآية دلت على نفي سؤاله صلى الله عليه وسلم منهم أجرا، كي لا يثقل عليهم الامتثال. وأما استفادة الحل والتحريم منها، ففيه خفاء. والقائل بالأول يقول : المعنى لا أسألكم جعلا تعففا. أي : وإن حل لي أخذه. وبالثاني : لا أسألكم عليه أجرا لأني حظرت من ذلك. 
قال ابن القيم : أما الهدية للمفتي، ففيها تفصيل : فإن كانت بغير سبب الفتوى، كمن عادته يهاديه أو من لا يعرف أنه مفت، فلا بأس بقبولها، والأولى أن يكافأ عليها. وإن كانت بسبب الفتوى، فإن كانت سببا إلى أن يفتيه بما لا يفتي به غيره ممن لا يهدي له، لم يجز له قبول هديته، لأنها تشبه المعاوضة على الإفتاء. وأما أخذ الرزق من بيت المال، فإن كان محتاجا إليه، جاز له ذلك. وإن كان غنيا عنه، ففيه وجهان : وهذا فرع متردد بين عامل الزكاة، وعامل اليتيم. فمن ألحقه بعامل الزكاة قال : النفع فيه عام، فله الأخذ. ومن ألحقه بعامل اليتيم منعه من الأخذ. وحكم القاضي في ذلك حكم المفتي، بل القاضي أولى بالمنع. وأما أخذ الأجرة فلا يجوز، لأن الفتيا منصب تبليغ عن الله ورسوله، فلا يجوز المعاوضة عليه، كما لو قال : لا أعلمك الإسلام والوضوء والصلاة إلا بأجرة. أو سئل عن حلال أو حرام ؟ فقال للسائل : لا أجيبك عنه إلا بأجرة، فهذا حرام قطعا، ويلزمه رد العوض، ولا يملكه. انتهى. 
وفي حديث عبد الرحمن بن شبل عن النبي صلى الله عليه وسلم قال :" اقرؤوا القرآن، ولا تغلوا فيه، ولا تجفوا عنه، ولا تأكلوا به، ولا تستكثروا به، - أخرجه الإمام أحمد[(٣)](#foonote-٣) رجال الصحيح. وأخرجه أيضا البزار وله شواهد-. 
 وأخرج أحمد[(٤)](#foonote-٤) والترمذي- وحسنه- عن عمران بن حصين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :" من قرأ القرآن فليسأل الله تبارك وتعالى به، فإنه سيجيء قوم يقرؤون القرآن يسألون الناس به ". 
وأخرج ابن ماجة[(٥)](#foonote-٥) والبيهقي عن أبي بن كعب قال :" علمت رجلا القرآن، فأهدى لي قوسا، فذكرت ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فقال : إن أخذتها أخذت قوسا من نار ". 
وهناك أحاديث أخر، ومنها استدل عل حظر أخذ الأجرة على التعليم. 
وأما أخذ الأجرة على التلاوة، ففي ( الصحيحين ) [(٦)](#foonote-٦) عن عبد الله بن مسعود في قصة اللديغ من قوله صلى الله عليه وسلم :" إن أحق ما أخذتم عليه أجرا، كتاب الله، أصبتم اقتسموا، واضربوا لي معكم سهما ". 
 قال العلامة الشوكاني : حديث ( أحق ما أخذتم عليه أجرا ) عام يصدق على التعليم، وأخذ الأجرة على التلاوة لمن طلب من القارئ ذلك، وأخذ الأجرة على الرقية، وأخذ ما يدفع إلى القارئ من العطاء، لأجل كونه قارئا، ونحو ذلك. فيخص من هذا العموم تعليم المكلف، ويبقى ما عداه داخلا تحت العموم. وبعض أفراد العام فيه، أدلة خاصة تدل على جوازه، كما دل العام على ذلك. فمن تلك الأفراد أخذ الأجرة على الرقية، وتعليم المرأة في مقابلة مهرها. قال : هكذا ينبغي تحرير الكلام في المقام، والمصير إلى الترجيح من ضيق العطن. أي : لأنه يصار إليه عند تعذر الجمع، وقد أمكن، فكان الحق- والله الموفق-.

١ - أخرجه البخاري في: ٦٥- كتاب التفسير، ٣٨- سورة (ص)، ١- حدثنا محمد بن بشار..
٢ - قال صاحب الخزانة (ج ٢ ص ٢، طبعة السلفية) ما نصه:
 هو من شواهد سيبويه.
 على أن الضمير في (يدرسنه) راجع إلى مضمون يدرس. أي يدرس الدرس فيكون راجعا للمصدر المدلول عليه بالفعل. وإنما لم يجز عوده للقرآن، لئلا يلزم تعدي العامل إلى الضمير وظاهره معا.
 واستشهد به أبو حيان في (شرح التسهيل) على أن ضمير المصدر قد يجيء مرادا به التأكيد، وأن ذلك لا يختص بالمصدر الظاهر على الصحيح.
 وأورده سيبويه على أن تقديره عنده: والمرء عند الرشا ذئب إذ يلقها.
 وتقديره عند المبرد: إن يلقها فهو ذئب.
 وهذا من أبيات سيبويه الخمسين التي لم يقف على قائلها أحد.
 قال الأعلم: ملجأ هذا الشاعر رجلا من القراء، نسب إليه الرياء وقبول الرشا والحرص عليها..
٣ - أخرجه في المسند بالصفحة رقم ٤٢٨ من الجزء الثالث (طبعة الحلبي)..
٤ - أخرجه في المسند بالصفحة رقم ٤٣٢ من الجزء الرابع (طبعة الحلبي)..
٥ - أخرجه ابن ماجة في: ١٢- كتاب النجارات، ٨- باب الأجر على تعليم القرآن، حديث رقم ٢١٥٨ (طبعتنا)..
٦ - هذا الحديث ليس عن عبد الله بن مسعود وإنما هو عن عبد الله بن عباس. وليس في الصحيحين بل هو من الأحاديث التي انفرد بها البخاري عن مسلم.
 أخرجه البخاري في: ٧٦- كتاب الطب، ٣٤- باب الشرط في الرقية بقطيع من الغنم، حديث رقم ٢٢٦٠ ونصه:
 عن ابن عباس أن نفرا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم مروا بماء فيهم لديغ (أو سليم) فعرض لهم رجل من أهل الماء. فقال: هل لديكم من راق؟ إن في الماء رجلا لديغا (أو سليما). فانطلق رجل منهم فقرأ بفاتحة الكتاب على شاء. فبرأ. =
 = فجاء بالشاء إلى أصحابه فكرهوا ذلك، وقالوا: أخذت على كتاب الله أجرا؟ ! حتى قدموا المدينة فقالوا: يا رسول الله ! أخذ على كتاب الله أجرا !!.
 فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن أحق ما أخذتم عليه أجرا كتاب الله ".
 أما الحديث الذي فيه (اضربوا لي بسهم) فهو حقيقة في الصحيحين من رواية أبي سعيد الخدري في قصة مثل قصة الحيدث السابق.
 **فقد أخرج البخاري في:**
 ٣٧- كتاب الإجارة، ١٦- باب ما يعطى في الرقية.
 وفي: ٦٦- كتاب فضائل القرآن؟، ٩- باب فاتحة الكتاب.
 وفي: ٧٦- كتاب الطب، ٣٣- باب الرقى بفاتحة الكتاب.
 وفي: ٧٦-ب كتاب الطب، ٣٩- باب النفث في الرقية.
 والحديث رقم ١١٣٢.
 وأخرجه مسلم في: ٣٩- كتاب السلام، حديث ٦٥ و٦٦ (طبعتنا)..

### الآية 6:91

> ﻿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَىٰ بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ ۗ قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَىٰ نُورًا وَهُدًى لِلنَّاسِ ۖ تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًا ۖ وَعُلِّمْتُمْ مَا لَمْ تَعْلَمُوا أَنْتُمْ وَلَا آبَاؤُكُمْ ۖ قُلِ اللَّهُ ۖ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ [6:91]

ولما بين تعالى شأن القرآن العظيم، وأنه نعمة كبرى على العالمين، تأثره ببيان كفرهم بذلك، على وجه سرى على الكفر بجميع الكتب المنزلة، فقال سبحانه :
\[ ٩١ \]  وما قدروا الله حق قدره إذ قالوا ما أنزل الله على بشر من شيء قل من أنزل الكتاب الذي جاء به موسى نورا وهدى للناس تجعلونه قراطيس تبدونها وتخفون كثيرا وعلمتم ما لم تعلموا أنتم ولا آباؤكم قل الله ثم ذرهم في خوضهم يلعبون ( ٩١ ) . 
 وما قدروا الله حق قدره  أي : ما عظموه حق تعظيمه و  حق  نصب على المصدرية، وهو في الأصل صفة للمصدر. أي : قدره الحق، فلما أضيف إلى موصوفه انتصب على ما كان ينتصب عليه موصوفه.  إذ قالوا ما أنزل الله على بشر من شيء  أي : حين اجترؤوا على التفوه بهذه الجملة الشنعاء، وذلك منهم مبالغة في إنكار إنزال القرآن على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فألزموا بما لا سبيل لهم إلى إنكاره أصلا، حيث قيل في جواب سلبهم العام، بإثبات قضية جزئية بديهية التسليم :
 قل من أنزل الكتاب الذي جاء به موسى نورا  حال من الضمير في  به  أو من  الكتاب ،  هدى للناس  أي : ضياء من ظلمة الجهالة، وبيانا يفرق بين الحق والباطل،  تجعلونه قراطيس تبدونها  : يجزئونه أوراقا يبدونها للناس مما ينتخبونه. أي : فكيف ينكر إنزال شيء، وهذا المنزل المذكور ظاهر للعيان. والعدول عن التوراة إلى ذكر الكتاب وصفته، والحال بعده- لزيادة التقريع، وتشديد التبكيت، وإلقام الحجر.  وتخفون كثيرا  معطوف على  تبدونها ، والعائد محذوف، أي : كثيرا منها. أو كلام مبتدأ لا محل له من الإعراب. أي : وهم يخفون كثيرا. أي : ومع ذلك فالإلزام يكفي بما يبدونه، المعترف لديهم بحقيته. وفيه نعي على أهل الكتاب بسوء صنيعهم المذكور، إذ ما يريدون بإخفاء كثير منها إلا تبديل الدين. 
 وعلمتم  أي : على لسان محمد صلى الله عليه وسلم  ما لم تعلموا أنتم ولا آباؤكم  من المعارف / التي لا يرتاب في أنها تنزيل رباني،  قل الله  أي : أنزله الله، والله أنزله. أمره بأن يجيب عنهم، إشعارا بأن الجواب متعين لا يمكن غيره، وتنبيها على أنهم بهتوا، بحيث إنهم لا يقدرون على الجواب. 
 ثم  بعد التبليغ وإلزام الحجة  ذرهم في خوضهم  أي : في باطلهم  يلعبون  أي : يفعلون فعل اللاعب، وهو ما لا يجر لهم نفعا، ولا يدفع عنهم ضررا، مع تضييع الزمان. 
**تنبيه :**
**في هذه الآية قولان :**
الأول- أنها مكية النزول تبعا للسورة، وأن القائل ذلك هم المشركون، وإلزامهم إنزال التوراة، لما أنه كان عندهم من المشاهير الذائعة، وهذا هو الظاهر. 
قال ابن كثير : قال ابن عباس[(١)](#foonote-١) ومجاهد[(٢)](#foonote-٢) وعبد بن كثير : هذه الآية نزلت في قريش، واختاره ابن جرير. قال ابن كثير : وهو الأصح، لأن اليهود لا ينكرون إنزال الكتب من السماء، وأما كفار قريش فكانوا ينكرون رسالة النبي صلى الله عليه وسلم، لأنه من البشر، كما قال تعالى : أكان للناس عجبا أن أوحينا إلى رجل منهم أن أنذر الناس [(٣)](#foonote-٣) وكقوله تعالى : وما منع الناس أن يؤمنوا إذ جاءهم الهدى إلا أن قالوا أبعث الله بشرا رسولا [(٤)](#foonote-٤). وكذا قالوا هنا : ما أنزل الله على بشر من شيء . فألزموا بإنزال / الكتاب الذي جاء به موسى، وهو التوراة التي علموا هم وكل أحد أن الله أنزلها على موسى تكذيبا لقولهم، وإيقافا على عنادهم. ومعلوم ما كان بين قريش ويهود المدينة من التعارف، وتسليم قريش أنهم أهل الكتاب، وأنهم أعلم منهم لأجله، مما يوجب اعترافهم بحقية التوراة، وأنها منزلة من لدنه تعالى. وعلى هذا القول، فالقراءة بالياء التحتية ظاهر. وعلى قراءة الخطاب، فهو التفات من خطاب قوم إلى خطاب قوم آخرين. وهو التفات عند الأدباء- حكاه الخفاجي- وإنما جعل من الانتقال عن خطابهم إلى خطاب اليهودية، تعريضا لهم بأن إنكارهم إنزال الله تعالى من جنس فعل هؤلاء بالتوراة في البطلان، وعدم الإسناد إلى برهان. ثم القول بأن الخطاب في  علمتم  لمؤمني قريش. لا يقتضيه السياق ولا السباق، وفيه تفكيك للنظم الجليل، كالقول بأنه اعتراض للامتنان على النبي صلى الله عليه وسلم وأتباعه، لهدايتهم للمجادلة بالتي هي أحسن. بل الخطاب فيه كسابقه، والمراد بتعليمهم، وهم مشركون، ما يسمعونه ويتلقفونه من النبي صلى الله عليه وسلم وصحابته، من فرائد الوحي وفوائده، مما لا يرتاب في تنزيلها، كما أوضحناه قبل. 
القول الثاني- إن هذه الآية مدنية النزول. ولا يرد أن هذه السورة مكية، ومناظرات اليهود كانت في المدينة، لأن كثيرا من السور المكية ألحقت بها آيات مدنية، وحينئذ فقولهم ( هذه السورة مكية ) أي : إلا ما استثنى مما ألحقت بها، كما أوضحه السيوطي في ( الإتقان ) وساق له شواهد. وقد أشرنا إلى ذلك أول هذه السورة، فتذكر !. 
ثم القائلون بأنها مدنية، منهم من قال : نزلت في طائفة من اليهود، أو في فنحاص، أو في مالك بن الصيف. أخرج ابن جرير[(٥)](#foonote-٥) من طريق ابن أبي طلحة عن ابن عباس قال :" قالت اليهود : والله ما أنزل الله من السماء كتابا، فأنزلت ". 
 وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير –مرسلا- قال :" جاء رجل من اليهود يقال له مالك بن الصيف، فخاصم النبي صلى الله عليه وسلم، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : أنشدك بالذي أنزل التوراة على موسى، هل تجد في التوراة أن الله يبغض الحبر السمين- وكان حبرا سمينا- ؟ فغضب وقال : ما أنزل الله على بشر من شيء ! فقال له أصحابه : ويحك ! ولا على موسى ؟ فأنزل الله : وما قدروا الله حق قدره...  الآية ". 
قال البغوي : وفي القصة أن مالك بن الصيف، لما سمعت اليهود منه تلك المقالة، عتبوا عليه، وقالوا : أليس الله أنزل التوراة على موسى، فلم قلت : ما أنزل الله من شيء ؟ فقال مالك بن الصيف : أغضبني محمد، فقلت ذلك، فقالوا له : وأنت إذا غضبت تقول على الله غير الحق ! فنزعوه عن الحبرية. وبعد الوقوف على ذلك، فلا معنى لاعتراض بعضهم بأن مالك بن الصيف كان مفتخرا بكونه يهوديا متظاهرا بذلك، ومع هذا المذهب لا يمكنه البتة أن يقول : ما أنزل الله على بشر من شيء، لأنه تبين أنه قال ذلك متغيظا، وقد أخذ الغضب منه مأخذه عنادا ومكابرة، توصلا لدفع ما يريده. وقد يبلغ الحمق بصاحبه إلى حد يتبرأ فيه من مذهبه ومعتقده، إغاظة لخصمه على زعمه. وبوادر اللسان في حق المولى تعالى وتقدس، مما لا تغتفر، ولذا بين تعالى جهل ذك القائل بقوله :/  وما قدروا الله حق قدره . 
قال العلامة البقاعي : لأن من نسب ملكا تام الملك إلى أنه لم يبث أوامره في رعيته بما يرضيه ليفعلوه، وما يسخطه ليجتنبوه، فقد نسبه إلى نقص عظيم. فكيف إذا كانت تلك النسبة كذبا ؟ وإنما أسند إلى الكل- والقائل بعضهم- لأنهم لم يردوا على قائله، ولم / يعالجوه بالأخذ على يده، تهويلا للأمر، وبيانا لأنه يجب على كل من سمع بآية من آيات الله أن يسعى إليها، ويتعرف أمورها. فمن طعن فيها أخذ على يده بما تصل إليه قدرته، فقال مشيرا إلى أن اليهود قائلوا ذلك، ملزما لهم بالاعتراف بالكذب، أو المساواة للأميين في التمسك بالهوى دون كتاب، موبخا لهم، ناعيا عليهم سوء جهلهم، وعظيم بهتهم، وشدة وقاحتهم، وعدم حيائهم  قل من أنزل الكتاب الذي جاء به موسى  ؟ أي : قل لهؤلاء السفهاء الذين تجرأوا على هذه المقالة، غير ناظرين في عاقبتها، وما يلزم منها، توبيخا لهم، وتوقيفا على شنيع جهلهم : من أنزل الكتاب الذي جاء به موسى  الذي أنتم تزعمون التمسك بشرعه  تجعلونه قراطيس  أي : أوراقا مفرقة، لتتمكنوا بها من إخفاء ما أردتم،  تبدونها  للناس أي : تظهرونها للناس،  وتخفون كثيرا  أي : منها ما تريدون به تبديل الدين. هذا على قراءة الفوقانية. وعلى قراءة التحتانية التفات مؤذن بشدة الغضب، مشير إلى أن ما قالوه حقيق بأن يستحيى من ذكره، فكيف يفعله. وقوله : وعلمتم  أي : أيها اليهود بالكتاب الذي أنزل على موسى : ما لم تعلموا أنتم  أي : أيها اليهود من أهل هذا الزمان  ولا آباؤكم  أي : الأقدمون. انتهى كلام البقاعي رحمه الله تعالى. وفي قوله ( إنما أسند إلى الكل... ) إلى آخره، نظر. لأن إسناده ليس إليهم، لأنهم رضوا به، لأن القصة السالفة تدل على خلافه. 
وللبقاعي رحمه الله وجه آخر في الآية، قال : ويمكن أن تكون مكية، ويكون قولهم هذا حين أرسلت إليهم قريش تسألهم عنه صلى الله عليه وسلم في أمر رسالته، فاحتج عليهم بإرسال موسى عليه السلام، وإنزال التوراة عليه. انتهى. وهو قريب وجيه جدا. 
وبالجملة، فالآية الكريمة متصادقة مع الأوجه المذكورة، وتتنزل في التأويل، على ما بينا في كل تنزيلا لا شائبة معه لإشكال ما. وقد استصعب الرازي تأويلها، وأخذ يحاول أسئلة هي على طرف الثمام، بعد النظر فيما بينا. فالحمد الله الذي هدانا لهذا. 
 لطائف
الأولى- قال أبو السعود رحمه الله. ليس المراد بالآية مجرد إلزامهم بالاعتراف بإنزال التوراة فقط، بل بإنزال القرآن أيضا، فإن الاعتراف بإنزالها مستلزم للاعتراف بإنزاله قطعا، لما فيها من الشواهد الناطقة به. 
الثانية- قال أيضا في قوله تعالى : تجعلونه قراطيس  أي : تضعونه في قراطيس مقطعة، وورقات مفرقة، بحذف الجار، بناء على تشبيه القراطيس بالظرف المبهم، أو تجعلونه نفس القراطيس المقطعة. وفيه زيادة توبيخ لهم بسوء صنيعهم، كأنهم أخرجوه من جنس الكتاب، ونزلوه منزلة القراطيس الخالية عن الكتابة. 
الثالثة- في قوله تعالى : تبدونها وتخفون كثيرا  دلالة على أنه لا يجوز كتم العلم الديني عمن يهتدي به. قاله بعض الزيدية.

١ - الأثر رقم ١٣٥٤٢ من التفسير..
٢ - الأثر رقم ١٣٥٤١ من التفسير، وصوابه: عبد الله بن كثير أنه سمع مجاهدا..
٣ - \[١٠/ يونس/٢\] ونصها: ... وبشر الذين آمنوا أن لهم قدم صدق عند ربهم قال الكافرون إن هذا لسحر مبين (٢)..
٤ - \[١٧/ الإسراء/ ٩٤\]..
٥ - الأثر رقم ١٣٥٤٠ من التفسير ونصه:
 عن ابن عباس قوله: وما قدروا الله حق قدره إذ قالوا ما أنزل الله على بشر من شيء. يعني بني إسرائيل. قالت اليهود: يا محمد ! أنزل الله عليك كتابا؟ قال: نعم ! قالوا: والله ! ما أنزل الله من السماء كتابا.
 قال: فأنزل الله: قل يا محمد ! من أنزل الكتاب الذي جاء به موسى نورا وهدى للناس إلى قوله: ولا آباؤكم 
 قال: الله أنزله..

### الآية 6:92

> ﻿وَهَٰذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَىٰ وَمَنْ حَوْلَهَا ۚ وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ يُؤْمِنُونَ بِهِ ۖ وَهُمْ عَلَىٰ صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ [6:92]

ولما أبطل تعالى كلمتهم الشنعاء السالفة بتقرير إنزال التوراة، بين تنزيل ما يصدقها بقوله :
\[ ٩٢ \]  وهذا كتاب أنزلناه مبارك مصدق الذي بين يديه ولتنذر أم القرى ومن حولها والذين يؤمنون بالآخرة يؤمنون به وهم على صلاتهم يحافظون ( ٩٢ ) . 
 وهذا  يعني : القرآن : كتاب أنزلناه مبارك  أي : كثير المنافع والفوائد، لاشتماله على منافع الدارين، وعلوم الأولين والآخرين، وما لا يتناهى من الفوائد. 
قال الرازي : العلوم إما نظرية، وإما عملية. فالأولى أشرفها. وأكملها معرفة ذات الله وصفاته وأفعاله وأحكامه وأسمائه. ولا ترى هذه العلوم أكمل ولا أشرف مما تجده في هذا الكتاب. وأما الثانية : فالمطلوب إما أعمال الجوارح، وإما أعمال القلوب، وهو المسمى / بطهارة الأخلاق، وتزكية النفس. ولا تجد هذين العلمين مثل ما تجده في هذا الكتاب. ثم جرت سنة الله بأن الباحث عنه، والمتمسك به، حصل له عز الدنيا، وسعادة الآخرة. انتهى. قال الخفاجي : وقد شوهد ذلك في كل عصر. 
 مصدق الذي بين يديه  أي : من التوراة أو من الكتب التي أنزلت قبله، في إثبات التوحيد، والأمر به ونفي الشرك، والنهي عنه. وفي سائر أصول الشرائع التي لا تنسخ. 
 ولتنذر أم القرى  يعني : مكة. سميت بذلك لأنها مكان أول بيت وضع للناس، ولأنها قبلة أهل القرى كلها ومحجهم، ولأنها أعظم القرى شأنا، وغيرها كالتبع لها، كما يتبع الفرع الأصل. وفي ذكرها بهذا الاسم، المنبئ عما ذكر، إشعار بأن إنذار أهلها مستتبع لإنذار أهل الأرض كافة.  ومن حولها  من أطراف الأرض، شرقا وغربا. كما قال في الآية الأخرى : لأنذركم به ومن بلغ [(١)](#foonote-١). وقوله : قل يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعا [(٢)](#foonote-٢). وقال : تبارك الذي نزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيرا [(٣)](#foonote-٣). وقال تعالى : وقل للذين أوتوا الكتاب والأميين أأسلمتم، فإن / أسلموا فقد اهتدوا، وإن تولوا فإنما عليك البلاغ، والله بصير بالعباد [(٤)](#foonote-٤). 
وثبت في ( الصحيحين ) [(٥)](#foonote-٥) أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :" أعطيت خمسا لم يعطهن أحد من الأنبياء قبلي، وذكر منهن : وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة، وبعثت على الناس عامة ". 
 والذين يؤمنون بالآخرة يؤمنون به وهم على صلاتهم يحافظون  فإن من صدق بالآخرة خاف العاقبة، ولا يزال الخوف يحمله على النظر والتدبر، حتى يؤمن بالنبي والكتاب ( والضمير يحتملهما ) ويحافظ على الصلاة. والمراد بها إما الطاعة مجازا، أو حقيقتها. وتخصيصها لكونها أشرف العبادات بعد الإيمان، وأعظمها خطرا. 
قال الرازي : ألا ترى أنه لم يقع اسم الإيمان على شيء من العبادات الظاهرة إلا على الصلاة، كما قال تعالى : وما كان الله ليضيع إيمانكم، إن الله بالناس لرؤوف رحيم [(٦)](#foonote-٦) / أي : صلاتكم. ولم يقع اسم الكفر على شيء من المعاصي إلا على ترك الصلاة. قال عليه الصلاة والسلام :" من ترك الصلاة متعمدا فقد كفر ". فلما اختصت الصلاة بهذا النوع من التشريف، لا جرم خصها الله بالذكر في هذا المقام. انتهى. 
أقول : الحديث المذكور رواه الطبراني في أوسط ( معاجمه ) عن أنس وصحح. وتمامه :" فقد كفر جهارا " كما في ( الجامع الصغير ) -. 
أخرج ابن أبي حاتم عن مسروق، قال في هذه الآية : أي يحافظون على مواقيتها.

١ - \[٦/ الأنعام/ ١٩\] ونصها: قل أي شيء أكبر شهادة قل الله شهيد بيني وبينكم وأوحي إلى هذا القرآن لأنذركم به ومن بلغ أئنكم لتشهدون أن مع الله آلهة أخرى قل لا أشهد قل إنما هو إله واحد وإنني بريء مما تشركون (١٩)..
٢ - \[٧/ الأعراف/ ١٥٨\] ... الذي له ملك السماوات والأرض لا إله إلا هو يحي ويميت فآمنوا بالله ورسوله النبي الأمي الذي يؤمن بالله وكلمته واتبعوه لعلكم تهتدون(١٥٨)..
٣ - \[٢٥/ الفرقان/ ١\]..
٤ - \[٣/ آل عمران/ ٢٠\] ونصها: فإن حاجوك فقل أسلمت وجهي لله ومن اتبعن......
٥ - أخرجه البخاري في: ٧- كتاب التيمم، ١- باب قول الله تعالى: فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه، حديث ٢٣١ ونصه:
 عن جابر ان النبي صلى الله عليه وسلم قال: "أعطيت خمسا لم يعطهن أحد قبلي: نصرت بالرعب مسيرة شهر، وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا. فأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصل. وأحلت لي الغنائم ولم تحل لأحد قبلي. وأعطيت الشفاعة. وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة، وبعثت للناس عامة".
 وأخرجه مسلم في: ٥- كتاب المساجد ومواضع الصلاة، حديث رقم ٣/ طبعتننا)..
٦ - \[٢/ البقرة/ ١٤٣\] ونصها: وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا وما جعلنا القبلة التي كنت عليها إلا لنعلم من يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه وإن كانت لكبيرة إلا على الذين هدى الله.....

### الآية 6:93

> ﻿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَىٰ عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ وَمَنْ قَالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ ۗ وَلَوْ تَرَىٰ إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ ۖ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنْتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ [6:93]

\[ ٩٣ \]  ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو قال أوحي إلي ولم يوح إليه شيء ومن قال سأنزل مثلما أنزل الله ولو ترى إذ الظالمون في غمرات الموت والملائكة باسطوا أيديهم أخرجوا أنفسكم اليوم تجزون عذاب الهون بما كنتم تقولون على الله غير الحق وكنتم عن آياته تستكبرون ( ٩٣ ) . 
 ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا  أي : اختلق إفكا، فجعل له شركاء أو ولدا، أو أحكاما في الحل والحرمة، كعمرو بن لحي وأشباهه، ممن جعل قوله قول الله.  أو قال أوحي إلي ولم يوح إليه شيء  ممن ادعى النبوة كذبا. وهذا يزيد على الافتراء في دعوى النبوة. 
قال البقاعي : هذا تهديد على سبيل الإجمال. كعادة القرآن الجميل، يدخل فيه كل من اتصف بشيء من ذلك، كمسيلمة والأسود العنسي وغيرهما. ثم قال : رأيت في كتاب ( غاية المقصود في الرد على النصارى واليهود ) لابن يحيى المغربي الذي كان من علمائهم في حدود/ سنة ٥٦٠ ثم هداه الله للإسلام فبين فضائحهم : إن الربانيين منهم زعموا أن الله يوحي إلى جميعهم في كل يوم مرات. ثم قال : إن الربانيين أكثرهم عددا، يزعمون أن الله يخاطبهم في كل مسألة بالصواب. وهذه الطائفة أشد اليهود عداوة لغيرهم في الأمم. انتهى. 
 ومن قال سأنزل مثل ما أنزل الله  أي : ومن ادعى أنه يعارض ما جاء من عند الله من الوحي مما يفتريه من القول، كالنضر بن الحارث. وهذا كقوله تعالى : وإذا تتلى عليهم آياتنا قالوا قد سمعنا لو نشاء لقلنا مثل هذا [(١)](#foonote-١) الآية. 
قال المهايمي : أي ومن أنكر إعجاز القرآن حتى قال : سأنزل مثل ما أنزل الله، مع أنه قد عرف إعجازه، فكأنه ادعى لنفسه قدرة الله، فكأنه أدعى الإلهية لنفسه. ولا يجترئ على هذه الوجوه من الظلم من يؤمن بالآخرة، فيعلم ما للظالمين فيها، المبين بقوله تعالى : ولو ترى إذ الظالمون في غمرات الموت . أي شدائده وسكراته وكرباته،  والملائكة باسطوا أيديهم  أي : بالضرب والعذاب، كقوله تعالى : ولو ترى إذ يتوفى الذين كفروا الملائكة يضربون وجوههم وأدبارهم [(٢)](#foonote-٢). 
 أخرجوا أنفسكم  أي : قائلين لهم : أخرجوا إلينا أرواحكم من أجسادكم، تغليظا وتوبيخا وتعنيفا عليهم. وقد جنح بعضهم إلى أن ما ذكر من مجاز التمثيل. أي : فشبه فعل الملائكة في قبض أرواحهم، بفعل الغريم الذي يبسط يده إلى من عليه الحق ويعنف في استيفاء حقه من غير إمهال. وفي ( الكشف ) أنه كناية عن ذلك، ولا بسط ولا قول حقيقة. قال الناصر في ( الانتصاف ) : ولا حاجة إلى ذلك. والظاهر أنهم يفعلون معهم هذه الأمور حقيقة، على الصور المحكية. وإذا أمكن البقاء على الحقيقة، فلا معدل عنها. انتهى. 
 وقال الحافظ ابن كثير : إن الكافر إذا احتضر بشرته الملائكة بالعذاب والنكال والأغلال والسلاسل والجحيم والحميم وغضب الرحمن الرحيم، فتتفرق روحه في جسده، وتعصي، وتأبى الخروج، فتضربهم الملائكة حتى تخرج أرواحهم من أجسادهم، قائلين لهم : أخرجوا أنفسكم. انتهى. 
أقول : مما يؤيد الحقيقية آية  ولو ترى إذ يتوفى  المتقدمة، فإنها صريحة، ومراعاة النظائر القرآنية أعظم ما يفيد في باب التأويل. 
قال السيوطي في ( الإكليل ) : في هذه الآية حال الكافر عند القبض، وعذاب القبر. واستدل بها محمد بن قيس على أن لملك الموت أعوانا من الملائكة – أخرجه ابن أبي حاتم-. 
 اليوم  أي : وقت الإماتة، أو الوقت الممتد من الإماتة إلى ما لا نهاية له.  تجزون عذاب الهون  أي : الهوان الشديد،  بما كنتم تقولون على الله غير الحق  كالتحريف ودعوى النبوة الكاذبة. وهو جراءة على الله متضمنة للاستهانة به- قاله المهايمي-.  وكنتم عن آياته تستكبرون  حتى قال بعضكم : سأنزل مثل ما أنزل الله.

١ - \[٨/ الأنفال/ ٣١\] ... مثل هذا إن هذا إلا أساطير الأولين (٣١)..
٢ - \[٨/ الأنفال/ ٥٠\] ... وذوقوا عذاب الحريق (٥٠)..

### الآية 6:94

> ﻿وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَىٰ كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ ۖ وَمَا نَرَىٰ مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ ۚ لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنْكُمْ مَا كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ [6:94]

\[ ٩٤ \]  ولقد جئتمونا فرادى كما خلقناكم أول مرة وتركتم ما خولناكم وراء ظهوركم وما نرى معكم شفعاءكم الذين زعمتم أنهم فيكم شركاء لقد تقطع بينكم وضل عنكم ما كنتم تزعمون ( ٩٤ ) . 
 ولقد جئتمونا  أي : للحساب والجزاء  فرادى  أي : منفردين عن الأموال والأولاد، وما أثرتموه من الدنيا. أو عن الأعوان والأوثان التي زعمتم أنها شفعاؤكم.  فرادى  جمع فريد، كأسير وأسارى. 
  كما خلقناكم أول مرة  أي : مشبهين ابتداء خلقكم، حفاة عراة غرلا يعني ( قلفا ). 
وروى الشيخان[(١)](#foonote-١) عن ابن عباس قال :" قام رسول الله صلى الله عليه وسلم بموعظة فقال : أيها الناس ! إنكم تحشرون إلى الله حفاة عراة غرلا، { كما بدأنا أول خلق نعيده وعدا علينا إنا كنا فاعلين ". 
ورويا أيضا[(٢)](#foonote-٢) عن عائشة قالت/ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" تحشرون حفاة عراة غرلا. قالت عائشة : فقلت : يا رسول الله ! الرجال والنساء جميعا ينظر بعضهم إلى بعض ؟ ! قال : الأمر أشد من أن يهمهم ذلك ". 
وروى الطبري[(٣)](#foonote-٣) بسنده عن عائشة " أنها قرأت قول الله عز وجل : ولقد جئتمونا فرادى كما خلقناكم أول مرة  فقالت : يا رسول الله ! واسوأتاه ! إن الرجال والنساء يحشرون / جميعا ينظر بعضهم إلى سوأة بعض ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لكل امرئ منهم يومئذ شأن يغنيه. لا ينظر الرجال إلى النساء، ولا النساء إلى الرجال، شغل بعضهم عن بعض ". 
 وتركتم ما خولناكم  ما تفضلنا به عليكم في الدنيا، فشغلتم به عن الآخرة من الأموال والأولاد والخدم والخول  وراء ظهوركم  يعني : في الدنيا، ولم تحملوا منه نقيرا. كناية عن كونهم لم يصرفوه إلى ما يفيد الآخرة. 
وقد ثبت في ( الصحيح ) [(٤)](#foonote-٤) أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :" يقول ابن آدم : مالي ! مالي ! وهل لك من مالك إلا ما أكلت فأفنيت، أو لبست فأبليت، أو تصدقت فأمضيت " ؟ وزاد في رواية :" وما سوى ذلك فهو ذاهب وتاركه للناس ". 
 وما نرى معكم شفعاءكم الذين زعمتم أنهم فيكم شركاء  أي : لله في الربوبية، واستحقاق العبادة،  لقد تقطع بينكم  قرئ بالرفع. أي : شملكم. فإن البين من الأضداد، يستعمل للوصل والفصل. وبالنصب على إضمار الفاعل، لدلالة ما قبله عليه. أي : تقطع الأمر، أو الاشتراك، أو وصلكم بينكم. أو على إقامته مقام موصوفه. والأصل :/ لقد تقطع ما بينكم، وقد قرئ به. أي : تقطع ما بينكم من الأسباب والوصلات. 
 وضل عنكم ما كنتم تزعمون  أي : ذهب عنكم ما زعمتم من رجاء الأنداد والأصنام، كقوله تعالى : إذ تبرأ الذين اتبعوا من الذين اتبعوا ورأوا العذاب وتقطعت بهم الأسباب، وقال الذين اتبعوا لو أن لنا كرة فنتبرأ منهم كما تبرؤوا منا، كذلك يريهم الله أعمالهم حسرات عليهم، وما هم بخارجين من النار [(٥)](#foonote-٥). وقال تعالى : فإذا نفخ في الصور فلا أنساب بينهم يومئذ ولا يتساءلون [(٦)](#foonote-٦). والآيات في هذا كثيرة جدا.

١ - أخرجه البخاري في: ٦٠- كتاب الأنبياء، ٨- باب قول الله تعالى واتخذ الله إبراهيم خليلا، حديث ١٥٨٥ ونصه:
 عن ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إنكم محشورون حفاة عراة غرلا" ثم قرأ: كما بدأنا أول خلق نعيده وعدا علينا إنا كنا فاعلين.
 "وأول من يكسى يوم القيامة إبراهيم وإن أناسا من أصحابي يؤخذ بهم ذات الشمال فأقول: أصحابي ! أصحابي! فيقول: انهم لم يزالوا مرتدين على اعقابهم منذ فارقهم. فأقول، كما قال العبد الصالح:وكنت شهيدا عليهم ما دمت فيهم\_ إلى قوله: الحكيم.
 وأخرجه مسلم في: ٥١- كتابه الجنة وصفة نعيمها وأهلها، حديث ٥٨ (طبعتنا)..
٢ - أخرجه البخاري في: ٨١- كتاب الرقاق، ٤٥- باب كيف الحشر، حديث ٢٤٥١
 وأخرجه مسلم في: ٥١- كتاب الجنة وصفة نعيمها، حديث ٥٦ (طبعتنا)..
٣ - الأثر رقم ١٣٥٧٠١ من التفسير..
٤ - أخرجه مسلم في: ٥٣- كتاب الزهد والرقائق، حديث ٣ و٤ (طبعتنا) عن عبد الله بن الشخير..
٥ - \[٢/ البقرة/ ١٦٦ و ١٦٧\]..
٦ - \[٢٣/ المؤمنون/ ١٠١\]..

### الآية 6:95

> ﻿۞ إِنَّ اللَّهَ فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَىٰ ۖ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ ۚ ذَٰلِكُمُ اللَّهُ ۖ فَأَنَّىٰ تُؤْفَكُونَ [6:95]

\[ ٩٥ \]  إن الله فالق الحب والنوى يخرج الحي من الميت ومخرج الميت من الحي ذلكم الله فأنى تؤفكون ( ٩٥ ) . 
 إن الله فالق الحب والنوى  شروع في بعض مبدعاته الدالة على كمال قدرته، وعلمه وحكمته، إثر تقرير شأن توحيده تعالى، وذلك للتنبيه على أن المقصود الأعظم هو معرفته سبحانه وتعالى بجميع صفاته وأفعاله، وأنه مبدع الأشياء وخالقها. ومن كان كذلك كان هو المستحق للعبادة، لا هذه الأصنام التي كانوا يعبدونها، ولتعريف خطئهم في الإشراك الذي كانوا عليه. والمعنى : أن الذي يستحق العبادة دون غيره، هو الله الذي فلق الحب عن النبات، والنواة عن النخلة. 
وفي معنى  فالق  قولان :
أحدهما- أنه بمعنى خالق. وهو قول ابن عباس في رواية العوفي عنه. وبه قال الضحاك ومقاتل. قال الواحدي : ذهبوا ب ( فالق ) مذهب ( فاطر ). وأنكر الطبري[(١)](#foonote-١) هذا، وقال : لا يعرف في كلام العرب ( فلق الله الشيء )، بمعنى خلق. ونقل الأزهري عن الزجاج جوازه. وكذا المجد في ( القاموس ). 
قال الرازي :( الفطر ) هو الشق، وكذلك ( الفلق ). فالشيء قبل أن دخل في الوجود كان معدوما محضا، ونفيا صرفا. والعقل يتصور من العدم ظلمة متصلة لا انفراج فيها، / ولا انفلاق، ولا انشقاق. فإذا أخرجه المبدع الموجد من العدم إلى الوجود، فكأنه حمل الفالق على الموجد والمبدع. 
والقول الثاني- وهو قول الأكثرين : أن الفلق هو الشق. وفي معناه وجهان :
أحدهما- مروي عن ابن عباس قال :" فلق الحبة عن السنبلة، والنواة عن النخلة ". وهو قول الحسن والسدي وابن زيد. قال الزجاج : يشق الحبة اليابسة، والنواة اليابسة، فيخرج منها ورقا أخضر. 
الوجه الثاني- وهو قول مجاهد : أنه الشقان اللذان في الحب والنوى. 
وضعف بأنه لا دلالة فيه على كمال القدرة. 
و ( الحب ) : ما ليس له نوى، كالحنطة والشعير والأرز. 
و ( النوى ) : جمع نواة، وهو الموجود في داخل الثمرة، مثل نوى التمر والخوخ وغيرهما. 
قال الإمام الرازي : إذا عرفت ذلك، فنقول : إنه إذا وقعت الحبة أو النواة في الأرض الرطبة، ثم مر به قدر من المدة، اظهر الله تعالى في تلك الحبة والنواة من أعلاها شقا، ومن أسفلها شقا آخر، فالأول يخرج منه الشجرة الصاعدة إلى الهواء والثاني يخرج من الشجرة الهابطة في الأرض، المسماة بعروق الشجرة. وتصير تلك الحبة والنواة سببا لاتصال الشجرة الصاعدة في الهواء بالشجرة الهابطة في الأرض. 
ثم إن ههنا. 
**عجائب :**
فإحداهما- أن طبيعة تلك الشجرة، إن كانت تقتضي الهوي في عمق الأرض، فكيف تولدت منها الشجرة الصاعدة في الهواء ؟ وإن كانت تقتضي الصعود في الهواء، فكيف تولدت منها الشجرة الهابطة في الأرض ؟ فلما تولد منها الشجرتان، مع أن الحس والعقل / يشهد بكون طبيعة إحدى الشجرتين مضادة لطبيعة الشجرة الأخرى- علمنا ذلك ليس بمقتضى الطبع والخاصية، بل بمقتضى الإيجاد والإبداع والتكوين والاختراع. 
وثانيها- أن بطن الأرض جرم كثيف صلب، لا تنفذ المسلة القوية فيه، ولا يغوص السكين الحاد القوي فيه. ثم إنا نشاهد أطراف تلك العروق في غاية الدقة واللطافة، بحيث لو دلكها الإنسان بأصبعه بأدنى قوة، لصارت كالماء، ثم إنها مع غاية اللطافة تقوى على النفوذ في تلك الأرض الصلبة، والغوص في بواطن تلك الأجرام الكثيفة. فحصول هذه القوة الشديدة، لهذه الأجرام الضعيفة التي هي في غاية اللطافة، لابد وأن يكون بتقرير العزيز الحكيم. 
وثالثها- أنه يتولد من تلك النواة شجرة، ويحصل في تلك الشجرة طبائع مختلفة، فإن قشر الخشبة به طبيعة مخصوصة، وفي داخل القشرة جرم الخشبة، وفي وسط تلك الخشبة جسم رخو ضعيف، يشبه العهن المنفوش. ثم إنه يتولد من ساق الشجرة أغصانها، ويتولد على الأغصان الأوراق أولا، ثم الأزهار والأنوار ثانيا، ثم الفاكهة ثالثا. ثم قد يحصل للفاكهة أربعة أنواع من القشر : مثل الجوز، فإن قشره الأعلى هو ذلك الأخضر، وتحته ذلك الأخضر، وتحته ذلك القشر الذي يشبه الخشب، وتحته ذلك القشر الذي هو كالغشاء الرقيق المحيط باللب، وتحته اللب. وذلك اللب مشتمل على جرم كثيف، وهو أيضا كالقشر، وعلى جرم لطيف، وهو الدهن. وهو المقصود الأصلي. فتولد هذه الأجسام المختلفة في طبائعها وصفاتها وألوانها وأشكالها وطعومها، مع تساوي تأثيرات الطبائع والنجوم والفصول الأربعة، والطبائع الأربع- يدل على أنها إنما حدثت بتدبير الحكيم الرحيم المختار القادر، لا بتدبير الطبائع والعناصر. 
ورابعها- أنك قد تجد الطبائع الأربع حاصلة في الفاكهة الواحدة، فالأترنج : قشره حار يابس، ولحمه بارد رطب. وحماضه بارد يابس، وبزره حار يابس. وكذلك العنب : قشره / وعجمه بارد يابس، وماؤه ولحمه حار رطب. فتولد هذه الطبائع المتضادة، والخواص المتنافرة عن الحبة الواحدة – لابد وأن يكون بإيجاد الفاعل المختار. 
وخامسها- أنك تجد أحوال الفواكه مختلفة، فبعضها يكون اللب في الداخل، والقشرة في الخارج، كما في الجوز واللوز. وبعضها يكون الفاكهة المطلوبة في الخارج، تكون الخشبة في الداخل، كالخوخ والمشمش. وبعضها يكون النواة لها لب، كما في نوى المشمش والخوخ. وبعضها لا لب له، كما في نوى مختلفة في هذه الفواكه. وأيضا هذه الحبوب مختلفة في الأشكال والصور، فشكل الحنطة كأنه نصف دائرة، وشكل الشعير كأنه مخروطان اتصلا بقاعدتيهما، وشكل العدس كأنه دائرة، وشكل الحمص على وجه آخر. فهذه الأشكال المختلفة لابد وأن تكون لأسرار وحكم، علم الخالق أن تركيبها لا يكمل إلى على ذلك الشكل. وأيضا فقد أودع الخالق تعالى في كل نوع من أنواع الحبوب خاصية أخرى، ومنفعة أخرى. وأيضا فقد تكون الثمرة الواحدة غذاء لحيوان، وسما لحيوان آخر، فاختلاف هذه الصفات والأشكال والأحوال، مع اتحاد الطبائع، وتأثيرات الكواكب، يدل على أن كلها إنما حصلت بتخليق الفاعل المختار الحكيم. 
وسادسها- أنك إذا أخذت ورقة واحدة من أوراق الشجرة، وجدت خطا واحدا مستقيما في وسطها، كأنه بالنسبة إلى تلك الورقة كالنخاع بالنسبة إلى بدن الإنسان. وكما أنه ينفصل من النخاع أعصاب كثيرة، يمنة ويسرة، في بدن الإنسان، ثم لا يزال ينفصل عن كل شعبة شعب أخر، ولا تزال تستدق حتى تخرج عن الحس والأبصار، بسبب الصغر - فكذلك في تلك الورقة قد ينفصل عن ذلك الخط الكبير الوسطاني خطوط منفصلة، وعن كل واحد منها خطوط مختلفة أخرى أدق من الأولى، ولا يزال يبقى على هذا المنهج، حتى تخرج تلك الخطوط عن الحس والبصر. والخالق تعالى إنما فعل ذلك، حتى إن القوى الجاذبة / المركوزة في جرم تلك الورقة، تقوى على جذب الأجزاء اللطيفة الأرضية في تلك المجاري الضيقة. فلما وقفت على عناية الخالق في إيجاد تلك الورقة الواحدة، علمت أن عنايته في تخليق جملة تلك الشجرة أكمل، وعرفت أن عنايته في تكوين جملة النبات أكمل. ثم إذا عرفت أنه تعالى إنما خلق جملة النبات لمصلحة الحيوان، علمت أن عنايته بتخليق الحيوان أكمل. ولما عرفت أن المقصود من تخليق جملة الحيوانات هو الإنسان، علمت أن عنايته في تخليق الإنسان أكمل. ثم إنه تعالى إنما خلق النبات والحيوان في هذا العالم ليكون غذاء ودواء للإنسان بحسب جسده، والمقصود من تخليق الإنسان هو المعرفة والمحبة والخدمة، كما قال تعالى : وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون [(٢)](#foonote-٢). فانظر أيها المسكين بعين رأسك في تلك الورقة الواحدة من تلك الشجرة، واعرف كيفية خلقة تلك العروق والأوتار فيها، ثم انتقل من مرتبة إلى ما فوقها، حتى تعرف ان المقصود الأخير منها حصول المعرفة والمحبة في الأرواح البشرية، فحينئذ ينفتح لك الباب من المكاشفات لا آخر له، ويظهر لك أن أنواع نعم الله في حقك غير متناهية، كما قال : وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها [(٣)](#foonote-٣). وكل ذلك إنما ظهر من كيفية خلقه تلك الورقة من الحبة في النواة. فهذا كلام مختصر في تفسير قوله تعالى : إن الله فالق الحب والنوى . ومتى وقف الإنسان عليه أمكنه تفريقها وتشعيبها إلى ما لا آخر له. ونسأل الله التوفيق والهداية. انتهى كلام الرازي رحمه الله تعالى.. 
 يخرج الحي من الميت  كالحيوان من النطفة، والنبات الغض الطري من الحب اليابس،  ومخرج الميت  كالنطفة والحب  من الحي  كالحيوان والنبات. 
  ذلكم الله  أي : الفالق للحب والنوى، والمخرج الحي من الميت وعكسه، هو الله، القادر العظيم الشأن، المستحق للعبادة وحده. 
 فأنى تؤفكون  أي : تصرفون عنه إلى غيره. 
قال الرازي : والمقصود منه أن الحي والميت متضادان متنافيان، فحصول المثل عن المثل، يوهم أن يكون بسبب الطبيعة والخاصية. أما حصول الضد من الضد فيمتنع أن يكون بسبب الطبيعة والخاصية. بل لابد وأن يكون بتقدير المقدر الحكيم، والمدبر العليم. 
**تنبيه :**
ذهب الزمخشري ومن تبعه إلى قوله تعالى : ومخرج الميت  عطف على  فالق  لا على  يخرج الحي ، كقوله : صافات ويقبضن [(٤)](#foonote-٤). والصحيح أنه معطوف على  يخرج الحي من الميت  واشتماله على زيادة فيه، لا يضر ذلك بكونه بيانا. كما أن  مخرج الميت من الحي  بيان مع شموله للحيوان والنبات. وفيه من البديع التبديل، كقوله تعالى : يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل [(٥)](#foonote-٥). 
 قال في ( الانتصاف ) : وقد وردا جميعا بصيغة الفعل كثيرا في قوله/  يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي ويحيي الأرض بعد موتها وكذلك تخرجون [(٦)](#foonote-٦). وقوله : أمن يملك السمع والأبصار ومن يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي [(٧)](#foonote-٧) فعطف أحد القسمين على الآخر، كثيرا دليل على أنهما توأمان مقترنان، وذلك يبعد قطعه عنه في آية الأنعام هذه ورده إلى  فالق الحب والنوى . فالوجه- والله أعلم- أن يقال : كان الأصل وروده بصيغة اسم الفاعل أسوة أمثاله من الصفات المذكورة في هذه الآية من قوله : فالق الحب  و  فالق الإصباح  و  جاعل الليل  و  مخرج الحي من الميت  إلا أنه عدل عن اسم الفاعل إلى الفعل المضارع في هذا الوصف وحده، وهو قوله : يخرج الحي من الميت  إرادة لتصوير إخراج الحي من الميت، واستحضاره في ذهن السامع. وهذا التصوير والاستحضار إنما يتمكن من أدائهما الفعل المضارع دون اسم الفاعل / والماضي. وقد مضى تمثيل ذلك بقوله تعالى : ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء فتصبح الأرض مخضرة [(٨)](#foonote-٨) فعدل عن الماضي المطابق لقوله  أنزل  لهذا المعنى، ومنه ما في قوله[(٩)](#foonote-٩) :
بأني قد لقيت الغول تهوى \*\*\* بسهب كالصحيفة صحصحان
فأضربها بلا دهش فخرت\*\*\* صريعا لليدين وللجران
 فعدل إلى المضارع إرادة لتصوير شجاعته، واستحضارها لذهن السامع. ومنه  إنا سخرنا الجبال معه يسبحن بالعشي والإشراق، والطير محشورة [(١٠)](#foonote-١٠) فعدل عن ( مسبحات ) وإن كان مطابقا ل  محشورة  لهذا السبب – والله أعلم-. ثم هذا المقصد إنما يجيء فيما يكون العناية به أقوى. ولا شك أن إخراج الحي من الميت أشهر في القدرة من عكسه. وهو أيضا أول الحالين، والنظر أول ما يبدأ فيه. ثم القسم الآخر وهو إخراج الميت من الحي بان عنه، فكان الأول جديرا بالتصدير والتأكيد في النفس، ولذلك هو مقدم أبدا على القسم الآخر في الذ

١ - انظر الصفحة ٥٥٢ من الجزء الحادي عشر (طبعة المعارف)..
٢ - \[٥١- الذاريات/ ٥٦\]..
٣ - \[١٤/ إبراهيم/ ٣٤\] ونصها: وآتاكم من كل ما سألتموه وإن تعدوا نعمت الله لا تحصوها إن الإنسان لظلوم كفار(٣٤).
 و\[١٦/ النحل/١٨\] ونصها: وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها إن الله لغفور رحيم (١٨)..
٤ - \[٦٧/ الملك/ ١٩\] ونصها: أو لم يروا إلى الطير فوقهم صافات ويقبض ما يمسكهن إلا الرحمن إنه بكل شيء بصير (١٩)..
٥ - \[٢٢/ الحج/ ٦١\] ونصها: ذلك بأن الله يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل وأن الله سميع بصير (٦١).
 و\[٣١/ لقمان/٢٩\] ونصها: ألم تر أن الله يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل وسخر الشمس والقمر كل يجري إلى أجل مسمى وأن الله بما تعملون خبير (٢٩).
 و\[٣٥/ فاطر/ ١٣\] ونصها: يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل وسخر الشمس والقمر كل يجري لأجل مسمى ذلكم الله ربكم له الملك والذين تدعون من دونه ما يملكون من قطمير (١٣).
 و\[٥٧/ الحديد/ ٦\] ونصها: يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل وهو عليم بذات الصدور (٦)..
٦ - \[٣٠/ الروم/ ٢٤\] ونصها: ومن آياته يريكم البرق خوفا وطمعا وينزل من السماء ماء فيحيي به الأرض بعد موتها إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون (٦)..
٧ - \[١٠/ يونس/ ٣١\] ونصها: قل من يرزقكم من السماء والأرض أمن يملك السمع والأبصار ومن يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي ومن يدبر الأمر فسيقولون الله فقل أفلا تتقون (٣١)..
٨ - \[٢٢/ الحج/ ٦٣\] ونصها: ... إن الله لطيف خبير (٦٣)..
٩ - من شواهد الكشاف. قال الشارح:
 في سورة الملائكة عند قوله تعالى: والله الذي أرسل الرياح فتثير سحابا فسقناه.
 حيث قال فتثير بلفظ المضارع دون ما قبله وما بعده، ليحكي الحال التي يقع فيها إثارة الرياح السحاب، ويستحضر الصورة البديعة الدالة على القدرة الربانية. وهكذا يفعلون بفعل فيه نوع تمييز وخصوصية بحال تستغرب أو تهم المخاطب أو غير ذلك، كما في قول تأبط شرا: بأني قد لقيت الغول تهوى... الخ.
 لأنه قصد أن يصور لقومه الحالة التي تشجع فيها، بزعمه، على ضرب الغول. كأنه يبصرهم إياها ويطلعهم على كنهها، مشاهدة للتعجب من جرأته على كل هول، وثباته عند كل شدة.
 وكذلك سوق السحاب إلى البلد الميت وإحياء الأرض بعد موتها، لما كان من الدلائل على القدرة الباهرة، قيل فسقناه فأحيينا، معدولا بهما عن لفظ الغيبة إلى ما هو أدخل في الاختصاص وأدل عليه.
 والغول السعالي. والعرب تسمى كل داهية غولا. واختلف في وجوده. فمنهم من ينكر وجوده أصلا. والقائل يثبت وجوده ويقول: لقيت الغول تهوى، أي: تهبط. بسهب أي فضاء بعيد عن الأرض والصحيفة الكتاب. وقاع صحصحان وصعصعان أي مستو. والجران مقدم العنق من مذبحه إلى منحره..
١٠ - \[٣٨/ ص/ ١٨ و١٩\] ... كل له أواب (١٩)..

### الآية 6:96

> ﻿فَالِقُ الْإِصْبَاحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا ۚ ذَٰلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ [6:96]

\[ ٩٦ \]  فالق الإصباح وجعل الليل سكنا والشمس والقمر حسبانا ذلك تقدير العزيز العليم ( ٩٦ ) . 
وقوله تعالى : فالق الإصباح  خبر آخر ل  إن ، أو لمبتدأ محذوف. و  الإصباح  مصدر سمي به الصبح. قال امرؤ القيس[(١)](#foonote-١) :
ألا أيها الليل الطويل ألا انجلي\*\*\* بصبح وما الإصباح فيك بأمثل
 أي : شاقه عن ظلمة الليل ؛  وجعل الليل سكنا [(٢)](#foonote-٢) أي : صير الظلام يسكن إليه، ويطمئن به، استرواحا من تعب النهار. أو يسكن في الخلق، أي : يقروا ويهدؤوا ( من السكون ) - وهو الأظهر لقوله : لتسكنوا فيه  - وقرئ  وجاعل الليل . 
 والشمس والقمر حسبانا  أي : على أدوار مختلفة، لتحسب بهما الأوقات التي نيط بها العبادات والمعاملات. كما ذكره في سورة يونس في قوله[(٣)](#foonote-٣) : هو الذي جعل الشمس ضياء والقمر نورا وقدره منازل لتعلموا عدد السنين والحساب . 
 ذلك  أي التسيير بالحساب المعلوم  تقدير العزيز  أي : الغالب على أمره،  العليم  بتدبيرهما، ومراعاة الحكمة في شأنهما. 
 تنيهات
الأول- قال الرازي : قوله تعالى : فالق الإصباح...  الآية، نوع آخر من دلائل وجود الصانع وعلمه وقدرته وحكمته. فالنوع المتقدم كان مأخوذا من دلالة أحوال النبات والحيوان. والنوع المذكور في هذه الآية مأخوذ من الأحوال الفلكية. وذلك لأن فلق ظلمة الليل بنور الصبح أعظم في كمال القدرة في فلق الحب والنوى بالنبات والشجر، ولأن من المعلوم بالضرورة أن الأحوال الفلكية أعظم في القلوب وأكثر وقعا من الأحوال الأرضية، ثم قرر الحجة من وجوه عديدة، وأجاد رحمه الله. 
الثاني- قرئ  الأصباح  بفتح الهمزة، على أنه جمع صبح، كقفل وأقفال. 
الثالث- في ( البحر الكبير ) : أن السنة الشرعية قمرية لا شمسية، والشمسية مما حدث في دواوين الخراج، وإنما أضيف الحساب في الآية إليهما، لأن بطلوع الشمس ومغيبها يعرف عدد الأيام التي تتركب منها الشهور والسنون، فمن هنا دخلت- انتهى. 
الرابع- قال الحافظ ابن كثير رحمه الله : وكثيرا ما إذا ذكر الله تعالى خلق الليل والنهار والشمس والقمر يختم الكلام بالعزة والعلم، كما ذكر في هذه الآية، وكما في قوله : وآية لهم الليل نسلخ منه النهار فإذا هم مظلمون، والشمس تجري لمستقر لها ذلك تقدير العزيز العليم [(٤)](#foonote-٤) ولما ذكر خلق السماوات والأرض وما فيهن في أول سورة ( حم سجدة ) قال : وزينا السماء الدنيا بمصابيح وحفظا، ذلك تقدير العزيز العليم [(٥)](#foonote-٥). انتهى. 
وفي ( العزة ) معنى القهر، أي : الذي قهرهما بجعلهما مسخرين، لا يتيسر لهما إلا ما أريد / بهما، كما قال : والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره [(٦)](#foonote-٦)، ومعنى القدرة الكاملة أيضا. 
قال الرازي : العزيز  إشارة إلى كمال قدرته، و  العليم  إشارة إلى كمال علمه. ومعناه : أن تقدير أجرام الأفلاك بصفاتها المخصوصة وهيآتها المحدودة، وحركاتها المقدرة بالمقادير المخصوصة في البطء والسرعة، لا يمكن تحصيله إلا بقدرة كاملة متعلقة بجميع الممكنات، وعلم نافذ في جميع المعلومات من الكليات والجزئيات. وذلك تصريح بأن حصول هذه الأحوال والصفات ليس بالطبع والخاصة. وإنما هو بتخصيص الفاعل المختار- والله أعلم-. 
الخامس- أخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس " في قوله تعالى : حسبانا  قال : يعني عدد الأيام والشهور والسنين ". وقال قتادة :" يدوران في حساب ". قال السيوطي : فالآية أصل في الحساب والميقات. انتهى.

١ - من معلقته التي أولها:
 قفــا نبك من ذكرى حبيـب ومنـزل\*\*\* بسقط اللــوى بين الدخول فحومــل
 قال الوزير أبو بكر عاصم بن أيوب في شرح البيت:
 هذا البيت متعلق بما قبله. لأن تقديره: فقلت له ألا أيها الليل الطويل ألا انجل. أي انكشف بإقبال الصبح. ثم رجع فقال: وما الإصباح فيك بأمثل. أي إذا جاء الصبح فأنا مغموم كما كنت في الليل. فليس الصبح بأمثل من الليل.
 وقال الأصبهاني: معنى قوله (بأمثل) أن الصبح قد يجيء والليل مظلم. يقول: ليس الصباح بأمثل وهو فيك. أي أريد أن يجيء مجيئا منكشفا متجليا، لا سواد فيه. كما قال البحتري، وإلى هذا أشار فقال:
 فــأزرق الفجر يأتي قبــــل أبيضــه\*\*\* وأول الغيـــث طـــل ثـــــم ينسكـــــب
 قال الأصبهاني: ولو أراد أن الصباح ليس بأمثل من الليل، لقال: منك بأمثل. ١هـ..
٢ - \[١٠/ يونس/ ٦٧\] ونصها: هو الذي جعل لكم الليل لتسكنوا فيه والنهار مبصرا إن في ذلك لآيات لقوم يسمعون.
 و\[٢٨/ القصص/ ٧٣\] ونصها: ومن رحمته جعل لكم الليل والنهار لتسكنوا فيه ولتبتغوا من فضله ولعلكم تشكرون (٧٣)..
٣ - \[١٠/ يونس/ ٥\] ونصها: هو الذي جعل الشمس ضياء والقمر نورا وقدره منازل لتعلموا عدد السنين والحساب ما خلق الله ذلك إلا بالحق يفصل الآيات لقوم يعلمون (٥)..
٤ - \[٣٦/ يس/ ٣٧ و٣٨\]..
٥ - \[٤١/ فصلت/ ١٢\] ونصها: فقضاهن سبع سماوات في يومين وأوحى في كل سماء أمرها وزينا السماء الدنيا بمصابيح وحفظا ذلك تقدير العزيز العليم (١٢)..
٦ - \[٧/ الأعراف/ ٥٤\] ونصها: إن ربكم الله الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش يغشي الليل النهار يطلبه حثيثا والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره ألا له الخلق والأمر تبارك الله رب العالمين..

### الآية 6:97

> ﻿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ ۗ قَدْ فَصَّلْنَا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ [6:97]

ثم بين تعالى نعمته في الكواكب، إثر بيان نعمته في النيرين إعلاما بكمال قدرته وحكمته ورحمته بقوله سبحانه :
\[ ٩٧ \]  وهو الذي جعل لكم النجوم لتهتدوا بها في ظلمات البر والبحر قد فصلنا الآيات لقوم يعلمون ( ٩٧ ) . 
 وهو الذي جعل لكم النجوم لتهتدوا بها في ظلمات البر والبحر  أي :/ في ظلمات الليل في طرق البر والبحر : قد فصلنا الآيات  أي : بينا الآيات على قدرته تعالى وحكمته واليوم الآخر  لقوم يعلمون  أي : وجه الاستدلال بها. وإنما خلقت للاستدلال المتأثر بالعمل بموجبها، ألا وهو الاستدلال بها على معرفة الصانع الحكيم، وكمال قدرته وعلمه واستحقاق العبادة وحده. 
تنبيهان
الأول- ذكر تعالى في غير هذه السورة كون هذه الكواكب زينة للسماء، وكونها رجوما للشياطين. قال بعض السلف : من اعتقد في هذه النجوم غير ثلاث فقد أخطأ وكذب على الله سبحانه : أن الله جعلها زينة للسماء، ورجوما للشياطين، ويهتدى بها في ظلمات البر والبحر-نقله ابن كثير-. 
أقول : مراده اعتقاد مناف للعقد الصحيح لا اعتقاد حكم وأسرار غير الثلاث فيها، إذ فوائد المكونات غير محصورة. وذكر حكمة في مكون لا ينفي ما عداها- فافهم !. 
الثاني- قال السيوطي في ( الإكليل ) : هذه الآية أصل في الميقات، وأدلة العقليات.

### الآية 6:98

> ﻿وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ ۗ قَدْ فَصَّلْنَا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ [6:98]

ثم بين تعالى نوعا آخر من نعمه، وأدلة قدرته الباهرة بقوله :
\[ ٩٨ \]  وهو الذي أنشأكم من نفس واحدة فمستقر ومستودع قد فصلنا الآيات لقوم يفقهون ( ٩٨ ) 
 وهو الذي أنشأكم من نفس واحدة  يعني : آدم عليه السلام  فمستقر ومستودع  قرئ  مستقر  بفتح القاف وكسرها، وأما  مستودع  فبفتح الدال لا غير. وهما، على الأول، إما مصدران، أي : لكم استقرار واستيداع ؛ أو اسما مكان، أي موضع استقرار واستيداع. والاستقرار إما في الأصلاب، أو فوق الأرض، لقوله : ولكم / في الأرض مستقر ومتاع إلى حين [(١)](#foonote-١) أو في الأرحام، لقوله تعالى : ونقر في الأرحام [(٢)](#foonote-٢) والاستيداع في الأرحام، فجعل الصلب مستقر النطفة، والرحم مستودعها، لأنها تحصل في الصلب، لا من قبل شخص آخر، وفي الرحم من قبل الأب، فأشبهت الوديعة، كأن الرجل أودعها ما كان عنده، أو في الأصلاب، أو تحت الأرض، أو فوقها، فإنها عليها، أو وضعت فيها لتخرج منها مرة أخرى كقوله[(٣)](#foonote-٣) :
وما المال والأهلون إلا ودائع\*\*\* ولا بد يوما أن ترد الِودائع
ونقل الرازي عن الأصم أن المستقر من خلق من النفس الأولى، ودخل الدنيا واستقر فيها. والمستودع الذي لم يخلق بعد وسيخلق. وجعل أبو مسلم الأصفهاني ( المستقر ) كناية عن الذكر، و ( المستودع ) كناية عن الأنثى. قال : إنما عبر عن الذكر ب ( المستقر ) لأن النطفة تتولد في صلبه. وإنما تستقر هناك. وعبر عن الأنثى ب ( المستودع ) لأن رحمها شبيهة بالمستودع لتلك النطفة- والله أعلم-. 
 وعلى قراءة ( مستقر ) بكسر القاف اسم فاعل، أي : فمنكم قارّ. ومنكم مستودع. ووجه كون الأول معلوما، والثاني مجهولا، كون الاستقرار صادرا منا دون الاستيداع. 
قال الرازي : مقصود الآية أن الناس إنما تولدوا من شخص واحد وهو آدم عليه السلام. ثم اختلفا في المستقر والمستودع بحسب الوجوه المذكورة فنقول : الأشخاص الإنسانية متساوية في الجسمية، ومختلفة في الصفات التي باعتبارها حصل التفاوت في المستقر والمستودع. والاختلاف في تلك الصفات لابد له من سبب ومؤثر، وليس السبب هو الجسمية ولوازمها، وإلا لامتنع حصول التفاوت في الصفات، فوجب أن يكون السبب هو الفاعل المختار الحكيم. ونظير هذه الآية في الدلالة قوله تعالى : واختلاف ألسنتكم وألوانكم [(٤)](#foonote-٤). 
 قد فصلنا الآيات لقوم يفقهون  قال الزمخشري : فإن قلت، لم قيل  يعلمون  مع ذكر النجوم، و  يفقهون  مع ذكر إنشاء بني آدم ؟ قلت : كان إنشاء الإنس من نفس واحدة، وتصريفهم بين أحوال مختلفة ألطف وأدق صنعة وتدبيرا. فكان ذكر الفقه الذي هو استعمال فطنة وتدقيق نظر، مطابقا له. انتهى. وهذا بناء على أن الفقه شدة الفهم والفطنة، ومن قال : إنه الفهم مطلقا، وليس بأبلغ من العلم- قال : إنه تفنن، حذرا من صورة التكرير. 
قال الناصر في ( الانتصاف ) : جواب الزمخشري صناعي، وإلا فلا يتحقق هذا التفاوت، ولا سبيل إلى الحقيقة. قال : والتحقيق أنه لما أريد فصل كليهما بفاصلة تنبيها على استقال كل واحدة منهما بالمقصود من الحجة، كره فصلهما بفاصلتين متساويتين في اللفظ، لما في ذلك من التكرار، فعدل إلى فاصلة مخالفة، تحسينا للنظم، واتساقا في البلاغة. ويحتمل / وجها آخر في تخصيص الأولى بالعلم، والثانية بالفقه. وهو أنه لما كان المقصود التعريض بمن لا يتدبر آيات الله، ولا يعتبر بمخلوقاته، وكانت الآيات المذكورة أولا خارجة عن أنفس النظار ومنافية لها، إذ النجوم والنظر فيها، وعلم الحكمة الإلهية في تدبيره لها، أمر خارج عن نفس الناظر. ولا كذلك النظر في إنشائهم من نفس واحدة، تقلباتهم في أطوار مختلفة، وأحوال متغايرة، فإنه نظر لا يعدو نفس الناظر، ولا يتجاوزها. فإذا تمهد ذلك، فجهل الإنسان بنفسه وبأحواله، وعدم النظر فيها والتفكر، أبشع من جهله بالأمور الخارجة عنه، كالنجوم والأفلاك، ومقادير سيرها وتقلبها. فلما كان الفقه أدنى درجات العلم، إذ هو عبارة عن الفهم، نفي من أبشع القبيلين جهلا، وهم الذين لا يتبصرون في أنفسهم، ونفي الأدنى أبشع من نفي الأعلى درجة، فخص به أسوأ الفريقين حالا. و  يفقهون  ههنا مضارع فقه الشيء- بكسر القاف- إذا فهمه، ولو أدنى فهم. وليس من ( فقه ) بضم القاف، لأن تلك درجة عالية، ومعناه صار فقيها- قاله الهروي في معرض الاستدلال على أن ( فقه ) أنزل من ( علم ) -. وفي حديث سلمان[(٥)](#foonote-٥) أنه قال، وقد سألته امرأة جاءته : فقهت أي : فهمت، كالمتعجب من فهم المرأة عنه. وإذا قيل : فلان لا يفقه شيئا كان أذم في العرف من قولك. فلان لا يعلم شيئا. وكأن معنى قولك :( لا يفقه شيئا ) ليس له أهلية الفهم وإن فهم. وأما قولك ( لا يعلم شيئا ) فغايته نفي حصول العلم له، وقد يكون له أهلية الفهم والعلم، لو يعلم. والذي يدل على أن التارك للفكرة في نفسه أجهل وأسوأ حالا من التارك للفكرة في غيره قوله تعالى : وفي الأرض آيات للموقنين وفي أنفسكم أفلا تبصرون  فخص التبصر/ في النفس بعد اندراجها فيما في الأرض من الآيات، وانكر على من لا يتبصر في نفسه إنكارا مستأنفا. وقولنا، في أدراج الكلام :( إنه نفي العلم عن أحد الفريقين، ونفي الفقه عن الآخر ) يعني : بطريق التعريض، حيث خص العلم بالآيات المفصلة، والتفقه فيها بقوم. فأشعر أن قوما غيرهم لا علم عندهم، ولا فقه –والله الموفق- فتأمل هذا الفصل، وإن طال بعض الطول. فالنظر في الحسن غير مملول. انتهى. وهذا من دقة النظر في الكتاب العزيز، وإبراز محاسنه ولطائفه.

١ - \[٢/ البقرة/ ٣٦\] ونصها: فأزلهما الشيطان عنها فأخرجهما مما كانا فيه وقلنا اهبطوا بعضكم لبعض عدو.....
٢ - \[٢٢/ الحجج/ ٥\] ونصها: يا أيها الناس إن كنتم في ريب من البعث فإنا خلقناكم من تراب ثم من نطفة ثم من علقة ثم من مضغة مخلقة وغير مخلقة لنبين لكم ونقر في الأرحام ما نشاء إلى أجل مسمى ثم نخرجكم طفلا ثم لتبلغوا أشدكم ومنكم من يتوفى ومنكم من يرد على أرذل العمر لكيلا يعلم من بعد علم شيئا وترى الأرض هامدة فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت وأنبتت من كل زوج بهيج (٥)..
٣ - قائله لبيد من قصيدته التي مطلعها: 
 بلينـا ومــا تبلى النجوم الطوالع\*\*\* وتبقى الجبال بعدنا والمصانـــــع.
٤ - \[٣٠/ الروم/٢٢\] ونصها: ومن آياته خلق السماوات والأرض واختلاف ألسنتكم وألوانكم إن في ذلك لآيات للعالمين (٢٢..
٥ - هذا نصه كما جاء في اللسان:
 أنه نزل على نبطية بالعراق، فقال لها: هل هنا مكان نظيف أصلي فيه؟
 فقالت: طهر قلبك وصل حيث شئت.
 فقال سلمان: فقهت. أي فهمت وفطنت للحق والمعنى الذي أرادت..

### الآية 6:99

> ﻿وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِرًا نُخْرِجُ مِنْهُ حَبًّا مُتَرَاكِبًا وَمِنَ النَّخْلِ مِنْ طَلْعِهَا قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ وَجَنَّاتٍ مِنْ أَعْنَابٍ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُشْتَبِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ ۗ انْظُرُوا إِلَىٰ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكُمْ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ [6:99]

ثم بين تعالى حجة كبرى على كمال قدرته، ومنة أخرى من جسيم نعمته بقوله :
\[ ٩٩ \]  وهو الذي أنزل من السماء ماء فأخرجنا به نبات كل شيء فأخرجنا منه خضرا نخرج منه حبا متراكبا ومن النخل من طلعها قنوان دانية وجنات من أعناب والزيتون والرمان مشتبها وغير متشابه انظروا إلى ثمره إذا أثمر وينعه إن في ذلكم لآيات لقوم يؤمنون ( ٩٩ ) . 
 وهو الذي أنزل من السماء ماء  أي : من السحاب، لقوله تعالى : أفرأيتم الماء الذي تشربون، أأنتم أنزلتموه من المزن أم نحن المنزلون [(١)](#foonote-١) وسمى السحاب سماء، لأن العرب تسمي كل ما علا سماء. 
 فأخرجنا به  التفت إلى التكلم إظهارا لكمال العناية بشأن ما أنزل الماء لأجله أي : فأخرجنا بعظمتنا بذلك الماء، مع وحدته  نبات كل شيء  أي : صنف من أصناف / النبات والثمار المختلفة الطعوم والألوان، كقوله تعالى : يسقى بماء واحد ونفضل بعضها على بعض في الأكل [(٢)](#foonote-٢). 
 فأخرجنا منه  أي : من النبات، يعني أصوله  خضرا  أي : شيئا غضا أخضر، يقال : أخضر وخضر، كأعور وعور، وهو ما تشعب من أصل النبات الخارج من الحبة،  نخرج منه  صفة ل  خضرا  وصيغة المضارع، لاستحضار الصورة، لما فيها من الغرابة، أي نخرج من ذلك الخضر  حبا متراكبا  أي : متراكما بعضه على بعض، مثل سنابل البر والشعير والأرز. 
قال الرازي : ويحصل فوق السنبلة أجسام دقيقة حادة كأنها الإبر، والمقصود من تخليقها أن تمنع الطيور من التقاط تلك الحبات المتراكبة. 
ثم بين تعالى ما ينشأ عن النوى من الشجر، إثر بيان ما ينشأ عن الحب من النبات بقوله سبحانه : ومن النخل من طلعها قنوان دانية  الطلع : أول ما يبدو من ثمر النخل كالكيزان يكون فيه العذق، فإذا شق عنه كيزانه سمي عذقا ( بكسر العين وسكون الذال المعجمة بعدها ) - وهو القنو، أي : العرجون، بما فيه من الشماريخ، وجمعه قنوان- ( مثلت القاف ) وهو ومثناه سواء، لا يفرق بينهما إلا الإعراب. 
قال الزمخشري : قنوان رفع بالابتداء، و  من النخل  خبره، و  من طلعها  بدل منه، كأنه قيل : وحاصلة من طلع النخل قنوان. انتهى. وجوز أن يكون  من النخل  عطفا على  منه ، وما بعده مبتدأ وخبر. أي : وأخرجنا من النخل نخلا من طلعها قنوان دانية، أي : ملتفة، يقرب بعضها من بعض، أو قريبة من المتناول، وإنما اقتصر على / ذكرها لدلالتها على مقابلها، أعني البعيدة، كقوله تعالى : ساربيل تقيكم الحر  ولزيادة النعمة فيها  وجنات من أعناب  عطف على  نبات كل شيء  أي : وأخرجنا به جنات، أو على  خضرا . وقال الطيبي : الأظهر أن يكون عطفا على  حبا  لأن قوله : نبات كل شيء  مفصل لاشتماله على كل صنف من أصناف النامي، كأنه قال : فأخرجنا بالنامي نبات كل شيء ينبت كل صنف من أصناف النامي. والنامي : الحب والنوى وشبههما. 
وقوله : فأخرجنا منه خضرا...  الخ تفصيل لذلك النبات. أي : أخرجنا منه خضرا بسبب الماء، فيكون بدلا من  فأخرجنا  الأول، بدل اشتمال. ومن ههنا يقع التفصيل، فبعض يخرج منه السنابل ذات حبوب متكاثرة، وبعض يخرج منه ذت قنوان دانية، وبعض آخر جنات معروشات... الخ. 
 والزيتون والرمان  العطف فيه كما تقدم  مشتبها وغير متشابه  حال من  الزيتون ، اكتفى به عن حال ما بعده. أو من  الرمان  لقربه. والمحذوف حال الأول. 
قال الزمخشري : يقال اشتبه الشيئان وتشابها، كقولك استويا وتساويا. والافتعال والتفاعل يشتركان كثيرا. وقرئ : متشابها وغير متشابه. والمعنى : بعضه متشابها، وبعضه غير متشابه في الهيأة والمقدار واللون والطعم، وغير ذلك من الأوصاف الدالة على كمال قدرة صانعها، وحكمة منشئها ومبدعها. 
 انظروا إلى ثمره إذا أثمر  أي : ثمر كل واحد من ذلك إذا أخرج ثمره، كيف يكون ضئيلا ضعيفا، لا يكاد ينتفع به،  وينعه  أي : وإلى حال ينعه ونضجه، كيف يعود شيئا جامعا لمنافع وملاذ. أي : انظروا إلى ذلك نظر اعتبار واستبصار واستدلال، على قدرة مقدره ومدبره وناقله، على وفق الرحمة والحكمة، من حال إلى حال، فإن فيه آيات عظيمة دالة على ذلك، كما قال :
  إن في ذلكم لآيات لقوم يؤمنون  أي : يصدقون بأن الذي أخرج هذا النبات وهذه الثمار هو المستحق للعبادة دون ما سواه، أو هو القادر على أن يحيي الموتى ويبعثهم. قال بعضهم : القوم كانوا ينكرون البعث، فاحتج عليهم بتصريف ما خلق، ونقله من حال إلى حال، وهو ما يعلمونه قطعا ويشاهدونه من إحياء الأرض بعد موتها، وإخراج أنواع النبات والثمار منها، وأنه لا يقدر على ذلك أحد إلا الله تعالى. فبين أنه تعالى كذلك قادر على إنشائهم من نفوسهم وأبدانهم، وعلى البعث بإنزال المطر من السماء، ثم إنبات الأجساد كالنبات، ثم جعلها خضرة بالحياة، ثم تصوير الأعمال بصورة كثيرة، وإفادة أمور زائدة، وتفريعها، وإعطاء أطعمة مشتبهة في الصورة، غير متشابهة في اللذة، جزاء عليها. والله أعلم-. 
**لطيفة :**
قال الرازي : اعلم أنه تعالى ذكر هنا أربعة أنواع من الأشجار : النخل والعنب والزيتون والرمان. وإنما قدم الزرع على الشجر، لأن الزرع غذاء، وثمار الأشجار فواكه، والغذاء مقدم على الفاكهة. وإنما قدم النخل على سائر الفواكه، لأن التمر يجري مجرى الغذاء بالنسبة إلى العرب، ولأن الحكماء بينوا أن بينه وبين الحيوان مشابهة في خواص كثيرة، بحيث لا توجد تلك المشابهة في سائر أنواع النبات. ولهذا المعنى قال عليه الصلاة والسلام :" فإنها خلقت من بقية طينة آدم ". وإنما ذكر العنب عقيب النخل، لأن العنب أشرف أنواع الفواكه، وذلك لأنه من أول ما يظهر يصير منتفعا به إلى آخر الحال. فأول ما يظهر على الشجر، يظهر خيوط خضر دقيقة حامضة الطعم، لذيذة الطعم، وقد يمكن اتخاذ الطبائخ منه، ثم بعده يظهر الحصرم، وهو طعام شريف للأصحاء والمرضى، وقد يتخذ الحصرم أشربة لطيفة المذاق، نافع لأصحاب الصفراء، وقد يتخذ الطبيخ منه، فكأنه ألذ الطبائخ الحامضة. ثم إذا تم العنب فهو ألذ الفواكه وأشهاها، ويمكن ادخار العنب المعلق سنة أو أقل أو أكثر، / وهو في الحقيقة ألذ الفواكه المدخرة، ثم يبقى منه أنواع من المتناولات وهي الزبيب والدبس والخل، ومنافع هذه لا يمكن ذكرها إلا في المجلدات. وأحسن ما في العنب عجمه، والأطباء يتخذون منه ( جوارشنات ) عظيمة النفع للمعدة الضعيفة الرطبة. فثبت أن العنب كأنه سلطان الفواكه. 
وأما الزيتون فهو أيضا كثير النفع، لأنه يمكن تناوله كما هو، وينفصل أيضا عنه دهن كثير، عظيم النفع في الأكل، وفي سائر وجوه الاستعمال. 
وأما الرمان فحاله عجيب جدا، وذلك لأنه جسم مركب من أربعة أقسا : قشره وشحمه وعجمه وماؤه. أما الأقسام الثلاثة وهي القشر والشحم والعجم فكلها باردة يابسة قابضة عفصة قوية في هذه الصفات. وأما ماء الرمان فبالضد من هذه الصفات، فإنه ألذ الأشربة وألطفها وأقربها إلى الاعتدال، وأشدها مناسبة للطباع المعتدلة، وفيه تقوية للمزاج الضعيف، وهو غذاء من وجه، ودواء من وجه، فكأنه سبحانه جمع فيه بين المتضادين المتغايرين. فكانت دلالة القدرة والرحمة فيه أكمل وأتم. 
واعلم أن أنواع النبات أكثر من أن تفي بشرحها مجلدات، فلهذا السبب ذكر الله تعالى هذه الأقسام الأربعة، التي هي أشرف أنواع النبات، واكتفى بذكرها تنبيها على البواقي. انتهى. 
أقول : حديث " أكرموا عمتكم النخلة " المذكور، رواه أبو يعلى وابن أبي حاتم والعقيلي وابن عدي وابن السني وأبو نعيم وابن مردويه عن علي رضي الله عنه، كما في ( الجامع الصغير )، ورمز عليه بالضعف.

١ - \[٥٦/ الواقعة/ ٦٨ و٦٩\]..
٢ - \[١٣/ الرعد/ ٤\] ونصها: وفي الأرض قطع متجاورات وجنات من أعناب وزرع ونخيل صنوان وغير صنوان يسقى بماء واحد ونفضل بعضها على بعض في الأكل إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون (٤)..

### الآية 6:100

> ﻿وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ ۖ وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ ۚ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىٰ عَمَّا يَصِفُونَ [6:100]

ولما ذكر تعالى هذه البراهين، من دلائل العالم العلوي والسفلي، على عظيم قدرته، وباهر حكمته، ووافر نعمته، واستحقاقه للألوهية وحده- عقبها بتوبيخ من أشرك به والرد بقوله سبحانه :
 \[ ١٠٠ \]  وجعلوا لله شركاء الجن وخلقهم وخرقوا له بنين وبنات بغير علم سبحانه وتعالى عما يصفون ( ١٠٠ ) . 
 وجعلوا لله شركاء الجن  أي : جعلوهم شركاء له في العبادة. فإن قيل : فكيف عبدت الجن مع أنهم كانوا يعبدون الأصنام ؟ فالجواب : أنهم ما عبدوها إلا عن طاعة الجن، وأمرهم بذلك. كقوله : إن يدعون من دونه إلا إناثا وإن يدعون إلا شيطانا مريدا، لعنه الله. وقال لأتخذن من عبادك نصيبا مفروضا، ولأضلنهم ولأمنينهم ولآمرنهم فليبتكن آذان الأنعام ولآمرنهم فليغيرن خلق الله، ومن يتخذ الشيطان وليا من دون الله فقد خسر خسرانا مبينا [(١)](#foonote-١). وكقوله تعالى : أفتتخذونه وذريته أولياء من دوني...  [(٢)](#foonote-٢) الآية. وقال إبراهيم لأبيه : يا أبت لا تعبد الشيطان، إن الشيطان كان للرحمن عصيا [(٣)](#foonote-٣). وكقول : ألم أعهد إليكم يا بني آدم أن لا تعبدوا الشيطان، إنه لكم عدو مبين، وأن اعبدوني، هذا صراط مستقيم [(٤)](#foonote-٤) وتقول الملائكة يوم القيامة : سبحانك أنت ولينا من دونهم، بل كانوا يعبدون الجن، أكثرهم بهم مؤمنون [(٥)](#foonote-٥). 
  وخلقهم  حال من فاعل  جعلوا ، مؤكدة لما في جعلهم، ذلك من كمال القباحة والبطلان، باعتبار علمهم بمضمونها. أي : وقد علموا أن الله خالقهم دون الجن، ( وليس من يخلق كمن لا يخلق ) ! وقيل : الضمير للشركاء. أي : والحال أنه تعالى خلق الجن، فكيف يجعلون مخلوقه شريكا له ؟ كقول إبراهيم : أتعبدون ما تنحتون، والله خلقكم وما تعملون [(٦)](#foonote-٦). أي : وإذا كان هو المستقل بالخالقية، وجب أن يفرد بالعبادة، وحده لا شريك له. 
**تنبيه :**
ما ذكرناه من معنى قوله تعالى ؛  وجعلوا لله شركاء الجن  أنهم أطاعوا الجن في عبادة الأوثان، هو ما قرره ابن كثير، وأيده بالنظائر المتقدمة، ونقل عن الحسن، فتكون الكناية لمشركي العرب. 
وقيل : المراد بالجن الملائكة، فإنهم عبدوهم وقالوا إنهم بنات الله. وكلا الأمرين موجب للشريك. أما الأول فظاهر. وأما الثاني فأن الولد كفء الوالد، فيشاركه في صفات الألوهية. وتسمية الملائكة ( جنا ) حقيقة، لشمول لفظ الجن لهم. وقيل : استعارة. أي : عبدوا ما هو كالجن، في كونه مخلوقا مستترا عن الأعين. 
وذهب بعض السلف- منهم الكلبي- إلى أنها نزلت في الثنوية القائلين بأن للعالم إلهين : أحدهما خلق الخير وكل نافع. وثانيهما خلق الشر وكل ضار. ونقله ابن الجوزي عن ابن السائب. وحكاه الفخر عن ابن عباس رضي الله عنه، وأنه قال :" نزلت في الزنادقة الذين قالوا : إن الله وإبليس أخوان. فالله تعالى خالق الناس والدواب والأنعام والخيرات ؛ وإبليس خالق السباع والحيات والعقارب والشرور " 
قال الرازي : وقول ابن عباس المذكور بقوله تعالى : وجعلوا بينه وبين الجنة نسبا [(٧)](#foonote-٧). وإنما وصف بكونه من الجن، لأن لفظ الجن مشتق من الاستتار، والملائكة والروحانيون مستترة من العيون، فلذلك أطلق لفظ الجن عليها. 
قال الفخر : هذا مذهب المجوس. وإنما قال ابن عباس : هذا قول الزنادقة، لأن المجوس يلقبون بالزنادقة، لأن الكتاب الذي زعم رزادش أنه نزل عليه من عند الله مسمى ب ( الزند )، والمنسوب إليه يسمى ( زندي )، ثم عرب فقيل :( زنديق )، ثم جمع فقيل :( زنادقة ). واعلم أن المجوس قالوا ؛ كل ما في هذا العالم من الخيرات فهو من ( يزدان )، وجميع ما فيه من الشرور فهو من ( اهرمن ) ( وهو المسمى بإبليس في شرعنا ) ثم اختلفوا، فالأكثرون منهم على أن ( أهرمن ) محدث، ولهم في كيفية حدوثه أقوال عجيبة. والأقلون منهم قالوا : إنه قديم أزلي. وعلى القولين فقد اتفقوا على أنه شريك الله في تدبير هذا العالم، فخيرات هذا العالم من الله تعالى، وشروره من إبليس. فهذا شرح ما قاله ابن عباس رضي الله عنهما. وإنما جمع حينئذ في الآية، لكونه مع أتباعه كأنهم معبودون. 
ثم قال الرازي : وقوله تعالى : وخلقهم  إشارة إلى الدليل القاطع على فساد كون إبليس شريكا، وتقريره أنا نقلنا عن المجوس أن الأكثرين منهم معترفون بأن إبليس ليس بقديم، بل هو محدث. إذا ثبت هذا فنقول : إن كل محدث فله خالق وموجد، وما ذاك إلا الله سبحانه وتعالى. فهؤلاء المجوس يلزمهم القطع بأن خالق إبليس هو الله تعالى. ولما كان إبليس أصلا لجميع الشرور والآفات والمفاسد والقبائح، والمجوس سلموا أن خالقه هو الله تعالى، فحينئذ قد سلموا أن إله العالم هو الخالق لما هو أصل الشرور والقبائح والمفاسد. وإذا كان كذلك امتنع عليهم أن يقولوا : لابد من إلهين، فسقط قولهم. انتهى ملخصا. 
 وقوله تعالى : وخرقوا له  أي : اختلقوا وافتروا له  بنين  كقول أهل الكتابين في المسيح وعزير  وبنات  كقول بعض العرب في الملائكة. 
قال الزمخشري : يقال خلق الإفك وخرقه واختلقه بمعنى. وسئل الحسن عنه فقال : كلمة عربية كانت العرب تقولها. كان الرجل إذا كذب كذبة في نادي القوم يقول له بعضهم : قد خرقها والله ! ويجوز أن يكون من ( خرق الثوب ) إذا شقه : أي اشتقوا له بنين وبنات. وقرئ  وخرقوا  بالتشديد للتكثير لقوله  بنين وبنات . 
 بغير علم  أي : من غير أن يعلموا حقيقة ما قالوه من خطأ أو صواب، ولكن رميا بقول عن عمى وجهالة، من غير فكر وروية، أو بغير علم بمرتبة ما قالوا، وأنه من الشناعة والبطلان بحيث لا يقادر قدره. وفيه ذم لهم بأنهم يقولون بمجرد الرأي والهوى. وفيه إشارة إلى أنه لا يجوز أن ينسب إليه تعالى إلا ما جزم به، وقام عليه الدليل. 
ثم نزه ذاته العلية عما نسبوه إليه بقوله : سبحانه وتعالى عما يصفون  من أوصاف الحوادث الخسيسة من المشاركة والتوليد.

١ - \[٤/ النساء/ ١١٦-١١٩\]..
٢ - \[١٨/ الكهف/ ٥٠\] ونصها: وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس كان من الجن ففسق عن أمر ربه أتتخذونه وذريته أولياء من دوني وهم لكم عدو بئس للظالمين بدلا (٥٠)..
٣ - \[١٩/ مريم/ ٤٤\]..
٤ - \[٣٦/ يس/٦٢ و٦١\]..
٥ - \[٣٤/ سبأ/ ٤١\] قالوا سبحانك أنت ولينا من دونهم بل كانوا يعبدون الجن أكثرهم بهم مؤمنون (٤١)..
٦ - \[٣٧/ الصافات/ ٩٥ و٩٦\] قال أتعبدون ما تنحتون (٩٥) والله......
٧ - \[٣٧/ الصافات/ ١٠٨\] ... ولقد علمت الجنة إنهم لمحضرون (١٠٨)..

### الآية 6:101

> ﻿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۖ أَنَّىٰ يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ ۖ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ ۖ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ [6:101]

ثم استدل تعالى على بطلان ما اجترؤوا عليه بوجوه أربعة. بدأ منها بقوله :
\[ ١٠١ \]  بديع السماوات والأرض أنى يكون له ولد ولم تكن له صاحبة وخلق كل شيء وهو بكل شيء عليم ( ١٠١ ) . 
 بديع السماوات والأرض  أي : مبدعهما بلا مثل سبق. وقيل : بمعنى عديم النظير فيهما. قال أبو السعود : والأول هو الوجه. والمعنى : أنه تعالى مبدع لقطري العالم العلوي والسفلي، بلا مادة، فاعل على الإطلاق، منزه عن الانفعال بالمرة. والوالد عنصر الولد منفعل بانتقال مادته عنه، فكيف يمكن أن يكون له ولد ؟
  أنى يكون له ولد ولم تكن له صاحبة  أي : من أين وكيف يكون له ولد- كما زعموا- والحال أنه ليس له على زعمهم أيضا صاحبة يكون الولد منها ؟ ويستحيل ضرورة وجود الولد بلا والدة، وإن أمكن وجوده بلا والد. وأيضا، الولد لا يحصل إلا بين متجانسين، ولا مجانس له تعالى. 
وقوله تعالى : أنى يكون له ولد  جملة مستأنفة، لتقرير تنزهه عنه، والحالية بعدها مؤكدة للاستحالة المذكورة. 
وقوله تعالى : وخلق كل شيء  جملة أخرى مستأنفة، لتحقيق ما ذكر من الاستحالة. أو حال ثانية مقررة لها. أي : أنى يكون له ولد والحال أنه خلق كل شيء انتظمه التكوين والإيجاد من الموجودات التي من جملتها ما سموه ولدا له تعالى. فكيف يتصور أن يكون المخلوق ولدا لخالقه ؟- أفاده أبو السعود-. 
 وهو بكل شيء عليم  أي : مبالغ في العلم أزلا وأبدا. جملة مستأنفة أيضا، مقررة لمضمون ما قبلها من الدلائل القاطعة، ببطلان مقالتهم الشنعاء. أي : أنه سبحانه لذاته عالم بكل المعلومات، فلو كان له ولد، فلا بد أن يتصف بصفاته، ومنها عموم العلم، وهو لغيره تعالى منفي بالإجماع.

### الآية 6:102

> ﻿ذَٰلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ ۖ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ۖ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ ۚ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ [6:102]

\[ ١٠٢ \]  ذلكم الله ربكم لا إله إلا الله هو خالق كل شيء فاعبدوه وهو على كل شيء وكيل ( ١٠٢ ) . 
 ذلكم  أي : الموصوف بما سبق، البعيد رتبته عن مراتب من يشارك أو ينسب إليه الولادة، إذ هو  الله ربكم لا إله إلا هو خالق كل شيء فاعبدوه  أي : بالإيمان به وحده، فإن من جمع تلك الصفات استحق العبادة وحده.  هو على كل شيء وكيل  أي : رقيب وحفيظ، يدبر كل ما سواه ويرزقهم ويكلؤهم بالليل والنهار.

### الآية 6:103

> ﻿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ ۖ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ [6:103]

\[ ١٠٣ \]  لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار وهو اللطيف الخبير ( ١٠٣ ) . 
وقوله تعالى : لا تدركه الأبصار  جملة مستأنفة، إما مؤكدة لقوله : وهو على كل شيء وكيل  ذكرت للتخويف بأنه رقيب من حيث لا يرى فليحذر، وإما هي مؤكدة لما تقرر قبل من تنزهه وتعاليه عن إفكهم أعظم تأكيد، ببيان أنه لا تراه الأبصار المعهودة وهي أبصار أهل الدنيا، لجلاله وكبريائه وعظمته، فأنى يصح أن ينسب إلى عليائه تلك العظيمة ؟ وذلك لأنه تعالى لم يخلق الأرباب هذه النشأة الدنيوية استعدادا لرؤيته المقدسة. 
قال العارف الجليل الشيخ الأكبر قدس في ( فتوحاته ) : سبب عجز الناس عن رؤية ربهم في الدنيا ضعف نشأة هذه الدار، إلا لمن أمده الله بالقوة، بخلاف نشأة الآخرة لقوتها. وسبب رؤيته تعالى في المنام كون النوم أخا الموت. وفي الحديث :" إنكم لن تروا ربكم حتى تموتوا ". فما نفى الشارع إلا رؤية الله في الدنيا يقظة. انتهى. 
وقال بعضهم : إن الأبصار المعهودة في الدنيا لا تدركه تعالى، لأن هذه الأحداق ما دامت تبقى على هذه الصفات التي هي موصوفة بها في الدنيا لا تدرك الله تعالى، وإنما تدركه إذا تبدلت صفاتها، وتغيرت أحوالها. 
وفي ( الصحيحين ) [(١)](#foonote-١) من حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم/ :" إن الله لا ينام، ولا ينبغي له أن ينام. يخفض القسط ويرفعه، يرفع إليه عمل النهار قبل الليل، وعمل الليل قبل النهار، حجابه النور أو النار، لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه ". 
قال ابن كثير : وفي الكتب المتقدمة ؛ أن الله تعالى قال لموسى لما سأل الرؤية : يا موسى ! إنه لا يراني حي إلا مات، ولا يابس إلا تدهده. وقال تعالى :{ فلما تجلى ربه للجبل جعله دكا وخر موسى صعقا فلما أفاق قال سبحانك تبت إليك وأنا أول المؤمنين[(٢)](#foonote-٢). 
أقول : كون المنفي من الإدراك في هذه الآية هو الإدراك الدنيوي خاصة، لا يحتاج إلى حجة ولا برهان. ومن فهم من بعض الفرق، كالمعتزلة من هذه الآية أن المنفي هو الإدراك في النشأتين، فقد نادى على نفسه بالجهل بما دل عليه كتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم المتواترة. أما الكتاب فمثل قوله تعالى : وجوه يومئذ ناضرة، إلى ربها ناظرة [(٣)](#foonote-٣). وأما السنة فما روي عن جرير بن عبد الله البجلي[(٤)](#foonote-٤) قال :" كنا جلوسا عند النبي صلى الله عليه وسلم، إذ نظر إلى القمر ليلة البدر قال : إنكم سترون ربكم كما ترون هذا القمر، لا تضامون في / رؤيته، فإن استطعتم أن لا تغلبوا عن صلاة طلوع الشمس، وقبل غروبها، فافعلوا. ثم قرأ : وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل الغروب  ". 
قال ابن كثير : تواترت الأخبار عن أبي سعيد وأبي هريرة وأنس وجرير وصهيب وبلال وغير واحد من الصحابة عن النبي صلى الله عليه وسلم :" أن المؤمنين يرون الله في الدار الآخرة في العرصات وروضات الجنات ". انتهى. 
قال الحافظ ابن حجر في ( الفتح ) : وأدلة السمع طافحة بوقوع ذلك في الآخرة لأهل الإيمان دون غيرهم، ومنع ذلك في الدنيا. إلا أنه اختلف في نبينا صلى الله عليه وسلم. انتهى. 
قال ابن كثير : كانت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها تثبت الرؤيا في الدار الآخرة، وتنفيها في الدنيا، وتحتج بهذه الآية. انتهى. 
فعن مسروق[(٥)](#foonote-٥) قال :" قلت لعائشة رضي الله عنها : يا أمتاه ! هل رأى صلى الله عليه وسلم ربه ؟ فقالت : لقد قف شعري مما قلت ! أين أنت من ثلاث من حدثكهن فقد كذب : من حدثك أن محمدا رأى ربه فقد كذب. ثم قرأت : لا تدكره الأبصار وهو يدرك الأبصار .  وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا أو من وراء حجاب [(٦)](#foonote-٦) ومن حدثك أنه يعلم ما في غد / فقد كذب، ثم قرأت[(٧)](#foonote-٧) : وما تدري نفس ماذا تكسب غدا  ومن حدثك أنه كتم فقد كذب ثم قرأت[(٨)](#foonote-٨) : يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك...  الآية. ولكنه رأى جبريل في صورته مرتين " - أخرجه الشيخان والترمذي-. 
وخالفها ابن عباس. فعنه إطلاق الرؤية، وعنه أنه رآه بفؤاده. والمسألة تذكر مبسوطة في أول سورة النجم إن شاء الله تعالى. 
ومن الناس من ذهب إلى أن الإدراك ليس هو مطلق الرؤية، بل هو معرفة الكنه أو الإحاطة. 
قال ابن كثير : قال آخرون : لا منافاة بين إثبات الرؤية ونفي الإدراك. فإن الإدراك أخص من الرؤية ولا يلزم من نفي الأخص انتفاء الأعم. ثم اختلف هؤلاء في الإدراك المنفي ما هو ؟ فقيل : معرفة الحقيقة، فإن هذا لا يعلمه إلا هو، وإن رآه المؤمنون، كما أن من رأى القمر فإنه لا يدرك حقيقته وكنهه وماهيته، فالعظيم أولى بذلك، وله المثل الأعلى. 
وقال آخرون : الإدراك أخص من الرؤية، وهو الإحاطة. قالوا : ولا يلزم من عدم الإحاطة عدم الرؤية، كما لا يلزم من عدم إحاطة العلم عدم العلم : ولا يحيطون به علما [(٩)](#foonote-٩). 
 وفي ( صحيح مسلم ) [(١٠)](#foonote-١٠) :" لا أحصي ثناء عليك، أنت كما أثنيت على نفسك ". ولا يلزم منه عدم الثناء، فكذلك هذا. انتهى. 
وقال النسفي : تشبث المعتزلة بهذه الآية لا يستتب، / لأن المنفي هو الإدراك لا الرؤية، والإدراك الوقوف على جوانب المرئي وحدوده، وما يستحيل عليه الحدود والجهات، يستحيل إدراكه، لا رؤيته، فنزل الإدراك من الرؤية منزلة الإحاطة من العلم، ونفي الإحاطة التي تقتضي الوقوف على الجوانب والحدود، لا يقتضي نفي العلم به، فكذا هذا. على أن مورد الآية، وهو التمدح، يوجب ثبوت الرؤية، إذ نفي إدراك ما تستحيل رؤيته. لا تمدح فيه، لأن كل ما لا يرى لا يدرك، وإنما التمدح بنفي الإدراك مع تحقق الرؤية، إذ انتفاؤه مع تحقق الرؤية، دليل ارتفاع نقيصة
التناهي والحدود عن الذات، فكانت الآية حجة لنا عليهم. انتهى. 
وقد جود العلامة العضد في ( المواقف ) البحث في هذه الآية، ونقل شبه المنكرين فيها، وأجاب عنها. ونحن، لنفاسته، ننقل كلامه مع شرحه للسيد الشريف قدس سره، وبعض حواشيه، ونصه :
الأولى- من شبه المنكرين للرؤية السمعية قوله تعالى : لا تدركه الأبصار . 
١- والإدراك المضاف إلى الأبصار إنما هو الرؤية. فمعنى قولك : أدركته ببصري، معنى رأيته. لا فرق إلا في اللفظ. أو هما أمران متلازمان لا يصح نفي أحدهما مع إثبات الآخر، / فلا يجوز : رأيته وما أدركته ببصري ولا عكسه. فالآية نفت أن تراه الأبصار وذلك يتناول جميع الأبصار بواسطة اللام الجنسية في مقام المبالغة، في جميع الأوقات، لأن قولك : فلان تدركه الأبصار، لا يفيد عموم الأوقات، فلابد أن يفيده ما يقابله، فلا يراه شيء من الأبصار، لا في الدنيا ولا في الآخرة، لما ذكرنا. 
٢- ولأنه تعالى تمدح بكونه لا يرى، فإنه ذكره في أثناء المدائح. وما كان من الصفات عدمه مدحا، كان وجوده نقصا، يجب تنزيه الله عنه، فظهر أنه يمتنع رؤيته، وإنما قلنا :( من الصفات ) احترازا عن ( الأفعال )، كالعفو والانتقام، فإن الأول فضل، والثاني عدل، وكلاهما كمال. والجواب :
أما عن الوجه الأول في الاستدلال بالآية فمن وجوه :
الأول- أن الإدراك هو الرؤية، على نعت الإحاطة بجوانب المرئي، إذ حقيقته النيل والوصول، و  إنا لمدركون  أي ملحقون، و ( أدركت الثمرة ) أي : وصلت إلى حد النضج و ( أدرك الغلام ) أي بلغ. ثم نقل إلى الرؤية المحيطة، لكونها أقرب إلى تلك الحقيقة. والرؤية المكيفة بكيفية الإحاطة، نفي المطلقة عنه. وقوله :( لا يصح نفي أحدهما مع إثبات الآخر ) ممنوع، بل يصح أن يقال : رأيته وما أدركه بصري. أي : لم يحط به من جوانبه، وإن لم يصح عكسه. 
الثاني- أن  تدركه الأبصار  موجبة كلية، لأن موضوعها جمع محلى باللام الاستغراقية. وقد دخل عيها النفي فرفعها. ورفع الموجبة سالبة جزئية. وبالجملة فيحتمل قوله : لا تدركه الأبصار  إسناد النفي إلى الكل، بأن يلاحظ أولا دخول النفي، ثم ورود العموم عليه، فيكون سالبة كلية. ونفي الإسناد إلى الكل بأن يعتبر العموم أولا، ثم ورود المنفي عليه، فيكون سالبة جزئية. ومع احتمال المعنى الثاني، لم يبق فيه حجة لكم علينا. / لأن أبصار الكفار لا تدركه، إجماعا. هذا ما نقوله : لو ثبت أن اللام في الجمع للعموم والاستغراق، وإلا عكسنا القضية، فادعينا أن الآية حجة لنا وقلنا : لا تدركه الأبصار  سالبة مهملة في قوة الجزئية، فالمعنى : لا تدركه بعض الأبصار، وتخصيص البعض بالنفي يدل بالمفهوم على الإثبات للبعض، فالآية حجة لنا لا علينا. انتهى- لكن هذا إنما يستقيم إذا كانت المهملة مرادفة للجزئية. وكونها في قوتها لا يفيد المرادفة. ولهذا اعترض عليه بأن الجنس في حيز النفي يفيد العموم اتفاقا، نحو : ما جاءني الرجل. وإنما الاحتمال لعموم السلب، وسلب العموم عند قصد الاستغراق، فكيف تعكس القضية على تقدير حمل اللام على الجنس ؟ ولو ثبت المرادفة لاندفع الاعتراض، إذ تصير الآية حينئذ حجة لنا إلزامية، حيث يرجع قيد البعضية إلى النفي، كما أرجع المستدل قيد العموم، على تقدير الاستغراق، إليه. فتأمل ! كذا في ( حواشي الجلبي والشرواني ) -. 
الثالث- من تلك الوجوه أنه أي الآية، وإن عمت في الأشخاص باستغراق اللام، فإنها لا تعم الأزمان، فإنها سالبة مطلقة لا دائمة، ونحن نقول بموجبه، حيث لا يرى في الدنيا. 
قال العلامة حسن حلبي : وما استدل به الخصم سابقا على أنها دائمة، من أن إيجابها لا يفيد عموم الأوقات، فلابد أن يفيده ما يقابله- فجوابه : أنه إنما يتم إذا كان التقابل بينهما تقابل التناقض، وهو ممنوع. فإن القضية الموجبة والسالبة، الغير الموجهتين لم توضعا في العربية لمعنيين متناقضين، بل لهما محامل يحملهما المستعمل حسب ما يريده. 
الرابع- منها أن الآية تدل على أن الأبصار لا تراه، ولا يلزم منه أن المبصرين لا يرونه، لجواز أن يكون ذلك النفي المذكور في الآية، نفيا للرؤية بالجارحة مواجهة وانطباعا، كما هو العادة، فلا يلزم نفي الرؤية بالجارحة مطلقا. وأما الجواب عن الوجه الثاني وهو قوله : تمدح الباري بأنه لا يرى، فنقول : هذا مدعاكم، فأين الدليل عليه ؟ إن قلت : أشير فيما / تقدم إلى دليله بأنه ذكر في أثناء المدائح، والمذكور بينهما يجب أن يكون مدحا – قلت : ذلك الدليل إنما يدل على التمدح بنفي المبصرية، لا بنفي الرؤية، والفرق قد سبق في الجواب الأول. انتهى. 
وإذا ثبت أن سياق الكلام يقتضي أنه تمدح، لم يكن لكم فيه دليل على امتناع رؤيته، بل لنا فيه الحجة على صحة الرؤية، لأنه لو امتنعت رؤيته لما حصل المدح بنفيها عنه إذ لا مدح للمعدوم بأنه لا يرى، حيث لم يكن له ذلك، وإنما المدح في عدم الرؤية للمتمنع، المتعزز بحجاب الكبرياء، كما في الشاهد. انتهى. 
وناقش الخيالي قولهم :( لا مدح للمعدوم ) بأن عدم مدح المعدوم لاشتماله على معدن كل نقص أعني : العدم، فإن أصل الممادح والكمالات هو الوجود، وقد عرا عنه. كما أن الأصوات والروائح لا تمدح بمنع إمكان رؤيتها، لكونها مقرونة بسمات النقص. 
قال : والحق أن امتناع الشيء لا يمتنع التمدح بنفيه، إذ قد ورد التمدح بنفي الشريك، ونفي اتخاذ الولد في القرآن، مع امتناعهما في حقه تعالى. انتهى. 
ووافقه حسن حلبي في ( حواشي شرح المواقف )، لكنه أجا

١ - ليس في الصحيحين. بل هو مما انفرد به مسلم عن البخاري. أخرجه في: ١- كتاب الإيمان، حديث ٢٩٣ (طبعتنا) وهذا نصه:
 عن أبي موسى قال: قام فينا رسول الله صلى الله عليه سلم بخمس كلمات فقال: "إن الله عزل وجل لا ينام، ولا ينبغي له أن ينام. يخفض القسط ويرفعه، يرفع إليه عمل النهار قبل الليل، وعمل الليل قبل النهار، حجابه النور، لو كشفه لحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه"..
٢ - \[٧/ الأعراف/ ١٤٣\] ونصها: ولما جاء موسى لميقاتنا وكلمه ربه قال رب أرني أنظر إليك قال لن تراني ولكن انظر إلى الجبل فإن استقر مكانه فسوف تراني فلما تجلى ربه للجبل جعله دكا وخر موسى صعقا فلما أفاق قال سبحانك تبت إليك وأنا أول المؤمنين (١٤٣)..
٣ - \[٧٥/ القيامة/ ٢٢ و٢٣\]..
٤ - أخرجه البخاري في؛ ٩٧- كتاب التوحيد، ٢٤- باب قول الله تعالى: وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة، حديث رقم ٣٥٨.
 وأخرجه مسلم في: ٥- كتاب المساجد ومواضع الصلاة، حديث ٢١١ (طبعتنا)..
٥ - أخرجه البخاري في: ٦٥- كتاب التفسير، ٥٣- سورة والنجم، ١- باب حدثنا يحيى حدثنا وكيع، حديث ١٥٢٨.
 وأخرجه مسلم في: ١- كتاب الإيمان، حديث ٢٨٧ طبعتنا).
 وأخرجه الترمذي بأطول من هذا السياق في: ٤٤- كتاب التفسير، ٦- سورة الأنعام، ٥- حدثنا أحمد بن منيع..
٦ - \[٤٢/ الشورى/ ٥١\] ... أو يرسل رسولا فيوحي بإذنه ما يشاء إنه علي حكيم (٥١)..
٧ - \[٣١/ لقمان/ ٣٤\] إن الله عنده علم الساعة وينزل الغيث ويعلم ما في الأرحام وما تدري نفس ماذا تكسب غدا وما تدري نفس بأي أرض تموت إن الله عليم خبير (٣٤)..
٨ - \[٥/ المائدة/ ٦٧\] ... وإن لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس إن الله لا يهدي القوم الكافرين (٦٧)..
٩ - \[٢٠/ طه/ ١١٠\] ونصها: {يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يحيطون به علما (١١٠)..
١٠ - أخرجه مسلم في صحيحه في: ٤- كتاب الصلاة، حديث ٢٢٢ (طبعتنا) ونصه:
 عن عائشة قالت: فقدت رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة من الفراش. فالتمسته فوقعت يدي على بطن قدميه وهو في المسجد، وهما منصوبتان، وهو يقول: "اللهم ! أعوذ برضاك من سخطك. وبمعافاتك من عقوبتك. وأعوذ بك منك. لا أحصي ثناء عليك. أنت كما أثنيت على نفسك"..

### الآية 6:104

> ﻿قَدْ جَاءَكُمْ بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ ۖ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ ۖ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْهَا ۚ وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ [6:104]

\[ ١٠٤ \] قد جاءكم بصائر من ربكم فمن أبصر فلنفسه ومن عمي فعليها وما أنا عليكم بحفيظ ( ١٠٤ ) }. 
وقوله تعالى : لقد جاءكم بصائر من ربكم  أي : الآيات والدلائل التي تبصرون بها الهدى من الضلالة. جمع ( بصيرة )، وهي الدلالة التي توجب البصر بالشيء، والعلم به. وجوز أن يكون المعنى : قد جاءكم من الوحي ما هو كالبصائر للقلوب، جمع ( بصيرة ) وهو النور الذي يستبصر به القلب، كما أن البصر نور تستبصر به العين. 
 فمن أبصر  أي : الحق بتلك البصائر وآمن به  فلنفسه  أي : فلنفسه أبصر، لأن نفعه لها،  ومن عمي  أي : ضل عن الحق. والتعبير عنه ب ( العمى ) للتقبيح له، والتنفير عنه،  فعليها  أي : فعلى نفسه عمى، وإياها ضر بالعمى.  وما أنا عليكم بحفيظ  أي : برقيب يرقبكم، ويحفظكم عن الضلالة، بل أنا منذر، والله يحفظ أعمالكم ويجازيكم عليها.

### الآية 6:105

> ﻿وَكَذَٰلِكَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ وَلِيَقُولُوا دَرَسْتَ وَلِنُبَيِّنَهُ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ [6:105]

\[ ١٠٥ \]  وكذلك نصرف الآيات وليقولوا درست ولنبينه لقوم يعلمون ( ١٠٥ ) 
 وكذلك نصرف الآيات  أي : نوردها على وجوه كثيرة في سائر المواضع، لتكمل الحجة على المخالفين،  وليقولوا  في ردها  درست  أي : قرأت على غيرك، وتعلمت منه. وحفظت بالدرس أخبار من مضى. كقولهم : فهي تملى عليه بكرة وأصيلا [(١)](#foonote-١). 
يقال : درس الكتاب دراسة، إذا أكثر قراءته وذلله للحفظ. قال ابن عباس :"  وليقولوا  يعني : أهل مكة حين تقرأ عليهم القرآن  درست  يعني : تعلمت من يسار وخير، وكانا عبدين من سبي الروم، ثم قرأت علينا تزعم أنه من عند الله ! " وقال الفراء : معناه تعلمت من اليهود- كذا في ( اللباب ) -. 
وقرئ ( دارستَ ) بالألف وفتح التاء. أي : دارست غيرك ممن يعلم الأخبار الماضية. كقولهم[(٢)](#foonote-٢)  إنما يعلمه بشر لسان الذي يلحدون إليه...  الآية. 
ويقرأ  دَرَسْتُ  بفتح الدال والراء والسين وسكون التاء، أي : مضت وقدمت وتكررت على الأسماع، كما قالوا : أساطير الأولين [(٣)](#foonote-٣). وهذه القراءت الثلاث / متواترة. وقرئ في الشواذ ( درست ) ماضيا مجهولا. أي : تليت وعفيت تلك الآيات. وقرئ ( درَّسْتَ ) مشددا معلوما، وتشديده للتكثير أو للتعدية. أي : درّست غيرك الكتب. وقرئ مشددا مجهولا. وقرئ ( دورست ) بالواو مجهول دارس. ودارست بالتأنيث، والضمير للآيات أو للجماعة : وقرئ :" درُست " بضم الراء، والإسناد للآيات مبالغة في محوه أو تلاوته، لأن ( فعل ) المضموم للطبائع والغرائز. وقرأ أبي رضي الله عنه ( درس ) وفاعله ضمير النبي صلى الله عليه وسلم، أو الكتاب، إن كان بمعنى انمحى. و ( درسن ) بنون الإناث مخففا ومشددا. وقرئ ( دارسات ) بمعنى قديمات، أو بمعنى ذات درس أو دروس، ك  عيشة راضية [(٤)](#foonote-٤). وارتفاعه على أنه خبر مبتدأ محذوف. أي : هي دراسات. 
 ولنبينه  أي : القرآن، وإن لم يجر له ذكر، لكونه معلوما. أو الآيات، لأنها في معنى القرآن. 
 لقوم يعلمون  أي : الحق فيتبعونه، والباطل فيجتنبونه. 
 تنبيهان
الأول- قيل : اللام الثانية حقيقة، والأولى لام العاقبة والصيرورة. أي : لتصير عاقبة أمرهم، إلى أن يقولوا : درست، كهي في قوله تعالى : فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدوا وحزنا [(٥)](#foonote-٥) وهم لم يلتقطوه للعداوة، وإنما التقطوه ليصير لهم قرة عين، ولكن صارت عاقبة أمرهم إلى العداوة. فكذلك الآيات صرفت للتبيين، ولم تصرف ليقولوا : درست. ولكن حصل هذا القول بتصريف الآيات، كما حصل التبيين، فشبه به. 
قال الخفاجي : وجوز أن يكون على الحقيقة أبو البقاء وغيره، لأن نزول الآيات لإضلال الأشقياء، وهداية السعداء. قال تعالى : يضل به كثيرا ويهدي به كثيرا [(٦)](#foonote-٦) وقال الرازي : حمل اللام على العاقبة بعيد. لأنه مجاز. وحمله على لام الغرض حقيقة، والحقيقة أقوى من المجاز. وإن المراد منه عين المذكور في قوله تعالى : يضل به كثيرا ويهدي به كثيرا . قال ومما يؤكد هذا التأويل قوله : ولنبينه لقوم يعلمون ، يعني : إنا ما بيناه إلا لهؤلاء. فأما الذين لا يعلمون، فما بينا هذه الآيات لهم، وإذ لم يكن بيانا لهم ثبت جعله ضلالا لهم. انتهى. 
وقيل : هذه اللام لام الأمر، ويؤيده أنه قرئ بسكونها، كأنه قيل : وكذلك نصرف الآيات، وليقولوا هم ما يقولون، فإنه لا احتفال بهم، ولا اعتداء بقولهم. وهو أمر معناه الوعيد والتهديد وعدم الاكتراث بقولهم. 
 وفيه نظر، لأن ما بعده يأباه، إذ اللام في  لنبينه  نص في أنها لام كي. وأما تسكين اللام في القراءة الشاذة، فلا دليل فيه، لاحتمال أنها خففت لإجرائها مجرى كبد، وكونها معترضة. و  لنبينه  متعلق بمقدر معطوف على ما قبله، وإن صححه لا يخرجه عن كونه خلاف الظاهر- كذا في ( العناية ) -. 
الثاني- قال الشريف قدس سره : أفعاله تعالى يتفرع عليها حكم ومصالح متقنة هي ثمراتها، وإن لم تكن عللا غائية لها، حيث لولاها لم يقدم الفاعل عليها. ومن أهل السنة من وافق المعتزلة في التعليل والغرض الراجع منفعته إلى العباد، وادعى أنه مذهب الفقهاء والمحدثين. 
إذا عرفت هذا، فاعلم أن حقيقة التعليل عند أهل السنة ببيان ما يدل على المصلحة المترتبة على الفعل. وأما تفسيره بالباعث الذي لولاه لم يقدم الفاعل على الفعل، أو عدم اشتراط ذلك، فهو من تحقيقات المتكلمين، لا تعلق له باللغة. وأما عند أهل اللغة فهو حقيقة في ذلك مطلقا، والفرق بينها وبين لام العاقبة، أن لام العاقبة لا تدخل على ما يترتب على الفعل وليس مصلحة وهل يشترط فيها أن يظنه المتكلم غير مترتب أم لا، حتى يكون في كلامه تعالى من غير حكاية أم لا، فيه خلاف- كذا في ( العناية ) -.

١ - \[٢٥/ الفرقان/ ٥\] وقالوا أساطير الأولين اكتتبها.....
٢ - \[١٦/ النحل/ ١٠٣\] ونصها: ولقد نعلم أنهم يقولون إنما يعلمه بشر لسان الذي يلحدون إليه أعجمي وهذا لسان عربي مبين (١٠٣)..
٣ - \[٦/ الأنعام/ ٢٥\] ونصها: ومنهم من يستمع إليك وجعنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه وفي آذانهم وقرا وإن يروا كل آية لا يؤمنوا بها حتى إذا جاءوك يجادلونك يقول الذين كفروا إن هذا إلا أساطير الأولين (٢٥).
 و\[٨/ الأنفال/ ٣١\] ونصها: وإذا تتلى عليهم آياتنا قالوا قد سمعنا لو نشاء لقلنا مثل هذا إن هذا إلا أساطير الأولين (٣١).
 و\[١٦/ الننحل٢٤\] ونصها: وإذا قيل لهم ماذا أنزل ربكم قالوا أساطير الأولين (٢٤).
 و\[٢٣/ المؤمنون/ ٧٣\] ونصها: لقد وعدنا نحن وءاباؤنا هذا من قبل ان هذا إلا أساطير الأولين (٨٣).
 و\[٢٥/ الفرقان/ ٥\] ونصها: وقالوا أساطير الأولين اكتتبها فهي تملى عليه بكرة وأصيلا (٥).
 و\[٢٧/ النمل/ ٦٨\] ونصها: لقد وعدنا هذا نحن وءاباؤنا من قبل إن هذا إلا أساطير الأولين (٦٨).
 و\[٦٨/ القلم/ ١٥\] ونصها: إذا تتلى عليه ءاياتنا قال أساطير الأولين (١٥).
 و\[٨٣/ المطففين/ ١٣\] ونصها: إذا تتلى عليه آياتنا قال أساطير الأولين (١٣)..
٤ - \[٦٩/ الحاقة/ ٢١\] ونصها: فهو في عشية راضية..
٥ - \[٢٨/ القصص/ ٨\] ... إن فرعون وهامان وجنودهما كانوا خاطئين (٨)..
٦ - \[٢/ البقرة/ ٢٦\] ونصها: إن الله لا يستحي أن يضرب مثلا ما بعوضة فما فوق فأما الذين آمنوا فيعلمون أنه الحق من ربهم وأما الذين كفروا فيقولون ماذا أراد الله بهذا مثلا يضل به كثيرا ويهدي به كثيرا وما يضل به إلا الفاسقين (٢٦)..

### الآية 6:106

> ﻿اتَّبِعْ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ ۖ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ۖ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ [6:106]

ولما حكى تعالى عن المشركين قدحهم في تصريف الآيات، أتبعه بالأمر بالثبات على ما هو عليه، تقوية لقلبه، وإزالة لما يحزنه، فقال سبحانه :
\[ ١٠٦ \]  اتبع ما أوحي إليك من ربك لا إله إلا هو وأعرض عن المشركين ( ١٠٦ ) . 
 اتبع ما أوحي إليك من ربك  أي : من تبليغ الرسالة، التي هي الآيات المصرفة، مبالغة في إلزام الحجة. وقوله : لا إله إلا الله هو  اعتراض أكد به إيجاب / الإتباع، أو حال مؤكدة من  ربك ، بمعنى : منفردا في الألوهية.  وأعرض عن المشركين  قال أبو مسلم : أريد بالإعراض الهجران لهم دون الإنذار، وترك الموعظة. وقال المهايمي : أي لا تحزن عليهم إذا أصروا على الشرك والعمى مع هذه البصائر. فإنه تعالى أراد بقاءهم على الشرك والعمى، لاقتضاء استعدادهم ذلك.

### الآية 6:107

> ﻿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكُوا ۗ وَمَا جَعَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا ۖ وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ [6:107]

\[ ١٠٧ \]  ولو شاء الله ما أشركوا وما جعلناك عليهم حفيظا وما أنت عليهم بوكيل ( ١٠٧ ) . 
 ولو شاء الله ما أشركوا  أي : مع استعدادهم، ولكن جرت سنته برعاية الاستعدادات،  وما جعلناك عليهم حفيظا  أي : هم وإن كان لهم الاستعداد للإيمان في فطرتهم، وقد أبطلوه، فأنت وإن كنت داعيا إلى إصلاح الاستعداد الفطري، وما جعلناك متوليا عليهم، تحفظ مصالحهم، حتى تكون مصلحا لاستعدادهم الفطري. 
 وما أنت عليهم بوكيل  تدبر عليهم أمورهم، أو تغيرهم من استعدادهم إلى آخر، بل هو مفوض إلى الله تعالى، يفعل بهم بمقتضى استعدادهم الطبيعي لهم من غير تغيير له، بل هو مفوض إلى اختيارهم- أفاده المهايمي-. 
تنبيهان
الأول- في قوله تعالى : ولو شاء الله ما أشركوا  دليل على أنه تعالى لا يريد إيمان الكافر، لكن لا بمعنى أنه تعالى يمنعه عنه، من توجهه إليه، بل بمعنى أنه تعالى لا يريده منه، لعدم صرف اختياره الجزئي نحو الإيمان، وإصراره على الكفر. والزمخشري يفسره بمشيئة إكراه وقسر، لأن عندهم مشيئة الاختيار حاصلة البتة. قال النحرير : وهذه عكازته في دفع مذهب أهل السنة. 
 الثاني- قال القاشاني في تفسير قوله تعالى : ولو شاء الله ما أشركوا  : أي كل ما يقع، فإنما يقع بمشيئة الله، ولا شك أن استعداداتهم التي وقعوا بها في الشرك، وأسباب ذلك، من تعليم الآباء والعادات وغيرها، أيضا واقعة بإرادة من الله، وإلا لم تقع. فإن آمنوا بذلك، فبهداية الله، وإلا فهون على نفسك، فما جعلناك تحفظهم عن الضلال، وما أنت بموكل عليهم بالإيمان. ولا ينافي هذا ما قال في تعبيرهم فيما بعد بقوله : سيقول الذين أشركوا لو شاء الله ما أشركنا [(١)](#foonote-١) لأنهم قالوا ذلك عنادا ودفعا للإيمان بذلك التعلل، لا اعتقادا. فقولهم ذلك، وإن كان صدقا في نفس الأمر، لكنهم كانوا به كاذبين، مكذبين للرسول، إذ لو صدقوا لعلموا أن توحيد المؤمنين أيضا بإرادة الله وكذا كل دين، فلم يعادوا أحد. ولو علموا أن كل شيء لا يقع إلا بإرادة الله لما بقوا مشركين، بل كانوا موحدين. لكنهم قالوه لغرض التكذيب والعناد، وإثبات أنه لا يمكنهم الانتهاء عن شركهم، فلذلك عيرهم به، لا لأنه ليس كذلك في نفس الأمر. فإنهم لم يطلعوا على مشيئة الله، وأنه كما أراد شركهم في الزمان السابق، لم يرد إيمانهم الآن، إذ ليس كل منهم مطبوع القلب، بدليل إيمان من آمن منهم. فلم لا يجوز أن يكون بعضهم كانوا مستعدين للإيمان والتوحيد، واحتجوا بالعادة، وما وجدوا من آبائهم فأشركوا، ثم إذا سمعوا الإنذار، وشاهدوا آيات التوحيد، اشتاقوا إلى الحق، وارتفع حجابهم فوحدوا. فلذلك وبخهم على قولهم، وطلب منهم الحجة على أن الله أرادهم بذلك دائما، وأنذرهم بوعيد من كان قبلهم، لعل من كان فيه أدنى استعداد، إذا انقطع عن حجته، وسمع وعيد من قبله من المنكرين، ارتفع حجابه، ولان قلبه فآمن، ويكون ذلك توفيقا له، ولطفا في شأنه، فإن عالم الحكمة يبتني على الأسباب. وأما من كان من الأشقياء / المردودين، المختوم على قلوبهم، فلا يرفع لذلك رأسا، ولا يلقى إليه سمعا. انتهى. 
وليكن هذا على بال منك، فالمقام دقيق جدا، وسيأتي بيانه في الآية الآتية إن شاء الله تعالى.

١ - \[٦/ الأنعام/ ١٤٨\] ونصها: سيقول الذين أشركوا لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا ولا حرمنا من شيء كذلك كذب الذين من قبلهم حتى ذاقوا باسنا قل هل عندكم من علم فتخرجوه لنا إن تتبعون إلا الظن وإن أنتم إلا تخرصون (١٤٨)..

### الآية 6:108

> ﻿وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ ۗ كَذَٰلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّهِمْ مَرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [6:108]

\[ ١٠٨ \]  ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدوا بغير علم كذلك زينا لكل أمة عملهم ثم إلى ربهم مرجعهم فينبئهم بما كانوا يعملوا ( ١٠٨ ) 
 ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدوا بغير علم  أي : لا تذكروا آلهتهم، التي يعبدونها، بما فيه من القبائح، لئلا يتجاوزوا إلى الجناب الرفيع. 
روى عبد الرزاق عن قتادة قال :" كان المسلمون يسبون أصنام الكفار، فنهوا عنه لذلك ". وقال الزجاج : نهوا أن يلعنوا الأصنام التي كانت تعبدها المشركون. انتهى. 
ف  الذين يدعون  عبارة عن الآلهة، والعائد مقدر، والتعبير ب  الذين  على زعمهم أنهم من أولي العلم، أو بناء على أن سب آلهتهم سب لهم، كما يقال : ضرب الدابة صفع لراكبها. فإن قيل : إنهم كانوا يقرون بالله وعظمته، وأن آلهتهم إنما عبدوها لتكون شفعاء عنده، فكيف يسبونه ؟ قلنا : لا يفعلون ذلك صريحا، بل يفضي كلامهم إلى ذلك، كشتمهم له ولمن يأمره بذلك مثلا. وقد فسر  بغير علم  بهذا، وهو حسن جدا. أو أن الغيظ والغضب ربما حملهم على سب الله صريحا. ألا ترى المسلم قد تحمله شدة غضبه على التكلم بالكفر ؟ !
و  عدوا  مصدر، أي : ظلما وعدوانا. يقال : عدا عليه عدوا، ك ( ضربا )، و ( عدوّا ) ك ( عتوّ }، و ( عداء ) ك ( عزاء )، و ( عدوانا ) ك ( سبحان ) إذا تعدى / وتجاوز، وهو مفعول مطلق ل ( تسبوا ) من معناه، لأن السب عدوان. أو مفعول له، أو حال مؤكدة مثل  بغير علم  - كذا في ( العناية ) -. 
**تنبيه :**
قال ابن الفرس في الآية : إنه متى خيف من سب الكفار وأصنامهم أن يسبوا الله ورسوله أو القرآن، لم يجز أن يسبوا ولا دينهم. قال : وهي أصل في قاعدة سد الذرائع. 
قال السيوطي : وقد يستدل بها على سقوط وجوب الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، إذا خيف من ذلك مفسدة أقوى من مفسدة تركه. 
وقال بعض مفسري الزيدية : ثمرة الآية أن الحسن يصير قبيحا إذا كان يحصل بفعله مفسدة. 
قال الحاكم : نهوا عن سب الأصنام لوجهين :
أحدهما : أنها جماد لا ذنب لها. 
والثاني : أن ذلك يجب علينا بيان بغضها، وأنه لا تجوز عبادتها، وأنها لا تضر ولا تنفع، وأنها لا تستحق العبادة، وهذا ليس بسب. ولهذا قال أمير المؤمنين ( يوم صفين ) :" لا تسبوهم، ولكن اذكروا قبيح أفعالهم ". انتهى. 
وقال الزمخشري : فإن قلت : سب الآلهة حق وطاعة، فكيف صح النهي عنه، وإنما يصح النهي عن المعاصي ؟ قلت : رب طاعة علم أنها تكون مفسدة، فتخرج عن أن تكون طاعة، فيجب النهي عنها لأنها معصية، لا لأنها طاعة. كالنهي عن المنكر، وهو من أجل الطاعات، فإذا علم أنه يؤدي إلى زيادة الشر انقلب إلى معصية، ووجب النهي عن ذلك، كما يجب النهي عن المنكر. فإن قلت : فقد روي عن الحسن وابن سرين أنهما حضرا/ جنازة، فرأى محمد نساء، فرجع. فقال الحسن : لو تركنا الطاعة لأجل المعصية، لأسرع ذلك في ديننا. قلت : ليس هذا مما نحن بصدده، لأن حضور الرجل الجنازة طاعة، وليس بسبب لحضور النساء، فإنهن يحضرنها، حضر الرجل أو لم يحضر. بخلاف سب الآلهة. وإنما خيل إلى ابن سيرين أنه مثله، حتى نبه عليه الحسن. انتهى. 
ومنه قال بعض مفسري الزيدية : واعلم أن المعصية إن كانت حاصلة لا محالة، سواء فعل الحسن أم لا، لم يسقط الواجب، ولا يقبح الحسن. انتهى. 
وكذا قال الخفاجي : إن الطاعة إذا أدت إلى معصية راجحة، وكانت سببا لها، وجب تركها. بخلاف الطاعة في موضع فيه معصية، لا يمكن دفعها. وكثيرا ما يشتبهان. ولذا لم يحضر ابن سيرين جنازة اجتمع فيها الرجال والنساء، وخالفه الحسن للفرق بينهما. انتهى. 
قال الرازي : وفي الآية تأديب لمن يدعوا إلى الدين، لئلا يتشاغل بما لا فائدة له في المطلوب، لأن وصف الأوثان بأنها جمادات لا تضر ولا تنفع، يكفي في القدح في إلهيتها، فلا حاجة، مع ذلك إلى شتمها. 
 كذلك زينا لكل أمة  من الأمم الماضية على الضلال  عملهم ثم إلى ربهم مرجعهم  أي : بالبعث بعد الموت،  فينبئهم  أي : يخبرهم  بما كانوا يعملوا  في الدنيا. وذلك بالمحاسبة والمجازاة عليه. 
**تنبيهات :**
الأول- ذهب أهل السنة إلى ظاهر الآية، من أن المزين للكافر الكفر، وللمؤمن الإيمان، هو الله تعالى. وذلك لأن صدور الفعل من العبد يتوقف على حصول الداعي، ولابد أن يكون ذلك الداعي بخلق الله تعالى. وقد بسط الرازي ذلك، وساق تأويلات المعتزلة الركيكة، فانظره !. 
الثاني- في قوله تعالى : فينبئهم  الخ وعيد بالجزاء والعذاب. كقول الرجل لمن يتوعده : سأخبرك بما فعلت. 
 الثالث- فيه نكتة سرية، مبنية على حكمة أبية، وهي أن كل ما يظهر في النشأة من الأعيان والأعراض، فإنما يظهر بصورة مستعارة مخالفة لصورته الحقيقية التي بها يظهر في النشأة الآخرة. فإن المعاصي سموم قاتلة، قد برزت في الدنيا بصورة تستحسنها نفوس العصاة، كما نطقت به هذه الآية الكريمة، وكذا الطاعات، فإنها مع كونها أحسن الأحاسن، قد ظهرت عندهم بصورة مكروهة، ولذلك قال عليه الصلاة والسلام[(١)](#foonote-١) :" حفت الجنة بالمكاره، وحفت النار بالشهوات ". فأعمال الكفر قد برزت لهم في هذه النشأة بصورة مزينة تستحسنها الغواة وتستحبها الطغاة، وستظهر في النشأة الآخرة بصورتها الحقيقية المنكرة الهائلة، فعند ذلك يعرفون أن أعمالهم ماذا ؟ فعبر عن إظهارها بصورها الحقيقية بالإخبار بها، لما أن كلا منهما سبب للعلم بحقيقتها كما هي. فليتدبر !- أفاده أبو السعود-.

١ - أخرجه مسلم في: ٥١- كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها، حديث رقم ١ (طبعتنا) رواه أنس بن مالك..

### الآية 6:109

> ﻿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ جَاءَتْهُمْ آيَةٌ لَيُؤْمِنُنَّ بِهَا ۚ قُلْ إِنَّمَا الْآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ ۖ وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَا إِذَا جَاءَتْ لَا يُؤْمِنُونَ [6:109]

\[ ١٠٩ \]  وأقسموا بالله جهد أيمانهم لئن جاءتهم آية ليؤمنن بها قل إنما الآيات عند الله وما يشعركم أنها إذا جاءت لا يؤمنون ( ١٠٩ ) . 
 وأقسموا بالله جهد أيمانهم  مصدر في موقع الحال. أي : أقسموا به تعالى جاهدين في أيمانهم، باذلين في توثيقها طاقتهم  لئن جاءتهم آية  أي : خارق كما اقترحوا،  ليؤمنن بها قل إنما الآيات عند الله  أي : أمرها في حكمه وقضائه خاصة، يتصرف بها حسب مشيئته المبنية على الحكم البالغة، لا تتعلق بها قدرة أحد ولا مشيئته، حتى يمكنني أن أتصدى لاستنزالها بالاستدعاء. وهذا سد لباب الاقتراح على أبلغ وجه وأحسنه، ببيان صعوبة منالها، وعلو شأنها – أفاده أبو السعود-. 
  وما يشعركم أنها إذا جاءت لا يؤمنون  قرئ  إنها  بالكسر على الاستئناف، والمفعول الثاني محذوف، كأنه قيل : وما يدريكم إيمانهم ؟ ثم أخبرهم بما علم منهم إخبارا ابتدائيا. أو هو جواب سؤال، كأنه قيل : لم وبخوا فقيل : لأنها إذا جاءت لا يؤمنون ! أو هو مبني على قوله : وما يشعركم  فإنه أبرز في معرض المحتمل، كأنه سأل عنه سؤال شاك، ثم علل بقوله ل  أنها إذا جاءت لا يؤمنون  جزما بالطرف المخالف، وبيانا لكون الاستفهام غير جار على الحقيقة. وفيه إنكار لتصديق المؤمنين على وجه يتضمن إنكار صدق المشركين في المقسم عليه. وهذا نوع من السحر البياني، لطيف المسلك. هذا على أن الخطاب للمؤمنين، إذا كانوا يتمنون مجيء الآية طمعا في إيمانهم. وقيل : هو للمشركين، لقراءة : لا تؤمنون ، فيكون فيه التفات. وقرئ  أنها  بالفتح، وعليه فقيل : مقتضى حسن ظن المؤمنين بهؤلاء المعاندين، حذف ( لا ). وتوضيح ذلك بالمثال أن إذا قيل لك : أكرم زيدا يكافئك، قلت في إنكاره : ما أدراك أني إذا أكرمته يكافئني ؟ ! فإن قيل : لا تكرمه فإنه لا يكافئك، قلت في إنكاره : ما أدراك أنه لا يكافئني ؟ ! تريد : وأنا أعلم منه المكافأة. فمقتضى حسن ظن المؤمنين بالمشركين أن يقال : وما يدريكم أنها إذا جاءت يؤمنون، فإثبات ( لا ) يعكس المعنى، إلى أن المعلوم لك الثبوت، وأنت تنكر على من نفى. 
**وقد وجهه الفتح بستة وجوه :**
منها- جعل ( لا ) صلة، كقوله : ما منعك أن لا تسجد [(١)](#foonote-١)، وقوله تعالى : وحرام على قرية أهلكناها أنهم لا يرجعون [(٢)](#foonote-٢) أي : يرجعون. وضعف الزجاج هذا الوجه، بأن ما كان يكون كذلك على جميع التقديرات، وليس كذلك هنا، فإن ( لا ) / على قراءة الكسر ليست بصلة. وأجاب الفارسي بأنه لم يجوز أن يكون لغوا على أحد التقديرين، ومفيدا على التقدير الثاني. انتهى. 
ومنها- جعل ( أن ) بمعنى ( لعل ). قال الخليل : تقول العرب : ائت السوق أنك تشتري لنا شيئا، أي لعلك. فكأنه تعالى قال : لعلها إذا جاءت لا يؤمنون. قال الواحدي :" أن " بمعنى " لعل " كثير في كلامهم، قال الشاعر[(٣)](#foonote-٣) :
أريني جوادا مات هزلا لأنني\*\*\* أرى ما ترين أو بخيلا مخلدا
وقال عدي[(٤)](#foonote-٤) بن حاتم :
أعاذل ما يدريك أن منيتي\*\*\* إلى ساعة في اليوم أو في ضحى الغد
ويؤيده أن ( يشعركم ) و ( يدريكم ) بمعنى. وكثيرا ما تأتي ( لعل ) بعد فعل الدراية، نحو  وما يدريك لعله يزكى [(٥)](#foonote-٥). وفي مصحف أبي  وما أدراك لعلها إذا جاءتهم لا يؤمنون . 
ومنها – جعل ( أن ) بمعنى هل. 
ومنها- جعل الكلام جواب قسم محذوف بناء على أن ( إن ) في جواب القسم يجوز فتحها. والذي ارتضاه الزمخشي وتبعه المحققون حمل الكلام على ظاهره، وأن الاستفهام / في معنى النفي، والإخبار عنهم بعدم العلم لا إنكار عليهم. والمعنى : وما يدريكم أن الآية التي يقترحونها إذا جاءت لا يؤمنون بها. يعني : أنا أعلم أنها إذا جاءت لا يؤمنون بها، وأنتم لا تدرون ذلك. 
قال في ( الانتصاف ) : لما جاءت الآية تفهم، ببادئ الرأي، أن الله تعالى علم الإيمان منهم، وأنكر على المؤمنين نفيهم له، والواقع على خلاف ذلك. اختلف العلماء ( وساق نحو ما قدمنا في الوجوه ) ثم قال : وأما الزمخشري فتفطن لبقاء الآية في ظاهرها وقرارها في نصابها، من غير حذف ولا تأويل. فقال قوله السالف، ونحن نوضح اطراده في المثال المتقدم، ليتضح بوجهيه في الآية، فنقول : إذا حرمت زيدا لعلمك عدم مكافأته، فأشير عليك بالإكرام بناء على أن المشير يظن المكافأة، تلك معه حالتان : حالة تنكر عليه ادعاء العلم بما يعلم خلافه، وحالة تعذره في عدم العلم بما أحطت به علما. فإن أنكرت عليه قلت : وما يدريك أنه يكافئ ؟ وإن عذرته في عدم علمه بأنه لا يكافئ قلت : وما يدريك أنه لا يكافئ. يعني : ومن أين تعلم أنت ما علمته أنا من عدم مكافأته، وأنت لا تخبر أمره خبري. فكذلك الآية إنما ورد فيها الكلام إقامة عذر للمؤمنين في عدم علمهم بالمغيب في علم الله تعالى، وهو عدم إيمان هؤلاء. فاستقام دخول ( لا ) وتعين، وتبين أن سبب الاضطراب التباس الإنكار بإقامة الأعذار. انتهى. 
ونفي السبب، وهو الإشعار، مبالغة في نفي المسبب، وهو الشعور. 
قال الخفاجي : وفي نفي المسبب بهذا الطريق مبالغة ليست في نفيها بدونها، لأن في الكناية إثبات الشيء ببينة. وفيه تعريض بان الله عالم بعدم إيمانهم، على تقدير مجيء الآية المقترحة لهم، وتنبيه على أنه تعالى لم ينزلها لعلمه بأنها إذا جاءت لا يؤمنون. فعد الإنزال لعدم الإيمان. و ( يشعركم وينصركم ) ونحوه، قرئ بضم خالص وسكون واختلاس.

١ - \[٧ الأعراف/ ١٢\] ونصها: قال ما منعك ألا تسجد إذ أمرتك قال أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين (١٢)..
٢ - \[٢١/ الأنبياء/ ٩٥\]..
٣ - استشهد به الطبري في التفسير، (ج ٣ ص ٧٨ طبعة المعارف).
 قال: يعني بقوله: "أريني" دليني عليه وعرفيني مكانه ولم يعن به رؤية العين.
 واستشهد به مرة أخرى (ج ١٢ ص ٤٦ طبعة المعارف) قال: (لأنني) بمعنى لعلني. كما استشهد به المؤلف هنا..
٤ - استشهد به الطبري في التفسير (ج ١٢ ص ٤١ طبعة المعارف) قال: بمعنى (لعل منيتي)..
٥ - \[٨٠/ عبس/ ٣\]..

### الآية 6:110

> ﻿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ [6:110]

\[ ١١٠ \]  ونقلب أفئدتهم وأبصارهم كما لم يؤمنوا به أول مرة ونذرهم في طغيانهم يعمهون ( ١١٠ ) . 
 ونقلب أفئدتهم وأبصارهم  عطف على  لا يؤمنون ، داخل في حكم { ما يشعركم ؛، مقيد بما قيد به. أي : وما يشعركم أنا نقلب أفئدتهم عن إدراك الحق فلا يفقهونه. وأبصارهم عن اجتلائه فلا يبصرونه، ولكن لا مع توجهها إليه، واستعدادها لقبوله، بل لكمال نبوها عنه، وإعراضها بالكلية. ولذلك أخر ذكره عن ذكر عدم إيمانهم، إشعارا بأصالتهم في الكفر، وحسما لتوهم أن عدم إيمانهم ناشئ من تقليبه تعالى مشاعرهم بطريق الإجبار- أفاده أبو السعود-. 
 كما لو يؤمنوا به  أي : بما جاء من الآيات : أول مرة  أي : قبل سؤالهم الآيات التي اقترحوها،  ونذرهم  أي : ندعهم  في طغيانهم يعمهون  أي : يترددون متحيرين، لا نهديهم هداية المؤمنين. 
قال أبو السعود  ونذرهم  عطف على  لا يؤمنون ، داخل في حكم الاستفهام الإنكاري، مقيد بما قيد به. مبين لما هو المراد بتقليب الأفئدة والأبصار، ومعرب عن حقيقته بأنه ليس على ظاهره، بأن يقلب الله سبحانه مشاعرهم عن الحق، مع توجههم إليه، واستعدادهم له بطريق الإجبار، بل بأن يخليهم وشأنهم، بعد ما علم فساد استعدادهم، وفرط نفورهم عن الحق، وعدم تأثير اللطف فيهم أصلا، ويطبع على قلوبهم حسبما يقتضيه استعدادهم، كما أشرنا إليه. انتهى. 
وفي ( اللباب ) : في الآية دليل على أن الله تعالى يهدي من يشاء، ويضل من يشاء، وأن / القلوب والأبصار بيده وفي تصريفه، فيقيم ما شاء منها، ويزيغ ما أراد منها. ومنه قوله صلى الله عليه وسلم[(١)](#foonote-١) :" يا مقلب القلوب ! ثبت قلبي على دينك " انتهى.

١ - أخرجه الترمذي في: ٣٠- كتاب القدر، ٧- باب ما جاء أن القلوب بين إصبعي الرحمن، ونصه:
 عن أنس قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكثر أن يقول: "يا مقلب القلوب ! ثبت قلبي على دينك" فقلت يا رسول الله ! آمنا بك وبما جئت به، فهل تخاف علينا؟ قال: "نعم. إن القلوب بين إصبعين من أصابع الله، يقلبها كيف يشاء"..

### الآية 6:111

> ﻿۞ وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَىٰ وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ [6:111]

ثم بين تعالى كذبهم في أيمانهم الفاجرة على أبلغ وجه وأكده بقوله :
\[ ١١١ \]  ولو أننا نزلنا إليهم الملائكة وكلمهم الموتى وحشرنا عليهم كل شيء قبلا ما كانوا ليؤمنوا إلا أن يشاء الله ولكن أكثرهم يجهلون ( ١١١ ) . 
 ولو أننا نزلنا إليهم الملائكة  أي : ولو أننا لم نقتصر على إيتاء ما اقترحوه هنا من آية واحدة، بل نزلنا إليهم الملائكة، كما قالوا : لولا أنزل علينا الملائكة [(١)](#foonote-١). 
 وكلمهم الموتى  كما قالوا : فأتوا بآبائنا إن كنتم صادقين [(٢)](#foonote-٢)،  وحشرنا  أي : جمعنا  عليهم كل شيء  من الحيوانات والنباتات والجمادات،  قبلا  أي : كفلاء بصحة ما بشروا به وأنذروا  ما كانوا ليؤمنوا  لغلوهم في التمرد والطغيان،  إلا أن يشاء الله  أي : إيمانهم فيؤمنوا،  ولكن أكثرهم يجهلون  أي :/ إنهم لو أوتوا كل آية لم يؤمنوا، فيقسمون بالله جهد إيمانهم على ما لا يكاد يكون. أو يجهلون أن الإيمان بمشيئة الله لا بخوارق العادات. 
قال القاشاني : وفي الحقيقة لا اعتبار بالإيمان المرتب على مشاهدة خوارق العادات، فإنه ربما كان مجرد إذعان لأمر محسوس، وإقرار باللسان، وليس في القلب من معناه شيء، كإيمان أصحاب السامري. والإيمان لا يكون إلا بالجنان، كما قال تعالى : قالت الأعراب آمنا، قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا ولما يدخل الإيمان في قلوبكم [(٣)](#foonote-٣). 
**تنبيهان :**
الأول- يقرأ  قبلا  بضم القاف والباء، وفيه وجهان : أحدهما : هو جمع قبيل بمعنى الكفيل، مثل قليب وقلب ؛ والآخر : أنه مفرد، كقبل الإنسان ودبره. وعلى كلا الوجهين هو حال من كلا. ويقرأ بالضم وسكون الباء على تخفيف الضمة ويقرأ بكسر القاف وفتح الباء، وانتصابه على الظرفية. كقولهم : لي قبل فلان حق. أو على الحالية، وهو مصدر، أي عيانا ومشاهدة. 
الثاني- في قوله تعالى : إلا أن يشاء الله  حجة واضحة على المعتزلة، لدلالته على أن جميع الأشياء بمشيئة الله تعالى، حتى الإيمان والكفر. وقد اتفق سلف هذه الأمة، وحملة شريعتها على أنه ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن. وللمعتزلة تحيل في المدافعة بحمل المشيئة المنفية، على مشيئة القصر والاضطرار. وإنما يتم لهم ذلك أن لو كان القرآن يتبعه الآراء. وأما وهو القدوة والمتبوع، فما خالفه حينئذ وتزحزح عنه، فإلى النار، وما بعد الحق إلا الضلال.

١ - \[٢٥/ الفرقان/ ٢١\] ونصها: وقال الذين لا يرجون لقاءنا لولا أنزل علينا الملائكة أو نرى ربنا لقد استكبروا في أنفسهم وعتو عتوا كبيرا (٢١)..
٢ - \[٤٤/ الدخان/ ٣٦\]..
٣ - \[٤٩/ الحجرات/ ١٤\] ... وإن تطيعوا الله ورسوله لا يلتكم من أعمالكم شيئا إن الله غفور رحيم (١٤)..

### الآية 6:112

> ﻿وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا ۚ وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ ۖ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ [6:112]

ثم سلى تعالى نبيه عما كان يقاسيه من قومه، بتأسيه بمن سبقه من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، فقال سبحانه :
 \[ ١١٢ \]  وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا شياطين الإنس والجن يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا ولو شاء ربك ما فعلوه فذرهم وما يفترون ( ١١٢ ) . 
 وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا شياطين الإنس والجن  أي : مثل ذلك الجعل الذي جعلناه في حقك، حيث جعلنا لك عدوا يضادونك ولا يؤمنون، جعلنا لكل نبي تقدمك عدوا من مردة الإنس والجن، فعلوا بهم ما فعل بك أعداؤك، كما قال تعالى : ما يقال لك إلا ما قد قيل للرسل من قبلك [(١)](#foonote-١). وقال ورقة بن نوفل للنبي صلى الله عليه وسلم[(٢)](#foonote-٢) :" لم يأت رجل قط بمثل ما جئت به إلا عودي ". 
 يوحي  أي : يلقي ويوسوس  بعضهم إلى بعض زخرف القول  أي : المموه منه، المزين ظاهره، الباطل باطنه،  غرورا  أي : للضعفاء، لأن الله تعالى جعلهم أهل الحجاب، وكذا الغارين، ليقهرهم بمقتضى استعدادهم. وفي الآية دليل على أن عداوة الكفر للأنبياء عليهم الصلاة والسلام، بفعل الله سبحانه وتعالى، وخلقه. 
قال المهايمي : لتظهر الحجج بمجادلتهم، وترتفع شبهاتهم، ولئلا يقال إنه شخص ساعده الكل ليأكلوا أموال الناس، أو يتواسوا عليهم. 
 ولو شاء ربك ما فعلوه  أي : ما فعلوا ذلك، يعني : معاداة الأنبياء، وإيحاء الزخارف. وهو أيضا دليل على المعتزلة.  فذرهم وما يفترون  أي : من الكفر، فسوف يعلمون. 
ثم عطف على قوله : غرورا  علة ثانية للإيحاء بقوله تعالى : ولتصغى إليه أفئدة الذين لا يؤمنون بالآخرة وليرضوه وليقترفوا ما هم مقترفون ( ١١٣ ) .

١ - \[٤١/ فصلت/ ٤٣\] .... إن ربك لذو مغفرة وذو عقاب أليم (٤٣)..
٢ - هذه قطعة من الحديث الطويل الذي أخرجه البخاري في: ١- كتاب بدء الوحي، ١- حدثنا عبد الله بن يوسف. روته سيدتنا عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها..

### الآية 6:113

> ﻿وَلِتَصْغَىٰ إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُوا مَا هُمْ مُقْتَرِفُونَ [6:113]

\[ ١١٣ \]  ولتصغى إليه أفئدة الذين لا يؤمنون بالآخرة وليرضوه وليقترفوا ما هم مقترفون ( ١١٣ ) . 
 ولتصغى إليه  أي : يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول، ليغرهم به، ولتميل إليه  أفئدة الذين لا يؤمنون بالآخرة  لمساعدته لهم على أهوائهم،  وليرضوه  أي : لأنفسهم بعد ما مالت إليه قلوبهم،  وليقترفوا  أي : وليكتسبوا بموجب ارتضائهم له،  ما هم مقترفون  أي : من الآثام. 
قال القاشاني : فتقوى غواتهم، ويتظاهرون، ويخرج ما فيهم من الشرور إلى الفعل، ويزدادوا طغيانا وتعديا على النبي، فتزداد قوة كماله، وتهيج أيضا بسببه دواعي المؤمنين، والذين في استعدادهم مناسبة للنبي، فتنبعث حميتهم، وتزداد محبتهم للنبي، ونصرهم إياه، فتظهر عليهم كمالاتهم. 
**لطيفة :**
إنما خص بالذكر عدم إيمانهم بالآخرة، دون ما عداها من الأمور التي يجب الإيمان بها، وهم بها كافرون، إشعارا بما هو المدار في صغو أفئدتهم إلى ما يلقى إليهم، فإن لذات الآخرة محفوفة في هذه النشأة بالمكاره، وآلامها مزينة بالشهوات، فالذين لا يؤمنون بها، وبأحوال ما فيها، لا يدرون أن وراء تلك المكاره لذات، ودون هذه الشهوات آلاما، وإنما ينظرون إلى ما بدا لهم في الدنيا بادئ الرأي. فهم مضطرون إلى حب الشهوات، التي من جملتها مزخرفات الأقاويل، ومموهات الأباطيل. وأما المؤمنون بها، فحيث كانوا واقفين على حقيقة الحال، ناظرين إلى عواقب الأمور، لم يتصور منهم الميل إلى تلك المزخرفات، لعلمهم ببطلانها، ووخامة عاقبتها – أفاده أبو السعود-.

### الآية 6:114

> ﻿أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلًا ۚ وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ ۖ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ [6:114]

\[ ١١٤ \]  أفغير الله أبتغي حكما وهو الذي أنزل إليكم الكتاب مفصلا والذين آتيناهم الكتاب يعلمون أنه منزل من ربك بالحق فلا تكونن من الممترين ( ١١٤ ) . 
وقوله تعالى : أفغير الله أبتغي حكما  على تقدير القول، كما في نظائره، |أي : قل لهم : أفغير الله أطلب من يحكم بيني وبينكم، ويفصل المحق منا من المبطل. والمعنى : أطلب معبودا، لأنهم كانوا يتحاكمون إلى طواغيتهم- وهذا عندي أظهر- ثم رأيت في ( تنوير المقباس ) الاقتصار عليه، حيث قال : أبتغي حكما  أعبد ربا، وأما كون الآية واردة على قولهم ( اجعل بيننا وبينك حكما ) فلا يصح، لأنهم بمعزل عن الانصياع لذلك. 
 وهو الذي أنزل إليكم الكتاب  أي : القرآن المعجز،  مفصلا  أي : مبينا فيه الفصل بين الحق والباطل، والحلال والحرام، وأنتم أمة أمية، لا تدرون ما تأتون وما تذرون. 
وفي الآية. 
**مسائل :**
الأولى- قال في ( الإكليل ) : استدل الخوارج بقوله تعالى : أفغير الله أبتغي حكما  على إنكارهم التحكيم. قال : وهو مردود، فإن التحكيم المنكر أن يريد حكما بغير ما حكم الله تعالى. انتهى. 
قلت : هذا مبني على الوجه الأول، وقد عرفت أن الأظهر الوجه الثاني، فلا استدلال، ولا رد. 
الثانية- قالوا : الحكم أبلغ من الحاكم، وأدل على الرسوخ، لما أنه لا يطلق إلا على العادل، وعلى من تكرر منه الحكم، بخلاف الحاكم. 
 الثالثة- في الآية تنبيه على أن القرآن الكريم كاف في أمر الدين، مغن عن غيره، ببيانه وتفصيله. 
 والذين آتيناهم الكتاب يعلمون أنه منزل من ربك بالحق  لما عندهم من البشارات بك من الأنبياء المتقدمين، ولتصديقه ما عندهم، مع أنه عليه الصلاة والسلام لم يمارس كتبهم، ولم يخالط علماءهم. وهذا تقرير لكونه منزلا من عند الله ببيان أن الذين وثق بهم المشركون من علماء أهل الكتاب عالمون بحقيته ونزوله من عنده تعالى. 
 فلا تكونن من الممترين  أي : في أنه منزل من ربك بالحق، بسبب جحود أكثرهم وكفرهم به، فيكون من باب التهييج والإلهاب، كقوله تعالى : ولا تكونن من المشركين [(١)](#foonote-١). 
قال ابن كثير : هذا كقوله تعالى : فإن كنت في شك مما أنزلنا إليك فاسأل الذين يقرأون الكتاب من قبلك، لقد جاءك الحق من ربك فلا تكونن من الممترين [(٢)](#foonote-٢). قال : وهذا شرط، والشرط لا يقتضي وقوعه. ولهذا جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال :" لا أشك ولا أسأل ". انتهى.

١ - \[٦/ الأنعام/ ١٤\] ونصها: قل أغير الله أتخذ وليا فاطر السماوات والأرض وهو يطعم ولا يطعم قل إني أمرت أن أكون أول من أسلم.....
٢ - \[١٠/ يونس/ ٩٤\]..

### الآية 6:115

> ﻿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا ۚ لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ ۚ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ [6:115]

\[ ١١٥ \]  وتمت كلمت ربك صدقا وعدلا لا مبدل لكلماته وهو السميع العليم ( ١١٥ ) . 
 وتمت كلمت ربك  وقرئ  كلمات ربك  أي : بلغت الغاية أخباره وأحكامه ومواعيده  صدقا  في الأخبار والمواعيد  وعدلا  في الأقضية والأحكام. 
 وقال القاشاني : أي تم قضاؤه تعالى في الأزل بما قضى وقدر من إسلام من أسلم، وكفر من كفر، ومحبة من أحب، وعداوة من عادى، قضاءا مبرما وحكما صادقا، مطابقا لما يقع، عادلا بمناسبة كل قول وكل كمال وحال، لاستعداد من يصدر عنه واقتضائه له. انتهى. 
 ولا مبدل لكلماته  أي : لا أحد يبدل شيئا منها بما هو أصدق وأعدل. أو لا أحد يقدر أن يحرفها شائعا ذائعا، كما فعل بالتوراة. على أن المراد بها القرآن، فيكون ضمانا لها منه تعالى بالحفظ، كقوله : وإنا له لحافظون [(١)](#foonote-١). 
وقال القاشاني : أي لا مبدل لأحكامه الأزلية. انتهى. 
قال السيوطي في ( الإكليل ) : يستدل به من قال إن اليهود والنصارى لم يبدلوا لفظ التوراة والإنجيل، وإنما بدلوا المعنى، لأن كلمات الله لا تبدل. انتهى. وهو رواية[(٢)](#foonote-٢) عن ابن عباس- أخرجها البخاري في آخر ( صحيحه ). وبسط المقام في ذلك الحافظ ابن حجر في ( فتح الباري ). وتقدم لنا في سورة البقرة شذرة من هذا البحث، فجدد به عهدا. 
 وهو السميع  لما يظهرون من الأقوال  العليم  أي بما يخفون.

١ - \[١٥/ الحجر/ ٩\] ونصها: إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون (٩)}..
٢ - أخرجه البخاري في: ٩٧- كتاب التوحيد، ٥٥- باب قول الله تعالى: بل هو قرآن مجيد في لوح محفوظ.
 وانظر في ذلك، وفي مثله، كتابنا (معجم غريب القرآن، مستخرجا من صحيح البخاري) ففيه كل ما صح عن ابن عباس، ونصه: يحرفون، يزيلون. وليس أحد يزيل لفظ كتاب من كتب الله عز وجل، ولكنهم يحرفونه يتأولونه على غير تأويله..

### الآية 6:116

> ﻿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ۚ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ [6:116]

ثم حذر تعالى من الركون إليهم والعمل بآرائهم بقوله :
 \[ ١١٦ \]  وإن تطع أكثر من في الأرض يضلون عن سبيل الله إن يتبعون إلا الظن وإن هم إلا يخرصون ( ١١٦ ) . 
 وإن تطع أكثر من في الأرض  أي : من الناس، وهم الكفار  يضلوك عن سبيل الله  أي : عن الطريق الموصل إليه، بتزيينهم زخارفهم عليك، ودعوتهم إياك إلى ما هم فيه من اتباع الهوى، كما قال : إن يتبعون إلا الظن  وهو ظنهم أن آباءهم ينسبون إليه، كاتخاذ الولد، وجعل عبادة الأوثان وصلة إليه، وتحليل الميتة، وتحريم البحائر. و ( إن ) فيه وفيما قبله نافية. والخرص : الخزر والتخمين، وقد يعبر به عن الكذب والافتراء، وأصله القول بالظن، وقول ما لا يستيقن ويتحقق- قاله الأزهري-.

### الآية 6:117

> ﻿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ مَنْ يَضِلُّ عَنْ سَبِيلِهِ ۖ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ [6:117]

\[ ١١٧ \]  إن ربك هو أعلم من يضل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين ( ١١٧ ) . 
 إن ربك هو أعلم من يضل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين  تقرير لمضمون الشرطية، وما بعدها. وتأكيد لما يفيده من التحذير. أي : هو أعلم بالفريقين، فاحذر أن تكون من الأولين. - أفاده أبو السعود-. 
**تنبيه :**
قال الرازي : تمسك نفاة القياس بهذه الآية فقالوا : رأينا أن الله تعالى بالغ في ذم الكفار في كثير من آيات القرآن، بسبب كونهم متبعين للظن. والشيء الذي يجعله الله تعالى موجبا لذم الكفار، لابد وأن يكون في المعنى في أقصى مراتب الذم. والعمل بالقياس يوجب اتباع الظن، فوجب كونه مذموما محرما. لا يقال : لما ورد الدليل القاطع بكونه حجة، كان العمل به عملا بدليل مقطوع، لا بدليل مظنون. لأنا نقول : هذا مدفوع عن وجوه :
 الأول- أن ذلك الدليل القاطع إما أن يكون عقليا، وإما أن يكون سمعيا، والأول باطل، لأن العقل لا مجال له في أن العمل بالقياس جائز أو غير جائز، لا سيما عند من ينكر تحسين العقل وتقبيحه. والثاني أيضا باطل، لأن الدليل السمعي إنما يكون قاطعا لو كان متواترا، أو كانت ألفاظه غير محتملة لوجه آخر، سوى هذا المعنى الواحد. ولو حصل مثل هذا الدليل لعلم الناس بالضرورة كون القياس حجة، ولارتفع الخلاف فيه بين الأمة. فحيث لم يوجد ذلك، علمنا أن الدليل القاطع على صحة القياس مفقود. 
الثاني- هب أنه وجد الدليل القاطع على أن القياس حجة، إلا أن مع ذلك لا يتم العمل بالقياس إلا مع اتباع الظن. وبيانه أن التمسك بالقياس مبني على مقامين : الأول : أن الحكم في محل الوفاق معلل بكذا. والثاني : أن ذلك المعنى حاصل في محل الخلاف. فهذان المقامان، إن كانا معلومين على سبيل القطع واليقين، فهذا مما لا خلاف فيه بين العقلاء في صحته. وإن كان مجموعهما، أو كان أحدهما ظنيا، فحينئذ لا يتم العمل بهذا القياس إلا بمتابعة الظن، وحينئذ يندرج تحت النص الدال على أن متابعة الظن مذمومة. والجواب لم لا يجوز أن يقال : الظن عبارة عن الاعتقاد الراجح إذا لم يستند إلى أمارة، وهو مثل اعتقاد الكفار. أما إذا كان الاعتقاد الراجح مستندا إلى أمارة، فهذا الاعتقاد لا يسمى ظنا، وبهذا الطريق سقط هذا الاستدلال. انتهى.

### الآية 6:118

> ﻿فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ بِآيَاتِهِ مُؤْمِنِينَ [6:118]

\[ ١١٨ \]  فكلوا مما ذكر اسم الله عليه إن كنتم بآياته مؤمنين ( ١١٨ ) . 
وقوله تعالى : فكلوا مما ذكر اسم الله عليه  أمر مترتب على النهي عن اتباع المضلين الذين من جملة إضلالهم تحليل الحرام وتحريم الحلال. وذلك أنهم خاصموا المسلمين فقالوا :" ما ذبح الله لا تأكلونه، وما ذبحتم أنتم أكلتموه " - أخرجه النسائي[(١)](#foonote-١) عن ابن عباس- / فنزلت الآية. والمعنى : كلوا مما ذكر اسم الله على ذبحه، لرفعه تنجيس الموت إياه المانع من الأكل، لا مما ذكر عليه اسم غيره، أو مات حتف أنفه. 
 إن كنتم بآياته مؤمنين  فإن الإيمان بها يقتضي استباحة ما أحله سبحانه، واجتناب ما حرمه.

١ - أخرجه النسائي في: ٤٣- كتاب الضحايا، ٤٠- باب تأويل قول الله عز وجل: ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه..

### الآية 6:119

> ﻿وَمَا لَكُمْ أَلَّا تَأْكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ ۗ وَإِنَّ كَثِيرًا لَيُضِلُّونَ بِأَهْوَائِهِمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ ۗ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُعْتَدِينَ [6:119]

\[ ١١٩ \]  وما لكم ألا تأكلوا مما ذكر اسم الله عليه وقد فصل لكم ما حرم عليكم إلا ما اضطررتم إليه وإن كثيرا ليضلون بأهوائهم بغير علم إن ربك هو أعلم بالمعتدين ( ١١٩ ) . 
وقوله تعالى : وما لكم ألا تأكلوا مما ذكر اسم الله عليه  إنكار لأن يكون لهم شيء يدعوهم إلى الاجتناب عن أكل ما ذكر عليه اسم الله تعالى من البحائر والسوائب. أي : وأيّ غرض لكم في أن تتحرجوا من أكله، وما يمنعكم عنه ؟  وقد فصل لكم ما حرم عليكم  أي : بينه ووضحه. 
قال بعض المفسرين : يعني في آية المائدة في قوله تعالى : حرمت عليكم الميتة... [(١)](#foonote-١) الآية. ورد بأن المائدة من آخر ما نزل بالمدينة، والأنعام مكية. فالصواب أن التفصيل إما/ في قوله تعالى بعد هذه الآية : قل لا أجد فيما أوحي إلي محرما...  [(٢)](#foonote-٢) الآية، فإنه ذكر بعد بيسير، وهذا القدر من التأخر لا يمنع أن يكون هو المراد، وإما على لسان الرسول، ثم أنزل بعد ذلك في القرآن. و  فصل  و  حرم  قرئ كل منهما معلوما ومجهولا. ومعنى الآية : لا مانع لكم من أكل ما ذكر، وقد بين لكم المحرم أكله، وهذا ليس منه. 
 إلا ما اضطررتم إليه  أي : مما حرم عليكم. أي : إلا أن تدعوكم الضرورة إلى أكله بسبب شدة المجاعة، فيباح لكم. 
 وإن كثيرا ليضلون  قرئ بفتح الياء وضمها  بأهوائهم بغير علم  أي : يضلون فيحرمون ويحللون بأهوائهم وشهواتهم، من غير تعلق بشريعة. 
 إن ربك هو أعلم بالمعتدين  أي المتجاوزين لحدود الحق إلى الباطل، والحلال إلى الحرام. 
**تنبيه :**
قال الرازي : دلت هذه الآية على أن القول في الدين بمجرد التقليد حرام، لأن القول بالتقليد قول بمحض الهوى والشهوة، ودلت الآية على أن ذلك حرام. انتهى. 
وقال بعض الزيدية : في الآية دلالة على تحريم الفتوى والحكم بغير دلالة، ولكن اتباع الهوى.

١ - \[٥/ المائدة ٣\] ونصها: حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به والمنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة وما أكل السبع إلا ما ذكيتم وما ذبح على النصب وأن تستقسموا بالأزلام ذلكم فسق، اليوم يئس الذين كفروا من دينكم فلا تخشوهم واخشون، اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا، فمن اضطر في مخمصة غير متجانف لإثم فإن الله غفور رحيم (٣)..
٢ - \[٦/ الأنعام/ ١٤٥\] ونصها: قل لا أجد في ما أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة أو دما مسفوحا أو لحم خنزير فإنه رجس أو فسقا أهل لغير الله به فمن اضطر غير باغ ولا عاد فإن ربك غفور رحيم (١٥٤)..

### الآية 6:120

> ﻿وَذَرُوا ظَاهِرَ الْإِثْمِ وَبَاطِنَهُ ۚ إِنَّ الَّذِينَ يَكْسِبُونَ الْإِثْمَ سَيُجْزَوْنَ بِمَا كَانُوا يَقْتَرِفُونَ [6:120]

ولما بين الله تعالى أنه فصل المحرمات، أتبعه بما يوجب تركها بالكلية، فقال سبحانه :
 \[ ١٢٠ \]  وذروا ظاهر الإثم وباطنه إن الذين يكسبون الإثم سيجزون بما كانوا يقترفون ( ١٢٠ ) . 
 وذروا ظاهر الإثم  أي : سيئات الأعمال والأقوال الظاهرة على الجوارح  وباطنه  أي : ما يسر منه بالقلب كالعقائد الفاسدة، والعزائم الباطلة. أو ما يعلن من الذنوب وما يسر منها، ويستتر فيه. 
قال السدي في : ظاهره الزنا مع البغايا ذوات الرايات، وباطنه مع الخليلة والصدائق والأخذان. ولا يخفى أن اللفظ عام في كل محرم، ولذا قال قتادة : أي سره وعلانيته، قليله وكثيره، وصغيره وكبيره. كقوله تعالى[(١)](#foonote-١) : قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن . 
 إن الذين يكسبون الإثم سيجزون بما كانوا يقترفون  أي : يكتسبون. قال الشهاب : الاقتراف في اللغة الاكتساب، وأكثر ما يقال في الشر والذنب. ولذا قيل : الاعتراف يزيل الاقتراف. وقد يرد في الخير كقوله تعالى[(٢)](#foonote-٢) : ومن يقترف حسنة نزد له فيها حسنا . انتهى. 
وقد روى[(٣)](#foonote-٣) مسلم وغيره عن نواس بن سمعان قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :/ " البر حسن الخلق، والإثم ما حاك في نفسك، وكرهت أن يطلع عليه الناس ". 
قال الحاكم : في الآية دلالة على أن العبد يؤاخذ بأفعال القلب، كما يؤاخذ بأفعال الجوارح. ١ه. أي : على التفسير الأول فيها.

١ - \[٧/ الأعراف/ ٣٣\] ... والإثم والبغي بغير الحق وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون (٣٣).
٢ - \[٤٢/ الشورى/ ٢٣\] ونصها:ذلك الذي يبشر الله عباده الذين آمنوا وعملوا الصالحات قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى ومن يقترف حسنة نزد له فيها حسنا إن الله غفور شكور (٢٣)..
٣ - أخرجه مسلم في: ٤٥- كتاب البر والصلة والآداب، حديث رقم ١٥ (طبعتنا)..

### الآية 6:121

> ﻿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ ۗ وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَىٰ أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ ۖ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ [6:121]

\[ ١٢١ \]  ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه وإنه لفسق وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم ليجادلوكم وإن أطعتموهم إنكم لمشركون ( ١٢١ ) . 
 ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه [(١)](#foonote-١) أي : عند ذبحه. أي : بأن ذكر عليه اسم غيره، يعني ذبح لغيره تعالى.  وإنه لفسق  والفسق ما أهل لغير الله به، كما في الآية الآتية آخر السورة. قال المهايمي : وإنه لفسق  خروج عن الحسن إلى القبح، بتناول ما تنجس بالموت بلا مانع عن تأثيره.  وإن الشياطين ليوحون  أي يوسوسون  إلى أوليائهم  أي : من الكفار،  ليجادلوكم  أي : في تحليل الميتة،  وإن أطعتموهم  أي : في تحليل ما حرم الله، أو تحريم ما أحل،  إنكم لمشركون  أي : لهم مع الله، فيما يختص به من التحليل والتحريم. 
الأول- روي في سبب نزول هذه الآيات عن ابن عباس رضي الله عنهما قال :" أتى ناس إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا : يا رسول الله ! إنا نأكل ما نقتل، ولا نأكل ما يقتل الله تعالى، فأنزل الله تعالى : فكلوا مما ذكر اسم الله عليه إن كنتم بآياته مؤمنين  إلى قوله : وإن أطعتموهم إنكم لمشركون  ". أخرجه أصحاب ( السنن ) [(٢)](#foonote-٢). 
وفي رواية لأبي داود في قوله تعالى : وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم / ليجادلوكم  قال : يقولون ما ذبح الله- فلا تأكلوا، وما ذبحتم فكلوا ؟ فأنزل الله تعالى : ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه { وفي أخرى :{ فكلوا مما ذكر اسم الله عليه ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه ، فنسخ، واستثنى من ذلك فقال : وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم وطعامكم حل لهم [(٣)](#foonote-٣). 
وعند النسائي[(٤)](#foonote-٤) قال : خاصمهم المشركون، فقالوا : ما ذبح الله لا تأكلونه، وما ذبحتم أنتم أكلتموه ؟ - كذا في ( تيسير الوصول ). 
الثاني- دلت الآية على مشروعية التسمية عند الذبح فقيل : باسم الله، بهذا اللفظ الكريم. وقيل : بكل قول فيه تعظيم له كالرحمن، وسائر أسمائه الحسنى، لقوله تعالى : قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن [(٥)](#foonote-٥). ولقوله تعالى : ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها [(٦)](#foonote-٦)
الثالث- ما قدمناه من حمل الآية على ما ذبح لغير الله تعالى هو الأظهر في تأويلها، لقوله تعالى بعد : أو فسقا أهل لغير الله به  ومراعاة النظائر في القرآن أولى ما يلتمس به المراد. 
وقد روى ابن أبي حاتم عن عطاء قال : نزلت في ذبائح كانت تذبحها قريش على الأوثان، / وذبائح المجوس. وقد حاول بعضهم أن يقويه فجعل الواو في قوله : وإنه لفسق  حالية، لقبح عطف الخبر على الإنشاء. قال : والمعنى : لا تأكلوه حال كونه فسقا. والفسق مجمل يفسره قوله : أهل لغير الله به ، فيكون النهي مخصوصا بما أهل لغير الله به، فيبقى ما عداه حلالا، إما بالمفهوم، أو بعموم دليل الحل، أو بحكم الأصل. واعترض على هذا الحمل بأنه يقتضي أن لا يتناول النهي أكل الميتة، مع أنه سبب النزول، وبأن التأكيد ب ( أن ) و ( اللام ) ينفي كون الجملة حالية، لأنه إنما يحسن فيما قصد الإعلام بتحققه ألبتة، والرد على منكر تحقيقا أو تقديرا ( على ما بين في المعاني )، والحال الواقع في الأمر والنهي مبناه على التقدير، كأنه قيل : لا تأكلوا منه إن كان فسقا، فلا يحسن  وإنه لفسق  بل ( وهو فسق ) وأجيب عن الأول بأنه دخل بقوله : وإنه لفسق   ما أهل به لغير الله  وبقوله : وإن الشياطين...  إلخ الميتة، فيتحقق أن هذا النهي مخصوص بما ذبح على النصب، أو مات حتف أنفه. وعن الثاني بأنه لما كان المراد بالفسق الذي ههنا الإهلال لغير الله، كان التأكيد مناسبا، كأنه قيل : لا تأكلوا منه إذا كان هذا النوع من الفسق الذي الحكم به متحقق، والمشركون ينكرونه- كذا في ( العناية ) -. 
ومما يقويه ايضا قوله تعالى : وإنه لفسق  على أن المراد به الخروج عن طاعة الله تعالى، وهو وجه ثان فيه وقوله تعالى : إنكم لمشركون  فإن من أكل الميتة، أو ما ذبح على النصب فسق، ومع الاستحلال يكفر، بخلاف ما ذبحه المسلم ولم يسم عليه، فإن آكله لا يفسق ولا يكفر إجماعا- أشار له الرازي- وحينئذ فلا دلالة في الآية على تحريم ذبيحة المسلم التي تركت التسمية عليها، عمدا أو سهوا. 
وقد روى أبو داود في ( مراسيله } عن الصلت السدوسي قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" ذبيحة المسلم حلال، ذكر اسم الله أو لم يذكره، إنه إن ذكر لم يذكر إلا اسم الله ". 
قال الحافظ ابن كثير : وهذا مرسل يعضد بما رواه الدارقطني عن ابن عباس أنه قال :" إذا ذبح المسلم ولم يذكر اسم الله، فليأكل، فإن المسلم فيه اسم من أسماء الله تعالى ". 
 واحتج البيهقي أيضا بحديث عائشة رضي الله عنها :" أن قوما قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم : إن قوما يأتوننا باللحم لا ندري أذكر اسم الله عليه أم لا، فقال : سموا عليه أنتم وكلوه. قالت : وكانوا حديثي عهد بكفر " - رواه البخاري[(٧)](#foonote-٧) والنسائي- قال : فلو كان وجود التسمية شرطا لم يرخص لهم إلا مع تحققها. وكذا قال الخطابي : فيه دليل على أن التسمية غير شرط على الذبيحة، فلم يعلم هل وقعت الذكاة المعتبرة أم لا ؟ وهذا هو المتبادر من سياق الحديث، حيث وقع الجواب فيه :( سموا أنتم )، كأنه قيل لهم : لا تهتموا بذلك، بل الذي يهمكم أنتم أن تذكروا اسم الله وتأكلوا. وهذا من الأسلوب الحكيم. ومما يدل أيضا قوله تعالى : وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم [(٨)](#foonote-٨) فأباح الأكل من ذبائحهم، مع وجود الشك في أنهم سموا أم لا. هذا، وقد تمسك بظاهر الآية قوم فذهبوا إلى أن الذبيحة لا تحل إذا لم يذكر اسم الله عليها، وإن كان الذابح مسلما، عمدا تركت التسمية أو نسيانا. واحتجوا أيضا بقوله تعالى في آية الصيد : فكلوا مما أمسكن عليكم واذكروا اسم الله عليه واتقوا الله إن الله سريع الحساب [(٩)](#foonote-٩)، وبالأحاديث الواردة في الأمر بالتسمية عند الذبيحة والصيد، / كحديثي عدي[(١٠)](#foonote-١٠) بن حاتم وأبي ثعلبة[(١١)](#foonote-١١) :" إذا أرسلت كلبك المعلم، وذكرت اسم الله فكل "، وهما في ( الصحيحين ). 
 وحديث رافع بن خديج[(١٢)](#foonote-١٢) :" ما أنهر الدم وذكر اسم الله فكلوه " - في ( الصحيحين ) أيضا. 
وحديث ابن مسعود[(١٣)](#foonote-١٣) :" أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال للجن : لكم كل عظم ذكر اسم الله عليه " - رواه مسلم-. 
 وحديث جندب بن سفيان البجلي[(١٤)](#foonote-١٤) قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" من ذبح قبل أن يصلي، فليذبح مكانها أخرى، ومن لم يكن ذبح حتى صلينا، فليذبح باسم الله " - أخرجاه-. 
قالوا : ففي هذه الأحاديث إيقاف الإذن في الأكل على التسمية، والمعلق بالوصف ينتفي عند انتفائه، عند من يقول بالمفهوم. والشرط أقوى من الوصف. 
واحتجوا أيضا بحديث عائشة المتقدم ( سموا عليه أنتم وكلوا ). قالوا : إن القوم فهموا أن التسمية لابد منها. وخشوا أن لا تكون وجدت من أولئك، لحداثة إسلامهم، فأمرهم بالاحتياط بالتسمية عند الأكل، لتكون كالعوض عن المتروكة عند الذبح، إن لم تكن وجدت. أي : فتسميتكم الآن تستبيحون بها كل ما لم تعلموا أذكر اسم الله عليه / أم لا، إذا كان الذابح ممن تصح ذبيحته إذا سمى. قالوا : ويستفاد منه أن كل ما يوجد في أسواق المسلمين محمول على الصحة، وكذا ما ذبحه أعراب المسلمين، لأن الغالب أنهم عرفوا التسمية. انتهى. 
وأجاب من حمل الآية على الوجه الأول ؛ بأن الأمر في حديث عدي وأبي ثعلبة محمول على التنزيه، من أجل أنهما كانا يصيدان على مذهب الجاهلية، فعلمهما النبي صلى الله عليه وسلم أمر الصيد والذبح، فرضه ومندوبه، لئلا يوافقا شبهة في ذلك، وليأخذا بأكمل الأمور. وأما الذين سألوا عن تلك الذبائح، فإنهم سألوا عن أمر قد وقع لغيرهم، فعرفهم بأصل الحل فيه. 
وقال ابن التين : يحتمل أن يراد التسمية هنا عند الأكل، وبذلك جزم النووي. 
وأما التسمية على ذبح تولاه غيرهم، فلا تكلف عليهم فيه، وإنما يحمل على غير الصحة إذا تبين خلافها. 
وقال المهلب : هذا الحديث أصل في أن التسمية ليست فرضا. فلما نابت تسميتهم عن التسمية على الذبح، دل على أنها سنة، لأن السنة لا تنوب عن فرض. انتهى. 
وذهب بعض من اشترط التسمية في الحل إلى جواز أكل ما تركت عليه سهوا لا عمدا. واحتج بما رواه البيهقي عن ابن عباس مرفوعا. " المسلم يكفيه اسمه، إن نسي أن يسمي حين يذبح، فليذكر اسم الله وليأكله ؟. قال الحافظ ابن كثير : ورفعه خطأ. والصواب وقفه على ابن عباس، من قوله : نص عليه البيهقي. واحتج أيضا بالحديث المروي من طرق عند ابن ماجة عن ابن عباس[(١٥)](#foonote-١٥) وأبي هريرة[(١٦)](#foonote-١٦) وأبي ذر[(١٧)](#foonote-١٧) وعقبة بن عامر وعبد الله بن عمرو / عن النبي صلى الله عليه وسلم :" إن الله وضع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه ". 
ورواه الطبراني عن ثوبان مرفوعا بلفظ :" رفع عن أمتي الخطأ "... الحديث. 
وروى ابن عدي عن أبي هريرة قال :" جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله ! أرأيت الرجل منا يذبح وينسى أن يسمي ! فقال النبي صلى الله عليه وسلم اسم الله على كل مسلم ". 
قال ابن كثير : وإسناده ضعيف. 
وقد علمت الأظهر في تأويل الآية أولا –والله أعلم-. 
الرابع- قال ابن جرير[(١٨)](#foonote-١٨) : اختلف أهل العلم في هذه الآية : هل نسخ من حكمها شيء أم لا ؟ فقال بعضهم : لم ينسخ منها شيء، وهي محكمة فيما عنيت به. وعلى هذا قول مجاهد وعامة أهل العلم. 
وروي عن الحسن البصري وعكرمة أنه تعالى نسخ من هذه الآية واستثنى قوله : وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم . وروى ابن أبي حاتم عن مكحول أيضا أنه تعالى نسخها بذلك وأحل طعام أهل الكتاب. 
قال ابن جرير : والصواب أنه لا تعارض بين حل طعام أهل الكتاب، وبين تحريم ما لم يذكر اسم الله عليه. 
قال ابن كثير : وهذا الذي قاله صحيح. ومن أطلق من السلف النسخ ههنا، فإنما أراد التخصيص. انتهى. 
وقد قدمنا في المقدمة أنه علم من استقراء كلام الصحابة والتابعين أنهم كانوا يستعملون النسخ بإزاء المعنى اللغوي، الذي هو إزالة شيء بشيء، لا بإزاء مصطلح الأصوليين. فمعنى النسخ عندهم إزالة بعض الأوصاف من الآية بآية أخرى. إما بانتهاء مدة العمل، أو بصرف الكلام عن المعنى المتبادر إلى غيره، أو بيان كون قيد من القيود اتفاقيا، أو تخصيص عام، وغير ذلك مما أسلفنا، فتذكر !
 الخامس- قال الزجاج : في قوله تعالى : وإن أطعتموهم إنكم لمشركون  دليل على أن كل من أحل شيئا مما حرم الله تعالى، أو حرم شيئا مما أحل الله تعالى، فهو مشرك. وإنما سمي مشركا لأنه أثبت حاكما سوى الله تعالى. وهذا هو الشرك. انتهى. 
وقال ابن كثير : إنكم لمشركون  أي : حيث عدلتم عن أمر الله لكم وشرعه إلى قول غيره، فقدمتم عليه غيره، فهذا هو الشرك. كقوله تعالى : اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله...  [(١٩)](#foonote-١٩) الآية. وقد روى الترمذي[(٢٠)](#foonote-٢٠) في تفسيرها عن عدي بن حاتم أنه قال :" يا رسول الله ! ما عبدوهم. قال : إنهم أحلوا لهم الحرام، وحرموا عليهم الحلال فاتبعوهم. فذاك عبادتهم إياهم ". انتهى. 
السادس- قال الكعبي : الآية حجة على أن ( الإيمان ) اسم لجميع الطاعات، وإن كان معناه في اللغة التصديق، كما جعل تعالى ( الشرك ) اسما لكل ما كان مخالفا لله تعالى، وإن كان في اللغة مختصا بمن يعتقد أن لله شريكا، بدليل أنه تعالى سمى طاعة المؤمنين لل

١ - \[٦/ الأنعام/ ١١٨- ١٢١\]..
٢ - أخرجه أبو داود في: ١٦- كتاب الأضاحي، ١٢- باب في ذبائح أهل الكتاب حديث ٢٨١٩..
٣ - في الباب السابق/ حديث ٢٨١٨ و٢٨١٩..
٤ - أخرجه النسائي في: ٤٣- كتاب الضحايا، ٤٠- باب تأويل قوله عز وجل: ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه..
٥ - \[١٧/ الإسراء/١١٠\] ... أيا ما تدعوا فله الأسماء الحسنى ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها وابتغ بين ذلك سبيلا (١١٠)..
٦ - \[٧/ الأعراف/ ١٨٠\] ... وذروا الذين يلحدون في أسمائه سيجزون ما كانوا يعملون (١٨٠)..
٧ - أخرجه البخاري في: ٧٢- كتاب الذبائح والصيد، ٢١- باب ذبيحة الأعراب ونحوهم، حديث ١٠٣٨..
٨ - \[٥/ المائدة/ ٥\] اليوم أحل لكم الطيبات وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم وطعامكم حل لهم والمحصنات من المؤمنات والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم إذا آتيتموهن أجورهن محصنين غير مسافحين ولا متخذي أخذان ومن يكفر بالإيمان فقد حبط عمله وهو في الآخرة من الخاسرين(٥).
٩ - \[٥/ المائدة/ ٤\] ونصها: يسألونك ماذا أحل لهم قل أحل لكم الطيبات وما علمتم من الجوارح مكلبين تعلمونهن مما علمكم الله فكلوا مما أمسكن عليكم واذكروا اسم الله عليه واتقوا الله إن الله سريع الحساب (٤)..
١٠ - أخرجه البخاري في: ٧٢- كتاب الذبائح والصيد، ١٠- باب ما جاء في الصيد، حديث١٤١ ونصه:
 عن عدي بن حاتم رضي الله عنه قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت: إنا قوم نتصيد بهذه الكلاب؟ فقال: "إذا أرسلت كلابك المعلمة، وذكرت اسم الله فكل مما أمسكن عليك، إلا أن يأكل الكلب فلا تأكل، فإني أخاف أن يكون إنما أمسك على نفسه. وإن خالطها كلب من غيرها فلا تأكل".
 وأخرجه مسلم في: ٣٤- كتاب الصيد والذبائح، حديث رقم ٢ (طبعتنا)..
١١ - أخرجه البخاري في: ٧٢- كتاب الذبائح، والصيد، ١٠- باب ما جاء في التصيد، حديث رقم ٢١٩٨ ونصه: 
 عن أبي إدريس عائذ الله قال: سمعت أبا ثعلبة الخشني رضي الله عنه يقول: أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت: يا رسول الله ! إنا بأرض قوم أهل الكتاب، نأكل في آنيتهم. وأرض صيد أصيد بقوسي وأصيد بكلبي المعلم والذي ليس معلما. فأخبرني ما الذي يحل لنا من ذلك، فقال: "أما ما ذكرت أنك بأرض أهل الكتاب تأكل آنيتهم، فإن وجدتم غير آنيتهم فلا تأكلوا فيها. وإن لم تجدوا فاغسلوها ثم كلوا فيها. وأما ما ذكرت أنك بأرض صيد، فما صدت بقوسك فاذكر اسم الله ثم كل. وما صدت بكلبك المعلم فاذكر اسم الله ثم كل. وما صدت بكلبك الذي ليس معلما، فأدركت ذكاته، فكل". وأخرجه مسلم في: ٣٤- كتاب الصيد والذبائح، حديث رقم ٨ (طبعتنا)..
١٢ - أخرجه البخاري ي: ٧٢- كتاب الذبائح والصيد، ١٥- باب التسمية على الذبيحة، ومن ترك متعمدا، حديث ١٢٣٠٢.
 عن عَبَايَة بن رفَاعَة بن رافع عن جده رافع بن خَديج قال: كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم بذي الحُليْفة. فأصاب الناس جوع. فأصبنا إبلا وغنما. وكان النبي صلى الله عليه وسلم في أخريات الناس، فعجلوا فنصبوا القدور، فدفع إليهم النبي صلى الله عليه وسلم. فأمر بالقدور فأكفئت. ثم قسم فعدل عشرة من الغنم ببعير. فند منها بعير. فند منها بعير. وكان في القوم خيل يسيرة فطلبوها فأعياهم. فأهوى إليه رجل بسهم فحبسه الله.
 فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "إن لهذه البهائم أوابد كأوابد الوحش. فما ند عليكم فاصنعوا به هكذا".
 قال، وقال جدي: إنا لنرجوا (أو نخاف) أن نلقى العدو غدا. وليس معنا مدى، أفنذبح بالقصب؟ فقال: " ما أنهر الدم وذكر اسم الله عليه، فكل. ليس السن والظفر. وأخبركم عنه. أما السن فعظم، وأما الظفر فمدى الحبشة". 
 وأخرجه مسلم في: ٣٥- كتاب الأضاحي، حديث ٢٠- ٢٣(طبعتنا)..
١٣ - أخرجه مسلم في: ٤- كتاب الصلاة، حديث ١٥٠ (طبعتنا) ونصه:
 عن عامر قال: سألت علقمة: هل كان ابن مسعود شهد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة الجن؟ قال فقال علقمة: أنا سألت ابن مسعود فقلت: هل شهد أحد منكم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة الجن؟ قال. لا. ولكنا كنا مع رسول الله ذات ليلة. ففقدناه. فالتمسناه في الأودية والشعاب. فقلنا: استطير أو اغتيل (معنى استطير: طارت به الجن. ومعنى اغتيل: قتل سرا. والغيلة هي القتل خفية).
 قال فبتنا بشر ليلة بات بها قوم. فلما أصبحنا إذا هو جاء من قبل حراء. قال فقلنا: يا رسول الله ! فقدناك فطلبناك فلم نجدك فبتنا بشر ليلة بات بها قوم.
 فقال: "أتاني داعي الجن فذهبت معه. فقرأت عليهم القرآن".
 قال فانطلق بنا فأرانا آثارهم وآثار نيرانهم. وسألوه الزاد فقال "لكم كل عظم ذكر اسم الله عليه يقع في أيديكم، أوفر ما يكون لحما. وكل بعرة علف لدوابكم". 
 فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "فلا تستنجوا بهما فإنهما طعام إخوانكم"..
١٤ - أخرجه البخاري في: ٧٢- كتاب الذبائح والصيد، ١٧- باب قول النبي صلى الله عليه وسلم: "فليذبح على اسم الله"، حديث رقم ٥٦٢ ونصه:
 عن جندب بن سفيان البجلي قال: ضحينا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم أضحية ذات يوم. فإذا أناس قد ذبحوا ضحاياهم قبل الصلاة. فلما انصرف رآهم النبي صلى الله عليه وسلم أنهم قد ذبحوا قبل الصلاة فقال: "من ذبح قبل الصلاة فليذبح مكانها أخرى. ومن كان لم يذبح حتى صلينا، فليذبح على اسم الله".
 وأخرجه مسلم في: ٣٥- كتاب الأضاحي، حديث ١-٣ (طبعتنا)..
١٥ - أخرجه ابن ماجة في: ١٠- كتاب الطلاق، ١٦- طلاق المكره والناسي، حديث ٢٠٤٥ (طبعتنا)..
١٦ - أخرجه ابن ماجة في: ١٠- كتاب الطلاق، ١٦- طلاق المكره والناسي، حديث ٢٠٤٤ (طبعتنا)..
١٧ - أخرجه ابن ماجة في: ١٠- كتاب الطلاق، ١٦- طلاق المكره والناسي، حديث ٢٠٤٣ (طبعتنا)..
١٨ - انظر الصفحة رقم ٨٧ من الجزء الثاني عشر من التفسير (طبعة المعارف)..
١٩ - \[٩/ التوبة/ ٣١\] ... والمسيح ابن مريم وما أمروا إلا ليعبدوا إلها واحدا لا إله إلا هو سبحانه عما يشركون (٣١)..
٢٠ - أخرجه الترمذي في: ٤٤- كتاب التفسير، ٩- سورة التوبة، ١٠- حدثنا الحسين بن مرثد الكوفي. ونصه:
 عن عدي بن حاتم قال: أتيت النبي صلى الله عليه وسلم وفي عنقي صليب من ذهب. فقال: "يا عدي ! اطرح عنك هذا الوثن".
 وسمعته يقرأ في سورة براءة: اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله. قال: "أما إنهم لم يكونوا يعبدونهم، ولكنهم كانوا إذا أحلوا لهم شيئا استحلوه. وإذا حرموا عليهم شيئا حرموه"..

### الآية 6:122

> ﻿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا ۚ كَذَٰلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [6:122]

ثم ضرب تعالى مثلا للمؤمن والكافر، لتنفير المسلمين عن طاعة المشركين، إثر تحذيرهم عنها، بقوله سبحانه :
 أو من كان ميتا فأحييناه وجعلنا له نورا يمشي به في الناس كمن مثله في الظلمات ليس بخارج منها كذلك زين للكافرين ما كانوا يعملون ( ١٢٢ ) . 
 أو من كان ميتا فأحييناه وجعلنا له نورا يمشي به في الناس كمن مثله في الظلمات ليس بخارج منها  مثل به من هداه الله بعد الضلالة، وبصره بنور الحجج والآيات يتأمل بها في الأشياء، فيميز بين الحق والباطل، والمهتدي والضال، بمن كان ميتا فأعطاه الحياة، وما يتبعها من القوى المدركة والمحركة. ومن بقي على الضلالة، بالخابط في الظلمات، لا ينفك منها، ولا يتخلص، فهو من متحير على الدوام.  كذلك  أي : مثل ذلك التزيين البليغ  زين للكافرين ما كانوا يعملون  أي : من فنون الكفر والمعاصي، ولذا جادلوا بها الحق، وأصروا عليها.

### الآية 6:123

> ﻿وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَابِرَ مُجْرِمِيهَا لِيَمْكُرُوا فِيهَا ۖ وَمَا يَمْكُرُونَ إِلَّا بِأَنْفُسِهِمْ وَمَا يَشْعُرُونَ [6:123]

\[ ١٢٣ \]  وكذلك جعلنا في كل قرية أكابر مجرميها ليمكروا فيها وما يمكرون إلا بأنفسهم وما يشعرون ( ١٢٣ ) . 
وقوله تعالى : وكذلك جعلنا في كل قرية أكابر مجرميها ليمكروا فيها  تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم. أي : كما جعلنا بمكة كبراء ليمكروا على أتباعهم في تزيين الباطل، وستر الحق- جعلنا في كل قرية، أرسلنا إليها الرسل، أكابرها المجرمين، متصفين بصفات / المذكورين، مزينا لهم أعمالهم، مصرين على الباطل، مجادلين به الحق، ليفعلوا المكر فيها على أتباعهم بالتلبيس، ليتركوا متابعة الرسل. 
قال ابن كثير : المراد ب ( المكر ) ههنا دعاؤهم إلى الضلالة بزخرف المقال والفعال، كقوله تعالى إخبارا عن قوم نوح : ومكروا مكرا كبارا [(١)](#foonote-١)، وكقوله تعالى : ولو ترى إذ الظالمون موقوفون عند ربهم يرجع بعضهم إلى بعض القول يقول الذين استضعفوا للذين استكبروا لولا أنتم لكنا مؤمنين، قال الذين استكبروا للذين استضعفوا أنحن صددناكم عن الهدى بعد إذ جاءكم، بل كنتم مجرمين، وقال الذين استضعفوا للذين استكبروا بل مكر الليل والنهار إذ تأمروننا أن نكفر بالله ونجعل له أندادا...  [(٢)](#foonote-٢) الآية. 
وقال الزمخشري : خص الأكابر لأنهم هم الحاملون على الضلال، والماكرون بالناس، كقوله : أمرنا مترفيها [(٣)](#foonote-٣). 
 وما يمكرون إلا بأنفسهم وما يشعرون  أي : ما يضرون بمكرهم إلا أنفسهم/ لأن وباله يحيق بهم، كما قال تعالى : وليحملن أثقالهم وأثقالا مع أثقالهم [(٤)](#foonote-٤). وقال :/  ومن أوزار الذين يضلونهم بغير علم، ألا ساء ما يزرون [(٥)](#foonote-٥). قال الزمخشري : هذه تسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وتقديم موعد بالنصرة عليهم.

١ - \[٧١/ نوح ٢٢\]..
٢ - \[٣٤/ سبأ/ ٣١- ٣٣\] ونصها: وقال الذين كفروا لن نؤمن بهذا القرآن ولا بالذي بين يديه... وأسروا الندامة لما رأوا العذاب وجعلنا الأغلال في أعناق الذين كفروا هل يجزون إلا ما كانوا يعملون (٣٣)..
٣ - \[١٧/ الإسراء/ ١٦\] ونصها: وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها فحق عليها القول فدمرناها تدميرا (١٦)..
٤ - \[٢٩/ العنكبوت/ ١٣/\] ... وليسألن يوم القيامة عما كانوا يفترون (١٣)..
٥ - \[١٦/ النحل/ ٢٥\] ليحملوا أوزارهم كاملة يوم القيامة.....

### الآية 6:124

> ﻿وَإِذَا جَاءَتْهُمْ آيَةٌ قَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتَّىٰ نُؤْتَىٰ مِثْلَ مَا أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ ۘ اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ ۗ سَيُصِيبُ الَّذِينَ أَجْرَمُوا صَغَارٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا كَانُوا يَمْكُرُونَ [6:124]

\[ ١٢٤ \]  وإذا جاءتهم آية قالوا لن نؤمن حتى نؤتى مثل ما أوتي رسل الله الله أعلم حيث يجعل رسالته سيصيب الذين أجرموا صغار عند الله وعذاب شديد بما كانوا يمكرون ( ١٢٤ ) . 
 وإذا جاءتهم آية  أي : برهان وحجة قاطعة  قالوا لن نؤمن حتى نؤتى مثل ما أوتي رسل الله  أي : من الوحي والمعجزات المصدق له. كقوله تعالى : وقال الذين لا يرجون لقاءنا لولا أنزل علينا الملائكة أو نرى ربنا...  [(١)](#foonote-١) الآية. وقوله سبحانه : بل يريد كل امرئ منهم أن يؤتى صحفا منشرة [(٢)](#foonote-٢). 
 الله أعلم حيث يجعل رسالته  كلام مستأنف للإنكار عليهم، وأن لا يصطفي للنبوة إلا من علم أنه يصلح لها، فيليق للاستشراق بأنوار علمه، والأمانة على مكنون سره، مما لو انكشف لغيره انكشافه له، لفاضت له نفسه، أو ذهبت بعقله جلالته وعظمته، فهو أعلم بالمكان الذي يضعها فيه منهم. 
وقد روى الإمام أحمد[(٣)](#foonote-٣) عن واثلة بن الأسقع رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" إن الله عز وجل اصطفى من ولد إبراهيم، إسماعيل. واصطفى من بني إسماعيل، بني / كنانة. واصطفى من بني كنانة، قريشا، واصطفى من قريش، بني هاشم. واصطفاني من بني هاشم ". وانفرد بإخراجه مسلم[(٤)](#foonote-٤) أيضا.. 
وروى الإمام أحمد[(٥)](#foonote-٥) عن المطلب بن أبي وداعة عن العباس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :" إن الله خلق الخلق فجعلني في خير خلقه، وجعلهم فرقتين، فجعلني في خير فرقة. وخلق القبائل، فجعلني في خير قبيلة. وجعلهم بيوتا، فجعلني في خيرهم بيتا، فأنا خيركم بيتا وخيركم نفسا ". 
 سيصيب الذين أجرموا صغار  أي : ذلة وهوان بعد كبرهم وعظمتهم  عند الله  أي : يوم القيامة، جزاء على منازعتهم له تعالى في كبره برد آياته ورسالته، واعتراضهم عليه في تخصيصه بالرسالة غيرهم،  وعذاب شديد  يعني : في الآخرة.  بما كانوا يمكرون  في الدنيا إضرارا بالأنبياء. 
قال ابن كثير : لما كان المكر غالبا، إنما يكون خفيا، وهو التلطف في التحيل والخديعة، قوبلوا بالعذاب الشديد من الله يوم القيامة، جزاء وفاقا. ولا يظلم ربك أحدا. وجاء في ( الصحيحين ) [(٦)](#foonote-٦) عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال :" ينصب لكل غادر لواء عند استه يوم القيامة، فيقال : هذه غدرة فلان بن فلان ؟. 
 والحكمة في هذا، أنه لما كان الغدر خفيا لا يطلع عليه الناس، فيوم القيامة يصير عَلَمًا منشورا على صاحبه بما فعل. انتهى.

١ - \[٢٥/ الفرقان/ ٢١\] ... لقد استكبروا في أنفسهم وعتو عتوا كبيرا.
٢ - \[٧٤/ المدثر/ ٥٢\]..
٣ - أخرجه في المسند بالصفحة رقم ١٠٧ من الجزء الرابع (طبعة الحلبي)..
٤ - وأخرجه مسلم في: ٤٣- كتاب الفضائل، حديث رقم ١ (طبعتنا)..
٥ - أخرجه في المسند بالصفحة رقم ٢١٠ من الجزء الأول (طبعة الحلبي) والحديث رقم ١٧٨٨ (طبعة المعارف) ونصه:
 قال العباس: بلغه صلى الله عليه وسلم بعض ما يقول الناس. قال فصعد المنبر فقال: "من أنا؟ قالوا: أنت رسول الله. فقال: انا محمد بن عبد الله بن عبد المطلب. إن الله خلق الخلق فجعلني في خير خلقه، وجعلهم فرقتين، فجعلني في خير فرقة. وخلق القبائل، فجعلني في خير قبيلة. وجعلهم بيوتات، فجعلني في خيرهم بيتا، فأنا خيركم بيت وخيركم نفسا"..
٦ - هذا الحديث أخرجه البخاري:
 عن ابن مسعود وأنس في: ٥٨- كتاب الجزية والموادعة، ٢٢- باب إثم الغادر للبر والفاجر، حديث رقم ١٥٠٣ و١٥٠٤.
 وأخرجه عن ابن عمر في هذا الباب، حديث رقم ١٥٠٥.
 وعن ابن عمر أيضا في: ٧٨- كتاب الأدب، ٩٩- باب ما يدعى الناس بآبائهم، من طريقين.
 وفي: ٩٠- كتاب الحيل، ٩- باب إذا غصب جارية فزعم أنها ماتت.
 وفي: ٩٢- كتاب الفتن، ٢١- باب إذا قال عند قوم شيئا، ثم خرج فقال بخلافه.
 وأخرجها مسلم في: ٣٢- كتاب الجهاد، حديث ٩- ١٤ (طبعتنا).
 وفي هذه الأحاديث كلهن لم ترد (عند استه).
 أما الحديث الذي وردت به، فهو ما انفرد به مسلم وأخرجه في: ٣٢- كتاب الجهاد، حديث ١٥- (طبعتنا) عن أبي سعيد الخدري..

### الآية 6:125

> ﻿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ ۖ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ ۚ كَذَٰلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ [6:125]

\[ ١٢٥ \]  فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا كأنما يصعد في السماء كذلك يجعل الله الرجس على الذين لا يؤمنون ( ١٢٥ ) . 
 فمن يرد الله أن يهديه  أي : للتوحيد  يشرح  أي : يوسع  صدره للإسلام  بتصقيله بنور الهداية، فيقبل نور الحق، كما قال تعالى : ولكن الله حبب إليكم الإيمان وزينه في قلوبكم [(١)](#foonote-١). 
 روى عبد الرزاق أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن هذه الآية :" كيف يشرح صدره ؟ قال : نور يقذف فيه فينشرح له وينفسح. قالوا : فهل لذلك من أمارة يعرف بها ؟ قال : الإنابة إلى دار الخلود، والتجافي عن دار الغرور، والاستعداد للموت ". ورواه ابن جرير[(٢)](#foonote-٢) وابن أبي حاتم. قال ابن كثير : وللحديث طرق مرسلة ومتصلة يشد بعضها بعضا. 
 ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا  أي : شديد الضيق، فلا يتسع للاعتقادات الصائبة في الله. والأمور الأخروية. 
قال أبو البقاء : حرجا  ( بكسر الراء ) صفة ل  ضيقا ، أو مفعول ثالث، كما جاز في المبتدأ أن تخبر عنه بعدة أخبار. أو يكون الجميع في موضع خبر واحد، ك ( حلو حامض ). وعلى كل تقدير، هو مؤكد للمعنى. ويقرأ بفتح الراء، على أنه مصدر. أي : ذا حرج. وقيل : هو جمع حرجة، مثل قصبة وقصب، والهاء فيه للمبالغة. انتهى. 
وقوله تعالى : كأنما يصعد في السماء  أي : يتكلف الصعود في جهة السماء، وطبعه يهبط إلى الأرض، فشبه، للمبالغة في ضيق صدره، بمن يزاول أمرا غير ممكن. لأن صعود السماء مثل فيما يمتنع ويبعد من الاستطاعة، وتضيق عنه المقدرة. وقيل : معناه كأنما يتصاعد إلى السماء نبوا عن الحق، وتباعدا في الهرب منه. وأصل  يصعد  يتصعد من ( الصعود ). 
 كذلك يجعل الله الرجس على الذين لا يؤمنون  في الاعتقادات والأخلاق. والرجس ما استقذر من العمل، وسمي بذلك مبالغة في ذمه.

١ - \[٤٩/ الحجرات/ ٧\] ونصها: واعلموا أن فيكم رسول الله لو يطيعكم في كثير من الأمر لعنتم ولكن الله حبب إليكم الإيمان وزينه في قلوبكم وكره إليكم الكفر والفسوق والعصيان أولئك هم الراشدون (٧)..
٢ - \[٤٩/ الحجرات/ ٧\] ونصها: واعلموا أن فيكم رسول الله لو يطيعكم في كثير من الأمر لعنتم ولكن الله حبب إليكم الإيمان وزينه في قلوبكم وكره إليكم الكفر والفسوق والعصيان أولئك هم الراشدون (٧)..

### الآية 6:126

> ﻿وَهَٰذَا صِرَاطُ رَبِّكَ مُسْتَقِيمًا ۗ قَدْ فَصَّلْنَا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ [6:126]

\[ ١٢٦ \]  وهذا صراط ربك مستقيما قد فصلنا الآيات لقوم يذكرون ( ١٢٦ ) . 
 وهذا  أي : البيان الذي جاء به القرآن، أو طريق التوحيد، وإسلام الوجه إلى الله  صراط ربك  أي : طريقه الذي ارتضاه  مستقيما  لا ميل فيه إلى إفراط وتفريط في الاعتقادات والأخلاق والأعمال. أو لا اعوجاج فيه إلى النظر إلى الغير والشرك به. 
 قد فصلنا الآيات لقوم يذكرون  أي : المعارف والحقائق التي هي مركوزة في استعدادهم، فيهتدوا بها.

### الآية 6:127

> ﻿۞ لَهُمْ دَارُ السَّلَامِ عِنْدَ رَبِّهِمْ ۖ وَهُوَ وَلِيُّهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [6:127]

\[ ١٢٧ \]  لهم دار السلام عند ربهم وهو وليهم بما كانوا يعملون ( ١٢٧ ) . 
 لهم دار السلام  أي : السلامة من المكاره، وهي الجنة، لكونهم في مقام القرب،  عند ربهم وهو وليهم  يتولاهم بمحبته، ويجعلهم في أمانه،  بما كانوا يعملون  أي : بسبب أعمالهم الصالحة في سلوكهم صراطه.

### الآية 6:128

> ﻿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الْإِنْسِ ۖ وَقَالَ أَوْلِيَاؤُهُمْ مِنَ الْإِنْسِ رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ وَبَلَغْنَا أَجَلَنَا الَّذِي أَجَّلْتَ لَنَا ۚ قَالَ النَّارُ مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ ۗ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ [6:128]

\[ ١٢٨ \]  ويوم يحشرهم جميعا يا معشر الجن قد استكثرتم من الإنس وقال أولياؤهم من الإنس ربنا استمتع بعضنا ببعض وبلغنا أجلنا الذي أجلت لنا قال النار مثواكم خالدين فيها إلا ما شاء الله إن ربك حكيم عليم ( ١٢٨ ) . 
 ويوم يحشرهم جميعا  أي : اذكر يا محمد فيما تقصه عليهم، وتنذرهم به، يوم نحشرهم جميعا، يعني : الجن وأولياءهم من الإنس الذين كانوا يعبدونهم في الدنيا، ويعوذون بهم، ويطيعونهم، ويوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا. 
  يا معشر الجن  أي : نقول : يا معشر الجن ! يعني : الشياطين. قال المهايمي : خصهم بالنداء لأنهم الأصل في المكر.  قد استكثرتم من الإنس  أي : من إغوائهم وإضلالهم. أو منهم، بأن جعلتموهم أتباعكم، وأهل طاعتكم، وتسويلكم وتزيينكم الحطام الدنيوية، واللذات الجسمانية عليهم، ووسوستكم لهم بالمعاصي، فحشروا معكم. وهذا بطريق التوبيخ والتقريع. 
 وقال أولياؤهم  أي : الذين أطاعوهم وتولوهم  من الإنس ربنا استمتع بعضنا ببعض  قال الحسن : ما كان استمتاع بعضهم ببعض إلا أن الجن أمرت، وعملت الإنس. أي : فالجن نالت التعظيم منهم فعبدت، والإنس بوسوستهم تمتعوا بإيثار الشهوات الحاضرة، على اللذات الغائبة  وبلغنا أجلنا الذي أجلت لنا  أي : بالموت، أو بالمعاد الجسماني على أقبح صورة، وأسوأ عيش. 
قال أبو السعود : قالوه اعترافا بما فعلوا من طاعة الشياطين، واتباع الهوى، وتكذيب البعث، وإظهار للندامة عليها، وتحسرا على حالهم، واستسلاما لربهم. ولعل الاقتصار على حكاية كلام الضالين، للإيذان بأن المضلين قد أفحموا بالمرة فلم يقدروا على التكلم أصلا. 
 قال النار مثواكم  أي : منزلكم، كما أن دار السلام مثوى المؤمنين. 
 خالدين فيها إلا ما شاء الله  قال القاشاني : أي إلا وقت مشيئته أن تخفف، أو ينجي منكم من لا يكون سبب تعذيبه شركا راسخا في اعتقاده. 
وقال المهايمي : أي إلا وقت مشيئته أن ينقلكم منها إلى الزمهرير، انتقالكم من شهوة إلى أخرى. 
وقال الزمخشري : أي يخلدون في عذاب النار، الأبد كله، إلا الأوقات التي ينقلون فيها من عذاب النار، إلى عذاب الزمهرير. فقد روي " أنهم يدخلون واديا فيه الزمهرير ما يميز بعض أوصالهم من بعض، فيتعاوون ويطلبون الرد إلى الجحيم ". أو يكون من قول/ الموتور الذي ظفر بواتره، ولم يزل يحرق عليه أنيابه، وقد طلب إليه أن ينفس عن خناقه : أهلكني الله إن نفست عنك إلا إذا شئت. وقد علم أنه لا يشاء إلا التشفي منه بأقصى ما يقدر عليه من التعنيف والتشديد. فيكون قوله ( إلا إذا شئت ) من أشد الوعيد، مع تهكم بالموعد، لخروجه من صورة الاستثناء الذي فيه إطماع. انتهى. 
قال الخفاجي : لما كان الخطاب للكفرة، وهم لا يخرجون من النار، لأن ما قبله بيان حالهم، فيبعد جعله شاملا للعصاة ليصح الاستثناء باعتباره، مع أن استعمال ( ما ) للعقلاء قليل- وجهوه بأن المراد النقل من النار إلى الزمهرير، أو المبالغة في الخلود، بمعنى أنه لا ينتفي إلا وقت مشيئة الله، وهو مما لا يكون مع إبرازه في صورة الخروج وإطماعهم في ذلك تهكما وتشديدا للأمر عليهم. و ( ما ) مصدرية وقتية. أو إن المستثنى زمان إمهالهم قبل الدخول. 
وردّ الأول بأن فيه صرف النار من معناها العلمي، وهو دار العذاب، إلى اللغوي. وأجيب عنه بأنه لا بأس بالصرف إذا دعت إليه ضرورة. وقيل عليه : إن المعترض لا يسلم الضرورة، إمكان غير ذلك التأويل. مع أن قوله  مثواكم  يقتضي ما ذهب إليه المعترض بحسب الظاهر. ورد الأخير أبو حيان بأنه في الاستثناء يشترط اتحاد زمان المخرج، والمخرج منه، فإذا قلت : قام القوم إلا زيدا، فمعناه : إلا زيدا ما قام. ولا يصح أن يكون المعنى : ألا زيدا ما يقوم في المستقبل وكذلك سأضرب القوم إلا زيدا ومعناه إلا زيدا : فإني لا أضربه في المستقبل، ولا يصح أن يكون المعنى : إلا زيدا فإني ما ضربته قبل، إلا إذا كان استثناء منقطعا، فإنه يسوغ، كقوله : لا يذوقون فيها الموت إلا الموتة الأولى  فإنهم ذاقوها. ولك أن تقول : إن القائل به يلتزم انقطاعه، كما في الآية التي ذكرها، ولا محذور فيه، مع ورود مثله في القرآن، وفيه نظر. وقيل : إنه غفلة عن تأويل الخلود بالأبد، والأبد لا يقتضي الدخول. انتهى. 
وقال الناصر في ( الانتصاف ) : قد ثبت خلود الكفار في العذاب ثبوتا قطعيا، فمن ثم/ اعتنى العلماء بالكلام على الاستثناء في هذه الآية، وفي أختها في سورة هود. فذهب بعضهم إلى أنها شاملة لعصاة الموحدين وللكفار، والمستثنى العصاة، لأنهم لا يخلدون- وقد علمت بعده-. 
ثم قال : وذهب بعضهم إلى أن هذا الاستثناء محدود بمشيئة رفع العذاب، أي : مخلدون إلا أن يشاء الله لو شاء. وفائدته إظهار القدرة، والإعلان بأن خلودهم إنما كان لأن الله تعالى قد شاءه، وكان من الجائز العقلي في مشيئته أن يعذبهم، ولو عذبهم لا يخلدهم، وإن ذلك ليس بأمر واجب عليه، وإنما هو مقتضى مشيئته وإرادته عز وجل، وفيها على هذا الوجه دفع في صدر المعتزلة الذين يزعمون أن تخليد الكفار واجب على الله تعالى بمقتضى الحكمة، وأنه لا يجوز في العقل أن يشاء خلاف ذلك. 
وذهب الزجاج إلى وجه لطيف إنما يظهر بالبسط فقال : المراد – والله أعلم- إلا ما يشاء من زيادة العذاب. ولم يبين وجه الاستثناء. والمستثنى على هذا التأويل لم يغاير المستثنى منه في الحكم، ونحن نبينه فنقول : العذاب – والعياذ بالله- على درجات متفاوتة، كأن المراد أنهم مخلدون في جنس العذاب إلا ما شاء ربك من زيادة تبلغ الغاية، وتنتهي إلى أقصى النهاية، حتى تكاد لبلوغها الغاية، ومباينتها لأنواع العذاب في الشدة، تعد ليس من جنس العذاب، وخارجة عنه. والشيء إذا بلغ الغاية عندهم عبروا عنه بالضد يعتاد في لغة العرب. وقد حام أبو الطيب[(١)](#foonote-١) حوله فقال :

لقد جدت حتى كاد يبخل حاتم  للمنتهى ومن السرور بكاء فكأن هؤلاء إذا نقلوا إلى غاية العذاب، ونهاية الشدة، فقد وصلوا إلى الحد الذي يكاد أن يخرج من اسم العذاب المطلق، حتى يسوغ معاملته في التعبير بمعاملته المغاير. وهو وجه حسن لا يكاد يفهم من كلام الزجاج إلا بعد هذا البسط. 
وفي ( تفسير ) ابن عباس رضي الله عنه ما يؤيده. انتهى. 
**وفي الآية تأويلات أخر :**
منها : ما نقل عن ابن عباس رضي الله عنهما :" أنه تعالى استثنى قوما قد سبق علمه أنهم يسلمون ويصدقون النبي صلى الله عليه وسلم ". وهذا مبني على أن الاستثناء ليس من المحكي وأن ( ما ) بمعنى ( من ). 
 ومنها : أنهم يفتح لهم أبواب الجنة، ويخرجون من النار، فإذا توجهوا للدخول أغلقت في وجوههم استهزاء بهم. وهو معنى قوله[(٢)](#foonote-٢) : فاليوم الذين آمنوا من الكفار يضحكون . قال الشريف المرتضى في ( الدرر ) : فإن قيل : أي فائدة في هذا الفعل، وما وجه الحكمة فيه ؟ قلنا : وجه الحكمة فيه ظاهر، لأن ذلك أغلظ على نفوسهم، وأعظم في مكروههم، واشتد حرصه على ذلك، ثم حيل بينه بأفعالهم القبيحة. لأن من طمع في النجاة والخلاص من المكروه، واشتد حرصه على ذلك، ثم حيل بينه وبين الفرج، ورد إلى المكروه، يكون عذابه أصعب وأغلظ من عذاب من لا طريق للطمع عليه- كذا في ( العناية ) -. 
ومنها : أن هذا الاستثناء إشارة إلى فناء النار. أي : إلا وقت مشيئته فناءها، وزوال عذابها. 
قال السيوطي في ( الدر المنثور ) : أخرج ابن المنذر عن الحسن قال :" قال عمر رضي الله عنه : لو لبث أهل النار في النار، كقدر رمل عالج، لكان لهم يوم على ذلك يخرجون فيه ". وأخرجه عبد بن حميد عن الحسن أيضا. 
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى : ونقل هذا عن عمر وابن مسعود وأبي هريرة وأبي سعيد وغيرهم. انتهى. 
وقد انتصر لهذا القول جماعة. قالوا : وما ورد من الخلود فيها والتأبيد وعدم الخروج، وأن عذابها مقيم، كله حق مسلم لا نزاع فيه. وذلك يقتضي الخلود في دار العذاب ما دامت باقية، وإنما يخرج منها في حال بقائها أهل التوحيد، ففرق بين من يخرج من الحبس، وهو حبس على حاله، وبين من يبطل حبسه بخراب الحبس وانتقاضه. وقد بسط البحث في ذلك وجوده الإمام ابن القيم في كتابه ( حادي الأرواح )، ومع كونه انتصر لهذا القول انتصارا عظيما، وذكر له خمسة وعشرين دليلا، لم يصححه، حيث قال : أما أبدية الجنة، وأنها لا تفنى ولا / تبيد، فمما يعلم بالاضطرار، ولم يقل بفنائها أحد. ومن قال به كالجهمية - فهو ضال مبتدع منحرف عن الصواب، وليس له في ذلك سلف. وأما أبدية النار ففيها قولان معروفان عن السلف والخلف، والأصح عدم فنائها أيضا. انتهى. 
وسيأتي إن شاء الله تعالى بسط هذا المقام في آية هود. 
وقد روى ابن جرير[(٣)](#foonote-٣) وابن أبي حاتم عن ابن عباس في هذه الآية أنه قال :" لا ينبغي لأحد أن يحكم على الله في خلقه. لا ينزلهم جنة ولا نارا ". 
 إن ربك حكيم  فلا يعذب إلا على ما تقتضيه الحكمة،  عليم  أي : بمن يعذب بكفره، فيدوم عذابه. أو بسيئات أعماله، فيعذب على حسبها، ثم ينجو منه. 
١ - نص البيت في ديوانه، شرح اليازجي والبرقوقي هكذا:
 ولجدت حتى كدت تبخل حائلا\*\*\* للمنتهى، ومن السرور بكاء
 **وقال اليازجي في شه:**
 حائلا أي متغيرا. والمنتهى مصدر بمعنى الانتهاء واللام متعلقة بـ (كدت) وقوله: ومن السرور بكاء، مبتدأ وخبر.
 يقول: قد جدت حتى لم تترك في الجود غاية إلا انتهيت إليها. وحينئذ كدت تحول إلى البخل لأنك قد بلغت منتهى الجود، كما يحول السرور عند اشتداده إلى البكاء.
 **وقال البرقوقي:** 
 حائلا متحولا. وللمنتهى أي لأجل الانتهاء، ومن السرور خبر، وبكاء مبتدأ. والجملة استئنافية. يقول: ولقد بلغت من جود أقصاه حتى كدت تتحول عن آخره حين تناهيت إليه. إذ ليس من شأنك أن تقف في الكرم عند غاية. وليس هناك جود بعد أن بلغت نهايته. ومثل ذلك السرور، إذا اشتد تحول إلى بكاء.
 **والبيت من قصيدة مطلعها:**
 أمن ازديارك في الدجى الرقباء\*\*\* إذ حيث أنت من الظلام ضياء
 يمدح بها أبا علي، هرون بن عبد العزيز الأوراجي الكاتب. وكان يذهب إلى التصوف فأين هذا من نصه الذي ساقه الزجاج، على ما فيه؟؟ !..
٢ - \[٨٣// المطففين/ ٣٤\]..
٣ - الأثر رقم ١٣٨٩٢ من التفسير، ونصه: 
 عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: قال النار مثواكم خالدين فيها إلا ما شاء الله إن ربك حكيم عليم قال: عن هذه الآية آية لا ينبغي لأحد يحكم على الله في خلقه. لا ينزلهم جنة ولا نارا..

### الآية 6:129

> ﻿وَكَذَٰلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ [6:129]

\[ ١٢٩ \]  وكذلك نولي بعض الظالمين بعضا بما كانوا يكسبون ( ١٢٩ ) 
 وكذلك نولي بعض الظالمين  أي : من الإنس  بعضا  أي : نجعلهم بحيث يتولونهم الإغواء والإضلال، كما فعل الشياطين وغواة الإنس،  بما كانوا يكسبون  أي : بسبب ما كانوا مستمرين على كسبه من الكفر والمعاصي. 
قال الرازي : لأن الجنسية علة الضم. فالأرواح الخبيثة تنضم إلى ما يشاكلها في الخبث. وكذا القول في الأرواح الطاهرة، فكل أحد يهتم بشأن من يشاكله في النصرة والمعونة والتقوية. 
 **تنبيه :**
قال السيوطي في ( الإكليل ) : الآية معنى حديث " كما تكونون يولى عليكم " أخرجه ابن قانع في ( معجم الصحابة ) من حديث أبي بكرة. انتهى. 
وأسند في ( الجامع الصغير ) تخريجه إلى الديلمي في ( الفردوس ) عن أبي بكرة، وإلى البيهقي، عن أبي إسحاق السبيعي مرسلا- ورمز له بالضعف-. 
وأسند في ( الدر المنثور ) عن منصور بن الأسود قال :" سألت الأعمش عن قوله تعالى : وكذلك نولي بعض الظالمين بعضا  ما سمعتهم يقولون فيه ؟ قال : سمعتهم يقولون : إذا فسد الناس أمر عليم شرارهم ". 
وأخرج نحوه عن مالك بن دينار وكعب والحسن. 
قال أبو الليث السمرقندي في ( تفسيره ) : ويقال في معنى الآية : نسلط على بعض الظالمين بعضا فيهلكه أو يذله. قال : وهذا كلام لتهديد الظالم، لكي يمتنع عن ظلمه. ويدخل في الآية جميع من يظلم : من راع في رعيته، وتاجر في تجارته، وسارق، وغيرهم. 
قال الفضيل بن عياض : إذا رأيت ظالما ينتقم من ظالم، فقف وانظر فيه متعجبا. انتهى. 
وقال ابن كثير : معنى الآية الكريمة : كما ولينا هؤلاء الخاسرين من الإنس تلك الطائفة التي أغوتهم من الجن، كذلك نفعل بالظالمين، نسلط بعضهم على بعض، ونهلك بعضهم ببعض، وننتقم من بعضهم ببعض، جزاء على ظلمهم وبغيهم.

### الآية 6:130

> ﻿يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَٰذَا ۚ قَالُوا شَهِدْنَا عَلَىٰ أَنْفُسِنَا ۖ وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَشَهِدُوا عَلَىٰ أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ [6:130]

ثم بين تعالى ما سيكون من توبيخ الكفار من الفريقين يوم القيامة، إثر بيان توبيخ الجن بإغواء الإنس وإضلالهم، وأعلم أنه لا يكون لهم إلى الجحود سبيل، فيشهدون على أنفسهم بالكفر، وأنهم لم يعذبوا إلا بالحجة، فقال تعالى :
 \[ ١٣٠/ \]  يا معشر الجن والإنس ألم يأتكم رسل منكم يقصون عليكم آياتي وينذرونكم لقاء يومكم هذا قالوا شهدنا على أنفسنا وغرتهم الحياة الدنيا وشهدوا على أنفسهم أنهم كانوا كافرين ( ١٣٠ ) . 
 يا معشر الجن والإنس ألم يأتكم  أي : في الدنيا  رسل منكم يقصون عليكم آياتي  بالأمر والنهي  وينذرونكم  يخوفونكم  لقاء يومكم هذا  وهو يوم الحشر الذي قد عاينوا فيه أفانين الأهوال.  قالوا  يعني الجن والإنس.  شهدنا على أنفسنا  أي : أقررنا بإتيان الرسل وإنذارهم، وبتكذيب دعوتهم، كما فصل في قوله تعالى[(١)](#foonote-١) : قالوا بلى قد جاءنا نذير فكذبنا وقلنا ما نزل الله من شيء إن أنتم إلا في ضلال كبير . 
 وغرتهم الحياة الدنيا أي : ما فيها من الزهرة والنعيم، وهو بيان لما أداهم في الدنيا إلى الكفر { وشهدوا على أنفسهم  أي : في الآخرة. قال المهايمي : بعد شهادة جوارحهم  أنهم كانوا كافرين  أي : في الدنيا بما جاءتهم الرسل. 
تنبيهات
الأول- استدل بقوله تعالى : ألم يأتكم رسل منكم  من قال إن الله بعث إلى الجن رسلا منهم. وحكاه ابن جرير[(٢)](#foonote-٢) عن الضحاك بن مزاحم، والأكثرون على أنه لم يكن من الجن رسول، وإنما كانت الرسل من الإنس فقط. نص على ذلك مجاهد وابن جريج وغير واحد من الأئمة، من السلف والخلف. 
قال ابن عباس :" الرسل من بني آدم، ومن الجن نذر ". وأجابوا عن ظاهر الآية بأن فيها/ مضافا. أي : من أحدكم، وهم الإنس. أو من إضافة ما للبعض للكل، كقوله تعالى : يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان [(٣)](#foonote-٣) وإنما يخرجان من أحدهما، وهو الملح دون العذب. وإنما جاز ذلك لأن ذكرهما قد جمع في قوله : مرج البحرين [(٤)](#foonote-٤) وهو جائز في كل ما اتفق في أصله. فلذلك لما اتفق ذكر الجن مع الإنس جاز، مخاطبتهما بما ينصرف إلى احد الفريقين، وهم الإنس. وهذا قول الفراء والزجاج. 
وقال أبو السعود : المعنى : ألم يأتكم رسل من جملتكم، لكن لا على أنهم من جنس الفريقين معا، بل من الإنس خاصة. وإنما جعلوا منهما، إما لتأكيد وجوب اتباعهم، والإيذان بتقاربهما ذاتا، واتحادهما تكليفا وخطابا، كأنهما من جنس واحد. ولذلك تمكن أحدهما من إضلال الآخر. وإما لأن المراد بالرسل ما يعم رسل الرسل. وقد ثبت أن الجن استمعوا القرآن، وأنذروا به قومهم، حيث نطق به قوله تعالى : وإذ صرفنا إليك نفرا من الجن يستمعون القرآن...  [(٥)](#foonote-٥) إلى قوله تعالى : ولوا إلى قومهم منذرين [(٦)](#foonote-٦). انتهى. 
وهكذا في عهد كل رسول لا يبعد أنه تعالى كان يلقي الداعية في قلوب قوم من جن عصره فيسمعون كلامهم، ويأتون قومهم من الجن، ويخبرونهم بما سمعوه من الرسل، وينذرونهم به. وقد سمى تعالى رسل عيسى رسل نفسه فقال : إذ أرسلنا إليهم اثنين [(٧)](#foonote-٧) وتحقيق القول فيه : أنه تعالى إنما بكت الكفار بهذه الآية، لأنه تعالى أزال العذر، وأزاح العلة، بسبب أنه أرسل الرسل إلى الكل مبشرين ومنذرين. فإذا وصلت البشارة والنذارة إلى الكل بهذا/ الطريق، فقد حصل ما هو المقصود من إزاحة العذر، وإزالة العلة، فكان المقصود حاصلا- كذا قرره الرازي-. 
قال الحافظ ابن كثير : والدليل على أن الرسل من الإنس قوله تعالى : إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح والنبيين من بعده...  [(٨)](#foonote-٨). إلى قوله تعالى : رسلا مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل [(٩)](#foonote-٩). وقوله تعالى عن إبراهيم : وجعلنا في ذريته النبوة والكتاب [(١٠)](#foonote-١٠) فحصر النبوة والكتاب بعد إبراهيم في ذريته. ولم يقل أحد : إن النبوة كانت في الجن قبل إبراهيم، ثم انقطعت عنهم ببعثته. وقال تعالى : وما أرسلنا قبلك من المرسلين إلا أنهم ليأكلون الطعام ويمشون في الأسواق [(١١)](#foonote-١١) وقال تعالى : وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا نوحي إليهم من أهل القرى [(١٢)](#foonote-١٢). ومعلوم أن الجن تبع للإنس في هذا الباب. انتهى. 
الثاني- إن قيل : ما السبب في أنهم أقروا في هذه الآية بالكفر، وجحدوه في قوله :/  والله ربنا ما كنا مشركين [(١٣)](#foonote-١٣) ؟ قلنا : يوم القيامة يوم طويل، والأحوال فيه مختلفة، فتارة يقرون، وأخرى يجحدون. وذلك يدل على شدة خوفهم، واضطراب أحوالهم، فإن من عظم خوفه، كثر الاضطراب في كلامه- أفاده الرازي-. 
زاد الزمخشري : أو أريد شهادة أيديهم وأرجلهم وجلودهم حين يختم على أفواههم. 
الثالث- إن قيل : لم كرر ذكر شهادتهم على أنفسهم ؟ أجيب : بأن الأولى حكاية لقولهم كيف يقولون ويعترفون ؛ والثانية ذم لهم، وتخطئة لرأيهم، ووصف القلة نظرهم لأنفسهم، وأنهم قوم غرتهم الحياة الدنيا، واللذات الحاضرة، وكان عاقبة أمرهم أن اضطروا إلى الشهادة على أنفسهم بالكفر والاستسلام لربهم، واستيجاب عذابه. وإنما قال ذلك تحذيرا للسامعين من مثل حالهم- كذا في ( الكشاف ).

١ - \[٦٧/ الملك/ ٩\]..
٢ - الأثر رقم ١٣٨٩٦ من التفسير..
٣ - \[٥٥/ الرحمن/ ٢٢\]..
٤ - \[٥٥/ الرحمن/ ١٩\] ونصها: مرج البحرين يلتقيان (١٩)..
٥ - \[٤٦/ الأحقاف/ ٢٩\] ... فلما حضروه قالوا أنصتوا فلما قضي ولوا إلى قومهم منذرين (٢٩)..
٦ - \[٤٦/ الأحقاف/ ٢٩\] ... فلما حضروه قالوا أنصتوا فلما قضي ولوا على قومهم منذرين (٢٩)..
٧ - \[٣٦/ يس/ ١٤\] ... فكذبوهما فعززنا بثالث فقالوا إنا إليكم مرسلون (١٤)..
٨ - \[٤/ النساء/ ١٦٣\] ... وأوحينا إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وعيسى وأيوب ويونس وهارون وسليمان وآتينا داود زبورا (١٦٣)..
٩ - \[٤/ النساء/ ١٦٥\] ... وكان الله عزيزا حكيما (١٦٥)..
١٠ - \[٢٩/ العنكبوت/ ٢٧\] ووهبنا له إسحاق ويعقوب وجعلنا في ذريته النبوة والكتاب وآتيناه أجره في الدنيا وإنه في الآخرة لمن الصالحين (٢٧)..
١١ - \[٢٥/ لقمان/ ٢٠\] ... وجعلنا بعضكم لبعض فتنة أتصبرون وكان ربك بصيرا (٢٠)..
١٢ - \[١٢/ يوسف/ ١٠٩\] ... أفلم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم ولدار الآخرة خير للذين اتقوا أفلا تعقلون (١٠٩)..
١٣ - \[٦ الأنعام/ ٢٣\] ونصها: ثم لم تكن فتنتهم إلا أن قالوا والله ربنا ما كنا مشركين (٢٣)..

### الآية 6:131

> ﻿ذَٰلِكَ أَنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَىٰ بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا غَافِلُونَ [6:131]

\[ ١٣١ \]  ذلك أن لم يكن ربك مهلك القرى بظلم وأهلها غافلون ( ١٣١ ) . 
وقوله تعالى : ذلك أن لم يكن ربك مهلك القرى بظلم وأهلها غافلون  إعلام بأنه تعالى أعذر إلى الثقلين بإرسال الرسل، وإنزال الكتب، وتبيين الآيات، وإلزام الحجة بالإنذار والتهديد. وأنه تعالى لا يؤاخذ القرى بظلم أهلها بالشرك ونحوه، وهم لم تبلغهم دعوة رسول ينهاهم عنه، وينبههم على بطلانه، لأنه ينافي الحكمة. وجوز في ذلك أن يكون خبرا لمحذوف. أي : الأمر ذلك. أو مبتدأ وخبره محذوف. أي : كما ذكر. أو خبره  أن لم يكن...  الخ. والمشار إليه إتيان الرسل، أو ما قص من أمرهم، أو السؤال المفهوم من قوله : الم يأتكم . واستظهر أبو السعود أن الإشارة إلى شهادتهم على أنفسهم بالكفر، واستيجاب العذاب، وأنه مبتدأ خبره ما بعده، وأن  أن  مصدرية، و ( اللام ) / مقدرة قبلها. أو مخففة، واسمها ضمير الشأن، و  بظلم  متعلق ب  مهلك . أي : بسبب ظلم، أو بمحذوف حالا من  القرى ، أي متلبسة بظلم. والمعنى : ذلك لانتفاء كون ربك، أو لأن الشأن لم يكن ربك مهلك القرى بسبب ظلم فعلوه قبل أن ينهوا على بطلانه برسول. 
**تنبيه :**
في الآية دليل على أنه لا تكليف قبل البعثة، ولا حكم للعقل. كقوله[(١)](#foonote-١) : وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا .

١ - \[١٧/ الإسراء/ ١٥\]..

### الآية 6:132

> ﻿وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا ۚ وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ [6:132]

\[ ١٣٢ \]  ولكل درجات مما عملوا وما ربك بغافل عما يعملون ( ١٣٢ ) . 
 ولكل  أي : من المكلفين : درجات  أي : مراتب  مما عملوا  أي : من أعمالهم، يبلغونها ويثابون بها، إن خيرا فخير، وإن شرا فشر. واستدل بها، على هذا التأويل، بأن الجن يدخلون الجنة ويثابون. 
قال ابن كثير : ويحتمل أن يعود قوله : ولكل  لكافري الجن والإنس. أي : ولكل درجة في النار بحسبه، كقوله : الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله زدناهم عذابا فوق العذاب بما كانوا يفسدون [(١)](#foonote-١). 
 وما ربك بغافل عما يعملون .

١ - \[٦/ الأنعام/ ١٤\]..

### الآية 6:133

> ﻿وَرَبُّكَ الْغَنِيُّ ذُو الرَّحْمَةِ ۚ إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَسْتَخْلِفْ مِنْ بَعْدِكُمْ مَا يَشَاءُ كَمَا أَنْشَأَكُمْ مِنْ ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِينَ [6:133]

\[ ١٣٣ \]  وربك الغني ذو الرحمة إن يشأ يذهبكم ويستخلف من بعدكم ما يشاء كما أنشأكم من ذرية قوم آخرين ( ١٣٣ ) . 
 وربك الغني  عن جميع خلقه من جميع الوجوه، وهم الفقراء إليه في جميع أحوالهم/  ذو الرحمة  أي : يترحم عليهم بالتكليف، تكميلا لهم، ويمهلهم على المعاصي. وفيه تنبيه على أن ما سبق ذكره من الإرسال ليس لنفعه سبحانه، بل لترحمه على العباد، وتمهيد لقوله : إن يشأ يذهبكم ويستخلف من بعدكم ما يشاء  أي : من الخلق يعملون بطاعته  كما أنشأكم من ذرية قوم آخرين  ذهب بهم ثم بذريتهم، لكنه أبقاكم ترحما عليكم. وهذا كقوله تعالى : والله الغني وأنتم الفقراء، وإن تتولوا يستبدل قوما غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم [(١)](#foonote-١).

١ - \[٤٧/ محمد صلى الله عليه وسلم/ ٣٨\] هاأنتم هؤلاء تدعون لتنفقوا في سبيل الله فمنكم من يبخل و من يبخل فإنما يبخل عن نفسه....

### الآية 6:134

> ﻿إِنَّ مَا تُوعَدُونَ لَآتٍ ۖ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ [6:134]

\[ ١٣٤ \]  إن ما توعدون لآت وما أنتم بمعجزين ( ١٣٤ ) . 
 إن ما توعدون  أي : من البعث وأحواله  لآت  أي : لكائن لا محالة : وما أنتم بمعجزين  أي : بفائتين يعجز عنكم. وهذا رد لقولهم : من مات فقد فات. أي : هو قادر على إعادتكم، وإن صرتم رفاتا.

### الآية 6:135

> ﻿قُلْ يَا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلَىٰ مَكَانَتِكُمْ إِنِّي عَامِلٌ ۖ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ تَكُونُ لَهُ عَاقِبَةُ الدَّارِ ۗ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ [6:135]

\[ ١٣٥ \]  قل يا قوم اعملوا على مكانتكم إني عامل فسوف تعلمون من تكون له عاقبة الدار إنه لا يفلح الظالمون ( ١٣٥ ) . 
 قل يا قوم اعملوا على مكانتكم  أي : على غاية تمكنكم واستطاعتكم. يقال : مكن مكانة، إذا تمكن أبلغ التمكن. أو على جهتكم وحالتكم، من قولهم : مكان ومكانة، كمقام ومقامة. والمعنى : اثبتوا على كفركم.  إني عامل  أي : ما أمرت به من الثبات على الإسلام.  فسوف تعلمون من تكون له عاقبة الدار  أي : التي / بنيت لعبادته تعالى وحده، دون غيره، هل تكون للعدل الذي يضع العبادة في موضعها، أو للظالم يوضعها في غير موضعها. والمراد بالدار، الدنيا. وبالعاقبة، العاقبة الحسنى. أي : عاقبة الخير، لأنها الأصل، فإنه تعالى جعل الدنيا مزرعة الآخرة، وقنطرة المجاز إليها. 
 إنه لا يفلح الظالمون  أي : الكافرون. ووضع الظلم موضع الكفر، إيذانا بأن امتناع الفلاح يترتب على أي فرد كان من أفراد الظلم، فما ظنك بالكفر الذي هو أعظم أفراده ؟
لطائف
في إيراد التهديد بصيغة الأمر، أعني : قوله : اعملوا على مكانتكم  مبالغة في الوعيد، كأن المهدد يريد تعذيبه، مجمعا عليه، فيحمله بالأمر على ما يؤدي إليه. وتسجيل بأن المهدد لا يتأتى منه إلا الشر، كالمأمور به الذي لا يقدر أن يتقصى عنه. 
وفي قوله تعالى : فسوف تعلمون  مع الإنذار، إنصاف في المقال، وسن الأدب، حيث لم يقل ( العاقبة لنا ) وفوض الأمر إلى الله. وهذا من الكلام المنصف، كقوله تعالى : وإنا أو إياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين [(١)](#foonote-١). 
وفيه تنبيه على وثوق المنذر بأنه محق. 
وفيه تبشير بأن العاقبة له. 
قال ابن كثير : وقد أنجز الله موعده لرسوله صلوات الله عليه، فمكن له في البلاد، وحكمه في نواصي مخالفيه من العباد، وفتح له مكة، وأظهره على من كذبه من قومه وعاداه وناوأه، واستقر أمره على سائر جزيرة العرب، وكذلك اليمن والبحرين وكل ذلك في حياته. ثم فتحت الأمصار والأقاليم والرساتيق بعد وفاته، في أيام خلفائه رضي الله عنهم أجمعين. كما/ قال تعالى : كتب الله لأغلبن أنا ورسلي، إن الله قوي عزيز [(٢)](#foonote-٢). وقال : إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد، يوم لا ينفع الظالمين معذرتهم، ولهم اللعنة ولهم سوء الدار [(٣)](#foonote-٣) وقال تعالى : فأوحى إليهم ربهم لنهلكن الظالمين، ولنسكننكم الأرض من بعدهم، ذلك لمن خاف مقامي وخاف وعيد [(٤)](#foonote-٤) وقال تعالى :{ وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا، يعبدونني لا يشركون بي شيئا[(٥)](#foonote-٥). وقد فعل تعالى ذلك بهذه الأمة، وله الحمد والمنة.

١ - \[٣٤/ سبأ/ ٢٤\] قل من يرزقكم من السماوات والأرض قل الله....
٢ - \[٥٨/ المجادلة / ٢١\]..
٣ - \]٤٠/ غافر/ ٥١ و٥٢\]..
٤ - \[١٤/ إبراهيم/ ١٣ و١٤\] وقال الذين كفروا لرسلهم لنخرجنكم من أرضنا أو لتعودن في ملتنا فأوحى إليهم....
٥ - \[٢٤/ النور/ ٥٥\] ونصها: ... ومن كفر بعد ذلك هم الفاسقون (٥٥)..

### الآية 6:136

> ﻿وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعَامِ نَصِيبًا فَقَالُوا هَٰذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَٰذَا لِشُرَكَائِنَا ۖ فَمَا كَانَ لِشُرَكَائِهِمْ فَلَا يَصِلُ إِلَى اللَّهِ ۖ وَمَا كَانَ لِلَّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلَىٰ شُرَكَائِهِمْ ۗ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ [6:136]

ثم بين تعالى نوعا من جهالات مشركي مكة وضلالاتهم، وهو ترجيحهم جانب الأصنام على جانبه سبحانه، بعد تشريكهم إياه فيما اختص بخلقه، بقوله سبحانه :
\[ ١٣٦ \]  وجعلوا لله مما ذرأ من الحرث والأنعام نصيبا فقالوا هذا لله بزعمهم وهذا لشركائنا فما كان لشركائهم فلا يصل إلى الله وما كان لله فهو يصل إلى شركائهم ساء ما يحكمون ( ١٣٦ ) . 
 وجعلوا لله مما ذرأ  أي : خلق  من الحرث  أي : الزرع  والأنعام نصيبا  / يصرفونه إلى الضيفان والمساكين. أي : ولأصنامهم نصيبا يصرفونه إلى التنسك والسدنة. وإنما لم يذكر اكتفاء بما بعده. 
 فقالوا هذا لله بزعمهم  بالفتح والضم ( وقال الشهاب : الزعم مثلث كالود ). أي : هذا مستقر له الآن، من غير استقرار له في المستقبل لعارض.  وهذا لشركائنا  وهو مستقر لهم، بل يستقر لهم ما ليس لهم، فكانوا إذا سقط في نصيب الله شيء من نصيبها التقطوه، أو في نصيبها شيء من نصيبه تركوه، كما قال تعالى : فما كان لشركائهم فلا يصل إلى الله  أي : عند نمائه أو سقوطه فيما هو لله. أو هلاك ما هو لله لا يصل إلى الوجوه التي كانوا يصرفونه إليها من قرى الضيفان والتصدق على المساكين.  وما كان لله فهو يصل إلى شركائهم  أي : عند نمائه أو سقوطه فيما هو للأصنام، أو هلاك مالها، فينفقون عليها، بذبح نسائك عندها، والإجراء على سدنتها، ونحو ذلك. وعللوا ذلك بأن الله غني، وهي محتاجة  ساء ما يحكمون  أي : ما يقسمون، لأنهم أولا عملوا ما لم يشرع لهم، وضلوا في القسم. لأنه تعالى رب كل شيء ومليكه وخالقه، لا إله غيره، ولا رب سواه. ثم لما قسموا فيما زعموا القسمة الفاسدة، لم يحفظوها، بل جاروا فيها، إذ رجحوا جانب الأصنام في الحفظ والرعاية سفها. 
وقال المهايمي : ساء ما يحكمون  أي : من ترجيح جانب الأصنام على جانب الله، بعلة تقتضي ترجيح جانب الله لإلهيته، وعدم صلاحيتها للإلهية مع الحاجة. 
وما ذكرناه في الآية هو الذي قاله أئمة التفسير. 
فقد روى علي بن أبي طلحة والعوفي عن ابن عباس أنه قال في تفسير هذه الآية :" إن أعداء الله كانوا إذا حرثوا حرثا، أو كانت لهم ثمرة، جعلوا لله منه جزءا، وللوثن جزءان فما كان من حرث أو ثمرة أو شيء من نصيب الأوثان حفظوه وأحصوه. وإن سقط منه شيء فيما سمي للصمد، ردوه إلى ما جعلوه للوثن، وإن سبقهم الماء الذي جعلوه للوثن، فسقى ما سمي للوثن، وكانوا يحرمون من أموالهم البحيرة والسائبة والوصيلة والحام. فيجعلونه للأوثان، ويزعمون أنهم يحرمونه قربة لله تعالى، فقال تعالى : وجعلوا لله مما ذرأ...  الآية ". 
قال ابن كثير : وهكذا قال مجاهد وقتادة والسدي وغير واحد.

### الآية 6:137

> ﻿وَكَذَٰلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلَادِهِمْ شُرَكَاؤُهُمْ لِيُرْدُوهُمْ وَلِيَلْبِسُوا عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ ۖ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا فَعَلُوهُ ۖ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ [6:137]

\[ ١٣٧ \]  وكذلك زين لكثير من المشركين قتل أولادهم شركاؤهم ليردوهم وليلبسوا عليهم دينهم ولو شاء الله ما فعلوه فذرهم وما يفترون ( ١٣٧ ) . 
 وكذلك زين لكثير من المشركين قتل أولادهم شركاؤهم  أي : مثل ذلك التزيين، وهو تزيين الشرك في القسمة المتقدمة، زين لهم أولياؤهم من الشياطين ما هو أشد منه قبحا في باب القربان، وهو قتل أولادهم خشية الإملاق، ووأد البنات خشية العار، وإنما سميت الشياطين شركاء، لأنهم أطاعوهم فيما أمروهم به من قتل أولادهم، فأشركوهم مع الله في وجوب طاعتهم،  ليردوهم  أي : يهلكوهم بالشرك وقتل الولد. من ( الإرداء، وهو لغة، الإهلاك )،  وليلبسوا عليهم دينهم  أي : ليخلطوا عليهم ما هم عليه، بدين إبراهيم في ذبح إسماعيل عليهما السلام. أو ما وجب عليهم أن يتدينوا به، لأنهم كانوا على دين إسماعيل. فهذا الذي أتاهم بهذه الأوضاع الفاسدة أراد أن يزيلهم عن ذلك الدين الحق.  لو شاء الله ما فعلوه  أي : فلا تحزن على هلاكهم بما يفعلونه، لأنه بمشيئة الله،  فذرهم وما يفترون  أي : لأن له فيما شاءه حكما بالغة[(١)](#foonote-١) : إنما نملي لهم ليزدادوا إثمان ولهم عذاب مهين  وفيه من شدة الوعيد ما لا يخفى. 
**تنبيه :**
 شركاؤهم  فاعل  زين  أخر عن الظرف والمفعول اعتناء بالمقدم، واهتماما به، / لأنه موضع التعجب، لأنهم يقدمون الأهم، والذين هم بشأنه أعنى. وقرأ ابن عامر ( وحده )  زين  على البناء للمفعول الذي هو القتل، ونصب الأولاد، وجر الشركاء بإضافة القتل إليه، مفصولا بينهما بمفعوله. وقد زيف الزمخشري، عفا الله عنه، هذه القراءة، وعد ذلك من كبائر ( كشافه ) حيث قال : وأما قراءة ابن عامر، فشيء لو كان في مكان الضرورات، وهو الشعر، لكان سمجا مردودا، كما سمج ورُدَّ[(٢)](#foonote-٢) :
 \* زج القلوص أبي مزاده \*
 فكيف به في الكلام المنثور ؟ فكيف به في القرآن المعجز بحسن نظمه وجزالته ؟
قال : والذي حمله على ذلك أنه رأى في بعض المصاحف : شركائهم  مكتوبا بالياء، ولو قرأ بجر الأولاد والشركاء- لأن الأولاد شركاؤهم في أموالهم- لوجد في ذلك مندوحة عن هذا الارتكاب. انتهى. 
قال الناصر في ( الانتصاف ) : لقد ركب الزمخشري متن عمياء، وتاه في تيهاء، وأنا أبرأ إلى الله، وأبرئ حملة كتابه، وحفظة كلامه، مما رماهم به، فإنه تخيل أن القراء أئمة الوجوه السبعة، اختار كل منهم حرفا قرأ به اجتهادا، لا نقلا وسماعا، فلذلك غلط ابن عامر في قراءته هذه، وأخذ يبين أن وجه غلطه رؤيته الياء ثابتة في  شركائهم ، فاستدل بذلك على أنه مجرور، وتعين عنده نصب  أولادهم  بالقياس، إذ لا يضاف المصدر إلى أمرين معا، فقرأه منصوبا. قال : وكانت له مندوحة عن نصبه إلى جره بالإضافة، وإبدال الشركاء منه، وكان ذلك أولى مما ارتكبه. فهذا كله كما ترى ظن من الزمخشري أن ابن عامر قرأ قراءته هذه رأيا منه، وكان الصواب خلافه، والفصيح سواه. ولم يعلم الزمخشري أن هذه القراءة بنصب الأولاد، والفصل بين المضاف والمضاف إليه بها، يعلم ضرورة أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأها على جبريل، كما أنزلها عليه، ثم تلاها النبي صلى الله عليه وسلم على عدد التواتر من الأئمة، ولم يزل عدد التواتر / يتناقلونها، ويقرؤون بها، خلفا عن سلف، إلى أن انتهت إلى ابن عامر، فقرأها أيضا كما سمعها. فهذا معتقد أهل الحق في جميع الوجوه السبعة أنها متواترة جملة وتفصيلا عن أفصح من نطق بالضاد صلى الله عليه وسلم. فإذا علمت العقيدة الصحيحة، فلا مبالاة بعدها بقول الزمخشري، ولا بقول أمثاله ممن لحن ابن عامر، فإن المنكر عليه إنما أنكر ما ثبت أنه براء منه قطعا وضرورة. ولولا عذر أن المنكر ليس من أهل الشأنين : أعني علم القراءة وعلم الأصول، ولا يعد من ذوي الفنين المذكورين، لخيف عليه الخروج من ربقة الدين. وإنه على هذا العذر لفي عهدة خطرة، وزلة منكرة، تزيد على زلة من ظن أن تفاصيل الوجوه السبعة، فيها ما ليس متواترا، فإن هذا القائل لم يثبتها بغير النقل. غايته أنه ما ادعى أن نقلها لا يشترط فيه التواتر. وأما الزمخشري فظن أنها تثبت بالرأي، غير موقوفة على النقل، وهذا لم يقل به احد من المسلمين. وما حمله على هذا الخيال إلا التغالي في اعتقاد اطراد الأقيسة النحوية، فظنها قطعية، حتى يرد ما خالفها. ثم إذا تنزل معه على اطراد القياس. الذي ادعاه مطردا، فقراءة ابن عامر هذه لا تخالفه. وذلك أن الفصل بين المضاف والمضاف إليه، وإن كان عسرا، إلا أن المصدر إذا أضيف إلى معموله، فهو مقدر بالفعل، وبهذا التقدير عمل. وهو وإن لم تكن إضافته غير محضة، إلا أنه شبه بما إضافته غير محضة. حتى قال بعض النحاة : إن إضافته ليست محضة، لذلك. فالحاصل أن اتصاله بالمضاف إليه ليس كاتصال غيره، وقد جاء الفصل بين المضاف غير المصدر، وبين المضاف إليه بالظرف، فلا أقل من أن يتميز المصدر على غيره، لما بيناه من انفكاكه في التقدير، وعدم توغله في الاتصال، بأن يفصل بينه وبين المضاف إليه، بما ليس أجنبيا عنه، وكأنه بالتقدير : فكه بالفعل، ثم قدم المفعول على الفاعل، وأضافه إلى الفاعل، وبقي المفعول مكانه حين الفك. ويسهل ذلك أيضا تغاير حال المصدر، إذ تارة يضاف إلى الفاعل، وتارة يضاف إلى المفعول. وقد التزم بعضهم اختصاص الجواز بالفصل بالمفعول بينه وبين الفاعل، لوقوعه في غير مرتبته، إذ ينوي به التأخير، فكأنه لم يفصل. كما جاز تقدم المضمر على الظاهر إذا حل في غير رتبته، لأن النية به التأخير، وأنشد أبو عبيدة. 
 فداسَهُم دَوْسَ الحصادَ الدائسِ
وأنشد[(٣)](#foonote-٣) أيضا :
يَفرُكْنَ حَبَّ السُّنبُلِ الكنَافِج \*\*\* بالقاعِ فَرْكَ القطنَ المَحَالِج
ففصل كما ترى بين المصدر وبين الفاعل بالمفعول. ومما يقوي عدم توغله في الإضافة جواز العطف على موضع مخفوضه رفعا ونصبا. فهذه كلها نكت مؤيدة بقواعد، منظرة بشواهد من أقيسة العربية، تجمع شمل القوانين النحوية، لهذه القراءة. وليس غرضنا تصحيح القراءة بقواعد العربية، بل تصحيح قواعد العربية بالقراءة. وهذا قدر كاف إن شاء الله في الجمع بينهما- والله الموفق- وما أجريناه في إدراج الكلام من تقريب إضافة المصدر من غير المحضة، إنما أردنا انضمامه إلى غيره من الوجوه التي يدل باجتماعها على أن الفصل غير منكر في إضافته، ولا مستبعد من القياس، ولم نفرده في الدلالة المذكورة. إذ المتفق على عدم تمحضها لا يسوغ فيها الفصل، فلا يمكن استقلال الوجه المذكور بالدلالة – والله الموفق- انتهى كلام الناصر رحمه الله تعالى[(٤)](#foonote-٤).

١ - \[٣/ آل عمران/ ١٧٨\]..
٢ - وصدر البيت: \* فزججتهـــــا بمـــزجـة \*
 زججتها أي ضربتها بالزج: والزج كعب الرمح. والمزجة رمح قصير يسمى المزراق. والقلوص الشابة من الإبل كالفتي من الرجال. وأبو مزادة كنية رجل.
 زججتها فعل وفاعل ومفعول. و(بمزجة) متعلق به. وزج منصوب بنزع الخافض أي زججتها زجا كزج. والقلوص منصوب على أنه مفعول المصدر، فصل به بين المتضايفين. وأبي زادة، جر بإضافة (زج) إليه.
 والشاهد في الفصل بين المتضايفين بغير الظرف والجار والمجرور، وهو المفعول.
 وهو جائز عند الكوفيين.
 والبصريون منعوا هذا. وقالوا: إن المتضايفين في قوة شيء واحد فلا يجوز الفصل بينهما.
 إلا أن العرب توسعت في الظروف والجار والمجرور، ما لم تتوسع في غيرها.
 وأجابوا عن الشواهد الشعرية بأنها لم يعرف لها قائل، فلا يصح الاحتجاج بها..
 وقال شارح شواهد المصل: لم يسم أحد قائله ولا ذكر له سابقا ولا لاحقا.
 وجاء في خزانة الأدب: وهذا البيت لم يعتمد عليه متقنوا كتاب سيبويه. حتى قال السيرافي: لم يثبته أحد من أهل الرواية، وهو من زيادات أبي الحسن الأخفش في حواشي كتاب سيبويه، فأدخله بعض النساخ في بعض النسخ.
 قال الزمخشري في(فصله): وما يقع في بعض نسخ (الكتاب) من قوله:
 فـــزججتهـــــــا بمــــزجـــــــة\*\*\* زج القلــــــــــوص أبــــــــــي مـــــــــزاده
 فسيبويه بريء من عهدته.
 وقال صاحب الخزانة معقبا على قول الزمخشري:
 أراد أن سيبويه لم يورد هذا البيت في كتابه بل زاده غيره في كتابه، وإنما برأ سيبويه من هذا، لأن سيبويه لا يرى الفصل بغير الظرف. وإن كان هذا مذهبه، فكيف يورد بيتا على خلاف مذهبه؟.
٣ - في اللسان: قال جندل بن المثنى: 
 \* يفرك حب السنبل الكنافج \* 
 وقال: الكنافج السمين الممتلئ: وسنبل كنافج مكتنز. وقال ابن سيده: وقيل هو الغليظ الناعم..
٤ - ويجدر بنا في هذا المقام أن نطلع القارئ الحصيف على رأي كبير المفسرين الإمام محمد بن جرير الطبري، قال رضي الله عنه: 
 وقرأ بعض قرَأةِ الشام وكذلك زُيِّنَ بضم الزاي لكثير من المشركين قتل بالرفع أولادَهم بالنصب شركائِهم بالخفض بمعنى: وكذلك زُينَ لكثير من المشركين قتل شركائهم أولادهم، ففرقوا بنين الخافض والمخفوض بما عمل فيه من الاسم. وذلك في كلام العرب قبيح غير فصيح.
 وقد روي عن بعض أهل الحجاز بيت من الشعر يؤيد قراءة من قرأ بما ذكرت من قَرَأةِ أهل الشام، رأيت رواية الشعر وأهل العلم بالعربية من أهل العراق ينكرونه.
 **وذلك قول قائلهم:**
 فــــزَجَجْتـُــــهُ مُــتمكِّنـــــــاً\*\*\* زَجَّ القلـُـــــــــــــــــوصِ أبـــــــــــي مَــــــزادَهْ
 قال أبو جعفر: والقراءة التي لا أستجيز غيرها وكذلك زَيَّنَ لكثير من المشركين قتلَ أولادهم شركاؤهم؛ بفتح الزاي من زين ونصب القتل بوقوع زين عليه. وخفض أولادهم بإضافة القتل إليهم، ورفع الشركاء بفعلهم. لأنهم هم الذين زينوا للمشركين قتل أولادهم، على ما ذكرت من التأويل.
 وإنما قلت: (لا أستجيز القراءة بغيرها) لإجماع الحجة من القرَأَةِ عليه. وأن تأويل أهل التأويل بذلك ورد. ففي ذلك أوضح بيان على فساد ما خالفها من القراءة..

### الآية 6:138

> ﻿وَقَالُوا هَٰذِهِ أَنْعَامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ لَا يَطْعَمُهَا إِلَّا مَنْ نَشَاءُ بِزَعْمِهِمْ وَأَنْعَامٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُهَا وَأَنْعَامٌ لَا يَذْكُرُونَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا افْتِرَاءً عَلَيْهِ ۚ سَيَجْزِيهِمْ بِمَا كَانُوا يَفْتَرُونَ [6:138]

ثم بين تعالى نوعا آخر من مفترياتهم بقوله :
 \[ ١٣٨ \]  وقالوا هذه أنعام وحرث حجر لا يطعمها إلا من نشاء بزعمهم وأنعام حرمت ظهورها وأنعام لا يذكرون اسم الله عليها افتراء عليه سيجزيهم بما كانوا يفترون ( ١٣٨ ) . 
 وقالوا هذه  إشارة إلى ما جعلوه لآلهتهم، والتأنيث للخبر  أنعام وحرث حجر  أي : حرام ( والجمهور على كسر الحاء وسكون الجيم ) فِعْل بمعنى مفعول، كالذِّبح والطِّحن، يستوي في الوصف به المذكر والمؤنث والواحد والجمع، لأن حكمه حكم الأسماء غير الصفات. أي : محرمة علينا، أو محجرة علينا في أموالنا للأوثان. ويقرأ بضم الحاء. 
  لا يطعمها إلا من نشاء  قال في ( المدرك ) : كانوا إذا عينوا أشياء من حرثهم وأنعامهم لآلهتهم قالوا : لا يطعمها إلا من نشاء. يعنون : خدم الأوثان، والرجال دون النساء.  بزعمهم  حال من فاعل  قالوا  أي : متلبسين بزعمهم الباطل من غير حجة. 
قال ابن كثير : وهذه الآية الكريمة كقوله تعالى : قل أرأيتم ما أنزل الله لكم من رزق فجعلتم منه حراما وحلالا قل أالله أذن لكم، أم على الله تفترون [(١)](#foonote-١). 
 وأنعام  أي : وقالوا مشيرين إلى طائفة أخرى من أنعامهم : هذه أنعام  حرمت ظهورها  يعنون بها البحائر والسوائب والحوامي  وأنعام لا يذكرون اسم الله عليها  أي : حالة الذبح، وإنما يذكرون عليها أسماء الأصنام  افتراء عليه  أي : على الله، وكذبا منهم في إسنادهم ذلك إلى دين الله وشرعه، فإنه لم يأذن لهم في ذلك، ولا رضيه منهم.  سيجزيهم بما كانوا يفترون  أي : عليه، ويسندون إليه. وفيه وعيد وتهديد.

١ - \[١٠/ يونس/ ٥٩\]..

### الآية 6:139

> ﻿وَقَالُوا مَا فِي بُطُونِ هَٰذِهِ الْأَنْعَامِ خَالِصَةٌ لِذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ عَلَىٰ أَزْوَاجِنَا ۖ وَإِنْ يَكُنْ مَيْتَةً فَهُمْ فِيهِ شُرَكَاءُ ۚ سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ ۚ إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ [6:139]

ثم بين تعالى فنا آخر من ضلالهم بقوله سبحانه :
\[ ١٣٩ \]  وقالوا ما في بطون هذه الأنعام خالصة لذكورنا ومحرم على أزواجنا وإن يكن ميتة فهم فيه شركاء سيجزيهم وصفهم إنه حكيم عليم ( ١٣٩ ) . 
 وقالوا ما في بطون هذه الأنعام  يعنون أجنة البحائر والسوائب  خالصة لذكورنا ومحرم على أزواجنا  يعنون أنه حلال للذكور دون الإناث، إن ولد حيا لقوله سبحانه : وإن يكن  أي : ما في بطونها  ميتة فهم فيه شركاء  فالذكور والإناث فيه سواء. 
وفي رواية العوفي عن ابن عباس " أن المعنيّ ب  ما في بطونها  هو اللبن. كانوا يحرمونه / على إناثهم، ويشربه ذكرانهم. وكانت الشاة إذا ولدت ذكرا ذبحوه. وكان للرجال دون النساء. وإن كانت أنثى تركت فلم تذبح، وإن كانت ميتة فهم فيه شركاء ". 
وقال الشعبي : البحيرة لا يأكل من لبنها إلا الرجال، وإن مات منها شيء أكله الرجال والنساء. وكذا قال عكرمة وقتادة وابن أسلم. 
 سيجزيهم وصفهم  أي : بالتحليل والتحريم على سبيل التحكم ونسبته إلى الله تعالى.  إنه حكيم عليم  أي : حكيم في أفعاله وأقواله وشرعه، عليم بأعمال عباده من خير أو شر، وسيجزيهم عليها. 
**تنبيه :**
قال السيوطي في ( الإكليل ) : استدل مالك بقوله : خالصة لذكورنا ومحرم على أزواجنا  على أنه لا يجوز الوقف على أولاده الذكور دون البنات، وأن ذلك الوقف يفسخ، ولو بعد موت الواقف، لأن ذلك من فعل الجاهلية. واستدل به بعض المالكية على مثل ذلك في الهبة. انتهى. 
لطائف
( التاء ) في  خالصة  إما للنقل إلى الاسمية، أو للمبالغة، أو لأن ( الخالصة ) مصدر كالعافية، وقع موقع ( الخالص ) مبالغة، أو بحذف المضاف. أي : ذو خالصة، أو للتأنيث بناء على أن ( ما ) عبارة عن الأجنة. والتذكير في  محرم  باعتبار اللفظ. وقرئ  خالصة  بالنصب على أنه مصدر مؤكد، والخبر  لذكورنا . ووصفهم واقع موقع مصدر  سيجزيهم  بتقدير مضاف. أي : جزاء وصفهم بالكذب عليه تعالى في التحريم والتحليل من قوله تعالى : وتصف ألسنتهم الكذب [(١)](#foonote-١). 
 قال الشهاب : وهذا من بليغ الكلام وبديعه، فإنهم يقولون : وصل كلامه الكذب، إذا كذب، وعينه تصف السحر، أي : ساحرة، وقدّه يصف الرشاقة، بمعنى رشيق، مبالغة. حتى كأن من سمعه أو رآه وصف له ذلك بما يشرحه له. قال المعري[(٢)](#foonote-٢) :
سرى برق المعرة بعد وهن\*\*\* فبات برامة يصف الكلالا

١ - \[١٦/ النحل/ ٦٢\] ونصها: ويجعلون لله ما يكرهون وتصف ألسنتهم الكذب أن لهم الحسنى لا جرم أن لهم النار وأنهم مفرطون (٦٢)..
٢ - من قصيدته في سقط زنذ. ومطلعها:
 أعن وخذ القلاص كشفت حالا\*\*\* ومن عند الظلام طلبت مالا
 **قال شارح البيت:**
 بعد وهن أي بعد طائفة من الليل. ومعرّة النعمان بلد بالشام. ورامة موضع بعينه.
 يقول: لما حللنا برامة مغربا نظرنا إلى برق سرى من جانب الشام، من صوب معرة النعمان، حتى بلغ رامة بات بها يصف الكلال. أي يشكو ضعفه لأنه قطع شقة بعيدة ومسافة شاسعة..

### الآية 6:140

> ﻿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلَادَهُمْ سَفَهًا بِغَيْرِ عِلْمٍ وَحَرَّمُوا مَا رَزَقَهُمُ اللَّهُ افْتِرَاءً عَلَى اللَّهِ ۚ قَدْ ضَلُّوا وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ [6:140]

\[ ١٤٠ \]  قد خسر الذين قتلوا أولادهم سفها بغير علم وحرموا ما رزقهم الله افتراءً على الله قد ضلوا وما كانوا مهتدين ( ١٤٠ \] . 
 قد خسر الذين قتلوا أولادهم  يعني : وأد بناتهم خشية السبي أو الفقر  سفها بغير علم  لخفة أحلامهم وجهلهم بأن الله هو رازق أولادهم، لا هم  وحرموا ما رزقهم الله  من البحائر والسوائب ونحوهما  افتراء على الله قد ضلوا  عن الصراط المستقيم.  وما كانوا مهتدين  أي : إلى الحق والصواب. 
قال الشهاب : وفي قوله : وما كانوا مهتدين  بعد قوله  قد ضلوا  مبالغة في نفي الهداية عنهم، لأن صيغة الفعل تقتضي حدوث الضلال، بعد أن لم يكن. فلذا أردف بهذه الحال، لبيان عراقتهم في الضلال، وإنما ضلالهم الحادث ظلمات بعضها فوق بعض. 
 **تنبيه :**
حمل كثير من المفسرين ( الخسران ) على ما يشمل الدارين. أما الدنيا فخسروا منافع أولادهم، وثمرة ما خلقوا له. وكذا منافع أنعامهم بما ضيقوا وحجروا فيها ابتداعا. وأما الآخرة فيصيرون إلى أسوأ المنازل. وهذا التعميم، وإن كان حقا، إلا أن الأظهر حمله على الآخرة، توفيقا بين النظائر، كقوله تعالى[(١)](#foonote-١) : قل إن الذين يفترون على الله الكذب لا يفلحون، متاع في الدنيا ثم إلينا مرجعهم ثم نذيقهم العذاب الشديد بما كانوا يكفرون . 
روى الحافظ ابن مردويه عن سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما قال :" إذا سرك أن تعلم جهل العرب، فاقرأ ما فوق الثلاثين والمائة من سورة الأنعام : قد خسر الذين قتلوا أولادهم...  الآية " - وهكذا رواه البخاري[(٢)](#foonote-٢) في مناقب قريش من ( صحيحه ).

١ - \[١٠/ يونس/ ٦٩ و٧٠\]..
٢ - أخرجه البخاري في؛ ٦١- كتاب المناقب، ١٢- باب قصة زمزم وجهل العرب..

### الآية 6:141

> ﻿۞ وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ جَنَّاتٍ مَعْرُوشَاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ مُخْتَلِفًا أُكُلُهُ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُتَشَابِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ ۚ كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ ۖ وَلَا تُسْرِفُوا ۚ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ [6:141]

\[ ١٤١ \]  وهو الذي أنشأ جنات معروشات وغير معروشات والنخل والزرع مختلفا أكله والزيتون والرمان متشابها وغير متشابه كلوا من ثمره إذا أثمر وآتوا حقه يوم حصاده ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين ( ١٤١ ) . 
وقوله تعالى : وهو الذي أنشأ جنات معروشات وغير معروشات  تمهيد لما سيأتي من تفصيل أحوال الأنعام. أي : هو الذي أنعم عليكم بأنواع النعم، لتعبدوه وحده، فخلق لكم بساتين من الكروم وغيرها معروشات، أي مسموكات بما عملتم لها من الأعمدة. يقال : عرشت الكرم إذا جعلت له دعائم وسمكا تعطف عليه القبضان.  وغير معروشات  متروكات على وجه الأرض لم تعرش.  و  أنشأ  النخل  المثمر لما هو فاكهة وقوت، /  والزرع  المحصل لأنواع القوت  مختلفا أكله  أي : ثمره وحبه في اللون والطعم والحجم والرائحة.  والزيتون والرمان متشابها  في اللون والشكل، ورقهما  وغير متاشبه  في الطعم  كلوا من ثمره إذا أثمر  أي : كلوا من ثمر كل واحد مما ذكر، إذا أدرك. 
قال الرازي : لما ذكر تعالى كيفية خلقه لهذه الأشياء، ذكر ما هو المقصود الأصل من خلقها، وهو انتفاع المكلفين بها، فقال : كلوا من ثمره  واختلفوا ما الفائدة منه ؟ فقال بعضهم : الإباحة. وقال آخرون : بل المقصود منه إباحة الأكل قبل إخراج الحق، لأنه تعالى لما أوجب الحق فيه كان يجوز أن يحرم على المالك تناوله، لمكان شركة المساكين فيه، بل هذا هو الظاهر. فأباح تعالى هذا الأكل، وأخرج وجوب الحق فيه من أن يكون مانعا من هذا التصرف. وقال بعضهم : بل أباح تعالى ذلك ليبين أن المقصد بخلق هذه النعم إما الأكل، وإما التصدق، وإنما قدم ذكر الأكل على التصدق، لأن رعاية النفس مقدمة على رعاية الغير. قال تعالى[(١)](#foonote-١) : ولا تنس نصيبك من الدنيا وأحسن كما أحسن الله إليك . انتهى. 
 وآتوا حقه يوم حصاده  قرئ بفتح الحاء وكسرها. وهذا أمر بإيتاء من حضر يومئذ ما تيسر، وليس بالزكاة المفروضة- هكذا قال عطاء- أي : لأن السورة مكية، والزكاة إنما فرضت بالمدينة. وكذا قال مجاهد : إذا حضرك المساكين طرحت لهم منه. وفي رواية عنه : عند الحصاد يعطي القبضة، وعند الصرام يعطي القبة. ويتركهم يتبعون آثار الصرام. وهكذا روي عن نافع وإبراهيم النخعي وغيرهم. وعند هؤلاء أن هذا الحق/ باق لم ينسخ بالزكاة، فيوجبون إطعام من يحضر الحصاد لهذه الآية. ومما يؤيده أنه تعالى ذم الذين يصرمون ولا يتصدقون، حيث قص علينا سوء فعلهم وانتقامه منهم. قال تعالى في سورة ( نَ ) : إذ أقسموا ليصرمنها مصبحين، ولا يستثنون، فطاف عليها طائف من ربك وهم نائمون، فأصبحت كالصريم [(٢)](#foonote-٢) أي : كالليل المدلهم، سوداء محترقة.  فتنادوا مصبحين، أن اغدوا على حرثكم إن كنتم صارمين، فانطلقوا وهم يتخافتون، أن لا يدخلنها اليوم عليكم مسكين...  [(٣)](#foonote-٣) الآيات. 
وذهب بعضهم إلى أن هذا الحق نسخ بآية الزكاة، حكاه ابن جرير[(٤)](#foonote-٤) عن ابن عباس وثلة من التابعين. 
قال ابن كثير في تسمية هذا نسخا نظر، لأنه قد كان شيئا واجبا. ثم إنه فسر بيانه وبين مقدار المخرج وكميته. انتهى. 
ولا نظر، لما عرفت في المقدمة من تسمية مثل ذلك نسخا عند السلف، ومر قريبا أيضا فتذكر !
وذهب بعضهم إلى أن الآية مدنية، ضمت إلى هذه السورة في نظائر لها، بيناها أول السورة، وأن الحق هو الزكاة المفروضة. روي عن أنس وابن عباس وابن المسيب. 
والأمر بإيتائه يوم الحصد، للمبالغة في العزم على المبادرة إليه. والمعنى : اعزموا على إيتاء الحق واقصدوه، واهتموا به يوم الحصاد، حتى لا تؤخروه عن أول وقت يمكن فيه الإيتاء. 
قال الحاكم : وقيل : إنما ذكر وقت الحصاد تخفيفا على الأرباب، فلا يحسب عليهم ما أكل قبله. 
 وقد روى العوفي عن ابن عباس قال :" كان الرجل إذا زرع فكان يوم حصاده، لم يخرج مما حصد شيئا، فقال تعالى : وآتوا حقه يوم حصاده  وذلك أن يعلم ما كيله وحقه من كل عشرة واحد، وما يلقط الناس من سنبلة ". 
وقد روى الإمام أحمد[(٥)](#foonote-٥) وأبو داود[(٦)](#foonote-٦) عن جابر بن عبد الله قال :" أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم من كل جاد عشرة أوسق من التمر، بقنو يعلق في المسجد للمساكين ". 
قال ابن كثير : إسناده جيد قوي. 
**تنبيه :**
قال في ( الإكليل ) : استدل بالآية من أوجب الزكاة في كل زرع وثمر، خصوصا الزيتون والرمان المنصوص عليهما. ومن خصها بالحبوب، قال : إن الحصاد لا يطلق حقيقة إلا عليها، وفيها دليل على أن الزكاة لا يجب أداؤها قبل الحصاد. واستدل بها أيضا على أن الاقتران لا يفيد التسوية في الأحكام، لأنه تعالى قرن الأكل، وهو ليس بواجب اتفاقا، بالإيتاء، وهو واجب اتفاقا. انتهى. 
وقوله تعالى : ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين  النهي عن الإسراف، إما في التصدق، أي : لا تعطوا فوق المعروف. قال أبو العالية : كانوا يعطون يوم الحصاد شيئا، ثم تبادروا فيه وأسرفوا، فنزلت  ولا تسرفوا . وقال ابن جريج :" نزلت في ثابت بن قيس بن شماس. جد نخلا له فقال : لا يأتيني اليوم أحد إلا أطعمته، فأطعم حتى أمسى وليست له ثمرة، فنزلت ". ولذا قال السدي : أي : لا تعطوا أموالكم فتقعدوا فقراء. وإما في الأكل قبل الحصاد، وهذا عن أبي مسلم قال : ولا تسرفوا في الأكل قبل الحصاد كيلا يؤدي إلى بخس حق الفقراء. وإما في كل شيء، قال عطاء : نهوا عن السرف في كل شيء. / وقال إياس بن معاوية : ما جاوزت به أمر الله، فهو سرف. واختار ابن جرير[(٧)](#foonote-٧) قول عطاء. قال ابن كثير : ولا شك أنه صحيح، لكن الظاهر- والله أعلم – من سياق الآية، حيث قال تعالى : كلوا من ثمره إذا أثمر  أن يكون عائدا على الأكل. أي : لا تسرفوا في الأكل، لما فيه من مضرة العقل والبدن، كقوله تعالى : كلوا واشربوا ولا تسرفوا...  [(٨)](#foonote-٨) الآية. 
وفي ( صحيح البخاري ) [(٩)](#foonote-٩) تعليقا :" كلوا واشربوا والبسوا وتصدقوا من غير إسراف ولا مخيلة ". وهذا من هذا- والله أعلم- انتهى. 
وقد جنح إلى هذا المهايمي في :( تفسيره ) حيث قال : ولا تسرفوا في أكلها لئلا يبطل باستيفاء الشهوات، معنى المزرعة.

١ - \[٢٨/ القصص/ ٧٧\] ونصها: وابتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة ولا تنس نصيبك من الدنيا وأحسن كما أحسن الله إليك ولا تبغ الفساد في الأرض إن الله لا يحب المفسدين (٧٧)..
٢ - \[٦٨/ القلم/ ١٧- ٢٠\] ونصها: إنا بلوناهم كما بلونا أصحاب الجنة.....
٣ - \[٦٨/ القلم/ ٢١- ٢٤\]..
٤ - الأثران رقم ١٤٠٢٠ و١٤٠٢١ من التفسير..
٥ - أخرجه في المسند بالصفحة ٣٥٩ و٣٦٠ من الجزء الثالث (طبعة الحلبي)..
٦ - أخرجه أبو داود في: ٩- كتاب الزكاة، ٣٢- باب في حقوق المال، حديث ١٦٦٢..
٧ - الأثر رقم ١٤٠٤١ من التفسير ونصه:
 عن ابن جريج قال: قلت لعطاء: ولا تسرفوا يقول: لا تسرفوا فيما يأتي يوم الحصاد، أم كل شيء؟ قال: بلى ! في كل شيء، ينهى عن السرف.
 قال: ثم عاودته بعد حين فقلت: ما قوله: ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين؟ قال: ينهى عن السرف في كل شيء. ثم تلا: لم يسرفوا ولم يقتروا \[٢٥/ الفرقان/ ٦٧\]..
٨ - \[٧/ الأعراف/ ٣١\] ونصها: يا بني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد وكلوا واشربوا ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين (٣١)..
٩ - أخرجه البخاري في: ٧٧- كتاب اللباس، ١- باب قول الله تعالى: قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده..

### الآية 6:142

> ﻿وَمِنَ الْأَنْعَامِ حَمُولَةً وَفَرْشًا ۚ كُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ ۚ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ [6:142]

ثم بين تعالى حال الأنعام، وأبطل ما تقولوا عليه في شأنها بالتحريم والتحليل، بقوله :
 \[ ١٤٢ \]  ومن الأنعام حمولة وفرشا كلوا مما رزقكم الله ولا تتبعوا خطوات الشيطان إنه لكم عدو مبين ( ١٤٢ ) . 
 ومن الأنعام حمولة وفرشا  أي : وأنشأ لكم من الأنعام ما يحمل الأثقال، وما يفرش الذبح ( أي : يضجع ) أو ينسج من وبره وصوفه وشعره الفرش. 
وعن ابن عباس :" الحمولة الكبار التي تصلح للحمل، والفرش الصغيرة كالفصلان والعجاجيل والغنم " ؛ لأنها دانية من الأرض، للطافة أجرامها، مثل الفرش المفروش عليها. فعلى الوجهين الأولين : الفرش بمعنى المفروش، وعلى الثالث : الكلام على التشبيه. 
 كلوا مما رزقكم الله  أي : من الثمار والزروع والأنعام، لحفظ الروح، واستزادة القوة. 
 ولاتتبعوا خطوات الشيطان  أي : أوامره في التحليل والتحريم، كما تبعها أهل الجاهلية، فحرموا ما رزقهم الله افتراء عليه- كما مر-. 
 إنه لكم عدو مبين  أي : ظاهر العداوة، يمنعكم مما يحفظ روحكم، ويزد قوتكم، ويدعوكم إلى الافتراء على الله إن نسبتموه إلى أمره، أو إلى دعوى الإلهية لكم إن استقللتم به.

### الآية 6:143

> ﻿ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ ۖ مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ ۗ قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الْأُنْثَيَيْنِ ۖ نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ [6:143]

\[ ١٤٣ \]  ثمانية أزواج من الضأن اثنين ومن المعز اثنين قل أالذكرين حرم أم الأنثيين أما اشتملت عليه أرحام الأنثيين نبئوني بعلم إن كنتم صادقين ( ١٤٣ ) . 
وقوله تعالى : ثمانية أزواج  بدل من  حمولة وفرشا  أو مفعول  كلوا . /  ولا تتبعوا  معترض بينهما، أو فعل دل عليه، أو حال من ( ما ) بمعنى مختلفة أو متعددة. والزوج ما معه آخر من جنسه يزاوجه. قال تعالى[(١)](#foonote-١) : وأنه خلق الزوجين الذكر والأنثى . وقد يقال لمجموعهما، والمراد الأول. 
 ومن الضأن  زوجين  اثنين  الكبش والنعجة  ومن المعز اثنين  التيس والعنز.  قل  أي : تبكيتا لهم، وإظهارا لانقطاعهم عن الجواب  آلذكرين  من الضأن والمعز  حرم  الله عليم أيها المشركون  أم الأنثيين  منهما  أما اشتملت عليه أرحام الأنثيين  أي : أم ما حملت إناث الجنسين ذكرا كان أو أنثى، كما قالوا : ما في بطون هذه الأنعام خالصة...  [(٢)](#foonote-٢) الآية. 
 نبئوني بعلم  أي بدليل نقلي من كتب أوائل الرسل، أو عقلي في الفرق بين هذين النوعين، والنوعين الآتيين – قاله المهايمي-. 
 إن كنتم صدقين  أي : في دعوى التحريم. 
وفي قوله تعالى  نبئوني بعلم...  تكرير للإلزام، وتثنية للتبكيت والإفحام.

١ - \[٥٣/ النجم/ ٤٥\]..
٢ - \[٦/ الأنعام/ ١٣٩\] ونصها: وقالوا ما في بطون هذه الأنعام خالصة لذكورنا ومحرم على أزواجنا وإن يكن ميتة فهم فيه شركاء سيجزيهم وصفهم إنه حكيم عليم (١٣٩)..

### الآية 6:144

> ﻿وَمِنَ الْإِبِلِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْبَقَرِ اثْنَيْنِ ۗ قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الْأُنْثَيَيْنِ ۖ أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ وَصَّاكُمُ اللَّهُ بِهَٰذَا ۚ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَىٰ عَلَى اللَّهِ كَذِبًا لِيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ ۗ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ [6:144]

\[ ١٤٤ \]  ومن الإبل اثنين ومن البقر اثنين قل آلذكرين حرم أم الأنثيين أما ما اشتملت عليه أرحام الأنثيين أم كنتم شهداء إذ وصاكم الله بهذا فمن أظلم من افترى على الله كذبا ليضل الناس بغير علم إن الله لا يهدي القوم الظالمين ( ١٤٤ ) . 
 ومن الإبل اثنين  عطف على قوله تعالى  من الضأن اثنين  أي : وأنشأ من / الإبل اثنين هما الجمل والناقة.  ومن البقر اثنين  ذكرا وأنثى  قل  أي : إفحاما لهم أيضا في هذين النوعين  آلذكرين  منهما  حرم أم الأنثيين أما اشتملت عليه أرحام الأنثيين  أي من ذينك النوعين. والمعنى إنكار أن الله سبحانه وتعالى حرم عليهم شيئا من الأنواع الأربعة، وإظهار كذبهم في ذلك، وتفصيل ما ذكر من الذكور والإناث وما في بطونها- للمبالغة في الرد عليهم بإيراد الإنكار على كل مادة من مواد افترائهم. فإنهم كانوا يحرمون ذكور الأنعام تارة وإناثها تارة وأولادها كيفما كانت تارة أخرى. مسندين ذلك كله إلى الله سبحانه. وإنما عقب تفصيل كل واحد من نوعي الصغار ونوعي الكبار بما ذكر من الأمر بالاستفهام والإنكار مع حصول التبكيت بإيراد الأمر عقيب تفصيل الأنواع الأربعة بأن يقال : قل آلذكور حرم أم الإناث أم ما اشتملت عليه أرحام الإناث- لما في التثنية والتكرير من المبالغة في التبكيت والإلزام. أفاده أبو السعود. 
ثم كرر الإفحام بقوله تعالى : أم كنتم شهداء  حاضرين  إذ وصاكم الله بهذا  أي حين وصاكم بتحريم بعض وتحليله. وهذا من باب التهكم  فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا  فنسب إليه تحريم ما لم يحرم  ليضل الناس بغير علم  أي دليل  إن الله لا يهدي القوم الظالمين  قال ابن كثير : أول من دخل في هذه الآية عمرو بن لحي بن قمعة. لأنه أول من غير دين الأنبياء وأول من سيب السوائب ووصل الوصيلة وحمى الحامي. كما ثبت ذلك في ( الصحيح ) [(١)](#foonote-١). 
 وقال أبو السعود : المراد كبراؤهم المقرون لذلك. أو عمرو بن لحي وهو المؤسس لهذا الشر. أو الكل لاشتراكهم في الافتراء عليه، سبحانه وتعالى. 
**لطيفة :**
قال الزمخشري : فإن قلت : كيف فصل بين بعض المعدود وبعضه ولم يوال بينه ؟ قلت : قد وقع الفاصل بينهما اعتراضا غير أجنبي من المعدود. وذلك أن الله عز وجل من على عباده بإنشاء الأنعام لمنافعهم وبإباحتها لهم. فاعترض بالاحتجاج على من حرمها. والاحتجاج على من حرمها تأكيد وتسديد للتحليل. والاعتراضات في الكلام لا تساق إلا للتوكيد. انتهى. 
**تنبيه :**
دلت الآية على إباحة لحوم أكل الأنعام. وذلك معلوم من الدين ضرورة. وكذلك الانتفاع بالركوب فيما يركب، والافتراش للأصواف والأوبار والجلود. وعلى رد ما كانت الجاهلية تحرمه بغير علم. 
قال المؤيد بالله : ويدخل الإنسي والوحشي في قوله : من الضأن اثنين ومن المعز اثنين . وردّ بأن قوله تعالى : ثمانية أزواج  بيان للأنعام. والأنعام لا تطلق على الوحشيّ. أفاده بعض مفسري الزيدية.

١ - أخرجه البخاري في: ٦٥- كتاب التفسير، ٥- سورة المائدة، ١٣- باب ما جعل الله من بحيرة ولا سائبة ولا وصيلة ولا حام، حديث ١٦٥٧ ونصه:
 قال أبو هريرة: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "رأيت عمرو بن عامر الخزاعي يجر قصبه في النار. كان أول من سيب السوائب. والوصيلة الناقة البكر تبكر في أول نتاج الإبل. ثم تثني بعد بأنثى. وكانوا يسيبونها لطواغيتهم، إن وصلت إحداهما الأخرى، ليست بينهما ذكر. والحام فحل الإبل ويضرب الضراب المعدود فإذا قضى ضرابه ودعوه للطواغيت، وأعفوه من الحمل، فلم يحمل عليه شيء، وسموه الحامي"..

### الآية 6:145

> ﻿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَىٰ طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ ۚ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ [6:145]

ثم أمر تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم- بعد إلزام المشركين وتبكيتهم وبيان أن ما يتقولونه في أمر التحريم افتراء بحث- بأن يبين لهم ما حرمه عليهم، فقال سبحانه :
 \[ ١٤٥ \]  قل لا أجد في ما أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة أو دما مسفوحا أو لحم خنزير فإنه رجس أو فسقا أهل لغير الله به فمن اضطر غير باغ ولا عاد فإن ربك غفور رحيم ( ١٤٥ ) . 
 قل لا أجد فيما أوحي إلي محرما  أي طعاما محرما من الطعام  على طاعم  أي : أي طاعم كان من ذكر أو أنثى. ردّا على قولهم : محرم على أزواجنا  وقوله  يطعمه  لزيادة التقرير  إلا أن يكون  أي : ذلك الطعام  ميتة . قال المهايمي : والموت سبب الفساد. فهو منجس، إلا أن يمنع من تأثيره مانع من ذكر اسم الله، أو كونه من الماء، أو غيرهما  أو دما مسفوحا  أي سائلا لا كبدا أو طحالا  أو لحم خنزير فإنه رجس  لتعوده أكل النجاسات  أو فسقا  أي : خروجا عن الدين الذي هو كالحياة المطهرة  أهل لغير الله به  أي ذبح على اسم الأصنام ورفع الصوت على ذبحه باسم الله. وإنما سمي  ما أهل به لغير الله  فسقا، لتوغله في باب الفسق ومنه قوله تعالى : ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه وإنه لفسق .  فمن اضطر  أي : أصابته الضرورة الداعية إلى تناول شيء مما ذكر  غير باغ  أي : على مضطر مثله، تارك لمواساته  ولا عاد  متجاوز قدر حاجته من تناوله  فإن ربك غفور رحيم  لا يؤاخذه. وقد تقدم تفسير هذه الآية في سورة البقرة والمائدة بما فيه كفاية. 
**تنبيهات :**
الأول- قال ابن كثير : الغرض من سياق هذه الآية الكريمة الرد على المشركين الذين ابتدعوا ما ابتدعوه من تحريم البحيرة والسائبة والوصيلة والحام ونحو ذلك. فأمر تعالى رسوله أن يخبرهم أنه لا يجد فيما أوحاه إليه أن ذلك محرم. وأن الذي حرمه هو الميتة وما ذكر معها. / وما عدا ذلك فلم يحرم. وإنما هو عفو مسكوت عنه. فكيف تزعمون أنه حرام ؟ ومن أين حرمتموه ولم يحرمه تعالى ؟ وعلى هذا، فلا ينفي تحريم أشياء أخر فيما بعد هذا. كما جاء النهي عن لحوم الحمر الأهلية ولحوم السباع وكل ذي مخلب من الطير- انتهى- وبالجملة فالآية تدل على أنه صلى الله عليه وسلم لم يجد فيما أوحي إليه إلى تلك الغاية غيره. ولا ينافيه ورود التحريم بعد ذلك في شيء آخر، كالموقوذة والمنخنقة والمتردية والنطيحة وغيرها. وذلك لأن هذه السورة مكية. فما عدا ما ذكر تحريمه فيها مما حرم أيضا، طارئ. قيل : إذا حرم غيرها ما ذكر نسخا لما اقتضته هذه الآية من تحليله. وجوابه أن ذلك زيادة تحريم وليس بنسخ لما في الاية. فصح تحريم كل ذي ناب من السبع ومخلب من الطير. ومن الناس من يسمي هذا نسخا بالمعنى السلفي. وقد بيناه مرارا. 
قال بعض الزيدية : وقد تعلق ابن عباس بالآية في تحليل لحم الحمر الأهلية. وعائشة في لحوم السباع. وعكرمة في إباحة كل شيء سوى ما في الآية. وعن الشعبي ؛ أنه كان يبيح لحم الفيل ويتلو هذه الآية. 
ولا تعلق لجميعهم بالآية. لأنه تعالى بين ما يحرم في تلك الأحوال. انتهى. 
وقال السيوطي في ( الإكليل ) : احتج بها كثير من السلف في إباحة ما عدا المذكور فيها. فمن ذلك الحمر الأهلية. أخرجه البخاري[(١)](#foonote-١) عن عمرو بن دينار قال :" قلت لجابر بن يزيد : يزعمون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن حمر الأهلية فقال : قد كان يقول ذلك الحكم بن عمرو الغفاري عندنا بالبصرة. ولكن أبى ذلك البحر ( ابن عباس ) وقرأ : قل لا أجد فيما أوحي إلي  الآية ". وأخرج أبو داود[(٢)](#foonote-٢) عن ابن عمر " أنه سئل عن أكل القنفذ ؟ فقرأ :/  قل لا أجد..  الآية ". وأخرج ابن أبي حاتم وغيره، بسند صحيح عن عائشة أنها كانت إذا سئلت عن كل ذي ناب من السباع ومخلب من الطير ؟ تَلَتْ : قل لا أجد...  الآية. وأخرج عن ابن عباس أنه قال :" ليس من الدواب شيء حرام إلا ما حرم الله في كتابه : قل لا أجد  الآية. انتهى. 
وأخرج أبو داود[(٣)](#foonote-٣) عن ابن عباس قال :" كان أهل الجاهلية يأكلون أشياء ويتركون أشياء تقذرا. فبعث الله نبيه صلى الله عليه وسلم وأنزل كتابه وأحل حلاله وحرم حرامه. فما أحل فهو حلال وما حرم فهو حرام. وما سكت عنه فهو معفو. وتلا : قل لا أجد...  الآية ". 
وذكرنا ضعف التعليق بهذه الآية على ما ذهبوا إليه. 
قال في ( فتح البيان ) : معنى الآية أنه تعالى أمره صلى الله عليه وسلم بأن يخبرهم أنه لا يجد في شيء مما أوحي إليه محرما غير هذه المذكورات : فدل ذلك على انحصار المحرمات فيها، لولا أنها مكية. وقد نزل بعدها بالمدينة سورة المائدة وزيد فيها على هذه المحرمات. المنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة. وصح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم تحريم كل ذي ناب من السباع[(٤)](#foonote-٤) / وكل ذي مخلب من الطير[(٥)](#foonote-٥) وتحريم الحمر الأهلية[(٦)](#foonote-٦) والكلاب، ونحو ذلك. 
وبالجملة، فهذا العموم إن كان بالنسبة إلى ما يؤكل من الحيوانات، كما يدل عليه السياق ويفيده الاستثناء، فيضم إليه كل ما ورد بعده في الكتاب أو السنة مما يدل على تحريم شيء من الحيوانات. وإن كان هذا العموم بالنسبة إلى كل شيء حرمه الله من حيوان وغيره، فإنه يضم إليه كل ما ورد بعده مما فيه تحريم شيء من الأشياء. وقد روي عن ابن عباس وابن عمر وعائشة :" أنه لا حرام إلا ما ذكره الله في هذه الآية. وروي ذلك عن مالك. وهو قول ساقط ومذهب في غاية الضعف لاستلزامه لإهمال غيرها، مما نزل بعدها من القرآن، وإهمال ما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال بعد نزول هذه الآية. بلا سبب يقتضي ذلك ولا موجب يوجبه. وقول جابر ( لكن أبى ذلك البحر ابن عباس ) في رواية البخاري المتقدمة، أقول : وإن أبى ذلك البحر، فقد صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. والتمسك بقول صحابي في مقابلة قول النبي صلى الله عليه وسلم من سوء الاختيار وعدم الانصاف. انتهى. كلام ( الفتح ). 
وفي ( نيل الأوطار ) : الاستدلال بهذه الآية إنما يتم في الأشياء التي لم يرد النص بتحريمها. وأما الحمر الإنسية فقد تواترت النصوص على ذلك. والتنصيص على التحريم مقدم على عموم التحليل وعلى القياس. وأيضا الآية مكية. انتهى. 
وقد ثبت عن ابن عمر رجوعه عن التعلق بعمومها. 
روى سعيد بن منصور والإمام أحمد[(٧)](#foonote-٧) وأبو داود[(٨)](#foonote-٨) عن نميلة الفزاري قال :" كنت / عند ابن عمر، وإنه سئل عن أكل القنفذ فقرأ عليه : قل لا أجد...  الآية. فقال شيخ عنده : سمعت أبا هريرة يقول : ذكر عند النبي صلى الله عليه وسلم فقال : خبيث من الخبائث. فقال ابن عمر : إن كان النبي صلى الله عليه وسلم قاله فهو كما قال ". 
أي والخبائث محرمة بنص القرآن، فهو مخصص لعموم هذه الآية. 
وعن المقدام بن معدي كرب قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" ألا هل عسى رجل يبلغه الحديث عني وهو متكئ على أريكته فيقول : بيننا وبينكم كتاب الله. فما وجدنا فيه حلالا استحللناه. وما وجدنا فيه حراما حرمناه. وإن ما حرم رسول الله صلى الله عليه وسلم كما حرم الله تعالى ". أخرجه الترمذي[(٩)](#foonote-٩) وقال : حديث حسن غريب. 
ولأبي داود[(١٠)](#foonote-١٠) قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" ألا إني أوتيت الكتاب ومثله معه. لا يوشك رجل شبعان على أريكته يقول : عليكم بهذا القرآن، فما وجدتم فيه من حلال فأحلوه، وما وجدتم فيه من حرام فحرموه. ألا لا يحل لكم ( لحم ) الحمار الأهلي ولا كل ذي ناب من السبع ولا لقطة معاهد إلا أن يستغني عنها صاحبها. ومن نزل بقوم عليهم أن يقروه. فإن لم يقروه فله أن يعقبهم بمثل قراه ". ( أي يأخذ منهم عوضا عما حَرَموه من القِرى ). 
هذا والزمخشري فسر محرما ب ( طعاما محرما من المطاعم التي حرمتموها ) وجعل الاستثناء منقطعا. أي لا أجد ما حرمتموه لكن أجد الأربعة محرمة. وهذا لا دلالة فيه على الحصر حتى ترد المحرمات الأخر. إذ الاستثناء المنقطع ليس كالمتصل في الحصر. وغير الزمخشري لم يقيده بما ذكر. لأن الأصل الاتصال وعدم التقييد. وأولوها بما قدمنا قبل. وحينئذ يكون الاستثناء من أعم الأوقات أو أعم الأحوال مفرغا. بمعنى : لا أجد / شيئا من المطاعم المحرمات في وقت من الأوقات، أو حال من الأحوال، إلا في وقت أو حال كون الطعام أحد الأربعة. فإني أجد حينئذ محرما. فالمصدر للزمان أو الهيئة. وفيه أن المصدر المؤول من ( أن والفعل ) لا ينصب على الظرفية. ولا يقع حالا، لأنه معرفة. والله أعلم. 
الثاني- وفي قوله تعالى :{ قل لا أجد فيما أوحي إلي محرما إيذانا بأن التحريم إنما يعلم بالوحي لا بالهوى. قال الشهاب : كنى بعدم الوجدان عن عدم الوجود. ومبنى هذه الكناية على أن طريق التحريم التنصيص منه تعالى. وتفسيره بمطلق الوحي استظهروه. ولذا قال : أوحي ولم يقل : أنزل. 
الثالث- قال السيوطي في ( الإكليل ) : استدل النبي صلى الله عليه وسلم بقوله : على طاعم يطعمه  على أنه إنما حرم من الميتة أكلها. وأن جلدها يطهر بالدبغ. فأخرج أحمد[(١١)](#foonote-١١) وغيره عن ابن عباس قال :" ماتت شاة لسودة بنت زمعة فقالت : يا رسول الله ! ماتت فلانة ( يعني الشاة ) فقال : فلولا أخذتم مسكها ؟ فقالت : نأخذ مسك شاة قد ماتت ؟ فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم : إنما قال الله عز وجل : قل لا أجد فيما أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة أو دما مسفوحا أو لحم خنزير  فإنكم لا تطعمونه. إن تدبغوه تنتفعوا به. فأرسلت إليها فسلخت مسكها فدبغته، فاتخذت منه قربة، حتى تخرقت عندها ". 
الرابع- استدل بقوله تعالى : مسفوحا  على إباحة غيره. وذلك لأن الدم المسفوح هو ما سال من الحيوان في حالة الحياة، أو عند الذبح- لا كالكبد والطحال- وكذا ما اختلط باللحم من الدم لأنه غير سائل. قال عمران بن جدير : سألت أبا مجلز عما يختلط باللحم من الدم، وعن القدر يرى فيها حمرة الدم فقال : لا بأس بذلك ! إنما نهى عن الدم المسفوح. 
 وقال إبراهيم النخعي : لا بأس بالدم في عرق أو مخ، إلا المسفوح. 
وقال عكرمة : لولا هذه الآية لتتبع المسلمون الدم من العروق ما تتبع اليهود.

١ - أخرجه البخاري في: ٧٢- كتاب الذبائح والصيد، ٢٨- باب لحوم الحمر الإنسية، حديث ٢٢٠٧..
٢ - أخرجه أبو داود في: ٢٦- كتاب الأطعمة، ٢٩- باب في أكل حشرات الأرض، حديث ٣٧٩٩ ونصه: 
 عن عيسى بن نميلة عن أبيه قال: كنت عند ابن عمر فسئل عن أكل القنفد؟ فتلا قل لا أجد فيما أوحي إلي محرما... الآية. قال، قال شيخ عنده: سمعت أبا هريرة يقول: ذكر عند النبي صلى الله عليه وسلم فقال: "خبيثة من الخبائث".
 قال ابن عمر: إن كان قال رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا، فهو كما قال "ما لم ندر"..
٣ - أخرجه أبو داود في: ٢٦- كتاب الطعام، ٣٠- باب م لم يذكر تحريمه، حديث ٣٨٠٠..
٤ - أخرجه البخاري في: ٧٦- كتاب الطب، ٥٧- باب ألبان الأتن، حديث ٢٢٠٨ ونصه:
 عن أبي ثعلبة الخشني رضي الله عنه، قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أكل كل ذي ناب من السباع.
 وأخرجه مسلم في: ٣٤- كتبا الصيد والذبائح، حديث رقم ١٢ (طبعتنا)..
٥ - وأخرجه مسلم في: ٣٤- كتبا الصيد والذبائح، حديث رقم ١٦ (طبعتنا) عن ابن عباس..
٦ - أخرجه البخاري في: ٧٢- كتاب الذبائح والصيد، ٢٨- باب لحوم الحمر الأنسية، حديث ٥٠٦ ونصه:
 عن ابن عمر رضي الله عنهما: نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن لحوم الحمر الأهلية، يوم خيبر..
٧ - أخرجه في المسند بالصفحة رقم ٣٨١ من الجزء الثاني (طبعة الحلبي)..
٨ - انظر الحاشية رقم ٢ ص ٤٤٥..
٩ - أخرجه الترمذي في: ٣٩- كتاب العلم، ١٠- باب ما نهي عنه أن يقال عند حديث النبي صلى الله عليه وسلم..
١٠ - أخرجه أبو داود في: ٣٩؛ كتاب السنة، ٥- باب في لزوم السنة، حديث ٤٦٠٤..
١١ - أخرجه في المسند بالصفحة ٣٢٧ من الجزء الأول (طبعة الحلبي) والحديث رقم ٣٠٢٧ (طبعة المعارف)..

### الآية 6:146

> ﻿وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ ۖ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا إِلَّا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا أَوِ الْحَوَايَا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ ۚ ذَٰلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِبَغْيِهِمْ ۖ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ [6:146]

ثم بين تعالى أنه حرم على اليهود أشياء أخرى غير هذه الأربعة، تحقيقا لافتراء المشركين فيما حرموه، إذ لم يوافق شيئا مما أنزله تعالى، فقال سبحانه :
\[ ١٤٦ \]  وعلى الذين هادوا حرمنا كل ذي ظفر ومن البقر والغنم حرمنا عليهم شحومهما إلا ما حملت ظهورهما أو الحوايا أو ما اختلط بعظم ذلك جزيناهم ببغيهم وإنا لصادقون ( ١٤٦ ) . 
 وعلى الذين هادوا  أي : اليهود خاصة  حرمنا كل ذي ظفر  قال سعيد بن جبير : هو الذي ليس منفرج الأصابع- كالجمل والوبر والأرنب- فإنها من ذوات الأظافر الغير المشقوقة- أي المنفرجة- وأما ذو الظفر المشقوق وهو يجتر من البهائم، فلم يحرم عليهم. 
 ومن البقرة والغنم حرمنا عليهم شحومهما  لا لحومهما  إلا ما حملت ظهورهما  يعني : ما علق بالظهر من الشحوم  أو الحوايا  أي الأمعاء والمصارين- أي : ما حملته من الشحوم-  أو ما اختلط بعظم  كالمخ والعصعص  ذلك  أي : تحريم تلك الأطايب عليهم  جزيناهم ببغيهم  بسبب ظلمهم، وهو قتلهم الأنبياء بغير حق، وأكلهم الربا – وقد نهوا عنه- وأكلهم أموال الناس بالباطل، كقوله تعالى[(١)](#foonote-١) : فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم وبصدهم عن سبيل الله كثيرا . 
قال المهايمي : أي : ولم يكن لغيرهم ذلك البغي، فلا وجه لتحريمها عليهم مع كونها أطايب في أنفسها. 
 وإنا لصادقون  أي : في جميع أخبارنا التي من جملتها هذا الخبر ؛ وهو تخصيص التحريم بهم، لبغيهم. 
 قال ابن جرير :[(٢)](#foonote-٢)لا كما زعموا من أن إسرائيل هو الذي حرمه على نفسه. 
قال أبو السعود : ولقد ألقمهم الحجر قوله تعالى : كل الطعام كان حلا لبني إسرائيل إلا ما حرم إسرائيل على نفسه من قبل أن تنزل التوراة، قل فأتوا بالتوراة فاتلوها إن كنتم صادقين [(٣)](#foonote-٣).

١ - \[٤/ النساء/ ١٦٠\]..
٢ - انظر الصفحة رقم ٢٠٦ من الجزء الثاني عشر من التفسير (طبعة المعارف)..
٣ - \[٣/ آل عمران/ ٩٣\]..

### الآية 6:147

> ﻿فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ رَبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ وَاسِعَةٍ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُهُ عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ [6:147]

\[ ١٤٧ \]  فإن كذبوك فقل ربكم ذو رحمة واسعة ولا يرد بأسه عن القوم المجرمين ( ١٤٧ ) . 
 فإن كذبوك  الضمير إما لليهود لأنهم أقرب ذكرا، ولذكر المشركين بعد ذلك بعنوان الإشراك ؛ وإما للمشركين، وإما للفريقين. أي : فإن كذبتك اليهود في التخصيص وزعموا أن تحريم الله لا ينسخ، وأصروا على ادعاء قدم التحريم ؛ أو المشركون فيما فصل من أحكام التحليل والتحريم، أو هما فيما ادّعيا  فقل ربكم ذو رحمة واسعة  يمهلكم على التكذيب فلا تغتروا بإمهاله فإنه لا يهمل  ولا يردّ بأسُه عن القوم المجرمين  أي : ومع رحمته فهو ذو بأس شديد. وفيه ترغيب لهم في ابتغاء رحمة الله الواسعة، وذلك في اتباع رضوانه، وترهيب من المخالفة.

### الآية 6:148

> ﻿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ ۚ كَذَٰلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّىٰ ذَاقُوا بَأْسَنَا ۗ قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا ۖ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ [6:148]

وليعلم أن المشركين لما لزمتهم الحجة- ببطلان ما كانوا عليه من الشرك بالله وتحريم ما لم يحرمه الله- أخبر تعالى عنهم بما سيقولونه من شبهة يتشبثون بها لشركهم وتحريم ما حرموا. وفائدة الإخبار بما سوف يقولونه، توطين النفس على الجواب، ومكافحتهم بالردّ، وإعداد الحجة قبل أوانها، فقال تعالى :
 \[ ١٤٨ \]  سيقول الذين أشركوا لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا ولا حرمنا من شيء كذلك كذب الذين من قبلهم حتى ذاقوا بأسنا قل هل عندكم من علم فتخرجوه لنا إن تتبعون إلا الظن وإن أنتم إلا تخرصون ( ١٤٨ ) . 
 سيقول الذين أشركوا  يعني مشركي قريش والعرب  لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا ولا حرمنا من شيء  يعني ما حرموه من البحائر والسوائب وغيرهما  كذلك كذب الذين من قبلهم حتى ذاقوا بأسنا  أي : حتى أنزلنا عليهم العذاب  قل هل عندكم من علم فتخرجوه لنا  أي : أمر معلوم يصح الاحتجاج به فيما قلتم فتظهروه لنا  إن تتبعون إلا الظن  أي : فيما أنتم عليه من الشرك وتحريم ما حرمتم  وإن أنتم إلا تخرصون  تكذبون.

### الآية 6:149

> ﻿قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ ۖ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ [6:149]

\[ ١٤٩ \]  قل فلله الحجة البالغة فلو شاء لهداكم أجمعين ( ١٤٩ ) . 
 قل فلله الحجة البالغة  البينة الواضحة التي بلغت غاية المتانة والقوة على الإثبات. ومنه :( أيمان بالغة ) أي : مؤكدة. أو ( البالغة ) التي بلغ بها صاحبها صحة دعواه فهي ( كعيشة راضية ).  فلو شاء لهداكم أجمعين  أي : ولكنه لم يشأ ذلك. بل شاء هداية بعض صرفوا اختيارهم إلى سلوك طريق الحق، وضلال آخرين صرفوا كسبهم على خلاف ذلك، من غير صارف يلويهم ولا عاطف يثنيهم، فوقع ذلك على الوجه الذي شاءه. 
قال الإمام أبو منصور الماتريدي في ( تأويلاته ) : قيل : الآية في مشركي العرب. قالوا ذلك حين لزمتهم المناقضة وانقطع حجاجهم في تحريم ما حرموا من الأشياء. وأضافوا / ذلك إلى الله، وهو صلة قوله : ثمانية أزواج...  - إلى قوله –  أم كنتم شهداء إذ وصاكم الله بهذا [(١)](#foonote-١)، فلما لزمتهم المناقضة وانقطع حجاجهم فزعوا إلى هذا القول : لو شاء الله ما أشركنا...  الآية[(٢)](#foonote-٢) ! انتهى. 
والقصد : الاعتذار عن كل ما يقدمون عليه من الإشراك وتحريم الحلال. أي : ولكنه لم يشأ الترك وشاء الفعل، ففعلُنا طوع مشيئته، وهو لا يشاء إلا الحق، لأنه قادر. فلو لم يكن حقا يرضاه لمنعنا منه. وهو لم يمنعنا منه فهو حق. وفي حكاية هذه المناظرة والمجادلة بيان لنوع من كفرهم شنيع جدا.. !. 
**تنبيه :**
هذه الآية تكرر نظيرها في التنزيل الكريم في عدة سور، وهي من الآيات الجديرة بالتدبر لتمحيص الحق في المراد منها. 
فقد زعم المعتزلة أن فيها دلالة واضحة لمذهبهم من أن الله لا يشاء المعاصي والكفر، كما تبجح بذلك منهم الطبرسي الشيعي في ( تفسيره ) وقال : إن فيها تكذيبا ظاهرا لمن أضاف مشيئة ذلك إلى الله سبحانه ؛ وكذا الزمخشري في ( تفسيره ). 
 ومعلوم أن عقيدة الفرقة الناجية، الإيمان بأن : ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن، وانه ما في السماوات والأرض من حركة ولا سكون إلا بمشيئة الله سبحانه، لا يكون في ملكه إلا ما يريد، وهو خالق لأفعال العباد. !
وقد خالف في ذلك عامة القدرية- الذين سماهم النبي صلى الله عليه وسلم مجوس هذه الأمة- فقالوا : لا إرادة إلا بمعنى المشيئة، وهو لم يرد إلا ما أمر به، ولم يخلق شيئا من أفعال العباد. فعندهم أكثر ما يقع من أفعال العباد على خلاف إرادته تعالى. ولما كان قولهم هذا في غاية الشناعة، تبرأ منهم الصحابة. وأصل بدعتهم- كما قال ابن تيمية- كانت من عجز عقولهم عن الإيمان بقدر الله والإيمان بأمره ونهيه. وسنبيّن تحقيق ذلك بعد أن نورد شبهتهم في هذه الآية وندمغها- بعونه تعالى- بعدة وجوه فنقول :
( قالوا ) : إن الله تعالى حكى عن المشركين أنهم قالوا : أشركنا بإرادة الله تعالى. ولو أراد عدم إشراكنا لما أشركنا، ولمَا صدر عنا تحريم المحللات فقد أسندوا كفرهم وعصيانهم إلى إرادته تعالى كما تزعمون أنتم. ثم إنه تعالى ردّ عليهم مقالتهم وبين بطلانها وذمّهم عليها وأوعدهم عليها وعيدا شديدا. فلو كان يجوز إضافة المشيئة إلى الله تعالى في ذلك، على ما تضيفون أنتم، لم يكن يردّ ذلك عليهم ويتوعدهم !. 
( قلنا ) : إن المشيئة في الآية تتخرج على وجوه :
أحدها : ما قال الحسن والأصم- إن المشيئة ههنا الرضا- فمرادهم : أن الله رضي بفعلنا وصنيعنا- حيث فعل آباؤنا مثل ما فعلنا- فلم يحل بينهم وبين ذلك، ولا أخذ على أيديهم، ولا منعهم عن ذلك ؛ فلو لم يرض بذلك عنهم لكان يمنعهم عنه !
قال أبو منصور : وإنما استدلوا بالرضا من الله والإذن فيما كانوا فيه، أنهم كانوا يخوفون بالهلاك والعذاب على صنيعهم، ثم رأوا آباءهم ماتوا على ذلك ولم يأت العذاب، فاستدلوا بتأخير نزول العذاب عليهم على أن الله رضي بذلك. 
 وبالجملة، أرادوا بقولهم ذلك، أنهم على الحق المشروع المرضي عند الله. ولما كانت حجتهم داحضة باطلة- لأنها لو كانت صحيحة لما أذاقهم الله بأسه ودمّر عليهم وأدال عليهم رسله الكرام- قال تعالى : قل هل عندكم من علم فتخرجوه لنا  أي : بأن الله راض عليكم فيما أنتم فيه ! وهذا من التهكم والشهادة بأن مثل قولهم محال أن يكون له حجة. 
في ( الوجيز ) : الحاصل أن المشركين اعتقدوا عدم التفرقة بين المأمور المرضي والمشيئة، كما اعتقدت المعتزلة، فاحتجوا على حقية الإشراك. وينادي على ذلك قوله : كذلك كذب...  فإنه لو كان المراد أن ذلك ليس بمشيئة الله تعالى لقال :( كذلك كذَبَ ) بالتخفيف لا التشديد. وهذه الآية- عند من له أذن واعية – تصيح على المعتزلة بالويل والثبور، لكن في آذانهم وقر، ومن لم يهده الله فلا هادي له. انتهى. 
الوجه الثاني : إن المشيئة في الآية بمعنى الأمر والدعاء إلى ذلك. أي : يقولون : إن الله أمرهم بذلك ودعاهم إليه، كما أخبر عنهم في سورة الأعراف بقوله : وإذا فعلوا فاحشة قالوا وجدنا عليها آباءنا والله أمرنا بها  فردّ تعالى عليهم بقوله : قل إن الله لا يأمر بالفحشاء . 
الوجه الثالث : إن قولهم ذلك كان على سبيل الاستهزاء والسخرية دفعا لدعوته صلى الله عليه وسلم، وتعلّلا لعدم إجابته وانقياده، لا تفويضا للكائنات إلى مشيئة الله تعالى. فما صدر عنهم كلمة حق أريد بها باطل. ولذلك ذمهم الله بالتكذيب لأنهم قصدوا به تكذيب النبي صلى الله عليه وسلم في وجوب اتباعه والمتابعة، فقال : كذلك كذَّبَ  بالتشديد، ولم يذمهم بالكذب في قولهم ذلك، وإلا لقال :( كذلك كَذَبَ ) بالتخفيف، إشارة إلى أن ذلك الكلام في نفسه حق وصدق. 
وقال آخرا : قل فلله الحجة البالغة فلو شاء لهداكم أجمعين  فأشار إلى صدق مقالتهم وفساد غرضهم. فالعتب الذي لحقهم والوعيد الذي أوعدهم، إنما كان لاستهزائهم، / كما ذكر في قوله تعالى[(٣)](#foonote-٣) : ويقول الإنسان أئذا ما متُّ لسوف أخرَجُ حيا  هي كلمة حق. لكن قالها استهزاء فلحقه الذم. 
وهذا الوجه اقتصر عليه العضد في ( المواقف ) وقرره أيضا أبو منصور في ( تأويلاته ). 
قال الحسن بن الفضل : لو قالوا هذه المقالة تعظيما لله وإجلالا له ومعرفة بحقه وبما يقولون، لما عابهم بذلك. ولكنهم قالوا هذه المقالة تكذيبا وجدلا من غير معرفة بالله وبما يقولون. 
الوجه الرابع : ما يستفاد من قول الإمام : إن في كلام المشركين مقدمتين :
( إحداهما ) : أن الكفر بمشيئة الله تعالى. ( والثانية ) : أنه يلزم منه اندفاع دعوة النبي صلى الله عليه وسلم. وما ورد من الذم والتوبيخ إنما هو على الثانية، إذ الله يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد، فله أن يشاء من الكافر الكفر ويأمره بالإيمان ويعذبه على خلافه ويبعث الأنبياء عليهم الصلاة والسلام دعاة إلى دار السلام، وإن كان لا يهدي إلا من يشاء. 
الوجه الخامس : إن قولهم ذلك كان على سبيل العناد والعتوّ. 
قال البقاعي في قوله تعالى : كذلك كذَّب الذين من قبلهم  أي : بما أوقعوا من نحو هذه المجادلة في قولهم : إذا كان الكل بمشيئة الله كان التكليف عبثا، فكانت دعوى الأنبياء باطلة. وهذا القول من المشركين عناد بعد ثبوت الرسالات بالمعجزات وإخبار الرسل بأنه يشاء الشيء ويعاقب عليه لأن ملكه تام، لا يسأل عما يفعل. 
وقال الإمام القاشاني قدس سره، في قوله تعالى : كذلك كذب الذين من قبلهم  : أي : كذب المنكرون الرسل من قبلهم بتعليق كفرهم بمشيئة الله عنادا وعتوا، فعذبوا بكفرهم. 
ثم قال في قوله تعالى : قل هل عندكم من علم فتخرجوه لنا  : أي : إن كان لكم / علم بذلك وحجة، فبينوا. وإنما قال ذلك، إشارة إلى قولهم : لو شاء الله ما أشركنا  لأنهم لو قالوا ذلك عن علم، لعلموا أن إيمان الموحدين وكل شيء، لا يقع إلا بإرادة الله. فلم يعادوهم ولم ينكروهم بل وَالَوْهُم، ولم يبق بينهم وبين المؤمنين خلاف. ولعمري إنهم لو قالوا ذلك عن علم، لما كانوا مشركين بل كانوا موحدين. ولكنهم اتبعوا الظن في ذلك، وبنوا على التقدير والتخمين لغرض التكذيب والعناد، وعلى ما سمعوا من الرسل إلزاما لهم وإثباتا لعدم امتناعهم عن الرسل. لأنهم محجوبون في مقام النفس. وأنى لهم اليقين ؟ ومن أين لهم الاطلاع على مشيئة الله ؟ وقوله تعالى : قل فلله الحجة البالغة  أي : إن كان ظنكم صدقا في تعليق شرككم بمشيئة الله، فليس لكم حجة على المؤمنين وعلى غيركم من أهل دين، لكون كل دين حينئذ بمشيئة الله، فيجب أن توافقوهم وتصدقوهم، بل لله الحجة عليكم في وجوب تصديقهم وإقراركم بأنكم أشركتم، بمن لا يقع أمر إلا بإرادته، ما لا أثر لإرادته أصلا. فأنتم أشقياء في الأزل مستحقون للبعد والعقاب. وقوله تعالى : فلو شاء لهداكم أجمعين  أي : بلى، صدقتم. ولكن كما شاء كفركم لو شاء لهداكم كلّكم، فبأي شيء علمتم أنه لم يشأ هدايتكم حتى أصررتم ؟ وهذا تهييج لمن عسى أن يكون له استعداد منهم فيقمع ويهتدي فيرجع عن الشرك ويؤمن. انتهى. 
الوجه السادس : ما في ( لباب التأويل ) من أنه قيل في معنى الآية : أنهم كانوا يقولون الحق بهذه الكلمة- وهو قولهم : لو شاء الله ما أشركنا  - إلا أنهم كانوا يعدونه عذرا لأنفسهم، ويجعلونه حجة لهم في ترك الإيمان. والرد عليهم في ذلك : أن أمر الله بمعزل عن مشيئته وإرادته ؛ فإن الله تعالى مريد لجميع الكائنات غير آمر بجميع ما يريد فعلى العبد أن يتبع أمره وليس له أن يتعلق بمشيئته، فإن مشيئته لا تكون عذرا لأحد عليه في فعله، فهو تعالى يشاء الكفر من الكافر ولا يرضى به ولا يأمر به، ومع هذا فيبعث الرسل إلى العبد ويأمره بالإيمان. وورود الأمر على خلاف الإرادة غير ممتنع. فالحاصل : أنه / تعالى حكى عن الكفار أنهم يتمسكون بمشيئة الله تعالى في شركهم وكفرهم، فأخبر الله تعالى أن هذا التمسك فاسد باطل، فإنه لا يلزم من ثبوت المشيئة لله تعالى في كل الأمور دفع دعوة الأنبياء عليهم السلام. انتهى. 
الوجه السابع : ما قرره الناصر في ( الانتصاف ) : إن الرد عليهم إنما كان لاعتقادهم أنهم مسلوبون اختيارهم وقدرتهم، وإن إشراكهم إنما صدر منهم على وجه الاضطرار، وزعموا أنهم يقيمون الحجة على الله ورسله بذلك. فرد الله قولهم وكذبهم في دعواهم- عدم الاختيار لأنفسهم- وشبههم بمن اغتر قبلهم بهذا الخيال. فكذب الرسل، وأشرك بالله، واعتمد على أنه إنما يفعل ذلك كله بمشيئة الله، ورام إفحام الرسل بهذه الشبهة. ثم بين الله تعالى أنهم لا حجة لهم في ذلك، وأن الحجة البالغة له لا لهم، بقوله : فلله الحجة البالغة . ثم أوضح تعالى أن كل واقع بمشيئته، وإنه لم يشأ منهم إلا ما صدر عنهم، وأنه لو شاء منهم الهداية لاهتدوا أجمعون بقوله : فلو شاء لهداهم أجمعين . والمقصود من ذلك : أن يتمحض وجه الرد عليهم، ويتخلص عقيدة نفوذ المشيئة، وعموم تعلقها بكل كائن عن الردّ ؛ وينصرف الردّ إلى دعواهم بسلب الاختيار لأنفسهم، وإلى إقامتهم الحجة بذلك خاصة. وإذا تدبرت هذه وجدتها كافية في الرد على من زعم من أهل القبلة أن العبد لا اختيار له ولا قدرة البتة. بل هو مجبور على أفعاله مقهور عليها. وهم الفرقة المعروفون ب ( المجبرة ). والزمخشري يغالط في الحقائق فيسمي أهل السنة مجبرة وإن أثبتوا للعبد اختيارا وقدرة، لأنهم يسلبون تأثير قدرة العبد ويجعلونها مقارنة لأفعاله الاختيارية مميزة بينها وبين أفعاله القسرية. فمن هذه الج

١ - \[٦/ الأنعام/ ١٤٣ و١٤٤\] ونصهما: ثمانية أزواج من الضأن اثنين ومن المعز اثنين قل آلذكرين حرم أم الأنثيين أما اشتملت عليه أرحام الأنثيين نبئوني بعلم إن كنتم صادقين (١٤٣) ومن الإبل اثنين ومن البقر اثنين قل آلذكرين حرم أم الأنثيين أما ما اشتملت عليه أرحام الأنثيين أم كنتم شهداء إذ وصاكم الله بهذا فمن أظلم من افترى على الله كذبا ليضل الناس بغير علم إن الله لا يهدي القوم الظالمين (١٤٤)..
٢ - \[٦/ الأنعام/ ١٤٨\] ونصها: سيقول الذين أشركوا لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا ولا حرمنا من شيء كذلك كذب الذين من قبلهم حتى ذاقوا بأسنا قل هل عندكم من علم فتخرجوه لنا إن تتبعون إلا الظن وإن أنتم إلا تخرصون (١٤٨)..
٣ - \[١٩/ مريم/ ٦٦\]..

### الآية 6:150

> ﻿قُلْ هَلُمَّ شُهَدَاءَكُمُ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ أَنَّ اللَّهَ حَرَّمَ هَٰذَا ۖ فَإِنْ شَهِدُوا فَلَا تَشْهَدْ مَعَهُمْ ۚ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَهُمْ بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ [6:150]

\[ ١٥٠ \]  قل هلم شهداءكم الذين يشهدون أن الله حرم هذا فإن شهدوا فلا تشهد معهم ولا تتبع أهواء الذين كذبوا بآياتنا والذين لا يؤمنون بالآخرة وهم بربهم يعدلون ( ١٥٠ ) . 
وقوله تعالى : قل هلم شهداءكم  أي : أحضروهم  الذين يشهدون أن الله حرم هذا  يعني ما تقولون من الأنعام والحرث. والمراد ب ( شهدائهم ) قدوتهم الذين ينصرون قولهم. وإنما أمروا باستحضارهم ليلزمهم الحجة، ويظهر بانقطاعهم ضلالتهم، وأنه لا متمسك لهم، / كمن يقلدهم فيحق الحق ويبطل الباطل  فإن شهدوا  أي : بعد حضورهم بأن الله حرم هذا  فلا تشهد معهم  أي : فلا تسلم لهم ما شهدوا به ولا تصدقهم، لما علمت من افترائهم على الله ومشيهم مع أهويتهم. 
وفي ( العناية ) : فلا تشهد  استعارة تبعية. وقيل مجاز مرسل، من ذكر اللازم وإرادة الملزوم. لأن الشهادة من لوازم التسليم. وقيل كناية. وقيل مشاكلة.  ولا تتبع أهواء الذين كذبوا بآياتنا والذين لا يؤمنون بالآخرة وهم بربهم يعدلون  من وضع المظهر موضع المضمر، للدلالة على أن من كذب بآيات الله وعدل به غيره، أي سوى به الأصنام، فهو متبع للهوى لا غير. لأنه لو اتبع الدليل لم يكن إلا مصدقا بالآيات موحدا لله تعالى. 
ولما بين تعالى فساد ما ادعوا من أن إشراكهم وإشراك آبائهم وتحريم ما حرموه، بأمر الله ومشيئته، بظهور عجزهم عن إبراز ما يتمسك به في ذلك، وإحضار شهداء يشهدون بذلك، بعد ما كلفوه مرارا- أمر الرسول بأن يبين لهم من المحرمات ما يقتضي الحال بيانه.

### الآية 6:151

> ﻿۞ قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ ۖ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا ۖ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا ۖ وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ ۖ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ ۖ وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ ۖ وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ۚ ذَٰلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ [6:151]

\[ ١٥١ \]  قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم ألا تشركوا به شيئا وبالوالدين إحسانا ولا تقتلوا أولادكم من إملاق نحن نرزقكم وإياهم ولا تقربوا الفواحش ما ظهر منها وما بطن ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق ذلكم وصاكم به لعلكم تعقلون ( ١٥١ ) . 
فقال تعالى : قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم أن لا تشركوا به شيئا  من الأوثان  وبالوالدين إحسانا. قال الحاكم :/ والإحسان ما يخرج عن حد العقوق، ومثل هذا قوله تعالى :{ وصاحبهما في الدنيا معروفا [(١)](#foonote-١). ولما كان إيجاب الإحسان تحريما لترك الإحسان، ذكر في المحرمات. وكذا حكم ما بعده من الأوامر. فإن الأمر بالشيء مستلزم للنهي عن ضده. بل هو عينه عند البعض. كأن الأوامر ذكرت وقصد لوازمها، ومن سر ذلك هنا- أعني وضع : وبالوالدين إحسانا  موضع ( النهي عن الإساءة إليهما ) - المبالغة والدلالة على أن ترك الإساءة في شأنها غير كاف في قضاء حقوقها، بخلاف غيرهما.  ولا تقتلوا أولادكم من إملاق  أي من أجل فقر، ومن خشيته. والمراد بالقتل : وأد البنات وهن أحياء، وكانت العرب تفعل ذلك في الجاهلية. فنهاهم الله عن ذلك وحرمه عليهم  نحن نرزقكم وإياهم  لأن رزق العبيد على مولاهم  ولا تقربوا الفواحش  يعني : الزنى لقوله : ولا تقربوا الزنى إنه كان فاحشة [(٢)](#foonote-٢) ؛ وإنا جيء بصيغة الجمع قصدا إلى النهي عن أنواعه أو مبالغة أو باعتبار تعدد من يصدر منه  ما ظهر منها وما بطن  يعني : علانيته وسره  ولاتقتلوا النفس التي حرم الله  أي قتلها لإيمانها أو أمانها  إلا بالحق  أي بالعدل. يعني بالقود والرجم والارتداد  ذلكم وصاكم به  تلطفا ورأفة  لعلكم تعقلون  يعني : لتعقلوا عظمهما عند الله فتكفوا عن مباشرتها. 
قال ( المهايمي ) : فالشرك وعقوق الوالدين وقتل الأولاد للفقر، منشؤه الجهل بما في الشرك من استهانة المنعم بالإيجاد، وبما في الإساءة إلى الأبوين من مقابلة الإحسان بالإساءة، وقربان الفواحش من متابعة الهوى، والقتل من متابعة الغضب ؛ وكلها أضداد العقل. 
 **تنبيه :**
قال بعض ( الزيدية ) : قوله تعالى : من إملاق  خرج على العادة. وإلا فهو محرم، خشي الفقر أم لا. وقد دلت على تحريم قتل الأولاد. 
قال ( الحاكم ) : فيدخل في ذلك شرب الدواء لقتل الجنين. قال الإمام ( يحيى ) : إذا نفخ فيه الروح دون إفساد النطفة والعلقة والمضغة قبل أن ينفخ فيها الروح. وفي ( الأحكام ) يجب على من انقطع حيضها أن توقي من الأدوية ما يخاف على الجنين منها، إذا كانت من ذوات البعول. وفي قوله تعالى : ذلكم وصاكم به  تأكيد للزوم ما تقدم. انتهى. 
**لطيفة :**
قال القاشاني : لما كان الكلام مع المشركين في تحريم الطيبات، عدد المحرمات ليستدل بها على المحللات. فحصر جميع أنواع الفضائل بالنهي عن أجناس الرذائل. وابتدأ بالنهي عن رذيلة القوة النطقية التي هي أشرفها. فإن رذيلتها أكبر الكبائر مستلزمة لجميع الرذائل. بخلاف رذيلة أخويها من القوتين البهيمية والسبعية. فقال : ألا تشركوا به شيئا  إذ الشرك من خطئها في النظر، وقصورها عن استعمال العقل ودرك البرهان. وعقبه بإحسان الوالدين. إذ معرفة حقوقهما تتلوا معرفة الله في الإيجاد والربوبية. لأنهما سببان قريبان في الوجود والتربية. وواسطتان جعلهما الله تعالى مظهرين لصفتي إيجاده وربوبيته. ولهذا ( من أطاع الوالدين فقد أطاع الله ورسوله ) وعقوقهما يلي الشرك ولا يقع الجهل بحقوق الله تعالى ومعرفة صفاته. ثم بالنهي عن قتل الأولاد خشية الفقر. فإن ارتكاب ذلك لا يكون بحقوقهما إلا عن الجهل والعمى عن تسبيبه تعالى الرزق لكل مخلوق. وأن أرزاق العباد بيده/ يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر. والاحتجاب عن سر القدر، فلا يعلم أن الأرزاق مقدرة بإزاء الأعمار كتقدير الآجال. فأولها لا تقع إلا من خطئها في معرفة ذات الله تعالى. والثانية من خطئها في معرفة صافته. والثالثة من معرفة أفعاله. فلا / يرتكب هذه الرذائل الثلاث إلا منكوس محجوب عن ذات الله تعالى وصفاته وأفعاله ؛ وهذه الحجب أم الرذائل وأساسها. ثم بين رذيلة القوة البهيمية لأن رذيلتها أظهر وأقدم فقال : ولا تقربوا الفواحش ، ثم أشار إلى رذيلة القوة السبعية بقوله : ولا تقتلوا النفس  الآية.

١ - \[٣١/ لقمان/ ١٥\] ونصها: وإن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما وصاحبهما في الدنيا معروفا واتبع سبيل من أناب إلي ثم إلي مرجعكم فأنبئكم بما كنتم تعملون (١٥)..
٢ - \[١٧/ الإسراء/ ٣٢\] ونصها: ولا تقربوا الزنى إنه كان فاحشة وساء سبيلا (٣٢)..

### الآية 6:152

> ﻿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّىٰ يَبْلُغَ أَشُدَّهُ ۖ وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ ۖ لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا ۖ وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَىٰ ۖ وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا ۚ ذَٰلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ [6:152]

\[ ١٥٢ \]  ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن حتى يبلغ أشده وأوفوا الكيل والميزان بالقسط لا نكلف نفسا إلا وسعها وإذا قلتم فاعدلوا ولو كان ذا قربى وبعهد الله أوفوا ذلكم وصاكم به لعلكم تذكرون ( ١٥٢ ) . 
وقوله تعالى : ولا تقربوا مال اليتيم  أي : بوجه من الوجوه : إلا بالتي  أي : بالخصلة التي  هي أحسن  يعني أنفع له. كتثميره أو حفظه أو أخذه قرضا. لا بأكمله، وإنفاقه في مآربكم وإتلافه، فإنه أفحش. وقد ذكرنا طرفا فيما رخص فيه لولي اليتيم أو وصيه في قوله تعالى في سورة النساء : ومن كان فقيرا فليأكل بالمعروف [(١)](#foonote-١) وقد روى ( أبو داود ) [(٢)](#foonote-٢) عن ابن عباس قال :" لما أنزل الله : ولا تقربوا مال اليتيم " الآية. و { إن/ الذين يأكلون أموال اليتامى...  الآية[(٣)](#foonote-٣). انطلق من كان عنده يتيم فعزل طعامه من طعامه وشرابه من شرابه. فجعل يفضل من طعامه فيحبس له حتى يأكله، أو يفسد. فاشتد ذلك عليهم. فذكروا ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فأنزل الله : ويسألونك عن اليتامى قل إصلاح لهم خير وإن تخالطوهم فإخوانكم [(٤)](#foonote-٤) فخلطوا طعامهم بطعامه وشرابهم بشرابه ". قيل : إنما خص تعالى مال اليتيم بالذكر، لكونه لا يدفع عن نفسه ولا عن ماله هو ولا غيره. فكانت الأطماع في ماله أشد. فعزم في النهي عنه لأنه حماه ومقدمته، وأمر بتنميته.  حتى يبلغ أشده  أي قوته التي يقدر بها على حفظه واستنمائه، وهذا غاية لما يفهم من الاستثناء لا للنهي، كأنه قيل : احفظوه حتى يصير بالغا رشيدا. فحينئذ سلموه إليه كما في قوله تعالى : فإن آنستم منهم رشدا فادفعوا إلهم أموالهم . والأشد جمع ( شدة ) كنعمة وأنعم، أو شدّ ككلب وأكلب أو شد كصر وآصر. وقيل هو مفرد كآنك : وأوفوا الكيل والميزان بالقسط  أي بالعدل والتسوية في الأخذ والإعطاء. وقد توعد تعالى على تركه في قوله[(٥)](#foonote-٥) : ويل للمطففين، الذين إذا اكتالوا على الناس يستوفون، وإذا كالوهم أو وزنوهم يخسرون، ألا يظن أولئك أنهم مبعوثون، ليوم عظيم، يوم يقوم الناس لرب العالمين . 
قال ابن كثير : وقد أهلك الله أمة من الأمم كانوا يبخسون المكيال. روى الترميذي[(٦)](#foonote-٦) عن ابن عباس ؛ " أن رسول صلى الله صلى الله عليه وسلم قال :( لأصحاب الكيل والميزان ) :" إنكم / وليتم أمرين هلكت فيه الأمم السالفة قبلكم ". ثم ضعفه وصحح وقفه على ابن عباس. وروى نحوه ابن مردويه مرفوعا، ولفظه :" إنكم معشر الموالي قد بشركم الله بخصلتين، بهما هلكت القرون المتقدمة : المكيال والميزان ". 
 لا نكلف نفسا  أي : عند الكيل والوزن  إلا وسعها  أي : جهدها بالعدل. وهذا الاعتراض جيء به عقيب الأمر بالعدل، لبيان أن مراعاة الحد من القسط، الذي لا زيادة فيه ولا نقصان، مما يجري فيه الحرج، لصعوبة رعايته. فأمر ببلوغ الوسع، وأن الذي ما وراءه معفو عنه. وقد روى ابن مردويه عن سعيد بن المسيب قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أوفوا الكيل والميزان بالقسط لا نكلف نفسا إلا وسعها  : من أوفى على يده في الكيل و الميزان. والله اعلم بصحة نيته بالوفاء فيهما، لم يؤاخد. 
قال ابن المسيب : وذلك تأويل  وسعها . 
قال ابن كثير : هذا مرسل غريب. 
وفي ( العناية ) : يحتمل رجوع قوله تعالى : لا نكلف نفسا إلا وسعها  إلى ما تقدم. أي جميع ما كلفناكم ممكن، ونحن لا نكلف ما لا يطاق. انتهى. والأول أولى. 
 وإذا قلتم  أي : في حكومة أو شهادة ونحوهما  فاعدلوا  أي : فيها. أي : لا تقولوا إلا الحق  ولو كان  أي : المقول له أو عليه  ذا قربى  أي : ذا قرابة منكم. فلا تميلوا في القول له أو عليه، إلى زيادة أو نقصان. 
قال بعض الزيدية : معنى قوله تعالى : وإذا قلتم فاعدلوا  أي اصدقوا في مقالتكم. قال : وهذه اللفظة من الأمور العجيبة في عذوبة لفظها وقلة حروفها وجمعها لأمور كثيرة من الإقرار والشهادة والوصايا والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والفتاوى والأحكام والمذاهب. 
ثم إنه تعالى أكد ذلك، وبين أنه يلزم العدل في القول، ولو كان المقول له ذا قربى. كقوله تعالى[(٧)](#foonote-٧) : ولو على أنفسكم أو الوالدين والأقربين . 
  وبعهد الله أوفوا  أي : ما عهد إليكم من الأمور المعدودة، أو أي عهد كان. فيدخل فيه ما ذكر دخولا أوليا. أو ما عاهدتم الله عليه من الأيمان والنذور  ذلكم  إشارة إلى ما ذكر في هذه الآيات  وصاكم به  أي أمركم بالعمل به في الكتاب  لعلكم تذكرون  أي تتعظون. وفي قوله تعالى : ذلكم وصاكم به  تأكيد آخر.

١ - \[٤/ النساء/ ٦\] ونصها: وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح فإن آنستم منهم رشدا فادفعوا إليهم أموالهم ولا تأكلوها إسرافا وبدارا أن يكبروا ومن كان غنيا فليستعفف ومن كان فقيرا فليأكل بالمعروف فإذا دفعتم إليهم أموالهم فأشهدوا عليهم وكفى بالله حسيبا (٦).
٢ - أخرجه أبو داود في؛ ١٧ – كتاب الوصايا، ٧- باب مخالطة اليتيم في الطعام، حديث ٢٨٧١..
٣ - \[٤/ النساء/ ١٠\] ونصها: إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما إنما يأكلون في بطونهم نارا وسيصلون سعيرا (١٠)..
٤ - \[٢/ البقرة/ ٢٢٠\] ونصها: في الدنيا والآخرة... والله يعلم المفسد من المصلح ولو شاء الله لأعنتكم إن الله عزيز حكيم (٢٢٠)\]..
٥ - \[٨٣/ المطففين/ ١-٦\]..
٦ - أخرجه الترمذي في: ١٢- كتاب البيوع، ٩- باب ما جاء في المكيال والميزان..
٧ - \[٤/ النساء/ ١٣٥\] ونصها: يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم أو الوالدين والأقربين إن يكن غنيا أو فقيرا فالله أولى بهما فلا تتبعوا الهوى أن تعدلوا وإن تلووا أو تعرضوا فإن الله كان بما تعملون خبيرا (١٣٥)..

### الآية 6:153

> ﻿وَأَنَّ هَٰذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ ۖ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ۚ ذَٰلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ [6:153]

\[ ١٥٣ \]  وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله ذلكم وصاكم به لعلكم تتقون ( ١٥٣ ) . 
 وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه  يقرأ بفتح همزة ( أن ) والتشديد. ومحلها مع ما في حيزها الجر بحذف لام العلة. أي : ولأن هذا الذي وصيتكم به من الأمر والنهي طريقي وديني الذي ارتضيته لعبادي قويما لا اعوجاج فيه، فاعملوا به. وجوز أن يكون محلها مع ما في حيزها النصب على  ما حرم  أي : وأتلوا عليهم أن هذا صراطي. وقرئ بكسر الهمزة على الاستئناف.  ولا تتبعوا السبل  يعني الأديان المختلفة أو طرق البدع والضلالات  فتفرق بكم عن سبيله  أي : فتفرقكم عن صراطه المستقيم وهو دين الإسلام الذي ارتضاه لعباده. روى الإمام ( أحمد ) [(١)](#foonote-١) عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال :" خط لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم خطا ثم قال : هذا سبيل الله ثم خط خطوطا عن يمينه وعن شماله ثم قال : هذه / سبل، على كل سبيل منها شيطان يدعو إليه. ثم قرأ : وأن هذا صراطي مستقيما..  الآية ". رواه ( الحاكم ) وصححه. 
لطائف : قال الكيا الهراسي : في الآية دليل على منع النظر والرأي، مع وجود النص. 
قال ابن كثير : إنما وحد  سبيله  لأن الحق واحد ولهذا جمع  السبل  لتفرقها وتشعبها. كما قال تعالى :[(٢)](#foonote-٢) الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور والذين كفروا أولياؤهم الطاغوت يخرجونهم من النور إلى الظلمات . 
قال ابن عطية : وهذه السبل تعم اليهودية والنصرانية والمجوسية، وسائر أهل الملل وأهل البدع والضلالات، من أهل الأهواء والشذوذ في الفروع، وغير ذلك من أهل التعمق في الجدل والخوض في الكلام. وهذه كلها عرضة للزلل ومظنة لسوء المعتقد. 
قال قتادة : اعلموا أن السبيل سبيل واحد. جماعة الهدى، ومصيره الجنة. وأن إبليس استبدع سبلا متفرقة. جماعة الضلالة، ومصيرها إلى النار. وروى[(٣)](#foonote-٣) علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في هذه الآية وفي قوله : أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه  ونحو هذا في القرآن، قال :" أمر الله المؤمنين بالجماعة ونهاهم عن الاختلاف والفرقة. وأخبرهم أنه إنما هلك من كان قبلهم بالمراء والخصومات في دين الله ". 
 ذلكم  إشارة إلى ما ذكر من اتباع سبيله تعالى وترك اتباع سائر السبل  وصاكم به لعلكم تتقون  أي اتباع سبل الكفر والضلالة. وفيه تأكيد أيضا. روى [(٤)](#foonote-٤)الترمذي وحسنه، عن ابن مسعود رضي الله عنه قال :" من أراد أن ينظر إلى وصية رسول / الله صلى الله عليه وسلم التي عليها خاتمه، فليقرأ هؤلاء الآيات : قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم ألا تشركوا به شيئا- إلى قوله- لعلكم تتقون . 
وروى الحاكم وصححه عن ابن عباس قال :" في الأنعام آيات محكمات هن أم الكتاب. ثم قرأ : قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم...  الآيات ". 
وروى الحاكم وصححه، وابن أبي حاتم عن عبادة بن الصامت قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" أيكم يبايعني على هؤلاء الآيات الثلاث ؟ ثم تلا قوله تعالى : قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم  حتى فرغ من ثلاث آيات. ثم قال : ومن وفى بهن فأجره على الله. ومن انتقص منهن شيئا، فأدركه الله في الدنيا، كانت عقوبته. ومن أخره إلى الآخرة، كان أمره إلى الله. إن شاء أخذه وإن شاء عفا عنه ". 
**لطيفة :**
قال النسقي : ذكر أولا  تعقلون  ثم  تذكرون  ثم  تتقون  لأنهم إذا عقلوا تفكروا، ثم تذكروا، أي اتعظوا، فاتقوا المحارم. انتهى.

١ - أخرجه في المسند بالصفحة رقم ٤٣٥ من الجزء الأول (طبعة الحلبي) والحديث رقم ٤١٤٢ (طبعة المعارف)..
٢ - \[٢/ البقرة/ ٢٥٧\]..
٣ - الأثر رقم ١٤١٦٦ من تفسير ابن جرير..
٤ - أخرجه الترمذي في: ٤٤- كتاب التفسير، ٦- سورة الأنعام، ٧- حدثنا الفضل بن الصباح البغدادي..

### الآية 6:154

> ﻿ثُمَّ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ تَمَامًا عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لَعَلَّهُمْ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ [6:154]

\[ ١٥٤ \]  ثم آتينا موسى الكتاب تماما على الذي أحسن وتفصيلا لكل شيء وهدى ورحمة لعلهم بلقاء ربهم يؤمنون ( ١٥٤ ) . 
 ثم آتينا  أي : أعطينا  موسى الكتاب  يعني التوراة  تماما على الذي أحسن  يقرأ بفتح النون على أنه فعل ماض وفاعله إما ضمير  الذي  أي : تماما للكرامة والنعمة على الذي أحسن. أي : على من كان محسنا صالحا. يريد جنس المحسنين. وتدل عليه قراءة عبد الله  على الذين أحسنوا  وإما ضمير موسى عليه السلام ومفعوله محذوف. أي : تتمة للكرامة على العبد الذي أحسن الطاعة في التبليغ وفي كل ما أمر به. أو تماما على الذي أحسن موسى من العلم والشرائع. من ( أحسن الشيء ) إذا أجاد معرفته، أي زيادة على علمه على وجه التتميم. / وعلى الأول، ف  تماما  في موقع المفعول له، وجاز حذف اللام لكونه في معنى ( إتمام ) أو مصدر لقوله  آتينا  من معناه. لأن إيتاء الكتاب إتمام للنعمة. كأنه قيل : أتممنا النعمة إتماما. ف  تمام  بمعنى ( إتمام ) كنبات في قوله تعالى : والله أنبتكم من الأرض نباتا . أو ( أصله إيتاء تمام ). وعلى الوجه الثاني هو حال من الكتاب. وقرأ يحيى بن يعمر  على الذي أحسن  بالرفع أي : على الذي هو أحسن، أو على الوجه الذي هو أحسن ما يكون عليه الكتب. ف ( تماما ) حال من الكتاب بمعنى ( تاما ) أي حال كون الكتاب تاما كائنا على أحسن ما يكون. 
قال ابن جرير : هذه قراءة لا أستجيز القراءة بها. وإن كان في العربية لها وجه صحيح.  وتفصيلا لكل شيء  أي : بيانا مفصلا لكل ما يحتاج إليه بنو إسرائيل في الدين  وهدى  لهم إلى ربهم في سلوك سبيله  ورحمة  عليهم بإضافة الفوائد  لعلهم  أي : أهل الكتاب  بلقاء ربهم يؤمنون  يصدقون بلقائه للجزاء. 
**لطيفة :**
قال السيوطي في ( الإكليل ) : استدل بقوله تعالى : ثم آتينا  من قال إن  ثم  لا تفيد الترتيب. انتهى. 
قال ابن كثير و  ثم  ههنا لعطف الخبر بعد الخبر، لا للترتيب كما قال الشاعر :

قل لمن ساد ثم ساد أبوه  ثم ساد قبل ذلك جدهوقال ( أبو السعود ) : و  ثم  للتراخي في الأخبار كما في قولك : بلغني ما صنعت اليوم، ثم ما صنعت أمس أعجب. أو للتفاوت في الرتبة كأنه قيل : ذلكم وصاكم به قديما وحديثا. ثم أعظم من ذلك أنا آتينا موسى التوراة. فإن إيتاءها مشتملة على الوصية المذكورة وغيرها، أعظم من التوصية بها فقط. انتهى.

### الآية 6:155

> ﻿وَهَٰذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ [6:155]

ثم أشار إلى أن التوراة، وإن كانت تماما على النهج الأحسن، فالقرآن أتم منه وأزيد حسنا. فهو أولى بالمتابعة، فقال :
 \[ ١٥٥ \]  وهذا كتاب أنزلنه مبارك فاتبعوه واتقوا لعلكم ترحمون ( ١٥٥ ) . 
 وهذا  أي : القرآن  كتاب أنزلناه مبارك  أكثر نفعا من التوراة دينا ودنيا  فاتبعوه  أي : اعملوا بما فيه من الأوامر والنواهي والأحكام  واتقوا  يعني مخافته واتباع غيره لكونه منسوخا به  لعلكم ترحمون  أي : لترحموا بواسطة اتباعه، وهو العمل بما فيه. وفيه إشارة إلى أنه لا رحمة بمتابعة المنسوخ وإن آمن صاحبها بلقاء ربه. 
قال بعض الزيدية : وفي قوله تعالى : فاتبعوه  دلالة على وجوب تعلم القرآن ليمكن الاتباع له لكن هو كسائر العلوم فرض كفاية إلا ما يتعين على كل مكلف، كتعلم ما لا تصح الصلاة إلا به، فإنه يجب عليه. انتهى. 
**لطيفة :**
قال ابن كثير : إنه تعالى كثيرا ما يقرن بين الكتابين كقوله : ومن قبله كتاب موسى إماما ورحمة وهذا كتاب مصدق لسانا عربيا [(١)](#foonote-١)، وقوله أول السورة : قل من أنزل الكتاب الذي جاء به موسى [(٢)](#foonote-٢)، ثم قال : وهذا كتاب أنزلناه مبارك..  الآية[(٣)](#foonote-٣)، / وقوله تعالى مخبرا عن المشركين : فلما جاءهم الحق من عندنا قالوا لولا أوتي مثل ما أوتي موسى [(٤)](#foonote-٤). وقوله تعالى مخبرا عن الجن أنهم قالوا : يا قومنا إنا سمعنا كتابا أنزل من بعد موسى مصدقا لما بين يديه...  الآية[(٥)](#foonote-٥).

١ - \[١١/ هود/ ١٧\] ونصها: أفمن كان على بينة من ربه ويتلوه شاهد منه ومن قبله كتاب موسى إماما ورحمة أولئك يؤمنون به ومن يكفر به من الأحزاب فالنار موعده فلا تك في مرية منه إنه الحق من ربك ولكن أكثر الناس لا يؤمنون (١٧).
٢ - \[٦/ الأنعام/ ٩١\] ونصها: وما قدروا الله حق قدره إذ قالوا ما أنزل الله على بشر من شيء قل من أنزل الكتاب الذي جاء به موسى نورا وهدى للناس تجعلونه قراطيس تبدونها وتخفون كثيرا وعلمتم ما لم تعلموا أنتم ولا آباؤكم قل الله ثم ذرهم في خوضهم يلعبون (٩١).
٣ - \[٦/ الأنعام/ ٩٢\] ونصها: وهذا كتاب أنزلناه مبارك مصدق الذي بين يديه ولتنذر أم القرى ومن حولها والذين يؤمنون بالآخرة يؤمنون به وهم على صلاتهم يحافظون (٩٢)..
٤ - \[٢٨/ القصص/ ٤٨\] ... أولم يكفروا بما أوتي موسى من قبل قالوا سحران تظهرا وقالوا إنا بكل كافرون (٤٨)..
٥ - \[٤٦/ الأحقاف/ ٣٠\] ... يهدي إلى الحق وإلى طريق مستقيم (٣٠)..

### الآية 6:156

> ﻿أَنْ تَقُولُوا إِنَّمَا أُنْزِلَ الْكِتَابُ عَلَىٰ طَائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنَا وَإِنْ كُنَّا عَنْ دِرَاسَتِهِمْ لَغَافِلِينَ [6:156]

\[ ١٥٦ \]  أن تقولوا إنما أنزل الكتاب على طائفتين من قبلنا وإن كنا عن دراستهم لغافلين ( ١٥٦ ) . 
 أن تقولوا  علة ل  أنزلناه . أي : كراهة أن تقولوا يوم القيامة. أو لئلا تقولوا  إنما أنزل الكتاب على طائفتين من قبلنا  اليهود والنصارى  وإن كنا عن دراستهم  عن تلاوة كتابهم  لغافلين  لا علم لنا بشيء منها لأنها ليست بلغتنا. 
قال أبو السعود : ومرادهم بذلك دفع ما يرد عليهم من أن نزوله عليهما لا ينافي عموم أحكامه. فلم لم تعملوا بأحكامه العامة ؟ والمعنى : وإن كنا لا ندري ما في كتابهم، إذ لم يكن على لغتنا حتى نتلقى منه تلك الأحكام العامة ونحافظ عليها، وإن لم يكن منزلا علينا. وبهذا تبين أن معذرتهم هذه، مع أنهم غير مأمورين بما في الكتابين لاشتمالهما على الأحكام المذكورة المتناولة لكافة الأمم، كما أن قطع تلك المعذرة بإنزال القرآن لاشتماله أيضا عليها، لا على سائر الشرائع والأحكام فقط. انتهى.

### الآية 6:157

> ﻿أَوْ تَقُولُوا لَوْ أَنَّا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْكِتَابُ لَكُنَّا أَهْدَىٰ مِنْهُمْ ۚ فَقَدْ جَاءَكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ ۚ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَّبَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَصَدَفَ عَنْهَا ۗ سَنَجْزِي الَّذِينَ يَصْدِفُونَ عَنْ آيَاتِنَا سُوءَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُوا يَصْدِفُونَ [6:157]

\[ ١٥٧ \]  أو تقولوا لو أنا أنزل علينا الكتاب لكنا أهدى منهم فقد جاءكم بينة من ربكم وهدى ورحمة فمن أظلم ممن كذب بآيات الله وصدف عنها سنجزي الذين يصدفون عن آياتنا سوء العذاب بما كانوا يصدفون ( ١٥٧ ) . 
 أو تقولوا لو أنا أنزل علينا الكتاب  أي : كما أنزل عليهم  لكنا أهدى منهم  أي : إلى الحق وأسرع منهم إجابة للرسول لمزيد ذكائنا وجدّنا في العمل  فقد جاءكم . قال أبو السعود : متعلق بمحذوف ينبئ عنه الفاء الفصيحة، إما معلل به، أي : لا تعتذروا بذلك فقد جاءكم. وإما شرط له. أي : إن صدقتم فيما كنتم تعدون من أنفسكم من كونكم أهدى من الطائفتين على تقدير نزول الكتاب عليكم، فقد حصل ما فرضتم وجاءكم.  بينة  أي : كتاب حجة واضحة  من ربكم  متعلق ب  جاءكم  أو بمحذوف صفة ل  بينة  أي : بينة كائنة منه تعالى، لا يتوهم فيه السحر  وهدى  بإقامة الدلائل ورفع الشبه  ورحمة  بإفاضة الفوائد وتسهيل طريقكم وتسييرها إلى أشرف الكمالات  فمن أظلم . قال أبو السعود : الفاء لترتيب ما بعدها على ما قبلها. فإن مجيء القرآن المشتمل على الهدى والرحمة موجب لغاية أظلمية من يكذبه. أي : وإذا كان الأمر كذلك فمن أظلم  ممن كذب بآيات الله وصدف عنها . أي : صرف الناس وصدهم عنها. فجمع بين الضلال والإضلال. والمعنى إنكار أن يكون أحد أظلم منه أو مساويا له  سنجزي الذين يصدفون  الناس  عن آياتنا  أي : التي لو لم يصدفوا عنها لعرفوا إعجازها  سوء العذاب  أي : العذاب السيء  بما كانوا يصدفون  وهذا كقوله تعالى : الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله زدناهم عذابا فوق العذاب بما كانوا يفسدون [(١)](#foonote-١).

١ - \[١٦/ النحل/ ٨٨\]..

### الآية 6:158

> ﻿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ ۗ يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا ۗ قُلِ انْتَظِرُوا إِنَّا مُنْتَظِرُونَ [6:158]

\[ ١٥٨ \]  هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة أو يأتي ربك أو يأتي بعض آياتي ربك يوم يأتي بعض آيات ربك لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرا قل انتظروا إنا منتظرون ( ١٥٨ ) . 
 هل ينظرون  يعني قد أقمنا حجج الوحدانية وثبوت الرسالة وأبطلنا ما كانوا يعتقدون من الضلالة. فما ينتظر هؤلاء بعد تكذيبهم الرسل وإنكارهم القرآن وصدهم عن آيات الله ؟
قال البيضاوي : يعني أهل مكة. وهم ما كانوا منتظرين لذلك. ولكن لما كان يلحقهم لحوق المنتظر، شبهوا بالمنتظرين.  إلا أن تأتيهم الملائكة أو يأتي ربك  يعني للحكم وفصل القضاء بين الخلق يوم القيامة. 
قال ابن كثير : وذلك كائن يوم القيامة. وقد تقدم الكلام في معنى الآية في سورة البقرة عند قوله تعالى[(١)](#foonote-١) : هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام ، بما فيه كفاية. 
ومذهب السلف : إمرار ذلك بلا كيف، كما مر مرارا. 
قيل : إلا أن تأتيهم الملائكة . أي : ملائكة الموت لقبض أرواحهم  أو يأتي بعض آيات ربك  وذلك قبل يوم القيامة، كائن من أمارات الساعة وأشراطها حين يرون شيئا من ذلك. كما روى البخاري[(٢)](#foonote-٢) في تفسير هذه الآية عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" لا تقوم الساعة حتى تطلع الشمس من مغربها. فإذا رآها الناس آمن / من عليها. فذاك حين لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل ". ورواه مسلم أيضا[(٣)](#foonote-٣)، ولمسلم [(٤)](#foonote-٤)والترمذي عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :" ثلاث إذا خرجن لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرا : طلوع الشمس من مغربها، والدجال، ودابة الأرض ".  يوم يأتي بعض آيات ربك لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل  صفة  نفسا   أو كسبت في إيمانها خيرا  عطف على  آمنت  والمعنى أن بعض أشراط الساعة إذا جاء، وهي آية ملجئة مضطرة، ذهب أوان التكليف عندها، فلم ينفع الإيمان حينئذ نفسا غير مقدمة إيمانها من قبل ظهور الآيات. أو مقدمة الإيمان غير كاسبة في إيمانها خيرا لفسقها. فتوبتها حينئذ لا تجدي. 
قال الطبري : معنى الآية لا ينفع كافرا لم يكن آمن قبل الطلوع، إيمان بعد الطلوع. ولا ينفع مؤمنا لم يكن عمل صالحا قبل الطلوع، عمل صالح بعد الطلوع. لأن حكم الإيمان والعمل الصالح حينئذ، حكم من آمن و عمل عند الغرغرة. وذلك لا يفيد شيئا. كما قال تعالى : فلم يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا [(٥)](#foonote-٥). وكما ثبت في الحديث الصحيح[(٦)](#foonote-٦) :" إن الله يقبل توبة العبد ما لم يغرغر ". انتهى. 
وبالجملة : فالمعنى أنه لا ينفع من كان مشركا إيمانه. ولا تقبل توبة فاسق عند ظهورهذه الآية العظيمة التي تضطرهم إلى الإيمان والتوبة. وذلك لذهاب زمن التكليف. 
 قال الضحاك : من أدركه بعض الآيات، وهو على عمل صالح مع إيمانه، قبل الله منه العمل الصالح بعد نزول الآية، كما قبل منه قبل ذلك. فأما من آمن من شر أو تاب من معصية عند ظهور هذه الآية، فلا يقبل منه. لأنها حالة اضطرار. كما لو أرسل الله عذابا عل أمة فآمنوا وصدقوا. فإنهم لا ينفعهم إيمانهم ذلك، لمعاينتهم الأهوال والشدائد، التي تضطرهم إلى الإيمان والتوبة. 
وقال ابن كثير : إذا أنشأ الكافر إيمانا يومئذ لم يقبل منه. فأما من كان مؤمنا قبل ذلك، فإن كان مصلحا في عمله، فهو بخير عظيم. وإن لم يكن مصلحا، فأحدث توبة حينئذ، لم تقبل منه توبته. كما دلت عليه الأحاديث. وعليه يحمل قوله تعالى : أو كسبت في إيمانها خيرا  أي : لا يقبل منها كسب عمل صالح، إذا لم يكن عاملا به قبل ذلك. انتهى. 
والأحاديث المشار إليها، منها ما رواه ( مسلم ) [(٧)](#foonote-٧) عن أبي هريرة ؛ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :" من تاب قبل طلوع الشمس من مغربها تاب الله عليه ". وروى ( الترمذي )[(٨)](#foonote-٨) وصححه/ عن صفوان بن عسال المرادي قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" باب من قبل المغرب مسيرة عرضه، ( أو قال يسير الراكب في عرضه ) أربعين أو سبعين سنة خلقه الله تعالى يوم خلق السماوات والأرض. مفتوحا للتوبة لا يغلق حتى تطلع الشمس منه ". ولأبي داود[(٩)](#foonote-٩) والنسائي من حديث معاوية رفعه/ " لا تزال تقبل التوبة حتى تطلع الشمس من مغربها ". 
قال ابن حجر : سنده جيد. وأخرج أحمد[(١٠)](#foonote-١٠) والدارمي[(١١)](#foonote-١١) وعبد بن حميد من حديثه أيضا/ بلفظ :" لا تنقطع التوبة حتى تطلع الشمس من مغربها ". وروى الإمام أحمد عن ابن السعدي ؛ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :" لا تنقطع الهجرة ما دام العدو يقاتل ". فقال معاوية وعبد الرحمن بن عوف وعبد الله بن عمرو بن العاص : إن النبي صلى الله عليه وسلم قال :" إن الهجرة خصلتان : إحداهما أن تهجر السيئات، والأخرى أن تهاجر إلى الله ورسوله. ولا تنقطع ما تقبلت التوبة. ولا تزال التوبة مقبولة حتى تطلع الشمس من المغرب. فإذا طلعت طبع على كل قلب بما فيه، وكفي الناس العمل ". 
قال ابن كثير : هذا الحديث حسن الإسناد ولم يخرجه أحد من أصحاب الكتب الستة. 
وههنا مسائل
الأولى : ذهب الجمهور إلى أن المراد ب ( البعض ) في الآية هو طلوع الشمس من مغربها. كما في حديث ( الصحيحين ) [(١٢)](#foonote-١٢) السابق. ولا يقال يخالف ذلك حديث مسلم[(١٣)](#foonote-١٣) :" ثلاث إذا خرجن لا ينفع نفسا إيمانها... ". الحديث. وفي ثبوت ذلك بخروج الدجال نظر. لأن نزول عيسى صلى الله عليه وسلم بعده. وفي زمنه خير كثير دنيوي وأخروي. فالإيمان مقبول وقتئذ. لأنا نقول : لا منافاة. وذلك لأن ( البعض ) في الآية، إن كان عدة آيات، فطلوع الشمس هو آخرها المتحقق به عدم القبول، وإن كان إحدى آيات، فهو محمول على المعين في الحديث، لأنه أعظمها. كذا في ( العناية ). 
قال ابن عطية : إذا أخبر النبي صلى الله عليه وسلم بتخصيص مانع القبول بالطلوع، في الحديث الصحيح، لم يجز العدول عنه، وتعين أنه معنى الآية. انتهى. 
وقال القاضي عياض : المعنى لا تنفع توبة بعد ذلك. بل يختم على عمل كل أحد بالحالة التي هو عليها، والحكمة في ذلك أن هذا أول ابتداء قيام الساعة بتغير العالم العلوي. فإذا / شوهد ذلك حصل الإيمان الضروري بالمعاينة. وارتفع الإيمان بالغيب. فهو كالإيمان عند الغرغرة. وهو لا ينفع. فالمشاهدة لطلوع الشمس من المغرب مثله. 
الثانية : قال السيوطي في ( الإكليل ) : استدل المعتزلة بهذه الآية على أن الإيمان لا ينفع مع عدم كسب الخير فيه. وهو مردود. ففي الكلام تقدير. والمعنى : لا ينفع نفسا لم تكن أمنت من قبل، إيمانها حينئذ، ولا ينفع نفسا لم تكسب خيرا قبل، توبتها حينئذ. 
وقال الشهاب السمين : قد أجاب الناس بأن المعنى في الآية إنه إذا أتى بعض الآيات لا ينفع نفسا كافرة، إيمانها الذي أوقعته إذ ذاك. ولا ينفع نفسا سبق إيمانها ولم تكسب فيه خيرا. فقد علق نفي نفع الإيمان بأحد وصفين : إما نفي سبق الإيمان فقط، وإما سبقه مع نفي كسب الخير ومفهومه أنه ينفع الإيمان السابق وحده، وكذا السابق ومعه الخير. ومفهوم الصفة قوي فيستدل بالآية لمذهب أهل السنة. ويكون فيه قلب دليل المعتزلة، دليلا عليهم. 
وأجاب ابن المنير في ( الانتصاف ) فقال : هذا الكلام من البلاغة يلقب ( اللف ) وأصله : يوم يأتي بعض آيات ربك لا ينفع نفسا، لم تكن مؤمنة قبل، إيمانها بعد. ولا نفسا لم تكسب خيرا قبل، ما تكسبه من الخير بعد، فلف الكلامين فجعلهما كلاما واحدا إيجازا. وبهذا التقرير يظهر أنها لا تخالف مذهب أهل الحق. فلا ينفع بعد ظهور الآيات اكتساب الخير ولو نفع الإيمان المتقدم من الخلود. فهي بالرد على المعتزلة أولى من أن تدل لهم. 
وقال ابن الحاجب في ( أماليه ) : الإيمان قبل مجيء الآية نافع ولو لم يكن عمل صالح غيره، ومعنى الآية : لا ينفع نفسا إيمانها ولا كسبها العمل الصالح، لم يكن الإيمان قبل الآية، أو لم يكن العمل مع الإيمان قبلها. فاختصر العلم. 
ونقل الطيبي كلام الأئمة في ذلك. ثم قال : المعتمد ما قال ابن المنير وابن الحاجب. وبسطه :/ أن الله تعالى، لما خاطب المعاندين بقوله تعالى : وهذا كتاب أنزلناه مبارك فاتبعوه...  [(١٤)](#foonote-١٤) الآية، علل الإنزال بقوله : أن تقولوا إنما أنزل الكتاب [(١٥)](#foonote-١٥) الخ إزالة للعذر وإلزاما للحجة. وعقبه بقوله : فقد جاءكم بينة  الخ تبكيتا لهم وتقريرا لما سبق من طلب الاتباع. ثم قال : فمن أظلم ممن كذب...  الآية أي أنه أنزل هذا الكتاب المنير كاشفا لكل ريب وهاديا إلى الطريق المستقيم ورحمة من الله للخلق، ليجعلوه زادا لمعادهم فيما يقدمونه من الإيمان والعمل الصالح. فجعلوا شكر النعمة أن كذبوا بها ومنعوا من الانتفاع بها. ثم قال : هل ينظرون...  الآية. أي ما ينتظر هؤلاء المكذبون إلا أن يأتيهم عذاب الدنيا بنزول الملائكة بالعقاب الذي يستأصل شأفتهم. كما جرى لمن مضى من الأمم قبلهم. أو يأتيهم عذاب الآخرة بوجود بعض قوارعها. فحينئذ تفوت تلك الفرصة السابقة فلا ينفعهم شيء مما كان ينفعهم من قبل، من الإيمان. وكذا العمل الصالح مع الإيمان. فكأنه قيل : يوم يأتي بعض آيات ربك لا ينفع نفسا إيمانها ولا كسبها العمل الصالح في إيمانها حينئذ، إذا لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرا من قبل. ففي الآية لف. لكن حذفت إحدى القرينتين بإعانة النشر، ونظيره قوله تعالى[(١٦)](#foonote-١٦) : ومن يستنكف عن عبادته ويستكبر فسيحشرهم إليه جميعا . 
قال : فهذا الذي عناه ابن المنير بقوله : إن هذا الكلام في البلاغة يقال له ( اللف ) والمعنى يوم يأتي بعض آيات ربك لا ينفع نفسا، لم تكن مؤمنة من قبل ذلك، إيمانها من بعد ذلك، / ولا ينفع نفسا كانت مؤمنة، لكن لم تعمل في إيمانها عملا صالحا قبل ذلك، ما تعمله من العمل الصالح بعد ذلك. قال : وبهذا التقرير يظهر مذهب أهل السنة. فلا ينفع بعد ظهور الآية اكتساب الخير، أي : لإغلاق باب التوبة ورفع الصحف والحفظة، وإن كان ما سبق قبل ظهور الآية من الإيمان ينفع صاحبه في الجملة. 
ثم قال الطيبي : وقد ظفرت، بفضل الله بعد هذا التقرير، على آية أخرى تشبه هذه الآية وتناسب هذا التقرير معنى ولفظا. من غير إفراط ولا تفريط. وهي : قوله تعالى : ولقد جئناهم بكتاب فصلناه على علم هدى ورحمة لقوم يؤمنون، هل ينظرون إلا تأويله، يوم يأتي تأويله يقول الذين نسوه من قبل قد جاءت رسل ربنا بالحق فهل لنا من شفعاء فيشفعوا لنا أو نرد فنعمل غير الذي كنا نعمل، قد خسروا أنفسهم...  [(١٧)](#foonote-١٧) الآية. فإنه يظهر منه أن الإيمان المجرد قبل كشف قوارع الساعة نافع. وأن الإيمان المقارن بالعمل الصالح أنفع. وأما بعد حصولها فلا ينفع شيء أصلا. والله أعلم. انتهى ملخصا. 
الثالثة : قال في ( الوجيز ) في قوله تعالى ( أو يأتي ربك ) أي لفصل القضاء بين خلقه وإتيانه نؤمن به ولا نعرف كيفه. انتهى. 
وفي حواشي ( جامع البيان ) : كيف لا يؤمن بإتيانه ومجيئه تعالى يوم القيامة، وقد جاء في القرآن في عدة مواضع : هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام [(١٨)](#foonote-١٨).  وجاء ربك والملك صفا صفا [(١٩)](#foonote-١٩).  إلا أن تأتيهم الملائكة أو يأتي ربك [(٢٠)](#foonote-٢٠)، وأي أمر أصرح منه في القرآن ؟
 وروى الطبري[(٢١)](#foonote-٢١) في ( تفسيره ) عن ابن عباس مرفوعا :" إن في الغمام طاقات يأتي الله فيها، محفوفا، وذلك قوله[(٢٢)](#foonote-٢٢)

١ - \[٢/ البقرة/ ٢١٠\]..
٢ - أخرجه البخاري في؛ ٦٥- كتاب التفسير، ٦- سورة الأنعام، ٩- باب قوله: هلم شهداءكم..
٣ - أخرجه مسلم في: ١- كتاب الإيمان، حديث ٢٤٨ (طبعتنا)..
٤ - أخرجه مسلم في: ١- كتاب الإيمان، حديث ٢٤٩ (طبعتنا)..
٥ - \[٤٠/ غافر/ ٨٥\] ... سنت الله التي قد خلت في عباده وخسر هنالك الكافرون (٨٥)..
٦ - أخرجه الترمذي في: ٤٥- كتاب الدعوات، ٩٨- باب في فضل التوبة والاستغفار وما ذكر من رحمة الله لعباده، حدثنا إبراهيم بن يعقوب..
٧ - أخرجه مسلم في: ٤٨/ كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار، حديث ٤٢ (طبعتنا)..
٨ - أخرجه الترمذي في: ٤٥- كتاب الدعوات، ٩٨- باب في فضل التوبة والاستغفار وما ذكر من رحمة الله لعباده ونصه:
 عن زر بن حبيش قال: أتيت صفوان بن عسال المرادي أسأله المسح على الخفين. فقال: ما جاء بك يا زر؟ فقلت: ابتغاء العلم. فقال: إن الملائكة تضع أجنحتها لطالب العلم رضا بما يطلب. فقلت: إنه حك في صدري المسح على الخفين بعد الغائط والبول، وكنت امرءا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسم فجئت أسألك: هل سمعته يذكر في ذلك شيئا؟ قال: نعم. كان يأمر إذا كنا سفرا (أو مسافرين) أن لا ننزع خفافنا ثلاثة أيام ولياليهن إلا من جنابة. لكن من غائط وبول ونوم. فقلت: هل سمعته يذكر في الهوى شيئا؟ نعم. كنا مع النبي صلى الله عليه وسم في سفر، فبينا نحن عنده إذ ناداه أعرابي بصوت له جهوري: يا محمد ! فأجابه رسول الله صلى الله عليه وسم نحوا من صوته "هاؤم".
 وقلنا له: ويحك اغضض من صوتك فإنك عند النبي صلى الله عليه وسم، وقد نهيت عن هذا. فقال: والله، لا أغضض. قال الأعرابي: المرء يحب القوم ولما يلحق بهم؟ قال النبي صلى الله عليه وسم " المرء مع من أحب يوم القيامة". فما زال يحدثنا حتى ذكر باب من قبل المغرب مسيرة سبعين عاما، عرضه (أو يسير الراكب في عرضه) أربعين أو سبعين عاما.
 قال سفيان (أحد رجال السند): قبل الشام. خلقه الله يوم خلق السماوات والأرض مفتوحا. (يعني للتوبة) لا يغلق حتى تطلع الشمس منه.
 قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح..
٩ - أخرجه أبو داود في: ١٥- كتاب الجهاد، ٢- باب في الهجرة هل انقطعت؟ حديث رقم ٢٤٧٩ ونصه:
 عن معاوية قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسم يقول: "لا تنقطع الهجرة حتى تنقطع التوبة. ولا تنقطع التوبة حتى تطلع الشمس من مغربها"..
١٠ - أخرجه الإمام أحمد في مسنده بالصفحة رقم ٩٩ من الجزء الرابع (طبعة الحلبي) ونصه كما جاء في أبي داود..
١١ - أخرجه الدارمي ي: ١٧- كتاب السير، ٧٠- باب إن الهجرة لا تنقطع..
١٢ - انظر الحاشية رقم ٢ ص ٤٧١ والحاشية رقم ١ ص ٤٧٥.
١٣ - انظر الحاشية رقم ٢ ص ٤٧٢..
١٤ - \[٦/ الأنعام/ ١٥٥\] ... واتقوا لعلكم ترحمون (١٥٥)..
١٥ - \[٦/ الأنعام/١٥٦\] ونصها: ... على طائفتين من قبلنا وإن كنا عن دراستهم لغافلين (١٥٦)..
١٦ - \[٤/ النساء/ ١٧٢\] ونصها: لن يستنكف المسيح أن يكون عبدا لله ولا الملائكة المقربون....
١٧ - \[ ٧/ الأعراف/ ٥٢ و٥٣\] ... وضل عنهم ما كانوا يفترون (٥٣)..
١٨ - \[ ٢/ البقرة/ ٢١٠\] .. والملائكة وقضي الأمر وإلى الله وترجع الأمور (٢١٠)..
١٩ - \[٨٩/ الفجر/ ٢٢\]..
٢٠ - \[١٦/ النحل/ ٣٣\] ونصها: هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة أو يـأتي أمر ربك كذلك فعل من قبلهم وما ظلمهم الله ولكن كانوا أنفسهم يظلمون (٣٣)..
٢١ - الأثر رقم ٤٠٣٨..
٢٢ - \[٢/ البقرة/ ٢١٠\]... وإلى الله ترجع الأمور (٢١٠)..

### الآية 6:159

> ﻿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ ۚ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ [6:159]

ثم بين تعالى أحوال أهل الكتاب، إثر بيان حال المشركين بقوله سبحانه :
\[ ١٥٩ \]  إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا لست منهم في شيء إنما أمرهم إلى الله ثم ينبئهم بما كانوا يفعلون ( ١٥٩ ) . 
 إن الذين فرقوا دينهم  أي : اختلفوا فيه، مع وحدته في نفسه، فجعلوه أهواء متفرقة  وكانوا شيعا  أي : فرقا تشيع كل فرقة إماما لها بحسب غلبة تلك الأهواء. فلم يتعبدوا إلا بعادات وبدع، ولم ينقادوا إلا لأهواء وخدع  لست منهم في شيء  أي : من عقابهم. أو أنت بريء منهم محمي الجناب عن مذاهبهم. أو المعنى : اتركهم فإن لهم مالهم. 
وقال القاشاني : أي : لست من هدايتهم إلى التوحيد في شيء. إذ هم أهل التفرقة / لا يجتمع همهم ولا يتحد قصدهم  إنما أمرهم إلى الله  أي : في جزاء تفرقتهم ومكافأتهم، لا إليك  ثم ينبئهم  يعني إذا وردوا يوم القيامة  بما كانوا يفعلون  أي : من السيئات والتفرقة، لمتابعة الأهواء. ويجازيهم على ذلك بما يماثل أفعالهم. 
**تنبيه :**
قال مجاهد وقتادة والضحاك والسدي : نزلت هذه الآية في اليهود والنصارى. وروى العوفى عن ابن عباس في الآية ؛ أن اليهود والنصارى اختلفوا قبل مبعث محمد صلى الله عليه وسلم فتفرقوا. وحمل بعضهم الآية على أهل البدع وأهل الشبهات وأهل الضلالة من هذه الأمة. وآخر على الخوارج. وأسندوا في ذلك حديثا رفعوه. 
قال ابن كثير : وإسناد ذلك لا يصح. ثم قال : والظاهر أن الآية عامة في كل من فارق دين الله وكان مخالفا له. فإن الله بعث رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله، وشرعه واحد لا اختلاف فيه ولا افتراق. فمن اختلف فيه  وكانوا شيعا  أي فرقا كأهل الملل والنحل والأهواء والضلالات، فإن الله تعالى قد برأ رسول الله صلى الله عليه وسلم مما هم فيه، وهذه الآية كقوله تعالى : شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذي أوحينا إليك...  الآية[(١)](#foonote-١). وفي الحديث :[(٢)](#foonote-٢) " نحن معاشر الأنبياء أولاد علات. ديننا واحد ". فهذا هو الصراط المستقيم، / وهو ما جاءت به الرسل من عبادة الله وحده لا شريك له، والتمسك بشريعة الرسول المتأخر. وما خالف ذلك فضلالات وجهالات وآراء وأهواء. والرسل برءاء منها كما قال الله تعالى : لست منهم في شيء  ؛ ثم قال : وقوله تعالى : إنما أمرهم إلى الله ثم ينبئهم بما كانوا يفعلون  كقوله تعالى : إن الذين آمنوا والذين هادوا والصابئين والنصارى والمجوس والذين أشركوا إن الله يفصل بينهم يوم القيامة [(٣)](#foonote-٣) الآية. انتهى. 
وقد أخرج أبو داود[(٤)](#foonote-٤) عن معاوية قال :" قام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : ألا إن من قبلكم من أهل الكتاب افترقوا على اثنتين وسبعين ملة. وإن هذه الملة ستتفرق على ثلاث وسبعين. ثنتان وسبعون في النار، وواحدة في الجنة، وهي الجماعة ". ورواه الترمذي عن عبد الله بن عمرو، وفيه :" قالوا من هي يا رسول الله ؟ قال : من كان على ما أنا عليه وأصحابي ".

١ - \[٤٢/ الشورى/ ١٣\] ... وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه كبر على المشركين ما تدعوهم إليه الله يجتبي إليه من يشاء ويهدي إليه من ينيب (١٣)..
٢ - أخرجه البخاري في: ٦٠- كتاب الأنبياء، ٤٨- باب واذكر في الكتاب مريم إذ انتبذت من أهلها، حديث ١٦١٧ ونصه:
 عن أبي هريرة قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "أنا أولى الناس بابن مريم. والأنبياء أولاد علات. ليس بيني وبينه نبي"..
٣ - \[٢٢/ الحج/ ١٧\] ... إن الله على كل شيء شهيد (١٧)..
٤ - أخرجه أبو داود في/: ٣٩- كتاب السنة، ١- باب شرح السنة، حديث رقم ٤٥٩٧..

### الآية 6:160

> ﻿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا ۖ وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَىٰ إِلَّا مِثْلَهَا وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ [6:160]

ثم بين لطفه سبحانه في حكمه وعدله يوم القيامة، فقال تعالى :
\[ ١٦٠ \]  من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها ومن جاء بالسيئة فلا يجزى إلا مثلها وهم لا يظلمون ( ١٦٠ ) . 
 من جاء بالحسنة  أي جاء يوم القيامة بالأعمال الحسنة  فله عشر أمثالها  يعني عشر حسنات أمثالها في الحسن. 
قال ( المهايمي ) : كمن أهدى إلى سلطان عنقود عنب يعطيه بما يليق بسلطنته، لا قيمة/ العنقود. انتهى. والعشر أقل ما وعد من الأضعاف. وقد جاء الوعد بسبعين، وبسبعمائة وبغير حساب. ولذلك قيل : المراد بذكر العشر بيان الكثرة لا الحصر في العدد الخاص  ومن جاء بالسيئة  أي : بالأعمال السيئة  فلا يجزى إلا مثلها  في القبح. 
قال المهايمي : فمن كفر خلد في النار، فإنه ليس أقبح من كفره، كمن أساء إلى سلطان يقصد قتله. ومن فعل معصية عذب بقدرها كمن أساء إلى آحاد الرعية. انتهى. 
 وهم لا يظلمون  أي : بنقص الثواب وزيادة العقاب. 
**لطيفة :**
قال القاشاني في قوله تعالى : فله عشر أمثالها  : هذا أقل درجات الثواب. وذلك أن الحسنة تصدر بظهور القلب والسيئة بظهور النفس. فأقل درجات ثوابها أنه يصل إلى مقام القلب الذي يتلو مقام النفس في الارتقاء، تلو مرتبة العشرات للآحاد في الأعداد. وأما في السيئة فلأنه لا مقام أدون من مقام النفس. فينحط إليه بالضرورة. فيرى جزاءه في مقام النفس بالمثل. ومن هذا يعلم أن الثواب من باب الفضل، فإنه يزيد به صاحبه ويتنور استعداده ويزداد قبوله لفيض الحق. فيتقوى على أضعاف ما فعل ويكتسب به أجورا متضاعفة إلى غير نهاية، بازدياد القبول على فعل كل حسنة وزيادة القدرة والشغف على الحسنة عند زيادة الفيض إلى ما لا يعلمه إلا الله. كما قال بعد ذكر أضعافها إلى سبعمائة : والله يضاعف لمن يشاء [(١)](#foonote-١). وأن العقاب من باب العدل إذ العدل يقتضي المساواة. ومن فعل بالنفس، إذا لم يعف عنه، يجازى بالنفس سواء. انتهى. 
 **تنبيه :**
وردت أحاديث كثيرة في معنى الآية. فروى الإمام أحمد[(٢)](#foonote-٢) عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال، فيما يروي عن ربه تعالى :" إن ربكم تبارك وتعالى رحيم. من هم بحسنة فلم يعملها كتبت له حسنة. فإن عملها كتبت له عشرة إلى سبعمائة إلى أضعاف كثيرة ومن هم بسيئة فلم يعملها كتبت له حسنة فإن عملها كتبت له واحدة أو يمحوها الله ولا يهلك على الله إلا هالك ". ورواه البخاري[(٣)](#foonote-٣) ومسلم[(٤)](#foonote-٤) والنسائي. وروى الإمام[(٥)](#foonote-٥) أحمد ومسلم[(٦)](#foonote-٦) عن أبي ذر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" يقول الله تبارك وتعالى : من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها أو أزيد ومن جاء بالسيئة فجزاء سيئة مثلها أو أغفر. ومن تقرب مني/ شبرا تقربت منه ذراعا. ومن تقرب مني ذراعا تقربت منه باعا. ومن أتاني يمشي أتيته هرولة، ومن لقيني بقراب الأرض خطيئة بعد أن لا يشرك بي شيئا، لقيته بمثلها مغفرة ". وروى الشيخان[(٧)](#foonote-٧) عن أبي هريرة. أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :" يقول الله تعالى : إذا أراد عبدي أن يعمل سيئة فلا تكتبوها عليه حتى يعملها فإن عملها فاكتبوها بمثلها. وإن تركها من أجلي فاكتبوها له حسنة، وإذا أراد أن يعمل حسنة فلم يعملها فاكتبوها له حسنة. فإن عملها فاكتبوها له بعشر أمثالها إلى سبعمائة ". لفظ البخاري. وروى الطبراني عن أبي مالك الأشعري قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" الجمعة كفارة لما بينها وبين الجمعة التي تليها وزيادة ثلاثة أيام. وذلك لأن الله تعالى قال : من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها  ". وروى الإمام أحمد[(٨)](#foonote-٨) عن أبي ذر قال : رسول الله صلى الله عليه وسلم :" من صام ثلاثة أيام من كل شهر فقد صام الدهر كله ". ورواه النسائي والترمذي وزاد :" فأنزل الله تصديق ذلك في كتابه : من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها ، اليوم بعشرة أيام ". 
وبقيت أخبار أخر. وفيما ذكر كفاية.

١ - \[٢/ البقرة/ ٢٦١\] ونصها: مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبة أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة والله يضاعف لمن يشاء والله واسع عليم (٢٦١)..
٢ - أخرجه في المسند بالصفحة رقم ٢٧٩ من الجزء الأول (طبعة الحلبي) والحديث رقم ٢٥١٩ (طبعة المعارف)..
٣ - أخرجه البخاري في: ٨١- كتاب الرقاق، ٣١- باب من هم بحسنة أو سيئة، حديث ٢٤٣٥..
٤ - أخرجه مسلم في: ١- كتاب الإيمان، حديث رقم ٢٠٧ (طبعتنا)..
٥ - أخرجه في المسند بالصفحة رقم ١٤٨ من الجزء الخامس (طبعة الحلبي)..
٦ - أخرجه مسلم في: ٤٨- كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار، حديث ٢٢ (طبعتنا) ونصه بالكامل: عن أبي ذر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يقول الله عز وجل: من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها أو أزيد، ومن جاء بالسيئة فجزاؤه سيئة مثلها، أو أغفر. ومن تقرب مني شبرا، تقربت منه ذراعا. ومن تقرب مني ذراعا، تقربت منه باعا. ومن أتاني يمشي أتيته هرولة. ومن لقيني بقراب الأرض (قراب الأرض ما يقارب ملأها) خطيئة، لا يشرك بي شيئا، لقيته بمثلها مغفرة"..
٧ - أخرجه البخاري في: ٩٧- كتاب التوحيد، ٣٥- باب قول الله تعالى: {يريدون أن يبدلوا كلام الله، حديث ٢٦٠١.
 وأخرج في معناه مسلم في: ١- كتاب الإيمان حديث ٢٠٥ (طبعتنا)..
٨ - أخرجه في المسند بالصفحة رقم ١٤٦ من الجزء الخامس (طبعة الحلبي)..

### الآية 6:161

> ﻿قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَىٰ صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا ۚ وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ [6:161]

ثم أمر تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم أن يخبر أولئك المفرقين دينهم بما أنعم سبحانه عليه ؛ من إرشاده إلى دينه القويم بقوله :
 \[ ١٦١ \]  قل إنني هداني ربي إلى صراط مستقيم دينا قيما ملة إبراهيم حنيفا وما كان من المشركين ( ١٦١ ) . 
 قل إنني هداني ربي إلى صراط مستقيم  وهو دين الإسلام الذي ارتضاه لعباده المخلصين  دينا  نصب على البدل من محل  إلى صراط  لأن معناه هداني صراطا. بدليل قوله : ويهديهم إليه صراطا مستقيما [(١)](#foonote-١) أو مفعول لمضمر يدل عليه المذكور. أي عرفني دينا. أو مفعول  هداني . و ( هدى ) يتعدى إلى اثنين  قيما  صفة  دينا  يقرأ بالتشديد أي : ثابتا أبدا لا تغيره الملل والنحل، ولا تنسخه الشرائع والكتب، مقوما لأمر المعاش والمعاد. ويقرأ بالتخفيف على انه مصدر نعت به. وأصله قوم كعوض. فأعل لإعلال فعله كالقيام.  ملة إبراهيم  المتفق على صحتها وهي التي أعرض بها عن كل ما سواه تعالى. عطف بيان ل  دينا   حنيفا  حال من  إبراهيم  أي ماثلا عن كل دين وطريق باطل، فيه شرك ما، وقوله تعالى : وما كان من المشركين  اعتراض مقرر لنزاهته عليه السلام عما عليه المفرقون لدينه من عقد وعمل. أي ما كان منهم في أمر من أمور دينهم أصلا وفرعا. صرح بذلك ردا على الذين يدعون أنهم على ملته من مشركي مكة واليهود والنصارى. أفاده أبو السعود. 
**تنبيه :**
قال ابن كثير : هذه الآية كقوله تعالى : ثم أوحينا إليك أن اتبع ملة إبراهيم حنيفا، وما كان من المشركين [(٢)](#foonote-٢) وليس يلزم من كونه أمر باتباع ملة إبراهيم الحنيفية، / أن يكون إبراهيم أكمل منه فيها. لأنه عليه السلام قام بها قياما عظيما، وأكملت له إكمالا تاما لم يسبقه أحد إلى هذا الكمال. ولهذا قال :" أنا خاتم الأنبياء وسيد ولد آدم على الإطلاق وصاحب المقام المحمود الذي يرغب إليه الخلق، حتى الخليل عليه السلام ". وروى ابن مردويه عن ابن أبزى عن أبيه قال :" كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أصبح قال : أصبحنا على ملة الإسلام وكلمة الإخلاص ودين نبينا وملة إبراهيم حنيفا وما كان من المشركين ". وروى الإمام أحمد[(٣)](#foonote-٣) عن ابن عباس قال :" قيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم : أي الأديان أحب إلى الله تعالى ؟ قال : الحنيفية السمحة ". وروى الإمام أحمد[(٤)](#foonote-٤) عن عائشة قالت :" وضع رسول الله صلى الله عليه وسلم ذقني على منكبيه لأنظر إلى زَقنِ الحبشة. حتى كنت التي مللت، فانصرفت عنهم. وقالت عائشة : قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ : ليعلم يهود أن في ديننا فسحة. إني أرسلت بحنيفية سمحة ".

١ - \[٤/ النساء/ ١٧٥\] ونصها: فأما الذين آمنوا بالله واعتصموا به فسيدخلهم في رحمة منه وفضل.....
٢ - \[١٦/ النحل/ ١٢٣\]..
٣ - أخرجه في المسند بالصفحة رقم ١٣٦ من الجزء الأول (طبعة الحلبي) والحديث رقم ٢١٠٧ (طبعة المعارف)..
٤ - أخرجه في المسند بالصفحة رقم ١١٦ من الجزء السادس (طبعة الحلبي)..

### الآية 6:162

> ﻿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ [6:162]

**وأعيد الأمر في قوله تعالى :**
\[ ١٦٢ \]  قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين ( ١٦٢ ) . 
 قل إن صلاتي  لما أن المأمور به متعلق بفروع الشرائع، وما سبق بأصولها. أي إن صلاتي إلى الكعبة  ونسكي  أي : طوافي وذبحي للهدايا في الحج والعمرة، أو عبادتي كلها  ومحياي ومماتي  أي : وما آتيه في حياتي وما أموت عليه من الإيمان والعمل الصالح. أو طاعات الحياة والخيرات المضافة إلى الممات، كالوصية والتدبير. أو الحياة والممات أنفسهما  لله رب العالمين .

### الآية 6:163

> ﻿لَا شَرِيكَ لَهُ ۖ وَبِذَٰلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ [6:163]

\[ ١٦٣ \]  لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين ( ١٦٣ ) . 
 لا شريك له  أي : خالصة لله لا أشرك فيها غيره  وبذلك  أي : القول أو الإخلاص  أمرت وأنا أول المسلمين  أي : من هذه الأمة. لأن إسلام كل نبي متقدم على إسلام أمته. 
قال ابن كثير : يأمر تعالى نبيه أن يخبر المشركين الذين يعبدون الله تعالى ويذبحون لغير اسمه ؛ أنه مخالف لهم في ذلك. فإن صلاته لله ونسكه على اسمه وحده لا شريك له.

### الآية 6:164

> ﻿قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبًّا وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ ۚ وَلَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْهَا ۚ وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ ۚ ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ [6:164]

\[ ١٦٤ \]  قل أغير الله أبغي ربا وهو رب كل شيء ولا تكسب كل نفس إلا عليها ولاتزر وازرة وزر أخرى ثم إلى ربكم مرجعكم فينبئكم بما كنتم فيه تختلفون ( ١٦٤ ) . 
 قل أغير الله أبغي ربا  فأشركه في عبادته. وهو جواب عن دعائهم له عليه الصلاة والسلام إلى عبادة آلهتهم، وفي إيثار نفي البغية والطلب، على نفي العبادة، أبلغية لا تخفى : وهو رب كل شيء  حال في موضع العلة للإنكار والدليل له. أي وكل ما سواه مربوب مثلي لا يصل للربوبية، فلا أكون عبدا لعبده. 
قال ابن كثير : أي فلا أتوكل إلا عليه ولا أنيب إلا إليه. لأنه رب كل شيء ومليكه وله الخلق والأمر. ففي هذه الآية الأمر بإخلاص العبادة والتوكل. كما تضمنت الآية التي قبلها إخلاص العبادة له لا شريك له. وهذا المعنى يقرن بالآخر كثيرا. كقوله تعالى مرشدا لعباده أن يقولوا : إياك نعبد وإياك نستعين . وقوله[(١)](#foonote-١) : فاعبده وتوكل عليه . 
 وقوله : قل هو الرحمن آمنا به وعليه توكلنا [(٢)](#foonote-٢) وقوله : رب المشرق والمغرب لا إله إلا هو فاتخذه وكيلا [(٣)](#foonote-٣) وأشباه ذلك من الآيات. 
 ولا تكسب كل نفس إلا عليها ولا تزر وازرة وزر أخرى . 
قال ابن كثير : إخبار عن الواقع يوم القيامة من جزاء الله تعالى وحكمه وعدله ؛ أن النفوس إنما تجازى بأعمالها إن خيرا فخير وإن شرا فشر. وأنه لا يحمل من خطيئة أحد على أحد، وهذا من عدله تعالى. 
وقال أبو السعود : كانوا يقولون للمسلمين : اتبعوا سبيلنا ولنحمل خطاياكم . إما بمعنى ليكتب علينا ما عملتم من الخطايا لا عليكم، وإما بمعنى لنحمل يوم القيامة ما كتب عليكم من الخطايا- فهذا رد له بالمعنى الأول. أي لا تكون جناية نفس من النفوس إلا عليها. ومحال أن يكون صدورها عن شخص وقرارها على شخص آخر، حتى يتأتى ما ذكرتم. وقوله تعالى : ولا تزر وازرة وزر أخرى  رد له بالمعنى الثاني. أي : لا تحمل يومئذ نفس حاملة، حمل نفس أخرى، حتى يصح قولكم. 
**تنبيه :**
قال السيوطي في ( الإكليل ) : هذه الآية أصل في أنه لا يؤاخذ أحد بفعل أحد. وقد ردت عائشة به على من قال : إن الميت يعذب ببكاء الحي عليه. أخرجه البخاري[(٤)](#foonote-٤)، وأخرج/ ابن أبي حاتم عنها ؛ " أنها سئلت عن ولد الزنى ؟ فقالت ليس عليه خطيئة أبويه شيء. وتلت هذه الآية ". 
قال الكيا الهراسي : ويحتج بقوله : ولا تكسب كل نفس إلا عليها  في عدم / نفوذ تصرف زيد على عمرو إلا ما قام عليه الدليل. قال ابن الفرس : واحتج به من أنكر ارتباط صلاة المأموم بصلاة الإمام. 
وقال بعض الزيدية : قوله تعالى "  ولا تزر وازرة وزر أخرى  يعني في أمر الآخرة. فيبطل قول إن أطفال المشركين يعذبون بكفر آبائهم. ويلزم أن لا يعذب الميت ببكاء أهله عليه. حيث لا سبب له. وأما في أمر الدنيا، فقد خص هذا بحديث العاقلة. وكذلك أسر أولاد الكفار ونحو ذلك. انتهى. 
 ثم إلى ربكم مرجعكم  أي : رجوعكم بعد الموت يوم القيامة : فينبئكم بما كنتم فيه تختلفون  بتمييز الحق من الباطل. وهذه الآية كقول تعالى : قل لا تسألون عما أجرمنا ولا نسأل عما تعملون، قل يجمع بيننا ربنا ثم يفتح بيننا بالحق وهو الفتاح العليم [(٥)](#foonote-٥).

١ - \[١١/ هود/ ١٢٣\]..
٢ - \[٦٧/ الملك/ ٢٩\] ... فستعلمون من هو في ضلال مبين (٢٩)..
٣ - \[٧٣/ المزمل/ ٩\]..
٤ - أخرجه البخاري في: ٢٣- كتاب الجنائز، ٣٣- باب قول النبي صلى الله عليه وسلم: "يعذب الميت ببعض بكاء أهله عليه. وسنسوقه بما فيه من الحوار الذي دار بين عبد الله بن عمر رضي الله عنهما وبين سيدتنا أم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها.
 عن ابن جريج قال: أخبرني عبد الله بن عبيد الله بن أبي مليكة قال: توفيت ابنة لعثمان رضي الله عنه، بمكة. وجئنا لنشهدها. وحضرها ابن عمر وابن عابس رضي الله عنهم. وإني لجالس بينهما (أو قال: جلست إلى أحدهما ثم جاء الآخر فجلس إلى جنبي) فقال عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، لعمرو بن عثمان: ألا تنهى عن البكاء؟ فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إن الميت ليعذب ببكاء أهله عليه".
 ثم حدث قال: "إن الميت ليعذب ببكاء أهله".
 فقال ابن عباس رضي الله عنهما: قد كان عمر رضي الله عنه يقول بعض ذلك.
 ثم حدث قال: صدرت مع عمر رضي الله عنه من مكة، حتى إذا كنا بالبيداء إذا هو يركب تحت ظل سمرة. فقال: اذهب فانظر من هؤلاء الركب. قال فنظرت فإذا هو صهيب. فأخبرته فقال: ادعه لي. فرجعت إلى صهيب: فقلت: ارتحل فالحق بأمير المؤمنين.
 فلما أصيب عمر دخل صهيب يبكي يقول: وا أخاه وا صاحباه.
 فقال عمر رضي الله عنه يا صهيب، أتبكي علي وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن الميت يعذب ببعض بكاء أهله عليه"؟.
 قال ابن عباس رضي الله عنه: فلما مات عمر رضي الله عنه ذكرت ذلك لعائشة رضي الله عنها. فقالت: رحم الله عمر.
 والله ! ما حدث رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن الله ليعذب المؤمن ببكاء أهله عليه. ولكن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إن الله ليزيد الكافر عذابا ببكاء أهله عليه" وقالت: حسبكم القرآن ولا تزر وازرة وزر أخرى.
 قال ابن عباس رضي الله عنهما عند ذلك: والله هو أضحك وأبكى.
 قال ابن أبي مليكة: والله ! ما قال ابن عمر رضي الله عنهما شيئا.
 ورقم حديث ابن عمر ٦٨٤ وعمر ٦٨٥ وعائشة ٦٨٦..
٥ - \[٣٤/ سبأ/ ٢٥ و٢٦\].

### الآية 6:165

> ﻿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ الْأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ ۗ إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ [6:165]

\[ ١٦٥ \]  وهو الذي جعلكم خلائف الأرض ورفع بعضكم فوق بعض درجات ليبلوكم في ما آتاكم إن ربك سريع العقاب وإنه لغفور رحيم ( ١٦٥ ) . 
 وهو الذي جعلكم خلائف الأرض  جمع خليفة. أي يخلف بعضكم بعضا فيها، فتعمرونها خلفا بعد سلف، للتصرف بوجوه مختلفة  ورفع بعضكم فوق بعض درجات  أي : فاوت بينكم في الأرزاق والأخلاق والمحاسن والمساوئ والمناظر والأشكال والألوان، وله الحكمة في ذلك. كقوله تعالى : نحن قسمنا بينهم معيشتهم في الحياة الدنيا ورفعنا بعضهم فوق بعض دراجات ليتخذ بعضهم بعضا سخريا [(١)](#foonote-١). وقوله / سبحانه : انظر كيف فضلنا بعضهم على بعض وللآخرة أكبر درجات وأكبر تفضيلا [(٢)](#foonote-٢) وقوله تعالى : ليبلوكم فيما آتاكم  أي : ليختبركم في الذي أنعم به عليكم، أي : امتحنكم ليختبر الغني في غناه ويسأله عن شكره، والفقير في فقره ويسأله عن صبره، وفي ( صحيح المسلم )[(٣)](#foonote-٣) عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال :" إن الدنيا حلوة خضرة. وإن الله مستخلفكم فيها فناظر كيف تعملون. فاتقوا الدنيا واتقوا النساء، فإن أول فتنة بني إسرائيل كانت في النساء ". أفاده ابن كثير. 
ثم رهب تعالى من معصيته ورغب في طاعته بقوله سبحانه : إن ربك سريع العقاب  أي : لمن عصاه وخالف رسله  وإنه لغفر رحيم  أي : لمن والاه واتبع رسله. 
لطائف
الأولى : قال السيوطي في ( الإكليل ). استدل بقوله تعالى : جعلكم خلائف الأرض  من أجاز أن يقال للإمام : خليفة الله. انتهى. 
أي : بناء على وجه في الآية. وهو أن المعنى : جعلكم خلائف الله في الأرض تتصرفون فيها. ذكره المفسرون. وآثرت، قبل، غير هذا الوجه لأنه أدق وأظهر. والله أعلم. 
الثانية : قال القاضي : وصف العقاب ولم يضفه إلى نفسه، ووصف ذاته بالمغفرة وضم إليه الوصف بالرحمة، وأتى ببناء المبالغة واللام المؤكدة- تنبيها على أنه سبحانه وتعالى غفور بالذات، معاقب بالعرض، كثير الرحمة مبالغ فيها، قليل العقوبة مسامح فيها. انتهى. 
 الثالثة : قال ابن كثير : إن الحق تعالى، كثيرا ما يقرن في القرن بين هاتين الصفتين كقوله : وإن ربك لذو مغفرة للناس على ظلمهم، وإن ربك لشديد العقاب  وقوله : نَبِّيءْ عبادي أني أنا الغفور الرحيم، وأن عذابي هو العذاب الأليم . إلى غير ذلك من الآيات المشتملة على الترغيب والترهيب. فتارة يدعو عباده إليه بالرغبة وصفة الجنة والترغيب فيما لديه. وتارة يدعوهم إليه بالرهبة وذكر النار وأنكالها وعذابها والقيامة وأهوالها. وتارة بهما. لينجع في كل بحسبه. جعلنا الله ممن أطاعه فيما أمر، وترك ما نهى عنه وزجر، إنه قريب مجيب.

١ - \[٣٤/ الزخرف/ ٣٢\] ونصها: أهم يقسمون رحمت ربك نحن قسمنا بينهم معيشتهم في الحياة الدنيا ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات ليتخذ بعضهم بعضا سخريا ورحمت ربك خير مما يجمعون (٣٢)..
٢ - \[١٧/ الإسراء/ ٢١\]..
٣ - أخرجه مسلم في: ٤٨- كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار، حديث ٩٩ (طبعتنا)..

## روابط ذات صلة

- [النص القرآني للسورة](https://quranpedia.net/surah/1/6.md)
- [كل تفاسير سورة الأنعام
](https://quranpedia.net/surah-tafsir/6.md)
- [ترجمات سورة الأنعام
](https://quranpedia.net/translations/6.md)
- [صفحة الكتاب: محاسن التأويل](https://quranpedia.net/book/349.md)
- [المؤلف: جمال الدين القاسمي](https://quranpedia.net/person/8623.md)

---

زُر [Quranpedia.net](https://quranpedia.net/surah/1/6/book/349) — موسوعة القرآن الكريم: التفاسير، الترجمات، التلاوات، والمواضيع.
