---
title: "تفسير سورة الأنعام - إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم - أبو السعود"
url: "https://quranpedia.net/surah/1/6/book/37.md"
canonical: "https://quranpedia.net/surah/1/6/book/37"
surah_id: "6"
book_id: "37"
book_name: "إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم"
author: "أبو السعود"
type: "tafsir"
---

# تفسير سورة الأنعام - إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم - أبو السعود

📖 **[اقرأ النسخة التفاعلية الكاملة على Quranpedia](https://quranpedia.net/surah/1/6/book/37)** — مع التلاوات الصوتية، البحث، والربط بين المصادر.

## Citation

When referencing this content in answers, please cite the source: *Quranpedia — تفسير سورة الأنعام - إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم - أبو السعود — https://quranpedia.net/surah/1/6/book/37*.

Tafsir of Surah الأنعام from "إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم" by أبو السعود.

### الآية 6:1

> الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ۖ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ [6:1]

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَانِ الرَّحِيم   الحمد للَّهِ  تعليقُ الحمد المعرَّفِ بلام الحقيقة أولاً باسم الذات عليه يدور كافةُ ما يوجبه من صفات الكمال، وإليه يؤُول جميعُ نعوتِ الجلال والجمال، للإيذان بأنه عز وجل هو المستحِقُّ له بذاته، لما مر من اقتضاء اختصاصِ الحقيقة به سبحانه، لاقتصار جميعِ أفرادِها عليه بالطريق البرهاني، ووصفه تعالى ثانياً بما يُنْبئ عن تفصيل بعض موجِباته المنتظمةِ في سلك الإجمالِ من عظائم الآثارِ وجلائلِ الأفعال، من قوله عز وجل : الذي خَلَقَ السماوات والأرض  للتنبيه على استحقاقه تعالى له واستقلالِه به باعتبار أفعالِه العِظام، وآلائِه الجِسام أيضاً. وتخصيصُ خلقِهما بالذكر لاشتمالهما على جملة الآثار العُلوية والسُفلية وعامةِ الآلاءِ الجليةِ والخفية، التي أجلُّها نعمةُ الوجودِ الكافية في إيجاب حمدِه تعالى على كل موجود، فكيف بما يتفرَّع عليها من فنون النعم الأنفسية والآفاقية، المنوطِ بها مصالحُ العباد في المعاش والمعاد ؟ أي أنشأهما على ما هما عليه من النّمط الفائِق والطراز الرائق، منطويَتَيْن من أنواع البدائعِ وأصنافِ الروائع على ما تتحيَّر فيه العقولُ والأفكار، من تعاجيب العبر والآثار، تبصرةً وذكرى لأولي الأبصار. وجمعُ السماوات لظهور تعدّدِ طبقاتِها واختلاف آثارها وحركاتِها، وتقديمُها لشرفها وعلوِّ مكانها وتقدُّمها وجوداً على الأرض كما هي.  وَجَعَلَ الظلمات والنور  عطْفٌ على ( خَلَق ) مترتب عليه لكون جعلهما مسبوقاً بخلق مَنْشَئِهما ومحلِّهما، داخلٌ معه في حكم الإشعار بعِلَّة الحمد، فكما أن خلقَ السماوات والأرض وما بينهما لكونه أثراً عظيماً ونعمةً جليلة موجبٌ لاختصاص الحمد بخالقهما جل وعلا، كذلك جعلُ الظلماتِ والنور لكونه أمراً خطيراً ونعمةً عظيمةً مقتضٍ لاختصاصه بجاعلهما، والجعلُ هو الإنشاءُ والإبداع كالخلق، خلا أن ذلك مختصٌّ بالإنشاء التكوينيِّ، وفيه معنى التقدير والتسوية، وهذا عام له كما في الآية الكريمة، والتشريعيَّ أيضا كما في قوله تعالى : مَا جَعَلَ الله مِن بَحِيرَةٍ  \[ المائدة، الآية ١٠٣ \] الآية. وأياً ما كان فهو إنباءٌ عن ملابسةِ مفعولِه بشيءٍ آخرَ بأن يكونَ فيه، أوْ له، أوْ منه، أو نحوُ ذلك، ملابسةٌ مصحِّحةٌ لأن يتوسَّطَ بينهما شيءٌ من الظروف لغواً كان أو مستقراً، لكن لا على أن يكونَ عُمدةً[(١)](#foonote-١) في الكلام بل قيداً فيه، كما في قوله عز وجل : وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخاً  \[ الفرقان، الآية ٥٣ \] وقوله تعالى : وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِي  \[ فصلت، الآية ١٠ \] وقوله تعالى : واجعل لنَا مِن لدُنْكَ وَلِيّاً  \[ النساء، الآية ٧٥ \] الآية، فإن كل واحد من هذه الظروف، إما متعلقٌ بنفس الجعل أو بمحذوفٍ وقع حالاً من مفعولِه تقدّمت عليه لكونه نكرة، وأياً ما كان فهو قيدٌ في الكلام حتى إذا اقتضى الحالُ وقوعَه عمدةً فيه يكون الجعلُ متعدياً إلى اثنين هو ثانيهما، كما في قوله تعالى : يَجْعَلُونَ أصابعهم في آذَانِهِم  \[ البقرة، الآية ١٩ \] وربما يَشتبِهُ الأمرُ فيُظن أنه عمدةٌ فيه، وهو في الحقيقة قيدٌ بأحد الوجهين كما سلف في قوله تعالى : إِنّي جَاعِلٌ فِي الأرض خَلِيفَةً  \[ البقرة، الآية ٣٠ \] حيث قيل : إن الظرف مفعولٌ ثان لجاعل، وقد أشير هناك إلى أن الذي يقضي به الذوق السليم وتقتضيه جزالةُ النظم الكريم، أنه متعلقٌ بجاعل أو بمحذوفٍ وقع حالاً من المفعول، وأن المفعولَ الثانيَ هو خليفة، وأن الأول محذوف على ما مر تفصيله. وجمعُ الظلمات لظهور كثرةِ أسبابها ومَحالِّها عند الناس، ومشاهدتهم لها على التفصيل، وتقديمُها على النور لتقدم الإعدام على المَلَكات مع ما فيه من رعاية حسن المقابلة بين القرينتين، وقوله تعالى : ثْمَّ الذين كَفَرُوا بِرَبّهِمْ يَعْدِلُونَ  معطوفٌ على الجملة السابقة الناطقةِ بما مر من موجبات اختصاصِه تعالى بالحمد، المستدعي لاقتصار العبادة عليه، كما حُقِّق في تفسير الفاتحة الكريمة، مَسوقٌ لإنكار ما عليه الكفرة واستبعادِه من مخالفتهم لمضمونها واجترائِهم على ما تقضي ببُطلانه بديهةُ العقول. والمعنى أنه تعالى مختصٌّ باستحقاق الحمدِ والعبادةِ باعتبار ذاتِه وباعتبار ما فصَّل من شؤونه العظيمة الخاصة به، الموجبة لقصر الحمد والعبادة عليه، ثم هؤلاء الكفرةُ لا يعملون بموجبه ويعدِلون به سبحانه، أي يسوُّون به غيره في العبادة التي هي أقصى غايات الشكر الذي رأسُه الحمدُ، مع كونِ كلِّ ما سواه مخلوقاً له غيرَ متّصفٍ بشيء من مبادئ الحمد، وكلمة ( ثم ) لاستبعاد الشرك بعد وضوحِ ما ذُكر من الآيات التكوينية القاضية ببطلانه، لا بعد بيانِه بالآياتِ التنزيلية، والموصولُ عبارةٌ عن طائفةِ الكفار جارٍ مَجرى الاسمِ لهم، من غير أن يُجعلَ كفرُهم بما يجب أن يُؤْمَنَ به كلاًّ أو بعضاً، عنواناً للموضوع، فإن ذلك مُخِلٌّ باستبعاد ما أُسند إليهم من الإشراك، والباء متعلقة بيعدلون، ووضعُ الربِّ موضعَ ضميرِه تعالى لزيادة التشنيع والتقبيح، والتقديم لمزيد الاهتمامِ والمسارعةِ إلى تحقيق مدارِ الإنكار والاستبعادِ، والمحافظةِ على الفواصل، وتركُ المفعولِ لظهوره أو لتوجيه الإنكار إلى نفس الفعل بتنزيله منزلةَ اللازم، إيذاناً بأنه المدارُ في الاستبعاد والاستنكار لا خصوصيةُ المفعول، هذا هو الحقيقُ بجزالة التنزيل والخليقُ بفخامة شأنه الجليل. وأما جعلُ الباء صلةً لكفروا على أنّ ( يعدلون ) من العدول، والمعنى أن الله تعالى حقيقٌ بالحمد على ما خلقه نعمةً على العباد، ثم الذين كفروا به يعدلون فيكفرون نعمتَه، فيردّه[(٢)](#foonote-٢) أن كفرهم به تعالى لاسيما باعتبار ربوبيته تعالى لهم، أشدُّ شناعةً وأعظمُ جنايةً من عدولهم عن حمده عز وجل لتحققه، مع إغفاله أيضاً، فجعلُ أهون الشرَّيْن عمدةً في الكلام مقصودُ الإفادة، وإخراجُ أعظمِهما مُخرجَ القيدِ المفروغِ عنه مما لا عهدَ له في الكلام السديد، فكيف بالنظم التنزيلي ؟ هذا وقد قيل : إنه معطوف على ( خلَقَ السماوات ) والمعنى أنه تعالى خلق ما خلق مما لا يقدِر عليه أحدٌ سواه، ثم هم يعدلون به سبحانه ما لا يقدِر على شيءٍ منه، لكن لا على قصد أنه صلةٌ مستقلة ليكونَ بمنزلة أن يقالَ : الحمدُ لله الذي عدَلوا به، بل على أنه داخلٌ تحت الصلة بحيث يكون الكلُّ صلةً واحدة، كأنه قيل : الحمد لله الذي كان منه تلك النعمُ العظامُ، ثم من الكفرة الكفرُ، وأنت خبير بأن ما ينتظِمُ في سلك الصلة المنبئةِ عن موجبات حمده عز وجل حقُّه أن يكون له دخلٌ في ذلك الإنباء ولو في الجملة، ولا ريب في أن كفرهم بمعزلٍ منه، وادعاءُ أن له دَخْلاً فيه لدلالته على كمال الجود، كأنه قيل : الحمد لله الذي أنعم بمثل هذه النعمِ العِظام على من لا يحمَده، تعسّفٌ لا يساعده النظام، وتعكيسٌ يأباه المقام، كيف لا ومَساقُ النظم الكريم كما تُفصِحُ عنه الآياتُ الآتية تشنيعُ الكفرة وتوبيخُهم ببيانِ غايةِ إساءتِهم مع نهاية إحسانه تعالى إليهم، لا بيانِ نهايةِ إحسانِه تعالى إليهم مع غاية إساءتهم في حقه تعالى، كما يقتضيه الادعاءُ المذكور، وبهذا اتضح أنه لا سبيلَ إلى جعل المعطوف من روادف المعطوف عليه، لما أن حقَّ الصلة أن تكون غيرَ مقصودةِ الإفادة، فما ظنُّك بما هو من روادفها ؟ وقد عرفت أن المعطوف هو الذي سيق له الكلام فتأمل وكن على الحق المبين. 
١ العمدة في اصطلاح النحاة: خلاف الفضلة، وهو ما لا يصح حذفه من الكلام..
٢ خبر قوله "أما جعل الباء صلة"..

### الآية 6:2

> ﻿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ ثُمَّ قَضَىٰ أَجَلًا ۖ وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ ۖ ثُمَّ أَنْتُمْ تَمْتَرُونَ [6:2]

هُوَ الذي خَلَقَكُمْ من طِينٍ  استئنافٌ مَسوقٌ لبيان بطلان كفرهم بالبعث، مع مشاهدتهم لما يوجب الإيمانَ به إثرَ بيانِ بطلانِ إشراكِهم به تعالى، مع معاينتهم لموجِبات توحيدِه، وتخصيصُ خلقِهم بالذكر من بين سائر دلائل صِحةِ البعث، مع أن ما ذُكر من خلق السماوات والأرض من أوضحها وأظهرها، كما ورد في قوله تعالى : أَوَلَيْسَ الذي خَلَقَ السماوات والأرض بقادر على أَن يَخْلُقَ مِثْلَهُم  \[ يس، الآية ٨١ \] لما أن محَلّ النزاعِ بعثُهم، فدلالةُ بدءِ خلقِهم على ذلك أظهرُ وهم بشؤون أنفسهم أعرفُ، والتعامي عن الحجة النيِّرة أقبح، والالتفاتُ لمزيد التشنيع والتوبيخ، أي ابتدأ خلقَكم منه، فإنه المادة الأولى للكل لما أنه منشأ آدمَ عليه السلام، وهو المخلوقُ منه حقيقةً بأن يقال : هو الذي خلق أباكم الخ، مع كفاية علمهم بخلقه عليه السلام منه في إيجاب الإيمانِ بالبعثِ وبطلانِ الامتراءِ لتوضيحِ منهاجِ القياس، وللمبالغة في إزاحةِ الاشتباه والالتباس، مع ما فيه من تحقيق الحق والتنبيه على حكمةٍ خفية هي أن كل فردٍ من أفراد البشر له حظٌّ من إنشائه عليه السلام منه، حيث لم تكن فطرتُه البديعة مقصورةً على نفسه بل كانت أُنموذَجاً منطوياً على فطرة سائرِ آحادِ الجنس انطواءً إجمالياً مستتبِعاً لجَرَيان آثارِها على الكل، فكأن خلقَه عليه السلام من الطين خلقٌ لكل أحد من فروعه منه، ولما كان خلقُه على هذا النمط الساري إلى جميع أفراد ذريتِه أبدعَ من أن يكون ذلك مقصوراً على نفسه كما هو المفهومُ من نسبة الخلق المذكورِ إليه وأدلَّ على عِظَم قُدرة الخلاق العليم وكمالِ علمِه وحكمتِه وكان ابتداءُ حال المخاطَبين أولى بأن يكون معياراً لانتهائها فَعلَ ما فعل، ولله درُ شأن التنزيل، وعلى هذا السرِّ مدارُ قوله تعالى : وَلَقَدْ خلقناكم ثُمَّ صورناكم  \[ الأعراف، الآية ١١ \] الخ، وقوله تعالى : وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئاً  \[ مريم، الآية ٩ \] كما سيأتي، وقيل : المعنى خلق أباكم منه على حذف المضاف. وقيل : المعنى خلقهم من النطفة الحاصلةِ من الأغذية المتكوِّنة من الأرض، وأياً ما كان ففيه من وضوح الدلالة على كمال قدرتِه تعالى على البعث ما لا يخفي، فإن من قدَرَ على إحياء ما لم يشَمَّ رائحةَ الحياة قط كان على إحياءِ ما قارنها مدةً أظهرَ قدرة.  ثُمَّ قَضَى  أي كتب لموتِ كلِّ واحد منكم  أَجَلاً  خاصاً به أي حداً معيناً من الزمان يفنى عند حلولِه لا محالة، وكلمةُ ( ثم ) للإيذان بتفاوتِ ما بين خلقِهم وبين تقديرِ آجالِهم حسبما تقتضيه الحِكَم البالغة  وَأَجَلٌ مُّسَمًّى  أي حدٌّ معينٌ لبعثكم جميعاً وهو مبتدأ لتخصُّصه بالصفة كما في قوله تعالى : وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ  \[ البقرة، الآية ٢٢١ \] ولوقوعِه في موقع التفصيل كما في قول من قال :\[ الطويل \]إذا ما بكَى مِنْ خلفِها انصرَفَتْ له  بشِقٍّ وشقٌ عنْدنا لم يُحَوَّلِ[(١)](#foonote-١)وتنوينُه لتفخيم شأنه وتهويلِ أمره، ولذلك أُوثر تقديمُه على الخبر الذي هو  عِندَهُ  مع أن الشائعَ المستفيضَ هو التأخير كما في قولك : عندي كلامٌ حقٌّ ولي كتابٌ نفيسٌ كأنه قيل : وأيُّ أجلٍ مسمى مُثْبتٍ معينٍ في علمه لا يتغيرُ ولا يقفُ على وقت حلولِه أحدٌ لا مجملاً ولا مفصّلاً، وأما أجلُ الموت فمعلومٌ إجمالاً وتقريباً بناءً على ظهور أَماراتِه أو على ما هو المعتادُ في أعمار الإنسان، وتسميتُه أجلاً إنما هي باعتبار كونِه غايةً لمدة لُبْثهم في القبور، لا باعتبار كونِه مبدأً لمدةِ القيامة، كما أن مدار التسمية في الأجل الأول هو كونُه آخِرُ مدة الحياةَ لا كونُه أولِ مدةِ الممات لِما أن الأجلَ في اللغة عبارةٌ عن آخِرِ المدة لا عن أولها، وقيل : الأجلُ الأول ما بين الحياة والموت، والثاني ما بين الموت والبعث من البرزخ، فإن الأجل كما يُطلق على آخِرِ المدة يُطلق على كلِّها وهو الأوفق، لما روي عن ابن عباس رضي الله عنهما :( أن الله تعالى قضى لكل أحدٍ أجلين : أجلاً من مولده إلى موته، وأجلاً من موته إلى مبعثه، فإن كان بَرّاً تقياً وَصولاً للرحِم زيد له من أجل البعث في أجَل العمر، وإن كان فاجراً قاطعاً نُقِصَ من أجل العُمُر وزيد في أجل البعث )، وذلك قوله تعالى : وَمَا يُعَمَّرُ مِن مُعَمَّرٍ وَلاَ يُنقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلاَّ فِي كتاب  \[ فاطر، الآية ١١ \] فمعنى عدمِ تغييرِ الأجل حينئذ عدمُ تغيُّر آخره، والأولُ هو الأشهرُ الأليقُ بتفخيم الأجل الثاني المنوطِ باختصاصه بعلمه تعالى، والأنسبُ بتهويله المبنيِّ على مقارنته للطامّة الكبرى، فإن كونَ بعضِه معلوماً للخلق ومُضِيِّه من غير أن يقعَ فيه شيءٌ من الدواهي كما يستلزمه الحملُ على المعنى الثاني مُخِلٌّ بذلك قطعاً، ومعنى زيادةِ الأجل ونقصِه فيما رُوي تأخيرُ الأجل الأول وتقديمُه.  ثُمَّ أَنتُمْ تَمْتَرُونَ  استبعادٌ واستنكارٌ لامترائهم في البعث بعد معاينتهم لما ذُكر من الحُجج الباهرة الدالةِ عليه، أي تمترون في وقوعه وتحقّقِه في نفسه مع مشاهدتكم في أنفسِكم من الشواهدِ ما يقطع مادةَ الامتراءِ بالكلية، فإن مَنْ قدَر على إفاضة الحياة وما يتفرَّع عليها من العلم والقدرة وسائِرِ الكمالاتِ البشرية على مادةٍ غيرِ مستعدّةٍ لشيء منها أصلاً كان أوضحَ اقتداراً على إفاضتها على مادةٍ قد استعدت لها وقارنَتْها مدةً، ومن هاهنا تبين أن ما قيل من أن الأجلَ الأولَ هو النومُ والثانيَ هو الموتُ أو أن الأول أجلُ الباقين أو أن الأول مقدارُ ما مضى من عُمُر كلِّ أحدٍ والثانيَ مقدارُ ما بقِيَ منه مما لا وجهَ له أصلاً، لما رأيتَ مِنْ أن مَساقَ النظم الكريم استبعادُ امترائهم في البعث الذي عبَّر عن وقته بالأجل المسمّى، فحيثُ أُريد به أحدُ ما ذُكر من الأمور الثلاثة ففي أيِّ شيء يمترون ؟ ووصْفُهم بالامتراء الذي هو الشكُّ، وتوجيهُ الاستبعاد إليه مع أنهم جازمون بانتفاءِ البعث مُصِرّون على إنكاره كما يُنْبئ عنه قولُهم : أَئذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً وعظاما أَئنَّا لَمَبْعُوثُونَ  \[ الصافات، الآية ١٦ \] ونظائرُه للدلالة على أن جزمَهم المذكورَ في أقصى مراتبِ الاستبعاد والاستنكار. 
١ الرواية المشهورة "انحرفت له" في موضع "انصرفت له". والبيت لامرئ القيس في ديوانه ص ١٢؛ وبلا نسبة في رصف المباني ص ٣١٦. والشاعر يصف صاحبته المرضع إذ بكى طفلها من خلفها..

### الآية 6:3

> ﻿وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ ۖ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ [6:3]

وقوله تعالى : وَهُوَ الله  جملةٌ من مبتدأ وخبر، معطوفةٌ على ما قبلها مَسوقةٌ لبيان شُمولِ أحكام إلاهيّته تعالى لجميع المخلوقات وإحاطةِ علمِه بتفاصيلِ أحوال العباد وأعمالِهم المؤديةِ إلى الجزاء إثرَ الإشارةِ إلى تحقّق المعادِ في تضاعيفِ بيانِ كيفية خلْقِهم وتقديرِ آجالِهم، وقوله تعالى : فِي السماوات وَفي الأرض  متعلقٌ بالمعنى الوصفيِّ الذي يُنبئ عنه الاسم الجليل، إما باعتبار أصلِ اشتقاقِه وكونِه علماً للمعبودِ بالحق كأنه قيل : وهو المعبودُ فيهما، وإما باعتبار أنه اسمٌ اشتهر بما اشتهرَتْ به الذاتُ من صفات الكمال فلوحظ معه منها ما يقتضيه المقامُ من المالكية الكليةِ والتصرُّفِ الكامل حسبما تقتضيه المشيئةُ المبنيَّةُ على الحِكَم البالغة، فعُلّق به الظرفُ من تلك الحيثية فصار كأنه قيل : وهو المالكُ أو المتصرفُ المدبِّرُ فيهما كما في قوله تعالى : وَهُوَ الذي في السماء إله وَفي الأرض إله  \[ الزخرف، الآية ٨٤ \] وليس المراد بما ذُكر من الاعتبارَيْن أن الاسمَ الجليلَ يُحملُ على معناه اللغويِّ أو على معنى المالك أو المتصرِّف أو نحوِ ذلك، بل مجردُ ملاحظة أحدِ المعاني المذكورة في ضمنه كما لوحظ معَ اسْم الأسد في قوله :( أسدٌ عليَّ ) الخ، ما اشتهرَ به من وصف الجَراءة التي اشتهر بها مُسمَّاه، فجَرى مَجرى جريءٌ عليَّ، وبهذا تبين أن ما قيل، بصدد التصوير والتفسير، أي هو المعروفُ بذلك في السماوات وفي الأرض، أو هو المعروفُ المشتهرُ بالصفات الكمالية، بالإلهية فيهما أو نحوُ ذلك، بمعزلٍ من التحقيق، فإن المعتبرَ مع الاسم هو نفسُ الوصف الذي اشتهر به، إذ هو الذي يقتضيه المقامُ حسبما بيّن آنفاً لاشتهاره به. ألا يُرى أن كلمة ( عليّ ) في المثال المذكور لا يمكن تعليقُها باشتهار الاسم بالجَراءة قطعاً، وقيل : هو متعلق بما يفيده التركيبُ الحَصْريُّ من التوحّد والتفرّد كأنه قيل : وهو المتوحِّدُ بالإلهية فيهما، وقيل : بما تقرر عند الكل من إطلاق هذا الاسم عليه خاصة كأنه قيل : وهو الذي يقال له : الله فيهما لا يُشرك به شيءٌ في هذا الاسم على الوجه الذي سبق، من اعتبار معنى التوحّد أو القول في فحوى الكلام بطريق الاستتباع، لا على حمل الاسم الجليل على معنى المتوحِّد بالإلهية، أو على تقدير القول. وقد جوَّز أن يكون الظرفُ خبراً ثانياً على أن كونَه سبحانه فيهما عبارةٌ عن كونه تعالى مبالِغاً في العلم بما فيهما بناءً على تنزيل علمِه المقدس، عن حصول الصور والأشباح لكونه حضورياً، منزلةَ كونِه تعالى فيهما، وتصويرُه به على طريقة التمثيل المبنيِّ على تشبيه حالةِ علمه تعالى بما فيهما بحالة كونه تعالى فيهما، فإن العالَم إذا كان في مكانٍ كان عالِماً به وبما فيه على وجهٍ لا يخفى عليه منه شيء فعلى هذا يكون قولُه عز وجل.  يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ  أي ما أسرَرْتُموه وما جهرتم به من الأقوال أو ما أسررتموه وما أعلنتموه كائناً ما كان من الأقوال والأعمال بياناً وتقريراً لمضمونه وتحقيقاً للمعنى المراد منه، وتعليقُ علمِه عز وجل بما ذُكر خاصةً مع شموله لجميع ما فيهما حسبما تفيدُه الجملةُ السابقة لانسياق النظمِ الكريم إلى بيان حال المخاطبين وكذا على الوجه الثاني فإن ملاحظةَ الاسم الجليلِ من حيث المالكيةُ الكلية والتصرفُ الكاملُ الجاري على النمط المذكور مستتبعةٌ لملاحظة علمِه المحيطِ حتماً، فيكونُ هذا بياناً وتقريراً له بلا ريب، وأما على الأوجه الثلاثة الباقية فلا سبيل إلى كونه بياناً، لكن لا لما قيل من أنه لا دلالةَ لاستواء السرِّ والجهر في علمه تعالى على ما اعتُبر فيهما من المعبودية والاختصاص بهذا الاسم، إذ ربما يُعبد ويُختصّ به من ليس له كمالُ العلم فإنه باطل قطعاً، إذ المراد بما ذكره هو المعبوديةُ بالحق والاختصاصُ بالاسم الجليل، لا ريبَ في أنهما مما لا يتصور فيمن ليس له كمالُ العلم بديهةً، بل لأن ما ذُكر من العلم غيرُ معتبرٍ في مدلول شيءٍ من المعبودية بالحق والاختصاصِ بالاسم حتى يكونَ هذا بياناً له، وبهذا تبين أنه ليس ببيانٍ على الوجه الثالث أيضاً، لما أن التوحدَ بالإلهية لا يُعتبر في مفهومه العلمَ الكاملَ ليكون هذا بياناً له، بل هو معتبرٌ فيما صدَق عليه المتوحِّد وذلك غيرُ كاف في البيانية. وقيل : هو خبر بعد خبر عند من يجوِّز كونَ الخبر الثاني جملةً كما في قوله تعالى : فَإِذَا هِي حَيَّةٌ تسعى  \[ طه، الآية ٢٠ \] وقيل : هو الخبر، والاسمُ الجليل بدلٌ من ( هو )، وبه يتعلق الظرف المتقدم، ويكفي في ذلك كونُ المعلوم فيهما كما في قولك : رميتُ الصيدَ في الحرَم، إذا كان هو فيه وأنت في خارجَه، ولعل جعْلَ سرهم وجهرهم فيهما لتوسيع الدائرة وتصويرِ أنه لا يعزُب عن علمه شيءٌ منهما في أي مكان كان، لا لأنهما قد يكونان في السماوات أيضاً، وتعميمُ الخطاب لأهلها تعسُّفٌ لا يخفى.  وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ  أي ما تفعلونه لجلب نفعٍ أو دفعِ ضرَ من الأعمال المكتسَبةِ بالقلوب أو بالجوارح سراً أو علانية، وتخصيصُها بالذكر مع اندراجها فيما سبق على التفسير الثاني للسر والجهر لإظهار كمال الاعتناء بها، لأنها التي يتعلق بها الجزاءُ وهو السرُّ في إعادة يعلم.

### الآية 6:4

> ﻿وَمَا تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ مِنْ آيَاتِ رَبِّهِمْ إِلَّا كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ [6:4]

وَمَا تَأْتِيهِم منْ آيَةٍ منْ آيات رَبّهِمْ  كلام مستأنَفٌ واردٌ لبيان كفرهم بآيات الله وإعراضِهم عنها بالكلية بعد ما بيّن في الآية الأولى إشراكَهم بالله سبحانه وإعراضَهم عن بعض آيات التوحيد، وفي الآية الثانية امتراءَهم في البعث وإعراضَهم عن بعض آياته. والالتفاتُ للإشعار بأن ذكْرَ قبائحِهم قد اقتضى أن يضرِبَ عنهم الخطابَ صفحاً، وتعددُ جناياتهم لغيرهم ذماً لهم وتقبيحاً لحالهم، فما نافية، وصيغة المضارع لحكاية الحال الماضية، أو للدلالة على الاستمرار التجدُّديّ، و( مِنْ ) الأولى مزيدة للاستغراق، والثانيةُ تبعيضيةٌ واقعةٌ مع مجرورها صفةً لآية، وإضافةُ الآيات إلى اسم الربِّ المضافِ إلى ضميرهم لتفخيم شأنها المستتْبِعِ لتهويل ما اجترأوا عليه في حقها. والمراد بها إما الآياتُ التنزيليةُ فإتيانُها نزولُها، والمعنى ما ينزِلُ إليهم آيةٌ من الآيات القرآنية التي من جملتها هاتيك الآياتُ الناطقةُ بما فُصِّل من بدائعِ صنعِ الله عز وجل المُنْبئةِ عن جَرَيان أحكام ألوهيتِه تعالى على كافة الكائنات، وإحاطةِ علمه بجميع أحوالِ الخلقِ وأعمالهم الموجبةِ للإقبال عليها والإيمانِ بها  إِلاَّ كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ  أي على وجه التكذيبِ والاستهزاء كما ستقف عليه، وأما الآياتُ التكوينيةُ الشاملةُ للمعجزات وغيرِها من تعاجيب المصنوعاتِ فإتيانُها ظهورُها لهم. والمعنى ما يظهر لهم آيةٌ من الآيات التكوينية التي من جملتها ما ذُكر من جلائِلِ شؤونه تعالى الشاهدةِ بوحدانيته إلا كانوا عنها معرضين تاركين للنظر الصحيحِ فيها. المؤدِّي إلى الإيمان بمُكوِّنها، وإيثارُه على أن يقال : إلا أعرضوا عنها كما وقع مثلُه في قوله تعالى : وَإِن يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ  \[ القمر، الآية ٢ \] للدَلالة على استمرارهم على الإعراض حسَبَ استمرارِ إتيانِ الآيات، و( عن ) متعلقةٌ ( بمعرضين ) قُدِّمت عليه مراعاةً للفواصل، والجملة في محل النصب على أنها حال من مفعول تأتي أو من فاعلِه المتخصِّصِ بالوصف لاشتمالها على ضمير كل منهما. وأياً ما كان ففيها دلالة بينةٌ على كمال مسارعتهم إلى الإعراض، وإيقاعِها له في آنِ الإتيان كما يُفصح عنه كلمةُ ( لما ) في قوله تعالى : فَقَدْ كَذَّبُوا بالحق لَمَّا جَاءهُمْ .

### الآية 6:5

> ﻿فَقَدْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ ۖ فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أَنْبَاءُ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ [6:5]

فَقَدْ كَذَّبُوا بالحق لَمَّا جَاءهُمْ  فإن الحق عبارةٌ عن القرآن الذي أعرضوا عنه حين أعرضوا عن كل آية منه، عبّر عنه بذلك إبانةً لكمال قُبح ما فعلوا به، فإن تكذيب الحقِّ مما لا يُتصوَّرُ صدورُه عن أحد، والفاء لترتيب ما بعدها على ما قبلها لكن لا على أنها شيءٌ مغايِرٌ له في الحقيقة واقعٌ عَقيبَه أو حاصلٌ بسببه، بل على أن الأول هو عينُ الثاني حقيقة، وإنما الترتيبُ بحسَب التغايُرِ الاعتباري، و( قد ) لتحقيق ذلك المعنى في قوله تعالى : فَقَدْ جَاؤوا ظُلْماً وَزُوراً  بعد قوله تعالى : وَقَالَ الذين كَفَرُوا إِنْ هذا إِلاَّ إِفْكٌ افتراه وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ  \[ الفرقان، الآية ٤ \] فإن ما جاؤوه أي فعلوه من الظلم والزور عينُ قولِهم المَحْكِيّ، لكنه لما كان مغايراً له مفهوماً وأشنَعَ منه حالاً رُتِّبَ عليه بالفاء ترتيبَ اللازم على الملزوم تهويلاً لأمره، كذلك مفهومُ التكذيب بالحق حيث كان أشنعَ من مفهوم الإعراضِ المذكورِ أُخرِجَ مُخرَجَ اللازم البيِّنِ البُطلان، فرُتِّبَ عليه بالفاء إظهاراً لغاية بُطلانه، ثم قُيد ذلك بكونه بلا تأمل تأكيداً لشناعته وتمهيداً لبيان أن ما كذبوا به آثرَ ذي أثير له عواقبُ جليلةٌ ستبدو لهم البتة، والمعنى أنهم حيث أعرضوا عن تلك الآيات عند إتيانها فقد كذبوا بما لا يمكن تكذيبُه أصلاً من غير أن يتدبروا في حاله ومآله، ويقفوا على ما في تضاعيفه من الشواهد الموجبةِ لتصديقه، كقوله تعالى : بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِيهِمُ تَأْوِيلِهِ  \[ يونس، الآية ٣٩ \] كما يُنْبئ عنه قوله تعالى : فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أَنْبَاء مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ  فإن ( ما ) عبارةٌ عن الحق المذكور عنه بذلك تهويلاً لأمره بإبهامه، وتعليلاً للحكم بما في حيز الصلة، وإنباؤه عبارةٌ عما سيَحيقُ بهم من العقوبات العاجلة التي نطَقت بها آياتُ الوعيد، وفي لفظ ( الأنباء ) إيذانٌ بغاية العِظَم لِما أن النَّبأَ لا يُطلق إلا على خبرٍ عظيمِ الوقع، وحملُها على العقوبات الآجلةِ أو على ظهور الإسلام وعلوِّ كلمتِه تأباه الآياتُ الآتية، و( سوف ) لتأكيد مضمونِ الجملة وتقريره، أي فسيأتيهم البتةَ[(١)](#foonote-١) وإن تأخرَ مِصْداقُ أنباء الشيءِ الذي كانوا يكذِّبون به قَبلُ مِنْ غير أن يتدبروا في عواقبه، وإنما قيل :( يستهزئون ) إيذاناً بأن تكذيبهم كان مقروناً بالاستهزاء كما أشير إليه. هذا على أن يرادَ بالآيات الآياتُ القرآنيةُ وهو الأظهر، وأما إن أريد بها الآياتُ التكوينيةُ فالفاءُ داخلةٌ على عِلَّة جوابِ شرطٍ محذوف، والإعراضُ على حقيقته كأنه قيل : إن كانوا معرضين عن تلك الآيات فلا تعجبْ فقد فعلوا بما هو أعظمُ منها ما هو أعظمُ من الإعراض، حيث كذبوا بالحق الذي هو أعظم الآيات، ولا مَساغَ لحمل الآيات في هذا الوجه على الآيات كلها أصلاً، وأما ما قيل من أن المعنى أنهم لمّا كانوا معرِضين عن الآيات كلِّها كذبوا بالقرآن فمِمّا ينبغي تنزيهُ التنزيلِ عن أمثاله. 
١ أي لا محالة..

### الآية 6:6

> ﻿أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ وَأَرْسَلْنَا السَّمَاءَ عَلَيْهِمْ مِدْرَارًا وَجَعَلْنَا الْأَنْهَارَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ [6:6]

أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِم من قَرْنٍ  استئنافٌ مَسوقٌ لتعيين ما هو المرادُ بالإنباء التي سبق بها الوعيد، وتقرير إتيانِها بطريق الاستشهاد، وهمزةُ الإنكار لتقرير الرؤية، وهي عِرْفانية مستدعيةٌ لمفعول واحد، و( كم ) استفهاميةً كانت أو خبريةً معلِّقةٌ لها عن العمل مقيِّدةٌ للتكثير سادّةٌ مع ما في حيِّزها مسدَّ مفعولِها، منصوبةٌ بأهلكنا على المفعولية على أنها عبارةٌ عن الأشخاص، و( من قرن ) مميِّزٌ لها على أنه عبارةٌ عن أهل عصر من الأعصار، سُمّوا بذلك لاقترانهم بُرهةً من الدهر كما في قوله عليه الصلاة والسلام :**«خيرُ القرون قَرني ثم الذين يلونهم »** الحديث. وقيل : هو عبارة عن مدة من الزمان والمضافُ محذوف، أي من أهلَ قرن، وأما انتصابها على المصدرية أو على الظرفية على أنها عبارة عن المصدر أو عن الزمان فتعسفٌ ظاهر، و( من ) الأولى ابتدائية متعلقة بأهلكنا أي ألم يعرِفوا بمعايَنةِ الآثارِ وسَماعِ الأخبار كم أمةٍ أهلكنا من قبلِ أهل مكة ؟ أي من قبلِ خلقِهم، أو من قبل زمانهم على حذف المضاف، وإقامةِ المضاف إليه مُقامَه، كعادٍ وثمودَ وأضرابِهم، وقوله تعالى : مكناهم في الأرض  استئناف لبيان كيفيةِ الإهلاك وتفصيلِ مباديه مبنيٌّ على سؤالٍ نشأ من صدر الكلام، كأنه قيل : كيف كان ذلك ؟ فقيل : مكناهم الخ، وقيل : هو صفةٌ لقرنٍ لِما أن النكرةَ مفتقرةٌ إلى مخصص، فإذا وَلِيهَا ما يصلُح مخصِّصاً لها تعيّن وصفيتُه لها، وأنت خبير بأن تنوينَه التفخيميَّ مُغنٍ له عن استدعاء الصفة، على أن ذلك مع اقتضائه أن يكون مضمونُه ومضمونُ ما عُطف عليه من الجُمل أمراً مفروغاً عنه غيرَ مقصود بسياق النظم، مؤدٍّ إلى اختلال النظم الكريم، كيف لا والمعنى حينئذٍ ألم يروا كم أهلكنا من قبلهم من قرنٍ موصوفين بكذا وكذا، وبإهلاكنا إياهم بذنوبهم، وأنه بيِّنُ الفساد. وتمكينُ الشيء في الأرض جعلُه قارّاً فيها، ولمّا لزِمه جعلُها مقراً له، ورد الاستعمالُ بكلَ منهما فقيل : تارةً مكّنه في الأرض، ومنه قوله تعالى : وَلَقَدْ مكنّاهم فِيمَا إِن مكناكم فِيهِ  \[ الأحقاف، الآية ٨٤ \] وأخرى مكّن له في الأرض ومنه قوله تعالى : إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ في الأرض  \[ الكهف، الآية ٨٤ \] حتى أُجرِيَ كلٌّ منهما مُجرَى الآخرَ. ومنه قوله تعالى : مَا لَمْ نُمَكّن لكمْ  بعد قوله تعالى : مكناهم في الأرض ، كأنه قيل في الأول : مكنا لهم، وفي الثاني : ما لم نمكنْكم. و( ما ) نكرةٌ موصوفةٌ بما بعدها من الجملة المنفية، والعائد محذوف، محلُها النصبُ على المصدرية، أي مكناهم تمكيناً لم نمكنْه لكم، والالتفاتُ لما في مواجهتهم بضَعف الحال مزيدُ بيانٍ لشأن الفريقين، ولدفعِ الاشتباه من أول الأمر عن مرجِعَي الضميرين  وَأَرْسَلْنَا السماء  أي المطرَ أو السحابَ أو الظلة لأنها مبدأ المطر  عَلَيْهِمْ  متعلق بأرسلنا  مدرَاراً  أي مِغزاراً حال من السماء  وَجَعَلْنَا الأنهار  أي صيّرناها فقوله تعالى : تَجْرِي مِن تَحْتِهِمُ  مفعولٌ ثانٍ لجعلنا، أو أنشأناها فهو حال من مفعوله، و( من تحتهم ) متعلق بتجري وفيه من الدلالة على كونها مسخّرةً لهم مستمرةً على الجريان على الوجه المذكور ما ليس في أن يقالَ : وأجرينا الأنهارَ من تحتهم، وليس المرادُ بتَعدادِ هاتيك النعم العظامِ الفائضةِ عليهم بعد ذكر تمكينهم بيانَ عِظَم جنايتهم في كفرانها واستحقاقَهم بذلك لأعظم العقوبات بل بيانَ حيازتهم لجميع أسباب نيل المآرب ومبادِي الأمن والنجاة من المكاره والمعاطب، وعدمَ إغناءِ ذلك عنهم شيئاً. والمعنى : أعطيناهم من البسطة في الأجسام والامتدادِ في الأعمار والسَّعةِ من الأموال والاستظهار بأسباب الدنيا في استجلاب المنافع واستدفاع المضارِّ ما لم نُعط أهلَ مكةَ ففعلوا ما فعلوا  فأهلكناهم بِذُنُوبِهِمْ  أي أهلكنا كلَّ قرن من تلك القرون بسبب ما يخُصّهم من الذنوب، فما أغنى عنهم تلك العُدَدُ والأسباب، فسيحِلُّ بهؤلاء مثلُ ما حل بهم من العذاب، وهذا كما ترى آخِرُ ما به الاستشهادُ والاعتبار، وأما قولُه سبحانه : وَأَنْشَأْنَا مِن بَعْدِهِمْ  أي أحدثنا من بعد إهلاك كل قرن  قَرْناً آخَرِين  بدلاً من الهالكين فلبيان كمالِ قدرتِه تعالى وسَعة سُلطانه وأن ما ذُكر من إهلاك الأمم الكثيرة لم يَنْقُصْ من ملكه شيئاً بل كلما أهلك أمةً أنشأ بدلها أخرى.

### الآية 6:7

> ﻿وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَابًا فِي قِرْطَاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ لَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَٰذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ [6:7]

وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ  جملةٌ مستأنفة سيقت بطريق تلوينِ الخطاب لبيان شدةِ شكيمتِهم في المكابرة وما يتفرَّع عليها من الأقاويل الباطلةِ إثْرَ بيانِ إعراضِهم عن آياتِ الله تعالى وتكذيبِهم بالحق واستحقاقِهم بذلك لنزولِ العذاب، ونسبةُ التنزيل هاهنا إليه عليه السلام مع نسبة إتيانِ الآياتِ ومجيءِ الحقِّ فيما سبق إليهم للإشعار بقَدْحهم في نبوته عليه السلام في ضمن قدحِهم فيما نزل عليه صريحاً. وقال الكلبي ومقاتل : نزلت في النَّضْر بنِ الحاث وعبدِ اللَّه بنِ أبي أميةَ ونوفلَ بنِ خويلد حيث قالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم : لن نؤمنَ لك حتى تأتيَنا بكتاب من عند الله ومعه أربعةٌ من الملائكة يشهدون أنه من عند الله تعالى، وأنك رسولُه  كتاباً  إن جُعل اسماً كالإمام فقوله : في قِرْطَاسٍ  متعلقٌ بمحذوف وقع صفة له، أي كتاباً كائناً في صحيفة. وإن جعل مصدراً بمعنى المكتوب فهو متعلِّق بنفسه  فَلَمَسُوهُ  أي الكتابَ وقيل : القرطاس، وقوله تعالى : بِأَيْدِيهِمْ  مع ظهور أن اللمس لا يكون عادةً إلا بالأيدي لزيادة التعيينِ ودفع احتمالِ التجوُّز الواقعِ في قوله تعالى : وَأَنَّا لَمَسْنَا السماء  \[ الجن، الآية ٨ \] أي تفحّصنا، أي فمسُّوه بأيديهم بعد ما رأَوْه بأعينهم، بحيث لم يبقَ لهم في شأنه اشتباه، ولم يقدِروا على الاعتذار بتكسير الأبصار  لَقَالَ الذين كَفَرُوا  أي لقالوا، وإنما وضع الموصولُ موضع الضمير للتنصيص على اتصافهم بما في حيز الصلة من الكفر الذي لا يخفى حسنُ موقعِه باعتبار مفهومه اللغوي أيضاً  إِنَّ هَذَا  أي ما هذا مشيرين إلى ذلك الكتاب  إِلاَّ سِحْرٌ مُبِينٌ  أي بيِّنٌ كونُه سحراً، تعنتاً وعناداً للحق بعد ظهوره كما هو دأْبُ المُفحَمِ المحجوج، وديدَنُ المكابِرِ اللَّجوج.

### الآية 6:8

> ﻿وَقَالُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ ۖ وَلَوْ أَنْزَلْنَا مَلَكًا لَقُضِيَ الْأَمْرُ ثُمَّ لَا يُنْظَرُونَ [6:8]

وَقَالُوا لَوْلا أُنزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ  شروع في قدحهم في نبوته عليه السلام صريحاً بعد ما أُشير إلى قدحهم فيها ضِمناً. وقيل : هو معطوفٌ على جواب ( لو )، وليس بذاك، لما أن تلك المقالةَ الشنعاءَ ليست مما يُقدَّر صدورُه عنهم على تقدير تنزيلِ الكتابِ المذكور، بل هي من أباطيلهم المُحقّقة، وخُرافاتهم المُلفّقة، التي يتعللون بها كلما ضاقتْ عليهم الحيلُ وعيَّت بهم العلل، أي هلا أُنزل عليه عليه السلام مَلكٌ بحيث نراه ويكلمنا أنه نبيٌّ حسبما نُقل عنهم فيما رُويَ عن الكلبي ومقاتل، ونظيرُه قولهم : لَوْلا أُنزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيراً  \[ الفرقان، الآية ٧ \] ولما كان مدارُ هذا الاقتراح على شيئين : إنزالِ الملَك كما هو وجعلِه معه عليه السلام نذيراً، أجيب عنه بأن ذلك مما لا يكاد يدخُل تحت الوجود أصلاً، لاشتماله على أمرين متباينين لا يجتمعان في الوجود : لِما أن إنزالَ الملَك على صورته يقتضي انتفاءَ جعلِه نذيراً، وجعلُه نذيراً يستدعي عدمَ إنزاله على صورته لا مَحالة. وقد أشير إلى الأول بقوله : وَلَوْ أَنزَلْنَا مَلَكاً لَقُضِي الأمر  أي لو أنزلنا ملَكاً على هيئته حسْبما اقترحوه والحالُ أنه مِن هِوْل المنظر بحيث لا تُطيقُ بمشاهدته قوى الآحاد البشرية. ألا يرى أن الأنبياءَ عليهم الصلاة والسلام كانوا يشاهدون الملائكةَ ويفاوضونهم على الصور البشرية كضيف إبراهيمَ ولوطٍ وخصْمِ داودَ عليهم السلام وغير ذلك. وحيث كان شأنُهم كذلك وهم مؤيَّدون بالقُوى القدُسية فما ظنُّك بمن عداهم من العوام ؟ فلو شاهدوه كذلك لقُضِيَ أمرُ هلاكهم بالكلية، واستحال جعلُه نذيراً، وهو مع كونه خلافَ مطلوبِهم مستلزِمٌ لإخلاءِ العالم عما عليه يدور نظامُ الدنيا والآخرةِ من إرسال الرُّسل، وتأسيسِ الشرائع، وقد قال سبحانه : وَمَا كُنَّا مُعَذّبِينَ حتى نَبْعَثَ رَسُولاً  \[ الإسراء، الآية ٥٠ \] وفيه كما ترى إيذانٌ بأنهم في ذلك الاقتراحِ كالباحث عن حَتْفه بظِلْفه، وأن عدم الإجابة إليه للبُقيا عليهم، وبناءُ الفعل الأول في الجواب للفاعل الذي هو نونُ العَظمة مع كونه في السؤال مبنياً للمفعول لتهويلِ الأمر وتربية المهابة، وبناء الثاني للمفعول للجري على سَنن الكِبرياء، وكلمةُ ( ثم ) في قوله تعالى : ثُمَّ لاَ يُنظَرُونَ  أي لا يُمْهَلون بعد نزوله طرفةَ عينٍ فضلاً عن أن يُنْذَروا به كما هو المقصودُ بالإنذار، للتنبيه على تفاوت ما بين قضاءِ الأمر وعدمِ الإنظار، فإن مفاجأة العذابِ أشدُّ من نفس العذاب وأشق. وقيل : في سبب إهلاكهم أنهم إذا عاينوا الملَك قد نزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم في صورته وهي آيةٌ لا شيءَ أبينُ منها ثم لم يؤمنوا لم يكنْ بدّ من إهلاكهم، وقيل : إنهم إذا رأَوه يزول الاختيارُ الذي هو قاعدةُ التكليف، فيجبُ إهلاكُهم، وإلى الثاني أُشير بقوله تعالى : وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَجَعَلْنَاهُ رَجُلًا وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِم ما يَلْبِسُونَ .

### الآية 6:9

> ﻿وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَجَعَلْنَاهُ رَجُلًا وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ [6:9]

وَلَوْ جعلناه مَلَكاً لجعلناه رَجُلاً  على أن الضميرَ الأول للتقدير المفهومِ من فحوى الكلام بمعونة المقام، وإنما لم يجعل للملك المذكور قبله بأن يعكس ترتيب المفعولين ويقال : ولو جعلناه نذيراً لجعلناه رجلاً مع فهم المراد منه أيضاً لتحقيق أن مناطَ إبرازِ الجعل الأول في معرِض الفرض والتقدير، ومدارَ استلزامِه الثانيَ إنما هو مَلَكيةُ النذير، لا نذيريّة المَلَك، وذلك لأن الجعل حقُّه أن يكون مفعولُه الأولُ مبتدأ والثاني خبراً، لكونه بمعنى التصييرِ المنقول من ( صار ) الداخِلِ على المبتدأ والخبر. ولا ريب في أن مصَبّ الفائدة ومدارَ اللزوم بين طَرَفي الشرطية هو محمولُ المقدَّمِ لا موضوعُه، فحيث كانت امتناعيةً أريد بها بيانُ انتفاءِ الجعْلِ الأول لاستلزامه المحذور الذي هو الجعل الثاني وجب أن يُجعلَ مدارُ الاستلزام في الأول مفعولاً ثانياً لا محالة، ولذلك جَعَل مُقابِلَه في الجعل الثاني كذلك، إبانةً لكمال التنافي بينهما الموجبِ لانتفاء الملزوم، والضمير الثاني للملك لا لما رجع إليه الأول. والمعنى : لو جعلنا النذيرَ الذي اقترحوه ملكاً لمثّلنا ذلك المَلكَ رجلاً لما مر من عدم استطاعةِ الآحاد لمُعاينَةِ الملك على هيكله، وفي إيثار ( رجلاً ) على ( بشراً ) إيذانٌ بأن الجعلَ بطريق التمثيل لا بطريق قلب الحقيقة، وتعيينٌ لما يقع به التمثيل، وقوله تعالى : وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِم  عطفٌ على جواب لو مبنيّ على الجواب الأول، وقرئ بحذف لام الجواب اكتفاءً بما في المعطوف عليه، يقال : لَبَستُ الأمرَ على القوم ألبِسُه إذا شبّهتُه وجعلته مُشكِلاً عليهم، وأصله الستر بالثوب، وقرئ الفعلان بالتشديد للمبالغة، أي ولَخلّطنا عليهم بتمثيله رجلاً  ما يَلْبِسُونَ  على أنفسهم حينئذ بأن يقولوا له : إنما أنت بشرٌ ولست بمَلَك، ولو استُدل على مَلَكيته بالقرآن المعجزِ الناطقِ بها أو بمعجزاتٍ أُخَرَ غيرِ مُلجئةٍ إلى التصديق لكذّبوه كما كذبوا النبي عليه الصلاة والسلام، ولو أظهر لهم صورته الأصلية لزم الأمر الأول، والتعبير عن تمثيله تعالى رجلاً باللَّبْس إما لكونه في صورة اللبس، أو لكونه سبباً لِلَبْسِهم، أو لوقوعه في صُحبته بطريق المشاكلة، وفيه تأكيدٌ لاستحالة جعل النذيرِ مَلَكاً كأنه قيل : لو فعلناه لفعلنا ما لا يليق بشأننا من لَبْس الأمر عليهم، وقد جُوِّز أن يكونَ المعنى وللبسنا عليهم حينئذ مثلَ ما يلبِسون على أنفسهم الساعةَ في كفرهم بآيات الله البينة.

### الآية 6:10

> ﻿وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ [6:10]

وَلَقَدِ استهزئ بِرُسُلٍ من قَبْلِكَ  تسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم عما يلقاه من قومه، وفي تصدير الجملة بلام القسم وحرفِ التحقيق من الاعتناء به ما لا يخفى، وتنوينُ ( رسل ) للتفخيم والتكثير، و( من ) ابتدائية متعلقة بمحذوفٍ وقع صفةً لرسل، أي وبالله لقد استهزئ برسل أولي شأنٍ خطيرٍ وذوي عددٍ كثير كائنين من زمانٍ قبلَ زمانك، على حذف المضاف وإقامةِ المضاف إليه مُقامَه  فَحَاقَ  عَقيبه أي أحاط أو نزل أو حلَّ أو نحوُ ذلك، فإن معناه يدور على الشمول واللزوم، ولا يكاد يُستعمل إلا في الشر، والحَيْق ما يشتمل على الإنسان من مكروهِ فِعْلِه وقوله تعالى : بالذين سَخِرُوا مِنْهُمْ  أي استهزأوا بهم من أولئك الرسل عليهم السلام متعلق بحاق، وتقديمُه على فاعله الذي هو قوله تعالى : ما كَانُوا بِهِ يستهزؤون  للمسارعة إلى بيان لحوق الشر بهم، و( ما ) إما موصولةٌ مفيدةٌ للتهويل، أي فأحاط بهم الذي كانوا يستهزؤون به حيث أُهلكوا لأجله، وإما مصدريةٌ أي فنزل بهم وَبالُ استهزائهم، وتقديم الجار والمجرور على الفعل لرعاية الفواصل.

### الآية 6:11

> ﻿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ ثُمَّ انْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ [6:11]

قُلْ سِيرُوا في الأرض  بعد بيانِ ما فعلت الأممُ الخالية وما فُعل بهم خوطب رسولُ الله صلى الله عليه وسلم بإنذار قومه، وتذكيرِهم بأحوالهم الفظيعة تحذيراً لهم عما هم عليه، وتكملةً للتسلية بما في ضِمْنه من العِدَة اللطيفة بأنه سيَحيقُ بهم مثلُ ما حاق بأضرابهم الأولين، ولقد أنجَز ذلك يومَ بدرٍ أيَّ إنجازٍ، أي سيروا في الأرض لتعرِفوا أحوال أولئك الأمم  ثُمَّ انظروا  أي تفكروا  كَيْفَ كَانَ عاقبة المكذبين  وكلمة ( ثم ) إما لأن النظر في آثار الهالكين لا يتسنّى إلا بعد انتهاء السير إلى أماكنهم، وإما لإبانة ما بينهما من التفاوت في مراتب الوجوب وهو الأظهر، فإن وجوب السير ليس إلا لكونه وسيلةً إلى النظر كما يفصح عنه العطف بالفاء في قوله عز وجل : فانظروا  \[ سورة آل عمران : الآية ١٣٧ \] الآية، وإما أن الأمر الأول لإباحة السير للتجارة ونحوها، والثاني لإيجاب النظر في آثارهم، و( ثم ) لتُباعِدَ ما بين الواجب والمباح فلا يناسب المقام، و( كيف ) معلِّقةٌ لفعل النظر، ومحلُ الجملة النصبُ بنزع الخافض أي تفكروا في أنهم كيف أُهلكوا بعذاب الاستئصال، والعاقبة مصدرٌ كالعافية ونظائرِها، وهي منتهى الأمرِ ومآلُه، ووضعُ المكذبين موضعَ المستهزئين لتحقيق أن مدارَ إصابةِ ما أصابهم هو التكذيبُ لينزجِرَ السامعون عنه لا عن الاستهزاء فقط، مع بقاء التكذيب بحاله بناءً على توهُّم أنه المدار في ذلك.

### الآية 6:12

> ﻿قُلْ لِمَنْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۖ قُلْ لِلَّهِ ۚ كَتَبَ عَلَىٰ نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ ۚ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَىٰ يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ ۚ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ [6:12]

قُلْ  لهم بطريق الإلجاء والتبكيت  لمَن ما في السماوات والأرض  من العقلاء وغيرِهم، أي لمن الكائناتُ جميعاً خلْقاً ومُلكاً وتصرّفاً ؟ وقوله تعالى : قُل لِلَّهِ  تقريرٌ لهم وتنبيهٌ على أنه المتعيَّنُ للجواب بالاتفاق بحيث لا يتأتّى لأحد أن يُجيب بغيره كما نطق به قوله تعالى : وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ منْ خَلَقَ السماوات والأرض لَيَقُولُنَّ الله  \[ لقمان، الآية ٢٥ \] وقوله تعالى : كَتَبَ على نَفْسِهِ الرحمة  جملةٌ مستقلة داخلة تحت الأمر ناطقةٌ بشمول رحمتِه الواسعةِ لجميع الخلق شمولَ مُلكِه وقدرته للكلِّ، مَسوقةٌ لبيانِ أنه تعالى رؤوفٌ بعباده لا يعجَلُ عليهم بالعقوبة بل يقبل منهم التوبةَ والإنابةَ، وأن ما سبق ذكرُه وما لحِقَ من أحكام الغضب ليس من مقتَضيَات ذاتِه تعالى، بل من جهة الخَلْق، كيف لا ومن رحمتِه أن خلقَهم على الفطرة السليمة وهداهم إلى معرفته وتوحيدِه بنَصْب الآياتِ الأنفسية والآفاقية، وإرسالِ الرسل، وإنزالِ الكُتب المشحونة بالدعوة إلى موجباتِ رِضوانِه، والتحذيرِ عن مقتَضيَات سُخْطِه، وقد بدّلوا فطرةَ الله تبديلاً، وأعرَضوا عن الآياتِ بالمرة، وكذّبوا بالكتب واستهزأوا بالرسل، وما ظلمهم الله ولكن كانوا هم الظالمين، ولولا شمولُ رحمتِه لسلك بهؤلاءِ أيضاً مَسلكَ الغابرين. ومعنى كتب على نفسه الرحمة أنه تعالى قضاها وأوجبها بطريق التفضُّل والإحسانِ على ذاته المقدّسةِ بالذات لا بتوسُّط شيءٍ أصلاً، وقيل : هو ما رُوي عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :**«لمَّا قضى الله تعالى الخلقَ كتَبَ في كتابٍ فهو عنده فوق العرش، إنَّ رحمتي غلبتْ غضبي »** وعن عمرَ رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لكعب :**«ما أولُ شيءٍ ابتدأه الله تعالى مِنْ خلقه ؟ »** فقال كعب : كتب الله كتاباً لم يكتبْه بقلم ولا مِدادٍ كتابةَ الزَّبَرْجد واللؤلؤ والياقوت :**«إني أنا الله لا إله إلا أنا سبقت رحمتي غضبي »** ومعنى سبْقِ الرحمةِ وغَلَبتِها أنها أقدمُ تعلُّقاً بالخلق وأكثرُ وصولاً إليهم مع أنها من مقتضيات الذاتِ المُفضيةِ للخير، وفي التعبير عن الذات بالنفس حجةٌ على من ادّعى أن لفظَ النفسِ لا يُطلق على الله تعالى وإن أريد به الذاتُ إلا مشاكلةً لِما ترَى من انتفاءِ المشاكلة هاهنا بنَوْعَيْها، وقوله تعالى : لَيَجْمَعَنَّكُمْ إلى يَوْمِ القيامة  جوابُ قسمٍ محذوف، والجملة استئنافٌ مسوقٌ للوعيد على إشراكهم وإغفالِهم النظرَ، أي والله ليجمعنّكم في القبور مبعوثين أو محشورين إلى يوم القيامة فيجازيكم على شِرْككم وسائرِ معاصيكم وإن أمهلكم بموجَب رحمتِه ولم يعاجِلْكم بالعقوبة الدنيوية وقيل :( إلى ) بمعنى اللام، أي ليجمعنكم ليوم القيامة كقوله تعالى : إِنَّكَ جَامِعُ الناس لِيَوْمٍ لا رَيْبَ فِيهِ  \[ آل عمران، الآية ٩ \] وقيل : هي بمعنى في أي ليجمعنكم في يوم القيامة  لاَ رَيْبَ فِيهِ  أي في اليوم أو في الجمع. وقوله تعالى : الذين خَسِرُوا أَنفُسَهُم  أي بتضييع رأسِ مالهم وهو الفطرةُ الأصليةُ والعقلُ السليم والاستعدادُ القريبُ الحاصلُ من مشاهدة الرسول عليه الصلاة والسلام، واستماعِ الوحْي وغيرِ ذلك من آثار الرحمة، في موضع النصْب أو الرفعِ على الذم أي أعني الذين الخ، أو هو مبتدأ والخبر قوله تعالى : فَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ  والفاء لتضمُّن المبتدأ معنى الشرط، والإشعارُ بأن عدمَ إيمانهم بسبب خُسرانهم، فإن إبطالَ العقل باتباع الحواسِّ والوهم والانهماك في التقليد، وإغفالِ النظر أدّى بهم إلى الإصرار على الكفر، والامتناعِ من الإيمان. والجملةُ تذييلٌ مَسوقٌ من جهته تعالى لتقبيح حالهم غيرُ داخلٍ تحت الأمر.

### الآية 6:13

> ﻿۞ وَلَهُ مَا سَكَنَ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ ۚ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ [6:13]

وَلَهُ  أي لله عز وجل خاصةً  مَا سَكَنَ في اليل والنهار  نُزِّلَ الملوان[(١)](#foonote-١) منزلةَ المكان فعبّر عن نسبة الأشياء الزمانية إليهما بالسُكنى فيهما، وتعديتُه بكلمة ( في ) كما في قوله تعالى : وَسَكَنتُمْ في مساكن الذين ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ  \[ إبراهيم، الآية ٤٥ \] أو السكونِ مقابلَ الحركة، والمرادُ ما سكن فيهما أو تحرّك فاكتفي بأحد الضدَّيْن عن الآخر  وَهُوَ السميع  المبالغُ في سماع كلِّ مسموع  العليم  المبالغ في العلم بكلّ معلوم، فلا يخفى عليه شيءٌ من الأقوال والأفعال. 
١ الملوان: هما الليل والنهار..

### الآية 6:14

> ﻿قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ يُطْعِمُ وَلَا يُطْعَمُ ۗ قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ ۖ وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ [6:14]

قُلْ  لهم بعد ما بكّتهم بما سبق من الخطاب  أَغَيْرَ الله أَتَّخِذُ وَلِيّاً  أي معبوداً بطريق الاستقلالِ أو الاشتراك، وإنما سُلِّطت الهمزةُ على المفعول الأول لا على الفعل إيذاناً بأن المنكرَ هو اتخاذُ غيرِ الله ولياً، لا اتخاذُ الوليِّ مطلقاً كما في قوله تعالى : أَغَيْرَ الله أَبْغِي رَبًّا  \[ الأنعام، الآية ١٦٤ \] وقوله تعالى : أَفَغَيْرَ الله تَأْمُرُونّي أَعْبُدُ  \[ الزمر، الآية ٦٤ \] الخ  فَاطِرِ السماوات والأرض  أي مُبدعِهما، بالجرِّ صفةٌ للجَلالة مؤكِّدةٌ للإنكار لأنه بمعنى الماضي، ولذلك قُرئ ( فطَرَ ) ولا يضرّ الفصلُ بينهما بالجملة لأنها ليست بأجنبية إذ هي عاملةٌ في عامل الموصوف أو بدلٌ فإن الفصلَ بينه وبين المبدل منه أسهلُ لأن البدلَ على نية تكرير العامل وقرئ بالرفع والنصب على المدح، وعن ابن عباس رضي الله عنهما : ما عرفتُ معنى الفاطرِ حتى اختصم إليَّ أعرابيانِ في بئر فقال أحدهما : أنا فَطَرْتُها أي ابتدأتها  وَهُوَ يُطْعِمُ وَلاَ يُطْعَمُ  أي يرزُق الخلق ولا يُرْزَق، وتخصيصُ الطعام بالذكر لشدة الحاجة إليه أو لأنه معظمُ ما يصل إلى المرزوق من الرزق، ومحلُ الجملة النصبُ على أن الضميرَ لغير الله والمعنى أأُشرِك بمن هو فاطرُ السماوات والأرض ما هو نازلٌ عن رتبة الحيوانية ؟ وببنائهما للفاعل على أن الثانيَ بمعنى يستطعم أو معنى أنه يطعم تارة ولا يطعم أخرى كقوله تعالى : يَقْبِضُ وَيَبْسطُ  \[ البقرة، الآية ٢٤٥ \].  قُلْ  بعد بيان اتخاذِ غيرِه تعالى ولياً مما يَقْضي ببطلانه بديهةُ العقول  إِنّي أُمِرْتُ  من جنابه عز وجل  أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ  وجهَه لله مخلِصاً له لأن النبيَّ إمامُ أمته في الإسلام كقوله تعالى : وبذلك أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ المسلمين  \[ الأنعام، الآية ١٦٣ \] وقوله تعالى : سبحانك تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ المؤمنين  \[ الأعراف، الآية ١٤٣ \]  وَلاَ تَكُونَنَّ  أي وقيل لي : ولا تكونن  مِنَ المشركين  أي في أمر من أمور الدين، ومعناه أُمرت بالإسلام ونُهيتُ عن الشرك، وقد جوَّزَ عطفَه على الأمر.

### الآية 6:15

> ﻿قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ [6:15]

قُلْ إِنّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبّي  أي بمخالفة أمرِه ونهيه أيَّ عصيانٍ كان فيدخل فيه ما ذُكر دخولاً أولياً وفيه بيانٌ لكمال اجتنابه عليه السلام عن المعاصي على الإطلاق وقوله تعالى : عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيم  أي عذابَ يوم القيامة، مفعولُ أخاف، والشرطية معترِضةٌ بينهما، والجوابُ محذوفٌ لدلالة ما قبله عليه وفيه قطعٌ لأطماعهم الفارغة وتعريضٌ بأنهم عصاةٌ مستوجبون للعذاب العظيم.

### الآية 6:16

> ﻿مَنْ يُصْرَفْ عَنْهُ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمَهُ ۚ وَذَٰلِكَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ [6:16]

من يُصْرَفْ عَنْهُ  على البناء للمفعول أي العذاب، وقرئ على البناء للفاعل والضمير لله سبحانه، وقد قرئ بالإظهار، والمفعول محذوف وقوله تعالى : يَوْمَئِذٍ  ظرف للصرف، أي في ذلك اليوم العظيم، وقد جوز أن يكون هو المفعول على قراءة البناء للفاعل بحذف المضاف أي عذاب يومئذ  فَقَدْ رَحِمَهُ  أي نجاه وأنعم عليه وقيل : فقد أدخله الجنة كما في قوله تعالى : فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النار وَأُدْخِلَ الجنة فَقَدْ فَازَ  \[ آل عمران، الآية ١٨٥ \] والجملة مستأنفةٌ مؤكِّدةٌ لتهويل العذاب، وضميرُ عنه ورَحمه ( لمن )، وهو عبارة عن غير العاصي  وَذَلِكَ  إشارة إلى الصرف أو الرحمة، لأنها مؤوّلة بأن مع الفعل وما فيه من معنى البعد للإيذان بعلو درجته، وبعد مكانه في الفضل، وهو مبتدأ خبرُه قوله تعالى : الفوز المبين  أي الظاهرُ كونُه فوزاً وهو الظَفَر بالبُغية، والألف واللام لقصره على ذلك.

### الآية 6:17

> ﻿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ ۖ وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [6:17]

وَإِن يَمْسَسْكَ الله بِضُرّ  أي ببليةٍ كمرَض وفقر ونحو ذلك  فَلاَ كاشف لَهُ  أي فلا قادرَ على كشفه عنك  إِلاَّ هُوَ  وحده  وَإِن يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ  من صِحةٍ ونعمةٍ ونحو ذلك  فَهُوَ على كُلّ شيء قَدُيرٌ  ومن جملته ذلك، فيقدِرُ عليه فيمسَسْك به ويحفَظْه عليك من غير أن يقدِرَ على دفعه، أو على رفعه أحدٌ، كقوله تعالى : فَلاَ رَادَّ لِفَضْلِهِ  \[ يونس، الآية ١٠٧ \] وحملُه على تأكيد الجوابين يأباه الفاء. روي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال : أُهدي للنبي صلى الله عليه وسلم بغلةٌ أهداها له كسرى، فركِبها بحبْل من شعر ثم أردفني خلفه ثم سار بي ميلاً، ثم التفت إلي فقال :**«يا غلام »** فقلت : لبيك يا رسول الله. فقال :**«أحفَظِ الله يحفَظْك، احفظ الله تجدْه أمامك، تعرَّفْ إلى الله في الرخاء يعرِفْك في الشدة، وإذا سألت فاسألِ الله، وإذا استعنت فاستعنْ بالله، فقد مضى القلمُ بما هو كائن، فلو جَهَدَ الخلائقُ أن ينفعوك بما لم يقضِه الله لك لم يقدِروا عليه، ولو جَهَدوا أن يضروك بما لم يكتُبِ الله عليك ما قدَروا عليه، فإن استطعتَ أن تعملَ بالصبر مع اليقين فافعل، فإن لم تستطِعْ فاصبر، فإن في الصبر على ما تكره خيراً كثيراً، واعلم أن النصر مع الصبر، وأن مع الكرْب فرَجاً، وأن مع العسر يسراً »**.

### الآية 6:18

> ﻿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ ۚ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ [6:18]

وَهُوَ القاهر فَوْقَ عِبَادِهِ  تصويرٌ لقهره وعلوِّه بالغَلَبة والقُدرة  وَهُوَ الحكيم  في كل ما يفعله ويأمر به  الخبير  بأحوال عبادِه وخفايا أمورِهم، واللام في المواضع الثلاثة للقصر.

### الآية 6:19

> ﻿قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً ۖ قُلِ اللَّهُ ۖ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ ۚ وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَٰذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ ۚ أَئِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللَّهِ آلِهَةً أُخْرَىٰ ۚ قُلْ لَا أَشْهَدُ ۚ قُلْ إِنَّمَا هُوَ إِلَٰهٌ وَاحِدٌ وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ [6:19]

قُلْ أَيّ شيء أَكْبَرُ شهادة  روي ( أن قريشاً قالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم : يا محمد لقد سألنا عنك اليهودَ والنصارى فزعموا أنْ ليس عندهم ذكرٌ ولا صفةٌ فأرِنا من يشهد لك أنك رسولُ الله فنزلت ). ( فأيّ ) مبتدأ و( أكبرُ ) خبره و( شهادة ) نُصب على التمييز وقوله تعالى : قُلِ الله  أمرٌ له عليه الصلاة والسلام بأن يتولَّى الجواب بنفسه، إما للإيذان بتعيُّنه وعدمِ قدرتهم على أن يجيبوا بغيره، أو لأنهم ربما يتلعثمون فيه لا لتردُّدهم في أنه أكبرُ من كل شيء، بل في كونه شهيداً في هذا الشأن، وقوله تعالى : شَهِيدٌ  خبرُ مبتدأ محذوف، أي هو شهيد  بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ  ويجوز أن يكون ( الله شهيد بيني وبينكم ) هو الجواب، لأنه إذا كان هو الشهيدَ بينه وبينهم كان أكبرُ شيءٍ شهادةً شهيداً له عليه الصلاة والسلام، وتكريرُ ( البين ) لتحقيق المقابلة  وَأُوحِي إِلَيّ  أي من جهته تعالى  هذا القرآن  الشاهدُ بصِحة رسالتي  لأُنذِرَكُمْ بِهِ  بما فيه من الوعيد، والاقتصارُ على ذكر الأنذار لما أن الكلام مع الكفرة  وَمَن بَلَغَ  عطفٌ على ضمير المخاطَبين أي لأنذركم به يا أهلَ مكةَ وسائرَ مَنْ بلغه من الأسودِ والأحمرِ أو من الثقلَيْن، أو لأنذركم به أيها الموجودون ومَنْ سيوجد إلى يوم القيامة، وهو دليل على أن أحكام القرآن تعمُّ الموجودين يوم نزولِه ومن سيوجد بَعْدُ إلى يوم القيامة، خلا أن ذلك بطريق العبارة في الكل عند الحنابلة، وبالإجماع عندنا في غير الموجودين وفي غير المكلفين يومئذ كما مر في أول سورة النساء  أئنكم لتشهدون أن مع الله آلهة أخرى  تقرير لهم مع إنكار واستبعاد  قُل لا أَشْهَدُ  بذلك وإن شهدتم به فإنه باطل صِرْف  قُلْ  تكرير للأمر للتأكيد  إِنَّمَا هُوَ إله وَاحِدٌ  أي بل إنما أشهد أنه تعالى لا إله إلا هو  وَإِنَّنِى بَريء ممَّا تُشْرِكُونَ  من الأصنام أو من إشراككم.

### الآية 6:20

> ﻿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمُ ۘ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ [6:20]

الذين آتيناهم الكتاب  جواب عما سبق من قولهم لقد سألنا عنك اليهود والنصارى أُخِّر عن تعيين الشهيد مسارعةً إلى إلزامهم بالجواب عن تحكّمهم بقولهم : فأرنا من يشهد لك الخ، والمرادُ بالموصول اليهودُ والنصارى، وبالكتاب الجنسُ المنتظمُ للتوراة والإنجيل، وإيرادُهم بعنوان إيتاء الكتاب للإيذان بمدار ما أسند إليهم بقوله تعالى : يَعْرِفُونَهُ  أي يعرفون رسولَ الله صلى الله عليه وسلم من جهة الكتابَيْن بحِلْيته ونُعوتِه المذكورة فيهما  كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءهُمُ  بحِلاهم بحيث لا يشكون في ذلك أصلاً. روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما قدم المدينة قال عمرُ رضي الله عنه لعبد اللَّه بن سلام : أنزل الله تعالى على نبيه هذه الآيةَ وكيف هذه المعرفة ؟ فقال : يا عمر، لقد عرفتُه فيكم حين رأيته كما أعرِف ابني، ولأنا أشدُّ معرفةً بمحمدٍ مني بابني، لأني لا أدري ما صنع النساء، وأشهد أنه حقٌّ من الله تعالى.  الذين خَسِرُوا أَنفُسَهُم  من أهل الكتابين والمشركين بأن ضيّعوا فطرة الله التي فطر الناس عليها وأعرضوا عن البينات الموجبةِ للإيمان بالكلية  فَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ  لما أنهم مطبوعٌ على قلوبهم، ومحل الموصول الرفعُ على الابتداء وخبرُه الجملة المصدرةُ بالفاء لِشَبَه الموصول بالشرط، وقيل : على أنه خبرُ مبتدأ محذوف، أي هم الذين خسروا الخ، وقيل : على أنه نعتٌ للموصول الأول، وقيل : النصبُ على الذم، فقوله تعالى : فَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ  على الوجوه الأخيرة عطفٌ على جملة  الذين آتيناهم الكتاب  الخ.

### الآية 6:21

> ﻿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَىٰ عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ ۗ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ [6:21]

وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افترى عَلَى الله كَذِباً  بوصفهم النبيَّ الموعودَ في الكتابين بخلاف أوصافِه عليه الصلاة والسلام فإنه افتراءٌ على الله سبحانه وبقولهم : الملائكةُ بناتُ الله، وقولِهم : هَؤُلاء شفعاؤُنا عِندَ الله  \[ يونس، الآية ١٨ \]، ونحو ذلك، وهو إنكارٌ واستبعادٌ لأن يكونَ أحدٌ أظلمَ ممن فعل ذلك أو مساوياً له، وإن كان سبكُ التركيب غيرَ متعرِّض لإنكار المساواة ونفيُها يشهد به العُرف الفاشي، والاستعمالُ المطَّرد، فإنه إذا قيل : من أكرمُ من فلانٍ أو لا أفضلَ من فلان فالمرادُ به حتماً أنه أكرمُ من كل كريم، وأفضلُ من كل فاضل، ألا يُرى إلى قوله عز وجل : لاَ جَرَمَ أَنَّهُمْ في الآخرة هُمُ الاخسرون  \[ هود، الآية ٢٢ \] بعد قوله تعالى : وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افترى عَلَى الله كَذِباً  الخ، والسرُّ في ذلك أن النسبةَ بين الشيئين إنما تُتصوَّر غالباً، لاسيما في باب المغالبة بالتفاوُت زيادةً ونُقصاناً، فإذا لم يكن أحدُهما أزيدَ يتحقق النُقصانُ لا محالة  أو كَذَّبَ بِآيَاتِهِ  كأن كذّبوا بالقرآن الذي من جملته الآيةُ الناطقةُ بأنهم يعرِفونه عليه الصلاة والسلام كما يعرِفون أبناءهم، وبالمُعجزات وسمَّوْها سحراً، وحرفوا التوراة وغيّروا نُعوته عليه الصلاة والسلام، فإن ذلك تكذيبٌ بآياته تعالى، وكلمةُ ( أو ) للإيذان بأن كلًّ من الافتراء والتكذيب وحدَه بالغٌ غايةَ الإفراط في الظلم، فكيف وهم قد جمعوا بينهما فأثبتوا ما نفاه الله تعالى ونفَوْا ما أثبته، قاتلهم الله أنى يؤفكون.  إِنَّهُ  الضمير للشأن، ومدارُ وضعه موضعَه ادِّعاءُ شهرتِه المُغْنية عن ذكره، وفائدةُ تصديرِ الجملة به الإيذانُ بفَخامة مضمونِها مع ما فيه من زيادة تقريره في الذهن فإن الضمير لا يُفهم منه من أول الأمر إلا شأنٌ مُبهمٌ له خطرٌ فيبقى الذهن مترقباً لما يعقبُه فيتمكّن عند وروده له فضلُ تمكُّنٍ فكأنه قيل : إن الشأن الخطيرَ هذا هو  لاَ يُفْلِحُ الظالمون  أي لا ينجُون من مكروهٍ ولا يفوزون بمطلوب، وإذا كان حالُ الظالمين هذا فما ظنُّك بمن في الغاية القاصيةِ من الظلم.

### الآية 6:22

> ﻿وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا أَيْنَ شُرَكَاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ [6:22]

وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً  منصوبٌ على الظرفية بمُضمر مؤخَّرٍ قد حُذف إيذاناً بضيق العبارة عن شرحه وبيانه، وإيماءً إلى عدم استطاعة السامعين لسماعِه لكمال فظاعةِ ما يقع فيه من الطامة والداهية التامة، كأنه قيل : ويوم نحشرهم جميعاً  ثُمَّ نَقُولُ  لهم ما نقول كانَ من الأحوال والأهوال ما لا يحيط به دائرةُ المقال، وتقديرُ صيغةِ الماضي للدَلالة على التحقّق ولحُسنِ موقَعِ عطفِ قوله تعالى : ثُمَّ لَمْ تَكُنْ  \[ الأنعام، الآية ٢٣ \] الخ عليه، وقيل : منصوب على المفعولية بمضمر مقدّم، أي واذكر لهم للتخويف والتحذير يوم نحشرهم الخ، وقيل : وليتقوا أو ليحذروا يوم نحشرهم الخ، والضمير للكل، وجميعاً حال منه وقرئ ( يَحشرُهم جميعاً ثم يقول ) بالياء فيهما  لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا  أي نقول لهم خاصة للتوبيخ والتقريع على رؤوس الأشهاد  أَيْنَ شُرَكَاؤُكُمُ  أي آلهتُكم التي جعلتموها شركاءَ لله سبحانه، وإضافتُها إليهم لما أن شِرْكتَها ليست إلا بتسميتهم وتقوُّلهم الكاذب كما ينبئ عنه قوله تعالى : الذين كُنتُمْ تَزْعُمُونَ  أي تزعُمونها شركاءَ، فحُذِف المفعولان معاً، وهذا السؤالُ المُنبِئ عن غَيْبة الشركاءِ مع عموم الحشر لها لقوله تعالى : احشروا الذين ظَلَمُوا وأزواجهم وَمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ مِن دُونِ الله  \[ الصافات، الآية ٢٢ \] وغيرِ ذلك من النصوص إنما يقع بعد ما جرى بينها وبينهم من التبرُّؤ من الجانبين، وتقطَّع ما بينهم من الأسباب والعلائقِ حسبما يحكيه من قوله تعالى : فَزيلْنا بَيْنَهُمْ  \[ يونس، الآية ٢٨ \] الخ، ونحوُ ذلك من الآيات الكريمة، إما بعدم حضورِها حينئذٍ في الحقيقة بإبعادها من ذلك الموقف، وإما بتنزيل عدمِ حضورها بعُنوان الشِرْكة والشفاعة منزلةَ عدم حضورها في الحقيقة، إذ ليس السؤالُ عنها من حيث ذواتُها، بل إنما هو من حيث إنها شركاءُ كما يُعرب عنه الوصفُ بالموصول، ولا ريب في أن عدم الوصفِ يوجب عدمَ الموصوف من حيث هو موصوف، فهي من حيث هي شركاءُ غائبةٌ لا محالة وإن كانت حاضرةً من حيث ذواتُها أصناماً كانت أو غيرها، وأما ما يقال من أنه يُحال بينها وبينهم في وقت التوبيخ ليفقِدوهم في الساعة التي علّقوا بها الرجاءَ فيها فيرَوْا مكان خِزْيهم وحسرتِهم فربما يُشعِر بعدم شعورِهم بحقيقة الحال وعدمِ انقطاع حبالِ رجائهم عنها بعدُ. وقد عرفت أنهم شاهدوها قبل ذلك، وانصرمت عُروةُ أطماعهم عنها بالكلية، على أنها معلومة لهم من حين الموت والابتلاءِ بالعذاب في البرزخ، وإنما الذي يحصُل يوم الحشر الانكشافُ الجليُّ واليقين القويُّ، المترتبُ على المحاضَرة والمحاوَرة.

### الآية 6:23

> ﻿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ [6:23]

ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ  بتأنيث الفعلِ ورفع ( فتنتُهم ) على أنه اسمٌ له والخبرُ  إِلاَّ أَن قَالُوا  وقرئ بنصب ( فتنتَهم ) على أنها الخبرُ والاسمُ إلا أن قالوا، والتأنيث للخبر كما في قولهم : من كانت أمَّك ؟ وقرئ بالتذكير مع رفع الفتنة ونصبها، ورفعُها أنسبُ بحسب المعنى، والجملة عطفٌ على ما قُدّر عاملاً في يوم نحشرهم كما أشير إليه فيما سلف، والاستثناءُ مفرَّغٌ من أعم الأشياء، وفتنتُهم إما كفرُهم مراداً به عاقبتُه أي لم تكن عاقبةُ كفرِهم الذي لزِموه مدةَ أعمارِهم وافتخروا به شيئاً من الأشياء إلا جحودَه والتبرؤَ منه بأن يقولوا : والله رَبّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ  وإما جوابُهم، عبّر عنه بالفتنة لأنه كذِب، ووصفُه تعالى بربوبيته لهم للمبالغة في التبرّؤ من الإشراك وقرئ ( ربَّنا ) على النداء، فهو لإظهار الضراعة والابتهال في استدعاء قبول المعذرة، وإنما يقولون ذلك مع علمهم بأنه بمعزِلٍ من النفع رأساً من فرط الحَيْرة والدهَش، وحملُه على معنى ما كنا مشركين عند أنفسنا وما علمنا في الدنيا أنا على خطأ في معتقَدِنا مما لا ينبغي أن يُتوهّم أصلاً، فإنه يُوهِم أن لهم عذراً ما، وأن لهم قدرةً على الاعتذار في الجملة، وذلك مُخِلٌّ بكمال هَوْل اليوم قطعاً، على أنه قد قضى ببطلانه قوله تعالى : انظر كَيْفَ كَذَبُوا على أَنفُسِهِمْ .

### الآية 6:24

> ﻿انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلَىٰ أَنْفُسِهِمْ ۚ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ [6:24]

انظر كَيْفَ كَذَبُوا على أَنفُسِهِمْ  فإنه تعجيبٌ من كذبهم الصريح بإنكار صدورِ الإشراك عنهم في الدنيا، أي انظر كيف كذبوا على أنفسهم في قولهم ذلك، فإنه أمرٌ عجيب في الغاية، وأما حملُه على كِذْبهم في الدنيا فتمحُّلٌ يجب تنزيه ساحة التنزيل عنه وقوله تعالى : وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كَانُوا يَفْتَرُونَ  عطف على كذَبوا داخلٌ معه في حكم التعجيب، و( ما ) مصدريةٌ أو موصولةٌ قد حُذف عائدُها، والمعنى انظر كيف كذَبوا باليمين الفاجرةِ المغلَّظة على أنفسهم بإنكار صدور ما صدر عنهم، وكيف ضل عنهم أي زال وذهب افتراؤهم أو ما كانوا يفترونه من الإشراك حتى نفَوا صدوره عنهم بالكلية، وتبرأوا منه بالمرة. وقيل :( ما ) عبارةٌ عن الشركاء، وإيقاعُ الافتراء عليها مع أنه في الحقيقة واقعٌ على أحوالها من الإلهية والشِرْكة والشفاعة ونحوِها للمبالغة في أمرها كأنها نفسُ المفترى، وقيل : الجملة كلامٌ مستأنفٌ غيرُ داخلٍ في حيز التعجيب.

### الآية 6:25

> ﻿وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ ۖ وَجَعَلْنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا ۚ وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لَا يُؤْمِنُوا بِهَا ۚ حَتَّىٰ إِذَا جَاءُوكَ يُجَادِلُونَكَ يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَٰذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ [6:25]

وَمِنْهُمْ من يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ  كلامٌ مبتدأ مَسوقٌ لحكاية ما صدر في الدنيا عن بعض المشركين من أحكام الكفر، ثم بيانِ ما سيصدُر عنهم يوم الحشر تقريراً لما قبله وتحقيقاً لمضمونه، والضميرُ للذين أشركوا، ومحلُ الظرف الرفع على أنه مبتدأ باعتبار مضمونه أو بتقدير الموصوف، كما في قوله تعالى : وَمِنَّا دُونَ ذَلِكَ  \[ الجن، الآية ١١ \] أي وجمعٌ منا الخ و( من ) موصولة أو موصوفة محلُها الرفع على الخبرية، والمعنى وبعضهم أو وبعضٌ منهم الذي يستمع إليك أو فريق يستمع إليك على أن مناطَ الإفادة اتصافُهم بما في حيز الصلة أو الصفة لا كونُهم ذواتِ أولئك المذكورين وقد مر في تفسير قوله تعالى : وَمِنَ الناس مَن يَقُولُ  \[ البقرة، الآية ٨ \] الخ. رُوي أنه اجتمع أبو سفيانَ والوليدُ والنضْرُ وعُتبةُ وشيبةُ وأبو جهلٍ وأضرابُهم يستمعون تلاوةَ رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا للنضر وكان صاحبَ أخبارٍ : يا أبا قتيلة ما يقول محمد ؟ فقال : والذي جعلها بيتَه ما أدري ما يقول إلا أنه يحرِّك لسانه ويقول أساطيرَ الأولين مثلَ ما حدثتُكم من القرون الماضية، فقال أبو سفيان : إني لأراه حقاً، فقال أبو جهل : كلا فنزلت.  وَجَعَلْنَا على قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً  من الجَعْل بمعنى الإنشاء و( على ) متعلقةٌ به وضمير قلوبهم راجعٌ إلى ( مَنْ ) وجمعيتُه بالنظر إلى معناها كما أن إفراد ضميرِ يستمعُ بالنظر إلى لفظها وقد رُوعيَ جانب المعنى في قوله تعالى : وَمِنْهُمْ من يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ  \[ يونس، الآية ٤٢ \] الآية، والأكنة جمع كِنان وهو ما يُستر به الشيءُ، وتنوينُها للتفخيم، والجملة إما مستأنفةٌ للإخبار بما تضمنه من الخَتْم أو حال من فاعل يستمع بإضمار قد عند من يقدِّرها قبل الماضي الواقعِ حالاً أي يستمعون إليك وقد ألقينا على قلوبهم أغطية كثيرة لا يقادر قدرُها خارجةً عما يتعارفه الناس  أَن يَفْقَهُوهُ  أي كراهةَ أن يفقهوا ما يستمعونه من القرآن المدلولِ عليه بذكر الاستماع، ويجوزُ أن يكونَ مفعولاً لما يُنبئ عنه الكلامُ أي منعناهم أن يفقهوه  وَفِي آذَانِهِم وَقْراً  صَمماً وثِقَلاً مانعاً من سماعه، والكلام فيه كما في قوله تعالى : على قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً  \[ الإسراء، الآية ٤٦ \] وهذا تمثيلٌ مُعرِبٌ عن كمال جهلهم بشؤون النبي عليه الصلاة والسلام وفرطِ نُبُوَّة قلوبهم عن فهم القرآن الكريم ومجِّ أسماعِهم له، وقد مر تحقيقه في أول سورة البقرة وقيل : هو حكاية لما قالوا : قُلُوبُنَا في أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفي آذانِنَا وَقْرٌ  \[ فصلت، الآية ٥ \] الآية، وأنت خبير بأن مرادهم بذلك الإخبارُ بما اعتقدوه في حق القرآن والنبي عليه الصلاة والسلام جهلاً وكفراً من اتصافهما بأوصافٍ مانعة من التصديق والإيمان، ككون القرآن سِحراً وشعراً وأساطيرَ الأولين، وقسْ على ما تخيلوه في حق النبي صلى الله عليه وسلم، لا الإخبارُ بأن هناك أمراً وراء ذلك قد حال بينهم وبين إدراكه حائلٌ من قِبَلِهم حتى يُمكِنَ حملُ النظم الكريم على ذلك.  وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ  من الآيات القرآنية أي يشاهدوها بسماعها  لا يُؤْمِنُوا بِهَا  على عموم النفي لا على نفي العموم أي كفروا بكل واحدة منها لعدم اجتلائهم إياها كما هي لما مر من حالهم  حتى إِذَا جَاءوكَ يجادلونك  هي حتى التي تقع بعدها الجمل، والجملة هي قوله تعالى : إِذَا جَاءوكَ   يَقُولُ الذين كَفَرُوا  وما بينهما حال من فاعل جاءوا وإنما وضع الموصولُ موضعَ الضمير ذماً لهم بما في حيِّز الصلة وإشعاراً بعِلة الحكم، أي بلَغوا من التكذيب والمكابرة إلى أنهم إذا جاءوك مجادلين لك لا يكتفون بمجرد عدم الإيمان بما سمعوا من الآيات الكريمة بل يقولون : إِنَّ هَذَا  أي ما هذا  إِلاَّ أساطير الاولين  فإنّ عَدَّ أحسنِ الحديث وأصدقِه الذي لا يأتيه الباطلُ من بين يديه ولا من خلفه من قبيل الأباطيلِ والخرافاتِ رتبةٌ من الكفر لا غاية وراءها، ويجوز أن تكون ( حتى ) جارّةً و( إذا ) ظرفيةً بمعنى وقتِ مجيئهم، ويجادلونك حال كما سبق وقوله تعالى : يَقُولُ الذين كَفَرُوا  الخ، تفسيرٌ للمجادلة والأساطيرُ جمع أُسطورة أو أسطارة أو جمع أسطار وهو جمع سَطَر بالتحريك وأصل الكل السَّطْر بمعنى الخط.

### الآية 6:26

> ﻿وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ ۖ وَإِنْ يُهْلِكُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ [6:26]

وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ  الضمير المرفوع للمذكورين، والمجرورُ للقرآن أي لا يقتنعون بما ذكر من تكذيبه وعدِّه من قبيل الأساطير، بل ينهَوْن الناسَ عن استماعه لئلا يقِفوا على حقّيته فيؤمنوا به  وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ  أي يتباعدون عنه بأنفسهم إظهاراً لغاية نفورهم عنه وتأكيداً لنهيهم عنه، فإن اجتنابَ الناهي عن المنهيِّ عنه من متمّمات النهْي، ولعل ذلك هو السرُّ في تأخير النأْي عن النهْي وقيل : الضميرُ المجرور للنبي عليه الصلاة والسلام وقيل : المرفوعُ لأبي طالب، ولعل جمعيته باعتبار استتباعه لأتباعه، فإنه كان ينهى قريشاً عن التعرض لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وينآى عنه فلا يؤمن به، وروي أنهم اجتمعوا إليه وأرادوا برسول الله صلى الله عليه وسلم سوءاً فقال :\[ الكامل \]والله لن يَصِلوا إليك بجمعِهم  حتى أُوسَّدَ في التراب دفينافاصدَعْ بأمرك ما عليك غضاضة  وابشُرْ بذاك وقَرَّ منه عيوناودعوتني وزعمتَ أنك ناصحي  ولقد صدقت وكنت ثَمَّ أميناوعرضتَ ديناً لا محالةَ إنه  من خيرِ أديان البرية دينالولا الملامةُ أو حِذاري سُبّةً  لوجدتني سَمْحاً بذاك مبينافنزلت  وَإِن يُهْلِكُونَ  أي ما يهلكون بما فعلوا من النهي والنأي  إِلاَّ أَنفُسُهُمْ  بتعريضها لأشد العذاب وأفظعِه عاجلاً وآجلاً وهو عذابُ الضلال والإضلال وقوله تعالى : وَمَا يَشْعُرُونَ  حال من ضمير ( يُهلكون ) أي يقصُرون الإهلاكَ على أنفسهم والحال أنهم ما يشعرون أي لا بإهلاكهم أنفسَهم ولا باقتصار ذلك عليها من غير أن يُضِروا بذلك شيئاً من القرآن والرسولِ عليه الصلاة والسلام والمؤمنين. وإنما عبّر عنه بالإهلاك، مع أن النفيَ عن غيرهم مطلقُ الضرر إذ غايةُ ما يؤدي إليه ما فعلوا من القدح في القرآن الكريم الممانعةُ في تمشّي أحكامِه وظهورِ أمر الدين، للإيذان بأن ما يَحيق بهم هو الهلاكُ لا الضررُ المطلقُ، على أن مقصِدهم لم يكن مطلقَ الممانعة فبما ذُكر بل كانوا يبغون الغوائلَ لرسول الله صلى الله عليه وسلم وللمؤمنين. ويجوز أن يكون الإهلاكُ معتبراً بالنسبة إلى الذين يُضِلونهم بالنهي، فقصْرُه على أنفسهم حينئذ مع شموله للفريقين مبنيٌّ على تنزيلِ عذاب الضلالِ عند عذاب الإضلال منزلةَ العدم.

### الآية 6:27

> ﻿وَلَوْ تَرَىٰ إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ فَقَالُوا يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ [6:27]

وَلَوْ ترى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النار  شروعٌ في حكاية ما سيصدر عنهم يوم القيامة من القول المناقضِ لما صدر عنهم في الدنيا من القبائحِ المَحْكيّة مع كونه كِذْباً في نفسه، والخطابُ إما لرسول الله صلى الله عليه وسلم أو لكل أحدٍ من أهل المشاهَدة والعِيانِ قصداً إلى بيان كمالِ سوءِ حالهم وبلوغِها من الشناعة والفظاعةِ إلى حيث لا يختصُّ استغرابُها براءٍ دون راءٍ ممن اعتاد مشاهدةَ الأمورِ العجيبة، بل كلُّ من يتأتى منه الرؤيةُ يتعجبُ من هولها وفظاعتِها، وجوابُ ( لو ) محذوف ثقةً بظهوره وإيذاناً بقصور العبارة عن تفصيله، وكذا مفعولُ ( ترى ) لدِلالة ما في حيِّز الظرْفِ عليه أي لو تراهم حين يوقَفون على النار حتى يعاينوها لرأيتَ ما لا يسعه التعبيرُ، وصيغةُ الماضي للدَلالة على التحقق أو حين يطّلعون عليها اطّلاعاً وهي تحتَهم أو يدخُلونها فيعرِفون مقدارَ عذابها، من قولهم : وقفتُه على كذا إذا فهَّمتُه وعرَّفته. وقرئ ( وقَفوا ) على البناء للفاعل من وقَف عليه وقوفاً.  فَقَالُوا يا ليتنا نُرَدُّ  أي إلى الدنيا تمنياً للرجوع والخلاص، وهيهاتَ، ولاتَ حينَ مناص  وَلاَ نُكَذّبَ بآيات رَبّنَا  أي بآياته الناطقةِ بأحوال النار وأهوالها، الآمرةِ باتقائها إذ هي التي تخطُر حينئذ ببالهم، ويتحسرون على ما فرّطوا في حقها أو بجميع آياتِه المنتظمةِ لتلك الآياتِ انتظاماً أولياً  وَنَكُونَ مِنَ المؤمنين  بها العاملين بمقتضاها حتى لا نرى هذا الموقفَ الهائلَ أو نكونَ من فريق المؤمنين الناجين من العذاب الفائزين بحُسن المآب، ونصبُ الفعلين على جواب التمني بإضمار أنْ بعد الواو وإجرائها مجرى الفاء ويؤيده قراءةُ ابن مسعود وابنِ إسحاقَ ( فلا نكذبَ ) والمعنى إنْ رُدِدْنا لم نكذبْ ونكنْ من المؤمنين. وقيل : ينسَبِكُ من أن المصدرية ومن الفعل بعدها مصدرٌ ويقدّر قبله مصدرٌ متوهِّم فيُعطَف هذا عليه كأنه قيل : ليت لنا رداً وانتفاءَ تكذيبٍ وكوناً من المؤمنين، وقرئ برفعهما على أنه كلامٌ مستأنف كقوله : دعني ولا أعودُ أي وأنا لا أعود تركتَني أو لم تترُكْني، أو عطفٌ على ( نرد ) أو حال من ضميره فيكون داخلاً في حكم التمني كالوجه الأخير للنصب، وتعلقُ التكذيب الآتي به لما تضمّنه من العِدَة بالإيمان وعدمِ التكذيب كما قال : ليتني رُزقتُ مالاً فأكافئَك على صنيعك فإنه متمنٍّ في معنى الواعد فلو رزق مالاً ولم يكافئ صاحبه يكون مكذِّباً لا محالة، وقرئ برفع الأول ونصب الثاني وقد مر وجههما.

### الآية 6:28

> ﻿بَلْ بَدَا لَهُمْ مَا كَانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ ۖ وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ [6:28]

بَلْ بَدَا لَهُمْ ما كَانُوا يُخْفُونَ مِن قَبْلُ  إضرابٌ عما يُنْبئ عنه التمني من الوعد بتصديق الآيات والإيمان بها أي ليس ذلك عن عزيمة صادقةٍ ناشئة عن رغبةٍ في الإيمان وسَوْقٍ إلى تحصيله والاتصافِ به بل لأنه ظهرَ لهم في موقفهم ذلك ما كانوا يخفونه في الدنيا من الداهيةِ الدهياء وظنوا أنهم مُواقِعوها فلِخَوْفها وهول مطلعها قالوا ما قالوا والمراد بها النارُ التي وُقفوا عليها إذ هي التي سيق الكلامُ لتهويل أمرها والتعجبِ من فظاعة حالِ الموقوفين عليها وبإخفائها تكذيبُهم بها، فإن التكذيبَ بالشيء كفر به وإخفاءٌ له لا محالة وإيثاره على صريح التكذيب الوارد في قوله عز وجل : هذه جَهَنَّمُ التي يُكَذّبُ بِهَا المجرمون  \[ الرحمان، الآية ٤٣ \] وقوله تعالى : هذه النار التي كُنتُم بِهَا تُكَذّبُونَ  \[ الطور، الآية ١٤ \] مع كونه أنسبَ بما قبله من قولهم : وَلاَ نُكَذّبَ بآيات رَبّنَا  \[ الأنعام، الآية ٢٧ \] لمراعاة ما في مقابلته من البُدُوّ، هذا هو الذي تستدعيه جزالةُ النظم الكريم، وأما ما قيل من أن المراد بما يُخفون كفرُهم ومعاصيهم أو قبائحُهم وفضائحُهم التي كانوا يكتُمونها من الناس فتظهرُ في صُحُفهم وبشهادة جوارحِهم عليهم أو شركِهم الذي يجحدون به في بعض مواقف القيامة بقولهم : والله رَبّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ  \[ الأنعام، الآية ٢٣ \] ثم يظهر بما ذُكر من شهادة الجوارحِ عليهم أو ما أخفاه رؤساءُ الكفرة عن أتباعهم من أمر البعث والنشور أو ما كتمه علماءُ أهل الكتابين من صحة نبوةِ النبي عليه الصلاة والسلام ونُعوته الشريفة عن عوامِّهم، على أن الضميرَ المجرورَ للعوام والمرفوعَ للخواص، أو كفرُهم الذي أخفَوْه عن المؤمنين والضميرُ المجرور للمؤمنين والمرفوعُ للمنافقين، فبعدَ الإغضاءِ عما في كلٍّ منها من الاعتساف والاختلال لا سبيل إلى شيء من ذلك أصلاً لما عرفت من أن سَوْق النظم الشريف لتهويل أمر النار وتفظيعِ حال أهلها وقد ذُكر وقوفُهم عليها وأُشير إلى أنه اعتراهم عند ذلك من الخوف والخشية والحَيْرة والدهشة ما لا يُحيط به الوصفُ، ورُتّب عليه تمنِّيهم المذكورُ بالفاء القاضيةِ بسببية ما قبلها لما بعدها، فإسقاطُ النار بعد ذلك من تلك السببية وهي في نفسها أدهى الدواهي وأزجرُ الزواجر، وإسنادُها إلى شيء من الأمور المذكورة التي دونها في الهول والزجر مع عدم جَرَيانِ ذكرها ثَمةَ أمرٌ يجب تنزيهُ ساحةِ التنزيل عن أمثاله، وأما ما قيل من أن المراد جزاءُ ما كانوا يُخفون فمن قبيل دخولِ البيوت من ظهورِها وأبوابُها مفتوحة فتأمل.  وَلَوْ رُدُّوا  أي من موقفهم ذلك إلى الدنيا حسبما تمنَّوْه وغاب عنهم ما شاهدوه من الأهوال  لعادوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ  من فنون القبائح التي من جملتها التكذيبُ المذكورُ ونسُوا ما عاينوه بالكلية لاقتصار أنظارِهم على الشاهدِ دون الغائب  وَإِنَّهُمْ لكاذبون  أي لقومٌ ديدَنُهم الكذِبُ في كل ما يأتون وما يذرون  وَقَالُوا  عطفٌ على ( عادوا ) داخلٌ في حيز الجواب، وتوسيطُ قولِه تعالى : وَإِنَّهُمْ لكاذبون  بينهما لأنه اعتراضٌ مَسوقٌ لتقرير ما أفاده الشرطيةُ من كذبهم المخصوصِ، ولو أُخِّر لأَوْهم أن المراد تكذيبُهم في إنكارهم البعثَ. والمعنى لو ردوا إلى الدنيا لعادوا لما نُهوا عنه.

### الآية 6:29

> ﻿وَقَالُوا إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ [6:29]

وقالوا : إِنْ هِي  أي ما الحياة  إِلاَّ حَيَاتُنَا الدنيا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ  بعدما فارقنا هذه الحياةَ كأن لم يرَوا ما رأَوا من الأحوال التي أولُها البعثُ والنشور.

### الآية 6:30

> ﻿وَلَوْ تَرَىٰ إِذْ وُقِفُوا عَلَىٰ رَبِّهِمْ ۚ قَالَ أَلَيْسَ هَٰذَا بِالْحَقِّ ۚ قَالُوا بَلَىٰ وَرَبِّنَا ۚ قَالَ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ [6:30]

وَلَوْ ترى إِذْ وُقِفُوا على رَبّهِمْ  الكلام فيه كالذي مر في نظيره، خلا أن الوقوفَ هاهنا مجازٌ عن الجنس للتوبيخ والسؤال كما يوقَفُ العبدُ الجاني بين يدَيْ سيده للعقاب وقيل : عرَفوا ربَّهم حقَّ التعريف، وقيل : وُقفوا على جزاءِ ربهم، وقولُه تعالى : قَالَ  استئناف مبنيٌّ على سؤال نشأ من الكلام السابق كأنه قيل : فماذا قال لهم ربهم إذ ذاك ؟ فقيل : قال : أَلَيْسَ هذا  مشيراً إلى ما شاهدوه من البعث وما يتبعه من الأمور العظام  بالحق  تقريعاً لهم على تكذيبهم لذلك وقولِهم عند سماعِ ما يتعلق به ما هو بحقٍّ وما هو إلا باطلٌ  قَالُوا  استئناف كما سبق  بلى وَرَبّنَا  أكّدوا اعترافهم باليمين إظهاراً لكمال يقينهم بحقِّيته وإيذاناً بصدور ذلك عنهم بالرغبة والنشاط طمعاً في نفعه.  قَالَ  استئناف كما مر  فَذُوقُوا العذاب  الذي عاينتموه، والفاءُ لترتيب التعذيب على اعترافهم بحقية ما كفروا به في الدنيا لكن لا على أن مدارَ التعذيب هو اعترافُهم بذلك بل هو كفرُهم السابقُ بما اعترفوا بحقيته الآن كما نطق به قوله عز وجل : بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ  أي بسبب كفركم في الدنيا بذلك أو بكل ما يجب الإيمانُ به فيدخل كفرُهم به دخولاً أولياً، ولعل هذا التوبيخَ والتقريع إنما يقع بعد ما وُقفوا على النار فقالوا ما قالوا إذِ الظاهرُ أنه لا يبقى بعد هذا الأمر إلا العذاب.

### الآية 6:31

> ﻿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ ۖ حَتَّىٰ إِذَا جَاءَتْهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً قَالُوا يَا حَسْرَتَنَا عَلَىٰ مَا فَرَّطْنَا فِيهَا وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَىٰ ظُهُورِهِمْ ۚ أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ [6:31]

قَدْ خَسِرَ الذين كَذَّبُوا بِلِقَاء الله  هم الذين حُكِيت أحوالُهم، لكنْ وْضع الموصولُ موضعَ الضمير للإيذان بسبب خسرانهم بما في حيز الصلة من التكذيب بلقائه تعالى بقيام الساعة وما يترتب عليه من البعث وأحكامه المتفرعةِ عليه واستمرارِهم على ذلك، فإن كلمةَ ( حتى ) في قوله تعالى : حتى إِذَا جَاءتْهُمُ الساعة  غايةٌ لتكذيبهم لا لخُسرانهم فإنه أبديٌّ لا حدَّ له  بَغْتَةً  البغْتُ والبغتةُ مفاجأةُ الشيءِ بسرعة من غير شعور به يقال : بغَته بغْتاً وبغتةً أي فجأةً، وانتصابُها إما على أنها مصدرٌ واقع موقعَ الحال من فاعل جاءتهم أي مباغتةً أو من مفعوله أي مبغوتين وإما على أنها مصدرٌ مؤكِّدٌ على غير الصدر فإنّ ( جاءتهم ) في معنى بغتتهم كقولهم : أتيته ركضاً أو مصدرٌ مؤكِّد لفعل محذوف وقع حالاً من فاعل ( جاءتهم ) أي جاءتهم الساعة تبغتهم بغتة.  قَالُوا  جواب إذا  يا حسرتنا  تعالَيْ فهذا أوانُك، والحسرةُ شدة الندم، وهذا التحسرُ وإن كان يعتريهم عند الموت لكنْ لما كان ذلك من مبادي الساعة سُمِّيَ باسمها ولذلك قال عليه الصلاة والسلام :**«من مات فقد قامت قيامتُه »** أو جُعل مجيءُ الساعة بعد الموت كالواقع بغير فترةٍ لسرعته  على مَا فَرَّطْنَا فِيهَا  أي على تفريطنا في شأن الساعة وتقصيرنا في مراعاة حقها والاستعداد لها بالإيمان بها واكتسابِ الأعمالِ الصالحة كما في قوله تعالى : على مَا فَرَّطَتُ في جَنبِ الله  \[ الزمر، الآية ٥٦ \] وقيل : الضميرُ للحياة الدنيا وإن لم يجْرِ لها ذكرٌ لكونها معلومة، والتفريطُ التقصيرُ في الشيء مع القدرة على فعله وقيل : هو التضييعُ وقيل : الفَرَط السبق ومنه الفارط أي السابق ومعنى فرَّط : خلَّى السبْقَ لغيره فالتضعيف فيه للسلب كما في جلّدتُ البعير وقوله تعالى : وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ على ظُهُورِهِمْ  حال من فاعل ( قالوا ) فائدتُه الأيذان بأن عذابَهم ليس مقصوراً على ما ذكِر من الحسرة على ما فات وزال، بل يقاسون مع ذلك تحمُّلَ الأوزار الثِقال، والإيماءُ إلى أن تلك الحسرةَ من الشدة بحيث لا تزول ولا تُنسى بما يكابدونه من فنون العقوبات. والسرُّ في ذلك أن العذابَ الروحانيَّ أشدُّ من الجُسمانيِّ نعوذُ برحمة الله عز وجل منهما، والوِزر في الأصل الحِملُ الثقيل سُمِّي به الإثمُ والذنبُ لغاية ثِقَلِه على صاحبه، وذكرُ الظهور كذكر الأيدي في قوله تعالى : فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ  \[ الشورى، الآية ٣٠ \] فإن المعتاد حملُ الأثقالِ على الظهور كما أن المألوفَ هو الكسبُ بالأيدي، والمعنى أنهم يتحسرون على ما لم يعملوا من الحسنات، والحال أنهم يحمِلون أوزارَ ما عملوا من السيئات  أَلاَ سَاء مَا يَزِرُونَ  تذييلٌ مقرِّرٌ لما قبله وتكملةٌ له أي بئس شيئاً يَزِرُونه وِزْرُهم.

### الآية 6:32

> ﻿وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَعِبٌ وَلَهْوٌ ۖ وَلَلدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ ۗ أَفَلَا تَعْقِلُونَ [6:32]

وَمَا الحياة الدنيا إِلاَّ لَعِبٌ وَلَهْوٌ  لمّا حقَّق فيما سبق أن وراءَ الحياة الدنيا حياةً أخرى يلقَوْن فيها من الخطوب ما يلقون بَيَّن بعدَه حالَ تينِك الحياتين في أنفسهما، واللعبُ عملٌ يشغل النفسَ ويُفتّرها عما تنتفع به، واللهوُ صرفُها عن الجدّ إلى الهزل، والمعنى إما على حذف المضاف أو على جعل الحياة الدنيا نفسَ اللعِب واللهوِ مبالغةً كما في قول الخنساء :\[ البسيط \]\[ ترتع ما ارتعتْ حتى إذا ادّكَرَتْ \]  فإنما هي إقبالٌ وإدبارُ[(١)](#foonote-١)أي وما أعمالُ الدنيا أي الأعمالُ المتعلقةُ بها من حيث هي هي، أو وما هي من حيث إنها محلٌ لكسب تلك الأعمال إلا لعبٌ يشغَل الناسَ ويلهيهم بما فيه من منفعةٍ سريعةِ الزوال ولذةٍ وشيكة الاضمحلال عما يعقُبهم من منفعة جليلة باقية ولذة حقيقية غير متناهية من الإيمان والعمل الصالح  وَلَلدَّارُ الآخرة  التي هي محلُ الحياة الأخرى  خَيْرٌ للَّذِينَ يَتَّقُونَ  الكفرَ والمعاصِيَ، لأن منافعها خالصةٌ عن المضارِّ ولذاتِها غيرُ مُنغّصةٍ بالآلام، مستمرةٌ على الدوام  أَفَلاَ تَعْقِلُونَ  ذلك حتى تتقوا ما أنتم عليه من الكفر والعصيان، والفاء للعطف على مقدر أي أتغفُلون فلا تعقِلون ؟ أو ألا تتفكرون فتعقِلون وقرئ ( يعقلون ) على الغَيْبة. 
١ البيت للخنساء في ديوانها ص ٣٨٣؛ والأشباه والنظائر ١/١٩٨؛ وخزانة الأدب ١/٤٣١؛ وشرح أبيات سيبويه ١/٢٨٢؛ والشعر والشعراء ١/٣٥٤؛ والكتاب ١/٣٣٧؛ ولسان العرب (رهط، قبل، سوا)؛ والمنصف ١/١٩٧؛ والمقتضب ٤/٣٠٥..

### الآية 6:33

> ﻿قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ ۖ فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَٰكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ [6:33]

قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الذي يَقُولُونَ  استئنافٌ مَسوقٌ لتسلية رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الحزن الذي يعتريه مما حُكي عن الكفرة من الإصرار على التكذيب والمبالغة فيه ببيان أنه عليه الصلاة والسلام بمكانةٍ من الله عز وجل وأن ما يفعلون في حقه فهو راجعٌ إليه تعالى في الحقيقة وأنه ينتقم منهم لا محالة أشدَّ انتقام، وكلمةُ ( قد ) لتأكيد العلم بما ذكر المفيدِ لتأكيد الوعيدِ كما في قوله تعالى : قَدْ يَعْلَمُ مَا أَنتُمْ عَلَيْهِ  \[ النور، الآية ٦٤ \] وقوله تعالى : قَدْ يَعْلَمُ الله المعوّقين  \[ الأحزاب، الآية ١٨ \] ونحوِهما بإخراجها إلى معنى التكثير حسبما يُخْرجُ إليه ربما في مثل قوله :
وإنْ تُمْسِ مهجورَ الفِناء فربما \*\*\* أقام به بعد الوفود وفودُ[(١)](#foonote-١)
جرياً على سَننِ العرب عند قصد الإفراط في التكثير تقول لبعض قُوادِ العساكر : كم عندك من الفرسان ؟ فيقول : رُبَّ فارسٍ عندي، وعنده مقانبُ[(٢)](#foonote-٢) جَمةٌ يريد بذلك التماديَ في تكثير فُرسانه ولكنه يروم إظهارَ براءته عن التزيُّد وإبرازَ أنه ممن يقلل كثيرَ ما عنده فضلاً عن تكثير القليل وعليه قوله عز وجل : رُبَمَا يَوَدُّ الذين كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ  \[ الحجر، الآية ٢ \] وهذه طريقة إنما تُسلك عند كون الأمر من الوضوح بحيث لا تحوم حوله شائبةُ ريبٍ حقيقةً، كما في الآيات الكريمة المذكورة، أو ادعاءً كما في البيت وقولِه :\[ البسيط \]
قد أترك القِرْنَ مُصفرّاً أناملُهُ \*\*\* \[ كأن أثوابه مُجّت بفِرصَادِ \][(٣)](#foonote-٣)
وقولِه :\[ الطويل \]
ولكنه قد يُهلك المالَ نائِلُهْ \*\*\*. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . 
والمراد بكثرة علمه تعالى كثرةُ تعلقِه وهو متعدَ إلى اثنين وما بعده سادٌّ مسدَّها واسمُ ( إن ) ضمير الشأن وخبرُها الجملة المفسرة له والموصولُ فاعل ( يحزنك ) وعائدُه محذوف أي الذي يقولونه وهو ما حُكي عنهم من قولهم : إِنْ هذا إِلاَّ أساطير الأولين  \[ المؤمنون، الآية ٨٣ \] ونحوُ ذلك وقرئ ( لَيُحزِنُك ) من أحزن المنقول من حزِن اللازم وقوله تعالى : فَإِنَّهُمْ لاَ يُكَذّبُونَكَ  تعليل لما يُشعِر به الكلامُ السابق من النهي عن الاعتداد بما قالوا لكن لا بطريق التشاغل عنه وعدِّه هيناً والإقبالِ التام على ما هو أهمُّ منه من استعظام جحودهم بآيات الله عز وجل كما قيل فإنه مع كونه بمعزل من التسلية بالكلية مما يوهم كونَ حزنه عليه الصلاة والسلام لخاصة نفسه بل بطريق التسلِّي بما يفيده من بلوغه عليه الصلاة والسلام في جلالة القَدْرِ ورِفعة المحل والزُلفى من الله عز وجل إلى حيث لا غاية وراءَه حيث لم يقتصر على جعل تكذيبه عليه الصلاة والسلام تكذيباً لآياته سبحانه على طريقة قوله تعالى : منْ يُطِعِ الرسول فَقَدْ أَطَاعَ الله  \[ النساء، الآية ٨٠ \] بل نفي تكذيبَهم عنه عليه الصلاة والسلام وأثبت لآياته تعالى على طريقة قوله تعالى : إِنَّ الذين يُبَايِعُونَكَ يُبَايِعُونَ الله  \[ الفتح، الآية ١٠ \] أيذاناً بكمال القرب واضمحلال شؤونه عليه الصلاة والسلام في شأن الله عز وجل. نعمْ فيه استعظامٌ لجنايتهم مُنْبئٌ عن عظم عقوبتهم كأنه قيل : لا تعتدَّ به وكِلْه إلى الله تعالى فإنهم في تكذيبهم ذلك لا يكذبونك في الحقيقة.  ولكن الظالمين بآيات الله يَجْحَدُونَ  أي ولكنهم بآياته تعالى يكذّبون فوضَعَ المُظهرَ موضعَ المُضمر تسجيلاً عليهم بالرسوخ في الظلم الذي يُعتبر جحودُهم هذا فناً من فنونه، والالتفاتُ إلى الاسم الجليل لتربية المهابة واستعظام ما أقدموا عليه من جحود آياته تعالى، وإيرادُ الجحود في مورد التكذيب للإيذان بأن آياتِه تعالى من الوضوح بحيث يشاهد صدقها كلُّ أحد وأن من ينكرها فإنما ينكرها بطريق الجحود الذي هو عبارةٌ عن الإنكار مع العلم بخلافه كما في قوله تعالى : وَجَحَدُوا بِهَا واستيقنتها أَنفُسُهُمْ  \[ النمل، الآية ١٤ \] وهو المعنيُّ بقول من قال : إنه نفْيُ ما في القلب إثباتُه، أو إثباتُ ما في القلب نفيُه، والباء متعلقة بيجحدون ويقال : جحد حقَّه وبحقِّه إذا أنكره وهو يعلمه، وقيل : هو لتضمين الجحود معنى التكذيب، وأياً ما كان فتقديمُ الجارِّ والمجرور للقَصْر وقيل : المعنى فإنهم لا يكذبونك بقلوبهم ولكنهم يجحدون بألسنتهم، ويعضُده ما رُوي من أن الأخْنَسَ بنَ شُرَيْقٍ قال لأبي جهل : يا أبا الحكم أخبرني عن محمد أصادقٌ هو أم كاذب ؟ فإنه ليس عندنا أحدٌ غيرُنا فقال له : والله إن محمداً لصادقٌ وما كذَب قطُّ ولكن إذا ذهب بنو قُصيّ باللواءِ والسِّقاية والحِجابة والنبوّة فماذا يكونُ لسائر قريش ؟ فنزلت. وقد روي عن ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يسمَّى الأمينَ فعرَفوا أنه لا يكذِب في شيء ولكنهم كانوا يجحدون وقيل : فإنهم لا يكذبونك لأنك عندهم الصادقُ الموسومُ بالصدق، ولكنهم يجحدون بآيات الله كما يروى أن أبا جهل كان يقول لرسول الله صلى الله عليه وسلم : ما نُكذِّبُك، وإنك عندنا لصادقٌ ولكنا نكذِّبُ ما جئتنا به فنزلت. وكأن صدقَ المُخبرِ عند الخبيث بمطابقةِ خبرِه لاعتقادِه، والأولُ هو الذي تستدعيه الجزالة التنزيلية، وقرئ لا يُكْذِبونك من الإكذاب فقيل : كلاهما بمعنى واحدٍ كأكثرَ وكثُر وأنزلَ ونزَل وهو الأظهر وقيل : معنى أكذبه وجده كاذباً، ونُقل عن الكسائيِّ أن العربَ تقول : كذبتُ الرجلَ أي نسبتُ الكذب إليه وأكذبته أي نسبت الكذب إلى ما جاء به لا إليه. 
١ البيت لمعن بن زائدة في أمالي المرتضى ١/٢٢٣؛ ولأبي عطاء السندي في خزانة الأدب ٩/٥٣٩؛ وشرح ديوان الحماسة للمرزوقي ص ٨٠٠؛ والشعر والشعراء ٢/٧٧٣؛ ولسان العرب (عهد)..
٢ المقانب: جمع مِقْنَب، وهي الجماعة من الفرسان والخيل دون المائة تجتمع للغارة..
٣ البيت لعبيد بن الأبرص في ديوانه ص ٦٤؛ وخزانة الأدب ١١/٢٥٣؛ وشرح أبيت سيبويه ٢/٣٦٨؛ ولعبيد بن الأبرص أو للهذلي في شرح شواهد المغني ص ٤٩٤؛ وللهذلي بدون تحديد في الأزهية ص ٢١٢؛ والجنى الداني ص ٢٥٩؛ والكتاب ٤/٢٢٤؛ ولسان العرب (قدد)؛ ومغني اللبيب ص ١٧٤. والفرصاد: اسم يطلق على التوت، وصبغٌ أحمر..

### الآية 6:34

> ﻿وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَىٰ مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّىٰ أَتَاهُمْ نَصْرُنَا ۚ وَلَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ ۚ وَلَقَدْ جَاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ [6:34]

وقوله تعالى : وَلَقَدْ كُذّبَتْ رُسُلٌ من قَبْلِكَ  افتنانٌ في تسليته عليه الصلاة والسلام فإن عمومَ البلية ربما يهوِّنُ أمرَها بعضَ تهوين، وإرشادٌ له عليه الصلاة والسلام إلى الاقتداء بمن قبله من الرسل الكرام عليهم الصلاة والسلام في الصبر على ما أصابهم من أممهم من فنون الأَذِيَّة، وعِدَةٌ ضِمْنية له عليه الصلاة والسلام بمثل ما مُنِحوه من النصر. وتصديرُ الكلام بالقسم لتأكيد التسلية وتنوينُ ( رسلٌ ) للتفخيم والتكثير، و( من ) إما متعلقةٌ بكُذِّبت أو بمحذوفٍ وقع صفةً ( لرسلٌ ) أي وبالله لقد كذِّبت من قبل تكذيبك رسلٌ أولو شأنٍ خطير وذوُو عددٍ كثير أو كُذبت رسل كانوا من زمان قبلَ زمانك  فَصَبَرُوا على مَا كُذّبُوا  ما مصدرية وقوله تعالى  وَأُوذُوا  عطف على ( كُذبوا ) داخلٌ في حكمه فأنسبك منهما مصدران من المبنيِّ للمفعول أي فصبروا على تكذيبهم وإيذائهم فتأسَّ بهم واصطبِرْ على ما نالك من قومك، والمرادُ بإيذائهم إما عينُ تكذيبهم وإما ما يقارنه من فنون الإيذاء لم يُصرَّحْ به ثقةً باستلزام التكذيب إياه غالباً، وأياً ما كان ففيه تأكيدٌ للتسلية، وقيل : عطفٌ على صبروا وقيل : على كذبت، وقيل : هو استئناف وقوله تعالى : حتى أتاهم نَصْرُنَا  غايةٌ للصبر، وفيه إيذانٌ بأن نَصره تعالى إياهم أمرٌ مقرَّر لا مرد له وأنه متوجه إليهم لابد من إتيانه البتةَ، والالتفاتُ إلى نون العظمة لإبراز الاعتناء بشأن النصر وقوله تعالى : وَلاَ مُبَدّلَ لكلمات الله  اعتراض مقرِّرٌ لما قبله من إتيان نصرِه إياهم والمراد بكلماته تعالى ما يُنْبئ عنه قوله تعالى : وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا المرسلين إِنَّهُمْ لَهُمُ المنصورون وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ الغالبون  \[ الصافات، الآية ١٧ \] وقولُه تعالى : كَتَبَ الله لاَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي  \[ المجادلة، الآية ٢١ \] من المواعيد السابقة للرسل عليهم الصلاة والسلام الدالة على نُصرة رسول الله أيضاً لا نفسُ الآياتِ المذكورة ونظائرُها، فإن الإخبارَ بعدم تبدّلِها إنما يفيد عدمَ تبدلِ المواعيدِ الواردةِ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم خاصة دون المواعيد السابقة للرسل عليهم الصلاة والسلام ويجوزُ أن يُرادَ بكلماته تعالى جميعُ كلماته التي من جملتها تلك المواعيدُ الكريمةُ ويدخل فيها المواعيدُ الكريمة، ويدخل فيها المواعيدُ الواردة في حقه عليه الصلاة والسلام دخولاً أولياً، والالتفاتُ إلى الاسم الجليل للإشعار بعلة الحكم فإن الألوهية من موجبات أن لا يغالبه أحدٌ في فعلٍ من الأفعال ولا يقعَ منه تعالى خُلْفٌ في قول من الأقوال وقوله تعالى : وَلَقدْ جَاءكَ مِن نَّبَإِ المرسلين  جملة قَسَمية جيءَ بها لتحقيق ما مُنحوا من النصر وتأكيدِ ما في ضِمْنه من الوعد لرسول الله صلى الله عليه وسلم أو لتقرير جميع ما ذكِر من تكذيب الأمم وما ترتّب عليه من الأمور. والجارُّ والمجرور في محل الرفع على أنه فاعل إما باعتبار مضمونِه أي بعضُ نبأ المرسلين كما مر في تفسير قوله تعالى : وَمِنَ الناس مَن يَقُولُ آمَنَّا بالله  \[ العنكبوت، الآية ١٠ \] الآية، وأياً ما كان فالمرادُ بنَبَئِهم عليهم السلام على الأول نصرُه تعالى إياهم بعد اللُّتيا والتي، وعلى الثاني جميعُ ما جرى بينهم وبين أممهم على ما ينبئ عنه قوله تعالى : أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُوا الجنة وَلَمَّا يَأْتِكُم مثلُ الذين خَلَوْا مِن قَبْلِكُم مَسَّتْهُمُ البأساء والضراء وَزُلْزِلُوا  \[ البقرة، الآية ٢١٤ \] الآية، وقيل : في محل النصب على الحالية من ( الضمير ) المستكنِّ في جاء العائدِ إلى ما يُفهم من الجملة السابقة أي ولقد جاءك هذا الخبر كائناً من نبأ المرسلين.

### الآية 6:35

> ﻿وَإِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقًا فِي الْأَرْضِ أَوْ سُلَّمًا فِي السَّمَاءِ فَتَأْتِيَهُمْ بِآيَةٍ ۚ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَىٰ ۚ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ [6:35]

وَإِن كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ  كلامٌ مستأنفٌ مَسوق لتأكيد إيجاب الصبر المستفاد من التسلية ببيان أنه أمرٌ لا محيدَ عنه أصلاً أي إن كان عظُم عليك وشقَّ إعراضُهم عن الإيمان بما جئت به من القرآن الكريم حسبما يُفصح عنه ما حُكي عنهم من تسميتهم له أساطيرَ الأولين وتنائيهم عنه ونهْيِهمُ الناسَ عنه، وقيل : إن الحارثَ بنَ عامرِ بنِ نوفلَ بنِ عبدِ منافٍ أتى رسولَ الله صلى الله عليه وسلم في محضر من قريش، فقال : يا محمدُ ائتنا بآيةٍ من عند الله كما كانت الأنبياءُ تفعل وأنا أصدقك فأبى الله أن يأتي بآية مما اقترحوا، فأعرضوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فشق ذلك عليه لما أنه عليه الصلاة والسلام كان شديدَ الحِرْص على إيمان قومه، فكان إذا سألوا آيةً يودّ أن يُنزِلها الله تعالى طمعاً في إيمانهم فنزلت، فقوله تعالى : إِعْرَاضُهُمْ  مرتفعٌ بكبُرَ وتقديم الجار والمجرور عليه لما مر مراراً من الاهتمام بالمقدم والتشويق إلى المؤخَّر، والجملة في محل النصب على أنها خبر لكان مفسرة لاسمها الذي هو ضميرُ الشأن ولا حاجة إلى تقدير قد، وقيل : اسم كان إعراضُهم وكبر جملة فعلية في محل النصب على أنها خبر لها مقدم على اسمها لأنه فعلٌ رافع لضميرٍ مستتر كما هو المشهور وعلى التقديرين فقوله تعالى : فَإِن استطعت  الخ، شرطيةٌ أخرى محذوفةُ الجواب وقعتْ جواباً للشرط الأول، والمعنى إن شق عليك إعراضُهم عن الإيمان بما جئت به من البينات وعدمُ عدِّهم لها من قبيل الآيات وأحببتَ أن تجيبهم إلى ما سألوه اقتراحاً فإن استطعت  أَن تَبْتَغِي نَفَقاً  أي سَرَباً ومنفَذاً  في الأرض  تنفُذ فيه إلى جَوفها  أَوْ سُلَّماً  أي مصعداً  في السماء  تعرج به فيها  فَتَأْتِيَهُمْ  منهما  بِآيَةٍ  مما اقترحوه فافعلْ وقد جُوِّز أن يكون ابتغاؤهما نفسَ الإتيان بالآية فالفاء في ( فتأتيَهم ) حينئذ تفسيرية وتنوينُ ( آية ) للتفخيم أي فإن استطعت أن تبتغيَهما فتجعلَ ذلك آيةً لهم فافعل، والظرفان متعلقان بمحذوفين هما نعتان ( لِنفقاً وسلماً ) والأول لمجرد التأكيد إذ النفقُ لا يكون إلا في الأرض، أو بتبتغي، وقد جُوِّز تعلقُهما بمحذوف وقع حالاً من فاعل تبتغي أي أن تبتغي نفقاً كائناً أنت في الأرض أو سلماً كائناً في السماء، وفيه من الدلالة على تبالُغِ حِرْصِه عليه الصلاة والسلام على إسلام قومه وتراميه إلى حيث لو قدَر على أن يأتيَ بآيةٍ من تحت الأرض أو من فوق السماء لفعل رجاءً لإيمانهم ما لا يخفى، وإيثار الابتغاءِ على الاتخاذ ونحوه للإيذان بأن ما ذُكر من النفق والسُلّم مما لا يُستطاع ابتغاؤه فكيف باتخاذه.  وَلَوْ شَاء الله لَجَمَعَهُمْ عَلَى الهدى  أي لو شاء الله تعالى أن يجمعهم على ما أنتم عليه من الهُدى لفعله بأن يوقِّفهم للإتيان فيؤمنوا معكم ولكن لم يشأ لعدم صَرفِ اختيارِهم إلى جانب الهُدى مع تمكنِّهم التامِّ منه في مشاهدتهم للآياتِ الداعية إليه لا أنه تعالى لم يوقِّفْهم له مع توجُّهِهِم إلى تحصيله. وقيل : لو شاء الله لجمعهم عليه بأن يأتيَهم بآيةٍ ملجئةٍ إليه ولكن لم يفعلْه لخروجه عن الحِكْمة. وقوله تعالى : فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الجاهلين  نهيٌ لرسول الله صلى الله عليه وسلم عما كان عليه من الحرص الشديدِ على إسلامهم والميل إلى إتيان ما يقترحونه من الآيات طمعاً في إيمانهم، مرتَّبٌ على بيان عدمِ تعلّق مشيئته تعالى بهدايتهم، والمعنى وإذا عرفت أنه تعالى لم يشأ هدايتهم وإيمانهم بأحد الوجهين فلا تكونَنَّ بالحرص الشديدِ على إسلامهم أو الميلِ إلى نزول مقترحاتِهم من الجاهلين بدقائق شؤونِه تعالى التي من جملتها ما ذُكر من عدم تعلُّق مشيئتِه تعالى بإيمانهم، أما اختياراً فلعدم توجُّههم إليه، وأما اضطراراً فلخُروجه عن الحكمة التشريعيةِ المؤسسةِ على الاختيار، ويجوز أن يُرادَ بالجاهلين على الوجه الثاني المقترِحون، ويُراد بالنهْي منعُه عليه الصلاة والسلام من المساعدة على اقتراحهم، وإيرادُهم بعُنوان الجهل دون الكفر ونحوِه لتحقيق مَناطِ النهْي الذي هو الوصفُ الجامع بينه عليه الصلاة والسلام وبينهم.

### الآية 6:36

> ﻿۞ إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ ۘ وَالْمَوْتَىٰ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ [6:36]

إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الذين يَسْمَعُونَ  تقريرٌ لما مر من أن على قلوبهم أكنةً مانعة من الفقه، وفي آذانهم وَقراً[(١)](#foonote-١) حاجزاً من السماع، وتحقيقٌ لكونهم بذلك من قبيل الموتى لا يُتصور منهم الإيمانُ ألبتَّةَ، والاستجابةُ الإجابةُ المقارنة للقَبول، أي إنما يَقبلُ دعوتَك إلى الإيمان الذين يسمعون ما يُلقى إليهم سماعَ تفهمٍ وتدبُّر دون الموتى الذين هؤلاء منهم، كقوله تعالى : فَإِنَّكَ لاَ تُسْمِعُ الموتى  \[ الروم، الآية ٥٢ \] وقوله تعالى : والموتى يَبْعَثُهُمُ الله  تمثيلٌ لاختصاصه تعالى بالقدرة على توفيقهم للإيمان باختصاصه تعالى بالقدرة على بعث الموتى من القبور، وقيل : بيانٌ لاستمرارهم على الكفر وعدمِ إقلاعهم عنه أصلاً على أن الموتى من القبور. وقيل : بيان مستعارٌ للكفرة بناءً على تشبيه جهلهم بموتهم، أي وهؤلاء الكفرة يبعثهم الله تعالى من قبورهم  ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ  للجزاء، فحينئذ يستجيبون وأما قبل ذلك فلا سبيل إليه وقرئ ( يَرْجِعون ) على البناء للفاعل من رجَع رُجوعاً، والمشهورُ أوفي بحق المقام لإنبائه عن كون مرجِعِهم إليه تعالى بطريق الاضطرار. 
١ وقرت أذنه وقرا: ثقُلت أو صُمّت..

### الآية 6:37

> ﻿وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ ۚ قُلْ إِنَّ اللَّهَ قَادِرٌ عَلَىٰ أَنْ يُنَزِّلَ آيَةً وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ [6:37]

وَقَالُوا لَوْلاَ نُزّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ من رَبّهِ  حكايةٌ لبعضٍ آخَرَ من أباطيلهم بعد حكايةِ ما قالوا في حق القرآن الكريم وبيانِ ما يتعلّق به، والقائلون رؤساءُ قريشٍ، وقيل : الحارثُ بنُ عامر بنِ نَوْفلَ وأصحابُه، ولقد بلغت بهم الضلالةُ والطغيان إلى حيث لم يقتنعوا بما شاهدوه من البينات التي تخِرُّ لها صمُّ الجبال حتى اجترأوا على ادِّعاء أنها ليست من قبيل الآياتِ، وإنما هي ما اقترحوه من الخوارقِ الملجئةِ أو المُعْقِبة للعذاب كما قالوا : اللهم إِن كَانَ هذا هُوَ الحق مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً منَ السماء  \[ الأنفال، الآية ٣٢ \] والتنزيل بمعنى الإنزال كما ينبئ عنه القراءة بالتخفيف فيما سيأتي، وما يفيده التعرّض لعنوان ربوبيته تعالى له عليه الصلاة والسلام من الإشعار بالعلّية إنما هو بطريق التعريض بالتهكّم من جهتهم، وإطلاق الآية في قوله تعالى : قُلْ إِنَّ الله قَادِرٌ على أَن يُنَزّل آيَةً  مع أن المرادَ بها ما هو من الخوارق المذكورةِ لا آيةٌ ما من الآيات، لفساد المعنى مجاراةً معهم على زعمهم، ويجوز أن يرادَ بها آيةٌ مُوجبةٌ لهلاكهم كإنزال ملائكةِ العذاب ونحوه على أن تنوينها للتفخيم والتهويل كما أن إظهارَ الاسمِ الجليل لتربية المهابةِ مع ما فيه من الإشعار بعِلّة القُدرة الباهرةِ، والاقتصار في الجواب على بيان قدرته تعالى على تنزيلِها مع أنها ليست في حيز الإنكار للإيذان بأن عدمَ تنزيله إياها مع قدرته عليه لحكمةٍ بالغة يجب معرفتها وهم عنها غافلون، كما ينبئ عنه الاستدراكُ بقوله تعالى : ولكن أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ  أي ليسوا من أهل العلم، على أن المفعول مطروحٌ بالكلية، أو لا يعلمون شيئاً على أنه محذوفٌ مدلولٌ عليه بقرينةِ المقام. والمعنى : أنه تعالى قادر على أن ينزل آيةً من ذلك أو آيةً أيَّ آية ولكن أكثرهم لا يعلمون، فلا يدرون أن عدمَ تنزيلِها مع ظهور قدرتِه عليه لما أن في تنزيلها قلْعاً لأساسِ التكليف المبنيِّ على قاعدة الاختيار، أو استئصالاً لهم بالكلية فيقترحونها جهلاً ويتخذون عدم تنزيلها ذريعةً إلى التكذيب، وتخصيصُ عدم العلم بأكثرهم لما أن بعضَهم واقفون على حقيقة الحال وإنما يفعلون مكابرةً وعناداً.

### الآية 6:38

> ﻿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ ۚ مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ۚ ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ [6:38]

وقوله تعالى : وَمَا مِن دَابَّةٍ في الأرض  الخ، كلامٌ مستأنفٌ مَسوق لبيان كمال قدرتِه عز وجل وشمول علمه وسعةِ تدبيرِه ليكون كالدليل على أنه تعالى قادرٌ على تنزيل الآية، وإنما لا يُنزِّلُها محافظةً على الحِكَم البالغةِ، وزيادةُ ( من ) لتأكيد الاستغراق وهي متعلقةٌ بمحذوفٍ هو وصفٌ لدابة مفيد لزيادة التعميم، كأنه قيل : وما فردٌ من أفراد الدوابِّ يستقرّ في قُطر من أقطار الأرض، وكذا زيادةُ الوصف في قوله تعالى : وَلاَ طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ  مع ما فيه من زيادة التقرير أي ولا طائرٍ من الطيور يطير في ناحية من نواحي الجو بجناحيه كما هو المشاهَدُ المعتاد، وقرئ ولا طائرٌ بالرفع عطفاً على محل الجار والمجرور كأنه قيل : وما دابة ولا طائر  إِلاَّ أُمَمٌ  أي طوائفُ متخالفةٌ، والجمع باعتبار المعنى كأنه قيل : وما مِنْ دوابَّ ولا طيرٍ إلا أممِ  أمثالكم  أي كلُّ أمة منها مثلُكم في أن أحوالها محفوظةٌ وأمورَها مقنَّنة ومصالحَها مرعيةٌ جاريةٌ على سَنن السَّداد، ومنتظمةٌ في سلك التقديرات الإلهية والتدبيراتِ الربانية  ما فَرَّطْنَا في الكتاب مِن شيء  يقال : فرَّط في الشيء أي ضيَّعه وتركه، قال ساعدة بن حُوَية :\[ الكامل \]

معه سِقاءٌ لا يُفرِّط حملَهُ  \[ صُفنٌ وأخراصٌ يلحن ومسأبُ \][(١)](#foonote-١)أي لا يتركه ولا يفارقه ويقال : فرّط في الشيء أي أهمل ما ينبغي أن يكون فيه وأغفله، فقوله تعالى : في الكتاب  أي في القرآن على الأول ظرفُ لغوٍ، وقوله تعالى : مِن شيء  مفعولٌ لفرّطنا و( من ) مزيدة للاستغراق أي ما تركنا في القرآن شيئاً من الأشياء المُهمّة التي من جملتها بيانُ أنه تعالى مراعٍ لمصالحِ جميعِ مخلوقاته على ما ينبغي، وعلى الثاني مفعول للفعل ومن شيء في موضع المصدر، أي ما جعلنا الكتاب مفرَّطاً فيه شيئاً من التفريط بل ذكرنا فيه كلَّ ما لابد من ذكره. وأياً ما كان فالجملةُ اعتراضٌ مقرِّرٌ لمضمون ما قبلها، وقيل : الكتابُ اللوْح، فالمراد بالاعتراضِ الإشارة إلى أن أحوالَ الأمم مستقصاةٌ في اللوح المحفوظ غيرُ مقصورة على هذا القدر المُجمل، وقرئ فَرَطنا بالتخفيف. وقوله تعالى : ثُمَّ إلى رَبّهِمْ يُحْشَرُونَ  بيانٌ لأحوال الأمم المذكورة في الآخرة بعد بيان أحوالها في الدنيا. وإيرادُ ضميرها على صيغة جمع العقلاء لإجرائها مُجراهم، والتعبير عنها بالأمم أي إلى مالك أمورهم يحشرون يوم القيامة كدأبكم لا إلى غيره فيجازيهم فيُنصِفُ بعضَهم من بعض حتى يبلُغ من عدله أن يأخذ للجّماءِ من القَرْناء[(٢)](#foonote-٢). وقيل : حشرُها موتها. ويأباه مقامُ تهويلِ الخطب وتفظيعِ الحال. 
١ قائلة ساعدة بن جؤيّة (بجيم معجمة وهمز بعدها، لا حويّة كما ذكر هنا وكما يرد في عدد من المصادر على سبيل التصحيف). وهو شاعر هذلي من مخضرمي الجاهلية والإسلام أسلم وليست له صحبه. قال الآمدي: شعره محشوّ بالغريب والمعاني الغامضة. (الأعلام: ٣/٧٠). والبيت ورد في لسان العرب (فرط، صفن، خرص، سأب). والصفن: شيء مثل الدلو أو الركوة. والأخراص: جمع خرص، وهو العود يشار به العسل. والمسأب: الزقّ: أو وعاء يجعل فيه العسل. والشاعر هنا يصف مُشتار العسل، أي الذي يستخرج العسل من الخلية..
٢ الجمّاء من الحيوان: التي لا قرون لها، بخلاف القرناء. والمراد أنه يأخذ للضعيف (الجمّاء) من القوي (القرناء)..

### الآية 6:39

> ﻿وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا صُمٌّ وَبُكْمٌ فِي الظُّلُمَاتِ ۗ مَنْ يَشَإِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَىٰ صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ [6:39]

وقوله تعالى : والذين كَذَّبُوا بآياتنا  متعلق بقوله تعالى : ما فَرَّطْنَا في الكتاب مِن شيء  والموصول عبارةٌ عن المعهودِين في قوله تعالى : وَمِنْهُمْ من يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ الآيات  ومحلُه الرفعُ على الابتداء خبرُه ما بعده أي أوردنا في القرآن جميعَ الأمور المهمة وأزَحْنا به العِللَ والأعذارَ والذين كذبوا بآياتنا التي هي منه  صُمٌّ  لا يسمعونها سمعَ تدبرٍ وفهمٍ فلذلك يسمّونها أساطيرَ الأولين ولا يعدّونها من الآيات ويقترحون غيرها  وَبُكْمٌ  لا يقدِرون على أن ينطِقوا بالحق ولذلك لا يستجيبون دعوتك بها وقوله تعالى : في الظلمات  إما متعلقٌ بمحذوفٍ وقع حالاً من المستكنِّ في الخبر كأنه قيل : ضالون كائنين في الظلمات أو صفةً لبكْم أي بُكم كائنون في الظلمات، والمراد به بيانُ كمالِ عراقتهم في الجهل وسوء الحال فإن الأصمَّ الأبكمَ إذا كان بصيراً ربما يَفهم شيئاً بإشارةِ غيرِه وإن لم يفهَمْه بعبارته، وكذا يُشعِرُ غيرَه بما في ضميره بالإشارة وإن كان معزولاً عن العبارة، وأما إذا كان مع ذلك أعمى أو كان في الظلمات فينسدّ عليه بابُ الفهم والتفهيم بالكلية، وقوله تعالى : مَن يَشَإِ الله يُضْلِلْهُ  تحقيقٌ للحق وتقريرٌ لما سبقَ من حالهم ببيانِ أنهم من أهل الطبْعِ لا يتأتَّى منهم الإيمانُ أصلاً، فمَنْ مبتدأ خبرُه ما بعده ومفعولُ المشيئة محذوفٌ على القاعدة المستمرَّة من وقوعها شرطاً وكونِ مفعولها مضمونَ الجزاء وانتفاءِ الغرابة في تعلقها به أي من يشأ الله إضلالَه أي أن يخلُق فيه الضلالَ يضلِلْه أي يخلُقه فيه ولكن لا ابتداءً بطريق الجبر من غير أن يكون له دخلٌ ما في ذلك بل عند صَرْفِ اختياره إلى كَسْبه وتحصيلِه وقِسْ عليه قوله تعالى : وَمَن يَشَأْ يَجْعَلْهُ على صراط مُّسْتَقِيمٍ  لا يضِلُّ من ذهب إليه ولا يزِلُّ من ثبَت قدمُه عليه.

### الآية 6:40

> ﻿قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ [6:40]

قُلْ أَرَأَيْتُكُم  أمرٌ لرسول الله صلى الله عليه وسلم بأن يُبكِّتَهم ويُلقِمَهم الحجرَ بما لا سبيل لهم إلى النكير، والكاف حرف جيء به لتأكيد الخطاب لا محلَّ له من الإعراب ومبنى التركيب وإن كان على الاستخبار عن الرؤية قلبية كانت أو بصَرية لكنّ المرادَ به الاستخبارُ عن مُتعلَّقِها أي أخبروني  إِنْ أتاكم عَذَابُ الله  حسبما أتى الأممَ السابقةَ من أنواع العذاب الدنيوي  أَوْ أَتَتْكُمْ الساعة  التي لا محيصَ عنها البتة  أَغَيْرَ الله تَدْعُونَ  هذا مناطُ الاستخبار ومحطّ التبكيت وقوله تعالى : إِن كُنتُمْ صادقين  متعلق بأرأيتكم مؤكِّد للتبكيت كاشفٌ عن كذبهم، وجوابُ الشرط محذوفٌ ثقةً بدلالة المذكور عليه أي إن كنتم صادقين في أن أصنامكم آلهةٌ كما أنها دعواكم المعروفةُ، أو إن كنتم قوماً صادقين فأخبروني أغيرَ الله تدعون إن أتاكم عذابُ الله الخ، فإن صدقهم بأيِّ معنى كان من موجبات إخبارِهم بدعائهم غيرَه سبحانه، وأما جعلُ الجواب ما يدل عليه قولُه تعالى : أَغَيْرَ الله تَدْعُونَ  أعني فادعوه على أن الضمير لغير الله فمُخِلٌّ بجزالة النظم الكريم، كيف لا والمطلوبُ منهم إنما هو الإخبارُ بدعائهم غيرَه تعالى عند إتيانِ ما يأتي لا نفسُ دعائهم إياه.

### الآية 6:41

> ﻿بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاءَ وَتَنْسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ [6:41]

وقوله تعالى : بَلْ إياه تَدْعُونَ  عطفٌ على جملة منفيةٍ ينْبئ عنها الجملةُ التي تعلقَ بها الاستخبارُ إنباءً جلياً كأنه قيل : لا غيرَه تعالى تدعون بل إياه تدعون وقوله تعالى  فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ  أي إلى كشفه، عطفٌ على تدعون أي فيكشفه إثرَ دعائِكم، وقوله تعالى : إِن شَاء  أي إن شاء كشفَه لبيانِ أن قبولَ دعائِهم غيرُ مطَّردٍ، بل هو تابعٌ لمشيئته المبنيةِ على حِكَمٍ خفيةٍ قد استأثر الله تعالى بعلمها فقد يقبلُه كما في بعض دعواتهم المتعلقةِ بكشف العذاب الدنيوي، وقد لا يقبله كما في بعضٍ آخَرَ منها وفي جميع ما يتعلق بكشف العذابِ الأخرويِّ الذي من جملته الساعةُ. وقوله تعالى : وَتَنسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ  أي تتركون ما تشركونه به تعالى من الأصنام تركاً كلياً. عطفٌ على تدعون أيضاً وتوسيطُ الكشفِ بينهما مع تقارنهما وتأخُرِ الكشف عنهما لإظهار كمال العنايةِ بشأن الكشفِ والأيذان بترتّبه على الدعاء خاصةً.

### الآية 6:42

> ﻿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَىٰ أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ [6:42]

وقولُه تعالى : وَلَقَدْ أَرْسَلنَا  كلام مستأنفٌ مَسوقٌ لبيان أن منهم من لا يدعو الله تعالى عند إتيانِ العذاب أيضاً لتماديهم في الغيِّ والضلال لا يتأثرون بالزواجر التكوينية كما لا يتأثرون بالزواجر التنزيلية[(١)](#foonote-١). وتصديرُه بالجملة القَسَمية لإظهار مزيدِ الاهتمام بمضمونه، ومفعول ( أرسلنا ) محذوف لما أن مقتضى المقام بيانُ حال المرسَل إليهم لا حالِ المرسلين، أي وبالله لقد أرسلنا رسلاً  إلى أُمَمٍ  كثيرة  مِن قَبْلِكَ  أي كائنة من زمان قبلَ زمانك  فأخذناهم  أي فكذبوا رسلهم فأخذناهم  بالبأساء  أي بالشدة والفقر  والضراء  أي الضرر والآفات وهما صيغتا تأنيثٍ لا مذكر لهما  لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ  أي لكي يدعُوا الله تعالى في كشفها بالتضرّع والتذلل ويتوبوا إليه من كفرهم ومعاصيهم.

١ الزواجر التنزيلية هي الآيات المنزّلة التي من خلالها نهى الله عن فعل كذا وكذا. والآيات التكوينية هي ما ينبغي أن يراه الإنسان في الكون وفي نفسه بالنظر والتأمل وأن يتعظ به ويزدجر..

### الآية 6:43

> ﻿فَلَوْلَا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَٰكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [6:43]

فَلَوْلا إِذْ جَاءهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا  أي فلم يتضرعوا حينئذ مع تحقق ما يستدعيه  ولكن قَسَتْ قُلُوبُهُمْ  استدراكٌ عما قبله أي فلم يتضرعوا إليه تعالى برقةِ القلب والخضوع، مع تحقق ما يدعوهم إليه، ولكن ظهر منهم نقيضُه حيث قستْ قلوبُهم أي استمرتْ على ما هي عليه من القساوة أو ازدادَتْ قساوةً كقولك : لم يُكرِمْني إذ جئتُه ولكن أهانني  وَزَيَّنَ لَهُمُ الشيطان مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ  من الكفر والمعاصي فلم يُخْطِروا ببالهم أنّ ما اعتراهم من البأساء والضراء ما اعتراهم إلا لأجله وقيل : الاستدراك لبيان أنه لم يكن لهم في ترك التضرُّع عذرٌ سوى قسوةِ قلوبهم والإعجابِ بأعمالهم التي زينها الشيطان لهم.

### الآية 6:44

> ﻿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّىٰ إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ [6:44]

وقوله تعالى : فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكّرُوا بِهِ  عطفٌ على مقدَّر ينساق إليه النظمُ الكريم أي فانهمَكوا فيه ونسُوا ما ذُكَّروا به من البأساء والضّراء، فلما نسوه  فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلّ شيء  من فنون النَّعْماء على منهاج الاستدراج، لما روي أنه عليه الصلاة والسلام قال :**«مُكِر بالقوم ورب الكعبة »** وقرئ ( فتّحنا ) بالتشديد للتكثير وفي ترتيب الفتح على النسيان المذكور إشعارٌ بأن التذكر في الجملة غير خالٍ عن النفع، و( حتى ) في قوله تعالى : حتى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا  هي التي يُبتدأ بها الكلام دخلت على الجملة الشرطية كما في قوله تعالى : حتى إِذَا جَاء أَمْرُنَا  \[ هود، الآية ٤٠ \] الآية ونظائرِه، وهي مع ذلك غاية لقوله تعالى : فَتَحْنَا  أو لما يدل هم عليه كأنه قيل : ففعلوا ما فعلوا حتى إذا اطمأنوا بما أتيح لهم وبطِروا وأشِروا[(١)](#foonote-١)  أخذناهم بَغْتَةً  أي نزل بهم عذابنا فجأةً ليكون أشدَّ عليهم وقعاً وأفظع هولاً  فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ  متحسِّرون غاية الحسرة آيسون من كل خير، واجمون، وفي الجملة الاسمية دلالة على استقرارهم على تلك الحالة الفظيعة.

١ بطر وأشِر: بمعنى وهو نشط وغلا في المرح والزهو.
 وبطر النعمة: استخفّها وكفرها..

### الآية 6:45

> ﻿فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا ۚ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ [6:45]

فَقُطِعَ دَابِرُ القوم الذين ظَلَمُوا  أي آخِرُهم بحيث لم يبقَ منهم أحد، مِنْ دبره دبراً أي تبعه، ووضعُ الظاهر موضع الضمير للإشعار بعلة الحكم فإن هلاكهم بسبب ظلمهم الذي هو وضعُ الكفر موضعَ الشكر وإقامةُ المعاصي مُقامَ الطاعات  والحمد للَّهِ رَبّ العالمين  على ما جرى عليهم من النَّكال، فإن إهلاك الكفار والعصاة من حيث أنه تخليصٌ لأهل الأرض من شؤم عقائدِهم الفاسدة، وأعمالهم الخبيثة، نعمةٌ جليلة مستجلِبةٌ للحمد، لاسيما مع ما فيه من إعلاءِ كلمةِ الحق التي نطقَت بها رسلُهم عليهم السلام.

### الآية 6:46

> ﻿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ اللَّهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصَارَكُمْ وَخَتَمَ عَلَىٰ قُلُوبِكُمْ مَنْ إِلَٰهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِهِ ۗ انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ ثُمَّ هُمْ يَصْدِفُونَ [6:46]

قُلْ أَرَأيْتُمْ  أمرٌ لرسول الله صلى الله عليه وسلم بتكرير التبكيت عليهم وتثنيةِ الإلزامِ بعد تكملةِ الإلزامِ الأولِ ببيان أنه أمرٌ مستمرٌ لم يزَلْ جارياً في الأمم، وهذا أيضاً استخبارٌ عن متعلَّق الرؤية وإن كان بحسَب الظاهرِ استخباراً عن نفسِ الرؤية  إِنْ أَخَذَ الله سَمْعَكُمْ وأبصاركم  بأن أصَمّكم وأعماكم بالكلية  وَخَتَمَ على قُلُوبِكُمْ  بأن غطى عليها بما لا يبقى لكم معه عقلٌ وفهمٌ أصلاً وتصيرون مجانين، ويجوز أن يكون الختمُ عطفاً تفسيرياً للأخذ المذكور فإن السمعَ والبصر طريقان للقلب، منهما يرِدُ ما يرِدُه من المدرَكات، فأخذُهما سدٌّ لِبابه بالكلية، وهو السر في تقديم أخذِهما على ختمها، وأما تقديمُ السمع على الإبصار فلأنه مورِدُ الآياتِ القرآنية، وإفرادُه لما أن أصله مصدَرٌ وقوله تعالى : من إِلَهٌ  مبتدأ وخبرٌ و( من ) استفهامية، وقوله تعالى : غَيْرُ الله  صفةٌ للخبر، وقوله تعالى : يَأْتِيكُمْ بِهِ  أي بذاك على أن الضميرَ مستعارٌ لاسم الإشارة، أو بما أَخَذ وخَتَم عليه، صفةٌ أخرى له والجملة متعلَّقُ الرؤية ومناطُ الاستخبار أي أخبروني إنْ سلب الله مشاعرَكم من إله غيرُه تعالى يأتيكم بها. وقوله تعالى : انظر كَيْفَ نُصَرّفُ الآيات  تعجيبٌ لرسول الله صلى الله عليه وسلم من عدم تأثُّرِهم بما عاينوا من الآيات الباهرةِ أي انظر كيف نكرِّرها ونقرِّرها مصروفةً من أسلوب إلى أسلوب، تارةً بترتيب المقدِّمات العقلية وتارةً بطريق الترغيب والترهيب، وتارةً بالتنبيه والتذكير  ثُمَّ هُمْ يَصْدِفُونَ  عطفٌ على نصرِّف داخلٌ في حكمه، وهو العُمدة في التعجيب و( ثم ) لاستبعاد صدوفهم أي إعراضِهم عن تلك الآيات بعد تصريفها على هذا النمط البديعِ الموجبِ للإقبال عليها.

### الآية 6:47

> ﻿قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ بَغْتَةً أَوْ جَهْرَةً هَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الظَّالِمُونَ [6:47]

قُلْ أَرَأَيْتُكُم  تبكيتٌ آخَرُ لهم بإلجائهم إلى الاعترافِ باختصاص العذاب بهم  إِنْ أتاكم عَذَابُ الله  أي عذابُه العاجلُ الخاصُّ بكم كما أتى مَنْ قبلكم من الأمم  بَغْتَةً  أي فجأةً من غير أن يظهرَ منه مخايِلُ الإتيان وحيثُ تضمّن هذا معنى الخُفية قوبل بقوله تعالى : أَوْ جَهْرَةً  أي بعد ظهورِ أماراتِه وعلائمه، وقيل : ليلاً أو نهاراً كما في قوله تعالى : بَيَاتًا أَوْ نَهَارًا  \[ يونس، الآية ٥٠ \] لما أن الغالبَ فيما أتى ليلاً البغتةُ وفيما أتى نهاراً الجهرةُ، وقرئ بغتة أو جهرة وهما في موضع المصدر أي إتيانَ بغتةٍ أو إتيانَ جهرة، وتقديمُ البغتة لكونها أهولَ وأفظعَ، وقوله تعالى : هَلْ يُهْلَكُ  متعلَّق الاستخبار، والاستفهام للتقرير أي قل لهم تقريراً لهم باختصاص الهلاكِ بهم أخبروني إن أتاكم عذابُه تعالى حسبما تستحقونه هل يُهلك بذلك العذاب إلا أنتم ؟ أي هل يُهلك غيرُكم ممن لا يستحقه ؟ وإنما وُضع موضعَه  إِلاَّ القوم الظالمون  تسجيلاً عليهم بالظلم وإيذاناً بأن مناطَ إهلاكهم ظلمُهم الذي هو وضعُهم الكفرَ موضعَ الإيمان. وقيل : المرادُ بالظالمين الجنسُ وهم داخلون في الحكم دخولاً أولياً. قال الزجاج : هل يُهلك إلا أنتم ومن أشبهكم ؟ ويأباه تخصيصُ الإتيان بهم، وقيل : الاستفهامُ بمعنى النفي فمتعلَّق الاستخبارِ حينئذ محذوفٌ كأنه قيل : أخبروني إن أتاكم عذابه تعالى بغتة أو جهرة ماذا يكون الحال ؟ ثم قيل بياناً لذلك : ما يُهلك إلا القومُ الظالمون أي ما يُهلك بذلك العذاب الخاصِّ بكم إلا أنتم. فمن قيَّد الهلاكَ بهلاك التعذيب والسُخط لتحقيق الحصْرِ بإخراج غيرِ الظالمين لِما أنه ليس بطريقِ التعذيب والسَّخَطِ بل بطريق الإثابة ورفع الدرجة فقد أهمل ما يُجديه واشتغل بما لا يَعنيه وأخلَّ بجزالة النظم الكريم وقرئ هل يَهلِك من الثلاثي.

### الآية 6:48

> ﻿وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ ۖ فَمَنْ آمَنَ وَأَصْلَحَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ [6:48]

وَمَا نُرْسِلُ المرسلين  كلام مستأنفٌ مَسوقٌ لبيان وظائفِ منْصِبِ الرسالة على الإطلاق وتحقيقِ ما في عُهدة الرسلِ عليهم السلام، وإظهارُ أن ما يقترحه الكفرةُ عليه، عليه السلام، ليس مما يتعلقُ بالرسالة أصلاً، وصيغةُ المضارع لبيانِ أن ذلك أمرٌ مستمرٌّ جرتْ عليه العادةُ الإلهية، وقوله تعالى : إِلاَّ مُبَشّرِينَ وَمُنذِرِينَ  حالان مقدّرتان من المُرْسلين أي ما نرسِلُهم إلا مقدَّراً تبشيرُهم وإنذارُهم ففيهما معنى العلةِ الغائيّة قطعاً أي ليبشروا قومَهم بالثواب على الطاعة وينذروهم بالعقاب على المعصية أي ليُخبروهم بالخبر السار والخبرِ الضارّ دنيوياً كان أو أُخروياً من غير أن يكون لهم دخلٌ ما في وقوع المخبَر به أصلاً، وعليه يدور القصرُ والإلزام أن لا يكون بيان الشرائع والأحكام من وظائف الرسالة، والفاء في قوله تعالى : فَمَنْ آمَنَ وَأَصْلَحَ  لترتيب ما بعدها على ما قبلها و( من ) موصوله والفاء في قوله تعالى : فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ  لشَبَه الموصول بالشرط أي لا خوف عليهم من العذاب الذي أُنذِروه دنيوياً كان أو أخروياً ولا هم يحزنون بفوات ما بُشِّروا به من الثواب العاجل والآجل. وتقديمُ نفْيِ الخوفِ على نفْيِ الحُزْن لمراعاة حقِّ المقام، وجمعُ الضمائر الثلاثة الراجعة إلى ( من ) باعتبار معناها، كما أن إفرادَ الضميرَيْن السابقين باعتبار لفظِهما، أي لا يعتريهم ما يوجب ذلك لا أنه يعتريهم لكنهم لا يخافون ولا يحزنون، والمرادُ بيانُ دوامِ انتفائِهما لا بيانُ انتفاءِ دوامِهما كما يوهمه كونُ الخبر في الجملة الثانية مضارعاً لما تقرر في موضعه من أن النفيَ وإن دخل على نفس المضارع يُفيد الدوام والاستمرارَ بحسب المقام، ألا يُرى أن الجملةَ الاسمية تدل بمعونة المقام على استمرار الثبوت فإذا دخل عليها حرفُ النفي دلت على استمرار الانتفاءِ لا على انتفاء الاستمرار، كذلك المضارعُ الخالي عن حرف النفي يفيد استمرارَ الثبوت فإذا دخل عليه حرفُ النفي يفيد استمرارَ الانتفاء لا انتفاء الاستمرار ولا بُعْد في ذلك، فإن قولك : ما زيداً ضربت مفيدٌ لاختصاص النفي لا نفي الاختصاص، كما بُيّن في محله. وقوله عز وجل : والذين كَذَّبُوا  عطفٌ على مَنْ آمن داخلٌ في حكمه وقوله تعالى : بآياتنا  إشارة إلى أن ما ينطِقُ له الرسلُ عليهم السلام عند التبشير والإنذار ويبلّغونه إلى الأمم آياتُه تعالى، وأن من آمن به فقد آمن بآياته تعالى، ومن كذب به فقد كذب بها، وفيه من الترغيب في الإيمان والتحذيرِ عن تكذيبه ما لا يخفى. والمعنى ما نرسل المرسلين إلا ليُخبروا أممهم من جهتنا بما سيقع منا من الأمور السارّة والضارّة لا ليُوقعوها استقلالاً من تلقاء أنفسهم، أو استدعاءً من قِبَلِنا، حتى يقترحوا، فإذا كان الأمرُ كذلك فمن آمن بما أَخبروا به من قبلنا تبشيراً أو إنذاراً في ضمن آياتنا، وأصلح ما يجب إصلاحُه من أعماله، أو دخل في الصلاح فلا خوفٌ عليهم ولا هم يحزنون.

### الآية 6:49

> ﻿وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا يَمَسُّهُمُ الْعَذَابُ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ [6:49]

والذين كذّبوا بآياتنا  التي بُلِّغوها عند التبشير والإنذار  يَمَسُّهُمُ العذاب  أي العذاب الذي أُنذِروه عاجلاً، أو آجلاً، أو حقيقةُ العذاب وجنسُه المنتظمُ له انتظاماً أولياً  بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ  أي بسبب فسقهم المستمر الذي هو الإصرارُ على الخروج عن التصديق والطاعة.

### الآية 6:50

> ﻿قُلْ لَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ ۖ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَىٰ إِلَيَّ ۚ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَىٰ وَالْبَصِيرُ ۚ أَفَلَا تَتَفَكَّرُونَ [6:50]

قُل لا أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَائِنُ الله  استئنافٌ مبنيٌّ على ما أسِّسَ من السنة الإلهية في شأنِ إرسالِ الرسل وإنزالِ الكتُب، مَسوقٌ لإظهار تبرِئتِه صلى الله عليه وسلم عما يدورُ عليه مقترحاتُهم، أي قل للكفرة الذين يقترحون عليك تارةً تنزيلَ الآياتِ وأخرى غيرَ ذلك لا أدَّعي أن خزائنَ مقدوراتِه تعالى مُفوَّضةٌ إلي أتصرَّفُ فيها كيفما أشاء استقلالاً أو استدعاءً، حتى تقترحوا عليّ تنزيلَ الآياتِ أو إنزالَ العذاب، أو قلبَ الجبال ذهباً، أو غيرَ ذلك مما لا يليق بشأني، وجعلُ هذا تبرُّؤاً عن دعوى الإلهية مما لا وجهَ له قطعاً، وقوله تعالى : وَلا أَعْلَمُ الغيب  عطفٌ على محلِّ ( عندي خزائنُ الله )، أي لا أدّعي أيضاً أني أعلم الغيبَ من أفعاله تعالى حتى تسألوني عن وقت الساعة أو وقت نزول العذاب أو نحوهما  وَلا أَقُولُ لَكُمْ إِنّي مَلَكٌ  حتى تكلفوني من الأفاعيل الخارقةِ للعادات ما لا يُطيق البشرُ من الرُقيِّ في السماء ونحوه، أو تعدوا عدمَ اتّصافي بصفاتهم قادحاً في أمري كما ينبئ عنه قولهم : مَا لهذا الرسول يَأْكُلُ الطعام وَيَمْشِي في الأسواق  \[ الفرقان، الآية ٧ \] والمعنى إني لا أدَّعي شيئاً من هذه الأشياء الثلاثةِ حتى تقترحوا عليَّ ما هو من آثارها وأحكامها، وتجعلوا عدمَ إجابتي إلى ذلك دليلاً على عدم صحةِ ما أدَّعيه من الرسالة التي لا تعلُّقَ لها بشيء مما ذُكر قطعاً بل إنما هي عبارةٌ عن تلقِّي الوحْي من جهةِ الله عز وجل، والعملِ بمقتضاه فحسْب، حسْبما ينبئ عنه قوله تعالى : إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يوحى إِلَيّ  لا على معنى تخصيص اتباعه صلى الله عليه وسلم بما يوحى إليه دون غيره بتوجيه القَصْر إلى المفعول بالقياس إلى مفعولٍ آخرَ كما هو الاستعمال الشائعُ الواردُ على توجيه القصْر إلى ما يتعلّق بالفعل باعتبار النفي في الأصل، والإثبات في القيد، بل على معنى تخصيص حالِه صلى الله عليه وسلم باتباع ما يوحى إليه بتوجيه القصرِ إلى نفس الفعل بالقياس إلى ما يغرّه من الأفعال، لكن لا باعتبار النفي والإثباتِ معاً في خصوصية، فإن ذلك غيرُ ممكن قطعاً، بل باعتبار النفي فيما يتضمّنه من مُطلق الفعل، والإثباتِ فيما يقارنه من المعنى المخصوص، فإنّ كلَّ فعلٍ من الأفعال الخاصَّةِ كنصر مثلاً ينحلّ عند التحقيق إلى معنىً مطلقٍ هو مدلولُ لفظِ الفعل وإلى معنىً خاصّ يقوم به فإن معناه فعَلَ النصْرَ، يُرشدك إلى ذلك قولُهم : فلانٌ يُعطي ويمنع بمعنى يفعل الإعطاء والمنع، فموردُ القصر في الحقيقة ما يتعلقُ بالفعل بتوجيه النفي إلى الأصل والإثباتِ إلى القيد، كأنه قيل : ما أفعلُ إلا اتباعَ ما يوحى إليّ مِنْ غير أن يكون لي مدخَلٌ ما في الوحي أو في الموحى بطريق الاستدعاء، أو بوجهٍ آخرَ من الوجوه أصلاً.  قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الأعمى والبصير  مثل للضال والمهتدي على الإطلاق، والاستفهام إنكاري والمراد إنكارُ استواءِ مَنْ لا يعلم ما ذُكر من الحقائق ومن يعلمُها وفيه من الإشعار بكمالِ ظهورِها ومن التنفير عن الضلالِ والترغيب في الاهتداء ما لا يخفى، وتكريرُ الأمر لتثنية التبكيتِ وتأكيدِ الإلزام، وقوله تعالى : أَفَلاَ تَتَفَكَّرُونَ  تقريعٌ وتوبيخٌ داخلٌ تحت الأمر، والفاء للعطف على مقدَّر يقتضيه المقام، أي ألا تسمعون هذا الكلامَ الحقَّ فلا تتفكرون فيه، أو أتسمعون فلا تتفكرون فيه، فمناطُ التوبيخِ في الأول عدمُ الأمرَيْنِ معاً، وفي الثاني عدم التفكر مع تحقق ما يُوجبه.

### الآية 6:51

> ﻿وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَىٰ رَبِّهِمْ ۙ لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ [6:51]

وَأَنذِرْ بِهِ الذين يَخَافُونَ أَن يُحْشَرُوا إلى رَبّهِمْ  بعد ما حكي لرسول الله صلى الله عليه وسلم أن من الكفرة قوماً لا يتعظون بتصريف الآيات الباهرة، ولا يتأثرون بمشاهدة المعجزات القاهرة، قد إيفت[(١)](#foonote-١) مشاعرُهم بالكلية، والتحقوا بالأموات، وقرَّر ذلك بأن كرَّر عليهم من فنون التبكيت والإلزام ما يُلقِمُهم الحجرَ أيَّ إلقامٍ فأبَوا إلا الإباءَ والنكيرَ، وما نجَع فيهم عِظةٌ ولا تذكير، وما أفادهم الإنذارُ إلا إصراراً على الإنكار، أُمر عليه الصلاة والسلام بتوجيه الإنذار إلى مَنْ يتوقعُ منهم التأثرَ في الجملة وهم المجوِّزون منهم لحشر على الوجه الآتي، سواء كانوا جازمين بأصله كأهل الكتاب وبعضِ المشركين المعترفين بالبعث، المتردِّدين في شفاعة آبائهم الأنبياء عليهم الصلاة والسلام كالأولين أو في شفاعة الأصنام كالآخِرين أو متردّدين فيهما معاً كبعض الكفرة الذين يُعلم من حالهم أنهم إذا سمعوا بحديث البعث يخافون أن يكون حقاً، وأما المنكرون للحشر رأساً والقائلون به القاطعون بشفاعة آبائهم أو بشفاعة الأصنام فهم خارجون ممن أُمر بإنذراهم، وقد قيل : هم المفرِّطون في الأعمال من المؤمنين، ولا يساعده سِباقُ[(٢)](#foonote-٢) النظم الكريم ولا سياقه، بل فيه ما يقضي باستحالة صحته كما ستقف عليه، والضميرُ المجرورُ لما يوحى أو لما دل هو عليه من القرآن، والمفعولُ الثاني للإنذار إما العذابَ الأخرويَّ المدلولَ عليه بما في حيز الصلة وإما مطلقَ العذاب الذي ورد به الوعيدُ، والتعرّضُ لعنوان الربوبية المُنْبئة عن المالكيةِ المطلقةِ والتصرّف الكليِّ لتربية المهابة وتحقيق المخافة، وقوله تعالى : لَيْسَ لَهُمْ من دُونِهِ وَلِيّ وَلاَ شَفِيعٌ  في حيز النصْب على الحالية من ضمير ( يُحشروا )، و( من ) متعلقةٌ بمحذوف وقع حالاً من اسم ليس، لأنه في الأصل صفة له فلما قدم عليه انتصب حالاً، خلا أن الحال الأولى لإخراج الحشر الذي لم يقيد بها عن حيز الخوف، وتحقيقِ أن ما نيط به الخوفُ هو الحشر على تلك الحالة لا الحشرُ كيفما كان، ضرورةَ أن المعترفين به الجازمين بنُصرة غيرِه تعالى بمنزلةِ المنكرين له في عدم الخوفِ الذي عليه يدورُ أمرُ الإنذار، وأما الحالُ الثانية فليست لإخراج الوليِّ الذي لم يقيَّد بها عن حيز الانتفاء لفساد المعنى لاستلزام ثبوتِ ولايتِه تعالى لهم كما في قوله تعالى : وَمَا لَكُم من دُونِ الله مِن وَلِيّ وَلاَ نَصِيرٍ  \[ البقرة، الآية ١٠٧ \] بل لتحقيق مدارِ خوفهم وهو فُقدان ما علّقوا به رجاءَهم، وذلك إنما هو ولايةُ غيرِه سبحانه وتعالى في قوله تعالى : وَمَن لا يُجِبْ دَاعِي الله فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ في الأرض وَلَيْسَ لَهُ مِن دُونِهِ أَوْلِيَاء  \[ الأحقاف، الآية ٣٢ \] والمعنى أنذر به الذين يخافون أن يُحشروا غيرَ منصورين من جهة أنصارهم على زعمهم، ومن هذا اتضح ألا سبيلَ إلى كون المرادِ بالخائفين المفرِّطين من المؤمنين، إذ ليس لهم وليٌّ سواه تعالى ليخافوا الحشرَ بدون نُصرته وإنما الذين يخافون الحشرَ بدون نصرته عز وجل، وقوله تعالى : لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ  تعليل الأمر، أي أنذِرْهم لكي يتقوا الكفرَ والمعاصيَ أو حال من ضمير الأمر، أي أنذِرْهم راجياً تقواهم أو مِن الموصول أي أنذرهم مرجواً منهم التقوى. 
١ إيفت مشاعرهم: أصابتها آفة، فهي مَؤوفَةٌ..
٢ سباق النظم: رباطه وقيده. وسياقه: تتابعه وأسلوبه الذي يجري عليه..

### الآية 6:52

> ﻿وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ ۖ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ [6:52]

وَلاَ تَطْرُدِ الذين يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بالغداة والعشي  لما أُمر صلى الله عليه وسلم بإنذار المذكورين لينتظموا في سلك المتقين نُهِيَ صلى الله عليه وسلم عن كون ذلك بحيث يؤدي إلى طردهم. رُوي أن رؤساءَ من المشركين قالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم : لو طردتَ هؤلاء الأعبُدَ وأرواحَ جبابهم، يعنون فقراءَ المسلمين كعمارٍ وصهيبٍ وخبابٍ وسَلمانَ وأضرابهم رضي الله تعالى عنهم، جلسنا إليك وحادثناك. فقال صلى الله عليه وسلم :****«ما أنا بطارد المؤمنين »**** فقالوا : فأقِمْهم عنا إذا جئنا، فإذا قُمنا فأقعِدْهم معك إن شئت، قال صلى الله عليه وسلم :****«نعم »**** طمعاً في إيمانهم. ورُوي أن عمر رضي الله تعالى عنه قال له عليه الصلاة والسلام :**«لو فعلتَ حتى تنظرَ إلى ما يصيرون ؟ »** وقيل : إن عُتبةَ بنَ ربيعةَ وشيبةَ بنَ ربيعةَ ومُطعِمَ بنَ عديّ والحارثَ بنَ نوفل وقرصةَ بنَ عبيد وعمروَ بنَ نوفل وأشرافَ بني عبد مناف من أهل الكفر أتَوا أبا طالب فقالوا : يا أبا طالب لو أن ابنَ أخيك محمداً يطرُد مواليَنا وحلفاءنا وهم عبيدُنا وعتقاؤُنا كان أعظمَ في صدورنا، وأدنى لاتّباعنا إياه، فأتى أبو طالب إلى النبي صلى الله عليه وسلم فحدثه بالذي كلموه، فقال عمر رضي الله عنه : لو فعلتَ ذلك حتى تنظرَ ما الذي يريدون، وإلامَ يصيرون ؟ وقال سلمان وخباب : فينا نزلت هذه الآية، جاء الأقرعُ بنُ حابسٍ التميمي وعُيَيْنةُ بنُ حِصْنٍ الفزاريُّ وعباسُ بنُ مِرْداسٍ وذووهم من المؤلفة قلوبُهم فوجدوا النبي صلى الله عليه وسلم جالساً مع أناسٍ من ضعفاءِ المؤمنين، فلما رأوهم حوله صلى الله عليه وسلم حقَروهم فأتَوْه عليه الصلاة والسلام فقالوا : يا رسول الله لو جلستَ في صدر المسجد، ونفَيْتَ عنا هؤلاء وأرواحَ جبابهم فجالسناك وحادثناك وأخذنا عنك فقال صلى الله عليه وسلم :****«ما أنا بطارد المؤمنين »**** قالوا : فإنا نحب أن تجعل لنا معك مجلساً تعرِفْ لنا به العربُ فضلَنا فإن وفودَ العرب تأتيك فنستحي أن ترانا مع هؤلاء الأعبُد، فإذا نحن جئناك فأقمهم عنا، فإذا نحن فرغنا فاقعد معهم إن شئت قال صلى الله عليه وسلم :****«نعم »**** قالوا : فاكتب لنا كتاباً فدعا بالصحيفة وبعليّ رضي الله تعالى عنه ليكتبَ ونحن قعود في ناحية، فنزل جبريلُ عليه السلام بالآية، فرمى عليه السلام بالصحيفة ودعانا فأتيناه وجلسنا عنده، وكنا ندنو منه حتى تمَسَّ رُكَبُنا رُكبتَه، وكان يقوم عنا إذا أراد القيام فنزلت  واصبر نَفْسَكَ مَعَ الذين يَدْعُونَ رَبَّهُم  \[ الكهف، الآية ٢٨ \] فترك القيام عنا إلى أن نقوم عنه وقال :**«الحمد لله الذي لم يُمتْني حتى أمرني أن أصبِرَ نفسي مع قومٍ من أمتي معكم المحيا ومعكم الممات »** والمرادُ بذكر الوقتين الدوامُ وقيل : صلاةُ الفجر والعصر وقرئ ( بالغُدوة ) وقوله تعالى : يُرِيدُونَ وَجْهَهُ  حال من ضمير ( يدعون ) أي يدعونه تعالى مخلصين له فيه، وتقييدُه به لتأكيد علِّيتِه للنهي، فإن الإخلاصَ من أقوى موجبات الإكرام المضادِّ للطرد، وقوله تعالى : مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِم من شيء  اعتراضٌ وسطٌ بين النهي وجوابه تقريراً له ودفعاً لما عسى يُتوَهم كونُه مسوِّغاً لطردهم من أقاويلِ الطاعنين في دينهم، كدأب قوم نوحٍ حيث قالوا : مَا نَرَاكَ اتبعك إِلاَّ الذين هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِي الرأي  \[ هود، الآية ٢٨ \] أي ما عليك شيءٌ ما مِنْ حساب إيمانهم وأعمالِهم الباطنة حتى تتصدَّى له وتبني على ذلك ما تراه من الأحكام، وإنما وظيفتُك، حسبما هو شأنُ منصِبِ النبوة، اعتبارُ ظواهرِ الأعمال وإجراءُ الأحكام على موجبها، وأما بواطنُ الأمور فحسابُها على العليم بذات الصدور كقوله تعالى : إِنْ حِسَابُهُمْ إِلاَّ على رَبّي  \[ الشعراء، الآية ١١٣ \] وذكرُ قوله تعالى : وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ من شيء  مع أن الجوابَ قد تم بما قبله للمبالغة في بيان انتفاءِ كون حسابِهم عليه صلى الله عليه وسلم بنظمه في سِلْك ما لا شُبهة فيه أصلاً، وهو انتفاءُ كونِ حسابه عليه السلام عليهم على طريقة قولِه تعالى : لاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ  \[ الأعراف، الآية ٣٤ \] وأما ما قيل من أن ذلك لتنزيل الجملتين منزلةَ جملةٍ واحدةٍ لتأدية معنى واحدٍ على نهج قوله تعالى : وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أخرى  \[ فاطر، الآية ١٨ \] فغيرُ حقيقٍ بجلالة شأن التنزيل، وتقديم ( عليك ) في الجملة الأولى للقصد إلى إيراد النفي على اختصاص حسابهم به صلى الله عليه وسلم إذ هو الداعي إلى تصدّيه عليه الصلاة والسلام لحسابهم، وقيل : الضمير للمشركين، والمعنى : أنك لا تؤاخَذُ بحسابهم حتى يُهمَّك إيمانُهم ويدعُوَك الحِرْصُ عليه إلى أن تطرُدَ المؤمنين، وقوله تعالى : فَتَطْرُدَهُمْ  جواب النفي وقوله تعالى : فَتَكُونَ مِنَ الظالمين  جواب النهي وقد جُوِّز عطفُه على ( فتطردَهم ) على طريقة التسبيب وليس بذاك.

### الآية 6:53

> ﻿وَكَذَٰلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَهَٰؤُلَاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا ۗ أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ [6:53]

وكذلك فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ  استئنافٌ مبينٌ لما نشأ عنه ما سبق من النهي، وذلك إشارة إلى مصدر ما بعده من الفعل الذي هو عبارةٌ عن تقديمه تعالى لفقراء المؤمنين في أمر الدين بتوفيقهم للإيمان مع ما هم عليه في أمر الدنيا من كمال سوء الحال، وما فيه من معنى البعد للإيذان بعلو درجة المشار إليه، وبُعْدِ منزلتِه في الكمال، والكاف مُقحَمَةٌ لتأكيد ما أفاده اسمُ الإشارة من الفخامة، ومحلُها في الأصل النصب على أنه نعتٌ لمصدرٍ مؤكّدٍ محذوف، والتقدير فتنا بعضَهم ببعض فتوناً كائناً مثلَ ذلك الفتون، ثم قُدّم على الفعل لإفادة القصْرِ المفيدِ لعدم القصور فقط، واعتُبرت الكافُ مُقحَمةً فصار نفسَ المصدرِ المؤكدِ لا نعتاً له. والمعنى ذلك الفتونَ الكاملَ البديعَ فتنّا، أي ابتلَينا بعضَ الناس ببعضهم لا فتوناً غيره، حيث قدمنا الآخِرين في أمر الدينِ على الأولين المتقدَّمين عليهم في أمر الدنيا تقدماً كلياً، واللام في قوله تعالى : ليَقُولوا  للعاقبة، أي ليقول البعضُ الأولون مُشيرين إلى الآخِرين محقِّرين لهم نظراً إلى ما بينهما من التفاوت الفاحشِ الدنيوي، وتعامياً عما هو مَناطُ التفضيلِ حقيقةً  أَهَؤُلاء مَنَّ الله عَلَيْهِم من بَيْنِنَا  بأن وفّقهم لإصابة الحقِّ ولِما يُسعِدَهم عنده تعالى من دوننا، ونحن المقدَّمون والرؤساء، وهم العبيدُ والفقراء، وغرضُهم بذلك إنكارُ وقوعِ المنِّ رأساً على طريقة قولِهم : لَوْ كَانَ خَيْراً ما سَبَقُونَا إِلَيْهِ  \[ الأحقاف، الآية ١١ \] لا تحقيرُ الممنونِ عليهم مع الاعتراف بوقوعه بطريق الاعتراضِ عليه تعالى، وقولُه تعالى : أَلَيْسَ الله بِأَعْلَمَ بالشاكرين  ردٌّ لقولهم ذلك وإبطال له، وإشارةٌ إلى أن مدارَ استحقاقِ الإنعامِ معرفةُ شأنِ النعمةِ والاعترافُ بحق المُنعِم، والاستفهامُ لتقرير علمه البالغِ بذلك، أي أليس الله بأعلمَ بالشاكرين لِنِعَمِه حتى تستبعِدوا إنعامَه عليهم ؟ وفيه من الإشارة إلى أن أولئك الضعفاءَ عارفون بحقِّ نِعَم الله تعالى في تنزيل القرآنِ والتوفيقِ للإيمان، شاكرون له تعالى على ذلك مع التعريض بأن القائلين بمعزلٍ من ذلك كله ما لا يخفى.

### الآية 6:54

> ﻿وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا فَقُلْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ ۖ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَىٰ نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ ۖ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ [6:54]

وَإِذَا جَاءكَ الذين يُؤْمِنُونَ بآياتنا  هم الذين نُهيَ عن طردهم، وُصِفوا بالإيمان بآيات الله عز وجل كما وُصفوا بالمداومة على عبادته تعالى بالإخلاص تنبيهاً على إحرازهم لفضيلتَي العلم والعمل، وتأخيرُ هذا الوصفِ مع تقدمه على الوصف الأولِ لما أن مدارَ الوعدِ بالرحمة والمغفرة هو الإيمانُ بها كما أن مناطَ النهْي عن الطرد فيما سبق هو المداومةُ على العبادة وقوله تعالى : فَقُلْ سلامٌ عَلَيْكُمْ  أمرٌ بتبشيرهم بالسلامة عن كل مكروهٍ بعد إنذارِ مُقابليهم، وقيل : بتبليغ سلامِه تعالى إليهم، وقيل : بأن يبدأَهم بالسلام، وقوله تعالى : كَتَبَ رَبُّكُمْ على نَفْسِهِ الرحمة  أي قضاها وأوجبَها على ذاته المقدسةِ بطريق التفضّل والإحسانِ بالذات، لا بتوسُّطِ شيءٍ ما أصلاً، تبشيراً لهم بسَعَة رحمتِه تعالى، وبنيل المطالبِ إثرَ تبشيرِهم بالسلامة من المكاره وقبولِه التوبة منهم، وفي التعرُّض لعُنوان الربوبيةِ مع الإضافة إلى ضميرهم إظهارُ اللطفِ بهم والإشعارُ بعلّة الحُكْم. وقيل : إن قوماً جاءوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا : إنا أصبْنا ذُنوباً عِظاماً، فلم يُردَّ عليهم شيئاً فانصرفوا، فنزلت وقوله تعالى : أَنَّهُ مَن عَمِلَ مِنكُمْ سُوءاً  بدل من الرحمة، وقرئ بكسر ( إنه ) على أنه تفسيرٌ للرحمة بطريق الاستئناف وقوله تعالى : بِجَهَالَةٍ  حال من فاعل ( عمل ) أي عمله وهو جاهلٌ بحقيقة ما يتبعه من المضارِّ، والتقييدُ بذلك للإيذان بأن المؤمنَ لا يباشر ما يعلمُ أنه يؤدي إلى الضرر، أو عملِه متلبّساً بجهالة  ثُمَّ تَابَ مِن بَعْدِهِ  أي من عمله أو بعد سَفَهِه  وَأَصْلَحَ  أي ما أفسده تدارُكاً وعزْماً على أن لا يعودَ إليه أبداً  فَأنَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ  أي فأمرُه أنه غفور رحيم، وقرئ ( فإنه ) بالكسر على أنه استئنافٌ وقع في صدر الجملة الواقعةِ خبراً ( لمن ) على أنها موصولة أو جواباً لها عن أنها شرطية.

### الآية 6:55

> ﻿وَكَذَٰلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ [6:55]

وَكَذَلِكَ نُفَصّلُ الآيات  قد مر آنفاً ما فيه من الكلام أي هذا التفصيلَ البديعَ تفصّلُ الآياتِ في صفة أهل الطاعةِ وأهل الإجرام المُصرِّين منهم والأولين  وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ المجرمين  بتأنيث الفعلِ بناءً على تأنيث الفاعل وقرئ بالتذكير بناءً على تذكيره فإن السبيلَ مما يذكر ويؤنث، وهو عطفٌ على علة محذوفةٍ للفعل المذكورِ لم يُقصَدْ تعليلُه بها بعينها وإنما قُصد الإشعارُ بأن له فوائدَ جمّةً من جملتها ما ذُكر، أو علةٌ لفعل مقدرٍ هو عبارة عن المذكور فيكون مستأنَفاً أي ولتستبين سبيلَهم نفعلُ ما نفعل من التفصيل. وقرئ بنصب السبيلَ على أن الفعل متعدَ وتاؤُه للخطاب أي ولتستوضح أنت يا محمد سبيلَ المجرمين فتعامِلَهم بما يليق بهم.

### الآية 6:56

> ﻿قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ۚ قُلْ لَا أَتَّبِعُ أَهْوَاءَكُمْ ۙ قَدْ ضَلَلْتُ إِذًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُهْتَدِينَ [6:56]

قُلْ إِنّي نُهِيتُ  أُمر عليه الصلاة والسلام بالرجوع إلى مخاطبة المُصِرّين على الشرك إثرَ ما أُمر بمعاملة مَنْ عداهم من أهل الإنذار والتبشيرِ بما يليق بحالهم أي قل لهم قطعاً لأطماعهم الفارغةِ عن ركونه عليه الصلاة والسلام إليهم، وبياناً لكون ما هم عليه من الدين هوىً محضاً وضلالاً بحتاً، إني صُرفتُ وزُجِرْت بما نُصب لي من الأدلة وأُنزل علي من الآيات في أمر التوحيد  أَنْ أَعْبُدَ الذين تَدْعُونَ  أي عن عبادة ما تعبدونه  مِن دُونِ الله  كائناً ما كان.  قُلْ  كَرر الأمرَ مع قرب العهد اعتناءً بشأن المأمور به أو إيذاناً باختلاف المَقولَيْن من حيث إن الأولَ حكايةٌ لِما من جهته تعالى من النهي، والثاني حكايةٌ لما من جهته صلى الله عليه وسلم من الانتهاء عما ذُكر من عبادة ما يعبدونه وإنما قيل : لا أَتَّبِعُ أَهْوَاءكُمْ  استجهالاً لهم وتنصيصاً على أنهم فيما هم فيه تابعون لأهواءَ باطلةٍ وليسوا على شيء مما ينطلق عليه الدين أصلاً، وإشعاراً بما يوجب النهيَ والانتهاءَ، وقوله تعالى : قَدْ ضَلَلْتُ إِذاً  استئنافٌ مؤكِّد لانتهائه عما نِخيَ عنه مقرِّر لكونهم في غاية الضلال والغَواية، أي إن اتبعتُ أهواءكم فقد ضللت، وقوله تعالى : وَمَا أَنَا مِنَ المهتدين  عطفٌ على ما قبله، والعدولُ إلى الجملة الاسمية للدلالة على الدوام والاستمرار أي دوامِ النفْي واستمرارِه لا نفْيِ الدوام والاستمرار كما مر مراراً أي ما أنا في شيء من الهدى حين أكون في عِدادهم.

### الآية 6:57

> ﻿قُلْ إِنِّي عَلَىٰ بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَكَذَّبْتُمْ بِهِ ۚ مَا عِنْدِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ ۚ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ ۖ يَقُصُّ الْحَقَّ ۖ وَهُوَ خَيْرُ الْفَاصِلِينَ [6:57]

وقوله تعالى : قُلْ إِنّي على بَيّنَةٍ  تحقيقٌ للحق الذي عليه رسولُ الله صلى الله عليه وسلم وبيانٌ لاتّباعه إياه إثرَ إبطالِ الذي عليه الكَفَرةُ وبيانِ عدمِ اتباعِه له، والبينةُ الحجةُ الواضحةُ التي تفصِلُ بين الحق والباطل والمرادُ بها القرآنُ والوحْيُ وقيل : هي الحججُ العقلية أو ما يعمُّها، ولا يساعدُه المقامُ، والتنوينُ للتفخيم، وقولُه تعالى : من ربّي  متعلقٌ بمحذوفٍ هو صفةٌ ( لبينة ) مؤكّدة لما أفاده التنوين من الفخامة الذاتية بالفخامة الإضافية، وفي التعرض لعنوان الربوبية مع الإضافة إلى ضميره صلى الله عليه وسلم من التشريفِ ورفعِ المنزلة ما لا يخفى، وقولُه تعالى : وَكَذَّبْتُم بِهِ  إما جملةٌ مستأنفة أو حاليةٌ بتقدير قد أو بدونه، جيء بها لاستقباح مضمونِها واستبعاد وقوعِه مع تحقق ما يقتضي عدمَه من غاية وضوحِ البينة، والضميرُ المجرورُ للبينة، والتذكير باعتبار المعنى المرادِ، والمعنى إني على بينةٍ عظيمة كائنةٍ من ربي وكذبتم بها وبما فيها من الأخبار التي من جمتلها الوعيدُ بمجيء العذاب، وقولُه تعالى : مَا عِندِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ  استئنافٌ مبينٌ لخطئهم في شأن ما جعلوه منشأً لتكذيبهم بها، وهو عدمُ مجيءِ ما وَعد فيها من العذاب الذي كانوا يستعجلونه بقولهم : متى هذا الوعد إِن كُنتُمْ صادقين  \[ سبأ، الآية ٢٩ \] بطريق الاستهزاءِ أو بطريق الإلزامِ على زعمهم أي ليس ما تستعجلونه من العذاب الموعودِ في القرآنِ وتجعلون تأخُّرَه ذريعةً إلى تكذيبه في حُكمي وقدرتي حتى أَجيءَ به وأُظهرَ لكم صِدْقَه، أو ليس أمرُه بمُفوَّضٍ إلي  إِنِ الحكم  أي ما الحكمُ في ذلك تعجيلاً وتأخيراً أو ما الحكمُ في جميع الأشياء، فيدخُل فيه ما ذُكر دخولاً أولياً  إِلاَ لِلَّهِ  وحده من غير أن يكون لغيره دخْلٌ ما فيه بوجه من الوجوه، وقولُه تعالى : يَقُصُّ الحق  أي يَتْبعُه، بيانٌ لشؤونه تعالى في الحكم المعهودِ أو في جميع أحكامِه المنتظمةِ له انتظاماً أولياً، أي لا يحكمُ إلا بما هو حقٌّ فيُثبتُ حقيقة التأخير. وقرئ ( يقضي ) فانتصابُ ( الحقَّ ) حينئذٍ على المصدرية أي يقضي القضاءَ الحقَّ أو على المفعولية أي يصنعُ الحقَّ ويدبرُه من قولهم : قضى الدِّرعَ إذا صنعها، وأصلُ القضاءِ الفصلُ بتمام الأمرِ، وأصلُ الحُكمِ المنعُ فكأنه يمنعُ الباطل عن معارَضةِ الحقِّ أو الخصمِ عن التعدِّي على صاحبه  وَهُوَ خَيْرُ الفاصلين  اعتراضٌ تذييليٌّ مقرِّرٌ لمضمونِ ما قبله، مشيرٌ إلى أن قصَّ الحقِّ هاهنا بطريق خاصَ هو الفصلُ بين الحقِّ والباطل، هذا هو الذي تَسْتَدْعيه جزالةُ التنزيلِ. وقد قيل : إن المعنى إني، من معرفة ربي وأنه لا معبود سواه، على حجةٍ واضحةٍ وشاهدِ صدقٍ وكذبتم به أنتم حيث أشركتم به تعالى غيرَه. وأنت خبيرٌ بأن مساقَ النظم الكريمِ فيما سَبق وما لَحِق على وصفهم بتكذيب آياتِ الله تعالى بسبب عدمِ مجيءِ العذاب الموعودِ فيها، فتكذيبُهم به سبحانه في أمر التوحيد مما لا تعلُّقَ له بالمقام أصلاً.

### الآية 6:58

> ﻿قُلْ لَوْ أَنَّ عِنْدِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ لَقُضِيَ الْأَمْرُ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ ۗ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالظَّالِمِينَ [6:58]

قُل لوْ أَنَّ عِندِي  أي في قدرتي ومِكْنتي  مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ  من العذاب الذي ورد به الوعيد بأن يكون أمرُه مفوّضاً إلي من جهته تعالى  لَقُضِي الأمر بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ  أي بأن ينزِلَ ذلك عليكم إثرَ استعجالِكم بقولكم : متى هذا الوعد ونظائرِه، وفي بناء الفعل للمفعول من الإيذان بتعيُّن الفاعِلِ الذي هو الله تعالى وتهويلِ الأمر ومراعاةِ حسنِ الأدب ما لا يخفى. فما قيل في تفسيره لأهلكتُكم عاجلاً غضباً لربي ولتخلصْتُ منكم سريعاً بمعزلٍ من تَوْفِيةِ المقام حقَّه. وقولُه تعالى : والله أَعْلَمُ بالظالمين  اعتراضٌ مقرِّرٌ لِما أفادتْه الجملةُ الامتناعية من انتفاءِ كونِ أمرِ العذابِ مفوَّضاً إليه صلى الله عليه وسلم المستتبِع لانتفاء قضاءِ الأمر، وتعليلٌ له والمعنى والله تعالى أعلم بحال الظالمين وبأنهم مستحقون للإمهال بطريق الاستدراج لتشديد العذاب ولذلك لم يفوِّضِ الأمرَ إليّ فلم يقضِ الأمرَ بتعجيل العذاب والله أعلم.

### الآية 6:59

> ﻿۞ وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ ۚ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ ۚ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ [6:59]

وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الغيب  بيانٌ لاختصاص المقدوراتِ الغيبية به تعالى من حيثُ العلمُ إثرَ بيانِ اختصاصِ كلِّها به تعالى من حيثُ القدرةُ، والمفاتحُ إما جمعُ مفتَح بفتح الميم وهو المخزَن فهو مستعارٌ لمكان الغيب كأنها مخازِنُ خُزِنت فيها الأمورُ الغيبيةُ يُغلق عليها ويُفْتَح، وإما جمعُ مفتِح بكسرها، وهو المفتاح، ويؤيده قراءةُ مَنْ قرأ ( مفاتيحُ الغيب ) فهو مستعارٌ لما يُتوصَّلُ به إلى تلك الأمورِ بناءً على الاستعارة الأولى، أي عنده تعالى خاصةُ خزائنِ غُيوبِه أو يُتوصَّلُ به إليها، وقولُه عز وجل : لاَ يَعْلَمُهَا إِلاَّ هُوَ  تأكيدٌ لمضمونِ ما قبله، وإيذانٌ بأن المرادَ هو الاختصاصُ من حيث العلمُ لا من حيث القدرةُ، والمعنى أن ما تستعجلونه من العذاب ليس مقدوراً لي حتى أُلزِمَكم بتعجيله، ولا معلوماً لديّ لأُخبرَكم وقتَ نزولِه، بل هو مما يَختصُّ به تعالى قدرةً وعلماً فيُزلُه حسبما تقتضيه مشيئتُه المبنيةُ على الحِكَم والمصالِه، وقولُه تعالى : وَيَعْلَمُ مَا في البر والبحر  بيان لتعلّق علمِه تعالى بالمشاهَدات إثرَ بيان تعلُّقِه بالمغيَّباتِ تكملةً له وتنبيهاً على أن الكلَّ بالنسبة إلى علمِه المحيطِ سواءٌ في الجَلاءِ، أي يعلم ما فيهما من الموجودات مُفصّلةً على اختلاف أجناسِها وأنواعِها وتكثُّرِ أفرادِها، وقولُه تعالى : وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلاَّ يَعْلَمُهَا  بيانٌ لتعلُّقه بأحوالها المتغيَّرةِ بعد بيانِ تعلقِه بذواتها، فإن تخصيصَ حالِ السقوطِ بالذكر ليس إلا بطريق الاكتفاءِ بذكرها عن ذكر سائر الأحوال، كما أن ذكرَ حالِ الورقةِ وما عُطفَ عليها خاصةً دون أحوالِ سائرِ ما فيهما من فنونِ الموجودات الفائتة للحصر باعتبارِ أنها أُنموذَجٌ لأحوال سائرِها، وقولُه تعالى : وَلاَ حَبَّةٍ  عطفٌ على ( ورقةٍ ) وقولُه تعالى : في ظلمات الأرض  متعلِّقٌ بمحذوفٍ هو صفةٌ لحبة مفيدةٌ لكمال نفوذِ علمِه تعالى أي ولا حبةٍ كائنةٍ في بطونِ الأرض إلا يعلمها، وكذا قولُه تعالى : وَلاَ رَطْبٍ وَلاَ يَابِسٍ  معطوفان عليها داخلان في حُكمها وقولُه تعالى : إِلاَّ في كتاب مُبِينٍ  بدلٌ من الاستثناءِ الأول بدلَ الكلِّ \[ من الكل \] على أن الكتابَ المُبِينَ عبارةٌ عن علمه تعالى أو بدلَ الاشتمالِ على أنه عبارةٌ عن اللوحِ المحفوظ، وقرئ الأخيران بالرفع عطفاً على محلِّ ( من ورقة ) وقيل : رفعُهما بالابتداء والخبرُ ( إلا في كتاب مبين ) وهو الأنسبُ بالمقام لشمول الرطبِ واليابس حينئذ لِما ليس من شأنه السقوطُ، وقد نُقل قراءةُ الرفعِ في ( ولا حبةٌ ) أيضاً.

### الآية 6:60

> ﻿وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ لِيُقْضَىٰ أَجَلٌ مُسَمًّى ۖ ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ ثُمَّ يُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ [6:60]

وَهُوَ الذي يتوفاكم باليل  أي يُنيمُكم فيه على استعارة التوفِّي من الإماتة للإنامة لما بين الموتِ والنومِ من المشاركة في زوال الإحساس والتمييز، وأصله قبضُ الشيء بتمامه  وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُم بالنهار  أي ما كَسَبتم فيه والمرادُ بالليل والنهار الجنسُ المتحققُ في كل فردٍ من أفرادهما، إذْ بالتوفي والبعثِ الموجودَين فيها يتحققُ قضاءُ الأجلِ المسمَّى المترتبِ عليها لا في بعضِها، والمرادُ بعلمه تعالى ذلك علمُه قبل الجَرْحِ كما يلوحُ به تقديمُ ذكره على البعث أي يعلم ما تجرَحون بالنهار، وصيغةُ الماضي للدلالة على التحقّق، وتخصيصُ التوفي بالليل والجَرْحِ بالنهار مع تحقّق كلَ منهما فيما خُصَّ بالآخر للجَرْي على سَنن العادة  ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ  أي يوقظكم في النهار، عطفٌ على يتوفاكم، وتوسيطُ قوله تعالى : وَيَعْلَم  الخ، بينهما لبيان ما في بعثهم من عظيمِ الإحسانِ إليهم بالتنبيه على أن ما يكتسبونه من السيئات مع كونها موجبةً لإبقائهم على التوفّي بل لإهلاكهم بالمرة يُفيض عليهم الحياة ويُمهلُهم كما ينبئ عنه كلمةُ التراخي، كأنه قيل : هو الذي يتوفاكم في جنس الليالي ثم يبعثكم في جنس النهار مع علمه بما ستجرَحون فيها  ليُقضى أَجَلٌ مّسَمًّى  معيَّنٌ لكل فردٍ فردٌ بحيث لا يكاد يتخطى أحدٌ ما عُيِّن له طرفةَ عينٍ  ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ  أي رجوعُكم بالموت لا إلى غيره أصلاً  ثُمَّ يُنَبّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ  بالمجازاة بأعمالكم التي كنتم تعملونها في تلك الليالي والأيامِ، وقيل : الخطابُ مخصوصٌ بالكفرة، والمعنى أنكم مُلقَوْن كالجيف بالليل كاسبون للآثام بالنهار، وأنه تعالى مطّلعٌ على أعمالكم يبعثكم الله من القبور في شأن ما قطعتم به أعمارَكم من النوم بالليل وكسْبِ الآثامِ بالنهار ليقضى الأجلُ الذي سماه وضَرَبه لبعث الموتى وجزائِهم على أعمالهم. وفيه ما لا يخفى من التكلّف والإخلالِ، لإفضائه إلى كون البعث معلَّلاً بقضاء الأجلِ المضروب له.

### الآية 6:61

> ﻿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ ۖ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً حَتَّىٰ إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ [6:61]

وَهُوَ القاهر فَوْقَ عِبَادِهِ  أي هو المتصرِّفُ في أمورهم لا غيرُه يفعل بهم ما يشاء إيجاداً وإعداماً وإحياءً وإماتة وتعذيباً وإثابةً إلى غير ذلك  وَيُرْسِلُ عَلَيْكُم  خاصة أيها المكلفون  حَفَظَةً  من الملائكة وهم الكرام الكاتبون و( عليكم ) متعلقٌ بيُرسل لما فيه من معنى الاستيلاء، وتقديمُه على المفعول الصريح لما مر مراراً من الاعتناء بالمقدَّم والتشويق إلى المؤخر، وقيل : متعلقٌ بمحذوفٍ هو حال من ( حفظة ) إذ لو تأخر لكان صفةً أي كائنين عليكم، وقيل : متعلق بحفظةً والمحفوظُ محذوفٌ على كل حال أي يرسل عليكم ملائكةً يحفظون أعمالَكم كائنةً ما كانت، وفي ذلك حكمةٌ جميلةٌ ونعمةٌ جليلة لما أن المكلفَ إذا عَلم أن أعماله تُحفظ عليه وتُعرض على رؤوس الأشهادِ كان ذلك أزجرَ له عن تعاطي المعاصي والقبائحِ وأن العبد إذا وثِقَ بلُطف سيّدِه واعتمد على عفوه وسَترِه لم يحتشمه احتشامه من خدمه الواقفين على أحواله و( حتى ) في قوله تعالى : حتى إِذَا جَاء أَحَدَكُمُ الموت  هي التي يبتدأ بها الكلام وهي مع ذلك تَجعلُ ما بعدها من الجملة الشرطية غايةً لما قبلها كأنه قيل : ويُرسلُ عليكم حفظة يحفَظون أعمالَكم مدةَ حياتكم حتى إذا انتهت مدةُ أحدِكم كائناً مَنْ كان وجاءه أسبابُ الموت ومباديه  تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا  الآخرون المفوَّضُ إليهم ذلك، وهم ملكُ الموتِ وأعوانُه وانتهى هناك حِفظُ الحفظة، وقرئ توفاه ماضياً أو مضارعاً بطرح إحدى التاءين  وَهُمْ  أي الرسل  لاَ يُفَرّطُونَ  أي بالتواني والتأخير، وقرئ مخففاً من الإفراط أي لا يجاوزون ما حُدّ لهم بزيادة أو نقصان، والجملة حال من ( رسلنا ) وقيل : مستأنَفةٌ سيقت لبيان اعتنائِهم بما أُمروا به.

### الآية 6:62

> ﻿ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ ۚ أَلَا لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ [6:62]

وقوله تعالى : ثُمَّ رُدُّوا  عطفٌ على توفته، والضمير للكلِّ المدلول عليه بأحدكم، وهو السرُّ في مجيئه بطريق الالتفات تغليباً، والإفرادُ أولاً والجمعُ آخِراً لوقوع التوفِّي على الانفراد والردِّ على الاجتماع أي ثم ردوا بعد البعث بالحشر  إِلَى الله  أي إلى حكمه وجزائه في موقف الحساب  مولاهم  أي مالكُهم الذي يلي أمورَهم على الإطلاق لا ناصرُهم كما في قوله تعالى : وَأَنَّ الكافرين لاَ مولى لَهُمْ  \[ محمد، الآية ١١ \]  الحق  الذي لا يقضي إلا بالعدل، وقرئ بالنصب على المدح  أَلاَ لَهُ الحكم  يومئذ صورةً ومعنى لا لأحد غيرِه بوجه من الوجوه  وَهُوَ أَسْرَعُ الحاسبين  يحاسب جميعَ الخلائق في أسرعِ زمانٍ وأقصره لا يشغَله حسابٌ ولا شأنٌ عن شأنٍ، وفي الحديث **«إن الله تعالى يحاسب الكلَّ في مقدار حلْبِ شاة »**.

### الآية 6:63

> ﻿قُلْ مَنْ يُنَجِّيكُمْ مِنْ ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ تَدْعُونَهُ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً لَئِنْ أَنْجَانَا مِنْ هَٰذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ [6:63]

قُلْ مَن يُنَجّيكُمْ من ظلمات البر والبحر  أي قل تقريراً لهم بانحطاط شركائِهم عن رتبةِ الإلهية مَنْ ينجِّيكم من شدائدهما الهائلةِ التي تُبطل الحواسَّ وتَدْحَض العقولَ، ولذلك استُعير لها الظلماتُ المبطلةُ لحاسةِ البصَر، يقال لليوم الشديد : يومٌ مظلم ويومٌ ذو كواكبَ أو من الخسف في البر والغرقِ في البحر، وقرئ ينْجيكم من الإنجاء والمعنى واحد وقوله تعالى : تَدْعُونَهُ  نصبٌ على الحالية من مفعول ( ينجِّيكم ) والضميرُ ( لمن ) أي مَن ينجّيكم منها حال كونكم داعين له، أو من فاعله أي مَنْ ينجِّيكم منها حال كونه مدعواً من جهتكم وقوله تعالى : تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً  إما حالٌ من فاعل تدعونه أو مصدرٌ مؤكِّد له، أي تدعونه متضرعين جِهاراً ومُسِرِّين أو تدعونه دعاءَ إعلانٍ وإخفاء، وقرئ ( خِفية ) بكسر الخاء وقوله تعالى : لئِنْ أنجانا  حال من الفاعل أيضاً على تقدير القول أي تدعونه قائلين : لئن أنجيتنا  مِنْ هذه  الشدة والورطة التي عبر عنها بالظلمات  لَنَكُونَنَّ مِنَ الشاكرين  أي الراسخين في الشكر المداومين عليه لأجل هذه النعمةِ أو جميع النعماءِ التي من جملتها هذه، وقرئ لئن أنجانا مراعاة لقوله تعالى : تَدْعُونَهُ .

### الآية 6:64

> ﻿قُلِ اللَّهُ يُنَجِّيكُمْ مِنْهَا وَمِنْ كُلِّ كَرْبٍ ثُمَّ أَنْتُمْ تُشْرِكُونَ [6:64]

قُلِ الله يُنَجّيكُمْ منهَا وَمِن كُلّ كَرْبٍ  أُمر صلى الله عليه وسلم بتقرير الجواب مع كونه من وظائفهم للإيذان بأنه متعيِّنٌ عندهم، ولبناءِ قولِه تعالى : ثُمَّ أَنتُمْ تُشْرِكُونَ  عليه، أي الله تعالى وحده ينجيكم مما تدعونه إلى كشفه من الشدائد المذكورةِ وغيرِها من الغموم والكُرَبِ ثم أنتم بعد ما تشاهدون هذه النعمَ الجليلةَ تشركون بعبادته تعالى غيرَه، وقرئ يُنْجيكم بالتخفيف.

### الآية 6:65

> ﻿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَىٰ أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ ۗ انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ [6:65]

وقوله تعالى : قُلْ هُوَ القادر على أَن يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَاباً  استئنافٌ مَسوقٌ لبيان أنه تعالى هو القادرُ على إلقائهم في المهالك إثرَ بيانِ أنه هو المُنْجي لهم منها، وفيه وعيدٌ ضمنيٌّ بالعذاب لإشراكهم المذكورِ على طريقة قولِه عز وجل : أَفَأَمِنتُمْ أَن يَخْسِفَ بِكُمْ جَانِبَ البر  إلى قوله تعالى : أَمْ أَمِنتُمْ أَن يُعِيدَكُمْ فِيهِ تَارَةً أخرى  \[ الإسراء، الآية ٦٨ و٦ \]، و( عليكم ) متعلقٌ ( بيبعثَ ) وتقديمُه على مفعوله الصريح للاعتناء به والمسارعةِ إلى بيان كون المبعوثِ مما يضرُّهم، ولتهويل أمْرِ المؤخرِ. وقوله تعالى : من فَوْقِكُمْ  متعلقٌ به أيضاً أو بمحذوف وقع صفةً لعذاباً أي عذاباً كائناً من جهة الفوق كما فَعَل بمن فَعَل من قوم لوطٍ وأصحابِ الفيل وأضرابِهم  أَوْ مِن تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ  أو من جهة السُفلِ كما فعل بفِرْعونَ وقارونَ، وقيل :( مِنْ فوقكم ) أكابِرُكم ورؤسائِكم و( من تحت أرجلِكم ) سفلتُكم وعبيدُكم، وكلمة أو لمنع الخُلوّ دون الجمع، فلا منْعَ لما كان من الجهتين معاً، كما فُعل بقوم نوحٍ  أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً  أي يخلطَكم فِرَقاً متحزّبين على أهواءَ شتّى، كلُّ فرقةٍ مشايعةٌ لإمامٍ فينشَبُ بينكم القتالُ فتختلطوا في الملاحم كقول الحَماسي :\[ الكامل \]

وكتيبةٍ لبَّستُها بكتيبةٍ  حتى إذا التَبَسَتْ نفضْتُ لها يدي وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ  عطفٌ على ( يبعثَ ) وقرئ بنون العظمة على طريقة الالتفات لتهويل الأمرِ والمبالغةِ في التحذير، والبعضُ الأولُ الكفارُ والآخَرُ المؤمنون ففيه وعدٌ ووعيد. عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ( أنه قال عند قوله تعالى : عَذَاباً من فَوْقِكُمْ  :**«أعوذُ بوجهك »**. وعند قوله تعالى : أَوْ مِن تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ  :**«أعوذ بوجهك »**. وعند قوله تعالى : أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ  : هذا أهونُ أو هذا أيسرُ » ). وعنه صلى الله عليه وسلم أنه قال :**«سألت ربي أن لا يبعثَ على أمتي عذاباً من فوقهم أو من تحت أرجلِهم فأعطاني ذلك، وسألته أن لا يجعلَ بأسهم بينهم فمنعني ذلك »**  انظر كَيْفَ نُصَرّفُ الآيات  من حال إلى حال  لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ  كي يفقَهوا ويقِفوا على جلية الأمرِ فيرجِعوا عما هم عليه من المكابرة والعِناد.

### الآية 6:66

> ﻿وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وَهُوَ الْحَقُّ ۚ قُلْ لَسْتُ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ [6:66]

وَكَذَّبَ بِهِ  أي بالعذاب الموعود أو القرآنِ المجيد الناطقِ بمجيئه،  قَوْمُكَ  أي المعاندون منهم، ولعل إيرادَهم بهذا العنوان للإيذان بكمالِ سوءِ حالِهم، فإن تكذيبَهم بذلك مع كونهم من قومه عليه الصلاة والسلام مما يقضي بغاية عَتُوِّهم ومكابرتهم، وتقديم الجار والمجرور على الفاعل لما مر مراراً من إظهار الاهتمام بالمقدَّمِ والتشويق إلى المؤخر، وقوله تعالى : وَهُوَ الحق  حال من الضمير المجرورِ أي كذبوا به والحال أنه الواقعُ لا محالة، أو أنه الكتابُ الصادقُ في كل ما نطقَ به، وقيل : هو استئنافٌ، وأياً ما كان ففيه دلالةٌ على عِظَم جنايتِهم ونهاية قُبْحِها  قُلْ  لهم منبِّهاً على ما يؤول إليه أمرُهم وعلى أنك قد أديتَ ما عليك من وظائف الرسالة  لستُ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ  بحفيظٍ وُكِّلَ إليَّ أمرُكم لأمنَعَكم من التكذيب وأُجبِرَكم على التصديق، إنما أنا منذرٌ وقد خرجتُ عن العُهدة حيث أخبرتُكم بما سترَونه.

### الآية 6:67

> ﻿لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ ۚ وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ [6:67]

لكُلّ نَبَإٍ  أي لكل شيءٍ يُنبَأُ به من الأنباء التي من جملتها عذابُكم أو لكلِّ خبرٍ من الأخبار التي من جملتها خبرُ مجيئِه  مُسْتَقَرٌّ  أي وقتُ استقرارٍ ووقوعٍ البتةَ، أو وقتُ استقرارٍ بوقوعِ مدلولِه  وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ  أي حالَ نَبئِكم في الدنيا أو في الآخرة أو فيهما معاً، وسوف للتأكيد كما في قوله تعالى : وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينِ  \[ ص، الآية ٨٨ \].

### الآية 6:68

> ﻿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّىٰ يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ ۚ وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَىٰ مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ [6:68]

وَإِذَا رَأَيْتَ الذين يَخُوضُونَ في آياتنا  أي بالتكذيب والاستهزاءِ بها والطعنِ فيها كما هو دأْبُ قريشٍ ودَيدَنُهم  فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ  بترك مُجالستهم والقيامِ عنهم وقولُه تعالى : حتى يَخُوضُوا في حَدِيثٍ غَيْرِهِ  غايةٌ للإعراض أي استمِرَّ على الإعراضِ إلى أن يخوضوا في حديثٍ غيرِ آياتنا، والتذكيرُ باعتبار كونها حديثاً فإن وصفَ الحديثِ بمغايرتها مشيرٌ إلى اعتبارها بعُنوان الحديثية وقيل : باعتبار كونِها قرآناً.  وَإِمَّا يُنسِيَنَّكَ الشيطان  بأن يشغَلَك فتنسى النهْيَ فتُجالِسَهم ابتداءً أو بقاءً، وقرئ يُنَسِّينَّك من التَنْسِية  فَلاَ تَقْعُدْ بَعْدَ الذكرى  أي بعد تذكُّرِ النهي  مَعَ القوم الظالمين  أي معهم فوضَعَ المُظهرَ موضِعَ المُضمر نعياً عليهم أنهم بذلك الخوضِ ظالمون، واضعون للتكذيب والاستهزاءِ موضِعَ التصديق والتعظيم راسخون في ذلك.

### الآية 6:69

> ﻿وَمَا عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَلَٰكِنْ ذِكْرَىٰ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ [6:69]

وَمَا عَلَى الذين يَتَّقُونَ  رُوي عن ابن عباس رضي الله عنهما أن المسلمين حين نُهوا عن مجالستهم عند خوضِهم في الآيات قالوا : لئن كنا نقول كلما استهزؤا بالقرآن لم نستطِعْ أن نجلِسَ في المسجد الحرام ونطوفَ بالبيت فنزلت. أي ما على الذين يتقون قبائحَ أعمالِ الخائضين وأحوالَهم  مِنْ حِسَابِهِم  أي مما يُحاسَبون عليه من الجرائر  مِن شيء  أي شيءٌ ما على أنه في محل الرفع على أنه مبتدأ، وما تميمية أو اسم لها وهي حجازية و( من ) مزيدة للاستغراق و( من حسابهم ) حال منه و( على الذين يتقون ) في محل الرفع على أنه خبر للمبتدأ أو لما الحجازية على رأي من لا يُجيز إعمالَها في الخبر المقدَّم مطلقاً، أو في محل النصب على رأي من يجوِّز إعمالَها في الخبر المقدّم عند كونه ظرفاً أو حرف جر.  ولكن ذكرى  استدراك من النفي السابق أي ولكن عليهم أن يذكِّروهم ويمنعوهم عما هم عليه من القبائح بما أمكن من العِظة والتذكير ويُظهروا لهم الكراهَةَ والنكيرَ، ومحل ( ذكرى ) إما النصبُ على أنه مصدرٌ مؤكِّد للفعل المحذوف أي عليهم أن يذكّروهم تذكيراً أو الرفع على أنه مبتدأ محذوفُ الخبر، أي ولكن عليهم ذكرى  لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ  أي يجتنبون الخوضَ حياءً أو كراهةً لمسَاءتهم، وقد جُوِّز كونُ الضمير للموصول أي يذكّروهم رجاءَ أن يثبُتوا على تقواهم أو يزدادوها.

### الآية 6:70

> ﻿وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِبًا وَلَهْوًا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا ۚ وَذَكِّرْ بِهِ أَنْ تُبْسَلَ نَفْسٌ بِمَا كَسَبَتْ لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ وَإِنْ تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لَا يُؤْخَذْ مِنْهَا ۗ أُولَٰئِكَ الَّذِينَ أُبْسِلُوا بِمَا كَسَبُوا ۖ لَهُمْ شَرَابٌ مِنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ [6:70]

وَذَرِ الَّذِينَ اتخذوا دِينَهُمْ  الذي كُلِّفوه وأُمروا بإقامة مواجبِه  لَعِباً وَلَهْواً  حيث سخِروا به واستهزأوا أو بنَوْا أمرَ دينهم على ما لا يكادُ يتعاطاه العاقلُ بطريق الجِدّ وإنما يصدُر عنه لو صدَر بطريق اللعِبِ واللهوِ كعبادة الأصنام وتحريمِ البحائرِ والسوائبِ ونحوِ ذلك، والمعنى أعرضْ عنهم ولا تُبالِ بأفعالهم وأقوالهم وقيل : هو تهديدٌ لهم كقوله تعالى : ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا  \[ الحجر، الآية ٣ \] الآية،  وَغَرَّتْهُمُ الحياة الدنيا  واطمأنوا بها حتى زعموا أنْ لا حياةَ بعدها أبداً  وَذَكّرْ بِهِ  أي بالقرآنِ من يصلُح للتذكير  أَن تُبْسَلَ نَفْسٌ بِمَا كَسَبَتْ  أي لئلا تُبْسَلَ كقوله تعالى : أَن تَضِلُّوا  \[ النساء، الآية ٤٤-١٧٦ \] الآية، أو مخافةَ أن تُبسَل أو كراهةَ أن تبسل نفوسٌ كثيرة كما في قوله تعالى : عَلِمَتْ نَفْسٌ ما أَحْضَرَتْ  \[ التكوير، الآية ١٤ \] وتُرتَهنَ لسوء عملِها، وأصلُ الإبسالِ والبَسْل المنعُ، ومنه أسد باسلٌ لأن فريستَه لا تُفلت منه أو لأنه ممتنَعٌ، والباسل الشجاع لامتناعه من قِرْنه وهذا بَسْلٌ عليك أي حرام ممنوعٌ وقد جوِّز أن يكون الضميرُ المجرورُ في ( به ) راجعاً إلى الإبسال مع عدم جريان ذكرِه كما في ضمير الشأن وتكون الجملةُ بدلاً منه مفسِّراً له، لما في الإبهام أولاً والتفسيرِ ثانياً من التفخيم وزيادةِ التقرير كما في قوله :\[ الطويل \]\[ على حالة لو أن في القوم حاتماً \]  على جودِه لَضَنَّ بالماء حاتمِ[(١)](#foonote-١)بجرّ حاتم على أنه بدل من ضمير جوده فالمعنى وذكر بارتهان النفوس وحبسها بما كسبت وقوله تعالى : لَيْسَ لَهَا مِن دُونِ الله وَلِيٌّ وَلاَ شَفِيعٌ  استئنافٌ مَسوقٌ للإخبار بذلك وقيل : في محل النصب على أنه حالٌ من ضمير ( كسبت ) وقيل : في محل الرفع على أنه وصفٌ ( لنفسٌ ) والأظهرُ أنه حالٌ من ( نفسٌ ) فإنه في قوة نفسٌ كافرةٌ أو نفوسٌ كثيرة كما في قوله تعالى : عَلِمَتْ نَفْسٌ ما أَحْضَرَتْ  و( من دون الله ) متعلقٌ بمحذوف هو حال من ( وليٌّ ) كما بُيِّن في تفسير قوله تعالى : وَأَنذِرْ بِهِ  \[ الأنعام، الآية ٥١ \]، وقيل : هو خبرٌ لليس فيكون ( لها ) حينئذٍ متعلقاً بمحذوفٍ على البيان  وَإِن تَعْدِلْ  أي إن تَفْدِ تلك النفسُ  كُلَّ عَدْلٍ  أي كلَّ فِداءٍ على أنه مصدرٌ مؤكد  لا يُؤْخَذْ مِنْهَا  على إسنادِ الفعلِ إلى الجار والمجرور لا إلى ضمير العدل كما في قوله تعالى : وَلاَ يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ  \[ البقرة، الآية ٤٨ \] فإنه المَفْدِيُّ به لا المصدرُ كما نحن فيه  أولئك  إشارة إلى الموصول باعتبار اتصافه بما في حيز الصلة، وما فيه من معنى البعد للإيذان ببعد درجتهم في سوء الحال، ومحلُه الرفعُ على الابتداء والخبرُ قوله تعالى : الذين أُبْسِلُوا بِمَا كَسَبُوا  والجملةُ مستأنفةٌ سيقت إثرَ تحذيرِهم من الإبسال المذكور لبيان أنهم المبتَلَوْن بذلك أي أولئك المتخِذون دينَهم لعباً ولهواً المغترون بالحياة الدنيا هم الذين أُبسِلوا بما كسبوا، وقولُه تعالى : لَهُمْ شَرَابٌ منْ حَمِيمٍ  استئناف آخَرُ مُبينٌ لكيفية الإبسال المذكور وعاقبتِه، مبنيٌّ على سؤال نشأ من الكلام كأنه قيل : ماذا لهم حين أُبسلوا بما كسبوا ؟ فقيل : لهم شرابٌ من ماءٍ مغليّ يتجَرْجَرُ في بطونهم وتتقطَّعُ به أمعاؤهم  وَعَذَابٌ أَلِيمٌ  بنار تشتعل بأبدانهم  بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ  أي بسبب كفرهم المستمر في الدنيا وقد جُوِّز أن يكون ( لهم شراب ) الخ، حالاً من ضمير ( أبسلوا ) وترتيبُ ما ذُكر من العذابَيْن على كفرهم مع أنهم معذبون بسائر معاصيهم أيضاً حسبما ينْطق به قولُه تعالى : بِمَا كَسَبُوا  لأنه العُمدةُ في إيجاب العذاب والأهمُ في باب التحذير، أو أريد بكفرهم ما هو أعمُّ منه ومن مستتْبِعاته من المعاصي والسيئات هذا، وقد جوِّز أن يكون أولئك إشارةً إلى النفوس المدلولِ عليها ( بنفسٌ ) محلُه الرفعُ بالابتداء والموصولُ الثاني صفتُه أو بدلٌ منه ولهم شراب الخ خبرُه والجملة مَسوقةٌ لبيان تَبِعةِ الإبسال. 
١ البيت للفرزدق في ديوانه ٢/٢٩٧؛ ولسان العرب (حتم) والروية فيه: "على جوده، ما جاء بالماء، حاتم"؟ والمقاصد النحوية ٤/١٨٦؛ وبلا نسبة في شرح شذور الذهب ص ٣١٧؛ وشرح المفصل ٣/٦٩..

### الآية 6:71

> ﻿قُلْ أَنَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُنَا وَلَا يَضُرُّنَا وَنُرَدُّ عَلَىٰ أَعْقَابِنَا بَعْدَ إِذْ هَدَانَا اللَّهُ كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ فِي الْأَرْضِ حَيْرَانَ لَهُ أَصْحَابٌ يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى ائْتِنَا ۗ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَىٰ ۖ وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ [6:71]

قُلْ أَنَدْعُوا مِن دُونِ الله مَا لاَ يَنفَعُنَا وَلاَ يَضُرُّنَا  قيل : نزلت في أبي بكر رضي الله عنه حين دعاه ابنه عبدُ الرحمان إلى عبادة الأصنام فتوجيهُ الأمر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حينئذ للإيذان بما بينهما من الاتصال والاتحادِ تنويهاً بشأن الصّدّيق رضي الله تعالى عنه أي أنعبد، متجاوزين عبادةَ الله الجامعِ لجميع صفاتِ الألوهية التي من جملتها القدرةُ على النفع والضرر، ما لا يقدِرُ على نفعنا إذا عبدناه ولا على ضَرِّنا إذا تركناه وأدنى مراتبِ المعبوديةِ القُدرةُ على ذلك. وقوله تعالى : وَنُرَدُّ على أعقابنا  عطفٌ على ( ندعوا ) داخلٌ في حكم الإنكارِ والنفْي أي ونُرَدّ إلى الشرك، والتعبيرُ عنه بالردِّ على الأعقاب لزيادة تقبيحِه بتصويره بصورةِ ما هو عَلَمٌ في القُبح مع ما فيه من الإشارة إلى كون الشركِ حالةً قد تُركت ونُبذتْ وراءَ الظهر، وإيثارُ ( نرد ) على نرتد لتوجيه الإنكار إلى الارتداد بردِّ الغير تصريحاً بمخالفة المُضلِّين وقطعاً لأطماعهم الفارغةِ وإيذاناً بأن الارتدادَ من غير رادَ ليس في حيز الاحتمال ليُحتاجَ إلى نفيه وإنكاره، وقوله تعالى : بَعْدَ إِذْ هَدَانَا الله  أي إلى الإسلام وأنقذنا من الشرك متعلقٌ بنرُدّ مَسوقٌ لتأكيد النكيرِ لا لتحقيق معنى الرد وتصويرِه فقط وإلا لكفى أن يقالَ : بعد إذ اهتدينا كأنه قيل : ونُرَدّ إلى الشرك بإضلال المضِلّ بعد إذ هدانا الله الذي لا هاديَ سواه وقوله تعالى : كالذي استهوته الشياطين  في محل النصبِ على أنه حالٌ من مرفوع ( نُرد ) أي أنرد على أعقابنا مشبَّهين بالذي استهوته مَرَدةُ الجن واستغوته إلى المهامِهِ[(١)](#foonote-١) والمهالك، أو على أنه نعتٌ لمصدر محذوف أي أنُرد رداً مثلَ ردِّ الذي استهوته الخ، والاستهواءُ استفعال من هَوَى في الأرض إذا ذهب فيها كأنها طلبت هُويَّه وحرصت عليه وقرئ استهواه بألفٍ مُمالة، وقوله تعالى : في الأرض  إما متعلق باستهوته أو بمحذوفٍ هو حال من مفعوله أي كائناً في الأرض وكذا قوله تعالى : حَيْرَانَ  حال منه على أنها بدلٌ من الأولى أو حال ثانية عند من يجيزها أو من ( الذي ) أو من المستكن في الظرف أي تائهاً ضالاً عن الجادة لا يدري ما يصنع وقوله تعالى : لَهُ أصحاب  جملة في محل النصب على أنها صفةٌ لحيران أو حالٌ من الضمير فيه أو مستأنفةٌ سيقت لبيان حالِه، وقوله تعالى : يَدْعُونَهُ إِلَى الهدى  صفةٌ لأصحاب أي لذلك المستهوى رفقةٌ يهدونه إلى الطريق المستقيم، تسميةٌ له بالمصدر مبالغةً كأنه نفس الهدى  ائتنا  على إرادة القول على أنه بدل مِنْ ( يدعونه ) أو حال من فاعله أي يقولون : ائتنا، وفيه إشارة إلى أنهم مهتدون ثابتون على الطريق المستقيم وأن من يدعونه ليس ممن يعرف الطريق المستقيم ليدعى إلى إتيانه، وإنما يُدرك سمتَ الداعي ومورِدَ النعيق فقط  قُلْ إِنَّ هُدَى الله  الذي هدانا إليه وهو الإسلام  هُوَ الهدى  وحدَه وما عداه ضلال محضٌ وغيٌّ بحتٌ كقوله تعالى : فَمَاذَا بَعْدَ الحق إِلاَّ الضلال  \[ يونس، الآية ٣٢ \] ونحوِه، وتكريرُ الأمر للاعتناء بشأن المأمورِ به ولأن ما سبق للزجْرِ عن الشرك وهذا حثٌّ على الإسلام، وهو توطِئةٌ لما بعده، فإن اختصاصَ الهُدى بهُداه تعالى مما يوجبُ الامتثالَ بالأوامر الواردةِ بعده  وَأُمِرْنَا  عطفٌ على ( إن هُدى الله هو الهدى ) داخلٌ تحت القول، واللام في  لِنُسْلِمَ لِرَبّ العالمين  لتعليل الأمر المَحْكيِّ وتعيينِ ما أريد به من الأوامر الثلاثة كما في قوله تعالى : قُل لعِبَادِي الذين آمَنُوا يُقِيمُوا الصلاة وَيُنْفِقُوا  \[ إبراهيم، الآية ٣١ \]، كأنه قيل : أمرنا وقيل لنا : أسلِموا لأجل أن نسلَمَ وقيل : هي بمعنى الباء أي أمرنا بأن نُسلم، وقيل : زائدة أي أُمرنا أن نُسلم على حذف الباء. 
١ المهامه: جمع مهمة، وهو المغارة البعيدة، والبلد المقفر..

### الآية 6:72

> ﻿وَأَنْ أَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَاتَّقُوهُ ۚ وَهُوَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ [6:72]

وقوله تعالى : وَأَنْ أَقِيمُوا الصلاة واتقوه  أي الله تعالى في مخالفة أمره، عطفٌ على نُسلم على الوجوه الثلاثة على أنّ أنْ المصدريةَ إذا وُصلت بالأمر يتجرّدُ هو عن معنى الأمر نحوُ تجرُّد الصلةِ الفعليةِ عن معنى المُضيِّ والاستقبال، فالمعنى على الأول أمرنا أي قيل لنا : أسلموا وأقيموا الصلاة واتقوا الله لأجل أن نُسلمَ ونُقيمَ الصلاة ونتّقِيَه تعالى، وعلى الأخيرين أمرنا بأن نسلمَ ونقيمَ الصلاة ونتقيَه تعالى والتعرضُ لوصف ربوبيته تعالى للعالمين لتعليل الأمرِ وتأكيدِ وجوبِ الامتثالِ به كما أن قوله تعالى : وَهُوَ الذي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ  جملةٌ مستأنفةٌ موجِبةٌ للامتثال بما أَمر به من الأمور الثلاثة.

### الآية 6:73

> ﻿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ ۖ وَيَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ ۚ قَوْلُهُ الْحَقُّ ۚ وَلَهُ الْمُلْكُ يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ ۚ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ ۚ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ [6:73]

وَهُوَ الذي خَلَقَ السماوات والأرض  أُريد بخلقهما خلقُ ما فيهما أيضاً، وعدمُ التصريح بذلك لظهور اشتمالهما على جميع العُلويات والسُفليات، وقوله تعالى : بالحق  متعلقٌ بمحذوفٍ هو حالٌ من فاعل ( خلق ) أو من مفعوله، أو صفةٌ لمصدرِه المؤكِّد له أي قائماً بالحق أو متلبِّساً بالحق أو متلبسةً به. وقوله تعالى : وَيَوْمَ يَقُولُ كُن فَيَكُونُ قَوْلُهُ الحق  استئنافٌ لبيانِ أنّ خلقَه تعالى لما ذَكر من السماوات والأرض ليس مما يَتوقَّفُ على مادّةٍ أو مُدّة بل يتَمّ بمحض الأمرِ التكوينيِّ من غير توقفٍ على شيءٍ آخَرَ أصلاً وأن ذلك الأمرَ المتعلِّقَ بكل فردٍ فردٌ من أفراد المخلوقات في حينٍ معينٍ من أفراد الأحيان حقٌّ في نفسه متضمنٌ للحكمة، ( ويومَ ) ظرفٌ لمضمون جملةِ ( قولُه الحقُّ ) والواو بحسب المعنى داخلٌ عليها وتقديمُه عليها للاعتناءِ به من حيث إنه مدارُ الحقّيةِ، وتركُ ذكرِ المقولِ له للثقةِ بغاية ظهوره، والمرادُ بالقول كلمةُ ( كن ) تحقيقاً أو تمثيلاً كما هو المشهورُ فالمعنى وأمرُه المتعلقُ بكل شيءٍ يريد خلقَه من الأشياء، في حينِ تعلّقِه به لا قبلَه ولا بعده من أفراد الأحيان الحقُّ أي المشهودُ له بالحقّية المعروفُ بها، هذا وقد قيل :( قوله ) مبتدأ و( الحق ) صفتُه و( يوم يقول ) خبرُه مقدماً عليخ كقولك : يومَ الجمعةِ القتالُ وانتصابه بمعنى الاستقرار. وحاصلُ المعنى قولُه الحقُّ كائنٌ حينَ يقول لشيءٍ من الأشياء كنْ فيكونُ ذلك الشيءُ، وقيل : يوم منصوبٌ بالعطف على السماوات أو على الضمير في ( واتقوه ) أو بمحذوف دل عليه ( بالحق ) وقوله الحق مبتدأ وخبر، أو فاعلُ ( يكون ) على معنى حين يقول لقوله الحق، أي لقضائه الحقِّ كن فيكون، والمرادُ حين يكوِّن الأشياءَ ويُحدِثُها أو حين تقومُ القيامةُ فيكونُ التكوينُ حشرَ الأجساد وإحياءَها فتأملْ حقَّ التأمل.  وَلَهُ المُلك يَوْمَ يُنفَخُ في الصور  تقييدُ اختصاصِ المُلك به تعالى بذلك اليومِ مع عموم الاختصاصِ لجميع الأوقات لغاية ظهورِ ذلك بانقطاعِ العلائقِ المجازيةِ الكائنةِ في الدنيا، المصحِّحة للمالكيةِ المجازية في الجملة كقوله تعالى : لمَنِ الملك اليوم لِلَّهِ الواحد القهار  \[ غافر، الآية ١٦ \].  عالم الغيب والشهادة  أي هو عالمُهما  وَهُوَ الحكيم  في كلِّ ما يفعله  الخبير  بجميعِ الأمور الجليّة والخفيّة.

### الآية 6:74

> ﻿۞ وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا آلِهَةً ۖ إِنِّي أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ [6:74]

وَإِذْ قَالَ إبراهيم  منصوب على المفعولية بمضمرٍ خُوطب به النبي عليه الصلاة والسلام معطوفٌ على  قُلْ أَنَدْعُوا  \[ الأنعام، الآية ٧١ \] لا على أقيموا كما قيل لفساد المعنى أي واذكر لهم بعد ما أنكرتَ عليهم عبادةَ ما لا يقدِرُ على نفعٍ وضُرّ وحققتَ أن الهدى هو هدى الله وما يتبعُه من شؤونه تعالى وقتَ قولِ إبراهيمَ الذي يدّعون أنهم على مِلّته موبّخاً  لأبِيهِ آزَرَ  على عبادة الأصنام فإن ذلك مما يبكِّتُهم وينادي بفساد طريقتِهم، وتوجيهُ الأمرِ بالذكر إلى الوقت دون ما وقعَ فيه من الحوادث مع أنها المقصودةُ لما مر مراراً من المبالغة في إيجاب ذكرِها، وآزرُ بزنةِ آدم وعابَر وعازَر وفالَغ وكذلك تارَحُ، ذكره محمدُ بنُ إسحاقَ والضحاكُ والكلبيُّ وكان من قريةٍ من سَواد الكوفة، ومُنعَ صَرْفُه للعُجمة والعَلَمية، وقيل : اسمُه بالسريانية تارَحُ وآزَرُ لقبُه المشهورُ وقيل : اسمُ صنمٍ لُقِّب هو به للزومه عبادتَه، فهو عطفُ بيانٍ ( لأبيه ) أو بدلٌ منه وقال الضحاك : معناه الشيخ الهرم، وقال الزجاج : المُخطئ وقال الفراءُ وسليمانُ التيمي : المعوَجُّ فهو نعتٌ له كما إذا جُعل مشتقاً من الأزْرِ أو الوِزر أو أريد به عابدُ آزرَ على حذف المضافِ وإقامةِ المضافِ إليه مُقامَه وقرئ آزرُ على النداء وهو دليلُ العَلَمية إذ لا يُحذف حرفُ النداء إلا من الأعلام،  أَتَتَّخِذُ  متعدَ إلى مفعولين هما  أَصْنَاماً آلِهَة  أي أتجعلُها لنفسك آلهةً على توجيه الإنكار إلى اتخاذ الجنس من غير اعتبار الجمعية، وإنما إيرادُ صيغةِ الجمع باعتبار الوقوعِ، وقرئ أاَزْراً بفتح الهمزة وكسرها بعد همزة الاستفهام وزاءٍ ساكنةٍ وراءٍ منونةٍ منصوبةٍ وهو اسمُ صنم، ومعناه أتعبدُ أزْراً ثم قيل : أتتخِذُ أصناماً آلهة ؟ تثبيتاً لذلك وتقريراً، وهو داخل تحت الإنكار لكونه بيناً له، وقيل : الأزرُ القوة، والمعنى ألأجْلِ القوة والمظاهَرَةِ تتخذ أصناماً آلهة ؟ إنكاراً لتعزُّزِه بها على طريقة قوله تعالى : أَيَبْتَغُونَ عِندَهُمُ العزة  \[ النساء، الآية ١٣٩ \]  إِنّي أَرَاكَ وَقَوْمَكَ  الذين يتبعونك في عبادتها  في ضلال  عن الحق  مُبِينٌ  أي بيِّنٌ كونُه ضلالاً لا اشتباهَ فيه أصلاً، والرؤيةُ إما علميةٌ فالظرفُ مفعولُها الثاني وإما بصَرية فهو حالٌ من المفعول والجملة تعليلٌ للإنكار والتوبيخ.

### الآية 6:75

> ﻿وَكَذَٰلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ [6:75]

وَكَذَلِكَ نُرِي إبراهيم  هذه الإراءةُ من الرؤية البصَريةِ المستعارةِ للمعرفة ونظرِ البصيرة، أي عرّفناه وبصَّرناه، وصيغةُ الاستقبال حكايةٌ للحال الماضيةِ لاستحضار صورتِها، وذلك إشارةٌ إلى مصدرِ ( نُري ) لا إلى إراءةٍ أخرى مفهومةٍ من قوله :( إني أراك ) وما فيه من معنى البعد للإيذان بعلوِّ درجة المشارِ إليه وبُعدِ منزلتِه في الفضل وكمال تمييزِه بذلك وانتظامِه بسببه في سلك الأمور المشاهَدة، والكافُ لتأكيدِ ما أفاده اسمُ الإشارة من الفخامة، ومحلُها في الأصل النصبُ على أنه نعتٌ لمصدر محذوف وأصل التقدير نُري إبراهيم إراءةً كائنة مثلَ تلك الإراءة فقُدّم على الفعل لإفادة القصر، واعتبرت الكافُ مقحمةً للنكتة المذكورة فصار المشارُ إليه نفسَ المؤكد لا نعتاً له أي ذلك التبصيرَ البديعَ نبصِّره عليه السلام  مَلَكُوتَ السماوات والأرض  أي ربوبيته تعالى ومالكيته لهما وسلطانَه القاهرَ عليهما وكونَهما بما فيهما مربوباً ومملوكاً له تعالى لا تبصيراً آخَرَ أدنى منه، والملكوتُ مصدرٌ على زنة المبالغة كالرَهَبوت والجَبَروت، ومعناه الملكُ العظيمُ والسلطان القاهرُ، ثم هل هو مختصٌّ بمُلك الله عزَّ سلطانه أو لا فقد قيل، وقيل[(١)](#foonote-١) : والأول هو الأظهر، وبه قال الراغب[(٢)](#foonote-٢)، وقيل : ملكوتهما عجائبُهما وبدائعهما، روي أنه كُشف له عليه السلام عن السماوات والأرض حتى العرشُ وأسفلُ الأرضين، وقيل : آياتُهما. وقيل : ملكوتُ السماوات : الشمسُ والقمرُ والنجومُ، وملكوتُ الأرض الجبالُ والأشجار والبحارُ. وهذه الأقوالُ لا تقتضي أن تكون الإراءَةُ بصَريةً إذ ليس المرادُ بإراءةِ ما ذُكر من الأمور الحسية مجردَ تمكينِه عليه السلام من إبصارها ومشاهدتها في أنفسها بل اطلاعَه على حقائقها وتعريفَها من حيثُ دلالتُها على شؤونه عز وجل، ولا ريبَ في أن ذلك ليس مما يُدرَك حِسّياً كما يُنبئ عنه اسمُ الإشارة المُفصِحُ عن كون المشار إليه أمراً بديعاً، فإن الإراءة البصَرية المعتادةَ بمعزلٍ من تلك المثابة، وقرئ ( تُري ) بالتاء وإسنادُ الفعل إلى الملكوت أي تُبصِره عليه السلام دلائل الربوبية واللام في قوله تعالى : وَلِيَكُونَ مِنَ الموقنين  متعلقةٌ بمحذوفٍ مؤخر، والجملةُ اعتراضٌ مقرِّر لما قبلها أي وليكون من زُمرة الراسخين في الإيقان البالغين درجةَ عينِ اليقين من معرفة الله تعالى، فعلنا ما فعلنا من التبصير البديعِ المذكورِ لا لأمرٍ آخرَ فإن الوصولَ إلى تلك الغاية القاصيةِ كمالٌ مترتبٌ على ذلك التبصير لا عينُه وليس القصرُ لبيان انحصار فائدتِه في ذلك، كيف لا وإرشادُ الخلق وإلزامُ المشركين كما سيأتي من فوائده بلا مِرْية[(٣)](#foonote-٣) بل لبيان أنه الأصلُ الأصيلُ والباقي من مستَتْبِعاته. وقيل : هي متعلقة بالفعل السابق والجملةُ معطوفة على علةٍ أخرى محذوفةٍ ينسحبُ عليها الكلامُ أي ليستدِلَّ بها وليكونَ الخ، فينبغي أن يُرادَ بملكوتهما بدائعُهما وآياتُهما لأن الاستدلالَ من غاياتِ إراءَتِها لا من غايات إراءةِ نفسِ الربوبية. 
١ المراد أنه قيل باختصاصه وقيل بعدم اختصاصه..
٢ هو الراغب الأصفهاني، الحسين بن محمد بن المفضل المتوفى سنة ٥٠٢ هـ. وكان يُقرن بالإمام الغزالي..
٣ أي بلا جدال..

### الآية 6:76

> ﻿فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَىٰ كَوْكَبًا ۖ قَالَ هَٰذَا رَبِّي ۖ فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ [6:76]

وقوله تعالى : فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ الليل  على الأول وهو الحق المبين عطفٌ على ( قال إبراهيم ) داخلٌ تحت ما أُمر بذكره بالأمرِ بذكرِ وقتِه، وما بينهما اعتراضٌ مقرِّرٌ لما سبق وما لحِق، فإن تعريفَه عليه السلام ربوبيتَه ومالكيتَه للسماواتِ والأرض وما فيهما وكونَ الكلِّ مقهوراً تحت ملكوتِه مفتقِراً إليه في الوجود وسائرَ ما يترتبُ عليه من الكمالات، وكونَه من الراسخين في معرفة شؤونه تعالى، الواصلين إلى ذُروة عينِ اليقين مما يقضي بأن يَحكُم عليه السلام باستحالة إلهية ما سواه سبحانه من الأصنام والكواكب، وعلى الثاني هو تفصيلٌ لما ذُكر من إراءةِ ملكوتِ السماوات والأرض، وبيانٌ لكيفية استدلالِه عليه السلام، ووصولِه إلى رتبة الإيقان، ومعنى ( جَنّ عليه الليلُ ) ستره بظلامه، وقوله تعالى : رَأَى كَوْكَباً  جوابُ لمّا، فإن رؤيتَه إنما تتحقق بزوال نورِ الشمس عن الحسّ، وهذا صريحٌ في أنه لم يكن في ابتداءِ الطلوع ؛ بل كان غَيبتُه عن الحس بطريق الاضمحلال بنور الشمس، والتحقيقُ أنه كان قريباً من الغروب كما ستعرفه، قيل : كان ذلك الكوكبُ هو الزُّهُرَة، وقيل : هو المشتري. وقوله تعالى : قَالَ هذا رَبّي  استئنافٌ مبنيٌّ على سؤال نشأ من \[ الجملة \] الشرطيةِ السابقةِ المتفرعة على بيان إراءتِه عليه السلام ملكوتَ السماوات والأرض فإن ذلك مما يحمِلُ السامعَ على استكشاف ما ظهرَ منه عليه السلام من آثار تلك الإراءةِ وأحكامِها، كأنه قيل : فماذا صنعَ عليه السلام حين رأى الكوكب ؟ فقيل : قال على سبيل الوضْع والفرضِ : هذا ربي مجاراةً مع أبيه وقومِه الذين كانوا يعبُدون الأصنامَ والكواكب، فإن المستدِلَّ على فساد قولٍ يحكيه على رأي خصمِه، ثم يَكُرُّ عليه بالإبطال، ولعل سلوكَ هذه الطريقة في بيان استحالةِ ربوبيةِ الكواكب دون بيانِ استحالةِ إلهية الأصنام لما أن هذا أخفى بُطلاناً واستحالةً من الأول، فلو صدَعَ بالحق من أول الأمرِ كما فعله في حقّ عبادةِ الأصنام لتمادَوْا في المكابرة والعِناد، ولجُّوا في طُغيانهم يعمَهون[(١)](#foonote-١). وقيل : قاله عليه السلام على وجه النظر والاستدلال، وكان ذلك في زمان مراهقتِه وأولِ أوانِ بلوغه، وهو مبنيٌّ على تفسير الملكوتِ بآياتهما، وعَطْفِ قوله تعالى : لِيَكُونَ  على ما ذُكر من العلة المقدرة، وجَعْلِ قوله تعالى : فَلَمَّا جَنَّ  الخ، تفصيلاً لما ذُكر من الإراءة وبياناً لكيفية الاستدلال، وأنت خبير بأن كلَّ ذلك مما يُخِلُّ بجزالة النظمِ الجليل، وجلالةِ منصِبِ الخليلِ عليه الصلاة والسلام.  فَلَمَّا أَفَلَ  أي غرب  قَالَ لا أُحِبُّ الأفِلين  أي الأرباب المنتقلين من مكان إلى مكان، المتغيرين من حال إلى حال، المحتجبين بالأستار، فإنهم بمعزل من استحقاق الربوبيةِ قطعاً.

١ عَمِه عَمَهًا: تحيّر وتردّد في الطريق لا يدري أين يذهب. وفي الأمر: لا يدري وجه الصواب فيه..

### الآية 6:77

> ﻿فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَٰذَا رَبِّي ۖ فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ [6:77]

فَلَمَّا رَأَى القمر بَازِغاً  أي مبتدئاً في الطلوعِ إثرَ غروبِ الكوكب  قَالَ هذا رَبّي  على الأسلوب السابق  فَلَمَّا أَفَلَ  كما أفل النجم  قَالَ لَئِن لمْ يَهْدِنِي رَبّي  إلى جَنابه الذي هو الحقُّ الذي لا محيدَ عنه  لأكُونَنَّ مِنَ القوم الضالين  فإن شيئاً مما رأيته لا يليق بالربوبية، وهذا مبالغةٌ منه عليه السلام في إظهار النَّصَفة، ولعله عليه السلام كان إذ ذاك في موضعٍ كان في جانبه الغربيِّ جبلٌ شامخ يستتر به الكوكب والقمر وقت الظهر من النهار أو بعده بقليل، وكان الكوكب قريباً منه وأُفقُه الشرقيُّ مكشوفٌ أولاً وإلا فطلوعُ القمر بعد أفولِ الكوكب ثم أفولُه قبل طلوع الشمس كما ينبئ عنه قوله تعالى : فَلَماَّ رَأَى الشمس بَازِغَةً .

### الآية 6:78

> ﻿فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَٰذَا رَبِّي هَٰذَا أَكْبَرُ ۖ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ [6:78]

فَلَماَّ رَأَى الشمس بَازِغَةً  أي مبتدئةً في الطلوع مما لا يكاد يُتصور  قَالَ  أي على النهج السابق  هذا رَبّي  وإنما لم يؤنِّثْ لما أن المشارَ إليه والمحكومَ عليه بالربوبية هو الجِرمُ المشاهَدُ من حيث هو لا من حيث هو مسمّىً باسمٍ من الأسامي فضلاً عن حيثيةِ تسميتِه بالشمس، أو لتذكير الخبر وصيانةِ الربِّ عن وَصْمة التأنيث، وقوله تعالى : هذا أَكْبَرُ  تأكيدٌ لما رامه عليه السلام من إظهار النَّصَفة مع إشارةٍ خفيةٍ إلى فساد دينهم من جهة أخرى، ببيان أن الأكبرَ أحقُّ بالربوبية من الأصغر  فَلَمَّا أَفَلَتْ  هي أيضاً كما أفل الكوكبُ والقمرُ  قَالَ  مخاطباً للكلِّ صادِعاً بالحق بين أظهُرِهم  يا قوم إِنّي بَرِيء ممَّا تُشْرِكُونَ  أي من الذي تشركونه من الأجرام المُحْدَثةِ المتغيرةِ من حالة إلى أخرى المسخَّرة لمحدِثها، أو من إشراككم، وترتيبُ هذا الحكمِ ونظيرَيْه على الأفول دون البزوغِ والظهور من ضروريات سَوْق الاحتجاجِ على هذا المَساق الحكيم، فإن كلاًّ منهما وإن كان في نفسه انتقالاً منافياً لاستحقاق معروضِه للربوبية قطعاً، لكن لما كان الأولُ حالةً موجبةً لظهور الآثارِ والأحكامِ ملائمةً لتوهُّم الاستحقاقِ في الجملة رُتِّب عليها الحكمُ الأول على الطريقة المذكورة، وحيث كان الثاني حالة مقتضِيةً لانطماس الآثار وبطلان الأحكام المنافية للاستحقاق المذكور منافاةً بيّنةً يكاد يعترف بها كلُّ مكابرٍ عنيدٍ رُتّب عليها ما رتب.

### الآية 6:79

> ﻿إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا ۖ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ [6:79]

ثم لما تبرأ عليه السلام منهم توجَّه إلى مبدعِ هذي المصنوعات ومُنشئها فقال : إِنّي وَجَّهْتُ وَجْهِي لِلَّذِي فَطَرَ السماوات  التي هذه الأجرامُ التي تعبدونها من أجزائها  والأرض  التي تغيب هي فيها  حَنِيفاً  أي مائلاً عن الأديان الباطلة والعقائدِ الزائغة كلِّها  وَمَا أَنَا مِنَ المشركين  في شيء من الأفعال والأقوال.

### الآية 6:80

> ﻿وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ ۚ قَالَ أَتُحَاجُّونِّي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدَانِ ۚ وَلَا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبِّي شَيْئًا ۗ وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا ۗ أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ [6:80]

وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ  أي شرَعوا في مغالبته في أمر التوحيد  قَالَ  استئنافٌ وقع جواباً عن سؤال نشأ من حكاية مُحاجَّتهم، كأنه قيل : فماذا قال عليه السلام حين حاجّوه ؟ فقيل : قال منكِراً لما اجترأوا عليه من مُحاجَّته مع قصورهم عن تلك الرُتبة وعِزّةِ المطلب وقوةِ الخصم  أَتُحَاجُّونّي في الله  بإدغام نونِ الجمعِ في نون الوقاية، وقرئ بحذف الأولى وقوله تعالى : وَقَدْ هَدَانِ  حال من ضمير المتكلم مؤكِّدة للإنكار، فإن كونه عليه السلام مَهدِياً من جهة الله تعالى ومؤيَّداً من عنده مما يوجب استحالةَ مُحاجَّتِه عليه السلام أي أتجادلونني في شأنه تعالى ووحدانيّتِه والحال أنه تعالى هداني إلى الحق بعد ما سلكت طريقتَكم بالفرض والتقدير وتبيَّن بُطلانُها تبيناً تاماً كما شاهدتموه، وقوله تعالى : وَلاَ أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ  جوابٌ عما خوّفوه عليه السلام في أثناء المُحاجّة من إصابة مكروهٍ من جهة أصنامِهم كما قال لهودٍ عليه السلام قومُه : إِن نقُولُ إِلاَّ اعتراك بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوء  \[ هود، الآية ٥٤ \] ولعلهم فعلوا ذلك حين فعل عليه السلامُ بآلهتهم ما فعل، و( ما ) موصولةٌ اسميةٌ حُذف عائدُها، وقوله تعالى : إِلاَّ أَن يَشَاء رَبّي شَيْئاً  استثناءٌ مفرَّغٌ من أعمِّ الأوقات، أي لا أخاف ما تشركونه به سبحانه من معبوداتكم في وقتٍ من الأوقات إلا في وقتِ مشيئتِه تعالى شيئاً من إصابة مكروهٍ بي من جهتها، وذلك إنما هو من جهته تعالى من غير دَخْلٍ لآلهتكم فيه أصلاً، وفي التعرُّض لعُنوان الربوبية مع الإضافة إلى ضميرِه عليه السلام إظهارٌ منه لانقيادِه لحُكمه سبحانه وتعالى، واستسلامِه لأمره واعترافِه بكَوْنه تحتَ ملَكوتِه ورُبوبيتِه. وقوله تعالى : وَسِعَ رَبّي كُلَّ شيء عِلْماً  كأنه تعليلٌ للاستثناء، أي أحاط بكل شيءٍ علماً فلا يبعُد أن يكونَ في علمه تعالى أن يَحيقَ بي مكروهٌ مِنْ قِبَلها بسببٍ من الأسباب، وفي الإظهار في موضع الإضمارِ تأكيدٌ للمعنى المذكور، واستلذاذٌ بذكره تعالى  أَفَلاَ تَتَذَكَّرُونَ  أي أتُعرضون عن التأمل في أن آلهتَكم جماداتٌ غيرُ قادرةٍ على شيء ما مِنْ نفع ولا ضرر ؟ فلا تتذكرون أنها غيرُ قادرة على إضراري، وفي إيراد التذكّرِ دون التفكر ونظائرِهِ إشارةٌ إلى أن أمرَ أصنامِهم مركوزٌ في العقول لا يتوقفُ إلا على التذكر.

### الآية 6:81

> ﻿وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلَا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا ۚ فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ ۖ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ [6:81]

وقوله تعالى : وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ  استئنافٌ مَسوقٌ لنفي الخوفِ عنه عليه السلام بحسَب زعمِ الكفَرةِ بالطريق الإلزاميِّ كما سيأتي بعد نفيه عنه بحسب الواقع ونفسِ الأمر، والاستفهامُ لإنكار الوقوعِ ونفيِه بالكلية، كما في قوله تعالى : كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِندَ الله  \[ التوبة، الآية ٧ \]، لا لإنكار الواقعِ واستبعادِه مع وقوعه، كما في قوله : كَيْفَ تَكْفُرُونَ بالله  \[ البقرة، الآية ٢٨ \] الخ، وفي توجيه الإنكارِ إلى كيفية الخوفِ من المبالغة ما ليس في توجيهه إلى نفسه بأن يقالَ أأخافُ لِما أن كلَّ موجود يجب أن يكونَ وجودُه على حال من الأحوال وكيفيةٍ من الكيفيات قطعاً، فإذا انتفى جميعُ أحواله وكيفياتِه فقد انتفي وجودُه من جميع الجهات بالطريق البرهاني، وقوله تعالى : وَلاَ تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُم بالله  حال من ضمير ( أخاف ) بتقدير مبتدأ والواوُ كافيةٌ في الربط من غير حاجة إلى الضمير العائد إلى ذي الحال، وهو مقرِّرٌ لإنكار الخوفِ ونفيِه عنه عليه السلام ومُفيدٌ لاعترافهم بذلك، فإنهم حيث لم يخافوا في محلِّ الخوف فلأَنْ لا يَخافُ عليه السلام في محل الأمنِ أولى وأحرى، أي كيف أخافُ أنا ما ليس في حيز الخوفِ أصلاً وأنتم لا تخافون غائلةَ ما هو أعظمُ المخلوقات وأهولُها، وهو إشراكُكم بالله الذي ليس كمثله شيءٌ في الأرض ولا في السماء ما هو من جملة مخلوقاته، وإنما عبّر عنه بقوله تعالى : مَا لَمْ يُنَزّلْ بِهِ  أي بإشراكه  عَلَيْكُمْ سلطانا  على طريقة التهكّم مع الإيذان بأن الأمورَ الدينية لا يُعوَّل فيها إلا على الحُجة المنزلةِ من عند الله تعالى، وفي تعليق الخوفِ الثاني بإشراكهم من المبالغةِ ومراعاةِ حسنِ الأدب ما لا يخفى. هذا، وأما ما قيل من أن قوله تعالى : وَلاَ تَخَافُونَ  الخ، معطوفٌ على أخاف داخل معه في حكم الإنكار والتعجيب فمما لا سبيلَ إليه أصلاً، لإفضائه إلى فساد المعنى قطعاً، كيف لا وقد عرَّفتُك أن الإنكارَ بمعنى النفي بالكلية فيؤول المعنى إلى نفي الخوفِ عنه عليه الصلاة والسلام، ونفي نفيه عنهم، وأنه بيِّنُ الفساد، وحملُ الإنكارِ في الأول على معنى نفي الوقوعِ وفي الثاني على استبعاد الواقع مما لا مَساغَ له، على أن قوله تعالى : فَأَيّ الفريقين أَحَقُّ بالأمن  ناطقٌ ببُطلانه حتماً، فإنه كلام مرتَّبٌ على إنكار خوفِه عليه الصلاة والسلام في محل الخوف، مَسوقٌ لإلجائهم إلى الاعتراف باستحقاقه عليه الصلاة والسلام لما هو عليه من الأمن، وبعدم استحقاقِهم لما هم عليه، وإنما جيءَ بصيغة التفضيلِ المُشعِرَةِ باستحقاقهم له في الجملة لْاستنزالهم عن رُتبة المكابرةِ والاعتسافِ بسَوْق الكلام على سَنن الإنصاف، والمرادُ بالفريقين الفريقُ الآمنُ في محل الأمن والفريقُ الآمنُ في محلِّ الخوف، فإيثارُ ما عليه النظمُ الكريم على أن يُقال فأيُّنا أحقُّ بالأمن أنا أم أنتم ؟ لتأكيد الإلجاءِ إلى الجواب الحقِّ بالتنبيه على علّة الحُكم، والتفادي عن التصريح بتخطئتهم لا لمجردِ الاحترازِ عن تزكية النفس  إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ  المفعولُ إما محذوفٌ تعويلاً على ظهوره بمعونه المقام، أي إن كنتم تعلمون من أحقُّ بذلك، أو قصداً إلى التعميم أي إن كنتم تعلمون شيئاً، وإما متروكٌ بالمرة، أي إن كنتم مِنْ أوُلي العلم، وجوابُ الشرط محذوفٌ أي فأخبروني.

### الآية 6:82

> ﻿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَٰئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ [6:82]

الذين آمَنُوا  استئنافٌ من جهته تعالى مبينٌ للجواب الحقِّ الذي لا محيدَ عنه أي الفريقُ الذين آمنوا  وَلَمْ يَلْبِسُوا إيمانهم  ذلك أي لم يخلِطوه  بِظُلْمٍ  أي بشركٍ كما يفعلُه الفريقُ المشركون حيث يزعُمون أنهم يؤمنون بالله عز وجل وأن عبادتَهم للأصنام من تتماتِ إيمانهم وأحكامِه لكونها لأجْل التقريبِ والشفاعة كما قالوا : مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرّبُونَا إِلَى الله زُلْفى  \[ الزمر، الآية ٣ \] وهذا معنى الخلْطِ  أولئك  إشارةٌ إلى الموصول من حيث اتصافُه بما في حيز الصلة، وفي الإشارة إليه بعدَ وصْفِه بما ذُكر إيذانٌ بأنهم تميَّزوا بذلك عن غيرهم، وانتظموا في سلك الأمورِ المشاهَدة، وما فيه من معنى البُعد للإشعار بعُلوِّ درجتِهم وبُعدِ منزلتهم في الشرف، وهو مبتدأ ثانٍ، وقولُه تعالى : لَهُمُ الأمنُ  جملة من خبرٍ مقدمٍ ومبتدأ مؤخَّرٍ وقعت خبراً لأولئك، وهو مع خبره خبرٌ للمبتدأ الأول الذي هو الموصول، ويجوز أن يكونَ ( أولئك ) بدلاً من الموصول أو عطفَ بيانٍ له، ولهم خبراً للموصول، والأمنُ فاعلاً للظرف لاعتماده على المبتدأ، ويجوز أن يكون لهم خبراً مقدماً، والأمنُ مبتدأً والجملةُ خبراً للموصول، ويجوز أن يكون أولئك مبتدأً ثانياً ( لهم ) خبره والأمن فاعلاً له، والجملة خبراً للموصول، أي أولئك الموصوفون بما ذُكر من الإيمان الخالصِ عن شَوْب الشرك لهم الأمنُ فقط  وَهُمْ مُهْتَدُونَ  إلى الحق، ومَنْ عداهم في ضلال مبين. روي أنه لما نزلت الآيةُ شقَّ ذلك على الصحابة رضوانُ الله عليهم وقالوا : أينا لم يظْلِمْ نفسه ؟ فقال عليه الصلاة والسلام :**«ليس ما تظنون، إنما هو ما قال لقمانُ لابنه : يا بني لا تُشرِكْ بالله إن الشرْكَ لظُلم عظيم »** وليس الإيمانُ به أن يُصَدِّقَ بوجود الصانعِ الحكيم ويخلِطَ بهذا التصديق الإشراكَ به، وليس من قضية الخلطِ بقاءُ الأصلِ بعد الخلطِ حقيقةً، وقيل : المرادُ بالظلم المعصيةُ التي تُفسِّق صاحبَها، والظاهرُ هو الأولُ لوروده موردَ الجواب عن حال الفريقين.

### الآية 6:83

> ﻿وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَىٰ قَوْمِهِ ۚ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ ۗ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ [6:83]

وَتِلْكَ  إشارةٌ إلى ما احتج به إبراهيمُ عليه السلام من قوله تعالى : فَلَمَّا جَنَّ  \[ الأنعام، الآية ٧٦ \] وقيل : من قوله : أَتُحَاجُّونّي  \[ الأنعام، الآية ٨٠ \] إلى قوله : مُهْتَدُونَ  وما في اسمِ الإشارةِ من معنى البُعد لتفخيم شأن المُشار إليه والإشعارِ بعلو طبقته وسموِّ منزلتِه في الفضل، وهو مبتدأ، وقوله تعالى : حُجَّتُنَا  خبرُه، وفي إضافتها إلى نون العظمة من التفخيم ما لا يخفى، وقوله تعالى : آتَيْنَاهَا إبراهيم  أي أرشدناه إليها أو علّمناه إياها في محل النصب على أنه حال من ( حجتُنا )، والعاملُ فيها معنى الإشارة كما في قوله تعالى : فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً بِمَا ظَلَمُوا  \[ النمل، الآية ٥٢ \] أو في محل الرفع على خبر ثان، أو هو الخبر و( حجتُنا ) بدل أو \[ عطفُ \] بيانٍ للمبتدأ، و( إبراهيمَ ) مفعولٌ أولٌ لآتينا قُدِّم عليه الثاني لكونه ضميراً، وقوله تعالى : على قَوْمِهِ  متعلِّقٌ بحجتُنا إن جُعل خبراً ( لتلك )، أو بمحذوفٍ إن جُعل بدلاً، أي آتينا إبراهيمَ حجةً على قومه، وقيل : بقوله : آتينا  نَرْفَعُ  بنون العظمةِ، وقرئ بالياء على طريقة الالتفات وكذا الفعل الآتي  درجات  أي رتباً عظيمةً عالية من العلم، وانتصابُها على المصدرية أو الظرفية أو على نزع الخافض، أي إلى درجات أو على التمييز، والمفعولُ قولُه تعالى : من نَشَاءُ  وتأخيرُه على الوجوه الثلاثة الأخيرةِ لما مر من الاعتناء بالمقدَّم والتشويقِ إلى المؤخَّر، ومفعولُ المشيئة محذوفٌ، أي من نشاء رفعَه حسْبما تقتضيه الحِكمةُ وتستدعيه المصلحةُ، وإيثارُ صيغةِ الاستقبالِ للدلالة على أن ذلك سُنةٌ مستمرَّة جاريةٌ فيما بين المُصطَفَيْنَ الأخيارِ غيرُ مختصةٍ بإبراهيمَ عليه السلام، وقرئ بالإضافة إلى ( من )، والجملةُ مستأنَفة مقرِّرةٌ لما قبلها لا محل لها من الإعراب، وقيل : هي في محل النصب على أنها حالٌ من فاعل ( آتينا ) أي حال كوننا رافعين الخ.  إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ  في كل ما فعل من رفْعٍ وخفضٍ  عَلِيمٌ  بحال من يرفعُه واستعدادِه له على مراتبَ متفاوتة، والجملةُ تعليلٌ لما قبلها، وفي وضع الرب مضافاً إلى ضميره عليه السلام موضِعَ نونِ العظمةِ بطريق الالتفاتِ في تضاعيف بيانِ أحوالِ إبراهيمَ عليه السلام إظهارٌ لمزيد لُطفٍ وعنايةٍ به عليه السلام.

### الآية 6:84

> ﻿وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ ۚ كُلًّا هَدَيْنَا ۚ وَنُوحًا هَدَيْنَا مِنْ قَبْلُ ۖ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَىٰ وَهَارُونَ ۚ وَكَذَٰلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ [6:84]

وَوَهَبْنَا لَهُ إسحاق وَيَعْقُوبَ  عطفٌ على قوله \[ تعالى \] : وَتِلْكَ حُجَّتُنَا  الخ، فإن عطفَ كلَ من الجملة الفعلية والاسميةِ على الأخرى مما لا نزاعَ في جوازه ولا مَساغ لعطفه على ( آتيناها )، لأن له محلاً من الإعراب نصْباً ورفعاً حسبما بُيِّن من قبلُ، فلو عُطف هذا عليه لكان في حُكمه من الحالية والخبرية المستدعيتين للرابط ولا سبيلَ إليه هاهنا  كَلاَّ  مفعولٌ لِمَا بعده، وتقديمُه عليه للقصر، لكن لا بالنسبة إلى غيرهما مطلقاً، بل بالنسبة إلى أحدهما أي كلُّ واحدٍ منهما  هَدَيْنَا  لا أحدَهما دون الآخَر، وتركُ ذكر المهدى إليه لظهور أنه الذي أوتيَ إبراهيمُ وأنهما مقتدِيان به  وَنُوحاً  منصوبٌ بمضمر يفسِّره  هَدَيْنَا مِن قَبْلُ  أي من قبلِ إبراهيمَ عليه السلام، عَدَّ هُداه نعمةً على إبراهيمَ عليه السلام لأن شرفَ الوالدِ سارٍ إلى الولد  وَمِن ذُرّيَّتِهِ  الضمير لإبراهيمَ، لأن مَساقَ النظمِ الكريم لبيانِ شؤونه العظيمةِ من إيتاءِ الحجةِ ورفعِ الدرجاتِ وهبةِ الأولادِ الأنبياءِ وإبقاءِ هذه الكرامةِ في نسله إلى يوم القيامة، كلُّ ذلك لإلزام مَنْ ينتمي إلى ملتِه عليه السلامُ من المشركين واليهود، وقيل : لنوحٍ، لأنه أقربُ، ولأن يونُسَ ولوطاً ليسا من ذرِّية إبراهيمَ، فلو كان الضميرُ له لاختصَّ بالمعدودين في هذه الآية والتي بعدها، وأما المذكورون في الآية الثالثةِ فعطفٌ على ( نوحاً ) وروي عن ابن عباس أن هؤلاءِ الأنبياءَ كلَّهم مُضافون إلى ذرِّية إبراهيمَ وإن كان منهم من لم يلْحَقه بولادةٍ من قِبَلِ أمٍّ ولا أب، لأن لوطاً ابنُ أخي إبراهيم، والعربُ تجعل العمَّ أباً، كما أخبر الله تعالى عن أبناءِ يعقوبَ أنهم قالوا : نَعْبُدُ إلهك وإله آبَائِكَ إبراهيم وإسماعيل وإسحاق  \[ البقرة، الآية ١٣٣ \] مع أن إسماعيل عمُّ يعقوب.  داوُدَ وسليمان  منصوبان بمُضمرٍ مفهومٍ مما سبق وكذا ما عُطف عليهما، وبه يتعلق ( من ذريته ) وتقديمه على المفعول الصريح للاهتمام بشأنه مع ما في المفاعيلِ من نَوْع طولٍ ربما يُخلُّ تأخيرُه بتجاوب النظم الكريم، أي وهدينا من ذريته داودَ وسليمان  وَأَيُّوبَ  هو ابنُ أموصَ من أسباطِ عيصِ بنِ إسحاقَ  وَيُوسُفَ وموسى وهارون  أو بمحذوفٍ وقع حالاً من المذكورين أي وهديناهم حال كونهم من ذريته  وكذلك  إشارةٌ إلى ما يُفهم من النظم الكريم من جزاءِ إبراهيمَ عليه السلام، ومحلُّ الكاف النصبُ على أنه نعتٌ لمصدرٍ محذوفٍ، وأصلُ التقدير  نَجْزِي المحسنين  جزاءً مثلَ ذلك الجزاءِ، والتقديمُ للقصر، وقد مر تحقيقُه مراراً، والمرادُ بالمحسنين الجنسُ، وبمماثلة جزائِهم لجزائه عليه السلام مطلقُ المشابهةِ في مقابلةِ الإحسانِ بالإحسان والمكافأةِ بين الأعمال والأجْزِية من غير بخسٍ لا المماثلةُ من كل وجه، ضرورةَ أن الجزاءَ بكثرةِ الأولاد الأنبياءِ مما اختص به إبراهيمُ عليه السلام، والأقربُ أن لامَ المحسنين للعهد، وذلك إشارةٌ إلى مصدر الفعل الذي بعده، وهو عبارةٌ عما أوتيَ المذكورون من فنُون الكرامات، وما فيه من معنى البعد للإيذان بعلو طبقتِه، والكافُ لتأكيد ما أفاده اسمُ الإشارة من الفخامة، ومحلُّها في الأصل النصبُ على أنه نعتٌ لمصدرٍ محذوفٍ وأصل التقدير ونجزي المحسنين المذكورين جزاء كائناً مثل ذلك الجزاء فقدم الفعل لإفادة القصر واعتبرت الكاف مُقحَمةٌ للنكتة المذكورة، فصارَ المشارُ إليه نفسَ المصدر المؤكد لا نعتاً له، أي وذلك الجزاءَ البديعَ نجزي المحسنين المذكورين لا جزاءً آخرَ أدنى منه، والإظهارُ في موضع الإضمارِ للثناء عليهم بالإحسان الذي هو عبارةٌ عن الإتيان بالأعمال الحسنة على الوجه اللائق الذي هو حُسْنُها الوصفيُّ المقارِنُ لحُسنها الذاتي، وقد فسَّره عليه الصلاة والسلام بقوله :**«أن تعبدَ الله كأنك تراه، فإن لم تكنْ تراه فإنه يراك »** والجملة اعتراضٌ مقرِّرٌ لما قبلها.

### الآية 6:85

> ﻿وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَىٰ وَعِيسَىٰ وَإِلْيَاسَ ۖ كُلٌّ مِنَ الصَّالِحِينَ [6:85]

وَزَكَرِيَّا  وهو ابنُ آذَنَ  ويحيى  ابنُه  وَعِيسَى  هو ابنُ مريم، وفيه دليلٌ على أن الذرية تتناول أولادَ البنات  وَإِلْيَاسَ  قيل : هو إدريسُ جدُّ نوحٍ، فيكونُ البيانُ مخصوصاً ( بمِنْ ) في الآية الأولى، وقيل : هو من أسباطِ هارونَ أخي موسى عليهما السلام  كُلٌّ  أي كلُّ واحدٍ من أولئك المذكورين  منَ الصالحين  أي من الكاملين في الصلاحِ الذي هو عبارةٌ عن الإتيان بما ينبغي، والتحرُّز عما لا ينبغي، والجملة اعتراضٌ جيءَ به للثناءِ عليهم بالصلاح.

### الآية 6:86

> ﻿وَإِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطًا ۚ وَكُلًّا فَضَّلْنَا عَلَى الْعَالَمِينَ [6:86]

وإسماعيل واليسع  وهو ابنُ أخطوبَ بنِ العجوز، وقرئ واللَّيْسعَ وهو على القراءتين علم أعجميٌّ أُدخل عليه اللام ولا اشتقاق له، ويقال : إنه يوشَعُ بن نون، وقيل : إنه منقولٌ من مضارعِ وسِعَ واللام كما في يزيدَ في قوله من قال :\[ الطويل \]رأيتُ الوليدَ بنَ اليزيدَ مباركاً  شديداً بأعباءِ الخِلافة كاهلُهْ[(١)](#foonote-١) وَيُونُسَ  وهو ابن متى  وَلُوطاً  هو ابنُ هارونَ بنِ أخي إبراهيمَ عليه السلام  وَكُلاًّ  أي وكلَّ واحدٍ من أولئك المذكورين  فَضَّلْنَا  بالنبوة لا بعضَهم دون بعض  عَلَى العالمين  على عالَمي عصرهم، والجملةُ اعتراضٌ كأختَيْها. 
١ البيت لابن ميّادة في ديوانه ص ١٩٢؛ وخزانة الأدب ٢/٢٢٦؛ وسر صناعة الأعراب ٢/٤٥١؛ وشرح شواهد الشافية ص ١٢؛ وشرح شواهد المغني ١/١٦٤؛ ولسان العرب (زيد)؛ والمقاصد النحوية ١/٢١٨؛ ولجرير في لسان العرب (وسع) وليس في ديوانه..

### الآية 6:87

> ﻿وَمِنْ آبَائِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَإِخْوَانِهِمْ ۖ وَاجْتَبَيْنَاهُمْ وَهَدَيْنَاهُمْ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ [6:87]

وقوله تعالى : وَمِنْ آبَائِهِمْ وذرياتهم وإخوانهم  إما متعلقٌ بما تعلق به ( من ذريته ) ومن ابتدائية، والمفعول محذوف، أي وهدينا من آبائهم وذرياتهم وإخوانهم جماعاتٍ كثيرةً، وإما معطوف على ( كلاًّ ) ومن تبعيضية، أي وفضلنا بعضَ آبائهم الخ  واجتبيناهم  عطفٌ على ( فضلنا ) أي اصطفيناهم  وهديناهم إلى صراط مُسْتَقِيمٍ  تكريرٌ للتأكيدِ وتمهيدٌ لبيان ما هُدوا إليه.

### الآية 6:88

> ﻿ذَٰلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ ۚ وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [6:88]

ذلك  إشارةٌ إلى ما يُفهم من النظم الكريم من مصادرِ الأفعال المذكورة وقيل : ما دانوا به، وما في ذلك من معنى البُعد لما مر مراراً  هُدَى الله  الإضافة للتشريف  يَهْدِي بِهِ مَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ  وهم المستعدّون للهداية والإرشاد، وفيه إشارةٌ إلى أنه تعالى متفضِّلٌ بالهداية  وَلَوْ أَشْرَكُوا  أي هؤلاءِ المذكورون  لَحَبِطَ عَنْهُمْ  مع فضلهم وعلوِّ طبقاتِهم  مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ  من الأعمال المَرْضيّة الصالحة، فكيف بمَنْ عداهم وهُم هُم وأعمالُهم أعمالُهم.

### الآية 6:89

> ﻿أُولَٰئِكَ الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ۚ فَإِنْ يَكْفُرْ بِهَا هَٰؤُلَاءِ فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا لَيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ [6:89]

أولئك  إشارةٌ إلى المذكورين من الأنبياء الثمانيةَ عشَرَ، والمعطوفين عليهم عليهم السلام باعتبار اتصافِهم بما ذُكر من الهداية وغيرِها من النعوت الجليلةِ الثابتةِ لهم، وما فيه من معنى البعد لما مرّ غيرَ مرة من الإيذان بعلوِّ طبقتهم وبُعْدِ منزلتهم في الفضل والشرف، وهو مبتدأ خبرُه قوله تعالى : الذين آتيناهم الكتاب  أي جنسَ الكتاب المتحقِّقِ في ضمن أيِّ فردٍ كان من أفراد الكتب السماوية، والمرادُ بإتيانِه التفهيمُ التام، بما فيه من الحقائق، والتمكينُ من الإحاطةِ بالجلائلِ والدقائق أعمُّ من أن يكون ذلك بالإنزال ابتداءً، أو بالإيراث بقاءً، فإن المذكورين لم يُنْزَلْ على كل واحد منهم كتابٌ معين  والحُكم  أي الحِكمةَ أو فصلَ الأمر على ما يقتضيه الحقُّ والصواب  والنبوة  أي الرسالة  فَإِن يَكْفُرْ بِهَا  أي بهذه الثلاثة أو بالنبوة الجامعة للباقين  هَؤُلاء  أي كفارُ قريشٍ فإنهم بكفرهم برسول الله صلى الله عليه وسلم وما أنزل عليه من القرآن كافرون بما يصدِّقه جميعاً، وتقديمُ الجارِّ والمجرور على الفاعل لما مر مراراً من الاهتمام بالمقدَّم والتشويق إلى المؤخّر  فَقَدْ وَكَّلْنَا بِها  أي أمَرْنا بمراعاتها ووفَّقْنا للإيمان بها والقيامِ بحقوقها  قَوْماً لَيْسُوا بِهَا بكافرين  أي في وقت من الأوقات، بل مستمرون على الإيمان بها، فإن الجملةَ الاسميةَ الإيجابية كما تفيد دوامَ الثبوت كذلك السلبيةُ تُفيدُ دوامَ النفي بمعونةِ المقام، لا نفيَ الدوام كما حُقِّق في مقامه، قال ابنُ عباس ومجاهدٌ رضي الله تعالى عنهما : هم الأنصارُ وأهلُ المدينة، وقيل : أصحابُ النبي صلى الله عليه وسلم، وقيل : كل مؤمن من بني آدم، وقيل : الفرس، فإن كلاًّ من هؤلاء الطوائف موَفّقون للإيمان بالأنبياء وبالكتب المُنْزَلة إليهم، عاملون بما فيها من أصول الشرائعِ وفروعِها الباقية في شريعتنا، وبه يتحقق الخروجُ عن عُهدة التوكيل والتكليفِ دون المنسوخة منها، فإنها بانتساخها خارجة عن كونها من أحكامها، وقد مر تحقيقُه في تفسير سورة المائدة. وقيل : هو الأنبياءُ المذكورون، فالمرادُ بالتوكيل الأمرُ بما هو أعمُّ من إجراء أحكامِها كما هو شأنُها في حق كتابهم ومِنِ اعتقاد حقِّيتِها كما هو شأنُها في حق سائرِ الكتبِ التي من جملتها القرآنُ الكريم، وقيل : هم الملائكةُ فالتوكيل هو الأمرُ بإنزالها وحفظِها واعتقادِ أحقّيتها، وأياً ما كان فتنكيرُ ( قوماً ) للتفخيم. والباء الأولى صلة وكلنا على مفعوله الصريح، فلِما ذكر آنفاً من الاهتمام بالمقدم والتشويق إلى المؤخر، ولأن فيه نوعَ طولٍ ربما يؤدِّي تقديمُه إلى الإخلال بتجاوب النظم الكريم، أو إلى الفصلِ بين الصفةِ والموصوف، وجوابُ الشرط محذوفٌ يدل عليه المذكور، أي فإن يكفُرْ بها هؤلاءِ فلا اعتدادَ به أصلاً، فقد وفّقنا للإيمان بها قوماً فِخاماً ليسوا بكافرين بها قطعاً، بل مستمرون على الإيمان بها، والعملِ بما فيها، ففي إيمانهم بها مندوحةٌ عن إيمان هؤلاء، ومن هذا تبيّن أن الوجه أن يكونَ المرادُ بالقوم إحدى الطوائفِ المذكورة، إذْ بإيمانهم بالقرآن والعملِ بأحكامه تتحقّقُ الغُنية عن إيمان الكَفَرة به والعملِ بأحكامه وأما الأنبياءُ والملائكةُ عليهم السلام فإيمانُهم به ليس من قبيل إيمانِ آحادِ الأمةِ كما أشير إليه.

### الآية 6:90

> ﻿أُولَٰئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ ۖ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ ۗ قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا ۖ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرَىٰ لِلْعَالَمِينَ [6:90]

أولئك  إشارةٌ إلى الأنبياء المذكورين، وما فيه من معنى البُعد للإيذان بعلوِّ رُتبتهم، وهو مبتدأ خبرُه قوله تعالى : الذين هَدَى الله  أي إلى الحق والنهج المستقيم، والالتفاتُ إلى الاسم الجليل للإشعار بعلة الهداية  فَبِهُدَاهُمُ اقتدِهْ  أي فاختصَّ هداهم بالاقتداء، ولا تقتَدِ بغيرهم والمرادُ بهداهم طريقتُهم في الإيمان بالله تعالى وتوحيدِه وأصولِ الدين دون الشرائعِ القابلةِ للنسخ، فإنها بعد النسخ لا تبقى هُدىً والهاء في ( اقتده ) للوقف حقها أن تسقط في الدّرْج[(١)](#foonote-١)، واستُحسن إثباتُها فيه أيضاً إجراءً له مُجرى الوقفِ واقتداءً بالإمام، وقرئ بإشباعها على أنها كناية المصدر.  قُل لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ  أي على القرآن أو على التبليغ، فإن مَساقَ الكلامِ يدل عليهما وإن لم يَجْرِ ذكرُهما  أَجْراً  من جهتكم كما لم يسألْه مَنْ قبلي من الأنبياء عليهم السلام، وهذا من جملة ما أُمر صلى الله عليه وسلم بالاقتداء بهم فيه  إِنْ هُوَ  أي ما القرآنُ  إِلاَّ ذكرى للعالمين  أي عظةٌ وتذكيرٌ لهم كافةً من جهته سبحانه فلا يختَصُّ بقوم دون آخرين. 
١ المراد هنا أن تسقط من الرسم القرآني. والدرج هو الورق الذي يكتب فيه..

### الآية 6:91

> ﻿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَىٰ بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ ۗ قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَىٰ نُورًا وَهُدًى لِلنَّاسِ ۖ تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًا ۖ وَعُلِّمْتُمْ مَا لَمْ تَعْلَمُوا أَنْتُمْ وَلَا آبَاؤُكُمْ ۖ قُلِ اللَّهُ ۖ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ [6:91]

وَمَا قَدَرُوا الله  لما بيَّن شأنَ القرآنِ العظيم وأنه نعمةٌ جليلةٌ منه تعالى على كافة الأمم حسبما نطَقَ به قولُه تعالى : وَمَا أرسلناك إِلاَّ رَحْمَةً للعالمين  \[ الأنبياء، الآية ١٠٧ \] عقّب ذلك ببيان غمْطِهم إياها، وكفرِهم بها على وجْهٍ سرَى ذلك إلى الكفر بجميع الكتب الإلهية، وأصلُ القدْر السبْرُ والحزْرُ، يقال : قدَر الشيء يقدرُه بالضم قدْراً إذا سبَره وحزَره ليعرِف مقداره ثم استُعمل في معرفة الشيء في مقداره وأحوالِه وأوصافِه. وقوله تعالى : حَقَّ قَدْرِهِ  نُصب على المصدرية، وهو في الأصل صفةٌ للمصدر أي قدْرَه الحقَّ، فلما أضيف إلى موصوفه انتصبَ على ما كان ينتصبُ عليه موصوفُه، أي ما عرفوه تعالى حقَّ معرفتِه في اللُطف بعباده والرحمةِ عليهم، ولم يُراعوا حقوقَه تعالى في ذلك، بل أخلّوا بها إخلالاً  إِذْ قَالُوا  منكرين لبِعثة الرسلِ وإنزالِ الكتُب كافرين بنعمته الجليلةِ فيهما  مَا أَنزَلَ الله على بَشَرٍ من شيء  \[ آل عمران، الآية ٣٢ \] فنفي معرفتَهم لقَدْره سبحانه كنايةً عن حطِّهم لقدرِه الجليل ووصفهم له تعالى بنقيضِ نعتِه الجميل كما أن نفيَ المحبةِ في مثل  إِنَّ الله لاَ يُحِبُّ الكافرين  كنايةٌ عن البغض والسُخط، وإلا فنفيُ معرفةِ قدرِه تعالى يتحقق مع عدم التعرُّض لحطِه، بل مع السعْي في تحصيل المعرفةِ كما في قول مَن يناجي مستقصِراً لمعرفته وعبادته : سبحانك ما عرَفناك حقَّ معرفتِك، وما عبدناك حقَّ عبادتك. أو ما عرفوه حقَّ معرفتِه في السُخط على الكفار وشدّةِ بطشِه تعالى بهم حسْبما نطقَ به القرآنُ حين اجترأوا على التفوُّه بهذه العظيمةِ الشنعاءِ، فالنفيُ بمعناه الحقيقي والقائلون هم اليهودُ وقد قالوه مبالغةً في إنكار إنزالِ القرآنِ على رسول الله صلى الله عليه وسلم فأُلزِموا بما لا سبيلَ إلى إنكاره أصلاً حيث قيل : قُلْ مَنْ أَنزَلَ الكتاب الذي جَاء بِهِ موسى  أي قل لهم ذلك على طريقة التبكيت وإلقامِ الحجر، وروي أن مالكَ بنَ الصيف من أحبار اليهودِ ورؤسائِهم قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم :**«أنشُدُك الله الذي أنزل التوراةَ على موسى هل تجدُ فيها الله يُبغض الحِبرَ السمين ؟ فأنت الحِبرُ السمين، قد سمِنْتَ من مالك الذي تُطعمُك اليهود »** فضحك القومُ فغضبَ ثم التفت إلى عمرَ رضي الله عنه فقال : ما أنزل الله على بشر من شيء فنزعوه وجعلوا مكانه كعبَ بنَ الأشرف، وقيل : هم المشركون وإلزامُهم إنزالُ التوراة لما أنه كان عندهم من المشاهير الذائعةِ، ولذلك كانوا يقولون : لَوْ أَنَّا أُنزِلَ عَلَيْنَا الكتاب لَكُنَّا أهدى مِنْهُمْ  \[ الأنعام، الآية ١٥٧ \] ووصفُ الكتاب بالوصول إليهم لزيادة التقريعِ وتشديدِ التبكيت، وكذا تقييدُه بقوله تعالى : نُوراً وَهُدًى  فإن كونَه بيّناً بنفسه ومبيِّناً لغيره مما يؤكد الإلزامَ أيَّ تأكيدٍ، وانتصابُهما على الحالية من الكتاب، والعامل ( أَنزل ) أو من الضمير في ( به )، والعامل ( جاء ) واللام في قوله تعالى : لِلنَّاسِ  إما متعلقٌ بهدىً، أو بمحذوفٍ هو صفة له، أي هدى كائناً للناس وليس المرادُ بهذا مجردَ إلزامِهم بالاعتراف بإنزال التوراةِ فقط بل إنزالِ القرآنِ أيضاً، فإن الاعترافَ بإنزالها مستلزِمٌ للاعتراف بإنزاله قطعاً، لما فيها من الشواهد الناطقةِ به، وقد نعى عليهم ما فعلوا بها من التحريف والتغييرِ حيث قيل : تَجْعَلُونَهُ قراطيس  أي تضعونه في قراطيسَ مقطَّعةٍ، وورَقاتٍ مفرَّقة، بحذف الجارِّ بناءً على تشبيه القراطيس بالظرف المُبْهم، أو تجعلونه نفسَ القراطيس المقطعة، وفيه زيادةُ توبيخٍ لهم بسوء صنيعِهم كأنهم أخرجوه من جنس الكتاب ونزّلوه منزلةَ القراطيسِ الخاليةِ عن الكتابة، والجملة حالٌ كما سبق وقوله تعالى : تُبْدُونَهَا  صفةٌ لقراطيسَ، وقوله تعالى : وَتُخْفُونَ كَثِيراً  معطوفٌ عليه، والعائدُ إلى الموصول محذوفٌ، أي كثيراً منها، وقيل : كلامٌ مبتدأ لا محل له من الإعراب، والمرادُ بالكثير نعوتُ النبي عليه الصلاة والسلام وسائرُ ما كتموه من أحكام التوراة، وقرئ الأفعالُ الثلاثة بالياء حملاً على قالوا وما قدروا. وقوله تعالى : وَعُلّمْتُمْ ما لَمْ تَعْلَمُوا أَنتُمْ وَلاَ آبَاؤُكُمْ  قيل : هو حالٌ من فاعل تجعلونه بإضمار قد، أو بدونه على اختلاف الرأيين. قلت : فينبغي أن يجعل ( ما ) عبارةً عما أخذوه من الكتاب من العلوم والشرائعِ ليكون التقييدُ بالحال مفيداً لتأكيد التوبيخِ وتشديدِ التشنيع، فإن ما فعلوه بالكتاب من التفريق والتقطيعِ لما ذُكر من الإبداءِ والإخفاءِ شناعةٌ عظيمة في نفسها، ومع ملاحظة كونه مأخذاً لعلومهم ومعارفِهم أشنعَ وأعظمَ، لا عما تلقَّوْه من جهة النبي صلى الله عليه وسلم زيادةً على ما في التوراة وبياناً لما التَبَس عليهم وعلى آبائهم من مشكلاتها حسْبما ينطِقُ به قوله تعالى : إِنَّ هذا القرآن يَقُصُّ على بَني إسرائيل أَكْثَرَ الذي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ  \[ النمل، الآية ٧٦ \] كما قالوا لأنّ تلقَّيَهم لذلك من القرآن الكريم ليس مما يزجُرهم عما صنعوا بالتوراة أما ما ورد فيه زيادةً على ما فيها فلأنه لا تعلّقَ له بها نفياً ولا إثباتاً، وأما ما ورد بطريق البيانِ فلأن مدارَ ما فعلوا بالتوراة من التبديل والتحريفِ ليس ما وقع فيها من التباس الأمرِ واشتباهِ الحال حتى يُقلِعوا عن ذلك بإيضاحه وبيانِه فتكونَ الجملةُ حينئذ خاليةً عن تأكيد التوبيخ، فلا تستحق أن تقعَ موقع الحال بل الوجهُ حينئذٍ أن تكون استئنافاً مقرِّراً لما قبلها من مجيءِ الكتابِ بطريق التكملةِ والاستطراد والتمهيدِ لما يعقُبه من مجيءِ القرآن، ولا سبيلَ إلى جعل ( ما ) عبارةً عما كتموه من أحكام التوراةِ كما يفصح عنه قوله تعالى : قَدْ جَاءكُمْ رَسُولُنَا يُبَيّنُ لَكُمْ كَثِيراً ممَّا كُنتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الكتاب  \[ المائدة، الآية ١٥ \] فإن ظهورَه وإن كان مزْجَرةً لهم عن الكتم مخافةَ الافتضاح ومصحِّحاً لوقوعِ الجملة في موقع الحالِ لكن ذلك مما يعلمه الكاتمون حتماً. هذا، وقد قيل : الخطابُ لمن آمن من قريش كما في قوله تعالى : لِتُنذِرَ قَوْماً ما أُنذِرَ آبَاؤُهُمْ  \[ يس، الآية ٦ \] وقولُه تعالى : قُلِ الله  أمرٌ لرسول الله صلى الله عليه وسلم بأن يُجيبَ عنهم إشعاراً بتعيّن الجواب بحيث لا محيدَ عنه وإيذاناً بأنهم أُفحموا ولم يقدِروا على التكلم أصلاً  ثُمَّ ذَرْهُمْ في خَوْضِهِمْ  في باطلهم الذي يخوضون فيه ولا عليك بعد إلزامِ الحجة وإلقامِ الحجر  يَلْعَبُونَ  حال من الضمير الأول، والظرفُ صلة للفعل المقدّم أو المؤخر أو متعلقٌ بمحذوفٍ هو حال من مفعولِ الأولِ أو من فاعل الثاني أو من الضمير الثاني لأنه فاعلٌ في الحقيقة والظرفُ متَّصل بالأول.

### الآية 6:92

> ﻿وَهَٰذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَىٰ وَمَنْ حَوْلَهَا ۚ وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ يُؤْمِنُونَ بِهِ ۖ وَهُمْ عَلَىٰ صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ [6:92]

وهذا كتاب أنزلناه  تحقيقٌ لنزول القرآن الكريم بعد إنزال ما بَشَّر به من التوراة، وتكذيبٌ لهم في كلمتهم الشنعاءِ إثرَ تكذيبٍ  مُبَارَكٌ  أي كثيرُ الفوائد وجمُّ المنافع  مُصَدّقُ الذي بَيْنَ يَدَيْهِ  من التوراة لنزوله حسبما وُصِف فيها أو الكتُبِ التي قبله فإنه مصدِّقٌ للكل في إثبات التوحيد والأمرِ به ونفي الشرْك والنهي عنه وفي سائر أصولِ الشرائعِ التي لا تُنسخ  وَلِتُنذِرَ أُمَّ القرى  عطفٌ على ما دل عليه ( مبارك ) أي للبركات ولإنذراك أهلَ مكةَ وإنما ذُكرت باسمها المُنبئ عن كونها أعظمَ القرى شأناً وقِبْلةً لأهلها قاطبةً إيذاناً بأن إنذارَ أهلِها أصلٌ مستتبِعٌ لإنذار أهلِ الأرض كافةً، وقرئ ( لينذر ) بالياء على أن الضمير للكتاب  وَمَنْ حَوْلَهَا  من أهل المدَر[(١)](#foonote-١) والوبَر في المشارق والمغارب  والذين يُؤْمِنُونَ بالآخرة  وبما فيها من أفانين العذاب  يُؤْمِنُونَ بِهِ  أي بالكتاب لأنهم يخافون العاقبةَ ولا يزال الخوف يحمِلُهم على النظر والتأمُّل حتى يؤمنوا به  وَهُمْ على صَلاَتِهِمْ يُحَافِظُونَ  تخصيصُ محافظتِهم على الصلاة بالذكر من بين سائر العبادات التي لابد للمؤمنين من أدائها للإيذان بإنافتِها[(٢)](#foonote-٢) من بين سائر الطاعات وكونِها أشرفَ العباداتِ بعد الإيمان. 
١ أهل المدر: الذين يسكنون بيوتا من طين، وأهل الوبر الذين يسكنون الخيام..
٢ إنافتها: ارتفاعها..

### الآية 6:93

> ﻿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَىٰ عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ وَمَنْ قَالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ ۗ وَلَوْ تَرَىٰ إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ ۖ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنْتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ [6:93]

وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افترى عَلَى الله كَذِباً  فزعَم أنه تعالى بعثه نبياً كمسيلِمةَ الكذابِ والأسودِ العنسيِّ أو اختلق عليه أحكاماً من الحِلِّ والحُرمة كعَمْرِو بنِ لُحَيٍّ[(١)](#foonote-١) ومتابعيه أي هو أظلمُ من كلِّ ظالمٍ وإن كان سبكُ التركيبِ على نفي الأظلمِ منه وإنكارِه من غير تعرضٍ لنفْي المساوي وإنكارِه فإن الاستعمالَ الفاشيَ في قولك : مَنْ أفضلُ من زيدٍ أو لا أكرمَ منه على أنه أفضلُ من كل فاضلٍ وأكرمُ من كل كريم، وقد مر تمامُ الكلام فيه  أَوْ قَالَ أُوْحِي إِلَيّ  من جهته تعالى  وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ  أي والحال أنه لم يوح إليه  شيء  أصلاً ( كعبد اللَّه بنِ سعدِ بنِ أبي سَرْح كان يكتُب للنبي صلى الله عليه وسلم فلما نزلت  وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإنسان مِن سلالة من طِينٍ  فلما بلغ  ثُمَّ أنشأناه خلقاً آخر  \[ المؤمنون، الآية ١٤ \] قال عبد اللَّه : تبارك الله أحسنُ الخالقين تعجباً من تفصيل خلقِ الإنسان ثم قال عليه الصلاة والسلام :**«اكتُبها كذلك »** فشك عبدُ اللَّه وقال : لئن كان محمد صادقاً فقد أُوحيَ إلي كما أوحيَ إليه ولئن كان كاذباً فقد قلت كما قال ).  وَمَن قَالَ سَأُنزِلُ مِثْلَ مَا أَنزلَ الله  كالذين قالوا : لَوْ نَشَاء لَقُلْنَا مِثْلَ هذا  \[ الأنفال، الآية ٣١ \]  وَلَوْ تَرَى إِذِ الظالمون  حُذف مفعولُ ترى لدِلالة الظرفِ عليه أي ولو ترى الظالمين إذ هم  في غَمَرَاتِ الموت  أي شدائده من غَمَره إذا غشِيَه  والملائكة بَاسِطُوا أَيْدِيهِمْ  بقبض أرواحِهم كالمتقاضي الملظ[(٢)](#foonote-٢) المُلِحّ يبسُط يدَه إلى من عليه الحقُّ ويعنِّف عليه في المطالبة من غير إمهالٍ وتنفيسٍ، أو باسطوها بالعذاب قائلين : أَخْرِجُوا أَنفُسَكُمُ  أي أخرجوا أرواحَكم إلينا من أجسادكم أو خلِّصوا أنفسكم من العذاب  اليوم  أي وقتَ الإماتة أو الوقتَ الممتدّ بعده إلى ما لا نهاية له  تُجْزَوْنَ عَذَابَ الهُون  أي العذابَ المتضمِّنَ لشدةٍ وإهانةٍ فإضافتُه إلى الهون وهو الهوانُ لعراقته فيه  بِمَا كُنتُمْ تَقُولُونَ عَلَى الله غَيْرَ الحق  كاتخاذ الولد له ونسبةِ الشريك إليه وادعاءِ النبوة والوحيِ كاذباً  وَكُنتُمْ عَنْ آياته تَسْتَكْبِرُونَ  فلا تتأملون فيها ولا تؤمنون بها. 
١ عمرو بن لحيّ بن حارثة بن عمرو الأزدي، من قحطان. أول من غيّر دين إسماعيل ودعا العرب إلى عبادة الأوثان. وخلاصة ما في خبره أنه كان قد تولى حجابة البيت الحرام بمكة، وزار بلاد الشام ودخل أرض "موآب" في وادي الأردن فوجد أهلها يعبدون الأصنام، فأعجب بأصنامهم فأخذ عددا منها فنصبها بمكة ودعا الناس إلى تعظيمها والاستشفاء بها، فكان أول من فعل ذلك من العرب..
٢ ألظّ به: لزمه ولم يفارقه. وألظّ عليه: ألحّ..

### الآية 6:94

> ﻿وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَىٰ كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ ۖ وَمَا نَرَىٰ مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ ۚ لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنْكُمْ مَا كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ [6:94]

وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا  للحساب  فرادى  منفردين عن الأموال والأولاد وغيرِ ذلك مما آثَرْتُموه من الدنيا أو عن الأعوان والأصنامِ التي كنتم تزعُمون أنها شفعاؤكم وهو جمع فَرْد والألفُ للتأنيث ككسالى وقرئ ( فِراداً ) كرجال وفَرادَ كثلاثَ وفَرْدَى كسَكْرى  كَمَا خلقناكم أَوَّلَ مَرَّةٍ  بدل من فرادى أي على الهيئة التي ولدتم عليها في الانفراد أو حالٌ ثانية عند من يجوِّزُ تعددَها أو حال من الضمير في فرادى أي مُشْبِهين ابتداءَ خلقِكم عُراةً حُفاة غُرْلاً[(١)](#foonote-١) بُهْماً أو صفةُ مصدرِ ( جئتمونا ) أي مجيئاً كخلقنا لكم أول مرة  وَتَرَكْتُمْ ما خوّلناكم  تفضّلناه عليكم في الدنيا فشُغِلتم به عن الآخرة  وَرَاء ظُهُورِكُمْ  ما قدمتم منه شيئاً ولم تحمِلوا نقيراً  وَمَا نرى مَعَكُمْ شُفَعَاءكُمُ الذين زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاء  أي شركاءُ الله تعالى في الربوبية واستحقاقِ العبادة  لَقَد تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ  أي وقع التقطعُ بينكم كما يقال : جمع بين الشيئين أي أوقع الجمعَ بينهما وقرئ ( بينُكم ) بالرفع على إسناد الفعل إلى الظرف كما يقال : قوتل أمامُكم وخلفُكم أو على أن البينَ اسمٌ للفصل والوصل أي تقطع وصلُكم وقرئ ما بينَكم  وَضَلَّ عَنكُم  أي ضاع أو غاب  ما كُنتُمْ تَزْعُمُونَ  أنها شفعاؤكم أو أن لا بعثَ ولا جزاء. 
١ غرِل الصبي: عظمت غُزْلته، وهي الجلدة التي تقطع في الختان..

### الآية 6:95

> ﻿۞ إِنَّ اللَّهَ فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَىٰ ۖ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ ۚ ذَٰلِكُمُ اللَّهُ ۖ فَأَنَّىٰ تُؤْفَكُونَ [6:95]

إِِنَّ الله فَالِقُ الحَبّ والنّوى  شروعٌ في تقرير بعضِ أفاعيلِه تعالى الدالةِ على كمال علمِه وقدرته ولطفِ صُنعِه وحِكمتِه إثرَ تقريرِ أدلةِ التوحيد، والفَلْقُ الشَقُّ بإبانةٍ، أي شاقُّ الحبِّ بالنبات والنوى بالشجر، وقيل : المرادُ به الشِقُّ الذي في الحبوب والنَّوى، أي خالقُهما كذلك كما في قولك : ضَيِّقْ فمَ الرَّكِيةِ ووسِّعْ أسفلَها، وقيل : الفلْقُ بمعنى الخلق، قال الواحدي : ذهبوا بفالقُ مذهبَ فاطر  يُخْرِجُ الحيّ مِنَ الميت  أي يُخرج ما ينمو من النطفة والحبِّ، والجملةُ مستأنفة مبينةٌ لما قبلها وقيل : خبرٌ ثانٍ لأن قوله تعالى : وَمُخْرِجُ الميت  كالنطفة والحب  مِنَ الحي  كالحيوان والنبات، عطفٌ على ( فالقُ الحب ) لا على ( يُخرج ) على الوجه الأول لأن إخراج الميِّتِ من الحيِّ ليس من قبيل فلقِ الحب والنوى  ذلكم  القادرُ العظيمُ الشأنِ هو  الله  المستحِقّ للعبادة وحده  فأنى تُؤْفَكُونَ  فكيف تُصرَفون عن عبادته إلى غيره ولا سبيل إليه أصلاً.

### الآية 6:96

> ﻿فَالِقُ الْإِصْبَاحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا ۚ ذَٰلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ [6:96]

فَالِقُ الإصباح  خبرٌ آخَرُ لإن، أو لمبتدإٍ محذوفٍ والإصباحُ مصدرٌ سمِّي به الصبحُ وقرئ بفتح الهمزة على أنه جمعُ صُبْح أي فالقُ عمودِ الفجر عن بياضِ النهار وإسفارِه، أو فالق ظلمةِ الإصباحِ وهي الغَبَشُ الذي يلي الصبحَ وقرئ ( فالقَ ) بالنصب على المدح  وَجَعَلَ اليل سَكَناً  يسكُن إليه التعِبُ بالنهار لاستراحته فيه من سَكَن إليه إذا اطمأن إليه استئناساً به أو يسكن فيه الخلقُ من قوله تعالى : لِتَسْكُنُوا فِيهِ  \[ يونس، الآية ٦٧ \] وقرئ ( جاعلُ الليل ) فانتصابُ ( سكناً ) بفعل دل عليه جاعل وقيل : بنفسه على أن المرادَ به الجعلُ المستمرُّ في الأزمنة المتجددة حسَب تجدّدِها لا الجعلُ الماضي فقط وقيل : اسمُ الفاعل من الفعل المتعدِّي إلى اثنين يعمل في الثاني وإن كان بمعنى الماضي لأنه لما أُضيف إلى الأول تعيّن نصبُه للثاني لتعذّر الإضافة بعد ذلك  والشمس والقمر  معطوفان على الليل وعلى القراءة الأخيرة قيل : هما معطوفان على محله والأحسنُ نصبُهما حينئذ بفعل مقدرٍ وقد قُرئا بالجرِّ وبالرفعِ أيضاً على الابتداء والخبرُ محذوفٌ أي مجعولان  حُسْبَاناً  أي على أدوار مختلفة يُحسبُ بها الأوقاتُ التي نيط بها العباداتُ والمعاملاتُ أو محسوبان حُسباناً، والحُسبانُ بالضم مصدرُ حسَب كما أن الحسابَ بالكسر مصدر حسَب  ذلك  إشارة إلى جعلهما كذلك وما فيه من معنى البعد للإيذان بعلوِّ رتبةِ المُشار إليه وبُعْدِ منزلتِه أي ذلك التسييرُ البديع  تَقْدِيرُ العزيز  الغالب القاهرِ الذي لا يستعصي عليه شيءٌ من الأشياء التي من جملتها تسييرُهما على الوجه المخصوص  العليم  بجميع المعلومات التي من جملتها ما في ذلك التسييرِ من المنافعِ والمصالحِ المتعلقةِ بمعاش الخلق ومَعادِهم.

### الآية 6:97

> ﻿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ ۗ قَدْ فَصَّلْنَا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ [6:97]

وَهُوَ الذي جَعَلَ لَكُمُ النجوم  شروعٌ في بيان نعمتِه تعالى في الكواكب إثرَ بيانِ نعمتِه تعالى في النَّيِّرَيْنِ[(١)](#foonote-١) والجعلُ متعدٍّ إلى واحد واللامُ متعلقةٌ به، وتأخيرُ المفعول الصريح عن الجار والمجرور لما مر غيرَ مرةٍ من الاهتمام بالمقدَّمِ والتشويق إلى المؤخر أي أنشأها وأبدعها لأجلكم، فقوله تعالى : لِتَهْتَدُوا بِهَا  بدلٌ من المجرور بإعادة العامل بدلَ اشتمال كما في قوله تعالى : لَجَعَلْنَا لِمَن يَكْفُرُ بالرحمان لِبُيُوتِهِمْ سُقُفاً  \[ الزخرف، الآية ٣٣ \] والتقدير جعلَ لكم النجومَ لاهتدائكم لكن لا على أن غايةَ خلقِها اهتداؤُهم فقط بل على طريقة إفراد بعضِ منافعِها وغاياتها بالذكر حسبما يقتضيه المقام، وقد جُوِّز أن يكون مفعولاً ثانياً للجعل، وهو بمعنى التصيير أي جعلها كائنةً لاهتدائكم في أسفاركم عند دخولِكم المفاوزَ أو البحارَ كما ينبئ عنه قولُه تعالى : في ظلمات البر والبحر  أي في ظلمات الليل في البر والبحر، وإضافتُها إليهما للملابسة فإن الحاجة إلى الاهتداء بها إنما تتحقق عند ذلك أو في مشتَبِهات الطرق، عبّر عنها بالظلمات على طريقة الاستعارة  قَدْ فَصَّلْنَا الآيات  أي بيّنا الآياتِ المتلُوَّةَ المذكِّرةَ لنِعَمه التي هذه النعمةُ من جملتها أو الآياتِ التكوينيةَ الدالةَ على شؤونه تعالى مفصّلةً  لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ  أي معانِيَ الآياتِ المذكورةِ ويعملون بموجبها أو يتفكرون في الآيات التكوينية فيعلمون حقيقةَ الحال، وتخصيصُ التفصيل بهم مع عمومه للكل لأنهم المنتفعون به. 
١ هما الشمس والقمر..

### الآية 6:98

> ﻿وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ ۗ قَدْ فَصَّلْنَا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ [6:98]

وَهُوَ الذي أَنشَأَكُم من نَفْسٍ واحدة  تذكيرٌ لنعمةٍ أخرى من نِعَمه تعالى دالةٍ على عظيم قدرتِه ولطيفِ صُنعه وحكمتِه أي أنشأكم مع كثرتكم من نفس آدمَ عليه السلام  فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ  أي فلكم استقرارٌ في الأصلاب أو فوق الأرض واستيداعٌ في الأرحام أو تحت الأرض أو موضعُ استقرارٍ واستيداعٍ فيما ذكر، والتعبيرُ عن كونهم في الأصلاب أو فوق الأرض بالاستقرار لأنهما مقرُّهم الطبيعيُّ كما أن التعبيرَ عن كونهم في الأرحام أو تحت الأرض بالاستيداع لِما أن كلاًّ منهما ليس بمقرِّهم الطبيعيِّ، وقد حُمل الاستيداعُ على كونهم في الأصلاب وليس بواضح، وقرئ ( فمستقِر ) بكسر القاف أي فمنكم مستقِرٌ ومنكم مستوْدَعٌ فإن الاستقرارَ منّا، بخلاف الاستيداع  قَدْ فَصَّلْنَا الآيات  المبينةَ لتفاصيل خلقِ البشرِ من هذه الآية ونظائرِها  لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ  غوامضَ الدقائقِ باستعمال الفِطنة وتدقيقِ النظرِ فإن لطائفَ صنعِ الله عز وجل في أطوار تخليقِ بني آدمَ مما تحارُ في فهمه الألبابُ وهو السرُّ في إيثار ( يفقهون ) على يعلمون كما ورد في شأن النجوم.

### الآية 6:99

> ﻿وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِرًا نُخْرِجُ مِنْهُ حَبًّا مُتَرَاكِبًا وَمِنَ النَّخْلِ مِنْ طَلْعِهَا قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ وَجَنَّاتٍ مِنْ أَعْنَابٍ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُشْتَبِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ ۗ انْظُرُوا إِلَىٰ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكُمْ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ [6:99]

وَهُوَ الذي أَنزَلَ مِنَ السماء مَاءً  تذكيرٌ لنعمةٍ أخرى من نعمه تعالى مُنَبِّئةٍ عن كمال قدرته تعالى وسعةِ رحمته أي أنزل من السحاب أو من سَمْتِ السماء ماءً خاصاً هو المطر، وتقديمُ الجار والمجرور على المفعول الصريح لما مر مراراً  فَأَخْرَجْنَا بِهِ  التفات إلى التكلم إظهاراً لكمال العناية بشأن ما أُنزل الماءُ لأجله أي فأخرجنا بعظمتِنا بذلك الماءِ مع وِحْدته  نَبَاتَ كُلّ شيء  من الأشياء التي من شأنها النموُّ من أصناف النجْم والشجر وأنواعِها المختلفة في الكم والكيف والخواصِّ والآثار اختلافاً متفاوتاً في مراتبِ الزيادة والنقصان حسبما يُفصح عنه قولُه تعالى : يسقى بِمَاء واحد وَنُفَضّلُ بَعْضَهَا على بَعْضٍ في الأكل  \[ الرعد، الآية ٤ \]. وقولُه تعالى : فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِراً  شروعٌ في تفصيل ما أُجمل من الإخراج، وقد بُدِئ بتفصيل حال النجم أي فأخرجنا من النبات الذي لا ساقَ له شيئاً غضّاً أخضرَ، يقال : شيءٌ أخضَرٌ وخضِرٌ كأعوَرَ وعَوِرٍ، وأكثرُ ما يُستعمل الخضِرُ فيما تكون خُضرتُه خَلْقية وهو ما تشعّب من أصل النبات الخارج من الحبة. وقوله تعالى : نُخْرِجُ مِنْهُ  صفةٌ لخضِراً وصيغة المضارعِ لاستحضار الصورة لما فيها من الغرابة أي نخرج من ذلك الخضِرِ  حَبّاً مُتَرَاكِباً  هو السُنبلُ المنتظِمُ للحبوب المتراكبة بعضُها فوق بعض على هيئة مخصوصةٍ وقرئ يَخرُجُ منه حبٌّ متراكب وقوله تعالى : وَمِنَ النخل  شروعٌ في تفصيل حالِ الشجر إثرَ بيانِ حال النجم. فقوله تعالى : مِن النخل  خبرٌ مقدم وقوله تعالى : مِن طَلْعِهَا  بدلٌ منه بإعادة العامل كما في قوله تعالى : لَقَدْ كَانَ لَكُمْ في رَسُولِ الله أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لمَن كَانَ يَرْجُو الله  \[ الأحزاب، الآية ٢١ \] الخ، والطَّلْعُ شيء يخرُج من النخل كأنه نعلانِ مُطبَقانِ، والحِمْلُ بينهما منضود. وقوله تعالى : قِنوان  مبتدأ أي وحاصلةٌ من طلع النخل قنوانٌ، ويجوز أن يكون الخبرُ محذوفاً لدلالة أخرجنا عليه أي ومُخرِجةٌ من طلع النخل قنوانٌ ومَنْ قرأ يخرُجُ منه حبٌّ متراكبٌ كان ( قنوانٌ ) عنده معطوفاً على ( حبٌّ ) وقيل : المعنى وأخرجنا من النخل نخلاً من طلعها قنوانٌ أو ومن النخل شيءٌ من طلعها قنوان، وهو جمع قِنْوٍ، وهو عنقودُ النخلة كصِنْوٍ وصِنْوان، وقرئ بضم القاف كذِئبٍ وذؤبان وبفتحها أيضاً على أنه اسمُ جمعٍ لأن فَعلان ليس من أبنية الجمع  دَانِيَةٌ  سهلةُ المُجتَنى قريبةٌ من القاطفِ فإنها وإن كانت صغيرةً ينالها القاعدُ تأتي بالثمر لا يُنتظَرُ الطولُ، أو ملتفةٌ متقاربة، والاقتصارُ على ذكرها لدلالتها على مُقابلها كقوله تعالى : سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الحرَّ  \[ النحل، الآية ٨١ \] ولزيادة النعمة فيها  وجناتٍ منْ أعناب  عطفٌ على ( نباتَ كل شيء ) أي وأخرجنا به جناتٍ كائنةً من أعناب، وقرئ جناتٌ بالرفع على الابتداء أي ولكم أو ثَمةَ جناتٌ، وقد جوِّز عطفُه على ( قنوان ) كأنه قيل : وحاصلةٌ أو مخرجةٌ من النخل قنوانٌ وجناتٌ من نباتٍ وأعناب، ولعل زيادةَ الجنات هاهنا من غير اكتفاءٍ بذكر اسمِ الجنس كما فيما تقدم وما تأخر لما أن الانتفاعَ بهذا الجنس لا يتأتى غالباً إلا عند اجتماع طائفةٍ من أفراده  والزيتون والرمان  منصوبان على الاختصاص لعزة هذين الصنفين عندهم أو على العطف على ( نباتَ ) وقوله تعالى : مُشْتَبِهاً وَغَيْرَ متشابه  حال من الزيتون اكتُفي به عن حال ما عطف عليه كما يكتفى بخبر المعطوف عليه عن خبر المعطوف في نحو قوله تعالى : والله وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَن يُرْضُوهُ  \[ التوبة، الآية ٦٢ \] وتقديرُه والزيتونَ مشتبهاً وغيرَ متشابه والرمانَ كذلك، وقد جُوِّز أن يكون حالاً من الرمان لقُربه ويكون المحذوفُ حالَ الأول والمعنى بعضُه متشابهاً وبعضُه غيرَ متشابه في الهيئة والمقدار واللون والطعم وغيرِ ذلك من الأوصاف الدالة على كمال قدرة صانعِها وحكمةِ مُنشئِها ومبدعِها  انظروا إلى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ  أي انظروا إليه نظرَ اعتبارٍ واستبصارٍ إذا أخرج ثمرَه كيف يُخرجه ضئيلاً لا يكاد يُنتفعُ به، وقرئ إلى ثمره  وَيَنْعِهِ  أي وإلى حال نُضجه كيف يصير إلى كماله اللائق به ويكون شيئاً جامعاً لمنافِعَ جمّةٍ واليَنْعُ في الأصل مصدر يَنَعَت الثمرةُ إذا أدركت وقيل : جمعُ يانع كتاجر وتجْرٍ وقرئ بالضم وهي لغة فيه وقرئ يانِعِهِ  إِنَّ في ذلكم  إشارةٌ إلى ما أُمر بالنظر إليه، وما في اسم الإشارة من معنى البعد للإيذان بعلو رتبة المشارِ إليه وبُعد منزلته  لآيات لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ  أي لآياتٍ عظيمةً أو كثيرةً دالةً على وجود القادر الحكيم ووَحدتِه فإن حدوثَ هاتيك الأجناسِ المختلفة والأنواع المتشعبة من أصل واحدٍ وانتقالَها من حال إلى حال على نمط بديع تحارُ في فهمه الألباب لا يكاد يكون إلا بإحداث صانعٍ يعلم تفاصيلَها ويرجّح ما تقتضيه حكمتُه من الوجوه الممكنة على غيره ولا يَعوُقه عن ذلك ضدٌّ يناوئه أو نِدٌّ يُقاويه، ولذلك عقّب بتوبيخِ من أشرك به والردِّ عليه حيث قيل.

### الآية 6:100

> ﻿وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ ۖ وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ ۚ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىٰ عَمَّا يَصِفُونَ [6:100]

وَجَعَلُوا للَّهِ شُرَكَاء  أي جعلوا في اعتقادهم لله الذي شأنُه ما فُصّل في تضاعيفِ هذه الآية الجليلةِ شركاءَ  الجنّ  أي الملائكةَ حيث عبدوهم وقالوا : الملائكةُ بناتُ الله وسُمُّوا جِناً لاجتنانهم تحقيراً لشأنهم بالنسبة إلى مَقام الألوهية، أو الشياطينَ حيث أطاعوهم كما أطاعوا الله تعالى أو عبدوا الأوثانَ بتسويلهم وتحريضِهم أو قالوا : الله خالقُ الخير وكلِّ نافعٍ، والشيطانُ خالقُ الشرِّ وكلِّ ضارٍّ، كما هو رأي الثنوية ومفعولا ( جعلوا ) قوله تعالى : شُرَكَاء الجن  قُدِّم ثانيهما على الأول لاستعظام أن يُتَّخذَ لله سبحانه شريكٌ ما، كائناً ما كان، ولله متعلق بشركاء قدم عليه للنكتة المذكورة وقيل : هما لله شركاء والجنَّ بدلٌ من شركاءَ مفسِّرٌ له نَصَّ عليه الفراءُ وأبو إسحاقَ، أو منصوبٌ بمضمرٍ وقعَ جواباً عن سؤالٍ مقدَّرٍ نشأ من قوله تعالى : وَجَعَلُوا للَّهِ شُرَكَاء  كأنه قيل : مَنْ جعلوه شركاءَ لله تعالى ؟ فقيل : الجنَّ أي جعلوا الجن، ويؤيده قراءةُ أبي حيوة ويزيدَ بن قطيب ( الجنُّ ) بالرفع على تقدير : همُ الجنُّ في جواب من قال : مَن الذين جعلوهم شركاء لله تعالى ؟ وقد قرئ بالجر على أن الإضافة للتبيين  وَخَلَقَهُمْ  حالٌ من فاعل ( جعلوا ) بتقدير قد أو بدونه على اختلاف الرأيين، مؤكدةٌ لما في جَعْلهم ذلك من كمال القباحة والبُطلان باعتبار علمِهم بمضمونها، أي وقد علموا أنه تعالى خالقُهم خاصة، وقيل : الضميرُ للشركاءِ أي والحال أنه تعالى خلق الجنَّ فكيف يجعلون مخلوقَه شريكاً له تعالى ؟ وقرئ خَلْقَهم عطفاً على ( الجنَّ ) أي وما يخلقونه من الأصنام أو على ( شركاءَ ) أي وجعلوا له اختلاقَهم الإفكَ حيث نسبوه إليه تعالى.  وَخَرَقُوا لَهُ  أي افتعلوا وافترَوْا له يقال : خلقَ الإفكَ واختلقه وخَرَقه واخترقه بمعنى وقرئ خرّقوا بالتشديد للتكثير وقرئ وحرّفوا له أي زوّروا  بَنِينَ وَبَنَاتٍ  فقالت اليهودُ : عزيرٌ ابنُ الله، وقالت النصارى : المسيحُ ابنُ الله، وقالت طائفة من العرب : الملائكةُ بناتُ الله  بِغَيْرِ عِلْمٍ  أي بحقيقة ما قالوه من خطأ أو صوابٍ رمياً بقوله عن عمىً وجهالةٍ من غير فكرٍ ورويّة أو بغير علم بمرتبة ما قالوه وأنه من الشناعة والبطلان بحيث لا يقادَرُ قدرُه، والباء متعلقةٌ بمحذوف هو حالٌ من فاعل خرقوا أو نعتٌ لمصدر مؤكِّدٍ له أي خرقوا ملتبسن بغير علم أو خرقاً كائناً بغير علم  سبحانه  استئنافٌ مَسوقٌ لتنزيهه عز وجل عما نسَبوه إليه، وسبحانه علمٌ للتسبيح الذي هو التبعيدُ عن السوء اعتقاداً وقولاً أي اعتقادَ البعدِ عنه والحكمَ به، مِنْ سبَح في الأرض والماء إذا أبعدَ فيهما وأمعن ومنه فرَسٌ سَبوحٌ أي واسعُ الجرْي، وانتصابُه على المصدرية ولا يكاد يُذكر ناصبُه أي أسبِّح سبحانه أي أنزهه عما لا يليق به عقداً أو عملاً تنزيهاً خاصاً به حقيقاً بشأنه، وفيه مبالغةً من جهة الاشتقاق من السَّبْح ومن جهة النقل إلى التفعيل ومن جهة العدول عن المصدر الدال على الجنس إلى الاسم الموضوع له خاصة، لاسيما العلمُ المشيرُ إلى الحقيقة الحاضرةِ في الذهن ومن جهة إقامته مُقامَ المصدر مع الفعل وقيل : هو مصدرٌ كغُفران لأنه سُمع له فعلٌ من الثلاثي كما ذكر في القاموس[(١)](#foonote-١) أُريد به التنزُّهُ التامُّ والتباعدُ الكُلي، ففيه مبالغةٌ من حيث إسنادُ التنزهِ إلى ذاتِه المقدسةِ أي تنزه بذاتِه تنزّهاً لائقاً به وهو الأنسبُ بقوله سبحانه : وتعالى  فإنه معطوفٌ على الفعل المُضمر لا محالة ولِمَا في السُّبحان والتعالي من معنى التباعُد قيل : عَمَّا يَصِفُونَ  أي تباعد عما يصفونه من أن له شريكاً أو ولداً. 
١ القاموس المحيط للفيروزا بادي، مادة: سبح..

### الآية 6:101

> ﻿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۖ أَنَّىٰ يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ ۖ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ ۖ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ [6:101]

بَدِيعُ السماوات والأرض  أي مُبدِعُهما ومخترعُهما بلا مثالٍ يَحتذيه ولا قانونٍ ينتحيه، فإن البديعَ كما يطلق على المُبدِع ( بكسر الدال ) يطلق على المبدَع ( بفتح الدال ) نصَّ عليه أئمة اللغة كالصريخ بمعنى المُصرِخ وقد جاء : بدَعَه كمنعه بمعنى أنشأه كابتدعه، على ما ذُكر في القاموس وغيرِه، ونظيرُه السميعُ بمعنى المُسمِع في قوله :\[ الوافر \]أمِنْ ريحانةَ الداعي السميعُ  \[ يؤرّقُني وأصحابي هُجُوع \][(١)](#foonote-١)وقيل : هو من إضافة الصفةِ المشبهةِ إلى الفاعل للتخفيف بعد نصبِه تشبيهاً لها باسم الفاعل كما هو المشهور أي بديعُ سماواتِه وأرضِه من بَدَع إذا كان على نمطٍ عجيبٍ وشكلٍ فائق وحُسنٍ رائقٍ، أو إلى الظرف كما في قولهم : ثبْتُ العذرِ بمعنى أنه عديمُ النظير فيهما، والأولُ هو الوجه، والمعنى أنه تعالى مبدعٌ لقطري العالم العلويِّ والسفليِّ بلا مادة فاعلٍ على الإطلاق منزّه عن الانفعال بالمرة، والوالدُ عنصرُ الولد منفعلٌ بانتقال مادتِه عنه فكيف يمكن أن يكون له ولد ؟ وقرئ بديعَ بالنصب على المدح وبالجر على أنه بدلٌ من الاسم الجليل أو من الضمير المجرورِ في سبحانه على رأي من يُجيزه، وارتفاعُه في القراءة المشهورة على أنه خبرُ مبتدإٍ محذوفٍ أو فاعلُ تعالى، وإظهارُه في موضع الإضمارِ لتعليل الحكمِ، وتوسيطُ الظرفِ بينه وبين الفعل للاهتمام ببيانه، أو مبتدأٌ خبرُه قوله تعالى : أنّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ  وهو على الأولَيْن جملةٌ مستقلةٌ مَسوقةٌ لما قبلها لبيان استحالةِ ما نسبوه إليه تعالى وتقرير تنزُّهِه عنه وقوله تعالى : وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صاحبة  حال مؤكدةٌ للاستحالة المذكورة فإن انتفاءَ أن يكون له تعالى صاحبةٌ مستلزمٌ لانتفاء أن يكون له ولدٌ ضرورةَ استحالة وجودِ الولدِ بلا والدة، وإن أمكن وجودُه بلا والد، وانتفاءُ الأولِ مما لا ريب فيه لأحد فمن ضرورته انتفاءُ الثاني أي من أين أو كيف يكون له ولد كما زعموا والحالُ أنه ليس له على زعمهم أيضاً صاحبةٌ يكون الولدُ منها ؟ وقرئ لم يكنْ بتذكير الفعل للفصل أو لأن الاسمَ ضميرُه تعالى، والخبرُ هو الظرفُ وصاحبةٌ مرتفعٌ به على الفاعلية لاعتماده على المبتدإ، أو الظرفُ خبرٌ مقدمٌ وصاحبةٌ مبتدأٌ مؤخرٌ والجملةُ خبرٌ للكون وعلى هذا الوجه يجوز أن يكون الاسمُ ضميرَ الشأنِ لصلاحية الجملةِ حينئذ لأن تكونَ مفسِّرةً لضمير الشأنِ لا على الوجه الأولِ لما بيّن في موضعه أن ضميرَ الشأنِ لا يفسَّر إلا بجملة صريحةٍ، وقوله تعالى : وَخَلَقَ كُلَّ شيء  إما جملةٌ مستأنفةٌ أخرى سيقت لتحقيق ما ذُكر من الاستحالة أو حالٌ أخرى مقرِّرةٌ لها أي أنى يكون له ولدٌ والحالُ أنه خلق كلَّ شيءٍ انتظمه التكوينُ والإيجادُ من الموجودات التي من جملتها ما سمَّوْه ولداً له تعالى فكيف يُتَصوَّر أن يكون المخلوقُ ولداً لخالقه ؟  وَهُوَ بِكُلّ شيء  مِنْ شأنه أن يُعلم كائناً ما كان مخلوقاً أو غيرَ مخلوق كما ينبئ عنه تركُ الإضمار إلى الإظهار  عَلِيمٌ  مبالغٌ في العلم أزلاً وأبداً حسبما يُعرِبُ عنه العدولُ إلى الجملة الاسميةِ فلا يخفى عليه خافيةٌ مما كان وما سيكون من الذوات والصفاتِ والأحوالِ التي من جملتها ما يجوز عليه تعالى وما لا يجوز من المُحالات التي ما زعموه فردٌ من أفرادها، والجملةُ استئنافٌ مقررٌ لمضمون ما قبلها من الدلائل القاطعةِ ببطلان مقالتِهم الشنعاءِ التي اجترأوا عليها بغير علم. 
١ البيت لعمرو بن معدي كرب في ديوانه ص ١٤٠؛ والأصمعيات ص ١٧٢؛ والأغاني ١٠/٤؛ وخزانة الأدب ٨/١٧٨؛ وسمط الآلي ص ٤٠؛ والشعر والشعراء ١/٣٧٩؛ ولسان العرب (سمع)..

### الآية 6:102

> ﻿ذَٰلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ ۖ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ۖ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ ۚ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ [6:102]

ذلكم  إشارةٌ إلى المنعوت بما ذُكر من جلائل النعوتِ وما فيه من معنى البُعد للإيذان بعلوِّ شأنِ المُشارِ إليه وبُعدِ منزلتِه في العظمة، والخطابُ للمشركين المعهودين بطريق الالتفاتِ، وهو مبتدأٌ وقولُه تعالى : الله رَبُّكُمْ لا إله إِلاَّ هُوَ خالق كُلّ شيء  أخبارٌ أربعةٌ مترادفةٌ أي ذلك الموصوفُ بتلك الصفاتِ العظيمةِ هو الله المستحِقُّ للعبادة خاصةً، مالكُ أمرِكم لا شريك له أصلاً، خالقُ كلِّ شيءٍ مما كان ومما سيكون، فلا تكرارَ، إذ المعتبرُ في عنوان الموضوعِ إنما هو خالقيتُه لما كان فقط كما ينبئ عنه صيغةُ الماضي، وقيل : الخبرُ هو الأولُ، والبواقي أبدالٌ، وقيل : الاسمُ الجليلُ بدلٌ من المبتدأ والبواقي أخبارٌ، وقيل : يقدر لكلٍّ من الأخبار الثلاثةِ مبتدأٌ، وقيل : يُجعل الكلُّ بمنزلة اسمٍ واحد. وقولُه تعالى : فاعبدوه  حكم مترتبٌ على مضمون الجملة، فإن مَنْ جمع هذه الصفاتِ كان هو المستحقُّ للعبادة خاصة، وقوله تعالى : وَهُوَ على كُلّ شيء وَكِيلٌ  عطفٌ على الجملة المتقدمة أي هو مع ما فُصل من الصفات الجليلةِ متولي أمورِ جميعِ مخلوقاتِه التي أنتم من جملتها فكِلوا أمورَكم إليه وتوسلوا بعبادته إلى نجاح مآربِكم الدنيويةِ والأخروية.

### الآية 6:103

> ﻿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ ۖ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ [6:103]

لاَ تُدْرِكُهُ الأبصار  البصرُ حاسةُ النظرِ، وقد تطلق على العين من حيث أنها محلُّها، وإدراكُ الشيءِ عبارةٌ عن الوصول إليه والإحاطةِ به أي لا تصِل إليه الأبصارُ ولا تُحيط به كما قال سعيد بن المسيِّب، وقال عطاء : كلّتْ أبصارُ المخلوقين عن الإحاطة به فلا مُتمسَّك فيه لمنكري الرؤيةِ على الإطلاق. وقد روي عن ابن عباس ومقاتل رضي الله عنهم : لا تدركه الأبصارُ في الدنيا وهو يُرى في الآخرة  وَهُوَ يُدْرِكُ الأبصار  أي يحيطُ بها علمُه إذ لا تخفى عليه خافيةٌ  وَهُوَ اللطيف الخبير  فيدرك ما لا تدركه الأبصارُ، ويجوز أن يكون تعليلاً للحُكمين السابقين على طريقة اللفِّ أي لا تدركه الأبصارُ لأنه اللطيفُ وهو يدرك الأبصارَ لأنه الخبيرُ فيكون اللطيفُ مستفاداً من مقابل الكثيفِ لما لا يُدرك بالحاسة ولا ينطبع فيها.

### الآية 6:104

> ﻿قَدْ جَاءَكُمْ بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ ۖ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ ۖ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْهَا ۚ وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ [6:104]

وقوله تعالى : قَدْ جَاءكُمْ بَصَائِرُ مِن رَبّكُمْ  استئنافٌ وارد على لسان النبي عليه الصلاة والسلام، والبصائرُ جمعُ بصيرةٍ وهي النورُ الذي به تستبصِرُ النفسُ كما أن البصرَ نورٌ به تبصِرُ العين، والمرادُ بها الآيةُ الواردةُ هاهنا أو جميعُ الآيةِ المنتظمةِ لها انتظاماً أولياً، ومن لابتداء الغايةِ مجازاً سواءٌ تعلقت بجاء أو بمحذوف هو صفةٌ لبصائرُ، والتعرضُ لعنوان الربوبيةِ مع الإضافة إلى ضمير المخاطبين لإظهار كمالِ اللطفِ بهم أي قد جاءكم من جهة مالككم ومبلِّغِكم إلى كمالكم اللائقِ بكم من الوحي الناطقِ بالحق والصوابِ ما هو كالبصائر للقلوب أو قد جاءكم بصائرُ كائنةٌ من ربكم  فَمَنْ أَبْصَرَ  أي الحقَّ بتلك البصائرِ وآمن به  فَلِنَفْسِهِ  أي فلنفسه أبصر، أو فإبصارُه لنفسه لأن نفعَه مخصوصٌ بها  وَمَنْ عَمِيَ  أي ومن لم يبصر الحقَّ بعد ما ظهر له بتلك البصائرِ ظهوراً بيِّناً وضلَّ عنه، وإنما عبّر عنه بالعمى تقبيحاً له وتنفيراً عنه  فَعَلَيْهَا  أي فعليها عمِي أو فعَماهُ عليها أو وبالُ عملِه  وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ  وإنما أنا منذر، والله هو الذي يحفظ أعمالَكم ويجازيكم عليها.

### الآية 6:105

> ﻿وَكَذَٰلِكَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ وَلِيَقُولُوا دَرَسْتَ وَلِنُبَيِّنَهُ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ [6:105]

وكذلك نُصَرّفُ الآيات  أي مثلَ ذلك التصريفِ البديعِ نصرِّف الآياتِ الدالةَ على المعاني الرائقةِ الكاشفةِ عن الحقائق الفائقةِ لا تصريفاً أدنى منه، وقوله تعالى : وَلِيَقُولُوا دَرَسْتَ  علةٌ لفعل قد حذف تعويلاً على دلالة السياقِ عليه، أو وليقولوا درست نفعلُ ما نفعل من التصريفِ المذكورِ، واللامُ للعاقبة، والواو اعتراضيةٌ وقيل : هي عاطفةٌ على علة محذوفةٍ واللام متعلقةٌ بنُصرِّف أي مثلَ ذلك التصريفِ نصرِّف الآياتِ لنُلزِمَهم الحجةَ وليقولوا الخ، وقيل : اللام لامُ الأمرِ، وتنصُره القراءةُ بسكون اللامِ كأنه قيل : وكذلك نصرف الآياتِ وليقولوا هم ما يقولون فإنه لا احتفالَ بهم ولا اعتدادَ بقولهم، وهذا أمرٌ معناه الوعيدُ والتهديدُ وعدمُ الاكتراثِ بقولهم ورُدَّ عليه بأن ما بعده يأباه، ومعنى درست قرأتَ وتعلمتَ، وقُرئ دارسْتَ أي دارستَ العلماءَ، ودَرَسَتْ أي تقدمت هذه الآياتُ وعفَت كما قالوا أساطيرُ الأولين ودَرُسَت بضم الراءِ مبالغةً في درَست أي اشتد دروسُها ودُرست على البناء للمفعول بمعنى قُرئت أو عُفِيت ودارَسَتْ وفسروها بدارست اليهودُ محمداً صلى الله عليه وسلم. وجاز الإضمارُ لاشتهارهم بالدراسة، وقد جُوز إسنادُ الفعل إلى الآيات وهو في الحقيقة لأهلها أي دارسَ أهلُ الآيات وحَمَلتُها محمداً صلى الله عليه وسلم وهم أهلُ الكتاب ودرَسَ أي درَسَ محمدٌ ودارِسات أي هي دارساتٌ أي قديمات أو ذاتُ دَرْسٍ كعيشة راضية وقوله تعالى : وَلِنُبَيّنَهُ  عطفٌ على ليقولوا واللام على الأصل لأن التبيينَ غايةُ التصريفِ، والضميرُ للآيات باعتبار المعنى أو للقرآن وإن لم يُذكر، أو للمصدر أي ولِنفعلَ التبيينَ، واللامُ في قوله تعالى : لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ  متعلقةٌ بالتبيين، وتخصيصُه بهم لما أنهم المنتفِعون به، قال ابن عباس : هم أولياؤُه الذين هداهم إلى سبيل الرشادِ، ووصفُهم بالعلم للإيذان بغاية جهلِ الأولين وخلوِّهم عن العلم بالمرة.

### الآية 6:106

> ﻿اتَّبِعْ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ ۖ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ۖ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ [6:106]

اتّبِع مَا أُوحِي إِلَيْكَ مِن رَبّكَ  لما حُكي عن المشركين قدحُهم في تصريف الآياتِ عُقِّب ذلك بأمره عليه السلام بالثبات على ما هو عليه وبعدم الاعتدادِ بهم وبأباطيلهم، أي دُمْ على ما أنت عليه من اتباع ما أوحي إليك من الشرائع والأحكامِ التي عُمدتُها التوحيدُ، وفي التعرّض لعنوان الربوبيةِ مع الإضافة إلى ضميره عليه السلام من إظهار اللطفِ به ما لا يخفى، وقوله تعالى : لاَ إله إِلاَّ هُوَ  اعتراضٌ بين الأمرين المتعاطفَين مؤكِّدٌ لإيجاب اتباعِ الوحي لاسيما في أمر التوحيدِ، وقد جُوز أن يكون حالاً من ربك أي منفرداً في الألوهية  وَأَعْرِضْ عَنِ المشركين  لا تحتفِلْ بهم وبأقاويلهم الباطلةِ التي من جملتها ما حُكي عنهم آنفاً. ومن جعله منسوخاً بآية السيفِ حَمل الإعراضَ على ما يعُمّ الكفَّ عنهم.

### الآية 6:107

> ﻿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكُوا ۗ وَمَا جَعَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا ۖ وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ [6:107]

وَلَوْ شَاء الله  أي عدمَ إشراكِهم حسبما هو القاعدةُ المستمرةُ في حذف مفعولِ المشيئةِ من وقوعها شرطاً وكونِ مفعولها مضمونَ الجزاء  مَا أَشْرَكُوا  وهذا دليلٌ على أنه تعالى لا يريد إيمانَ الكافرِ لكنْ لا بمعنى أنه تعالى يمنعُه عنه مِنْ توجّهِه إليه بل بمعنى أنه تعالى لا يريده منه لعدم صرفِ اختيارِه الجزئيِّ نحوَ الإيمان، وإصرارِه على الكفر، والجملةُ اعتراضٌ مؤكد للإعراض وكذا قولُه تعالى : وَمَا جعلناك عَلَيْهِمْ حَفِيظاً  أي رقيباً مهيمناً مِنْ قِبلنا تحفظ عليهم أعمالَهم، وكذا قولُه تعالى : وَمَا أَنتَ عَلَيْهِم بِوَكِيلٍ  من جهتهم تقوم بأمورهم وتدبر مصالِحَهم، وعليهم في الموضعين متعلقٌ بما بعده، قُدِّم عليه للاهتمام أو لرعاية الفواصل.

### الآية 6:108

> ﻿وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ ۗ كَذَٰلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّهِمْ مَرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [6:108]

وَلاَ تَسُبُّوا الذين يَدْعُونَ مِن دُونِ الله  أي لا تشتُموهم من حيث عبادتُهم لآلهتهم كأن تقولوا : تباً لكم ولما تعبُدونه مثلاً  فَيَسُبُّوا الله عَدْواً  تجاوزاً عن الحق إلى الباطل بأن يقولوا لكم مثلَ قولِكم لهم  بِغَيْرِ عِلْمٍ  أي بجهالة بالله تعالى وبما يجب أن يُذكَرَ به، وقرئ عُدُوّاً يقال : عدا يعدو عَدْواً وعُدُوّاً وعِداء وعُدْواناً. روي أنهم قالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم عند نزول قوله تعالى : إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ الله حَصَبُ جَهَنَّمَ  \[ الأنبياء، الآية ٩٨ \] : لتنتهِيَنَّ عن سب آلهتِنا أو لنهجُوَنّ إلهك. وقيل : كان المسلمون يسبّونهم فنُهوا عن ذلك لئلا يستتبِعَ سبُّهم سبَّه سبحانه وتعالى، وفيه أن الطاعةَ إذا أدتْ إلى معصية راجحةٍ وجب تركُها فإن ما يؤدي إلى الشر شرٌّ.  كذلك  أي مثلَ ذلك التزيينِ القويِّ  زَيَّنَّا لِكُلّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ  من الخير والشر بإحداث ما يُمكّنهم منه ويحمِلُهم عليه توفيقاً أو تخذيلاً، ويجوز أن يُراد بكل أمة أممُ الكفرةِ إذ الكلامُ فيهم وبعملهم شرُّهم وفسادُهم، والمشبَّه به تزيينُ سبِّ الله تعالى لهم  ثُمَّ إلى رَبّهِمْ  مالك أمرِهم  مَرْجِعُهُمْ  أي رجوعُهم وهو البعثُ بعد الموت  فَيُنَبّئُهُمْ  من غير تأخير  بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ  في الدنيا على الاستمرار من السيئات المزيَّنةِ لهم، وهو وعيدٌ بالجزاء والعذاب، كقول الرجل لمن يتوعدُه : سأُخبرُك بما فعلت، وفيه نكتةٌ سِرّية مبنيةٌ على حِكمة أبيّةٍ، وهو أن كلَّ ما يظهر في هذه النشأةِ من الأعيان والأعراضِ فإنما يظهر بصورة مستعارةٍ مخالفةٍ لصورته الحقيقية التي بها يظهر في النشأة الآخرة، فإن المعاصيَ سمومٌ قاتلةٌ قد برزت في الدنيا بصورةٍ ما تستحسنها نفوسُ العصاة، كما نطقت به هذه الآيةُ الكريمة، وكذا الطاعاتُ فإنها مع كونها أحسنَ الأحاسنِ قد ظهرت عندهم بصورة مكروهةٍ، ولذلك قال عليه السلام :**«حُفَّت الجنَّةُ بالمكارِهِ وحَفَّتِ النارُ بالشهواتِ »** فأعمال الكفرةِ قد برزت لهم في النشأة بصورة مزيَّنةٍ يستحسنها الغُواةُ ويستحبّها الطغاةُ، وستظهر في النشأة الآخرةِ بصورتها الحقيقيةِ المنكرةِ الهائلةِ فعند ذلك يعرِفون أن أعمالهم ماذا فعبر عن إظهارها بصورها الحقيقية بالإخبار بها لما أن كلاًّ منهما سبب للعلم بحقيقتها كما هي.

### الآية 6:109

> ﻿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ جَاءَتْهُمْ آيَةٌ لَيُؤْمِنُنَّ بِهَا ۚ قُلْ إِنَّمَا الْآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ ۖ وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَا إِذَا جَاءَتْ لَا يُؤْمِنُونَ [6:109]

فلْيُتدبر قوله تعالى : وَأَقْسَمُوا بالله  روي أن قريشاً اقترحوا بعضَ آيات، فقال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم :**«فإن فعلتُ بعضَ ما تقولون أتصدّقونني ؟ »** فقالوا : نعم، وأقسموا لئن فعلتَه ليؤمِنُنّ جميعاً فسأل المسلمون رسولَ الله صلى الله عليه وسلم أن ينزلها طمعاً في إيمانهم فهمّ عليه الصلاة والسلام بالدعاء فنزلت وقوله تعالى : جَهْدَ أيمانهم  مصدرٌ في موقع الحال أي أقسموا به تعالى جاهدين في أيمانهم  لَئِن جَاءتْهُمْ آيَةٌ  من مقترحاتهم أو من جنس الآياتِ وهو الأنسبُ بحالهم في المكابرة والعناد وترامي أمرِهم في العتو والفساد، حيث كانوا لا يعُدّون ما يشاهدونه من المعجزات الباهرةِ من جنس الآيات  لَيُؤْمِنُنَّ بِهَا  وما كان مَرْمى غرضِهم في ذلك إلا التحكمَ على رسول الله صلى الله عليه وسلم في طلب المعجزةِ وعدم الاعتدادِ بما شاهدوا منه من البينات الحقيقةِ بأن تُقطعَ بها الأرض وتُسيَّر بها الجبالُ  قُلْ إِنَّمَا الآيات  أي كلُّها، فيدخُل فيها ما اقترحوه دخولاً أولياً  عَندَ الله  أي أمرُها في حُكمه وقضائِه خاصةً يتصرف فيها حسبَ مشيئتِه المبنيَّةِ على الحِكَم البالغةِ لا تتعلق بها ولا بشأن من شؤونها قُدرةُ أحدٍ ولا مشيئتُه لا استقلالاً ولا اشتراكاً بوجه من الوجوه حتى يُمكِنَني أن أتصدّى لاستنزالها بالاستدعاء. وهذا كما ترى سدٌّ لباب الاقتراحِ على أبلغ وجهٍ وأحسنِه ببيان علوِّ شأن الآياتِ وصعوبةِ منالِها وتعاليها من أن تكون عُرضةً للسؤال والاقتراحِ، وأما ما قيل من أن المعنى إنما الآياتُ عند الله تعالى لا عندي فكيف أُجيبكم إليها أو آتيكم بها وهو القادِرُ عليها لا أنا حتى آتِيَكم بها فلا مناسبةَ له بالمقام كيف لا وليس مقترَحُهم مجيئها بغير قدرةِ الله تعالى وإرادتِه حتى يجابوا بذلك وقوله تعالى : وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَا إِذَا جَاءتْ لاَ يُؤْمِنُونَ  كلامٌ مستأنفٌ غيرُ داخلٍ تحت الأمرِ مَسوقٌ من جهته تعالى لبيان الحكمةِ الداعيةِ إلى ما أشعر به الجوابُ السابقُ من عدم مجيءِ الآياتِ خوطب به المسلمون إما خاصةً بطريق التلوينِ لمّا كانوا راغبين في نزولها طمعاً في إسلامهم، وإما معه عليه الصلاة والسلام بطريق التعميم لما روي عنه صلى الله عليه وسلم من الهم بالدعاء. وقد بُيّن فيه أن أيْمانَهم فاجرةٌ وإيمانُهم مما لا يدخل تحت الوجودِ وإن أجيب إلى ما سألوه. و( ما ) استفهاميةٌ إنكاريةٌ لكن لا على أن مرجِعَ الإنكارِ هو وقوعُ المشعَرِ به بل هو نفسُ الإشعارِ مع تحقق المشعَرِ به في نفسه. أي وأيُّ شيءٍ يُعلِمُكم أن الآيةَ التي يقترحونها إذا جاءت لا يؤمنون بل يبقَوْن على ما كانوا عليه من الكفر والعِناد أي لا تعلمون ذلك فتتمنّون مجيئها طمعاً في إيمانهم فكأنه بسطُ عذرٍ من جهة المسلمين في تمنيهم نزولَ الآياتِ، وقيل :( لا ) مزيدةٌ فيتوجه الإنكارُ إلى الإشعار به جميعاً، أي أيُّ شيءٍ يعلمكم إيمانَهم عند مجيءِ الآياتِ حتى تتمنَّوا مجيئها طمعاً في إيمانهم ؟ فيكونُ تخطئةً لرأي المسلمين، وقيل :( أنّ ) بمعنى لعل، يقال : ادخُل السوقَ أنك تشتري اللحمَ وعنك وعلّك ولعلك كلُّها بمعنى، ويؤيده أنه قرئ لعلها إذا جاءت لا يؤمنون على أن الكلامَ قد تمّ قبله، والمفعولُ الثاني ليُشعرَكم محذوفٌ كما في قوله تعالى : وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يزَكّى  \[ عبس، الآية ٣ \] والجملة استئنافٌ لتعليل الإنكار وتقريرِه، أي أيُّ شيءٍ يعلمكم حالَهم وما سيكون عند مجيءِ الآياتِ لعلها إذا جاءت لا يؤمنون بها فما لكم تتمنَّوْن مجيئها ؟ فإن تمنِّيَهم إنما يليق بما إذا كان إيمانُهم بها محقَّقَ الوجودِ عند مجيئِها لا مرجوَّ العدم. وقرئ إنها بالكسر على أنه استئنافٌ حسبما سبق مع زيادة تحقيقٍ لعدم إيمانِهم وقرئ لا تؤمنون بالفوقانية، فالخطابُ في وما يشعركم للمشركين وقرئ وما يشعرهم أنها إذا جاءتهم لا يؤمنون، فمرجِعُ الإنكارِ إقدامُ المشركين على الإقسام المذكورِ مع جهلهم بحال قلوبِهم عند مجيءِ الآياتِ وبكونها حينئذٍ كما هي الآن.

### الآية 6:110

> ﻿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ [6:110]

وَنُقَلّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وأبصارهم  عطفٌ على لا يؤمنون داخلٌ في حكم ما يشعركم مقيدٌ بما قيد به أي وما يُشعرُكم أنا نقلّب أفئدتَهم عن إدراك الحقِّ فلا يفقهونه وأبصارَهم عن اجتلائه فلا يُبصرونه لكن لا مَعَ توجهها إليه واستعدادِها لقبوله بل لكمال نُبوِّها عنه وإعراضِها بالكلية ولذلك أخِّر ذكرُه عن ذكر عدمِ إيمانِهم إشعاراً بأصالتهم في الكفر وحسماً لتوهُّم أن عدم إيمانِهم ناشيء من تقليبه تعالى مشاعرَهم بطريق الإجبار  كَمَا لَوْ يُؤْمِنُوا بِهِ  أي بما جاء من الآيات  أَوَّلَ مَرَّةٍ  أي عند ورودِ الآياتِ السابقةِ، والكافُ في محل النصبِ على أنه نعتٌ لمصدر محذوفٍ منصوبٌ بلا يؤمنون وما مصدريةٌ أي لا يؤمنون بل يكفرون كفراً كائناً ككفرهم أولَ مرةٍ، وتوسيطُ تقليبِ الأفئدةِ والأبصارِ بينهما لأنه من متمّمات عدمِ إيمانهم  وَنَذَرُهُمْ  عطفٌ على لا يؤمنون داخلٌ في حكم الاستفهامِ الإنكاريِّ مقيّدٌ بما قيد به مبيِّنٌ لما هو المرادُ بتقليب الأفئدةِ والأبصار، ومعْرِبٌ عن حقيقته بأنه ليس على ظاهره بأن يُقلِّب الله سبحانه مشاعِرَهم عن الحق مع توجههم إليه واستعدادِهم له بطريق الإجبارِ بل بأن يُخلِّيَهم وشأنَهم بعد ما عُلم فسادُ استعدادِهم وفرطُ نفورِهم عن الحق، وعدمُ تأثيرِ اللطفِ فيهم أصلاً، ويطبَعُ على قلوبهم حسبما يقتضيه استعدادُهم كما أشرنا إليه، وقوله تعالى : فِي طغيانهم  متعلِّقٌ بنذرهم، وقوله تعالى : يَعْمَهُونَ  حالٌ من الضمير المنصوبِ في نذرهم أي ندعُهم في طغيانهم متحيِّرين لا نهديهم هدايةَ المؤمنين، أو مفعولٌ ثانٍ لنذرُهم أي نصيِّرهم عامِهين وقرئ يُقلِّب ويَذَرُ بالياء على إسنادهما إلى ضمير الجلالةِ وقرئ تُقلَّبُ بالتاء والبناءِ للمفعول على إسناده إلى أفئدتهم.

### الآية 6:111

> ﻿۞ وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَىٰ وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ [6:111]

وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الملائكة  تصريحٌ بما أشعَرَ به قولُه عز وجل : وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَا إِذَا جَاءتْ لاَ يُؤْمِنُونَ  \[ الأنعام، الآية ١٠٩ \] من الحكمة الداعيةِ إلى ترك الإجابةِ إلى ما اقترحوه من الآيات إثرَ بيانِ أنها في حُكمه وقضائه المبنيِّ على الحِكَم البالغةِ لا مدخلَ لأحد في أمرها بوجه من الوجوه، وبيانٌ لكذبهم في أيْمانهم الفاجرةِ على أبلغِ وجهٍ وآكَدِه أي ولو أننا لم نقتصِرْ على إيتاء ما اقترحوه هاهنا من آية واحدةٍ من الآيات بل نزلنا إليهم الملائكةَ كما سألوه بقولهم : لَوْلاَ أُنزِلَ عَلَيْنَا الملائكة  \[ الفرقان، الآية ٢١ \] وقولِهم : لَوْ مَا تَأْتِينَا بالملائكة  \[ الحجر، الآية ٧ \]  وَكَلَّمَهُمُ الموتى  وشهدوا بحقية الإيمانِ بعد أن أحييناهم حسبما اقترحوه بقولهم : فأتوا بآبائنا  وَحَشَرْنَا  أي جمعنا  عَلَيْهِمْ كُلَّ شيء قُبُلاً  بضمتين وقرئ بسكون الباء أي كُفلاءَ الأمرِ وصدقِ النبي صلى الله عليه وسلم، على أنه جمعُ قَبيل بمعنى الكفيل كرغيف ورُغُف وقضيب وقُضُب وهو الأنسب بقوله تعالى : أَوْ تَأْتِي بالله والملئكة قَبِيلاً  \[ الإسراء، الآية ٩٢ \] أي لو لم نقتصِرْ على ما اقترحوه بل زدنا على ذلك بأن أحضرنا لديهم كلَّ شيءٍ يتأتّى منه الكفالةُ والشهادةُ بما ذُكر لا فرادى بل بطريق المعيةِ. أو جماعاتٍ على أنه جمعُ قَبيلٍ وهو جمعُ قبيلة، وهو الأوفق لعموم كلِّ شيءٍ وشمولِه للأنواع والأصنافِ أي حشرنا كلَّ شيء نوعاً نوعاً وصنفاً صنفاً وفوجاً فوجاً، وانتصابُه على الحالية وجمعيتُه باعتبار الكل المجموعيِّ اللازمِ للكل الإفراديِّ أو مقابلةً وعِياناً على أنه مصدرٌ كقِبَلا، وقد قرئ كذلك، وانتصابُه على الوجهين على أنه مصدرٌ في موقع الحالِ، وقد نقل عن المبرِّد وجماعةٍ من أهل اللغة أن الأخيرَ بمعنى الجهة كما في قولك : لي قِبَلَ فلانٍ حقٌّ، وأن انتصابَه على الظرفية  مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا  أي ما صح وما استقام لهم الإيمانُ لتماديهم في العصيان وغلوِّهم في التمرد والطُّغيانِ، وأما ما سبق القضاءُ عليهم بالكفر فمن الأحكامِ المترتبةِ على ذلك حسبما ينبئ عنه قولُه عز وجل : وَنَذَرُهُمْ في طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ  \[ الأنعام، الآية ١١٠ \] وقوله تعالى : إِلاَّ أَن يَشَاء الله  استثناءٌ مفرَّغٌ من أعم الأحوالِ، والالتفاتُ إلى الاسم الجليل لتربية المهابةِ وإدخالِ الروعة، أي ما كانوا ليؤمنوا بعد اجتماعِ ما ذكر من الأمورِ الموجبةِ للإيمان في حال من الأحوال الداعيةِ إليه المتمِّمة لموجباته المذكورةِ إلا في حال مشيئتِه تعالى لإيمانهم أو من أعمّ العللِ أي ما كانوا ليؤمنوا لعلة من العلل المعدودةِ وغيرِها إلا لمشيئته تعالى له، وأياً ما كان فليس المرادُ بالاستثناء بيانَ أن إيمانَهم على خطر الوقوعِ بناءً على كون مشيئتِه تعالى أيضاً كذلك بل بيانَ استحالةِ وقوعِه بناءً على استحالة وقوعِها كأنه قيل : ما كانوا ليؤمنوا إلا أن يشاء الله وهيهاتَ ذلك وحالُهم حالُهم بدليل ما سبق من قوله تعالى : وَنُقَلّبُ أَفْئِدَتَهُمْ  \[ الأنعام، الآية ١١٠ \]، كيف لا وقولُه عز وجل : ولكن أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ  استدراكٌ من مضمون الشرطيةِ بعد ورودِ الاستثناءِ لا قبله، ولا ريبَ في أن الذي يجهلونه سواءٌ أريد بهم المسلمون وهو الظاهرُ، أو المُقسِمون ليس عدمَ إيمانِهم بلا مشيئة الله تعالى كما هو اللازمُ من حمل النظمِ الكريمِ على المعنى الأولِ فإنه ليس مما يعتقده الأولون ولا مما يدّعيه الآخَرون بل إنما هو عدمُ إيمانهم لعدم مشيئتِه إيمانَهم ومرجعُه إلى جهلهم بعدم مشيئتِه إياه فالمعنى أن حالَهم كما شُرح ولكن أكثر المسلمين يجهلون عدمَ إيمانِهم عند مجيءِ الآياتِ لجهلهم عدمَ مشيئتِه تعالى لإيمانهم فيتمنَّوْن مجيئَها طمعاً فيما لا يكون. فالجملةُ مقرِّرةٌ لمضمون قوله تعالى : وَمَا يشعركم  \[ الأنعام، الآية ١٠٩ \] الخ، على القراءة المشهورة، أو ولكن أكثرَ المشركين يجهلون عدمَ إيمانِهم عند مجيء الآيات لجهلهم عدم مشيئته تعالى لإيمائهم حينئذ فيقسمون بالله جهد أيمانهم على ما لا يكاد يكونُ، فالجملةُ على القراءة السابقةِ بيانٌ مبتدأٌ لمنشأ خطأ المقسِمين ومناطِ إقسامهم وتقريرٌ له على قراءة لا تؤمنون بالتاء الفوقانية وكذا على قراءة  وَمَا يشعرهم أنها إذا جاءتهم لا يؤمنون .

### الآية 6:112

> ﻿وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا ۚ وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ ۖ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ [6:112]

وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلّ نبيّ عَدُوّاً  كلامٌ مبتدأٌ مسوقٌ لتسلية رسولِ الله صلى الله عليه وسلم عما كان يشاهده من عداوة قريشٍ له عليه الصلاة والسلام وما بنَوْا عليها مما لا خير فيه من الأقاويل والأفاعيلِ ببيان أن ذلك ليس مختصاً بك بل هو أمرٌ ابتُليَ به كلُّ من سبَقك من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، ومحلُّ الكاف النصبُ على أنه نعتٌ لمصدر محذوفٍ أشير إليه بذلك منصوبٌ بفعله المحذوفِ مؤكدٌ لما بعده وذلك إشارةٌ إلى ما يفهم مما قبله أي جعلنا لكل نبيٍّ عدواً والتقديمُ على الفعل المذكورِ للقصر المفيدِ للمبالغة أي مثلَ ذلك الجعلِ الذي جعلنا في حقك لك عدواً يُضادُّونك ويضارُّونك ولا يؤمنون ويبغونك الغوائلَ ويدبّرون في إبطال أمرِك مكايدَ جعلنا لكل نبيَ تقدمَك عدواً فعلوا بهم ما فعل بك أعداؤُك لا جعلاً أنقصَ منه. وفيه دليلٌ على أن عداوةَ الكفرةِ للأنبياء عليهم السلام بخلقه تعالى للابتلاء  شياطين الإنس والجن  أي مَرَدةَ الفريقين على أن الإضافة بمعنى مِنْ البيانية، وقيل : هي إضافةُ الصفةِ إلى الموصوف والأصلُ الإنسُ والجنُّ والشياطينُ، وقيل : هي بمعنى اللام أي الشياطين التي للإنس والتي للجن، وهو بدلٌ من عدواً والجعلُ متعدٍّ إلى واحد أو إلى اثنين وهو أولُ مفعوليْه قُدِّم عليه الثاني مسارعةً إلى بيان العداوةِ، واللام على التقديرين متعلقةٌ بالجعل أو بمحذوف هو حالٌ من عدواً، وقوله تعالى : يُوحِي بَعْضُهُمْ إلى بَعْضٍ  كلامٌ مستأنفٌ مَسوقٌ لبيان أحكامِ عداوتِهم، وتحقيقُ وجهِ الشبهِ بين المشبهِ والمشبَّه به، أو حالٌ من الشياطين أو نعتٌ لعدواً، وجمعُ الضميرِ باعتبار المعنى فإنه عبارةٌ عن الأعداء كما في قوله :\[ الطويل \]إذا أنا لم أنفعْ صديقي بودّه  فإن عدوِّي لم يضُرَّهمو بغضيوالوحيُ عبارةٌ عن الإيماء والقول السريعِ، أي يُلقي ويوسوس شياطينُ الجنِّ إلى شياطينِ الإنسِ، أو بعضُ كلٍّ من الفريقين إلى بعض آخَرَ  زُخْرُفَ القول  أي المموَّهَ منه المزيَّنَ ظاهرُه الباطلَ باطنُه. من زَخْرفه إذا زيّنه.  غُرُوراً  مفعول له ليوحي أي ليغُرّوهم، أو مصدرٌ في موقع الحال أي غارّين أو مصدرٌ مؤكد لفعل مقدرٍ هو حال من فاعل يوحي أي يغرُّون غروراً  وَلَوْ شَاء رَبُّكَ  رجوعٌ إلى بيان الشؤونِ الجاريةِ بينه صلى الله عليه وسلم وبين قومِه المفهومةِ من حكاية ما جرى بين الأنبياءِ عليهم السلام وبين أُممِهم كما ينبئ عنه الالتفاتُ، والتعرُّضُ لوصف الربوبيةِ مع الإضافة إلى ضميره صلى الله عليه وسلم المُعرِبة عن كمال اللطفِ في التسلية أي ولو شاء ربُّك عدمَ الأمورِ المذكورةِ لا إيمانَهم كما قيل فإن القاعدةَ المستمرةَ أن مفعولَ المشيئةِ إنما يحذف عند وقوعِها شرطاً وكونِ مفعولِها مضمونَ الجزاءِ وهو قوله تعالى : ما فَعَلُوهُ  أي ما فعلوا ما ذكر من عداوتك، وإيحاءِ بعضهم إلى بعض مزخرفاتِ الأقاويلِ الباطلةِ المتعلقةِ بأمرك خاصة لا بما يعمّه وأمورَ الأنبياءِ عليهم السلام أيضاً كما قيل فإن قوله تعالى : فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ  صريحٌ في أن المرادَ بهم الكفرةُ المعاصِرون له عليه الصلاة والسلام أي إذا كان ما فعلوه من أحكام عداوتِك من فنون المفاسد بمشيئته تعالى فاترُكْهم وافتراءَهم أو ما يفترونه من أنواع المكايدِ فإن لهم في ذلك عقوباتٍ شديدةً ولك عواقبُ حميدةٌ لابتناء مشيئتِه تعالى على الحِكَم البالغة البتة.

### الآية 6:113

> ﻿وَلِتَصْغَىٰ إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُوا مَا هُمْ مُقْتَرِفُونَ [6:113]

ولتَصغى إِلَيْهِ  أي إلى زُخرُفِ القولِ وهو على الوجه الأولِ علة أخرى للإيحاء معطوفةٌ على غروراً وما بينهما اعتراضٌ وإنما لم ينصَبْ لفقد شرطِه إذ الغرورُ فعلُ الموحي وصغْوُ الأفئدةِ فعلُ الموحى إليه أي يوحي بعضُهم إلى بعض زُخْرفَ القولِ ليغرِّرَهم به ولتميل إليه  أَفْئِدَةُ الذين لاَ يُؤْمِنُونَ بالآخرة  إنما خصَّ بالذكر عدمُ إيمانِهم بالآخرة دون ما عداها من الأمور التي يجب الإيمانُ بها وهم بها كافرون إشعاراً بما هو المدارُ في صغْو أفئدتِهم إلى ما يلقى إليهم، فإن لذّاتِ الآخرةِ محفوفةٌ في هذه النشأةِ بالمكاره، وآلامُها مزينةٌ بالشهوات فالذين لا يؤمنون بها وبأحوال ما فيها لا يدرون أن وراءَ تلك المكارهِ لذّاتٍ ودون هذه الشهواتِ آلاماً وإنما ينظُرون إلى ما بدا لهم في الدنيا بادئ الرأي فهم مضطرون إلى حبّ الشهواتِ التي من جملتها مزخْرَفاتُ الأقاويلِ ومُموَّهاتُ الأباطيل وأما المؤمنون بها فحيث كانوا واقفين على حقيقة الحالِ ناظرين إلى عواقب الأمورِ لم يُتصوَّر منهم الميلُ إلى تلك المزخرَفاتِ لعلمهم ببطلانها ووخامة عاقبتِها. وأما على الوجهين الأخيرين فهو علةٌ لفعل محذوف يدل عليه المقامُ أي ولكون ذلك جعلنا ما جعلنا، والمعتزلةُ جعلوا اللامَ لامَ العاقبةِ أو لام القسَم أو لامَ الأمر وضعفُه في غاية الظهور  وَلِيَرْضَوْهُ  لأنفسهم بعد ما مالت إليه أفئدتهم  وَلِيَقْتَرِفُوا  أي يكتسبوا بوجب ارتضائِهم له  مَا هُم مُقْتَرِفُونَ  له من القبائح التي لا يليق ذكرُها.

### الآية 6:114

> ﻿أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلًا ۚ وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ ۖ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ [6:114]

أَفَغَيْرَ الله أَبْتَغِي حَكَماً  كلامٌ مستأنفٌ واردٌ على إرادة القولِ، والهمزةُ للإنكار والفاء للعطف على مقدر يقتضيه الكلامُ أي قل لهم : أأمِيلُ إلى زخارف الشياطينِ فأبتغيَ حكماً غيرَ الله يحكمُ بيننا ويفصل المحِقَّ منا من المبْطِل ؟ وقيل : إن مشركي قريش قالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم : اجعلْ بيننا وبينك حكَماً من أحبار اليهود أو من أساقفة النصارى ليخبرَنا عنك بما في كتابهم من أمرك فنزلت. وإسنادُ الابتغاءِ المنكرِ إلى نفسه صلى الله عليه وسلم لا إلى المشركين كما في قوله تعالى : أَفَغَيْرَ دِينِ الله يَبْغُونَ  \[ آل عمران، الآية ٨٣ \] مع أنهم الباغون لإظهار كمالِ النَّصَفةِ أو لمراعاة قولِهم : اجعلْ بيننا وبينك حكماً. وغيرَ إما مفعولُ أبتغي وحكَماً حالٌ منه وإما بالعكس، وأياً ما كان فتقديمُه على الفعل الذي هو المعطوفُ بالفاء حقيقةً كما أشير إليه للإيذان بأن مدارَ الإنكارِ هو ابتغاءُ غيرِه تعالى حكماً لا مطلقُ الابتغاء. وقيل : حكماً تمييزٌ لما في ( غيرَ ) من الإبهام كقولهم : إن لنا غيرَها إبلاً. قالوا : الحكَمُ أبلغُ من الحاكمِ وأدلُّ على الرسوخ لما أنه لا يُطلق إلا على العادل وعلى مَنْ تكرَّر منه الحكمُ بخلاف الحاكم وقوله تعالى : وَهُوَ الذي أَنَزَلَ إِلَيْكُمُ الكتاب  جملةٌ حاليةٌ مؤكدةٌ لإنكار ابتغاءِ غيرِه تعالى حكماً، ونسبةُ الإنزالِ إليهم خاصةً مع أن مقتضى المقامِ إظهارُ تساوي نسبتِه إلى المتحاكِمَيْن لاستمالتهم نحوَ المُنْزَل واستنزالِهم إلى قبول حكمِه بإيهام قوةِ نسبتِه إليهم، أي أغيرَه تعالى أبتغي حكَماً والحالُ أنه هو الذي أنزلَ إليكم، وأنتم أمةٌ أمِّية لا تدرون ما تأتون وما تذرون فإن القرآنَ الناطقَ بالحق والصوابِ الحقيقُ بأن يُخَصَّ به اسمُ الكتاب  مُفَصَّلاً  أي مبيناً فيه الحقُّ والباطلُ والحلالُ والحرام وغيرُ ذلك من الأحكام بحيث لم يبْقَ في أمور الدينِ شيءٌ من التخليط والإبهامِ فأيُّ حاجة بعد ذلك إلى الحَكَم ؟ وهذا كما ترى صريحٌ في أن القرآنَ الكريمَ كافٍ في أمر الدينِ مغنٍ عن غيره ببيانه وتفصيلِه وأما أن يكون لإعجازه دخْلٌ في ذلك كما قيل فلا، وقوله تعالى : والذين آتيناهم الكتاب يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ من رَّبّكَ بالحق  كلامٌ مستأنفٌ غيرُ داخلٍ تحت القولِ المقدَّر مَسوقٌ من جهته سبحانه لتحقيق حقِّيةِ الكتابِ الذي نيط به أمرُ الحَكَمية وتقريرِ كونِه منزلاً من عنده عز وجل ببيان أن الذين وثِقوا بهم ورضوا بحَكَميّتهم حسبما نُقل آنفاً من علماء اليهودِ والنصارى عالمون بحقيته ونزولِه من عنده تعالى، وفي التعبير عن التوراة والإنجيلِ باسم الكتابِ إيماءٌ إلى ما بينهما وبين القرآنِ من المجانسة المقتضيةِ للاشتراك في الحقية والنزولِ من عنده تعالى مع ما فيه من الإيجاز، وإيرادُ الطائفتين بعنوان إيتاءِ الكتابِ للإيذان بأنهم علِموه من جهة كتابِهم حيث وجدوه حسبما نُعت فيه وعاينوه موافِقاً له في الأصول وما لا يُختلف من الفروع ومُخبِراً عن أمور لا طريقَ إلى معرفتها سوى الوحي. والمرادُ بالموصول إما علماءُ الفريقين وهو الظاهرُ فالإيتاءُ هو التفهيمُ بالفعل وإما الكلُّ وهم داخلون فيه دخولاً أولياً فهو أعمُّ مما ذكر من التفهيم بالقوة، ولا ريب في أن الكل متمكنون من ذلك، وقيل : المرادُ مؤمنوا أهلِ الكتاب، وقرئ مُنْزلٌ من الإنزال، والتعرضُ لعنوان الربوبيةِ مع الإضافة إلى ضميره صلى الله عليه وسلم لتشريفه عليه الصلاة والسلام، والباءُ في قوله تعالى بالحق متعلقٌ بمحذوف وقع حالاً من الضمير المستكنّ في مُنزّلٌ أي ملتبساً بالحق.  فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الممترين  أي في أنهم يعلمون ذلك لما لا تشاهِد منهم آثارَ العلم وأحكام المعرفة، فالفاء لترتيب النهي على الإخبار بعلم أهل الكتاب بشأن القرآنِ أو في أنه منزلٌ من ربك بالحق فيكونُ من باب التهييجِ والإلهابِ كقوله تعالى : وَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ المشركين  \[ الأنعام، الآية ١٤ \] وقيل : الخطابُ في الحقيقة للأمة وإن كان له صلى الله عليه وسلم صورةً، وقيل : الخطابُ لكل أحدٍ على معنى أن الأدلةَ قد تعاضدت وتظاهرت فلا ينبغي لأحد أن يمتريَ فيه، والفاءُ على هذه الوجوهِ لترتيب النهي على نفس علمِهم بحال القرآن.

### الآية 6:115

> ﻿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا ۚ لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ ۚ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ [6:115]

وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبّكَ  شروعٌ في بيان كمالِ الكتابِ المذكورِ من حيث ذاتُه إثرَ بيانِ كمالِه من حيث إضافتُه إليه تعالى بكونه منزلاً منه بالحق، وتحقيقُ ذلك بعلم أهلِ الكتاب به، وإنما عبر عنه بالكلمة لأنها الأصلُ في الاتصاف بالصدق والعدلِ وبها تظهر الآثارُ من الحكم، وقرئ كلماتُ ربك  صِدْقاً وَعَدْلاً  مصدران نصبا على الحال وقيل : على التمييز وقيل : على العلة وقوله تعالى : لاَ مُبَدّلَ لكلماته  إما استئنافٌ مبينٌ لفضلها على غيرها إثرَ بيانِ فضلِها في نفسها، وإما حالٌ أخرى من فاعل تمت على أن الظاهرَ مغنٍ عن الضمير الرابطِ، والمعنى أنها بلغت الغايةَ القاصيةَ صدقاً في الإخبار والمواعيدِ وعدلاً في الأقضية والأحكامِ لا أحدَ يبدل شيئاً من ذلك بما هو أصدقُ وأعدلُ ولا بما هو مثلُه فكيف يُتصوّر ابتغاءُ حكمٍ غيرِه تعالى  وَهُوَ السميع  لكل ما يتعلق به السمع  العليم  بكل ما يمكن أن يُعلم فيدخُلُ في ذلك أقوالُ المتحاكمين وأحوالُهم الظاهرةُ والباطنةُ دخولاً أولياً، هذا وقد قيل : المعنى لا أحدَ يقدِر على أن يحرِّفها كما فُعل بالتوراة، فيكونُ ضماناً لها من الله عز وجل بالحفظ كقوله تعالى : إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذكر وَإِنَّا لَهُ لحافظون  \[ الحجر، الآية ٩ \] أو لا نبيَّ ولا كتابَ بعدها ينسخها.

### الآية 6:116

> ﻿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ۚ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ [6:116]

وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن في الأرض  لما تحقق اختصاصُه تعالى بالحكمية لاستقلاله بما يوجبها من إنزال الكتابِ الكاملِ الفاصلِ بين الحقِّ والباطلِ وتمامِ صدقِ كلامِه وكمالِ عدالةِ أحكامِه وامتناعِ وجودِ من يبدل شيئاً منها واستبدادِه تعالى بالإحاطة التامةِ بجميع ( المسموعات ) والمعلومات، عقّب ذلك ببيان أن الكفرةَ متصفون بنقائض تلك الكمالاتِ من النَّقائص التي هي الضلالُ والإضلالُ واتباعُ الظنونِ الفاسدةِ الناشئ من الجهل والكذبِ على الله سبحانه وتعالى إبانةً لكمال مباينةِ حالِهم لما يرومونه وتحذيراً عن الرّكون إليهم والعملِ بآرائهم، والمرادُ بمن في الأرض الناسُ وبأكثرهم الكفارُ، وقيل : أهلُ مكةَ والأرض أرضُها أي إن تُطِعهم بأن جعلتَ منهم حكَماً  يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ الله  عن الطريق الموصلِ إليه أو عن الشريعة التي شرعها لعباده  إِن يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظن  وهو ظنُّهم أن آباءَهم كانوا على الحق فهم على آثارهم يهتدون أو جهالاتُهم وآراؤهم الباطلةُ على أن المرادَ بالظن ما يقابل العلم، والجملةُ استئنافٌ مبنيٌّ على سؤال نشأ من الشرطية كأنه قيل : كيف يضلون ؟ فقيل : لا يتبعون في أمور دينِهم إلا الظنَّ وإنّ الظنَّ لا يُغني من الحق شيئاً فيضلون ضلالاً مبيناً، ولا ريبَ في أن الضالَّ المتصدّيَ للإرشاد إنما يُرشد غيرَه إلى مسلك نفسِه فهم ضالون مضِلّون وقوله تعالى : وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ  عطفٌ على ما قبله داخلٌ في حكمه أي يكذِبون على الله سبحانه فيما ينسُبون إليه تعالى كاتخاذ الولدِ وجعلِ عبادةِ الأوثانِ ذريعةً إليه تعالى وتحليلِ الميتةِ وتحريمِ البحائرِ ونظائرِها، أو يقدّرون أنهم على شيء وأنّى لهم ذلك ودونه مناطُ العَيُّوقِ[(١)](#foonote-١) وحقيقتُه ما يقال عن ظن وتخمين. 
١ العيُّوق: نجم أحمر مضيء في طرف المجرة الأيمن يتلو الثريا لا يتقدمه. والمراد أن ذلك بعيد عنهم بُعد العيُّوق والثريا..

### الآية 6:117

> ﻿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ مَنْ يَضِلُّ عَنْ سَبِيلِهِ ۖ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ [6:117]

إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ مَن يَضِلُّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بالمهتدين  تقريرٌ لمضمون الشرطيةِ وما بعدها وتأكيدٌ لما يفيده من التحذير، أي هو أعلمُ بالفريقين فاحذر أن تكون من الأولين، و( من ) موصولةٌ أو موصوفةٌ في محل النصبِ لا بنفس أعلمُ فإن أفعلَ التفضيلِ لا ينصِبُ الظاهرَ في مثل هذه الصور بل بفعل دلَّ هو عليه، أو استفهاميةٌ مرفوعة بالابتداء والخبرُ يَضِلّ والجملةُ معلقٌ عنها الفعلُ المقدر، وقرئ يُضِل بضم الياء على أن ( من ) فاعلٌ ليُضِل ومفعولُه محذوفٌ ومحلها النصب بما ذكر من الفعل المقدر أي هو أعلم يعلم من يُضِل الناسَ فيكون تأكيداً للتحذير عن طاعة الكفرةِ. وأما أن الفاعلَ هو الله تعالى ومَنْ منصوبةٌ بما ذكر أي يعلم مَنْ يُضِلّه أو مجرورةٌ بإضافة أعلمُ إليها أي أعلمُ المُضِلّين من قوله تعالى : مَن يُضْلِلِ الله  \[ النساء، الآية ٨٨ \] أو من قولك : أضللتُه إذا وجدتُه ضالاً فلا يساعده السباقُ والسياقُ والتفضيلُ في العلم بكثرته وإحاطتِه بالوجوه التي يمكن تعلّقُ العلمِ بها ولزومُه وكونُه بالذات لا بالغير.

### الآية 6:118

> ﻿فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ بِآيَاتِهِ مُؤْمِنِينَ [6:118]

فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسم الله عَلَيْهِ  أمرٌ مترتبٌ على النهي عن اتباع المُضلّين الذين من جملة إضلالِهم تحليلُ الحرامِ وتحريمُ الحلالِ، وذلك أنهم كانوا يقولون للمسلمين : إنكم تعبدون الله فما قتله الله أحقُّ أن تأكُلوه مما قتلتم أنتم فقيل للمسلمين : كلوا ممّا ذُكر اسمُه تعالى خاصة على ذبحه لا مما ذكر عليه اسمُ غيرِه فقط أو مع اسمه تعالى أو مات حتفَ أنفِه  إِن كُنتُم بآياته  التي من جملتها الآياتُ الواردةُ في هذا الشأن  مُؤْمِنِينَ  فإن الإيمانَ بها يقتضي استباحةَ ما أحله الله والاجتنابِ عما حرمه، وجوابُ الشرطِ محذوفٌ لدلالة ما قبله عليه.

### الآية 6:119

> ﻿وَمَا لَكُمْ أَلَّا تَأْكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ ۗ وَإِنَّ كَثِيرًا لَيُضِلُّونَ بِأَهْوَائِهِمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ ۗ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُعْتَدِينَ [6:119]

وَمَا لَكُمْ أَن لا تَأْكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسم الله عَلَيْهِ  إنكارٌ لأن يكون لهم شيءٌ يدعوهم إلى الاجتناب عن أكل ما ذُكر عليه اسمُ الله تعالى من البحائر والسوائبِ ونحوِها وقوله تعالى : وَقَدْ فَصَّلَ لَكُم  الخ، جملةٌ حاليةٌ مؤكدةٌ للإنكار كما في قوله تعالى : وَمَا لَنَا أَن لا نقاتل في سَبِيلِ الله وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِن ديارنا وَأَبْنَائِنَا  \[ البقرة، الآية ٢٤٦ \] أي وأيُّ سببٍ حاصلٍ لكم في ألا تأكُلوا مما ذكر اسمُ الله عليه، أو وأيُّ غرضٍ يحمِلُكم على أن لا تأكلوا ويمنعُكم من أكله والحالُ أنه قد فصل لكم  ما حَرَّمَ عَلَيْكُمْ  بقوله تعالى : قُل لا أَجِدُ فِيمَا أُوْحِي إِلَيّ مُحَرَّمًا  \[ الأنعام، الآية ١٤٥ \] الخ، فبقي ما عدا ذلك على الحِلّ لا بقوله تعالى : حُرّمَتْ عَلَيْكُمُ الميتة  \[ المائدة، الآية ٣ \] الخ، لأنها مدنية، وأما التأخرُ في التلاوة فلا يوجبُ التأخّرَ في النزول، وقرئ الفعلان على البناء للمفعول وقرئ الأول على البناء للفاعل والثاني للمفعول  إِلاَّ مَا اضطررتم إِلَيْهِ  مما حرّم فإنه أيضاً حلالٌ حينئذ  وَإِنَّ كَثِيرًا  أي من الكفار  ليُضِلُّونَ  الناسَ بتحريم الحلالِ وتحليلِ الحرام كعمرو بنِ لُحَيّ وأضرابِه وقرئ يَضِلّون  بِأَهْوَائِهِم  الزائغةِ وشهواتِهم الباطلة  بِغَيْرِ عِلْمٍ  مقتبسٍ من الشريعة الشريفة مستندٍ إلى الوحي  إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بالمعتدين  المتجاوزين لحدود الحقِّ إلى الباطل والحلالِ إلى الحرام.

### الآية 6:120

> ﻿وَذَرُوا ظَاهِرَ الْإِثْمِ وَبَاطِنَهُ ۚ إِنَّ الَّذِينَ يَكْسِبُونَ الْإِثْمَ سَيُجْزَوْنَ بِمَا كَانُوا يَقْتَرِفُونَ [6:120]

وَذَرُوا ظاهر الإثم وَبَاطِنَهُ  أي ما يُعلن من الذنوب وما يُسَرّ أو ما يعمل منها بالجوارح وما بالقلب، وقيل : الزٍّنى في الحوانيت واتخاذُ الأخذان[(١)](#foonote-١)  إِنَّ الذين يَكْسِبُونَ الإثم  أي يكتسبونه من الظاهر والباطن  سَيُجْزَوْنَ بِمَا كَانُوا يَقْتَرِفُونَ  كائناً ما كان فلابد من اجتنابهما، والجملةُ تعليلٌ للأمر. 
١ الزنى في الحوانيت، أي الزنى المعلن، لأن أهل الجاهلية كان فيهم الزواني في العلانية ولهن رايات منصوبات كراية البيطار. واتخاذ الأخدان يعني الزنى سرا، وقيل أن تتخذ المرأة خدنا أي أن تزني بواحد. وكانت العرب تعيب الإعلان بالزنى ولا تعيب اتخاذ الأخدان، ثم رفع الإسلام جميع ذلك.
 والخِدن: لغة هو الصديق بالسّر..

### الآية 6:121

> ﻿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ ۗ وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَىٰ أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ ۖ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ [6:121]

وَلاَ تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسم الله عَلَيْهِ  ظاهرٌ في تحريم متروكِ التسميةِ عمْداً كان أو نسياناً، وإليه ذهب داودُ، وعن أحمدَ بنِ حنبل مثلُه، وقال مالك والشافعي بخلافه لقوله عليه السلام :**«ذبيحةُ المسلم حلالٌ وإن لم يذكر اسمَ الله عليها »** وفرق أبو حنيفة بين العمْد والنسيانِ وأوّله بالميتة أو بما ذكر عليه اسمُ غيرِه تعالى لقوله : وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ  فإن الفسقَ ما أُهل به لغير الله والضميرُ لما، ويجوز أن يكون للأكل المدلولِ عليه بلا تأكلوا، والجملةُ مستأنفةٌ وقيل : حالية  وَإِنَّ الشياطين لَيُوحُونَ إلى أَوْلِيَائِهِمْ  المرادُ بالشياطين إبليسُ وجنودُه فإيحاؤهم وسوستُهم إلى المشركين، وقيل : مرَدةُ المجوسِ فإيحاؤهم إلى أوليائهم ما أَنْهَوا إلى قريشٍ بالكتاب أن محمداً وأصحابَه يزعُمون أنهم يتبعون أمرَ الله ثم يزعُمون أن ما يقتلونه حلالٌ وما يقتله الله حرام  ليجادلوكم  أي بالوساوس الشيطانيةِ أو بما نقل من أباطيلِ المجوسِ وهو يؤيد التأويلَ بالميتة  وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ  في استحلالِ الحرامِ وساعدتموهم على أباطيلهم  إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ  ضرورةَ أن من ترك طاعةَ الله إلى طاعة غيرِه واتبعه في دينه فقد أشركه به تعالى، بل آثرَه عليه سبحانه.

### الآية 6:122

> ﻿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا ۚ كَذَٰلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [6:122]

أَوَ مَن كَانَ مَيْتًا  وقرئ ميِّتاً على الأصل  فأحييناه  تمثيلٌ مَسوقٌ لتنفير المسلمين عن طاعة المشركين إثرَ تحذيرِهم عنها بالإشارة إلى أنهم مستضيئون بأنوار الوحي الإلهي والمشركون خابطون في ظلمات الكفرِ والطغيانِ فكيف يُعقل إطاعتُهم لهم ؟ والهمزةُ للإنكار والنفي، والواوُ لعطف الجملةِ الاسميةِ على مثلها الذي يدل عليه الكلامُ، أي أأنتم مثلُهم ومَنْ كان ميتاً فأعطيناه الحياةَ وما يتبعُها من القوى المُدْرِكة والمحرِّكة ؟  وَجَعَلْنَا لَهُ  مع ذلك من الخارج  نُوراً  عظيماً  يَمْشِي بِهِ  أي بسببه، والجملةُ استئنافٌ مبنيٌّ على سؤال نشأ من الكلام كأنه قيل : فماذا يصنع بذلك النورِ ؟ فقيل : يمشي به  في الناس  أي فيما بينهم آمِناً من جهتهم أو صفةٌ له  كَمَن مَثَلُهُ  أي صفتُه العجيبةُ وهو مبتدأ وقوله تعالى : في الظلمات  خبرُه على أن المرادَ بهما اللفظُ لا المعنى كما في قولك : زيدٌ صفتُه اسمرُ، وهذه الجملةُ صلةٌ لمن وهي مجرورةٌ بالكاف وهي مع مجرورها خبرٌ لمن الأولى وقوله تعالى : لَيْسَ بِخَارِجٍ منهَا  حالٌ من المستكن في الظرف وقيل : من الموصول أي غيرُ خارجٍ منها بحال، وهذا كما ترى مثلٌ أريد به من بقي في الضلالة بحيث لا يفارقها أصلاً كما أن الأولَ مثَلٌ أريد به من خلقه الله تعالى على فطرة الإسلامِ وهداه بالآيات البينةِ إلى طريق الحقِّ يسلُكه كيف يشاء لكن لا على أن يدل على كل واحدٍ من هذه المعاني بما يليق به من الألفاظ الواردةِ في المثَلين بواسطة تشبيهِه بما يناسبه من معانيها، فإن ألفاظَ المثَلِ باقيةٌ في معانيها الأصلية، بل على أنه قد انتُزعت من الأمور المتعددةِ المعتبرةِ في كل واحدٍ من جانبي المَثَلين هيئةٌ على حِدَة فشُبِّهت بهما الأُوليان ونُزّلتا منزلتيهما فاستُعمل فيهما ما يدل على الأُخْريين بضرب من التجوّز، وقد أشير في تفسير قوله تعالى : خَتَمَ الله على قُلُوبِهِمْ  \[ البقرة، الآية ٧ \] إلى أن التمثيلَ قسمٌ برأسه لا سبيل إلى جعله من باب الاستعارةِ حقيقةً وأن الاستعارةَ التمثيليةَ من عبارات المتأخرين. نعم قد يجري ذلك على سنن الاستعارةِ بأن لا يُذكرَ المشبّه كهذين التمثيلين ونظائرِهما وقد يجري على منهاج التشبيه كما في قوله :\[ الطويل \]وما الناسُ إلا كالديار وأهلُها  بها يوم حلُّوها وغدواً بلاقعُ[(١)](#foonote-١) كذلك  أي مثلَ ذلك التزيينِ البليغ  زُيّنَ  أي من جهة الله تعالى بطريق الخلق عند إيحاءِ الشياطينِ أو من جهة الشياطينِ بطريقة الزخرفةِ والتسويلِ  للكافرين  التابعين للوساوس الشيطانيةِ الآخذين بالمُزخْرَفات التي يوحونها إليهم  مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ  ما استمرّوا على عمله من فنون الكفرِ والمعاصي التي من جملتها ما حُكيَ عنهم من القبائح فإنها لو لم تكن مُزينةً لهم لما أصروا عليها ولما جادلوا بها الحقَّ، وقيل : الآية نزلت في حمزةَ رضي الله عنه، وأبي جهلٍ وقيل : في عمرَ أو عمارٍ رضي الله عنهما وأبي جهل. 
١ البيت للبيد في ديوانه ص ١٦٩؛ وأمالي المرتضى ١/٤٥٣؛ وشرح المفصل ٦/٤؛ والشعر الشعراء ١/٢٨٤؛ ولسان العرب (غدا)؛ ولذي الرمّة في ملحق ديوانه ص ١٨٨٧؛ وبلا نسبة في الكتاب ٣/٣٥٨؛ وخزانة الأدب ٧/٤٧٩..

### الآية 6:123

> ﻿وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَابِرَ مُجْرِمِيهَا لِيَمْكُرُوا فِيهَا ۖ وَمَا يَمْكُرُونَ إِلَّا بِأَنْفُسِهِمْ وَمَا يَشْعُرُونَ [6:123]

وكذلك  قيل : معناه كما جعلنا في مكةَ أكابرَ مجرميها ليمكروا فيها  جَعَلْنَا فِي كُلّ قَرْيَةٍ  من سائر القرى  أكابر مُجْرِمِيهَا لِيَمْكُرُوا فِيهَا  ومفعولا جعلنا أكابرَ مجرميها على تقديم المفعولِ الثاني والظرفُ لغو أو هما الظرفُ وأكابرَ على أن مجرميها بدلٌ أو مضافٌ إليه فإن أفعل التفضيل إذا أُضيف جاز الإفرادُ والمطابقةُ ولذلك قرئ أكبرَ مجرميها وقيل : أكابرَ مجرميها مفعولُه الأولُ والثاني ليمكروا فيها، ولا يخفى أن أيَّ معنى يراد من هذه المعاني لابد أن يكون مشهورَ التحققِ عند الناسِ معهوداً فيما بينهم حتى يصلُحَ أن تُصرَفَ الإشارةُ عن سباق النظمِ الكريمِ وتوجَّهَ إليه ويُجعلَ مقياساً لنظائره بإخراجه مُخرجَ المصدرِ التشبيهيِّ وظاهرٌ أنْ ليس الأمرُ كذلك ولا سبيلَ إلى توجيهها إلى ما يفهم من قوله تعالى : كَذَلِكَ زُيّنَ للكافرين مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ  \[ الأنعام، الآية ١٢٢ \] وإن كان المرادُ بهم أكابرَ مكةَ لأن مآلَ المعنى حينئذ بعد اللتيا والتي كما جعلنا أعمالَ أهلِ مكةَ مزينةً لهم جعلنا في كل قرية أكابرَ مجرميها الخ، فإذن الأقربُ أن ذلك إشارةٌ إلى الكفَرة المعهودين باعتبار اتصافِهم بصفاتهم، والإفرادُ بتأويل الفريقِ أو المذكور، ومحلُّ الكافِ النصبُ على أن المفعولُ الثاني لجعلنا قدم عليه لإفادة التخصيصِ كما في قوله تعالى : كذلك كُنتُمْ من قَبْلُ  \[ النساء، الآية ٩٤ \]، والأولُ أكابرَ مجرميها، والظرف لغة أي ومثلَ أولئك الكفرةِ الذين هم صناديدُ مكةَ ومجرموها جعلنا في كل قريةٍ أكابرَها المجرمين أي جعلناهم متصفين بصفات المذكورين مزيَّناً لهم أعمالُهم مُصِرّين على الباطل مجادلين به الحقَّ ليمكروا فيها أي ليفعلوا المكرَ فيها، وهذا تسليةٌ لرسول الله صلى الله عليه وسلم وقوله تعالى : وَمَا يَمْكُرُونَ إِلاَّ بِأَنفُسِهِمْ  اعتراضٌ على سبيل الوعدِ لرسول الله عليه الصلاة والسلام والوعيدِ للكفرة أي وما تحيقُ غائلةُ مكرِهم إلا بهم  وَمَا يَشْعُرُونَ  حال من ضمير يمكرون مع اعتبار ورودِ الاستثناءِ على النفي أي إنما يمكرون بأنفسهم والحالُ أنهم ما يشعُرون بذلك أصلاً بل يزعُمون أنهم يمكرون بغيرهم.

### الآية 6:124

> ﻿وَإِذَا جَاءَتْهُمْ آيَةٌ قَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتَّىٰ نُؤْتَىٰ مِثْلَ مَا أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ ۘ اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ ۗ سَيُصِيبُ الَّذِينَ أَجْرَمُوا صَغَارٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا كَانُوا يَمْكُرُونَ [6:124]

وقوله تعالى : وَإِذَا جَاءتْهُمْ آيَةٌ  رجوعٌ إلى بيان حالِ مجرمي أهلِ مكةَ بعد ما بُيِّن بطريق التسليةِ أن حالَ غيرِهم أيضاً كذلك وأن عاقبةَ مكرِ الكلِّ ما ذُكر، فإن العظيمةَ المنقولةَ إنما صدَرت عنهم لا عن سائر المجرمين، أي إذا جاءتهم آيةٌ بواسطة الرسولِ عليه الصلاة والسلام  قَالُوا لَن نُؤْمِنَ حتى نُؤتى مِثْلَ مَا أُوتِي رُسُلُ الله  قال ابن عباس رضي الله عنهما : حتى يوحيَ إلينا ويأتيَنا جبريلُ عليه السلام فيخبرَنا أن محمداً صادق كما قالوا : أَوْ تَأْتِي بالله والملائكة قَبِيلاً  \[ الإسراء، الآية ٩٢ \] وعن الحسن البصْري مثلُه. وهذا كما ترى صريحٌ في أن ما عُلّق بإيتاء ما أوتيَ الرسلُ عليهم الصلاة والسلام هو إيمانُهم برسول الله صلى الله عليه وسلم وبما أنزل إليه إيماناً حقيقياً كما هو المتبادَرُ منه عند الإطلاقِ خلا أنه يستدعي أن يُحمل ما أوتيَ رسلُ الله على مطلق الوحي ومخاطبةِ جبريلَ عليه السلام في الجملة وأن تُصرفَ الرسالةُ في قوله تعالى : الله أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ  عن ظاهرها، وتُحملَ على رسالة جبريلَ عليه السلام بالوجه المذكور، ويُرادَ بجعلها تبليغُها إلى المرسَل إليه لا وضعُها في موضعها الذي هو الرسول ليتأتّى كونُه جواباً عن اقتراحهم ورداً له بأن يكونَ معنى الاقتراحِ : لن نؤمنَ بكون تلك الآيةِ نازلةً من عند الله تعالى إلى الرسول حتى يأتيَنا بالذات عِياناً كما يأتي الرسولُ فيخبرُنا بذلك، ومعنى الردّ : الله أعلم مَنْ يليقُ بإرسال جبريلَ عليه السلام إليه لأمر من الأمور إيذاناً بأنهم بمعزل من استحقاق ذلك التشريفِ، وفيه من التمحُّل ما لا يخفى. وقال مقاتلٌ : نزلت في أبي جهلٍ حين قال : زاحَمْنا بني عبدِ منافٍ في الشرف حتى إذا صِرْنا كفرَسَيْ رهانٍ قالوا : منا نبيٌّ يوحى إليه، والله لا نرضى به ولا نتّبعه أبداً حتى يأتيَنا وحيٌ كما يأتيه. وقال الضحاك : سأل كلُّ واحد من القوم أن يُخَصّ بالرسالة والوحي كما أخبر الله تعالى عنهم في قوله : بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امرئ منْهُمْ أَن يُؤتى صُحُفاً مُنَشَّرَةً  \[ الإسراء، الآية ٩٢ \] ولا يخفي أن كلَّ واحد من هذين القولين وإن كان مناسباً للرد المذكورِ لكنه يقتضي أن يراد بالإيمان المُعلَّقِ بإيتاء ما أوتيَ الرسلُ مجردُ تصديقِهم برسالته عليه الصلاة والسلام في الجملة من غير شمولٍ لكافة الناس وأن تكون كلمةُ حتى في قول اللعينِ حتى يأتيَنا وحيٌ كما يأتيه الخ، غايةً لعدم الرضا لا لعدم الاتباعِ فإنه مقررٌ على تقديرَيْ إيتاءِ الوحي وعدمِه، فالمعنى لن نؤمنَ برسالته أصلاً حتى نؤتى نحن من الوحي والنبوة مثلَ ما أوتي رسلُ الله، أو إيتاءِ رسلِ الله، وأما ما قيل من أن الوليدَ بنَ المغيرةِ قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم : لو كانت النبوةُ حقاً لكنتُ أولى بها منك لأني أكبرُ منك سناً وأكثرُ منك مالاً وولداً، فنزلت فلا تعلُّقَ له بكلامهم المردودِ إلا أن يرادَ بالإيمان المعلَّقِ بما ذكر مجردُ الإيمانِ بكون الآيةِ النازلةِ وحياً صادقاً لا الإيمانِ بكونها نازلةً إليه عليه الصلاة والسلام. فيكون المعنى وإذا جاءتهم آيةٌ نازلةٌ إلى الرسول قالوا : لن نؤمنَ بنزولها من عند الله حتى يكونَ نزولُها إلينا لا إليه، لأنا نحن المستحقون دونه، فإن مُلخّصَ معنى قولِه : لو كانت النبوةُ حقاً الخ : لو كان ما تدّعيه من النبوة حقاً لكنتُ أنا النبيَّ لا أنت، وإذا لم يكن الأمرُ كذلك فليست بحق وما له تعليقُ الإيمانِ بحقية النبوةِ بكون نفسِه نبياً. و( مثلَ ما أُوتيَ ) نُصب على أنه نعتٌ لمصدر محذوفٍ، وما مصدريةٌ أي حتى نؤتاها إيتاءً مثلَ إيتاءِ رسلِ الله وإضافةُ الإيتاءِ إليهم لأنهم منكِرون لإيتائه عليه الصلاة والسلام، و( حيث ) نُصب على المفعولية توسعاً لا بنفس ( أعلمُ ) لما عرفتَ من أنه لا يعمل في الظاهر بل بفعل دلَّ هو عليه أي هو أعلمُ يعلم الموضِعَ الذي يضعها فيه والمعنى أن منصِبَ الرسالةِ ليس مما ينال بكثرة المالِ والولدِ وتعاضُدِ الأسبابِ والعدد، وإنما يُنال بفضائلَ نفسانيةٍ يخُصّها الله تعالى بمن يشاء من خُلّص عبادِه، وقرئ رسالاتِه  سَيُصِيبُ الذين أَجْرَمُوا  استئنافٌ آخرُ ناعٍ عليهم ما سيلقونه من فنون الشرِّ بعد ما نعى عليهم حِرمانَهم مما أمّلوه، والسين للتأكيد، ووضعُ الموصول موضعَ الضمير للإشعار بأن إصابةَ ما يصيبهم لإجرامهم المستتبِعِ لجميع الشرورِ والقبائحِ، أي يصيبهم البتةَ مكانَ ما تمنَّوْه وعلّقوا به أطماعَهم الفارغةَ من عزة النبوة وشرفِ الرسالة  صَغَارٌ  أي ذلة وحقارة بعد كِبْرِهم  عَندَ الله  أي يوم القيامة وقيل : من عند الله  وَعَذَابٌ شَدِيدٌ  في الآخرة أو في الدنيا  بِمَا كَانُوا يَمْكُرُونَ  أي بسبب مكرِهم المستمرِّ أو بمقابلته، وحيث كان هذا من معظم موادِّ إجرامِهم صُرّح بسببيته.

### الآية 6:125

> ﻿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ ۖ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ ۚ كَذَٰلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ [6:125]

فَمَن يُرِدِ الله أَن يَهْدِيَهُ  أي يُعرِّفه طريقَ الحقِّ ويوفِّقَه للإيمان  يَشْرَحْ صَدْرَهُ للإسلام  فيتسعَ له وينفتح، وهو كنايةٌ عن جعل النفس قابلةً للحق مُهيأة لحلوله فيها مصفّاةً عما يمنعه وينافيه، وإليه أشار عليه الصلاة والسلام حين سئل فقال :**«نورٌ يقذِفه الله في قلب المؤمن فينشرح له وينفتح »** فقالوا : هل لذلك من أمارة يُعرف بها ؟ فقال :**« نعم، الإنابةُ[(١)](#foonote-١) إلى دار الخلود والإعراضُ عن دار الغرورِ والاستعدادُ للموت قبل نزوله »**  وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُ  أي يخلُقَ فيه الضلالَ بصرف اختيارِه إليه  يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيّقاً حَرَجاً  بحيث ينبو[(٢)](#foonote-٢) عن قَبول الحقِّ فلا يكاد يدخله الإيمانُ، وقرئ ضَيْقاً بالتخفيف، وحرِجاً بكسر الراء أي شديد الضيق والأولُ مصدرٌ وُصف به مبالغة.  كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ  ( ما ) هذه مُهيِّئةٌ لدخول كأنّ على الجمل الفعلية  في السماء  شِبْهٌ للمبالغة في ضيق صدرِه بمن يزاول ما لا يكاد يُقدر عليه فإن صعودَ السماءِ مثلٌ فيما هو خارجٌ عن دائرة الاستطاعة، وفيه تنبيه على أن الإيمانَ يمتنع منه كما يمتنع منه الصعودُ وقيل : معناه كأنما يتصاعد إلى السماء نبُوّاً عن الحق وتباعداً في الهرب منه، وأصلُ يصعّد يتصعّد وقد قرئ به وقرئ يصّاعد وأصله يتصاعد  كذلك  أي مثلَ ذلك الجعلِ الذي هو جعلُ الصدرِ حرِجاً على الوجه المذكور  يَجْعَلُ الله الرِّجس  أي العذابَ أو الخِذلانَ. قال مجاهدٌ : الرجسُ ما لا خيرَ فيه. وقال الزجاج : الرجسُ اللعنةُ في الدنيا والعذابُ في الآخرة  عَلَى الذين لاَ يُؤْمِنُونَ  أي عليهم، ووضعُ المفعولِ موضعَ المضمر للإشعار بأن جعلَه تعالى معلَّلٌ بما في حيز الصلةِ من كمال نبُوِّهم عن الإيمان وإصرارِهم على الكفر. 
١ الإنابة إلى الشيء: الرجوع إليه مرة بعد أخرى. وأناب إلى الله: تاب ورجع. والإنابة إلى دار الخلود: التطلع إليها والرجوع دائما إلى ما يفضي إليها..
٢ نبا عن الشيء: أعرض عنه ونفر..

### الآية 6:126

> ﻿وَهَٰذَا صِرَاطُ رَبِّكَ مُسْتَقِيمًا ۗ قَدْ فَصَّلْنَا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ [6:126]

وهذا  أي البيانُ الذي جاء به القرآنُ أو الإسلامُ أو ما سبق من التوفيق والخذلان  صراط رَبّكَ  أي طريقُه الذي ارتضاه أو عادتُه وطريقتُه التي اقتضتها حِكمتُه، وفي التعرّض لعنوان الربوبيةِ إيذانٌ بأن تقويمَ ذلك الصراطِ للتربية وإفاضةِ الكمال  مُسْتَقِيماً  لا عِوَج فيه أو عادلاً مطّرداً، أو هو حالٌ مؤكدة كقوله تعالى : وَهُوَ الحق مُصَدّقًا  \[ البقرة، الآية ٩١ \] والعاملُ فيها معنى الإشارة  قَدْ فَصَّلْنَا الآيات  بيّناها مفصلةً  لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ  يتذكرون ما في تضاعيفها فيعلمون أن كلَّ ما يحدُث من الحوادث خيراً كان أو شراً فإنما يحدُث بقضاء الله تعالى وخلقِه وأنه تعالى عالمٌ بأحوال العبادِ حكيمٌ عادلٌ فيما يفعل بهم، وتخصيصُ القومِ المذكورين بالذكر لأنهم المنتفِعون بتفصيل الآيات.

### الآية 6:127

> ﻿۞ لَهُمْ دَارُ السَّلَامِ عِنْدَ رَبِّهِمْ ۖ وَهُوَ وَلِيُّهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [6:127]

لَهُمْ دَارُ السلام  أي للمتذكرين دارُ السلامة من كل المكاره وهي الجنة  عِندَ رَبّهِمْ  أي في ضمانه، أو ذخيرةٌ لهم عنده لا يعلم كُنهَها غيرُه تعالى  وَهُوَ وَلِيُّهُم  أي مولاهم وناصرُهم  بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ  بسبب أعمالِهم الصالحةِ، أو متولِّيهم بجزائها يتولى إيصالَه إليهم.

### الآية 6:128

> ﻿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الْإِنْسِ ۖ وَقَالَ أَوْلِيَاؤُهُمْ مِنَ الْإِنْسِ رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ وَبَلَغْنَا أَجَلَنَا الَّذِي أَجَّلْتَ لَنَا ۚ قَالَ النَّارُ مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ ۗ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ [6:128]

وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً  منصوبٌ بمضمر إما على المفعولية أو الظرفية وقرئ بنون العظمة على الالتفات لتهويل الأمرِ، والضميرُ المنصوبُ لمن يُحشر من الثقلين، أي واذكر يومَ يَحشُر الثقلين قائلاً : يَا مَعْشَرَ الجن  أو ويوم يحشُرهم يقول : يا معشرَ الجنِّ أو ويوم يحشرهم ويقول : يا معشرَ الجن يكونُ الأحوالُ والأهوالُ ما لا يساعدُه الوصفُ لفظاعته، والمعشرُ الجماعةُ، والمرادُ بمعشر الجنِّ الشياطينُ  قَدِ استكثرتم منَ الإنس  أي من إغوائهم وإضلالِهم أو منهم بأن جعلتموهم أتباعَكم فحُشِروا معكم كقولهم : استكثر الأميرُ من الجنود، وهذا بطريق التوبيخِ والتقريع  وَقَالَ أَوْلِيَاؤُهُم  أي الذين أطاعوهم، و( مِن ) في قوله تعالى : منَ الإنس  إما لبيان الجنسِ أي أولياؤُهم الذين هم الإنسُ أو متعلقةٌ بمحذوف هو حالٌ من أولياؤهم أي كائنين من الإنس  رَبَّنَا استمتع بَعْضُنَا بِبَعْضٍ  أي انتفع الإنسُ بالجن بأن دلُّوهم على الشهوات وما يُتوصَّل به إليها، وقيل : بأن ألقَوْه إليهم من الأراجيف والسِّحر والكهانة والجن بالإنس بأن أطاعوهم وحصّلوا مرادَهم بقَبول ما ألقَوْه إليهم، وقيل : استمتاعُ الإنسِ بهم أنهم كانوا يعوذون بهم في المفاوز والمخاوفِ واستمتاعُهم بالإنس اعترافُهم بأنهم قادرون على إجارتهم  وَبَلَغْنَا أَجَلَنَا الذي أَجَّلْتَ لَنَا  وهو يومُ القيامة قالوه اعترافاً بما فعلوه من طاعة الشياطينِ واتباعِ الهوى وتكذيبِ البعث، وإظهاراً للندامة عليها وتحسراً على حالهم واستسلاماً لربهم، ولعل الاقتصارَ على حكاية كلامِ الضالّين للإيذان بأن المُضلِّين قد أُفحموا بالمرة فلم يقدروا على التكلم أصلاً.  قَالَ  استئنافٌ مبني على سؤال نشأ من حكاية كلامِهم كأنه قيل : فماذا قال الله تعالى حينئذ ؟ فقيل : قال : النار مَثْوَاكُمْ  أي منزِلُكم أو ذاتُ ثوائِكم كما أن دارَ السلام مثوى المؤمنين  خالدين فِيهَا  حال والعاملُ مثواكم إن جُعل مصدراً، ومعنى الإضافة إن جُعل مكاناً  إِلاَّ مَا شَاء الله  قال ابن عباس رضي الله عنهما : استثنى الله تعالى قوماً قد سبق في علمه أنهم يُسلمون ويصدِّقون النبيَّ عليه الصلاة والسلام، وهذا مبنيٌّ على أن الاستثناءَ ليس من المحكيّ، و( ما ) بمعنى مَنْ وقيل : المعنى إلا الأوقاتَ التي يُنقلون فيها من النار إلى الزمهرير، فقد رُوي أنهم يدخُلون وادياً فيه من الزمهرير ما يميِّزُ[(١)](#foonote-١) بعضَ أوصالِهم من بعض فيتعاوَوْن[(٢)](#foonote-٢) ويطلُبون الردَّ إلى الجحيم وقيل : يفتح لهم وهم في النار بابٌ إلى الجنة فيُسرعون نحوه حتى إذا صاروا إليه سُدَّ عليهم الباب. وعلى التقديرين فالاستثناءُ تهكّمٌ بهم وقيل : إلا ما شاء الله قبل الدخولِ كأنه قيل : النارُ مثواكم أبداً إلا ما أمهلكم ولا يخفى بعدُه  إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ  في أفاعيله  عَلِيمٌ  بأحوال الثقلين[(٣)](#foonote-٣) وأعمالِهم وبما يليق بها من الجزاء. 
١ ميز الشيء: عزله وفرزه..
٢ أي يتصايحون فيما ينهم. ويمكن أن يكون المراد يجتمعون على طبب شيء من قولهم: تعاون بنو فلان على فلان، اجتمعوا عليه..
٣ الثقلان: الإنس والجن..

### الآية 6:129

> ﻿وَكَذَٰلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ [6:129]

وكذلك  أي مثلَ ما سبق من تمكين الجنِّ من إغواء الإنسِ وإضلالِهم  نُوَلّي بَعْضَ الظالمين  من الإنس  بَعْضًا  آخرَ منهم أي نجعلهم بحيث يتولَّوْنهم بالإغواء والإضلالِ أو نجعل بعضَهم قرناءَ بعضٍ في العذاب كما كانوا كذلك في الدنيا عند اقترافِ ما يؤدّي إليه من القبائح  بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ  بسبب ما كانوا مستمرِّين على كسبه[(١)](#foonote-١) من الكفر والمعاصي. 
١ الكسب هنا بمعنى اقتراف الشيء..

### الآية 6:130

> ﻿يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَٰذَا ۚ قَالُوا شَهِدْنَا عَلَىٰ أَنْفُسِنَا ۖ وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَشَهِدُوا عَلَىٰ أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ [6:130]

يَا مَعْشَرَ الجن والإنس  شروعٌ في حكاية ما سيكون من توبيخ المعشَرَين وتقريعِهم بتفريطهم فيما يتعلق بخاصة أنفسِهم إثرَ حكايةِ توبيخِ معشر الجنِّ بإغواء الإنسِ وإضلالِهم وبيانِ مآلِ أمرِهم  أَلَمْ يَأْتِكُمْ  أي في الدنيا  رُسُلٌ  أي من عند الله عز وجل لكن لا على أن يأتيَ كلُّ رسولٍ كلَّ واحدة من الأمم، بل على أن يأتي كلَّ أمة رسولٌ خاصٌّ بها، أي ألم يأتِ كلَّ أمة منكم رسولٌ معين ؟ وقوله تعالى : منكُمْ  متعلقٌ بمحذوف وقع صفةً لرسل أي كائنةٌ من جملتكم لكن لا على أنهم من جنس الفريقين معاً بل من الإنس خاصةً، وإنما جُعلوا منهما إما لتأكيد وجوبِ اتباعِهم والإيذانِ بتقاربهما ذاتاً واتحادِهما تكليفاً وخطاباً، كأنّهما جنسٌ واحد، ولذلك تمكن أحدُهما من إضلال الآخَر، وإما لأن المرادَ بالرسل ما يعمُّ رسلَ الرسلِ وقد ثبت أن الجن قد استمعوا القرآن وأنذروا به قومَهم حيث نطق به قوله تعالى : وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَراً منَ الجن يَسْتَمِعُونَ القرآن  إلى قوله تعالى : وَلَّوْا إلى قَوْمِهِم مُنذِرِينَ  \[ الأحقاف، الآية ٢٩ \]. وقوله تعالى : يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آياتي  صفةٌ أخرى لرسلٌ محققةٌ لما هو المرادُ من إرسال الرسل من التبليغ والإنذارِ، وقد حصل ذلك بالنسبة إلى الثقلين  وَيُنذِرُونَكُمْ  بما في تضاعيفها من القوارع  لِقَاء يَوْمِكُمْ هذا  يومِ الحشرِ الذي قد عاينوا فيه ما أُعدَّ لهم من أفانين العقوباتِ الهائلة  قَالُوا  استئنافٌ مبنيٌّ على سؤال نشأ من الكلام السابقِ كأنه قيل : فماذا قالوا عند ذلك التوبيخِ الشديد ؟ فقيل : قالوا : شَهِدْنَا عَلَى أَنْفُسِنَا  أي بإتيان الرسلِ وإنذارِهم وبمقابلتهم إياهم بالكفر والتكذيب وباستحقاقهم بسبب ذلك للعذاب المخلّد حسبما فُصِّل في حكاية جوابِهم عن سؤال خَزَنةِ النار، حيث قالوا : بلى قَدْ جَاءنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ الله مِن شيء إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ في ضلال كَبِيرٍ  \[ الملك، الآية ٩ \] وقد أُجمل هاهنا في الحكاية كما أُجمل في حكاية جوابِهم حيث قالوا : بلى ولكن حَقَّتْ كَلِمَةُ العذاب عَلَى الكافرين  \[ الزمر، الآية ٧١ \] وقوله تعالى : وَغَرَّتْهُمُ الحياة الدنيا  مع ما عُطف عليه اعتراضٌ لبيان ما أداهم في الدنيا إلى ارتكابهم للقبائح التي ارتكبوها وإلجائِهم بعد ذلك في الآخرة إلى الاعتراف بالكفر واستيجاب العذابِ، وذمٌّ لهم بذلك، أي واغتروا في الدنيا بالحياة الدنيئةِ واللذات الخسيسةِ الفانية وأعرضوا عن النعيم المقيم الذي بشرت به الرسلُ، واجترأوا على ارتكاب ما يجُرّهم إلى العذاب المؤبَّد الذي أنذروهم إياه  وَشَهِدُوا  في الآخرة  عَلَى أَنفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا  في الدنيا  كافرين  أي بالآيات والنذر التي أتى بها الرسلُ على التفصيل المذكور آنفاً واضطُرّوا إلى الاستسلام لأشد العذابِ كما ينبئ عنه ما حُكي عنهم بقوله تعالى : وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا في أصحاب السعير  \[ الملك، الآية ١٠ \] وفيه من تحسيرهم وتحذيرِ السامعين عن مثل صنيعِهم ما لا مزيد عليه.

### الآية 6:131

> ﻿ذَٰلِكَ أَنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَىٰ بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا غَافِلُونَ [6:131]

ذلك  إشارةٌ إلى ما ذُكر من شهادتهم على أنفسهم بالكفر واستيجابِ العذابِ والخطابُ للرسول صلى الله عليه وسلم بطريق التلوين، وهو مبتدأٌ خبرُه قوله تعالى : أَن لم يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ القرى  بحذف اللام على أنّ ( أن ) مصدرية أو مخففة من أنّ وضمير الشأن الذي هو اسمُها محذوفٌ وقوله تعالى : بِظُلْمٍ  متعلقٌ إما بمهلك أي بسبب ظلمٍ أو بمحذوف وقع حالاً من القُرى أي ملتبسةً بظلم فإن ملابسةَ أهلِها للظلم ملابسةٌ للقرية له بواسطتهم، أو ما كونُه حالاً من ربك أو من ضميره في مُهلكَ كما قيل فيأباه أن غفلةَ أهلِها مأخوذةٌ في معنى الظلمِ وحقيقتِه لا محالة، فلا يحسُن تقييدُه بقوله تعالى : وَأَهْلُهَا غافلون  والمعنى ذلك ثابتٌ لانتفاء كونِ ربِّك أو لأن الشأنَ لم يكن ربُّك مُهلكَ القرى بسبب أي ظلم فعلوه من أفراد الظلمِ قبل أن يُنْهَوْا عنه ويُنَبَّهوا على بُطلانه برسول وكتابٍ وإن قضَى به بديهةُ العقولِ، ويُنذَروا عاقبةَ جناياتِهم أي لولا انتفاءُ كونِه تعالى معذباً لهم قبل إرسالِ الرسلِ وإنزالِ الكتبِ لَما أمكن التوبيخُ بما ذُكر ولَما شهِدوا على أنفسهم بالكفر واستيجابِ العذاب، ولا اعتذروا بعدم إتيانِ الرسل كما في قوله تعالى : وَلَوْ أَنَّا أهلكناهم بِعَذَابٍ من قَبْلِهِ لَقَالُوا رَبَّنَا لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولاً فَنَتَّبِعَ آياتك مِن قَبْلِ أَن نَذِلَّ ونخزى  \[ طه، الآية ١٣٤ \] وإنما عُلّل ما ذُكر بانتفاء التعذيبِ الدنيويِّ الذي هو إهلاكُ القرى قبل الإنذارِ مع أن التقريبَ في تعليله بانتفاء مطلقِ التعذيب من غير بعث الرسلِ أتمُّ على ما نطق به قوله تعالى : وَمَا كُنَّا مُعَذّبِينَ حتى نَبْعَثَ رَسُولاً  \[ الإسراء، الآية ١٥ \] لبيان كمالِ نزاهتِه سبحانه وتعالى عن كلا التعذيبين الدنيوي والأخروي معاً من غير إنذارٍ على أبلغ وجهٍ وآكدِه حيث اقتُصِر على نفي التعذيبِ الدنيوي عنه تعالى ليثبُتَ نفيُ التعذيبِ الأخروي عنه تعالى على الوجه البرهانيّ بطريق الأولوية، فإنه تعالى حيث لم يعذِّبهم بعذاب يسيرٍ منقطعٍ بدون إنذارٍ فلأن لا يعذِّبَهم بعذاب شديد مخلدٍ أولى وأجلى، ولو عُلل بما ذكر من نفي التعذيبِ لانصرف بحسب المقام إلى ما فيه الكلامُ من نفي التعذيبِ الأخروي، ونفذُ التعذيب الدنيويِّ غيرُ متعرَّضٍ له لا صريحاً ولا دَلالةً ضرورةَ أن نفذَ الأعلى لا يدل على نفذ الأدنى ولأن ترتبَ التعذيبِ الدنيويِّ على الإنذار عند عدمِ تأثرِ المنذَرين منه معلومٌ مشاهدٌ عند السامعين فيستدلون بذلك على أن التعذيبَ الأخرويَّ أيضاً كذلك فينزجرون عن الإخلال بمواجب الإنذارِ أشدَّ انزجارٍ، هذا هو الذي تستدعيه جزالةُ النظمِ الكريم، وأما جعلُ ذلك إشارةً إلى إرسال الرسلِ عليهم السلام وإنذارِهم، وخبرُ المبتدأ محذوفٌ كما أطبق عليه الجمهورُ فبمعزل من مقتضى المقامِ، والله سبحانه أعلم.

### الآية 6:132

> ﻿وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا ۚ وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ [6:132]

وَلِكُلّ  أي من المكلفين من الثقلين  درجات  متفاوتةٌ وطبقاتٌ متباينة  مِمَّا عَمِلُوا  من أعمالهم صالحةً كانت أو سيئةً فإن أعمالَهم درجاتٌ في أنفسها أو من جزاء أعمالِهم فإن كلَّ جزاءٍ مرتبةٌ معينةٌ لهم أو من أجل أعمالِهم  وَمَا رَبُّكَ بغافل عَمَّا يَعْمَلُونَ  فيخفى عليه عملٌ من أعمالهم أو قدْرُ ما يستحقون بها من ثواب أو عقاب، وقرئ بالتاء تغليباً للخطاب على الغَيْبة.

### الآية 6:133

> ﻿وَرَبُّكَ الْغَنِيُّ ذُو الرَّحْمَةِ ۚ إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَسْتَخْلِفْ مِنْ بَعْدِكُمْ مَا يَشَاءُ كَمَا أَنْشَأَكُمْ مِنْ ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِينَ [6:133]

وَرَبُّكَ الغني  مبتدأٌ وخبرٌ أي هو المعروفُ بالغني عن كل ما سواه كائناً مَنْ كان وما كان، فيدخُل فيه غناه عن العباد وعن عبادتهم، وفي التعرُّض لوصف الربوبيةِ في الموضعين لاسيما في الثاني لكونه موقعَ الإضمار مع الإضافة إلى ضميره عليه الصلاة والسلام من إظهار اللطفِ به عليه السلام وتنزيهِ ساحتِه عن توهم شمولِ الوعيدِ الآتي لها أيضاً ما لا يخفى، وقوله تعالى : ذُو الرحمة  خبرٌ آخرُ أو هو الخبرُ، والغنيُّ صفةٌ أي يترحم عليهم بالتكليف تكميلاً لهم ويُمهلهم على المعاصي، وفيه تنبيهٌ على أن ما سلف ذكرُه من الإرسال ليس لنفعه بل لترحمه على العباد وتمهيدٌ لقوله تعالى : إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ  أي ما به حاجةٌ إليكم إن يشأ يذهبْكم أيها العصاةُ، وفي تلوين الخطابِ من تشديد الوعيد ما لا يخفى  وَيَسْتَخْلِفْ مِن بَعْدِكُم  أي من بعد إذهابِكم  مَا يَشَاء  من الخلق، وإيثارُ ما على مَنْ لإظهار كمالِ الكبرياءِ وإسقاطِهم عن رتبة العقلاءِ  كَمَا أَنشَأَكُمْ من ذُرّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِينَ  أي من نسل قومٍ آخرين لم يكونوا على مثل صفتِكم وهم أهلُ سفينةِ نوحٍ عليه الصلاة والسلام لكنه أبقاكم ترحماً عليكم، و( ما ) في كما مصدريةٌ ومحلُّ الكافِ النصبُ على أنه مصدرٌ تشعيبي على غير المصدرِ فإن يستخلف في معنى ينشئ كأنه قيل : وينشئ إنشاءً كائناً كإنشائكم الخ أو نعتٌ لمصدر الفعل المذكور أي يستخلف استخلافاً كائناً كإنشائكم الخ والشرطيةُ استئنافٌ مقررٌ لمضمون ما قبلها من الغنى والرحمة.

### الآية 6:134

> ﻿إِنَّ مَا تُوعَدُونَ لَآتٍ ۖ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ [6:134]

إِنَّ مَا تُوعَدُونَ  أي الذي توعدونه من البعث وما يتفرّع عليه من الأمور الهائلةِ، وصيغةُ الاستقبال للدِلالة على الاستمرار التجددي  لآتٍ  لواقعٌ لا محالة كقوله تعالى : إِنَّمَا تُوعَدُونَ لواقع  \[ المرسلات، الآية ٧ \] وإيثارُه عليه لبيان كمالِ سرعةِ وقوعِه بتصويره بصورة طالبٍ حثيثٍ لا يفوته هاربٌ حسبما يُعرب عنه قولُه تعالى : وَمَا أَنتُم بِمُعْجِزِينَ  أي بفائتين ذلك وإن ركِبتم في الهرب متنَ كلِّ صَعْبٍ وذَلولٍ[(١)](#foonote-١) كما أن إيثارَ صيغةِ الفاعلِ على المستقبل للإيذان بكمال قربِ الإتيان، والمرادُ بيانُ دوامِ انتفاءِ الإعجازِ لا بيانُ انتفاءِ دوامِ الإعجاز فإن الجملة الاسميةَ كما تدل على دوام الثبوتِ تدل بمعونة المقام إذا دخل عليها حرفُ النفذِ على دوام الانتفاءِ لا على انتفاء الدوامِ كما حُقق في موضعه. 
١ الصعب والذلول: صفتان للدابة إذا كانت صعبة الانقياد والركوب أو سهلة ذليلة. والمراد: بذلوا في الأمر كل طاقتهم..

### الآية 6:135

> ﻿قُلْ يَا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلَىٰ مَكَانَتِكُمْ إِنِّي عَامِلٌ ۖ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ تَكُونُ لَهُ عَاقِبَةُ الدَّارِ ۗ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ [6:135]

قُلْ يا قوم اعملوا على مَكَانَتِكُمْ  إثرَ ما بيّن لهم حالَهم ومآلَهم بطريق الخطاب أُمر رسولُ الله صلى الله عليه وسلم بطريق التلوينِ بأن يواجِهَهم بتشديد التهديد وتكريرِ الوعيد، ويظهر لهم ما هو عليه من غاية النصاب في الدين ونهايةِ الوثوقِ بأمره وعدم المبالاةِ بهم أي اعملوا على غاية تمكّنِكم واستطاعتِكم، يقال : مكُن مكانةً إذا تمكّن أبلغَ التمكّن، أو على جهتكم وحالتِكم التي أنتم عليها، من قولهم : مكانٌ ومكانةٌ كمقامٌ ومقامة، وقرئ مكاناتِكم والمعنى اثبُتوا على كفركم ومعاداتكم  إِنّي عامل  ما أُمرت به من الثبات على الإسلام والاستمرارِ على الأعمال الصالحةِ والمصابرةِ، وإيرادُ التهديد بصيغة الأمرِ مبالغةٌ في الوعيد كأن المهددَ يريد تعذيبَه مجمِعاً عليه فيحمِله بالأمر على ما يؤدي إليه، وتسجيلٌ بأن المهدِّد لا يتأتّى منه إلا الشرُّ كالذي أُمر به بحيث لا يجد إلى التقصّي عنه سبيلاً  فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن تَكُونُ لَهُ عاقبة الدار  سوف لتأكيد مضمون الجملة، والعلمُ عرفانيٌّ و( من ) إما استفهاميةٌ معلّقةٌ بفعل العلم محلُّها الرفعُ على الابتداء و( تكون ) باسمها وخبرها خبرٌ لها وهي مع خبرها في محل نصبٍ لسدها مسدَّ مفعول تعلمون أي فسوف تعلمون أيُّنا تكون له العاقبةُ الحسنى التي خلق الله تعالى هذه الدارَ لها، وإما موصولةٌ فمحلُّها النصبُ على أنها مفعولٌ لتعلمون أي فسوف تعلمون الذي له عاقبةُ الدارِ، وفيه مع الإنذار إنصافٌ في المقال وتنبيهٌ على كمال وثوقِ المنذِرِ بأمره، وقرئ بالياء لأن تأنيثَ العاقبةِ غيرُ حقيقي  إِنَّهُ  أي الشأنَ  لاَ يُفْلِحُ الظالمون  وُضع الظلمُ موضِعَ الكفرِ إيذاناً بأن امتناعَ الفلاحِ يترتب على أي فردٍ كان من أفراد الظلمِ فما ظنُّك بالكفر الذي هو أعظمُ أفرادِه ؟

### الآية 6:136

> ﻿وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعَامِ نَصِيبًا فَقَالُوا هَٰذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَٰذَا لِشُرَكَائِنَا ۖ فَمَا كَانَ لِشُرَكَائِهِمْ فَلَا يَصِلُ إِلَى اللَّهِ ۖ وَمَا كَانَ لِلَّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلَىٰ شُرَكَائِهِمْ ۗ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ [6:136]

وَجَعَلُوا  شروعٌ في تقبيح أحوالِهم الفظيعةِ بحكاية أقوالِهم وأفعالِهم الشنيعةِ ( وهم مشركو العربِ كانوا يُعيِّنون أشياءَ من حرث ونتاج لله تعالى وأشياءَ منهما لآلهتهم فإذا رأوا ما جعلوه لله تعالى زاكياً نامياً يزيد في نفسه خيراً رجَعوا فجعلوه لآلهتهم، وإذا زكا ما جعلوه لآلهتهم تركوه معتلِّين بأن الله تعالى غنيٌّ وما ذاك إلا لحب آلهتِهم وإيثارِهم لها )، والجعلُ إما متعدٍّ إلى واحد فالجارّان في قوله تعالى : لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ  متعلقان به، ومِنْ في قوله تعالى : مِنَ الحرث والأنعام  بيانٌ لما، وفيه تنبيهٌ على فرط جهالتِهم حيث أشركوا الخالقَ في خلقه جماداً لا يقدِر على شيء ثم رجّحوه عليه بأن جعلوا الزكيَّ له، أي عيَّنوا له تعالى مما خلقه من الحرث والأنعام  نَصِيباً  يصرِفونه إلى الضِيفان والمساكينِ، وتأخيرُه عن المجرورَيْن لما مرَّ مراراً من الاهتمام بالمقدَّمِ والتشويقِ إلى المؤخر، وإما إلى مفعولين أولُهما مما ذرأ على أن مِنْ تبعيضيةٌ أي جعلوا بعضَ ما خلقه نصيباً له وما قيل من أن الأولَ نصيباً والثاني لله لا يساعده سَدادُ المعنى، وحكايةُ جعلِهم له تعالى نصيباً تدل على أنهم جعلوا لشركائهم أيضاً نصيباً، ولم يُذْكر اكتفاءً بقوله تعالى : فَقَالُوا هذا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وهذا لِشُرَكَائِنَا  وقُرئ بضم الزاءِ، وهو لغةٌ فيه، وإنما قُيِّد به الأولُ للتنبيه على أنه في الحقيقة ليس بجعلٍ لله تعالى، غيرُ مستتبِعٍ لشيء من الثواب كالتطوعات التي يُبتغى بها وجهُ الله تعالى لا لما قيل من أنه للتنبيه على أن ذلك مما اخترعوه ولم يأمرهم الله تعالى به فإن ذلك مستفادٌ من الجعل، ولذلك لم يقيَّدْ به الثاني، ويجوز أن يكون ذلك تمهيداً لما بعده على معنى أن قولَهم هذا لله مجرَّدُ زعمٍ منهم لا يعملون بمقتضاه الذي هو اختصاصُه به تعالى فقوله تعالى : فَمَا كَانَ لِشُرَكَائِهِمْ فَلاَ يَصِلُ إِلَى الله وَمَا كَانَ لِلَّهِ فَهُوَ يَصِلُ إلى شُرَكَائِهِمْ  بيانٌ وتفصيلٌ له أي فما عيَّنوه لشركائهم لا يُصرَف إلى الوجوه التي يُصرف إليها ما عيّنوه لله تعالى من قِرى الضِيفان والتصدقِ على المساكين وما عيَّنوه لله تعالى إذا وجدوه زاكياً يُصرف إلى الوجوه التي يُصرف إليها ما عيّنوه لآلهتهم من إنفاق عليها وذبحِ نسائِكَ[(١)](#foonote-١) عندها والإجراءِ على سَدَنتها ونحو ذلك  سَاء مَا يَحْكُمُونَ  فيما فعلوا من إيثار آلهتِهم على الله تعالى وعملهم بما لم يُشرَعْ لهم و( ما ) بمعنى الذي، والتقديرُ ساء الذي يحكُمون حكمَهم فيكون حكمُهم مبتدأً وما قبله الخبرُ وحُذف لدِلالة يحكُمون عليه. 
١ النسائك: جمع نسيكة، وهي الذبيحة..

### الآية 6:137

> ﻿وَكَذَٰلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلَادِهِمْ شُرَكَاؤُهُمْ لِيُرْدُوهُمْ وَلِيَلْبِسُوا عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ ۖ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا فَعَلُوهُ ۖ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ [6:137]

وكذلك  ومثلَ ذلك التزيينِ وهو تزيينُ الشرك في قسمة القُربانِ بين الله تعالى وبين آلهتهم، أو مثلَ ذلك التزيينِ البليغِ المعهودِ من الشياطين  زَيَّنَ لِكَثِيرٍ منَ المشركين قَتْلَ أولادهم  بوأدهم ونحْرِهم لآلهتهم. كان الرجل يحلِف في الجاهلية لئن وُلد له كذا غلاماً لينحَرَنّ أحدهم كما حلف عبدُ المطلب وهو مشهور  شُرَكَاؤُهُمْ  أي أولياؤهم من الجن أو من السَّدَنة وهو فاعلُ زَيَّن أُخِّر عن الظرف والمفعولِ لما مر غيرَ مرةٍ، وقرئ على البناء للمفعول الذي هو القتلُ ونصبِ الأولاد وجرِّ الشركاء بإضافة القتلِ إليه مفصولاً بينهما بمفعوله وقرئ على البناء للمفعول ورفعِ قتل وجرِّ أولادِهم ورفعِ شركاؤهم بإضمار فعل دل عليه زُيِّن كأنه لما قيل : زُيِّن لهم قتلُ أولادِهم قيل : مَنْ زيَّنه ؟ فقيل : زينَّه شركاؤُهم  لِيُرْدُوهُمْ  أن يهلكوهم بالإغواء  وَلِيَلْبِسُوا عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ  وليخلِطوا عليهم ما كانوا عليه من دين إسماعيلَ عليه السلام أو ما وجب عليهم أن يتدينوا به واللامُ للتعليل إن كان التزيينُ من الشياطين وللعاقبة إن كان من السدنة  وَلَوْ شَاء الله  أي عدمَ فعلهم ذلك  ما فَعَلُوهُ  أي ما فعل المشركون ما زُيّن لهم من القتل أو الشركاءُ من التزيين أو الإرداء واللبس، أو الفريقان جميعَ ذلك على إجراء الضميرِ مُجرى اسمِ الإشارة  فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ  الفاءُ فصيحة أي إذا كان ما فعلوه بمشيئة الله تعالى فدعهم وافتراءَهم أو وما يفترونه من الإفك فإن فيما شاء الله تعالى حِكَماً بالغة إنما نُملي لهم ليزدادوا إثماً ولهم عذاب مهين، وفيه من شدة الوعيد ما لا يخفى.

### الآية 6:138

> ﻿وَقَالُوا هَٰذِهِ أَنْعَامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ لَا يَطْعَمُهَا إِلَّا مَنْ نَشَاءُ بِزَعْمِهِمْ وَأَنْعَامٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُهَا وَأَنْعَامٌ لَا يَذْكُرُونَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا افْتِرَاءً عَلَيْهِ ۚ سَيَجْزِيهِمْ بِمَا كَانُوا يَفْتَرُونَ [6:138]

وَقَالُوا  حكايةٌ لنوعٍ آخرَ من أنواع كفرِهم  هذه  إشارةٌ إلى ما جعلوه لآلهتهم والتأنيثُ للخبر  أنعامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ  أي حرام، فِعْلٌ بمعنى مفعول كالذِبح يستوي فيه الواحد والكثير والذكر والأنثى لأن أصله المصدر، ولذلك وقع صفةً لأنعامٌ وحرثٌ، وقرئ حُجُر بالضم وبضمتين وحَرَجٌ أي ضيق وأصله حرج وقيل : هو مقلوب من حجر  لا يَطْعَمُهَا إِلاَّ مَن نَشَاء  يعنون خدَمَ الأوثانِ من الرجال دون النساءِ والجملةُ صفةٌ أخرى لأنعامٌ وحرثٌ  بِزَعْمِهِمْ  متعلقٌ بمحذوف وهو حال من فاعل قالوا أي قالوه ملتبسين بزعمهم الباطلِ من غير حجة  وأنعام  خبرُ مبتدأ محذوفٍ والجملةُ معطوفةٌ على قوله تعالى : هذه أنعام  الخ، أي قالوا مشيرين إلى طائفة أخرى من أنعامهم وهذه أنعامٌ  حُرّمَتْ ظُهُورُهَا  يعنون بها البحائرَ والسوائبَ والحواميَ[(١)](#foonote-١)  وأنعام  أي وهذه أنعام كما مرَّ وقوله تعالى : لاَّ يَذْكُرُونَ اسم الله عَلَيْهَا  صفةٌ لأنعام لكنه غيرُ واقعٍ في كلامهم المحكيِّ كنظيره بل مَسوقٌ من جهته تعالى تعييناً للموصوف وتمييزاً له عن غيره كما في قوله تعالى : وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا المسيح عِيسَى ابن مَرْيَمَ رَسُولَ الله  \[ النساء، الآية ٥٧ \] على أحد التفاسير، كأنه قيل : وأنعامٌ ذُبحت على الأصنام فإنها التي لا يُذكر عليها اسمُ الله وإنما يُذكر عليها اسمُ الأصنام، وقيل : لا يحجّون عليها فإن الحجَّ لا يعرى عن ذكر الله تعالى. وقال مجاهد : كانت لهم طائفةٌ من أنعامهم لا يذكرون اسمَ الله عليها ولا في شيء من شأنها لا إن ركِبوا ولا إن حلَبوا ولا إن نُتجوا ولا إن باعوا ولا إن حمَلوا  افتراء عَلَيْهِ  نُصب على المصدر إما على أن ما قالوه تقوُّلٌ على الله تعالى، وإما على تقدير عاملٍ من لفظه، أي افترَوا افتراءً والجارُّ متعلقٌ بقالوا أو بافترَوا المقدّر، أو بمحذوف هو صفةٌ له لا بافتراءً لأن المصدرَ المؤكد لا يعمل، أو على الحال من فاعل قالوا، أي مفترين أو على العلة أي للافتراء فالجارُّ متعلق به  سَيَجْزِيهِم بِمَا كَانُوا يَفْتَرُونَ  أي بسببه أو بدله وفي إبهام الجزاءِ من التهويل ما لا يخفى. 
١ سبق الكلام على الوصيلة والبحيرة والسائبة. والحامي من الإبل: الذي طال مكثه عن أصحابه حتى صار له عشرة أبطن فيتركونه لا ينتفعون به ويقولون: حمى ظهره..

### الآية 6:139

> ﻿وَقَالُوا مَا فِي بُطُونِ هَٰذِهِ الْأَنْعَامِ خَالِصَةٌ لِذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ عَلَىٰ أَزْوَاجِنَا ۖ وَإِنْ يَكُنْ مَيْتَةً فَهُمْ فِيهِ شُرَكَاءُ ۚ سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ ۚ إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ [6:139]

وَقَالُوا  حكايةٌ لفن آخَرَ من فنون كفرهم  مَا في بُطُونِ هذه الأنعام  يعنون به أجنة البحائرِ والسوائبِ  خَالِصَةٌ لِذُكُورِنَا  حلالٌ لهم خاصةً والتاء للنقل إلى الاسمية أو للمبالغة، أو لأن الخالصة مصدرٌ كالعافية وقع موقعَ الخالصِ مبالغةً أو بحذف المضافِ أي ذو خالصة، أو للتأنيث بناء على أن ( ما ) عبارةٌ عن الأجنة والتذكير في قوله تعالى : وَمُحَرَّمٌ على أزواجنا  أي جنس أزواجِنا وهن الإناثُ باعتبار اللفظ، وفيه كما ترى حملٌ للنظم الكريم على خلاف المعهودِ الذي هو الحملُ على اللفظ أولاً وعلى المعنى ثانياً كما في قوله تعالى : وَمِنْهُمْ من يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ وَجَعَلْنَا على قُلُوبِهِمْ  \[ الأنعام، الآية ٢٥ \] الخ ونظائرِه، وإما العكسُ فقد قالوا إنه لا نظيرَ له في القرآن، وهذا الحكمُ منهم إن وُلد ذلك حيا وهو الظاهر المعتادُ  وَإِن يَكُن مَيْتَةً  أي إن ولدت ميتة  فَهُم  أي الذكورُ والإناث  فِيهِ  أي فيما في بطون الأنعامِ، وقيل : المرادُ بالميتة ما يعُمّ الذكرَ والأنثى فغلب الأولُ على الثاني  شُرَكَاء  يأكلون منه جميعاً وقرئ خالصةً بالنصب على أنه مصدرٌ مؤكد، والخبرُ لذكورنا، أو حالٌ من الضمير الذي في الظرف لا من الذي في ذكورنا ولا من الذكور لأنه لا يتقدم على العامل المعنويِّ ولا على صاحبه المجرورِ وقرئ خالصُهُ بالرفع والإضافة إلى الضمير على أنه بدل من ( ما ) أو مبتدأٌ ثانٍ  سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ  أي جزاءَ وصفِهم الكذبَ على الله تعالى في أمر التحليلِ والتحريمِ من قوله تعالى : وَتَصِفُ أَلْسِنَتُهُمُ الكذب  \[ النحل، الآية ٦٢ \]  إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ  تعليلٌ للوعيد بالجزاء، فإن الحكيمَ العليمَ بما صدر عنهم لا يكاد يترك جزاءَهم الذي هو من مقتضَيات الحكمة.

### الآية 6:140

> ﻿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلَادَهُمْ سَفَهًا بِغَيْرِ عِلْمٍ وَحَرَّمُوا مَا رَزَقَهُمُ اللَّهُ افْتِرَاءً عَلَى اللَّهِ ۚ قَدْ ضَلُّوا وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ [6:140]

قَدْ خَسِرَ الذين قَتَلُوا أولادهم  جوابُ قسمٍ محذوفٍ وقرئ بالتشديد وهم ربيعةُ ومضرُ وأضرابُهم من العرب الذين كانوا يئِدون بناتِهم مخافةَ السبْي والفقر أي خسِروا دينَهم ودنياهم  سَفَهاً بِغَيْرِ عِلْمٍ  متعلقٌ بقتلوا على أنه علة له أي لخِفة عقلهم وجهلِهم بأن الله هو الرزاقُ لهم ولأولادهم، أو نُصب على الحال ويؤيده أنه قرئ سفهاءَ، أو مصدر  وَحَرَّمُوا مَا رَزَقَهُمُ الله  من البحائر والسوائب ونحوهما  افتراء عَلَى الله  نُصب على أحد الوجوه المذكورة، وإظهارُ الاسم الجليل في موقع الإضمارِ لإظهار كمالِ عُتوِّهم وطغيانهم  قَدْ ضَلُّوا  عن الطريق المستقيم  وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ  إليه وإن هُدوا بفنون الهدايات أو وما كانوا مهتدين من الأصل لسوء سيرتِهم فالجملةُ حينئذ اعتراضٌ، وعلى الأول عطف على ضلوا.

### الآية 6:141

> ﻿۞ وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ جَنَّاتٍ مَعْرُوشَاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ مُخْتَلِفًا أُكُلُهُ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُتَشَابِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ ۚ كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ ۖ وَلَا تُسْرِفُوا ۚ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ [6:141]

وَهُوَ الذي أَنشَأَ جنات معروشات  تمهيد لما سيأتي من تفصيل أحوال الأنعامِ أي هو الذي أنشأهن من غير شركة لأحد في ذلك بوجه من الوجوه والمعروشاتُ من الكروم المرفوعاتُ على ما يحملها  وَغَيْرَ معروشات  وهن المُلْقَياتُ على وجه الأرض وقيل : المعروشاتُ ما غرسه الناسُ وعرّشوه وغيرُ المعروشات ما نبت في البوادي والجبال  والنخل والزرع  عطفٌ على جناتٍ أي أنشأهما  مُخْتَلِفًا أُكُلُهُ  وقرئ أُكْله بسكون الكاف أي ثمرُه الذي يُؤكل في الهيئة والكيفية، والضميرُ إما للنخل والزرعُ داخلٌ في حكمه، أو للزرع والباقي مَقيسٌ عليه، أو للجميع على تقدير كلِّ ذلك أو كلِّ واحد منهما ومختلفاً حالٌ مقدرة إذ ليس كذلك وقت الإنشاء  والزيتون والرمان  أي أنشأهما وقوله تعالى : متشابها وَغَيْرَ متشابه  نُصب على الحالية أي يتشابه بعضُ أفرادِهما في اللون والهيئةِ أو الطعم ولا يتشابه بعضها  كُلُوا مِن ثَمَرِهِ  أي من ثمر كل واحدٍ من ذلك  إِذَا أَثْمَرَ  وإن لم يدرك ولم يينع بعد وقيل : فائدته رخصة المالك في الأكل منه قبل أداء حق الله تعالى  وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ  أريد به ما كان يُتصدَّق به يوم الحصاد بطريق الواجب من غير تعيين المقدارِ لا الزكاةُ المقدرةُ فإنها فُرِضت بالمدينة والسورةُ مكية وقيل : الزكاةُ والآيةُ مدنيةٌ والأمر بإيتائها يوم الحصادِ لِيُهتمَّ به حينئذ حتى لا يؤخَّر عن وقت الأداء وليعلم أن الوجوبَ بالإدراك لا بالتصفية، وقرئ يومَ حِصاده بكسر الحاء وهو لغةٌ فيه  وَلاَ تُسْرِفُوا  أي في التصدق كما رُوي عن ثابت بن قيس أنه صرَم[(١)](#foonote-١) خمسَمائة نخلةٍ ففرَّق ثمرَها كلِّها ولم يُدخل منه شيئاً إلى منزله. كقوله تعالى : وَلاَ تَبْسُطْهَا كُلَّ البسط  \[ الإسراء، الآية ٢٩ \]  إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ المسرفين  أي لا يرتضي إسرافَهم. 
١ صرم النخل: جزّه..

### الآية 6:142

> ﻿وَمِنَ الْأَنْعَامِ حَمُولَةً وَفَرْشًا ۚ كُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ ۚ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ [6:142]

وَمِنَ الأنعام حَمُولَةً وَفَرْشًا  شروعٌ في تفصيل حال الأنعامِ وإبطالِ ما تقوَّلوا على الله تعالى في شأنها بالتحريم والتحليل، وهو عطفٌ على مفعول أنشأ، ومِنْ متعلقةٌ به أي وأنشأ من الأنعام ما يُحمل عليه الأثقالُ وما يُفرش للذبح أو ما يُفرش المصنوعُ من شعره وصوفِه ووبرِه، وقيل : الكبارُ الصالحةُ للحمل والصغارُ الدانيةُ من الأرض كأنها فُرشٌ مفروشٌ عليها  كُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ الله  ( ما ) عبارةٌ عما ذُكر من الحَمولة والفَرْش ومِنْ تبعيضيةٌ أي كلوا بعضَ ما رزقكم الله تعالى أي حلالَه، وفيه تصريحٌ بأن إنشاءَها لأجلهم ومصلحتِهم  وَلاَ تَتَّبِعُوا  في أمر التحليلِ والتحريمِ بتقليد أسلافِكم المجازفين في ذلك من تلقاء أنفسِهم المفترين على الله سبحانه  خطوات الشيطان  فإن ذلك منهم بإغوائه واستتباعِه إياهم  إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ  ظاهرُ العداوة.

### الآية 6:143

> ﻿ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ ۖ مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ ۗ قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الْأُنْثَيَيْنِ ۖ نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ [6:143]

ثمانية أزواج  الزوجُ ما معه آخَرُ من جنسه يُزاوجُه ويحصُل منهما النسلُ والمرادُ بها الأنواعُ الأربعةُ، وإيرادُها بهذا العنوان وهذا العددِ تمهيدٌ لما سيق له الكلامُ من الإنكار المتعلّقِ بتحريم كلِّ واحدٍ من الذكر والأنثى وبما في بطنها، وهو بدلٌ من حَمولةً وفرشاً منصوبٌ بما نَصَبهما، وجعلُه مفعولاً لكلوا على أن قوله تعالى : وَلاَ تَتَّبِعُوا  الآية، معترِضٌ بينهما، أو حالٌ مِنْ ما بمعنى مختلفةً أو متعددةً يأباه جزالةُ النظمِ الكريم لظهور أنه مَسوقٌ لتوضيح حالِ الأنعام بتفصيلها أولاً إلى حمولةٍ وفرْشٍ ثم بتفصيلها إلى ثمانية أزواجٍ حاصلةٍ من تفصيل الأولى إلى الإبل والبقر وتفصيلِ الثاني إلى الضأن والمَعَز ثم تفصيلِ كلَ من الأقسام الأربعة إلى الذكر والأنثى كلُّ ذلك لتحرير الموادِّ التي تقوّلوا فيها عليه سبحانه وتعالى.  منَ الضأن اثنين  بدلٌ من ثمانيةَ أزواج منصوبٌ بناصبه وهو العاملُ في مِنْ، أي أنشأ من الضأن زوجين الكبشَ والنعجة وقرئ اثنان على الابتداء، والضأنُ اسمُ جنس كالإبل وجمعُه ضَئين كأمير أو جمعُ ضائن كتاجر وتجْرٍ وقرئ بفتح الهمزة  وَمِنَ المعز اثنين  عطفٌ على مثله شريكٌ له في حكمه أي وأنشأ من المعز زوجين التيسَ والعنز وقرئ بفتح العين وهو جمعُ ماعز كصاحب وصحْب وحارس وحرَس، وقرئ ومن المِعْزى، وهذه الأزواجُ الأربعةُ تفصيلٌ للفَرْش ولعل تقديمَها في التفصيل مع تأخر أصلِها في الإجمال لكون هذين النوعين عرضةً للأكل الذي هو معظمُ ما يتعلق به الحِلُّ والحُرمة، وهو السرُّ في الاقتصار على الأمر به في قوله تعالى : كُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ الله  \[ الأنعام، الآية ١٤٢ \] من غير تعرضٍ للانتفاع بالحمل والركوب وغيرِ ذلك مما حرموه في السائبة وأخواتِها.  قُلْ  تلوينٌ للخطاب وتوجيهٌ له إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم إثرَ تفصيلِ أنواعِ الأنعامِ التي أنشأها، أي قل تبكيتاً لهم وإظهاراً لانقطاعهم عن الجواب  ءآلذكرين  من ذَيْنك النوعين وهما الكبشُ والتيسُ  حَرَّمَ  أي الله عز وجل كما تزعُمون أنه هو المحرّمُ  أَمِ الأنثيين  وهما النعجةُ والعنزُ ؟ ونُصب الذكرين والأنثيين بحَرَّم وهو مؤخّرٌ عنهما بحسب المعنى وإن توسط بينهما صورةً، وكذا قوله تعالى : أَمَّا اشتملت عَلَيْهِ أَرْحَامُ الأنثيين  أي أم ما حملت إناثُ النوعين حَرَّم ذكراً كان أو أنثى ؟ وقوله تعالى : نَبّئُونِي بِعِلْمٍ  الخ، تكريرٌ للإلزام وتثنيةٌ للتبكيت والإفحام أي أخبروني بأمر معلومٍ من جهة الله تعالى من الكتاب أو أخبارِ الأنبياءِ يدل على أنه تعالى حرم شيئاً مما ذُكر، أو نبئوني تنبئةً ملتبسةً بعلم صادرةً عنه  إِن كُنتُمْ صادقين  أي في دعوى التحريمِ عليه سبحانه.

### الآية 6:144

> ﻿وَمِنَ الْإِبِلِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْبَقَرِ اثْنَيْنِ ۗ قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الْأُنْثَيَيْنِ ۖ أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ وَصَّاكُمُ اللَّهُ بِهَٰذَا ۚ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَىٰ عَلَى اللَّهِ كَذِبًا لِيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ ۗ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ [6:144]

وقوله تعالى : وَمِنَ الإبل اثنين  عطفٌ على قوله تعالى : منَ الضأن اثنين  أي وأنشأ من الإبل اثنين هما الجمل والناقة  وَمِنَ البقر اثنين  ذكر وأنثى  قُلْ  إفحاماً لهم في أمر هذين النوعين أيضاً  ءآلذَّكَرَيْنِ  منهما  حَرَّمَ أَمِ الأنثيين أَمَّا اشتملت عَلَيْهِ أَرْحَامُ الأنثيين  من ذينك النوعين، والمعنى إنكارُ أن الله سبحانه حرَّم عليهم شيئاً من الأنواع الأربعةِ وإظهارُ كذبِهم في ذلك وتفصيلُ ما ذكر من الذكور والإناثِ وما في بطونها للمبالغة في الرد عليهم بإيراد الإنكارِ على كل مادةٍ من موادّ افترائِهم فإنهم كانوا يحرِّمون ذكورَ الأنعامِ تارةً وإناثَها تارة وأولادَها كيفما كانت تارة أخرى مسندين ذلك كلَّه إلى الله سبحانه، وإنما عُقّب تفصيلُ كلِّ واحدٍ من نوعي الصغارِ ونوعي الكبارِ بما ذكر من الأمر بالاستفهام والإنكارِ مع حصول التبكيتِ بإيراد الأرمِ عقيبَ تفصيلِ الأنواعِ الأربعةِ بأن يقال : قل آلذكورَ حرّم أم الإناثَ أم ما اشتملت عليه أرحامُ الإناث لما في التثنية والتكريرِ من المبالغة في التبكيت والإلزام وقوله تعالى : أَمْ كُنتُمْ شُهَدَاء  تكريرٌ للإفحام كقوله تعالى : نَبّئُونِي بِعِلْمٍ  وأمْ منقطعة، ومعنى الهمزةِ الإنكارُ والتوبيخُ ومعنى بل الإضراب عن التوبيخ بما ذكر إلى التوبيخ بوجه آخرَ أي بل أكنتم حاضرين مشاهدين  إِذْ وصاكم الله بهذا  أي حين وصّاكم بهذا التحريمِ إذ أنتم لا تؤمنون بنبيٍّ فلا طريقَ لكم حسبما يقود إليه مذهبُكم إلى معرفة أمثالِ ذلك إلا المشاهدةُ والسماعُ، وفيه من تركيك عقولِهم والتهكمِ بهم ما لا يخفى  فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افترى عَلَى الله كَذِبًا  فنسبَ إليه تحريمَ ما لم يحرِّم، والمراد كُبراؤهم المقرِّرون لذلك، أو عمْروُ بنُ لُحيِّ بنِ قُمعةَ وهو المؤسسُ لهذا الشرِّ، أو الكلُّ لاشتراكهم في الافتراء عليه سبحانه وتعالى أي فأيُّ فريقٍ أظلمُ من فريقٍ افتروا الخ، ولا يقدح في أظلمية الكلِّ كونُ بعضِهم مخترِعين له وبعضِهم مقتدين بهم، والفاءُ لترتيب ما بعدها على ما سبق من تبكيتهم وإظهارِ كذِبهم وافترائِهم أي هو أظلم من كل ظالمٍ وإن كان المنفيُّ صريحاً في الأظلمية دون المساواةِ كما مر غيرَ مرة  لِيُضِلَّ الناس  متعلق بالافتراء  بِغَيْرِ عِلْمٍ  متعلقٌ بمحذوف وقع حالاً من فاعل افترى، أي افترى عليه تعالى جاهلاً بصدور التحريمِ عنه تعالى، وإنما وُصفوا بعدم العلمِ بذلك مع أنهم علمون بعدم صدورِه عنه تعالى إيذاناً بخروجهم في الظلم عن الحدود والنهاياتِ فإن من افترى عليه تعالى بغير علم بصدوره عنه تعالى مع احتمال الصدورِ عنه إذا كان أظلمَ من كل ظالمٍ فما ظنُّك بمن افترى عليه تعالى وهو يعلم أنه لم يصدُرْ عنه ؟ ! ويجوز أن يكون حالاً من فاعل يُضِلّ أي ملتبساً بغير علم بما يؤدي بهم إليه  إِنَّ الله لاَ يَهْدِي القوم الظالمين  كائناً من كان إلى ما فيه صلاحُ حالهم عاجلاً أو آجلاً وإذا كان هذا حالُ المتصفين بالظلم في الجملة فما ظنُّك بمن هو في أقصى غاياتِه ؟

### الآية 6:145

> ﻿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَىٰ طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ ۚ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ [6:145]

قُلْ  أُمرَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم بعد إلزامِ المشركين وتبكيتِهم وبيانِ أن ما يتقوّلونه في أمر التحريمِ افتراءٌ بحتٌ لا أصلَ له قطعاً بأن يُبيِّن لهم ما حرّمه عليهم وفي قوله تعالى : لا أَجِدُ فِيمَا أُوْحِي إِلَيّ مُحَرَّمًا  إيذانٌ بأن مناطَ الحلِّ والحُرمةِ هو الوحيُ وأنه صلى الله عليه وسلم قد تتبع جميعَ ما أوحيَ إليه وتفحّص عن المحرمات فلم يجد غيرَ ما فُصِّل، وفيه مبالغةٌ في بيان انحصارِها في ذلك و( محرّماً ) صفةٌ لمحذوف أي لا أجد ريثما[(١)](#foonote-١) تصفحْتُ ما أوحيَ إلي طعاماً محرماً من المطاعم التي حرَّموها  على طَاعِمٍ  أي أيِّ طاعمٍ كان من ذكر أو أنثى رداً على قولهم : مُحَرَّمٌ على أزواجنا  \[ الأنعام، الآية ١٣٩ \] وقولُه تعالى : يَطْعَمُهُ  لزيادة التقريرِ  إِلا أَن يَكُونَ  أي ذلك الطعامُ  مَيْتَةً  وقرئ تكونَ بالتاء لتأنيث الخبرِ وقرئ ميتةٌ بالرفع على أن كان تامةٌ وقوله تعالى : أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا  حينئذ عطفٌ على أنْ مع ما في حيزه، أي إلا وجودَ ميتةٍ أو دماً مسفوحاً أي مصبوباً كالدماء التي في العروق لا كالطحال والكبِد  أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ  أي الخنزيرَ  رِجْسٌ  أي لحمُه قذرٌ لتعوده أكلَ النجاسات أو خبيثٌ  أَوْ فِسْقًا  عطف على لحمَ خنزيرٍ وما بينهما اعتراضٌ مقرِّر لحرمته  أُهِلَّ لِغَيْرِ الله بِهِ  صفةٌ له موضّحة أي ذُبح على اسم الأصنامِ، وإنما سُمِّي ذلك فسقاً لتوغله في الفسق، ويجوز أن يكون فسقاً مفعولاً له لأُهِلَّ وهو عطف على يكون والمستكن راجعٌ إلى ما رجع إليه المستكن في يكون.  فَمَنِ اضطُرّ  أي أصابته الضَّرورةُ الداعيةُ إلى أكل الميتة بوجه من الوجوه المضطرة  غَيْرَ بَاغٍ  في ذلك على مضطر آخرَ مثلِه  وَلاَ عَادٍ  قدرَ الضرورة  فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ  مبالغٌ في المغفرة والرحمة لا يؤاخذه بذلك، وليس التقييدُ بالحال الأولى لبيان أنه لو لم يوجَد القيدُ لتحققت الحرمة المبحوثُ عنها بل للتحذير من حرام آخرَ هو أخذُه حقِّ مضطرٍ آخرَ فإن من أخذ لحمَ الميتة من يد مضطرٍ آخرَ فأكله فإن حرمتَه ليست باعتبار كونِه لحمَ الميتة بل باعتبار كونه حقاً للمضطر الآخرِ، وأما الحالُ الثانيةُ فلتحقيق زوالِ الحرمةِ المبحوثِ عنها قطعاً، فإن التجاوزَ عن القدر الذي يُسدّ به الرمقُ حرامٌ من حيث إنه لحمُ الميتة، وفي التعرض لوصفي المغفرةِ والرحمةِ إيذانٌ بأن المعصيةَ باقيةٌ لكنه تعالى يغفرُ له ويرحمه، والآيةُ محكمةٌ لأنها تدل على أنه صلى الله عليه وسلم لم يجد فيما أوحيَ إليه إلى تلك الغاية غيرَه، ولا ينافيه ورودُ التحريمِ بعد ذلك في شيء آخرَ فلا يصِحُّ الاستدلالُ بها على نسخ الكتابِ بخبر الواحدِ ولا على حل الأشياءِ التي هي غيرُها إلا مع الاستصحاب. 
١ أي مقدار ما تصفحت ذلك. ويقال: ما قعد عندنا إلا ريثما فعل كذا، أي إلا مقدرا ما فعل كذا..

### الآية 6:146

> ﻿وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ ۖ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا إِلَّا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا أَوِ الْحَوَايَا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ ۚ ذَٰلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِبَغْيِهِمْ ۖ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ [6:146]

وَعَلَى الذين هَادُوا  خاصة لا على مَنْ عداهم من الأولين والآخِرين  حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ  أي كلَّ ما له أصبَعٌ من الإبل والسباعِ والطيورِ وقيل : كلَّ ذي مِخْلبٍ وحافرٍ، وسُمِّيَ الحافرُ ظفُراً مجازاً والمسبَّبُ عن الظلم هو تعميمُ التحريمِ حيث كان بعضُ ذواتِ الظفرِ حلالاً لهم فلما ظلموا عم التحريمُ كلَّها وهذا تحقيقٌ لما سلف من حصر المحرَّماتِ فيما فُصِّل بإبطال ما يخالِفُه من فرية اليهودِ وتكذيبِهم في ذلك فإنهم كانوا يقولون : لسنا أولَ من حرُمت عليه وإنما كانت محرمةً على نوح وإبراهيمَ ومَنْ بعدَهما حتى انتهى الأمر إلينا.  وَمِنَ البقر والغنم حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا  لا لحومَهما فإنها باقيةٌ على الحل، والشحومُ الثروبُ[(١)](#foonote-١) وشحومُ الكلى والإضافةُ لزيادة الربطِ  إِلاَّ مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا  استئناءٌ من الشحوم مُخرِّج لما علِق من الشحم بظهورهما عن حكم التحريم.  أَوِ الحوايا  عطفٌ على ظهورهما أي ما حملته الحوايا[(٢)](#foonote-٢) وهي جمعُ حاوية أو حاوِياء كقاصِعاء وقواصِعَ أو حَواية كسفينة وسفائن  أَوْ مَا اختلط بِعَظْمٍ  عطف على ما حمَلَتْ وهو شحمُ الأَلْيةِ واختلاطُه بالعظم اتصالُه بعَجْب[(٣)](#foonote-٣) الذنب، وقيل : هو كلُّ شحمٍ متصلٍ بالعظم من الأضلاع وغيرِها  ذلك  إشارة إلى الجزاء أو التحريم، فهو على الأول نُصب على أنه مصدرٌ مؤكدٌ لما بعده وعلى الثاني على أنه مفعولٌ ثانٍ له أي ذلك التحريمُ  جزيناهم بِبَغْيِهِمْ  بسبب ظلمِهم وهو قتلُهم الأنبياءَ بغير حق وأكلُهم الربا وقد نُهوا عنه وأكلُهم أموالَ الناس بالباطل، كقوله تعالى : فَبِظُلْمٍ منَ الذين هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طيبات أُحِلَّتْ لَهُمْ  \[ النساء، الآية ١٦٠ \] وكانوا كلما أتَوْا بمعصية عُوقبوا بتحريم شيءٍ مما أحل لهم وهم ينكرون ذلك ويدّعون أنها لم تزَلْ محرمةً على الأمم، فرُدَّ ذلك عليهم وأُكِّد بقوله تعالى : وإِنَّا لصادقون  أي في جميع أخبارِنا التي من جملتها هذا الخبرُ، ولقد ألقمهم الحجرَ قوله تعالى : كُلُّ الطعام كَانَ حِلاًّ لبَنِي إسرائيل إِلاَّ مَا حَرَّمَ إسرائيل على نَفْسِهِ مِن قَبْلِ أَن تُنَزَّلَ التوراة قُلْ فَأْتُوا بالتوراة فاتلوها إن كنتم صادقين  \[ آل عمران، الآية ٩٣ \] روي أنه صلى الله عليه وسلم لما قال لهم ذلك بُهتوا ولم يجسُروا أن يُخرِجوا التوراة، كيف وقد بُيِّن فيها جميعُ ما يحذرون أوضحَ بيان. 
١ الثروب: شحم رقيق يغشّي الكرش والأمعاء..
٢ الحوايا: الأمعاء..
٣ العَجْب: مؤخَّر كل شيء..

### الآية 6:147

> ﻿فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ رَبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ وَاسِعَةٍ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُهُ عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ [6:147]

فَإِن كَذَّبُوكَ  قيل : الضمير لليهود لأنهم أقربُ ذِكراً ولذكر المشركين بعد ذلك بعنوان الإشراك، وقيل : للمشركين، فالمعنى على الأول إن كذبتْك اليهودُ في الحكم المذكورِ وأصروا على ما كانوا عليه من ادعاء قِدَم التحريم  فَقُلْ  لهم  رَبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ واسعة  لا يؤاخذكم بكل ما تأتونه من المعاصي ويُمهلكم على بعضها  وَلاَ يُرَدُّ بَأْسُهُ  بالكلية  عَنِ القوم المجرمين  فلا تنكروا ما وقع منه تعالى من تحريمِ بعضِ الطيبات عليكم عقوبةً وتشديداً، وعلى الثاني فإن كذبك المشركون فيما فُصل من أحكام التحليل والتحريمِ فقل لهم : ربُكم ذو رحمةٍ واسعة لا يعاجلكم بالعقوبة على تكذيبكم فلا تغتروا بذلك فإنه إمهالٌ لا إهمالٌ، وقيل : ذو رحمةٍ للمطيعين وذو بأس شديد على المجرمين فأقيم مُقامَه قوله تعالى : وَلاَ يُرَدُّ بَأْسُهُ  الخ، لتضمنه التنبيهَ على إنزال البأسِ عليهم مع الدلالة على أنه لا حقّ بهم البتةَ من غير صارفٍ يصرِفه عنهم أصلاً.

### الآية 6:148

> ﻿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ ۚ كَذَٰلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّىٰ ذَاقُوا بَأْسَنَا ۗ قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا ۖ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ [6:148]

سَيَقُولُ الذين أَشْرَكُوا  حكاية لفن آخرَ من كفرهم، وإخبارُه قبل وقوعِه ثم وقوعُه حسبما أُخبر به كما يحكيه قوله تعالى عند وقوعِه : وَقَالَ الذين أَشْرَكُوا لَوْ شاء الله مَا عَبَدْنَا مِن دُونِهِ مِن شيء  \[ النمل، الآية ٣٥ \] صريحٌ في أنه من عند الله تعالى  لَوْ شَاء الله مَا أَشْرَكْنَا  أي لو شاء خلافَ ذلك مشيئةَ ارتضاءٍ لما فعلنا الإشراك نحن  وَلاَ آبَاؤُنَا وَلاَ حَرَّمْنَا مِن شيء  أرادوا به أن ما فعلوه حقٌّ مرضيٌّ عند الله تعالى لا الاعتذارَ من ارتكاب هذه القبائحِ بإرادة الله تعالى إياها منهم حتى ينتهض ذمُّهم به دليلاً للمعتزلة، ألا يُرى إلى قوله تعالى : كذلك كَذَّبَ الذين مِن قَبْلِهِمْ  أي مثلَ ما كذّبك هؤلاءِ في أنه تعالى منَع من الشرك ولم يحرِّم ما حرموه كذّب متقدِّموهم الرسلَ فإنه صريحٌ فيما قلنا، وعطفُ آباؤنا على الضمير للفصل بلا  حتى ذَاقُوا بَأْسَنَا  الذي أنزلنا عليهم بتكذيبهم  قُلْ هَلْ عِندَكُم منْ عِلْمٍ  من أمر معلوم يصِحّ الاحتجاجُ به على ما زعمتم  فَتُخْرِجُوهُ لَنَا  أي فتُظهروه لنا  إِن تَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظن  أي ما تتبعون في ذلك إلا الظنَّ الباطلَ الذي لا يغني من الحق شيئاً  وَإِنْ أَنتُمْ إِلاَّ تَخْرُصُونَ  تكذِبون على الله عز وجل وليس فيه دلالةٌ على المنع من اتباع الظنِّ على الإطلاق بل فيما يعارضه قطعي.

### الآية 6:149

> ﻿قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ ۖ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ [6:149]

قُلْ فَلِلَّهِ الحجة البالغة  الفاء جوابُ شرطٍ محذوفٍ أي وإذ قد ظهر أن لا حجةَ لكم فللَّه الحجةُ البالغة أي البينةُ الواضحة التي بلغت غايةَ المتانةِ والثباتِ أو بلغ بها صاحبُها صحةَ دعواه، والمرادُ بها الكتابُ والرسولُ والبيانُ، وهي من الحج بمعنى القصدَ كأنها تقصُد إثباتَ الحُكم وتطلُبه  فَلَوْ شَاء  هدايتَكم جميعاً  لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ  بالتوفيق لها والحملِ عليها ولكن لم يشأْ هدايةَ الكلِّ بل هدايةَ البعضِ الصارفين هِممَهم إلى سلوك طريقِ الحقِّ وضلالَ آخرين صرفوا اختيارَهم إلى خلاف ذلك من غير صارفٍ يَلْويهم ولا عاطفٍ يَثْنيهم.

### الآية 6:150

> ﻿قُلْ هَلُمَّ شُهَدَاءَكُمُ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ أَنَّ اللَّهَ حَرَّمَ هَٰذَا ۖ فَإِنْ شَهِدُوا فَلَا تَشْهَدْ مَعَهُمْ ۚ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَهُمْ بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ [6:150]

قُلْ هَلُمَّ شُهَدَاءكُمُ  أي أحضِروهم وهو اسمُ فعلٍ لا يتصرَّف على لغة أهلِ الحجاز، وفعلٌ يؤنث ويُجمع على لغة بني تميم على رأي الجمهور وقد خالفهم البعض في فعليته وليس بشيء، وأصلُه عند البصريين هالُمّ من لَمّ إذا قصَد حُذفت الألفُ لتقدير السكون في اللام فإنه الأصل وعند الكوفيين هلْ أُمَّ فحذفت الهمزةُ بإلقاء حركتِها على اللام وهو بعيد لأن هل تدخل على الأمر ويكون متعدياً كما في الآية ولازماً كما في قوله تعالى : هَلُمَّ إِلَيْنَا   الذين يَشْهَدُونَ أَنَّ الله حَرَّمَ هذا  وهم قدوتُهم الذين ينصُرون قولَهم وإنما أُمروا باستحضارهم ليُلزِمَهم الحجةَ ويظهر بانقطاعهم ضلالتَهم وأنه لا متمسَّكَ لهم كمن يقلدهم ولذلك قُيّد الشهداءُ بالإضافة ووُصفوا بما يدل على أنهم شهداءُ معروفون بالشهادة لهم وبنُصرة مذهبهم  فَإِن شَهِدُوا  بعد ما حضَروا بأن الله حرم هذا  فَلاَ تَشْهَدْ مَعَهُمْ  أي فلا تصدقْهم فإنه كذِبٌ بحتٌ وافتراءٌ صِرْفٌ وبيِّنْ لهم فسادَه فإن تسليمَه منهم موافقةٌ لهم في الشهادة الباطلة  وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاء الذين كَذَّبُوا بآياتنا  من وضع المظهرِ مقامَ المضمرِ للدِلالة على أن من كذَّب بآياتِ الله تعالى وعدَل به غيرَه فهو متبعٌ لا غيرُ، وأن من اتبع الحجةَ لا يكون إلا مصدقاً بها  والذين لاَ يُؤْمِنُونَ بالآخرة  كعبدة الأوثان، عطفٌ على الموصول الأولِ بطريق عطفِ الصفةِ على الصفة مع اتحاد الموصوفِ كما في قوله :\[ المتقارب \]إلى الماجد القَرْمِ وابنِ الهمام  وليثِ الكتائبِ في المزدَحَمْ[(١)](#foonote-١)فإن من يكذب بآياته تعالى لا يؤمن بالآخرة وبالعكس  وَهُم بِرَبِهِمْ يَعْدِلُونَ  أي يجعلون له عديلاً، عطفٌ على لا يؤمنون، والمعنى لا تتبع أهواءَ الذين يجمعون بين تكذيبِ آياتِ الله وبين الكفرِ بالآخرة وبين الإشراكِ به سبحانه. لكن لا على أن يكون مدارُ النهي الجمعُ المذكورُ بل على أن أولئك جامعون لها متصفون بكلها. 
١ ويروي: إلى الملك القرم وابن الهمام  وليث الكتيبة في المزدحَم والبيت ورد بلا نسبة في الإنصاف ٢/٤٦٩؛ وخزانة الأدب ١/٤٥١؛ وشرح قطر الندى ص ٢٩٥؛ والكشاف للزمخشري: في معرض تفسير الآية ٤ من سورة البقرة. والقرم: الرجل العظيم. والمزدحم: موطن الحرب..

### الآية 6:151

> ﻿۞ قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ ۖ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا ۖ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا ۖ وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ ۖ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ ۖ وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ ۖ وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ۚ ذَٰلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ [6:151]

قُلْ تَعَالَوْا  لما ظهر بُطلانُ ما ادعَوْا من أن إشراكَهم وإشراكَ آبائِهم وتحريمَ ما حرموه بأمر الله تعالى ومشيئتِه بظهور عجْزِهم عن إخراج شيءٍ يُتمسّك به في ذلك وإحضارِ شهداءَ يشهدون بما ادعَوْا في أمر التحريم بعد ما كُلّفوه مرةً بعد أخرى عجزاً بيناً أُمر رسولُ الله صلى الله عليه وسلم بأن يبينَ لهم من المحرمات ما يقتضي الحالُ بيانَه على الأسلوب الحكيم إيذاناً بأن حقَّهم الاجتنابُ عن هذه المحرماتِ، وأما الأطعمةُ المحرمةُ فقد بُينت بقوله تعالى : قُل لا أَجِدُ  \[ الأنعام، الآية ١٤٥ \] الآية، وتعالَ أمرٌ من التعالي والأصلُ فيه أن يقوله من مكان عالٍ لمن هو في أسفلَ منه ثم اتُّسع فيه بالتعميم، كما أن الغنيمة في الأصل إصابةُ الغَنَم من العدو ثم استعملت في إصابة كلِّ ما يُصاب منهم اتساعاً ثم في الفوز بكل مطلبٍ من غير مشقة  اتلُ  جوابُ الأمر وقوله تعالى : مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ  منصوبٌ به على أن ( ما ) موصولةٌ والعائدُ محذوفٌ، أي اقرأْ الذي حرمه ربُّكم أي الآياتِ المشتمِلةَ عليه، أو مصدريةٌ أي الآياتِ المشتملة على تحريمه أو بحرم على أنها استفهاميةٌ، والجملةُ مفعولٌ لأتلُ لأن التلاوةَ من باب القول، كأنه قيل : أقُلْ أيُّ شيءٍ حرم ربكم  عَلَيْكُمْ  متعلقٌ بحرّم على كل حال، وقيل : بأتلُ والأول أنسبُ بمقام الاعتناءِ بإيجاب الانتهاءِ عن المحرمات المذكورةِ وهو السرُّ في العرض لعنوان الربوبيةِ مع الإضافة إلى ضميرهم، فإن تذكيرَ كونِه تعالى رباً لهم ومالكاً لأمرهم على الإطلاق من أقوى الدواعي إلى انتهائهم عما نهاهم عنه أشدَّ انتهاءٍ وأنْ في قوله تعالى : أَن لا تُشْرِكُوا بِهِ  مفسرةٌ لفعل التلاوةِ المعلَّقِ بما حرم، و( لا ) ناهيةٌ كما ينبئ عنه عطفُ ما بعده من الأوامر والنواهي عليه، وليس من ضرورة كونِ المعطوفِ عليه تفسيراً لتلاوة المحرمات بحسب منطوقه كونُ المعطوفاتِ أيضاً كذلك حتى يمتنع انتظامُ الأوامر في سلك العطفِ عليه بل يكفي في ذلك كونُها تفسيراً لها باعتبار لوازمِها التي هي النواهي المتعلقةُ بأضداد ما تعلقت هي به، فإن الأمرَ بالشيء مستلزمٌ للنهي عن ضده بل هو عينُه عند البعض، كأن الأوامرَ ذُكرت وقُصد لوازمُها، فإن عطفَ الأوامرِ على النواهي الواقعةِ بعد أن المفسر لتلاوة المحرماتِ مع القطع بأن المأمورَ به لا يكون محرماً، دليلٌ واضحٌ على أن التحريمَ راجعٌ إلى الأضداد على الوجه المذكور فكأنه قيل : أتلُ ما حرم ربكم أن لا تشركوا ولا تُسيئوا إلى الوالدين خلا أنه قد أُخرج مُخرجَ الأمرِ بالإحسان إليهما بين النهيَين المكتنِفين له للمبالغة في إيجاب مراعاةِ حقوقِهما فإن مجرَّدَ تركِ الإساءةِ إليهما غيرُ كافٍ في قضاء حقوقِهما، ولذلك عُقّب به النهيُ عن الإشراك الذي هو أعظمُ المحرماتِ وأكبرُ الكبائرِ هاهنا في سائر المواقعِ، وقيل :( أن ) ناصبةٌ ومحلُّها النصبُ بعليكم على أنه للإغراء، وقيل : النصبُ على البدلية مما حرم وقيل : من عائدها المحذوفِ على أن لا زائدة، وقيل : الجرُّ بتقدير اللام وقيل : الرفع بتقدير المتلُوِّ أن لا تشركوا، أو المحرَّمُ أن لا تشركوا بزيادة لا وقيل : والذي عليه التعويلُ هو الأول لأمور من جملتها أن في إخراج المفسَّرِ على صورة النهي مبالغةً في بيان التحريمِ وقوله تعالى : شَيْئاً  نُصب على المصدرية أو المفعولية أي لا تشركوا به شيئاً من الإشراك أو شيئاً من الأشياء  وبالوالدين  أي وأحسِنوا بهما  إحسانا  وقد مرّ تحقيقه  وَلاَ تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ  تكليفٌ متعلق بحقوق الأولادِ عقّب به التكليفَ المتعلقَ بحقوق الوالدين أي لا تقتلوهم بالوأد  منْ إملاق  أي من أجل فقرٍ كما في قوله تعالى : خشْيَةَ إملاق  \[ الإسراء، الآية ٣١ \] وقيل : هذا في الفقر الناجزِ وذا في المتوقَّع وقوله تعالى : نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ  استئنافٌ مَسوقٌ لتعليل النهي وإبطالِ سببيةِ ما اتخذوه سبباً لمباشرة المنهيِّ عنه وضمانٌ منه تعالى لأرزاقهم أي نحن نرزق الفريقين لا أنتم فلا تخافوا الفقرَ بناءً على عجزكم عن تحصيل الرزق وقوله تعالى : وَلاَ تَقْرَبُوا الفواحش  كقوله تعالى : وَلاَ تَقْرَبُوا الزنا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً  \[ الإسراء، الآية ٣٢ \] إلا أنه جيء هاهنا بصيغة الجمعِ قصداً إلى النهي عن أنواعها ولذلك أُبدل عنها قولُه تعالى : مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ  أي ما يُفعل منها علانية في الحوانيت كما هو دأَبُ أراذلِهم وما يفعل سراً باتخاذ الأخدانِ كما هو عادةُ أشرافِهم. وتعليقُ النهي بقُربانها إما للمبالغة في الزجر عنها لقوة الدواعي إليها وإما لأن قربانَها داعٍ إلى مباشرتها، وتوسيطُ النهي عنها بين النهي عن قتل الأولادِ والنهي عن القتلِ مطلقاً كما وقع في سورة بني إسرائيلَ باعتبار أنها مع كونها في نفسها جنايةً عظيمةً في حكم قتلِ الأولادِ فإن أولادَ الزنا في حكم الأموات وقد قال صلى الله عليه وسلم في حق العزلِ :**«إن ذاك وأدٌ خفيٌّ »** ومن هاهنا تبين أن حملَ الفواحشِ على الكبائر مطلقاً وتفسير ما ظهر منها وما بطن بما فُسِّر به ظاهِرُ الإثمِ وباطنُه فيما سلف من قبيل الفصلِ بين الشجر ولِحائِه[(١)](#foonote-١).  وَلاَ تَقْتُلُوا النفس التي حَرَّمَ الله  أي حرم قتلَها بأن عصمَها بالإسلام أو بالعهد فيخرُج منها الحربيُّ وقوله تعالى : إِلاَّ بالحق  استثناءٌ مفرّغٌ من أعم الأحوالِ أي لا تقتلوها في حال من الأحوال إلا حالَ ملابستِكم بالحق الذي هو أمرُ الشرعِ بقتلها، وذلك بالكفر بعد الإيمان، والزنا بعد الإحصان، وقتلِ النفسِ المعصومةِ، أو من أعمِّ الأسباب أي لا تقتلوها بسبب من الأسباب إلا بسبب الحقِّ وهو ما ذكر، أو من أعمِّ المصادر أي لا تقتُلوها قتلاً ما إلا قتلاً كائناً بالحق وهو القتلُ بأحد الأمور المذكورة  ذلكم  إشارةٌ إلى ما ذكر من التكاليف الخمسةِ، وما في ذلك من معنى البُعد للإيذان بعلوّ طبقاتِها بين التكاليف الشرعية، وهو مبتدأ وقوله تعالى : وصاكم بِهِ  أي أمركم به ربكم أمراً مؤكداً خبرُه، والجملة استئنافٌ جيء به تجديداً للعهد وتأكيداً لإيجاب المحافظةِ على ما كُلِّفوه ولما كانت الأمورُ المنهيُّ عنها مما تقضي بديهةُ العقول بقُبحها فُصِّلت الآيةُ الكريمة بقوله تعالى : لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ  أي تستعملون عقولَكم التي تعقِل نفوسَكم وتحبِسُها عن مباشرة القبائحِ المذكورة. 
١ أي من قبيل التعسُّف. ولحاء الشجر: قشرته التي تغلّفه..

### الآية 6:152

> ﻿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّىٰ يَبْلُغَ أَشُدَّهُ ۖ وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ ۖ لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا ۖ وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَىٰ ۖ وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا ۚ ذَٰلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ [6:152]

وَلاَ تَقْرَبُوا مَالَ اليتيم  توجيهُ النهي إلى قُربانه من المبالغة في النهي عن أكله ولإخراج القُربان النافعِ عن حكم النهي بطرق الاستثناءِ، أي لا تتعرضوا له بوجه من الوجوه  إِلاَّ بالتي هِي أَحْسَنُ  إلا بالخَصلة التي هي أحسنُ ما يكون من الحِفظ والتثميرِ ونحو ذلك، والخطابُ للأولياء والأوصياء لقوله تعالى : حتى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ  فإنه غايةٌ لما يُفهم من الاستثناء لا للنهي كأنه قيل : احفظوه حتى يصيرَ بالغاً رشيداً فحينئذ سلّموه إليه كما في قوله تعالى : فإن آنستم منهم رُشدا فادفعوا إليهم أموالهم  \[ النساء، الآية ٦ \] والأشُدُّ جمع شِدّة كنعمة وأنعم أو شَدّ ككلب وأكلُب أو شد كصر وآصر وقيل : هو مفرد كآنُك[(١)](#foonote-١)  وَأَوْفُوا الكيل والميزان بالقسط  أي بالعدل والتسوية  لاَ نُكَلّفُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا  إلا ما يسعُها ولا يعسُر عليها، وهو اعتراضٌ جيء به عَقيبَ الأمرِ بالأمر للإيذان بأن مراعاةَ العدلِ كما هو عسيرٌ كأنه قيل : عليكم بما في وسعكم وما وراءه معفوٌّ عنكم  وَإِذَا قُلْتُمْ  قولاً في حكومة أو شهادة أو نحوِهما  فاعدلوا  فيه  وَلَوْ كَانَ  أي المقولُ له أو عليه  ذَا قربى  أي ذا قرابةٍ منكم ولا تميلوا نحوهم أصلاٌ وقد مر تحقيق معنى لو في مثل هذا الموضعِ مراراً  وَبِعَهْدِ الله أَوْفُوا  أي ما عَهد إليكم من الأمور المعدودةِ، أو أيِّ عهدٍ كان فيدخُل فيه ما ذُكر دخولاً أولياً أو ما عاهدتم الله عليه من الإيمان والنذور، وتقديمُه للاعتناء بشأنه  ذلكم  إشارةٌ إلى ما فُصِّل من التكاليف، ومعنى البُعد لما ذكر فيما قبل  وصاكم بِهِ  أمركم به أمراً مؤكداً  لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ  تتذكرون ما في تضاعيفه وتعملون بمقتضاه، وقرئ بتشديد الذالِ وهذه أحكامٌ عشَرةٌ لا تختلف باختلاف الأممِ والأعصارِ. عن ابن عباس رضي الله عنهما ( هذه آياتٌ محكماتٌ لم ينسَخْهن شيء من جميع الكتُب وهن محرماتٌ على بني آدم كلِّهم وهن أمُّ الكتابِ، من عمِل بهن دخلَ الجنة ومن تركهن دخلَ النار ). وعن كعب الأحبارِ والذي نفسُ كعبٍ بيده إن هذه الآياتِ لأولُ شيءٍ في التوراة بسم الله الرحمان الرحيم قل : تعالَوا الآيات. . . 
١ الآنك: الرصاص الأسود، أو القصدير..

### الآية 6:153

> ﻿وَأَنَّ هَٰذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ ۖ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ۚ ذَٰلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ [6:153]

وَأَنَّ هذا صراطي  إشارةٌ إلى ما ذكر في الآيتين من الأمر والنهي، قاله مقاتل وقيل : إلى ما ذكر في السورة فإنها بأسرها في إثبات التوحيدِ والنبوة وبيانِ الشريعة، وقرئ صراطيَ بفتح الياء، ومعنى إضافتِه إلى ضميره عليه الصلاة والسلام انتسابُه إليه عليه الصلاة والسلام من حيث السلوكُ لا من حيث الوضعُ كما في صراط الله، والمرادُ بيانُ أن ما فُصِّل من الأوامر والنواهي غيرُ مختصةٍ بالمتلو عليهم بل متعلقةٌ به عليه الصلاة والسلام أيضاً وأنه صلى الله عليه وسلم مستمرٌّ على العمل بها ومراعاتِها وقوله تعالى : مُسْتَقِيماً  حالٌ مؤكدةٌ، ومحل أن مع ما في حيزها الجرُّ بحذف لام العلة أي ولأن هذا صراطي أي مسلكي مستقيماً  فاتّبعوه  كقوله تعالى : وَأَنَّ المساجد لِلَّهِ فَلاَ تَدْعُوا مَعَ الله أَحَداً  \[ الجن، الآية ١٨ \] وتعليلُ إتباعِه بكونه صراطَه عليه الصلاة والسلام لا بكونه صراطَ الله تعالى، مع أنه في نفسه كذلك من حيث سلوكُه صلى الله عليه وسلم، فيه داعٍ للخلق إلى الاتّباع إذ بذلك يتضح عندهم كونُه صراطَ الله عز وجل، وقرئ بكسر الهمزة على الاستئناف، وقرئ أنْ هذا مخففةً من أنّ، على أن اسمَها الذي هو ضميرُ الشأنِ محذوفٌ وقرئ صراطي وقرئ هذا صراطي وقرئ وهذا صراطُ ربِّكم وهذا صراطُ ربِّك  وَلاَ تَتَّبِعُوا السُّبُل  الأديانَ المختلفةَ أو طرقَ البدع والضلالات  فَتَفَرَّقَ بِكُمْ  بحذف إحدى التاءين، والباء للتعدية أي فتفرِّقَكم حسَبَ تفرُّقِها أياديَ سبا فهو كما ترى أبلغُ من تفرقكم كما قيل من أن ذهَبَ به، لما فيه من الدلالة على الاستصحاب، أبلغُ من أذهبه  عَن سَبِيلِهِ  أي سبيل الله الذي لا عِوَجَ فيه ولا حرج، وهو دين الإسلام الذي ذُكر بعضُ أحكامه وقيل : هو اتباعُ الوحي واقتفاءُ البرهان، وفيه تنبيهٌ على أن صراطَه عليه الصلاة والسلام عينُ سبيل الله تعالى  ذلكم  إشارةٌ إلى ما مر من اتباع سبيلِه تعالى وتركِ اتباعِ سائر السبل  وصّاكم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ  اتباعَ سبُلِ الكفر والضلالة.

### الآية 6:154

> ﻿ثُمَّ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ تَمَامًا عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لَعَلَّهُمْ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ [6:154]

ثُمَّ آتَيْنَا مُوسَى الكتاب  كلامٌ مسوقٌ من جهته تعالى تقريراً للوصية وتحقيقاً لها وتمهيداً لما يعقُبه من ذكر القرآنِ المجيد كما ينبئ عنه تغييرُ الأسلوب بالالتفات إلى التكلم معطوفٌ على مقدر يقتضيه المقامُ ويستدعيه النظامُ كأنه قيل بعد قوله تعالى : ذلكم وصاكم بِهِ  \[ الأنعام، الآية ١٥١ و١٥٢ و١٥٣ \] بطريق الاستئنافِ تصديقاً له وتقريراً لمضمونه : فعلنا ذلك ثم آتينا الخ، كما أن قوله تعالى : وَنَطْبَعُ على قُلُوبِهِمْ  \[ الأعراف، الآية ١٠٠ \] معطوف على ما يدل عليه معنى  أَوَ لَمْ يَهْدِ  \[ الأعراف، الآية ١٠٠ \] الخ، كأنه قيل : يغفُلون عن الهداية ونطبع الخ، وأما عطفُه على ذلكم وصاكم به ونظمُه معه في سلك الكلامِ الملقّن كما أجمع عليه الجمهورُ فمما لا يليق بجزالة النظمِ الكريم فتدبر. وثم للتراخي في الإخبار كما في قولك : بلغني ما صنعتَ اليوم ثم ما صنعتَ أمسِ أعجبُ، أو للتفاوت في الرتبة كأنه قيل : ذلكم وصاكم به قديماً وحديثاً ثم أعظمُ من ذلك أنا آتينا موسى التوراةَ فإن إيتاءَها مشتملةً على الوصية المذكورةِ وغيرِها أعظمُ من التوصية بها فقط  تَمَامًا  للكرامة والنعمة أي إتماماً لهما على أنه مصدرٌ من أتمّ بحذف الزوائد  عَلَى الذي أَحْسَنَ  أي على مَنْ أحسن القيامَ به كائناً مَنْ كان، ويؤيده أنه قرئ ( على الذين أحسنوا ) وتماماً على المحسنين أو على الذي أحسن تبليغَه وهو موسى عليه السلام أو تماماً على ما أحسنه موسى عليه السلام أي أجاده من العلم والشرائعِ أي زيادةً على علمه على وجه التتميم، وقرئ بالرفع على أنه خبرُ مبتدإٍ محذوفٍ أي على الذي هو أحسنُ دينٍ وأرضاه أو آتينا موسى الكتاب تماماً أي تاماً كاملاً على أحسنَ ما يكون عليه الكتُب  وَتَفْصِيلاً لِكُلّ شيء  وبياناً مفصلاً لكل ما يُحتاج إليه في الدين وهو عطفٌ على تماماً ونصبُهما إما على العلية أو على المصدرية كما أشير إليه أو على الحالية وكذا قوله تعالى : وَهُدًى وَرَحْمَةً  وضميرُ  لَعَلَّهُمْ  لبني إسرائيلَ المدلولِ عليهم بذكر موسى وإيتاءِ الكتاب والباء في قوله تعالى : بِلَقَاء رَبّهِمْ  متعلقةٌ بقوله تعالى : يُؤْمِنُونَ  قدمت عليه محافظةً على الفواصل قال ابن عباس رضي الله عنهما : كي يؤمنوا بالبعث ويصدّقوا بالثواب والعذاب.

### الآية 6:155

> ﻿وَهَٰذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ [6:155]

وهذا  أي الذي تُليت عليكم أوامرُه ونواهيه أي القرآن  كِتَابٌ  عظيمُ الشأنِ لا يقادَر قدْرُه وقوله تعالى : أنزلناه مُبَارَكٌ  أي كثيرُ المنافع ديناً ودنيا، صفتان لكتابٌ، وتقديمُ وصفِ الإنزال مع كونه غيرَ صريحٍ لأن الكلام مع منكريه، أو خبران آخران لاسم الإشارة أي أنزلناه مشتملاً على فنون الفوائدِ الدينية والدنيوية التي فُصِّلت عليكم طائفةٌ منها، والفاء في قوله تعالى : فاتبعوه  لترتيب ما بعدها على ما قبلها فإن عِظمَ شأنِ الكتابِ في نفسه وكونَه منزلاً من جنابه عز وجل مستتبعاً للمنافع الدينية والدنيوية موجبٌ لاتباعه أيَّ إيجاب  واتقوا  مخالفتَه  لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ  بواسطة اتباعِه والعمل بموجبه.

### الآية 6:156

> ﻿أَنْ تَقُولُوا إِنَّمَا أُنْزِلَ الْكِتَابُ عَلَىٰ طَائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنَا وَإِنْ كُنَّا عَنْ دِرَاسَتِهِمْ لَغَافِلِينَ [6:156]

أَن تَقُولُوا  علةٌ لأنزلناه المدلولِ عليه بالمذكور لا لنفسه، للزوم الفصلِ حينئذ بين العامل والمعمولِ بأجنبيّ هو مباركٌ وصفاً كان أو خبراً أي أنزلناه كذلك كراهةَ أن تقولوا يوم القيامة لو لم تُنْزِله  إِنَّمَا أُنزِلَ الكتاب  الناطقُ بتلك الأحكام العامة لكل الأمم  على طَائِفَتَيْنِ  كائنتين  مِن قَبْلِنَا  وهما اليهودُ والنصارى، وتخصيصُ الإنزال بكتابيهما لأنهما الذي اشتهر حينئذ فيما بين الكتب السماويةِ بالاشتمال على الأحكام لاسيما الأحكامِ المذكورة  وَإِن كُنَّا  إنْ هي المخففةُ من إنَّ واللام فارقةٌ بينها وبين النافية وضميرُ الشأن محذوفٌ ومرادُهم بذلك دفعُ ما يَرِد عليهم من أن نزولَه عليهما لا ينافي عمومَ أحكامِه فلمَ لمْ تعملوا بأحكامه العامة ؟ أي وإنه كنا  عَن دِرَاسَتِهِمْ لغافلين  لا ندري ما في كتابهم إذ لم يكن على لغتنا حتى نتلقّى منه تلك الأحكامَ العامة ونحافظَ عليها وإن لم يكن منزلاً علينا، وبهذا تبيّن أن معذرتَهم هذه مع أنهم غيرُ مأمورين بما في الكتابين لاشتمالهما على الأحكام المذكورةِ المتناولةِ لكافة الأممِ كما أن قطعَ تلك المعذرةِ بإنزال القرآنِ لاشتماله أيضاً عليها لا على سائر الشرائعِ والأحكام فقط.

### الآية 6:157

> ﻿أَوْ تَقُولُوا لَوْ أَنَّا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْكِتَابُ لَكُنَّا أَهْدَىٰ مِنْهُمْ ۚ فَقَدْ جَاءَكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ ۚ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَّبَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَصَدَفَ عَنْهَا ۗ سَنَجْزِي الَّذِينَ يَصْدِفُونَ عَنْ آيَاتِنَا سُوءَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُوا يَصْدِفُونَ [6:157]

أَوْ تَقُولُوا  عطفٌ على تقولوا وقرئ كلاهما بالياء على الالتفات من خطاب  فاتبعوه واتقوا   لَوْ أَنَّا أُنزِلَ عَلَيْنَا الكتاب  كما أنزل عليهم  لَكُنَّا أهدى مِنْهُمْ  إلى الحق الذي هو المقصِدُ الأقصى أو إلى ما في تضاعيفه من جلائل الأحكام والشرائع ودقائقِها لحِدّة أذهانِنا وثَقابةِ أفهامنا ولذلك تلقّفنا من فنون العلم كالقصص والأخبار والخُطب والأشعار ونحوِ ذلك، طرفاً صالحاً ونحن أمّيون، وقوله تعالى : فَقَدْ جَاءكُمُ  متعلقٌ بمحذوف ينبئ عنه الفاءُ الفصيحةُ إما معللٌ به أي لا تعتذروا بذلك فقد جاءكم الخ، وإما شرطٌ له أي إن صدقتم فيما كنتم تعدّون من أنفسكم من كونكم أهدى من الطائفتين على تقدير نزولِ الكتابِ عليكم فقد حصل ما فرضتم وجاءكم  بَيّنَةً  أي حجةٌ واضحة لا يُكتَنهُ كنهها وقوله تعالى : من ربّكُمْ  متعلق بجاءكم أو بمحذوف هو صفةٌ لبينة أي بينةٌ كائنةٌ منه تعالى وأياً ما كان ففيه دَلالةٌ على فضلها الإضافي كما أن في تنوينها التفخيميِّ دلالةٌ على فضلها الذاتي وفي التعرض لوصف الربوبية مع الإضافة إلى ضميرهم مزيدُ تأكيدٍ لإيجاب الاتباع  وَهُدًى وَرَحْمَةٌ  عطفٌ على بينةٌ وتنوينُهما أيضاً تفخيميٌّ عبّر عن القرآن بالبينة إيذاناً بكمال تمكنِهم من دراسته، ثم بالهدى والرحمة تنبيهاً على أنه مشتملٌ على ما اشتمل عليه التوراةُ من هداية الناس ورحمتِهم بل هو عينُ الهداية والرحمة.  فَمَنْ أَظْلَمُ  الفاء لترتيب ما بعدها على ما قبلها فإن مجيءَ القرآن المشتمل على الهدى والرحمة موجبٌ لغاية أظلمية مَنْ يكذّبه، أي وإذا كان الأمرُ كذلك فمن أظلم  مِمَّن كَذَّبَ بآيات الله  وُضع الموصولُ موضعَ ضميرهم بطريق الالتفات تنصيصاً على اتصافهم بما في حيز الصلةِ وإشعاراً بعلة الحُكم وإسقاطاً لهم عن رتبة الخطابِ، وعبّر عما جاءهم بآيات الله تهويلاً للأمر وتنبيهاً على أن تكذيبَ أي آيةٍ كانت من آيات الله تعالى كافٍ في الأظلمية فما ظنُّك بتكذيب القرآن المنطوي على الكل، والمعنى إنكارُ أن يكون أحدٌ أظلمَ ممن فعل ذلك أو مساوياً له وإن لم يكن سبكُ التركيب متعرضاً لإنكار المساواةِ ونفيها، فإذا قيل : مَنْ أكرمُ من فلان أو لا أفضلُ منه فالمرادُ به حتماً بحكم العرف الفاشي والاستعمال المطرد أنه أكرم من كل كريم وأفضل من كل فاضل، وقد مر مراراً  وَصَدَفَ عَنْهَا  أي صرَفَ الناس عنها فجمعَ بين الضلال والإضلالِ  سَنَجْزِي الذين يَصْدِفُونَ  الناسَ  عَنْ آياتنا  وعيدٌ لهم ببيان جزاء إضلالِهم بحيث يُفهم منه جزاءُ ضلالهم أيضاً، ووضعُ الموصول المُضمر لتحقيق مناطِ الجزاء  سُوء العذاب  أي العذابَ السيءَ الشديدَ النكاية  بِمَا كَانُوا يَصْدِفُونَ  أي بسبب ما كانوا يفعلون من الصَّدْف والصرْف على التجدد والاستمرارِ، وهذا تصريحٌ بما أَشعرَ به إجراءُ الحُكم على الموصول من عِلّية ما في حيز الصلة له.

### الآية 6:158

> ﻿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ ۗ يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا ۗ قُلِ انْتَظِرُوا إِنَّا مُنْتَظِرُونَ [6:158]

هَلْ يَنظُرُونَ  استئنافٌ مَسوقٌ لبيان أنه لا يتأتى منهم الإيمانُ بإنزال ما ذكر من البينات والهدى وأنهم لا يرعوون عن التمادي في المكابرة واقتراحِ ما ينافي الحكمةَ التشريعية من الآيات المُلجئة وأن الإيمانَ عند إتيانها مما لا فائدةَ له أصلاً مبالغةً في التبليغ والإنذار وإزاحةِ العلل والأعذار، أي ما ينتظرون  إِلا أَن تَأْتِيهُمُ الملائكة أَوْ يَأْتِي رَبُّكَ  حسبما اقترحوا بقولهم : لَوْلاَ أُنزِلَ عَلَيْنَا الملائكة أَوْ نرى رَبَّنَا  \[ الفرقان، الآية ٢١ \] وبقولهم : أَوْ تَأْتِي بالله والملائكة قَبِيلاً  \[ الإسراء، الآية ٩٢ \] وبقولهم : لَوْلا أُنزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ  \[ الأنعام، الآية ٨ \] ونحو ذلك أو إلا أن تأتيهم ملائكةُ العذاب أو يأتيَ أمرُ ربك بالعذاب، والانتظارُ محمولٌ على التمثيل كما سيجيء وقرئ يأتيَهم بالياء لأن تأنيثَ الملائكة غيرُ حقيقي.  أو يأتيَ بعضُ آيات ربِّكَ  أي غيرُ ما ذكر كما اقترحوا بقولهم : أَوْ تُسْقِطَ السماء كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا  \[ الإسراء، الآية ٩٢ \] ونحوِ ذلك من عظائمِ الآياتِ التي علّقوا بها إيمانَهم، والتعبيرُ عنها بالبعض للتهويل والتفخيم، كما أن إضافةَ الآياتِ في الموضعين إلى اسم الربِّ المنبئ عن المالكية الكليةِ لذلك، وإضافتَه إلى ضميره عليه الصلاة والسلام للتشريف، وقيل : المرادُ بالملائكة ملائكةُ الموت وبإتيانه سبحانه وتعالى إتيانُ كل آياتِه بمعنى آياتِ القيامةِ والهلاكُ الكليُّ بقرينة ما بعده من إتيان بعضِ آياتِه تعالى على أن المرادَ به أشراطُ الساعةِ التي هي ( الدخانُ ودابةُ الأرض وخسفٌ بالمشرق وخسفٌ بالمغرب وخسفٌ بجزيرة العرب والدجالُ وطلوعُ الشمس من مغربها ويأجوجُ ومأجوجُ ونزولُ عيسى عليه السلام ونارٌ تخرج من عَدَنَ ) كما نطق به الحديثُ الشريفُ المشهورُ وحيث لم يكن إتيانُ هذه الأمورِ مما ينتظرونه كإتيان ما اقترحوه من الآيات فإن تعليقَ إيمانِهم بإتيانها انتظارٌ منهم له ظاهراً، حُمل الانتظارُ على التمثيل المبني على تشبيه حالِهم في الإصرار على الكفر والتمادي في العناد إلى أن تأتيَهم تلك الأمورُ الهائلةُ التي لابد لهم من الإيمان عند مشاهدتِها البتةَ بحال المنتظرين لها. وأنت خبيرٌ بأن النظمَ الكريمَ بسباقه المُنبئ عن تماديهم في تكذيب آياتِ الله تعالى وعدمِ الاعتدادِ بها وسياقِه الناطقِ بعدم نفع الإيمانِ عند إتيان ما ينتظرونه يستدعي أن يُحملَ ذلك على أمور هائلةٍ مخصوصةٍ بهم إما بأن تكونَ عبارةً عما اقترحوه أو عن عقوبات مترتبةٍ على جناياتهم كإتيان ملائكةِ العذاب وإتيانِ أمرِه تعالى بالعذاب وهو الأنسبُ لما سيأتي من قوله تعالى : قُلِ انتظروا إِنَّا مُنتَظِرُونَ  \[ الأنعام، الآية ١٥٨ \]. وإما حملُه على ما ذُكر من إتيان ملائكةِ الموتِ وإتيانِ كل آياتِ القيامةِ وظهورِ أشراطِ الساعة مع شمول إتيانِها لكل برّ وفاجر، واشتمالِ غائلتِها على كل مؤمن وكافرٍ فمما لا يساعده المقامُ على أن بعضَ أشراطِ الساعةِ ليس مما ينسدّ به بابُ الإيمان والطاعة، نعم يجوزُ حملُ بعضِ الآياتِ في قوله عز وجل : يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيات رَبّكَ  على ما يعم مقترحاتِهم وغيرَها من الدواعي العظامِ السالبةِ للاختيار الذي عليه يدور فلكُ التكليفِ فإنه بمنزلة الكبرى من الشكل الأولِ فيتم التقريبُ عند وقوعِها بدخول ما ينتظرونه في ذلك دخولاً أولياً، ويوم منصوب بقوله تعالى : لا ينفَعُ  فإن امتناعَ عملِ ما بعد ( لا ) فيما قبلها عند وقوعِها جوابَ القسم، وقرئ يومُ بالرفع على الابتداء والخبرُ هو الجملةُ والعائدُ محذوفٌ أي لا تنفع فيه  نَفْساً  من النفوس  إِيمَانُهَا  حينئذ لانكشاف الحالِ وكون الأمرِ عياناً، ومدارُ قَبولِ الإيمان أن يكون بالغيب كقوله تعالى : فَلَمْ يَكُ يَنفَعُهُمْ إيمانهم لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا  \[ غافر، الآية ٨٥ \] وقرئ لا تنفع بالتاء الفوقانية لاكتساب الإيمانِ من ملابسة المضاف إليه تأنيثاً وقوله تعالى : لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِن قَبْلُ  أي من قبلِ إتيانِ بعضِ الآياتِ، صفةٌ لنفساً فصل بينهما بالفاعل لاشتماله على ضمير الموصوفِ ولا ضيرَ فيه لأنه غيرُ أجنبيٍّ منه لاشتراكهما في العامل.  أَوْ كَسَبَتْ في إيمانها خَيْرًا  عطفٌ على آمنت بإيراد الترديدِ على النفي المفيدِ لكفاية أحد النفيين في عدم النفعِ، والمعنى أنه لا ينفع الإيمانُ حينئذ نفساً لم تقدّم إيمانَها أو قدّمتْه ولم تكسِبْ فيه خيراً، ومن ضرورته اشتراطُ النفعِ بتحقق الأمرين، أي الإيمانِ المقدَّمِ والخيرِ المكسوب فيه معاً، بمعنى أن النافعَ هو تحققُهما والإيمانُ المؤخرُ لغوٌ وتحصيلٌ للحاصل لا أنه هو النافعُ، وتحققُهما شرطٌ في نفعه كما لو كان المقدَّمُ غيرَ المؤخرِ بالذات، فإن قولَك : لا ينفع الصومُ والصدقةُ مَنْ لم يؤمِنْ قبلَهما معناه أنهما ينفعانه عند وقوعِهما بعد الإيمان، وقد استدل به أهلُ الاعتزالِ على عدم اعتبار الإيمانِ المجردِ عن الأعمال، وليس بناهض ضرورةَ صحةِ حملِه على نفي الترديدِ المستلزِمِ لعمومه المفيدِ بمنطوقه لاشتراط عدمِ النفع بعدم الأمرين معاً وبمفهومه لاشتراط النفعِ بتحقق أحدِهما بطريق منعِ الخلوِّ دون الانفصالِ الحقيقي، فالمعنى أنه لا ينفع الإيمانُ حينئذ نفساً لم يصدُرْ عنها من قبلُ أحدُ الأمرين، أما الإيمانُ المجردُ أو الخيرُ المكسوبُ فيه فيتحقق النفعُ بأيهما كان حسبما تنطِقُ به النصوصُ الكريمةُ من الآيات والأحاديث ؛ وما قيل من أن عدمَ الإيمانِ السابقِ مستلزمٌ لعدم كسب الخيرِ فيه بالضرورة فيكون ذكرُه تكراراً بلا فائدة على أن الموجبَ للخلود في النار هو العدمُ الأولُ من غير أن يكون للثاني دخلٌ ما في ذلك قطعاً، فيكون ذكرُه بصدد بيانِ ما يوجب الخلودَ لغواً من الكلام -لغو من الكلام- مبني على توهم أن المقصودَ بوصف النفسِ بالعدمين المذكورين مجردُ بيانِ إيجابِهما للخلود فيها وعدمِ نفعِ الإيمان الحادثِ في إنجائها عنه وليس كذلك، وإلا لكفى في البيان أن يقال : لا ينفعُ نفساً إيمانُها الحادثُ، بل المقصِدُ الأصليُّ من وصفها بذينك العدمين في أثناء بيانِ عدم نفعِ الإيمان الحادثِ تحقيقُ أن موجبَ النفع إحدى مَلَكتيهما، أعني الإيمانَ السابقَ والخيرَ المكسوبَ فيه بما ذكر من الطريقة والترغيبِ في تحصيلهما في ضمن التحذيرِ من تركهما، ولا سبيلَ إلى أن يقال : كما أن عدمَ الأولِ مستقلٌّ في إيجاب الخلودِ في النار فليغو ذكرُ عدمِ الثاني، كذلك وجوده مستقل في إيجاب الخلاصِ عنها فيكون ذكرُ الثاني لغواً لما أنه قياسٌ مع الفارق. كيف لا والخلود فيها أمرٌ لا يُتصوَّر فيه تعددُ العللِ، وأما الخلاصُ عنها مع دخولِ الجنةِ فله مراتبُ بعضُها مترتبٌ على نفس الإيمان وبعضُها على فروعه المتفاوتةِ كماً وكيفاً، وإنما لم يُقتصر على بيان ما يوجب أصلَ النفعِ وهو المقابلُ لما لا يوجبه أصلاً -أعني الإيمانَ الحادثَ- بل قرَنَ به ما يوجب النفعَ الزائدَ أيضاً، إرشاداً إلى تحرّي الأعلى وتنبيهاً على كفاية الأدنى وإقناطاً للكفرة عما علّقوا به أطماعَهم الفارغةَ من أعمال البِرّ التي عمِلوها في الكفر من صلة الأرحام وإعتاق الرقاب وفك العُناةِ وإغاثةِ الملهوفين وقرى الأضيافِ وغير ذلك مما هو من باب المكارم ببيان أن كل ذلك لغوٌ بحتٌ لابتنائه على غير أساسٍ حسبما نطق به قولُه تعالى : والذين كَفَرُوا أعمالُهم كَرَمَادٍ اشتدت بِهِ الريح  \[ إبراهيم، الآية ١٨ \] ونحوُ ذلك من النصوص الكريمة، وأن الإيمانَ الحادثَ كما لا ينفعهم وحده لا ينفعهم بانضمام أعمالِهم السابقةِ واللاحقة، ولك أن تقول : المقصودُ بوصف النفسِ بما ذُكر من العدمين التعريضُ بحال الكفرة في تمردهم وتفريطِهم في كل واحد من الأمرين الواجبين عليهم وإن كان وجوبُ أحدِهما منوطاً بالآخر كما في قوله عز وجل : فَلاَ صَدَّقَ وَلاَ صلى  \[ القيامة، الآية ٣١ \] تسجيلاً بكمال طغيانِهم وإيذاناً بتضاعف عقابِهم لما تقرر من أن الكفارَ مخاطَبون بفروع الشرائعِ في حق المؤاخذة كما ينبئ عنه قوله تعالى : وَوَيْلٌ لّلْمُشْرِكِينَ الذين لاَ يُؤْتُونَ الزكاة  \[ فصلت، الآية ٦ و٧ \] إذا تحققت هذا وقفتَ على أن الآيةَ الكريمة أحقُّ بأن تكون حجةً على المعتزلة من أن تكون حجةً لهم. هذا وقد قيل : إنها من باب اللف التقديريِّ، أي لا ينفع نفساً إيمانُها ولا كسبُها في الإيمان لم تكن آمنت من قبل أو كسبت فيه، وليس بواضح فإن مبنى اللفِّ التقديريِّ أن يكون المقدرُ من متمّمات الكلامِ ومقتَضَيات المقام قد ترك ذكرَه تعويلاً على دِلالة الملفوظِ عليه واقتضائِه إياه كما مر في تفسير قوله عز وجل : وَمَن يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيهِ جَمِيعاً  \[ النساء، الآية ١٧٢ \] فإنه قد طُوي في المفصل ذكرُ حشرِ المؤمنين ثقةً بإنباء التفصيل عنه أعني قوله تعالى : فَأَمَّا الذين آمنُوا  \[ البقرة، الآية ٢٦ و١٣٧. وسورة النساء، الآية ١٧٣ و١٧٥. وسورة الجاثية، الآية ٣٠ \] ولا ريب في أن ما قُدّر هاهنا ليس مما يستدعيه قوله تعالى : أَوْ كَسَبَتْ في إيمانها خَيْرًا  \[ الأنعام، الآية ١٥٨ \] ولا هو من مقتضيات المقامِ لأنه ليس مما وُعِدوه وعلّقوه بإتيان ما ذكر من الآيات كالإيمان حتى يرِدَ عليهم ببيان عدمِ نفعِه إذ ذاك، على أن ذلك مشعرٌ بأن لهم بعد ما أصابهم من الدواهي ما أصابهم بقاءً على السلامة وزماناً يتأتى منهم الكسبُ والعملُ فيه، وفيه من الإخلال بمقام تهويلِ الخطبِ وتفظيعِ الحال ما لا يخفى. وقد أُجيب عن الاستدلال بوجوه أُخَرَ قصارى أمرِها إسقاطُ الآية الكريمةِ عن رتبة المعارضةِ للنصوص القطعيةِ المتونِ القويةِ الدلالةِ على ما ذُكر من كفاية الإيمان المجردِ عن العمل في الإنجاء من العذاب الخالدِ ولو بعد اللتيا والتي لِما تقرر من أن الظنيَّ بمعزل من معارضة القطعي.  قُلْ  لهم بعد بيانِ حقيقةِ الحالِ على وجه التهديد  انتظروا  ما تنتظرونه من إتيان أحدِ الأمورِ الثلاثةِ لترَوا أيَّ شيء تنتظرون  إِنَّا مُنتَظِرُونَ  لذلك لنشاهدَ ما يحِلُّ بكم من سوء العاقبة، وفيه تأييدٌ لكون المرادِ بما ينتظرونه إتيانَ ملائكةِ العذابِ أو إتيانَ أمرِه تعالى بالعذاب كما أشير إليه، وعِدَةٌ ضمنيةٌ لرسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين بمعاينتهم لما يَحيق بالكفرة من العقاب، ولعل ذلك هو الذي شاهدوه يوم بدر والله سبحانه أعلم.

### الآية 6:159

> ﻿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ ۚ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ [6:159]

إِنَّ الذين فَرَّقُوا دِينَهُمْ  استئنافٌ لبيان أحوالِ أهلِ الكتابين إثرَ بيانِ حالِ المشركين أي بدّدوه وبعّضوه فتمسك بكل بعضٍ منه فِرقةٌ منهم، وقرئ فارقوا أي باينوا، فإن تركَ بعضِه وإن كان بأخذ بعضٍ آخرَ منه تركٌ للكل ومفارقةٌ له  وَكَانُوا شِيَعاً  أي فِرقاً تشيّع كلُّ فِرقةٍ إماماً لها قال عليه الصلاة والسلام :**«افترقت اليهودُ والنصارى على إحدى وسبعين فرقةً كلهم في الهاوية إلا واحدة »** واستثناء الواحدة من فِرَق كلٍّ من أهل الكتابين إنما هو بالنظر إلى العصر الماضي قبل النسخِ وأما بعده فالكلُّ في الهاوية وإن اختلفت أسبابُ دخولِهم فمعنى قوله تعالى : لَسْتَ مِنْهُمْ في شيء  لست من البحث عن تفرقهم والتعرّضِ لمن يناصرك منهم بالمناقشة والمؤاخذة، وقيل : من قتالهم في شيء سوى تبليغِ الرسالةِ وإظهارِ شعائرِ الدين الحقِّ الذي أُمرت بالدعوة إليه فيكون منسوخاً بآية السيف، وقوله تعالى : إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى الله  تعليلٌ للنفي المذكورِ أي هو يتولى وحده أمر أولاهم وأخراهم ويدبره كيف يشاء حسبما تقتضيه الحكمة يؤاخذهم في الدنيا التي شاء ويأمر بقتالهم إذا أراد وقيل : المفرقون أهل البدع والأهواء الزائغة من هذه الأمة ويرده أنه عليه الصلاة والسلام مأمور بمؤاخذتهم والاعتذار بأن معنى لست منهم في شيء حينئذ أنت بريء منهم ومن مذهبهم وهم برآء منك يأباه التعليل المذكور  ثُمَّ يُنَبّئُهُم  أي يوم القيامة  بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ  عبر عن إظهاره بالتنبئة لما بينهما من الملابسة في أنهما سببان للعلم تنبيهاً على أنهم كانوا جاهلين بحال ما ارتكبوه غافلين عن سوء عاقبته أي يظهر لهم على رؤوس الأشهاد ويعلمهم أي شيء شنيع كانوا يفعلونه في الدنيا على الاستمرار ويرتب عليه ما يليق به من الجزاء.

### الآية 6:160

> ﻿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا ۖ وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَىٰ إِلَّا مِثْلَهَا وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ [6:160]

وقوله تعالى : مَن جَاء بالحسنة فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا  استئناف مبين لمقادير أجزية العاملين وقد صدر ببيان أجزية المحسنين المدلول عليهم بذكر أضدادهم. قال عطاء عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهم :( يريد من عمل من المصدقين حسنة كتبت له عشر حسنات ) أي من جاء يوم القيامة بالأعمال الحسنة من المؤمنين إذ لا حسنة بغير إيمان فله عشر حسنات أمثالها تفضلاً من الله عز وجل وقرئ عشر بالتنوين وأمثالها بالرفع على الوصف وهذا أقل ما وعد من الأضعاف وقد جاء الوعد بسبعين وبسبعمائة وبغير حساب ولذلك قيل : المراد بذكر العشر بيان الكثرة لا الحصر في العدد الخاص  وَمَن جَاء بالسيئة  أي بالأعمال السيئة كائناً من كان من العاملين  فَلا يَجْزِي إِلاَّ مِثْلَهَا  بحكم الوعد واحدة بواحدة  وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ  بنقص الثواب وزيادة العقاب.

### الآية 6:161

> ﻿قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَىٰ صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا ۚ وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ [6:161]

قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبّي  أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن يبين لهم ما هو عليه من الدين الحق الذي يدعون أنهم عليه وقد فارقوه بالكلية ؛ وتصدير الجملة بحرف التحقيق لإظهار كمال الاعتناء بمضمونها والتعرض لعنوان الربوبية مع الإضافة إلى ضميره صلى الله عليه وسلم لمزيد تشريفه، أي قل لأولئك المفرقين : أرشدني ربي بالوحي وبما نصب في الآفاق والأنفسِ من الآيات التكوينية  إلى صراط مُسْتَقِيمٍ  موصلٍ إلى الحق وقوله تعالى : دِينًا  بدلٌ من إلى صراط فإن محله النصبُ كما في قوله تعالى : وَيَهْدِيَكَ صراطا مُسْتَقِيماً  \[ الفتح، الآية ٢ \] أو مفعولٌ لفعل مضمرٍ يدل عليه المذكورُ  قِيَماً  مصدرٌ نُعت به مبالغةً والقياسُ قِوَماً كعِوَض فاعل لإعلال فعلِه كالقيام وقرئ قيّماً وهو فيْعلٌ من قام كسيّد من ساد وهو أبلغُ من المستقيم باعتبار الزنة وإن كان هو أبلغَ منه باعتبار الصيغة  مِلَّة إبراهيم  عطفُ بيانٍ لديناً  حَنِيفاً  حالٌ من إبراهيمَ أي مائلاً عن الأديان الباطلةِ، وقوله تعالى : وَمَا كَانَ مِنَ المشركين  اعتراضٌ مقرِّرٌ لنزاهته عليه السلام عما عليه المفرِّقون لدينه من عقْد وعَمَل أي ما كان منهم في أمر من أمور دينِهم أصلاً وفرعاً، صرّح بذلك رداً على الذين يدّعون أنهم على ملته عليه السلام من أهل مكةَ واليهودِ المشركين بقولهم : عزيرٌ ابنُ الله والنصارى المشركين بقولهم : المسيحُ ابنُ الله.

### الآية 6:162

> ﻿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ [6:162]

قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي  أُعيد الأمرُ لِما أن المأثورَ به متعلِّقٌ بفروع الشرائعِ وما سبق بأصولها، أي عبادتي كلَّها وقيل : وذبحي، جُمع بينه وبين الصلاة كما في قوله تعالى : فَصَلّ لِرَبّكَ وانحر  \[ الكوثر، الآية ٢ \] وقيل : صلاتي وحجّي  وَمَحْيَاي وَمَمَاتِي  أي وما أنا عليه في حياتي وما أكونُ عليه عند موتي من الإيمان والطاعةِ أو طاعات الحياةِ والخيراتِ المضافة إلى الممات كالوصية والتدبير، وقرئ محيايْ بسكون الياء إجراءً للوصل مُجرى الوقفِ  للَّهِ رَبّ العالمين .

### الآية 6:163

> ﻿لَا شَرِيكَ لَهُ ۖ وَبِذَٰلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ [6:163]

لاَ شَرِيكَ لَهُ  خالصةً له لا أُشرِك فيها غيرَه  وبذلك  إشارةٌ إلى الإخلاص، وما فيه من معنى البُعد للإشعار بعلو رتبتِه وبُعدِ منزلتِه في الفضل أي بذلك الإخلاصِ  أُمِرْتُ  لا بشيء غيرِه وقوله تعالى : وَأَنَا أَوَّلُ المسلمين  لبيان مسارعتِه عليه السلام إلى الامتثال بما أُمر به وأن ما أُمر به ليس من خصائصه عليه السلام بل الكلُّ مأمورون به ويقتدي به عليه السلام مَنْ أسلم منهم.

### الآية 6:164

> ﻿قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبًّا وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ ۚ وَلَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْهَا ۚ وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ ۚ ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ [6:164]

قُلْ أَغَيْرَ الله أَبْغِي رَبًّا  آخرَ فأُشرِكَه في العبادة  وَهُوَ رَبُّ كُلّ شيء  جملةٌ حالية مؤكدةٌ للإنكار، أي والحالُ أن كل ما سواه مربوبٌ له مثلي فكيف يُتصوّر أن يكون شريكاً له في المعبودية  وَلاَ تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلاَّ عَلَيْهَا  كانوا يقولون للمسلمين : اتبعوا سبيلَنا ولنحمِلْ خطاياكم إما بمعنى لِيُكْتَبْ علينا ما عمِلتم من الخطايا لا عليكم وإما بمعنى لنحمِلْ يوم القيامة ما كُتب عليكم من الخطايا فهذا ردٌّ له بالمعنى الأول، أي لا تكونُ جنايةُ نفسٍ من النفوس إلا عليها ومُحالٌ أن يكون صدورُها عن شخص وقرارُها على شخص آخرَ حتى يتأتى ما ذكرتم وقولُه تعالى : وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أخرى  ردٌّ له بالمعنى الثاني أي لا تحمِلُ يومئذ نفسٌ حاملةٌ حِمْلَ نفسٍ أخرى حتى يصِحّ قولُكم  ثُمَّ إلى رَبّكُمْ مَرْجِعُكُمْ  تلوينٌ للخطاب وتوجيهٌ له إلى الكل لتأكيد الوعدِ وتشديدِ الوعيد إلى مالك أمورِكم ورجوعِكم يوم القيامة  فَيُنَبّئُكُمْ  يومئذ  بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ  ببيان الرُّشدِ من الغيِّ وتمييزِ الحق من الباطل.

### الآية 6:165

> ﻿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ الْأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ ۗ إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ [6:165]

وَهُوَ الذي جَعَلَكُمْ خلائف الأرض  حيث خلفتم الأممَ السالفة أو يخلُف بعضُكم بعضاً أو جعلكم خلفاءَ الله تعالى في أرضه تتصرفون فيها، على أن الخطابَ عام  وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ  في الشرف والغنى  فَوْقَ بَعْضٍ درجات  كثيرةٍ متفاوتة  لِيَبْلُوَكُمْ فِيمَا آتاكم  من المال والجاهِ أي ليعامِلَكم معاملةَ من يبتليكم لينظُرَ ماذا تعملون من الشكر وضدَّه  إِنَّ رَبَّكَ  تجريدُ الخطابِ لرسول الله صلى الله عليه وسلم مع إضافة اسم الربِّ إلى ضميره عليه الصلاة والسلام لإبراز مزيدِ اللطفِ به عليه السلام  سَرِيعُ العقاب  أي عقابُه سريعُ الإتيان لمن لم يُراعِ حقوقَ ما آتاه الله تعالى ولم يشكُرْه لأن كلَّ آتٍ قريبٌ أو سريعُ التمامِ عند إرادتِه لتعاليه عن استعمال المبادي والآلات  وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ  لمن راعاها كما ينبغي. وفي جعل خبرِ هذه الجملةِ من الصفات الذاتيةِ الواردةِ على بناء المبالغةِ مؤكداً باللام مع جعل خبرِ الأولى صفةً جاريةً على غير مَنْ هي له من التنبيه على أنه تعالى غفور رحيم بالذات مبالغٌ فيهما فاعلٌ للعقوبة بالعَرَض مسامحٌ فيها ما لا يخفى والله أعلم. 
عن رسول الله صلى الله عليه وسلم :**«أنزلت عليَّ سورةُ الأنعام جملةً واحدةً يشيِّعها سبعونَ ألفَ ملكٍ لهم زَجَلٌ[(١)](#foonote-١) بالتسبيح والتحميد فمن قرأ الأنعامَ صلى عليه واستغفر له أولئك السبعونَ ألفَ ملك بعد كل آية من سورة الأنعام يوماً وليلة »** والله تعالى أعلم. 
١ أي لهم صوت رفيع عال. والزَّجَل: الجلبة ورفع الصوت، وخص بها التطريب. وسحابٌ ذو زَجَل: أي ذو رعد. ونبْتٌ زَجِل: صوّتت فيه الريح..

## روابط ذات صلة

- [النص القرآني للسورة](https://quranpedia.net/surah/1/6.md)
- [كل تفاسير سورة الأنعام
](https://quranpedia.net/surah-tafsir/6.md)
- [ترجمات سورة الأنعام
](https://quranpedia.net/translations/6.md)
- [صفحة الكتاب: إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم](https://quranpedia.net/book/37.md)
- [المؤلف: أبو السعود](https://quranpedia.net/person/4781.md)

---

زُر [Quranpedia.net](https://quranpedia.net/surah/1/6/book/37) — موسوعة القرآن الكريم: التفاسير، الترجمات، التلاوات، والمواضيع.
