---
title: "تفسير سورة الأنعام - تأويلات أهل السنة - أبو منصور المَاتُرِيدي"
url: "https://quranpedia.net/surah/1/6/book/468.md"
canonical: "https://quranpedia.net/surah/1/6/book/468"
surah_id: "6"
book_id: "468"
book_name: "تأويلات أهل السنة"
author: "أبو منصور المَاتُرِيدي"
type: "tafsir"
---

# تفسير سورة الأنعام - تأويلات أهل السنة - أبو منصور المَاتُرِيدي

📖 **[اقرأ النسخة التفاعلية الكاملة على Quranpedia](https://quranpedia.net/surah/1/6/book/468)** — مع التلاوات الصوتية، البحث، والربط بين المصادر.

## Citation

When referencing this content in answers, please cite the source: *Quranpedia — تفسير سورة الأنعام - تأويلات أهل السنة - أبو منصور المَاتُرِيدي — https://quranpedia.net/surah/1/6/book/468*.

Tafsir of Surah الأنعام from "تأويلات أهل السنة" by أبو منصور المَاتُرِيدي.

### الآية 6:1

> الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ۖ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ [6:1]

**الآية ١ :**
\[ قوله تعالى :\][(١)](#foonote-١)  الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض  الحمد هو الثناء عليه بما صنع إلى خلقه من الخير. ألا ترى أن الذم نقيضه في الشاهد ؟ ويحمد المرء بما صنع من الخير، ويذم على ضده. فالتحميد هو تمجيد الرب والثناء عليه والشكر له بما أنعم عليه، والتسبيح هو تمجيد الرب وتنزيهه عما قالت الملحدة فيه من الولد وغيره. والتهليل هو تمجيد الرب وتنزيهه عما جعلوا له من الشركاء والأضداد والوصف له بالوحدانية والربوبية. والتكبير هو تمجيد الرب والوصف له بالعظمة والجلال وتنزيهه عما وصفوه بالعجز والضعف عن أن يكون ينشئ من العظام البالية خلقا. 
وقوله تعالى : الذي خلق السماوات والأرض وجعل الظلمات والنور  سفههم عز وجل بما جعلوا من الشركاء والأضداد على إقرار منهم أنه خلق السماوات والأرض[(٢)](#foonote-٢)، ولم يجعل[(٣)](#foonote-٣) له شركاء في خلقهما، وعلى علم منهم أنه علق[(٤)](#foonote-٤) منافع الأرض بمنافع السماء مع بعد ما بينهما، كيف جعلوا شركاء يشركونهم في العبادة والربوبية ؟ 
وقوله تعالى : وجعل الظلمات والنور  \[ وقال الحسن \][(٥)](#foonote-٥) : الكفر والإيمان، وقال غيره من أهل التأويل : الليل والنهار. والنور في الحقيقة ما يكشف عما استتر من الأبصار إبصار الوجوه وإبصار القلوب. والظلمة[(٦)](#foonote-٦) ما تستر، وتغطي على الإبصار إبصار الوجوه وإبصار القلوب. فالظلمة تجعل كل شيء مستورا عليه، والنور يجعل كل شيء كان مستورا ظاهرا باديا عليه. هذا هو تفسير الظلمة والنور حقيقة. 
وقوله تعالى : ثم الذين كفروا بربهم يعدلون  قيل : يشركون مع ما بين لهم ما يدل على وحدانية الرب وربوبيته، أي جعلوا كل ما يعبدونه دون الله عديلا لله، وأثبتوا المعادلة بينه وبين الله تعالى، وليس لله تعالى عديل ولا نديد ولا شريك ولا ولد ولا صاحبة ؛ تعالى الله عما يقول الظالمون  علوا كبيرا  \[ الإسراء : ٤٣ \]. 
وقال الحسن : بربهم يعدلون  أي يكذبون. 
١ - في م: وقوله صلى الله عليه وسلم، ساقطة من الأصل..
٢ - إشارة إلى قوله تعالى: ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض وسخر الشمس والقمر ليقولن الله \[العنكبوت: ٦١ ولقمان: ٢٥ والزمر: ٥٨ والزخرف: ٩٨\]..
٣ - في الأصل و م: يجعلوا..
٤ - في الأصل وم: تعلق..
٥ - من م، ساقطة من الأصل..
٦ - في الأصل و م: والظلم..

### الآية 6:2

> ﻿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ ثُمَّ قَضَىٰ أَجَلًا ۖ وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ ۖ ثُمَّ أَنْتُمْ تَمْتَرُونَ [6:2]

الآية ٢ : وقوله تعالى : هو الذي خلقكم من طين  أي خلق آدم أبا البشر  من طين . فأما خلق بني آدم من ماء \[ فهو \][(١)](#foonote-١) كقوله تعالى : ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين  \[ المؤمنون : ١٢ \] أخبر الله أنه خلق آدم من الطين، وخلق بني آدم سوى عيسى عليه السلام من النطفة، وخلق عيسى عليه السلام \[ لا \][(٢)](#foonote-٢) من الطين ولا من الماء ليعلموا[(٣)](#foonote-٣) أنه قادر على إنشاء الخلق لا من شيء وأنه لا اختصاص للخلق بشيء، ولا ينكروا[(٤)](#foonote-٤) أيضا \[ أنه قادر على \][(٥)](#foonote-٥) إنشاء الخلق وإحيائهم وموتهم ؛ وذلك لا يخلو إما أن صاروا ترابا أو ماء أو لا ذا ولا ذا. 
فإذا رأوا أنه خلق آدم من الطين، وخلق سائر الحيوان من الماء، وخلق عيسى عليه السلام لا من هذين، كيف أنكروا إنشاء الخلق/١٤٣-ب/ بعد الموت، وهو لا يخلو من هذه الوجوه التي ذكرنا ؟ فيكون دليلا على منكري البعث بعد الموت وعلى الدهرية في إنشاء الخلق لا من شيء ؛ فإنهم ينكرون ذلك، ويحيلونه. ولهذا وقعوا في القول بقدم العالم، والله الهادي. 
ويحتمل قوله تعالى : هو الذي خلقكم من طين  أن يراد به في خلق[(٦)](#foonote-٦) جميع بني آدم وإضافة خلقنا إلى الطين، وكان الخلق من الماء لما[(٧)](#foonote-٧) أبقى في خلقنا من قوة ذلك الطين الذي في آدم وأثره، وإن لم يره تلك القوة وذلك الأثر. وهذا كما أن الإنسان يرى أنه يأكل، ويشرب، ويغتذي، ويحصل به زيادة قوة في سمعه وبصره وفي جميع جوارحه، وقد تحيى بها جميع الجوارح، وإن لم ير تلك القوة، فكذلك هذا. ويحتمل أيضا على ما روي في القصة أنه يمازج مع النطفة شيء من التراب، فيؤمر الملك بأن يأخذ شيئا من التراب من المكان الذي حكم أن يدفن فيه، فيخلط بالنطفة، فتصير علقة ومضغة. فإنما نسبهم إلى التراب لهذا. 
وتحتمل النسبة إلى التراب، وإن لم يكونوا من التراب، لما أن أصلهم من التراب، وهو آدم. 
وقوله تعالى : ثم قضى أجلا وأجل مسمى  فالقضاء يتوجه إلى وجوه ؛ كلها ترجع إلى معنى انقطاع الشيء وتمامه ؛ وقد يكون لابتداء فعل وإنشائه كقوله تعالى : فاقض ما أنت قاض  \[ طه : ٧٢ \] \[ ويقال : قضيت هذا الثوب أي علمته، وأحكمته، وقد يكون بمعنى الأمر ؛ قال الله تعالى : وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه  \[ الإسراء : ٢٣ \] أي أمر ربك لأنه أمر قاطع حتم، وقد يكون بمعنى الإعلام ؛ قال تعالى : وقضينا إلى بني إسرائيل  \[ الإسراء : ٤ \] أي أعلمناهم إعلاما قاطعا، وقد يكون لبيان الغاية والانتهاء منه والختم كقوله تعالى : ثم قضى أجلا  أي ختم ذلك، وأتمه، وقد \][(٨)](#foonote-٨) يكون غير ما ذكرنا. 
ثم قوله تعالى : ثم قضى أجلا  يحتمل هذا كله سوى الأمر. ثم قوله تعالى : ثم قضى أجلا  الموت  وأجل مسمى عنده  يوم القيامة. أطلعنا على أحد الأجلين، وهو الموت لأنا نرى من يموت، ونعاين، ولم يطلعنا على الآخر، وهو الساعة والقيامة. وقيل : ثم قضى أجلا  أجل الدنيا من خلقه[(٩)](#foonote-٩) إلى أن يموت  وأجل مسمى عنده  يوم القيامة. 
وقوله تعالى : ثم أنتم تمترون  أي تشكون، وتكذبون بعد هذا كله.

١ - ساقطة من الأصل وم..
٢ - ساقطة من الأصل وم..
٣ - في الأصل وم: ليعلمن..
٤ - في الأصل و م: ينكرون..
٥ - ساقطة من الأصل و م..
٦ - في الأصل وم: حق..
٧ - في الأصل وم: ذا.
٨ - من م، في الأصل: ويكون بيان الغاية ويكون الأمر و..
٩ - في الأصل و م: خلقك..

### الآية 6:3

> ﻿وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ ۖ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ [6:3]

الآية ٣ وقوله تعالى : وهو الله في السماوات والأرض  هذا، والله أعلم، صلة قوله : الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض  فإذا كان خالقهما، لم يشركه أحد في خلقهما كان إله من في السماوات وإله من في الأرض لم يشركه أحد في ألوهيته ولا ربوبيته. 
ويحتمل قوله : وهو الله في السماوات وفي الأرض  أي إلى الله تدبير ما في السموات وما في الأرض، وحفظه إليه لأنه هو المتفرد بخلق ذلك كله، فإليه حفظ ذلك وتدبيره. 
وقوله تعالى : يعلم سركم وجهركم  اختلف فيه : قيل : يعلم سركم  ما تضمرون في القلوب  وجهركم  ما تنطقون  ويعلم ما تكسبون  من الأفعال التي عملت الجوارح. أخبر أنه يعلم ذلك كله يحصيه[(١)](#foonote-١) ليحاسبهم على ذلك كقوله : وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله  \[ البقرة : ٢٨٤ \] أخبر أنه يحاسبهم بما أبدوه وما أخفوه. فعلى ذلك الأول[(٢)](#foonote-٢) ؛ فيه إخبار أن ذلك كله يحصيه عليهم، ويحاسبهم في ذلك ليكونوا على حذر من ذلك وخوف. 
وقيل : يعلم سركم  ما خلق فيهم من الأسرار من نحو السمع والبصر وغيرهما لأن البشر لا يعرفون ماهية هذه الأشياء وكيفيتها، ولا يسرون ذلك كما يرون غيرها من الأشياء، ولا يعرفون حقائقها. أخبر أنه يعلم ذلك، وأنتم لا تعلمون. 
وقوله تعالى : وجهركم  أي الظواهر منكم  ويعلم ما تكسبون  من الأفعال والأقوال.

١ - في الأصل وم: يحصيها..
٢ - في الأصل و م: الأولى..

### الآية 6:4

> ﻿وَمَا تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ مِنْ آيَاتِ رَبِّهِمْ إِلَّا كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ [6:4]

الآية ٤ وقوله تعالى : وما تأتيهم من آية من آيات ربهم إلا كانوا عنها معرضين  يحتمل  وما تأتيهم من آية من آيات  التوحيد[(١)](#foonote-١). أو من آيات إثبات رسالة محمد ونبوته صلى الله عليه وسلم في إثبات البعث والنشور بعد الموت لما أخبر أنه خلقهم من طين، فإذا ماتوا صاروا ترابا. فإذا كان[(٢)](#foonote-٢) بدء إنشائهم من طين، فإذا عادوا إليه يقدر على إنشائهم ثانيا، إذ ليس إنشاء الثاني بأعسر من الأول. 
ثم تحتمل الآيات آيات القرآن، وتحتمل الآيات ما كان أتى بها رسول الله صلى الله عليه وسلم من الآيات سوى آيات القرآن. 
ثم أخبر عن تعنتهم ومكابرتهم بقوله : وما تأتيهم من آية من آيات ربهم إلا كانوا عنها معرضين  فإذا أعرضوا عنها لم ينتفعوا بها ليعلم الله[(٣)](#foonote-٣) أنه إنما ينتفع بالآيات من تأملها، ونظر فيها لا من أعرض[(٤)](#foonote-٤) عنها. 
ثم سورة الأنعام إنما نزلت في محاجة أهل الشرك. ولو لم يكن القرآن معجزا كانت سورة الأنعام معجزة لأنها نزلت في محاجة أهل الشرك في إثبات التوحيد والألوهية لله والبعث، فكيف وقد جعل الله القرآن آية معجزة أعجز البشر عن \[ الإتيان بمثله \][(٥)](#foonote-٥) ؟ ولم يكن يومئذ يعرف التوحيد والبعث، كانوا كلهم كفارا عبدة الأصنام والأوثان، لا يحتمل أن يكون رسول الله \[ ألف ذلك \][(٦)](#foonote-٦) وأنشأ من ذات نفسه ليعلم أنه إنما عرف ذلك بالله. 
وفيه دلالة إثبات المحاجة في التوحيد والمناظرة فيه لأن أكثرها نزلت في محاجة أهل الشرك، وهم كانوا أهل شرك، وينكرون البعث والرسالة، فنزل أكثرها في محاجتهم في التوحيد وإثبات البعث والرسالة. 
وفيه أنه إذا ثبت فساد قول أحد الخصمين ثبتت صحة قول الآخر لأن إبراهيم لما  قال هذا ربي فلما أفل قال لا أحب الآفلين  \[ الأنعام : ٧٦ \] أثبت فساد عبادة من يعبد الآفل بالأفول[(٧)](#foonote-٧).

١ - في الأصل وم: توحيد..
٢ -في الأصل وم: كانوا.
٣ - ساقطة من م..
٤ - من م، في الأصل: إعراض..
٥ - في الأصل وم: إثبات مثله..
٦ في الأصل وم: ذلك ألف..
٧ - من م، في الأصل: بالأقوال..

### الآية 6:5

> ﻿فَقَدْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ ۖ فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أَنْبَاءُ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ [6:5]

الآية ٥ وقول تعالى : فقد كذبوا بالحق لما جاءهم  يحتمل الحق الآيات التي كان يأتي بها رسول الله صلى الله عليه وسلم من آيات التوحيد وآيات البعث، ويحتمل القرآن. ولو لم يكن يأتي رسول الله صلى الله عليه وسلم بآية كانت نفسه آية عظيمة من أول نشأته[(١)](#foonote-١) إلى آخر عمره لأنه عصم حتى لم يأت منه ما يسمج[(٢)](#foonote-٢)، ويستقبح قط. فدل أن ذلك لما جعله آية في نفسه وموضعا لرسالته. وعلى ذلك إجابة أبي بكر رضي الله عنه في أول دعوة دعاه إلى ذلك لما كان رأى منه آيات. فلما دعاه أجابه في ذلك مع ما كان معه آيات عظيمة وأعلام عجيبة. 
وقوله تعالى : فسوف يأتيهم أنباء ما كانوا به يستهزئون  معناه، والله أعلم، أن يأتيهم، وينزل بهم ما نزل بالمستهزئين. وإلا كان أتاهم أنباء ما نزل بالمستهزئين. ولكن معناه ما ذكرنا : أي ينزل بهم، ويحل ما نزل وحل بالمستهزئين. ويحتمل وجها آخر قوله : فسوف يأتيهم أنباء ما كانوا به يستهزئون  وهو العذاب، لأن الرسل كانوا يوعدونهم أن ينزل بهم العذاب بتكذيبهم الرسل. فعند ذلك يستهزئون بهم كقوله تعالى : عجل لنا قطنا  \[ ص : ١٦ \] وكقوله تعالى : ويستعجلونك بالعذاب  \[ الحج : ٤٧ \] وغير ذلك  وإذ قالوا اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم  \[ الأنفال : ٣٢ \] فأخبر أنه ينزل بهم ذلك كما نزل بأولئك.

١ - في الأصل وم: نشاءة..
٢ - في الأصل وم: يستسمح..

### الآية 6:6

> ﻿أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ وَأَرْسَلْنَا السَّمَاءَ عَلَيْهِمْ مِدْرَارًا وَجَعَلْنَا الْأَنْهَارَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ [6:6]

الآية ٦ وقوله تعالى : ألم يروا كم أهلكنا من قبلهم من قرن  وقال أبو بكر الكيساني : ألم يروا  قد رأوا أنا  أهلكنا من قبلهم من قرن  وهو واحد ؛ قد رأوا آثار الذين أهلكوا بتكذيبهم الرسل وتعنتهم ومكابرتهم. لكنهم لم يعتبروا بذلك. 
وقوله تعالى : مكناهم في الأرض ما لم نمكن لكم  قال بعضهم : أعطيناهم من الخير والسعة والأموال ما لم نمكن لكم يا أهل مكة، أي لم نعطكم، ثم إذا كذبوا الرسل أهلكهم الله تعالى، وعاقبهم بأنواع العقوبة. ويحتمل  مكناهم في الأرض  من القوة والشدة كقوله تعالى : وقالوا من أشد منا قوة  \[ فصلت : ١٥ \] ثم مع شدة قوتهم أهلكوا إذ[(١)](#foonote-١) كذبوا الرسل ويحتمل وجها آخر  مكناهم في الأرض  أي في قلوب الناس من نفاذ القول وخضوع الخلق لأنهم كانوا /١٤٤-أ/ ملوكا وسلاطين الأرض من نحو نمرود وفرعون وعاد مع ما كانوا كذلك أهلكوا إذ[(٢)](#foonote-٢) كذبوا الرسل. وأنتم يا هؤلاء ليس لكم شيء من ذلك أفلا تهلكون إذا كذبتم الرسل ؟ 
وإنما حملهم على تكذيب الرسل، والله أعلم، لما كانوا ذوي[(٣)](#foonote-٣) سعة وقوة، فرأوا[(٤)](#foonote-٤) الخضوع لمن دونهم في ذلك جورا[(٥)](#foonote-٥) غير حكمة، وإنما أخذوا ذلك من إبليس اللعين حين[(٦)](#foonote-٦) قال عند أمره بالسجود لآدم : أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين  \[ الأعراف : ١٢ و ص : ٧٦ \]. فعلى ذلك هؤلاء الكفرة رأوا الأمر بالخضوع لمحمد صلى الله عليه وسلم جورا[(٧)](#foonote-٧) منه حتى قالوا : وقالوا لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم  \[ الزخرف : ٣١ \]
وقوله تعالى : وأرسلنا السماء عليهم مدرارا  قال القتبي : مدرارا بالمطر أي غزيرا من درّ يدرّ. وقال أبو عوسجة : أي درّت عليهم السماء بالمطر أي كثر، ودام، وتتابع واحدا بعد واحد في وقت الحاجة  وجعلنا الأنهار تجري من تحتهم  أخبر عن سعة أولئك \[ وما \][(٨)](#foonote-٨) أنعم عليهم من كثرة الأمطار والأنهار ما لم يكن ذلك لهؤلاء. ثم مع ما كان أعطاهم إذ كذبوا الرسل. 
فإن قيل : ذكر إهلاك هؤلاء وخوف أولئك ؛ ذلك بتكذيبهم الرسل، وقد أهلك الرسل والأولياء من قبل، قيل : لأن إهلاك أولئك إهلاك عقوبة وتعذيب لأنه كان أهلكهم إهلاك[(٩)](#foonote-٩) استئصال واستيعاب خارجا من الطبع. لذلك كان ما ذكرنا.

١ - في الأصل و م: إذا..
٢ - في الأصل وم: إذا..
٣ - في الأصل وم: ذا..
٤ - في الأصل وم: فلم يروا..
٥ - في أ في الأصل: جوازا..
٦ - في الأصل وم: حيث..
٧ - من م، في الأصل: جوازا..
٨ - في الأصل وم: و.
٩ - في الأصل وم: هلاك..

### الآية 6:7

> ﻿وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَابًا فِي قِرْطَاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ لَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَٰذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ [6:7]

الآية ٧ وقوله تعالى : ولو نزلنا عليك كتابا في قرطاس فلمسوه بأيديهم  يخبر لشدة تعنتهم \[ أنهم، وإن أوتوا \][(١)](#foonote-١) ما سألوا من الآيات لم يؤمنوا به، لأنهم كانوا سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ينزل كتابا يعاينونه[(٢)](#foonote-٢)، ويقرؤونه كقوله : ولن نؤمن لرقيك حتى تنزل علينا كتابا نقرؤه  \[ الإسراء : ٩٣ \] وكقوله : لولا نزل عليه القرآن جملة واحدة  \[ الفرقان : ٣٢ \] ونحوه من الآيات. 
يقول : ولو نزلنا عليك كتابا في قرطاس  أي في صحيفة مكتوبا[(٣)](#foonote-٣) يعلمون أنه لم يكتب في الأرض، ولمسوه بأيديهم، وعاينوه، لم يؤمنوا به، ولا صدقوه، وقالوا : إن هذا إلا سحر مبين  يصبر رسول الله صلى الله عليه وسلم أنهم لا يؤمنون، ويخبره بشدة تعنتهم أنهم لا يؤمنون، وإن جئت بكل آية ؛ إذ قد آتاهم من الآيات ما إن تأملوا، ولم يتعنتوا دلتهم على ذلك، لكنهم أعرضوا عنها، ولم يتأملوا فيها لتعنتهم وشدة مكابرتهم، والله أعلم.

١ - في الأصل: وإن أتوا، في م: أنهم وإن أتوا..
٢ - في الأصل وم: يعاينوه..
٣ - في الأصل وم: مكتوب..

### الآية 6:8

> ﻿وَقَالُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ ۖ وَلَوْ أَنْزَلْنَا مَلَكًا لَقُضِيَ الْأَمْرُ ثُمَّ لَا يُنْظَرُونَ [6:8]

الآية٨ وقوله تعالى : وقالوا لولا أنزل عليه ملك  إن مشركي العرب كانوا لا يعرفون الرسل ولا الكتب، ولا كانوا آمنوا برسول ولا كتاب، فقالوا : لولا أنزل علينا الملائكة أو نرى ربنا  \[ الفرقان : ٢١ \] ونحوه من السؤال يسألون إنزال الملك. 
ثم يحتمل سؤالهم إنزال الملك لما لم يكونوا رأوا الرسل يكونون من البشر، وإنما رأوا الرسول، إن كان، يكون ملكا، فقالوا : لولا أنزل علينا الملائكة  \[ الفرقان : ٢١ \] ويحتمل أن يكون سؤالهم إنزال الملك سؤال عناد وتعنت لا سؤال طلب الرسول من الملائكة، فقال تعالى : ولو أنزلنا ملكا  على ما سألوا  لقضي الأمر  أي إن الملك إذا نزل على إثر سؤال العناد والتعنت لنزل[(١)](#foonote-١) بالعذاب والهلاك، فهذا يبين أن سؤالهم سؤال تعنت وعناد. 
وقوله تعالى : لقضي الأمر ثم لا ينظرون  أنهم كانوا يسألون إنزال الملك آية لصدقه عليه السلام فقال : لولا أنزل عليه ملك ولو أنزلنا ملكا لقضي الأمر ثم لا ينظرون  أي يهلكون لأن الآيات إذا نزلت على إثر سؤال القوم، ثم خالفوا تلك الآيات، وكذبوها، لنزل بهم العذاب والهلاك. وإن جاءت الآيات على غير سؤال، فكذبوها، \[ يمهلوا، ولا يعذبوا \][(٢)](#foonote-٢) عند تكذيبهم إياها، والله أعلم.

١ - في الأصل وم: ينزل..
٢ - في الأصل وم: يمهلون ولا يعذبون..

### الآية 6:9

> ﻿وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَجَعَلْنَاهُ رَجُلًا وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ [6:9]

الآية ٩ وقوله تعالى : ولو جعلناه ملكا لجعلناه رجلا  قيل : آدميا بشرا. يحتمل هذا \[ وجهين : أحدهما \][(١)](#foonote-١) أنه لو بعثنا الرسول ملكا لجعلناه على صورة البشر. لأنه كان على صورة الملائكة لصعقوا، ودهشوا لأنه ليس في وسع البشر رؤية الملك على صورته. 
ألا ترى أن جبريل عليه السلام إذا نزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم لم ينزل على صورته، ولكن كان ينزل على صورة البشر حتى ذكر أنه كان ينزل إليه على صورة دحية الكلبي، وأنه متى رآه على صورته صعق[(٢)](#foonote-٢)، وتغير حاله. فإذا رأوا ذلك في وجهه قالوا : إنه مجنون، فقال تعالى : ولو جعلناه ملكا لجعلناه رجلا  ويكون فيه ما في رسول الله من اللبس به. 
والثاني : ولو جعلناه ملكا لجعلناه رجلا  لأنهم لا يعرفون صدقه، فيحتاجون إلى الدلائل والآيات تدلهم على أنه ملك وعلى صدقه. فذلك لا يعرف إلا بالبشر. لأنهم لا يعرفونه، ولا \[ يعرفون \][(٣)](#foonote-٣) صدقه. 
وقوله تعالى : وللبسنا عليهم ما يلبسون  الآية قالوا : لا يجوز إضافة اللبس إلى الله إلا على المجازاة للبس كالاستهزاء والمكر والخداع. ويحتمل قوله : وللبسنا عليهم ما يلبسون  أي لو جعلناه ملكا  وللبسنا عليهم ما  لبس أولئك على ضعفهم حين[(٤)](#foonote-٤) قالوا : ما هذا إلا بشر مثلكم  \[ المؤمنون : ٢٤و ٣٣ \] وقالوا[(٥)](#foonote-٥) : إن أنتم إلا بشر مثلنا  \[ إبراهيم : ١٠ ويس : ١٥ \] وغير ذلك من الكلام. لكنا لا نفعل حتى لا يكون ذلك لبسا ؛ إذ ليس في وسعهم النظر إلى الملك  ولو جعلناه ملكا  لكان ذلك لبسا. 
فإن قال لنا ملحد. في قوله تعالى : لولا أنزل عليه ملك ولو أنزلنا ملكا لقضي الأمر  \[ الأنعام : ٨ \] سألوا أن ينزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم الملك، وقال : ولو أنزلنا ملكا لقضي الأمر  وأنتم تقولون : إنه قد أنزل عليه الملك، وهو أخبر لو أنزل عليه الملك لقضي الأمر، ولم يقض الأمر. كيف لا بان لكم أنه إنما اخترع ذلك من نفسه، لا أن الله أنزل عليه[(٦)](#foonote-٦) ؟ 
وقيل : إنهم إنما سألوا أن ينزل عليهم الملك، وإن لم يذكر في الآية السؤال ما ذكر في آية أخرى كقولهم : لولا أنزل علينا الملائكة أو نرى ربنا  \[ الفرقان : ٢١ \]، وسألوا أن تأتيهم الملائكة، ويأتيه ؛ قالوا : كيف يخص بإتيان الملائكة دوننا ؟ وهو كواحد منا كقوله : لو ما تأتينا بالملائكة إن كنت من الصادقين  \[ الحجر : ٧ \]. 
وهذا جائز أن يكون أسئلة لم تذكر، ويكون في الجواب بيان ذلك على ما ذكرنا من قبل في غير موضع.

١ - في الأصل وم: وجوها..
٢ - في الأصل وم: أصعق..
٣ - ساقطة من الأصل و م..
٤ - في الأصل وم: حيث..
٥ - في الأصل وم: و..
٦ - في الأصل وم: عليك..

### الآية 6:10

> ﻿وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ [6:10]

الآية ١٠ وقوله تعالى : ولقد استهزئ برسل من قبلك فحاق بالذين سخروا منهم ما كانوا به يستهزئون  يبصر رسوله على تكذيب قومه ليعلم أنه ليس هو أول مكذب، ولكن قد كذب الرسل الذين من قبلك، ويخبره أنه يلحق هؤلاء بتكذيبك كما لحق أولئك بتكذيبهم الرسل. 
وقوله تعالى : فحاق  قال أبو عوسجة : حاق أي رجع، يقال : حاق يحيق حيقا أي رجع عليه. وقال الكسائي : حاق بهم أي أحاط بهم، ونزل.

### الآية 6:11

> ﻿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ ثُمَّ انْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ [6:11]

الآية ١١ وقوله تعالى : قل سيروا في الأرض ثم انظروا كيف كان عاقبة المكذبين  ليس على الأمر بالسير في الأرض، ولكن على الاعتبار والتفكر في ما نزل بأولئك بتكذيبهم الرسل لأنه عز وجل أراهم آيات عقلية وسمعية، فلم ينفعهم ذلك، فأراد أن يريهم آيات حسية ليمنعهم ذلك عن التكذيب والعناد.

### الآية 6:12

> ﻿قُلْ لِمَنْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۖ قُلْ لِلَّهِ ۚ كَتَبَ عَلَىٰ نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ ۚ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَىٰ يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ ۚ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ [6:12]

الآية ١٢ وقوله تعالى : قل لمن ما في السماوات والأرض قل  الآية يحتمل وجهين :
أحدهما : أن يخرج مخرج البيان لهم أنه ليس على الأمر \[ لأنه لو كان على الأمر \][(١)](#foonote-١) لكان يذكر سؤاله[(٢)](#foonote-٢) لهم، ولم يذكر أن سؤالهم لا يحتمل ألا يخبروه ذلك. فلما لم يذكر سؤاله لهم عن ذلك، ولا يحتمل أن يأمره بالسؤال، ثم لا يسأل، أو يسأل هو، ولا \[ يخبروه، دل \][(٣)](#foonote-٣) أنه على البيان خرج لا على الأمر. 
والثاني : على أمر سبق كقوله تعالى : قل لمن الأرض ومن فيها إن كنتم تعلمون   سيقولون لله  \[ المؤمنون : ٨٤و ٨٥ \] وكقوله \] تعالى : قل من بيده ملكوت كل شيء  إلى قوله : سيقولون لله  \[ المؤمنون : ٨٨ و ٨٩ \] وكقوله[(٤)](#foonote-٤) تعالى : قل من رب السماوات والأرض  \[ الرعد : ١٦ \] ونحوه كان على أمر سبق، فيخبرهم عز وجل حتى قالوا : لله كقوله تعالى : ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض وسخر الشمس والقمر ليقولن الله  \[ العنكبوت : ٦١ ولقمان : ٢٥ والزمر : ٣٨ والزخرف : ٩ \] ذلك مستخبر منه إياهم حتى قالوا : الله . 
وفي حرف ابن مسعود وأبي بن كعب رضي الله عنه قل لمن ما في السموات والأرض قل لله. أي سلهم فإن أجابوك، فقالوا : لله، وإلا فقل لهم أنت : لله. 
وقال قائلون : فإن سألوك : قل لمن ما في السماوات والأرض قل لله . 
وقوله تعالى : كتب على نفسه الرحمة  قال الحسن : كتب على نفسه الرحمة  للتوابين أن يدخلهم/٤٤-ب/ الجنة. لا أحد يدخل الجنة بعمله، إنما يدخلون الجنة برحمته. وعلى ذلك جاء الخبر عن نبي الله صلى الله عليه وسلم قال :( لا يدخل أحد الجنة إلا برحمته. قيل : ولا أنت يا رسول الله ؟ قال : ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمته ) \[ مسلم ٢٨١٦/ ٧١ و. . . ٢٨١٨/٧٨ \]. 
وقيل : كتب على نفسه الرحمة  أن يجمعهم إلى يوم القيامة ؛ أي من رحمته أن يجمعهم إلى يوم القيامة حيث جعل للعدو عذابا وللولي ثوابا ؛ أي من رحمته أن يجمعهم جميعا يعاقب العدو، ويثيب الولي. وقيل : أي من رحمته أن[(٥)](#foonote-٥) جعل لهم الجمع، فأوعد العاصي العذاب، ووعد المطيع الثواب ليمنع العاصي بذلك[(٦)](#foonote-٦) عن عصيانه وليرغب المطيع في طاعته. وذلك من رحمته. 
وقال قائلون : كتب على نفسه الرحمة  لأمة محمد ألا يعذبهم عند التكذيب، ولا يستأصلهم كما عذب غيرها[(٧)](#foonote-٧) من الأمم، واستأصلهم عند التكذيب. فالتأخير الذي أخرهم إلى يوم القيامة من الرحمة التي كتب. 
وقوله تعالى : ليجمعنكم إلى يوم القيامة  قيل : إلى  صلة ؛ ومعناه : ليجمعنكم يوم القيامة. وقيل : إلى يوم القيامة  أي ليوم القيامة كقوله تعالى : ربنا إنك جامع الناس ليوم لا ريب فيه  \[ آل عمران : ٩ \] وقال قائلون : قوله تعالى : ليجمعنكم  في القبور  إلى يوم القيامة  ثم ليجمعنكم يوم القيامة والقرون السالفة. 
وقوله تعالى : لا ريب فيه  أي لا ريب في الجمع والبعث بعد الموت عند من يعرف أن خلق الخلق للفناء خاصة لا للبعث والإحياء بعد الموت والثواب[(٨)](#foonote-٨) والعقاب ليس بحكمة. 
وقوله تعالى : الذين خسروا أنفسهم  قد ذكرنا.

١ - من م، ساقطة من الأصل..
٢ - أدرج قبلها في الأصل: أن..
٣ - في الأصل وم: يخبرونه فدل..
٤ - في الأصل وم: وقوله..
٥ - من م، في الأصل: أي..
٦ - في الأصل وم: ذلك..
٧ - في الأصل وم: غيره..
٨ - في الأصل و م: للثواب..

### الآية 6:13

> ﻿۞ وَلَهُ مَا سَكَنَ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ ۚ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ [6:13]

الآية ١٣ وقوله تعالى : وله ما سكن في الليل والنهار وهو السميع العليم  في الآية، والله أعلم، إنباء أن الخلق كلهم تحت قهر الليل والنهار وسلطانهما مقهورين مغلوبين، إذ لم يكن لأحد من الجبابرة والفراعنة الامتناع عنهما أو صرف أحدهما إلى الآخر، بل يدركانهم شاؤوا، أو أبوا، وسلطانهما جار عليهم ليعلموا أن لغير فيهما تدبيرا وأن قهرهما الخلق وسلطانهما كان بسلطان من له التدبير والعلم. ثم جريانهما على سنن واحد يدل على أن منشئهما واحد ومدبرهما عليم حكيم. 
وقال بعض أهل التأويل : وله ما سكن في الليل والنهار  وما استقر في الليل والنهار من الدواب والطير في البر والبحر، فمنها ما يستقر نهارا، وينتشر ليلا، ومنها ما يستقر بالليل، وينتشر بالنهار. 
وعن ابن عباس رضي الله عنه \[ أنه \][(١)](#foonote-١) قال : وله ما سكن في الليل والنهار  وذلك أن كفارا أهل مكة أتوا رسول الله وقالوا : يا محمد إنا قد علمنا أنه ما يحملك على هذا الذي تدعوا إليه إلا الحاجة. فنحن نجعلك في أموالنا حتى تكون أغنانا رجلا، وترجع عما أنت عليه، فنزل : وله ما سكن في الليل والنهار وهو السميع  لمقالة[(٢)](#foonote-٢) أولئك  العليم  من أين يرزقهم. 
لكن الوجه فيه ما ذكرنا آنفا أن الخلق كلهم تحت قهرهما وسلطانهما. وفيهما وجوه من الحكمة : أحدها بعض ما ذكرنا ليعلم أن مدبرهما واحد. وفيه نقض قول الفلاسفة لأنهم يقولون : الظلمة كثافة ستارة، والنور رقيق درّاك. وفيهما من المنافع بقوله تعالى : وهو الذي جعل لكم الليل لباسا والنوم سباتا وجعل النهار نشورا  \[ الفرقان : ٤٧ \] وغيرها[(٣)](#foonote-٣) من المنافع. 
وقوله تعالى : وهو السميع  لمن دعا له  العليم  بمصالح الخلق وحاجتهم.

١ - ساقطة في الأصل وم..
٢ - في الأصل وم: لمقابلة..
٣ - في الأصل وم: وغيره..

### الآية 6:14

> ﻿قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ يُطْعِمُ وَلَا يُطْعَمُ ۗ قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ ۖ وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ [6:14]

الآية ١٤ وقوله تعالى : قل أغير الله أتخذ وليا  وفي حرف ابن مسعود رضي الله عنه ربا. كأن هذا صلة قوله تعالى : قل لمن ما في السماوات والأرض  قالوا لله. فإذا أقررتم أن ذلك كله لله فكيف تتخذون له شركاء، فتعبدون غير الله ؟ وهو  فاطر السماوات والأرض  ومنشئهما ومنشئ ما فيهما. كيف صرفتم العبادة إلى غير الله ؟ 
وقوله تعالى : وهو يطعم ولا يطعم  قال أهل التأويل : هو يرزق، ولا يرزق، وليس كمن له عبيد في الشاهد يرزقهم بعضهم بعضا الموالي من العبيد والعبيد من السادات ؛ ينتفع بعضهم من بعض. فأما الله سبحانه وتعالى \[ فقد \][(١)](#foonote-١) خلق الخلق لا لمنفعة نفسه لأنه غني بذاته، والخلق فقراء إليه كقوله تعالى.  يا أيها الناس أنتم الفقراء إلى الله والله هو الغني الحميد  \[ فاطر : ١٥ \]. 
وقوله تعالى : قل إني أمرت أن أكون أول من أسلم  قال الحسن : أول من أسلم من قومه. وأصله : إني أمرت أن أكون أول من أسلم  أي أمرت أن أسلم، وأختضع[(٢)](#foonote-٢) أنا أولا، ثم آمركم بذلك. 
واحتج بعض الناس بظاهر هذه الآية أن الإسلام لا يلزم إلا بالأمر والدعاء إليه، وقالوا : إن من مات قبل أن يؤمر به وقبل أن يدعى إليه فإنه لا شيء عليه. وعلى ذلك من مات في وقت الفترة وانقطاع الرسل والوحي لأنه قال : قل إني أمرت أن أكون أول من أسلم  أخبر أنه أمر بذلك. وإذا لم يكن ثم أمر لم يلزم. لكن الوجه في الآية ما ذكرنا ؛ أي أمرت أن أسلم، وأخضع أولا، ثم آمر غيري. فإذا كان التأويل هذا بطل أن يكون في ذلك حجة لهم.

١ - ساقطة من الأصل و م..
٢ - في م: وأخضع..

### الآية 6:15

> ﻿قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ [6:15]

الآية ١٥ وقوله تعالى : قل إني أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم  قال ابن عباس رضي الله عنه قل يا محمد لكفار أهل مكة : إني أخاف  أي أعلم  إن عصيت ربي  فعبدت غيره  عذاب يوم عظيم . هذا التأويل صحيح، إن كان ما ذكر من سؤالهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وعرضهم المال عليه ليعود، ويرجع إلى دينهم، فيخرج هذا على الجواب. 
وقال بعضهم : قوله تعالى : إني أخاف إن عصيت ربي  على الخوف. لكن لقائل أن يقول : كيف خاف عذاب يوم عظيم، وقد أخبر أنه غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر ؟ وكيف قال : إن عصيت  وقد أخبر أنه عصمه، وغفر له ؟ قيل : يحتمل أن تكون المغفرة له على شرط الخوف. غفر له ليخاف عذابه.

### الآية 6:16

> ﻿مَنْ يُصْرَفْ عَنْهُ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمَهُ ۚ وَذَٰلِكَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ [6:16]

الآية ١٦ وقوله تعالى : من يصرف عنه يومئذ فقد رحمه  قال بعض المعتزلة : الرحمة ههنا الجنة لأن الله تعالى جعل في الآخرة دارين : إحداهما[(١)](#foonote-١) : النار، سماها سخطة، والأخرى : الجنة، سماها رحمة. وإنما حملهم على هذا لأنه لا يصفون الله بالرحمة في الأزل. فعلى قولهم يكون قول رسول الله صلى الله عليه وسلم حين[(٢)](#foonote-٢) قال ( لا يدخل أحد الجنة إلا برحمته. قيل : ولا أنت يا رسول الله ؟ قال : ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمته، فأدخل فيها \[ مسلم : ٢٨١٦/ ٧١ و ٢٨١٨/٧٨ \]. 
وعلى هذا يخرج ما سمى المطر رحمة لما برحمته ينزل[(٣)](#foonote-٣)، وكذا كل ما سمى رحمة في الشاهد يخرج على ما ذكرنا، والله أعلم. 
ثم قوله تعالى : من يصرف عنه يومئذ  قيل : من يصرف عنه  العذاب  يومئذ فقد رحمه  وكذلك روي في حرف حفصة : من يصرف عنه شر ذلك اليوم فقد رحمه. 
ويحتمل أن يكون قوله تعالى : من يصرف عنه يومئذ فقد رحمه  صلة قوله تعالى : قل إني أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم  \[ الأنعام : ١٥ \] وكذلك روي عن ابن عباس رضي الله عنه \[ أنه \][(٤)](#foonote-٤) قال في قوله تعالى : قل إني أخاف إن عصيت ربي  قل لكفار أهل مكة حين يدعونك[(٥)](#foonote-٥) إلى دينهم على ما ذكر في بعض القصة  قل إني أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم   من يصرف عنه يومئذ فقد رحمه . 
وقوله تعالى : وذلك الفوز المبين  وذلك الصرف ؛ يعني صرف العذاب الفوز المبين. وإنما ذكره، والله أعلم، فوزا مبينا لأنه فوز دائم، لا زوال له، وليس كفوز هذه الدنيا ؛ يكون في وقت، ثم يزول عن قريب، وكذلك فوز الآخرة.

١ - في الأصل وم : أحدهما..
٢ - في الأصل وم: حيث..
٣ - إشارة إلى قوله تعالى فانظر إلى آثار رحمة الله الله كيف يحيي الأرض بعد موتها.. \[الروم: ٥٠\]..
٤ - ساقطة من الأصل وم..
٥ - في الأصل وم: دعوك..

### الآية 6:17

> ﻿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ ۖ وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [6:17]

الآية ١٧ وقوله تعالى : وإن يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا هو وإن يمسسك بخير  فيه إخبار أن ما يصيب العبد من الضرر والخير إنما يصيبه به. 
ثم الضرر المذكور في الآية لا يخلو من أن يراد سقم النفس أو ضيق العيش أو شدة وظلم يكون من العباد لا يخلو من هذه الأوجه الثلاثة. فإذا كان كذلك، دلت[(١)](#foonote-١) إضافة ذلك إلى الله تعالى على أن لله فيه فعلا، وهو أن خلق فعل ذلك منهم  فهو على كل شيء قدير  من كشف الضر له والصرف عنه وإصابة الخير، لا يملك ذلك غيره.

١ - في الأصل وم: فدل..

### الآية 6:18

> ﻿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ ۚ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ [6:18]

الآية ١٨ وقوله تعالى : وهو القاهر فوق عباده وهو الحكيم الخبير  \[ في \][(١)](#foonote-١) هذه الآية والآية / ١٤٥ –أ / الأولى ذكر أصل التوحيد لأنه أخبر أن ما يصيب العباد من الضرر والشدة لا كاشف لذلك إلا هو، ولا يدفع ذلك عنهم، ولا يصرف إلا الله، وأن ما يصيبهم من الخير إنما يصيب ذلك بالله، وأخبر أنه  على كل شيء قدير . 
وفي قوله تعالى : وهو القاهر فوق عباده  إخبار أنه قاهر، يقهر الخلق عزيز قادر، وله سلطان عليهم، وأنهم أذلاء تحت سلطانه. وفي قوله تعالى : فوق عباده  إخبار بالعلو له والعظمة وبالتعالي عن أشباه الخلق  وهو الحكيم  يضع كل شيء موضعه  الخبير  بما يسرون وما يعلنون ؛ إخبار أنه[(٢)](#foonote-٢) لا يخفى عليه شيء وأنه يملك وضع كل شيء موضعه وأن ما يصيبهم من الضر والشدة إنما يكون به لا يملك أحد صرفه، وأن ما ضر أحد أحدا في الشاهد أو نفع أحد أحدا إنما يكون ذلك بالله في الحقيقة. 
وفي هذه الأحرف إخبار عن أصل التوحيد، وما يحتاج إليه لما ذكرنا من الوصف له بالقدرة والقهر والوصف له بالعلو والعظمة والتعالي عن أشباه الخلق والوصف له بالحكمة في جميع أفعاله والعلم بكل ما كان، ويكون.

١ - من م، ساقطة من الأصل..
٢ - في الأصل وم: أن..

### الآية 6:19

> ﻿قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً ۖ قُلِ اللَّهُ ۖ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ ۚ وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَٰذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ ۚ أَئِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللَّهِ آلِهَةً أُخْرَىٰ ۚ قُلْ لَا أَشْهَدُ ۚ قُلْ إِنَّمَا هُوَ إِلَٰهٌ وَاحِدٌ وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ [6:19]

الآية ١٩ وقوله تعالى : قل أي شيء أكبر شهادة  كأن في الآية إضمارا[(١)](#foonote-١)، والله أعلم، أن قل يا محمد  قل أي شيء أكبر شهادة  فيقولون  الله  لأنهم كانوا يقرون أنه خالق السماوات والأرض وأنه أعظم من كل شيء، لكنهم يشركون غيره في عبادته، ويقولون : ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى  \[ الزمر : ٣ \] وإلا كانوا يقرون بالعظمة والجلال. فإذا سألوا  قل أي شيء أكبر شهادة قل الله  فإنك إذا قلت لهم ذلك يقولون هم أيضا. 
وقوله تعالى : قل الله شهيد بيني وبينكم  في كل الاختلاف بيننا وبينكم في التوحيد والبعث بعد الموت ونحوه. ويحتمل : قل الله شهيد بيني وبينكم  في كل حجة وبرهان أتاها الرسول إليهم[(٢)](#foonote-٢). 
وفي قوله : قل أي شيء  دلالة أنه يقال له شيء لأنه لو لم يجز أن يقال له شيء لم يستثن الشيء منه، وكذلك في قوله : ليس كمثله شيء  \[ الشورى : ١١ \] أنه شيء لأنه[(٣)](#foonote-٣) لا شيء في الشاهد. إنما يقال : إما للنفي وإما للتصغير، فلا يجوز في الغائب النفي ولا التصغير، دل أنه إنما يراد بالشيء الإثبات، لا غير، وبالله العصمة. 
ذكر في بعض القصة في قوله : قل أي شيء أكبر شهادة  أن رؤساء مكة أتوا رسول الله، فقالوا : يا محمد أما وجد الله رسولا يرسله غيرك ؟ ما ترى أحدا يصدقك بما تقول. وقد سألنا عنك اليهود والنصارى، فزعموا أنه ليس لك عندهم ذكر ولا صفة ولا مبعث، فأرنا من شهد لك أنك رسول الله ؟ فقال الله سبحانه وتعالى : يا محمد قل لهم  قل أي شيء أكبر شهادة  يقول : أعظم شهادة ؛ يعني البرهان : محمد حجة وبرهان، وكل نبي حجة وبرهان. فإن أجابوك، فقالوا : الله، وإلا فقل لهم : الله أكبر شهادة من خلقه. أني رسوله، والله  شهيد بيني وبينكم  في كل اختلاف بيننا وبينكم : في التوحيد وإثبات الرسالة والبعث وكل شيء. 
وذكر في هذه القصة أنهم لما قالوا : من يشهد أن الله أرسلك رسولا ؟ قالوا : فهلا[(٤)](#foonote-٤) أنزل إليك ملك ؟ فقال لنبيه : قل لهم  قل أي شيء أكبر شهادة قل الله شهيد بيني وبينكم وأوحي إلى هذا القرآن لأنذركم به، ومن بلغ أئنكم لتشهدون أن مع الله آلهة أخرى قل لا أشهد قل إنما هو إله واحد وإني بريء مما تشركون  فقالوا : الله أكبر شهادة من غيره، فقال الله : قل يا محمد : والله شهيد بيني وبينكم  أني رسول الله وأنه أوحي  وأوحي إلي هذا القرآن لأنذركم به ومن بلغ  القرآن من الجن والإنس فهو نذير له. قال لهم : أئنكم لتشهدون أن مع الله آلهة أخرى  قالوا : نعم نشهد. فقال الله لنبيه قل لهم : لا أشهد  بما شهدتم، ولكن أشهد أنما  هو إله واحد وإنني بريء مما تشركون . 
وقوله تعالى : وأوحي إلي هذا القرآن لأنذركم به ومن بلغ  كأنه قال : أوحي إلي هذا القرآن الذي يعرفونه أنه من عند الله جاء لأنه قال لهم : فأتوا بسورة من مثله  \[ البقرة : ٢٣ ويونس : ٣٨ \] فعجزوا عن إتيان مثله، فدل عجزهم عن إتيان مثله أنهم عرفوا أنه جاء من عند الله. 
وقوله تعالى : ومن بلغ  كأنه قال : وأوحي إلي هذا القرآن لأنذركم به  ومن[(٥)](#foonote-٥) بلغ القرآن صار رسول الله نذيرا ببلوغ القرآن لمن بلغه. فإذا صار نذيرا به لمن بلغه، وإن كان هو في أقصى الدنيا، يصير هو نذيرا في أقصى الزمان في كل زمان. وهو، والله أعلم، كقوله تعالى : ولكل قوم هاد  \[ الرعد : ٧ \] ورسول الله هاد لقومه إلى يوم القيامة. 
وفي الآية دلالة أن البشارة والنذارة تكونان ببعث آخر يبشر، أو ينذر. وهو دليل لقول أصحابنا : إن من حلف : أي عبد من عبيدي، بشرني بكذا، فهو حر، فبشره برسول بكتاب فيكون بشارة. 
وقوله تعالى : أئنكم لتشهدون أن مع الله آلهة أخرى  هذا في الظاهر استفهام، ولكنه في الحقيقة إيجاب أنكم تشهدون أن مع الله آلهة أخرى بعد ما ظهر عندكم آيات وحدانيته[(٦)](#foonote-٦) وحجج ربوبيته[(٧)](#foonote-٧) لما عرفتم أنه خالقكم وخالق السماوات والأرض ؛ به تعيشون، وتحيون، وبه تموتون بعدما[(٨)](#foonote-٨) ظهر لكم هذا أشركتم مع الله آلهة أخرى. وليس ذلك لكم مما تشركون في عبادته وألوهيته، وأنا  لا أشهد  وإنما أشهد أنه  إله واحد وإنني بريء مما تشركون .

١ - في الأصل وم: إضمار..
٢ - في الأصل وم: بهم..
٣ - في الأصل وم: لن..
٤ - في الأصل وم: فهل لا..
٥ - في الأصل وم: وأنذر من..
٦ - في الأصل وم: وحدانية..
٧ - في الأصل وم: ربوبية..
٨ - في الأصل و م: عما..

### الآية 6:20

> ﻿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمُ ۘ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ [6:20]

الآية ٢٠ وقوله تعالى : الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم  قيل : نزلت سورة الأنعام في محاجة أهل الشرك إلا آيات نزلت في محاجة أهل الكتاب : إحداها هذه. وجائز أن يكون أهل الشرك يعرفون أنه رسول كما يعرفون أبناءهم، ويكون الكتاب هو القرآن ههنا لما قرع أسماعهم هذا القرآن، وأمروا أن يأتوا بمثله، فعجزوا عنه، أو بما كانوا يختلفون إلى أهل الكتاب، ويسألونهم عن بعثه[(١)](#foonote-١) وصفته، ويخبرونهم. فعرف أهل الشرك أنه رسول كما عرف أهل الكتاب بوجود بعثه[(٢)](#foonote-٢) وصفته، ويخبرونهم في كتابهم. 
وروي عن عمر بن الخطاب أنه قال لعبد الله بن سلام : وإن الله قد أنزل على نبيه عليه السلام بمكة  الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم  فكيف يا عبد الله المعرفة ؟ فقال عبد الله : يا عمر لقد عرفته فيكم حين رأيته كما أعرف ابني إذ رأيته مع الصبيان يلعب، وأنا أشد معرفة بمحمد مني لابني. فقال : كيف ذلك ؟ فقال : أنا أشهد أنه رسول الله صلى الله عليه وسلم حق من الله. ولا أدري ما صنع النساء ؟ أو ما أحدث النساء ؟ وقد نعته في كتابنا. فقال عمر : صدقت، وأصبت.

١ - في الأصل وم: نعته..
٢ -في الأصل وم: نعته..

### الآية 6:21

> ﻿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَىٰ عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ ۗ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ [6:21]

الآية ٢١ وقوله تعالى : ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا  قال أهل التأويل : لا أحد  أظلم ممن افترى على الله كذبا  لكن هذا في الحقيقة كأنه سؤال واستفهام ؛ كأنه قال : من أظلم من الظالمين ؟ قال : من  افترى على الله كذبا  يقال : من فعل هذا ؟ قال : فلان، أو من قال هذا ؟ قال : فلان. فهو، والله أعلم، على السؤال والاستفهام. 
ثم قيل : الذين افتروا على الله كذبا أن معه شريكا لقولهم : إن مع الله آلهة أخرى. 
وقوله تعالى : أو كذب بآياته  قيل : محمد صلى الله عليه وسلم، وقيل القرآن  إنه لا يفلح الظالمون  قال بعضهم : إنه لا يفلح الظالمون  بظلمهم. لكن عند قوله تعالى : إنه لا يفلح الظالمون  ماداموا في ظلمهم، ونقول[(١)](#foonote-١) : لا يفلح الظالمون إذا ختموا، وماتوا على الظلم والكفر.

١ - في الأصل وم: ويقول.

### الآية 6:22

> ﻿وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا أَيْنَ شُرَكَاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ [6:22]

الآية ٢٢ وقوله تعالى : ويوم نحشرهم جميعا ثم نقول للذين أشركوا أين شركاؤكم الذين كنتم تزعمون  ذكر ههنا شركاءكم ؛ أضاف ذلك إليهم لأنهم كانوا من جنسهم وجوهرهم يفنون كما يفنون. وذكر في آية أخرى  أين شركائي الذين كنتم تزعمون  \[ القصص : ٧٤ \].

### الآية 6:23

> ﻿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ [6:23]

الآية ٢٣ وقوله تعالى : ثم لم تكن فتنتهم إلا أن قالوا والله ربنا ما كنا مشركين  قال الحسن : الآية نزلت في المنافقين ؛ وذلك أنهم كانوا يكذبون في الدنيا في ما بينهم، فظنوا أن يتروج كذبهم في الآخرة كما كان يتروج في الدنيا. وسماهم مشركين لأنهم كانوا أشركوا في السر، فقالوا : والله ربنا ما كنا مشركين . 
وقال غيره من أهل التأويل : الآية/١٤٥-ب/نزلت في أهل الشرك من العرب ؛ وذلك أنهم كانوا يشركون مع الله آلهة، وكانوا ينكرون البعث بعد الموت، وينكرون الرسالة. فلما أن عاينوا ذلك أنكروا أن يكونوا أشركوا غيره في ألوهيته وربوبيته. 
وقوله تعالى : ثم لم تكن فتنتهم إلا أن قالوا  أي لم يكن افتتانهم في الدنيا بافترائهم على الله الكذب وإشراك غيره[(١)](#foonote-١) معه وتكذيبهم بآيات الله  إلا أن قالوا  في الآخرة  والله ربنا ما كنا مشركين . 
وذكر في بضع القصة أن المشركين في الآخرة لما رأوا كيف يتجاوز الله عن أهل التوحيد، فقال بعضهم لبعض : إذا سئلنا فقولوا : إنا كنا موحدين، فلما جمعهم الله وشركاءهم، فقال : أين شركاؤكم الذين كنتم تزعمون  في الدنيا بأنهم معي شركائي[(٢)](#foonote-٢). 
\[ وقوله تعالى \]  ثم لم تكن فتنتهم  قال أهل التأويل : معذرتهم وجوابهم. إلا[(٣)](#foonote-٣) الكذب حين سئلوا، فقالوا : والله ربنا ما كنا مشركين  تبرؤوا من ذلك.

١ - من م، في الأصل: غير..
٢ - في الأصل وم: شريك..
٣ - في الأصل وم : إلا أن..

### الآية 6:24

> ﻿انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلَىٰ أَنْفُسِهِمْ ۚ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ [6:24]

الآية ٢٤ ثم قال الله تعالى : انظر كيف كذبوا على أنفسهم وضل عنهم ما كانوا يفترون  من الشرك في الدنيا قيل : لما أنكروا أن يكونوا مشركين في الدنيا ختم الله على ألسنتهم، وشهدت الجوارح عليهم بالشرك. وقيل : انظر كيف كذبوا على أنفسهم  يقول : كيف صار وبال كذبهم علهم  وضل عنهم  قيل : واشتغل  عنهم ما كانوا يفترون  يقولون ؛ يكذبون. 
وأصله أنه يذكر نبيه شدة تعنتهم وسفههم أنهم كيف يكذبون عند معاينة العذاب ؟ فإذا كانوا بنأي منه وبعد كانوا أشد تكذيبا وأكثر تعنتا لأنهم يطلبون الرد إلى الدنيا \[ كقولهم \][(١)](#foonote-١)  فيشفعوا لنا أو نرد فنعمل غير الذي كنا نعمل  \[ الأعراف : ٥٣ \] \[ وكقوله \][(٢)](#foonote-٢)  ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه وإنهم لكاذبون  \[ الأنعام : ٢٨ \].

١ - ساقطة من الأصل وم..
٢ - ساقطة من الأصل وم..

### الآية 6:25

> ﻿وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ ۖ وَجَعَلْنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا ۚ وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لَا يُؤْمِنُوا بِهَا ۚ حَتَّىٰ إِذَا جَاءُوكَ يُجَادِلُونَكَ يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَٰذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ [6:25]

الآية ٢٥ وقوله تعالى : ومنهم من يستمع إليك  \[ يحتمل وجوها. 
أحدها \][(١)](#foonote-١) : كانوا يستمعون إليه ليجادلوه على ما ذكر  حتى إذا جاءوك يجادلونك  دل هذا أنهم كانوا يستمعون إليه للمجادلة معه والخصومة. 
وقيل في بعض الحكايات أن الناس كانوا ثلاث[(٢)](#foonote-٢) فرق في أخبار الرسل والأنبياء عليهم السلام منهم من يستمع للجمع والاستكثار، ومنهم من يستمع ليأخذ عليهم سقطاتهم وما يجري على لسانهم من الخطإ، ومنهم من يستمع ليأخذ الحق منه، ويترك الباقي. لكن هؤلاء يستمعون إليه ليخاصموا في ذلك، وليجادلوه ليعرف قومهم أنهم يستمعون إليه، ويعرفون ما يقول ليصدوا بذلك أتباعهم. 
والثاني : يستمعون، ويحاجون في ذلك ليعرفوا أنهم أهل حجاج وعلم ليصدوهم عنه ثم يحتمل[(٣)](#foonote-٣) أن يكونوا أهل نفاق لأنهم كانوا يرون يظهرون[(٤)](#foonote-٤) الموافقة لرسول الله صلى الله عليه وسلم ويضمرون الخلاف له. 
ويحتمل[(٥)](#foonote-٥) \[ أن يكونوا \] أهل الشرك أي رؤساءهم يستمعون إليه، ويجادلونه[(٦)](#foonote-٦) في ما يستمعون إليه. 
وقوله تعالى : وجعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه وفي آذانهم وقرا  \[ أخبر أن على قلوبهم أكنة وفي آذانهم وقرا \][(٧)](#foonote-٧)، وقال  صم بكم عمي  \[ البقرة : ١٨ و ١٧١ \] نفى عنهم ذلك لما \[ لم \][(٨)](#foonote-٨) ينتفعوا بذلك كله. وإن لم يكونوا في الحقيقة صما ولا بكما ولا ما ذكر لما لم ينتفعوا بما أنشأ فيهم من السمع والبصر والعقل فنفى عنهم ذلك. 
ثم قوله تعالى : وجعلنا على قلوبهم أكنة  لا تخلو إضافة ذلك إلى نفسه من أن يكون خلق منهم فعل الكفر، أو خلق الظلمة في قلوبهم ؛ يعني ظلمة الكفر لأن ظلمة الكفر تستر، وتغطي كل شيء، ونور الإيمان ينير منه كل شيء. فإضافة الفعل إليه لا تخلو من أحد هذين الوجهين ؛ إما لخلق فعل الكفر منهم ففيه دلالة خلق أفعالهم، وإما لخلق ظلمة الكفر في قلوبهم ففيه رد قول المعتزلة لإنكارهم خلق فعل العباد. 
وقوله تعالى : وفي آذانهم وقرا  قيل : الوقر هو الثقل في السمع ؛ يقال : وقرت أذنه توقر وقرا، فهي موقورة. وأما الوقر فهو الحمل، وقال أبو عوسجة : الوقر الصدع في العظم أيضا. 
وقوله تعالى : وإن يروا كل آية لا يؤمنوا بها  يحتمل  كل آية  آية وحدانيته وربوبيته وقدرته على البعث وآية رسالة ونبوته. ويحتمل  كل آية  سألوا أن يأتي بها ؛ يقول : وإن[(٩)](#foonote-٩) أوتيت بكل آية سألوك لا يؤمنوا[(١٠)](#foonote-١٠) بك بعد ذلك أبدا كقولهم : لولا أنزل علينا الملائكة أو نرى ربنا  \[ الفرقان : ٢١ \] ونحو ذلك مما سألوا من الآيات ؛ يقول : وإن جئت بما سألوك من الآيات لا \[ يؤمنوا بك، ولا يصدقوك، ويقولوا \][(١١)](#foonote-١١) : إن هذا إلا أساطير الأولين  قيل : أحاديث الأولين. والأسطورة : الكتاب. 
يقولون ذلك تعنتا منهم لأنهم كانوا يعرفون أنه حق وأنه ليس بكلام البشر لأنهم عجزوا عن إتيان مثله. ولو كان مفترى على ما قالوا لقدروا هم على أن يأتوا بشيء مثله حين[(١٢)](#foonote-١٢) قيل لهم : فأتوا بسورة من مثله  \[ البقرة : ٢٣ ويونس : ٣٨ \] فعلموا بعجزهم عن إتيان مثله أنه ليس من كلام البشر وأنه سماوي.

١ - ساقطة من الأصل وم..
٢ - في الأصل و م: ثلاثة..
٣ - هذا هو الوجه الثالث..
٤ - في الأصل وم: ويظهرون..
٥ - هذا هو الوجه الرابع..
٦ - في الأصل وم: ويجادلوه..
٧ - من م، ساقطة من الأصل..
٨ - ساقطة من الأصل وم..
٩ - من م، في الأصل: وأنا..
١٠ - في الأصل وم: يؤمنون..
١١ - في الأصل وم: يؤمنون بك ولا يصدقونك ويقولون..
١٢ في الأصل وم: حيث..

### الآية 6:26

> ﻿وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ ۖ وَإِنْ يُهْلِكُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ [6:26]

الآية ٢٦ وقوله تعالى : وهم ينهون عنه وينأون عنه  أي يتباعدون منه ؛ ينهون غيرهم عن اتباعه، ويتباعدون[(١)](#foonote-١) هم. ويحتمل ما ذكر في القصة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان عند أبي طالب، يدعوه إلى الإسلام، اجتمعت قريش عنده ليريدوا بالنبي سوءا. قال أبو طالب، وأنشد فيه :
والله لن يصلوا إليك بجمعهم حتى أوسد في التراب دفينا
فاصدع بأمرك ما عليك غضاضة وابشر، وقر بذاك منك عيونا
فدعوتني، وزعمت أنك ناصح ولقد صدقت، وكنت ثم أمينا
وعرضت دينا، قد علمت بأنه من خير أديان البرية دينا
لولا الذمامة، أو أحاذر سبة لوجدتني سمحا بذاك متينا[(٢)](#foonote-٢)
كان ينهى الناس عن أذى محمد صلى الله عليه وسلم ويتباعد هو عنه، فلا يتبعه في دينه، فترك هذا. 
وقوله تعالى : وإن يهلكون إلا أنفسهم وما يشعرون  إنهم بذلك يسعون في هلاك أنفسهم.

١ - في الأصل وم: وتباعدون..
٢ - أدرجت هذه الأبيات في البحر المحيط مع اختلاف في اللفظ \[٤/ ٤٧١\]..

### الآية 6:27

> ﻿وَلَوْ تَرَىٰ إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ فَقَالُوا يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ [6:27]

الآية ٢٧ وقوله تعالى : ولو ترى إذ وقفوا على النار  عن الحسن \[ أنه \][(١)](#foonote-١) قال : سترى  إذ وقفوا على النار  وفي حرف ابن مسعود رضي الله عنه : ولو ترى إذ عرضوا على النار. وكذلك في  ولو ترى إذ وقفوا على ربهم  \[ الأنعام : ٣٠ \] إذ عرضوا على ربهم. ولولا ما روي عن ابن مسعود رضي الله عنه وقفوا : عرضوا على الناس، لجاز[(٢)](#foonote-٢) أن يحمل قوله تعالى : إذ وقفوا على النار  أي عند النار أو في النار : على مكان عند أو مكان في. وفي ذلك جائز في اللغة. ولكن ما روي عن ابن مسعود رضي الله عنه أغنانا[(٣)](#foonote-٣) عن ذلك. 
ثم يحتمل، والله أعلم، أن يكون هذا صلة \[ قوله تعالى \][(٤)](#foonote-٤)  إن هذا إلا أساطير الأولين  \[ الأنعام : ٢٥ \] وهكذا الواجب على كل أحد أن يرحم عدوه إذا كان عاقبته النار والتخلد فيها، وألا يطلب الانتقام منه بما كان منه بمكانه أو أن يقال : ولو تراهم  إذ وقفوا على النار  من الذل والخضوع لرحمته بما كان منهم من التكبر والاستكبار في الدنيا، وهو كقوله تعالى : ولو ترى إذ المجرمون ناكسوا رءوسهم عند ربهم  \[ السجدة : ١٢ \] الآية، أخبر عن ذلهم وخضوعهم في الآخرة بما كان منهم في الدنيا من الاستكبار والاستنكاف. فعلى ذلك يخبر نبيه عما يصيبهم من الذل بتكبرهم في الدنيا، والله أعلم. 
وقوله تعالى : فقالوا يا ليتنا نرد ولا نكذب بآيات ربنا ونكون من المؤمنين  تمنوا عند معاينتهم العذاب العود والرد. 
**ثم فيه دليلان :**
أحدهما : أنهم عرفوا أن ما أصابهم بتكذيبهم الآيات وتركهم الإيمان حين قالوا : يا ليتنا نرد ولا نكذب بآيات ربنا . 
والثاني : أن الإيمان هو التصديق الفرد لا غير لأنهم فزعوا عند معاينتهم العذاب، تمنوا الرد والعود إلى الدنيا أن يكونوا من المؤمنين، لم يفزعوا إلى شيء آخر من الخيرات. دل أن الإيمان هو التصديق الفرد لا غير، وأنه ضد التكذيب. والتكذيب هو فرد. فعلى ذلك التصديق.

١ - ساقطة في الأصل وم..
٢ - في الأصل وم: وإلا يجوز..
٣ - في الأصل وم: أقنعنا..
٤ - ساقطة من الأصل وم..

### الآية 6:28

> ﻿بَلْ بَدَا لَهُمْ مَا كَانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ ۖ وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ [6:28]

الآية ٢٨ وقوله تعالى : بل بدا لهم ما كانوا يخفون من قبل  قيل فيه بوجوه : قال بعضهم : قوله تعالى : ومنهم من يستمع إليك  \[ الأنعام : ٢٥ \] إنها نزلت في المنافقين. يدل على ذلك قوله تعالى : بل بدا لهم ما كانوا يخفون/١٤٦-أ/ من قبل  وهو سمة[(١)](#foonote-١) أهل النفاق : أنهم يظهرون الموافقة للمؤمنين، ويضمرون الخلاف، ويخفون العداوة لهم. 
ويحتمل قوله تعالى : بل بدا لهم ما كانوا يخفون من قبل  وذلك أنهم حين قالوا : والله ربنا ما كنا مشركين  \[ الأنعام : ٢٣ \] وقوله تعالى : ولو ترى إذ وقفوا على النار  \[ الأنعام : ٢٧ \] أي حبسوا ؛ إذ الوقوف حبس، ولو وقف : حبس، والنار لا يوقف عليها، بل يكون فيها كما قال عز وجل : ولهم من فوقهم ظلل من النار ومن تحتهم ظلل  \[ الزمر : ١٦ \] وقال : لهم من جهنم مهاد ومن فوقهم غواش  \[ الأعراف : ٤١ \]. 
ويحتمل الوقف عندها قبل الدخول في حال الحساب[(٢)](#foonote-٢) للمساءلة كقوله تعالى : احشروا الذين ظلموا وأزواجهم  الآية \[ الصافات : ٢٢ \]، وكقوله تعالى : ولو ترى  أي لو ترى ذلهم وخضوعهم، وكقوله تعالى : ولو ترى إذ المجرمون ناكسوا رءوسهم  \[ السجدة : ١٢ \]. 
ولم يبين جواب لو. وقد يترك جواب لو لما يعلم : ربما يعلم بالتأمل أو بالذكر كقوله تعالى : لولا إذ سمعتموه ظن المؤمنون والمؤمنات بأنفسهم خيرا  \[ النور : ١٢ \] بمعنى ظننتم أو على ما ذكر في موضع آخر نحو قوله تعالى  قلتم ما يكون لنا أن نتكلم بهذا  \[ النور : ١٦ \] وكذلك قوله تعالى : ولولا فضل الله عليكم ورحمته وأن الله تواب حكيم  \[ النور : ١٠ \] إنما يجيب ل : لو وغير ذلك. فلعل معناه : لو ترى ذلهم بعد استكبارهم لرحمتهم على ما هو عليه، ولهان عليك التصبر لأذاهم، ولأشفقت عليهم. 
ويحتمل قوله تعالى : ولو ترى  ما ينزل بهم من نقمة الله، ويحل بهم من عذابه لعلمت أن القوة لله جميعا وأنه بحلمه[(٣)](#foonote-٣) ورحمته يملي لهم، وتسترجعه كقوله تعالى : ولو يرى الذين ظلموا إذ يرون العذاب أن القوة لله جميعا  \[ البقرة : ١٦٥ \] ويحتمل أن يكون جوابه في ما ذكر من تمنيهم العود وندامتهم على ما سلف منهم وشدة تلهفهم على صنيعهم لرأيت ذلك كافيا وجزءا بالغا \[ لما يكون ما \] ينزل بهم أعظم عندك مما تلقى منهم. 
وقد يخرج الخطاب لرسول الله على تضمن تنبيه كل مميز وتذكير كل متأمل، والله أعلم. 
\[ قوله تعالى \][(٤)](#foonote-٤) : يا ليتنا نرد  قيل : إلى الدنيا، وقيل : إلى المحنة من حيث لا يحتمل كون الدنيا بعد كون الآخرة. لكن هذا تكلف تحقيق مراد قوم ظهر سفههم. ولعله ليس عندهم هذا التمييز، أو يقولون سفها كما قالوا كذبا بقوله : وإنهم لكاذبون . 
\[ وقوله \][(٥)](#foonote-٥) عز وجل  بآيات ربنا  \[ قال الحسن : بدين ربنا \][(٦)](#foonote-٦). وقال قوم : بحجج ربنا، فيكون في الآية اعتراف أنهم على التعنت كذبوا في الأول لا على الجهل. وإن كان ثم آيات عاندوها، وهم قوم قد سبق من الله الخبر عنهم مما فيه العناد منهم كقوله تعالى : ثم لم تكن فتنتهم إلا أن قالوا والله ربنا ما كنا مشركين  \[ الأنعام : ٢٣ \] وذلك يدل على تعنتهم في القول ليتخلصوا[(٧)](#foonote-٧) مما بلوا بجميع ما يحتمل وسعهم، لا أن ذلك كذلك في قلوبهم. لذلك، والله أعلم، قال الله تعالى : وإنهم لكاذبون . 
ثم دل قوله تعالى : ولا نكذب بآيات ربنا ونكون من المؤمنين  \[ على أمرين :
الأول :\][(٨)](#foonote-٨) أنهم قد عرفوا أن الإيمان هو التصديق. 
والثاني : أنهم ذكروا الآيات، والآيات يكذب بها، ويصدق، لا أن يعمل. 
وبعد فإن الذي في حد إمكان لإتيان مما فات هو التصديق ؛ إذ الغير لو توهم الأمر لوجد[(٩)](#foonote-٩) ما سبق من الترك. والتصديق لو أمر فهو لما سبق من التكذيب على أنه أجمع ألا يؤمر من آمن بقضاء مما فات، فثبت أنهم أرادوا به التصديق. وفيه أنه اسم لذلك حتى عرفه أهله وغير أهله معرفة واحدة، والله أعلم. 
\[ وقوله تعالى \][(١٠)](#foonote-١٠)  بل بدا لهم ما كانوا يخفون من قبل  يخرج على وجوه :
أحدها : على أن الآية في أهل النفاق تظهر[(١١)](#foonote-١١) ما قد أضمروا من الكفر. 
والثاني : أن تكون الآية في رؤساء الكفرة العلماء بالبعث وبأن الرسل يكونون[(١٢)](#foonote-١٢) من البشر. 
\[ والثالث \][(١٣)](#foonote-١٣) : أن لا شريك لله ؛ فبدا للأتباع[(١٤)](#foonote-١٤) ما كان الرؤساء يخفون في الدنيا، ويحتمل : وبدا لهم من صنيعهم ما قد أسروه، وأضمروه في أنفسهم ؛ ظنوا ألا يطلع على ذلك أحد، وذلك في قوله تعالى : يوم تبلى السرائر  \[ الطارق : ٩ \] وقوله تعالى : وحصل ما في الصدور  \[ العاديات : ١٠ \] وغير ذلك، ويحتمل : ما كانوا يخفون من الخلق أو بدا لهم ذلك بالجزاء. 
\[ وقوله تعالى \][(١٥)](#foonote-١٥) : ولو ردوا  أي إلى ما تمنوا أن يردوا إليه  لعادوا لما نهوا عنه  أخبر الله عن علمه بما قد أسروه في ذلك الوقت أن ما كان في علمه أن يكون، وإن كان من حكمه، ألا يردوا في ذلك \[ أن \][(١٦)](#foonote-١٦) الآية لا تضطر صاحبها، ولا قولة إلا بالله. 
وقال قوم : إن الخلود يلزم في النار بما هم في علم الله أنهم يلزمون ما هم عليه لو مكثوا للأبد. وقال قوم : إذا لم يجز لزوم العذاب بما لم يعلم الله من العناد من أحد لو امتحن بلا محنة ولا خلاف. فعلى ذاك أمر الخلاف لكن الآية في خاص منهم، وهم الذين اعتدوا، وعاندوا[(١٧)](#foonote-١٧) الحق بعد الوضوح على ما ذكر في كثير من الكفرة أنهم لا يؤمنون أبدا. ثم أمهلهم على ذلك. وهذا يبين أن ليس تمنع الإعادة لما يعودون له لو كان تحتل في الحكمة الإعادة ؛ إذ قد أمهل، وأبقى على العلم بذلك. فعلى ذلك الإعادة. لكنه أخبر عن تعنتهم. 
ثم ظنت المعتزلة أن الله لو علم أنهم لا يؤمنون لردهم إلى ذلك، إذ بين أنهم لا يؤمنون، فيستدلون بهذا أن ليس لله قبض روح يعلم أنه لو لم يقبضه يؤمن يوما من الدهر. وقد بينا نحن أن ذلك لا يوجب، إن كان أولئك في علم، أن يعودوا إلى ذلك بما قد يترك في الدنيا من يعلم انه يلزم الكفر، وينجي من المهالك من يعلم أنه يعود. ثم قد يترك من يعود إلى الكفر على وجود ما به النجاة عنه، والله أعلم. 
وبعد فإن الله تعالى قال : ولو بسط الله الرزق لعباده لبغوا في الأرض  \[ الشورى : ٢٧ \] فبين أنه لا[(١٨)](#foonote-١٨) يبسط لئلا يبغوا، وقال : ولولا أن يكون الناس أمة واحدة لجعلنا لمن يكفر بالرحمن  الآية \[ الزخرف : ٣٣ \]. 
ثم قد جعل \[ البسط \][(١٩)](#foonote-١٩) لكثير ممن ضل بهم قوم نحو الفراعنة ولكثير منهم، وقد بغوا في الأرض إذ \[ لو \][(٢٠)](#foonote-٢٠) لم يكن البسط لفرعون لم يكن ليدعي الإلهية. لكن الأول طريق الفضل يفضل به، والثاني طريق العدل وما يجوز في الحكمة. فعلى ذلك الإمهال ؛ يبين ذلك ما كان الله يأمر بقتل من لعله يؤمن لو أمهل بما ندب إلى القتال. ولا يحتمل أن يأمر في قتل من ليس له قبض روحه، وقد يبقي من به يهلك، ويضل، وإن قبض كثيرا منهم بما يضل به، لو بقي، كما قال : فخشينا أن يرهقهما طغيانا وكفرا  \[ الكهف : ٨٠ \] والله أعلم. 
وظنت الخوارج بهذه الآية أن كل من يرتكب كبيرة يظهر منه كذبه في ما وعد أنه لا يفعل ؛ إذ الله سماهم كذبة بما في علمه أنهم يعودون إلى ذلك. 
فإذا تقرر عندنا من أحد نكوث[(٢١)](#foonote-٢١) ما كان في عهده وإيمانه أنه يرتكب \[ ما \][(٢٢)](#foonote-٢٢) يظهر به كذبه، فذلك خطأ لما لو كان كذلك لكان الصغائر والكبائر واحدة[(٢٣)](#foonote-٢٣). ومن كذب في أمر الكبائر في العهد، أو \[ رده، يكفر \][(٢٤)](#foonote-٢٤)، ومن ارتكب الصغيرة لم يصر كذلك[(٢٥)](#foonote-٢٥). 
**لكن الآية تخرج على وجوه :**
أحدها : أنها في قوم أرادوا بذلك دفع العذاب لا أن عزموا على ما ذكروا. دليله فتنتهم بقوله تعالى : والله ربنا ما كنا مشركين . 
والثاني : أنه ذكر كذبهم ؛ انطلق الله جوارحهم، فشهدت عليهم بما كتموا من الشرك، فتمنوا عند ذلك العود والرد. 
والثالث[(٢٦)](#foonote-٢٦) : بدا لهم  ظهر لهم  ما كانوا يخفون  من بعث[(٢٧)](#foonote-٢٧) محمد وصفته صلى الله عليه وسلم في الدنيا، وكتموه، والله أعلم. 
وقوله تعالى : ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه وإنهم لكاذبون  تعلق بظاهر هذه الآية الخوارج والمعتزلة. 
أما المعتزلة فإنهم قالوا : إنهم لما طلبوا الرد لم يردهم لما علم أنهم لو  ردوا لعادوا  إلى التكذيب ثانيا. ولو علم منهم أنهم لا يعودون لكان لا يردهم. فدل أنه إنما لم يردهم لما علم منهم أنهم يعودون إلى ما كانوا من قبل. فيستدلون بظاهر هذه الآية على أن الله لا يفعل بالعبيد[(٢٨)](#foonote-٢٨) إلا الأصلح / ١٤٦-ب/ لهم في الدين. وقالوا : لو علم منهم الإيمان لكان لا يجوز له ألا يردهم. ومن قولهم : إنه إذا علم من كافر أنه يؤمن في آخر عمره لم يجز له أن يميته، وغير ذلك من المخاييل والأباطيل. 
وقالت الخوارج : أخبر أنه لو ردهم  لعادوا لما نهوا عنه  وسماهم بالقول كاذبين لما في علمه أنم لا يفعلون بما يقولون. فعلى ذلك كل صاحب كبيرة إذا كان في اعتقاده الذي أظهره أنه لا يأتي بها، فإذا أتى بها يصير في ما اعتقده كاذبا. ولذلك يجعلون أصحاب الكبائر كذبة في القول الأول : إنهم لا يأتون بها. وعلى ذلك المبايعة بقوله : يبايعنك على أن لا يشركن بالله  الآية \[ الممتحنة : ١٢ \] فإذا سرقن صرن كاذبات في البيعة كما جعل من ذكر كاذبا في الوعد إذا أخلف. وعلى ذلك يجعلونه كافرا. 
وقوله تعالى : وإنهم لكاذبون  يحتمل  لكاذبون  أي ليكذبون لو ردوا، أو  وإنهم لكاذبون  يحتمل  لكاذبون  في قولهم، ويكونون من المؤمنين ؛ أي يضمرون أنهم لا يؤمنون كقوله تعالى : إذا جاءك المنافقون قالوا نشهد إنك لرسول الله  إلى قوله : والله يشهد إن المنافقين لكاذبون  \[ المنافقون : ١ \] يقولون  إنك لرسول الله  لكنهم لما أضمروا خلاف ذلك في قلوبهم سماهم كاذبين. فعلى ذلك هؤلاء لما أضمروا في أنفسهم التكذيب، وإن ردوا، فهم كاذبون في ذلك. 
وقوله تعالى : ولو ردوا  \[ فيه وجوه :
أحدها :\][(٢٩)](#foonote-٢٩) قيل : إلى الدنيا، ولكن ردوا إلى المحنة ثانيا  لعادوا لما نهوا عنه . 
والثاني : أنه ذكر كذبهم بما اعتادوا العناد، وظهر منهم الجحود في القديم. فبذلك سماهم كذبة كما سمى أهل النار كفرة بما كان من كفرهم قبل أن يصيروا إليها. فعلى ذلك هذا. 
والثالث : أن يكون على الخبر عن عاقبتهم أنهم يصيرون كاذبين لو ردوا، وعرض عليهم ذلك، وبعث إليهم[(٣٠)](#foonote-٣٠) الرسل بالآيات لا أن يكذبوا في ذلك الوعد.

١ -من م، في الأصل: سمته..
٢ - من م، في الأصل: الحسنات..
٣ - في الأصل وم: بحمله..
٤ -من ساقطة من الأصل..
٥ - ساقطة من الأصل وم..
٦ - من م، ساقطة من الأصل..
٧ - من م، في الأصل: ليستخلصوا..
٨ - ساقطة من الأصل و م..
٩ - في الأصل و م: ليوجد..
١٠ - من م، ساقطة من الأصل.
١١ - في الأصل وم: ظهر..
١٢ - في الأصل وم: تكون..
١٣ - في الأصل وم: و..
١٤ - من م، في الأصل: لأتباع..
١٥ - من م، ساقطة من الأصل..
١٦ - من م، ساقطة من الأصل..
١٧ - في الأصل: وعندوا..
١٨ - في الأصل وم: لو..
١٩ -ساقطة من الأصل وم..
٢٠ - من م، ساقطة من الأصل..
٢١ -في الأصل وم: ركوب..
٢٢ - ساقطة من الأصل وم..
٢٣ - في الأصل وم: واحدا..
٢٤ - في الأصل: رد، ويكفر، في م: رد، يكفر..
٢٥ - أدرج بعدها في الأصل وم العبارة التالية: فعلى ذلك الكبائر..
٢٦ -في الأصل وم: يحتمل..
٢٧ - في الأصل وم: نعت..
٢٨ - في الأصل وم: العبد..
٢٩ - ساقطة من الأصل وم..
٣٠ - في الأصل وم: عليهم..

### الآية 6:29

> ﻿وَقَالُوا إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ [6:29]

الآية ٢٩ وقوله تعالى : وقالوا إن هي إلا حياتنا الدنيا وما نحن بمبعوثين  قوله تعالى : إن هي  يحتمل : هي الحياة الدنيا، ويحتمل : هي الدنيا. ثم هذا القول يحتمل أن يكون من الدهرية لأنهم ينكرون البعث والحياة بعد الموت، ويقولون : إن هذا الخلق كالنبات، ينبت، ثم يتلاشى. فعلى ذلك الخلق، يموتون، ويصيرون ترابا، ثم يحيون في الدنيا كقوله تعالى : وقالوا ما هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما يهلكنا إلا الدهر  \[ الجاثية : ٢٤ \]. ويحتمل أن هذا القول كان من مشركي العرب لما لم يروا إلا الدهر، ولم يشاهدوا غيره، فظنوا أنه ليس يهلكهم إلا ذلك الدهر الذي تدور الدنيا عليه. فإن كان ذلك منهم فإنما كان ذلك من كبرائهم، ورؤسائهم على علم منهم بذلك أي بالبعث يلبسون على السفلة والأتباع ليكونوا أشد اتباعا لهم وانقيادا لأنهم لو أعلموا الأتباع بالبعث بعد الموت لعلهم يتركون طاعتهم واتباعهم لما يشتغلون بالاستعداد لذلك والعمل له ؛ ففي ذلك ترك اتباعهم وطاعتهم.

### الآية 6:30

> ﻿وَلَوْ تَرَىٰ إِذْ وُقِفُوا عَلَىٰ رَبِّهِمْ ۚ قَالَ أَلَيْسَ هَٰذَا بِالْحَقِّ ۚ قَالُوا بَلَىٰ وَرَبِّنَا ۚ قَالَ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ [6:30]

الآية ٣٠ وقوله تعالى : ولو ترى إذ وقفوا على ربهم  أي لربهم كقوله : يوم يقوم الناس لرب العالمين  \[ المطففين : ٦ \]. 
وكقوله تعالى : وما ذبح على النصب  \[ المائدة : ٣ \] أي للنصب. وأصله ما روي في حرف ابن مسعود رضي الله عنه  ولو ترى إذ وقفوا [(١)](#foonote-١) إن عرضوا  على ربهم . 
وقوله تعالى : قال أليس هذا بالحق  يحتمل قوله : أليس هذا بالحق  أي البعث بعد الموت لأنهم كانوا ينكرون البعث، ويقولون : أنه باطل. ويحتمل بما كانوا أوعدوا بالعذاب إن لم يؤمنوا، فكذبوا ذلك، فقال : أليس ما أوعدتم في الدنيا حقا[(٢)](#foonote-٢)، فأقروا، فقالوا  بلى وربنا قال فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون  في الدنيا.

١ - انظر ما ذكره المؤلف في تفسير الآية ٢٧ ص ١٠٦..
٢ - في الأصل وم: حق..

### الآية 6:31

> ﻿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ ۖ حَتَّىٰ إِذَا جَاءَتْهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً قَالُوا يَا حَسْرَتَنَا عَلَىٰ مَا فَرَّطْنَا فِيهَا وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَىٰ ظُهُورِهِمْ ۚ أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ [6:31]

الآية ٣١ وقوله تعالى : قد خسر الذين كذبوا بلقاء الله  يحتمل قوله تعالى : كذبوا بلقاء الله  أي كذبوا لقاء وعد الله ووعيده في الدنيا، وعلى ذلك يخرج ما روي في الخبر :( من أحب لقاء الله ) أي أحب لقاء ما وعد الله له ( ومن كره لقاء الله ) أي كره ما وعد له. وأصله :( من أحب الرجوع إلى الله أحب الله رجوعه ومن كره الرجوع إلى الله كره الله رجوعه إليه ) \[ البخاري ٦٥٠٧ و ٦٥٠٨ \] والمحبة لله اختيار أمره وطاعته. وعلى ذلك ما روي في الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم \[ أنه \][(١)](#foonote-١) قال :( الدنيا جنة الكافر يلعب فيها، ويرتكض في أمانيها، وسجن المؤمن، وراحته بالموت ) \[ مسلم : ٢٩٥٦ \]. 
وأصله أنها سجن المؤمن ؛ لأن المؤمن يمنعه دينه من قضاء شهواته لما يخاف هلاكه، ويحذره عما يفيضه إلى الهلاك. والكافر لا يمنعه شيء من ذلك عما يريد من قضاء شهواته في الدنيا، فتكون له كالجنة وللمؤمن كالسجن على ما ذكرنا. 
ويحتمل وجها آخر وهو أن الكافر عند الموت يعاين مكانه وما أوعد له في النار ؛ فتصير عند ذلك الدنيا كالجنة له ؛ \[ يريد الرجوع إليها \][(٢)](#foonote-٢)، والمؤمن يعاين موضعه في الجنة، فتصير \[ الدنيا \][(٣)](#foonote-٣) كالسجن له. 
وقوله تعالى : حتى إذا جاءتهم الساعة بغتة  قيل : سميت القيامة ساعة لسرعتها ليست كالدنيا ؛ لأن في الدنيا تتغير فيها على المرء الأحوال ؛ يكون نطفة، ثم يصير علقه، ثم مضغة، ثم يصير خلفا آخر، ثم إنسانا، ثم يكون طفلا، ثم رجلا ؛ تتغير عليه الأحوال. 
وأما القيامة فإنها لا تقوم على تغير الأحوال ؛ فسميت الساعة لسرعتها بهم، وقيل : سميت القيامة الساعة لأنها تقوم في ساعة، وهو كقوله تعالى : وما أمر الساعة إلا كلمح البصر أو هو أقرب  \[ النحل : ٧٧ \] وقيل : سميت الساعة لما[(٤)](#foonote-٤) تقوم ساعة فساعة. 
وقوله تعالى : بغتة  أي فجأة. 
وقوله تعالى : يا حسرتنا على ما فرطنا فيها  قيل : التفريط هو التضييع ؛ فيحتمل قوله : ما فرطنا فيها  أي ما ضيعنا في الدنيا من المحاسن والطاعات، ويحتمل : ضيعنا في الآخرة من الثواب والجزاء الجزيل بكفرهم في الدنيا. 
وقوله تعالى : وهم يحملون أوزارهم على ظهورهم  هو، والله أعلم، على التمثيل ليس على التحقيق ؛ وهو يحتمل \[ وجوها :
أحدها \][(٥)](#foonote-٥) : يحتمل أنه أخبر أنهم  يحملون أوزارهم على ظهورهم  بما لزموا أوزارهم وآثامهم، لم يفارقوها قط ؛ وصفهم بالحمل على الظهر، وهو كقوله تعالى : وكل إنسان ألزمناه طائره في عنقه  \[ الإسراء : ١٣ \] ولكن لما لزم ذلك صار كأنه في عنقه. 
والثاني : إنما ذكر الظهر \[ لما على الظهر \][(٦)](#foonote-٦) يحمل ما يحمل، فكان كقوله تعالى : وكل إنسان ألزمناه طائره في عنقه  \[ الشورى : ٣٠ \] \[ وكقوله تعالى \][(٧)](#foonote-٧) : ذلك بما قدمت أيديكم  \[ آل عمران : ١٨٢ \] لأن الكفر لا يكتسب بالأيدي، ولا يقدم بها، لكن اكتساب الشيء وتقديمه لما كان باليد ذكر اكتساب اليد وتقديمه، وكقوله تعالى : فنبذوه وراء ظهورهم  \[ آل عمران : ١٨٧ \] إنهم لما تركوا العمل به والانتفاع صار كالمنبوذ وراء الظهر لأن الذي ينبذ وراء الظهر هو الذي لا يعبأ به، ولا يكترث إليه. 
ويحتمل وجها آخر \[ هو ما ذكر \][(٨)](#foonote-٨) في بعض القصة أنه يأتيه عمله الخبيث على صورة قبيحة، فيقول له : كنت أحملك في الدنيا باللذات والشهوات، وأنت اليوم تحملني، فيركب ظهره، فذلك قوله تعالى : وهم يحملون أوزارهم على ظهورهم ألا ساء ما يزرون .

١ - ساقطة من الأصل وم..
٢ - في الأصل وم، يكره الرجوع..
٣ - ساقطة من الأصل وم..
٤ - من م، في الأصل: ما..
٥ - في الأصل: على وجهين، في م: وجهين..
٦ - في م: لما بالظهر، ساقطة من الأصل..
٧ - في الأصل وم: و..
٨ - في الأصل وم: ما ذكره..

### الآية 6:32

> ﻿وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَعِبٌ وَلَهْوٌ ۖ وَلَلدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ ۗ أَفَلَا تَعْقِلُونَ [6:32]

الآية ٣٢ وقوله تعالى : وما الحياة الدنيا إلا لعب ولهو  أي الحياة الدنيا للدنيا خاصة لأن العمل إذا لم يكن لعاقبة، تتأمل، فهو عبث، كبان يبني بناء لا لعاقبة، يتأمل، ويقصد \[ عاقبة \][(١)](#foonote-١) بنيانه، فهو لعب عبث. فعلى ذلك \[ العمل في \][(٢)](#foonote-٢) الحياة الدنيا لا لدار أخرى، يتأمل، ويرجى به الثواب والعقاب ليس بحكمة، وإنما هو لعب ولهو. وعلى ذلك يخرج قوله تعالى : أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا وأنكم إلينا لا ترجعون  \[ المؤمنون : ١١٥ \] أخبر أن خلقه إياهم إذا لم يكن للرجوع إليه فهي عبث. فعلى ذلك الحياة الدنيا إذا لم يكن هناك بعث ولا حياة بعد الموت للثواب والعقاب فهو لعب ولهو. واللهو ما يقصد به قضاء الشهوة خاصة، لا تقصد به العاقبة. واللعب هو الذي لا حقيقة له، ولا مقصد. 
وقوله تعالى : وللدار الآخرة خير للذين يتقون أفلا تعقلون  أي الدار الآخرة خير للذين يتقون/ ١٤٧-أ/ الشرك والفواحش كلها من الحياة الدنيا. 
وأصله أن الحياة الدنيا على ما عند أولئك الكفرة لعب ولهو لأن عندهم لا بعث، ولا ثواب، ولا عقاب، فإذا كان عندهم هكذا، فيصير لعبا ولهوا لأنه يحصل إنشاء لا عاقبة له، فيكون كبناء البناء الذي ذكرنا إذا كانت[(٣)](#foonote-٣) عاقبته غير مقصود، فهو لا انتفاع به.

١ - ساقطة من الأصل وم..
٢ - ساقطة من الأصل وم..
٣ - في الأصل وم: كان..

### الآية 6:33

> ﻿قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ ۖ فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَٰكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ [6:33]

الآية ٣٣ وقوله تعالى : قد نعلم إنه ليحزنك الذي يقولون  هذا، والله أعلم، إخبار منه نبيه صلى الله عليه وسلم أنه على[(١)](#foonote-١) علم منه بتكذيبهم إياك \[ حين \][(٢)](#foonote-٢) بعثك إليهم رسولا، وأمرك بتبليغ الرسالة إليهم، وكان عالما بما يلحقك من الحزن بتكذيبهم إياك، ولكن بعثك إليهم رسولا مع علم منه بهذا كله لتبلغهم بذكر هذا، والله أعلم ليعلم رسوله أن لا عذر له في ترك تبليغ الرسالة، وإن كذبوه في تبليغها. 
ثم الذي يحمله على الحزن يحتمل وجوها : يحتمل يحزنه افتراؤهم وكذبهم على الله، أو كان يحزن لتكذيب أقربائه وعشيرته إياه ؛ فإن أكذبته عشيرته انتهى الخبر إلى الأبعدين، فيكذبونه، فيحزن لذلك، أو يحزن حزن طبع لأن طبع كل أحد، ينفر عن التكذيب، أو كان يحزن إشفاقا عليهم بما ينزل عليهم من العذاب بتكذيبهم إياه وأذاهم له كقوله تعالى : فلعلك باخع نفسك  الآية \[ الكهف : ٦، والشعراء : ٣ \] وكقوله تعالى : فلا تذهب نفسك عليهم حسرات  \[ فاطر : ٨ \]. 
وقوله تعالى : فإنهم لا يكذبونك  اختلف في تلاوته[(٣)](#foonote-٣) : قرأ بعضهم بالتخفيف، وبعضهم بالتشديد والتثقيل ؛ فمن قرأ بالتخفيف لا يكذبونك أي لا يجدونك كاذبا قط، ومن قرأ بالتثقيل  لا يكذبونك  أي لا ينسبونك إلى الكذب، ولا يكذبونك في نفسك. ويحتمل قوله : لا يكذبونك  في السر، ولكن يقولون في ذلك في العلانية. والتكذيب هو أن يقال : إنك كاذب. 
\[ قوله تعالى \][(٤)](#foonote-٤) : ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون  \[ أي عادة الظالمين \][(٥)](#foonote-٥) التكذيب بآيات الله. و الظالمين  يحتمل وجهين :
أحدهما : الظالمين  على نعم الله ؛ عادتهم التكذيب بآيات الله. 
\[ والثاني \][(٦)](#foonote-٦)  الظالمين  على أنفسهم لأنهم وضعوها في غير موضعها.

١ - في الأصل وم: من..
٢ - ساقطة من الأصل وم..
٣ - قرأ نافع الكسائي بالتخفيف، وقرأ الباقون بالتشديد، انظر حجة القراءات ص (٣٤٧)..
٤ - ساقطة من الأصل و م..
٥ - من م، ساقطة من الأصل..
٦ - في الأصل و م: و..

### الآية 6:34

> ﻿وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَىٰ مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّىٰ أَتَاهُمْ نَصْرُنَا ۚ وَلَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ ۚ وَلَقَدْ جَاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ [6:34]

الآية ٣٤ وقوله تعالى : ولقد كذبت رسل من قبلك فصبروا على ما كذبوا وأوذوا  يخبر نبيه صلى الله عليه وسلم ويصبره على تكذيبهم إياه وأذاهم بتبليغ الرسالة ؛ يقول : لست أنت أول مكذب من الرسل، بل كذب إخوانك من قبلك على تبليغ الرسالة، فصبروا على ما كذبوا، وأوذوا، ولم يتركوا تبليغ الرسالة مع تكذيبهم إياهم. فعلى ذلك لا عذر لك في ترك تبليغ الرسالة، وإن كذبوك في التبليغ، ويؤذوك ؛ وهو ما ذكرنا أنه يخبر أنه بعثك رسولا على علم منه بكل الذي كان منهم من التكذيب والأذى. 
وقوله تعالى : فصبروا على ما كذبوا وأوذوا حتى أتاهم نصرنا  أخبر الله أنه نصر رسله. ثم يحتمل هذا النصر وجوها : أحدها : نصرهم إذ[(١)](#foonote-١) أظهر حججه وبراهينه حتى علموا جميع أنها هي الحجج والبراهين وأنهم رسل الله، لكنهم تعاندوا، وكابروا. يحتمل[(٢)](#foonote-٢) النصر لهم بما جعل آخر أمرهم لهم، وإن كان قد أصابهم شدائد في بدء الأمر، ويحتمل نصرهم لما استأصل قومهم، وأهلكهم بتكذيبهم الرسل. وفي استئصال القوم وإهلاكه إياهم وإبقاء الرسل نصرهم. وكذلك قوله تعالى : إنا لننصر رسلنا  \[ غافر : ٥١ \] وقوله تعالى : إنهم لهم المنصورون  \[ الصافات : ١٧٢ \] يخرجان[(٣)](#foonote-٣) على الوجوه التي ذكرنا. 
وقوله تعالى : ولا مبدل لكلمات الله  هو ما ذكرنا من النصر لهم واستئصال قومهم وما أوعدهم من العذاب. فذلك كلمات الله. ويحتمل قوله : لكلمات الله  حججه وبراهينه كقوله تعالى : ويحق الله الحق بكلماته  \[ يونس : ٨٢ \] أي بحججه وآياته وكقوله تعالى : قل لو كان البحر مدادا لكلمات ربي لنفد البحر قبل أن تنفد كلمات ربي  \[ الكهف : ١٠٩ \] أي حجج ربي. 
وقوله تعالى : ولقد جاءك من نبإ المرسلين  يحتمل ما ذكرنا من إهلاك القوم وإبقاء الرسل قد جاءك ذلك النبأ. ويحتمل قوله تعالى : ولقد جاءك من نبإ المرسلين  من تكذيب قومهم لهم وأذاهم. فإن كان هذا ففيه تصبير رسول الله صلى الله عليه وسلم \[ على ما \][(٤)](#foonote-٤) يشق عليه كفر قومه وإعراضهم عن الإيمان حتى كادت نفسه تتلف، وتهلك لذلك إشفاقا عليهم كقوله تعالى : فلا تذهب نفسك عليهم حسرات  \[ فاطر : ٨ \] وقوله تعالى : لعلك باخع نفسك ألا يكونوا مؤمنين  \[ الشعراء : ٣ \] ونحو ذلك من الآيات يشفق عليهم بتركهم الآيات لما يعذبون أبدا في النار.

١ - في الأصل وم: أي..
٢ - في الأصل وم: أو..
٣ - في الأصل وم: يخرج..
٤ - في الأصل وم: و..

### الآية 6:35

> ﻿وَإِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقًا فِي الْأَرْضِ أَوْ سُلَّمًا فِي السَّمَاءِ فَتَأْتِيَهُمْ بِآيَةٍ ۚ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَىٰ ۚ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ [6:35]

الآية ٣٥ فعلى ذلك قوله تعالى : وإن كان كبر عليك إعراضهم  إذ[(١)](#foonote-١) كان يكبر عليه، ويثقل إعراضهم لما يطلبون منه الآيات. حتى إذا جاء بها لا يؤمنون من نحو ما قالوا  ولن نؤمن لرقيك حتى تنزل علينا كتابا نقرؤه  \[ الإسراء : ٩٣ \] وغير ذلك من الآيات التي سألوها. 
فطمع رسول الله صلى الله عليه وسلم في إيمانهم إذا جاء بما سألوا من الآيات، فكان الله عالما بأنه، وإن جاءتهم آيات، لم يؤمنوا. وإنما يسألون سؤال تعنت لا سؤال طلب آيات لتدلهم على الهدى. 
فقال عند ذلك : فإن استطعت أن تبتغي نفقا في الأرض أو سلما في السماء  أي أن يكون قوله تعالى : فإن استطعت أن تبتغي نفقا في الأرض  نهيا عن الحزن عليهم ؛ أي لا تحزن عليهم كل هذا الحزن بما ينزل بهم، وقد تعلم صنيعهم وسوء معاملتهم آيات الله. 
وكذلك روي في القصة عن ابن عباس رضي الله عنه أن نفرا من قريش قالوا : يا محمد ائتنا بآيتين عن ذلك. كما كانت الأنبياء تأتي قومها بالآيات إذ سألوهم[(٢)](#foonote-٢)، فإن أتيتنا آمنا بك، وصدقناك. فيأبى الله تعالى أن يأتيهم بما قالوا، فاعرضوا عنه، فكبر ذلك عليه، وشق، فأنزل الله تعالى : فإن استطعت  يقول : إن قدرت  أن تبتغي  يقول : إن تطلب  نفقا في الأرض كنفق اليربوع نافذا أو مخرجا، فتوارى فيه[(٣)](#foonote-٣) منهم { أو سلما في السماء  يكون سببا إلى صعود السماء، فتأتيهم بالآية[(٤)](#foonote-٤) التي سألوها فافعل. 
قال القتبي : النفق في الأرض : المدخل، وهو السرب، والسلم في السماء : وقال أبو عوسجة : النفق الغار، والأنفاق الغيران، والغار واحد. 
وقوله تعالى : ولو شاء الله لجمعهم على الهدى  قال الحسن : أي  ولو شاء الله  لقهرهم على الهدى، وأكرههم كما فعل بالملائكة \[ إذ من قوله : أن الملائكة \][(٥)](#foonote-٥) مجبورون مقهورون. ثم هو يفضل الملائكة على البشر، ويجعل لهم مناقب، لا يجعل ذلك لأحد من البشر. فلو كانت الملائكة مجبورين مقهورين على ذلك لم يكن في ذلك لهم كبير منقبة، ففي قوله اضطراب. 
وأما تأويله عندنا : ولو شاء الله لجمعهم على الهدى  أي لجمعهم جميعا بحيث اختاروا الهدى، وآثروه على غيره. ولكن لما علم منهم أن يختاروا الكفر على الهدى لم يشأ أن يجمعهم على الهدى، وقد ذكرنا هذا في ما تقدم ألا يكون الهدى في حال القهر والجبر، وإنما يكون في حال الاختيار. 
وقوله تعالى : فلا تكونن من الجاهلين  يحتمل وجوها ؛ يحتمل  فلا تكونن من الجاهلين  من قضاء الله وحكمه، ويحتمل : فلا تكونن من الجاهلين  من إحسانه وفضله، أي من إحسانه جعل لهم الهدى، ويحتمل : فلا تكونن من الجاهلين  أنه يؤمن بك بعضهم، وبعضهم لا يؤمن. 
قال أبو بكر الكيسائي في قوله  ولو شاء الله  ابتلاهم بدون ما ابتلاهم به ليخف عليهم، فيجيبون بأجمعهم، أو يقول : ولو شاء الله  لوفقهم جميعا للهدى، فيهتدون، وهو قولنا. لكن لم يشأ لما ذكرنا أنه لم يوفقهم لما علم منهم أنهم يختارون الكفر[(٦)](#foonote-٦). 
وقوله تعالى : فلا تكونن من الجاهلين  بأن الله قادر ؛ لو شاء لجعلهم جميعا مهتدين. ثم معلوم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان معصوما، لا يجوز أن يقال : إنه يكون من الجاهلين أو من الشاكرين على ما ذكر. ولكن ذكر هذا، والله أعلم، ليعلم أن العصمة لا ترف الأمر والنهي والامتحان، بل تزيد. لذلك كان ما ذكر، والله أعلم.

١ - في الأصل وم: أو..
٢ - في الأصل وم: سألوه..
٣ - في الأصل وم: منه..
٤ - في الأصل وم: بآية..
٥ من م، ساقطة من الأصل..
٦ - في الأصل وم: الكفرة..

### الآية 6:36

> ﻿۞ إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ ۘ وَالْمَوْتَىٰ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ [6:36]

الآية ٣٦ وقوله تعالى : إنما يستجيب الذين يسمعون  معناه : والله أعلم إنما يستجيب الذين ينتفعون بما يسمعون، وإلا كانوا يسمعون جميعا. لكن الوجه فيه ما ذكرنا : أنه إنما يجيب الذين ينتفعون بما يسمعون، وهو كقوله تعالى : إنما تنذر من اتبع الذكر  \[ يس : ١١ \] كان النبي صلى الله عليه وسلم /١٤٧-ب/ ينذر من اتبع الذكر ومن لم يتبع. لكن انتفع بالإنذار من اتبع الذكر، ولم ينتفع من لم يتبع، وهو ما ذكر عز وجل  وذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين  \[ الذاريات : ٥٥ \] أخبر أن  الذكرى تنفع المؤمنين  لا تنفع غيرهم[(١)](#foonote-١). 
وقوله تعالى : والموتى يبعثهم الله  اختلف فيه : قال بعضهم : والموتى يبعثهم الله  على الابتداء  ثم إليه يرجعون . وقال قائلون : أراد بالموتى الكفار ؛ سمى الكافر ميتا والمؤمن حيا في غير موضع من القرآن كقوله تعالى : أو من كان ميتا فأحييناه وجعلنا له نورا يمشي به في الناس كمن مثله في الظلمات  \[ الأنعام : ١٢٢ \] فهو، والله أعلم أن جعل لكل بشر سمعين وبصرين وحياتين \[ سمعا أبديا \][(٢)](#foonote-٢) في الآخرة، \[ وبصرا أبديا \][(٣)](#foonote-٣) في الآخرة. وكذلك جعل لكل أحد حياتين : حياة الآخرة وحياة منقضية[(٤)](#foonote-٤)، وهي حياة الدنيا، وكذلك \[ جعل لكل أحد سمعا أبديا \][(٥)](#foonote-٥) وهو سمع الآخرة، \[ وسمعا ذا \][(٦)](#foonote-٦) مدة، لها انقضاء، وهو سمع الدنيا. ثم نفى السمع والبصر والحياة عمن لم يدرك بهذا السمع والبصر والحياة التي جعل له في الدنيا، ولم يبصر سمع الأبدية لأنه إنما جعل لهم هذا في الدنيا ليدركوا بهذا ذاك. 
وكذلك العقول التي ركبت في البشر، إنما ركبت ليدركوا بها، ويبصروا ذلك الأبدي، وإلا كان[(٧)](#foonote-٧) تركيب هذه العقول في البشر لهذه الدنيا خاصة لا لعواقب تتأمل للجزاء والعقاب. فالبهائم قد تدرك بالطبع ذلك القدر، وتعرف ما يؤتى ويتقى[(٨)](#foonote-٨)، وما يصلح لها. فدل أن تركيب العقول في من ركب إنما ركب لا لما يدرك هذا، إذ يدرك ذلك المقدار بالطبع من لم يركب فيه، وهي[(٩)](#foonote-٩) البهائم التي ذكرنا. 
والسمع والبصر والحياة قد \[ جعلها الله \][(١٠)](#foonote-١٠) في الدنيا لمعاشهم ومعادهم، وكذلك جعل لهم اللسان لينطق بحوائجهم في الدنيا، يعرف بعضهم من بعض المحاجة[(١١)](#foonote-١١) في الدنيا، ويدرك به الأزلي، فإذا لم ينتفعوا بذلك أزال عنهم ذلك، وسماهم العمي والصم والبكم. ألا ترى أنه قال "  صم بكم عمي  \[ البقرة : ١٨ و ١٧١ \] لما لم ينتفعوا بذلك ؟ ألا ترى أنه إذا لم يدرك الأزلي والأبدي من ذلك سماه أعمى حين[(١٢)](#foonote-١٢) قال : رب لم حشرتني أعمى وقد كنت بصيرا  ؟ \[ طه : ١٢٥ \]. 
والحياة حياتان : مكتسبة، وهي الحياة التي تكتسب بالهدى والطاعات، وحياة منشأة ؛ وهي حياة الأجساد. فالكافر له حياة الجسد، وليس له حياة مكتسبة. وأما المؤمن فله حياتان جميعا المكتسبة والمنشأة. فسمى كلا بالأسماء[(١٣)](#foonote-١٣) التي اكتسبها. فالمؤمن اكتسب أفعالا طيبة، فسماه بذلك، والكافر اكتسب أفعالا قبيحة، فسماه بذلك.

١ - من م، في الأصل: فيهما..
٢ - في الأصل وم: سمع أبدي..
٣ - في الأصل وم: وبصر أبدي..
٤ - في الأصل وم: منقبضة..
٥ - في الأصل وم: سمع أبدي..
٦ - في الأصل وم: وسمع ذو..
٧ - في الأصل وم: كانت..
٨ - في الأصل وم: وتبقى..
٩ - في الأصل وم: وهو..
١٠ - في الأصل وم: جعل..
١١ - في الأصل وم: حاجة..
١٢ - في الأصل و م: حيث..
١٣ - في الأصل وم: بأسماء..

### الآية 6:37

> ﻿وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ ۚ قُلْ إِنَّ اللَّهَ قَادِرٌ عَلَىٰ أَنْ يُنَزِّلَ آيَةً وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ [6:37]

الآية ٣٧ وقوله تعالى : وقالوا لولا نزل عليه آية من ربه. قل إن الله قادر على أن ينزل آية  هؤلاء قوم همهم العناد والمكابرة ؛ قد كان أنزل عليه آيات عقليات وسمعيات وحسيات. 
فأما الآيات العقليات فهي[(١)](#foonote-١) ما ذكر "  قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله  الآية \[ الإسراء : ٨٨ \]. وأما الآيات السمعيات فهي[(٢)](#foonote-٢) ما أنبأهم عن أشياء كانت غائبة عنه من غير أن كان له اختلاف إلى من يعلمها، وينبئه[(٣)](#foonote-٣) عنها. والآيات الحسيات هي ما سقى أقواما كثيرة بلبن قليل من قصعة وما قطع مسيرة شهرين بليلة واحدة، ونطق العتاق الذي \[ شوي \][(٤)](#foonote-٤) له، وحنين المنبر، وغير ذلك من الأشياء مما يكثر ذكرها. لكنهم عاندوا، وكانت همتهم العناد. 
وقوله تعالى : قل إن الله قادر على أن ينزل آية  التي سألوك  ولكن أكثرهم لا يعلمون  يحتمل \[ وجوها :
أحدها \][(٥)](#foonote-٥) : يحتمل  ولكن أكثرهم لا يعلمون  أنه \[ لو \][(٦)](#foonote-٦) أنزل آية على إثر السؤال لأنزل عليهم العذاب، واستأصلهم إذا عاندوا. 
والثاني[(٧)](#foonote-٧) : قوله تعالى : ولكن أكثرهم لا يعلمون  أنه لا ينزل الآية إلا عند الحاجة بهم إليها. 
والثالث[(٨)](#foonote-٨) : لا يسألون الآية ليعلموا، ولكن يسألون ليتعنتوا. 
والرابع[(٩)](#foonote-٩) : إذا أنزل آية على إثر السؤال[(١٠)](#foonote-١٠)، فلم يقبلوها، ولم يؤمنوا بها أهلكهم على ما ذكرنا من سنته في الأولين. ولكنه وعد على إبقاء هذه الأمة[(١١)](#foonote-١١) إلى يوم القيامة.

١ - في الأصل وم: هي..
٢ - في الأصل وم: هي..
٣ - في الأصل وم: وينبؤها..
٤ -في م: سوى، ساقطة من الأصل..
٥ - في الأصل وم: وجهين: أحدهما..
٦ - ساقطة من الأصل وم..
٧ - في الأصل وم: يحتمل..
٨ - في الأصل وم: ويحتمل أنه..
٩ - في الأصل وم: أو..
١٠ - في الأصل وم: الرسول..
١١ -في الأصل وم: الآية..

### الآية 6:38

> ﻿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ ۚ مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ۚ ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ [6:38]

الآية ٣٨ وقوله تعالى : وما من دابة في الأرض ولا طائر يطير بجناحيه إلا أمم أمثالكم  يشبه أن يكون هذا صلة قوله : قل إن الله قادر على أن ينزل آية  لأنه ذكر دابة، والدابة كل ما يدب على وجه الأرض من ذي الروح، وذكر الطائر، وهو اسم كل ما يطير في الهواء ؛ لما كان قادرا على خلق هذه الجواهر المختلفة وسوق رزق كل منهم إليه \[ فإنه \][(١)](#foonote-١) لقادر على أن ينزل آية، ويضطرهم[(٢)](#foonote-٢) جميعا إلى القبول لها والإقرار بها. ولكنه لا ينزل لما ليست لهم الحاجة إليها. والآيات لا تنزل إلا عند وقوع الحاجة لهم إليها. 
وإلى هذا يخرج قوله تعالى : ولكن أكثرهم لا يعلمون  من الناس من استدل بهذه الآية على أن البهائم والطير ممتحنتان حين[(٣)](#foonote-٣) قال : إلا أمم أمثالكم  ثم قال : وإن من أمة إلا خلا فيها نذير  \[ فاطر : ٢٤ \]. . 
ثم اختلف في قوله تعالى : إلا أمم أمثالكم  عن أبي هريرة رضي الله عنه \[ أنه \][(٤)](#foonote-٤) قال في قوله تعالى : إلا أمم أمثالكم  أي إلا سيحشرون يوم القيامة، ثم تقتص البهائم بعضها من بعض. ثم يقال لها : كوني ترابا ؛ فعند ذلك  ويقول الكافر يا ليتني كنت ترابا  \[ النبأ : ٤٠ \] كالبهائم. 
وعن ابن عباس \[ رضي الله عنه أنه \][(٥)](#foonote-٥) قال : وما من دابة في الأرض ولا طائر يطير بجناحيه إلا أمم أمثالكم  أي يفقه بعضها من بعض كما يفقه بعضكم من بعض، و أمم أمثالكم  في معرفة ما يؤتى، ويتقى. 
ويحتمل : إلا أمم أمثالكم  في الكثرة والعدد والخلق، والصنوف تعرف بالأسامي كما تعرفون أنتم. 
وأصله إنما ذكر من الدواب والطير  أمم أمثالكم  سخرها لكم، لم \[ يكن \][(٦)](#foonote-٦) منهم ما يكون منكم من العناد والتكذيب للرسل والخروج عليهم، بل خاضعة[(٧)](#foonote-٧) لكم مذللة[(٨)](#foonote-٨)، تنتفعون بها. 
ويحتمل قوله تعالى : إلا أمم أمثالكم  في معرفة وحدانيته وألوهيته أو حق الطاعة لله كقوله تعالى : وإن من شيء إلا يسبح بحمده  \[ الإسراء : ٤٤ \]. 
وقوله تعالى : ما فرطنا في الكتاب من شيء  اختلف فيه : قال بعضهم : ما فرطنا  أي ما تركنا شيئا إلا وقد ذكرنا أصله في القرآن. وعن ابن عباس رضي الله عنه \[ أنه \][(٩)](#foonote-٩) قال : ما تركنا شيئا إلا قد كتبناه في أم الكتاب، وهو اللوح المحفوظ. وقيل  ما فرطنا  ما ضيعنا  في الكتاب من شيء  ما قد تقع لكم الحاجة إليه أو منفعة إلا قد بينا لكم في القرآن  ثم إلى ربهم يحشرون  قيل : الطير والبهائم يحشرون مع الخلق، وقيل : إلى ربهم يحشرون  يعني بني آدم.

١ - ساقطة من الأصل وم..
٢ - في الأصل وم: لاضطروا..
٣ - في الأصل وم: حيث..
٤ - ساقطة من الأصل وم..
٥ -ساقطة من الأصل وم..
٦ - من م، ساقطة من الأصل..
٧ - في الأصل وم: خاضعين..
٨ - في الأصل وم: مذللين..
٩ - ساقطة من الأصل وم..

### الآية 6:39

> ﻿وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا صُمٌّ وَبُكْمٌ فِي الظُّلُمَاتِ ۗ مَنْ يَشَإِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَىٰ صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ [6:39]

الآية ٣٩ وقوله تعالى : والذين كذبوا بآياتنا  قال الحسن  بآياتنا  ديننا، وقال غيره  بآياتنا  حججنا : حجج وحدانيته وألوهيته وحجج الرسالة والنبوة. ويحتمل آيات البعث ؛ كذبوا بذلك كله. وقد ذكرنا هذا في غير موضع. 
وقوله تعالى : صم وبكم  هو ما ذكرنا أنه نفى عنهم السمع واللسان والبصر لما لم يعرفوا نعمة السمع ونعمة البصر ونعمة اللسان. ولا يجوز أن يجعل لهم السمع والبصر واللسان، ثم لا يكلمهم ما يسمعون بالسمع وما ينطقون باللسان. 
دل أنه يحتاج إلى رسول يسمعون منه، ويستمعون إليه، وينطقون ما علمهم. فإذا لم يفعلوا صاروا كما ذكر  صم بكم عمي  \[ البقرة : ١٨ و ١٧١ \] لما لم ينتفعوا به، ولم يعرفوا نعمة التي جعل لهم في ما ذكر، ونفى عنهم السمع والبصر واللسان لما ذكرنا أن السمع والبصر والحياة على ضربين : مكتسب ومنشأ، فنفى عنهم السمع المكتسب والبصر المكتسب والحياة المكتسبة. 
وقوله تعالى : في الظلمات  يحتمل وجهين :
أحدهما :[(١)](#foonote-١) ظلمات الجهل والكفر. 
والثاني : هم في ظلمات ؛ يعني ظلمات السمع والبصر والقلب، وهم في ظلمتين جميعا في ظلمة الجهل والكفر وظلمة السمع والبصر كقوله تعالى  ظلمات بعضها فوق بعض  \[ النور : ٤٠ \] والمؤمن في النور كقوله تعالى : نور على نور  \[ النور : ٣٥ \]. 
وقوله تعالى : من يشأ الله يضلله ومن يشأ يجعله على صراط مستقيم  يهده. وصف عز وجل نفسه بالقدرة، وجعلهم جميعا منقلبين في مشيئته، وأخبر أنه شاء لبعضهم الهدى. فمن قال : إنه شاء للكل الهدى، لكن لم يهتدوا، أو شاء للكل الضلال، فهو/١٤٨-أ/ خلاف ما ذكره عز وجل لأنه أخبر أنه شاء الضلال لمن ضل، وشاء الهدى لمن اهتدى. 
وأصله أنه إذا علم من الكافر أنه يختار الكفر، شاء أن يضل، وخلق فعل[(٢)](#foonote-٢) الكفر منه، وكذلك إذا علم من المؤمن أنه يختار الإيمان والاهتداء، شاء أن يهدي، وخلق فعل الاهتداء منه.

١ - في الأصل وم: يحتمل..
٢ - من م، في الأصل: كل..

### الآية 6:40

> ﻿قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ [6:40]

الآية٤٠ وقوله تعالى : قل أرأيتكم إن أتاكم عذاب الله  الذي وعد لكم في الدنيا أنه يأتيكم  أو أتتكم الساعة  لأنه كان وعد لهم أن يأتيهم[(١)](#foonote-١) العذاب، وكان يعد لهم أن تقوم الساعة، فقال : أرأيتكم إن أتاكم عذاب الله أو أتتكم الساعة أغير الله تدعون  في دفع ذلك وكشفه عنكم  إن كنتم صادقين  أن معه شركاء وآلهة، و إن كنتم صادقين  أن ما تعبدون شفعاؤكم[(٢)](#foonote-٢) عند الله، أو تقربكم عبادتكم[(٣)](#foonote-٣) إياها إلى الله تعالى. 
وقوله تعالى : أغير الله تدعون  يحتمل حقيقة الدعاء عند نزول البلاء، ويحتمل العبادة ؛ أي أغير الله تعبدون على رجاء الشفاعة لكم، وقد رأيتم أنها لم تشفع لكم عند نزول البلاء.

١ - في الأصل وم: يأتيكم..
٢ - إشارة إلى قوله تعالى: ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله \[يونس: ١٨\]..
٣ - إشارة إلى قوله تعالى: ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى \[الزمر: ٣\]..

### الآية 6:41

> ﻿بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاءَ وَتَنْسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ [6:41]

الآية ٤١ \[ وقوله تعالى : بل إياه تدعون فيكشف ما تدعون إليه إن شاء وتنسون ما تشركون  \][(١)](#foonote-١) أخبر أنهم لا يدعون غير الله في دفع ذلك وكشفه عنهم، وأخبر أنهم إلى الله يتضرعون في دفع ذلك عنهم، وهو ما ذكر عز وجل  وإذا مسكم الضر في البحر ضل من تدعون إلا إياه  \[ الإسراء : ٦٧ وكقوله تعالى : وإذا مس الإنسان ضر دعا ربه منيبا إليه  \[ الزمر : ٨ \] وكقوله تعالى : فإذا ركبوا في الفلك دعوا الله مخلصين له الدين  \[ العنكبوت : ٦٥ \]. 
ذكر هذا، والله أعلم، أنكم إذا مستكم الشدائد والبلايا لا تفزعون إلى الذين تشركون في عبادته وألوهيته، كيف أشركتم أولئك في ربوبيته في غير الشدائد والبلايا ؟  وتنسون ما تشركون  ؟ أي تتركون ما تشركون بالله من الآلهة، فلا تدعونهم أن يكشفوا عنكم.

١ - في الأصل وم: ثم..

### الآية 6:42

> ﻿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَىٰ أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ [6:42]

الآية ٤٢ وقوله تعالى : ولقد أرسلنا إلى أمم من قبلك فأخذتهم بالبأساء والضراء  اختلف فيه : قال بعضهم : البأساء : الشدائد التي تصيبهم من العدو، والضراء : ما يحل بهم من البلاء والسقم السماوي، وقال بعضهم : البأساء : هو ما يحل بهم من الفقر والقحط والشدة. 
وعن ابن عباس رضي الله عنه \[ أنه \][(١)](#foonote-١) قال : قوله تعالى : فأخذتهم بالبأساء  الزمانة والخوف،  والضراء  البلاء والجوع  لعلهم يتضرعون  أي ابتلاهم بهذا، أو امتحنهم  لعلهم يتضرعون  ويرجعون.

١ - ساقطة من الأصل وم..

### الآية 6:43

> ﻿فَلَوْلَا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَٰكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [6:43]

الآية ٤٣ وقوله تعالى : فلولا إذ جاءهم بأسنا تضرعوا  يذكر في هذا أنه قد أصابهم البلاء والشدة، ولم يتضرعوا،  ولكن قست قلوبهم  ويذكر في غيره من الآيات أنه إذا أصابهم البلاء والشدائد تضرعوا، ورجعوا عما كانوا عليه، وهو كقوله تعالى : وإذا مسكم الضر في البحر ضل من تدعون إلا إياه  \[ الإسراء : ٦٧ \] وقوله تعالى : فإذا ركبوا في الفلك  \[ العنكبوت : ٦٥ \] وغيرهما من الآيات. 
**لكن يحتمل هذا وجوها :**
أن هذا كان من قوم، والأول كان من قوم آخرين ؛ وذلك أن الكفرة كانوا على أحوال ومنازل :
منهم من كان على حال، فإذا أصابه خير اطمأن به، وإذا زال عنه، وتحول، تغير، وهو كقوله تعالى : ومن الناس من يعبد الله على حرف  الآية \[ الحج : ١١ \]. 
ومنهم من يتضرع، ويلين قلبه إذا أصابه الشدة والبلاء، وعند السعة والنعمة \[ يصير \][(١)](#foonote-١) قاسي القلب معاندا، وهو كقوله تعالى : ادعوا الله مخلصين له الدين  إلى آخر الآية \[ العنكبوت : ٦٥ \] وكقوله تعالى : وإذا مسكم الضر في البحر ضل من تدعون إلا إياه  \[ الإسراء : ٦٧ \]. 
ومنهم من كان فرحا عند الرحمة، وعند البلاء والشدة كفورا حزينا كقوله تعالى : ولئن أذقنا الإنسان منا رحمة ثم نزعناها منه إنه ليئوس كفور  \[ هود : ٩ \]. 
ومنهم من كان لا يخضع، ولا يتضرع في الأحوال كلها لا عند الشدة والبلاء ولا عند الرخاء والنعمة، ويقولون. إن مثل هذا يصيب غيرنا، وقد  مس آباءنا الضراء والسراء  \[ الأعراف : ٩٥ \]. 
كانوا على أحوال مختلفة ومنازل متفرقة ؛ فيشبه أن يكون قوله تعالى : فلولا إذا جاءهم بأسنا تضرعوا ولكن قست قلوبهم  في القوم الذين لم يتضرعوا عندما أصابتهم الشدائد والبلايا. 
وجائز أن يكونوا تضرعوا عندما أصابتهم الشدائد والبلايا. 
وجائز أن يكونوا تضرعوا عند حلول الشدائد ؛ فإذا انقطع ذلك، وارتفع، عادوا إلى ما كانوا من قبل كقوله تعالى : فلما نجاهم إلى البر إذا هم يشركون  \[ العنكبوت : ٦٥ \]. 
ويشبه أن يكون قوله تعالى : لعلهم يتضرعون  وقوله تعالى : ادعوا الله مخلصين له الدين  \[ العنكبوت : ٦٥ \] في ما بينهم وبين ربهم، وهذا في ما بينهم وبين الرسل لأن الرسل كانوا يدعوا إلى أن يقروا برسالتهم، ويصدقوهم في ما يقولون لهم، ويخبرون، فتكبروا عليهم، وأقروا لله، وتضرعوا إليه ؛ تكبروا عليهم، ولم يتكبروا على الله. 
ويحتمل أن يكون قوله تعالى : فلولا إذ جاءهم بأسنا تضرعوا  في الأمم السالفة إخبارا منهم أنهم لم يتضرعوا. 
ويحتمل قوله أيضا : فلولا إذ جاءهم بأسنا تضرعوا  وجهين :
أحدهما : أنهم لم يتضرعوا إذ جاءهم بأس الله، ولكن عاندوا، وثبتوا على ما كانوا عليه. 
والثاني : تضرعوا عند نزول بأسه، لكن إذا ذهب ذلك، وزال عادوا إلى ما كانوا عليه، فيصير كأنه قال : فلولا لزموا التضرع إذ جاءهم بأسنا. 
وقوله تعالى : وزين لهم الشيطان ما كانوا يعملون  أي زين لهم صنيعهم الذي صنعوا، ويقولون : إن هذا كان يصيب أهل الخير، ويصيب آباءنا، وهم كانوا أهل خير وصلاح، أو زين لهم الشيطان ما كانوا يعملون من الشرك والتكذيب، ويقول لهم : إن الذي أنتم عليه حق.

١ ساقطة من الأصل وم..

### الآية 6:44

> ﻿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّىٰ إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ [6:44]

الآية ٤٤ وقوله تعالى : فلما نسوا ما ذكروا به  يحتمل ابتداء ترك ؛ أي تركوا الإجابة إلى ما دعوا، وتركوا ما أمروا به، ويحتمل  فلما نسوا ما ذكروا به  من الشدائد والبلايا. 
\[ وقوله تعالى \][(١)](#foonote-١) : فتحنا عليهم أبواب كل شيء  يحتمل وجهين : يحتمل  أبواب كل شيء  مما يحتاجون إليه  حتى إذا فرحوا بما أوتوا أخذتهم بغتة . 
ويحتمل  فلما نسوا ما ذكروا به  أي تركوا ما وعظوا به ؛ يعني بالأمم الخالية مما دعاهم الرسل، فكذبوهم  فتحنا عليهم  أي أنزلنا عليهم  أبواب كل شيء  من أنواع الخير بعد الضرر والشدة الذي كان نزل بهم. 
\[ وقوله تعالى \][(٢)](#foonote-٢) : حتى إذا فرحوا بما أوتوا أخذناهم بغتة فإذا هم مبلسون  اختلف فيه : قال بعضهم :\[ المبلس \][(٣)](#foonote-٣) الآيس من كل خير، وقال[(٤)](#foonote-٤) القتبي : المبلس الآيس الملقي بيديه، وقال أبو عوسجة : المبلس هو الحزين المغتم الآيس من الرحمة وغيرها من الخير، وقال الفراء : المبلس هو المنقطع الحجة. وقيل : لذلك سمي إبليس، لعنه الله، إبليس لما أيس من رحمة الله.

١ - ساقطة من الأصل وم..
٢ - ساقطة من الأصل وم..
٣ - ساقطة من الأصل وم..
٤ - الواو ساقطة من الأصل وم..

### الآية 6:45

> ﻿فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا ۚ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ [6:45]

الآية ٤٥ وقوله تعالى : فقطع دابر القوم الذين ظلموا  قيل : استؤصل القوم الذين ظلموا بالهلاك جميعا، والظلم ههنا الشرك، وقيل : فقطع دابر القوم الذين ظلموا  أي أصلهم، وقيل : دابر القوم  أي أخرهم، وكله واحد ؛ وذلك أنه إذا هلك آخرهم، وقطعوا، فقد استؤصلوا. ويشبه أن يكون قوله : فقطع دابر القوم الذين ظلموا  أي قطع افتخارهم وتكبرهم الذي كانوا يفتخرون به، ويتكبرون. 
وقوله تعالى : والحمد لله رب العالمين  الحمد في هذا الموضع على إثر ذلك الهلاك يخرج على وجوه :
أحدها : الحمد[(١)](#foonote-١) إنما يذكر على إثر ذلك للكرامة والنعمة ؛ لكن ههنا، وإن كان نقمة وإهلاكا، فيكون للأولياء كرامة ونعمة ؛ لأن هلاك العدو يعد من أعظم الكرامة والنعمة من الله. فإذا كان في ذلك شر للأعداء والانتقام، فيكون خيرا للأولياء وكرامة. وما من شر يكون لأحد إلا ويجوز أن يكون في ذلك خيرا[(٢)](#foonote-٢) لآخر. فيكون الحمد في الحاصل في الخير والنعمة. 
والثاني : أنه يجوز أن يكون في الهلاك نفسه الحمد، إذا كان الهلاك بالظلم لأنه هلاك بحق ؛ إذ لله أن يهلكهم. ولم يكن الهلاك على الظلم خارجا عن الحكمة، فيحمد عز وجل \[ وله \][(٣)](#foonote-٣) في كل فعل حكمة. 
والثالث : يقول : والحمد لله رب العالمين  على إظهار حججه بهلاكهم.

١ في الأصل وم: وإلا الحمد..
٢ - في الأصل وم: خير..
٣ - ساقطة من الأصل وم..

### الآية 6:46

> ﻿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ اللَّهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصَارَكُمْ وَخَتَمَ عَلَىٰ قُلُوبِكُمْ مَنْ إِلَٰهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِهِ ۗ انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ ثُمَّ هُمْ يَصْدِفُونَ [6:46]

الآية ٤٦ وقوله تعالى : قل أرأيتم إن أخذ الله سمعكم وأبصاركم وختم على قلوبكم من إله غير الله يأتيكم به  اختلف : فيه : قال بعضهم : يراد بأخذ السمع والبصر والختم على القلوب أخذ منافع هذه الأشياء : أي أخذ منافع سمعكم ومنافع بصركم ومنافع عقولكم  من إله غير الله يأتيكم به  بمنافع سمعكم ومنافع بصركم ومنافع عقولكم ؟ فإذا كانت الأصنام والأوثان التي تعبدون من دون الله، وتشركون / ١٤٨-ب/ في ألوهيته وربوبيته، لا يملكون رد تلك[(١)](#foonote-١) المنافع التي أخذ الله عنكم، فكيف تعبدونها، وتشركون في ألوهيته ؟ 
وقيل : يراد بأخذ السمع والبصر وما ذكر أخذ أعينها[(٢)](#foonote-٢) وأنفسها ؛ أي لو أخذ الله سمعكم وبصركم وعقولكم لا يملك ما تعبدون رد هذه الأشياء إلى ما كانت[(٣)](#foonote-٣) ؛ لا يملكون رد السمع إلى ما كان ولا رد البصر والعقل الذي كان إلى ما كان، فكيف تعبدون دونه، وتشركون في ألوهيته ؟ يسفه أحلامهم، \[ مع ما \][(٤)](#foonote-٤) يعلمون أن[(٥)](#foonote-٥) ما يعبدون، ويجعلون لهم الألوهية، لا يملكون نفعا ولا ضرا، ومع[(٦)](#foonote-٦) ما يعرفون ذلك منهم يجعلونهم[(٧)](#foonote-٧) آلهة معه. 
وقوله تعالى : انظر كيف نصرف الآيات  أي نبين لهم الآيات في خطئهم في عبادة هؤلاء وإشراكهم في ألوهيته  ثم هم يصدفون  أي يعرضون عن تلك الآيات.

١ - في الأصل وم: ذلك..
٢ - في الأصل وم: عليها..
٣ في الأصل وم: كان..
٤ - في الأصل وم: لما..
٥ - في الأصل وم: أنه..
٦ - في الأصل وم: فمع..
٧ - في الأصل وم: يجعلون لهم..

### الآية 6:47

> ﻿قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ بَغْتَةً أَوْ جَهْرَةً هَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الظَّالِمُونَ [6:47]

الآية ٤٧ وقوله تعالى : قل أرأيتكم إن أتاكم عذاب الله بغتة أو جهرة هل يهلك إلا القوم الظالمون  معناه، والله أعلم : أنهم يعلمون أن العذاب لا يأتي، ولا يأخذ إلا الظالم، ثم أنهم ظلمة لعبادتهم غير الله مع علمهم أنهم لا يملكون نفعا ولا ضرا يسألون العذاب بقوله : سأل سائل بعذاب واقع  \[ المعارج : ١ \] وقوله : ويستعجلونك بالعذاب  \[ الحج : ٤٧ \] وقوله : عجل لنا قطنا قبل يوم الحساب  \[ ص : ١٦ \].

### الآية 6:48

> ﻿وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ ۖ فَمَنْ آمَنَ وَأَصْلَحَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ [6:48]

الآية ٤٨ وقوله تعالى : وما نرسل المرسلين إلا مبشرين ومنذرين  أخبر أنه لم يرسل الرسل إلا مع بشارة لأهل الطاعة ونذارة لأهل[(١)](#foonote-١) معصيته. وفيه أن الرسل ليس إليهم الأمر والنهي إنما إليهم إبلاغ الأمر والنهي. 
ثم بين البشارة، فقال : فمن آمن وأصلح فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون  لا خوف عليهم لما ليس لذلك فوت[(٢)](#foonote-٢)، ولا زوال ؛ ليس كثواب الدنيا ونعيمها لأنه[(٣)](#foonote-٣) على شرف الفوت والزوال  ولا هم يحزنون  لأنه سرور، لا يشوبه الحزن، ليس كسرور الدنيا، يكون مشوبا بالحزن والخوف.

١ - من م، في الأصل: الأهل..
٢ - من م، في الأصل: فوق..
٣ - في الأصل وم: أنه..

### الآية 6:49

> ﻿وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا يَمَسُّهُمُ الْعَذَابُ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ [6:49]

الآية ٤٩ \[ وقوله تعالى :\][(١)](#foonote-١)  والذين كذبوا بآياتنا يمسهم العذاب بما كانوا يفسقون  هذه هي[(٢)](#foonote-٢) النذارة. 
وقوله تعالى : يمسهم العذاب  ذكر المس، والله أعلم، لما لم يفارقهم العذاب، ولا يزال عنهم. والفسق في هذا الموضع الكفر والشرك، وما ذكر من الظلم هو ظلم شرك وكفر.

١ - ساقطة من الأصل وم..
٢ - من م، في الأصل: في..

### الآية 6:50

> ﻿قُلْ لَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ ۖ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَىٰ إِلَيَّ ۚ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَىٰ وَالْبَصِيرُ ۚ أَفَلَا تَتَفَكَّرُونَ [6:50]

الآية٥٠ وقوله تعالى : قل لا أقول لكم عندي خزائن الله ولا أعلم الغيب  لم يحتمل ما قال ابن عباس رضي الله عنه حين[(١)](#foonote-١) قال : إنهم قالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم :\[ لم \][(٢)](#foonote-٢) لم ينزل الله عليك[(٣)](#foonote-٣) كنزا تستغني به، فإنك محتاج، ولا جعل لك جنة تأكل منها، فتشبع من الطعام، فإنك تجوع. فنزل عند ذلك هذا. 
لا يحتمل أن يقولوا له ذلك، فيقول لهم : إني ملك، وليس عندي خزائن الله  ولا أعلم الغيب  فإن كان من السؤال شيء من ذلك فإنما يكون على سؤال سألوا لأنفسهم كقوله تعالى : وقالوا لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعا   أو تكون لك جنة من نخيل وعنب فتفجر الأنهار خلالها تفجيرا  \[ الإسراء : ٩٠ و ٩١ \] ونحو ذلك من الأسئلة التي سألوه لأنفسهم، فنزل عند ذلك ما ذكر. 
**فهذا لعمري يحتمل \[ وجهين :**
أحدهما : يقول :\][(٤)](#foonote-٤) لهم : ليس عندي خزائن الله، فأجعل لكم هذا  ولا أعلم الغيب ولا أقول لكم إني ملك إن أتبع إلا ما يوحى إلي . 
والثاني : جائز أن يكون النبي عليه السلام أوعدهم بالعذاب، وخوفهم، فسألوا العذاب استهزاء وتكذيبا، فقالوا : متى يكون ؟ كقولهم : ويقولون متى هذا الوعد إن كنتم صادقين  \[ الملك : ٢٥ \] فقال عند ذلك  قل لا أقول لكم عندي خزائن الله  ومفاتيحه ؛ أنزل عليكم العذاب متى شئت  ولا أعلم الغيب  متى وقت نزول العذاب عليكم ؟  ولا أقول لكم إني ملك  نزلت من السماء بالعذاب، إنما أنا رسول بشر مثلكم \[  إن أتبع  أي \] ما أتبع  إلا ما يوحى إلى  هذا محتمل جائز أن يكون على إثر ذلك مظل. 
ويحتمل وجها آخر ؛ وهو أنه يخبر ابتداء، أي  لا أقول لكم عندي خزائن الله  لأني لو قلت : عندي خزائن الله، وأنا أعلم الغيب، وأني ملك، كان ذلك أشد اتباعا وأرغب وأكثر لطاعتي. لكن يقول أنا بشر مثلكم، يوحى إلي، ما أتبع إلا ما يوحى إلي ؛ لتعلموا أني صادق ومحق في ما أدعوكم إليه. 
وقوله تعالى : قل لا أقول لكم عندي خزائن الله ولا أعلم الغيب ولا أقول لكم إني ملك  يعلم بالإحاطة. 
إن هذا ونحوه خرج على الجواب لأسئلة كانت منهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم لكن لسنا نعلم ما كانت تلك الأسئلة ؛ كانت من أولئك حتى كان هذا جوابا لهم، فلا نفسر، ولكن نقف مخافة الشهادة على الله. 
ويحتمل أن يكون جوابا لما ذكر في آية أخرى، وهو قولهم : وقالوا لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعا   أو تكون لك جنة من نخيل وعنب  الإسراء : ٩٠ و ٩١ } فقال عند ذلك : قل لا أقول لكم عندي خزائن الله ولا أعلم الغيب  جوابا لسؤال وقت الساعة أو وقت نزول العذاب. 
وقوله تعالى : ولا أقول لكم إني ملك  جواب لقولهم : أو ترقى في السماء  \[ الإسراء : ٩٣ \] فقال عند ذلك : لا أقول : إني  أعلم الغيب  حتى أعلم وقت نزول العذاب أو قيام الساعة  ولا أقول لكم إني ملك  حتى أرقى في السماء. 
وقوله تعالى : قل هل يستوي الأعمى والبصير أفلا تتفكرون  أي تعرفون أنتم أنه لا يستوي الأعمى أي من عمي والبصير أي من لم يعم بصره. كيف لا تعرفون أنه لا يستوي من عمي عن الآيات ومن لم يعم عنها ؟ أو نقول :\[ إذا لم يستو \][(٥)](#foonote-٥) الأعمى والبصير كيف يستوي من يتعامى عن الحق ومن لم يتعام ؟  أفلا تتفكرون  أنهما لا يستويان ؟ 
وقوله تعالى : أفلا تتفكرون  في آيات الله وما ذكركم، أو نقول : أفلا تتفكرون  في \[ ما \][(٦)](#foonote-٦) وعظكم.

١ - في الأصل وم: حيث..
٢ - ساقطة من الأصل وم..
٣ - في الأصل وم: عليكم..
٤ - في الأصل وم: فيقول..
٥ - في الأصل: إنا لم يستوي، في م: إذا لم يستوي..
٦ - ساقطة من الأصل وم..

### الآية 6:51

> ﻿وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَىٰ رَبِّهِمْ ۙ لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ [6:51]

الآية ٥١ وقوله تعالى : وأنذر به الذين يخافون أن يحشروا إلى ربهم ليس لهم من دونه ولي ولا شفيع  اختلف فيه :
قال بعضهم : هو صلة قوله تعالى : قل لا أقول لكم عندي خزائن الله ولا أعلم الغيب  إياس الكفرة عما سألوا من الأشياء رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم أمر بإنذار الذين يخافون أن يحشروا إلى ربهم، وهم المؤمنون[(١)](#foonote-١) ؛ أي يعلمون أنهم يحشرون إلى ربهم، وأن ليس لهم ولي يدفع عنهم ما يحل بهم، ولا شفيع يسأل لهم ما لم يعطوا. 
وجائز أن يكون تخصيص الأمر بإنذار المؤمنين لما كان الإنذار ينفعهم، ولا ينفع غيرهم. وليس فيه \[ أنه \][(٢)](#foonote-٢) لا ينذر غيرهم، وهو كقوله تعالى : إنما تنذر من اتبع الذكر وخشي الرحمان بالغيب  \[ يس : ١١ \] ليس فيه \[ بيان \][(٣)](#foonote-٣) أنه لا ينذر من لم يتبع الذكر، ولا خشي الرحمان. \[ ولكن أنبا أنه إنما ينفع هؤلاء كقوله تعالى : وذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين  \[ الذاريات : ٥٥ \] أخبر أن الذكرى تنفع المؤمنين، ولا تنفع أولئك ؛ ينذر الفريقين : من اتبع الذكر ومن لم يتبع ومن نفع ومن لم ينفع \][(٤)](#foonote-٤). 
ويكون قوله تعالى : ليس لهم من دونه ولي ولا شفيع  يعني ليس لأولئك أولياء ولا شفعاء لأنهم يقولون : هؤلاء شفعاؤنا عند الله  \[ يونس : ١٨ \] ويقولون[(٥)](#foonote-٥) : ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى  \[ الزمر : ٣ \] ونحوه ؛ أخبر أن  ليس لهم من دونه ولي ولا شفيع .

١ - من م، في الأصل: من المؤمنون..
٢ - ساقطة من الأصل وم.
٣ - من م، ساقطة من الأصل..
٤ - ساقطة من م..
٥ - في الأصل وم: و..

### الآية 6:52

> ﻿وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ ۖ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ [6:52]

الآية ٥٢ وقوله تعالى : " ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه } يذكر في بعض القصة أن رجالا من أصحاب رسول الله كانوا يسبقون إلى مجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم فيجلسون قريبا منه، فيجيء أشراف القوم وساداتهم، وقد أخذ[(١)](#foonote-١) أولئك المجلس، فجلس هؤلاء ناحية، فقالوا : نحن نجيء، فنجلس ناحية، فذكروا ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا : إنا سادات قومك وأشرافهم، فلو ادنيتنا منك المجلس، فهم أن يفعل ذلك، فأنزل الله هذه الآية، يعاتب نبيه صلى الله عليه وسلم بقوله : ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي  الآية. \[ إلى \][(٢)](#foonote-٢) هذا يذهب عامة أهل التأويل. لكنه بعيد ؛ ينسبون رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أوحش \[ فعل[(٣)](#foonote-٣) وأفحش قول[(٤)](#foonote-٤) \] ما لو كان فيه إسقاط نبوته ورسالته ؛ إذ لا يحتمل أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم يقرب أعداءه، ويدني مجلسهم منه، ويبعد الأولياء/١٤٩-أ/ هذا لا يفعله سفيه فضلا أن يفعله رسول الله المصطفى على جميع بريته، أو يخطر بباله شيء من ذلك، أو[(٥)](#foonote-٥) كان فيه ما يجد الكفرة عليه مطعنا ؛ يقولون : يدعون الناس إلى التوحيد والإيمان به والاتباع له، فإذا فعلوا ذلك، وأجابوه، طردهم، وأبعد مجلسهم منه. 
هذا لعمري مدفوع في عقل كل عاقل. ولكن، \[ إن كان، فجائز أن يكون \][(٦)](#foonote-٦) منهم طلب[(٧)](#foonote-٧) ذلك ؛ طلبوا منه أن يدني مجلسهم، ويبعد أولئك ؛ هذا يحتمل. وأما أن يهم أن يفعل ذلك أو خطر بباله شيء من ذلك فلا يحتمل. 
وجائز أن يكون هذا من الله ابتداء تأديب وتعليم ؛ يعلم رسوله صحبة أصحابه ومعاملته معهم كقوله : واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي  \[ الكهف : ٢٨ \]، \[ ولهيا عن \][(٨)](#foonote-٨) أن يمد عينيه إلى ما متع أولئك كقوله : لا تمدن عينيك  الآية \[ الحجر : ٨٨ \]، ويخبره عن عظيم قدرهم عند الله. وقد ذكرنا أن العصمة لا تمنع الحظر، بل العصمة تزيد في النهي والزجر. 
وأخبر أن ليس عليه  من حسابهم من شيء وما من حسابك عليهم من شيء  فإنما عليك البلاغ، وعليهم الإجابة، وهو كقوله تعالى : ٍفإنما عليه ما حمل وعليكم ما حملتم } \[ النور : ٥٤ \]. 
وقوله تعالى : يدعون ربهم بالغداة والعشي  يشبه أن يكونوا يجتمعون إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في كل غداة ومساء، فيسمعون منه، ثم يفترقون على ما عليه أمر الناس من الاجتماع كل غداة ومساء عند الفقهاء وأهل العلم. 
وجائز أن يكون ذكر الغداة والعشي كناية عن الليل كله وعن النهار جملة كقوله تعالى : والضحى   والليل إذا سجى  \[ الضحى : ١ و٢ \] ليس يريد بالضحى الضحوة خاصة ولكن \[ يريد \][(٩)](#foonote-٩) النهار كله. ألا ترى أنه قال : والليل إذا سجى  ؟ ذكر الليل دل أنه كان الضحى كناية عن النهار جملة. فعلى ذلك \[ ذكر \][(١٠)](#foonote-١٠) الغداة والعشي يجوز أن يكون كناية عن الليل والنهار جملة[(١١)](#foonote-١١)، والله أعلم. 
وجائز أن يكونوا أصحاب الحرف والمكاسب لا يتفرعون للاجتماع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم والاستماع منه في عامة النهار، ولكن يجتمعون إليه، ويستمعون منه بالغداة والعشي، فكان ذكر الغداة والعشي لذلك أو لما ذكرنا. 
وجائز أن يكون المراد بذكر الغداة والعشي صلاة الغداة وصلاة العشاء ؛ يقول : ولا تطرد  من يشهد هاتين الصلاتين، وإنما يشهدهما أهل الإيمان. وأما أهل النفاق فإنهم لا يشهدون هاتين الصلاتين. ويحتمل ما ذكرنا. 
وقوله تعالى : فتطردهم فتكون من الظالمين  \[ الظلم \][(١٢)](#foonote-١٢) على وجوه : ظلم كفر، وظلم شرك، وظلم يكون بدونهما[(١٣)](#foonote-١٣) ؛ وهو أن يمنع \[ أحد، أو يؤخذ منه حقه \][(١٤)](#foonote-١٤) بغير حق. فهو كله ظلم. والظلم ههنا، والله أعلم، يشبه أن يكون هو وضع الحكمة في غير أهلها ؛ لأنه لو كان منه ما ذكر من طرد أولئك وإدناء أولئك، لم يكونوا أهلا للحكمة، ويجوز أن يوصف واضع الحكمة في غير موضعها بالظلم على ما روي في الخبر أن " من وضع الحكمة في غير أهلها فقد ظلمها، ومن منعها عن أهلها فقد ظلمهم ".

١ - في الأصل وم: أخذوا..
٢ - في م: وإلى، ساقطة من الأصل..
٣ - من م، في الأصل: الناس وأفحشه، في م: فعل وأوحشه..
٤ - من م، في الأصل: الناس وأفحشه، في م: فعل وأوحشه..
٥ - في الأصل وم: و..
٦ - من م، ساقطة من الأصل..
٧ - من م، في الأصل: يغلب..
٨ - في الأصل وم: ولهي..
٩ - ساقطة من الأصل وم..
١٠ - ساقطة من الأصل وم..
١١ - في الأصل وم: وجملة..
١٢ - ساقطة من الأصل وم..
١٣ - في الأصل وم: بدونه..
١٤ - في الأصل وم: أحدا حقه أو أخذ من حقا..

### الآية 6:53

> ﻿وَكَذَٰلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَهَٰؤُلَاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا ۗ أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ [6:53]

الآية ٥٣ وقوله تعالى : وكذلك فتنا بعضهم ببعض  وقوله  وكذلك  لا يتكلم إلا عن أمر سيق ؛ فهو، والله أعلم، يحتمل أن يقول لما قالوا : يا محمد أرضيت بهؤلاء الأعبد من قومك ؟ أفنحن نكون تبعا لهؤلاء. ونحن سادة القوم وأشرافهم، فقال عند ذلك : وكذلك فتنا بعضهم ببعض  أي كما فضلتكم على هؤلاء في أمر الدنيا، فكذلك فضلتهم عليكم في أمر الدين، ويكونون[(١)](#foonote-١) هم المقربين إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم والمدنين مجلسهم إليه، وأنتم أتباعهم في أمر الدين، وإن كانوا هم أتباعكم في أمر الدنيا، وذلك[(٢)](#foonote-٢) امتحان بعضهم ببعض. 
ويحتمل وجها آخر ؛ وهو أن يقال : كما كان له امتحان كل في نفسه ابتداء محنة كقوله تعالى : ونبلوكم بالشر والخير فتنة  \[ الأنبياء : ٣٥ \] وكقوله تعالى : وبلوناهم بالحسنات والسيئات  \[ الأعراف : ١٦٨ \]ي وكقوله[(٣)](#foonote-٣) تعالى : ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع  الآية \[ البقرة : ١٥٥ \]، فعلى ذلك له أن يمتحن بعضكم ببعض. 
وأشد المحن أن يؤمر المتبوع ومن يرى لنفسه فضلا بالخضوع للتابع ومن هو دونه. عنده يشتد ذلك عليه، ويتعذر كما[(٤)](#foonote-٤) كانوا يرون هم لأنفسهم الفضل والمنزلة في أمر الدنيا، فظنوا أنهم كذلك يكونون في أمر الدين. 
وعلى ذلك يخرج، لما امتحن إبليس بالسجود لآدم رأى لنفسه فضلا عليه، قوله[(٥)](#foonote-٥) : أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين  \[ الأعراف : ١٢ و ص : ٧٦ \]، ولم ير الخضوع لمن دونه عدلا وحكمة، فصار ما صار. 
فعلى ذلك هؤلاء لم يروا أولئك الضعفة أن يكونوا متبوعين عدلا وحكمة، \[ وظنوا أنهم \][(٦)](#foonote-٦) لما كانوا مفضلين في أمر الدنيا، وكان لهؤلاء إليهم حاجة يكونون في أمر الدين كذلك، ويقولون : لو كان خيرا ما سبقونا إليه  \[ الأحقاف : ١١ \] ونحوه من الكلام. 
وقوله تعالى : ليقولوا أهؤلاء من الله عليهم من بيننا  قال بعضهم : هو موصول بالأول بقوله : فتنا بعضهم ببعض ليقولوا  : يقول الكافر قول الكفر والمؤمن قول الإيمان ثم ابتدأ، فقال هؤلاء : أي يقول الكفرة "  أهؤلاء من الله عليهم من بيننا  وقال بعضهم : قوله : أهؤلاء من الله عليهم من بيننا  ليس بمفصول من قوله : ليقولوا  ولكن موصول به  ليقولوا  يعني الكفرة  أهؤلاء من الله عليهم من بيننا . 
ثم يحتمل قوله : أهؤلاء من الله عليهم من بيننا  بالحفظ بالتقريب والإدناء في المجلس وجعلهم متبوعين من بيننا بعد ما كانوا أتباعا لنا ؟ فقال عند ذلك : أليس الله بأعلم بالشاكرين  أي عرف هؤلاء نعمة الله تعالى، ووجهوا شكر نعمه إليه، وأنتم وجهتم شكر نعمه إلى غيره بعد ما عرفتهم أنه هو المنعم عليكم والمسدي إليكم.

١ - في الأصل وم: ويكون..
٢ - في الأصل وم: وكذلك..
٣ - في الأصل وم: وقوله..
٤ - في الأصل وم: لما..
٥ - في الأصل وم: فقال..
٦ - من م، في الأصل: وأنهم..

### الآية 6:54

> ﻿وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا فَقُلْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ ۖ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَىٰ نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ ۖ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ [6:54]

الآية ٥٤ وقوله تعالى : وإذا جاءك الذين يؤمنون بآياتنا فقل سلام عليكم  هذا يدل على أن النهي عن الطرد ليس للإبعاد خاصة في المجلس، ولكن في كل شيء : في بشاشة الوجه واللطف في الكلام وفي كل شيء لأنه قال  فقل سلام عليكم . 
وقوله تعالى : كتب ربكم على نفسه الرحمة  هو أن يبدأهم بالسلام ؛ فذلك الذي كتب على نفسه الرحمة. وقال بعضهم : قوله : كتب ربكم على نفسه الرحمة  أي لم يأخذهم[(١)](#foonote-١) في أول ما وقعوا في المعصية، ولكن أمهلهم إلى وقت، وجعل لهم المخرج من ذلك بالتوبة. وعلى ذلك ما روي عن ابن عباس رضي الله عنه أنه قال : فتح الله للعبد التوبة إلى أن يأتيه الموت. 
وقوله تعالى : أنه من عمل منكم سوءا بجهالة ثم تاب من بعده وأصلح فأنه غفور رحيم  أي كل  من عمل منكم سوءا بجهالة ثم تاب من بعده وأصلح فإنه غفور رحيم  فإنه[(٢)](#foonote-٢) يغفر له ما كان منه. ومن قرأها بالنصب[(٣)](#foonote-٣) عطفه على  الرحمة [(٤)](#foonote-٤). 
وجائز أن يكون قوله تعالى : كتب ربكم على نفسه الرحمة  أي كتب على خلقه الرحمة أن يرحم بعضهم بعضا. وجائز ما ذكرنا أنه كتب على نفسه الرحمة أي أوجب أن يرحم، ويغفر لمن تاب[(٥)](#foonote-٥). 
وقوله تعالى : أنه من عمل منكم سوءا بجهالة  جائز أن تكون الآية في الكافر إذا تاب يغفر الله له ما كان منه في حال الكفر والشرك كقوله تعالى : والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم  الآية \[ آل عمران : ١٣٥ \] وقوله تعالى : إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف  \[ الأنفال : ٣٨ \]. 
وجائز أن تكون في المؤمن[(٦)](#foonote-٦)، ثم ذكر عملا بجهالة، وإن لم يكن يعمل بالجهل، لأن الفعل فعل الجهل، وإن كان فعله لم يكن على الجهل، وكذلك ما ذكر من النسيان والخطإ في الفعل لأن فعله فعل ناس وفعل مخطئ، وإن لم يفعله الكافر على النسيان والخطإ. وإلا لو كان على حقيقة الخطإ والنسيان لكان لا يؤاخذ به كقوله تعالى : وليس عليكم جناح فيما أخطأتم به  لكن الوجه ما ذكرنا أن الفعل فعل نسيان وخطإ، وإن لم يكن ناسيا ولا مخطئا فيه. وعلى ذلك فعل جهل، وإن لم يكن جاهلا، والفعل فعل جهل، وإن لم يكن بالجهل. 
والمؤمن جميع ما يتعاطى من المساوئ يكون لجهالة لأنه إنما يعمل/١٤٩-ب/ السوء لغير[(٧)](#foonote-٧) شهوة أو للاعتماد على كرم به بالعفو عنه والصفح عن ذلك، أو يعمل السوء على نية التوبة والعزم عليها في آخره. على هذه الوجوه الثلاثة يقع المؤمن في المعصية. وأما على التعمد فلا يعمل.

١ - في الأصل وم: يأخذ..
٢ - في الأصل وم: أنه..
٣ - انظر حجة القراءات ص (٢٥٢)..
٤ - أدرج بعدها في الأصل وم: قوله: كتب ربكم على نفسه الرحمة أنه من عمل منكم سوءا بجهالة ثم تاب من بعده وأصلح فأنه غفور رحيم لذلك..
٥ - من م، في الأصل: يشاء..
٦ - في الأصل وم: المؤمنين..
٧ - من م، في الأصل: لضمر..

### الآية 6:55

> ﻿وَكَذَٰلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ [6:55]

الآية ٥٥ وقوله تعالى : وكذلك نفصل الآيات ولتستبين سبيل المجرمين  قرئ[(١)](#foonote-١) بالياء والتاء جميعا ؛ فمن قرأ بالتاء نصب السبيل بجعل الخطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم أي لتعرف سبيل المجرمين، ومن قرأ بالياء رفع السبيل ؛ كأنه قال : نفصل الآيات  وجوها :
\[ أحدها \][(٢)](#foonote-٢) : أي نبين الآيات ما يعرف السامعون أنها آيات من عند الله غير مخترعة من عند الخلق ولا مفتراة ما نبين سبيل المجرمين من سبيل المهتدين. 
والثاني : نفصل الآيات  ما بالخلق حاجة إليها وإلى معرفتها. 
والثالث : نبين من الآيات ما نبين بين المختلفين أي بين سبيل المجرمين وبين سبيل المهتدين. 
\[ وقوله تعالى \][(٣)](#foonote-٣)  ولتستبين سبيل المجرمين  تأويله ما ذكرنا أن من قرأ بالتاء حملة على خطاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بالتاء أي نبين من الآيات لتعرف سبيل المجرمين بالنصب. ومن قرأ بالياء نبين من الآيات ليتبين سبيل المجرمين من سبيل غير المجرمين، والله أعلم.

١ - انظر حجة القراءات ص (٢٥٣).
٢ - ساقطة من الأصل وم..
٣ - ساقطة من الأصل وم..

### الآية 6:56

> ﻿قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ۚ قُلْ لَا أَتَّبِعُ أَهْوَاءَكُمْ ۙ قَدْ ضَلَلْتُ إِذًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُهْتَدِينَ [6:56]

الآية ٥٦ وقوله تعالى : قل إني نهيت أن أعبد الذين تدعون من دون الله  معناه، والله أعلم : إني نهيت بما أكرمت من العقل واللب إن أعبد الذين تعبدون من دون الله، أو يقول : إني نهيت بما أكرمت من الوحي والرسالة  أن أعبد الذين تدعون من دون الله . 
\[ وقوله تعالى \][(١)](#foonote-١)  قل لا أتبع أهواءكم قد ضللت إذا وما أنا من المهتدين  ثم أخبر أن ما يعبدون هم من دون الله إنما يعبدون اتباعا لهوى أنفسهم، وإنما يعبد هو ليس يتبع هوى نفسه، وإنما يتبع الحجة والسمع وما يستحسنه العقل. 
ألا ترى أنه قال : على بينة من ربي  ؟ \[ الأنعام : ٥٧ \] أي على حجة من ربي ؛ يخبر أن ما يعبد هو[(٢)](#foonote-٢) أن يعبد اتباعا للحجة والعقل، وما يعبدون اتباعا لهوى أنفسهم. وما يتبع بالهوى : يجوز أن يترك[(٣)](#foonote-٣) اتباعه، ويتبع غيره لما تهوى النفس[(٤)](#foonote-٤) هذا، ولا تهوى الأول. وأما ما يتبع بالحجة والسمع وما يستحسنه[(٥)](#foonote-٥) العقل فإنه لا يجوز أن يترك اتباعه، ويتبع غيره. 
وفيه تعرض لسفيههم لأنه قال : قل لا أتبع أهواءكم قد ضللت إذا وما أنا من المهتدين  أي لو اتبعت أهواءكم لضللت إذن، وأنتم، إذا اتبعتم أهواءكم لعبادتكم غير الله، ضلال، ولستم بالمهتدين، فهو عرض[(٦)](#foonote-٦) التسفيه لهم والشتم منه.

١ - ساقطة من الأصل وم..
٢ - في الأصل وم: هم..
٣ - في الأصل وم: ينزل..
٤ - في الأصل وم: نفسه..
٥ - من م، في الأصل: يحسنه..
٦ - في الأصل: تعرض. في م: تعريض..

### الآية 6:57

> ﻿قُلْ إِنِّي عَلَىٰ بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَكَذَّبْتُمْ بِهِ ۚ مَا عِنْدِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ ۚ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ ۖ يَقُصُّ الْحَقَّ ۖ وَهُوَ خَيْرُ الْفَاصِلِينَ [6:57]

الآية ٥٧ وقوله تعالى : إني على بينة من ربي وكذبتم به  قيل على بيان من ربي وحجة، وقيل : على دين من ربي. 
وقوله تعالى : وكذبتم به  قيل : بالقرآن، وقيل : العذاب ما أوعدتكم. 
وقوله تعالى : ما عندي ما تستعجلون به  أي العذاب كقوله تعالى : ويستعجلونك بالعذاب  \[ الحج : ٤٧ \] وغيره، فقال : ما عندي ما تستعجلون به  من العذاب. 
ثم هذا يدل على أن قوله تعالى : قل لا أقول لكم عندي خزائن الله ولا أعلم الغيب  \[ الأنعام : ٥٠ \] أن المراد بالخزائن العذاب ؛ أي ليس عندي ذلك إنما ذلك إلى الله، وعنده ذلك ؛ وهو قوله تعالى : إن الحكم إلا لله  أي ما الحكم والقضاء إلا لله، \[ أي ما الحق \][(١)](#foonote-١)  يقص الحق وهو خير الفاصلين  اختلف في تلاوته وتأويله :
قرأ بعضهم بالضاد وآخرون بالصاد[(٢)](#foonote-٢) ؛ فمن قرأ بالصاد : يقص  يقول : يبين الحق لأن القصص هو البيان، وقال آخر : وهو خير الفاصلين  أي خير المبينين. ومن قرأ بالضاد يقول : يقضي يحكم. ثم اختلف فيه : قال بعضهم أي يقضي بالحق، وكذلك روي في حرف ابن مسعود رضي الله عنه أنه قرأ : يقضي بالحق، وقيل : فيه إضمار أي يقضي، ويحكم، وحكمه الحق  وهو خير الفاصلين  أي القاضين[(٣)](#foonote-٣)، والفصل والقضاء واحد ؛ لأنه بالقضاء يفصل، والله أعلم.

١ - ساقطة من م..
٢ - انظر حجة القراءات ص (٢٥٤)..
٣ - من م، في الأصل: الفاصلين..

### الآية 6:58

> ﻿قُلْ لَوْ أَنَّ عِنْدِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ لَقُضِيَ الْأَمْرُ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ ۗ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالظَّالِمِينَ [6:58]

الآية ٥٨ وقوله تعالى : قل لو أن عندي ما تستعجلون به لقضي الأمر بيني وبينكم  عن ابن عباس رضي الله عنه \[ أنه قال :\][(١)](#foonote-١)  لو أن عندي ما تستعجلون به  من العذاب  لقضي الأمر بيني وبينكم  لأهلكتكم، وقيل  لقضي الأمر بيني وبينكم  أي لعجلته لكم بالقضاء في ما بيننا ؛ يخبر عن رحمة الله وحلمه، أي لو كان بيدي لأرسلت عليكم، لكن الله بفضله ورحمته يؤخر ذلك عنكم. 
ثم فيه نقض على المعتزلة في قولهم : إن[(٢)](#foonote-٢) الله لا يفعل بالعبد إلا الأصلح في الدين، لأنه قال : لو أن عندي ما تستعجلون به لقضي الأمر بيني وبينكم  ثم لا يحتمل أن تأخير العذاب والهلاك خير لهم وأصلح. ثم هو يهلكهم، ويكون عظة لغيرهم وزجرا لهم. ثم إن الله تعالى أخر ذلك العذاب عنهم، وإن كان فيه شر لهم، فدل أن الله قد يفعل بالعبد ما ليس ذلك بأصلح له في الدين. 
وقوله تعالى : والله أعلم بالظالمين  أي عليم بمن الظالم منا، وهم كانوا ظلمة.

١ - ساقطة من الأصل وم..
٢ - في م: بأن..

### الآية 6:59

> ﻿۞ وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ ۚ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ ۚ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ [6:59]

الآية ٥٩ وقوله تعالى : وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو  هذا، والله أعلم، يحتمل أن يكون صلة قوله : قل لا أقول لكم عندي خزائن الله ولا أعلم الغيب  \[ الأنعام : ٥٠ \] وصلة قوله : ما عندي ما تستعجلون به  \[ الأنعام : ٥٧ \]
كانوا يطلبون منه صلى الله عليه وسلم ويسألونه أشياء من التوسيع في الرزق وغير ذلك مما كان يعدهم من الكرامة والمنزلة والسعة، وكان يوعدهم بالعذاب، ويخوفهم بالهلاك، فيستعجلون ذلك ما وعد لهم، فقال : وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو  ليس ذلك عندي، لا يعلم ذلك إلا هو. 
ومفاتح من المفتح ليس من المفتاح، يكون جمعه مفاتيح. والفتح ؛ يقال في النصر والمعونة، يقال : فتح الله عليه بلدة كذا، أي نصره، وجعله غالبا عليهم، ويقال في ما يحدثه، ويستفاد[(١)](#foonote-١) منه : فتح فلان على فلان باب كذا، أي علمه علم ذلك. 
وقوله تعالى : وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو  أي عنده \[ ما \][(٢)](#foonote-٢) يستفاد ذلك، ومنه يكون. ومن نصر آخر فإنما ينصر به، ومن علّم آخر فإنما يعلمه به، ومن وسّع على[(٣)](#foonote-٣) آخر رزقا فإنما يوسعه بالله. كل هذا يشبه أن يخرج تأويل الآية. 
وقوله تعالى : ويعلم ما في البر والبحر  هذا يحتمل وجوها :
\[ أحدها \][(٤)](#foonote-٤) : يحتمل  ما في البر والبحر  أي  ويعلم ما في البر والبحر  من الدواب وما يسكن فيها من ذوي الروح : كثرتها وعددها وصغيرها، لا يخفى عليه شيء. 
والثاني : ويعلم ما في البر والبحر  أي يعلم رزق كل ما في البر والبحر، ويعلم حاجته، ثم يسوق إلى كل من ذلك رزقه يخبر هذا، والله أعلم، ليعلموا أنه لما ضمن للخلق لكل منهم رزقه يسوقه إليه رزقه من غير تكلف ولا طلب كما يسوق أرزاق ما في البر والبحر من غير طلب ولا تكلف، لا تضيق قلوبهم لذلك، فما بالكم تضيق قلوبكم على ذلك، وقد ضمن ذلك لكم كما ضمن لأولئك ؟ 
والثالث : ويعلم ما في البر والبحر  من اختلاط الأقطار بعضها ببعض ومن دخول بعضها في بعض ؛ يخرج هذا على الوعيد أنه لما كان عالما بهذا كله يعلم بأعمالكم ومقاصدكم. فإن قيل : هذا الذي ذكر، كله في الظاهر دعوى، فما الدليل على أنه كذلك ؟ قيل : اتساق التدبير في كل شيء وآثاره فيه يدل على أنه كان بتدبير واحد لأن أثار التدبير في كل شيء واتساقه على سنن واحد ظاهرة بادية. فذلك يدل على ما ذكر. 
وقوله تعالى : ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين  الآية. ويحتمل الكتاب ههنا التقدير والحكم. اختلف فيه : قيل : قوله  إلا في كتاب مبين  أي محفوظ كله عنده ؛ يقول الرجل لآخر : عملك كله عندي مكتوب ؛ يريد الحفظ، أي محفوظ عندي، وذلك جائز في الكلام، وقيل : الكتاب ههنا هو اللوح المحفوظ أي كله مبين فيه : وقال الحسن، رحمه الله : إن الله يخرج كتابا في كل ليلة القدر، ويدفعه[(٥)](#foonote-٥) إلى الملائكة، وفيه مكتوب كل ما يكون في تلك السنة ليحفظوه[(٦)](#foonote-٦)/١٥٠-أ/ على ما يكون، أو كلام نحو هذا، والله أعلم.

١ - في الأصل وم: يستفيد..
٢ - ساقطة من الأصل وم..
٣ - من م، في الأصل: إلى..
٤ - ساقطة من الأصل وم..
٥ - في الأصل وم: ويدفع..
٦ - في الأصل وم: ليحفظوهم..

### الآية 6:60

> ﻿وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ لِيُقْضَىٰ أَجَلٌ مُسَمًّى ۖ ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ ثُمَّ يُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ [6:60]

الآية ٦٠ وقوله تعالى : وهو الذي يتوفاكم بالليل ويعلم ما جرحتم بالنهار  وقال بعض أهل الكلام : إن لكل حاسة من هذه الحواس روحا، يقبض عند النوم، ثم يرد إليها سوى روح الحياة، فإنه لا يقبض، لأنه يكون أصم بصيرا متكلما ناطقا، ويكون أعمى سميعا، ويكون أخرس سميعا بصيرا. فثبت أن لكل حاسة من حواس النفس روحا على حدة، يقبض عند النوم، ثم يرد إليها، إذا ذهب النوم. 
وأما الروح الذي به يحيي النفس فإنه لا يقبض ذلك منه إلا عند انقضاء أجله، وهو الموت. وقالت الفلاسفة : الحواس هي التي تدرك صور الأشياء بطينتها. 
وقوله تعالى : وهو الذي يتوفاكم بالليل ويعلم ما جرحتم بالنهار  فيه دلالة أن ليس ذكر الحكم في حال أو تخصيص الشيء في حال دلالة سقوط ذلك في حال أخرى، لأنه قال : ويعلم ما جرحتم بالنهار  ليس فيه أنه لا يعلم ما جرحنا بالليل، بل يعلم ما يكون منا بالليل والنهار جميعا، وليس فيه أنه لا يتوفانا بالنهار، وألا نجرح بالليل، لكنه ذكر الجرح بالنهار والوفاة بالليل لما أن الغالب مما يبصر إنما يكون بالنهار. فعلى ذلك الأول. ثم فيه دلالة أن النائم غير مخاطب في حال نومه حين[(١)](#foonote-١) ذكر الوعيد في ما يجرحون بالنهار. ولم يذكر بالليل. 
وقوله تعالى : ويعلم ما جرحتم بالنهار  قال بعضهم : جرحتم  أي أثمتم  بالنهار . وقيل : ويعلم ما  كسبتم  بالنهار . 
وقوله تعالى : ثم يبعثكم فيه  يستدل بقوله : يتوفاكم بالليل ويعلم ما جرحتم بالنهار ثم يبعثكم فيه  على الإحياء بعد الموت لأنه يذهب أرواح هذه الحواس، ثم يردها إليها من غير أن يبقى[(٢)](#foonote-٢)، فكيف تنكرون البعث بعد الموت، وإن لم يبق من أثر للحياة[(٣)](#foonote-٣) ؟ 
ثم القول في الجمع بعد التفرق مما الخلق يفعل ذلك، ويقدر عليه، نحو ما يجمع من التراب المتفرق، فيجعله طينا، ورفع البناء من مكان ووضعه في مكان آخر وغير ذلك من جمع بعض إلى بعض وتركيب بعض على بعض، فدل أن الأعجوبة في رد ما ذهب كله حتى لم يبق له أثر لا في جمع \[ ولا في \][(٤)](#foonote-٤) تفرق، والله أعلم. 
وقوله تعالى : ثم يبعثكم فيه  أي يوقظكم، ويرد إليكم أرواح الحواس  ليقضى أجل مسمى  أي مسمى العمر إلى الموت  ثم إليه مرجعكم ثم ينبئكم بما كنتم تعملون  خرج هذا على الوعيد لما ذكرنا ليكونوا على حذر. 
وقوله تعالى : ويعلم ما جرحتم بالنهار  وقوله : وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو ويعلم ما في البر والبحر  \[ الأنعام : ٥٩ \] يعلم \[ كل \][(٥)](#foonote-٥) ما يغيب عن الخلق، ولا يخفى عليه شيء، لأنه عالم بذاته، لا يحجبه شيء، ليس \[ علمه \][(٦)](#foonote-٦) كعلم من يعلم بغيره، فيحول بينه وبين العلم بالأشياء الحجب والأستار فأما الله عز وجل \[ فهو \][(٧)](#foonote-٧) عالم بذاته، لا \[ يحجب علمه \][(٨)](#foonote-٨) شيء، ولا يكون له حجاب عن شيء.

١ - في الأصل وم: حيث..
٢ - في الأصل وم: حيث..
٣ - في الأصل وم: الحياة..
٤ - في الأصل وم: ما..
٥ - ساقطة من الأصل وم..
٦ - ساقطة من الأصل وم..
٧ - ساقطة من الأصل وم..
٨ - في الأصل وم: يحجبه..

### الآية 6:61

> ﻿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ ۖ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً حَتَّىٰ إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ [6:61]

الآية ٦١ وقوله تعالى : وهو القاهر فوق عباده ويرسل عليكم حفظة  فيه جميع ما يحتاج أهل التوحيد \[ إليه \][(١)](#foonote-١) لأنه أخبر أنه قاهر لخلقه، وهم مقهورون. ومن البعيد أن يشبه القاهر المقهور بشيء، أو يشبه المقهور القاهر بوجه، أو يكون شريك القاهر في معنى، لأنه لو كان شيء من ذلك لم يكن قاهرا من جميع الوجوه، ولا كان الخلق مقهورا في الوجوه كلها. فإذا كان الله قاهرا بذاته الخلق كله كانت آثار قهره فيهم ظاهرة وأعلام سلطانه فيهم بادية على تعاليه عن الأشباه والأضداد وأنه كما وصف  ليس كمثله شيء  \[ الشورى : ١١ \]. 
وقوله تعالى : وهو القاهر فوق عباده  يكون على وجهين :
أحدهما : وهو القاهر  وهو  فوق عباده . 
والثاني : على التقديم والتأخير ؛ وهو فوق عباده القاهر. ويحتمل قوله : فوق عباده  بالنصر لهم والمعونة والدفع عنهم كقوله : يد الله فوق أيديهم  أي بالنصر والمعونة والعظمة والرفعة والجلال ونفاذ السلطان والربوبية. 
وقوله تعالى : ويرسل عليكم حفظة  \[ يحتمل وجهين :
أحدهما \][(٢)](#foonote-٢) : أخبر أنه القاهر فوق عباده وأنه أرسل عليهم الحفظة ليعلموا أن إرسال الحفظة عليهم لا لحاجة له ؛ لم يكن قاهرا لأن من وقعت له حاجة صار مقهورا تحت قهر آخر. فالله تعالى أن تمسه حاجة، أو يصيبه \[ مثل ما يصيب الخلق، بل وإنما أرسلهم عليهم لحاجة الخلق \][(٣)](#foonote-٣) إما امتحانا منه للحفظة على محافظة أعمال العباد والكتابة عليهم من غير أن تقع له في ذلك حاجة، يمتحنهم بذلك. [(٤)](#foonote-٤) ولله أن يمتحن عباده بما شاء من أنواع المحن، وإن أكرمهم، ووصفهم بالطاعة في الأحوال كلها بقوله تعالى : لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون  \[ التحريم : ٦ \] وغير ذلك من الآيات. 
والثاني :\[ يرسل الحفظة \][(٥)](#foonote-٥) عليهم بمحافظة أعمالهم والكتاب عليهم ليكونوا على حذر في ذلك ؛ \[ وذلك \][(٦)](#foonote-٦) في الزجر أبلغ وأكثر \[ نظرا \][(٧)](#foonote-٧) لأن من علم أن عليه رقيبا في عمله وفعله كان أحذر في ذلك \[ العمل وانظر \][(٨)](#foonote-٨) فيه وأحفظ له ممن لم يكن عليه ذلك، وإن كان يعلم كل مسلم أن الله عالم الغيب، لا يخفى عليه شيء، عالم بما كان منهم، وبما يكون أن يكون، ومتى يكون ؟ 
ثم اختلف في الحفظة ههنا : قال بعضهم : هم الذين قال الله تعالى  وإن عليكم لحافظين   كراما كاتبين   يعلمون ما تفعلون  \[ الانفطار : ١٠ و ١١ و ١٢ \] يكتبون أعمالهم، ويحفظون عليهم. وقال آخرون : هم الذين يحفظون أنفاس الخلق. ويعدون عليهم إلى وقت انقضائها وفنائها، ثم تقبض منه الروح، ويموت. 
ألا ترى أنه قال على إثره : حتى إذا جاء أحدكم الموت توفته رسلنا وهم لا يفرطون  ؟ دل على أن الحفظة ههنا هم الذين سلطوا على حفظ الأنفاس والعد عليهم إلى وقت الموت، والله أعلم. 
ثم في قوله تعالى : حتى إذا جاء أحدكم الموت توفته رسلنا  دلالة خلق أفعال العباد ؛ لأنه ذكر مجيء الموت وتوفي الرسل، وقال : خلق الموت والحياة، ومجيء الموت هو بتوفي الرسل[(٩)](#foonote-٩)، ثم أخبر أنه خلق الموت. دل أنه خلق توفيهم[(١٠)](#foonote-١٠). 
فاحتال بعض المعتزلة في هذا، وقال : إن الملك هو الذي ينزع الروح، ويجمعه في موضع، ثم إن الله يتلفه، ويهلكه. فلأن كان ما قال فإذن لا يموت بتوفي الرسل أبدا ؛ لأنهم إذا نزعوا، وجمعوا في موضع، تزداد حياة الموضع الذي جمعوا فيه، لأنه اجتمع كل روح النفس في ذلك. فإن لم يكن، دل أن ذلك خبال. والوجه فيه ما ذكرنا من الدلالة، وهو ظاهر بحمد الله ؛ يعرفه كل عاقل، يتأمل فيه، ولم يعاند[(١١)](#foonote-١١)، وبالله التوفيق. 
ثم اختلف في قوله تعالى : توفته رسلنا  قال بعضهم : هو ملك الموت وحده، وإن خرج الكلام مخرج العموم بقوله : رسلنا  والمراد منه الخصوص : ألا ترى أنه قال في آية أخرى : قل يتوفاكم ملك الموت الذي وكل بكم  \[ السجدة : ١١ \] أخبر أنه الموكل والمسلط على ذلك ؟ 
وقال آخرون : يتوفاه أعوان ملك \[ الموت \][(١٢)](#foonote-١٢)، ثم يقبضه ملك الموت، ويتوفاه. وقال قائلون : يكون معه ملائكة تقبض الأنفاس، ويتوفاه ملك الموت. لكن ذلك لا يدرى[(١٣)](#foonote-١٣) أن كيف هو ؟ وليس بنا إلى معرفة ذلك حاجة، ولكن إلى معرفة ما ذكرنا. 
وقوله تعالى : وهم لا يفرطون  فيه إخبار عن شدة طاعة الملائكة ربهم، وأن الرأفة لا تأخذهم في ما فيه تأخير أمر الله وتفريطه، لأن من دخل على من في النزع أخذته من الرأفة ما لو ملك حياته لبذل له. فأخبر عز وجل أنهم  لا يفرطون  في ما أمروا، ولا يؤخرونه لتعظيمهم أمر الله وشدة طاعتهم له. 
وعلى ذلك وصفهم : غلاظ شداد لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون  /١٥٠-ب/ \[ التحريم : ٦ \] وقال عز وجل : لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون  \[ الأنبياء : ٢٧ \] وقال : لا يستكبرون عن عبادته ولا يستحسرون   يسبحون الليل والنهار لا يفترون  \[ الأنبياء : ١٩ و ٢٠ \].

١ - ساقطة من الأصل وم..
٢ - ساقطة من الأصل وم..
٣ - من م، في الأصل: الخلق..
٤ - في الأصل وم: على ذلك..
٥ - في الأصل وم: يرسله..
٦ - من م، ساقطة من الأصل..
٧ من م، ساقطة من الأصل..
٨ - من م، في الأصل: وذلك..
٩ - أدرج بعدها في الأصل وم: هو مجيء الموت..
١٠ - من م، في الأصل: الموت لهم..
١١ - من م، في الأصل: يعاندوا..
١٢ - من م، ساقطة من الأصل..
١٣ - في الأصل: تدري، فيم: ندري..

### الآية 6:62

> ﻿ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ ۚ أَلَا لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ [6:62]

الآية ٦٢ وقوله تعالى : ثم ردوا إلى الله مولاهم الحق  ذكر الرد إلى الله، وأنه مولاهم الحق، وإن كانوا في الأحوال كلها مردودين إلى الله، وكان مولاهم الحق في الدنيا والآخرة. وكذلك قوله تعالى : وبرزوا لله جميعا  \[ إبراهيم : ٢١ \] وكذلك قوله : لمن الملك اليوم لله  \[ غافر : ١٦ \] كان الملك له في الدنيا والآخرة، وكانوا بارزين له جميعا في الأوقات كلها لما كانوا أصحاب الشكوك، فارتفع ذلك عنهم، وخلص بروزهم وردهم إلى الله خالصا لا شك فيه، وكذلك كان الملك في الدنيا والآخرة \[ وفي الأيام \][(١)](#foonote-١) كلها، لكن نازعه[(٢)](#foonote-٢) غيره في الملك في الدنيا، ولا أحد ينازعه في ذلك اليوم في الملك  لمن الملك اليوم لله الواحد القهار  \[ غافر : ١٦ \]. 
وعلى ذلك قوله تعالى : إلى الله مولاهم الحق  كان مولاهم الحق في الأوقات كلها والأحوال. ولكن عند ذلك يظهر لهم أنه كان مولاهم الحق. وقوله تعالى : ثم ردوا إلى الله مولاهم الحق  يحتمل ردوا إلى ما وعدلهم، وأوعد. 
وقوله تعالى : ألا له الحكم  يحتمل قوله  ألا له الحكم  في تأخير الموت والحياة في تأخير الموت والحياة وقبض الأرواح وتوفي الأنفس. ويحتمل قوله : له الحكم  في التعذيب في النار والثواب والعقاب، ليس يدفع ذلك عنهم دافع سواه، ولا ينازعه أحد في الحكم. 
\[ وقوله تعالى \][(٣)](#foonote-٣) : وهو أسرع الحاسبين  \[ روي عن الحسن أنه \][(٤)](#foonote-٤) قال : هو سريع العقاب لأنه إنما يحاسب ليعذب لما روي \[ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال \][(٥)](#foonote-٥) :( من نوقش الحساب عذب ) \[ البخاري : ٦٥٣٦ \]،  وهو أسرع الحاسبين  لأنه لا يحاسب عن حفظ ولا تفكر، ولا يشغله شيء، وأما غيره فإنما يحاسب عن حفظ وتفكر وعن شغل، فهو أسرع الحاسبين، ولا يشغله شيء.

١ - في الأصل: وهي الأمر، في م: وهي الأيام..
٢ - في الأصل وم: نازع..
٣ - ساقطة من الأصل وم..
٤ - في الأصل وم: عن الحسن..
٥ - ساقطة من الأصل وم..

### الآية 6:63

> ﻿قُلْ مَنْ يُنَجِّيكُمْ مِنْ ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ تَدْعُونَهُ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً لَئِنْ أَنْجَانَا مِنْ هَٰذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ [6:63]

الآية ٦٣ وقوله تعالى : قل من ينجيكم من ظلمات البر والبحر  ليس هذا على الأمر له، ولكن على المحاجة كقوله تعالى : قل سيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة الذين من قبل  \[ الروم : ٤٢ \] ليس على الأمر بالسير ولكن على الاعتبار بأولئك الذين كانوا من قبل والنظر في آثارهم وإعلامهم كيف صاروا بتكذيبهم الرسل ؟ وماذا أصابهم بذلك ؟ فعلى ذلك هذا فيه الأمر بالمحاجة معهم في آلهتهم أنه  من ينجيكم من ظلمات البر والبحر  آلهتكم التي تعبدون من دون الله، وتشركونها في ألوهيته وربوبيته ؟ أم الله الذي خلقكم ؟ فسمرهم[(١)](#foonote-١) حتى قالوا : هو الذي ينجينا من ذلك. 
فقال تعالى : قل الله ينجيكم منها ومن كل كرب  \[ الأنعام : ٦٤ \] فإذا كان هو الذي ينجيكم من هذا، لا آلهتكم التي تعبدونها، فكذلك هو الذي ينجيكم من كل كرب ومن كل شدة. 
ويحتمل قوله تعالى : قل من ينجيكم من ظلمات البر والبحر  قوله[(٢)](#foonote-٢) : ومن أظلم  \[ الأنعام : ٢١ و. . . \] أي لا أحد أظلم ؛ تخافون على آلهتكم الهلاك كما تخافون على أنفسكم، فلا أحد سواه ينجيكم من ذلك ومن كل كرب. 
قال أبو بكر الكيساني : هم عرفوا في الدنيا أنه هو الذي ينجيهم في الآخرة، ويهلكهم. وهم[(٣)](#foonote-٣) هكذا ؛ عرفوا الله في الدنيا، ولم يعرفوه في الآخرة. 
ثم اختلف في ظلمات البر والبحر : قال بعضهم : الظلمات هي الشدائد والكروب التي تصيبهم بالسلوك في البر والبحر، وقال آخرون : الظلمات \[ هي الأسفار \][(٤)](#foonote-٤) لأن أسفار البحار والمغاور إنما تقطع بأعلام السماء ؛ فإذا أظلمت[(٥)](#foonote-٥) السماء بقوا متحيرين لا يعرفون إلى أي ناحية يسلكون، ومن أي طريق يأخذون. فعند ذلك يدعون الله  تضرعا وخفية . 
قال الحسن : التضرع هو ما يرفع به الصوت، والخفية هي ما يدعى سرا، وهو من الإخفاء. وفي حرف ابن مسعود : تدعونه تضرعا وخيفة[(٦)](#foonote-٦) ؛ وهي من الخوف. قال الكلبي : في خفض وسكون وتضرع إلى الله. 
وقوله تعالى : لئن أنجانا من هذه لنكونن من الشاكرين  قال أبو بكر : قوله تعالى : لنكونن من الشاكرين  أي لا نوجه الشكر إلى غيرك. والشكر ههنا هو التوحيد ؛ أي لئن أنجيتنا لنكونن من الموحدين لك من بعد ؛ لأنهم كانوا يوحدون الله في ذلك الوقت. لكنهم إذا نجوا من ذلك أشركوا غيره. 
ألا ترى أنه قال : قل الله ينجيكم منها ومن كل كرب ثم أنتم تشركون  ؟ \[ الأنعام : ٦٤ \].

١ - في الأصل وم: فسحرهم..
٢ - في الأصل وم: كقوله..
٣ - في الأصل وم، وهو..
٤ - ساقطة من الأصل وم..
٥ - في الأصل وم: أظلم..
٦ - في الأصل وم: وخفية. انظر معجم القراءات القرآنية ج ٢/ ٢٧٨..

### الآية 6:64

> ﻿قُلِ اللَّهُ يُنَجِّيكُمْ مِنْهَا وَمِنْ كُلِّ كَرْبٍ ثُمَّ أَنْتُمْ تُشْرِكُونَ [6:64]

الآية ٦٤ وقوله تعالى : ثم أنتم تشركون  بعد علمكم أن الأصنام التي تعبدونا لم تملك الشفاعة لكم ولا الزلفى إلى الله[(١)](#foonote-١) ؛ يذكر سفههم في عبادتهم الأوثان على علم منهم أنها لا تشفع، ولا تملك دفع شيء عنهم.

١ - إشارة إلى قوله تعالى: هؤلاء شفعاؤنا عند الله \[يونس: ١٨\] وقوله: ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى \[الزمر: ٣\]..

### الآية 6:65

> ﻿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَىٰ أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ ۗ انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ [6:65]

الآية ٦٥ وقوله تعالى : قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذابا من فوقكم أو من تحت أرجلكم أو يلبسكم شيعا ويذيق بعضكم بأس بعض  اختلف في نزول الآية في من نزلت ؟ في مشركي العرب ؟ وهو قول أبي بكر الأصم لأنها نزلت على إثر آيات، نزلت في أهل الشرك : من ذلك قوله تعالى : قل لا أقول لكم عندي خزائن الله ولا أعلم الغيب  \[ الأنعام : ٥٠ \] وقوله تعالى : قل أرأيتم إن أخذ الله سمعكم وأبصاركم  الآية \[ الأنعام : ٤٦ \] وقوله : وهو القاهر فوق عباده ويرسل عليكم حفظة  إلى قوله تعالى : ثم ردوا إلى الله مولاهم الحق  \[ الأنعام : ٦١ و ٦٢ \] هذه الآيات كلها نزلت في أهل الشرك. فهذه كذلك نزلت فيهم، لأنها ذكرت على إثرها، ولأن سورة الأنعام نزل أكثرها في محاجة أهل الشرك \[ إلا \][(١)](#foonote-١) آيات منها نزلت في أهل الكتاب، وسورة المائدة نزل أكثرها في محاجة أهل الكتاب. 
ومنهم من يقول : نزلت في أهل الإسلام، وهو قول أبي بن كعب ؛ وقال : هن أربع ؛ فجاء منهن اثنتان بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم ألبسهم شيعا، وأذيق بعضهم بأس بعض : أما لبس الشيع فهي[(٢)](#foonote-٢) الأهواء المختلفة، ويذيق بعضهم بأس بعض هو السيف والقتل ؛ هذان قد كانا في المسلمين. وبقيت[(٣)](#foonote-٣) ثنتان، لا بد واقعتان. ومنهم من يقول : كانت[(٤)](#foonote-٤) ثنتان في المشركين من أهل الكتاب، وثنتان في أهل الإسلام ؛ وهو قول الحسن ؛ قال : قد ظهر في أهل الإسلام الأهواء المختلفة والقتل والفتن، وأما اللتان[(٥)](#foonote-٥) في أهل الشرك من أهل الكتاب فهما[(٦)](#foonote-٦) الخسف في الأرض والحجارة من السماء. 
ثم اختلف في قوله تعالى : عذابا من فوقكم أو من تحت أرجلكم أو يلبسكم شيعا ويذيق بعضكم بأس بعض  عن ابن عباس رضي الله عنه \[ أنه \][(٧)](#foonote-٧) قال : عذاب من فوقكم  أي من أمرائكم  أو من تحت أرجلكم  أي من سفلتكم ؛ لأن الفتن ونحوها إنما تهيج من الأمراء الجائرة ومن أتباعهم، وقوله تعالى : أو يلبسكم شيعا  قال : الأهواء المختلفة، وقوله تعالى : ويذيق بعضكم بأس بعض  أي يسلط بعضهم[(٨)](#foonote-٨) على بعض بالقتل[(٩)](#foonote-٩) والعذاب. 
ومن قال بأن الآية نزلت في أهل الشرك يقول : كان في أشياعهم ذلك كله ؛ أما العذاب من الفوق فهو[(١٠)](#foonote-١٠) الحصب بالحجارة كما فعل بقوم لوط ومن تحت أرجلهم، فهو[(١١)](#foonote-١١) الخسف كما فعل بقارون، ومن معه. 
وقوله تعالى : أو يلبسكم شيعا  يقول : فرقا وأحزابا. وكانت اليهود والنصارى فرقا مختلفة ؛ اليهود فرقا والنصارى كذلك كقوله : وألقينا بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة  \[ المائدة : ٦٤ \] وقوله : فأغرينا بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة  \[ المائدة : ١٤ \]. 
وقوله تعالى : ويذيق بعضكم بأس بعض  هو الحرب والقتال. وقول[(١٢)](#foonote-١٢) الحسن ما ذكرنا أنه ظهر في أهل الإسلام الأهواء المختلفة، وظهر الحرب والنضل. وأما الخسف والحصب فلم يظهر، فهو في أهل الشرك. 
ويحمل قوله تعالى : عذابا من فوقكم  من السماء أرسله[(١٣)](#foonote-١٣) عليهم، لأنهم قد أقروا أنه رفع السماء[(١٤)](#foonote-١٤). فمن قدر على رفع شيء يقدر على إرساله، \[ ويحتمل \][(١٥)](#foonote-١٥) قوله  أو من تحت أرجلكم  \[ الخسف \][(١٦)](#foonote-١٦) لأنهم عرفوا أنه بسط الأرض[(١٧)](#foonote-١٧). ومن ملك بسط شيء يملك طيه، ويخسف بهم. 
وقوله تعالى :/١٥١-أ/  انظر كيف نصرف الآيات  قيل : أي نرد. والآيات كل مزدجرة، أو نقول : كيف نصرف الآيات  ليعلم كل صدقها وحقيقتها أنها من الله جاءت. 
\[ وقوله تعالى \][(١٨)](#foonote-١٨) : لعلهم يفقهون  يحتمل وجوها :
\[ أحدها :\][(١٩)](#foonote-١٩) صرفوا ليفقهوا. ذلك يرجع إلى المؤمنين خاصة. 
والثاني : لعلهم يفقهون  أي ليلزمهم أن يفقهوا، وقد ألزم الكل أن يفقهوا. لكن من لم يفقه إنما لم يفقه لأنه نظر إليه بعين الاستخفاف. 
والثالث : نصرف الآيات  أي نصرف الرسل[(٢٠)](#foonote-٢٠)، ونبلغها إليهم على رجاء[(٢١)](#foonote-٢١) أن يفقهوا : لكي يفقهوا، إن نظروا فيها، وتأملوها. وذكر لعل لأن منهم من فقه، ومنهم من لم يفقه.

١ - من م، ساقطة من الأصل..
٢ - في الأصل وم: هي..
٣ - في الأصل وم: وبقي..
٤ - في الأصل وم: كان..
٥ - في الأصل وم: اللذان..
٦ - في الأصل وم: هو..
٧ - ساقطة من الأصل وم..
٨ - في الأصل وم: عليهم..
٩ - في الأصل وم: القتل..
١٠ - في الأصل وم: هو..
١١ - في الأصل وم: وهو..
١٢ - من م، في الأصل: وهو..
١٣ - في الأصل وم: أرسلها..
١٤ - إشارة إلى قوله تعالى: رفع السماوات بغير عمد ترونها \[الرعد: ٢\]..
١٥ - ساقطة من الأصل وم..
١٦ - ساقطة من الأصل وم..
١٧ - إشارة إلى قوله تعالى: والله جعل لكم الأرض بساطا \[نوح: ١٩\]..
١٨ - ساقطة من الأصل وم..
١٩ - ساقطة من الأصل وم..
٢٠ - في الأصل وم: الرسول..
٢١ - في الأصل وم: جاء..

### الآية 6:66

> ﻿وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وَهُوَ الْحَقُّ ۚ قُلْ لَسْتُ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ [6:66]

الآية ٦٦ \[ وقوله تعالى \][(١)](#foonote-١) : وكذب به قوم  يحتمل  به  بالقرآن، ويحتمل بما ذكر من الآيات، ويحتمل الإيمان به والتوحيد  وهو الحق ،  وكذب به قومك  وهم أحق أن يصدقوك بما جئت به وإنبائهم لأنك نشأت بين أظهرهم، فلم تأخذ كذبا[(٢)](#foonote-٢) قط، ولا رأوك تختلف[(٣)](#foonote-٣) إلى أحد، يعلمك، فهم أحق أن يصدقوك بما جئت وإنبائهم، والله أعلم. 
وقوله تعالى : قل لست عليكم بوكيل  قال عامة أهل التأويل : الوكيل : الحفيظ، والوكيل، هو القائم في الأمر ؛ أي لست بقائم عليكم لأكرهكم على التوحيد والإيمان، شئتم، أو أبيتم. ولست بحافظ على أعمالكم، إنما علي التبليغ كقوله تعالى : ما على الرسول إلا البلاغ  \[ المائدة : ٩٩ \].

١ - ساقطة من الأصل وم..
٢ - في الأصل وم: كذب..
٣ - في الأصل وم: أن تختلف..

### الآية 6:67

> ﻿لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ ۚ وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ [6:67]

الآية ٦٧ وقوله تعالى : لكل نبإ مستقر  قال بعضهم : لكل أمر حقيقة، وقيل : لكل خبر غاية ينتهي إليها[(١)](#foonote-١). ويحتمل أن يكون صلة قوله تعالى : لست عليكم بوكيل  \[  لكل نبإ مستقر  أي  لست عليكم بوكيل  \][(٢)](#foonote-٢) لكن  لكل نبإ مستقر  في أن أغنم أموالكم، وأسبى ذراريكم كقوله تعالى : لست عليهم بمصيطر   إلا من تولى وكفر  \[ الغاشية : ٢٢ و٢٣ \]. 
ويحتمل قوله تعالى : أو يلبسكم شيعا ويذيق بعضكم بأس بعض  دلالة نقض المعتزلة لأنا نعلم أن للخلق حقيقة الفعل في القتل والحرب والأهواء المختلفة. ثم أضاف ذلك إلى نفسه. دل أن له صنعا في أفعالهم، وليس كما تقول المعتزلة : إنه[(٣)](#foonote-٣) لا يملك ذلك. وكذلك ما ذكر من إضافة تلبيس الشيع إليه رد لقولهم لأنهم يقولون : هم يختلفون، وقد أخبر أنه هو يجعلهم شيعا. وذلك ظاهر النقض عليهم لأنه أخبر أنه يذيق بعضهم بأس بعض، وهم يقولون : هو لا يذيق، ولكن ذلك القاتل أو الضارب أو المعذب هو يذيقهم دون رب العالمين. وكذلك قوله تعالى : قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم  \[ التوبة : ١٤ \] وهم يقولون : هو لا يعذبهم، ولكن الخلق يعذبونهم. وكذلك قوله تعالى : أن يصيبكم الله بعذاب من عنده أو بأيدينا  \[ التوبة : ٥٢ \] وهم يقولون :\[ وهو لا يملك \][(٤)](#foonote-٤) تعذيبهم بأيديهم. وذلك رد لظاهر[(٥)](#foonote-٥) الآية، وتركها خيبة[(٦)](#foonote-٦).

١ - في الأصل وم: إليه..
٢ - من م، ساقطة من الأصل..
٣ - في الأصل وم: لأنه..
٤ - في الأصل وم: هؤلاء يملك..
٥ - من م، في الأصل: الظاهر..
٦ - في الأصل: خائبا، في م: حديثا..

### الآية 6:68

> ﻿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّىٰ يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ ۚ وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَىٰ مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ [6:68]

الآية ٦٨ وقوله تعالى : وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا فأعرض عنهم حتى يخوضوا في حديث غيره  يشبه أن يكون قوله : يخوضون في آياتنا فأعرض عنهم  أي يكفرون بها، ويستهزئون بها كما قال في سورة النساء : وقد نزل عليكم في الكتاب أن إذا سمعتم آيات الله يكفر بها ويستهزأ بها فلا تقعدوا معهم حتى يخوضوا في حديث غيره  \[ الآية : ١٤٠ \] فيكون الخوض في آيات \[ الله \][(١)](#foonote-١) الكفر بها والاستهزاء بها، ويكون قوله تعالى : فأعرض عنهم  أي لا تقعد معهم كما قال : فلا تقعدوا معهم حتى يخوضوا في حديث غيره إنكم إذا مثلهم  \[ النساء : ١٤٠ \]. 
وقوله تعالى : فأعرض عنهم  يحتمل النهي عن القعود معهم على ما ذكر من قوله : فلا تقعدوا معهم  ويحتمل الإعراض الصفح عنهم وترك المجازاة لمساوئهم كقوله تعالى : فاصفح عنهم وقل سلام  \[ الزخرف : ٨٩ \] وكقوله[(٢)](#foonote-٢) تعالى : فأعرض عنهم وعظهم وقل لهم في أنفسهم قولا بليغا  \[ النساء : ٦٣ \] \[ فيه النهي \][(٣)](#foonote-٣) عن القعود معهم، وفيه الأمر بالتبليغ. 
وقوله تعالى : وإما ينسينك الشيطان فلا تقعد بعد الذكرى مع القوم الظالمين  معناه، والله أعلم : أن الشيطان إذا أنساك القعود معهم بعد ذكر الذكرى \[ فلا تقعد \][(٤)](#foonote-٤) ومعناه النهي بعدما أنساه الشيطان : أي لا تكن بالمحل الذي يجد الشيطان إليك سبيلا في ذلك.

١ - ساقطة من الأصل وم..
٢ - الواو ساقطة من الأصل وم..
٣ - في الأصل وم: وفيه الأمر بالتبليغ فينهى..
٤ - من م، أدرجت في الأصل بعد: القعود معهم..

### الآية 6:69

> ﻿وَمَا عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَلَٰكِنْ ذِكْرَىٰ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ [6:69]

الآية ٦٩ وقوله تعالى : وما على الذين يتقون من حسابهم من شيء  قيل : فيه رخصة الجلوس معهم، وهو كقوله تعالى : ما عليك من حسابهم من شيء وما من حسابك عليهم من شيء  \[ الأنعام : ٥٢ \] ثم نسخ ذلك بقوله تعالى : وقد نزل عليكم في الكتاب أن إذا سمعتم آيات الله يكفر بها ويستهزأ بها فلا تقعدوا معهم حتى يخوضوا في حديث غيره  \[ النساء : ١٤٠ \]. 
وكان النهي عن مجالستهم ليس الجلوس نفسه، ولكن ما ذكرنا من خوضهم في آيات الله بالاستهزاء بها والكفر بها، هو الذي كان يحملهم على ذلك، ليس ألا يجوز أن تجالسوهم، وكذلك ما نهانا أن نسبهم ليس ألا يجوز لنا أن نسبهم، ولكن لما كان سبنا إياهم هو الذي يحملهم على سب الله  ولكن ذكرى لعلهم يتقون . 
**يحتمل النهي عن القعود معهم \[ وجهين :**
أحدهما :\][(١)](#foonote-١) أنه نهى هؤلاء عن القعود معهم لما كان أهل النفاق يجالسونهم، ويستهزئون بالآيات، ويكفرون بها، فنهى هؤلاء عن ذلك ليرتدع أهل النفاق عن مجالستهم. 
والثاني : أنه نهى المؤمنين عن مجالستهم ليمتنعوا عن صنيعهم حياء منهم لأنهم لو امتنعوا عن مجالستهم، لمنعهم[(٢)](#foonote-٢) ذلك عن الاستهزاء بها والكفر بها لما كانوا يرغبون في مجالسة المؤمنين، فيتذكرون عند قيامهم عنهم، فيتقون الخوض والاستهزاء، وإلا[(٣)](#foonote-٣) يخافون أن \[ يعرفوا في الناس بترك المؤمنين مجالستهم \][(٤)](#foonote-٤)، فيحملهم ذلك على الكف عن الاستهزاء بالآيات وبرسول الله صلى الله عليه وسلم.

١ - في الأصل وم: وجوها..
٢ - في الأصل وم: فيمنعهم..
٣ - في الأصل وم: ولا..
٤ - في الأصل وم: يصرفوك في الناس بترك مجالستهم المؤمنين..

### الآية 6:70

> ﻿وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِبًا وَلَهْوًا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا ۚ وَذَكِّرْ بِهِ أَنْ تُبْسَلَ نَفْسٌ بِمَا كَسَبَتْ لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ وَإِنْ تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لَا يُؤْخَذْ مِنْهَا ۗ أُولَٰئِكَ الَّذِينَ أُبْسِلُوا بِمَا كَسَبُوا ۖ لَهُمْ شَرَابٌ مِنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ [6:70]

الآية ٧٠ وقوله تعالى : وذر الذين اتخذوا دينهم لعبا ولهوا  \[ فيه وجهان :
أحدهما \][(١)](#foonote-١) : أي وذر الذين اتخذوا لعبا ولهوا دينا لهم على التقديم والتأخير. 
والثاني : اتخذوا اللعب واللهو دينهم حتى لا يفارقوا اللعب واللهو ؛ لأن الدين إنما يتخذ للأبد. فعلى ذلك اتخذ[(٢)](#foonote-٢) أولئك اللعب واللهو للأبد كالدين. ثم هو يخرج على وجوه :
أحدها : اتخذوا دينهم عبادة ما لا ينفع، ولا يضر، ولا يبصر، ولا يسمع، ولا يعلم، ومن عنده[(٣)](#foonote-٣)، هذا وصفه، واتخذ ذلك دينا، فهو عابث لاعب. 
والثاني : اتخذوا دينهم ما هوته أنفسهم، ودعتهم الشياطين إليه، ومن اتخذ دينه بهوى نفسه وما دعته نفسه إليه، فهو عابث لاعب. 
والثالث : صار دينهم لعبا وعبثا لأنهم كانوا لا يؤمنون بالبعث. ومن لم يقصد بدينه الذي دان به عاقبة فهو عابث مبطل كقوله تعالى : أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا  الآية :{ المؤمنون : ١١٥ \] صير عدم الرجوع إليه عبثا. 
وقوله تعالى : وغرتهم الحياة الدنيا  أي شغلهم ما اختاروا من الحياة الدنيا والميل إليها عن النظر في الآيات والبراهين والحجج، أو أن يكون قوله : وغرتهم  أي اغتروا بالحياة الدنيا ؛ أضاف[(٤)](#foonote-٤) التغرير إلى الحياة الدنيا لما بها اغتروا، والله أعلم. 
وقوله تعالى : وذكر به أن تبسل نفس بما كسبت  قيل  وذكر به  قبل  أن تبسل نفس بما كسبت  وإنما يذكرهم بهذا لئلا يقولوا غدا : إنا كنا عن هذا غافلين  \[ الأعراف : ١٧٢ \] وأصل الإبسال الإهلاك أو الإسلام للجناية والهلاك. ثم اختلف في قوله : أن تبسل نفس بما كسبت  :
عن ابن عباس \[ رضي الله عنه أنه \][(٥)](#foonote-٥) قال : أن تفضح نفس بما كسبت. وقيل  تبسل  تؤخذ، وتحبس، وهو قول قتادة، وكذلك قال في قوله تعالى : أبسلوا بما كسبوا . وعن ابن عباس رضي الله \[ أنه قال \][(٦)](#foonote-٦)  أبسلوا  أي فضحوا على ما قال في  تبسل . وعن الحسن \[ أنه قال \][(٧)](#foonote-٧) : تبسل  أي تسلم للهلكة. وعن الكيساني :\[ أنه قال \][(٨)](#foonote-٨)  تبسل  تجزى  نفس بما كسبت . وقال الفراء : تبسل  توهن. 
وأصل الإبسال هو الإسلام ؛ وتفسيره ما ذكر على إثره، وهو قوله تعالى : ليس لها من دون الله ولي ولا شفيع  كما يكون بعضهم شفيعا لبعض في الدنيا وأعوانا لهم وأنصارا في دفع المضار أو المظالم عنهم وجر المنافع إليهم. وأما في الآخرة فإن كل نفس تسلم بما كسبت/ ١٥١-ب/ لا شفيع لها، ولا ولي كقوله تعالى : يوم يفر المرء من أخيه  \[ عبس : ٣٤ \] وكقوله تعالى : وقال الذين اتبعوا لو أن لنا كرة  \[ البقرة : ١٦٧ \] وغير ذلك من الآيات تسلم كل نفس إلى كسبها ؛ لا شفيع لها، ولا ولي. 
وقوله تعالى : وذكر به  يحتمل بالقرآن والآيات. ويحتمل  به  أي بالله، أي عظ به \[ قبل \][(٩)](#foonote-٩) أن تهلك  نفس بما كسبت . 
وقوله تعالى : وإن تعدل كل عدل لا يؤخذ منها  اختلف فيه : قال بعضهم : العدل الفداء، يقول : وإن فدت نفس كل الفداء لتتخلص مما حمل بها لم يؤخذ، ولم يقبل منها ذلك. وقال الحسن : العدل كل عمل البر والخير، أي وإن عملت كل عمل البر والخير من الفداء والتوبة لم يقبل منها ذلك. 
يخبر أن الدار الآخرة ليست بدار العمل، ولا يقبل فيها الرشا كما تقبل في الدنيا. وأخبر ألا يكون شفعاء، يشفعون[(١٠)](#foonote-١٠) لهم، ولا أولياء ينصرونهم. ليست[(١١)](#foonote-١١) كالدنيا ؛ لأن من أصابه في هذه الدنيا شيء، أو حل به عذاب أو غرامة فإنما يدفع بإحدى هذه الخلال : إما[(١٢)](#foonote-١٢) بشفعاء يشفعونه وإما[(١٣)](#foonote-١٣) بأولياء ينصرونه وإما[(١٤)](#foonote-١٤) بالرشا. 
فأخبر أن الآخرة ليست بدار تقبل فيها الرشا، فتدفع ما حل بهم، أو أولياء ينصرونهم في دفع ذلك، أو شفعاء يشفعونهم. فإن قيل : ما معنى ذكر العدل والفداء، وليس عنده ما يفدي وما يبذل وما يمكن من العمل ؟ قيل : معناه، والله أعلم، أي لو مكن لهم من الفداء ما يفدون في دفع ذلك عن أنفسهم، ومكن لهم من العمل ما لو عملوا، لم يقبل ذلك منهم. 
وقوله تعالى : لهم شراب من حميم  قيل : الحميم هو ماء حار، ينتهي حره، يغلي ما في البطن إذا وصل إليه، فيشبه أن يكون لهم من الشراب ما ذكر لو تناولوا في الدنيا من الشراب المحرم، فكان لهم في الآخرة الحميم مكان ذلك والعذاب الأليم لما أعطوا أنفسهم في الدنيا من الشهوات واللذات جزاء ذلك.

١ - ساقطة من الأصل وم..
٢ - في الأصل وم: اتخذوا..
٣ - في الأصل وم: عندهن..
٤ - أدرج بعدها في الأصل: إلى..
٥ - ساقطة من الأصل وم..
٦ - ساقطة من الأصل وم..
٧ - ساقطة من الأصل وم..
٨ - ساقطة من الأصل وم..
٩ - ساقطة من الأصل وم..
١٠ - في الأصل وم: فيشفعون..
١١ - في الأصل وم: ليس..
١٢ - في الأصل وم: وإما..
١٣ - في الأصل وم: أو..
١٤ - في الأصل وم: أو..

### الآية 6:71

> ﻿قُلْ أَنَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُنَا وَلَا يَضُرُّنَا وَنُرَدُّ عَلَىٰ أَعْقَابِنَا بَعْدَ إِذْ هَدَانَا اللَّهُ كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ فِي الْأَرْضِ حَيْرَانَ لَهُ أَصْحَابٌ يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى ائْتِنَا ۗ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَىٰ ۖ وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ [6:71]

الآية ٧١ وقوله تعالى : قل أندعوا من دون الله ما لا ينفعنا ولا يضرنا  يحتمل هذا وجوها :
\[ أحدها \][(١)](#foonote-١) : أن يكون أولئك الكفرة دعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين إلى عبادة الأصنام التي كانوا يعبدونها، فقال عند ذلك : أنعبد من دون الله ما لا ينفعنا، ولا يضرنا بعدما عبدنا الله الذي يملك نفعنا وضرنا. 
والثاني[(٢)](#foonote-٢) : كان أهل الكفر يدعون أهل الإسلام إلى عبادة الأوثان التي كانوا يعبدونها إما طمعا بشيء يبذلونه[(٣)](#foonote-٣) ليرجعوا إلى عبادة الأصنام عن عبادة \[ الله وإما \][(٤)](#foonote-٤) تخويفا منهم لهم. فقال : قل  يا محمد  قل أندعوا من دون الله ما لا  يملك نفعنا، إن عبدناه، ولا يملك ضرنا، إن تركنا عبادته. 
وعن[(٥)](#foonote-٥) ابن عباس رضي الله عنه \[ أنه قال \][(٦)](#foonote-٦)  قل أندعوا من دون الله ما لا ينفعنا ولا يضرنا  هذا مثل ضربه الله للأصنام التي عبدوها دون الله ومن يدعو إليها، وللدعاة الذين يدعون إلى الله وإلى عبادته كمثل رجل ضل به الطريق ؛ فإنه ضال، إذا ناداه مناد : يا فلان ابن فلان، هلم إلى الطريق. 
وقوله تعالى : ونرد على أعقابنا  في الكفر والشرك  بعد إذ هدانا الله كالذي استهوته الشياطين في الأرض حيران له أصحاب  يقول : مثلهم، إن كفروا بعد الإيمان، كمثل رجل كان مع قوم على الطريق، فضل الطريق، فحيرته الشياطين في الأرض، وأصحابه على الطريق، فجعلوا يدعونه إليهم ؛ يقولون  ائتنا  فإنا على الطريق. قال : فلم يأتهم. فذلك مثل من تبعكم بعد المعرفة بمحمد. ومحمد صلى الله عليه وسلم هو الذي يدعوهم إلى الطريق، وهو الهدى. 
ويحتمل أن يكون المثل الذي ضربه من وجه آخر ؛ وهو أن مثل هؤلاء كمثل من كان في بعض المفاوز والبراري، فضل الطريق، فذهب به الغيلان حتى أوقعوا في الهلكة، وهو الذي تقدم ذكره. 
ويشبه أن يكون قوله : كالذي استهوته الشياطين في الأرض حيران له أصحاب يدعونه إلى الهدى ائتنا  أنه ما من أحد من مشرك ومؤمن إلا وله أصحاب يدعونه. أما المؤمن فله أصحاب من الملائكة  يدعونه إلى الهدى  والكافر \[ تدعوه الشياطين \][(٧)](#foonote-٧) إلى الشرك. هذا أشبه أن يحمل عليه. 
لكن أهل التأويل حملوا على ما ذكرنا ؛ قال قتادة : هذه خصومة، علمها الله محمدا يخاصم بها أهل الشرك ؛ لأن سورة الأنعام نزل أكثرها في محاجة أهل الشرك. قال ابن عباس رضي الله عنه : استهوته : أضلته. قال أبو عوسجة : أي ذهبت به، استهوته، وأهوته، واحد، أي دعته إلى الهلكة، وقيل : أضلته. 
وقوله تعالى : ونرد على أعقابنا  أي نرجع عن الإيمان إلى الشرك بعد أن هدانا الله. 
وقوله تعالى : قل إن هدى الله هو الهدى  قيل : بيان الله هو الهدى[(٨)](#foonote-٨)، وقيل : إن دين الله، هو الهدى[(٩)](#foonote-٩). 
وقوله تعالى : وأمرنا لنسلم لرب العالمين  قيل : هذا صلة قوله : قل أندعوا من دون الله ما لا ينفعنا ولا يضرنا ونرد على أعقابنا بعد إذ هدانا الله كالذي استهوته الشياطين في الأرض حيران له أصحاب يدعونه إلى الهدى ائتنا قل إن هدى الله هو الهدى وأمرنا لنسلم لرب العالمين .

١ - في الأصل وم: يحتمل..
٢ - في الأصل وم: أو..
٣ - في الأصل وم: يبذلونهم..
٤ - في الأصل: أو، في م: الله أو..
٥ - هذا هو الوجه الثالث..
٦ - ساقطة من الأصل وم..
٧ - في الأصل وم: يدعونه..
٨ -في الأصل وم: البيان.
٩ - أدرج بعدها في الأصل وم: وهو الدين..

### الآية 6:72

> ﻿وَأَنْ أَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَاتَّقُوهُ ۚ وَهُوَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ [6:72]

الآية ٧٢ \[ وقوله تعالى \][(١)](#foonote-١) : وأن أقيموا الصلاة واتقوه  وقال بعضهم : ليس على الصلة، ولكن على الابتداء  وأمرنا لنسلم لرب العالمين  وقل لهم : وأن أقيموا الصلاة واتقوه وهو الذي إليه تحشرون  قد ذكرنا.

١ - في الأصل وم: و..

### الآية 6:73

> ﻿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ ۖ وَيَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ ۚ قَوْلُهُ الْحَقُّ ۚ وَلَهُ الْمُلْكُ يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ ۚ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ ۚ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ [6:73]

الآية ٧٣ وقوله تعالى : وهو الذي خلق السماوات والأرض بالحق  قيل : قوله : بالحق  أي  خلق السماوات والأرض بالحق  لم يخلقها باطلا كقوله سبحانه : وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما باطلا  \[ ص : ٢٧ \] قيل : لم يخلقهما باطلا، ولكن خلقهما بالحق. 
**وهو يحتمل وجوها :**
\[ أحدها \][(١)](#foonote-١) : قيل : خلقهما للعاقبة لأن كل أمر لا عاقبة له، هو باطل، ليس بحق ؛ فإنما خلق السماوات والأرض وما بينهما للعاقبة، وذلك لأمر عظيم كقوله تعالى : ليوم عظيم   يوم يقوم الناس لرب العالمين  \[ المطففين : ٥ و ٦ \]. 
وقيل[(٢)](#foonote-٢) : قوله تعالى : بالحق  أي خلقهما ليمتحن فيهما ولمحنة سكانهما، لم يخلقهما لغير شيء. 
وقيل[(٣)](#foonote-٣) : بالحق  أي خلقهما بالحكمة ؛ من نظر فيهما، وتدبر لدلالة[(٤)](#foonote-٤) على أن لهما خالقا ومدبرا أو لدلالة[(٥)](#foonote-٥) على أن مدبرهما ومنشئهما واحد، فإذا كان كذلك فكان خلقهما  بالحق  بالحكمة والعلم. 
وقوله تعالى : ويوم يقول كن فيكون  \[ فيه وجوه :
أحدها :\][(٦)](#foonote-٦) قد ذكرنا أن قوله : كن  هو أوجز كلام في لسان العرب ؛ يعبر به، فيفهم[(٧)](#foonote-٧) منه، لا أن كان من الله كاف أو نون، لكنه ذكره[(٨)](#foonote-٨) والله أعلم، ليعلموا أن ليس على الله في الإحياء والإنشاء بعد الموت مؤنة كما لم يكن على الخلق في التكلم ب  كن مؤنة، ولا يصعب عليهم ذلك. فعلى ذلك ليس على الله في البعث بعد الموت مؤنة ولا صعوبة. 
والثاني : ذكر هذا لسرعة نفاذ البعث كقوله تعالى : ما خلقكم ولا بعثكم إلا كنفس واحدة  أخبر أن خلقهم[(٩)](#foonote-٩) وبعثكم ليس إلا كخلق نفس واحدة وبعث نفس واحدة، وكقوله تعالى : وما أمر الساعة إلا كلمح البصر أو هو أقرب  \[ النحل : ٧٧ \] يخبر لسعة نفاذ[(١٠)](#foonote-١٠) الساعة وبعثهم ؛ وذلك أن الرجل قد يلمح البصر، وهو لا يشعر به. فعلى ذلك القيامة، قد تقوم، وهم لا يشعرون. 
والثالث : يذكر هذا، والله أعلم، أن البعث بعد الموت \[ هو إحياء \][(١١)](#foonote-١١)، والإحياء إعادة، وإعادة الشيء عندهم أهون من ابتداء إنشاء. وعلى ذلك يخرج قوله تعالى : وهو أهون عليه  \[ الروم : ٢٧ \] أي هو أهون عليه عندهم. 
وقوله تعالى : قوله الحق  يحتمل  قوله الحق  أي البعث بعد الموت حق على ما أخبر، ويحتمل  قوله الحق  أي ذلك القول منه حق، يكون كما ذكر. 
وقوله تعالى : وله الملك  ملك ذلك اليوم كقوله تعالى : لمن الملك اليوم لله الواحد القهار  \[ غافر : ١٦ \]. وكقوله تعالى : الملك يومئذ لله  \[ الحج : ٥٦ \] ذكر هذا، والله أعلم، لما \[ لا ينازعه \][(١٢)](#foonote-١٢) أحد في ملك ذلك اليوم، وقد نازعه الجبابرة في الملك في الدنيا، وإن لم يكن لهم ملك ولا ألوهية[(١٣)](#foonote-١٣). 
ويحتمل قوله تعالى : وله الملك  أي ملك جميع الملوك له في الحقيقة كقوله تعالى : قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء  \[ آل عمران : ٢٦ \]. 
وقوله تعالى : يوم ينفخ في الصور  قال بعضهم : النفخ هو الروح، والروح من الريح، والروح إنما يدخل \[ كقوله تعالى \][(١٤)](#foonote-١٤) : فنفخنا فيه من روحنا  \[ التحريم : ١٢ \] وقال بعضهم : لا يكون هناك/١٥٢-أ/ في الحقيقة نفخ، ولكن يذكره[(١٥)](#foonote-١٥) لسرعة نفاذ الساعة ؛ لأن الرجل قد يتنفس، وهو لا يشعر به، فذكر هذا لسرعة نفاذ الساعة، لأنه ليس شيء أسرع جريانا ونفاذا من الريح. وقال بعضهم : هو على حقيقة النفخ، وهو ما ذكرنا. 
وقوله تعالى : عالم الغيب  أي يعلم ما يغيب الخلق بعضهم عن بعض  والشهادة  ما يشهد بعضهم بعضا. ويحتمل  عالم الغيب  أي يعلم ما يكون، إذا كان كيف كان ؟ أو يعلم وقت كونه  والشهادة  ما كان، وشوهد. يخبر أنه لا يغيب عنه شيء، ولا يغرب منه  وهو الحكيم  في خلق السماوات والأرض وخلق ما فيها.  وهو الحكيم  في بعثهم. والحكيم هو واضع الشيء موضعه.  الخبير  بكل شيء.

١ - في الأصل وم: البيان..
٢ - هذا هو الوجه الثاني..
٣ - هذا هو الوجه الثالث..
٤ من م في الأصل: له لاه..
٥ - من م، في الأصل: له لاه..
٦ - ساقطة من الأصل وم..
٧ - من م، في الأصل: فيهم..
٨ - في الأصل وم: ذكر..
٩ - في الأصل وم: قولهم..
١٠ - من م، في الأصل: فنفاذ.
١١ - ساقطة من الأصل وم..
١٢ -من م، في الأصل: يتنازعه..
١٣ - من م، في الأصل: ألوهيته..
١٤ - ساقطة من الأصل وم..
١٥ - في الأصل وم: يذكر..

### الآية 6:74

> ﻿۞ وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا آلِهَةً ۖ إِنِّي أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ [6:74]

الآية ٧٤ وقوله تعالى : وإذ قال إبراهيم لأبيه آزر  قيل : آزر هو اسم أبي إبراهيم عليه السلام والحسن يقرأ : آزر بالرفع[(١)](#foonote-١)، ويجعله اسم أبيه. وقال آخرون : هو اسم صنم، فهو على التقديم والتأخير كأنه قال : وإذ قال إبراهيم لأبيه أتتخذ آزر أصناما آلهة ؟ 
وقوله تعالى : أتتخذ  استعظاما لما يعبد من الأصنام دون الله ؛ لأن مثل هذا إنما يقال على العظيم من الفعل. وقال أبو بكر الكيساني : قوله : آزر  قيل : هو اسم عبث عندهم كأنه قال : يا ضال أتتخذ أصناما آلهة ؟ كقول الرجل لآخر : يا ضال. وليس لنا إلى معرفة ذلك حاجة \[ أن \][(٢)](#foonote-٢) كان اسم أبيه أو اسم صنم. 
وفي الآية دلالة أن أباه كان من رؤساء قومه بقوله : إني أراك وقومك في ضلال مبين  وفيه دلالة أن لا بأس للرجل أن يشتم أباه لمكان ربه ؛ لأن إبراهيم عليه السلام سماه ضالا. وفيه دلالة أن الإيمان والتوحيد يلزم أهل الفترة لأن إبراهيم عليه السلام سماهم ضلالا، \[ وجعل ضلالهم \][(٣)](#foonote-٣) لا شك فيه، ولا شبهة ؛ وهو ما ذكر في آية أخرى حين[(٤)](#foonote-٤) عبد ما ذكر بقوله[(٥)](#foonote-٥) : ِ  يا أبت لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغني عنك شيئا  \[ مريم : ٤٢ \] هذا الضلال البين.

١ - انظر معجم القراءات القرآنية ج ٢/٢٨٣.
٢ - ساقطة من الأصل وم..
٣ - ساقطة من الأصل وم..
٤ - في الأصل وم: حيث..
٥ - في الأصل وم: حيث قال..

### الآية 6:75

> ﻿وَكَذَٰلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ [6:75]

الآية ٧٥ وقوله تعالى : وكذلك نرى إبراهيم  ذكر  وكذلك  والله أعلم، على معنى كما أريناك  ملكوت السماوات والأرض  والآيات. كذلك كنا أرينا إبراهيم. و نري  بمعنى أرينا، وذلك جائز في اللغة. وكذلك لا تذكر إلا على تقدم شيء. لكن الوجه فيه ما ذكرنا : كما أريناك من السماوات والأرض من الآيات والحجج والبراهين كذلك كنا أرينا إبراهيم. 
وقوله تعالى : ملكوت السماوات والأرض  اختلف فيه : قال بعضهم : سلطان السماوات والأرض، وقيل : الشمس والقمر والكواكب، وقيل : فرجت له السماوات السبع حتى نظر إلى ما تحت العرش، وما فيهن، وكذلك فرجت له الأرضون حتى رأى ما فيهن، وقيل : ملكوت السماوات والأرض  خبئ إبراهيم، صلوات الله عليه، من الجبابرة في سرب، فجعل الله في أصابعه رزقا، فإذا مص إصبعا من أصابعه وجد منها رزقا، فلما خرج أراه الله الشمس والقمر، فكان ذلك  ملكوت السماوات والأرض  وملكوت الأرض الجبال والبحار والأشجار. وقيل : نظر إلى ملك الله فيها حتى نظر إلى مكانه، ورأى الجنة، وفتحت له الأرضون حتى نظر إلى أسفل الأرضين، فذلك قوله تعالى : وآتيناه أجره في الدنيا  \[ العنكبوت : ٢٧ \] قيل[(١)](#foonote-١) : أري مكانه في الجنة، وقيل : أجره الثناء الحسن. 
وقال أبو عوسجة : ملكوت السماوات والأرض من الملك، وكذلك قال أبو عبيد، وهو كجبروت ورحموت ورهبوت، فكذلك ملكوت، وأصله ما ذكر من الآيات والعجائب، والله أعلم. 
وقوله تعالى : وليكون من الموقنين  الإيقان بالشيء هو العلم بالشيء حقيقة بعد الاستدلال والنظر فيه والتدبر. ولذلك لا يوصف الله باليقين، ولا يجوز لله أن يقال : موقن لما ذكرنا : هو العلم الذي يعقب[(٢)](#foonote-٢) الاستدلال وذلك منهي عنه. 
وقوله تعالى : وكذلك نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض وليكون من الموقنين  وقيل في قوله تعالى : وكذلك نري إبراهيم  أي كما أريناك[(٣)](#foonote-٣) ملكوت ما ذكر، فقوله : نري بمعنى أرينا. 
وقوله تعالى : وكذلك  له وجهان :
أحدهما : أنه كما أريناك ما أيقنت به أن الربوبية لله، وأنه الواحد لا شريك له من الآيات والأدلة، أراه أيضا ما ذكر حتى أيقن. فهو، والله أعلم، على التسوية بين الأسباب الدالة[(٤)](#foonote-٤) على الوحدانية لله، والربوبية في المعنى، وإن كانت بأنبائها[(٥)](#foonote-٥) مختلفة، وعلى أن طريق المعرفة الاستدلال بما أنشأ الله من الدلالة لا السمع والحس، وإن كان في حجة السمع تأكيد. 
والثاني : أن يكون يريه على ما أظهر من الحجج على قومه، وهو كقوله تعالى : وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم على قومه  \[ الأنعام : ٨٣ \] وأعطاه ما أراه، وأشعر قلبه من الحجج التي ألزم قومه بما أنطق بها الله عز وجل بلسانه، يلزم حججه خلقه، والله الموفق. 
\[ وقوله تعالى \][(٦)](#foonote-٦) : ملكوت السماوات والأرض  الملك في الحقيقة من الوجه الذي يكون آية للإيقان ودليلا للإحاطة بالحق. ثم اختلف في وجه ذلك. 
فمنهم من قال : هم ما أري بصره ؛ أعني بصر الوجه نحو الذي ذكر من فتح السماء حتى أري ما فيها من العجائب والآيات إلى العرض أو \[ حين مد \][(٧)](#foonote-٧) الأرض حتى رأى ما فيها من أنواع الخلق إلى الثرى أو حيث بلغ. 
ومنهم من قال : رفع السماء حتى كانت الأرض بمن فيها رأي العين، وكان له صلى الله عليه وسلم مثل هذا من الأمور نحو أمر الناس بالهجرة[(٨)](#foonote-٨). إلى حيث لا ضرع، ولا زرع، وما جعل رزقه في أصابعه، وأمر بلوغ صوته في قوله تعالى : وأذن في الناس بالحج  \[ الحج : ٢٧ \] أن كان ما سمع منه، والله أعلم. 
ومنهم من قال هو ما أري بصر قلبه من وجوه البر وأنواع الأدلة عند التأمل في خلق الله بالكفر من غيره[(٩)](#foonote-٩) إن كان في الخلق تغير على الأحوال التي كانت عليه. وهو أحق بأن[(١٠)](#foonote-١٠) يكون له في الذي كان كفاية عن حدوث أحوال تدل \[ على أنها \][(١١)](#foonote-١١) حجج الله يستدل \[ بها على قوله \][(١٢)](#foonote-١٢) من الوجه الذي جعل لجميع الخلق لا من جهة خصوص الآيات. فثبت أن ذلك كان له بهذا الوجه. 
ثم هو يخرج على وجوه : منها ما رأى من تسخير القمر والشمس والنجوم وقطعها في كل يوم وليلة أطراف السماء والأرض جميعا ومسيرها فوق الأرض إلى أن يعود كل إلى مطلعه ؛ يسير كل ذلك ما فوق الأرض إلى السماء. 
ومنها[(١٣)](#foonote-١٣) استواء أحوال ذلك على ما عليه حد في كل عام وشهر لا يزداد، ولا ينقص، ولا يتقدم، ولا يتأخر، مع عظيم ما بها من المنافع لأنواع دواب الأرض والطير جميعا ما يوقن كل متأمل أن مثل هذا لا يعمل بالطباع إلا أن يكون له مدبر حكيم، جعله بذلك[(١٤)](#foonote-١٤) الطبع، وسواه على ما شاء من الحد، وألا يسبق الأمر على التدبر والحكمة إلا أن يكون مدبر ذلك بحيث لا يحتاج إلى معين، ولا يجوز أن يكون له منه منافع. 
ثم[(١٥)](#foonote-١٥) هو بذاته عليم قدير على ما في الأرض من تدبير الليل والنهار ؛ يتعاقبان أبدا، ويسيران ؛ يقهران ما فيها من الجبابرة والفراعنة حتى إن اجتهد جمع أهل الأرض على زيادة أو نقصان أو تقديم أو تأخير لما لهم من الحاجة أو بما فيهم من القوة والقدرة مع معونة الجمع لهم في ذلك لما تهيأ[(١٦)](#foonote-١٦) لهم، ولا بلغ توهم أحد من احتمال ذلك ؛ حتى يصير عند وجود كل كأن الآخر لم يكن قط، ثم عند العود إليهم كأنه لم يفارقهم قط مع ما لجميع أهل الأرض بهما من المنافع، وعليهم منهما[(١٧)](#foonote-١٧) أنواع مضار، ولهما سلطان على أعمالهم[(١٨)](#foonote-١٨) على ما فيهما من التسخير والتذليل الذي كل مقهور بالآخر، إذا جاء سلطانه، وبلغ حده، وليس في واحد منهما امتناع من قهر الآخر، وإن كان هو الظاهر القوي جريا جميعا على حد واحد وسنن/ ١٥٢-ب/ واحدة، ولا على ما دل عليه الأولى مع ما فيهما من أثر البعث أمر[(١٩)](#foonote-١٩) ظاهر، لا يحتمل أن يجهله إلا سفيه معاند، والله أعلم. 
ثم النور والظلمة والظل ونحوه ذلك الذي ينبسط بساعة على جميع أطراف السماء والأرض ؛ يستر واحد كل شيء، ويبدي آخر عن كل شيء، ويحيط الثالث بكل شيء. ثم تعلق منافع الأهل بها على اختلافها بالسماء والأرض على تباعد ما بينهما وبالسهل والجبل والبحر والبر على تضاد معانيها. 
وعلى ذلك جميع الأمور ؛ فكان صلى الله عليه وسلم بما أري من المعنى وغيره من الموقنين أن لا إله إلا الله، وجه إليه نفسه، وأن كل شيء، نسب إليه الألوهية، محال أن يكون منه[(٢٠)](#foonote-٢٠)، أو له إمكان ذلك، ولا قوة إلا بالله.

١ - في الأصل وم: قال..
٢ - في الأصل وم: يعقبه..
٣ - في الأصل وم: إنبائك..
٤ - في الأصل وم: الدلالة..
٥ - في الأصل وم : لإنبائها..
٦ - ساقطة من الأصل وم..
٧ - في الأصل وم: حيث قدر..
٨ - في الأصل وم: الهجرة..
٩ - في الأصل وم: غير..
١٠ - في الأصل وم: من أن..
١١ - في الأصل وم: إذ هو..
١٢ - في الأصل وم: على قومه..
١٣ - في الأصل وم: و، وهو الوجه الثاني..
١٤ - في الأصل وم: ذلك..
١٥ - هذا هو الوجه الثالث..
١٦ - في الأصل وم: يتهيأ..
١٧ - في الأصل وم: فيها..
١٨ - في الأصل وم: أعمارهم..
١٩ - في الأصل وم: أمرا..
٢٠ - في الأصل وم: فيه..

### الآية 6:76

> ﻿فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَىٰ كَوْكَبًا ۖ قَالَ هَٰذَا رَبِّي ۖ فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ [6:76]

الآيات ٧٦-٧٩ وقوله تعالى : فلما جن عليه الليل  إلى قوله : من المشركين  تكلموا في تأويل الآية على أوجه ثلاثة :
فمنهم من جعل الأمر على ما عليه الظاهر أنه عارف بربه حق المعرفة إلى أن عرف من الوجه الذي بان له عند الفراغ من آخر ما نسب إليه الربوبية أنه لا يعرف من جهة درك الحواس ووقوعها عليه، ولكن من جهة الآيات وآثار العقل، فقال : إني وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض  الآية \[ الأنعام : ٧٩ \]. 
لكن أهل هذا القول اختلفوا على وجوه ثلاثة :
أحدها : ما روي في التفسير أنه ربي في السرب، ولم يكن نظر إلى شيء من خلق السماء، فنظر من[(١)](#foonote-١) باب السرب في أول الليل، فرأى الزهرة بضوئها وتلألئها، وكان في علمه أنه له ربا، وأنه يرى، فلم ير أضوأ[(٢)](#foonote-٢) منها ولا أنور، فقال : هذا ربي فلما أفل  وله علم أن الرب دائم، لا يزول، فقال : لا أحب الآفلين  بمعنى : ليس هذا برب كقولهم[(٣)](#foonote-٣)  سبحانك ما كان ينبغي لنا أن نتخذ من دونك من أولياء  \[ الفرقان : ١٨ \] أي ليس لنا، وقول عيسى حين[(٤)](#foonote-٤)  قال سبحانك ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحق  \[ المائدة : ١١٦ \] بمعنى : ما قلت ذلك. 
ولكن أهل التفسير حملوا الأفول على غيبوبته بنفسه، وهو عندنا على غيبوبته بسلطان[(٥)](#foonote-٥) القمر، وقهر سلطان القمر، لما طلع سلطان النجم. 
وعنده أن الرب لا يقهر، وأن سلطانه لا يزول. وعلى ذلك أمر القمر والشمس بظلمة الليل. وفي ذلك أنه لو كان عنده أن الرب لا يقهر، وأن سلطانه لا يزول، وأنه لا يرى، لأنكر من ذلك الوجه أن يكون ربه، بل أقر به، وأنكر الأفول والزوال. وهذا ينقض قول من يصفه بالزوال والانتقال من حال إلى حال. 
ومنهم[(٦)](#foonote-٦) من يقول : كان هذا منه في وقت، لم يكن جرى عليه القلم، سمع الخلق يقولون[(٧)](#foonote-٧) في خلق السماء والأرض ونحو ذلك، وينسبون ذلك إلى الله. وعلى ذلك أمر جميع أهل الشرك كقوله تعالى : ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض وسخر الشمس والقمر ليقولن الله  \[ العنكبوت : ٦١ و. . \] وقوله تعالى : لمن الأرض  إلى قوله  ما اتخذ الله من ولد  \[ المؤمنون : ٨٤-٩١ \] ثم رآهم عبدوا الأصنام، وسموها آلهة، فتأمل، فوجدها لا تسمع، ولا تبصر، ولا تنفع، ولا تضر، فعلم[(٨)](#foonote-٨) أن مثلها لا يحتمل أن يكون يخلق ما ذكرت، وإن الذي ذلك فعله لعلي عظيم، يجب طلب معرفته من العلو بما كان يسمع نسبة الملائكة إلى السماء ونزول الغيث منها ومجيء النور والظلمة وكل أنواع البركات وغيرها منها. فصرف تدبير الطلب الذي نسب إليه الخلق إليها، ثم أول ما أخذ في التأمل والنظر لم يقع بصره على أحسن وأبهى من الذي ذكر، فظن ذلك. 
ثم لما قهر، وقد كان علم بأن خالق من ذكر لا يجوز أن يقهر، فمن ذلك علم أنه ليس هو، وقال :\[  لئن لم يهدني ربي لأكونن من القوم الضالين  \][(٩)](#foonote-٩)إلى أن قهر الليل ضوء الشمس، أو صارت بحيث لا يجري له السلطان، أو رأى في الكل آثار التسخير والتذليل، ولم ير فيها أعلام من له الأمر والخلق، فعلم أن الرب لا يدرك من ذلك الوجه، ولا يعرف من جهة الحواس، فرجع إلى ما سمع من أنه خلق السماوات والأرض، فوجه نفسه إليه بالعبودية، واعترف له بالربوبية بما في الخلق من آثار ذلك وفي القول من تسمية من له الخلق ربا وإلها، فآمن به. وذلك كان أول أحوال احتماله علم الاستدلال وبلوغه المبلغ الذي من بلغه يجري عليه الخطاب، ولا قوة إلا بالله. 
ومنهم[(١٠)](#foonote-١٠) من قال : إنه كان بالغا قد جرى عليه القلم، وقد كان رأى ما ذكر غير مرة، لكن الله لما أراد أن يهديه ألهمه ذلك، وألقى في نفسه، فانتبه الإنسان بشيء كان عنه غافلا من قبل، فرأى كوكبا أحمر يطلع عند غروب الشمس، فراعاه إلى أن أفل، فأراد من الله قربة، وعلم أن ربه لا يزول، ولا يتغير، ففزع إليه، وقال : لا أحب الآفلين  وكذا ذكر في القمر والشمس إلى أن عرفه الله، فتبرأ[(١١)](#foonote-١١) مما كانوا يشركون، وتوجه[(١٢)](#foonote-١٢) بالتوحيد والعبادة إليه. 
وإلى هذا التأويل ذهب الحسن، وإلى الأول \[ ما \][(١٣)](#foonote-١٣) روي عن ابن عباس رضي الله عنه. 
والثاني : قال به جماعة أهل الكلام، ونحن نتبرأ إلى أن نجعله رجلا بالغا جرى عليه القلم، وهو كان عن الله بهذه الغفلة حتى يتوهمه في معنى نجم أو قمر أو شمس مع ما يرى فيها الظهور بعد أن لم يكن والأفول[(١٤)](#foonote-١٤) بعد الوجود ثم آثار التسخير والعجز عن التدبير بما هو في جهد وبلاء ومن له يعمل في راحة وسرور. ثم \[ لا \][(١٥)](#foonote-١٥) يرى في شيء من العالم أن[(١٦)](#foonote-١٦) له معنى يدل على رجوع التدبير، فيتحقق له القول بذلك، والله يصفه بقوله : إذ جاء ربه بقلب سليم  \[ الصافات : ٨٤ \] وقيل : سليم  من الشرك، لم يشبه شيء. 
وقال : وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم على قومه  \[ الأنعام : ٨٣ \] وما يذكرونه إنما أتاه على نفسه ؛ إذ هو في الغفلة عنها والجهل بمن له الآيات، وقد قال أيضا : وكذلك نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض  \[ الأنعام : ٧٥ \] ومعلوم أن ذلك على معاينة أو ذلك قد أري كلا منا. 
ولكن على ما بينت من الوجهين، وفيهما حقيقة، وليس في قوله تعالى : وليكون من الموقنين  دلالة للشك في الابتداء والجهل في الحال التي يحتمل به عز وجل ولكن على أنه على ذلك الوجه يكون الإيقان بمن لا تقع عليه الحواس، ولا[(١٧)](#foonote-١٧) توجب علمه الضرورات، إنما هو الاستدلال بالآثار أو تلقي الأخبار ولا قوة إلا بالله. 
وذلك كقوله تعالى : الله الذي رفع السماوات بغير  \[ الرعد : ٢ \] لا عن وضع، وقوله تعالى : ويخرجهم من الظلمات إلى النور  \[ المائدة : ١٦ \] لا أن كانوا[(١٨)](#foonote-١٨) من قبل في الظلمات، وقول يوسف : إني تركت ملة قوم لا يؤمنون بالله  \[ يوسف : ٣٧ \] لا عن كون فيها. وهكذا أمر الإيمان أن يكون العبد في كل وقت موقنا بالله وأن لا إله غيره، لا عن شك في ما تقدمه من الوقت والجهل. فمثله أمر إبراهيم عليه السلام. 
والوجه الثاني : مما تكلم في التأويل أن يكون إبراهيم، صلوات الله عليه، كان مؤمنا في ذلك الوقت عارفا بربه حق المعرفة، ولكنه كلم قومه كلام مستدرج بإظهار المتابعة لهم على هواهم، فيكونون به أولى وإليه أميل. وذلك أبلغ في الحجاج وألطف في المكيدة، فيبين لهم ما[(١٩)](#foonote-١٩) أراد من غير جهة النقض والعناد، فبدأ بتعظيم ما عظموه ؛ إذ هم قوم كانوا يعظمون النجوم، وبالعلم بأمرها أخبروا نمرود بولادة من يهلك على يده هو، ويزول ملكه، وهذا كما ذكر أنه  فنظر نظرة في النجوم  \[ الصافات : ٨٨ \] في مقاييسها وعلمها نظر[(٢٠)](#foonote-٢٠) إليها، ثم قال الذي ذكر لا من حيث علم النجوم، ولكن من حيث علمه أنه يموت، ومن يموت يسقم، لكن أراهم الموافقة في العلم الذي لهم في ذلك الباب دعوى. 
فكذلك ما نحن فيه. وعلى ذلك أمر البد الذي كان يعبده[(٢١)](#foonote-٢١) قوم، عظمته \[ الحواريون الذين \][(٢٢)](#foonote-٢٢) أرسل إليهم حتى اطمأنوا، وصدروا عن تدبيره، وبلوا بعذاب[(٢٣)](#foonote-٢٣)، وكاد يحيط بهم، فدعاهم إلى دعاء البد ليكشف لهم، إذ لمثله يعبد، حتى أيسوا، فدعاهم إلى الله، فكشف عنهم، فآمنوا به. فمثله الأول. 
وإلى هذا التأويل يذهب القتبي، لكنه ذكر أنهم كانوا أصحاب نجوم وكهانة. ومن ذلك قوله : لا يعبد النجم[(٢٤)](#foonote-٢٤)، لا يراه ربا، كيف أظهر الموافقة بتسمية النجم ربا ؟ ثم النقض عليه /١٥٣-أ/ بالأفول ؟ ولكن على ذلك لو كان فإنما كان في قوم يعبدون النجوم والشمس والقمر، فألزمهم بالأفول ؛ إذ فيه تسخير وغلبة سلطان. 
وهذا الوجه يجوز أن يظهر على إضمار معنى، في نفسه مستقيم، كالمكره على عبادة صليب، يقصد قصد عبادة الله، والمكره على شتم محمد صلى الله عليه وسلم يقصد قصد محمد آخر، يصوره في وهمه ونحو ذلك. وهو على ما  قال بل فعله كبيرهم هذا فاسألوهم إن كانوا ينطقون  \[ الأنبياء : ٦٣ \] على جعل أن كانوا ينطقون شرطا في نفسه في قوله  قال بل فعله كبيرهم هذا  \[ الأنبياء : ٦٣ \] والله أعلم. 
وقيل : في الاستدراج من غير هذا الوجه على التسليم أنهم أهل كهانة[(٢٥)](#foonote-٢٥) ونجوم ؛ وهو أنه لما رآهم يعبدون الأصنام والأوثان دعاهم من طريق المقابلة، إذ هم مالوا إلى ذلك بما رأوا من حسن في المبصر بما قد زين بأنواع الزين[(٢٦)](#foonote-٢٦) وحلي بأنواع الحلي، فأراهم أنه يعبد النجم، وما ذكر[(٢٧)](#foonote-٢٧)، وأن الذي ذكر أحسن وأعظم نورا وضياء ؛ إذ هو بجوهره ونفسه كذلك، وما كانوا يعبدون بما فعلوا به، وجعلوه[(٢٨)](#foonote-٢٨) كذلك، ليكره إليهم عبادتهم الأصنام، ويستنقذهم عما اعتادوه بالمعنى الذي ذكرت، ثم ألزمهم فساد ما مالوا إليه، وقبلوا أن يقر ذلك في قلوبهم، وتطمئن إلى ذلك أنفسهم بما أظهر من فساد أن يكون الذي بذلك الوصف من التسخير أو ملكه على شرف الزوال، أو يصير بحيث يقر في قلوبهم عبادة من لا يشهدونه وقت العبادة، فيلزمهم على ذلك عبادة المستحق لها[(٢٩)](#foonote-٢٩)، أو أن يقول : إذا كانت النجوم وما ذكر من ضيائها ونورها وكثرة منافع الخلق بها لم يصلح لها الألوهية عند الجميع بالأفول والتسخير. فالذي كانوا يعبدون على ما \[ سخروه كان \][(٣٠)](#foonote-٣٠) تحت البشر ذليلا[(٣١)](#foonote-٣١)، لا يسمع، ولا يبصر، ولا ينفع، أحق ألا يكون له الروبية، وألا يوجه إليه العبودة، والله أعلم. فهذا النوع من الاستدراج في ما لو ظهر لهم[(٣٢)](#foonote-٣٢) لم يكونوا يتخذون النجوم أربابا يعبدونها، وكذلك الذي ذكره القتبي. 
والتأويل الثالث للآية يخرج مخرج الإنكار والاستهزاء. ويكون في ذلك معنى الاستدراج ؛ إذ هو الإلزام من حيث لا يشعر به أو نقض أسباب الشبه درجة فدرجة في حلول الوقت وحلول المقصود وتعاطي ذلك الابتداء بالكشف عن الأسباب. 
**ثم قيل في هذا بأوجه :**
أحدها : أنهم كانوا يعبدون النجوم وما ذكر، ويدعون إلى ذلك الأولاد والصبيان، وإبراهيم منهم في ما كانوا يدعونه إليه. فقال لما رأى النجم : هذا الذي تعبدون ربي، أي إلى عبادته تدعونني، أي هذا ربي الذي تدعونني إلى عبادته. فلما رآه طالعا سابحا غائبا ثبت عنده أنه مسخر، فقال : لا أحب عبادته. لكن ذا قد يكون في خاص نفسه متفكرا في الذي دعوه إليه ليعرف وقع قولهم من الوجه الذي يقر ذلك في القلوب إذا قابلهم. وقد يكون في ملإ منهم، يظهر لهم قوله : هذا ربي  \[ الأنعام : ٧٦و ٧٧ و ٧٨ \] على إضمار : تدعونني إليه، ليلزمهم بما بان له فساد الربوبية، فيكون استدراجا أيضا لأنه ألزمهم بعد ظهور الوفاق منه لهم، وقد يكون ذكر هذا الذي تدعونني \[ إليه \][(٣٣)](#foonote-٣٣) ربي سرا، ويهزأ بهم بإظهار الموافقة ؛ يبين لهم ذلك بما ألزمهم أن الابتداء لم يكن على المساعدة، إذ ذلك المعنى الذي به ألزم كان ظاهرا عنده في الابتداء وعندهم جميعا. 
والثاني : أن يكون قوله : هذا ربي  على ما يقال : هذا فلان الذي تخبرونني عنه، بمعنى أهذا هو ؟ على إنكار أنه ليس بالمحل الذي أخبرتموني عنه، أو على الاستفهام ليقرره عنه، أو على الوجهين كان، وقد هزئ بهم، وظهر في المتعقب أن الأول كان[(٣٤)](#foonote-٣٤) على الهزء بهم والاستفهام ؛ وذلك كقوله تعالى : خلقوا كخلقه  \[ الرعد : ١٦ \] على أنهم لم يخلقوا كخلقه، يوضح قوله : قل الله خالق كل شيء  \[ الرعد : ١٦ \] في الأول  لا أحب الآفلين . 
والثالث[(٣٥)](#foonote-٣٥) : أن يكون هذا يضمر في قوله تعالى : هذا ربي  أي رب هذا ربي إلى آخر ما ذكر، ثم رجع إليه عندهم أ

١ - في الأصل وم: عن..
٢ - في الأصل وم: ضوء..
٣ - في الأصل وم: بقوله..
٤ - في الأصل وم: حيث..
٥ - في الأصل وم: في سلطان..
٦ - هذا هو الوجه الثاني من وجوه أقوال أهل التأويل في هذه الآية..
٧ - في الأصل وم: يقول..
٨ - في الأصل وم: علم..
٩ - في الأصل وم: لمن قهر وذلك..
١٠ - هذا هو الوجه الثالث من وجوه أقوال أهل التأويل في هذه الآية..
١١ - في الأصل وم: فيتبرأ..
١٢ - في الأصل وم: ووجه..
١٣ - ساقطة من الأصل وم..
١٤ - من م، في الأصل: والأقوال..
١٥ - من م، ساقطة من الأصل..
١٦ - في الأصل وم: أو..
١٧ - في الأصل وم: ولو..
١٨ - في الأصل وم: قالوا..
١٩ - في الأصل وم: من..
٢٠ - أدرج قبلها في الأصل وم: لأنه..
٢١ - في الأصل وم: يعبدهم..
٢٢ - في الأصل وم: الحواري الذي..
٢٣ - في الأصل وم: بعد..
٢٤ - من م، في الأصل: النجوم..
٢٥ - في الأصل وم: كفاية..
٢٦ - من م، في الأصل الذي..
٢٧ - في الأصل: ذكروا..
٢٨ - في الأصل وم: وجعلوا..
٢٩ - من م، في الأصل: ما..
٣٠ - في الأصل وم: سخرهم..
٣١ - في الأصل وم: أذلاء..
٣٢ - في الأصل وم: أنهم.
٣٣ - في الأصل وم: فيه..
٣٤ - من م، في الأصل: لكان..
٣٥ -في الأصل وم: يجوز..

### الآية 6:77

> ﻿فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَٰذَا رَبِّي ۖ فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ [6:77]

نص مكرر لاشتراكه مع الآية ٧٦:الآيات ٧٦-٧٩ وقوله تعالى : فلما جن عليه الليل  إلى قوله : من المشركين  تكلموا في تأويل الآية على أوجه ثلاثة :
فمنهم من جعل الأمر على ما عليه الظاهر أنه عارف بربه حق المعرفة إلى أن عرف من الوجه الذي بان له عند الفراغ من آخر ما نسب إليه الربوبية أنه لا يعرف من جهة درك الحواس ووقوعها عليه، ولكن من جهة الآيات وآثار العقل، فقال : إني وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض  الآية \[ الأنعام : ٧٩ \]. 
لكن أهل هذا القول اختلفوا على وجوه ثلاثة :
أحدها : ما روي في التفسير أنه ربي في السرب، ولم يكن نظر إلى شيء من خلق السماء، فنظر من[(١)](#foonote-١) باب السرب في أول الليل، فرأى الزهرة بضوئها وتلألئها، وكان في علمه أنه له ربا، وأنه يرى، فلم ير أضوأ[(٢)](#foonote-٢) منها ولا أنور، فقال : هذا ربي فلما أفل  وله علم أن الرب دائم، لا يزول، فقال : لا أحب الآفلين  بمعنى : ليس هذا برب كقولهم[(٣)](#foonote-٣)  سبحانك ما كان ينبغي لنا أن نتخذ من دونك من أولياء  \[ الفرقان : ١٨ \] أي ليس لنا، وقول عيسى حين[(٤)](#foonote-٤)  قال سبحانك ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحق  \[ المائدة : ١١٦ \] بمعنى : ما قلت ذلك. 
ولكن أهل التفسير حملوا الأفول على غيبوبته بنفسه، وهو عندنا على غيبوبته بسلطان[(٥)](#foonote-٥) القمر، وقهر سلطان القمر، لما طلع سلطان النجم. 
وعنده أن الرب لا يقهر، وأن سلطانه لا يزول. وعلى ذلك أمر القمر والشمس بظلمة الليل. وفي ذلك أنه لو كان عنده أن الرب لا يقهر، وأن سلطانه لا يزول، وأنه لا يرى، لأنكر من ذلك الوجه أن يكون ربه، بل أقر به، وأنكر الأفول والزوال. وهذا ينقض قول من يصفه بالزوال والانتقال من حال إلى حال. 
ومنهم[(٦)](#foonote-٦) من يقول : كان هذا منه في وقت، لم يكن جرى عليه القلم، سمع الخلق يقولون[(٧)](#foonote-٧) في خلق السماء والأرض ونحو ذلك، وينسبون ذلك إلى الله. وعلى ذلك أمر جميع أهل الشرك كقوله تعالى : ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض وسخر الشمس والقمر ليقولن الله  \[ العنكبوت : ٦١ و.. \] وقوله تعالى : لمن الأرض  إلى قوله  ما اتخذ الله من ولد  \[ المؤمنون : ٨٤-٩١ \] ثم رآهم عبدوا الأصنام، وسموها آلهة، فتأمل، فوجدها لا تسمع، ولا تبصر، ولا تنفع، ولا تضر، فعلم[(٨)](#foonote-٨) أن مثلها لا يحتمل أن يكون يخلق ما ذكرت، وإن الذي ذلك فعله لعلي عظيم، يجب طلب معرفته من العلو بما كان يسمع نسبة الملائكة إلى السماء ونزول الغيث منها ومجيء النور والظلمة وكل أنواع البركات وغيرها منها. فصرف تدبير الطلب الذي نسب إليه الخلق إليها، ثم أول ما أخذ في التأمل والنظر لم يقع بصره على أحسن وأبهى من الذي ذكر، فظن ذلك. 
ثم لما قهر، وقد كان علم بأن خالق من ذكر لا يجوز أن يقهر، فمن ذلك علم أنه ليس هو، وقال :\[  لئن لم يهدني ربي لأكونن من القوم الضالين  \][(٩)](#foonote-٩)إلى أن قهر الليل ضوء الشمس، أو صارت بحيث لا يجري له السلطان، أو رأى في الكل آثار التسخير والتذليل، ولم ير فيها أعلام من له الأمر والخلق، فعلم أن الرب لا يدرك من ذلك الوجه، ولا يعرف من جهة الحواس، فرجع إلى ما سمع من أنه خلق السماوات والأرض، فوجه نفسه إليه بالعبودية، واعترف له بالربوبية بما في الخلق من آثار ذلك وفي القول من تسمية من له الخلق ربا وإلها، فآمن به. وذلك كان أول أحوال احتماله علم الاستدلال وبلوغه المبلغ الذي من بلغه يجري عليه الخطاب، ولا قوة إلا بالله. 
ومنهم[(١٠)](#foonote-١٠) من قال : إنه كان بالغا قد جرى عليه القلم، وقد كان رأى ما ذكر غير مرة، لكن الله لما أراد أن يهديه ألهمه ذلك، وألقى في نفسه، فانتبه الإنسان بشيء كان عنه غافلا من قبل، فرأى كوكبا أحمر يطلع عند غروب الشمس، فراعاه إلى أن أفل، فأراد من الله قربة، وعلم أن ربه لا يزول، ولا يتغير، ففزع إليه، وقال : لا أحب الآفلين  وكذا ذكر في القمر والشمس إلى أن عرفه الله، فتبرأ[(١١)](#foonote-١١) مما كانوا يشركون، وتوجه[(١٢)](#foonote-١٢) بالتوحيد والعبادة إليه. 
وإلى هذا التأويل ذهب الحسن، وإلى الأول \[ ما \][(١٣)](#foonote-١٣) روي عن ابن عباس رضي الله عنه. 
والثاني : قال به جماعة أهل الكلام، ونحن نتبرأ إلى أن نجعله رجلا بالغا جرى عليه القلم، وهو كان عن الله بهذه الغفلة حتى يتوهمه في معنى نجم أو قمر أو شمس مع ما يرى فيها الظهور بعد أن لم يكن والأفول[(١٤)](#foonote-١٤) بعد الوجود ثم آثار التسخير والعجز عن التدبير بما هو في جهد وبلاء ومن له يعمل في راحة وسرور. ثم \[ لا \][(١٥)](#foonote-١٥) يرى في شيء من العالم أن[(١٦)](#foonote-١٦) له معنى يدل على رجوع التدبير، فيتحقق له القول بذلك، والله يصفه بقوله : إذ جاء ربه بقلب سليم  \[ الصافات : ٨٤ \] وقيل : سليم  من الشرك، لم يشبه شيء. 
وقال : وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم على قومه  \[ الأنعام : ٨٣ \] وما يذكرونه إنما أتاه على نفسه ؛ إذ هو في الغفلة عنها والجهل بمن له الآيات، وقد قال أيضا : وكذلك نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض  \[ الأنعام : ٧٥ \] ومعلوم أن ذلك على معاينة أو ذلك قد أري كلا منا. 
ولكن على ما بينت من الوجهين، وفيهما حقيقة، وليس في قوله تعالى : وليكون من الموقنين  دلالة للشك في الابتداء والجهل في الحال التي يحتمل به عز وجل ولكن على أنه على ذلك الوجه يكون الإيقان بمن لا تقع عليه الحواس، ولا[(١٧)](#foonote-١٧) توجب علمه الضرورات، إنما هو الاستدلال بالآثار أو تلقي الأخبار ولا قوة إلا بالله. 
وذلك كقوله تعالى : الله الذي رفع السماوات بغير  \[ الرعد : ٢ \] لا عن وضع، وقوله تعالى : ويخرجهم من الظلمات إلى النور  \[ المائدة : ١٦ \] لا أن كانوا[(١٨)](#foonote-١٨) من قبل في الظلمات، وقول يوسف : إني تركت ملة قوم لا يؤمنون بالله  \[ يوسف : ٣٧ \] لا عن كون فيها. وهكذا أمر الإيمان أن يكون العبد في كل وقت موقنا بالله وأن لا إله غيره، لا عن شك في ما تقدمه من الوقت والجهل. فمثله أمر إبراهيم عليه السلام. 
والوجه الثاني : مما تكلم في التأويل أن يكون إبراهيم، صلوات الله عليه، كان مؤمنا في ذلك الوقت عارفا بربه حق المعرفة، ولكنه كلم قومه كلام مستدرج بإظهار المتابعة لهم على هواهم، فيكونون به أولى وإليه أميل. وذلك أبلغ في الحجاج وألطف في المكيدة، فيبين لهم ما[(١٩)](#foonote-١٩) أراد من غير جهة النقض والعناد، فبدأ بتعظيم ما عظموه ؛ إذ هم قوم كانوا يعظمون النجوم، وبالعلم بأمرها أخبروا نمرود بولادة من يهلك على يده هو، ويزول ملكه، وهذا كما ذكر أنه  فنظر نظرة في النجوم  \[ الصافات : ٨٨ \] في مقاييسها وعلمها نظر[(٢٠)](#foonote-٢٠) إليها، ثم قال الذي ذكر لا من حيث علم النجوم، ولكن من حيث علمه أنه يموت، ومن يموت يسقم، لكن أراهم الموافقة في العلم الذي لهم في ذلك الباب دعوى. 
فكذلك ما نحن فيه. وعلى ذلك أمر البد الذي كان يعبده[(٢١)](#foonote-٢١) قوم، عظمته \[ الحواريون الذين \][(٢٢)](#foonote-٢٢) أرسل إليهم حتى اطمأنوا، وصدروا عن تدبيره، وبلوا بعذاب[(٢٣)](#foonote-٢٣)، وكاد يحيط بهم، فدعاهم إلى دعاء البد ليكشف لهم، إذ لمثله يعبد، حتى أيسوا، فدعاهم إلى الله، فكشف عنهم، فآمنوا به. فمثله الأول. 
وإلى هذا التأويل يذهب القتبي، لكنه ذكر أنهم كانوا أصحاب نجوم وكهانة. ومن ذلك قوله : لا يعبد النجم[(٢٤)](#foonote-٢٤)، لا يراه ربا، كيف أظهر الموافقة بتسمية النجم ربا ؟ ثم النقض عليه /١٥٣-أ/ بالأفول ؟ ولكن على ذلك لو كان فإنما كان في قوم يعبدون النجوم والشمس والقمر، فألزمهم بالأفول ؛ إذ فيه تسخير وغلبة سلطان. 
وهذا الوجه يجوز أن يظهر على إضمار معنى، في نفسه مستقيم، كالمكره على عبادة صليب، يقصد قصد عبادة الله، والمكره على شتم محمد صلى الله عليه وسلم يقصد قصد محمد آخر، يصوره في وهمه ونحو ذلك. وهو على ما  قال بل فعله كبيرهم هذا فاسألوهم إن كانوا ينطقون  \[ الأنبياء : ٦٣ \] على جعل أن كانوا ينطقون شرطا في نفسه في قوله  قال بل فعله كبيرهم هذا  \[ الأنبياء : ٦٣ \] والله أعلم. 
وقيل : في الاستدراج من غير هذا الوجه على التسليم أنهم أهل كهانة[(٢٥)](#foonote-٢٥) ونجوم ؛ وهو أنه لما رآهم يعبدون الأصنام والأوثان دعاهم من طريق المقابلة، إذ هم مالوا إلى ذلك بما رأوا من حسن في المبصر بما قد زين بأنواع الزين[(٢٦)](#foonote-٢٦) وحلي بأنواع الحلي، فأراهم أنه يعبد النجم، وما ذكر[(٢٧)](#foonote-٢٧)، وأن الذي ذكر أحسن وأعظم نورا وضياء ؛ إذ هو بجوهره ونفسه كذلك، وما كانوا يعبدون بما فعلوا به، وجعلوه[(٢٨)](#foonote-٢٨) كذلك، ليكره إليهم عبادتهم الأصنام، ويستنقذهم عما اعتادوه بالمعنى الذي ذكرت، ثم ألزمهم فساد ما مالوا إليه، وقبلوا أن يقر ذلك في قلوبهم، وتطمئن إلى ذلك أنفسهم بما أظهر من فساد أن يكون الذي بذلك الوصف من التسخير أو ملكه على شرف الزوال، أو يصير بحيث يقر في قلوبهم عبادة من لا يشهدونه وقت العبادة، فيلزمهم على ذلك عبادة المستحق لها[(٢٩)](#foonote-٢٩)، أو أن يقول : إذا كانت النجوم وما ذكر من ضيائها ونورها وكثرة منافع الخلق بها لم يصلح لها الألوهية عند الجميع بالأفول والتسخير. فالذي كانوا يعبدون على ما \[ سخروه كان \][(٣٠)](#foonote-٣٠) تحت البشر ذليلا[(٣١)](#foonote-٣١)، لا يسمع، ولا يبصر، ولا ينفع، أحق ألا يكون له الروبية، وألا يوجه إليه العبودة، والله أعلم. فهذا النوع من الاستدراج في ما لو ظهر لهم[(٣٢)](#foonote-٣٢) لم يكونوا يتخذون النجوم أربابا يعبدونها، وكذلك الذي ذكره القتبي. 
والتأويل الثالث للآية يخرج مخرج الإنكار والاستهزاء. ويكون في ذلك معنى الاستدراج ؛ إذ هو الإلزام من حيث لا يشعر به أو نقض أسباب الشبه درجة فدرجة في حلول الوقت وحلول المقصود وتعاطي ذلك الابتداء بالكشف عن الأسباب. 
 **ثم قيل في هذا بأوجه :**
أحدها : أنهم كانوا يعبدون النجوم وما ذكر، ويدعون إلى ذلك الأولاد والصبيان، وإبراهيم منهم في ما كانوا يدعونه إليه. فقال لما رأى النجم : هذا الذي تعبدون ربي، أي إلى عبادته تدعونني، أي هذا ربي الذي تدعونني إلى عبادته. فلما رآه طالعا سابحا غائبا ثبت عنده أنه مسخر، فقال : لا أحب عبادته. لكن ذا قد يكون في خاص نفسه متفكرا في الذي دعوه إليه ليعرف وقع قولهم من الوجه الذي يقر ذلك في القلوب إذا قابلهم. وقد يكون في ملإ منهم، يظهر لهم قوله : هذا ربي  \[ الأنعام : ٧٦و ٧٧ و ٧٨ \] على إضمار : تدعونني إليه، ليلزمهم بما بان له فساد الربوبية، فيكون استدراجا أيضا لأنه ألزمهم بعد ظهور الوفاق منه لهم، وقد يكون ذكر هذا الذي تدعونني \[ إليه \][(٣٣)](#foonote-٣٣) ربي سرا، ويهزأ بهم بإظهار الموافقة ؛ يبين لهم ذلك بما ألزمهم أن الابتداء لم يكن على المساعدة، إذ ذلك المعنى الذي به ألزم كان ظاهرا عنده في الابتداء وعندهم جميعا. 
والثاني : أن يكون قوله : هذا ربي  على ما يقال : هذا فلان الذي تخبرونني عنه، بمعنى أهذا هو ؟ على إنكار أنه ليس بالمحل الذي أخبرتموني عنه، أو على الاستفهام ليقرره عنه، أو على الوجهين كان، وقد هزئ بهم، وظهر في المتعقب أن الأول كان[(٣٤)](#foonote-٣٤) على الهزء بهم والاستفهام ؛ وذلك كقوله تعالى : خلقوا كخلقه  \[ الرعد : ١٦ \] على أنهم لم يخلقوا كخلقه، يوضح قوله : قل الله خالق كل شيء  \[ الرعد : ١٦ \] في الأول  لا أحب الآفلين . 
والثالث[(٣٥)](#foonote-٣٥) : أن يكون هذا يضمر في قوله تعالى : هذا ربي  أي رب هذا ربي إلى آخر ما ذكر، ثم رجع إليه عندهم أ١ - في الأصل وم: عن..
٢ - في الأصل وم: ضوء..
٣ - في الأصل وم: بقوله..
٤ - في الأصل وم: حيث..
٥ - في الأصل وم: في سلطان..
٦ - هذا هو الوجه الثاني من وجوه أقوال أهل التأويل في هذه الآية..
٧ - في الأصل وم: يقول..
٨ - في الأصل وم: علم..
٩ - في الأصل وم: لمن قهر وذلك..
١٠ - هذا هو الوجه الثالث من وجوه أقوال أهل التأويل في هذه الآية..
١١ - في الأصل وم: فيتبرأ..
١٢ - في الأصل وم: ووجه..
١٣ - ساقطة من الأصل وم..
١٤ - من م، في الأصل: والأقوال..
١٥ - من م، ساقطة من الأصل..
١٦ - في الأصل وم: أو..
١٧ - في الأصل وم: ولو..
١٨ - في الأصل وم: قالوا..
١٩ - في الأصل وم: من..
٢٠ - أدرج قبلها في الأصل وم: لأنه..
٢١ - في الأصل وم: يعبدهم..
٢٢ - في الأصل وم: الحواري الذي..
٢٣ - في الأصل وم: بعد..
٢٤ - من م، في الأصل: النجوم..
٢٥ - في الأصل وم: كفاية..
٢٦ - من م، في الأصل الذي..
٢٧ - في الأصل: ذكروا..
٢٨ - في الأصل وم: وجعلوا..
٢٩ - من م، في الأصل: ما..
٣٠ - في الأصل وم: سخرهم..
٣١ - في الأصل وم: أذلاء..
٣٢ - في الأصل وم: أنهم.
٣٣ - في الأصل وم: فيه..
٣٤ - من م، في الأصل: لكان..
٣٥ -في الأصل وم: يجوز..


---

### الآية 6:78

> ﻿فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَٰذَا رَبِّي هَٰذَا أَكْبَرُ ۖ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ [6:78]

نص مكرر لاشتراكه مع الآية ٧٦:الآيات ٧٦-٧٩ وقوله تعالى : فلما جن عليه الليل  إلى قوله : من المشركين  تكلموا في تأويل الآية على أوجه ثلاثة :
فمنهم من جعل الأمر على ما عليه الظاهر أنه عارف بربه حق المعرفة إلى أن عرف من الوجه الذي بان له عند الفراغ من آخر ما نسب إليه الربوبية أنه لا يعرف من جهة درك الحواس ووقوعها عليه، ولكن من جهة الآيات وآثار العقل، فقال : إني وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض  الآية \[ الأنعام : ٧٩ \]. 
لكن أهل هذا القول اختلفوا على وجوه ثلاثة :
أحدها : ما روي في التفسير أنه ربي في السرب، ولم يكن نظر إلى شيء من خلق السماء، فنظر من[(١)](#foonote-١) باب السرب في أول الليل، فرأى الزهرة بضوئها وتلألئها، وكان في علمه أنه له ربا، وأنه يرى، فلم ير أضوأ[(٢)](#foonote-٢) منها ولا أنور، فقال : هذا ربي فلما أفل  وله علم أن الرب دائم، لا يزول، فقال : لا أحب الآفلين  بمعنى : ليس هذا برب كقولهم[(٣)](#foonote-٣)  سبحانك ما كان ينبغي لنا أن نتخذ من دونك من أولياء  \[ الفرقان : ١٨ \] أي ليس لنا، وقول عيسى حين[(٤)](#foonote-٤)  قال سبحانك ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحق  \[ المائدة : ١١٦ \] بمعنى : ما قلت ذلك. 
ولكن أهل التفسير حملوا الأفول على غيبوبته بنفسه، وهو عندنا على غيبوبته بسلطان[(٥)](#foonote-٥) القمر، وقهر سلطان القمر، لما طلع سلطان النجم. 
وعنده أن الرب لا يقهر، وأن سلطانه لا يزول. وعلى ذلك أمر القمر والشمس بظلمة الليل. وفي ذلك أنه لو كان عنده أن الرب لا يقهر، وأن سلطانه لا يزول، وأنه لا يرى، لأنكر من ذلك الوجه أن يكون ربه، بل أقر به، وأنكر الأفول والزوال. وهذا ينقض قول من يصفه بالزوال والانتقال من حال إلى حال. 
ومنهم[(٦)](#foonote-٦) من يقول : كان هذا منه في وقت، لم يكن جرى عليه القلم، سمع الخلق يقولون[(٧)](#foonote-٧) في خلق السماء والأرض ونحو ذلك، وينسبون ذلك إلى الله. وعلى ذلك أمر جميع أهل الشرك كقوله تعالى : ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض وسخر الشمس والقمر ليقولن الله  \[ العنكبوت : ٦١ و.. \] وقوله تعالى : لمن الأرض  إلى قوله  ما اتخذ الله من ولد  \[ المؤمنون : ٨٤-٩١ \] ثم رآهم عبدوا الأصنام، وسموها آلهة، فتأمل، فوجدها لا تسمع، ولا تبصر، ولا تنفع، ولا تضر، فعلم[(٨)](#foonote-٨) أن مثلها لا يحتمل أن يكون يخلق ما ذكرت، وإن الذي ذلك فعله لعلي عظيم، يجب طلب معرفته من العلو بما كان يسمع نسبة الملائكة إلى السماء ونزول الغيث منها ومجيء النور والظلمة وكل أنواع البركات وغيرها منها. فصرف تدبير الطلب الذي نسب إليه الخلق إليها، ثم أول ما أخذ في التأمل والنظر لم يقع بصره على أحسن وأبهى من الذي ذكر، فظن ذلك. 
ثم لما قهر، وقد كان علم بأن خالق من ذكر لا يجوز أن يقهر، فمن ذلك علم أنه ليس هو، وقال :\[  لئن لم يهدني ربي لأكونن من القوم الضالين  \][(٩)](#foonote-٩)إلى أن قهر الليل ضوء الشمس، أو صارت بحيث لا يجري له السلطان، أو رأى في الكل آثار التسخير والتذليل، ولم ير فيها أعلام من له الأمر والخلق، فعلم أن الرب لا يدرك من ذلك الوجه، ولا يعرف من جهة الحواس، فرجع إلى ما سمع من أنه خلق السماوات والأرض، فوجه نفسه إليه بالعبودية، واعترف له بالربوبية بما في الخلق من آثار ذلك وفي القول من تسمية من له الخلق ربا وإلها، فآمن به. وذلك كان أول أحوال احتماله علم الاستدلال وبلوغه المبلغ الذي من بلغه يجري عليه الخطاب، ولا قوة إلا بالله. 
ومنهم[(١٠)](#foonote-١٠) من قال : إنه كان بالغا قد جرى عليه القلم، وقد كان رأى ما ذكر غير مرة، لكن الله لما أراد أن يهديه ألهمه ذلك، وألقى في نفسه، فانتبه الإنسان بشيء كان عنه غافلا من قبل، فرأى كوكبا أحمر يطلع عند غروب الشمس، فراعاه إلى أن أفل، فأراد من الله قربة، وعلم أن ربه لا يزول، ولا يتغير، ففزع إليه، وقال : لا أحب الآفلين  وكذا ذكر في القمر والشمس إلى أن عرفه الله، فتبرأ[(١١)](#foonote-١١) مما كانوا يشركون، وتوجه[(١٢)](#foonote-١٢) بالتوحيد والعبادة إليه. 
وإلى هذا التأويل ذهب الحسن، وإلى الأول \[ ما \][(١٣)](#foonote-١٣) روي عن ابن عباس رضي الله عنه. 
والثاني : قال به جماعة أهل الكلام، ونحن نتبرأ إلى أن نجعله رجلا بالغا جرى عليه القلم، وهو كان عن الله بهذه الغفلة حتى يتوهمه في معنى نجم أو قمر أو شمس مع ما يرى فيها الظهور بعد أن لم يكن والأفول[(١٤)](#foonote-١٤) بعد الوجود ثم آثار التسخير والعجز عن التدبير بما هو في جهد وبلاء ومن له يعمل في راحة وسرور. ثم \[ لا \][(١٥)](#foonote-١٥) يرى في شيء من العالم أن[(١٦)](#foonote-١٦) له معنى يدل على رجوع التدبير، فيتحقق له القول بذلك، والله يصفه بقوله : إذ جاء ربه بقلب سليم  \[ الصافات : ٨٤ \] وقيل : سليم  من الشرك، لم يشبه شيء. 
وقال : وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم على قومه  \[ الأنعام : ٨٣ \] وما يذكرونه إنما أتاه على نفسه ؛ إذ هو في الغفلة عنها والجهل بمن له الآيات، وقد قال أيضا : وكذلك نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض  \[ الأنعام : ٧٥ \] ومعلوم أن ذلك على معاينة أو ذلك قد أري كلا منا. 
ولكن على ما بينت من الوجهين، وفيهما حقيقة، وليس في قوله تعالى : وليكون من الموقنين  دلالة للشك في الابتداء والجهل في الحال التي يحتمل به عز وجل ولكن على أنه على ذلك الوجه يكون الإيقان بمن لا تقع عليه الحواس، ولا[(١٧)](#foonote-١٧) توجب علمه الضرورات، إنما هو الاستدلال بالآثار أو تلقي الأخبار ولا قوة إلا بالله. 
وذلك كقوله تعالى : الله الذي رفع السماوات بغير  \[ الرعد : ٢ \] لا عن وضع، وقوله تعالى : ويخرجهم من الظلمات إلى النور  \[ المائدة : ١٦ \] لا أن كانوا[(١٨)](#foonote-١٨) من قبل في الظلمات، وقول يوسف : إني تركت ملة قوم لا يؤمنون بالله  \[ يوسف : ٣٧ \] لا عن كون فيها. وهكذا أمر الإيمان أن يكون العبد في كل وقت موقنا بالله وأن لا إله غيره، لا عن شك في ما تقدمه من الوقت والجهل. فمثله أمر إبراهيم عليه السلام. 
والوجه الثاني : مما تكلم في التأويل أن يكون إبراهيم، صلوات الله عليه، كان مؤمنا في ذلك الوقت عارفا بربه حق المعرفة، ولكنه كلم قومه كلام مستدرج بإظهار المتابعة لهم على هواهم، فيكونون به أولى وإليه أميل. وذلك أبلغ في الحجاج وألطف في المكيدة، فيبين لهم ما[(١٩)](#foonote-١٩) أراد من غير جهة النقض والعناد، فبدأ بتعظيم ما عظموه ؛ إذ هم قوم كانوا يعظمون النجوم، وبالعلم بأمرها أخبروا نمرود بولادة من يهلك على يده هو، ويزول ملكه، وهذا كما ذكر أنه  فنظر نظرة في النجوم  \[ الصافات : ٨٨ \] في مقاييسها وعلمها نظر[(٢٠)](#foonote-٢٠) إليها، ثم قال الذي ذكر لا من حيث علم النجوم، ولكن من حيث علمه أنه يموت، ومن يموت يسقم، لكن أراهم الموافقة في العلم الذي لهم في ذلك الباب دعوى. 
فكذلك ما نحن فيه. وعلى ذلك أمر البد الذي كان يعبده[(٢١)](#foonote-٢١) قوم، عظمته \[ الحواريون الذين \][(٢٢)](#foonote-٢٢) أرسل إليهم حتى اطمأنوا، وصدروا عن تدبيره، وبلوا بعذاب[(٢٣)](#foonote-٢٣)، وكاد يحيط بهم، فدعاهم إلى دعاء البد ليكشف لهم، إذ لمثله يعبد، حتى أيسوا، فدعاهم إلى الله، فكشف عنهم، فآمنوا به. فمثله الأول. 
وإلى هذا التأويل يذهب القتبي، لكنه ذكر أنهم كانوا أصحاب نجوم وكهانة. ومن ذلك قوله : لا يعبد النجم[(٢٤)](#foonote-٢٤)، لا يراه ربا، كيف أظهر الموافقة بتسمية النجم ربا ؟ ثم النقض عليه /١٥٣-أ/ بالأفول ؟ ولكن على ذلك لو كان فإنما كان في قوم يعبدون النجوم والشمس والقمر، فألزمهم بالأفول ؛ إذ فيه تسخير وغلبة سلطان. 
وهذا الوجه يجوز أن يظهر على إضمار معنى، في نفسه مستقيم، كالمكره على عبادة صليب، يقصد قصد عبادة الله، والمكره على شتم محمد صلى الله عليه وسلم يقصد قصد محمد آخر، يصوره في وهمه ونحو ذلك. وهو على ما  قال بل فعله كبيرهم هذا فاسألوهم إن كانوا ينطقون  \[ الأنبياء : ٦٣ \] على جعل أن كانوا ينطقون شرطا في نفسه في قوله  قال بل فعله كبيرهم هذا  \[ الأنبياء : ٦٣ \] والله أعلم. 
وقيل : في الاستدراج من غير هذا الوجه على التسليم أنهم أهل كهانة[(٢٥)](#foonote-٢٥) ونجوم ؛ وهو أنه لما رآهم يعبدون الأصنام والأوثان دعاهم من طريق المقابلة، إذ هم مالوا إلى ذلك بما رأوا من حسن في المبصر بما قد زين بأنواع الزين[(٢٦)](#foonote-٢٦) وحلي بأنواع الحلي، فأراهم أنه يعبد النجم، وما ذكر[(٢٧)](#foonote-٢٧)، وأن الذي ذكر أحسن وأعظم نورا وضياء ؛ إذ هو بجوهره ونفسه كذلك، وما كانوا يعبدون بما فعلوا به، وجعلوه[(٢٨)](#foonote-٢٨) كذلك، ليكره إليهم عبادتهم الأصنام، ويستنقذهم عما اعتادوه بالمعنى الذي ذكرت، ثم ألزمهم فساد ما مالوا إليه، وقبلوا أن يقر ذلك في قلوبهم، وتطمئن إلى ذلك أنفسهم بما أظهر من فساد أن يكون الذي بذلك الوصف من التسخير أو ملكه على شرف الزوال، أو يصير بحيث يقر في قلوبهم عبادة من لا يشهدونه وقت العبادة، فيلزمهم على ذلك عبادة المستحق لها[(٢٩)](#foonote-٢٩)، أو أن يقول : إذا كانت النجوم وما ذكر من ضيائها ونورها وكثرة منافع الخلق بها لم يصلح لها الألوهية عند الجميع بالأفول والتسخير. فالذي كانوا يعبدون على ما \[ سخروه كان \][(٣٠)](#foonote-٣٠) تحت البشر ذليلا[(٣١)](#foonote-٣١)، لا يسمع، ولا يبصر، ولا ينفع، أحق ألا يكون له الروبية، وألا يوجه إليه العبودة، والله أعلم. فهذا النوع من الاستدراج في ما لو ظهر لهم[(٣٢)](#foonote-٣٢) لم يكونوا يتخذون النجوم أربابا يعبدونها، وكذلك الذي ذكره القتبي. 
والتأويل الثالث للآية يخرج مخرج الإنكار والاستهزاء. ويكون في ذلك معنى الاستدراج ؛ إذ هو الإلزام من حيث لا يشعر به أو نقض أسباب الشبه درجة فدرجة في حلول الوقت وحلول المقصود وتعاطي ذلك الابتداء بالكشف عن الأسباب. 
 **ثم قيل في هذا بأوجه :**
أحدها : أنهم كانوا يعبدون النجوم وما ذكر، ويدعون إلى ذلك الأولاد والصبيان، وإبراهيم منهم في ما كانوا يدعونه إليه. فقال لما رأى النجم : هذا الذي تعبدون ربي، أي إلى عبادته تدعونني، أي هذا ربي الذي تدعونني إلى عبادته. فلما رآه طالعا سابحا غائبا ثبت عنده أنه مسخر، فقال : لا أحب عبادته. لكن ذا قد يكون في خاص نفسه متفكرا في الذي دعوه إليه ليعرف وقع قولهم من الوجه الذي يقر ذلك في القلوب إذا قابلهم. وقد يكون في ملإ منهم، يظهر لهم قوله : هذا ربي  \[ الأنعام : ٧٦و ٧٧ و ٧٨ \] على إضمار : تدعونني إليه، ليلزمهم بما بان له فساد الربوبية، فيكون استدراجا أيضا لأنه ألزمهم بعد ظهور الوفاق منه لهم، وقد يكون ذكر هذا الذي تدعونني \[ إليه \][(٣٣)](#foonote-٣٣) ربي سرا، ويهزأ بهم بإظهار الموافقة ؛ يبين لهم ذلك بما ألزمهم أن الابتداء لم يكن على المساعدة، إذ ذلك المعنى الذي به ألزم كان ظاهرا عنده في الابتداء وعندهم جميعا. 
والثاني : أن يكون قوله : هذا ربي  على ما يقال : هذا فلان الذي تخبرونني عنه، بمعنى أهذا هو ؟ على إنكار أنه ليس بالمحل الذي أخبرتموني عنه، أو على الاستفهام ليقرره عنه، أو على الوجهين كان، وقد هزئ بهم، وظهر في المتعقب أن الأول كان[(٣٤)](#foonote-٣٤) على الهزء بهم والاستفهام ؛ وذلك كقوله تعالى : خلقوا كخلقه  \[ الرعد : ١٦ \] على أنهم لم يخلقوا كخلقه، يوضح قوله : قل الله خالق كل شيء  \[ الرعد : ١٦ \] في الأول  لا أحب الآفلين . 
والثالث[(٣٥)](#foonote-٣٥) : أن يكون هذا يضمر في قوله تعالى : هذا ربي  أي رب هذا ربي إلى آخر ما ذكر، ثم رجع إليه عندهم أ١ - في الأصل وم: عن..
٢ - في الأصل وم: ضوء..
٣ - في الأصل وم: بقوله..
٤ - في الأصل وم: حيث..
٥ - في الأصل وم: في سلطان..
٦ - هذا هو الوجه الثاني من وجوه أقوال أهل التأويل في هذه الآية..
٧ - في الأصل وم: يقول..
٨ - في الأصل وم: علم..
٩ - في الأصل وم: لمن قهر وذلك..
١٠ - هذا هو الوجه الثالث من وجوه أقوال أهل التأويل في هذه الآية..
١١ - في الأصل وم: فيتبرأ..
١٢ - في الأصل وم: ووجه..
١٣ - ساقطة من الأصل وم..
١٤ - من م، في الأصل: والأقوال..
١٥ - من م، ساقطة من الأصل..
١٦ - في الأصل وم: أو..
١٧ - في الأصل وم: ولو..
١٨ - في الأصل وم: قالوا..
١٩ - في الأصل وم: من..
٢٠ - أدرج قبلها في الأصل وم: لأنه..
٢١ - في الأصل وم: يعبدهم..
٢٢ - في الأصل وم: الحواري الذي..
٢٣ - في الأصل وم: بعد..
٢٤ - من م، في الأصل: النجوم..
٢٥ - في الأصل وم: كفاية..
٢٦ - من م، في الأصل الذي..
٢٧ - في الأصل: ذكروا..
٢٨ - في الأصل وم: وجعلوا..
٢٩ - من م، في الأصل: ما..
٣٠ - في الأصل وم: سخرهم..
٣١ - في الأصل وم: أذلاء..
٣٢ - في الأصل وم: أنهم.
٣٣ - في الأصل وم: فيه..
٣٤ - من م، في الأصل: لكان..
٣٥ -في الأصل وم: يجوز..


---

### الآية 6:79

> ﻿إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا ۖ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ [6:79]

نص مكرر لاشتراكه مع الآية ٧٦:الآيات ٧٦-٧٩ وقوله تعالى : فلما جن عليه الليل  إلى قوله : من المشركين  تكلموا في تأويل الآية على أوجه ثلاثة :
فمنهم من جعل الأمر على ما عليه الظاهر أنه عارف بربه حق المعرفة إلى أن عرف من الوجه الذي بان له عند الفراغ من آخر ما نسب إليه الربوبية أنه لا يعرف من جهة درك الحواس ووقوعها عليه، ولكن من جهة الآيات وآثار العقل، فقال : إني وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض  الآية \[ الأنعام : ٧٩ \]. 
لكن أهل هذا القول اختلفوا على وجوه ثلاثة :
أحدها : ما روي في التفسير أنه ربي في السرب، ولم يكن نظر إلى شيء من خلق السماء، فنظر من[(١)](#foonote-١) باب السرب في أول الليل، فرأى الزهرة بضوئها وتلألئها، وكان في علمه أنه له ربا، وأنه يرى، فلم ير أضوأ[(٢)](#foonote-٢) منها ولا أنور، فقال : هذا ربي فلما أفل  وله علم أن الرب دائم، لا يزول، فقال : لا أحب الآفلين  بمعنى : ليس هذا برب كقولهم[(٣)](#foonote-٣)  سبحانك ما كان ينبغي لنا أن نتخذ من دونك من أولياء  \[ الفرقان : ١٨ \] أي ليس لنا، وقول عيسى حين[(٤)](#foonote-٤)  قال سبحانك ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحق  \[ المائدة : ١١٦ \] بمعنى : ما قلت ذلك. 
ولكن أهل التفسير حملوا الأفول على غيبوبته بنفسه، وهو عندنا على غيبوبته بسلطان[(٥)](#foonote-٥) القمر، وقهر سلطان القمر، لما طلع سلطان النجم. 
وعنده أن الرب لا يقهر، وأن سلطانه لا يزول. وعلى ذلك أمر القمر والشمس بظلمة الليل. وفي ذلك أنه لو كان عنده أن الرب لا يقهر، وأن سلطانه لا يزول، وأنه لا يرى، لأنكر من ذلك الوجه أن يكون ربه، بل أقر به، وأنكر الأفول والزوال. وهذا ينقض قول من يصفه بالزوال والانتقال من حال إلى حال. 
ومنهم[(٦)](#foonote-٦) من يقول : كان هذا منه في وقت، لم يكن جرى عليه القلم، سمع الخلق يقولون[(٧)](#foonote-٧) في خلق السماء والأرض ونحو ذلك، وينسبون ذلك إلى الله. وعلى ذلك أمر جميع أهل الشرك كقوله تعالى : ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض وسخر الشمس والقمر ليقولن الله  \[ العنكبوت : ٦١ و.. \] وقوله تعالى : لمن الأرض  إلى قوله  ما اتخذ الله من ولد  \[ المؤمنون : ٨٤-٩١ \] ثم رآهم عبدوا الأصنام، وسموها آلهة، فتأمل، فوجدها لا تسمع، ولا تبصر، ولا تنفع، ولا تضر، فعلم[(٨)](#foonote-٨) أن مثلها لا يحتمل أن يكون يخلق ما ذكرت، وإن الذي ذلك فعله لعلي عظيم، يجب طلب معرفته من العلو بما كان يسمع نسبة الملائكة إلى السماء ونزول الغيث منها ومجيء النور والظلمة وكل أنواع البركات وغيرها منها. فصرف تدبير الطلب الذي نسب إليه الخلق إليها، ثم أول ما أخذ في التأمل والنظر لم يقع بصره على أحسن وأبهى من الذي ذكر، فظن ذلك. 
ثم لما قهر، وقد كان علم بأن خالق من ذكر لا يجوز أن يقهر، فمن ذلك علم أنه ليس هو، وقال :\[  لئن لم يهدني ربي لأكونن من القوم الضالين  \][(٩)](#foonote-٩)إلى أن قهر الليل ضوء الشمس، أو صارت بحيث لا يجري له السلطان، أو رأى في الكل آثار التسخير والتذليل، ولم ير فيها أعلام من له الأمر والخلق، فعلم أن الرب لا يدرك من ذلك الوجه، ولا يعرف من جهة الحواس، فرجع إلى ما سمع من أنه خلق السماوات والأرض، فوجه نفسه إليه بالعبودية، واعترف له بالربوبية بما في الخلق من آثار ذلك وفي القول من تسمية من له الخلق ربا وإلها، فآمن به. وذلك كان أول أحوال احتماله علم الاستدلال وبلوغه المبلغ الذي من بلغه يجري عليه الخطاب، ولا قوة إلا بالله. 
ومنهم[(١٠)](#foonote-١٠) من قال : إنه كان بالغا قد جرى عليه القلم، وقد كان رأى ما ذكر غير مرة، لكن الله لما أراد أن يهديه ألهمه ذلك، وألقى في نفسه، فانتبه الإنسان بشيء كان عنه غافلا من قبل، فرأى كوكبا أحمر يطلع عند غروب الشمس، فراعاه إلى أن أفل، فأراد من الله قربة، وعلم أن ربه لا يزول، ولا يتغير، ففزع إليه، وقال : لا أحب الآفلين  وكذا ذكر في القمر والشمس إلى أن عرفه الله، فتبرأ[(١١)](#foonote-١١) مما كانوا يشركون، وتوجه[(١٢)](#foonote-١٢) بالتوحيد والعبادة إليه. 
وإلى هذا التأويل ذهب الحسن، وإلى الأول \[ ما \][(١٣)](#foonote-١٣) روي عن ابن عباس رضي الله عنه. 
والثاني : قال به جماعة أهل الكلام، ونحن نتبرأ إلى أن نجعله رجلا بالغا جرى عليه القلم، وهو كان عن الله بهذه الغفلة حتى يتوهمه في معنى نجم أو قمر أو شمس مع ما يرى فيها الظهور بعد أن لم يكن والأفول[(١٤)](#foonote-١٤) بعد الوجود ثم آثار التسخير والعجز عن التدبير بما هو في جهد وبلاء ومن له يعمل في راحة وسرور. ثم \[ لا \][(١٥)](#foonote-١٥) يرى في شيء من العالم أن[(١٦)](#foonote-١٦) له معنى يدل على رجوع التدبير، فيتحقق له القول بذلك، والله يصفه بقوله : إذ جاء ربه بقلب سليم  \[ الصافات : ٨٤ \] وقيل : سليم  من الشرك، لم يشبه شيء. 
وقال : وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم على قومه  \[ الأنعام : ٨٣ \] وما يذكرونه إنما أتاه على نفسه ؛ إذ هو في الغفلة عنها والجهل بمن له الآيات، وقد قال أيضا : وكذلك نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض  \[ الأنعام : ٧٥ \] ومعلوم أن ذلك على معاينة أو ذلك قد أري كلا منا. 
ولكن على ما بينت من الوجهين، وفيهما حقيقة، وليس في قوله تعالى : وليكون من الموقنين  دلالة للشك في الابتداء والجهل في الحال التي يحتمل به عز وجل ولكن على أنه على ذلك الوجه يكون الإيقان بمن لا تقع عليه الحواس، ولا[(١٧)](#foonote-١٧) توجب علمه الضرورات، إنما هو الاستدلال بالآثار أو تلقي الأخبار ولا قوة إلا بالله. 
وذلك كقوله تعالى : الله الذي رفع السماوات بغير  \[ الرعد : ٢ \] لا عن وضع، وقوله تعالى : ويخرجهم من الظلمات إلى النور  \[ المائدة : ١٦ \] لا أن كانوا[(١٨)](#foonote-١٨) من قبل في الظلمات، وقول يوسف : إني تركت ملة قوم لا يؤمنون بالله  \[ يوسف : ٣٧ \] لا عن كون فيها. وهكذا أمر الإيمان أن يكون العبد في كل وقت موقنا بالله وأن لا إله غيره، لا عن شك في ما تقدمه من الوقت والجهل. فمثله أمر إبراهيم عليه السلام. 
والوجه الثاني : مما تكلم في التأويل أن يكون إبراهيم، صلوات الله عليه، كان مؤمنا في ذلك الوقت عارفا بربه حق المعرفة، ولكنه كلم قومه كلام مستدرج بإظهار المتابعة لهم على هواهم، فيكونون به أولى وإليه أميل. وذلك أبلغ في الحجاج وألطف في المكيدة، فيبين لهم ما[(١٩)](#foonote-١٩) أراد من غير جهة النقض والعناد، فبدأ بتعظيم ما عظموه ؛ إذ هم قوم كانوا يعظمون النجوم، وبالعلم بأمرها أخبروا نمرود بولادة من يهلك على يده هو، ويزول ملكه، وهذا كما ذكر أنه  فنظر نظرة في النجوم  \[ الصافات : ٨٨ \] في مقاييسها وعلمها نظر[(٢٠)](#foonote-٢٠) إليها، ثم قال الذي ذكر لا من حيث علم النجوم، ولكن من حيث علمه أنه يموت، ومن يموت يسقم، لكن أراهم الموافقة في العلم الذي لهم في ذلك الباب دعوى. 
فكذلك ما نحن فيه. وعلى ذلك أمر البد الذي كان يعبده[(٢١)](#foonote-٢١) قوم، عظمته \[ الحواريون الذين \][(٢٢)](#foonote-٢٢) أرسل إليهم حتى اطمأنوا، وصدروا عن تدبيره، وبلوا بعذاب[(٢٣)](#foonote-٢٣)، وكاد يحيط بهم، فدعاهم إلى دعاء البد ليكشف لهم، إذ لمثله يعبد، حتى أيسوا، فدعاهم إلى الله، فكشف عنهم، فآمنوا به. فمثله الأول. 
وإلى هذا التأويل يذهب القتبي، لكنه ذكر أنهم كانوا أصحاب نجوم وكهانة. ومن ذلك قوله : لا يعبد النجم[(٢٤)](#foonote-٢٤)، لا يراه ربا، كيف أظهر الموافقة بتسمية النجم ربا ؟ ثم النقض عليه /١٥٣-أ/ بالأفول ؟ ولكن على ذلك لو كان فإنما كان في قوم يعبدون النجوم والشمس والقمر، فألزمهم بالأفول ؛ إذ فيه تسخير وغلبة سلطان. 
وهذا الوجه يجوز أن يظهر على إضمار معنى، في نفسه مستقيم، كالمكره على عبادة صليب، يقصد قصد عبادة الله، والمكره على شتم محمد صلى الله عليه وسلم يقصد قصد محمد آخر، يصوره في وهمه ونحو ذلك. وهو على ما  قال بل فعله كبيرهم هذا فاسألوهم إن كانوا ينطقون  \[ الأنبياء : ٦٣ \] على جعل أن كانوا ينطقون شرطا في نفسه في قوله  قال بل فعله كبيرهم هذا  \[ الأنبياء : ٦٣ \] والله أعلم. 
وقيل : في الاستدراج من غير هذا الوجه على التسليم أنهم أهل كهانة[(٢٥)](#foonote-٢٥) ونجوم ؛ وهو أنه لما رآهم يعبدون الأصنام والأوثان دعاهم من طريق المقابلة، إذ هم مالوا إلى ذلك بما رأوا من حسن في المبصر بما قد زين بأنواع الزين[(٢٦)](#foonote-٢٦) وحلي بأنواع الحلي، فأراهم أنه يعبد النجم، وما ذكر[(٢٧)](#foonote-٢٧)، وأن الذي ذكر أحسن وأعظم نورا وضياء ؛ إذ هو بجوهره ونفسه كذلك، وما كانوا يعبدون بما فعلوا به، وجعلوه[(٢٨)](#foonote-٢٨) كذلك، ليكره إليهم عبادتهم الأصنام، ويستنقذهم عما اعتادوه بالمعنى الذي ذكرت، ثم ألزمهم فساد ما مالوا إليه، وقبلوا أن يقر ذلك في قلوبهم، وتطمئن إلى ذلك أنفسهم بما أظهر من فساد أن يكون الذي بذلك الوصف من التسخير أو ملكه على شرف الزوال، أو يصير بحيث يقر في قلوبهم عبادة من لا يشهدونه وقت العبادة، فيلزمهم على ذلك عبادة المستحق لها[(٢٩)](#foonote-٢٩)، أو أن يقول : إذا كانت النجوم وما ذكر من ضيائها ونورها وكثرة منافع الخلق بها لم يصلح لها الألوهية عند الجميع بالأفول والتسخير. فالذي كانوا يعبدون على ما \[ سخروه كان \][(٣٠)](#foonote-٣٠) تحت البشر ذليلا[(٣١)](#foonote-٣١)، لا يسمع، ولا يبصر، ولا ينفع، أحق ألا يكون له الروبية، وألا يوجه إليه العبودة، والله أعلم. فهذا النوع من الاستدراج في ما لو ظهر لهم[(٣٢)](#foonote-٣٢) لم يكونوا يتخذون النجوم أربابا يعبدونها، وكذلك الذي ذكره القتبي. 
والتأويل الثالث للآية يخرج مخرج الإنكار والاستهزاء. ويكون في ذلك معنى الاستدراج ؛ إذ هو الإلزام من حيث لا يشعر به أو نقض أسباب الشبه درجة فدرجة في حلول الوقت وحلول المقصود وتعاطي ذلك الابتداء بالكشف عن الأسباب. 
 **ثم قيل في هذا بأوجه :**
أحدها : أنهم كانوا يعبدون النجوم وما ذكر، ويدعون إلى ذلك الأولاد والصبيان، وإبراهيم منهم في ما كانوا يدعونه إليه. فقال لما رأى النجم : هذا الذي تعبدون ربي، أي إلى عبادته تدعونني، أي هذا ربي الذي تدعونني إلى عبادته. فلما رآه طالعا سابحا غائبا ثبت عنده أنه مسخر، فقال : لا أحب عبادته. لكن ذا قد يكون في خاص نفسه متفكرا في الذي دعوه إليه ليعرف وقع قولهم من الوجه الذي يقر ذلك في القلوب إذا قابلهم. وقد يكون في ملإ منهم، يظهر لهم قوله : هذا ربي  \[ الأنعام : ٧٦و ٧٧ و ٧٨ \] على إضمار : تدعونني إليه، ليلزمهم بما بان له فساد الربوبية، فيكون استدراجا أيضا لأنه ألزمهم بعد ظهور الوفاق منه لهم، وقد يكون ذكر هذا الذي تدعونني \[ إليه \][(٣٣)](#foonote-٣٣) ربي سرا، ويهزأ بهم بإظهار الموافقة ؛ يبين لهم ذلك بما ألزمهم أن الابتداء لم يكن على المساعدة، إذ ذلك المعنى الذي به ألزم كان ظاهرا عنده في الابتداء وعندهم جميعا. 
والثاني : أن يكون قوله : هذا ربي  على ما يقال : هذا فلان الذي تخبرونني عنه، بمعنى أهذا هو ؟ على إنكار أنه ليس بالمحل الذي أخبرتموني عنه، أو على الاستفهام ليقرره عنه، أو على الوجهين كان، وقد هزئ بهم، وظهر في المتعقب أن الأول كان[(٣٤)](#foonote-٣٤) على الهزء بهم والاستفهام ؛ وذلك كقوله تعالى : خلقوا كخلقه  \[ الرعد : ١٦ \] على أنهم لم يخلقوا كخلقه، يوضح قوله : قل الله خالق كل شيء  \[ الرعد : ١٦ \] في الأول  لا أحب الآفلين . 
والثالث[(٣٥)](#foonote-٣٥) : أن يكون هذا يضمر في قوله تعالى : هذا ربي  أي رب هذا ربي إلى آخر ما ذكر، ثم رجع إليه عندهم أ١ - في الأصل وم: عن..
٢ - في الأصل وم: ضوء..
٣ - في الأصل وم: بقوله..
٤ - في الأصل وم: حيث..
٥ - في الأصل وم: في سلطان..
٦ - هذا هو الوجه الثاني من وجوه أقوال أهل التأويل في هذه الآية..
٧ - في الأصل وم: يقول..
٨ - في الأصل وم: علم..
٩ - في الأصل وم: لمن قهر وذلك..
١٠ - هذا هو الوجه الثالث من وجوه أقوال أهل التأويل في هذه الآية..
١١ - في الأصل وم: فيتبرأ..
١٢ - في الأصل وم: ووجه..
١٣ - ساقطة من الأصل وم..
١٤ - من م، في الأصل: والأقوال..
١٥ - من م، ساقطة من الأصل..
١٦ - في الأصل وم: أو..
١٧ - في الأصل وم: ولو..
١٨ - في الأصل وم: قالوا..
١٩ - في الأصل وم: من..
٢٠ - أدرج قبلها في الأصل وم: لأنه..
٢١ - في الأصل وم: يعبدهم..
٢٢ - في الأصل وم: الحواري الذي..
٢٣ - في الأصل وم: بعد..
٢٤ - من م، في الأصل: النجوم..
٢٥ - في الأصل وم: كفاية..
٢٦ - من م، في الأصل الذي..
٢٧ - في الأصل: ذكروا..
٢٨ - في الأصل وم: وجعلوا..
٢٩ - من م، في الأصل: ما..
٣٠ - في الأصل وم: سخرهم..
٣١ - في الأصل وم: أذلاء..
٣٢ - في الأصل وم: أنهم.
٣٣ - في الأصل وم: فيه..
٣٤ - من م، في الأصل: لكان..
٣٥ -في الأصل وم: يجوز..


---

### الآية 6:80

> ﻿وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ ۚ قَالَ أَتُحَاجُّونِّي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدَانِ ۚ وَلَا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبِّي شَيْئًا ۗ وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا ۗ أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ [6:80]

الآية ٨٠ \[ وقوله تعالى \][(١)](#foonote-١) : وحاجه قومه  ذكر محاجة قومه، ولم يبين فيم حاجوه ؟ لكن في الجواب بيان أن المحاجة في ما كانت، وهو قوله تعالى : أتحاجوني في الله  ثم تحتمل المحاجة  في الله  في توحيد الله ودينه، وتحتمل في أمر الله وطاعته. 
وذكر في بعض القصة عن ابن عباس رضي الله عنه \[ أنه \][(٢)](#foonote-٢) قال : وحاجه قومه  في آلهتهم، وخوفوه بها، وقالوا : إنا نخاف آلهتنا، وأنت تشتمها، ولا تعبدها، إن تخيلك وتفسدك \[ ظاهران \][(٣)](#foonote-٣)، وذلك محتمل، وهو كقول قوم هود لهود عليه السلام : إن نقول إلا اعتراك بعض آلهتنا بسوء  \[ هود : ٥٤ \]. 
ثم قال لهم إبراهيم : لم تخافون أنتم منها ؟ قالوا كيف \[ لا \][(٤)](#foonote-٤) نخاف، ونحن نعبدها ؟ قال : إنكم تسوون بين الصغير والكبير والذكر والأنثى. أما تخافون الكبير إذ سميتموه بالصغير، وما تخافون الذكر إذ سميتموه بالأنثى. 
ويحتمل أنهم خوفوه بالله بترك عبادة آلهتهم لما كانوا يقولون : ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى  \[ الزمر : ٣ \] ويقولون : هؤلاء شفعاؤنا عند الله  \[ يونس : ١٨ \] \[ فخوفوا بها \][(٥)](#foonote-٥) إبراهيم بترك عبادتهم لما كان عندهم أن عبادتهم إياها تقربهم إلى الله زلفى، وترك العبادة لها يبعدهم. فقال : وقد هدان ولا أخاف ما تشركون به . 
ويحتمل قوله تعالى : وقد هدان  الدين والتوحيد، وهداني طاعته والاتباع لأمره. فقال كيف أخاف  وقد هدان  ؟ 
وقوله تعالى : إلا أن يشاء ربي شيئا  هذا يحتمل \[ وجهين :
أحدهما \][(٦)](#foonote-٦) : لا أخاف إلا أن عصيت ربي في شيء، فعند ذلك أخاف. وأما إذا هداني ربي فإني \[ لا \][(٧)](#foonote-٧) أخاف بتركي عبادتهم. 
والثاني : إلا أن يشاء ربي  إلا أن يبتليني ربي بشيء من المعصية ؛ فعند ذلك أكون في مشيئته ؛ إن شاء عذبني، وإن شاء لم يعذبني. 
وقوله تعالى : وسع ربي كل شيء علما  أي علم ذلك كله عنده، عصيت، أو أطعت.

١ - ساقطة من الأصل وم..
٢ - ساقطة من الأصل وم..
٣ - ساقطة من الأصل وم..
٤ - لا: ساقطة من الأصل وم..
٥ - في الأصل وم: فخوفوها..
٦ - ساقطة من الأصل وم..
٧ -ساقطة من الأصل وم..

### الآية 6:81

> ﻿وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلَا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا ۚ فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ ۖ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ [6:81]

الآية ٨١ وقوله تعالى : وكيف أخاف ما أشركتم  بالله من الأصنام  ولا تخافون أنكم أشركتم بالله ما لم ينزل به عليكم سلطانا  يقول عذرا في كتابه : فأي الفريقين أحق بالأمن  أي أهل أنا أم[(١)](#foonote-١) أنتم ؟  أحق بالأمن إن كنتم تعلمون  أنا أعبد إلها واحدا، وأنتم تعبدون آلهة شتى. 
وقيل : إنهم كانوا يخوفونه بتركه عبادة آلهتهم وعدم[(٢)](#foonote-٢) إشراكه إياها في عبادة الله، فقال : وكيف أخاف ما أشركتم  أنتم بالله من الآلهة  ولا تخافون أنكم أشركتم بالله  غيره  ما لم ينزل به عليكم سلطانا  أي حجة بأن معه شريكا. ثم قال : فأي الفريقين أحق بالأمن  أنا أم[(٣)](#foonote-٣) أنتم ؟ من عبد إلها واحدا \[ آمن عنده أم \][(٤)](#foonote-٤) من عبد آلهة شتى صغارا وكبارا ذكورا وإناثا. وقال[(٥)](#foonote-٥) : كيف أخاف آلهتكم التي تعبدون من دون الله بتركي عبادتها، وهي لا تملك ضرا، إن تركت ذلك، ولا نفعا إن أنا فعلت ذلك ؟ ولا تخافون أنتم بترككم عبادة إلهي، وهو يملك الضر، إن تركتم عبادته، والنفع، إن عبدتموه.  فأي الفريقين أحق بالأمن  \[ من \][(٦)](#foonote-٦) عبد إلها يملك الضر والنفع أم[(٧)](#foonote-٧) من عبد إلها لا يملك ذلك ؟

١ - في الأصل وم: و..
٢ - في الأصل وم: و..
٣ - في الأصل وم: و..
٤ - في الأصل وم: أن يأمن عنده..
٥ - في الأصل وم: أو أن يقال..
٦ - ساقطة من الأصل وم..
٧ - في الأصل وم: أو..

### الآية 6:82

> ﻿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَٰئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ [6:82]

الآية ٨٢ فقيل : رد عليه قومه، فقالوا : الذين آمنوا  برب واحد، يملك الضر والنفع  ولم يلبسوا إيمانهم بظلم  قيل : لم يخلطوا تصديقهم وإيمانهم بشرك، ولم يعبدوا غيره دونه  أولئك لهم الأمن وهم مهتدون  من الضلالة والشرك. قيل : الظل ههنا الشرك. 
قيل : روي عن ابن مسعود رضي الله عنه \[ أنه \][(١)](#foonote-١) قال : لما نزلت هذه الآية  الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم  شق ذلك على المسلمين، فقالوا : يا رسول \[ الله \][(٢)](#foonote-٢) : فأينا لا يظلم نفسه ؟ قال : ليس/١٥٤-أ/ ذلك، إنما هو الشرك. أو لم تسمعوا ما قال لقمان لابنه : يا بني لا تشرك بالله إن الشرك لظلم عظيم  ؟ \[ لقمان : ١٣ \]. 
وعن أبي بكر الصديق رضي الله عنه \[ أنه \][(٣)](#foonote-٣) قال لأصحابه : ما تقولون في هاتين الآيتين. .  الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا  \[ فصلت : ٣٠ \] ثم عملوا له، واستقاموا على أمره، و الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم  أي لم يذنبوا، فقال : ولقد حملتمونا على أمر شديد  الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم  بشرك، و الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا  عليها، فلم يعدلوا عنها بشرك ولا غيره. 
فإن ثبتت هذه الأخبار فهو ما ذكر فيها أن الظلم هو الشرك. وإلا احتمل الظلم ما دون الشرك ؛ أن من لم يظلم، ولم يذنب، فهو في أمن من الله، ومن ارتكب ذنبا أو ظلما فله الخوف ؛ وهو \[ في \][(٤)](#foonote-٤) مشيئة الله ؛ إن شاء عذبه، وإن شاء غفر له، وعفا عنه.

١ - ساقطة من الأصل وم..
٢ - ساقطة من الأصل وم..
٣ - ساقطة من الأصل وم..
٤ - من م، ساقطة من الأصل..

### الآية 6:83

> ﻿وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَىٰ قَوْمِهِ ۚ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ ۗ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ [6:83]

الآية ٨٣ وقوله تعالى : وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم على قومه  الآية ينقض قول من يقول بأن إبراهيم كان غير مؤمن في ذلك الوقت وغير[(١)](#foonote-١) عارف بربه ؛ لأنه أخبر أنه آتاه حججه على قومه. ولو كان هو على ما قالوا لكانت الحجة التي \[ آتاه إياها \][(٢)](#foonote-٢) حججه على قومه دل أنه ليس على ما قالوا. لكن كان عارفا بربه مخلصا له على ما سبق ذكره. 
فإن قال قائل : إن الحجة التي أخذ أنه آتاها  إبراهيم على قومه  قوله : وحاجه قومه قال أتحاجوني في الله وقد هدان ولا أخاف ما تشركون به  \[ الأنعام : ٨٠ \] إلى آخر ما ذكر، فيقال : إن هذه ليست بمحاجة إنما هو تقرير التوحيد والدين. ألا ترى أنه قال : ولا أخاف ما تشركون به إلا أن يشاء ربي شيئا  ؟ والمحاجة ما ذكر في قوله : لا أحب الآفلين  \[ الأنعام : ٧٦ \] وقوله : إني وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفا وما أنا من المشركين  \[ الأنعام : ٧٩ \]، وغيرها من الآيات التي فيها وصف توحيد الرب عز وجل وألوهيته وفساد آلهتهم. 
من ذلك قوله تعالى : قال أتعبدون ما تنحتون   والله خلقكم وما تعملون  ؟ \[ الصافات : ٩٥ و ٩٦ \] وقوله تعالى : لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغني عنك شيئا  ؟ وقوله تعالى : قال هل يسمعونكم إذ تدعون  إلى قوله تعالى : وإذا مرضت فهو يشفين  ؟ \[ الشعراء : ٧٢-٨٠ \]. 
وفيه نقض قول المعتزلة لأنه قال : وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم على قومه  والإيتاء هو الإعطاء، والنجوم والشمس والقمر وما ذكر كانت. دل أن الذي آتى إبراهيم هو محاجته قومه بما ذكرنا، واحتجاجه عليهم بذلك } دل أن له في محاجة إبراهيم قومه صنعا حين[(٣)](#foonote-٣) أضاف إلى نفسه، وهو أن خلق محاجته قومه، وبالله العصمة، وقوله تعالى : وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم على قومه  والذين كانوا يعبدون الأصنام، وهو ما بين سفههم في عبادتهم الأصنام حين[(٤)](#foonote-٤) قال \[ في غير آية، ورد على \][(٥)](#foonote-٥) نمرود قوله[(٦)](#foonote-٦) : أنا أحيي وأميت  إلى آخر الآية \[ البقرة : ٢٥٨ \]. 
وقوله تعالى : نرفع درجات من نشاء  فيه أيضا دلالة نقض قول المعتزلة لأنهم يقولون : إن الله قد شاء لكل أحد أن يبلغ المبلغ الذي إذا بلغ ذلك يصلح للنبوة والرسالة. لكنهم شاؤوا ألا يبلغوا ذلك المبلغ ؛ يجعلون المشيئة في ذلك إلى أنفسهم دون الله. والله أخبر أنه يرفع درجات من يشاء، وهم يقولون : لا يقدر أن يرفع، بل هم يملكون[(٧)](#foonote-٧) أن يرفعوا درجات أنفسهم. فدلت الآية على أن من نال درجة أو فضيلة إنما ينال بفضل الله ومنه. 
ثم قوله تعالى : نرفع درجات ، تحتمل الدرجات \[ وجوها : تحتمل النبوة، وتحتمل الدرجات \][(٨)](#foonote-٨) في الآخرة أن ترفع لهم، وتحتمل الذكر والشرف في الدنيا لما يذكرون في الملإ من الخلق. 
قوله تعالى : إن ربك حكيم عليم  أي  حكيم  في خلق الخلائق ؛ خلق خلقا يدل على وحدانيته، ويدل على أنه مدبر ليس بمبطل في خلقهم، ثم  عليم  بأعمالهم، و عليم  بمصالح الخلق وبما يصلح. والحكيم هو الذي لا يلحقه الخطأ في التدبير.

١ - في الأصل وم: و.
٢ - في الأصل وم: أتاها..
٣ - في الأصل وم: حيث..
٤ - في الأصل وم: حيث..
٥ - في الأصل وم: آي وعلى..
٦ - في الأصل وم: حيث قال..
٧ - من م، في الأصل: يقولون..
٨ - من م، ساقطة من الأصل..

### الآية 6:84

> ﻿وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ ۚ كُلًّا هَدَيْنَا ۚ وَنُوحًا هَدَيْنَا مِنْ قَبْلُ ۖ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَىٰ وَهَارُونَ ۚ وَكَذَٰلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ [6:84]

الآية ٨٤ وقوله تعالى : ووهبنا له إسحاق ويعقوب  يحتمل ما ذكرنا من رفع الدرجات ما ذكر من هبة هؤلاء. وفيه دليل أن ما يكون له من الفضل في هبة أولاده يكون ذلك في أولاد أولاده. 
وقوله تعالى : كلا هدينا ونوحا هدينا من قبل  والهداية هدايتان : هداية إصابة الحق وهداية العلم بالحق ؛ وهي هداية البيان، فهذه الهداية مما يشترك فيها المسلم والكافر جميعا. وأما هداية إصابة الحق فهي خاصة بالرسل والأنبياء والمسلمين. والهداية ههنا هي إصابة الحق لا العلم بالحق لأنهم اشتركوا جميعا في العلم بالحق :\[ الكفار والمسلمون \][(١)](#foonote-١). 
\[ وقوله تعالى \][(٢)](#foonote-٢) : ومن ذريته داوود  قيل : ذرية إبراهيم، وقيل : ذرية نوح ؛ كانوا جميعا من ذرية نوح : إبراهيم ومن ذكر من الرسل. 
وقوله تعالى : وكذلك نجزي المحسنين  أي  وكذلك نجزي المحسنين  بالذكر والشرف والثناء الحسن إلى يوم القيامة كما جزى هؤلاء الرسل بالذكر والشرف والثناء الحسن في ملإ الناس. ويحتمل أن يذكروا في ملإ الملائكة كما ذكروا في ملإ الخلق في الأرض. ويحتمل  وكذلك نجزي المحسنين  في الآخرة بالثواب ورفع الدرجات والجزاء الجزيل. ذكر في فريق أنه كذلك  نجزي المحسنين .

١ - في الأصل وم: الكافر والمسلم..
٢ - ساقطة من الأصل وم..

### الآية 6:85

> ﻿وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَىٰ وَعِيسَىٰ وَإِلْيَاسَ ۖ كُلٌّ مِنَ الصَّالِحِينَ [6:85]

الآية ٨٥ وذكر في فريق آخر  كل من الصالحين .

### الآية 6:86

> ﻿وَإِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطًا ۚ وَكُلًّا فَضَّلْنَا عَلَى الْعَالَمِينَ [6:86]

الآية ٨٦ وذكر في فريق آخر : وكلا فضلنا على العالمين  وهذا، والله أعلم، ليس على تخصيص كل فريق بما ذكر من الذكر، ولكن على الجمع أنهم محسنون صالحون مفضلون على العالمين. 
ثم يحتمل التفضيل لهم بالنبوة أنهم فضلوا على العالمين بالنبوة. ويحتمل أنهم كانوا متفضلين على العالمين بالإحسان والصلاح، ولم يكن لهم رسالة ولا نبوة. ثم يحتمل أنه سماهم محسنين باختيارهم الحال التي كانوا أهلا للرسالة والنبوة. فإن كان هذا فهم الرسل خاصة. ويحتمل \[ قوله تعالى : المحسنين  \[ الآية : ٨٤ \] محسنين \][(١)](#foonote-١) باختيارهم الهداية وإصابة الحق. فإن كان هذا فهو مما يشترك الأنبياء وأهل الإسلام فيه.

١ - في الأصل وم: محسنين..

### الآية 6:87

> ﻿وَمِنْ آبَائِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَإِخْوَانِهِمْ ۖ وَاجْتَبَيْنَاهُمْ وَهَدَيْنَاهُمْ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ [6:87]

الآية ٨٧ وقوله تعالى : ومن آبائهم وذرياتهم وإخوانهم  أما آباؤهم فمن[(١)](#foonote-١) تقدمهم وذرياتهم من تأخرهم وإخوانهم الذين يقارنونهم. وقيل : ذرياتهم محمد صلى الله عليه وسلم وقيل : المؤمنون من بعدهم. 
وقوله تعالى : واجتبيناهم  بالنبوة والرسالة  وهديناهم إلى صراط مستقيم  فذلك لهم خاصة. ويحتمل  واجتبيناهم  بالتوحيد ودين الإسلام ؛ فذلك يعم الأنبياء والمؤمنين[(٢)](#foonote-٢) جميعا لأنه اجتباهم بذلك جميعا. ويحتمل  واجتبيناهم  بما ذكر من رفع الدرجات والفضائل، ويكون صلة قوله تعالى : نرفع درجات من نشاء  \[ الأنعام : ٨٣ \] وذلك أيضا يعم الرسل والمؤمنين، والله أعلم بذلك. 
وفي قوله تعالى : ومن آبائهم وذرياتهم وإخوانهم  الآية دلالة أن من آبائهم وذرياتهم من لم يجتبهم بقوله : ومن  إذ من هو حرف التبعيض.

١ - في الأصل وم: من..
٢ - من م، في الأصل: وبالمؤمنين..

### الآية 6:88

> ﻿ذَٰلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ ۚ وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [6:88]

الآية ٨٨ وقوله تعالى : ذلك هدى الله يهدي به من يشاء من عباده  أي ذلك الهدى الذي هدى هؤلاء، فبهداهم اهتدوا. 
وفي الآية نقض قول المعتزلة لأنهم يقولون : إن الله قد شاء أن يهدي الخلائق كلهم، لكن لم يهتدوا. وعلى قولهم لم يكن من الله إلى الرسل والأنبياء من الهداية والفضل إلا كان ذلك إلى جميع الكفرة. فالآية تكون مسلوبة الفائدة على قولهم لأنه ذكر أنه يهدي من يشاء، وهم يقولون : شاء أن يهدي الكل، لكن لم يهتدوا. فإن كان كما ذكروا لم يكن لقوله تعالى : من يشاء  فائدة. دل أنه من الخلائق من قد شاء ألا يهديهم إذا علم منهم أنهم /١٥٤-ب/ لا يهتدون، ولا يختارون الهدى، وبالله التوفيق. 
وقوله تعالى : ولو أشركوا لحبط عنهم ما كانوا يعملون  هذا نبأ عن الحكم فيهم لو أشركوا. إلا أنهم لا يشركون لأن الله قد عصمهم، واختارهم لرسالته، واختصهم لنبوته، فلا يحتمل أن يشركوا. لكن ذكر هذا ليعلموا أن حكمه واحد في من أشرك في الله غيره : وضيعا كان، أو شريفا. 
وقوله تعالى : لحبط عنهم ما كانوا يعملون  من الحسنات والخيرات التي كانت قبل الإشراك.

### الآية 6:89

> ﻿أُولَٰئِكَ الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ۚ فَإِنْ يَكْفُرْ بِهَا هَٰؤُلَاءِ فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا لَيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ [6:89]

الآية ٨٩ وقوله تعالى : أولئك الذين آتيناهم الكتاب  قيل : الكتب التي أعطى الرسل  والحكم  قيل : العلم والفقه والفهم، وقيل : الأحكام التي أعطاهم  والنبوة  هي أنباء الغيب. وقد ذكرنا. 
وقوله تعالى : فإن يكفر بها هؤلاء  قيل : بها  كناية عن أنباء الغيب والنبوة التي ذكر، وقيل : بها  كناية عن الكتب التي أنزلها على الرسل، وقيل : هي كناية عن الآيات والحجج التي أعطى رسول الله صلى الله عليه وسلم. 
وقوله تعالى : فإن يكفر بها هؤلاء فقد وكلنا بها قوما ليسوا بها بكافرين  اختلف فيه : قال بعضهم : فإن يكفر بها هؤلاء  يعني أهل مكة  فقد وكلنا بها قوما ليسوا بها بكافرين  \[ يعني \][(١)](#foonote-١) أهل المدينة من الأنصار والمهاجرين، وهو قول ابن عباس. وقيل : فإن يكفر بها هؤلاء فقد وكلنا بها قوما ليسوا بها بكافرين  يعني من عد من الرسل والأنبياء. وقيل : فإن يكفر بها هؤلاء  يعني أهل قرابتك[(٢)](#foonote-٢) وأهل صلتك[(٣)](#foonote-٣)  فقد وكلنا بها قوما  من غير أهل قرابتك ليسوا بها بكافرين }. وقيل : فإن يكفر بها هؤلاء  يعني أهل زمانك  فقد وكلنا بها قوما  من تقدمهم من آبائهم وأجدادهم  ليسوا بها بكافرين . وقيل : فإن يكفر بها هؤلاء  يعني أهل الأرض  فقد وكلنا بها قوما  يعني أهل السماء  ليسوا بها بكافرين  قال الحسن، رحمه الله،  فإن يكفر بها هؤلاء  يعني أمتك فقد وكل الله بها النبيين والصالحين من الأمم الخالية  ليسوا بها بكافرين  \[ وهو كما ذكرنا، والله أعلم \][(٤)](#foonote-٤).

١ - ساقطة من الأصل وم..
٢ - من م، في الأصل: قريتك..
٣ - في الأصل وم: وصلتك.
٤ - في الأصل وم: والله أعلم بذلك وهو كما ذكرنا..

### الآية 6:90

> ﻿أُولَٰئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ ۖ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ ۗ قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا ۖ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرَىٰ لِلْعَالَمِينَ [6:90]

الآية ٩٠ وقوله تعالى : أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده  يحتمل  فبهداهم  الذي[(١)](#foonote-١) هدوا أمتهم اهد أنت أمتك. ويحتمل : فبهداهم  الذي[(٢)](#foonote-٢) هدوا هم اهتد أنت فبأمره عز وجل بالأمر بالاقتداء بإخوانه الذين مضوا من الرسل. والهدى هو اسم ما يزان به، ليس هو اسم الأفعال، فلا[(٣)](#foonote-٣) يقال لتارك[(٤)](#foonote-٤) الصلاة والزكاة والصيام ذلك[(٥)](#foonote-٥)، إنما يقال ذلك لمن دان بضد الهدى. أمر رسوله أن يقتدي بهم بذلك. وذلك[(٦)](#foonote-٦) يدل على \[ أن \][(٧)](#foonote-٧) الأنبياء والرسل كانوا على دين واحد، وأن الدين لا يحتمل النسخ والتغيير. ألا ترى أنه قال في آية أخرى : شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا  ؟ \[ الشورى : ١٣ \] وذلك[(٨)](#foonote-٨) يدل على أن الدين واحد، لا يحتمل النسخ، وأما الشرائع فهي مختلفة لأنها تحتمل النسخ، ويحتمل الأمر بالاقتداء بهم ما ذكر. 
\[ وقوله تعالى \][(٩)](#foonote-٩) : فبهداهم اقتده قل لا أسألكم عليه أجرا  أي اقتد بمن تقدم من الرسل، ولا تأخذ على تبليغ الرسالة أجرا كما لم يأخذوا هم. وفي قوله تعالى : قل لا أسألكم عليه أجرا  دليل نقض قول من يجيز أخذ الأجر على تعليم القرآن والعلم ورواية الحديث وغير ذلك من العبادات[(١٠)](#foonote-١٠). وكذلك قوله تعالى : أم تسألهم أجرا فهم من مغرم مثقلون  \[ الطور : ٤٠ \] كأنه، والله أعمل، يجعل لهم العذر في ترك الإجابة له بما يلحقهم من ثقل الأجر والغرم، والله أعلم. 
وفيه أيضا دلالة نقض مذهب القرامطة لأنهم يفرضون[(١١)](#foonote-١١) مذهبهم على الناس، ويأخذون منهم المواثيق والجعل في ذلك. وإنما أخذ المواثيق من الرسل على تبليغ الرسالة إلى قومهم، وأمرهم[(١٢)](#foonote-١٢) بتأليف قلوب الخلق. وفي أخذ الجعل منهم نفور قلوبهم وطباعهم عن ذلك. 
وقوله تعالى : إن هو إلا ذكرى للعالمين  أي ما هذا القرآن إلا ذكرى أي عظة وزجر للعالمين.

١ - في الأصل وم: الذين..
٢ - في الأصل وم: الذين..
٣ - الفاء ساقطة من الأصل وم..
٤ - في الأصل وم: التارك..
٥ - في الأصل وم: هناك..
٦ - الواو ساقطة من الأصل وم..
٧ - ساقطة من الأصل وم..
٨ - من م، في الأصل: أخبر وذلك..
٩ - ساقطة من الأصل وم..
١٠ - من م، في الأصل: العباد..
١١ - في الأصل وم: يعرضون..
١٢ - في الأصل وم: وأمروا..

### الآية 6:91

> ﻿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَىٰ بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ ۗ قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَىٰ نُورًا وَهُدًى لِلنَّاسِ ۖ تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًا ۖ وَعُلِّمْتُمْ مَا لَمْ تَعْلَمُوا أَنْتُمْ وَلَا آبَاؤُكُمْ ۖ قُلِ اللَّهُ ۖ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ [6:91]

الآية ٩١ وقوله تعالى : وما قدروا الله حق قدره  قيل : نزلت سورة الأنعام في محاجة أهل الشرك إلا آيات نزلت في محاجة أهل الكتاب. 
إحداها[(١)](#foonote-١) : هذه  وما قدروا الله حق قدره  الآية، وذكر في موضع آخر : وما قدروا الله حق قدره والأرض جميعا قبضته  الآية \[ الزمر : ٦٧ \] ثم قال بعض أهل التأويل : ما عرفوا الله حق معرفته، وقال غيرهم : ما عظموا الله حق عظمته ؛ ذكروا أن هؤلاء لم يعظموا الله حق عظمته، ولا عرفوه حق معرفته. ومن يقدر أن يعرف \[ الله \] [(٢)](#foonote-٢) حق معرفته ؟ أو من يقدر أن يعبد الله حق عبادته ؟ 
وكذلك روي في الخبر أن الملائكة يقولون يوم القيامة : يا ربنا ما عبدناك حق عبادتك مع ما أخبر عنهم أنهم  لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون  \[ التحريم : ٦ \] وقال : لا يستكبرون عن عبادته، ولا يستحسرون  \[ الأنبياء : ١٩ \] فهم مع هذا كله يقولون : ما عبدناك حق عبادتك. ومن يقدر أن يعرفه حق معرفته، أو يعظمه[(٣)](#foonote-٣) حق عظمته ؟ ولكن تأويلهم، والله أعلم : أي ما عرفوا الله حق المعرفة التي تعرف بالاستدلال، ولا عظموه حق عظمته التي تعظم بالاستدلال. ألا لا أحد[(٤)](#foonote-٤) يقدر أن يعرف الله حق معرفته، ولا يعظمه[(٥)](#foonote-٥) حق عظمته حقيقة ! 
**وهو يخرج على وجهين :**
أحدهما : وما قدروا الله حق قدره  ولا اتقوا \[ الله \][(٦)](#foonote-٦) حق تقواه مما كلفوا به، وأطاقوه، ومما جرى الأمر بذلك. وإنما تجري الكلفة منه على قدر الطاقة والوسع، ألا لا يقدر أحد أن يعظم ربه حق عظمته، ولا اتقاه[(٧)](#foonote-٧) حق تقواه. ولكن ما ذكرنا مما جرت الكلفة. 
والثاني : وما قدروا الله حق قدره  ولا اتقوا \[ الله \][(٨)](#foonote-٨) حق تقاته على القدر الذي يعملون لأنفسهم ؛ أي لو اجتهدوا في تقواه وتعظيمه[(٩)](#foonote-٩) القدر الذي لو كان ذلك العمل لهم، فيجتهدون، ويبلغ جهدهم ذلك \[ لكانوا متقين \][(١٠)](#foonote-١٠). 
وقوله تعالى : إذ قالوا ما أنزل الله على بشر من شيء  لو كان هؤلاء في الحقيقة أهل الكتاب ما أنكروا الرسل ولا الكتب لأن أهل الكتاب يؤمنون ببعض الرسل وببعض الكتب، وإن كانوا يكفرون ببعض. لكن أنكروا الرسل لما كانوا أهل نفاق. ويكون من اليهود أهل نفاق كما يكون من أهل الإسلام. كانوا يظهرون الموافقة لهم، ويضمرون الخلاف لهم والموالاة لأهل الشرك، ويظاهرون عليهم كما كان يفعل ذلك منافقو أهل الإسلام ؛ كانوا يظهرون الموافقة لرسول الله صلى الله عليه وسلم ويضمرون الخلاف له، ويظاهرون المشركين عليه. فأطلع الله رسول على نفاقهم ليعلم قومهم خلافهم، وأن ما كان من تحريف الأحكام وتغييرها وكتمان بعث[(١١)](#foonote-١١) محمد \[ عليه أفضل الصلوات \][(١٢)](#foonote-١٢) وصفته إنما كان من هؤلاء. 
وذكر في بعض القصة أنها نزلت في شأن مالك بن الصيف، وكان سمينا، فدخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : هل تجد في التوراة أن الله يبغض كل حبر سمين، فقال : نعم، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم فأنت حبر سمين يبغضك الله، فغضب، فقال : ما أنزل الله على بشر  أنكر الرسل والكتب جميعا، فأكذبه به تعالى، وأظهر نفاقه عند قومه. فقال : قل من أنزل الكتاب الذي جاء به موسى نورا وهدى للناس تجعلونه قراطيس تبدونها وتخفون كثيرا  قيل  تجعلونه قراطيس  يعني صحفا، ثم تكتبونه[(١٣)](#foonote-١٣) في الصحف، ثم تنكرون أنه  ما أنزل الله على بشر من شيء  أي فالذي كنتم كتبتموه : أن لم ينزل  الله على بشر من شيء   تبدونها وتخفون كثيرا  /١٥٥-أ/ \[ تكتبون ما تظهرون \][(١٤)](#foonote-١٤) في الصحف ما ليس فيه صفة رسول الله \[ وبعثه \][(١٥)](#foonote-١٥) صلى الله عليه وسلم \[ وتخفون ما فيه صفته وبعثه[(١٦)](#foonote-١٦)، وتغيرون. وقيل : تبدونها  أي تظهرون قراءتها  وتخفون كثيرا  مما فيه بعثه[(١٧)](#foonote-١٧) صلى الله عليه وسلم \][(١٨)](#foonote-١٨)، وما[(١٩)](#foonote-١٩) فيه من الأحكام التي لا تطيب فيها أنفسهم من أمر الرجم والقصاص وغير ذلك. 
وقوله تعالى : قل من أنزل الكتاب الذي جاء به موسى نورا وهدى للناس  سمى عز وجل جميع كتبه  نورا وهدى  وهو نور من الظلمات ؛ أي يرفع الشبهات، ويجليها، وهدى من الضلالات أي بيانا ودليلا من الحيرة والهلاك، وبالله العصمة والنجاة. 
وقوله تعالى : وعلمتم ما لم تعلموا  قال مجاهد : الآية في المسلمين ؛ يقول : علموا ما لم يعلموا لوا آباؤهم. وقال الحسن : الآية في الكفرة ؛ أي  وعلمتم ما لم تعلموا أنتم ولا آباؤكم  من تحريف أولئك الكتاب وتغييرهم إياه. وقيل : وعلمتم ما  في التوراة  لم تعلموا أنتم ولا  يعلمه  آباؤكم . 
ثم قال : ثم ذرهم  قال بعضهم : قوله تعالى : قل الله  هو صلة قوله : قل من أنزل الكتاب الذي جاء به موسى نورا  ؟ يا محمد  قل الله  أنزله على موسى. وقيل : صلة قوله : قل من أنزل الكتاب الذي جاء به موسى نورا  ؟ قل : يا محمد  الله   وعلمتم ما لم تعلموا أنتم ولا آباؤكم  قال : يا محمد الله علمكم. ويحتمل أن يكون عز وجل سخرهم حتى قالوا ذلك، فكان ذلك حجة عليهم. 
\[ وقوله \][(٢٠)](#foonote-٢٠) تعالى : ثم ذرهم في خوضهم يلعبون  هذا يحتمل \[ وجهين :
أحدهما \][(٢١)](#foonote-٢١) : ذرهم  ولا تكافئهم بصنيعهم كقوله تعالى : فاعف عنهم واصفح  \[ المائدة : ١٣ \]. 
والثاني : أنه قد أقام عليهم الحجج، وظهرت عندهم البراهين، لكنهم كابروا، وعاندوا، فأمره أن يذرهم، ولا يقيم عليهم الآيات والحجج بعد ذلك. ولكن تدعوهم إلى التوحيد، لا تذر دعاءهم إلى التوحيد، ولكن \[ عليك أن \][(٢٢)](#foonote-٢٢) تذرهم، ولا تقيم عليهم الحجج. 
وقوله تعالى : في خوضهم  أي في باطلهم وتكذيبهم  يعمهون .

١ - في الأصل وم: أحدها..
٢ - ساقطة من الأصل وم..
٣ - في الأصل وم: يعظموه..
٤ - من م، في الأصل: حد..
٥ - في الأصل وم: عظمه..
٦ -ساقطة من الأصل وم..
٧ - في الأصل وم: اتقى..
٨ - ساقطة من الأصل وم..
٩ - في الأصل وم: عظمته..
١٠ - في الأصل وم: فقد اتقوا..
١١ - في الأصل وم: نعت..
١٢ - في م: صلى الله عليه وسلم..
١٣ - في الأصل وم: كتبتموه..
١٤ - في الأصل وم: يقولون يظهرون ما..
١٥ - في م: ونعته، ساقطة من الأصل..
١٦ -في م: ونعته..
١٧ - في م: نعته.
١٨ -من م، ساقطة من الأصل..
١٩ - في الأصل وم: أي ما..
٢٠ - ساقطة من الأصل وم..
٢١ - في م: وجهين يحتمل، ساقطة من الأصل..
٢٢ - ساقطة من الأصل وم..

### الآية 6:92

> ﻿وَهَٰذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَىٰ وَمَنْ حَوْلَهَا ۚ وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ يُؤْمِنُونَ بِهِ ۖ وَهُمْ عَلَىٰ صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ [6:92]

الآية ٩٢ وقوله تعالى : وهذا كتاب أنزلناه مبارك  قيل : القرآن  أنزلناه مبارك  سماه مرة مباركا، ومرة هدى ورحمة، ومرة شفاء، ومجيدا، وكريما، وحكيما، وليس يوصف هو في الحقيقة ب : نور ولا مبارك ولا رحمة ولا هدى ولا شفاء، ولا مجيد ولا كريم ولا حكيم لأنه صفة، ولا يكون للصفة صفة توصف بها، ولو كان هو في الحقيقة نورا ورحمة وهدى أو ما ذكر. 
فلما ذكر أنه  عمى  على بعض[(١)](#foonote-١)، وأخبر أنه يزيدهم[(٢)](#foonote-٢) بذلك رجسا إلى رجسهم، دل أنه ليس هو في الحقيقة كذلك، لأنه لو كان كذلك لكان لكل أحد. لكن سماه بهذه الأسماء ؛ سماه نورا لما يصير نورا للمسترشدين، ويصير شفاء ورحمة للمتقين[(٣)](#foonote-٣) ليشفوا الداء الذي يحل في الدين، وسماه روحا لما يحيي به الدين، وسماه حكيما لما يصير من عرف بواطنه، واتبعه، حكيما، وكذلك سماه مجيدا كريما لما يدعو الخلق إلى المجد والكرم ؛ فمن اتبعه تخلق بأخلاق حميد، فيصير مجيدا كريما. وسماه مباركا لما به تنال كل بركة، والبركة اسم لكل ما يثمر، وينمو في الحادث ؛ فمن اتبعه نال به كل بر وخير وكل ثمرة، ونما في الحادث. هذا وجه الوصف بما ذكرنا. 
وقوله تعالى : مصدق الذي بين يديه  من الكتب لأنه كان يدعو الخلق إلى ما كانت تدعو سائر الكتب التي أنزلها \[ الله \][(٤)](#foonote-٤) على الرسل من توحيد الله والنهي عن إشراك غيره في الألوهية والربوبية، وتدعو إلى كل عدل وإحسان، وتنهى عن كل فاحشة ومنكر، وكذلك سائر الكتب دعت الخلق إلى دعاء هذا ؛ لم يخالف بعضهم بعضا، بل كانت موافقة بعضها البعض. لذلك قال : مصدق الذي بين يديه  \[ والله أعلم \][(٥)](#foonote-٥). 
وقوله تعالى : ولتنذر أم القرى ومن حولها  قيل[(٦)](#foonote-٦) : أم القرى مكة، وسميت أم القرى لوجهين :
أحدهما : لأنها متقدمة، ومنها دحيت الأرض على ما ذكر أهل التأويل. 
والثاني : سميت أم القرى لأنها مقصد الخلق في الحج ؛ وفيها تقضى[(٧)](#foonote-٧) المناسك، وإليها يقصدون، ويؤمون، وإليها يتوجهون في الصلوات. وهي مقصد أهل القرى. وقوله عز وجل  ولتنذر أم القرى  أي أهل أم القرى. 
وقوله تعالى : والذين يؤمنون بالآخرة يؤمنون به  فإن قيل : أخبر أن من آمن بالبعث يؤمن بهذا الكتاب، وأهل الكتاب يؤمنون بالبعث، ولا يؤمنون به، فما معناه ؟ قيل : يحتمل هذا وجوها :
أحدها : أن يكون هذا من قوم مخصوصين ؛ إذا آمنوا بالبعث آمنوا به كقوله تعالى : أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون  \[ البقرة : ٦ ويس : ١٠ \] هذا من قوم مخصوصين، لأنه قد آمن كثير منهم بالإنذار، فعلى ذلك الأول. 
والثاني : قوله تعالى : والذين يؤمنون بالآخرة  بالعلم والحجج آمنوا بالقرآن لأن القرآن جاء في تأييد حجج البعث وتأكيده فلا يجوز أن يؤمنوا بما يؤيده القرآن، ولا يؤمنوا بالقرآن. 
والثالث : يحتمل أن يكون إخبارا عن أوائلهم أنهم كانوا مؤمنين بالبعث بالآيات والحجج راغبين فيه. فلما جاء آمنوا به، وأمكن أن تكون الآية في المؤمنين \[ لأنه \][(٨)](#foonote-٨) أخبر أنهم آمنوا بالآخرة، وآمنوا بالقرآن. ألا ترى أنه قال : وهم على صلاتهم يحافظون  ؟ 
ويحتمل  والذين يؤمنون بالآخرة  يحق لهم أن يؤمنوا بالقرآن لأنه به يتزود للآخرة. ويحتمل ما ذكرنا من الوجوه.

١ - إشارة إلى قوله تعالى: وهو عليهم عمى \[فصلت: ٤٤\]..
٢ - إشارة إلى قوله تعالى: وأما الذين في قلوبهم مرض فزادتهم رجسا إن رجسهم وماتوا وهم كافرون \[التوبة: ١٢٥\]، في الأصل وم: يزداد..
٣ - من م، في الأصل للمتبعين..
٤ - ساقطة من الأصل وم..
٥ - ساقطة من الأصل..
٦ - في الأصل وم: وقيل..
٧ - من م، في الأصل تقتضي..
٨ - ساقطة من الأصل وم..

### الآية 6:93

> ﻿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَىٰ عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ وَمَنْ قَالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ ۗ وَلَوْ تَرَىٰ إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ ۖ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنْتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ [6:93]

الآية ٩٣ وقوله تعالى : ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا  هذا في الظاهر استفهام وسؤال لم يذكر له جواب. لكن أهل التأويل فسروا، فقالوا : لا أحد  أظلم ممن افترى على الله كذبا  وهذا جواب له، هو تفسيره. لكن ترك ذكر الجواب لمعرفة أهل الخطاب به، وقد يكون[(١)](#foonote-١) الجواب لمعرفة أهله به. 
وقوله تعالى : ومن أظلم  أكثرهم قد ظلموا، أو كلهم قد ظلموا. لكن كأنه قال : لا أحد أفحش ظلما ممن افترى على الله لأنه يتقلب في أنعم الله في ليله ونهاره وإحسانه فهو أفحش ظلما، وأوحش كذبا. 
وقوله تعالى : أو قال أوحي إلي ولم يوح إليه شيء  في الآية دلالة أن نافي الرسالة عمن له الرسالة في الافتراء على الله والكذب كمدعي الرسالة لنفسه، وليست له الرسالة. سواء كلاهما مفتر على الله كذبا. وكذلك من ادعى أنه ينزل مثل ما أنزل الله، أو من ادعى أنه لم ينزل الله شيئا، فهو في الافتراء على الله كالذي ادعى أنه ينزل مثل ما أنزل الله : النافي والمدعي في ذلك سواء شرعا. فعلى ذلك يكون نافي[(٢)](#foonote-٢) الشيء ومثبته في إقامة الحجة والدليل سواء، والله أعلم. 
وذكر أهل التأويل أن قوله تعالى : أو قال أوحي إلي ولم يوح إليه شيء  نزل في مسيلمة الكذاب، ونزل قوله تعالى : ومن قال سأنزل مثل ما أنزل الله  في عبد الله بن سعد[(٣)](#foonote-٣) بن أبي سرح، لكن ليس لنا إلى معرفة هذا حاجة ؛ هم وغيرهم ومن ادعى، وافترى على الله كذبا، سواء في الوعيد. 
وقوله تعالى : ومن قال سأنزل مثل ما أنزل الله  ادعى بعضهم أنهم يقولون مثل ما قال الله إنكارا منهم له كقوله تعالى : وإذا تتلى عليهم آياتنا قالوا قد سمعنا لو نشاء لقلنا مثل هذا  \[ الأنفال : ٣١ \]. 
وقوله تعالى : ولو ترى إذ الظالمون في غمرات الموت والملائكة باسطوا أيديهم أخرجوا أنفسكم اليوم  عن ابن عباس رضي الله عنه \[ أنه \][(٤)](#foonote-٤) قال : قوله تعالى : في غمرات الموت  سكراته وغشيانه  والملائكة باسطوا أيديهم  يقول ملك الموت وأعوانه الذين معه من ملائكة العذاب  باسطوا أيديهم  يقول : ضاربو  أيديهم  أنفسهم ؛ يقولون لها : اخرجي ؛ يعني الأرواح ؛ وهو قول تعالى : أخرجوا أنفسكم  وهو عند الموت. وكذلك يقول قتادة. 
وقال الحسن : ذلك في النار في الآخرة : ضرب الوجوه والأدبار[(٥)](#foonote-٥). 
وقوله تعالى : في غمرات الموت  أي كثرة العذاب وشدته ؛ يقال للشيء الكثير الغمر، وهو كقوله تعالى : ويأتيه الموت من كل مكان  /١٥٥-ب/ \[ إبراهيم : ١٧ \] أي أسباب الموت. ولو كان هناك موت يموت لشدة العذاب. 
وقوله تعالى : باسطوا أيديهم  بضرب الوجوه والأدبار  أخرجوا أنفسكم  على حقيقة الخروج منها كقوله تعالى : يريدون أن يخرجوا من النار وما هم بخارجين منها  \[ المائدة : ٣٧ \] والأول ليس على حقيقة الخروج، ولكن كما يقال عند نزول الشدائد : أخرج نفسك. وقال مجاهد : هذا في القتال بضرب الملائكة وجوههم وأدبارهم، يعني الأستاه. ولكنه يكون، وهو قول ابن عباس رضي الله عنه وقتادة، عند الموت. 
قال أبو عوسجة : غمرات الموت : سكراته وشدائده، والغمر هو الماء الكثير، والغمر الحقد والغمر الذي لم يجرب الأمور، والغمر الدسم، والغمر القدح الصغير من الخشب، وغمرة الحرب وسطها. 
وقوله تعالى : اليوم تجزون عذاب الهون  قيل : عذاب الهون لا رأفة فيه، ولا رحمة، أي الشدائد  بما كنتم تقولون على الله غير الحق  بأن معه شريكا وآلهة  وكنتم عن آياته تستكبرون  أنه لم ينزل شيئا، ولم يوح إليه بشيء، وإنما أوحى إليه، وغير ذلك من الافتراء الذي ذكروا، وبالله العصمة.

١ - في الأصل وم: يقول..
٢ - في الأصل وم: في..
٣ - في الأصل وم: مسعود..
٤ - ساقطة من الأصل وم..
٥ - إشارة إلى قوله تعالى: يضربون وجوههم وأدبارهم \[الأنفال: ٥٠ ومحمد: ٢٧\]..

### الآية 6:94

> ﻿وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَىٰ كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ ۖ وَمَا نَرَىٰ مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ ۚ لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنْكُمْ مَا كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ [6:94]

الآية ٩٤ وقوله تعالى : ولقد جئتمونا فرادى كما خلقناكم أول مرة  يحتمل هذا، والله أعلم، وجوها :
\[ أحدها :\][(١)](#foonote-١) أي أعدناكم، وبعثناكم فرادى بلا معين ولا ناصر  كما خلقناكم أول مرة  بلا معين ولا ناصر. 
والثاني : أعيدكم وأبعثكم فرادى بلا أعوان ولا شفعاء يشفعون لكم، ويعين[(٢)](#foonote-٢) بعَضكم بعضا، كما خلقناكم في الابتداء لم يكن لكم شفعاء ولا أعوان. 
وقيل[(٣)](#foonote-٣) : يبعثكم، ويعيدكم بلا مال ولا شيء من الدنياوية كما خلقكم في الابتداء، ولم يكن لكم مال ولا شيء من الدنياوية. 
وجائز[(٤)](#foonote-٤) أن يكون قوله تعالى : ولقد جئتمونا فرادى  ليس معكم ما تفتخرون به من الخدم والأموال والقرابات التي افتخرتم في الدنيا  كما خلقناكم أول مرة . 
وجائز[(٥)](#foonote-٥) أن \[ يكون \][(٦)](#foonote-٦) قوله  كما خلقناكم أول مرة  منفصلا \[ عن \][(٧)](#foonote-٧) قوله : ولقد جئتمونا فرادى  فيكون[(٨)](#foonote-٨) جواب سؤال : أن كيف نبعث[(٩)](#foonote-٩) ؟ فقال : تبعثون[(١٠)](#foonote-١٠) كما خلقناكم أول مرة. 
وقوله تعالى : وتركتم ما خولناكم وراء ظهوركم  يحتمل \[ وجهين :
أحدهما :\][(١١)](#foonote-١١) تركتم  ما خولناكم وراء ظهوركم  ولا تلتفتون إليه، ولا تنظرون، كالمنبوذ وراء ظهوركم. إنما نظركم إلى أعمالكم التي قدمتموها. 
والثاني : لم تقدموا  ما خولناكم  ولم تنتفعوا منه، بل تركتموه[(١٢)](#foonote-١٢)  وراء ظهوركم  لا تنتفعون[(١٣)](#foonote-١٣) إنما منفعتكم ما قدمتموه، وأنفقتم منه. 
وقوله تعالى : ما خولناكم  قيل : أعطيناكم، وقيل : رزقناكم، وقيل : مكناكم، وهو واحد. 
وقوله تعالى : وما نرى معكم شفعاءكم الذين زعمتم أنهم فيكم شركاء  إنهم كانوا يجعلون لله شركاء في عبادته وألوهيته، ويقولون : هؤلاء شفعاؤنا عند الله  \[ يونس : ١٨ \] ويقولون  ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى  \[ الزمر : ٣ \] يقول الله تعالى : وما نرى معكم شفعاءكم الذين زعمتم أنهم فيكم شركاء  لله في عبادتكم، وزعمتم أنهم شفعاؤكم عند الله، بل شغلوا هم بأنفسهم ؛ يخبر عن سفههم وقلة نظرهم منهم. 
وقوله تعالى : لقد تقطع بينكم  قرئ بالرفع والنصب جميعا[(١٤)](#foonote-١٤) ؛ فمن قرأ بالرفع يقول : لقد تقطع تواصلكم، ومن قرأ بالنصب يقول : لقد تقطع ما كان بينكم من التواصل وتعاون بعضكم[(١٥)](#foonote-١٥) بعضا في هذه الدنيا ؛ إنهم كانوا يتعارفون، ويتناصرون[(١٦)](#foonote-١٦). 
يخبر أن ذلك كله ينقطع في الآخرة، ويصير بعضهم أعداء لبعض، ويتبرأ بعضهم من بعض كقوله تعالى : إذ تبرأ الذين اتبعوا من الذين اتبعوا  البقرة : ١٦٦ \] وكقوله تعالى  الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين  \[ الزخرف : ٦٧ \] وكقوله تعالى : وإذا حشر الناس كانوا لهم أعداء وكانوا بعبادتهم كافرين  \[ الأحقاف : ٦ \] وكقوله تعالى : سيكفرون بعبادتهم  الآية \[ مريم : ٨٢ \] يصير المعبودون أعداء للمعبودين، وتصير الوصلة والمودة التي في ما بينهم في هذه الدنيا عداوة، والرحم والقرابة \[ التي كانت بينهم منقطعة \][(١٧)](#foonote-١٧) حتى يفر بعضهم من بعض كقوله تعالى : يوم يفر المرء من أخيه   وأمه وأبيه  \[ عبس : ٣٤و ٣٥ \]. 
وقوله تعالى : ما كنتم تزعمون  أي ذهب عنكم، وبطل  ما كنتم تزعمون  أنهم شفعاؤكم عند الله، وبالله العصمة والنجاة.

١ - ساقطة من الأصل وم..
٢ - الواو ساقطة من الأصل وم..
٣ - هذا هو الوجه الثالث..
٤ - هذا هو الوجه الرابع..
٥ - هذا هو الوجه الخامس..
٦ - ساقطة من الأصل وم..
٧ -ساقطة من الأصل وم..
٨ - في الأصل وم: لكن..
٩ - في الأصل وم: يبعثون..
١٠ - أدرج قبلها في الأصل وم: أي..
١١ - ساقطة من الأصل وم..
١٢ - في الأصل وم: تركتم..
١٣ - في الأصل وم: تنتفعوا..
١٤ - انظر معجم القراءات القرآنية ج ٢/ ٢٩٦.
١٥ - في الأصل وم: بعضهم..
١٦ - أدرج بعدها في الأصل وم: بعضهم بعضا..
١٧ - في الأصل وم: الذي مات بينهم منقطعا..

### الآية 6:95

> ﻿۞ إِنَّ اللَّهَ فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَىٰ ۖ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ ۚ ذَٰلِكُمُ اللَّهُ ۖ فَأَنَّىٰ تُؤْفَكُونَ [6:95]

الآية ٩٥ وقوله تعالى : إن الله فالق الحب والنوى  قيل : فالق الحب والنوى  كما قال الله تعالى : فاطر السماوات والأرض  \[ الأنعام : ١٤ \] وكقوله تعالى : أو خلقا مما يكبر في صدوركم فسيقولون من يعيدنا قل الذي فطركم أول مرة فسينغضون إليك رءوسهم ويقولون متى هو قل عسى أن يكون قريبا  \[ الإسراء : ٥١ \] أي خلقكم ؛ يخبر أنه  فالق الحب والنوى  خص الحب \[ والنوى \][(١)](#foonote-١) بالذكر لما منهما خلق جميع ما في الدنيا من الأنزال والحبوب كقوله تعالى : خلقكم من نفس واحدة  \[ النساء : ١ \] منه ما خلق ما في الدنيا من البشر، فأضاف ذلك إليه. فعلى ذلك لما خلق هذه الأنزال كلها من الحب والنوى، ومنهما[(٢)](#foonote-٢) أخرج، أضاف إليه[(٣)](#foonote-٣) ذلك، والله أعلم. 
ويحتمل ليس بإخبار عن ابتداء إنشاء، ولكن إخبار عن لطفه \[ وقدرته \][(٤)](#foonote-٤) والفلق هو الشق. يخبر أنه يشق النواة مع شدتها وصلابتها، ويخرج منها نبتا أخضر لينا ما لو اجتمع كل الخلائق على إنفاذه وإخراج مثله من غير أذى يصيب ذلك النبت ما قدروا عليه ؛ يخبر عن لطفه وقدرته. أي من قدر على هذا \[ فهو قادر \][(٥)](#foonote-٥) على إعادة الخلق وبعثهم بعد إماتتهم وإفنائهم، وإن لم يبق لهم أثر، ما قدر على هذا ؛ يعرفهم قدرته أنها غير مقدرة بقدرة الخلق وبقوتهم، بل خارجة عن قوتهم لأن قوته وقدرته ذاتية أزلية بلا سبب، وقوتهم وقدرتهم بأسباب. وكذلك ما يشق من الورق الضعيف اللين \[ من \][(٦)](#foonote-٦) الشجر والنخل مع شدته وصلابته ما لو اجتمع الخلائق كلهم على شق ذلك الشجر بذلك الورق مع لينه ما قدروا عليه ؛ يعرفهم لطفه وقدرته أنه لا يعجزه شيء. 
وفيه أن ذلك فعل واحد لأنه لو كان فعل عدد لكان إذا أراد هذا شقه منع الآخر عن ذلك. وفيه أنه على تدبير خرج لا جزافا حين[(٧)](#foonote-٧)اتفق ذلك في كل عام على قدر واحد. 
وقوله تعالى : يخرج الحي من الميت ومخرج الميت من الحي  إن الحب والنوى التي ذكر ميت يخرج[(٨)](#foonote-٨) منها النبات الأخضر حيا، ثم يميت ذلك، ويخرج منه حبا ونوى[(٩)](#foonote-٩). وفيه دلالة البعث بعد الموت ؛ يقول : إن الذي قدر على إخراج النبات الأخضر الحي من حبة ميتة ونواة ميتة، وليس فيها من أثر ذلك الحي شيء، لقادر أن يبعثهم، ويحييهم بعد الموت، وإن لم يبق من أثر الحياة شيء. وقد ذكرنا هذا في ما تقدم في غير موضع. 
وقوله تعالى : فأنى تؤفكون  أي ذلكم الذي يفعل ذلك ؛ هو الله تعالى، لا الأصنام التي تعبدونها، وأشركتم في عبادتكم الله[(١٠)](#foonote-١٠) وألوهيته. أي حجة تصرفكم عما ذكر ؟ أي حجة لكم في صرف الألوهية عنه إلى غيره وفي[(١١)](#foonote-١١) صرف العبادة إلى الأصنام ؟ 
وقوله تعالى : فأنى تؤفكون  قيل : فأنى تصرفون عما ذكر من دلالات وألوهيته وربوبيته. والإفك هو الصرف في اللغة كقوله تعالى : قالوا أجئتنا لتأفكنا عن آلهتنا  \[ الأحقاف : ٢٢ \] أي[(١٢)](#foonote-١٢) لتصرفنا. وقيل : تؤفكون  تكذبون ؛ أي ما الذي حملكم على الكذب ؟ والكذب والصرف واحد في الحقيقة، لأن الكذب هو صرف قول الحق إلى الباطل، وهما واحد.

١ - ساقطة من الأصل وم..
٢ - من م، في الأصل: ومنها..
٣ - في الأصل وم: إليهما..
٤ - ساقطة من الأصل وم..
٥ - في الأصل وم: لقادر..
٦ - ساقطة من الأصل وم..
٧ - في الأصل وم: حيث..
٨ -في الأصل وم: فيخرج..
٩ - في الأصل وم: والنواة..
١٠ - في الأصل وم: لله..
١١ - في الأصل وم: ولا..
١٢ - في الأصل وم: و..

### الآية 6:96

> ﻿فَالِقُ الْإِصْبَاحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا ۚ ذَٰلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ [6:96]

الآية ٩٦ وقوله تعالى : فالق الإصباح  هو يحتمل الوجهين اللذين ذكرتهما في قوله تعالى : فالق الحب والنوى  \[ يحتمل الإخبار \][(١)](#foonote-١) من ابتداء خلقه، ويحتمل الشق أي يشق النهار من الليل والليل من النهار بعد ما تلف كل واحد منهما، ولم[(٢)](#foonote-٢) يبق له أثر. ففيه دليل البعث والإحياء بعد الموت ؛ أي إن الذي قدر على إنشاء النهار والليل من النهار بعد ما تلف، وذهب أثره لقادر على إنشاء الخلق وبعثهم بعد الموت وذهاب آثارهم. 
وقوله تعالى : وجعل الليل سكنا  وراحة للخلق  وجعلنا النهار معاشا  \[ النبإ : ١١ \] لهم يعيشون فيه، وجعلهما آيتين من آيات ربوبيته ووحدانيته مسخرين يغلبان الخلائق، ويقهرانهم، ويكونون/ ١٥٦-أ/ تحت سلطانهما، ويجريان على سنن واحد أن لهما مدبرا خالفا عليهما، ولو كان يجريان بطباعهما لكان يختلف جريانهما، \[ ولو لم يتسق عدل اتساقهما وجريانهما \][(٣)](#foonote-٣) مجرى واحدا لكان[(٤)](#foonote-٤) لعير فيهما تدبير[(٥)](#foonote-٥). وكذلك الشمس والقمر جعلهما مسخرين لمنافع الخلق لنضج الأنزال وينعها ولمعرفة عدد الأيام والشهور والسنين، ويجريان مجرى واحدا ومسلكا واحدا غير مختلف ؛ دل ذلك أنهما كانا بمدبر عليم حكيم. 
وفي قوله تعالى : فالق الإصباح وجعل الليل سكنا  دلالة نقض المعتزلة لأن الإصباح هو فعل الخلق لأنه مصدر أصبح، وكذلك السكن هو فعل الخلق، ثم أضاف ذلك كله إلى نفسه، دل أنه خالق أفعالهم. 
وقوله تعالى : والشمس والقمر حسبانا  اختلف فيه : قال أبو عبيد : هو من الحساب، وهو حساب وحسبان مثل شهاب وشهبان، وهو كقوله تعالى : هو الذي جعل الشمس ضياء والقمر نورا وقدره منازل لتعلموا عدد السنين والحساب  \[ يونس : ٥ \] وقيل : حسبانا  أي جريانا يجريان، ويدوران أبدا، لا يستريحان ؛ دل أنهما كانا \[ ليسا \][(٦)](#foonote-٦) بغير مسخرين للخلق لأنهما لو كان بطباعهما لكانا يستريحان، وقيل : حسبانا  أي ضياء كقوله تعالى : جعل الشمس ضياء والقمر نورا  \[ يونس : ٥ \] والله أعلم بذلك. 
وقوله تعالى : ذلك تقدير العزيز العليم  أي ذلك الجريان الذي ذكر، وتلك المنافع التي جعلت فيهما  تقدير العزيز  قال الحسن : العزيز  هو الذي لا يعجزه شيء، و العزيز  هو الذي يعز كل عزيز. وقال بعضهم أهل التأويل  العزيز  المنيع في سلطانه المنتقم من أعدائه  العليم  بمصالح الخلق وبما كان، ويكون، وبحوائجهم، وبالله التوفيق.

١ - في الأصل وم: خبر..
٢ - الواو ساقطة من الأصل وم..
٣ - من م، ساقطة من الأصل..
٤ - في الأصل وم: أن..
٥ - في الأصل وم: تدبيرا..
٦ - ساقطة من الأصل وم..

### الآية 6:97

> ﻿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ ۗ قَدْ فَصَّلْنَا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ [6:97]

الآية ٩٧ وقوله تعالى : وهو الذي جعل لكم النجوم لتهتدوا بها في ظلمات البر والبحر  والمراد منه الظلمات. وذكر في قوله تعالى : قل من ينجيكم من ظلمات البر والبحر  \[ الأنعام : ٦٣ \] وأراد بالظلمات الشدائد والأهوال التي تصيبهم. ألا ترى أنه قال  تدعونه تضرعا وخفية  ؟ \[ الأنعام : ٦٣ \] عند الشدائد والأهوال التي تنزل بهم. إنما[(١)](#foonote-١) الدافع عنهم ذلك لا هؤلاء الأصنام التي يعبدون دون الله، ويشركونها في عبادته. 
ويذكر في قوله تعالى : قل من ينجيكم من ظلمات البر والبحر  عظيم ما أنعم عليهم بما جعل لهم في السماء نجوما ليهتدوا بها للطرق والمسالك في البحار والبراري عند اشتباهها عليهم. 
وفيه دليل وحدانية الرب وتدبيره وحكمته لأنه جعل في السماء أدلة يهتدون بها، ويستدلون على معرفة الطرق مع بعد ما بينهما من المسافة، وتسوية أسباب الأرض بأسباب السماء، وتعلق منافع بعضها ببعض ليعلموا أنه كان بواحد مدبر عليم حكيم ؛ إذ لو كان بعدد أو بمن لا تدبير له \[ ولا \][(٢)](#foonote-٢) حكمة لا يحتمل ذلك، ولم يتسق ما ذكرنا. دل أنه بالواحد العليم الحكيم مع علمهم أن الأصنام التي يعبدونها، ويشركونها[(٣)](#foonote-٣) في عبادته لا تقدر[(٤)](#foonote-٤) على ذلك، لكنهم يعبدونها، ويشركونها في ألوهيته سفها منهم وعنادا، وبالله العصمة والتوفيق. 
وفي قوله تعالى : فالق الحب والنوى  وقوله تعالى : فالق الإصباح  وقوله تعالى : جعل لكم النجوم لتهتدوا بها  وغير ذلك من الآيات التي ذكر تذكير نعمه وإحسانه إليهم ليستأدي[(٥)](#foonote-٥) بذلك شكره وجعل السعي له. 
وجائز أن يستدل به على تذكير قدرته وسلطانه أن من قدر على ما ذكر لا يحتمل أن يعجزه شيء. وفيه تذكير تدبيره وعلمه وحكمه على ما ذكرنا من اتساق الأمور \[ والأحوال على سنن }[(٦)](#foonote-٦) واحد. 
وقوله تعالى : قد فصلنا الآيات  قيل : صرفنا الآيات أي صرفنا كل آية إلى موضعها الذي يكون لهم دليلا عند الحاجة إليها. وقيل : قد فصلنا الآيات لقوم يعلمون  أي لقوم ينتفعون بعلمهم ؛ فإذا انتفعوا بها صارت الآيات لهم لأن من انتفع بشيء يصير ذلك له. لذلك ذكر  لقوم يعلمون  لأنهم[(٧)](#foonote-٧) إذا \[ لم ينتفعوا بها \][(٨)](#foonote-٨) لم تصر الآيات لهم.

١ - في الأصل وم: بما..
٢ - من م، ساقطة من الأصل..
٣ - في الأصل وم: وأشركوا..
٤ في الأصل: لا يقتدرون، في م: لا يقدرون..
٥ - في الأصل وم: يستأدي..
٦ - في الأصل وم: والحال على أمر..
٧ - من م، في الأصل: أنهم..
٨ - من م، ساقطة من الأصل..

### الآية 6:98

> ﻿وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ ۗ قَدْ فَصَّلْنَا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ [6:98]

الآية ٩٨ وقوله تعالى : وهو الذي أنشأكم من نفس واحدة  فيه دلالة أنه  يبدئ ويعيد  \[ البروج : ١٣ \] من غير شيء لأنه أخبر أنه خلق البشر كله من نفس واحدة. والخلائق كلهم لو اجتمعوا ما \[ قدروا على ذلك }[(١)](#foonote-١) ولم تكن الخلائق بأجمعهم في تلك النفس الواحدة. دل أنه قادر على الابتداء والإعادة لا من شيء ؛ إذ لم يكن لتلك النفس التي خلق الخلائق منها تقدمة شيء. 
وقوله تعالى : فمستقر ومستودع  قال الحسن : فمستقر  في الآخرة بعلمه الذي ختم به ؛ إن ختم بعمل الخير يبق[(٢)](#foonote-٢) أبدا في الشر.  ومستودع  في أجله ؛ ينتقل من وقت إلى وقت ومن حال إلى حال. وقيل : فمستقر  في الدنيا، ويشبه أن يكون  فمستقر ومستودع  في كل \[ وقت. وكل حال، هو \][(٣)](#foonote-٣) مستقر في حال القيام حتى ينتقل إلى حال أخرى  ومستودع  في الآخرة بالجزاء لأعمالهم التي عملوا  ومستودع  في الدنيا. 
ويحتمل  فمستقر  بالليالي  ومستودع  في الآخرة بالنهار، والأول لبني آدم خاصة. 
ثم قوله تعالى : لقوم يعلمون  \[ الأنعام : ٩٧ \] وقوله تعالى  لقوم يفقهون  الفقه هو معرفة الشيء بمعناه الدال على نظيره. والعلم ما يعرف بنفسه. ولهذا لا يقال \[ عن الله \][(٤)](#foonote-٤) فقيه، ويقال : عالم لأنه عالم بالأشياء بذاته لا باعتبارها ونظائرها ودلائلها.

١ -- في الأصل وم: احتملت الأرض..
٢ - في الأصل وم: يبقى..
٣ - في الأصل: وقت كل وقت. في م: حال وكل وقت..
٤ - في الأصل وم: لله..

### الآية 6:99

> ﻿وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِرًا نُخْرِجُ مِنْهُ حَبًّا مُتَرَاكِبًا وَمِنَ النَّخْلِ مِنْ طَلْعِهَا قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ وَجَنَّاتٍ مِنْ أَعْنَابٍ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُشْتَبِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ ۗ انْظُرُوا إِلَىٰ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكُمْ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ [6:99]

الآية ٩٩ وقوله تعالى : وهو الذي أنزل من السماء ماء فأخرجنا به نبات كل شيء  يذكرهم عز وجل عظيم منته بما ينزل من السماء من الماء، ويخرج به نبات كل شيء، كما ذكرهم من النعم بما جعل لهم من الشمس والنجوم  لتهتدوا بها في  الظلمات واشتباه الطريق، وما جعل الليل للسكون والراحة والنهار للمعاش والتقلب، وما جعل لهم من الشمس والقمر، وجعل لهم فيهما من المنافع من نضج الأنزال والزروع وينعها ومعرفة عدد السنين والحساب والآجال التي أنعمها عليهم لئلا يوجهوا شكر هذه النعم إلى غيره، ولا يتخذوا آلهة[(١)](#foonote-١) سواه. 
وقد ذكرنا أن سورة الأنعام نزل أكثرها في محاجة أهل الشرك في إثبات الوحدانية[(٢)](#foonote-٢) والألوهية لله وإثبات الرسالة والنبوة \[ لمحمد صلى الله عليه وسلم \][(٣)](#foonote-٣) وإثبات البعث بعد الموت لأنهم كانوا ينكرون ذلك كله. 
وقوله تعالى : فأخرجنا به نبات كل شيء  يحتمل قوله تعالى : نبات كل شيء  ما بالخلق حاجة إليه ليعلم أن كل ما يخرج في الأرض أصله من الماء، به ينبت مما يكون غذاء البشر وغذاء الحيوان كلهم والطيور كقوله تعالى : وجعلنا من الماء كل شيء حي أفلا يؤمنون  \[ الأنبياء : ٣٠ \] يذكرهم عظيم ما جعل لهم في الماء من المنافع على ما أخبر أنه به يخرج نبات كل شيء، وبه حياة كل شيء. ثم من الأوقات ما لو نزل من السماء ما لم ينبت. دل أنه إنما ينبت بتدبير غير، لا بالماء. 
وقوله تعالى : فأخرجنا منه خضرا  قيل به : يخرج أول ما يخرج خضرا ؛ يكون ابتداء كل نبت أخضر، ثم يتحول إلى لون \[ آخر \][(٤)](#foonote-٤) يخبر عن لطفه وصنعه بما يخرج من الحب متراكبا بعضه على بعض ما لو اجتمع الخلائق كلهم لم يقدروا على تركيب مثله ليعلموا أن لغير في ذلك تدبيرا وصنعا. 
وفيه دلالة أنه قد ينشئ الأشياء من لا شيء، ولا سبب، وإن كان قد أنشأ بعضها بأسباب نحو أن أخرج من ذلك النبات الأخضر حبوبا، ولم تكن الحبوب في النبات ليعلموا أنه قادر على إنشاء الأشياء لا من شيء ولا سبب. 
وفيه نقض قول الدهرية في كون الأشياء في شيء واحد، كما هي لا تحتمل أن يكون عشرة آلاف نواة أو حبة في نواة واحدة، أو تكون الشجرة مع طولها وغلظتها وعظمها في نواة واحدة. 
وقوله تعالى : ومن النخل  أي يخرج من النخل طلعها بالماء. وفيه من عظيم لطفه وتدبيره أن جعل النخيل والأشجار يتسرب / ١٥٦-ب/ بعروقها الماء، ثم ينتشر في أصلها إلى أغصانها، ثم يخرج منه، ويظهر خضرا ليعلم عظيم تدبيره ولطفه. 
وقوله تعالى : قنوان دانية  قيل : القنوان العذوق، يكون فيها الثمر والثمار، واحدها قنو. 
وقوله تعالى : دانية  قال الحسن : دانية  بعضها إلى بعض مجتمعة غير متفرقة على ما يكون من الأعناب والثمر والحبوب. فإن كان هذا فهو في الكل. وقال بعضهم : دانية  قريبة ملتزقة بالأرض، ينالها[(٥)](#foonote-٥) القائم والقاعد جميعا. وعن ابن عباس : قنوان دانية  قصار النخل اللاصقة عذوقها بالأرض. 
وقوله تعالى : وجنات من أعناب  أي أخرج الماء جنات وكرومها  والزيتون والرمان  قيل : أخرج بالماء أيضا الزيتون والرمان. وقال بعضهم : والزيتون والرمان مشتبها وغير متشابه أي يشبه ورق الزيتون في النظر ورق الرومان  وغير متشابه  ثمرهما[(٦)](#foonote-٦) في اللون والطعم. ولكن هو على الكل على كل الثمار، ولا يشبه بعضه بعضا ؛ منها ما يشبه ساق هذا بساق آخر، والثمار والحبوب مختلفة[(٧)](#foonote-٧)، ومنها ما يشبه في اللون، والطعم مختلف، ومنها ما يشبه في الطعم، واللون مختلف ؛ ليعلموا أن لغير في ذلك تدبيرا وصنعا لطيفا، لم يكن كذلك بالماء ؛ لأنه لو كان كذلك بالماء لكان لا يختلف كل هذا الاختلاف في اللون والطعم والساق والورق دل أنه كان كذلك بغير : عليم مدبر حكيم ؛ أنشأه على ما أراد بلطفه. 
وقوله تعالى : انظروا إلى ثمره إذا أثمر وينعه  يحتمل الأمر بالنظر \[ وجهين :
أحدهما \][(٨)](#foonote-٨) : انظر إلى ثمره إذا أثمر وينعه  كيف[(٩)](#foonote-٩) يقلبها، ويحولها من حال إلى حال ومن لون إلى لون ؟ 
والثاني[(١٠)](#foonote-١٠) : أنه يخرج في ساعة لطيفة ما لو اجتمع الخلائق على تقديره ومعرفته أن كم خرج ؟ وأي مقدار خرج ؟ لم يقدروا عليه ؛ ليعلموا أنه قادر على إحياء الخلق بمرة واحدة. 
وفي إنزال المطر من السماء مع بعدها آية عجيبة وحكمة بالغة ؛ وهو أن ينزله واحدا، لا يختلط بعضه ببعض مع كثرة المطر وازدحامه وبعد السماء. ولو اجتمع الخلائق على حفظ مثله ما قدروا عليه. دل عليه أنه كان بمدير عليم حكيم. 
وقوله تعالى : إن في ذلكم لآيات لقوم يؤمنون  قد ذكرنا أنها تصير آيات لمن صدق بها، وآمن. وأما من عاند، وكابر، ولم يتأمل فيها، لم يفهم ما فيها من عجيب آياته وعظيم منته. 
وقوله تعالى : انظروا إلى ثمره إذا أثمر وينعه  وجهان آخران من الحكمة :
 انظروا إلى ثمره إذا أثمر  أنه أول ما يخرج يخرج على لون واحد وعلى قدر واحد وعلى طعم واحد، ثم تختلف ألوانها وطعومها[(١١)](#foonote-١١)، وتتفاوت أقدارها ليعلموا أنه كان بتدبير واحد عليم حكيم قادر على خلق الأشياء بلا سبب ؛ لأنه لو كان كذلك بسبب، لا بتدبير فيه، كان سبب هذا كله واحدا، فيجيء أن يخرج كله على سنن واحد. دل أنه خالق بذاته لا بسبب[(١٢)](#foonote-١٢). 
والثاني : انظروا إلى ثمره إذا أثمر وينعه  أنه جعل ما يطيب منه للبشر، وعلمهم أسبابا يتخذون بها الطيبات من ذلك من نحو النضج والطبخ وغيره، وجعل لغيرهم من الحيوان كما هو خارج من الأرض ليعلموا أن غيرهم من الحيوان والدواب إنما جعلهم لمنافع البشر مسخرين لهم، وأن البشر هم المقصودون في خلق الأشياء كلها، وبالله الحول والقوة، وله المنة والفضل.

١ - في الأصل وم: إنها..
٢ - أدرج بعدها في الأصل وم: له..
٣ - ساقطة من الأصل وم..
٤ - ساقطة من الأصل وم..
٥ - في الأصل وم: يناله..
٦ - في الأصل وم: ثمرتها..
٧ - في الأصل وم: مختلف.
٨ - في الأصل وم: أن..
٩ - في الأصل: أي كيف، في م: أن كيف.
١٠ - في الأصل وم:..
١١ - في الأصل وم: طعمها..
١٢ -من م، في الأصل: سبب..

### الآية 6:100

> ﻿وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ ۖ وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ ۚ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىٰ عَمَّا يَصِفُونَ [6:100]

الآية ١٠٠ وقوله تعالى : وجعلوا لله شركاء الجن  أي قالوا : لله شركاء، وكذلك قوله تعالى : ويجعلون لله البنات \[ النحل : ٥٧ \] أي يقولون : لله البنات، أو وصفوا الله ؛ دليله ما ذكر في آخره  سبحانه وتعالى عما يصفون  دل هذا أن قوله تعالى : وجعلوا لله شركاء  أي وصفوه[(١)](#foonote-١) بالشركاء والولد. 
وقوله تعالى : شركاء الجن  قال بعضهم : هذا كقوله تعالى : وجعلوا بينه وبين الجنة نسبا  \[ الصافات : ١٥٨ \]. وقيل : إنهم لم يعبدوا الجن، ولا قصدوا قصد عبادة الشيطان حين[(٢)](#foonote-٢) قال : يا بني آدم أن لا تعبدوا الشيطان إنه لكم عدو مبين  \[ يس : ٦٠ \] لأن جميع أهل الكفر[(٣)](#foonote-٣) على اختلاف مذاهبهم يبغضون الشيطان، ويلتعنون[(٤)](#foonote-٤) عليه. ولكن معناه أن الشيطان هو الذي دعاهم إلى عبادة الأصنام والأوثان ؛ فإذا عبدوا الأصنام بدعائه فكأنهم عبدوه ؛ إذ بأمره وبدعائه يعبدونها، أو كما روي في الخبر أن الشمس إذا طلعت تطلع بين قرني شيطان، فإذا عبدوها فكأنهم عبدوا الشيطان، مثل هذا يحتمل، والله أعلم. 
فإن قيل : فإذا صاروا كأنهم عبدوا الشيطان ومن ذكر من الجن بدعائهم إلى ذلك وبأمرهم بذلك حتى نسب، وأضاف العبادة إليهم، كيف لا صار المؤمنين كأنهم عبدوا الرسل ؟ كأنهم إنما عبدوا الله بدعاء الرسل وبأمرهم ؟ قيل : لأن الرسل إنما دعوهم إلى عبادة الله، وأمروهم بذلك. وأما أولئك فإنما دعوهم إلى عبادة من ذكر من ذات أنفسهم. 
وفي قوله تعالى : وجعلوا لله شركاء الجن  إخبار لأوليائه وتذكير لهم حسن صنيعه إلى أعدائه من الإنعام عليهم والإحسان إليهم، وقبح صنيع أولئك إليه من وصفهم إياه بالولد والشركاء \[ ليعاملوهم معاملة \] الأعداء[(٥)](#foonote-٥) أو معاملة أمثالهم. 
\[ وقوله تعالى \][(٦)](#foonote-٦) : وخلقهم  \[ يحتمل وجهين :
أحدهما :\][(٧)](#foonote-٧) يعلمون أنه هو خلقهم، ثم يشركون غيره في ألوهيته وعبادته، لا يوجهون شكر نعمه إليه[(٨)](#foonote-٨). 
والثاني : قوله تعالى : وخلقهم  أي خلق هذه الأصنام التي يعبدونها، \[ ويعلمون أنها \][(٩)](#foonote-٩) مخلوقة مسخرة مذللة. فمع ما يعلمون[(١٠)](#foonote-١٠) هذا يشركون في ألوهيته وعبادته. فكيف يكون المخلوق المسخر شريكا له ؟ 
وقوله تعالى : وخرقوا له بنين وبنات بغير علم  هم كانوا فرقا وأصنافا ؛ منهم من يقول بأن عيسى ابنه، وهم النصارى، ومنهم من يقول بأن عزيرا ابنه، وهم اليهود[(١١)](#foonote-١١)، وقال مشركو العرب : الملائكة بنات الله، فقال تعالى : ألكم الذكر وله الأنثى   تلك إذا قسمة ضيزى  \[ النجم : ٢١ و ٢٢ \]، وقال تعالى : أم له البنات ولكم البنون  \[ الطور : ٣٩ \] وقال تعالى : وإذا بشر أحدهم بما ضرب للرحمان مثلا ظل وجهه مسودا وهو كظيم  \[ الزخرف : ١٧ \] فإذا أنفتم[(١٢)](#foonote-١٢) أنتم من البنات كيف نسبتم \[ البنات \][(١٣)](#foonote-١٣) إليه ؟ 
وفي[(١٤)](#foonote-١٤) الآية يصبر رسول الله على أذاهم ؛ يقول : مع كثرة ما كان لهم من الله من النعم والمنن يشركون في عبادته غيره، فأنت إذا لم يكن منك إليهم شيء من ذلك أولى أن تصبر على أذاهم. 
وقوله تعالى : بغير علم  أي يعلمون هم أن ليس له ولد ولا شريك. ولكن كانوا يكابرون. ويحتمل  بغير علم  على جهل يقولون ذلك. 
وقوله تعالى : سبحانه وتعالى عما يصفون  هو حرف تعظيم وتنزيه ؛ جعله[(١٥)](#foonote-١٥) في ما بين الخلق، به يعظمون، وبه ينزهون، وبه ينفون كل عيب فيه فعلى ذلك ذكره عند وصف الكفرة \[ الله \][(١٦)](#foonote-١٦) بالولد والشريك والعيوب تنزيها \[ وتبريئا من \][(١٧)](#foonote-١٧) كل عيب وصفوه \[ به \][(١٨)](#foonote-١٨) وتعاليا عن جميع ما قالوا فيه، وهو، الله أعلم، كما يقولون : معاذ الله تعظيما وتبريئا من[(١٩)](#foonote-١٩) ذلك. 
وفي قوله تعالى : سبحانه وتعالى عما يصفون  نقض قول المعتزلة[(٢٠)](#foonote-٢٠) : إن صفات الله ليست إلا وصف الواصفين. فلو لم يكن إلا وصف الواصفين لا غير لكان لا معنى لذم بعض الواصفين وحمد بعضهم. ثبت أن في ذلك صفة سوى وصف الواصفين.

١ - في الأصل وم: وصفوا..
٢ - في الأصل وم: حيث..
٣ - من م، في الأصل: الكفرة..
٤ - في الأصل وم: يلعنون..
٥ - من م، في الأصل: ليعاملون..
٦ - ساقطة من الأصل وم..
٧ - في الأصل وم: أي..
٨ - أدرج بعدها الأصل وم: معاملة الأعداء أو معاملة أمثالهم وخلقهم أي يعلمون أنه هو خلقهم ويشركون غيره في ألوهيته وعبادته لا يوجهون شكر نعمه إليه..
٩ - من م، ساقطة من الأصل.
١٠ - من م، في الأصل: يعملون..
١١ - إشارة إلى قوله تعالى: وقالت اليهود عزير ابن الله وقالت النصارى المسيح ابن الله \[التوبة: ٣٠\]..
١٢ - من م، في الأصل: أنفقتم..
١٣ - من م، ساقطة من الأصل..
١٤ - الواو ساقطة من الأصل وم..
١٥ - في الأصل وم: جعل..
١٦ - في الأصل وم: ذكر..
١٧ - في الأصل وم: وتبرئة عن..
١٨ - ساقطة من الأصل وم..
١٩ - في الأصل وم: عن..
٢٠ - أدرج بعدها في الأصل وم: لقولهم..

### الآية 6:101

> ﻿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۖ أَنَّىٰ يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ ۖ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ ۖ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ [6:101]

الآية ١٠١ وقوله تعالى : بديع السماوات والأرض أنى يكون له ولد  قوله : بديع السموات والأرض  أي أنشأهما بلا احتداء/ ١٥٧-أ/ ولا امتثال بغير. هذا يرد على القرامطة قولهم ؛ لأنهم يقولون : فهو مبدع، ويقولون : المبدع الثاني هو أول مخلوق خلق منه جميع العالم. فلو كان أول خلق خلق مبدعا فهو مبدع. والإبداع هو إحداث شيء، لم يسبق له أصل ولا مثال. ولهذا ما يقال لمن أحدث في دينه شيئا : مبتدع لأنه أحدث فيه شيئا لم يسبق له أصل ولا مثال. 
وقوله تعالى : بديع السماوات والأرض أنى يكون له ولد  \[ يحتمي وجهين :
أحدهما أن \][(١)](#foonote-١) من قدر على إبداع السماوات والأرض لا عن أصل سبق ولا عن مثال تقدم فأنى تقع له الحاجة إلى الولد ؟ والولد في الشاهد إنما يتخذ لإحدى خصال ثلاث : إما للانتصار على الأعداء والانتقام منهم وإما لوحشه تأخذهم، وأما لحاجة تمسهم. فالله، سبحانه، يتعالى عن ذلك كله، فأنى يتخذ ولدا ؟ 
والثاني : أنى يكون له ولد ولم تكن له صاحبة  أي تعرفون أن الولد لا يكون في الشاهد إلا عن صاحبة، وليست له صاحبة، فأتى يكون له ولد ؟ كأن الخطاب كان في قوم ينفون عنه الصاحبة للشهوات التي مكنت فيهم ؛ فالشهوة هي التي تقهر المرء، وتحمله على الحاجة. 
وقوله تعالى : وخلق كل شيء  فيه نقض قول المعتزلة لأنه أخبر أنه خلق كل شيء. وعلى قولهم : لم يخلق جزءا من ألف جزء من الأشياء ؛ لأنهم يقولون : إن الله لم يخلق أفعال العباد ولا حركاتهم ولا سكناتهم ولا قيامهم ولا قعودهم ولا شيئا من ذلك. 
ثم لا يجوز أن تصرف الآية إلى الخصوص، وهي[(٢)](#foonote-٢) تخرج مخرج العموم[(٣)](#foonote-٣)، ولو جاز أن يصرف هذا إلى[(٤)](#foonote-٤) شيء دون شيء لجاز لغيرهم أن يصرفوا قوله تعالى : وهو بكل شيء عليم  إلى شيء دون شيء. 
وكذلك قوله تعالى : قل الله خالق كل شيء  \[ الرعد : ١٦ والزمر : ٦٢ \] \[ هو رد \][(٥)](#foonote-٥) على قول المعتزلة : هو خالق بعض الأشياء، ليس هو بخالق الأشياء كلها على ما أخبر فلان. \[ فلو \][(٦)](#foonote-٦) جاز صرفه إلى بعض الأشياء دون بعض لجاز أيضا صرف قوله تعالى : وهو على كل شيء وكيل  \[ الأنعام : ١٠٢ و. . \] إلى بعض دون بعض \[ لأنه \][(٧)](#foonote-٧) حفظ بعض الأشياء، ولم يحفظ الكل. فإن لم يجز هذا لأنه[(٨)](#foonote-٨) خرج مخرج العموم[(٩)](#foonote-٩)، فعلى ذلك لا يجوز صرف الأول إلى بعض دون \[ بعض \][(١٠)](#foonote-١٠) لأنه عموم[(١١)](#foonote-١١). ولئن جاز أن يقال : إن العبد هو خالق ذلك جاز أن يقال : هو خالق الكل والقادر عليه ؛ فهذا سمج بين، نسأل الله العصمة عن السرف في القول والزيغ عن الحق، فإنه لا حول، ولا قوة إلا بالله.

١ - في الأ صل وم: أي..
٢ - في الأصل وم: وهو..
٣ - في الأصل وم: الامتداح.
٤ -في الأصل وم: على..
٥ - ساقطة من الأصل وم..
٦ - ساقطة من الأصل وم..
٧ - ساقطة من الأصل وم..
٨ - من م، في الأصل: أنه..
٩ - في الأصل وم: الامتداح..
١٠ - من م، ساقطة من الأصل..
١١ - في الأصل وم: امتدح..

### الآية 6:102

> ﻿ذَٰلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ ۖ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ۖ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ ۚ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ [6:102]

الآية١٠٢ وقوله تعالى : ذلكم الله ربكم  أي ابتدع خلق السماوات والأرض وما ذكر من أنواع المنن والنعم التي أنعمها عليهم من نحو ما جعل لهم من النجوم ليهتدوا بها في الظلمات وما ذكر أنه أنشأهم من نفس واحدة وما ذكر من إنزال الماء من السماء وإخراج ما أخرج به من النبات والثمار والحبوب والأعناب وغير ذلك من عجيب حكمته ؛ ذلك كله بالله الذي لا إله إلا هو منشئ ذلك كله  فاعبدوه  أي إليه وجهوا شكر نعمه، ولا توجهوه[(١)](#foonote-١) إلى غيره. 
قال[(٢)](#foonote-٢) الكسائي : أي بديع السماوات وبادع السماوات واحد كما يقال : عالم وعليم، وبدع، وابتدع، بمعنى واحد. وقال بعضهم : هو مثل قوله : فاطر السماوات والأرض  \[ فاطر : ١ \].

١ - في الأصل وم: توجهوا..
٢ - في الأصل وم: قاله..

### الآية 6:103

> ﻿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ ۖ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ [6:103]

الآية ١٠٣ وقوله تعالى : لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار  قيل : كنى بالأبصار عن الخلق ؛ كأنه قال : لا يدركه الخلق، وهو يدرك الخلق، وإنما كنى بالأبصار عن الخلق لما بالأبصار تدرك الأشياء، ويحاط بها لذلك كان معنى الكناية، والله أعلم. 
وقيل : هو على حقيقة الإبصار لكنه بصر القلب لما به تقع المعارف. فإن كان بصر الوجه ففيه دليل إثبات الرؤية لأنه نفى عنه الإدراك. فلو لم يكن لنفي الإدراك معنى، لأنه لا يدرك ما لا يرى، دل[(١)](#foonote-١) نفي الإدراك على أن هناك رؤية. لكنه لا يدرك، ولا يحاط به على ما ذكر  ولا يحيطون به علما  \[ طه : ١١٠ \] ؛ إذ من الأشياء الظاهرة مما يقع عليها البصر يكون لها سر، وفيها خفي، من نحو البصر والسمع والأنف واليد وغير ذلك من الأشياء مما لا تدرك حقيقة ماهيتها وكيفيتها، ولا تقديرها. 
يبصر بالبصر أشياء لا تعرف حقيقة كيفية البصر ولا ماهيته، وكذلك السمع لا يدرى أنه كيف ؟ ولا بم يسمع ؟ وكذلك هذا في كل جارحة وحاسة تجد اليد[(٢)](#foonote-٢) خشونة الشيء الذي تمسه ولينه، لا تعرف بم تجد ذلك، وتعرفه ؟ وكذلك الكلام من اللسان والشم من الأنف لا يدرى ما هو ؟ ولا كيف ؟ وبم يجد تلك الرائحة والنتن ؟ 
فإذا كانت معارف الخلق في الأشياء الظاهرة التي يقع عليها البصر لا تدرك حقيقة ماهيتها ولا تعرف كيفيتها، ولا يحاط بها علما، فالله[(٣)](#foonote-٣) سبحانه وتعالى الذي بحكمته وضع ذلك، وبلطفه ركب، أبعد عن الإدراك وأحرى ألا يحاط به، ولا يدرك. 
وهذا يرد على المجسمة مذهبهم لأنهم يصورون ربهم في قلوبهم، ويمثلونه. فعلى ذلك يعبدونه ؛ فهم مشبهة. 
وأصله أن الله، تبارك، وتعالى، عرف بالآيات والدلائل لا بالمحسوسات والمشاهدات. وكل شيء سبيل معرفته الآيات والدلائل فهو غير محاط به ولا مدرك، فهو على ما وصف نفسه \[ بقوله تعالى \][(٤)](#foonote-٤)  ولا يحيطون به علما  \[ طه : ١١٠ \] \[ وقوله تعالى \][(٥)](#foonote-٥) : لا تدركه الأبصار  \[ الأنعام : ١٠٣ \] لأن الإدراك والإحاطة \[ لا تعرف \][(٦)](#foonote-٦) بالمحسوسات إنما[(٧)](#foonote-٧) تعرف بالآيات والدلائل. 
وعلى ذلك جاءت دلائل الرسل نحو ما قال موسى حين سأله فرعون : قال فمن ربكما يا موسى   قال ربنا الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى  \[ طه : ٤٩ و ٥٠ \] وما[(٨)](#foonote-٨) قال : إبراهيم ربي الذي يحيي ويميت قال أنا أحيي وأميت قال إبراهيم فإن الله يأتي بالشمس من المشرق فأت بها من المغرب  \[ البقرة : ٢٥٨ \] \[ هاتان دلالتان \][(٩)](#foonote-٩) على ألوهيته ووحدانيته من جهة الآيات والدلائل لا من غيرها[(١٠)](#foonote-١٠). وعلى ذلك دل الله الخلق على معرفة وحدانيته وربوبيته بقوله[(١١)](#foonote-١١) تعالى : وهو الذي جعل لكم النجوم لتهتدوا بها  \[ الأنعام : ٩٧ \] وقوله[(١٢)](#foonote-١٢) تعالى : هو الذي جعل الشمس ضياء والقمر نورا وقدره منازل  \[ يونس : ٥ \] وقوله[(١٣)](#foonote-١٣) تعالى : وهو الذي أنزل من السماء ماء فأخرجنا به نبات كل شيء  \[ الأنعام : ٩٩ \] إلى آخر ما ذكر دلهم على ما يعرفون ألوهيته من جهة الآيات والدلائل لا من جهة ما تقع الإحاطة والإدراك، وبالله الهداية والرشاد. 
وقوله تعالى : وهو اللطيف الخبير  قيل  اللطيف  في أفعاله \[ الخبير } بخلقه وبأعمالهم، وقيل : اللطيف  البار الرحيم، وقيل : اللطيف  هو العليم بخفيات الأشياء و الخبير  بظواهر الأشياء. ثم هو  اللطيف  العظيم ؛ والعظيم في الشاهد غير اللطيف، واللطيف غير العظيم لأن العظيم في الشاهد هو الذي به كثافة، واللطيف ما يلطف في نفسه، ويرق، وكل واحد منهما مما يناقض الآخر ؛ ليعلم أنه لطيف عظيم لا من الوجوه التي تعرف في الخلق. وكذلك قوله تعالى : الأول والآخر والظاهر والباطن  \[ الحديد : ٣ \] وهو أول وآخر، وظاهر وباطن. وفي الخلق من كان أولا لم يكن آخرا، ومن كان ظاهرا لم يكن باطنا ليعلم أنه أول وآخر وظاهر وباطن لا من الوجه الذي يعرف، ويفهم من الخلق، ولكن مما[(١٤)](#foonote-١٤) وصف نفسه.

١ - في الأصل وم: فدل..
٢ - في الأصل وم: اليوم..
٣ - من م، في الأصل: والله..
٤ - ساقطة من الأصل وم..
٥ - في الأصل وم: و..
٦ - في الأصل وم: إنما تقع..
٧ - في الأصل وم: لا بما..
٨ - في الأصل وم: و..
٩ - في الأصل وم: دلاه..
١٠ - في الأصل وم: غيره..
١١ في الأصل وم: وقال..
١٢ - في الأصل وم: وقال..
١٣ - في الأصل وم: وقال..
١٤ - في الأصل وم: ما..

### الآية 6:104

> ﻿قَدْ جَاءَكُمْ بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ ۖ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ ۖ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْهَا ۚ وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ [6:104]

الآية ١٠٤ وقوله تعالى : قد جاءكم بصائر من ربكم  \[ يحتمل وجهين :
أحدهما :\][(١)](#foonote-١) قيل : بينات من ربكم، وقيل : البصائر الهدى \[ وهي \][(٢)](#foonote-٢) بصائر في قلوبهم، وليست ببصائر الرؤوس. 
وهو قول عبد الرحمان بن زيد بن أسلم، وقيل  بصائر  أي بيان، وهو واحد، وقيل : بصائر  شواهد ؛ أي قد جاءكم من الله شواهد تدلكم على ألوهيته ؛ وهو كقوله تعالى  بل الإنسان على نفسه بصيرة  \[ القيامة : ١٤ \] أي بل الإنسان من نفسه بصيرة أي شاهدة، تشهد كل جارحة منه على وحدانيته وألوهيته. 
ألا ترى أنه قال : يوم تشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم بما كانوا يعملون  ؟ \[ النور : ٢٤ \] هذا، والله أعلم، لأنهم كانوا يقلدن آباءهم في عبادة الأوثان/١٥٧- ب/ والأصنام، ويقولون : ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى  \[ الزمر : ٣ \]  ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله  \[ يونس : ١٨ \] فيقول : قد جاءكم بصائر من ربكم  من الآيات والرسل ما لو اتبعتموهم لكانوا لكم شفعاء عند الله. 
والثاني : قد جاءكم بصائر من ربكم  ما لو تفكروا، وتدبروا، ونظروا فيها، لعرفوا أنها بصائر من الله ؛ لأن البشر أنشئوا بحيث ينظرون في العجيب من الأشياء. فكانوا على أمرين ؛ منهم من نظر، وتفكر، وعرف أنها بصائر، لكنه عاند، وكابر، ولم يعمل بها، ومنهم من ترك النظر فيها، فعمي عنها، ما لو تفكروا، ونظروا، لتبين لهم. 
وقوله تعالى : فمن أبصر فلنفسه ومن عمي  أي أبصر الحق والهدى، وعمل به، فلنفسه عمل، ومن أبصر، وعمي عنها، أي ترك العمل، فعليها ترك، كقوله تعالى : ومن عمل صالحا فلنفسه ومن أساء فعليها  \[ الجاثية : ١٥ } فإن قيل : ذكر في آية أخرى : ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حي عن بينة \[ الأنفال : ٤٢ \] أخبر أن من هلك عن بينة ومن حي حي عن بينة، وههنا يقول : فمن أبصر فلنفسه، ومن عمي فعليها  ذكر عمي عنها، فكيف وجه التوفيق بينهما ؟ 
قيل : يحتمل قوله تعالى : عمي  بعد \[ ما \][(٣)](#foonote-٣) تبين له، فترك العمل بها  فعليها  لأنه أبصرها، وعرف أنها من الله، لكنه عاندها[(٤)](#foonote-٤)، وكابرها. 
وقوله تعالى : وما أنا عليكم بحفيظ  أي  قد جاءكم بصائر من ربكم  فليس علينا إلا التبليغ كقوله تعالى : ما على الرسول إلا البلاغ  \[ المائدة : ٩٩ \]

١ - ساقطة من الأصل وم..
٢ - ساقطة من الأصل وم..
٣ - من م، ساقطة من الأصل..
٤ - من م، في الأصل: عاند..

### الآية 6:105

> ﻿وَكَذَٰلِكَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ وَلِيَقُولُوا دَرَسْتَ وَلِنُبَيِّنَهُ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ [6:105]

الآية ١٠٥ وقوله تعالى : وكذلك نصرف الآيات  أي نردها في الوجوه التي تتبين لقوم يطلبون البيان، أو نقول : نصرف الآيات  أي نضع كل آية، ونصرفها إلى الوجوه التي يكون بالخلق حاجة إليها. 
وقوله تعالى : وليقولوا درست  فيه لغات[(١)](#foonote-١) : درست، ودارست، ودرست ؛ ودرست قرأت، ودارست تعلمت، وقيل : دارست أهل الكتاب : جادلتهم، ودرست بالجزم قيل : تقادمت. فهذا الاختلاف فيه لاختلاف قول كان من الكفرة لرسول الله ؛ منهم من يقول : ما هذا إلا إفك مفترى  \[ سبأ : ٤٣ \] وهو تأويل : درست  فعلى اختلاف تأويلهم خرجت القراءة. 
ثم اختلف في قوله تعالى : وليقولوا درست  فهو صلة قوله تعالى : قد جاءكم بصائر من ربكم   وليقولوا درست  وقال الحسن : قوله تعالى : وليقولوا درست  أي  قد جاءكم بصائر من ربكم   وليقولوا درست  لأن \[ من \][(٢)](#foonote-٢) قوله : أنه بعث الرسل، وأنزل الكتب ليكون من الكافر[(٣)](#foonote-٣) قول كفر ومن المؤمن قول إيمان. 
وقوله تعالى : وليقولوا درست  يخرج، والله أعلم، على التعجيب، يعجب أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم عن قبح صنيع الكفرة وسوء معاملتهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد جاء بصائر[(٤)](#foonote-٤) من ربهم وبينات وحجج، ثم هم بعد هذا كله يستقبلونها بالرد والتكذيب وهو ما قلنا : إن الله ذكر نعمه عليهم بما أنشأ لهم من الأنعام والجنات والمعروشات والزرع والنخيل وما أخبر عنه، وقد علموا ذلك كله ثم  وجعلوا له  بعد معرفتهم هذا[(٥)](#foonote-٥)  شركاء الجن وخلقهم وخرقوا له بنين وبنات بغير علم  \[ الأنعام : ١٠٠ } ولا بينة. فهو على التعجيب أنهم كيف جعلوا له شركاء، وقد علموا أن الذي جعل هذا كله لهم، هو الله. 
فعلى ذلك هذه الآية أنهم كيف قذفوه بالدراسة، وقد تبين لهم صدقه وأنه من عند الله بالآيات في الدلائل وبما كان لا يخط كتابا، ولا شهدوه يختلف إلى من عنده علم ذلك. 
وقوله تعالى : ولنبينه لقوم يعلمون  أي لنبينه ؛ يعني القرآن، وقيل : البصائر التي ذكر لقوم ينتفعون بعلمهم.

١ - انظر حجة القراءات (٢٦٤). ومعجم القراءات القرآنية (٢/٣٠٤)..
٢ -من م، ساقطة من الأصل..
٣ - من م، في الأصل: الكافرين..
٤ - من م، في الأصل: بصائرهم..
٥ - من م، في الأصل: لرد..

### الآية 6:106

> ﻿اتَّبِعْ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ ۖ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ۖ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ [6:106]

الآية ١٠٦ وقوله تعالى : اتبع ما أوحي إليك من ربك  فإن قيل : ما معنى قوله تعالى  من ربك  ؟ وإنما أوحي إليه من ربه، ويكفي قوله تعالى : اتبع ما أوحي إليك . قيل[(١)](#foonote-١) معناه على الإضمار، والله أعلم، كأنه قال للذي أوحي إليه على يديه : قل  اتبع ما أوحي إليك من ربك  ثم أمر نبيه باتباع ما أوحي إليه من ربه، أي اعمل بما أوحي. 
ثم الأمر بالعمل يحتمل وجهين : يحتمل الأمر بالاعتقاد بذلك، ويحتمل \[ العمل نفسه \][(٢)](#foonote-٢) أي اعمل. ويشبه أن يكون الأمر[(٣)](#foonote-٣) بالاتباع اتباع ما أوحي إليه صدقا في الخبر وعدلا في الحكم كقوله تعالى : وتمت كلمة ربك صدقا وعدلا  \[ الأنعام : ١١٥ \] قيل : صدقا في الأخبار وعدلا في الأحكام. فعلى ذلك أمكن أن يكون الأمر بالاتباع اتباع ما أوحي إليه صدقا في الأخبار وعدلا في الأحكام. 
ثم على ما أمر نبيه باتباع ما أوحي \[ إليه \][(٤)](#foonote-٤) من ربه أمر أمته كذلك، وهو قوله تعالى : اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم ولا تتبعوا من دونه أولياء  \[ الأعراف : ٣ \] \[ ونهاهم \] عن اتباع[(٥)](#foonote-٥) ما اتخذوا من دونه أولياء. فعلى ما نهاهم عن اتخاذ أولياء \[ من \][(٦)](#foonote-٦) دونه قال في الآية التي أمر رسوله باتباع ما أوحي إليه من ربه، فقال : اتبع ما أوحي إليك من ربك لا إله إلا هو . 
وقوله تعالى : لا إله إلا هو  \[ وقوله تعالى \][(٧)](#foonote-٧) : ولا تتبعوا من دونه أولياء  واحد، لأنه أمر باتباع ما أوحي إليه من ربه، ونهي أن يتبع من دونه أولياء، لأنه أخبر  لا إله إلا هو . 
وقوله تعالى : وأعرض عن المشركين  يحتمل أمره بالإعراض عن المشركين وجوها : يحتمل ألا تكافئهم على أذاهم، ولكن اصبر، ويحتمل الإعراض عنهم النهي عن قتالهم كأنه عن قتالهم في وقت، ويحتمل[(٨)](#foonote-٨) أن تكون الآية في قوم خاص، قال أعرض عنهم فإنهم لا يؤمنون، ولا تقم عليهم الآيات والحجج لما علم منهم أنهم[(٩)](#foonote-٩) لا يؤمنون. 
ثم على ما أمر نبيه بالإعراض عنهم أمر المؤمنين أيضا بالإعراض عنهم، وهو قوله تعالى : وإذا سمعوا اللغو أعرضوا عنه  \[ القصص : ٥٥ \].

١ -في الأصل وم: ولكن..
٢ - في الأصل وم: نفس العمل..
٣ - في الأصل وم: بالأمر..
٤ - من م، ساقطة من الأصل..
٥ -من م، في الأصل: أمرهم باتباع..
٦ - ساقطة من الأصل وم:..
٧ - ساقطة من الأصل وم..
٨ - الواو ساقطة من الأصل..
٩ - من م، في الأصل: لأنهم..

### الآية 6:107

> ﻿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكُوا ۗ وَمَا جَعَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا ۖ وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ [6:107]

الآية : ١٠٧ وقوله تعالى : ولو شاء الله ما أشركوا  قالت المعتزلة : المشيئة ههنا مشيئة قهر وجبر ؛ أي لو شاء الله لأعجزهم، ومنعهم عن الشرك على دفع الابتلاء والامتحان. 
وأما عند فالمشيئة[(١)](#foonote-١) مشيئة اختيار وطوع[(٢)](#foonote-٢) على قيام الابتلاء والامتحان. وبعد فإن مشيئة الجبر هي خلقة، وقد كانوا جميعا غير مشركين بالخلقة، فلا معنى لتأويلهم الذي تأولوا، ثم لا يحتمل أن يكون قوله : ولو شاء الله ما أشركوا  مشيئة قهر وقسر لأنه لا يكون في حال الجبر والقهر إيمان ولا كفر، إنما يكون ذلك في حال الاختيار والطوع ؛ لأن الجبر والقهر يمنع من أن يكون له فعل حقيقة، بل يتحول[(٣)](#foonote-٣) الفعل منه، ويسقط، ويثبت للذي جبر، وقهر، وذلك[(٤)](#foonote-٤) بعيد، فدل أنه ما ذكرنا، وبالله الرشاد. 
وفي قوله تعالى : وما جعلناك عليهم حفيظا وما أنت عليهم بوكيل  دلالة أن طريق الإسلام الإفضال والإنعام، ولله أن يخص به من كان أهلا للإفضال والإنعام باللطائف التي عنده، ويحرم ذلك، وله أن يجعل بعضهم أهلا لذلك إفضالا منه، ولا يجعل البعض عدلا منه. 
وقوله تعالى : وما جعلناك عليهم حفيظا وما أنت عليهم بوكيل  أي لم يؤخذ عليك حفظ أعمالهم، أو \[ لا \][(٥)](#foonote-٥) تسأل أنت عن صنيعهم، إنما عليك التبليغ، وهو كقوله تعالى : ما عليك من حسابهم من شيء وما من حسابك عليهم من شيء  \[ الأنعام : ٥٢ \] وكقوله[(٦)](#foonote-٦) تعالى : فإنما عليه ما حمل وعليكم ما حملتم  \[ النور : ٥٤ \] ونحوه. وقيل : الحفيظ والوكيل واحد. وقيل : الوكيل هو الكفيل : وقد ذكرنا في غير موضع في ما تقدم.

١ - في الأصل وم: المشيئة..
٢ - في الأصل وم: والطوع..
٣ - في الأصل وم: تحول..
٤ - في الأصل وم: فذلك..
٥ - من م، ساقطة من الأصل..
٦ - الواو ساقطة من الأصل وم..

### الآية 6:108

> ﻿وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ ۗ كَذَٰلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّهِمْ مَرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [6:108]

الآية ١٠٨ وقوله تعالى : ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدوا بغير علم  نهانا عن سب من يستحق السب مخافة سب من لا يستحق، وقد أمرنا بقتالهم، وإذا قاتلناهم، قاتلونا. وقيل : سب المؤمن بغير حق من المناكير. وكذلك أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بتبليغ الرسالة والتلاوة عليهم، وإن كانوا يستقبلونه بالتكذيب. 
وقيل[(١)](#foonote-١) : السب لأولئك \[ مباح \][(٢)](#foonote-٢) غير مفروض، \[ والقتال معهم فرض \][(٣)](#foonote-٣) وكذلك التبليغ فرض، يبلغ[(٤)](#foonote-٤) إليهم، وإن كانوا ينكرون ما يبلغون[(٥)](#foonote-٥)، وكذلك القتال نقاتلهم، وإن كان في ذلك إهلاك أنفسنا. 
وأصله أن ما خرج الأمر به مخرج[(٦)](#foonote-٦) الإباحة فإنه[(٧)](#foonote-٧) ينهى عما يتولد منه، ويحدث، وما كان الأمر به أمر فرض ولزوم، فلا[(٨)](#foonote-٨) ينهى عن المتولد منه والحادث. ويجوز/١٥٨-أ/ أن يستدل بهذا على تأييد مذهب أبي حنيفة رضي الله عنه في قوله : من[(٩)](#foonote-٩) قطع يد آخر بقصاص، فمات في ذلك، أخذ بالدية. وإذا قطع اليد بحد، لزمه، فمات، لم يؤخذ به ؛ لأنه أبيح له قطع يده، والقصاص لم يفرض عليه \[ الموت \][(١٠)](#foonote-١٠) وفي الحد يلزم إقامة الحد لله، فإذا كان قيامه بفعل، أبيح له الفعل، ينهى عما يتولد منه، ويؤخذ به، وإذا كان قيامه بفعل، فرض عليه، لم يؤخذ بما تولد منه. 
وعلى هذا يخرج قوله في الأمر بالختان، إذا تولد من ذلك الموت، لأنه أمر بإقامة السنة، وكذلك الأمر بالحجامة، لأنه يفرض عليه الحجامة في حال إذا خاف عليه الهلاك إذا لم يحجم[(١١)](#foonote-١١). 
وأما الأمر بالدق وغيره مما يشاكله فأمر[(١٢)](#foonote-١٢) إباحة لا أمر إلزام ؛ لذلك ضمن ما تولد منه. 
فعلى ذلك الساب[(١٣)](#foonote-١٣) الذي يسب آلهتهم ؛ إذا حملهم ذلك على سب الله عز وجل وسب رسوله لا يسبون، وإن كانوا مستحقين لذلك ؛ لأنه قد ينهى الرجل أن يعود نفسه السب. فعلى ذلك يجوز أن ينهوا عن سب آلهتهم مخافة الاعتياد ؛ لذلك نهو عن سب آلهتهم. 
ثم ذكر في القصة أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كانوا يسبون آلهتهم، فيسبون  الله عدوا بغير علم  وذكر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر آلهتهم بسوء، فقالوا : لتنتهين عن ذلك أو لنهجون ربك. عن ابن عباس رضي الله عنه : وذلك حين قال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم : إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم  الآية \[ الأنبياء : ٩٨ \] فقالوا عند ذلك ما قالوا، فنزل \[ قوله تعالى \][(١٤)](#foonote-١٤) : ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله  الآية. ولكن لا ندري كيف كانت القصة، ولكن فيه ما ذكرنا. 
وقوله تعالى : عدوا بغير علم  قال الكيساني وأبو عوسجة  عدوا  من الاعتداء، وهو مجاوزة الحد. وقال أبو عمرو عدوا بالرفع[(١٥)](#foonote-١٥)، وقال : إنما العدو من عدو الرجلين، وكذلك قال في يونس : بغيا وعدوا  \[ الآية : ٩٠ \]. وقيل : فلما نزل قوله تعالى : ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله  فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( لا تسبوا ربكم } فأمسكوا عن سب آلهتهم. 
وقوله تعالى : كذلك زينا لكل أمة عملهم  قال أبو بكر الكيساني : إنه صلة قوله  ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدوا بغير علم  إنهم كانوا يعبدون هذه الأصنام والأوثان، \[ رجاء أن تقربهم \][(١٦)](#foonote-١٦) عبادتهم إياها إلى الله لأنهم كانوا يعبدونها، ويتخذونها آلهة دون الله، فإذا سبوا معبودهم فكأنهم سبوا  الله عدوا بغير علم  إذ العبادة في الحقيقة لله، فيرجع سبهم إياها إلى الله. لذلك كان معنى السب. فقال : فعلى ذلك رجع قوله : وكذلك زينا لكل أمة عملهم  حتى امتنعوا عن سب الله. فذلك الذي زين لهم عملهم. 
وقال الحسن : قوله تعالى وكذلك زينا لكل أمة عملهم  : أي زينا عليهم أعمالهم في ما أمروا به، وفرض، ووجب[(١٧)](#foonote-١٧) عليهم أن يفعلوا إلا في ما يفرض، ولا يحل لهم أن يفعلوا. وكذلك يقول جعفر بن حرب وغيره من المعتزلة : إنه زين عليهم عملهم الذي فرض عليهم أن يعملوا، أو يأتوا به[(١٨)](#foonote-١٨). وأما لا ينبغي أن يكون[(١٩)](#foonote-١٩) فلا كقوله تعالى : حبب إليكم الإيمان وزينه في قلوبكم وكره إليكم الكفر والفسوق والعصيان  الآية \[ الحجرات : ٧ \] ذكر في الإيمان التزيين وفي الكفر التكريه. ويقولون : إنه أضاف التزيين إلى الشيطان بقوله : زين لهم الشيطان أعمالهم  \[ الأنفال : ٤٨ و. . \] وقوله : الشيطان سول لهم وأملى لهم  \[ محمد : ٢٥ \]. 
فالشيطان يزين لهم المعاصي والفسوق، فلا يحتمل أن يكون الله يزين لهم ما يزين الشيطان. فدل أنه إنما يزين لهم ما يؤمرون به، ويفرض عليهم، ولكن يضاف إليه التزيين ما أضيف إليه حرف الإضلال والإغواء. 
**وأما عندنا فالتزيين على وجهين :**
\[ أحدهما \][(٢٠)](#foonote-٢٠) : تبيين من طريق الآيات والبراهين، فذلك لا يحتمل فعل الكفر والضلال أن يكون مزينا من جهة الآيات والحجج. 
والثاني : تزيين في الطباع بالشهوات والأماني، وفعل كل واحد مزين بالشهوة والحاجة التي مكنت فيه. ولا شك أن كل كافر لو سئل عن فعله الكفر والضلال، فيقول : هذا الذي زين لي، وليس إضافة فعل التزيين إلى الله بأكبر وأبعد من إضافة الإضلال والإغواء، وقد ذكرنا معنى إضافة الإضلال والإغواء إليه في غير موضع. فعلى ذلك التزيين. ويقول أيضا : إن التزيين تزيين وعد وثواب ؛ فالكافر متى يؤمن بالوعد في الآخرة والثواب فيها ؟ وهو ليس يؤمن فهذا بعيد. 
ولا يحتمل ما قال الكيساني أيضا لأنه لا كل الكفرة كانوا يعبدون الأصنام ليقربهم ذلك إلى الله زلفى، بل أكثرهم لا \[ يقرون \][(٢١)](#foonote-٢١) أن لهم خالقا وربا. 
وتحتمل إضافة التزيين إلى الشيطان على جهة التمني والتشهي كقوله  ما هم منكم ولا منهم  \[ المجادلة : ١٤ \] وإضافته إلى الله على القدرة عليها والسلطان، أو أن يخلق أعمالهم مزينة عندهم مسولة، وإضافة فعل الضلال والغواية إلى الشيطان على الدعاء إليه والترغيب فيه وإضافته إلى الله على أن يخلق فعل الضلال منهم. 
وقوله تعالى : ثم إلى ربهم مرجعهم  قد ذكرنا  فينبئهم بما كانوا يعملون  في جزيل الثواب أو في أليم عذاب، فهو على الوعيد.

١ - الواو ساقطة من الأصل وم..
٢ - ساقطة من الأصل وم..
٣ - من م، ساقطة من الأصل..
٤ - أدرج قبلها في م: وقيل..
٥ -في الأصل وم: يبلغهم..
٦ - في الأصل: نخرج..
٧ - من م، في الأصل وم..
٨ - في الأصل وم: لا..
٩ - في الأصل وم: أن..
١٠ - ساقطة من الأصل وم..
١١ - في الأصل وم: يحتجم..
١٢ - في الأصل وم: أمر..
١٣ - في الأصل وم: السب..
١٤ - ساقطة من الأصل وم..
١٥ - هي قراءة بعض المكيين، انظر مختصر في شواذ القرآن..
١٦ - في الأصل: أن تقرب، في م: رجاء أن تقرب..
١٧ - في الأصل وم: ويجب..
١٨ - في الأصل وم: بها..
١٩ - في الأصل وم: يقول..
٢٠ - ساقطة من الأصل وم..
٢١ - ساقطة من الأصل وم..

### الآية 6:109

> ﻿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ جَاءَتْهُمْ آيَةٌ لَيُؤْمِنُنَّ بِهَا ۚ قُلْ إِنَّمَا الْآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ ۖ وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَا إِذَا جَاءَتْ لَا يُؤْمِنُونَ [6:109]

الآية ١٠٩ وقوله تعالى : وأقسموا بالله جهد أيمانهم  قالوا : جهد أيمانهم  بالله ؛ فهذا يخرج على وجوه :
أحدها : أن الحنث في اليمين يخرج مخرج الاستخفاف والتهاون، وإن كان في اليمين التعظيم، وفي الحنث استخفاف، وفي اليمين بالله جهد اليمين. ويحتمل وجهين سوى هذا :
أحدهما[(١)](#foonote-١) : ما قيل : إن الكفرة كانوا لا يحلفون بالله إلا عند العظيم من الأمور، \[ وفي \][(٢)](#foonote-٢) الجليل منها كانوا يحلفون بدونه، فسمي اليمين بالله جهد اليمين تعظيما لله وتبجيلا. 
والثاني : يحتمل أنهم كانوا يحلفون بأشياء، ويؤكدون اليمين بالله، ويشددونه كقوله تعالى : ولا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها  \[ النحل : ٩١ \]
وقوله تعالى : لئن جاءتهم آية ليؤمنن بها  قيل : إنهم كانوا يقسمون  جهد أيمانهم لئن جاءتهم آية ليؤمنن بها  كانوا يسألون رسول الله صلى الله عليه وسلم آيات لئن جاءتهم يؤمنوا[(٣)](#foonote-٣) بها من نحو ما قالوا : ولن نؤمن لرقيك حتى تنزل علينا كتابا تقرؤه  \[ الإسراء : ٩٠ \] وكقولهم : ولن نؤمن لرقيك حتى تنزل علينا كتابا نقرؤه  \[ الإسراء : ٩٣ \] وغير ذلك من الآيات، فقال  قل  \][(٤)](#foonote-٤) يا محمد  إنما الآيات عند الله  هو الذي يرسلها، وأنا لا أملك إرسالها ولا إنزالها كقوله تعالى : قل لا أقول لكم عندي خزائن الله  \[ الأنعام : ٥٠ \] وغير ذلك من الآيات إنباء منه أنه لا يملك إنزال ما كانوا يسألونه من الآيات. 
ثم قال : وما يشعركم أنها إذا جاءت لا يؤمنون  اختلف فيه : قال الحسن وأبو بكر الأصم : إنه خاطب \[ المؤمنين \][(٥)](#foonote-٥) وما يشعركم أهل القسم الذين[(٦)](#foonote-٦) أقسموا  بالله جهد أيمانهم لئن جاءتهم آية ليؤمنن بها  فقال : وما يشعركم  أي ما يدريكم \[ أنهم يؤمنون إذا جاءتهم \][(٧)](#foonote-٧) أية، ثم استأنف، فقال إنها : إذا جاءت لا يؤمنون  وهكذا كان يقرؤه الحسن بالخفض[(٨)](#foonote-٨) إنها : إذا جاءت لا يؤمنون  على الاستئناف والابتداء. 
وقال غيرهما[(٩)](#foonote-٩) من أهل التأويل : الخطاب لأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وذلك لأنهم[(١٠)](#foonote-١٠) لما قالوا : لئن جاءتهم آية ليؤمنن بها  ظنوا أنهم لما أقسموا بالله جهد أيمانهم أنهم يؤمنون إذا جاءتهم آية ؛ يفعلون ذلك، ويؤمنون على ما يقولون، فقال لهم : وما يشعركم أنها إذا جاءت لا يؤمنون  على طرح  لا  أي ما يدريكم أنها إذا جاءت يؤمنون. 
ويحتمل فيه وجه آخر على الإضمار ؛ كأنه قال : وما يشعركم  فاعلموا  أنها إذا جاءت لا يؤمنون  على الوقف في قوله : وما يشعركم  ثم ابتدأ، فقال : اعلموا  أنها إذا جاءت لا يؤمنون  وهذا كأنه أقرب. 
**ويحتمل \[ وجهين آخرين :**
أحدهما : أن أهل الإسلام قالوا :\][(١١)](#foonote-١١) إنهم إن[(١٢)](#foonote-١٢) جاءتهم آية لا يؤمنوا[(١٣)](#foonote-١٣)، فقال عند ذلك : وما يشعركم  خاطب به هؤلاء : أنها إذا جاءت لا يؤمنون . 
والثاني : أنهما وإن آمنوا بها إذا جاءتهم فتقلب أفئدتهم / ١٥٨-ب/ من بعد. وعلى هذا التأويل أن خلق تقلب أفئدتهم وأبصارهم كقوله تعالى : فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم  \[ الصف : ٥ \] أي خلق زيغ قلوبهم، فكذلك الأول.

١ - في الأصل وم: وذلك..
٢ - ساقطة من الأصل وم..
٣ - في الأصل وم: يؤمنون..
٤ - من م، ساقطة من الأصل..
٥ - ساقطة من الأصل وم..
٦ - في الأصل وم: الذي..
٧ - في الأصل وم: إنكم تؤمنون إذا جاءتكم..
٨ - قرأ ابن كثير وأبو عمرو وأبو بكر: إنها بكسر الألف وقرأ الباقون \[أنها\] بالفتح، انظر حجة القراءات (٢٦٥) ومعجم القراءات القرآنية (٢/٣٠٨)..
٩ - في الأصل وم: غيرهم.
١٠ - من الأصل وم: أنهم..
١١ - في الأصل: وجها آخر وهو أن كأنه أقرب فقالوا، في م: وجها آخر وهو أن أهل الإسلام..
١٢ - في الأصل وم: وإن..
١٣ - في الأصل وم: غيرهم..

### الآية 6:110

> ﻿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ [6:110]

الآية ١١٠ وقوله تعالى : ونقلب أفئدتهم وأبصارهم  أي نقلب أفئدتهم وأبصارهم بالحجج والآيات، ونرددها، فلا يؤمنون  كما لم يؤمنوا به أول مرة 
وقال أهل التأويل : ونقلب أفئدتهم وأبصارهم  أي نحول بينهم وبين الإيمان لو جاءتهم تلك الآيات فلا يؤمنون كما حلنا بينهم وبين الإيمان أول مرة. 
ويحتمل وجها آخر ؛ وهو أن يقلب في أفئدتهم وأبصارهم آيات وحدانيته وألوهيته، فلا يؤمنون  كما لو يؤمنوا به أول مرة . 
ثم تخصيص الأفئدة والأبصار دون غيرها[(١)](#foonote-١) من الجوارح لأن القلب والبصر لا يقع إلا على ما يشهد كل على وحدانية الله وألوهيته. 
وقوله تعالى : كما لم يؤمنوا به أول مرة  قال بعضهم " إن هؤلاء، وإن جاءتهم آية فإنهم لا يؤمنون \[ بها \][(٢)](#foonote-٢) كما لم يؤمن أوائلهم من الأمم الخالية لما سألوا الآيات قبلهم، فكذلك هؤلاء لا يؤمنون بها، وإن جاءتهم الآية بعد السؤال. 
وقال غيرهم، قوله تعالى : كما لم يؤمنوا به أول مرة  أي قد جاءتهم آيات قبل هذا على غير سؤال، فلم يؤمنوا بها، فكذلك، وإن جاءتهم بالسؤال فلا يؤمنون. 
ويحتمل وجها آخر ؛ وهو أن مشركي العرب كانوا يقسمون بالله أنه إن جاءهم نذير يؤمنوا[(٣)](#foonote-٣) به، وهو قوله تعالى : وأقسموا بالله جهد أيمانهم لئن جاءهم نذير ليكونن أهدى من إحدى الأمم  \[ فاطر : ٤٢ \] يعنون، والله أعلم، اليهود والنصارى ؛ أي لو جاءهم نذير ليكونن[(٤)](#foonote-٤) أهدى من اليهود والنصارى  فلما جاءهم نذير ما زادهم إلا نفورا  \[ فاطر : ٤٢ \] يخبر أنهم كما لم يؤمنوا بالنذير عند سؤالهم النذير في الابتداء، إذا جاءهم نذير، فكذلك أيضا لا يؤمنون عند سؤالهم الآيات. 
وإن جاءتهم آيات، يخبر نبيه أنهم ليسوا يسألون الآيات سؤال استرشاد، ولكن يسألون سؤال عند ومكابرة. وهذا التأويل كان أقرب. 
وقوله تعالى : ونذرهم في طغيانهم يعمهون  إذا علم أنهم لا يؤمنون تركهم في ظلمات ضلالتهم يعمهون، ويتحيرون والعمه الحيرة في اللغة.

١ - في الأصل وم: غيرهم..
٢ - ساقطة من الأصل وم..
٣ - في الأصل وم: يؤمنون..
٤ - في الأصل وم: ليكونوا..

### الآية 6:111

> ﻿۞ وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَىٰ وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ [6:111]

الآية ١١١ وهو قوله تعالى  ولو أننا نزلنا إليهم الملائكة وكلمهم الموتى  قيل : الآية صلة قوله تعالى : وأقسموا بالله جهد أيمانهم  إلى قوله : وما يشعركم أنها إذا جاءت لا يؤمنون  \[ الأنعام : ١٠٩ \] ثم قال : ولو أننا نزلنا إليهم الملائكة  الآية أخبر أنهم وإن \[ نزل \][(١)](#foonote-١) إليهم الآيات بعد السؤال منهم الآيات من إنزال الملائكة وتكليم الموتى فإنهم[(٢)](#foonote-٢) لا يؤمنون ؛ إذ سؤالهم الآيات سؤال تعنت واستهزاء وعناد لا سؤال استرشاد لأنهم قد جاءتهم آيات، لو لم يعاندوا لآمنوا. ثم إذ علم منهم أنهم لا يؤمنون وإن ما يسألون، إنما يسألون سؤال تعنت وعناد، جعل فيهم خصالا على الخذلان من قساوة القلب حتى أخبر أن قلوبهم أقسى من الحجارة ومن نحو البغض والجهالة وغير ذلك من الخصال ما يدل على ما ذكرنا، وهو قوله تعالى : ولو فتحنا عليهم بابا من السماء فظلوا فيه يعرجون  \[ الحجر : ١٤ \] عن تعنتهم ومكابرتهم. 
وفيه دليل على أن الآيات لا تضطر أهلها إلى[(٣)](#foonote-٣) الإيمان لأنه قال  ولو أننا نزلنا إليهم الملائكة وكلمهم الموتى وحشرنا عليهم كل شيء قبلا ما كانوا ليؤمنوا  لأنه لو كانت آية تضطرهم إلى الإيمان لكانت هذه. 
وهذا يدل على أن معنى قوله تعالى : وإن نشأ ننزل عليهم من السماء آية فظلت أعناقهم لها خاضعين  \[ الشعراء : ٤ \] أنهم لا يؤمنون بالآية. ولكن إذا شاء أن يؤمنوا لآمنوا، ولو كانت الآيات تضطر أهلها إلى الإيمان به لكان لا آية أعظم من \[ معاينة \][(٤)](#foonote-٤) القيامة، ولا أبين منها. 
ثم أخبر عنهم أنهم لو  ردوا لعادوا لما نهوا عنه  \[ الأنعام : ٢٨ \] وقال : ثم لم تكن فتنتهم إلا أن قالوا والله ربنا ما كنا مشركين  \[ الأنعام : ٢٣ \] قد كذبوا عند معاينتهم القيامة والعذاب. فبهذا يدل على أن الآية لا تضطر أهلها إلى[(٥)](#foonote-٥) الخضوع بالدلائل التي ذكرنا. 
وقوله تعالى : إلا أن يشاء الله  قال الحسن : هذه المشيئة مشيئة القدرة ؛ أي لو شاء الله أن يعجزهم حتى يؤمنوا وهو كقوله تعالى : ولو نشاء لطمسنا على أعينهم   ولو نشاء لمسخناهم على مكانتهم  \[ يس : ٦٦ و ٦٧ \] ونحوه. فهذه المشيئة مشيئة القدرة. لكنا نقول : إنه أخبر أنه لو شاء أن يمسخهم لمسخهم، وقال أيضا : إنه لو شاء أن يهديهم لهداهم ولو شاء أن يهتدوا لاهتدوا. وكذلك يقول المعتزلة : إن المشيئة ههنا مشيئة القهر والجبر، وقد ذكرنا ألا يكون في حال القهر والجبر إيمان، فيصير على قولهم  إلا أن يشاء الله  أن يؤمنوا، فآمنوا، فلا يكون إيمانا. 
وقوله تعالى : وحشرنا عليهم كل شيء قبلا  اختلف في تلاوته وتأويله \[ روي عن الحسن أنه }[(٦)](#foonote-٦) قال : قبلا مقابلة. 
وعن قتادة[(٧)](#foonote-٧) : قبلا عيانا حتى يعاينوا ذلك معاينة  ما كانوا ليؤمنوا إلا أن يشاء الله  أن يؤمنوا، فيؤمنوا، وعن مجاهد  قبلا  أي أفواجا  قبلا . 
وفي حرف أبي عمرو بن العلاء : وحشرنا عليهم كل شيء قبلا  يقول : جبيلا فجبيلا، وفي حرف أبي \[ بن كعب \][(٨)](#foonote-٨) : قبلا  أي \[ جمع قبيل \][(٩)](#foonote-٩). وقال القتبي  قبلا  أي جماعة جماعة و قبلا  أي أصنافا. 
ويقال : القبيل الكفيل، كقوله تعالى : أو تأتي بالله والملائكة قبيلا  \[ الإسراء : ٩٢ \] أي ضمينا كفيلا. قال الكسائي : من قرأها  قبلا  فقد يكون جمع القبيل مثل الجبيل والجبل، وقد يكون القبل أيضا من معنى الإقبال كقوله تعالى : ومن قبل  وقوله[(١٠)](#foonote-١٠) : من دبر  \[ يوسف : ٢٦ و ٢٧ \] ومن قرأها قبلا أراد معاينة. 
وقال أبو عوسجة : كل شيء[(١١)](#foonote-١١) قبل، يقال : أتانا الناس قبلا أي كلهم وقبلا من المقابلة. 
وتأويله ما ذكرنا : أن لو فعلنا هذا كله من إنزال الملائكة إليهم وتكليم الموتى إياهم  وحشرنا عليهم كل شيء  فأخبروهم بالذي يقول محمد : إنه حق  ما كانوا ليؤمنوا  به  إلا أن يشاء الله  لهم الإيمان، فيؤمنوا. 
وفيه ما ذكرنا من الدليل أن الآيات لا تضطر أهلها إلى الإيمان بها  إلا أن يشاء الله  أن يؤمنوا، فحينئذ يؤمنون. 
وقوله تعالى : ولكن أكثرهم يجهلون  أي لكن أكثرهم لا ينتفعون بعلمهم.

١ - من م، ساقطة من الأصل..
٢ - في الأصل وم: إنهم..
٣ - في الأصل وم: على..
٤ - ساقطة من الأصل وم..
٥ - في الأصل وم: على..
٦ - في الأصل وم: عن الحسن..
٧ - أدرج بعدها في الأصل وم: كذلك..
٨ - ساقطة من الأصل وم..
٩ - في الأصل وم: قبيلة..
١٠ - في الأصل وم: و..
١١ - في الأصل وم: قبلا..

### الآية 6:112

> ﻿وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا ۚ وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ ۖ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ [6:112]

الآية ١١٢ وقوله تعالى : وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا  قيل : كما جعلنا لكل نبي من قبل عدوا كذلك يجعل لك عدوا. 
ثم قوله تعالى : جعلنا لكل نبي عدوا  قال الحسن : إن من حكم الله أن يبعث رسلا، وأن كل من اتبع رسوله يكون وليا له، ومن عصى رسوله يكون عدوا له. هذا حكم الله في الكل. 
وقال جعفر بن حرب والكعبي وغيرهما[(١)](#foonote-١) من المعتزلة : إن قوله : جعلنا  أي خيلنا بينهم وبين ما اختاروا من الكفر والعداوة، يقال : جعل فلانا[(٢)](#foonote-٢) كذا، إذا كان مسلطا على ذلك، وهو يقدر أن يمنعه ذلك. ويصير التأويل على قول المعتزلة : أي لم نجعل لكل نبي عدوا، ولكن هم جعلوا أنفسهم أعداء لكل نبي. 
وقلنا نحن : إن قوله تعالى : جعلنا لكل نبي عدوا  \[ يحتمل وجهين :
أحدهما :\][(٣)](#foonote-٣) خلقنا لكل نبي عداوة كل عدو. والجعل من الله الخلق كقوله : وجعلنا السماء سقفا محفوظا  \[ الأنبياء : ٣٢ \] وقوله : وجعلنا الليل والنهار آيتين  \[ الإسراء : ١٢ \] وقوله : الذي جعل لكم الأرض مهدا  \[ طه : ٥٣ \]. كل : جعل أضيف إلى الله فهو خلق. فعلى ذلك قوله تعالى : وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا  أي خلقنا لكل نبي عداوة كل عدو. ولو كان الجعل[(٤)](#foonote-٤) على ما قال الحسن وما قال أولئك من التخلية لكان يجوز أن يضاف فعل الكفر وفعل الضلال إلى الله، وذلك بعيد. 
والثاني : لم يوفق لهم فعل الولاية لما علم منهم أنهم يختارون فعل العداوة على فعل الولاية. 
وقوله/١٥٩-أ/ تعالى : شياطين الإنس والجن يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا  اختلف فيه ؛ قال بعضهم : الشياطين كلهم تكون من الجن، ثم إنهم يوحون إلى الإنس، فيكونون هم الذين يدعون الخلق إلى معصية الله، فيكون من الجن وحيا إلى الإنس، ومن الإنس إلى الخلق قولا ودعاء. 
وقال بعضهم : يكون من الجن شياطين، تدعو شياطين الجن إلى معصية الله، فهو شيطان، وكذلك كبراء الكفرة ورؤساؤهم الذين كانوا يدعون أتباعهم وسفلتهم إلى الكفر، والضلال منهم شياطينهم. ألا ترى أنه قال تعالى : وكذلك جعلنا في كل قرية أكابر مجرميها ليمكروا فيها  \[ الأنعام : ١٢٣ \] وقوله تعالى : إذ تبرأ الذين اتبعوا من الذين اتبعوا  \[ البقرة : ١٦٦ \] وقوله تعالى : قالت أخراهم لأولاهم ربنا هؤلاء أضلونا فأتهم عذابا ضعفا من النار  \[ الأعراف : ٣٨ \] وغيره من الآيات ؟ 
إن كل من دعا غيره \[ إلى معصية الله \][(٥)](#foonote-٥) والكفر به، فهو شيطان، والشيطان هو البعيد من رحمة الله، شطن أي بعد. وقيل : إن إبليس وكل شياطين الإنس \[ ليظلوهم، ويدعوهم \][(٦)](#foonote-٦) إلى معصية الله، ووكل[(٧)](#foonote-٧) شياطين الجن ليضلوهم[(٨)](#foonote-٨)، وهو تأويل الأول. 
وقوله تعالى : يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا  أي يزين بعضهم لبعض القوال غرورا ؛ يغرون به. 
قال القتبي، رحمه الله،  زخرف القول غرورا  ما زين منه، وحسن، وموه، وقال : وأصل الزخرف الذهب، ويقال : زخرف الشيء حسنه. قال أبو عوسجة : الوحي أن يوحي[(٩)](#foonote-٩) بعينه أو بشفته، وهو[(١٠)](#foonote-١٠) إشارة. 
وقوله تعالى : ولو شاء ربك ما فعلوه  قال بعضهم : ولو شاء ربك  لخلقهم خلقا، لم يركب \[ فيهم \][(١١)](#foonote-١١) الشهوات والحاجات حتى أطاعوه، ولم يعصوه كما خلق الملائكة، لم يركب فيهم الشهوات والحاجات والأماني، فلم يعصوه. 
وقالت المعتزلة  ولو شاء ربك  لأعجزهم، وقهرهم حتى لا يقدروا على معصية الله والكفر به، فآمنوا، واهتدوا، إنه  ولو شاء ربك  لهداهم، فاهتدوا، ولكن لما علم منهم أنهم يختارون الضلال على الهدى شاء ألا يهديهم. وقد ذكرنا قبح تأويلهم الآية في غير موضع. 
وقوله تعالى : فذرهم وما يفترون  هذا يخرج على الوعيد لهم كقوله تعالى : ذرهم يأكلون ويتمتعوا  \[ الحجر : ٣ \] وكقوله تعالى : اعملوا ما شئتم  \[ فصلت : ٤٠ \] كذا ؛ أي ذرهم وما يختارون فإنك تراهم في العذاب.

١ - في الأصل وم: وغيرهم..
٢ - في الأصل وم: فلان..
٣ - في الأصل وم: أي..
٤ - في الأصل وم: الحكم..
٥ - في الأصل وم: معصية..
٦ - في الأصل وم: يضلونهم ويدعونهم..
٧ - الواو ساقطة من الأصل وم..
٨ - في الأصل وم: يضلونهم..
٩ - في الأصل وم: يحيى..
١٠ - في الأصل وم: وهي..
١١ - ساقطة من الأصل وم..

### الآية 6:113

> ﻿وَلِتَصْغَىٰ إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُوا مَا هُمْ مُقْتَرِفُونَ [6:113]

الآية ١١٣ وقوله تعالى : ولتصغى إليه أفئدة الذين  قيل : ولتميل قلوب  الذين لا يؤمنون  إلى زخرف القول الذي يوافق هواهم، وكل من ظفر بما يوافق هواه فإنه يرضى به كقوله تعالى : إن الذين لا يرجون لقاءنا ورضوا بالحياة الدنيا واطمأنوا بها  \[ يونس : ٧ \] لأنهم لا يؤمنون بالآخرة، ولا يرجون لقاءه، وكان همهم هذه الدنيا، ورضوا بها  واطمأنوا بها . 
ويحتمل قوله تعالى : ولتصغى إليه  أي إلى الكتاب  أفئدة الذين لا يؤمنون بالآخرة  أي ليس \[ ميلهم ميل قبول \][(١)](#foonote-١) منهم، ولكن ميل طلب الطعن فيه. وهكذا \[ كان ميل \][(٢)](#foonote-٢) أولئك الكفرة، وعادتهم طلب الطعن، والأول أشبه. 
ثم إن كان زخرف القول الذي أوحى بعضهم إلى بعض من كبرائهم وعظمائهم فقد أشرك تعالى هؤلاء بأولئك[(٣)](#foonote-٣) في الكذب الذي كان منهم ؛ كان من الكبراء الدعاء إلى ذلك، ومن الأتباع الرضا والإجابة، وكان منهم التزيين والزخرفة، ومن الأتباع القبول والرضا به ؛ فقد اشتركوا[(٤)](#foonote-٤) جميعا في ذلك الكذب بالقول[(٥)](#foonote-٥) الغرور. 
وقوله تعالى : وليقترفوا ما هم مقترفون  اختلف فيه ؛ قال قائلون : قوله تعالى : وليقترفوا  يعني هؤلاء الأتباع  ما هم مقترفون  أي ليكتسب[(٦)](#foonote-٦) هؤلاء الأتباع من الكذب ما كان أولئك مكتسبين[(٧)](#foonote-٧) من الكذب. 
وقيل : وليقترفوا  أولئك المتبوعون من الكذب  ما هم مقترفون  يعني هؤلاء الأتباع مقترفون من القول الغرور والزخرف. 
ثم اختلف في الاقتراف ؛ قال بعضهم : الاكتساب : اكتساب كل شيء، وقال قائلون : الاقتراف، هو موافقة الذنب والإثم، والله أعلم.

١ - في الأصل: ميل قبلوهم، في م: ميل قبول.
٢ - في الأصل وم: كانت..
٣ - الباء ساقطة من الأصل وم..
٤ - في الأصل وم: اشركوا..
٥ - في الأصل وم: كالقول..
٦ - في الأصل وم: ليكتسبوا..
٧ - في الأصل وم: مكتسبون..

### الآية 6:114

> ﻿أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلًا ۚ وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ ۖ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ [6:114]

الآية ١١٤ وقوله تعالى : أفغير الله أبتغي حكما  ؟ كان أولئك الكفرة دعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى حكم يحكم بينهم في منازعة، وقعت بينهم : إما في الرسالة وإما في الكتاب، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم  أفغير الله أبتغي حكما  ؟ ثم بين، فقال : وهو الذي أنزل إليكم الكتاب مفصلا  كيف أبتغي حكما غير الله  وهو الذي أنزل إليكم الكتاب مفصلا  ما تعلمون أنه نزل ما عجز الخلائق عن إتيان مثله ؟ 
ثم اختلف في قوله تعالى : مفصلا  \[ قيل  مفصلا  \][(١)](#foonote-١) بالحجج والبراهين ما يعرف كل عاقل، لم يكابر عقله، أنه من عند الله نزل. 
وقيل : مفصلا  بالأمر والنهي والتحليل والتحريم، فيقول : أأبتغي[(٢)](#foonote-٢) حكما غير ما أنزل الله، وقد أنزل كتابا مفصلا ومبينا، فيه وعد ووعيد ؟ وقيل : مفصلا  مفرقا أي أنزله بالتفاريق، لم ينزله مجموعا جملة، ما يقع بمسامع كل أحد علم ذلك وبيانه. فأنى يقع إلى الحاجة إلى حكم غيره ؟ 
وقوله تعالى : والذي آتيناهم الكتاب يعلمون أنه منزل من ربك بالحق  اختلف فيه : قيل : والذين آتيناهم الكتاب  أي[(٣)](#foonote-٣) أهل التوراة والإنجيل  يعلمون أنه منزل من ربك بالحق  وقيل : والذين آتيناهم الكتاب  يعني من أعطى هذا الكتاب يعلمون أنه منزل من ربك بالحق } لما عجزوا عن إتيان مثله وتأليفه. 
وقوله تعالى : فلا تكونن من الممترين  يحتمل  فلا تكونن من الممترين  أنهم قد غيروا ما في كتابهم من الأحكام ومن بعثك[(٤)](#foonote-٤) وصفتك. ويحتمل  فلا تكونن من الممترين  أنه من عند الله نزل، مع علمه أن رسوله لا يكون من الممترين، ليعلم الخلق أنه إذا نهى رسوله عن مثل هذا، فغيره أحق أن يخاطب من طلب حكم غيره، ويقول : فلا تكونن من الممترين  أنه من عند الله.

١ - ساقطة من الأصل وم..
٢ - في الأصل وم: أبتغي..
٣ - في الأصل وم: إلى..
٤ - في الأصل وم: نعتك..

### الآية 6:115

> ﻿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا ۚ لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ ۚ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ [6:115]

الآية ١١٥ وقوله تعالى : وتمت كلمة ربك صدقا وعدلا  قيل : صدقا  في الأنباء  وعدلا  في الأحكام ؛ تمت أنباؤه بالصدق وأحكامه بالعدل حتى يعرف كل أحد صدق أنبائه وعدل أحكامه. وقيل : وتمت كلمة ربك صدقا وعدلا  بالحجج والبراهين لما يعرف كل من تأمل فيها، ونظر صدقها وعدلها، أنها من الله. 
وقوله تعالى : لا مبدل لكلماته  هذا تفسير التمام أنها تمت تماما[(١)](#foonote-١)، لا يرد عليها النقض ولا الجور ولا الخلف، ليست[(٢)](#foonote-٢) ككلمات الخلق أنها تبدل، وتنقض، وتمنع، لما يكون فيها من النقصان والفساد، فإنها تبدل، وتنقض. ويعجزون عن وفاء ما وعدوا، ويمنعون عن ذلك. فالله، تعالى، يتعالى عن أن يبدل كلماته، أو يمنع عن وفاء ما وعد، وأنبأ، \[ أو يجوز \][(٣)](#foonote-٣) في حكمه. ويجوز أن يستدل بقوله تعالى : وتمت كلمة ربك صدقا وعدلا  لقول أصحابنا حين[(٤)](#foonote-٤) قالوا : من قال لامرأته : أنت طالق، أتم الطلاق وأعدل الطلاق، فإنه يقع بما وافق السنة، وليس يرجع ذلك إلى العدل[(٥)](#foonote-٥) ؛ لأنه أخبر أن تمت كلمته صدقا وعدلا، والموافق للسنة هو الحق، وهو العدل. 
ويحتمل  لا مبدل لكلمته  لا مبدل لحججه وبراهينه. 
وقوله تعالى : وهو السميع العليم  أي  السميع  بما ألقى الشيطان، وأوحى بعضهم إلى بعض  العليم  بأفعال هؤلاء وإجابتهم إياهم. وأهل التأويل يصرفون إلى خاص من القول : بعضهم يقولون : إن قوله تعالى : وتمت كلمة ربك صدقا وعدلا  هو قوله تعالى : لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين  \[ هود : ١١٩ والسجدة : ١٣ \] وقال آخرون : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم دعاه أهل الكفر إلى عبادة الأوثان. 
ولكن هو يرجع، والله أعلم، إلى كل نبإ ووعد ووعيد وكل خبر يخبر.

١ - من م، في الأصل: تمام..
٢ - في الأصل وم: ليس، وأدرج قبلها في الأصل وم: أنها..
٣ - في الأصل وم: إذ يجوز..
٤ - في الأصل وم: حيث..
٥ - في الأصل وم: العدد.

### الآية 6:116

> ﻿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ۚ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ [6:116]

الآية ١١٦ وقوله تعالى : وإن تطع أكثر من في الأرض يضلوك عن سبيل الله  الآية دلالة أن أكثر أهل الأرض كانوا ضلالا وعباد الأوثان والأصنام لأنه قال : أكثر من في الأرض . 
وقوله تعالى : يضلوك  لأنهم إلى أهل الضلال كانوا يدعونه. ثم الخطاب، وإن كان لرسول الله في الظاهر، فهو لكل[(١)](#foonote-١) مؤمن ؛ إذ معلوم أن رسوله لا يطيعهم في ما يدعونه إلى عبادة الأوثان. \[ وفيه أن في الأرض من كان \][(٢)](#foonote-٢) يعبد الله، وكان على دين الأنبياء والرسل. 
وقوله تعالى/١٥٩-ب/  وإن تطع أكثر من في الأرض يضلوك عن سبيل الله  ذكر في القصة أن أهل الكفر دعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى عبادة الأوثان، \[ وأنهم \][(٣)](#foonote-٣) يقولون : إنهم يعبدون الله في الحقيقة كقولهم : ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى  \[ الزمر : ٣ \] وكقولهم[(٤)](#foonote-٤) : هؤلاء شفعاؤنا عند الله  \[ يونس : ١٨ \] وأنهم[(٥)](#foonote-٥) يعبدون الأوثان، ويرتكبون الفواحش، ويقولون : والله أمرنا بها  \[ الأعراف : ٢٨ \] فأخبر رسوله أنك لو أطعت هؤلاء إلى ما يدعونك من عبادة هذه الأصنام \[ لأضلوك، فما هم \][(٦)](#foonote-٦) إلا ظنا يظنون كقوله : إن يتبعون إلا الظن  أي ما يتبعون إلا الظن  وإن هم إلا يخرصون  ما هم إلا يكذبونك على الله في قولهم : إن ذلك يقربهم  إلى الله زلفى  \[ الزمر : ٣ \] وقولهم : والله أمرنا بها  \[ الأعراف : ٢٨ \].

١ - في الأصل وم: كل..
٢ - في الأصل: في الأرض كان من، في م: في الأرض وفيه أن في الأرض كان من..
٣ - ساقطة من الأصل وم..
٤ - في الأصل وم: ويقولون..
٥ - في الأصل وم: كأنهم..
٦ - ساقطة من الأصل وم..

### الآية 6:117

> ﻿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ مَنْ يَضِلُّ عَنْ سَبِيلِهِ ۖ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ [6:117]

الآية ١١٧ وقوله تعالى : إن ربك هو أعلم من يضل عن سبيله. وهو أعلم بالمهتدين  يعلم من يزيغ، ويضل عن سبيله، ويعلم من يهتدي به. وفي[(١)](#foonote-١) قوله : إن ربك هو أعلم بمن يضل عن سبيله  دلالة على أنه على علم منه بالضلال والتكذيب ؛ بعث الرسل إليهم، وأرسل الكتب لا عن جهل منه، لكن صار بعث من بعث من الرسل والكتب إليهم حكمة على علم منه بما يكون منهم ؛ لأنه إنما يبعث لمكان الرسل إليهم ولحاجتهم.

١ - من م، في الأصل: في..

### الآية 6:118

> ﻿فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ بِآيَاتِهِ مُؤْمِنِينَ [6:118]

الآية ١١٨ وقوله تعالى : فكلوا مما ذكر اسم الله عليه إن كنتم بآياته مؤمنين  صرف أهل التأويل الآية إلى أهل الكفر، وقالوا : ما بالكم تأكلون ذبائحكم التي ذبحتم، ولا تأكلون مما ذكر عليه اسم \][(١)](#foonote-١) الله، وزكاه ؛ صرفوا الخطاب به إلى أهل الشرك، والأشبه أن يصرف الخطاب به إلى أهل الإسلام لأنه ذكر في آخره : إن كنتم بآياته مؤمنين . ومثل هذا لا يذكر في أهل الشرك، إنما ذكر الخطاب \[ إلى \][(٢)](#foonote-٢) أهل الإسلام كقوله تعالى : ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن إن كن يؤمن بالله واليوم الآخر  \[ البقرة : ٢٢٨ \] وقوله تعالى : وذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين  \[ البقرة : ٢٧٨ \] ونحوه من الآيات. 
فعلى ذلك الأشبه أن يصرف الخطاب بها إلى أهل الإسلام ؛ كان قوم[(٣)](#foonote-٣) من أهل الإسلام منعوا أنفسهم عن التناول من هذه الذبائح واللحوم، فنهوا عن ذلك نحو ما روي في بعض القصة أن نفرا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم هموا أن يخضعوا[(٤)](#foonote-٤) أنفسهم، وألا يعطوا أنفسهم شهواتها، وألا يتناولوا[(٥)](#foonote-٥) من الطيبات، فنهوا عن ذلك. وقيل : فيهم نزل قوله تعالى : يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم  \[ المائدة : ٨٧ \] فيشبه أن يكون قوله تعالى : فكلوا مما ذكر اسم الله عليه  فيهم، أو لما علم أن قوما من المتقشفة والمتزهدة[(٦)](#foonote-٦) يحرمون ذلك على أنفسهم، فنهوا عن ذلك. 
فإن كان \[ هذا \][(٧)](#foonote-٧) ما قال أهل التأويل فهو، والله أعلم، كأنه قال : فكلوا مما ذكر اسم الله عليه إن كنتم بآياته مؤمنين  بما تعلمون أن الخلق والأمر له، وقد أنشأ لكم من الآيات ما تعلمون ذلك، فكيف تحرمون ما[(٨)](#foonote-٨) ذكر اسم الله عليه ؟

١ - في الأصل وم: تأكلوا ما ذبح..
٢ - ساقطة من الأصل وم..
٣ - في الأصل وم: قوما..
٤ - في الأصل وم: يخصوا..
٥ - في الأصل وم: يتناول..
٦ - في الأصل وم: والمتوصدة..
٧ - ساقطة من الأصل وم..
٨ - في الأصل وم: مما..

### الآية 6:119

> ﻿وَمَا لَكُمْ أَلَّا تَأْكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ ۗ وَإِنَّ كَثِيرًا لَيُضِلُّونَ بِأَهْوَائِهِمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ ۗ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُعْتَدِينَ [6:119]

الآية ١١٩ ثم أمر بأكل ما ذكر اسم الله \[ عليه \][(١)](#foonote-١)، وعاتب عن ترك ما ذكر اسم الله \[ عليه \][(٢)](#foonote-٢) بقوله تعالى  وما لكم ألا تأكلوا مما ذكر اسم الله عليه  ولم يبين بم ؟ وبأي وجه ؟ بالذبح أو بغيره. وكذلك قوله تعالى : اليوم أحل لكم الطيبات وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم  \[ المائدة : ٥ \] ولم يبين من أي وجه ؟ لكن الناس أنفقوا على صرف ذلك إلى الذبح، فكان الذبح مضمرا فيه ؛ كأنه قال : فكلوا مما ذبح بذكر اسم الله عليه. 
ثم لا يخلو اتفاقهم بمعرفة ذلك ؛ إما أن عرفوا ذلك بالسماع من رسول الله، وإما أن \][(٣)](#foonote-٣) عرفوا ذلك بنوازل الأحكام، إذ ليس في الآية بيان ذلك. فكيف ما كان ففيه دلالة نقض قول من يقول بأن من عرف نوازل الأحكام، أو عنده دراية، يفسق لأنه لم يذكر ههنا النوازل ولا السماع. دل أنه لا يفسق إن كان قوله تعالى : فكلوا مما ذكر اسم الله عليه  ذكر لمكان قول الوثنية لأنهم يحرمون الذبائح، ويقولون : ليس من الحكمة إيلام من لا ذنب له، أو ذكر لمكان قول من يقول : إنكم أكلتم ما تذبحون بأيديكم، ولا تأكلون ما يولي الله قتله. 
ثم قوله تعالى : فكلوا مما ذكر اسم الله عليه  وقوله تعالى : ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه وإنه لفسق  \[ الأنعام : ١٢١ \] أباح عز وجل من الأنعام ما ذكر اسم الله عليه، وحظر ما لم يذكر اسم الله عليه، ونهى عن أكله بقوله تعالى : ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه  وبقوله تعالى : وما أهل به لغير الله  \[ البقرة : ١٧٣ و. . \] جعل المهل لغير الله \[ به \][(٤)](#foonote-٤) ميتة حراما، وجعل المذكور اسم الله عليه ذكيا حلالا، فدل أن التسمية شرط في حل الذبيحة ؛ لأنه لو لم يكن شرطا في حل الذبيحة لم يكن المهل به لغير الله ميتة حراما، ولأنه سمى ما لم يذكر اسم الله عليه فسقا ؛ والفسق هو الخروج عن أمر الله كقوله تعالى : ففسق عن أمر ربه  \[ الكهف : ٥٠ \]، فدل أن التسمية شرط فيها. ولهذا يحل[(٥)](#foonote-٥) لنا ذبائح أهل الكتاب إذا سمعناهم يذكرون اسم الله عليه، وإن كانوا لا يذكرون في الحقيقة غير الله ؛ لأنهم لا يعرفون الله حقيقة، ولكن إذا ذكروا اسم الله عليه يحل لنا. 
ولا يحل \[ لنا \][(٦)](#foonote-٦) ذبائح أهل الشرك ؛ لأن أهل الشرك لا يرون الذبائح رأسا ؛ يذهبون مذهب الزنادقة، والزنادقة لا يرون الذبائح ؛ يقولون لنا : تقولون : إن ربكم رحيم حكيم، وليس من الحكمة أو الرحمة أن يأمر أحدا بذبح آخر، ويقتله، فيأكلون الميتة، ولا يرون أكل الذبيحة، ويقولون : ليس هذا أمر من كان موصوفا بالرحمة أو بالحكمة. 
**لكنا نقول :\[ إن ذلك في أمرين :**
أحدهما :\][(٧)](#foonote-٧) أن كراهة الذبح والنفور عنه نفور طبع، \[ وكراهته كراهة الطبع لا كراهة العقل \][(٨)](#foonote-٨) ؛ \[ يجوز أن يباح \[ أمر \][(٩)](#foonote-٩) لما يعقب نفعا في المتعقب نحو ما يباح الافتصاد والحجامة والتداوي بأدوية كريهة لنفع يعقب، ويؤمل[(١٠)](#foonote-١٠)، وإن كان الطبع يكرهه، وينفر عنه \][(١١)](#foonote-١١)، وليس هو مما يقبحه العقل. إن ما لا يجوز أن يباح فعل، ويؤمر به، مما يقبحه العقل، \[ ويكرهه العقل \][(١٢)](#foonote-١٢). 
وأما كراهة الطبع ونفوره فإنه يجوز أن يباح لما ذكرنا، ويرتفع ذلك بالعادة. فعلى ذلك الذبح[(١٣)](#foonote-١٣) كراهته \[ ليست \][(١٤)](#foonote-١٤) كراهة العقل ونفوره. 
والثاني : أن هذه الأشياء كلها إنما \[ خلقت لنا، وسخرت \][(١٥)](#foonote-١٥) لمنافعنا، لم تخلق لأنفسها. فإذا كان ذلك[(١٦)](#foonote-١٦) يحل لنا ذبحها والتناول منها بأمر الذي أنشأها، وسخرها[(١٧)](#foonote-١٧) لنا. 
وبعد فإن مذهبهم أن العالم إنما كان بامتزاج النور والظلمة، والروح من النوراني، والجسم من الظلماني. ففي الذبح استخراج الروح ورده إلى أصله ؛ إذ من قولهم : إنه يرجع كل إلى أصله في العاقبة على ما كان في الأول. 
وأما جواب[(١٨)](#foonote-١٨) ما قاله أهل الشرك. أكلتم ما ذبحتم أنتم، وتركتم ذبيحة الله \[ ففي وجهين \][(١٩)](#foonote-١٩) :
أحدهما : ما قاله أهل التأويل : إن الخلق له، وله الحكم عليهم، فأحل لهم هذا، وحرم عليهم هذا. 
والثاني : تعبدنا بذكر اسمه عليها، فصار اسم الله إقامة عبادة تعبدنا بها، وفي ما لم تذكر لم تكن عبادة. كذلك حل لنا ما كان في ذلك إقامة عبادة، ولم يحل لنا ما لم يكن فيه[(٢٠)](#foonote-٢٠) والله أعلم. 
وقوله تعالى : فكلوا مما ذكر اسم الله عليه  هو في الظاهر أمر. لكن الأمر الذي يرجع إلى شهوات النفس ولذاتها فإنه يخرج على وجهين ؛ إما أن يخرج على بيان ما يحل والنهي عما[(٢١)](#foonote-٢١) لا يحل. فههنا خرج على ما يحل، وتحريم ما لا يحل ؛ كأنه قال : كلوا مما ذكر اسم الله عليه، ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه. 
وقوله تعالى : وقد فصل لكم ما حرم عليكم  هو صلة قوله : وما لكم لا تأكلوا مما ذكر اسم الله عليه وقد فصل لكم ما حرم عليكم  أي ما لكم ألا تأكلوا كذا، وقد بين[(٢٢)](#foonote-٢٢) لكم ما حرم عليكم من الميتة والدم ولحم الخنزير إلا ما اضطررتم إليه. 
قال الحسن : له أن يتناول من الميتة حتى يشبع ؛ لأنه أحل له التناول. وعلى قولنا : لا يحل له الشبع ؛ لأنه إنما أحل عند /١٦٠-أ/ الاضطرار لا الشبع. ويقول الحسن : لو ترك التناول منها حتى هلك لا شيء عليه ؛ يقول : إنما أحلت له رخصة ورحمة، وليس على من لم يعمل بالرخص إثم. 
ولكن عندنا : أنها أبيحت في حال الاضطرار ؛ فإذا ترك التناول منها حتى هلك صار ملقيا نفسه في التهلكة، وقد حرم الله علينا أن نهلك أنفسنا، أو نلقيها في التهلكة بقوله : ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة  \[ البقرة : ١٩٥ \] ولا فرق بين ترك التناول من الميتة، وقد أحل لنا التناول من غيرها[(٢٣)](#foonote-٢٣) من الأطعمة المحللة، أو \[ أن \][(٢٤)](#foonote-٢٤) نأتي بأسباب إتلاف النفس، فهما سواء. 
ويقول أيضا : له أن يتناول عند الاضطرار من مال غيره بلا بدل. وإذا نهى صاحبه عن ذلك يضمن بدل ذلك بالغا ما بلغ، فهذا بعيد لا يجوز أن يتناول من[(٢٥)](#foonote-٢٥) مال غيره، ولا يلزمه البدن. وإذا نهاه عن ذلك يلزمه البدل ؛ لأن من كان له حق التناول من مال آخر بغير بدل، ثم إذا نهي، أو منع، يلزمه البدل. دل أنه ليس له التناول إلا ببدل، وقد ذكرنا. 
وقوله تعالى : وإن كثيرا ليضلون بأهوائهم بغير علم  دل هذا على أن الكل منهم لم يكونوا يضلون، ولكن البعض هم الأئمة منهم والرؤساء ؛ لأن الأتباع منهم كانوا لا يضلون الناس إنما \[ كان يضلهم \][(٢٦)](#foonote-٢٦) الكبراء منهم والعظماء  إن ربك هو أعلم بالمعتدين  وقد ذكرنا هذا في ما تقدم.

١ - من م، ساقطة من الأصل..
٢ - ساقطة من الأصل وم..
٣ - في الأصل وم: أو..
٤ - من م، ساقطة من الأصل..
٥ - أدرج قبلها في الأصل: لم، وفي م: ما..
٦ - ساقطة من الأصل وم..
٧ - ساقطة من الأصل وم..
٨ - في الأصل: وكراهة طبع لا كراهة العقل مما يكرهه الطبع وينفر عنه، في م: وكراهته كراهة طبع يكرهه وينفر عنه..
٩ - ساقطة من الأصل..
١٠ - في الأصل: ويتأمل..
١١ - ساقطة من م..
١٢ - من م، ساقطة من الأصل..
١٣ - في الأصل وم: الذبيحة..
١٤ - ساقطة من الأصل وم..
١٥ - في الأصل وم: خلق لنا، وسخر..
١٦ - في الأصل وم: كذلك..
١٧ - في الأصل وم: لنا وسخر..
١٨ - في الأصل وم: الجواب..
١٩ - في الأصل وم: وجهان..
٢٠ - في الأصل وم: فيها..
٢١ - في الأصل وم: على ما..
٢٢ - في الأصل وم: يبين، وهو إشارة إلى قوله تعالى: حرمت عليكم الميتة \[المائدة: ٣\]..
٢٣ - في الأصل وم: غيره..
٢٤ - ساقطة من الأصل وم..
٢٥ - في الأصل وم عن..
٢٦ - في الأصل وم: كانوا يضلون..

### الآية 6:120

> ﻿وَذَرُوا ظَاهِرَ الْإِثْمِ وَبَاطِنَهُ ۚ إِنَّ الَّذِينَ يَكْسِبُونَ الْإِثْمَ سَيُجْزَوْنَ بِمَا كَانُوا يَقْتَرِفُونَ [6:120]

الآية ١٢٠ وقوله تعالى : وذروا ظاهر الإثم وباطنه  اختلف فيه : قيل : وذروا ظاهر الإثم  بظاهر الجوارح وباطنها ؛ ظاهر الجوارح من نحو اليد والرجل واللسان والعين، وباطن الجوارح القلوب والضمائر. وقيل : ذروا الإثم في ملإ من الخلق وفي الخلاء. وقيل : ظاهر الإثم ما ذكرنا، وباطنه الزنى. 
قال أبو بكر الكيساني : كأنه قال : وذروا المآثم كلها، ما ظهر منها، وما بطن. 
وقوله تعالى : إن الذين يكسبون الإثم سيجزون بما كانوا يقترفون  لا يتركون وما عملوا، ولكن يجزون جزاء ما عملوا من الإثم، وهو وعيد \[ لأنهم \][(١)](#foonote-١) يكسبون الإثم، ويصرون عليه، ولا يتوبون، ولا ينقلعون عنه حتى \[ إذا \][(٢)](#foonote-٢) ماتوا على ذلك  سيجزون بما  ذكر.

١ - ساقطة من الأصل وم..
٢ - ساقطة من الأصل وم..

### الآية 6:121

> ﻿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ ۗ وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَىٰ أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ ۖ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ [6:121]

الآية ١٢١ وقوله تعالى : ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله  قال بعضهم : هو الميتة، وهو قول ابن عباس رضي الله عنه وقال بعضهم : هو ما  أهل به لغير الله  \[ البقرة : ١٧٣و. . . \]. 
وقلنا نحن : هو ما  لم يذكر اسم الله عليه  لأن الله قد صرح بتحريم الميتة بقوله : قل لا أجد في ما أوحي إلي محرما  \[ المائدة : ٣ \] وصرح به بتحريم ما  أهل به لغير الله  بقوله : وما أهل به لغير الله  \[ البقرة : ١٧٣ و. . \] تصريحا[(١)](#foonote-١) في غير هذا الموضع \[ إذ \][(٢)](#foonote-٢) رجع هذا الخطاب إلى تحريم ما  لم يذكر اسم الله عليه . 
وكذلك صرح بتحريم الميتة وما أهل به لغير الله بقوله تعالى : قل لا أجد في ما أوحي إلي محرما  \[ الأنعام : ١٤٥ \] كان لا يجد في ذلك الوقت، ثم وجد ما  لم يذكر اسم الله عليه  محرما في حادث الوقت. وكذلك وجد[(٣)](#foonote-٣) كل ذي ناب من السباع وكل ذي مخلب من الطير محرما في حادث الوقت. كان لا يجد في تلك[(٤)](#foonote-٤) الأوقات محرما إلا ما ذكر، ثم وجد أشياء محرمة من بعد. 
وقال بعضهم من أهل التأويل : وقوله تعالى : ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه  حين قالوا : ما قتلتم، وذبحتم أنتم، فتأكلونه، وما قتل ربكم فتحرمونه، وأنتم تعظمون ربكم، وهو من زخرف \[ القول \][(٥)](#foonote-٥) الذي يوحي بعضهم إلى بعض وما ذكروا أن  الشياطين ليوحون إلى أوليائهم ليجادلوكم . 
**لكنا نقول :{ فيه وجوه :**
أحدها :\][(٦)](#foonote-٦) أن ما ذبح، وقتل، ذبيح الله وقتيل به أيضا، فقد أذن لنا بأكل بعض الذبيح، وحرم أكل بعض. ولله أن يفعل ذلك ؛ له أن يأذن في أكل بعض وتحريم أكل بعض على ما أذن لنا في أكل بعض ما خلق لنا من الأنعام، ولم يأذن في أكل بعض. فعلى ذلك قد أذن في أكل بعض ما ذبح به، وقتل، ولم يأذن في بعض. وهو كله ذبيح بالله وقتيل له، وله ذلك. 
والثاني : أن الخلق كله له ملكه، ولا يقال لأحد في ملكه : لم فعلت ذا ؟ ولم تفعل ذا ؟ إنما يقال ذلك في غير ملكه كشريك يقول لشريكه : لم تعطني حقي، ولم توفر علي نصيبي، فأما أن يقول : لي[(٧)](#foonote-٧) ملك في ملكه فلا. 
والثالث : ما ذكرنا أن[(٨)](#foonote-٨) تعبدنا بذكر اسم الله عليه عبادة، لذلك لم يجز هذا. 
وقوله تعالى : وإنه لفسق  أخبر أن[(٩)](#foonote-٩) ما  لم يذكر اسم الله عليه  فسق كما أخبر أن التناول من الميتة  وما أهل به لغير الله  البقرة : ١٧٣ و. . \] فسق، والفسق هو الخروج عن أمر الله. والذي ترك ذكر اسم الله عليه خارج عن أمر الله تعالى كالميتة التي ذكرنا. 
فإن قال قائل : إن قول الله تعالى : ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه  فكيف يجوز لكم أن تطلقوا أكل الذبيحة إذا ترك ذكر اسم الله ناسيا ؟ لأن الذبائح إنما هي من عمل القصابين والصبيان ؛ فهم لم يعودوا أنفسهم ذكر اسم الله حتى يؤاخذوا[(١٠)](#foonote-١٠) بها على حفظ ذلك. 
وهذا أصلنا : أن \[ من \][(١١)](#foonote-١١) لم يعود نفسه فعلا يعذر في تركه، وارتكابه في حال السهو والنسيان كالأكل في شهر رمضان ناسيا ؛ لأنه عود نفسه الأكل والشرب، والصوم هو الكف عما اعتاد، فعذر في التناول منه والعود إلى العادة على السهو ؛ لأنه يشتد على الناس حفظ النفس على خلاف العادة، ولأن الله تعالى قال : وإنه لفسق  ولا خلاف في أن من نسي أن يسمي الله على ذبيحة فليس بفاسق، وإنما يفسق من تركها عامدا. فدل أن الخطاب بالآية رجع إلى الذبيحة التي تركت التسمية عمدا. 
فإن قيل : ليس يجوز أن يكون قوله تعالى : وإنه لفسق  يريد به أن الذي يأكل منها إذا لم يسم الله عليها عامدا أو ساهيا فاسق، وإن كان هذا هو التأويل فالآية على الأكل. 
قيل : الدليل على أن قوله تعالى : وإنه لفسق  إشارة إلى الذبيح الذي ترك ذكر اسم الله عليه عمدا دون أن يكون ذلك إشارة إلى أن الأكل من تلك الذبيحة فسق قول الله تعالى : قل لا أجد في ما أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة أو دما مسفوحا أو لحم خنزير فإنه رجس أو فسقا أهل لغير الله به  \[ الأنعام : ١٤٥ \] فكان الإهلال بالذبيحة لغير الله فسقا لمن فعله فواجب أن يكون ترك اسم الله على الذبيحة فسقا ممن تعمده، وذلك يوجب أن يكون قول الله : ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه  خاصا في المتعمد لقوله التسمية. 
\[ فإن قيل \][(١٢)](#foonote-١٢) : كيف لم يجعلوا تارك التسمية ناسيا كتاركها عامدا كما قلتم في التكبيرة الأولى في الصلاة : إن عمده وسهوه سواء. قيل : من قال[(١٣)](#foonote-١٣) : إن الذبيحة إذا تعمد صاحبها ترك التسمية عليها إنما حرمت بنص القرآن ؛ لأنه فسق، فقلنا : متى زال الفسق عن الذابح زال التحريم عن الذبيحة ؛ لأن التحريم إذا وقع لعلة، فزالت العلة، زال التحريم. ولم نقل : إن صلاة \[ تارك التكبيرة الأولى فاسدة \][(١٤)](#foonote-١٤) ؛ لأنه فسق بتركه[(١٥)](#foonote-١٥) التكبيرة عامدا، فيلزمنا أن نفرق بين سهوها وعمدها، بل فسدت صلاته صلى بغير تكبير. فالتارك التكبير عامدا أو ساهيا تارك، فهما سواء. 
وروي في الخبر ما يؤيد ما قلنا : روي عن راشد بن سد \[ أنه \][(١٦)](#foonote-١٦) قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :( ذبيحة المسلم حلال، سمى، أو لم يسم، ما لم يتعمد ) \[ البيهقي في الكبرى ٩/ ٢٤٠ \] وعن ابن عباس رضي الله عنه : في رجل، ذبح، ونسي أن يذكر اسم الله \[ أنه \][(١٧)](#foonote-١٧)، قال : اسم الله في قلب كل مسلم، فليأكل. 
وقوله تعالى : وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم ليجادلوكم  أهل التأويل صرفوا تأويل هذا إلى أن زخرف القول الذي يوحي بعضهم إلى بعض في الآية الأولى هو مجادلتهم في الذبيحة حين[(١٨)](#foonote-١٨) قالوا : أئذا متنا وكنا ترابا وعظاما أئنا لمبعوثون  \[ المؤمنون/ ٨٢ و. . \] فأخبر أنهم لو أطاعوهم إنهم لمشركون ؛ أي لو أطعتموهم في ما يجادلونكم، ويوحون إليكم[(١٩)](#foonote-١٩)  إنكم لمشركون .

١ -في الأصل وم: تصريح..
٢ - ساقطة من الأصل وم..
٣ - من م، في الأصل: وجه..
٤ - في الأصل وم: ذلك..
٥ - من م، ساقطة من الأصل..
٦ - ساقطة من الأصل وم..
٧ - في الأصل وم: في ذي..
٨ - في الأصل وم: أنه..
٩ - في الأصل وم: أنه..
١٠ - في الأصل وم: يؤاخذون..
١١ - من م، ساقطة من الأصل..
١٢ - ساقطة من الأصل وم..
١٣ - في الأصل وم: قيل..
١٤ - في الأصل وم: التارك للتكبيرة الأولى فسوق صلاته..
١٥ - في الأصل وم: بتركها..
١٦ - ساقطة من الأصل وم..
١٧ - ساقطة من الأصل وم..
١٨ - في الأصل وم: حيث.
١٩ - في الأصل وم: إليهم..

### الآية 6:122

> ﻿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا ۚ كَذَٰلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [6:122]

الآية ١٢٢ وقوله تعالى : أو من كان ميتا فأحييناه وجعلنا له نورا يمشي به في الناس كمن مثله في الظلمات ليس/١٦٠-ب/ بخارج منها  يشبه : أمن[(١)](#foonote-١) أخرج من ذلك، فأبصر، وسمع، وعقل، كمن ترك في تلك الظلمات، ولم يخرج منها ؟ يقول، والله أعلم، لا يستوي من أخرج من ظلمات البطن بعدما كان لا يبصر، ولا يسمع، ولا يعقل، ولا يفهم، ثم أبصر، وسمع، وعقل، والذي ترك في تلك الظلمات على الحال التي كان \[ كما \][(٢)](#foonote-٢) هو لا يبصر، ولا يسمع، ولا يعقل. 
فعلى ذلك لا يستوي المؤمن الذي يبصر الحق، ويسمع، ويعقل كل خبر، ويعلمه  وجعلنا له نورا يمشي به في الناس  بنوره \[ يمشي \][(٣)](#foonote-٣) أصحاب يدعون الناس إلى الهدى والخير، والكافر الذي لا يبصر الحق[(٤)](#foonote-٤)، ولا يسمع، ولا يعقل، ليس له أصحاب يدعونه إلى الهدى والخيرات : أي ليس هذا كذلك الذي يبصر، ويسمع، ويعقل، كالذي لا يبصر، ولا يسمع، ولا يعقل. 
وجائز أن يكون المثل الذي ضرب الله أن يكون المؤمن والكافر جميعا حيين في الجوهر. لكن المؤمن اكتسب ما به يحيى أبدا من العلم والقرآن والإيمان، والكافر لم يكتسب من ذلك شيئا ؛ فهو كالميت الذي لا يبصر، ولا يسمع الحق، ولا يعقل. 
ويحتمل هذا المثل وجها آخر، وهو أن المؤمن يكتسب في الدنيا الخيرات والأعمال الصالحة، ويكون له نور في الآخرة بالأعمال التي اكتسب في الدنيا، ويمشي بنور ذلك في ما بين الناس في الآخرة. وأما الكافر فإنه لم يكتسب من ذلك شيئا، فيبقى في الظلمات كقوله تعالى : ارجعوا وراءكم فالتمسوا نورا  \[ الحديد : ١٣ \]. 
وقوله تعالى : وجعلنا له نورا يمشي به في الناس  والمعتزلة يقولون : هم جعلوا لأنفسهم نورا يمشون \[ به \][(٥)](#foonote-٥) في الناس، وقد أخبر أنه هو الذي يجعل لهم ذلك \[ النور، فذلك \][(٦)](#foonote-٦) تحريف منهم \[ في \][(٧)](#foonote-٧) ظاهر القرآن. 
وكذلك قوله تعالى : وهو على كل شيء قدير  \[ هود : ٤ \] وهم يقولون : هو قدر على بعض الأشياء، وقال تعالى : هو خالق كل شيء  \[ الأنعام : ١٠٢ و. . \] وهم يقولون : هو خالق بعض الأشياء، وقال تعالى : ولو شاء الله ما فعلوه  \[ الأنعام : ١٣٧ \] وهم يقولون : شاء ألا يفعلوا ما فعلوا، ولكن فعلوا غير ما شاء الله، وكذلك قوله تعالى : ولو شاء ربك ما فعلوه  \[ الأنعام : ١١٢ \] وهم يقولون : شاء غير الذي فعلوا، وكذلك \[ قوله تعالى \][(٨)](#foonote-٨) : وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا  \[ الأنعام : ١١٢ \] وهم يقولون : لم يجعل لكل نبي عدوا، وهم جعلوا أنفسهم لهم أعداء، وكذلك قوله تعالى : وكذلك جعلنا في كل قرية أكابر مجرميها ليمكروا فيها  \[ الأنعام : ١٢٣ \] وهم يقولون : جعل الأكابر فيها لئلا يمكروا فيها. 
وقوله تعالى : كذلك زين للكافرين ما كانوا يعملون  اختلف فيه : قال بعضهم : كما زينا للمؤمنين عبادة الله كذلك زينا للكافرين عبادة الله، لكنهم تعاندوا، وصرفوا العبادة إلى غير الله، وهو تأويل المعتزلة. 
وقال قائلون : زين لهم أعمالهم التي يعملونها. 
ثم اختلف في الذي زينها ؛ قال الحسن : زين[(٩)](#foonote-٩) الشيطان أعمالهم، وقال غيرهم : زينها الأكابر على الأصاغر، وقال[(١٠)](#foonote-١٠) قائلون : زينها الله، ولكن ما أضيف إلى الشيطان من التزيين والإضلال إنما يضاف إلى ما يدعوهم، ويحثهم على ذلك وما يضاف إلى الله من التزيين والإضلال والإزاغة وغير ذلك، يضاف للخلق ؛ أي خلق منهم فعل الإضلال وفعل التزيين وفعل الزيغ، يضاف إلى الله خلقا وإلى الشيطان والأكابر دعاء ووحيا وإلقاء. وعلى[(١١)](#foonote-١١) هذا تخرج جميع الإضافات، والله أعلم.

١ - في الأصل وم: بم..
٢ - من م، ساقطة من الأصل..
٣ - ساقطة من الأصل وم..
٤ - في الأصل وم: الخبر..
٥ - ساقطة من الأصل وم..
٦ - من م، ساقطة من الأصل..
٧ - ساقطة من الأصل وم..
٨ -ساقطة من الأصل وم..
٩ - في الأصل وم: زينها..
١٠ - الواو ساقطة من الأصل وم.
١١ -الواو ساقطة من الأصل وم..

### الآية 6:123

> ﻿وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَابِرَ مُجْرِمِيهَا لِيَمْكُرُوا فِيهَا ۖ وَمَا يَمْكُرُونَ إِلَّا بِأَنْفُسِهِمْ وَمَا يَشْعُرُونَ [6:123]

الآية ١٢٣ وقوله تعالى : وكذلك جعلنا في كل قرية أكابر مجرميها ليمكروا فيها  أي جعل في كل قرية من أهل الكفر أكابر مجرميها وعظمائها كما جعل في قريتك أكابر مجرميها. يصبر رسول الله صلى الله عليه وسلم على ذلك ليعلم أنه ليس بمخصوص هو بهذا دون غيره من الأنبياء. 
ثم اختلف في قوله تعالى : جعلنا في كل قرية أكابر مجرميها ليمكروا فيها  وقد ذكرنا أقاويلهم في قوله تعالى : وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا  \[ الأنعام : ١١٢ \]. 
ثم قوله تعالى : وكذلك جعلنا في كل قرية أكابر مجرميها ليمكروا فيها  قالت المعتزلة : لم يجعل الأكابر فيها ليمكروا فيها. ولكن لما وسع الدنيا، وبسطها عليهم مكروا فيها. وكذلك قالوا في قوله تعالى : ولقد ذرأنا لجهنم كثيرا من الجن والإنس  \[ الأعراف : ١٧٩ \] لا يجوز أن يخلقهم \[ لجهنم \][(١)](#foonote-١) ولكن لما عملوا أعمال الكفر والضلال صاروا لجهنم. 
وقالوا : هو على الإضمار كأنه قال : وكذلك جعلنا في كل قرية أكابر مجرميها لئلا يمكروا، لكنهم مكروا فيها لما ذكرنا. 
لكن قوله تعالى : جعلنا في كل قرية أكابر مجرميها ليمكروا  ليكون أدعى وأظهر للحجج، لأنه لو كان بعث الرسل أكابر لكان الناس يتبعون الأكابر، وإن لم يأتوا بالحجج، وغيرهم لا يتبعون إلا بالحجج. 
ومنهم من يقطع قوله تعالى : ليمكروا فيها  عن قوله تعالى : جعلنا في كل قرية أكابر مجرميها  ؛ يقول : معناه  جعلنا في كل قرية أكابر مجرميها  أكابر ثم قال : ليمكروا فيها  أي ما جعل ذلك لهم ليمكروا. 
ومنهم من يقول : هو إخبار \[ عما \][(٢)](#foonote-٢) إليه صار أمرهم كقوله تعالى : فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدوا وحزنا  \[ القصص : ٨ \] وهم لم يلتقطوه  ليكون لهم عدوا وحزنا  إنما التقطوه ليكون لهم وليا، لكنه لما صار في العاقبة عدوا لهم ؛ أخبر عما آل إليه أمره. فعلى ذلك قوله تعالى : ليمكروا فيها  أخبر عما إليه صاروا، من المكر. 
وعندنا لا يخلو هذا، إما أن يقال : إنه يخلقهم لغير المكر والضلال، وهو يعلم ألا يكونوا لما يخلقهم، فذلك ليس فعل حكيم أن يعمل عملا يعلم أنه لا يكون ؛ نحو من يبني بناء يعلم أنه لا يسكن، أو يقصد قصد موضع يعلم أنه لا يصل إليه ؛ فهو بالقصد عابث، ليس بحكيم فعلى ذلك الله، سبحانه، لا يجوز أن يخلقهم للهدى والعبادة له مع علمه أنهم لا يكونون لما يخلقهم، وإما[(٣)](#foonote-٣) أن يخلقهم لذلك، وهو لا يعلم أنهم يكونون كذلك، فهو جهل بالعواقب ؛ فالله يتعالى عن ذلك، فدل أنه خلقهم ليكونوا على ما علم أنم يكونون، ويختارون ذلك، وقوله تعالى : ليكون لهم عدوا وحزنا  \[ القصص : ٨ \] كان عند الله أنهم يلتقطونه ليكون لهم عدوا. 
وقوله تعالى : وما يمكرون إلا بأنفسهم  أي ما يشعرون أن عاقبة مكرهم ترجع إليهم، \[ وهو \][(٤)](#foonote-٤) واقع بهم. وأصله أن الله تعالى جعلهم، وخلقهم، على ما علمن منهم أنهم يختارون، ويكون منهم ذلك.

١ - ساقطة من الأصل وم..
٢ - ساقطة من الأصل وم..
٣ -في الأصل وم: أو..
٤ - في الأصل وم: و..

### الآية 6:124

> ﻿وَإِذَا جَاءَتْهُمْ آيَةٌ قَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتَّىٰ نُؤْتَىٰ مِثْلَ مَا أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ ۘ اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ ۗ سَيُصِيبُ الَّذِينَ أَجْرَمُوا صَغَارٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا كَانُوا يَمْكُرُونَ [6:124]

الآية ١٢٤ وقوله تعالى : وإذا جاءتهم آية قالوا لن نؤمن حتى نؤتى مثل ما أوتي رسل الله  بخبر عز وجل \[ عن \][(١)](#foonote-١) غاية سفههم وتعنتهم وأنهم عن علم يعاندون، ويتكبرون على رسول الله صلى الله عليه وسلم لأنهم علموا أن ما ينزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم آية، وأنه رسول حين[(٢)](#foonote-٢)  قالوا لن نؤمن حتى نؤتى مثل ما أوتي رسل الله  \[ وعلموا أن الرسالة لا تجعل إلا في المعظم عند الله والمفضل لديه حين[(٣)](#foonote-٣) تمنوا أنهم لا يؤمنون حتى يؤتوا[(٤)](#foonote-٤) من الآيات مثل ما أوتي رسل الله \][(٥)](#foonote-٥). 
ولو لم يكن \[ ذلك ما تمنوا \][(٦)](#foonote-٦) إيتاء ما أوتي[(٧)](#foonote-٧) الرسل، \[ وقد \][(٨)](#foonote-٨) علموا أن هذا القرآن الذي أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم آية وحجة، وأنه من عند الله نزل حين[(٩)](#foonote-٩) قالوا : لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم  \[ الزخرف : ٣١ \] وعلموا أيضا أن الرسالة لا تجعل إلا في عظماء من البشر وكبرائهم حين[(١٠)](#foonote-١٠) قالوا : لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم  لكنهم ظنوا أنها إنما تجعل في [(١١)](#foonote-١١) العظماء الذين هم عند الخلق عظماء، فقال الله تعالى : الله أعلم حيث يجعل رسالته  فتناقضت أقاويلهم وحجاجهم بما ذكرنا من إقرارهم بالرسل والآيات وتفضيلهم \[ أنفسهم \][(١٢)](#foonote-١٢) على غيرهم من البشر. 
ثم قوله[(١٣)](#foonote-١٣) تعالى : الله أعلم حيث يجعل رسالته  جملة جواب ما قالوا : لولا نزل هذا القرآن على  \[ الزخرف : ٣١ \] كذا ؛ أن يقال : إنكم عرفتم أن الله عالم قادر فهو  أعلم حيث يجعل رسالته . 
ثم اختلف في قوله تعالى : الله أعلم حيث يجعل رسالته  قال بعضهم : جعل الرسالة في أوساط الناس أظهر للحجج وأبين من جعلها في أكابر الناس وعظمائهم في الدنياوية / ١٦١-أ/ لأن الناس مجبولون على اتباع الأكابر والأعاظم ؛ فلو جعلت الرسالة فيهم لكانت الحجج لا تظهر لأنهم جبلوا على اتباعهم. وأما أوساط الناس في الدنياوية إذا جعلت فيهم الرسالة لظهرت الحجج والبراهين لأنهم لم يجبلوا على اتباع الأوساط من الناس، فكان اتباعهم للحجج والبراهين. 
وقال بعضهم : قوله تعالى : الله أعلم حيث يجعل رسالته  أي لا يجعل الرسالة في من يضيع، وليس بأهل لها ولا موضعها ؛ لأنه لو جعل لكان في ذلك تضييع الرسالة. 
وقوله تعالى : سيصيب الذين أجرموا صغار عند الله وعذاب شديد بما كانوا يمكرون  أخبر أن من تكبر على رسول الله، وعانده، يكون له عند الله صغار ومذلة وعذاب شديد بصنيعهم الذي صنعوا.

١ - ساقطة من الأصل وم..
٢ - في الأصل وم: حيث..
٣ - في الأصل: حيث..
٤ - في الأصل: يؤتون..
٥ - ساقطة من م..
٦ - في الأصل وم: كذلك يتمنون..
٧ - في الأصل وم: أتوا..
٨ - في الأصل وم: و..
٩ - في الأصل وم: حيث.
١٠ - في الأصل وم: حيث..
١١ - أدرج قبلها في الأصل: إلا..
١٢ - ساقطة من الأصل وم..
١٣ - في الأصل وم: قال..

### الآية 6:125

> ﻿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ ۖ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ ۚ كَذَٰلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ [6:125]

الآية ١٢٥وقوله تعالى : فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام  قيل :( سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن هذه الآية، فقال : نور يقذف فيه، فقالوا : وهل لذلك علامة ؟ قال : نعم، إذا دخل النور في القلب انشرح، وانفسح، قالوا : يا رسول الله وهل لذلك من علامة يعرف بها ؟ قال : نعم ؛ الإنابة إلى دار الخلود والتجافي عن دار الغرور والاستعداد للموت قبل نزول الموت ) \[ السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٣٥٤ \]. 
فلو ثبت هذا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان[(١٤)](#foonote-١٤) انشراح الصدر للإسلام ؛ فقليلا ما يوجد على هذا الوصف إلا أن يريد به الاعتقاد والتيقن بما ذكر. 
ثم اختلف في تأويل قوله تعالى : فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا  قال بعض أهل التأويل : الإرادة صفة كل فاعل يفعل على الاختيار ؛ كأنه قال : فمن يهد الله  يشرح صدره للإسلام  \[ ومن يضله  يجعل صدره ضيقا  \][(١٥)](#foonote-١٥). 
وقال فريق من المعتزلة من نحو جعفر بن حرب والكعبي، وهؤلاء تأويلهم[(١٦)](#foonote-١٦)  فمن يرد الله أن يهديه  أي من قبل هداية الله في الابتداء شرح الله صدره بعد ذلك بخيرات ثوابا لما قبل من الهداية، ومن ترك قبول هداية الله في الابتداء عاقبه الله بضيق صدره عقوبة له في ترك قبول الهداية، وإلا قد أراد الله أن يهدي الخلق كلهم، وأن يشرح صدورهم[(١٧)](#foonote-١٧) للإسلام، لكنهم لم يهتدوا. وقال فريق منهم : فمن يرد الله أن يهديه  طريق الجنة في الآخرة جعل صدره في الدنيا ضيقا حرجا. 
فيقال لهم : كذلك هو كما تقولون[(١٨)](#foonote-١٨) : إنه أراد أن يضلهم، ثم يقال لهم : تقولون : إنه أراد أن يهدي الخلق كلهم، ويشرح صدورهم[(١٩)](#foonote-١٩) للإسلام، ثم تقولون : إنه \[ أراد أن يضلهم عن \][(٢٠)](#foonote-٢٠) طريق الجنة في الآخرة ؛ فهذا على زعمكم جور، لأنه أراد في الدنيا أن يهديهم، ويريد في الآخرة[(٢١)](#foonote-٢١) أيضا لهم أن يضلهم عن طريق الجنة، لأولئك بعينهم ؛ فذا جور على قولكم. 
وظاهر الآية يرد قولهم، وينقض مذهبهم لأنه قال : فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ومن يرد أن يضله يجعل صدره  كذا، جعلهم على صنفين : صنف[(٢٢)](#foonote-٢٢) أراد لهم[(٢٣)](#foonote-٢٣) أن يهديهم، وصنف[(٢٤)](#foonote-٢٤) أراد أن يضلهم ؛ من علم منه أنه يختار الهدى، ويقبله، أراد أن يهديه، ويشرح  صدره للإسلام  ومن علم منه أنه يختار الضلال أراد أن يضله، ويجعل  صدره ضيقا حرجا . 
ولا يجوز أن يريد هو ممن يعلم منه أنه يختار الضلال وعداوته الولاية منه لأن ذلك من الضعف \[ في \][(٢٥)](#foonote-٢٥) من أراد عداوته، وهو يريد ولايته، أو يريد منه غير الذي علم كونه منه واختياره[(٢٦)](#foonote-٢٦). والمعتزلة يقولون : قد أراد أن يهدي الكل، لكنهم أرادوا ألا يهتدوا، فلم يهتدوا ؛ غلبت إرادتهم إرادة الله تعالى، فذلك وحش من القول سمج، فنعوذ بالله من السرف في القول والزيغ عن الحق، ولا قوة إلا بالله. 
وقوله تعالى : ضيقا حرجا  قيل : الحرج ضيق الضيق، وهو شدة الضيق ؛ وصف قلب المؤمن بالسعة والفسح، ووصف \[ قلب \][(٢٧)](#foonote-٢٧) الكافر بالضيق والحرج، وليس قلب هذا في رأي العين أوسع من قلب الآخر، لكنه، والله أعلم، وصف قلب المؤمن بالسعة لما انتفع بقلبه في الدنيا والآخرة، والكافر لم ينتفع بقلبه، فوصفه بالضيق والحرج، وهو كما وصف الكافر بالصمم والبكم والخرس لما لم ينتفع بهذه الحواس، وكذلك سماه ميتا لما لم ينتفع بحياته، وسمى المؤمن حيا لما انتفع بحياته، فعلى ذلك هذا ؛ وصف الكافر بضيق الصدر لما \[ لم \][(٢٨)](#foonote-٢٨) ينتفع به. 
وقوله تعالى : كأنما يصعد في السماء  قيل : كالمتكلف الصعود إلى السماء، لا يقدر عليه. وقيل : كأنما يصعد في السماء  كأنما يشق عليه الصعود. وروي عن عمر رضي الله عنه أنه قال : ما \[ تصعدني شيء ما تصعدني \] الخطبة، أي ما شق علي شيء ما شق علي الخطبة. 
وقوله تعالى : كذلك يجعل الله الرجس على الذين لا يؤمنون  اختلف في الرجس : قيل : الرجس الإثم أي كما جعل قلوبهم ضيقة حرجة بكفرهم كذلك يجعل في قلوبهم الإثم، وقيل : الرجس اللعن والغضب ؛ أي جعل في قلوبهم اللعن والغضب. دليله قوله تعالى : قال قد وقع عليكم من ربكم رجس وغضب  \[ الأعراف : ٧١ \].

### الآية 6:126

> ﻿وَهَٰذَا صِرَاطُ رَبِّكَ مُسْتَقِيمًا ۗ قَدْ فَصَّلْنَا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ [6:126]

الآية ١٢٦ وقوله تعالى : وهذا صراط ربك مستقيما  لم يشر بهذا إلى شيء. لكن يحتمل قوله  وهذا  الإسلام الذي سبق ذكره أن يشرح صدر المؤمن. ويحتمل قوله : وهذا صراط ربك مستقيما  الذي يدعى إليه الخلق، وهو التوحيد. 
وقوله تعالى : قد فصلنا الآيات  أي بينا، وأقمنا، دلائل التوحيد وحججه، وقد ذكرنا  لقوم يذكرون  أي لقوم يتعظون بالمواعظ. ويحتمل لقوم يقبلون الدلائل والحجج، ولا يكابرون.

### الآية 6:127

> ﻿۞ لَهُمْ دَارُ السَّلَامِ عِنْدَ رَبِّهِمْ ۖ وَهُوَ وَلِيُّهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [6:127]

الآية ١٢٧ وقوله تعالى : لهم دار السلام عند ربهم  يحتمل السلام اسم الجنة كقوله تعالى : والله يدعو إلى دار السلام  \[ يونس : ٢٥ \] ويحتمل السلام اسم[(١)](#foonote-١) الله ؛ أي لهم دار الله، وهو الجنة. 
وقوله تعالى : وهو وليهم بما كانوا يعملون  قيل : وهو أولى بهم أي أولى بالمؤمنين كقوله تعالى : فالله أولى بهما  \[ النساء : ١٣٥ \] ويحتمل قوله : وهو وليهم  حافظهم وناصرهم. وقد ذكرنا في ما تقدم  يصعد  \[ الآية : ١٢٥ \]. 
ويصاعد ويصعد كله لغات[(٢)](#foonote-٢)، والمعنى واحد. 
والضيق : قال الكسائي : الضيق من الضيق في المعاش ؛ فأما في الأمر فإنه الضيق، ومنه قوله تعالى : ولا تك في ضيق مما يمكرون  \[ النحل : ١٢٧ \]. وأما قوله تعالى : حرجا  ففيه[(٣)](#foonote-٣) لغتان[(٤)](#foonote-٤) : حرج وحرج. قال القتبي : الحرج الذي ضاق فلم يجد \[ به \][(٥)](#foonote-٥) منفذا. وقال أبو عوسجة : الحرج الضيق ؛ يقال فيه : حرج يحرج، فهو حرج.

١ - أدرج قبلها في الأصل وم: هو..
٢ - انظر حجة القراءات ص (٢٧١) ومعجم القراءات القرآنية (٢/٣١٧و ٣١٨)..
٣ - في الأصل وم: فيه..
٤ - انظر حجة القراءات ص (٢٧١) ومعجم القراءات (٢/٣١٧)..
٥ - ساقطة من الأصل وم..

### الآية 6:128

> ﻿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الْإِنْسِ ۖ وَقَالَ أَوْلِيَاؤُهُمْ مِنَ الْإِنْسِ رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ وَبَلَغْنَا أَجَلَنَا الَّذِي أَجَّلْتَ لَنَا ۚ قَالَ النَّارُ مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ ۗ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ [6:128]

الآية ١٢٨ وقوله تعالى : ويوم يحشرهم جميعا  يعني من تقدم ذكره من الجن والإنس، أو يحشر الأولين والآخرين  يا معشر الجن  هو على الإضمار كأنه قال[(١)](#foonote-١) : ويوم يحشرهم  جميعا يا معشر الجن  والإنس، ثم نقول للجن : قد استكثرتم من الإنس  كقوله تعالى : ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى  \[ الزمر : ٣ \] \[ أي تقولون \][(٢)](#foonote-٢) : ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى ، فكذلك هذا هو على الإضمار. 
وقوله تعالى : قد استكثرتم من الإنس  قال أهل التأويل في قوله تعالى : قد استكثرتم من الإنس  وهم قد استكثروا من الأتباع من الإنس في عبادة غير الله ومخالفة أمر الله وتوحيده، أو استكثروا[(٣)](#foonote-٣) عبادا من الإنس  وقال أولياؤهم من الإنس ربنا استمتع بعضنا ببعض  اختلف فيه :
قال بعضهم : تعاون بعضنا ببعض في معصية الله ومخالفة أمره : هؤلاء بالدعاء وأولئك بالإجابة. 
وقال قائلون : ربنا استمتع بعضنا ببعض  أي انتفع بعضنا ببعض بأنواع المنافع، ما ذكر في بعض القصة أن الرجل من الإنس إذا سافر، فأدركه المساء بأرض القفر، خاف، فيقول : أعوذ بسيد هذا الوادي من سفهاء قومه، فيأمن في ذلك بالتعوذ إلى سيدهم. فذلك استمتاع الإنس بالجن. \[ وذلك قوله تعالى :\][(٤)](#foonote-٤)  وإنه كان رجال من الإنس يعوذون برجال من الجن  الآية \[ الجن : ٦ \]
وأما استمتاع الجن بالإنس فما يزداد لهم الذكر والشرف في قومهم ؛ يقولون : لقد سودتنا الإنس. ويحتمل استمتاع /١٦١-ب/ الجن بالإنس[(٥)](#foonote-٥) ما ذكر، إن ثبت، أنه جعل طعامهم العظام التي يستعملها الإنس، ويكون ذلك غذاءهم، وعلف دوابهم أرواث دواب الإنس. وقال الحسن : ما كان استمتاع بعضهم ببعض إلا أن الجن أمرت الإنس، فعملت[(٦)](#foonote-٦)، وذكر[(٧)](#foonote-٧) جواب الإنس لهم، ولم يّكر جواب الجن لهم. 
وقوله تعالى : وبلغنا أجلنا الذي أجلت لنا  قيل : الموت، وقيل : البعث يوم القيامة ؛ لأنهم كانوا ينكروا البعث، فأقروا عند ذلك بأنا قد بلغنا  أجلنا الذي أجلت لنا  وكنا كذبناه. أقروا بما كانوا ينكرون. \[ وقوله تعالى \][(٨)](#foonote-٨)  قال النار مثواكم  أي عقابكم  خالدين فيها إلا ما شاء الله  اختلف فيه ؛ قال الحسن : إلا ما شاء الله  وقد شاء الله أن يخلدهم في النار. 
وقال غيرهم : الاستثناء من وقت البعث إلى وقت الخلود، وهو وقت الحساب، ووقت الحساب هو وقت الثنيا  خالدين فيها إلا ما شاء الله  ماداموا في الحساب. وقيل : الاستثناء للمؤمنين الذين اتبعوهم في فعل المعاصي والجرم، ولم يتبعوهم في الاعتقاد ففيه دليل إدخال المؤمنين النار بالمعاصي، والعقوبة لهم بقدر معصيتهم، ودليل إخراجهم، إن ثبت. 
وقوله تعالى : إلا ما شاء الله  يحتمل وجوها ثلاثة : أحدها : أن خلود الآخرة أكبر من خلود الدنيا ؛ لأن خلود الدنيا على الانقضاء، وخلود الآخرة لا على الانقضاء. الثاني : وقع الثنيا قبل دخولهم في النار. والثالث : لمن يتبعهم في الكفر. 
وقوله تعالى : إن ربك حكيم عليم  أي حكيم بما حكم، ووضع كل شيء موضعه  عليم  بذلك.

١ - على قراءة نافع وابن كثير وأبي عمرو وابن عامر وحمزة والكسائي، انظر معجم القراءات القرآنية (٢/٣١٨)..
٢ - من م، في الأصل: أن تقولوا..
٣ - في الأصل وم: استكثرتم..
٤ - في الأصل وم: فذلك..
٥ - من م، في الأصل: والإنس..
٦ - في م: فعلمت..
٧ - الواو ساقطة من الأصل وم..
٨ - ساقطة من الأصل وم..

### الآية 6:129

> ﻿وَكَذَٰلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ [6:129]

الآية ١٢٩ وقوله تعالى : وكذلك نولي بعض الظالمين بعضا بما كانوا يكسبون  الآية تنقض على المعتزلة قولهم ؛ لأن الولاية منهم، ثم ذكر أن المؤمنين، بعضهم أولياء بعض بقوله تعالى : والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض  \[ التوبة : ٧١ \]، وذكر أن الكافرين ؛ بعضهم أولياء بعض بقوله تعالى : لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض  \[ المائدة : ٥١ \].

### الآية 6:130

> ﻿يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَٰذَا ۚ قَالُوا شَهِدْنَا عَلَىٰ أَنْفُسِنَا ۖ وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَشَهِدُوا عَلَىٰ أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ [6:130]

الآية ١٣٠ وقوله تعالى : يا معشر الجن والإنس ألم يأتكم رسل منكم  اختلف فيه : قال بعضهم : لم يكن من الجن رسل ؛ إنما كان الرسل من الإنس، لكنه أضاف إلى الفريقين جميعا كقوله تعالى : يخرج منها اللؤلؤ والمرجان  \[ الرحمان : ٢٢ \] وإنما يخرج من أحدهما، وكقوله تعالى : وجعل القمر فيهن نورا  \[ نوح : ١٦ \] وإنما جعل في واحدة منهم، وكقول الناس : في سبع قبائل مسجد واحد، وإنما يكون في واحد منها[(١)](#foonote-١). وقد يضاف الشيء إلى جماعة، والمراد واحد. فعلى ذلك ما ذكر من إضافة الرسل إلى الإنس والجن. 
وقال بعضهم : كان من الفريقين جميعا الرسل ؛ من الجني جني ؛ ومن الإنسي إنسي، لأن الجن يستترون من الإنس، فإنما يرسل إلى الإنس رسلا يظهرون لهم. فبعث إلى كل فريق الرسول من جوهرهم. 
وقال بعضهم : كان الرسل من الإنس إلى الفريقين جميعا، وكان الجن نذيرا كقوله تعالى : وإذ صرفنا إليك نفرا من الجن  الآية \[ الأحقاف : ٢٩ \] ذكر النذر منهم، ولم يذكر الرسل، ومرتبة النذر دون مرتبة الرسل كمرتبة الأنبياء من الرسل. ولكن يجوز أن يقوى الرسل، وإن كان من الإنس، على الإظهار لهم، وليس في ما لا يستترون عنهم منع بعث الرسل إليهم من الإنس. 
وليس لنا إلى معرفة هذا حاجة ؛ إنما[(٢)](#foonote-٢) الحاجة إلى معرفة الآيات والحجج التي تأتي الرسل وعجز الخلائق جميعا عن إتيان مثل هذا القرآن كقوله تعالى : قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله  \[ الإسراء : ٨٨ \] فقد أعجز الجن والإنس عن أن يأتوا بمثل هذا القرآن، وإن كان الجن أقوى على أشياء من الإنس. 
فدل أنه آية، ودل عجز الجن عن ذلك، وإن كانوا أقوى، على أن غيرهم أعجز. ألا ترى أنه أنزل هذا القرآن على لسان العرب، ثم عجزوا هم عن إتيان مثله ؟ فدل عجزهم عن ذلك على أن العجم له أعجز. 
وجائز أن يكون الرسل، وإن كانوا من الإنس، فإن الجن يستمعون من الرسل، فتلزمهم الحجة والعمل بذلك والتبليغ إلى قومهم[(٣)](#foonote-٣) من غير أن يعلم الرسل بذلك، والله أعلم. 
وقوله تعالى : يقصون عليكم آياتي  يحتمل يتلون عليكم آياتي، ويحتمل  يقصون عليكم آياتي  يبينون لكم آياتي آيات وحدانيته وألوهيته وآيات البعث التي ينكرون  وينذرونكم لقاء يومكم هذا  أي لقاء يومكم الذي تلقون. 
ودل قوله تعالى : وينذرونكم لقاء يومكم هذا  على أن ذلك إنما يقال لهم في الآخرة. 
\[ وقوله تعالى \][(٤)](#foonote-٤)  قالوا شهدنا على أنفسنا  هذا منهم إقرار لما كان منهم من التكذيب كقوله تعالى : اعترفوا بذنوبهم  \[ التوبة : ١٠٢ \] أي شهدنا على أنفسنا بأنا كنا كذبنا الرسل في الدنيا بما قالوا، وأخبروا. 
وقوله تعالى : وغرتهم الحياة الدنيا  إن للدنيا معنيين \[ ظاهرا و باطنا \][(٥)](#foonote-٥) ؛ فيكون الظاهر غرور من كان نظره[(٦)](#foonote-٦) إليه يغره، ولها باطن، ومن نظر إلى الباطن يعظه. أما ظاهرها في تزينها وزخرفها فالكافر نظر إلى ظاهرها، فاغتر بها. وأما باطنها فهو انتقالها من حال إلى حال وزوالها وفناؤها. 
فمن نظر إلى ذلك الباطن اتعظ به، \[ وعلم معناه، وعرف أنه \][(٧)](#foonote-٧) لم يخلق لهذه، ولكن لعاقبة[(٨)](#foonote-٨) تتأمل. 
ثم إضافة الغرور إليها أن[(٩)](#foonote-٩) يكون منها ما لو كان ذلك من \[ غير \][(١٠)](#foonote-١٠) ذي عقل وذهن كان ذلك غرورا. 
وقوله تعالى : وشهدوا على أنفسهم أنهم كانوا كافرين  هذا اعتراف بما كان منهم.

١ - في الأصل وم: منهما..
٢ - من م، في الأصل: إلى..
٣ - من م، في الأصل: قواهم..
٤ - ساقطة من الأصل وم..
٥ - في الأصل وم: ظاهر وباطن..
٦ - في م: نظر..
٧ - في الأصل: ويعلم معناه وعرف أنها، في م: ويعلم معناها ويعرف أنها..
٨ - من م، في الأصل: العاقبة..
٩ - في الأصل وم: أي..
١٠ - ساقطة من الأصل وم..

### الآية 6:131

> ﻿ذَٰلِكَ أَنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَىٰ بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا غَافِلُونَ [6:131]

الآية ١٣١ وقوله تعالى : ذلك أن لم يكن ربك مهلك القرى بظلم  يحتمل قوله تعالى : ذلك  ما تقدم من قوله تعالى : يا معشر الجن قد استكثرتم من الإنس  \[ الأنعام : ١٢٨ \] وقوله تعالى : يا معشر الجن والإنس ألم يأتكم رسل منكم يقصون عليكم آياتي وينذرونكم لقاء يومكم هذا  \[ الأنعام : ١٣٠ \] ونحوهما[(١)](#foonote-١) من الآيات التي ذكر فيها العتاب. 
ويحتمل  ذلك  إشارة إلى الهلاك الذي كان بالأمم الخالية أن لم يكن يهلك القرى بظلم، ظلموا أنفسهم، وإهلاك تعذيب واستئصال إلا بعد تقدم الوعيد لهم في ذلك وسؤال[(٢)](#foonote-٢)، كان منهم بالعذاب، ولا يهلك أيضا  وأهلها غافلون  عن الظلم والعصيان، لا أنه لا يسع، ولكن سنة فيهم ألا يهلك إلا بعد تقدم ما ذكرنا لئلا يحتجوا  فيقولوا ربنا لولا أرسلت إلينا رسولا فنتبع آياتك ونكون من المؤمنين  \[ القصص : ٤٧ \]. 
وإن لم يكن لهم الاحتجاج بذلك، لما مكن لهم، وركب فيهم ما به يعرفون أنه لم يخلقهم ليتركهم سدى، ولكن خلقهم لعاقبة. لكن سنته قد خلت في الأمم الماضية ألا يهلك قوما إهلاك تعذيب واستئصال إلا بعد ما سبق منه وعيد وإنذار والعلم لهم بالظلم، وظهور العناد منهم والمكابرة والسؤال بالعذاب سؤال تعنت. وذلك منه فضل ورحمة لأنه لا يسع ذلك.

١ - في الأصل وم: ونحوها..
٢ - في الأصل وم: وسؤالهم..

### الآية 6:132

> ﻿وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا ۚ وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ [6:132]

الآية ١٣٢ وقوله تعالى : ولكل درجات مما عملوا  استدل بعض الناس بظاهر هذه الآية أن الجن لهم ثواب بالطاعات وعقاب بالمعاصي ؛ لأن أخبر أن لكل منهم درجات مما عملوا، وأن ما تقدم ذكر الفريقين جميعا بقوله تعالى : شياطين الإنس والجن  \[ الأنعام : ١١٢ \] وقوله تعالى : ويوم يحشرهم جميعا  \[ الأنعام : ١٢٨ \] \[ وقوله تعالى \][(١)](#foonote-١) : يا معشر الجن والإنس  \[ الأنعام : ١٣٠ \] ذكر ما كان من الفريقين جميعا من المعاصي والجرم. 
فعلى ذلك قوله تعالى : ولكل درجات  راجع إلى الفريقين جميعا  ولكل درجات  إن عملوا خيرا فخير، وإن عملوا شرا فشر. وبه قال أبو يوسف ومحمد، رحمهما الله ؛ واحتجا[(٢)](#foonote-٢) لأبي حنيفة، رحمه الله، أن قوله تعالى : ولكل درجات  إنما ذكر على إثر آيات كان الخطاب بها للكفرة دون المؤمنين. فعلى قوله تعالى  ولكل درجات مما عملوا  يكون لهم هذا الوعيد خاصة، ويكون قوله تعالى : ولكل درجات  أي دركات ومراتب من العذاب والعقاب بما عملوا من المعاصي والتكذيب للرسل، ولأن الثواب لزومه لزوم فضل ومنة، والعذاب توجيه الحكمة لأن في الحكمة أن يعاقب من عصاه، وخالف أمره. 
وأما الثواب فوجوبه الفضل لأنه كان من الله إلى الخلق من النعم والإحسان ما لو جهدوا كل جهدهم ما قدروا /١٦٢-أ/ على أن يؤدوا شكر واحد من ذلك، فتكون طاعتهم شكرا لما أنعم عليهم. فإذا كان كذلك لا يكون لأعمالهم ثواب إلا بالبيان من الله كما يقال للملائكة : إن لهم ثوابا. 
وقوله تعالى : وما ربك بغافل عما يعملون  يحتمل وجهين :
\[ أحدهما \][(٣)](#foonote-٣) : وما ربك بغافل  عن أعمالهم التي يعملونها في معصية الله تعالى، ولن يؤخر تعذيبهم رحمة منه، وهو كقوله : ولا تحسبن الله غافلا عما يعمل الظالمون إنما يؤخرهم  الآية \[ إبراهيم : ٤٢ \]. 
والثاني : عن علم بأعمالهم وصنيعهم خلقهم لا عن جهل. لكن خلقهم على علم بذلك لما ضرر أعمالهم ومنافعها ترجع إليهم لا إليه.

١ - ساقطة من الأصل وم..
٢ - في الأصل وم: واحتجوا..
٣ - ساقطة من الأصل وم..

### الآية 6:133

> ﻿وَرَبُّكَ الْغَنِيُّ ذُو الرَّحْمَةِ ۚ إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَسْتَخْلِفْ مِنْ بَعْدِكُمْ مَا يَشَاءُ كَمَا أَنْشَأَكُمْ مِنْ ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِينَ [6:133]

الآية ١٣٣ وقوله تعالى : وربك الغني ذو الرحمة  هذا يرد على الثنوية مذهبهم لأنهم يقولون : إنه إنما خلق الخلائق لمنافع نفسه ؛ لأنه ليس بحكيم[(١)](#foonote-١) من فعل فعلا، لا يقصد منفعة نفسه. فأخبر عز وجل أنه غني بذاته، \[ وأن من \][(٢)](#foonote-٢) يقصد قصد المنفعة بفعله لحاجة، تقع له، \[ ودفع ضرر \][(٣)](#foonote-٣) يصيبه ؛ يقصد بالفعل قصد قضاء الحاجة ودفع الضرر[(٤)](#foonote-٤) عن نفسه. فأما الله سبحانه وتعالى فهو[(٥)](#foonote-٥) الغني بذاته، \[ وأما الخلائق فهم الفقراء إليه \][(٦)](#foonote-٦) لمنافع أنفسهم، وهو غني عن خلقه على ما أخبر. 
وقوله تعالى : وربك الغني  يحتمل \[ هو \][(٧)](#foonote-٧) غني عن تعذيب أولئك الكفرة أي لا لمنفعة له في تعذيبهم يعذبهم أو لحاجة له، ولكن الحكمة توجب ذلك، أو أن يكون صلة قوله تعالى : يا معشر الجن والإنس ألم يأتكم رسل منكم  \[ الأنعام : ١٣٠ \] يقول : لم يرسل إليكم، ولا امتحنكم بالذي امتحنكم لحاجة نفسه أو لمنفعة له ؛ إذ هو غني بذاته. 
وقوله تعالى : ذو الرحمة  يحتمل \[ وجوها :
أحدها :\][(٨)](#foonote-٨)  ذو الرحمة  فلا يعجل عليهم بالعقوبة، 
والثاني : ذو الرحمة  ما خلق الخلائق، وجعل بعضهم لبعض للانتفاع بهم والاستمتاع، وإنما خلقهم لمنافع أنفسهم. 
والثالث[(٩)](#foonote-٩) : ذو الرحمة  من قبل رحمته، وصار أهلا لها، فأما من لم يقبل رحمته فإنه ذو انتقام منه. 
وقوله تعالى : إن يشأ يذهبكم ويستخلف من بعدكم ما يشاء  لأنه غني بذاته، لم يخلقكم لمنافع نفسه أو لحاجته ؛ إن شاء أذهبكم، واستخلف غيركم. ولو كان خلقه الخلق لمنافع نفسه لكان لا يذهب بهم. 
\[ وقوله تعالى \][(١٠)](#foonote-١٠) : ويستخلف من بعدكم ما يشاء كما أنشاكم من ذرية قوم آخرين  يخبر عن غناء عنهم وعن سلطان وقدرته أنه يقدر على إهلاككم واستئصالكم وإنشاء قوم آخرين. كان خلق الخلائق من جواهر مختلفة، لا توالد فيهم، ثم جعل في الآخر التوالد والتناسل، واستخلاف بعض من بعض بالتوالد والتناسل.

١ - من م، في الأصل لحكم..
٢ - في الأصل وم: وإنما..
٣ - في الأصل وم: وضرورة..
٤ - في الأصل وم: الضرورة..
٥ - في الأصل وم: هو..
٦ - في الأصل وم: إنما الخلائق..
٧ - ساقطة من الأصل وم..
٨ - في الأصل وم: وجهين يحتمل..
٩ - في الأصل وم: يحتمل قوله..
١٠ - ساقطة من الأصل وم..

### الآية 6:134

> ﻿إِنَّ مَا تُوعَدُونَ لَآتٍ ۖ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ [6:134]

الآية ١٣٤ وقوله تعالى : إن ما توعدون لآت  من الوعد والوعيد، أو أن يكون قوله تعالى : إن ما توعدون  من النصر لرسوله والمعونة له  لآت  وكائن  وما أنتم بمعجزين  قيل : بفائتين ربكم، وقيل : وما أنتم سابقين الله بأعمالكم الخبيثة حتى لا يجزيكم الله. 
وأصله  وما أنتم بمعجزين  أي لا تعجزون ربكم عن تعذيبكم وعقوبتكم.

### الآية 6:135

> ﻿قُلْ يَا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلَىٰ مَكَانَتِكُمْ إِنِّي عَامِلٌ ۖ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ تَكُونُ لَهُ عَاقِبَةُ الدَّارِ ۗ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ [6:135]

الآية ١٣٥ وقوله تعالى : قل يا قوم اعملوا على مكانتكم  قيل : على جديلتكم، وقيل : على منازلكم وجدتكم. 
ولكن تأويله، والله أعلم  اعملوا على مكانتكم  أي ما أنتم عليه. ثم يحتمل هذا وجوها : يحتمل  اعملوا على مكانتكم  أي على ما أنتم عليه من أمر الدين كقوله تعالى : لكم دينكم ولي دين  \[ الكافرون : ٦ \] ويحتمل أن يكونوا هموا أن يمكروا برسول الله صلى الله عليه وسلم فيقول[(١)](#foonote-١) : امكروا بي إني ماكر بكم كقوله تعالى : وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوا أو يقتلوك أو يخرجوك ويمكرون ويمكر الله  \[ الأنفال : ٣٠ \] ويحتمل أن يكونوا يطلبون الدوائر والهلاك على رسول الله صلى الله عليه وسلم ويكيدونه كقوله تعالى : فكيدوني جميعا ثم لا تنظرون  \[ هود : ٥٥ \] هذه الكلمة تستعمل في انتهاء المكابرة نهايتها ووجوه المعاندة غايتها بعد الفراغ من الحجج والآيات كقوله تعالى : لكم دينكم ولي دين  \[ الكافرون : ٦ \]. 
وقوله تعالى : فسوف تعلمون  يحتمل  فسوف تعلمون  من يكون له العاقبة، ويحتمل  فسوف تعلمون  بالهلاك من كان محقا[(٢)](#foonote-٢) بالوعيد أو  فسوف تعلمون  من المحق منا مما أوعد، وخوف[(٣)](#foonote-٣).

١ - في الأصل وم: فيقال..
٢ - من م، في الأصل: محققا..
٣ - أدرج بعدها في الأصل: في قوم..

### الآية 6:136

> ﻿وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعَامِ نَصِيبًا فَقَالُوا هَٰذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَٰذَا لِشُرَكَائِنَا ۖ فَمَا كَانَ لِشُرَكَائِهِمْ فَلَا يَصِلُ إِلَى اللَّهِ ۖ وَمَا كَانَ لِلَّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلَىٰ شُرَكَائِهِمْ ۗ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ [6:136]

الآية ١٣٦ وقوله تعالى : وجعلوا لله مما ذرأ من الحرث والأنعام نصيبا  يخبر عز وجل عن سفههم من وجوه :
أحدها : أنهم كانوا يجعلون لله نصيبا مما كان لله ذلك في الحقيقة، مع علمهم أن الله هو الذي أنشأ لهم تلك الأشياء، وهو ذرأها، ثم يجعلون لله في ذلك نصيبا وللأصنام نصيبا بسفههم أنهم إذا علموا[(١)](#foonote-١) أن الله هو الذي ذرأ لهم تلك الأشياء، وأنشأها[(٢)](#foonote-٢) لهم، فإليه الاختيار في جعل ذلك لا إليهم، إذ علموا أنهم إنما يملكون هم \[ ما \][(٣)](#foonote-٣) يجعل الله لهم، وهو المالك لها[(٤)](#foonote-٤) حقيقة. 
والثاني : ما يبين سفههم أيضا أنهم يجعلون لله في ذلك نصيبا وللأصنام نصيبا من الثمار والحروث وغيرها، ثم إذا وقع شيء[(٥)](#foonote-٥) مما جعلوا لله وخالط ما جعلوه[(٦)](#foonote-٦) لشركائهم، تركوه، وإذا خالط شيء مما جعلوا لشركائهم، ووقع في ما جعلوه لله، أخذوه، وردوه على شركائهم، وانتفعوا به، وتركوا الآخر للأصنام إيثارا للأصنام عليه وإعظاما لها. وإذا زكا نصيب الأصنام، ونما، ولم يزك نصيب الله، ولم ينم، تركوا ذلك للأصنام، ويقولون : لو شاء الله لأزكى نصيبه. وإذا زكا الذي كانوا يجعلون لله، \[ ولم يزك \][(٧)](#foonote-٧) نصيب الأصنام، أخذوا نصيب الله، فقسموه بين المساكين وبين الأصنام نصفين. 
يسفههم عز وجل بصنيعهم الذي يصنعون، ويبين جوهرهم[(٨)](#foonote-٨) بإيثارهم الأصنام وإعظامهم إياها والتفضيل في القسمة. 
والتجزئة مع علمهم أن الله هو الذي ذرأ ذلك، وأنشأه لهم، وأن الأصنام التي أشركوها في أموالهم وعبادتهم لله لا تملك[(٩)](#foonote-٩) من ذلك شيئا \[ وذلك \][(١٠)](#foonote-١٠) منهم سفه وجور حين أشركوا في أموالهم وعبادتهم مع الله أحدا، لا يستحق بذلك شيئا، وهو كما جعلوا لله البنات، وهم كانوا يأنفون عن البنات كقوله تعالى : وإذا بشر أحدهم بالأنثى  الآية \[ النحل : ٥٨ \] وكقوله[(١١)](#foonote-١١) تعالى : تلك إذا قسمة ضيزى  \[ النجم : ٢٢ \] تأنفون أنتم عن البنات، وتضيفونها[(١٢)](#foonote-١٢) إليه، فهو إذن جور وظلم. فعلى ذلك تفضيل الأصنام في القسمة وإيثارهم إياها على الله وإشراكها[(١٣)](#foonote-١٣) مع الله مع علمهم أنه كان جميع ذلك \[ إشراكا \][(١٤)](#foonote-١٤) بالله، وهو أنشاهم[(١٥)](#foonote-١٥)، جور وسفه. 
ثم أخبر أنهم  ساء ما يحكمون  أي بئس الحكم حكمهم.

١ - من م، في الأصل: عملوا..
٢ - في الأصل وم: وأنشأ..
٣ - ساقطة من الأصل وم..
٤ - في الأصل وم: عليها..
٥ - أدرجت منصوبة بعد: لله..
٦ - في الأصل: وم: مما جزاء أو جعلوه..
٧ - في الأصل وم: ولا يزكو..
٨ - أدرج قبلها في الأصل وم: عن.
٩ - في الأصل وم: يملكون..
١٠ - ساقطة من الأصل وم..
١١ - في الأصل وم: وقال..
١٢ - في الأصل وم: وتضيفون..
١٣ - في الأصل وم: وإشراكهم..
١٤ - ساقطة من الأصل وم..
١٥ - في م: أنشأ لهم..

### الآية 6:137

> ﻿وَكَذَٰلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلَادِهِمْ شُرَكَاؤُهُمْ لِيُرْدُوهُمْ وَلِيَلْبِسُوا عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ ۖ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا فَعَلُوهُ ۖ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ [6:137]

الآية ١٣٧ وقوله تعالى : وكذلك زين لكثير من المشركين  أي كما زين لهم جعل النصيب للأصنام والتجزئة لها وصرف ما خلق الله لهم عنه إلى الأصنام، كذلك زين لهم تحريم ما أحل الله لهم من السائبة والوصيلة والحامي، كذلك زين لهم شركاؤهم قتل أولادهم. 
وأصله أن الشفقة التي جعل الله في الخلق لأولادهم والرحمة التي جبلت طبائعهم عليها تمنعهم عن قتلهم وخاصة أولادهم الضعفاء والصغار. وكذلك الشهوة التي خلق فيهم تمنعهم عن تحريم ما أحل الله لهم. لكن ذلك زين لهم شركاؤهم، وحسنوا عليهم تحريم ما أحل الله لهم وقتل أولادهم. فما حسن عليهم الشركاء، وزين لهم من تحريم ما أحل الله لهم وقتل أولادهم، غلب على الشفقة التي جبلت فيهم والشهوة التي خلق، ومكن فيهم. 
ثم اختلف في الشركاء : قال بعضهم : شركاؤهم شياطينهم التي تدعوهم[(١)](#foonote-١) إلى ذلك، وقيل : شركاؤهم كبراؤهم ورؤساؤهم الذين يستتبعونهم. 
ثم يحتمل قتل الكبراء أولادهم تكبرا منهم وتجبرا لأنهم كانوا يأنفون عن أولادهم الإناث، وقتل الأتباع \[ أولادهم \][(٢)](#foonote-٢) مخافة العيلة والفقر. 
وقوله تعالى : ليردوهم  قيل : ليهلكوهم. إنهم كانوا يقصدون/١٦٢-ب/ في التحسين والتزيين إرادة[(٣)](#foonote-٣) الإهلاك، وإن كانوا يرونهم في ذلك الشفقة. وكذلك كانوا يقصدون بالتزيين تلبيس الدين عليهم. 
وقوله تعالى : ولو شاء الله ما فعلوه  يحتمل وجوها : قال بعضهم : لو شاء الله لأهلكهم، فلم يفعلوا ذلك. وقيل : لأعجزهم، ومنعهم عن ذلك كقوله تعالى : ولو نشاء لطمسنا على أعينهم  \[ يس : ٦٦ \] وقيل : ولو شاء الله ما فعلوه  أي لأراهم قبح فعلهم حتى لم يفعلوا. 
وأصله أنه إذا علم منهم أنهم يفعلون ما فعلوا، ويختارون ما اختاروا من التزيين ولبس الدين عليهم، شاء ما فعلوا، واختاروا، وقد ذكرنا ذلك في غير موضع. 
وقوله تعالى : فذرهم وما يفترون  أي ذرهم، ولا تكافئهم بافترائهم على الله. ويحتمل  فذرهم وما يفترون  فإن الله يكافئهم، ولا يفوتون. ويحتمل  فذرهم وما يفترون  فإن ضرر ذلك الافتراء عليهم، ليس علينا، ولا عليك، والله أعلم بذلك.

١ - من م، في الأصل: تدعون..
٢ - ساقطة من الأصل وم..
٣ - في الأصل وم: الإرادة..

### الآية 6:138

> ﻿وَقَالُوا هَٰذِهِ أَنْعَامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ لَا يَطْعَمُهَا إِلَّا مَنْ نَشَاءُ بِزَعْمِهِمْ وَأَنْعَامٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُهَا وَأَنْعَامٌ لَا يَذْكُرُونَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا افْتِرَاءً عَلَيْهِ ۚ سَيَجْزِيهِمْ بِمَا كَانُوا يَفْتَرُونَ [6:138]

الآية ١٣٨ وقوله تعالى : وقالوا هذه أنعام وحرث حجر لا يطعمها إلا من نشاء بزعمهم  هذه الآية صلة قوله : وجعلوا لله مما ذرأ من الحرث والأنعام نصيبا فقالوا هذا لله بزعمهم وهذا لشركائنا  \[ الأنعام : ١٣٦ \] هذا الذي جعلوا للشركاء هو الحجر الذي ذكر في هذه الآية ؛ لأنهم كانوا ينتفعون بذلك، ويحرمونه، وهو حجر. 
وأصل الحجر المنع. وعن ابن عباس رضي الله عنه \[ أنه \][(١)](#foonote-١) قال : الحجر ما حرموا \[ على \][(٢)](#foonote-٢) أنفسهم من أشياء من الوصيلة والسائبة والحامي، وتحريمهم ما حرموا من أشياء ؛ كانوا يحلون أشياء، حرمها الله، ويحرمون أشياء أحلها الله في الجاهلية من الحرث والأنعام. 
وفي حرف \[ أبي \[ بن كعب \][(٣)](#foonote-٣) وابن عباس رضي الله عنها \][(٤)](#foonote-٤) خرج على تأخير الجيم وتقديم الراء. وعن الحسن حجر برفع الحاء[(٥)](#foonote-٥). 
وأصل الحجر المنع، ممنوع محجور ؛ يقال : حجرت عليه، أي منعته، والحجر أيضا موضع بمكة، والاحتجار الاستئثار، وهو أن يأخذ الشيء، ولا يعطي منه أحدا شيئا. 
وقوله تعالى : لا يطعمها إلا من نشاء بزعمهم  قال بعضهم : قوله تعالى : إلا من نشاء  يعني  لا يطعمها إلا من  يشاء الله ؛ لأنهم كانوا يحرمون أشياء، ويأتون بفواحش، فيقولون : إن الله أمرهم بذلك كقوله تعالى في الأعراف  وإذا فعلوا فاحشة قالوا وجدنا عليها آباءنا والله أمرنا بها  \[ الآية : ٢٨ \]
وقال بعضهم : قوله تعالى : إلا من نشاء بزعمهم  يعني الذين سنوا لهم، أي  لا يطعمها إلا من نشاء  قد ذكرت لكم : أول من بدل دين إسماعيل، وبحر البحيرة والسائبة أولئك الذين سنوا ذلك، وحرموا ذلك على نسائهم على ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال :( إن شئت قد ذكرت لكم أول من بدل دين إسماعيل وبحر البحيرة والسائبة ) \[ بنحوه البخاري ٣٥٢١ \] فعلى ذلك أضافوا المشيئة إلى أولئك الذين سنوا ذلك، وحرموا على إناثهم، وأحلوا للذكور[(٦)](#foonote-٦). 
وقال بعضهم : قوله تعالى : إلا من نشاء  هؤلاء الرجال ؛ كانت مضافة إلى الرجال دون النساء. وفي ذلك تسفيه أحلامهم ؛ لأنهم ينكرون الرسالة لمكان ما يحرمون من الطيبات، ثم يبتغون الذي حرم عليهم من الطيبات التي أحلها الله لهم من البحيرة والسائبة ونحوهما. 
وقوله تعالى : وأنعام حرمت ظهورها  هو ما ذكر من البحيرة والسائبة والوصيلة والحامي، وهو الحجر الذي ذكر في هذه الآية : يجعلون تلك الأشياء لشركائهم، لا ينتفعون بها. 
وقوله تعالى : وأنعام لا يذكرون اسم الله عليها  قيل فيه بوجوه : قيل : لا يذكرون اسم الله عليها  أي لا ينتفعون بها ليعرفوا أنعم الله، ليشكروا الله عليها. وقيل : لا يذكرون اسم الله عليها  أي لا يذبحون للأكل، و لا يذكرون اسم الله عليها . ويحتمل  لا يذكرون اسم الله عليها  وقت الركوب كما يذكر اسم الله عليها وقت الركوب، وهو قوله تعالى : سبحان الذي سخر لنا هذا  \[ الزخرف : ١٣ \] لأنهم كانوا لا يركبونها، ولكن يسيبونها. وقيل : لا يحجون عليها. والأول كأنه أقرب ؛ كانوا لا ينتفعون بها ليعرفوا أنعم الله، ويشكروا عليها. 
وقوله تعالى : افتراء عليه سيجزيهم بما كانوا يفترون  بأن الله أمرهم بذلك، وهو حرم عليهم، وهو أحل ؛ فذلك هو الافتراء على الله، أو بما أشركوا شركاءهم في عبادة الله وفي نعمه.

١ - ساقطة من الأصل وم..
٢ - ساقطة من الأصل وم..
٣ - ساقطة من الأصل..
٤ - في م: ابن عباس رضي الله عنه..
٥ - انظر معجم القراءات القرآنية \[٢/٣٢٢\]..
٦ - من م، في الأصل: الذكور لهم..

### الآية 6:139

> ﻿وَقَالُوا مَا فِي بُطُونِ هَٰذِهِ الْأَنْعَامِ خَالِصَةٌ لِذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ عَلَىٰ أَزْوَاجِنَا ۖ وَإِنْ يَكُنْ مَيْتَةً فَهُمْ فِيهِ شُرَكَاءُ ۚ سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ ۚ إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ [6:139]

الآية ١٣٩ \[ وقوله تعالى \][(١)](#foonote-١).  وقالوا ما في بطون هذه الأنعام خالصة لذكورنا ومحرم على أزواجنا  قيل : هو صلة قوله تعالى : وقالوا هذه أنعام وحرث حجر  \[ الأنعام : ١٣٨ \] يحرمون على النساء، ويحلون للرجال، يعني إذا ولدت[(٢)](#foonote-٢) أحياء كان ينتفع بذلك رجالهم دون نسائهم، وإذا ولدت[(٣)](#foonote-٣) ميتا اشترك[(٤)](#foonote-٤) فيه الإناث والذكور. يذكر في هذا كله سفه أولئك في صنيعهم، ويذكر في قوله تعالى : وهو الذي أنشأ جنات  إلى آخره \[ الأنعام : ١٤١ \] نعمه[(٥)](#foonote-٥) التي أنعم عليهم. 
وقوله تعالى : سيجزيهم وصفهم  أي افتراءهم على الله وتحريمهم ما أحل الله لهم وتحليلهم ما حرم عليهم.

١ - ساقطة من الأصل وم..
٢ - في الأصل وم: ولدوا..
٣ - في الأصل زم : ولدوا..
٤ - في الأصل وم: اشتركوا..
٥ - في الأصل وم: ونعمه..

### الآية 6:140

> ﻿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلَادَهُمْ سَفَهًا بِغَيْرِ عِلْمٍ وَحَرَّمُوا مَا رَزَقَهُمُ اللَّهُ افْتِرَاءً عَلَى اللَّهِ ۚ قَدْ ضَلُّوا وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ [6:140]

الآية ١٤٠ وقوله تعالى : قد خسر الذين قتلوا أولادهم سفها بغير علم وحرموا ما رزقهم الله افتراء  أخبر أنهم خسروا بقتلهم الأولاد وتحريمهم ما أحل \[ الله \][(١)](#foonote-١) لهم، ورزقهم  قد ضلوا وما كانوا مهتدين  وبالله الهداية والرشاد.

١ - ساقطة من الأصل..

### الآية 6:141

> ﻿۞ وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ جَنَّاتٍ مَعْرُوشَاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ مُخْتَلِفًا أُكُلُهُ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُتَشَابِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ ۚ كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ ۖ وَلَا تُسْرِفُوا ۚ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ [6:141]

الآية ١٤١ وقوله تعالى : وهو الذي أنشأ جنات معروشات  ذكر هذا، والله أعلم، مقابل ما كان منهم من تحريم ما أحل الله لهم، ورزقهم من الحرث والزرع والأنعام والانتفاع بها، فقال : أنشأ جنات  وبساتين، من تأمل فيها، وتفكر، عرف أن منشئها مالك حكيم مدبر ؛ لأنه ينبتها. ويخرجها من الأرض، في لحظة ما لو اجتمع الخلائق على تقديرها أن كيف خرج ؟ وكم خرج ؟ وأي قدر ثبت ؟ ما قدروا على ذلك كقوله تعالى : وأنبتنا فيها من كل شيء موزون  \[ الحجر : ١٩ \]. ويخرج من الورد والثمار على ميزان واحد ما لو جهدوا كل الجهد أن يعرفوا الفضل والتفاوت بين الأوراق والثمار ما قدروا، وما وجدوا فيها تقاربا. ويخرج أيضا كل عام من الثمار والأوراق ما يشبه العام الأول. 
فدل ذلك كله أن منشئها ومحدثها مالك حكيم، وضع كل شيء موضعه، وأن ما أنشأ أنشأ لحكمة وتدبير لم ينشئها عبثا ؛ فله الحكم والتدبير في الحل والحرمة والقسمة، ليس لأحد دونه حكم ولا تدبير في التحريم والتحليل : هذا حلال، وهذا حرام، وهذا لهذا، \[ وهذا لهذا \][(١)](#foonote-١) ؛ إنما ذلك إلى مالكها فخرج هذا، والله أعلم، يقابل ما كان منهم من قوله تعالى : وقالوا هذه أنعام وحرث حجر  \[ الأنعام : ١٣٨ \] \[ وقوله تعالى \][(٢)](#foonote-٢) : وهذا لشركائنا  \[ الأنعام : ١٣٦ \] وقوله تعالى  وأنعام حرمت ظهورها وأنعام لا يذكرون اسم الله عليها افتراء عليه  \[ الأنعام : ١٣٨ \] وغير ذلك من الآيات التي كانت فيها ذكر حكمهم[(٣)](#foonote-٣) على الله وإشراك أنفسهم في حكمهم. 
ثم اختلف في قوله : معروشات  \[ قيل : معروشات  \][(٤)](#foonote-٤) مبسوطات : ما تنبت منبسطا على وجه الأرض \[  وغير معروشات  ما يقوم بساقه، لا ينبسط على الأرض، وقيل : معروشات  ما يتخذ له العريش من نحو العرجون والقرع وغيره \][(٥)](#foonote-٥) \[ وغير معروشات } ما لا تقع الحاجة إلى العريش من نحو النخيل والأشجار المثمرة، وهما واحد، وقيل : على القلب : معروشات  ما تقوم بساقها  وغير معروشات  ما لا ساق له، والله أعلم. 
وتعريشه ما ذكر على إثره  والنخل والزرع مختلفا أكله والزيتون والرمان متشابها وغير متشابه  منها ما يكون متشابها في اللون مختلفا في الأكل والطعم، ومنها ما يكون مختلفا في اللون والمنظر متشابها في الطعم الأكل ليعلموا أن منشئها واحد وأنه حكيم ؛ أنشأها على حكمة، وأنه مدبر ؛ أنشأها عن تدبير ؛ لم ينشئها عبثا. 
ومن الناس من يقول : إن[(٦)](#foonote-٦) قوله تعالى  متشابها  في الذي ذكر، وهو الرمان والزيتون ؛ لأن ورقهما متشابه، والثمرة مختلفة، ومنهم من يقول :\[ التشابه \][(٧)](#foonote-٧) فيهما وفي غيرهما، والله أعلم. 
وقوله تعالى : كلوا من ثمره إذا أثمر  ولا تحرموا ؛ خرج على مقابلة ما كان منهم من التحريم ؛ أي كلوا منها، ولا تحرموا ليضيع، ويفسد. 
وقوله تعالى : وآتوا حقه يوم حصاده  ذكر عز وجل الإيتاء مما يحصد /١٦٣-أ/ بعد ذكر النخيل والزرع والزيتون والرمان حبا وغير حب، وما يقع في الكيل، وما لا يقع مجملا عاما، ولم يفصل بين قليله وكثيره، فيه دلالة وجوب الصدقة والعشر في قليل ما تخرج الأرض وكثيره. وكذلك قوله تعالى في سورة البقرة : ومما أخرجنا لكم من الأرض  \[ الآية : ٢٦٧ \]. 
وحديث معاذ \[ ابن جبل \][(٨)](#foonote-٨) رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال :( في كل ما أخرجت الأرض العشر أو نصف العشر ) \[ بنحوه السيوطي في الدر المنثور ٣/٣٦٧ \] وحديث ابن عمر رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم \[ أنه \][(٩)](#foonote-٩) قال :( في كل ما أخرجت الأرض قليله وكثيره العشر ) \[ بنحوه البخاري ١٤٨٣ \] وخبر معاذ \[ بن جبل أنه \][(١٠)](#foonote-١٠) قال :( بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أهل اليمن، فأمرني أن آخذ من \[ كل \][(١١)](#foonote-١١) حالم دينارا أو عدله معافر، وأمرني أن آخذ من كل أربعين \[ بقرة \] مسنة ومنكل ثلاثين \[ بقرة تبيعا حوليا \][(١٢)](#foonote-١٢) ومن كل ما سقت السماء العشر. وما سقي بالدوالي[(١٣)](#foonote-١٣) نصف العشر ) \[ أحمد ٥/٢٢٣ \] إلى هذا كله يذهب أبو حنيفة، رحمه الله، ويوجب الصدقة في قليل الخارج من الأرض وكثيره. 
ثم اختلف أهل التأويل في تأويل الحق الذي ذكره الله في قوله تعالى : وآتوا حقه يوم حصاده  قال قوم : هي صدقة سوى الزكاة، واحتجوا بأن الآية مكية، وأن الزكاة فرضت بالمدينة، وهي منسوخة بآية الزكاة. وقال قوم : هي الزكاة فإن نسخ فإنما[(١٤)](#foonote-١٤) نسخ قدرها، لم ينسخ الحق رأسا ؛ لأنهم كانوا يتصدقون بالأكل[(١٥)](#foonote-١٥)، فما نسخ إنما نسخ بآية الزكاة قدرها. 
ألا ترى أنه قال تعالى في آخره : ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين  ؟ والإسراف في اللغة هو المجاوزة عن الحد الذي حد له كقوله تعالى : والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواما  \[ الفرقان : ٦٧ \]. 
وقيل في قوله تعالى : ولا تسرفوا  أي لا تمنعوا الأكل[(١٦)](#foonote-١٦)، ولكن كلوا من بعضه، وآتوا حقه من بعضه، وقيل : الإسراف ههنا هو الشرك، كأنه \[ قال \][(١٧)](#foonote-١٧) : لا تشركوا آلهتكم في ما رزقكم الله من الحرث والأنعام، \[ فتحرموا، ولا تنتفعوا \][(١٨)](#foonote-١٨) به. 
والإسراف هو الذي لا ينتفع به أحد، وما كانوا جعلوا لشركائهم لا ينتفعون به هم، ولا انتفع به أحد، يكون مقابل[(١٩)](#foonote-١٩) قوله تعالى : هذه أنعام وحرث حجر  الآية \[ الأنعام : ١٣٨ \]. 
وأما أبو يوسف ومحمد، رحمهما الله \[ فإنهما \][(٢٠)](#foonote-٢٠) يذهبان إلى ما روي عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه \[ أنه \][(٢١)](#foonote-٢١) قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( لا صدقة في الزرع ولا في الكرم ولا في النخل إلا ما بلغ خمسة أوسق، وذلك مئة فرق } \[ البيهقي في الكبرى ٤/ ١٢٨ \]. 
وعن ابن عمر، وعن عبد الله بن عمرو رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم مثله، وما روي موسى بن طلحة \[ عن أبيه \][(٢٢)](#foonote-٢٢) أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :( ليس في الخضراوات صدقة ) \[ الطبراني في الأوسط ٥٩١٧ \] تؤخذ إلا في ما بلغ كذا ؛ وما[(٢٣)](#foonote-٢٣) عليه في نفسه صدقة يرديها هو. 
ثم إن كان ذلك الحق الذي ذكر في الآية الزكاة فإن الآية تدل، والله أعلم، على أن زكاة الحب والثمار إنما تجب في ما \[ يبس من الجنات \][(٢٤)](#foonote-٢٤) المعروشات وغير المعروشات، فدخل في ذلك، والله أعلم، العنب وغير العنب والثمار كلها \[ وما \][(٢٥)](#foonote-٢٥) قال تعالى : والنخل والزرع مختلفا أكله والزيتون والرمان متشابها وغير متشابه  فجميع ما تخرج الأرض من كل الأصناف التي سبق ذكرها. 
وقال تعالى : كلوا من ثمره إذا أثمر وآتوا حقه يوم حصاده  فجعل الحق الواجب فيه يوم يحصد، فيجوز أن يكون عفا عما قبل ذلك. فإن كان هذا هو التأويل، فهو، والله أعلم، معنى ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم ولو لم يكن قوله تعالى : كلوا من ثمره إذا أثمر  عفوا عن صدقة ما يؤكل منه ما كان في ذلك فائدة ؛ لأن الثمرة تؤكل، ولا تصلح لغير ذلك إلا للوجه الذي ذكرنا ؛ وهو أنهم كانوا يحرمون، ولا ينتفعون بها، فقال عز وجل  كلوا  وانتفعوا به، ولا تضيعوه. 
وإذا كان قوله تعالى : كلوا من ثمره  عفوا عن صدقة ما يؤكل منه ظهرت فائدة الكلام، وهو على هذا التأويل، والله أعلم، ما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :( إذا خرصتم فخذوه، ودعوا الثلث فالربع ) \[ النسائي ٥/٤٢ \]. 
وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم \[ أنه \][(٢٦)](#foonote-٢٦) قال :( ليس في العرايا صدقة ) \[ البيهقي في الكبرى ٤/ ١٢٥ \] وعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه كان يبعث أبا خيثمة خارصا للنخل، ويقول له : إذا وجدت أهل بيت في حائطهم فلا تخرص بقدر ما يأكلون. وعن مكحول \[ أنه \][(٢٧)](#foonote-٢٧) قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( خففوا على الناس في الخرص فإن من المال العرية والوصية ) \[ بنحوه البخاري ٢١٨٨ و ٢١٩٣ و ٢٣٨٠ \]. 
فدلت هذه الأحاديث على أنه لا صدقة في ما يؤكل من الثمر رطبا، إذا لم يكن في ما يأكلون إسراف، وقدر النبي صلى الله عليه وسلم لذلك الثلث أو الربع. وذلك، والله أعلم، يشبه ما دلت عليه الآية على تأويل من جعل الحق زكاة ؛ لأن الله تعالى قال : ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين  فاحتمل أن يكون أيضا معنى ذلك ولا تسرفوا في الأكل، فيجحف ذلك بأهل الصدقة، ويحتمل أن يكون ذلك نهيا عن الإسراف في جميع الأشياء على ما ذكرنا من قبل. 
وإذا صح أن لا صدقة في ما يؤكل من الرطب والعنب والثمار بهذه الأخبار، وأن الصدقة إنما تجب في ما يلحقه الحصاد يابسا، يمكن ادخاره، فالواجب ألا يكون في شيء من الخضر التي[(٢٨)](#foonote-٢٨) تؤكل رطبة صدقة، وألا تكون الصدقة واجبة إلا في ما يبس منها، ويمكن أن يدخر. فأما البقول والرطاب والبطيخ والقثاء والتفاح وأشباهها فلا صدقة فيها. هذا كله يدل لأبي يوسف ومحمد، رحمهما الله، إلا أنا لا نعلم مخالفا في أن ما يباع من الرطب صدقة، وإن كان يؤكل بهيئته[(٢٩)](#foonote-٢٩)، فهذا يفسد ما احتججنا[(٣٠)](#foonote-٣٠) به لأبي يوسف ومحمد، رحمهما الله، ومن وافقهما. وتأويل ما روي أن لا صدقة في الخضروات، وليس في أقل من خمسة أوسق صدقة تؤخذ، وما[(٣١)](#foonote-٣١) عليه في نفسه يوديها[(٣٢)](#foonote-٣٢)، والله أعلم. 
وجائز أن يكون قوله : وآتوا حقه يوم حصاده  على أولئك خاصة في ذلك الوقت، أو يقول : وآتوا حقه  ولا تصرفوا إلى الأصنام التي تصرفون إليها، والله أعلم.

١ - من م، ساقطة من الأصل..
٢ - ساقطة من الأصل وم..
٣ - في الأصل وم: تحكمهم..
٤ - من م، ساقطة من الأصل..
٥ - منم، في الأصل: وقيل..
٦ - من م، في الأصل: أنه..
٧ - ساقطة من الأصل وم..
٨ - ساقطة من الأصل وم..
٩ - ساقطة من الأصل وم..
١٠ - ساقطة من الأصل وم..
١١ - ساقطة من الأصل وم..
١٢ - في الأصل وم: تبيعا..
١٣ - في الأصل وم: بالديالي..
١٤ - في الأصل وم: إنما..
١٥ - في الأصل وم: بالكل..
١٦ - في الأصل وم: الكل..
١٧ - ساقطة من الأصل وم..
١٨ - في الأصل وم: فتحرمون ولا تنتفعون..
١٩ - من م، في الأصل: تقابل..
٢٠ - ساقطة من الأصل وم..
٢١ - ساقطة من الأصل وم..
٢٢ - ساقطة من الأصل وم..
٢٣ - في الأصل وم: وأما..
٢٤ - في الأصل: يسبق الجنايات، في م: يبس الجنات..
٢٥ - في الأصل وم: و..
٢٦ - ساقطة من الأصل وم..
٢٧ - ساقطة من الأصل وم..
٢٨ - في الأصل وم: الذي..
٢٩ - في الأصل وم: كهيئة..
٣٠ - في الأصل وم: احتجنا..
٣١ - في الأصل وم: وأما..
٣٢ - أدرج قبلها في الأصل وم: أن..

### الآية 6:142

> ﻿وَمِنَ الْأَنْعَامِ حَمُولَةً وَفَرْشًا ۚ كُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ ۚ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ [6:142]

الآية ١٤٢ وقوله تعالى : ومن الأنعام حمولة وفرشا كلوا مما رزقكم الله  هو صلة قوله تعالى : أنشأ جنات معروشات  إلى آخر ما ذكر، وأنشأ أيضا من  الأنعام حمولة وفرشا . 
ثم اختلف فيه : قال بعضهم : الحمولة ما يحمل عليها ؛ أنشأ للحمل، والفرش الصغار منها التي لا تحتمل، وقيل : الحمولة من نحو الإبل والبقر والبغال وغيرها من الحيوان، والفرش هو الغنم والمعز التي تؤكل، وأنشأها للحم. ويحتمل الفرش ما يؤخذ من الأنعام، ويتخذ منه الفرش والبسط. وقال الحسن : الحمولة ما يحمل عليها، وهو خاص، والفرش كل شيء من أنواع المال من الحيوان وغيره. يقال : أفرشه الله له ؛ أي جعله. قال ابن عباس رضي الله عنه : الحمولة الإبل والخيل والبغال والحمير وكل شيء يحمل عليه، وأما الفرش فالغنم. وعن ابن عمر رضي الله عنه : الحمولة الإبل والخيل والبغال والحمير وكل شيء يحمل عليه، وأما الفرش فالغنم. وعن ابن عمر رضي الله عنه \[ أنه \][(١)](#foonote-١) قال : الحمولة الإبل، والفرش البقر والغنم. قال ابن عوسجة : الحمولة مراكب النساء، والفرش ما يكون للنتاج. وقال القتبي : الحمولة كبار الإبل التي يحمل عليها، والفرش صغارها التي لم تدرك أن يحمل عليها، وهي ما دون الحقاق، والحقاق هي التي تصلح أن تركب. 
وقوله تعالى : كلوا مما رزقكم الله ولا تتبعوا خطوات الشيطان  قوله تعالى : كلوا مما رزقكم الله  ووجهوا شكر ذلك إليه  ولا تتبعوا خطوات الشيطان  في تحريم ما أحل الله لكم، وجعل ذلك لكم رزقا، كقوله تعالى : وجعلوا لله مما ذرأ من الحرث والأنعام نصيبا فقالوا هذا لله بزعمهم وهذا لشركائنا فما كان لشركائهم  \[ الأنعام : ١٣٦ \] وقوله تعالى  وهذه/١٣٦-ب/ أنعام وحرث حجر لا يطعمها إلا من نشاء بزعمهم وأنعام حرمت ظهورها وأنعام لا يذكرون اسم الله عليها  \[ الأنعام : ١٣٨ \] وقوله تعالى : وقالوا ما في بطون هذه الأنعام خالصة لذكورنا ومحرم على أزواجنا  \[ الأنعام : ١٣٩ \]. 
يقول تعالى : كلوا مما رزقكم الله  وكذلك قوله تعالى : كلوا من ثمره إذا أثمر  \[ الأنعام : ١٤١ \] وانتفعوا به  ولا تتبعوا خطوات الشيطان  في تحريم ذلك على أنفسكم، واعرفوا نعمه التي أنعمها عليكم، ووجهوا شكر نعمه إليه، ولا توجهوها إلى غيره. 
ثم قوله تعالى : ولا تتبعوا خطوات الشيطان  قيل : آثار الشيطان، وقيل : أعمال الشيطان، وقيل : دعاء الشيطان وتزيينه، وكله واحد. وأصله أن كل من أجاب آخر \[ إلى \][(٢)](#foonote-٢) ما يدعوا إليه، ويأتمر بأمره[(٣)](#foonote-٣)، يقال : اتبع أثره، وقد ذكر هذا في ما تقدم. 
وقوله تعالى : إنه لكم عدو مبين  أي إنه في ما يدعوكم، أي تحريم[(٤)](#foonote-٤) ما أحل الله لكم، ورزقكم، يقصد قصد إهلاككم وتعذيبكم لا قصد منفعة لكم في ذلك. وكل من قصد قصد إهلاك آخر فهو عدو له. وهو يخرج على ما ذكرنا من تذكير المنن والنعم التي أنعمها عليهم : يقول : هو الذي جعل لكم ذلك، فلا تصرفوا شكره إلى غيره.

١ - ساقطة من الأصل وم..
٢ - ساقطة من الأصل..
٣ - من م، في الأصل: إليه..
٤ - من م، ساقطة من الأصل..

### الآية 6:143

> ﻿ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ ۖ مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ ۗ قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الْأُنْثَيَيْنِ ۖ نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ [6:143]

الآية ١٤٣ وقوله تعالى : ثمانية أزواج من الضأن اثنين ومن المعز اثنين قل  إلى آخر ما ذكر ؛ أي أنشأ أيضا ثمانية أزواج على ما ذكر  أنشأ جنات معروشات وغير معروشات  \[ الأنعام : ١٤١ \] وأنشأ من الأنعام أيضا  حمولة  وأنشأ  ثمانية أزواج  مما أعد[(١)](#foonote-١) لنا. 
ويحتمل أن يكون قوله تعالى : ثمانية أزواج من الضأن اثنين ومن المعز اثنين  إلى آخر ما ذكر هو تفسير قوله تعالى : ومن الأنعام حمولة وفرشا  ويكون  ثمانية أزواج  التي ذكر في الآية بيان الحمولة والفرش التي ذكر في الآية الأولى. 
ثم في قوله تعالى : ثمانية أزواج من الضأن اثنين ومن المعز اثنين  في الآية تعريف المحاجة مع الكفرة وتعليمها من الله تعالى ؛ لأنهم كانوا يحرمون أشياء على الإناث، ويحللونها للذكور كقوله تعالى : ما في بطون هذه الأنعام خالصة لذكورنا ومحرم على أزواجنا  وإن تكن ميتة فهم فيها[(٢)](#foonote-٢) شركاء. 
فقال الله عز وجل : قل أالذكرين حرم أم الأنثيين  يعرفنا المحاجة معهم وطلب العلة التي بها حرم، فقال : قل أالذكرين حرم أم الأنثيين  فإن قالوا : حرم الذكر يجب[(٣)](#foonote-٣) أن كل ذكر يحرم. ثم من الذكور ما يحل، فتناقضوا في قولهم. وإن قالوا : حرم الأنثى يوجب[(٤)](#foonote-٤) أن كل أنثى أيضا تكون محرمة. فإذا لم يحرم كل أنثى ظهر[(٥)](#foonote-٥) تناقضهم ؛ لأنه لا يجوز أن توجب حرمة شيء أو حكمه[(٦)](#foonote-٦) لمعنى، ثم يرفع ذلك الحكم، والمعنى موجود ؛ أي[(٧)](#foonote-٧) حرم ما  اشتملت عليه أرحام الأنثيين  فإن كان لهذا \[ يجب فإن \][(٨)](#foonote-٨) كل مشتمل عليه أرحام الأنثيين محرم. فإذا لم يحرم ذلك دل أن التحريم لم يكن لهذا. 
وفيه دلالة أن الحكم إذا وجب لعلة فذلك الحكم واجب ما دامت العلة قائمة موجودة، وفيه الأمر بالمقايسة. 
وقوله تعالى : نبئوني بعلم إن كنتم صادقين  أي ليس عندهم علم، يعلمون ذلك، وينبئونه. 
ذكر ههنا  نبئوني بعلم إن كنتم صادقين  في مقالتكم : إنه حرم.

١ - في الأصل وم: عد..
٢ - في الأصل وم: فيه..
٣ - في الأصل وم: فيجب..
٤ - في الأصل وم: فيجب..
٥ - في الأصل وم، ظهرت..
٦ - في الأصل وم: حلمه..
٧ - في الأصل وم: أو..
٨ - في الأصل وم: فيجب أن..

### الآية 6:144

> ﻿وَمِنَ الْإِبِلِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْبَقَرِ اثْنَيْنِ ۗ قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الْأُنْثَيَيْنِ ۖ أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ وَصَّاكُمُ اللَّهُ بِهَٰذَا ۚ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَىٰ عَلَى اللَّهِ كَذِبًا لِيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ ۗ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ [6:144]

الآية ١٤٤ وقال في الآية التي تليها  أم كنتم شهداء إذ وصاكم الله بهذا  أي بتحريمها أي ليس[(١)](#foonote-١) لكم شهداء على تحريم ما تحرمون لا من جهة كتاب ولا رسول ولا استدلال ؛ لأن العلوم ثلاثة : علم استدلال، وهو علم العقل، وعلم المشاهدة والعيان، وهم علم الحس، وعلم السمع والخبر. فيخبر أنه ليس لهم من هذه العلوم شيء. 
أما علم الاستدلال فلا عقل يدل على تحريم ما حرمتم، ولا \[ لكم \][(٢)](#foonote-٢) علم مشاهدة ؛ لأنكم لم تشاهدوا الله حرم ذلك، ولا \[ لهم \][(٣)](#foonote-٣) علم من جهة السمع والخبر ؛ لأنهم لا يؤمنون بالكتب، ولا صدقوا الرسل، فيقولوا : أخبرنا الرسل بتحريم ذلك، أو وجدنا في الكتب حرمتها، فبهتوا في ذلك وضجروا. 
وفي الآية دلالة إثبات رسالة محمد ونبوته صلى الله عليه وسلم لأنهم كانوا لا يحرمون هذه الأشياء ظاهرا في ما بينهم، ورسول الله صلى الله عليه وسلم نشأ بين أظهرهم منذ أن كان صغيرا إلى كبره، وعرفوا أنه لم يختلف إلى أحد، عرف ذلك، ثم أخبره[(٤)](#foonote-٤) الله عز وجل ما حرموا فساد ما صنعوا ليدلهم أنه إنما عرف ذلك بالله، وبه علم حل ما حرموا وحرمة ما أحلوا لا بأخذ من الخلائق. 
وقوله تعالى : فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا  أي لا أحد  أظلم ممن افترى على الله كذبا  لأنه هو الذي أنشأهم، وأنشأ لهم جميع ما يحتاجون إليه، ويقضون حوائجهم، وبه كانت[(٥)](#foonote-٥) جميع نعمهم التي يتنعمون، ويتقلبون فيها، فلا أحد  أظلم ممن افترى على الله كذبا  فقال : حرم كذا، ولم يكن حرم، أو أمر بكذا، ولم يكن أمر. ألا ترى أنه قال عز وجل : ومن أصدق من الله حديثا  ؟ \[ النساء : ٨٧ \] \[ وقال :\][(٦)](#foonote-٦)  ومن أصدق من الله قيلا  ؟ \[ النساء : ١٢٢ \] فكما لم يكن أحد أصدق منه حديثا، فعلى ذلك لا أحد  فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا  بعد علمه أنه هو الفاعل لذلك كله، وهو المنشئ ما ذكر. 
وقوله تعالى : فمن أظلم  في الظاهر استفهام، ولكن في الحقيقة إيجاب ؛ لأنه لا يحتمل الاستعظام ؛ كأنه قال : لا أحد أفحش ظلما  ممن افترى على الله كذبا  على الإيجاب. 
وقوله تعالى : ليضل الناس بغير علم  لأنه يقصد بالافتراء على الله قصد إضلال الناس وإغوائهم. 
\[ وقوله تعالى \][(٧)](#foonote-٧) : إن الله لا يهدي القوم الظالمين  أي لا يهدي وقت اختيارهم الكفر والظلم. وقيل : لا يهدي القوم الذين في علمه أنهم يجتمعون بالكفر. ويحتمل : لا يهديهم إذا كانوا هم عند الله ظلمة كفرة، وإن كانوا عند أنفسهم عدولا على الحق.

١ - في الأصل وم: ليست..
٢ -ساقطة من الأصل وم..
٣ - ساقطة من الأصل وم..
٤ - الهاء ساقطة من الأصل وم..
٥ - في الأصل وم: كان..
٦ - ساقطة من الأصل وم..
٧ - ساقطة من الأصل وم..

### الآية 6:145

> ﻿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَىٰ طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ ۚ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ [6:145]

الآية ١٤٥ وقوله تعالى : قل لا أجد في ما أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه  قوله تعالى : قل لا أجد  يحتمل وجهين :
أحدهما : أي لا أجد مما تحرمون أنتم في ما أوحي إلي، وأما مما لا تحرمون \[ فإنني أجد \][(١)](#foonote-١). 
والثاني : لا أجد في ما أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه  في وقت، ثم وجده في وقت آخر. وأيهما كان فليس فيه دليل حل سوى ما ذكر في الآية على ما يقوله بشر. 
وقوله تعالى : لا أجد في ما أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه  مثل هذا الخطاب لا يكون إلا في معهود سؤال. وإلا مثل هذا الخطاب لا يستقيم على الابتداء. فإن كان في معهود فهو يخرج جواب ما كانوا يحرمون من أشياء من الأنعام والحرث، وما ذكر في الآيات التي تقدم ذكرها، وما كانوا يحرمون في البحيرة والوصيلة والسائبة والحامي. 
فقال : لا أجد في ما أوحي إلي محرما  مما تحرمون أنتم  على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة أو دما مسفوحا  جواب سؤال في نازلة، فقال : قل لا أجد في ما أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه  في ما ذكر في الآية، ولم يجده محرما في وقت إلا ما ذكر، ثم وجده في وقت آخر. ففي أيهما كان لم يكن للبشر علينا في ذلك حجة حين[(٢)](#foonote-٢) قال : إن الأشياء كلها محللة مطلقا بهذه الآية : قل لا أجد في ما أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه إلا  ما ذكر من الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به، فقال : لا تحرم من الحيوان إلا ما ذكر. 
ويقول : إن النهي الذي جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم هو[(٣)](#foonote-٣) نهي عن كل ذي ناب من السباع وعن كل ذي مخلب من الطير. إنما هو خبر خاص من أخبار الآحاد، وخبر الواحد لا يعمل في نسخ الكتاب، وقد قال : لا أجد في ما أوحي إلي محرما . 
وبعد فإن ذلك الخبر من الأخبار المتواترة ؛ لأنه عرفه الخاص والعام، وعملوا به، وظهر العمل به، حتى لا يكاد يوجد ذلك يباع في أسواق المسلمين. دل أنه من المتواتر. 
قال الشيخ /١٦٤-أ/ رضي الله عنه : وعندنا أن لفظة التحريم في الحيوان \[ لا تكون \][(٤)](#foonote-٤) إلا في ما ذكر في الآية من الميتة والدم المسفوح والخنزير. ولكن يقال : منهي عنه، مكروه، ولا يقال : محرم مطلقا، ولا يقال : لا يؤكل، ولا يطعم. 
وبعد فإن الآية لو كانت في غير الوجهين الذين ذكرناهما لم يكن فيها دليل حل ما عدا المذكور في الآية ؛ لأنه قال : لا أجد  ولم يوجد في وقت. ثم وجد في وقت آخر، هذا جائز. 
وفي قوله : محرما على طاعم يطعمه  دلالة أن الجلد يحرم بحق اللحمية ؛ لأنه أمكن أن يشوى، فيؤكل، فحرمته حرمة اللحم. فإذا دبغ خرج من أن يؤكل، فظهر عن قوله تعالى : على طاعم يطعمه  والله أعلم. 
ثم في قوله تعالى : ٍمحرما على طاعم يطعمه  الآية دلالة أن الحرمة التي ذكر في قوله : حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به والمنخنقة والموقوذة والمتردية  \[ المائدة : ٣ \] إلى أخر حرمة الأكل والتناول منها ؛ لأنه لم يبين في تلك الآية ما الذي حرم منها سوى ما ذكر حرمته \[ التي \][(٥)](#foonote-٥) تفسرها هذه الآية. 
وقوله تعالى : محرما على طاعم يطعمه  الأكل[(٦)](#foonote-٦) دل هذا أن الحرمة في تلك الآية الأكل والتناول منها، وكذلك قوله تعالى : اليوم أحل لكم الطيبات وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم  \[ المائدة : ٥ \] ذكر الحل، ولم يذكر الحل لماذا ؟ ثم جاء التفسير في هذه الآية أنه للأكل. 
ثم الميتة التي ذكر أنها محرمة ليست هي التي ماتت حتف أنفها خاصة. ألا ترى أنه ذكر  وما أهل لغير الله به والمنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة وما أكل السبع  ؟ \[ المائدة : ٣ \] كل هذا الذي ذكر لم يمت حتف أنفه، ولكن بأسباب[(٧)](#foonote-٧)، لم يؤمر بها، فصارت ميتة. فدل أن كل مذبوح أو مقتول بسبب، لم يؤمر به، هو[(٨)](#foonote-٨) ميتة، لا يحل التناول منها إلا في حال الاضطرار. 
وفي قوله تعالى : أو دما مسفوحا  دلالة أن المحرم من الدم هو المسفوح، والدم الذي يكون في اللحم، ويخالط اللحم، ليس بحرام، والدم المسفوح حرام. 
قال أبو عوسجة : المسفوح المصبوب ؛ تقول : سفحت صببت، وقال القتبي : مسفوحا  أي سائلا، وقال ابن عباس رضي الله عنه المسفوح هو الذي يهراق. 
وقوله تعالى : أو لحم خنزير  ذكر اللحم، وذكر حرمة الميتة، ليعلم أن الخنزير بجوهره حرام، والميتة، حرمتها لا بجوهرها، لكن بما[(٩)](#foonote-٩) اعترض. لذلك قلنا : لا بأس بالانتفاع بصوف الميتة وبرها وعظمها، ولا يجوز من الخنزير شيء، والله أعلم. 
وقوله تعالى : فمن اضطر غير باغ ولا عاد  قيل : غير باغ  \[ غير مستحل له \][(١٠)](#foonote-١٠) في دينه  ولا عاد  أي ولا متعديا  فمن اضطر  إليه، فأكله. وقد ذكرنا أقاويلهم والاختلاف في تأويله في صدر الكتاب  فإن ربك غفور رحيم  لأكله الحرام في حال الاضطرار  رحيم  حين[(١١)](#foonote-١١) رخص الحرام في موضع الاضطرار، وهذا أيضا قد مضى ذكره[(١٢)](#foonote-١٢).

١ - في الأصل وم: فإنه يجد.
٢ - في الأصل وم: حيث..
٣ - في الأصل وم: أنه..
٤ - ساقطة من الأصل وم..
٥ - ساقطة من الأصل وم..
٦ - في الأصل وم: إلا كذا.
٧ - من م، في الأصل: بأسبابها..
٨ - في الأصل وم: فهو..
٩ - في الأصل وم: لما..
١٠ - في الأصل وم: يستحله..
١١ - في الأصل وم: حيث..
١٢ - من م، في الأصل: ذكر
 .

### الآية 6:146

> ﻿وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ ۖ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا إِلَّا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا أَوِ الْحَوَايَا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ ۚ ذَٰلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِبَغْيِهِمْ ۖ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ [6:146]

الآية ١٤٦ وقوله تعالى : وعلى الذين هادوا حرمنا كل ذي ظفر  قيل : مثل النعامة والبعير. وقيل : كل ذي ظفر  مثل الديك والبطة والبعير وكل متفرج الأصابع والقوائم. وقيل : حرمنا كل ذي حافر من نحو حمار الوحش والوز وغيره. وقيل : حرمنا كل ذي ظفر  كل ذي مخلب من الطير وكل ذي ناب من السباع، ومن الدواب كل ذي ظفر. منشق مثل الأرنب والبعير وأشباههما، وهو قول ابن عباس رضي الله عنه. والأشبه أن يكون ما ذكر في آية أخرى : فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم وبصدهم عن سبيل الله كثيرا  \[ النساء : ١٦٠ \]. 
وقوله تعالى : ومن البقر والغنم حرمنا عليهم شحومهما إلا ما حملت ظهورهما  قيل : شحوم بطونهما من[(١)](#foonote-١) الثروب وشحم الكليتين  أو الحوايا  وهي المباعر والمصارين أي الشحم الذي عليها  أو ما اختلط بعظم  قيل الإلية. 
وقيل : قوله تعالى : إلا ما حملت ظهورهما  هو اسم[(٢)](#foonote-٢) اللحم، وقيل[(٣)](#foonote-٣) فيه أقاويل مختلفة في هذا وفي الأول في قوله تعالى : حرمنا كل ذي ظفر  لكن ليس لنا إلى معرفة ذلك حاجة ؛ لأن تلك شريعة، قد نسخت، والعمل بالمنسوخ حرام. فإذا لم يكن علينا العمل بذلك ليس لنا إلى معرفة ذلك حاجة ؛ كان ذا، أو ذا[(٤)](#foonote-٤)، وإنما علينا أن نعرف لم كان ذلك التحريم ؟ وبم كان تحريم هذه الأشياء عليهم ؟ 
فهو، والله أعلم، ما ذكر في قوله تعالى : فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم وبصدهم عن سبيل الله كثيرا  \[ النساء : ١٦٠ \]. 
أخبر أن ما حرم[(٥)](#foonote-٥) عليهم من الطيبات \[ بسببين :
أحدهما :\][(٦)](#foonote-٦) بظلمهم للذين ظلموا ؛ ولذلك قال الله تعالى : ذلك جزيناهم ببغيهم  أخبر أن ذلك جزاء بغيهم الذي[(٧)](#foonote-٧) بغوا. 
والثاني : أنهم كانوا يدعون، ويقولون : نحن أبناء الله وأحباؤه  \[ المائدة : ١٨ \] ؛ \[ يقول : لو كنتم صادقين في زعمكم أنكم  أبناء الله وأحباؤه  \][(٨)](#foonote-٨) لكان لا أحد يعاقب ولده أو حبيبه بأدنى ظلم، ولا يحرم عليه الطيبات. \[ فإذا كان الله حرم عليكم الطيبات \][(٩)](#foonote-٩)، وجزاكم[(١٠)](#foonote-١٠) بتحريم أشياء عقوبة لكم بظلمهم وبغيكم ظهر أنكم كذبتم في دعاويكم، وافتريتم بذلك على الله. 
وفيه دليل إثبات رسالة محمد ونبوته صلى الله عليه وسلم لأنهم كانوا يحرمون هذه الأشياء في ما بينهم، ولا يقولون : إنهم ظلمة، وإن ما حرم عليهم بظلم كان منهم وبغي. 
ثم أخبرهم النبي صلى الله عليه وسلم أن ما حرم عليهم من الطيبات إنما حرم بظلمهم وبغيهم دل أنه إنما أخبر بذلك عن الله، وبه عرف ذلك، فدل أنه آية من آيات نبوته صلى الله عليه وسلم، والله أعلم. 
وقوله تعالى : ذلك جزيناهم ببغيهم  أي ذلك التحريم عقوبة لبغيهم وظلمهم  وإنا لصادقون  بالإنباء أن ذلك كان بظلمهم وبغيهم  وإنا لصادقون  في كل ما أخبرنا، وأنبأنا.

١ - في الأصل وم: ومن..
٢ - في م: سمن..
٣ - الواو ساقطة من الأصل وم..
٤ - من م، في الأصل: أوفا..
٥ - من م، في الأصل: أخبر..
٦ - ساقطة من الأصل وم..
٧ - في الأصل وم: الذين.
٨ - من م، ساقطة من الأصل..
٩ - من م، ساقطة من الأصل..
١٠ - في الأصل وم: وجزاهم..

### الآية 6:147

> ﻿فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ رَبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ وَاسِعَةٍ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُهُ عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ [6:147]

الآية ١٤٧ وقوله تعالى : فإن كذبوك فقل ربكم ذو رحمة واسعة  قال الحسن : فإن كذبوك  في ما تدعوهم إليه وتأمرهم به من التصديق والتوحيد له والربوبية  فقل ربكم ذو رحمة  إذا رجعتم عن التكذيب، وصدقتم، وعرفتم أنه واحد، لا شريك له، يغفر لكم ما كان منكم في حال الكفر، ويكفر عنكم سيئاتكم التي كانت. 
وقوله تعالى : فإن كذبوك فقل ربكم ذو رحمة واسعة ولا يرد بأسه عن القوم المجرمين  كأنه على التقديم والتأخير ؛ يقول : فإن كذبوك يا محمد فقل لا يرد بأسه عن القوم المجرمين. ثم يقول[(١)](#foonote-١) : ربكم ذو رحمة واسعة ؛ يسع في رحمته العفو إذا تبتم. 
وقال غيره من أهل التأويل : فإن كذبوك  يا محمد حين أنبأتهم بما حرم الله عليهم بظلمهم وبغيهم  فقل ربكم ذو رحمة واسعة  لا يهلك \[ أحدا \][(٢)](#foonote-٢) وقت ارتكابه المعصية، ولا يعذبه حالة ذلك، لكنه يؤخره[(٣)](#foonote-٣)  ولا يرد بأسه  أي عذابه إذا نزل بقوم مجرمين بجرمهم، والله أعلم.

١ - في الأصل وم: قال..
٢ - ساقطة من الأصل وم..
٣ - في الأصل وم: يؤخر..

### الآية 6:148

> ﻿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ ۚ كَذَٰلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّىٰ ذَاقُوا بَأْسَنَا ۗ قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا ۖ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ [6:148]

الآية ١٤٨ وقوله تعالى : سيقول الذين أشركوا لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا ولا حرمنا من شيء  قيل : الآية في مشركي العرب ؛ قالوا ذلك حين لزمتهم المناقضة، وانقطع حجاجهم في تحريمهم ما حرموا من الأشياء، وأضافوا ذلك إلى الله، وهو صلة قوله تعالى : ثمانية أزواج من الضأن اثنين ومن المعز اثنين قل أالذكرين حرم أم الأنثيين ما اشتملت عليه أرحام الأنثيين  إلى آخر ما ذكر إلى قوله تعالى : أم كنتم شهداء إذ وصاكم الله بهذا  \[ الأنعام : ١٤٣ و ١٤٤ \] فلما لزمتهم المناقضة، وانقطع حجاجهم، فزعوا عنه. 
إلى هذا القول : لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا ولا حرمنا من شيء  فيقول الله لنبيه : كذلك كذب الذين من قبلهم  من الأمم الخالية رسلهم كما كذبك هؤلاء، وكانوا يقولون لرسلهم ما قال لك هؤلاء  لو شاء الله ما أشركنا  إلى آخر ما ذكر. 
ثم اختلف في تأويل قوله : لو شاء الله ما أشركنا  قال الحسن والأصم : إن المشيئة ههنا الرضا ؛ قالوا : رضي الله بفعلنا /١٦٤-ب/ وصنيعنا حين[(١)](#foonote-١) فعل آباؤنا مثل ما فعلنا، فلم يحل الله بينهم وبين ذلك، ولا أخذ على أيديهم، ولا منعهم عن ذلك، فلو لم يرض بذلك عنهم لكان يحول ذلك عنهم، ومنعهم عنه، وإنما استدلوا بالرضا من الله والإذن في ما كانوا فيه يخوفون آباءهم الهلاك والعذاب بصنيعهم الذي كانوا صنعوا، ثم رأوهم ماتوا على ذلك، ولم يأتهم العذاب، فاستدلوا بتأخير نزول العذاب عليهم على أن الله تعالى رضي بذلك، والله أعلم. 
وبظاهر هذه الآية للمعتزلة أدنى تعلق ؛ لأنهم يقولون : إن الله تعالى قد رد ذلك القول الذي قالوا، وعاتبهم على ذلك القول بقوله : وكذلك كذب الذين من قبلهم حتى ذاقوا بأسنا  وأوعدهم على ذلك وعيدا شديدا، فلو كان يجوز إضافة المشيئة إلى الله تعالى في ذلك على ما تضيفون أنتم لم يكن يرد ذلك عليهم، ولا عاتبهم على ذلك، ولا أوعدهم وعيدا في ذلك، دل أنه لا يجوز أن يقال ذلك ولا إضافة المشيئة إليه في ذلك. 
فنقول، وبالله التوفيق : إن المشيئة ههنا تحتمل وجوها. 
أحدها : ما قال الحسن والأصم من الرضا ؛ قالوا : إن الله تعالى رضي بذلك. 
والثاني : الأمر والدعاء إلى ذلك ؛ يقولون : إن الله أمرهم بذلك، ودعاهم إلى ذلك. 
والثالث : كانوا يقولون ذلك على الاستهزاء والسخرية لا على الحقيقة. 
وهكذا أمر المجوس أنهم إذا قيل لهم هذا : لم لا تؤمنون \[ ولا \][(٢)](#foonote-٢) تسلمون ؟ يقولون ما قال هؤلاء : لو شاء الله  لآمنا، و ما أشركنا . فهذا العتاب الذي لحقهم والوعيد الذي أوعدهم إنما كان لما قالوا استهزاء منهم ولما ادعوا من الأمر والادعاء[(٣)](#foonote-٣) على الله، وافتروا عليه، والرضا أنه رضي بذلك. 
على هذه الوجوه الثلاثة تخرج المشيئة في هذا الموضع، والله أعلم، لا على ما قالته المعتزلة، وهو ما ذكر في آية أخرى  ويقول الإنسان أئذا ما مت لسوف أخرج حيا  ؟ \[ مريم : ٦٦ \] هو كلمة حق. لكن قالها استهزاء وهزوا، فلحقه العتاب. 
وقوله تعالى : قل هل عندكم من علم فتخرجوه لنا  أي هل عندكم من بيان وحجة من الله دون أن يمهلكم[(٤)](#foonote-٤) ليعذبكم. أو ليس قد ترك من خالفكم في ذلك ؟ ثم لم يدل تركه إياهم على أنه رضي بذلك، فقال الله تعالى :\[  إن تتبعون إلا الظن  أي ما تتبعون في ذلك  إلا الظن وإن أنتم إلا تخرصون  \][(٥)](#foonote-٥) أي ما هم إلا يخرصون، ويكذبون في ذلك، ليست لهم حجة ولا بيان على ما يدعون من الأمر والدعاء إلى ذلك والترك على ما هم عليه على الرضا به.

١ - في الأصل وم: حيث..
٢ - في الأصل وم: و..
٣ - في الأصل وم: والدعاء..
٤ - في الأصل وم: أمهلكم..
٥ - في الأصل: إن يتبعون إلا الظن أي ما تتبعون في ذلك إلا الظن وإن هم إلا يخرصون، في م: إن تتبعون إلا الظن أي ما تتبعون في ذلك إلا الظن وإن هم إلا يخرصون، أدرج في معجم القراءات: قرأ النخعي: إن يتبعون إلا الظن وإن هم إلا يخرصون، وهي قراءة شاذة، انظر المعجم المذكور \[٢/ ٣٣٢\]..

### الآية 6:149

> ﻿قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ ۖ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ [6:149]

الآية ١٤٩ وقوله تعالى : قل فلله الحجة البالغة  التي إذا بلغت كل شبهة أزالتها، وكل غافل نائم نبهته، وأيقظته. وقيل : الحجة البالغة التامة القاهرة الظاهرة على كل شيء الغالبة عليه، لم تبلغ شيئا إلا قهرته، وغلبته. 
وقال الحسن : الحجة البالغة في الآخرة ؛ ولا يعذب أحدا، ولا يعاقبه إلا لحجة تلزم، لا يعاقب بهوى أو انتقام أو شهوة على ما يعاقب في الشاهد ولا غيره، ما من أحد من الخلائق إلا والله عليه الحجة البالغة أما الملك المقرب فإن الله جبلة على الطاعة، فلا يعصيه، منا من الله عليه وطولا وفضلا، فهو مقصر عن شكر نعمة الله عليه. وأما النبي المرسل والعبد الصالح فلله عليهما السبيل والحجة من غير واحد. 
**ثم تحتمل الحجة البالغة وجوها :**
أحدها : هذا القرآن الذي أنزله على رسول الله صلى الله عليه وسلم آية معجزة وحجة بالغة عجز[(١)](#foonote-١) الخلائق عن إتيان مثله. فدل عجزهم عن إتيان مثله على أنه آية من آيات الله وحجة من حجج الله، أرسلها على نبيه صلى الله عليه وسلم. 
والثاني : أنه جعل في كلية الخلائق والأشياء ما يشهد أن الخلائق والأشياء كلها لها شهادة خلقه، وتدل كلية الأشياء على وحدانيته، فهو حجة بالغة. 
والثالث : ألسن الرسل وأنباؤهم إذ[(٢)](#foonote-٢) لم يؤاخذهم بكذب قط في ما بينهم، ولا جرى على لسانهم كذب قط، ولا فحش. عصمهم عز وجل عن ذلك، فدل على أنهم إنما خصوا بذلك لما أن الله جعلهم حججا وآيات على وجه الأرض ؛ حجة بالغة وبالله العصمة. 
وقال بعضهم  فلله الحجة البالغة  في تحريم الأشياء وتحليلها، ليس لهؤلاء الذين يحرمون أشياء، لهم في تحريمهم حجة ؛ إنما يحرمون ذلك بهوى أنفسهم. 
وقوله تعالى : فلو شاء لهداهم أجمعين  قال الحسن : المشيئة ههنا[(٣)](#foonote-٣)مشيئة القدرة، وقال : لو شاء قهرهم، وأعجزهم حتى لم يقدروا على معصية قط على ما جعل الملائكة ؛ جبلهم على الطاعة حتى لا يقدروا على معصية. 
ثم هو[(٤)](#foonote-٤) يفضل الملائكة على الرسل والأنبياء والبشر جميعا، ويقول : هم مجبورون على الطاعة. فذلك تناقض في القول، لا يجوز. من كان مقهورا مجبورا على الطاعة يفضل على من يعمل بالاختيار مع تمكن الشهوات فيه والحاجات التي تغلب صاحبها، وتمنعه عن العمل بالطاعة، ويقول : فضّلهم بالجوهر والأصل، فلا يجوز أن يكون لأحد بالجوهر نفسه فضل على ذلك الجوهر ؛ لأن الله تعالى لم يذكر فضل شيء بالجوهر إلا مقرونا بالأعمال الصالحة الطيبة كقوله تعالى : ألم تر كيف ضرب الله مثلا كلمة طيبة كشجرة طيبة  \[ إبراهيم : ٢٤ \] وقوله[(٥)](#foonote-٥) تعالى : والبلد الطيب يخرج نباته بإذن ربه  \[ الأعراف : ٥٨ \] وقوله تعالى : والعمل الصالح يرفعه  \[ فاطر : ١٠ \] ونحوه، لم يفضل أحدا[(٦)](#foonote-٦) بالجوهر على أحد، ولكن إنما فضله بالأعمال الصالحة. لذلك قلنا : إن قوله[(٧)](#foonote-٧) يخرج على التناقض. 
وتأويل قوله تعالى : فلو شاء لهداكم أجمعين  \[ عندنا ظاهر : لو \][(٨)](#foonote-٨) شاء الله لهداهم جميعا، ووفقهم للطاعة، وأرشدهم. لذلك هو كقوله تعالى : ولولا أن يكون الناس أمة واحدة لجعلنا لمن يكفر بالرحمان لبيوتهم سقفا من فضة  الآية \[ الزخرف : ٣٣ \] فإذا كان الميل إلى الكفر لمكان ما جعل لهم من الفضة والزينة، وإذا كان \[ ذلك الإيمان \][(٩)](#foonote-٩) للمؤمنين آمنوا، ثم لم يجعل \[ لهم \][(١٠)](#foonote-١٠) كذلك، دل على أن قولهم  لو شاء الله ما أشركنا  \[ الأنعام : ١٤٨ \] هو الأمر والرضا، أو ذكروا على الاستهزاء حين قال تعالى  فلو شاء لهداكم أجمعين . 
والمعتزلة يقولون : المشيئة ههنا مشيئة قسر وقهر، وقد ذكرنا ألا يكون في حال القهر إيمان، وإنما يكون في حال الاختيار، والمشيئة مشيئة الاختيار، ولا تحتمل مشيئة الخلقة ؛ لأن كل أحد بشهادة الخلقة \[ يؤمن \][(١١)](#foonote-١١). فدل أن التأويل ما ذكرنا.

١ - أدرج قبلها في الأصل وم: ما..
٢ - في الأصل وم: حيث..
٣ - من م، في الأصل: هنا..
٤ - الضمير يعود على الحسن..
٥ - أدرج قبلها في الأصل وم: وغيره..
٦ - من م، في الأصل: أحد..
٧ - الضمير يعود على الحسن أيضا..
٨ - من م، في الأصل: فلو..
٩ - ساقطة من الأصل وم..
١٠ - ساقطة من الأصل وم..
١١ - ساقطة من الأصل وم..

### الآية 6:150

> ﻿قُلْ هَلُمَّ شُهَدَاءَكُمُ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ أَنَّ اللَّهَ حَرَّمَ هَٰذَا ۖ فَإِنْ شَهِدُوا فَلَا تَشْهَدْ مَعَهُمْ ۚ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَهُمْ بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ [6:150]

الآية ١٥٠ وقوله تعالى : هلم شهداءكم الذين يشهدون أن الله حرم هذا  الذي تحرمون أنتم من الوصيلة والسائبة والحامي، وما حرموا من الحرث والأنعام  فإن شهدوا  أن الله حرمه  فلا تشهد معهم  كيف قال : هلم شهداءكم الذين يشهدون أن الله حرم هذا  ؟ دعاهم إلى أن يأتوا بالحجة ؛ فإذا أقاموها[(١)](#foonote-١) لا تشهد معهم. 
ولكن هذا، والله أعلم، أنهم يعلمون أن التحريم إلى الله ليس إلى أحد من الخلائق  فإن شهدوا  بأنه حرم  فلا تشهد معهم  فإنهم شهدوا بباطل. ويحتمل أن يكون أمره أن يسألهم شهداء من أهل الكتاب يشهدون لهم بأن الله حرم هذا ؛ لأن هؤلاء كانوا أهل شرك، وعبدة الأوثان يسألون أهل الكتاب، وأهل الرسل[(٢)](#foonote-٢)، يشهدون لهم بذلك.  فإن شهدوا فلا تشهد معهم  أي \[ فلا يشهدوا \] لهم بذلك، فلا تشهد أنت أيضا معهم على الإخبار أنهم لا يشهدون. 
وهو كقوله تعالى : لئن أخرجوا لا يخرجون معهم ولئن قوتلوا لا ينصرونهم  الآية \[ الحشر : ١٢ \] أخبر عن المنافقين أنهم قالوا : لئن أخرجتم لنخرجن معكم ولا نطيع فيكم أحدا أبدا وإن قوتلتم لننصرنكم والله يشهد إنهم لكاذبون  \[ الحشر : ١١ \] ثم أخبر عنهم أنهم  ولئن نصروهم ليولن الأدبار  الآية \[ الحشر : ١٢ \] لكنه أخبر أنهم /١٦٥-أ/ لا يقاتلون رأسا، وإلا  ولئن نصروهم ليولن الأدبار  \[ الحشر : ١٢ \] فعلى ذلك قوله تعالى : هلم شهداءكم الذين يشهدون أن الله حرم هذا فإن شهدوا فلا تشهد معهم  لأنهم لا يشهدون، والله أعلم. 
ويشبه أن يسألوا حتى يأتوا بآبائهم حتى يشهدوا ؛ لأنهم كانوا يقولون : وجدنا عليها آباءنا والله أمرنا بها  \[ الأعراف : ٢٨ \] وإن الله رضي بصنيع آبائنا \[ حين لم يهلكهم \][(٣)](#foonote-٣)، وتركهم على ذلك، فيسألون أن يأتوا بأولئك حتى يكونوا هم الذين يشهدون على ذلك، فلن يجدوا إلى ذلك سبيلا أبدا. وهو كقوله تعالى : وادعوا شهداءكم من دون الله إن كنتم صادقين  \[ البقرة : ٢٣ \] فلا يجدون \[ سبيلا إلى ذلك \][(٤)](#foonote-٤) أبدا. 
وقوله تعالى : ولا تتبع أهواء الذين كذبوا بآياتنا  دل أنما كانوا يحرمون إنما يحرمون بهواهم لا بحجة وبرهان  والذين لا يؤمنون بالآخرة وهم بربهم يعدلون  أي يعدلون الأصنام في العبادة والألوهية بربهم.

١ - في الأصل وم: قاموها..
٢ - في الأصل وم: رسل..
٣ - في الأصل: حيث لم يهلكم، في م: حيث لم يهلكم..
٤ - ساقطة من الأصل وم..

### الآية 6:151

> ﻿۞ قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ ۖ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا ۖ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا ۖ وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ ۖ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ ۖ وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ ۖ وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ۚ ذَٰلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ [6:151]

الآية ١٥١ وقوله تعالى : قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم  يقول[(١)](#foonote-١)  قل تعالوا أتل  أقرأ  ما حرم ربكم  وأبين لكم ما حرم بحجة وبرهان، وأن ما حرمتم أنتم حرمتم بهوى أنفسكم، لا حرمتم بأمر أو حجة وبرهان. 
ثم بين الذي حرم عليهم، فقال : ألا تشركوا به شيئا  الشرك حرام بالعقل، ويلزم كل عقل التوحيد ومعرفة الرب لما كان منه من تركيب الصور وتقويمها بأحسن صور، يرون، فيعرفون[(٢)](#foonote-٢) أنه لم يصورها أحد سواه، ولا قومها، ولا يشركه آخر في ذلك، وما كان منه إليكم من أنواع الإحسان والأيادي، فكيف تشركون غيره في ألوهيته وربوبيته ؟ فذلك حرام بالعقل والسمع. 
وقوله تعالى : قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم ألا تشركوا به شيئا  يخرج على وجهين :
أحدهما : على الوقف والقطع على قوله  ربكم عليكم  والابتداء من قوله : ألا تشركوا به شيئا  كأنه قال  أتل ما حرم ربكم عليكم  فقالوا : أيش الذي حرم علينا ؟ فقال : ألا تشركوا به شيئا . 
والوجه الآخر على الوصل[(٣)](#foonote-٣) بالأول، ولكن على طرح : لا، فيكون كأنه قال : أتل ما حرم ربكم عليكم أن تشركوا به شيئا، وحرف لا : قد \[ يطرح، ويزاد \][(٤)](#foonote-٤) في الكلام. 
وقوله تعالى : وبالوالدين إحسانا  أي برا بهما. فإن قيل : قال تعالى : أتل ما حرم ربكم عليكم  وههنا يأمر بالإحسان إليهما[(٥)](#foonote-٥)، \[ ولم يذكر المحرم، قيل : في الأمر بالإحسان إليهما \][(٦)](#foonote-٦) تحريم ترك الإحسان. فكأنه قال : حرم ترك الإحسان إلى الوالدين، وفرض عليكم برهما والإحسان إليهما. 
ثم فيه أنكم تعرفون بالعقل أن الإحسان إل الوالدين واجب والإساءة إليهما حرام عليكم. ولم يكن منهم إليكم من الإحسان أكثر مما كان من الله إليكم، فكيف تختارون الإساءة إلى الله والإشراك في عبادة غيره، ولا تختارون الإساءة إلى الوالدين، بل تختارون الإحسان إليهم. 
وقوله تعالى : ولا تقتلوا أولادكم من إملاق  إنهم كانوا يقتلون أولادهم خشية الفقر والفاقة، فهو مما حرم عليهم. وهذا يدل على أن الحظر في حال لا يوجب الإباحة في حال أخرى ؛ لأنه قال : ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق  \[ الإسراء : ٣١ \] ليس فيه إباحة القتل إذا لم يكن هنالك خشية الإملاق. ولكن ذكر هذا لأنهم إنما كانوا يقتلون في تلك الحال. ففي ذلك خرج النهي. 
وقوله تعالى : نحن نرزقهم وإياكم  أي على ما نخرج لكم من الزرع والثمار فرزقكم من ذلك. فعلى ذلك نرزق أولادكم مما نخرج من الأرض والثمار، فلا تقتلوهم. فإذا لم تقتلوا أنفسكم خشية الفقر والفاقة كيف تقتلون أولادكم لذلك ؟ فالذي يرزقكم هو الذي يرزق أولادكم. 
وقوله تعالى : ولا تقربوا الفواحش ما ظهر منها وما بطن  يحتمل قوله : ولا تقربوا  أي لا تواقعوها. ويحتمل لا تدنوا منها، ولكن اجعلوا بينكم وبين الفواحش والمحرمات حجابا من الحلال. وهكذا الحق على المسلم ألا يدنو من الحرام، ويجعل بينه وبين ذلك حجابا وسترا من الحلال. 
ثم اختلف في قوله تعالى : ولا تقربوا الفواحش ما ظهر منها وما بطن  قيل : الفواحش الزنى  ما ظهر منها  المخالطة باللسان والمجالسة معهن  وما بطن  فعل الزنى نفسه ؛ كانوا يجتمعون، ويجالسونهن، ولكن لا يجامعونهن بين أيدي الناس. ثم إذا دخلوا بهن زنوا بهن. 
وقيل : كانوا يزنون بالحرائر سرا وبالإماء[(٧)](#foonote-٧) ظاهرا، فحرم ذلك عليهم. 
وقيل : ما ظهر منها  نكاح الأمهات  وما بطن  هو الزنى، وكان نكاح الأمهات، وهو قول ابن عباس وسعيد بن جبير رضي الله عنه. 
وقيل : الفواحش المحرمات جملتها ؛ فما ظهر منها في ما بينهم وبين الخلق  وما بطن  في ما بينهم وبين الله تعالى :
وقيل : ما ظهر منها  ما يكون بالجوارح  وما بطن  ما يكون بالقلب. 
وعن مجاهد \[ أنه \][(٨)](#foonote-٨) قال : ما ظهر منها  الجمع بين الأختين وتزوج الرجل امرأة أبيه  وما بطن  منها : الزنى وما حرم أيضا. 
ويحتمل قوله تعالى : ما ظهر منها  ما يرى غيره، ويبصر  وما بطن  ما يكون بالعين والقلب على ما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال :( العينان تزنيان واليدان تزنيان  وما بطن  يكون زناء العين والقلب ) \[ مسلم ٢١٥٧/٢١ \] لأنه لا يعلمه[(٩)](#foonote-٩) غير الناظر، والله أعلم ؛ يصير كأنه ذكر التحريم في كل حرف من ذلك ؛ أي حرم عليكم \[ الشركة، وحرم عليكم \][(١٠)](#foonote-١٠) ترك الإحسان إلى الوالدين، وحرم قتل الأنفس إلا بالحق ؛ فيصير كأنه ذكر التحريم في كل من ذلك. 
وقوله تعالى : ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق  إذا ارتد يقتل به، وفي القصاص، وفي الزنا إذا كان محصنا. 
وقوله تعالى : ذلكم وصاكم به  ذلك، يعني المحرمات التي ذكر  وصاكم به  اختلف فيه ؛ قيل : وصاكم به  فرض عليكم، وقيل : وصاكم به  أمركم به، وقيل : وصاكم به  أمركم به، وقيل : وصاكم به  بين لكم المحرم. وكله راجع إلى واحد. 
وقوله تعالى : قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم ألا تشركوا به شيئا وبالوالدين إحسانا ولا تقتلوا أولادكم من إملاق نحن نرزقكم وإياهم ولا تقربوا الفواحش ما ظهر منها وما بطن ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق ذلكم وصاكم به لعلكم تعقلون  أنه لم يحرم إلا ما ذكر ههنا[(١١)](#foonote-١١)، ولم يحرم ما[(١٢)](#foonote-١٢) حرمتم أنتم من الأنعام وغيرها. يقول[(١٣)](#foonote-١٣) : قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم ألا تشركوا به شيئا وبالوالدين إحسانا ولا تقتلوا أولادكم من إملاق نحن نرزقكم وإياهم ولا تقربوا الفواحش ما ظهر منها وما بطن ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق ذلكم وصاكم به لعلكم تعقلون  أي لكي تنتفعوا بعقولكم، أو يقول : إن  ذلكم وصاكم به  لتعقلوا ؛ لأن حرف : لعل من الله على الوجوب. أو تعقلون  عن الله بما \[ خاطبكم به، وأمركم }[(١٤)](#foonote-١٤).

١ - في الأصل وم: يقولون..
٢ - الفاء ساقطة من الأصل وم..
٣ - في الأصل وم: الأصل..
٤ - في الأصل وم: تطرح وتزاد..
٥ - في م: إليهم..
٦ - من م، ساقطة من الأصل..
٧ - من من في الأصل: أو بالإماء..
٨ - ساقطة من الأصل وم..
٩ - في الأصل وم: يعلم..
١٠ - ساقطة من الأصل..
١١ - في الأصل وم: ها..
١٢ - من م، في الأصل: وما..
١٣ - في الأصل وم: و..
١٤ - في الأصل وم: خاطبهم به وأمرهم..

### الآية 6:152

> ﻿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّىٰ يَبْلُغَ أَشُدَّهُ ۖ وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ ۖ لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا ۖ وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَىٰ ۖ وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا ۚ ذَٰلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ [6:152]

الآية ١٥٢ وقوله تعالى : ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن  قال أبو بكر الكيساني : ولا تقربوا مال اليتيم  أي لا تأكلوا  مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن  وقال : ثم اختلف في الوجه الذي يحسن ؛ قال بعضهم : هو أن يعمل له، فيأكل من ماله أجرا لعمله. وقال آخرون : يأكله قرضا. وذلك مما اختلفوا فيه، وقال غيرهم : هو أن ينتفع بدوابه، ويستخدم جواريه، ونحو ذلك. وقال \[ غيرهم \][(١)](#foonote-١) : وذلك مما لا يحتمل تأويل الآية. 
وعندنا أن الآية باحتمال هذا أولى لما تقع لهم الضرورة في استخدام مماليكه وركوب دوابه والانتفاع بذلك لما تقع لهم المخالطة بأموال اليتامى كقوله تعالى : وإن تخالطوهم فإخوانكم والله يعلم المفسد من المصلح  فإذا كان لهم المخالطة لا يسلمون من[(٢)](#foonote-٢) الانتفاع بما ذكرنا. 
وقال الحسن : ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن  أي إلا بالوجه الذي جعل له. والوجه الذي جعل له هو أن يكون فقيرا، وهو ممن تفرض نفقته في ماله، فله أن يقرب ماله. وعندهم أن نفقة المحارم تفرض \[ في \][(٣)](#foonote-٣) مال اليتيم إذا كانوا فقراء. فبان أن جعل له التناول في ماله، وإن كان لا تفرض نفقته في ماله. 
**ثم الآية تحتمل وجهين عندنا :**
أحدهما : ألا تقربوا مال اليتيم إلا بالحفظ والتعاهد له ؛ أمر كافل اليتيم أن يحفظ ماله ويتعاهده. 
والثاني :\[ أن \][(٤)](#foonote-٤) يقرب ماله بطلب الزيادة له والنماء. 
ولذلك قال أبو حنيفة رضي الله عنه : إنه[(٥)](#foonote-٥) يجوز لكافل اليتيم إذا كان وصيا أن يقرب ماله بيعا إذا كان ذلك خيرا لليتيم، إن وقع له الفضل، وطلب له الزيادة والنماء  حتى يبلغ أشده . 
وقال أبو بكر : قوله تعالى : حتى يبلغ أشده  أي حتى يبلغ الوقت الذي يتولى أموره كقوله تعالى : فإن آنستم منهم رشدا  الآية \[ النساء : ٦ \]. 
وقال غيره من أهل التأويل : الأشد ثماني عشرة سنة. ويشبه أن يكون الأشد هو / ١٦٥-ب/ الإدراك حتى يدركوا. 
وقوله تعالى : وأوفوا الكيل والميزان بالقسط  يشبه أن يكون قوله : وأوفوا الكيل والميزان  في اليتامى أيضا ؛ أمر أن يوفوا[(٦)](#foonote-٦) لهم الكيل والميزان، ونهاهم ألا يوفوا[(٧)](#foonote-٧) لهم على ما نهاهم عن قربان مالهم  إلا بالتي هي أحسن  وكذلك قوله : وإذا قلتم فاعدلوا  في ذلك القول  ولو كان ذا قربى  منكم. 
وقوله تعالى : وبعهد الله أوفوا  أي بعهد الله الذي عهد إليكم في اليتامى أوفوا بقوله : ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن  وقوله : ولا تأكلوها إسرافا وبدارا  \[ النساء : ٦ \] وغير ذلك أوفوا بما عهد إليكم منهم. 
ويحتمل أن يكون قوله تعالى : وأوفوا الكيل والميزان بالقسط  في اليتامى وفي غيرهم، في كل الناس ؛ وهو لوجهين :
أحدهما : أن في ترك الإيفاء اكتساب الضرر على الناس ومنع حقوقهم، فأمر بإيفاء ذلك كقوله تعالى : ولا تبخسوا الناس أشياءهم  \[ الأعراف : ٨٥ \]. 
والثاني : للربا لأنه يلزم[(٨)](#foonote-٨) مثل كيلا في الذمة، فإذا لم يوف[(٩)](#foonote-٩) حقه، وأعطاه دونه، صار ذلك الفضل له ربا. 
وقوله تعالى : لا نكلف نفسا إلا وسعها  يحتمل هذا وجهين :
أحدهما[(١٠)](#foonote-١٠) : لا نكلف أحدا ما \[ في \][(١١)](#foonote-١١) تكليفنا إياه تلفه \[ وإن كان يجوز له تكليف ما في التكليف تلفه \][(١٢)](#foonote-١٢) كقوله تعالى : ولو أنا كتبنا عليهم أن اقتلوا أنفسكم أو اخرجوا من دياركم  الآية \[ النساء : ٦٦ \] وعلى ما أمر من بني إسرائيل بقتل أنفسهم. 
والثاني : لا نكلف أحدا ما \[ في \][(١٣)](#foonote-١٣) تكليفنا إياه منعه نحو من يؤمر بشيء، لم يجعل له الوصول إلى ذلك أبدا. ويجوز أن يؤمر بأمر، وإن لم يكن له سبب ذلك لأمر بعد أن يجعل له[(١٤)](#foonote-١٤) الوصول إلى ذلك السبب، نحو من يؤمر بالصلاة، وإن لم يكن معه سبب ذلك، وهو الطهارة، ونحو من يؤمر بالحج بقوله : ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه  \[ آل عمران : ٩٧ \] هذا يدل على أن من جعل في وسعه الوصول إلى شيء يجوز أن يكلف ذلك[(١٥)](#foonote-١٥)، ويصير باشتغاله بغيره مضيعا أمره. 
وقوله تعالى : وإذا قلتم فاعدلوا  قال بعض أهل التأويل : هذا في الشهادة كقوله تعالى : يا أيها الذين آمنوا كانوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم أو الوالدين والأقربين  الآية \[ النساء : ١٣٥ \] ويحتمل قوله تعالى : وإذا قلتم فاعدلوا  كل قول. والقول أحق أن تحفظ فيه العدالة من الفعل، لأنه بها[(١٦)](#foonote-١٦) تظهر الحكمة من السفه والحق من الباطل، فهو أولى. 
وقوله تعالى : وبعهد الله أوفوا  أي بعهد الله الذي عهد إليكم في التحليل والتحريم والأمر والنهي وغير ذلك. 
 ذلكم وصاكم به لعلكم تذكرون  ذكر هنا  تذكرون  وفي الآية الأولى  تعقلون  وفي الآية التالية[(١٧)](#foonote-١٧)  تتقون  إذا عقلوا تفكروا، واتعظوا، وعرفوا ما يصلح، وما لا يصلح، وقوله تعالى : تذكرون  أي تتعظون بما وعظكم به، وزجركم عنه، أو : تتقون  مهالككم، وتتقون محارمكم.

١ - ساقطة من الأصل وم..
٢ - في الأصل وم: عن..
٣ - من م، ساقطة من الأصل..
٤ - ساقطة من الأصل وم..
٥ - في الأصل وم: بأنه..
٦ - في الأصل وم: يعرفوا..
٧ - في الأصل وم: يعرفوا..
٨ - في الأصل وم: لزم..
٩ - في الأصل وم: يعرف..
١٠ - في الأصل وم: يحتمل..
١١ - من م، ساقطة من الأصل..
١٢ - من م، ساقطة من الأصل..
١٣ - من م، ساقطة من الأصل..
١٤ - في الأصل وم: لهم..
١٥ - أدرج قبلها في الأصل وم: على..
١٦ - في الأصل وم: به..
١٧ - في الأصل وم: الأخيرة..

### الآية 6:153

> ﻿وَأَنَّ هَٰذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ ۖ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ۚ ذَٰلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ [6:153]

الآية ١٥٣ وقوله تعالى : وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه  يحتمل وجوها : يحتمل : وأن هذا  الذي ذكر في هذه الآيات من أمره ونهيه وتحليله وتحريمه  صراطي مستقيما فاتبعوه  على ما قاله أهل التأويل : إنها آيات محكمات لم ينسخهن شيء في جميع الكتب، وهن محكمات[(١)](#foonote-١) على بني آدم كلهم. 
ويحتمل قوله تعالى : وأن هذا صراطي مستقيما  الذي دعا إليه الرسل من كل شيء هو  صراطي مستقيما  لأن الرسل يدعون إلى ما يدعون بالحجج والبراهين. 
ويحتمل قوله تعالى : وأن هذا صراطي مستقيما  أصل الدين ووحدانية الله وإخلاص الأنفس له على غير إشراك في عبادته وألوهيته، أو أن يكون قوله تعالى  وأن هذا  الذي جاء به محمد صلى الله عليه وسلم هو[(٢)](#foonote-٢) الذي ذكر في القرآن أولا[(٣)](#foonote-٣) ذكر هذا، ولم يشر إلى شيء بعينه. فيحتمل ما ذكرنا. 
وقوله تعالى : ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله  أمر عز وجل باتباع ما ذكر من الصراط المستقيم، ونهى عن اتباع السبل ؛ لأن غيره من الأديان المختلفة والأهواء المتشتتة لا حجة لها[(٤)](#foonote-٤)، ولا برهان، وما ذكر من الصراط المستقيم هو دين بحجة وبرهان لا كغيره[(٥)](#foonote-٥) من الأديان، وإن كان يدعي كل من \[ أصحاب تلك الأديان \][(٦)](#foonote-٦) أن الذي هو عليه دين الله وسبيله  ذلكم وصاكم به لعلكم تتقون  المحرمات والمناهي والمعاصي التي ذكر في هذه، و لعلكم تتقون  السبل والأديان المختلفة. 
وأصله أن السبيل المطلق سبيل الله، والدين المطلق دين الله والكتاب المطلق كتاب الله.

١ - في الأصل وم: محرمات..
٢ - في الأصل: و، في م: أو..
٣ - في الأصل وم: وإلا..
٤ - في م: عليها..
٥ - من م، في الأصل: كغير..
٦ - في الأصل وم: تلك..

### الآية 6:154

> ﻿ثُمَّ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ تَمَامًا عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لَعَلَّهُمْ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ [6:154]

الآية ١٥٤ وقوله تعالى : ثم آتينا موسى الكتاب تماما  اختلف فيه : قال الحسن : قوله تعالى : تماما على الذي أحسن  أي أحسن صحبته، تمت نعمة الله وكرامته عليه في الآخرة. وقيل[(١)](#foonote-١) : تماما على الذي أحسن  يعني على المحسنين والمؤمنين. وعلى \[ الذي أحسن بمعنى للذي \][(٢)](#foonote-٢) آمن. ويجوز على في موضع اللام كقوله تعالى : وما ذبح على النصب  \[ المائدة : ٣ \] أي للنصب. وقتادة قال : فمن أحسن في ما آتاه الله تمت عليه كرامة الله في جنته ورضوانه، ومن لم يحسن في ما آتاه الله \[ ولا عذر له \][(٣)](#foonote-٣) نزع الله ما في يده، ثم أبلاه[(٤)](#foonote-٤). 
وقال أبو بكر الكيساني في قوله تعالى : ثم آتينا موسى الكتاب تماما على الذي أحسن  أي ثم آتيناكم من الحجج والبيان تماما من موسى وكتابه ؛ أي موسى وكتابه مصدق وموافق لما أعطاكم كقوله تعالى : أفمن كان على بينة من ربه ويتلوه شاهد منه ومن قبله كتاب موسى إماما ورحمة  الآية \[ هود : ١٧ \]. 
ويحتمل \[  تماما  تمام ما ذكرنا \][(٥)](#foonote-٥) بالنعمة والكرامة، ويحتمل  تماما  بالحجة والبيان و تماما  بالحكمة والعلم. 
وقوله تعالى : على الذي أحسن  أي للذي أحسن. وفي حرف ابن مسعود رضي الله عنه  تماما على  الذين أحسنوا  وتفصيلا لكل شيء  أي تبيانا لكل شيء  وهدى  من الضلالات والشبهات ونعمة  ورحمة  من العذاب والعقاب  لعلهم بلقاء ربهم يؤمنون  أي وليكونوا  بلقاء ربهم يؤمنون  على التحقيق. 
وعن ابن عباس رضي الله عنه \[ أنه \][(٦)](#foonote-٦) قال : تماما على الذي أحسن تفصيلا  يقول : أتم له الكتاب على أحسنه على الذي بلغ من رسالته وتفصيل كل شيء \[ أي \][(٧)](#foonote-٧) بيان كل شيء  وهدى  أي تبيانا من الضلالة  ورحمة  أي نعمة  لعلهم بلقاء ربهم يؤمنون  أي بالبعث بعد الموت يؤمنون أي ليكونوا بالبعث \[ يؤمنون \][(٨)](#foonote-٨). 
ومنهم من يقول في قوله تعالى : ثم آتينا موسى الكتاب  إنه، وإن أتى بحرف الترتيب فإنه على الإخبار، كأنه قال : ثم قد كنا  آتينا موسى الكتاب تماما  معناه : وقد آتيناه.

١ - الواو ساقطة من الأصل وم..
٢ - في الأصل وم: بمعنى الذي أحسن وللذي..
٣ - أدرجت في الأصل وم بعد: أبلى الله..
٤ - في الأصل وم: أبلى الله..
٥ - في الأصل وم: تمام ما كرنا تماما..
٦ - ساقطة من الأصل وم..
٧ - ساقطة من الأصل وم..
٨ - ساقطة من الأصل وم..

### الآية 6:155

> ﻿وَهَٰذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ [6:155]

الآية ١٥٥ وقوله تعالى : وهذا كتاب أنزلناه  يعني القرآن  أنزلناه مبارك  قال أبو بكر الكيساني : البركة هي التي من تمسك بها أوصلته إلى كل خير، وعصمته من كل شر. وهو المبارك لمن أخذه، واتبعه، وعمل به، فهو مبارك له. سمي هذا القرآن مباركا لما يبارك فيه لمن اتبعه ؛ هو مبارك لمتبعه والعامل به، ومن[(١)](#foonote-١) لم يتبعه فليس هو بمبارك له، بل هو عليه شدة ورجس كقوله تعالى : وإذا ما أنزلت سورة فمنهم من يقول أيكم زادته هذه إيمانا فأما الذين آمنوا فزادتهم إيمانا وهم يستبشرون   وأما الذين في قلوبهم مرض فزادتهم رجسا إلى رجسهم  \[ التوبة : ١٢٤ و ١٢٥ \] فهو ما ذكرنا مبارك لمن اتبعه، وتمسك به. 
وسمي مجيدا وكريما لمن اتبعه يصير مجيدا كريما، وكذلك سمي روحا وحياة لما يحيى به من اتبعه. 
وأصل البركة هو أن ينتفع بشيء على غير تبعة، فهو البركة. وعلى ذلك يخرج قول الناس بعضهم لبعض : بارك الله لك في كذا ؛ أي جعل لك فيه منافع، لا تبعة عليك. فعلى هذا يجيء أن يكون القرآن مباركا بكسر الراء. لكن قيل : مبارك لانتفاع الناس به. 
**والبركة تحتمل وجهين :**
أحدهما : اسم لكل خير يكون أبدا على النماء والزيادة. 
والثاني : اسم لكل منفعة، لا تبعة عليه، ولا مؤنة، والله أعلم. 
وقوله تعالى : فاتبعوا واتقوا لعلكم ترحمون  أي اتبعوا إشاراته، واتقوا نواهيه ومحارمه، ترحموا[(٢)](#foonote-٢).

١ - في الأصل وم: وإلا من..
٢ - في الأصل وم: رحم..

### الآية 6:156

> ﻿أَنْ تَقُولُوا إِنَّمَا أُنْزِلَ الْكِتَابُ عَلَىٰ طَائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنَا وَإِنْ كُنَّا عَنْ دِرَاسَتِهِمْ لَغَافِلِينَ [6:156]

الآية ١٥٦ وقوله تعالى : أن تقولوا إنما أنزل الكتاب على طائفتين من قبلنا  قال أهل التأويل /١٦٦-أ/  أنزل الكتاب على طائفتين  اليهود والنصارى، ومتى أنزل الكتاب على اليهود والنصارى فإنما[(١)](#foonote-١) أنزل[(٢)](#foonote-٢) على المسلمين. لكن المعنى، والله أعلم، إنما أنزل الكتاب على طائفتين ؛ أي إنما ظهر نزول التوراة والإنجيل عند الخلق بطائفتين من قبلنا، سموا يهودا ونصارى، \[ يهود التوراة ونصارى الإنجيل \][(٣)](#foonote-٣) وإلا لم يكن وقت نزول التوراة يهود ونزول الإنجيل نصارى. 
ثم قوله تعالى : أن تقولوا إنما أنزل الكتاب  صلة قوله تعالى : كتاب أنزلناه  لئلا تقولوا : إنما أنزل الكتاب على طائفتين من قبلنا  ولم ينزل علينا. 
ويجوز أن بمعنى لن ؛ أي : لن تقولوا إنما أنزل الكتاب كقوله تعالى : أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم  \[ آل عمران : ٧٣ \] أي لن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم. 
وقوله تعالى : وإن كنا عن دراستهم لغافلين  أي قد كنا عن دراستهم لغافلين. ويجيء أن نكون عن دراستهم لأنها دراسة الكتب. لكن أضيف إليهم أي أولئك القوم.

١ - في الأصل وم: إنما..
٢ - في الأصل وم: التوراة والإنجيل..
٣ - من م، ساقطة من الأصل..

### الآية 6:157

> ﻿أَوْ تَقُولُوا لَوْ أَنَّا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْكِتَابُ لَكُنَّا أَهْدَىٰ مِنْهُمْ ۚ فَقَدْ جَاءَكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ ۚ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَّبَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَصَدَفَ عَنْهَا ۗ سَنَجْزِي الَّذِينَ يَصْدِفُونَ عَنْ آيَاتِنَا سُوءَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُوا يَصْدِفُونَ [6:157]

الآية ١٥٧ \[ وقوله تعالى \][(١)](#foonote-١) : أو تقولوا لو أنا أنزل علينا الكتاب  هو ما ذكرنا : لئلا تقولوا  لو أنا أنزل علينا الكتاب لكنا أهدى منهم فقد جاءكم بينة من ربكم  أنزل الله عز وجل هذا القرآن قطعا لحجاجهم ومنعا لعذرهم، وإن لم يكن لهم الحجاج والعذر. وعلى ذلك يخرج قوله تعالى : لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل  \[ النساء : ١٦٥ \] لا يكون لهم حجة على الله، وإن لم ينزل الرسل والكتب. 
ثم يحتمل عذر هؤلاء \[ واحتجاجهم وجهين :
أحدهما \][(٢)](#foonote-٢) إنما أنزل الكتاب بلسانهم، لم ينزل بلساننا، ونحن لا نعرف لسانهم، وكنا  عن دراستهم لغافلين . ولو كان لهم العذر والاحتجاج[(٣)](#foonote-٣) بهذا لكان للعجم الاحتجاج والعذر في ترك اتباع القرآن لما لم ينزل بلسان العجم، ولم يعرفوا هم لسانهم ؛ أعني لسان العرب. ثم لم يكن للعجم الاحتجاج بذلك لما جعل لهم سبيل الوصول إلى معرفته. فعلى ذلك لا عذر للعرب في ترك اتباع ما في الكتب التي أنزلت بغير لسانهم لما في وسعهم الوصول إلى معرفتها والتعلم منهم والأخذ عنه. وهذا يدل على أن يجوز التكليف بأشياء ليست معهم أسبابها بعد أن جعل لهم سبيل الوصول إلى تلك الأسباب. 
والثاني : في احتجاجهم أن يقولوا : إن اليهود والنصارى قد اختلفت، وتفرقت فرقا، لا اجتماع بينها[(٤)](#foonote-٤) أبدا. فكيف نتبعهم في ذلك ؟ فقال : إن مذاهبهم وكتبهم إنما تفرقت بهم وبقولهم ؛ فقد أنزل من الحجج والبيان ما يعرف ذلك الذي تفرق بهم، فلا حجة لهم في ذلك. وهذا كقوله تعالى : وأقسموا بالله جهد أيمانهم لئن جاءتهم آية ليؤمنن بها  \[ الأنعام : ١٠٩ \] وقد جاءتهم آيات، فلم يؤمنوا. فعلى ذلك قوله تعالى : أو تقولوا لو أنا أنزل علينا الكتاب لكنا أهدى منهم فقد جاءكم بينة من ربكم . 
وفي الآية دلالة على أن المجوس ليسوا من أهل الكتاب لأنهم لو كانوا أهل الكتاب صار أهل الكتاب ثلاث طوائف ؛ وقد أخبر أنه  إنما أنزل الكتاب على طائفتين  وذلك محال. فإن قيل : إنما هذا حكاية عن المشركين ؛ ومعناه، والله أعلم، إني أنزلت عليكم الكتاب لئلا تقولوا : إنما أنزل الكتاب على طائفتين من قبلنا  فلم يقولوا ذلك. ولكن الله قطع بإنزاله الكتاب حجتهم التي علم أنهم كانوا يحتجون بها، لو لم ينزله، وإن لم يكن لهم في ذلك حجة ولا عذر، وهو ما ذكرنا، والله أعلم. 
وقوله تعالى : فقد جاءكم بينة من ربكم  قيل : القرآن، وقيل : محمد صلى الله عليه وسلم  وهدى  هدى من الضلالة وكل شبهة  ورحمة  أي ذلك منه رحمة ونعمة  فمن أظلم ممن كذب بآيات الله  أي لا أحد  أظلم ممن كذب بآيات الله  قيل : بآيات الله  حجج الله، وقيل : دين الله. وقد ذكرناها في غير موضع. وقد ذكرنا أن قوله تعالى : فمن أظلم  حرف استفهام في الظاهر، ولكن ذلك من الله على الإيجاب ؛ كأنه قال : لا أحد أوحش ظلما  ممن كذب بآيات الله وصدق عنها .

١ - ساقطة من الأصل وم..
٢ - ساقطة من الأصل وم..
٣ - الواو ساقطة من الأصل وم..
٤ - في الأصل وم: بينهم..

### الآية 6:158

> ﻿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ ۗ يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا ۗ قُلِ انْتَظِرُوا إِنَّا مُنْتَظِرُونَ [6:158]

الآية ١٥٨ وقوله تعالى : هل ينظرون إلا  كذا[(١)](#foonote-١) قال أهل التأويل : ما ينظرون، \[ وحرف هل : هو حرف استفهام وتعجب، لكن أهل التأويل قالوا : ما ينظرون \][(٢)](#foonote-٢) حملوا على الجواب ؛ لأنه لم يخرج له جواب. فجوابه ما قالوا : ما ينظرون  كما في قوله تعالى : ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا  أي ا أحد أظلم ممن كذب، هو جواب ؛ لأن جوابه لم يخرج. فجوابه ما قالوا : لا أحد أظلم ؛ لأنه سؤال واستفهام، فجوابه ما ذكروا. فعلى ذلك قوله تعالى : هل ينظرون  هو استفهام، ولم يخرج له الجواب، فجوابه : لا ينظرون كقوله تعالى : ما ينظرون إلا صيحة واحدة  \[ يس : ٤٩ \]. 
ثم قوله تعالى : هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة أو يأتي ربك أو يأتي بعض آيات ربك يوم يأتي بعض آيات ربك  هذا، والله أعلم، يشبه أن تكون الآية في المعاندين منهم والمتمردين الذين همتهم العناد والتعنت ؛ خرج على إياس رسول الله صلى الله عليه وسلم حريصا على إيمانهم مشفقا على أنفسهم حتى كادت نفسه تهب حسرات عليهم حرصا على إيمانهم وإشفاقا على أنفسهم كقوله تعالى : فلا تذهب نفسك عليهم حسرات  \[ فاطر : ٨ \] وكقوله تعالى : فلعلك باخع نفسك  الآية \[ الكهف : ٦، والشعراء : ٢ \] ونحوهما[(٣)](#foonote-٣). 
فآيسه الله تعالى من إيمان أولئك الكفرة لئلا يطمع في إيمانهم وإسلامهم بعد ذلك، ولا تذهب نفسه حسرات عليهم، وليتخذهم[(٤)](#foonote-٤) أعداء، ويبغضهم، ويخرج الشفقة التي في قلبه لهم، وليتأهب لعداوتهم، ويتبرأ منهم كما فعل إبراهيم : فلما تبين له أنه عدو لله تبرأ منه  \[ التوبة : ١١٤ \] وكما قال لنوح  أنه لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن فلا تبتئس بما كانوا يفعلون  \[ هود : ٣٦ \] آيسه الله من إيمان قومه إلا من قد آمن، ونهاه أن يحزن عليهم، وعلى فوت إيمانهم. فعلى ذلك هذا آيس رسول الله صلى الله عليه وسلم من إيمانهم، ونهاه أن يحزن عليهم كقوله تعالى : ولا تحزن عليهم  إلا للوقت الذي ذكر أنهم يؤمنون في ذلك الوقت، وهو[(٥)](#foonote-٥) وقت نزول الملائكة وإيتائهم بآياته[(٦)](#foonote-٦)، وهو قوله تعالى : إلا أن تأتيهم الملائكة . 
ثم قال بعضهم : تأتيهم الملائكة  بقبض الأرواح مع اللعن والسخط. فعند ذلك يؤمنون بالله. وقال بعضهم : قوله تعالى : إلا أن تأتيهم الملائكة  يوم القيامة، وهو كقوله تعالى : يوم يرون الملائكة لا بشرى يومئذ للمجرمين ويقولون حجرا محجورا  \[ الفرقان : ٢ \]. 
وقوله تعالى : أو يأتي ربك  على الأمر ؛ كأنه قال : أو يأتي أمر ربك على ما ذكر في سورة النحل  أو يأتي أمر ربك  \[ الآية : ٣٣ \]. ثم الأمر، فيه عذاب الله كقوله تعالى : ولما جاء أمرنا  \[ هود : ٥٨و. . . \] يعني عذابنا، فعلى ذلك في هذا أمر الله عذاب الله. 
والأصل في ما أضيف إلى الله في موضع الوعيد، لا يراد به الذات، ولكن يراد به نقمته وعذابه وعقوبته كقوله تعالى : ويحذركم الله نفسه ؛ \[ آل عمران : ٢٨ و٣٠ \]، لا يريد به \[ ذاته \][(٧)](#foonote-٧)، ولكن يريد نقمته وعذابه كقوله تعالى :{ من كان يرجوا لقاء الله  \[ العنكبوت : ٥ \] لا يريد لقاء ذاته، وكذلك قوله تعالى : وإلى الله المصير  \[ آل عمران : ٢٨و. . \] وقوله تعالى[(٨)](#foonote-٨) : وإلى الله ترجع الأمور  \[ البقرة : ٢١٠ و. . . \] وغيرها من الآيات لا يراد به ذاته، ولكن يراد به عذابه ونقمته. أو نقول : إن كل شيء، يراد به تعظيمه، يضاف إلى الله تعالى، فيراد \[ بإضافة اليوم إلى الله تعالى \][(٩)](#foonote-٩) تعظيم ذلك اليوم أو تعظيم عذابه ونقمته. 
وقوله تعالى : أو يأتي بعض آيات ربك  تحتمل بعض آياته ما قال عز وجل : فلما رأوا بأسنا قالوا آمنا بالله وحده  \[ غافر : ٨٤ \] وكقوله تعالى : فلما رأوه عارضا مستقبل أوديتهم  الآية \[ الأحقاف : ٢٤ \] وكقوله تعالى : سأل سائل بعذاب واقع  \[ المعارج : ١ \] ونحوها[(١٠)](#foonote-١٠) من الآيات ؛ يؤمنون عند معاينتهم العذاب، ولا ينفعهم الإيمان. 
ويحتمل ما قال أهل التأويل : طلوع الشمس من مغربها وخروج الدجال وخروج الدابة. وعلى ذلك روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم \[ أنه \][(١١)](#foonote-١١) قال :( ثلاث إذا خرجن  لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرا  ) \[ مسلم : ١٥٨ \]. 
وقال أبو هريرة رضي الله عنه : إن النبي صلى الله عليه وسلم قال :( بادروا بالأعمال ستا : طلوع الشمس من مغربها والدجال والدخان ودابة الأرض وخويصة أحدكم وأمر العامة ) \[ مسلم ٢٩٤٧/١٢٩ \] وخويصة /١٦٦-ب/ أحدكم : الموت، وأمر العامة : الساعة إذا قامت. 
وعن ابن مسعود رضي الله عنه \[ انه \][(١٢)](#foonote-١٢) قال : التوبة معروضة حتى تطلع الشمس من مغربها. ثم قال : مهما يأت عليكم عام، فالآخر شر. ونحوه من الأخبار. فإن ثبتت فهي المعتمدة. 
وعن عائشة رضي الله عنها \[ أنها \][(١٣)](#foonote-١٣) قالت : إذا خرج أول الآيات طرحت الأقلام، وحبست الحفظة[(١٤)](#foonote-١٤) وشهدت الأجساد على الأعمال. 
وقوله تعالى : لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل  أخبر أن الإيمان، لا ينفع في ذلك الوقت \[ لوجوه :
أحدها : أنه \][(١٥)](#foonote-١٥) ليس بإيمان اختيار في الحقيقة، إنما إيمان دفع العذاب والبأس عن أنفسهم كقوله تعالى : فلما رأوا بأسنا قالوا آمنا بالله وحده  \[ غافر : ٨٤ \] وقوله تعالى : ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه وإنهم لكاذبون  \[ الأنعام : ٢٨ \] أخبر أنهم لو ردوا إلى الدنيا لعادوا إلى تكذيبهم الرسل وكفرهم بالله. فدل أن إيمانهم في ذلك الوقت إيمان دفع العذاب والبأس وإيمان خوف، وهو كإيمان فرعون حين[(١٦)](#foonote-١٦)  أدركه الغرق قال آمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل وأنا من المسلمين  \[ يونس : ٩٠ \] لم ينفعه إيمانه في ذلك \[ الوقت \][(١٧)](#foonote-١٧) لأنه إيمان دفع الهلاك عن نفسه لا إيمان حقيقة باختيار. 
والثاني : أنه في ذلك الوقت وقت نزول العذاب لا يقدر أن يستدل بالشاهد على الغائب ليكون \[ قول المرء \][(١٨)](#foonote-١٨) قولا عن معرفة وعلم، وإنما هو قول يقوله بلسانه لا عن معرفة في قلبه في ذلك الوقت لما ذكرنا، وهو قوله تعالى : وليست التوبة للذين يعملون السيئات حتى إذا حضر أحدهم الموت قال إني تبت الآن  \[ النساء : ١٨ \] لأنه إيمان دفع البأس والعذاب. 
\[ والثالث أنه \][(١٩)](#foonote-١٩) : يبالغ بالاجتهاد حتى يكون إيمانه إيمانا باجتهاد ؛ لذلك كان ما ذكرنا. 
والرابع[(٢٠)](#foonote-٢٠) : أن يكون في طلوع الشمس من مغربها وخروج الدجال ودابة الأرض وما ذكر من البلاء والشدة والعذاب ما يضطرهم إلى الإيمان به، فيكون إيمانهم إيمان اضطرار ولا اختيار. 
ويشبه أن تكون \[ الأحاديث \][(٢١)](#foonote-٢١) التي رويت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه لا تقبل التوبة بعد طلوع الشمس من مغربها وبعد خروج الدال ودابة الأرض ؛ أي لا يثابون على طاعاتهم، وإلا فمن البعيد أن يدعو إلى الإيمان والطاعات. ثم إذا أتوا بها لم تقبل منهم، لكنه يحتمل ما ذكرنا ألا يثابوا[(٢٢)](#foonote-٢٢) على ذلك، ويعاقبوا[(٢٣)](#foonote-٢٣) بما كان منهم من الكفر وكفران النعم ؛ لأن جهة الثواب إفضال وإحسان، وفي الحكمة شرك[(٢٤)](#foonote-٢٤) الإفضال بالثواب في الطاعات، إذا كان من الله عز وجل من النعم ما يكون ذلك شكرا له، والعقاب على الكفر مما توجبه الحكمة. لذلك كان ما ذكرنا. 
ولهذا يخرج قول أبي حنيفة رضي الله عنه حين قال : لا ثواب للجن على طاعاتهم لأن طريق وجوبه الإفضال، ولم يذكر \[ لهم \][(٢٥)](#foonote-٢٥) ذلكن ويعاقبون بما كان منهم من الكفران والأجرام ما ذكرنا من المعنى الذي وصفنا، والله أعلم بذلك. 
وقوله تعالى : لا ينفع نفسا إيمانها  عند معاينة العذاب والبأس والآيات إذا  لم تكن آمنت من قبل . 
وقوله تعالى : أو كسبت في إيمانها خيرا  أي لا ينفع ذا إلا بذا ؛ إذا عملت خيرا، ولم تكن آمنت، لا ينفعها[(٢٦)](#foonote-٢٦) ذلك، \[ ولن نفعها إيمانها \][(٢٧)](#foonote-٢٧) عند معاينة العذاب والآيات إذا لم تكن كسبت قبل ذلك خيرا. 
وقيل : قوله تعالى : لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرا  أي لا ينفع نفسا إيمانها إذا لم تعزم ألا ترتد، ولا ترجع عنه أبدا. وقيل : لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل  أي لا ينفع إيمانها  أو كسبت في  تصديقها التعظيم لله والإجلال. فعند ذلك ينتفع صاحبه، لأنه لا كل تصديق يكون فيه التعظيم لله والإجلال، إذا لم يكن فيه التعظيم له. وقيل : أو كسبت في إيمانها خيرا  أي لم تكن عملت في تصديقها خيرا قبل معاينة الآيات. 
وقوله تعالى : انتظروا إنا منتظرون  هو يخرج على الوعيد ؛ أي انتظروا إحدى هذه الثلاث التي ذكرنا فإنا منتظرون. وهو كقوله : قل تربصوا فإني معكم من المتربصين  \[ الطور : ٣١ \] أي انتظروا العذاب فإنا منتظرون بكم ذلك.

١ - من م، في الأصل: كذابا..
٢ - من م، ساقطة من الأصل..
٣ - في الأصل وم: وحوه..
٤ - الواو ساقطة من الأصل وم..
٥ - أدرج في الأصل قبلها: الذي..
٦ - في الأصل وم: بآياتهم..
٧ - ساقطة من الأصل وم..
٨ - ساقطة من الأصل وم..
٩ - في الأصل وم: به..
١٠ - في الأصل وم: ونحوه..
١١ - ساقطة من الأصل وم..
١٢ - ساقطة من الأصل وم..
١٣ - ساقطة من الأصل وم..
١٤ - في الأصل وم: الخطبة..
١٥ - في الأصل وم: لأنه..
١٦ - في الأصل وم: حيث..
١٧ - ساقطة من الأصل وم..
١٨ - في الأصل وم: قوله..
١٩ - في الأصل وم: أو..
٢٠ - في الأصل وم: أو..
٢١ - ساقطة من الأصل وم..
٢٢ - في الأصل وم: يثابون..
٢٣ - في الأصل وم: ويعاقبون..
٢٤ - في الأصل وم: ترك..
٢٥ - ساقطة من الأصل وم..
٢٦ - في الأصل وم: لا ينفعه..
٢٧ - في الأصل وم: لم ينفعه ذلك..

### الآية 6:159

> ﻿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ ۚ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ [6:159]

الآية ١٥٩ وقوله تعالى : إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا [(١)](#foonote-١) عن عائشة وأبي هريرة رضي الله عنهما قال أحدهما : فيكم في الكفرة، وقال الآخر : في أهل الصلاة، وقيل : هم الحرورية، وقيل : هم اليهود والنصارى. ولكن لا ندري من هم ؟ وليس بنا إلى معرفة من كان حاجة. 
ثم يحتمل وجوها ثلاثة : يحتمل  فرقوا دينهم  حقيقة، لأن \[ أصحاب \][(٢)](#foonote-٢) جميع الأديان عند أنفسهم أنهم يدينون دين الله، لا أحد يقول : إنه يدين بدين غير \[ دين \][(٣)](#foonote-٣) الله. ألا ترى أنهم قالوا : ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى  \[ الزمر : ٣ \] وقالوا[(٤)](#foonote-٤) : هؤلاء شفعاؤنا عند الله  ؟ \[ يونس : ١٨ \] فهم وإن كانوا عند أنفسهم أنهم يدينون دين الله فهم في الحقيقة فارقوا دينهم وليسوا على دين الله. ويحتمل فارقوا دينهم الذي أمروا به، ودعا إليه الرسل والأنبياء، صلوات الله عليهم، فارقوا ذلك الدين. ويحتمل : فارقوا دينهم، الذي دانوا به في عهد الأنبياء والرسل بدين الله، ففارقوا ذلك الدين، والله أعلم، كقوله تعالى : وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به  \[ البقرة : ٨٩ \] وكقوله تعالى : أكفرتم بعد إيمانكم  الآية \[ آل عمران : ١٠٦ \] كانوا مؤمنين به  وكانوا شيعا  أي صاروا فرقا وأحزابا. 
وقوله تعالى : لست منهم في شيء  من الناس من صرف تأويله  لست منهم  أي لست أنت في قتالهم في شيء ؛ كأنه نهاه عن قتالهم في وقت، ثم أذن له بعد ذلك حين[(٥)](#foonote-٥) نسخته آية السيف، وهذا بعيد. ويحتمل  لست منهم في شيء  أي لست من دينهم في شيء ؛ لأن دينهم كان تقليدا لآبائهم، ودينك دين بالحجج والبراهين، فلست منهم أي من دينهم في شيء. ويحتمل  لست منهم في شيء  أي لا تسأل أنت عن دينهم، ولا تحاسب على ذلك كقوله تعالى : ما عليك من حسابهم من شيء  الآية \[ الأنعام : ٥٢ \]. أو يخرج على إياس أولئك الكفرة من عود رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى دينهم كقوله تعالى : اليوم يئس الذين كفروا من دينكم  الآية \[ المائدة : ٣ \]. 
وقوله تعالى : إنما أمرهم إلى الله  يحتمل الحكم[(٦)](#foonote-٦) فيهم إلى الله، ليس إليك، هو الذي يحكم فيهم، أو أن يكون  أمرهم إلى الله  في القتال حتى يأذن لك بالقتال  ثم ينبئهم بما كانوا يفعلون  هو وعيد.

١ - في الأصل وم: فارقوا، وهي قراءة حمزة والكسائي، انظر حجة القراءات ص (٢٧٨)..
٢ - ساقطة من الأصل وم..
٣ - ساقطة من الأصل وم..
٤ - في الأصل وم: و..
٥ - في الأصل وم: حيث..
٦ - أدرج قبلها في الأصل وم: أي..

### الآية 6:160

> ﻿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا ۖ وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَىٰ إِلَّا مِثْلَهَا وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ [6:160]

الآية ١٦٠ وقوله تعالى : من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها ومن جاء بالسيئة فلا يجزى إلا مثلها  \[ فيه وجهان :
أحدهما \][(١)](#foonote-١) : ليس في قوله تعالى : فلا يجزى إلا مثلها  إيجاب الجزاء في السيئة. وفي قوله تعالى : فله عشر  إيجاب الجزاء ؛ لأنه قال : فله كذا، فيه إيجاب الجزاء. \[ وإنما إيجاب الجزاء \][(٢)](#foonote-٢) في السيئة بقوله تعالى : من يعمل سوءا يجز به  \[ النساء : ١٢٣ \] وغيره من الآيات. وقد ذكرنا أن إيجاب الجزاء والثواب في الحسنات والخيرات إفضال وإحسان ؛ لأنه قد سبق من الله تعالى إلى كل أحد من النعم ما يكون منه تلك الخيرات جزاء لما أنعم عليه وشكرا، ولا جزاء للجازي إلا من جهة الإفضال والإكرام. 
وأما جزاء السيئة فمما توجبه الحكمة لما خرج الفعل منه مخرج الكفران لما أنعم عليه، فيستوجب بالكفران العقوبة والجزاء على ذلك. 
والثاني : أنه خرج الفعل منه في الخيرات والحسنات على موافقة خلقته وصورته وتقييمه[(٣)](#foonote-٣) على ما خلقها الله وأنشأها، وبناها، فلم يخرج الفعل به على خلاف ما هو بني عليه، فلم يستوجب به الجزاء. وأما السيئات فهي إخراجها على خلاف خلقتها وتقويمها وصرفها على غير الوجه الذي كانت خلقتها وتقويمها، فاستوجب بذلك العقوبة والجزاء عليها لقوله تعالى : وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون  /١٦٧-أ \[ الذاريات : ٥٦ \]. 
وقوله تعالى : من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها  ليس على التحديد حتى لا يزاد عليه، ولا ينقص منه، إنما خرج، والله أعلم، على التعظيم لذلك والإجلال ؛ لأنه أخبر في النفقة التي تنفق في سبيل الله أنها تزداد، وتنمو، إلى سبع مئة، ولا يجوز أن يكون له في الحسنة التي جاء بها في التوحيد تبلغ إلى ما ذكر، وإذا جاء بنفس ذلك \[ في \][(٤)](#foonote-٤) التوحيد لا تبلغ ذلك. أو تقصر عن ذلك. ولكنها، والله أعلم، على التعظيم له أو على التمثيل كقوله تعالى : وجنة عرضها كعرض السماء والأرض  \[ الحديد : ٢١ \] ذكر هذا لما لا شيء عند الخلق أوسع منهما وكقوله تعالى : تكاد السماوات يتفطرن منه وتنشق الأرض  \[ مريم : ٩٠ \] ومثله غيره على التمثيل خرج لعظيم ما قالوا في الله، ليس أنها تنشق، أو تتفطر. فعلى ذلك الأول أنه يخرج لما ذكرنا لا على التحديد له والوقت. 
ثم قوله تعالى : من جاء بالحسنة فله  كذا  ومن جاء بالسيئة فلا  كذا. ذكر مجيء الحسنة ومجيء السيئة، ولم يقل : من عمل بالحسنة فله كذا، ومن عمل بالسيئة \[ فله كذا \][(٥)](#foonote-٥) ليعلم أن النظر إلى ما ختم به، وقبض عليه ؛ فكأنه قال : من ختم بالحسنة، وقبض عليها، فله كذا ؛ لأنه قد[(٦)](#foonote-٦) يعمل الحسنة، ثم يفسدها، وينقضها بارتكاب ما \[ ينقضها، ويفسدها \][(٧)](#foonote-٧) من الشرك وغيره، وعلى ما روي :( الأعمال بالخواتيم ) \[ البخاري : ٦٤٩٣ و ٦٦٠٧ \]. 
ثم اختلف في قوله تعالى : من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها  قال بعضهم : من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها  بعد التوحيد  ومن جاء بالسيئة  بعد التوحيد  فلا يجزى إلا مثلها . 
وقال بعض أهل التأويل  من جاء بالحسنة  يعني بالتوحيد  فله عشر أمثالها  لكنه ليس على التحديد لما ذكرنا، ولكن على التعظيم والقدر عند الله أو على التمثيل  ومن جاء بالسيئة فلا يجزى إلا مثلها . 
لكن التخليد في النار مثل الشرك ؛ لأن الشرك أعظم السيئات. وفي الآية دلالة أن المثل قد يكو من غير نوعه حين[(٨)](#foonote-٨) اوجب في الحسنة من الثواب عشر أمثالها وفي السيئة مثلها. وليس أحد منها من نوع الأصل والعمل الذي يثاب عليه. وقيل : من جاء بالحسنة  في الآخرة بالتوحيد  فله عشر أمثالها  في الأضعاف  ومن جاء بالسيئة  في الآخرة ؛ يعني الشرك  فلا يجزى إلا مثلها  في العظم. فجزاء الشرك النار ؛ لأن الشرك أعظم الذنوب، والنار أعظم العقوبة، وذلك كقوله تعالى : جزاء وفاقا  \[ النبإ : ٢٦ \]. 
وقوله تعالى : وهم لا يظلمون  جميعا ؛ لا يزاد على المثل، ولا ينقص مما ذكر.

١ - ساقطة من الأصل وم..
٢ - من م، ساقطة من الأصل..
٣ - في الأصل وم: وتقديمه..
٤ - ساقطة من الأصل وم..
٥ - من م، ساقطة من الأصل..
٦ - في الأصل وم: فيه..
٧ - في الأصل وم: ينقضه ويفسده..
٨ - في الأصل وم: حيث..

### الآية 6:161

> ﻿قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَىٰ صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا ۚ وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ [6:161]

الآية ١٦١ وقوله تعالى : قل إنني هداني ربي إلى صراط مستقيم  قال أبو بكر الكيساني : قوله تعالى : هداني  أي دلني  ربي إلى صراط مستقيم  لكن هذا بعيد ؛ لأنه خرج مخرج ذكر ما من عليه بلطفه، وليس في الدلالة والبيان ذلك، إنما عليه البيان. كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدل على الهدى، ويبين لهم طريقه. 
ثم أخبر أنه لا يدل من أحب بقوله تعالى : إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء  \[ القصص : ٥٦ \] دل أن ذلك إكرام من الله تعالى بالهداية والتوفيق له والعصمة بلطفه لا بالدلالة والبيان. وكذلك قوله تعالى : يمنون عليك أن أسلموا قل لا تمنوا على إسلامكم بل الله يمن عليكم أن هداكم للإيمان  الآية \[ الحجرات : ١٧ \] فلو كان على الدلالة والبيان لكان منه ذلك. ثم إن المنة عليهم لله تعالى لا لرسوله. دل انه لما ذكرنا من الهداية نفسها لا الدلالة. 
وقوله تعالى : دينا قيما  قيل : قائما مستقيما، لا عوج فيه كقوله تعالى : ولم يجعل له عوجا   قيما  \[ الكهف : ١ و٢ \] والعوج هو الذي فيه الآفة. فأخبر أن لا آفة فيه، ولا عوج. 
وقوله تعالى : ملة إبراهيم  إن أهل الإيمان جميعا يدعون أن \[ الدين \][(١)](#foonote-١) الذي هم عليه، هو دين إبراهيم، فأخبر أن دين إبراهيم هو الذي، عليه \[ رسول الله صلى الله عليه وسلم \][(٢)](#foonote-٢) لا هم. 
وقوله تعالى : حنيفا  قيل : مسلما. والحنف هو الميل، وهو الحنيف أي مائل إلى دين الله. أخبر أنه يدعو إلى دين الله تعالى وإلى الدين الذي كان عليه آباؤهم وأجداده ؛ أعني به \[ دين \][(٣)](#foonote-٣) الأنبياء والرسل عليهم السلام  وما كان من المشركين  برأه عز وجل من الشرك. وقيل : كان حنيفا خالصا لله مخلصا ؛ لم يشرك أحدا في ربوبيته ولا في عبادته، على فعل أولئك الكفرة. 
وفي حرف ابن مسعود رضي الله عنه وحفصة  قيما  فطرتكم التي فطرتم عليها  ملة إبراهيم حنيفا  ويقرأ قيما بالتشديد، وقيما بالتخفيف[(٤)](#foonote-٤). 
ويخرج قوله تعالى : إنني هداني ربي إلى صراط مستقيم  على الشكر له والحمد على ما أنعم عليه، وأفضل له من الإكرام له بالهداية \[ إلى الطريق \][(٥)](#foonote-٥) المستقيم، ويحتمل[(٦)](#foonote-٦) القائم بالحق والبرهان. وكذلك قوله تعالى : دينا قيما  بالحجج والبراهين، ودين أولئك بهوى أنفسهم. ولذلك قال : حنيفا  وقال[(٧)](#foonote-٧) : قل إنني هداني ربي إلى صراط مستقيم .

١ - ساقطة من الأصل وم..
٢ - من م، ساقطة من الأصل..
٣ - ساقطة من الأصل وم..
٤ - انظر معجم القراءات القرآنية \[٢/٣٣٩\]..
٥ -في الأصل وم: بالطريق..
٦ - الواو ساقطة من الأصل وم..
٧ - في الأصل وم: وقوله..

### الآية 6:162

> ﻿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ [6:162]

الآية ١٦٢ وقوله تعالى : قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين  وقوله تعالى : قل أغير الله أبغي ربا  \[ الأنعام : ١٦٤ \] خطاب الله تعالى بهذه الآيات رسوله صلى الله عليه وسلم والمراد به الخلق كله. فمن بلي بمثل ما كان بلي رسول الله صلى الله عليه وسلم من السؤال والدعاء فله أن يقرأ ؛ أي يذكر ما في الآيات. 
ولو كان المراد بالخطاب بهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم خاصة لكان لا يقول له :\[  قل  \][(١)](#foonote-١) ولكن يقول له : افعل كذا، ولا تفعل كذا. وعلى ذلك الخطاب في الشاهد في خطاب بعض بعضا ألا يقولوا : قل فدل أنه على ما ذكرنا. 
وكذلك قوله تعالى : قل هو الله أحد  \[ الإخلاص : ١ \]. ومن[(٢)](#foonote-٢) استوصف صفات الله فعليه أن يصف له ما في سورة الإخلاص. ورسول الله صلى الله عليه وسلم وغيره من الخلائق سواء في ذلك الخطاب. 
ثم في قوله تعالى : قل إنني هداني ربي  الآية ذكر مننه بما هداه والاستيداء إلى شكر ما أنعم عليه. 
وفي قوله تعالى : قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي  الأمر بإخلاص العبادة لله عز وجل وإسلام النفس له في جميع أحواله : محياه ومماته. 
وفي قوله تعالى : قل أغير الله أبغي ربا  فيه الدعاء إلى وحدانية لله وربوبيته. 
ثم في قوله تعالى : قل إنني هداني ربي  دلالة ردة قول من يستثني في إيمانه ؛ لأنه أمره أن يقول : قل إنني هداني ربي إلى صراط مستقيم  من غير أن أمره بالثنيا. فمن استثنى فيه لا يخلو استثناؤه من أحد معنيين : إما أن يكون لشك فيه وإما[(٣)](#foonote-٣) لكتمان ما أنعم عليه. فعلى كل من أنعم الله عليه أن يظهر ذلك، وأن يشكر له [(٤)](#foonote-٤) على ما أمر رسوله صلى الله عليه وسلم بذلك. 
وقوله تعالى : قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين  يخرج على وجهين :
أحدهما : يخرج على الأمر بالدعاء لنفسه ؛ لأنه قال : قل  أجعل  صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين . 
والثاني : على المنابزة[(٥)](#foonote-٥) مع أولئك الكفرة والفجرة ؛ يقول : أنا أجعل صلاتي وعبادتي ومحياي ومماتي لله، لا أجعل لغيره شركا كما جعلتم أنتم شركاء[(٦)](#foonote-٦) في عبادته وصلاته ونسكه، والله أعلم. 
ثم اختلف في قوله تعالى : صلاتي  قال بعضهم : الصلاة : المفروضة، وقال بعضهم : الصلاة : الخضوع والثناء ؛ يقول : إن خضوعي وثنائي لله. والصلاة، هي الثناء في اللغة. 
وقوله تعالى : ونسكي  اختلف فيه : قال الحسن : ونسكي  ديني كقوله تعالى : ولكل أمة جعلنا منسكا  \[ الحج : ٣٤ \] أي دينا. وقيل :{ ونسكي وذبيحتي لله في الحج والعمرة وغيرهما[(٧)](#foonote-٧) وقيل : ونسكي  وعبادتي. والنسك اسم كل عبادة. وعلى ذلك يسمى[(٨)](#foonote-٨) كل عابد ناسكا/١٦٧-ب/. 
وقوله تعالى : ومحياي ومماتي لله رب العالمين  أي أنا حي وميت لله، لا أشرك أحدا في عبادتي \[ ونسكي. بل كلي لله، لا شريك له \][(٩)](#foonote-٩) في ذلك. ويحتمل أن يكون هذا على التقديم والتأخير ؛ كأنه قال : إني أمرت أن أجعل صلاتي ونسكي لله، أو إني أمرت أن أدعوا، وأسأل الله أن يجعل صلاتي ونسكي وعبادتي له، لا أشرك غيره فيه.

١ - من م، ساقطة من الأصل..
٢ - الواو ساقطة من الأصل وم..
٣ - في الأصل وم: أو..
٤ - من م، في الأصل: لا..
٥ - في م: بالدال المنقوطة..
٦ - من م، في الأصل: شركا..
٧ - في الأصل وم: وغيره..
٨ - أدرج قبلها في الأصل وم: قوله..
٩ - في الأصل وم: ونفسي بل كلمه الله لا شريك له..

### الآية 6:163

> ﻿لَا شَرِيكَ لَهُ ۖ وَبِذَٰلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ [6:163]

الآية ١٦٣ وقوله تعالى : وأنا أول المسلمين  يحتمل قوله تعالى : وأنا أول المسلمين  أي وأنا أول من خضع، وأسلم بالذي أمرت :\[ أمرت \][(١)](#foonote-١) أن أبلغ ؛ لأنه أمر بتبليغ ما أنزل إليه، فيقول : أنا أول من أسلم بالذي أمرت بالتبليغ. 
ويحتمل أن يكون لا على توقيت الإسلام ولكن على سرعة الإجابة والطاعة له كقوله تعالى : وما نريهن من آية إلا هي أكبر من أختها  \[ الزخرف : ٤٨ \] هو على الوصف بغاية العظم ليس على أن بعضها[(٢)](#foonote-٢) أكبر وأعظم، وبعضها أصغر، ولكن كلها أعظم وأكبر. 
فعلى ذلك هذا ليس على وقت الإسلام ولكن لسرعة الإجابة والطاعة له، \[ والإسلام، والله أعلم \][(٣)](#foonote-٣)، هو جعل النفس وكلية الأشياء لله سالمة. أي أنا أول من جعل نفسه لله سالمة.

١ - ساقطة من الأصل وم..
٢ - من م، في الأصل: بعظها..
٣ - في الأصل وم: والله أعلم الإسلام..

### الآية 6:164

> ﻿قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبًّا وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ ۚ وَلَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْهَا ۚ وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ ۚ ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ [6:164]

الآية ١٦٤ وقوله تعالى : قل أغير الله أبغي ربا وهو رب كل شيء  يحتمل هذا وجهين : يحتمل : قل أغير الله أبغي ربا  وأنتم[(١)](#foonote-١) تعلمون أن لا رب سواه، ويحتمل : قل أغير الله أبغي ربا  سواه، وفي كل أحد أثر ربوبيته وألوهيته قائم ظاهرة، وفي ما تدعونني إليه أحد آثار العبودية والربوبية لله فيه، فكيف اتخذ ربا سواه ؟ 
وقوله تعالى : ولا تكسب كل نفس إلا عليها  يحتمل وجهين : يحتمل : ولا تكسب كل نفس  من سوء  إلا عليها  لا يتحمل ذلك غيره عنه في الآخرة. وكذلك قوله تعالى : ولا تزر وازرة وزرة أخرى  وكقوله تعالى : فإنما عليه ما حمل وعليكم ما حملتم  \[ النور : ٥٤ \] ويحتمل أن يكون قوله تعالى : ولا تكسب كل نفس إلا عليها  أي لا تكسب كل نفس، لو تركت وما تختار إلا عليها. لكن الله بفضله يمنع \[ بعض ما \][(٢)](#foonote-٢) تختار على نفسها كقول يوسف عليه السلام : إن النفس لأمارة بالسوء إلا ما رحم ربي إن ربي  \[ يوسف : ٥٣ \] أخبر أنها كاسبة إلا ما عصمها ربي. 
وجائز أن يكون على الإضمار ؛ كأنه يقول : ولا تكسب كل نفس إلا عليها  ولها. ومثله جائز في القرآن كقوله تعالى : ليكون للعالمين نذيرا  \[ الفرقان : ١ \] وهو نذير لقوم، بشير لقوم آخرين ؛ نذير في حال، وبشير في حال. 
وقوله تعالى : ثم إلى ربكم مرجعكم فينبئكم بما كنتم فيه تختلفون  هو على الوعيد. 
وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان إذا كبر للصلاة أتبع التكبير بهذه الآية : إن صلاتي ونسكي  إلى أخره. 
وعن علي رضي الله عنه \[ أنه \][(٣)](#foonote-٣) قال ( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا افتتح الصلاة كبر، ثم قال : إني وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفا وما أنا من المشركين  \[ الأنعام : ٧٩ \]  إن صلاتي ونسكي  إلى قوله تعالى : وأنا أول المسلمين  \[ الأنعام : ١٦١ و ١٦٢ \]. \[ أبو داوود ٢٧٩٥ \] وذكر أنه كان يدعو دعاء طويلا. 
وروي عن عائشة وأبي سعيد الخدري رضي الله عنها أنهما قالا :( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا افتتح الصلاة رفع يديه حذاء منكبيه، ثم يقول : سبحانك اللهم، وبحمدك، وتبارك اسمك، وتعالى جدك، ولا إله غيرك ) \[ أبو داوود ٧٧٦ \]. 
فكان أبو حنيفة، رحمه الله، يختار من ذلك هذا في الفرائض. 
وكذا روي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه \[ إذا \][(٤)](#foonote-٤) قام إلى الصلاة كبر[(٥)](#foonote-٥)، ثم قال : سبحانك اللهم، وبحمدك، وتبارك اسمك، وتعالى جدك، ولا إله غيرك. 
وكان أبو يوسف يستحب أن يقول بهذه الكلمات. والكلمات التي رواها علي ابن أبي طالب رضي الله عنه من غير إيجاب لذلك ولا حظر لما سواه. 
وكان أبو حنيفة، رحمه الله، لا يستحب أن يزيد في الفرائض على ما روي عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وما روت عائشة رضي الله عنها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وما روي عن عمر وعبد الله صلى الله عليه وسلم، وأما في النوافل فله أن يزيد ما شاء فيها من الثناء والدعوات، فيحتمل أن يكون ما رواه علي بن أبي طالب رضي الله عنه من فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم كان ذلك في النوافل.

١ - في الأصل وم: وقد..
٢ - في الأصل وم: بعضها وما..
٣ - ساقطة من الأصل وم..
٤ - ساقطة من الأصل وم..
٥ - في الأصل وم: فكبر..

### الآية 6:165

> ﻿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ الْأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ ۗ إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ [6:165]

الآية ١٦٥ وقوله تعالى : وهو الذي جعلكم خلائف الأرض  اختلف فيه : قال بعضهم : جعلكم خلائف الأرض  يعني أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ليحذروا تكذيبه والخلاف له، ويرغبوا في تصديقه والموافقة له والطاعة ليكون لهم بمن تقدمهم عبرة في التحذير والترغيب، ويكون لهم بمن تقدمهم قدوة وعبرة ليعرفوا صحبة رسول الله صلى الله عليه وسلم أن كيف يجب أن يصحبوه، ويعاملوه من الإحسان إليه والتعظيم له والتصديق، ويجتنبوا الإساءة إليه والتكذيب. 
وقال بعضهم : قوله تعالى : جعلكم خلائف الأرض  يعني البشر كلهم ؛ جعل بعضهم خلائف بعض في الوجود وفي الأحوال في الحياة والموت والغنى والفقر والصحة والسقم وفي العز والذل وفي كل شيء وفي الصغر والكبر ليكون لهم في ذلك عبرا ودليلا على معرفة منشئهم وخالقهم ؛ لأنه لو أنشاهم جميعا معا لم يعرفوا أحوال أنفسهم وتغيرهم من حال \[ إلى حال \][(١)](#foonote-١). ولكن أنشأهم واحدا بعد واحد وقرنا بعد قرن ليعرفوا أحوال أنفسهم وانتقالهم من حال إلى حال ليعرفوا أن منشئهم واحد، ولأنهم لو كانوا جميعا معا لم يعرفوا مبادئ أحوالهم من حال نطفة ثم من علقة ثم من مضغة ثم من حال الصغر إلى حال الكبر. وكذلك هذا في جميع الأحوال من الغنى والفقر والصحة والسقم. ولو \[ كانوا كلهم \][(٢)](#foonote-٢) على حالة واحدة لم يعرفوا ذلك. لكن جعل بعضهم خلائف بعض ليدلهم على ما ذكرنا. 
ويحتمل ما قال ابن عباس رضي الله عنه إنهم صاروا خلف الجان. 
\[ وبعد \][(٣)](#foonote-٣) فالأول يكون في بيان صحبة رسول الله صلى الله عليه وسلم، والثاني في بيان وحدانية الرب عز وجل. 
وقوله تعالى : ورفع بعضكم فوق بعض درجات  يحتمل هذا في الأحوال، ويحتمل في الخلقة ؛ جعل لبعض فضائل ودرجات على بعض، وجعل بعضا فوق بعض بدرجات في الدنيا ليكتسبوا لأنفسهم في الآخرة الدرجات والفضائل على ما رغبوا في الدنيا في فضائل الخلقة ودرجات بعض فوق بعض، ونفروا عن الدون من ذلك، ليرغبهم ذلك في اكتساب الدرجات في الآخرة، وينفرهم عن اكتساب ما ينفرون عنه في الدنيا. 
وقوله تعالى : ليبلوكم في ما آتاكم  يحتمل  ليبلوكم في ما آتاكم  من الأحوال المختلفة من الفقر والغنى والسقم والصحة والصغر والكبر وغير ذلك من الأحوال. ويحتمل  في ما آتاكم  من النعم أي ليبلوكم بالشكر على ما آتاكم من النعم. 
وقوله تعالى : إن ربك سريع العقاب  قال بعضهم : هو إخبار عن سرعة إتيان العذاب ؛ لأن كل آت قريب، كأن قد جاء، وكقوله تعالى : أتى أمر الله  \[ النحل : ١ \] \[ وكقوله تعالى \][(٤)](#foonote-٤) : اقترب للناس حسابهم  \[ الأنبياء : ١ \] وكقوله تعالى \][(٥)](#foonote-٥) : اقتربت الساعة  \[ القمر : ١ \] ونحوه أنه إذا كان أتى، لا محالة، جعل كأن قد جاء. 
وقال بعضهم : ذلك إنباء عن شدة عذابه لمن عصاه. 
وقوله تعالى : ورفع بعضكم فوق بعض درجات ليبلوكم في ما آتاكم  قيل : يبتلي الموسر في حال الغنى والصحيح في حال صحته، /١٦٨-أ/ ويبتلي الفقير في حال فقره والمريض في حال مرضه. 
والابتلاء من الله تعالى على وجهين : إما أمر[(٦)](#foonote-٦) بالشكر على ما أنعم \[ وإما صبر \][(٧)](#foonote-٧) على ما ابتلاه بالشدائد، والابتلاء منه هو ما بين السبيلين جميعا سبيل الحق وسبيل الباطل، وبين أن كل سبيل إلى ماذا أفضاه لو سلكه ؛ لو سلك سبيل الحق أفضاه إلى النعم الباقية والسرور الدائم، وإن سلك سبيل الباطل أفضاه إلى عذاب شديد وحزن دائم. ثم خيره بين هذين. فهو معنى الابتلاء. 
وقوله تعالى : وإنه لغفور رحيم  للمؤمنين. وقد ذكرنا. \[ والحمد لله رب العالمين \][(٨)](#foonote-٨).

١ - من م: ساقطة من الأصل..
٢ - في الأصل وم: كان كله..
٣ - ساقطة من الأصل وم..
٤ - في الأصل وم: و..
٥ - في الأصل وم: و..
٦ - في الأصل وم: أمرا..
٧ - في الأصل وم: أو صبرا..
٨ - ساقطة من م..

## روابط ذات صلة

- [النص القرآني للسورة](https://quranpedia.net/surah/1/6.md)
- [كل تفاسير سورة الأنعام
](https://quranpedia.net/surah-tafsir/6.md)
- [ترجمات سورة الأنعام
](https://quranpedia.net/translations/6.md)
- [صفحة الكتاب: تأويلات أهل السنة](https://quranpedia.net/book/468.md)
- [المؤلف: أبو منصور المَاتُرِيدي](https://quranpedia.net/person/4180.md)

---

زُر [Quranpedia.net](https://quranpedia.net/surah/1/6/book/468) — موسوعة القرآن الكريم: التفاسير، الترجمات، التلاوات، والمواضيع.
