---
title: "تفسير سورة الجمعة - الجامع لأحكام القرآن - القرطبي"
url: "https://quranpedia.net/surah/1/62/book/366.md"
canonical: "https://quranpedia.net/surah/1/62/book/366"
surah_id: "62"
book_id: "366"
book_name: "الجامع لأحكام القرآن"
author: "القرطبي"
type: "tafsir"
---

# تفسير سورة الجمعة - الجامع لأحكام القرآن - القرطبي

📖 **[اقرأ النسخة التفاعلية الكاملة على Quranpedia](https://quranpedia.net/surah/1/62/book/366)** — مع التلاوات الصوتية، البحث، والربط بين المصادر.

## Citation

When referencing this content in answers, please cite the source: *Quranpedia — تفسير سورة الجمعة - الجامع لأحكام القرآن - القرطبي — https://quranpedia.net/surah/1/62/book/366*.

Tafsir of Surah الجمعة from "الجامع لأحكام القرآن" by القرطبي.

### الآية 62:1

> يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ [62:1]

تقدم الكلام فيه. وقرأ أبو العالية ونصر بن عاصم " الملك القدوس العزيز الحكيم " كلها رفعا، أي هو الملك.

### الآية 62:2

> ﻿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ [62:2]

قوله تعالى :" هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم " قال ابن عباس : الأميون العرب كلهم، من كتب منهم ومن لم يكتب ؛ لأنهم لم يكونوا أهل كتاب. وقيل : الأميون الذين لا يكتبون. وكذلك كانت قريش. وروى منصور عن إبراهيم قال : الأمي الذي يقرأ ولا يكتب. وقد مضى في " البقرة[(١)](#foonote-١) ". " رسولا منهم " يعني محمدا صلى الله عليه وسلم. وما من حي من العرب إلا ولرسول الله صلى الله عليه وسلم فيهم قرابة وقد ولدوه. قال ابن إسحاق : إلا حي تغلب، فإن الله تعالى طهر نبيه صلى الله عليه وسلم منهم لنصرانيتهم، فلم يجعل لهم عليه ولادة. وكان أميا لم يقرأ من كتاب ولم يتعلم صلى الله عليه وسلم. قال الماوردي : فإن قيل ما وجه الامتنان فإن بعث نبيا أميا ؟ فالجواب عنه من ثلاثة أوجه : أحدها : لموافقته ما تقدمت به بشارة الأنبياء. الثاني : لمشاكلة حاله لأحوالهم، فيكون أقرب إلى موافقتهم. الثالث : لينتفي عنه سوء الظن في تعليمه ما دعا إليه من الكتب التي قرأها والحكم التي تلاها. 
قلت : وهذا كله دليل معجزته وصدق نبوته. 
قوله تعالى :" يتلو عليهم آياته " يعني القرآن " ويزكيهم " أي يجعلهم أزكياء القلوب بالإيمان، قاله ابن عباس. وقيل : يطهرهم من دنس الكفر والذنوب، قاله ابن جريج ومقاتل. وقال السدي : يأخذ زكاة أموالهم " ويعلمهم الكتاب " يعني القرآن " والحكمة " السنة، قاله الحسن. وقال ابن عباس :" الكتاب " الخط بالقلم ؛ لأن الخط فشا في العرب بالشرع لما أمروا بتقييده بالخط. وقال مالك بن أنس :" الحكمة " الفقه في الدين. وقد مضى القول في هذا في " البقرة ". " وإن كانوا من قبل " أي من قبله وقبل أن يرسل إليهم. " لفي ضلال مبين " أي في ذهاب عن الحق.

١ راجع جـ ٢ ص ٥ وص ١٣٦..

### الآية 62:3

> ﻿وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ ۚ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ [62:3]

قوله تعالى :" وآخرين منهم " هو عطف على " الأميين " أي بعث في الأميين وبعث في آخرين منهم. ويجوز أن يكون منصوبا بالعطف على الهاء والميم في " يعلمهم ويزكيهم "، أي يعلمهم ويعلم آخرين من المؤمنين ؛ لأن التعليم إذا تناسق إلى آخر الزمان كان كله مسندا إلى أوله فكأنه هو الذي تولى كل ما وجد منه. " لما يلحقوا بهم وهو العزيز الحكيم " أي لم يكونوا في زمانهم وسيجيؤون بعدهم. قال ابن عمر وسعيد بن جبير : هم العجم. وفي صحيح البخاري ومسلم عن أبي هريرة قال : كنا جلوسا عند النبي صلى الله عليه وسلم إذ نزلت عليه سورة " الجمعة " فلما قرأ " وآخرين منهم لما يلحقوا بهم " قال رجل : من هؤلاء يا رسول الله ؟ فلم يراجعه النبي صلى الله عليه وسلم حتى سأله مرة أو مرتين أو ثلاثا. قال وفينا سلمان الفارسي. قال : فوضع النبي صلى الله عليه وسلم يده على سلمان ثم قال :( لو كان الإيمان عند الثريا لناله رجال من هؤلاء ). في رواية ( لو كان الدين عند الثريا لذهب به رجل من فارس - أو قال - من أبناء فارس حتى يتناوله لفظ مسلم. وقال عكرمة : هم التابعون. مجاهد : هم الناس كلهم، يعني من بعد العرب الذين بعث فيهم محمد صلى الله عليه وسلم. وقاله ابن زيد ومقاتل بن حيان. قالا : هم من دخل في الإسلام بعد النبي صلى الله عليه وسلم إلى يوم القيامة. وروى سهل بن سعد الساعدي : أن النبي صل الله عليه وسلم قال :( إن في أصلاب أمتي رجالا ونساء يدخلون الجنة بغير حساب - ثم تلا - " وآخرين منهم لما يلحقوا بهم ". والقول الأول أثبت. وقد روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :( رأيتني أسقي غنما سودا ثم اتبعتها غنما عفرا أولها يا أبا بكر ) فقال : يا رسول الله، أما السود فالعرب، وأما العفر فالعجم تتبعك بعد العرب. فقال النبي صلى الله عليه وسلم :( كذا أولها الملك ) يعني جبريل عليه السلام. رواه ابن أبي ليلى عن رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، وهو علي بن أبي طالب رضي الله عنه.

### الآية 62:4

> ﻿ذَٰلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ ۚ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ [62:4]

قال ابن عباس : حيث ألحق العجم بقريش. يعني الإسلام، فضل الله يؤتيه من يشاء، قاله الكلبي. وقيل : يعني الوحي والنبوة، قاله مقاتل. وقول رابع : إنه المال ينفق في الطاعة، وهو معنى قول أبي صالح. وقد روى مسلم عن أبي صالح عن أبي هريرة أن فقراء المهاجرين أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا : ذهب أهل الدثور بالدرجات العلا والنعيم المقيم. فقال :( وما ذاك ) ؟ قالوا : يصلون كما نصلي ويصومون كما نصوم ويتصدقون ولا نتصدق ويعتقون ولا نعتق. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :( أفلا أعلمكم شيئا تدركون به من سبقكم وتسبقون به من بعدكم ولا يكون أحد أفضل منكم إلا من صنع مثل ما صنعتم ) قالوا : بلى يا رسول الله، قال :( تسبحون وتكبرون وتحمدون دبر كل صلاة ثلاثا وثلاثين مرة ). قال أبو صالح : فرجع فقراء المهاجرين إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا : سمع إخواننا أهل الأموال بما فلعنا ففعلوا مثله. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :( ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء ). وقول خامس : أنه انقياد الناس إلى تصديق النبي صلى الله عليه وسلم ودخولهم في دينه ونصرته. والله أعلم.

### الآية 62:5

> ﻿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا ۚ بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ ۚ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ [62:5]

ضرب مثلا لليهود لما تركوا العمل بالتوراة ولم يؤمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم. " حملوا التوراة " أي كلفوا العمل بها، عن ابن عباس. وقال الجرجاني : هو من الحمالة بمعنى الكفالة، أي ضمنوا أحكام التوراة. " كمثل الحمار يحمل أسفارا " هي جمع سفر، وهو الكتاب الكبير ؛ لأنه يسفر عن المعنى إذا قرئ. قال ميمون بن مهران : الحمار لا يدري أسِفْرٌ على ظهره أم زبِيل[(١)](#foonote-١) ؛ فهكذا اليهود. وفي هذا تنبيه من الله تعالى لمن حمل الكتاب أن يتعلم معانيه ويعلم ما فيه ؛ لئلا يلحقه من الذم ما لحق هؤلاء. وقال الشاعر[(٢)](#foonote-٢) :
زواملُ للأسفار لا علمَ عندهم \*\*\* بجيّدها إلا كعلمِ الأبَاعِرِ
لعمرك ما يدري البعير إذا غدا \*\*\* بأوساقه[(٣)](#foonote-٣) أوراح ما في الغرائر[(٤)](#foonote-٤)
وقال يحيى بن يمان : يكتب أحدهم الحديث ولا يتفهم ولا يتدبر، فإذا سئل أحدهم عن مسألة جلس كأنه مكاتب. وقال الشاعر :
إن الرواة على جهل بما حملوا \*\*\* مثلُ الجمال عليها يحمل الوَدَعُ
لا الوَدْع ينفعه حمل الجمال له \*\*\* ولا الجمال بحمل الوَدْعِ تنتفع
وقال منذر بن سعيد البلوطي رحمه الله فأحسن :
انعِق بما شئت تجد أنصارا \*\*\* وزُمّ أسفارا تجد حمارا
يحمل ما وضعت من أسفار \*\*\* يحمله كمثل الحمار
يحمل أسفارا له وما درى \*\*\* إن كان ما فيها صوابا وخطا[(٥)](#foonote-٥)
إن سئلوا قالوا كذا روينا \*\*\* ما إن كذبنا ولا اعتدينا
كبيرهم يصغر عند الحَفْلِ \*\*\* لأنه قلد[(٦)](#foonote-٦) أهل الجهل
 " ثم لم يحملوها " أي لم يعملوا بها. شبههم - والتوراة في أيديهم وهم لا يعملون بها - بالحمار يحمل كتبا وليس له إلا ثقل الحمل من غير فائدة. و " يحمل " في موضع نصب على الحال، أي حاملا. ويجوز أن يكون في موضع جر على الوصف ؛ لأن الحمار كاللئيم. قال :
ولقد أمر على اللئيم يسبني[(٧)](#foonote-٧)
 " بئس مثل القوم " المثل الذي ضربناه لهم، فحذف المضاف. " والله لا يهدي القوم الظالمين " أي من سبق في علمه أنه يكون كافرا.

١ في ح، ز، س، هـ: "أم زبل"..
٢ هو مروان بن سليمان بن يحيى بن أبي حفصة، يهجو قوما من رواة الشعر..
٣ الوسق (بفتح الواو وسكون السين): حمل البعير..
٤ الغرائر: جمع الغرارة (بالكسر) الجوالق..
٥ كذا في الأصول، مع هذه الزيادة التي يستقيم بها الوزن. ويحتمل أن يكون صوابه:
 \*أكان ما فيها جمانا أو برى\*
 والجمان (بالضم): اللؤلؤ. والبرى: التراب..
٦ في نسخة: "قدر"..
٧ وتمامه: \*فمضيت ثمت قلت لا يعنيني\*.

### الآية 62:6

> ﻿قُلْ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ هَادُوا إِنْ زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِيَاءُ لِلَّهِ مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ [62:6]

لما ادعت اليهود الفضيلة وقالوا :" نحن أبناء الله وأحباؤه " \[ المائدة : ١٨ \] قال الله تعالى :" إن زعمتم أنكم أولياء لله من دون الناس " فللأولياء عند الله الكرامة. " فتمنوا الموت إن كنتم صادقين " لتصيروا إلى ما يصير إليه أولياء الله.

### الآية 62:7

> ﻿وَلَا يَتَمَنَّوْنَهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ۚ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ [62:7]

" ولا يتمنونه أبدا بما قدمت أيديهم " أي أسلفوه من تكذيب محمد صلى الله عليه وسلم، فلو تمنوه لماتوا، فكان في ذلك بطلان قولهم وما ادعوه من الولاية. وفي حديث أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لما نزلت هذه الآية :( والذي نفس محمد بيده لو تمنوا الموت ما بقي على ظهرها يهودي إلا مات ). وفي هذا إخبار عن الغيب، ومعجزة للنبي صلى الله عليه وسلم. وقد مضى معنى هذه الآية في " البقرة " في قوله تعالى - :" قل إن كانت لكم الدار الآخرة عند الله خالصة من دون الناس فتمنوا الموت إن كنتم صادقين[(١)](#foonote-١) " \[ البقرة : ٩٤ \].

١ راجع جـ ٢ ص ٣٣..

### الآية 62:8

> ﻿قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُمْ ۖ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَىٰ عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ [62:8]

قال الزجاج : لا يقال : إن زيدا فمنطلق، وها هنا قال :" فإنه ملاقيكم[(١)](#foonote-١) " لما في معنى " الذي " من الشرط والجزاء، أي إن فررتم منه فإنه ملاقيكم، ويكون مبالغة في الدلالة على أنه لا ينفع الفرار منه. قال زهير :

ومن هاب أسباب المنايا يَنَلْنَه  ولو رام أسباب السماء بسُلَّمِقلت : ويجوز أن يتم الكلام عند قوله :" الذي تفرون منه " ثم يبتدئ " فإنه ملاقيكم ". وقال طرفة :وكفى بالموت فاعلم واعظا  لمن الموت عليه قد قُدِرْفاذكر الموت وحاذر ذكره  إن في الموت لذي اللب عِبَرْكل شيء سوف يلقى حتفه  في مقام أو على ظهر سَفَرْوالمنايا حوله ترصده  ليس ينجيه من الموت الحَذَرْ١ ما بين المربعين ساقط من ح، س..

### الآية 62:9

> ﻿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَىٰ ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ۚ ذَٰلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ [62:9]

**فيه ثلاث عشرة مسألة :**
الأولى- قوله تعالى :" يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة " قرأ عبدالله بن الزبير والأعمش وغيرهما " الجمعة " بإسكان الميم على التخفيف. وهما لغتان. وجمعهما جمع وجمعات. قال الفراء : يقال الجمعة ( بسكون الميم ) والجمعة ( بضم الميم ) والجمعة ( بفتح الميم ) فيكون صفة اليوم، أي تجمع الناس. كما يقال : ضحكة للذي يضحك. وقال ابن عباس : نزل القرآن بالتثقيل والتفخيم فاقرؤوها جمعة، يعني بضم الميم. وقال الفراء وأبو عبيد : والتخفيف أقيس وأحسن، نحو غرفة وغرف، وطرفة وطرف، وحجرة وحجر. وفتح الميم لغة بني عقيل. وقيل : إنها لغة النبي صلى الله عليه وسلم. وعن سلمان أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :( إنما سميت جمعة لأن الله جمع فيها خلق آدم ). وقيل : لأن الله تعالى فرغ فيها من خلق كل شيء فاجتمعت فيها المخلوقات. وقيل : لتجتمع الجماعات فيها. وقيل : لاجتماع الناس فيها للصلاة. و " من " بمعنى " في "، أي في يوم، كقوله تعالى :" أروني ماذا خلقوا من الأرض[(١)](#foonote-١) " \[ فاطر : ٤٠ \] أي في الأرض. 
الثانية- قال أبو سلمة : أول من قال :" أما بعد " كعب بن لؤي، وكان أول من سمى الجمعة جمعة. وكان يقال ليوم الجمعة : العروبة. وقيل : أول من سماها جمعة الأنصار. قال ابن سيرين : جمع أهل المدينة من قبل أن يقدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة، وقبل أن تنزل الجمعة، وهم الذين سموها الجمعة، وذلك أنهم قالوا : إن لليهود يوما يجتمعون فيه، في كل سبعة أيام يوم وهو السبت. وللنصارى يوم مثل ذلك وهو الأحد فتعالوا فلنجتمع حتى نجعل يوما لنا نذكر الله ونصلي فيه - ونستذكر - أو كما قالوا - فقالوا : يوم السبت لليهود، ويوم الأحد للنصارى، فاجعلوه يوم العروبة. فاجتمعوا إلى أسعد بن زرارة ( أبو أمامة رضي الله عنه ) فصلى بهم يومئذ ركعتين وذكرهم، فسموه يوم الجمعة حين اجتمعوا. فذبح لهم أسعد شاة فتعشوا وتغدوا منها لقلتهم. فهذه أول جمعه في الإسلام. 
قلت : وروي أنهم كانوا اثني عشر رجلا على ما يأتي. وجاء في هذه الرواية : أن الذي جمع بهم وصلى أسعد بن زرارة، وكذا في حديث عبدالرحمن بن كعب بن مالك عن أبيه كعب على ما يأتي. وقال البيهقي : وروينا عن موسى بن عقبة عن ابن شهاب الزهري أن مصعب بن عمير كان أول من جمع الجمعة بالمدينة للمسلمين قبل أن يقدمها رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال البيهقي : يحتمل أن يكون مصعب جمع بهم بمعونة أسعد بن زرارة فأضافه كعب إليه. والله أعلم. 
وأما أول جمعة جمعها النبي صلى الله عليه وسلم بأصحابه، فقال أهل السير والتواريخ : قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم مهاجرا حتى نزل بقباء، على بني عمرو بن عوف يوم الاثنين لاثنتي عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الأول حين اشتد الضحى. ومن تلك السنة يعد التاريخ. فأقام بقباء إلى يوم الخميس وأسس مسجدهم. ثم خرج يوم الجمعة إلى المدينة، فأدركته الجمعة في بني سالم بن عوف في بطن واد لهم قد اتخذ القوم في ذلك الموضع مسجدا، فجمع بهم وخطب. وهي أول خطبة خطبها بالمدينة، وقال فيها :( الحمد لله. أحمده وأستعينه وأستغفره وأستهديه، وأومن به ولا أكفره، وأعادي من يكفر به. واشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسول، أرسله بالهدى ودين الحق، والنور والموعظة والحكمة على فترة من الرسل، وقلة من العلم، وضلالة من الناس، وانقطاع من الزمان، ودنو من الساعة، وقرب من الأجل. من يطيع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فقد غوى وفرط وضل ضلالا بعيدا. أوصيكم بتقوى الله، فإنه خير ما أوصى به المسلم المسلم أن يحضه على الآخرة، وأن يأمره بتقوى الله، واحذروا ما حذركم الله من نفسه، فإن تقوى الله لمن عمل به على وجل ومخافة من ربه عون صدق على ما تبغون من أمر[(٢)](#foonote-٢) الآخرة. ومن يصلح الذي بينه وبين ربه من أمره في السر والعلانية، لا ينوي به إلا وجه الله يكن له ذكرا في عاجل أمره، وذخرا فيما بعد الموت، حين يفتقر المرء إلى ما قدم. وما كان مما سوى ذلك يود لو أن بينه وبينه أمدا بعيدا. " ويحذركم الله نفسه والله رؤوف بالعباد[(٣)](#foonote-٣) " \[ آل عمران : ٣٠ \]. وهو الذي صدق قول، وأنجز وعده، لا خلف لذلك، فإنه يقول تعالى :" ما يبدل القول لدي وما أنا بظلام للعبيد[(٤)](#foonote-٤) " \[ ق : ٢٩ \]. فاتقوا الله في عاجل أمركم وآجله في السر والعلانية ؛ فإنه " ومن يتق الله يكفر عنه سيئاته ويعظم له أجرا[(٥)](#foonote-٥) " \[ الطلاق : ٥ \]. ومن يتق الله فقد فاز فوزا عظيما. وإن تقوى الله توقي مقته وتوقي عقوبته وتوقي سخطه. وإن تقوى الله تبيض الوجوه، وترضي الرب، وترفع الدرجة. فخذوا بحظكم ولا تفرطوا في جنب الله، فقد علمكم كتابه، ونهج لكم سبيله ؛ ليعلم الذين صدقوا ويعلم الكاذبين. فأحسنوا كما أحسن الله إليكم، وعادوا أعداءه، وجاهدوا في الله حق جهاده، هو اجتباكم وسماكم المسلمين. ليهلك من هلك عن بينة، ويحيا من حي عن بينة. ولا حول ولا قوة إلا بالله. فأكثروا ذكر الله تعالى، واعملوا لما بعد الموت، فإنه من يصلح ما بينه وبين الله يكفه الله ما بينه وبين الناس. ذلك بأن الله يقضي على الناس ولا يقضون عليه، ويملك من الناس ولا يملكون منه. الله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم ). وأول جمعة جمعت بعدها جمعة بقرية يقال لها :" جواثي " من قرى البحرين. وقيل : إن أول من سماها الجمعة كعب بن لؤي بن غالب لاجتماع قريش فيه إلى كعب، كما تقدم. والله أعلم. 
الثالثة- خاطب الله المؤمنين بالجمعة دون الكافرين تشريفا لهم وتكريما فقال :" يا أيها الذين آمنوا " ثم خصه بالنداء، وإن كان قد دخل في عموم قوله تعالى :" وإذا ناديتم إلى الصلاة[(٦)](#foonote-٦) " \[ المائدة : ٥٨ \] ليدل على وجوبه وتأكيد فرضه. وقال بعض العلماء : كون الصلاة الجمعة ها هنا معلوم بالإجماع لا من نفس اللفظ. قال ابن العربي : وعندي أنه معلوم من نفس اللفظ بنكتة وهي قوله :" من يوم الجمعة " وذلك يفيده ؛ لأن النداء الذي يختص بذلك اليوم هو نداء تلك الصلاة. فأما غيرها فهو عام في سائر الأيام. ولو لم يكن المراد به نداء الجمعة لما كان لتخصيصه بها وإضافته إليها معنى ولا فائدة. 
الرابعة- فقد تقدم حكم الأذان في سورة " المائدة " مستوفى[(٧)](#foonote-٧). وقد كان الأذان على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم كما في سائر الصلوات، يؤذن واحد إذا جلس النبي صلى الله عليه وسلم على المنبر. وكذلك كان يفعل أبو بكر وعمر وعلي بالكوفة. ثم زاد عثمان على المنبر أذانا ثالثا[(٨)](#foonote-٨) على داره التي تسمى " الزوراء[(٩)](#foonote-٩) " حين كثر الناس بالمدينة. فإذا سمعوا أقبلوا، حتى إذا جلس عثمان على المنبر أذن مؤذن النبي صلى الله عليه وسلم، ثم يخطب عثمان. خرجه ابن ماجه في سننه من حديث محمد بن إسحاق عن الزهري عن السائب بن يزيد قال : ما كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم إلا مؤذن واحد، إذا خرج أذن وإذا نزل أقام. وأبو بكر وعمر كذلك. فلما كان عثمان وكثر الناس زاد النداء الثالث على دار في السوق يقال لها " الزوراء "، فإذا خرج أذن وإذا نزل أقام. خرجه البخاري من طرق بمعناه. وفي بعضها : أن الأذان الثاني يوم الجمعة أمر به عثمان بن عفان حين كثر أهل المسجد، وكان التأذين يوم الجمعة حين يجلس الإمام. وقال الماوردي : فأما الأذان الأول فمحدث، فعله عثمان بن عفان ليتأهب الناس لحضور الخطبة عند اتساع المدينة وكثرة أهلها. وقد كان عمر رضي الله عنه أمر أن يؤذن في السوق قبل المسجد ليقوم الناس عن بيوعهم، فإذا اجتمعوا أذن في المسجد، فجعله عثمان رضي الله عنه أذانين في المسجد. قاله ابن العربي. وفي الحديث الصحيح : أن الأذان كان على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم واحدا، فلما كان زمن عثمان زاد الأذان الثالث على الزوراء، وسماه في الحديث ثالثا لأنه أضافه إلى الإقامة، كما قال عليه الصلاة والسلام :( بين كل أذانين صلاة لمن شاء ) يعني الأذان والإقامة. ويتوهم الناس أنه أذان أصلي فجعلوا المؤذنين ثلاثة فكان وهما، ثم جمعوهم في وقت واحد فكان وهما على وهم. ورأيتهم يؤذنون بمدينة السلام بعد أذان المنار بين يدي الإمام تحت المنبر في جماعة، كما كانوا يفعلون عندنا في الدول الماضية. وكل ذلك محدث. 
الخامسة- قوله تعالى :" فاسعوا " اختلف في معنى السعي ها هنا على ثلاثة أقوال : أولها : القصد. قال الحسن : والله ما هو بسعي على الأقدام ولكنه سعي بالقلوب والنية. الثاني : أنه العمل، كقوله تعالى :" ومن أراد الآخرة وسعى لها سعيها وهو مؤمن[(١٠)](#foonote-١٠) " \[ الإسراء : ١٩ \]، وقوله :" إن سعيكم لشتى[(١١)](#foonote-١١) " \[ الليل : ٤ \]، وقوله :" وأن ليس للإنسان إلا ما سعى[(١٢)](#foonote-١٢) " \[ النجم : ٣٩ \]. وهذا قول الجمهور. وقال زهير :
سعى بعدهم قوم لكي يدركوهم[(١٣)](#foonote-١٣)
**وقال أيضا :**سعى ساعيَا غيظِ بن مرة بعدما  تَبَزَّلَ ما بين العشيرة بالدَّمِ[(١٤)](#foonote-١٤)أي فاعملوا على المضي إلى ذكر الله، واشتغلوا بأسبابه من الغسل والتطهير والتوجه إليه. الثالث : أن المراد به السعي على الأقدام. وذلك فضل وليس بشرط. ففي البخاري : أن أبا عبس بن جبر - واسمه عبدالرحمن وكان من كبار الصحابة - مشى إلى الجمعة راجلا وقال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول :( من اغبرت قدماه في سبيل الله حرمه الله على النار ). ويحتمل ظاهره رابعا : وهو الجري والاشتداد. قال ابن العربي : وهو الذي أنكره الصحابة الأعلمون والفقهاء الأقدمون. وقرأها عمر :" فامضوا إلى ذكر الله " فرارا عن طريق الجري والاشتداد الذي يدل على الظاهر. وقرأ ابن مسعود كذلك وقال : لو قرأت " فاسعوا " لسعيت حتى يسقط ردائي. وقرأ ابن شهاب :" فامضوا إلى ذكر الله سالكا تلك السبيل ". وهو كله تفسير منهم، لا قراءة قرآن منزل. وجائز قراءة القرآن بالتفسير في معرض التفسير. قال أبو بكر الأنباري : وقد احتج من خالف المصحف بقراءة عمر وابن مسعود، وأن خرشة بن الحر قال : رآني عمر رضي الله عنه ومعي قطعة فيها " فاسعوا إلى ذكر الله " فقال لي عمر : من أقرأك هذا ؟ قلت أبي. فقال : إن أبيا أقرؤنا للمنسوخ. ثم قرأ عمر " فامضوا إلى ذكر الله ". حدثنا إدريس قال حدثنا خلف قال حدثنا هشيم عن المغيرة عن إبراهيم عن خرشة، فذكره. وحدثنا محمد بن يحيى أخبرنا محمد وهو ابن سعدان قال حدثنا سفيان بن عيينة عن الزهري عن سالم عن أبيه قال : ما سمعت عمر يقرأ قط إلا " فامضوا إلى ذكر الله ". وأخبرنا إدريس قال حدثنا خلف قال حدثنا هشيم عن المغيرة عن إبراهيم أن عبدالله بن مسعود قرأ " فامضوا إلى ذكر الله " وقال : لو كانت " فاسعوا " لسعيت حتى يسقط ردائي. قال أبو بكر : فاحتج عليه بأن الأمة أجمعت على " فاسعوا " برواية ذلك عن الله رب العالمين ورسول صلى الله عليه وسلم. فأما عبدالله بن مسعود فما صح عنه " فامضوا " لأن السند غير متصل ؛ إذ إبراهيم النخعي لم يسمع عن عبدالله بن مسعود شيئا، وإنما ورد " فامضوا " عن عمر رضي الله عنه. فإذا انفرد أحد بما يخالف الآية والجماعة كان ذلك نسيانا منه. والعرب مجمعة على أن السعي يأتي بمعنى المضي، غير أنه لا يخلو من الجد ١ راجع جـ ١٥ ص ٥٨..
٢ زيادة عن تاريخ الطبري والبداية والنهاية..
٣ جـ ٤ ص ٥٩..
٤ جـ ١٧ ص ١٧..
٥ ص ١٦٦ من هذا الجزء..
٦ آية ٥٨ سورة المائدة..
٧ راجع جـ ٦ ص ٢٢٤ وما بعدها..
٨ أي أول الوقت عند الزوال. وسماه ثالثا باعتبار كونه مزيدا على الأذان بين يدي الإمام والإقامة للصلاة. فهو أول باعتبار الوجود، ثالث باعتبار مشروعية عثمان له باجتهاده وموافقة سائر الصحابة له بالسكوت وعدم الإنكار..
٩ الزوراء: موضع بالسوق بالمدينة، قيل إنه مرتفع كالمنارة. وقيل: حجر كبير عند باب المسجد..
١٠ راجع جـ ١٠ ص ٢٣٥..
١١ راجع جـ ٢٠ ص ٨٢..
١٢ راجع جـ ١٧ ص ١١٤..
١٣ وعجزه: \*فلم يفعلوا ولم يلاموا ولم يألوا\*.
١٤ في شرح ديوان زهير: "الساعيان": الحارث بن عوف، وهرم بن سنان، سعيا في الديات. وقيل: خارجة بن سنان والحارث بن عوف؛ "سعيا" أي عملا حسنا. و "غيظ بن مرة" حي من غطفان بن سعد. و "تبزل بالدم": أي تشقق. يقول: كان بينهم صلح فتشقق بالدم. يقول: سعيا ما تشقق فأصلحا..

### الآية 62:10

> ﻿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ [62:10]

قوله تعالى :" فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض " هذا أمر إباحة، كقوله تعالى :" وإذا حللتم فاصطادوا[(١)](#foonote-١) " \[ المائدة : ٢ \]. يقول : إذا فرغتم من الصلاة فانتشروا في الأرض للتجارة والتصرف في حوائجكم. " وابتغوا من فضل الله " أي من رزقه. وكان عراك بن مالك إذا صلى الجمعة انصرف فوقف على باب المسجد فقال : اللهم إني أجبت دعوتك، وصليت فريضتك، وانتشرت كما أمرتني، فارزقني من فضلك وأنت خير الرازقين. وقال جعفر بن محمد في قوله تعالى :" وابتغوا من فضل الله " إنه العمل في يوم السبت. وعن الحسن بن سعيد بن المسيب : طلب العمل. وقيل : التطوع. وعن ابن عباس : لم يؤمروا بطلب شيء من الدنيا، إنما هو عيادة المرضى وحضور الجنائز وزيارة الأخ في الله تعالى. " واذكروا الله كثيرا " أي بالطاعة واللسان، وبالشكر على ما به أنعم عليكم من التوفيق لأداء الفرائض. " لعلكم تفلحون " كي تفلحوا. قال سعيد بن جبير : الذكر طاعة الله تعالى، فمن أطاع الله فقد ذكره ومن لم يطعه فليس بذاكر وإن كان كثير التسبيح. وقد مضى هذا مرفوعا في " البقرة[(٢)](#foonote-٢) ".

١ راجع جـ ٦ ص ٤٤..
٢ راجع جـ ٢ ص ١٧١..

### الآية 62:11

> ﻿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا ۚ قُلْ مَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ مِنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجَارَةِ ۚ وَاللَّهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ [62:11]

**فيه سبع عشرة مسألة :**
الأولى- قوله تعالى :" وإذا رأوا تجارة أو لهوا انفضوا إليها " في صحيح مسلم عن جابر بن عبدالله أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يخطب قائما يوم الجمعة، فجاءت عير[(١)](#foonote-١) من الشام فانفتل[(٢)](#foonote-٢) الناس إليها حتى لم يبق إلا اثنا عشر رجلا - في رواية أنا فيهم - فأنزلت هذه الآية التي في الجمعة :" وإذا رأوا تجارة أو لهو انفضوا إليها وتركوك قائما ". في رواية : فيهم أبو بكر وعمر رضي الله عنهما. وقد ذكر الكلبي وغيره : أن الذي قدم بها دحية بن خليفة الكلبي من الشام عند مجاعة وغلاء سعر، وكان معه جميع ما يحتاج الناس من بر ودقيق وغيره، فنزل عند أحجار الزيت[(٣)](#foonote-٣)، وضرب بالطبل ليؤذن الناس بقدومه، فخرج الناس إلا اثني عشر رجلا. وقيل : أحد عشر رجلا. قال الكلبي : وكانوا في خطبة الجمعة فانفضوا إليها، وبقي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ثمانية رجال، حكاه الثعلبي عن ابن عباس، وذكر الدارقطني من حديث جابر بن عبدالله قال : بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطبنا يوم الجمعة إذ أقبلت عير تحمل الطعام حتى نزلت بالبقيع[(٤)](#foonote-٤) ؛ فالتفتوا إليها وانفضوا إلها وتركوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ليس معه إلا أربعون رجلا أنا فيهم. قال : وأنزل الله عز وجل على النبي صلى الله عليه وسلم :" وإذا رأوا تجارة أو لهوا انفضوا إليها وتركوك قائما ). قال الدارقطني : لم يقل في هذا الإسناد " إلا أربعين رجلا " غير علي بن عاصم عن حصين، وخالفه أصحاب حصين فقالوا : لم يبق مع النبي صلى الله عليه وسلم إلا اثنا عشر رجلا. وروي عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال :( والذي نفسي بيده لو خرجوا جميعا لأضرم الله عليهم الوادي نارا )، ذكره الزمخشري. وروي في حديث مرسل أسماء الاثني عشر رجلا، رواه أسد بن عمرو والد أسد بن موسى بن أسد. وفيه : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يبق معه إلا أبو بكر وعمر وعثمان وعلي، وطلحة والزبير وسعد بن أبي وقاص، وعبد الرحمن بن عوف وأبو عبيدة بن الجراح، وسعيد بن زيد، وبلال، وعبدالله بن مسعود في إحدى الروايتين. وفي الرواية الأخرى عمار بن ياسر. 
قلت : لم يذكر جابرا، وقد ذكر مسلم أنه كان فيهم، والدارقطني أيضا. فيكونون ثلاثة عشر. وإن كان عبد الله بن مسعود فيهم فهم أربعة عشر. وقد ذكر أبو داود في مراسيله السبب الذي ترخصوا لأنفسهم في ترك سماع الخطبة، وقد كانوا خليقا بفضلهم ألا يفعلوا، فقال : حدثنا محمود بن خالد قال حدثنا الوليد قال أخبرني أبو معاذ بكر بن معروف أنه سمع مقاتل بن حيان قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي الجمعة قبل الخطبة مثل العيدين، حتى كان يوم جمعة والنبي صلى الله عليه وسلم يخطب، وقد صلى الجمعة، فدخل رجل فقال : إن دحية بن خليفة الكلبي قدم بتجارة[(٥)](#foonote-٥)، وكان دحية إذا قدم تلقاه أهله بالدِّفاف، فخرج الناس فلم يظنوا إلا أنه ليس في ترك الخطبة شيء ؛ فأنزل الله عز وجل :" وإذا رأوا تجارة أو لهوا انفضوا إليها ". فقدم النبي صلى الله عليه وسلم الخطبة يوم الجمعة وأخر الصلاة. وكان لا يخرج أحد لرعاف أو أحداث بعد النهي حتى يستأذن النبي صلى الله عليه وسلم، يشير إليه بأصبعه التي تلي الإبهام، فيأذن له النبي صلى الله عليه وسلم ثم يشير إليه بيده. فكان من المنافقين من ثقل عليه الخطبة والجلوس في المسجد، وكان إذا استأذن رجل من المسلمين قام المنافق إلى جنبه مستترا به حتى يخرج، فأنزل الله تعالى :" قد يعلم الله الذين يتسللون منكم لواذا[(٦)](#foonote-٦) " \[ النور : ٦٣ \] الآية. قال السهيلي : وهذا الخبر وإن لم ينقل من وجه ثابت فالظن الجميل بأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يوجب أن يكون صحيحا. وقال قتادة : وبلغنا أنهم فعلوه ثلاث مرات، كل مرة عير تقدم من الشام، وكل ذلك يوافق يوم الجمعة. وقيل : إن خروجهم لقدوم دحية الكلبي بتجارته، ونظرهم إلى العير تمر لهو لا فائدة فيه، إلا أنه كان مما لا إثم فيه لو وقع على غير ذلك الوجه، ولكنه لما اتصل به الإعراض عن رسول الله صلى الله عليه وسلم والانفضاض عن حضرته، غلظ وكبر ونزل فيه من القرآن وتهجينه باسم اللهو ما نزل. وجاء عن وسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال :( كل ما يلهو به الرجل باطل إلا رميه بقوسه ). الحديث. وقد مضى في سورة " الأنفال[(٧)](#foonote-٧) " فلله الحمد. وقال جابر بن عبدالله : كانت الجواري إذا نكحن يمررن[(٨)](#foonote-٨) بالمزامير والطبل فانفضوا إليها، فنزلت. وإنما رد الكناية إلى التجارة لأنها أهم. وقرأ طلحة بن مصرف " وإذا رأوا التجارة واللهو انفضوا إليها ". وقيل : المعنى وإذا رأوا تجارة انفضوا إليها، أو لهوا انفضوا إليه فحذف لدلالته. كما قال :نحن بما عندنا وأنت بما  عندك راض والرأيُ مختلفُوقيل : الأجود في العربية أن يجعل الراجع في الذكر للآخر من الاسمين. 
الثانية- واختلف العلماء في العدد الذي تنعقد به الجمعة على أقوال، فقال الحسن : تنعقد الجمعة باثنين. وقال الليث وأبو يوسف، تنعقد بثلاثة. وقال سفيان الثوري وأبو حنيفة : بأربعة. وقال ربيعة : باثني عشر رجلا. وذكر النجاد أبو بكر أحمد بن سليمان[(٩)](#foonote-٩) قال : حدثنا أبو خالد يزيد بن الهيثم بن طهمان الدقاق، حدثنا صبح بن دينار قال حدثنا المعافى بن عمران حدثنا معقل بن عبيدالله عن الزهري بسنده إلى مصعب بن عمير : أن النبي صلى الله عليه وسلم بعثه إلى المدينة، وأنه نزل في دار سعد بن معاذ، فجمع بهم وهم اثنا عشر رجلا ذبح لهم يومئذ شاة. وقال الشافعي : بأربعين رجلا. وقال أبو إسحاق الشيرازي في ( كتاب التنبيه على مذهب الإمام الشافعي ) : كل قرية فيها أربعون رجلا بالغين عقلاء أحرارا مقيمين، لا يظعنون عنها صيفا ولا شتاء إلا ظعن حاجة، وأن يكونوا حاضرين من أول الخطبة إلى أن تقام الجمعة وجبت عليهم الجمعة. ومال أحمد وإسحاق إلى هذا القول ولم يشترطا هذه الشروط. وقال مالك : إذا كانت قرية فيها سوق ومسجد فعليهم الجمعة من غير اعتبار عدد. وكتب عمر بن عبد العزيز : أي قرية اجتمع فيها ثلاثون بيتا فعليهم الجمعة. وقال أبو حنيفة : لا تجب الجمعة على أهل السواد والقرى، لا يجوز لهم إقامتها فيها. واشترط في وجوب الجمعة وانعقادها : المصر الجامع والسلطان القاهر والسوق القائمة والنهر الجاري. واحتج بحديث علي : لا جمعة ولا تشريق إلا في مصر جامع ورفقة تعينهم[(١٠)](#foonote-١٠). وهذا يرده حديث ابن عباس، قال : إن أول جمعة جمعت بعد جمعة في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم بقرية من قرى البحرين يقال لها جواثي. وحجة الإمام الشافعي في الأربعين حديث جابر المذكور الذي خرجه الدارقطني. وفي سنن ابن ماجه والدارقطني أيضا ودلائل النبوة للبيهقي عن عبدالرحمن بن كعب بن مالك قال : كنت قائد أبي حين ذهب بصره، فإذا خرجت به إلى الجمعة فسمع الأذان، صلى على أبي أمامة واستغفر له - قال - فمكث كذلك حينا لا يسمع الأذان بالجمعة إلا فعل ذلك، فقلت له : يا أبةِ، استغفارك لأبي أمامة كلما سمعت أذان الجمعة، ما هو ؟ قال : أي بني، هو أول من جمع بالمدينة في هَزْم[(١١)](#foonote-١١) من حرة بني بياضة يقال له نقيع الخَضِمات، قال : قلت : كم أنتم يومئذ ؟ قال أربعون رجلا. وقال جابر بن عبدالله : مضت السنة أن في كل ثلاثة إماما، وفي كل أربعين فما فوق ذلك جمعة وأضحى وفطرا، وذلك أنهم جماعة. خرجه الدارقطني. 
وروى أبو بكر أحمد بن سليمان النجاد : قرئ على عبدالملك بن محمد الرقاشي وأنا أسمع حدثني رجاء بن سلمة قال حدثنا أبي قال حدثنا روح بن غطيف الثقفي قال حدثني الزهري عن أبي سلمة قال : قلت لأبي هريرة على كم تجب الجمعة من رجل ؟ قال : لما بلغ أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم خمسين رجلا جمع بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم. 
قرئ على عبدالملك بن محمد وأنا أسمع قال حدثنا رجاء بن سلمة قال حدثنا عباد بن عباد المهلبي عن جعفر بن الزبير عن القاسم عن أبي أمامة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :( تجب الجمعة على خمسين رجلا ولا تجب على من دون ذلك ). قال ابن المنذر : وكتب عمر بن عبدالعزيز : أيما قرية اجتمع فيها خمسون رجلا فليصلوا الجمعة. وروى الزهري عن أم عبدالله الدوسية قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( الجمعة واجبة على كل قرية وإن لم يكن فيها إلا أربعة ). يعني بالقرى : المدائن. لا يصح هذا عن الزهري. في رواية ( الجمعة واجبة على أهل كل قرية وإن لم يكونوا إلا ثلاثة رابعهم إمامهم ). الزهري[(١٢)](#foonote-١٢) لا يصح سماعه من الدوسية. والحكم[(١٣)](#foonote-١٣) هذا[(١٤)](#foonote-١٤) متروك. 
الثالثة- وتصح الجمعة بغير إذن الإمام وحضوره. وقال أبو حنيفة : من شرطها الإمام أو خليفته. ودليلنا أن الوليد بن عقبة والي الكوفة أبطأ يوما فصلى ابن مسعود بالناس من غير إذنه. وروي أن عليا صلى الجمعة يوم حصر عثمان ولم ينقل أنه استأذنه. وروي أن سعيد بن العاصي والي المدينة لما خرج من المدينة صلى أبو موسى بالناس الجمعة من غير استئذان. وقال مالك : إن لله فرائض في أرضه لا يضيعها، وليها وال أو لم يلها. 
الرابعة- قال علماؤنا : من شرط أدائها المسجد المسقف. قال ابن العربي : ولا اعلم وجهه. 
قلت : وجهه قوله تعالى :" وطهر بيتي للطائفين[(١٥)](#foonote-١٥) " \[ الحج : ٢٦ \]، وقوله :" في بيوت أذن الله أن ترفع[(١٦)](#foonote-١٦) " \[ النور : ٣٦ \]. وحقيقة البيت أن يكون ذا حيطان وسقف. هذا العرف، والله أعلم. 
الخامسة- قوله تعالى :" وتركوك قائما " شرط في قيام الخطيب على المنبر إذا خطب. قال علقمة : سئل عبدالله أكان النبي صلى الله عليه وسلم يخطب قائما أو قاعدا ؟ فقال : أما تقرأ " وتركوك قائما ". وفي صحيح مسلم عن كعب بن عجرة أنه دخل المسجد وعبدالرحمن بن أم الحكم يخطب قاعدا فقال : انظروا إلى هذا الخبيث، يخطب قاعدا وقال الله تعالى :" وإذا رأوا تجارة أو لهوا انفضوا إليها وتركوك قائما ". وخرج عن جابر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يخطب قائما ثم يجلس، ثم يقوم فيخطب، فمن نبأك أنه كان يخطب جالسا فقد كذب، فقد والله صليت معه أكثر من ألفي صلاة. وعلى هذا جمهور الفقهاء وأئمة العلماء. وقال أبو حنيفة : ليس القيام بشرط فيها. ويروى أن أول من خطب قاعدا معاوية. وخطب عثمان قائما حتى رق فخطب قاعدا. وقيل : إن معاوية إنما خطب قاعدا لسنه. وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يخطب قائما ثم يقعد ثم يقوم ولا يتكلم في قعدته. رواه جابر بن سمرة. ورواه ابن عمر في كتاب البخاري. 
السادسة- والخطبة شرط في انعقاد الجمعة لا تصح إلا بها، وهو قول جمهور العلماء. وقال الحسن : هي مستحبة. وكذا فال ابن الماجشون : إنها سنة وليست بفرض. وقال سعيد بن جبير : هي بمنزلة الركعتين من صلاة الظهر، فإذا تركها وصلى الجمعة فقد ترك الركعتين من صلاة الظهر. والدليل على وجوبها قوله تعالى :" وتركوك قائما ". وهذا ذم، والواجب هو الذي يذم تاركه شرعا، ثم إن النبي صلى الله عليه وسلم لم يصلها إلا بخطبة. 
السابعة- ويخطب متوكئا على قوس أو عصا. وفي سنن ابن ماجه قال حدثنا هشام بن عمار حدثنا عبدالرحمن بن سعد بن عمار بن سعد قال حدثني أبي عن أبيه عن جده أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا خطب في الحرب خطب على قو١ العير ـ بكسر العين ـ: الإبل تحمل الميرة، ثم غلب على كل قافلة. وانفتل الناس: انصرفوا..
٢ العير ـ بكسر العين ـ: الإبل تحمل الميرة، ثم غلب على كل قافلة. وانفتل الناس: انصرفوا..
٣ أحجار الزيت: مكان في سوق المدينة..
٤ البقيع: مقبرة بالمدينة..
٥ في س، ز، ط، ل، هـ: "قدم بتجارته"..
٦ راجع جـ ١٢ ص ٣٢٢..
٧ راجع جـ ٨ ص ٣٥..
٨ في أ: "يزمرن"..
٩ في بعض المصادر: "سلمان"..
١٠ ما بين المربعين كذا ورد في نسخ الأصل..
١١ الهزم: ما اطمأن من الأرض. وحرة بني بياضة: قرية على ميل من المدينة. و "بياضة": بطن من الأنصار..
١٢ الزيادة عن الدارقطني..
١٣ هو الحكم بن عبد الله، أحد رجال سند هذا الحديث..
١٤ الزيادة عن الدارقطني..
١٥ راجع جـ ١٢ ص ٣٦. وص ٢٦٥..
١٦ راجع جـ ١٢ ص ٣٦. وص ٢٦٥..

## روابط ذات صلة

- [النص القرآني للسورة](https://quranpedia.net/surah/1/62.md)
- [كل تفاسير سورة الجمعة
](https://quranpedia.net/surah-tafsir/62.md)
- [ترجمات سورة الجمعة
](https://quranpedia.net/translations/62.md)
- [صفحة الكتاب: الجامع لأحكام القرآن](https://quranpedia.net/book/366.md)
- [المؤلف: القرطبي](https://quranpedia.net/person/3966.md)

---

زُر [Quranpedia.net](https://quranpedia.net/surah/1/62/book/366) — موسوعة القرآن الكريم: التفاسير، الترجمات، التلاوات، والمواضيع.
