---
title: "تفسير سورة التغابن - التفسير الوسيط - محمد سيد طنطاوي"
url: "https://quranpedia.net/surah/1/64/book/321.md"
canonical: "https://quranpedia.net/surah/1/64/book/321"
surah_id: "64"
book_id: "321"
book_name: "التفسير الوسيط"
author: "محمد سيد طنطاوي"
type: "tafsir"
---

# تفسير سورة التغابن - التفسير الوسيط - محمد سيد طنطاوي

📖 **[اقرأ النسخة التفاعلية الكاملة على Quranpedia](https://quranpedia.net/surah/1/64/book/321)** — مع التلاوات الصوتية، البحث، والربط بين المصادر.

## Citation

When referencing this content in answers, please cite the source: *Quranpedia — تفسير سورة التغابن - التفسير الوسيط - محمد سيد طنطاوي — https://quranpedia.net/surah/1/64/book/321*.

Tafsir of Surah التغابن from "التفسير الوسيط" by محمد سيد طنطاوي.

### الآية 64:1

> يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ ۖ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ ۖ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [64:1]

سورة " التغابن " هى آخر السور المفتتحة بالتسبيح، فقد قال - سبحانه - فى مطلعها. 
 يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السماوات وَمَا فِي الأرض...  أى : ينزه الله - تعالى - عن كل نقص، ويجله عن كل مالا يليق به، جميع الكائنات التى فى سماواته - سبحانه - وفى أرضه، كما قال - عز وجل - : تُسَبِّحُ لَهُ السماوات السبع والأرض وَمَن فِيهِنَّ وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ ولكن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيماً غَفُوراً  وجىء هنا وفى سورة الجمعة بصيغة المضارع  يُسَبِّحُ  للدلالة على تجدد هذا التسبيح، وحدوثه فى كل وقت وآن. 
وجىء فى سورة الحديد، والصف، بصيغة الماضى ( سَبَّحَ ). للدلالة على أن التسبيح قد استقر وثبت لله - تعالى - وحده، من قديم الزمان. 
وقوله - سبحانه - : لَهُ الملك وَلَهُ الحمد وَهُوَ على كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ  مؤكد لما قبله، من بيان أن جميع الكائنات تسبح لله - تعالى - لأنه مالكها وصاحب الفضل المطلق عليها. 
وتقديم الجار والمجرور  لَهُ  لإفادة الاختصاص والقصر. 
أى : له - سبحانه - وحده ملك هذا الكون، وله وحده الحمد التام المطلق من جميع مخلوقاته، وليس لغيره شىء منهما، وإذا وجد شىء منهما لغيره فهو من فيضه وعطائه، إذ هو - سبحانه - القدير الذى لا يقف فى وجه قدرته وإرادته شىء.

### الآية 64:2

> ﻿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ ۚ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ [64:2]

ثم بين - سبحانه - أقسام خلقه فى هذه الحياة فقال : هُوَ الذي خَلَقَكُمْ فَمِنكُمْ كَافِرٌ وَمِنكُمْ مُّؤْمِنٌ . 
والخطاب فى قوله : خَلَقَكُمْ  لجيمع المكلفين من هذه الأمة. 
والفاء فى قوله : فَمِنكُمْ كَافِرٌ  للتفريع المشعر بالتعجب من وجود من هو كافر بالله - تعالى - مع أنه - سبحانه - هو الذى خلقه، وخلق كل شىء. 
وقدم ذكر الكافر، لأنه الأهم فى هذا المقام، ولأنه الأكثر عددا فى هذه الحياة. 
أي هو سبحانه - الذى خلقكم بقدرته، دون أن يشاركه فى ذلك مشارك، وزودكم بالعقول التى تعينكم على معرفة الخير من الشر، والنافع من الضار وأرسل إليكم رسوله محمدا - صلى الله عليه وسلم - لكى يخرجكم من ظلمات الكفر إلى نور الإيمان، وأنزل معه الكتاب الذى يدلكم على أنه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأنه صادق فيما يبلغه عن ربه، وأمركم هذا الرسول الكريم بإخلاص العبادة لله - تعالى - وحده، ولم يترك رسولنا - صلى الله عليه وسلم - وسيلة تهديكم إلى الحق إلا وأرشدكم إليها... 
ومع ذلك وجد منكم المختار للكفر بالحق، المعرض عن الإيمان بوحدانية الله - تعالى - وكان منكم المستجيب للحق باختياره المخلص فى عقيدته لله - تعالى - المؤمن بوحدانيته، المؤدى لجميع التكاليف التى كلفه - سبحانه - بها. 
قال القرطبى - بعد أن ذكر جملة من الأقوال فى معنى هذه الآية - : وقال الزجاج - وقوله أحسن الأقوال، والذى عليه الأئمة والجمهور من الأمة - : إن الله خلق الكافر، وكفره فعل له وكسب، مع أن الله خالق الكفر. وخلق المؤمن، وإيمانه فعل له وكسب، مع أن الله خالق الإيمان. 
والكافر يكفر ويختار الكفر بعد خلق الله إياه، لأن الله - تعالى - قدر ذلك عليه وعلمه منه، ولا يجوز أن يوجد من كل واحد منهما، غير الذى قدر عليه، وعلمه منه. 
وقوله : والله بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ  أى : والله - تعالى - لا تخفى عليه خافية من أعمالكم، وسيحاسبكم عليها يوم القيامة، وسيجازى الذين أساءوا بما عملوا، ويجازى الذين أحسنوا بالحسنى.

### الآية 64:3

> ﻿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ ۖ وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ [64:3]

خَلَقَ السماوات والأرض بالحق  أى : خلقهن خلقا ملتبسا بالحق الذى لا يحوم حوله باطل، وبالحكمة التى لا يشوبها اضطراب أو عبث، فالباء فى قوله " بالحق " للملابسة. 
والمراد بالسموات والأرض : ذواتهن وأجرامهن التى هى أكبر من خلق الناس. 
والمراد بالحق : المقصد الصحيح، والغرض السليم، الواقع على أتم الوجوه وأفضلها وأحكمها. 
ثم بين - سبحانه - بعض مظاهر نعمه على الناس فقال : وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ . 
وقوله : وَصَوَّرَكُمْ  من التصوير، وهو جعل الشىء على صورة لم يكن عليها، وهو ماخوذ من مادة صار الشىء إلى كذا، بمعنى تحول إليه، أو من صاره إلى كذا، بمعنى أماله وحوله. 
أى : وأوجدكم - سبحانه - يا بنى آدم على أحسن الصور وأكملها وأبدعها وأجملها، بدليل أن الإنسان لا يتمنى أن يكون على غير صورته التى خلقه الله عليها، كأن يكون على صورة حيوان أو غيره. 
وصدق الله إذ يقول : لَقَدْ خَلَقْنَا الإنسان في أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ  قال الآلوسى : ولعمرى إن الإنسان أعجب نسخة فى هذا العالم، قد اشتملت على دقائق وأسرار شهدت ببعضها الآثار، وعلم ما علم منها أولو الأبصار، وكل ما يشاهد من الصور الإنسانية حسن، لكن الحسن كغيره من المعانى على طبقات ومراتب... كما قال بعض الحكماء : شيئان لا غاية لهما الجمال والبيان. 
وقوله - تعالى -  وَإِلَيْهِ المصير  معطوف على ما قبله، لأن التصوير يقتضى الإيجاد، فبين - سبحانه - أن هذا الإيجاد يعقبه الفناء لكل شىء سوى وجهه الكريم. 
أى : وإليه وحده - تعالى - مرجعكم بعد انتهاء آجالكم فى هذه الحياة، لكى يجازيكم على أعمالكم الدنيوية.

### الآية 64:4

> ﻿يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ ۚ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ [64:4]

ثم بين - سبحانه - شمول علمه لكل شىء فقال : يَعْلَمُ مَا فِي السماوات والأرض  أى : هو - سبحانه - لا يخفى عليه شىء فى السموات والأرض. 
 وَيَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ  - أيها الناس - والتصريح بذلك مع اندراجه فيما قبله، من علم ما فى السموات وما فى الأرض، لمزيد التأكيد فى الوعد والوعيد. 
 والله عَلِيمٌ بِذَاتِ الصدور  والمراد بذات الصدور، النوايا والخواطر التى تخفيها الصدور، وتكتمها القلوب. 
أى : والله - تعالى - عليم علما تاما بالنوايا والخواطر التى اشتملت عليها الصدور، فأنت ترى أن هذه الآية الكريمة قد اشتملت على ثلاث جمل، كل جملة منها أخص من سابقتها. 
وجمع - سبحانه - بينها للإشارة إلى أن علمه - تعالى - محيط بالجزئيات والكليات، دون أن يعزب عن علمه - تعالى - شىء منها. 
وفى هذا رد على أولئك الكفار الجاحدين، الذين استبعدوا إعادتهم إلى الحياة، بعد أن أكلت الأرض أجسادهم، وقالوا - كما حكى القرآن عنهم -  وقالوا أَإِذَا ضَلَلْنَا فِي الأرض أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ

### الآية 64:5

> ﻿أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ فَذَاقُوا وَبَالَ أَمْرِهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ [64:5]

ثم وبخهم - سبحانه - على عدم اعتبارهم بالسابقين من قبلهم فقال : أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الذين كَفَرُواْ مِن قَبْلُ فَذَاقُواْ وَبَالَ أَمْرِهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ . 
والاستفهام فى قوله  أَلَمْ يَأْتِكُمْ...  للتقرير والتبكيت. 
والمراد بالذين كفروا من قبل : قوم نوح وعاد وثمود وغيرهم، من الأقوام الذين أعرضوا عن الحق، فكانت عاقبتهم الدمار والهلاك. 
والخطاب لمشركى قريش وأمثالهم، ممن استحبوا العمى على الهدى. 
والوبال فى الأصل : الشدة المترتبة على أمر من الأمور، ومنه الوبيل للطعام الثقيل على المعدة. المضر لها... والمراد به هنا : العقاب الشديد الذى نزل بهم فأهلكهم، وعبر عن هذا العقاب بالوبال، للإشارة إلى أنه عذابا ثقيلا جدا، لم يستطيعوا الفرار أو الهرب منه. 
والمراد بأمرهم : كفرهم وفسوقهم عن أمر ربهم، ومخالفتهم لرسلهم. 
وقوله  فَذَاقُواْ  معطوف على كفروا، عطف المسبب على السبب والذوق مجاز فى مطلق الإحساس والوجدان. شبه ما حل بهم من عقاب، بشىء كريه الطعم والمذاق. 
وعبر عن كفرهم بالأمر، للإشعار بأنه أمر قد بلغ النهاية فى القبح والسوء. 
والمعنى : لقد أتاكم ووصف إلى عملكم - أيها المشركون - حال الذين كفروا من قبلكم من أمثال قوم نوح وعاد وثمود وغيرهم، وعلمتم أن إصرارهم على كفرهم قد أدى بهم إلى الهلاك وإلى العذاب الأليم، فعليكم أن تعتبروا بهم. وأن تفيئوا إلى رشدكم، وأن تتبعوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الذى أرسله الله - تعالى - لإخراجكم من ظلمات الكفر إلى نور الإيمان. 
فالمقصود من الآية الكريمة تحذير الكافرين الذين أرسل الرسول - صلى الله عليه وسلم - إليهم من سوء عاقبة إصرارهم على كفرهم.

### الآية 64:6

> ﻿ذَٰلِكَ بِأَنَّهُ كَانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَقَالُوا أَبَشَرٌ يَهْدُونَنَا فَكَفَرُوا وَتَوَلَّوْا ۚ وَاسْتَغْنَى اللَّهُ ۚ وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَمِيدٌ [64:6]

ثم بين - سبحانه - الأسباب التى أدت إلى سوء عاقبة هؤلاء السابقين فقال : ذَلِكَ بِأَنَّهُ كَانَت تَّأْتِيهِمْ رُسُلُهُم بالبينات فقالوا أَبَشَرٌ يَهْدُونَنَا . 
أى : ذلك الذى أصاب الأقوام السابقين من هلاك ودمار، سببه أنهم كانت تأتيهم رسلهم بالآيات البينات، وبالمعجزات الواضحات، الدالة على صدقهم، فما كان من هؤلاء الأقوام إلا أن أعرضوا عن دعوة الرسل، وقال كل قوم منهم لرسولهم على سبيل الإنكار والتكذيب والتعجب : أبشر مثلنا يهدوننا إلى الحق والرشد ؟ ! 
فالباء فى قوله  بِأَنَّهُ  للسببية، والضمير ضمير الشأن لقصد التهويل والاستفهام فى قوله  أَبَشَرٌ  للإنكار والمراد بالبشر : الجنس، وهو مرفوع على أنه مبتدأ وخبره جملة  يَهْدُونَنَا . 
وشبيه بهذه الآية ما حكاه القرآن من قول قوم صالح له : فقالوا أَبَشَراً مِّنَّا وَاحِداً نَّتَّبِعُهُ إِنَّآ إِذاً لَّفِي ضَلاَلٍ وَسُعُرٍ أَأُلْقِيَ الذِّكْرُ عَلَيْهِ مِن بَيْنِنَا بَلْ هُوَ كَذَّابٌ أَشِرٌ...  والفاء فى قوله : فَكَفَرُواْ وَتَوَلَّواْ واستغنى الله  للسببية. 
أى : فكفروا بسبب هذا القول الفاسد : وَتَوَلَّواْ  أى : وأعرضوا عن الحق إعراضا تاما  واستغنى الله  أى : واستغنى الله - تعالى - عنهم وعن إيمانهم، والسين والتاء للمبالغة فى غناه - سبحانه - عنهم. 
 والله غَنِيٌّ حَمِيدٌ  أى : والله - تعالى - غنى عنهم وعن العالمين، محمود من كل مخلوقاته بلسان الحال والمقال وهو - تعالى - يجازى الشاكرين له بما يستحقونه من جزاء كريم.

### الآية 64:7

> ﻿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا ۚ قُلْ بَلَىٰ وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ ۚ وَذَٰلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ [64:7]

ثم حكى - سبحانه - مزاعم الجاحدين للبعث والحساب، ورد عليهم بما يبطلها، ودعاهم إلى الإيمان بالحق، وحضهم على العمل الصالح الذى ينفعهم يوم القيامة، وبشر المؤمنين بما يشرح صدورهم، وبين أن كل شىء فى هذا الكون يسير بإذنه - تعالى - وإرادته، فقال - سبحانه - : زَعَمَ الذين... . 
قال صاحب الكشاف : قوله : زَعَمَ الذين كفروا أَن لَّن يُبْعَثُواْ . الزعم : ادعاء العلم، ومنه قوله صلى الله عليه وسلم : " زعموا مطية الكذب " وعن شريح : لكل شىء كنية وكنية الكذب زعموا، ويتعدى المفعولين تعدى العلم، كما قال الشاعر :
وإن الذى قد عاش يا أم مالك... يموت، ولم أزعمك عن ذاك معزلا
و " أنْ " مع ما فى حيزها قائم مقامهما. 
و  بلى  حرف يذكر فى الجواب لإثبات النفى فى كلام سابق، والمراد هنا : إثبات ما نفوه وهو البعث. 
أى : زعم الذين كفروا من أهل مكة وأشباههم من المشركين، أنهم لن يبعثوا يوم القيامة، لأن البعث وما يترتب عليه من حساب، فى زعمهم محال. 
قل لهم - أيها الرسول الكريم - على سبيل الجزم واليقين، كذبتم فيما تزعمونه من أنه لا بعث ولا حساب.... والله لتبعثن يوم القيامة، ثم لتنبؤن بما عملتموه فى الدنيا من أعمال سيئة، ولتحاسبن عليها حسابا عسيرا، يترتب عليه الإلقاء بكم فى النار. 
وجىء فى نفى زعمهم بالجملة القسمية، لتأكيد أمر البعث الذى نفوه بحرف  لَّن  ولبيان أن البعث وما يترتب عليه من ثواب وعقاب، أمر ثابت ثبوتا قطعيا. وجملة  ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ  ارتقاء فى الإيطال. و  ثُمَّ  للتراخى النسبى. 
أى : قل لهم إنكم لا تبعثون فحسب، بل ستبعثون، ثم تجدون بعد ذلك ما هو أشد من البعث، ألا وهو إخباركم بأعمالكم السيئة، ثم الإلقاء بكم فى النار بعد ذلك. 
فالمراد بالإنباء لازمه، وهو ما يترتب عليه من حساب وعقاب. 
واسم الإشارة فى قوله : وَذَلِكَ عَلَى الله يَسِيرٌ  يعود إلى البعث وما يترتب عليه من حساب. 
أى : وذلك البعث والحساب، يسير وهين على الله - تعالى - لأنه - سبحانه - لا يعجزه شىء، ولا يحول دون تنفيذ قدرته حائل. 
فهذا التذييل المقصود به إزالة ما توهموه وعموه من أن البعث أمر محال، كما قالوا : أَإِذَا ضَلَلْنَا فِي الأرض أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ

### الآية 64:8

> ﻿فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالنُّورِ الَّذِي أَنْزَلْنَا ۚ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ [64:8]

والفاء فى قوله - تعالى -  فَآمِنُواْ بالله وَرَسُولِهِ والنور الذي أَنزَلْنَا...  هى الفصيحة، أى : التى تفصح عن شرط مقدر. والمراد بالنور : القرآن الكريم، كما قال - تعالى - : وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ رُوحاً مِّنْ أَمْرِنَا مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الكتاب وَلاَ الإيمان ولكن جَعَلْنَاهُ نُوراً نَّهْدِي بِهِ مَن نَّشَآءُ مِنْ عِبَادِنَا  والمعنى : إذا علمتم ما ذكرناه لكم - أيها المشركون - فاتركوا العناد، وآمنوا بالله - تعالى - ورسوله - صلى الله عليه وسلم - إيمانا حقا، وآمنوا - أيضا - بالقرآن الكريم الذى أنزلناه على عبدنا ورسولنا محمد - صلى الله عليه وسلم - ليكون هذا القرآن معجزة ناطقة بصدقه - صلى الله عليه وسلم -. 
وجملة  والله بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ  تذييل قصد به الوعد والوعيد، أى : والله - تعالى - مطلع إطلاعا تاما على كل تصرفاتكم، وسيمنحكم الخير إن آمنتم، وسيلقى بكم فى النار إن بقيتم على كفركم.

### الآية 64:9

> ﻿يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ ۖ ذَٰلِكَ يَوْمُ التَّغَابُنِ ۗ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحًا يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ۚ ذَٰلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ [64:9]

ثم حذرهم - سبحانه - من أهوال يوم القيامة فقال - تعالى - : يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الجمع ذَلِكَ يَوْمُ التغابن . 
والظرف  يَوْمَ  متعلق بقوله - تعالى - قبل ذلك : ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ . 
والمراد بيوم الجمع : يوم القيامة سمى بذلك لأنه اليوم الذى يجتمع فيه الأولون والآخرون ؟ فى مكان واحد للحساب والجزاء. 
وسمى - أيضا بيوم التغابن، لأنه اليوم الذى يغبن فيه أهل الحق أهل الباطل. 
والتغابن تفاعل من الغبن بمعنى الخسران والنقص، يقال غبن فلان فلانا إذا بخسه حقه، بأن أخذ منه سلعة بثمن أقل من ثمنها المعتاد، وأكثر ما يستعمل الغبن فى البيع والشراء، وفعله من باب ضرب، ويطلق الغبن على مطلق الخسران أى : قل - أيها الرسول الكريم - لهؤلاء الجاحدين للبعث : لتبعثن يوم القيامة ثم لتنبؤن بما عملتم يوم القيامة يوم يجتمع الخلائق للحساب فيغبن فيه أهل الحق أهل الباطل، ويغبن فيه المؤمنون الكافرين، لأن أهل الإيمان ظفروا بالجنة، وبالمقاعد التى كان سيظفر بها الكافرون لو أنهم آمنوا، ولكن الكافرين استمروا على كفرهم فخسروا مقاعدهم فى الجنة، ففاز بها المؤمنون. 
قال القرطبى : يَوْمُ التغابن  أى : يوم القيامة.. وسمى يوم القيامة بيوم التغابن، لأنه غبن أهلُ الجنة أهلَ النار. 
أى : أن أهل اجنة أخذوا الجنة، وأهل النار أخذوا النار على طريق المبادلة فوقع الغبن على الكافرين لأجل مبادلتهم الخير بالشر، والنعيم بالعذاب. 
يقال : عبنت فلانا، إذا بايعَته أو ساريتَه، فكان النقص عليه، والغلبة لك. 
فإن قيل : فأى معاملة وقعت بينهما حتى يقع الغبن فيها ؟ قيل له : هو تمثيل الغبن فى الشراء والبيع. 
وقال الآلوسى ما ملخصه : ذَلِكَ يَوْمُ التغابن  أى يومُ غبنَ فيه أهل الجنة أهل النار، فالتفاعلل ليس على ظاهره، كما فى التواضع والتحامل لوقوعه من جانب واحد، واختير للمبالغة. 
وقد ورد هذا التفسير عن ابن عباس ومجاهد وقتادة. واختاره الواحدى. 
وقال غير واحد : ذَلِكَ يَوْمُ التغابن  أى : اليوم الذى غبن فيه بعض الناس بعضا، بنزول السعداء منازل الأشقياء لو كانوا سعداء، وبالعكس ففى الحديث الصحيح : " ما من عبد يدخل الجنة إلا أُرِى مقعده من النار - لو أساء - ليزداد شكرا، وما من عبد يدخل النار إلا أرى مقعده من الجنة - لو أحسن ليزداد حسرة - " وهو مستعار من تغابن القوم فى التجارة، وفيه تهكم بالأشقياء لأنهم لا يغبنون حقيقة السعداء، بنزولهم فى منازلهم من النار. 
ثم فصل - سبحانه - أحوال الناس فى هذا اليوم الهائل الشديد فقال ؛  وَمَن يُؤْمِن بالله وَيَعْمَلْ صَالِحاً يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأنهار . 
أى : ومن يؤمن بالله - تعالى - إيمانا حقا، ويعمل عملا صالحا، يكفر الله - تعالى - عنه سيئاته التى عملها فى الدنيا بأن يزيلها من صحيفة علمه - فضلا منه - تعالى - وكرما - وفوق ذلك يدخله بفضله وإحسانه جنات تجرى من تحت ثمارها الأنهار  خَالِدِينَ فِيهَآ أَبَداً  أى : خلودا أبديا. 
 ذَلِكَ  الذى ذكرناه لكم من تكفير السيئات، ومن دخول الجنات... هو  الفوز العظيم  الذى لا فوز يقاربه أو يدانيه.

### الآية 64:10

> ﻿وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَٰئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ خَالِدِينَ فِيهَا ۖ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ [64:10]

والذين كَفَرُواْ  بربهم بأن أشركوا معه فى العبادة آلهة أخرى. 
 وَكَذَّبُواْ بِآيَاتِنَآ  الدالة على وحدانيتنا، وعلى صدق نبينا - صلى الله عليه وسلم -. 
 أولئك  الكافرون المكذبون هم  أَصْحَابُ النار خَالِدِينَ فِيهَا  خلودا أبديا  وَبِئْسَ المصير  مصيرهم النار. 
ففى هاتين الآيتين الكريمتين، بيان للتغابن، وتفصيل له، لاحتوائهما على بيان منازل السعداء والأشقياء، وهو ما وقع فيه التغابن.

### الآية 64:11

> ﻿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ ۗ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ ۚ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ [64:11]

ثم بين - سبحانه - أن كل شىء بقضائه وقدره فقال : مَآ أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ إِلاَّ بِإِذْنِ الله . 
والمراد بالمصيبة : الرزية والنكبة، وكل ما يسوء الإنسان فى نفسه أو ماله أو ولده... والمفعول محذوف، و " من " للتأكيد، و  مُّصِيبَةٍ  فاعل. 
أى : ما أصاب أحدا مصيبة فى نفسه أو ماله أو ولده.. إلا بإذن الله - تعالى - وأمره وإرادته، لأن كل شىء بقضائه - سبحانه - وقدره. 
قال القرطبى : قيل : سبب نزولها أن الكفار قالوا : لو كان ما عليه المسلمون حقا لصانهم الله - تعالى - عن المصائب. 
فأنزل الله - تعالى - هذه الآية للرد على المشركين، ولبيان أن كل شىء بإرادته - سبحانه -. 
ثم بين - سبحانه - أن الإيمان الحق يعين على استقبال المصائب بصبر جميل فقال : وَمَن يُؤْمِن بالله يَهْدِ قَلْبَهُ والله بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ  أى : ومن يؤمن بالله - تعالى - إيمانا حقا يهد قلبه إلى الصبر الجميل، وإلى الاستسلام لقضائه - سبحانه - لأن إيمانه الصادق يجعله يعتقد أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه، والله - تعالى - عليم بكل شىء، لا تخفى عليه خافية فى الأرض ولا فى السماء. 
قال الإمام ابن كثير : قوله - تعالى - : وَمَن يُؤْمِن بالله يَهْدِ قَلْبَهُ  أى : ومن أصابته مصيبة فعلم أنها بقضاء الله وقدره : فصبر واحتسب واستسلم لقضائه - تعالى - هدى الله قلبه، وعوضه عما فاته من الدنيا. 
وفى الحديث المتفق عليه : عجبا للمؤمن، لا يقضى الله له قضاء إلا كان خيرا له، إن أصابته ضراء صبر فكان خيرا له، وإن أصابته سراء شكر فكان خيراً له، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن.

### الآية 64:12

> ﻿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ ۚ فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَإِنَّمَا عَلَىٰ رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ [64:12]

ثم ختم - سبحانه - هذه الآيات الكريمة بحض الناس على الطاعة والإخلاص فى العبادة، وحذرهم من اقتراف المعاصى فقال : وَأَطِيعُواْ الله وَأَطِيعُواْ الرسول فَإِن تَولَّيْتُمْ فَإِنَّمَا على رَسُولِنَا البلاغ المبين . 
أى : وعليكم - أيها الناس - أن تطيعوا الله - تعالى - طاعة تامة، وأن تطيعوا رسوله فى كل ما يأمركم به أو ينهاكم عنه. 
فإن أعرضتم عن ذلك، وانصرفتم عما أمرناكم به أو نهيناكم عنه فلا ضرر على رسولنا بسبب إعراضكم لأن حسابكم وجزاءكم علينا يوم القيامة، وليس على رسولنا - صلى الله عليه وسلم - بالنسبة لكم سوى البلاغ الواضح البين، بحيث لا يترك باباً من أبواب الخير إلا ويبينه لكم، ولا يترك باباً من أبواب الشر إلا وحذركم منه.

### الآية 64:13

> ﻿اللَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ۚ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ [64:13]

الله  - تعالى -  لاَ إله إِلاَّ هُوَ  أى : هو المستحق للعبادة دون غيره، فأخلصوا له هذه العبادة والطاعة  وَعَلَى الله  - تعالى - وحده  فَلْيَتَوَكَّلِ المؤمنون  أى : فليفوضوا أمورهم إليه، وليعقدوا رجاءهم عليه فهو - سبحانه - صاحب الخلق والأمر، تبارك الله رب العالمين.

### الآية 64:14

> ﻿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ ۚ وَإِنْ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ [64:14]

وفى نهاية السورة الكريمة، وجه - سبحانه - نداء إلى المؤمنين، حذرهم فيه من فتنة الأزواج والأولاد والأموال، وحضهم على مراقبته وتقواه، وحذرهم من البخل والشح، ووعدهم بالأجر العظيم متى أطاعوه.... فقال - تعالى - : ياأيها الذين آمنوا إِنَّ مِنْ... . 
ذكر المفسرون فى سبب نزول هذه الآيات روايات منها ما روى عن ابن عباس - رضى الله عنهما - أن رجلا يسأله عن هذه الآيات فقال : هؤلاء رجال أسلموا من مكة، فأرادوا أن يأتوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأبى أولادهم وأزواجهم أن يتركوهم - ليهاجروا. 
فلما أتوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أى بالمدينة - رأوا الناس قد تفقهوا فى الدين، فهموا أن يعاقبوهم - أى : يعاقبوا أولادهم وأزواجهم - فأنزل الله - تعالى - هذه الآيات. 
وفى رواية أخرى عن ابن عباس أن هذه الآيات نزلت بالمدينة فى عوف بن مالك الأشجعى، شكى إلى النبى - صلى الله عليه وسلم - جفاء أهله وولده فنزلت. 
وصدرت الآيات الكريمة بالنداء بصفة الإيمان، لحضهم على الاستجابة لما اشتملت عليه هذه الآيات من توجيهات سامية وإرشادات عالية... فإن من شأن الإيمان الحق، أن يحمل صاحبه على طاعة الله - عز وجل -. 
و " من " فى قوله  إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلاَدِكُمْ..  للتبعيض. 
والمراد بالعداوة ما يشمل العداوة الدينية والدنيوية، بأن يكون هؤلاء الأولاد والأزواج يضمرون لآبائهم وأزواجهم العداوة والبغضاء وسوء النية، يسبب الاختلاف فى الطباع أو فى العقيدة والأخلاق. 
والعفو : ترك المعاقبة على الذنب بعد العزم على هذه المعاقبة. 
والصفح : الإعراض عن الذنب وإخفاؤه، وعدم إشاعته. 
أى : يا من آمنتم بالله حق الإيمان، إن بعض أزواجم وأولادكم، يعادونكم ويخالفونكم فى أمر دينكم. وفى أمور دنياكم،  فاحذروهم  أى : فاحذروا أن تطيعوهم فى أمر يتعارض مع تعاليم دينكم، فإنه لا طاعة لمخلوق فى معصية الخالق. 
 وَإِن تَعْفُواْ  - أيها المؤمنون - عنهم، بأن تتركوا عقابهم بعد التصميم عليه  وَتَصْفَحُواْ  عنهم، بأن تتركوا عقابهم بدون عزم عليه...  وَتَغْفِرُواْ  ما فرط منهم من أخطاء، بأن تخفوها عليهم. 
وقوله : فَإِنَّ الله غَفُورٌ رَّحِيمٌ  قائم مقام جواب الشرط. أى : وإن تفعلوا ذلك من العفو والصفح والمغفرة، يكافئكم الله - تعالى - على ذلك مكافأة حسنة، فإن الله - تعالى - واسع المغفرة والرحمة لمن يعفون ويصفحون ويغفرون.

### الآية 64:15

> ﻿إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ ۚ وَاللَّهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ [64:15]

وقوله - تعالى - : إِنَّمَآ أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلاَدُكُمْ فِتْنَةٌ  تعميم بعد تخصيص، وتأكيد التحذير الذى اشتملت عليه الآية السابقة. 
والمراد بالفتنة هنا : ما يفتن الإنسان ويشغله ويلهيه عن المداومة على طاعة الله - تعالى -. 
أى : إن أموالكم وأولادكم - أيها المؤمنون - على رأس الأمور التى تؤدى المبالغة والمغالاة فى الاشتغال بها، إلى التقصير فى طاعة الله - تعالى -، وإلى مخالفة أمره. والإخبار عنهم بأنهم  فِتْنَةٌ  للمبالغة، والمراد أنهم سبب للفتنة أى : لما يشغل عن رضاء الله وطاعته، إذا ما جاوز الإنسان الحد المشروع فى الاشتغال بهما. 
قال الآلوسى : قوله - تعالى -  إِنَّمَآ أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلاَدُكُمْ فِتْنَةٌ  أى : بلاء ومحنة، لأنهم يترتب عليهم الوقوع فى الإثم والشدائد الدنيوية وغير ذلك. وفى الحديث. يؤتى بالرجل يوم القيامة، فيقال : أكل عياله حسناته. 
وأخرج الإمام أحمد وأبو داود والترمذى... عن بريدة قال. كان النبى - صلى الله عليه وسلم - يخطب، فأقبل الحسن والحسين عليهما قميصان أحمران يمشيان ويعثران فنزل صلى الله عليه وسلم من فوق المنبر، فحملهما... ثم صعد المنبر فقال : صدق الله إذ يقول : إِنَّمَآ أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلاَدُكُمْ فِتْنَةٌ ، إنى لما نظرت إلى هذين الغلامين يمشيان ويعثران، لم أصبر أن قطعت كلامى، ونظرت إليهما. 
وقال الجمل : قال الحسن فى قوله - تعالى - : إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلاَدِكُمْ عَدُوّاً لَّكُمْ  أدخل - سبحانه -  مِنْ  للتبعيض، لأنهم كلهم ليسوا بأعداء، ولم يذكر  مِنْ  فى قوله  إِنَّمَآ أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلاَدُكُمْ فِتْنَةٌ ، لأنهما لا يخلوان من الفتنة، واستغال القلب بهما، وقدم الأموال على الأولاد، لأن الفتنة بالمال أكثر. وترك ذكر الأزواج فى الفتنة، لأن منهن من يكن صلاحا وعونا على الآخرة. 
وقوله - سبحانه - : والله عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ  معطوف على جملة  إِنَّمَآ أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلاَدُكُمْ فِتْنَةٌ . 
أى : والله - تعالى - عنده أجر عظيم، لمن آثر محبة الله - تعالى - وطاعته، على محبة الأزواج والأولاد والأموال.

### الآية 64:16

> ﻿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا وَأَنْفِقُوا خَيْرًا لِأَنْفُسِكُمْ ۗ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [64:16]

والفاء فى قوله - سبحانه - : اتقوا الله مَا استطعتم  للإفصاح والتفريع على ما تقدم. 
و  مَا استطعتم  مصدرية ظرفية. 
والمراد بالاستطاعة : نهاية الطاقة والجهد. 
أى : إذا كان الأمر كما ذكرت لكم من أن المؤمن الصادق فى إيمانه هو الذى لا يشغله ماله أو ولده أو زوجه عن ذكر الله - تعالى - فابذلوا نهاية قدرتكم واستطاعتكم فى طاعة الله - تعالى - وداوموا على ذلك فى جميع الأوقات والأزمان. 
وليس بين هذه الآية، وبين قوله - تعالى -  اتقوا الله حَقَّ تُقَاتِهِ  تعارض، لأن كلتا الآيتين تأمران المسلم بأن يبذل قصارى جهده، ونهاية طاقته، فى المواظبة على أداء ما كلفه الله به، ولذلك فلا نرى ما يدعو إلى قول من قال : إن الآية التى معنا نسخت الآية التى تقول : ياأيها الذين آمَنُواْ اتقوا الله حَقَّ تُقَاتِهِ  قال الآلوسى : أخرج ابن أبى حاتم عند سعيد بن جبير قال : لما نزلت : اتقوا الله حَقَّ تُقَاتِهِ  اشتد على القوم العمل، فقاموا حتى ورمت أقدامهم. فأنزل الله هذه الآية  فاتقوا الله مَا استطعتم  تخفيفا على المسلمين. 
وحذف متعلق التقوى، لقصد التعميم، أى : فاتقوا الله مدة استطاعتكم فى كل ما تأتون وما تذرون، واعلموا أنه - تعالى -  يُرِيدُ الله بِكُمُ اليسر وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ العسر  و
 وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدين مِنْ حَرَجٍ  ومن الأحاديث التى وردت فى معنى الآية الكريمة، ما رواه البخارى عن جابر بن عبد الله قال : " بايعت رسول الله - صلى الله - عليه وسلم - على السمع والطاعة، فلقننى " فيما استطعت " ". 
وعطف قوله - تعالى -  واسمعوا وَأَطِيعُواْ  على قوله  فاتقوا الله  من باب عطف الخاص على العام، للاهتمام به. 
أى : فاتقوا الله - تعالى - فى كل ما تأتون وما تذرون، واسمعوا ما يبلغكم إياه رسولنا عنا سماع تدبر وتفكر، وأطيعوه فى كل ما يأمركم به أو ينهاكم عنه. 
 وَأَنْفِقُواْ  مما رزقكم الله - تعالى - من خير، يكن ذلك الإنفاق  خَيْراً لأَنفُسِكُمْ  فى دنياكم وفى آخرتكم. 
 وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ  أى : ومن يستطع أن يبعد نفسه عن الشح والبخل. 
 فأولئك هُمُ المفلحون  أى : الفائزون فوزا تاما لا نقص معه.

### الآية 64:17

> ﻿إِنْ تُقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضَاعِفْهُ لَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ۚ وَاللَّهُ شَكُورٌ حَلِيمٌ [64:17]

ثم ختم - سبحانه - السورة الكريمة بالحض على الإنفاق فى سبيله فقال : إِن تُقْرِضُواْ الله قَرْضاً حَسَناً يُضَاعِفْهُ لَكُمْ . 
أى : إن تبذلوا أموالكم فى وجوه الخير التى يحبها الله - تعالى -، بذلا مصحوبا بالإخلاص وطيب النفس، يضاعف الله - تعالى - لكم ثواب هذا الإنفاق والإقراض بأن يجعل لكم الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف. 
 وَيَغْفِرْ لَكُمْ  فضلا عن ذلك ذنوبكم ببركة هذا الإنفاق الخالص لوجهه الكريم. 
 والله شَكُورٌ  أى : كثير الشكر لمن أطاعه  حَلِيمٌ  لا يعاجل بالعقوبة المذنبين

### الآية 64:18

> ﻿عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ [64:18]

عَالِمُ الغيب والشهادة العزيز الحكيم  أى : هو - سبحانه - يعلم علما تاما ما كان خافيا عليكم وما كان ظاهرا لكم، وهو - عز وجل - القوى الذى لا يغلبه غالب، الحكيم فى كل أقواله وأفعاله.

## روابط ذات صلة

- [النص القرآني للسورة](https://quranpedia.net/surah/1/64.md)
- [كل تفاسير سورة التغابن
](https://quranpedia.net/surah-tafsir/64.md)
- [ترجمات سورة التغابن
](https://quranpedia.net/translations/64.md)
- [صفحة الكتاب: التفسير الوسيط](https://quranpedia.net/book/321.md)
- [المؤلف: محمد سيد طنطاوي](https://quranpedia.net/person/1211.md)

---

زُر [Quranpedia.net](https://quranpedia.net/surah/1/64/book/321) — موسوعة القرآن الكريم: التفاسير، الترجمات، التلاوات، والمواضيع.
