---
title: "تفسير سورة التغابن - زاد المسير في علم التفسير - ابن الجوزي"
url: "https://quranpedia.net/surah/1/64/book/340.md"
canonical: "https://quranpedia.net/surah/1/64/book/340"
surah_id: "64"
book_id: "340"
book_name: "زاد المسير في علم التفسير"
author: "ابن الجوزي"
type: "tafsir"
---

# تفسير سورة التغابن - زاد المسير في علم التفسير - ابن الجوزي

📖 **[اقرأ النسخة التفاعلية الكاملة على Quranpedia](https://quranpedia.net/surah/1/64/book/340)** — مع التلاوات الصوتية، البحث، والربط بين المصادر.

## Citation

When referencing this content in answers, please cite the source: *Quranpedia — تفسير سورة التغابن - زاد المسير في علم التفسير - ابن الجوزي — https://quranpedia.net/surah/1/64/book/340*.

Tafsir of Surah التغابن from "زاد المسير في علم التفسير" by ابن الجوزي.

### الآية 64:1

> يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ ۖ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ ۖ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [64:1]

قد سبق تفسير فاتحتها.

### الآية 64:2

> ﻿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ ۚ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ [64:2]

قوله تعالى : فَمِنكُمْ كَافِرٌ وَمِنكُمْ مُّؤْمِنٌ  وفيه قولان :
أحدهما : أن الله خلق بني آدم مؤمنا وكافرا، رواه الوالبي عن ابن عباس. والأحاديث تعضد هذ القول، كقوله عليه الصلاة والسلام :( خلق فرعون في بطن أمه كافرا، وخلق يحيى بن زكريا في بطن أمه مؤمنا ) وقوله :( فيؤمر الملك بأربع كلمات : بكتب رزقه، وأجله، وعمله، وشقي أم سعيد ). 
والثاني : أن تمام الكلام عند قوله تعالى : خَلَقَكُمْ  ثم وصفهم، فقال تعالى : فَمِنكُمْ كَافِرٌ وَمِنكُمْ مُّؤْمِنٌ ، واختلف أرباب هذا القول فيه على أربعة أقوال :
أحدها : فمنكم كافر يؤمن، ومنكم مؤمن يكفر، قاله أبو الجوزاء عن ابن عباس. 
والثاني : فمنكم كافر في حياته مؤمن في العاقبة، ومنكم مؤمن في حياته كافر، في العاقبة، قاله أبو سعيد الخدري. 
والثالث : فمنكم كافر بالله مؤمن بالكواكب، ومنكم مؤمن بالله كافر بالكواكب، قاله عطاء بن أبي رباح، وعنى بذلك شأن الأنواء. 
والرابع : فمنكم كافر بالله خلقه، ومؤمن بالله خلقه، حكاه الزجاج. والكفر بالخلق مذهب الدهرية، وأهل الطبائع. وما بعد هذا قد سبق.

### الآية 64:3

> ﻿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ ۖ وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ [64:3]

قوله تعالى : وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ  قال الزجاج : أي : خلقكم أحسن الحيوان كله. وقرأ الأعمش  صوركم  بكسر الصاد. ويقال في جمع صورة : صُور، وصِور، كما يقال في جمع لحية : لِحىّ، ولُحىّ. وذكر ابن السائب أن معنى  فأحسن صوركم  أحكمها. وما بعد هذا ظاهر.

### الآية 64:4

> ﻿يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ ۚ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ [64:4]

قوله تعالى : وَيَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ  روى المفضل عن عاصم  يسرون  و يعلنون  بالياء فيهما.

### الآية 64:5

> ﻿أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ فَذَاقُوا وَبَالَ أَمْرِهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ [64:5]

أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَبْلُ  هذا خطاب لأهل مكة خوفهم ما نزل بالكفار قبلهم، فذلك قوله تعالى : فَذَاقُواْ وَبَالَ أَمْرِهِمْ  أي : جزاء أعمالهم، وهو ما أصابهم، من العذاب في الدنيا  وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ  في الآخرة.

### الآية 64:6

> ﻿ذَٰلِكَ بِأَنَّهُ كَانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَقَالُوا أَبَشَرٌ يَهْدُونَنَا فَكَفَرُوا وَتَوَلَّوْا ۚ وَاسْتَغْنَى اللَّهُ ۚ وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَمِيدٌ [64:6]

ذلِكَ  الذي أصابهم  بِأَنَّهُ كَانَت تَّأْتِيهِمْ رُسُلُهُم بِالْبَيّنَاتِ  فينكرون ذلك، ويقولون : أَبَشَرٌ  أي : ناس مثلنا،  يَهْدُونَنَا  ؟ ! والبشر اسم جنس معناه الجمع، وإن كان لفظه واحدا  فَكَفَرُواْ وَتَوَلَّواْ  أي : أعرضوا عن الإيمان  واسْتَغْنَى اللَّهُ  عن إيمانهم وعبادتهم.

### الآية 64:7

> ﻿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا ۚ قُلْ بَلَىٰ وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ ۚ وَذَٰلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ [64:7]

قوله تعالى : زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُواْ  كان ابن عمر يقول : زعموا  كناية الكذب. وكان مجاهد يكره أن يقول الرجل : زعم فلان. 
قوله تعالى : وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ  يعني : البعث  وَالنّورِ  هو القرآن، وفيه بيان أمر البعث والحساب والجزاء.

### الآية 64:8

> ﻿فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالنُّورِ الَّذِي أَنْزَلْنَا ۚ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ [64:8]

والثاني: أنّ تمام الكلام عند قوله عزّ وجلّ: خَلَقَكُمْ ثم وصفهم، فقال عزّ وجلّ: فَمِنْكُمْ كافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ، واختلف أرباب هذا القول فيه على أربعة أقوال: أحدها: فمنكم كافر يؤمن، ومنكم مؤمن يكفر، قاله أبو الجوزاء عن ابن عباس. والثاني: فمنكم كافر في حياته مؤمن في العاقبة، ومنكم مؤمن في حياته كافر في العاقبة، قاله أبو سعيد الخدري. والثالث: فمنكم كافر بالله مؤمن بالكوكب، ومنكم مؤمن بالله كافر بالكوكب، قاله عطاء بن أبي رباح، وعنى بذلك شأن الأنواء.
 والرابع: فمنكم كافر بالله خلقه، ومؤمن بالله خلقه، حكاه الزجاج، والكفر بالخلق مذهب الدهرية، وأهل الطبائع. وما بعد هذا قد سبق إلى قوله عزّ وجلّ: وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ قال الزجاج:
 أي: خلقكم أحسن الحيوان كلِّه. وقرأ الأعمش **«صوركم»** بكسر الصاد. ويقال في جمع الصورة:
 صور، وصور، وصِور، كما يقال في جمع لحية: لِحىّ، ولُحىّ. وذكر ابن السائب أن معنى فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ أحكمها. وما بعد هذا ظاهر إِلى قوله تعالى: وَيَعْلَمُ ما تُسِرُّونَ روى المفضل عن عاصم **«يسرُّون»** و **«يعلنون»** بالياء فيهما أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ هذا خطاب لأهل مكة خوفهم ما نزل بالكفّار قبلهم، فذلك قوله عزّ وجلّ: فَذاقُوا وَبالَ أَمْرِهِمْ أي: جزاء أعمالهم، وهو ما أصابهم من العذاب في الدنيا وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ في الآخرة ذلِكَ الذي أصابهم بِأَنَّهُ كانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فينكرون ذلك، ويقولون: أَبَشَرٌ أي: ناس مثلنا يَهْدُونَنا والبشر اسم جنس معناه الجمع، وإن كان لفظه واحداً فَكَفَرُوا وَتَوَلَّوْا أي: أعرضوا عن الإيمان وَاسْتَغْنَى اللَّهُ عن إيمانهم وعبادتهم.
 \[سورة التغابن (٦٤) : الآيات ٧ الى ١٨\]
 زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِما عَمِلْتُمْ وَذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (٧) فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالنُّورِ الَّذِي أَنْزَلْنا وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (٨) يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ ذلِكَ يَوْمُ التَّغابُنِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صالِحاً يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئاتِهِ وَيُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَداً ذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٩) وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ خالِدِينَ فِيها وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (١٠) ما أَصابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (١١)
 وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَإِنَّما عَلى رَسُولِنَا الْبَلاغُ الْمُبِينُ (١٢) اللَّهُ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (١٣) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْواجِكُمْ وَأَوْلادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ وَإِنْ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٤) إِنَّما أَمْوالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ وَاللَّهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ (١٥) فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا وَأَنْفِقُوا خَيْراً لِأَنْفُسِكُمْ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٦)
 إِنْ تُقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً يُضاعِفْهُ لَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ شَكُورٌ حَلِيمٌ (١٧) عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١٨)
 قوله عزّ وجلّ: زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا كان ابن عمر يقول: **«زعموا»** كناية الكذب. وكان مجاهد يكره أن يقول الرجل: زعم فلان.
 قوله عزّ وجلّ: وَذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ يعني: البعث وَالنُّورِ هو القرآن، وفيه بيان أمر البعث والحساب والجزاء.

قوله عزّ وجلّ: يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ هو منصوب بقوله تعالى: لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِما عَمِلْتُمْ يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ وهو يوم القيامة. وسمي بذلك لأن الله تعالى يجمع فيه الجن والإنس، وأهل السماء، وأهل الأرض. قوله: ذلِكَ يَوْمُ التَّغابُنِ تفاعل من الغبن، وهو فوت الحظ. والمراد في تسميته يوم القيامة بيوم التغابن فيه أربعة أقوال: أحدها: أنه ليس من كافر إلا وله منزل وأهل في الجنة، فيرث ذلك المؤمن، فيغبن حينئذ الكافر، ذكر هذا المعنى أبو صالح عن ابن عباس. والثاني: غبن أهل الجنة أهل النار، قاله مجاهد، والقرظي. والثالث: أنه يوم غبن المظلوم الظالم، لأن المظلوم كان في الدنيا مغبوناً، فصار في الآخرة غابناً، ذكره الماوردي. والرابع: أنه يوم يظهر فيه غبن الكافر بتركه للإيمان، وغبن المؤمن بتقصيره في الإحسان، ذكره الثعلبي. قال الزجاج: وإنما ذكر ذلك مثلا للبيع والشراء، كقوله عزّ وجلّ: فَما رَبِحَتْ تِجارَتُهُمْ **«١»**، وقوله عزّ وجلّ: هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى تِجارَةٍ **«٢»** وما بعد هذا ظاهر إلى قوله عزّ وجلّ: يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئاتِهِ قرأ نافع، وابن عامر، والمفضل عن عاصم **«نكفر»** **«وندخله»** بالنون فيهما. والباقون: بالياء ما أَصابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ قال ابن عباس: بعلمه وقضائه.
 قوله: وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ فيه ستة أقوال: أحدها: يهد قلبه لليقين، فيعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه، رواه علي بن أبي طلحة عن ابن عباس. وقال علقمة: هو الرجل تصيبه المصيبة، فيعلم أنها من قبل الله تعالى، فيسلم، ويرضى. والثاني: يهد قلبه للاسترجاع، وهو أن يقول: إنا لله، وإنا إليه راجعون، قاله مقاتل. والثالث: أنه إذا ابتلي صبر، وإذا أنعم عليه شكر، وإذا ظلم غفر، قاله ابن السائب، وابن قتيبة. والرابع: يهد قلبه، أي: يجعله مهتدياً، قاله الزجاج.
 والخامس: يهد وليَّه بالصبر والرضى، قاله أبو بكر الورَّاق. والسادس: يهد قلبه لاتباع السنة إِذا صح إيمانه، قاله أبو عثمان الحيري. وقرأ أبو بكر الصديق، وعاصم الجحدري، وأبو نهيك: **«يَهْدَ»** بياءٍ مفتوحة. ونصب الدال ****«قَلْبُهُ»**** بالرفع. قال الزجاج: هذا من هدأ يهدأ: إذا سكن. فالمعنى: إذا سلَّم لأمر الله سَكَنَ قلبُه. وقرأ عثمان بن عفان، والضحاك، وطلحة بن مصرف، والأزرق عن حمزة: **«نَهْد»** بالنون. وقرأ علي بن أبي طالب، عليه السلام وأبو عبد الرّحمن: **«يهد قلبه»** بضم الياء، وفتح الدال ****«قَلْبُهُ»**** بالرفع. وما بعد هذا ظاهر إلى قوله عزّ وجلّ: إِنَّ مِنْ أَزْواجِكُمْ وَأَوْلادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ.
 (١٤٥٥) سبب نزولها أن الرجل كان يسلم. فإِذا أراد الهجرة منعه أهله، وولده، وقالوا: نَنْشُدُك الله أن تذهب وتَدَعَ أهلك وعشيرتك وتصير إِلى المدينة بلا أهل ولا مال. فمنهم من يَرِقُّ لهم، ويقيم فلا يهاجر، فنزلت هذه الآية. فلما هاجر أولئك، ورأوا الناس فقد فقهوا في الدّين همّوا أن يعاقبوا أهليهم الذين منعوهم، فأنزل الله تعالى: وَإِنْ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا إلى آخر الآية، هذا قول ابن عباس.
 وقال الزجاج: لما أرادوا الهجرة قال لهم أزواجهم، وأولادهم: قد صبرنا لكم على مفارقة الدّين ولا

 حسن. أخرجه الترمذي ٣٣١٧ والحاكم ٢/ ٤٩٠ والطبري ٣٤١٩٨ من حديث ابن عباس، صححه الحاكم ووافقه الذهبي، وقال الترمذي: حسن صحيح. مع أنه من رواية سماك عن عكرمة وفيه ضعف، وورد من وجه آخر، أخرجه الطبري ٣٤٢٠٠، وفيه عطية العوفي واه. وانظر تفسير القرطبي ٦٠٠١ بتخريجنا. وانظر أيضا **«أحكام القرآن»** ٢١٣١ فقد استوفيت فيه الكلام عليه.
 __________
 (١) البقرة: ١٦.
 (٢) الصف: ١٠.

نصبر لكم على مفارقتكم، ومفارقة الأموال، والمساكن، فأعلم الله عزّ وجلّ أن من كان بهذه الصورة، فهو عدوٌّ، وإِن كان ولداً، أو كانت زوجة. وقال مجاهد: كان حب الرجل ولده وزوجته يحمله على قطيعة رحمه ومعصية ربه. وقال قتادة: كان من أزواجهم، وأولادهم من ينهاهم عن الإسلام، ويثبّطهم عنه، فخرج في قوله عزّ وجلّ: عَدُوًّا لَكُمْ ثلاثة أقوال: أحدها: بمنعهم من الهجرة، وهذا على قول ابن عباس. والثاني: بكونهم سببا للمعاصي، وهذا على قول مجاهد. والثالث: بنهيهم عن الإسلام، وهذا على قول قتادة.
 قوله عزّ وجلّ: فَاحْذَرُوهُمْ قال الفراء: لا تطيعوهم في التخلُّف.
 قوله عزّ وجلّ: نَّما أَمْوالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ
 أي: بلاء وشغل عن الآخرة. فالمال والأولاد يوقعان في العظائم إلا من عصمه الله. وقال ابن قتيبة: أي: إغرام. يقال: فتن فلان بالمرأة، وشغف بها، أي: أغرم بها. وقال أهل المعاني: إنما دخل ****«من»**** في قوله عزّ وجلّ: إِنَّ مِنْ أَزْواجِكُمْ لأنه ليس كل الأزواج، والأولاد أعداءً. ولم يذكر ****«من»**** في قوله عزّ وجلّ: نَّما أَمْوالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ
 لأنها لا تخلو من الفتنة، واشتغال القلب بها.
 (١٤٥٦) وقد روى بريدة عن رسول الله صلّى الله عليه وسلم أنه كان يخطب، فجاء الحسن، والحسين، عليهما السلام، عليهما قميصان أحمران يمشيان، ويعثران، فنزل من المنبر، فحملهما، فوضعهما بين يديه ثم قال: **«صدق الله عزّ وجلّ: نَّما أَمْوالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ
 نظرت إِلى هذين الصبيين يمشيان، ويعثران، فلم أصبر حتى قطعت حديثي، ورفعتهما»**.
 قوله عزّ وجلّ: اللَّهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ
 أي: ثواب جزيل، وهو الجنة. والمعنى: لا تعصوه بسبب الأولاد، ولا تؤثروهم على ما عند الله من الأجر العظيم فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ أي: ما أطقتم وَاسْمَعُوا ما تُؤمَرُون به وَأَطِيعُوا وَأَنْفِقُوا خَيْراً لِأَنْفُسِكُمْ وفي هذه النفقة ثلاثة أقوال: أحدها:
 الصَّدقة، قاله ابن عباس. والثاني: نفقة المؤمن على نفسه، قاله الحسن. والثالث: النفقة في الجهاد، قاله الضحاك. وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ حتى يعطيَ حق الله في ماله. وقد تقدّم بيان هذا في سورة الحشر وما بعده سبق بيانه إلى آخر السّورة **«١»**.

 حسن. أخرجه الترمذي ٣٧٧٤ والحاكم ١/ ٢٨٧ وابن حبان ٦٠٣٩ والبيهقي ٣/ ٢١٨ من طرق عن علي بن الحسين بن واقد به. عن بريدة مرفوعا. وصححه الحاكم على شرط مسلم، ووافقه الذهبي، مع أن علي بن الحسين روى له مسلم في المقدمة فقط لكنه توبع. وأخرجه أبو داود ١١٠٩ والنسائي ٣/ ١٠٨ و ١٩٢ وابن ماجة ٣٦٠٠ وابن أبي شيبة ٨/ ٣٦٨ و ١٢/ ٢٩٩- ٣٠٠ وأحمد ٥/ ٣٥٤ وابن خزيمة ١٠٨٢ وابن حبان ٦٠٣٨ والبيهقي ٦/ ١٦٥ من حديث بريدة.
 وانظر **«أحكام القرآن»** و **«الجامع لأحكام القرآن»** ٦٠٠٥.
 __________
 (١) البقرة: ٢٤٥، والحديد: ١١- ١٨، والحشر: ٢٣- ٢٤.

### الآية 64:9

> ﻿يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ ۖ ذَٰلِكَ يَوْمُ التَّغَابُنِ ۗ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحًا يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ۚ ذَٰلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ [64:9]

قوله تعالى : يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ  هو منصوب بقوله تعالى : لتبعثن ثم لتنبؤن بما عملتم   يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ  وهو يوم القيامة. 
وسمي بذلك لأن الله تعالى يجمع فيه الجن والإنس، وأهل السماوات، وأهل الأرض  ذَلِكَ يَوْمُ التَّغَابُنِ  تفاعل من الغبن، وهو فوت الحظ. والمراد في تسميته يوم القيامة بيوم التغابن فيه أربعة أقوال :
أحدها : أنه ليس من كافر إلا وله منزل وأهل في الجنة، فيرث ذلك المؤمن، فيغبن حينئذ الكافر، ذكر هذا المعنى أبو صالح عن ابن عباس. 
والثاني : غبن أهل الجنة أهل النار، قاله مجاهد، والقرظي. 
والثالث : أنه يوم غبن المظلوم الظالم، لأن المظلوم كان في الدنيا مغبونا، فصار في الآخرة غابنا، ذكره الماوردي. 
والرابع : أنه يوم يظهر فيه غبن الكافر بتركه للإيمان، وغبن المؤمن بتقصيره في الإحسان، ذكره الثعلبي. قال الزجاج : وإنما ذكر ذلك مثلا للبيع والشراء، كقوله تعالى : فَمَا رَبِحَت تِّجَارَتُهُمْ  \[ البقرة : ١٦ \]، وقوله تعالى : هَلْ أَدُلُّكمْ عَلَى تِجَارَةٍ  \[ الصف : ١٠ \] وما بعد هذا ظاهر إلى قوله تعالى : يُكَفّرْ عَنْهُ سَيّئَاتِهِ  قرأ نافع، وابن عامر، والمفضل عن عاصم  نكفر  و ندخله  بالنون فيهما. والباقون : بالياء

### الآية 64:10

> ﻿وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَٰئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ خَالِدِينَ فِيهَا ۖ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ [64:10]

والثاني: أنّ تمام الكلام عند قوله عزّ وجلّ: خَلَقَكُمْ ثم وصفهم، فقال عزّ وجلّ: فَمِنْكُمْ كافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ، واختلف أرباب هذا القول فيه على أربعة أقوال: أحدها: فمنكم كافر يؤمن، ومنكم مؤمن يكفر، قاله أبو الجوزاء عن ابن عباس. والثاني: فمنكم كافر في حياته مؤمن في العاقبة، ومنكم مؤمن في حياته كافر في العاقبة، قاله أبو سعيد الخدري. والثالث: فمنكم كافر بالله مؤمن بالكوكب، ومنكم مؤمن بالله كافر بالكوكب، قاله عطاء بن أبي رباح، وعنى بذلك شأن الأنواء.
 والرابع: فمنكم كافر بالله خلقه، ومؤمن بالله خلقه، حكاه الزجاج، والكفر بالخلق مذهب الدهرية، وأهل الطبائع. وما بعد هذا قد سبق إلى قوله عزّ وجلّ: وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ قال الزجاج:
 أي: خلقكم أحسن الحيوان كلِّه. وقرأ الأعمش **«صوركم»** بكسر الصاد. ويقال في جمع الصورة:
 صور، وصور، وصِور، كما يقال في جمع لحية: لِحىّ، ولُحىّ. وذكر ابن السائب أن معنى فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ أحكمها. وما بعد هذا ظاهر إِلى قوله تعالى: وَيَعْلَمُ ما تُسِرُّونَ روى المفضل عن عاصم **«يسرُّون»** و **«يعلنون»** بالياء فيهما أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ هذا خطاب لأهل مكة خوفهم ما نزل بالكفّار قبلهم، فذلك قوله عزّ وجلّ: فَذاقُوا وَبالَ أَمْرِهِمْ أي: جزاء أعمالهم، وهو ما أصابهم من العذاب في الدنيا وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ في الآخرة ذلِكَ الذي أصابهم بِأَنَّهُ كانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فينكرون ذلك، ويقولون: أَبَشَرٌ أي: ناس مثلنا يَهْدُونَنا والبشر اسم جنس معناه الجمع، وإن كان لفظه واحداً فَكَفَرُوا وَتَوَلَّوْا أي: أعرضوا عن الإيمان وَاسْتَغْنَى اللَّهُ عن إيمانهم وعبادتهم.
 \[سورة التغابن (٦٤) : الآيات ٧ الى ١٨\]
 زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِما عَمِلْتُمْ وَذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (٧) فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالنُّورِ الَّذِي أَنْزَلْنا وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (٨) يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ ذلِكَ يَوْمُ التَّغابُنِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صالِحاً يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئاتِهِ وَيُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَداً ذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٩) وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ خالِدِينَ فِيها وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (١٠) ما أَصابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (١١)
 وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَإِنَّما عَلى رَسُولِنَا الْبَلاغُ الْمُبِينُ (١٢) اللَّهُ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (١٣) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْواجِكُمْ وَأَوْلادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ وَإِنْ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٤) إِنَّما أَمْوالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ وَاللَّهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ (١٥) فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا وَأَنْفِقُوا خَيْراً لِأَنْفُسِكُمْ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٦)
 إِنْ تُقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً يُضاعِفْهُ لَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ شَكُورٌ حَلِيمٌ (١٧) عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١٨)
 قوله عزّ وجلّ: زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا كان ابن عمر يقول: **«زعموا»** كناية الكذب. وكان مجاهد يكره أن يقول الرجل: زعم فلان.
 قوله عزّ وجلّ: وَذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ يعني: البعث وَالنُّورِ هو القرآن، وفيه بيان أمر البعث والحساب والجزاء.

قوله عزّ وجلّ: يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ هو منصوب بقوله تعالى: لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِما عَمِلْتُمْ يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ وهو يوم القيامة. وسمي بذلك لأن الله تعالى يجمع فيه الجن والإنس، وأهل السماء، وأهل الأرض. قوله: ذلِكَ يَوْمُ التَّغابُنِ تفاعل من الغبن، وهو فوت الحظ. والمراد في تسميته يوم القيامة بيوم التغابن فيه أربعة أقوال: أحدها: أنه ليس من كافر إلا وله منزل وأهل في الجنة، فيرث ذلك المؤمن، فيغبن حينئذ الكافر، ذكر هذا المعنى أبو صالح عن ابن عباس. والثاني: غبن أهل الجنة أهل النار، قاله مجاهد، والقرظي. والثالث: أنه يوم غبن المظلوم الظالم، لأن المظلوم كان في الدنيا مغبوناً، فصار في الآخرة غابناً، ذكره الماوردي. والرابع: أنه يوم يظهر فيه غبن الكافر بتركه للإيمان، وغبن المؤمن بتقصيره في الإحسان، ذكره الثعلبي. قال الزجاج: وإنما ذكر ذلك مثلا للبيع والشراء، كقوله عزّ وجلّ: فَما رَبِحَتْ تِجارَتُهُمْ **«١»**، وقوله عزّ وجلّ: هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى تِجارَةٍ **«٢»** وما بعد هذا ظاهر إلى قوله عزّ وجلّ: يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئاتِهِ قرأ نافع، وابن عامر، والمفضل عن عاصم **«نكفر»** **«وندخله»** بالنون فيهما. والباقون: بالياء ما أَصابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ قال ابن عباس: بعلمه وقضائه.
 قوله: وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ فيه ستة أقوال: أحدها: يهد قلبه لليقين، فيعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه، رواه علي بن أبي طلحة عن ابن عباس. وقال علقمة: هو الرجل تصيبه المصيبة، فيعلم أنها من قبل الله تعالى، فيسلم، ويرضى. والثاني: يهد قلبه للاسترجاع، وهو أن يقول: إنا لله، وإنا إليه راجعون، قاله مقاتل. والثالث: أنه إذا ابتلي صبر، وإذا أنعم عليه شكر، وإذا ظلم غفر، قاله ابن السائب، وابن قتيبة. والرابع: يهد قلبه، أي: يجعله مهتدياً، قاله الزجاج.
 والخامس: يهد وليَّه بالصبر والرضى، قاله أبو بكر الورَّاق. والسادس: يهد قلبه لاتباع السنة إِذا صح إيمانه، قاله أبو عثمان الحيري. وقرأ أبو بكر الصديق، وعاصم الجحدري، وأبو نهيك: **«يَهْدَ»** بياءٍ مفتوحة. ونصب الدال ****«قَلْبُهُ»**** بالرفع. قال الزجاج: هذا من هدأ يهدأ: إذا سكن. فالمعنى: إذا سلَّم لأمر الله سَكَنَ قلبُه. وقرأ عثمان بن عفان، والضحاك، وطلحة بن مصرف، والأزرق عن حمزة: **«نَهْد»** بالنون. وقرأ علي بن أبي طالب، عليه السلام وأبو عبد الرّحمن: **«يهد قلبه»** بضم الياء، وفتح الدال ****«قَلْبُهُ»**** بالرفع. وما بعد هذا ظاهر إلى قوله عزّ وجلّ: إِنَّ مِنْ أَزْواجِكُمْ وَأَوْلادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ.
 (١٤٥٥) سبب نزولها أن الرجل كان يسلم. فإِذا أراد الهجرة منعه أهله، وولده، وقالوا: نَنْشُدُك الله أن تذهب وتَدَعَ أهلك وعشيرتك وتصير إِلى المدينة بلا أهل ولا مال. فمنهم من يَرِقُّ لهم، ويقيم فلا يهاجر، فنزلت هذه الآية. فلما هاجر أولئك، ورأوا الناس فقد فقهوا في الدّين همّوا أن يعاقبوا أهليهم الذين منعوهم، فأنزل الله تعالى: وَإِنْ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا إلى آخر الآية، هذا قول ابن عباس.
 وقال الزجاج: لما أرادوا الهجرة قال لهم أزواجهم، وأولادهم: قد صبرنا لكم على مفارقة الدّين ولا

 حسن. أخرجه الترمذي ٣٣١٧ والحاكم ٢/ ٤٩٠ والطبري ٣٤١٩٨ من حديث ابن عباس، صححه الحاكم ووافقه الذهبي، وقال الترمذي: حسن صحيح. مع أنه من رواية سماك عن عكرمة وفيه ضعف، وورد من وجه آخر، أخرجه الطبري ٣٤٢٠٠، وفيه عطية العوفي واه. وانظر تفسير القرطبي ٦٠٠١ بتخريجنا. وانظر أيضا **«أحكام القرآن»** ٢١٣١ فقد استوفيت فيه الكلام عليه.
 __________
 (١) البقرة: ١٦.
 (٢) الصف: ١٠.

نصبر لكم على مفارقتكم، ومفارقة الأموال، والمساكن، فأعلم الله عزّ وجلّ أن من كان بهذه الصورة، فهو عدوٌّ، وإِن كان ولداً، أو كانت زوجة. وقال مجاهد: كان حب الرجل ولده وزوجته يحمله على قطيعة رحمه ومعصية ربه. وقال قتادة: كان من أزواجهم، وأولادهم من ينهاهم عن الإسلام، ويثبّطهم عنه، فخرج في قوله عزّ وجلّ: عَدُوًّا لَكُمْ ثلاثة أقوال: أحدها: بمنعهم من الهجرة، وهذا على قول ابن عباس. والثاني: بكونهم سببا للمعاصي، وهذا على قول مجاهد. والثالث: بنهيهم عن الإسلام، وهذا على قول قتادة.
 قوله عزّ وجلّ: فَاحْذَرُوهُمْ قال الفراء: لا تطيعوهم في التخلُّف.
 قوله عزّ وجلّ: نَّما أَمْوالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ
 أي: بلاء وشغل عن الآخرة. فالمال والأولاد يوقعان في العظائم إلا من عصمه الله. وقال ابن قتيبة: أي: إغرام. يقال: فتن فلان بالمرأة، وشغف بها، أي: أغرم بها. وقال أهل المعاني: إنما دخل ****«من»**** في قوله عزّ وجلّ: إِنَّ مِنْ أَزْواجِكُمْ لأنه ليس كل الأزواج، والأولاد أعداءً. ولم يذكر ****«من»**** في قوله عزّ وجلّ: نَّما أَمْوالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ
 لأنها لا تخلو من الفتنة، واشتغال القلب بها.
 (١٤٥٦) وقد روى بريدة عن رسول الله صلّى الله عليه وسلم أنه كان يخطب، فجاء الحسن، والحسين، عليهما السلام، عليهما قميصان أحمران يمشيان، ويعثران، فنزل من المنبر، فحملهما، فوضعهما بين يديه ثم قال: **«صدق الله عزّ وجلّ: نَّما أَمْوالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ
 نظرت إِلى هذين الصبيين يمشيان، ويعثران، فلم أصبر حتى قطعت حديثي، ورفعتهما»**.
 قوله عزّ وجلّ: اللَّهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ
 أي: ثواب جزيل، وهو الجنة. والمعنى: لا تعصوه بسبب الأولاد، ولا تؤثروهم على ما عند الله من الأجر العظيم فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ أي: ما أطقتم وَاسْمَعُوا ما تُؤمَرُون به وَأَطِيعُوا وَأَنْفِقُوا خَيْراً لِأَنْفُسِكُمْ وفي هذه النفقة ثلاثة أقوال: أحدها:
 الصَّدقة، قاله ابن عباس. والثاني: نفقة المؤمن على نفسه، قاله الحسن. والثالث: النفقة في الجهاد، قاله الضحاك. وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ حتى يعطيَ حق الله في ماله. وقد تقدّم بيان هذا في سورة الحشر وما بعده سبق بيانه إلى آخر السّورة **«١»**.

 حسن. أخرجه الترمذي ٣٧٧٤ والحاكم ١/ ٢٨٧ وابن حبان ٦٠٣٩ والبيهقي ٣/ ٢١٨ من طرق عن علي بن الحسين بن واقد به. عن بريدة مرفوعا. وصححه الحاكم على شرط مسلم، ووافقه الذهبي، مع أن علي بن الحسين روى له مسلم في المقدمة فقط لكنه توبع. وأخرجه أبو داود ١١٠٩ والنسائي ٣/ ١٠٨ و ١٩٢ وابن ماجة ٣٦٠٠ وابن أبي شيبة ٨/ ٣٦٨ و ١٢/ ٢٩٩- ٣٠٠ وأحمد ٥/ ٣٥٤ وابن خزيمة ١٠٨٢ وابن حبان ٦٠٣٨ والبيهقي ٦/ ١٦٥ من حديث بريدة.
 وانظر **«أحكام القرآن»** و **«الجامع لأحكام القرآن»** ٦٠٠٥.
 __________
 (١) البقرة: ٢٤٥، والحديد: ١١- ١٨، والحشر: ٢٣- ٢٤.

### الآية 64:11

> ﻿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ ۗ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ ۚ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ [64:11]

مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ  قال ابن عباس : بعلمه وقضائه  وَمَن يُؤْمِن بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ  فيه ستة أقوال :
أحدها : يهد قلبه لليقين، فيعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه، رواه علي بن أبي طلحة عن ابن عباس. وقال علقمة : هو الرجل تصيبه المصيبة، فيعلم أنها من قبل الله تعالى، فيسلم، ويرضى. 
والثاني : يهد قلبه للاسترجاع، وهو أن يقول : إنا لله، وإنا إليه راجعون. قاله مقاتل. 
والثالث : أنه إذا ابتلي صبر، وإذا أنعم عليه شكر، وإذا ظلم غفر، قاله ابن السائب، وابن قتيبة. 
والرابع : يهد قلبه، أي : يجعله مهتديا، قاله الزجاج. 
والخامس : يهد وليه بالصبر والرضى، قاله أبو بكر الوراق. 
والسادس : يهد قلبه لاتباع السنة إذا صح إيمانه، قاله أبو عثمان الحيري. وقرأ أبو بكر الصديق، وعاصم الجحدري، وأبو نهيك : يَهْدَ  بياء مفتوحة. ونصب الدال  قَلْبُهُ  بالرفع. قال الزجاج : هذا من هدأ يهدأ : إذا سكن. فالمعنى : إذا سلم لأمر الله سَكَنَ قلبُه. وقرأ عثمان بن عفان، والضحاك، وطلحة بن مصرف، والأزرق عن حمزة : نَهْد  بالنون. وقرأ علي بن أبي طالب، وأبو عبد الرحمن : يُهْدَ  بضم الياء، وفتح الدال  قَلْبُهُ  بالرفع. وما بعد هذا ظاهر.

### الآية 64:12

> ﻿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ ۚ فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَإِنَّمَا عَلَىٰ رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ [64:12]

والثاني: أنّ تمام الكلام عند قوله عزّ وجلّ: خَلَقَكُمْ ثم وصفهم، فقال عزّ وجلّ: فَمِنْكُمْ كافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ، واختلف أرباب هذا القول فيه على أربعة أقوال: أحدها: فمنكم كافر يؤمن، ومنكم مؤمن يكفر، قاله أبو الجوزاء عن ابن عباس. والثاني: فمنكم كافر في حياته مؤمن في العاقبة، ومنكم مؤمن في حياته كافر في العاقبة، قاله أبو سعيد الخدري. والثالث: فمنكم كافر بالله مؤمن بالكوكب، ومنكم مؤمن بالله كافر بالكوكب، قاله عطاء بن أبي رباح، وعنى بذلك شأن الأنواء.
 والرابع: فمنكم كافر بالله خلقه، ومؤمن بالله خلقه، حكاه الزجاج، والكفر بالخلق مذهب الدهرية، وأهل الطبائع. وما بعد هذا قد سبق إلى قوله عزّ وجلّ: وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ قال الزجاج:
 أي: خلقكم أحسن الحيوان كلِّه. وقرأ الأعمش **«صوركم»** بكسر الصاد. ويقال في جمع الصورة:
 صور، وصور، وصِور، كما يقال في جمع لحية: لِحىّ، ولُحىّ. وذكر ابن السائب أن معنى فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ أحكمها. وما بعد هذا ظاهر إِلى قوله تعالى: وَيَعْلَمُ ما تُسِرُّونَ روى المفضل عن عاصم **«يسرُّون»** و **«يعلنون»** بالياء فيهما أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ هذا خطاب لأهل مكة خوفهم ما نزل بالكفّار قبلهم، فذلك قوله عزّ وجلّ: فَذاقُوا وَبالَ أَمْرِهِمْ أي: جزاء أعمالهم، وهو ما أصابهم من العذاب في الدنيا وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ في الآخرة ذلِكَ الذي أصابهم بِأَنَّهُ كانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فينكرون ذلك، ويقولون: أَبَشَرٌ أي: ناس مثلنا يَهْدُونَنا والبشر اسم جنس معناه الجمع، وإن كان لفظه واحداً فَكَفَرُوا وَتَوَلَّوْا أي: أعرضوا عن الإيمان وَاسْتَغْنَى اللَّهُ عن إيمانهم وعبادتهم.
 \[سورة التغابن (٦٤) : الآيات ٧ الى ١٨\]
 زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِما عَمِلْتُمْ وَذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (٧) فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالنُّورِ الَّذِي أَنْزَلْنا وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (٨) يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ ذلِكَ يَوْمُ التَّغابُنِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صالِحاً يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئاتِهِ وَيُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَداً ذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٩) وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ خالِدِينَ فِيها وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (١٠) ما أَصابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (١١)
 وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَإِنَّما عَلى رَسُولِنَا الْبَلاغُ الْمُبِينُ (١٢) اللَّهُ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (١٣) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْواجِكُمْ وَأَوْلادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ وَإِنْ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٤) إِنَّما أَمْوالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ وَاللَّهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ (١٥) فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا وَأَنْفِقُوا خَيْراً لِأَنْفُسِكُمْ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٦)
 إِنْ تُقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً يُضاعِفْهُ لَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ شَكُورٌ حَلِيمٌ (١٧) عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١٨)
 قوله عزّ وجلّ: زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا كان ابن عمر يقول: **«زعموا»** كناية الكذب. وكان مجاهد يكره أن يقول الرجل: زعم فلان.
 قوله عزّ وجلّ: وَذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ يعني: البعث وَالنُّورِ هو القرآن، وفيه بيان أمر البعث والحساب والجزاء.

قوله عزّ وجلّ: يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ هو منصوب بقوله تعالى: لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِما عَمِلْتُمْ يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ وهو يوم القيامة. وسمي بذلك لأن الله تعالى يجمع فيه الجن والإنس، وأهل السماء، وأهل الأرض. قوله: ذلِكَ يَوْمُ التَّغابُنِ تفاعل من الغبن، وهو فوت الحظ. والمراد في تسميته يوم القيامة بيوم التغابن فيه أربعة أقوال: أحدها: أنه ليس من كافر إلا وله منزل وأهل في الجنة، فيرث ذلك المؤمن، فيغبن حينئذ الكافر، ذكر هذا المعنى أبو صالح عن ابن عباس. والثاني: غبن أهل الجنة أهل النار، قاله مجاهد، والقرظي. والثالث: أنه يوم غبن المظلوم الظالم، لأن المظلوم كان في الدنيا مغبوناً، فصار في الآخرة غابناً، ذكره الماوردي. والرابع: أنه يوم يظهر فيه غبن الكافر بتركه للإيمان، وغبن المؤمن بتقصيره في الإحسان، ذكره الثعلبي. قال الزجاج: وإنما ذكر ذلك مثلا للبيع والشراء، كقوله عزّ وجلّ: فَما رَبِحَتْ تِجارَتُهُمْ **«١»**، وقوله عزّ وجلّ: هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى تِجارَةٍ **«٢»** وما بعد هذا ظاهر إلى قوله عزّ وجلّ: يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئاتِهِ قرأ نافع، وابن عامر، والمفضل عن عاصم **«نكفر»** **«وندخله»** بالنون فيهما. والباقون: بالياء ما أَصابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ قال ابن عباس: بعلمه وقضائه.
 قوله: وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ فيه ستة أقوال: أحدها: يهد قلبه لليقين، فيعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه، رواه علي بن أبي طلحة عن ابن عباس. وقال علقمة: هو الرجل تصيبه المصيبة، فيعلم أنها من قبل الله تعالى، فيسلم، ويرضى. والثاني: يهد قلبه للاسترجاع، وهو أن يقول: إنا لله، وإنا إليه راجعون، قاله مقاتل. والثالث: أنه إذا ابتلي صبر، وإذا أنعم عليه شكر، وإذا ظلم غفر، قاله ابن السائب، وابن قتيبة. والرابع: يهد قلبه، أي: يجعله مهتدياً، قاله الزجاج.
 والخامس: يهد وليَّه بالصبر والرضى، قاله أبو بكر الورَّاق. والسادس: يهد قلبه لاتباع السنة إِذا صح إيمانه، قاله أبو عثمان الحيري. وقرأ أبو بكر الصديق، وعاصم الجحدري، وأبو نهيك: **«يَهْدَ»** بياءٍ مفتوحة. ونصب الدال ****«قَلْبُهُ»**** بالرفع. قال الزجاج: هذا من هدأ يهدأ: إذا سكن. فالمعنى: إذا سلَّم لأمر الله سَكَنَ قلبُه. وقرأ عثمان بن عفان، والضحاك، وطلحة بن مصرف، والأزرق عن حمزة: **«نَهْد»** بالنون. وقرأ علي بن أبي طالب، عليه السلام وأبو عبد الرّحمن: **«يهد قلبه»** بضم الياء، وفتح الدال ****«قَلْبُهُ»**** بالرفع. وما بعد هذا ظاهر إلى قوله عزّ وجلّ: إِنَّ مِنْ أَزْواجِكُمْ وَأَوْلادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ.
 (١٤٥٥) سبب نزولها أن الرجل كان يسلم. فإِذا أراد الهجرة منعه أهله، وولده، وقالوا: نَنْشُدُك الله أن تذهب وتَدَعَ أهلك وعشيرتك وتصير إِلى المدينة بلا أهل ولا مال. فمنهم من يَرِقُّ لهم، ويقيم فلا يهاجر، فنزلت هذه الآية. فلما هاجر أولئك، ورأوا الناس فقد فقهوا في الدّين همّوا أن يعاقبوا أهليهم الذين منعوهم، فأنزل الله تعالى: وَإِنْ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا إلى آخر الآية، هذا قول ابن عباس.
 وقال الزجاج: لما أرادوا الهجرة قال لهم أزواجهم، وأولادهم: قد صبرنا لكم على مفارقة الدّين ولا

 حسن. أخرجه الترمذي ٣٣١٧ والحاكم ٢/ ٤٩٠ والطبري ٣٤١٩٨ من حديث ابن عباس، صححه الحاكم ووافقه الذهبي، وقال الترمذي: حسن صحيح. مع أنه من رواية سماك عن عكرمة وفيه ضعف، وورد من وجه آخر، أخرجه الطبري ٣٤٢٠٠، وفيه عطية العوفي واه. وانظر تفسير القرطبي ٦٠٠١ بتخريجنا. وانظر أيضا **«أحكام القرآن»** ٢١٣١ فقد استوفيت فيه الكلام عليه.
 __________
 (١) البقرة: ١٦.
 (٢) الصف: ١٠.

نصبر لكم على مفارقتكم، ومفارقة الأموال، والمساكن، فأعلم الله عزّ وجلّ أن من كان بهذه الصورة، فهو عدوٌّ، وإِن كان ولداً، أو كانت زوجة. وقال مجاهد: كان حب الرجل ولده وزوجته يحمله على قطيعة رحمه ومعصية ربه. وقال قتادة: كان من أزواجهم، وأولادهم من ينهاهم عن الإسلام، ويثبّطهم عنه، فخرج في قوله عزّ وجلّ: عَدُوًّا لَكُمْ ثلاثة أقوال: أحدها: بمنعهم من الهجرة، وهذا على قول ابن عباس. والثاني: بكونهم سببا للمعاصي، وهذا على قول مجاهد. والثالث: بنهيهم عن الإسلام، وهذا على قول قتادة.
 قوله عزّ وجلّ: فَاحْذَرُوهُمْ قال الفراء: لا تطيعوهم في التخلُّف.
 قوله عزّ وجلّ: نَّما أَمْوالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ
 أي: بلاء وشغل عن الآخرة. فالمال والأولاد يوقعان في العظائم إلا من عصمه الله. وقال ابن قتيبة: أي: إغرام. يقال: فتن فلان بالمرأة، وشغف بها، أي: أغرم بها. وقال أهل المعاني: إنما دخل ****«من»**** في قوله عزّ وجلّ: إِنَّ مِنْ أَزْواجِكُمْ لأنه ليس كل الأزواج، والأولاد أعداءً. ولم يذكر ****«من»**** في قوله عزّ وجلّ: نَّما أَمْوالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ
 لأنها لا تخلو من الفتنة، واشتغال القلب بها.
 (١٤٥٦) وقد روى بريدة عن رسول الله صلّى الله عليه وسلم أنه كان يخطب، فجاء الحسن، والحسين، عليهما السلام، عليهما قميصان أحمران يمشيان، ويعثران، فنزل من المنبر، فحملهما، فوضعهما بين يديه ثم قال: **«صدق الله عزّ وجلّ: نَّما أَمْوالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ
 نظرت إِلى هذين الصبيين يمشيان، ويعثران، فلم أصبر حتى قطعت حديثي، ورفعتهما»**.
 قوله عزّ وجلّ: اللَّهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ
 أي: ثواب جزيل، وهو الجنة. والمعنى: لا تعصوه بسبب الأولاد، ولا تؤثروهم على ما عند الله من الأجر العظيم فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ أي: ما أطقتم وَاسْمَعُوا ما تُؤمَرُون به وَأَطِيعُوا وَأَنْفِقُوا خَيْراً لِأَنْفُسِكُمْ وفي هذه النفقة ثلاثة أقوال: أحدها:
 الصَّدقة، قاله ابن عباس. والثاني: نفقة المؤمن على نفسه، قاله الحسن. والثالث: النفقة في الجهاد، قاله الضحاك. وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ حتى يعطيَ حق الله في ماله. وقد تقدّم بيان هذا في سورة الحشر وما بعده سبق بيانه إلى آخر السّورة **«١»**.

 حسن. أخرجه الترمذي ٣٧٧٤ والحاكم ١/ ٢٨٧ وابن حبان ٦٠٣٩ والبيهقي ٣/ ٢١٨ من طرق عن علي بن الحسين بن واقد به. عن بريدة مرفوعا. وصححه الحاكم على شرط مسلم، ووافقه الذهبي، مع أن علي بن الحسين روى له مسلم في المقدمة فقط لكنه توبع. وأخرجه أبو داود ١١٠٩ والنسائي ٣/ ١٠٨ و ١٩٢ وابن ماجة ٣٦٠٠ وابن أبي شيبة ٨/ ٣٦٨ و ١٢/ ٢٩٩- ٣٠٠ وأحمد ٥/ ٣٥٤ وابن خزيمة ١٠٨٢ وابن حبان ٦٠٣٨ والبيهقي ٦/ ١٦٥ من حديث بريدة.
 وانظر **«أحكام القرآن»** و **«الجامع لأحكام القرآن»** ٦٠٠٥.
 __________
 (١) البقرة: ٢٤٥، والحديد: ١١- ١٨، والحشر: ٢٣- ٢٤.

### الآية 64:13

> ﻿اللَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ۚ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ [64:13]

والثاني: أنّ تمام الكلام عند قوله عزّ وجلّ: خَلَقَكُمْ ثم وصفهم، فقال عزّ وجلّ: فَمِنْكُمْ كافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ، واختلف أرباب هذا القول فيه على أربعة أقوال: أحدها: فمنكم كافر يؤمن، ومنكم مؤمن يكفر، قاله أبو الجوزاء عن ابن عباس. والثاني: فمنكم كافر في حياته مؤمن في العاقبة، ومنكم مؤمن في حياته كافر في العاقبة، قاله أبو سعيد الخدري. والثالث: فمنكم كافر بالله مؤمن بالكوكب، ومنكم مؤمن بالله كافر بالكوكب، قاله عطاء بن أبي رباح، وعنى بذلك شأن الأنواء.
 والرابع: فمنكم كافر بالله خلقه، ومؤمن بالله خلقه، حكاه الزجاج، والكفر بالخلق مذهب الدهرية، وأهل الطبائع. وما بعد هذا قد سبق إلى قوله عزّ وجلّ: وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ قال الزجاج:
 أي: خلقكم أحسن الحيوان كلِّه. وقرأ الأعمش **«صوركم»** بكسر الصاد. ويقال في جمع الصورة:
 صور، وصور، وصِور، كما يقال في جمع لحية: لِحىّ، ولُحىّ. وذكر ابن السائب أن معنى فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ أحكمها. وما بعد هذا ظاهر إِلى قوله تعالى: وَيَعْلَمُ ما تُسِرُّونَ روى المفضل عن عاصم **«يسرُّون»** و **«يعلنون»** بالياء فيهما أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ هذا خطاب لأهل مكة خوفهم ما نزل بالكفّار قبلهم، فذلك قوله عزّ وجلّ: فَذاقُوا وَبالَ أَمْرِهِمْ أي: جزاء أعمالهم، وهو ما أصابهم من العذاب في الدنيا وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ في الآخرة ذلِكَ الذي أصابهم بِأَنَّهُ كانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فينكرون ذلك، ويقولون: أَبَشَرٌ أي: ناس مثلنا يَهْدُونَنا والبشر اسم جنس معناه الجمع، وإن كان لفظه واحداً فَكَفَرُوا وَتَوَلَّوْا أي: أعرضوا عن الإيمان وَاسْتَغْنَى اللَّهُ عن إيمانهم وعبادتهم.
 \[سورة التغابن (٦٤) : الآيات ٧ الى ١٨\]
 زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِما عَمِلْتُمْ وَذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (٧) فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالنُّورِ الَّذِي أَنْزَلْنا وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (٨) يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ ذلِكَ يَوْمُ التَّغابُنِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صالِحاً يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئاتِهِ وَيُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَداً ذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٩) وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ خالِدِينَ فِيها وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (١٠) ما أَصابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (١١)
 وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَإِنَّما عَلى رَسُولِنَا الْبَلاغُ الْمُبِينُ (١٢) اللَّهُ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (١٣) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْواجِكُمْ وَأَوْلادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ وَإِنْ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٤) إِنَّما أَمْوالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ وَاللَّهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ (١٥) فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا وَأَنْفِقُوا خَيْراً لِأَنْفُسِكُمْ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٦)
 إِنْ تُقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً يُضاعِفْهُ لَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ شَكُورٌ حَلِيمٌ (١٧) عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١٨)
 قوله عزّ وجلّ: زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا كان ابن عمر يقول: **«زعموا»** كناية الكذب. وكان مجاهد يكره أن يقول الرجل: زعم فلان.
 قوله عزّ وجلّ: وَذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ يعني: البعث وَالنُّورِ هو القرآن، وفيه بيان أمر البعث والحساب والجزاء.

قوله عزّ وجلّ: يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ هو منصوب بقوله تعالى: لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِما عَمِلْتُمْ يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ وهو يوم القيامة. وسمي بذلك لأن الله تعالى يجمع فيه الجن والإنس، وأهل السماء، وأهل الأرض. قوله: ذلِكَ يَوْمُ التَّغابُنِ تفاعل من الغبن، وهو فوت الحظ. والمراد في تسميته يوم القيامة بيوم التغابن فيه أربعة أقوال: أحدها: أنه ليس من كافر إلا وله منزل وأهل في الجنة، فيرث ذلك المؤمن، فيغبن حينئذ الكافر، ذكر هذا المعنى أبو صالح عن ابن عباس. والثاني: غبن أهل الجنة أهل النار، قاله مجاهد، والقرظي. والثالث: أنه يوم غبن المظلوم الظالم، لأن المظلوم كان في الدنيا مغبوناً، فصار في الآخرة غابناً، ذكره الماوردي. والرابع: أنه يوم يظهر فيه غبن الكافر بتركه للإيمان، وغبن المؤمن بتقصيره في الإحسان، ذكره الثعلبي. قال الزجاج: وإنما ذكر ذلك مثلا للبيع والشراء، كقوله عزّ وجلّ: فَما رَبِحَتْ تِجارَتُهُمْ **«١»**، وقوله عزّ وجلّ: هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى تِجارَةٍ **«٢»** وما بعد هذا ظاهر إلى قوله عزّ وجلّ: يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئاتِهِ قرأ نافع، وابن عامر، والمفضل عن عاصم **«نكفر»** **«وندخله»** بالنون فيهما. والباقون: بالياء ما أَصابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ قال ابن عباس: بعلمه وقضائه.
 قوله: وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ فيه ستة أقوال: أحدها: يهد قلبه لليقين، فيعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه، رواه علي بن أبي طلحة عن ابن عباس. وقال علقمة: هو الرجل تصيبه المصيبة، فيعلم أنها من قبل الله تعالى، فيسلم، ويرضى. والثاني: يهد قلبه للاسترجاع، وهو أن يقول: إنا لله، وإنا إليه راجعون، قاله مقاتل. والثالث: أنه إذا ابتلي صبر، وإذا أنعم عليه شكر، وإذا ظلم غفر، قاله ابن السائب، وابن قتيبة. والرابع: يهد قلبه، أي: يجعله مهتدياً، قاله الزجاج.
 والخامس: يهد وليَّه بالصبر والرضى، قاله أبو بكر الورَّاق. والسادس: يهد قلبه لاتباع السنة إِذا صح إيمانه، قاله أبو عثمان الحيري. وقرأ أبو بكر الصديق، وعاصم الجحدري، وأبو نهيك: **«يَهْدَ»** بياءٍ مفتوحة. ونصب الدال ****«قَلْبُهُ»**** بالرفع. قال الزجاج: هذا من هدأ يهدأ: إذا سكن. فالمعنى: إذا سلَّم لأمر الله سَكَنَ قلبُه. وقرأ عثمان بن عفان، والضحاك، وطلحة بن مصرف، والأزرق عن حمزة: **«نَهْد»** بالنون. وقرأ علي بن أبي طالب، عليه السلام وأبو عبد الرّحمن: **«يهد قلبه»** بضم الياء، وفتح الدال ****«قَلْبُهُ»**** بالرفع. وما بعد هذا ظاهر إلى قوله عزّ وجلّ: إِنَّ مِنْ أَزْواجِكُمْ وَأَوْلادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ.
 (١٤٥٥) سبب نزولها أن الرجل كان يسلم. فإِذا أراد الهجرة منعه أهله، وولده، وقالوا: نَنْشُدُك الله أن تذهب وتَدَعَ أهلك وعشيرتك وتصير إِلى المدينة بلا أهل ولا مال. فمنهم من يَرِقُّ لهم، ويقيم فلا يهاجر، فنزلت هذه الآية. فلما هاجر أولئك، ورأوا الناس فقد فقهوا في الدّين همّوا أن يعاقبوا أهليهم الذين منعوهم، فأنزل الله تعالى: وَإِنْ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا إلى آخر الآية، هذا قول ابن عباس.
 وقال الزجاج: لما أرادوا الهجرة قال لهم أزواجهم، وأولادهم: قد صبرنا لكم على مفارقة الدّين ولا

 حسن. أخرجه الترمذي ٣٣١٧ والحاكم ٢/ ٤٩٠ والطبري ٣٤١٩٨ من حديث ابن عباس، صححه الحاكم ووافقه الذهبي، وقال الترمذي: حسن صحيح. مع أنه من رواية سماك عن عكرمة وفيه ضعف، وورد من وجه آخر، أخرجه الطبري ٣٤٢٠٠، وفيه عطية العوفي واه. وانظر تفسير القرطبي ٦٠٠١ بتخريجنا. وانظر أيضا **«أحكام القرآن»** ٢١٣١ فقد استوفيت فيه الكلام عليه.
 __________
 (١) البقرة: ١٦.
 (٢) الصف: ١٠.

نصبر لكم على مفارقتكم، ومفارقة الأموال، والمساكن، فأعلم الله عزّ وجلّ أن من كان بهذه الصورة، فهو عدوٌّ، وإِن كان ولداً، أو كانت زوجة. وقال مجاهد: كان حب الرجل ولده وزوجته يحمله على قطيعة رحمه ومعصية ربه. وقال قتادة: كان من أزواجهم، وأولادهم من ينهاهم عن الإسلام، ويثبّطهم عنه، فخرج في قوله عزّ وجلّ: عَدُوًّا لَكُمْ ثلاثة أقوال: أحدها: بمنعهم من الهجرة، وهذا على قول ابن عباس. والثاني: بكونهم سببا للمعاصي، وهذا على قول مجاهد. والثالث: بنهيهم عن الإسلام، وهذا على قول قتادة.
 قوله عزّ وجلّ: فَاحْذَرُوهُمْ قال الفراء: لا تطيعوهم في التخلُّف.
 قوله عزّ وجلّ: نَّما أَمْوالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ
 أي: بلاء وشغل عن الآخرة. فالمال والأولاد يوقعان في العظائم إلا من عصمه الله. وقال ابن قتيبة: أي: إغرام. يقال: فتن فلان بالمرأة، وشغف بها، أي: أغرم بها. وقال أهل المعاني: إنما دخل ****«من»**** في قوله عزّ وجلّ: إِنَّ مِنْ أَزْواجِكُمْ لأنه ليس كل الأزواج، والأولاد أعداءً. ولم يذكر ****«من»**** في قوله عزّ وجلّ: نَّما أَمْوالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ
 لأنها لا تخلو من الفتنة، واشتغال القلب بها.
 (١٤٥٦) وقد روى بريدة عن رسول الله صلّى الله عليه وسلم أنه كان يخطب، فجاء الحسن، والحسين، عليهما السلام، عليهما قميصان أحمران يمشيان، ويعثران، فنزل من المنبر، فحملهما، فوضعهما بين يديه ثم قال: **«صدق الله عزّ وجلّ: نَّما أَمْوالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ
 نظرت إِلى هذين الصبيين يمشيان، ويعثران، فلم أصبر حتى قطعت حديثي، ورفعتهما»**.
 قوله عزّ وجلّ: اللَّهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ
 أي: ثواب جزيل، وهو الجنة. والمعنى: لا تعصوه بسبب الأولاد، ولا تؤثروهم على ما عند الله من الأجر العظيم فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ أي: ما أطقتم وَاسْمَعُوا ما تُؤمَرُون به وَأَطِيعُوا وَأَنْفِقُوا خَيْراً لِأَنْفُسِكُمْ وفي هذه النفقة ثلاثة أقوال: أحدها:
 الصَّدقة، قاله ابن عباس. والثاني: نفقة المؤمن على نفسه، قاله الحسن. والثالث: النفقة في الجهاد، قاله الضحاك. وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ حتى يعطيَ حق الله في ماله. وقد تقدّم بيان هذا في سورة الحشر وما بعده سبق بيانه إلى آخر السّورة **«١»**.

 حسن. أخرجه الترمذي ٣٧٧٤ والحاكم ١/ ٢٨٧ وابن حبان ٦٠٣٩ والبيهقي ٣/ ٢١٨ من طرق عن علي بن الحسين بن واقد به. عن بريدة مرفوعا. وصححه الحاكم على شرط مسلم، ووافقه الذهبي، مع أن علي بن الحسين روى له مسلم في المقدمة فقط لكنه توبع. وأخرجه أبو داود ١١٠٩ والنسائي ٣/ ١٠٨ و ١٩٢ وابن ماجة ٣٦٠٠ وابن أبي شيبة ٨/ ٣٦٨ و ١٢/ ٢٩٩- ٣٠٠ وأحمد ٥/ ٣٥٤ وابن خزيمة ١٠٨٢ وابن حبان ٦٠٣٨ والبيهقي ٦/ ١٦٥ من حديث بريدة.
 وانظر **«أحكام القرآن»** و **«الجامع لأحكام القرآن»** ٦٠٠٥.
 __________
 (١) البقرة: ٢٤٥، والحديد: ١١- ١٨، والحشر: ٢٣- ٢٤.

### الآية 64:14

> ﻿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ ۚ وَإِنْ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ [64:14]

إِنَّ مِنْ أَزْواجِكُمْ وَأَوْلادِكُمْ عَدُوّاً لَّكُمْ  سبب نزولها أن الرجل كان يسلم. فإذا أراد الهجرة منعه أهله، وولده، وقالوا : نَنْشُدُك الله أن تذهب وتَدَعَ أهلك وعشيرتك وتصير إلى المدينة بلا أهل ولا مال. فمنهم من يَرِقُّ لهم، ويقيم فلا يهاجر، فنزلت هذه الآية. فلما هاجر أولئك، ورأوا الناس قد فَقُهوا في الدين همَوا أن يعاقبوا أهلهم الذين منعوهم، فأنزل الله تعالى : وَإِن تَعْفُواْ وَتَصْفَحُواْ  إلى آخر الآية، هذا قول ابن عباس. وقال الزجاج : لما أرادوا الهجرة قال لهم أزواجهم، وأولادهم : قد صبرنا لكم على مفارقة الدين ولا نصبر لكم على مفارقتكم، ومفارقة الأموال، والمساكن، فأعلم الله عز وجل أن من كان بهذه الصورة، فهو عدو، وإن كان ولدا، أو كانت زوجة. وقال مجاهد : كان حب الرجل ولده وزوجته يحمله على قطيعة رحمه ومعصية ربه. وقال قتادة : كان من أزواجهم، وأولادهم من ينهاهم عن الإسلام، ويثبطهم عنه، فخرج في قوله تعالى : عَدُوّاً لَّكُمْ  ثلاثة أقوال :
أحدها : بمنعه من الهجرة، وهذا على قول ابن عباس. 
والثاني : بكونهم سببا للمعاصي، وعلى هذا قول مجاهد. 
والثالث : بنهيهم عن الإسلام، وهذا على قول قتادة. 
قوله تعالى : فَاحْذَرُوهُمْ  قال الفراء : لا تطيعوهم في التخلف.

### الآية 64:15

> ﻿إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ ۚ وَاللَّهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ [64:15]

قوله تعالى : إِنَّمَا أَمْوالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ  أي : بلاء وشغل عن الآخرة. فالمال والأولاد يوقعان في العظائم إلا من عصمه الله. وقال ابن قتيبة : أي : إغرام. يقال : فتن فلان بالمرأة، وشغف بها، أي : أغرم بها. وقال الفراء : قال أهل المعاني : إنما دخل  من  في قوله تعالى : إن من أزواجكم  لأنه ليس كل الأزواج، والأولاد أعداء. ولم يذكر  من  في قوله تعالى : إِنَّمَا أَمْوالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ  لأنها لا تخلو من الفتنة، واشتغال القلب بها. وقد روى بريدة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه كان يخطب، فجاء الحسن، والحسين عليهما قميصان أحمران يمشيان، ويعثران، فنزل من المنبر، فحملهما، فوضعهما بين يديه ثم قال :( صدق الله عز وجل : إِنَّمَا أَمْوالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ  نظرت إلى هذين الصبيين يمشيان، ويعثران، فلم أصبر حتى قطعت حديثي، ورفعتهما ). 
قوله تعالى : وَاللَّهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ  أي : ثواب جزيل، وهو الجنة. والمعنى : لا تعصوه بسبب الأولاد، ولا تؤثروهم على ما عند الله من الأجر العظيم.

### الآية 64:16

> ﻿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا وَأَنْفِقُوا خَيْرًا لِأَنْفُسِكُمْ ۗ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [64:16]

فَاتَّقُواْ اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ  أي : ما أطقتم  وَاسْمَعُواْ  ما تؤمرون به  وَأَطِيعُواْ وَأَنْفِقُواْ خَيْراً لأنفُسِكُمْ  وفي هذه النفقة ثلاثة أقوال :
أحدها : الصدقة، قاله ابن عباس. 
والثاني : نفقة المؤمن على نفسه، قاله الحسن. 
والثالث : النفقة في الجهاد، قاله الضحاك  وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ  حتى يعطي حق الله في ماله. وقد تقدم بيان هذا في \[ الْحَشْرِ : ٩ \] وما بعده قد سبق بيانه إلى آخر السورة \[ البقرة : ٢٥٤، والحديد : ١١، ١٨، والحشر : ٢٣ : ٢٤ \].

### الآية 64:17

> ﻿إِنْ تُقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضَاعِفْهُ لَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ۚ وَاللَّهُ شَكُورٌ حَلِيمٌ [64:17]

البقرة : ٢٥٤، والحديد : ١١، ١٨، والحشر : ٢٣/ ٢٤ .

### الآية 64:18

> ﻿عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ [64:18]

والثاني: أنّ تمام الكلام عند قوله عزّ وجلّ: خَلَقَكُمْ ثم وصفهم، فقال عزّ وجلّ: فَمِنْكُمْ كافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ، واختلف أرباب هذا القول فيه على أربعة أقوال: أحدها: فمنكم كافر يؤمن، ومنكم مؤمن يكفر، قاله أبو الجوزاء عن ابن عباس. والثاني: فمنكم كافر في حياته مؤمن في العاقبة، ومنكم مؤمن في حياته كافر في العاقبة، قاله أبو سعيد الخدري. والثالث: فمنكم كافر بالله مؤمن بالكوكب، ومنكم مؤمن بالله كافر بالكوكب، قاله عطاء بن أبي رباح، وعنى بذلك شأن الأنواء.
 والرابع: فمنكم كافر بالله خلقه، ومؤمن بالله خلقه، حكاه الزجاج، والكفر بالخلق مذهب الدهرية، وأهل الطبائع. وما بعد هذا قد سبق إلى قوله عزّ وجلّ: وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ قال الزجاج:
 أي: خلقكم أحسن الحيوان كلِّه. وقرأ الأعمش **«صوركم»** بكسر الصاد. ويقال في جمع الصورة:
 صور، وصور، وصِور، كما يقال في جمع لحية: لِحىّ، ولُحىّ. وذكر ابن السائب أن معنى فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ أحكمها. وما بعد هذا ظاهر إِلى قوله تعالى: وَيَعْلَمُ ما تُسِرُّونَ روى المفضل عن عاصم **«يسرُّون»** و **«يعلنون»** بالياء فيهما أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ هذا خطاب لأهل مكة خوفهم ما نزل بالكفّار قبلهم، فذلك قوله عزّ وجلّ: فَذاقُوا وَبالَ أَمْرِهِمْ أي: جزاء أعمالهم، وهو ما أصابهم من العذاب في الدنيا وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ في الآخرة ذلِكَ الذي أصابهم بِأَنَّهُ كانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فينكرون ذلك، ويقولون: أَبَشَرٌ أي: ناس مثلنا يَهْدُونَنا والبشر اسم جنس معناه الجمع، وإن كان لفظه واحداً فَكَفَرُوا وَتَوَلَّوْا أي: أعرضوا عن الإيمان وَاسْتَغْنَى اللَّهُ عن إيمانهم وعبادتهم.
 \[سورة التغابن (٦٤) : الآيات ٧ الى ١٨\]
 زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِما عَمِلْتُمْ وَذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (٧) فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالنُّورِ الَّذِي أَنْزَلْنا وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (٨) يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ ذلِكَ يَوْمُ التَّغابُنِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صالِحاً يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئاتِهِ وَيُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَداً ذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٩) وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ خالِدِينَ فِيها وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (١٠) ما أَصابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (١١)
 وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَإِنَّما عَلى رَسُولِنَا الْبَلاغُ الْمُبِينُ (١٢) اللَّهُ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (١٣) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْواجِكُمْ وَأَوْلادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ وَإِنْ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٤) إِنَّما أَمْوالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ وَاللَّهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ (١٥) فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا وَأَنْفِقُوا خَيْراً لِأَنْفُسِكُمْ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٦)
 إِنْ تُقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً يُضاعِفْهُ لَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ شَكُورٌ حَلِيمٌ (١٧) عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١٨)
 قوله عزّ وجلّ: زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا كان ابن عمر يقول: **«زعموا»** كناية الكذب. وكان مجاهد يكره أن يقول الرجل: زعم فلان.
 قوله عزّ وجلّ: وَذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ يعني: البعث وَالنُّورِ هو القرآن، وفيه بيان أمر البعث والحساب والجزاء.

قوله عزّ وجلّ: يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ هو منصوب بقوله تعالى: لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِما عَمِلْتُمْ يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ وهو يوم القيامة. وسمي بذلك لأن الله تعالى يجمع فيه الجن والإنس، وأهل السماء، وأهل الأرض. قوله: ذلِكَ يَوْمُ التَّغابُنِ تفاعل من الغبن، وهو فوت الحظ. والمراد في تسميته يوم القيامة بيوم التغابن فيه أربعة أقوال: أحدها: أنه ليس من كافر إلا وله منزل وأهل في الجنة، فيرث ذلك المؤمن، فيغبن حينئذ الكافر، ذكر هذا المعنى أبو صالح عن ابن عباس. والثاني: غبن أهل الجنة أهل النار، قاله مجاهد، والقرظي. والثالث: أنه يوم غبن المظلوم الظالم، لأن المظلوم كان في الدنيا مغبوناً، فصار في الآخرة غابناً، ذكره الماوردي. والرابع: أنه يوم يظهر فيه غبن الكافر بتركه للإيمان، وغبن المؤمن بتقصيره في الإحسان، ذكره الثعلبي. قال الزجاج: وإنما ذكر ذلك مثلا للبيع والشراء، كقوله عزّ وجلّ: فَما رَبِحَتْ تِجارَتُهُمْ **«١»**، وقوله عزّ وجلّ: هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى تِجارَةٍ **«٢»** وما بعد هذا ظاهر إلى قوله عزّ وجلّ: يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئاتِهِ قرأ نافع، وابن عامر، والمفضل عن عاصم **«نكفر»** **«وندخله»** بالنون فيهما. والباقون: بالياء ما أَصابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ قال ابن عباس: بعلمه وقضائه.
 قوله: وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ فيه ستة أقوال: أحدها: يهد قلبه لليقين، فيعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه، رواه علي بن أبي طلحة عن ابن عباس. وقال علقمة: هو الرجل تصيبه المصيبة، فيعلم أنها من قبل الله تعالى، فيسلم، ويرضى. والثاني: يهد قلبه للاسترجاع، وهو أن يقول: إنا لله، وإنا إليه راجعون، قاله مقاتل. والثالث: أنه إذا ابتلي صبر، وإذا أنعم عليه شكر، وإذا ظلم غفر، قاله ابن السائب، وابن قتيبة. والرابع: يهد قلبه، أي: يجعله مهتدياً، قاله الزجاج.
 والخامس: يهد وليَّه بالصبر والرضى، قاله أبو بكر الورَّاق. والسادس: يهد قلبه لاتباع السنة إِذا صح إيمانه، قاله أبو عثمان الحيري. وقرأ أبو بكر الصديق، وعاصم الجحدري، وأبو نهيك: **«يَهْدَ»** بياءٍ مفتوحة. ونصب الدال ****«قَلْبُهُ»**** بالرفع. قال الزجاج: هذا من هدأ يهدأ: إذا سكن. فالمعنى: إذا سلَّم لأمر الله سَكَنَ قلبُه. وقرأ عثمان بن عفان، والضحاك، وطلحة بن مصرف، والأزرق عن حمزة: **«نَهْد»** بالنون. وقرأ علي بن أبي طالب، عليه السلام وأبو عبد الرّحمن: **«يهد قلبه»** بضم الياء، وفتح الدال ****«قَلْبُهُ»**** بالرفع. وما بعد هذا ظاهر إلى قوله عزّ وجلّ: إِنَّ مِنْ أَزْواجِكُمْ وَأَوْلادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ.
 (١٤٥٥) سبب نزولها أن الرجل كان يسلم. فإِذا أراد الهجرة منعه أهله، وولده، وقالوا: نَنْشُدُك الله أن تذهب وتَدَعَ أهلك وعشيرتك وتصير إِلى المدينة بلا أهل ولا مال. فمنهم من يَرِقُّ لهم، ويقيم فلا يهاجر، فنزلت هذه الآية. فلما هاجر أولئك، ورأوا الناس فقد فقهوا في الدّين همّوا أن يعاقبوا أهليهم الذين منعوهم، فأنزل الله تعالى: وَإِنْ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا إلى آخر الآية، هذا قول ابن عباس.
 وقال الزجاج: لما أرادوا الهجرة قال لهم أزواجهم، وأولادهم: قد صبرنا لكم على مفارقة الدّين ولا

 حسن. أخرجه الترمذي ٣٣١٧ والحاكم ٢/ ٤٩٠ والطبري ٣٤١٩٨ من حديث ابن عباس، صححه الحاكم ووافقه الذهبي، وقال الترمذي: حسن صحيح. مع أنه من رواية سماك عن عكرمة وفيه ضعف، وورد من وجه آخر، أخرجه الطبري ٣٤٢٠٠، وفيه عطية العوفي واه. وانظر تفسير القرطبي ٦٠٠١ بتخريجنا. وانظر أيضا **«أحكام القرآن»** ٢١٣١ فقد استوفيت فيه الكلام عليه.
 __________
 (١) البقرة: ١٦.
 (٢) الصف: ١٠.

نصبر لكم على مفارقتكم، ومفارقة الأموال، والمساكن، فأعلم الله عزّ وجلّ أن من كان بهذه الصورة، فهو عدوٌّ، وإِن كان ولداً، أو كانت زوجة. وقال مجاهد: كان حب الرجل ولده وزوجته يحمله على قطيعة رحمه ومعصية ربه. وقال قتادة: كان من أزواجهم، وأولادهم من ينهاهم عن الإسلام، ويثبّطهم عنه، فخرج في قوله عزّ وجلّ: عَدُوًّا لَكُمْ ثلاثة أقوال: أحدها: بمنعهم من الهجرة، وهذا على قول ابن عباس. والثاني: بكونهم سببا للمعاصي، وهذا على قول مجاهد. والثالث: بنهيهم عن الإسلام، وهذا على قول قتادة.
 قوله عزّ وجلّ: فَاحْذَرُوهُمْ قال الفراء: لا تطيعوهم في التخلُّف.
 قوله عزّ وجلّ: نَّما أَمْوالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ
 أي: بلاء وشغل عن الآخرة. فالمال والأولاد يوقعان في العظائم إلا من عصمه الله. وقال ابن قتيبة: أي: إغرام. يقال: فتن فلان بالمرأة، وشغف بها، أي: أغرم بها. وقال أهل المعاني: إنما دخل ****«من»**** في قوله عزّ وجلّ: إِنَّ مِنْ أَزْواجِكُمْ لأنه ليس كل الأزواج، والأولاد أعداءً. ولم يذكر ****«من»**** في قوله عزّ وجلّ: نَّما أَمْوالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ
 لأنها لا تخلو من الفتنة، واشتغال القلب بها.
 (١٤٥٦) وقد روى بريدة عن رسول الله صلّى الله عليه وسلم أنه كان يخطب، فجاء الحسن، والحسين، عليهما السلام، عليهما قميصان أحمران يمشيان، ويعثران، فنزل من المنبر، فحملهما، فوضعهما بين يديه ثم قال: **«صدق الله عزّ وجلّ: نَّما أَمْوالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ
 نظرت إِلى هذين الصبيين يمشيان، ويعثران، فلم أصبر حتى قطعت حديثي، ورفعتهما»**.
 قوله عزّ وجلّ: اللَّهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ
 أي: ثواب جزيل، وهو الجنة. والمعنى: لا تعصوه بسبب الأولاد، ولا تؤثروهم على ما عند الله من الأجر العظيم فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ أي: ما أطقتم وَاسْمَعُوا ما تُؤمَرُون به وَأَطِيعُوا وَأَنْفِقُوا خَيْراً لِأَنْفُسِكُمْ وفي هذه النفقة ثلاثة أقوال: أحدها:
 الصَّدقة، قاله ابن عباس. والثاني: نفقة المؤمن على نفسه، قاله الحسن. والثالث: النفقة في الجهاد، قاله الضحاك. وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ حتى يعطيَ حق الله في ماله. وقد تقدّم بيان هذا في سورة الحشر وما بعده سبق بيانه إلى آخر السّورة **«١»**.

 حسن. أخرجه الترمذي ٣٧٧٤ والحاكم ١/ ٢٨٧ وابن حبان ٦٠٣٩ والبيهقي ٣/ ٢١٨ من طرق عن علي بن الحسين بن واقد به. عن بريدة مرفوعا. وصححه الحاكم على شرط مسلم، ووافقه الذهبي، مع أن علي بن الحسين روى له مسلم في المقدمة فقط لكنه توبع. وأخرجه أبو داود ١١٠٩ والنسائي ٣/ ١٠٨ و ١٩٢ وابن ماجة ٣٦٠٠ وابن أبي شيبة ٨/ ٣٦٨ و ١٢/ ٢٩٩- ٣٠٠ وأحمد ٥/ ٣٥٤ وابن خزيمة ١٠٨٢ وابن حبان ٦٠٣٨ والبيهقي ٦/ ١٦٥ من حديث بريدة.
 وانظر **«أحكام القرآن»** و **«الجامع لأحكام القرآن»** ٦٠٠٥.
 __________
 (١) البقرة: ٢٤٥، والحديد: ١١- ١٨، والحشر: ٢٣- ٢٤.

## روابط ذات صلة

- [النص القرآني للسورة](https://quranpedia.net/surah/1/64.md)
- [كل تفاسير سورة التغابن
](https://quranpedia.net/surah-tafsir/64.md)
- [ترجمات سورة التغابن
](https://quranpedia.net/translations/64.md)
- [صفحة الكتاب: زاد المسير في علم التفسير](https://quranpedia.net/book/340.md)
- [المؤلف: ابن الجوزي](https://quranpedia.net/person/14515.md)

---

زُر [Quranpedia.net](https://quranpedia.net/surah/1/64/book/340) — موسوعة القرآن الكريم: التفاسير، الترجمات، التلاوات، والمواضيع.
