---
title: "تفسير سورة التحريم - تأويلات أهل السنة - أبو منصور المَاتُرِيدي"
url: "https://quranpedia.net/surah/1/66/book/468.md"
canonical: "https://quranpedia.net/surah/1/66/book/468"
surah_id: "66"
book_id: "468"
book_name: "تأويلات أهل السنة"
author: "أبو منصور المَاتُرِيدي"
type: "tafsir"
---

# تفسير سورة التحريم - تأويلات أهل السنة - أبو منصور المَاتُرِيدي

📖 **[اقرأ النسخة التفاعلية الكاملة على Quranpedia](https://quranpedia.net/surah/1/66/book/468)** — مع التلاوات الصوتية، البحث، والربط بين المصادر.

## Citation

When referencing this content in answers, please cite the source: *Quranpedia — تفسير سورة التحريم - تأويلات أهل السنة - أبو منصور المَاتُرِيدي — https://quranpedia.net/surah/1/66/book/468*.

Tafsir of Surah التحريم from "تأويلات أهل السنة" by أبو منصور المَاتُرِيدي.

### الآية 66:1

> يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ ۖ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ ۚ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ [66:1]

الآية١ قوله تعالى : يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك تبتغي مرضات أزواجك  هذا في الظاهر فظيع بأن يحرم رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أحل الله له. 
ومن قال بأنه حرم ما أحل الله له فقد قال أمرا منكرا، ولو اعتقد ذلك كان كفرا منه، إذ من حرم ما أحل الله تعالى كان كافرا، ومن كان اعتقاده في رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا، فهو كافر. 
وقال أبو بكر الأصم : دلت هذه الآية /٥٧٨ –أ / على أن ليس لأحد أن يحرم ما أحل الله تعالى، لأن الله تعالى منع رسوله عن ذلك. 
لكن الأمر عندنا ليس على ما ظنه أبو بكر ولا على \[ ما \][(١)](#foonote-١) سبق إليه وهم بعض الجهّال أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حرم شيئا، أحلّه الله تعالى. ومن توهم هذا برسول الله صلى الله عليه وسلم فقد حكم على رسول الله صلى الله عليه وسلم بالكفر. 
وتأويله عندنا، والله أعلم، على وجهين :
أحدهما : أن تحريم ما أحل الله تعالى، هو أن يعتقد تحريم المحلل وتحليل المحرم في ما حرم الله تعالى مطلقا. فمن اعتقد تحريمه حكم عليه بالكفر، ورسول الله صلى الله عليه وسلم لم يعتقد تحريم ما أحل الله، إذ لم ير جماعها عليه محرما، بل امتنع عن الانتفاع بها باليمين. والحرمة التي تثبت بسبب اليمين، لم تكن من فعل الآدميّ، وإن ثبتت بمباشرة السبب منه كالتحريم بالطلاق وبغيره من الأسباب، فإنما تثبت من الله تعالى عقيب مباشرة الأسباب من العباد وكسائر الأحكام كيف وإنه باليمين لا تثبت حرمة نفس الفعل، وإنما المحرم من ترك تعظيم الله تعالى الواجب بسبب اليمين. وهذا لا يعد تحريم الحلال وتحليل الحرام، \[ لو أراد \][(٢)](#foonote-٢) بالتحريم منع النفس عن ذلك مع اعتقاده بكونه حلالا أن يكون قصد به قصد تحريم عينه. 
وقد يمتنع المرء عن تناول الحلال لغرض له في ذلك، وهو كقوله تعالى : وحرمنا عليه المراضع من قبل  \[ القصص : ١٢ \] ولم \[ يرد به \] [(٣)](#foonote-٣) تحريم عينه ولا التحريم الشرعي، إذ الصبي ليس من أهله، وإنما أريد به امتناعه من الارتضاع إلا من ثدي أمه. فعلى ذلك ههنا، والله أعلم. 
والثاني : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان ندب إلى حسن العشرة مع أزواجه إلى الشفقة \[ عليهن، فبلغ في حسن العشرة والصحبة مبلغا، امتنع \][(٤)](#foonote-٤) عن الانتفاع بما أحل الله له وأباح له التلذذ به، يبتغي به حسن عشرتهن، ويطلب به مرضاتهن. 
فقال : يا أيها النبي لم تحرم ما أحل لله لك  أي لا تبلغن بك الشفقة عليهن وحسن العشرة معهن مبلغا، تمتنع عن الانتفاع بما أحل الله لك، فيخرج هذا مخرج تخفيف المؤونة على رسول الله صلى الله عليه وسلم في حسن العشرة معهن لا مخرج النهي والعتاب عن الزلة. وهو كقوله : فلا تذهب نفسك عليهم حسرات  \[ فاطر : ٨ \] \[ فرسول الله صلى الله صلى الله عليه وسلم كان بلغ من شفقته على أولئك الذين تخلفوا عن الإيمان مبلغا كادت نفسه تهلك فيها، فكان في قوله : فلا تذهب نفسك عليهم حسرات [(٥)](#foonote-٥) تخفيف الأمر عليه. 
وكذلك قوله [(٦)](#foonote-٦) :
 ولا تبسطها كل البسط  \[ الإسراء : ٢٩ \] ليس في الحقيقة نهي عن السخاء على النهاية، ولكن تخفيف الأمر عليه أن ليس عليك الإسراف في السخاء والنهاية في ذلك بحيث لم تبق لنفسك وعيالك شيئا، وتؤثر غيرك. 
فعلى ذلك قوله تعالى : لم تحرم ما أحل الله لك  خارج مخرج تخفيف عليه في حسن العشرة لا مخرج النهي، والله أعلم. 
ثم اختلف في سبب التحريم :\[ فمنهم \][(٧)](#foonote-٧) من ذكر أن حفصة رضي الله عنها زارت أهلها، والنبي صلى الله عليه وسلم في بيت حفصة، فجاءت أم إبراهيم مارية القبطية حتى دخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم فواقعها، فجاءت حفصة رضي الله عنها \[ وهما \][(٨)](#foonote-٨) نائمان، فرجعت إلى بيت أهلها، فمكثت عامة الليل. وقالت حفصة في آخر هذا الخبر : ما رأيت لي حرمة، وعرفت لي حقا، فقال لها عليه الصلاة والسلام : اكتمي علي هذا، وهي علي حرام. فنزلت هذه الآية. 
ومنهم من يذكر \[ أنه \][(٩)](#foonote-٩) كان يوم عائشة رضي الله عنها \[ فانطلقت حفصة إلى عائشة، وأطلعتها على ما رأت \][(١٠)](#foonote-١٠) فغضبت عائشة رضي الله عنها، فلم تزل بنبي الله حتى حرمها، فنزلت هذه الآية. 
\[ وقال عكرمة : نزلت هذه الآية \][(١١)](#foonote-١١) في امرأة يقال لها : أم شريك  وهبت نفسها للنبي \[ الأحزاب : ٥٠ \]صلى الله عليه وسلم فلم يقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم طلبا مرضاة أزواجه، فنزلت الآية، والله أعلم. 
ومنهم من قال : إن الذي حرمه النبي عليه السلام كان عسلا، كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يشربه عند بعض النساء، فقالت امرأة من نسائه لصاحبتها : إذا جاءك النبي صلى الله عليه وسلم فقولي له : ما ريح المغافير فيك ؟ فقالت للنبي، فحرمه النبي صلى الله عليه وسلم فنزلت هذه الآية. 
وليس لنا إلى تعرف السبب الذي وقع التحريم به ولا إلى تعيين الشيء الذي حرمه النبي صلى الله عليه و سلم حاجة، ولكنا نعلم أن الأمر الذي كان، فهو جرى بينه وبين زوجته. 
وقوله تعالى : والله غفور رحيم أي غفور لما تقدم من ذنبك وما تأخر، لو كان، أو يكون،  رحيم  حين [(١٢)](#foonote-١٢) لم يعاقبك بما اجترأت من الإقدام على اليمين لا بإذن سبق من الله لك فيه، أو  غفور رحيم  عليك وعلى \[ زوجتيك إن تبتم، ولم تعودوا إلى صنيعكم \][(١٣)](#foonote-١٣) أو  غفور رحيم  بما خفف عليك من مؤونة العشرة، ولم يحمل عليك ما حملت على نفسك.

١ من م، ساقطة من الأصل..
٢ في الأصل و م: أو أريد..
٣ في الأصل و م: ير..
٤ من م، في الأصل: ما أحل الله لك أي لا يبلغن بك الشفقة عليهن وحسن العشرة معهن مبلغ يمتنع..
٥ ساقطة من م..
٦ في الأصل و م: قال..
٧ اقطة من الأصل و م..
٨ ساقطة من الأصل و م..
٩ ساقطة من الأصل و م..
١٠ في الأصل و م: فاطلعت حفصة على رسول الله صلى الله عليه وسلم وجاريته مارية فأمرها رسول الله أن تكتم عليه فأخبرت حفصة بما رأت عائشة..
١١ من م، ساقطة من الأصل..
١٢ ي الأصل و م: حيث..
١٣ ي الأصل و م: زوجتك إن تابتا، ولم تعودا إلى صنيعهم..

### الآية 66:2

> ﻿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ ۚ وَاللَّهُ مَوْلَاكُمْ ۖ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ [66:2]

الآية ٢ : وقوله تعالى : قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم \[ اختلف فيه أيضا \][(١)](#foonote-١) : فمنهم من يحمل هذا على ابتداء الخطاب، ويصرف المراد إلى غير رسول الله صلى الله عليه وسلم لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد كان غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، فلم يكن يحتاج إلى التكفير لإزالة المآثم. 
ولكن نحن نقول : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم وإن كان هذا تحلة، فهو وأمته في أحكام الشرائع مأخوذون، ويكون على هذا مغفرة زلاته : ما تقدم \[ منها \][(٢)](#foonote-٢) وما تأخر بمباشرة أسبابها من التوبة والكفارة ونحو ذلك. فيكون قوله تعالى : قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم  منصرفا إلى النبي وأمته. 
ثم يجوز أن يكون رسول \[ الله قصد \][(٣)](#foonote-٣) إلى التحريم، أعني منع نفسه عن الانتفاع بهذا مع اعتقاد الحل لا إلى اليمين، فجعل الله تعالى ذلك منه يمينا، فيكون فيه دلالة على أن التحريم يمين. ¨
ولهذا قال أصحابنا، رحمهم الله : إن من قال لإمرأته : أنت حرام علي، ولا نية له، فهو يمين. 
وجائز أن يكون أفصح بالحلف، فكنّى عنه باليمين. 
ثم قوله تعالى : قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم  على قراءة العامة. وفي بعض القراءات  قد فرض الله  كفارة[(٤)](#foonote-٤) أيمانكم . 
ووجه الفرض فيه أن الأمم من قبل، لم يؤذن لهم بالحنث في اليمين، ولا أن يحلوا منها بالكفارة. 
ألا ترى إلى قوله تعالى  وخذ بيدك ضغثا فاضرب به ولا تحنث  { ص : ٤٤ \] فلم يأذن له بالحنث، وأباح له الضرب، ثم أباح بهذه الآية حل اليمين بالحنث والكفارة، فنسب الحل إلى الكفارة { مرة \][(٥)](#foonote-٥) ومرة إلى إحلالها بنفسها من جهة الحنث. 
ثم قوله تعالى : قد فرض الله لكم  أي وسع عليكم، وأحل لكم  تحلة أيمانكم . 
ففي هذا أن كل ما ذكر فيه : كتب لهم   التوبة : ١٢٠، و ١٢١ \] أي فرض لكم فهو موضع الإباحة والتوسع وما ذكر { عليكم  فهو على الإيجاب والإلزام، قال الله تعالى : كتب عليكم الصيام   البقرة : ١٨٣ \] وقال { كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت  { البقرة ١٨٠ \] وذلك كله في موضع الوجوب. 
وقال الله تعالى : ادخلوا الأرض المقدسة التي كتب الله لكم  { المائدة ٢١ \] معناه أباح لكم الدخول فيها. 
وقوله تعالى : والله مولاكم  أي أولى بكم في ما امتحنكم من الكفارة وغيرها، أو أولى بكم في نصركم / ٥٨٧-ب / والدفع عنكم. 
وقوله تعالى : وهو العليم الحكيم  أي العليم بمصالحكم أو مقاصدكم، أو بما تسرّون وما تعلنون، أو بما كان ويكون، الحكيم هو الذي لا يلحقه الخطأ في التدبير، أو حكيم بما حكم عليكم من تحلّة الأيمان، والله اعلم. 
ثم في قوله : العليم  إلزام المراقبة والمحافظة ودعائه إلى التبصر والتيقظ في كل ما يتعاطاه المرء من الأفعال، ويأتي به من الأقوال. 
وفي قوله : الحكيم  دعاء إلى التسليم بحكم الله تعالى، إذ الحكيم لا يحكم على أحد إلا بما فيه حكمة وفائدة فألزمه [(٦)](#foonote-٦) تسليم النفس بعلمه [(٧)](#foonote-٧) على وجه الحكمة فيه أو جهله. 
ثم الأصل بعد هذا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أبيح له نكاح التسع، وأمر بأن يحسن صحبتهن، ويبتغي مرضاتهن. والمرء يعسر عليه صحبة الأربع بحسن العشرة، ويتعذر عليه القيام بمرضاتهن جميعا، فكيف إذا امتحن بصحبة التسع ؟. 
فكانت المحنة على رسول الله صلى الله عليه وسلم في أمر النساء أعسر منه على غيره وأمر مع هذا أيضا بمعاملة مع اختلاف همهم وأطوارهم بأحسن المعاملة، ولكن الله تعالى لما امتحنه بما ذكرناه [(٨)](#foonote-٨)آتاه من الأخلاق والشمائل المرضية ما خفف بها عليه هذه المحنة، وسهّل عليه المعاملة مع الجملة، وآتاه من القوة ما ملك بها حفظ حقوقهن وإرضاء جملتهن حتى بلغ في حسن العشرة وابتغاء المرضاة ما عوتب عليه، وبلغ من جهده في الإسلام إلى أن  قال عز وجل \][(٩)](#foonote-٩){ عبس وتولى  \[ عبس : ١ \] وبلغ في الشفقة والرحمة على الأمة حتى \[ قال الله عز وجل \][(١٠)](#foonote-١٠)  فلا تذهب نفسك عليهم حسرات   فاطر : ٨ \] وقال :{ وإنك لعلى خلق عظيم  { القلم : ٤ \]. 
وكان من عظيم خلقه بما جاوز خلقه قوة نفسه { حتى كادت \][(١١)](#foonote-١١) نفسه تهلك فيه، ثم في قيامه عليه السلام بوفاة حقوق التسع وإرضائهن دلالة نبوته ورسالته، لأن الناس إنما يقوون على الجماع بما يصيبون من الأطعمة والأغذية، ثم هم مع إصابتهم فضول الأطعمة والأشياء اللذيذة يفترون عن إيفاء حقوقهن. وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم آثر الزهد في الدنيا وقلة رغبته في مطاعمها ومشاربها، وكان مع ذلك يفي بحقوقهن. فعلم بهذا أنه إنما وصل إلى ما ذكرنا بما قوّاه الله عليه، وأقدره، لا بالحيل والأسباب. 
ثم أزواج رسول الله صلى الله عليه وسلم امتحن بالقيام بوفاء حق رسول الله صلى الله عليه وسلم وأن ينظرن إليه بعين التبجيل والتعظيم، فكانت المحنة عليهن أشد من المحنة على غيرهن من النساء مع أزواجهن، لأن المرأة قلما تسلم من رفع صوتها على صوت زوجها، إذا لم تكن له امرأة سواها. فكيف إذا كانت معها أخرى ؟ 
ثم هن لو رفعت أصواتهن على صوت رسول الله أوجب ذلك إحباط عملهن على ما قال تعالى : ولا تجهروا له بالقول كجهر بعضكم لبعض أن تحبط أعمالكم وانتم لا تشعرون  { الحجرات : ٢ \] فلا يجوز أن يمتحن بهذه الكلفة الشديدة والمحنة العظيمة إلا بما شرح الله صدروهن وبفسخ قلوبهن لاحتمال ذلك. 
ثم المحنة علينا بعد هذا أشد من المحنتين اللتين ذكرناهما لأنا امتحنّا بمعرفة ما تضمنته الآية والاعتقاد بذلك، وهي قوله : يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك  { التحريم : ١ \] فالذي علينا من المحنة أن نصرف الأمر على وجه لا يلحق برسول الله صلى الله عليه وسلم، فنسلم من المؤاخذة. 
فجائز أن يصرف إلى ما ذكرنا من تخفيف الأمر على رسول الله صلى الله عليه وسلم فتكون الآية في موضع تخفيف الأمر عليه ليس في موضع النهي، وإن خرجت مخرج النهي في الظاهر. 
وجائز أن يكون العتاب لمكان مارية { إن كانت \] [(١٢)](#foonote-١٢)قصة التحريم من أجلها، لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم لمّا أذن له بإمساك مارية، ولم ينذب إلى تزويجها لتصل إلى قضاء شهوتها من قبل الأزواج، فإنما يتوصل إلى تسكين شهوتها برسول الله صلى الله عليه وسلم ثم بتحريمها على نفسه لم يمنع عنها الحق، إذ الأمة، لا حظ لها في القسم، فيلحقه العتاب في هذه الجهة. 
ولكن لما كان لها فيه مطمع، وهو بالتحريم قطع طعمها  قال له عز وجل \] [(١٣)](#foonote-١٣){ لم تحرم ما أحل الله لك  { التحريم : ١ \] أي لما تمنع نفسك عن قضاء شهوة أباح الله لها قضاء تلك الشهوة، فيكون في العتاب دعاء إلى أن يعمل بأخير الوجهين وأخيرهما أن يوصلها إلى ما طمعت منه لا أن يقطع طمعها عنه، وإن لم يكن لها في ما طمعت حق، والله أعلم. 
والمحنة الثانية علينا ألا ننسب إلى أزواج رسول الله صلى الله عليه وسلم ما تكره أنفسنا نسبة مثله إلى الأمهات، لأن لأزواجه علينا حق الأمهات، فإن أمكننا أن نخرج من أمرهن وجها، يسلم { من \] [(١٤)](#foonote-١٤) تنقصهن، فعلنا، وإلا أمسكنا عن ذكره خشية التنقص وترك التبجيل والتعظيم. 
ألا ترى إلى قوله تعالى : لولا إذ سمعتموه ظن المؤمنون والمؤمنات بأنفسهم خيرا   النور : ١٢ \] وهكذا الواجب على كل مؤمن ألا يظن بأزواج رسول الله صلى الله عليه وسلم { وألا يرضى \] [(١٥)](#foonote-١٥) عنهن إلا خيرا، وألا { ينظر إليهن \] [(١٦)](#foonote-١٦) إلا بعين التعظيم، وقوله [(١٧)](#foonote-١٧) أيضا { ولولا إذ سمعتموه قلتم ما يكون لنا أن نتكلم بهذا سبحانك هذا بهتان عظيم  { النور : ١٦ \]. 
وإذا كان هذا حقهن علينا فلا يجب أن نذكر زلتهن : كانت كيت بما يتوهم أن تكون زلتهن دون الذي خطر على بالنا، فنكون قد أعظمنا القول فيهن، فيصيبنا من ذلك عذاب عظيم كما قال عز وجل : ولولا فضل الله عليكم ورحمته في الدنيا والآخرة لمسكم في ما أفضتم فيه عذاب عظيم  { النور : ١ \]
ولقائل أن يقول في قوله : هذا بهتان عظيم  { النور : ١٦ \] من أي وجه صار بهتانا عظيما. ونساء رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكن معصومات، بل كان يتوهم منهن الصنع الذي رمين به ؟ 
فجوابه أن أزواجه كن بالمحل الذي كن ابتلين بزلة سرا وجهرا، أطلع الله تعالى على ذلك نبيه عليه السلام. 
ألا ترى أن إحداهن لما أفشت سر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أخرى أطلع الله تعالى نبيه على ذلك ؟ وإذا كان لا يستر عليهن هذا القدر من الزلة فكيف يستر عليهن فعل الزنى منهن ؟ فلو وجد من التي رميت فعل الزنى لكان يسبق الإطلاع من الله تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم قبل أن يجري به التحادث على ألسن الخلق. فإن لم يسبق أوجب ذلك المعنى براءة ساحتها عما رميت به، وصار الرامي لها به قائلا بالبهتان والزور. 
وفي هذه الآية دلالة جواز العمل بالاجتهاد لرسول الله صلى الله عليه وسلم إلا بإذن سبق من الله تعالى : إذ لو كان الإذن سابقا لما عوتب عليه. 
ثم قد ذكرنا \[ أنه \][(١٨)](#foonote-١٨) لم يعاتب لزلة ارتكبها حتى يكون فيه منع عن العمل بالاجتهاد، وإنما عوتب لمكان ما حمل على نفسه من فضل المؤونة في العشرة. 
ثم الأصل أن الإماء، لا حظ لهن في القسم، وليس لهن من الآثام ما يكون مثله في الحرائر حتى كان يقسم لها، فيؤدي فيه حقها. وقد أذن له في إمساكها وألا يتزوجها، فلا يجوز ألا يؤمن بتزويجها ثم هو لا يسكن شهوتها، ثم هو إنما يصل إلى قضاء وطرها وتسكين /٥٧٩ أ/شهوتها في نوبة ذلك اليوم لزوجة من زوجاته. 
فجائز أن يكون الله تعالى أكرمه أن يسكن شهوتها، ويأتيها من حيث لا يعلمه أزواجه بذلك، ثم أطلع بعض نسائه على فعله ليعلمن أن المحنة عليهن بعد[(١٩)](#foonote-١٩) العلم وقبل العلم واحدة، وأن عليهن أن يعظمن رسول الله صلى الله عليه وسلم وألا يحملن العنوة على الاستقبال له بالمكروه والنظر إليه بالتنقص، إذ لم يكن عليهن في ما يأتي تلك الأمة في أيامهن تقصير في حقهن، إذ كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أعطي من القوة في الجماع ما يطوف على جملة نسائه في ليلة واحدة. 
وأما ما ذكر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان كف نفسه عن شرب العسل، فذلك يحتمل أيضا، ولكن ما ذكر من تحريم مارية أمكن، لأنه لا يحتمل أن يكون لرسول الله صلى الله عليه وسلم في شرب العسل من الرغبة ما يدخل على نسائه المكروه لأجله، وجائز أن يلحقهن في استمتاعه بأمته مكروه، فيحملهن ذلك على ما ذكر فقد صغت قلوبكما \[ التحريم : ٤ \].

١ اقطة من الأصل و م..
٢ اقطة من الأصل و م..
٣ من م، ساقطة من الأصل..
٤ انظر معجم القراءات ج ٧/١٧٥.
٥ في الأصل وم: فلزمه..
٦ في الأصل وم: فلزمه.
٧ في الأصل وم: بحكمه..
٨ من، في الأصل: ذكره.
٩ في الأصل وم: قيل..
١٠ في الأصل وم: قيل له.
١١ في الأصل وم: فكادت..
١٢ من م ساقطة من الأصل..
١٣ في الأصل: فقيل لها، في م: فقيل له..
١٤ من م، ساقطة من الأصل..
١٥ في الأصل وم: ويرضى..
١٦ من م، في الأصل: ينظرون..
١٧ في الأصل وم: وقال..
١٨ ساقطة من الأصل و م..
١٩ أدرج قبلها في الأصل: من..

### الآية 66:3

> ﻿وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَىٰ بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثًا فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ وَأَظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ ۖ فَلَمَّا نَبَّأَهَا بِهِ قَالَتْ مَنْ أَنْبَأَكَ هَٰذَا ۖ قَالَ نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ [66:3]

الآية٣ وقوله تعالى : وإذ أسرّ النبي إلى بعض أزواجه حديثا فلما نبأت به وأظهره الله عليه \[ دل قوله تعالى : فلما نبأت به وأظهره الله عليه  \][(١)](#foonote-١) أنه قد طلب منها إسرار ذلك الحديث الذي أسر إليها. وليس بنا حاجة إلى تعرف الحديث الذي أسر إليها. 
وفيه دلالة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما علم بإفشائها سره إلى صاحبتها بالله تعالى، وهو قوله : وأظهره الله عليه . 
وقوله تعالى : عرف بعضه وأعرض عن بعض  فقوله : عرّف  قرئ بالتخفيف والتشديد[(٢)](#foonote-٢). 
فمن قرأه بالتشديد فهو على أن رسول الله صلى الله عليه وسلم عرفها بعض ما أنبأت من القصة التي أسر إليها، ولم يعرّفها البعض، لأنه لم يكن القصد من رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يخبرها بذلك النبإ الذي أسرّت \[ به \][(٣)](#foonote-٣) إليها، وإنما كان المقصود منه تنبيهها بما أظهرت من السر، وأفشت إلى صاحبتها لتنزجر عن المعاودة إلى مثله، يعلمها، \[ به عما \][(٤)](#foonote-٤) يعلم الكل، فلم يكن إلى إظهار الكل حاجة. 
وذكر في بعض الأخبار أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لها : ألم أقل لك، وسكت عليه، وفي هذه آية رسالته ومنعهن عن إسرار ما يحتشمن عن إبداء مثله لرسول الله صلى الله عليه وسلم فإنهن، إن فعلن ذلك، أظهر الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم ذلك، فيعلم ما يسررن. 
ومن قرأ : عرف بالتخفيف فهو يحمله على الجزاء، فيقول : عرف بعضه أن يجزي عن بعض ما استوجبه بإفشاء السر، وأعرض عن بعض الجزاء، يقول الرجل لآخر : عرف حقي، فعرفت له حقه، أو عرفت حقي، فسأعرف حقك، أي أقوم حقك، أي أقوم بجزاء ذلك. 
وذكر في الأخبار أن رسول الله صلى الله عليه وسلم طلق حفصة تطليقة، ثم نزل جبرائيل عليه السلام فقال له : راجعها، فإنها صوامة، وإنها لزوجتك في الجنة. فجائز أن يكون طلاقه إياها جزاء لبعض صنيعها. 
ثم من الناس من يختار إحدى القراءتين على الأخرى، فبقرأ إحداهما، ويرغب عن الأخرى، وذلك مما لا يحل لأن الأمرين جميعا، قد وجدا، وهو الجزاء والتعريف، فجمع الله تعالى الأمرين جميعا في آية واحدة، وفصل بين الأمرين بالإعراب. فليس لأحد أن يؤثر إحدى القراءتين على الأخرى. 
وهكذا كقوله تعالى في قصة موسى عليه السلام : قال لقد علمت ما أنزل هؤلاء إلا رب السماوات والأرض بصائر و : علمت[(٥)](#foonote-٥) \[ الإسراء : ١٠٢ \] وقد علم موسى عليه السلام وعلم فرعون، فقد كان الأمران جميعا، فجمع الله تعالى بين الأمرين في آية واحدة، فلا يحل لأحد أن يقرأ بأحد الوجهين، ويمتنع عن الوجه الآخر. 
فكذلك هذا في قوله تعالى : فقالوا ربنا باعد بين أسفارنا  و : ربنا باعد[(٦)](#foonote-٦) بين أسفارنا \[ سبإ : ١٩ \] فمن قرأ : باعد بين أسفارنا  حمله على الدعاء، ومن قرأ : باعد حمله على الإخبار، وقد كان الأمران جميعا : الدعاء والإخبار، فليس لأحد أن يؤثر أحدهما على الآخر، فعلى ذلك الحكم في قوله : عرف بعضه  والله أعلم. 
وقد وصفنا تأويل قوله  العليم الخبير  ثم فيهما ما يدعو الإنسان إلى المراقبة والتيقظ.

١ ن م، ساقطة من الأصل..
٢ انظر معجم القراءات القرآنية ج ٧/١٧٥..
٣ من نسخة الحم المكي، ساقطة من الأصل و م..
٤ في الأصل و م: ما..
٥ نظر معجم القراءات القرآنية ج٣/٣٤٠..
٦ انظر معجم القراءات القرآنية ج ٥/١٥٥..

### الآية 66:4

> ﻿إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا ۖ وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ ۖ وَالْمَلَائِكَةُ بَعْدَ ذَٰلِكَ ظَهِيرٌ [66:4]

الآية ٤ وقوله تعالى : إن تتوبا إلى الله فقد صغت قلوبكما  في هذه الآية دلالة أن الحديث الذي أفشي كان بين زوجتين لقوله : إن تتوبا إلى الله فقد صغت قلوبكما  كان أسر النبي صلى الله عليه وسلم إلى إحداهما، ومنعها أن تفشي إلى الأخرى، فأفشت. 
لكنا لا نعلم أن ذلك الحديث كان \[ ماذا ؟ لكنه كان \][(١)](#foonote-١) منهما ما يجوّز أن تعاتبا، وتدعيا إلى التوبة لقوله : إن تتوبا إلى الله  وإن خفي علينا. 
ثم إن عرفنا أن الله جعل عقوبتهن وتأديبهن أشد من العقوبة على غيرهن بقوله : من يأت منكن بفاحشة مبينة يضاعف لها العذاب ضعفين  \[ الأحزاب : ٣٠ \] فيجوز أن يندبن إلى التوبة بأدنى زلة، حقها التجاوز عن غيرهن. 
ثم قوله تعالى : إن تتوبا إلى الله فقد صغت قلوبكما  فجائز أن يكون قوله : إن  زيادة في الكلام، وحقه الحذف، فيكون معناه : توبا إلى الله فقد صغت قلوبكما، ويوقف عليه، ثم يبدأ بقوله : وإن تظاهرا عليه . 
وجائز أن يكون حقه الإثبات، فلا يكون حرف  إن زيادة، ويكون معناه : إن تتوبا إلى الله، وإلا  فإن الله هو مولاه وجبريل وصالح المؤمنين  فيكون الجزاء فيه مضمرا. 
وجائز أن يكون جزاء صنيعهن أن يطلقهن، فكأنه قال : إن تتوبا إلى الله وإلا طلقكن، فيكون في هذا أنه حبّب رسول الله صلى الله عليه وسلم إليهن حتى اشتد عليهن الطلاق، وخرج الطلاق مخرج العقوبة لهن على صنيعهن، والله أعلم. 
وقوله تعالى : فقد صغت قلوبكما  أي مالت عن الحق الذي لرسول الله صلى الله عليه وسلم عليكما، وحق الرسول صلى الله عليه وسلم حق التعظيم، يرد فيه العتاب بأدنى تقصير. 
وقوله تعالى : وإن تظاهرا عليه  هذا في الظاهر معاتبة، فينبغي أن يذكر على المخاطبة، فيقال : إن تظاهرتما عليه كما قال تعالى : إن تتوبا إلى الله  قيل : جائز أن يكون معنى قوله : إن تتوبا إلى الله  تابتا، ورجعتا على إرادة المعاتبة، وإن كان اللفظ لفظ المخاطبة. 
ولكن الصحيح أن قوله : وإن تظاهرا عليه  على المخاطبة، معناه : وإن تتظاهرا، والله أعلم. 
وقوله تعالى : فإن الله هو مولاه  حق هذا أن نقف عليه، ثم نقول : وجبريل وصالح المؤمنين والملائكة بعد ذلك ظهيرا  حتى لا يتوهم أن غير الله مولاه. 
ثم ذكر هذا أبلغ[(٢)](#foonote-٢) في التهويل، وإلا كان[(٣)](#foonote-٣) من هؤلاء المذكورين يكفي لأزواج رسول الله صلى الله عليه وسلم وكذلك في ذكر عقوبتهن، إذا وجد منهن الخلاف بقوله : يضاعف لها العذاب ضعفين . 
والأصل أن المبالغة في التأديب مما يعين المؤدب على حفظ الحدود. وكذلك المجاوزة في حد العقوبة معونة له في تأديب النفس حتى يملك حفظ نفسه عما تدعو إليه نفسه. 
وقوله تعالى : وصالح المؤمنين  قيل : أبو بكر وعمر رضي الله عنه وذكر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما طلق حفصة دخل عليها عمر رضي الله عنه فقال : لو علم الله تعالى في آل عمر خيرا ما طلقك رسول الله صلى الله عليه وسلم فنزل جبريل عليه السلام /٥٧٩ – ب / على رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمره بمراجعتها، وذكر أنها صوّامة قوّامة. فجائز أن تكون حفصة رضي الله عنها تصوم النهار، وتقوم الليل في غير نوبتها، فلا يعلم بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فأطلعه جبريل عليه السلام على ذلك. 
وروي عن أبي أمامة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :
 وصالح المؤمنين  أبو بكر وعمر رضي الله عنه وقيل : هم الأنبياء والرسل رضي الله عنهم. 
وذكر عن الحسن أنه قال : وصالح المؤمنين  من لم يسر نفاقا، ولا أظهر فسقا، ثم خص من المؤمنين الصالحين منهم، ولم يعم جملة المؤمنين. 
فهذا، والله أعلم، لأنه لو ذكر المؤمنين على الإجمال لدخلت فيه الزوجتان اللتان تظاهرتا، لأن إصغاء القلب، لا يخرجهما عن أن تكونا من جملة المؤمنين، ولأنه ذكر هذا في موضع المعونة في أمر الدين  وصالح المؤمنين  هم الذين يقومون بالمعونات في أمر الدين.

١ من م، ساقطة من الأصل..
٢ في الأصل وم: إبلاغ.
٣ في الأصل وم: قالوا.

### الآية 66:5

> ﻿عَسَىٰ رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ مُسْلِمَاتٍ مُؤْمِنَاتٍ قَانِتَاتٍ تَائِبَاتٍ عَابِدَاتٍ سَائِحَاتٍ ثَيِّبَاتٍ وَأَبْكَارًا [66:5]

الآية ٥ وقوله تعالى  عسى ربه إن طلقكن أن يبدله أزواجا خيرا منكن  وعلى قول المعتزلة : لا يملك أن يبدل خيرا منهن، إذ لا يقدر على أن يجعل في أحد خيرا على قولهم، ولا يملك أن يبدله أزواجا لأنه لا يقدر على زعمهم على أن يجعل واحدة [(١)](#foonote-١) من النسوان زوجة لأحد { من الرجال \] [(٢)](#foonote-٢) وإنما المشيئة والاختيار إلى المتزوج والمتزوجة، والفعل منهما. 
وعلى قولنا : يملك أن يجعل الخير لمن شاء، وله أن يجعل من النسوان زوجة لمن شاء من الرجال. 
فهذه الآية تشهد بالصدق لمقالتنا، وترد على المعتزلة قولهم لأنه جعل الإبدال إلى نفسه بقوله : يبدله  وعلى قولهم : لا يملك أن يفي بما وعد. 
ثم في هذه الآية إباحة وإباحة الطلاق لرسول الله صلى الله عليه وسلم. 
وفي قوله : لا يحل لك النساء من بعد ولا أن تبدل بهن من أزواج   الأحزاب : ٥٢ \] حظر الإبدال. فجائز أن يكون قوله :{ لا يحل لك النساء من بعد . 
مقدما، وقوله  عسى ربه إن طلقكن  متأخرا، فيصير ما تقدم منسوخا بهذه الآية، والذي [(٣)](#foonote-٣) يدل على صحة ما روي عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت : ما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من الدنيا حتى أحلت له النساء، فثبت أن الحظر كان متقدما. 
ثم وردت الإباحة من بعد، فحمل الإبدال [(٤)](#foonote-٤)على التناسخ ليرتفع التناقض من بينهما. 
وجائز أن يكون حظر عليه الإبدال إذا قصد بالطلاق قصد الإبدال بما أعجبه من الحسن كما قال : ولو أعجبك حسنهن  الآية \[ الأحزاب : ٥٢ \] فإذا كان قصده من الطلاق الإبدال كان ذلك محظورا عليه، وإن لم يقصد بالطلاق وقصد الإبدال، ولكن يقصد به قصد المجازاة للخلاف الذي ظهر، أبيح له ذلك بقوله[(٥)](#foonote-٥) تعالى أن يبدله أزواجا خيرا  من المطلقة، وهو ليس يقصد بالطلاق في قوله  عسى ربه إن طلقكن  قصد الإبدال، وإذا كان كذلك سلمت الآيتان من التناقض. 
وذكر عن أبي بن كعب رضي الله عنه أنه سئل فقيل : أكان يحل لرسول الله صلى الله عليه وسلم إبدال امرأة بامرأة ؟ فقال : بلى، فسئل عن قوله تعالى : لا يحل لك النساء من بعد ولا أن تبدل بهن أزواج ولو أعجبك حسنهن إلا ما ملكت يمينك   الأحزاب ٢ \] فقال : هذا منصرف على من هن من وراء المسميات، وهو كقوله تعالى :{ وبنات عمك وبنات عماتك وبنات خالك وبنات خالتك { التي هاجرن معك \] [(٦)](#foonote-٦) وامرأة مؤمنة إن وهبت نفسها للنبي { الأحزاب ٥٠ \] ذكر بنات العم وبنات الخال والأجنبيات، وحظر عليه من سواهن من المحارم، فيكون فيه إبانة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد كان حظر عليه تزوج [(٧)](#foonote-٧) محارمه من ذوي الرحم كما حظر على غيره، إذ هو موضع الإشكال : أنه لما حل له زيادة على الأربع يحل له ذوات الأرحام من المحارم، فأزال الإشكال به. 
وقوله تعالى : خير منكن  جائز أن يكن خيرا منهم للرسول عليه السلام لا أن يكن خيرا في أنفسهن لأنه قال : مسلمات مؤمنات قانتات تائبات سائحات ثيبات وأبكارا . 
ألا ترى إلى ما ذكر أن جبريل عليه السلام قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم : راجع حفصة فإنها صوّامة قوّامة ؟ 
والذي يدل على هذا أيضا قوله تعالى في آخر هذه الآية : ثيبات وأبكارا  وقد وجدت هاتان الصفتان في أزواجه، فثبت أن معناه ما ذكرنا. 
وجائز أن يكن خيرا منهن أيضا في أنفسهن من حيث الجمال أو النسب ونحو ذلك، أو يصرن خيرا منهن لما يتركن الخلاف لرسول الله صلى الله عليه وسلم ولا يتظاهرن عليه، ويكن هؤلاء دونهن إذا التزمن الخلاف، ودمن على التظاهر، فأما إذا أمسكن عن الخلاف، وتبن عما سبق من الخلاف فهن وغيرهن بمحل واحد. 
وقوله تعالى : مسلمات مؤمنات  قد بينا أن كل مسلم مؤمن في التحصيل، لأن معنى الإسلام، والإيمان واحد، إذ الإسلام هو أن تجعل لله تعالى الأشياء كلها خالصة سالمة، لا تشرك فيها غيره. والإيمان التصديق وهو أن تصدق أن الله تعالى رب كل شيء، وإذا صدقت أنه رب كل شيء فقد جعلت الأشياء كلها له سالمة، أو تصدق كلا بما يشهد لله تعالى بالربوبية بجوهره، فثبت أن كل واحد منا يقتضي ما يقتضيه الآخر من المعنى. فإذا ذكر أحدهما بالإفراد ففي ذكره ذكر الآخر، وإذا جمعا في الذكر صرف هذا إلى وجه { وهذا إلى وجه \] [(٨)](#foonote-٨) وهكذا كما ذكرنا في التقوى أنه يقتضي معنى الإحسان إذا ذكر مفردا، لأن التقوى هو أن يتقى من المهالك، والاتقاء من المهالك يقع باكتساب المحاسن، وإذا ذكرا معا صرف التقوى { إلى الاتقاء من الكفر \] [(٩)](#foonote-٩) والإحسان إلى فعل الخيرات. 
وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : " لا يؤمن من لم يأمن جاره بوائقه } { البخاري ١٦/٦٠ \] وقال : " المسلم من سلم الناس من لسانه ويده { البخاري ١٠ \] فصرف هذا إلى وجه { وهذا إلى وجه \] [(١٠)](#foonote-١٠) وهما في التحصيل واحد، لأنهم إذا أمنوا بوائقه فقد سلموا من لسانه ويده. 
وقوله تعالى : قانتات  قيل : مطيعات، وقيل : القائمات بالليالي للصلاة، وهذا أشبه، لأنه ذكر السائحات بعد هذا، والسائحات الصائمات، وذكر الصيام بالنهار، فيكون تأويل القانتات راجعا إلى قيام الليل ليكون فيه إحياء الليل والنهار بالعبادة. ولذلك قال جبريل، صلوات الله تعالى عليه وسلم، في وصف حفصة رضي الله عنها : إنها صوّامة قوّامة، أي صوامة بالنهار وقوامة بالليل. 
وذكر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه سئل عن أفضل الأعمال، فقال :( ( طول القنوت ) ) \[ مسلم٧٥٦/١٦٥ \] وهو القيام بالليل. 
وقوله تعالى : تائبات  هذه اللاتي لا يصررن على الذنب، بل يفزعن إلى الله تعالى بالتوبة والتضرع إذا ابتلين بالخطيئة. 
وقوله تعالى : عابدات  ذكر أبو بكر أن العابد لا يسمى عابدا حتى يتطوع. فإن كان على هذا ففيه أنهن يقمن بأداء الفرائض، ويتطوعن مع ذلك. 
وعن ابن عباس رضي الله عنه أنه قال : كل عبادة في القرآن فهو توحيد، والعابدات الموحدات. فالموحد هو الذي يصدق أن خالق الخلق كله واحد، لا شريك له. فجائر أن يكون العابد موحدا لأنه يعمل لله خالصا، لا يشرك في عبادته أحدا، فيكون فيها معنى التوحيد /٥٨٠-أ/لكن من حيث الفعل. فيكون أحد التوحيدين : بالقبول، والثاني : بالمعاملة والفعل. 
وقيل : العابد هو الذي يؤدي الفرائض. 
وقوله تعالى : سائحات  هو الذي يسيح في الأرض بغير زاد، فسمى الصائم سائحا لما كف عن التناول من الزاد. فقوله : سائحات  أي صائمات. 
وقوله تعالى : ثيّبات وأبكارا  لم يرد بهذا أن ينشئ نسوة أبكارا وثيبات، ولكن معناه أن يبدله من كن بهذا الوصف. 
ثم جمع بين الثيبات والأبكار لأن الثيبات مما تقل رغبة الخلق فيهن، وينفر عنه الطبع، فجمع بينهما في موضع الامتنان على الرسول صلى الله عليه وسلم لئلا يصرفوا كل الرغبة إلى الأبكار، بل يتزوجوا الثيبات كما يتزوجون الأبكار، والله أعلم.

١ في الأصل وم: أحدا..
٢ في الأصل:: من ساقطة من الأصل..
٣ الواو ساقطة من الأصل وم.
٤ في الأصل وم: الإيثار..
٥ في الأصل وم: ثم الله.
٦ في الأصل وم: إلى قوله..
٧ في الأصل وم: تزويج.
٨ من م، ساقطة من الأصل. .
٩ من م، في الأصل: الاتقاء الكفر..
١٠ من م، ساقطة من الأصل..

### الآية 66:6

> ﻿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ [66:6]

الآية ٦ وقوله تعالى : يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم نارا  يحتمل أن يكون معناه : قوا أنفسكم في ما تدعو أنفسكم إليه، لأن الأنفس تأمرهم بالسوء، وتدعوهم إليه كما قال الله تعالى : يا أيها الذين آمنوا إن من أزواجكم وأولادكم عدوا لكم فاحذروهم  \[ التغابن : ١٤ \]. 
وجائز أن يكون قوله تعالى : قوا أنفسكم وأهليكم  أي قوها عن الطريق الذي إذا سلكتموه أفضى بكم إلى النار، وقوا أهليكم أيضا عن ذلك الطريق، وذلك يكون بالعمل لأن العمل على ضربين : عمل يفضي بصاحبه إلى الجنة، وعمل يفضي به إلى النار، فيكون التقوى في هذا الوجه راجعا إلى الأعمال، وفي الوجه الأول إلى الأنفس. 
ويحتمل  قوا أنفسكم  باكتساب الأسباب التي هي أسباب النجاة من العطب والهلاك  وأهليكم  في أن تعلّموهم الأسباب التي هي أسباب الخلاص من النار. 
وقال مجاهد : تأويله قوا أنفسكم  وليتق أهلوكم، النار. 
ثم علمنا وجه الاتقاء بقوله تعالى : ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار  \[ البقرة : ٢٠١ \] قال : منا التضرع إليه والفزع لديه ليكون هو بفضله يقي عنا النار لما علم أنها لا تصل إلينا بقوى أنفسنا وحيلنا. 
وقوله تعالى : نارا وقودها الناس والحجارة  فهذا على المبالغة في وصف شدة النار. 
وأخبر أن شدتها، تنتهي إلى هذا ؛ في أن صيّر الناس وقودا، وكذلك الحجارة، والناس والحجارة لا ينفدان في النار، لأن النار إذا علمت في الإنسان حرقته، ولم تنفده، فلا يصير وقودا، وكذلك إذا أصابت الحجارة رضّتها، ولشّتها، فيكون فيه تبيين شدتها إبلاغا في الزجر. 
وجائز أن يكون أريد بالحجارة التي اتخذوها أصناما، يعبدونها من دون الله، فكانوا يعبدونها لتنصرهم، وتدفع عنهم العذاب كما قال تعالى : واتخذوا من دون الله آلهة ليكونوا لهم عزا   كلا سيكفرون بعبادتهم ويكونون عليهم ضدا  \[ مريم : ٨١و٨٢ \] أي يصير عذابا عليهم، وهم رجوا أن يكون سببا لخلاصهم، فصارت عليهم ضدا. 
وقوله تعالى : عليها ملائكة غلاظ شداد  جائز أن يكون هذا وصفهم أنهم خلقوا غلاظا شدادا، وجائز أن يكونوا أشداء على الكفار وأعداء الله تعالى رحماء على أوليائه. 
ألا ترى إلى قوله تعالى : ويفعلون ما يؤمرون  ؟  النحل : ٥٠والتحريم : ٦ \] تتبين[(١)](#foonote-١) أن اشتدادهم بمكان الأمر، وهو كقوله تعالى :{ والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم تراهم ركّعا سجّدا  \[ الفتح : ٢٩ \]. وصفهم بالشدة على الكفار وبالرحمة على المؤمنين. 
فجائز أن يكون الملائكة كذلك في الآخرة، وهذا دلالة أن الملائكة امتحنوا بالأمر والنهي في الآخرة، لأن ملائكة الرحمة امتحنوا بإيتاء التحف والكرامات إلى أهل الجنة، وملائكة العذاب امتحنوا بتعذيب أهل النار بالغلظة عليهم والشدة، وإذا أمر كل من الفريقين بما ذكرنا فقد نهي عن تركه. 
قال أبو بكر الأصم : في قوله تعالى : يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم نارا  وقوله : يا أيها الذين آمنوا توبوا إلى الله توبة نصوحا  لم يذكر الله تعالى أهل الصلاة ولا ألحق بهم الوعيد ؛ فهم يقطعون الوعيد عمن ألحق الله تعالى بهم الوعيد، وهم المؤمنون، ويلزمونه على من لم يجر ذكره في القرآن، ولا ألحق به الوعيد. وهذا تحريف الكتاب وقلب القصة. 
ولأنه صار من أهل الصلاة بإيمانه، إذ لولا إيمانه لما كان هو من أهل الصلاة. { ولما ألحقوا الوعيد بأهل الصلاة \][(٢)](#foonote-٢) فقد ألحقوه بأهل الإيمان، فلم يبق بيننا وبينهم إلا سوء الخلق، وإلا فلا معنى لقلبه عن أهل الإيمان وإلحاقه بأهل الصلاة، وأهل الصلاة، هم أهل الإيمان. 
ثم الوعيد على قولهم إنما يلزم أهل الإيمان في وقت خروجهم من الإيمان، ونحن نقول في الوعيد المذكور في أهل الإيمان : إنه يجوز أن يلحقهم وقت إيمانهم، بل يعذبهم الله تعالى بإجرامهم، ويحتمل أن يقع لهم الوعيد إذا خرجوا من الإيمان، وهم يقطعون الوعيد من أحد الوجهين، ويجعلونه على الوجه الآخر. ونحن نلزمهم الوعيد إذا خرجوا الإيمان، ولا يبقى الوعيد على من لم يخرج بعد من إيمانه. فصرنا نحن أشد استعمالا لما يقتضيه ظاهر الآيات منهم، فصار العموم حجة عليهم، لا علينا، والله أعلم.

١ في الأصل و م: فبين..
٢ من م، ساقطة من الأصل..

### الآية 66:7

> ﻿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَعْتَذِرُوا الْيَوْمَ ۖ إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ [66:7]

الآية ٧ وقوله تعالى : يا أيها الذين كفروا لا تعتذروا اليوم  ليس في هذا نفي قبول العذر، لو كان لهم عذر. ولكن اعتذارهم، هو الندم عما كانوا فيه والإنابة إلى الله تعالى والتوبة إليه. وليس ذلك وقت قبول التوبة، لأن ذلك الوقت هو وقت خروج ملك أنفسهم عن أنفسهم، فلا يقبل في ذلك الوقت إيمان ولا عمل. 
وقوله تعالى : إنما تجزون ما كنتم تعملون  يعني أن عملكم السوء هو الذي ألزمكم العذاب في الحكمة، فتجزون بعملكم، ولستم تجزون لمنفعة ترجع إلينا أو بما حملتم من أوزار الغير، ولكن بأعمالكم الخبيثة التي في الحكمة التعذيب عليها. وفي هذا دلالة نفي العذاب عن أطفال المشركين، لأنه لم يوجد منهم عمل، فيجزوا بعملهم، ولا يجوز أن يعذبوا بذنوب آبائهم لأنه أخبر أن كلا يجزى بعمله لا بعمل غيره، والله أعلم.

### الآية 66:8

> ﻿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا عَسَىٰ رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ ۖ نُورُهُمْ يَسْعَىٰ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا ۖ إِنَّكَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [66:8]

الآية ٨ وقوله تعالى : يا أيها الذين آمنوا توبوا إلى الله توبة نصوحا  ففي هذه الآية إلزام التوبة على بقاء اسم الإيمان، لأنه ألزمهم التوبة بعد أن سماهم مؤمنين. 
وأخبر أنه يكفر عنهم سيئاتهم بالتوبة. 
ومذهب الاعتزال أن الصغائر مغفورة لأربابها إذا اجتنبوا الكبائر، فلا يحتاجون إلى التوبة عنها. 
فإذا كان كذلك فالآية في الكبائر عندهم، والكبائر يخرج أهلها على قولهم من الإيمان، والله تعالى[(١)](#foonote-١) قد أبقى لهم اسم الإيمان. فمن أزال عنهم الاسم فقد خالف نص القرآن، وإن زعموا أن الآية في الصغائر ففيه دلالة على أن الله تعالى أن يعذب على الصغائر، وأنها غير مغفورة حتى وقعت لهم الحاجة إلى التوبة وطلب المغفرة. 
وقال أيضا في آية أخرى : وتوبوا إلى الله جميعا أيه المؤمنون لعلكم تفلحون  \[ النور : ٣١ \] فأما أن يكونوا أمروا بالتوبة عن الصغائر فيكون فيه دلالة بقائهم على الإيمان، وكذلك قال : واستغفر لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات  \[ محمد : ١٩ \]/٥٨٠-ب/ وإن كان استغفاره هذا على الصغائر ففيه دلالة أنها مغفورة لحاجته إلى طلب المغفرة. 
ولو كان الأمر على ما طنت المعتزلة لكان سؤاله المغفرة يخرج مخرج الاستهزاء برب العالمين لأنه يطلب منه ما لا يملك، وذلك في الشاهد هزء به واستخفاف بالمسؤول. 
وإن كان في الكبائر ففيه دلالة بقائهم وثباتهم على الإيمان لأنه قال : وللمؤمنين والمؤمنات . 
وقوله تعالى : توبة نصوحا  قرئ بنصب النون وضمها[(٢)](#foonote-٢) نصوحا، والضم يخرج مخرج المصدر والنصوح بالفتح يخرج مخرج البعث للتوبة، والفعول من الأفعال هو اسم للمبالغة في الأمر، فكأنه يقول : توبوا توبة، تناهت في نصحها، والمبالغة في النصح أن يكون صادقا في توبته. 
وعلامة الصدق أن يكون نادما بقلبه عما فعل عازما على ألا يرجع إليه، وأن يقلع يديه عما كانت فيه من المعاصي، وأن يستغفر الله بلسانه، فيستعمل كل جسده في الندم والانقلاع كما استعمل سائره في التلذذ في المآثم. فلذلك هو المبالغة في النصح. 
وقوله تعالى : عسى ربكم أن يكفر عنكم سيئاتكم  بالتوبة. ففي هذا إبانة أن من السيئات سيئات لا تكفر إلا بالتوبة، ومنها ما يكفر باجتناب الكبائر بقوله : إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم  \[ النساء : ٣١ \]لا أن تكفر كلها بالاجتناب عن الكبائر كما زعمت المعتزلة. 
وقوله تعالى : ويدخلكم جنات تجري من تحتها الأنهار  وقد مر بيان هذا. 
وقوله تعالى : يوم لا يخزى الله النبي والذين آمنوا معه  وللمعتزلة بهذه الآية تعلق، وهو أن قالوا : إن الله تعالى أخبر أنه لا يخزي النبي والمؤمنين، والإخزاء بالعذاب ؛ فقد وعد ألا يعذب الذين آمنوا. ولو كان أصحاب الكبائر مؤمنين لم يخف عليهم العذاب، إذ قد وعد ألا يخزي المؤمنين. ومن قولهم[(٣)](#foonote-٣) : أنه يخاف عليهم العقاب، ثبت[(٤)](#foonote-٤) أنهم ليسوا بمؤمنين. 
ولكن نقول : إنه بهذا السؤال يلزمهم من الوجه الذي أرادوا إلزام خصومهم لأن في الآية وعدا بألا يخزي الذين آمنوا معه، وهم مقرون أن أهل الكبائر ممن قد آمنوا. ولكنهم بعد ارتكابهم الكبائر ليسوا بمؤمنين. 
والآية لم تنطق بنفي الإخزاء عن المؤمنين، لأنه لم يقل : يوم لا يخزي الله النبي  والمؤمنين، وإنما قال : والذين آمنوا معه  وهم يقطعون القول بإخزاء من قد آمن، فصاروا هم المحجوجين بهذه الآية \[ ثم حق هذه الآية \][(٥)](#foonote-٥) عندنا أن نقف على قوله  النبي  أي يخزيه الله تعالى في أن يرد شفاعته، أو يعذبه. 
وقوله تعالى : والذين آمنوا معه  ابتداء كلام وخبره : نورهم يسعى بين أيديهم وبأيمانهم وهو كقوله : والراسخون في العلم يقولون آمنا به  \[ آل عمران : ٧ \]. 
أو لا يخزي الذين آمنوا بعد شفاعة النبي صلى الله عليه وسلم. 
ويحتمل أن الإخزاء، هو الفضيحة، أي لا يفضحهم يوم القيامة بين أيدي الكفار. 
ويجوز أن يعذبهم على وجه لا يقف عليه[(٦)](#foonote-٦) الكفرة، والخزي هو الفضيحة وهتك الستر، ولا يفعل ذلك بالمؤمنين بفضله، والله أعلم. 
وقوله تعالى : نورهم يسعى بين أيديهم وبأيمانهم  أي  بين أيديهم  إذا مشوا  وبأيمانهم  عند الحساب، لأنهم يؤتون الكتاب بأيمانهم، وفيه نور وخير، أو يسعى النور  بين أيديهم  في موضع وضع الأقدام  وبأيمانهم  لأن ذلك طريقهم، وشمالهم طريق الكفرة. 
وقوله تعالى : يقولون ربنا أتمم لنا نورنا  فجائز أن يقولوا[(٧)](#foonote-٧) هذا عند انطفاء نور المنافقين، فيخافون انقطاع ذلك النور عنهم أيضا، أو يقولوا هذا عند ضعف النور، فيسألونه الإتمام، والله أعلم.

١ في الأصل و م: أعلم..
٢ انظر معجم القراءات القرآنية ج٧/١٧٨..
٣ في الأصل و م: قولكم..
٤ في الأصل و م: فثبت..
٥ من م، ساقطة من الأصل..
٦ في الأصل و م: عليهم..
٧ من م، في الأصل: يقول..

### الآية 66:9

> ﻿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ ۚ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ ۖ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ [66:9]

الآية ٩ وقوله تعالى : يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين  قيل : جاهد الكفار  بالسيف  والمنافقين  بإقامة الحدود عليهم ؛ وذلك أن المنافقين، هم الذين كانوا يرتكبون المآثم التي أوجب فيها الحدود، ففيهم نزلت الحدود. 
وأما أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد عصموا عن المآثم التي لها الحدود. 
وقالت الباطنية في قوله : جاهد الكفار والمنافقين  أي جاهد الكفار والمنافقين بالقتال، فكان مأمورا بالقتال مع الفريقين جميعا، ولكنه اشتغل بقتال أهل الكفر، ولم يتفرغ لقتال أهل النفاق، فقاتلهم علي بن أبي طالب رضي الله عنه. 
وما ذكر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لأصحابه حين رأى عليا رضي الله عنه يخصف نعله : إن خاصف نعله يقاتل على التأويل كما نقاتل نحن على التنزيل، وقتاله على التأويل قتال أهل النفاق. 
فإن كان الأمر على ما ذكروا من القتال فأبو بكر رضي الله عنه هو الذي تولى قتال أهل النفاق لا علي رضي الله عنه لأنه ذكر أن العرب ارتدت بعد ما قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم فقاتلهم أبو بكر رضي الله عنه. وارتدادهم يدل على أنهم لم يكونوا محققين في إيمانهم، إذ لو كانوا كذلك لم يرجعوا، بل كانوا منافقين. 
وأما الذين قاتلهم علي رضي الله عنه فلم يكونوا منافقين، بل كانوا يدعون عليا رضي الله عنه إلى أن يحكم بكتاب الله تعالى. والمنافق هو الذي يظهر في نفسه أنه يعمل بحكم الله تعالى، ثم يسره بخلاف حكمه، لا أن يدعو إلى العمل بحكم الله تعالى. وهذه السمة ظهرت في الذين قاتلهم أبو بكر رضي الله عنه دون الذين قاتلهم علي رضي الله عنه. 
ثم مجاهدته صلى الله عليه وسلم في تقرير الحجة في قلوب الكفرة والمنافقين وإلزامها عليهم، وذلك يكون مرة بالسيف ومرة بإلزامها باللسان. 
ووجه إلزام الحجة بالسيف ما ذكرنا أن غلبته على الأعداء مع { كثرتهم وقوة شوكتهم \][(١)](#foonote-١) وقلة أنصار رسول الله صلى الله عليه وسلم تظهر لهم نصر الله إياه وكونه على الحق، فيحملهم ذلك على الإيمان بالله تعالى. 
فإذا كان كذلك فقوله تعالى : جاهد الكفار والمنافقين  في إلزام الحجة، وإن كانوا في موضع أمن فمجاهدتهم في إلزام الحجة عليهم من جهة القول، وإن كانوا في موضع المحاربة والقتال فمجاهدتهم في قتالهم، وقد كان من المنافقين { من \][(٢)](#foonote-٢) قد لحق بالكفرة، وذبّ عنهم. 
ألا ترى إلى قوله تعالى : فما لكم في المنافقين فئتين  ؟ { النساء : ٨٨ \] فمن لحق بهم قاتلهم مع الكفرة، ومن لم يلحق بهم ألزمهم الحجة، والله أعلم. 
وقوله تعالى : واغلظ عليهم  أي اشدد عليهم، والتشديد عليهم أن يسفّه أحلامهم، ويهتك أستارهم، وهو أن يبين لهم ما هم عليه من النفاق. 
وقوله تعالى : ومأواهم جهنم وبئس المصير  قد تقدم ذكر هذا. 
ثم قوله تعالى : يا أيها النبي جاهد الكفار  دلالة فضيلة نبينا صلى الله عليه وسلم على من تقدمه من الأنبياء والرسل عليهم السلام لأنه ذكر موسى عليه السلام في التوراة : يا موسى   طه : ١١و. . . \] { وعيسى \][(٣)](#foonote-٣) في الإنجيل :{ يا عيسى  { آل عمران : ٥٥ و المائدة :
١١٦ \] وفي مخاطبات آدم  يا آدم \[ البقر : ٣٣و. . . \] فسمى كل نبي باسمه سوى نبينا صلى الله عليه وسلم فإنه ذكره، وخاطبه بقوله : يا أيها النبي \[ الأنفال : ٦٤. . . \]  وقوله \] [(٤)](#foonote-٤) :{ يا أيها الرسول \[ المائدة : ٤١و٦٧ \]. 
وبالنبوة والرسالة استحق الفضيلة، فذكره باسم فضله، وخاطبه به، وذكر غيره من الأنبياء عليهم السلام باسم شخصه.

١ من نسخة الحرم المكي، في الأصل و م: كثرة شوكتهم..
٢ ساقطة من الأصل و م.
٣ في الأصل و م: و..
٤ ساقطة من الأصل وم..

### الآية 66:10

> ﻿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَتَ نُوحٍ وَامْرَأَتَ لُوطٍ ۖ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَقِيلَ ادْخُلَا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ [66:10]

الآية ١٠ وقوله تعالى : ضرب الله مثلا للذين كفروا امرأت نوح وامرأت لوط كانتا تحت عبدين من عبادنا صالحين  فجائز أن يكون هذا المثل لمكان الكفرة الذين لهم برسول /٥٨١ أ/الله صلى الله عليه وسلم اتصال من حرمة القرابة، فكانوا يطمعون منه الشفاعة في الآخرة، إن كان الأمر على ما ذكر محمد صلى الله عليه وسلم لأنهم عرفوه بالشفقة والرحمة على الخلق جملة. فكيف يدع شفقته ورحمته على قرابته، وهو يراهم يترددون في الهلاك ؟ فبين لهم شأن امرأة نوح وامرأة لوط ما كان بينهما وبين نوح ولوط عليهما السلام من الاتصال لئلا يغتروا باتصالهم بالنبي صلى الله عليه وسلم. 
وجائز أن يكون هذا في بدء الإسلام في الوقت الذي ينفرد الآباء بالإسلام دون الأبناء، والأبناء دون الآباء، فيكون المثل لمكان هؤلاء أولئك الذين التزموا، وداموا عليه، ولم يتبعوا آباءهم أو أبناءهم، فيقول : لا ينفع من دام على الكفر إسلام \[ من أسلم \][(١)](#foonote-١) منهم وإن كان بينهما قرب من جهة الأبوة والنبوة لأن رحمة الإنسان وشفقته على زوجته أكثر من شفقته على ما ذكرنا. وكذلك الاتصال. 
فإذا لم ينفعهما إسلام زوجتيهما، فكذلك لا ينفع أولئك الذين داموا على الكفر إسلام من أسلم من آبائهم. 
وجائز أن يكون هذا المثل لمكان أهل النفاق في ما أظهروا موافقة المؤمنين، وأسرّوا الخلاف له، فيخبر أنه لا ينفعهم إظهار موافقتهم في الدين إذا كانوا على خلافه في التحقيق كما لا ينفع زوجتي نوح ولوط عليهما السلام إظهار الموافقة منهما لزوجيهما[(٢)](#foonote-٢) إذا كانتا على خلافهما في السر، والله أعلم. 
قال أبو بكر الأصم " في هذه الآية دلالة أن صلاح الصالح، لا ينفع الطالح كما لا ينفع صلاح نوح ولوط عليهما السلام الزوجتين إذا كانت في نفسيهما فاسدتين. وأراد بهذا النفي الشفاعة لأهل الكبائر. 
وليس كما ذكر، لأن هذا المثل ضربه للكافر لا للعصاة، إذ لم يقل : ضرب الله مثلا للذين عصوا، فليس له تعلق في هذه الآية. 
ثم قد نجد[(٣)](#foonote-٣) صلاح الصالح في الشاهد ينفع الطالح، وإن لم ينفع الكافر، لأن المرء قد يكون له زوجة طالحة، تمتنع عن كثير من الشر لمكان زوجها من أهل الصلاح والبر. وكذلك الولد، ينفعه صلاح والديه في الدنيا، إذ بخشيتهما ينتهي عن كثير من المناهي بصلاحهما، فقد نفعه صلاح والديه، ونفعها صلاح زوجها. فجائز أن ينتفع الطالح أيضا في الآخرة بصلاح الصالحين. 
وأما الكافر فهو لم يمتنع من الخلاف بمكان[(٤)](#foonote-٤) أبويه ولا بمكان أحد من الخلق، فلم ينفعه إسلام أبويه ولا صلاحهما في الدنيا، فكذلك لا ينفعه في الآخرة، والله اعلم. 
وقوله تعالى  فخانتاهما فلم يغنيا عنهما من الله شيئا وقيل ادخلا النار مع الداخلين  أي فخانتاهما في الدين. 
ومنهم من يذكر أن خيانة امرأة نوح هي [(٥)](#foonote-٥) أن أخبرت قومه بجنون زوجها، وكانت خيانة امرأة لوط، هي أن أخبرت قوم لوط بشأن أضيافه. 
ولكن إن كان هذا صحيحا فهو يرجع إلى الأول، لأن الذي حمل كل واحدة منهما على الإخبار بما أخبرت موافقتها أولئك القوم لزوجها في الدين، فلا يجب أن يشهد بهذا إلا بتواتر \[ إن \][(٦)](#foonote-٦) جاء. 
وذكر بعضهم أنهما زنتا، فخيانتهما زناهما، وذا غير ثابت، لأن الأنبياء عليهم السلام عصموا عما يرجع العار والشين إليهم، والزوج يعيّر بزناء زوجته وفراشه، وفيه [(٧)](#foonote-٧) توهم التهمة في أولادهم. فدل أن هذا [(٨)](#foonote-٨)التأويل غير صحيح، وحاجتنا إلى وجود الخيانة منهما دون التفسير، ولا يجب أن يشهد بهذا إلا بتواتر جاء من يدي الحجة.

١ من م، ساقطة من الأصل..
٢ في الأصل وم، لزوجته..
٣ من، في الأصل: يحذف..
٤ في الأصل وم: بما كان..
٥ في الأصل وم: هو.
٦ من نسخة الحرم المكي، ساقطة من الأصل. وم.
٧ ن م، في الأصل: وفي.
٨ من نسخة الحرم المكي، في الأصل وم: صلاح..

### الآية 66:11

> ﻿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ آمَنُوا امْرَأَتَ فِرْعَوْنَ إِذْ قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ [66:11]

الآية ١١ وقوله تعالى : وضرب الله مثلا للذين آمنوا امرأت فرعون  فيه وجهان :
أحدهما \][(١)](#foonote-١) وجه ضرب المثل بها، هو أن يعلم المقهور تحت أيدي الكفرة أن لا عذر له في التخلف عن الإيمان بالله تعالى ؛ إذ كانت امرأة فرعون مقهورة تحت يديه، وكانت بين ظهراني الظلمة، ولم يمنعها ذلك من الإيمان بالله تعالى ومن التصديق برسوله موسى عليه السلام. 
والثاني : أنها لم تشاهد من زوجها ومن القوم بين ظهرانيهم سوى الكفر بالله تعالى. 
ثم الله تعالى بلطفه ألهمها الإيمان به فآمنت. 
وكانت امرأة نوح { عليه السلام تحت نوح \][(٢)](#foonote-٢) ولم تشاهد منه سوى الطاعة والعبادة لربه، جل وعلا، ثم لم ينفعها إيمانه وعبادته ليعلم أنه لا ينفع أحدا إسلام أحد، ولا يضره كفر غيره، إنما يصير مؤمنا بفعل نفسه { ويصير \][(٣)](#foonote-٣) كافر بفعل نفسه. 
وقوله تعالى : ابن لي عندك بيتا في الجنة  وهي لم ترد بقولها : رب ابن لي عندك بيتا في الجنة  بقيام الوجه الذي عرفت ببناء زوجها وغيره من الخلائق، وإنما أرادت بقولها  رب ابن لي بيتا في الجنة  أي اخلق لي بيتا في الجنة. 
وكذلك لم يفهم أحد  من المشبّهة \][(٤)](#foonote-٤) من قوله تعالى :{ فنفخنا فيه من روحنا  { التحريم : ١٢ \] ما فهم الخلق من النفخ في الأشياء، وإنما فهموا منه [(٥)](#foonote-٥) الخلق والإنشاء. 
فما بال المشبهة فهموا من قوله تعالى : { ثم استوى على العرش  { الأعراف : ٤٥و. . . . \] \] [(٦)](#foonote-٦) ما فهموا من الاستواء المضاف إلى الخلق ؟ لولا ضعف اعتقادهم وجهلهم بصانعهم في التحقيق. 
ثم الأصل أن تنظر إلى الأسماء التي هي أسماء الأفعال المشتركة في ما بين الخلق، إذا أضيف شيء منها إلى الله تعالى، فتعرضها على الأسماء التي هي أسماء الأفعال المخصوصة لله تعالى، فما أريد بالاسم المخصوص من ذلك، فذلك المعنى هو المراد بالاسم المشترك. 
فالاسم المخصوص بفعل الله تعالى هم الخلق ؛ إذ لا أحد يسمى أحدا من الخلائق خالقا { وإنما يفهم من قوله \][(٧)](#foonote-٧)
 رب ابن لي عندك بيتا في الجنة  أي اخلق لي، ويفهم من قوله : فنفخنا فيه من روحنا  الخلق والإنشاء. 
والذي يبين أن الأسماء المخصوصة  لا \][(٨)](#foonote-٨) يفهم منها ما يفهم { من الأخرى \][(٩)](#foonote-٩) قوله تعالى :{ هو الذي يسيركم في البر والبحر   يونس : ٢٢ \] ومعناه : هو الذي خلق سيركم في البر والبحر، وقوله [(١٠)](#foonote-١٠) تعالى :{ وهو الذي يحي ويميت   المؤمنون ٨٠ \]أي يخلق الموت والحياة، وقوله [(١١)](#foonote-١١) { يضل من يشاء  أي يخلق الضلال  ويهدي من يشاء  { فاطر : ٨ \] أي يخلق هدايته. 
ومن حمل الأمر على ما ذكرنا سلم من الشبه كلها ووسواس الشيطان، وسلم من التشبيه، والله الموفق. 
وفي هذا دلالة إيمانها بالبعث والحساب. 
ثم من الجائز أن تكون وصلت إلى علم البعث والحساب بالتلقين أو بنظرها وتفكرها في الحجج والبراهين. 
وذكر أهل التفسير أنها قالت ذلك عندما عذبها فرعون، واختلفوا في صفة العذاب من أوجه ؛ وحق مثله الإمساك عنه { وألا نشتغل بتفسيره \][(١٢)](#foonote-١٢) لما يتوهم من وقوع زيادة فيه[(١٣)](#foonote-١٣) أو نقصان على العدد الذي بيّن في الكتب المتقدمة. 
وهذه الأشياء جعلت حججا لرسالة نبينا محمد عليه السلام على أهل الكتاب { لما وجدوها موافقة للأنباء التي ذكرت في كتبهم، وإذا وقع فيها زيادة أو نقصان وجدوا فيه موضع الطعن في رسالته. فلهذا المعنى ما يجب ترك الخوض فيها \][(١٤)](#foonote-١٤) والإعراض عن ذكرها. 
وذكر عن الحسن وغيره أنه ما من مؤمن ولا كافر إلا وبني له بيت في الجنة. فإن مات على الإسلام سكن البيت، وإن قبض كافرا { أورثه غيره \][(١٥)](#foonote-١٥). 
وهذا لا يحتمل لأن الله تعالى إذا علم أنه يموت على الكفر فكيف[(١٦)](#foonote-١٦) يبني له ذلك كيلا يسكنه ؟ ومن بنى لنفسه في الشاهد، وهو يعلم أنه لا يسكنه صار عابثا في فعله، وجل الله تعالى عن أن يوصف بالعبث. 
وقوله تعالى : ونجني من فرعون وعمله، ونجني من القوم الظالمين  أي نجّني من شر فرعون وجنوده ومن عمله أي من كفره ؛ فيكون قولها  ونجّني من فرعون  راجعا إلى نفسه، والآخر  راجعا \][(١٧)](#foonote-١٧) إلى عمله { ونجّني من فرعون وعمله ونجني من القوم الظالمين  راجعا إلى قومه. 
فسألت النجاة منهم جملة/ ٥٨١-ب/ لما كانوا يمنعونها عن عبادة الله تعالى، فكانت تخاف ناحيتهم، ولا تأمن، وتخاف منهم، فسألت النجاة منهم لتصل إلى عبادة ربها.

١ ساقطة من الأصل وم..
٢ من، ساقطة من الأصل..
٣ ساقطة من الأصل وم..
٤ ساقطة من الأصل وم..
٥ في الأصل وم: به..
٦ ثم في م: ثم استوى إلى السماء {البقرة: ٢٩ وفصلت: ١١\].
٧ في الأصل وم: فيفهم بقوله..
٨ ساقطة من الأصل وم..
٩ في الأصل وم: بالأخرى..
١٠ في الأصل وم: وقال..
١١ في الأصل وم: وقال..
١٢ في الأصل و م: ولا نشتغل بتفسيرها..
١٣ من نسخة الحرم المكي، ساقطة من الأصل و م..
١٤ من نسخة الحرم المكي، ساقطة من الأصل و م..
١٥ من م، ساقطة من الأصل..
١٦ في الأصل و م: فهو..
١٧ من م، ساقطة من الأصل..

### الآية 66:12

> ﻿وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ [66:12]

الآية ١٢ وقوله تعالى : ومريم ابنت عمران التي أحصنت فرجها  فأخبر عنها بإحصانها فرجها، وذلك بالأسباب، وهي ما اتخذت بين نفسها وبين الناس جميعا حجابا لئلا يقع بصر الناس عليها، ولا يقع بصرها عليهم، فتصل به إلى تحصين فرجها. 
قال الله تعالى : قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم  \[ النور : ٣٠ \] وهم إذا غضوا أبصارهم وصلوا إلى حفظ الفروج ؛ ففي الحجاب غض البصر  وفي غض البصر \][(١)](#foonote-١) وصول إلى حفظ الفرج وإحصانه، وقال في آية أخرى :{ يا مريم إن الله اصطفاك وطهرك واصطفاك على نساء العالمين  { آل عمران : ٤٢ \]. 
وتطهيره إياها في أنه طهرها من الفواحش والزنى. فأضاف الإحصان إليها في الآية الأولى، وأضاف التطهير ههنا إلى نفسه ؛ فوجه إضافة الإحصان إليها ما ذكرنا أنها تكلفت الأسباب التي هي أسباب الموانع للزنى الدواعي إلى الإحصان، وأضاف إلى نفسه التطهير لأن وقوع ذلك وحصوله[(٢)](#foonote-٢) كان به ؛ ففيه دلالة أن كل فعل من أفعال العباد لا يخلو من أن يكون الله تعالى فيه صنع وتدبير. 
 وقوله تعالى \][(٣)](#foonote-٣) :{ فنفخنا فيه من روحنا  أي خلقنا فيه ما به تحيى الصور والأبدان. وقوله : فيه  أي في  فرجها، كقوله \][(٤)](#foonote-٤) في آية أخرى :{ فنفخنا فيها من روحنا  { الأنبياء : ٩١ \] أي في نفسها[(٥)](#foonote-٥) عيسى عليه السلام والنفس مؤنث. 
ثم تشبيهه { الخلق \][(٦)](#foonote-٦) بالنفخ لأن الروح إذا خلق { في الجسد انتشر فيه \][(٧)](#foonote-٧) كالريح إذا نفخت في شيء انتشرت فيه[(٨)](#foonote-٨)، أو { تشبيهه الخلق \][(٩)](#foonote-٩) بالنفخ لسرعة دخوله { في ما \][(١٠)](#foonote-١٠) نفخ فيه كالريح، والله أعلم. 
وقوله تعالى : وصدقت بكلمات ربها  جائز[(١١)](#foonote-١١) أن تكون الكلمات التي بشرت بها مريم هي[(١٢)](#foonote-١٢) قوله تعالى : يا مريم إن الله يبشرك بكلمة منه اسمه المسيح   آل عمران : ٤٥ \] وقوله تعالى :{ يا مريم اقنتي لربك واسجدي واركعي مع الراكعين   آل عمران : ٤٣ \] وقوله تعالى :{ يا مريم إن الله اصطفاك وطهرك واصطفاك على نساء العالمين   آل عمران : ٤٢ \] وقوله تعالى :{ وهزي إليك بجذع النخلة تساقط عليك رطبا جنيا  \[ مريم : ٢٥ \] فصدقت بجملتها { وأنها \][(١٣)](#foonote-١٣) من عند الله، لا شيء، ألقى إليها الشيطان. 
أو  وصدقت بكلمات ربها  أي بحجج ربها وبراهينه  كقوله تعالى \][(١٤)](#foonote-١٤) :{ ويحق الله الحق بكلماته  \[ يونس : ٨٢ \] أي بحججه وأدلته. 
ثم تكون الحجج حجج البعث أو حجج الرسالة أو الوحدانية، أي يكون قوله : وصدقت بكلمات ربها  أي بالكلمات التي يستعاذ بها من الشرور ؛ فصدقت أنها تعيذ من تعوذ بها، والله أعلم. 
وقوله تعالى : وكتبه  وقرئ وكتابه[(١٥)](#foonote-١٥) ؛ وفي تصديقها بالكتاب تصديق منها بالكتب لأن من آمن بكتاب من كتب الله فقد آمن بسائر كتبه لأنها يوافق بعضها بعضا، ومن آمن بكتبه فقد آمن بكل كتاب له على الإشارة إليه، فثبت أن في الإيمان بكتاب إيمانا[(١٦)](#foonote-١٦) بسائر الكتب فكل واحدة[(١٧)](#foonote-١٧) من القراءتين تقتضي معنى القراءة الأخرى ؛ فإن قوله : بكتابه أي بالإنجيل، وقوله : وكتبه  أي بالإنجيل وسائر الكتب المتقدمة المنزلة من عند الله تعالى. 
وقوله تعالى : وكانت من القانتين  قيل : من المصلين، لأنه قال في آية أخرى : يا مريم اقنتي لربك واسجدي واركعي مع الراكعين  \[ آل عمران : ٤٣ \] وإذا وصفت[(١٨)](#foonote-١٨) وصف الصلاة، فالتزمت هذا الأمر، صارت من القانتين. وقيل : أي من المطيعين لربها، والله أعلم بالصواب، وصلى الله على سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم.

١ من م، ساقطة من الأصل..
٢ الواو ساقطة من الأصل و م..
٣ ساقطة من الأصل و م..
٤ في الأصل و م: عيسى وقال..
٥ في الأصل و م: نفس..
٦ ساقطة من الأصل و م..
٧ في الأصل و م: فيه انتشر في الجسد..
٨ في الأصل و م: فيها..
٩ في الأصل و م: و التشبيه..
١٠ من م، في الأصل: فيها..
١١ في الأصل و م: فجائز..
١٢ في الأصل و م: من.
١٣ ساقطة من الأصل و م..
١٤ من نسخة الحرم المكي، ساقطة من الأصل و م..
١٥ انظر معجم القراءات القرآنية ج ٧/١٨٠..
١٦ في الأصل و م: إيمان..
١٧ من م، في الأصل: واحد..
١٨ في الأصل و م: وصف..

## روابط ذات صلة

- [النص القرآني للسورة](https://quranpedia.net/surah/1/66.md)
- [كل تفاسير سورة التحريم
](https://quranpedia.net/surah-tafsir/66.md)
- [ترجمات سورة التحريم
](https://quranpedia.net/translations/66.md)
- [صفحة الكتاب: تأويلات أهل السنة](https://quranpedia.net/book/468.md)
- [المؤلف: أبو منصور المَاتُرِيدي](https://quranpedia.net/person/4180.md)

---

زُر [Quranpedia.net](https://quranpedia.net/surah/1/66/book/468) — موسوعة القرآن الكريم: التفاسير، الترجمات، التلاوات، والمواضيع.
