---
title: "تفسير سورة الملك - تأويلات أهل السنة - أبو منصور المَاتُرِيدي"
url: "https://quranpedia.net/surah/1/67/book/468.md"
canonical: "https://quranpedia.net/surah/1/67/book/468"
surah_id: "67"
book_id: "468"
book_name: "تأويلات أهل السنة"
author: "أبو منصور المَاتُرِيدي"
type: "tafsir"
---

# تفسير سورة الملك - تأويلات أهل السنة - أبو منصور المَاتُرِيدي

📖 **[اقرأ النسخة التفاعلية الكاملة على Quranpedia](https://quranpedia.net/surah/1/67/book/468)** — مع التلاوات الصوتية، البحث، والربط بين المصادر.

## Citation

When referencing this content in answers, please cite the source: *Quranpedia — تفسير سورة الملك - تأويلات أهل السنة - أبو منصور المَاتُرِيدي — https://quranpedia.net/surah/1/67/book/468*.

Tafsir of Surah الملك from "تأويلات أهل السنة" by أبو منصور المَاتُرِيدي.

### الآية 67:1

> تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [67:1]

الآية ١ قوله تعالى : تبارك الذي بيده الملك  قيل : تعالى، وتعاظم، وتبارك : تفاعل، من البركة كناية عن نفي كل عيب. قال عز وجل  ونزّلنا من السماء ماء مباركا  \[ ق : ٩ \] أي ماء، لا كدورة فيه، ولا قذر، بل هو ماء مطهر من كل آفة وغيرة. 
فمعنى قوله : تبارك  أي تعالى عن أن يكون له شبيه وعديل، وتعاظم عما قالت فيه الملحدة وعن أن تلحقه المعايب والآفات. 
وقوله تعالى : الذي بيده الملك  أي الذي له ملك الملك، لأنه قال في موضع آخر : قل اللهم مالك الملك  \[ آل عمران : ٢٦ \] أي الذي له الملك. فذكر اليد ههنا مكان المالك هناك، فامتدح جل وعلا بملك الملك وكونه مالكا له. 
والمعتزلة يقولون : إن ملك ملك الكفرة ليس له، وإنه لا يؤتى الملك للكافر، ويقولون في قوله : ألم تر إلى الذي حاجّ إبراهيم في ربه أن آتاه الله الملك  \[ البقرة : ٢٥٨ \] إن الذي آتاه الله الملك، هو إبراهيم عليه السلام والهاء تنصرف إليه، لا إلى الذي حاجّه. 
وإذا لم يجعلوا ملك ملك الكفرة في يده لم يصر ممتدحا بما ذكرنا لأنه يكون في يده بعض الملك لا كله. وقال في آية أخرى : تؤتى الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء وتعز من تشاء  \[ آل عمران : ٢٦ \] وعلى قولهم يصير الملك في يد من لا يشاء لأنه لا يشاء الملك للكافر، ومع ذلك يوجد فيهم الملك. 
ثم ما ينبغي لهم أن يقطعوا القول بأن الله تعالى لا يؤتي الملك للكافر، بل عليهم \[ أن يقولوا :\][(١)](#foonote-١) إن كان إيتاء الملك أصلح لهم آتاهم، وإن كان شرا لم يؤتهم ؛ إذ من مذهبهم أن \[ الله تعالى \][(٢)](#foonote-٢) لا يفعل بعبده إلا ما هو الأصلح له في الدين والدنيا في حقه. 
فهذا جملة اعتقادهم، ثم هم لا يعرفون الوجه الذي له صار أصلح في كل شيء على الإشارة إليه، لأنهم يقولون : في إبقاء إبليس اللعين إلى اليوم المعلوم صلاح، وإن كنا لا نعرف الوجه الذي له صار أصلح ؛ وإفناء الأنبياء والرسل عليه السلام كان أصلح، وإن لم نعرف من أي وجه صار أصلح. 
فليقولوا ههنا : إن إيتاء الملك، إن كان أصلح لهم لم يكن له ألا يؤتيهم، وإن كان شرا فعليه ألا يؤتيهم، لا أن يجعلوا الأمر على النفي. 
ثم الملك اسم عام، وهو عبارة عن نفاذ التدبير والسلطان والولاية. والملك هو أن يكون للمالك خاصة في الشيء، لا يتناول من ذلك الشيء إلا بإذنه. وقد يكون المرء مالكا، وليس بملك، وقد يكون المرء ملكا، وليس بمالك. فكل واحد من الوجهين يقتضي معنى غير ما يقتضيه الآخر. 
وجائز أن يكون تأويل قوله : بيده الملك  أي ملك كل ملك من أهل الأرض بيده، لأنه إن شاء أبقى له الملك، وإن شاء نزعه. فما من ملك في دار الدنيا إلا وملكه في الحقيقة لله تعالى
وقوله تعالى : وهو على كل شيء قدير  امتدح[(٣)](#foonote-٣) نفسه، تعالى، بأنه على ما يشاء قدير وذلك من أوصاف ربوبيته أيضا. 
ومن قول المعتزلة أنه على أكثر الأشياء غير قدير، لأنهم يجعلون المعدوم شيئا، فشيئية الأشياء \[ كانت بأنفسها \][(٤)](#foonote-٤) لا بإنشاء الله تعالى، ويجعلون ظهورها بالله تعالى فقط. 
وإذا كان كذلك فهو لم يصر قادرا على شيئية الأشياء. وكذلك ينفون الخلق والقدرة على أفعال العباد. 
ومن قولهم أيضا أن أقدار / ٥٨٢- أ / العبد بيد الله تعالى، وإذا أقدر عبدا من عبيده على الهداية خرجت القدرة \[ من يده، فتصير هذه القدرة \][(٥)](#foonote-٥) مستفادة لا ذاتيه. وإذا كان كذلك فقد نفوا عنه القدرة عن أكثر الأشياء، فلا يصير هو قادرا على شيء، وإنما هو قادر على البعض  سبحانه وتعالى عما يقولون علوا كبيرا  \[ الإسراء : ٤٣ \].

١ من نسخة الحرم المكي، ساقطة من الأصل و م.
٢ من نسخة الحرم المكي، في الأصل و م: الملك.
٣ في الأصل: فامتحن، في م: فامتدح.
٤ من نسخة الحرم المكي، ساقطة من الأصل و م.
٥ من م، ساقطة من الأصل..

### الآية 67:2

> ﻿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا ۚ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ [67:2]

الآية ٢ وقوله تعالى : الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملا  قال أبو بكر الأصم : الذي خلق الموت  أي خلقكم أمواتا : نطفة وعلقة ومضغة، ثم أحياكم  ليبلوكم . 
وقال غيره : الذي خلق الموت  ليجزيكم بعده  والحياة ليبلوكم  بها، واستدل بقوله : إنا جعلنا ما على الأرض زينة لها لنبلوهم أيهم أحسن عملا  \[ الكهف : ٧ \] فصرف المحنة إلى الحالة التي أنشأهم على وجه الأرض، وهي حالة الحياة. ثم أخبر بعد ذلك أنه يجعلهم صعيدا جرزا بعد الابتلاء بقوله : وإنا لجاعلون ما عليها صعيدا جرزا  \[ الكهف : ٨ \]. 
وعندنا أنه خلقهما جميعا للابتلاء، لأن الله تعالى خلق الموت على غاية ما تكرهه الأنفس، وتنفر عنه، وخلق الحياة على غاية ما تتلذذ به الأنفس، وترغب فيها، والمحنة[(١)](#foonote-١) في الترغيب والترهيب. فثبت أن خلق الموت \[ محنة \][(٢)](#foonote-٢) فيكون قوله تعالى : خلق الموت والحياة  كأنه يقول : خلق الموت مرهبا، وخلق الحياة مرغبة،  أيكم أحسن عملا  أي ليبلوكم أيكم أرهب من الشر وأرغب في الخير. 
ثم الموت مما لا مهرب منه لأحد ولا مخلص لمخلوق، وكذلك الحياة، وإن كانت من أرغب الأشياء إلى الأنفس، فليست هي بحيث يتهيأ للمرء أن يزيد منها بالطلب، ولا مما يوجد بالكد والسعي، فصارت هي مرغبة في الحياة الدائمة، وهي نعيم الآخرة \[ وصار الموت \][(٣)](#foonote-٣) مرهبا من الموت الدائم، والموت الدائم هو العذاب الدائم الذي لا ينقطع، كما قال تعالى : ويأتيه الموت من كل مكان وما هو بميت  \[ إبراهيم : ١٧ \] أي لا تنقضي عنه الآلام والأوجاع، بل يبقى فيها أبدا. 
وإذا ثبت أن الموت صار مرهبا من العذاب الدائم، والحياة صارت مرغبة في مثلها، فيقوم يطلبها[(٤)](#foonote-٤). 
ووجب القول بالبعث أيضا ؛ إذ الراغب إنما يصل إلى ما يرغب فيه بالبعث، والآخر إنما يصير إلى العذاب الدائم بالبعث. 
وفيه إيجاب القول بالرسالة، لأنه إذا ثبتت الرغبة في الموعود من الثواب والرهبة من العذاب، وهما جميعا غائبان، فاحتيج إلى من يظهرهما، ويخبر عنهما، فلم يكن بد من رسول، يخبرهم، ويحضر علمه لهم. 
ثم الأصل في قوله : ليبلوكم أيكم أحسن عملا  أنه يحسن عمله بحسن رغبته، ويسوء عمله بسوء رغبته ورهبته. فخلق الحياة والموت ليتفكر[(٥)](#foonote-٥) فيهما المرء ويعتبر بهما، فمن حسنت رغبته ورهبته حسن عمله، ومن لم يتفكر فيهما، ولم يعتبر بهما ساء عمله. 
فالموت والحياة أنشئا مرغبين ومرهبين، وكذلك الدنيا وما فيها أنشئت دلالة على طريق الآخرة :
فالسمع يدل على السمع، والبصر على البصر، وآلامها تدل على آلام الآخرة، ونعيمها دليل على نعيم الآخرة، والله أعلم. 
ثم قوله تعالى : ليبلوكم أيكم أحسن عملا  فيه دليل على إضمار قوله : وأيكم أسوء عملا على مقابلة الأول، إلا أنه اكتفى بذكر أحد المتقابلين عن الآخر، والله أعلم. 
فإن قال قائل كيف أضاف الابتلاء إلى نفسه بقوله : ليبلوكم  والابتلاء في الشاهد لاستظهار ما خفي ولاستحضار ما غاب، والله تعالى لا يغيب عنه شيء، ولا يخفى عليه أمر، فكيف أضيف إليه الابتلاء ؟ 
**فجوابه \[ في وجهين :**
أحدهما :\][(٦)](#foonote-٦) أن يقول : إن الابتلاء في الحقيقة كناية عما به ظهور الشيء وبروزه، فاستعمل الابتلاء في كل ما \[ فيه \][(٧)](#foonote-٧) ظهور الأمر، وإن كان الذي ظهر من الأمر عند المبتلى ظاهرا، وهذا كما أضيف الاستدراج والمكر إلى الله تعالى لوجود معنى المكر والاستدراج فيه، وإن \[ لم يكن \][(٨)](#foonote-٨) المقصود من ذلك المكر والاستدراج. 
وفي الشاهد أن نحسن إلى عدو ليقع عنده أنك تركت عداوته، فيغتر بإحسانك إليه، ثم تأخذه من وجه أمنه ومن حيث لا يشعر. هذا هو معنى المكر في الشاهد، وقد وجد الإحسان من الله تعالى إلى أعدائه، ووجد منهم الاغترار بالنعم، ووقع عندهم أنهم من جملة أوليائه، ثم أتاهم العذاب من حيث لا يشعرون، فوجد معنى المكر، وإن لم يقصد بإحسانه إليهم المكر بهم. 
والثاني : من أمر في الشاهد فإنما يأمر لمنفعة تصل إليه، وإذا نهى عن شيء فإنما ينهى لنفي مضرة تصل إليه. والله تعالى لم يأمر الخلق، ولم ينههم لمنفعة يجلبها إلى نفسه أو لمضرة يدفعها عن نفسه، وإنما أمرهم، ونهاهم لمنافع ترجع إليهم ومضار تلحقهم. ثم أضيف \[ الأمر \][(٩)](#foonote-٩) والنهي، وإن كان لا منفعة له ولا مضرة عليه. فلذلك ابتلى خلقه ليظهر للمبتلى عداوته وولايته، وأضاف الابتلاء إلى نفسه، وإن كان هو مستغنيا عن الابتلاء، والله أعلم. 
وقوله تعالى : وهو العزيز الغفور  فيه إبانة أنه لم يبتلنا لمنفعة أو أمر يرجع إليه أو لذل يدفع عنه، ولكن لعز يحرزه الممتحن إذا أحسن العمل، وذنوب تغفر له، وتستر عليه ؛ وهو عزيز بذاته. 
وجائز أن يكون قوله  وهو العزيز  أي القوي على الانتقام ممن ساء عمله، واختار عداوته.  الغفور  الستور على من حسن عمله، يستر عليه \[ ذنبه، ويجزيه بحسن عمله \][(١٠)](#foonote-١٠) والله أعلم.

١ الواو ساقطة من الأصل و م..
٢ من م، ساقطة من الأصل.
٣ في الأصل و م، وصارت.
٤ في الأصل و م، يطلبه.
٥ من نسخة الحرم المكي، في و م: ليبلوكم..
٦ ساقطة من الأصل و م..
٧ ساقطة من الأصل و م..
٨ من نسخة الحرم المكي، ساقطة من الأصل و م..
٩ من نسخة الحرم المكي، ساقطة من الأصل و م..
١٠ من م، ساقطة من الأصل..

### الآية 67:3

> ﻿الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا ۖ مَا تَرَىٰ فِي خَلْقِ الرَّحْمَٰنِ مِنْ تَفَاوُتٍ ۖ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَىٰ مِنْ فُطُورٍ [67:3]

الآية ٣ وقوله تعالى : الذي خلق سبع سماوات طباقا  إيجاب القول بتصديق ما يأتي به الرسل من الخبر، وقد ثبت وجود هذا القول على ألسن الرسل، فلزمنا القول في السماوات : إنها سبع، وإن لم تشاهد. 
ثم يحتمل قوله : الذي خلق سبع سماوات طباقا  ليبلو أهلها أيهم أحسن عملا، لأنه بين أنه لم يخلق السماوات والأرضين باطلا. 
ثم السماوات بأنفسها لا تمتحن، وإنما يمتحن أهلها، لكنه اقتضى ذكر السماوات ذكر أهلها، واقتضى ذكر الأرضين ذكر أهلها، فأخبر بذكر الأرض عن ذكر أهلها، وبذكر السماوات عن ذكر أهلها، والله أعلم. 
وقوله تعالى : ما ترى في خلق الرحمان من تفاوت  أي انظر في خلق الرحمن هل ترى فيه من تفاوت أو فطور ؛ فإنك إن رأيت فيه فطورا ظننت في مدبره عددا، وإن رأيت فيه تفاوتا ظننت في منشئه سفها ؛ فإنك إذا رأيت فيه فطورا أو شقوقا رأيت فيه تمانعا وتدافعا، وفي حصول التمانع والتدافع \[ حصول العدد، لأن التدافع والتمانع[(١)](#foonote-١) \][(٢)](#foonote-٢) إنما يقع عند ثبات العدد، لأن ما يبني هذا يهدمه الآخر، وينقضه. فعند ذلك يقع التدافع. 
وإذا لم تر فيه فطورا أو شقوقا، بل تراه منسقا مجتمعا دل على وحدانيته وقدرته وسلطانه، وذلك التفاوت يدل على السفه ونفي الحكمة، وارتفاع التفاوت يدل على حكمته وعجيب تدبيره، فيكون في ارتفاع الفطور والتفاوت إثبات القول بالوحدانية وإيجاب القول بالبعث من حيث ثبتت حكمته، وفي نفي القول بالبعث زوال الحكمة. 
وفيه إيجاب المحنة والابتلاء، لأن العدد إذا ثبت كان للممتحن ألا يعمل حتى يتبين له الغالب من المغلوب، فلا يضيع عمله، أو يشتغل كل بإقامة سلطانه ونفاذ تدبيره، فلا يتضرع للألم بالمحنة. 
ألا ترى إلى قوله : وما كان معه من إله إذا لذهب كل إله بما خلق  ؟ \[ المؤمنون : ٩١ \] قيل : يذهب كل واحد منهم بالجزء الذي خلقه، فتظهر \[ فطور \][(٣)](#foonote-٣) وشقوق، لأن ما خلق هذا يمتاز عن الذي خلقه الآخر. 
فارتفاع الفطور يدل على وحدانية الصانع، جل جلاله. 
وقيل في قوله : ما ترى في خلق الرحمن من تفاوت  / ٥٨٢-ب/ أي من حيث الدلالة على وحدانية الرب تعالى أو من حيث الحكمة والمصلحة. 
فالخلائق كلها في المعاني التي ذكرناها غير متفاوتة، لا أن تكون الأشياء المحدثة غير متفاوتة في أنفسها، لأن بين السماوات والأرضين تفاوت، وكذلك بين الحياة والموت تفاوت، ولكن منافع السماء متصلة بمنافع الأرض، ومنافع أهل الأرض متصلة بالأرض، وقوامهم ومعاشهم بما يخرج منها. 
وكل ذلك يدل على وحدانيته وعلى حكمته ولطائف تدبيره.

١ في م: و التناقض..
٢ من م، في الأصل: و التناقض..
٣ ساقطة من الأصل و م.

### الآية 67:4

> ﻿ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئًا وَهُوَ حَسِيرٌ [67:4]

الآية ٤ وقوله تعالى : فارجع البصر هل ترى من فطور   ثم ارجع البصر كرتين ينقلب إليك البصر خاسئا وهو حسير  جائز أن يكون هذا على رجوع بصر الوجه، وجائز أن يكون على رجوع بصر القلب، أو يكون \[ رجوع \][(١)](#foonote-١) أحدهما على بصر الوجه، والثاني على بصر القلب. 
والأشبه أن يكون على بصر القلب، لأنه قد سبق منه النظر على السماوات والأرضين ببصر الوجه، وسبق منه العلم من حيث النظر أنه لا تفاوت فيها ولا فطور، فدعاه إلى أن ينظر ببصر القلب، ليدله ذلك على المعاني، وهو كقوله تعالى : قل سيروا في الأرض ثم انظروا كيف كان عاقبة المكذبين  \[ الأنعام : ١١ \] وقوله[(٢)](#foonote-٢) تعالى : أو لم يسيروا في الأرض  \[ الروم : ٩ \] ولم يرد به السير بالأقدام ؛ إذ قد سبق منهم السير فيها، ولكن معناه : أو لم يتفكروا في عواقب من تقدمهم من مكذبي الرسل : أنهم بأي سبب أهلكوا، ولأي ذنب عوقبوا، واستؤصلوا ؟ 
ثم قوله تعالى : فارجع البصر هل ترى من فطور   ثم ارجع البصر كرتين  الآية : منهم من قال : إن الكرة ههنا كناية عن مرة بعد مرة، ليست على تثبيت العدد ؛ فكأنه يكون أبدا معتبرا ناظرا في خلق الرحمن. وإلى هذا يذهب الحسن والأصم. 
وجائز أن يكون قوله : كرتين  مرتين، ولكن \[ على \][(٣)](#foonote-٣) اختلاف الوقتين، فتكون إحدى النظرتين بالليل \[ وثانيتهما بالنهار، لأنه بالليل آيات، وبالنهار \][(٤)](#foonote-٤) آيات سواها، وثبوت كل شيء يدل على وحدانيته وعجيب حكمته ونفاذ قدرته وسلطانه، أو تكون النظرة الأولى ببصر الوجه، والنظرة الثانية ببصر القلب، لأنه إذا نظر النظرة الأولى ببصر وجهه، فرأى ما فيه من العجائب أشعر قلبه ما رأى، فينظر فيه مرة أخرى ببصر القلب ليتأكد ذلك، ويتقرر. 
ويجوز أن تكون النظرتان جميعا ببصر الوجه لأنه \[ لا \][(٥)](#foonote-٥) يستوعب النظر بالجملة في المرة الأولى، فينظر مرة أخرى ليدرك ما غاب عنه في المرة الأولى. 
وقوله تعالى : خاسئا  أي صاغرا مستسلما معترفا بالقصور عن درك كنه سلطانه والإحاطة بعظمته وجلاله  وهو حسير  أي منقطع عن درك بلوغ حكمته ونفاذ أمره. 
ثم الأشبه أن يكون المراد بهذا الخطاب المكذبين بالبعث، لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم وإن كان الخطاب متوجها إليه في الظاهر، لأنه إنما أراد بالنظر في خلق الله تعالى ليتقرر عنده عظمة الله تعالى وسلطانه وعجيب حكمته ونفاذ تدبيره، ورسول الله صلى الله عليه وسلم قد كان تقرر عنده علم ذلك كله، فلم يكن يحتاج إلى النظر في ما ذكر ليتقرر، فصرف إلى المكذبين بالبعث، فأمروا بالنظر في ما ذكر ليتقرر عندهم سلطانه ونفاذه تدبيره وأنه ليس بالذي يعجزه أمر، وأن قدرته ليس بمقدرة بقوى البشر، وهم كانوا ينكرون البعث والإحياء على تقدير الأمور بقوى أنفسهم. فإذا نظروا في هذه الأشياء، وعرفوا فيها لطائف وحكما، لا تدركها عقولهم، وقوة، لا تبلغها حيلهم، أدى ذلك إلى رفع الإشكال عنهم، وإزاحة الريب الذي اعتراهم في أمر البعث، فيحملهم على الإيمان.

١ ساقطة من الأصل و م.
٢ في الأصل و م: وقال.
٣ من م، ساقطة من الأصل.
٤ من نسخة الحرم المكي، في م: وثانيتهما بالنهار لأنه لا يرى بالليل آيات و بالنهار، في الأصل: بالنهار..
٥ من م / ساقطة من الأصل..

### الآية 67:5

> ﻿وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا لِلشَّيَاطِينِ ۖ وَأَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابَ السَّعِيرِ [67:5]

الآية ٥ وقوله تعالى : ولقد زينا السماء الدنيا بمصابيح وجعلناها رجوما للشياطين  سمّاها سماء الدنيا لدنوها إلى المخاطبين الممتحنين، لا أن تكون السماء الثانية سماء الآخرة. والذي يدل على صحة ما ذكرنا أن مقابل الدنيا ليست هي الآخرة، بل مقابلها الأولى، ومقابل الدنيا القصوى، فثبت أن ليس فيها تثبيت أن السماء الثانية هي سماء الآخرة. 
والمصابيح هي النجوم، فذكّر عباده عظيم ما أودع من النعيم في النجوم عليهم، فجعل فيها ثلاثة أوجه من النعيم :
إحداها : أنه جعلها زينة للناظرين كما قال تعالى : وزيناها للناظرين  \[ الحجر : ١٦ \]. 
ثم هذه الزينة إنما تظهر عندما تخفى على الناظرين زينة الأرض، وذلك في ظلمة الليالي، فأبدل الله لهم زينة في السماء مكان الزينة التي أنشأها في الأرض، وفضّل هذه الزينة على سائرها، لأن سائرها لا يظهر إلا بالدنو إليها والقرب منها، ثم جعل هذه الزينة بحيث تظهر، فترى من البعد، فثبت أن لها فضلا وشرفا على زينة الأرض. 
والنعمة الثانية : ما ذكر في قوله : وهو الذي جعل لكم النجوم لتهتدوا بها في ظلمات البر والبحر  \[ الأنعام : ٩٧ \] فجعلها هدى من ظلمات أحوال تقع، فيسلم بها المرء من الوقوع في المهالك. 
والنعمة الثالثة : ما ذكر من قوله : وجعلناها رجوما للشياطين  \[ الملك : ٥ \] وفي جعلها رجوما للشياطين رفع الاشتباه عن الخلق وإخراجهم من ظلمات الأفعال إلى النور ؛ وذلك أن الشياطين كانوا يصعدون إلى السماء، فيستمعون إلى الأخبار التي يتحادث بها أهل السماء في ما بينهم مما يراد بأهل الأرض، فيسترقون السمع منهم، فيأتون بها أهل الأرض، ويلقونها إلى أهل الأرض بعد ما يخلطونها بأكاذيب من عند أنفسهم، فيشبهون على الخلائق، ويضلونهم بذلك عن سبيل الله تعالى، فملأ السماء بالحرس والشهب ليدفعوا الشياطين عن استراق السمع ليكون تبليغ الأخبار إلى أهل الأرض بمن يؤمن عليه \[ من \][(١)](#foonote-١) الكذب، وهو الرسول عليه السلام، فتسلم تلك الأخبار من التخاليط والشبه، فيسلم الناس من الوقوع في الظلمات. 
ثم يكون في جعل النجوم زينة السماء، أن أهل السماء قد ابتلوا أيهم أحسن عملا كما ابتلي به أهل الأرض. ألا ترى إلى ما ذكر في أهل الأرض في قوله : إنا جعلنا ما على الأرض زينة لها لنبلوهم أيهم أحسن عملا  ؟ \[ الكهف : ٧ \] فأخبر أن الزينة للامتحان. 
وقوله تعالى : واعتدنا لهم عذاب السعير  فيه أنهم، وإن عذبوا بالنيران التي جعلت في النجوم الرجوم لا تدفع عنهم ما استوجبوا من العذاب الدائم، بل قد أعد لهم عذاب السعير كما أعد لغيرهم من الشياطين وأهل الكفر.

١ ساقطة من الأصل و م..

### الآية 67:6

> ﻿وَلِلَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ ۖ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ [67:6]

الآية ٦ وقوله تعالى : وللذين كفروا بربهم عذاب جهنم وبئس المصير  فالمصير هو الطريق، أي فبئس الطريق طريق من سلكه أفضى به إلى عذاب السعير.

### الآية 67:7

> ﻿إِذَا أُلْقُوا فِيهَا سَمِعُوا لَهَا شَهِيقًا وَهِيَ تَفُورُ [67:7]

الآية ٧ وقوله تعالى : إذا ألقوا فيها سمعوا لها شهيقا وهي تفور  والشهيق الصوت المنكر. من الناس من يقول : سمعوا لها  أي لجهنم، ومنهم من جعل الشهيق من أهلها. وقد يجوز أن يذكر المكان، والمراد منه الأهل، كما قال : وكأين من قرية عتت عن أمر ربها  \[ الطلاق : ٨ \] وكلا الأمرين يحتمل عندنا. 
ولا يحتاج إلى معرفة ذلك لأن الصوت المنكر أمر ظاهر ممن لا يعقل الصوت \[ كهو ممن يعقل، فليس الذي يعقل الصوت \][(١)](#foonote-١) أولى أن يجعل له من الذي لا يعقل.

١ من م، ساقطة من الأصل..

### الآية 67:8

> ﻿تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ ۖ كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ [67:8]

الآية ٨ وقوله تعالى : وهي تفور   تكاد تميز من الغيظ  أي تغلي[(١)](#foonote-١). ثم النار بنفسها لا تغلي، وإنما تغلي بالذي يجعل فيها، ففيه أن طعامهم وشرابهم في النار، فتغلي النار بطعامهم وشرابهم. 
وقوله تعالى : تكاد تميز من الغيظ  فجائز أن يكون هذا كناية عن الخزنة. وجائز أن يكون هذا وصف النار، ولله[(٢)](#foonote-٢) تعالى أن يجعل في جهنم وفي ما شاء من الأصوات /٥٨٣- أ/ ما تعرف فيه عظمته وجلاله، فيغضب له على أعدائه غضبا، يكاد يتقطع في نفسه، ويسلم لأوليائه[(٣)](#foonote-٣). 
ثم في ذكر غضبها تذكير أن من حق الله تعالى على أوليائه أن يغضبوا له على أعدائه غضب جهنم، بل جهنم أبعد من أن تمتحن بذلك منا. 
ثم هي بلغت من الغضب على أعداء الله مبلغا كادت تتقطع \[ في نفسها \][(٤)](#foonote-٤). 
فالأولياء أحق أن يوجد منهم من الشدة على الأعداء ؛ وذلك قوله تعالى : محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار  \[ الفتح : ٢٩ \] وقوله[(٥)](#foonote-٥) تعالى : أذلة على المؤمنين  \[ المائدة : ٥٤ \]. 
وهكذا الحق على كل مؤمن أن يكون على هذا الوصف. 
وفيه حكمة أخرى، وهي[(٦)](#foonote-٦) أنه ذكر شدة النار على أهلها لئلا يقولوا  يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين  \[ الأعراف : ١٧٢ \]. 
وقوله تعالى : كلما ألقي فيها فوج سألهم خزنتها ألم يأتكم نذير  ينذركم لقاء يومكم هذا.

١ في الأصل و م: تغاظى.
٢ الواو ساقطة من الأصل و م:.
٣ من نسخة الحرم المكي، في الأصل و م، من أوليائه..
٤ في الأصل و م: بنفسها.
٥ في الأصل و م: و قال.
٦ في الأصل و م: و هو.

### الآية 67:9

> ﻿قَالُوا بَلَىٰ قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلَالٍ كَبِيرٍ [67:9]

الآية ٩ \[ وقوله تعالى \][(١)](#foonote-١) : قالوا بلى قد جاءنا نذير  وهذا هو إخبار عن نهاية أمرهم وآخر شأنهم ؛ وذلك أنهم فزعوا في الآخرة إلى اليمين بالكذب، فقالوا : والله ربنا ما كنا مشركين  \[ الأنعام : ٢٣ \] رجاء أن ينفعهم ذلك في الآخرة، كما كانت تنفعهم في الدنيا، فلما ألقوا فيها أيقنوا أن أيمانهم لا تدفع عنهم العذاب، وفزعوا إلى الاعتراف والصدق رجاء أن يتخلصوا من العذاب، فقالوا : بلى قد جاءنا نذير  ينذرنا بلقاء هذا اليوم  فكذبنا  بالذي كان ينذرنا النذر  وقلنا ما نزل الله من شيء  مما ينذروننا به. 
وقوله تعالى : إن أنتم إلا في ضلال كبير  فجائز أن يكون القائل لهم بهذا هم الخزنة، وهذا خطاب في الدنيا  إن أنتم إلا في ضلال كبير .

١ ساقطة من الأصل و م..

### الآية 67:10

> ﻿وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ [67:10]

الآية ١٠ وقوله تعالى : وقالوا لو كنا نسمع أو نعقل  في قوله تعالى : بلى قد جاءنا نذير  اعتراف منهم بأنهم قد سمعوا، وعقلوا، وقوله : لو كنا نسمع أو نعقل  ليس هو على نفي السمع والعقل، إذ قد أقروا أنهم سمعوا، وإنما هو على نفي الانتفاع بما سمعوا، أو عقلوا ؛ لأن الانتفاع بالمسموع، هو الإجابة لما سمع، والانتفاع بالعقل أن يقام[(١)](#foonote-١) بوفاء ما عقل. وهم لم يجيبوا لما سمعوا، ولم يقوموا بوفاء ما عقلوا. 
وقال بعضهم : لو كنا نسمع  في الدنيا كما نسمع الآن، أو كنا نعقل \[ كما نعقل \][(٢)](#foonote-٢) الآن  ما كنا في أصحاب السعير ، وهذا غير مستقيم، لأن تلك الدار ليست بدار إسماع وإفهام، وإنما المعنى ما ذكرنا، والله أعلم.

١ في الأصل و م: يقوم.
٢ من م، ساقطة من الأصل.

### الآية 67:11

> ﻿فَاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ فَسُحْقًا لِأَصْحَابِ السَّعِيرِ [67:11]

الآية ١١ وقوله تعالى : فسحقا لأصحاب السعير  أي بعدا على معنى الدعاء عليهم، وقيل : السحق : واد في جهنم.

### الآية 67:12

> ﻿إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ [67:12]

الآية ١٢ وقوله تعالى : إن الذين يخشون ربهم بالغيب  \[ يحتمل \][(١)](#foonote-١)  إن الذين يخشون  عذاب ربهم، والعذاب عنهم غائب ؛ فأهل الإسلام يخشون عذاب الله، وهو غائب عنهم، والكفرة لا يخشونه إلا أن يعاينوه[(٢)](#foonote-٢). 
وجائز أن يكون قوله عز وجل : يخشون ربهم بالغيب  أي يخشون الله تعالى أن يعذبهم، أو يخشونه[(٣)](#foonote-٣) في ما أوعدهم. 
ثم الأصل أن ما من مؤمن بالبعث سوى المعتزلة إلا وهو يخشى الله تعالى. لكنهم يتفاوتون في الخشية. 
ثم الخشية تقتضي الرجاء والخوف ليس كالآخر، والإياس الذي لا يقتضي كل واحد منهما إلا وجها واحدا. 
وإذا كانت الخشية تقتضي ما ذكرنا، فكل مؤمن يخاف عذاب الله تعالى، لما رأى من كثرة نعم الله تعالى وغفلته عن حقوق تلك النعم، لأن من حقها أن يشكر الله تعالى عليها، وقد عرف كل مؤمن تقصيره في أداء الشكر وتفريطه في قضاء الحقوق، فيرجو رحمته لما عرف من سعة رحمته، وعرفه مفضلا عفوا غفورا. لكن فيهم تفاوت في الخشية و والرهبة. 
فمن كان أذكر[(٤)](#foonote-٤) لغفلته فهو لعقوبته أكثر خشية، ومن كان أقل ذكرا لغفلته فهو أقل خشية، فيتفاوتون على تفاوتهم في الذكر، وهو كالموت الذي يرهبه الناس جميعا، ويتيقنون بحلوله، لكنهم يتفاوتون في ذلك ؛ فمن كان له أكثر ذكرا كان أبلغ في التيقظ وأكثر رهبة، ومن كان أغفل عن ذكره فهو أقل رهبة. 
ولقائل أن يقول : كيف جعلتم كل مؤمن خائفا راجيا، والراجي، هو الذي يطلب، والخائف، هو الذي يهرب ؟ فكل من رجا شيئا يعلم أنه لا وصول إليه إلا بأعمال وأسباب، فهو يقوم بتلك الأعمال بغاية ما يحمله وسعه ليصل إلى مأموله، وإذا لم يكن راجيا في الحقيقة، بل كان متمنيا. وكذلك من خاف حقيقة الخوف، وعلم أن المخوف نازل به إن لم يهرب مما يخافه أشد الهرب. 
ثم كثير من المؤمنين تراهم مقصرين في الأعمال التي يتوصل بها إلى بلوغ الآمال، ولا يهربون مما يخاف منه أشد الهرب وغاية الخوف، فكيف وصفتم كل مؤمن بالخوف والرجاء، وكثير منهم لا يتحقق فيهم هذا الوصف ؟ 
واستدل على صحة ما ذكر بقوله تعالى : إن الذين آمنوا والذين هاجروا وجاهدوا في سبيل الله أولئك يرجون رحمت الله  \[ البقرة : ٢١٨ \] فالراجي رحمة الله من دأب في طاعته، وقوله[(٥)](#foonote-٥) تعالى : والذين يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة  \[ المؤمنون : ٦٠ \] فقيل : يا رسول الله أهم الذين يزنون، ويسرقون ؟ فقال : بل هم الذين يصومون، ويصلون  وقلوبهم وجلة  وقوله[(٦)](#foonote-٦) تعالى : وهم من خشيته مشفقون  \[ الأنبياء : ٢٨ \]. 
فجوابه أن المؤمن ليس يرى كل خلاصه من العذاب وأمنه من العقاب بعمله، حتى إذا وجد التقصير في العمل أظهر ذلك المعنى فساد الرجاء والخوف، وإنما يتوقع خلاصه بعفو الله تعالى، ويرجو رحمته بكرمه وجوده ؛ لذلك لم يوجب التقصير في العمل إبطال الرجاء والخوف. هذا إذا كان غير معتزلي المذهب، ولم يكن من الخوارج. 
أما إذا كان الراجي والخائف أحد هذين، فتقصيره في العمل يدل على فساد الرجاء والخوف، لأن كل واحد منهما، ليس يرى لنفسه شفيعا إلا عمله، به ينجو، وبه يهلك. فإذا لم يبالغ في الطلب من جهة العمل، ولم يبالغ في الهرب من الخوف بالعمل، ظهر أنه ليس براج، ولكنه متمن، ويتبين أنه غير خائف في الحقيقة. 
ثم المعتزلة، لا يخافون الله تعالى، ولا يرجون رحمته في الحقيقة، لأنهم يزعمون أن العبد إذا ارتكب الكبيرة، فليس لله تعالى ألا يعذبه عليها وأن يغفرها له، وإذا اجتنب الكبيرة استوجب المغفرة، وإن ارتكب الصغائر ليس لله تعالى أن يعذبه عليها. 
والقائل بهذا غير راج رحمة الله تعالى، ولا خائف من عذابه، وإنما يقع الخوف والرجاء من عند نفسه، لأن الزلة التي استوجب بها العذاب، هو الذي اكتسبها، ولو لم يعملها لم يعذب، وفاز بالنجاة، فصار رجاؤه وخلاصه بعمله لا برحمة الله تعالى وفضله، ولا بذلك وصف الله تعالى وفضله، ولا بذلك وصف الله تعالى المؤمنين في كتابه، ولأن الله تعالى أثنى على الذين يدعونه خوفا ورغبا ورهبا. 
وعلى قول أهل الاعتزال، لا يدعو أحد ربه على الرغبة والرهبة والخوف والطمع، لأن الداعي إن كان صاحب كبيرة، فهو في ما يدعو الله تعالى ليغفر له إنما يدعو ليجور عليه ؛ إذ لا يسعه أن يغفر له، ولا \[ أن \][(٧)](#foonote-٧) يعذب عليه. فدعاؤه بالمغفرة معناه يقتضي \[ أن يجور عليه \][(٨)](#foonote-٨) وذلك عظيم. 
وإن كان صاحب صغيرة، فهو في ما يطلب المغفرة منه تعالى يسأله ألا يجور عليه، لأنه ليس له أن يعذب على الصغائر على مذهبه /٥٨٣- ب/ ولو عذب صار به جائرا. 
فإذا خاف عذابه حتى إذا فرغ إلى الدعاء خاف جوره، ومن لم يأمن من ربه الجور، بل خاف ذلك منه، فهو لم يعرف ربه حقيقة المعرفة. 
وكذلك من دعا الله تعالى ليجور عليه فقد دعا إلى أن يسفّه، والسفيه لا يصلح أن يكون إلها. فثبت أن الداعي على الرغبة والرهبة غير ممدوح عندهم، ولا هو ممن يستحق الثناء عليه. 
وقوله تعالى : لهم مغفرة وأجر كبير  أي من يرجو الله تعالى، ويخافه، فله مغفرة لذنوبه وأجر كبير، وهو الجنة.

١ من م، ساقطة من الأصل..
٢ الهاء ساقطة من الأصل و م.
٣ في الأصل و م: أن يخشوه.
٤ في الأصل و م: إذا ذكر.
٥ في الأصل و م: وقال..
٦ في الأصل و م: وقال..
٧ ساقطة من الأصل و م..
٨ في الأصل و م: أن جر على.

### الآية 67:13

> ﻿وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ ۖ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ [67:13]

الآية ١٣ وقوله تعالى : وأسرّوا قولكم أو اجهروا به إنه عليم بذات الصدور  فهذه الآية، كأنها في إلزام الوعيد ؛ يقول : إنه عالم بالأنفس التي فيها الصدور، بما يضمرون فيها، ويودعون، ويكتمون، وبما يخبرون عما أودعوا، ويظهرون. 
والصدر، هو ساحة القلب، سمي صدرا، لأن الآراء تصدر عنها، فهو عالم بالأنفس التي لها الصدور بما يصدر عن آرائهم، وعالم بما يضمر فيها من الأسرار.

### الآية 67:14

> ﻿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ [67:14]

الآية ١٤ وقوله تعالى : ألا يعلم من خلق  تأويله عند أهل الإسلام : ألا يعلم من خلق  مما أسروا، وجهروا ؟ و من  راجع إلى الله تعالى دون الخلق ؛ كأنه يقول : ألا يعلم الخالق  وهو اللطيف الخبير . 
وفيه إثبات خلق الأفعال والأقوال وخلق الشر، فيكون حجة لنا على المعتزلة في خلق أفعال العباد. 
وقال جعفر بن حرب وأبو بكر الأصم : إن حرف  من  لا يرجع إلى الله تعالى، وإنما يرجع إلى الخلق، فكأنه يقول : ألا يعلم الله من خلق، على إضمار اسم الله تعالى ؟ فاحتالا بهذه الحيلة لنفي الخلق عن الأفعال، لأن حرف  من  يرجع إلى الأنفس دون الأفعال والأقوال. 
وذلك فاسد، لأن الآية في موضع الوعيد. ولو كان قوله : من خلق  راجعا إلى الأنفس، لزال موضع الوعيد ؛ إذ ليس في خلق الأنفس وعلم الله بها إثبات العلم بأفعال وجدت منهم، ولا في خلق الأنفس إيجاب الوعيد بالأفعال. 
ولأنه لو لم يكن الله تعالى خالقا لما يجهر به العبد ولما يخفيه، لم يكن ليحتج به على عمله، إذ قد يجوز جواز الجهل لغير الذي يفعله، فلا يجوز أن يحتج عليهم بفعل غيره. 
ولأنه ليس في إثبات العلم بخلق الأنفس، إثبات العلم بما أسروا وجهروا، كما لم يكن عند المعتزلة في إيجاب الخلق لنفس الإنسان، إيجاب الخلق لأفعالهم. 
ومعلوم بأن الآية في تحقيق العلم بما أسروا وجهروا، لأن قوله : ألا يعلم من خلق  مذكور على إثر قوله : وأسرّوا قولكم أو اجهروا به  وقوله : إنه عليم بذات الصدور  أي عليم بما تسرون وما تجهرون، فثبت أن الخلق راجع إلى ما أسروا وجهروا. 
ثم إن الناس على اختلافهم، اتفقوا أن كل واقع بالطبع والضرورة، مخلوق الله تعالى. وإنما اختلفوا في الواقع بكسب العبد ؛ فمنهم من أثبت فيه الخلق، وهو قول أهل الهدى، ومنهم من أبى القول بخلقه. 
ثم المرء لا يتهيأ له استعمال اليد إلا في الوجه[(١)](#foonote-١) الذي جعل في طبع اليد احتمال ذلك المعنى[(٢)](#foonote-٢) ولا يتهيأ له أن يستعملها[(٣)](#foonote-٣) في الوجه الذي لم يجعل في طبعها احتمال ذلك ؛ لأنه لو أراد أن يرى بيديه، أو يسمع بهما، لم يملك ذلك. 
فثبت أنه ملك استعمالها في القبض والأخذ، والتسليم بما جعل في طبعها استعمال ذلك، وإذا كان كذلك، فقد ثبت الخلق في ما يعمل بيديه، وفي ما يرى بعينيه، ويسمع بأذنيه، والله الموفق. 
وقوله تعالى : وهو اللطيف الخبير  في تدبيره ؛ إذ دبر لسان الإنسان على ما إذا استعمله يخرج منه الكلام. ولو أراد أحد أن يتعرف المعنى الذي به صلح النطق لم يقف عليه. 
ودبر قلبه على أن يصور ما وقع فيه من الخيال، فيؤديه بلسانه، ودبره على وجه يصلح أن يوعى الأسرار والودائع، من وجه لو أراد الخلائق أن يتعرفوا الوجه الذي صلح القلب أن يكون مصورا وحافظا ومعدنا للأسرار لم يقفوا عليه. 
وقيل : اللطيف  هو الذي لا يعزب عنه علم ما جل ودق. وقيل : اللطيف  بعباده في الإحسان إليهم والإنعام عليهم  الخبير  بما فيه مصالحهم.

١ في الأصل و م: العمل.
٢ من نسخة الحرم المكي، في الأصل و م: العمل.
٣ في الأصل و م: يستعمله..

### الآية 67:15

> ﻿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ ۖ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ [67:15]

الآية : ١٥ وقوله تعالى : هو الذي جعل لكم الأرض ذلولا فامشوا في مناكبها  الآية ؛ وإذا ذلل لكم الأرض لتمشوا في مناكبها، وتأكلوا من رزقه، فلا يجوز أن يكون خلقه عبثا باطلا، فلا بد من الرجوع إليه ليسألكم عم له خلق ؟ أو فيم خلق ؟ أو لم تقوّلوا[(١)](#foonote-١) ؟ 
وذلك أن المرء في الشاهد إذا أعطى إنسانا مالا ليستعمله في وجهة من الجهات، فلا بد من أن يرجع إليه، فيسأله هل استعمله في الذي أذن له فيه، أم لا ؟ 
وإذا ثبت أنه لم يخلقها عبثا باطلا، وإنما خلقت للمحنة فلا بد من أن ينشروا إليه، ليخبروه عما بلاهم به وامتحنهم. 
ثم احتمل أن يكون هذا صلة قوله تعالى : الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملا  \[ الآية : ٢ \] وقوله تعالى : الذي خلق سبع سماوات طباقا  \[ الآية : ٣ \]
فخلق \[ تلك السماوات \][(٢)](#foonote-٢) كلها ليمتحن أهلها بها. فعلى ذلك خلق الأرض ذلولا ليبلوكم بها. ويحتمل أن يكون هذا صلة قوله : ما ترى في خلق الرحمن من تفاوت  \[ الآية : ٣ \]. 
فأمر هناك بالنظر مرة بعد مرة : هل ترى فيه تفاوتا أو فطورا ؟ ليتبين عنده إذا لم ير فيه تفاوتا ولا فطورا، وحدانية الرب وقدرته وسلطانه وحكمته، فأمرهم أيضا بالمسير في الأرض والمشي في مناكبها، وهي أطرافها، هل يرون فيها فطورا وتفاوتا ؟ فإذا لم يروا فيها شيئا من ذلك، تقرر عندهم جميع ما ذكرنا من الحكمة هناك. 
فهو في قوله : هو الذي جعل لكم الأرض ذلولا  موجود، ولأنه ذكّرهم لطيف تدبيره في خلق الأرض وما له على الخلق من عظيم النعمة في حقه، وهو أنه قدر لهم فيها أرزاقهم إلى حيث يمشون فيها، وهيأ لهم الرزق هناك، لا[(٣)](#foonote-٣) يحتمل أن يذلل لهم الأرض، فيضربوا[(٤)](#foonote-٤) فيها حين[(٥)](#foonote-٥) شاؤوا، ويستخرجوا[(٦)](#foonote-٦) منها أقواتهم[(٧)](#foonote-٧) أينما تصرّفوا، عبثا باطلا. بل لا بد أن يستأديكم شكر ما[(٨)](#foonote-٨) أنعم عليكم.

١ في الأصل و م: تقوا.
٢ في الأصل و م: ذلك..
٣ في الأصل و م: ولا.
٤ في الأصل و م: فيضربون.
٥ في الأصل و /: حيث.
٦ في الأصل وم: يستخرجون.
٧ في الأصل وم: أقواتها.
٨ من م، في الأصل: الذين.

### الآية 67:16

> ﻿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ [67:16]

الآية ١٦ وقوله تعالى : أأمنتم من في السماء أن يخسف بكم الأرض فإذا هي تمور  هذه الآية في موضع المحاجة على \[ منكري البعث في وجوه :
أحدها : أنه \][(١)](#foonote-١) يقول، والله أعلم : إذا أنكرتم البعث، وقد عرفتم الفرق بين العدو والولي، وبين المطيع والعاصي، فكيف أمنتم عذابه في الدنيا أن ينزل بكم من فوق رؤوسكم ومن تحت أرجلكم ؟ أو قد عصيتموه، وعاديتموه بتكذيبكم رسوله واختياركم عبادة غيره، فكيف أمنتم نزول عذابه عليكم في حالتكم هذه، وأنتم لا تقرون بالآخرة ليتأخر عنكم العذاب ؟ 
ثم قوله : أأمنتم  أي قد أمنتم. 
والثاني : أنكم كيف أمنتم عذاب الله تعالى، وأنتم تنكرون البعث لتكون المحنة في الدنيا للجزاء في الآخرة ؟ وهم يرون المحنة في الدنيا، لأنهم كانوا يزعمون أن من وسع عليه النعيم في الدنيا، فإنما وسع جزاء لعمله، ومن ضيق عليه العيش، فإنما ضيق عقوبة له بما أساء من عمله كما قال الله تعالى : فأما الإنسان إذا ما ابتلاه ربه فأكرمه ونعمه فيقول ربي أكرمن   وأما إذا ما ابتلاه فقدر عليه رزقه فيقول ربي أهانن  \[ الفجر : ١٥ و ١٦ \]. 
فكانوا يعدون التضييق والتوسيع في الدنيا جزاء لصنيعهم، وكانوا يقرون بالمحنة في الدنيا. 
والمحنة تكون من الرجاء والخوف، وقد رجوتم إنزال الرزق عليكم من السماء، ورجوتم أن يخرج لكم من الأرض ما تتعيشون به، وترزقون منه، فكيف لا تحذرون نزول العذاب عليكم من السماء، أو إتيانه من الأرض كما رجوتم النفع منها / ٥٨٤- ا/ جميعا. 
والثالث : أنكم إذا أنكرتم الرسول، وجحدتموه، وقد انتهى إليكم حال من سبقكم من مكذبي الرسل، كيف عذبوا، واستؤصلوا ؟ فمنهم من أهلك بإمطار الحجارة عليه من السماء، ومنهم من أهلك بالخسف بالأرض، فكيف أمنتم أنتم أن ينزل عليكم ما نزل بهم، وقد أوجدتم أنتم وتعاطيتم ما تعاطاه الذين أهلكوا من التكذيب ؟. 
ثم قوله تعالى : من في السماء  أراد \[ ب  في السّماء  \][(٢)](#foonote-٢) نفسه ؛ أخبر أنه إله السماء، لا على تثبيت أنه في الأرض سواه، وعلى النفي أن يكون \[ هو \][(٣)](#foonote-٣) إله الأرض، بل هو في السماء إله وفي الأرض إله. هذا كقوله تعالى : ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم  \[ المجادلة : ٧ \] ليس فيه أن النجوى إذا كانت بين اثنين فهو لا يكون ثالثهم. 
وجائز أن يكون قوله : أأمنتم من في السماء  أي أأمنتم من في السماء ملكه وسلطانه ؟ ولم يروا أحد انتهى ملكه إلى السماء، فكيف تأمنون من بلغ ملكه السماء في معاداتكم إياه، وأنتم لا تجترئون على معاداة ملك من ملوك الأرض الذي يجاوز ملكه الأرض \[ تنبيها من وتخويفا \][(٤)](#foonote-٤) من سلطانه، فيكف تأمنون عذاب من بلغ ملكه ما ذكرنا. 
وقوله تعالى : فإذا هي تمور  قيل : تهوي في الأرض أبدا إلى أسفل السافلين. وقيل : تمور بأهلها بقعرها على ما كانت من قبل تمور على ظهرها قبل أن توتد بالجبال.

١ في الأصل: منكر البعث كأنه، في م: منكري البعث كأنه.
٢ في الأصل و م: بعلى.
٣ من نسخة الحرم المكي، ساقطة من الأصل و م.
٤ في الأصل و م: تنبيه منه و خوفا..

### الآية 67:17

> ﻿أَمْ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا ۖ فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ [67:17]

الآية ١٧ \[ و قوله تعالى : أم أمنتم من في السماء أن يرسل عليكم حاصبا  \][(١)](#foonote-١) والحاصب الحجارة :
وقوله تعالى : فستعلمون كيف نذير  أي ستعلمون حال نذري الذين أنذروكم بالعذاب، أنهم كانوا محقين فيه، ولم يكونوا كاذبين كما زعمتم. أو ستعلمون ما أنذرتكم به إذا وقع العذاب.

١ ساقطة من الأصل و م.

### الآية 67:18

> ﻿وَلَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ [67:18]

الآية ١٨ وقوله تعالى : ولقد كذب الذين من قبلهم فكيف كان نكير  يذكرهم حال من تقدمهم من المكذبين وما حل بهم، ليرتدعوا عن التكذيب، فلا يحل بهم ما حل بأولئك. 
ثم قوله تعالى : فكيف كان نكير  أي كيف كان إنكاري عليهم ؟ أليس وجدوه شديدا وحقا ؟

### الآية 67:19

> ﻿أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صَافَّاتٍ وَيَقْبِضْنَ ۚ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا الرَّحْمَٰنُ ۚ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ بَصِيرٌ [67:19]

الآية ١٩ وقوله تعالى : أو لم يروا إلى الطير فوقهم صافات ويقبضن ما يمسكهن إلا الرحمن  قيل : صافات  بأجنحتها لا يتحرك منها شيء  ويقبضن ما يمسكهن إلا  الله تعالى في الحالين جميعا ؟ أعني القبض والبسط، كقوله[(١)](#foonote-١) في آية أخرى : ألم يروا إلى الطير مسخرات في جو السماء ما يمسكهن إلا الله إن في ذلك لآيات لقوم يؤمنون  \[ النحل : ٧٩ \] أي لآيات للمؤمنين على الكفرة. 
وهكذا شأن الآيات : أنها جعلت آيات للمؤمنين والأولياء، على الكفرة والأعداء، لأن الكفرة تصل إليهم الآيات على ألسن الرسل والأنبياء والأولياء، فجعلت الآيات آيات للمؤمنين ليحتجوا بها على أهل الكفر. 
ثم الهواء ليس بمكان يمسك ما عليه من الأشياء، مثل السماء والأرض في ما أنشئتا على حد يمسكان الأشياء، وتقر عليهما الخلائق. وإذا كان كذلك فإن الله تعالى بلطفه أمسك الطير وقت طيرانها، ووقت قبضها في الهواء. ومن قدر على إمساك الطير مع وقفه وتقريره في مكان، لا تقر فيه الأشياء، قادر على ما يشاء. 
ثم في هذه الآية، أن لله تعالى في أفعال الطير صنعا وتدبيرا على ما يشاء، لأن الفعل الذي يوجد من الطائر، الطيران إذا طار، والوقوف إذا قبض، ثم أضاف فعل الإمساك، وكل ذلك إلى نفسه. 
وذكر جعفر بن حرب في قوله : ما يمسكهن إلا الله  \[ النحل : ٧٩ \] أن الإمساك كناية عن التعليم وعبارة عنه، لأنه قد يعبر بالإمساك عن التعليم ؛ يقول الرجل لآخر في ما يعلمه الرماية : أمسكت على يده حتى رمى، فيريد به أي توليت تعليمه الرماية. فقوله : ما يمسكهن إلا الله  أي ما يعلم إمساكهن وقت الطيران إلا الله تعالى، وكذلك وقت القبض. 
والجواب عن هذا أن القائل يقول : أمسكت على يده حتى رمى ؛ إنما يستحب[(٢)](#foonote-٢) إطلاق اللفظ[(٣)](#foonote-٣) نفسه إذا وجد منه فعل الإمساك في وقت ما هم الرامي بالرمي، وإذا لم يوجد منه في ذلك الوقت فعل الإمساك، لم يستقم أن يقول : أمسكت على يده، وإن كان هو الذي علمه الرمي. 
ألا ترى أن من علم آخر الخياطة حتى اهتدى الخياطة، إذا خاط ثوبا لم \[ يستحب من \][(٤)](#foonote-٤) أستاذه أن يقول : أنا الذي خطته ؟ وإن كان هو الذي علمه الخياطة، وكذلك من بنى بناء، لم يستقم من أستاذه أن يضيف فعل البناء إلى نفسه، فيقول : أنا الذي بنيته، ويريد به أنا الذي علمته، وإذا لم يستقم هذا، بطل أن يضاف فعل الإمساك إلى الله تعالى، ولا فعل له في ذلك سوى التعليم. 
فلو كانت الإضافة إليه من حيث التعليم، لجاز أن ينسب إليه فعل الخياطة وفعل البناء والحياكة، فيقال : خائط وبان وحائك، لأنه هو الذي علم. فإذا بطل أن ينسب إليه ما ذكرنا من الأفعال، وإن كان هو الذي علم الخلق، بطل أن ينسب إليه فعل الإمساك، من حيث التعليم، والله الموفق. 
واحتج جعفر بن حرب أيضا في نفي الفعل عن الله تعالى، فقال : إن الله تعالى لم يقل : ما خلق طيرانهن إلا الله، ولا خلق القبض إلا الله، وإنما قال : ما يمسكهن إلا الله  فثبت أن لا صنع له في الإمساك، وبان أن الذي أضيف إليه من الإمساك هو على الوجه الذي ذكرنا. 
فالجواب عن هذا، أن الأمة فهمت من قوله تعالى : ما يمسكهن إلا الله  ما يفهم من قوله : ما خلق طيرانهن وقبضهن إلا الله ؛ إذ هو يقضي ما يقتضيه ذكر الخلق. وإذا كان كذلك فلا فرق بين أن يضيف الخلق \[ إلى \][(٥)](#foonote-٥) نفسه، وبين أن يضيف فعل الإمساك. 
ثم لو ذكر الخلق مكان الإمساك، أمكن جعفر أن يتأول في الخلق ما تأول في الإمساك، فيقول : معنى قوله : خلق طيرانهن، أي علّم طيرانهن، وقوّاهن على الأسباب التي \[ بها \][(٦)](#foonote-٦) تطير، فلا[(٧)](#foonote-٧) يتهيأ لله تعالى على قوله : أن يثبت لخلقه، ويقرر عندهم خلق شيء من الأشياء. 
ثم الأصل أن الآيات المذكورة في القرآن، إنما ذكرت[(٨)](#foonote-٨) لإثبات أوجه خمسة :
أحدها : في تثبيت القدرة على البعث، وهي لا تثبت القدرة، ولا توجب القول بالبعث على قول المعتزلة ؛ وذلك أن الله تعالى احتج في تثبيت القدرة على البعث، بقدرته على ابتداء الخلق، فقال : أو لم ير الإنسان أنا خلقناه من نطفة \[ يس : ٧٧ \] وقال : وهو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده وهو أهون عليه  \[ الروم : ٢٧ \] فاحتج بالابتداء على الإعادة عندهم، لأنهم نفوا خلق الأفعال عن الله تعالى، مع إقرارهم أن الله تعالى، هو الذي أنشأهم، ولم يكن في إثبات القدرة على خلق الأعيان، إثبات قدرة منه على خلق الأفعال، وإن كان خلق الأفعال دون خلق الأنفس، فكيف ذكر قدرته على ابتداء الخلق \[ في أفعال العباد \][(٩)](#foonote-٩) على تثبيت القدرة على الإعادة، وإن كان أمر الإعادة أيسر من الابتداء، مع أن آثار الخلق في أفعال العباد وإثبات التدبير فيها، أوجد منه في أمر البعث ؛ وذلك أنك تجد من الأفعال، أفعالا هي مؤذية لأهلها متعبة مؤلمة ؟ ومعلوم بأن قصد أربابها أن يتلذذوا، ويتمتعوا بها، فثبت أن لغيرهم تدبيرا وصنعا حتى صارت كذلك. 
ولأنه يوجد في أفعالهم أحوال، لا تبلغها أوهامهم، ولا تقدرها عقولهم، لأن الفعل يأخذ من الجو والمكان والوقت، ما لا تقدره الأوهام، ولا تبلغه العقول، فثبت أن للغير فيه صنعا وتدبيرا. 
ولأن فعله يخرج على قبيح وحسن لا يبلغ / ٥٨٤- ب/ علم فاعله أنه يبلغ في الحسن والقبح ذلك المبلغ، وينتهي في الحسن مبلغا، لو أراد أن يخرج على ذلك الحد في المرة الثانية لم يخرج كذلك. 
فكل ما ذكرنا يبين أن جميع أفعالهم على ما هي عليها، ليست لهم، ثم مع ذلك أنكروا أن تكون الأفعال من جهة الخلق لله تعالى، ولم يظهر شيء من أمارات البعث، ولا وجد فيه التدبير، فصارت الكفرة في إنكارهم أمر البعث أعذر من المعتزلة في إنكارهم خلق الأفعال. 
ولم يوجبوا[(١٠)](#foonote-١٠) القول بالقدرة على ابتداء الخلق قولا بالقدرة على إنشاء البعث والإعادة بعد الإفناء. فثبت أن ليس في الآيات التي جعلها الله تعالى دلالة إثبات البعث على قولهم. 
والوجه الثاني : تثبيت الوحدانية، وجعل دليل وحدانية توحده بخلق الأشياء وتفرده بإنشائها. 
ألا ترى إلى قوله تعالى : أم جعلوا لله شركاء خلقوا كخلقه  \[ الرعد : ١٦ \] وقوله[(١١)](#foonote-١١) : وما كان معه من إله إذا لذهب كل إله بما خلق  ؟ \[ المؤمنون : ٩١ \]
وعلى المعتزلة هو غير متوحد بخلق الأشياء، بل أكثر خلق الأشياء كان بالعباد لا بالله تعالى. وإذا لم يوجد منه التوحيد والتفرد بخلق الأشياء، ارتفع وجه الاستدلال من هذا الوجه على معرفة الصانع، ووحدانية الرب. 
وإذا كان كذلك، لم تثبت وحدانية الله تعالى على قولهم من الوجه الذي جعله دليل الإثبات. 
والوجه الثالث، وهو أن الآيات ذكرت في إثبات حكمة الله تعالى، وجعل دليل حكمته، خلق السماوات والأرضين بما شاهدنا، وغيرها[(١٢)](#foonote-١٢) من الأشياء. ونحن إنما عرفنا خلق السماوات والأرضين \[ شاهدناها مجتمعة \][(١٣)](#foonote-١٣) والاجتماع حادث فيها[(١٤)](#foonote-١٤)، وما لا ينفك عن الحادث فهو حادث، والحادث لا بد له من محدث، ولولا ذلك لم نعرفه، ولا يثبت لنا خلقها[(١٥)](#foonote-١٥). 
وعلى قول المعتزلة الجمع والتفريق لا يدل على الخلق، لأن كل من له القوة، يقدر على جمع الأشياء وتفريقها، والاجتماع والتفريق فعل الجامع والمفرق لقولهم بالمتولدات ؛ فمن استحكمت قوته أمكنه جمع لأشياء القوية، ومن ضعفت قوته جمع على قدر ما تنتهي إليه قوته. 
وإذا كان كذلك لم يتبين عند الخلائق على قولهم أن الله تعالى، هو الذي خلق السماوات والأرضين ؛ إذ خلقها[(١٦)](#foonote-١٦) لا يعرف إلا من الوجه الذي ذكرنا، وذلك مما لا يجوز إلا بالله تعالى \[ بوجهين :
أحدهما \][(١٧)](#foonote-١٧) أن يكون الله تعالى أقدر ملكا من ملائكته، وقواه على خلق السماوات والأرضين. وإذا كان كذلك لم يظهر بما ذكرنا أن الله تعالى هو الخالق لها[(١٨)](#foonote-١٨)، فبطل أن يكون في خلق السماوات والأرضين، وفي خلق سائر الأشياء دلالة حكمته وقدرته ووحدانيته، وقد جعل الله تعالى خلقهما[(١٩)](#foonote-١٩) دلالة لهذه الأوجه التي ذكرناها. 
والثاني : أنه جعل إتقان الأشياء وإحكامها علما لحكمته، وقد يقع الإتقان والإحكام للأشياء لا به، ثم لم يجعل الله لشيء مما أتقن وأحكم علما يتميز من بين ما أتقنه غيره وأحكمه، فصار الإتقان والإحكام غير دال على حكمته، بل صار دليلا على عجزه وضعفه حين[(٢٠)](#foonote-٢٠) لم يتهيأ له تمييز ما صار به متقنا وما بغيره صار كذلك. 
ولأن الحكمة، هي وضع الشيء في موضعه، وتبيين ماله مما ليس له، ومن قولهم أن الله تعالى أعطى الكافر قوة الإيمان، ولم يبق في خزائنه ما جعل سببا يتوصل به إلى الإيمان إلا وقد أعطاه، مع علمه أنه لا يؤمن به. وهذا من أعظم الجهل وأبين السفه في الشاهد، لأن المرء إذا قام بسقي أرض، وعمارتها بالكراب والثناء، وألقى البذر فيها، مع علمه أنها لا تنبت شيئا، عدّ ذلك منه سفها وجهلا، والسفيه لا يصلح أن يكون إلها حكيما، وقال تعالى : الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملا  \[ الملك : ٢ \]. 
وعلى قول المعتزلة، قد خلق غيره الحياة والموت جميعا، لأن القتيل ميت بالاتفاق. ثم لا يجعل أهل الاعتزال لله تعالى في موته صنعا، ويزعمون أنه مات قبل أجله، فإذا قدر غيره على الإماتة، ويقدر أيضا على الإحياء بالأسباب، لأنه يسقي الأرض والزرع، ويكون في سقيه إحياؤها، فلم ينفرد هو بخلق الموت ولا بالحياة على قولهم، بل يشركه غيره في خلق الأشياء، فيبطل امتداحه على قولهم نفسه بأنه خالق الأشياء. 
والوجه الرابع : أنه احتج بعلمه بأفعال الخلق بخلقه تلك الأفعال، وذلك بقوله : ألا يعلم من خلق  \[ الملك : ١٤ \] وهم قد نفوا الخلق عن الأفعال، وإذا انتفى لم يقع له بها علم، وصارت الآيات التي فيها إثبات العلم لا تثبت علما على قولهم، ويكون \[ فيها كذب \][(٢١)](#foonote-٢١) في الخبر. تعالى الله عن ذلك. 
والوجه الخامس : أنه سمى نفسه محسنا منعما، وأثبت إحسانه وإنعامه بآيات احتج بها على خلقه ؛ ما من نعمة أنعم بها \[ على \][(٢٢)](#foonote-٢٢) العباد إلا وقد كانوا مستوجبين على الله تعالى، فيصير الله تعالى بإعطائهم ذلك قاضيا ما عليه من الحق بالنعمة. ومن قضى آخر حقا[(٢٣)](#foonote-٢٣) كان عليه، لم يصر به منعما مفضلا، وإنما صار قاضي حق، فصارت الآيات التي فيها إثبات النعم غير مبينة على قولهم،  سبحانه وتعالى عما يقولون علوا كبيرا  \[ الإسراء : ٤٣ \]. 
وقوله تعالى : إنه بكل شيء بصير  أي بكل شيء، لطف، أو جل، أو استتر، أو ظهر، أو اختلط بغيره، أو تميز، فهو بصير ؛ يبلغه إلى أجله الذي ضرب له، ويأتيه بالرزق الذي قدر له، أو بصير بأفعال الخلق ما كان، وما يكون، لأنه ذكره[(٢٤)](#foonote-٢٤) على إثر ذكر الأفعال، وهو قوله : وأسرّوا قولكم أو اجهروا به إنه عليم بذات الصدور   ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخير  \[ الآيتان : ١٣ و ١٤ \]. 
ثم في قوله تعالى : بكل شيء بصير  ترهيب وترغيب، وإلزام المراقبة والتيقظ والتبصر، وكذلك في قوله : إن ربي على كل شيء حفيظ  \[ هود : ٥٧ \] وقوله[(٢٥)](#foonote-٢٥) : وهو بكل شيء عليم  \[ البقرة : ٢٩ و. . . . \] لأن من علم أن عليه حافظا ورقيبا، يعلم بكل شيء يتعاطاه، فهو لا يتعاطى إلا المحمود من الفعال، والمرضي عنها.

١ في الأصل و م: وقال.
٢ في الأصل و م: يستخبر.
٣ أدرج بعدها في الأصل و م: من.
٤ في الأصل و م: يستخبر..
٥ من نسخة الحرم المكي، ساقطة من الأصل و م.
٦ من نسخة الحرم المكي، ساقطة من الأصل و م.
٧ من نسخة الحرم المكي في الأصل وم: فلان.
٨ من م في الأصل: ذكر.
٩ من نسخة الحرم المكي، ساقطة من الأصل وم.
١٠ في الأصل و م: يوجب.
١١ في الأصل و م: وقال..
١٢ في الأصل و م: و غيرهما.
١٣ في الأصل و م: شاهدناهما مجتمعين..
١٤ في الأصل و م: فيهما.
١٥ في الأصل و م: خلقهما.
١٦ في الأصل و م: خلقهما.
١٧ في الأصل و م: وجائز.
١٨ في الأصل و م: لهما.
١٩ في الأصل وم: خلقهما.
٢٠ في الأصل و م: حيث.
٢١ في الأصل و م: و جائز.
٢٢ ساقطة من الأصل و م.
٢٣ من نسخة الحرم المكي، في الأصل و م: ما.
٢٤ في الأصل و م: ذكر.
٢٥ في الأصل و م: و.

### الآية 67:20

> ﻿أَمَّنْ هَٰذَا الَّذِي هُوَ جُنْدٌ لَكُمْ يَنْصُرُكُمْ مِنْ دُونِ الرَّحْمَٰنِ ۚ إِنِ الْكَافِرُونَ إِلَّا فِي غُرُورٍ [67:20]

الآية ٢٠ وقوله تعالى : أمّن هذا الذي هو جند لكم ينصركم من دون الرحمان  فهذا صلة قوله : أأمنتم من في السماء أن يخسف بكم الأرض  وقوله : أم أمنتم من في السماء أن يرسل عليكم حاصبا  \[ الآيتان : ١٦ و ١٧ \] يقول[(١)](#foonote-١) : أمن هذا الذي هو جند لكم ينصركم من دون الرحمان  إذا خسف بكم الأرض، وأرسل عليكم حاصبا من السماء. 
وجائز أن يكون على التقديم والتأخير، فيكون معناه : أمن هذا الذي هو جند لكم  من دون الرحمن ينصركم من عذاب الله إن حل بكم، أو يكون قوله : أمّن هذا الذي هو جند لكم  يدفع عنكم العذاب من دون الله إذا حل بكم. 
وجائز أن يكون أريد بالجند آلهتهم التي كانوا يعبدونها من دون الله تعالى، فكانوا يعبدونها لتنصرهم، ويعزوا بها، كقوله[(٢)](#foonote-٢) تعالى : واتخذوا من دون الله آلهة ليكونوا لهم عزا  \[ مريم : ٨١ \] وقوله[(٣)](#foonote-٣) تعالى : واتخذوا من دون الله آلهة لعلهم ينصرون  \[ يس : ٧٤ \]. 
ثم هم قد علموا أنها لا تقوم بنصرهم، ولا تدفع الذل عنهم، فيعزوا بها، لأنهم كانوا يفزعون إلى الله تعالى عندما تحل بهم الشدائد والذل، كما قال الله تعالى : وإذا مس الإنسان ضر دعا ربه منيبا إليه  \[ الزمر : ٨ \] ويتركون الفزع إلى آلهتهم لعلمهم أنها لا تعزهم، ولا تنصرهم. فذّكرهم في حالة الأمن، \[ ما \][(٤)](#foonote-٤) قد عرفوا وقوعه في حالة الخوف، لينقلعوا عن عبادة الأصنام، ويقبلوا على رب الأنام، ليدفع /٥٨٥- أ/ عنهم الشدائد والأهوال والآلام، إذا حلت بهم من خاص أو عام، ويقوم بعزهم إذا لحقهم الذل. 
وقوله تعالى : إن الكافرون إلا في غرور  أي اغتروا في عبادتهم آلهتهم لتقوم بنصرهم وعزهم، مع ما علموا أنها لا تدفع عنهم شدة، ولا تحصل لهم عزا.

١ في الأصل و م: ثم قال..
٢ في الأصل و م: قال الله.
٣ في الأصل و م: وقال.
٤ من م، ساقطة في الأصل..

### الآية 67:21

> ﻿أَمَّنْ هَٰذَا الَّذِي يَرْزُقُكُمْ إِنْ أَمْسَكَ رِزْقَهُ ۚ بَلْ لَجُّوا فِي عُتُوٍّ وَنُفُورٍ [67:21]

الآية ٢١ وقوله تعالى : أمّن هذا الذي يرزقكم إن أمسك رزقه  هم كانوا يرجون رزقهم من السماء والأرض، فيقول : من الذي يرزقكم إن لم يرسل عليكم من السماء مطرا، ولا ذلل لكم الأرض للنبت ؟ وقد علموا أيضا أن لا رازق لهم غير الله تعالى، لأنهم يفزعون إليه بالسؤال للرزق عندما يبلون بالقحط والجدوبة، فذكرهم في حالة السعة ما له عليهم من عظيم النعمة، في توسيع الرزق عليهم، ليشكروه ولا يكفروه. 
وقوله تعالى : بل لّجّوا في عتو ونفور  فالعاتي هو المارد الشديد السفه، فكأنه يقول : لجوا وعتوا عن قبول الحق، وتمادوا في طغيانهم، ولم يتذكروا، ولم يراقبوا الله تعالى، ولم يشكروا له، بعدوا عن قبول ذلك كله. 
وقوله تعالى : أمّن هذا الذي هو جند لكم  وقوله  أمّن هذا الذي يرزقكم  يخرجان[(١)](#foonote-١) على أوجه ثلاثة :
أحدها : على التخويف والتهويل. 
والثاني : على التنبيه والتذكير وتسفيه أحلامهم. 
والثالث : على البشارة لرسول الله صلى الله عليه وسلم بالنصر له، وبإجابة دعوته أهل الكفر. 
فوجه التنبيه والتذكير وتسفيه الأحلام، ما ذكرنا أنهم قوم كانوا يعبدون الأصنام لتنصرهم، وتعزهم في الدنيا، وليبتغوا الرزق من عندها، إذ هم كانوا لا يؤمنون بالبعث ليطلبوا بعبادتها عز الآخرة والنصر فيها، وإنما كانوا يطمعون بذلك منها في الدنيا. 
ثم هم في الدنيا \[ كانوا إذا نزلت بهم الشدة والفزع، تضرّعوا إلى الله تعالى كما قال الله تعالى :\][(٢)](#foonote-٢)  وإذا مسّكم الضر في البحر ضل من تدعون إلا إياه  \[ الإسراء : ٦٧ \] ولم يكونوا يفزعون إلى أصنامهم، فكيف اتخذوها جندا لتنصرهم عند النوائب، وقد أحاط علمهم أنها لا تنصرهم، ولا تغني عنهم من عذاب الدنيا شيئا ؟ 
فيكون فيه تسفيه أحلامهم، وتنبيه من عذاب الله، ليمنعهم ذلك عن عبادة غير الله تعالى، ويدعوهم إلى عبادة من يملك دفع الشدائد عنهم إذا حلت بهم. 
وأما وجه التخويف، فهو أنه يجوز أن يكون قيل لهم هذا عندما ابتلوا بالشدائد وضيق العيش، فيقول لهم : استنصروا من آلهتكم، واسألوا الرزق من عندهم[(٣)](#foonote-٣)، هل يملكون لكم رزقا، أو يدفعون عنكم ذلا، وهل يقوون على نصركم ؟ 
وجائز أن يكون فيه بشارة لرسول الله صلى الله عليه وسلم، بالنصر له وبإجابة دعوته. وقد وجد النصر لأنه غلب عليهم يوم فتح مكة، ولم يتهيأ لأهلها أن ينتصروا، بل غلبوا، وقهروا، وفاز رسول الله صلى الله عليه وسلم بالغلبة والقهر، حتى استكانوا ولانوا، وتضرعوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك حتى دعا لهم. 
وابتلوا أيضا بالقحط والسنين \[ فدعا لهم \][(٤)](#foonote-٤) رسول الله صلى الله عليه وسلم بالسعة، حتى رفع الله عنهم القحط.

١ في الأصل و م: يخرج.
٢ من نسخة الحرم المكي، ساقطة من الأصل و م..
٣ في الأصل: عندنا، في م: عندها..
٤ في الأصل و م: بدعاء..

### الآية 67:22

> ﻿أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلَىٰ وَجْهِهِ أَهْدَىٰ أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيًّا عَلَىٰ صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ [67:22]

الآية ٢٢ وقوله تعالى : أفمن يمشي مكبا على وجهه أهدى أمن يمشي سويا على صراط مستقيم  ؟ \[ يحتمل وجوها :
أحدها :\][(١)](#foonote-١) في هذه الآية تذكير وتنبيه وتخويف وتهويل وتعريف حال، هي خلاف ما هم عليها في الحال. 
\[ والثاني \][(٢)](#foonote-٢) ذكر الصراط في الذي يمشي مكبا، هو على الإضمار ؛ كأنه يقول : أفمن يمشي مكبا على  غير الصراط  أمّن يمشي سويا على صراط مستقيم  فيكون هذا \[ تذكيرا وتنبيها وتسفيها \][(٣)](#foonote-٣) لأحلامهم، لأن الذين آثروا الإيمان، وسلكوا طريقه، فإنما سلكوه[(٤)](#foonote-٤) بالحجج والبراهين. والذين آثروا الكفر آثروه من غير حجة، بل حيرتهم وسفههم هما[(٥)](#foonote-٥) اللذان دعواهم إلى التزام الكفر والتديّن به. ومن آثر الحيرة والعمى على الهدى والرشاد فهو سفيه. 
\[ والثالث \][(٦)](#foonote-٦) أن يكون قوله : أفمن يمشي مكبا على وجهه أهدى  أي أهدى طريقا  أمن يمشي سويا على صراط مستقيم  ؟ وحق هذا الكلام أن يقال : بل الذي مشى على صراط مستقيم، هو الأهدى من الذي يختار الطريق المعوج الزائغ عن الرشاد. 
فيكون في الوجه الأول معنى التخويف والتنبيه جميعا، وفي الوجه الثاني تذكير وتنبيه، وقولنا بأن فيه تعريف حال خلاف الحال التي هم عليها : إن كل واحد من الفريقين، أعني به أهل الإسلام وأهل الكفر، يزعم أنه[(٧)](#foonote-٧) على الهدى، والفريق الآخر على الضلال. 
وإذا اتفقت الدعاوى على تضليل أحد الفريقين، فلا[(٨)](#foonote-٨) بد أن يكون جزاء الضال[(٩)](#foonote-٩) غير جزاء المهتدي، وجزاء الوالي غير جزاء العدو. 
ثم الدنيا[(١٠)](#foonote-١٠) على الفريقين على جهة واحدة، فلا بد من تثبيت دار أخرى، والقول بها للجزاء، فيكون فيما ذكروا إيجاب القول بالبعث والإقرار به. 
فهذا الذي ذكرنا يعرّفهما حال خلاف الحالة التي هم عليها، لأن الذي يمشي مكبا على غير الطريق، هو الأعمى الذي لا يبصر، والمقعد الذي لا يقوى على المشي، والذي يمشي سويا على صراط مستقيم، هو الذي ليست به زمانة، ولا به عمى، يمنعه عن الصراط. 
فيكون قوله : يمشي مكبا على وجهه  هو الأعمى، والذي  يمشي سويا على صراط مستقيم  هو السميع البصير، فيكون معناه ما قال في سورة هود : مثل الفريقين كالأعمى والأصم والبصير والسميع هل يستويان مثلا  ؟ \[ الآية : ٢٤ \].

١ ساقطة من الأصل و م..
٢ في الأصل و م: ثم..
٣ في الأصل و م: تذكير و تنبيه وتسفيه..
٤ في الأصل و م: وسلكوا..
٥ في الأصل و م: ههنا.
٦ في الأصل و م: وجائز..
٧ في الأصل و م: أنهم.
٨ في الأصل و م: ثم لا.
٩ في الأصل و م: الضلال..
١٠ أدرج بعدها في الأصل و م: ثم..

### الآية 67:23

> ﻿قُلْ هُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ ۖ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ [67:23]

الآية ٢٣ وقوله تعالى : قل هو الذي أنشأكم وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة قليلا ما تشكرون  هذه الآية صلة قوله : الذي خلق الموت والحياة \[ الآية : ٢ \] وصلة قوله : الذي خلق سبع سماوات طباقا  \[ الآية : ٣ \] وقوله : هو الذي جعل لكم الأرض ذلولا  \[ الآية : ١٥ \]. 
ثم ذكر الإنشاء وجعل السمع والأبصار والأفئدة، تذكير بقوته[(١)](#foonote-١) وسلطانه، وعلمه وحكمته، وآلائه وتعاليه عن الأشباه والأمثال. 
فوجه تذكير القوة والسلطان والعلم والحكمة ما يوصف بعد هذا، ويذكر في سورة المرسلات وفي سورة : والسماء والطارق  وسنذكر طرفا من ذلك هنالك[(٢)](#foonote-٢) بعون الله وتوفيقه، فنقول : إن الله تعالى أنشأنا في أظلم مكان وأضيق موضع، بحيث لا ينتهي إليه تدبير البشر وعلومهم وحكمتهم وقواهم، لأن علم الخلق لا يجد نفاذا في الظلمات، وكذلك حكمتهم. 
ثم إن الله تعالى أنشأنا في تلك الظلمات كيف شاء، وأجرى سلطانه وتدبيره على ذلك الشيء، ليعلم به أن علمه بالخفيات من الأمور كعلمه بما ظهر منها، وتعرف الخلائق أنه لا يخفى عليه شيء، فيدعوهم ذلك إلى المراقبة في كل ما يسرون، وما يعلنون، ويوجب ما ذكرنا من تقدير قوته وعلمه وسلطانه بقوى البشر وعلومهم وسلطانهم، فيكون فيه انفتاح عن الشبه التي أعثرت منكري البعث في أمر البعث، ويحملهم على الإيمان به إذا أمعنوا النظر فيه، ويعلمون[(٣)](#foonote-٣) أن من بلغت حكمته ما ذكرنا لا يجوز أن يخلقهم سدى لا يخاطبهم ولا ينهاهم، بل يتركهم هملا. 
وأما وجه تعاليه عن الأشباه والأشكال \[ فهو أن \][(٤)](#foonote-٤) إنشاء الخلق في أظلم مكان وأضيق مكان، فيه إبانة أنه لا يوصف بالكون في ذلك المكان الذي ظهر فيه آثار فعله، لأنه في وقت ما خلق عمرا في بطن أمه فقد خلق زيدا في ذلك الوقت في بطن أمه \[ وخلق الخلائق \][(٥)](#foonote-٥) في بطون الأنعام والسباع وبطون بنات آدم، وأنشأ النبت في الأرضين في ذلك الوقت. /٥٨٥- ب/. 
ولو كان يوصف بالكون في مكان الفعل، لكان إذا أخذ في خلق هذا، لا يخلق في ذلك \[ الوقت \][(٦)](#foonote-٦) في أقطار الأرض أمثاله من الخلائق. فدل أن الفعل ليس بتحصيل منه بشهوده المكان الذي ظهر فيه فعله، وإنما يكون بما ذكر من قوله : وإنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون  \[ النحل : ٣٠ \]. 
وأما سائر الفعلة فهم لا يتمكنون من الفعل إلا بشهودهم مكان الفعل. 
فهذا الذي ذكرناه ينفي عنه شبه الخلق، ويوجب تعاليه عن الأشكال، وفيه تذكير نعمه ومننه على خلقه. 
ألا ترى أنه قال على إثر هذا : قليلا ما تشكرون  ؟ ولو لم يكن منعما لم يكن يستأدي منهم الشكر. 
ووجه النعمة، هو أنه قدّره في تلك الظلمات، وصانه من الآفات ومن كل أنواع الأذى، وغذّاه في ذلك الموضع بما شاء من الأغذية، وستره عن أبصار الناظرين، وغيّبه عن أعينهم، لأنه في تلك الحال بالمحل الذي يستعاف ويستقذر منه، ولا يمكن أن يدفع عنه المعنى الذي وقعت به الاستعافة والاستقذار بالتطهير، وأنشأ له السمع والبصر والفوائد، ليصل بها إلى أنواع العلوم والمصالح، فلزمهم أن يقوموا بشكر ذلك. 
وفي ما ذكرنا نقض قول المعتزلة لأنهم يزعمون أن الله تعالى لو جعلهم على غير الوجه الذي ظهر لكان جائرا ؛ لأن من مذهبهم أنه لا يفعل إلا ما هو أصلح لهم. وإذا كان خلقهم هو الأصلح، ومن شرعه فعل الأصلح، فإذا هو صار قاضي حق، وليس لقاضي الحق على المقضى موضع منّة، ولا منة بمكانه، ولا نعمة يلزمها شكرها له. 
ثم قوله تعالى : وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة  أي جعل لكم السمع لتسمعوا ما غاب عنكم ونأى، فتعرفوه بالسمع، وأنشأ لكم الإبصار لتبصروا به ما حضر من الأشياء، وتعرفوا منها ما ينفعكم وما يضركم، وما خبث منها وما طاب، وأنشأ لكم أفئدة تدركون بها حقائق الأشياء ومبادئ الأمور، ومآلها وما حل منها وما حرم. 
ثم خص هذه الأشياء الثلاثة بالذكر، لما فيها يتوصل إلى العلوم ومعرفة الأشياء. 
قال الله تعالى : والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئا وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة لعلكم تشكرون  \[ النحل : ٧٨ \] ومعناه : أنه أنشأ لكم هذه الأشياء لتهتدوا بها، وتصلوا بها إلى أنواع العلوم، فثبت أن هذه الأشياء هي التي يتوصل بها إلى العلم والحكمة، وإلى ما به المصلحة والمنفعة. ولذلك قال : إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسئولا  \[ الإسراء : ٣٦ \]. 
\[ فلو لم \][(٧)](#foonote-٧) يقع بها الوصول إلى علم الأشياء \[ لكانت لا تختص \][(٨)](#foonote-٨) بالسؤال عنها.

١ الباء ساقطة من الأصل و م..
٢ في الأصل و م: ههنا.
٣ في الأصل و م: و ليعلموا.
٤ في الأصل و م: هو انه..
٥ في الأصل و م: وخلائق.
٦ من م، ساقطة من الأصل..
٧ من نسخة الحرم المكي، في الأصل و م، فلم.
٨ من نسخ الحرم المكي، في الأصل و م / لكن لا يخص..

### الآية 67:24

> ﻿قُلْ هُوَ الَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي الْأَرْضِ وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ [67:24]

الآية ٢٤ وقوله تعالى : قل هو الذي ذرأكم في الأرض وإليه تحشرون  جمع في هذه الآية خبرين :
أحدهما : مما قد تنوزع فيه، وهو قوله : وإليه تحشرون  فإن بعض الكفرة ينكرون الحشر والبعث. 
والثاني : مما لم يقع فيه التنازع، وهو قوله : هو الذي ذرأكم في الأرض . 
ثم إن الله تعالى جعل ابتداء الخلق دلالة القدرة على الإعادة. بقوله[(١)](#foonote-١) : قال من يحي العظام وهي رميم قل يحييها الذي أنشأها أول مرة وهو بكل خلق عليم  \][(٢)](#foonote-٢) \[ يس : ٧٨ و٧٩ \]. 
وإذا جعل الابتداء دليل الإعادة، لزمهم أن يستدلوا به، فهو وإن ذكره على وجه الاحتجاج، ففيه موضع الاحتجاج عليهم. 
وقوله تعالى : في الأرض  فيه إخبار أنه خلقهم في الأرض، ليشاهد بعضهم خلق بعض في الابتداء، فيعلموا أنهم لم يكونوا على الحالة التي هم عليها للحال، بل كانوا نطفا وعلقا وأطفالا، إلى أن انتهوا إلى الحالة التي \[ هم \][(٣)](#foonote-٣) عليها. 
فإذا تقرر عندهم أمر الابتداء، أوجب لهم ذلك علما بالقدرة على الإعادة. ويكون قوله : في الأرض  أي أنشأكم، وجعل لكم مساكن في الأرض، بسطها لكم لتنتفعوا بها، وجعلها لكم كفاية[(٤)](#foonote-٤)، فيكون فيه تذكيره النعمة والقدرة والسلطان. 
وقوله تعالى : ذرأكم  أي كثركم من أصل واحد، كما قال تعالى : خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساء  \[ النساء : ١ \]. 
ومعلوم أن الخلق على كثرتهم، لم يكونوا في نفس واحدة، ومن قدر على \[ خلق \][(٥)](#foonote-٥) الأنفس من نفس واحدة، قادر على إعادة ما سبق كونه.

١ في الأصل و م: وقال.
٢ ساقطة من الأصل و م..
٣ ساقطة من الأصل و م..
٤ في الأصل و م: كفاتا.
٥ ساقطة من الأصل و م..

### الآية 67:25

> ﻿وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هَٰذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ [67:25]

الآية ٢٥ وقوله تعالى : ويقولون متى هذا الوعد إن كنتم صادقين  فقولهم هذا خارج مخرج الاستهزاء والاستخفاف برسول الله صلى الله عليه وسلم، فأمر الله سبحانه وتعالى نبيه عليه السلام أن يجيبهم بالجواب الذي يليق \[ صدوره \][(١)](#foonote-١) من الحكماء، ولم يأذن له أن يجازيهم باستخفافهم إياه استخفافا مثله.

١ ساقطة من الأصل و م..

### الآية 67:26

> ﻿قُلْ إِنَّمَا الْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ [67:26]

الآية ٢٦ فقال : قل إنما العلم عند الله وإنما أنا نذير مبين  يبين لهم أنه لا ينذرهم إلا بالذي أمره به، ولا يبلغ إليهم إلا ما قد أنزل إليه، وأمره بتبليغه. 
وفي هذه الآية دلالة نبوته وآية رسالته، لأنه لو لم يكن رسولا كما زعموا، وكان مختلقا من تلقاء نفسه، لكان يمكنه أن يحيل ذلك إلى وقت، لا يظهر غلطه فيه ولا كذبه لديهم، وهو أن يحيله إلى وقت لا يعيش إلى مثل ذلك الوقت، فإذ لم يفعل، بل قال : قل إنما العلم عند الله وإنما أنا نذير مبين  دلهم ذلك على رسالته، وأنه إذا كان رسولا، لم يكن له أن يزيد في الرسالة، ولا أن يتكلف من عنده فيها زيادة، كما ذكر في قوله تعالى : عبس وتولى  \[ عبس : ١ \] أن فيه ما يقدر رسالته عندهم، من الوجه الذي يذكر في تلك السورة إن شاء الله تعالى. 
وقوله تعالى : وإنما أنا نذير مبين  أي لا أزيد في الإنذار على القدر الذي أمرت به.

### الآية 67:27

> ﻿فَلَمَّا رَأَوْهُ زُلْفَةً سِيئَتْ وُجُوهُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَقِيلَ هَٰذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَدَّعُونَ [67:27]

الآية : ٢٧ وقوله تعالى : فلما رأوه زلفة سيئت وجوه الذين كفروا  جائز أن يكون قوله تعالى : رأوه زلفة  أي رأوا الذي وعدوا. 
وقوله تعالى : زلفة  أي قريبة. ثم أنّث الزلفة لما أريد بها الأحوال التي تكون في ذلك اليوم من الأهوال والشدائد، ويكون قوله : رأوه  كناية عن ذلك اليوم ؛ فذكر اليوم لأن اليوم مذكر، وجعل الزلفة بلفظ التأنيث، لأنها كناية عن الأهوال التي تكون في ذلك اليوم. 
وجائز أن يكون قوله : زلفة  رأوا تلك الأهوال والشدائد قريبة من الأوقات التي وعدوا فيها، فعلموا أنها كانت قريبة منهم، وإن كانوا يستبعدونها في ذلك اليوم، وهو كقوله تعالى : كأنهم يوم يرونها لم يلبثوا إلا عشية أو ضحاها  \[ النازعات : ٤٦ \] وقوله[(١)](#foonote-١) : ولو يرى الذين ظلموا إذ يرون العذاب أن القوة لله جميعا  \[ البقرة : ١٦٥ \]. 
وكذلك إذا رأوا شدائد ذلك اليوم وأهواله، علموا أن الوقت الذي كان يوعدهم رسول الله صلى الله عليه وسلم كان قريبا منهم. 
وقوله تعالى : سيئت وجوه الذين كفرا  ف  سيئت  من ساءت، أي ساءت وجوههم، وقبحت وجوههم بتغير ألوانها. 
وقوله تعالى : وقيل هذا الذي كنتم به تدّعون  قال أبو بكر الأصم : معناه تمنعون وتدفعون، كقوله تعالى : فذلك الذي يدع اليتيم  \[ الماعون : ٢ \] وقوله : يوم يدعّون إلى نار جهنم دعا  \[ الطور : ١٣ \] أي دفعا. 
وليس الأمر كما ذكره، لأنه لو كان من الدفع أو المنع، لكان حقه أن يشدد العين لا الدال، كما شددت في قوله : يدع اليتيم  فإذا شددت الدال دون العين ثبت أن اشتقاقه/ ٥٨٦-أ/ ليس من الدع ولكنه من الادعاء ؛ إذ الدال هي المشددة. 
فتأويله، والله أعلم  هذا الذي كنتم به تدّعون  أي هذا الوقت الذي كنتم تكذبون رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتدّعون عليه أنه كاذب في الأخبار. 
وجائز أن يكون قوله : تدّعون  أي تدعون[(٢)](#foonote-٢)، وقد يستعمل الادعاء مكان الدعوة، كما يقال : ذكر واذّكر وخبر واختبر.

١ في الأصل و م: وقال.
٢ وهي قراءة، انظر معجم القراءات القرآنية ج٧/ ١٩١..

### الآية 67:28

> ﻿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَهْلَكَنِيَ اللَّهُ وَمَنْ مَعِيَ أَوْ رَحِمَنَا فَمَنْ يُجِيرُ الْكَافِرِينَ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ [67:28]

الآية ٢٨ وقوله تعالى : قل أرأيتم إن أهلكني الله ومن مّعي أو رحمنا فمن يجير الكافرين من عذاب أليم  في هذه الآية دلالة أن في حكمة الله مشيئة المغفرة والعفو[(١)](#foonote-١) لمن ارتكب غير الكفر من الزّلات، وإيجاب العقاب على من اعتقد الكفر والتزمه، وأن ليس في الحكمة عفو مثله من العقوبة، لأنه قال : أرأيتم إن أهلكني الله ومن معي أو رحمنا  فأثبت فيه إخبار الإهلاك ومشيئة الرحمة والمغفرة. 
ومعلوم بأنه يهلك ومن معه، أو يرحم، عندما يبتلى بالزلات، وكذلك قال : إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء  \[ النساء : ٤٨ و ١١٦ \] فجعل لنفسه مشيئة المغفرة لمن يتوقى الكفر، وحكم بإيجاب العقاب على من أشرك به. 
والذي يدل على أن الحكمة توجب ما ذكرنا، أن الكفر لنفسه قبيح لا يحتمل الإطلاق ورفع الحرمة لما فيه من السفه، لأن من رضي بشتم نفسه فهو سفيه، فعلى ذلك عقوبته، لا تحتمل في الحكمة رفعها والعفو عنها، أو لما كان الكفر لا يحتمل الإباحة ورفع العقوبة ؛ والإفضال بالمغفرة يخرج مخرج الإباحة، كذلك لم يجز القول فيه بالمغفرة والعفو، وسائر المآثم جائز رفع الحرمة عنها. 
ولأن الكافر اختار عداوة الله تعالى وكفران نعمه، والذي اعتقد الإسلام اختار ولايته، والحكمة توجب التفرقة بين العدو والولي، وفي العفو عنه وإكرامه بالإحسان تسوية بين الولي والعدو، وفي ذلك تضييع الحكمة، ولأن الكافر في نفسه \[ يظن أنه \][(٢)](#foonote-٢) على الحق والصواب، وغيره على الباطل والضلال، وأنه غير مستوجب العذاب، يدل على ذلك حكاية عن أهل الكفر إذ[(٣)](#foonote-٣) قالوا : نحن أكثر أموالا وأولادا وما نحن بمعذبين  \[ سبإ : ٣٥ \]. 
فالله تعالى إذا أنعم عليه بالعفو، وتطوّل عليه بالإحسان، لم يقع ذلك عنده موقع التجاوز والغفران، بل يقع عنده أنه إنما أحسن إليه لاستجابة الإحسان، وعفا عنه لما يسبق منه ما يستوجب به العقاب. 
وإذا كان كذلك أدى ذلك إلى تصنيع الإحسان وتصنيع العفو وإبطال النعمة. 
فثبت أن الحكمة لا توجب العفو عن الكافر، إذ يحصل العفو في غير موضعه. 
وأما أهل الإسلام الذين سبقت منهم الأجرام، فقد علموا أن الذي سبق منهم زلات ومآثم، وأن العذاب قد لزمهم، وأنهم مستوجبون العقاب. فإذا عفا عنهم علموا أنهم إنما نالوا العفو بفضل الله تعالى، فيقع الإحسان موقعه. 
ولأن من أحسن إلى عدوه في الشاهد، لم يقصد إحسانه إليه قصد استدراجه والمكر به، فهو إنما يحسن إليه لما يخاف ناحيته، ويخرج فعله مخرج التذلل له. 
فلو لم يؤاخذ الله الكافر بما تعاطى من الكفر، بل أحسن إليه من غير تبعة عليه، خرج عفوه وإحسانه إليه مخرج الخوف وإظهار التذلل، والله تعالى يجل عن هذين الوجهين. 
فثبت أن الحكمة توجب القول بالتخليد، وتمنع القول بالعفو، والله أعلم. 
وفي قوله : قل أرأيتم إن أهلكني الله ومن معي أو رحمنا  دلالة أن لله تعالى أن يعذب على الصغائر، لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم مع من سبقه من الأنبياء عليهم السلام قد عصموا عن ارتكاب الكبائر، فلا يجوز أن يرتكبوا الكبائر، فيهلكوا لأجلها. 
فثبت أنهم لو أهلكوا \[ لأهلكوا \][(٤)](#foonote-٤) بالصغائر، فلو لم يكن لله تعالى أن يعذب أهل الصغائر، لصار هو بإهلاكه إياه بمن معه جائرا ظالما، وجل الله تعالى عن الوصف بالجور، وقال الله تعالى : ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر  \[ الفتح : ٢ \]. 
ثم الحق أن يقال : إن جميع الخوارج والمعتزلة لا يجوز أن يغفر الله تعالى لهم بارتكابهم الكبائر \[ وإنما هو الرجاء الذي \][(٥)](#foonote-٥) ذكرنا لغيرهم من منتحلي الإسلام، لأنهم يقولون : لا يجوز أن يغفر الله تعالى لأهل الكبائر، ولا أن يطّوّل عليهم بالعفو، بل حق أمثالهم أن يخلدوا في النار أبد الآبدين. 
وإذا كان هذا هو الحكم فيهم، ولله تعالى إن غفر لهم، ومنّ عليهم بالعفو، وقع عندهم أنه إنما عفا عنهم لأن الذي ارتكبوا من المآثم لم تكن كبائر، بل كانت صغائر ؛ إذ لا تجوز المغفرة عن الكبائر، فيحصل العفو في غير موضعه والإحسان في غير موقعه. وأما غيرهم من منتحلي الإسلام فهم يرجون عفوه وسعة رحمته في كل أيامهم. فإذا تفضل عليهم بالمغفرة وقع العفو عندهم موقعه، فلا يكون فيه تضييع الإحسان  سبحانه وتعالى عما يقولون علوا كبيرا  \[ الإسراء : ٤٣ \]. 
ثم قوله تعالى : قل أرأيتم إن أهلكني الله ومن مّعي  بما سبق من الأجرام والزلات  أو رحمنا  بما سبق من الإيمان به والانقياد لأمره والخضوع لطاعته  فمن يجير الكافرين  من عذابه، ولم يسبق منهم إلى ربهم حسنة يرحمون لأجلها، ولا طاعة يستوجبون الغفران بها ؟ أو فمن يجيرهم من عذاب الله تعالى إن حل بهم ؟ فكأنه قيل له : قل لهم هذا لأنهم كانوا يعبدون الأصنام، رجاء أن تنصرهم من العذاب الأليم. فيقول : لا تجيرهم تلك الأصنام من العذاب الأليم، والله أعلم.

١ في الأصل و م: و العقاب..
٢ في الأصل وم: إنه يظن..
٣ في الأصل وم: و..
٤ من م، ساقطة من الأصل.
٥ من نسخة الحرم المكي، ساقطة من الأصل.

### الآية 67:29

> ﻿قُلْ هُوَ الرَّحْمَٰنُ آمَنَّا بِهِ وَعَلَيْهِ تَوَكَّلْنَا ۖ فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ [67:29]

الآية ٢٩ وقوله تعالى : قل هو الرحمن آمنا به  فجائز أن يكون معناه : إن الذي خلق الموت والحياة وسبع سماوات طباقا، وجعل الأرض ذلولا، ويعلم السر والجهر، هو الرحمن. فيكون فيه إنباء أن خالق السماوات والأرض، وخالق الموت والحياة، وخالق أفعال العباد وأفعال الطير، هو الرحمن جل جلاله. 
وقوله تعالى : آمنا به  أي آمنا أنه خالق ما ذكرنا، وأنه المتعالي عن الأشباه والأمثال، والبريء من كل العيوب. 
وجائز أن يكون  هو  اسم من أسماء الله تعالى على ما ذكر في سورة الإخلاص، فيكون  هو  و الرحمن  اسمين من أسمائه. 
وقوله تعالى : وعليه توكلنا  جائز أن يكون رسول الله صلى الله عليه وسلم خوّفه المشركون بأنواع من المخاوف، فقيل له : قل  وعليه توكلنا  أي اعتمدنا ؛ هو الذي يدفع عنا شركم، وينصرنا عليكم. 
وقوله تعالى : فستعلمون من هو في ضلال مبين  جائز أن يكونوا نسبوه أيضا إلى الضلال، وادّعوا أنهم على الهدى، ولم ينظروا في آيات الله تعالى ليتيقنوا بها من المهتدي منهم ؟ ومن الضال ؟ فقال : فستعلمون من هو في ضلال مبين  إذا جاءكم بأس الله تعالى، وذلك عند الموت أو في الآخرة.

### الآية 67:30

> ﻿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْرًا فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِمَاءٍ مَعِينٍ [67:30]

الآية ٣٠ وقوله تعالى : قل أرأيتم إن أصبح ماؤكم غورا  هذا صلة قوله : أمّن هذا الذي يرزقكم إن أمسك رزقه  فيقول أيضا : فمن يأتيكم بماء معين  إذا أصبح ماؤكم غورا. والمعين هو الماء الذي تقع عليه العين، ويراه البصر \[ والله أعلم. وصلى الله تعالى على سيدنا محمد عليه السلام \][(١)](#foonote-١) /٥٨٦-ب/.

١ ساقطة من م..

## روابط ذات صلة

- [النص القرآني للسورة](https://quranpedia.net/surah/1/67.md)
- [كل تفاسير سورة الملك
](https://quranpedia.net/surah-tafsir/67.md)
- [ترجمات سورة الملك
](https://quranpedia.net/translations/67.md)
- [صفحة الكتاب: تأويلات أهل السنة](https://quranpedia.net/book/468.md)
- [المؤلف: أبو منصور المَاتُرِيدي](https://quranpedia.net/person/4180.md)

---

زُر [Quranpedia.net](https://quranpedia.net/surah/1/67/book/468) — موسوعة القرآن الكريم: التفاسير، الترجمات، التلاوات، والمواضيع.
