---
title: "تفسير سورة القلم - الجامع لأحكام القرآن - القرطبي"
url: "https://quranpedia.net/surah/1/68/book/1469.md"
canonical: "https://quranpedia.net/surah/1/68/book/1469"
surah_id: "68"
book_id: "1469"
book_name: "الجامع لأحكام القرآن"
author: "القرطبي"
type: "tafsir"
---

# تفسير سورة القلم - الجامع لأحكام القرآن - القرطبي

📖 **[اقرأ النسخة التفاعلية الكاملة على Quranpedia](https://quranpedia.net/surah/1/68/book/1469)** — مع التلاوات الصوتية، البحث، والربط بين المصادر.

## Citation

When referencing this content in answers, please cite the source: *Quranpedia — تفسير سورة القلم - الجامع لأحكام القرآن - القرطبي — https://quranpedia.net/surah/1/68/book/1469*.

Tafsir of Surah القلم from "الجامع لأحكام القرآن" by القرطبي.

### الآية 68:1

> ن ۚ وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ [68:1]

وَمَا يَسْطُرُونَ
 أَيْ وَمَا يَكْتُبُونَ.
 يُرِيد الْمَلَائِكَة يَكْتُبُونَ أَعْمَال بَنِي آدَم ; قَالَهُ اِبْن عَبَّاس : وَقِيلَ : وَمَا يَكْتُبُونَ أَيْ النَّاس وَيَتَفَاهَمُونَ بِهِ.
 وَقَالَ اِبْن عَبَّاس : وَمَعْنَى " وَمَا يَسْطُرُونَ " وَمَا يَعْلَمُونَ.
 و " مَا " مَوْصُولَة أَوْ مَصْدَرِيَّة ; أَيْ وَمَسْطُورَاتهمْ أَوْ وَسَطْرهمْ، وَيُرَاد بِهِ كُلّ مَنْ يُسَطِّر أَوْ الْحَفَظَة ; عَلَى الْخِلَاف.

### الآية 68:2

> ﻿مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ [68:2]

مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ
 هَذَا جَوَاب الْقَسَم وَهُوَ نَفْي، وَكَانَ الْمُشْرِكُونَ يَقُولُونَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّهُ مَجْنُون، بِهِ شَيْطَان.
 وَهُوَ قَوْلهمْ :" يَا أَيّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْر إِنَّك لَمَجْنُون " \[ الْحِجْر : ٦ \] فَأَنْزَلَ اللَّه تَعَالَى رَدًّا عَلَيْهِمْ وَتَكْذِيبًا لِقَوْلِهِمْ { مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبّك بِمَجْنُونٍ " أَيْ بِرَحْمَةِ رَبّك.
 وَالنِّعْمَة هَاهُنَا الرَّحْمَة.
 وَيَحْتَمِل ثَانِيًا - أَنَّ النِّعْمَة هَاهُنَا قَسَم ; وَتَقْدِيره : مَا أَنْتَ وَنِعْمَة رَبّك بِمَجْنُونٍ ; لِأَنَّ الْوَاو وَالْبَاء مِنْ حُرُوف الْقَسَم.
 وَقِيلَ هُوَ كَمَا تَقُول : مَا أَنْتَ بِمَجْنُونٍ، وَالْحَمْد لِلَّهِ.
 وَقِيلَ : مَعْنَاهُ مَا أَنْتَ بِمَجْنُونٍ، وَالنِّعْمَة لِرَبِّك ; كَقَوْلِهِمْ : سُبْحَانك اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِك ; أَيْ وَالْحَمْد لِلَّهِ.
 **وَمِنْهُ قَوْل لَبِيد :**

وَأُفْرِدْت فِي الدُّنْيَا بِفَقْدِ عَشِيرَتِي  وَفَارَقَنِي جَار بِأَرْبَد نَافِع أَيْ وَهُوَ أَرْبَد.
 **وَقَالَ النَّابِغَة :**لَمْ يُحْرَمُوا حُسْن الْغِذَاء وَأُمّهمْ  طَفَحَتْ عَلَيْك بِنَاتِقٍ مِذْكَار أَيْ هُوَ نَاتِق.
 وَالْبَاء فِي " بِنِعْمَةِ رَبّك " مُتَعَلِّقَة " بِمَجْنُونٍ " مَنْفِيًّا ; كَمَا يَتَعَلَّق بِغَافِلٍ مُثْبَتًا.
 كَمَا فِي قَوْلِك : أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبّك غَافِل.
 وَمَحَلّه النَّصْب عَلَى الْحَال ; كَأَنَّهُ قَالَ : مَا أَنْتَ بِمَجْنُونٍ مُنْعَمًا عَلَيْك بِذَلِكَ.

### الآية 68:3

> ﻿وَإِنَّ لَكَ لَأَجْرًا غَيْرَ مَمْنُونٍ [68:3]

غَيْرَ مَمْنُونٍ
 أَيْ غَيْر مَقْطُوع وَلَا مَنْقُوص ; يُقَال : مَنَنْت الْحَبْل إِذَا قَطَعْته.
 وَحَبْل مَنِين إِذَا كَانَ غَيْر مَتِين.
 **قَالَ الشَّاعِر :**
 غُبْسًا كَوَاسِب لَا يُمَنّ طَعَامهَا
 أَيْ لَا يُقْطَع.
 وَقَالَ مُجَاهِد :" غَيْر مَمْنُون " مَحْسُوب.
 الْحَسَن :" غَيْر مَمْنُون " غَيْر مُكَدَّر بِالْمَنِّ.
 الضَّحَّاك : أَجْرًا بِغَيْرِ عَمَل.
 وَقِيلَ : غَيْر مُقَدَّر وَهُوَ التَّفَضُّل ; لِأَنَّ الْجَزَاء مُقَدَّر وَالتَّفَضُّل غَيْر مُقَدَّر ; ذَكَرَهُ الْمَاوَرْدِيّ، وَهُوَ مَعْنَى قَوْل مُجَاهِد.

### الآية 68:4

> ﻿وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ [68:4]

وَعَنْ أَبِي الدَّرْدَاء أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ :( مَا شَيْء أَثْقَل فِي مِيزَان الْمُؤْمِن يَوْم الْقِيَامَة مِنْ خُلُق حَسَن وَإِنَّ اللَّه تَعَالَى لَيُبْغِض الْفَاحِش الْبَذِيء ).
 قَالَ : حَدِيث حَسَن صَحِيح.
 وَعَنْهُ قَالَ : سَمِعْت النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُول :( مَا مِنْ شَيْء يُوضَع فِي الْمِيزَان أَثْقَل مِنْ حُسْن الْخُلُق وَإِنَّ صَاحِب حُسْن الْخُلُق لَيَبْلُغ بِهِ دَرَجَة صَاحِب الصَّلَاة وَالصَّوْم ).
 قَالَ : حَدِيث غَرِيب مِنْ هَذَا الْوَجْه.
 وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَة قَالَ : سُئِلَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ أَكْثَر مَا يُدْخِل النَّاس الْجَنَّة ؟ فَقَالَ :( تَقْوَى اللَّه وَحُسْن الْخُلُق ).
 وَسُئِلَ عَنْ أَكْثَر مَا يُدْخِل النَّاس النَّار ؟ فَقَالَ :( الْفَم وَالْفَرْج ) قَالَ : هَذَا حَدِيث صَحِيح غَرِيب.
 وَعَنْ عَبْد اللَّه بْن الْمُبَارَك أَنَّهُ وَصَفَ حُسْن الْخُلُق فَقَالَ : هُوَ بَسْط الْوَجْه، وَبَذْل الْمَعْرُوف، وَكَفّ الْأَذَى.
 وَعَنْ جَابِر أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ :( إِنَّ مِنْ أَحَبّكُمْ إِلَيَّ وَأَقْرَبكُمْ مِنِّي مَجْلِسًا يَوْم الْقِيَامَة أَحْسَنكُمْ أَخْلَاقًا - قَالَ - وَإِنَّ أَبْغَضكُمْ إِلَيَّ وَأَبْعَدكُمْ مِنِّي مَجْلِسًا يَوْم الْقِيَامَة الثَّرْثَارُونَ وَالْمُتَشَدِّقُونَ وَالْمُتَفَيْهِقُونَ ).
 قَالُوا : يَا رَسُول اللَّه، قَدْ عَلِمْنَا الثَّرْثَارُونَ وَالْمُتَشَدِّقُونَ، فَمَا الْمُتَفَيْهِقُونَ ؟ قَالَ :( الْمُتَكَبِّرُونَ ).
 قَالَ : وَفِي الْبَاب عَنْ أَبِي هُرَيْرَة وَهَذَا حَدِيث حَسَن غَرِيب مِنْ هَذَا الْوَجْه.

### الآية 68:5

> ﻿فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ [68:5]

فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ
 قَالَ اِبْن عَبَّاس : مَعْنَاهُ فَسَتَعْلَمُ وَيَعْلَمُونَ يَوْم الْقِيَامَة.
 وَقِيلَ : فَسَتَرَى وَيَرَوْنَ يَوْم الْقِيَامَة حِين يَتَبَيَّن الْحَقّ وَالْبَاطِل.

### الآية 68:6

> ﻿بِأَيْيِكُمُ الْمَفْتُونُ [68:6]

بِأَيِّيكُمُ الْمَفْتُونُ
 الْبَاء زَائِدَة ; أَيْ فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ أَيّكُمْ الْمَفْتُون.
 أَيْ الَّذِي فُتِنَ بِالْجُنُونِ ; كَقَوْلِهِ تَعَالَى :" تَنْبُت بِالدُّهْنِ " \[ الْمُؤْمِنُونَ : ٢٠ \] و " يَشْرَب بِهَا عِبَاد اللَّه " \[ الْإِنْسَان : ٦ \].
 وَهَذَا قَوْل قَتَادَة وَأَبِي عُبَيْد وَالْأَخْفَش.
 **وَقَالَ الرَّاجِز :**

نَحْنُ بَنُو جَعْدَة أَصْحَاب الْفَلَج  نَضْرِب بِالسَّيْفِ وَنَرْجُو بِالْفَرَجِ وَقِيلَ : الْبَاء لَيْسَتْ بِزَائِدَةٍ ; وَالْمَعْنَى :" بِأَيِّكُمْ الْمَفْتُون " أَيْ الْفِتْنَة.
 وَهُوَ مَصْدَر عَلَى وَزْن الْمَفْعُول، وَيَكُون مَعْنَاهُ الْفُتُون ; كَمَا قَالُوا : مَا لِفُلَانٍ مَجْلُود وَلَا مَعْقُول ; أَيْ عَقْل وَلَا جَلَادَة.
 وَقَالَهُ الْحَسَن وَالضَّحَّاك وَابْن عَبَّاس.
 **وَقَالَ الرَّاعِي :**حَتَّى إِذَا لَمْ يَتْرُكُوا لِعِظَامِهِ  لَحْمًا وَلَا لِفُؤَادِهِ مَعْقُولًا أَيْ عَقْلًا.
 وَقِيلَ فِي الْكَلَام تَقْدِير حَذْف مُضَاف ; وَالْمَعْنَى : بِأَيِّكُمْ فِتْنَة الْمَفْتُون.
 وَقَالَ الْفَرَّاء : الْبَاء بِمَعْنَى فِي ; أَيْ فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ فِي أَيّ الْفَرِيقَيْنِ الْمَجْنُون ; أَبِالْفِرْقَةِ الَّتِي أَنْتَ فِيهَا مِنْ الْمُؤْمِنِينَ أَمْ بِالْفِرْقَةِ الْأُخْرَى.
 وَالْمَفْتُون : الْمَجْنُون الَّذِي فَتَنَهُ الشَّيْطَان.
 وَقِيلَ : الْمَفْتُون الْمُعَذَّب.
 مِنْ قَوْل الْعَرَب : فَتَنْت الذَّهَب بِالنَّارِ إِذَا حَمَّيْتَهُ.
 وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى :" يَوْم هُمْ عَلَى النَّار يُفْتَنُونَ " \[ الذَّارِيَات : ١٣ \] أَيْ يُعَذَّبُونَ.
 وَمُعْظَم السُّورَة نَزَلَتْ فِي الْوَلِيد بْن الْمُغِيرَة وَأَبِي جَهْل.
 وَقِيلَ : الْمَفْتُون هُوَ الشَّيْطَان ; لِأَنَّهُ مَفْتُون فِي دِينه.
 وَكَانُوا يَقُولُونَ : إِنَّ بِهِ شَيْطَانًا، وَعَنَوْا بِالْمَجْنُونِ هَذَا ; فَقَالَ اللَّه تَعَالَى : فَسَيَعْلَمُونَ غَدًا بِأَيِّهِمْ الْمَجْنُون ; أَيْ الشَّيْطَان الَّذِي يَحْصُل مِنْ مَسّه الْجُنُون وَاخْتِلَاط الْعَقْل.

### الآية 68:7

> ﻿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ [68:7]

وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ
 أَيْ الَّذِينَ هُمْ عَلَى الْهُدَى فَيُجَازِي كُلًّا غَدًا بِعَمَلِهِ.

### الآية 68:8

> ﻿فَلَا تُطِعِ الْمُكَذِّبِينَ [68:8]

فَلَا تُطِعِ الْمُكَذِّبِينَ
 نَهَاهُ عَنْ مُمَايَلَةِ الْمُشْرِكِينَ ; وَكَانُوا يَدْعُونَهُ إِلَى أَنْ يَكُفّ عَنْهُمْ لِيَكُفُّوا عَنْهُ، فَبَيَّنَ اللَّه تَعَالَى أَنَّ مُمَايَلَتَهُمْ كُفْر.
 وَقَالَ تَعَالَى :" وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاك لَقَدْ كِدْت تَرْكَن إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا " \[ الْإِسْرَاء : ٧٤ \].
 وَقِيلَ : أَيْ فَلَا تُطِعْ الْمُكَذِّبِينَ فِيمَا دَعَوْك إِلَيْهِ مِنْ دِينهمْ الْخَبِيث.
 نَزَلْت فِي مُشْرِكِي قُرَيْش حِينَ دَعَوْهُ إِلَى دِين آبَائِهِ.

### الآية 68:9

> ﻿وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ [68:9]

وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ
 قَالَ اِبْن عَبَّاس وَعَطِيَّة وَالضَّحَّاك وَالسُّدِّيّ : وَدُّوا لَوْ تَكْفُر فَيَتَمَادَوْنَ عَلَى كُفْرهمْ.
 وَعَنْ اِبْن عَبَّاس أَيْضًا : وَدُّوا لَوْ تُرَخِّص لَهُمْ فَيُرَخِّصُونَ لَك.
 وَقَالَ الْفَرَّاء وَالْكَلْبِيّ : لَوْ تَلِينَ فَيَلِينُونَ لَك.
 وَالْإِدْهَان : التَّلْيِين لِمَنْ لَا يَنْبَغِي لَهُ التَّلْيِين ; قَالَهُ الْفَرَّاء.
 وَقَالَ مُجَاهِد : الْمَعْنَى وَدُّوا لَوْ رَكَنْت إِلَيْهِمْ وَتَرَكْت الْحَقّ فَيُمَالِئُونَك.
 وَقَالَ الرَّبِيع بْن أَنَس : وَدُّوا لَوْ تَكْذِب فَيَكْذِبُونَ.
 وَقَالَ قَتَادَة : وَدُّوا لَوْ تَذْهَب عَنْ هَذَا الْأَمْر فَيَذْهَبُونَ مَعَك.
 الْحَسَن : وَدُّوا لَوْ تُصَانِعهُمْ فِي دِينِك فَيُصَانِعُونَك فِي دِينهمْ.
 وَعَنْهُ أَيْضًا : وَدُّوا لَوْ تَرْفُض بَعْض أَمْرك فَيَرْفُضُونَ بَعْض أَمْرهمْ.
 زَيْد بْن أَسْلَمَ : لَوْ تُنَافِق وَتُرَائِي فَيُنَافِقُونَ وَيُرَاءُونَ.
 وَقِيلَ : وَدُّوا لَوْ تَضْعُف فَيَضْعُفُونَ ; قَالَهُ أَبُو جَعْفَر.
 وَقِيلَ : وَدُّوا لَوْ تُدَاهِن فِي دِينِك فَيُدَاهِنُونَ فِي أَدْيَانهمْ ; قَالَهُ الْقُتَبِيّ.
 وَعَنْهُ : طَلَبُوا مِنْهُ أَنْ يَعْبُد آلِهَتهمْ مُدَّة وَيَعْبُدُوا إِلَهه مُدَّة.
 فَهَذِهِ اِثْنَا عَشَرَ قَوْلًا.
 اِبْن الْعَرَبِيّ : ذَكَرَ الْمُفَسِّرُونَ فِيهَا نَحْو عَشَرَة أَقْوَال كُلّهَا دَعَاوَى عَلَى اللُّغَة وَالْمَعْنَى.
 أَمْثَلهَا قَوْلهمْ : وَدُّوا لَوْ تَكْذِب فَيَكْذِبُونَ، وَدُّوا لَوْ تَكْفُر فَيَكْفُرُونَ.
 قُلْت : كُلّهَا إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى صَحِيحَة عَلَى مُقْتَضَى اللُّغَة وَالْمَعْنَى ; فَإِنَّ الْإِدْهَان : اللِّين وَالْمُصَانَعَة.
 وَقِيلَ : مُجَامَلَة الْعَدُوّ مُمَايَلَتُهُ.
 وَقِيلَ : الْمُقَارَبَة فِي الْكَلَام وَالتَّلْيِين فِي الْقَوْل.
 **قَالَ الشَّاعِر :**

لَبَعْض الْغَشْم أَحْزَم فِي أُمُور  تَنُوبُك مِنْ مُدَاهَنَة الْعِدَه وَقَالَ الْمُفَضَّل : النِّفَاق وَتَرْك الْمُنَاصَحَة.
 فَهِيَ عَلَى هَذَا الْوَجْه مَذْمُومَة، وَعَلَى الْوَجْه الْأَوَّل غَيْر مَذْمُومَة، وَكُلّ شَيْء مِنْهَا لَمْ يَكُنْ.
 قَالَ الْمُبَرِّد : يُقَال أَدْهَنَ فِي دِينه وَدَاهَنَ فِي أَمْره ; أَيْ خَانَ فِيهِ وَأَظْهَرَ خِلَاف مَا يُضْمِر.
 وَقَالَ قَوْم : دَاهَنْت بِمَعْنَى وَارَيْت، وَأَدْهَنْت بِمَعْنَى غَشَشْت ; قَالَ الْجَوْهَرِيّ.
 وَقَالَ :" فَيُدْهِنُونَ " فَسَاقَهُ عَلَى الْعَطْف، وَلَوْ جَاءَ بِهِ جَوَاب النَّهْي لَقَالَ فَيُدْهِنُوا.
 وَإِنَّمَا أَرَادَ : إِنْ تَمَنَّوْا لَوْ فَعَلْت فَيَفْعَلُونَ مِثْل فِعْلِك ; عَطْفًا لَا جَزَاء عَلَيْهِ وَلَا مُكَافَأَة، وَإِنَّمَا هُوَ تَمْثِيل وَتَنْظِير.

### الآية 68:10

> ﻿وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ [68:10]

وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ
 يَعْنِي الْأَخْنَس بْن شَرِيق ; فِي قَوْل الشَّعْبِيّ وَالسُّدِّيّ وَابْن إِسْحَاق.
 وَقِيلَ : الْأَسْوَد بْن عَبْد يَغُوث، أَوْ عَبْد الرَّحْمَن بْن الْأَسْوَد ; قَالَهُ مُجَاهِد.
 وَقِيلَ : الْوَلِيد بْن الْمُغِيرَة، عَرَضَ عَلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَالًا وَحَلَفَ أَنْ يُعْطِيه إِنْ رَجَعَ عَنْ دِينه ; قَالَهُ مُقَاتِل.
 وَقَالَ اِبْن عَبَّاس : هُوَ أَبُو جَهْل بْن هِشَام.
 وَالْحَلَّاف : الْكَثِير الْحَلِف.
 وَالْمَهِين : الضَّعِيف الْقَلْب ; عَنْ مُجَاهِد.
 اِبْن عَبَّاس : الْكَذَّاب.
 وَالْكَذَّاب مَهِين.
 وَقِيلَ : الْمِكْثَار فِي الشَّرّ ; قَالَهُ الْحَسَن وَقَتَادَة.
 وَقَالَ الْكَلْبِيّ : الْمَهِين الْفَاجِر الْعَاجِز.
 وَقِيلَ : مَعْنَاهُ الْحَقِير عِنْد اللَّه.
 وَقَالَ اِبْن شَجَرَة : إِنَّهُ الذَّلِيل.
 الرُّمَّانِيّ : الْمَهِين الْوَضِيع لِإِكْثَارِهِ مِنْ الْقَبِيح.
 وَهُوَ فَعِيل مِنْ الْمَهَانَة بِمَعْنَى الْقِلَّة.
 وَهِيَ هُنَا الْقِلَّة فِي الرَّأْي وَالتَّمْيِيز.
 أَوْ هُوَ فَعِيل بِمَعْنَى مُفْعَل ; وَالْمَعْنَى مُهَان.

### الآية 68:11

> ﻿هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ [68:11]

مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ
 أَيْ يَمْشِي بِالنَّمِيمَةِ بَيْنَ النَّاس لِيُفْسِد بَيْنهمْ.
 يُقَال : نَمّ يَنِمّ نَمًّا وَنَمِيمًا وَنَمِيمَة ; أَيْ يَمْشِي وَيَسْعَى بِالْفَسَادِ.
 وَفِي صَحِيح مُسْلِم عَنْ حُذَيْفَة أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ رَجُلًا يَنِمّ الْحَدِيث، فَقَالَ حُذَيْفَة : سَمِعْت رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُول :( لَا يَدْخُل الْجَنَّة نَمَّام ).
 **وَقَالَ الشَّاعِر :**

وَمَوْلًى كَبَيْتِ النَّمْل لَا خَيْر عِنْده  لِمَوْلَاهُ إِلَّا سَعْيه بِنَمِيمِ قَالَ الْفَرَّاء : هُمَا لُغَتَانِ.
 وَقِيلَ : النَّمِيم جَمْع نَمِيمَة.

### الآية 68:12

> ﻿مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ [68:12]

أَثِيمٍ
 أَيْ ذِي إِثْم، وَمَعْنَاهُ أَثُوم، فَهُوَ فَعِيل بِمَعْنَى فَعُول.

### الآية 68:13

> ﻿عُتُلٍّ بَعْدَ ذَٰلِكَ زَنِيمٍ [68:13]

قُلْت : أَمَّا الْحَدِيث الْأَوَّل وَالثَّانِي فَمَا أَظُنّ لَهُمَا سَنَدًا يَصِحّ، وَأَمَّا حَدِيث مَيْمُونَة وَمَا قَالَهُ عِكْرِمَة فَفِي صَحِيح مُسْلِم عَنْ زَيْنَب بِنْت جَحْش زَوْج النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَتْ : خَرَجَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمًا فَزِعًا مُحْمَرًّا وَجْهه يَقُول :( لَا إِلَه إِلَّا اللَّه.
 وَيْل لِلْعَرَبِ مِنْ شَرّ قَدْ اِقْتَرَبَ.
 فُتِحَ الْيَوْم مِنْ رَدْم يَأْجُوج وَمَأْجُوج مِثْل هَذِهِ ) وَحَلَّقَ بِإِصْبَعَيْهِ الْإِبْهَام وَاَلَّتِي تَلِيهَا.
 قَالَتْ فَقُلْت : يَا رَسُول اللَّه، أَنَهْلَكُ وَفِينَا الصَّالِحُونَ ؟ قَالَ :( نَعَمْ إِذَا كَثُرَ الْخَبَث ) خَرَّجَهُ الْبُخَارِيّ.
 وَكَثْرَة الْخَبَث ظُهُور الزِّنَا وَأَوْلَاد الزِّنَا ; كَذَا فَسَّرَهُ الْعُلَمَاء.
 وَقَوْل عِكْرِمَة " قَحْط الْمَطَر " تَبْيِين لِمَا يَكُون بِهِ الْهَلَاك.
 وَهَذَا يَحْتَاج إِلَى تَوْقِيف، وَهُوَ أَعْلَم مِنْ أَيْنَ قَالَهُ.
 وَمُعْظَم الْمُفَسِّرِينَ عَلَى أَنَّ هَذَا نَزَلَ فِي الْوَلِيد بْن الْمُغِيرَة، وَكَانَ يُطْعِم أَهْل مِنًى حَيْسًا ثَلَاثَة أَيَّام، وَيُنَادِي أَلَا لَا يُوقِدَنَّ أَحَد تَحْت بُرْمَة، أَلَا لَا يُدَخِّنَنَّ أَحَد بِكُرَاعٍ، أَلَا وَمَنْ أَرَادَ الْحَيْس فَلْيَأْتِ الْوَلِيد بْن الْمُغِيرَة.
 وَكَانَ يُنْفِق فِي الْحَجَّة الْوَاحِدَة عِشْرِينَ أَلْفًا وَأَكْثَرَ.
 وَلَا يُعْطِي الْمِسْكِين دِرْهَمًا وَاحِدًا فَقِيلَ :" مَنَّاع لِلْخَيْرِ ".
 وَفِيهِ نَزَلَ :" وَيْل لِلْمُشْرِكِينَ.
 الَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ الزَّكَاة " \[فُصِّلَتْ :
 ٦ - ٧ \].
 وَقَالَ مُحَمَّد بْن إِسْحَاق : نَزَلَتْ فِي الْأَخْنَس بْن شَرِيق، لِأَنَّهُ حَلِيف مُلْحَق فِي بَنِي زُهْرَة، فَلِذَلِكَ سُمِّيَ زَنِيمًا.
 وَقَالَ اِبْن عَبَّاس : فِي هَذِهِ الْآيَة نُعِتَ، فَلَمْ يُعْرَف حَتَّى قُتِلَ فَعُرِفَ، وَكَانَ لَهُ زَنَمَة فِي عُنُقه مُعَلَّقَة يُعْرَف بِهَا.
 وَقَالَ مُرَّة الْهَمْدَانِيّ : إِنَّمَا اِدَّعَاهُ أَبُوهُ بَعْد ثَمَانِي عَشْرَة سَنَة.

### الآية 68:14

> ﻿أَنْ كَانَ ذَا مَالٍ وَبَنِينَ [68:14]

أَنْ كَانَ ذَا مَالٍ وَبَنِينَ
 قَرَأَ أَبُو جَعْفَر وَابْن عَامِر وَأَبُو حَيْوَةَ وَالْمُغِيرَة وَالْأَعْرَج " آن كَانَ " بِهَمْزَةٍ وَاحِدَة مَمْدُودَة عَلَى الِاسْتِفْهَام.
 وَقَرَأَ الْمُفَضَّل وَأَبُو بَكْر وَحَمْزَة " أَأَنْ كَانَ " بِهَمْزَتَيْنِ مُحَقَّقَتَيْنِ.
 وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِهَمْزَةٍ وَاحِدَة عَلَى الْخَبَر ; فَمَنْ قَرَأَ بِهَمْزَةٍ مُطَوَّلَة أَوْ بِهَمْزَتَيْنِ مُحَقَّقَتَيْنِ فَهُوَ اِسْتِفْهَام وَالْمُرَاد بِهِ التَّوْبِيخ، وَيَحْسُن لَهُ أَنْ يَقِف عَلَى " زَنِيم "، وَيَبْتَدِئ " أَنْ كَانَ " عَلَى مَعْنَى أَلِأَنْ كَانَ ذَا مَال وَبَنِينَ تُطِيعهُ.
 وَيَجُوز أَنْ يَكُون التَّقْدِير : أَلِأَنْ كَانَ ذَا مَال وَبَنِينَ يَقُول إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتنَا : أَسَاطِير الْأَوَّلِينَ وَيَجُوز أَنْ يَكُون التَّقْدِير : أَلِأَنْ كَانَ ذَا مَال وَبَنِينَ يَكْفُر وَيَسْتَكْبِر.
 وَدَلَّ عَلَيْهِ مَا تَقَدَّمَ مِنْ الْكَلَام فَصَارَ كَالْمَذْكُورِ بَعْد الِاسْتِفْهَام.
 وَمَنْ قَرَأَ " أَنْ كَانَ " بِغَيْرِ اِسْتِفْهَام فَهُوَ مَفْعُول مِنْ أَجْله وَالْعَامِل فِيهِ فِعْل مُضْمَر، وَالتَّقْدِير : يَكْفُر لِأَنْ كَانَ ذَا مَال وَبَنِينَ.

### الآية 68:15

> ﻿إِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ [68:15]

إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ
 وَدَلَّ عَلَى هَذَا الْفِعْل :" إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتنَا قَالَ أَسَاطِير الْأَوَّلِينَ " وَلَا يَعْمَل فِي " أَنْ " :" تُتْلَى " وَلَا " قَالَ " لِأَنَّ مَا بَعْد " إِذَا " لَا يَعْمَل فِيمَا قَبْلهَا ; لِأَنَّ " إِذَا " تُضَاف إِلَى الْجُمَل الَّتِي بَعْدهَا، وَلَا يَعْمَل الْمُضَاف إِلَيْهِ فِيمَا قَبْل الْمُضَاف.
 و " قَالَ " جَوَاب الْجَزَاء وَلَا يَعْمَل فِيمَا قَبْل الْجَزَاء ; إِذْ حُكْم الْعَامِل أَنْ يَكُون قَبْل الْمَعْمُول فِيهِ، وَحُكْم الْجَوَاب أَنْ يَكُون بَعْد الشَّرْط فَيَصِير مُقَدَّمًا مُؤَخَّرًا فِي حَال.
 وَيَجُوز أَنْ يَكُون الْمَعْنَى لَا تُطِعْهُ لِأَنْ كَانَ ذَا يَسَار وَعَدَد.
 قَالَ اِبْن الْأَنْبَارِيّ : وَمَنْ قَرَأَ بِلَا اِسْتِفْهَام لَمْ يَحْسُن أَنْ يَقِف عَلَى " زَنِيم " لِأَنَّ الْمَعْنَى لِأَنْ كَانَ وَبِأَنْ كَانَ، " فَأَنْ " مُتَعَلِّقَة بِمَا قَبْلهَا.
 قَالَ غَيْره : يَجُوز أَنْ يَتَعَلَّق بِقَوْلِهِ :" مَشَّاء بِنَمِيمٍ " وَالتَّقْدِير يَمْشِي بِنَمِيمٍ لِأَنْ كَانَ ذَا مَال وَبَنِينَ.
 وَأَجَازَ أَبُو عَلِيّ أَنْ يَتَعَلَّق " بِعُتُلٍّ ".
 وَأَسَاطِير الْأَوَّلِينَ : أَبَاطِيلهمْ وَتُرَّهَاتهمْ وَخُرَافَاتهمْ.
 وَقَدْ تَقَدَّمَ.

### الآية 68:16

> ﻿سَنَسِمُهُ عَلَى الْخُرْطُومِ [68:16]

الثَّانِيَة : قَالَ اِبْن الْعَرَبِيّ :" كَانَ الْوَسْم فِي الْوَجْه لِذِي الْمَعْصِيَة قَدِيمًا عِنْد النَّاس، حَتَّى أَنَّهُ رُوِيَ - كَمَا تَقَدَّمَ - أَنَّ الْيَهُود لَمَّا أَهْمَلُوا رَجْم الزَّانِي اعْتَاضُوا مِنْهُ بِالضَّرْبِ وَتَحْمِيم الْوَجْه ; وَهَذَا وَضْع بَاطِل.
 وَمِنْ الْوَسْم الصَّحِيح فِي الْوَجْه : مَا رَأَى الْعُلَمَاء مِنْ تَسْوِيد وَجْه شَاهِد الزُّور، عَلَامَة عَلَى قُبْح الْمَعْصِيَة وَتَشْدِيدًا لِمَنْ يَتَعَاطَاهَا لِغَيْرِهِ مِمَّنْ يُرْجَى تَجَنُّبه بِمَا يُرْجَى مِنْ عُقُوبَة شَاهِد الزُّور وَشُهْرَته ; فَقَدْ كَانَ عَزِيزًا بِقَوْلِ الْحَقّ وَقَدْ صَارَ مَهِينًا بِالْمَعْصِيَةِ.
 وَأَعْظَم الْإِهَانَة إِهَانَة الْوَجْه.
 وَكَذَلِكَ كَانَتْ الِاسْتِهَانَة بِهِ فِي طَاعَة اللَّه سَبَبًا لِخِيرَةِ الْأَبَد وَالتَّحْرِيم لَهُ عَلَى النَّار ; فَإِنَّ اللَّه تَعَالَى قَدْ حَرَّمَ عَلَى النَّار أَنْ تَأْكُل مِنْ اِبْن آدَم أَثَر السُّجُود ; حَسْب مَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيح.

### الآية 68:17

> ﻿إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ [68:17]

وَإِنَّمَا قُلْنَا الْأَوَّل أَصَحّ لِأَنَّ الْعُقُوبَةَ كَانَتْ بِسَبَبِ مَا أَرَادُوهُ مِنْ مَنْع الْمَسَاكِين كَمَا ذَكَرَ اللَّه تَعَالَى.
 رَوَى أَسْبَاط عَنْ السُّدِّيّ قَالَ : كَانَ قَوْم بِالْيَمَنِ وَكَانَ أَبُوهُمْ رَجُلًا صَالِحًا، وَكَانَ إِذَا بَلَغَ ثِمَارَهُ أَتَاهُ الْمَسَاكِين فَمَا يَمْنَعهُمْ مِنْ دُخُولهَا وَأَنْ يَأْكُلُوا مِنْهَا وَيَتَزَوَّدُوا ; فَلَمَّا مَاتَ قَالَ بَنُوهُ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ : عَلَامَ نُعْطِي أَمْوَالَنَا هَؤُلَاءِ الْمَسَاكِين ! تَعَالَوْا فَلْنُدْلِجْ فَنَصْرِمنَّهَا قَبْل أَنْ يَعْلَمَ الْمَسَاكِين ; وَلَمْ يَسْتَثْنُوا ; فَانْطَلَقُوا وَبَعْضهمْ يَقُول لِبَعْضٍ خَفْتًا : لَا يَدْخُلَنَّهَا الْيَوْمَ عَلَيْكُمْ مِسْكِينٌ ; فَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى :" إِذْ أَقْسَمُوا " يَعْنِي حَلَفُوا فِيمَا بَيْنَهُمْ " لِيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ " يَعْنِي لَنَجُذَّنَّهَا وَقْت الصُّبْح قَبْل أَنْ تَخْرُجَ الْمَسَاكِين ; وَلَا يَسْتَثْنُونَ ; يَعْنِي لَمْ يَقُولُوا إِنْ شَاءَ اللَّه.
 وَقَالَ اِبْن عَبَّاس : كَانَتْ تِلْكَ الْجَنَّة دُون صَنْعَاء بِفَرْسَخَيْنِ، غَرَسَهَا رَجُل مِنْ أَهْل الصَّلَاح وَكَانَ لَهُ ثَلَاثَة بَنِينَ، وَكَانَ لِلْمَسَاكِينِ كُلّ مَا تَعَدَّاهُ الْمِنْجَل فَلَمْ يَجُذّهُ مِنْ الْكَرْم، فَإِذَا طُرِحَ عَلَى الْبِسَاط فَكُلّ شَيْء سَقَطَ عَنْ الْبِسَاط فَهُوَ أَيْضًا لِلْمَسَاكِينِ، فَإِذَا حَصَدُوا زَرْعَهُمْ فَكُلّ شَيْء تَعَدَّاهُ الْمِنْجَل فَهُوَ لِلْمَسَاكِينِ، فَإِذَا دَرَسُوا كَانَ لَهُمْ كُلّ شَيْء اِنْتَثَرَ ; فَكَانَ أَبُوهُمْ يَتَصَدَّق مِنْهَا عَلَى الْمَسَاكِين، وَكَانَ يَعِيش فِي ذَلِكَ فِي حَيَاة أَبِيهِمْ الْيَتَامَى وَالْأَرَامِل وَالْمَسَاكِين، فَلَمَّا مَاتَ أَبُوهُمْ فَعَلُوا مَا ذَكَرَ اللَّه عَنْهُمْ.
 فَقَالُوا : قَلَّ الْمَال وَكَثُرَ الْعِيَال ; فَتَحَالَفُوا بَيْنَهُمْ لَيَغْدُوُنَّ غَدْوَة قَبْل خُرُوج النَّاس ثُمَّ لَيَصْرِمُنَّهَا وَلَا تَعْرِف الْمَسَاكِين.
 وَهُوَ قَوْله :" إِذْ أَقْسَمُوا " أَيْ حَلَفُوا " لِيَصْرِمُنَّهَا " لَيَقْطَعُنَّ ثَمَر نَخِيلهمْ إِذَا أَصْبَحُوا بِسُدْفَةٍ مِنْ اللَّيْل لِئَلَّا يَنْتَبِه الْمَسَاكِين لَهُمْ.
 وَالصَّرْم الْقَطْع.
 يُقَال : صَرَمَ الْعِذْق عَنْ النَّخْلَة.
 وَأَصْرَمَ النَّخْلَ أَيْ حَانَ وَقْت صِرَامه.
 مِثْل أَرْكَبَ الْمُهْر وَأَحْصَدَ الزَّرْع، أَيْ حَانَ رُكُوبه وَحَصَاده.

### الآية 68:18

> ﻿وَلَا يَسْتَثْنُونَ [68:18]

وَلَا يَسْتَثْنُونَ
 أَيْ وَلَمْ يَقُولُوا إِنْ شَاءَ اللَّه.
 وَقَالَ مُجَاهِد : كَانَ حَرْثهمْ عِنَبًا وَلَمْ يَقُولُوا إِنْ شَاءَ اللَّه.
 وَقَالَ أَبُو صَالِح : كَانَ اِسْتِثْنَاؤُهُمْ قَوْلهمْ سُبْحَانَ اللَّه رَبّنَا.
 وَقِيلَ : مَعْنَى " وَلَا يَسْتَثْنُونَ " أَيْ لَا يَسْتَثْنُونَ حَقّ الْمَسَاكِين ; قَالَهُ عِكْرِمَة.

### الآية 68:19

> ﻿فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ مِنْ رَبِّكَ وَهُمْ نَائِمُونَ [68:19]

فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ مِنْ رَبِّكَ وَهُمْ نَائِمُونَ
 فَجَاءُوهَا لَيْلًا فَرَأَوْا الْجَنَّةَ مُسَوَّدَةً قَدْ طَافَ عَلَيْهَا طَائِف مِنْ رَبّك وَهُمْ نَائِمُونَ.
 قِيلَ : الطَّائِف جِبْرِيل عَلَيْهِ السَّلَام ; عَلَى مَا تَقَدَّمَ ذِكْره.
 وَقَالَ اِبْن عَبَّاس : أَمْر مِنْ رَبّك.
 وَقَالَ قَتَادَة : عَذَاب مِنْ رَبّك.
 اِبْن جُرَيْج : عُنُق مِنْ نَار خَرَجَ مِنْ وَادِي جَهَنَّم.
 وَالطَّائِف لَا يَكُون إِلَّا بِاللَّيْلِ ; قَالَهُ الْفَرَّاء.
 قُلْت : فِي هَذِهِ الْآيَة دَلِيل عَلَى أَنَّ الْعَزْمَ مِمَّا يُؤَاخَذ بِهِ الْإِنْسَان ; لِأَنَّهُمْ عَزَمُوا عَلَى أَنْ يَفْعَلُوا فَعُوقِبُوا قَبْلَ فِعْلهمْ.
 وَنَظِير هَذِهِ الْآيَة قَوْله تَعَالَى :" وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَاب أَلِيم " \[ الْحَجّ : ٢٥ \].
 وَفِي الصَّحِيح عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ :( إِذَا اِلْتَقَى الْمُسْلِمَانِ بِسَيْفَيْهِمَا فَالْقَاتِل وَالْمَقْتُول فِي النَّار ) قِيلَ : يَا رَسُولَ اللَّه، هَذَا الْقَاتِل فَمَا بَالُ الْمَقْتُول ؟ قَالَ :( إِنَّهُ كَانَ حَرِيصًا عَلَى قَتْل صَاحِبه ).
 وَقَدْ مَضَى مُبَيَّنًا فِي سُورَة " آل عِمْرَان " عِنْدَ قَوْله تَعَالَى :" وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا " \[ آل عِمْرَان : ١٣٥ \].

### الآية 68:20

> ﻿فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ [68:20]

فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ
 أَيْ كَاللَّيْلِ الْمُظْلِم عَنْ اِبْن عَبَّاس وَالْفَرَّاء وَغَيْرهمَا.
 **قَالَ الشَّاعِر :**

تَطَاوَلَ لَيْلُك الْجَوْن الْبَهِيم  فَمَا يَنْجَاب عَنْ صُبْح صَرِيم أَيْ اِحْتَرَقَتْ فَصَارَتْ كَاللَّيْلِ الْأَسْوَد.
 وَعَنْ اِبْن عَبَّاس أَيْضًا : كَالرَّمَادِ الْأَسْوَد.
 قَالَ : الصَّرِيم الرَّمَاد الْأَسْوَد بِلُغَةِ خُزَيْمَةَ.
 الثَّوْرِيّ : كَالزَّرْعِ الْمَحْصُود.
 فَالصَّرِيم بِمَعْنَى الْمَصْرُوم أَيْ الْمَقْطُوع مَا فِيهِ.
 وَقَالَ الْحَسَن : صُرِمَ عَنْهَا الْخَيْرَ أَيْ قُطِعَ ; فَالصَّرِيم مَفْعُول أَيْضًا.
 وَقَالَ الْمُؤَرِّج : أَيْ كَالرَّمْلَةِ اِنْصَرَمَتْ مِنْ مُعْظَم الرَّمْل.
 يُقَال : صَرِيمَة وَصَرَائِم ; فَالرَّمْلَة لَا تُنْبِت شَيْئًا يُنْتَفَع بِهِ.
 وَقَالَ الْأَخْفَش : أَيْ كَالصُّبْحِ اِنْصَرَمَ مِنْ اللَّيْل.
 وَقَالَ الْمُبَرِّد : أَيْ كَالنَّهَارِ ; فَلَا شَيْءَ فِيهَا.
 قَالَ شَمِر : الصَّرِيم اللَّيْل وَالصَّرِيم النَّهَار ; أَيْ يَنْصَرِم هَذَا عَنْ ذَاكَ وَذَاكَ عَنْ هَذَا.
 وَقِيلَ : سُمِّيَ اللَّيْل صَرِيمًا لِأَنَّهُ يَقْطَع بِظُلْمَتِهِ عَنْ التَّصَرُّف ; وَلِهَذَا يَكُون فَعِيل بِمَعْنَى فَاعِل.
 قَالَ الْقُشَيْرِيّ : وَفِي هَذَا نَظَر ; لِأَنَّ النَّهَارَ يُسَمَّى صَرِيمًا وَلَا يَقْطَع عَنْ تَصَرُّف.

### الآية 68:21

> ﻿فَتَنَادَوْا مُصْبِحِينَ [68:21]

فَتَنَادَوْا مُصْبِحِينَ
 " فَتَنَادَوْا مُصْبِحِينَ " يُنَادِي بَعْضهمْ بَعْضًا لَيَقْطَعُنَّ ثَمَرَ نَخِيلهمْ إِذَا أَصْبَحُوا بِسَدْفَةٍ مِنْ اللَّيْل لِئَلَّا يَنْتَبِه الْمَسَاكِين

### الآية 68:22

> ﻿أَنِ اغْدُوا عَلَىٰ حَرْثِكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَارِمِينَ [68:22]

أَنِ اغْدُوا عَلَى حَرْثِكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَارِمِينَ
 عَازِمِينَ عَلَى الصِّرَام وَالْجِدَاد.
 قَالَ قَتَادَة : حَاصِدِينَ زَرْعَكُمْ.
 وَقَالَ الْكَلْبِيّ : مَا كَانَ فِي جَنَّتهمْ مِنْ زَرْع وَلَا نَخِيل.
 فَتَحَالَفُوا بَيْنهمْ لَيَغْدُوُنَّ غَدْوَة قَبْل خُرُوج النَّاس ثُمَّ لَيَصْرِمُنَّهَا وَلَا تَعْرِف الْمَسَاكِين

### الآية 68:23

> ﻿فَانْطَلَقُوا وَهُمْ يَتَخَافَتُونَ [68:23]

فَانْطَلَقُوا وَهُمْ يَتَخَافَتُونَ
 أَيْ يَتَسَارُّونَ ; أَيْ يُخْفُونَ كَلَامَهُمْ وَيُسِرُّونَهُ لِئَلَّا يَعْلَمَ بِهِمْ أَحَد ; قَالَهُ عَطَاء وَقَتَادَة.
 وَهُوَ مِنْ خَفَتَ يَخْفِت إِذَا سَكَنَ وَلَمْ يُبَيِّن.
 **كَمَا قَالَ دُرَيْد بْن الصِّمَّة :**

وَإِنِّي لَمْ أَهْلَك سُلَالًا وَلَمْ أَمُتْ  خُفَاتًا وَكُلًّا ظَنَّهُ بِي عُوَّدِي وَقِيلَ : يُخْفُونَ أَنْفُسَهُمْ مِنْ النَّاس حَتَّى لَا يَرَوْهُمْ.

### الآية 68:24

> ﻿أَنْ لَا يَدْخُلَنَّهَا الْيَوْمَ عَلَيْكُمْ مِسْكِينٌ [68:24]

أَنْ لَا يَدْخُلَنَّهَا الْيَوْمَ عَلَيْكُمْ مِسْكِينٌ
 وَكَانَ أَبُوهُمْ يُخْبِر الْفُقَرَاءَ وَالْمَسَاكِين فَيَحْضُرُوا وَقْتَ الْحَصَاد وَالصِّرَام.

### الآية 68:25

> ﻿وَغَدَوْا عَلَىٰ حَرْدٍ قَادِرِينَ [68:25]

وَغَدَوْا عَلَى حَرْدٍ قَادِرِينَ
 أَيْ عَلَى قَصْد وَقُدْرَة فِي أَنْفُسهمْ وَيَظُنُّونَ أَنَّهُمْ تَمَكَّنُوا مِنْ مُرَادهمْ.
 قَالَ مَعْنَاهُ اِبْن عَبَّاس وَغَيْره.
 وَالْحَرْد الْقَصْد.
 حَرَدَ يَحْرِد ( بِالْكَسْرِ ) حَرْدًا قَصَدَ.
 تَقُول : حَرَدْت حَرْدك ; أَيْ قَصَدْت قَصْدَك.
 **وَمِنْهُ قَوْل الرَّاجِز :**

أَقْبَلَ سَيْلٌ جَاءَ مِنْ عِنْد اللَّه  يَحْرِد حَرْد الْجَنَّة الْمُغِلَّهْ **أَنْشَدَهُ النَّحَّاس :**قَدْ جَاءَ سَيْل جَاءَ مِنْ أَمْر اللَّه  يَحْرِد حَرْد الْجَنَّة الْمُغِلَّهْ قَالَ الْمُبَرِّد : الْمُغِلَّة ذَات الْغَلَّة.
 وَقَالَ غَيْره : الْمُغِلَّة الَّتِي يَجْرِي الْمَاء فِي غُلَلهَا أَيْ فِي أُصُولهَا.
 وَمِنْهُ تَغَلَّلَتْ بِالْغَالِيَةِ.
 وَمِنْهُ تَغَلَّيْت، أَبْدَلَ مِنْ اللَّام يَاء.
 وَمَنْ قَالَ تَغَلَّفَتْ فَمَعْنَاهُ عِنْده جَعَلْتهَا غِلَافًا.
 وَقَالَ قَتَادَة وَمُجَاهِد :" عَلَى حَرْد " أَيْ عَلَى جَدّ.
 الْحَسَن : عَلَى حَاجَة وَفَاقَة.
 وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة وَالْقُتَيْبِيّ : عَلَى حَرْد عَلَى مَنْع ; مِنْ قَوْلهمْ حَارَدَتْ الْإِبِل حِرَادًا أَيْ قَلَّتْ أَلْبَانهَا.
 وَالْحُرُود مِنْ النُّوق الْقَلِيلَة الدَّرّ.
 وَحَارَدَتْ السَّنَة قَلَّ مَطَرهَا وَخَيْرهَا.
 وَقَالَ السُّدِّيّ وَسُفْيَان :" عَلَى حَرْد " عَلَى غَضَب.
 وَالْحَرْد الْغَضَب.
 قَالَ أَبُو نَصْر أَحْمَد بْن حَاتِم صَاحِب الْأَصْمَعِيّ : وَهُوَ مُخَفَّف ; وَأَنْشَدَ شِعْرًا :إِذَا جِيَاد الْخَيْل جَاءَتْ تَرْدِي  مَمْلُوءَة مِنْ غَضَب وَحَرَدِ وَقَالَ اِبْن السِّكِّيت : وَقَدْ يُحَرَّك ; تَقُول مِنْهُ : حُرِدَ ( بِالْكَسْرِ ) حَرْدًا، فَهُوَ حَارِد وَحَرْدَان.
 وَمِنْهُ قِيلَ : أَسَد حَارِد، وَلُيُوث حَوَارِد.
 وَقِيلَ :" عَلَى حَرْد " عَلَى اِنْفِرَاد.
 يُقَال : حَرَدَ يَحْرِد حُرُودًا ; أَيْ تَنَحَّى عَنْ قَوْمه وَنَزَلَ مُنْفَرِدًا وَلَمْ يُخَالِطهُمْ.
 وَقَالَ أَبُو زَيْد : رَجُل حَرِيد مِنْ قَوْم حُرَدَاء.
 وَقَدْ حَرَدَ يَحْرِد حُرُودًا ; إِذَا تَرَكَ قَوْمَهُ وَتَحَوَّل عَنْهُمْ.
 وَكَوْكَب حَرِيد ; أَيْ مُعْتَزِل عَنْ الْكَوَاكِب.
 قَالَ الْأَصْمَعِيّ : رَجُل حَرِيد ; أَيْ فَرِيد وَحِيد.
 قَالَ وَالْمُنْحَرِد الْمُنْفَرِد فِي لُغَة هُذَيْل.
 **وَأَنْشَدَ لِأَبِي ذُؤَيْب :**
 كَأَنَّهُ كَوْكَب فِي الْجَوّ مُنْحَرِد
 وَرَوَاهُ أَبُو عَمْرو بِالْجِيمِ، وَفَسَّرَهُ : مُنْفَرِد.
 قَالَ : وَهُوَ سُهَيْل.
 وَقَالَ الْأَزْهَرِيّ : حَرْد اِسْم قَرْيَتهمْ.
 السُّدِّيّ : اِسْم جَنَّتهمْ ; وَفِيهِ لُغَتَانِ : حَرْد وَحَرَد.
 وَقَرَأَ الْعَامَّة بِالْإِسْكَانِ.
 وَقَرَأَ أَبُو الْعَالِيَة وَابْن السَّمَيْقَع بِالْفَتْحِ ; وَهُمَا لُغَتَانِ.
 وَمَعْنَى " قَادِرِينَ " قَدْ قَدَّرُوا أَمْرهمْ وَبَنَوْا عَلَيْهِ ; قَالَهُ الْفَرَّاء.
 وَقَالَ قَتَادَة : قَادِرِينَ عَلَى جَنَّتهمْ عِنْدَ أَنْفُسهمْ.
 وَقَالَ الشَّعْبِيّ :" قَادِرِينَ " يَعْنِي عَلَى الْمَسَاكِين.
 وَقِيلَ : مَعْنَاهُ مِنْ الْوُجُود ; أَيْ مَنَعُوا وَهُمْ وَاجِدُونَ.

### الآية 68:26

> ﻿فَلَمَّا رَأَوْهَا قَالُوا إِنَّا لَضَالُّونَ [68:26]

فَلَمَّا رَأَوْهَا قَالُوا إِنَّا لَضَالُّونَ
 أَيْ لَمَّا رَأَوْهَا مُحْتَرِقَة لَا شَيْء فِيهَا قَدْ صَارَتْ كَاللَّيْلِ الْأَسْوَد يَنْظُرُونَ إِلَيْهَا كَالرَّمَادِ، أَنْكَرُوهَا وَشَكُّوا فِيهَا.
 وَقَالَ بَعْضهمْ لِبَعْضٍ :" إِنَّا لَضَالُّونَ " أَيْ ضَلَلْنَا الطَّرِيقَ إِلَى جَنَّتنَا ; قَالَهُ قَتَادَة.
 وَقِيلَ : أَيْ إِنَّا لَضَالُّونَ عَنْ الصَّوَاب فِي غُدُوّنَا عَلَى نِيَّة مَنْع الْمَسَاكِين ; فَلِذَلِكَ عُوقِبْنَا.

### الآية 68:27

> ﻿بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ [68:27]

بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ
 أَيْ حُرِمْنَا جَنَّتنَا بِمَا صَنَعْنَا.
 رَوَى أَسْبَاط عَنْ اِبْن مَسْعُود قَالَ : قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :( إِيَّاكُمْ وَالْمَعَاصِي إِنَّ الْعَبْدَ لَيُذْنِب الذَّنْبَ فَيُحْرَم بِهِ رِزْقًا كَانَ هُيِّئَ لَهُ - ثُمَّ تَلَا - " فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِف مِنْ رَبّك " \[ الْقَلَم : ١٩ \] ) الْآيَتَيْنِ.

### الآية 68:28

> ﻿قَالَ أَوْسَطُهُمْ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ لَوْلَا تُسَبِّحُونَ [68:28]

أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ لَوْلَا تُسَبِّحُونَ
 أَيْ هَلَّا تَسْتَثْنُونَ.
 وَكَانَ اِسْتِثْنَاؤُهُمْ تَسْبِيحًا ; قَالَهُ مُجَاهِد وَغَيْره.
 وَهَذَا يَدُلّ عَلَى أَنَّ هَذَا الْأَوْسَط كَانَ أَمَرَهُمْ بِالِاسْتِثْنَاءِ فَلَمْ يُطِيعُوهُ.
 قَالَ أَبُو صَالِح : كَانَ اِسْتِثْنَاؤُهُمْ سُبْحَانَ اللَّه.
 فَقَالَ لَهُمْ : هَلَّا تُسَبِّحُونَ اللَّهَ ; أَيْ تَقُولُونَ سُبْحَانَ اللَّه وَتَشْكُرُونَهُ عَلَى مَا أَعْطَاكُمْ.
 قَالَ النَّحَّاس : أَصْل التَّسْبِيح التَّنْزِيه لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ; فَجَعَلَ مُجَاهِد التَّسْبِيح فِي مَوْضِع إِنْ شَاءَ اللَّه ; لِأَنَّ الْمَعْنَى تَنْزِيه اللَّه عَزَّ وَجَلَّ أَنْ يَكُونَ شَيْء إِلَّا بِمَشِيئَتِهِ.
 وَقِيلَ : هَلَّا تَسْتَغْفِرُونَهُ مِنْ فِعْلكُمْ وَتَتُوبُونَ إِلَيْهِ مِنْ خُبْث نِيَّتكُمْ ; فَإِنَّ أَوْسَطَهُمْ قَالَ لَهُمْ حِينَ عَزَمُوا عَلَى ذَلِكَ وَذَكَّرَهُمْ اِنْتِقَامَهُ مِنْ الْمُجْرِمِينَ

### الآية 68:29

> ﻿قَالُوا سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ [68:29]

إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ
 لِأَنْفُسِنَا فِي مَنْعنَا الْمَسَاكِين.

### الآية 68:30

> ﻿فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ يَتَلَاوَمُونَ [68:30]

فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَلَاوَمُونَ
 أَيْ يَلُوم هَذَا هَذَا فِي الْقَسَم وَمَنْع الْمَسَاكِين، وَيَقُول : بَلْ أَنْتَ أَشَرْت عَلَيْنَا بِهَذَا.

### الآية 68:31

> ﻿قَالُوا يَا وَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا طَاغِينَ [68:31]

قَالُوا يَا وَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا
 أَيْ عَاصِينَ بِمَنْعِ حَقّ الْفُقَرَاء وَتَرْك الِاسْتِثْنَاء.
 وَقَالَ اِبْن كَيْسَان : طَغَيْنَا نِعَم اللَّه فَلَمْ نَشْكُرهَا كَمَا شَكَرَهَا آبَاؤُنَا مِنْ قَبْل.

### الآية 68:32

> ﻿عَسَىٰ رَبُّنَا أَنْ يُبْدِلَنَا خَيْرًا مِنْهَا إِنَّا إِلَىٰ رَبِّنَا رَاغِبُونَ [68:32]

إِنَّا إِلَى رَبِّنَا رَاغِبُونَ
 لَا أَدْرِي إِيمَانًا كَانَ ذَلِكَ مِنْهُمْ أَوْ عَلَى حَدّ مَا يَكُون مِنْ الْمُشْرِكِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ الشِّدَّة ; فَيُوقَف فِي كَوْنهمْ مُؤْمِنِينَ.
 وَسُئِلَ قَتَادَة عَنْ أَصْحَاب الْجَنَّة : أَهُمْ مِنْ أَهْل الْجَنَّة أَمْ مِنْ أَهْل النَّار ؟ فَقَالَ : لَقَدْ كَلَّفَتْنِي تَعَبًا.
 وَالْمُعْظَم يَقُولُونَ : إِنَّهُمْ تَابُوا وَأَخْلَصُوا ; حَكَاهُ الْقُشَيْرِيّ.
 وَقِرَاءَة الْعَامَّة " يُبْدِلنَا " بِالتَّخْفِيفِ.
 وَقَرَأَ أَهْل الْمَدِينَة وَأَبُو عَمْرو بِالتَّشْدِيدِ، وَهُمَا لُغَتَانِ.
 وَقِيلَ : التَّبْدِيل تَغْيِير الشَّيْء أَوْ تَغْيِير حَاله وَعَيْن الشَّيْء قَائِم.
 وَالْإِبْدَال رَفْع الشَّيْء وَوَضْع آخَرَ مَكَانَهُ.
 وَقَدْ مَضَى فِي سُورَة " النِّسَاء " الْقَوْل فِي هَذَا.

### الآية 68:33

> ﻿كَذَٰلِكَ الْعَذَابُ ۖ وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ ۚ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ [68:33]

وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ
 وَقَالَ اِبْن عَبَّاس : هَذَا مَثَل لِأَهْلِ مَكَّةَ حِينَ خَرَجُوا إِلَى بَدْر وَحَلَفُوا لَيَقْتُلُنَّ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابه، وَلَيَرْجِعُنَّ إِلَى مَكَّةَ حَتَّى يَطُوفُوا بِالْبَيْتِ وَيَشْرَبُوا الْخَمْرَ، وَتَضْرِب الْقَيْنَات عَلَى رُءُوسهمْ ; فَأَخْلَفَ اللَّه ظَنَّهُمْ وَأُسِرُوا وَقُتِلُوا وَانْهَزَمُوا كَأَهْلِ هَذِهِ الْجَنَّة لَمَّا خَرَجُوا عَازِمِينَ عَلَى الصِّرَام فَخَابُوا.
 ثُمَّ قِيلَ : إِنَّ الْحَقَّ الَّذِي مَنَعَهُ أَهْل الْجَنَّة الْمَسَاكِين يَحْتَمِل أَنَّهُ كَانَ وَاجِبًا عَلَيْهِمْ، وَيَحْتَمِل أَنَّهُ كَانَ تَطَوُّعًا ; وَالْأَوَّل أَظْهَر، وَاَللَّه أَعْلَم.
 وَقِيلَ : السُّورَة مَكِّيَّة ; فَبَعْد حَمْل الْآيَة عَلَى مَا أَصَابَ أَهْل مَكَّة مِنْ الْقَحْط، وَعَلَى قِتَال بَدْر.

### الآية 68:34

> ﻿إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ [68:34]

إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ
 تَقَدَّمَ الْقَوْل فِيهِ ; أَيْ إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ فِي الْآخِرَة جَنَّات لَيْسَ فِيهَا إِلَّا التَّنَعُّم الْخَالِص، لَا يَشُوبهُ مَا يُنَغِّصهُ كَمَا يَشُوب جَنَّات الدُّنْيَا.
 وَكَانَ صَنَادِيد قُرَيْش يَرَوْنَ وُفُور حَظّهمْ مِنْ الدُّنْيَا وَقِلَّة حُظُوظ الْمُسْلِمِينَ مِنْهَا ; فَإِذَا سَمِعُوا بِحَدِيثِ الْآخِرَة وَمَا وَعَدَ اللَّه الْمُؤْمِنِينَ قَالُوا : إِنْ صَحَّ أَنَّا نُبْعَث كَمَا يَزْعُم مُحَمَّد وَمَنْ مَعَهُ لَمْ يَكُنْ حَالنَا وَحَالهمْ إِلَّا مِثْل مَا هِيَ فِي الدُّنْيَا، وَإِلَّا لَمْ يَزِيدُوا عَلَيْنَا وَلَمْ يَفْضُلُونَا، وَأَقْصَى أَمْرهمْ أَنْ يُسَاوُونَا.

### الآية 68:35

> ﻿أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ [68:35]

أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ
 أَيْ كَالْكَفَّارِ.
 وَقَالَ اِبْن عَبَّاس وَغَيْره : قَالَتْ كُفَّار مَكَّة : إِنَّا نُعْطَى فِي الْآخِرَة خَيْرًا مِمَّا تُعْطَوْنَ ; فَنَزَلَتْ " أَفَنَجْعَل الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ ".

### الآية 68:36

> ﻿مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ [68:36]

مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ
 هَذَا الْحُكْم الْأَعْوَج ; كَأَنَّ أَمْر الْجَزَاء مُفَوَّض إِلَيْكُمْ حَتَّى تُحْكَمُوا فِيهِ بِمَا شِئْتُمْ أَنَّ لَكُمْ مِنْ الْخَيْر مَا لِلْمُسْلِمِينَ.

### الآية 68:37

> ﻿أَمْ لَكُمْ كِتَابٌ فِيهِ تَدْرُسُونَ [68:37]

أَمْ لَكُمْ كِتَابٌ فِيهِ تَدْرُسُونَ
 أَيْ لَكُمْ كِتَاب تَجِدُونَ فِيهِ الْمُطِيع كَالْعَاصِي.

### الآية 68:38

> ﻿إِنَّ لَكُمْ فِيهِ لَمَا تَخَيَّرُونَ [68:38]

إِنَّ لَكُمْ فِيهِ لَمَا تَخَيَّرُونَ
 تَخْتَارُونَ وَتَشْتَهُونَ.
 وَالْمَعْنَى أَنَّ لَكُمْ ( بِالْفَتْحِ ) وَلَكِنَّهُ كُسِرَ لِدُخُولِ اللَّام ; تَقُول عَلِمْت أَنَّك عَاقِل ( بِالْفَتْحِ )، وَعَلِمْت إِنَّك لَعَاقِل ( بِالْكَسْرِ ).
 فَالْعَامِل فِي " إِنَّ لَكُمْ فِيهِ لَمَا تَخَيَّرُونَ " " تَدْرُسُونَ " فِي الْمَعْنَى.
 وَمَنَعَتْ اللَّام مِنْ فَتْح " إِنَّ ".
 وَقِيلَ : تَمَّ الْكَلَام عِنْد قَوْله :" تَدْرُسُونَ " ثُمَّ اِبْتَدَأَ فَقَالَ :" إِنَّ لَكُمْ فِيهِ لَمَا تَخَيَّرُونَ " أَيْ إِنَّ لَكُمْ فِي هَذَا الْكِتَاب إِذًا مَا تَخَيَّرُونَ ; أَيْ لَيْسَ لَكُمْ ذَلِكَ.
 وَالْكِنَايَة فِي " فِيهِ " الْأُولَى وَالثَّانِيَة رَاجِعَة إِلَى الْكِتَاب.

### الآية 68:39

> ﻿أَمْ لَكُمْ أَيْمَانٌ عَلَيْنَا بَالِغَةٌ إِلَىٰ يَوْمِ الْقِيَامَةِ ۙ إِنَّ لَكُمْ لَمَا تَحْكُمُونَ [68:39]

إِنَّ لَكُمْ لَمَا تَحْكُمُونَ
 كُسِرَتْ " إِنَّ " لِدُخُولِ اللَّام فِي الْخَبَر.
 وَهِيَ مِنْ صِلَة " أَيْمَان "، وَالْمَوْضِع النَّصْب وَلَكِنْ كُسِرَتْ لِأَجْلِ اللَّام ; تَقُول : حَلَفْت إِنَّ لَك لَكَذَا.
 وَقِيلَ : تَمَّ الْكَلَام عِنْدَ قَوْله :" إِلَى يَوْم الْقِيَامَة " ثُمَّ قَالَ :" إِنَّ لَكُمْ لَمَا تَحْكُمُونَ " إِذًا ; أَيْ لَيْسَ الْأَمْر كَذَلِكَ.
 وَقَرَأَ اِبْن هُرْمُز " أَيْنَ لَكُمْ فِيهِ لَمَا تَخَيَّرُونَ " " أَيْنَ لَكُمْ لَمَا تَحْكُمُونَ " ; بِالِاسْتِفْهَامِ فِيهِمَا جَمِيعًا.
 وَقَرَأَ الْحَسَن الْبَصْرِيّ " بَالِغَة " بِالنَّصْبِ عَلَى الْحَال ; إِمَّا مِنْ الضَّمِير فِي " لَكُمْ " لِأَنَّهُ خَبَر عَنْ " أَيْمَان " فَفِيهِ ضَمِير مِنْهُ.
 وَإِمَّا مِنْ الضَّمِير فِي " عَلَيْنَا " إِنْ قَدَّرْت " عَلَيْنَا " وَصْفًا لِلْأَيْمَانِ لَا مُتَعَلِّقًا بِنَفْسِ الْأَيْمَان ; لِأَنَّ فِيهِ ضَمِيرًا مِنْهُ، كَمَا يَكُون إِذَا كَانَ خَبَرًا عَنْهُ.
 وَيَجُوز أَنْ يَكُون حَالًا مِنْ " أَيْمَان " وَإِنْ كَانَتْ نَكِرَة، كَمَا أَجَازُوا نَصْب " حَقًّا " عَلَى الْحَال مِنْ " مَتَاع " فِي قَوْله تَعَالَى :" مَتَاع بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ " \[ الْبَقَرَة : ٢٤١ \].
 وَقَرَأَ الْعَامَّة " بَالِغَةٌ " بِالرَّفْعِ نَعْت " لِلْأَيْمَانِ ".

### الآية 68:40

> ﻿سَلْهُمْ أَيُّهُمْ بِذَٰلِكَ زَعِيمٌ [68:40]

سَلْهُمْ أَيُّهُمْ بِذَلِكَ زَعِيمٌ
 أَيْ سَلْ يَا مُحَمَّد هَؤُلَاءِ الْمُتَقَوِّلِينَ عَلَيَّ : أَيّهمْ كَفِيل بِمَا تَقَدَّمَ ذِكْره.
 وَهُوَ أَنَّ لَهُمْ مِنْ الْخَيْر مَا لِلْمُسْلِمِينَ.
 وَالزَّعِيم : الْكَفِيل وَالضَّمِين ; قَالَهُ اِبْن عَبَّاس وَقَتَادَة.
 وَقَالَ اِبْن كَيْسَان : الزَّعِيم هُنَا الْقَائِم بِالْحُجَّةِ وَالدَّعْوَى.
 وَقَالَ الْحَسَن : الزَّعِيم الرَّسُول.

### الآية 68:41

> ﻿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ فَلْيَأْتُوا بِشُرَكَائِهِمْ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ [68:41]

إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ
 فِي دَعْوَاهُمْ.
 وَقِيلَ : أَيْ فَلْيَأْتُوا بِشُرَكَائِهِمْ إِنْ أَمْكَنَهُمْ ; فَهُوَ أَمْر مَعْنَاهُ التَّعْجِيز.

### الآية 68:42

> ﻿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ [68:42]

وَقَالَ أَبُو اللَّيْث السَّمَرْقَنْدِيّ فِي تَفْسِيره : حَدَّثَنَا الْخَلِيل بْن أَحْمَد قَالَ حَدَّثَنَا اِبْن مَنِيع قَالَ حَدَّثَنَا هُدْبَة قَالَ حَدَّثَنَا حَمَّاد بْن سَلَمَة عَنْ عَدِيّ بْن زَيْد عَنْ عُمَارَة الْقُرَشِيّ عَنْ أَبِي بُرْدَة عَنْ أَبِي مُوسَى قَالَ حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ : سَمِعْت رَسُولَ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُول :( إِذَا كَانَ يَوْم الْقِيَامَة مُثِّلَ لِكُلِّ قَوْم مَا كَانُوا يَعْبُدُونَ فِي الدُّنْيَا فَيَذْهَب كُلّ قَوْم إِلَى مَا كَانُوا يَعْبُدُونَ وَيَبْقَى أَهْل التَّوَحُّد فَيُقَال لَهُمْ مَا تَنْتَظِرُونَ وَقَدْ ذَهَبَ النَّاس فَيَقُولُونَ إِنَّ لَنَا رَبًّا كُنَّا نَعْبُدهُ فِي الدُّنْيَا وَلَمْ نَرَهُ - قَالَ - وَتَعْرِفُونَهُ إِذَا رَأَيْتُمُوهُ فَيَقُولُونَ نَعَمْ فَيُقَال فَكَيْفَ تَعْرِفُونَهُ وَلَمْ تَرَوْهُ قَالُوا إِنَّهُ لَا شَبِيه لَهُ فَيَكْشِف لَهُمْ الْحِجَابَ فَيَنْظُرُونَ إِلَى اللَّه تَعَالَى فَيَخِرُّونَ لَهُ سُجَّدًا وَتَبْقَى أَقْوَام ظُهُورهمْ مِثْل صَيَاصِي الْبَقَر فَيَنْظُرُونَ إِلَى اللَّه تَعَالَى فَيُرِيدُونَ السُّجُودَ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ فَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى :" يَوْم يُكْشَف عَنْ سَاق وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُود فَلَا يَسْتَطِيعُونَ " فَيَقُول اللَّه تَعَالَى عِبَادِي اِرْفَعُوا رُءُوسَكُمْ فَقَدْ جَعَلْت بَدَل كُلّ رَجُل مِنْكُمْ رَجُلًا مِنْ الْيَهُود وَالنَّصَارَى فِي النَّار ).
 قَالَ أَبُو بُرْدَة : فَحَدَّثْت بِهَذَا الْحَدِيث عُمَرَ بْن عَبْد الْعَزِيز فَقَالَ : اللَّه الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَقَدْ حَدَّثَك أَبُوك بِهَذَا الْحَدِيث ؟ فَحَلَفَ لَهُ ثَلَاثَةَ أَيْمَان ; فَقَالَ عُمَر : مَا سَمِعْت فِي أَهْل التَّوْحِيد حَدِيثًا هُوَ أَحَبّ إِلَيَّ مِنْ هَذَا.
 وَقَالَ قَيْس بْن السَّكَن : حَدَّثَ عَبْد اللَّه بْن مَسْعُود عِنْد عُمَر بْن الْخَطَّاب فَقَالَ : إِذَا كَانَ يَوْم الْقِيَامَة قَامَ النَّاس لِرَبِّ الْعَالَمِينَ أَرْبَعِينَ عَامًا شَاخِصَة أَبْصَارهمْ إِلَى السَّمَاء، حُفَاة عُرَاة يُلْجِمهُمْ الْعَرَق، فَلَا يُكَلِّمهُمْ اللَّه وَلَا يَنْظُر إِلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ عَامًا، ثُمَّ يُنَادِي مُنَادٍ : أَيّهَا النَّاس، أَلَيْسَ عَدْلًا مِنْ رَبّكُمْ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَصَوَّرَكُمْ وَأَمَاتَكُمْ وَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ عَبَدْتُمْ غَيْرَهُ أَنْ يُوَلِّيَ كُلّ قَوْم مَا تَوَلَّوْا ؟ قَالُوا : نَعَمْ.
 قَالَ : فَيَرْفَع لِكُلِّ قَوْم مَا كَانُوا يَعْبُدُونَ مِنْ دُون اللَّه فَيَتْبَعُونَهَا حَتَّى تَقْذِفهُمْ فِي النَّار، فَيَبْقَى الْمُسْلِمُونَ وَالْمُنَافِقُونَ فَيُقَال لَهُمْ : أَلَا تَذْهَبُونَ قَدْ ذَهَبَ النَّاس ؟ فَيَقُولُونَ حَتَّى يَأْتِيَنَا رَبّنَا ; فَيُقَال لَهُمْ : أَوَتَعْرِفُونَهُ ؟ فَيَقُولُونَ : إِنْ اِعْتَرَفَ لَنَا عَرَفْنَاهُ.
 قَالَ فَعِنْدَ ذَلِكَ يُكْشَف عَنْ سَاق وَيَتَجَلَّى لَهُمْ فَيَخِرّ مَنْ كَانَ يَعْبُدهُ مُخْلِصًا سَاجِدًا، وَيَبْقَى الْمُنَافِقُونَ لَا يَسْتَطِيعُونَ كَأَنَّ فِي ظُهُورهمْ السَّفَافِيد، فَيُذْهَب بِهِمْ إِلَى النَّار، وَيَدْخُل هَؤُلَاءِ الْجَنَّة ; فَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى :" وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُود فَلَا يَسْتَطِيعُونَ ".

### الآية 68:43

> ﻿خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ ۖ وَقَدْ كَانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَهُمْ سَالِمُونَ [68:43]

وَهُمْ سَالِمُونَ
 مُعَافُونَ أَصِحَّاء.
 قَالَ إِبْرَاهِيم التَّيْمِيّ : أَيْ يُدْعَوْنَ بِالْأَذَانِ وَالْإِقَامَة فَيَأْبَوْنَهُ.
 وَقَالَ سَعِيد بْن جُبَيْر : كَانُوا يَسْمَعُونَ حَيّ عَلَى الْفَلَاح فَلَا يُجِيبُونَ.
 وَقَالَ كَعْب الْأَحْبَار : وَاَللَّه مَا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَة إِلَّا فِي الَّذِينَ يَتَخَلَّفُونَ عَنْ الْجَمَاعَات.
 وَقِيلَ : أَيْ بِالتَّكْلِيفِ الْمُوَجَّه عَلَيْهِمْ فِي الشَّرْع ; وَالْمَعْنَى مُتَقَارِب.
 وَقَدْ مَضَى فِي سُورَة " الْبَقَرَة " الْكَلَام فِي وُجُوب صَلَاة الْجَمَاعَة.
 وَكَانَ الرَّبِيع بْن خَيْثَم قَدْ فُلِجَ وَكَانَ يُهَادَى بَيْنَ الرَّجُلَيْنِ إِلَى الْمَسْجِد ; فَقِيلَ : يَا أَبَا يَزِيد، لَوْ صَلَّيْت فِي بَيْتك لَكَانَتْ لَك رُخْصَة.
 فَقَالَ : مَنْ سَمِعَ حَيّ عَلَى الْفَلَاح فَلْيُجِبْ وَلَوْ حَبْوًا.
 وَقِيلَ لِسَعِيدِ بْن الْمُسَيِّب : إِنَّ طَارِقًا يُرِيد قَتْلَك فَتَغَيَّبْ.
 فَقَالَ : أَبِحَيْثُ لَا يَقْدِر اللَّه عَلَيَّ ؟ فَقِيلَ لَهُ : اِجْلِسْ فِي بَيْتك.
 فَقَالَ : أَسْمَع حَيَّ عَلَى الْفَلَاح، فَلَا أُجِيب !

### الآية 68:44

> ﻿فَذَرْنِي وَمَنْ يُكَذِّبُ بِهَٰذَا الْحَدِيثِ ۖ سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ [68:44]

سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ
 مَعْنَاهُ سَنَأْخُذُهُمْ عَلَى غَفْلَة وَهُمْ لَا يَعْرِفُونَ ; فَعُذِّبُوا يَوْمَ بَدْر.
 وَقَالَ سُفْيَان الثَّوْرِيّ : نُسْبِغ عَلَيْهِمْ النِّعَم وَنُنْسِيهِمْ الشُّكْر.
 وَقَالَ الْحَسَن : كَمْ مُسْتَدْرَج بِالْإِحْسَانِ إِلَيْهِ، وَكَمْ مَفْتُون بِالثَّنَاءِ عَلَيْهِ، وَكَمْ مَغْرُور بِالسِّتْرِ عَلَيْهِ.
 وَقَالَ أَبُو رَوْق : أَيْ كُلَّمَا أَحْدَثُوا خَطِيئَة جَدَّدْنَا لَهُمْ نِعْمَة وَأَنْسَيْنَاهُمْ الِاسْتِغْفَارَ.
 وَقَالَ اِبْن عَبَّاس : سَنَمْكُرُ بِهِمْ.
 وَقِيلَ : هُوَ أَنْ نَأْخُذَهُمْ قَلِيلًا وَلَا نُبَاغِتَهُمْ.
 وَفِي حَدِيث ( أَنَّ رَجُلًا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيل قَالَ يَا رَبّ كَمْ أَعْصِيك وَأَنْتَ لَا تُعَاقِبنِي - قَالَ - فَأَوْحَى اللَّه إِلَى نَبِيّ زَمَانهمْ أَنْ قُلْ لَهُ كَمْ مِنْ عُقُوبَة لِي عَلَيْك وَأَنْتَ لَا تَشْعُر.
 إِنَّ جُمُود عَيْنَيْك وَقَسَاوَة قَلْبك اِسْتِدْرَاج مِنِّي وَعُقُوبَة لَوْ عَقَلْت ).
 وَالِاسْتِدْرَاج : تَرْك الْمُعَاجَلَة.
 وَأَصْله النَّقْل مِنْ حَال إِلَى حَال كَالتَّدَرُّجِ.
 وَمِنْهُ قِيلَ دَرَجَة ; وَهِيَ مَنْزِلَة بَعْد مَنْزِلَة.
 وَاسْتَدْرَجَ فُلَان فُلَانًا ; أَيْ اِسْتَخْرَجَ مَا عِنْدَهُ قَلِيلًا.
 وَيُقَال : دَرَجَهُ إِلَى كَذَا وَاسْتَدْرَجَهُ بِمَعْنًى ; أَيْ أَدْنَاهُ مِنْهُ عَلَى التَّدْرِيج فَتَدَرَّجَ هُوَ.

### الآية 68:45

> ﻿وَأُمْلِي لَهُمْ ۚ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ [68:45]

إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ
 أَيْ إِنَّ عَذَابِي لَقَوِيّ شَدِيد فَلَا يَفُوتنِي أَحَد.

### الآية 68:46

> ﻿أَمْ تَسْأَلُهُمْ أَجْرًا فَهُمْ مِنْ مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ [68:46]

أَمْ تَسْأَلُهُمْ أَجْرًا فَهُمْ مِنْ مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ
 عَادَ الْكَلَام إِلَى مَا تَقَدَّمَ مِنْ قَوْله تَعَالَى :" أَمْ لَهُمْ شُرَكَاء " \[ الْقَلَم : ٤١ \].
 أَيْ أَمْ تَلْتَمِس مِنْهُمْ ثَوَابًا عَلَى مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ مِنْ الْإِيمَان بِاَللَّهِ ؟ فَهُمْ مِنْ غَرَامَة ذَلِكَ مُثْقَلُونَ لِمَا يَشُقّ عَلَيْهِمْ مِنْ بَذْل الْمَال ; أَيْ لَيْسَ عَلَيْهِمْ كُلْفَة، بَلْ يَسْتَوْلُونَ بِمُتَابَعَتِك عَلَى خَزَائِن الْأَرْض وَيَصِلُونَ إِلَى جَنَّات النَّعِيم.

### الآية 68:47

> ﻿أَمْ عِنْدَهُمُ الْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ [68:47]

فَهُمْ يَكْتُبُونَ
 وَقِيلَ : أَيَنْزِلُ عَلَيْهِمْ الْوَحْي بِهَذَا الَّذِي يَقُولُونَ.
 وَعَنْ اِبْن عَبَّاس : الْغَيْب هُنَا اللَّوْح الْمَحْفُوظ فَهُمْ يَكْتُبُونَ مِمَّا فِيهِ يُخَاصِمُونَك بِهِ، وَيَكْتُبُونَ أَنَّهُمْ أَفْضَل مِنْكُمْ، وَأَنَّهُمْ لَا يُعَاقَبُونَ.
 وَقِيلَ :" يَكْتُبُونَ " يَحْكُمُونَ لِأَنْفُسِهِمْ بِمَا يُرِيدُونَ.

### الآية 68:48

> ﻿فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تَكُنْ كَصَاحِبِ الْحُوتِ إِذْ نَادَىٰ وَهُوَ مَكْظُومٌ [68:48]

وَهُوَ مَكْظُومٌ
 أَيْ مَمْلُوء غَمًّا.
 وَقِيلَ : كَرْبًا.
 الْأَوَّل قَوْل اِبْن عَبَّاس وَمُجَاهِد.
 وَالثَّانِي قَوْل عَطَاء وَأَبِي مَالِك.
 قَالَ الْمَاوَرْدِيّ : وَالْفَرْق بَيْنَهُمَا أَنَّ الْغَمَّ فِي الْقَلْب، وَالْكَرْب فِي الْأَنْفَاس.
 وَقِيلَ : مَكْظُوم مَحْبُوس.
 وَالْكَظْم الْحَبْس ; وَمِنْهُ قَوْلهمْ : فُلَان كَظَمَ غَيْظَهُ، أَيْ حَبَسَ غَضَبَهُ ; قَالَهُ اِبْن بَحْر.
 وَقِيلَ : إِنَّهُ الْمَأْخُوذ بِكَظْمِهِ وَهُوَ مَجْرَى النَّفَس ; قَالَهُ الْمُبَرِّد.
 وَقَدْ مَضَى هَذَا وَغَيْره فِي " يُوسُف ".

### الآية 68:49

> ﻿لَوْلَا أَنْ تَدَارَكَهُ نِعْمَةٌ مِنْ رَبِّهِ لَنُبِذَ بِالْعَرَاءِ وَهُوَ مَذْمُومٌ [68:49]

لَنُبِذَ بِالْعَرَاءِ وَهُوَ مَذْمُومٌ
 أَيْ لَنُبِذَ مَذْمُومًا وَلَكِنَّهُ نُبِذَ سَقِيمًا غَيْرَ مَذْمُوم.
 وَمَعْنَى " مَذْمُوم " فِي قَوْل اِبْن عَبَّاس : مُلِيم.
 قَالَ بَكْر بْن عَبْد اللَّه : مُذْنِب.
 وَقِيلَ :" مَذْمُوم " مُبْعَد مِنْ كُلّ، خَيْر.
 وَالْعَرَاء : الْأَرْض الْوَاسِعَة الْفَضَاء الَّتِي لَيْسَ فِيهَا جَبَل وَلَا شَجَر يَسْتُر.
 وَقِيلَ : وَلَوْلَا فَضْل اللَّه عَلَيْهِ لَبَقِيَ فِي بَطْن الْحُوت إِلَى يَوْم الْقِيَامَة، ثُمَّ نُبِذَ بِعَرَاءِ الْقِيَامَة مَذْمُومًا.
 يَدُلّ عَلَيْهِ قَوْله تَعَالَى :" فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنْ الْمُسَبِّحِينَ.
 لَلَبِثَ فِي بَطْنه إِلَى يَوْم يُبْعَثُونَ " \[ الصَّافَّات :
 ١٤٣ - ١٤٤ \].

### الآية 68:50

> ﻿فَاجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَجَعَلَهُ مِنَ الصَّالِحِينَ [68:50]

فَاجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَجَعَلَهُ مِنَ الصَّالِحِينَ
 أَيْ اِصْطَفَاهُ وَاخْتَارَهُ.
 " فَجَعَلَهُ مِنْ الصَّالِحِينَ " قَالَ اِبْن عَبَّاس : رَدَّ اللَّه إِلَيْهِ الْوَحْيَ، وَشَفَّعَهُ فِي نَفْسه وَفِي قَوْمه، وَقَبِلَ تَوْبَته، وَجَعَلَهُ مِنْ الصَّالِحِينَ بِأَنْ أَرْسَلَهُ إِلَى مِائَة أَلْف أَوْ يَزِيدُونَ.

### الآية 68:51

> ﻿وَإِنْ يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ لَمَّا سَمِعُوا الذِّكْرَ وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ [68:51]

وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ
 أَيْ يَنْسُبُونَك إِلَى الْجُنُون إِذَا رَأَوْك تَقْرَأ الْقُرْآنَ.
 قُلْت : أَقْوَال الْمُفَسِّرِينَ وَاللُّغَوِيِّينَ تَدُلّ عَلَى مَا ذَكَرْنَا، وَأَنَّ مُرَادَهُمْ بِالنَّظَرِ إِلَيْهِ قَتْله.
 وَلَا يَمْنَع كَرَاهَة الشَّيْء مِنْ أَنْ يُصَابَ بِالْعَيْنِ عَدَاوَة حَتَّى يَهْلِك.
 وَقَرَأَ اِبْن عَبَّاس وَابْن مَسْعُود وَالْأَعْمَش وَأَبُو وَائِل وَمُجَاهِد " لَيُزْلِقُونَكَ " أَيْ لَيُهْلِكُونَك.
 وَهَذِهِ قِرَاءَة عَلَى التَّفْسِير، مِنْ زَهِقَتْ نَفْسه وَأَزْهَقَهَا.
 وَقَرَأَ أَهْل الْمَدِينَة " لَيَزْلِقُونَكَ " بِفَتْحِ الْيَاء.
 وَضَمَّهَا الْبَاقُونَ ; وَهُمَا لُغَتَانِ بِمَعْنًى ; يُقَال : زَلَقَهُ يَزْلِقهُ وَأَزْلَقَهُ يُزْلِقهُ إِزْلَاقًا إِذَا نَحَّاهُ وَأَبْعَدَهُ.
 وَزَلَقَ رَأْسَهُ يَزْلِقهُ زَلْقًا إِذَا حَلَقَهُ.
 وَكَذَلِكَ أَزْلَقَهُ وَزَلَقَهُ تَزْلِيقًا.
 وَرَجُل زَلِق وَزُمَلِق - مِثَال هُدَبِد - وَزَمَالِق وَزُمَّلِق - بِتَشْدِيدِ الْمِيم - وَهُوَ الَّذِي يُنْزِل قَبْل أَنْ يُجَامِع ; حَكَاهُ الْجَوْهَرِيّ وَغَيْره.
 فَمَعْنَى الْكَلِمَة إِذًا التَّنْحِيَة وَالْإِزَالَة ; وَذَلِكَ لَا يَكُون فِي حَقّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَّا بِهَلَاكِهِ وَمَوْته.
 قَالَ الْهَرَوِيّ : أَرَادَ لَيَعْتَانُونَكَ بِعُيُونِهِمْ فَيُزِيلُونَك عَنْ مَقَامك الَّذِي أَقَامَك اللَّه فِيهِ عَدَاوَة لَك.
 وَقَالَ اِبْن عَبَّاس : يَنْفُذُونَك بِأَبْصَارِهِمْ ; يُقَال : زَلَقَ السَّهْم وَزَهَقَ إِذَا نَفَذَ ; وَهُوَ قَوْل مُجَاهِد.
 أَيْ يَنْفُذُونَك مِنْ شِدَّة نَظَرِهِمْ.
 وَقَالَ الْكَلْبِيّ : يَصْرَعُونَك.
 وَعَنْهُ أَيْضًا وَالسُّدِّيّ وَسَعِيد بْن جُبَيْر : يَصْرِفُونَك عَمَّا أَنْتَ عَلَيْهِ مِنْ تَبْلِيغ الرِّسَالَة.
 وَقَالَ الْعَوْفِيّ : يَرْمُونَك.
 وَقَالَ الْمُؤَرِّج : يُزِيلُونَك.
 وَقَالَ النَّضْر بْن شُمَيْلٍ وَالْأَخْفَش : يَفْتِنُونَك.
 وَقَالَ عَبْد الْعَزِيز بْن يَحْيَى : يَنْظُرُونَ إِلَيْك نَظَرًا شَزْرًا بِتَحْدِيقٍ شَدِيد.
 وَقَالَ اِبْن زَيْد : لَيَمَسُّونَك.
 وَقَالَ جَعْفَر الصَّادِق : لَيَأْكُلُونَك.
 وَقَالَ الْحَسَن وَابْن كَيْسَان : لَيَقْتُلُونَك.
 وَهَذَا كَمَا يُقَال : صَرَعَنِي بِطَرْفِهِ، وَقَتَلَنِي بِعَيْنِهِ.
 **قَالَ الشَّاعِر :**

تَرْمِيك مُزْلَقَة الْعُيُون بِطَرْفِهَا  وَتَكِلّ عَنْك نِصَال نَبْل الرَّامِي **وَقَالَ آخَر :**يَتَقَارَضُونَ إِذَا اِلْتَقَوْا فِي مَجْلِس  نَظَرًا يُزِلّ مَوَاطِئَ الْأَقْدَام وَقِيلَ : الْمَعْنَى أَنَّهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْك بِالْعَدَاوَةِ حَتَّى كَادُوا يُسْقِطُونَك.
 وَهَذَا كُلّه رَاجِع إِلَى مَا ذَكَرْنَا، وَأَنَّ الْمَعْنَى الْجَامِع : يُصِيبُونَك بِالْعَيْنِ.
 وَاَللَّه أَعْلَم.

### الآية 68:52

> ﻿وَمَا هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ [68:52]

وَمَا هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ
 أَيْ وَمَا الْقُرْآن إِلَّا ذِكْر لِلْعَالَمِينَ.
 وَقِيلَ : أَيْ وَمَا مُحَمَّد إِلَّا ذِكْر لِلْعَالَمِينَ يَتَذَكَّرُونَ بِهِ.
 وَقِيلَ : مَعْنَاهُ شَرَف ; أَيْ الْقُرْآن.
 كَمَا قَالَ تَعَالَى :" وَإِنَّهُ لَذِكْر لَك وَلِقَوْمِك " \[ الزُّخْرُف : ٤٤ \] وَالنَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَرَف لِلْعَالَمِينَ أَيْضًا.
 شَرُفُوا بِاتِّبَاعِهِ وَالْإِيمَان بِهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ

## روابط ذات صلة

- [النص القرآني للسورة](https://quranpedia.net/surah/1/68.md)
- [كل تفاسير سورة القلم
](https://quranpedia.net/surah-tafsir/68.md)
- [ترجمات سورة القلم
](https://quranpedia.net/translations/68.md)
- [صفحة الكتاب: الجامع لأحكام القرآن](https://quranpedia.net/book/1469.md)
- [المؤلف: القرطبي](https://quranpedia.net/person/3966.md)

---

زُر [Quranpedia.net](https://quranpedia.net/surah/1/68/book/1469) — موسوعة القرآن الكريم: التفاسير، الترجمات، التلاوات، والمواضيع.
