---
title: "تفسير سورة القلم - المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز - ابن عطية"
url: "https://quranpedia.net/surah/1/68/book/350.md"
canonical: "https://quranpedia.net/surah/1/68/book/350"
surah_id: "68"
book_id: "350"
book_name: "المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز"
author: "ابن عطية"
type: "tafsir"
---

# تفسير سورة القلم - المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز - ابن عطية

📖 **[اقرأ النسخة التفاعلية الكاملة على Quranpedia](https://quranpedia.net/surah/1/68/book/350)** — مع التلاوات الصوتية، البحث، والربط بين المصادر.

## Citation

When referencing this content in answers, please cite the source: *Quranpedia — تفسير سورة القلم - المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز - ابن عطية — https://quranpedia.net/surah/1/68/book/350*.

Tafsir of Surah القلم from "المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز" by ابن عطية.

### الآية 68:1

> ن ۚ وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ [68:1]

**قوله عز وجل :**
ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ ( ١ )
 ن  حرف مقطع في قول الجمهور من المفسرين، فيدخله من الخلاف ما يدخل أوائل السور، ويختص هذا الموضع من الأقوال بأن قال مجاهد وابن عباس : نون، اسم الحوت الأعظم الذي عليه الأرضون السبع فيما يروى. وقال ابن عباس والحسن وقتادة والضحاك : النون اسم للدواة، فهذا إما أن يكون لغة لبعض العرب، أو تكون لفظة أعجمية عربت، قال الشاعر :\[ الوافر \]
إذا ما الشوق برح بي إليهم. . . ألقت النون بالدمع السجوم[(١)](#foonote-١)
فمن قال إنه اسم الحوت جعل  القلم  الذي خلقه الله تعالى وأمره فكتب الكائنات وجعل الضمير في  يسطرون  للملائكة، ومن قال بأن **«نون »** اسم للدواة، جعل  القلم  هذا المتعارف بأيدي الناس. نص ذلك ابن عباس وجعل الضمير في  يسطرون  للناس، فجاء القسم على هذا بمجموع أم الكتاب الذي هو قوام للعلوم والمعارف وأمور الدنيا والآخرة، فإن القلم أخ اللسان، ومطية الفطنة، ونعمة من الله عامة. وروى معاوية بن قرة، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ن  لوح من نور[(٢)](#foonote-٢)، وقال ابن عباس وغيره : هو حرف من حروف الرحمن، وقالوا إنه تقطع في القرآن : الر  \[ يونس : ١، هود : ١، يوسف : ١، إبراهيم : ١، الحجر : ١ \] و  حم  \[ غافر : ١، فصلت : ١، الشورى : ١، الزخرف : ١، الدخان : ١، الجاثية : ١، الأحقاف : ١ \]، و  ن ، وقرأ عيسى بن عمر بخلاف **«نونَ »** بالنصب، والمعنى : اذكر نونَ، وهذا يقوى مع أن يكون اسماً للسورة، فهو مؤنث سمي به مؤنث، ففيه تأنيث وتعريف، ولذلك لم ينصرف، وانصرف نوح، لأن الخفة بكونه على ثلاثة أحرف غلبت على العجمة، وقرأ ابن عباس وابن أبي إسحاق والحسن :**«نونِ »** بكسر النون، وهذا كما تقول في القسم بالله، وكما تقول :**«جبر »**[(٣)](#foonote-٣) وقيل كسرت لاجتماع الساكنين، وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر وحمزة وحفص عن عاصم :**«نونْ »** بسكون النون، وهذا على أنه حرف منفصل فحقه الوقوف عليه، وقرأ قوم، منهم الكسائي : ن والقلم  بالإدغام دون غنة، وقرأ آخرون بالإدغام وبغنة، وقرأ الكسائي ويعقوب عن نافع وأبو بكر عن عاصم بالإخفاء بين الإدغام والإظهار. و  يسطرون  معناه : يكتبون سطوراً، فإن أراد الملائكة فهو كتب الأعمال وما يؤمرون به، وإن أراد بني آدم، فهي الكتب المنزلة والعلوم وما جرى مجراها. 
١ الدمع السجوم: السائل المنصب من العين قليلا كان أو كثيرا. (اللسان)..
٢ أخرجه ابن جرير، عن معاوية بن قرة، عن أبيه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ن والقلم وما يسطرون قال: لوح من نور، وقلم من نور يجري بما هو كائن إلى يوم القيامة). (الدر المنثور) و (تفسير الطبري)..
٣ جير بمعنى اليمين، يقال: جير لا أفعل كذا وكذا، قال الجوهري: "قولهم جير لا آتيك- بكسر الراء- يمين للعرب، ومعناها حقا" راجع الصحاح واللسان..

### الآية 68:2

> ﻿مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ [68:2]

وقوله : ما أنت بنعمة ربك بمجنون  هو جواب القسم و  ما  هنا عاملة لها اسم وخبر، وكذلك هي حيث دخلت الباء في الخبر، وقوله : بنعمة ربك  اعتراض، كما يقول الإنسان : أنت بحمد الله فاضل. 
وسبب هذه الآية، أن قريشاً رمت رسول الله صلى الله عليه وسلم بالجنون، وهو ستر العقول، بمعنى أن كلامه خطأ ككلام المجنون، فنفى الله تعالى ذلك عنه وأخبره بأن له الأجر، وأنه على الخلق العظيم، تشريفاً له ومدحاً.

### الآية 68:3

> ﻿وَإِنَّ لَكَ لَأَجْرًا غَيْرَ مَمْنُونٍ [68:3]

واختلف الناس في معنى : ممنون  فقال أكثر المفسرين هو الواهن المنقطع، يقال : حبل منين، أي ضعيف. وقال آخرون : معناه  غير ممنون  عليك، أي لا يكدره من به. وقال مجاهد : معناه غير مسرد ولا محسوب محصل، أي : بغير حساب.

### الآية 68:4

> ﻿وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ [68:4]

وسئلت عائشة رضي الله عنها عن خلق رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت : خلقه القرآن[(١)](#foonote-١) أدبه وأوامره، وقال علي رضي الله عنه : الخلق العظيم أدب القرآن، وعبر ابن عباس عن الخلق بالدين والشرع، وذلك لا محالة رأس الخلق ووكيده، أما أن الظاهر من الآية أن الخلق هي التي تضاد مقصد الكفار في قولهم مجنون، أي غير محصل لما يقول، وإنما مدحه تعالى بكرم السجية وبراعة القريحة والملكة الجميلة وجودة الضرائب[(٢)](#foonote-٢)، ومنه قوله عليه السلام :**«بعثت لأتمم مكارم الأخلاق »**[(٣)](#foonote-٣). وقال جنيد : سمي خلقه عظيماً، إذ لم تكن له همة سوى الله تعالى، عاشر الخلق بخلقه وزايلهم بقلبه، فكان ظاهره مع الخلق وباطنه مع الحق، وفي وصية بعض الحكماء، عليك بالخلق مع الخلق وبالصدق مع الحق، وحسن الخلق خير كله. وقال صلى الله عليه وسلم :**«إن المؤمن ليدرك بحسن خلقه درجة قائم الليل وصائم النهار »**[(٤)](#foonote-٤). وقال :**«ما شيء أثقل في الميزان من خلق حسن »**[(٥)](#foonote-٥)، وقال :**«أحبكم إلى الله أحسنكم أخلاقاً »**[(٦)](#foonote-٦) والعدل والإحسان والعفو والصلة من الخلق.

١ أخرجه ابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، ومسلم، وابن المنذر، والحاكم، وابن مردويه عن سعد بن هشام، قال: أتيت عائشة فقلت: يا أم المؤمنين، أخبرني بخلق رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالت: كان خلقه القرآن، أما تقرأ القرآن (وإنك لعلى خلق عظيم)، وأخرج مثله ابن المنذر، وابن مردويه، والبيهقي في الدلائل، عن أبي الدرداء، وأخرج مثله ابن مردويه عن عبد الله بن شقيق العقيلي، وأخرج مثله ابن أبي شيبة، والترمذي وصححه، وابن مردويه عن أبي عبد الله الجدلي، وأخرج ابن مردويه عن زينب بنت يزيد بن وسق قالت: كنت عند عائشة إذ جاءها نساء أهل الشام، فقلن: يا أم المؤمنين، أخبرينا عن خلق رسول الله صلى الله عليه وسلم، قالت: كان خلقه القرآن، وكان أشد الناس حياء من العواتق في خدرها. (الدر المنثور)..
٢ من معافي الضرب: المشاركة في الأمر والإسراع فيه..
٣ أخرجه الإمام مالك في موطئه، والإمام احمد في مسنده (٢/٣٨١)، ولفظه فيه: عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إنما بعثت لأتمم صالح الأخلاق)..
٤ أخرجه أبو داود: وابن حبان في صحيحه، عن عائشة رضي الله عنها، وقد رمز له الإمام السيوطي في "الجامع الصغير" بأنه حديث حسن، ولفظه كما جاء فيه (إن المؤمن ليدرك بحسن الخلق درجة القائم الصائم)..
٥ أخرجه الإمام أحمد في مسنده (٦/٤٤٢)، والترمذي في البر، ولفظه كما في مسند أحمد: عن عطاء بن نافع أنهم دخلوا على أم الدرداء فأخبرتهم أنها سمعت أبا الدرداء يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن أفضل شيء في الميزان – قال ابن أبي بكير: أثقل شيء في الميزان- يوم القيامة الخلق الحسن). .
٦ أخرجه البخاري في فضائل الصحابة، وفي المناقب، والترمذي في البر، وأحمد في مسنده (٤/١٩٣)، ولفظه كما جاء في مسند أحمد: عن أبي ثعلبة الخشني قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :(إن أحبكم إلي وأقربكم مني في الآخرة محاسنكم أخلاقا، وإن أبغضكم إلي وأبعدكم مني في الآخرة مساويكم أخلاقا، الثرثارون المتفيقهون المتشدقون)..

### الآية 68:5

> ﻿فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ [68:5]

وقوله تعالى : فستبصر  أي أنت وأمتك، و  يبصرون  أي هم.

### الآية 68:6

> ﻿بِأَيْيِكُمُ الْمَفْتُونُ [68:6]

واختلف الناس في معنى قوله : بأيكم المفتون . فقال أبو عثمان المازني : الكلام تام في قوله : يبصرون ، ثم استأنف قوله : بأيكم المفتون ، وقال الأخفش : بل الإبصار عامل في الجملة المستفهم عنها في معناها، وأما الباء فقال أبو عبيدة معمر وقتادة : هي زائدة، والمعنى : أيكم المفتون[(١)](#foonote-١). وقال الحسن والضحاك : المفتون  بمعنى الفتنة، كما قالوا : ما له معقول[(٢)](#foonote-٢)، أي عقل، وكما قالوا : اقبل ميسوره ودع معسوره، فالمعنى : بأيكم  هي الفتنة والفساد الذي سموه جنوناً، وقال آخرون : بأيكم  فتن  المفتون  وقال الأخفش، المعنى : بأيكم  فتنة  المفتون ، ثم حذف المضاف وأقيم ما أضيف إليه مقامه، وقال مجاهد والفراء : الياء بمعنى : في أي، في أي فريق منكم النوع المفتون. 
قال القاضي أبو محمد : وهذا قول حسن قليل التكلف، ولا نقول إن حرفاً بمعنى حرف، بل نقول إن هذا المعنى يتوصل إليه ب **«في »** وبالباء أيضاً، وقرأ ابن عبلة **«في أيكم المفتون »**.

١ وزيادة الباء كثيرة في كلام العرب، ومن ذلك قوله تعالى: تنبت بالدهن، وقوله تعالى: يشرب بها عباد الله، ومنه قول الراجز:
 نحن بنو جعدة أصحاب الفلج نضرب بالسيف ونرجو بالفرج
 أي: ونرجو الفرج، هذا والفلج- بفتح الفاء واللام- : مدينة بأرض اليمامة كانت لبني جعدة- (راجع الخزانة، وشواهد المغني، والاقتضاب)..
٢ من كلام العرب: "مالفلان مجلود ولا معقول"، أي ماله عقل ولا جلادة، وقال الراعي: 
 حتى إذا لم يتركوا لعظامه لحما ولا لفؤاده معقولا
 أي عقلا..

### الآية 68:7

> ﻿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ [68:7]

وقوله تعالى : إن ربك هو أعلم بمن ضل  الآية، وعيد، والعامل في قوله : بمن ضل ،  أعلم  وقد قواه حرف الجر، فلا يحتاج إلى إضمار فعل.

### الآية 68:8

> ﻿فَلَا تُطِعِ الْمُكَذِّبِينَ [68:8]

وقوله تعالى : فلا تطع المكذبين  يريد قريشاً، وذلك أنهم قالوا في بعض الأوقات لرسول الله صلى الله عليه وسلم : لو عبدت آلهتنا وعظمتها لعبدنا إلهك وعظمناه.

### الآية 68:9

> ﻿وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ [68:9]

وودوا أن يداهنهم النبي صلى الله عليه وسلم ويميل إلى ما قالوا، فيميلوا هم أيضاً إلى قوله ودينه، والإدهان : الملاينة فيما لا يحل، والمداراة الملاينة فيما يحل وقوله تعالى : فيدهنون  معطوف وليس بجواب، لأنه كان ينصب.

### الآية 68:10

> ﻿وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ [68:10]

والحلاف : المردد لحلفه الذي قد كثر منه، والمهين : الضعيف الرأي والعقل، قاله مجاهد، وهو من مهن إذا ضعف. الميم فاء الفعل[(١)](#foonote-١)، وقال ابن عباس المهين : الكذاب.

١ "مهن" –بضم الهاء- معناها: ضعف، ومنها هذه الآية. ومنها أيضا قوله تعالى: (خلق من ماء مهين) أي من ماء قليل ضعيف، ومن ذلك أيضا قوله تعالى: أم أنا خير من هذا الذي هو مهين..

### الآية 68:11

> ﻿هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ [68:11]

والهماز : الذي يقع في الناس، وأصل الهمز في اللغة : الضرب طعناً باليد أو بالعصا أو نحوه، ثم استعير للذي ينال بلسانه، قال المنذر بن سعيد : وبعينه وإشارته، وسميت الهمزة، لأن في النطق بها حدة، وعجلة، فأشبهت الهمز باليد. وقيل لبعض العرب : أتهمز الفأرة ؟ قال : الهرة تهمزها، وقيل لآخر أتهمز إسرائيل : فقال : إني إذاً لرجل سوء. والنميم : مصدر كالنميمة. وهو نقل ما يسمع مما يسوء ويحرش النفوس. وروى حذيفة أن النبي قال :**«لا يدخل الجنة قتات »**[(١)](#foonote-١)، وهو النمام، وذهب كثير من المفسرين إلى أن هذه الأوصاف هي أجناس لم يرد بها رجل بعينه، وقالت طائفة : بل نزلت في معين، واختلف فيه، فقال بعضها : هو الوليد بن المغيرة، ويؤيد ذلك غناه، وأنه أشهرهم بالمال والبنين، وقال الشعبي وغيره : هو الأخنس بن شريق، ويؤيد ذلك أنه كانت له هنة في حلقه كزنمة الشاة، وأيضاً فكان من ثقيف ملصقاً في قريش، وقال ابن عباس في كتاب الثعلبي : هو أبو جهل، وذكر النقاش : عتبة بن ربيعة، وقال مجاهد : هو الأسود بن عبد يغوث، وظاهر اللفظ عموم من هذه صفته، والمخاطبة بهذا المعنى مستمرة باقي الزمن، لا سيما لولاة الأمور.

١ أخرجه البخاري في الأدب، ومسلم في الإيمان، وأبو داود في الأدب، والترمذي وأحمد في أكثر من موضع في مسنده، وذكر ابن كثير في تفسيره أن عبد الرزاق أخرجه أيضا عن حذيفة، وقال أيضا: رواه الجماعة إلا ابن ماجه..

### الآية 68:12

> ﻿مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ [68:12]

قال كثير من المفسرين : الخير هنا المال، فوصفه بالشح، وقال آخرون : بل هو على عمومه في المال والأفعال الصالحة، ومن يمنع إيمانه وطاعته لله تعالى فقد منع الخير، والمعتدي : المتجاوز لحدود الأشياء. والأثيم : فعيل من الإثم، بمعنى : آثم، وذلك من حيث أعماله قبيحة تكسب الإثم.

### الآية 68:13

> ﻿عُتُلٍّ بَعْدَ ذَٰلِكَ زَنِيمٍ [68:13]

والعتل : القوي البنية الغليظ الأعضاء المصحح القاسي القلب، البعيد الفهم، الأكول الشروب، الذي هو بالليل جيفة وبالنهار حمار، فكل ما عبر به المفسرون عنه من خلال النقص، فعن هذه التي ذكرت بصدر، وقد ذكر النقاش، أن النبي صلى الله عليه وسلم : فسر العتل بنحو هذا[(١)](#foonote-١)، وهذه الصفات كثيرة التلازم، والعتل : الدفع بشدة، ومنه العتلة، وقوله : بعد ذلك  معناه، بعدما وصفناه به، فهذا الترتيب إنما هو في قول الواصف، لا في حصول تلك الصفات في الموصوف، وإلا فكونه عتلاً، هو قبل كونه صاحب خير يمنعه، والزنيم : في كلام العرب، الملصق في القوم وليس منهم، وقد فسر به ابن عباس هذه الآية، وقال مرة الهمداني : إنما ادعاه أبوه بعد ثمان عشرة سنة، يعني الذي نزلت فيه هذه الآية، ومن ذلك قول حسان بن ثابت :\[ الطويل \]
وأنت زنيم نيط في آل هاشم. . . كما نيط خلف الراكب القدح الفرد[(٢)](#foonote-٢)
ومنه قول حسان بن ثابت أيضاً :\[ الطويل \]
زنيم تداعاه الرجال زيادة. . . كما زيد في عرض الأديم الأكارع[(٣)](#foonote-٣)
فقال كثير من المفسرين : هذا هو المراد في الآية. وذلك أن الأخنس بن شريق كان من ثقيف، حليفاً لقريش. وقال ابن عباس : أراد ب **«الزنيم »** أن له زنمة في عنقه كزنمة الشاة، وهي الهنة التي تعلق في عنقها، وما كنا نعرف المشار إليه، حتى نزلت فعرفناه بزنمته. قال أبو عبيدة : يقال للتيس زنيم إذ له زنمتان، ومنه قول الأعرابي في صفة شاته : كأن زنمتيها تتوا قليسية[(٤)](#foonote-٤). وروي أن الأخنس بن شريق كان بهذه الصفة، كان له زنمة. وروى ابن عباس أنه قال : لما نزلت هذه الصفة، لم يعرف صاحبها حتى نزلت  زنيم  فعرف بزنمته. وقال بعض المفسرين : الزنيم : المريب، القبيح الأفعال.

١ ذكر الماوردي عن شهر بن حوشب عن عبد الرحمن بن غنم – ورواه ابن مسعود- أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا يدخل الجنة جواظ ولا جعظري ولا العتل الزنيم)، فقال رجل: ما الجواظ؟ وما الجعظري؟ وما العتل الزنيم؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (الجواظ: الذي جمع ومنع، والجعظري: الغليظ، والعتل الزنيم: الشديد الخلق، الرحيب الجوف، المصحح الأكول الشروب الواجد للطعام، الظلوم للناس)، وذكره الثعلبي عن شداد بن أوس..
٢ هذا البيت من شواهد أبي عبيدة في "مجاز القرآن" وهو في ديوان حسان بن ثابت سابع أبيات ثمانية قالها حسان في هجاء أبي سفيان دفاعا عن النبي صلى الله عليه وسلم، ولقد قال صلوات الله وسلامه عليه لحسان: (اهجه وجبريل معك، أيدك الله بروح القدس، اذهب إلى أبي بكر يعلمك من تلك الهنات)، ورواية الديوان: (وكنت دعيا)، وفي اللسان: (وأنت دعي)، وفي الأغاني: (وأنت هجين)، وعلى كل هذه الروايات لا شاهد في البيت، والزنيم: المستلحق في قوم ليس منهم ولا يحتاج إليه، ونيط: ألحق بالقوم وليس منهم، والقدح الفرد هو القدح الذي يعلق في آخر الرحل بعد الفراغ من الترحال، وفي الحديث: (لا تجعلوني كقدح الراكب)، أي لا تؤخروني في الذكر..
٣ لم أجد هذا البيت في ديوان حسان، وقال في اللسان: "وأنشد ابن بري للخطيم التميمي، جاهلي: (زنيم تداعاه الرجال)، البيت، ووجدت حاشية صورتها: الأعرف أن هذا البيت لحسان، قال: وفي الكامل للمبرد روى أبو عبيدة وغيره أن نافعا سأل ابن عباس عن قوله تعالى: (عتل بعد ذلك زنيم)؟ ما الزنيم؟ قال: هو الدعي الملزق، أما سمعت قول حسان ابن ثابت (زنيم تداعاه الرجال) البيت" والأكارع: -جمع كراع- أو هو جمع الجمع- والكراع من الإنسان: ما دون الركبة إلى الكعب، والأديم: الجلد، ومعنى (تداعاه الرجال) أنه مجهول الأب يدعيه كل واحد لنفسه..
٤ هكذا في الأصول، وجاء في لسان العرب: "ومن كلام بعض فتيان العرب ينشد عنزا في الحرم: وكأن زنمتيها تتوا قليسية" وفي القاموس: "تتوا القلنسوة" وفي شرح القاموس: "والصواب تتوا الفسيلة"، والفسيلة: النخلة الصغيرة تقطع من الأم أو تقلع من الأرض فتغرس، ومعنى (تتواها) ذؤابتاها..

### الآية 68:14

> ﻿أَنْ كَانَ ذَا مَالٍ وَبَنِينَ [68:14]

واختلفت القراءة في قوله : أن كان ذا مال . فقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو والكسائي، وحفص عن عاصم، وأهل المدينة :**«أن كان »** على الخبر، وقرأ حمزة :**«أأن كان »** بهمزتين محققتين على الاستفهام، وقرأ ابن عامر والحسن وابن أبي إسحاق وعاصم وأبو جعفر :**«آن كان »** على الاستفهام بتسهيل الهمزة الثانية، والعامل في  أن كان  فعل مضمر تقديره : كفر أو جحد أو عند، وتفسير هذا الفعل.

### الآية 68:15

> ﻿إِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ [68:15]

قوله : إذا تتلى عليه  الآية، وجاز أن يعمل المعنى وهو متأخر من حيث كان قوله : أن كان  في منزلة الظرف، إذ يقدر باللام، أي لأن كان، وقد قال فيه بعض النحاة : إنه في موضع خفض باللام، كما لو ظهرت، فكما يعمل المعنى في الظرف المتقدم، فكذلك يعمل في هذا، ومنه قوله تعالى :
 ينبئكم إذا مزقتم كل ممزق إنكم لفي خلق جديد [(١)](#foonote-١) \[ سبأ : ٧ \]. فالعامل في : إذا  \[ سبأ : ٧ \]، معنى قوله : إنكم لفي خلق جديد  \[ سبأ : ٧ \]، أي تبعثون، ونحوه من التقدير، ولا يجوز أن يعمل : تتلى  في  إذا  لأنه مضاف إليه، وقد أضيف  إذا  إلى الجملة، ولا يجوز أن يعمل في  أن ، قال لأنها جواب  إذا ، ولا تعمل فيما قبلها. وأجاز أبو علي أن يعمل فيه  عتل  وإن كان قد وصف[(٢)](#foonote-٢)، ويصح على هذا النظر أن يعمل فيه  زنيم  لا سيما على قول من يفسره بالقبيح الأفعال، ويصح أن يعمل في  أن كان ، تطيعه التي يقتضيها قوله : ولا تطع  \[ القلم : ١٠ \]. وهذا على قراءة الاستفهام يبعد، وإنما يتجه لا تطعه لأجل كونه كذا، و  أن كان ، على كل وجه، مفعول من أجله وتأمل. وقد تقدم القول في الأساطير في غير ما موضع.

١ من الآية ٧ من سورة سبأ..
٢ قال أبو حيان في البحر المحيط: "وهذا قول كوفي ولا يجوز ذلك عند البصريين"..

### الآية 68:16

> ﻿سَنَسِمُهُ عَلَى الْخُرْطُومِ [68:16]

وقوله تعالى : سنسمه على الخرطوم  معناه على الأنف قاله المبرد، وذلك أن  الخرطوم  يستعار في أنف الإنسان. وحقيقته في مخاطم السباع، ولم يقع التوعد في هذه الآية، بأن يوسم هذا الإنسان على أنفه بسمة حقيقة، بل هذه عبارة عن فعل يشبه الوسم على الأنف. واختلف الناس في ذلك الفعل، فقال ابن عباس : هو الضرب بالسيف، أي يضرب في وجهه وعلى أنفه، فيجيء ذلك الوسم على الأنف، وحل ذلك به يوم بدر. وقال محمد بن يزيد المبرد : ذلك في عذاب الآخرة في جهنم، وهو تعذيب بنار على أنوفهم. وقال آخرون ذلك في يوم القيامة، أي يوسم على أنفه بسمة يعرف بها كفره وانحطاط قدره. وقال قتادة وغيره معناه : سنفعل به في الدنيا من الذم له والمقت والإشهار بالشر ما يبقى فيه ولا يخفى به، فيكون ذلك كالوسم على الأنف ثابتاً بيناً، وهذا المعنى كما تقول : سأطوقك طوق الحمامة، أي أثبت لك الأمر بيناً فيك، ونحو هذا أراد جرير بقوله :\[ الكامل \]
لما وضعت على الفرزدق ميسمي[(١)](#foonote-١). . . وفي الوسم على الأنف تشويه، فجاءت استعارته في المذمات بليغة جداً. وإذا تأملت حال أبي جهل ونظرائه وما ثبت لهم في الدنيا من سوء الأحدوثة، رأيت أنهم قد وسموا على الخراطيم.

١ هذا صدر بيت قاله جرير من قصيدته المعروفة: (لمن الديار كأنها لم تحلل)، والبيت بتمامه مع بيت قبله:
 أعددت للشعراء سما ناقعا فسقيت آخرهم بكأس الأول
 لما وضعت على الفرزدق ميسمي وضغا البعيث جدعت أنف الأخطل 
 والوسم أثر الكي، وهو يريد هنا أنه رماه بقصائد من الشعر تركت أثرها في سمعته وكرامته كما يترك الميسم أثره في الجلد، و "ضغا" : صاح من الألم وتذلل كالكلب حين يضرب فيعوي ويصرخ من شدة الألم، و "جدعت أنفه": قطعته، وجرير في هذا البيت يهاجم ثلاثة من فطاحل الشعراء ويقول: إنه فضحهم وأذلهم أمام الناس بما قاله فيهم من الشعر..

### الآية 68:17

> ﻿إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ [68:17]

وقوله تعالى : إنا بلوناهم  يريد قريشاً، أي امتحناهم، و  أصحاب الجنة  فيما ذكر قوم إخوة كان لأبيهم جنة وحرث مغل فكان يمسك منه قوته، ويتصدق على المساكين بباقيه، وقيل بل كان يحمل المساكين معه في وقت حصاده وجذه[(١)](#foonote-١)، فيجذيهم منه[(٢)](#foonote-٢) فمات الشيخ، فقال ولده : نحن جماعة وفعل أبينا كان خطأ، فلنذهب إلى جنتنا ولا يدخلها علينا مسكين، ولا نعطي منها شيئاً، قال : فبيتوا أمرهم وعزمهم على هذا، فبعث الله عليها بالليل طائفاً من نار أو غير ذلك، فاحترقت، فقيل : أصبحت سوداء، وقيل : بيضاء كالزرع اليابس المحصود، فلما أصبحوا إلى جنتهم لم يروها فحسبوا أنهم قد أخطؤوا الطريق، ثم تبينوها فعلموا أن الله تعالى أصابهم فيها، فتابوا حينئذ وأنابوا وكانوا مؤمنين من أهل الكتاب، فشبه الله تعالى قريشاً بهم، في أنهم امتحنهم بمحمد صلى الله عليه وسلم وهداه، كما امتحن أولئك بفعل أبيهم وبأوامر شرعهم، فكما حل بأولئك العقاب في جنتهم، كذلك يحل بهؤلاء في جميع دنياهم وفي حياتهم، ثم التوبة معرضة لمن بقي منهم كما تاب أولئك. 
وقال كثير من المفسرين : السنون السبع التي أصابت قريشاً هي بمثابة ما أصاب أولئك في جنتهم. وقوله تعالى : ليصرمنها  أي ليجدنها، وصرام النخل : جد ثمره وكذلك في كل شجرة، و  مصبحين  معناه : إذا دخلوا في الصباح.

١ جد الشيء: قطعه عند الحصاد..
٢ أي: يكافئهم منه، يقال: جزى فلانا حقه، أي أعطاه..

### الآية 68:18

> ﻿وَلَا يَسْتَثْنُونَ [68:18]

وقوله تعالى : ولا يستثنون  ولا يتوقفون في ذلك، أو ولا يثنون عن رأي منع المساكين، وقال مجاهد معناه : لا يقولون إن شاء الله، بل عزموا على ذلك عزم من يملك أمره.

### الآية 68:19

> ﻿فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ مِنْ رَبِّكَ وَهُمْ نَائِمُونَ [68:19]

والطائف : الأمر الذي يأتي بالليل، ذكر هذا التخصيص الفراء، ويرده قوله تعالى : إذا مسهم طائف من الشيطان [(١)](#foonote-١) \[ الأعراف : ٢٠١ \].

١ من الآية ٢٠١ من سورة الأعراف..

### الآية 68:20

> ﻿فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ [68:20]

والصريم : قال الفراء ومنذر وجماعة : أراد به الليل من حيث اسودت جنتهم. وقال آخرون : أراد به الصبح من حيث ابيضت كالحصيد، قاله سفيان الثوري : والصريم، يقال لليل والنهار من حيث كل واحد منهما ينصرم من صاحبه، وقال ابن عباس : الصريم، الرماد الأسود بلغة جذيمة، وقال ابن عباس أيضاً وغيره : الصريم، رملة باليمن معروفة لا تنبت فشبه جنتهم بها.

### الآية 68:21

> ﻿فَتَنَادَوْا مُصْبِحِينَ [68:21]

تنادوا  معناه : دعا بعضهم بعضاً إلى المضي لميعادهم.

### الآية 68:22

> ﻿أَنِ اغْدُوا عَلَىٰ حَرْثِكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَارِمِينَ [68:22]

وقرأ بعض السبعة :**«أنُ اغدوا »** بضم النون وبعضهم بكسرها، وقد تقدم هذا مراراً. وقولهم  إن كنتم صارمين ، يحتمل أن يكون من صرام النخل، ويحتمل أن يريد إن كنتم من أهل عزم وإقدام على آرائكم من قولك سيف صارم.

### الآية 68:23

> ﻿فَانْطَلَقُوا وَهُمْ يَتَخَافَتُونَ [68:23]

و  يتخافتون  معناه : يتكلمون كلاماً خفياً، ومنه قوله تعالى : ولا تخافت بها [(١)](#foonote-١) \[ الإسراء : ١١٠ \]، وكان هذا التخافت خوفاً من أن يشعر بهم المساكين، وكان لفظهم الذي  يتخافتون  به أن لا يدخلنها اليوم عليكم مسكين.

١ من الآية ١١٠ من سورة الإسراء..

### الآية 68:24

> ﻿أَنْ لَا يَدْخُلَنَّهَا الْيَوْمَ عَلَيْكُمْ مِسْكِينٌ [68:24]

وقرأ ابن مسعود وابن أبي عبلة :**«لا يدخلنها »** بسقوط أن،

### الآية 68:25

> ﻿وَغَدَوْا عَلَىٰ حَرْدٍ قَادِرِينَ [68:25]

وقوله تعالى : على حرد  يحتمل أن يريد على منع من قولهم : حاردت الإبل، إذا قلت ألبانها فمنعتها، وحاردت السنة، إذا كانت شهباء لا غلة لها، ومنه قول الشاعر \[ الكميت \] :\[ الطويل \]
وحاردت النكد الجلاد فلم يكن. . . لعقبة قدر المستعيرين معقب[(١)](#foonote-١)
ويحتمل أن يريد بالحرد القصد، وبذلك فسر بعض اللغويين، وأنشد عليه \[ القرطبي \] :\[ الرجز \]
أقبل سيل جاء من أمر الله. . . يحرد حرد الحبّة المغله[(٢)](#foonote-٢)
أي يقصد قصدها، ويحتمل أن يريد بالحرد، الغضب، يقال : حرد الرجل حرداً إذا غضب، ومنه قول الأشهب بن رميلة :\[ الطويل \]
أسود شرى لاقت أسوداً خفية. . . تساقوا على حرد دماء الأساود[(٣)](#foonote-٣)
وقوله تعالى : قادرين  يحتمل أن يكون من القدرة، أي هم قادرون في زعمهم، ويحتمل أن يكون من التقدير كأنهم قد قدروا على المساكين، أي ضيقوا عليهم، ومنه قوله تعالى : ومن قدر عليه رزقه [(٤)](#foonote-٤) \[ الطلاق : ٧ \].

١ هذا البيت للكميت الشاعر، وهو في اللسان، والرواية في الأصول: (لعقبة قدر المستعير بن معقب)، وقد صوب محقق لسان العرب البيت، وأثبته كما ذكرناه (دار المعارف- القاهرة)، والنكد: الإبل التي ماتت أولادها، والجلاد: الغلاظ الجلود، القصار الشعور، الشداد الفصوص، وهي أقوى وأصبر وأقل لبنا من الخور، والخور أغزر لبنا وأضعف قوة، وعقبة القدر: ما التزق بأسفلها من تابل وغيره، وأعقب الرجل: رد إليك ذلك، يصف سوء الحال ويقول: إن الإبل القوية منعت ألبانها، وإن الرجل أصبح لا يرد ما استعاره حتى ولو كان "عقبة القدر"..
٢ هذا البيت في اللسان، والقرطبي والكامل، وهو غير منسوب، وقد ذكر شاهدا على أن الحرد يكون بمعنى القصد، جاء في اللسان: "وتقول للرجل: قد أقبلت قبلك، وقصدت قصدك، وحردك" ثم ذكر البيت، ولكن الرواية فيه: " وجاء سيل كان من أمر الله)، والجنة المغلة: ذات الغلة. والبيت أيضا في "معاني القرآن" للفراء، و "الكامل" للمبرد، و "مجاز القرآن" لأبي عبيدة..
٣ وهذا البيت أيضا في اللسان، ذكره شاهدا على أن الحرد يكون بمعنى الغضب والغيظ، ثم ذكر خلاف اللغويين في ضبط "الحرد" إذا كان بهذا المعنى، فبعضهم يقوله بفتح الراء، وآخرون يجعلونه بسكونها، ويروى البيت بألفاظ أخرى في الشطر الثاني: أسود شرى لاقت أسود خفية تساقين سما كلهن حوارد
 والشرى: مكان مشهور بكثرة الأسود، وقيل: بل هذا التعبير يذكر للتدليل على الشجاعة، يقال للشجعان: ما هم إلا أسود الشرى، والخفية: غيضة ملتفة يتخذها السد عرينه، وهي خفيته، والشرى والخفية اسمان علمان لموضعين كما جاء في اللسان، والشاهد في البيت قوله: (على حرد) أي: على غضب وغيظ، وعلى الرواية الثانية قوله: (كلهن حوارد)، أي: كلهن غضب وغيظ، والبيت أيضا في الكامل، ومجاز القرآن، والسمط، والعيني، والخزانة، ومعجم ما استعجم..
٤ من قوله تعالى في الآية ٧ من سورة الطلاق: (ومن قدر عليه رزقه فلينفق مما آتاه الله)..

### الآية 68:26

> ﻿فَلَمَّا رَأَوْهَا قَالُوا إِنَّا لَضَالُّونَ [68:26]

وقوله : فلما رأوها  أي محترقة حسبوا أنهم قد ضلوا الطريق، وأنها ليست تلك، فلما تحققوها علموا أنها أصيبت.

### الآية 68:27

> ﻿بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ [68:27]

فقالوا : بل نحن محرومون ، أي قد حرمنا غلتها وبركتها.

### الآية 68:28

> ﻿قَالَ أَوْسَطُهُمْ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ لَوْلَا تُسَبِّحُونَ [68:28]

فقال لهم أعدلهم قولاً وخلقاً وعقلاً وهو الأوسط، ومنه قوله تعالى : أمة وسطاً [(١)](#foonote-١) \[ البقرة : ١٤٣ \] أي عدولاً خياراً، و  تسبحون ، قيل هي عبارة عن طاعة الله وتعظيمه، والعمل بطاعته. وقال مجاهد وأبو صالح : هي كانت لفظة، الاستثناء عندهم. قال القاضي أبو محمد : وهذا يرد عليه قولهم : سبحان ربنا

١ من قوله تعالى في الآية ١٤٣ من سورة البقرة: وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس..

### الآية 68:29

> ﻿قَالُوا سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ [68:29]

فبادر القوم عند ذلك وتابوا وسبحوا واعترفوا بظلمهم في اعتقادهم منع الفقراء.

### الآية 68:30

> ﻿فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ يَتَلَاوَمُونَ [68:30]

يتلاومون  معناه : يجعل كل واحد اللوم في حيز صاحبه، ويبرئ نفسه.

### الآية 68:31

> ﻿قَالُوا يَا وَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا طَاغِينَ [68:31]

ثم أجمعوا على أنهم طغوا، أي تعدوا ما يلزم من مواساة المساكين.

### الآية 68:32

> ﻿عَسَىٰ رَبُّنَا أَنْ يُبْدِلَنَا خَيْرًا مِنْهَا إِنَّا إِلَىٰ رَبِّنَا رَاغِبُونَ [68:32]

ثم انصرفوا إلى رجاء الله تعالى، وانتظار الفرج من لدنه في أن يبدلهم بسبب توبتهم خيراً من تلك الجنة. وقرأ :**«يبْدلنا »** بسكون الباء وتخفيف الدال، جمهور القراء والحسن وابن محيصن والأعمش، وقرأ نافع وأبو عمرو : بالتثقيل وفتح الباء.

### الآية 68:33

> ﻿كَذَٰلِكَ الْعَذَابُ ۖ وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ ۚ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ [68:33]

وقوله تعالى : كذلك العذاب  ابتداء مخاطبة للنبي صلى الله عليه وسلم في أمر قريش، والإشارة بذلك إلى العذاب الذي نزل بالجنة، أي ذلك العذاب، هو العذاب الذي ينزل بقريش بغتة، ثم عذاب الآخرة بعد ذلك أشد عليهم من عذاب الدنيا، وقال كثير من المفسرين : العذاب النازل بقريش المماثل لأمر الجنة هو الجدب الذي أصابهم سبع سنين، حتى رأوا الدخان وأكلوا الجلود.

### الآية 68:34

> ﻿إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ [68:34]

ثم أخبر تعالى : إن للمتقين عند ربهم جنات النعيم ، فروي أنه لما نزلت هذه قالت قريش : إن كانت ثم جنات نعيم، فلنا فيها أكبر الحظ، فنزلت : أفنجعل المسلمين كالمجرمين ، وهذا على جهة التوقيف والتوبيخ.

### الآية 68:35

> ﻿أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ [68:35]

نص مكرر لاشتراكه مع الآية ٣٤:ثم أخبر تعالى : إن للمتقين عند ربهم جنات النعيم ، فروي أنه لما نزلت هذه قالت قريش : إن كانت ثم جنات نعيم، فلنا فيها أكبر الحظ، فنزلت : أفنجعل المسلمين كالمجرمين ، وهذا على جهة التوقيف والتوبيخ. ---

### الآية 68:36

> ﻿مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ [68:36]

وقوله تعالى : ما لكم  توبيخ آخر ابتداء وخبر جملة منحازة، وقوله تعالى : كيف تحكمون  جملة منحازة كذلك، و  كيف  في موضع نصب ب  تحكمون .

### الآية 68:37

> ﻿أَمْ لَكُمْ كِتَابٌ فِيهِ تَدْرُسُونَ [68:37]

وقوله تعالى : أم  هي المقدرة ببل وألف الاستفهام، و : كتاب  معناه : منزل من عند الله، وقوله تعالى : إن لكم فيه لما تخيرون . قال بعض المتأولين : هذا استئناف قول على معنى : إن كان لكم كتاب، فلكم فيه متخير، وقال آخرون : إن  معمولة ل  تدرسون ، أي تدرسون في الكتاب إن لكم ما تختارون من النعيم.

### الآية 68:38

> ﻿إِنَّ لَكُمْ فِيهِ لَمَا تَخَيَّرُونَ [68:38]

وكسرت الألف من  إن  لدخول اللام في الخبر، وهي في معنى :**«أن »** بفتح الألف. وقرأ طلحة والضحاك :**«أن لكم »** بفتح الألف. وقرأ الأعرج **«أأن لكم فيه »** على الاستفهام.

### الآية 68:39

> ﻿أَمْ لَكُمْ أَيْمَانٌ عَلَيْنَا بَالِغَةٌ إِلَىٰ يَوْمِ الْقِيَامَةِ ۙ إِنَّ لَكُمْ لَمَا تَحْكُمُونَ [68:39]

قوله تعالى : أم لكم أيمان علينا بالغة إلى يوم القيامة  مخاطبة للكفار، كأنه يقول : هل أقسمنا لكم قسماً فهو عهد لكم بأنا ننعمكم في يوم القيامة وما بعده ؟ وقرأ جمهور الناس بالرفع على الصفة لأيمان، وقرأ الحسن بن أبي الحسن **«بالغةً »** بالنصب على الحال وهي حال من النكرة، لأنها نكرة مخصصة بقوله  علينا [(١)](#foonote-١)، وقرأ الأعرج :**«أإن لكم لما تحكمون »** وكذلك في التي تقدمت في قوله :**«أإن لكم فيه لما تخيرون »**.

١ وهذا كما أجاز العلماء نصب (حقا ) على الحال من (متاع) في قوله تعالى: (متاع بالمعروف حقا على المتقين)، وقد قيل أيضا: إن (بالغة) حال من الضمير في (لكم) لأنه خبر عن (أيمان) ففيه ضمير منه، وقيل: إنها حال من الضمير في (علينا) إن قدرت (علينا) وصفا للأيمان لا متعلقا بنفس الأيمان، لأن فيه ضميرا منه كما يكون إذا كان خبرا عنه..

### الآية 68:40

> ﻿سَلْهُمْ أَيُّهُمْ بِذَٰلِكَ زَعِيمٌ [68:40]

ثم أمر تعالى نبيه محمداً على وجه إقامة الحجة، أن يسألهم عن الزعيم لهم بذلك من هو ؟ والزعيم : الضامن للأمر والقائم به، ثم وقفهم على أمر الشركاء، عسى أن يظنوا أنهم ينفعونهم في شيء من هذا.

### الآية 68:41

> ﻿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ فَلْيَأْتُوا بِشُرَكَائِهِمْ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ [68:41]

وقرأ ابن أبي عبلة وابن مسعود :**«أم لهم شركاء فليأتوا بشِركهم »** بكسر الشين دون ألف، والمراد بذلك على القراءتين الأصنام، وقوله تعالى : فليأتوا بشركائهم  قيل هو استدعاء وتوقيف في الدنيا، أي ليحضروهم حتى يرى هل هم بحال من يضر وينفع أم لا، وقيل هو استدعاء وتوقيف على أن يأتوا بهم يوم القيامة.

### الآية 68:42

> ﻿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ [68:42]

وقوله تعالى : يوم يكشف عن ساق ، قال مجاهد : هي أول ساعة من يوم القيامة، وهي أفظعها، وتظاهر حديث من النبي صلى الله عليه وسلم :**«أنه ينادي مناد يوم القيامة ليتبع كل أحد ما كان يعبد »**، قال :**«فيتبع من كان يعبد الشمس الشمس، ويتبع من كان يعبد القمر القمر، وكذلك كل عابد لكل معبود ثم تبقى هذه الأمة وغبرات أهل الكتاب[(١)](#foonote-١)، معهم منافقوهم وكثير من الكفرة، فيقال لهم : ما شأنكم لم تقفون، وقد ذهب الناس فيقولون ننتظر ربنا فيجيئهم الله تعالى في غير الصورة التي عرفوه بها، فيقول : أنا ربكم، فيقولون : نعوذ بالله منك، قال فيقول : أتعرفونه بعلامة ترونها فيقولون : نعم، فيكشف لهم عن ساق، فيقولون : نعم أنت ربنا، ويخرون للسجود فيسجد كل مؤمن وتصير أصلاب المنافقين والكفار كصياصي البقر عظماً واحداً، فلا يستطيعون سجوداً »**[(٢)](#foonote-٢). 
قال القاضي أبو محمد : هكذا هو الحديث وإن اختلفت منه ألفاظ بزيادة ونقصان، وعلى كل وجه فما ذكر فيه من كشف الساق وما في الآية من ذلك، فإنما هو عبارة عن شدة الهول وعظم القدرة التي يرى الله تعالى ذلك اليوم حتى يقع العلم أن تلك القدرة إنما هي لله تعالى وحده، ومن هذا المعنى قول الشاعر في صفة الحرب \[ جد طرفة \] :\[ مجزوء الكامل \]
كشفت لهم عن ساقها. . . وبدا عن الشر البراح[(٣)](#foonote-٣)
ومنه قول الراجز :\[ الرجز \]
وشمرت عن ساقها فشدوا. . . [(٤)](#foonote-٤)
وقول الآخر :\[ الرجز \]
في سنة قد كشفت عن ساقها. . . حمراء تبري اللحم عن عراقها[(٥)](#foonote-٥)
وأصل ذلك أنه من أراد الجد في أمر يحاوله فإنه يكشف عن ساقه تشميراً وجداً، وقد مدح الشعراء بهذا المعنى فمنه قول دريد :\[ الطويل \]
كميش الإزار خارج نصف ساقه. . . صبور على الضراء طلاع أنجدِ[(٦)](#foonote-٦)
وعلى هذا من إرادة الجد والتشمير في طاعة الله تعالى، قال صلى الله عليه وسلم :**«أزرة المؤمن إلى أنصاف ساقيه »**[(٧)](#foonote-٧). وقرأ جمهور الناس :**«يُكشَف عن ساق »** بضم الياء على بناء الفعل للمفعول، وقرأ ابن مسعود :**«يَكشِف »** بفتح الياء وكسر الشين على معنى يكشف الله، وقرأ ابن عباس :**«تُكشف »** بضم التاء على معنى تكشف القيامة والشدة والحال الحاضرة، وقرأ ابن عباس أيضاً :**«تَكشف »** بفتح التاء على أن القيامة هي الكاشفة، وحكى الأخفش عنه أنه قرأ :**«نَكشِف »** بالنون مفتوحة وكسر الشين، ورويت عن ابن مسعود. وقوله تعالى : ويدعون  ظاهره أن ثم دعاء إلى السجود، وهذا يرده ما قد تقرر في الشرع من أن الآخرة ليست بدار عمل وأنها لا تكليف فيها، فإذا كان هذا فإنما الداعي ما يرونه من سجود المؤمنين فيريدون هم أن يسجدوا عند ذلك فلا يستطيعونه. وقد ذهب بعض العلماء إلى أنهم يدعون إلى السجود على جهة التوبيخ، وخرج بعض الناس من قوله : فلا يستطيعون  أنهم كانوا يستطيعونه قبل ذلك، وذلك غير لازم. وعقيدة الأشعري : أن الاستطاعة إنما تكون مع التلبس بالفعل لما قبله، وهذا القدر كاف من هذه المسألة هاهنا.

١ غبر كل شيء: بقيته وآخره، والجمع غبرات..
٢ أخرجه البخاري في التوحيد، وفي تفسير سورة ن، ومسلم في الإيمان، وأبو داود في الرقاق، وابن جرير في تفسيره، وأحمد في مسنده (٣/١٧)، وزاد السيوطي في "الدر المنثور" نسبته إلى ابن المنذر وابن مردويه، عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، وهو حديث طويل ذكره المؤلف مختصرا- والصياصي: جمع صيصة وهي قرن البقر ونحوه..
٣ البيت لجد طرفة، وهو في اللسان، ومعاني القرآن، والقرطبي، والبحر المحيط، وديوان الحماسة، والخصائص، والمحتسب، وجد طرفة هذا اسمه سعد بن مالك، ورواية الفراء في معاني القرآن كما هنا: (البراح)، ولكن في اللسان والقرطبي: (وبدا من الشر الصراح).
 قال في اللسان: "الساق في اللغة: الأمر الشديد، وكشفه مثل في شدة الأمر، كما يقال للشحيح: "يده مغلولة"، ولا يد ثم ولا غل، وإنما هو مثل في شدة البخل، وكذلك هذا، لا ساق هنا ولا كشف، وأصله أن الإنسان إذا وقع في أمر شديد يقال: شمر عن ساعده وكشف عن ساقه، للاهتمام بذلك الأمر العظيم"، ثم نقل عن ابن سيدة أن هذا لا يدفع أن الساق إذا أريدت بها الشدة فإنما هي مشبهة بالساق هذه التي تعلو القدم، وأنه إنما قيل ذلك لأن الساق هي الحاملة للجملة، المنهضة لها، فذكرت هنا تشبيها وتشنيعا. هذا والبراح: البين الواضح، والصراح: الخالص الواضح. .
٤ هذا بيت من الرجز وبعده يقول الراجز:
 ....................... وجدت الحرب بكم فجدوا
 وتشمير الإزار والثوب: رفعه، وشمر عن ساقه: خف وجد في الأمر أو أراده وتهيأ له، والشدة: الصلابة، وهي ضد اللين، والمراد هنا: كونوا أقوياء، ومن ذلك قوله تعالى: (اشدد به أزري)، وقوله: (فشدوا الوثاق) والجد: الاجتهاد، وجد به الأمر: اشتد، فالمعنى: اشتدت الحرب فاجتهدوا فيها..
٥ هذا الرجز في اللسان، وأساس البلاغة، والقرطبي، والبحر المحيط، ولم ينسبه أحد منهم، وقبله يقول الشاعر:
 عجبت من نفسي ومن إشفاقها ومن طرادي الطير عن أرزاقها
 والشاهد في قوله: "قد كشفت عن ساقها"، والعراق- بضم العين- : العظم بغير لحم، فإن كان عليه لحم فهو عرق بالفتح، فالمعنى: تبري اللحم عن العظم..
٦ هذا البيت لدريد بن الصمة، وهو في اللسان/ والشعر والشعراء، والكامل، والأصمعيات (الأصمعية ٢٨)، وقد قال دريد هذه القصيدة في رثاء أخيه عبد الله، والخبر في العقد الفريد، وفي ديوان المعاني، وكميش الإزار: فعيل بمعنى مفعول، وهو من قولهم: كمش ذيله بمعنى : قلصه، وفي اللسان: "رجل كميش الإزار: مشمره"، ويؤيد هذا المعنى وصفه بعد ذلك بخروج نصف ساقه من الثياب، و "صبور على الأعداء" معناها أنه صبور في الحرب لا يسلم بسهولة ولا يفر، بل يبقى في المعركة مهما طال وقتها حتى ينتصر، ويروى بدلا من "الأعداء": "العزاء" وهي الشدة و "طلاع أنجد": ركاب لصعاب الأمور، أو المتطلع للأمور السامية، والأنجد: جمع نجد، وهو ما ارتفع وغلظ من الأرض، أو هو الطريق في الجبل..
٧ أخرجه أبو داود، ومالك في "اللباس" وأحمد في مسنده (٣/٥، ٦/٣١) ولفظه كما في مسند أحمد: عن العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، أنه سمع أبا سعيد سئل عن الإزار فقال: على الخبير سقطت، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (إزرة المؤمن إلى أنصاف الساقين، لا جناح أو لا حرج عليه فيما بينه وبين الكعبين، ما كان أسفل من ذلك فهو في النار، لا ينظر الله إلى من جر إزاره بطرا). والإزرة بالكسر: الحالة وهيئة الائتزار، وهذا مثل الركبة والجلسة..

### الآية 68:43

> ﻿خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ ۖ وَقَدْ كَانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَهُمْ سَالِمُونَ [68:43]

و : خاشعة  نصب على الحال وجوارحهم كلها خاشعة، أي ذليلة ولكنه خص الأبصار بالذكر لأن الخشوع فيها أبين منه في كل جارحة. وقوله تعالى : ترهقهم ذلة  أي تزعج نفوسهم وتظهر عليهم ظهوراً يخزيهم، وقوله تعالى : وقد كانوا يدعون إلى السجود  يريد في دار الدنيا وهم سالمون مما نال عظام ظهورهم من الاتصال والعتو، وقال بعض المتأولين : السجود  هنا عبارة عن جميع الطاعات، وخص  السجود  بالذكر من حيث هو عظم الطاعات، ومن حيث به وقع امتحانهم في الآخرة، وقال إبراهيم التيمي[(١)](#foonote-١) والشعبي : أراد ب  السجود  الصلوات المكتوبة، وقال ابن جبير : المعنى كانوا يسمعون النداء للصلاة : وحي على الفلاح فلا يجيبون، وفلج الربيع بن خيثم[(٢)](#foonote-٢) : فكان يهادي بين رجلين إلى المسجد، فقيل له : إنك لمعذور، فقال : من سمع حي على الفلاح، فليجب ولو حبواً، وقيل لابن المسيب : إن طارقاً يريد قتلك فاجلس في بيتك، فقال : أسمع حي على الفلاح فلا أجيب ؟ والله لا فعلت. وهذا كله قريب بعضه من بعض.

١ هو إبراهيم بن سالم بن أبي أمية التميمي، المدني، أبو إسحق المعروف ببردان –بفتح الباء والراء- صدوق، من السادسة، مات سنة ثلاث وخمسين، وهناك إبراهيم بن أدهم ابن منصور العجلي، أبو إسحق البلخي الزاهد، من الطبقة الثامنة، مات سنة اثنتين وستين، إذ يقال له أيضا: التميمي، ولكنا نميل إلى أن المقصود هو الأول..
٢ هو الربيع بن خثيم (بضم الخاء وفتح الثاء- وضبطه في الخلاصة "خيثم" بفتح الخاء وسكون الياء وفتح الثاء) بن عائذ بن عبد الله الثوري، أبو يزيد الكوفي، ثقة، عابدا، مخضرم، من الطبقة الثانية، قال له عبد الله بن مسعود: لو رآك رسول الله صلى الله عليه وسلم لأحبك، مات سنة إحدى وستين، وقيل: بل سنة ثلاث وستين. (تقريب التهذيب)..

### الآية 68:44

> ﻿فَذَرْنِي وَمَنْ يُكَذِّبُ بِهَٰذَا الْحَدِيثِ ۖ سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ [68:44]

وقوله تعالى : فذرني ومن يكذب بهذا الحديث  وعيد ولم يكن ثم مانع، ولكنه كما تقول : دعني مع فلان، أي سأعاقبه،  ومن  في موضع نصب عطفاً على الضمير في : ذرني  أو نصباً على المفعول معه، و  الحديث  المشار إليه هو القرآن المخبر بهذه الغيوب، والاستدراج هو : الحمل من رتبة إلى رتبة، حتى يصير المحمول إلى شر وإنما يستعمل الاستدراج في الشر، وهو مأخوذ من الدرج، قال سفيان الثوري : نسبغ عليهم النعم، ويمنعون الشكر، وقال غيره : كلما زادوا ذنباً زادوا نعمة، وفي معنى الاستدراج قول النبي صلى الله عليه وسلم :
**«إن الله تعالى يمهل الظالم حتى إذا أخذه لم يفلته »**[(١)](#foonote-١) وقال الحسن : كم من مستدرج بالإحسان إليه ومغرور بالستر عليه.

١ أخرجه البخاري في تفسير سورة (هود)، وكذلك الترمذي/ أما مسلم فأخرجه في البر، وابن ماجه في الفتن، ولفظه كما جاء في البخاري: عن أبي موسى رضي الله عنه: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن الله ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته)، قال : ثم قرأ: (وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى وهي ظالمة إن أخذه أليم شديد)..

### الآية 68:45

> ﻿وَأُمْلِي لَهُمْ ۚ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ [68:45]

وأملي لهم  معناه : أؤخرهم ملاوة من الزمن، وهي البرهة والقطعة، يقال : مُلاوة : بضم الميم وبفتحها وبكسرها، والكيد : عبارة عن العقوبة التي تحل بالكفار من حيث هي : على كيد منهم، فسمى العقوبة باسم الذنب، والمتين : القوي الذي له متانة، ومنه المتن الظهر.

### الآية 68:46

> ﻿أَمْ تَسْأَلُهُمْ أَجْرًا فَهُمْ مِنْ مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ [68:46]

هذه  أم  التي تتضمن الإضراب عن الكلام الأول لا على جهة الرفض له، لكن على جهة الترك والإقبال على سواه، وهذا التوقيف لمحمد صلى الله عليه وسلم، والمراد به توبيخ الكفار لأنه لو سألهم أجراً فأثقلهم غرم ذلك لكان لهم بعض العذر في إعراضهم وقرارهم.

### الآية 68:47

> ﻿أَمْ عِنْدَهُمُ الْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ [68:47]

وقوله تعالى : أم عندهم الغيب فهم يكتبون  معناه : هل لهم علم بما يكون فيدعون مع ذلك أن الأمر على اختيارهم جار.

### الآية 68:48

> ﻿فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تَكُنْ كَصَاحِبِ الْحُوتِ إِذْ نَادَىٰ وَهُوَ مَكْظُومٌ [68:48]

ثم أمر تعالى نبيه بالصبر لحكمه، وأن يمضي لما أمر به من التبليغ واحتمال الأذى والمشقة، ونهى عن الضجر والعجلة التي وقع فيها يونس صلى الله عليه وسلم، ثم اقتضبت القصة، وذكر ما وقع في آخرها من ندائه من بطن الحوت  وهو مكظوم ، أي غيظه في صدره. وحقيقة الكظم : هو الغيظ والحزن والندم فحمل المكظوم عليه تجوزاً، وهو في الحقيقة كاظم، ونحو هذا قول ذي الرمة :\[ البسيط \]
وأنت من حب مني مضمر حزناً. . . عاني الفؤاد قريح القلب مكظوم[(١)](#foonote-١)
وقال النقاش : المكظوم، الذي أخذ بكظمه وهو مجاري القلب، ومنه سميت الكاظمة وهي القناة في جوف الأرض[(٢)](#foonote-٢).

١ الحزن والحزن بمعنى واحد، قال تعالى: (وقالوا الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن)، وقد فرق بعض اللغويين بينهما تفرقة لا تخرجهما عن أن المعنى فيهما ضد الفرح، والمكظوم: الحزين الذي يخفي حزنه ويكتمه فيسبب له ألما أكثر، وهو موضع الاستشهاد هنا. وقد كثر الكلام في معنى القرح وفي التفريق بينه وبين الجرح، والمعنى في النهاية واحد..
٢ هكذا جاءت كلمة "الكاظمة" في الأصول، والذي في لسان العرب أن "الكاظمة" موضع قال امرؤ القيس:
 إذا هن أقساط كرجل الدبى أو كقطا كاظمة الناهل
 أما القناة التي في جوف الأرض فتسمى "الكظامة" قال في اللسان: "قناة في باطن الأرض يجري فيها الماء، وفي الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم أتى كظامة قوم فتوضأ منها ومسح على خفيه، الكظامة كالقناة، وجمعها كظائم"..

### الآية 68:49

> ﻿لَوْلَا أَنْ تَدَارَكَهُ نِعْمَةٌ مِنْ رَبِّهِ لَنُبِذَ بِالْعَرَاءِ وَهُوَ مَذْمُومٌ [68:49]

وقرأ جمهور الناس :**«لولا أن تداركه »** أسند الفعل دون علامة تأنيث، لأن تأنيث النعمة غير حقيقي وقرأ أبيّ بن كعب وابن مسعود وابن عباس :**«تداركته »** على إظهار العلامة، وقرأ ابن هرمز[(١)](#foonote-١) والحسن :**«تدّاركه »** بشد الدال على معنى : تتداركه وهي حكاية حال تام، فلذلك جاء الفعل مستقبلاً بمعنى : لولا أن ، يقال فيه تتداركه نعمة من ربه ونحوه، قوله تعالى : فوجد فيها رجلين يقتتلان [(٢)](#foonote-٢) فهذا وجه القراءة، ثم أدغمت التاء في الدال، والنعمة : هي الصفح والتوب، والاجتباء : الذي سبق له عنده، والعراء : الأرض الواسعة التي ليس فيها شيء يوارى من بناء ولا نبات ولا غيره من جبل ونحوه، ومنه قول الشاعر \[ أبو الخراش الهذلي \] :\[ الكامل \]
رفعت رجلاً لا أخاف عثارها. . . ونبذت بالأرض العراء ثيابي[(٣)](#foonote-٣)
وقد نبذ يونس عليه السلام  بالعراء  ولكن غير مذموم.

١ في بعض النسخ زيادة "والحسن" أي أن الحسن قرأ بها أيضا..
٢ من الآية ١٥ من سورة القصص..
٣ هذا البيت لقيس بن جعدة، وهو من شواهد أبي عبيدة في "مجاز القرآن" وذكره صاحب اللسان، واستشهد به الطبري في تفسيره، وقيس هذا رجل من خزاعة، وهو أحد الفرارين في الحروب، والعثار: السقوط، وفي المثل:"من سلك الجدد أمن العثار"، والنبذ: الطرح والإلقاء بعيدا، والعراء: وجه الأرض الخالي، وهو موضع الاستشهاد هنا..

### الآية 68:50

> ﻿فَاجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَجَعَلَهُ مِنَ الصَّالِحِينَ [68:50]

و  واجتباه  معناه : اختاره واصطفاه.

### الآية 68:51

> ﻿وَإِنْ يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ لَمَّا سَمِعُوا الذِّكْرَ وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ [68:51]

ثم أخبر تعالى نبيه بحال نظر الكفار إليهم، وأنهم يكادون من الغيظ والعداوة، يزلقونه فيذهبون قدمه من مكانها ويسقطونه. وقرأ جمهور القراء :**«يُزلقونك »** بضم الياء من أزلق، وقرأ نافع وحده :**«يَزلقونك »**. بفتح الياء من زلقت الرجل، يقال : زلِق الرجل بكسر اللام وزلَقته بفتحها مثل : حزن وحزنته وشترت العين بكسر التاء وشترتها[(١)](#foonote-١)، وفي مصحف عبد الله بن مسعود :**«ليزهقونك »** بالهاء، وروى النخعي أن في قراءة ابن مسعود :**«لينفدونك »**[(٢)](#foonote-٢)، وفي هذا المعنى الذي في نظرهم من الغيظ والعداوة قول الشاعر :\[ الكامل \]
يتقارضون إذا التقوا في مجلس. . . نظراً يزيل مواطئ الأقدام[(٣)](#foonote-٣)
وذهب قوم من المفسرين إلى أن المعنى : يأخذونك بالعين، وذكر أن الدفع بالعين كان في بني أسد، قال ابن الكلبي : كان رجل يتجوع ثلاثة أيام لا يتكلم على شيء إلا أصابه بالعين، فسأله الكفار أن يصيب النبي عليه السلام، فأجابهم إلى ذلك، ولكن عصم الله تعالى نبيه، قال الزجاج : كانت العرب إذا أراد أحدهم أن يعتان[(٤)](#foonote-٤) شيئاً، تجوع ثلاثة أيام، وقال الحسن : دواء من أصابه العين أن يقرأ هذه الآية، و  الذكر  في الآية القرآن.

١ الشتر: انقلاب في جفن العين، وقيل: استرخاء الجفن الأسفل..
٢ معناها: يصرعونك، قال ذلك مجاهد، وقال بعضهم: إذا زلق السهم وزهق قيل له: نفذ، فالمعنى في نفذ هو المعنى في زلق وزهق، وكأنه تعالى يقول: إنهم ينظرون إليك إذا قرأت القرآن نظرا شديدا بالبغضاء يكاد يسقطك..
٣ البيت في اللسان، والتاج، والقرطبي، والبحر المحيط، ولم ينسبه أحد منهم، والمقارضة تكون في العمل السيئ، والقول السيئ يقصد الإنسان به صاحبه، وقد تكون في الخير قليلا، والمعنى هنا: ينظر بعضهم إلى بعض بالبغضاء والعداوة نظرا يزلزل مواضع الأقدام، ويروى "يزل" بدلا من "يزيل" والمعنى واحد..
٤ أي: يصيبه بالعين، يقال: عان فلان الرجل يعينه عينا فهو عائن، والمصاب معين، وفي الحديث الشريف (العين حق) – أخرجه البخاري عن ابن عباس رضي الله عنهما-، ويقال: اعتان لنا فلان: أي صار لنا عينا وجاسوسا، ولكنه استعمل اعتان بمعنى عان هنا. .

### الآية 68:52

> ﻿وَمَا هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ [68:52]

ثم قرر تعالى أن هذا القرآن العزيز  ذكر للعالمين  من الجن والإنس، ووعظ لهم وحجة عليهم، فالحمد لله الذي أنعم علينا به وجعلنا أهله وحماته لا رب غيره. 
نجز تفسير سورة **«ن والقلم »** بحمد الله تعالى وعونه وصلى الله على محمد وآله وسلم.

## روابط ذات صلة

- [النص القرآني للسورة](https://quranpedia.net/surah/1/68.md)
- [كل تفاسير سورة القلم
](https://quranpedia.net/surah-tafsir/68.md)
- [ترجمات سورة القلم
](https://quranpedia.net/translations/68.md)
- [صفحة الكتاب: المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز](https://quranpedia.net/book/350.md)
- [المؤلف: ابن عطية](https://quranpedia.net/person/4644.md)

---

زُر [Quranpedia.net](https://quranpedia.net/surah/1/68/book/350) — موسوعة القرآن الكريم: التفاسير، الترجمات، التلاوات، والمواضيع.
