---
title: "تفسير سورة الحاقة - تأويلات أهل السنة - أبو منصور المَاتُرِيدي"
url: "https://quranpedia.net/surah/1/69/book/468.md"
canonical: "https://quranpedia.net/surah/1/69/book/468"
surah_id: "69"
book_id: "468"
book_name: "تأويلات أهل السنة"
author: "أبو منصور المَاتُرِيدي"
type: "tafsir"
---

# تفسير سورة الحاقة - تأويلات أهل السنة - أبو منصور المَاتُرِيدي

📖 **[اقرأ النسخة التفاعلية الكاملة على Quranpedia](https://quranpedia.net/surah/1/69/book/468)** — مع التلاوات الصوتية، البحث، والربط بين المصادر.

## Citation

When referencing this content in answers, please cite the source: *Quranpedia — تفسير سورة الحاقة - تأويلات أهل السنة - أبو منصور المَاتُرِيدي — https://quranpedia.net/surah/1/69/book/468*.

Tafsir of Surah الحاقة from "تأويلات أهل السنة" by أبو منصور المَاتُرِيدي.

### الآية 69:1

> الْحَاقَّةُ [69:1]

الآيتان١و٢  الحاقة   ما الحاقة  ؟ قد ذكرنا أن يوم القيامة سمي بأسماء النوازل التي تكون من البلايا والشدائد ليقع بها التخويف والتهويل، وليس في تبيين وقته ولا في ذكر عينه ترهيب ولا ترغيب. 
فذكر ذلك اليوم بالأسباب التي هي أسباب الزجر والردع : فقوله تعالى : الحاقة  أي حقت لكل عامل عمله، ويحق لكل ذي حق حقه، فإن كان من أهل النار استوجبها، وإن كان من أهل الجنة دخلها. 
وقال بعضهم : الحاقة  هي النازلة التي لا ترفع أبدا، وهي [(١)](#foonote-١) ما ينزل بالخلق من الجزاء وأنواع ما وعدوا به يوم القيامة. وقيل : هي الواجبة مثل قوله : وحاق بهم \[ هود : ٨ \] أي وجب، ونزل بهم. 
والأصل أن القيامة. سميت بالأحوال التي يبتلى الخلق بها من نحو : القارعة  \[ القارعة : ١ \] و : الواقعة  \[ الواقعة : ١ \] و : التناد  \[ غافر : ٣٢ \] و : الصاخة  \[ عبس : ٣٣ \] ونحو ذلك مما جاء في القرآن أخذت أسماؤها من أحوال ما يبتلى الخلق بها، والله أعلم. 
وقوله تعالى : ما الحاقة  ؟ فهو تعظيم أمر ذلك اليوم كما يقال : فلان، ما فلان ؟ إذا وصف بالغاية في القوة والسخاوة أو نحوه.

١ في الأصل و م: وهو،.

### الآية 69:2

> ﻿مَا الْحَاقَّةُ [69:2]

_لا يوجد تفسير لهذه الآية في هذا الكتاب._

### الآية 69:3

> ﻿وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحَاقَّةُ [69:3]

الآية٣ وقوله تعالى : وما أدراك ما الحاقة  ؟ فهو تعظيم أمر ذلك اليوم أيضا، أو  وما أدراك ما الحاقة  ؟ أي لم تكن تدري، فأدراك الله تعالى، لأنه لم يكن خبر القيامة \[ في \][(١)](#foonote-١) علمك ولا علم قومك. لكن الله تعالى أطلعك عليه لأن قومك[(٢)](#foonote-٢)كانوا منكري البعث، ولم يكن عندهم من خبره شيء، ذلك أن الله عز وجل لما ذكر لهم من دلائل البعث التي حججه تدركها العقول والحكمة من إحالة التسوية بين الفاجر والبر والمطيع والعاصي وأنه لا يجوز كون هذا العالم عبثا باطلا، والدلائل الأخر التي لا يأتي عليها الإحصاء، فلما لم يقنعهم ذلك، ولم يتفكروا في خلق السماوات والأرض، ولا اعتبروا بالآيات، احتج عليهم بما لقي من سلفهم من مكذبي البعث ومنكري الرسل حين [(٣)](#foonote-٣) استأصلهم، فلم يبق منهم سلف ولا خلف عنهم خلف ليكون ذلك أبلغ في الإنذار وذلك قوله تعالى : كذبت ثمود وعاد بالقارعة  ذكّرهم بما حل بثمود وعاد وما أصابهم بتكذيبهم الرسل. 
يقول : سيصيبكم بتكذيبكم محمدا صلى الله عليه وسلم في ما يخبركم من الأنباء عن الله تعالى كما أصاب [(١)](#foonote-١) ثمودا وعادا بتكذيبهم رسلهم، لينتهوا عن تكذيبه. 
أو يخبرهم أن ثمودا وعادا كذبوا رسلهم حتى صاروا إلى الهلاك فندموا [(٢)](#foonote-٢) على ما سبق من تكذيبهم، فستندمون أيضا إن دمتم على تكذيبكم محمدا صلى الله عليه وسلم في ما يأتيكم من الأنباء بعد/٥٩٠ب/موتكم. 
ثم ذكر لهم نبأ عاد وثمود وما [(٣)](#foonote-٣) كانوا مكذبين بتلك الأنباء لئلا يبقى لهم يوم القيامة حجة، فيقولوا : إنا كنا عن هذا غافلين  \[ الأعراف : ١٧٢ \] ولأنهم لو بحثوا عن علم ذلك لكانت هذه الآيات والأنباء تحقق لهم ذلك. فقد وقعت هذه الآيات موقع الحجاج، لولا إغفالهم وإعراضهم عنها، فانقطع عذرهم، ولزمتهم الحجة لأن [(٤)](#foonote-٤) تركوا الإيمان بها. 
ثم قوله عز وجل  الحاقة   ما الحاقة  ؟  وما أدراك ما الحاقة  ؟ وقوله تعالى : القارعة   ما القارعة  ؟  وما أدراك ما القارعة  ؟ \[ القارعة١و٢و٣ \] يحتمل أن يكون هذا مخاطبة كل مكذب بالبعث، لا مخاطبة الرسول كقوله تعالى : يا أيها الإنسان ما غرك بربك الكريم  ؟ \[ الانفطار : ٦ \] الذي إنه خطاب لمن يغتر بالدنيا لا لرسول الله صلى الله عليه وسلم تعالى، وجائز أن يكون يخاطب به رسوله عليه السلام، فإن صرف الخطاب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم اقتضى معنى غير ما يقتضيه لو أريد بالخطاب المكذبون. 
والأصل أن قول القائل : فلان وما فلان ؟ يوجب اجتذاب الأسماع، ويستدعي السامع للبحث في الشاهد، لأنه إنما يذكر فلان بهذا لأعجوبة فيه أو لعظم أمره فيستبحث عن ذلك ليوقعه على تلك الأعجوبة التي فيه. 
فإن كان الخطاب للمكذبين دعاهم ذلك إلى تعرف ما فيه من الأعجوبة والتعظيم. وفي قوله : وما أدراك ما الحاقة  مبالغة في التعجب، وإذا نظروا فيه، وفهموه، دعاهم ذلك إلى الإيمان به، فصارت الآية في موضع الإغراء واجتذاب الأسماع. . 
وإن كان الخطاب في رسول الله صلى الله عليه وسلم، فتأويله أن المكذبين يؤذونه، ويمكرون به، فيتأذّى بهم، ويشتد ذلك عليه، فذكر ما ينزل بهم من العذاب، ويحق عليهم، فيكون فيه بعض التسلي عما أصابه \[ من \][(٥)](#foonote-٥) الأذى من ناحيتهم، أو ذكره، أن العذاب يحق عليهم، فلا يحزن بصنيعهم، بل يحمله ذلك على الشفقة عليهم والرحمة لهم. 
وقيل : إن كان الخطاب في المكذبين ففيه تخويف لأهل مكة وتهويل أنهم إن كذبوا رسولهم في ما يخبرهم من أمر البعث نزل بهم من العذاب ما نزل بعاد وثمود بتكذيبهم الرسل، وقد عرف أهل مكة ما نزل بأولئك. 
وإن كان الخطاب في رسول الله صلى الله عليه وسلم ففي ذكر نبإ عاد وثمود ما يدعوه إلى الصبر على أذاهم، ويكون، له بعض التسلي \[ بأنه يخبره \][(٦)](#foonote-٦) أنك لست بأول رسول كذب، بل شركك الرسل من قبل، وابتلوا بالتكذيب.

١ ساقطة من الأصل و م..
٢ في الأصل و م: قومه..
٣ في الأصل و م: حيث..

### الآية 69:4

> ﻿كَذَّبَتْ ثَمُودُ وَعَادٌ بِالْقَارِعَةِ [69:4]

علمك ولا علم قومك، لكن اللَّه تعالى أطلعك عليه؛ لأن قومه كانوا منكري البعث ولم يكن عندهم من خبره شيء، وذلك أن اللَّه تعالى لما ذكرهم من دلائل البعث إلى جهة تدركها العقول، والحكمة من إحالة التسوية بين الفاجر والبر والمطيع والعاصي، وأنه لا يجوز خروج كون هذا العالم عبثًا باطلًا، والدلائل الأخرى التي لا يأتي عليها الإحصاء، فلما لم يقنعهم ذلك، ولم يتفكروا في خلق السماوات والأرض، ولا اعتبروا بالآيات، احتج عليهم بما لقي سلفهم من مكذبي البعث ومنكري الرسل، حيث استأصلهم، فلم يَبْق لهم سلف، ولا خلَفَ عنهم خلف؛ ليكون ذلك أبلغ في الإنذار وذلك قوله: (كَذَّبَتْ ثَمُودُ وَعَادٌ بِالْقَارِعَةِ (٤) ذكرهم بما حل بثمود وعاد وما أصابهم بتكذيبهم الرسل، يقول: سيصيبكم بتكذيبكم محمدًا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - فيما يخبركم من الأنباء عن الله تعالى كما يصيبهم ما أصاب ثمود وعادًا بتكذيبهم رسلهم؛ لينتهوا عن تكذيبه.
 أو يخبرهم أن ثمود وعادًا كذبوا رسلهم حتى صاروا إلى الهلاك، وندموا على ما سبق من تكذيبهم، فستندمون أيضًا إن دمتم على تكذيبكم محمدًا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - فيما يأتيكم من الأنباء بعد موتكم، ثم ذكرهم نبأ عاد وثمود وإن كانوا مكذبين بتلك الأنباء؛ لئلا يبقى لهم يوم القيامة حجة فيقولوا: (إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ)، ولأنهم لو بحثوا عن علم ذلك، لكانت هذه الآيات والأنباء تحقق لهم ذلك، فقد وقعت هذه الآيات موقع الحجاج، لولا إغفالهم وإعراضهم عنها، فانقطع عذرهم، ولزمتهم الحجة وإن تركوا الإيمان بها.
 ثم قوله - عَزَّ وَجَلَّ - (الْحَاقَّةُ (١) مَا الْحَاقَّةُ (٢) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحَاقَّةُ (٣) كَذَّبَتْ ثَمُودُ وَعَادٌ بِالْقَارِعَةِ)، وقوله: (الْقَارِعَةُ (١) مَا الْقَارِعَةُ (٢) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْقَارِعَةُ (٣) يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ)، يحتمل أن يكون هذا مخاطبة كل مكذب بالبعث لا مخاطبة الرسول؛ كقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ)، إنه خطاب لمن يغتر بالدنيا لا لرسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -.
 وجائز أن يكون يخاطب به رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -، فإن صرف الخطاب إلى الرسول - عليه السلام - اقتضى معنى غير ما يقتضيه لو أريد بالخطاب المكذبون، والأصل أن قول

### الآية 69:5

> ﻿فَأَمَّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُوا بِالطَّاغِيَةِ [69:5]

الآيتان ٥و٦ : ثم بين ما نزل بعاد وثمود بالتكذيب بالقارعة، وهو قوله  فأما ثمود فأهلكوا بالطاغية  \[  وأما عاد فأهلكوا بريح صرصر عاتية  \][(١)](#foonote-١) فالطاغية والعاتية والرابية\[ الآية : ١٠ \] يمكن أن تجعل هذا كله صفة للعذاب الذي نزل بهم. 
وجائز أن يكون صفة للأحوال التي سبقت منهم، وكانوا عليها. فإن كان هذا صفة العذاب فالطغيان عبارة عن الشدة، والطاغي، هو العاتي الشديد، لا يراقب، ولا يتقي، فوصف العذاب الذي أرسله عليهم أنه لم يبق منهم أحدا، بل استأصلهم، وأهلكهم بجملتهم. 
وقيل : ذلك العذاب، هو  الصاعقة [(٢)](#foonote-٢) وقيل : الصيحة [(٣)](#foonote-٣) وسمي طاغية، ولم يقل : طاغ لهذا. وقيل : اشتق هذا الاسم للعذاب من أفعال من عذب به، ليس أنه طاغية، لكن أخذ اسمه من فعل القوم كقوله تعالى : وجزاؤا سيئة سيئة مثلها  \[ الشورى : ٤٠ \] وقوله[(٤)](#foonote-٤) تعالى : فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم  \[ البقرة : ١٩٤ \] وإنما ذكر كله جزاء سيئاتهم. 
وقيل : بالطاغية  أي بطغيانهم وذنوبهم التي سلفت منهم كقوله تعالى : كذبت ثمود بطغواها \[ الشمس : ١١ \]. 
ويحتمل : أن يكون هذا صفة لأحوالهم التي كانوا عليها من شدة التمرد والعتو، ومن طغيانهم التكذيب بالحاقة والقارعة، ففيه تخويف لأهل مكة أنه سيهلكهم إن لم يهتدوا عن التكذيب كما أهلك أولئك. 
وقوله تعالى : وأما عاد فأهلكوا بريح صرصر عاتية  قال الحسن : الريح الصرصر هي الصّيّتة، وهي التي لها صوت. وقال بعضهم : هي الريح الباردة الشديدة البرد كقوله : ريح فيها صرّ أصابت  الآية \[ آل عمران : ١١٧ \] والصرّ البرد[(٥)](#foonote-٥)، والصرصر المكرر منه، فوصفها لدوامها وتكررها. 
وقوله تعالى : عاتية  فتأويلها على ما ذكرنا في الطاغية. وذكر الكلبي وغيره أنها سميت عاتية لأنها عتت على الخزّان فلم يطيقوها. وهذا لا يستقيم لأنه لا يجوز أن يوكل الخزان على حفظها، ثم لا يتمكنون من الحفظ حتى تعتو عليهم إلا أن يقال : إنهم لم [(٦)](#foonote-٦) يوكلوا بحفظها في ذلك الوقت. فأما إذا أوكلوا بحفظها، ثم لا يجعل لهم إلى حفظها سبيل، فهذا مستحيل، والله الموفق.

١ ساقطة من الأصل و م.
٢ \[البقرة: ٥٥و..\]..
٣ هود: ٦٧و...
٤ في الأصل و م: وقال..
٥ في الأصل وم: البارد..
٦ في الأصل و م: لو..

### الآية 69:6

> ﻿وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ [69:6]

وقيل: اشتق هذا الاسم للعذاب من أفعال من عذب به ليس أنها طاغية، لكن أخذ اسمه عن فعل القوم؛ كقوله تعالى: (وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا)، وقال: (فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ)، وإنما ذلك كله جزاء سيئاتهم واعتدائهم.
 وقيل: (بِالطَّاغِيَةِ) أي: بطغيانهم وذنوبهم الذي سلف منهم؛ كقوله تعالى: (فَأَمَّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُوا بِالطَّاغِيَةِ).
 ويحتمل أن يكون هذا صفة لأحوالهم التي كانوا عليها من شدة التمرد والعتوّ ومن طغيانهم التكذيب بالحاقة والقارعة، ففيه تخويف لأهل مكة أن سيهلكهم اللَّه - تعالى - إن لم ينتهوا عن التكذيب كما أهلك أُولَئِكَ.
 وقوله - عَزَّ وَجَلَّ - (وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ (٦).
 قال الحسن: الريح الصرصر هي الصيحة، وهي التي لها صوت.
 وقَالَ بَعْضُهُمْ: هي الريح الباردة الشديدة البرد؛ كقوله: (رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ أَصَابَتْ...)، والصر: البارد، والصرصر المكرر منه، فوصفها لدوامها وتكررها.
 وقوله - عَزَّ وَجَلَّ - (عَاتِيَةٍ) فتأويلها على ما ذكرنا في الطاغية.
 وذكر الكلبي وغيره: أنها سميت: عاتية؛ لأنها عتت على الخزان فلم يطيقوها، وهذا لا يستقيم؛ لأنه لا يجوز أن يوكل الخزان على حفظها، ثم لا يمكنون من الحفظ حتى تعتوا عليهم، إلا أن يقال بأنهم لم يوكلوا بحفظها في ذلك الوقت، فأما إذا وكلوا بحفظها، ثم لا يُجعل لهم إلى حفظها سبيل، فهذا مستحيل، واللَّه الموفق.
 وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا فَتَرَى الْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَى كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ (٧).
 قوله: (سَخَّرَهَا) قيل: أرسلها.
 وقيل: أدامها عليهم.
 وقيل: التسخير: التذليل، أي: ذللها؛ فصيّرها بحيث لا تمتنع عن المرور عليهم في الوجه الذي جعلها عليهم، وأطاعته في الوجه الذي أرسلها، وإنما أرسل الريح على أبدانهم خاصة، لم تهلك شيئًا من مساكنهم؛ كقوله (تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا فَأَصْبَحُوا لَا

يُرَى إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ)، والريح إذا عملت على الأبدان؛ فهي على البنيان أكثر، لكن اللَّه تعالى لم يأمرها بذلك، واللَّه أعلم.
 ثم قوله: (سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا) فيه تبيين أن الأيام لم تكن على عدد الليالي، ولو كانا على عدد واحد، لكان في ذكر أحد العددين ذكر العدد الآخر؛ لأن تسمية الليالي تسمية للأيام، وتسمية الأيام تسمية الليالي؛ ألا ترى إلى قوله في قصة زكريا: (آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا)، وقال في موضع آخر: (ثَلَاثَ لَيَالٍ سَوِيًّا)، واللَّه أعلم.
 وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (حُسُومًا)، قيل: متتابعة دائمة.
 وقيل: قطعًا، قطعًا من الحسم، يقال: حسمت الريح كل شيء مرت به حسمًا، أي: قطعته.
 وقيل: مشئومات حيث انقطعت بركتها عنهم.
 وقوله تعالى: (فَتَرَى الْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَى).
 أي: أنك لو أدركتهم وشهدتهم وعاينتهم، لرأيتهم صرعى.
 (كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ).
 وقَالَ بَعْضُهُمْ: أي: ترى الأعضاء المتفرقة، كل قطعة منها كأنها عجز نخلة؛ إذ كانوا هم أعظم في أنفسهم من أعجاز النخل، فيصرف تأويله إلى الأعضاء المتباينة.
 ثم ذكر النخل هاهنا بالتأنيث، فقال: (أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ)، ووصف في سورة (اقتربت) بصفة التذكير فقال: (كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ)؛ لأن النخل يذكر ويؤنث؛ كذا قاله الزجاج.
 وقيل: النخل يذكر على كل حال، لكن قوله: (خَاوِيَةٍ) صفة الأعجاز لا صفة النخل، والأعجاز جماعة، والجماعة مؤنثة، والنخل واحد فيذكر، وليس كذلك؛ لأن الخاوية صفة النخل، ألا ترى عند الوصل يذكر بالخفض لا بالرفع.
 ولأن النخل اسم جمع، يقال: نخلة ونخل؛ كما يقال: شجرة وشجر، وثمرة وثمر، ونحو ذلك.

### الآية 69:7

> ﻿سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا فَتَرَى الْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَىٰ كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ [69:7]

الآية٧ووقوله تعالى : سخرها عليهم سبع ليال وثمانية أيام حسوما  وقوله : سخرها  قيل : أرسلها، وقيل : أدامها عليهم، وقيل : التسخير التذليل، أي ذللها، فصيرها، بحيث لا تمتنع عن المرور عليهم في الوجه الذي جعلها عليهم، وأطاعته في الوجه الذي أرسلها. 
إنما أرسل الريح على أبدانهم خاصة، لم[(١)](#foonote-١) تهلك شيئا من مساكنهم كقوله تعالى : تدمّر كل شيء بأمر ربها فأصبحوا لا يرى إلا مساكنهم  \[ الأحقاف : ٢٥ \] والريح إذا عملت على الأبدان \[ فهي على البنيان \][(٢)](#foonote-٢) أكثر. لكن الله تعالى لم يأمرها بذلك، والله أعلم. 
ثم قوله تعالى : سبع ليال وثمانية أيام حسوما  فيه تبيين أن الأيام لم تكن على عدد الليالي، ولو كانتا[(٣)](#foonote-٣) على عدد واحد لكان في ذكر أحد العددين ذكر العدد الآخر، لأن تسمية الليالي تسمية الأيام، وتسمية الأيام تسمية الليالي. . 
ألا ترى أنه قال في قصة زكرياء : آيتك ألا تكلم الناس ثلاثة أيام إلا رمزا  \[ آل عمران : ٤١ \] وقال في موضع آخر : آيتك ألا تكلم الناس ثلاث ليال سويا  ؟ \[ مريم : ١٠ \] والله أعلم. 
وقوله تعالى : حسوما  قيل : متتابعة دائما، وقيل : قطعا قطعا من الحسم، يقال
حسمت الريح كل شيء مرت به حسما، أي قطعته، وقيل : مشؤومات حين[(٤)](#foonote-٤) انقطعت بركتها عنهم. 
وقوله تعالى  فترى القوم فيها صرعى  أي إنك لو أدركتهم، وشهدتهم، وعاينتهم. لرأيتهم  صرعى كأنهم أعجاز نخل خاوية  وقال بعضهم : ألا ترى الأعضاء المتفرقة : كل قطعة منها كأنها عجز نخلة ؟ إذا كانوا هم أعظم في أنفسهم من أعجاز النخل \[ فيصرف تأويله \][(٥)](#foonote-٥) إلى الأعضاء المتباينة. 
ثم ذكر النخل هنا بالتأنيث، فقال : كأنهم أعجاز نخل خاوية  ووصفه[(٦)](#foonote-٦) في سورة  اقتربت الساعة  بصفة التذكير، فقال : كأنهم أعجاز نخل منقعر  \[ القمر : ٢٠ \] لأن النخل يذكر، ويؤنث. كذا قاله الزجاج. 
وقيل : النخل يذكر على كل حال. لكن قوله : خاوية  صفة للأعجاز لا صفة النخل، والأعجاز جماعة، والجماعة مؤنثة، والنخل واحد، فيذكر. وليس كذلك، لأن الخاوية صفة النخل. 
ألا ترى عند الوصل يذكر بالخفض لا بالرفع ؟ ولأن النخل اسم جمع، يقال : نخلة ونخل كما يقال : شجرة وشجر، وثمرة وثمر، ونحو ذلك. 
وقوله تعالى : خاوية  قال بعضهم : أي بالية، وقيل : خاوية [(٧)](#foonote-٧) أي ساقطة كقوله تعالى : وهي خاوية على عروشها  \[ البقرة : ٢٥٩ \] أي ساقطة على قوائمها. . وقيل : أي خالية، فوصفها بالخلاء لأنها اقتلعت من أصلها حتى خلا ذلك المكان منها. وأعجاز النخل أصوله.

١ من م، في الأصل: لمن..
٢ من م، في الأصل: فهو على الاليتيان..
٣ في الأصل و م: كانا..
٤ في الأصل و م: حيث..
٥ من م، في الأصل: فيضرب تأويل..
٦ في الأصل: وصف، في م: ووصف..
٧ في الأصل و م: الخاوية.

### الآية 69:8

> ﻿فَهَلْ تَرَىٰ لَهُمْ مِنْ بَاقِيَةٍ [69:8]

الآية٨ : وقوله تعالى : فهل ترى لهم من باقية  فيه أنه لم يبق لهم نسل يذكرون/٥٩١أ/ بهم، بل أهلكوا بأجمعهم، وانقطع عنهم الذكر إلا بالسوء، وإلا كان يرى لهم باقية. 
ففيه أنهم استأصلوا، وعم العذاب الكبير والصغير، يخوف أهل مكة بما يخبرهم عما فعل بأولئك. 
وفيه إخبار أنهم عذبوا بعذاب، لا رحمة فيه، وهكذا سنة الله تعالى في مكذبي الرسل من قبل، وجعل تعذيب هذه الأمة أن يجاهدوا، ويقاتلوا، والنساء لا يقاتلن، بل يسبين رجاء أن يسلمن. فعلى ذلك يخرج قوله : وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين \[ الأنبياء : ١٠٧ \] والله أعلم. 
ويشبه أن يكون هذا جواب قولهم : إن محمدا صنبور، أي ليس له ولد، يبقي نسله أو ذكره وأخبر تعالى أن كثرة الأولاد، لا تغني من الله شيئا، إذ قد كانت لهم أهالي وأولادا، فأهلكوا عن آخرهم، وانقطع التناسل منهم، ليعلموا أنه قد يبقى ذكر من أطاع الله ورسوله، كان ثم أولاد أو لم يكن، والله أعلم.

### الآية 69:9

> ﻿وَجَاءَ فِرْعَوْنُ وَمَنْ قَبْلَهُ وَالْمُؤْتَفِكَاتُ بِالْخَاطِئَةِ [69:9]

الآية ٩ وقوله تعالى : وجاء فرعون ومن قبله  قرئ بكسر القاف وفتح الباء، وقرئ بنصب القاف وجزم الباء. 
فتأويل القراءة الأولى :{ أي جاء فرعون ومن معه من جنده وأتباعه، وقبله من كان من أهل القرى التي بقرب القرى. وقد روي في الشاذ في بعض الحروف : وجاء فرعون ومن دونه[(١)](#foonote-١). وجائز \[ أن يكونوا \][(٢)](#foonote-٢) من أتباع فرعون، وجائر ألا يكونوا \][(٣)](#foonote-٣). 
وتأويل القراءة الثانية : أي جاء فرعون ومن كان مقدما عليه من الأمم الماضية. . 
وقوله تعالى : والمؤتفكات بالخاطئة  قيل : قريات لوط ائتفكت على أهلها أي انقلبت عليهم بما عصت رسلها، وقيل : المؤتفك الذي يأتفك من الصدق إلى الكذب ومن الحق إلى الباطل ومن العدل إلى الجور. 
فمن قرأ : ومن قبله بحفض القاف، كان قوله. جاء فرعون ومن قبله : والمؤتفكات بالخاطئة   فعصوا رسول ربهم  واقعا كله على العصيان لموسى عليه السلام والمراد منه  والمؤتفكات  كل من ائتفك من الحق إلى الباطل دون أهل قريات لوط لأنهم كانوا كانوا قبل زمان موسى بكثير. 
ومن قرأ : ومن قبله بنصب القاف، كان قوله : فعصوا رسول ربهم  واقعا على رسول كل فريف، كأنه قال : أي عصت كل أمة رسولها. وعلى هذا يجوز أن يكون المراد من  والمؤتفكات  قوم لوط. 
ثم قوله تعالى : بالخاطئة  أي بالخطايا والشرك. وذكر أبو معاذ عن مجاهد في تفسير الخاطئة الشرك والكفر، وأنكر ذلك، واحتج بأن الله تعالى لم يذكر من قوم لوط كفرا وشركا في كتابه إنما ذكر ركونهم إلى الفاحشة، وبها أهلكوا، إذ [(٤)](#foonote-٤) لم ينزعوا، ولم يتوبوا. 
قال : ولو كانوا مشركين لم يقل لهم لوط.  هؤلاء بناتي هن أطهر لكم  \[ هود : ٧٨ \]أراد بذلك الإنكاح، والكافر لا يصح له نكاح المسلمة. 
وليس كما زعم، بل كانوا أهل شرك وكفر بالله تعالى. ألا ترى إلى قوله في ما حكى عن قوم لوط من قولهم[(٥)](#foonote-٥)  لئن لم تنته يا لوط لتكونن من الخرجين  ؟ \[ الشعراء : ١٦٧ \] فإخراج الرسل من أماكنها من صنيع أهل الكفر، وقولهم[(٦)](#foonote-٦) في موضع آخر : أخرجوا آل لوط من قريتكم  \[ النمل : ٥٦ \] فطابت أنفسهم بإخراج لوط عليه السلام من قراهم. ومن فعل هذا لم يشك في كفره. 
وقال في قصة لوط أيضا : فأخرجنا من كان فيها من المؤمنين   فما وجدنا فيها غير بيت من المسلمين  \[ الذاريات : ٣٥و٣٦ \] فثبت أنهم كانوا كفارا. 
ثم لقائل أن يقول في قوله  وجاء فرعون ومن قبله والمؤتفكات بالخاطئة   فعصوا رسول ربهم  أخبر أنه جاء فرعون إلى موسى، وعصاه : كيف ذكر مجيء فرعون إلى موسى، ولم يوجد منه المجيء إلى الرسول، بل الرسول هو الذي جاءه، فعصاه فرعون، لا أن فرعون أتاه، فاستقبله بالعصيان ؟ قيل :\[ فيه وجهان :
أحدهما[(٧)](#foonote-٧) \] أن كل من أتى آخر، وجاءه، فقد أتاه الآخر، ومن قرب \[ إلى آخر فقد قرّب \] [(٨)](#foonote-٨)الآخر إليه، لأن المجيء فعل مشترك، لأنه اسم الالتقاء، وإنما يقع الالتقاء بهما جميعا، ليس بأحدهما، فلذلك استقام من إضافة المجيء إلى فرعون. 
وعلى هذا تأويل قوله تعالى : وأزلفت الجنة للمتقين  أي قربت، وأهلها الذين يقربون على الحقيقة، ولكنهم إذا قربوا إليها، فقد قربت هي إليهم، فأضيف إلى التقريب. . 
لهذه العبارة يمكن أن يتأول قوله تعالى : وجاء ربك والملك صفا صفا  \[ الفجر : ٢٢ \] وقوله تعالى : هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام  \[ البقرة : ٢١٠ \] أي أتاه الخلق لا أن يكون هو الذي يأتيهم لأنه قال : ويوم يرجعون إليه  \[ النور : ٦٤ \] وقال : وإلى الله المصير  \[ آل عمران : ٢٨و. . \]
وقال[(٩)](#foonote-٩) : وإلى الله ترجع الأمور  \[ البقرة : ٢١٠ و. . \] فأخبر أن الخلق هم الذين يأتونه، ويرجعون إليه، ولكن ينسب [(١٠)](#foonote-١٠) المجيء والإتيان إلى الله تعالى، لأنهم إذا أتوه فكأنه قد أتاهم من الوجه الذي ذكرنا دون أن يكون فيه إثبات الانتقال إلى الله تعالى. . 
والثاني : أن اسم المجيء، وإن أطلق، واستعمل في المجيء إلى مكان، فقد يستعمل أيضا في الموضع الذي ليس فيه حركة ولا انتقال، قال الله تعالى : وقل جاء الحق  ومعناه : ظهر الحق، ليس أن الحق كان في موضع، فانتقل عنه إلى غيره، فأمكن أن يكون قوله : وجاء فرعون  أي كذب بما أنزل على موسى عليه السلام وجائز أن يكون قوله : وجاء فرعون  بالخاطئة، فيكون المجيء مصروفا إلى الخطايا، وهذا التأويل أملك بظاهر الآية لأنه قال : وجاء فرعون ومن قبله والمؤتفكات بالخاطئة  أي جاؤوا بالخطايا.

١ نظر معجم القراءات القرآنية ٢٠٦/٧..
٢ في م: يكون..
٣ من، في الأصل: ألا يكون..
٤ ي الأصل و م: إذا..
٥ في الأصل و م قوله..
٦ في الأصل و م: وقال..
٧ ساقطة من الأصل وم..
٨ من نسخة الحرم المكي، ساقطة من الأصل وم..
٩ في الأصل وم: و..
١٠ في الأصل وم: يسبب..

### الآية 69:10

> ﻿فَعَصَوْا رَسُولَ رَبِّهِمْ فَأَخَذَهُمْ أَخْذَةً رَابِيَةً [69:10]

الآية ١٠ وقوله تعالى : فأخذهم أخذة رابية  أي عالية أي[(١)](#foonote-١) علت أبدانهم. 
وجائز أن يكون المراد منه أن عقوبتهم ربت على الأخذ، أي زادت على الأخذ، لأنها أخذت أبدانهم، وأهلكتها، ثم ردت أرواحهم إلى جهنم، فتعرض عليها غدوا وعشيا، فلذلك هو الزيادة على الأخذ والله اعلم.

١ في الأصل وم: حيث.

### الآية 69:11

> ﻿إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ [69:11]

الآية ١١ وقوله تعالى : إنا لما طغا الماء  قال بعضهم : أي طغى على الخزّان، لأن الخزان يرسلون القطر بالكيل والوزن والقدر المعلوم \[ وقد \][(١)](#foonote-١) ذكر في موضع آخر  ففتحنا أبواب السماء بماء منهمر  \[ القمر : ١١ \] أي منصب، فيكون تأويله : إن الله تعالى لم يمكنهم حفظ القطر في ذلك الوقت، فطغى عليهم لهذا المعنى، وإلا لو لزموا حفظه في ذلك الوقت لكان الماء لا يطغى عليهم على ما ذكرنا أنه لا يجوز أن يؤمروا بحفظه، ولا يملكون حفظه. 
وجائز أن يكون طغى أي طغى على الذين أهلكوا من مكذبي نوح عليه السلام وقد وصفنا تأويل الطاغي، والله اعلم. 
وقوله تعالى : حملناكم في الجارية  \[ قد ذكر \] [(٢)](#foonote-٢)أنه  حملناكم  ولم نكن نحن يومئذ فنحمل، والخطاب للذين كانوا في زمن النبي صلى الله عليه وسلم وإنما كان، لأن بنجاة أولئك المحمولين نجاة ذريتهم، وبهلاك أولئك فناء ذريتهم، فكأنه قد حملهم بحمل أولئك لما حصل لهم النجاة بحملهم، أو أضاف إليهم لأنه قدر كونهم من آبائهم، فكأنهم حملوا تقديرا، وهو كقوله تعالى : يا بني آدم قد أنزلنا عليكم لباسا يواري سوآتكم  \[ الأعراف : ٢٦ \] ومعناه : أنزلنا عليكم ما قدرنا كون اللباس منه، وهو المطر، فإذا أنزل المطر الذي قدر كون اللباس منه، وهو المطر، فكأنه أنزل اللباس، وكقوله [(٣)](#foonote-٣)عز وجل : فإنا خلقناكم من تراب  \[ الحج : ٥ \] ونحن لم نخلق من التراب الذي أصلنا منه، فكأنا خلقنا منه. فعلى ذلك \[ هذا \][(٤)](#foonote-٤) :
وإن لم نكن محمولين في السفينة، فقد حمل أصلنا لنكون نحن من ذلك الأصل، فكأنا قد حملنا فيها، إذ كنا في إرادة الله تعالى من الكائنين، والله أعلم. . 
أو ذكر ذلك منة منه على الأبناء بصنيعه بالآباء ليعلم أن على الأبناء شكر ما أحسن إلى آبائهم وأجدادهم، والله أعلم.

١ في الأصل وم: ثم.
٢ في الأصل وك: فذكر.
٣ في الأصل وم: وقال.
٤ من نسخة الحرم المكي، ساقطة من الأصل وم..

### الآية 69:12

> ﻿لِنَجْعَلَهَا لَكُمْ تَذْكِرَةً وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ [69:12]

الآية ١٢ وقوله تعالى : لنجعلها لكم تذكرة وتعيها أذن واعية  فوجه التذكير فيه أن أهل مكة أبوا إجابة الرسول، وقالوا :/٥٩١ – ب  إن وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مقتدون  \[ الزخرف٢٣ \] فذكرهم أنهم أولاد من حملوا مع نوح عليه السلام في السفينة، وهم إنما استوجبوا النجاة، وشرفوا في الدارين جميعا بإتباعهم الرسل. فما لكم لا تتبعونهم في تصديق الرسل دون أن تتبعوا المكذبين للرسل، يذكرهم كذبهم في قولهم : إن وجدنا آباءنا على أمة  \[ الزخرف ٢٢و ٢٣ \] بل قد وجدتم آباءكم على خلاف ما أنتم عليه وتعلمون [(١)](#foonote-١) أن آباءكم هم الذين اتبعوا نوحا، فنجوا، وهم المؤمنون دون الكفرة. ووجه آخر : أنه ذكّرهم أحوال المكذبين وإلى ماذا آل أمرهم من الغرق والهلاك، فيكون فيه تخويف من كذب من أهل مكة رسول الله صلى الله عليه وسلم فصارت تلك الجارية. 
وفي السفينة موعظة، وتذكرة، تذكرهم عواقب المصدقين بالرسل والمكذبين بهم، أو تذكرهم [(٢)](#foonote-٢) عظيم نعمه على آبائهم الذين حملوا في السفينة ليستأدي منهم شكر ذلك. 
وقال بعضهم : كم من سفينة قد هلكت منذ ذلك الوقت، وهي قائمة في موضع كذا عبرة وتذكرة، ثم التذكرة تخرج على وجهين :
أحدهما : أن يراد بها الآية والعبرة، أي جعلنا لكم ذلك لتعتبروا، وتكون آية لكم على وحدانية الله تعالى وقدرته كقوله : فأنجيناه وأصحاب السفينة وجعلناها آية للعالمين  \[ العنكبوت ١٥ \]. 
والثاني : أي جعلنا تلك الأنباء تذكرة لكم أي جعلناها قرآنا تقرؤونها، وتذكرونها إلى آخر الأبد، فتشكرون الله تعالى على ما صنع إليكم، والله اعلم. 
وقوله تعالى : وتعيها أذن واعية  يقال : وعي الشيء إذا حفظه، وأوعاه إذا حفظه بإناء أو غيره، أي تحفظها أذن حافظة، فأضاف الوعي والحفظ إلى الأذن، والأذن لا تعي، بل تسمع، ثم يعيه القلب، ولكن نسب الوعي إلى الأذن لأنه يوصل إلى الوعي من جهة الأذن، إذ بالسمع يوعى، والسمع من عمل الأذن، ثم يقع المسموع في ما فيه يوعى، وهو القلب، فنسب الوعي إلى السمع لما يتطرق به إلى الوعي كما ذكرنا من إضافة اللباس إلى \[ ما \][(٣)](#foonote-٣) منه قدر اللباس، وهو المطر، وأضيف خلقنا إلى التراب لأن أصل ما منه قدر خلقنا، هو التراب، وجائز أن يكون الله تعالى يجعل للقلوب آذانا بها تعي، وأبصارا بها تبصر، فيضيف الوعي إلى آذان القلوب، ليس إلى آذان الرؤوس، والله اعلم. 
وقيل : أذن واعية  أي عقلت عن الله تعالى، وانتفعت بما سمعت من كتابه، وهي أذن المؤمن، فأما أذن الكافر فإنها تسمع، وتقذف، ولا تعي لما يحصل لهم الانتفاع به، ألا ترى أنه وصف آذانهم بالصمم لما لم ينتفعوا بالمسموع ؟ وكذلك قال : فنبذوه وراء ظهورهم  \[ آل عمران : ١٨٧ \] جعل تركهم الانتفاع به نبذا. فعلى ذلك جعل الانتفاع به وعيا، وكذلك المتعارف في الخلق أنهم إذا أرادوا الانتفاع بعلم أو بشيء اجتهدوا في \[ وعيه وحفظه \] [(٤)](#foonote-٤).

١ في الأصل وم. وقد تعلمون.
٢ في الأصل وم: ذكرهم..
٣ من م، ساقطة من الأصل..
٤ في الأصل وم: وعيها وحفظها..

### الآية 69:13

> ﻿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ [69:13]

الآيات ١٣ و ١٤ و ١٥ وقوله تعالى : فإذا نفخ في الصور نفخة واحدة   وحملت الأرض والجبال فدكتا دكة واحدة   فيومئذ وقعت الواقعة  فكأنهم سألوا متى تكون الواقعة والحاقة والقارعة ؟ 
فأخبر عن ذلك بقوله : فإذا نفخ في الصور نفخة واحدة   وحملت الأرض والجبال فدكتا دكة واحدة   فيومئذ وقت الواقعة . 
فجوابهم في قوله : فيومئذ وقعت الواقعة  ثم بينا أن الأسئلة كلها خرجت عن الأحوال التي تكون في ذلك الوقت لما لا فائدة لهم في تبيين وقته، ولا حاجة إلى معرفته، وإنما الفائدة في تبيين أحواله لما يقع بها الترغيب والترهيب، والله أعلم. 
وقوله تعالى : نفخة واحدة  فجاز[(١)](#foonote-١) أن يكون على حقيقة النفخ، واحتمل أن يكون على \[ قدر \] [(٢)](#foonote-٢) نفخة واحدة فتكون فائدته ذكر سهولة أمر البعث على الله تعالى، لأن قدر النفخة مما يسهل على المرء في الشاهد، ولا يتعذر. 
وجائز أن يكون ذكر النفخ لما أن الروح يدخل في أجسادهم وينتشر فيها، وذلك عمل النفخ، لأن الريح إذا نفخت في وعاء سرت فيه، وانتشرت، فكنى عن دخول الروح في الأجساد [(٣)](#foonote-٣) بالنفخ، إذ ذلك عمله، وكنى بالنفخ عن خروج الروح من الأجساد لهذا. وعلى هذا تأويل قوله : فنفخنا فيه من روحنا  \[ التحريم ١٢ \] ليس على حقيقة النفخ، ولكن على عمل الروح فيها عمل النفخ، فقيل ذلك والله أعلم. 
وقوله تعالى : في الصور  قيل : هو القرن، ينفخ فيه النفخة الأولى، فيصعق  من في السماوات ومن في الأرض إلا من شاء الله  ثم ينفخ فيه مرة  أخرى فإذا هم قيام ينظرون  \[ الزمر : ٦٨ \]. 
ومنهم من يقول : أي نفخ الروح في صور الخلق. لكن جميع الصورة الصور بنصب الواو، فلا يحتمل أن يكون المراد منه جمع الصورة، لكن يجوز أن يكون الله تعالى جعل نفخ الصور سببا لإفنائهم وإحيائهم، لا أنه يعجزه شيء عن الإفناء والإحياء ما لم ينفخ في الصور، لكنه جعله سببا لنوع الحكمة والمصلحة أو لمحنة الملك والابتلاء على ما عرف من أنواع المحن في الملائكة من إنزال الأمطار وتسيير السحاب وجعلهم الموكلين على أعمال بني آدم وغير ذلك. 
وقوله تعالى : وحملت الأرض والجبال فدكتا دكة واحدة  كسرتا كسرة واحدة، وقيل هدمتا هدمة واحدة، وقال بعضهم : زلزلتا زلزلة واحدة، فكأنه يقول، والله أعلم : تتزلزل الأرض، فتقذف ما في بطنها من الغسول، وتخرج ما فيها من الجواهر التي ليست منها بتلك الدكة \[ وتخرج \][(٤)](#foonote-٤) أصول الجبال منها، ثم يجعله الله تعالى  كئيبا مهيلا  \[ المزمل : ١٤ \]، ثم يعمل عليه الريح، فيجعله  هباء منثورا  \[ الفرقان ٢٣ \] ويريه من لينه  وتكون الجبال كالعهن  \[ المعارج : ٩ والقارعة : ٥ \] ثم يسير مثل السحاب، فيقع في شعاب الأرض والأودية والأماكن المختلفة، فتصير الأرض كما قال تعالى : فيذرها قاعا صفصفا   لا ترى فيها عوجا ولا أمتا  \[ طه : ١٠٦و ١٠٧ \]. 
وهكذا الريح إذا عملت على شيء \[ تقع عليه \] [(٥)](#foonote-٥) تفرقه في النواحي، وتسوي بين الشقوق، وتبسطه على وجه الأرض. 
وقوله عز وجل  وحملت الأرض  ليس أنها تحمل من مكان، ولكن تدخل هذه في هذه، وتضرب على هذه بالدكة، فتصير كأنها حملت لذلك. 
وإذا كان كذلك فقد وقعت الواقعة يومئذ. وهذا على اختلاف الأوقات ليكون معنى الآيات التي جاءت في الجبال على السواء، والله أعلم. 
وقيل في آيات أخر بيان آخر : بيان تقديم فناء الجبال قبل الأرض بقوله : ويسألونك عن الجبال فقل ينسفها ربي نسفا   فيذرها قاعا صفصفا  \[ طه : ١٠٥و ١٠٦ \] أي يذر الأرض قاعا صفصفا وغيره [(٦)](#foonote-٦) من الآيات مما يدل على تقديم فناء الجبال قبلها. 
فأما أن يكون معنى تبديل الأرض تغييرها عن الحالة التي هي عليها اليوم من انهدام البنيان واستواء الأودية وإزالة الجبال على ما جاء في الأخبار، فسمي لذلك تبديلا كما يقال لمن تغير عن الحالة الحسنة إلى غيرها : تبدلت، يراد أي تغيرت عن حالتك. 
فعلى ذلك معنى الآية، أي تتكسر [(٧)](#foonote-٧)الجبال وتتغير حالة الأرض في دفعة واحدة، أو يكون في الآية إخبار عن شدة الفزع في ذلك اليوم : أن بدكة واحدة تفنى الجبال، وإن كان إفناء الجبال قبل إفناء الأرض، ليس أنهما تفنيان جميعا بدفعة واحدة / ٥٩٢- أ / لكن بالدكة الواحدة تهلك الجبال والأرض، فيكون المراد بيان شدة اليوم وهوله لا بيان ترتيب فناء الأرض \[ البعض \][(٨)](#foonote-٨) على البعض، والله اعلم. 
وقوله تعالى : فيومئذ وقعت الواقعة  وهو على الحساب والجزاء كقوله  { إن الدين لواقع  \[ الذاريات : ٦ \] وأدخلت الهاء في أسماء القيامة لشأنها.

١ في الأصل وم: فجائز.
٢ من نسخة الحرم المكي ساقطة من الأصل وم.
٣ في الأصل وم: الجسد.
٤ من نسخة الحرم المكي، ساقطة من الأصل وم..
٥ في الأصل: ويقع: في م: ويقع عليه..
٦ في الأصل وم: وغيرها..
٧ في الأصل وم: صعوبتها..
٨ من نسخة الحرم المكي، ساقطة من الأصل وم..

### الآية 69:14

> ﻿وَحُمِلَتِ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً [69:14]

نص مكرر لاشتراكه مع الآية ١٣:الآيات ١٣ و ١٤ و ١٥ وقوله تعالى : فإذا نفخ في الصور نفخة واحدة   وحملت الأرض والجبال فدكتا دكة واحدة   فيومئذ وقعت الواقعة  فكأنهم سألوا متى تكون الواقعة والحاقة والقارعة ؟ 
فأخبر عن ذلك بقوله : فإذا نفخ في الصور نفخة واحدة   وحملت الأرض والجبال فدكتا دكة واحدة   فيومئذ وقت الواقعة . 
فجوابهم في قوله : فيومئذ وقعت الواقعة  ثم بينا أن الأسئلة كلها خرجت عن الأحوال التي تكون في ذلك الوقت لما لا فائدة لهم في تبيين وقته، ولا حاجة إلى معرفته، وإنما الفائدة في تبيين أحواله لما يقع بها الترغيب والترهيب، والله أعلم. 
وقوله تعالى : نفخة واحدة  فجاز[(١)](#foonote-١) أن يكون على حقيقة النفخ، واحتمل أن يكون على \[ قدر \] [(٢)](#foonote-٢) نفخة واحدة فتكون فائدته ذكر سهولة أمر البعث على الله تعالى، لأن قدر النفخة مما يسهل على المرء في الشاهد، ولا يتعذر. 
وجائز أن يكون ذكر النفخ لما أن الروح يدخل في أجسادهم وينتشر فيها، وذلك عمل النفخ، لأن الريح إذا نفخت في وعاء سرت فيه، وانتشرت، فكنى عن دخول الروح في الأجساد [(٣)](#foonote-٣) بالنفخ، إذ ذلك عمله، وكنى بالنفخ عن خروج الروح من الأجساد لهذا. وعلى هذا تأويل قوله : فنفخنا فيه من روحنا  \[ التحريم ١٢ \] ليس على حقيقة النفخ، ولكن على عمل الروح فيها عمل النفخ، فقيل ذلك والله أعلم. 
وقوله تعالى : في الصور  قيل : هو القرن، ينفخ فيه النفخة الأولى، فيصعق  من في السماوات ومن في الأرض إلا من شاء الله  ثم ينفخ فيه مرة  أخرى فإذا هم قيام ينظرون  \[ الزمر : ٦٨ \]. 
ومنهم من يقول : أي نفخ الروح في صور الخلق. لكن جميع الصورة الصور بنصب الواو، فلا يحتمل أن يكون المراد منه جمع الصورة، لكن يجوز أن يكون الله تعالى جعل نفخ الصور سببا لإفنائهم وإحيائهم، لا أنه يعجزه شيء عن الإفناء والإحياء ما لم ينفخ في الصور، لكنه جعله سببا لنوع الحكمة والمصلحة أو لمحنة الملك والابتلاء على ما عرف من أنواع المحن في الملائكة من إنزال الأمطار وتسيير السحاب وجعلهم الموكلين على أعمال بني آدم وغير ذلك. 
وقوله تعالى : وحملت الأرض والجبال فدكتا دكة واحدة  كسرتا كسرة واحدة، وقيل هدمتا هدمة واحدة، وقال بعضهم : زلزلتا زلزلة واحدة، فكأنه يقول، والله أعلم : تتزلزل الأرض، فتقذف ما في بطنها من الغسول، وتخرج ما فيها من الجواهر التي ليست منها بتلك الدكة \[ وتخرج \][(٤)](#foonote-٤) أصول الجبال منها، ثم يجعله الله تعالى  كئيبا مهيلا  \[ المزمل : ١٤ \]، ثم يعمل عليه الريح، فيجعله  هباء منثورا  \[ الفرقان ٢٣ \] ويريه من لينه  وتكون الجبال كالعهن  \[ المعارج : ٩ والقارعة : ٥ \] ثم يسير مثل السحاب، فيقع في شعاب الأرض والأودية والأماكن المختلفة، فتصير الأرض كما قال تعالى : فيذرها قاعا صفصفا   لا ترى فيها عوجا ولا أمتا  \[ طه : ١٠٦و ١٠٧ \]. 
وهكذا الريح إذا عملت على شيء \[ تقع عليه \] [(٥)](#foonote-٥) تفرقه في النواحي، وتسوي بين الشقوق، وتبسطه على وجه الأرض. 
وقوله عز وجل  وحملت الأرض  ليس أنها تحمل من مكان، ولكن تدخل هذه في هذه، وتضرب على هذه بالدكة، فتصير كأنها حملت لذلك. 
وإذا كان كذلك فقد وقعت الواقعة يومئذ. وهذا على اختلاف الأوقات ليكون معنى الآيات التي جاءت في الجبال على السواء، والله أعلم. 
وقيل في آيات أخر بيان آخر : بيان تقديم فناء الجبال قبل الأرض بقوله : ويسألونك عن الجبال فقل ينسفها ربي نسفا   فيذرها قاعا صفصفا  \[ طه : ١٠٥و ١٠٦ \] أي يذر الأرض قاعا صفصفا وغيره [(٦)](#foonote-٦) من الآيات مما يدل على تقديم فناء الجبال قبلها. 
فأما أن يكون معنى تبديل الأرض تغييرها عن الحالة التي هي عليها اليوم من انهدام البنيان واستواء الأودية وإزالة الجبال على ما جاء في الأخبار، فسمي لذلك تبديلا كما يقال لمن تغير عن الحالة الحسنة إلى غيرها : تبدلت، يراد أي تغيرت عن حالتك. 
فعلى ذلك معنى الآية، أي تتكسر [(٧)](#foonote-٧)الجبال وتتغير حالة الأرض في دفعة واحدة، أو يكون في الآية إخبار عن شدة الفزع في ذلك اليوم : أن بدكة واحدة تفنى الجبال، وإن كان إفناء الجبال قبل إفناء الأرض، ليس أنهما تفنيان جميعا بدفعة واحدة / ٥٩٢- أ / لكن بالدكة الواحدة تهلك الجبال والأرض، فيكون المراد بيان شدة اليوم وهوله لا بيان ترتيب فناء الأرض \[ البعض \][(٨)](#foonote-٨) على البعض، والله اعلم. 
وقوله تعالى : فيومئذ وقعت الواقعة  وهو على الحساب والجزاء كقوله  { إن الدين لواقع  \[ الذاريات : ٦ \] وأدخلت الهاء في أسماء القيامة لشأنها. 
١ في الأصل وم: فجائز.
٢ من نسخة الحرم المكي ساقطة من الأصل وم.
٣ في الأصل وم: الجسد.
٤ من نسخة الحرم المكي، ساقطة من الأصل وم..
٥ في الأصل: ويقع: في م: ويقع عليه..
٦ في الأصل وم: وغيرها..
٧ في الأصل وم: صعوبتها..
٨ من نسخة الحرم المكي، ساقطة من الأصل وم..


---

### الآية 69:15

> ﻿فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ [69:15]

نص مكرر لاشتراكه مع الآية ١٤:ت١٣---

### الآية 69:16

> ﻿وَانْشَقَّتِ السَّمَاءُ فَهِيَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ [69:16]

الآية ١٦ وقوله تعالى : وانشقت السماء فهي يومئذ واهية  قال بعضهم : تفرقت، وهكذا الشيء إذ انشق، تفرق، وتناثر، وبه يظهر الشق. ويحتمل أن يكون الشق كناية عن اللين، أي تلين بعد \[ صلابتها، وتصير \][(١)](#foonote-١) ذليلة. 
وقوله تعالى : فهي يومئذ واهية  أي ضعيفة بعدما كانت تنسب إلى الصلابة. ويدل على ذلك قوله : يوم نطوي السماء كطي السجل للكتب  \[ الأنبياء : ١٠٤ \] وإنما يطوى الشيء في الشاهد بعد ما كان يلين في نفسه. 
وجائز أن تنشق السماء ليزول أهلها، فلا يبقى فيها إلا الملائكة الذين على أطرافها، ثم تنضم، فيتبين الطي، والله أعلم. 
وجائز أن يكون ذكر انشقاقها وانفطارها وانفتاحها تهويلا للخلق من الوجه الذي ذكرنا في ما قبل. 
وجائز أن يكون للسماوات أبواب [(٢)](#foonote-٢)، فتفتح أبوابها، فيكون انشقاقها وانفطارها فتح أبوابها. 
وجائز أن يكون الشق ليس فتح الأبواب لأنه ذكر هذا في موضع التهويل، وليس في فتح أبوابها كثير تهويل. 
وقوله تعالى : فهي يومئذ واهية  أي ضعيفة مسترخية، وقيل : الوهي الخرق، وهو يحتمل لأنها إذا انشقت انخرقت.

١ في الأصل وم: صعوبتها.
٢ في الأصل وم: أبوابا..

### الآية 69:17

> ﻿وَالْمَلَكُ عَلَىٰ أَرْجَائِهَا ۚ وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ [69:17]

الآية ١٧ وقوله تعالى : والملك في أرجائها  الأرجاء النواحي والأطراف، وهي أطراف السماوات ونواحيها، واحد الأرجاء رجا مقصور،  والملك  أريد بها الملائكة، أخبر أنهم على أطراف السماوات ونواحيها، فيحتمل أنهم وكلوا، وامتحنوا بحفظها بعد الشق لئلا تسقط على أهل الأرض. 
وجائز أن يجعل أطرافها وجوانبها لبعض الملائكة، فتفتح أبواب السماء، فينزل الملائكة، كان مسكنهم عندها إلى الأرض كما قال تعالى : ونزل الملائكة تنزيلا  \[ الفرقان : ٢٥ \] ويبقى الملائكة الذين كان مسكنهم في أرجائها أمر ربهم. 
ثم الملك ليس يحتاج على مكان يقر فيه، وإن جعلت السماء مسكنا لهم، لأن الملائكة ينزلون من السماء إلى الأرض ويقرون على الهواء من غير أن يكون في الهواء مقر. 
\[ وجائز أنه \][(١)](#foonote-١)يبين أنها لا تتفرق كل التفرق، ولكن وسطها ينشق لما ذكرنا، \[ ويبقى \][(٢)](#foonote-٢) الباقي بحاله. 
ويحتمل  والملك على أرجائها  على ما يمر به في السماء والله اعلم. 
وقوله تعالى : ويحمل عرش ربك فوقهم يومئذ ثمانية  فيحتمل أن يكون الملائكة بالنفخة الأولى يصعقون إلا الثمانية الذين يحملون العرش كما قال : ونفخ في الصور فصعق من في السماوات ومن في الأرض إلا ما شاء الله  \[ الزمر : ٦٨ \] فيكون هؤلاء الثمانية الذين استثنوا، فلا يصعقون، فهم يحملون العرش، فتكون أمكنتهم على أرجاء السماوات، وهو قوله : والملك على أرجائها . 
وقوله تعالى : ثمانية  جائز أن يكون أراد به ثمانية أملاك، وجائز أن يكون ثمانية أصناف من الملائكة كما ذكر في التفسير، وجائز أن يكون هؤلاء الثمانية يهلكون، ثم يحيون قبل أن يحيا سائر الخلق، فيحملون  ويحمل عرش  [(٣)](#foonote-٣) على أكتافهم، وإذا بعث الله تعالى الخلائق رأوا العرش على أكتافهم. 
والعرش، هو سرير الملك. وجائز أن يكون ذلك من نور كما ذكر في الخبر : " أن عين الشمس إذا أرادت أن تطلع فإن جبريل عليه السلام يأتي العرش، فيأخذ كفا من ضيائه، ثم يلبس الشمس كما يلبس أحدكم قميصه، وإذا أراد القمر أن يطلع أخذ جبريل عليه السلام كفا من نور العرش، فيلبس القمر كما يلبس أحدكم قميصه ". 
فجائز أن يكون العرش من الضياء والنور. ثم أجل الأشياء وأعظمها في أعين الخلق الضياء والنور، وإليهما ينتهي الرغب، فيكون في ذكر العرش ذكر عظيم ملك الرب، جل جلاله. 
ثم إن كل ملك في الشاهد يتخذ لنفسه عرشا، يتفاوت ذلك على مقدار ملكهم وسلطانهم، لا ليجعل ذلك مسكنا لنفسه، فإذا لم يتوهم من الخلق أنهم يتخذون ذلك لمقاعدهم ومجالسهم فلأن لا يتوهم ذلك من الله أولى.

١ في الأصل وم: والثالث..
٢ في الأصل وم: و.
٣ في الأصل وم: ربها.

### الآية 69:18

> ﻿يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لَا تَخْفَىٰ مِنْكُمْ خَافِيَةٌ [69:18]

الآية ١٨ وقوله تعالى : يومئذ تعرضون لا تخفى منكم خافية  أي تعرضون على أعمالكم، فلا تخفى عليكم خافية، أي تظهر لكم في ذلك اليوم، وتصير بارزة [(١)](#foonote-١) في ذلك اليوم كما قال تعالى : يوم تبلى السرائر  \[ الطارق : ٩ \] أي تظهر لهم سرائرهم، حتى يعرفوها، ولا يخفى عليهم شيء منها. 
وجائز أن يكون قوله : لا تخفى منكم خافية  أي على الله تعالى. ولكن كل من ادعى إخفاء شيء من أمره على الله \[ وظن أن الله تعالى \][(٢)](#foonote-٢) لا يطلع عليه، فسيعلم في ذلك اليوم أنه لا تخفى عليه خافية، وهو كقوله تعالى : لمن الملك اليوم لله الواحد القهار  \[ غافر : ١٦ \] ليس فيه أن الملك كان لغيره. 
ولكن بعض الناس كانوا يدعون الإشراك في الملك في الدنيا، فيتركون في ذلك اليوم دعواهم، ويتيقنون أنه هو المنفرد بالملك، وعلى ذلك \][(٣)](#foonote-٣) قوله تعالى : وبرزوا لله جميعا \[ إبراهيم : ٢١ \]. 
ولم يكونوا بمختفين عنه قبل ذلك، بل كانوا له في كل وقت بارزين. ولكن من أنكر ادعاء الإخفاء في الدنيا يدع في ذلك اليوم، ويقر بالبروز، والله المستعان. 
ثم روي في الخبر " أن العرضات ثلاث : عرضتان فيهما خصومات ومعاذير " أي يختصمون، ويتنازعون، فإذا ظهر ذلك جعلوا يعتذرون، ويسألون ربهم العفو والصفح عن خصومهم، " والعرضة الثالثة عند تطاير الصحف " \[ الترمذي : ٢٤٢٥ \]. 
ومعنى قوله : تعرضون ، أي يعرض الخلق بعضهم على بعض حتى لا يخفى على أحد خصمه، أو تعرض أعمالهم حتى يذكر \[ كل \][(٤)](#foonote-٤)واحد صنيعه، وكل خصم خصومته، فكأنهم قد نسوا ذلك من كثرة الفزع وشدة الأهوال. لكن الله تعالى يطلعهم على ذلك حتى يذكروا ذلك، والله أعلم.

١ في الأصل وم: بارز..
٢ من م، ساقطة من الأصل..
٣ من م، ساقطة من الأصل..
٤ ساقطة من الأصل وم..

### الآية 69:19

> ﻿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ [69:19]

الآية ١٩ وقوله تعالى : فأما من أوتي كتابه بيمينه  ظاهر ما جرى به الخطاب في القرآن يوجب أن يرحم المؤمنون جميعا، فلا يعذبوا [(١)](#foonote-١) في الآخرة ويعذب الكافرون، ولا يرحموا [(٢)](#foonote-٢) لأنه قسم الخلق يوم القيامة صنفين : فجعل صنفا منهم أهل اليمين، وصنفا أهل الشمال، ثم وصف كل واحد من الصنفين بأعلام ثلاثة :
فذكر مرة أنه يخف ميزانهم بقوله : ومن خفت موازينه  \[ الأعراف : ٩ و. . \] وذكر مرة أن وجوههم تسود، وذكر مرة أنهم يعطون كتابهم بشمالهم. فهذه الأعلام ذكرها في أحد الصنفين. 
وذكر [(٣)](#foonote-٣) الصنف الثاني، ووصفهم بأعلام ثلاثة : ببياض الوجوه وبثقل الميزان وبإعطاء الكتاب بأيمانهم. 
ثم في ما فيه سواد الوجوه ذكر فيه : فأما الذين اسودت وجوههم أكفرتم بعد إيمانكم فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون . 
\[ آل عمران : ١٠٦ \] وكذلك حين ذكر خفة الميزان ذكر في آخره ما يبين أن الذين خفت موازينهم هم الكفرة لأنه قال : ألم تكن آياتي تتلى عليكم فكنتم بها تكذبون  \[ المؤمنون : ١٠٥ \]. 
وذكر في إعطاء الكتاب بشماله[(٤)](#foonote-٤) ما يبين أنه من أهل الكفر لأنه قال : إنه كان لا يؤمن بالله العظيم   ولا يحض على طعام المسكين  \[ الحاقة ٣٣و ٣٤ \]. 
فثبت أن الوعيد المطلق ذكر في أهل الكفر، وكذلك قال : واتقوا النار ٥٩٢- ب/ التي أعدت للكافرين  \[ آل عمران ١٣١ \] ولم يقل أعدت للخلق، وقال : وجنات عرضها السماوات والأرض أعدت للمتقين  \[ آل عمران : ١٣٣ \] فثبت أن أهل النار هم الكفار. 
ثم المؤمنون قد يعترض منهم زلات ومآثم في هذه الدنيا، والكفار تؤخذ منهم المحاسن فيها، ولكن أهل الكفر يجزون جزاء حسناتهم لأنهم لا يؤمنون بالآخرة. وإذا لم يؤمنوا بها لم يقع سعيهم لها، وأمكن أن يكون المؤمن يجعل له العقاب بسيئاته في الدنيا، فتخلص له الحسنات في الآخرة فيجزى بها، وجائز أن تكفر سيئاته بالحسنات التي تؤخذ منه لأن المحاسن جعلت سببا لتكفير المساوئ ؛ قال تعالى  إن الحسنات يذهبن السيئات  \[ هود : ١١٤ \] وإذا كفرت سيئاته في الدنيا لم يعذب بها في الآخرة. 
وجائز أن يكون الله تعالى يعذبهم بقدر ذنوبهم، ثم يعفو عنهم بحسناتهم التي سبقت منهم من الإيمان وغير ذلك. 
فكل مؤمن في الحقيقة آخره الجنة، ويثقل ميزانه، ويبيض وجهه، ويعطى كتابه بيمينه \[ ثم \] [(٥)](#foonote-٥)يجوز أن يكون الذي يعاقب بذنوبه من أهل الإيمان، يعاقب بها [(٦)](#foonote-٦) قبل أن يعطي كتابه بيمينه، ويثقل ميزانه، وقبل أن يبيض وجهه لم يكن مسود الوجه [(٧)](#foonote-٧)، ولكن على ما عليه في الدنيا. 
ثم متى عفي عنه في الخبر " أن الناس يعرضون يوم القيامة على ثلاث عرضات فأما عرضتان ففيهما خصومات ومعاذير، وأما العرضة الثالثة فتطاير الصحف في الأيدي \[ الترمذي : ٢٤٢٥ \]. 
فيجوز أن يكون تعذيبه قبل العرضة الثالثة، ثم يعطي كتابه في العرضة الثالثة بيمينه، فتظهر له أعلام السعادة إذ ذاك. 
فإذا ثبت أن الوعيد المطلق إنما جاء في أهل الكفر لم يلحق أهل الكبائر من أهل الإيمان بهم في الحكم، بل وجب الوقف في حالهم كما قال أصحابنا، والله الموفق. 
وقوله تعالى : فيقول هاؤم اقرؤا كتابيه  قال بعضهم : هاؤم  تعالوا، وقال بعضهم : هو بمعنى هاكم، أي خذوا، فأبدلت الهمزة مكان الكاف. 
فظاهر الآية أن المعطي له الكتاب بقول : هذا، يدعو الخلق، ويناولهم الكتاب استبشارا وحبورا، فبشرهم بعفو الله تعالى عنه ورحمته عليه. 
ولكن أهل التأويل صرفوا التأويل إلى المعطي، فقالوا : هو الذي يقول هذا، فكان الذي يقول : كتب الكتاب في الدنيا، من الملك، وهو الذي يعطي الكتاب إلى المكتوب إليه، ويقول : هاؤم اقرؤوا كتابيه  أي خذوا واقرؤوا ما كتبت لكم وعليكم، والله اعلم.

١ في الأصل وم: يعذبون..
٢ في الأصل وم: يرحمون..
٣ أدرج قبلها في الأصل وم: في..
٤ أدرج بعدها في الأصل وم: وذكر فيه.
٥ من م ساقطة من الأصل..
٦ في الأصل وم: وبه..
٧ في الأصل وم: الوجوه..

### الآية 69:20

> ﻿إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيَهْ [69:20]

الآية ٢٠ وقوله تعالى : إني ظننت أني ملاق حسابيه  فإن حملته على حقيقة الظن فهو يخرج على ثلاثة أوجه :
أحدهما : أني ظننت في الدنيا أني ألاقي الحساب الشديد في ما سبق من سيئاتي، وأآخذ بها، وظننت الساعة ألا أنجو من ذنوبي لفزع هذا اليوم، فوجدت سيئاتي قد غفرت، وخطاياي كفرت عني، فيكون قوله منه هذا شكرا لله تعالى وإظهارا لمننه. 
والثاني : أني تركت \[ دار الدنيا، وقد \] [(١)](#foonote-١)عرضت لي الحوادث من الزّلاّت والهفوات، وظننت[(٢)](#foonote-٢) أني ألاقي الله تعالى بها، فأمسكت عنها، وانزجرت عن إتيانها، فيكون إخبارا عن بيان سبب ذلك. 
والثالث أني تفكرت في أمري، فظننت أن مثلي لا يترك سدى هملا، فأدى ظني إلى اليقين، فآمنت، وصدقت الرسل، فإنما نجوت بأول ظني وفكرتي. 
ومنهم من صرف الظن إلى اليقين والعلم، فقال : معنى قوله : ظننت  أي تيقنت وعلمت. 
والأصل أن كل يقين حدث في الأمور المستترة والعلوم الخفية فإنما يتولد ذلك عن ظن، يسبق، فيحمله ذلك الظن على النظر فيه والبحث عن حاله حتى يفضي به إلى الوقوف على ما استتر منه، فيصير الخفي جليا، فيكون سبب بلوغه إلى اليقين والإحاطة \[ ذلك الظن \][(٣)](#foonote-٣) الذي سبق منه. 
فجائز أن يسمى ذلك يقينا مرة على الحقيقة، وظنا ثانيا على المجاز على ما ذكرنا في قوله : وتعيها أذن واعية  \[ الآية : ١٢ \] أن الأذن لا تعي شيئا، بل تسمع، ولكنه لما يوصل إلى الوعي بالأذن صارت الأذن سببا للإيصال إلى الوعي، وأضاف الوعي إليها. 
فعلى ذلك ظنونهم في الابتداء إذا بلغتهم إلى اليقين والعلم سموا يقينهم وعلمهم ظنا مرة ويقينا ثانيا. ألا ترى أن الله تعالى قال  الذين يظنون أنهم ملاقوا ربهم وأنهم إليه راجعون  \[ البقرة : ٤٦ \] وقال في موضع آخر : وبالآخرة هم يوقنون  \[ البقرة : ٤ \] ؟ فجعلهم مرة ظانين ومرة موقنين في ما كان طريقه البحث وإعمال الفكر. 
وبهذا لا يجوز أن يوصف الله تعالى بالإيقان في أمر من الأمور، لأن الأشياء له بارزة ظاهرة، إذ هو منشئها وخالقها، فلا يخفى عليه شيء منها، فيحتاج إلى البحث عنها والنظر فيها، والله الموفق. 
ويقول : إن الأمور التي سبيل دركها الاجتهاد، لا يخلو شيء منها من اعتراض وساوس وخواطر فيها، فتلك الوساوس والخواطر تفضي بصاحبها على الجنون، فاستجازوا إطلاق الظن فيها لما لا يخلوا منه، واستجازوا إطلاق اليقين لما غلب عليها دلالات اليقين والإحاطة. 
ألا ترى أن \[ من \][(٤)](#foonote-٤) يهدد بالوعيد الشديد أو بالقتل على أن يكفر بالله تعالى أبيح له أن يجري كلمة الكفر على لسانه، وجعل كالمؤمن [(٥)](#foonote-٥)بإحلال العذاب من المكره لو [(٦)](#foonote-٦)امتنع عن الإجابة على ما دعاه، وإن لم يتيقن بأنه يفعل به، لا محالة، ما أوعد به، لأنه يجوز ألا يمكن من ذلك، ويجوز ألا يبقى إلى ذلك الوقت ؟ 
ثم وسع له فعل ذلك بأكبر الرأي وغلبة الظن، وحل ذلك محل الإحاطة واليقين، فعلى ذلك ههنا لما غلبت دلالات اليقين، والصدق جاز إطلاق لفظة اليقين عليه. 
فأما الأشياء التي تدرك بالحواس والمشاهدات فلا سبيل إلى تسمية مثله لما يحتمل اعتراض الشبهة فيها، والله الموفق.

١ في الأصل وم: في دار الدنيا إذا..
٢ الواو ساقطة من الأصل وم..
٣ ساقطة من الأصل وم..
٤ ساقطة من الأصل وم.
٥ من نسخة الحرم المكي، في الأصل وم: كالموقن..
٦ في الأصل: ولو..

### الآية 69:21

> ﻿فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ [69:21]

الآية ٢١ وقوله تعالى : فهو في عيشة راضية  أي في حياة راضية، يقال : عاش وحيي، بمعنى واحد. وقوله تعالى : راضية  بمعنى مرضية، معناه أن نفسه في حياة ترضى بها كقوله : من ماء دافق  \[ الطارق : ٦ \] أي مدفوق، ومثله في الكلام كثير. 
ويجوز أن يكون المراد نفس الجنة قد رضيت بأهلها، وأظهرت رضاها بهم كما وصف الجحيم بالسخط والتغيظ على أهلها. وجائز مثله في الجنة رضا واستبشارا ؛ إذ على معنى أن الجنة تظهر لهم من أنواع الكرامات والخيرات ما لو كان ذلك من ذي العقل يكون ذلك دليل الرضا كما يضاف الغرور إلى الدنيا، وهي أنها تظهر في نفسها ما لو كان ذلك ممن يملك التغرير يكون ذلك غرورا من نفسها.

### الآية 69:22

> ﻿فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ [69:22]

الآية ٢٢ وقوله تعالى : في جنة عالية  قال بعضهم : مرتفعة على ما يستحب في الدنيا من الجنان : في ربوة من الأرض مرتفعة. 
وقال بعضهم : الجنة اسم لروضة ذات أشجار، فكأنه يصف أشجارها بالارتفاع والطول والمنظر، وذلك أشهى إلى أربابها وهذا ما قال : قطوفها دانية  \[ الآية ٢٣ \] من غير ذكر الشجار، لأن ذكر الجنة اقتضى ذكر الأشجار. 
\[ وقال بعضهم \][(١)](#foonote-١) : يكون معنى العالية عظمة القدر والخطر : مرتفعة. وقد يوصف الشيء الرفيع بالعلو /٥٩٣-أ/ والله اعلم

١ ساقطة من الأصل وم..

### الآية 69:23

> ﻿قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ [69:23]

الآية ٢٣ ثم قوله تعالى  قطوفها دانية  أي في القطوف متدانية من أهلها لمن يريد قطفها وبعيدة لمن لا يريد قطفها. وقيل دانية ينالها القاعد كما ينالها القائم. وقيل : ثمارها دانية أي لا يرد أيديهم بعد ولا شوك.

### الآية 69:24

> ﻿كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ [69:24]

الآية ٢٤ وقوله تعالى : كلوا واشربوا هنيئا بما أسلفتم في الأيام الخالية  تأوليه أن يقال : كلوا واشربوا هنيئا بما أسلفتم في الأيام الخالية  : إنما جعلتم أيامكم الخالية سلفا \[ في أيام الدنيا [(١)](#foonote-١)، وسلف الرجل \][(٢)](#foonote-٢)لآخر، وهو أن يعطيه قرضا ليأخذ مثله وقت الحاجة إليه، أو يسلم الرجل رأس ماله في الأشياء التي يأمل منها الربح، فكأنه يماري نفسه بجعلها سلفا ورأس مال ليأخذ ربح ما باع في الآخرة، فذلك هو الإسلاف، أو يجعل عمله للآخرة رأس ماله وما رزق من الأموال، ينفقها في سبيل الله، ويجعل ذلك رأس ماله. 
وذكر عن وكيع أنه قال : بلغنا أن الذين أسلفوا الصوم أي أنهم صاموا في الدنيا، وتركوا الطعام والشراب، فأثابهم الله في الآخرة فقال [(٣)](#foonote-٣)  كلوا واشربوا هنيئا .

١ من نسخة الحرم المكي، في م: الآخرة.
٢ من نسخة الحرم المكي وم، في الأصل: لرجل.
٣ في الأصل وم: فقلوا.

### الآية 69:25

> ﻿وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ [69:25]

الآية ٢٥ وقوله تعالى : وأما من أوتي كتابه بشماله فيقول يا ليتني لم أوت كتابيه  الإيتاء بالشمال أحد أعلام الشقاء، يتمنى ألا يؤتى بما فيه علم شقائه.

### الآية 69:26

> ﻿وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ [69:26]

الآية ٢٦ وقوله تعالى : ولم أدر ما حسابيه  يقول هذا في الوقت الذي قرأ، ورأى فيه [(١)](#foonote-١) خلاف ما كان يظن في الدنيا، ويحسب، لأنه كان يحسب أنه في الدنيا أحسن صنعا من الذين آمنوا، وأنه أقرب منزلة إلى الله تعالى كما قال  وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا  \[ الكهف : ١٠٤ \] فظهر له بقراءة الكتاب أنه لم يكن على \[ ما \][(٢)](#foonote-٢) حسب، بل قد أساء صنعه، فود عند ذلك ألا يعرف ما حسابه لئلا تظهر مساوئه. 
ويحتمل أنه يتمنى أنه ترك ميتا، ولم يحي حتى كان لا يرى الحساب، ولا يعرفه.

١ في الأصل وم: فيها.
٢ ساقطة من الأصل وم.

### الآية 69:27

> ﻿يَا لَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ [69:27]

الآية٢٧ وقوله تعالى : يا ليتها كانت القاضية  أي يا ليت الميتة الأولى كانت دائمة علي، وقال بعضهم : يا ليت النفخة الأخيرة، كانت تقضي بالموت والهلاك لم تكن محنة باعثة، والله أعلم. 
وقال قتادة : تمنوا الموت، ولم يكن شيء في الدنيا أكره إليهم منه، ثم الموت عليهم مقضيّ، وليس بقاض، فحقه أن يقول : يا ليتها كانت مقضية. ولكن هذه اللفظة يذكرها الناس في كل مكروه من الأمور. 
ألا ترى أن الناس يدعون الله تعالى بأن يصرف عنهم قضاء السوء ؟ وليس بقضاء الله، بل هو مقضيه، فخرج القول على ما تعارفوا. وهذا كان يقال : الصلاة أمر الله، وليست هي بأمره، ولكن تأويله أنها بأمره ما تقام، فسمي أيضا قضاء الله، وهو في الحقيقة مقضيه، والله أعلم.

### الآية 69:28

> ﻿مَا أَغْنَىٰ عَنِّي مَالِيَهْ ۜ [69:28]

الآية ٢٨ وقوله تعالى : ما أغنى عني ماليه  في الأصل أن الكفرة كانوا يفتخرون بكثرة أموالهم \[ وأولادهم \] [(١)](#foonote-١) فيقولون : نحن أكثر أموالا وأولادا وما نحن بمعذبين  \[ سبأ : ٣٥ \] فيزعمون أن الله تعالى بما آتاهم من الأموال يدفعون عن أنفسهم العذاب بأموالهم، إن [(٢)](#foonote-٢) حل بهم، فيتبين لهم في ذلك الوقت أنها لا تغني عنهم شيئا، فيقول كل واحد منهم : ما أغنى عني ماليه .

١ ساقطة من الأصل وم..
٢ من م، في الأصل: فيقولون..

### الآية 69:29

> ﻿هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ [69:29]

الآية ٢٩ وقوله تعالى : هلك عني سلطانيه  ذكر عن ابن عباس رضي الله عنه أنه قال : كل سلطان في القرآن فهو حجة. 
والأصل أن كل كافر كان يحتج في الدنيا لنفسه بحجج باطلة : فمرة يقول : ما أنت إلا بشر مثلنا  \[ الشعراء : ١٥٤ و ١٨٦ \]، ويقول مرة : ما هذا إلا أساطير الأولين  \[ الأحقاف : ١٧ \] ومرة يقول : هذا سحر  \[ النمل : ١٣ و. . \] ومرة يقول : مجنون  \[ الدخان : ١٤ \] وغير ذلك فيصير يقول : هلك عني سلطانيه  أي هلكت تلك الحجج التي كنا نتشبث بها، واضمحلت، وظننا أنها حجج. 
ومنهم من يقول : السلطان هو القدر والشرف، أي ذهب ذلك كله. وقيل : أي هلك عني تكبري وسلطاني على الأشياء في الدنيا وترك الاكتراث إليهم. 
وجائز أن يكون أراد به أن السلطان الذي كان لي على نفسي في الدنيا قد انقطع لأنه كان يملك استعماله [(١)](#foonote-١) في أمر مرضاة الله، فيقول : قد انقطع ذلك السلطان لأني لا أملك استعماله [(٢)](#foonote-٢) في ما أستوجب به مرضاة الرب، لأنه يسلم، فلا يقبل منه إسلامه. 
ثم يجوز أن تكون الهاءات في هذه الخطابات [(٣)](#foonote-٣)على معنى الإشارات إلى الأنفس أو على تأكيد الأمر والمبالغة كالمتشابه، أو كأنهم ينادون أنفسهم بذلك. وقد تدخل الهاء في النداء كقوله : يا رباه، ويا سيداه. وجائز أن يكون \[ للوقف وإتمام \][(٤)](#foonote-٤) الكلام، وأهل النحو يسمونها[(٥)](#foonote-٥) هاء الاستراحة.

١ في الأصل وم: استعمالها..
٢ في الأصل وم: استعمالها..
٣ من نسخة الحرم المكي، في الأصل: الخطيئات..
٤ في الأصل: الوقت واحمام، في م: الوقت واتمام..
٥ في الأصل وم: يسمونه..

### الآية 69:30

> ﻿خُذُوهُ فَغُلُّوهُ [69:30]

الآية ٣٠ وقوله تعالى  خذوه فغلوه  كقوله [(١)](#foonote-١) في موضع آخر : خذوه فاعتلوه إلى سواء الجحيم  \[ الدخان : ٤٧ \] وهو السوق إلى الحتف وكقوله [(٢)](#foonote-٢) في موضع آخر : ونسوق المجرمين إلى جهنم وردا  \[ مريم : ٨٦ \] فكأنهم، والله أعلم مغلون بدء الأمر بالأغلال لأن الناس في الدنيا يجتهدون كل الجهد في دفع [(٣)](#foonote-٣) العذاب بأيديهم. 
فأخبر أن أيديهم تغل في الآخرة، فلا يتهيأ لهم دفع ما يحل من العذاب، فيكون ذلك أشد عليهم، ويكون حالهم كما قال الله تعالى : أفمن يتقي بوجهه سوء العذاب يوم القيامة  \[ الزمر ٢٤ \] فتغل يداه كي لا يتقي النار بوجهه
ثم يدخلون [(٤)](#foonote-٤) في السلاسل، فيجرّون ويسحبون، ويساقون، على وجوههم على اختلاف أحوال القيامة.

١ في الأصل وم: وقال..
٢ في الأصل وم: وقال..
٣ في الأصل: موضع، في م: منع..
٤ في الأصل وم: يدخل.

### الآية 69:31

> ﻿ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ [69:31]

الآية ٣١ وقوله تعالى : ثم الجحيم صلوه  أي أدخلوه، يقال : لحم مصلى، أي مشوي، فجائز أن يؤمر، فيشوى في الجحيم.

### الآية 69:32

> ﻿ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا فَاسْلُكُوهُ [69:32]

الآية ٣٢ وقوله تعالى : ثم في سلسلة ذرعها سبعون ذراعا فاسلكوه  فذكر أولا أنهم يغلون، ثم يصلون الجحيم، ثم يسلسلون إذ ذاك، وحق مثله أن يسلسل، ثم يمد إلى جهنم. 
ولكن يشبه أن يكونوا أولا يحشرون، ثم يساقون إلى نار جهنم بقوله : وسيق الذين كفروا إلى جهنم زمرا  \[ الزمر ٧١ \] أو إذا وردوها هموا أن يفروا منها، فيسلسلون إذ ذاك، ويسحبون في النار حينئذ، فلا يتهيأ لهم الهرب.

### الآية 69:33

> ﻿إِنَّهُ كَانَ لَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ [69:33]

الآية ٣٣ وقوله تعالى : إنه كان لا يؤمن بالله العظيم  ففيه بيان السبب الذي لأجله استوجبوا هذا العقاب، وهم أنهم كانوا لا يؤمنون بالله العظيم. 
ثم قوله تعالى : لا يؤمن بالله  جائز أن يكون لا يؤمن بوحدانيته، أو لا يؤمن بإرسال الرسل، أو كان لا يؤمن بالبعث. وإلا فهم لا يؤمنون بالله، ولكن من لم يكن مؤمنا بالرسل والبعث فهو غير مؤمن في الحقيقة، لأن الإله الحق هو الذي أرسل الرسل، ويقدر على البعث، والكافر لا يثبت له قدرة البعث، ولا يراه [(١)](#foonote-١) أرسل الرسل، فصار لا يؤمن بالله العظيم في الحقيقة.

١ من م، في الأصل: يراد..

### الآية 69:34

> ﻿وَلَا يَحُضُّ عَلَىٰ طَعَامِ الْمِسْكِينِ [69:34]

الآية ٣٤ وقوله تعالى : ولا يحض على طعام المسكين  إخبار أنه كان لا يؤمن بالبعث لأن المؤمنين[(١)](#foonote-١) ليسوا يطلبون من المساكين الجزاء لما يطعمونهم، وإنما يطعمونهم لوجه الله ورجاء الثواب في الآخرة. 
والكافر غير مؤمن بالجزاء ليحمله ذلك على الإطعام، وليس هو بكسب، يرغب فيه، من مكاسب الدنيا، فكأنه يقول : إن الذي أفضى به إلى النار تركه الإيمان بالله تعالى أو بالبعث. 
ويجوز أن يكون قوله : ولا يحض على طعام المسكين  إثبات السخرية من الذي ترك \[ حض أهله على الإطعام \][(٢)](#foonote-٢) كقوله : أنطعم من لو يشاء الله أطعمه \[ يس ٤٧ \] يقول : كيف نطعمه [(٣)](#foonote-٣)، ومن بيده خزائن السماوات والأرض، لا يطعمه ؟ فلو كان أهلا للإطعام لكان الأولى بأن[(٤)](#foonote-٤) يطعمه الله تعالى.

١ في الأصل وم: الناس..
٢ في الأصل وم: المحض على أهله بالإطعام.
٣ في الأصل وم: أطعمه..
٤ في الأصل وم: من..

### الآية 69:35

> ﻿فَلَيْسَ لَهُ الْيَوْمَ هَاهُنَا حَمِيمٌ [69:35]

الآية ٣٥ وقوله تعالى : فليس له اليوم هاهنا حميم  أي قريب يرجو منه، وهو كقوله تعالى :/٥٩٣-ب /  فلا أنساب بينهم يومئذ ولا يتساءلون  \[ المؤمنون : ١٠١ \] فليس له قريب، يرجوه، أو ينفعه ذلك الحميم، وقد كان له في الدنيا حميم ينتفع به، ويرجو منه.

### الآية 69:36

> ﻿وَلَا طَعَامٌ إِلَّا مِنْ غِسْلِينٍ [69:36]

الآية ٣٦ وقوله تعالى : ولا طعام إلا من غسلين  كقوله تعالى في موضع آخر : ليس لهم طعام إلا من ضريع  \[ الغاشية : ٦ \] وقوله تعالى في موضع آخر : ثم إنكم أيها الضالون المكذبون   لآكلون من شجر من زقوم \[ الواقعة : ٥١و ٥٢ \] والزقوم غير الضريع. 
فهذا، والله أعلم، أن في جهنم دركات، فأهل دركة منها، لا يجدون غير الغسلين، وأهل دركة منها، طعامهم الزقوم، ليس لهم غيره، وإلا لو لم يحمل الأمر على \[ هذا \] [(١)](#foonote-١) لوجب ما ذكرناه اختلافا، فيخرج أن يكون من عند الله بقوله تعالى : ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا  \[ النساء ٨٢ \]. 
ثم يجوز أن يكون قدر كل أهل دركة ما توجبه الحكمة أن يكون طعامهم. فعلى ما كانوا يفتخرون في هذه الدنيا بالأطعمة على من دونهم، ويهينون من لم يكن عنده ذلك الطعام، جعل الله تعالى لهم من ذلك الوجه طعاما في الجحيم، يهانون به. 
وقال الحسن : إن القرآن كله كسورة واحدة، والسورة كأنها آية واحدة، فكأنه جمع بين هذه الأشياء كلها في آية واحدة، فليس لهم طعام إلا من غسلين، وليس لهم طعام إلا من ضريع ومن زقوم. وإذا حمل على ما ذكر ارتفع توهم التناقض، والله اعلم. 
وقوله تعالى : إلا من غسلين  جائز أن يكون هذا [(٢)](#foonote-٢)اسما لشيء من الأشياء التي يعذب بها أهل النار، لم يطلع الله تعالى الخلق على علم ذلك ومعرفته، وقد ذكر أسامي في الآخرة، ليس للخلق بمعرفتها عهد. 
ألا ترى أن الزقوم ليس باسم لشيء يستقبح، ويستفظع في الدنيا، ثم جعله الله تعالى اسما لشيء المستبشع الكريه في الآخرة، وقال  عينا فيها تسمى سلسبيلا  \[ الإنسان : ١٨ \] والسلسبيل غير معروف في ما بين أهل اللسان ؟. 
وقال بعضهم : الغسلين ما يسيل من جلود أهل النار إذا عذبوا، وذلك هم الصديد والقيح. 
وجائز أن يكون إذا اشتد حرهم استغاثوا إلى الله تعالى، وطلبوا منه يرجون أن يرفع عنهم الحر، فيصب عليهم ما يزيد في عذابهم، فيسمى ما يزول عنهم غسلينا، والله أعلم.

١ في الصل وم: وقال..
٢ في الأصل وم: هذه.

### الآية 69:37

> ﻿لَا يَأْكُلُهُ إِلَّا الْخَاطِئُونَ [69:37]

الآية ٣٧ وقوله تعالى  لا يأكله إلا الخاطئون  وهم الذين قال \[ فيهم \][(١)](#foonote-١) : إنه كان لا يؤمن بالله العظيم   ولا يحض على طعام المسكين \[ الآيتين ٣٣ و ٣٤ \]. 
ثم قوله تعالى : في سلسلة ذرعها سبعون ذراعا  لا يجوز أن تكون السلسلة تفضل عن أبدانهم، فتأخذ فضل مكان من جهنم، لأنه تعالى وعد أن يملأ  جهنم من الجنة والناس أجمعين  \[ هود : ١١٩والسجدة ١٣ \] ولو كانت تلك السلسلة آخذة فضل مكان لكان لا يقع الامتلاء بالجنة والناس أجمعين فقط \[ وإنما \][(٢)](#foonote-٢) يؤدي إلى خلف الوعد، والله عز وجل لا يخلف الميعاد. 
ولكن إن كانت تلك السلسلة أطول من أبدانهم فهي تذكير لأهلها[(٣)](#foonote-٣) ليقع لهم بها فضل تضييق وغم. فأما أن تفضل عن أبدانهم، فلا يحتمل. 
وذكر عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال : حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا فإنه أهون، أو قال : أيسر عليكم، وزنوا أنفسكم قبل أن توزنوا، وتجهزوا للعرض الأكبر يوم القيامة  يومئذ تعرضون لا تخفى منكم خافية  \[ الآية : ١٨ \]. 
وعن الحسن أنه قال : إن المؤمن قوّام نفسه لله تعالى، وإنما خف الحساب يوم القيامة على قوم، حاسبوا أنفسهم في الدنيا، وإنما شق الحساب يوم القيامة على قوم أخذوا هذا الأمر من غير محاسبة، إن المؤمن يفجؤه الشيء، فيقول : والله لأني أشتهيك، وإنك لمن حاجتي، ولكن والله مالي من صلة إليك، هيهات، حيل بيني وبينك، ويفرط منه الشيء، فيرجع إلى نفسه، فيقول : ما أردت هذا، مالي ولهذا ؟ والله لا أعود لهذا، إن شاء الله تعالى. 
إن المؤمنين قوم أوثقهم العذاب، وحال بينهم وبين هلكتهم أن المؤمن أسير في الدنيا، يسعى في فكاك نفسه، لا يأمن شيئا حتى يلقى الله، يعلم أنه مأخوذ عليه في سمعه وبصره وجوارحه كلها، فمحاسبة النفس أن ينظر في كل فعل يريد أن يقدم عليه إلى عاقبته. 
فإن كان رشدا أمضاه، وأنقذه، وإن كان غيا انتهى عنه كما قال النبي صلى الله عليه وسلم : " إذا أردت أمرا فتدبر عاقبته، فإن كان رشدا فامضه وإن كان غيا فانته عنه " \[ الزبيدي في الاتحاف ١٠/٩٣ وعزاه لابن المبارك في الزهد \]. 
وقال في خبر آخر : " إن المؤمن وقاف وزان " وزنه ما ذكر في الخبر الأول من النظر في العواقب، فإذا نظر في العاقبة، ورأى الرشد في إنفاذه، فقد وزنه، وإذا رأى خلاف الرشد انتهى عنه، ولم يقدم عليه. فذلك وقفه. فهذا الذي ذكرنا محاسبة المرء نفسه في ما يروم من الأمور ومحاسبة نفسه في الأفعال التي ارتكبها، وأمضاها، أن ينظر، فإن كان ارتكب محرما تاب عنه، واستغفر الله تعالى، لعله بفضله يمن عليه بالمغفرة، وإن كان فعلا مرضيا حمد الله تعالى، وسأله التوفيق بمثله. 
فهذه هي محاسبة العبد لنفسه في ما ارتكب من الأفعال.

١ ساقطة من الأصل وم.
٢ ساقطة من الأصل وم..
٣ في الأصل وم: على أهلها.

### الآية 69:38

> ﻿فَلَا أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ [69:38]

الآيتان ٣٨ و ٣٩ وقوله تعالى : فلا أقسم بما تبصرون   وما لا يبصرون  قد وصفنا أن تأويل قوله : فلا أقسم بما تبصرون  من خلق السماوات والأرض وأنفسكم من الأسماع والأبصار والقلوب والعقول، أو ما تبصرون من الخلائق ممن حضركم  وما لا تبصرون  من الخلائق إن غاب عنكم. 
فيكون القسم بما نبصر وما لا نبصر قسما[(١)](#foonote-١) بالخلائق أجمع، لأن جملة الخلائق على هذين الوجهين : فصنف يرى، وصنف لا يرى. وقد ذكرنا أن القسم من الله عز وجل لتأكيد ما يقصد إليه مما يعرف بالتدبر والتأمل.

١ في الأصل وم: قسم.

### الآية 69:39

> ﻿وَمَا لَا تُبْصِرُونَ [69:39]

نص مكرر لاشتراكه مع الآية ٣٨:الآيتان ٣٨ و ٣٩ وقوله تعالى : فلا أقسم بما تبصرون   وما لا يبصرون  قد وصفنا أن تأويل قوله : فلا أقسم بما تبصرون  من خلق السماوات والأرض وأنفسكم من الأسماع والأبصار والقلوب والعقول، أو ما تبصرون من الخلائق ممن حضركم  وما لا تبصرون  من الخلائق إن غاب عنكم. 
فيكون القسم بما نبصر وما لا نبصر قسما[(١)](#foonote-١) بالخلائق أجمع، لأن جملة الخلائق على هذين الوجهين : فصنف يرى، وصنف لا يرى. وقد ذكرنا أن القسم من الله عز وجل لتأكيد ما يقصد إليه مما يعرف بالتدبر والتأمل. 
١ في الأصل وم: قسم.


---

### الآية 69:40

> ﻿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ [69:40]

الآية ٤٠ و قوله تعالى : إنه لقول رسول كريم  أي الذي تسمعون منه تسمعون من رسول كريم. 
ثم ذكر ههنا : إنه لقول رسول كريم  وقال في موضع آخر : وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله  \[ التوبة : ٦ \] فذكر ههنا كلام الله، وذكر في الآية الأولى : إنه لقول رسول كريم  فأما \[ ما \][(١)](#foonote-١) أضيف إلى الرسول فهو من حيث بلوغنا إليه من جهة الرسول لا بأمر غيره وصلنا إليه. 
وأضيف إلى الله تعالى لأن مجيئه ومرويّه \[ من عنده \] [(٢)](#foonote-٢) وأضيف إلى الرسول لأن ظهوره في حقنا كان به. 
وهذا كما أضيف ما وعاه القلب إلى الأذن بقوله : وتعيها أذن واعية  \[ الآية : ١٢ \] لأنه إنما يوصل إلى الوعي بالأذن. فعلى ذلك أضيف القول إلى الرسول من حيث كان سماع الخلق من جهة الرسول صلى الله عليه وسلم ثم الأصل أن الكلام والقول لا يسمعان، وإنما المسموع منهما الصوت الذي يعرف بالكلام، والقول يدل عليه، لا أن يكون كلامه في الحقيقة صوته، فينسب أيضا هذا القرآن إلى كلام الله لما يدل على كلامه لا أن يكون المسموع في الحقيقة، هو كلامه من النبي صلى الله عليه وسلم أتاكم به لقول تلقاه من عند الله الرسول الكريم، فيذكرهم هذا ليؤمنهم من تخطيط يقعون فيه من الشياطين وغيرهم من الأعداء. 
ثم جائز أن يكون الرسول الكريم، هو جبريل، كما قال تعالى في سورة  إذا الشمس كورت   إنه لقول رسول كريم   ذي قوة عند ذي العرش مكين  \[ التكوير ١٩ و ٢٠ \]. 
ويحتمل أن يكون الرسول الكريم هو /٥٩٤-أ/ محمد صلى الله عليه وسلم. والأشبه أن يكون هو المراد، لأنهم كانوا ينكرون رسالته، ولم يكونوا يقولون في جبريل عليه السلام شيئا.

١ من م، ساقطة من الأصل.
٢ من نسخة الحرم المكي، ساقطة من الأصل وم..

### الآية 69:41

> ﻿وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ ۚ قَلِيلًا مَا تُؤْمِنُونَ [69:41]

الآيتان ٤١ و٤٢ وقوله تعالى : وما هو بقول شاعر قليلا ما تؤمنون   ولا بقول كاهن قليلا ما تذكرون  أي إن هذا القرآن لقول رسول كريم، ليس بقول شاعر ولا بقول كاهن. 
ثم قوله تعالى : قليلا ما تذكرون  وقوله [(١)](#foonote-١) : قليلا ما تؤمنون  يحتمل أن يكون تأويله : فبقليل ما تؤمنون، وبقليل ما تذكرون مما جاءكم به الرسول. 
والقليل الذي آمنوا به، وتذكروا فيه، هو الذي كان راجعا إلى منافعهم. 
فأما الذي كان عليهم فهم لم يؤمنوا به، ولا تذكروا فيه. 
وإذا كان تأويله ما ذكرنا فانتصاب القليل لا ينزع حرف الخافض، وفي الحقيقة انتصابه لكونه مصدرا، وهو المفعول المطلق. 
وجائز أن يكون أضاف القليل إلى قوم الكاهن والشاعر [(٢)](#foonote-٢)، وتأويله أن الأمر[(٣)](#foonote-٣) لو كان على ما يزعمون بأنه قول كاهن وقول شاعر[(٤)](#foonote-٤) فما بالكم لا تصدقون بالقليل منه ؟ وتعلمون أن الشاعر[(٥)](#foonote-٥)، وإن كان الغالب عليه الكذب في ما يأتي، فقد يصدق في القليل منه ؟ وكذلك الكاهن، فما بالكم لا تصدقون بالقليل منه ؟ وأنتم تعلمون أنه صادق. 
فإن كان على هذا فهو في موضع إيجاب الحق عليهم أن يصدقوه [(٦)](#foonote-٦)، وإن كان على التأويل الأول ففيه إضمار أنهم يؤمنون إلا بالقليل منه والله أعلم.

١ في الأصل وم: و..
٢ في الأصل وم: والساحر..
٣ في الأصل وم: الأمور..
٤ في الأصل وم: ساحر..
٥ في الأصل وم: الساحر..
٦ من م، في الأصل: يصدقون..

### الآية 69:42

> ﻿وَلَا بِقَوْلِ كَاهِنٍ ۚ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ [69:42]

نص مكرر لاشتراكه مع الآية ٤١:الآيتان ٤١ و٤٢ وقوله تعالى : وما هو بقول شاعر قليلا ما تؤمنون   ولا بقول كاهن قليلا ما تذكرون  أي إن هذا القرآن لقول رسول كريم، ليس بقول شاعر ولا بقول كاهن. 
ثم قوله تعالى : قليلا ما تذكرون  وقوله [(١)](#foonote-١) : قليلا ما تؤمنون  يحتمل أن يكون تأويله : فبقليل ما تؤمنون، وبقليل ما تذكرون مما جاءكم به الرسول. 
والقليل الذي آمنوا به، وتذكروا فيه، هو الذي كان راجعا إلى منافعهم. 
فأما الذي كان عليهم فهم لم يؤمنوا به، ولا تذكروا فيه. 
وإذا كان تأويله ما ذكرنا فانتصاب القليل لا ينزع حرف الخافض، وفي الحقيقة انتصابه لكونه مصدرا، وهو المفعول المطلق. 
وجائز أن يكون أضاف القليل إلى قوم الكاهن والشاعر [(٢)](#foonote-٢)، وتأويله أن الأمر[(٣)](#foonote-٣) لو كان على ما يزعمون بأنه قول كاهن وقول شاعر[(٤)](#foonote-٤) فما بالكم لا تصدقون بالقليل منه ؟ وتعلمون أن الشاعر[(٥)](#foonote-٥)، وإن كان الغالب عليه الكذب في ما يأتي، فقد يصدق في القليل منه ؟ وكذلك الكاهن، فما بالكم لا تصدقون بالقليل منه ؟ وأنتم تعلمون أنه صادق. 
فإن كان على هذا فهو في موضع إيجاب الحق عليهم أن يصدقوه [(٦)](#foonote-٦)، وإن كان على التأويل الأول ففيه إضمار أنهم يؤمنون إلا بالقليل منه والله أعلم. 
١ في الأصل وم: و..
٢ في الأصل وم: والساحر..
٣ في الأصل وم: الأمور..
٤ في الأصل وم: ساحر..
٥ في الأصل وم: الساحر..
٦ من م، في الأصل: يصدقون..


---

### الآية 69:43

> ﻿تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ [69:43]

الآية ٤٣ وقوله عز وجل  تنزيل من رب العالمين  فالتنزيل في الحقيقة لا يحتمل أن يسمع لأنه إخبار عن فعله، وإنما الذي يسمع منه المنزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم أضاف إلى نفسه التنزيل ليعلم أن هذه الأخبار هي [(١)](#foonote-١) قوله تعالى  إنه لقول رسول كريم  وقوله تعالى عز وجل  تنزيل  خرج على المجاز ليس على التحقيق، لأن التنزيل، هو إنزاله، فسمى تنزيلا لأنه هو الذي كلفه الإنزال، لا أن يكون، هو الذي تولى الإنزال، وإن كان، هو خالقه.

١ في الأصل وم:.

### الآية 69:44

> ﻿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ [69:44]

الآية ٤٤ وقوله تعالى : ولو تقول علينا بعض الأقاويل  فهذا على ما تقدم من قوله : إنه لقول رسول كريم   وما هو بقول شاعر  \[ الآيتان ٤٠ و ٤١ \] وعليه وقوع القسم، وهو موضعه، فكأنه يقول : إن الذي تلقاه من عنده رسول كريم، وما هو بقول، تلقاه من كاهن أو شاعر [(١)](#foonote-١)، ولا بقول تقوّله علينا  ولو تقول علينا بعض الأقاويل   لأخذنا منه باليمين   ثم لقطعنا منه الوتين  الآيتان : ٤٥ و٤٦ \]. 
ويحتمل وجها آخر، وهو أن الذي يسمعون منه رسول كريم، وليس بشاعر ولا كاهن ولا متقول، لأنهم كانوا مرة ينسبونه إلى الكهانة ومرة إلى السحر ومرة أنه تقوّله على الله  ولو تقول علينا بعض الأقاويل   لأخذنا منه باليمين  يبين أن عذاب الله بأخص عباده أسرع وقوعا، إذ هم خالفوه، وزلوا، منه بأعدائه. 
ألا ترى إلى قوله عز وجل : لأخذنا منه باليمين  فتتبين أنه لو وجد منه شيء مما قالوا لأخذه[(٢)](#foonote-٢) على المكان ؟ 
ألا ترى إلى آدم عليه السلام وما حل به عندما ابتلي بالزلة والخلاف ؟ وكذلك يونس عليه السلام وما عوقب به على إثر الزلة ؟ وهذا لأن عذاب الأولياء يخرج مخرج التنبيه والتذكير والاستدعاء إلى ما كانوا عليه من الطاعة والانقياد قبل ارتكابهم الزلة، ولا كذلك عذاب الأعداء \[ إذ أخر \][(٣)](#foonote-٣) عذابهم إلى اليوم الذي يدوم عليهم فيه العذاب. 
وفيه وجه آخر، وهو أن الذي سمعتموه[(٤)](#foonote-٤) منه لو كان سحرا أو شعرا أو كهانة أو تقولا[(٥)](#foonote-٥) لكان لا يمهله الله تعالى، بل يؤاخذه على \[ ما كان منه \][(٦)](#foonote-٦) من غير عجز [(٧)](#foonote-٧) كما قال : فما منكم من أحد عنه حاجزين  \[ الآية ٤٧ \] فإمهاله دل على أن الأمر ليس كما قالوا، بل هو  تنزيل من رب العالمين  \[ الآية : ٤٣ \].

١ في الأصل وم: ساحر..
٢ من م، في الأصل: لأخذناه..
٣ في الأصل وم: فأخر..
٤ في الأصل وم: سمعتم.
٥ في الأصل وم: تقولة.
٦ في الأصل وم: المكان..
٧ في الأصل وم: ان عجزوا..

### الآية 69:45

> ﻿لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ [69:45]

الآية ٤٥ وقوله تعالى : لأخذنا منه باليمين  فأخذ الله تعالى عذابه وعقوبته كقوله تعالى  فأخذناهم بالبأساء والضراء  \[ الأنعام : ٤٢ \] وقوله عز وجل  فأخذناهم بغتة وهم لا يشعرون  الأعراف : ٩٥. 
وقوله تعالى : باليمين  أي بالقوة، أي لا يعجزنا [(١)](#foonote-١) منه شيء، ولا يفوتنا عذابه كقوله تعالى : وما هم بمعجزين  \[ الزمر : ٥١ \] وكقوله تعالى : وما نحن بمسبوقين  \[ الواقعة ٦٠ والمعارج : ٤١ \] أي لا يعجزنا ما عنده من الشرف والقوة من أن نؤاخذه، وننزل عليه النقمة. 
وجائز أن يكون اليمين صلة القول لا على تحقيق اليد، فذكر اليمين لأن التأديب في الشاهد والأخذ، يقع بها، وهو كقوله تعالى : ذلك بما قدمت يداك  \[ الحج : ١٠ \] فأضاف التقدم إلى اليد لا على تحقيق اليد، إذ يجوز ألا يكون ليديه بما قدم صنع، لكن لما كان التقديم في الشاهد يقع بالأيدي. فذكرت اليدان على ذلك لا على تحقيق الفعل بهما. فكذلك يجوز أن تكون اليمين ذكرت لما بها يقع الأخذ والتأديب في الشاهد، وإن لم يكن هنالك يمين والله أعلم. 
واليمين القوة، وسميت اليمين يمينا لأن قدرة الرجل تكون فيها، وسمي ملك الرقاب ملك اليمين لأن ملك اليمين يكتسب بالقهر والغلبة، وإنما يصل المرء إلى القهر والغلبة بالقوة، فسمي ملك يمين لهذا، لا أن يراد بذكر اليمين تحقيق اليمين، إذ اليد لا تملك شيئا حتى يضاف إليها، فكذلك في ما أضيف من اليمين إلى الله تعالى، فالمراد منه القوة.

١ من نسخة الحرم المكي، في الأصل وم: يعجزه ما..

### الآية 69:46

> ﻿ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ [69:46]

الآية ٤٦ وقوله تعالى : ثم لقطعنا منه الوتين  \[ قيل : الوتين \][(١)](#foonote-١) عرق في القلب، وقيل : حبل في القلب، وقيل هو العرق الذي إذا قطع مات صاحبه، وهو عرق متصل بالظهر، فكأنه قال : نعذبه عذابا، لا بقاء له مع ذلك العذاب، وهذا من أعظم آيات الرسل [(٢)](#foonote-٢)في أنهم متى زلوا أخذوا على \[ ما كان منهم \][(٣)](#foonote-٣) ويكون فيه أمان الخلق من إحداث التغيير والتبديل من الرسل لأنهم لو غيروا لعذبوا. 
ثم قوله تعالى : منه باليمين  فجائز أن يكون قوله : منه  زيادة في الكلام، وحقه الإسقاط، ويكون معناه لأخذناه باليمين. 
وجائز أن يكون معناه لأخذنا من تقوّله وسحره وكهانته باليمين، فإن كان على هذا فحقه الإثبات، وليس بصلة زائدة.

١ من م ساقطة من الأصل.
٢ في الأصل وم: الرسالة..
٣ في الأصل وم: المكان..

### الآية 69:47

> ﻿فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ [69:47]

الآية٤٧ وقوله تعالى : فما منكم من أحد عنه حاجزين  ففي هذا يأس منه لأولئك الكفرة لأنهم كانوا يطعمون من رسول الله صلى الله عليه وسلم اتباعهم وموافقتهم على ملتهم، فأخبر أنه لو أجابهم [(١)](#foonote-١) لقطع منه وتينه، وأخذه، لا يملكون منع ذلك عنه ولا دفعة، ولم يكن أحد ينصره عند ذلك، أو يحجزه عنها. وهو كقوله عز وجل  وإن كادوا ليفتنونك عن الذي أوحينا إليك  إلى قوله : إذا لأذقناك ضعف الحياة وضعف الممات ثم لا تجد لك علينا نصيرا  \[ الإسراء ٧٣ و ٧٤ و ٧٥ \].

١ من نسخة الحرم المكي، في الأصل وم: أجابوه..

### الآية 69:48

> ﻿وَإِنَّهُ لَتَذْكِرَةٌ لِلْمُتَّقِينَ [69:48]

الآية ٤٨ وقوله تعالى  وإنه لتذكرة للمتقين  فالمتقون هم الموحدون، فسماهم مرة متقين ومرة صابرين ومرة شاكرين كقوله عز وجل  إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور  \[ إبراهيم : ٥ \] وهو تذكرة لأنه يذكرهم الوعد والوعيد وما يتقى وما يؤتى وغير ذلك. فهو تذكرة، يعني القرآن.

### الآية 69:49

> ﻿وَإِنَّا لَنَعْلَمُ أَنَّ مِنْكُمْ مُكَذِّبِينَ [69:49]

الآية ٤٩ وقوله تعالى : وإنا لنعلم أن منكم مكذبين  أي بآياتي ورسلي ثم نمهلكم[(١)](#foonote-١)، 
، فهو صلة قوله : ولو تقول علينا بعض الأقاويل  \[ الآية : ٤٤ فبين أنه مع كذبهم بآياته ورسله يمهلهم، ولا يعجل عليهم بالعقوبة، ولو وجد التقول من الرسول لكان يستأصله، ويقطع وتينه. 
فهو على ما ذكرنا أن عذابه على خواص عباده أسرع وقوعا، إذا خالفوا، منه بأعدائه. 
وجائز أن يكون \[ قوله عز وجل \] [(٢)](#foonote-٢) وإنا لنعلم أن منكم مكذبين  هم المنافقون لأنهم كانوا يظهرون /٥٩٤-ب/الموافقة لرسول الله صلى الله عليه وسلم بألسنتهم، ويخالفونه، ويكذبونه، بقلوبهم، فيكون هذا التأويل راجعا إلى أهل النفاق. 
والتأويل الأول إلى أهل الكفر الذين أظهروا التكذيب.

١ من م، الأصل: يهلكهم..
٢ من م، ساقطة من الأصل..

### الآية 69:50

> ﻿وَإِنَّهُ لَحَسْرَةٌ عَلَى الْكَافِرِينَ [69:50]

الآية ٥٠ وقوله تعالى : وإنه لحسرة على الكافرين  أي القرآن [(١)](#foonote-١) حسرة عليهم يوم القيامة لأنه شافع مشفع لمن اتبعه، وعمل بما فيه، وما حل مصدق، ولمن نبذه وراء ظهره، ولم يعمل به فهو حسرة عليهم، لأنه يخاصمهم، فيخصمهم ويشهد عليهم، فيصدق \[ في \][(٢)](#foonote-٢)شهادته، ويذكرون يوم القيامة معاملتهم بالقرآن، فيندمون عليه، ويزيدهم حسرة لأنهم إذ يتلى عليهم القرآن في الدنيا ازدادوا عند تلاوته ضلالا وكفرا، وازدادوا به رجسا إلى رجسهم كما قال : وأما الذين في قلبوهم مرض فزادهم رجسا إلى رجسهم  \[ التوبة : ١٢٥ \] وهو ليس بسبب لازدياد الرجس، ولكنهم كانوا يحدثون زيادة تكذيب وضلال عند التلاوة، فأضيفت الزيادة إلى القرآن، إذ كان القرآن، هو الذي يحملهم على زيادة التكذيب. 
فهذه المعاملة تزيدهم حسرة يوم القيامة، فأضيفت إلى القرآن، إذ كان القرآن هو الذي عنده \[ ما \][(٣)](#foonote-٣) وقعوا فيه كما أضيف الرجس إليه، والله أعلم.

١ في الأصل وم: العذاب..
٢ من م، ساقطة من الأصل..
٣ من نسخة الحرم المكي، ساقطة من الأصل وم..

### الآية 69:51

> ﻿وَإِنَّهُ لَحَقُّ الْيَقِينِ [69:51]

الآية ٥١ وقوله تعالى : وإنه لحق اليقين  والأصل أن الحق اسم لما يحمد عليه، فحقه أن تنظر في ما تستعمل هذه اللفظة فتصرفها على أحد الوجوه :
فإذا استعملت في الأخبار أريد بها الصدق نحو أن يقال : هذا خبر حق أي صدق. وإذا استعملت في الحكم أريد بها العدل. وإذا استعملت في الأقوال والأفعال أريد بها الإضافة. 
فقوله تعالى : وإنه لحق اليقين  أي صدق، ويقين أنه من رب العالمين. فهو صلة قوله عز وجل  تنزيل من رب العالمين  \[ الآية ٤٣ \].

### الآية 69:52

> ﻿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ [69:52]

الآية ٥٢ وقوله تعالى  فسبح باسم ربك العظيم  قيل : صل، وقيل : اذكره بالاسم الذي إذا سميت كان تسبيحا أي تنزيها عن كل ما قالت فيه الملاحدة، وما نسبت إليه، مما لا يليق به والله اعلم[(١)](#foonote-١).

١ في م: الهادي، وعليه التكلان.

## روابط ذات صلة

- [النص القرآني للسورة](https://quranpedia.net/surah/1/69.md)
- [كل تفاسير سورة الحاقة
](https://quranpedia.net/surah-tafsir/69.md)
- [ترجمات سورة الحاقة
](https://quranpedia.net/translations/69.md)
- [صفحة الكتاب: تأويلات أهل السنة](https://quranpedia.net/book/468.md)
- [المؤلف: أبو منصور المَاتُرِيدي](https://quranpedia.net/person/4180.md)

---

زُر [Quranpedia.net](https://quranpedia.net/surah/1/69/book/468) — موسوعة القرآن الكريم: التفاسير، الترجمات، التلاوات، والمواضيع.
