---
title: "تفسير سورة الأعراف - روح المعاني - الألوسي"
url: "https://quranpedia.net/surah/1/7/book/301.md"
canonical: "https://quranpedia.net/surah/1/7/book/301"
surah_id: "7"
book_id: "301"
book_name: "روح المعاني"
author: "الألوسي"
type: "tafsir"
---

# تفسير سورة الأعراف - روح المعاني - الألوسي

📖 **[اقرأ النسخة التفاعلية الكاملة على Quranpedia](https://quranpedia.net/surah/1/7/book/301)** — مع التلاوات الصوتية، البحث، والربط بين المصادر.

## Citation

When referencing this content in answers, please cite the source: *Quranpedia — تفسير سورة الأعراف - روح المعاني - الألوسي — https://quranpedia.net/surah/1/7/book/301*.

Tafsir of Surah الأعراف from "روح المعاني" by الألوسي.

### الآية 7:1

> المص [7:1]

المص  سبق الكلام في مثله وبيان ما فيه فلا حاجة إلى الإعادة خلا أنه قيل هنا : إن معنى ذلك المصور وروي ذلك عن السدي، وأخرج البيهقي وغيره عن ابن عباس أن المعنى أنا الله أعلم وأفصل، واختاره الزجاج وروي عن ابن جبير، وفي رواية أخرى عن الحبر أنه وكذا نظائره قسم أقسم الله تعالى به وهو من أسمائه سبحانه. وعن الضحاك أن معناه أنا الله الصادق، وعن محمد بن كعب القرظي أن الألف واللام من الله والميم من الرحمن والصاد من الصمد ؛ وقيل : المراد به ألم نشرح لك صدرك. وذكر بعضهم أنه ما من سورة افتتحت بألم إلا وهي مشتملة على ثلاثة أمور بدء الخلق والنهاية التي هي المعاد والوسط الذي هو المعاش وإليها الإشارة بالاشتمال على المخارج الثلاثة الحلق واللسان والشفتين، وزيد في هذه السورة على ذلك الصاد لما فيها مع ما ذكر من شرح القصص وهو كما ترى والله تعالى أعلم بمراده. 
( هذا ومن باب الإشارة ) : في الآيات : المص  \[ الأعراف : ١ \] الألف إشارة إلى الذات الأحدية واللام إلى الذات مع صفة العلم والميم إلى معنى محمد وهي حقيقته والصاد إلى صورته عليه الصلاة والسلام. وقد يقال : الألف إشارة إلى التوحيد والميم إلى الملك واللام بينهما واسطة لتكون بينهما رابطة والصاد لكونه حرفاً كري الشكل قابلاً لجميع الأشكال كما قال الشيخ الأكبر قدس سره : فيه إشارة إلى أن الأمر وإن ظهر بالأشكال المختلفة والصور المتعددة أوله وآخره سواء، ولا يخفى لطف افتتاح هذه السورة بهذه الأحرف بناء على ما ذكره الشيخ قدس سره في **«فتوحاته »** من أن لكل منها ما عدا الألف الأعراف وأما الألف فقد ذكر نفعنا الله تعالى ببركات علومه أنه ليس من الحروف عند من شم رائحة من الحقائق لكن قد سمته العامة حرفاً فإذا قال المحقق ذلك فإنما هو على سبيل التجوز في العبادة والله تعالى أعلم بحقيقة الحال

### الآية 7:2

> ﻿كِتَابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ فَلَا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ لِتُنْذِرَ بِهِ وَذِكْرَىٰ لِلْمُؤْمِنِينَ [7:2]

وقوله سبحانه : كِتَابٌ  على بعض الاحتمالات خبر لمبتدأ محذوف أي هو أو ذلك كتاب، وقوله سبحانه : أَنزَلَ إِلَيْكَ  أي من عنده تعالى صفة له مشرفة لقدره وقدر من أنزل إليه صلى الله عليه وسلم. وبني الفعل للمفعول جرياً على سنن الكبرياء وإيذاناً بالاستغناء عن التصريح بالفاعل لغاية ظهور تعينه وهو السر في ترك ذكر مبدأ الإنزال، والتوصيف بالماضي إن كان الكتاب عبارة، كالقرآن عن القدر المشترك بين الكل والجزء ظاهر، وإن كان المجموع فلتحققه جعل كالماضي. واختار الزمخشري ومن وافقه أن المراد بالكتاب هنا السورة وفيه من المبالغة ما لا يخفى إن قلنا : إنه لم يطلق على البعض وإذا قلنا بإطلاقه على ذلك كما في قولهم : ثبت هذا الحكم بالكتاب فالأمر واضح. ومن الناس من جوز جعل  كِتَابٌ  مبتدأ والجملة بعده خبره على معنى كتاب أي كتاب أنزل إليك. ولا يخفى أن الأول أولى لأن هذا خلاف الأصل. وحذف المبتدأ أكثر من أن يحصى. 
 فَلاَ يَكُن فِى صَدْرِكَ حَرَجٌ مّنْهُ  أي شك كما قال ابن عباس وغيره. وأصله الضيق واستعماله في ذلك مجاز كما في **«الأساس »** علاقته اللزوم فإن الشاك يعتريه ضيق الصدر كما أن المتيقن يعتريه انشراحه وانفساحه. والقرينة المانعة هو امتناع حقيقة الحرج والضيق من الكتاب وإن جوزتها فهو كناية. وعلى التقديرين هو قد صار حقيقة عرفية في ذلك كما قاله بعض المحققين. 
وجوز أن يكون باقياً على حقيقته لكن في الكلام مضاف مقدر كخوف عدم القبول والتكذيب فإنه صلى الله عليه وسلم كان يخاف قومه وتكذيبهم وإعراضهم عنه وأذاهم له. ويشهد لهذا التأويل قوله تعالى : فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ بَعْضَ مَا يوحى إِلَيْكَ وَضَائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ أَن يَقُولُواْ لَوْلاَ أُنُزِلَ عَلَيْهِ كَنزٌ أَوْ جَاء مَعَهُ مَلَكٌ  \[ هود : ١٢ \] الآية. وللأول قوله تعالى : فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الممترين  \[ يونس : ٩٤ \] وقد يقال : إنه كناية عن الخوف والخوف كما يقع على المكروه يقع على سببه. 
**«وتوجيه النهي إلى الحرج بمعنى الشرك مع أن المراد نهيه عليه الصلاة والسلام عن ذلك قيل : إما للمبالغة في تنزيه ساحة الرسول صلى الله عليه وسلم عن الشك فإن النهي عن الشيء مما يوهم إمكان صدور المنهي عنه عن المنهي وإما للمبالغة في النهي فإن وقوع الشك في صدره عليه الصلاة والسلام سبب لاتصافه وحاشاه به والنهي عن السبب نهي عن المسبب بالطريق البرهاني ونفى له بالمرة كما في قوله سبحانه : وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَانُ قَوْمٍ  \[ المائدة : ٨ \] وليس هذا من قبيل لا أرينك ههنا فإن النهي هناك وارد على المسبب مراداً به النهي عن السبب فيكون المآل نهيه عليه الصلاة والسلام عن تعاطي ما يورث الحرج فتأمل »** انتهى. 
والذي ذهب إليه بعض المحققين أن المراد نهي المخاطب عن التعرض للحرج بطريق الكناية وأنه من قبيل لا أرينك ههنا في ذلك لما أن عدم كون الحرج في صدره من لوازم عدم كونه متعرضاً للحرج كما أن عدم الرؤية من لوازم عدم الكون ههنا فالنافي لكونه من قبيل ذلك إن أراد الفرق بينهما باعتبار أن المراد في أحدهما النهي عن السبب والمراد المسبب وفي الآخر بالعكس فلا ضير فيه، ولهذا عبر البعض باللزوم دون السببية. وإن أراد أنه ليس من الكناية أصلاً فباطل. نعم جوز أن يكون من المجاز. والمشهور أن الداعي لهذا التأويل أن الظاهر يستدعي نهي الحرج عن الكون في الصدر والحرج مما لا ينهى وله وجه وجيه فليفهم. 
والجملة على تقدير كون الحرج حقيقة كما يفهمه كلام الكشاف كناية عن عدم المبالات بالأعداء. وأياً ما كان فالتنوين في  حَرَجٌ  للتحقير، و ( من ) متعلقة بما عندها أو بمحذوف وقع صفة له أي حرج ما كائن منه. والفاء تحتمل العطف إما على مقدر أي بلغه فلا يكن في صدرك الخ وإما على ما قبله بتأويل الخبر بالإنشاء أو عكسه أي تحقق إنزاله من الله تعالى إليك أو لا ينبغي لك الحرج وتحتمل الجواب كأنه قيل : إذا أنزل إليك فلا يكن الخ. وقال الفراء إنها اعتراضية، وقال بعض المشايخ هي لترتيب النهي أو الانتهاء على مضمون الجملة إن كان المراد لا يكن في صدرك شك ما في حقيته فإنه مما يوجب انتفاء الشك فيما ذكر بالكلية وحصول اليقين به قطعاً، ولترتيب ما ذكر على الإخبار بذلك لا على نفسه إن كان المراد لا يكن فيه شك في كونه كتاباً منزلاً إليك. وللترتيب على مضمون الجملة أو على الإخبار به إذا كان المراد لا يكن فيك ضيق صدر من تبليغه مخافة أن يكذبوك أو أن تقصر في القيام بحقه فإن كلاً منهما موجب للإقدام على التبليغ وزوال الخوف قطعاً وإن كان إيجاب الثاني بواسطة الأول. ولا يخفى ما في أوسط هذه الشقوق من النظر فتدبر. 
 لِتُنذِرَ بِهِ  أي بالكتاب المنزل. والفعل قيل إما منزل منزلة اللازم أو أنه حذف مفعوله لإفادة العموم، وقد يقال : إنه حذف المفعول لدلالة ما سيأتي عليه. واللام متعلقة بأنزل عند الفراء وجملة النهي معترضة بين العلة ومعلولها وهو المعنى بما نقل عنه أنه على التقديم والتأخير. قيل : وهذا مما ينبغي التنبيه له فإن المتقدمين يجعلون الاعتراض على التقديم والتأخير لتخلله بين أجزاء كلام واحد وليس مرادهم أن في الكلام قلباً. ووجه التوسيط إما أن الترتيب على نفس الإنزال لا على الإنزال للإنذار وإما رعاية الاهتمام مع ما في ذلك على ما قيل من الإشارة إلى كفاية كل من الإنزال والإنذار في نفي الحرج. 
أما كفاية الثاني فظاهرة لأن المخوف لا ينبغي أن يخاف من يخوفه ليتمكن من الإنذار على ما يجب. وأما كفاية الأول فلأن كون الكتاب البالغ غاية الكمال منزلاً عليه عليه الصلاة والسلام خاصة من بين سائر إخوانه الأنبياء عليهم السلام يقتضي كونه رحيب الصدر غير مبال بالباطل وأهله، وعن ابن الأنباري أن اللام متعلقة بمتعلق الخبر أي لا يكن الحرج مستقراً في صدرك لأجل الإنذار، وقيل : إنها متعلقة بفعل النهي وهو الكون بناءً على جواز تعلق الجار بكان الناقصة لدلالتها على الحدث على الصحيح، وقيل : يجوز أن يتعلق بحرج على معنى أن الحرج للإنذار والضيق له لا ينبغي أن يكون. وقال العلامة الثاني : إنه معمول للطلب أو المطلوب أعني انتفاء الحرج وهذا أظهر لا للمنهي أي الفعل الداخل عليه النهي كما قيل لفساد المعنى. وأطلق الزمخشري تعلقه بالنهي، واعترض بأنه لا يتأتى على التفسير الأول للحرج لأن تعليل النهي عن الشك بما ذكر من الإنذار والتذكير مع إيهامه لإمكان صدوره عنه صلى الله عليه وسلم مشعر بأن المنهي عنه ليس بمحذور لذاته بل لإفضائه إلى فوات الإنذار والتذكير لا أقل من الإيذان بأن ذلك معظم غائلته ولا ريب في فساده، وأما على التفسير الثاني فإنما يتأتى التعليل بالإنذار لا بتذكير المؤمنين إذ ليس فيه شائبة خوف حتى يجعل غاية لانتفائه ؛ وأنت خبير بأن كون المنهى عنه محذوراً لذاته ظاهر ظهور نار القرى ليلاً على علم فلا يكاد يتوهم نقيضه. والقول بأنه لا أقل من الإيذان بأن ذلك معظم غائلته لا فساد فيه بناءً على ما يقتضيه المقام وإن كان بعض غوائله في نفس الأمر أعظم من ذلك وأن الآية ليست نصاً في تعليل النهي بالإنذار والتذكير كما سيتضح لك قريباً إن شاء الله تعالى حتى يتأتى الاعتراض نظراً للتفسير الثاني، سلمنا أنها نص لكنا نقول : لم لا يجوز أن يكون ذلك من قبيل قوله تعالى : إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُّبِيناً \* لّيَغْفِرَ لَكَ الله مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ  \[ الفتح : ١، ٢ \] الآية. 
 وذكرى لِلْمُؤْمِنِينَ  نصب بإضمار فعله عطفاً على ( تنذر ) أي وتذكر المؤمنين تذكيراً. ومنع الزمخشري فيما نقل عنه العطف بالنصب على محل  لّتُنذِرَ  معللاً بأن المفعول له يجب أن يكون فاعله وفاعل المعلل واحداً حتى يجوز حذف اللام منه. ويمكن كما في ****«الكشف »**** أن يقال : لا منع من أن يكون التذكير فعل المنزل الحق تعالى إلا أنه يفوت التقابل بين الإنذار والتذكير. نعم يحتمل الجر بالعطف على المحل أي للإنذار والتذكير. 
ويحتمل الرفع على أنه معطوف على  كِتَابٌ  أو خبر مبتدأ محذوف أي هو ذكرى، والفرق بين الوجهين على ما في ****«الكشف »**** أن الأول معناه أن هذا جامع بين الأمرين كونه كتاباً كاملاً في شأنه بالغاً حد الإعجاز في حسن بيانه وكونه ذكرى للمؤمنين يذكرهم المبدأ والمعاد. والثاني يفيد أن هذا المقيد بكونه كتاباً من شأنه كيت وكيت هو ذكرى للمؤمنين ويكون من عطف الجملة على الجملة فيفيد استقلاله بكل من الأمرين وهذا أولى، لفظاً ومعنى وتخصيص التذكير بالمؤمنين لأنهم المنتفعون به أو للإيذان باختصاص الإنذار بالكافرين وتقديم الإنذار لأنه أهم بحسب المقام. 
( هذا ومن باب الإشارة ) : كتاب أُنزِلَ إِلَيْكَ فَلاَ يَكُن فِى صَدْرِكَ حَرَجٌ مّنْهُ  أي ضيق من حمله فلا تسعه لعظمه فتتلاشى بالفناء والوحدة والاستغراق في عين الجمع
 لِتُنذِرَ بِهِ وذكرى لِلْمُؤْمِنِينَ  \[ الأعراف : ٢ \] أي ليمكنك الإنذار والتذكير إذ بالاستغراق لا ترى إلا الحق فلا يتأتى منك ذلك

### الآية 7:3

> ﻿اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ ۗ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ [7:3]

اتبعوا مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مّن رَّبّكُمْ  خطاب لكافة المكلفين، والمراد بالموصول الكتاب المنزل إليه صلى الله عليه وسلم كما روي عن قتادة إلا أنه وضع المظهر موضع المضمر وجعل منزلاً إليهم لتأكيد وجوب الاتباع ؛ وقيل : المراد به ما يعم الكتاب والسنة فليس من وضع المظهر موضع المضمر. وإيثاره لفائدة التعميم وتشميم من أسلوب قول الأنمارية هم كالحلقة المفرغة لا يدري أين طرفاها وتتميم لشرح الصدر فإنه لما شجع أمر الجميع باتباع جميع ما يرسمه ليكون أدعى لانشراح صدره عليه الصلاة والسلام ورحب ذراعه. ولا يخفى أن هذا الحمل بعيد. نعم يعم السنة بأقسامها الحكم بطريق الدلالة لا بطريق العبارة، و  مِنْ  متعلقة بأنزل على أنها لابتداء الغاية مجازاً أو بمحذوف وقع حالاً من الموصول أو من ضميره في الصلة، وفي التعرض لعنوان الربوبية مع الإضافة إلى ضمير المخاطبين مزيد لطف بهم وترغيب لهم في الامتثال بما أمروا به وتأكيد لوجوبه إثر تأكيد. 
 وَلاَ تَتَّبِعُواْ مِن دُونِهِ أَوْلِيَاء  الضمير المجرور عائد إلى  رَبُّكُمْ  والجار متعلق بمحذوف وقع حالاً من فاعل فعل النهي أي ولا تتبعوا متجاوزين ربكم الذي أنزل إليكم ما يهديكم إلى الحق أولياء من الشياطين والكهان بأن تقبلوا منهم ما يلقونه إليكم من الأباطيل ليضلوكم عن الحق بعد إذ جاءكم ويحملوكم على البدع والأهواء الزائغة. ويجوز أن يكون الجار متعلقاً بمحذوف وقع حالاً من  أَوْلِيَاء  قدم عليه لكونه نكرة أي أولياء كائنة غيره تعالى، وأن يكون متعلقاً بالفعل قبله أي تعدلوا عنه سبحانه إلى غيره. ولما كان اتباع ما أنزله سبحانه جل وعلا اتباعاً له عز شأنه عقب الأمر السابق بهذا النهي، وقيل : الضمير لما أنزل على حذف مضاف في  أَوْلِيَاء  أي لا تتبعوا من دون ما أنزل أباطيل أولياء، وكأنه قيل : ولا تتبعوا من دون دين ربكم دين أولياء، وذلك التقدير لأنه لا يحسن وصف المنزل بكونه دونهم، وجوز كون الضمير للمصدر أي لا تتبعوا أولياء اتباعاً من دون اتباعكم ما أنزل إليكم وفيه بعد. وقرأ مجاهد  تَبْتَغُواْ  بالغين المعجمة من الابتغاء. 
 قَلِيلاً مَّا تَذَكَّرُونَ  أي تذكراً قليلاً أو زماناً قليلاً تذكرون لا كثيراً حيث لا تتأثرون بذلك ولا تعملون بموجبه وتتركون الحق وتتبعون غيره، فقليلاً نعت مصدر أو زمان محذوف أقيم مقامه ونصبه بالفعل بعده وقدم عليه للقصر، و  مَا  مزيد لتأكيد القلة لأنها تفيدها في نحو أكلت أكلاً ما فهي ههنا قلة على قلة، والظاهر من القلة معناها، وجوز أن يراد بها العدم كما في قوله تعالى : فَقَلِيلاً مَّا يُؤْمِنُونَ 
\[ البقرة : ٨٨ \] وأجيز أن يكون  قَلِيلاً  نعت مصدر لتتبعوا أي اتباعاً قليلاً، قيل : ويضعفه أنه لا معنى حينئذٍ لقوله سبحانه : تَذَكَّرُونَ  وأما النهي عن الاتباع القليل فلا يضر لأنه يفهم منه غيره بالطريق البرهاني، وأن يكون حالاً من فاعل  لاَ تَتَّبِعُواْ  و ( ما ) مصدرية أو موصولة فاعل له كما قيل ذلك في قوله تعالى : كَانُواْ قَلِيلاً مّن اليل مَا يَهْجَعُونَ  \[ الذاريات : ١٧ \] والنهي متوجه إلى القيد والمقيد جميعاً واعترض بأنه لا طائل تحت معناه وأن وجه بما وجه، وأن يكون ( ما ) مصدرية أو موصولة مبتدأ، و  قَلِيلاً  على معنى زماناً قليلاً خبره، وقيل : إن ( ما ) نافية و  قَلِيلاً  معمول لما بعده، والكوفيون يجوزون عمل ما بعد ( ما ) النافية فيما قبلها، والمعنى ما تذكرون قليلاً فكيف تذكرون كثيراً وليس بشيء. 
وقرأ حمزة والكسائي وحفص  تَذَكَّرُونَ  بحذف إحدى التاءين وذال مخففة. وقرأ ابن عامر  يَتَذَكَّرُونَ  بياء تحتية ومثناة فوقية وذال مخففة، وفي طريق شاذة عنه بتاءين فوقيتين. وقرأ الباقون بتاء فوقية وذال مشددة على إدغام التاء المهموسة في الذال المجهورة، والجملة على ما قاله غير واحد اعتراض تذييلي مسوق لتقبيح حال المخاطبين، والالتفات على القراءة المشهورة عن ابن عامر للإيذان باقتضاء سوء حالهم في عدم الامتثال بالأمر والنهي صرف الخطاب عنهم، وحكاية جناياتهم لغيرهم بطريق المباتة ولا حجة في الآية لنفاة القياس كما لا يخفى.

### الآية 7:4

> ﻿وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا فَجَاءَهَا بَأْسُنَا بَيَاتًا أَوْ هُمْ قَائِلُونَ [7:4]

وَكَم مّن قَرْيَةٍ أهلكناها  شروع في تذكيرهم وإنذارهم ما نزل بمن قبلهم من العذاب بسبب إعراضهم عن دين الله تعالى وإصرارهم على أباطيل أوليائهم، و  كَمْ  خبرية للتكثير في محل رفع على الابتداء ؛ والجملة بعدها خبرها و  مِنْ  سيف خطيب و  قَرْيَةٌ  تمييز. ويجوز أن يكون محل  كَمْ  نصباً على الاشتغال، وضمير  أهلكناها  راجع إلى معنى كم فإن المعنى قرى كثيرة أهلكناها، والمراد بإهلاكها إرادة إهلاكها مجازاً كما في قوله تعالى : إِذَا قمتم إلى الصلاة  \[ المائدة : ٦ \] الآية فلا إشكال في التعقيب الذي تفهمه الفاء في قوله سبحانه : فَجَاءهَا بَأْسُنَا  أي عذابنا، واعترض هذا الجواب بعض المدققين بأن فيه إشكالاً أصولياً، وهو أن الإرادة إن كانت باعتبار تعلقها التنجيزي فمجىء البأس مقارن لها لا متعقب لها وبعدها، وإن لم يرد ذلك فهي قديمة فإن كان البأس يعقبها لزم قدم العالم وإن تأخر عنها لزم العطف بثم. وأجيب بأن المراد التعلق التنجيزي قبل الوقوع أي قصدنا إهلاكها فتدبر، وقيل : إن المراد بالإهلاك الخذلان وعدم التوفيق فهو استعارة أو من إطلاق المسبب على السبب، وإلى هذا يشير كلام ابن عطية وتعقب بأنه اعتزالي وأن الصواب أن يقال : معناه خلقنا في أهلها الفسق والمخالفة فجاءها بأسنا، وقيل : المراد حكمنا بإهلاكها فجاءها، وقيل : الفاء تفسيرية نحو توضأ فغسل وجهه الخ. وقيل : إن الفاء للترتيب الذكري. وقال ابن عصفور : إن المراد أهلكناها هلاكاً من غير استئصال فجاءها هلاك الاستئصال، وقال الفراء : الفاء بمعنى الواو أو المراد فظهر مجىء بأسنا واشتهر، وقيل : الكلام على القلب وفيه تقديم وتأخير أي أهلكناها بَيَاتاً أَوْ هُمْ قَائلُونَ فجاءها بأسنا فالإهلاك في الدنيا ومجىء البأس في الآخرة فيشمل الكلام عذاب الدارين، ويأباه ما بعد إباء ظاهراً فإنه يدل على أن العذاب في الدنيا، وقدر غير واحد في النظم الكريم مضافاً أي فجاء أهلها. 
وجوز بعضهم الحمل على الاستخدام لأن القرية تطلق على أهلها مجازاً، ومن الناس من قدر في الأول المضاف أيضاً مع أن القرية تتصف بالهلاك وهو الخراب. 
والبيات في الأصل مصدر بات يبيت بيتاً وبيتة وبياتاً وبيتوتة، وذكر الراغب :**«أن البيات وكذا التبييت قصد العدو ليلاً »**. وقال الليث : البيتوتة الدخول في الليل، ونصبه على الحال بتأويله ببائتين. وجوز أن يكون على الظرفية وهو خلاف الظاهر، واحتمال النصب على المفعولية له كما زعم أبو البقاء مما لا يلتفت إليه. و ( أو ) للتنويع وما بعدها عطف على الحال وهو في موضع الحال أيضاً وأضمرت فيه الواو كما قال ابن الأنباري لوضوح المعنى ومن أجل أن ( أو ) حرف عطف والواو كذلك فاستثقلوا الجمع بين حرفين من حروف العطف فحذفوا الثاني، ونقل ذلك عن الفراء أيضاً. 
وتعقب بأن واو الحال مغايرة لواو العطف بكل حال وهي قسم من أقسام الواو كواو القسم بدليل أنها تقع حيث لا يمكن أن يكون ما قبلها حالاً وكونها للعطف يقتضي أن لا تقع إلا حيث يكون ما قبلها حالا حتى تعطف حالا على حال. وقال ابن المنير :**«إن هذه الواو لا بد أن تمتاز عن واو العطف بمزية ألا تراها تصحب الجملة الاسمية بعد الفعلية \[ في قولك : جاءني زيد وهو راكب \] ولو كانت عاطفة مجردة لاستقبح توسطها بين المتغايرين ( وإن لم يكن قبيحاً فالأفصح ) خلافه وحيث رأيناها تتوسط ( بينهما ) ( ١ ) والكلام ( حينئذ ) ( ١ ) هو الأفصح أو المتعين علمنا امتيازها ( بمعنى وخاصية ) عن واو العطف وإذا ثبت ذلك فلا غرو في اجتماعهما. وإن كان فيها معنى العطف مضافاً إلى تلك الخاصية فإما أن تسلبه حينئذ لغناء العاطفة عنها أو تستمر عليه ( وتجامع أو كما تجامع الواو لكن في الفصيح ) لما فيها من زيادة معنى الاستدراك ( في مثل قوله  ولكن لاَّ يَشْعُرُونَ  \[ البقرة : ١٢ \] وعلى هذا فالاجتماع ممكن بلا كراهية، فلو قلت : سَبِّحِ الله تعالى وأنت راكع أو وأنت ساجد لكان فصيحاً لا خبث فيه ولا كراهة »** خلافاً لأبي حيان مدعياً أن النحويين نصوا على أن الجملة الحالية إذا دخل عليها حرف عطف امتنع دخول واو الحال عليها للمشابهة اللفظية فالمثال على هذا غير صحيح، وظاهر كلام الزمخشري أن هذه الواو واو العطف في الأصل ثم استعيرت للحال لما فيها من الربط فقد خرجت عن العطف واستعملت لمعنى آخر لكنها أعطيت حكم أصلها في امتناع مجامعتها لعاطف آخر، وعلى هذا ينبغي أن يحمل كلام ذينك الإمامين وهذا مذهب لهما ولمن اتبعهما. 
وقال بعض النحاة : إن الضمير هنا مغن عن إضمار الواو والاكتفاء به غير شاذ كما قيل بل هو أكثر من رمل يبرين ومها فلسطين، وقد نقل عن الزمخشري الرجوع إلى هذا القول والمسألة خلافية وفيها تفصيل. ففي **«البديع »** الاسمية الحالية لا تخلو من أن تكون من سبب ذي الحال أو أجنبية فإن كانت من سببه لزمها العائد والواو تقول : جاء زيد وأبوه منطلق وخرج عمرو ويده على رأسه إلا ما شذ من قولهم : كلمته فوه إلى في. وإن كانت أجنبية لزمتها الواو ونابت عن العائد. وقد يجمع بينهما نحو قدم عمرو وبشر قام إليه وقد جاءت بلا واو ولا ضمير كما في قوله :ثم انتصينا جبال الصفد معرضة  عن اليسار وعن إيماننا جددفإن جبال الصفد معرضة حال بلا واو ولا ضمير. وعن الشيخ عبد القاهر جعل ذلك على قسمين ما يلزمه الواو مطلقاً وهو ما إذا صدر بضمير ذي الحال نحو جاء زيد وهو يسرع لأن إعادة ضميره تقتضي أن الجملة مستأنفة لئلا تلغو الإعادة فإذا لم يقصد الاستئناف فلا بد من الواو وما عداه تلزمه الواو في الفصيح إلا على طريق التشبيه بالمفرد والتأويل فإنه حينئذ قد تترك الواو جوازاً، وقيل ولم يسلم : إن الضابط في ذلك أنه إذا كان المبتدأ ضمير ذي الحال تجب الواو وإلا فإن كان الضمير فيما صدر به الجملة سواء كان مبتدأ نحو فوه إلى في و
 بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ  \[ البقرة : ٣٦ \] أو خبراً نحو وجدته حاضراه الجود والكرم فلا يحكم بضعفه لكونه الرابط في أول الجملة وإلا فضعيف قليل. 
وقال ابن مالك وتبعه ابن هشام ونقل عن السكاكي : إنه إذا كانت الجملة الاسمية مؤكدة لزم الضمير وترك الواو نحو هو الحق لا شبهة فيه و  ذلك الكتاب لاَ رَيْبَ فِيهِ  \[ البقرة : ٢ \]، واختار ابن المنير **«أن المصحح لوقوع هذه الجملة هنا حالاً من غير واو هو العاطف إذ يقتضي مشاركة الجملة الثانية لما عطفت عليه في الحالية فيستغني عن واو الحال كما أنك تعطف على المقسم به فتدخله في حكم القسم من غير واو نحو ( موقعة ) ( ١ )  واليل إِذَا يغشى \* والنهار إِذَا تجلى  \[ الليل : ١، ٢ \] وقوله سبحانه : فَلاَ أُقْسِمُ بالخنس \* الجوار الكنس \* واليل إِذَا عَسْعَسَ  \[ التكوير : ١٥ ١٧ \] ويستغنى عن تكرار حرف القسم بنيابة العاطف منابه »** فليفهم. وأياً ما كان فحاصل المعنى أتاهم عذابنا تارة ليلاً كقوم لوط عليه السلام وتارة وقت القيلولة كقوم شعيب عليه السلام. 
والقيلولة من قال يقيل فهو قائل ويقال قيلا وقائلة ( وميقالاً ) ومقيلاً، وهي كما في **«القاموس »** نصف النهار، أو هي ( الراحة والدعة ) نصف النهار وإن لم يكن معها نوم كما في **«النهاية »**، واستدل له بقوله تعالى : أصحاب الجنة يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُّسْتَقَرّاً وَأَحْسَنُ مَقِيلاً  إذ الجنة لا نوم فيها. وقال الليث : هي نومة نصف النهار، ودفع الاستدلال بأن ذلك مجاز، وإنما خص إنزال العذاب عليهم في هذين الوقتين لما أن نزول المكروه عند الغفلة والدعة أفظع وحكايته للسامعين أزجر وأردع عن الاغترار بأسباب الأمن والراحة، وفي التعبير في الحال الأولى بالمصدر وجعلها عين البيات وفي الحال الثانية بالجملة الاسمية المفيدة في المشهور للثبوت مع تقديم المسند إليه المفيد للتقوى ما لا يخفى من المبالغة، وكذا في وصف الكل بوصف البيات والقيلولة مع أن بعض المهلكين بمعزل منهما إيذان بكمال الأمن والغفلة، وفي هذا ذم لهم بالغفلة عما هم بصدده، وإنما خولف بين العبارتين على ما قيل وبنيت الحال الثانية على تقوى الحكم والدلالة على قوة أمرهم فيما أسند إليهم لأن القيلولة أظهر في إرادة الدعة وخفض العيش فإنها من دأب المترفين والمتنعمين دون من اعتاد الكدح والتعب. وفيه إشارة إلى أنهم أرباب أشر وبطر. 
( هذا ومن باب الإشارة ) : وَكَم مّن قَرْيَةٍ  من قرى القلوب  أهلكناها  أفسدنا استعدادها  فَجَاءهَا بَأْسُنَا بياتا  أي بائتين على فراش الغفلة في ليل الشباب  أَوْ هُمْ قَائِلُونَ  \[ الأعراف : ٤ \] تحت ظلال الأمل في نهار المشيب

### الآية 7:5

> ﻿فَمَا كَانَ دَعْوَاهُمْ إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا إِلَّا أَنْ قَالُوا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ [7:5]

فَمَا كَانَ دَعْوَاهُمْ  أي دعاؤهم واستغاثتهم كما في قوله تعالى : دعواهم فِيهَا  \[ يونس : ١٠ \] وقول بعض العرب فيما حكاه الخليل وسيبويه : اللهم أشركنا في صالح دعوى المسلمين أو ادعاءهم كما هو المشهور في معنى الدعوى  إِذْ جَاءهُم بَأْسُنَا  عذابنا وشاهدوا أماراته  إِلاَّ أَن قَالُواْ  جميعاً  إِنَّا كُنَّا ظالمين  أي إلا اعترافهم بظلمهم فيما كانوا عليه وشهادتهم ببطلانه تحسراً ( عليه ) وندامة وطمعاً في الخلاص وهيهات ولات حين نجاة. وفي جعل هذا الاعتراف عين ذلك مبالغة على حد قوله
 : تحية بينهم ضرب وجيع \*\*\* و  دَعْوَاهُمْ  يجوز فيه كما قال أبو البقاء أن يكون اسم كان والخبر  إِلاَّ أَن قَالُواْ  أن يكون هو الخبر و  إِلاَّ أَن قَالُواْ  الاسم، ورجح الثاني بأن جعل الأعراف اسماً هو المعروف في كلامهم. والمصدر هنا يشبه المضمر لأنه لا يوصف وهو أعرف من المضاف. وأورد عليه أن الاسم والخبر إذا كانا معرفتين وإعرابهما غير ظاهر لا يجوز تقديم أحدهما على الآخر فتعين الأول. وأجيب عنه بأن ذلك عند عدم القرينة والقرينة هنا كون الثاني أعرف وترك التأنيث، وأيضاً ذاك لم يكن حصر فإن كان يلاحظ ما يقتضيه. ورجح في **«الكشف »** الثاني بأنه الوجه المطابق لنظائره في القرآن. والمعنى عليه أشد ملاءمة لأن الفرض أن قولاً آخر لم يقع هذا الموقع، فالمقصود الحكم على القول المخصوص بأنه هو الدعاء وزيد تأكيداً بإدخال أداة القصر، وليس من التقديم في شيء لأن حق المقصور عليه التأخير أبداً فتأمل وتذكر.

### الآية 7:6

> ﻿فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ [7:6]

فَلَنَسْئَلَنَّ الذين أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ  بيان كما قال الطبرسي لعذابهم الأخروي إثر بيان عذابهم الدنيوي خلا أنه تعرض كما قيل لبيان مبادي أحوال المكلفين جميعاً لكونه أدخل في التهويل. والفاء عند البعض لترتيب الأحوال الأخروية على الدنيوية ذكراً حسب ترتبها عليها وجوداً. وذكر العلامة الطيبي أن الفاء فصيحة على معني فما كان دعواهم في الدنيا إذ جاءهم بأسنا إلا أن قالوا فقطعنا دابرهم ثم لنحشرنهم فلنسألنهم، ووضع على هذا الظاهر موضع الضمير لمزيد التقرير. وقال في **«الكشف »** : لعل الأوجه أن يجعل هذا متعلقاً بقوله تعالى : اتبعوا \* وَلاَ تَتَّبِعُواْ  \[ الأعراف : ٣ \] ويجعل قوله سبحانه : وَكَم مّن قَرْيَةٍ  \[ الأعراف : ٤ \] الخ معترضاً حثا على الاعتبار بحال السابقين ليتشمروا في الاتباع اه. والأمر عند من جعل الكلام السابق على التقديم والتأخير وادعى أن مجيء البأس في الآخرة سهل كما لا يخفى، أي لنسألن الأمم قاطبة أو هؤلاء قائلين ماذا أجبتم المرسلين ؟. 
 وَلَنَسْئَلَنَّ المرسلين  ماذا أجيبوا، والمراد من هذا السؤال توبيخ الكفرة وتقريعهم، والمنفي في قوله تعالى : فَيَوْمَئِذٍ لاَّ يُسْئَلُ عَن ذَنبِهِ إِنسٌ وَلاَ جَانٌّ  \[ الرحمن : ٣٩ \] سؤال الاستعلام فلا منافاة بين الآيتين، وجمع آخرون بينهما بأن للمثبت موقفاً وللمنفي آخر. وقال الإمام :**«إنهم لا يسألون عن الأعمال ( أي ما فعلتم ) ولكن يسألون عن الدواعي التي دعتهم إلى الأعمال والصوارف التي صرفتهم عنها »** أي لم كان كذا، وقيل : معنى  لاَّ يُسْئَلُ عَن ذَنبِهِ إِنسٌ وَلاَ جَانٌّ  لا يعاقب بذنبه غيره، وقيل : المراد من الذين أرسل إليهم الأنبياء ومن المرسلين الملائكة الذين بلغوهم رسالات ربهم. وروي ذلك عن فرقد وهو كما ترى، وقيل : لا حاجة إلى التوفيق فإن المنفى هو السؤال عن الذنب لا مطلق السؤال. ورد بأن عدم قبول دعوة الرسل عليهم الصلاة والسلام ذنب وأي ذنب فسؤالهم عنه ينافيه وفيه نظر. 
وتخصيص سؤال المرسلين عليهم السلام بما ذكرنا هو الذي يشهد به الأخبار وتدل عليه الآثار، وفي القرآن ما يؤيد ذلك فقد قال سبحانه : يَوْمَ يَجْمَعُ الله الرسل فَيَقُولُ مَاذَا أُجِبْتُمْ  \[ المائدة : ١٠٩ \] وتخصيص سؤال الذين أرسل إليهم بما تقدم هو الذي جرى عليه جماعة من المفسرين. وأخرج ابن أبي حاتم عن سفيان الثوري أنه يقال للذين أرسل إليهم : هل بلغكم الرسل ؟ ويقال للمرسلين : ماذا ردوا عليكم. وأخرج أيضاً عن القاسم أبي عبد الرحمن أنه تلا هذه الآية فقال يسأل العبد يوم القيامة عن أربع خصال يقول ربك : ألم أجعل لك جسداً ففيم أبليته ؟ ألم أجل لك علماً ففيم عملت بما علمت ؟ ألم أجعل لك ماًلا ففيم أنفقته في طاعتي أم في معصيتي ؟ ألم أجعل لك عمرا ففيم أفنيته ؟. وأخرج هو وغيره عن طاوس أنه قرأ ذلك فقال الإمام : يسأل عن الناس والرجل يسأل عن أهله والمرأة تسأل عن بيت زوجها والعبد يسأل عن مال سيده، ولعل الظاهر أن سؤال كل من المرسل إليهم والمرسلين هنا عن أمر يتعلق بصاحبه، ولا يأبى هذا أن المكلفين يسألون عن أمور أخر والمواقف يوم القيامة شتى ويسأل السيد ذو الجلال عباده فيها عن مقاصد عديدة فطوبى لمن أحذ بعضده السعد فأجاب بما ينجيه.

### الآية 7:7

> ﻿فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ بِعِلْمٍ ۖ وَمَا كُنَّا غَائِبِينَ [7:7]

فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِم  قيل أي على الرسل حين يكلون الأمر إلى علمه تعالى ويقولون : لاَ عِلْمَ لَنَا إِنَّكَ أَنتَ علام الغيوب  \[ المائدة : ١٠٩ \] أو عليهم وعلى المرسل إليهم جميعاً جميع أحوالهم. وعن ابن عباس أنه ينطق عليهم كتاب أعمالهم  بِعِلْمِ  أي عالمين بظواهرهم وبواطنهم أو بمعلومنا منهم، والباء على الأول للملابسة ؛ والجار والمجرور حال من فاعل ( نقص )، وعلى الثاني الباء متعلق بنقص  وَمَا كُنَّا غَائِبِينَ  عنهم في حال من الأحوال، والمراد الإحاطة التامة بأحوالهم وأفعالهم بحيث لا يشذ منها شيء عن علمه سبحانه، والجملة إما حال أو استئناف لتأكيد ما قبله.

### الآية 7:8

> ﻿وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ ۚ فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [7:8]

والوزن  أي وزن الأعمال والتمييز بين الراجح منها والخفيف والجيد والرديء، وهو مبتدأ وقوله تعالى : يَوْمَئِذٍ  متعلق بمحذوف خبره، وقوله تعالى : الحق  صفته أي والوزن الحق ثابت يوم إذ يكون السؤال والقص. واختار هذا بعض من المعربين، وقيل : الظاهر أن  الحق  خبر و  يَوْمَئِذٍ  ظرف للوزن لئلا يقع الفصل بين الصفة والموصوف. ولعل وجه عدم اختيار هذا أن فيه أعمال المصدر المعرف وهو قليل. وفي **«الكشف »** ليس المعنى على أن الوزن هو الحق بل أن الوزن الحق يكون يومئذ ألا يرى إلى قوله سبحانه : وَنَضَعُ الموازين القسط لِيَوْمِ القيامة  \[ الأنبياء : ٤٧ \] وذكر الأصفهاني في شرح اللمع لابن جني أن ( الحق ) بدل من الضمير المستتر في الظرف، وهو وجه حسن إلا أن الأول رجح جانب المعنى ولم يبال بالفصل بالخبر لاتحاده من وجه بالمبتدأ لا سيما والظرف يتوسع فيه. وجوز أبو البقاء أن يكون ( الحق ) خبر مبتدأ محذوف كأنه قيل : ما ذلك الوزن ؟ فقيل : هو الحق أي العدل السوي. وأن يكون ( الوزن ) خبر مبتدأ محذوف أيضاً أي هذا الوزن وهو كما ترى. وقرىء  القسط  **«والوزن كما قال الراغب معرفة قدر الشيء يقال : وزنته وزنا وزنة، والمتعارف فيه عند العامة ما يقدر ( بالقسطاس ) والقبان »**. واختلف في كيفيته يوم القيامة. 
والجمهور كما قال القاضي على أن صحائف الأعمال هي التي توزن بميزان له لسان وكفتان لينظر إليه الخلائق إظهاراً للمعادلة وقطعاً للمعذرة كما يسألون عن أعمالهم فتعترف بها ألسنتهم وجوارحهم. ولا تعرض لهم لماهية هاتيك الصحائف والله تعالى أعلم بحقيقتها. ويؤيد ذلك ما أخرجه أحمد والترمذي وابن ماجه والحاكم وصححه والبيهقي وغيرهم عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" يصاح برجل من أمتي على رؤوس الخلائق يوم القيامة فينشر له تسعة وتسعون سجلاً كل سجل منها مد البصر فيقول سبحانه : أتنكر من هذا شيئا ؟ أظلمك كتبتي الحافظون فيقول : لا يا رب فيقول سبحانه أفلك عذر أو حسنة ؟ فيهاب الرجل فيقول لا يا رب فيقول جل شأنه : بلى إن لك عندنا حسنة وإنه لا ظلم عليك اليوم فتخرج له بطاقة فيها أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً عبده ورسوله فيقول : يا رب ما هذه البطاقة مع هذه السجلات ؟ فيقال : إنك لا تظلم فتوضع السجلات في كفة والبطاقة في كفة فطاشت السجلات ثقلت البطاقة ولا يثقل مع اسم الله تعالى شيء " 
وهذه الشهادة على ما قاله القرطبي نقلاً عن الحيكم الترمذي ليست شهادة التوحيد لأن من شأن الميزان أن يوضع في إحدى كفتيه شيء وفي الأخرى ضده فتوضع الحسنات في كفة والسيئات في كفة ومن المستحيل أن يؤتى لعبد واحد بكفر وإيمان معاً فيستحيل أن توضع شهادة التوحيد في الميزان أما بعد الإيمان فإن النطق بهذه الكلمة الطيبة حسنة فتوضع في الميزان كسائر الحسنات. وأيد ذلك بقوله جل وعلا في الحديث :" إن لك عندنا حسنة " دون أن يقول سبحانه : إيماناً. وجوز أن يكون المراد هذه الكلمة إذا كانت آخر كلامه في الدنيا. وجوز غيره أن تكون كلمة التوحيد، ومنع لزوم وضع الضد في الكفة الأخرى ليلزم المحال فتدبر. 
وجاء في خبر آخر أخرجه ابن أبي الدنيا والنميري في كتاب **«الإعلام »** عن عبد الله أيضاً قال : إن لآدم عليه السلام من الله عز وجل موقفا في فسح من العرش عليه ثوبان أخضران كأنه نخلة سحوق ينظر إلى من ينطلق به من ولده إلى الجنة ومن ينطلق به إلى النار فبينا آدم على ذلك إذ نظر إلى رجل من أمة محمد صلى الله عليه وسلم ينطلق به إلى النار فينادي آدم عليه السلام يا أحمد يا أحمد فيقول عليه الصلاة والسلام : لبيك يا أبا البشر فيقول : هذا رجل من أمتك ينطلق به إلى النار قال صلى الله عليه وسلم : فأشد المئزر وأسرع في أثر الملائكة فأقول : يا رسل ربي قفوا فيقولون. نحن الغلاظ الشداد الذين لا نعصي الله تعالى ما أمرنا ونفعل ما نؤمر فإذا أيس النبي صلى الله عليه وسلم قبض على لحيته بيده اليسرى واستقبل العرش بوجهه فيقول : يا رب قد وعدتني أن لا تخزيني في أمتي فيأتي النداء من قبل العرش أطيعوا محمداً وردوا هذا العبد إلى المقام فيخرج صلى الله عليه وسلم بطاقة بيضاء كالأنملة فيلقيها في كفة الميزان اليمنى وهو يقول بسم الله فترجح الحسنات على السيئات فينادي المنادي سعد وسعد جده وثقلت موازينه انطلقوا به إلى الجنة فيقول يا رسل ربي : قفوا حتى أسأل هذا العبد الكريم على ربه فيقول : يا بني أنت وأمي ما أحسن وجهك وأحسن خلقك من أنت ؟ فقد أقلتني عثرتي ورحمت عبرتي فيقول عليه الصلاة والسلام. أنا نبيك محمد وهذه صلاتك التي كنت تصلي علي وفيتكها أحوج ما تكون إليها انتهى. 
ولعل فعل مثل هذا إذا صح الخبر مبالغة في إظهار كرامة النبي صلى الله عليه وسلم على ربه عز وجل بين الأولين والآخرين. وقيل : توزن الأشخاص، واحتجوا له بما أخرجه الشيخان من حديث أبي هريرة رضي الله عنه :«إنه ليؤتى العظيم السمين يوم القيامة لا يزن عند الله تعالى جناح بعوضة ولا أدري على هذا ما يوضع في الكفة الأخرى من الميزان إذا وضع المذنب في إحداهما، ووضع شخص في مقابلة شخص لا أراه إلا كما ترى، والخبر ليس نصاً في الدعوى كما لا يخفى، وقيل : إن هذه الأعمال الظاهرة في هذه النشأة بصور عرضية تظهر في النشأة الآخرة بصور جوهرية مناسبة لها في الحسن والقبح، وروي هذا عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما وصححه غير واحد وقال : إن عليه الاعتقاد، وفي الآثار ما يؤيده. 
فقد أخرج ابن عبد البر عن إبراهيم النخعي قال : يجاء بعمل الرجل فيوضع بكفة ميزانه يوم القيامة فيخف فيجاء بشيء أمثال الغمام فيوضع في كفة ميزانه فيرجحه فيقال له : أتدري ما هذا ؟ فيقول : لا فيقال له : هذا فضل العلم الذي كنت تعلمه الناس، وأخرج ابن المبارك عن حماد بن أبي سليمان بمعناه. 
وقيل : الوزن عبارة عن القضاء السوي والحكم العادل، واستعمال لفظ الوزن في هذا المعنى شائع في اللغة والعرف بطريق الكتاية وبه قال مجاهد والأعمش والضحاك، وإليه ذهب المعتزلة إلا أن منهم من جوز الوزن بالمعنى المتعارف عقلاً وإن لم يقض بثبوته كالعلاف وبشر بن المعتمر، ومنهم من أحاله لأن الأعمال أعراض وهي مما لا تبقى ومما لا يمكن إعادتها، سلمنا بقاءها أو إمكان إعادتها لكنها أعراض والأعراض يمتنع وزنها إذ لا توصف بثقل ولا خفة، سلمنا إمكان وزنها لكن لا فائدة في ذلك إذ المقصود إنما هو العلم بتفاوت الأعمال والله تعالى عالم بذلك وما لا فائدة فيه ففعله قبيح والرب تعالى منزه عن فعل القبيح، وجوابه يعلم مما قدمنا. 
وفسر هؤلاء الميزان بالعدل والإنصاف. واعترض الآمدي على ذلك بأن الميزان موصوف بالثقل والخفة، والعدل والإنصاف لا يوصفان بذلك، وفي الأخبار ما هو صريح في أن الميزان جسماني، فقد أخرج الحاكم وصححه عن سلمان عن النبي صلى الله عليه وسلم قال :" يوضع الميزان يوم القيامة فلو وزن فيه السموات والأرض لوسع فتقول الملائكة : يا رب من يزن هذا ؟ فيقول الله تعالى : من شئت من خلقي فتقول الملائكة سبحانك ما عبدناك حق عبادتك " وفي رواية ابن المبارك واللالكائي عنه قال : يوضع الميزان وله كفتان لو وضع في إحداهما السموات والأرض ومن فيهن لوسعه فتقول الملائكة من يزد هذا ؟ الحديث. وأخرج ابن مردويه عن عائشة " سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول :«خلق الله تعالى كفتيْ الميزان مثل السموات والأرض فقال الملائكة : يا ربنا من تزن بهذا ؟ فقال : أزن به من شئت " وفي بعض الآثار " أن الله تعالى كشف عن بصر داود عليه السلام فرأى من الميزان ما هاله حتى أغمي عليه فلما أفاق قال : يا رب من يملأ كفة هذا حسنات فقال جل شأنه : يا داود إذا رضيت عن عبد ملأتها بشق تمرة تصدق بها " 
إلى غير ذلك مما لا يحصى كثرة. فالأولى كما قال الزجاج اتباع ما جاء في الأحاديث ولا مقتضي للعدول عن ذلك، فإن قيل : إن المكلف يوم القيامة إما مؤمن بأنه تعالى حكيم منزه عن الجور فيكفيه حكمه تعالى بكيفيات الأعمال وكمياتها وإما منكر له فلا يسلم حينئذ أن رجحان بعض الأعمال على بعض لخصوصيات راجعة إلى ذوات تلك الأعمال بل يسنده إلى إظهار الله تعالى إياه على ذلك الوجه فما الفائدة في الوزن ؟ أجيب بأنه ينكشف الحال يومئذ وتظهر جميع الأشياء بحقائقها على ما هي عليه وبأوصافها وأحوالها في أنفسها من الحسن والقبح وغير ذلك وتنخلع عن الصور المستعارة التي بها ظهرت في الدنيا فلا يبقى لأحد ممن يشاهدها شبهة في أنها هي التي كانت في الدنيا بعينها وإن كل واحد منها قد ظهر في هذه النشأة بصورته الحقيقية المستتبعة لصفاته ولا يخطر بباله خلاف ذلك قاله بعض المحققين والله تعالى أعلم بحقيقة الحال. 
 فَمَن ثَقُلَتْ موازينه  تفصيل للأحكام المترتبة على الوزن، والموازين إما جمع ميزان وجمعه مع أن المشهور الصحيح أن الميزان مطلقاً واحد باعتبار تعدد الأوزان أو الموزونات، وكذا إذا قلنا بأن ميزان كل شخص واحد وفي الكلام مضاف مقدر أي كفة موازينه، وإما جمع موزون وإضافته للعهد، لترتب الفلاح على ذلك فالمراد الحسنات، والجمع على هذا ظاهر، وكذا لو قلنا إن لكل عمل ميزاناً  فَأُوْلَئِكَ  إشارة إلى الموصول باعتبار اتصافه بما في حيز الصلة، والجمعية باعتبار معناه كما أن إفراد ضمير  موازينه  العائد إليه باعتبار لفظه، وما فيه من معنى البعد لما مر غير مرة، وهو مبتدأ و  هُمْ  إما ضمير فصل يفصل به بين الخبر والصفة ويؤكد النسبة ويفيد اختصاص المسند بالمسند إليه و  المفلحون  أي الفائزون بالنجاة والثواب خبر. وإما مبتدأ ثان و  المفلحون  خبره والجملة خبر المبتدأ الأول، وتعريف المفلحين للدلالة على أنهم الناس الذين بلغك أنهم مفلحون في الآخرة أو إشارة إلى ما يعرفه كل أحد من حقيقة المفلحين وخصائصهم.  وَمَنْ خَفَّتْ موازينه فأولئك الذين خَسِرُواْ أَنفُسَهُم  بتضييع فطرة الإسلام التي ما من مولود إلا يولد عليها أو فطرة الخير الذي هو أصل الجبلة. 
( هذا ومن باب الإشارة ) : والوزن يَوْمَئِذٍ الحق  \[ الأعراف : ٨ \] هو عند كثير من الصوفية اعتبار الأعمال. وذكروا أن لسان ميزان الحق هو صفة العدل وإحدى كفتيه هو عالم الحس والكفة الأخرى هو عالم العقل فمن كانت مكاسبه من المعقولات الباقية والأخلاق الفاضلة والأعمال الخيرية المقرونة بالنية الصادقة ثقلت أي كانت ذا قدر وأفلح هو أي فاز بالنعيم الدائم ومن كانت مقتنياته من المحسوسات الفانية واللذات الزائلة والشهوات الفاسدة والأخلاق الرديئة خفت ولم يعتن بها وخسر هو نفسه لحرمانه النعيم هلاكه

### الآية 7:9

> ﻿وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَٰئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ بِمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَظْلِمُونَ [7:9]

وقوله تعالى : بِمَا كَانُواْ بآياتنا يَظْلِمُونَ  متعلق بخسروا، وما مصدرية و  بئاياتنا  متعلق بيظلمون ؛ وقدم عليه للفاصلة، وعدى الظلم بالباء لتضمنه معنى التكذيب أو الجحود، والجمع بين صيغتي الماضي والمضارع للدلالة على استمرار الظلم في الدنيا. وظاهر النظم الكريم أن الوزن ليس مختصاً بالمسلمين بل الكفار أيضاً توزن أعمالهم التي لا توقف لها على الإسلام وإلى ذلك ذهب البعض. وادعى القرطبي أن الصحيح أنه يخفف بها عذابهم وإن لم تكن راجحة كما ورد في حق أبي طالب. وذهب الكثير إلى أن الوزن مختص بالمسلمين. وأما الكفار فتحبط أعمالهم كيفما كانت، وهو أحد الوجهين في قوله تعالى : فَلاَ نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ القيامة وَزْناً  \[ الكهف : ١٠٥ \] ولا يخفف بها عنهم من العذاب شيء، وما ورد من التخفيف عن أبي طالب فقد قال السخاوي : إن المعتمد أنه مخصوص به، وعلى هذا فلا بد من ارتكاب خلاف الظاهر في الآية، وهي على كلا التقديرين ساكتة عن بيان حال من تساوت حسناته وسيئاته وهم أهل الأعراف على قول. ومن هنا استدل بها بعضهم على عدم وجود هذا القسم، ورد بأنه قد يدرج في القسم الأول لقوله سبحانه : خَلَطُواْ عَمَلاً صالحا وَءاخَرَ \* شَيْئاً \*عَسَى الله أَن يَتُوبَ عَلَيْهِمْ  \[ التوبة : ١٠٢ \] وعسى من الله تعالى تحقيق كما صرحوا به وفيه نظر.

### الآية 7:10

> ﻿وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الْأَرْضِ وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ ۗ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ [7:10]

وَلَقَدْ مكناكم فِى الارض  ترغيب في قبول دعوة النبي عليه الصلاة والسلام بتذكير النعم إثر ترهيب. وذكر الطيبي أن هذا نوع آخر من الإنذار فإنه جملة قسمية معطوفة على قوله سبحانه : اتبعوا مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مّن رَّبّكُمْ  \[ الأعراف : ٣ \] على تقدير قل اتبعوا وقل والله لقد مكناكم، والمعنى جعلنا لكم في الأرض مكاناً وقراراً. وقيل : أقدرناكم على التصرف فيها فهو حينئذ كناية ورجحت هنا الحقيقة. 
 وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا معايش  أي ما تعيشون به وتحيون من المطاعم والمشارب ونحوها أو ما تتوصلون به إلى ذلك، وهو في الأصل مصدر عاش يعيش عيشاً وعيشة ومعاشا ومعيشة بوزن مفعلة، والجمهور على التصريح بالياء فيها، وروي عن نافع ( معائش ) بالهمز وغلطه النحويون ومنهم سيبويه في ذلك لأنه لا يهمز عندهم بعد ألف الجمع إلا الياء الزائدة كصحيفة وصحائف وأما معايش فياؤه أصلية هي عين الكلمة لأنها من العيش وبالغ أبو عثمان فقال : إن نافعا لم يكن يدري بالعربية، وتعقب ذلك بأن هذه القراءة وإن كانت شاذة غير متواترة مأخوذة من الفصحاء الثقات والعرب قد تشبه الأصلي بالزائد لكونه على صورته، وقد سمع هذا عنهم فيما ذكر وفي مصائب ومنائر أيضاً. وقول سيبويه : إنها غلط يمكن أن يراد به أنها خارجة عن الجادة والقياس، وكثيراً ما يستعمل الغلط في كتابه بهذا المعنى. 
والجعل بمعنى الإنشاء والإبداع وكل واحد من الظرفين متعلق به أو بمحذوف وقع حالا من مفعوله المنكر إذ لو تأخر لكان صفة له ؛ وتقديمهما على المفعول مع أن حقهما التأخير عنه كما قال بعض المحققين للاعتناء بشأن المقدم والتشويق إلى المؤخر فإن النفس عند تأخير ما حقه التقديم لا سيما عند كون المقدم منبئاً عن منفعة السامع تبقى مترقبة لورود المؤخر فيتمكن فيها عند الورود فضل تمكن، وأما تقديم اللام على في فلما أنه المنبىء عما ذكر من المنفعة والاعتناء بشأنه أتم والمسارعة إلى ذكره أهم، وقيل : إن الجعل متعد إلى مفعولين ثانيهما أحد الظرفين على أنه مستقر قدم على الأول، والظرف الآخر إما لغو متعلق بالجعل أو بالمحذوف الواقع حالاً من المفعول الأول كما مر، واعترض بأنه لا فائدة يعتد بها في الأخبار بجعل المعايش حاصلة لهم أو حاصلة في الأرض. 
 قَلِيلاً مَّا تَشْكُرُونَ  تلك النعمة الجسيمة، وهو تذييل مسوق لبيان سوء ( حال ) المخاطبين وتحذيرهم قال الطيبي : والتذييل بذلك لأن الشكر مناسب لتمكينهم في البلاد والتصرف فيها كما أن التذكر في الجملة السابقة موافق للتمييز بين اتباع دين الحق ودين الباطل، وبقية الكلام في هذه الجملة على طرز ما مر في نظيرها فتذكر. 
( هذا ومن باب الإشارة ) : وَلَقَدْ مكناكم في الأرض  إذ جعلناكم خلفاء فيها  وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا معايش  متعددة دون غبركم فإن له معيشة واحدة، وذلك لأن الإنسان فيه ملكية وحيوانية وشيطانية فمعيشة روحه معيشة الملك ومعيشة بدنه معيشة الحيوان ومعيشة نفسه الأمارة معيشة الشيطان. وله معايش غير ذلك وهي معيشة القلب بالشهود ومعيشة السر بالكشوف ومعيشة سر السر بالوصال **«قَلِيلاً مَّا تَشْكُرُونَ »** \[ الأعراف : ١٠ \] ولو شكرتم ما رضيتم بالدون.

### الآية 7:11

> ﻿وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ [7:11]

وَلَقَدْ خلقناكم ثُمَّ صورناكم  تذكير لنعمة أخرى، وتأخيره عن تذكير ما وقع ( بعده ) من نعمة التمكن في الأرض إما لأنها فائضة على المخاطبين بالذات وهذه بالواسطة، وإما للإيذان بأن كلا منهما نعمة مستقلة، والمراد خلق آدم عليه السلام وتصويره كما يقتضيه ظاهر العطف الآتي لكن لما كان مبتدأ للمخاطبين جعل خلقه خلقاً بهم ونزل منزلته فالتجوز على هذا في ضمير الجمع بجعل آدم عليه السلام كجميع الخلق لتفرعهم عنه أو في الإسناد إذ أسند ما لآدم الذي هو الأصل والسبب إلى ما تفرع عنه وتسبب. وجعل بعضهم الكلام على تقدير المضاف، وذهب الإمام إلى أنه كناية عن خلق آدم عليه السلام، والمعنى خلقنا أباكم آدم عليه السلام طيناً غير مصور ثم صورناه أبدع تصوير وأحسن تقويم سار ذلك إليكم. وجوز أن يكون التجوز في الفعل، والمراد ابتدأنا خلقكم ثم تصويركم بأن خلقنا آدم ثم صورناه، ويعود هذا إلى ابتداء خلق الجنس وابتداء خلق كل جنس بإجاد أول أفراده. فهو نظير قوله تعالى : خَلْقَ الإنسان مِن طِينٍ  \[ السجدة : ٧ \]. 
وعلى هذين الوجهين يظهر وجه العطف بثم في قوله تعالى : ثُمَّ قُلْنَا للملائكة اسجدوا لأَدَمَ  وزعم الأخفش أن  ثُمَّ  هنا بمعنى الواو، وتعقبه الزجاج بأنه خطأ لا يجيزه الخليل وسيبويه ولا من يوثق بعلمه لأن ثم للشيء الذي يكون بعد المذكور قبله لا غيره، وإنما المعنى إنا ابتدأنا خلق آدم عليه السلام من تراب ثم صورناه أي هذا أصل خلقكم ثم بعد الفراغ من أصلكم قلنا الخ، وقيل : إن  ثُمَّ  لترتيب الأخبار لا للترتيب الزماني حتى يحتاج إلى توجيه، والمعنى خلقناكم يا بني آدم مضغاً غير مصورة ثم صورناكم بشق السمع والبصر وسائر الأعضاء كما روي عن يمان أو خلقناكم في أصلاب الرجال ثم صورناكم في أرحام النساء كما روي عن عكرمة ثم نخبركم أنا قلنا للملائكة الخ وإلى هذا ذهب جماعة من النحويين منهم علي بن عيسى والقاضي أبو سعيد السيرافي وغيرهما، وقال الطيبي : يمكن أن تحمل  ثُمَّ  على التراخي في الرتبة لأن مقام الامتنان يقتضي أن يقال : إن كون أبيهم مسجوداً للملائكة أرفع درجة من خلقهم وتصويرهم. 
وفيه تلويح إلى شرف العلم وتنبيه للمخاطبين على تحصيل ما فاز به أبوهم من تلك الفضيلة، ومن ثم عقب في البقرة الأمر بالسجود مسألة التحدي بالعلم. وعن ابن عباس ومجاهد والربيع وقتادة والسدي أن المعنى خلقنا آدم عليه السلام ثم صورناكم في ظهره ثم قلنا الخ. وقد تقدم الكلام في المراد بالملائكة المأمورين بالسجود، وكذا الكلام في المراد بالسجود. 
 وذكر بعض المحققين أن الظاهر أن يقال : ثم أمرنا الملائكة بالسجود لآدم إلا أنه عدل عن ذلك لأن الأمر بالسجود كان قبل خلق آدم عليه السلام على ما نطق به قوله تعالى :
 فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِى فَقَعُواْ لَهُ ساجدين  \[ الحجر : ٢٩ و ص : ٧٢ \] والواقع بعد تصويره إنما هو قوله سبحانه : اسجدوا لاِدَمَ  وذلك لتعيين وقت السجدة المأمور بها قبل، والحاصل أنه سبحانه أمرهم أولاً أمراً معلقاً ثم أمرهم ثانياً أمراً منجزاً مطابقاً للأمر للأمر السابق فلذا جعله حكاية له، وفي ذلك ما لا يخفى من الاعتناء بشأن آدم عليه السلام. 
 فَسَجَدُواْ  أي الملائكة عليهم السلام بعد القول من غير تلعثم كلهم أجمعون  إِلاَّ إِبْلِيسَ  استثناء متصل سواء قلنا : إن إبليس من الملائكة حقيقة أم لا، أما على الأول : فظاهر، وأما على الثاني : فلأنه لما كان جنياً مفرداً مغموراً بألوف من الملائكة متصفاً بغالب صفاتهم غلبوا عليه في  سَجَدُواْ  ثم استثنى استثناء واحد منهم. وقيل : منقطع بناء على أنه من الجن وأنهم ليسوا من جنس الملائكة ولا تغليب، والأول هو المختار. 
وذكر قوله تعالى : لَمْ يَكُن مّنَ الساجدين  أي ممن سجد لآدم عليه السلام مع أنه علم من الاستثناء عدم السجود لأن المعلوم من الاستثناء عدم العموم لا عموم العدم، والمراد الثاني أي أنه لم يصدر منه السجود مطلقاً لا معهم ولا منفرداً. وهذا إنما يفيده التنصيص كذا قيل، ونظر فيه بأن التنصيص المذكور لا يفيد عموم الأحوال والأوقات فلا يتم ما ذكر، وتحقيق هذا المقام على ما ذكره المولى سري الدين أن يقال : إن القوم اختلفوا في أن الاستثناء من النفي إثبات أم لا، فقال الشافعي : نعم فيكون نقيض الحكم ثابتاً للمستثنى بطريق العبارة، ويوافقه ظاهر عبارة **«الهداية »**. وذهب طائفة من الحنفية إلى أنه بطريق الإشارة. وذهب آخرون إلى أن المستثنى في حكم المسكوت عنه، وإنما يستفاد الحكم بطريق مفهوم المخالفة. واختار صاحب **«البحر »** أنه منطوق إشارة تارة وعبارة أخرى. 
وإذا تقرر هذا فيمكن أن يقال في الجواب : إن المقام لما كان مقام التسجيل على إبليس بعدم السجود والتشهير والتوبيخ بتلك القبيحة الهائلة كان خليقاً بالتصريح جديراً بالاحتياط لضعف التعويل على القرينة لائقاً بكمال الإيضاح والتقرير فعدل عن طريق الحذف، وإن كان الكلام دالاً على المحذوف إلى منهج الذكر والتصريح به، وهذا على رأي الشافعي ومن وافقه ظاهر وإليه أشار السراج الهندي في مباحث الاستثناء من **«شرح المغني »**، وأما على باقي المذاهب فالأمر أظهر لأن الحكم على المستثنى بنقيض حكم المستثنى منه إما بطريق الإشارة أو مفهوم المخالفة، وعلى كل فالمقام يأبى الاكتفاء بمثل ذلك ويقتضي التصريح بذكر الحكم. 
وادعى مولانا ابن الكمال أن هذه الجملة إنما جيء بها لانقطاع الاستثناء وأنه لو كان الاستثناء متصلاً يكون الاتيان بها ضائعاً لأن عدم كون إبليس من الساجدين يفهم من الاستثناء على تقدير اتصاله. ولا يخفى ما فيه على من أحاط علماً بما ذكرنا. واعترضه البعض أيضاً بأنه على تقدير الانقطاع يكون ذلك ضائعاً أيضاً بناء على ما ظنه فإن ثبوت نقيض حكم المستثنى منه للمستثنى غير مختص بالمتصل، ولذا لا نراهم يذكرون مع المستثنى المنقطع أيضاً نقيض حكم المستثنى منه إلا قليلاً، ولو تم ما ذكره لوجب ذكر الخبر مع كل منقطع فليفهم. 
( هذا ومن باب الإشارة ) : وَلَقَدْ خلقناكم ثُمَّ صورناكم  أي ابتدأنا ذلك بخلق آدم عليه السلام وتصويره  ثُمَّ قُلْنَا للملائكة اسجدوا لأَدَمَ  فإنه المظهر الأعظم، وفي الخبر **«خلق الله آدم على صورته »** وفي رواية **«على صورة الرحمن »**  فَسَجَدُواْ  وانقادوا للحق  إِلا إِبْلِيسَ لَمْ يَكُن مّنَ الساجدين  \[ الأعراف : ١١ \] لنقصان بصيرته

### الآية 7:12

> ﻿قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ ۖ قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ [7:12]

قَالَ  استئناف مسوق للجواب عن سؤال نشأ من حكاية عدم سجوده كأنه قيل : فماذا قال الله تعالى حينئذ ؟ وبه كما قيل يظهر وجه الالتفات إلى الغيبة إذ لا وجه لتقدير السؤال على وجه المخاطبة. وفيه فائدة أخرى هي الإشعار بعدم تعلق المحكي بالمخاطبين كما في حكاية الخلق والتصوير أي قال الله تعالى لإبليس حين لم يكن من الساجدين.  مَا مَنَعَكَ أَلاَّ تَسْجُدَ  المشهور أن ( لا ) مزيدة بدليل قوله سبحانه في آية أخرى  مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ  \[ ص : ٧٥ \] وقد جاءت كذلك في قوله سبحانه : لّئَلاَّ يَعْلَمَ أَهْلُ الكتاب  \[ الحديد : ٢٩ \] أي ليعلم، وهي في ذلك كما قال غير واحد لتأكيد معنى الفعل الذي تدخل عليه وتحقيقه. واستشكل بأنها كيف تؤكد ثبوت الفعل مع إيهام نفيه. قال الشهاب : والذي يظهر لي أنها لا تؤكده مطلقاً بل إذا صحب نفياً مقدماً أو مؤخراً صريحاً أو غير صريح كما في  غَيْرِ المغضوب عَلَيْهِمْ وَلاَ الضالين  ( الفاتحة ؛ ٧ ) وكما هنا فإنها تؤكد تعلق المنع به، ومن هنا قالوا إنها منبهة على أن الموبخ عليه ترك السجود. وقيل : إنها غير زائدة بأن يكون المنع مجازاً عن الإلجاء والإضطرار فالمعنى ؛ ما اضطرك إلى أن لا تسجد. وجعله السكاكي مجازاً عن الحمل ولا قرينة للمجاز أي ما حملك ودعاك إلى أن لا تسجد ؟ وليس بين الجعلين كثير فرق. وجوز أن يكون ذلك من باب التضمين، وقال الراغب :«المنع يقال في ضد العطية كرجل مانع ومناع أي بخيل، ويقال في الحماية ومنه مكان منيع وقد منع وفلان ذو منعة أي عزيز ممتنع على من يرومه، والمنع في الآية من الثاني أي ما حملك عن عدم السجود٢. 
 إِذْ أَمَرْتُكَ  بالسجود، و  إِذْ  ظرف لتسجد، وهذه الآية أحد أدلة القائلين بأن الأمر ( المطلق للوجوب و ) للفور لأنه ذم على ترك المبادرة ولولا أن الأمر للفور لم يتوجه الذم عليه وكان له أن يجيب بأنك ما أمرتني بالبدار وسوف أسجد. وأجيب بأن الفور إنما هو من قوله تعالى : فَقَعُواْ لَهُ ساجدين  \[ ص : ٧٢ \] وليس من صيغة الأمر إلا أن بعضهم منع دلالة الفاء الجزائية على التعقيب من غير تراخ، وقال آخرون : إن الاستدلال إنما هو بترتب اللوم على مخالفة الأمر المطلق حيث قال سبحانه : إِذْ أَمَرْتُكَ  ولم يقل جل شأنه إذ قلت فقعوا له ساجدين فتدبر، وفي حكاية التوبيخ ههنا بهذه العبارة وفي سورة الحجر ( ٣٢ ) بقوله تعالى : قَالَ يإِبْلِيسُ مَا لَكَ أَلاَّ تَكُونَ مَعَ الساجدين  وفي سورة ص ( ٧٥ ) بقوله سبحانه : مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَىَّ  إشارة إلى أن اللعين أدمج في معصية واحدة غير واحدة وقد وبخ على كل من ذلك لكن اقتصر عند الحكاية في كل موطن على ما ذكر فيه اكتفاء بما ذكر في موطن آخر وإشعاراً بأن كل واحدة من هاتيك المعاصي كافية في التوبيخ و ( إظهار ) بطلان ما ارتكبه، وقد تركت حكاية التوبيخ رأساً في سورة البقرة وسورة بني إسرائيل وسورة الكهف وسورة طه والله تعالى أعلم بحكمة كل. 
 قَالَ  استئناف كما تقدم مبني على سؤال نشأ من حكاية التوبيخ كأنه قيل : فماذا قال اللعين عند ذلك ؟ فقيل : قال : أَنَاْ خَيْرٌ مّنْهُ  هو من الأسلوب الأحمق فإن الجواب المطابق للسؤال منعني كذا وهذا جواب عن أيكما خير ؟ وفيه دعوى شيء بين الاستلزام للمقصود بزعمه ومشعر بأن من هذا شأنه لا يحسن أن يسجد لمن دونه فكيف يحسن أن يؤمر به ؟ فاللعين أول من أسس بنيان التكبر واخترع القول بالحسن والقبح العقليين. 
وقوله تعالى حكاية عنه : خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ  تعليل لما ادعاه عليه اللعنة من فضله عليه عليه السلام، وحاصله أني مخلوق من عنصر أشرف من عنصره لأن عنصري علوي نير قوي التأثير مناسب لمادة الحياة وعنصره بضد ذلك والمخلوق من الأشرف أشرف لأن شرف الأصل يوجب شرف الفرع فأنا كذلك والأشرف لا يليق به الانقياد لمن هو دونه، وقد أخطأ اللعين فإن كون النار أشرف من التراب ممنوع فإن كل عنصر من العناصر الأربع يختص بفوائد ليست لغيره وكل منها ضروري في هذه النشأة ولكل فضيلة في مقامه وحاله فترجيح بعضها على بعض تطويل بلا طائل، على أن من نظر إلى أن الأرض أكثر منافع للخلق لأنها مستقرهم وفيها معايشهم وأنها متصفة بالرزانة التي هي من مقتضيات الحلم والوقار وإلى أن النار دونها في المنافع وأنها متصفة بالخفة التي هي من مقتضيات الطيش والاستكبار والترفع علم ما في كلام اللعين، وأيضاً شرف الأصل لا يوجب شرف الفرع. إنما الورد من الشوك ولا  ينبت النرجس إلا من بصلويكفي في ذلك أنه قد يخرج الكافر من المؤمن، وأيضاً قد خص الشرف بما هو من جهة المادة والعنصر مع أن الشيء كما يشرف بمادته وعنصره يشرف بفاعله وغايته وصورته، وهذا الشرف في آدم عليه السلام دونه فإن الله تعالى خلقه بيديه ونفخ فيه من روحه وجعله خليفة في الأرض كما قص سبحانه لما أودعه فيه، وأيضاً أي قبح في خدمة الفاضل للمفضول تواضعاً وإسقاطاً لحظ النفس على أن الخدمة في الحقيقة إنما كانت لله تعالى، وإلى هذا أشار ظافر الإسكندري بقوله
: أنت المراد بنظم كل قصيدة  بنيت على الأفهام في تبجيله كسجود أملاك السماء لآدموسجودهم لله في تأويله \*\*\*
ثم الظاهر أن هذا الجواب من اللعين كان مع تسليم أنه مأمور بالسجود وحينئذ فخطؤه أظهر من نار على علم إذ يعود ذلك إلى الاعتراض على المالك الحكيم. 
وقال بعضهم : إنه لم يسلم أنه كان مأموراً بل أخرج نفسه من العموم بالقياس. واستدل أهل هذا القول بهذا التوبيخ على أنه لا يجوز تخصيص النص بالقياس. وأجيب بأن هذا ليس من التخصيص بل هو إبطال للنص ورفع له بالكلية وفيه تأمل. وأخرج أبو نعيم في **«الحلية »** والديلمي عن جعفر بن محمد عن أبيه عن جده رضي الله تعالى عنهم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :" أول من قاس أمر الدين برأيه إبليس قال الله تعالى له : اسجد لآدم فقال : أنا خير منه " الخ. قال جعفر : فمن قاس أمر الدين برأيه قرنه الله تعالى يوم القيامة بإبليس لأنه أتبعه بالقياس. واستدل بهذا ونحوه من منع القياس مطلقاً. وأجيب عن ذلك بأن المذموم هو القياس والرأي في مقابلة النص أو الذي يعدم فيه شرط من الشروط المعتبرة وتحقيق ذلك في محله. 
وفي الآية دليل على الكون والفساد لدلالتها على خلق آدم عليه السلام وإبليس عليه اللعنة وإيجادهما، وعلى استحالة الطين والنار عما كانا عليه من الطينية والنارية لما ترتب منهما ما تركب، وعلى أن إبليس ونحوه أجسام حادثة لا أرواح قديمة، قيل : ولعل إضافة خلق آدم عليه السلام إلى الطين وخلقه إلى النار باعتبار الجزء الغالب، وإلا فقد تقرر أن الأجسام من العناصر الأربعة وبعض الناس من وراء المنع. 
( هذا ومن باب الإشارة ) : قَالَ أَنَاْ خَيْرٌ مّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ  \[ الأعراف : ١٢ \] أراد اللعين أنه من الحضرة الروحانية وأن آدم عليه السلام ليس كذلك

### الآية 7:13

> ﻿قَالَ فَاهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيهَا فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ [7:13]

قَالَ  استئناف كما سلف، والفاء في قوله تعالى : فاهبط مِنْهَا  لترتيب الأمر على ما ظهر منه من الباطل، وضمير  مِنْهَا  قيل للجنة، وكونه من سكانها مشهور، والمراد بها عند بعض الجنة التي يسكنها المؤمنون يوم القيامة. وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنها روضة بعدن وفيها خلق آدم عليه السلام وكانت على نشز من الأرض في قول. **«وأصل الهبوط الانحدار على سبيل القهر كما في هبوط الحجر. وإذا استعمل في الإنسان ونحوه فعلى سبيل الاستخفاف »** كما قال الراغب. ولم يشترط بعضهم فيه سوى الانتقال من شريف إلى ما دونه لقوله تعالى : اهبطوا مِصْرًا  \[ البقرة : ٦١ \] والأمر عليه واضح وإن لم نقل : إن تلك الجنة كانت على نشز، وقيل : الضمير لزمرة الملائكة أي اخرج من زمرة الملائكة المعززين، فإن الخروج من زمرتهم هبوط وأي هبوط. وفي سورة الحجر ( ٤٣ )  فاخرج مِنْهَا  وقيل : الضمير للسماء، وإليه ذهب جماعة. ورد بأن وسوسته لآدم عليه السلام كانت بعد هذا الطرد فلا بد أن يحمل على أحد الوجهين السابقين قطعاً، ويكون وسوسته على الوجه الأول بطريق النداء من باب الجنة كما روي عن الحسن البصري. وأجيب بأنه يحتمل أن يكون المراد من ذلك الجنة أو زمرة الملائكة أيضاً بناء على أن الأولى ومعظم الثانية في السماء أو يقال : إن القصة وقعت في الأرض وكانت الجنة فيها وبعد العصيان حجب اللعين من السماء التي هي مقره ومعبده، ومعني أمره بالخروج منها أمره بقطع علائقه عنها واتخاذها مأوى له بعد. وهذا كما تقول لمن غصب دارك مثلاً عند نحو القاضي : أخرج من داري مع أنه إذ ذاك ليس فيها تريد لا تدخلها واقطع علائقك عنها. 
وقيل : الضمير للأرض. فقد روي أنه أخرج منها إلى الجزائر وأمر أن لا يدخلها إلا خفية، ويبعده أنه لا يظهر للتخصيص في قوله تعالى : فَمَا يَكُونُ لَكَ  أي فما يصح ولا يستقيم ولا يليق بشأنك  أَن تَتَكَبَّرَ فِيهَا  على هذا وجه إلا على بعد. وأما على الأوجه السابقة فالوجه ظاهر وهو مزيد شرافة المخرج منه وعلو شأنه وتقدس ساحته. ومن هنا يعلم أنه لا دلالة في الآية على جواز التكبر في غير ذلك عند القائلين بالمفهوم، والجملة تعليل للأمر بالهبوط ولايخفى لطافة التعبير به دون الخروج في مقابلة قوله : أَنَاْ خَيْرٌ مّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ  \[ الأعراف : ١٢ \] المشير إلى ارتفاع عنصره وعلو محله، والتكبر على ما قيل كالكبر وهو الحالة التي يختص بها الشخص من إعجابه بنفسه. وذلك أن يرى نفسه أكبر من غيره وأعظم، والمراد بالتكبر ههنا إما التكبر على الله تعالى وهو أعظم التكبر ويكون بالامتناع من قبول الحق والإذعان له بالعبادة. 
وفسره بعضهم بالمعصية. وإما التكبر على آدم عليه السلام بزعمه أنه خير منه وأكبر قدراً. وقيل : المراد ما هو أعم منه ومن التكبر على الملائكة حيث زعم أن له خصوصية ميزته عليهم وأخرجته من عمومهم وفيه تأمل. وزعم البعض أن في الآية تنبيهاً على أن التكبر لا يليق بأهل الجنة فكما يمنع من القرار فيها يمنع من دخولها بعد ذلك وأنه تعالى إنما طرده لتكبره لا لمجرد عصيانه، وهو ظاهر على أحد الاحتمالات كما لا يخفى. والظرف إما متعلق بما عنده أو بمحذوف وقع حالاً. 
وقوله تعالى : فاخرج  تأكيد للأمر بالهبوط متفرع عليه. وقوله سبحانه : إِنَّكَ مِنَ الصاغرين  تعليل للأمر بالخروج مشعر بأنه لتكبره أي إنك من أهل الصغار والهوان على الله تعالى وعلى أوليائه لتكبرك. أخرج البيهقي في **«شعب الايمان »** عن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" من تواضع لله رفعه الله تعالى، ومن تكبر وضعه الله عز وجل " ومن حديثه رضي الله تعالى عنه " من تواضع لله تعالى رفع الله تعالى حكمته وقال : انتعش نعشك الله ومن تكبر وعدا طوره وهصه الله تعالى إلى الأرض " وقيل : المراد من الأذلاء في الدنيا بالذم واللعن وفي الآخرة بالعذاب بسبب ما ارتكبه من المعصية والتكبر، وإذلال الله تعالى المتكبرين يوم القيامة مما نطقت به الأخبار. أخرج الترمذي عن عمرو بن شعيب عن جده أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :" يحشر المتكبرون يوم القيامة أمثال الذر في صور الرجال يغشاهم الذل من كل مكان يساقون إلى سجن في جهنم يقال له : بولس يسقون من طينة الخبال عصارة أهل النار " وفسر بعضهم الصاغر بالراضي بالذل كما هو المشهور فيه. والمراد وصفه بأنه خسيس الطبع دنيء وأنه رأى نفسه أكبر من غيره وليس بالكبير. ولقد أبدع أبو نواس بقوله خطاباً له :سوأة بالعين أنت اختلست الن  اس غيظاً عليهم أجمعيناتهت لما أمرت في سالف الده  ر وفارقت زمرة الساجديناعند ما قلت لا أطيق سجودا  لمثال خلقته رب طيناحسداً إذ خلقت من مارج الن  ار لما كان مبتدأ العالميناثم صيرت في القيادة تسعى  يا مجير الزناة واللائطينا**وله أيضاً من أبيات فيه :**تاه على آدم في سجدة  وصار قواداً لذريته( هذا ومن باب الإشارة ) : قَالَ فاهبط مِنْهَا  أي من تلك الحضرة  فَمَا يَكُونُ لَكَ أَن تَتَكَبَّرَ فِيهَا  لأن الكبر ينافيها  فاخرج إِنَّكَ مِنَ الصاغرين 
\[ الأعراف : ١٣ \] الأذلاء بالميل إلى مقتضيات النفس

### الآية 7:14

> ﻿قَالَ أَنْظِرْنِي إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ [7:14]

قَالَ  استئناف كما مر مبني على سؤال نشأ مما قبله كأنه قيل : فماذا قال اللعين بعدما سمع ما سمع ؟ فقيل : قال : أَنظِرْنِى  أي أمهلني ولا تمتني  إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ  أي آدم عليه السلام وذريته وهو وقت النفخة الثانية، وأراد بذلك أن يجد فسحة في الإغواء وأخذ الثأر ونجاة من الموت إذ لا موت بعد البعث.

### الآية 7:15

> ﻿قَالَ إِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ [7:15]

قَالَ  استئناف كما مر  إِنَّكَ مِنَ المنظرين  ظاهره  إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ  \[ الأعراف : ١٤ \] حيث وقع في مقابلة كلامه لكن في سورة الحجر وص التقييد بيوم الوقت المعلوم، واختلف في المراد منه فالمشهور أنه يوم النفخة الأولى دون يوم البعث لأنه ليس بيوم موت، وجوز بعضهم أن يكون المراد منه يوم البعث ولا يلزم أن لا يموت فلعله يموت أول اليوم ويبعث مع الخلق في تضاعيفه. وفي كتاب **«العرائس »** عن كعب الأحبار أن إبليس إنما يذوق طعم الموت يوم الحشر وذكر في كيفية موته وقبض عزرائيل روحه ما يقضي منه العجب، ولم ترضِ ذلك الفاضل السفاريني وقال في كتابه **«البحور الزاخرة »** : أخرج نعيم بن حماد في **«الفتن »** والحاكم في **«المستدرك »** عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه أنه قال : لا يلبثون يعني الناس بعد يأجوج ومأجوج حتى تطلع الشمس من مغربها فتجف الأقلام وتطوى الصحف فلا يقبل من أحد توبة ويخر إبليس ساجداً ينادي إلهي مرني أن أسجد لمن شئت وتجتمع إليه الشياطين فتقول يا سيدنا إلى من نفزع ؟ فيقول : إنما سألت ربي أن ينظرني إلى يوم البعث فأنظرني إلى يوم الوقت المعلوم وقد طلعت الشمس من مغربها وهذا يوم الوقت المعلوم وتصير الشياطين ظاهرة في الأرض حتى يقول الرجل : هذا قريني الذي كان فالحمد لله الذي أخزاه ولا يزال إبليس ساجداً باكياً حتى تخرج الدابة فتقتله وهو ساجد انتهى. 
ومنه يعلم أن المراد باليوم المعلوم ما صرح به اللعين وهو قبل يوم النفخة الأولى بكثير، وهذا قول لم نر أحداً من المفسرين ذكره وهو الذي ارتضاه هذا الفاضل وقال : إن الخبر في حكم المرفوع لأنه لا يقال من قبل الرأي وليس ابن مسعود ككعب الأحبار ممن يتلقى من كتب أهل الكتاب. وأنت تعلم أنه إن صحت نسبة هذا الخبر إلى ابن مسعود ينبغي أن لا يعدل إلى القول بما يخالفه ولكن في صحة نسبته إليه رضي الله تعالى عنه عندي تردد. وقيل : المراد به وقت يعلم الله تعالى انتهاء أجله فيه وقد أخفي عنا وكذا عن اللعين، وأوجب على هذا أن يكون قبل النفخة الثانية. واستدل له بعضهم بأن اللعين كان مكلفاً والمكلف لا يجوز أن يعلم أجله لأنه يقدم على المعصية بقلب فارغ حتى إذا قرب أجله تاب فتقبل توبته وهذا كالإغراء على المعاصي فيكون قبيحاً. وأجيب بأن من علم الله تعالى من حاله أنه يموت على الطهارة والعصمة كالأنبياء عليهم السلام أو على الكفر والمعاصي كإبليس وأشياعه فإن إعلامه بوقت أجله لا يكون إغراء على المعصية لأنه لا يتفاوت حاله بسبب ذلك التعريف والإعلام. 
وظاهر النظم الكريم عند غير واحد أن هذه إجابة لدعائه كلاً أو بعضاً، وفي ذلك دليل لمن قال : إن دعاء الكافر قد يستجاب وهو الذي ذهب إليه الدبوسي وغيره من الفقهاء خلافاً لما نقله في **«البزازية »** عن البعض من أنه لا يجوز أن يقال : إن دعاء الكافر مستجاب لأنه لا يعرف الله تعالى ليدعوه، والفتوى على الأول للظاهر ولقوله صلى الله عليه وسلم :" دعوة المظلوم مستجابة وإن كان كافراً ". وحمل الكفر على كفران النعمة لا كفران الدين خلاف الظاهر، ولا يلزم من الاستجابة المحبة والإكرام فإنها قد تكون للاستدراج. وقال بعض المحققين : الجملة أخبار عن كونه من المنظرين في قضاء الله عالى من غير ترتب على دعائه، وادعى أن ورودها اسمية مع التعرض لشمول ما سأله اللعين الآخرين على وجه يشعر بأن السائل تبع لهم في ذلك صريح في أن ذلك إخبار بأن الإنظار المذكور لهم أزلاً لا إنشاء لا لإنظار خاص به إجابة لدعائه، ويعلم من ذلك أيضاً أن استنظاره كان طلباً لتأخير الموت إذ به يتحقق كونه من جملتهم لا لتأخير العقوبة كما قيل ولا يخلو عن حسن. والحكمة في إنظاره ذلك الزمن الطويل مع ما هو عليه عليه اللعنة من الإفساد مما ينبغي أن يفوض علمها إلى خالق العباد. 
وقد ذكر الشهرستاني **«عن شارح الأناجيل الأربعة صورة مناظرة جرت بين الملائكة وبين إبليس بعد هذه الحادثة وقد ذكرت في التوراة، وهي أن اللعين قال للملائكة : إني أسلم أن لي إلهاً هو خالقي وموجدي وهو خالق الخلق لكن لي على حكمه أسئلة، الأول : ما الحكمة في الخلق ؟ لا سيما وقد كان عالماً أن الكافر لا يستوجب عند خلقه إلا النار. الثاني : ما الفائدة في التكليف مع أنه لا يعود إليه منه نفع ولا ضرر وكل ما يعود إلى المكلفين فهو قادر على تحصيله لهم من غير واسطة التكليف ؟ الثالث : هب أنه كلفني بمعرفته وطاعته فلماذا كلفني بالسجود لآدم ؟ الرابع : لما عصيته في ترك السجود فلم لعنني وأجب عقابي مع أنه لا فائدة له ولا لغيره فيه ولي فيه أعظم الضرر ؟ الخامس : أنه لما فعل ذلك لم سلطني على أولاده ومكنني من إغوائهم وإضلالهم ؟ السادس : لما استمهلته المدة الطويلة في ذلك فلم أمهلني، ومعلوم أن العالم لو كان خالياً من الشر لكان ذلك خيراً ؛ قال شارح الأناجيل فأوحى الله تعالى إليه من سرادق العظمة والكبرياء يا إبليس أنت ما عرفتني ولو عرفتني لعلمت أنه لا اعتراض علي في شيء من أفعالي فإني أنا الله لا إله إلا أنا لا أسئل عما أفعل »** انتهى. / وفي السؤال السادس : ما يؤيد القول الأول في الجملة. 
ولا يخفى أن هذه الشبهات يصعب على القائلين بالحسن والقبح العقليين الجواب عنها بل قال الإمام : إنه لو اجتمع الأولون والآخرون من الخلائق وحكموا بتحسين العقل وتقبيحه لم يجدوا من هذه الشبهات مخلصاً وكان الكل لازماً. ويعجبني ما يحكى أن سيف الدولة بن حمدان خرج يوماً على جماعته فقال : قد عملت بيتاً ما أحسب أن أحداً يعمل له ثانياً إلا إن كان أبا فراس وكان أبو فراس جالساً فقيل له : ما هو ؟ فقال قولي
 : لك جسمي تعله \*\*\* فدمي لم تطله
فابتدر أبو فراس قائلاً
 : قال إن كنت مالكا \*\*\* فلي الأمر كله
وعلل الزمخشري إجابته إلى استنظاره بأن في ذلك ابتلاء العباد وفي مخالفته أعظم الثواب وحكمه حكم ما خلق الله تعالى في الدنيا من صنوف الزخارف وأنواع الملاهي والملاذ وما ركب في الأنفس من الشهوات ليمتحن بها عباده. وتعقبه العلامة الثاني كغيره بأنه مبني على تعليل أفعاله تعالى بالأغراض وعدم إسناد خلق القبائح والشرور إليه سبحانه مع أنه ليس بشيء لأن حقيقة الابتلاء في حقه تعالى محال ومجاز لا يدفع السؤال، ولأن ما في متابعته من أليم العقاب أضعاف ما في مخالفته من عظيم الثواب بل لو لم يكن له الإنظار والتمكين لم يكن من العباد إلا الطاعات وترك المعاصي فلم يكن إلا الثواب كالملائكة. ولا يخفى ما فيه إلا أن قوله بعد : والأولى : أن لا يخوض العبد في أمثال هذه الأسرار ويفوض حقيقتها إلى الحكيم المختار مما نقول به لأن معرفة ذلك في غاية الصعوبة على أرباب القال وأهل الجدال. هذا وإنما ترك التوقيت في هذه الآية ثقة بما وقع في سورة الحجر وص كما ترك ذكر النداء والفاء في الاستنظار والإنظار تعويلاً على ما ذكر فيهما. 
«فإن قلت : لا ريب في أن الكلام المحكي له عند صدوره عن المتكلم حالة مخصوصة تقتضي وروده على وجه خاص من وجوه النظم بحيث لو أخل بشيء من ذلك سقط الكلام عن رتبة البلاغة ألبتة فالكلام الواحد المحكي على وجوه شتى إن اقتضى الحال وروده على وجه معين من تلك الوجوه الواردة عند تلك الحكاية فذلك الوجه هو المطابق لمقتضى الحال والبالغ إلى رتبة البلاغة دون ما عداه من الوجوه ونقول حينئذ : لا يخفى أن استنظار اللعين إنما صدر عنه مرة واحدة لا غير فمقامه إن اقتضى إظهار الضراعة وترتيب الاستنظار على ما حلق به من اللعن والطرد على نهج استدعاء الجبر في مقابلة الكسر كما هو المتبادر من قوله : رَبّ فَأَنظِرْنِى  \[ الحجر : ٣٦، ص : ٧٩ \] حسبما حكى عنه في السورتين فما حكى عنه ههنا يكون بمعزل من المطابقة لمقتضى الحال فضلاً عن العروج إلى معارج الإعجاز. 
قلت : أجاب مولانا شيخ الإسلام عن هذا السؤال بعد أن ساقه بأن **«مقام استنظاره مقتضٍ لما ذكر من إظهار الضراعة وترتيب الاستنظار على الحرمان المدلول عليه بالطرد والرجم وكذا مقام الإنظار مقتضٍ لترتيب الإخبار بالإنظار على الإستنظار، وقد طبق الكلام عليه في تينك السورتين ووفى كل من مقامي الحكاية والمحكي جميعاً حظه، وأما ههنا فحيث اقتضى مقام الحكاية مجرد الإخبار بالإستنظار والإنظار سيقت الحكاية على نهج الإيجاز والإختصار من غير تعرض لكيفية كل منهما عند المخاطبة والحوار، ولا يلزم أن لا يكون ذلك نقلاً للكلام على ما هو عليه ولا مطابقاً لمقتضى المقام. فالذي يجب اعتباره في نقل الكلام إنما هو أصل معناه ونفس مدلوله ( الذي يفيده ) وأما كيفية الإفادة فقد تراعى وقد لا تراعى حسب الاقتضاء. ولا يقدح في أصل الكلام تجريده عنها بل قد تراعى عند نقله كيفيات ( وخصوصات ) ( ٢ ) لم يراعها المتكلم أصلاً بل قد لا يقدر على مراعاتها. وجميع المقالات المحكية في الآيات من ذلك القبيل وإلا لما كان الكثير منها معجزاً، وملاك الأمر في المطابقة مقام الحكاية وأما مقام المحكي فإن كان مقتضاه موافقاً لذلك وفي كل منهما حقه كما في السورتين وإلا لا كما فيما هنا »** فليفهم.

### الآية 7:16

> ﻿قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ [7:16]

قَالَ  استئناف كنظائره  فَبِمَا أَغْوَيْتَنِى  الفاء لترتيب مضمون الجملة التي بعد على الإنظار، والباء إما للقسم أو للسببية، و ( ما ) على التقديرين مصدرية، والجار والمجرور متعلق بأقسم ؛ وقيل : إنه على تقدير السببية متعلق بما بعد اللام، وفيه أن لها الصدر على الصحيح فلا يعمل ما بعدها فيما قبلها، وجوز بعضهم كون ( ما ) استفهامية لم يحذف ألفها وأن الجار متعلق بأغويتني ولا يخفى ضعفه. والإغواء خلق الغي وأصل الغي الفساد ومنه غوى الفصيل وغوى إذا بشم وفسدت معدته، وجاء بمعنى الجهل من اعتقاد فاسد كما في قوله سبحانه : مَا ضَلَّ صاحبكم وَمَا غوى  \[ النجم : ٢ \] وبمعنى الخيبة كما في قوله
: فمن يلق خيراً يحمد الناس أمره  ومن يغو لا يعدم على الغي لائماًومنه قوله تعالى : وعصى \* ءادَم \* رَبَّهُ فغوى  \[ طه : ١٢١ \] واستعمل بمعنى العذاب مجازاً بعلاقة السببية ومنه قوله تعالى : فَسَوْفَ يَلْقُونَ غَيّاً  \[ مريم : ٥٩ \]. 
ولا مانع عند أهل السنة أن يراد بالإغواء هنا خلق الغي بمعنى الضلال أي بما أضللتني وهو المروي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، ونسبة الإغواء بهذا المعنى إلى الله عز وجل مما يقتضيه عموم قوله سبحانه : خالق كُلّ شَىْء  \[ الأنعام : ١٠٢ \] والمعتزلة يأبون نسبة مثل ذلك إليه سبحانه وقالوا في هذا تارة : إنه قول الشيطان فليس بحجة، وأولوه أخرى بأن الإغواء النسبة إلى الغي كأكفره إذا نسبه إلى الكفر أو إنه بمعنى إحداث سبب الغي وإيقاعه وهو الأمر بالسجود. وقال بعضهم : إن الغي هنا بمعنى الخيبة أي بما خيبته من رحمتك أو الهلاك أي بما أهلكته بلعنك إياه وطردك له، والذي دعاهم إلى هذا كله عدم قولهم بأن الله تعالى خالق كل شيء وأنه سبحان لا خالق غيره ولم يكفهم ذلك حتى طعنوا بأهل السنة القائلين بذلك. وما الظن بطائفة ترضى لنفسها من خفايا الشرك بما لم يسبق به إبليس عليه اللعنة نعوذ بالله سبحانه وتعالى من التعرض لسخطه. نعم الإغواء بمعنى الترغيب بما فيه الغواية والأمر به كما هو مراد اللعين من قوله : لاَغْوِيَنَّهُمْ  \[ ص : ٨٢ \] مما لا يجوز من الله تعالى شأنه كما لا يخفى، ثم إن كانت الباء للقسم يكون المقسم به صفة من صفات الأفعال وهو مما يقسم به في العرف وإن لم تجر الفقهاء به أحكام اليمين. ولعل القسم وقع من اللعين بهما جميعاً فحكى تارة قسمه بأحدهما وأخرى بالآخر، وإن كانت سببية فالقسم بالعزة أي فبسبب إغوائك إياي لأجلهم أقسم بعزتك. 
 لاقْعُدَنَّ لَهُمْ  أي لآدم عليه السلام وذريته ترصداً بهم كما يقعد القطاع للسابلة  صراطك المستقيم  الموصل إلى الجنة وهو الحق الذي فيه رضاك. 
أخرج أحمد والنسائي وابن حبان والطبراني والبيهقي في **«شعب الإيمان »** عن سبرة بن الفاكه قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول :" إن الشيطان قعد لابن آدم في طرقه فقعد له بطريق الإسلام فقال أتسلم وتذر دينك ودين آبائك ؟ فعصاه فأسلم ثم قعد له بطريق الهجرة فقال : أتهاجر وتذر أرضك وسمائك وإنما مثل المهاجر كالفرس في طوله ؟ فعصاه فهاجر ثم قعد له بطريق الجهاد فقال : هو جهد النفس والمال فتقاتل فتقتل فتنكح المرأة ويقسم المال فعصاه فجاهد ثم قال صلى الله عليه وسلم :«فمن فعل ذلك منهم فمات أو وقصته دابته فمات كان حقاً على الله تعالى أن يدخله الجنة " ولعل الاقتصار منه صلى الله عليه وسلم على هذه المذكورات للاعتناء بشأنها والتنبيه على عظم قدرها لما أن المقام قد اقتضى ذلك لا للحصر. ونظير ذلك ما روي عن ابن عباس وابن مسعود رضي الله تعالى عنهما وغيرهما من تفسير الصراط المستقيم بطريق مكة والكلام من باب الكناية أو التمثيل، ونصب ( الصراط ) إما على أنه مفعول به بتضمين  \*أقعدن  معنى ألزمن أو على نزع الخافض أي على صراطك كقولك ضرب زيد الظهر والبطن أو على الظرفين وجاء نصب ظرف المكان المختص عليها قليلاً، ومن ذلك في المشهور قوله
: لدن بهز الكف يعسل متنه  فيه كما عسل الطريق الثعلب( هذا ومن باب الإشارة ) : قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِى  قسم بما هو من صفات الأفعال ولم يكن محجوباً عنها بل كان محجوباً عن الذات الأحدية  لأقعدن لَهُمْ صراطك المستقيم  \[ الأعراف : ١٦ \] وهو طريق التوحيد

### الآية 7:17

> ﻿ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ ۖ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ [7:17]

ثُمَّ لآتِيَنَّهُم مّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أيمانهم وَعَن شَمَائِلِهِمْ  أي من الجهات الأربع التي يعتاد هجوم العدو منها، والمراد لأسولن لهم ولأضلنهم بقدر الإمكان إلا أنه شبه حال تسويله ووسوسته لهم كذلك بحال إتيان العدو لمن يعاديه من أي جهة أمكنته ولذا لم يذكر الفوق والتحت إذ لا إتيان منهما فالكلام من باب الاستعارة التمثيلية و  لاقْعُدَنَّ لَهُمْ  \[ الأعراف : ١٦ \] على ما قيل ترشيح لها، وبعضهم لم يخرج الكلام على التمثيل واعتذر عن ترك جهة الفوق بأن الرحمة تنزل منها وعن ترك جهة التحت بأن الإتيان منها يوحش، والاعتذار عن الأول بما ذكر أخرجه غير واحد عن ابن عباس رضي الله عنهما، وروي أيضاً عن عكرمة والشعبي والاعتذار عن الثاني نسبه الطبرسي إلى الحبر أيضاً، ولا يبعد على ذلك أن يكون الكلام تمثيلاً أيضاً ويكون الفرق بين التوجيهين بأن ترك هاتين الجهتين على الأول لعدمهما في الممثل به وعلى الثاني لعدمهما في الممثل. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس رضي الله عنهما أن  مِن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ  من قبل الآخرة لأنها مستقبلة آتية وما هو كذلك كأنه بين الأيدي  وَمِنْ خَلْفِهِمْ  من قبل الدنيا لأنها ماضية بالنسبة إلى الآخرة ولأنها فانية متروكة مخلفة  وَعَنْ أيمانهم وَعَن شَمَائِلِهِمْ  من جهة حسناتهم وسيآتهم، وتفسير الأيمان بالحسنات والشمائل بالسيآت لأنهم يجعلون المحبوب في جهة اليمين وغيره في جهة الشمال كما قال
: بثين أفي يمنى يديك جعلتني  فأفرح أم صيرتني في شمالكوقال الأصمعي : يقال هو عندنا باليمين أي بمنزلة حسنة وبالشمال على عكس ذلك، والكلام على هذا يجوز أن يكون فيه مجازات أو استعارات أو كنايات. ونظير هذا ما قيل : مِن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ  من حيث يعلمون ويقدرون على التحرز عنه  وَمِنْ خَلْفِهِمْ  من حيث لا يعلمون و  عَنْ \* أيمانهم وَعَن شَمَائِلِهِمْ  من حيث يتيسر لهم أن يعلموا ويتحرزوا ولكن لم يفعلوا لعدم تيقظهم واحتياطهم ومن حيث لا يتيسر لهم ذلك، وقال بعض حكماء الإسلام : إن في البدن قوى أربعا : القوة الخالية التي تجتمع فيها مثل المحسوسات وموضعها البطن المقدم من الدماغ وإليها الإشارة بقوله : مِن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ  والقوة الوهمية التي تحكم في غير المحسوسات بالأحكام المناسبة للمحسوسات ومحلها البطن المؤخر من الدماغ وإليها الإشارة بقوله : وَمِنْ خَلْفِهِمْ  والقوة الشهوانية ومحلها الكبد وهو عن يمين الإنسان وإليها الإشارة بقوله : وَعَنْ أيمانهم  والقوة الغضبية ومحلها القلب الذي هو في الشق الأيسر وإليها الإشارة بقوله : وَعَن شَمَائِلِهِمْ  والشيطان ما لم يستعن بشيء من هذه القوى لا يقدر على إلقاء الوسوسة، وهذا عندي نوع من الإشارة كما لا يخفى، وقيل : غير ذلك، وإنما عدى الفعل إلى الأولين بحرف الابتداء لأنه منهما متوجه إليهم وإلى الآخرين بحرف المجاوزة فإن الآتي منهما كالمنحرف عنهم المار على عرضهم، ونظيره قولهم : جلست عن يمينه، وذكر القطب في بيان وجه ذلك ما بناه على ما قاله بعض حكماء الإسلام وهو أن ( من ) للاتصال و ( عن ) للانفصال، وأثر الشيطان في قوتي الدماغ حصول العقائد الباطلة كالشرك والتشبيه والتعطيل، وهي مرتسمة في النفس الإنسانية متصلة بها، وفي الشهوة والغضب حصول الأعمال السيئة الشهوانية والغضبية وهي تنفصل عن النفس وتنعدم فلهذا أورد في الجهتين الأوليين  مِنْ  الاتصالية وفي الأخريين  عَنْ  الانفصالية، وقيل : خص اليمين والشمال بعن لأن ثمة ملكين يقتضيان التجاوز عن ذلك وفيه نظر لا يخفى، وادعى بعضهم أن الآية كالدليل على أن اللعين لا يمكنه أن يدخل في بدن ابن آدم ويخالطه إذ لو أمكنه ذلك لذكره في باب المبالغة ؛ وحديث
**«إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم »** من باب التمثيل. وقد يجاب بأن التمثيل اقتضى عدم الذكر فتدبر. 
 وَلاَ تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شاكرين  أي مطيعين، وإنما قال ذلك ظناً كما روي عن الحسن. وأبي مسلم لقوله تعالى : وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ  \[ سبأ : ٢ \] لما رأى أن للنفس تسع عشرة قوة الحواس الظاهرة والباطنة والشهوة والغضب والقوى السبع النباتية الجاذبة والماسكة والهاضمة والدافعة والغاذية والنامية والمولدة وإنها بأسرها تدعو النفس إلى عالم الجسم وأن ليس هناك ما يدعو إلى عالم الأرواح إلا قوة واحدة وهي العقل وما يصنع واحد مع متعدد « :
أرى ألف بأن لا يقوم بهادم
فكيف ببان خلفه ألف هادم »
وعن الجبائي أنه سمع ذلك من الملائكة فقاله على سبيل القطع، وقيل : إنه رآه قبل في اللوح المحفوظ. ووجد إما بمعنى صادف فينصب مفعولاً واحداً وهو  أَكْثَرُهُمْ  وشاكرين حال، وإما بمعنى علم فينصب مفعولين ثانيهما  شاكرين  والجملة إما معطوفة على المقسم عليه وإما مستأنفة، وإنما لم يفرعها على ما تقدم لأن مضمونها بمقتضى الجبلة أيضاً لا بمجرد إغوائه، ووجه التعبير بالأكثر ظاهر. 
( هذا ومن باب الإشارة ) : ثُمَّ لآتِيَنَّهُم مّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أيمانهم وَعَن شَمَائِلِهِمْ  أي لأجتهدن في إضلالهم، وقد تقدم ما قاله بعض حكماء الإسلام في ذلك، وفي **«تأويلات النيسابوري »** كلام كثير فيه وما قاله البعض أحسنه في هذا الباب، وذكر بعضهم لعدم التعرض لجهتي الفوق والتحت وجها وهو أن الإتيان من الجهة الأولى غير ممكن له لأن الجهة العلوية هي التي تلي الروح ويرد منها الإلهامات الحقة والالقاءات الملكية ونحو ذلك، والجهة السفلية يحصل منها الأحكام الحسية والتدابير الجزئية في باب المصالح الدنيوية وذلك غير موجب للضلالة بل قد ينتفع به في العلوم الطبيعية والرياضية وفيه نظر.  وَلاَ تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شاكرين ( [(١)](#foonote-١) ) \[ الأعراف : ١٧ \] مستعملين ما خلق لهم لما خلق له. 
١ - إلى هنا ربع القرآن ولله الحمد اهـ منه..

### الآية 7:18

> ﻿قَالَ اخْرُجْ مِنْهَا مَذْءُومًا مَدْحُورًا ۖ لَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكُمْ أَجْمَعِينَ [7:18]

قَالَ  استئناف كما مر غير مرة.  أَخْرَجَ مِنْهَا  أي من الجنة أو من زمرة الملائكة أو من السماء الخلاف السابق  مَذْءومًا  أي مذموماً كما روي عن ابن زيد أو مهاناً لعينا كما روي عن ابن عباس وقتادة، وفعله ذأم. وقرأ الزهري  \*مذوماً  بذال مضمومة وواو ساكنة وفيه احتمالان الأول أن يكون مخففاً من المهموز بنقل حركة الهمزة إلى الساكن ثم حذفها، والثاني أن يكون من ذام بالألف كباع وكان قياسه على هذا مذيم كمبيع إلا أنه أبدلت الواو من الياء على حد قولهم ؛ مكول في مكيل مع أنه من الكيل، ونصبه على الحال وكذا قوله تعالى : مَذْمُومًا مَّدْحُورًا  وهو من الدحر بمعنى الطرد والإبعاد، وجوز في هذا أن يكون صفة. 
واللام في قوله سبحانه : لَّمَن تَبِعَكَ مِنْهُمْ  على ما في **«الدر المصون »** موطئة للقسم و ( من ) شرطية في محل رفع مبتدأ. وقوله عز اسمه  لأَمْلأَنَّ مَنْكُمْ أَجْمَعينَ  جواب القسم وهو ساد مسد جواب الشرط، والخلاف في خبر المبتدأ في مثل ذلك مشهور، وجوز أن تكون اللام لام الابتداء و ( من ) موصولة مبتدأ صلتها  تَبِعَكَ  والجملة القسمية خبر. وقرأ عصمة عن عاصم  لِمَنْ  بكسر اللام فقيل. إنها متعلقة بلأملان. ورد بأن لام القسم لا يعمل ما بعدها فيما قبلها، وقيل : إنها متعلقة بالذأم والدحر على التنازع وأعمال الثاني أي أخرج بهاتين الصفتين لأجل اتباعك وقيل : إن الجار والمجرور خبر مبتدأ محذوف يقدر مؤخراً أي لمن اتبعك هذا الوعيد. ودل على قوله سبحانه : لاَمْلاَنَّ  الخ، ولعل ذلك مراد الزمخشري بقوله : أن  لاَمْلاَنَّ  في محل المبتدأ و  لَّمَن تَبِعَكَ  خبره كما يرشد إليه بيان المعنى. و  مّنكُمْ  بمعنى منك ومنهم فغلب فيه المخاطب كما في قوله سبحانه : أَنتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ  \[ النحل : ٥٥ \] ثم إن الظاهر أن هذه المخاطبات لأبليس عليه اللعنة كانت منه عز وجل من غير واسطة وليس المقصود منها الإكرام والتشريف بل التعذيب والتعنيف، وذهب الجبائي إلى أنها كانت بواسطة بعض الملائكة لأن الله تعالى لا يكلم الكافر وفيه نظر. 
( هذا ومن باب الإشارة ) : قَالَ اخرج مِنْهَا  حقيراً  مَذْءومًا مَّدْحُورًا  مطروداً  لَّمَن تَبِعَكَ مِنْهُمْ  بالأنانية ورؤية غير الله تعالى وارتكاب المعاصي  لأملان جَهَنَّمَ مِنكُمْ أَجْمَعِينَ  \[ الأعراف : ١٨ \] فتبقون محبوسين في سجين الطبيعة معذبين بنار الحرمان عن المراد وهو أشد العذاب وكل شيء دون فراق المحبوب سهل وهو سبحانه حسبنا ونعم الوكيل.

### الآية 7:19

> ﻿وَيَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ فَكُلَا مِنْ حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَٰذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ [7:19]

وَيَا آَادَمُ اسكن  أي وقلنا كما وقع في سورة البقرة ( ٥٣ ) فهذه القصة بتمامها معطوفة على مثلها وهو قوله سبحانه : قُلْنَا للملائكة اسجدوا  \[ الأعراف : ١١ \] على ما ذهب إليه غير واحد من المحققين، وإنما لم يعطفوه على ما بعد  قَالَ  \[ الأعراف : ١٨ \] أي قال يا إبليس اخرج ويا آدم اسكن لأن ذلك في مقام الاستئناف والجزاء لما حلف عليه اللعين وهذا من تتمة الامتنان على بني آدم والكرامة لأبيهم، ولا على ما بعد  قُلْنَا  \[ الأعراف : ١١ \] لأنه يؤول إلى قلنا للملائكة يا آدم. وادعى بعضهم أن الذي يقتضيه الترتيب العطف على ما بعد  قَالَ  وبينه بما له وجه إلا أنه خلاف الظاهر، وتصدير الكلام بالنداء للتنبيه على الاهتمام بالمأمور به، وتخصيص الخطاب بآدم عليه السلام للإيذان بأصالته بالتلقي وتعاطي المأمور به. و  اسكن  من السكنى وهو اللبث والإقامة والاستقرار دون السكون الذي هو ضد الحركة، وقد تقدم الكلام في ذلك وفي قوله سبحانه : أَنتَ وَزَوْجُكَ الجنة  وتوجيه الخطاب إليهما في قوله تعالى : فَكُلاَ مِنْ حَيْثُ شِئْتُمَا  لتعميم التشريف والإيذان بتساويهما في مباشرة المأمور به فإن حواء أسوة له عليه السلام في حق الأكل بخلاف السكنى فإنها تابعة له فيها ولتعليق النهي الآتي بهما صريحاً، والمعنى فكلا منها حيث شئتما كما في البقرة، ولم يذكر  رَغَدًا  هنا ثقة بما ذكر هناك. 
وقوله سبحانه : وَلاَ تَقْرَبَا هذه الشجرة  مبالغة في النهي عن الأكل منها وقرىء **«هذي »** وهو الأصل إلا أنه حذفت الياء وعوض عنها الهاء فهي هاء عوض لا هاء سكت. قال ابن جني : ويدل على أن الأصل هو الياء قولهم في المذكر : ذا والألف بدل من الياء إذ الأصل ذي بالتشديد بدليل تصغيره على ذيا وإنما يصغر الثلاثي دون الثنائي كما ومن فحذفت إحدى اليائين تخفيفاً ثم أبدلت الأخرى ألفاً كراهة أن يشبه آخره أخر كي.  فَتَكُونَا  أي فتصيراً  مِنَ الظالمين  أي الذين ظلموا أنفسهم، و  تَكُونَا  يحتمل الجزم على العطف على  تَقْرَبَا  والنصب على أنه جواب النهي. 
( ومن باب الإشارة ) : في الآيات : وَيَا آَدَمُ اسكن أَنتَ وَزَوْجُكَ  أي النفس وسميت حواء لملازمتها الجسم الظلماني إذ الحوة اللون الذي يغلب عليه السواد. وبعضهم يجعل آدم إشارة إلى القلب لأنه من الأدمة وهي السمرة وهو لتعلقه بالجسم دون النفس سمي بذلك. ولشرف آدم عليه السلام وجه النداء إله وزوجه تبع له في السكنى  الجنة  هي عندهم إشارة إلى سماء عالم الأرواح التي هي روضة القدس  فَكُلاَ مِنْ حَيْثُ شِئْتُمَا  لا حجر عليكما في تلقي المعاني والمعارف والحكم التي هي الأقوات القلبية والفواكه الروحانية  وَلاَ تَقْرَبَا هذه الشجرة  أي شجرة الطبيعة والهوى التي بحضرتكما  فَتَكُونَا مِنَ الظالمين  \[ الأعراف : ١٩ \] الواضعين النور في محل الظلمة أو الناقصين من نور استعدادكما. وأول بعضهم الشجرة بشجرة المحبة المورقة بأنواع المحنة أي لا تقرباها فتظلما أنفسكما لما فيها من احتراق أنانية المحب وفناء هويته في هوية المحبوب ثم قال : إن هذه الشجرة غرسها الرحمن بيده لآدم عليه السلام كما خمر طينته بيده لها
فلم تك تصلح إلا له \*\*\* ولم يك يصلح إلا لها
وأن المنع كان تحريضاً على تناولها فالمرء حريص على ما منع، واختار هذا النيسابوري وتكلف في باقي الآية ما تكلف فإن أردته فارجع إليه

### الآية 7:20

> ﻿فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِنْ سَوْآتِهِمَا وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَٰذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ [7:20]

فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشيطان  أي فعل الوسوسة لأجلهما أو ألقى إليهما الوسوسة وهي في الأصل الصوت الخفي المكرر، ومنه قيل لصوت الحلي وسوسة، وقد كثرت فعللة في الأصوات كهينمة وهمهمة وخشخشة، وتطلق على حديث النفس أيضاً وفعلها وسوس وهو لازم ويقال : رجل موسوس بكسر الواو لا تفتح على ما قاله ابن الأعرابي. وقال غيره : يقال موسوس بالفتح وموسوس إليه فيكون الأول على الحذف والإيصال. والكلام في كيفية وسوسة اللعين قد تقدمت الإشارة إليه في سورة البقرة. 
 لِيُبْدِيَ لَهُمَا  أي ليظهر لهما، واللام إما للعاقبة لأن الشيطان لم يقصد بوسوسته ذلك ولم يخطر له ببال وإنما ءال الأمر إليه، وإما للتعليل على ما هو الأصل فيها، ولا يبعد أنه أراد بوسوسته أن يسوءهما انكشاف عورتيهما ولذلك عبر عنهما بالسوأة، ويكون هذا مبنياً على الحدس أو العلم بالسماع من الملائكة أو الاطلاع على اللوح. قيل : وفي ذلك دليل على أن كشف العورة في الخلوة وعند الزوج من غير حاجة قبيح مستهجن في الطباع. 
 مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِن سَوْءتِهِمَا  أي ما غطي وستر عنهما من عوراتهما وكانا لا يريانها من أنفسهما ولا أحدهما من الآخر وكانت مستورة بالنور على ما أخرجه الحكيم الترمذي وغيره عن وهب بن منبه أو بلباس كالظفر على ما أخرجه ابن أبي حاتم عن السدي، وجمع السوآت على حد  صَغَتْ قُلُوبُكُمَا  \[ التحريم : ٤ \] واعتبار الأجزاء بعيد، والمتبادر من هذا الكلام حقيقته، وقيل هو كناية عن إزالة الحرمة وإسقاط الجاه، و  وُورِيَ  بواوين ماضي وارى كضارب وضورب أبدلت ألفه واواً فالواو الأولى فاء الكلمة والثانية زائدة. وقرأ عبد الله  \*أوري  بالهمزة لأن القاعدة إذا اجتمع واوان في أول كلمة فإن تحركت الثانية أو كان لها نظير متحرك وجب إبدال الأولى همزة تخفيفاً مثال الأول أو يصل وأواصل في تصغير واصل وتصغيره ومثال الثاني أولى أصله وولى فأبدلت الأولى لما تحركت الثانية في الجمع وهو أول فإن لم يتحرك بالفعل أو القوة جاز الإبدال وعدمه كما هنا قاله الشهاب نقلاً عن النحاة. وقرىء  \*سوأتهما  بالإفراد والهمزة على الأصل و  \*سوتهما  بإبدال الهمزة واواً وإدغام الواو في الواو، وقرىء  \*سواتهما  بالجمع وطرح حركة الهمزة على ما قبلها وحذفها و  \*سواتهما  بالطرح وقلب الهمزة واواً والإدغام. 
 أَبَوَيْهِ وَقَالَ  عطف على ( وسوس ) بطريق البيان  مَا نهاكما رَبُّكُمَا عَنْ هذه الشجرة  أي الأكل منها  إِلا أَن تَكُونَا مَلَكَيْنِ  استثناء مفرغ من المفعول لأجله بتقدير مضاف أو حذف حرف النفي ليكون علة أي كراهية أن تكونا أو لئلا تكونا ملكين  أَوْ تَكُونَا مِنَ الخالدين  أي الذين لا يموتون أصلاً أو الذين يخلدون في الجنة. 
وقرأ ابن عباس ويحيى بن كثير  مَلَكَيْنِ  بكسر اللام. قال الزجاج : ويشهد لهذه القراءة قوله تعالى حكاية عن اللعين  هَلْ أَدُلُّكَ على شَجَرَةِ الخلد وَمُلْكٍ لاَّ يبلى  \[ طه : ١٢٠ \]. 
استدل بالآية على أفضلية الملائكة حيث إن اللعين قال ذلك ولم ينكر عليه، وارتكب آدم عليه السلام المنهي عنه طمعاً فيما أشار إليه الشيطان من الصيرورة ملكاً فلولا أنه أفضل لم يرتكبه، وأجيب بأن رغبتهما إنما كانت في أن يحصل لهما أوصاف الملائكة من الكمالات الفطرية والاستغناء عن الأطعمة والأشربة ونحو ذلك ونحن لا نمنع أفضلية الملائكة من هذه الأوجه وإنما نمنع أفضليتهم من كل الوجوه والآية لا تدل عليه، وأيضاً قد يقال : إن رغبتهما كانت في الخلود فقط وفي آية طه ( ١٢٠ ) ما يشير إليه حيث عقب فيها الترغيب في الخلود بالأكل، واعترض بأن رغبتهما في الخلود تستلزم الكفر لما يلزم ذلك من إنكار البعث والقيامة، ومن ثم قال الحسن لعمرو بن عبيد لما قال له : إن آدم وحواء هل صدقا قول الشيطان : معاذ الله تعالى لو صدقا لكانا من الكافرين، وأجيب بأن المراد من الخلود طول المكث والتصديق به ليس بكفر ولو سلم أن المراد الدوام الأبدي فلا نسلم أن اعتقاد ذلك إذ ذاك كفر لأن العلم بالموت والبعث بعده يتوقف على الدليل السمعي ولعله لم يصل إليهما وقتئذ. وادعى بعضهم أن المراد بالخلود العارض بعد الموت بدخول الجنة وحينئذ لا إشكال إلا أنه خلاف الظاهر. وعن السيد المرتضى في معنى الآية أنه قال : إن اللعين أوهمهما أن المنهي عن تناول الشجرة الملائكة والخالدون خاصة دونهما كما يقول أحدنا لغيره : ما نهيت عن كذا إلا أن تكون فلانا يريد أن المنهي هو فلان دونك، وهو كما ترى. 
( ومن باب الإشارة ) : فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشيطان لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِن  أي ليظهر لهما بالميل إلى شجرة الطبيعة ما حجب عنهما عند التجرد من الأمور الرذيلة التي هي عورات عند العقل  سَوْءتِهِمَا وَقَالَ مَا نهاكما رَبُّكُمَا عَنْ هذه الشجرة إِلا أَن تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الخالدين  \[ الأعراف : ٢٠ \] أوهمهما أن في الاتصاف بالطبيعة الجسمانية لذاتاً ملكية وخلوداً فيها أو ملكاً ورياسة على القوى بغير زوال إن قرىء  مَلَكَيْنِ  بكسر اللام.

### الآية 7:21

> ﻿وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ [7:21]

أقسم لهما، وإنما عبر بصيغة المفاعلة للمبالغة لأن من يباري أحداً في فعل يجد فيه فاستعمل في لازمه، وقيل : المفاعلة على بابها، والقسم وقع من الجانبين لكنه اختلف متعلقه فهو أقسم لهما على النصح وهما أقسما له على القبول. وتعقب بأن هذا إنما يتم لو جرد المقاسمة عن ذكر المقسم عليه وهو النصيحة، أما حيث ذكر فلا يتم إلا أن يقال : سمى قبول النصيحة نصيحة للمشاكلة والمقابلة كما قيل في قوله تعالى : وواعدنا موسى  \[ الأعراف : ١٤٢ \] أنه سمى التزام موسى عليه السلام الوفاء والحضور للميعاد ميعاداً فأسند التعبير بالمفاعلة، وقيل : قالا له أتقسم بالله تعالى إنك لمن الناصحين ؟ وأقسم لهما فجعل ذلك مقاسمة. وعلى هذا فيكون كما قال ابن المنير **«في الكلام لف لأن آدم وحواء عليهما السلام لا يقسمان ( له ) بلفظ التكلم بل بلفظ الخطاب »**، وقيل : إنه إلى التغليب أقرب، وقيل : إنه لا حاجة إليه بأن يكون المعنى حلفا عليه بأن يقول لهما : إني لكما لمن الناصحين.

### الآية 7:22

> ﻿فَدَلَّاهُمَا بِغُرُورٍ ۚ فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ ۖ وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُلْ لَكُمَا إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُبِينٌ [7:22]

فدلاهما  أي حطهما عن درجتهما وأنزلهما عن رتبة الطاعة إلى رتبة المعصية فهو من دلى الدلو في البئر كما قاله أبو عبيدة وغيره. وعن الأزهري أن معناه أطمعهما. وأصله من تدلية العطشان شيئاً في البئر فلا يجد ما يشفي غليله. وقيل : هو من الدالة وهي الجرأة في فجرأهما كما قال
: أظن الحلم دل على قومي  وقد يستجهل الرجل الحليمفأبدل أحد حرفي التضعيف ياء  بِغُرُورٍ  أي بما غرهما به من القسم أو متلبسين به، فالباء للمصاحبة أو الملابسة. والجار والمجرور حال من الفاعل أو المفعول. وجعل بعضهم الغرور مجازاً عن القسم لأنه سبب له ولا حاجة إليه، وسبب غرورهما على ما قاله غير واحد أنهما طنا أن أحداً لا يقسم بالله تعالى كاذباً ورووا في ذلك خبراً. وظاهر هذا أنهما صدقا ما قاله فأقدما على ما نهيا عنه. وذهب كثير من الحققين أن التصديق لم يوجد منهما لا قطعا ولا ظناً، وإنما أقدما على المنهي عنه لغلبة الشهوة كما نجد من أنفسنا أن نقدم على الفعل إذا زين لنا الغير ما نشتهيه وإن لم نعتقد أن الأمر كما قال. ولعل كلام اللعين على هذا من قبيل المقدمات الشعرية أثار الشهوة حتى غلبت ونسي معها النهي فوقع الإقدام من غير روية، وقال القطب : يمكن أن يقال إن اللعين لما وسوس لهما بقوله : مَا نهاكما  \[ الأعراف : ٢٠ \] الخ فلم يقبلا منه عدل إلى اليمين على ما قال سبحانه : وَقَاسَمَهُمَا  \[ الأعراف : ٢١ \] فلم يصدقاه أيضاً فعدل بعد ذلك إلى شيء آخر وكانه أشار إليه سبحانه بقوله تعالى : فدلاهما بِغُرُورٍ  وهو أنه شغلهما باستيفاء اللذات حتى صارا مستغرقين بها فنسي النهي كما يشير إليه قوله / تعالى : فَنَسِىَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً  \[ طه : ١١٥ \] وجعل العتاب الآتي على ترك التحفظ فتدبر. 
 فَلَمَّا ذَاقَا الشجرة  أي أكلا منها أكلاً يسيراً  بَدَتْ لَهُمَا سَوْءتُهُمَا  قال الكلبي : تهافت عنهما لباسهما فأبصر كل منهما عورة صاحبه فاستحيا  \*وَطفقَا  أخذا وجعلا فهو من أفعال الشروع وكسر الفاء فيه أفصح من فتحها وبه قرأ أبو السمال  وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ  أي يرقعان ويلزقان ورقة فوق ورقة، وأصل معنى الخصف الخرز في طاقات النعال ونحوها بءلصاق بعضها ببعض. وقيل أصله الضم والجمع  عَلَيْهِمَا  أي على سوآتهما أو على بدنهما ففي الكلام مضاف مقدر. وقيل : الضمير عائد على  سَوْءتِهِمَا . 
 مِن وَرَقِ الجنة  وكان ذلك بعض ورق التين على ما روي عن قتادة. وقيل : الموز. وقرأ الزهري  يَخْصِفَانِ  من أخصف، وأصله خصف إلا أنه كما قال الجاربردي نقل إلى أخصف للتعدية، وضمن الفعل لذلك معنى التصيير فصار الفاعل في المعنى مفعولاً للتصيير ( على أصل ) الفعل فيكون التقدير يخصفان أنفسهما أي يجعلان أنفسهما خاصفين عليهما من ورق الجنة فحذف مفعول التصير. 
وجوز بعضهم كون خصف وأخصف بمعنى. وقرأ الحسن  يَخْصِفَانِ  بفتح الياء وكسر الخاء وتشديد الصاد من ازفتعال، وأصله يختصفان سكنت التاء وأدغمت ثم كسرت الخاء لالتقاء الساكنين. وقرأ يعقوب بفتحها. وقرىء  يَخْصِفَانِ  من خصف المشدد بفتح الخاء وقد ضمت اتباعاً للياء وهي قراءة عسرة النطق. 
 وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا  بطريق العتاب والتوبيخ  أَلَمْ أَنْهَكُمَا  تفسير للنداء فلا محل له من الإعراب أو معمول لقول محذوف أي وقال أو قائلاً : ألم أنهكما  عَن تِلْكُمَا الشجرة  إشارة إلى الشجرة التي نهيا عن قربانها. والتثنية لتثنية المخاطب.  وَأَقُل لَّكُمَا  عطف على  أَنْهَكُمَا  أي ألم أقل لكما  إِنَّ الشيطان لَكُمَا عَدُوٌّ مُّبِينٌ  أي ظاهر العداوة، وهذا على ما قيل : عتاب وتوبيخ على الإغترار بقول العدو كما أن الأول عتاب على مخالفة النهي. ولم يحك هذا القول ههنا، وقد حكي في سورة طه ( ١١٧ ) بقوله سبحانه : إِنَّ هذا عَدُوٌّ لَّكَ وَلِزَوْجِكَ  الآية و  لَّكُمَا  متعلق بعدو لما فيه من معنى الفعل أو بمحذوف وقع حالا منه. 
واستدل بعضهم بالآية على أن مطلق النهي للتحريم لما فيها من اللوم الشديد مع الندم والاستغفار المفهوم مما يأتي. والأكثرون على أن النهي هنا للتنزيه وندمهما واستغفارهما على ترك الأولى وهو في نظرهما عظيم وقد يلام عليه أشد اللوم إذا كان فاعله من المقربين. 
( ومن باب الإشارة ) : فدلاهما  فنزلهما من غرف القدس إلى التعلق بها والركون إليها  بِغُرُورٍ  بما غرهما من كأس القسم المترعة من حميا ذكر الحبيب  فَلَمَّا ذَاقَا الشجرة بَدَتْ لَهُمَا  والقليل منها بالنسبة إليهما كثير  سَوْءتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ الجنة  أي يكتمان هاتيك السوآت والفواحش الطبيعية بالآداب الحسنة والعادات الجميلة التي هي من تفاريع الآراء العقلية ومستنبطات القوة العاقلة العلمية ويخفيانها بالحيل العملية  وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا  بما أودعت في عقولكما من الميل إلى التجرد وإدراك المعقولات  عَن تِلْكُمَا الشجرة وَأَقُل لَّكُمَا إِنَّ الشيطان لَكُمَا عَدُوٌّ مُّبِينٌ  \[ الأعراف : ٢٢ \] وذلك القول بما ألهم العقل من منافاة أحكام الوهم ومضادة مدركاته والوقوف على مخالفاته ومكابراته إياه

### الآية 7:23

> ﻿قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ [7:23]

قَالاَ رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا  أي ضررناها بالمعصية، وقيل : نقصناها حظها بالتعرض للإخراج من الجنة، وحذفا حرف النداء مبالغة في التعظيم لما أن فيه طرفاً من معنى الأمر.  وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا  ذلك بعدم العقاب عليه  وَتَرْحَمْنَا  بالرضا علينا، وقيل : المراد وإن لم تستر علينا بالحفظ عما يتسبب نقصان الحظ وترحمنا بالتفضل علينا بما يكون عوضاً عما فاتنا  لَنَكُونَنَّ مِنَ الخاسرين  جواب قسم مقدر دل على جواب الشرط السابق على ما قيل. واستدل بالآية على أن الصغائر يعاقب عليها مع اجتناب الكبائر إن لم يغفر الله تعالى. وذهبت المعتزلة إلى أن اجتناب الكبائر يوجب تكفير الصغائر وإن لم يتب العبد منها، وجعلوا لذلك ما ذكر هنا جاريا على عادة الأولياء والصالحين في تعظيمهم الصغير من السيآت وتصغيرهم العظيم من الحسنات فلا ينافي كونهما مغفوراً لهما، والكثير من أهل السنة جعلوه من باب هضم النفس بناء على أن ما وقع كان عن نسيان ولا كبيرة ولا صغيرة معه. وادعى الإمام أن ذلك الإقدام كان صغيرة، وكان قبل نبوة آدم عليه السلام إذ لا يجوز على الأنبياء عليهم السلام بعد النبوة كبيرة ولا صغيرة، والكلام في هذه المسئلة مشهور. 
( ومن باب الإشارة ) : قَالاَ رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا  بالميل إلى جهة الطبيعة وانطفاء نورها وانكسار قوتها  وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا  بإلباسنا الأنوار الروحانية وإفاضتها علينا  وَتَرْحَمْنَا  بإفاضة المعارف الحقيقية
 لَنَكُونَنَّ مِنَ الخاسرين  \[ الأعراف : ٢٣ \] الذين أتلفوا الاستعداد الذي هو مادة السعادة وحرموا عن الكمال التجردي بملازمة النقص الطبيعي

### الآية 7:24

> ﻿قَالَ اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ ۖ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَىٰ حِينٍ [7:24]

قَالَ  استئناف كما مر مراراً  اهبطوا  المأثور عن كثير من السلف أنه خطاب لآدم وحواء عليهما السلام وإبليس عليه اللعنة، وكرر الأمر له تبعاً لهما إشارة إلى عدم انفكاكه عن جنسهما في الدنيا أو أن الأمر وقع مفرقاً وهذا نقل له بالمعنى وإجمال له كما في قوله تعالى : وَمَعِينٍ يأَيُّهَا الرسل كُلُواْ مِنَ الطيبات  \[ المؤمنون : ٥١ \] وقيل : إن الأمر بالنسبة إلى اللعين غير ما تقدم فإنه أمر له بالهبوط من حيث وسوس. واختار الفراء كونه خطاباً لهما ولذريتهما وفيه خطاب المعدوم، وقيل : إنه لهما فقط لقوله سبحانه : قَالَ اهبطا مِنْهَا جَمِيعاً  \[ طه : ١٢٣ \] والقصة واحدة، وضمير الجمع لكونهما أصل البشر فكأنهم هم. ومن الناس من قال : إن مختار الفراء هو هذا، وقيل : إنه لهما ولابليس والحية. واعترض وأجيب بما مر في سورة البقرة، والظاهر من النظم الكريم أن آدم عليه السلام عاجله ربه سبحانه بالعتاب والتوبيخ على فعله ولم يتخلل هناك شيء، ونقل الأجهوري عن حجة الإسلام الغزالي أنه عليه السلام لما أكل من الشجرة تحركت معدته لخروج الفضلة ولم يكن ذلك مجعولاً في الجنة في شيء من أطعمتها إلا في تلك الشجرة فلذلك نهي عن أكلها فجعل يدور في الجنة فأمر الله تعالى ملكاً يخاطبه فقال له : أي شيء تريد يا آدم ؟ قال : أريد أن أضع ما في بطني من الأذى فقال له : في أي مكان تضعه أعلى الفرش أم على السرر أم في الأنهار أم تحت ظلال الأشجار هل ترى ههنا مكاناً يصلح لذلك ؟ ثم أمره بالهبوط وأنا لا أرى لهذا الخبر صحة، ومثله ما روي عن محمد بن قيس قال : إنه عليه السلام لما أكل من الشجرة ناداه ربه يا آدم لم أكلت منها وقد نهيتك ؟ قال : أطعمتني حواء فقال سبحانه : يا حواء لم أطعمتيه ؟ قالت أمرتني الحية فقال للحية : لم أمرتها ؟ قالت : أمرني إبليس فقال الله تعالى : أما أنت يا حواء فلأُدْمِينَّك كل شهر كما أدميت الشجرة. وأما أنت يا حية فأقطع رجليك فتمشين على وجهك وسيشدخ وجهك كل من لقيك. وأما أنت يا إبليس فملعون. 
 بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ  في موضع الحال من فاعل  اهبطوا  وهي حال مقارنة أو مقدرة، واختار بعض المعربين كون الجملة استئنافية كأنهم لما أمروا بالهبوط سألوا كيف يكون حالنا ؟ فأجيبوا بأن بعضكم لبعض عدو، وأمر العداوة على تقدير دخول الشيطان في الخطاب ظاهر، وأما على تقدير التخصيص بآدم وحواء عليهما السلام فقد قيل : إنه باعتبار أن يراد بهما ذريتهما إما بالتجوز كإطلاق تميم على أولاده كلهم أو يكتفي بذكرهما عنهم، واختار بعضهم كون العداوة هنا بمعنى الظلم أي : يظلم بعضكم بعضاً بسبب تضليل الشيطان فليفهم. 
 وَلَكُمْ فِى الارض مُسْتَقَرٌّ  أي استقرار أو موضع استقرار فهو إما مصدر ميمي أو اسم مكان. وجوز أن يكون اسم مفعول بمعنى ما استقر ملككم عليه وجاز تصرفكم فيه. ولا يخفى أنه خلاف الظاهر ومحتاج إلى الحذف والإيصال، واللفظ في نفسه يحتمل أن يكون اسم زمان إلا أنه غير محتمل هنا لأنه يتكرر مع قوله سبحانه : ومتاع  أي بلغة  إلى حِينٍ  يريد به وقت الموت، وقيل : القيامة وتجعل السكنى في القبر تمتعاً في الأرض أو يقال : معنى  لَكُمْ  لجنسكم ولمجموعكم، والظرف قيل : متعلق بمتاع أو به وبمستقر على التنازع إن كان مصدراً. وقيل : إنه متعلق بمحذوف وقع صفة لمتاع. 
( ومن باب الإشارة ) : قَالَ اهبطوا  إلى الجهة السفلى التي هي العالم الجسماني  بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ  \[ الأعراف : ٢٤ \] لأن مطالب الجهة السفلية جزئية لا تحتمل الشركة فكلما حظي بها أحد حرم منها غيره فيقع بينهما العداوة والبغضاء بخلاف المطالب الكلية. وجمع الخطاب لأنه في قوة خطاب النوع

### الآية 7:25

> ﻿قَالَ فِيهَا تَحْيَوْنَ وَفِيهَا تَمُوتُونَ وَمِنْهَا تُخْرَجُونَ [7:25]

قَالَ  أعيد للاستئناف إما للإيذان بعدم اتصال ما بعده بما قبله، وإما لإظهار العناية بما بعده وهو قوله سبحانه : فِيهَا تَحْيَوْنَ وَفِيهَا تَمُوتُونَ وَمِنْهَا تُخْرَجُونَ  عند البعث يوم القيامة. وقرأ أهل الكوفة غير عاصم  تُخْرَجُونَ  بفتح التاء وضم الراء على البناء للفاعل.

### الآية 7:26

> ﻿يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا ۖ وَلِبَاسُ التَّقْوَىٰ ذَٰلِكَ خَيْرٌ ۚ ذَٰلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ [7:26]

تَتَّقُونَ وَإِذْ أَخَذَ  خطاب للناس كافة. واستدل به على دخول أولاد الأولاد في الوقف على الأولاد. ولا يخفى سر هذا العنوان في هذا المقام.  قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا  أي خلقنا لكم ذلك بأسباب نازلة من السماء كالمطر الذي ينبت به القطن الذي يجعل لباساً قاله الحسن، وعن أبي مسلم أن المعنى أعطيناكم ذلك ووهبناه لكم وكل ما أعطاه الله تعالى لعبده فقد أنزله عليه من غير أن يكون هناك علو أو سفل بل هو جار مجرى التعظيم كما تقول : رفعت حاجتي إلى فلان وقصتي إلى الأمير وليس هناك نقل من سفل إلى علو، وقيل : المراد قضينا لكم ذلك وقسمناه، وقضاياه تعالى وقسمه توصف بالنزول من السماء حيث كتب في اللوح المحفوظ. وعلى كل فالكلام لا يخلو عن مجاز. ويحتمل أن يكون في المسند وهو الظاهر. ويحتمل أن يكون في اللباس أو الإسناد. 
وقوله سبحانه : يوارى  أي يستر ترشيح على بعض الاحتمالات. وعن الجبائي أن الكلام على حقيقته مدعياً نزول ذلك مع آدم وحواء من الجنة حين أمرا بالهبوط إلى الأرض ولم نقف في ذلك على خبر كسته الصحة لباساً، نعم أخرج ابن عساكر بسند ضعيف عن أنس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" أهبط آدم وحواء عليهما السلام عريانين جميعاً عليهما ورق الجنة فأصاب آدم الحر حتى قعد يبكي ويقول لها : يا حواء قد آذاني الحر فجاءه جبريل عليه السلام بقطن وأمرها أن تغزله وعلمها وعلم آدم وأمره بالحياكة وعلمه " وجاء في خبر آخر أنه عليه السلام أهبط ومعه البذور فوضع إبليس عليها يده فما أصاب يده ذهب منفعته. وفي آخر رواه ابن المنذر عن ابن جريج أنه عليه السلام أهبط معه ثمانية أزواج من الإبل والبقر والضأن والمعز وباسنة والعلاة والكلبتان وغريسة عنب وريحان. وكل ذلك على ما فيه لا يدل على المدعى وإن صلح بعض ما فيه لأن يكون مبدأ لما يوارى. 
 سَوْءتِكُمْ  أي التي قصد إبليس عليه اللعنة إبداءها من أبويكم حتى اضطرا إلى خصف الأوراق وأنتم مستغنون عن ذلك. روى غير واحد أن العرب كانوا يطوفون بالبيت عرايا ويقولون : لا نطوف بثياب عصينا الله تعالى فيها فنزلت هذه الآية، وقيل : إنهم كانوا يطوفون كذلك تفاؤلاً بالتعري عن الذنوب والآثام، ولعل ذكر قصة آدم عليه السلام حينئذٍ للإيذان بأن انكشاف العورة أول سوء أصاب الإنسان من قبل الشيطان وأنه أغواهم في ذلك كما فعل بأبويهم. وفي **«الكشاف »** «أن هذه الآية واردة على سبيل الاستطراد عقيب ذكر بدّو السوءات وخصف الورق عليها إظهاراً للمنة فيما خلق من اللباس ولما في العري وكشف العورة من المهانة والفضيحة وإشعاراً بأن التستر باب عظيم من أبواب التقوى٢. 
 وَرِيشًا  أي زينة أخذا من ريش الطير لأنه زينة له. وعطفه على هذا من عطف الصفات فيكون اللباس موصوفاً بشيئين مواراة السوأة والزينة. ويحتمل أن يكون من عطف الشيء على غيره أي أنزلنا لباسين لباس مواراة ولباس زينة فيكون مما حذف فيه الموصوف أي لباساً ريشاً أي ذا ريش. وتفسير الريش بالزينة مروي عن ابن زيد. وذكر بعض المحققين أنه مشترك بين الاسم والمصدر، وعن ابن عباس ومجاهد والسدي أن المراد به المال ومنه تريش الرجل أي تمول، وعن الأخفش أنه الخصب والمعاش، وقال الطبرسي : إنه جمع ما يحتاج إليه. وقرأ عثمان رضي الله تعالى عنه  \*ورياشاً  وهو إما مصدر كاللباس أو جمع ريش كشعب وشعاب. 
 وَرِيشًا وَلِبَاسُ التقوى  أي العمل الصالح كما روي عن ابن عباس أو خشية الله تعالى كما روي عن عروة بن الزبير أو الحياء كما روي عن الحسن أو الإيمان كما روي عن قتادة والسدي أو ما يستر العورة وهو اللباس الأول كما روي عن ابن زيد أو لباس الحرب الدرع والمغفر والآلات التي يتقى بها من العدو كما روي عن زيد بن علي بن الحسين رضي الله تعالى عنهم، واختاره أبو مسلم أو ثياب النسك والتواضع كلباس الصوف والخشن من الثياب كما اختاره الجبائي، فاللفظ إما مشاكلة وإما مجاز وإما حقيقة، ورفعه بالابتداء وخبره جملة  ذلك خَيْرٌ  والرابط اسم الإشارة لأنه يكون رابطاً كالضمير. وجوز أن يكون الخبر  خَيْرٌ  و  ذلك  صفة لباس، وإليه ذهب الزجاج وابن الأنباري وغيرهما. واعترض بأن الأسماء المبهمة أعرف من المعرف باللام ومما أضيف إليه والنعت لا بد أن يساوي المنعوت في رتبة التعريف أو يكون أقل منه. ولا يجوز أن يكون أعرف منه فلذا قيل. إن  ذلك  بدل أو بيان لا نعت. وأجيب بأن ذلك غير متفق عليه فإن تعريف اسم الإشارة لكونه بالإشارة الحسية الخارجة عن الوضع قيل : إنه أنقص من ذي اللام، وقيل : إنهما في مرتبة واحدة، وعن أبي علي وهو غريب أن ذلك لا محل له من الإعراب وهو فصل كالضمير. وقرىء  وَلِبَاسُ التقوى  بالنصب عطفاً على  لِبَاساً  قال بعض المحققين : وحينئذٍ يكون اللباس المنزل ثلاثة أو يفسر  لِبَاسَ \* التقوى  بلباس الحرب أو يجعل الإنزال مشاكلة، وذكر على القراءة المشهورة أن  ذلك  إن كان إشارة للباس المواري فلباس التقوى حقيقة والإضافة لأدنى ملابسة، وإن كان للباس التقوى فهو استعارة مكنية تخييلية أو من قبيل لجين الماء وعلى كل تكون الإشارة بالبعيد للتعظيم بتنزيل البعد الرتبي منزلة البعد الحسي فتأمل ولا تغفل.  ذلك  أي إنزال اللباس المتقدم كله أو الأخير  مِنْ آيات الله  الدالة على عظيم فضله وعميم رحمته  لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ  فيعرفون نعمته أو يتعظون فيتورعون عن القبائح. 
( ومن باب الإشارة ) : يا بني آدَمَ قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا  وهو لباس الشريعة  يوارى  يستر قبائح أوصافكم وفواحش أفعالكم بشعاره ودثاره  سَوْءتِكُمْ وَرِيشًا  زينة وجمالاً في الظاهر والباطن تمتازون به عن سائر الحيوانات  وَلِبَاسُ التقوى  أي صفة الورع والحذر من صفات النفس  ذلك خَيْرٌ  من سائر أركان الشرائع والحمية رأس الدواء. ويقال : لباس التقوى هو لباس القلب والروح والسر والخفي ولباس الأول : منها الصدق في طلب المولى ويتوارى به سوأة الطمع في الدنيا وما فيها. ولباس الثاني : محبة ذي المجد الأسنى ويتوارى به سوأة التعلق بالسوي. ولباس الثالث : رؤية العلي الأعلى ويتوارى به سوأة رؤية غيره في الأولى والأخرى. ولباس الرابع : البقاء بهوية ذي القدس الأسنى ويتوارى به سوأة هوية ما في السموات وما في الأرض وما تحت الثرى قيل : وهذا إشارة إلى الحقيقة، وربما يقال : اللباس المواري للسوآت إشارة إلى الشريعة والريش إشارة إلى الطريقة لما أن مدارها على حسن الأخلاق وبذلك يتزين الإنسان ولباس التقوى إشارة إلى الحقيقة لما فيها من ترك السوي وهو أكمل أنواع التقوى  ذلك  أي لباس التقوى  مِنْ آيات الله  أي من أنوار صفاته سبحانه إذ التوقي من صفات النفس لا يتيسر إلا بظهور تجليات صفات الحق أو إنزال الشريعة والحقيقة مما يدل على الله سبحانه وتعالى  لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ ( [(١)](#foonote-١) ) \[ الأعراف : ٢٦ \] عند ظهور تلك الأنوار لباسكم الأصلي النوري أو تذكرون معرفتكم له عند أخذ العهد فتتمسكون بأذيالها اليوم
١ - قوله لعلكم تذكرون كذا بخطه والتلاوة لعلهم يذكرون اهـ..

### الآية 7:27

> ﻿يَا بَنِي آدَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآتِهِمَا ۗ إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ ۗ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ [7:27]

يابنى آدَمَ  تكرير النداء للإيذان بكمال الاعتناء بمضمون ما صدر به  لاَ يَفْتِنَنَّكُمُ الشيطان  أي لا يوقعنكم في الفتنة والمحنة بأن يوسوس لكم بما يمنعكم به عن دخول الجنة فتطيعوه وقرىء  يَفْتِنَنَّكُمُ  بضم حرف المضارعة من أفتنه حمله على الفتنة، وقرىء  يَفْتِنَكُمُ  بغير توكيد، وهذا نهي للشيطان في الصورة والمراد نهي المخاطبين عن متابعته وفعل ما يقود إلى الفتنة  كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُم مّنَ الجنة  أي كما فتن أبويكم ومحنهما بأن أخرجهما منها فوضع السبب موضع المسبب، وجوز أن يكون التقدير لا يفتننكم فتنة مثل فتنة إخراج أبويكم أو لا يخرجنكم بفتنته إخراجاً مثل إخراجه أبويكم، ونسبة الإخراج إليه لأنه كان بسبب إغوائه، وكذا نسبة النزع إليه في قوله سبحانه : يَنزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْءتِهِمَا  والجملة حال من  أَبَوَيْكُم  أو من فاعل  أَخْرَجَ  ولفظ المضارع على ما قاله القطب لحكاية الحال الماضية لأن النزع السلب وهو ماض بالنسبة إلى الإخراج وإن كان العري باقياً. 
وقوله جل شأنه : إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لاَ تَرَوْنَهُمْ  تعليل للنهي كما هو معروف في الجملة المصدرة بإن في أمثاله وتأكيد للتحذير لأن العدو إذا أتى من حيث لا يرى كان أشد وأخوف، والضمير في  أَنَّهُ  للشيطان. وجوز أن يكون للشأن وهو تأكيد للضمير المستتر في  يَرَاكُمْ  وقبيله عطف عليه لا على البارز لأنه لا يصلح للتأكيد. وجوز أن يكون مبتدأ محذوف الخبر و  مِنْ  لابتداء الغاية و  حَيْثُ  ظرف لمكان انتفاء الرؤية وجملة  لاَ تَرَوْنَهُمْ  في محل جر بالإضافة، وعن أبي إسحاق أن  حَيْثُ  موصولة وما بعد صلة لها. ولعل مراده أن ذلك كالموصول وإلا فلا قائل به غيره كما قال أبو علي الفارسي. والقبيل الجماعة فإن كانوا من أب واحد فهم قبيلة. والمراد بهم هنا جنوده من الجن. وقرأ اليزبدي  وَقَبِيلُهُ  بالنصب وهو عطف على اسم إن. ويتعين كون الضمير للشيطان ولا يصح كونه للشأن خلافاً لمن وهم فيه لأنه لا يصلح العطف عليه ولا يتبع بتابع. 
والقضية مطلقة لا دائمة فلا تدل على ما ذهب إليه المعتزلة من أن الجن لا يرون ولا يظهرون للإنس ولا يتمثلون. ويشهد لما قلنا ما صح من رؤية النبي صلى الله عليه وسلم لمقدمهم حين رام أن يشغله عليه الصلاة والسلام عن صلاته فأمكنه الله تعالى منه وأراد أن يربطه إلى سارية من سواري المسجد يلعب به صبيان المدينة فذكر دعوة سليمان عليه السلام فتركه. ورؤية ابن مسعود لجن نصيبين. وما نقل عن الشافعي رضي الله تعالى عنه من أن من زعم أنه رآهم ردت شهادته وعزر لمخالفته القرآن محمول كما قال البعض على زاعم رؤية صورهم التي خلقوا عليها إذ رؤيتهم بعد التشكل الذي أقدرهم الله تعالى عليه مذهب أهل السنة وهو رضي الله تعالى عنه من ساداتهم. 
وما نوزع به القول بقدرتهم على التشكل من استلزامه رفع الثقة بشيء فإن من رأى ولو ولده يحتمل أنه رأى جنياً تشكل به مردود بأن الله تعالى تكفل لهذه الأمة بعصمتها عن أن يقع فيها ما يؤدي لمثل ذلك المترتب عليه الريبة في الدين ورفع الثقة بعالم وغيره فاستحال شرعاً الاستلزام المذكور. وقول العلامة البيضاوي بعد تعريف الجن في سورتهم بما عرف. وفيه دليل على أنه صلى الله عليه وسلم ما رآهم ولم يقرأ عليهم وإنما اتفق حضورهم في بعض أوقات قراءته فسمعوها فأخبر الله تعالى بذلك ناشىء من عدم الاطلاع على الأحاديث الصحيحة الكثيرة المصرحة برؤيته صلى الله عليه وسلم لهم وقراءته عليهم وسؤالهم منه الزاد لهم ولدوابهم على كيفيات مختلفة. وعندي أنه لا مانع من رؤيته صلى الله عليه وسلم للجن على صورهم التي خلقوا عليها فقد رأى جبريل عليه السلام بصورته الأصلية مرتين وليست رؤيتهم بأبعد من رؤيته. ورؤية كل موجود عندنا في حيز الإمكان واللطافة المانعة من رؤيتهم عند المعتزلة لا توجب الاستحالة ولا تمنع الوقوع خرقاً للعادة. وكذا تعليل الأشاعرة عدم الرؤية بأن الله تعالى لم يخلق في عيون الإنس قوة الإدراك لا يقتضي الاستحالة أيضاً لجواز أن يخلق الله تعالى في عين رسوله عليه الصلاة والسلام الرائي له جل شأنه بعيني رأسه على الأصح ليلة المعراج تلك القوة فيراهم. بل لا يبعد القول برؤية الأولياء رضي الله تعالى عنهم لهم كذلك لكن لم أجد صريحاً ما يدل على وقوع هذه الرؤية. وأما رؤية الأولياء بل سائر الناس لهم متشكلين فكتب القوم مشحونة بها ودفاتر المؤرخين والقصاص ملأى منها. وعلى هذا لا يفسق مدعي رؤيتهم في صورهم الأصلية إذا كان مظنة للكرامة، وليس في الآية أكثر من نفي رؤيتهم كذلك بحسب العادة. على أنه يمكن أن تكون الآية خارجة مخرج التمثيل لدقيق مكرهم وخفي حيلهم وليس المقصود منها نفي الرؤية حقيقة. ومن هذا يعلم أن القول بكفر مدعي تلك الرؤية خارج عن الإنصاف فتدبر. 
 إِنَّا جَعَلْنَا الشياطين أَوْلِيَاء لِلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ  أي قرناء لهم مسلطين عليهم متمكنين من إغوائهم بما أوجدنا بينهم من المناسبة أو بإرسالهم عليهم وتمكينهم منهم، والجملة إما تعليل آخر للنهي وتأكيد للتحذير إثر تأكيد وإما فذلكة لحكاية السابقة. 
( ومن باب الإشارة ) : يابنى آدَمَ لاَ يَفْتِنَنَّكُمُ الشيطان  بنزع لباس الشريعة والتقوى فتحرموا من دخول الجنة  كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُم مّنَ الجنة يَنزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا  الفطري النوري  إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لاَ تَرَوْنَهُمْ  \[ الأعراف : ٢٧ \] وذلك بمقتضى البشرية وقد يرون بواسطة النور الرباني.

### الآية 7:28

> ﻿وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا ۗ قُلْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ ۖ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ [7:28]

وقوله سبحانه : وَإِذَا فَعَلُواْ فاحشة  جملة مبتدأة لا محل لها من الإعراب وجوز عطفها على الصلة. والفاحشة الفعلة القبيحة المتناهية في القبح والتاء إما لأنها مجراة على الموصوف المؤنث أي فعلة فاحشة وإما للنقل من الوصفية إلى الإسمية والمراد بها هنا عبادة الأصنام وكشف العورة في الطواف ونحو ذلك. وعن الفراء تخصيصها بكشف العورة. «وفي الآية على ما قاله الطبرسي حذف، أي وإذا فعلوا فاحشة فنهوا عنها٢. 
 قَالُواْ  جواب للناهين  وَجَدْنَا عَلَيْهَا ءابَاءنَا والله أَمَرَنَا بِهَا  محتجين بأمرين تقليد الآباء والافتراء على الله سبحانه. وتقديم المقدم للإيذان بأنه المعول عليه عندهم أو للإشارة منهم إلى أن آباءهم إنما كانوا يفعلونها بأمر الله تعالى على أن ضمير  أَمْرُنَا  كما قيل لهم ولآبائهم، وحينئذٍ يظهر وجه الإعراض عن الأول في رد مقالتهم بقوله تعالى : قُلْ إِنَّ الله لاَ يَأْمُرُ بالفحشاء  فإن عادته تعالى جرت على الأمر بمحاسن الأعمال والحث على ( مكارم ) الخصال وهو اللائق بالحكمة المقتضية أن لا يتخلف، وقال الإمام :**«لم يذكر سبحانه جواباً عن حجتهم الأولى لأنها إشارة إلى محض التقليد وقد تقرر في العقول أنه طريقة فاسدة لأن التقليد حاصل في الأديان المتناقضة فلو كان التقليد حقاً لزم القول بحقية الأديان المتناقضة وأنه محال فلما كان فساد هذا الطريق ظاهراً لم يذكر الله تعالى الجواب عنه »**، وذكر بعض المحققين أن الإعراض إنما هو عن التصريح برده وإلا فقوله سبحانه : إِنَّ الله  الخ متضمن للرد لأنه سبحانه إذا أمر بمحاسن الأعمال كيف يترك أمره لمجرد اتباع الآباء فيما هو قبيح عقلاً والمراد بالقبح العقلي هنا نفرة الطبع السليم واستنقاص العقل المستقيم لا كون الشيء متعلق الذم قبل ورود النهي عنه وهو المتنازع فيه بيننا وبين المعتزلة دون الأول كما حقق في الأصول فلا دلالة في الآية على ما زعموه، وقيل : إن المذكور جوابا سؤالين مترتبين كأنه قيل لهم لما فعلوها لما فعلتم ؟ قالوا : وجدنا آباءنا فقيل : ومن أين أخذا آباؤكم ؟ فقالوا : الله أمرنا بها، والكلام حينئذٍ على تقدير مضاف أي أمر آباءنا ؛ وقيل : لا تقدير والعدول عن أمرهم الظاهر حينئذٍ للإشارة إلى ادعاء أن أمر آبائهم أمر لهم. وعلى الوجهين يمتنعالتقليد إذا قام الدليل على خلافه فلا دلالة في الآية على المنع من التقليد مطلقاً. 
 أَتَقُولُونَ عَلَى الله مَا لاَ تَعْلَمُونَ  من تمام القول المأمور به، والهمزة لإنكار الواقع واستقباحه والإشارة إلى أنه لا ينبغي أن يكون، وتوجيه الإنكار إلى قولهم عليه تعالى ما لا يعلمون صدوره منه عز شأنه مع أن منهم من يقول عليه سبحانه ما يعلم عدم صدوره مبالغة في إنكار تلك الصورة، ولا دليل في الآية لمن نفى القياس بناءً على أن ما يثبت به مظنون لا معلوم لأن ذلك مخصوص من عمومها بإجماع الصحابة ومن يعتد به أو بدليل آخر، وقيل : المراد بالعلم ما يشمل الظن.

### الآية 7:29

> ﻿قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ ۖ وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ ۚ كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ [7:29]

قُلْ أَمَرَ رَبّي بالقسط  بيان للمأمور به إثر نفي ما أسند أمره إليه تعالى من الأمور المنهي عنها ؛ والقسط على ما قال غير واحد العدل، وهو الوسط من كل شيء المتجافي عن طرفي الإفراط والتفريط. وقال الراغب :**«هو النصيب بالعدل كالنَّصَفِ والنَّصَفة. ويقال : القسط لأخذ قسط غيره وذلك جور والإقساط لإعطاء قسط غيره وذلك إنصاف ولذلك يقال : قسط الرجل إذا جار وأقسط إذا عدل »**. وهذا أولى مما قاله الطبرسي من «أن أصله ( الميل ) فإن كان إلى جهة الحق فعدل ومنه قوله سبحانه : إِنَّ الله يُحِبُّ المقسطين  \[ المائدة : ٤٢ \] وإن كان إلى جهة الباطل فجور ومنه قوله تعالى : وَأَمَّا القاسطون فَكَانُواْ لِجَهَنَّمَ حَطَباً  \[ الجن : ١٥ \] والمراد به هنا على ما نقل عن أبي مسلم جميع الطاعات والقرب. وروي عن ابن عباس والضحاك أنه التوحيد وقول لا إله إلا الله ومجاهد والسدي وأكثر المفسرين على أنه الاستقامة والعدل في الأمور. 
 وَأَقِيمُواْ وُجُوهَكُمْ  أي توجهوا إلى عبادته تعالى مستقيمين غير عادلين إلى غيرها  عِندَ كُلّ مَسْجِدٍ  أي في وقت كل سجود كما قال الجبائي أو مكانه كما قال غيره فعند بمعنى في والمسجد اسم زمان أو مكان بالمعنى اللغوي، وكان حقه فتح العين لضمها في المضارع إلا أنه مما شذ عن القاعدة، وزعم بعضهم أنه مصدر ميمي والوقت مقدر قبله، والسجود مجاز عن الصلاة. وقال غير واحد : المعنى توجهوا إلى الجهة التي أمركم الله تعالى بالتوجه إليها في صلاتكم وهي جهة الكعبة. والأمر على القولين للوجوب. واختار المغربي أن المعنى إذا أدركتم الصلاة في أي مسجد فصلوا ولا تؤخروها حتى تعودوا إلى مساجدكم، والأمر على هذا للندب والمسجد بالمعنى المصطلح ولا يخفى ما فيه من البعد. ومثله ما قيل : إن المعنى اقصد المسجد في وقت كل صلاة على أنه أمر بالجماعة ندباً عند بعض ووجوباً عند آخرين. والواو للعطف وما بعده قيل : معطوف على الأمر الذي ينحل إليه المصدر مع أن أي أن أقسطوا. والمصدر ينحل إلى الماضي والمضارع والأمر، وقال الجرجاني : إنه عطف على الخبر السابق المقول لقل وهو إنشاء معنى، وإن أبيت فالكلام من باب الحكاية. وجوز أن يكون هناك قل مقداراً معطوفاً على نظيره. و  أَقِيمُواْ  مقول له. وأن يكون معطوفاً على محذوف تقديره قل أقبلوا وأقيموا. 
 وادعوه  أي اعبدوه  مُخْلِصِينَ لَهُ الدين  أي الطاعة فالدعاء بمعنى العبادة لتضمنها له والدين بالمعنى اللغوي. وقيل : إن هذا أمر بالدعاء والتضرع إليه سبحانه على وجه الإخلاص أي ارغبوا إليه في الدعاء بعد إخلاصكم له في الدين  كَمَا بَدَأَكُمْ  أي أنشأكم ابتداءً  تَعُودُونَ  إليه سبحانه فيجازيكم على أعمالكم فامتثلوا أوامره أو فأخلصوا له العبادة فهو متصل بالأمر قبله. 
وقال الزجاج : إنه متصل بقوله تعالى : فِيهَا تَحْيَوْنَ وَفِيهَا تَمُوتُونَ وَمِنْهَا تُخْرَجُونَ  \[ الأعراف : ٢٥ \] ولا يخفى بعده. ولم يقل سبحانه : يعيدكم كما هو الملائم لما قبله إشارة إلى أن الإعادة دون البدء من غير مادة بحيث لو تصور الاستغناء عن الفاعل لكان فيها دونه فهو كقوله تعالى : وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ  \[ الروم : ٢٧ \] سواء كانت الإعادة الإيجاد بعد الإعدام بالكلية أو جمع متفرق الأجزاء. وإنما شبهها سبحانه بالإبداء تقريراً لإمكانها والقدرة عليها. وقال قتادة : المعنى كما بدأكم من التراب تعودون إليه كما قال سبحانه : مِنْهَا خلقناكم وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ  \[ طه : ٥٥ \] وقيل : المعنى كما بدأكم لا تملكون شيئاً كذلك تبعثون يوم القيامة. / وعن محمد بن كعب أن المراد أن من ابتدأ الله تعالى خلقه على الشقوة صار إليها وإن عمل بأعمال أهل السعادة ومن ابتدأ خلقه على السعادة صار إليها وإن عمل بعمل أهل الشقاوة. ويؤيد ذلك ما رواه الترمذي عن عمرو بن العاص قال :**«خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي يده كتابان فقال : أتدرون ما هذان الكتابان ؟ قلنا : لا يا رسول الله فقال للذي في يده اليمنى هذا كتاب( [(١)](#foonote-١) ) من رب العالمين فيه أسماء أهل الجنة وأسماء آبائهم وقبائلهم ثم أجمل( [(٢)](#foonote-٢) ) على آخرهم فلا يزد فيهم ولا ينقص منهم أبداً ثم قال للذي في شماله : هذا كتاب من رب العالمين فيه أسماء أهل النار وأسماء آبائهم وقبائلهم ثم أجمل على آخرهم فلا يزاد فيهم ولا ينقص منهم أبداً فقال أصحابه : ففيم العمل يا رسول الله إن كان أمر قد فرغ منه ؟ فقال عليه الصلاة والسلام : سددوا وقاربوا فإن صاحب الجنة يختم له بعمل أهل الجنة وإن عمل أي عمل وإن صاحب النار يختم له بعمل أهل النار وإن عمل أي عمل ثم قال أي أشار رسول الله صلى الله عليه وسلم بيديه فنبذهما ثم قال : فرغ ربكم من العباد فريق في الجنة وفريق في السعير »**. وقريب من هذا ما روي عن ابن جبير من أن المعنى : كما كتب عليكم تكونون. وروي عن الحبر أن المعنى كما بدأكم مؤمناً وكافراً يعيدكم يوم القيامة فهو كقوله تعالى : هُوَ الذى خَلَقَكُمْ فَمِنكُمْ كَافِرٌ وَمِنكُمْ مُّؤْمِنٌ  \[ التغابن : ٢ \]. 
( ومن باب الإشارة ) : قُلْ أَمَرَ رَبّي بالقسط  بالعدل وهو الصراط المستقيم  وَأَقِيمُواْ وُجُوهَكُمْ  أي ذواتكم بمنعها عن الميل إلى أحد طرفي الإفراط والتفريط  عِندَ كُلّ مَسْجِدٍ  أي مقام سجود أو وقته، والسجود عندهم كما قاله البعض أربعة أقسام سجود الانقياد والطاعة وإقامة الوجه عنده بالإخلاص وترك الالتفات إلى السوي ومراعاة موافقة الأمر وصدق النية والامتناع عن المخالفة في جميع الأمور، وسجود الفناء في الأفعال وإقامة الوجه عنده بأن لا يرى مؤثراً غير الله تعالى أصلاً. 
وسجود الفناء في الصفات وإقامة الوجه عنده بأن لا يكره شيئاً من غير أن يميل إلى الإفراط بترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ولا التفريط بالتسخط على المخالف والتعيير له والاستخفاف به. وسجود الفناء في الذات وإقامة الوجه عنده بالغيبة عن البقية والانطماس بالكلية والامتناع عن إثبات الآنية والاثنينية فلا يطغى بحجاب الآنية ولا يتزندق بالإباحة وترك الإطاعة.  وادعوه مُخْلِصِينَ لَهُ الدين  بتخصيص العمل لله سبحانه أو برؤية العمل منه أو به جل شأنه  كَمَا بَدَأَكُمْ  أظهركم بإفاضة هذه التعينات عليكم  تَعُودُونَ  \[ الأعراف : ٢٩ \] إليه أو كما بدأكم لطفاً أو قهراً تعودون إليه فيعاملكم حسبما بدأكم. 
١ - الظاهر أن هذا صادر عن طريق التمثيل اهـ منه..
٢ - هو من قولهم: أجمل الحساب إذا تم ورد من التفصيل إلى الجملة فأثبت في آخر الورقة مجموع ذلك وجملته وقوله: "فرغ ربكم" فذلك الكلام ونتيجته..

### الآية 7:30

> ﻿فَرِيقًا هَدَىٰ وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلَالَةُ ۗ إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ [7:30]

وعليه يكون قوله سبحانه : فَرِيقًا هدى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضلالة  بياناً وتفصيلاً لذلك، ونظيره قوله تعالى : خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ  بعد قوله عز شأنه : إِنَّ مَثَلَ عيسى عِندَ الله كَمَثَلِ ءادَمَ  \[ آل عمران : ٥٩ \] قيل : وهو الأنسب بالسياق. وذكر الطيبي أن ههنا نكتة سرية وهي أن يقال : إنه تعالى قدم في قوله سبحانه : كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ  \[ الأعراف : ٢٩ \] المشبه به على المشبه لينبه العاقل على أن قضاء الشؤون لا يخالف القدر والعلم الأزلي ألبتة وكما روعي هذه الدقيقة في المفسر روعيت في التفسير وزيد أخرى عليها وهي أنه سبحانه قدم مفعول  هُدًى  للدلالة على الاختصاص وأن فريقاً آخر ما أراد هدايتهم وقرر ذلك بأن عطف عليه  وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضلالة  وأبرزه في صورة الإضمار على شريطة التفسير أي أضل فريقاً حق عليهم الضلالة وفيه مع الاختصاص التوكيد كما قرره صاحب **«المفتاح »** لتنقطع ريبة المخالف ولا يقول : إن علم الله تعالى لا أثر له في ضلالتهم انتهى. 
وكأنه يشير بذلك إلى رد قول الزمخشري في قوله تعالى : إِنَّهُمُ اتخذوا الشياطين أَوْلِيَاء مِن دُونِ الله  **«أي تولوهم بالطاعة فيما أمروهم به، وهذا دليل على أن علم الله تعالى لا أثر له في ضلالهم وأنهم هم الضالون باختيارهم وتوليتهم الشياطين دون الله تعالى »** فجملة  إِنَّهُمُ اتخذوا  على هذا تعليل لقوله سبحانه : وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضلالة  ويؤيد ذلك أنه قرىء  أَنَّهُمْ  بالفتح. ويحتمل أن تكون تأكيداً لضلالهم وتحقيقاً له وأنا والحق أحق بالاتباع مع القائل : إن علم الله تعالى لا يؤثر في المعلوم وأن من علل الجبر به مبطل كيف والمتكلمون عن آخرهم قائلون : إن العلم يتعلق بالشيء على ما هو عليه إنما الكلام في أن قدرة الله تعالى لا أثر لها على زعم الضلال أصحاب الزمخشري ونحن مانعون لذلك أشد المنع. ولا منع من التعليل بالاتخاذ عند الأشاعرة لثبوت الكسب والاختيار ويكفي هذه المدخلية في التعليل. والزمخشري قدر الفعل في قوله سبحانه : وَفَرِيقًا حَقَّ  خذل ووافقه بعض الناس وما فعله الطيبي هو المختار عند بعض المحققين لظهور الملاءمة فيه وخلوه عن شبهة الاعتزال. واختير تقديره مؤخراً لتتناسق الجملتان، وهما عند الكثير في موضع الحال من ضمير  تَعُودُونَ  \[ الأعراف : ٢٩ \] بتقدير قد أو مستأنفتان، وجوز نصب  فَرِيقاً  الأول و  فَرِيقاً  الثاني على الحال والجملتان بعدهما صفتان لهما، ويؤيد ذلك قراءة أبي  تَعُودُونَ تَعُودُونَ \* فَرِيقًا هدى وَفَرِيقًا  الخ، والمنصوب على هذه القراءة إما بدل أو مفعول به لأعني مقدراً. ولم تلحق تاء التأنيث لحق للفصل أو لأن التأنيث غير حقيقي، والكلام على تقدير مضاف عند بعض أي حق عليهم كلمة الضلالة وهي قوله سبحانه : ضَلُّواْ . 
 وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُم مُّهْتَدُونَ  عطف على ما قبله داخل معه في حيز التعليل أو التأكيد. ولعل الكلام من قبيل بنو فلان قتلوا فلاناً والأول لكونه في مقابلة من هداه الله تعالى شامل للمعاند والمخطىء والثاني مختص بالثاني وهو صادق على المقصر في النظر والباذل غاية الوسع فيه، واختلف في توجه الذم على الأخير وخلوده في النار. ومذهب البعض أنه معذور ولم يفرقوا بين من لا عقل له أصلاً ومن له عقل لم يدرك به الحق بعد أن لم يدع في القوس منزعاً في طلبه فحيث يعذر الأول لعدم قيام الحجة عليه يعذر الثاني لذلك، ولا يرون مجرد المالكية وإطلاق التصرف حجة ولله تعالى الحجة البالغة، والتزام أن كل كافر معاند بعد البعثة وظهور أمر الحق كنار على علم وإنه ليس في مشارق الأرض ومغاربها اليوم كافر مستدل مما لا يقدم عليه إلا مسلم معاند أو مسلم مستدل بما هو أوهن من بيت العنكبوت وأنه لأوهن البيوت. وادعى بعضهم أن المراد من المعطوف عليه المعاند ومن المعطوف المخطىء والظاهر ما قلنا، وجعل الجملة حالية على معنى اتخذوا الشياطين أولياء وهم يحسبون أنهم مهتدون في ذلك الاتخاذ لا يخفى ما فيه. 
( ومن باب الإشارة ) : فَرِيقًا هدى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضلالة  كما ثبت ذلك في علمه  إِنَّهُمُ اتخذوا الشياطين  من القوى النفسانية الوهمية والتخيلية  أَوْلِيَاء مِن دُونِ الله  للمناسبة التامة بين الفريقين  وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُم مُّهْتَدُونَ  \[ الأعراف : ٣٠ \] لقوة سلطان الوهم

### الآية 7:31

> ﻿۞ يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا ۚ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ [7:31]

يابنى ءادَمَ خُذُواْ زِينَتَكُمْ عِندَ  أي ثيابكم لمواراة عوراتكم لأن المستفاد من الأمر الوجوب والواجب إنما هو ستر العورة  عِندَ كُلّ مَسْجِدٍ  أي طواف أو صلاة، وإلى ذلك ذهب مجاهد وأبو الشيخ وغيرهما، وسبب النزول على ما روي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه كان أناس من الأعراب يطوفون بالبيت عراة حتى إن كانت المرأة لتطوف بالبيت وهي عريانة فتعلق على سفلها سيوراً مثل هذه السيور التي تكون على وجه الحمر من الذباب وهي تقول :
اليوم يبدو بعضه أو كله \*\*\* وما بدا منه فلا أحله
فأنزل الله تعالى هذه الآية، وحمل بعضهم الزينة على لباس التجمل لأنه المتبادر منه ونسب للباقر رضي الله تعالى عنه، وروي عن الحسن السبط رضي الله تعالى عنه أنه كان إذا قام إلى الصلاة لبس أجود ثيابه فقيل له : يا ابن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم تلبس أجود ثيابك ؟ فقال : إن الله تعالى جميل يحب الجمال فأتجمل لربي وهو يقول : خُذُواْ زِينَتَكُمْ عِندَ كُلّ مَسْجِدٍ  فأحب أن ألبس أجمل ثيابي، ولا يخفى أن الأمر حينئذٍ لا يحمل على الوجوب لظهور أن هذا التزين مسنون لا واجب، وقيل : إن الآية على الاحتمال الأول تشير إلى سنية التجمل لأنها لما دلت على وجوب أخذ الزينة لستر العورة عند ذلك فهم منه في الجملة حسن التزين بلبس ما فيه حسن وجمال عنده، ونسب بيت الكذب إلى الصادق رضي الله عنه تعالى أن أخذ الزينة التمشط كأنه قيل تمشطوا عند كل صلاة، ولعل ذلك من باب الاقتصار على بعض أنواع الزينة وليس المقصود حصرها فيما ذكر. ومثل ذلك ما أخرجه ابن عدي وابن مردويه عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال :" قال رسول الله صلى الله عليه وسلم خذوا زينة الصلاة قالوا : وما زينة الصلاة ؟. قال : البسوا نعالكم فصلوا فيها ". وأخرج ابن عساكر وغيره عن أنس رضي الله تعالى عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال في قوله سبحانه : خُذُواْ زِينَتَكُمْ  الخ " صلوا في نعالكم " 
 وَكُلُواْ واشربوا  مما طاب لكم. قال الكلبي : كان أهل الجاهلية لا يأكلون من الطعام إلا قوتاً ولا يأكلون دسماً في أيام حجهم يعظمون بذلك حجهم فقال المسلمون : يا رسول الله نحن أحق بذلك فأنزل الله تعالى الآية، ومنه يظهر وجه ذكر الأكل والشرب هنا  وَلاَ تُسْرِفُواْ  بتحريم الحلال كما هو المناسب لسبب النزول أو بالتعدي إلى الحرام كما روي عن ابن زيد أو بالإفراط في الطعام والشره كما ذهب إليه كثير، وأخرج أبو نعيم عن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه قال :«إياكم والبطنة من الطعام والشراب فإنها مفسدة للجسد مورثة للسقم مكسلة عن الصلاة وعليكم بالقصد فيهما فإنه أصلح للجسد وأبعد من السرف وإن الله تعالى ليبغض الحبر السمين وإن الرجل لن يهلك حتى يؤثر شهوته على دينه٢. 
وقيل : المراد الإسراف ومجاوزة الحد بما هو أعم مما ذكر وعد منه أكل الشخص كلما اشتهى وأكله في اليوم مرتين، فقد أخرج ابن ماجه والبيهقي عن أنس قال :«قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" إن من الإسراف أن تأكل كل ما اشتهيت " وأخرج الثاني وضعفه عن عائشة قالت :" رآني النبي صلى الله عليه وسلم وقد أكلت في اليوم مرتين فقال يا عائشة أما تحبين أن يكون لك شغل إلا في جوفك الأكل في اليوم مرتين من الإسراف ". وعندي أن هذا مما يختلف باختلاف الأشخاص، ولا يبعد أن يكون ما ذكر من الإفراط في الطعام وعد منه طبخ الطعام بماء الورد وطرح نحو المسك فيه مثلاً من غير داع إليه سوى الشهوة، وذهب بعضهم إلى أن الإسراف المنهي عنه يعم ما كان في اللباس أيضاً، وروي ذلك عن عكرمة، وأخرج ابن أبي شيبة وغيره عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه قال : كل ما شئت والبس ما شئت ما أخطأتك خصلتان سرف ومخيلة. ورواه البخاري عنه تعليقاً وهو لا ينافي ما ذكره الثعالبي وغيره من الأدباء أنه ينبغي للإنسان أن يأكل ما يشتهي ويلبس ما يشتهيه الناس كما قيل :
نصحته نصيحة \*\*\* قالت بها الأكياس
كل ما اشتهيت والبسن \*\*\* ما تشتهيه الناس
فإنه لترك ما لم يعتد بين الناس وهذا لإباحة كل ما اعتادوه. وفي **«العجائب »** للكرماني قال طبيب نصراني لعلي بن الحسين بن واقد : ليس في كتابكم من علم الطب شيء والعلم علمان علم الأبدان وعلم الأديان فقال له : قد جمع الله تعالى الطب كله في نصف آية من كتابه قال : وما هي ؟ قال : كُلُواْ واشربوا \* وَلاَ تُسْرِفُواْ  فقال النصراني : ولا يؤثر من رسولكم شيء في الطب فقال : قد جمع رسولنا صلى الله عليه وسلم الطب في ألفاظ يسيرة قال : وما هي ؟ قال : قوله صلى الله عليه وسلم :" المعدة بيت الداء والحمية رأس كل دواء وأعط كل بدن ما عودته " فقال : ما ترك كتابكم ولا نبيكم لجالينوس طباً انتهى. وما نسبه إلى النبي صلى الله عليه وسلم هو من كلام الحرث بن كلدة طبيب العرب ولا يصح رفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وفي **«الإحياء »** مرفوعاً " البطنة أصل الداء والحمية أصل الدواء وعودوا كل جسد ما اعتاد " 
وتعقبه العراقي قائلاً : لم أجد له أصلاً. وفي **«شعب الإيمان »** للبيهقي و **«لقط المنافع »** لابن الجوزي عن أبي هريرة مرفوعاً أيضاً :" المعدة حوض البدن والعروق إليها واردة فإذا صحت المعدة ( صارت ) العروق بالصحة وإذا فسدت المعدة صارت ( ٤ ) العروق بالسقم " وتعقبه الدارقطني قائلاً : لا نعرف هذا من كلام النبي صلى الله عليه وسلم وإنما هو من كلام عبد الملك بن سعيد بن ( أبحر ). وفي **«الدر المنثور »** أخرج محمد الخلال عن عائشة رضي الله تعالى عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل عليها وهي تشتكي فقال لها :" يا عائشة الأزم دواء والمعدة بيت الأدواء وعودوا البدن ما اعتاد " ولم أر من تعقبه، نعم رأيت في **«النهاية »** لابن الأثير **«سأل عمرو الحرث بن كلدة ما الدواء ؟ قال : الأزم يعني الحمية وإمساك الأسنان بعضها على بعض »**، نعم الأحاديث الصحيحة متظافرة في ذم الشبع وكثرة الأكل، وفي ذلك إرشاد للأمة إلى كل الحكمة. 
 إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ المسرفين  بل يبغضهم ولا يرضى أفعالهم. والجملة في موضع التعليل للنهي، وقد جمعت هذه الآية كما قيل أصول الأحكام الأمر والإباحة والنهي والخبر. 
( ومن باب الإشارة ) : يابنى ءادَمَ خُذُواْ زِينَتَكُمْ عِندَ كُلّ مَسْجِدٍ وكُلُواْ  فأخلصوا العمل لله تعالى وتوكلوا عليه وقوموا بحق الرضا وتمكنوا في التحقق بالحقيقة ومراعاة حقوق الاستقامة ولكل مقام مقال  وكُلُواْ واشربوا وَلاَ تُسْرِفُواْ  \[ الأعراف : ٣١ \] بالإفراط والتفريط فإن العدالة صراط الله تعالى المستقيم.

### الآية 7:32

> ﻿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ ۚ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ ۗ كَذَٰلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ [7:32]

قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ الله  من الثياب وكل ما يتجمل به  التى أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ  أي خلقها لنفعهم من النبات كالقطن والكتان والحيوان كالحرير والصوف والمعادن كالخواتم والدروع  والطيبات مِنَ الرزق  أي المستلذات، وقيل : المحللات من المآكل والمشارب كلحم الشاة وشحمها ولبنها. واستدل بالآية على أن الأصل في المطاعم والملابس وأنواع التجملات الإباحة لأن الاستفهام في  مِنْ  لانكار تحريمها على أبلغ وجه. ونقل عن ابن الفرس أنه قال : استدل بها من أجاز لبس الحرير والخز للرجال. وروي عن زين العابدين رضي الله تعالى عنه أنه كان يشتري كساء الخز بخمسين ديناراً فإذا أصاف تصدق به لا يرى بذلك بأساً ويقول  قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ الله التى أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ . 
وروي أن الحسين رضي الله تعالى عنه أصيب وعليه جبة خز وأن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما لما بعثه علي كرم الله تعالى وجهه إلى الخوارج لبس أفضل ثيابه وتطيب بأطيب طيبه وركب أحسن مراكبه فخرج إليهم فوافقهم فقالوا : يا ابن عباس بينا أنت خير الناس إذ أتيتنا في لباس الجبابرة ومراكبهم فتلا هذه الآية لكن روي عن طاوس أنه قرأ هذه الآية وقال : لم يأمرهم سبحانه بالحرير ولا الديباج ولكنه كان إذا طاف أحدهم وعليه ثيابه ضرب وانتزعت منه فأنكر عليهم ذلك، والحق أن كل ما لم يقم الدليل على حرمته داخل في هذه الزينة لا توقف في استعماله ما لم يكن فيه نحو مخيلة كما أشير إليه فيما تقدم. 
وقد روي أنه صلى الله عليه وسلم خرج وعليه رداء قيمته ألف درهم، وكان أبو حنيفة رضي الله تعالى عنه يرتدي برداء قيمته أربعمائة دينار وكان يأمر أصحابه بذلك، وكان محمد يلبس الثياب النفيسة ويقول : إن لي نساء وجواري فأزين نفسي كي لا ينظرن إلى غيري. وقد نص الفقهاء على أنه يستحب التجمل لقوله عليه الصلاة والسلام :**«إن لله تعالى إذا أنعم على عبد أحب أن يرى أثر نعمته عليه »** وقيل لبعضهم : أليس عمر رضي الله تعالى عنه كان يلبس قميصاً عليه كذا رقعة فقال : فعل ذلك لحكمة هي أنه كان أمير المؤمنين وعماله يقتدون به وربما لا يكون لهم مال فيأخذون من المسلمين. نعم كره بعض الأئمة لبس المعصفر والمزعفر وكرهوا أيضاً أشياء أخر تطلب من محالها. 
 قُلْ هِى لِلَّذِينَ \* ءامَنُواْ فَيَ الحياة الدنيا  أي هي لهم بالأصالة لمزيد كرامتهم على الله تعالى، والكفرة وإن شاركوهم فيها فبالتبع فلا إشكال في الاختصاص المستفاد من اللام  خَالِصَةً يَوْمَ القيامة  لا يشاركهم فيها غيرهم. وعن الجبائي أن المعنى هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا غير خالصة من الهموم والأحزان والمشقة وهي خالصة يوم القيامة من ذلك وانتصاب  خَالِصَةٌ  على الحال من الضمير المستتر في الجار والمجرور والعامل فيه متعلقة. وقرأ نافع بالرفع على أنه خبر بعد خبر أو هو الخبر و  لِلَّذِينَ  متعلق به قدم لتأكيد الخلوص والاختصاص  كذلك نُفَصّلُ الآيات  أي مثل تفصيلنا هذا الحكم نفصل سائر الأحكام  لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ  ما في تضاعيفها من المعاني الرائقة. وجوز أن يكون هذا التشبيه على حد قوله تعالى : وكذلك جعلناكم أُمَّةً وَسَطًا  \[ البقرة : ١٤٣ \] ونظائره مما تقدم تحقيقه. 
( ومن باب الإشارة ) : قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ الله التى أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ  أي منع عنها وقال : لا يمكن التزين بها  والطيبات مِنَ الرزق  كعلوم الإخلاص ومقام التوكل والرضا والتمكين  قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ الله التى أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ والطيبات مِنَ  \[ الأعراف : ٣٢ \] الكبرى عن التلون وظهور شيء من بقايا الأفعال والصفات والذات.

### الآية 7:33

> ﻿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ [7:33]

قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبّيَ الفواحش  أي ما تزايد قبحه من المعاصي. وقيل : ما يتعلق بالفروج  مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ  بدل من  الفواحش  أي جهرها وسرها. وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما ما ظهر الزنا علانية وما بطن الزنا سراً وقد كانوا يكرهون الأول ويفعلون الثاني فنهوا عن ذلك مطلقاً. وعن مجاهد ما ظهر التعري في الطواف وما بطن الزنا. وقيل : الأول : طواف الرجال بالنساء. والثاني : طواف النساء بالليل عاريات. 
 والإثم  أي ما يوجب الإثم، وأصله الذم فأطلق على ما يوجبه من مطلق الذنب، وذكر للتعميم بعد التخصيص بناء على ما تقدم من معنى الفواحش. وقيل : إن الإثم هو الخمر كما نقل عن ابن عباس والحسن البصري وذكره أهل اللغة كالأصمعي وغيره وأنشدوا له قول الشاعر
: نهانا رسول الله أن نقرب الزنا  وأن نشرب الإثم الذي يوجب الوزراوقول الآخر
: شربت الإثم حتى ضل عقلي  كذاك الإثم يذهب بالعقولوزعم ابن الأنباري أن العرب لا تسمي الخمر اثماً في جاهلية ولا إسلام وأن الشعر موضوع. والمشهور أن ذلك من باب المجاز لأن الخمر سبب الإثم. وقال أبو حيان وغيره :( إن هذا التفسير غير صحيح هنا لأن السورة مكية ولم تحرم الخمر إلا بالمدينة بعد أحد ). وأيضاً يحتاج حينئذ إلى دعوى أن الحصر إضافي فتدبر.  والبغى  الظلم والاستطالة على الناس. وأفرد بالذكر بناء على التعميم فيما قبله أو دخوله في الفواحش للمبالغة في الزجر عنه  بِغَيْرِ الحق  متعلق بالبغي لأن البغي لا يكون إلا كذلك. وجوز أن يكون حالاً مؤكدة. وقيل : جيء به ليخرج البغي على الغير في مقابلة بغيه فإنه يسمى بغياً في الجملة لكنه بحق وهو كما ترى  وَأَن تُشْرِكُواْ بالله مَا لَمْ يُنَزّلْ بِهِ سلطانا  أي حجة وبرهاناً، والمعنى على نفي الإنزال والسلطان معاً على أبلغ وجه كقوله
 : لا ترى الضب بها ينجحر \*\*\* وفيه من التهكم بالمشركين ما لا يخفى  وَأَن تَقُولُواْ عَلَى الله مَا لاَ تَعْلَمُونَ  بالإلحاد في صفاته واإفتراء عليه كقولهم : والله أَمَرَنَا بِهَا  \[ الأعراف : ٢٨ \] ولا يخفى ما في توجيه التحريم إلى قولهم عليه سبحانه ما لا يعلمون وقوعه دون ما يعلمون عدم وقوعه من السر الجليل. 
( ومن باب الإشارة ) : قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبّيَ الفواحش  رذائل القوة البهيمية  مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ والإثم والبغى  رذائل القوة السبعية  وَأَن تُشْرِكُواْ بالله مَا لَمْ يُنَزّلْ بِهِ سلطانا وَأَن تَقُولُواْ عَلَى الله مَا لاَ تَعْلَمُونَ  \[ الأعراف : ٣٣ \] رذائل القوة النطقية وكل ذلك من موانع الزينة

### الآية 7:34

> ﻿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ ۖ فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً ۖ وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ [7:34]

وَلِكُلّ أُمَّةٍ  من الأمم المهلكة  أَجَلٌ  أي وقت معين مضروب لاستئصالهم كما قال الحسن. وروي ذلك عن ابن عباس ومقاتل. وهذا كما قيل وعيد لأهل مكة بالعذاب النازل في أجل معلوم عند الله تعالى كما نزل بالأمم قبلهم ورجوع إلى الحث على الاتباع بعد الاستطراد الذي قاله البعض. وقد روعي نكتة في تعقيبه تحريم الفواحش حيث ناسبه أيضاً. وفسر بعضهم الأجل هنا بالمدة المعينة التي أمهلوها لنزول العذاب، وفسره آخرون بوقت الموت وقالوا : التقدير ولكل أحد من أمة، وعلى الأول لا حاجة إلى التقدير. 
 فَإِذَا جَاء أَجَلُهُمْ  الضمير كما قال بعض المحققين إما للأمم المدلول عليها بكل أمة وإما لكل أمة، وعلى الأول فإظهار الأجل مضافاً إلى ذلك الضمير لإفادة المعنى المقصود الذي هو بلوغ كل أمة أجلها الخاص بها ومجيؤه إياها بواسطة اكتساب الأجل بالإضافة عموماً يفيده معنى الجمعية كأنه قيل : إذا جاء آجالهم بأن يجيء كل واحد من تلك الأمم أجلها الخاص بها. وعلى الثاني وهو الظاهر فالإظهار في موقع الاضمار لزيادة التقرير والإضافة لإفادة أكمل التمييز. وقرأ ابن سيرين  \*آجالهم  بصيغة الجمع واستظهرها ابن جني وجعل الإفراد لقصد الجنسية والجنس من قبيل المصدر وحسنه الإضافة إلى الجماعة. والفاء قيل : فصيحة وسقطت في آية يونس ( ٩٤ ) لما سنذكره إن شاء الله تعالى هناك. والمراد من مجيء الأجل قربه أو تمامه أي إذا حان وقرب أو انقطع وتم. 
 أَجَلُهُمْ لاَ يَسْتَأْخِرُونَ  عنه  سَاعَةِ  قطعة من الزمان في غاية القلة. وليس المراد بها الساعة في مصطلح المنجمين المنقسمة إلى ساعة مستوية وتسمى فلكية هي زمان مقدار خمس عشرة درجة أبداً، ومعوجة وتسمى زمانية هي زمان مقدار نصف سدس النهار أو الليل أبدا، ويستعمل الأولى أهل الحساب غالباً والثانية الفقهاء وأهل الطلاسم ونحوهم. وجملة الليل والنهار عندهم أربع وعشرون ساعة أبداً سواء كانت الساعة مستوية أو معوجة إلا أن كلاً من الليل والنهار لا يزيد على اثنتي عشرة ساعة معوجة أبداً. ولهذا تطول وتقصر، وقد تساوي الساعة المستوية وذلك عند استواء الليل والنهار والمراد لا يتأخرون أصلا. وصيغة الاستفعال للإشعار بعجزهم وحرمانهم عن ذلك مع طلبهم له. 
 وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ  أي ولا يتقدمون عليه. والظاهر أنه عطف على  لاَ يَسْتَأْخِرُونَ  كما أعربه الحوفي وغيره. واعترض بأنه لا يتصور الاستقدام عند مجيئه فلا فائدة في نفيه بل هو من باب الإخبار بالضروري كقولك : إذا قمت فيما يأتي لم يتقدم قيامك فيما مضى، وقيل : إنه معطوف على الجملة الشرطية لا الجزائية فلا يتقيد بالشرط. فمعنى الآية لكل أمة أجل فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون عنه ولكل أمة أجل لا يستقدمون عليه. 
وتعقبه مولانا العلامة السالكوتي بأنه لا يخفى أن فائدة تقييد قوله تعالى : لاَ يَسْتَأْخِرُونَ  فقط بالشرط غير ظاهرة وإن صح بل المتبادر إلى الفهم السليم ما تقدم. 
وفيه تنبيه على أن الأجل كما يمتنع التقدم عليه بأقصر مدة هي الساعة كذلك يمتنع التأخر عنه وإن كان ممكناً عقلاً فإن خلاف ما قدره الله تعالى وعلمه محال والجمع بين الأمرين فيما ذكر كالجمع بين من سوف التوبة إلى حضور الموت ومن مات على الكفر في نفي التوبة عنه في قوله تعالى : وَلَيْسَتِ التوبة لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ  \[ النساء : ١٨ \] الآية. ولعل هذا مراد من قال : إنه عطف على الجزاء بناء على أن يكون معنى قوله تعالى : لاَ يَسْتَأْخِرُونَ وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ  لا يستطيعون تغييره على نمط قوله تعالى : وَلاَ رَطْبٍ وَلاَ يَابِسٍ إِلاَّ فِى كتاب  \[ الأنعام : ٥٩ \] وقولهم : كلمته فما رد على سوداء ولا بيضاء فلا يرد ما قيل، وأنت خبير بأن هذا المعنى حاصل بذكر الجزاء بدون ذكر  وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ  والحق العطف على الجملة الشرطية، وفي **«شرح المفتاح »** القيد إذا جعل جزأ من المعطوف عليه لم يشاركه المعطوف فيه ومثل بالآية، وعليه لا محذور في العطف على  لاَ يَسْتَأْخِرُونَ  لعدم المشاركة في القيد ؛ وأنت تعلم أنهم ذكروا في هذا الباب أنه إذا عطف شيء على شيء وسبقه قيد يشارك المعطوف المعطوف عليه في ذلك القيد لا محالة، وأما إذا عطف على ما لحقه قيد فالشركة محتملة فالعطف على المقيد له اعتباران. الأول : أن يكون القيد سابقاً في الاعتبار والعطف لاحقاً فيه. والثاني : أن يكون العطف سابقاً والقيد لاحقاً، فعلى الأول لا يلزم اشتراك المعطوفين في القيد المذكور إذ القيد جزء من أجزاء المعطوف عليه، وعلى الثاني يجب الاشتراك إذ هو حكم من أحكام الأول يجب فيه الاشتراك. وبعضهم بنى العطف هنا على أن المراد بالمجيء الدنو بحيث يمكن التقدم في الجملة كمجيء اليوم الذي ضرب لهلاكهم ساعة منه وليس بذاك، وتقديم بيان انتفاء الاستئخار كما قيل لما أن المقصود بالذات بيان عدم خلاصهم من العذاب، وأما في قوله تعالى : مَّا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا وَمَا يَسْتَخِرُونَ  \[ الحجر : ٥ والمؤمنون : ٤٣ \] من سبق السبق في الذكر فلما أن المراد هناك بيان سر تأخير إهلاكهم مع استحقاقهم له حسبما ينبىء عنه قوله سبحانه : ذَرْهُمْ يَأْكُلُواْ وَيَتَمَتَّعُواْ وَيُلْهِهِمُ الامل فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ  \[ الحجر : ٣ \] فالأهم هناك بيان انتفاء السبق. 
( ومن باب الإشارة ) : وَلِكُلّ أُمَّةٍ أَجَلٌ  ينتهون عنده إلى مبدئهم  فَإِذَا جَاء أَجَلُهُمْ لاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ  \[ الأعراف : ٣٤ \] لأن وقوع ما يخالف العلم محال

### الآية 7:35

> ﻿يَا بَنِي آدَمَ إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي ۙ فَمَنِ اتَّقَىٰ وَأَصْلَحَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ [7:35]

يا بني آدمَ  خطاب لكافة الناس. ولا يخفى ما فيه من الاهتمام بشأن ما في حيزه. وقد أخرج ابن جرير عن أبي يسار السلمي قال :( إن الله تبارك وتعالى جعل آدم وذريته في كفه فقال : يابنى آدَمَ إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ  -حتى بلغ-  فاتقون  ثم بثهم. والذي ذهب إليه بعض المحققين أن هذا حكاية لما وقع مع كل قوم. وقيل : المراد ببني آدم أمة نبينا صلى الله عليه وسلم وهو خلاف الظاهر. ويبعده جمع الرسل في قوله سبحانه : إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ رُسُلٌ مّنكُمْ  أي من جنسكم. والجار والمجرور متعلق بمحذوف وقع صفة لرسل. و  أَمَّا  هي إن الشرطية ضمت إليها ما لتأكيد معنى الشرط فهي مزيدة للتأكيد فقط، وقيل : إنها تفيد العموم أيضاً فمعنى إما تفعلن مثلاً إن اتفق منك فعل بوجه من الوجوه. ولزمت الفعل بعد هذا الضم نون التأكيد فلا تحذف على ما ذهب إليه المبرد والزجاج ومن تبعهما إلا ضرورة ومن ذلك قوله :
فإما تريني ولي لمة \*\*\* فإن الحوادث أودي بها
ورد بأن كثرة سماع الحدف تبعد القول بالضرورة. ووجه هذا اللزوم عند بعض حذار انحطاط رتبة فعل الشرط عن حرفه، وقيل : إن نون التوكيد لا تدخل الفعل المستقبل المحض إلا بعد أن يدخل على أول الفعل ما يدل على التأكيد كلام القسم أو ما المزيدة ليكون ذلك توطئة لدخول التأكيد وعليه فأمر الاستتباع بعكس ما تقدم. وفي الإتيان بإن تنبيه على أن إرسال الرسل أمر جائز لا واجب وهو الذي ذهب إليه أهل السنة. وقالت المعتزلة : إنه واجب على الله تعالى لأنه سبحانه بزعمهم يجب عليه فعل الأصلح. 
وقوله سبحانه : يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ \* ءاياتي  صفة أخرى لرسل. وجوز أن يكون في موضع الحال منه أو من الضمير في الظرف أي يعرضون عليكم أحكامي وشرائعي ويخبرونكم بها ويبينونها لكم. وقوله تعالى : فَمَنِ اتقى وَأَصْلَحَ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ  جواب الشرط و ( من ) إما شرطية أو موصولة و ( منكم ) مقدر في نظم الكلام ليرتبط الجواب بالشرط. والمراد فمن اتقى منكم التكذيب وأصلح عمله فلا خوف الخ. وتوحيد الضمير وجمعه لمراعاة لفظ من ومعناه. 
( ومن باب الإشارة ) : يابنى آدَمَ إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ رُسُلٌ مّنكُمْ  من جنسكم، وقيل : هي العقول، وقال النيسابوري : التأويل إما يأتينكم إلهامات من طريق قلوبكم وأسراركم، وفيه أن بني آدم كلهم مستعدون لإشارات الحق وإلهاماته  فَمَنِ اتقى  في الفناء  وَأَصْلَحَ  بالاستقامة عند البقاء  فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ  \[ الأعراف : ٣٥ \] لوصولهم إلى مقام الولاية.

### الآية 7:36

> ﻿وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا أُولَٰئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ ۖ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ [7:36]

والذين كَذَّبُواْ  منكم  بئاياتنا  التي تقص  واستكبروا عَنْهَا  ولم يقبلوها  أُولَئِكَ أصحاب النار هُمْ فِيهَا خالدون  لتكذيبهم واستكبارهم. وهذه الجملة عطف على الجملة السابقة. وإيراد الاتقاء فيها للإيذان بأن مدار الفلاح ليس مجرد عدم التكذيب بل هو الاتقاء والاجتناب عنه. وإدخال الفاء في الوعد دون الوعيد للمبالغة في الأول والمسامحة في الثاني. 
( ومن باب الإشارة ) : والذين كَذَّبُواْ بئاياتنا  أخفوا صفاتنا بصفات أنفسهم  واستكبروا عَنْهَا  بالاتصاف بالرذائل  أُوْلَئِكَ أصحاب النار  نار الحرمان  هُمْ فِيهَا خالدون  \[ الأعراف : ٣٦ \] لسوء ما طبعوا عليه

### الآية 7:37

> ﻿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَىٰ عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ ۚ أُولَٰئِكَ يَنَالُهُمْ نَصِيبُهُمْ مِنَ الْكِتَابِ ۖ حَتَّىٰ إِذَا جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا يَتَوَفَّوْنَهُمْ قَالُوا أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ۖ قَالُوا ضَلُّوا عَنَّا وَشَهِدُوا عَلَىٰ أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ [7:37]

فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افترى عَلَى الله كَذِبًا  أي تعمد الكذب عليه سبحانه ونسب إليه ما لم يقل  وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ  أو كذب ما قاله جل شأنه. والاستفهام للانكار وقد مر تحقيق ذلك  أولئك  إشارة إلى الموصول. والجمع باعتبار المعنى كما أن الإفراد في الضمير المستكن في الفعلين باعتبار اللفظ. وما فيه من معنى البعد للايذان بتماديهم في سوء الحال أي أولئك الموصوفون بما ذكر من الافتراء والتكذيب  يَنَالُهُمُ  أي يصيبهم  نَصِيبُهُم مّنَ الكتاب  أي مما كتب لهم وقدر من الأرزاق والآجال مع ظلمهم وافترائهم لا يحرمون ما قدر لهم من ذلك إلى انقضاء أجلهم فالكتاب بمعنى المكتوب. وتخصيصه بما ذكر مروي عن جماعة من المفسرين. وعن ابن عباس أن المراد ما قدر لهم من خير أو شر. ومثله عن مجاهد. وعن أبي صالح ما قدر من العذاب. وعن الحسن مثله. وبعضهم فسر الكتاب بالمكتوب فيه وهو اللوح المحفوظ. و ( من ) لابتداء الغاية، وجوز فيها التبيين والتبعيض والجار والمجرور متعلق بمحذوف وقع حالا من  نَصِيبَهُمْ  أي كائناً من الكتاب. 
 حتى إِذَا جَاءتْهُمْ رُسُلُنَا  أي ملك الموت وأعوانه  يَتَوَفَّوْنَهُمْ  أي حال كونهم متوفين لأرواحهم وحتى غاية نيلهم وهي حرف ابتداء غير جارة بل داخلة على الجمل كما في قوله :
وحتى الجياد ما يقدن بأرسان \*\*\* وقيل : إنها جارة. وقيل : لا دلالة لها على الغاية وليس بشيء. وعن الحسن أن المراد حتى إذا جاءتهم الملائكة يحشرونهم إلى النار يوم القيامة وهو خلاف الظاهر. وكان الذي دعاه إلى ذلك قوله تعالى : قَالُواْ  أي الرسل لهم  أَيْنَ مَا \* الذين تَدْعُونَ مِن دُونِ الله  أي أين الآلهة التي كنتم تعبدونها في الدنيا وتستعينون بها في المهمات  قَالُواْ ضَلُّواْ  أي غابوا  عَنَّا  لا ندري أين مكانهم فإن هذا السؤال والجواب وكذا ما يترتب عليهما مما سيأتي إنما يكون يوم القيامة لا محالة ولعله على الظاهر أريد بوقت مجىء الرسل وحال التوفي الزمان الممتد من ابتداء المجيء والتوفي إلى نهاية يوم الجزاء بناء على تحقق المجيء والتوفي في ذلك الزمان بقاء وإن كان حدوثهما في أوله فقط أو قصد بيان غاية سرعة وقوع البعث والجزاء كأنهما حاصلان عند ابتداء التوفي. و  مَا  وصلت بأين في المصحف العثماني وحقها الفصل لأنها موصولة ولو كانت صلة لا تصلت. 
 وَشَهِدُواْ عَلَى أَنفُسِهِمْ  أي اعترفوا على أنفسهم. وليس في النظم ما يدل على أن اعترافهم كان بلفظ الشهادة فالشهادة مجاز عن الاعتراف  إِنَّهُمْ كَانُواْ  في الدنيا  كافرين  عابدين لما لا يستحق العبادة أصلا حيث اتضح لهم حاله، والجملة يحتمل أن تكون استئناف إخبار من الله تعالى باعترافهم على أنفسهم بالكفر. ويحتمل أن تكون عطفاً على  قَالُواْ  وعطفها على المقول لا يخفى ما فيه. والاستفهام على ما ذهب إليه غير واحد غير حقيقي بل للتوبيخ والتقريع وعليه فلا جواب. وما ذكر إنما هو للتحسر والاعتراف بما هم عليه من الخيبة والخسران ولا تعارض بين ما في هذه الآية وقوله تعالى : والله رَبّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ  \[ الأنعام : ٢٣ \] لأن الطوائف مختلفة أو المواقف عديدة أو الأحوال شتى. 
( ومن باب الإشارة ) : فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افترى عَلَى الله كَذِبًا  بأن قال : أكرمني الله تعالى بالكرامات وهو الذي بالكرى مات  وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ  بأن أنكر على أولياء الله سبحانه الفائزين من الله تعالى بالحظ الأوفى
 أُوْلَئِكَ يَنَالُهُمْ نَصِيبُهُم مّنَ الكتاب  \[ الأعراف : ٣٧ \] مما كتب لهم في لوح القضاء والقدر. وقيل : الكتاب الإنسان الكامل ونصيبهم منه نصيب الغرض من السهم

### الآية 7:38

> ﻿قَالَ ادْخُلُوا فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ فِي النَّارِ ۖ كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَهَا ۖ حَتَّىٰ إِذَا ادَّارَكُوا فِيهَا جَمِيعًا قَالَتْ أُخْرَاهُمْ لِأُولَاهُمْ رَبَّنَا هَٰؤُلَاءِ أَضَلُّونَا فَآتِهِمْ عَذَابًا ضِعْفًا مِنَ النَّارِ ۖ قَالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلَٰكِنْ لَا تَعْلَمُونَ [7:38]

قَالَ  أي الله عز وجل لأولئك الكاذبين المكذبين يوم القيامة بالذات أو بواسطة الملك  ادخلوا فِى أُمَمٍ  أي مع أمم، والجار والمجرور في موضع الحال أي مصاحبين لامم  قَدْ خَلَتْ  أي مضت  مِن قَبْلِكُم مّن الجن والإنس  يعني كفار الأمم من النوعين، وقدم الجن لمزيد شرهم  فِى النار  متعلق بأدخلوا، وجوز أن يتعلق  فِى أُمَمٍ  به ويحمل  فِى النار  على البدلية أو على أنه صفة  أُمَمٌ  ؛ وجوز بعض المفسرين أن يكون هذا إخباراً عن جعله سبحانه إياهم في جملة أولئك من غير أن يكون هناك قول مطلقاً أي إنه تعالى جعلهم كذلك وهو خلاف الظاهر كما لا يخفى  كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ  من الأمم تابعة أو متبوعة في النار  لَّعَنَتْ أُخْتَهَا  أي دعت على نظيرها في الدين فتلعن التابعة المتبوعة التي أضلتها وتلعن المتبوعة التابة التي زادت في ضلالها، وعن أبي مسلم يلعن الأتباع القادة يقولون أنتم أوردتمونا هذه الموارد فلعنكم الله تعالى. 
 حَتَّى إِذَا اداركوا فِيهَا جَمِيعًا  غاية لما قبله أي يدخلون فوجاً فوجاً لاعنا بعضهم بعضاً إلى انتهاء تلاحقهم باجتماعهم في النار. وأصل  اداركوا  تداركوا فادغمت التاء في الدال بعد قلبها دالاً وتسكينها ثم اجتلبت همزة الوصل. وعن أبي عمرو أنه قرأ : اداركوا  بقطع ألف الوصل وهو كما قيل مبني على أنه وقف مثل وقفة المستذكر ثم ابتدأ فقطع وإلا فلا مساغ لذلك في كلام الله تعالى الجليل، وقرأ  إِذَا  بألف واحدة ساكنة ودال بعدها مشددة وفيه جمع بين ساكنين وجاز لما كان الثاني مدغماً ولا فرق بين المتصل والمنفصل  جَمِيعًا قَالَتْ أُخْرَاهُمْ  منزلة وهم الأتباع والسفلة  لاولاهم  منزلة وهم القادة والرؤساء أو قالت أخراهم دخولاً لأولاهم كذلك، وتقدم أحد الفريقين على الآخر في الدخول مروي عن مقاتل، واللام في  لاولاهم  للتعليل لا للتبليغ كما في قولك : قلت لزيد افعل كذا لأن خطابهم مع الله تعالى لا معهم كما يدل عليه قوله تعالى حكاية عنهم : رَبَّنَا هَؤُلاء أَضَلُّونَا  أي دعونا إلى الضلال وأمرونا به حيث سنوه فاقتدينا بهم  قَالَ ادخلوا فِى  أي مضاعفا كما روي عن مجاهد  مِنَ النار . 
والضعف على ما قال أبو عبيد ونص عليه الشافعي في الوصايا مثل الشيء مرة واحدة، وعن الأزهري أن هذا معنى عرفي والضعف في كلام العرب وإليه يرد كلام الله تعالى المثل إلى ما زاد ولا يقتصر على مثلين بل هو غير محصور واختاره هنا غير واحد. وقال الراغب :( الضعف بالفتح مصدر وبالكسر اسم كالشَّيء والشِّيء وضعف الشيء هو الذي يثنيه ومتى أضيف إلى عدد اقتضى ذلك العدد ( و ) مثله نحو أن يقال ضعف عشرة وضعف مائة فذلك عشرون ومائتان بلا خلاف ؛ وعلى ذلك قول الشاعر
: جزيتك ضعف الود لما اشتكيته  وما إن جزاك الضعف من أحد قبلىوإذا قيل : أعطه ضِعْفَيْ واحد اقتضى ذلك الواحد ومثليه وذلك ثلاثة لأن معناه الواحد واللذان يزاوجانه، ( وذلك ثلاثة ) ( ٢ ) هذا إذا كان الضعف مضافاً فإذا لم يكن مضافاً فقلتَ : الضعفين فقد قيل : يجري مجرى الزوجين في أن كل واحد منهما يزاوج الآخر فيقتضي ذلك اثنين لأن كل واحد ( منهما ) ) يضاعف الآخر فلا يخرجان منهما اه. / ونصب  ضعافا  على أنه صفة لعذاب، وجوز أن يكون بدلاً منه و  مِنَ النار  صفة العذاب أو الضعف. 
 قَالَ  سبحانه وتعالى : لِكُلّ  منكم ومنهم عذاب  ضِعْفَ  من النار، أما القادة فلضلالهم وإضلالهم وذلك سبب الدعاء السابق، وأما الأتباع فلذلك أيضاً عند بعض، وكونهم ضالين ظاهر وأما كونهم مضلين فلان اتخاذهم إياهم رؤساء يصدرون عن أمرهم يزيد في طغيانهم كما قال سبحانه وتعالى : وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مّنَ الإنس يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مّنَ الجن فَزَادوهُمْ رَهَقاً  \[ الجن : ٦ \]، واعترض بعدم اطراده فإن اتباع كثير من الأتباع غير معلوم للقادة إلا أن يقال : إنه مخصوص ببعضهم ؛ وقيل : الأحسن أن يقال : إن ضعف الأتباع لإعراضهم عن الحق الواضح وتولي الرؤساء لينالوا عرض الدنيا اتباعاً للهوى، ويدل عليه قوله تعالى : قَالَ الذين استكبروا لِلَّذِينَ استضعفوا أَنَحْنُ صددناكم عَنِ الهدى بَعْدَ إِذْ جَاءكُمْ بَلْ كُنتُمْ مُّجْرِمِينَ  \[ سبأ : ٣٢ \] وفيه ما فيه. والأولى أن يقال : إن ذلك في الأتباع لكفرهم وتقليدهم ولا شك أن التقليد في الهدى ضلال يستحق فاعله العذاب، ونقل الراغب عن بعضهم في الآية أن المعنى **«لكل منكم ومنهم ضعف ما يرى الآخر فإن من العذاب ظاهراً وباطناً وكل يدرك من الآخر الظاهر دون الباطن فيقدر أن ليس له العذاب الباطن »**، واختار أن المعنى **«لكل منهم ضعف ما لكم من العذاب »** والظاهر ما عولنا عليه. 
 ولكن لاَّ تَعْلَمُونَ  ما لكم أو ما لكل فريق فلذا تكلمتم بما يشعر باعتقادكم استحقاق الرؤساء الضعف دونكم فالخطاب على التقديرين للأتباع كما هو الظاهر. وقيل : إنه على الأول للأتباع، وعلى الثاني للفريقين بتغليب المخاطبين الذين هم الأتباع على الغيب الذين هم القادة. وقرأ عاصم  لاَّ يَعْلَمُونَ  بالياء التحتية على انفصال هذا الكلام عما قبله بأن يكون تذييلاً لم يقصد به إدراجه في الجواب، ومن ادعى أن الخطاب للفريقين على سبيل التغليب قال : إن هذه القراءة على انفصال القادة من الأتباع إذ عليها لا يمكن القول بالتغليب إذ لا يغلب الغائب على المخاطب.

### الآية 7:39

> ﻿وَقَالَتْ أُولَاهُمْ لِأُخْرَاهُمْ فَمَا كَانَ لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ [7:39]

وَقَالَتْ أولاهم لاِخْرَاهُمْ  حين سمعوا جواب الله تعالى لهم، واللام هنا يجوز أن تكون للتبليغ لأن خطابهم لهم بدليل قوله سبحانه وتعالى : فَمَا كَانَ لَكُمْ عَلَيْنَا مِن فَضْلٍ  أي إنا وإياكم متساوون في استحقاق العذاب وسببه، وهذا مرتب على كلام الله تعالى على وجه التسبب لأن ءخباره سبحانه بقوله جل وعلا : لِكُلّ ضِعْفٌ  \[ الأعراف : ٣٨ \] سبب لعلمهم بالمساواة فالفاء جوابية لشرط مقدر أي إذا كان كذلك فقد ثبت أن لا فضل لكم علينا. وقيل : إنها عاطفة على مقدر أي دعوتم الله تعالى فسوى بيننا وبينكم فما كان الخ وليس بشيء. وأياً ما كان فقد عنوا بالفضل تخفيف العذاب ووحدة السبب، وأما ما قيل من أن المعنى ما كان لكم علينا من فضل في الرأي والعقل وقد بلغكم ما نزل بنا من العذاب فلم اتبعتمونا فكما ترى. وقيل : المعنى ما كان لكم علينا في الدنيا فضل بسبب اتباعكم إيانا بل اتباعكم وعدم اتباعكم سواء عندنا فاتباعكم إيانا كان باختياركم دون حملنا لكم عليه، وعليه فليس مرتباً على كلام الله تعالى وجوابه كما في الوجه الأولى  فَذُوقُواْ العذاب  المضاعف  بِمَا كُنتُمْ تَكْسِبُونَ  أي بسبب كسبكم أو الذي تكسبونه. والظاهر أن هذا من كلام القادة قالوه لهم على سبيل التشفي. وترتبه على ما قبله على القول الأخير في معنى الآية في غاية الظهور. وجوز أن يكون من كلام الله تعالى للفريقين على سبيل التوبيخ والوقف على  فَضَّلَ . وقيل : هو من مقول الفريقين أي قالت كل فرقة للأخرى ذوقوا الخ وهو خلاف الظاهر جداً.

### الآية 7:40

> ﻿إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَلَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّىٰ يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ ۚ وَكَذَٰلِكَ نَجْزِي الْمُجْرِمِينَ [7:40]

إِنَّ الذين كَذَّبُواْ بئاياتنا  الدالة على أصول الدين وأحكام الشرع كالأدلة الدالة على وجود الصانع ووحدته والدالة على النبوة والمعاد ونحو ذلك  واستكبروا عَنْهَا  أي بالغوا في احتقارها وعدم الاعتناء بها ولم يلتفتوا إليها وضموا أعينهم عنها ونبذوها وراء ظهورهم ولم يكتسوا بحلل مقتضاها ولم يعملوا به  لاَ تُفَتَّحُ لَهُمْ  أي لأرواحهم إذا ماتوا  أبواب السماء  كما تفتح لأرواح المؤمنين. أحمد والنسائي والحاكم وصححه والبيهقي وغيرهم عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :**«الميت تحضره الملائكة فإذا كان الرجل صالحاً قال : أخرجي أيتها النفس الطيبة كانت في الجسد الطيب أخرجي حميدة وأبشري بروح وريحان ورب راض غير غضبان فلا تزال يقال لها ذلك حتى تخرج ثم يعرج بها إلى السماء فيستفتح لها فيقال من هذا ؟ فيقولون : فلان بن فلان فيقال : مرحباً بالنفس الطيبة كانت في الجسد الطيب أدخلي حميدة وأبشري روح وريحان ورب راض غير غضبان فلا تزال يقال لها ذلك حتى تنتهي إلى السماء السابعة وإذا كان الرجل سوأ قال : أخرجي أيتها النفس الخبيثة كانت في الجسد الخبيث أخرجي ذميمة وأبشري بحميم وغساق وآخر من شكله أزواج فلا تزال يقال لها ذلك حتى تخرج ثم يعرج بها إلى السماء فيستفتح لها فيقال : من هذا ؟ فيقولون : فلان بن فلان فيقال : لا مرحباً بالنفس الخبيثة كانت في الجسد الخبيث ارجعي ذميمة لا تفتح لك أبواب السماء فترسل من السماء ثم تصير إلى القبر »** والأخبار في ذلك كثيرة. وقيل : لا تفتح لأعمالهم ولا لدعائهم أبواب السماء. وروي ذلك عن الحسن ومجاهد. وقيل : لا تفتح لأرواحهم ولا لأعمالهم. وروي ذلك عن ابن جريج. وقيل : المراد لا يصعد لهم عمل ولا تنزل عليهم البركة. 
وكون السماء لها أبواب تفتح للأعمال الصالحة والأرواح الطيبة قد تفتحت له أبواب القبول للنصوص الواردة فيه وهو أمر ممكن أخبر به الصادق فلا حاجة إلى تأويله. وكون السماء كروية لا تقبل الخرق والالتئام مما لا يتم له دليل عندنا. وظاهر كلام أهل الهيئة الجديدة جواز الخرق والالتئام على الأفلاك. وزعم بعضهم أن القول بالأبواب لا ينافي القول بامتناع الخرق والالتئام وفيه نظر كما لا يخفى. والتاء في  تُفَتَّحُ  لتأنيث الأبواب والتشديد لكثرتها لا لكثرة الفعل لعدم مناسبة المقام. وقرأ أبو عمرو بالتخفيف وحمزة والكسائي به وبالياء التحتية وروي ذلك عن البراء بن عازب رضي الله تعالى عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم لأن التأنيث غير حقيقي والفعل مقدم مع وجود الفاصل. وقرىء على البناء للفاعل ونصب الأبواب بالتاء الفوقية على أن الفعل مسند إلى الآيات مجازاً لأنها سبب لذلك. 
وبالياء على أنه مسند إلى الله تعالى. 
 وَلاَ يَدْخُلُونَ الجنة  يوم القيامة  حتى يَلِجَ  أي يدخل  الجمل  **«هو البعير إذا بزل وجمعه جمال وأجمال وجمالة ويجمع الأخير على جمالات »**. وعن ابن مسعود أنه سئل عن الجمل فقال : هو زوج الناقة. وعن الحسن أنه قال : ابن الناقة الذي يقوم في المربد على أربع قوائم وفي ذلك استجهال للسائل وإشارة إلى أن طلب معنى آخر تكلف. والعرب تضرب به المثل في عظم الخلقة فكأنه قيل : حتى يدخل ما هو مثل في عظم الجرم  فِى سَمّ الخياط  أي ثقبة الابرة وهو مثل عندهم أيضاً في ضيق المسلك وذلك مما لا يكون فكذا ما توقف عليه بل لا تتعلق به القدرة لعدم إمكانه ما دام العظيم على عظمه والضيق على ضيقه. وهي إنما تتعلق بالممكنات الصرفة. والممكن الولوج بتصغير العظيم أو توسيع الضيق. وقد كثر في كلامهم مثل هذه الغاية فيقولون : لا أفعل كذا حتى يشيب الغراب وحتى يبيض القار وحتى يؤوب القارظان ومرادهم لا أفعل كذا أبداً، وقرأ ابن عباس وابن جبير ومجاهد وعكرمة. والشعبي  الجمل  بضم الجيم وفتح الميم المشددة كالقمل. 
وقرأ عبد الكريم وحنظلة وابن عباس وابن جبير في رواية أخرى  الجمل  بالضم والفتح مع التخفيف كنغر. وفي رواية عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه قرأ  الجمل  بضم الجيم وسكون الميم كالقفل و  الجمل  بضمتين كالنصب، وقرأ أبو السمال  الجمل  بفتح الجيم وسكون الميم كالحبل، وفسر في جميع ذلك بالحبل الغليظ من القنب. وقيل : هو حبل السفينة، وقرىء  فِى سَمّ  بضم السين وكسرها وهما لغتان فيه والفتح أشهر، ومعناه الثقب الصغير مطلقاً. وقيل : أصله ما كان في عضو كأنف وأذن، وقرأ عبد الله  فِى سَمّ  بكسر الميم وفتحها وهو والخياط ما يخاط به كالحزام والمحزم والقناع والمقنع. 
 تَتْبِيبٍ وكذلك  أي مثل ذلك الجزاء الفظيع  نَجْزِى المجرمين  أي جنسهم وأولئك داخلون فيه دخولاً أولياً، وأصل الجرم قطع الثمرة عن الشجرة. ويقال : أجرم صار ذا جرم كأتمر وأثمر، ويستعمل في كلامهم لاكتساب المكروه، ولا يكاد يقال للكسب المحمود. 
( ومن باب الإشارة ) : إِنَّ الذين كَذَّبُواْ بئاياتنا  الدالة علينا  واستكبروا عَنْهَا  ولم يلتفتوا إليها لوقوفهم مع أنفسهم  لاَ تُفَتَّحُ لَهُمْ أبواب السماء  فلا تعرج أرواحهم إلى الملكوت  وَلاَ يَدْخُلُونَ الجنة  أي جنة المعرفة والمشاهدة والقربة  حتى يَلِجَ الجمل  أي جمل أنفسهم المستكبرة  فِى سَمّ الخياط  \[ الأعراف : ٤٠ \] أي خياط أحكام الشريعة الذي به يخاط ما شقته يد الشقاق، وسمه آداب الطريقة لأنها دقيقة جداً، وقد يقال : الخياط إشارة إلى خياط الشريعة، والطريقة وسمه ما يلزمه العمل به من ذلك وولوج ذلك الجمل لا يمكن مع الاستكبار بل لا بد من الخضوع والانقياد وترك الحظوظ النفسانية وحينئذ يكون الجمل أقل من البعوضة بل أدق من الشعرة فحينئذ يلج في ذلك السم

### الآية 7:41

> ﻿لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهَادٌ وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ ۚ وَكَذَٰلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ [7:41]

لَهُم مّن جَهَنَّمَ مِهَادٌ  أي فراش من تحتهم، وتنوينه للتفخيم وهو فاعل الظرف أو مبتدأ، والجملة إما مستأنفة أو حالية، و ( من ) تجريدية، والجار والمجرور متعلق بمحذوف وقع حالاً من  مِهَادٌ  لتقدمه  وَمِن فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ  أي أغطية جمع غاشية، وعن ابن عباس ومحمد بن كعب القرظي أنها اللحف. والآية على ما قيل مثل قوله تعالى : لَهُمْ مّن فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مّنَ النار وَمِن تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ  \[ الزمر : ١٦ \] والمراد أن النار محيطة بهم من جميع الجوانب وأخرج ابن مردويه عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم تلا هذه الآية ثم قال :**«هي طبقات من فوقه وطبقات من تحته لا يدري ما فوقه أكثر أو ما تحته غير أنه ترفعه الطبقات السفلى وتضعه الطبقات العليا ويضيق فيما بينهما حتى يكون بمنزلة الزج في القدح »** وتنوين  غَوَاشٍ  عوض عن الحرف المحذوف أو حركته، والكسرة ليست للإعراب وهو غير منصرف لأنه على صيغة منتهى الجموع، وبعض العرب يعربه بالحركات الظاهرة على ما قبل الياء لجعلها محذوفة نسياً منسياً، ولذا قرىء  غَوَاشٍ  بالرفع كما في قوله تعالى : وَلَهُ الجوار  \[ الرحمن : ٢٤ \] في قراءة عبد الله. 
 تَتْبِيبٍ وكذلك  أي ومثل ذلك الجزء الشديد  نَجْزِى الظالمين  عبر عنهم بالمجرمين تارة وبالظالمين أخرى للتنبيه على أنهم بتكذيبهم بالآيات واستكبارهم عنها جمعوا الصفتين. وذكر الجرم مع الحرمان من الجنة والظلم مع التعذيب بالنار تنبيهاً على أنه أعظم الأجرام، ولا يخفى على المتأمل في لطائف القرآن العظيم ما في إعداد المهاد والغواشي لهؤلاء المستكبرين عن الآيات ومنعهم من العروج إلى الملكوت وتقييد عدم دخولهم الجنة بدخول البعير بخرق الإبرة من اللطافة فليتأمل. 
( ومن باب الإشارة ) : لَهُم مّن جَهَنَّمَ  الحرمان  مِهَادٌ وَمِن فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ  \[ الأعراف : ٤١ \] أي أن الحرمان أحاط بهم، وقيل : لهم من جهنم المجاهدة والرياضة فراش ومن فوقهم من مخالفات النفس وقطع الهوى لحاف فتذيبهم وتحرق أنانيتهم.

### الآية 7:42

> ﻿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا أُولَٰئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ ۖ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ [7:42]

والذين ءامَنُواْ  أي بآياتنا ولم يكذبوا بها  وَعَمِلُواْ  الأعمال  الصالحات  ولم يستكبروا عنها  لاَ نُكَلّفُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا  أي ما تقدر عليه بسهولة دون ما تضيق به ذرعاً، والجملة اعتراض وسط بين المبتدأ وهو الموصول والخبر الذي هو جملة  أُوْلَئِكَ أصحاب الجنة  للترغيب في اكتساب ما يؤدي إلى النعيم المقيم ببيان سهولة مناله وتيسر تحصيله. وقيل : المعنى لا نكلف نفساً إلا ما يثمر لها السعة أي جنة عرضها السموات والأرض وهو خلاف الظاهر وإن كانت الآية عليه لا تخلو عن ترغيب أيضاً. وجوز أن يكون اسم الإشارة بدلاً من الموصول وما بعده خبر المبتدأ، وما فيه من معنى البعد للإيذان ببعد منزلتهم في الفضل والشرف. وجوز أيضاً أن تكون جملة  لاَ نُكَلّفُ  الخ خبر المبتدأ بتقدير العائد أي منهم. وقوله سبحانه : هُمْ فِيهَا خالدون  حال من  أصحاب الجنة ، وجوز كونه حالاً من  الجنة  لاشتماله على ضميرها أيضاً والعامل فيها معنى الإضافة أو اللام المقدرة. وقيل : خبر لأولئك على رأي من جوزه. و  فِيهَا  متعلق بخالدون قدم عليه رعاية للفاصلة.

### الآية 7:43

> ﻿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ ۖ وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَٰذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ ۖ لَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ ۖ وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ [7:43]

وَنَزَعْنَا مَا فِى صُدُورِهِم مّنْ غِلّ  أي قلعنا ما في قلوبهم من حقد مخفي فيها وعداوة كانت بمقتضى الطبيعة لأمور جرت بينهم في الدنيا. أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن السدي قال :**«إن أهل الجنة إذا سيقوا إلى الجنة ( فبلغوها ) وجدوا عند بابها شجرة، في أصل ساقها عينان ( فيشربون ) من إحداهما فينزع ما في صدورهم من غل فهو الشراب الطهور ( ويغتسلون ) من الأخرى ( فتجري ) عليهم نضرة النعيم ( فلن ) يشعثوا ( ولن ) ( ٥ ) ( يشحبوا ) بعدها أبداً »**. وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن قال : بلغني أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :" يحبس أهل الجنة بعدما يجوزون الصراط حتى يؤخذ لبعضهم من بعض ظلاماتهم في الدنيا فيدخلون الجنة وليس في قلوب بعض على بعض غل ". وقيل : المراد طهرنا قلوبهم وحفظناها من التحاسد على درجات الجنة ومراتب القرب بحيث لا يحسد صاحب الدرجة النازلة صاحب الدرجة الرفيعة. وهذا في مقابلة ما ذكره سبحانه من لعن أهل النار بعضهم بعضاً. وأياً ما كان فالمراد ننزع لأنه في الآخرة إلا أن صيغة الماضي للإيذان بتحققه. وقيل : إن هذا النزع إنما كان في الدنيا، والمراد عدم اتصافهم بذلك من أول الأمر إلا أنه عبر عن عدم الاتصاف به مع وجود ما يقتضيه حسب البشرية أحياناً بالنزع مجازاً، ولعل هذا بالنظر إلى كمل المؤمنين كأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فإنهم رحماء بينهم يحب بعضهم بعضاً كمحبته لنفسه أو المراد إزالته بتوفيق الله تعالى قبل الموت بعد أن كان بمقتضى الطباع البشرية. ويحتمل أن يخرج على الوجهين ما أخرجه غير واحد عن علي كرم الله تعالى وجهه أنه قال في هذه الآية : إني لأرجو أن أكون أنا وعثمان وطلحة والزبير منهم، ويقال على الثاني فيما وقع مما ينبىء بظاهره عن الغل. إنه لم يكن إلا عن اجتهاد إعلاءاً لكلمة الله تعالى. ولا يخفى بعد هذا المعنى وإن ساعده ظاهر الصيغة. و  مّنْ غِلّ  على سائر الاحتمالات حال من ( ما ). 
وقوله سبحانه : تَجْرِى مِن تَحْتِهِمُ الانهار  حال أيضاً إما من الضمير في  صُدُورُهُمْ  لأن المضاف جزء من المضاف إليه والعامل معنى الإضافة أو العامل في المضاف، وإما من ضمير  \*نزعنا  على ما قيل والعامل الفعل. واختار بعضهم أن الجملة مستأنفة للإخبار عن صفة أحوالهم. والمراد تجري من تحت غرفها مياه الأنهار زيادة في لذتهم وسرورهم. 
 الانهار وَقَالُواْ الحمد لِلَّهِ الذى هَدَانَا لهذا  الفوز العظيم والنعيم المقيم. والمراد الهداية لما أدى إليه من الأعمال القلبية والقالبية مجازاً وذلك بالتوفيق لها وصرف الموانع عن الاتصاف بها. 
 وقيل : المراد من الهداية لما هم فيه من النعيم مجاوزة الصراط إلى أن وصلوا إليه. ومن الناس من جعل الإشارة إلى نزع الغل من الصدور ولا أراه شيئاً  وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِىَ  أي لهذا أو لمطلب من المطالب التي هذا من جملتها  لَوْلا أَنْ هَدَانَا الله  وفقنا له، واللام لتأكيد النفي وهي المسماة بلام الجحود وجواب ( لولا ) محذوف لدلالة ما قبله عليه، وليس إياه لامتناع تقدم الجواب على الصحيح ومفعول  \*نهتدي .  \*وهدانا  الثاني محذوف لظهور المراد أو لإرادة التعميم كما أشير إليه، والجملة حالية أو استئنافية، وفي مصاحف أهل الشام  نَعْقِلُ مَا كُنَّا  بدون واو وهي قراءة ابن عامر فالجملة كالتفسير للأولى، وهذا القول من أهل الجنة لإظهار السرور بما نالوا والتلذذ بالتكلم به لا للتقرب والتعبد فإن الدار ليست لذلك ؛ وهذا كما ترى من رزق خيراً في الدنيا يتكلم بنحو هذا ولا يتمالك أن لا يقوله للفرح لا للقربة. 
وقوله سبحانه : لَقَدْ جَاءتْ رُسُلُ رَبّنَا بالحق  جملة قسمية لم يقصد بها التقرب أيضاً وهي بيان لصدق وعد الرسل عليهم السلام إياهم بالجنة على ما نص عليه بعض الفضلاء، وقيل : تعليل لهدايتهم. والباء إما للتعدية فهي متعلقة بجاءت أو للملابسة فهي متعلقة بمقدر وقع حالاً من الرسل، ولا يخفى ما في هذه الآية من الرد الواضح على القدرية الزاعمين أن كل مهتد خلق لنفسه الهدى ولم يخلق الله تعالى له ذلك، ودونك فاعرض قول المعتزلة في الدنيا المهتدي من اهتدى بنفسه على قول الله تعالى حكاية عن قول الموحدين في مقعد صدق  وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِىَ لَوْلا أَنْ هَدَانَا الله  واختر لنفسك أي الفريقين تقتدي به ولا أراك أيها العاقل تعدل بما نوه الله تعالى به قول ضال يتذبذب مع هواه وتعصبه. ولما رأى الزمخشري هذه الآية كافحة في وجوه قومه فسر الهدى باللطف الذي بسببه يخلق العبد الاهتداء لنفسه، وهو لعمري كلام من حرم اللطف نسأل الله تعالى العفو والعافية. 
 وَنُودُواْ  أي نادتهم الملائكة، وجوز بعضهم احتمال أن المنادي هو الله، والآثار تؤيد الأول.  أَن تِلْكُمُ الجنة  أي أي تلكم على أن  ءانٍ  مفسرة لما في النداء من معنى القول، ويجوز أن تكون مخففة من أن وحرف الجر مقدر واسمها ضمير شأن محذوف أي بأنها أو بأنه تلكم، وأوجب البعض الثاني بناءً على أنه يجب أن يؤنث ضمير الشأن إذا كان المسند إليه في الجملة المفسرة مؤنثاً، والصحيح عدم الوجوب على ما صرح به ابن الحاجب وابن مالك، ومعنى البعد في اسم الإشارة إما لرفع منزلتها وبعد مرتبتها، وإما لأنهم نودوا عند رؤيتهم إياها من مكان بعيد، وإما للإشعار بأنها تلك الجنة التي وعدوها في الدنيا وإليه يشير كلام الزجاج. 
والظاهر أن  تِلْكُمُ الجنة  مبتدأ وخبر وقوله سبحانه : أُورِثْتُمُوهَا  حال من الجنة والعامل فيها معنى الإشارة ويجوز أن تكون الجنة نعتاً لتلكم أو بدلاً و  أُورِثْتُمُوهَا  الخبر، ولا يجوز أن يكون حالاً من المبتدأ ولا من كم كما قاله أبو البقاء وهو ظاهر، والتزم بعضهم في توجيه البعد أن  تِلْكُمُ  خبر مبتدأ محذوف أي هذه تلكم الجنة الموعودة لكم قبل أو مبتدأ حذف خبره أي تلك الجنة التي أخبرتم عنها أو وعدتم بها في الدنيا هي هذه ولا حاجة إليه. والمنادى له أولاً وبالذات كونها موروثة لهم وما قبله توطئة له، والميراث مجاز عن الإعطاء أي أعطيتموها. 
 بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ  في الدنيا من الأعمال الصالحة، والباء للسببية وتجوز بذلك عن الإعطاء إشارة إلى أن السبب فيه ليس موجباً وإن كان سبباً بحسب الظاهر كما أن الإرث ملك بدون كسب وإن كان النسب مثلاً سبباً له، والباء في قوله صلى الله عليه وسلم على ما في بعض الكتب :" لن يدخل أحدكم الجنة بعمله " وكذا في قوله عليه الصلاة والسلام على ما في **«الصحيحين »** من حديث أبي هريرة وجابر " لن ينجو أحد منكم بعمله " للسبب التام فلا تعارض، وجوز أن تكون الباء فيما نحن فيه للعوض أي بمقابلة أعمالكم، وقيل : تلك الإشارة إلى منازل في الجنة هي لأهل النار لو كانوا أطاعوا جعلها الله تعالى إرثاً للمؤمنين، فقد أخرج ابن جرير وأبو الشيخ عن السدي قال :**«ما من مؤمن ولا كافر إلا وله في الجنة والنار منزل ( مبين ) فإذا دخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار ودخلوا منازلهم رفعت الجنة لأهل النار فنظروا إلى منازلهم فيها فقيل ( لهم ) هذه منازلكم لو عملتم بطاعة الله تعالى ثم يقال : يا أهل الجنة رثوهم بما كنتم تعملون ( فيقتسم ) أهل الجنة منازلهم »**، وأنت تعلم أن القول بهذا الإرث الغريب لا يدفع الحاجة إلى المجاز. 
وزعم المعتزلة أن دخول الجنة بسبب الأعمال لا بالتفضل لهذه الآية، ولا يخفى أنه لا محيص لمؤمن عن فضل الله تعالى لأن اقتضاء الأعمال لذاتها دخول الجنة أو إدخال الله تعالى ذويها فيها مما لا يكاد يعقل، وقصارى ما يعقل أن الله تعالى تفضل فرتب عليها دخول الجنة فلولا فضله لم يكن ذلك، وأنا لا أرى أكثر جرأة من المعتزلة في هذا الباب ككثير من الأبواب فإن مآل كلامهم فيه أن الجنة ونعيمها الذي لا يتناهى إقطاعهم بحق مستحق على الله تعالى الذي لا ينتفع بشيء ولا يتضرر بشيء لا تفضل له عليهم في ذلك بل هو بمثابة دين أدى إلى صاحبه سبحانك هذا بهتان عظيم وتكذيب لغير ما خبر صحيح.

### الآية 7:44

> ﻿وَنَادَىٰ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابَ النَّارِ أَنْ قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقًّا فَهَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا ۖ قَالُوا نَعَمْ ۚ فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَنْ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ [7:44]

وَنَادَى أصحاب الجنة  بعد الاستقرار فيها كما هو الظاهر، وصيغة الماضي لتحقق الوقوع، والمعنى ينادي ولا بد كل فريق من أهل الجنة  أصحاب النار  أي من كان يعرفه في الدنيا من أهلها تبجحاً بحالهم وشماتة بأعدائهم وتحسيراً لهم لا لمجرد الإخبار والاستخبار  أَن قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا  على ألسنة رسله عليهم السلام من النعيم والكرامة  حَقّاً  حيث نلنا ذلك  فَهَلْ وَجَدتُّم مَّا وَعَدَ رَبُّكُمْ  أي ما وعدكم من الخزي والهوان والعذاب  حَقّاً  وحذف المفعول تخفيفاً وإيجازاً واستغناء بالأول، وقيل : لأن ما ساءهم من الوعود لم يكن بأسره مخصوصاً بهم وعده كالبعث والحساب ونعيم أهل الجنة فإنهم قد وجدوا جميع ذلك حقاً وإن لم يكن وعده مخصوصاً بهم. وتعقب بأنه لا خفاء في كون أصحاب الجنة مصدقين بالكل والكل مما يسرهم فكان ينبغي أن يطلق وعدهم أيضاً ؛ فالوجه الحمل على ما تقدم، ونصب  حَقّاً  في الموضعين على الحالية، وجوز أن يكون على أنه مفعول ثان ويكون وجد بمعنى علم، والتعبير بالوعد قيل : للمشاكلة، وقيل : للتهكم. ومن الناس من جوز أن يكون مفعول وعد المحذوف ن وحينئذٍ فلا مشاكلة ولا تهكم. وأياً ما كان لا يستبعد هذا النداء هناك وأن بعد ما بين الجنة والنار من المسافة كما لا يخفى. 
 قَالُواْ  في جواب أصحاب الجنة  نِعْمَ  قد وجدنا ذلك حقاً. وقرأ الكسائي  نِعْمَ  بكسر العين وهي لغة فيه نسبت إلى كنانة وهذيل ولا عبرة بمن أنكره مع القراءة به وإثبات أهل اللغة له بالنقل الصحيح. نعم ما روي من أن عمر رضي الله تعالى عنه **«سأل قوماً عن شيء فقالوا : نعم فقال عمر : أما النعم فالإبل قولوا : نعم »** لا أراه صحيحاً لما فيه من المخالفة لأصح الفصيح  فَأَذَّنَ مُؤَذّنٌ  هو على ما روي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنه صاحب الصور عليه السلام، وقيل : مالك خازن النار. وقيل : ملك من الملائكة غيرهما يأمره الله تعالى بذلك. ورواية الإمامية عن الرضا وابن عباس أنه علي كرم الله تعالى وجهه مما لم يثبت من طريق أهل السنة وبعيد عن هذا الإمام أن يكون مؤذناً وهو إذ ذاك في حظائر القدس  بَيْنَهُمْ  أي الفريقين لا بين القائلين نعم كما قيل، ولا يرد أن الظاهر أن يقال : بينهما لأنه غير متعين  أَن لَّعْنَةُ الله عَلَى الظالمين  بأن المخففة أو المفسرة، والمراد الإعلام بلعنة الله تعالى لهم زيادة لسرور أصحاب الجنة وحزن أصحاب النار أو ابتداء لعن. وقرأ ابن كثير. وابن عامر. وحمزة. والكسائي  أَن لَّعْنَةُ الله  بالتشديد والنصب : وقرأ الأعمش بكسر الهمزة على إرادة القول بالتضمين أو التقدير أو على الحكاية بإذن لأنه في معنى القول فيجري مجراه. 
( ومن باب الإشارة ) : وَنَادَى أصحاب الجنة  المرحومون  أصحاب النار  المحرمون  أَن قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا  من القرب حقا فهل وجدتم ما وعد ربكم من البعد  حَقّاً   فَأَذَّنَ مُؤَذّنٌ  وهو مؤذن العزة والعظمة  بَيْنَهُمْ أَن لَّعْنَةُ الله عَلَى الظالمين  \[ الأعراف : ٤٤ \] الواضعين الشيء في غير موضعه

### الآية 7:45

> ﻿الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا وَهُمْ بِالْآخِرَةِ كَافِرُونَ [7:45]

الذين يَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ الله  أي يصدون بأنفسهم عن دينه سبحانه ويعرضون عنه، فالموصول صفة مقررة للظالمين لأن هذا الإعراض لازم لكل ظالم، وجوز القطع بالرفع أو النصب وكلاهما على الذم وأمر الوقف ظاهر، وفسر الإمام النسفي الصد هنا بمنع الغير وعليه فلا تقرير، والمعنى يمنعون الناس عن دين الله تعالى بالنهي عنه وإدخال الشبه في دلائله  وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا  أي يطلبون اعوجاجها ويذمونها فلا يؤمنون بها أو يطلبون لها تأويلاً وإمالة إلى الباطل، فالعوج إما على أصله وهو الميل وإما بمعنى التعويج والإمالة. ونصبه قيل : على الحالية. وقيل : على المفعولية. وجوز الطبرسي **«أن يكون نصباً على المصدر كرجع القهقرى واشتمل الصماء، وذكر أن العوج بالكسر يكون في الدين والطريق وبالفتح في الخلقة فيقال في ساقه عوج بالفتح وفي دينه عوج بالكسر »**، وقال الراغب :**«العَوَج يقال فيما يدرك بالبصر ( سهلاً ) كالخشب المنتصب ونحوه، والعِوَج يقال فيما يدرك بفكر وبصيرة كما يكون في أرض بسيط \*\*\* وكالدِّين والمعاش »**، وسيأتي لذلك تتمة إن شاء الله تعالى.  وَهُم بالاخرة كافرون  أي غير معترفين بالقيامة وما فيها، والجار متعلق بما بعده. والتقديم لرعاية الفواصل، والعدول عن الجملة الفعلية إلى الاسمية للدلالة على الدوام والثبات إشارة إلى رسوخ الكفر فيهم. 
( ومن باب الإشارة ) : الذين يَصُدُّونَ  السالكين  عَن سَبِيلِ الله  أي الطريق الموصلة إليه سبحانه، وقيل : يصدون القلب والروح عن ذلك  وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا  بأن يصفوها بما ينفر السالك عنها من الزيغ والميل عن الحق، وقيل : يطلبون صرف وجوههم إلى الدنيا وما فيها  وَهُم بالاخرة  أي الفناء بالله تعالى أو بالقيامة الكبرى  كافرون  \[ الأعراف : ٤٥ \] لمزيد احتجابهم بما هم فيه

### الآية 7:46

> ﻿وَبَيْنَهُمَا حِجَابٌ ۚ وَعَلَى الْأَعْرَافِ رِجَالٌ يَعْرِفُونَ كُلًّا بِسِيمَاهُمْ ۚ وَنَادَوْا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ ۚ لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ [7:46]

وَبَيْنَهُمَا حِجَابٌ  أي بين الفريقين كقوله تعالى : فَضُرِبَ بَيْنَهُم بِسُورٍ  \[ الحديد : ١٣ \] أو بين الجنة والنار حجاب عظيم ليمنع وصول أثر إحداهما إلى الأخرى وإن لم يمنع وصول النداء أمور الآخرة لا تقاس بأمور الدنيا.  وَعَلَى الاعراف  أي أعراف الحجاب أي أعاليه، وهو السور المضروب بينهما جمع عرف مستعار من عرف الدابة والديك. وقيل : العرف ما ارتفع من الشيء أي أعلى موضع منه لأنه أشرف وأعرف مما انخفض منه. وقيل : ذاك جبل أحد. فقد روي عنه صلى الله عليه وسلم :**«أحد يحبنا ونحبه و إنه يوم القيامة يمثل بين الجنة والنار يحبس عليه أقوام يعرفون كلاً بسيماهم وهم إن شاء الله تعالى من أهل الجنة »**. وقيل : هو الصراط وروي ذلك عن الحسن بن المفضل. وحكي عن بعضهم أنه لم يفسر الأعراف بمكان وأنه قال : المعنى وعلى معرفة أهل الجنة والنار  رِجَالٌ  والحق أنه مكان والرجال طائفة من الموحدين قصرت بهم سيآتهم عن الجنة وتجاوزت بهم حسناتهم عن النار جعلوا هناك حتى يقضى بين الناس فبينما هم كذلك إذ اطلع عليهم ربهم فقال لهم : قوموا ادخلوا الجنة فإني غفرت لكم أخرجه أبو الشيخ والبيهقي وغيرهما عن حذيفة. وفي رواية أخرى عنه **«يجمع الله تعالى الناس ثم يقول لأصحاب الأعراف : ما تنتظرون ؟ قالوا : ننتظر أمرك فيقال : إن حسناتكم تجاوزت بكم النار أن تدخلوها وحالت بينكم وبين الجنة خطاياكم فادخلوها بمغفرتي ورحمتي »**. وإلى هذا ذهب جمع من الصحابة والتابعين. وقيل : هم الأنبياء عليهم الصلاة والسلام أجلسهم الله تعالى على أعالي ذلك السور تمييزاً لهم على سائر أهل القيامة وإظهاراً لشرفهم وعلو مرتبهم. 
وروى الضحاك عن ابن عباس أنهم العباس وحمزة وعلي وجعفر ذو الجناحين رضي الله تعالى عنهم يجلسون على موضع من الصراط يعرفون محبيهم ببياض الوجوه ومبغضيهم بسوادها. وقيل : إنهم عدول القيامة الشاهدون على الناس بأعمالهم وهم من كل أمة حكاه الزهري. وأخرج البيهقي وابن أبي حاتم وابن مردويه وأبو الشيخ والطبراني وغيرهم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن أصحاب الأعراف فقال :**«هم أناس قتلوا في سبيل الله بمعصية آبائهم فمنعهم من دخول الجنة معصية آبائهم ومنعهم من دخول النار قتلهم في سبيل الله »**. وقيل : هم أناس رضي عنهم أحد أبويهم دون الآخر. وقال الحسن البصري : إنهم قوم كان فيهم عجب. وقال مسلم بن يسار : هم قوم كان عليهم دين، وقيل : هم أهل الفترة، وقيل : أولاد المشركين، وفي رواية عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنهم أولاد الزنا، وعنه أيضاً أنهم مساكين أهل الجنة. 
وعن أبي مسلم أنهم ملائكة يرون في صورة الرجال لا أنهم رجال حقيقة لأن الملائكة لا يوصفون بذكورة ولا أنوثة. وقيل وقيل وأرجح الأقوال كما قال القرطبي الأول وجمع بعضهم بينها بأنه يجوز أن يجلس الجميع ممن ورد فيهم أنهم أصحاب الأعراف هناك مع تفاوت مراتبهم على أن من هذه الأقوال ما لا يخفى تداخله. ومن الناس من استظهر القول بأن أصحاب الأعراف قوم علت درجاتهم لأن المقالات الآتية وما تتفرع هي عليه لا تليق بغيرهم. 
 يَعْرِفُونَ كُلاًّ  من أهل الجنة والنار  بسيماهم  بعلامتهم التي أعلمهم الله تعالى بها كبياض الوجوه بالنسبة إلى أهل الجنة وسوادها بالنسبة إلى أهل النار. ووزنه فعلى من سام إبله إذا أرسلها في المرعى معلمة أو من وسم على القلب كالجاه من الوجه فوزنه عفلى، ويقال : سيماء بالمد وسيمياء ككبرياء. قال الشاعر
 : له سيمياء ما تشق على البصر \*\*\* ومعرفتهم أن كذا علامة الجنة وكذا علامة النار تكون بالإلهام أو بتعليم الملائكة. وهذا كما روي عن أبي مجلز رضي الله تعالى عنه قبل أن يدخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار. واستظهره بعضهم إذ لا حاجة بعد الدخول للعلامة. ويشعر كلام آخرين أنه بعده والباء للملابسة. 
 وَنَادَوْاْ  أي رجال الأعراف  أصحاب الجنة  حين رأوهم وعرفوهم  أَن سلام عَلَيْكُمْ  بطريق الدعاء والتحية أو بطريق الإخبار بنجاتهم من المكاره  لَمْ يَدْخُلُوهَا  حال من فاعل  نَادُواْ  أو من مفعوله. وقوله سبحانه : وَهُمْ يَطْمَعُونَ  حال من فاعل  يَدْخُلُوهَا  أي نادوهم وهم لم يدخلوها حال كونهم طامعين في دخولها مترقبين له أي لم يدخلوها وهم في وقت عدم الدخول طامعون قاله بعضهم. وفسر الطمع باليقين الحسن وأبو علي وبه فسر في قوله تعالى حكاية عن إبراهيم عليه السلام.  والذى أَطْمَعُ أَن يَغْفِرَ لِى خَطِيئَتِى  \[ الشعراء : ٨٢ \]. وفي **«الكشاف »** **«أن جملة  لَمْ يَدْخُلُوهَا  الخ لا محل لها لأنها استئناف كأن سائلاً سأل عن حال أصحاب الأعراف فقيل : لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ  وجوز أن يكون في محل الرفع صفة لرجال »** وضعف بالفصل. 
( ومن باب الإشارة ) : وَبَيْنَهُمَا  أي بين أهل الجنة وهي جنة ثواب الأعمال من العباد والزهاد وبين أهل النار  حِجَابٍ  فكل منهم محجوب عن صاحبه  وَعَلَى الأعراف  أي أعالي ذلك الحجاب الذي هو حجاب القلب  رِجَالٌ  وأي رجال وهم العرفاء أهل الله سبحانه وخاصته، قيل : وإنما سموا رجالاً لأنهم يتصرفون بإذن الله تعالى فيما سواه عز وجل تصرف الرجال بالنساء ولا يتصرف فيهم شيء من ذلك  يَعْرِفُونَ كُلاًّ بسيماهم  لما أعطوا من نور الفراسة  وَنَادَوْاْ أصحاب الجنة  أي جنة ثواب الأعمال  أَن سلام عَلَيْكُمْ  بما من الله تعالى عليكم به من الخلاص من النار، وقيل : إن سلامهم على أهل الجنة بإمدادهم بأسباب التزكية والتخلية والأنوار القلبية وإفاضة الخيرات والبركات عليهم  لَمْ يَدْخُلُوهَا  أي لم يدخل أولئك الرجال الجنة لعدم احتياجهم إليها
 وَهُمْ يَطْمَعُونَ  \[ الأعراف : ٤٦ \] في كل وقت بما هو أعلى وأغلى، وقيل : هم أي أهل الجنة يطمعون في دخول أولئك الرجال ليقتبسوا من نورهم ويستضيئوا بأشعة وجوههم ويستأنسوا بحضورهم

### الآية 7:47

> ﻿۞ وَإِذَا صُرِفَتْ أَبْصَارُهُمْ تِلْقَاءَ أَصْحَابِ النَّارِ قَالُوا رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ [7:47]

وَإِذَا صُرِفَتْ أبصارهم تِلْقَاء أصحاب النار  أي إلى جهتهم وهو في الأصل مصدر وليس في المصادر وما هو على وزن تفعال بكسر التاء غيره وغير تبيان وزلزال ثم استعمل ظرف مكان بمعنى جهة اللقاء والمقابلة ويجوز عند السبعة إثبات همزته وهمزة  أصحاب  وحذف الأولى وإثبات الثانية. وفي عدم التعرض لتعلق أنظارهم بأصحاب الجنة والتعبير عن تعلق أبصارهم بأصحاب النار بالصرف إشعار كما قال غير واحد بأن التعلق الأول بطريق الرغبة والميل والثاني بخلافه، فمن زعم أن في الكلام الأول شرطاً محذوفاً لم يأت بشيء  قَالُواْ  متعوذين بالله سبحانه من سوء ما رأوا من حالهم  رَبَّنَا لاَ تَجْعَلْنَا مَعَ القوم الظالمين  أي لا تجمعنا وإياهم في النار. وفي وصفهم بالظلم دون ما هم عليه حينئذٍ من العذاب وسوء الحال الذي هو الموجب للدعاء إشعار بأن المحذور عندهم ليس نفس العذاب فقط بل ما يؤدي إليه من الظلم. وفي الآية على ما قيل إشارة إلى أنه سبحانه لا يجب عليه شيء. وزعم بعضهم أنه ليس المقصود فيها الدعاء بل مجرد استعظام حال الظالمين. وقرأ الأعمش  وَإِذَا \* وأعمى أبصارهم . وعن ابن مسعود وسالم مثل ذلك. 
( ومن باب الإشارة ) : وَإِذَا صُرِفَتْ أبصارهم تِلْقَاء أصحاب النار  ليعتبروا  قَالُواْ رَبَّنَا لاَ تَجْعَلْنَا مَعَ القوم الظالمين  \[ الأعراف : ٤٧ \] بأن تحفظ قلوبنا من الزيغ

### الآية 7:48

> ﻿وَنَادَىٰ أَصْحَابُ الْأَعْرَافِ رِجَالًا يَعْرِفُونَهُمْ بِسِيمَاهُمْ قَالُوا مَا أَغْنَىٰ عَنْكُمْ جَمْعُكُمْ وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ [7:48]

ونادى أصحاب الاعراف  كرر ذكرهم مع كفاية الإضمار لزيادة التقرير. وقيل : لم يكتف بالإضمار للفرق بين المراد منهم هنا. والمراد منهم فيما تقدم فإن المنادي هناك الكل وهنا البعض. وفي إطلاق أصحاب الأعراف على أولئك الرجال بناءً على أن مآلهم إلى الجنة دليل على أن عنوان الصحبة للشيء لا يستدعي الملازمة له كما زعمه البعض  رِجَالاً  من رؤساء الكفرة كأبي جهل والوليد بن المغيرة والعاص بن وائل حين رأوهم فيما بين أصحاب النار  يَعْرِفُونَهُمْ بسيماهم  بعلامتهم التي أعلمهم الله تعالى بها من سواد الوجه وتشويه الخلق وزرقة العين كما قال الجبائي أو بصورهم التي كانوا يعرفونهم بها في الدنيا كما قال أبو مسلم أو بعلامتهم الدالة على سوء حالهم يومئذٍ وعلى رياستهم في الدنيا كما قيل ولعله الأولى. وأياً ما كان فالجار والمجرور متعلق بما عنده ويفهم من كلام بعضهم وفيه بعد أنه متعلق بنادى والمعنى نادوا رجالاً يعرفونهم في الدنيا بأسمائهم وكناهم وما يدعون به من الصفات. 
 قَالُواْ  بيان لنادى أو بدل منه  مَا أغنى عَنكُمْ  استفهام للتقريع والتوبيخ ويجوز أن يراد النفي أي ما كفاكم ما أنتم فيه  جَمْعُكُمْ  أتباعكم وأشياعكم أو جمعكم المال فهو مصدر مفعوله مقدر  وَمَا كُنتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ  أي واستكباركم المستمر عن قبول الحق أو على الخلق وهو الأنسب بما بعده. وقرىء  \*تستكثرون  من الكثرة. و  فِى مَا  على هذه القراءة تحتمل أن تكون اسم موصول على معنى ما أغنى عنكم أتباعكم والذي كنتم تستكثرونه من الأموال. ويحتمل عندي أن تكون في القراءة السبعية كذلك والمراد بها حينئذٍ الأصنام. ومعنى استكبارهم إياها اعتقادهم عظمها وكبرها أي ما أغنى عنكم جمعكم وأصنامكم التي كنتم تعتقدون كبرها وعظمها. 
( ومن باب الإشارة ) : ونادى أصحاب الاعراف رِجَالاً  \[ الأعراف : ٤٨ \] من رؤساء أهل النار، وإطلاق الرجال عليهم وعلى أصحاب الأعراف كإطلاق المسيح على الدجال اللعين وعلى عيسى عليه السلام.

### الآية 7:49

> ﻿أَهَٰؤُلَاءِ الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ لَا يَنَالُهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ ۚ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلَا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ [7:49]

أهؤلاء الذين أَقْسَمْتُمْ لاَ يَنَالُهُمُ الله بِرَحْمَةٍ  من تتمة قولهم للرجال فهو في محل نصب مفعول القول أيضاً أي قالوا : ما أغنى وقالوا : أهؤلاء، والإشارة إلى ضعفاء أهل الجنة الذين كان الكفرة يحتقرونهم في الدنيا ويحلفون أنهم لا يصيبهم الله تعالى برحمة وخير ولا يدخلهم الجنة كسلمان وصهيب وبلال رضي الله تعالى عنهم أو يفعلون ما ينبىء عن ذلك كما قيل ذلك في قوله تعالى : أَوَلَمْ تَكُونُواْ أَقْسَمْتُمْ مّن قَبْلُ مَا لَكُمْ مّن زَوَالٍ  \[ إبراهيم : ٤٤ \]. 
 ادخلوا الجنة لاَ خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلا أَنتُمْ تَحْزَنُونَ  من كلام أصحاب الأعراف أيضاً أي فالتفتوا إلى أولئك المشار إليهم من أهل الجنة وقالوا لهم : دوموا في الجنة غير خائفين ولا محزونين على أكمل سرور وأتم كرامة. وقيل : هو أمر بأصل الدخول بناءً على أن يكون كونهم على الأعراف وقولهم هذا قبل دخول بعض أهل الجنة الجنة. وقال غير واحد : إن قوله سبحانه : أهؤلاء  الخ استئناف وليس من تتمة قول أصحاب الأعراف، والمشار إليهم أهل الجنة والقائل هو الله تعالى أو بعض الملائكة والمقول له أهل النار في قول، وقيل : المشار إليهم هم أهل الأعراف وهم القائلون أيضاً والمقول لهم أهل النار، و  ادخلوا الجنة  من قول أهل الأعراف أيضاً أي يرجعون فيخاطب بعضهم بعضاً ويقول : ادخلوا الجنة، ولا يخفى بعده، وقيل : لما عير أصحاب الأعراف أصحاب النار أقسم أصحاب النار أن أصحاب الأعراف لا يدخلون الجنة فقال الله تعالى أو بعض الملائكة خطاباً لأهل النار : أهؤلاء الذين أقسمتم لا ينالهم الله برحمة اليوم مشيراً إلى أصحاب الأعراف ثم وجه الخطاب إليهم فقيل : ادخلوا الجنة الخ ؛ وقرىء  أَدْخِلُواْ   \*ودخلوا  بالمزيد المجهول وبالمجرد المعلوم، وعليهما فلا بد أن يكون  ياعباد لاَ خَوْفٌ عَلَيْكُمُ  الخ مقولاً لقول محذوف وقع حالاً ليتجه الخطاب ويرتبط الكلام أي ادخلوا أو دخلوا الجنة مقولاً لهم لا خوف الخ. وقرىء أيضاً  أَدْخِلُواْ  بأمر المزيد للملائكة. والظاهر أنها تحتاج إلى زيادة تقدير. 
ومن باب الإشارة ) : أهؤلاء  \[ الأعراف : ٤٩ \] إشارة إلى أهل الجنة

### الآية 7:50

> ﻿وَنَادَىٰ أَصْحَابُ النَّارِ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنَا مِنَ الْمَاءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ ۚ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى الْكَافِرِينَ [7:50]

ونادى أصحاب النار أصحاب الجنة  بعد أن استقر بكل من الفريقين القرار واطمأنت به الدار  أَنْ أَفِيضُواْ  أي صبوا  عَلَيْنَا  شيئاً  مِنَ الماء  نستعين به على ما نحن فيه، وظاهر الآية يدل على أن الجنة فوق النار  أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ الله  أي أو من الذي رزقكموه الله تعالى من سائر الأشربة ليلائم الإفاضة أو من الأطعمة كما روي عن السدي وابن زيد، ويقدر في المعطوف عامل يناسبه أو يؤول العامل الأول بما يلائم المتعاطفين أو يضمن ما يعمل في الثاني أو يجعل ذلك من المشاكلة ويكون في الآية دليل على نهاية عطشهم وشدة جوعهم وأن ما هم فيه من العذاب لا يمنعهم عن طلب أكل وشرب. وبهذا رد موسى الكاظم رضي الله تعالى عنه فيما يروى على هارون الرشيد إنكاره أكل أهل المحشر محتجاً بأن ما هم فيه أقوى مانع لهم عن ذلك. واختلف العلماء في أن هذا السؤال هل كان مع رجاء الحصول أو مع اليأس منه حيث عرفوا دوام ما هم فيه وإلى كل ذهب بعض  قَالُواْ  استئناف مبني على السؤال كأنه قيل : فماذا قالوا ؟ فقيل قالوا : في جوابهم : إِنَّ الله حَرَّمَهُمَا عَلَى الكافرين  أي منع كلاً منهما أو منعهما منع المحرم عن المكلف فلا سبيل إلى ذلك قطعاً، ولا يحمل التحريم على معناه الشائع لأن الدار ليست بدار تكليف. 
( ( ومن باب الإشارة ) : ونادى أصحاب النار أصحاب الجنة أَنْ أَفِيضُواْ عَلَيْنَا مِنَ الماء  أي الحياة التي أنتم فيها  أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ الله  أي النعيم الذي من الله تعالى به عليكم أو أفيضوا علينا من العلم أو العمل لننال به ما نلتم  قَالُواْ إِنَّ الله حَرَّمَهُمَا  في الأزل  عَلَى الكافرين  \[ الأعراف : ٥٠ \] لسوء استعدادهم، وقيل : إن الكفار لما كانوا عبيد البطون حراصاً على الطعام والشراب فماتوا على ما عاشوا وحشروا وأدخلوا النار على ما ماتوا طلبوا الماء أو الطعام

### الآية 7:51

> ﻿الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَهْوًا وَلَعِبًا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا ۚ فَالْيَوْمَ نَنْسَاهُمْ كَمَا نَسُوا لِقَاءَ يَوْمِهِمْ هَٰذَا وَمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ [7:51]

الَّذِينَ اتخذوا دِينَهُمْ  الذي أمرهم الله تعالى به أو الذي يلزمهم التدين بن  لَهْوًا وَلَعِبًا  فلم يتدينوا به أو فحرموا ما شاؤوا واستحلوا ما شاؤوا، واللهو كما قيل صرف الهم إلى ما لا يحسن أن يصرف إليه، واللعب طلب الفرح بما لا يحسن أن يطلب، وقد تقدم تفصيل الكلام فيهما فتذكر  وَغَرَّتْهُمُ الحياة الدنيا  شغلتهم بزخارفها العاجلة ومواعيدها الباطلة وهذا شأنها مع أهلها قاتلها الله تعالى تغر وتضر وتمر  فاليوم ننساهم  نفعل بهم فعل الناسي بالمنسي من عدم الاعتداد بهم وتركهم في النار تركاً كلياً فالكلام خارج مخرج التمثيل، وقد جاء النسيان بمعنى الترك كثيراً ويصح أن يفسر به هنا فيكون استعارة أو مجازاً مرسلاً، وعن مجاهد أنه قال : المعنى نؤخرهم في النار، وعليه فالظاهر أن ننساهم من النسء لا من النسيان. والفاء في قوله تعالى : فاليوم  فصيحة. 
وقوله عز وعلا. 
 كَمَا نَسُواْ لِقَاء يَوْمِهِمْ هذا  قيل : في محل النصب على أنه نعت لمصدر محذوف أي ننساهم نسياناً مثل نسيانهم لقاء هذا اليوم العظيم الذي لا ينبغي أن ينسى. وليس الكلام على حقيقته أيضاً لأنهم لم يكونوا ذاكري ذلك حتى ينسوه بل شبه عدم إخطارهم يوم القيامة ببالهم وعدم استعدادهم له بحال من عرف شيئاً ثم نسيه. وعن ابن عباس ومجاهد والحسن أن المعنى كما نسوا العمل للقاء يومهم هذا وليس هذا التقدير ضرورياً كما لا يخفى، وذهب غير واحد إلى أن الكاف للتعليل متعلق بما عنده لا للتشبيه إذ يمنع منه قوله تعالى : وَمَا كَانُواْ بئاياتنا يَجْحَدُونَ  لأنه عطف على  مَا \* نَسُواْ  وهو يستدعي أن يكون مشبهاً به النسيان مثله. وتشبيه النسيان بالجحود غير ظاهر، ومن ادعاه قال : المراد نتركهم في النار تركاً مستمراً كما كانوا منكرين أن الآيات من عند الله تعالى إنكاراً مستمراً. وقال القطب : الجحود في معنى النسيان، وظاهر كلام كثير من المفسرين أن كلام أهل الجنة إلى  وَغَرَّتْهُمُ الحياة الدنيا  لا  إِنَّ الله حَرَّمَهُمَا عَلَى الكافرين  \[ الأعراف : ٥٠ \] فقط. وقال بعضهم : إنه ذلك لا غير، وعليه فيجوز أن يكون  الذين  مبتدأ وجملة  اليوم \* ننساهم  خبره، والفاء فيه مثلها في قولك : الذي يأتيني فله درهم كما قيل.

### الآية 7:52

> ﻿وَلَقَدْ جِئْنَاهُمْ بِكِتَابٍ فَصَّلْنَاهُ عَلَىٰ عِلْمٍ هُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ [7:52]

وَلَقَدْ جئناهم بكتاب \* فَصَّلْنَاهُ  بينا معانيه من العقائد والأحكام والمواعظ مفصلة، والضمير للكفرة قاطبة، وقيل : لهم وللمؤمنين، والمراد بالكتاب الجنس، وقيل : للمعاصرين من الكفرة أو منهم ومن المؤمنين. والكتاب هو القرآن وتنوينه للتفخيم. وقد نظم بعضهم ما اشتمل عليه من الأنواع بقوله
: حلال حرام محكم متشابه  بشير نذير قصة عظة مثلوالمراد منع الخلو كما لا يخفى  على عِلْمٍ  منا بوجه تفصيله وهو في موضع الحال من فاعل  فَصَّلْنَاهُ  وتنكيره للتعظيم أي عالمين على أكمل وجه بذلك حتى جاء حكيماً متقناً، وفي هذا كما قيل دليل على أنه سبحانه يعلم بصفة زائدة على الذات وهي صفة العلم وليس علمه سبحانه عين ذاته كما يقوله الفلاسفة ومن ضاهاهم وللمناقشة فيه مجال، ويجوز أن يكون في موضع الحال من المفعول أي مشتملاً على علم كثير. وقرأ ابن محيصن  \*فضلناه  بالضاد المعجمة، وظاهر كلام البعض أن الجار والمجرور على هذه القراءة في موضع الحال من الفاعل ولا يجعل حالاً من المفعول أي فضلناه على سائر الكتب عالمين بأنه حقيق بذلك، وجوز بعضهم أن يجعل حالاً من المفعول على نحو ما مر ؛ وقيل : إن  نَّفْسَكَ على  للتعليل كما في قوله سبحانه : وَلِتُكَبّرُواْ الله على مَا هَدَاكُمْ  \[ البقرة : ١٨٥ \] وهي متعلقة بفضلناه أي فضلناه على سائر الكتب لأجل علم فيه أي لاشتماله على علم لم يشتمل عليه غيره منها، وقيل : إن  على  في القراءتين متعلقة بمحذوف وقع حالاً من مفعول  جئناهم  أي جئناهم بذلك حال كونهم من ذوي العلم القابلين لفهم ما جئناهم به فتأمل.  هُدًى وَرَحْمَةً  حال من مفعول  فَصَّلْنَاهُ  وجوز أن يكون مفعولاً لأجله وأن يكون حالاً من الكتاب لتخصيصه بالوصف، والكلام في وقوع مثل ذلك حالاً مشهور، وقرىء بالجر على البدلية من  عِلْمٍ  وبالرفع على إضمار المبتدأ أي هو هدى عظيم ورحمة كذلك  لّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ  لأنهم المقتبسون من أنواره المنتفعون ( بنواره ). 
( ومن باب الإشارة ) : وَلَقَدْ جئناهم بكتاب  وهو النبي صلى الله عليه وسلم الجامع لكل شيء والمظهر الأعظم لنا  فَصَّلْنَاهُ  أي أظهرنا منه ما أظهرنا  على هُدًى وَرَحْمَةً لّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ  \[ الأعراف : ٥٢ \] لأنهم المنتفعون منه وإن كان من جهة أخرى رحمة للعالمين

### الآية 7:53

> ﻿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ ۚ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ فَهَلْ لَنَا مِنْ شُفَعَاءَ فَيَشْفَعُوا لَنَا أَوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ ۚ قَدْ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ [7:53]

هَلْ يَنظُرُونَ  أي ما ينتظر هؤلاء الكفرة بعدم إيمانهم به شيئاً  إِلاَّ تَأْوِيلَهُ  أي عاقبته وما يؤول إليه أمره من تبين صدقه بظهور ما أخبر به من الوعد والوعيد، والمراد أنهم بمنزلة المنتظرين وفي حكمهم من حيث إن ما ذكر يأتيهم لا محالة، وحينئذٍ فلا يقال : كيف ينتظرونه وهم جاحدون غير متوقعين له ؟. وقيل : إن فيهم أقواماً يشكون ويتوقعون فالكلام من قبيل بنو فلان قتلوا زيداً  يَوْمَ يَأْتِى تَأْوِيلُهُ  وهو يوم القيامة، وقيل : هو ويوم بدر  يَقُولُ الذين نَسُوهُ  أي تركوه ترك المنسي فأعرضوا عنه ولم يعملوا به  مِن قَبْلُ  أي من قبل إتيان تأويله  قَدْ جَاءتْ رُسُلُ رَبّنَا بالحق  أي قد تبين أنهم قد جاؤوا بالحق، وإنما فسر بذلك لأنه الواقع هناك ولأنه الذي يترتب عليه طلب الشفاعة المفهوم من قوله سبحانه : فَهَل لَّنَا مِن شُفَعَاء فَيَشْفَعُواْ لَنَا  اليوم ويدفعوا عنا ما نحن فيه  أَوْ نُرَدُّ  عطف على الجملة قبله داخل معه في حكم الاستفهام. 
و  مِنْ  مزيدة في المبتدأ. وجوز أن تكون مزيدة في الفاعل بالظرف كأنه قيل : هل لنا من شفعاء أو هل نرد إلى الدنيا ؟ ورافعه وقوعه موقعاً يصلح للاسم كما تقول ابتداء هل يضرب زيد، ولا يطلب له فعل آخر يعطف عليه فلا يقدر هل يشفع لنا شافع أو نرد قاله الزمخشري، وأراد كما في **«الكشف »** لفظاً لأن الظرف مقدر بجملة، و  هَلُ  مما له اختصاص بالفعل، والعدول للدلالة على أن تمني الشفيع أصل وتمنى الرد فرع لأن ترك الفعل إلى الاسم مع استدعاء هل للفعل يفيد ذلك فلو قدر لفاتت نكتة العدول معنى مع الغنى عنه لفظاً، وقرأ ابن أبي إسحاق  أَوْ نُرَدُّ  بالنصب عطفاً على  فَيَشْفَعُواْ لَنَا  المنصوب في جواب الاستفهام أو لأن  أَوْ  بمعنى إلى أن أو حتى أن على ما اختاره الزمخشري إظهاراً لمعنى السببية، قال القاضي : فعلى الرفع المسؤول أحد الأمرين الشفاعة والرد إلى الدنيا، وعلى النصب المسؤول أن يكون لهم شفعاء إما لأحد الأمرين من الشفاعة في العفو عنهم والرد إن كانت  أَوْ  عاطفة وإما لأمر واحد إذا كانت بمعنى إلى أن إذ معناه حينئذٍ يشفعون إلى الرد، وكذا إذا كانت بمعنى حتى إن أي يشفعون حتى يحصل الرد. 
 فَنَعْمَلَ  بالنصب جواب الاستفهام الثاني أو معطوف على  نُرَدُّ  مسبب عنه على قراءة ابن أبي إسحاق. وقرأ الحسن بنصب  نُرَدُّ  ورفع  نَعْمَلْ  أي فنحن نعمل  غَيْرَ الذى كُنَّا نَعْمَلُ  أي في الدنيا من الشرك والمعصية  قَدْ خَسِرُواْ أَنفُسَهُمْ  بصرف أعمارهم التي هي رأس مالهم إلى الشرك والمعاصي  وَضَلَّ عَنْهُم  غاب وفقد  مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ  أي الذي كانوا يفترونه من الأصنام شركاء لله سبحانه وشفعاءهم يوم القيامة، والمراد أنه ظهر بطلانه ولم يفدهم شيئاً. 
( ومن باب الإشارة ) : هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ تَأْوِيلَهُ  \[ الأعراف : ٥٣ \] أي ما يؤول إليه عاقبة أمره، وقيل : الكتاب الذي فصل على علم إشارة إلى البدن الإنساني المفصل إلى أعضاء وجوارح وآلات وحواس تصلح للاستكمال على ما يقتضيه العلم الإلهي وتأويله ما يؤول إليه أمره في العاقبة من الانقلاب إلا ما لا يصلح لذلك عند البعث من هيئات وصور وأشكال تناسب صفاتهم وعقائدهم على مقتضى قوله سبحانه : سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ  \[ الأنعام : ١٣٩ \] وكما قال سبحانه : وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ القيامة على وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمّا  \[ الإسراء : ٩٧ \] انتهى. ويحتمل أن يكون الكتاب المذكور إشارة إلى الآفاق والأنفس وما يؤول إليه كل ظاهر والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل.

### الآية 7:54

> ﻿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَىٰ عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ ۗ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ ۗ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ [7:54]

إِنَّ رَبَّكُمُ الله الذي خَلَقَ السموات والأرض فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ  شروع في بيان مبدأ الفطرة إثر بيان معاد الكفرة، ويحتمل أنه سبحانه لما ذكر حال الكفار وأشار إلى عبادتهم غيره سبحانه احتج عليهم بمقدوراته ومصنوعاته جل شأنه ودلهم بذلك على أنه لا معبود سواه فقال مخاطباً بالخطاب العام  إِنَّ رَبَّكُمُ  أي خالقكم ومالككم  الذي خَلَقَ السموات  السبع  والأرض  بما فيها كما يدل عليه ما في سورة السجدة ( ٤ ) على ما يأتي إن شاء الله تعالى تحقيقه في ستة أوقات كقوله تعالى : وَمَن يُوَلّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ  \[ الأنفال : ١٦ \] أو في مقدار ستة أيام كقوله سبحانه : وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيّاً  \[ مريم : ٦٢ \]. فإن المتعارف أن اليوم من طلوع الشمس إلى غروبها ولم تكن هي حينئذ، نعم العرش وهو المحدد على المشهور موجود إذ ذاك على ما يدل عليه بعض الآيات، وليس بقديم كما يقوله من ضل عن الصراط المستقيم لكن ذاك ليس نافعاً في تحقق اليوم العرفي، وإلى حمل اليوم على المتعارف وتقدير المضاف ذهب جمع من العلماء وادعوا وهو قول عبد الله بن سلام وكعب الأحبار والضحاك ومجاهد واختاره ابن جرير الطبري أن ابتداء الخلق كان يوم الأحد ولم يكن في السبت خلق أخذاً له من السبت بمعنى القطع لقط الخلق فيه ولتمام الخلق في يوم الجمعة واجتماعه فيه سمي بذلك. وأخرج ابن أبي حاتم وغيره عن ابن عباس أنه سمى تلك الأيام بابو جاد وهواز وحطي وكلمون وسعفص وقريشات. وقال محمد بن اسحق وغيره : إن ابتداء الخلق في يوم السبت، وسمي سبتاً لقطع بعض خلق الأرض فيه على ما قال ابن الأنباري أو لما أن الأمر كأنه قطع وشرع فيه على ما قيل، واستدل لهذا القول بما أخرجه مسلم من حديث أبي هريرة قال :**«أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بيدي فقال : خلق الله تعالى التربة يوم السبت وخلق فيها الجبال يوم الأحد وخلق الشجر يوم الاثنين وخلق المكروه يوم الثلاثاء وخلق النور يوم الأربعاء وخلق فيها الدواب يوم الخميس وخلق آدم بعد العصر من يوم الجمعة في آخر الخلق في آخر ساعة من ساعات الجمعة فيما بين العصر إلى الليل »**. ولا يخفى أن هذا الخبر مخالف للآية الكريمة فهو إما غير صحيح وإن رواه مسلم وإما مؤول، وأنا أرى أن أول يوم وقع فيه الخلق يقال له الأحد وثاني يوم الاثنين وهكذا ويوم جمع فيه الخلق الجمعة فافهم. 
وإلى حمله على اللغوي وعدم التقدير ذهب آخرون وقالوا : كان مقدار كل يوم ألف سنة وروي ذلك عن زيد بن أرقم، وفي خلقه سبحانه الأشياء مدرجاً على ما روي عن ابن جبير تعليم للخق التثبت والتأني في الأمور كما في الحديث
**«التأني من الله تعالى والعجلة من الشيطان »** وقال غير واحد : إن في خلقها مدرجاً مع قدرته سبحانه على إبداعها دفعة دليل على الاختيار واعتبار للنظار. واعترض عليه بأنه يجوز أن يكون الفاعل موجباً ويكون وجود المعلول مشروطاً بشرائط توجد وقتاً فوقتاً، وبأن ذلك يتوقف على ثبوت تقدم خلق الملائكة على خلق السماوات والأرض وليس ذلك بالمحقق. وأجيب بأن الأول مبني على الغفلة عن قوله مع القدرة على إبداعها دفعة، وبيانه أن الفاعل إذا كان مختاراً كما يقوله أهل الحق يتوقف وجود المعلول على تعلق الإرادة به فهو جزء العلة التامة حينئذٍ فيجوز أن يتخلف المعلول عن الفاعل لانتفاء تعلق الإرادة فلا يلزم من قدمه قدم المعلول، وأما إذا كان الفاعل موجباً مقتضياً لذاته فيضان الوجود على ما تم استعداده فإن كان المعلول تام الاستعداد في ذاته كالكبريت بالنسبة إلى النار يجب وجوده ويمتنع تخلفه وإلا لزم التخلف عن العلة التامة فيلزم من قدم الفاعل حينئذٍ قدمه، والأجرام الفلكية من هذا القبيل عند الفلاسفة وإن توقف تمام استعداده على أمر متجدد فما لم يحصل يمتنع إيجاده كالحطب الرطب فإنه ما لم ييبس لم تحرقه النار والحوادث اليومية من هذا القبيل عندهم، ولهذا أثبتوا برزخاً بين عالمي القدم والحدوث ليتأتى ربط الحوادث بالمبادىء القديمة ؛ ففي صورة كون الفاعل موجباً مشروطاً وجود معلوله بشرائط متعاقبة يمتنع الإبداع دفعة فإمكان وجود هذه الأشياء المنبىء عن عدم التوقف على شيء آخر أصلاً دفعة مع الخلق التدريجي المستلزم لتأخر وجود المعلول عن وجود الفاعل لا يجامع الوجوب المستلزم لامتناع التأخر حينئذٍ ويستلزم الاختيار المصحح لذلك التأخر كما علمت، وبأن الإبداع التدريجي للأشياء عبارة عن إيجادات يتعلق كل منها بشيء فيدل على تعلق العلم والإرادة والقدرة بكل منها تفصيلاً بخلاف الإيجاد الدفعي لها فإنه إيجاد واحد متعلق بالمجموع فيدل على تعلق ما ذكر بالمجموع من حيث هو مجموع إجمالاً، واستوضح ذلك من الفرق بين ضرب الخاتم على نحو القرطاس وبين أن تكتب تلك الكلمات فإنك في الصورة الثانية تتخيلها كلمة فكلمة بل حرفاً فحرفاً وتريدها كذلك فتوقعها في الصحيفة بخلاف الصورة الأولى وهو ظاهر، فالنظار يعتبرون من الخلق التدريجي ويفهمون شمول علمه سبحانه وإرادته وقدرته للأشياء تفصيلاً قائلين : سبحان من لا يعزب عن علمه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء، وأيضاً قالوا : إنا إذا فعلنا شيئاً تصورناه أولاً ثم اعتقدنا له فائدة ثم تحصل لنا حال شوقية ثم ميلان نفساني هي الإرادة ثم تنبعث القوة الباعثة للقوة المحركة للأعضاء نحو إيجاده فيحصل لنا ذلك الشيء فلكل واحد من تلك الأمور دخل في وجود ذلك الشيء، ثم قالوا : فكما لا بد في صدور الأفعال الاختيارية فينا من هذه الأمور كذلك لا بد في صدور الأفعال الاختيارية للواجب من نحو ذلك مما لا يمتنع عليه سبحانه فأثبتوا له تعالى علماً وإرادة وقدرة وفائدة لأفعاله، واستدلوا على ذلك من كونه سبحانه مختاراً فالخلق التدريجي لما كان دالاً على الاختيار الدال على ما ذكر صدق أن فيه اعتباراً للنظار. 
وحاصل هذا أن المراد من النظار أصحاب النظر والبصيرة من العقلاء فلا يتوقف ما ذكر على تقدم خلق الملائكة على أن من قال بتقدم خلق العرش والكرسي على خلق الأرض والسموات قائل بتقدم خلق الملائكة بل قيل : إن من الناس من قال بتقدم خلق نوع من الملائكة قبل العرش والكرسي وسماهم المهيمين. وأنت تعلم أن هذا لا يفيدنا لأن المهيمين عند هذا القائل لا يشعرون بسماء ولا أرض بل هم مستغرقون فيه سبحانه على أن ذلك ليس بالمحقق كما يقوله المعترض أيضاً، وقيل : إن الشيء إذا حدث دفعة واحدة فلعله يخطر بالبال أن ذلك الشيء إنما وقع على سبيل الاتفاق فإذا أحدث شيئاً فشيئاً على سبيل المصلحة والحكمة كان ذلك أبلغ في القدرة وأقوى في الدلالة، وقيل : إن التعجيل في الخلق أبلغ في القدرة والتثبت أبلغ في الحكمة فأراد الله تعالى إظهار حكمته في خلق الأشياء بالتثبت كما أظهر قدرته في خلق الأشياء بكن. 
 ثُمَّ استوى عَلَى العرش  وهو في المشهور الجسم المحيط بسائر الأجسام وهو فلك الأفلاك سمي به إما لارتفاعه أو للتشبيه بسرير الملك فإنه يقال له عرش ومنه قوله تعالى : وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى العرش  \[ يوسف : ١٠٠ \] لأن الأمور والتدبيرات تنزل منه، ويكنى به عن العز والسلطان والملك فيقال : فلان ثل عرشه أي ذهب عزه وملكه وأنشدوا قوله :إذا ما بنو مروان ثلت عروشهم  وأودت كما أودت إياد وحمير**وقوله :**إن يقتلوك فقد ثللت عروشهم  بعيينة بن الحرث بن شهابوذكر الراغب **«أن العرش مما لا يعلمه البشر ( على الحقيقة ) إلا بالاسم، وليس هو كما تذهب إليه أوهام العامة فإنه لو كان كذلك لكان حاملاً له تعالى عن ذلك ( لامحمولاً ) ( ١ )، و ( ليس كما ) قال قوم : إنه الفلك الأعلى والكرسي فلك الكواكب »** وفيه نظر، والناس في الكلام على هذه الآية ونحوها مختلفون، فمنهم من فسر العرش بالمعنى المشهور، وفسر الاستواء بالاستقرار وروي ذلك عن الكلبي ومقاتل ورواه البيهقي في كتابه **«الأسماء والصفات »** بروايات كثيرة عن جماعة من السلف وضعفها كلها. وما روي عن مالك رضي الله تعالى عنه **«أنه سئل كيف استوى ؟ فأطرق رأسه ملياً حتى علته الرحضاء ثم رفع رأسه فقال : الاستواء غير مجهول والكيف غير معقول والإيمان به واجب والسؤال عنه بدعة ثم قال للسائل : وما أظنك إلا ضالاً ثم أمر به فأخرج »** ليس نصاً في هذا المذهب لاحتمال أن يكون المراد من قوله : غير مجهول أنه ثابت معلوم الثبوت لا أن معناه وهو الاستقرار غير مجهول. 
ومن قوله : والكيف غير معقول أن كل ما هو من صفة الله تعالى لا يدرك العقل له كيفية لتعاليه عن ذلك فكف الكيف عنه مشلولة. 
ويدل على هذا ما جاء في رواية أخرى عن عبد الله بن وهب أن مالكاً سئل عن الاستواء فأطرق وأخذته الرحضاء ثم قال : الرحمن عَلَى العرش استوى  كما وصف نفسه ولا يقال له : كيف وكيف عنه مرفوع إلى آخر ما قال، ثم إن هذا القول إن كان مع نفي اللوازم فالأمر فيه هين، وإن كان مع القول بها والعياذ بالله تعالى فهو ضلال وأي ضلال وجهل وأي جهل بالملك المتعال، وما أعرف ما قاله بعض العارفين الذين كانوا من تيار المعارف غارفين على لسان حال العرش موجهاً الخطاب إلى النبي صلى الله عليه وسلم ليلة المعراج حين أشرقت شمسه عليه الصلاة والسلام في الملأ الأعلى فتضاءل معها كل نور وسراج كما نقله الإمام القسطلاني معرضاً بضلال مثل أهل هذا المذهب الثاني ولفظه مع حذف، ولما انتهى صلى الله عليه وسلم إلى العرش تمسك بأذياله وناداه بلسان حاله يا محمد أنت في صفاء وقتك آمنا من مقتك إلى أن قال : يا محمد أنت المرسل رحمة للعالمين ولا بد لي من نصيب من هذه الرحمة ونصيبي يا حبيبي أن تشهد بالبراءة مما نسبه أهل الزور إليَّ وتقوَّله أهل الغرور عليَّ، زعموا أني أسع من لا مثل له وأحيط بمن لا كيفية له يا محمد من لا حد لذاته ولا عد لصفاته كيف يكون مفتقراً إليَّ ومحمولاً عليَّ إذا كان الرحمن اسمه والاستواء صفته وصفته متصلة بذاته كيف يتصل بي أو ينفصل عني ؟ يا محمد وعزته لست بالقريب منه وصلاً ولا بالبعيد عنه فصلاً ولا بالمطيق له حملاً أوجدني منه رحمة وفضلاً ولو محقني لكان حقاً منه وعدلاً يا محمد أنا محمول قدرته ومعمول حكمته اه. 
وذهب المعتزلة وجماعة من المتكلمين إلى أن العرش على معناه، واستوى بمعنى استولى واحتجوا عليه بقوله :قد استوى بشرى على العراق  من غير سيف ودم مهراقوخص العرش بالإخبار عنه بالاستيلاء عليه لأنه أعظم المخلوقات، ورد هذا المذهب بأن العرب لا تعرف استوى بمعنى استولى وإنما يقال استولى فلان على كذا إذا لم يكن في ملكه ثم ملكه واستولى عليه والله تعالى لم يزل مالكاً للأشياء كلها ومستولياً عليها ونسب ذلك للأشعرية. 
وبالغ ابن القيم في ردهم ثم قال : إن لام الأشعرية كنون اليهودية وهو ليس من الدين القيم عندي. وذهب الفراء واختاره القاضي إلى أن المعنى ثم قصد إلى خلق العرش، ويبعده تعدي الاستواء بعلي، وفيه قول بأن خلق العرش بعد خلق السموات والأرض وهو كما ترى، وذهب القفال إلى أن المراد نفاذ القدرة وجريان المشيئة واستقامة الملك لكنه أخرج ذلك على الوجه الذي ألفه الناس من ملوكهم واستقر في قلوبهم، قيل : ويدل على صحة ذلك قوله سبحانه في سورة يونس ( ٣ ) { ثُمَّ استوى عَلَى العرش يُدَبّرُ الامر

### الآية 7:55

> ﻿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً ۚ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ [7:55]

ثم إنه تعالى بعد أن بين التوحيد وأخبر أنه المتفرد بالخلق والأمر أمر عبادة أن يدعوه مخلصين متذللين فقال عز من قائل : ادعوا رَبَّكُمْ  الذي عرفتم شؤونه الجليلة، والمراد من الدعاء كما قال غير واحد السؤال والطلب وهو مخ العبادة لأن الداعي لا يقدم على الدعاء إلا إذا عرف من نفسه الحاجة إلى ذلك المطلوب وأنه عاجز عن تحصيله وعرف أن ربه تبارك وتعالى يسمع الدعاء ويعلم الحاجة وهو قادر على إيصالها إليه. ولا شك أن معرفة العبد نفسه بالعجز والنقص ومعرفته ربه بالقدرة والكمال من أعظم العبادات. وقيل : المراد منه هنا العبادة لأنه عطف عليه  وادعوه خَوْفًا وَطَمَعًا  \[ الأعراف : ٥٦ \] والمعطوف يجب أن يكون مغايرا للمعطوف عليه وفيه نظر، أما أولاً فلأن المغايرة تكفي باعتبار المتعلقات كما تقول ضربت زيداً وضربت عمراً. وأما ثانياً فلأنها لا تستدعي حمل الدعاء هنا على العبادة بل حمله على ذلك إما هناك أو هنا، وأما ثالثاً فلأنه خلاف التفسير المأثور كما ستعلمه إن شاء الله تعالى : تَضَرُّعًا  أي ذوي تضرع أو متضرعين فنصبه على الحال من الفاعل بتقدير أو تأويل، وجوز نصبه على المصدرية وكذا الكلام فيما بعد. وهو من الضراعة وهي الذل والاستكانة يقال ضرع فلان لفلان إذا ذل له واستكان، وقال الزجاج التضرع التملق وهو قريب مما قالوا أي ادعوه تذللا، وقيل : التضرع مقابل الخفية واختاره أبو مسلم أي ادعوه علانية. 
 وَخُفْيَةً  أي سراً. أخرج ابن المبارك وابن جرير وأبو الشيخ عن الحسن قال : لقد كان المسلمون يجتهدون في الدعاء وما يسمع لهم صوت إن كان إلا همساً بينهم وبين ربهم وذلك أنه تعالى يقول : ادعوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً  وأنه سبحانه ذكر عبداً صالحاً فرضي له فعله فقال تعالى : إِذْ نادى رَبَّهُ نِدَاء خَفِيّاً  \[ مريم : ٣ \] وفي رواية عنه أنه قال :" بين دعوة السر ودعوة العلانية سبعون ضعفاً ". وجاء من حديث أبي موسى الأشعري أنه صلى الله عليه وسلم قال لقوم يجهرون :" أيها الناس إربعوا على أنفسكم إنكم لا تدعون أصم ولا غائباً إنكم تدعون سميعاً بصيراً وهو معكم وهو أقرب إلى أحدكم من عنق راحلته " والمعنى ارفقوا بأنفسكم واقصروا من الصياح في الدعاء. ومن هنا قال جمع بكراهة رفع الصوت به. وفي **«الانتصاف »** «حسبك في تعين الإسرار فيه اقترانه في الآية بالتضرع فالإخلال به كالإخلال بالضراعة إلى الله تعالى ( في الدعاء ) وإن دعاء لا تضرع فيه ولا خشوع لقليل الجدوى فكذلك دعاء لا خفية فيه ولا وقار يصحبه، وترى كثيراً من أهل زمانك يعتمدون الصراخ في الدعاء خصوصاً في الجوامع حتى يعظم اللغط ويشتد وتستك المسامع وتستد ولا يدرون أنهم جمعوا بين بدعتين رفع الصوت في الدعاء وكون ذلك في المسجد٢. 
وروى ابن جرير عن ابن جريج أن رفع الصوت بالدعاء من الاعتداء المشار إليه بقوله سبحانه : إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ المعتدين  وأخرج ابن أبي حاتم مثله عن زيد بن أسلم. وذهب بعضهم إلى أنه مما لا بأس به، ودعاء المعتدين الذي لا يحبه الله تعالى هو طلب ما لا يليق بالداعي كرتبة الأنبياء عليهم السلام والصعود إلى السماء. وإن منه ما ذهب جمع إلى أنه كفر كطلب دخول إبليس وأبي جهل وأضرابهما الجنة وطلب نزول الوحي والتنبي ونحو ذلك من المستحيلات لما فيه من طلب إكذاب الله تعالى نفسه. وأخرج أحمد في **«مسنده »** وأبو داود عن سعد بن أبي وقاص قال : سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول :" سيكون قوم يعتدون في الدعاء وحسب المرء أن يقول اللهم إني أسالك الجنة وما قرب إليها من قول وعمل وأعوذ بك من النار وما قرب إليها من قول وعمل ثم قرأ  إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ المعتدين  " وفصل آخرون فقالوا : الإخفاء أفضل عند خوف الرياء والإظهار أفضل عند عدم خوفه، وأولى منه القول بتقديم الإخفاء على الجهر فيما إذا خيف الرياء أو كان في الجهر تشويش على نحو مصل أو نائم أو قارىء أو مشتغل بعلم شرعي، وبتقديم الجهر على الإخفاء فيما إذا خلا عن ذلك وكان فيه قصد تعليم جاهل أو نحو إزالة وحشة عن مستوحش أو طرد نحو نعاس أو كسل عن الداعي نفسه أو إدخال سرور على قلب مؤمن أو تنفير مبتدع عن بدعة أو نحو ذلك، ومنه الجهر بالترضي عن الصحابة والدعاء لإمام المسلمين في الخطبة. وقد سن الشافعية الجهر بآمين بعد الفاتحة وهو دعاء ويجهر بها الإمام والمأموم عندهم. 
وفرق بعضهم بين رفع الصوت جداً كما يفعله المؤذنون في الدعاء بالفرج على المآذن وبين رفعه بحيث يسمعه من عنده فقال : لا بأس في الثاني غالباً ولا كذلك الأول. والظاهر أن المراد بالمعتدين المجاوزون ما أمروا به في كل شيء ويدخل فيهم المعتدون في الدعاء دخولاً أولياً. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن جبير أن المعنى في الآية أدعوا ربكم في كل حاجاتكم من أمر الدنيا والآخرة ولا تعتدوا فتدعوا على مؤمن ومؤمنة بشر كالخزي واللعن. وقد اختلف العلماء في كفر من دعا على آخر بسلب الإيمان أو الموت كافراً وهو من أعظم أنواع الاعتداء والمفتى به عدم الكفر. 
وذكروا للدعاء آداباً كثيرة، منها الكون على طهارة واستقبال القبلة وتخلية القلب من الشواغل وافتتاحه واختتامه بالتصلية على النبي صلى الله عليه وسلم ورفع اليدين نحو السماء وإشراك المؤمنين فيه وتحري ساعات الإجابة، ومنها يوم الجمعة عند كثير ساعة الخطبة ويدعو فيها بقلبه كما نص عليه أفضل متأخرى مصره الفاضل الطحطاوي في **«حواشيه على الدر المختار »** فيما نقله عنه أفقه المعاصرين ابن عابدين الدمشقي ووقت نزول الغيث والإفطار وثلث الليل الأخير وبعد ختم القرآن وغير ذلك مما هو مبسوط في محله. 
ومن باب الإشارة : ادعوا ربكم  أي اعبدوه  تضرعاً وخفية  إشارة إلى طريق الجلوة والخلوة أو ادعوه بالجوارح والقلب أو بأداء حق العبودية ومطالب حق الربوبية  إنه لا يحب المعتدين  \[ الأعراف : ٥٥ \] المتجاوزين عما أمروا به بترك الامتثال أو الذين يطلبون منه سواه

### الآية 7:56

> ﻿وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا ۚ إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ [7:56]

وَلاَ تُفْسِدُواْ فِى الارض  نهى عن سائر أنواع الافساد كإفساد النفوس والأموال والأنساب والعقول والأديان  بَعْدَ إصلاحها  أي إصلاح الله تعالى لها وخلقها على الوجه الملائم لمنافع الخلق ومصالح المكلفين وبعث فيها الأنبياء بما شرعه من الأحكام  وادعوه خَوْفًا وَطَمَعًا  أي ذوي خوف من الرد لقصوركم عن أهلية الإجابة وطمع في إجابته تفضلاً منه، وقيل خوفاً من عقابه وطمعاً في جزيل ثوابه. وقال ابن جريج : المعنى خوف العدل وطمع الفضل. وعن عطاء خوفاً من الميزان وطمعاً في الجنان. وأصل الخوف انزعاج القلب لعدم أمن الضرر، وقيل : توقع مكروه يحصل فيما بعد، والطمع توقع محبوب يحصل له، ونصبهما على الحالية كما أشير إليه. وجوز أن يكون على المفعولية لأجله. قيل : ولما كان الدعاء من الله تعالى بمكان كرره وقيده أولاً بالأوصاف الظاهرة وآخراً بالأوصاف الباطنة، وقيل : الأمر السابق من قبيل بيان شرط الدعاء والثاني من قبيل بيان فائدته، وقيل : لا تكرار، فما تقدم أمر بالدعاء بمعنى السؤال وهذا أمر بالدعاء بمعنى العبادة، والمعنى اعبدوه جامعين في أنفسكم الخوف والرجاء في عبادتكم القلبية والقالبية وهو كما ترى، ومن الناس من أبقى الدعاء على المعنى الظاهر وعمم في متعلق الخوف والطمع، والمعنى عنده ادعوه وأنتم جامعون في أنفسكم الخوف والرجاء في أعمالكم كلها، وليس بشيء والمختار عند جلة المفسرين ما تقدم. 
 إِنَّ رَحْمَتَ الله قَرِيبٌ مّنَ المحسنين  أعمالهم، ومن الإحسان في الدعاء أن يكون مقروناً بالخوف والطمع. وقد كثر الكلام في توجيه تذكير  قَرِيبٌ  مع أنه صفة مخبر بها عن المؤنث، وقد نقل ابن هشام في ذلك وجوهاً ذاكراً ما لها وما عليها. الأول : أن الرحمة في تقدير الزيادة والعرب قد تزيد المضاف قال سبحانه وتعالى : سَبِّحِ اسم رَبّكَ الاعلى  \[ الأعلى : ١ \] أي سبح ربك ألا ترى أنه يقال في التسبيح سبحان ربي ولا يقال سبحان اسم ربي والتقدير إن الله تعالى قريب فالخبر في الحقيقة عن الاسم الأعظم، وتعقبه بأن هذا لا يصح عند علماء البصرة لأن الأسماء لا تزاد في رأيهم وإنما تزاد الحروف، ومعنى الآية عندهم نزه أسماء ربك عما لا يليق بها فلا تجر عليه سبحانه اسماً لا يليق بكماله أو اسما غير مأذون فيه فلا زيادة، الثاني : إن ذلك على حذف مضاف أي إن مكان رحمة الله تعالى قريب فالإخبار إنما هو عن المكان وهو مذكر، ونظير ذلك قوله صلى الله عليه وسلم مشيراً إلى الذهب والفضة **«إن هذين حرام »** فإن الإخبار بالمفرد لأن التقديران استعمال هذين، وقول حسان :يسقون من ورد البريص عليهم  بردى يصفق بالرحيق السلسلفإنه بتقدير ماء بردى فلذا قال : يصفق بالتذكير مع أن بردى مؤنث. وتعقب بأن هذا المضاف بعيد جداً لا قريب والأصل عدم الحذف والمعنى مع تركه أحسن منه مع وجوده. الثالث : أنه على حذف الموصوف أي شيء قريب كما قال الشاعر :قامت تبكيه على قبره  من لي من بعدك يا عامرتركتني في الدار ذا غربة  قد ذل من ليس له ناصرأي شخصاً ذا غربة. وعلى ذلك يخرج قول سيبويه قولهم : امرأة حائض أي شخص ذو حيض. 
**وقول الشاعر أيضاً :**فلو أنك في يوم الرخاء سألتني  طلاقك لم أبخل وأنت صديقوتعقب بأنه أشد ضعفاً من سابقه لأن تذكير صفة المؤنث باعتبار إجرائها على موصوف مذكر محذوف شاذ ينزه كلام الله تعالى عنه، على أنه لا فصاحة في قولك : رحمة الله شيء قريب ولا لطافة بل هو عند ذي الذوق كلام مستهجن، ونحو حائض من الصفات المختصة لا يحتاج إلى العلامة لأنها لدفع اللبس ولا لبس مع الاختصاص. وسيبويه وإن كان جواداً في مثل هذا المضمار إلا أن الجواد قد يكبو، وكل أحد يؤخذ من قوله ويترك، ألا تراه كيف جوز في باب الصفة المشبهة مررت برجل حسن وجهه بإضافة حسن إلى الوجه وإضافة الوجه إلى ضمير الرجل وخالفه في ذلك جميع البصريين والكوفيين لأنه قد أضاف الشيء إلى نفسه. وقد علمت أيضاً أن الأصل عدم الحذف. الرابع : أن العرب تعطي المضاف حكم المضاف إليه في التذكير والتأنيث إذا صح الاستغناء عنه وهو أمر مشهور فالرحمة لإضافتها إلى الاسم الجليل قد اكتسبت ما صحح الإخبار عنها بالمذكر. وتعقبه أبو علي الفارسي في **«تعاليقه »** على الكتاب بأن هذا التقدير والتأويل في القرآن بعيد فاسد وإنما يجوز هذا في ضرورة الشعر. وقال الروذراوري : إن اكتساب التأنيث في المؤنث قد صح بكلام من يوثق به، وأما العكس فيحتاج إلى الشواهد ومن ادعى الجواز فعليه البيان. الخامس : أن فعيلا بمعنى مفعول يستوي فيه المذكر والمؤنث كرجل جريح وامرأة جريح. وتعقب بأنه خطأ فاحش لأن فعيلاً هنا بمعنى فاعل. واعترض أيضاً بأن هذا لا ينقاس خصوصاً من غير الثاني. السادس : أن فعيلا بمعنى فاعل قد يشبه بفعيل بمعنى مفعول فيمنع من التاء في المؤنث كما قد يشبهون فعيلا بمعنى مفعول بفعيل بمعنى فاعل فيلحقونه التاء. فالأول كقوله تعالى : مَن يُحىِ العظام وَهِىَ رَمِيمٌ  \[ يس : ٧٨ \] ومنه الآية الكريمة. والثاني كقولهم : خصلة ذميمة وصفة حميدة حملا على قولهم : قبيحة وجميلة ولم يتعقب هذا بشيء. وتعقبه الروذراوري بأنه مجرد دعوى لا دليل عليه وإن قاله النحويون. ويرد عليه أن أحد الفعلين مشتق من لازم والآخر من متعد فلو أجري على أحدهما حكم الآخر لبطل الفرق بين المتعدي واللازم إن كان على وجه العموم وإن كان على وجه الخصوص فأين الدليل عليه وفيه نظر. 
السابع : أن العرب قد تخبر عن المضاف إليه وتترك المضاف كقوله تعالى : فَظَلَّتْ أعناقهم لَهَا خاضعين  \[ الشعراء : ٤ \] فإن خاضعين خبر عن الضمير المضاف إليه الأعناق لا عن الأعناق ألا ترى أنك إذا قلت : الأعناق خاضعون لا يجوز لأن الجمع المذكر السالم إنما يكون من صفات العقلاء فلا يقال أيد طويلون ولا كلاب نابحون. وتعقب بأنه لعل هذا راجع إلى القول بالزيادة وقد علمت ما فيه. وقد قيل : إن المراد بالأعناق الرؤساء والمعظمون. وقيل : الجماعة كما يقال : جاء زيد في عنق من الناس أي في جماعة. وقال الروذراوري : إنه لو ساغ الإعراض عن المضاف والحكم على المضاف إليه لساغ أن يقال : كان صاحب الدرع سابغة ومالك الدار متسعة وليس فليس. الثامن : أن الرحمة والرحم متقاربان لفظاً وهو واضح ومعنى بدليل النقل عن أئمة اللغة فأعطي أحدهما حكم الآخر. وتعقب بأنه ليس بشيء لأن الوعظ والموعظة تتقارب أيضاً فينبغي أن يجيز هذا القائل أن يقال : موعظة نافع وعظة حسن وكذلك الذكر والذكرى فينبغي أن يقال : ذكرى نافع كما يقال : ذكر نافع. التاسع : أن فعيلا هنا بمعنى النسب فقريب معناه ذات قرب كما يقول الخليل في حائض : إنه بمعنى ذات حيض. وتعقب بأنه باطل لأن اشتمال الصفات على معنى النسب مقصور على أوزان خاصة وهي فعال وفعل وفاعل. 
العاشر : ما قاله الروزراوري أن فعيلا مطلقاً يشترك فيه المؤنث والمذكر. وتعقب بأنه من أفسد ما قيل لأنه خلاف الواقع في كلام العرب فإنهم يقولون : امرأة ظريفة وعليمة وحليمة ورحيمة ولا يجوز التذكير في شيء من ذلك ولهذا قال أبو عثمان المازني في قوله تعالى : وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيّاً  \[ مريم : ٢٨ \] أن بغيا فعول والأصل بغوى ثم قبلت الواو ياء والضمة كسرة وأدغمت الياء في الياء، وأما قوله :فتور القيام قطيع الكلام  تفتر عن در عروب حصرفالجواب عنه من أوجه : أحدها : أنه نادر. الثاني : أن أصله قطيعة ثم حذف التاء للإضافة كقوله تعالى : لَّيْسَ البر  \[ الأنبياء : ٧٣ \] والإضافة مجوزة لحذف التاء كما توجب حذف النون والتنوين. وقد نص على ذلك غير واحد من القراء الثالث : أنه إنما جاز ذلك لمناسبة فتور لأنه فعول وهو يستوي فيه المذكر والمؤنث. الحادي عشر : أنهم يقولون في قرب النسب : قريب وإن أجري على مؤنث نحو فلانة قريب مني ويفرقون بينه وبين قرب المسافة. وتعقب بأنه مبني على أن يقال في القرب النسبي : فلان قرابتي. وقد نص جمع على أن ذلك خطأ وأن الصواب أن يقال فلان ذو قرابتي كما قال :يبكي الغريب عليه ليس يعرفه  وذو قرابته في الحي مسرورالثاني عشر : من تأويل المؤنث بمذكر موافق له في المعنى. واختلف القائلون بذلك فمنهم من يقدر إن إحسان الله قريب ومنهم من يقدر لطف الله قريب. ومن ذلك قوله :أرى رجلاً منهم أسيفاً كأنما  يضم إلى كشحيه كفاً مخضبافأول الكف على معنى العضو. وتعقب بأنه باطل لأن ذلك إنما يقع في الشعر وقد تقدم أنه لا يقال : موعظة حسن مع أن الموعظة بمنزلة الوعظ في المعنى ويقاربه في اللفظ أيضاً. وأما البيت فنص النحاة على أنه ضرورة وما هذه سبيله لا يخرج عليه كلام الله سبحانه وتعالى، على أن بعضهم قال : إن الكف قد يذكر. الثالث عشر : أن المراد بالرحمة هنا المطر ونقل ذلك عن الأخفش والمطر مذكر، وأيد بأن الرحمة فيما بعد بمعنى المطر. واعترض عليه من أوجه. أحدها : أنه لو كانت الرحمة الثانية هي الرحمة الأولى لم تذكر ظاهرة على ما هو الظاهر إذ الموضع للضمير. ثانيها : أنه إذا أمكن الحمل على العام لا يعدل إلى الخاص ولا ضرورة هنا إلى الحمل كما لا يخفى، ثالثها : أن الرحمة التي هي المطر لا تختص بالمحسنين لأن الله سبحانه يرزق الطائع والعاصي، وإنما المختص في عرف الشرع هو الرحمة التي هي الغفران والتجاوز والثواب. والجواب عن هذا بأنه كما جاز تخصيص الخطاب بالرحمة بالمعنى الشرعي بالمحسنين على سبيل الترغيب كذلك يجوز تخصيص المطر الذي هو سبب الإرزاق بهم ترغيباً في الإحسان ليس بشيء عندي. رابعها : أنك لو قلت : مطر الله قريب لوجدت هذه الإضافة مما تمجها الأسماع وتنبو عنها الطباع بخلاف إن رحمت الله فدل على أنه ليس بمنزلته في المعنى. وأجيب عنه بأن مجموع ( رحمة الله ) استعمل مراداً به المطر، وبأن الإضافة في مطر الله إنما لم تحسن للعلم بالاختصاص ولا كذلك رحمة الله تعالى، وهذا كما يحسن أن يقال : كلام الله تعالى ولا يحسن أن يقال : قرآن الله سبحانه، والإنصاف أن هذا القول ليس بشيء كما لا يخفى على ذي ذهن طري. وقال ابن هشام : لا بعد في أن يقال : إن التذكير في الآية الكريمة لمجموع أمور من الأمور المذكورة. واختار أنه لما كان المضاف يكتسب من المضاف إليه التذكير وكانت الرحمة مقاربة للرحم في اللفظ وكان قريب على صيغة فعيل وفعيل الذي بمعنى فاعل قد يحمل على فعيل بمعنى مفعول جاء التذكير. وادعى أنه لا يناقض ما قدمه من الاعتراضات لأنه لا يلزم من انتفاء اعتبار شيء من هذه الأمور مستقلاً انتفاء اعتباره مع غيره اه. ولا يخلو عن حسن سوى أنه إذا أخذ في المجموع كون الرحمة بمعنى المطر يفسد الزرع، وقد جرى في هذه الآية بحث طويل بين ابن مالك والروذراوري وفي كلام كل حق وصواب، وفي نقل ذلك ما يورث السآمة. 
وأجاب الجوهري بأن الرحمة مصدر والمصادر لا تجمع ولا تؤنث وهو كما ترى. وقيل : التذكير لأن تأنيث الرحمة غير حقيقي ولا يخفى بعده لأن المتضمن لضمير المؤنث ولو كان غير حقيقي لم يحسن تذكيره على المشهور، وقيل : إن فعيلاً هنا محمول على فعيل الوارد في المصادر فإنه للمؤنث والمذكر كفعيل بمعنى مفعول كالنقيض بالنون والقاف والضاد المعجمة وهو صوت الرحل ونحو والضغيب بالضاد

### الآية 7:57

> ﻿وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ ۖ حَتَّىٰ إِذَا أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالًا سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَنْزَلْنَا بِهِ الْمَاءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ ۚ كَذَٰلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتَىٰ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ [7:57]

وَهُوَ الذى يُرْسِلُ الرياح  عطف على الجملة السابقة أو على حديث خلق السموات والأرض. وقرأ ابن كثير وحمزة والكسائي  الريح  على الوحدة وهو متحمل لمعنى الجنسية فيطلق على الكثير. وخبر **«اللهم اجعلها رياحاً ولا تجعلها ريحاً »** مخرج على قراءة الأكثرين  بَشَرًا  بضم الموحدة وسكون الشين مخفف بشراً بضمتين جمع بشير كنذر ونذير أي مبشرات وهي قراءة عاصم. وروي عنه أيضاً  بَشَرًا  على الأصل. وقرىء بفتح الباء على أنه مصدر بشره بالتخفيف بمعنى بشره المشدد. والمراد باشرات أو للبشارة. وقرىء  بُشْرىً  كحبلى وهو مصدر أيضاً من البشارة. وقرأ أهل المدينة والبصرة  نَشْراً  بضم النون والشين جمع نشور بفتح النون بمعنى ناشر، وفعول بمعنى فاعل يطرد جمعه كذلك كصبور وصبر، ولم يجعل جمع ناشر كبازل وبزل لأن جمع فاعل على فعل شاذ. / واختلف في معنى ناشر ففي **«الحواشي الشهابية »** قيل : هو على النسب إما إلى النشر ضد الطي وإما إلى النشور بمعنى الإحياء لأن الريح توصف بالموت والحياة كقوله :
إني لأرجو أن تموت الريح
فاقعد اليوم واستريح \*\*\* كما يصفها المتأخرون بالعلة والمرض. ومما يحكى النسيم من ذلك قول بعضهم في شدة الحر
 : أظن نسيم الروض مات لأنه \*\*\* له زمن في الروض وهو عليل
وقيل : هو فاعل من نشر مطاوع أنشر الله تعالى الميت فنشر وهو ناشر كقوله
 : حتى يقول الناس مما رأوا \*\*\* يا عجباً للميت الناشر
قيل : ناشر بمعنى منشر أي محيي، وقيل : فعول هنا بمعنى مفعول كرسول ورسل وقد جوز ذلك أبو البقاء إلا أنه نادر مفرده وجمعه. وقرأ ابن عامر  نَشْراً  بضم النون وسكون الشين حيث وقع، والتخفيف في فعل مطرد، وقرأ حمزة والكسائي  نَشْراً  بفتح النون حيث وقع على أنه مصدر في موقع الحال بمعنى ناشرات أو مفعول مطلق فإن الإرسال والنشر متقاربان. 
 بَيْنَ يَدَىْ رَحْمَتِهِ  أي قدام رحمته وهو من المجاز كما نقل عن أبي بكر الأنباري، والمراد بالرحمة كما ذهب إليه غالب المفسرين المطر، وسمي رحمة لما يترتب عليه بحسب جري العادة من المنافع. ولا يخفى أن الرحمة في المشهور عامة فإطلاقها على ذلك إن كان من حيث خصوصه مجاز لكونه استعمال اللفظ في غير ما وضع له إذ اللفظ لم يوضع لذلك الخاص بخصوصه وإن كان إطلاقها عليه لا بخصوصه بل باعتبار عمومه. وكونه فرداً من أفراد ذلك العام فهو حقيقة لأنه استعمال اللفظ فيما وضع له على ما بين في **«شرح التلخيص »** وغيره. وادعى الشهاب إثبات بعض أهل اللغة كون المطر من معاني الرحمة، وقول ابن هشام في **«رسالته »** التي ألفها في بيان وجه تذكير  قَرِيبٌ  المار عن قريب : إنا لا نجد أهل اللغة حيث يتكلمون على الرحمة يقولون : ومن معانيها المطر فلو كانت موضوعة له لذكروه، قصارى ما فيه عدم الوجدان وهو لا يستدعي عدم الوجود، ومما اشتهر أن المثبت مقدم على النافي ومن حفظ حجة على من لم يحفظ، والمقام ظاهر في إرادة هذا المعنى، وبيان كون الرياح مرسلة أمام ذلك ما قيل : إن الصبا تثير السحاب والشمال تجمعه والجنوب تدره والدبور تفرقه وهذه أحد أنواع الريح المشهورة عند العرب، وعن ابن عمر رضي الله عنهما أن الرياح ثمانية أربع منها عذاب وهي القاصف والعاصف والصرصر والعقيم وأربع منها رحمة وهي الناشرات والمبشرات والمرسلات والذاريات. 
والريح من أعظم منن الله تعالى على عباده، وعن كعب الأحبار لو حبس الله تعالى الريح عن عباده ثلاثة أيام لأنتن أكثر أهل الأرض، وفي بعض الآثار أن الله تعالى خلق العالم وملأه هواء ولو أمسك الهواء ساعة لأنتن ما بين السماء والأرض، وذكر غير واحد من العلماء أنه يكره سب الريح، فقد روى الشافعي عن أبي هريرة قال : أخذت الناس ريح بطريق مكة وعمر رضي الله تعالى عنه حاج فاشتدت فقال عمر لمن حوله : ما بلغكم في الريح ؟ فلم يرجعوا إليه شيئاً وبلغني الذي سأل عمر عنه من أمر الريح فاستحثثت راحلتي حتى أدركت عمر وكنت مؤخر الناس فقلت : يا أمير المؤمنين أخبرت أنك سألت عن الريح فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول :**«الريح من روح الله تعالى تأتي بالرحمة وتأتي بالعذاب فإذا رأيتموها فلا تسبوها واسألوا الله تعالى من خيرها واستعيذوا بالله سبحانه من شرها »** ولا منافاة بين الآية وهذا الخبر إذ ليس فيها أنه سبحانه لا يرسلها إلا بين يدي الرحمة ولئن سلم فهو خارج مجرى الغالب فإن العذاب بالريح نادر، وقيل : ما في الخبر إنما هو الإيتاء بالرحمة والإيتاء بالعذاب لا الإرسال بين يدي كل. 
 حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ  غاية لقوله سبحانه  يُرْسِلُ  والإقلال كما في مجمع البيان حمل الشيء بأسره واشتقاقه من القلة وحقيقة أقله كما قال بعض المحققين جعله قليلاً أو وجده قليلاً، والمراد ظنه كذلك كأكذبه إذا جعله كاذباً في زعمه ثم استعمل بمعنى حمله لأن الحامل يستقل ما يحمله أي يعده قليلاً، ومن ذلك قولهم : جهد المقل أي الحامل  سَحَابًا  أي غيماً سمي بذلك لانسحابه في الهواء وهو اسم جنس جمعي يفرق بينه وبين واحده بالتاء كتمر وتمرة وهو يذكر ويؤنث ويفرد وصفه ويجمع. وأهل اللغة كالجوهري وغيره تسميه جمعاً فلذا روعي فيه الوجهان في وصفه وضميره، وجاء في الجمع سحب وسحائب  ثِقَالاً  من الثقل كعنب ضد الخفة يقال : ثقل ككرم ثقلاً وثقالة فهو ثقيل، وثقل السحاب بما فيه من الماء  سقناه لِبَلَدٍ مَّيّتٍ  أي لأجله ومنفعته أو لإحيائه أو لسقيه كما قيل. 
وفي **«البحر »** أن اللام للتبليغ كما في قلت لك، وفرق بين سقت لك مالاً وسقت لأجلك مالاً بأن الأول : معناه أوصلت لك ذلك وأبلغتكه. والثاني : لا يلزم منه وصوله إليه، والبلد كما قال الليث كل موضع من الأرض عامر أو غير عامر خال أو مسكون والطائفة منه بلدة والجمع بلاد، وتطلق البلدة على المفازة ومنه قول الأعشى
 : وبلدة مثل ظهر الترس موحشة \*\*\* للجن بالليل في حافاتها زجل
 فَأَنزَلْنَا بِهِ الماء  أي بالبلد أو السحاب كما قال الزجاج وابن الأنباري أو بالسوق أو الرياح كما قيل، والتذكير بتأويل المذكور وكذلك قوله تعالى : فَأَخْرَجْنَا بِهِ  ويحتمل أن يعود الضمير إلى الماء وهو الظاهر لقربه لفظاً ومعنى، ومطابقة النظائر وانفكاك الضمائر لا بأس به إذا قام الدليل عليه وحسن الملاءمة. وإذا كان للبلد فالباء للظرفية في الثاني وللإلصاق في الأول لأن الإنزال ليس في البلد بل المنزل، وجوز الظرفية أيضاً كما في رميت الصيد في الحرم على ما علمت فيما مر، وإذا كان لغيره فهي للسببية وتشمل القريبة والبعيدة.  مِن كُلّ الثمرات  أي من كل أنواعها لأن الاستغراق غير مراد ولا واقع، وهذا أبلغ في إظهار القدرة المراد، وقيل : إن الاستغراق عرفي والظاهر أن المراد التكثير، وجوز بعضهم أن تكون  مِنْ  للتبعيض وأن تكون لتبيين الجنس. 
 كذلك نُخْرِجُ الموتى  إشارة إلى إخراج الثمرات أو إلى إحياء البلد الميت أي كما نحييه بإحداث القوى النامية فيه وتطريتها بأنواع النبات والثمرات نخرج الموتى من الأرض ونحييها برد النفوس إلى مواد أبدانها بعد جمعها وتطريتها بالقوى والحواس كذا قالوا، وهو إشارة كما قيل إلى طريقي القائلين بالمعاد الجسماني وهما إيجاد البدن بعد عدمه ثم إحياؤه وضم بعض أجزائه إلى بعض على النمط السابق بعد تفرقها ثم إحياؤه. واستظهر الأول بأن المتبادر من الآية كون التشبيه بين الإخراجين من كتم العدم، والثاني يحتاج إلى تمحل تقدير الإحياء واعتبار جمع الأجزاء مع أنه غير معتبر في جانب المشبه به، وجوز أن يرجع ما في الشق الثاني من الإحياء برد النفوس الخ إلى الأول، وأنت تعلم أنه لا مانع من الإخراج من كتم العدم، وأدلة استحالة ذلك مما لا تقوم على ساق وقدم إلا أن الأدلة النقلية على كل من الطريقين متجاذبة، وإذا صح القول بالمعاد الجسماني فلا بأس بالقول بأي كان منهما، وكون إخراج الثمرات من كتم العدم قد لا يسلم فإن لها أصلاً في الجملة على أن إخراج الموتى عند القائلين بالطريق الأول إعادة وليس إخراج الثمرات كذلك إذ لم يكن لها وجود قبل، نعم كون الأظهر أن التشبيه بين الإخراجين مما لا مرية فيه، وفي **«الخازن »** اختلفوا في وجه التشبيه فقيل : إن الله تعالى كما يخلق النبات بواسطة إنزال المطر كذلك يحيي الموتى بواسطة إنزال المطر أيضاً، فقد روي عن أبي هريرة وابن عباس رضي الله تعالى عنهم أن الناس إذا ماتوا في النفخة الأولى أمطر عليهم ماء من تحت العرش يدعى ماء الحياة أربعين سنة فينبتون كما ينبت الزرع من الماء. 
وفي رواية أربعين يوماً فينبتون في قبورهم نبات الزرع حتى إذا استكملت أجسادهم تنفخ فيهم الروح ثم يلقى عليهم النوم فينامون في قبورهم فإذا نفخ في الصور النفخة الثانية عاشوا ثم يحشرون من قبورهم ويجدون طعم النوم في رؤوسهم وأعينهم كما يجد النائم حين يستيقظ من نومه فعند ذلك يقولون : قَالُواْ ياويلنا مَن بَعَثَنَا مِن مَّرْقَدِنَا  ؟ فيناديهم المنادي  هَذَا مَا وَعَدَ الرحمن وَصَدَقَ المرسلون  \[ يس : ٥٢ \]. وأخرج غير واحد عن مجاهد أنه إذا أراد الله تعالى أن يخرج الموتى أمطر السماء حتى تشقق عنهم الأرض ثم يرسل سبحانه الأرواح فتعود كل روح إلى جسدها، فكذلك يحيي الله تعالى الموتى بالمطر كإحيائه الأرض. وقيل : إنما وقع التشبيه بأصل الإحياء من غير اعتبار كيفية فيجب الإيمان به ولا يلزمنا البحث عن الكيفية ويفعل الله سبحانه ما يشاء  لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ  فتعلمون أن من قدر على ذلك فهو قادر على هذا من غير شبهة. والأصل تتذكرون فطرحت إحدى التاءين، والخطاب قيل : للنظار مطلقاً، وقيل : لمنكري البعث. 
ومن باب الإشارة : وهو الذي يرسل الرياح  أي رياح العناية  بين يدي رحمته  أي تجلياته  حتى إذا أقلت حملت سحابا ثقالا  بأمطار المحبة  سقناه لبلد  قلب  ميت فأنزلنا به الماء  ماء المحبة  فأخرجنا به من كل الثمرات  من المشاهدات والمكاشفات  كذلك نخرج الموتى  القلوب الميتة من قبور الصدور  لعلكم تذكرون  \[ الأعراف : ٥٧ \] أيام حياتكم في عالم الأرواح حيث كنتم في رياض القدس وحياض الأنس

### الآية 7:58

> ﻿وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ ۖ وَالَّذِي خَبُثَ لَا يَخْرُجُ إِلَّا نَكِدًا ۚ كَذَٰلِكَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ [7:58]

والبلد الطيب  أي الأرض الكريمة التربة التي لا سبخة ولا حرة، واستعمال البلد بمعنى القرية عرف طار، ومن قبيل ذلك إطلاقه على مكة المكرمة  يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبّهِ  بمشيئته وتيسيره، وهو في موضع الحال، والمراد بذلك أن يكون حسناً وافياً غزير النفع لكونه واقعاً في مقابلة قوله : والذى خَبُثَ  من البلاد كالسبخة والحرة  لاَ يَخْرُجُ إِلاَّ نَكِدًا  أي قليلاً لا خير فيه، ومن ذلك قوله
: لا تنجز الوعد إن وعدت وإن  أعطيت أعطيت تافهاً نكداًونصبه على الحال أو على أنه صفة مصدر محذوف، وأصل الكلام لا يخرج نباته فحذف المضاف إليه وأقيم المضاف مقامه فصار مرفوعاً مستتراً، وجوز أن يكون الأصل ونبات الذي خبث، والتعبير أولاً بالطيب وثانياً بالذي خبث دون الخبيث للإيذان بأن أصل الأرض أن تكون طيبة منبتة وخلافه طار عارض. وقرىء  يَخْرُجُ نَبَاتُهُ  ببناء  يَخْرُجُ  لما لم يسم فاعله ورفع  نَبَاتُ  على النيابة عن الفاعل، و  يَخْرُجُ نَبَاتُهُ  ببناء  يَخْرُجُ  للفاعل من باب الإخراج، ونصب  نَبَاتُهُ  على المفعولية، والفاعل ضمير البلد، وقيل ضمير الله تعالى أو الماء، وكذا قرىء في  يَخْرُجُ  المنفي، ونصب  نَكِدًا  حينئذٍ على المفعولية. وقرأ أبو جعفر  نَكِدًا  بفتحتين على زنة المصدر، وهو نصب على الحال أو على المصدرية أي ذا نكد أو خروجاً نكدا. وقرأ  نَكِدًا  بالإسكان للتخفيف كنزه في قوله
: فقال لي قول ذي رأي ومقدرة  مجرب عاقل نزه عن الريب كذلك  مثل ذلك التصريف البديع  نُصَرّفُ الايات  أي نردد الآيات الدالة على القدرة الباهرة ونكررها. وأصل التصريف تبديل حال بحال ومنه تصريف الرياح. 
 لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ  نعم الله تعالى ومنها تصريف الآيات وشكر ذلك بالتفكر فيها والاعتبار بها، وخص الشاكرين لأنهم المنتفعون بذلك. وقال الطيبي : ذكر  لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ  بعد  لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ  \[ الأعراف : ٥٧ \] من باب الترقي لأن من تذكر آلاء الله تعالى عرف حق النعمة فشكر، وهذا كما قال غير واحد مثل لمن ينجع فيه الوعظ والتنبيه من المكلفين ولمن لا يؤثر فيه شيء من ذلك. أخرج ابن المنذر وغيره عن ابن عباس أن قوله سبحانه وتعالى : والبلد الطيب  الخ مثل ضربه الله تعالى للمؤمنين يقول : هو طيب وعمله طيب والذي خبث الخ مثل للكافر يقول : هو خبيث وعمله خبيث. وأخرج ابن جرير عن مجاهد أن هذا مثل ضربه الله تعالى لآدم عليه السلام وذريته كلهم إنما خلقوا من نفس واحدة فمنهم من آمن بالله تعالى وكتابه فطاب ومنهم من كفر بالله تعالى وكتابه فخبث. 
أخرج أحمد والشيخان والنسائي عن أبي موسى قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" مثل ما بعثني الله تعالى به من الهدى والعلم كمثل غيث أصاب أرضاً فكانت منها طائفة طيبة قبلت الماء فأنبتت الكلأ والعشب الكثير وكان منها أجادب أمسكت الماء فنفع الله تعالى بها الناس فشربوا منها وسقوا وزرعوا وأصاب منها أخرى إنما هي قيعان لا تمسك ماء ولا تنبت كلأ فذلك مثل من فقه في دين الله تعالى ونفعه ما بعثني الله تعالى به فعلم وعلم ومثل من لم يرفع بذلك رأساً ولم يقبل هدى الله تعالى الذي أرسلت به " وإيثار خصوص التمثيل بالأرض الطيبة والخبيثة استطراد عقيب ذكر المطر وإنزاله بالبلد وموازنة بين الرحمتين كما في **«الكشف »**، ولقربه من الاعتراض جىء بالواو في قوله سبحانه وتعالى : والبلد الطيب  وفيه إشارة إلى معنى ما ورد في **«صحيح مسلم »** عن عياض المجاشعي رضي الله تعالى عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في خطبته عن الله عز وجل :" إني خلقت عبادي حنفاء كلهم وإنهم أتتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم ". وفي **«صحيح البخاري »** عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" ما من مولود إلا يولد على الفطرة فأبواه يهودانه وينصرانه " ووجه الإشارة قد مرت الإشارة إليه. 
ومن باب الإشارة : والبلد الطيب  وهو ما طاب استعداده  يخرج نباته بإذن ربه  حسناً غزيراً نفعه  والذي خبث  وهو ما ساء استعداده  لا يخرج إلا نكداً  \[ الأعراف : ٥٨ \] لا خير فيه

### الآية 7:59

> ﻿لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَىٰ قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَٰهٍ غَيْرُهُ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ [7:59]

ثم إنه سبحانه وتعالى عقب ذلك بما يحققه ويقرره من قصص الأمم الخالية والقرون الماضية وفي ذلك أيضاً تسلية لرسوله عليه الصلاة والسلام فقال جل شأنه : لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إلى قَوْمِهِ  وهو جواب قسم محذوف أي والله لقد أرسلنا الخ، واطرد استعمال هذه اللام مع قد في الماضي على ما قال الزمخشري وقل الاكتفاء بها وحدها نحو قوله
:

 حلفت لها بالله حلفة فاجر  لناموا فما ان من حديث ولا صاليوالسر في ذلك أن الجملة القسمية لا تساق إلا تأكيداً للجملة المقسم عليها التي هي جوابها فكانت مظنة ( لتوقع المخاطب حصول المقسم عليه ) لأن القسم دل على الاهتمام فناسب ذلك إدخال قد، ونقل عن النحاة أنهم قالوا : إذا كان جواب القسم ماضياً مثبتاً متصرفاً فإما أن يكون قريباً من الحال فيؤتى بقد وإلا أثبت باللام وحدها فجوزوا الوجهين باعتبارين، ولم يؤت هنا بعاطف وأتى به في هود ( ٥٢ ). والمؤمنين ( ٣٢ ). على ما قال الكرماني : لتقدم ذكر نوح صريحاً في هود وضمناً في المؤمنين حيث ذكر فيها قبل  وَعَلَيْهَا وَعَلَى الفلك تُحْمَلُونَ  \[ المؤمنون : ٢٢ \] وهو عليه السلام أول من صنعها بخلاف ما هنا. 
ونوح بن لمك بفتحتين وقيل : بفتح فسكون، وقيل : ملكان بميم مفتوحة ولام ساكنة ونون آخره. وقيل : لامك كهاجر بن متوشلخ بضم الميم وفتح التاء الفوقية والواو وسكون الشين المعجمة على وزن المفعول كما ضبطه غير واحد. وقيل : بفتح الميم وضم المثناة الفوقية المشددة وسكون الواو ولام مفتوحة وخاء معجمة ابن أخنوخ بهمزة مفتوحة أوله وخاء معجمة ساكنة ونون مضمومة وواو ساكنة وخاء أيضاً، ومعناه في تلك اللغة على ما قيل القراء. وقيل : خنوخ بإسقاط الهمزة وهو إدريس عليه السلام. أخرج ابن إسحاق. وابن عساكر عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال : بعث نوح عليه السلام في الألف الثاني وإن آدم عليه السلام لم يمت حتى ولد له نوح في آخر الألف الأول. وأخرجا عن مقاتل. وجويبر أن آدم عليه السلام حين كبر ودق عظمه قال : يا رب إلى متى أكد وأسعى ؟ قال يا آدم حتى يولد لك ولد مختون فولد له نوح بعد عشرة أبطن وهو يومئذٍ ابن ألف سنة إلا ستين عاماً. وبعث على ما روي عن ابن عباس على رأس ( أربعمائة ) سنة، وقال مقاتل : وهو ابن مائة سنة. وقيل : وهو ابن خمسين سنة. وقيل : وهو ابن مائتين وخمسين سنة ومكث يدعو قومه تسعمائة وخمسين سنة. وعاش بعد الطوفان مائتين وخمسين فكان عمره ألفاً وأربعمائة وخمسين سنة. وبعث كما روى ابن أبي حاتم وابن عساكر عن قتادة من الجزيرة. 
وهو أول نبي عذب الله تعالى قومه وقد لقي منهم ما لم يلقه نبي من الأنبياء عليهم السلام. 
واختلف في عموم بعثته عليه السلام ابتداء مع الاتفاق على عمومها انتهاء حيث لم يبق بعد الطوفان سوى من كان معه في السفينة، ولا يقدح القول بالعموم في كون ذلك من خواص نبينا صلى الله عليه وسلم لأن ما هو من خواصه عليه الصلاة والسلام عموم البعثة لكافة الثقلين الجن والإنس وذلك مجمع عليه معلوم من الدين بالضرورة فيكفر منكره بل وكذا الملائكة كما رجحه جمع محققون كالسبكي ومن تبعه وردوا على من خالف ذلك وصريح آية  لِيَكُونَ للعالمين نَذِيراً  \[ الفرقان : ١ \] إذ العالم ما سوى الله تعالى، وخبر مسلم " وأرسلت إلى الخلق كافة " يؤيد ذلك بل قال البارزي : إنه صلى الله عليه وسلم أرسل حتى للجمادات بعد جعلها مدركة. وفائدة الإرسال للمعصوم وغير المكلف طلب إذعانهما لشرفه ودخولهما تحت دعوته واتباعه تشريفاً على سائر المرسلين ولا كذلك بعثة نوح عليه السلام. والفرق مثل الصبح ظاهر. وهو كما في **«القاموس »** **«اسم أعجمي صرف لخفته »**، وجاء عن ابن عباس وعكرمة وجويبر ومقاتل أنه عليه السلام إنما سمي نوحاً لكثرة ما ناح على نفسه. واختلف في سبب ذلك فقيل : هو دعوته على قومه بالهلاك. وقيل : مراجعته ربه في شأن ابنه كنعان. وقيل : إنه مر بكلب مجذوم فقال له : اخسأ يا قبيح فأوحى الله إليه أعبتني أم عبت الكلب. وقيل : هو إصرار قومه على الكفر فكان كلما دعاهم وأعرضوا بكى وناح عليهم. قيل : وكان اسمه قبل السكن لسكون الناس إليه بعد آدم عليه السلام. وقيل : عبد الجبار. وأنا لا أعول على شيء من هذه الأخبار والمعول عليه عندي ما هو الظاهر من أنه اسم وضع له حين ولد، وليس مشتقاً من النايحة. وأنه كما قال صاحب «القاموس٢. 
 فَقَالَ ياقوم \* قَوْمٌ \* اعبدوا الله  أي وحده، وترك التقييد به للإيذان بأنها العبادة حقيقة وأما العبادة مع الإشراك فكلا عبادة ولدلالة قوله سبحانه وتعالى : مَا لَكُم مّنْ إله  أي مستحق للعبادة  غَيْرُهُ  عليه، وهو استئناف مسوق لتعليل العبادة المذكورة أو الأمر بها و  مِنْ  صلة و  غَيْرُهُ  بالرفع وهي قراءة الجمهور صفة  إِلَهٍ  أو بدل منه باعتبار محله الذي هو الرفع على الابتداء أو الفاعلية. وقرأ الكسائي بالجر باعتبار لفظه، وقرىء شاذاً بالنصب على الاستثناء، وحكم غير كما في **«المفصل »** حكم الاسم الواقع بعد إلا وهو المشهور أي مالكم إله إلا إياه كقولك : ما في الدار ( من ) أحد إلا زيداً أو غير زيد، و  إِلَهٍ  إن جعل مبتدأ فلكم خبره أو خبره محذوف و  لَكُمْ  للتخصيص والتبيين أي مالكم في الوجود أو في العالم إله غير الله تعالى. 
 إِنّى أَخَافُ عَلَيْكُمْ  إن لم تعبدوا حسبما أمرت به. وتقدير إن لم تؤمنوا لما أن عبادته سبحانه وتعالى تستلزم الإيمان به وهو أهم أنواعها وإنما قال عليه السلام : أَخَافُ  ولم يقطع حنوا عليهم واستجلاباً لهم بلطف.  عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ  هو يوم القيامة أو يوم الطوفان لأنه أعلم بوقوعه إن لم يمتثلوا، والجملة كما قال شيخ الإسلام تعليل للعبادة ببيان الصارف عن تركها إثر تعليلها ببيان الداعي إليها، ووصف اليوم بالعظم لبيان عظم ما يقع فيه وتكميل الإنذار. 
ومن باب الإشارة : لقد أرسلنا نوحاً  أي نوح الروح  إلى قومه  \[ الأعراف : ٥٩ \] من القلب وأعوانه والنفس وأعوانها

### الآية 7:60

> ﻿قَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ [7:60]

قَالَ الملأ مِن قَوْمِهِ  استئناف مبني على سؤال نشأ من حكاية قوله عليه السلام ونصحه لقومه كأنه قيل : فماذا قالوا بعد ما قيل لهم ذلك ؟ فقيل : قال الخ. والملأ على ما قال الفراء الجماعة من الرجال خاصة. وفسره غير واحد بالأشراف الذين يملأون القلوب بجلالهم والأبصار بجمالهم والمجالس بأتباعهم، وقيل : سموا ملأ لأنهم مليون قادرون على ما يراد منهم من كفاية الأمور  إِنَّا لَنَرَاكَ فِي ضلال  أي ذهاب عن طريق الحق، والرؤية قلبية ومفعولاها الضمير والظرف ؛ وقيل : بصرية فيكون الظرف في موضع الحال  مُّبِينٌ  أي بين كونه ضلالاً.

### الآية 7:61

> ﻿قَالَ يَا قَوْمِ لَيْسَ بِي ضَلَالَةٌ وَلَٰكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ [7:61]

قَالَ  استئناف على طرز سابقه  عَلَيْهِ قَوْمٌ  ناداهم بإضافتهم إليه استمالة لهم نحو الحق  لَيْسَ بِى ضلالة  نفي للضلال عن نفسه الكريمة على أبلغ وجه فإن التاء للمرة لأن مقام المبالغة في الجواب لقولهم الأحمق يقتضي ذلك والوحدة المستفادة منه باعتبار أقل ما ينطلق فيرجع حاصل المعنى ليس بي أقل قليل من الضلال فضلاً عن الضلال المبين، وما يتخايل من أن نفي الماهية أبلغ فإن نفي الشيء مع قيد الوحدة قد يكون بانتفاء الوحدة إلى الكثرة مضمحل بما حقق أن الوحدة ليست صفة مقيدة بل اللفظ موضوع للجزء الأقل وهو الواحد المتحقق مع الكثرة ودونها على أن ملاحظة قيد الوحدة في العام في سياق النفي مدفوع، وكفاك لا رجل شاهداً فإنه موضوع للواحد من الجنس وبذلك فرق بينه وبين أسامة فإذا وقع عاماً لا يلحظ ذلك. ولو سلم جواز أن يقال ليس به ضلالة أي ضلالة واحدة بل ضلالات متنوعة ابتداء لكن لا يجوز في مقام المقابلة كما نحن فيه قاله في **«الكشف »** وبه يندفع ما أورد على **«الكشاف »** في هذا المقام. 
وفي **«المثل السائر »** الأسماء المفردة الواقعة على الجنس التي تكون بينها وبين واحدها تاء التأنيث متى أريد النفي كان استعمال واحدها أبلغ ومتى أريد الإثبات كان استعمالها أبلغ كما في هذه الآية، ولا يظن أنه لما كان الضلال والضلالة مصدرين من قولك : ضل يضل ضلالاً وضلالة كان القولان سواء لأن الضلالة هنا ليست عبارة عن المصدر بل عن المرة والنفي كما علمت، وإنما بالغ عليه السلام في النفي لمبالغتهم في الإثبات حيث جعلوه وحاشاه مستقراً في الضلال الواضح كونه ضلالاً. 
وقوله سبحانه وتعالى : وَلَكِنّي رَسُولٌ مِن رَّبّ العالمين  استدراك على ما قبله رافع لما يتوهم منه، وذلك على ما قيل أن القوم لما أثبتوا له الضلال أرادوا به ترك دين الآباء ودعوى الرسالة فحين نفى الضلالة توهم منه أنه على دين آبائه وترك دعوى الرسالة فوقع الإخبار بأنه رسول وثابت على الصراط المستقيم استدراكاً لذلك، وقيل : هو استدراك مما قبله باعتبار ما يستلزمه من كونه في أقصى مراتب الهداية فإن رسالته من رب العالمين مستلزمة له لا محالة كأنه قيل وليس بي شيء من الضلالة لكني في الغاية القاصية من الهداية، وحاصل ذلك على ما قرره الطيبي أن لكن حقها أن تتوسط بين كلامين متغايرين نفياً وإثباتاً والتغاير هنا حاصل من حيث المعنى كما في قولك : جاءني زيد لكن عمراً غاب، وفائدة العدول عن الظاهر إرادة المبالغة في إثبات الهداية على أقصى ما يمكن كما نفى الضلالة كذلك، وسلك طريق الإطناب لأن هذا الاستدراك زيادة على الجواب إذ قوله : لَيْسَ بِى ضلالة  كان كافياً فيه فيكون من الأسلوب الحكيم الوارد على التخلص إلى الدعوة على وجه الترجيع المعنوي لأنه بدأ بالدعوة إلى إثبات التوحيد وإخلاص العبادة لله تعالى فلما أراد إثبات الرسالة لم يتمكن لما اعترضوا عليه من قولهم : إِنَّا لَنَرَاكَ فِي ضلال مُّبِينٍ  فانتهز الفرصة وأدمج مقصوده في الجواب على أحسن وجه حيث أخرجه مخرج الملاطفة والكلام المنصف يعني دعوا نسبة الضلال إلي وانظروا ما هو أهم لكم من متابعة ناصحكم وأمينكم ورسول رب العالمين ألا ترى أن صالحاً عليه السلام لما لم يعترضوا عليه عقب بإثبات الرسالة إثبات التوحيد ؛ ففي هذه الآية خمسة من أنواع البديع فإذا اقتضى المقام هذا الإطناب كان الاقتصار على العبارة الموجزة تقصيراً انتهى. 
ولا يخفى أن هذا الاستدراك غير الاستدراك بالمعنى المشهور. وقد ذكر غير واحد من علماء العربية أن الاستدراك في لكن أن تنسب لما بعدها حكماً مخالفاً لما قبلها سواء تغايرا إثباتاً ونفياً أو لا، وفسره صاحب **«البسيط »** وجماعة برفع ما توهم ثبوته، وتمام الكلام فيه في **«المغني »**، واعتبار اللازم لتحصيل الاستدراك بالمعنى الثاني مما لا يكاد يقبل لأنه لا يذهب وهم واهم من نفي الضلالة إلى نفي الهداية حتى يحتاج إلى تداركه، ووجهه بعضهم من دون اعتبار اللازم بأنه عليه السلام لما نفى الضلالة عن نفسه فربما يتوهم المخاطب انتفاء الرسالة أيضاً كما انتفى الضلالة فاستدركه بلكن كما في قولك زيد ليس بفقيه لكنه طبيب، وأنت تعلم أن هذا إن لم يرجع إلى ما قرر أولاً فليس بشيء، وقيل : إنه إذا انتفى أحد المتقابلين يسبق الوهم إلى انتفاء المقابل الآخر لا إلى انتفاء الأمور التي لا تعلق لها به، ولهذا يؤول ما وقع في معرض الاستدراك بما يقابل الضلال مثلاً يقال : زيد ليس بقائم لكنه قاعد ولا يقال : لكنه شارب إلا بعد التأويل بأن الشارب يكون قاعداً، وقال بعض فضلاء الروم : النظر الصائب في هذا الاستدراك أن يكون مثل قوله
: ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم  بهن فلول من قراع الكتائبوقوله
: هو البدر إلا أنه البحر زاخرا  سوى أنه الضرغام لكنه الوبلكأنه قيل : ليس بي ضلالة وعيب سوى أني رسول من رب العالمين، وأنت تعلم أن هذا النوع يقال له عندهم تأكيد المدح بما يشبه الذم وهو قسمان ما يستثنى فيه من صفة ذم منفية عن الشيء صفة مدح لذلك الشيء بتقدير دخولها في صفة الذم المنفية. وما يثبت فيه لشيء صفة مدح ويتعقب ذلك بأداة استثناء يليها صفة مدح أخرى لذلك، والظاهر أن ما في الآية من القسم الأول إلا أنه غير غني عن التأويل فتأمل. و  مِنْ  فيها لابتداء الغاية مجازاً متعلقة بمحذوف وقع صفة لرسول مؤكدة ما يفيده التنوين من الفخامة الذاتية كأنه قيل : إني رسول وأي رسول كائن من رب العالمين.

### الآية 7:62

> ﻿أُبَلِّغُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَأَنْصَحُ لَكُمْ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ [7:62]

أُبَلّغُكُمْ رسالات رَبّى  استئناف مسوق لتقرير رسالته وتفصيل أحكامها وأحوالها. وجوز أبو البقاء وغيره أن يكون صفة أخرى لرسول على المعنى لأنه عبارة عن الضمير في ( إني ) وهذا كقول علي كرم الله تعالى وجهه حين بارز مرحباً اليهودي يوم خيبر :
أنا الذي سمتني أمي حيدره \*\*\* كليث غابات كريه المنظره
أو فيهم بالصاع كيل السندره \*\*\* حيث لم يقل سمته حملاً له على المعنى لأمن اللبس، وأوجب بعضهم الحمل على الاستئناف زعماً منه أن ما ذكر قبيح حتى قال المازني : لولا شهرته لرددته، وتعقب ذلك الشهاب بأن ما ذكره المازني في صلة الموصول لا في وصف النكرة فإنه وارد في القرآن مثل  بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ  \[ النمل : ٥٥ \] وقد صرح بحسنه في **«كتب النحو والمعاني »**، على أن ما ذكره في الصلة أيضاً مردود عند المحققين وإن تبعه فيه ابن جني حتى استرذل قول المتنبي :
أنا الذي نظر الأعمى إلى أدبي \*\*\* وفي **«الانتصاف »** أنه حسن في الاستعمال وكلام أبي الحسن أصدق شاهد على ما قال وعلى حسن كلام ابن الحسين، وهذا كما قال الشهاب إذا لم يكن الضمير مؤخراً نحو الذي قرى الضيوف أنا أو كان للتشبيه نحو أنا في الشجاعة الذي قتل مرحباً. وقرأ أبو عمرو  أُبَلّغُكُمْ  بتسكين الباء وتخفيف اللام من الإبلاغ، وجمع الرسالات مع أن رسالة كل نبي واحدة وهو مصدر والأصل فيه أن لا يجمع رعاية لاختلاف أوقاتها أو تنوع معاني ما أرسل عليه السلام به أو أنه أراد رسالته ورسالة غيره ممن قبله من الأنبياء كإدريس عليه السلام وقد أنزل عليه ثلاثون صحيفة، وشيث عليه السلام وقد أنزل عليه خمسون صحيفة، ووضع الظاهر موضع الضمير وتخصيص ربوبيته تعالى له عليه السلام بعد بيان عمومها للعالمين للإشعار بعلة الحكم الذي هو تبليغ رسالته تعالى إليهم فإن ربوبيته تعالى له من موجبات امتثاله بأمره تعالى بتبليغ رسالته. 
 وَأَنصَحُ لَكُمْ  أي أتحرى ما فيه صلاحكم بناءً على أن النصح تحري ذلك قولاً أو فعلاً، وقيل : هو تعريف وجه المصلحة مع خلوص النية من شوائب المكروه، والمعنى هنا أبلغكم أوامر الله تعالى ونواهيه وأرغبكم في قبولها وأحذركم عقابه إن عصيتموه، وأصل النصح في اللغة الخلوص يقال : نصحت العسل إذا خلصته من الشمع، ويقال : هو مأخوذ من نصح الرجل ثوبه إذا خاطه شبهوا فعل الناصح فيما يتحراه من صلاح المنصوح له بفعل الخياط فيما يسد من خلل الثوب، وقد يستعمل لخلوص المحبة للمنصوح له والتحري فيما يستدعيه حقه، وعلى ذلك حمل ما أخرجه مسلم وأبو داود والنسائي عن تميم الداري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :
**«إن الدين النصيحة قلنا : لمن يا رسول الله ؟ قال : لله تعالى ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم »** ويقال : نصحته ونصحت له كما يقال : شكرته وشكرت له، قيل : وجىء باللام هنا ليدل الكلام على أن الغرض ليس غير النصح وليس النصح لغيرهم بمعنى أن نفعه يعود عليهم لا عليه عليه السلام كقوله : مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ  \[ الفرقان : ٥٧ \] وهذا مبني على أن اللام للاختصاص لا زائدة، وظاهر كلام البعض يشعر بأنها مع ذلك زائدة وفيه خفاء. / وصيغة المضارع للدلالة على تجدد نصحه عليه السلام لهم كما يفصح عنه قوله : رَبّ إِنّى دَعَوْتُ قَوْمِى لَيْلاً وَنَهَاراً  \[ نوح : ٥ \]. 
وقوله تعالى : وَأَعْلَمُ مِنَ الله مَا لاَ تَعْلَمُونَ  عطف على ما قبله وتقرير لرسالته عليه السلام أي أعلم من قبله تعالى بالوحي أشياء لا علم لكم بها من الأمور الآتية. فمن لابتداء الغاية مجازاً أو أعلم من شؤونه عز وجل وقدرته القاهرة وبطشه الشديد على من لم يؤمن به ويصدق برسله ما لا تعلمونه. فمن إما للتبعيض أو بيانية لما، ولا بد في الوجهين من تقدير المضاف، قيل : كانوا لم يسمعوا بقوم حل بهم العذاب قبلهم فكانوا آمنين غافلين لا يعلمون ما علمه نوح عليه السلام فهم أول قوم عذبوا على كفرهم.

### الآية 7:63

> ﻿أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جَاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلَىٰ رَجُلٍ مِنْكُمْ لِيُنْذِرَكُمْ وَلِتَتَّقُوا وَلَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ [7:63]

أوعَجِبْتُمْ أَن جَاءكُمْ ذِكْرٌ مّن رَّبّكُمْ  رد لما هو منشأ لقولهم : إِنَّا لَنَرَاكَ فِي ضلال مُّبِينٍ  \[ الأعراف : ٦٠ \] والاستفهام للإنكار أي لم كان ذلك ولا داعي له. والواو للعطف على مقدر ينسحب عليه الكلام، ويقدر عند الزمخشري وأتباعه بين الهمزة وواو العطف كأنه قيل : استبعدتم وعجبتم. ومذهب سيبويه والجمهور أن الهمزة من جملة أجزاء المعطوف إلا أنها قدمت على العاطف تنبيهاً على أصالتها في التصدير. وضعف قول الأولين بما فيه من التكلف لدعوى حذف الجملة فإن قوبل بتقديم بعض المعطوف فقد يقال : إنه أسهل منه لأن المتجوز فيه أقل لفظاً. وفيه تنبيه على أصالة شيء في شيء وبأنه غير مطرد في نحو  أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ على كُلّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ  \[ الرعد : ٣٣ \]. وتحقيقه في محله و  أَن جَاءكُمْ  بتقدير بأن لأن الفعل السابق يتعدى بها ؛ والمراد بالذكر ما أرسل به كما قيل للقرآن ذكر ويفسر بالموعظة. ومن للابتداء والجار والمجرور متعلق بجاء أو بمحذوف وقع صفة لذكر أي ذكر كائن من مالك أموركم ومربيكم. 
 على رَجُلٍ مّنكُمْ  أي من جملتكم تعرفون مولده ومنشأه أو من جنسكم فمن تبعيضية أو بيانية كما قيل و  على  متعلقة بجاء بتقدير مضاف أي على يد أو لسان رجل منكم أي بواسطته، وقيل : على بمعنى مع فلا حاجة إلى التقدير، وقيل : تعلقه به لأن معناه أنزل كما يشير إليه كلام أبي البقاء أو لأنه ضمن معناه، وجوز أن يكون متعلقاً بمحذوف وقع حالاً من  ذُكِرَ  أي نازلاً على رجل منكم. 
 لِيُنذِرَكُمْ  علة للمجىء أي ليحذركم العذاب والعقاب على الكفر والمعاصي  وَلِتَتَّقُواْ  عطف على  لِيُنذِرَكُمْ  وكذا قوله تعالى : وَلَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ  على ما هو الظاهر فالمجىء معلل بثلاثة أشياء وليس من توارد العلل على معلول واحد الممنوع وبينها ترتب في نفس الأمر فإن الإنذار سبب للتقوى والتقوى سبب لتعلق الرحمة بهم، وليس في الكلام دلالة على سببية كل من الثلاثة لما بعده ولو أريدت السببية لجيء بالفاء. وبعضهم اعتبر عطف  ولتتقوا  على  مّنكُمْ لِيُنذِرَكُمْ  و  لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ  على  ولتتقوا  مع ملاحظة الترتب أي لتتقوا بسبب الإنذار ولعلكم ترحمون بسبب التقوى فليتأمل. وجىء بحرف الترجي على عادة العظماء في وعدهم أو للتنبيه على عزة المطلب وأن الرحمة منوطة بفضل الله تعالى فلا اعتماد إلا عليه.

### الآية 7:64

> ﻿فَكَذَّبُوهُ فَأَنْجَيْنَاهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا ۚ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا عَمِينَ [7:64]

فَكَذَّبُوهُ  أي استمروا على تكذيبه وأصروا بعد أن قال لهم ما قال ودعاهم إلى الله تعالى ليلاً ونهاراً  فأنجيناه  من الغرق، والإنجاء في الشعراء من قصد أعداء الله تعالى وشؤم ما أضمروه له عليه السلام  والذين مَعَهُ  من المؤمنين. وكانوا على ما قيل : أربعين رجلاً وأربعين امرأة. وقيل : كانوا ( عشرة ) أبناؤه الثلاثة وستة ممن آمن به عليه السلام، والفاء للسببية باعتبار الإغراق لا فصيحة. وقوله سبحانه وتعالى : فِى الفلك  أي السفينة متعلق بما تعلق به الظرف الواقع صلة أي استقروا معه في الفلك. وجوز أن يكون هو الصلة و  مَعَهُ  متعلق بما تعلق به وأن يكون متعلقاً بأنجينا و  فِى  ظرفية أو سببية وأن يكون متعلقاً بمحذوف وقع حالاً من  الذين  نفسه أو من ضميره. 
 فَكَذَّبُوهُ فأنجيناه والذين مَعَهُ  أي استمروا على تكذيبها، والمراد به ما يعم أولئك الملأ وغيرهم من المكذبين المصرين. وتقديم الإنجاء على الإغراق للمسارعة إلى الإخبار به والإيذان بسبق الرحمة على الغضب  إِنَّهُمْ كَانُواْ قَوْماً عَمِينَ  أي عمى القلوب عن معرفة التوحيد والنبوة والمعاد كما روي عن ابن عباس أو عن نزول العذاب بهم كما نقل عن مقاتل. وقرىء  عَامَيْنِ  والأول أبلغ لأنه صفة مشبهة فتدل على الثبوت وأصله عميين فخفف، وفرق بعضهم بين عم وعام بأن الأول لعمى البصيرة والثاني لعمى البصر. وأنشدوا قول زهير
: وأعلم علم اليوم والأمس قبله  ولكنني عن علم ما في غد عميوقيل : هما سواء فيهما. 
ومن باب الإشارة : فكذبوه فأنجيناه والذين معه  كالقلب وأعوانه  في الفلك  وهو سفينة الأتباع  وأغرقنا الذين كذبوا بآياتنا  في بحار الدنيا ومياه الشهوات  إنهم كانوا قوماً عمين  \[ الأعراف : ٦٤ \] عن طريق الوصول ورؤية الله تعالى، وعلى هذا المنوال ينسح الكلام في باقي الآيات. ولمولانا الشيخ الأكبر قدس سره في هؤلاء القوم ونحوهم كلام تقف الأفكار دونه حسرى فمن أراده فليرجع إلى **«الفصوص »** يرى العجب العجاب والله تعالى الهادي إلى سبيل الرشاد.

### الآية 7:65

> ﻿۞ وَإِلَىٰ عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا ۗ قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَٰهٍ غَيْرُهُ ۚ أَفَلَا تَتَّقُونَ [7:65]

وإلى عَادٍ  متعلق بمضمر معطوف على  أَرْسَلْنَا  \[ الأعراف : ٥٩ \] يما سبق وهو الناصب لقوله تعالى : أخاهم  أي وأرسلنا إلى عاد أخاهم، وقيل : لا إضمار والمجموع معطوف على المجموع السابق والعامل الفعل المتقدم. وغير الأسلوب لأجل ضمير  أخاهم  إذ لو أتى به على سنن الأول عاد الضمير على متأخر لفظاً ورتبة. وعاد في الأصل اسم لأبي القبيلة ثم سميت به القبيلة أو الحي فيجوز فيه الصرف وعدمه كما ذكره سيبويه، وقوله تعالى : هُودًا  بدل من  أخاهم  أو عطف بيان له واشتهر أنه اسم عربي، وظاهر كلام سيبويه أنه أعجمي وأيد بما قيل : إن أول العرب يعرب وهو هود بن الخ بن ارفخشد بن سام بن نوح وعليه محمد بن إسحاق. وبعض القائلين بهذا قالوا : إن نوحاً ابن عم أبي عاد، وقيل : ابن عوص بن أرم بن سام بن نوح، وقيل : ابن عبد الله بن رباح بن الخلود بن عاد بن عوص بن أرم بن سام بن نوح عليه السلام. ومعنى كونه عليه السلام أخاهم أنه منهم نسباً وهو قول الكثير من النسابين. ومن لا يقول به يقول : إن المراد صاحبهم وواحد في جملتهم وهو كما يقال يا أخا العرب. وحكمة كون النبي يبعث إلى القوم منهم أنهم أفهم لقوله من قول غيره وأعرف بحاله في صدقه وأمانته وشرف أصله. 
 قَالَ  استئناف بياني كأنه قيل : فماذا قال لهم حين أرسل إليهم ؟ فقيل : قال الخ. ولم يؤت بالفاء كما أتى بها في قصة نوح لأن نوحاً كان مواظباً على دعوة قومه غير مؤخر لجواب شبهتهم لحظة واحدة وهود عليه السلام لم يكن مبالغاً إلى هذا الحد فلذا جاء التعقيب في كلام نوح ولم يجىء هنا. وذكر صاحب **«الفرائد »** في التفرقة بين القصتين أن قصة نوح عليه السلام ابتداء كلام فالسؤال غير مقتضي الحال وأما قصة هود فكانت معطوفة على قصة نوح فيمكن أن يقع في خاطر السامع أقال هود ما قال نوح أم قال غيره ؟ فكان مظنة أن يسئل ماذا قال لقومه ؟ فقيل : قال الخ. وقيل : اختير الفصل هنا لإرادة استقلال كل من الجمل في معناه حيث أن كفر هؤلاء أعظم من كفر قوم نوح من حيث إنهم علموا ما فعل الله تعالى بالكافرين وأصروا وقوم نوح لم يعلموا. ويدل على علمهم بذلك ما سيأتي في ضمن الآيات وفيه نظر. /  يَابَنِى إسراءيل اعبدوا الله  وحده كما يدل عليه قوله تعالى : مَالَكُمْ \* مّنْ إله غَيْرُهُ  فإنه استئناف جار مجرى البيان للعبادة المأمور بها والتعليل لها أو للأمر كأنه قيل : خصوه بالعبادة ولا تشركوا به شيئاً إذ ليس لكم إله سواه. 
وقرىء  غَيْرِ  بالحركات الثلاث كالذي قبل. 
 أَفَلاَ تَتَّقُونَ  إنكار واستبعاد لعدم اتقائهم عذاب الله تعالى بعد ما علموا ما حل بقوم نوح عليه السلام، وقيل : الاستفهام للتقرير والفاء للعطف، وقد تقدم الكلام فيه آنفاً وفي سورة هود ( ١٥ )  أَفَلاَ تَعْقِلُونَ  ( ولعله عليه السلام كما قال شيخ الإسلام خاطبهم بكل منهما و ( قد ) اكتفى بحكاية كل منهما في موطن عن حكايته في موطن آخر كما لم يذكر ههنا ما ذكر هناك من قوله : إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ مُفْتَرُونَ  \[ هود : ٥٠ \] وقس على ذلك حال بقية ما ذكر وما لم يذكر من أجزاء القصة بل حال نظائره في سائر القصص لا سيما في المحاورات الجارية في الأوقات المتعددة ). وقال غير واحد : إنما قيل ههنا : أَفَلاَ تَتَّقُونَ  وفيما تقدم من مخاطبة نوح عليه السلام قومه  إِنّى أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ  \[ الأعراف : ٥٩ \] لأن هؤلاء قد علموا بما حل بغيرهم من نظرائهم ولم يكن قبل واقعة قوم نوح عليه السلام واقعة، وقيل : لأن هؤلاء كانوا أقرب إلى الحق وإجابة الدعوة من قوم نوح عليه السلام وهذا دون  إِنّى أَخَافُ عَلَيْكُمْ  الخ في التخويف، ويرشد إلى ذلك ما تقدم
**\[ بم مع قوله تعالى :**

### الآية 7:66

> ﻿قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي سَفَاهَةٍ وَإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الْكَاذِبِينَ [7:66]

قَالَ الملأ الذين كَفَرُواْ مِن قَوْمِهِ  حيث قيد هنا الملأ المعاند بمن كفر وأطلق هناك، وقد صرحوا بأن هذا الوصف لأنه لم يكن كلهم على الكفر بل من أشرافهم من آمن به عليه السلام كمرثد بن سعد الذي كان يكتم إيمانه ولا كذلك قوم نوح ومن آمن به عليه السلام منهم لم يكن من الأشراف كما هو الغالب في أتباع الرسل عليهم السلام، وقيل إنه وقت مخاطبة نوح عليه السلام لقومه لم يكونوا آمنوا بخلاف قوم هود ومثله كما قال الشهاب يحتاج إلى نقل. واعترض المولى بهاء الدين على تلك التفرقة بين القومين بأنه قد جاء في سورة المؤمنين ( ٣٢ ) وصف قوم نوح بما وصف به قوم هود هنا فكيف تتأتى هذه التفرقة ؟ وأجيب بأن الوصف هناك محمول على أنه للذم لا للتمييز وإنما لم يذم ههنا للإشارة إلى التفرقة. وقال الطيبي : يمكن أن يقال : إن الوصف هنا للذم أيضاً ومقتضى المقام يقتضي ذمهم لشدة عنادهم كما يدل عليه جوابهم بما حكاه الله تعالى من قولهم : إِنَّا لَنَرَاكَ فِي سَفَاهَةٍ  أي متمكناً في خفة عقل راسخاً فيها حيث فارقت دين آبائك. 
 وِإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الكاذبين  حيث ادعيت الرسالة وهو أبلغ من كاذباً كما مرت الإشارة إليه. والظن إما على ظاهره كما قال الحسن والزجاج وإما بمعنى العلم كما قيل، وذلك لأنهم قالوا ما قالوا مع كونه عليه السلام معروفاً بينهم بضد ذلك ولا يقتضي ذم قوم نوح عليه السلام وحيث اقتضى في سورة المؤمنين ذمهم ذمهم لأنهم قالوا كما قصه سبحانه وتعالى هناك : مَا هذا إِلاَّ بَشَرٌ مّثْلُكُمْ يُرِيدُ أَن يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ وَلَوْ شَاء الله لاَنزَلَ ملائكة مَّا سَمِعْنَا بهذا فِى ءابَائِنَا  \[ المؤمنون : ٢٤، ٢٥ \] وقال بعضهم : إن الظاهر أن ما نقل هنا عن قوم نوح عليه السلام مقالتهم في مجلس أو مقالة بعضهم وما نقل في سورة المؤمنين مقالتهم في مجلس آخر أو مقالة آخرين فروعي في المقامين مقتضى كل من المقالتين.

### الآية 7:67

> ﻿قَالَ يَا قَوْمِ لَيْسَ بِي سَفَاهَةٌ وَلَٰكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ [7:67]

قَالَ  عليه السلام مستعطفاً لهم أو مستميلاً لقلوبهم : قَالَ ياقوم لَيْسَ بِى سَفَاهَةٌ  أي شيء منها فضلاً عن تمكني فيها كما زعمتم  وَلَكِنّي رَسُولٌ مِن رَّبّ العالمين  والرسالة من قبله تعالى تقتضي الاتصاف بغاية الرشد والصدق، ولم يصرح عليه السلام بنفي الكذب اكتفاءً بما في حيز الاستدراك. وقيل : الكذب نوع من السفاهة فيلزم من نفيها نفيه، و  مِنْ  لابتداء الغاية مجازاً وهي متعلقة بمحذوف وقع صفة لرسول مؤكدة لما أفاده التنوين من الفخامة الذاتية بالفخامة الإضافية.

### الآية 7:68

> ﻿أُبَلِّغُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَأَنَا لَكُمْ نَاصِحٌ أَمِينٌ [7:68]

وقوله تعالى : أُبَلّغُكُمْ رسالات رَبّى  على طرز ما في قصة نوح عليه السلام. وقرأ أبو عمرو  أُبَلّغُكُمْ  بالتخفيف من الإفعال  وَأَنَاْ لَكُمْ نَاصِحٌ أَمِينٌ  معروف بالنصح والأمانة مشهور بين الناس بذلك فما حقي أن أتهم بشيء مما ذكرتموه ؛ وعلى هذا لا يقدر للوصفين متعلق، ويحتمل تقديرهما أي ناصح لكم فيما أدعوكم إليه أمين على ما أقول لكم لا أكذب فيه، وعلى الأول كما قال الطيبي فالجملة مستأنفة وقعت معترضة، وعلى الثاني حالية، وفي العدول عن الفعلية إلى الاسمية ما لا يخفى. ولعل التعبير بها هنا وبالفعلية فيما تقدم لتجدد النصح من نوح دون هود عليهما السلام.

### الآية 7:69

> ﻿أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جَاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلَىٰ رَجُلٍ مِنْكُمْ لِيُنْذِرَكُمْ ۚ وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ وَزَادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَسْطَةً ۖ فَاذْكُرُوا آلَاءَ اللَّهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ [7:69]

أَوَ عَجبْتُمْ أَنْ جَاءَكُمْ ذكْرٌ مِّنْ رَّبِّكُمْ عَلَى رَجُل مِّنْكُم ليُنْذرَكُمْ  الكلام فيه كالكلام في سابقه. وفي إجابة الأنبياء عليهم السلام من يشافههم من الكفرة بالكلمات الحمقاء بما حكى عنهم والإعراض عن مقابلتهم بمثل كلامهم كمال النصح والشفقة وهضم النفس وحسن المجادلة، وفي حكاية ذلك تعليم للعباد كيف يخاطبون السفهاء وكيف يغضون عنهم ويسبلون أذيالهم على ما يكون منهم، وفي الآية دلالة على جواز مدح الإنسان نفسه للحاجة إليه. 
 واذكروا إذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ  شروع في بيان ترتيب أحكام النصح والأمانة والإنذار وتفصيلها، و  إذ  على ما يفهم من كلام البعض وصرح به آخرون ظرف منصوب بآلاء المحذوف هنا بقرينة ما بعده لتضمنه معنى الفعل، واختار غير واحد تبعاً للزمخشري أنه مفعول لأذكروا أي اذكروا هذا الوقت المشتمل على هذه النعم الجسام، وتوجيه الأمر بالذكر إلى الوقت دون ما وقع فيه مع أنه المقصود بالذات للمبالغة في إيجاب ذكره ولأنه إذا استحضر الوقت كان هو حاضراً بتفاصيله، وهذا مبني على الاتساع في الظرف أو أنه غير لازم للظرفية على خلاف المشهور عند النحويين، والواو للعطف وما بعده قيل : معطوف على قوله تعالى : أعبدوا  \[ الأعراف : ٦٥ \] ولا يخفى بعده. وقال شيخ الإسلام : لعله معطوف على مقدر كأنه قيل : لا تعجبوا من ذلك أو تدبروا في أمركم واذكروا إذ جعلكم خلفاء  منْ بَعْد قَوْم نُوح  أي في مساكنهم أو في الأرض بأن جعلكم ملوكاً فإن شداد بن عاد ممن ملك معمورة الأرض فالإسناد على هذا مجاز، وفي ذكر نوح على ما قيل إشارة إلى رفع التعجب يعني هذا الذي جئت به ليس ببدع فاذكروا نوحاً وإرساله إلى قومه وإلى الوعيد والتهديد أي أذكروا إهلاك قومه لتكذيبهم رسول ربهم. 
 وَزَادَكُمْ في الخلق  أي الإبداع والتصوير أو في المخلوقين أي زادكم في الناس على أمثالكم  بَسْطَةً  قوة وزيادة جسم، قال الكلبي : كانت قامة الطويل منهم مائة ذراع وقامة القصير ستين ذراعاً. وأخرج ابن عساكر عن وهب أنه قال : كانت هامة الرجل منهم مثل القبة العظيمة وعينه يفرخ فيها السباع، وأخرج عبد بن حميد عن قتادة أنه قال : ذكر لنا أنهم كانوا اثني عشر ذراعاً، وعن الباقر رضي الله تعالى عنه كانوا كأنهم النخل الطوال وكان الرجل منهم يأتي الجبل فيهدم منه بيده القطعة العظيمة. / وأخرج عبد الله بن أحمد وابن أبي حاتم عن أبي هريرة إن كان الرجل منهم ليتخذ المصراع من الحجارة لو اجتمع عليه خمسمائة من هذه الأمة لم يستطيعوا أن يقلوه وإن كان أحدهم ليدخل قدمه في الأرض فتدخل فيها. وعن بعضهم أن أحدهم كان أطول من سائر الخلق بمقدار ما يمد الإنسان يده فوق رأسه باسطاً لها فطول كل منهم قامة وبسطة وهذا أقرب عند ذوي العقول القصيرة عن إدراك طول يد القدرة. 
وأخرج إسحاق بن بشر وغيره عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن هوداً عليه السلام كان أصبحهم وجهاً وكان في مثل أجسامهم أبيض جعداً بادي العنفقة طويل اللحية صلى الله عليه وسلم، ونصب  بسطة  على أنه مفعول به للفعل قبله، وقيل : تمييز و  في الخلق  متعلق بالفعل، وجوز أبو البقاء تعلقه بمحذوف وقع حالاً من  بسطة . 
 فاذكروا ءَالاَءَ الله  أي نعمه سبحانه وتعالى وهي جمع إلْي بكسر فسكون كحمل وأحمال أو أُلْي بضم فسكون كقفل وأقفال أو إلى بكسر ففتح مقصوراً كمعى وأمعاء أو بفتحتين مقصوراً كقفا وأقفاء وبهما ينشد قول الأعشى
: أبيض لا يرهب الهزال ولا  يقطع رحماً ولا يخون إلاوقيل : إن ما في البيت إلا المشددة لكنها خففت ومعناها العهد وفيه بعد، وهذا تكرير للتذكير لزيادة التقرير وتعميم إثر تخصيص أي أذكروا الآلاء التي من جملتها ما تقدم  لَعَلَّكُمْ تُفْلحُونَ  أي لكي يفضي بكم ذكر النعم إلى شكرها الذي من جملته العمل بالأركان والطاعة المؤدي إلى النجاة من الكروب والفوز بالمطلوب وهذا لأن الفلاح لا يترتب على مجرد الذكر. ومن الناس من فسر ذكر الآلاء بشكرها وأمر الترتب عليه ظاهر.

### الآية 7:70

> ﻿قَالُوا أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ وَنَذَرَ مَا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا ۖ فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ [7:70]

قَالُوا  مجيبين عن تلك النصائح العظيمة المتضمنة للإنذار على ما أشير إليه.  أَجئْتَنَا لنَعْبُدَ الله وَحْدَهُ  أي لنخصه بالعبادة  وَنَذَرَ  أي نترك  مَا كَانَ يَعْبُدُ ءَابَاؤُنَا  من الأوثان، وهذا إنكار واستبعاد لمجيئه عليه السلام بذلك ومنشؤه انهماكهم في التقليد والحب لما ألفوه وألفوا عليه أسلافهم، ومعنى المجىء إما مجيئه عليه السلام من مكان كان يتحنث فيه كما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعل بحراء قبل المبعث أو مجيئه من السماء أي أنزلت علينا من السماء ومرادهم التهكم والاستهزاء، وجاء ذلك من زعمهم أن المرسل من الله تعالى لا يكون إلا ملكاً من السماء أو هو مجاز عن القصد إلى الشيء والروع فيه فإن جاء وقام وقعد وذهب كما قال جماعة تستعملها العرب لذلك تصويراً للحال فتقول قعد يفعل كذا وقام يشتمني وقعد يقرأ وذهب يسبني، ونصب  وحده  على الحالية، وهو عند جمهور النحويين ومنهم الخليل وسيبويه اسم موضوع موضع المصدر أعني إيجاد الموضوع موضع الحال أعني موحداً. واختلف هؤلاء فيما إذا قلت : رأيت زيداً وحده مثلاً فالأكثرون يقدرون في حال إيجاد له بالرؤية فيجعلونه حالاً من الفاعل، والمبرد يقدره في حال أنه مفرد بالرؤية فيجعله حالاً من المفعول. ومنع أبو بكر بن طلحة جعله حالاً من الفاعل وأوجب كونه حالاً من المفعول لا غير لأنهم إذا أرادوا الحال من الفاعل قالوا رأيته وحدي ومررت به وحدي كما قال الشاعر
 : والذئب أخشاه أن مررت به \*\*\* وحدي وأخشى الرياح والمطرا
وهذا الذي قاله في البيت صحيح ولا يمتنع من أجله أن يأتي الوجهان المتقدمان في رأيت زيداً وحده فإن المعنى يصح معهما، ومنهم من يقول : إنه مصدر موضوع موضع الحال ولم يوضع له فعل عند بعضهم. 
وحكى الأصمعي وحديحد، وذهب يونس وهشام في أحد قوليه إلى أنه منتصب انتصاب الظروف فجاء زيد وحده في تقدير جاء على وحده ثم حذف الجار وانتصب على الظرف، وقد صرح بعلى في كلام بعض العرب، وإذا قيل زيد وحده فالتقدير زيد موضع التفرد، ولعل القائل بما ذكر يقول : إنه مصدر وضع موضع الظرف. وعن البعض أنه في هذا منصوب بفعل مضمر كما يقال : زيد إقبالاً وإدباراً هذا خلاصة كلامهم في هذا المقام، وإذا أحطت به خبراً فاعلم أن ( نعبد الله وحده ) في تقدير موحدين إياه بالعبادة عند سيبويه على أنه حال من الفاعل، والحاء في موحدين مكسورة وعلى رأي ابن طلحة موحداً هو والحاء مفتوحة وهو من أوحد الرباعي والتقدير على رأي هشام نعبد الله تعالى على انفراد وهو من وحد الثلاثي، والمعنى في التقادير الثلاثة لا يختلف إلا يسيراً، والكلام الذي هو فيه متضمن للإيجاب والسلب وله احتمالات نفياً وإثباتاً وتفصيل ذلك في رسالة في مولانا تقي الدين السبكي المسماة **«بالرفدة في معنى وحده »** وفيها يقول الصفدي
 : خل عنك الرقدة \*\*\* وانتبه للرفدة تجن منها علما
فاق طعم الشهدة \*\*\* وأراد بما في قوله تعالى : فَأْتنَا بمَا تَعدُنَا  العذاب المدلول عليه بقوله تعالى : أفلا تتقون  \[ الأعراف : ٦٥ \]  إنْ كُنْتَ منَ الصادقين  بالإخبار بنزوله، وقيل : بالإخبار بأنك رسول الله تعالى إلينا، وجواب  إن  محذوف لدلالة المذكور عليه أي فأت به.

### الآية 7:71

> ﻿قَالَ قَدْ وَقَعَ عَلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ رِجْسٌ وَغَضَبٌ ۖ أَتُجَادِلُونَنِي فِي أَسْمَاءٍ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا نَزَّلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ ۚ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ [7:71]

قَالَ قَدْ وَقَعَ عَلَيْكُمْ  أي وجب وثبت. وأصل استعمال الوقوع في نزول الأجسام، واستعماله هنا فيما ذكر مجاز من إطلاق السبب على المسبب. ويجوز أن يكون في الكلام استعارة تبعية والمعنى قد نزل عليكم، واختار بعضهم أن  وقع  بمعنى قضى وقدر لأن المقدرات تضاف إلى السماء وحرف الاستعلاء على ذلك ظاهر، وفي **«الكشف »** أن الوقوع بمعنى الثبوت وحرف الاستعلاء إما لأنه ثبوت قوي أكد ما يكون( [(١)](#foonote-١) ) وآجبه أو لأنه ثبوت حسي لأمر نازل من علو وعذاب الله تعالى موصوف بالنزول من السماء فتدبر. والتعبير بالماضي لتنزيل المتوقع منزلة الواقع كما في قوله تعالى : أتى أمر الله  \[ النحل : ١ \]. 
مِّنْ رَّبِّكُمْ } أي من قبل مالك أمركم سبحانه وتعالى. والجار والمجرور قيل : متعلق بمحذوف وقع حالاً مما بعد، والظاهر أنه متعلق بالفعل قبله، وتقديم الظرف الأول عليه مع أن المبدأ متقدم على المنتهي كما قال شيخ الإسلام للمسارعة إلى بيان إصابة المكروه لهم، وكذا تقديمهما على الفاعل وهو قوله تعالى : رجْسٌ  مع ما فيه من التشويق إلى المؤخر ولأن فيه نوع طول بما عطف عليه من قوله تعالى : وَغَضَبٌ  فربما يخل تقديمهما بتجاوب النظم الكريم. والرجس العذاب وهو بهذا المعنى في كل القرآن عند ابن زيد من الارتجاس وهو والارتجاز بمعنى حتى قيل : إن أصله ذلك فأبدلت الزاي سيناً كما أبدلت السين تاء في قوله
: ألا لحى الله بني السعلات  عمرو بن يربوع شرار الناتليسوا بأعفاف ولا أكياتفإنه أراد الناس وأكياس. وأصل معناه الاضطراب ثم شاع فيما ذكر لاضطراب من حل به، وعليه فالعطف في قوله
: إذا سنة كانت بنجد محيطة  وكان عليهم رجسها وعذابهاللتفسير. والغضب عند كثير بمعنى إرادة الانتقام. وعن ابن عباس أنه فسر الرجس باللعنة والغضب بالعذاب وأنشد له البيت السابق وفيه خفاء. والذاهبون إلى ما تقدم إنما لم يفسروه بالعذاب لئلا يتكرر مع ما قبله، ولا يبعد أن يفسر الرجس بالعذاب والغضب باللعن والطرد على عكس ما نسب إلى ابن عباس رضي الله تعالى عنهما ويكون في الكلام حينئذٍ إشارة إلى حالهم في الأولى والأخرى. ويمكن إرجاع ما ذكره الكثير من المفسرين إلى هذا وإلا فالظاهر أنه لا لطافة في قولك : وقع عليهم عذاب وإرادة انتقام على ظاهر كلامهم. وأياً ما كان فالتنوين للتفخيم والتهويل. 
 أَتُجَادلُونَني في أَسْمَاء سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَءَابَاؤُكُمْ  إنكار واستقباح لإنكارهم مجيئه عليه السلام داعياً لهم إلى عبادة الله تعالى وحده وترك ما كان يعبد آباؤهم من الأصنام والأسماء عبارة عن تلك الأصنام الباطلة، وهذا كما يقال لما لا يليق ما هو إلا مجرد اسم، والمعنى أتخاصمونني في مسميات وضعتم لها أسماء لا تليق بها فسميتموها آلهة من غير أن يكون فيها من مصداق الإلهية شيء ما لأن المستحق للمعبودية ليس إلا من أوجد الكل وهي بمعزل عن إيجاد ذرة وأنها لو استحق لكان ذلك بجعله تعالى إما بإنزال آية أو نصب حجة وكلاهما مستحيل وذلك قوله تعالى : مَا نَزَّلَ الله بهَا منْ سُلْطَان  أي حجة ودليل وحيث لم يكن ذلك في حيز الإمكان تحقق بطلان ما هم عليه. 
والذم الذي يفهمه الكلام متوجه إلى التسمية الخالية عن المعنى المشحونة بمزيد الضلالة والغواية والافتراء العظيم، وقيل : إنهم سموها خالقة ورازقة ومنزلة المطر ونحو ذلك. والضمير المنصوب في  سميتموها  راجع لأسماء وهو على ما قيل المفعول الأول والمفعول الثاني محذوف حسبما أشير إليه. وقيل : المفعول الأول محذوف والضمير هو المفعول الثاني والمراد سميتم أصنامكم بها. وقيل : المراد من سميتموها وصفتموها فلا حاجة له إلى مفعولين، وحمل الآية على ما ذكر أولاً في تفسيرها هو الذي اختاره جمع وجوز بعضهم أن يكون الكلام على حذف مضاف أي أتجادلونني في ذوي أسماء. وادعى آخرون جواز أن يكون فيه صنعة الاستخدام. واستدل بالآية من قال : إن الاسم عين المسمى ومن قال : إن اللغات توقيفية إذ لو لم تكن كذلك لم يتوجه الإنكار والإبطال بأنها أسماء مخترعة لم ينزل الله تعالى بها سلطاناً، ولا يخفى عليك ما في ذلك من الضعف. 
 فانتظروا  نزول العذاب الذي طلبتموه بقولكم : فأتنا بما تعدنا  \[ الأعراف : ٧٠ \] لما وضح الحق وأنتم مصرون على العناد والجهالة  إنِّي مَعَكُمْ مِّنَ المنتظرين  لنزوله بكم. والفاء في  فانتظروا  للترتيب على ما تقدم
**\[ بم وفي قوله تعالى :**
١ - قوله وآجبه كذا بخط المؤلف وتأمل..

### الآية 7:72

> ﻿فَأَنْجَيْنَاهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَقَطَعْنَا دَابِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا ۖ وَمَا كَانُوا مُؤْمِنِينَ [7:72]

فَأَنْجَيْنَاهُ  فصيحة أي فوقع ما وقع فأنجيناه  والذين مَعَهُ  أي متابعيه في الدين  برَحْمَة  عظيمة لا يقادر قدرها  منَّا  أي من جهتنا. والجار والمجرور متعلق بمحذوف وقع نعتاً لرحمة مؤكداً لفخامتها على ما تقدم غير مرة  وَقَطَعْنَا دَابرَ الذين كَذَّبُوا بآيَاتنَا  كناية عن الاستئصال. والدابر الآخر أي أهلكناهم بالكلية ودمرناهم عن آخرهم. واستدل به بعضهم على أنه لا عقب لهم.  وَمَا كَانُوا مُؤْمنينَ  عطف على  كذبوا  داخل معه في حكم الصلة أي أصروا على الكفر والتكذيب ولم يرعووا عن ذلك أصلاً. وفائدة هذا النفي عند الزمخشري التعريض بمن آمن منهم. وبيانه على ما قال الطيبي أنه إذا سمع المؤمن أن الهلاك اختص بالمكذبين وعلم أن سبب النجاة هو الإيمان تزيد رغبته فيه ويعظم قدره عنده، ونظيره في اعتبار شرف الإيمان  الذين يحملون العرش  \[ غافر : ٧ \] الآية، وقال بعضهم : فائدة ذلك بيان أنه كان المعلوم من حالهم أنه سبحانه لو لم يهلكهم ما كانوا ليؤمنوا كما قال جل شأنه في آية أخرى : ولقد أهلكنا القرون من قبلكم لما ظلموا وجاءتهم رسلهم بالبينات وما كانوا ليؤمنوا  \[ يونس : ١٣ \] فهو كالعذر عن عدم إمهالهم والصبر عليهم. 
وسر تقديم حكاية الإنجاء على حكاية الإهلاك يعلم مما تقدم. وقصتهم على ما ذكره السدي ومحمد بن إسحاق وغيرهما أن عاداً قوم كانوا بالأحقاف وهي رمال بين عمان وحضرموت وكانوا قد فشوا في الأرض كلها وقهروا أهلها وكانت لهم أصنام يعبدونها وهي صداء وصمود وإلهاء فبعث الله تعالى إليهم هوداً عليه السلام نبياً وهو من أوسطهم نسباً وأفضلهم حسباً فأمرهم بالتوحيد والكف عن الظلم فكذبوه وازدادوا عتواً وتجبراً  وقالوا من أشد منا قوة  \[ فصلت : ١٥ \] فأمسك الله عنهم المطر ثلاث سنين حتى جهدهم ذلك وكان الناس إذ ذاك إذا نزل بهم بلاء طلبوا رفعه من الله تعالى عند بيته الحرام مسلمهم ومشركهم، وأهل مكة يومئذٍ العمالقة أولاد عمليق بن لاوذ بن سام بن نوح وسيدهم معاوية بن بكر وكانت أمه كهلدة من عاد فجهزت عاد إلى الحرم من أماثلهم سبعين رجلاً منهم قيل بن عنز ولقيم بن هزال ولقمان بن عاد الأصغر ومرثد بن سعد الذي كان يكتم إسلامه وجلهمة خال معاوية بن بكر فلما قدموا مكة نزلوا على معاوية وكان خارجاً من الحرم فأنزلهم وأكرمهم إذ كانوا أخواله وأصهاره فأقاموا عنده شهراً يشربون الخمر وتغنيهم قينتان لمعاوية اسم إحداهما وردة والأخرى جرادة ويقال لهما الجرادتان على التغليب فلما رأى طول مقامهم وذهولهم باللهو عما قدموا له شق ذلك عليه وقال : هلك أصهاري وأخوالي وهؤلاء على ما هم عليه وكان يستحي أن يكلمهم خشية أن يظنوا به ثقل مقامهم عنده فشكا ذلك لقينتيه فقالتا : قل شعراً نغنيهم به ولا يدرون من قاله لعل ذلك أن يحركهم فقال :
ألا يا قيل ويحك قم فهينم \*\*\* لعل الله يسقينا غماما
فتسقى أرض عاد إن عادا \*\*\* قد أمسوا ما يبينون الكلاما من
العطش الشديد فليس نرجو \*\*\* به الشيخ الكبير ولا الغلاما
وقد كانت نساؤهم بخير \*\*\* فقد أمست نساؤهم عياما
وإن الوحش تأتيهم جهارا \*\*\* ولا تخشى لعادي سهاما
وأنتم ههنا فيما اشتهيتم \*\*\* نهاركم وليلكم التماما
فقبح وفدكم من وفد قوم \*\*\* ولا لقوا التحية والسلاما
فلما غنتا بذلك قال بعضهم لبعض : يا قوم إنما بعثكم قومكم يتغوثون بكم من البلاء الذي نزل بهم وقد أبطأتم عليهم فادخلوا هذا الحرم واستسقوا لقومكم فقال : مرثد بن سعد والله لا تسقون بدعائكم ولكن إن أطعتم نبيكم وأنبتم إلى ربكم سقيتم فأظهر إسلامه عند ذلك وقال :
عصت عاد رسولهم فأمسوا \*\*\* عطاشاً ما تبلهم السماء
لهم صنم يقال له صمود \*\*\* يقابله صداء والهباء فبصرنا
الرسول سبيل رشد \*\*\* فأبصرنا الهدى وخلا العماء
وإن إله هود هو إلهي \*\*\* على الله التوكل والرجاء
فقالوا لمعاوية : أحبس عنا مرثداً فلا يقدمن معنا مكة فإنه قد اتبع دين هود وترك ديننا ثم دخلوا مكة يستسقون فخرج مرثد من منزل معاوية حتى أدركهم قبل أن يدعوا بشيء مما خرجوا له فلما انتهى إليهم قام يدعو الله تعالى ويقول : اللهم سؤلي وحدي فلا تدخلني في شيء مما يدعوك به وفد عاد وكان قيل رأس الوفد فدعا وقال : اللهم اسق عاداً ما كنت تسقيهم وقال القوم : اللهم أعط قيلاً ما سألك واجعل سؤلنا مع سؤله فأنشأ الله تعالى سحائب ثلاثاً بيضاء وحمراء وسوداء ثم نادى مناد من السماء يا قيل اختر لنفسك ولقومك من هذه السحائب ما شئت قيل وكذلك يفعل الله تعالى بمن دعاه إذ ذاك فقال قيل : اخترت السوداء فإنها أكثرهن ماء فناداه مناد اخترت رماداً رمداً لا تبقى من آل عاد أحداً وساق الله تعالى تلك السحابة بما فيها من النقمة إلى عاد حتى خرجت عليهم من واد يقال له المغيث فلما رأوها استبشروا وقالوا : هذا عارض ممطرنا فجاءتهم منها ريح عقيم، وأول من رأى ذلك امرأة منهم يقال لها مهدر ولما رأته صفقت فلما أفاقت قالوا : ما رأيت قالت : رأيت ريحاً فيها كشهب النار أمامها رجال يقودونها فسخرها الله تعالى عليهم سبع ليال وثمانية أيام حسوماً فلم تدع منهم أحداً إلا أهلكته واعتزل هود عليه السلام ومن معه في حظيرة ما يصيبهم من الريح إلا ما تلين به الجلود وتلتذ الأنفس، ثم إنه عليه السلام أتى هو ومن معه مكة فعبدوا الله تعالى فيها إلى أن ماتوا وقبره عليه السلام قيل هناك في البقعة التي بين الركن والمقام وزمزم، وفيها كما أخرج ابن عساكر عن عبد الرحمن بن سابط قبور تسعة وسبعين نبياً منهم أيضاً نوح وشعيب وصالح وإسماعيل عليهم السلام، وأخرج البخاري في **«تاريخه »**. 
وابن جرير وغيرهما عن علي كرم الله تعالى وجهه أن قبره عليه السلام بحضرموت في كثيب أحمر عند رأسه سدرة، وأخرج ابن عساكر عن ابن أبي العاتكة قال : قبلة مسجد دمشق قبر هود عليه السلام، وعمر كما أخرج أبو الشيخ عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أربعمائة واثنتين وسبعين سنة والله تعالى أعلم.

### الآية 7:73

> ﻿وَإِلَىٰ ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا ۗ قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَٰهٍ غَيْرُهُ ۖ قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ ۖ هَٰذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً ۖ فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ ۖ وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ [7:73]

وإلى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صالحا  عطف على ما سبق من قوله تعالى : وإلى عَادٍ أَخَاهُمْ  \[ الأعراف : ٦٥ \] موافق له في تقديم المجرور على المنصوب، وثمود قبيلة من العرب كانت مساكنهم الحجر بين الحجاز والشام إلى وادي القرى وسميت باسم أبيهم الأكبر ثمود بن عابر بن إرم بن سام بن نوح، وقيل : ابن عاد بن عوص بن إرم الخ وهو المنقول عن الثعلبي. وقال عمرو بن العلاء : إنما سموا بذلك لقلة مائهم فهو من ثمد الماء إذا قل، والثمد الماء القليل وورد فيه الصرف وعدمه، أما الأول : فباعتبار الحي أو لأنه لما كان في الأصل اسماً للجد أو للقليل من الماء كان مصروفاً لأنه علم مذكر أو اسم جنس فبعد النقل حكى أصله، وأما الثاني : فباعتبار أنه اسم القبيلة ففيه العلمية والتأنيث. وصالح عليه السلام من ثمود فالأخوة نسبية، وهو على ما قال محيي السنة البغوي ابن عبيد بن آسف بن ماشح بن عبيد بن حاذر بن ثمود وهو أخو طسم وجديس فيما قيل، وقال وهب : هو ابن عبيد بن جابر بن ثمود بن جابر بن سام بن نوح بعث إلى قومه حين راهق الحلم وكان رجلاً أحمر إلى البياض سبط الشعر فلبث فيهم أربعين عاماً. وقال الشامي : إنه بعث شاباً فدعا قومه حتى شمط وكبر، ونقل النووي أنه أقام فيهم عشرين سنة ومات بمكة وهو ابن ثمان وخمسين سنة. 
 قَالَ قَوْم اعبدوا الله مَا لَكُم مّنْ إله غَيْرُهُ  قد مر الكلام في نظائره  قَدْ جَاءتْكُم بَيّنَةٌ  أي آية ومعجزة ظاهرة الدلالة شاهدة بنبوتي وهي من الألفاظ الجارية مجرى الأبطح والأبرق في الاستغناء عن ذكر موصوفاتها حالة الإفراد والجمع، والتنوين للتفخيم أي بينة عظيمة  مّن رَّبّكُمْ  متعلق بمحذوف وقع صفة لبينة على ما مر غير مرة أو بجاءتكم، و  مِنْ  لابتداء الغاية مجازاً أو للتبعيض إن قدر من بينات ربكم، والمراد بهذه البينة الناقة وليس هذا الكلام منه عليه السلام أول ما خاطبهم به إثر الدعوة إلى التوحيد بل إنما قاله بعدما نصحهم وذكرهم بنعم الله تعالى فلم يقبلوا كلامه وكذبوه كما ينبىء عن ذلك ما في سورة هود ( ١٦ ). 
وقوله تعالى : هذه نَاقَةُ الله لَكُمْ ءايَةً  استئناف نحوي مسوق لبيان البينة والمعجزة. وجوز أن يكون استئنافاً بيانياً جواباً لسؤال مقدر تقديره أين هي ؟ وعلى التقديرين لا محل للجملة من الإعراب. وجوز أن يكون بدلاً من  بَيّنَةً  بدل جملة من مفرد للتفسير ولا يخفى بعده، وإضافة الناقة إلى الاسم الجليل لتعظيمها كما يقال : بيت الله للمسجد بيد أن الإضافة فيه لأدنى ملابسة ولا كذلك ما نحن فيه أو لأنها ليست بواسطة نتاج معتاد وأسباب معهودة كما سيتضح إن شاء الله تعالى لك ولذلك كانت آية وأي آية. 
وقيل : لأنها لم يملكها أحد سواه سبحانه. وقيل : لأنها كانت حجة الله على قوم صالح. وانتصاب  ءايَةً  على الحالية من  نَاقَةُ  والعامل فيها معنى الإارة وسماه النحاة العامل المعنوي و  لَكُمْ  بيان لمن هي آية له كما في سقيا لك فيتعلق بمقدر. وجوز أن يكون  نَاقَةُ  بدل من  هذه  أو عطف بيان له أو مبتدأ ثانياً و  لَكُمْ  خبراً فآية حينئذٍ حال من الضمير المستتر فيه والعامل هو أو متعلقه. 
 فَذَرُوهَا  تفريع على كونها آية من آيات الله تعالى. وقيل : على كونها ناقة له سبحانه فإن ذلك مما يوجب عدم التعرض لها أي فاتركوها  تَأْكُلْ فِى أَرْضِ الله  العشب وحذف للعلم به. والفعل مجزوم لأنه جواب الأمر. وقرأ أبو جعفر في رواية عنه  تَأْكُلُ  بالرفع فالجملة حالية أي آكلة. والجار والمجرور متعلق بما عنده أو بالأمر السابق فهما متنازعان. وأضيفت الأرض إلى الله سبحانه قطعاً لعذرهم في التعرض كأنه قيل : الأرض أرض الله تعالى والناقة ناقة الله تعالى فذروا ناقة الله تأكل في أرضه فليست الأرض لكم ولا ما فيها من النبات من إنباتكم فأي عذر لكم في منعها. وعدم التعرض للشرب للاكتفاء عنه بذكر الأكل. وقيل : لتعميمه له أيضاً كما في قوله
 : علفتها تبناً وماءً بارداً \*\*\* وقد ذكر ذلك بقوله سبحانه : لَّهَا شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَّعْلُومٍ  \[ الشعراء : ١٥٥ \]. 
 وَلاَ تَمَسُّوهَا بِسُوء  نهى عن المس الذي هو مقدمة الإصابة بالشر الشامل لأنواع الأذى مبالغة في الزجر فهو كقوله تعالى : وَلاَ تَقْرَبُواْ مَالَ اليتيم  \[ الأنعام : ١٥٢، والإسراء : ٣٤ \]. والجار والمجرور متعلق بالفعل. والتنكير للتعميم أي لا تتعرضوا لها بشيء مما يسوؤها أصلاً كالطرد والعقر وغير ذلك. وقيل : الجار والمجرور متعلق بمحذوف وقع حالاً من فاعل الفعل. والمعنى لا تمسوها مع قصد السوء بها فضلاً عن الإصابة فهو كقوله تعالى : لاَ تَقْرَبُواْ الصلاة وَأَنتُمْ سكارى  \[ النساء : ٤٣ \].  فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ  منصوب في جواب النهي. والمعنى لا تجمعوا بين المس وأخذ العذاب إياكم. والأخير وإن لم يكن من صنيعهم حقيقة لكن لتعاطيهم أسبابه كأنه من صنيعهم. 
**ومن باب الإشارة :**
هذا ولم أقف للسادة الصوفية قدس الله تعالى أسرارهم على ما هو من باب الإشارة في قصة قوم لوط عليه السلام، وذكر بعضهم في قصة قوم صالح عليه السلام بعد الإيمان بالظاهر أن الناقة هي مركب النفس الإنسانية لصالح عليه السلام ونسبتها إليه سبحانه لكونها مأمورة بأمره عز وجل مختصة به في طاعته وقربه. وما قيل : إن الماء قسم بينها وبينهم لها شرب يوم ولهم شرب يوم إشارة إلى أن مشربهم من القوة العاقلة العملية ومشربه من القوة العاقلة النظرية. وما روي أنها يوم شربها كانت تتفحج فيحلب منها اللبن حتى تملأ الأواني إشارة إلى أن نفسه تستخرج بالفكر من علومه الكلية الفطرية العلوم النافعة للناقصين من علوم الأخلاق والشرائع. وخروجها من الجبل خروجها من بدن صالح عليه السلام. وقال آخرون : إن الناقة كانت معجزة صالح عليه السلام وذلك أنهم سألوه أن يخرج لهم من حجارة القلب ناقة السر فخرجت فسقيت سر السر فأعطت بلد القالب من القوى والحواس لبن الواردات الإلهية ثم قال لهم : ذروها ترتع في رياض القدس وحياض الأنس  وَلاَ تَمَسُّوهَا بِسُوء  من مخالفات الشريعة ومعارضات الطريقة  فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ  \[ الأعراف : ٧٣ \] وهو عذاب الانقطاع عن الوصول إلى الحقيقة. 
وذكر البعض أن الناقة والسقب صورتا الإيمان بالله تعالى والإيمان برسوله عليه الصلاة والسلام وقد ظهرا بالذات وبالواسطة من الحجر الذي تشبهه قلوب القوم وعقرهم للناقة من قبيل ذبح يحيى عليه السلام للموت الظاهر في صورة الكبش يوم القيامة. وفي ذلك دليل على أنهم من أسوأ الناس استعداداً وأتمهم حرماناً. ويدل على سوء حالهم أن الشيخ الأكبر قدس سره لم ينظمهم في **«فصوص الحكم »** في سلك قوم نوح عليه السلام حيث حكم لهم بالنجاة على الوجه الذي ذكره. وكذا لم ينظم في ذلك السلك قوم لوط عليه السلام وكأن ذلك لمزيد جهلهم وبعدهم عن الحكمة وإتيانهم البيوت من غير أبوابها وقذارتهم ودناءة نفوسهم. والذي عليه المتشرعون أن أولئك الأقوام كلهم حصب جهنم لا ناجي فيهم والله تعالى أحكم الحاكمين.

### الآية 7:74

> ﻿وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ عَادٍ وَبَوَّأَكُمْ فِي الْأَرْضِ تَتَّخِذُونَ مِنْ سُهُولِهَا قُصُورًا وَتَنْحِتُونَ الْجِبَالَ بُيُوتًا ۖ فَاذْكُرُوا آلَاءَ اللَّهِ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ [7:74]

واذكروا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاء مِن بَعْدِ عَادٍ  أي خلفاء في الأرض أو خلفاء لهم قيل : ولم يقل : خلفاء عاد مع أنه أخصر إشارة إلى أن بينهما زماناً طويلاً  وَبَوَّأَكُمْ  أي أنزلكم وجعل لكم مباءة  فِى الارض  أي أرض الحجر بين الحجاز والشام  تَتَّخِذُونَ مِن سُهُولِهَا قُصُورًا  أي تبنون في سهولها مساكن رفيعة. فمن بمعنى في كما في قوله تعالى : ياأيها الذين ءامَنُواْ إِذَا نُودِىَ للصلاة  \[ الجمعة : ٩ \] ويجوز أن تكون ابتدائية أو تبعيضية أي تعملون القصور من مادة مأخوذة من السهل كاللبن والآجر المتخذين من الطين. والجار والمجرور على ما قال أبو البقاء يجوز أن يتعلق بمحذوف وقع حالاً مما بعده. وأن يكون مفعولاً ثانياً لتتخذون. وأن يكون متعلقاً به وهو متعد لواحد. والسهل خلاف الحزن وهو موضع الحجارة والجبال. والجملة استئناف مبين لكيفية التبوئة فإن هذا الاتخاذ بأقداره سبحانه. 
 وَتَنْحِتُونَ الجبال  أي تنجرونها، والنحت معروف في كل صلب ومضارعه مكسور الحاء. وقرأ الحسن بالفتح لحرف الحلق، وفي **«القاموس »** عنه أنه **«قرأ  \*تنحاتون  »** بالإشباع كينباع، وانتصاب  مِنْهُ الجبال  على المفعولية، وقوله سبحانه : بُيُوتًا  نصب على أنه حال مقدرة منها لأنها لم تكن حال النحت بيوتاً كخطت الثوب جبة، والحالية كما قال الشهاب باعتبار أنها بمعنى مسكونة إن قيل بالاشتقاق فيها، وقيل : انتصاب  الجبال  بنزع الخافض أي من الجبال، ويرجحه أنه وقع في آية أخرى كذلك، ونصب  بُيُوتًا  على المفعولية، وجوز أن يضمن النحت معنى الاتخاذ فانتصابهما على المفعولية. روي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنهم اتخذوا القصور في السهول ليصيفوا فيها ونحتوا من الجبال بيوتاً ليشتوا فيها، وقيل : إنهم نحتوا الجبال بيوتاً لطول أعمارهم وكانت الأبنية تبلى قبل أن تبلى أعمارهم. 
 فاذكروا ءالآء الله  أي نعمه التي أنعم بها عليكم مما ذكر أو جميع نعمه ويدخل فيها ما ذكر دخولاً أولياً، وليس المراد مجرد الذكر باللسان كما علمت.  وَلاَ تَعْثَوْاْ فِى الارض مُفْسِدِينَ  فإن حق آلائه تعالى أن تشكر ولا يغفل عنها فكيف بالكفر، والعثي الإفساد فمفسدين حال مؤكدة كما في  وَلَّوْاْ مُدْبِرِينَ  \[ الروم : ٢٥ \]. 
( هذاومن باب الإشارة ) : واذكروا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاء  أي مستعدين للخلافة  وَبَوَّأَكُمْ في الأرض  أي أرض القلب  تَتَّخِذُونَ مِن سُهُولِهَا  وهي المعاملات بالصدق  قُصُوراً  تسكنون فيها  وَتَنْحِتُونَ الجبال  وهي جبال أطوار القلب
 بُيُوتًا  \[ الأعراف : ٧٤ \] هي مقامات السائرين إلى الله تعالى.

### الآية 7:75

> ﻿قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ أَتَعْلَمُونَ أَنَّ صَالِحًا مُرْسَلٌ مِنْ رَبِّهِ ۚ قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلَ بِهِ مُؤْمِنُونَ [7:75]

قَالَ الملأ الذين استكبروا مِن قَوْمِهِ  أي الأشراف الذين عتوا وتكبروا، والجملة استئناف كما مر غير مرة. وقرأ ابن عامر  وَقَالَ  بالواو عطفاً على ما قبله من قوله تعالى : قَالَ يَاءادَمُ \* قَوْمٌ  \[ الأعراف : ٧٣ \] الخ، واللام في قوله سبحانه : لِلَّذِينَ استضعفوا  أي عدوا ضعفاء أذلاء للتبليغ كما في  أَلَمْ أَقُلْ لَّكُمْ  \[ القلم : ٢٨ \]، وقوله تعالى : لِمَنْ ءامَنَ مِنْهُمْ  بدل من الموصول بإعادة العامل بدل الكل من الكل كقولك مررت بزيد بأخيك، والضمير المجرور راجع إلى قومه. وجوز أن يكون بدل بعض من كل على أن الضمير للذين استضعفوا فيكون المستضعفون قسمين مؤمنين وكافرين، ولا يخفى بعده، والاستفهام في قوله جل شأنه  أَتَعْلَمُونَ أَنَّ صالحا مُّرْسَلٌ مّن رَّبّهِ  للاستهزاء لأنهم يعلمون أنهم عالمون بذلك ولذلك لم يجيبوهم على مقتضى الظاهر كما حكى سبحانه عنهم بقوله : قَالُواْ إِنَّا بِمَا أُرْسِلَ بِهِ مُؤْمِنُونَ  فإن الجواب الموافق لسؤالهم نعم أو نعلم أنه مرسل منه تعالى. ومن هنا قال غير واحد : إنه من الأسلوب الحكيم فكأنهم قالوا : العلم بإرساله وبما أرسل به ما لا كلام فيه ولا شبهة تدخله لوضوحه وإنارته وإنما الكلام في وجوب الإيمان به فنخبركم أنا به مؤمنون. واختار في **«الانتصاف »** أن ذلك «ليس إخباراً عن وجوب الإيمان به بل عن امتثال الواجب فإنه أبلغ من ذلك فكأنهم قالوا : العلم بإرساله وبوجوب الإيمان به لا نسأل عنه وإنما الشأن في امتثال الواجب والعمل به ونحن قد امتثلنا. 
( هذا ومن باب الإشارة ) : قَالَ الملأ الذين استكبروا  وهي الأوصاف البشرية والأخلاف الذميمة  لِلَّذِينَ استضعفوا  من أوصاق القلب والروح  أَتَعْلَمُونَ أَنَّ صالحا مُّرْسَلٌ مّن رَّبّهِ  \[ الأعراف : ٧٥ \] ليدعو إلى الأوصاف النورانية.

### الآية 7:76

> ﻿قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا بِالَّذِي آمَنْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ [7:76]

قَالَ الذين استكبروا  استئناف كما تقدم، وأعيد الموصول مع صلته مع كفاية الضمير إيذاناً بأنهم قالوا ما قالوه بطريق العتو والاستكبار  إِنَّا بالذى ءامَنتُمْ بِهِ كافرون  عدول عن مقتضى الظاهر أيضاً وهو أنا بما أرسل به كافرون، وفائدته كما قالوا الرد لما جعله المؤمنون معلوماً وأخذوه مسلماً كأنهم قالوا : ليس ما جعلتموه معلوماً مسلماً من ذلك القبيل، وقال في **«الانتصاف »** عدلوا عن ذلك «حذراً مما في ظاهره من إثباتهم لرسالته وهم يجحدونها، وليس هذا موضع التهكم ليكون كقول فرعون  إِنَّ رَسُولَكُمُ الذى أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ  \[ الشعراء : ٢٧ \] فإن الغرض إخبار كل واحد من المؤمنين والمكذبين عن حاله فلذا خلص الكافرون قولهم عن إشعار الإيمان بالرسالة احتياطاً للكفر وغلواً في الإصرار٢.

### الآية 7:77

> ﻿فَعَقَرُوا النَّاقَةَ وَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ وَقَالُوا يَا صَالِحُ ائْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ [7:77]

فَعَقَرُواْ الناقة  أي نحروها. قال الأزهري :**«أصل العقر عند العرب قطع عرقوب البعير ثم استعمل في النحر لأن ناحر البعير يعقره ثم ينحره »** ؛ وإسناده إلى الكل مع أن المباشر البعض مجاز لملابسة الكل لذلك الفعل لكونه بين أظهرهم وهم متفقون على الضلال والكفر أو لرضا الكل به أو لأمرهم كلهم به كما ينبىء عنه قوله تعالى : فَنَادَوْاْ صاحبهم فتعاطى فَعَقَرَ  \[ القمر : ٢٩ \]، وقيل : إن العقر مجاز لغوي عن الرضا بالنسبة إلى غير فاعله وليس بشيء.  وَعَتَوْاْ عَنْ أَمْرِ رَبّهِمْ  أي استكبروا عن امتثاله وهو ما بلغهم صالح عليه السلام من الأمر السابق فالأمر واحد الأوامر، وجوز أن يكون واحد الأمور أي استكبروا عن شأن الله تعالى ودينه وهو بعيد. وأوجب بعضهم على الأول أن يضمن  عَتَوْاْ  معنى التولي أي تولوا عن امتثال أمره عاتين أو معنى الإصدار أي صدر عتوهم عن أمر ربهم وبسببه لأنه تعالى لما أمرهم بقوله : فَذَرُوهَا  \[ الأعراف : ٧٣ \] الخ ابتلاهم فما امتثلوا فصاروا عاتين بسببه ولولا الأمر ما ترتب العقر والداعي للتأويل بتولوا أو صدر أن عتا لا يتعدى بعن فتعديته به لذلك كما في قوله تعالى : وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِى  \[ الكهف : ٨٢ \] وبعضهم لا يقول بالتضمين بناءً على أن عتا بمعنى استكبر كما في **«القاموس »** وهو يتعدى بعن فافهم. 
 وَقَالُواْ  مخاطبين له عليه السلام بطريق التعجيز والإفحام على زعمهم الفاسد  وَقَالُواْ ياصاح ائتنا بِمَا تَعِدُنَا  من العذاب وأطلق للعلم به  إِن كُنتَ مِنَ المرسلين  فإن كونك منهم يقتضي صدق ما تقول من الوعد والوعيد. 
( هذاومن باب الإشارة ) : فَعَقَرُواْ الناقة  \[ الأعراف : ٧٧ \] بسكاكين المخالفة.

### الآية 7:78

> ﻿فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ [7:78]

فَأَخَذَتْهُمُ الرجفة  قال الفراء والزجاج : أي الزلزلة الشديدة. وقال مجاهد والسدي : هي الصيحة، وجمع بين القولين بأنه يحتمل أنه أخذتهم الزلزلة من تحتهم والصيحة من فوقهم، وقال بعضهم : الرجفة خفقان القلب واضطرابه حتى ينقطع، وجاء في موضع آخر  الصيحة  \[ هود : ٧٦ \] وفي آخر  بالطاغية  \[ الحاقة : ٥ \] ولا منافاة بين ذلك كما زعم بعض الملاحدة فإن الصيحة العظيمة الخارقة للعادة حصل منها الرجفة لقلوبهم ولعظمها وخروجها عن الحد المعتاد تسمى الطاغية لأن الطغيان مجاوزة الحد، ومنه قوله تعالى : إِنَّا لَمَّا طَغَا الماء حملناكم  \[ الحاقة : ١١ \] أو يقال : إن الإهلاك بذلك بسبب طغيانهم وهو معنى  بالطاغية  وهذا الأخذ ليس أثر ما قالوا ما قالوا بل بعد ما جرى عليهم ما جرى من مبادىء العذاب في الأيام الثلاث كما ستعلمه إن شاء الله تعالى والفاء لا تأبى ذلك. 
 فَأَصْبَحُواْ فِي دَارِهِمْ جاثمين  هامدين موتى لا حراك بهم، وأصل الجثوم البروك على الركب. وقال أبو عبيدة : الجثوم للناس والطير بمنزلة البروك للإبل فجثوم الطير هو وقوعه لاطئاً بالأرض في حال سكونه بالليل، وأصبح يحتمل أن تكون تامة فجاثمين حال وأن تكون ناقصة فجاثمين خبر، والظرف على التقديرين متعلق به. وقيل : هو خبر و  جاثمين  حال وليس بشيء لإفضائه إلى كونه الإخبار بكونهم في دارهم مقصوداً بالذات، والمراد من الدار البلد كما في قولك دار الحرب ودار الإسلام وقد جمع ( في آية ) أخرى \[ فقال : في ديارهم \[ هود : ٧٦ \] \] بإرادة منزل كل واحد الخاص به، وذكر النيسابوري أنه حيث ذكرت الرجفة وحدت الدار وحيث ذكرت الصيحة جمعت لأن الصيحة كانت من السماء كما في غالب الروايات لا من الأرض كما قيل فبلوغها أكثر وأبلغ من الزلزلة فقرن كل منهما بما هو أليق به فتدبر. 
( هذا ومن باب الإشارة ) : فَأَخَذَتْهُمُ الرجفة  لضعف قلوبهم وعدم قوة علمهم  فَأَصْبَحُواْ فِي دَارِهِمْ جاثمين  \[ الأعراف : ٧٨ \] موتى لا حراك بهم إلى حظيرة القدس.

### الآية 7:79

> ﻿فَتَوَلَّىٰ عَنْهُمْ وَقَالَ يَا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَةَ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ وَلَٰكِنْ لَا تُحِبُّونَ النَّاصِحِينَ [7:79]

فتولى عَنْهُمْ  بعد أن جرى عليهم ما جرى على ما هو الظاهر مغتماً متحسراً على ما فاتهم من الإيمان متحزناً عليهم  وَقَالَ ياقَوْم \* لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَةَ رَبّى وَنَصَحْتُ لَكُمْ  بالترغيب والترهيب ولم آل جهداً فلم يجد نفعاً ولم تقبلوا مني. وصيغة المضارع في قوله سبحانه : وَلَكِن لاَّ تُحِبُّونَ الناصحين  حكاية حال ماضية أي شأنكم الاستمرار على بغض الناصحين وعداوتهم، وخطابه عليه السلام لهم كخطاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قتلى المشركين حين ألقوا في قليب بدر حين نادى يا فلان يا فلان بأسمائهم إنا وجدنا ما وعدنا ربنا حقاً فهل وجدتم ما وعد ربكم حقاً وذلك مبني على أن الله تعالى يرد أرواحهم إليهم فيسمعون وذلك مما خص به الأنبياء عليهم الصلاة والسلام. ويحتمل أنه عليه السلام ذكر ذلك على سبيل التحزن والتحسر كما تخاطب الديار والأطلال، وجوز عطف  فتولى  على  فَأَخَذَتْهُمُ الرجفة  \[ الأعراف : ٧٨ \] فيكون الخطاب لهم حين أشرفوا على الهلاك لكنه خلاف الظاهر، وأبعد من ذلك ما قيل إن الآية على التقديم والتأخير فتقديرها فتولى عنهم وقال يا قوم لقد أبلغتكم رسالة ربي ونصحت لكم ولكن لا تحبون الناصحين فأخذتهم الرجفة فأصبحوا في دارهم جاثمين. 
وقصة ثمود على ما ذكر ابن إسحاق وغيره أن عاداً لما هلكوا عمرت ثمود بعدها واستخلفوا في الأرض وعمروا حتى جعل أحدهم يبني المسكن من المدر فينهدم والرجل حي فلما رأوا ذلك اتخذوا من الجبال بيوتاً وكانوا في سعة من معاشهم فعتوا في الأرض وعبدوا غير الله تعالى فبعث الله تعالى إليهم صالحاً وكانوا قوماً عرباً وكان صالح عليه السلام من أوسطهم نسباً وبعث إليهم وهو شاب فدعاهم إلى الله تعالى حتى شمط وكبر ولم يتبعه منهم إلا قليل مستضعفون فلما ألح عليهم بالدعاء والتخويف سألوه أن يريهم آية تصدق ما يقول فقال لهم : أية آية تريدون ؟ فقالوا : تخرج غداً معنا إلى عيدنا وكان لهم عيد يخرجون فيه بأصنامهم فتدعو إلهك وندعوا آلهتنا فإن استجيب لك اتبعناك وإن استجيب لنا اتبعتنا فقال لهم صالح : نعم فخرجوا وخرج معهم فدعوا أوثانهم وسألوها أن لا يستجاب لصالح في شيء مما يدعو به ثم قال جندع بن عمرو بن حراش وهو يومئذٍ سيد ثمود : يا صالح أخرج لنا من هذه الصخرة لصخرة منفردة ناحية الحجر يقال لها الكاثبة ناقة مخترجة أي تشاكل البخت أو مخرجة على خلقة الجمل جوفاء وبراء فإن فعلت صدقناك وآمنا بك فأخذ عليهم صالح مواثيقهم لئن فعلت لتصدقني ولتؤمنن بي قالوا : نعم فصلى ركعتين ودعا ربه فتمخضت الصخرة تمخض النتوج بولدها فانصدعت عن ناقة عشراء جوفاء وبراء كما وصفوا لا يعلم ما بين جنبيها إلا الله تعالى عظماً وهم ينظرون ثم نتجت ولداً مثلها في العظم فآمن به جندع ورهط من قومه وأراد أشرافهم أن يؤمنوا به فمنعهم ذؤاب بن عمرو بن لبيد والحباب صاحب أوثانهم ورباب بن صعر كاهنهم فلما خرجت الناقة  قَالَ  لهم  هذه نَاقَةُ  الله
 لَّهَا شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَّعْلُومٍ  \[ الشعراء : ١٥٥ \] فمكثت الناقة ومعها سقبها في أرضهم ترعى الشجر وتشرب الماء وكانت ترده غبا فإذا كان يومها وضعت رأسها في بئر في الحجر يقال له الآن بئر الناقة فما ترفع رأسها حتى تشرب كل ما فيها ثم ترفع رأسها وتتفحج لهم فيحلبون ما شاؤوا من اللبن فيشربون ويدخرون ثم تصدر من غير الفج الذي وردت منه لا تقدر تصدر من حيث ترد لضيقه عنها حتى إذا كان الغد يومهم فيشربون ما شاؤوا ويدخرون ما شاؤوا ليوم الناقة ولم يزالوا في سعة ورغد وكانت الناقة تصيف إذا كان الحر بظهر الوادي فتهرب منها مواشيهم وتهبط إلى بطن الوادي في حره وجدبه وتشتو في بطن الوادي فتهرب مواشيهم إلى ظهره في برد وجدب فأضر ذلك بمواشيهم للأمر الذي يريده الله تعالى بهم والبلاء والاختبار فكبر ذلك عليهم فعتوا عن أمر ربهم فأجمعوا على عقرها وكانت امرأتان من ثمود يقال لإحداهما عنيزة بنت غنم بن مجلز وتكنى بأم غنم وكانت امرأة ذؤاب بن عمرو وكانت عجوزاً مسنة ذات بنات حسان وذات مال من إبل وبقر وغنم ويقال للأخرى : صدوق بنت المختار وكانت جميلة غنية ذات مواش كثيرة وكانت من أشد الناس عداوة لصالح عليه السلام وكانتا يحبان عقر الناقة لما أضرت من مواشيهما فدعت صدوق رجلاً يقال له الحباب لعقر الناقة وعرضت عليه نفسها إن هو فعل فأبى فدعت ابن عم لها يقال له مصدع بن مهرج وجعلت له نفسها إن هو فعل فأجابها إلى ذلك ودعت عنيزة أم غنم قدار بن سالف وكان رجلاً أحمر أزرق قصيراً يزعمون أنه لزنية ولم يكن لسالف لكنه ولد على فراشه فقالت : أعطيك أي بناتي شئت على أن تعقر الناقة وكان عزيزاً منيعاً في قومه فرضي وانطلق هو ومصدع فاستغويا غواة ثمود فاتبعهم سبعة فكانوا تسعة رهط فانطلقوا ورصدوا الناقة حتى صدرت عن الماء وقد كمن لها قدار في أصل صخرة على طريقها وكمن لها مصدع في أصل أخرى فمرت على مصدع فرماها بسهم فانتظم به عضلة ساقها وخرجت أم غنم فأمرت إحدى بناتها وكانت من أحسن الناس وجهاً فسفرت عن وجهها ليراها قدار ثم حثته على عقرها فشد على الناقة بالسيف فكشف عن عرقوبها فخرت ورغت رغاة واحدة فتحدر سقبها من الجبل ثم طعن قدار في لبتها فنحرها فخرج أهل البلدة فاقتسموا لحمها فلما رأى سقبها ذلك انطلق هارباً حتى أتى جبلاً منيعاً يقال له قارة فرغا ثلاثاً وكان صالح عليه السلام قال لهم : أدركوا الفصيل عسى أن يدفع عنكم العذاب فخرجوا في طلبه فرأوه على الجبل وراموه فلم ينالوه وانفجت الصخرة بعد رغائه فدخلها  فَقَالَ  لهم صالح : لكل رغوة أجل يوم
 تَمَتَّعُواْ فِى دَارِكُمْ ثلاثة أَيَّامٍ ذلك وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ  \[ هود : ٦٥ \]. 
وعن ابن إسحق أنه تبع السقب من التسعة أربعة وفيهم مصدع فرماه بسهم فاصاب قلبه ثم جر برجله فأنزله القوا لحمه مع لحم أمه وقال لهم صالح : انتهكتم حرمة الله تعالى فابشروا بعذابه ونقمته فكانوا يهزأون به ويقولون متى هو وما آيته ؟ فقال : تصبحون غدا وكان يوم الخميس ووجوهكم مصفرة وبعد غد ووجوهكم محمرة واليوم الثالث ووجوهكم مسودة ثم يصبحكم العذاب فهم أولئك الرهط بقتله فأتوه ليلاً فدمغتهم الملائكة بالحجارة فلما أبطاؤا على أصحابهم أتوا منزل صالح فوجدوهم قد رضخوا بالحجارة فقالوا لصالح : أنت قتلتهم ثم هموا به فمنع عنه عشيرته ثم لما رأوا العلامات طلبوه ليقتلوه فهرب ولحق بحي من ثمود يقال لهم : بنو غنم فنزل على سيدهم واسمه نفيل ويكنى بأبي هدب فطلبوه منه فقال : ليس لكم إليه سبيل فتركوه وشغلهم ما نزل بهم ثم خرج عليه السلام ومن معه إلى الشام فنزل رملة فلسطين ولما كان اليوم الرابع وارتفع الضحى تحنطوا بالصبر وتكفنوا بالأنطاع فأتتهم صيحة من السماء فتقطعت قلوبهم وهلكوا جميعاً إلا جارية مقعدة يقال لها ذريعة بنت سلف وكانت كافرة شديدة العداوة لصالح عليه السلام فأطلق الله تعالى رجليها بعد أن عاينت العذاب فخرجت مسرعة حتى أتت وادي القرى فأخبرتهم الخبر ثم استقست ماء فسقيت فلما شربت ماتت وكان رجل منهم يقال له : أبو رغال وهو أبو ثقيف في حرم الله تعالى فمنعه الحرم من عذاب الله تعالى فلما خرج أصابه ما أصابهم فدفن ومعه غصن من ذهب. وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم مر بقبره فأخبر بخبره فابتدره الصحابة رضي الله تعالى عنهم بأسيافهم فحفروا عنه واستخرجوا ذلك الغصن. وروي أنه عليه السلام خرج في مائة وعشرين من المسلمين وهو يبكي فالتفت فرأى الدخان ساطعاً فعلم أنهم قد هلكوا وكانوا ألفاً وخمسمائة دار. وروي أنه رجع بمن معه فسكنوا ديارهم. 
وأخرج أبو الشيخ عن وهب قال : إن صالحاً لما نجا هو والذين معه قال : يا قوم إن هذه دار قد سخط الله تعالى عليها وعلى أهلها فاظعنوا والحقوا بحرم الله تعالى وأمنه فأهلوا من ساعتهم بالحج وانطلقوا حتى وردوا مكة فلم يزالوا بها حتى ماتوا فتلك قبورهم في غربي الكعبة. 
وروى ابن الزبير عن جابر أن نبينا صلى الله عليه وسلم لما مر بالحجر في غزوة تبوك قال لأصحابه :**«لا يدخلن أحد منكم القرية ولا تشربوا من مائها ولا تدخلوا على هؤلاء المعذبين إلا أن تكونوا باكين أن يصيبكم مثل الذي أصابهم »** وذكر محيي السنة البغوي أن المؤمنين الذين مع صالح كانوا أربعة آلاف وأنه خرج بهم إلى حضرموت فلما دخلها مات عليه السلام فسميت لذلك حضرموت ثم بنى الأربعة آلاف مدينة يقال لها حاضوراء، ثم نقل عن قوم من أهل العلم أنه توفي بمكة وهو ابن ثمان وخمسين سنة ولعله المعول عليه، وجاء أن أشقى الأولين عاقر الناقة وأشقى الآخرين قاتل علي كرم الله تعالى وجهه وقد أخبر صلى الله عليه وسلم بذلك علياً رضي الله تعالى عنه وكرم وجهه. وعندي أن أشقى الآخرين أشقى من أشقى الأولين. والفرق بينهما كالفرق بين علي كرم الله تعالى وجهه والناقة. وقد أشارت الأخبار بل نطقت بأن قاتل الأمير كان مستحلاً قتله بل معتقداً الثواب عليه وقد مدحه أصحابه على ذلك فقال عمران بن حطان غضب الله تعالى عليه :يا ضربة من تقي ما أراد بها  ألا ليبلغ من ذي العرش رضواناإني لأذكره يوماً فأحسبه  أوفى البرية عند الله ميزاناً**ولله در من قال :**يا ضربة من شقي أوردته لظى  فسوف يلقى بها الرحمن غضباناكأنه لم يرد شيئاً بضربته  إلا ليصلى غدا في الحشرنيراناً إني لأذكره يوماً فألعنه  كذاك ألعن عمران بن حطاناوكون فعله كان عن شبهة تنجيه مما لا شبهة في كونه ضرباً من الهذيان ولو كان مثل تلك الشبهة منجياً من عذاب مثل هذا الذنب فليفعل الشخص ما شاء سبحانك هذا بهتان عظيم. وقد ضربت بقدار عاقر الناقة الأمثال، وما ألطف قول عمارة اليمني :لا تعجبا لقدار ناقة صالح  فلكل عصر ناقة وقداروفي هذه القصة روايات أخر تركناها اقتصاراً على ما تقدم لأنه أشهر.

### الآية 7:80

> ﻿وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ [7:80]

وَلُوطاً  نصب بفعل مضمر أي أرسلنا معطوف على ما سبق أو به من غير خاجة إلى تقدير، وإنما لم يذكر المرسل إليهم على طرز ما سبق وما لحق لأن قومه على ما قيل لم يعهدوا باسم معروف يقتضي الحال ذكره عليه السلام مضافاً إليهم كما في القصص من قبل ومن بعد وهو ابن هاران بن تارخ. وابن اسحق ذكر بدل تارخ آزر. وأكثر النسابين على أنه عليه السلام ابن أخي إبراهيم صلى الله عليه وسلم ورواه في **«المستدرك »** عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما. وأخرج ابن عساكر عن سليمان بن صرد أن أبا لوط عليه السلام عم إبراهيم عليه السلام، وقيل : إن لوطاً كان ابن خالة إبراهيم وكانت سارة زوجته أخت لوط وكان في أرض بابل من العراق مع إبراهيم فهاجر إلى الشام ونزل فلسطين وأنزل لوطاً الأردن وهو كرة( [(١)](#foonote-١) ) بالشام فأرسله الله تعالى إلى أهل سدوم وهي بلدة بحمص. وأخرج إسحق بن بشر وابن عساكر عن ابن عباس قال : أرسل لوط إلى المؤتفكات وكانت قرى لوط أربع مدائن سدوم وأمورا وعامورا وصبوير وكان في كل قرية مائة ألف مقاتل وكانت أعظم مدائنهم سدوم وكان لوط يسكنها وهي من بلاد الشام ومن فلسطين مسيرة يوم وليلة، وهذا اللفظ على ما قال الزجاج اسم أعجمي غير مشتق ضرورة أن العجمي لا يشتق من العربي وإنما صرف لخفته بسكون وسطه، وقيل : إنه مشتق من لطت الحوض إذا ألزقت عليه الطين، ويقال : هذا ألوط بقلبي من ذلك أي ألصق به ولاط الشيء أخفاه. 
وقوله تعالى : إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ  ظرف لأرسلنا كما قال غير واحد. واعترض بأن الإرسال قبل وقت القول لا فيه كما تقتضيه هذه الظرفية، ودفع بأنه يعتبر الظرف ممتداً كما يقال زيد في أرض الروم فهو ظرف غير حقيقي يعتبر وقوع المظروف في بعض أجزائه كما قرره القطب، وجوز أن يكون  لُوطاً  منصوباً بأذكر محذوقاً فيكون من عطف القصة على القصة، و  إِذْ  بدل من لوط بدل اشتمال بناء على أنها لا تلزم الظرفية، وقال أبو البقاء : إنه ظرف الرسالة محذوفاً أي واذكر رسالة لوط إذ قال : أَتَأْتُونَ الفاحشة  استفهام على سبيل التوبيخ والتقريع أي أتفعلون تلك الفعلة التي بلغت أقصى القبح وغايته. 
 مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مّن العالمين  أي ما عملها أحد قبلكم في زمن من الأزمان فالباء للتعدية كما في **«الكشاف »** من قولك : سبقته بالكرة إذا ضربتها قبله، ومنه ما صح من قوله صلى الله عليه وسلم :" سبقك بها عكاشة " 
وتعقبه أبو حيان بأن معنى التعدية هنا قلق جداً لأن الباء المعدية في الفعل المعدى إلى واحد تجعل المفعول الأول يفعل ذلك الفعل بما دخلت عليه الباء فهي كالهمزة فإذا قلت : صككت الحجر بالحجر كان معناه أصككت الحجر الحجر أي جعلت الحجر يصك الحجر وكذلك دفعت زيداً بعمرو عن خالد معناه أدفعت زيداً عمراً عن خالد أي جعلت زيداً يدفع عمراً عن خالد فللمفعول الأول تأثير في الثاني ولا يصح هذا المعنى فيما ذكر إلا بتكلف فالظاهر أن الباء للمصاحبة أي ما سبقكم أحد مصاحباً وملتبساً بها، ودفع بأن المعنى على التعدية، ومعنى سبقته بالكرة أسبقت كرتي كرته لأن السبق بينهما لا بين الشخصين أو الضربين وكذا في الآية ومثله يفهم من غير تكلف، وقال القطب الرازي : إن المعنى سبقت ضربه الكرة بضربي الكرة أي جعلت ضربي الكرة سابقاً على ضربة الكرة. ثم استظهر جعل الباء للظرفية لعدم احتياجه إلى ما يحتاجه جعلها للتعدية أي ما سبقكم في فعل الفاحشة أحد ولعل الأمر كما قال. 
و  مِنْ  الأولى صلة لتأكيد النفي وإفادة معنى الاستغراق والثانية للتبعيض، والجملة مستأنفة استئنافاً نحوياً مسوقة لتأكيد النكير وتشديد التقريع والتوبيخ، وجوز أن يكون بيانياً كأنه قيل : لم لا نأتيها ؟ فقال : ما سبقكم بها أحد فلا تفعلوا ما لم تسبقوا إليه من المنكرات لأنه أشد، ولا يتوهم أن سبب إنكار الفاحشة كونها مخترعة ولولاه لما أنكرت إذ لا مجال له بعد كونها فاحشة. ووجه كون هذه الجملة مؤكدة للنكير أنها مؤذنة باختراع السوء ولا شك أن اختراعه أسوأ إذ لا مجال للاعتذار عنه كما اعتذروا عن عبادتهم الأصنام مثلاً بقولهم : انا  وَجَدْنَا ءابَاءنَا  \[ الزخرف : ٢٢، ٢٣ \]. وجوز أبو البقاء كون الجملة في موضع الحال من المفعول أو الفاعل، والنيسابوري جوز كونها صفة للفاحشة على حد
 : ولقد أمر على اللئيم يسبني \*\*\* ورد بأن الفاحشة هنا متعينة دون اللئيم، وكيفما كان فالمراد من نفي سبق أحد بها إياهم كونهم سابقين بها كل أحد ممن عداهم من العالمين لا مساواتهم الغير بها، فقد أخرج البيهقي وغيره عن عمرو بن دينار ( قال ما نزا ذكر حتى كان قوم لوط )، والذي حملهم على ذلك كما أخرج ابن عساكر وغيره عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنهم كانت لهم ثمار في منازلهم وحوائطهم وثمار خارجة على ظهر الطريق وانهم أصابهم قحط وقلة من الثمار فقال بعضهم لبعض : إنكم إن منعتم ثماركم هذه الظاهرة من أبناء السبيل كان لكم فيها عيش قالوا : بأي شيء نمنعها ؟ قالوا : اجعلوا سنتكم أن تنكحوا من وجدتم في بلادكم غريباً وتغرموه أربعة دراهم فإن الناس لا يظهرون ببلادكم إذا فعلتم ذلك ففعلوه واستحكم فيهم. وفي بعض الطرق أن إبليس عليه اللعنة جاءهم عند ذكرهم ما ذكروا في هيئة صبي أجمل صبي رآه الناس فدعاهم إلى نفسه فنكحوه ثم جرؤوا على ذلك. وجاء من رواية ابن أبي الدنيا عن طاوس أن قوم لوط إنما أتوا أولاً النساء في أدبارهن ثم أتوا الرجال. وفي قول : مّن العالمين  دون من الناس مبالغة لا تخفى. 
١ - قوله كرة كذا بخطه والصواب كورة وهي معروفة حاكمها الآن الأمير عبد الله بوساطة الإنكليز..

### الآية 7:81

> ﻿إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّسَاءِ ۚ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ [7:81]

وقوله سبحانه : إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرجال  يحتمل الاستئناف البياني والنحوي وهو مبين لتلك الفاحشة، والاتيان هنا بمعنى الجماع، وقرأ ابن عامر وجماعة  أَئِنَّكُمْ  بهمزتين صريحتين، ومنهم من قرأ بتليين الثانية بغير مد، ومنهم من مد وهو حينئذ تأكيد للإنكار السابق وتشديد للتوبيخ، وفي الاتيان بإن واللام مزيد ( تقبيح ) وتقريع كأن ذلك أمر لا يتحقق صدوره عن أحد فيؤكد تأكيداً قوياً، وفي إيراد لفظ  الرجال  دون الغلمان والمردان ونحوهما كما قال شيخ الإسلام مبالغة في التوبيخ كأنه قال : لتأتون أمثالكم  شَهْوَةً  نصب على أنه مفعول له أي لأجل الاشتهاء لا غير أو على الحالية بتأويل مشتهين، وجوز أن يكون منصوباً على المصدرية وناصبه ( تأتون ) لأنه بمعنى تشتهون، وفي تقييد الجماع الذي لا ينفك عن الشهوة بها إيذان بوصفهم بالبهيمية الصرفة وأن ليس غرضهم إلا قضاء الشهوة، وفيه تنبيه على أنه ينبغي للعاقل أن يكون الداعي ( له ) إلى المباشرة طلب الولد وبقاء النوع لا قضاء الشهوة، وجوز أن يكون المراد الإنكار عليهم وتقريعهم على اشتهائهم تلك الفعلة القذرة الخبيثة كما ينبىء عنه قوله تعالى : مّن دُونِ النساء  أي متجاوزين النساء اللاتي هن محل الاشتهاء عند ذوي الطباع السليمة كما يؤذن به قوله سبحانه : بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ مُّسْرِفُونَ  فالجار والمجرور في موضع الحال من ضمير ( تأتون )، وجوز أن يكون حالا من الرجال على ما قاله أبو البقاء أي تأتونهم منفردين عن النساء، وأن يكون في موضع الصفة لشهوة على ما قيل واستبعد تعلقه به، و  بَلِ  للإضراب وهو إضراب انتقالي عن الإنكار المذكور إلى الإخبار بما أدى إلى ذلك وهو اعتياد الإسراف في كل شيء أو إلى بيان استجماعهم للعيوب كلها. ويحتمل أن يكون إضراباً عن غير مذكور وهو ما توهموه من العذر في ذلك أي لا عذر لكم فيه بل أنتم قوم عادتكم الإسراف والخروج عن الحدود، وهذا في معنى ذمهم بالجهل كما في سورة النمل ( ٥٥ ) ( ١ ) إلا أنه عبر بالاسم هنا وبالفعل هناك لموافقة رؤوس الآي المتقدمة في كل والله تعالى أعلم بأسرار كلامه.

### الآية 7:82

> ﻿وَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا أَخْرِجُوهُمْ مِنْ قَرْيَتِكُمْ ۖ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ [7:82]

وَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ  أي المستكبرين منهم المتصدين للعقد والحل  إِلاَّ أَن قَالُواْ  استثناء مفرغ من أعم الأشياء أي ما كان جوابهم شيء من الأشياء إلا قولهم أي لبعضهم الآخرين المباشرين للأمور أو ما كان جواب قومه الذين خاطبهم بما خاطبهم شيء من الأشياء إلا قول بعضهم لبعض معرضين عن مخاطبته عليه السلام  أَخْرِجُوهُم  أي لوطاً ومن معه  مّن قَرْيَتِكُمْ  أي بلدتكم التي أجمعتم فيها وسكنتم بها. والنظم الكريم من قبيل
 : تحية بينهم ضرب وجيع \*\*\* والقصد منه نفي الجواب على أبلغ وجه لأن ما ذكر في حيز الاستثناء لا تعلق له بكلامه عليه السلام من إنكار الفاحشة وتعظيم أمرها ووسمهم بما هو أصل الشر كله، ولو قيل : وقالوا أخرجوهم لم يكن بهذه المثابة من الإفادة. 
وقوله سبحانه : إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ  تعليل للأمر بالإخراج. ومقصود الأشقياء بهذا الوصف السخرية بلوط ومن معه وبتطهرهم من الفواحش وتباعدهم عنها وتنزههم عما في المحاش والافتخار بما كانوا فيه من القذارة كما يقول الشطار من الفسقة لبعض الصلحاء إذا وعظهم : أخرجوا عنا هذا المتقشف وأريحونا من هذا المتزهد. وقرىء برفع  جَوَابَ  على أنه اسم كان، و  إِلاَّ أَن قَالُواْ  الخ خبر قيل : وهو أظهر وإن كان الأول أقوى في الصناعة لأن الأعرف أحق بالاسمية. وقد تقدم ما ينفعك هنا فتذكر. وأياً ما كان فليس المراد أنهم لم يصدر عنهم في مقابلة كلام لوط عليه السلام ومواعظه إلا هذه المقالة الباطلة كما ينساق إلى الذهن بل إنه لم يصدر عنهم في المرة الأخيرة من مرات المحاورات الجارية بينه عليه السلام وبينهم إلا هذه الكلمة الشنيعة، وإلا فقد صدر عنهم قبل ذلك كثير من الترهات كما حكى عنهم في غير موضع من الكتاب الكريم ؛ وكذا يقال في نظائره، قيل : وإنما جيء بالواو في  وَمَا كَانَ  الخ دون الفاء كما في النمل ( ٦٥ ) والعنكبوت ( ٤٢ ) لوقوع الاسم قبل هنا والفعل هناك والتعقيب بالفعل بعد الفعل حسن دون التعقيب به بعد الاسم وفيه تأمل. ولعل ذكر  أَخْرِجُوهُم  هنا و  فَمَا كَانَ جَوَابَ  في النمل ( ٦٥ ) إشارة إلى أنهم قالوا مرة هذا وأخرى ذاك أو أن بعضاً قال كذا وآخر قال كذا. وقال النيسابوري : إنما جاء في النمل  فَمَا كَانَ جَوَابَ  ليكون تفسيراً لهذه الكناية، وقيل : إن تلك السورة نزلت قبل الأعراف وقد صرح في الأولى، وكنى في الثانية اه. ولعل ما ذكرناه أولى فتأمل.

### الآية 7:83

> ﻿فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ [7:83]

فأنجيناه وَأَهْلَهُ  أي من اختص به واتبعه من المؤمنين سواء كانوا من ذوي قرابته عليه السلام أم لا. وقيل : ابنتاه ريثا ويغوثا. وللأهل معان ولكل مقام مقال، وهو عند الإمام الأعظم رضي الله تعالى عنه في باب الوصية الزوجة للعرف ولقوله سبحانه : قَالَ لاِهْلِهِ امكثوا  \[ القصص : ٢٩ \]  وَسَارَ بِأَهْلِهِ  \[ القصص : ٢٩ \] فتدفع الوصية لها إن كانت كتابية أو مسلمة وأجازت الورثة. وعند الإمامين أهل الرجل كل من في عياله ونفقته غير مماليكه وورثته، وقولهما كما في **«شرح التكملة »** استحسان. وأيده ابن الكمال بهذه الآية لأنه لا يصح فيها أن يكون بمعنى الزوجة أصلاً لقوله سبحانه : إِلاَّ امرأته  فإنه استثناء من أهله وحينئذ لا يصح الاستثناء، وأنت تعلم أن الكلام في المطلق على القرينة لا في الأهل مطلقاً واسم امرأته عليه السلام واهلة وقيل : والهة. 
 كَانَتْ مِنَ الغابرين  أي بعضاً منهم فالتذكير للتغليب ولبيان استحقاقها لما يستحقه المباشرون للفاحشة وكانت تسر الكفر وتوالي أهله فهلكت كما هلكوا. وجوز أن يكون المعنى كانت مع القوم الغابرين فلا تغليب. والغابر بمعنى الباقي ومنه قول الهذلي
: فغبرت بعدهم بعيش ناصب  ويجيء بمعنى الماضي والذاهب. ومنه قوله الأعشى : في الزمن الغابر \*\*\* فهو من الأضداد كما في **«الصحاح »** وغيره. ويكون بمعنى الهالك أيضاً. وفي بقاء امرأته مع أولئك القوم روايتان ثانيتهما أنه عليه السلام أخرجها مع أهله ونهاهم عن الالتفات فالتفتت هي فأصابها حجر فهلكت. والآية هنا محتملة للأمرين. والحسن وقتادة يفسران الغبور هنا بالبقاء في عذاب الله تعالى. وسيأتي إن شاء الله تعالى تتمة لهذا الكلام. والجملة استئناف وقع جواباً نشأ عن الاستثناء كأنه قيل : فما كان حالها ؟ فقيل : كانت من الغابرين.

### الآية 7:84

> ﻿وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا ۖ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ [7:84]

وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَّطَرًا  أي نوعاً من المطر عجيباً وقد بينه قوله سبحانه : وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مّن سِجّيلٍ  \[ الحج : ٧٤ \]. وفي **«الخازن »** أن تلك الحجارة كانت معجونة بالكبريت والنار. وظاهر الآية أنه أمطر عليهم كلهم. وجاء في بعض الآثار أنه خسف بالمقيمين منهم وأمطرت الحجارة على مسافريهم وشذاذهم حتى أن تأجرا منهم كان في الحرم فوقفت له حجر أربعين يوماً حتى قضى تجارته وخرج من الحرم فوقع غليه. وفرق بين مطر وأمطر فعن أبي عبيدة أن الثلاثي في الرحمة والرباعي في العذاب ومثله عن الراغب، وفي ****«الصحاح »**** عن أناس أن مطرت السماء وأمطرت بمعنى، وفي **«القاموس »** ( لا يقال أمطرهم الله تعالى إلا في العذاب ). وظاهر كلام **«الكشاف »** في الأنفال ( ٢٣ ) الترادف كما في ****«الصحاح »**** لكنه قال :( وقد كثر الإمطار في معنى العذاب ) وذكر هنا أنه يقال :( مطرتهم السماء وواد ممطور ويقال : أمطرت عليهم كذا أي أرسلته ( عليهم ) إرسال المطر ). وحاصل الفرق كما في **«الكشف »** ملاحظة معنى الإصابة في الأول والإرسال في الثاني ولهذا عدي بعلى، وذكر ابن المنير ( أن مقصود الزمخشري الرد على من يقول : إن مطرت في الخير وأمطرت في الشر ويتوهم أنها تفرقة وضعية فبين أن أمطرت معناه أرسلت شيئاً على نحو المطر وإن لم يكن ماءً حتى لو أرسل الله تعالى من السماء أنواعاً من الخير \*\*\* لجاز أن يقال فيه : أمطرت السماء خيراً أي أرسلته إرسال المطر فليس للشر خصوصية في هذه الصيغة الرباعية ولكن اتفق أن السماء لم ترسل شيئاً سوى المطر إلا وكان عذاباً فظن أن الواقع اتفاقاً مقصود في الوضع ) ( وليس به انتهى ). ويعلم منه كما قال الشهاب أن كلام أبي عبيدة وأضرابه مؤول وإن رد بقوله تعالى : عَارِضٌ مُّمْطِرُنَا  \[ الأحقاف : ٢٤ \] فإنه عنى به الرحمة. ولا يخفى أنه لو قيل : إن التفرقة الاستعمالية إنما هي بين الفعلين دون متصرفاتهما لم يتأت هذا الرد إلا أن كلامهم غير صريح في طلك، ولعل البعض صرح بما يخالفه ثم ان  مَّطَرًا  إما مفعول به أو مفعول مطلق. 
 فانظر كَيْفَ كَانَ عاقبة المجرمين  أي مآل أولئك الكافرين المقترفين لتلك الفعلة الشنعاء. وهذا خطاب لكل من يتأتى منه التأمل والنظر تعجيباً من حالهم وتحذيراً من أفعالهم. وقد مكث لوط عليه السلام فيهم على ما في بعض الآثار ثلاثين سنة يدعوهم إلى ما فيه صلاحهم فلم يجيبوه وكان إبراهيم عليه السلام يركب على حماره فيأتيهم وينصحهم فيأبون أن يقبلوا فكان يأتي بعد أن أيس منهم فينظر إلى سدوم ويقول سدوم أي يوم لك من الله تعالى سدوم حتى بلغ الكتاب أجله فكان ما قص الله تعالى على نبيه صلى الله عليه وسلم. 
وسيأتي إن شاء الله تعالى تفصيل ذلك. ثم إن لوطاً عليه السلام كما أخرج إسحق بن بشر وابن عساكر عن الزهري لما عذب قومه لحق بإبراهيم عليه السلام فلم يزل معه حتى قبضه الله تعالى إليه. 
وفي هذه الآيات دليل على أن اللواطة من أعظم الفواحش. وجاء في خبر أخرجه البيهقي في **«الشعب »** عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه وصححه الحاكم عن النبي صلى الله عليه وسلم قال :" لعن الله تعالى سبعة من خلقه فوق سبع سموات فردد لعنة على واحد منها ثلاثاً ولعن بعد كل واحد لعنة فقال : ملعون ملعون ملعون من عمل عمل قول لوطِ " الحديث. وجاء أيضاً ( أربعة يصبحون في غضب الله تعالى ) ويمسون في سخط الله تعالى وعد منهم من يأتي الرجل. وأخرج ابن أبي الدنيا وغيره عن مجاهد رضي الله تعالى عنه أن الذي يعمل ذلك العمل لو اغتسل بكل قطرة من السماء وكل قطرة من الأرض لم يزل نجساً أي إن الماء لا يزيل عنه ذلك الإثم العظيم الذي بعده عن ربه. والمقصود تهويل أمر تلك الفاحشة. وألحق بها بعضهم السحاق وبدا أيضاً في قوم لوط عليه السلام فكانت المرأة تأتي المرأة فعن حذيفة رضي الله تعالى عنه إنما حق القول على قوم لوط عليه السلام حين استغنى النساء بالنساء والرجال بالرجال. وعن أبي حمزة رضي الله تعالى عنه قلت لمحمد بن علي عذب الله تعالى نساء قوم لوط بعمل رجالهم فقال : الله تعالى أعدل من ذلك استغنى الرجال بالرجال والنساء بالنساء. وآخرون إتيان المرأة في عجيزتها واستدل بما أخرج غير واحد عن علي كرم الله تعالى وجهه أنه قال على المنبر : سلوني ؟ فقال ابن الكواء : تؤتى النساء في أعجازهن ؟ فقال كرم الله تعالى وجهه : سفلت سفل الله تعالى بك ألم تسمع قوله تعالى : أَتَأْتُونَ الفاحشة  \[ الأعراف : ٨٠ \] الآية. ولا يخفى أن ذلك لا يتم إلا بطريق القياس وإلا فالفاحشة في الآية مبينة بما علمت. نعم جاء في آثار كثيرة ما يدل على حرمة إتيان الزوجة في عجيزتها والمسألة كما تقدم خلافية والمعتمد فيها الحرمة. 
ولا فرق في اللواطة بين أن تكون بمملوك أو تكون بغيره. واختلفوا في كفر مستحل وطء الحائض ووطء الدبر. وفي **«التتارخانية »** نقلاً عن **«السراجية »** اللواطة بمملوكه أو مملوكته أو امرأته حرام إلا أنه لو استحله لا يكفر وهذا بخلاف اللواطة بأجنبي فإنه يكفر مستحلها قولاً واحداً. وما ذكر مما يعلم ولا يعلم كما في ****«الشرنبلالية »**** لئلا يتجرأ الفسقة عليه بظنهم حله. 
واختلف في حد اللواطة فقال الإمام : لا حد بوطء الدبر مطلقاً وفيه التعزير ويقتل من تكرر منه على المفتى به كما في **«الأشباه »**. 
والظاهر على ما قال البيري أنه يقتل في المرة الثانية لصدق التكرار عليه. وقال الإمامان : إن فعل في الأجانب حد كحد الزنا وإن في عبده أو أمته أو زوجته بنكاح صحيح أو فاسد فلا حد إجماعاً كما في **«الكافي »** وغيره بل يعزر في ذلك كله ويقتل من اعتاده. وفي **«الحاوي القدسي »** وتكلموا في هذا التعزير من الجلد ورميه من أعلى موضع وحبسه في أنتن بقعة وغير ذلك سوى الإخصاء والجب والجلد أصح. وفي ****«الفتح »**** يعزر ويسجن حتى يموت أو يتوب، وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما حد اللواطة القتل للفاعل والمفعول ورواه مرفوعاً، وفي رواية أخرى عنه أنه سئل ما حد اللوطي فقال : ينظر أعلى بناء في القرية فيلقى منه منكسا ثم يتبع بالحجارة. قال في ****«الفتح »**** وكأن مأخذ هذا أن قوم لوط أهلكوا بذلك حيث حملت قراهم ونكست بهم ولا شك في اتباع الهدم بهم وهم نازلون. وعن علي كرم الله تعالى وجهه أنه رجم لوطياً وهو أشبه شيء بما قص الله تعالى من إهلاك قوم لوط عليه السلام بإمطار الحجارة عليهم. 
وصححوا أنها لا تكون في الجنة لأنه سبحانه استقبحها وسماها فاحشة والجنة منزهة عن ذلك. وفي الأشباه أن حرمتها عقلية فلا وجود لها في الجنة، وقيل : سمعية فتوجد أي فيمكن أن توجد. وكأنه أراد بالحرمة هنا القبح إطلاقاً لاسم السبب على المسبب أي أن قبحها عقلي بمعنى أنه يدرك بالعقل وإن لم يرد به الشرع. وليس هذا مذهب المعتزلة كما لا يخفى. ونقل الجلال السيوطي عن ابن عقيل الحنبلي قال : جرت هذه المسألة بين أبي علي بن الوليد المعتزلي وبين أبي يوسف القزويني فقال ابن الوليد : لا يمنع أن يجعل ذلك من جملة اللذات في الجنة لزوال المفسدة لأنه إنما منع في الدنيا لما فيه من لطع النسل وكونه محلاً للأذى وليس في الجنة ذلك ولهذا أبيح شرب الخمر لما ليس فيه من السكر والعربدة وزوال العقل بل اللذة الصرفة فقال أبو يوسف رضي الله تعالى عنه : الميل إلى الذكور عاهة وهو قبيح في نفسه لأنه محل لم يخلق للوطء ولهذا لم يبح في شريعة بخلاف الخمر فقال ابن الوليد : هو قبيح وعاهة للتلويث بالأذى ولا أذى في الجنة فلم يبق إلا مجرد الالتذاذ انتهى. وأنا أرى أن إنكار قبح اللواطة عقلاً مكابرة ولهذا كانت الجاهلية تعير بها ويقولون في الذم فلان مصفر استه ولا أدري هل يرضى ابن الوليد لنفسه أن يؤتى في الجنة أم لا ؟ فإن رضي اليوم أن يؤتي غدا فغالب الظن أن الرجل مأبون أو قد ألف ذلك وإن لم يرض لزمه الإقرار بالقبح العقلي. 
وإن ادعى أن عدم رضائه لأن الناس قد اعتادوا التعيير به وذلك مفقود في الجنة قلنا له : يلزمك الرضا به في الدنيا إذا لم تعير ولم يطلع عليك أحد فإن التزمه فهو كما ترى ؛ ولا ينفعه ادعاء الفرق بين الفاعل والمفعول كما لا يخفى على الأحرار. 
وصرحوا بأن حرمة اللواطة أشد من حرمة الزنا لقبحها عقلاً وطبعاً وشرعاً والزنا ليس بحرام كذلك وتزول حرمته بتزويج وشراء بخلافها وعدم الحد عند الإمام لا لخفتها بل للتغليظ لأنه مطهر على قول كثير من العلماء وإن كان خلاف مذهبنا، وبعض الفسقة اليوم دمرهم الله تعالى يهونون أمرها ويتمنون بها ويفتخرون بالاكثار منها. ومنهم من يفعلها أخذاً للثأر ولكن من أين، ومنهم من يحمد الله سبحانه عليها مبنية للمفعول وذلك لأنهم نالوا الصدارة بأعجازهم ؛ نسأل الله تعالى العفو والعافية في الدين والدنيا والآخرة. واعلم أن للواطة أحكاماً أخر فقد قالوا : إنه لا يجب بها المهر ولا العدة في النكاح الفاسد ولا في المأتي بها لشبهة ولا يحصل بها التحليل للزوج الأول ولا تثبت بها الرجعة ولا حرمة المصاهرة عند الأكثر ولا الكفارة في رمضان في رواية ولو قذف بها لا يحد ولا يلاعن خلافاً لهما في المسألتين كما في **«البحر »** أخذاً من **«المجتبى »**. وفي ****«الشرنبلالية »**** عن **«السراج »** يكفي في الشهادة عليها عدلان لا أربعة خلافاً لهما أيضاً. 
هذا ولم أقف للسادة الصوفية قدس الله تعالى أسرارهم على ما في قصة قوم لوط عليه السلام.

### الآية 7:85

> ﻿وَإِلَىٰ مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا ۗ قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَٰهٍ غَيْرُهُ ۖ قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ ۖ فَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا ۚ ذَٰلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ [7:85]

وإلى مَدْيَنَ أخاهم شُعَيْباً  عطف على ما مر. والمراد أرسلنا إلى مدين الخ. ومدين وسمع مديان في الأصل علم لابن إبراهيم الخليل عليه السلام ومنع صرفه للعلمية والعجمة ثم سميت به القبيلة، وقيل : هو عربي اسم لماء كانوا عليه، وقيل : اسم بلد ومنع صرفه للعلمية والتأنيث فلا بد من تقدير مضاف حينئذٍ أي أهل مدين مثلاً أو المجاز. والياء على هذا عند بعض زائدة. وعن ابن بري الميم زائدة إذ ليس في كلامهم فعيل وفيه مفعل. وقال آخرون : إنه شاذ كمريم إذ القياس إعلاله كمقام. وعند المبرد ليس بشاذ قيل وهو الحق لجريانه على الفعل. 
وشعيب قيل تصغير شعب بفتح فسكون اسم جبل أو شعب بكسر فسكون الطريق في الجبل. واختير أنه وضع مرتجلاً هكذا. والقول بأن القول بالتصغير باطل لأن أسماء الأنبياء عليهم الصلاة والسلام لا يجوز تصغيرها فيه نظر لأن الممنوع التصغير بعد الوضع لا المقارن له ومدعي ذلك قد يدعي هذا وهو على ما وجد بخط النووي في **«تهذيبه »** ( ابن ميكيل بن يشجر بن مدين بن إبراهيم عليه السلام )، وقيل : ابن ميكيل بن يشجر بن لاوي بن يعقوب، وبعضهم يقول : ميكائيل بدل ميكيل، ونقل ذلك عن خط الذهبي في **«اختصار المستدرك »**. وآخر يقول ملكاني بدله. وذكر أن أم ميكيل بنت لوط عليه السلام. وأخرج ابن عساكر من طريق إسحاق بن بشر عن الشرقي بن القطامي وكان نسابة أن شعيباً هو يثروب بالعبرانية وهو ابن عيفاء بن يوبب بمثناة تحتية أوله وواو وموحدتين بوزن جعفر بن إبراهيم عليه السلام، وقيل : في نسبه غير ذاك، وكان النبي صلى الله عليه وسلم كما أخرج ابن عساكر عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما إذا ذكر شعيب يقول :**«ذلك خطيب الأنبياء لحسن مراجعته قومه »** أي محاورته لهم، وكأنه كما قيل عنى عليه الصلاة والسلام ما ذكر في هذه السورة كما يعلم بالتأمل فيه. 
وبعث رسولاً إلى أمتين مدين وأصحاب الأيكة، قال السدي وعكرمة رضي الله تعالى عنهما : ما بعث الله تعالى نبياً مرتين إلا شعيباً مرة إلى مدين فأخذهم الله تعالى بالصيحة، ومرة إلى أصحاب الأيكة فأخذهم الله تعالى بعذاب يوم الظلة. وأخرج ابن عساكر في **«تاريخه »** من حديث عبد الله بن عمر مرفوعاً أن قوم مدين وأصحاب الأيكة أمتان بعث الله تعالى إليهما شعيباً. وهو كما قال ابن كثير غريب وفي رفعه نظر واختار أنهما أمة واحدة، واحتج له بأن كلاً منهما وعظ بوفاء الميزان والمكيال وهو يدل على أنهما واحدة وفيه ما لا يخفى. 
ومن الناس من زعم أنه عليه السلام بعث إلى ثلاث أمم، والثالثة أصحاب الرس. والقول بأنه عليه السلام كان أعمى لا عكاز له يعتمد عليه بل قد نص العلماء ذوو البصيرة على أن الرسول لا بد أن يكون سليماً من منفر ومثلوه بالعمى والبرص والجذام، ولا يرد بلاء أيوب وعمى يعقوب بناء على أنه حقيقي لطروه بعد الإنباء والكلام فيما قارنه، والفرق أن هذا منفر بخلافه فيمن استقرت نبوته. وقد يقال : إن صح ذلك فهو من هذا القبيل. 
 قَالَ  استئناف مبني على سؤال نشأ من حكاية إرساله إليهم كأنه قيل : فماذا قال لهم ؟ فقيل قال : يَاقَوْمِ اعبدوا الله مَا لَكُمْ مّنْ إله غَيْرُهُ  مر تفسيره  قَدْ جَاءتْكُم بَيّنَةٌ مّن رَّبّكُمْ  أي معجزة عظيمة ظاهرة من مالك أموركم. ولم تذكر معجزته عليه السلام في القرآن العظيم كما لم تذكر أكثر معجزات نبينا صلى الله عليه وسلم والأنبياء عليهم السلام فيه. والقول بأنه لم يكن له عليه السلام معجزة غلط لأن الفاء في قوله سبحانه : فَأَوْفُواْ الكيل والميزان  لترتيب الأمر على مجىء البينة، واحتمال كونها عاطفة على  اعبدوا  بعيد، وإن كانت عبادة الله تعالى موجبة للاجتناب عن المناهي التي معظمها بعد الكفر البخس فكأنه قيل : قد جاءتكم معجزة شاهدة بصحة نبوتي أوجبت عليكم الإيمان بها والأخذ بما أمرتكم به فأوفوا الخ ؛ ولو ادعى مدع النبوة بغير معجزة لم تقبل منه لأنها دعوى أمر غير ظاهر وفيه إلزام للغير ومثل ذلك لا يقبل من غير بينة. ومن الناس من زعم أن البينة نفس شعيب. ومنهم من زعم أن المراد بالبينة الموعظة وأنها نفس  فَأَوْفُواْ  الخ وليس بشيء كما لا يخفى. وقال الزمخشري :( إن من معجزاته عليه السلام ما روي من محاربة عصا موسى عليه السلام التنين حين دفع إليه غنمه وولادة الغنم الدرع خاصة حين وعده أن يكون له الدرع من أولادها ووقوع عصا آدم عليه السلام على يده في المرات السبع وغير ذلك من الآيات لأن هذه كلها كانت قبل أن يستنبأ موسى عليه السلام فكانت معجزات لشعيب ) اه. وفيه نظر لأن ذلك متأخر عن المقاولة فلا يصح تفريع الأمر عليه، ولأنه يحتمل أن يكون كرامة لموسى عليه السلام أو إرهاصاً لنبوته بل في **«الكشف »** أن هذا متعين لأن موسى أدرك شعيباً عليه السلام بعد هلاك قومه ولأن ذلك لم يكن معرض التحدي. وزعم الإمام أن الإرهاص غير جائز عند المعتزلة، ولهذا جعل ذلك معجزة لشعيب عليه السلام نظر فيه الطيبي بأن الزمخشري قال في آل عمران ( ٥٤ ) في تكليم الملائكة عليهم السلام لمريم : إنه معجزة لزكريا أو إرهاص لنبوة عيسى عليهما السلام، والمراد بالكيل ما يكال به مجازاً كالعيش بمعنى ما يعاش به. 
ويؤيده أنه قد وقع في سورة هود ( ٥٨ )  المكيال  وكذا عطف  الميزان  عليه هنا، فإن المتبادر منه الآلة وإن جاز كونه مصدراً بمعنى الوزن كالميعاد بمعنى الوعد، وقيل : إن الكيل وما عطف عليه مصدران والكلام على الإضمار أي أوفوا آلة الكيل والوزن. 
 وَلاَ تَبْخَسُواْ الناس  أي لا تنقصوهم يقال بخسه حقه إذا نقصه إياه ومنه قيل للمكس البخس. وفي أمثالهم تحسبها حمقاء وهي باخس أي ذات بخس. وتعدى إلى مفعولين أولهما  الناس  والثاني  أَشْيَاءهُمْ  أي الكائنة في المبايعات من الثمن والمبيع، وفائدة التصريح بالنهي عن النقص بعد الأمر بالإيفاء تأكيد ذلك الأمر وبيان قبح ضده، وقد يراد بالأشياء الحقوق مطلقاً فإنهم كانوا مكاسين لا يدعون شيئاً إلا مكسوه. وقد جاء عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنهم كانوا قوماً طغاة بغاة يجلسون على الطريق فيبخسون الناس أموالهم وكانوا إذا دخل عليهم الغريب يأخذون دراهمه الجياد ويقولون دراهمك هذه زيوف فيقطعونها ثم يشترونها منه بالبخس. وروي أنهم يعطونه أيضاً بدلها زيوفاً فكأنه لما نهوا عن البخس في الكيل والوزن نهوا عن البخس والمكس في كل شيء. قيل : ويدخل في ذلك بخس الرجل حقه من حسن المعاملة والتوقير اللائق به وبيان فضله على ما هو عليه للسائل عنه. وكثير ممن انتسب إلى أهل العلم اليوم مبتلون بهذا البخس وليتهم قنعوا به بل جمعوا حشفاً وسوء كيلة فإنا لله وإنا إليه راجعون. وبدأ عليه السلام بذكر هذه الواقعة على ما قال الإمام ( لأن عادة الأنبياء عليهم السلام أنهم إذا رأوا قومهم مقبلين على نوع من أنواع المفاسد إقبالاً أكثر من إقبالهم على سائر الأنواع بدأوا بمنعهم عن ذلك النوع، وكان قومه عليه السلام مشغوفين بالبخس والتطفيف ) أكثر من غيره، والمراد من الناس ما يعمهم وغيرهم أي لا تبخسوا غيركم ولا يبخس بعضكم بعضاً. 
 وَلاَ تُفْسِدُواْ فِى الارض  بالجور أو به وبالكفر  بَعْدَ إصلاحها  أي إصلاح أمرها أو أهلها بالشرائع، فالإضافة من إضافة المصدر إلى مفعوله بحذف المضاف، والفاعل الأنبياء وأتباعهم. وجوز أن لا يقدر مضاف ويعتبر التجوز في النسبة الإيقاعية لأن إصلاح من في الأرض إصلاح لها، وأن تكون الإضافة من إضافة المصدر إلى الفاعل على الإسناد المجازي للمكان، وأن تكون على معنى في أي بعد إصلاح الأنبياء فيها. ويأبى الحمل على الظاهر لأن الإصلاح يتعلق بالأرض نفسها كتعميرها وإصلاح طرقها لا تفسدوا في الأرض. 
 ذلكم خَيْرٌ لَّكُمْ  إشارة إلى ما ذكر من الوفاء بالكيل والميزان وترك البخس والإفساد أو إلى العمل بما أمرهم به ونهاهم عنه، وأياً ما كان فإفراد اسم الإشارة وتذكيره ظاهر. 
ومعنى الخيرية إما الزيادة مطلقاً أو في الإنسانية وحسن الأحدوثة وما يطلبونه من التكسب والتربح لأن الناس إذا عرفوهم بالأمانة رغبوا في معاملتهم ومتاجرتهم، وقيل : ليس المراد من  خَيْرٌ  هنا معنى الزيادة لأنه ليس للتفضيل بل المعنى ذلكم نافع لكم. 
 إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ  قيل : المراد بالإيمان معناه اللغوي، وتخص الخيرية بأمر الدنيا أي إن كنتم مصدقين لي في قولي، ومثل هذا الشرط على ما قال الطيبي إنما يجاء به في آخر الكلام للتأكيد، ويعلم من هذا أن شعيباً عليه السلام كان مشهوراً عندهم بالصدق والأمانة كما كان نبينا صلى الله عليه وسلم مشهوراً عند قومه بالأمين. وقال بعض الذاهبين إلى ما ذكر : إن تعليق الخيرية على هذا التصديق بتأويل العلم بها وإلا فهو خير مطلقاً. وقال القطب الرازي : إن ذلك ليس شرطاً للخيرية نفسها بل لفعلهم كأنه قيل : فاتوا به إن كنتم مصدقين بي فلا يرد أنه لا توقف للخيرية في الإنسانية على تصديقهم به. وقيل : المراد به مقابل الكفر وبالخيرية ما يشمل أمر الدنيا والآخرة أي ذلك خير لكم في الدارين بشرط أن تؤمنوا، وشرط الإيمان لأن الفائدة من حصول الثواب مع النجاة من العقاب ظاهرة مع الإيمان خفية مع فقده للانغماس في غمرات الكفر، وبنى بعضهم نفع ترك البخس ونحوه في الآخرة على أن الكفار يعذبون على المعاصي كما يعذبون على الكفر فيكون الترك خيراً لهم بلا شبهة لكن لا يخفى أنه إذا فسر الإفساد في الأرض بالإفساد فيها بالكفر لا يكون لهذا التعليق على الإيمان معنى كما لا يخفى، وإخراجه من حيز الإشارة بعيد جداً. وزعم الخيالي أن الأظهر أن  ذلكم خَيْرٌ لَّكُمْ  معترضة والشرط متعلق بما سبق من الأوامر والنواهي، وكأنه التزم ذلك لخفاء أمر الشرطية عليه. وقد فر من هرة ووقع في أسد وهرب من القطر ووقف تحت الميزاب فاعتبروا يا أولي الألباب.

### الآية 7:86

> ﻿وَلَا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِرَاطٍ تُوعِدُونَ وَتَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِهِ وَتَبْغُونَهَا عِوَجًا ۚ وَاذْكُرُوا إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلًا فَكَثَّرَكُمْ ۖ وَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ [7:86]

وَلاَ تَقْعُدُواْ بِكُلّ صراط  أي طريق من الطرق الحسية  تُوعَدُونَ  أي تخوفون من آمن بالقتل كما نقل عن الحسن وقتادة ومجاهد وروي عن ابن عباس أن بلادهم كانت يسيرة وكان الناس يمتارون منهم فكانوا يقعدون على الطريق ويخوفون الناس أن يأتوا شعيباً ويقولون لهم : إنه كذاب فلا يفتنكم عن دينكم. ويجوز أن يكون القعود على الصراط خارجاً مخرج التمثيل كما فيما حكي عن قول الشيطان : لاقْعُدَنَّ لَهُمْ صراطك المستقيم  \[ الأعراف : ١٦ \] أي ولا تقعدوا بكل طريق من طرق الدين كالشيطان، وإليه يشير ما روي عن مجاهد أيضاً. والكلية مع أن دين الله الحق واحد باعتبار تشعبه إلى معارف وحدود وأحكام وكانوا إذا رأوا أحداً يشرع في شيء منها منعوه بكل ما يمكن من الحيل. وقيل : كانوا يقطعون الطريق فنهوا عن ذلك. وروي ذلك عن أبي هريرة وعبد الرحمن بن زيد، ولعل المراد به ما يرجع إلى أحد القولين الأولين وإلا ففيه خفاء وإن قيل : إن في الآية عليه مبالغة في الوعيد وتغليظ ما كانوا يرومونه من قطع السبيل. 
 وَتَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ الله  أي الطريق الموصلة إليه وهي الإيمان أو السبيل الذي قعدوا عليه فوضع المظهر موضع المضمر بياناً لكل صراط ( و ) دلالة على عظم ما ( يصدون عنه ) وتقبيحاً لما كانوا عليه، وقوله سبحانه : مَنْ ءامَنَ بِهِ  مفعول  تَصُدُّونَ  على إعمال الأقرب لا  تُوعَدُونَ  خلافاً لما يوهمه كلام الزمخشري إذ يجب عند الجمهور في مثل ذلك حينئذٍ إظهار ضمير الثاني. ولا يجوز حذفه إلا في ضرورة الشعر فيلزم أن يقال : تصدونهم وإذا جعل  تَصُدُّونَ  بمعنى تعرضون يصير لازماً ولا يكون مما نحن فيه. وضمير  بِهِ  لله تعالى أو لكل صراط أو سبيل الله تعالى لأن السبيل يذكر ويؤنث كما قيل، وجملة  تُوعَدُونَ  وما عطف عليه في موضع الحال من ضمير  تَقْعُدُواْ  أي موعدين وصادين : وقيل : هي على التفسير الأول استئناف بياني، والأظهر ما ذكرنا. 
 وَتَبْغُونَهَا عِوَجًا  أي وتطلبون لسبيل الله تعالى عوجاً بإلقاء الشبه أو بوصفها للناس بما ينقصها وهي أبعد من شائبة الإعوجاج : وهذا إخبار فيه معنى التوبيخ وقد يكون تهكماً بهم حيث طلبوا ما هو محال إذ طريق الحق لا يعوج. وفي الكلام ترق كأنه قيل : ما كفاكم أنكم توعدون الناس على متابعة الحق وتصدونهم عن سبيل الله تعالى حتى تصفونه بالاعوجاج ليكون الصد بالبرهان والدليل. وعلى ما روي عن أبي هريرة وابن زيد جاء أن يراد بتبغونها عوجاً عيشهم في الأرض واعوجاج الطريق عبارة عن فوات أمنها. وذكر الطيبي أن معنى هذا الطلب حينئذٍ معنى اللام في قوله سبحانه :
 لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوّاً وَحَزَناً  \[ القصص : ٨ \] وعلى سائر الأوجه في الكلام الحذف والإيصال. 
 واذكروا إِذْ كُنتُمْ قَلِيلاً  عددكم  فَكَثَّرَكُمْ  فوفر عددكم بالبركة في النسل كما روي عن ابن عباس. وحكي أن مدين بن إبراهيم تزوج بنت لوط فولدت فرمى الله تعالى في نسلها البركة والنماء فكثروا وفشوا. وجوز الزجاج أن يكون المعنى إذ كنتم مقلين فقراء فجعلكم مكثرين موسرين، أو كنتم أقلة أذلة فأعزكم بكثرة العدد والعدد. و  إِذْ  مفعول  اذكروا  أو ظرف لمقدر كالحادث أو النعم أي أذكروا ذلك الوقت أو ما فيه  وانظروا كَيْفَ كَانَ عاقبة المفسدين  أي آخر أمر من أفسد قبلكم من الأمم كقوم نوح وعاد وثمود واعتبروا بهم.

### الآية 7:87

> ﻿وَإِنْ كَانَ طَائِفَةٌ مِنْكُمْ آمَنُوا بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ وَطَائِفَةٌ لَمْ يُؤْمِنُوا فَاصْبِرُوا حَتَّىٰ يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَنَا ۚ وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ [7:87]

وَإِن كَانَ طَائِفَةٌ مّنكُمْ ءامَنُواْ بالذى أُرْسِلْتُ بِهِ  من الشرائع والأحكام  وَطَائِفَةٌ لَّمْ يْؤْمِنُواْ  به أو لم يفعلوا الإيمان  فاصبروا حتى يَحْكُمَ الله بَيْنَنَا  خطاب للكفار ووعيد لهم أي تربصوا لتروا حكم الله تعالى بيننا وبينكم فإنه سبحانه سينصر المحق على المبطل ويظهره عليه، أو هو خطاب للمؤمنين وموعظة لهم وحث على الصبر واحتمال ما كان يلحقهم من أذى المشركين إلى أن يحكم الله تعالى بينهم وينتقم لهم منهم. ويجوز أن يكون خطاباً للفريقين أي ليصبر المؤمنون على أذى الكفار وليصبر الكفار على ما يسوؤهم من إيمان من آمن منهم حتى يحكم فيميز الخبيث من الطيب، والظاهر الاحتمال الأول. وكان المقصود أن إيمان البعض لا ينفعكم في دفع بلاء الله تعالى وعذابه  وَهُوَ خَيْرُ الحاكمين  إذ لا معقب لحكمه ولا حيف فيه فهو في غاية السداد.

### الآية 7:88

> ﻿۞ قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ يَا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا ۚ قَالَ أَوَلَوْ كُنَّا كَارِهِينَ [7:88]

قَالَ الملأ الذين استكبروا مِن قَوْمِهِ  استئناف مبني على سؤال ينساق إليه المقال كأنه قيل له : فماذا قالوا له عليه السلام بعدما سمعوا منه هذه المواعظ ؟ فقيل : قال أشراف قومه المستكبرون متطاولين عليه عليه السلام غير مكتفين بمجرد الاستعصاء بل بالغين من العتو مبلغاً عظيماً  لَنُخْرِجَنَّكَ ياشعيب والذين ءامَنُواْ مَعَكَ مِن قَرْيَتِنَا  بغضاً لكم ودفعاً لفتنتكم المترتبة على المساكنة والجوار، والتأكيد القسمي للمبالغة والاعتناء بالحكم و  مَعَكَ  متعلق بالإخراج لا بالايمان، ونسبة الإخراج إليه عليه السلام أولاً وإلى المؤمنين ثانياً للتنبيه على أصالته عليه السلام في ذلك وتبعيتهم له فيه، وتوسيط النداء باسمه العلي بين المعطوفين لزيادة التقرير والتهديد الناشئة عن غاية الوقاحة والطغيان، وقوله تعالى : أَوْ لَتَعُودُنَّ فِى مِلَّتِنَا  عطف على جواب القسم أي والله ليكونن أحد الأمرين البتة الإخراج أو العود على أن المقصد الأهم هو العود وإنما ذكر الأول لمجرد القسر والإلجاء كما يفصح عنه عدم تعرضه عليه السلام بجواب الإخراج، والمتبادر من العود الرجوع إلى الحالة الأولى وهذا مما لا يمكن في حق شعيب عليه السلام لأن الأنبياء عليهم السلام معصومون عما دون الكفر بمراتب. نعم هو ممكن في حق من آمن به فإسناده إليه عليه السلام من باب التغليب، قيل : وقد غلب عليه المؤمنون هنا كما غلب هو عليهم في الخطاب فيكون في الآية حينئذ تغليبان، وقال غير واحد : أن تعود بمعنى تصير كما أثبته بعض النحاة واللغويين فلا يستدعي العود إلى حالة سابقة وعلى ذلك قوله :فإن لم تك الأيام تحسن مرة  إلى فقد عادت لهن ذنوبفكأنهم قالوا : لنخرجنك يا شعيب والذين آمنوامعك من قريتنا أو لتصيرن مثلنا فحينئذ لا إشكال ولا تغليب، وكذا يقال فيما بعد وهو حسن ولا يأباه  إِذْ نَجَّانَا الله مِنْهَا  \[ الأعراف : ٨٩ \] لاحتمال أن يقال بالتغليب فيه أو يقال إن التنجية لا يلزم أن تكون بعد الوقوع في المكروه، ألا ترى إلى قوله سبحانه : فأنجيناه وَأَهْلَهُ  \[ الأعراف : ٨٣ \] وأمثاله. 
وقال ابن المنير على احتمال تسليم استعمال العود بمعنى الجروع إلى أمر سابق يجاب بأنه على نهج قوله تعالى : الله وَلِيُّ الذين ءامَنُواْ يُخْرِجُهُم مّنَ الظلمات إِلَى النور والذين كَفَرُواْ أَوْلِيَاؤُهُمُ الطاغوت يُخْرِجُونَهُم مّنَ النور إِلَى الظلمات  \[ البقرة : ٢٥٧ \] فإن الإخراج يستدعي دخولاً سابقاً فيما وقع الإخراج منه، وهو غير متحقق في المؤمن والكافر الأصليين، لكن لما كان الايمان والكفر من الأفعال الاختيارية التي خلق الله تعالى العبد ميسراً لكل واحد منهما متمكناً منه لو أراده عبر عن تمكن المؤمن من الكفر، ثم عدوله عنه إلى الايمان اختياراً بالإخراج من الظلمات إلى النور توفيقاً من الله تعالى له ولطفاً به وبالعكس في حق الكافر، ويأتي نظير ذلك في قوله تعالى :
 أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى  \[ البقرة : ٦١ \] وهذا من المجاز المعبر فيه عن السبب بالمسبب. وفائدة اختياره في هذه المواضع تحقيق التمكن والاختيار لإقامة حجة الله تعالى على عباده. 
وقيل : إن هذا القول كان جارياً على ظنهم أنه عليه السلام كان في ملتهم لسكوته قبل البعثة عن الانكار عليهم أو أنه صدر عن رؤسائهم تلبيساً على الناس وإيهاماً لأنه كان على دينهم، وما صدر عنه عليه السلام في أثناء المحاورة وقع على طريق المشاكلة، وذكر الشهاب احتمالاً آخر في الجواب وهو أن الظاهر أن العود هو المقابل للخروج إلى ما خرج منه وهو القرية، والجار والمجرور في موضع الحال أي ليكن منكم الخروج من قريتنا أو العود إليها كائنين في ملتنا فينحل الإشكال من غير حاجة إلى ما تقدم، ولا يخفى بعده. وإنما لم يقولوا أو لنعيدنكم على طريقة ما قبله لما أن مرادهم أن يعودوا بصورة الطواعية حذر الإخراج عن الوطن باختيار أهون الشرين لا إعادتهم بسائر وجوه الإكراه والتعذيب، ومن الناس من زعم أن تعودن لا يصلح أن يكون جواباً للقسم لأنه ليس فعل المقسم، وجعل ما أشرنا إليه أولى في بيان المعنى مخلصاً من ذلك وهو باطل لأنه يقتضي أن القسم لا يكون على فعل الغير ولم يقل أحد به، وقد شاع نحو والله ليضربن زيد من غير نكير وعدي العود بفي إيماء إلى أن الملة لهم بمنزلة الوعاء المحيط بهم  قَالَ  استئناف كنظائر أي قال شعيب عليه السلام رداً لمقالتهم الباطلة وتكذيباً لهم في أيمانهم الفاجرة : أَو لَوْ كُنَّا \* كارهين  على أن الهمزة لإنكار الوقوع ونفيه، والواو للعطف على محذوف، وقد يقال : لها في مثل هذا الموضع واو الحال أيضاً و  لَوْ  هي التي يؤتى بها لبيان ما يفيده الكلام السابق بالذات أو بالواسطة من الحكم الموجب أو المنفي على كل حال مفروض من الأحوال المقارنة له على الإجمال بادخالها على أبعدها منه وأشدها منافاة له ليظهر بثبوته أو انتفائه معه ثبوته أو انتفاؤه مع ما عداه من الأحوال بطريق الألوية، والكلام ههنا في تقدير أنعود فيها لو لم نكن كارهين ولو كنا كارهين غير مبالين بالإكراه، فالجملة في موضع الحال من ضمير الفعل المقدر والمآل أنعود فيها حال عدم الكراهة وحال الكراهة إنكاراً لما تفيده كلمتهم الشنيعة بإطلاقها من العود على أي حالة غير أنه اكتفى بذكر الحالة التي هي أشد الأحوال منافاة للعود وأكثرها بعداً منه تنبيهاً على أنها هي الواقعة في نفس الأمر وثقة بإغنائها عن ذكر الأولى إغناءاً واضحاً لأن العود الذي تعلق به الإنكار حين تحقق مع الكراهة على ما يوجبه كلامهم فلأن يتحقق مع عدمها أولى، وهذا بعض مما ذكره شيخ الإسلام في هذا المقام، وقد أطنب فيه الكلام وأتى بالنقض والإبرام فأرجع إليه، وقد جوز أن يكون الاستفهام باقياً على حاله، وجعل بعضهم الهمزة بمعنى كيف، ووجه التعجيب إلى العود أي كيف نعود فيها ونحن كارهون لها وتقدير فعل العودة لقوة دلالة الكلام عليه أولى من تقدير فعل الإعادة كما فعل الزمخشري، وفي **«التيسير »** تقدير فعل الإخراج أي تخرجوننا من غير ذنب ونحن كارهون لمفارقة الأوطان، وقد وجه بأن العود مفروغ عنه لا يتصور من عاقل فلا يكون إلا الإخراج، ولا يخفى ضعف هذا التقدير. وذكر أبو البقاء أن  لَوْ  هنا بمعنى أن لأنها للمستقبل، وجوز أن تكون على أصلها وما أشار إليه شيخ الإسلام في هذا المقام أبعد مغزى فليتأمل.

### الآية 7:89

> ﻿قَدِ افْتَرَيْنَا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا إِنْ عُدْنَا فِي مِلَّتِكُمْ بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللَّهُ مِنْهَا ۚ وَمَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَعُودَ فِيهَا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّنَا ۚ وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا ۚ عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا ۚ رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ [7:89]

قَدِ افترينا عَلَى الله كَذِبًا  عظيماً لا يقادر قدره. 
  إِنْ عُدْنَا فِى مِلَّتِكُمْ  التي هي الشرك وزعمنا كما زعمتم أن لله سبحانه نداً تعالى عن ذلك علواً كبير. 
 بَعْدَ إِذْ \* نَجَّينَا \* الله مِنْهَا  وعلمنا بطلانها وأن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وجواب الشرط محذوف دل عليه ما قبله أي إن عدنا في ملتكم فقد افترينا، واستشكل ذلك بأن الظاهر فيما إذا كان الجواب مثل ما ذكر أن يتعلق ظهوره والعلم به بالشرط نحو  إِن يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَّهُ مِن قَبْلُ  \[ يوسف : ٧٧ \] و  إِلاَّ تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ \* الله  \[ التوبة : ٤٠ \] وإن أكرمتني اليوم فقد أكرمتك أمس، والمقصود هنا تقييد نفس الافتراء بالعود، ولفظ قد وصيغة الماضي يمنعانه، والجواب ما أشار إليه الزمخشري من أنه من باب الإخراج لا على مقتضى الظاهر وإيثار قد والماضي الدالين على التأكيد إما لأنه جواب قسم مقدر أو لأنه تعجيب على معنى ما أكذبنا أن عدنا الخ. ووجه التعجيب أن المرتد أبلغ في الافتراء من الكافر لأن الكافر مفتر على الله تعالى الكذب حيث يزعم أن لله سبحانه نداً ولا ندله والمرتد مثله في ذلك وزائد عليه حيث يزعم أنه قد تبين له ما خفي عليه من التمييز بين الحق والباطل والحمل على التعجب على ما في **«الكشف »** أولى لأن حذف اللام ضعيف، وجوز أبو حيان تبعاً لابن عطية أن يكون الفعل المذكور قسماً كما يقال برئت من الله تعالى إن فعلت كذا وكقول مالك بن الأشتر النخعي :أبقيت وفري وانحرفت عن العلا  ولقيت أضيافي بوجه عبوسإن لم أشن على ابن هند غارة  لم تخل يوماً من ذهاب نفوسوهذا نوع من أنواع البديع وقد ذكره غير واحد من أصحاب البديعيات، ومثله عز الدين الموصلي بقوله :برئت من سلفي والشم من هممي  إن لم أدن بتقى مبرورة القسم**والباعونية بقولها :**لامكنتني المعالي من سيادتها  إن لم أكن لهم من جملة الخدم وَمَا يَكُونُ لَنَا  أي ما يصح لنا وما يقع فكيون تامة، وقد يأتي ذلك بمعنى ما ينبغي وما يليق. 
 أَن نَّعُودَ فِيهَا  في حال من الأحوال أو وقت من الأوقات  إِلا أَن يَشَاء الله رَبُّنَا  أي إلا حال أو وقت مشيئة الله لعودنا، والتعرض لعنوان الربوبية للتصريح بأنه المالك الذي لا يسأل عما يفعل. 
 وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيْء عِلْمًا  فهو سبحانه يعلم كل حكمة ومصلحة ومشيئته على موجب الحكمة فكل ما يقع مشتمل عليها، وهذا إشارة إلى عدم الأمن من مكر الله سبحانه فإنه لا يأمن مكر الله إلا القوم الكافرين، وفيه من الانقطاع إلى الله تعالى ما لا يخفى، ويؤكد ذلك قوله تعالى : عَلَى الله تَوَكَّلْنَا  فإن التوكل عليه سبحانه إظهار العجز والاعتماد عليه جل شأنه، وأظهار الاسم الجليل للمبالغة، وتقديم المعمول لإفادة الحصر. 
وفي الآية دلالة على أن لله تعالى أن يشاء الكفر. 
وادعى شيخ الإسلام أن المراد استحالة وقوع ذلك كأنه قيل : وما كان لنا أن نعود فيها إلا أن يشاء الله تعالى العود وهيهات ذلك، ولا يكاد يكون كما ينبىء عنه التعرض لعنوان الربوبية، وقولهم : بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا الله  فإن تنجيته تعالى إياهم منها من دلائل عدم مشيئته سبحانه لعودهم فيها، وفرع على قوله تعالى : واسع  الخ بعد أن فسره بما فسره محالية مشيئته العود لكن لطفاً وهو وجه في الآية، ولعل ما ذهبت إليه فيها أولى، ولا يرد على تقدير العود مفعولاً للمشيئة أنه ليس لذلك سعة العلم بعد حينئذ كبير معنى، بل كان المناسب ذكر شمول الإرادة وأن الحوادث كلها بمشيئة الله تعالى لما لا يخفى، ولا يحتاج إلى القول بأن ذلك منه عليه السلام رد لدعوى الحصر باحتمال قسم ثالث، والزمخشري بني تفسيره على عقيدته الفاسدة من وجوب رعاية الصلاح والأصلح وأن الله تعالى لا يمكن أن يشار الكفر بوجه لخروجه عن الحكمة، واستدل بقوله سبحانه : واسع  الخ، ورده ابن المنير بأن موقع ماذكر الاعتراف بالقصور عن علم العاقبة والاطلاع على الأمور الغائبة. ونظير ذلك قوله إبراهيم عليه السلام : وَلاَ أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلاَّ أَن يَشَاء رَبّى شَيْئاً وَسِعَ رَبّى كُلَّ شَىْء عِلْماً  \[ الأنعام : ٨٠ \] فإنه عليه السلام لما رد الأمر إلى المشيئة وهي مغيبة مجد الله تعالى بالانفراد بعلم الغائبات انتهى، وإلى كون المراد من الاستثناء التأبيد ذهب جعفر بن الحرث والزجاج أيضاً وجعلوا ذلك كقول الشاعر :إذا شاب الغراب أتيت أهلي  وصار القار كاللبن الحليبوأنت خبير بأن ذلك مخالف للنصوص النقلية والعقلية وللعبارة والإشارة، وقال الجبائي. والقاضي : المراد بالملة الشريعة وفيها ما لا يرجع إلى الاعتقاد، ويجوز أن يتعبد الله تعالى عباده به ومفعول المشيئة العود إلى ذلك أي ليس لنا أن نعود إلى ملتكم إلا أن يشاء الله تعالى عودنا بأن يتعبدنا بها وينقلنا إليها وينسخ ما نحن فيه من الشريعة، وقيل : المراد إلا أن يشاء الله تعالى أن يمكنكم من إكراهنا ويخلي بينكم وبينه فنعود إلى أظهار ملتكم مكرهين، وقوى بسبق  أَوْ لَوْ كُنَّا كارهين  \[ الأعراف : ٨٨ \]. 
وقيل : إن الهاء في قوله سبحانه  فِيهَا  يعود إلى القرية لا الملة فيكون المعنى أنا سنخرج من قريتكم ولا نعود فيها إلا أن يشاء الله بما ينجزه لنا من الوعد في الإظهار عليكم والظفر بكم فنعود فيها ؛ وقيل : إن التقدير إلا أن يشاء الله أن يردكم إلى الحق فنكون جميعاً على ملة واحدة، ولا يخفى أن كل ذلك مما يضحك الثكلى، وبالجملة الآية ظاهرة فيما ذهب إليه أهل السنة وسبحانه من سد باب الرشد عن المعتزلة. 
 رَبَّنَا افتح بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بالحق  إعراض عن مفاوضتهم أثر ما ظهر من عتوهم وعنادهم وإقبال على الله تعالى بالدعاء والفتح بمعنى الحكم والقضاء لغة لحمير أو لمراد. والفتاح عندهم القاضي والفتاحة بالضم الحكومة. 
وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي أنه قال : الفتح القضاء لغة يمانية. وأخرج البيهقي وجماعة عن ابن عباس قال : ما كنت أدري ما قوله  رَبَّنَا افتح  حتى سمعت ابنة ذي يزن وقد جرى بيني وبينها كلام فقالت أفاتحك تريد أقاضيك و  بَيْنِنَا  منصوب على الظرفية والتقييد بالحق لإظهار النصفة، وجوز أن يكون مجازاً عن البيان والإظهار وإليه ذهب الزجاج، ومنه فتح المشكل لبيانه وحله تشبيهاً له بفتح الباب وإزالة الإغلاق حتى يوصل إلى ما خلفها وبيننا على ما قيل مفعولب به بتقدير ما بيننا  وَأَنتَ خَيْرُ الفاتحين  أي الحاكمين لخلو حكمك عن الجور والحيف أو المظهرين لمزيد علمك وسعة قدرتك والجملة تذييل مقرر لمضمون ما قبله.

### الآية 7:90

> ﻿وَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَئِنِ اتَّبَعْتُمْ شُعَيْبًا إِنَّكُمْ إِذًا لَخَاسِرُونَ [7:90]

وَقَالَ الملأ الذين كَفَرُواْ مِن قَوْمِهِ  عطف على  قَالَ الملأ  \[ الأعراف : ٨٨ \] الخ والمراد من هؤلاء الملأ يحتمل أن يكون أولئك المستكبرين وتغيير الصلة لما أن مناط قولهم السابق هو الاستكبار ويكون هذا حكاية لإضلالهم بعد حكاية ضلالهم على ما قيل، ويحتمل أن يكون غيرهم ودونهم في الرتبة شأنهم الوساطة بينهم وبين العامة والقيامة بأمورهم حسبما يراه المستكبرون، أي قالوا لأهل ملتهم تنفيراً لهم وتثبيطاً عن الايمان بعد أن شاهدوا صلابة شعيب عليه السلام ومن معه من المؤمنين فيه وخافوا أن يفارقوهم  لَئِنِ اتبعتم شُعَيْبًا  ودخلتم في ملته وفارقتم ملة آبائكم  إِنَّكُمْ إِذاً لخاسرون  أي مغبونون لاستبدالكم الضلالة بالهدى ولفوات ما يحصل لكم بالبخص والتطفيف فالخسران على الأول استعارة وعلى الثاني حقيقة وإلى تفسير الخاسرين بالمغبونين ذهب ابن عباس، وعن عطاء تفسيره بالجاهلين، وعن الضحاك تفسيره بالفجرة ؛ وإذا حرف جواب وجزاء معترض كما قال غير واحد بين اسم إن وخبرها. وقيل : هي إذاً الظرفية الاستقبالية وحذفت الجملة المضاف إليها وعوض عنها التنوين، ورده أبو حيان بأنه لم يقله أحد من النحاة، والجملة جواب للقسم الذي وطأته اللام بدليل عدم الاقتراب بالفاء وسادة مسد جواب الشرط وليست جواباً لهما معاً كما يوهمه كلام بعضهم لأنه كما قيل مع مخالفته للقواعد النحوية يلزم فيه أن يكون جملة واحدة لها محل من الإعراب ولا محل لها وإن جاز باعتبارين.

### الآية 7:91

> ﻿فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ [7:91]

فَأَخَذَتْهُمُ الرجفة  أي الزلزلة كما قال الكلبي وفي سورة هود  وَأَخَذَتِ الذين ظَلَمُواْ الصَّيْحَةُ  \[ هود : ٩٤ \] أي صيحة جبريل عليه السلام، ولعلها كانت من مبادي الرجفة فأسند إهلاكهم إلى السبب القريب تارة وإلى البعيد أخرى، وقال بعضهم : إن القصة غير واحدة فإن شعيباً عليه السلام بعث إلى أمتين أهل مدين وأهل الأيكة فأهلكت أحدهما بالرجفة والأخرى بالصيحة، وفيه أنه إنما يتم لو لم يكن هلاك أهل مدين بالصيحة، والمروي عن قتادة أنهم الذين أهلكوا بها وأن أهل الأيكة أهلكوا بالظلة. 
وجاء في بعض الآثار أن أهل مدين أهلكوا بالظلة والرجفة، فقد روى عن ابن عباس وغيره في هذه الآية إن الله تعالى فتح عليه باباً من جهنم فأرسل عليهم حراً شديداً فأخذ بأنفاسهم ولم ينفعهم ظل ولا ماء فكانوا يدخلون الأسراب فيجدونها أشد حراً من الظاهر فخرجوا إلى البرية فبعث الله تعالى سحابة فيها ريح طيبة فأظلتهم فوجدوا لها برداً فنادى بعضهم بعضاً حتى اجتمعوا تحتها رجالهم ونساؤهم وصبياهم فألهبها عليهم ناراً ورجفت بهم الأرض فاحترقوا كما يحترق الجراد المقلي وصاروا رماداً. ويشكل على هلاكهم جميعاً نساء ورجالاً ما نقل عن عبد الله البجلي قال : كان أبو جاد وهو زو حطى وكلمن وسعفص وقرشت ملوك مدين وكان ملكهم في زمن شعيب عليه السلام كلمن فلما هلك يوم الظلة رثته ابنته بقولها :
كلمن قد هد ركني \*\*\* هكله وسط المحله
سيد القوم أتاه الح \*\*\* تف نار تحت ظله
جعلت نار عليهم \*\*\* دارهم كالمضمحله
اللهم إلا أن يقال : إنها كانت مؤمنة فنجت، وقد يقال : إن هذا الخبر مما ليس له سند يعول عليه. 
 فَأَصْبَحُواْ فِي دَارِهِمْ جاثمين  تقدم نظيره.

### الآية 7:92

> ﻿الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا ۚ الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كَانُوا هُمُ الْخَاسِرِينَ [7:92]

الذين كَذَّبُواْ شُعَيْبًا  استئناف لبيان ابتلائهم بشؤم قولهم : لَنُخْرِجَنَّكَ ياشعيب والذين ءامَنُواْ مَعَكَ مِن قَرْيَتِنَا  \[ الأعراف : ٨٨ \] والموصول مبتدأ خبره قوله تعالى : كَأَن لَّمْ يَغْنَوْاْ فِيهَا  أي لم يقيموا في دارهم، وقال قتادة : المعنى كأن لم يعيشوا فيها مستغنين، وذكر غير واحد أنه يقال : غنى بالمكان يغني غني وغنياناً إذا أقام به دهراً طويلاً، وقيده بعضهم بالإقامة في عيش رغد، وقال ابن الأنباري كغيره : إنه من الغنى ضد الفقر كما في قول حاتم :غنينا زماماً بالتصعلك والغنى  فكلا سقاناه بكأسهما الدهرفما زادنا بغياً على ذي قرابة  غنانا ولا أزري بأحسابنا الفقروعلى هذا تفسير قتادة، ورد الراغب غنى بمعنى أقام إلى هذا المعنى فقال : غنى بالمكان طال مقامه فيه مستغنياً به عن غيره، وقول بعضهم في بيان الآية : إنهم استؤصلوا بالمرة بيان لحاصل المعنى، وفي بناء الخبر على الموصول إيماء إلى أن علة الحكم هي الصلة فكأنه قيل : الذي كذبوا شعيباً هلكوا لتكذيبهم إياه هلاك الأبد، ويشعر ذلك هنا بأن مصدقيه عليه السلام نجوا نجاة الأبد، وهذا مراد من قال بالاختصاص في الآية، وقيل : إنه مبني على أن مثل هذا التركيب كما يفيد التقوى قد يفيد الاختصاص نحو  الله يَبْسُطُ الرزق  \[ الرعد : ٢٦ \] والقرينة عليه هنا أنه سبحانه ذكر فيما سبق المؤمنين والكافرين ولم يذكر هنا الإهلاك المكذبين، ويرجع حاصل المعنى بالآخرة إلى أنهم عوقبوا بتوعدهم السابق بالإخراج وصاروا هم المخرجين من القرية إخراجاً لا دخول بعده دون شعيب عليه السلام ومن معه، وقوله تعالى : الذين كَذَّبُواْ شُعَيْبًا كَانُواْ هُمُ الخاسرين  استئناف آخر لبيان ابتلائهم بعقوبة قولهم الأخير، واستفادة الحصر هنا أوشح من استفادته فيما تقدم، أي الذين كذبوه عليه السلام عوقبوا بقولهم  لَئِنْ اتبعتم شُعَيْبًا إِنَّكُمْ إِذاً لخاسرون  \[ الأعراف : ٩٠ \] فصاروا هم الخاسرين للدنيا والدين لتكذيبهم لا المتبعون له عليه السلام المصدقون إياه عليه السلام، وبهذا القصر اكتفى عن التصريح بالانجاء كما وقع في سورة هود من قوله تعالى : وَلَمَّا جَاء أَمْرُنَا نَجَّيْنَا شُعَيْبًا والذين ءامَنُواْ مَعَهُ  \[ هود : ٩٤ \] الخ، وفي **«الكشاف »** أن في هذا الاستئناف وتكرير الموصول والصلة مبالغة في رد مقالة الملأ لأشياعهم وتسفيه لرأيهم واستهزاء بنصحهم بقومهم واستعظام لما جرى عليهم. وأنت تعلم أن في استفادة ذلك كله من نفس هذه الآية خفاء، والظاهر أن مجموع الاسئنافين مؤذن به. وبين الطيبي ذلك بأنه تعالى لما رتب العقاب بأخذ الرجفة وتكرهم هامدين لا حراك بهم على التكذيب والعناد اتجه لسائل أن يسأل إلى ماذا صار مآل أمرهم بعد الجثوم ؟ فقيل : الذين كَذَّبُواْ شُعَيْبًا كَأَن لَّمْ يَغْنَوْاْ فِيهَا  أي إنهم استؤصلوا وتلاشت جسومهم كأن لم يقيموا فيها. 
ثم سأل أخصص الدمار بهم أم تعدى إلى غيرهم ؟ فقيل : الذين كَذَّبُواْ شُعَيْبًا كَانُواْ هُمُ الخاسرين  أي اختص بهم الدمار فجعلت الصلة الأولى ذريعة إلى تحقيق الخبر كقوله :أن التي ضربت بيتاً مهاجرة  بكوفة الجند غالبت ودها غولوكذلك بولغ في الإخبار عن دمار القوم وجيء بتقوى الحكم والتخصيص وجعلت الصلة الثانية علة لوجود الخبر، وجاء تسفيه الرأي من الرد عليهم بعين ما تلفظوا به في نصح قومهم، والاستهزاء من الإشارة إلى أن ماجعلوه نصيحة صار فضيحة وانعكس الحال الذي زعموه ؛ ويستفاد عظم الخسران من تعريف الخبر بلام الجنس. وأما استعظام ما جرى فمن قوله سبحانه : كَأَن لَّمْ  الخ وكذا من مجموع الكلام، ولايخفى أن القول بالاستئناف البياني في الجملتين وجعل الصلة الأولى ذريعة إلى تحقيق الخبر ليس بشيء، وقد ذكر غير واحد أن هذا الاستئناف من غير عطف جار على عادة العرب في مثل هذا المقام فإن عادتهم الاستئناف كذلك في الذم والتوبيخ فيقولون : أخوك الذين نهب مالنا أخوك الذي هتك سترنا أخوك الذي ظلمنا، وجوز أبو البقاء أن يكون الموصول الثاني بدلاً من الضمير في  يُغْنُواْ  وأن يكون في محل نصب بإضمار أعني، وأن يكون الأول مبتدأ والخبر  الذين كَذَّبُواْ شُعَيْبًا كَانُواْ  و  كَأَن لَّمْ يَغْنَوْاْ  حال من ضمير  كَذَّبُواْ  وأن يكون الأول صفة للذين كفروا أو بدلاً منه وعلى الوجهين يكون  كَأَن لَّمْ  الخ حالاً، وما اخترناه هو الأولى كما هو ظاهر فليتدبر. 
**وقوله سبحانه :**

### الآية 7:93

> ﻿فَتَوَلَّىٰ عَنْهُمْ وَقَالَ يَا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ ۖ فَكَيْفَ آسَىٰ عَلَىٰ قَوْمٍ كَافِرِينَ [7:93]

فتولى عَنْهُمْ وَقَالَ ياقوم لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رسالات رَبّى وَنَصَحْتُ لَكُمْ  تقدم الكلام على نظيره، بيد أن هذا القول يحتمل أن يكون تأنيباً وتوبيخاً لهم وقوله سبحانه : فَكَيْفَ ءاسى على قَوْمٍ كافرين  إنكار لمضمونه، أي لقد أعذرت لكم في الإبلاغ والنصحية والتحذير مما حل بكم فلم تسمعوا قولي ولم تصدقوني  فَكَيْفَ ءاسى  أي لا آسي عليكم لأنكم لستم أحقاء بالأسى وهو الحزن كما في **«الصحاح والقاموس »** أو شدة الحزن كما في **«الكشاف »** ومجمع البيان، ويحتمل أن يكون تأسفاً بهم لشدة خزنه عليهم، وقوله سبحانه : فَكَيْفَ  الخ إنكار على نفسه لذلك، وفيه تجريد والتفات على ما قيل حيث جرد عليه السلام من نفسه شخصاً وأنكر عليه حزنه على قوم لا يستحقونه والتفت على الخطاب إلى التكلم، وذكر بعض المحققين أن الظاهر أنه ليس من الالتفات والتجريد في شيء فإن قال يقتضي صيغة التكلم وهي تنافي التجريد، وإنما هو نوع من البديع يسمى الرجوع وهو العود على الكلام السابق بالنقض لأنه إذا كان قد أبلغتكم تأسفاً ينافي ما بعده فكأنه بدا له ورجع عن التأسف منكراً لفعله الأول، وقد جاء ذلك كثيراً في كلامهم ومن ذلك قول زهير :قف بالديار التي لم تعفها القدم  بلى وغيرها الأرواح والديموالنكتة فيه الإشعار بالتوله والذهول من شدة الحيرة لعظم الأمر بحيث لا يفرق بين ما هو كالمتناقض من الكلام وغيره، وابن حجة لا يفرق بين هذا النوع ونوع السلب والايجاب وكأن منشأ ذلك اعتماد في النوع الأخير على تعريف أبي هلال العسكري له ولو اعتمد على تعريف إمام الصناعة ابن أبي الأصبع لما اشتبه عليه الفرق، وعلى الاحتمالين في قوله سبحانه : على قَوْمٍ  الخ إقامة الظاهر مقام الضمير للإشعار بعدم استحقاقهم التأسف عليهم لكفرهم، وقرأ يحيى بن وثاب  فَكَيْفَ  بكسر الهمزة وقلب الألف ياء على لغة من يكسر حرف الضارعة كقوله :قعيدك أن لا تسمعيني ملامة  ولا تنكىء جرح الفؤاد فييجعاوإمالة الألف الثانية، هذا ثم إن شعيباً عليه السلام بعد هلاك من أرسل إليهم نزل مع المؤمنين به بمكة حتى ماتوا هناك وقبورهم على ما روى عن وهب بنمنبه في غربي الكعبة بين دار الندوة وباب سهم. وأخرج ابن عساكر عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه قال في المسجد الحرام قبران ليس فيه غيرهما قبر إسماعيل وقبر شعيب عليهما السلام أما قبر إسماعيل ففي الحجر وأما قبر شعيب فمقابل الحجر الأسود، وروى عنه أيضاً أنه عليه السلام كان يقرأ الكتب التي كان الله تعالى أنزلها على إبراهيم عليه السلام، ومن الغريب ما نقل الشهاب أن شعيباً إثنان وأن صهر موسى عليهما الصلاة والسلام من قبيلة من العرب تسمى عنزة وعنزة بن أسد بن ربيعة بن نزار بن معد بن عدنان وبينه وبين من تقدم دهر طويل فتبصر والله تعالى أعلم.

### الآية 7:94

> ﻿وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا أَخَذْنَا أَهْلَهَا بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ [7:94]

كافرين وَمَا أَرْسَلْنَا فِى قَرْيَةٍ مّن نَّبِىٍّ  إشارة إجمالية إلى بيان أحوال سائر الأمم المذكورة تفصيلاً، وفيه تخويف لقريش وتحذير، ومن سيف خطيب جيء بها لتأكيد النفي، وفي الكلام حذف صفة نبي أي كذب أو كذبه أهلها  إِلا أَخَذْنَا أَهْلَهَا  استثناء مفرغ من أعم الأحوال  وَأَخَذْنَا  في موضع نصب على الحال من فاعل  أَرْسَلْنَا  وفي الرضى أن الماضي الواقع حالاً إلا إذا كان بعد إلا فاكتفاؤه بالضمير من دون الواو، وقد كثر نحو ما لقيته إلا أكرمني لأن دخول إلا في الأغلب الأكثر على الاسم فهو بتأويل الأمكر ما لي فصار كالمضارع المثبت وما في هذه الآية من هذا القبيل، وقد يجيء مع الواو وقد نحو ما لقيته إلا وقد أكرمني، ومع الواو وحدها نحو ما لقيته إلا أكرمني لأن الواو مع إلا تدخل في خبر المبتدأ فكيف بالحال ولم يسمع فيه قد من دون الواو، وقال المرادي في **«شرح الألفية »** إن الحال المصدرة بالماضي المثبت إذا كان تالياً لئلا يلزمها الضمير والخلو من الواو ويمتنع دخول قد وقولمتى يأت هذا الموت لم تلف حاجة  لنفسي إلا قد قضيت قضاءهانادر، وقد نصر على ذلك الأشموني وغيره أيضاً، والظاهر أن امتناع قد بعد إلا فيما ذكر إذا كان الماضي حالاً لا مطلقاً، وإلا فقد ذكر الشهاب أن الفعل الماضي لا يقع بعد إلا إلا بأحد شرطين إما تقدم فعل كما هنا. وإما مع قد نحو ما زيد إلا قد قام، ولا يجوز ما زيد إلا ضرب، ويعلم مما ذكرنا أن ما وقع في غالب نسخ تفسير مولانا شيخ الإسلام من أن الفعل الماضي لا يقع بعد إلا إلا بأحد شرطين إما تقدير قد كما في هذه الآية أو مقارنة قد كما في قولك : ما زيد إلا قد قام ليس على ما ينبغي بل هو غلط ظاهر كما لا يخفى، والمعنى فيما نحن فيه وما أرسلنا في قرية من القرى المهلكة نبياً من الأنبياء عليهم السلام في حال من الأحوال الإحال كوننا آخذين أهلها  بالبأساء  أي بالبؤس والفقر  والضراء  بالضر والمرض، وبذلك فسرهما ابن مسعود وهو معنى قول من قال : البأساء في المال والضراء في النفس وليس المراد أن ابتداء الإرسال مقارن للأخذ المذكور بل إنه مستتبع له غير منفك عنه  لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ  أي كي يتضرعوا ويخضعوا ويتوبوا من ذنبهم وينقادوا لأمر الله تعالى.

### الآية 7:95

> ﻿ثُمَّ بَدَّلْنَا مَكَانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ حَتَّىٰ عَفَوْا وَقَالُوا قَدْ مَسَّ آبَاءَنَا الضَّرَّاءُ وَالسَّرَّاءُ فَأَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ [7:95]

ثُمَّ بَدَّلْنَآ  عطف على  أخذنا  \[ الأعراف : ٩٤ \] داخل في حكمه  مَكَانَ السيئة  التي أصابتهم لما تقدم  الحسنة  وهي السعة والسلامة، ونصب  مَّكَانَ  كما قيل على الظرفية و  بَدَّلَ  متضمن معنى أعطى الناصب لمفعولين وهما هنا الضمير المحذوف والحسنة أي أعطيناهم الحسنة في مكان السيئة، ومعنى كونها في مكانها أنها بدل منها. وقال بعض المحققين : الأظهر أن مكان مفعول به لبدلنا لا ظرف، والمعنى بدلنا مكان الحال السيئة الحال الحسنة فالحسنة هي المأخوذة الحاصلة في مكان السيئة المتروكة والمتروك هو الذي تصحبه الباء في نحو بدلت زيداً بعمرو  حتى عَفَواْ  أي كثروا ونموا في أنفسهم وأموالهم، وبذلك فسره ابن عباس وغيره من عفا النبات وعفا الشحم والوبر إذا كثرت، ومنه قوله صلى الله عليه وسلم :" أحفوا الشوارب واعفوا اللحى " وقول الحطيئة :بمستأسد القريان عاف نباته  تساقطني والرحل من صوت هدهد**وقوله :**ولكنا نعض السيف منها  بأسوق عافيات الشحم كوموتفسير أبي مسلم له بالإعراض عن الشكر ليس بياناً للمعنى اللغوي كما لا يخفى،  وحتى  هذه الداخلة على الماضي ابتدائية لا غائية عند الجمهور، ولا محل للجملة بعدها كما نقل ذلك الجلال السيوطي في **«شرح جمع الجوامع »** له عن بعض مشايخه، وأما زعم ابن مالك أنها جارة غائية وأن مضمرة بعدها على تأويل المصدر فغلطه فيه أبو حيان وتبعه ابن هشام فقال : لا أعرف له في ذلك سلفاً، وفيه تكلف إضمار من غير ضرورة، ولا يشكل عليه ولا على من يقول ؛ إن معنى الغاية لازم لحتى ولو كانت ابتدائية أن الماضي لمضيه لا يصلح أن يكون غاية لماقبل لتأخر الغاية عن ذي الغاية لأن الفعل وإن كان ماضياً لكنه بالنسبة إلى ما صار غاية له مستقبل فافهم. 
  يَصِدُّونَ وَقَالُواْ  غير واقفين على أن ما أصابهم من الأمرين ابتلاء منه سبحانه  قَدْ مَسَّ ءابَاءنَا  كما مسنا. 
 الضراء والسراء  وما ذلك إلا من عادة الدهر يعاقب في الناس بين الضراء والسراء ويداولهما بنيهم من غير أن يكون هناك داعية إليهما أو تبعة تترتب عليهما وليس هذا كقول القائل :ثمانية عمت بأسبابها الورى  فكل امرىء لا بد يلقى الثمانيةسرور وحزن واجتماع وفرقة  وعسر ويسر ثم سقم وعافيةكما لا يخفى، ولعل تأخير السراء للإشعار بأنها تعقب الضراء فلا ضير فيها  فأخذناهم  عطف على مجموع عفواً وقالوا أو على قالوا لأنه المسبب عنه أي فأخذناهم إثر ذلك  بَغْتَةً  أي فجأة. 
 وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ  بشيء من ذلك ولا يخطرون ببالهم شيئاً من المكاره، والجملة حال مؤكدة لمعنى البغتة، وهذا أشد أنواع الأخذ كما قيل : وأنكأ شيء يفجؤك البغت، وقيل : المراد بعدم الشعور عدم تصديقهم بإخبار الرسل عليهم السلام بذلك لا خلو أذهانهم عنه ولا عن وقته لقوله تعالى : ذلك أَن لَّمْ يَكُنْ رَّبُّكَ مُهْلِكَ القرى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا غافلون  \[ الأنعام : ١٣١ \] ولا يخفى مافيه من الغفلة عن معنى الغفلة وعن محل الجملة.

### الآية 7:96

> ﻿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىٰ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَٰكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ [7:96]

وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ القرى  أي القرى المهلكة المدلول عليها بقوله سبحانه : فِى قَرْيَةٍ  \[ الأعراف : ٩٤ \] فاللام للعهد الذكرى والقرية وإن كانت مفردة لكنها في سياق النفي فتساوي الجمع، وجوز أن تكون اللام للعهد الخارجي إشارة إلى مكة وما حولها. وتعقب ذلك بأنه غير ظاهر من السياق، ووجه بأنه تعالى لما أخبر عن القرى الهالكة بتكذيب الرسل وأنهم لو آمنوا سلموا وغنموا انتقل إلى انذار أهل مكة وما حولها مما وقع بالأمم والقرى السابقة. 
وجوز في **«الكشاف »** أن تكون للجنس، والظاهر أن المراد حينئذ ما يتناول القرى المرسل إلى أهلها من المذكورة وغيرها لا ما لا يتناول قرى أرسل إليها نبي وأخذ أهلها بما أخذ وغيرها كما قيل لإباء ظاهر ما في حين الاستدراك الآتي  ءامَنُواْ  أي بما أنزل على أنبيائهم  واتقوا  أي ما حرم الله تعالى عليهم كما قال قتادة ويدخل في ذلك ما أرادوه من كلمتهم السابقة. 
 لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بركات مّنَ السماء والارض  أي ليسرنا عليهم الخير من كل جانب، وقيل : المراد بالبركات السماوية المطر وبالبركات الأرضية النبات، وأياً ما كان ففي فتحنا استعارة تبعية. ووجه الشبه بين لمستعار منه والمستعار له الذي أشرنا إليه سهولة التناول، ويجوز أن يكون هناك مجاز مرسل والعلاقة اللزوم ويمكن أن يتكلف لتحصيل الاستعارة التمثيلية، وفي الآية على ما قيل إشكال وهو أنه يفهم بحسب الظاهر منها أنه لم يفتح عليهم بركات من السماء والأرض، وفي الأنعام  فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكّرُواْ بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلّ شَىْء  \[ الأنعام : ٤٤ \] وهو يدل على أنه فتح عليهم بركات من السماء والأرض ؛ وهو معنى قوله سبحانه : أَبْوَابَ كُلّ شَىْء  وهو يدل على أنه فتح عليهم بركات من السماء والأرض ؛ وهو معنى قوله سبحانه : أَبْوَابَ كُلّ شَىْء  لأن المراد منها الخصب والرخاء والصحة والعافية المقابلة أخذناهم بالبأساء والضراء، وحمل فتح البركات على إدامته أو زيادته عدول عن الظاهر وغير ملائم لتفسيرهم الفتح بتيسير الخير ولا المطر والنبات. وأجاب عنه الخيالي بأنه ينبغي أن يارد بالبركات غير الحسنة أو يراد آمنوا من أول الأمر فنجوا من البأساء والضراء كما هو الظاهر، والمراد في سورة الأنعام بالفئج ما أريد بالحسنة ههنا فلا يتوهم الأشكال انتهى. وأنت خبير بأن أرادة آمنوا من أول الأمر إلى آخره غير ظاهرة بل الظاهر أنهم لو أنهم آمنوا بعد أن ابتلوا ليسرنا عليهم ما يسرنا مكان ما أصابهم من فنون العقوبات التي بعضها من السماء كأمطار الحجارة وبعضها من الأرض كالرجفة وبهذا ينحل الإشكال لأن آية الأنعام لا تدل على نه فتح لهم هذا الفتح كما هو ظاهر لتاليها، وما ذكر من أن المراد بالفتح هناك ما أريد بالحسنة ههنا إن كان المراد به أن الفتح هناك واقع موقع إعطاء الحسنة بدل السيئة هنا حيث كان ذكر كل منهما بعد ذكر الأخذ بالبأساء والضراء وبعده الأخذ بغتة فربما يكون له وجه لكنه وحده لا يجدي نفعاً، وإن كان المراد به أن مدلول ذلك العام المراد به التكثير هومدلول الحسنة فلا يخفى ما فيه فتدبر، وقيل : المراد بالبركات السماوية والأرضية الأشياء التي تحمد عواقبها ويسعد في الدارين صاحبها وقد جاءت البركة بمعنى السعادة في كلامهم فتحمل هنا على الكامل من ذلك الجنس ولا يفتح ذلك إلا للمؤمن بخلاف نحو المطر والنبات والصحة والعافية فإنه يفتح له وللكافر أيضاً استدراجاً ومكراً، ويتعين هذا الحمل على ما قيل إذا أريد من القرى ما يتناول قرى أرسل إليها نبي وأخذ أهلها بما أخذ وغيرها، وقيل : البركات السماوية إجابة الدعاء والأرضية قضاء الحوائج فليفهم. 
وقرأ ابن عامر  لَفَتَحْنَا  بالتشديد  ولكن كَذَّبُواْ  أي ولكن لم يؤمنوا ولم يتقوا، وقد اكتفى بذكر الأول لاستلزامه الثاني وللإشارة إلى أنه أعظم الأمرين  فأخذناهم بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ  من أنواع الكفر والمعاصي التي من جملتها قولهم السابق، والظاهر أن هذا الأخذ والمتقدم في قوله سبحانه : فأخذناهم بَغْتَةً وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ  \[ الأعراف : ٩٥ \] واحد وليس عبارة عن الجدب والقحط كما قيل : لأنهما قد زالا بتبديل الحسنة مكان السيئة، وحمل أحد الأخذين على الأخذ الأخروي والآخر على الدنيوي بعيد، ومن ذهب إلى حمل أل على الجنس على الوجه الأخير فيه يلزمه أن يحمل كذبوا فأخذناهم على وقوع التكذيب والأخذ فيما بينهم ولا يخفى بعده.

### الآية 7:97

> ﻿أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَىٰ أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا بَيَاتًا وَهُمْ نَائِمُونَ [7:97]

أَفَأَمِنَ أَهْلُ القرى  الهمزة لانكار الواقع واستقباحه، وقيل : لانكار الوقوع ونفيه، وتعقب بأن  فَلاَ يَأْمَنُ مَكْرَ الله  \[ الأعراف : ٩٩ \] الخ يأباه، والفاء للتعقيب مع السبب، والمراد بأهل القرى قيل : أهل القرى المذكورة على وضع المظهر موضع المضمر للإيذان بأن مدار التوبيخ أمن كل طائفة ما أتاهم من البأس لا أمن مجموع الأمم، وقيل : المراد بهم أهل مكة وما حواليها ممن بعث إليه نبينا صلى الله عليه وسلم وهو الأولى عندي وإلى ذلك ذهب محيي السنة، والعطف على القولين على  فأخذناهم بَغْتَةً  \[ الأعراف : ٩٥ \] لا على محذوف ويقدر بما يناسب المقام كما وقع نحو ذلك في القرآن كثيراً، وأمر صدارة الاستفهام سهل، وقوله سبحانه : وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ القرى ءامَنُواْ  \[ الأعراف : ٩٦ \] الخ اعتراض توسط بينهما للمسارعة إلى بيان أن الأخذ المذكور مما كسبته أيديهم نظراً للأول ولأنه يؤيد ما ذكر من أن الأخذ بغتة ترتب على الإيمان والتقوى، ولو عكس لانعكس الأمر نظراً للثاني، ولو جعلت اللام فيما تقدم للجنس أكد هذا الاعتراض المعطوف والمعطوف عليها وشملهما شمولاً سواء على ما في الكشف ولم يجعل العطف على  فإخذناهم  \[ الأعراف : ٩٦ \] الأقرب لأنه لم يسق لبيان القرى وقصة هلاكها قصداً كالذي قبله فكان العطف عليه دونه أنسب وهذا إذا أريد بالقرى القرى المدلول عليها بما سبق، وأما إذا أريد بها مكة وما حولها فوجه ذلك أظهر لأن منشأ الانكار ما أصاب الأمم السالفة لا ما أصاب أهل مكة ومن حولها من القحط وضيق الحال، وربما يقال : إذا كان المراد بأهل القرى في الموضعين أهل مكة وما حولها يكون العطف على الأقرب أنسب، والمعنى أبعد ذلك الأخذ لمن استكبر وتعزز وخالف الرسل عليهم السلام وشيوعه والعلم به يأمن أهل القرى المشاركون لهم في ذلك  أَن يَأْتِيَهُم بَأْسُنَا  أي عذابنا  بياتا  أي وقت بيات وهو مراد من قال ليلا، وهو مصدر بات ونصبه على الظرفية بتقدير مضاف، ويجوز أن يكون حالا من المفعول أي بائتين، وجوز أن يكون مصدر بيت ونصبع على أنه مفعول مطلق ليأتيهم من غير لفظه أي تبيبتاً أو حال من الفاعل بمعنى مبيتا بالكسر أو من المفعول بمعنى مبيتين بالفتح، واختار غير واحد الظرفية ليناسب ما سيأتي  وَهُمْ نَائِمُونَ  حال من ضميرهم البارز أو المستتر في بياتا لتأويله بالصفة كما سمعت وهو حال متداخلة حينئذ

### الآية 7:98

> ﻿أَوَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَىٰ أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ [7:98]

أَوَ أَمِنَ أَهْلُ القرى  انكار بعد انكار للمبالغة في التوبيخ والتشديد، ولم يقصد الترتيب بينهما فلذا لم يؤت بالفاء. 
وقرأ نافع. وابن كثير. وابن عامر.  أَوْ  بسكون الواو وهي لأحد الشيئين والمراد الترديد بين أن يأتيهم العذاب بياتاً وما دل عليه قوله سبحانه : أَن يَأْتِيَهُمُ  أي ضحوة النهار وهو في الأصل ارتفاع الشمس أو شروقها وقت ارتفاعها ثم استعمل للوقت الواقع فيه ذلك وهو أحد ساعات النهار عندهم وهي الذرور والبزوغ والضحى والغزالة والهاجرة والزوال والدلوك والعصر والأصيل والصنوت والحدور والغروب وبعضهم يسميها البكور والشروق والأشراق والراد والضحى والمنوع والهاجرة والأصيل والعصر والطفل والحدود والغروب، ويكون كما قال الشهاب متصرفاً إن لم يرد به وقت من يوم بعينه وغير متصرف ان أريد به ضحوة يوم معين فيلزم النصب على الطرفية وهو مقصور فإن فتح مد، وقد عدوا لفظ الضحى مما يذكر ويؤنث.  وَهُمْ يَلْعَبُونَ  أي يلهون من فرط الغفلة وهو مجاز مرسل في ذلك، ويحتمل أن يكون هناك استعارة أي يشتغلون بما لا نفع فيه كأنهم يلعبون.

### الآية 7:99

> ﻿أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ ۚ فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ [7:99]

أفَأمنُوا مَكْرَ الله  تكرير لمجموع الانكارين السابقين جمعاً بين التفريق قصداً إلى زيادة التحذير والإنذار، وذكر جمع من جلة المحققين أنه لو جعل تكريراً له ولما سلف من غرة أهل القرى السابقة أيضاً على معنى أن الكل نتيجة الأمن من مكر الله تعالى لجاز إلا أنه لما جعل تهديداً للموجودين كان الأنسب التخصيص، وفيه تأمل. والمكر في الأصل الخذاع ويطلق على الستر يقال : مكر الليل أي ستر بظلمته ما هو فيه، وإذا نسب إليه سبحانه فالمراد به استدراجه العبد العاصي حتى يهلكه في غفلته تشبيهاً لذلك بالخداع، وتجوز هذه النسبة إليه سبحانه من غير مشاكلة خلافاً لبعضهم، وهو هنا إتيان البأس في الوقتين والحالين المذكورين، وهل كان تبديل مكان السيئة الحسنة المذكور قبل مكراً واستدراجاً أو ملاطفة ومراوحة ؟ فيه خلاف والكل محتمل  فَلاَ يَأْمَنُ مَكْرَ الله إِلاَّ القوم الخاسرون  أي الذين خسروا أنفسهم فاضاعوا فطرة الله التي فطر الناس عليها والاستعداد القريب المستفاد من النظر في الآيات والفاء هنا متعلق كما قال القطب الرازي وغيره بمقدر كأنه قبل فلما آمنوا خسروا فلا يأمن الخ. وقال أبو البقاء إنها للتنبيه على تعقيب العذاب أمن مكر الله تعالى، وقد يقال : إنها لتعليل ما يفهمه الكلام من ذم الأمن واستقباحه أو يقال إنها فصيحة، ويقدر ما يستفاد من الكلام شرطاً أي إذا كان الأمن في غاية القبح فلا يرتكبه إلا من خسر نفسه، واستدلت الحنفية بالآية على أن الأمن من مكر الله تعالى وهو كما في جميع الجوامع الاسترسال في المعاصي إتكالاً على عفو الله تعالى كفر، ومثله اليأس من رحمة الله تعالى لقوله تعالى : إنَّهُ لاَ يَيْأس مِنْ رُوحِ اللهِ إلاَّ القَوْم الكَافِرُون  \[ يوسف : ٨٧ \] وذهبت الشافعية إلى أنهما من الكبائر لتصريح ابن مسعود رضي الله تعالى عنه بذلك( [(١)](#foonote-١) ) وروى ابن أبي حاتم. والبزار عن ابن عباس أنه صلى الله تعالى عليه وسلم سئل ما الكبائر ؟ فقال : الشرك بالله تعالى واليأس من روح الله والامن من مكر الله وهذا أكبر الكبائر قالوا : وما ورد من أن ذلك كفر محمول على التغليظ وآية لا ييأس الخ كقوله تعالى : الزانية لاَ يَنكِحُهَا إِلاَّ زَانٍ  \[ النور : ٣ \] و  لاَّ تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بالله واليوم الاخر يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ الله  \[ المجادلة : ٢٢ \] في قول. وقال بعض المحققين : إن كان في الأمن اعتقاد أن الله تعالى لا يقدر على الانتقام منه وكذا إذا كان في اليأس اعتقاد عدم القدرة على الرحمة والاحسان أو نحو ذلك فذلك مما لا ريب في أنه كفر وإن خلا عن نحو هذا الاعتقاد ولم يكن فيه تهاون وعدم مبالاة بالله تعالى فذلك كبيرة وهو كالمحاكمة بين القولين. 
١ - قيل الأشبه أن يكون الخبر مرفوعا اهـ منه..

### الآية 7:100

> ﻿أَوَلَمْ يَهْدِ لِلَّذِينَ يَرِثُونَ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ أَهْلِهَا أَنْ لَوْ نَشَاءُ أَصَبْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ ۚ وَنَطْبَعُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ [7:100]

أَوَ لَمْ يَهْدِ لِلَّذِينَ يَرِثُونَ الارض مِن بَعْدِ أَهْلِهَا  أي يخلفون من خلا قبلهم من الأمم، والمراد بهم كما روي عن السدى المشركون وفسروا بأهل مكة ومن حولها، وعليه لا يبعد أن يكون في الآية إقامة الظاهر مقام الضمير إذا كان المراد بأهل القرى سابقاً أهل مكة وما حولها، وتعدية فعل الهداية باللام لأنها كما روي عن ابن عباس. ومجاهد بمعنى التبيين وهو على ما قيل : إما بطريق المجاز أو التضمين أو لتنزيله منزلة اللازم كأنه قيل : أغفلوا ولم يفعل الهداية لهم  أَن لَّوْ نَشَاء أصبناهم بِذُنُوبِهِمْ  أي بجزاء ذنوبهم كما أصبنا من قبلهم، وإذا ضمن اصبنا معنى أهلكنا لا يحتاج إلى تقدير مضاف. وأن مخففة من الثقيلة وسمها ضمير شأن مقدر وخبره الجملة الشرطية والمصدر المؤول فاعل  يَهْدِ  ومفعوله على احتمال التضمين محذوف أي أو لم يتبين لهم مآل أمرهم أو نحو ذلك. وجوز أن يكون الفاعل ضمير الله تعالى وأن يكون ضميراً عائداً على ما يفهم مما قبل، أي أو لم يهد لهم ما جرى على الأمم السابقة. وقرأ عبد الرحمن السلمي. وقتادة، وروي عن مجاهد. ويعقوب  \*نهد  بالنون فالمصدر حينئذ مفعول، ومن الناس من خص اعتبار التضمين أو المجاز بهذه القراءة واعتبار التنزيل منزلة اللازم بقراءة الياء، وفيه بحث، وقوله تعالى : وَنَطْبَعُ على قُلُوبِهِمْ  جملة معترضة تذييلية أي ونحن من شأننا وسنتنا أن نطبع على قلب من لم نرد منه الأيمان حتى لا يتعظ بأحوال من قبله ولا يلتفت إلى الأدلة، ومن أراد من أهل القرى فيما تقدم أهل مكة جعله تأكيداً لما نعى عليهم من الغرة والأمن والخسران أي ونحن نطبع على قلوبهم فلذلك اقتفوا آثار من قبلهم ولم يعتبروا بالآيات وأمنوا من البيات لمستخلفيهم حذو النعل بالنعل. وجوز عطفه على مقدر دل عليه قوله تعالى : أَوَ لَمْ يَهْدِ  وعطفه عليه أيضاً وهو وإن كان إنشاء إلا أن المقصود منه الأخبار بغفلتهم وعدم اهتدائهم أي لا يهتدون أو يغفلون عن الهداية أو عن التأمل والتفكر ونطبع الخ. 
وجوز أن يكون عطفا على يرثون، واعترض بأنه صلة والمعطوف على الصلة صلة ففيه الفصل بين أبعاض الصلة بأجنبي وهو  أَن لَّوْ نَشَاء  سواء كانت فاعلاً أو مفعولاً، ونقل أبو حيان عن الأنباري أنه قال : يجوز أن يكون معطوفاً على  أصبنا  إذا كان بمعنى نصيب فوضع الماضي موضع المستقبل عند وضوح معنى الاستقبال كما في قوله تعالى : تَبَارَكَ الذى إِن شَاء جَعَلَ لَكَ خَيْراً مّن ذلك  \[ الفرقان : ١٠ \] أي إن يشأ، يدل عليه  وَيَجْعَل لَّكَ قُصُوراً  \[ الفرقان : ١٠ \] فجعل لو شرطية بمعنى إن ولم يجعلها التي هي لما كان سيقع لوقوع غيره وجعل أصبنا بمعنى نصيب، وقد يرتكب التأويل في جانب المعطوف فيؤول  نَطْبَعُ  بطبعنا، ورد الزمخشري هذا العطف بأنه لا يساعد عليه المعنى لأن القوم كانوا مطبوعاً على قلوبهم موصوفين بصفة من قبلهم من اقتراف الذنوب والإصابة بها وذلك يؤدي إلى خلوهم عن هذه الصفة وأن الله تعالى لو شاء لاتصفوا بها، وتعقبه ابن المنير بأنه لا يلزم أن يكون المخاطبون موصوفين بالطبع ولا بد وهم وإن كانوا كفاراً ومقترفين للذنوب فليس الطبع من لوازم الاقتراف البتة إذ هو التمادي على الكفر والإصرار والغلو في التصميم حتى يكون الموصوف به مأيوساً من قبوله للحق ولا يلزم أن يكون كل كافر بهذه المثابة بلى إن الكافر يهدد لتماديه على الكفر بأن يطبع الله تعالى على قلبه فلا يؤمن أبدا وهو مقتضى العطف على  \*أصبنا  فتكون الآية قد هددتهم بأمرين الإصابة بذنوبهم والطبع على قلوبهم والثاني أشد من الأول وهو أيضاً نوع من الإصابة بالذنوب والعقوبة عليها ولكنه أنكى أنواع العذاب وأبلغ صنوف العقاب، وكثيراً ما يعاقب الله تعالى على الذنب بالإيقاع في ذنب أكبر منه، وعلى الكفر بزيادة التصميم عليه والغلو فيه كما قال سبحانه :
 فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إلى رِجْسِهِمْ  \[ التوبة : ١٢٥ \] كما زادت المؤمنين إيماناً إلى إيمانهم وهذا النوع من الثواب والعقاب مناسب لما كان سبباً فيه وجزاء عليه فثواب الإيمان إيمان وثواب الكفر كفر، وإنما الزمخشري يحاذر من هذا الوجه دخول الطبع في مشيئة الله تعالى وذلك عنده محال لأنه بزعمه فبيح والله سبحانه عنه متعال، وفي التقريب نحو ذلك فإنه نظر فيما ذكره الزمخشري بأن المذكور كونهم مذنبين دون الطبع وأيضاً جاز أن يراد لو شئنا زدنا في طبعهم أو لأمناه، والحق كما قال غير واحد من المحققين أن منعه من هذا العطف ليس بناء على أنه لا يوافق رأيه فقط بل لأن النظم لا يقتضيه فإن قوله سبحانه  فَهُمْ لاَ يَسْمَعُونَ  أي سماع تفهم واعتبار يدل على أنهم مطبوع على قلوبهم لأن المراد استمرار هذه الحال لا أنه داخل في حكم المشيئة لأن عدم السماع كان حاصلاً ولو كان كذلك لوجب أن يكون منفياً، وأيضاً التحقيق لا يناسب الغرض، و  كَذَلِكَ يَطْبَعُ الله على قُلُوبِ الكافرين  \[ الأعراف : ١٠١ \] ظاهر الدلالة على أن الوارثين والموروثين كل من أهل الطبع وكذا قوله سبحانه : فَمَا كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْ  \[ الأعراف : ١٠١ \] يدل على أن حالهم منافية للإيمان وأنه لا يجىء منه البتة وأيضاً إدامة الطبع أو زيادته لا يصلح عقوبة للكافرين بل قد يكون عقوبة ذنب المؤمن كما ورد في الصحيح وما يورد من الدغدغة على هذا مما لا يلتفت إليه.

### الآية 7:101

> ﻿تِلْكَ الْقُرَىٰ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَائِهَا ۚ وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا بِمَا كَذَّبُوا مِنْ قَبْلُ ۚ كَذَٰلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِ الْكَافِرِينَ [7:101]

تِلْكَ القرى نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنبَائِهَا  جملة مستأنفة جارية مجرى الفذلكة مما قبلها منبئة عن غاية غواية الأمم المذكورة وتلك إشارة إلى قرى الأمم المحكية من قوم نوح وعاد وثمود وأضرابهم، واللام للعهد وجوز أن تكون للجنس، وهو مبتدأ والقرى صفته والجملة بعده خبر. 
وجوز الزمخشري أن تكون تلك مبتدأ، والقرى خبر، والجملة خبر بعد خبر على رأي من يرى جواز كون الخبر الثاني جملة، وأن تكون الجملة حالا، وإفادة الكلام بالتقييد بها، واعترضه في التقريب بأنه جعل شرط الإفادة التقييد بالحال وعلى تقدير كون ذلك خبراً بعد خبر ينتفي الشرط إلا أن يريد تلك القرى المعلومة حالها أو صفتها على أن اللام للعهد لكنه يوجب الاستغناء عن اشتراط إفادته بالحال انتهى، وفيه أن حديث الاستغناء ممنوع فإن المعنى كما في الكشف على التقديرين مختلف لأنه إذا جعل حالا يكون المقصود تقييده بالحال كما ذكره الزجاج في نحو هذا زيد قائماً إذا جعل قيداً للخبر إن الكلام إنما يكون مع من يعلم أنه زيد والاجاء الإحالة لأنه يكون زيد قائماً كان أولا، وإذا جعل خبراً بعد خبر فتلك القرى على أسلوب  ذَلِكَ الكِتَاب  \[ البقرة : ٢ \] على أحد الوجوه و  نَقْصٍ  خبر ثان تفخيماً على تفخيم حيث نبه على أن لها قصصاً وأحوالاً أخرى مطوية. 
وقال الطيبي : إن الحال لما كانت فضلة كان الاشكال قائماً في عدم إفادة الخبر فأجيب بأنها ليست فضلة من كل وجه وأما الخبر فلا عجب من كونه كالجزء من الأول كما في قولك هذا حلو حامض، وهذا بمنزلته، وفيه أن عد ما نحن فيه من ذلك القبيل حامض ومستغنى عنه بالحلو، ومثله بل أدهى وأمر الجواب بأنه لما اشترك الحلوان في ذات المبتدأ كفى إفادة أحدهما وصيغة المضارع للإيذان بعدم انقضاء القصة بعد و  مِنْ  للتبعيض أي بعض أخبارها التي فيها عظة وتذكير، وتصدير الكلام بذكر القرى وإضافة الأنباء أي الأخبار العظيمة الشأن إليها مع أن المقصود أنباء أهلها وبيان أحوالهم حسبما يؤذن به قوله سبحانه : وَلَقَدْ جَاءتْهُمْ رُسُلُهُم بالبينات  لما ذكره سيخ الإسلام من أن حكاية هلاكهم بالمرة على وجه الاستئصال بحيث يشمل أماكنهم أيضاً بالخسف بها والرجفة وبقائها خاوية معطلة أهول وأفظع، والباء في قوله تعالى : بالبينات  متعلقة أما بالفعل المذكور على أنها للتعدية، وإما بمحذوف وقع حالا من فاعله أي متلبسين بالبينات على معنى أن رسول كل أمة من الأمم المهلكة الخاص بهم جاءهم بالمعجزات البينة الجمة لا أن كل رسول جاء ببينة واحدة، وما ذكروه من أن مقابلة الجمع بالجمع تقتضي انقسام الآحاد على الآحاد لا يقتضي كما قال المولى المدقق أبو القاسم السمرقندي في تعليقاته على المطول أن يلزم في كل مقابلة مقارنة الواحد للواحد لأن انقسام الآحاد على الآحاد كما يجوز أن يكون على السواء يجوز أن يكون على التفاوت، مثلا إذا قيل : باع القوم دوابهم يفهم أن كلا منهم باع ماله من دابة، ويجوز أن تتعدد دابة البعض، ولهذا قبل في قوله سبحانه :
 فاغسلوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ  \[ المائدة : ٦ \] إن غسل يدي كل شخص ثابت بالكتاب والمقام هنا يقتضي ما ذكرناه فإن الجملة مستأنفة مبينة لكمال عتوهم وعنادهم، وقول عز شأنه : فَمَا كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْ  بيان لاستمرار عدم إيمانهم في الزمان الماضي لا لعدم استمرار إيمانهم، ونظير ذلك  لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ  \[ البقرة : ٦٢ \]، وترتيب حالهم هذه على مجيء الرسل بالبينات بالفاء لما أن الاستمرار على فعل بعد ورود ما يوجب الإقلاع عنه يعد بحسب العنوان فعلا جديداً وصنعاً حادثاً كما في وعظته فلم ينزجر ودعوته فلم يجب، واللام لتأكيد النفي أي فما صح وما استقام لقوم من أولئك الأقوام في وقت من الأوقات ليؤمنوا بل كان ذلك ممتنعاً منهم إلى أن لقوا ما لقوا لغاية عتوهم وشدة شكيمتهم في الكفر والطغيان ثم إن كان المحكى آخر حال كل قوم منهم فالمراد بعدم إيمانهم هو إصرارهم على ذلك بعد اللتيا والتي وبما أشير إليه بقوله تعالى : بِمَا كَذَّبُواْ مِن قَبْلُ  تكذيبهم من لدن مجيء الرسل عليهم السلام إلى وقت الإصرار والعناد، وهذا معنى كلام الزجاج فما كانوا ليؤمنوا بعد رؤية تلك المعجزات بما كذبوا قبل رؤيتها، يعني أول ما جاؤوهم فاجأوهم بالتكذيب فأتوا بالمعجزات فأصروا على التكذيب وإلى هذا ذهب الحسن أيضاً، وإنما لم يجعل ذلك مقصوداً بالذات كالأول بل جعل صلة للموصول المحذوف عائده أي الذي كذبوه إيذاناً بأنه بين في نفسه، وإنما المحتاج إلى البيان عدم إيمانهم بعد تواتر البينات الباهرة وتظاهر المعجزات الظاهرة التي كانت تضطرهم إلى القبول لو كانوا من ذوي العقول، والموصول الذي تعلق به الإيمان والتكذيب إيجاباً وسلباً عبارة عن جميع الشرائع التي جاء بها كل رسول أصولها وفروعها وإن كان المحكى جميع أحوال كل قوم منهم فالمراد على ما قيل بما ذكر أولا كفرهم المستمر من حين مجيء الرسل عليهم السلام إلى آخر أمرهم وبما أشير إليه آخراً تكذيبهم قبل مجيئهم فلا بد من جعل الموصول عبارة عن أصول الشرائع التي لا تقبل التبدل والتغير واجتمعت الرسل قاطبة عليها ودعوا الأمم إليها كلمة التوحيد ولوازمها ومعنى تكذيبهم بها قبل مجيء الرسل أنهم كانوا يسمعونها من بقايا من قبلهم فيكذبونها لا أن العقل يرشد إليها ويحكم بها ويخالفونه ثم كانت حالهم بعد مجيء الرسل إليهم كحالهم قبل كأن لم يبعث إليهم أحد وتخصيص التكذيب وعدم الإيمان بما ذكر من الأصول لظهور حال الباقي بدلالة النص فإنهم حين لم يؤمنوا بما اجتمعت عليه كافة الرسل فلأن لا يؤمنوا بما تفرد به بعضهم أولى، وعدم جعل هذا التكذيب مقصوداً بالذات لما أنه ليس مدار العذاب بل مداره التكذيب بعد البعثة كما يفصح عنه قوله تعالى :
 وَمَا كُنَّا مُعَذّبِينَ حتى نَبْعَثَ رَسُولاً  \[ الإسراء : ١٥ \] وإنما ذكر ما وقع قبلها بياناً لعراقتهم في الكفر والتكذيب، وقيل : المراد بما أشير إليه آخرا تكذيبهم الذي أسروه يوم الميثاق، وروي ذلك عن أبي بن كعب. والربيع. والسدى. ومقاتل. واختاره الطبري. 
وأخرج ابن جرير. وابن أبي حاتم وغيرهما عن مجاهد أن الآية على حد قوله تعالى : وَلَوْ رُدُّواْ لعادوا لِمَا نُهُواْ عَنْهُ  \[ الأنعام : ٢٨ \] فالمعنى ما كانوا لو أهلكناهم ثم أحييناهم ليؤمنوا بما كذبوا قبل إهلاكهم، وعلى هذا فالمراد بالموصول جميع الشرائع أصولها وفروعها وفيه من المبالغة في إصرارهم وعتوهم ما لا يخفى إلا أنه في غاية الخفاء، وأيا ما كان فالضمائر الثلاثة متوافقة في المرجع، وقيل ضمير  كَذَّبُواْ  راجع إلى أسلافهم، والمعنى فما كان الأبناء ليؤمنوا بما كذب به الآباء، ولا يخفى ما فيه من التعسف، وذهب الأخفش إلى أن الباء سببية وما مصدرية والمعنى عليه كما قيل : فما كانوا ليؤمنوا الآن أي عند مجيء الرسل لما سبق منهم من التكذيب الذي ألفوه وتمرنوا عليه قبل مجيئهم أو لم يؤمنوا قط واستمروا على تكذيبهم لما حصل منهم من التكذيب حين مجيء الرسل. 
 كذلك  أي مثل ذلك الطبع الشديد المحكم  يَطْبَعُ الله على قُلُوبِ الكافرين  أي قلوبهم فوضع المظهر موضع المضمر ليدل على أن الطبع بسبب الكفر وإلى هذا يشير كلام الزجاج وصرح به بعضهم، ويجوز ولعله الأولى أن يراد بالكفافرين ما يشمل المذكورين وغيرهم وفي ذلك من تحذير السامعين ما لا يخفى، وإظهار الاسم الجليل بطريق الالتفات لتربية المهابة وإدخال الروعة.

### الآية 7:102

> ﻿وَمَا وَجَدْنَا لِأَكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ ۖ وَإِنْ وَجَدْنَا أَكْثَرَهُمْ لَفَاسِقِينَ [7:102]

وَمَا وَجَدْنَا لاِكْثَرِهِم  أي أكثر الأمم المذكورين، ووجد متعدية لواحد واللام متعلقة بها كما في قولك : ما وجدت لزيد مالا أي ما صادفت له مالا ولا لقيته أو بمحذوف كما قال أبو البقاء وقع حالا من قوله تعالى : مَّنْ عاهد  لأنه في الأصل صفة للنكرة فلما قدمت عليها انتصبت حالا ومن مزيدة للاستغراق وجوز أن تكون وجد علمية والأول أظهر، والكلام على تقدير مضاف أي ما وجدنا وفاء عهد كائن لأكثرهم فإنهم نقضوا ما عاهدوا عليه الله تعالى عند مساس البأساء والضراء قائلين  لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِين  \[ يونس : ٢٢ \] وإلى هذا ذهب قتادة وتخصيص هذا الشأن بأكثرهم ليس لأن بعضهم كانوا يوفون بالعهد بل لأن بعضهم كانوا لا يعهدون ولا يوفون، وقيل : المراد بالعهد ما وقع يوم أخد الميثاق، وروي ذلك عن أبي بن كعب. وأبي العالية، وقيل : المراد به ما عهد الله تعالى إليهم من الإيمان والتقوى بنصب الدلائل والحجج وإنزال الآيات، وفسره ابن مسعود بالإيمان كما في قوله تعالى : اتخذ عِندَ الرحمن عَهْداً  \[ مريم : ٧٨ \]، وقيل : هو بمعنى البقاء أي ما وجدنا لهم بقاء على فطرتهم، والمراد بالأكثر في الكل الكل، وذهب كثير من الناس إلى أن ضمير أكثرهم للناس وهو معلوم لشهرته، والجملة إلى فاسقين اعتراض لأنه لا اختصاص له بما قبله لكن لعمومه يؤكده. وعلى الأول تتميم على ما نص عليه الطيبي وغيره  وَإِن وَجَدْنَا أَكْثَرَهُمْ  أي أكثر الأمم أو أكثر الناس أي علمناهم كقولك : وجدت زيداً فاضلاً وبين وجد هذه ووجد السابق على المعنى الأول فيه الجناس التام المماثل و  ءانٍ  مخففة من الثقيلة وضمير الشأن محذوف ولا عمل لها فيه لأنها ملغاة على المشهور، وتعين تفسير وجد بعلم الناصبة للمبتدأ والخبر لدخولها عليهما، فقد صرح الجمهور أنها لا تدخل إلا على المبتدأ أو على الأفعال الناسخة وخالف في ذلك الأخفش فلا يرى ذلك. 
وجوز دخولها على غيرهما، وذهب الكوفيون إلى أن إن نافية، واللام في قوله سبحانه : لفاسقين  اللام الفارقة وعند الكوفيين أن إن نافية واللام بمعنى إلا أي ما وجدنا أكثرهم الا خارجين عن الطاعة ويدخل في ذلك نقض العهد، وذكر الطيبي أنه إذا فسر الفاسقون بالناكثين يكون في الآية الطرد والعكس، وهو أن يؤتي بكلامين يقرر الأول بمنطوقه مفهوم الثاني وبالعكس، وهو كقوله تعالى : لِيَسْتَأْذِنكُمُ الذين مَلَكَتْ أيمانكم  إلى قوله سبحانه : لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلاَ عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ بَعْدَهُنَّ  \[ النور : ٥٨ \] فمنطوق الأمر بالاستئذان في الأوقات الثلاثة خاصة مقرر لمفهوم رفع الجناح فيما عداها وبالعكس، وكذا قوله تعالى : لاَّ يَعْصُونَ الله مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ  \[ التحريم : ٦ \] وهذا النوع من الأطناب يقابله في الإيجاز نوع الاحتباك.

### الآية 7:103

> ﻿ثُمَّ بَعَثْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ مُوسَىٰ بِآيَاتِنَا إِلَىٰ فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَظَلَمُوا بِهَا ۖ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ [7:103]

ثُمَّ بَعَثْنَا مِن بَعْدِهِم موسى  أي أرسلناه عليه السلام بعد الرسل أو بعد الأمم والأول متقدم في قوله سبحانه : وَلَقَدْ جَاءتْهُمْ رُسُلُهُم  \[ الأعراف : ١٠١ \] والثاني مدلول عليه بِ  تلك القرى  \[ الأعراف : ١٠١ \] والاحتمال الأول أولى، والتصريح بالبعدية مع ثم الدالة عليها قيل للتنصيص على أنها للتراخي الزماني فإنها كثيراً ما تسعمل في غيره، وقيل : للإيذان بأن بعثه عليه السلام جرى على سنن السنة الإلهية من ارسال الرسل تترى، و  مِنْ  لابتداء الغاية، وتقديم الجار والمجرور على المفعول الصريح لما مر مراراً من الاعتناء بالمقدم والتشويق إلى المؤخر، وقوله سبحانه : بئاياتنا  متعلق بمحذوف وقع حالا من مفعول بعثنا أو صفة لمصدره أي بعثناه عليه السلام ملتبساً بها أو بعثناه بعثاً ملتبساً بها وأريد بها الآيات التسع المفصلة  إلى فِرْعَوْنَ  هو علم شخص ثم صار لقبا لكل من ملك مصر من العمالقة، كما أن كسرى لقب من ملك فارس، وقيصر لقب من ملك الروم، والنجاشي لقب من ملك الحبشة، وتبع لقب من ملك اليمن، وقيل : إنه من أول الأمر لقب لمن ذكر، واسمه الوليد بن مصعب بن الريان، وقيل : قابوس وكنيته أبو العباس، وقيل : أبو مرة، وقيل : أبو الوليد، وعن جماعة أن قابوسا والوليد اسمان لشخصين أحدهما فرعون موسى والآخر فرعون يوسف عليهما السلام، وعن النقاش. وتاج القراء أن فرعون موسى هو والد الخضر عليه السلام، وقيل : ابنه وذلك من الغرابة بمكان، ويلقب به كل عات ويقال فيه فرعون كزنبور، وحكى ابن خالويه عن الفراء ضم فائه وفتح عينه وهي لغة نادرة، ويقال فيه : فريع كزبير وعليه قول أمية بن الصلت :حي داود بن عاد وموسى  وفريع بنيانه بالثقالوقيل : هو فيه ضرورة شعر ومنع من الصرف لأنه أعجمي، وحكى أبو الخطاب بن دحية في مروج البحرين عن أبي النصر القشيري في التيسير أنه بلغة القبط اسم للتمساح، والقول بأنه لم ينصرف لأنه لا سميّ له كابليس عند من أخذخ من أبلس ليس بشيء، وقيل : هو وأضراً به السابقة أعلام أشخاص وليست من علم الجنس لجمعها على فراعنة وقياصرة وأكاسرة، وعلم الجنس لا يجمع فلا بد من القول بوضع خاص لكل من تطلق عليه. وتعقب بأنه ليس بشيء لأن الذي غره قول الرضى إن علم الجنس لا يجمع لأنه كالنكرة شامل للقليل والكثير لوضعه للماهية فلا حاجة لجمعه، وقد صرح النحاة بخلافه وممن ذكر جمعه السهيلي في الروض الأنف فكأن مراد الرضى أنه لا يطرد جمعه وما ذكره تعسف نحن في غنى عنه  وَمَلاَئه  أي أشراف قومه وتخصيصهم بالذكر مع عموم بعثته عليه السلام لقومه كافة لاصالتهم في تدبير الأمور واتباع غيرهم لهم في الورود والصدور  وَمَلإِيِهِ فَظَلَمُواْ بِهَا  أي بالآيات، وأصل الظلم وضع الشيء في غير موضعه وهو يتعدى بنفسه لا بالباء إلا أنه لما كان هو والكفر من واد واحد عدى تعديته أو هو بمعنى الكفر مجازاً أو تضميناً أو هو مضمن معنى التكذيب أي ظلموا كافرين بها أو مكذبين بها، وقول بعضهم : إن المعنى كفروا بها مكان الإيمان الذي هو من حقها لوضوحها ظاهر في التضمين كأنه قيل كفروا بها واضعين الكفر في غير موضعه حيث كان اللائق بهم الإيمان. 
وقيل : الباء للسببية ومفعول ظلموا محذوف أي ظلموا الناس بصدهم عن الإيمان أو أنفسهم كما قال الحسن. والجبائي بسببها، والمراد به الاستمرار على الكفر بها إلى أن لقوا من العذاب ما لقوا. 
 فانظر كَيْفَ كَانَ عاقبة المفسدين  أي آخر أمرهم، ووضع المفسدين موضع ضميرهم للإيذان بأن الظلم مستلزم للافساد، والفاء لأنه كما أن ظلمهم بالآيات مستتبع لتلك العاقبة الهائلة كذلك حكايته مستتبع للأمر بالنظر إليها، والخطاب إما للنبي صلى الله عليه وسلم أو لكل من يتأتى منه النظر، و  كَيْفَ  كما قال أبو البقاء وغيره خبر كان قدم على اسمها لاقتضائه الصدارة، والجملة في حيز النصب باسقاط الخافض كما، قيل : أي فانظر بعين عقلك إلى كيفية ما فعلنا بهم.

### الآية 7:104

> ﻿وَقَالَ مُوسَىٰ يَا فِرْعَوْنُ إِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ [7:104]

وَقَالَ مُوسَى  كلام مبتدأ مسوق لتفصيل ما أجمل فيما قبله. 
يا فرْعَوْنُ إِنِّي رَسُولٌ } أي إليكم كما يشعر به  قَدْ جِئْتُكُمْ  \[ الأعراف : ١٠٥ \] أو إليك كما يشعر به  فأرسل  \[ الأعراف : ١٠٥ \] أي إليكم كما يشعر به قد جئتكم أو إليك كما يشعر به فأرسل  مِن رَّبّ العالمين  أي سيدهم ومالك أمرهم.

### الآية 7:105

> ﻿حَقِيقٌ عَلَىٰ أَنْ لَا أَقُولَ عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ ۚ قَدْ جِئْتُكُمْ بِبَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَرْسِلْ مَعِيَ بَنِي إِسْرَائِيلَ [7:105]

حَقِيقٌ عَلَى أَن لا أَقُولَ عَلَى الله إِلاَّ الحق  جواب لتكذيبه عليه السلام المدلول عليه بقوله سبحانه : فَظَلَمُواْ بِهَا  \[ الأعراف : ١٠٣ \]، وحقيق صفة  رسول  \[ الأعراف : ١٠٤ \] أو خبر بعد خبر. 
وقيل : خبر مبتدأ محذوف أي أنا حقيق وهو بمعنى جدير و  على  بمعنى الباء كما قال الفراء أو بمعنى حريص( [(١)](#foonote-١) ) و  على  على ظاهرها، قال أبو عبيدة : أو بمعنى واجب، واستشكل بأن قول الحق هو الواجب على موسى عليه السلام لا العكس والكلام ظاهر فيه، وأجيب بأن أصله حقيق على بتشديد الياء كما في قراءة نافع. ومجاهد  أَن لا أَقُولَ  الخ فقلب لأمن الالتباس كما في قول خراش بن زهير :كذبتم وبيت الله حتى تعالجوا  قوادم حرب لا تلين ولا تمرىوتلحق خيل لا هوادة بينها  وتشقى الرماح بالضياطرة الحمروضعف بأن القلب سواء كان قلب الألفاظ بالتقديم والتأخير كخرق الثوب المسمار أم قلب المعنى فقط كما هنا إنما يفصح إذا تضمن نكتة كما في البيت، وهي في الإشارة إلى كثرة الطعن حتى شقيت الرماح بهم لتكسرها بسبب ذلك، وقد أفصح عن هذا المتنبي بقوله :والسيف يشقى كما تشقى الضلوع به  وللسيوف كما للناس آجالوبأن بين الواجب ومن يجب عليه ملازمة فعبر عن لزومه للواجب بوجوبه على الواجب كم استفاض العكس، وليس هو من الكناية الإيمائية كقول البحتري :أو ما رأيت الجود ألقى رحله  في أل طلحة ثم لم يتحول**وقول ابن هانىء :**فما جازه جود ولا حل دونه  ولكن يسير الجود حيث يسيربل هو تجوز فيه مبالغة حسنة، وبأن ذلك من الإغراق في الوصف بالصدق بأن يكون قد جعل قول الحق بمنزلة رجل يجب عليه شيء ثم جعل نفسه أي قابليته لقول الحق وقيامه به بمنزلة الواجب على قول الحق فيكون استعارة مكنية وتخييلية، والمعنى أنا واجب على الحق أن يسعى في أن أكون قائله والناطق به فكيف يتصور مني الكذب، واعترضه القطب الرازي وغيره بأنه إنما يتم لو كان هو حقيقاً على قول الحق وليس كذلك بل على قوله الحق، وجعل قوله الحق بحيث يجب عليه أن يسعى في أن يكون قائله لا معنى له. 
وأجيب بأن مبني ذلك على أن المصدر المؤول لا بد من إضافته إلى ما كان مرفوعاً به وليس بمسلم فإنه قد يقطع النظر عن ذلك. 
وقد صرح بعض النحاة بأن قد يكون نكرة نحو  وَمَا كَانَ هذا القرءان أَن يَفْتَرِى  \[ يونس : ٣٧ \] أي افتراء، وههنا قد قطع النظر فيه عن الفاعل إذ المعنى حقيق على قول الحق وهو محصل مجموع الكلام فلا إشكال، وذكر ابن مقسم في توجيه الآية على قراءة الجمهور وادعى أنه الأولى أن  عَلَى أَن لا أَقُولَ  متعلق برسول إن قلنا بجواز إعمال الصفة إذا وصفت وإن لم نقل به وهو المشهور فهو متعلق بفعل يدل عليه أي أرسلت على أن لا أقول الخ، والأولى عندي كون علي بمعنى الباء، ويؤيده قراءة أبي بأن لا أقول. 
وقرأ عبد الله  أَن لا أَقُولَ  بتقدير الجار وهو على أو الباء، وقد تقدم يقدر على بياء مشددة، وقوله سبحانه : قَدْ جِئْتُكُمْ بِبَيّنَةٍ مّن رَّبّكُمْ  استئناف مقرر لما قبله، ولم يكن هذا وما بعده من جواب فرعون إثر ما ذكر ههنا بل بعدما جرى بينهما من المحاورات التي قصها الله تعالى في غير ما موضع، وقد طوى ذكرها هنا للإيجاز و  مِنْ  متعلقة إما بجئتكم على أنها لابتداء الغاية مجازاً وإما بمحذوف وقع صفة لبينة مفيدة لفخامتها الإضافية مؤكدة لخامتها الذاتية المستفادة من التنوين التفخيمي كما مر غير مرة، وإضافة اسم الرب إلى ضمير المخاطبين بعد إضافته فيما قبل إلى العالمين لتأكيد وجوب الايمان بها، وذكر الاسم الجليل الجامع في بيان كونه جديراً بقول الحق عليه سبحانه تهويلاً لأمر الافتراء عليه تعالى شأنه مع الإشارة إلى التعليل بما ليس وراءه غاية  فَأَرْسِلْ مَعِىَ بَنِى إسراءيل  أي خلهم حتى يذهبوا معي إلى الأرض المقدسة التي هي وطن آبائهم، وكان عدو الله تعالى والقبط قد استبعدوهم بعد إنقراض الأسباط يستعملونهم ويكلفونهم الأفاعيل الشاقة كالبناء وحمل الماء فانقدهم الله تعالى بموسى عليه السلام، وكان بين اليوم الذي دخل فيه يوسف عليه السلام مصر واليوم الذي دخل فيه موسى عليه السلام على ما روى عن وهب أربعمائة سنة، واستعمال الإرسال بما أشير إليه على ما يظهر من كلام الراغب حقيقة، وقيل : إنه استعارة من إرسال الطير من القفص تمثيلية أو تبعية، ولا يخفى أنه ساقط عن وكر القبول، والفاء لترتيب الإرسال أو الأمر به على ما قبله من رسالته عليه السلام ومجيئه بالبينة. 
١ - أي تضمينا اهـ منه..

### الآية 7:106

> ﻿قَالَ إِنْ كُنْتَ جِئْتَ بِآيَةٍ فَأْتِ بِهَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ [7:106]

قَالَ  استئناف بياني كأنه قيل : فما قال فرعون ؟ فقيل : قال :
 قَالَ إِن كُنتَ جِئْتَ  من عند من أرسلك كما تدعيه  فَأْتِ بِهَا  أي فأحضرها عندي ليثبت بها صدقك في دعواك، فالمغايرة بين الشرط والجزاء مما لا غبار عليه، ولعل الأمر غني عن التزام ذلك لحصوله بما لا أظنه يخفي عليك  إِن كُنتَ مِنَ الصادقين  في دعواك فإن كونك من جملة لمعروفين بالصدق يقتضي إظهار الآية لا محالة.

### الآية 7:107

> ﻿فَأَلْقَىٰ عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ [7:107]

فألقى عَصَاهُ  وكانت كما روى ابن المنذر. وابن أبي حاتم من عوسج. وروى عن علي كرم الله تعالى وجهه أنها كانت من لوز. 
وأخرج عبد بن حميد. وأبو الشيخ عن قتادة أنه قال : ذكر لنا أنها عصا آدم عليه السلام أعطاها لموسى ملك حين توجه إلى مدين فكانت تضيء له بالليل ويضرب بها الأرض بالنهار فيخرج له رزقه ويهش بها على غنمه، والمشهور أنها كانت من آس الجنة وكانت لآدم عليه السلام ثم وصلت إلى شعيب فأعطاه إياها، وجاء عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن اسمها مأشا  فَإِذَا هِىَ ثُعْبَانٌ  أي حية ضخمة طويلة. وعن الفراء أن الثعبان هو الذكر العظيم من الحيات. وقال آخرون : إنه الحية مطلقاً. 
وفي **«مجمع البيان »** أنه مشتق من ثعب الماء إذا انفجر، فكأنه سمي بذلك لأنه يجري كعنق الماء إذا انفجر  مُّبِينٌ  أي ظاهر أمره لا يشك في كونه ثعباناً ؛ فهو إشارة إلى أن الصيرورة حقيقية لا تخييلية، وإيثار الجملة الاسمية للدلالة على كمال سرعة الانقلاب وثبات وصف الثعبانية فيها كأنها في الأصل كذلك، وروى عن ابن عباس. والسدي أنه عليه السلام لما ألقاها صارت حية صفراء شعراء فاغرة فاهاً بين لحييا ثمانون ذراعاً وارتفعت من الأرض بقدر ميل وقامت على ذنبها واضعة لحيها الأسفل في الأرض ولحيها الأعلى على سور القصر وتوجهت نحو فرعون لتأخذه فوثب عن سريره هارباً وأحدث، وفي بعض الروايات أنه أحدث في ذلك اليوم أربعمائة مرة، وفي أخرى أنه استمر معه داء البطن حتى غرق، وقيل : إنها أخذت قبة فرعون بين أنيابها وأنها حملت على الناس فانهزموا مزدحمين فمات منهم خمسة وعشرون ألفاً، فصاح فرعون يا موسى أنشدك بالذي أرسلك أن تأخذها وأنا أومن بك وأرسل معك بني إسرائيل، فأخذها فعادت عصا كما كانت، وعن معمر أنها كانت في العظم كالمدينة، وقيل : كان طولها ثمانين ذراعاً، وعن وهب بن منبه أن بين لحييها اثني عشر ذراعاً، وعلى جميع الروايات لا تعارض بين ماهنا وقوله سبحانه : كَأَنَّهَا جَانٌّ  \[ النمل : ١٠ \] بناء على أن الجان هي الحية الصغيرة لما قالوا : إن القصة غير واحدة، أو أن المقصود من ذلك تشبيهاً في خفة الحركة بالجان لا بيان جثتها، أو لما قيل : إنها انقلبت جاناً وصارت ثعباناً فحكيت الحالتان في آيتين، وسيأتي إن شاء الله تعالى تحقيق ذلك. والآية من أقوى أدلة جواز انقلاب الشيء عن حقيقته كالنحاس إلى الذهب، إذ لو كان ذلك تخييلاً لبطل الإعجاز، ولم يكن لذكر مبين معنى مبين، وارتكاب غير الظاهر غير ظاهر، ويدل لذلك أيضاً أنه لا مانع في القدرة من توجه الأمر التكويني إلى ما ذكر وتخصيص الإرادة له، والقول بأن قلب الحقائق محال والقدرة لا تتعلق به فلا يكون النحاس ذهباً رصاص مموه، والحق جواز الانقلاب إما بمعنى أنه تعالى يخلق بدل النحاس ذهباً على ما هو رأي المحققين، أو بأن يسلب عن أجزاء النحاس الوصفي الذي صار به نحاساً ويخلقفيه الوصف الذي يصير به ذهباً على ما هو رأي بعض المتكلمين من تجانس الجواهر واستوائها في قبول الصفات، والمحال إنما هو انقلابه ذهباً مع كونه نحاساً لامتناع كون الشيء في الزمن الواحد نحاساً وذهباً، وعلى أحد هذين الاعتبارين توكأ أئمة التفسير في أمر العصا. 
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:( هذا ومن باب الإشارة ) : في الآيات : ما وجدته لبعض أرباب التأويل من العارفين أن العصا إشارة إلى نفسه التي يتوكأ عليها أي يعتمد في الحركات والأفعال الحيوانية ويهش بها على غنم القوة البهيمية السليمة ورق الملكات الفاضلة والعادات الحميدة من شجرة الفكر وكانت لتقدسها مقنادة لأوامره مرتدعة عن أفعالها الحيوانية إلا بإذنه كالعصا وإذا أرسلها عند الاحتجاج على الخصوم صارت كالثعبان تلقف ما يأفكون من الأكاذيب ويظهرون من حبال الشبهات وعصا المغالطات فيغلبهم ويقهرهم. وأن نزع اليد إشارة إلى إظهار القدرة الباهرة الساطعة منها أنوار الحق. وجعل بعضهم فرعون إشارة إلى النفس الأمارة وقومه إشارة إلى صفاتها وكذا السحرة وموسى إشارة إلى الروح وقومه بنو إسرائيل العقل والقلب والسر وعلى هذا القياس. وأول النيسابوري الطوفان بالعلم الكثير والجراد بالواردات والقمل بالإلهامات والضفادع بالخواطر والدم بأصناف المجاهدات والرياضات وهو كما ترى. 
وقد ذكر غير واحد أن السحر كان غالباً في زمن موسى عليه السلام فلهذا كانت معجزته ما كانت، والطب ما كان غالباً في زمن عيسى عليه السلام فلهذا كانت معجزته من جنس الطب ؛ والفصاحة كانت غالباً في زمن نبينا صلى الله عليه وسلم والتفاخر بها أشهر من ( قفا نبك ) فلهذا كانت معجزته القرآن، وإنما كانت معجزة كل نبي من جنس ما غلب على زمانه ليكون ذلك أدعى إلى إجابة دعواه. ---

### الآية 7:108

> ﻿وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِيَ بَيْضَاءُ لِلنَّاظِرِينَ [7:108]

وَنَزَعَ يَدَهُ  أي أخرجها من جيبه لقوله تعالى : ادخل يَدَكَ فِى جَيْبِكَ  \[ النمل : ١٢ \] أو من تحت أبطه لقوله سبحانه : واضمم يَدَكَ إلى جَنَاحِكَ  \[ طه : ٢٢ \] والجمع بينهما ممكن في زمان واحد، وكانت اليد اليمنى كما صرح به في بعض الآثار  فَإِذَا هِىَ بَيْضَاء للناظرين  أي بيضاء بياضاً نورانياً خارجاً عن العادة يجتمع عليه النظار. فقد روى أنه أضاء له ما بين السماء السماء والأرض، وجاء في رواية أنه أرى فرعون يده، وقال عليه السلام : ما هذه ؟ فقال : يدك. ثم أدخلها جيبه وعليه مدرعه صوف ونزعها فإذا هي بيضاء بياضاً نورانياً غلب شعاعه شعاع الشمس، وقيل : المعنى بيضاء لأجل النظار لا أنها بيضاء في أصل خلقتها لأنه عليه السلام كان آدم شديد الأدمة، فقد أخرج البخاري عن ابن عمر قال :" قال رسول الله صلى الله عليه وسلم وأما موسى فآدم جثيم سبط كأنه من رجال الزط " وعنى عليه الصلاة والسلام بالزنط جنساً من السودان والهنود، ونص البعض على أن ذلك البياض إنما كان في الكف وإطلاق اليد عليها حقيقة. 
وفي **«القاموس »** الكيد الكف أو من أطراف الأصابع إلى الكف، وأصلها يدي بدليل جمعها على أيدي ولم ترد اليد عند الإضافة لما تقرر في محله، وجاء في كلامهم يد بالتشديد وهو لغة فيه. 
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:( هذا ومن باب الإشارة ) : في الآيات : ما وجدته لبعض أرباب التأويل من العارفين أن العصا إشارة إلى نفسه التي يتوكأ عليها أي يعتمد في الحركات والأفعال الحيوانية ويهش بها على غنم القوة البهيمية السليمة ورق الملكات الفاضلة والعادات الحميدة من شجرة الفكر وكانت لتقدسها مقنادة لأوامره مرتدعة عن أفعالها الحيوانية إلا بإذنه كالعصا وإذا أرسلها عند الاحتجاج على الخصوم صارت كالثعبان تلقف ما يأفكون من الأكاذيب ويظهرون من حبال الشبهات وعصا المغالطات فيغلبهم ويقهرهم. وأن نزع اليد إشارة إلى إظهار القدرة الباهرة الساطعة منها أنوار الحق. وجعل بعضهم فرعون إشارة إلى النفس الأمارة وقومه إشارة إلى صفاتها وكذا السحرة وموسى إشارة إلى الروح وقومه بنو إسرائيل العقل والقلب والسر وعلى هذا القياس. وأول النيسابوري الطوفان بالعلم الكثير والجراد بالواردات والقمل بالإلهامات والضفادع بالخواطر والدم بأصناف المجاهدات والرياضات وهو كما ترى. 
وقد ذكر غير واحد أن السحر كان غالباً في زمن موسى عليه السلام فلهذا كانت معجزته ما كانت، والطب ما كان غالباً في زمن عيسى عليه السلام فلهذا كانت معجزته من جنس الطب ؛ والفصاحة كانت غالباً في زمن نبينا صلى الله عليه وسلم والتفاخر بها أشهر من ( قفا نبك ) فلهذا كانت معجزته القرآن، وإنما كانت معجزة كل نبي من جنس ما غلب على زمانه ليكون ذلك أدعى إلى إجابة دعواه. ---

### الآية 7:109

> ﻿قَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ إِنَّ هَٰذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ [7:109]

قَالَ الملا مِن قَوْمِ فِرْعَونَ  أي الأشراف منهم وهم أهل مشورته ورؤساء دولته. 
 إِنَّ هذا لساحر عَلِيمٌ  أي مبالغ في علم السحر ماهر فيه. 
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:( هذا ومن باب الإشارة ) : في الآيات : ما وجدته لبعض أرباب التأويل من العارفين أن العصا إشارة إلى نفسه التي يتوكأ عليها أي يعتمد في الحركات والأفعال الحيوانية ويهش بها على غنم القوة البهيمية السليمة ورق الملكات الفاضلة والعادات الحميدة من شجرة الفكر وكانت لتقدسها مقنادة لأوامره مرتدعة عن أفعالها الحيوانية إلا بإذنه كالعصا وإذا أرسلها عند الاحتجاج على الخصوم صارت كالثعبان تلقف ما يأفكون من الأكاذيب ويظهرون من حبال الشبهات وعصا المغالطات فيغلبهم ويقهرهم. وأن نزع اليد إشارة إلى إظهار القدرة الباهرة الساطعة منها أنوار الحق. وجعل بعضهم فرعون إشارة إلى النفس الأمارة وقومه إشارة إلى صفاتها وكذا السحرة وموسى إشارة إلى الروح وقومه بنو إسرائيل العقل والقلب والسر وعلى هذا القياس. وأول النيسابوري الطوفان بالعلم الكثير والجراد بالواردات والقمل بالإلهامات والضفادع بالخواطر والدم بأصناف المجاهدات والرياضات وهو كما ترى. 
وقد ذكر غير واحد أن السحر كان غالباً في زمن موسى عليه السلام فلهذا كانت معجزته ما كانت، والطب ما كان غالباً في زمن عيسى عليه السلام فلهذا كانت معجزته من جنس الطب ؛ والفصاحة كانت غالباً في زمن نبينا صلى الله عليه وسلم والتفاخر بها أشهر من ( قفا نبك ) فلهذا كانت معجزته القرآن، وإنما كانت معجزة كل نبي من جنس ما غلب على زمانه ليكون ذلك أدعى إلى إجابة دعواه. ---

### الآية 7:110

> ﻿يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ ۖ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ [7:110]

يُرِيدُ أَن يُخْرِجَكُم مّنْ أَرْضِكُمْ  أي من أرض مصر  فَمَاذَا تَأْمُرُونَ  أي تشيرون في أمره كما فسره بذلك ابن عباس، فهو من الأمر بمعنى المشاورة، يقال : آمرته فآمرني أي شاورته فأشار على، وقيل من الأمر المعهود، و  مَاذَا  في محل نصب على أنه مفعول لتأمرون بحذف الجار، أي بأي شيء تأمرون، وقيل : مَا  خبر مقدم و  ذَا  اسم موصول مبتدأ مؤخر، أي ما الذي تأمرون به.

### الآية 7:111

> ﻿قَالُوا أَرْجِهْ وَأَخَاهُ وَأَرْسِلْ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ [7:111]

قالواأَرْجِهْ وَأَخَاهُ 
أي أخر أمرهما وأصدرهما عنك ولا تعجل في أمرهما حتى ترى رأيك فيهما، وقيل : احبسهما، واعترض بأنه لم يثبت منه الحبس. 
وأجيب بأن الأمر به لا يوجب وقوعه ؛ وقيل عليه أيضاً : إنه لم يكن قادراً على الحبس بعد أن رأى ما رأى، وقوله : لاجْعَلَنَّكَ مِنَ المسجونين  \[ الشعراء : ٢٩ \] في الشعراء كان قبل هذا، وأجيب بأن القائلين لعلهم لم يعلموا ذلك منه، وقال أبو منصور : الأمر بالتأخير دل على أنه تقدم منه أمر آخر وهو الهم بقتله، فقالوا : أخره ليتبين حاله للناس، وليس بلازم كما لا يخف ؛ وأصل أرجه أرجئه بهمزة ساكنة وهاء مضمونة دون واو ثم حذفت الهمزة وسكنت الهاء لتشبيه المنفصل بالمتصل، وجعل جه وكابل في إسكان وسطه، وبذلك قرأ أبو عمرو. وأبو بكر. ويعقوب على أنه من أرجات، وكذلك قراءة ابن كثير. وهشام. وابن عامر  \*أرجئهو  بهمزة ساكنة وهاء متصلة بواو الاشباع. 
وقرأ نافع في رواية ورش. وإسماعيل. والكسائي  أرجهي  بهاء مكسورة بعدها ياء من أرجيت، وفي رواية قالون  ءانٍ أَرْجِهْ  بحذف الياء للاكتفاء عنها بالكسرة، وقرأ ابن عامر برواية ابن ذكوان  \*أرجئه  بالهمزة وكسر الهاء، وقد ذكر بعضهم أن ضم الهاء وكسرها والهمز وعدمه لغتان مشهورتان، وهل هما ماذتان أو الياء بدل من الهمزة كتوضأت وتوضيت ؟ قولان، وطعن في القراءة على رواية ابن ذكوان، فقال الحوفي : إنها ليست بجيدة، وقال الفارسي : إن ضم الهاء مع الهمزة لا يجوز غيره وكسرها غلط لأن الهاء لا تكسر إلا بعد ياء ساكنة أو كسرة، وأجيب كما قال الشهاب عنه بوجهين : أحدهما : أن الهمزة ساكنة والحرف الساكن حاجز غير حصين فكأن الهاء وليت الجيم المكسورة فلذا كسرت، والثاني : أن الهمزة عرضة للتغيير كثيراً بالحذف وإبدالها ياء إذا سكنت بعد كسرة فكأنها وليست ياء ساكنة فلذا كسرت. وأورد على ذلك أو شامة أن الهمزة تعد حاجزاً وأن الهمزة لو كانت ياء كان المختار الضم نظراً لأصلها وليس بشيء بعد أن قالوا : إن القراءة متواترة وما ذكر لغة ثابتة عن العرب، هذا واستشكل الجمع بين ما هنا وما في الشعراء فإن فيها  قَالَ لِلْمَلإِ حَوْلَهُ إِنَّ هذا لساحر عَلِيمٌ \* يُرِيدُ أَن يُخْرِجَكُمْ مّنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ  \[ الشعراء : ٣٤، ٣٥ \] وهو صريح في أن  إِنَّ هذا لساحر  إلى  فَمَاذَا تَأْمُرُونَ  \[ الأعراف : ١٠٩، ١١٠ \] كلام فرعون وما هنا صريح في نسبة قول ذلك للملا والقصة واحدة فكيف يختلف القائل في الموضعين وهل هذا إلا منافاة ؟ وأجيب بأنه لا منافاة لاحتمالين. الأول : أن هذا الكلام قاله فرعون والملأ من قومه فهو كوقع الحافر على الحافر فنقل في الشعراء كلامه وهنا كلامهم، والثاني : أن هذا الكلام قاله فرعون ابتداء ثم قاله الملأ إما بطريق الحكاية لأولادهم وغيرهم وإما بطريق التبليغ لسائر الناس فما في الشعراء كلام فرعون ابتداء وما هنا كلام الملا نقلاً عنه. 
واختار الزمخشري أن ما هنا هو قول الملأ نقلاً عن فرعون بطريق التبليغ لا غير لأن القوم لما سمعوه خاطبوا فرعون بقولهم : أرجه الخ، ولو كان ذلك كلام الملأ ابتداء لكان المطابق أن يجيبوهم بارجئوا، ولا سبيل إلى أنه كان نقلاً بطريق الحكاية لأنه حينئذ لم يكن مؤامرة ومشاورة مع القوم فلم يتجه جوابهم أصلاً، فتعين أن يكون بطريق التبليغ فلذا خاطبوه بالجواب. بقي أن يقال هذا الجواب بالتأخير في الشعراء كلام الملأ لفرعون وههنا كلام سائر القوم. لكن لا منافاة لجواز تطابق الجوابين. وقول شيخ الإسلام : إن كون ذلك جواب العامة يأباه أن الخطاب لفرعون وأن المشاورة ليست من وظائفهم ليس بشيء، لأن الأمر العظيم الذي تصيب تبعته أهل البلد يشاور فيه الملك الحازم عوامهم وخواصهم، وقد يجمعهم لذلك ويقول لهم : ماذا ترون فهذا أمر لا يصيبني وحدي ورب رأي حسن عند من لم يظن به على أن في ذلك جمعاً لقلوبهم عليه وعلى الاحتفال بشأنه، وقد شاهدنا أن الحوادث العظام يلتفت فيها إلى العوام، وأمر موسى عليه السلام كان من أعظم الحوادث عند فرعون بعد أن شاهد منه ما شاهد ثك أنهم اختلفوا في قوله تعالى : فَمَاذَا تَأْمُرُونَ  \[ الأعراف : ١١٠ \] فقيل : إنه من تتمة كلام الملأ، واستظهره غير واحد لأنه مسوق مع كلامهم من غير فاصل، فالأنسب أن يكون من بقية كلامهم، وقال الفراء. والجبائي : إن كلام الملا قد تم عند قوله سبحانه : يُرِيدُ أَن يُخْرِجَكُم مّنْ أَرْضِكُمْ  \[ الأعراف : ١١٠ \] ثم قال فرعون : فماذا تأمرون قالوا : أرجه، وحينئذ يحتمل كما قال القطب أن يكون كلام الملأ مع فرعون وخطاب الجمع في يخرجكم إما لتفخيم شأنه أو لاعتباره مع خدمه وأعوانه. ويحتمل أن يكون مع قوم فرعون والمشاورة منه. ثم قال : وإنما التزموا هذا التعسف ليكون مطابقاً لما في الشعراء في أن قوله : مَاذَا \* تَأْمُرُونَ  من كلام فرعون وقوله : أَرْجِهْ وَأَخَاهُ  كلام الملأ. لكن ما ارتفعت المخالفة بالمرة لأن قوله : إِنَّ هذا لساحر عَلِيمٌ \* يُرِيدُ أَن يُخْرِجَكُم  \[ الأعراف : ١٠٩، ١١٠ \] كلام فرعون للملأ. وفي هذه السورة على ما وجهوه كلام الملأ لفرعون، ولعلهم يحملونه على أنه قال لهم مرة وقالوه له أخرى انتهى. ويمكن أن يقال : إن الملأ لما رأوا من موسى عليه السلام ما رأوا قال بعضهم لبعض : إن هذا لساحر عليم يريد أن يخرجكم من أرضكم فماذا تشيرون وما تستحسنون في أمره ؟ ولما رآهم فرعون أنهم مهتمون من ذلك قال لهم تنشيطاً لهم وتصويباً لما هم عليه قبل أن يجيب بعضهم بعضاً بما عنده مثل ماقالوه فيما بينهم فالتفتوا إليه وقالوا : أرجه وأخاه، فحكى سبحانه هنا مشاورة بعضهم لبعض وعرض ما عندهم على فرعون أول وهلة قبل ذكره فيما بينهم، وحكى في**«الشعراء »** كلامه لهم ومشاورته إياهم التي هي طبق مشاورة بعضهم بعضاً المحكية هنا وجوابهم له بعد تلك المشاورة، وعلى هذا لا يدخل العوام في الشورى، ويكون ههنا أبلغ في ذم الملأ فليتدبر والله تعالى أعلم بأسرار كلامه  وَأَرْسِلْ فِى المدائن  أي البلاد جمع مدينة، وهي من مدن بالمكان كنصر إذا أقام به، ولكون الياء زائدة كما قال غير واحد تقلب همزة في الجمع، وأريد بها مطلق المدائن، وقيل : مدائن صعيد مصر  حاشرين  أي رجالاً يجمعون السحرة، وفسره بعضهم بالشرط وهم أعوان الولاة لأنهم يجعلون لهم علامة، ويقال للواحد شرطي بسكون الراء نسبة للشرطة، وحكى في **«القاموس »** فتحها أيضاً، وفي الأساس أنه خطأ لأنه نسبة إلى الشرط الذي هو جمع، ونصب الوصف على أنه صفة لمحذوف ومفعوله محذوف أيضاً كما أشير إليه، وقد نص على ذلك الأجهوري.

### الآية 7:112

> ﻿يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَاحِرٍ عَلِيمٍ [7:112]

يَأْتُوكَ بِكُلّ ساحر عَلِيمٍ  أي ماهر في السحر والفعل مجزوم في جواب الطلب. 
وقرأ حمزة. والكسائي  سَحَّارٍ  وجاء فيه الامالة وعدمها وهو صيغة مبالغة ؛ وفسره بعضهم بأنه الذي يديم السحر والساحر من أن يكون قد سحر في وقت دون وقت، وقيل : الساحر : هو المبتدىء في صناعة السحر والسحار هو المنتهى الذي يتعلن منه ذلك.

### الآية 7:113

> ﻿وَجَاءَ السَّحَرَةُ فِرْعَوْنَ قَالُوا إِنَّ لَنَا لَأَجْرًا إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ [7:113]

وَجَاء السحرة فِرْعَوْنَ  بعدما أرسل إليهم الحاشرين وإنما لم يصرح به للإيذان بمسارعة فرعون بالإرسال ومبادرة الحاشرين والسحرة إلى الامتثال. 
واختلف في عدتهم. فعن كعب أنهم إثنا عشر ألفاً، وعن ابن إسحق خمسة عشر ألفاً، وعن أبي ثمامة سبعة عشر ألفاً، وفي رواية تسعة عشر ألفاً ؛ وعن السدي بضعة وثلاثون ألفاً، وعن أبي بزة أنهم سبعون ألفاً، وعن محمد بن كعب ثمانون ألفاً. وأخرج أبو الشيخ عن ابن جرير قال : السحرة ثلثمائة من قومه وثلمائة من العريش ويشكون في ثلثمائة من الاسكندرية. 
وعن ابن عباس رضي الله عنهما أنهم كانوا سبعين ساحراً وقد أخذوا السحر من رجلين مجوسيين من أهل نينوى مدينة يونس عليه السلام، وروى نحو ذلك عن الكلبي، والظاهر عدم صحته لأن المجوسية ظهرت زمن زرادشت على المشهور، وهو إنما جاء بعد موسى عليه السلام، واسم رئيسهم كما قال مقاتل : شمعون وقال ابن جريج : هو يوحنا، وقال ابن الجوزي نقلاً عن علماء السير : أن رؤساءهم سابور وعازور وحطحط ومصفى  قَالُواْ  استئناف بياني ولذا لم يعطف كأنه قيل : فماذا قالوا له عند مجيئهم إياه ؟ فقيل : قالوا الخ، وهذا أولى مما قيل إنه حال من فاعل جاءوا أي جاءوا قائلين  إِنَّ لَنَا لاجْرًا  أي عوضاً وجزاء عظيماً. 
 إِن كُنَّا نَحْنُ الغالبين  والمقصود من الإخبار إيجاب الأجر واشتراطه كأنهم قالوا : بشرط أن تجعل لنا أجراً إن غلبنا، ويحتمل أن يكون الكلام على حذف أداة الاستفهام وهو مطرد، ويؤيد ذلك أنه قرأ ابن عامر وغيره  أئن  بإثبات الهمزة وتوافق القراءتين أولى من تخالفهما ؛ ومن هنا رجح الواحدي هذا الاحتمال، وذكر الشرط لمجرد تعيين مناط ثبوت الأجر لا لترددهم في الغلبة، وقيل : له، وتوسيط الضمير وتحلية الخبر باللام للقصر، أي كنا نحن الغالبين لاموسى عليه السلام.

### الآية 7:114

> ﻿قَالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ [7:114]

قَالَ نَعَمْ  إن لكم لأجراً. 
 وَإِنَّكُمْ لَمِنَ المقربين  عطف على مقدر هو عين الكلام السابق الدال عليه حرف الإيجاب، ويسمى مثل هذا عطف التلقين، ومن قال إنه معطوف على السابق أراد ما ذكرنا، والمعنى إن لكن لأجراً وإنكم مع ذلك لمن المقربين، أي إني لا أقتصر لكم على العطاء وحده وأن لكم معه ما هو أعظم منه وهو التقريب والتعظيم لأن من أعطى شيئاً إنما يتهنأ به ويغتبط إذا نال معه الكرامة والرفعة، وفي ذلك من المبالغة في الترغيب والتحريض ما لا يخفى، وروى عن الكلبي أنه قال لهم : تكونون أول من يدخل مجلسي وآخر من يخرج عنه.

### الآية 7:115

> ﻿قَالُوا يَا مُوسَىٰ إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ نَحْنُ الْمُلْقِينَ [7:115]

قَالُواْ  استئناف كنظيره السابق  ياموسى إِمَّا أَن تُلْقِىَ  ما تلقى أو لا  وَإِمَّا أَن نَّكُونَ نَحْنُ الملقين  لما نلقى أو لا أو الفاعلين للإلقاء أو لا خيروه عليه السلام بالبدء بالإلقاء مراعاة للأدب ولذلك كما قيل من الله تعالى عليهم بما منّ، أو إظهاراً للجلادة وأنه لا يختلف عليهم الحال بالتقديم والتأخير، ولكن كانت رغبتهم في التقديم كما ينبى عنه تغييرهم للنظر بتعريف الخبر وتوسيط ضمير الفصل وتوكيد الضمير المستتر، والظاهر أنه وقع في المحكى كذلك بما يرادفه، وقول الجلال السيوطي : إن الضمير المنفصل إما أن يكون فصلاً أو تأكيداً ولا يمكن الجمع بينهما لأنه على الأول لا محل له من الإعراب وعلى الثاني له محل كالمؤكد وهم كما لا يخفى. وفرق الطيبي بين كون الضمير فصلاً وبين كونه توكيداً بأن التوكيد يرفع التجوز عن المسند إليه فيلزم التخصيص من تعريف الخبر، أي نحن نلقى البتة لا غيرنا، والفصل يخصص الإلقاء بهم لتخصيص المسند إليه فيعرى عن التوكيد، وتحقيق ذلك يطلب من محله.

### الآية 7:116

> ﻿قَالَ أَلْقُوا ۖ فَلَمَّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ [7:116]

قَالَ  أي موسى عليه السلام وثوقاً بشأنه وتحقيراً لهم وعدم مبالاة بهم  أَلْقَوْاْ  أنتم ما تلقون أو لا، وبما ذكرنا يعلم جواب ما يقال : إن إلقاءهم معارضة للمعجزة بالسحر وهي كفر والأمر به مثله فكيف أمرهم وهو هو ؟ وحاصل الجواب أنه عليه السلام علم أنهم لا بد وأن يفعلوا ذلك، وإنما وقع التخيير في التقديم والتأخير كما صرح به في قوله سبحانه في آية أخرى : أَوَّلَ مَنْ ألقى  \[ طه : ٦٥ \] فجوز لهم التقديم لا لإباحة فعلهم بل لتحقيرهم، وليس هناك دلالة على الرضا بتلك المعارضة، وقد يقال أيضاً : إنه عليه السلام إنما أذن لهم ليبطل سحرهم فهو إبطال للكفرة بالآخرة وتحقيق لمعجزته عليه السلام، وعلى هذا يحمل ما جاء في بعض الآثار من أنهم لما قالوا ما قالوا سمع موسى عليه السلام منادياً يقول ؛ بل ألقوا أنتم يا أولياء الله تعالى فأوجس في نفسه خيفة من ذلك حتى أمر عليه السلام، وسيجيء إن شاء الله تعالى تحقيق ذلك  فَلَمَّا أَلْقُوْاْ  ما القوا وكانمع كل واحد منهم حبل وعصا  سَحَرُواْ أَعْيُنَ الناس  بأن خيلوا إليها ما الحقيقة بخلافه، ولذا لم يقل سبحانه سحروا الناس فالآية على حد قوله جل شأنه : يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِن سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تسعى  \[ طه : ٦٦ \]  واسترهبوهم  أي أرهبوهم إرهاباً شديداً كأنهم طلبوا إرهابهم  وَجَاءو بِسِحْرٍ عَظِيمٍ  في بابه، يروى أنهم ألقوا حبالاً غلاظاً وخشباً طوالاً فإذا حيات كأمثال الجبال قد ملأت الوادي يركب بعضها بعضاً. 
وفي بعض الآثار أن الأرض كان سعتها ميلاً في ميل وقد امتلأت من الحيات والأفاعي، ويقال : إنهم طلوا تلك الحبال بالزئبق ولونوها وجعلوا داخل العصى زئبقاً أيضاً وألقوها على الأرض فلما أثر حر الشمس فيها تحركت والتوى بعضها على بعض حتى تخيل للناس أنها حيات. واستدل بالآية من قال كالمعتزلة إن السحر لا حقيقة له وإنما هو مجرد تخييل، وفيه أنهم إن أرادوا أن ما وقع في القصة من السحر كان كذلك فمسلم والآية تدل عليه وإن أرادوا أن كل سحر تخييل فممنوع والآية لا تدل عليه، والذي ذهب إليه جمهور أهل السنة أن السحر أقسام وأن منه ما لا حقيقة له ومنه ما له حقيقة كما يشهد بذلك سحر اللعين لبيد بن الأعصم اليهودي رسول الله صلى الله عليه وسلم، وسحر يهود خيبر ابن عمر رضي الله تعالى عنهما حين ذهب ليخرص تمرهم. 
وذكروا أنه قد يصل السحر إلى حد المشيء على الماء والطيران في الهواء ونحو ذلك، وترتب ذلك عليه كترتب الشبع على الأكل والري على الشرب والإحراق على النار، والفاعل الحقيقي في كل ذلك هو الله تعالى. نعم قال القرطبي : أجمع المسلمون على أنه ليس من السحر ما يفعل الله تعالى عنده إنزال الجراد والقمر والضفادع وفلق الحجر وقلب العصا وإحياء الموتى وانطاق العجماء وأمثال ذلك من آيات الرسل عليهم الصلاة والسلام. ومن أنكر حقيقته استدل بلزوم الالتباس بالمعجزة، وتعقب بأن الفرق مثل الصبح ظاهر.

### الآية 7:117

> ﻿۞ وَأَوْحَيْنَا إِلَىٰ مُوسَىٰ أَنْ أَلْقِ عَصَاكَ ۖ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ [7:117]

وَأَوْحَيْنَا إلى مُوسَى  بواسطة الملك كما هو الظاهر  ءانٍ \* ألقى \* عَصَاكَ  التي علمت من أمرها ما علمت و  ءانٍ  تفسيرية لتقدم ما فيه معنى القول دون حروفه، وجوز أن تكون مصدرية فالمصدر مفعول الإيماء، والفاء في قوله سبحانه :
 فَإِذَا هِىَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ  فصيحة أي فألقاها فصارت حية فإذا هي الخ، وإنما حذف للإيذان بمسارعة موسى عليه السلام إلى الإلقاء وبغاية سرعة الانقلاب كأن لقفها لما يأفكون قد حصل متصلاً بالأمر بالإلقاء، وصيغة المضارع لاستحضار الصورة الغريبة، واللقف كاللقفان التناول بسرعة، وفسره الحسن هنا بالسرط والبلع، والإفك صرف الشيء وقلبه عن الوجه المعتاد ويطلق على الكذب وبذلك فسره ابن عباس. ومجاهد لكونه مقلوباً عن وجهه واشتهر ذلك فهي حتى صار حقيقة، و  مَا  موصولة أو موصوفة والعائد محذوف أي ما يأفكونه ويكذبونه أو مصدرية وهي مع الفعل بمعنى المفعول أي المأفوك لأنه المتلقف، وقرأ الجمهور  تَلْقَفْ  بالتشديد وحذف إحدى التاءين.

### الآية 7:118

> ﻿فَوَقَعَ الْحَقُّ وَبَطَلَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [7:118]

فَوَقَعَ  أي ظهر وتبين كما قال الحسن. ومجاهد. والفراء  الحق  وهو أمر موسى عليه السلام، وفسر بعضهم وقع بثبت على أنه قد استعير الوقع للثبوت والحصول أو للثبات والدوام لأنه في مقابل بطل والباطل زائل، وفائدة الاستعارة كما قيل : الدلالة على التأثير لأن الوقع يستعمل في الأجسام، وقيل : المراد من وقع الحق صيرورة العصاحية في الحقيقة وليس بشيء  وَبَطَلَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ  أي ظهر بطلان ما كانوا مستمرين على عمله  فَغُلِبُواْ  أي فرعون وقومه.

### الآية 7:119

> ﻿فَغُلِبُوا هُنَالِكَ وَانْقَلَبُوا صَاغِرِينَ [7:119]

فَغُلِبُواْ  أي فرعون وقومه  هُنَالِكَ  أي في ذلك المجمع العظيم  وانقلبوا صاغرين  أي صاروا أذلاء أو رجعوا إلى المدينة كذلك فالانقلاب إما مجاز عن الصيرورة والمناسبة ظاهرة أو بمعنى الرجوع فصاغرين حال ورجح الأول بقوله
**سبحانه :**

### الآية 7:120

> ﻿وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ [7:120]

وَأُلْقِىَ السحرة ساجدين  لأن ذلك كان بمحضر من فرعون قطعاً، وجوز رجوع ضمير غلبوا  وانقلبوا  \[ الأعراف : ١١٩ \] على الاحتمال الأول إلى السحرة أيضاً، وتعقب بأنهم لا ذلة لهم ؛ والحمل على الخوف من فرعون أو على ما قبل الإيمان لا يخفى ما فيه، والمراد من  ألقى \* السحرة  الخ أنهم خروا ساجدين، وعبر بذلك دونه تنبيهاً على أن الحق بهرهم واضطرهم إلى السجود بحيث لم يبق لهم تمالك فكأن أحداً دفعهم وألقاهم أو أن الله تعالى ألهمهم ذلك وحملهم عليه فالملقى هو الله تعالى بالهامه لهم حتى ينكسر فرعون بالذين أراد بهم كسر موسى عليه السلام وينقلب الأمر عليه، ويحتمل أن يكون الكلام جارياً مجرى التمثيل مبالغة في سرعة خرورهم وشدته وإليه يشير كلام الأخفش، وجوزأن يكون التعبير بذلك مشاكلة لما معه من الإلقاء إلا أنه دون ما تقدم، يروى أن الاجتماع القوم كان بالإسكندرية وأنه بلغ ذنب الحية من وراء البحر وأنها فتحت فاها ثمانين ذراعاً فابتلعت متا صنعوا واحداً بعد واحد وقصدت الناس ففزعوا ووقع الزحام فمات منهم لذلك خمسة وعشرون ألفاً ثم أخذها موسى عليه السلام فعادت في يده عصا كما كانت وأعدم الله تعالى بقدرته تلك الأجرام العظام، ويحتمل أنه سبحانه فرقها أجزاء لطيفة فلما رأى السحرة ذلك عرفوا أنه من أمر السماء وليس من السحر في شيء فعند ذلك خروا سجداً، والمتبادر من السجود حقيقته ولا يبعد أنهم كانوا عالمين بكيفيته، وقيل : إن موسى وهرون عليهما السلام سجداً شكراً لله تعالى على ظهور الحق فاقتدوا بهما وسجدوا معهما، وحمل السجود على الخضوع أي أنهم خضعوا لما رأوا ما رأوا خلاف الظاهر الذي نطقت به الآثار من غير داع إلى ارتكابه.

### الآية 7:121

> ﻿قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ [7:121]

قَالُواْ  استئناف. 
وجوز أبو البقاء كونه حالاً من ضمير  انقلبوا  \[ الأعراف : ١١٩ \] وليس بشيء، وقيل : هو حال من  السحرة  \[ الأعراف : ١٢٠ \] أو من ضميرهم المستتر في  ساجدين  \[ الأعراف : ١٢٠ \] أي أنهم ألقوا ساجدين حال كونهم قائلين  ءامَنَّا بِرَبّ العالمين  أي مالك أمرهم والمتصرف فيهم.

### الآية 7:122

> ﻿رَبِّ مُوسَىٰ وَهَارُونَ [7:122]

رَبّ موسى وهارون  بدل مما قبل وإنما أبدلوا لئلا يتوهم أنهم أرادوا فرعون ولم يقتصروا على موسى عليه السلام إذ ربما يبقى للتوهم رائحة لأنه كان ربي موسى عليه السلام في صغره، ولذا قدم هرون في محل آخر لأنه أدخل في دفع التوهم أو لأجل الفاصلة أو لأنه أكبر سناً منه، وقدم موسى هنا لشرفه أو للفاصلة، وأما كون الفواصل في كلام الله تعالى لا في كلامهم فقد قيل : إنه لا يضر، وروى أنهم لما قالوا : آمَنَّا بِرَبِّ العَالَمِين  \[ الأعراف : ١٢١ \] قال فرعون : أنا رب العالمين فقالوا رداً عليه : رب موسى وهرون، وإضافة الرب إليهما كإضافته إلى العالمين، وقيل : إن تلك الإضافة على معنى الاعتقاد أن الرب الذي يعتقد ربوبيته موسى وهرون ويكون عدم صدقه على فرعون بزعمه أيضاً ظاهراً جداً إلا أن ذلك خلاف الظاهر من الإضافة، ويعلم مما قدمنا سر تقديم السجود على هذا القول. 
وقال الخازن في ذلك : إن الله تعالى لما قذف في قلوبهم الإيمان خروا سجداً لله تعالى على ما هداهم إليه وألهمهم من الإيمان ثم أظهروا بذلك إيمانهم، وقيل : إنهم بادروا إلى السجود تعظيماً لشأنه تعالى لما رأوا من عظيم قدرته ثم إنهم أظهروا الإيمان، ومن جعل الجملة حالا قال بالمقارنة فافهم، وأول من بادر بالإيمان كما وري عن ابن إسحق الرؤساء الأربعة الذيت ذكرهم ابن الجوزي ثم اتبعتهم السحرة جميعاً.

### الآية 7:123

> ﻿قَالَ فِرْعَوْنُ آمَنْتُمْ بِهِ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ ۖ إِنَّ هَٰذَا لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ فِي الْمَدِينَةِ لِتُخْرِجُوا مِنْهَا أَهْلَهَا ۖ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ [7:123]

قَالَ فِرْعَوْنُ  منكراً على السحرة موبخاً لهم على ما فعلوه  ءامَنْتُمْ بِهِ  أي برب موسى وهرون أو بالله تعالى لدلالة ذلك عليه أو بموسى عليه السلام قيل لقوله تعالى في آية أخرى : آمَنْتُمْ لَهُ  \[ طه : ٧١ \] فإن الضمير فيها له عليه السلام لقوله سبحانه : إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ  \[ طه : ٧١ \] الخ، والمقصود من الجملة الخبرية التوبيخ لأن الخبر إذا لم يقصد به فائدته ولا لازمها تولد منه بحسب المقام ما يناسبه، وهنا لما خاطبهم الجبار بما فعلوا مخبراً لهم بذلك مع ظهور عدم قصد إفادة أحد الأمرين والمقام هو المقام أفاد التوبيخ والتقريع، ويجوز أن تقدر فيه الهمزة بناء على اطراد ذلكوالاستفهام للانكار بمعنى أنه لا ينبغي ذلك، ويؤيد ذلك قراءة حمزة. والكسائي. وأبي بكر عن عاصم. وروح عن يعقوب  أَءمِنتُمْ  بهمزتين محققتين وتحقيق الأولى وتسهيل الثانية بين بين مما قرىء به أيضاً. 
 قَبْلَ أَنْ ءاذَنَ لَكُمْ  أي قبل أن آملاكم أنا بذلك وهو على حد قوله تعالى : لَنَفِدَ البحر قَبْلَ أَن تَنفَدَ كلمات رَبّى  \[ الكهف : ١٠٩ \] لا أن الاذن منه في ذلك وأصل آذن أأذن بهمزتين الأولى للتكلم، والثانية من صلب الكلمة قلبت الفا لوقوعها ساكنة بعده مة  إِنَّ هَذَا  الصنيع  لَمَكْرٌ مَّكَرْتُمُوهُ  لحليلة احتلتموها أنتم وموسى وليس مما اقتضى الحال صدوره عنكم لقوة الدليل وظهور المعجزة، وهذا تمويه منه على القبط يريهم أنهم ما غلبوا ولا انقطعت حجتهم، قيل : وكذا قوله : قَبْلَ أَنْ ءاذَنَ لَكُمْ  \[ الأعراف : ٣٢١ \]  فِى المدينة  أي في مصر قبل أن تخرجوا إلى الميعاد. 
أخرج ابن جرير. وأبو الشيخ عن ابن مسعود وناس من الصحابة قال : التقى موسى عليه السلام وأمير السحرة فقال له موسى : أرأيتك أن غلبتك أتؤمن بي وتشهد أن ما جئت به حق فقال الساحر : لآتين غداً بسحر لا يغلبه سحر فوالله لئن غلبتني لأمنن بك ولأشهدن أنك حق وفرعون ينظر إليهم وهو الذي نشأ عنه هذا القول  لِتُخْرِجُواْ مِنْهَا أَهْلَهَا  أي القبط وتخلص لكم ولبني إسرائيل  وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ  عاقبة ما فعلتم، وهذا وعيد ساقه بطريق الإجمال للتهويل ثم عقبه بالتفصيل فقال :

### الآية 7:124

> ﻿لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ ثُمَّ لَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ [7:124]

لاقَطّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مّنْ خِلاَفٍ  أي من كل جانب عضواً مغايراً للآخر كاليد من جانب والرجل منآخر، والجار في موضع الحال أي مختلفة، والقول بأن ( من ) تعليلية متعلقة بالفعل أي لأجل خلافكم بعيد  ثُمَّ لاَصَلّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ  تفضيحاً لكم وتنكيلاً لأمثالكم، والتصليب مأخوذ من الصلب وهو الشد على خشبة أو غيرها وشاع في تعليق الشخص بنحو حبل في عنقه ليموت وهو المتعارف اليوم، ورأيت في بعض الكتب أن الصلب الذي عناه الجبار هو شد الشخص من تحت الإبطين وتعليقه حتى يهلك، وهوكقطع الأيدي والأرحجل أول من سنه فرعون على ما أخرجه ابن المنذر وغيره عن ابن عباس رضي الله عنهما، وشرعه الله تعالى لقطاع الطريق تعظيماً لجرمهم، ولهذا سماه سبحانه محاربة لله ولرسوله.

### الآية 7:125

> ﻿قَالُوا إِنَّا إِلَىٰ رَبِّنَا مُنْقَلِبُونَ [7:125]

قَالُواْ  استئناف بياني  إِنَّا إلى رَبّنَا مُنقَلِبُونَ  أي إلى رحمته سبحانه وثوابه عائدون إن فعلت بنا ذلك فيا حبذاه. 
أخرج ابن أبي حاتم عن ابن جبير أن السحرة حين خروا سجداً رأوا منازلهم تبنى لهم، وأخرج عن الأوزاعي أنهم رفعت لهم الجنة حتى نظروا إليها، ويحتمل أنهم أرادوا إنا ولا بد ميتون فلا ضير فيما تتوعدنا به والأجل محتوم لا يتأخر عن وقته :ومن لم يمت بالسيف مات بغيره  تعددت الأسباب والموت واحدويحتمل أيضاً أن المعنى إنا جميعاً ننقلب إلى الله تعالى فيحكم بيننا :إلى ديان يوم الدين نمضي  وعند الله تجتمع الخصوموضمير الجمع على الأول للسحرة فقط، وعلى الثالث لهم ولفرعون، وعلى الثاني يحتمل الأمرين.

### الآية 7:126

> ﻿وَمَا تَنْقِمُ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِآيَاتِ رَبِّنَا لَمَّا جَاءَتْنَا ۚ رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ [7:126]

وَمَا تَنقِمُ  أي ما تكره، وجاء في الماضي نقم ونقم على وزن ضرب وعلم  مِنَّا  معشر من آمن :
 إلاَّ أنْ آمَنَّا بئايات رَبّنَا لَمَّا جَاءتْنَا  وذلك أصل المفاخر وأعظم المحاسن، والاستثناء مفرغ، والمصدر في موضع المفعول به، والكلام على حد قوله :ولا عيب فيهم غير أن ضيوفهم  تعاب بنسيان الأحبة والوطنوقيل : إن  تَنقِمُ  مضارب نقم بمعنى عاقب، يقال : نقم نقماً وتنقاما وانتقم إذا عاقبه، وإلى هذا يشير ما روى عن عطاء، وعليه فيكون  مِنَّا إِلاَّ  في موضع المفعول له، والمراد على التقديرين حسن طمع فرعون في نجع تهديده إياهم، ويحتمل أن يكون على الثاني تحقيقاً لما أشاروا إليه أولاً من الرحمة والثواب. ثم أعرضوا عن خاطبته وفزعوا والتجأوا إليه سبحانه وقالوا : رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا  أي أفض علينا صبراً يغمرنا كما يفرغ الماء، أو صب علينا ما يطهرنا من الآثام وهو الصبر على وعيد فرعون،  فأفرغ  على الأول استعارة تبعية تصريحية و  مَعِىَ صَبْراً  قرينتها، والمراد هب لنا صبراً تاماً كثيراً، وعلى الثاني كيون  صَبْراً  استعارة أصلية مكنية و  أَفْرِغْ  تخييلية، وقيل : الكلام على الأول كالكلام على الثاني إلا أن الجامع هناك الغمر وههنا التطهير، وليس بذاك وأن جل قائله  وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ  أي ثابتين على ما رزقتنا من الإسلام غير مفتونين من الوعيد. عن ابن عباس. والكلبي. والسدي أنه فعل بهم ما أوعدهم به، وقيل : لم يقدر عليه لقوله تعالى : فَلاَ يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا باياتنا أَنتُمَا وَمَنِ اتبعكما الغالبون  \[ القصص : ٣٥ \]. 
وأجاب الأولون عن ذلك بأن المراد الغلبة بالحجة أو في عاقبة الأمر ونهايته وهذا لا ينافي قتل البعض.

### الآية 7:127

> ﻿وَقَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ أَتَذَرُ مُوسَىٰ وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ ۚ قَالَ سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءَهُمْ وَنَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ [7:127]

وَقَالَ الملأ مِن قَوْمِ فِرْعَونَ  مخاطبين له بعدما شاهدوا من أمر موسى عليه السلام ما شاهدوا. 
 أَتَذَرُ موسى  أي أتتركه  وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُواْ فِى الارض  أي في أرض مصر. 
والمراد بالإفساد ما يشمل الديني والدنيوي، ومفعول الفعل محذوف للتعميم أو أنه منزل منزلة اللازم أو يقدر يفسدوا الناس بدعوتهم إلى دينهم والخروج عليك. أخرج ابن جرير عن ابن عباس قال : لما آمنت السحرة أتبع موسى عليه السلام ستمائة ألف من بني إسرائيل  وَيَذَرَكَ  عطف على يفسدوا المنصوب بأن، أو منصوب على جواب الاستفهام كما ينصب بعد الفاء، وعلى ذلك قول الحطيئة :
ألم أك جارك ويكون بيني \*\*\* وبينكم المودة والأخاء
والمعنى كيف يكون الجمع بين تركك موسى عليه السلام وقومه مفسدين في الأرض وتركهم إياك الخ أي لا يمكن وقوع ذلك. وقرأ الحسن. ونعيم بن ميسرة بالرفع على أنه عطف على ( تذر ) أو استئناف أو حال بحذف المبتدأ، أي وهو يذرك لأن الجملة المضارعية لا تقترن بالواو على الفصيح، والجملة على تقدير الاستئناف معترضة مؤكدة لمعنى ما سبق، أي تذره وعادته وتركك، ولا بد من تقدير هو على ما قال الطيبي كما في احتمال الحال ليدل على الدوام، وعلى تقدير الحالية تكون مقررة لجهة الإشكال. وعن الأشهب أنه قرأ بسكون الراء، وخرج ذلك ابن جنى على أنه تركت الضمة للتخفيف كما في قراءة أبي عمرو  يَأْمُرُكُمْ  \[ البقرة : ٦٧ \] بإسكان الراء استقلالاً للضمة عند توالي الحركات، واختاره أبو البقاء، وقيل : إنه عطف على ما تقدم بحسب المعنى، ويقال له في غير القرآن عطف التوهم، كأنه، قيل : يفسدوا ويذرك كقوله تعالى : فَأَصَّدَّقَ وَأَكُن مّنَ الصالحين  \[ المنافقين : ١٠ \]
 وَءالِهَتَكَ  أي معبوداتك. يروى أنه كان يعبد الكواكب فهي آلهته وكان يعتقد أنها المربية للعالم السفلى مطلقاً وهو رب النوع الإنساني، وعن السدي أن فرعون كان قد اتخذ لقومه أصناماً وأمرهم بأن يعبدوها تقرباً إليه، ولذلك قال : أَنَاْ رَبُّكُمُ الاعلى  \[ النازعات : ٢٤ \] وقيل : إنه كانت له بقرة يعبدها وكان إذا رأى بقرة حسنة أمر قومه بعبادتها، ولذلك أخرج السامري لبني إسرائيل عجلاً وهو رواية ضعيفة عن ابن عباس، وقال سليمان التيمي : بلغني أنه كان يجعل في عنقه شيئاً يعبده، وأمر الجمع عليه يحتاج إلى عناية وقرأ ابن مسعود. والضحاك. ومجاهد. والشعبي و  إلهتك  كعبادتك لفظاً ومعنى فهو مصدر. 
وأخرج غير واحد عن ابن باس أنه كان ينكر قراءة الجمع بالجمع ويقرأ بالمصدر ويقول : إن فرعون كان يعبد ولا يعبد، ألا ترى قوله : مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مّنْ إله غَيْرِى  \[ القصص : ٣٨ \] ومن هنا قال بعضهم : الأقرب أنه كان دهرياً منكراً للصانع، وقيل : الآلهة اسم للشمس وكان يعبدها ؛ وأنشد أبو علي :
وأعجلنا الآلهة أن تؤبا \*\*\*  قَالَ  مجيباً لهم  سَنُقَتّلُ أَبْنَاءهُمْ وَنَسْتَحْيِى \* نِسَاءهُمْ  كما كنا نفعل بهم ذلك من قبل ليعلم أنا على ما كنا عليه من القهر والغلبة، ولا يتوهم أنه المولود الذي حكم المنجمون والكهنة بذهاب ملكنا على يده. 
وقرأ ابن كثير. ونافع ( سنقتل ) بالتخفيف والتضعيف كما في موتت الإبل. 
 وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قاهرون  أي غالبون كما كنا لم يتغير حالنا وهم مقهورون تحت أيدينا، وكان فرعون قد انقطع طمعه عن قتل موسى عليه السلام فلم يعد الملأ بقتله لما رأى من علو أمره وعظم شأنه وكأنه لذلك لم يعد بقتل قومه أيضاً، والظاهر على ما قيل : إن هذا من فرعون بيان لأنهم لا يقدرون على أن يفسدوا في الأرض وإيذان بعدم المبالاة بهم وأن أمرهم فيما بعد كأمرهم فيما قبل وأن قتلهم عبث لا ثمرة فيه، وذكر الطيبي أنه من الأسلوب الحكيم وإن صدر من الأحمق، وأن الجملة الاسمية كالتذليل لما قبلها فافهم.

### الآية 7:128

> ﻿قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا ۖ إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ ۖ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ [7:128]

قَالَ موسى لِقَوْمِهِ  تسلية لهم حين تضجروا مما سمعوا بأسلوب حكيم  استعينوا بالله واصبروا  على ما سمعتم من الأقاويل الباطلة  إِنَّ الارض للَّهِ  أي أرض مصر أو الأرض مطلقاً وهي داخلة فيها دخولاً أولياً  يُورِثُهَا مَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ والعاقبة لِلْمُتَّقِينَ  الذين أنتم منهم، وحاصله أنه ليس الأمر كما قال فرعون : إِنَاْ فَوْقَهُمْ قاهرون  \[ الأعراف : ١٢٧ \] فإن القهر والغلبة لمن صبر واستعان بالله ولمن وعده الله تعالى توريث الأرض وأنا ذلكم الموعود الذي وعدكم الله تعالى النصرة به وقهر الأعداء وتوريث أرضهم، وقوله : والعاقبة  الخ تقرير لما سبق. 
وقرأ أبي. وابن مسعود  والعاقبة  بالنصب عطفاً على اسم أن.

### الآية 7:129

> ﻿قَالُوا أُوذِينَا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنَا وَمِنْ بَعْدِ مَا جِئْتَنَا ۚ قَالَ عَسَىٰ رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ [7:129]

قَالُواْ  أي قوم موسى له عليه السلام  أُوذِينَا  من جهة فرعون  مِن قَبْلِ أَن تَأْتِيَنَا  بالرسالة يعنون بذلك قتل الجبار أولادهم قبل مولده. وبعده إذ قيل له : يولد لبني إسرائيل غلام يسلبك ملكك ويكون هلاكك على يديه  وَمِنْ \* بَعْد مَا \* جِئْتَنَا  أي رسولاً يعنون به ما توعدهم به من إعادة قتل الأبناء وسائر ما كان يفعل بهم لعداوة موسى عليه السلام من فنون الجور والعذاب، وقيل : إن نفس ذلك الإيعاد إيذاء، وقيل : جعل إيعاده بمنزلة فعله لكونه جباراً. 
وقيل : أرادوا الإيذاء بقتل الأبناء قبل مولد موسى عليه السلام وبعد مولده، وقيل : المراد ما كانوا يستعبدون به ويمتهنون فيه من أنواع الخدم والمهن، وتعقب بأن ذلك ليس مما يلحقهم بواسطة موسى عليه السلام فليس لذكره كثير ملاءمة بالمقام، والظاهر أنه لا فرق بين الاتيان والمجيء وإن الجمع بينهما للتفنن والبعد عن التكرار اللفظي فإن الطباع مجبولة على معاداة المعادات، ولذلك جيء بأن المصدرية أولاً وبما أختها ثانياً. 
وذكر الجلال اليوطي في الفرق بينهما أن الإتيان يستعمل في المعاني والأزمان والمجيء في الجواهر والأعيان وهو غير ظاهر هنا إلا أن يتكلف، ونقل عن الراغب في الفرق بينهما أن الاتيان هو المجيء بسهولة فهو أخص من مطلق المجيء وهو كسابقه هنا أيضاً، وهذا منهم جار مجري التحزن لعدم الاكتفاء بما كنى لهمعليه السلام لفرط ما عراهم وفظاعة ما اعتراهم، والمقام يقتضي الإطناب فإن شأن الحزين الشاكي إطالة الكلام رجاء أن يطفىء بذلك بعض الأوام، وقيل : هو استبطاء منهم لما وعدهم عليه السلام أن النجاة والطفر والأول أولى فقوله تعالى : قَالَ عسى رَبُّكُمْ أَن يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ  الذي فعل بكم ما فعل وتوعدكم بما توعد. 
 وَيَسْتَخْلِفَكُمْ  أي يجعلكم خلفاء  فِى الارض  أي أرض مصر تريح بما كنى عنه وتوكيد للتسلية على إبلغ وجه، وفيه إدماج معنى من عادي أولياء الله تعالى فقد بارزه بالمحاربة وحق له الدمار والخسار. وعسى في مثله قطع في إنجاز الموعود والفوز بالمطلوب، ونص غير واحد على التعبير به للجري على سنن الكرماء. 
وقيل : تأدباً مع الله تعالى وإن كان الأمر مجزوماً به بوحي وإعلام منه سبحانه وتعالى، وقيل : إن ذلك لعدم الجزم منه عليه السلام بأنهم المستخلفون بأعيانهم أو أولادهم، فقد روى أن مصر إنما فتحت في زمن داود عليه السلام. 
وتعقب بأنه لا يساعده قوله تعالى : وَأَوْرَثْنَا القوم الذين كَانُواْ يُسْتَضْعَفُونَ مشارق الارض ومغاربها  \[ الأعراف : ١٣٧ \] فإن المتبادر استخلاف المستضعفين أنفسهم لا استخلاف أولادهم، والمجاز خلاف الأصل. نعم المشهور أن بني إسرائيل بعد أن خرجوا مع موسى عليه السلام من مصر لم يرجعوا إليها في حياته، وفي قوله سبحانه : فَيَنظُرَ  أي يرى أو يعلم  كَيْفَ تَعْمَلُونَ  أحسناً أم قبيحاً فيجازيكم حسبما يظهر منكم من الأعمال إرشاد لهم إلى الشكر وتحذير لهم عن الوقوع في مهاوي الكفر، وقيل : فيه إشارة إلى ما وقع منهم بعد ذلك.

### الآية 7:130

> ﻿وَلَقَدْ أَخَذْنَا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ [7:130]

وَلَقَدْ أَخَذْنَا ءالَ فِرْعَوْنَ بالسنين  شروع في تفصيل مبادي الهلاك الموعود به وإيذان بأنهم لم يمهلوا حتى تحولوا من حال إلى حال إلى أن حل بهم عذاب الاستئصال، وتصديق الجملة بالقسم لإظهار الاعتناء بمضمونها، والمراد بآل فرعون أتباعه من القبط، وإضافة الآل إليه وهو لا يضاف إلا إلى الإشراف لما فيه من الشرف الدنيوي الظاهر وإن كان في نفس الأمر خسيساً، وعن الخطيب أن المراد فرعون وإله، والسنسن جمع سنة والمراد بها عام القحط وقد غلبت في ذلك حتى صارت كالعلم له لكثرة ما يذكر ويؤرخ به ولا كذلك العام الخصب، ولامها واو أو هاء، وقد اشتقوا منها فقالوا : أسنت القوم إذا قحطوا، وقلوبا اللام تاء ليفرقوا بين ذلك وقولهم أسنى القوم إذا لبثوا في موضع سنة، قال المازني : وهو شاذ لا يقاس عليه، وقال الفراء : توهموا أن الهاء أصلية إذ وجدوها أصلية فقلبوها تاء وجاء أصابتنا سنية حمراء أي جدب شديد فالتصغير للتعظيم وإجراء الجمع مجرى سائر الجموع السالمة المعربة بالحروف هو اللغة المشهورة واللغة الأخرى إجراء الإعراب على النون لكن مع الياء خاصة فيسلك فيه مسلك حين في الإعراب بالحركات الثلاث مع التوين عند بني عامر وبنو تميم لا ينونون تخفيفاً وحينئذ لا تحذف النون للإضافة وعلى ذلك جاء قول الشاعر :دعاني من نجد فإن سنينه  لعبن بنا شيباً وشيبننا مرداًومنه قوله صلى الله عليه وسلم **«اللهم اجعلها عليهم سنيناً كسنين يوسف عليه السلام »** وهو على اللغة المشهورة  وَنَقْصٍ مّن الثمرات  بكثرة عاهات الثمار وخروج اليسير منها حتى لا تحمل النخلة كما روى عن رجاء بن حيوة إلا بسرة واحدة وكان الحقط على ما أخرج عبد بن حمبد وغيره عن قتادة في باديتهم وأهل ماشيتهم والنقص في أمصارهم وقراهم، وأخرج الحكيم الترمذي في نوادر الأصول، وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال : لما أخذ الله تعالى آل فرعون بالسنين يبس كل شيء لهم وذهبت مواشيهم حتى يبس نيل مصر فاجتمعوا إلى فرعون وقالوا له : إن كنت كما تزعم فائتنا في نيل مصر بماء فقال : غدوة يصبحكم الماء فلما خرجوا من عنده قال أي شيء صنعت ؟ أنا لا أقدر على ذلك فغداً يكذبونني، فلما كان جوف الليل قال واغتسل ولبس مدرعة صوف ثم خرج حافياً حتى أتى النيل فقام في بطنه فقال : اللهم إنك تعلم أني أعلم أنك تقدر على أن تملأ نيل مصر ماء فاملأه ماء فما علم إلا بخرير الماء يقبل فخرج وأقبل النيل مترعاً بالماء لما أراد الله تعالى بهم من الهلكة، وهذا إن صح يدل على أن الرجل لم يكن دهرياً نافياً للصانع كما يقال البعض  لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ  أي لكي يتعظوا فيتركوا ما هم عليه أو لكي يذكروا الله تعالى فيتضرعوا له ويلتجئوا إليه رغبة فيما عنده، وقيل : لكي يتذكروا أن فرعون لو كان إلهاً لدفع ذلك الضر. 
وعن الزجاج أنهم إنما أخذوا بالضراء لأن أحوال الشدة ترقق القلوب وترغب فيما عند الله تعالى ألا ترى قوله تعالى : وَإِذَا مَسَّهُ الشر فَذُو دُعَاء عَرِيضٍ  \[ فصلت : ٥١ \].

### الآية 7:131

> ﻿فَإِذَا جَاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قَالُوا لَنَا هَٰذِهِ ۖ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسَىٰ وَمَنْ مَعَهُ ۗ أَلَا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ [7:131]

فَإِذَا جَاءتْهُمُ الحسنة  الخ بيان لعدم تذكرهم وتماديهم في الغي، والمراد بالحسنة كما يفهمه ظاهر كلام البعض الخصب والرخاء، وفسرها مجاهد بالرخاء والعافية وبعضهم بأعم من ذلك أي إذا جاءهم ما يستحسنونه  قَالُواْ لَنَا هذه  أي إنا مستحقوها بيمن الذات  وَإِن تُصِبْهُمْ سَيّئَةٌ  أي ضيقة وجدب أو جدب ومرض أو عقوبة وبلاء  يَطَّيَّرُواْ بموسى وَمَن مَّعَهُ  أي يتشاءموا بهم ويقولوا : ما أصابنا ذلك إلا بشؤمهم، وأصل إطلاق التطير على التشاؤم على ما قال الأزهري إن العرب كانت تزجر الطير فتتشاءم بالبارح وتتيمم بالسانح. وفي المثل من إلى بالسانح بعد البارح، قال أبو عبيد : سأل يونس رؤبة وأنا شاهد عن السانح والبارح فقال : السانح ما ولاك ميامنه والبارح ما ولاك مياسره، وقيل : البارح ما يأتي من جهة الشمال والسانح ما يأتي من جهة اليمين وأنشدوا :زجرت لها طير الشمال فإن يكن  هواك الذي تهوى يصبك اجتنابهاثم إنهم سموا الشؤم طيراً وطائراً والتساؤم تطيراً، وقد يطلقون الطائر على الحظ والنصيب خيراً أو شراً حتى قيل : إن أصل التطير تفريق الما لوتطييره بين القوم فيطير لكل أحد نصيبه من خير أو شر ثم غلب في الشر. وفي الآية إغراق في وصفهم بالغباوة والقساوة فإن الشدائد ترقق القلوب وتذلل العرائك وتزيل التماسك لا سيما بعد مشاهدة الآيات وقد كانوا بحيث لم يؤثر فيهم شيء منها بل ازدادوا عتواً وعناداً، وتعريف الحسنة وذكرها بأداة التحقيق كما قال غير واحد لكثرة وقوعها وتعلق الإرادة بإحداثها بالذات لأن العناية الإلهية اقتضت سبق الرحمة وعموم النعمة قبل حصول الأعمال، وتنكير السيئة وذكرها بأداة الشك لندورها وعدم تعلق الإرادة بإحداثها إلا بالتبع فإن النقمة بمقتضى تلك العناية إنما تستحق بالأعمال. 
والزمخشري بين الحسنة بالخصب والرخاء ثم قال في تعليل ما ذكر : لأن جنس الحسنة وقوعه كالواجب لكثرته واتساعه وأما السيئة فلا تقع إلا في الندرة ولا يقع إلا شيء منها. وقال **«صاحب الكشف »** : ذلك إشارة إلى أن التعريف للعهد الخارجي التقريري بدليل أنه ذكر في مقابلة قوله سبحانه : وَلَقَدْ أَخَذنَا آلَ فِرْعَوْنَ بالسنين  \[ الأعراف : ١٣٠ \] وقوله : لأن الجنس الخ أي جنس الخصب والرخاء وفيه مبالغة أي إنه لكثرة الوقوع كأن الجنس كله واجب الوقوع، ولهذا لا يزال يتكاثر حتى يستغرق الجنس. وقوله : وإما السيئة الخ في مقابلة ذلك دليل بين على إرادة هذا المعنى فلا تخالف بين كلاميه ولم يرد بالجنس العهد الذهني وهذا مراد صاحب المفتاح وبه يندفع ما توهمه صاحب الإيضاح انتهى. وفيه تعريض بشيخه الطيبي حيث حمل الجنس على العهد الذهني وقال ما قال والبحث طويل الذيل فليطلب من شروح المفتاح وشرح التلخيص للعلامة الثاني وحواشيه، وقوله سبحانه وتعالى : أَلا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِندَ الله  استنئاف مسوق من قبله تعالى لرد مقالتهم الباطلة وتحقيق للحق في ذلك وتصديره بكلمة التنبيه لإبراز كمال العناية بمضمونه أي ليس شؤمهم إلا عند الله أي من قبله وحكمه كما قال ابن عباس، وقال الزجاج : المعنى ليس الشؤم الذي يلحقهم إلا الذي وعدوا به من العقاب عنده لا ما ينالهم في الدنيا، وقال الحسن : المعنى إلا إن ما تشاءموا محفوظ عليهم حتى يجازيهم الله تعالى به يوم القيامة، وفسر بعضهم الطائر هنا بالحظ أي إنماحظهم وما طار إليهم من القضاء والقدر بسبب شؤمهم عند الله، وقرأ الحسن  إِنَّمَا  وهو اسم جمع طائر على الصحيح لأنه على أوزان المفردان، وقال الأخفش هو جمع له، وروى عن قطرب أن الطير يكون واحداً وجمعاً وكذا الطائر، وأنشد ابن الأعرابي :كأنه تهتان يوم ماطر  على رؤوس كرؤوس الطائر ولكن أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ  ذلك فيقولون ما يقولون، وإسناد عدم العلم إلى أكثرهم للإشعار بأن بعضهم يعلم ولكن لا يعمل بمقتضى علمه.

### الآية 7:132

> ﻿وَقَالُوا مَهْمَا تَأْتِنَا بِهِ مِنْ آيَةٍ لِتَسْحَرَنَا بِهَا فَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ [7:132]

وَقَالُواْ  شروع في بيان بعض آخر مما أخذوا به من فنون العذاب التي هي في أنفسها آيات بينات وعدم إرعوائهم عما هم عليه من الكفر والعناد أي قالوا بعد ما رأوا ما رأوا من العصا والسنين ونقص الثمرات  مَهْمَا تَأْتِنَا بِهِ  كلمة مهما مما اختلف فيها فقيل هي كلمة برأسها موضوعة لزيادة التعميم. وقيل : هي مركبة من مه اسم فعل للكف إما باق على معناه أو مجرد عنه وما الشرطية. وقال الخليل : أصلها ما ما على أن الأولى شرطية والثانية إبهامية متصلة بها لزيادة التعميم فقلبت ألف ما الأولى هاء فراراً من بشاعة التكرار، وأسلم الأقوال كما قال غير واحد القول بالبساطة. وفي حاشية التسهيل لابن هشام ينبغي لمن قال بالبساطة أن يكتب مهما بالياء ولمن قال أصلها ماما أن يكتبها بالألف، وفي **«الشرح »** وكذا إذا قيل أصلها مه ما. وتعقب ذلك الشمني بأن القائلين بالأصلين المذكورين متفقون على أن مهما أصل آخر فما ينبغي في كتب آخرها على القول الأولى ينبغي على القول الثاني، وفيه نظر. 
وهي اسم شرط لا حرف على الصحيح، ومحلها الرفع هنا على الابتداء وخبرها إما الشرط أو الجزاء أو هما على الخلاف أو النصب على أنها مفعول به لفعل يفسره ما بعد أي أي شيء تحضره لدينا تأتنا به، ومن الناس من جوز مجيئها في محل نصب على الظرفية، وشدد الزمخشري الإنكار عليه في **«الكشاف »**، وذكر ابن المنير أنه غير القائل بظرفيتها كلام الخليل أو شبهها بمتى ما، وخالف ابن مالك في ذلك وقال : إنه مسموع عن العرب كقوله :وإنك مهما تعط بطنك سؤله  وفرجك نالا منتهى الذم أجمعاويوافقه كما قال الشهاب استعمال المنطقيين لها بمعنى كلما وجعلها سور الكلية فإنها تفيد العموم كما صرحوا به وليس من مخترعاتهم كما توهم، وأنت تعلم أن كونها هنا ظرفاً مما لا ينبغي الإقدام عليه بوجه لإباء قوله تعالى : مّنْ ءايَةٍ  عنه لأنه بيان لمهما وليس بزمان، وتسميتهم إياها آية من باب المجاراة لموسى عليه السلام والاستهزاء بها مع الإشعار بأن هذا العنوان لا يؤثر فيهم وألا فهم ينكرون كونها آية في نفس الأمر ويزعمون أنها سحر كما ينبىء عنه قولهم  لّتَسْحَرَنَا بِهَا  والضميران المجروران راجعان إلى مهما، وتذكير الأول لرعاية جانب اللفظ لإبهامه، وتأنيث الثاني للمحافظة على جانب المعنى لأنه إنما رجع إليه بعدما بين بآية، وادعى ابن هشام أن الأولى عود الضمير الثاني إلى آية، ولعله راعى القرب والذاهب إلى الأول راعى أن  ءايَةً  مسوقة للبيان فالأولى رجوع الضمير على المفسر المقصود بالذات وإن كان المآل واحداً أي لتسحر بتلك الآية أعيننا وتشبه علينا  فَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ  أي بمصدقين لك ومؤمنين بنبوتك أصلاً.

### الآية 7:133

> ﻿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ وَالْجَرَادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفَادِعَ وَالدَّمَ آيَاتٍ مُفَصَّلَاتٍ فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا مُجْرِمِينَ [7:133]

فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ  عقوبة لجرائمهم لا سيما قولهم هذا  الطوفان  أي ما طاف بهم وغشى أماكنهم وحروثهم من مطر أو سيل فهو اسن جنس من الطواف، وقيل : إنه في الأصل مصدر كنقصان، وهو اسم لكل شيء حادث يحيط بالجهات ويعم كالماء الكثير والقتل الذريع والموت الجار، ف وقد اشتهر في طوفان الماء وجاء تفسيره هنا بذلك في عدة روايات عن ابن عباس، وجاء عن عطاء. وماهد تفسيره بالموت، وأخرج ذلك ابن جرير وغيره عن عائشة رضي الله تعالى عنها مرفوعاً، وعن وهب بن منبه أنه الطاعون بلغة اليمن وعن أبي قلابة أنه الجدري، وهم أول من عذبوا به، وهذا القولان ينجران إلى الخبر المرفوع  والجراد  هو المعروف واحده جرادة سمي لجرده ما على الأرض، وهو جنود الله تعالى يسلطه على من يشاء من عباده، وأخرج أبو داود. وابن ماجه. والطبراني وغيرهم عن أبي زهير النميري مرفوعاً النهي عن مقاتلته معلللاً بما ذكر، وذكر البيهقي أن ذلك إن صح مراد به إذا لم يتعرض لإفساد المزارع فإذا تعرض له جاز دفعه بما يقع به الدفع من القتال والقتل أو أريد بها لإشارة إلى تعذر مقاومته بذلك، وأخرج أبو داود ومن معه عن سليمان قال : سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الجراد فقال **«أكثر جنود الله تعالى لا آكله ولا أحرمه »** وزعم أنه مخلوق من ذنوب ابن آدم مؤول  والقمل  بضم القاف وتشديد الميم قيل : هو الدبي وهو الصغار من الجراد ولا يسمى جراداً إلا بعد نبات أجنحته، وروى ذلك عن ابن عباس. ومجاهد. وقتادة والسدي، وقيل هو القدران جمع القراد المعروف، وقيل : صغار الذر، وعن حبيب بن أبي ثابت أنها الجعلان، وعن ابن زيد قال : زعم بعض الناس أنها البراغيث، وعن سعيد بن جبير أنها السوس وهي الدابة التي تكون في الحنطة وغيرها، ويسمى قملاً بفتح فسكون وبذلك قرأ الحسن  والضفادع  جمع ضفدع كزبرج. وجعفر. وجندب ودرهم وهذا أقل أو مردود الدابة المائية المعروفة  والدم  معروف وتشديد( [(١)](#foonote-١) ) داله لغة. 
وروى أن موسى عليه السلام لما رأى من فرعون وقومه العناد والإصرار دعا وقال : يا رب إن فرعون علا في الأرض وإن قومه قد نقضوا العهد رب فخذهم بعقوبة تجعلها عليهم نقمة ولقومي عظة ولمن بعدهم آية وعبرة فأرسل الله تعالى عليهم المطر ثمانية أيام في ظلمة شديدة لم يستطع أحد لها أن يخرج من بيته فدخل الماء بيوتهم حتى قاموا فيه إلى تراقيهم ولم يدخل بيوت بني إسرائيل منه قطرة وكانت مشتبكة في بيوتهم وفاض الماء على أرضهم وركد فمنعهم من الحرث والتصرف ودام ذلك الماء عليهم سبعة أيام من السبت إلى السبت فقالوا : يا موسى ادع لنا ربك يشكف عنا ذلك ونحن نؤمن بك ونرسل معك بني إسرائيل فدعا ربه فكشف عنهم فنبث من العشب والكلأ ما لم يعهد مثله قبله، فقالوا : ما كان هذا الماء إلا نعمة علينا فلم يؤمنوا. 
فبعث الله تعالى عليهم الجراد فأكل زروعهم وثمارهم وأبوابهم وسقوفهم وثيابهم وأمتعتهم حتى أكل مسامير الحديد التي في الأبواب ولم يصب بني إسرائيل من ذلك شيء، فعجوا وضجوا إلى موسى عليه السلام، وقالوا له كما قالوا أولاً فخرج عليه السلام إلى الصحراء فأشار بعصاه نحو المشرق والمغرب فرجع إلى النواحي التي جاء منها، وقيل : جاءت ريح فألقته في البحر فلم يؤمنوا، فسلط الله تعالى عليهم القمل فأكل ما أبقى الجراد وكان يدخل بين ثوب أحدهم وجلده فيمصه وإذا أراد أن يأكل طعاماً امتلأ قملاً، وقال ابن المسيب : ابتلوا بالسوس فكان الرجل منهم يخرج بعشرة أجربة إلى الرحى فلا يرد إلا بثلاث أقفزة منها وأخذ حواجبهم وأشفار عيونهم وسائر شعورهم وفعل في جلودهم ما يفعله الجدري ومنعهم النوم والقرار ففزعوا إلى موسى عليه السلام فرفع عنهم، فقالوا : قد تحققنا الآن أنك ساحر، فأرسل الله تعالى عليهم الضفادع فامتلأت بيوتهم وأفنيتهم وأمتعتهم وآنيتهم منها فلا يكشف أحد إنا إلا وجدها فيه، وكان الرجل يجلس في الضفادع فتبلغ إلى حلقه فإذا أراد أن يتكلم يشب الضفدع فيدخل في فيه ؛ وكانت تشب في قدورهم فتفسد عليهم طعامهم وتطفىء نيرانهم، وإذا اضطجع أحدهم ركبته حتى تكون عليه ركاماً فلا يستطيع أن ينقلب وإذا أراد أن يأكل سبقته إلى فيه ولا يعجن عجيناً إلا امتلأ منها ففزعوا إليه عليه السلام وتضرعوا فأخذ عليهم العهود والمواثيق ودعا فكشف الله تعالى عنهم ذلك فنقضوا العهد، فأرسل الله تعالى عليهم الدم فسال النيل عليهم دماً عبيطاً وصارت مياههم دماء فكان فرعون يجمع بين القبطي والإسرائيلي في إناء واحد فيكون ما يلي الإسرائيلي ماء وما يلي القبطي دماً ويقومان إلى الجرة فيها الماء فيخرج للقبطي دم وللإسرائيلي ماء حتى إن المرأة من آل فرعون تأتي المرأة من بني إسرائيل فتقول لها استقيني ماء فتصب لها من قربتها فيصير في الإناء دماً حتى كانت تقول : اجعليه في فيك ثم مجيه في فيّ فتفعل ذلك فيصير دماً. 
وقال ابن ابن أسلم : إن الدم الذي سلط عليهم كان الرعاف  ءايات  حال من الأشياء المتقدمة. 
 مّفَصَّلاَتٍ  مبينات لا يشك عاقل أنها آيات إلهية لا سحر كما يزعمون، أو مميزاً بعضها من بعض منفصلة بالزمان لامتحان أحوالهم وكان بين كل اثنين منها شهر وكان امتداد كل واحدة منها شهراً كما أخرج ذلك ابن المنذر عن ابن عباس، وأخرج ابن أبي حاتم عن زيد بن أسلم قال : كانت الآيات التسع في تسع سنين في كل سنة آية، وأخرج أحمد في الزهد وغيره عن نوف الشامي قال : مكث موسى عليه السلام في آل فرعون بعدما غلب السحرة عشرين سنة يريهم الآيات الجراد والقمل الخ فأبوا أن يسلموا. 
وفي رواية أبي الشيخ عن ابن عباس أنه مكث عليه السلام بعد أن غلب أربعين سنة يريهم ما ذكر، ورأيت في مسامرات الشيخ ابن العربي قدس سره أن موسى عليه السلام مكث ينذر آل فرعون ستة عشر شهراً إلى أن أغرقوا فأدخلوا ناراً ولم ينتفعوا بما رأوا من الآيات  فاستكبروا  عن الإيمان بها. 
 وَكَانُواْ قَوْماً مُّجْرِمِينَ  جملة معترضة مقررة لمضمون ما قبلها. 
١ - قوله وتشديد دالة لغة كذا بخطه اهـ..

### الآية 7:134

> ﻿وَلَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ الرِّجْزُ قَالُوا يَا مُوسَى ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِنْدَكَ ۖ لَئِنْ كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ وَلَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِي إِسْرَائِيلَ [7:134]

وَلَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ الرجز  أي العذاب المذكور على التفصيل كما روي عن الحسن. وقتادة. ومجاهد ؛ و  لَّمّاً  لا تنافي التفصيل والتكرير كما لا يخفى. 
وعن أبي عبد الله رضي الله تعالى عنه أنه أصابهم ثلج أحمر لم يروه قبل فهلك منهم كثير، وعن ابن جبير أنه الطاعون، وقد ورد إطلاقه عليه في حديث أسامة بن زيد المرفوع **«وهو الطاعون رجز أرسل على طائفة من بني إسرائيل أو على من كان قبلكم فإذا سمعتم به في أرض فلا تقدموا عليه وإذا وقع بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا فراراً منه »** وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال : أمر موسى عليه السلام بني إسرائيل فقال : ليذبح كل منكم كبشاً ثم ليخضب كفه في دمه ثم ليضرب على بابه ففعلوا، فقال القبط لهم : لم تجعلوا هذا الدم على أبوابكم ؟ قالوا : إن الله تعالى يريد أن يرسل عليكم عذاباً فنسلم وتهلكون، قال القبط : فما يعرفكم الله تعالى إلا بهذه العلامة ؟ قالوا : هكذا أمرنا نبينا، فأصبحوا وقد طعن من قوم فرعون سبعون ألفاً فأمسوا وهم لا يتدافنون، والمعنى على الأول أنهم كلما وقع عليهم عقوبة من العقوبات المذكورة. 
 قَالُواْ يَا موسى  في كل مرة على القول بأن المراد بالرجز غير ما تقدم أنه لما وقع عليهم الثلج المهلك أو الطاعون الجارف قالوا  ادع لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهدَ عِنْدَكَ  أي بعهده سبحانه عندك وهو النبوة كما قال أبو مسلم فما مصدرية، وسميت النبوة عهداً كما قال العلامة الثاني : لأن الله تعالى عهد إكرام الأنبياء عليهم السلام بها وعهدوا إليه تحمل أعبائها، أو لأن لها حقوقاً تحفظ كما تحفظ العهود، أو لأنها بمنزلة عهد ومنشور منه جل وعلا أو بالذي عهد إليك أن تدعوه به فيجيبك كما أجابك في آياتك،  فَمَا  موصولة والجار والمجرور صلة لأدع أو حال من الضمير فيه، يعني ادع الله تعالى متوسلاً بما عهد عندك، ويحتمل أن تكون الباء للقسم الاستعطافي كما يقال : بحياتك افعل كذا، فالمراد استعطافه عليه السلام لأن يدعو، وأن تكون للقسم الحقيقي وجوابه  لَئِن كَشَفْتَ عَنَّا الرجز  الذي وقع علينا  لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ وَلَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِى إسراءيل  أي أقسمنا بعهد الله تعالى عندك  لَئِن كَشَفْتَ  الخ، وخلاصة ما ذكروه في الباء هنا أنها إما للإلصاق أو للسببية أو للقسم بقسميه.

### الآية 7:135

> ﻿فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ الرِّجْزَ إِلَىٰ أَجَلٍ هُمْ بَالِغُوهُ إِذَا هُمْ يَنْكُثُونَ [7:135]

فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ الرجز إلى أَجَلٍ هُم بالغوه  أي إلى حد من الزمان هم واصلون إليه ولا بد فمعذبون فيه أو مهلكون، وهو وقت الغرق كما روي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، أو الموت كما روي عن الحسن، والمراد أنجيناهم من العذاب إلى ذلك الوقت، ومن هنا صح تعلق الغاية بالكشف، ولا حاجة إلى جعل الجار والمجرور متعلقاً بمحذوف وقع حالاً من الرجز خلافاً لزاعمه. 
وقيل : المراد بالأجل ما عينوه لإيمانهم  إذَا هُمْ يَنْكُثُونَ  أي ينقضون العهد، وأصل النكث فل طاقات الصوف المغزول ليغزل ثانياً فاستعير لنقض العهد بعد إبرامه، وجواب  لما  فعل مقدر يؤذن به إذا الفجائية لا الجملة المقترنة بها، وإن قيل به فتساهل، أي فلما كشفنا عنهم ذلك فاجأوا بالنكث من غير توقف وتأمل كذا قيل، وعليه فكلا الاسمين أعني لما وإذا معمول لذلك الفعل على أن الأول ظرفه، والثاني مفعوله قاله العلامة، والداعي لذلك المحافظة على ما ذهبوا إليه من أن ما يلي كلمة لما من الفعلين يجب أن يكون ماضياً لفظاً أو معنى، إلا أن مقتضى ما ذكروا من أن إذ وإذا المفاجأة في موضع المفعول به للفعل المتضمنين هما إياه أن يكون التقدير فاجأوا زمان النكث أو مكانه. 
وقد يقال أيضاً : تقدير الفعل تكلف مستغنى عنه إذ قد صرحوا بأن لما تجاب بإذا المفاجأة الداخلة على الجملة الاسمية، نعم هم يذكرون ما يوهم التقدير وليس به بل هو بيان حاصل المعنى وتفسير له فتدبر.

### الآية 7:136

> ﻿فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ [7:136]

فانتقمنا منْهُمْ  أي فأردنا الانتقام منهم، وأول بذلك ليتفرع عليه قوله سبحانه : فَأَغْرَقْنَاهُمْ  وإلا فالإغراق عين الانتقام فلا يصح تفريعه عليه. 
وجوز أن تكون الفاء تفسيرية وقد أثبتها البعض كما في قوله تعالى : ونادى نوح ربه فقال رب  \[ هود : ٤٥ \] الخ وحينئذٍ لا حاجة إلى التأويل  في اليم  أي البحر كما روي عن ابن عباس. والسدي رضي الله تعالى عنهم، ويقع على ما كان ملحاً زعافاً وعلى النهر الكبير العذب الماء ولا يكسر ولا يجمع جمع السلامة، وقال الليث : هو البحر الذي لا يدرك قعره، وقيل : هو لجة البحر وهو عربي في المشهور. وقال ابن قتيبة : إنه سرياني واصله كما قيل إلى ما ترى والقول بأنه اسم للبحر الذي غرق فيه فرعون غريق في يم الضعف  بأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بآيَاتنَا  تعليل للإغراق يعني أن سبب الإغراق وما استوجبوا به ذلك العقاب هو التكذيب بالآيات العظام وهو الذي اقتضى تعلق إرادة الله تعالى به تعلقاً تنجيزياً وهذا لا ينافي تفريع الإرادة على النكث لأن التكذيب هو العلة الأخيرة والسبب القريب ولا مانع من تعدد الأسباب وترتب بعضها على بعض قاله الشهاب ونور الحق ساطع منه، وقال شيخ الإسلام : الفاء وإن دلت على ترتب الإغراق على ما قبله من النكث لكنه صرح بالتعليل إيذاناً بأن مدار جميع ذلك تكذيب آيات الله تعالى وما عطف عليه ليكون ذلك مزجرة للسامعين عن تكذيب الآيات الظاهرة على يد رسول الله صلى الله عليه وسلم انتهى، وفيه مناقشة لا تخفى. 
 وَكَانُوا عَنْهَا غَافلينَ  الضمير المجرور للآيات، والغفلة مجاز عن عدم الذكر والمبالاة أي بسبب تكذيبهم بالآيات وعدم مبالاتهم بها وتفكرهم فيها بحيث صاروا كالغافلين عنها بالكلية وإلا فالمكذب بأمر لا يكون غافلاً عنه للتنافي بين الأمرين، وفي ذلك إشارة إلى أن من شاهد مثلها لا ينبغي له أن يكذب بها مع علمه بها، وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن الضمير للنقمة وأريد بها الغرق كما يدل عليه ما قبله، وعليه فيجوز أن تكون الجملة حالية بتقدير قد، ولا مجاز في الغفلة حينئذٍ والأول أولى كما لا يخفى.

### الآية 7:137

> ﻿وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا ۖ وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنَىٰ عَلَىٰ بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا صَبَرُوا ۖ وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُوا يَعْرِشُونَ [7:137]

وَأَوْرَثْنَا القوم الذين كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ  بالاستعباد وذبح الأبناء، والجمع بين صيغتي الماضي والمستقبل للدلالة على استمرار الاستضعاف وتجدده، والمراد بهم بنو إسرائيل، وذكروا بهذا العنوان إظهار الكمال اللطف بهم وعظم الإحسان إليهم حيث رفعوا من حضيض المذلة إلى أوج العزة، ولعل فيه إشارة إلى إن الله سبحانه عند القلوب المنكسرة. ونصب القوم على أنه مفعول أول لأورثنا والمفعول الثاني قوله سبحانه :
 مشارق الأرض وَمَغَاربَهَا  أي جميع جهاتها ونواحيها، والمراد بها على ما روي عن الحسن. وقتادة. وزيد بن أسلم أرض الشام، وذكر محي السنة البغوي أنها أرض الشام ومصر، وفي رواية أنها أرض مصر التي كانت بأيدي المستضعفين، وإلى ذلك ذهب الجبائي، ورواه أبو الشيخ عن الليث بن سعد، أي أورثنا المستضعفين أرض مستضعفيهم وملكهم، ومعنى توريثهم إياها على القول بأنهم لم يدخلوها بعد أن خرجوا منها مع موسى عليه السلام إدخالها تحت ملكهم وعدم وجود مانع لهم عن التصرف فيها أو تمكين أولادهم فيها وذلك في زمن داود وسليمان عليهما السلام، ولا يخفى أنه خلاف المتبادر كما مرت الإشارة إليه. على أن أرض مصر بعد أن فتحت في زمن داود عليه السلام لم يكن لبني إسرائيل تمكن فيها واستقرار وإنما كان ملك وتصرف وكان التمكن في الأرض المقدسة، والسوق على ما قيل يقتضي ذكر ما تمكنوا فيه لا ما ملكوه، وأقول قد يقال : المراد بالأرض هنا وفيما تقدم من قوله سبحانه : عسى ربكم أن يهلك عدوكم ويستخلفكم في الأرض  \[ الأعراف : ١٢٩ \] الأرض المقدسة التي طلب موسى عليه السلام من فرعون بني إسرائيل ليذهب بهم إليها فإنها موطن آبائهم فيكون موسى عليه السلام قد وعدهم هلاك عدوهم المانع لهم من الذهاب إليها وجعل الله تعالى إياهم خلفاء فيها بعد آبائهم وأسلافهم أو بعد من هي في يده إذ ذاك من العمالقة ثم أخبر سبحانه هنا أن الوعد قد نجز وقد أهلكنا أعداء أولئك الموعودين وأورثناهم الأرض التي منعوهم عنها ومكناهم فيها وفي حصول بغية موسى عليه السلام وما ألطف توريث الأبناء مساكن الآباء  التي باركنا فيهَا  بالخصب وسعة الأرزاق أو بذلك وبكونها مساكن الأنبياء عليهم السلام والصالحين وذلك ظاهر على تقدير أن يراد بمشارق الأرض ومغاربها الشام ونواحيها. فقد أخرج ابن أبي شيبة عن أبي أيوب الأنصاري قال ليهاجرن الرعد والبرق والبركات إلى الشام. 
وأخرج ابن عساكر عن ضمرة بن ربيعةقال : سمعت أنه لم يبعث نبي إلا من الشام فإن لم يكن منها أبى به إليها، وأخرج أحمد عن عبد الله بن خوالة الأزدي أنه قال :**«يا رسول الله خر لي بلداً أكون فيه قال عليك بالشام فإنه خيرة الله تعالى من أرضه يجتبي إليه خيرته من عباده »**
وأخرج ابن عساكر عن واثلة بن الأسقع قال :**«سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول عليكم بالشام فإنها صفوة بلاد الله تعالى يسكنها خيرته من عباده »**، وأخرج الحاكم وصححه عن عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما قال :" يأتي على الناس زمان لا يبقى فيه مؤمن إلا لحق بالشام " وجاء من حديث أحمد. والترمذي. والطبراني. وابن حبان. والحاكم أيضاً وصححه عن زيد بن ثابت. أنه صلى الله عليه وسلم قال : طوبى للشام فقيل له : ولم ؟ قال :" إن ملائكة الرحمن باسطة أجنحتها عليها " والأحاديث في فضل الشام كثيرة وقد جمعها غير واحد إلا أن في الكثير منها مقالاً وسبب الوضع كان قوياً، وهو اسم لأحد الأقاليم العرفية، وفي **«القاموس »** أنها بلاد عن مشأمة القبلة وسميت بذلك لأن قوماً من بني كنعان تشاءموا إليها أي تياسروا أو سمى بسام بن نوح فإنه بالشين بالسريانية أو لأن أرضها شامات بيض وحمر وسود وعلى هذا لا تهمز. 
وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي الأغبش وكان قد أدرك أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أنه سئل عما بورك من الشام أين مبلغ حده ؟ فقال : أول حدوده عريش مصر والحد الآخر طرف الثنية والحد الآخر الفرات والحد الآخر جعل فيه قبر هود النبي عليه السلام، وليس المراد بها ما هو متعارف الناس اليوم أعني دمشق نعم هي داخلة فيها، وقد تكلمنا على حدودها بأبسط من هذا في حواشينا على **«شرح مختصر السمرقندية »** لابن عصام، وقد ولع الناس في دمشق مدحاً وذماً فقال بعضهم :
تجنب دمشق ولا تأتها \*\*\* وإن شاقك الجامع الجامع
فسوق الفسوق بها نافق \*\*\* وفجر الفجور بها طالع
**وقال آخر :**
دمشق غدت جنة للورى \*\*\* زها وصفا العيش في ظلها
وفيها لدى النفس ما تشتهي \*\*\* ولا عيب فيها سوى أهلها
وقال آخر ف الشام ولعله عنى متعارف الناس :
قيل لي ما يقول في الشام حبر \*\*\* شام من بارق الهنا ما شامه
قلت ماذا أقول في وصف أرض \*\*\* هي في وجنة المحاسن شامه
وأنا أقول إذا صح الحديث فهو مذهبي ونعوذ بالله تعالى من اتباع الهوى، والموصول صفة المشارق والمغارب، وقيل : صفة الأرض وضعفه أبو البقاء بأن فيه العطف على الموصوف قبل الصفة وهو نظير قولك : قام أم هند وأبوها العاقلة، وجوز أن يكون المفعول الثاني لأورثنا أي الأرض التي فعلى هذا يكون نصب المشارق وما عطف عليه بيستضعفون على معنى يستضعفون فيها وأن يكون المشارق منصوبة بيستضعفون والتي صفة كما في الوجه الأول والمفعول الثاني لأورثنا محذوف أي الأرض أو الملك، ولا يخفى بعده وأن المتبادر هو الأول. 
 وَتَمَّتْ كَلمَةُ رَبِّكَ الحسنى عَلَى بَني إسْرَآءيلَ  أي مضت عليهم واستمرت من قولهم : مضى على الأمر إذا استمر، والمراد من الكلمة وعده تعالى لهم بالنصر والتمكين على لسان نبيهم عليه السلام وهو قوله السابق  عسى ربكم أن يهلك عدوكم  \[ الأعراف : ١٢٩ \] الخ، وذهب غير واحد إلى أنه الوعد الذي يؤذن به قوله سبحانه : ونريد أن نمنّ على الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين  \[ القصص : ٥ \]، وقيل : المراد بها علمه تعالى الأزلي، والمعنى مضى واستمر عليهم ما كان مقدراً من إهلاك عدوهم وتوريهم الأرض، و  الحسنى  تأنيث الأحسن صفة للكلمة ووصفت بذلك لما فيها من الوعد بما يحبون ويستحسنون، وعن الحسن أنه أريد بالكلمة عدته سبحانه وتعالى لهم بالجنة ولا يخفى أنه يأباه السابق والسياق، والتفت من التكلم إلى الخطاب في قوله سبحانه : ربك  على ما قال الطيبي لأن ما قبله من القصص كان غير معلوم له صلى الله عليه وسلم. وأما كون جل شأنه منجزاً لما وعد ومجرياً لما قضى وقدر فهو معلوم له عليه الصلاة والسلام، وذكر في **«الكشف »** أنه ادمج في هذا الالتفات أنه ستتم كلمة ربك في شأنك أيضاً. وقرأ عاصم في رواية  كلمات  بالجمع لأنها مواعيد، والوصف بالحسنى لتأويله بالجماعة، وقد ذكروا أنه يجوز وصف كل جمع بمفرد مؤنث إلا أن الشائع في مثله التأنيث بالتاء ؛ وقد يؤنث بالألف كما في قوله سبحانه : مآرب أخرى  \[ طه : ١٨ \]  بمَا صَبَرُوا  أي بسبب صبرهم على الشدائد التي كابدوها من فرعون وقومه وحسبك بهذا حاثاً على الصبر ودالاً على أن من قابل البلاء بالجزع وكله الله تعالى إليه ومن قابله بالصبر ضمن الله تعالى له الفرج. 
وأخرج ابن المنذر وغيره عن الحسن قال : لو أن الناس إذا ابتلوا من قبل سلطانهم بشيء صبروا ودعوا الله تعالى لم يلبثوا أن يرفع الله تعالى ذلك عنهم ولكنهم يفزعون إلى السيف فيوكلون إليه ثم تلي هذه الآية، وفي رواية أخرى عنه قال : ما أوتيت بنو إسرائيل ما أوتيت إلا بصبرهم وما فزعت هذه الأمة إلى السيف قط فجاءت بخير. وأقول قد شاهدنا الناس سنة الألف والمائتين والثمان والأربعين قد فزعوا إلى السيف فما أغناهم شيئاً ولا تم لهم مراد ولا حمد منهم أمر، بل وقعوا في حرة رحيله، ووادي خدبات، وأم حبوكر، ورموا لعمر الله بثالثة الأثافي، وقص من جناح عزهم القدامى والخوافي ولم يعلموا أن عيش المضر حلوه مر مقر وأن الفرج إنما يصطاد بشباك الصبر. وما أحسن قول الحسن :
عجبت ممن خف كيف خف \*\*\* وقد سمع قوله سبحانه : وتلا الآية، ويعلم منها أن التحزن لا ينافي الصبر لأن الله سبحانه وصف بني إسرائيل به مع قولهم السابق لموسى عليه السلام
 أوذينا من قبل أن تأتينا ومن بعد ما جئتنا  \[ الأعراف : ١٢٩ \]  وَدَمَّرْنَا  أي خربنا وأهلكنا  مَا كَانَ يَصْنَعُ فرْعَوْنَ وَقَوْمُهُ  في أرض مصر من العمارات والقصور أي دمرنا الذي كان هو ويصنعه فرعون على أن  ما  موصولة واسم كان ضمير راجع إليها وجملة يصنع فرعون من الفعل والفاعل خبر كان والجملة صلة الموصول والعائد إليه محذوف، وجوز أن يكون فرعون اسم كان ويصنع خبر مقدم والجملة الكونية صلة ما والعائد محذوف أيضاً. وتعقبه أبو البقاء بأن يصنع يصلح أن يعمل في فرعون فلا يقدر تأخيره كما لا يقدر تأخير الفعل في قولك : قام زيد وفيه غفلة عن الفرق بين المثال وما نحن فيه وهو مثل الصبح ظاهر وقيل : ما  مصدرية وكان سيف خطيب والتقدير ما يصنع فرعون الخ، وقيل : كان كما ذكر وما موصولة اسمية والعائد محذوف والتقدير ودمرنا الذي يصنعه فرعون الخ أي صنعه، والعدول إلى صيغة المضارع على هذين القولين لاستحضار الصورة  وَمَا كَانُوا يَعْرشُونَ  من الجنات أو ما كانوا يرفعونه من البنيان كصرح هامان، وإلى الأول يشير كلام الحسن وإلى الثاني كلام مجاهد. 
وقرأ ابن عامر. وأبو بكر هنا وفي النحل  يعرشون  \[ النحل : ٦٨ \] بضم الراء والباقون بالكسر وهما لغتان فصيحتان والكسر على ما ذكر اليزيدي. وأبو عبيدة أفصح، وقرىء في الشواذ  يغرسون  من غرس الأشجار. وفي **«الكشاف »** أنها تصحيف وليس به.

### الآية 7:138

> ﻿وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْا عَلَىٰ قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَىٰ أَصْنَامٍ لَهُمْ ۚ قَالُوا يَا مُوسَى اجْعَلْ لَنَا إِلَٰهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ ۚ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ [7:138]

وَجَاوَزْنَا ببَني إسْرَائيلَ البحر  شروع بعد انتهاء قصة فرعون في قصة بني إسرائيل وشرح ما أحدثوه بعد أن من الله تعالى عليهم بما من واراهم من الآيات ما أراهم تسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم عما رآه من اليهود بالمدينة فإنهم جروا معه على دأب أسلافهم مع أخيه موسى عليه السلام وإيقاظاً للمؤمنين أن لا يغفلوا عن محاسبة أنفسهم ومراقبة نعم الله تعالى عليهم فإن بني إسرائيل وقعوا فيما وقعا لغفلتهم عما من الله تعالى به عليهم، وجاوز بمعنى جاز وقرىء  جوزنا  بالتشديد وهو أيضاً بمعنى جاز فعدى بالباء أي قطعنا البحر بهم، والمراد بالبحر بحر القلزم. 
وفي **«مجمع البيان »** أنه نيل مصر وهو كما في **«البحر »** خطأ، وعن الكلبي أن موسى عليه السلام عبر بهم يوم عاشوراء بعد مهلك فرعون وقومه فصاموه شكراً لله تعالى  فَأَتَوْا  أي مروا بعد المجاوزة. 
 عَلَى قَوْم  قال قتادة : كانوا من لخم اسم قبيلة ينسبون كما صححه ابن عبد البر إلى لخم بن عدي بن عمرو بن سبا، وقيل : كانوا من العمالقة الكنعانيين الذين أمر موسى عليه السلام بقتالهم. 
 يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَام لَهُمْ  أي يواظبون على عبادتها ويلازمونها، وكانت كما أخرج ابن المنذر. وغيره عن ابن جريج تماثيل بقر من نحاس، وهو أول شأن العجل، وقيل : كانت من حجارة، وقيل : كان بقراً حقيقة وقرأ حمزة. والكسائي  يعكفون  بكسر الكاف  قَالُوا  عندما شاهدوا ذلك  يَا مُوسَى اجعل لَنَا إلَهاً  مثالاً نعبده  كَمَا لَهُمْ ءَالهَةٌ  الكاف متعلقة بمحذوف وقع صفة لإلها و  ما  موصولة و  لهم  صلتها و  آلهة  بدل من الضمير المستتر فيه، والتقدير اجعل لنا إلها كائناً كالذي استقر هو لهم. 
وجوز أبو البقاء أن تكون ما كافة للكاف، ولذا وقع بعدها الجملة الإسمية وأن تكون مصدرية، ولهم متعلق بفعل أي كما ثبت لهم  قَالَ إنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ  تعجب عليه السلام من قولهم هذا بعدما شاهدوه من الآية الكبرى والبينة العظمى فوصفهم بالجهل على أتم وجه حيث لم يذكر له متعلقاً ومفعولاً لتنزيله منزلة اللازم أو لأن حذفه يدل على عمومه أي تجهلون كل شيء فدخل فيه الجهل بالربوبية بالطريق الأولى، وأكد ذلك بأن، وتوسيط قوم وجعل ما هو المقصود بالأخبار وصفاً له ليكون كما قال العلامة كالمتحقق المعلوم وهذه كما ذكر الشهاب نكتة سرية في الخبر الموطىء لادعاء أن الخبر لظهور أمره وقيام الدليل عليه كأنه معلوم متحقق فيفيد تأكيده وتقريره ولولاه لم يكن لتوسيط الموصوف وجه من البلاغة.

### الآية 7:139

> ﻿إِنَّ هَٰؤُلَاءِ مُتَبَّرٌ مَا هُمْ فِيهِ وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [7:139]

إنَّ هَؤُلاَء  أي القوم الذين يعكفون على هذه الأصنام  مُتَبَّرٌ  أي مدمر مهلك كما قال ابن عباس  مَا هُمْ فيه  من الدين يعني يدمر الله تعالى دينهم الذي هم عليه على يدي ويهلك أصنامهم ويجعلها فتاتاً  وباطل  أي مضمحل بالكلية، وهو أبلغ من حمله على خلاف الحق  مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ  أي ما استمروا على عمله من عبادتها وإن قصدوا بذلك التقرب إلى الله تعالى وأن المراد أن ذلك لا ينفعهم أصلاف، وحمل  ما كانوا يعملون  على الأصنام لأنها معمولة لهم خلاف الظاهر جداً، والجملة تعليل لإثبات الجهل المؤكد للقوم، وفي إيقاع اسم ازشارة كما في **«الكشف »** أن اسم الإشارة بعد إفادة الإحضار وأكمل التمييز يفيد أنهم أحقاء بما أخبر عنه به بواسطة ما تقدم من العكوف، والتقديم يؤذن بأن حال ما هم فيه ليست غير التبار وحال عملهم ليست إلا البطلان فهم لا يعدونهما فهماً لهم ضربة لازب. 
وجوز أبو البقاء أن يكون  ما هم فيه  فاعل متبر لاعتماده على المسند إليه وهو في نفسه مساً ولاحتمال أن يكون ما هم فيه مبتدأ ومتبر خبر له أو ارجح منه إلا أن المقام كما قال القطب وغيره اقتضى ذلك فليفهم.

### الآية 7:140

> ﻿قَالَ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِيكُمْ إِلَٰهًا وَهُوَ فَضَّلَكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ [7:140]

قَالَ أَغَيْرَ الله أَبْغيكُمْ إلَهاً  قيل : هذا هو الجواب وما تقدم مقدمة وتمهيد له، ولعله لذلك أعيد لفظ له : وقال شيخ الإسلام : هو شروع ف بيان شؤون الله تعالى الموجبة لتخصيص العبادة به سبحانه بعد بيان أن ما طلبوا عبادته مما لا يمكن طلبه أصلاً لكونه هالكاً باطلاً أصلاً ولذلك وسط بينهما قال مع كون كل منهما كلام موسى عليه السلام، وقال الشهاب : أعيد لفظ  قال  مع اتحاد ما بين القائلين لأن هذا دليل خطابي بتفضيلهم على العالمين، ولم يستدل بالتمانع العقلي لأنهم عوام انتهى، وفي إقامة برهان التمانع على الوثنية القائلين  ما نَعْبُدُهُمْ إلاَّ لِيُقَرِّبُونَا إلَى اللهِ زُلْفَى  \[ الزمر : ٣ \] والمجيبين إذا سئلوا من خلق السموات والأرض بخلقهن الله خفاء، والظاهر إقامته على التنويه كما لا يخفى، والاستفهام للإنكار وانتصاب  غير  على أنه مفعول أبغيكم وهو على الحذف والإيصال، والأصل أبغى لكم، وعلى ذلك يخرج كلام الجوهري وإن كان ظاهره أن الفعل متعد لمفعولين والهاء تمييز، وجوز أبو البقاء أن يكون مفعولاً به لأبغي وغير صفة له قدمت فصارت حالاً، وأياً ما كان فالمقصود هنا اختصاص الإنكار بغيره تعالى دون إنكار الاختصاص، والمعنى أغير المستحق للعبادة أطلب لكم معبوداً  وَهُوَ فَضَّلَكُمْ عَلَى العالمين  أي عالمي زمانكم أو جميع العالمين، وعليه يكون المراد تفضيلهم بتلك الآيات لا مطلقاً حتى يلزم تفضيلهم على أمة محمد صلى الله عليه وسلم، وأما الأنبياء والملائكة عليهم السلام فلا يدخلون في المفضل عليهم بوجه بل هم خارجون عن ذلك بقرينة عقلية، والجملة حالية مقررة لوجه الإنكار، أي والحال أنه تعالى خص التفضيل بكم فأعطاكم نعماً لم يعطها غيركم، وفيه تنبيه على ما صنعوا من سوء المعاملة والمقابلة حيث قابلوا التفضل بالتفضيل والاختصاص بأن قصدوا أن يشركوا به أخس مخلوقاته ؛ وهذا الاختصاص مأخوذ من معنى الكلام وإلا فليس فيه ما يفيد ذلك، وتقديم الضمير على الخبر لا يفيده وإن كان اختصاصاً آخر على ما قيل، أي هو المخصوص بأنه فضلكم على من سواكم، وجوز أبو البقاء كون الجملة مستأنفة.

### الآية 7:141

> ﻿وَإِذْ أَنْجَيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ ۖ يُقَتِّلُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ ۚ وَفِي ذَٰلِكُمْ بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ [7:141]

وَإِذْ أنجيناكم مّنْ ءالِ فِرْعَونَ  بإهلاكهم وتخليصكم منهم، وإذ إما مفعول به لاذكروا محذوفاً بناءً على القول بأنها تخرج عن الظرفية أي اذكروا ذلك الوقت ويكون ذلك كناية عن ذكر ما فيه وإما ظرف لمفعول اذكروا المحذوف أي اذكروا صنيعنا معكم في ذلك الوقت، وهو تذكير من جهته تعالى بنعمته العظيمة وقرىء  نجيناكم  من التنجية، وقرأ ابن عامر  أَنجَاكُمْ  فيكون من مقول موسى عليه السلام، وقال بعضهم : إنه على قراءة الجمهور أيضاً كذلك على أن ضمير أنجنا لموسى وأخيه عليهما السلام أولهما ولمن معهما أوله وحده عليه السلام مشيراً بالتعظيم إلى تعظيم أمر الإنجاء وهو خلاف الظاهر، وقيل : إنه من كلام الله تعالى تتميماً لكلام موسى عليه السلام كما في قوله تعالى : فَأَخْرَجْنَا بِهِ أَزْوَاجاً  \[ طه : ٥٣ \] بعد قوله سبحانه : الذى جَعَل لَكُمُ الارض مَهْداً  \[ طه : ٥٣ \] وهو كالتفسير لقوله سبحانه : وَهُوَ فَضَّلَكُمْ  \[ الأعراف : ١٤٠ \]. 
وقوله تعالى : يَسُومُونَكُمْ سوء\* العذاب  أي يولونكم ذلك ويكلفونكم إياه إما استئناف بياني، كأنه قيل : ما فعل بهم أو مم أنجوا ؟ فأجيب بما ذكر، وإما حال من ضمير المخاطبين أو من آل فرعون أو منهما معاً لاشتماله على ضميرهما. وقوله عز اسمه : يُقَتّلُونَ أَبْنَاءكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءكُمْ  بدل من يسومونكم مبين له، ويحتمل الاستئناف أيضاً  وَفِى ذلكم  الإنجاء أو سوء العذاب  بَلاء  نعمة أو محنة، وقيل : المراد به ما يشملهما  مّن رَّبّكُمْ  أي مالك أموركم  عظِيمٌ  لا يقادر قدره. وفي الآية التفات على بعض ما تقدم، ثم إن هذا الطلب لم يكن كما قال محيي السنة البغوي عن شك منهم بوحدانية الله تعالى وإنما كان غرضهم إلهاً يعظمونه ويتقربون بتعظيمه إلى الله تعالى وظنوا أن ذلك لا يضر بالديانة وكان ذلك لشدة جهلهم كما أذنت به الآيات، وقيل : إن غرضهم عبادة الصنم حقيقة فيكون ذلك ردة منهم، وأياً ما كان فالقائل بعضهم لا كلهم، وقد اتفق في هذه الأمة نحو ذلك فقد أخرج الترمذي وغيره عن أبي واقد الليثي " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج في غزوة حنين فمر بشجرة للمشركين كانوا يعلقون عليها أسلحتهم ويعكفون حولها يقال لها ذات أنواط فقالوا يا رسول الله اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم **«سبحان الله »** وفي رواية **«الله أكبر »** هذا كما قال بنو إسرائيل لموسى عليه السلام  اجعل لنا إلها كما لهم آلهة  \[ الأعراف : ١٣٨ \] والذي نفسي بيده لتركبن سنن من كان قبلكم " وأخرج الطبراني وغيره من طريق كثير بن عبد الله بن عوف عن أبيه عن جده
**«قال غزونا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم عام الفتح ونحن ألف ونيف ففتح الله تعالى مكة وحنيناً حتى إذا كنا بين حنين والطائف في أرض فيها سدرة عظيمة كان يناط بها السلاح فسميت ذات أنواط فكانت تعبد من دون الله فلما رآها رسول الله صلى الله عليه وسلم صرف عنها في يوم صائف إلى ظل هو أدنى منها فقال له رجل : يا رسول الله اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إنها السنن قلتم والذي نفس محمد بيده كما قالت بنو إسرائيل  اجعل لنا إلهاً كما لهم آلهة  \[ الأعراف : ١٣٨ \] »** وفي هذا الخبر تصريح بأن القائل رجل واحد، ولعل ذلك كان عن جهل يعذر به ولا كون به كافراً وإلا لأمره صلى الله عليه وسلم بتجديد الإسلام ولم ينقل ذلك فيما وقفت عليه، والناس اليوم قد اتخذوا من قبيل ذات الأنواط شيئاً كثيراً لا يحيط به نطاق الحصر، والآمر بالمعروف أعز من بيض الأنوق والامتثال بفرض الأمر منوط بالعيوق والأمر لله الواحد القهار.

### الآية 7:142

> ﻿۞ وَوَاعَدْنَا مُوسَىٰ ثَلَاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ۚ وَقَالَ مُوسَىٰ لِأَخِيهِ هَارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلَا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ [7:142]

وواعدنا موسى ثلاثين لَيْلَةً  روي أن موسى عليه السلام وعد بني إسرائيل وهم بمصر إن أهلك الله عدوهم أتاهم بكتاب فيه بيان ما يأتون وما يذرون فلما هلك فرعون سأل موسى عليه السلام ربه الكتاب فأمره أن يصوم ثلاثين وهو شهر ذي القعدة فلما أتم الثلاثين أنكر خلوف فمه فتسوك فقالت الملائكة كنا نشم من فيك رائحة المسك فأفسدته بالسواك فأمره الله تعالى أن يزيد عليها عشرة أيام من ذي الحجة. 
وأخرج الديلمي عن ابن عباس يرفعه لما أتى موسى عليه السلام ربه عز وجل وأراد أن يكلمه بعد الثلاثين وقد صام ليلهن ونهارهن كره أن يكلم ربه سبحانه وريح فمه ريح فم الصائم فتناول من نبات الأرض فمضغه فقال له ربه : لم أفطرت ؟ وهو أعلم بالذي كان قال : أي رب كرهت أن أكلمك إلا وفمي طيب الريح، قال : أو ما علمت يا موسى أن ريح فم الصائم عندي أطيب من ريح المسك ؟ ارجع فصم عشرة أيام ثم ائتني ففعل موسى عليه السلام الذي أمره ربه وذلك أمره ربه وذلك قوله سبحانه : فَأْتُواْ بِعَشْرِ  والتعبير عنها بالليالي كما قيل لأنها غرر الشهور. 
وقيل : إنه عليه السلام أمره الله تعالى أن يصوم ثلاثين يوماً وأن يعمل فيها بما يقر به من الله تعالى ثم أنزلت عليه التوراة وكلم فيها، وقد أجمل ذكر الأربعين في البقرة وفصل هنا،  وواعدنا  بمعنى وعدنا، وبذلك قرأ أبو عمرو. ويعقوب، ويجوز أن تكون الصيغة على بابها بناء على تنزيل قبول موسى عليه السلام منزلة الوعد، وقد تقدم تحقيقة. و  ثلاثين  كما قال أبو البقاء مفعول ثان لواعدنا بحذق المضاف أي إتمام ثلاثين ليلة أو اتيانها  فَتَمَّ ميقات رَبّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً  من قبيل الفذلكة لما تقدم، وكأن النكتة في ذلك أن اتمام الثلاثين بعشر يحتمل المعنى المتبادر وهو ضم عشرة إلى ثلاثين لتصير بذلك أربعين، ويحتمل أنها كانت عشرين فتمت بعشرة ثلاثين كما يقال أتممت العشرة بدرهمين على معنى أنها لولا الدرهمان لم تصر عشرة فلدفع توهم الاحتمال الثاني جيء بذلك، وقيل : إن الإتمام بعشر مطلق يحتمل أن يكون تعيينها بتعيين الله تعالى أو بإرادة موسى عليه السلام فجيء بما ذكر ليفيد أن المراد الأول، وقيل : جيء به رمزاً إلى أنه لم يقع في تلك العشر ما يوجب الجبر، والميقات بمعنى الوقت، وفرق جمع بينهما بأن الوقت مطلق والميقات وقت قدر فيه عمل من الأعمال ومنه مواقيت الحج، ونصب  أَرْبَعِينَ  قيل : على الحالية أي بالغاً أربعين، ورده أبو حيان بأنه على هذا يكون معمولاً للحال المحذوف لا حالاً، وأجيب بأن النحويين يطلقون الحكم الذي للعامل لمعموله القائم مقامه فيقولون في زيد في الدار إن الجار والمجرور خبر مع أن الخبر إنما هو متعلقة. 
وتعقب بأن الذي ذكره النحاة في الظرف دون غيره فالأحسن أنه حال بتقدير معدوداً، وفيه أن دعوى تخصيص الذكر في الظرف خلاف الواقع كما لا يخفى على المتتبع، وأن ما زعمه أحسن مما تقدم يرد عليه ما يرد عليه، وقيل : إنه تمييز، وقيل : إنه مفعول به بتضمين  تم  معنى بلغ، وقيل : إن تم من الأفعال الناقصة وهذا خبره وهو خبر غريب، وقيل : إنه منصوب على الظرفية. وأورد عليه أنه كيف تكون الأربعين ظرفاً للتمام والتمام إنما هو بآخرها إلا أن يتجوز فيه. 
 وَقَالَ مُوسَى  حين توجه إلى المناجاة حسبما أمر به  لاِخِيهِ هارون  اسم أعجمي عبراني لم يقع في كلام العرب بطريق الاصالة، ويكتب بدون الف، وهو هنا بفتح النون على أنه مجرور بدلاً من أخيه أو بياناً له، أو منصوب مفعولاً به لمقدر أعني أعني وقرىء شاذا بالضم على أنه خبر مبتدأ محذوف هو هو أو منادي حذف منه حرف النداء أي يا هرون  اخلفنى  أي كن خليفتي  فِى قَوْمِى  وراقبهم فيما يأتون وما يذرون، واستخلافه عليه السلام لأخيه مع أنه عليه السلام كان نبياً مرسلاً مثله قيل : لأن الرياسة كانت له دونه، واجتماع الرياسة مع الرسالة والنبوة ليس أمراً لازماً كما يرشد إلى ذلك سبر قصص أنبياء بني اسرائيل، وذكر الشيخ الأكبر قدس سره في فتوحاته أن هارون ذكر له أن نبي بحكم الأصالة ورسول بحكم التبعية فلعل هذا الاستخلاف من آثار تلك التبعية، وقيل : إن هذا كما يقول أحد المأمورين بمصلحة للآخر إذا أراد الذهاب لأمر : كن عوضا عني على معنى أبذل غاية وسعك ونهاية جهدك بحيث يكون فعلك فعل شخصين  وَأَصْلَحَ  ما يحتاج إلى الاصلاح من أمور دينهم، أو كن مصلحا على أنه منزل منزلة اللازم من غير تقدير مفعول. 
وعن ابن عباس أنه يريد الرفق بهم والإحسان إليهم، وقيل : المراد احملهم على الطاعة والصلاح  وَلاَ تَتَّبِعْ سَبِيلَ المفسدين  أي ولا تتبع سبيل من سلك الإفساد بدعوة وبدونها، وهذا من باب التوكيد كما لا يخفى. 
( من باب الإشارة ) : في هذه الآيات : أن الله تعالى واعد موسى عليه السلام ثلاثين ليلة للتخلص من حجاب الأفعال والصفات والذات كل عشرة للتخلص من حجاب، واختيرت العشرة لأنها عدد كامل كما تقدم الكلام عليه عند قوله سبحانه : تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ  \[ البقرة : ١٩٦ \]، لكن بقيت منه بقية ما خلص عنها، واستعمال السواك في الثلاثين الذي نطقت به بعض الآثار إشارة إلى ذلك فضم إلى الثلاثين عشرة أخرى للتخلص من تلك البقية، وجاء أنه عليه السلام أمر بأن يتقرب إليه سبحانه بما يتقرب به في ثلاثين، وأنزلت عليه التوراة في العشرة التي ضمت إليها لتكمل أربعين، وهو إشارة إلى أنه بلغ الشهود الذاتي التام في الثلاثين بالسلوك إلى الله تعالى ولم يبق منه شيء بل فنى بالكلية وفي العشرة الرابعة كان سلوكه في الله تعالى حتى رزق البقاء بعد الفناء بالإفاقة، قالوا : وعلى هذا ينبغي أن يكون سؤال الرؤية في الثلاثين والإفاقة بعدها، وكان التكليم في مقام تجلي الصفات وكان السؤال عن إفراط شوق منه عليه السلام إلى شهود الذات في مقام فناء الصفات مع وجود البقية. 
( من باب الإشارة ) : اخلفنى فِى قَوْمِى  من الأوصاف البشرية  وَأَصْلَحَ  ذات بينهم على وفق الشريعة وقانون الطريقة  وَلاَ تَتَّبِعْ سَبِيلَ المفسدين  \[ الأعراف : ١٤٢ \] من القوى الطبيعية،

### الآية 7:143

> ﻿وَلَمَّا جَاءَ مُوسَىٰ لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ ۚ قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَٰكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي ۚ فَلَمَّا تَجَلَّىٰ رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَىٰ صَعِقًا ۚ فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ [7:143]

وَلَمَّا جَاء موسى لميقاتنا  أي لوقتنا الذي وقتناه أي لتمام الأربعين، واللام للاختصاص كما في قوله سبحانه : لِدُلُوكِ الشمس  \[ الإسراء : ٧٨ \] وهي بمعنى عند عند بعض النحويين  وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ  من غير واسطة بحرف وصوت ومع هذا لا يشبه كلام املخلوقين ولا محذور في ذلك كما أوضحناه في الفائدة الرابعة، وإلى ما ذكر ذهب السلف الصالح، وقد أخرج البزار. وابن أبي حاتم. وأبو نعيم في الحلية. والبيهقي في الأسماء والصفات عن جابر قال : قال " رسول الله صلى الله عليه وسلم : لما كلم الله تعالى موسى يوم الطهور كملة بغير الكلام الذي كلمه يوم ناداه فقال له موسى : يا رب أهذا كلامك الذي كلتني به ؟ قال يا موسى : أنا كلمتك بقوة عشرة آلاف لسان ولي قوة الألسن كلها وأقوى من ذلك فلما رجع موسى إلى بني إسرائيل قالوا : يا موسى صف لنا كلام الرحمن، فقال : لا تستطيعونه ألم تروا إلى صوت الصواعق الذي يقبل في أحلى حلاوة سمعتوه فذاك قريب منه وليس به ". وأخرج ابن المنذر. وابن أبي حاتم. والحاكم وصححه عن أبي الحويرث عبد الرحمن بن معاوية قال :**«إنما كلم الله تعالى موسى بقدر ما يطيق من كلامه ولو تكلم بكلامه كله لم يطقه شيء »** وأخرج جماعة عن كعب قال :**«لما كلم الله تعالى موسى كلمه بالألسنة كلها فجعل يقول : يا رب لا أفهم حتى كلمه آخر الألسنة بلسان بمثل صوته »** الخبر، وأخرجوا عن ابن كعب القرظي أنه قال : قيل لموسى عليه السلام ما شبهت كلام ربك مما خلق ؟ فقال عليه السلام : بالرعد الساكن، وأخرج الديلمي عن أبي هريرة مرفوعاً لما خرج أخي موسى إلى مناجاة ربه كلمه ألف كلمة ومائتي كلمة فأول ما كلمه بالبربرية، ونقل عن الأشعري أن موسى عليه السلام إنما سمع الكلام النفسي القائم بذات الله تعالى ولم يكن ما سمعه مختصاً بجهة من الجهات، وجمله على السماع بالفعل مشكل مع الأخبار الدالة على خلافه ؛ والظاهر أن ذلك إن صح نقله فهو قول رجع عنه إلى مذهب السلف الذي أبان عن اعتقاده له في الإبانة  قَالَ رَبّ أَرِنِى  أي ذاتك أو نفسك فالمفعول الثاني محذوف لأنه معلوم، ولم يصرح به تأدبا  أَنظُرْ إِلَيْكَ  مجزوم في جواب الدعاء، واستشكل بأن الرؤية مسببة عن النظر متأخرة عنه كما يريك ذلك النظر إلى قولهم : نظرت إليه فرأيته، ووجهه أن النظر تقليب الحدقة نحو الشيء التماساً لرؤيته والرؤية الإدراك بالباصرة بعد التلقيب وحينئذ كيف يجعل النظر جواباً لطلب الرؤية مسبباً عنه وهو عكس القضية. 
وأجيب بأن المراد بالاراءة ليس إيجاد الرؤية بل التمكن منها مطلقاً أو بالتجلي والظهور وهو مقدم على النظر وسبب له، ففي الكلام ذكر الملزوم وإرادة اللازم أي مكنى من رؤيتك أو تجل لي فانظر إليك وأراك  قَالَ  استئناف بياني كأنه قيل : فماذا قال رب العزة حين قال موسى عليه السلام ذلك، فقيل : قال : لَنْ  أي لا قابلية لك لرؤيتي وأنت على ما أنت عليه، وهو نفي للإراءة المطلوبة على أتم وجه  تَرَانِى ولكن انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ  إستدراك لبيان أنه عليه السلام لا يطيق الرؤية، والمراد من الجبل طور سيناء كما ورد في غير ما خبر، وفي تفسير الخازن وغيره أن اسمه زبير بزاي مفتوحة وباء موحدة مكسورة وراء مهملة بوزن أمير  فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ  ولم يفتته التجلي  فَسَوْفَ تَرَانِى  إذا تجليت لك  فَلَمَّا تجلى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ  أي ظهر له على الوجه اللائق بجنابه تعالى بعد جعله مدركاً لذلك  جَعَلَهُ دَكّا  أي مدكوكاً متفتتاً، والدك والدق أخوان كالشك والشق. 
وقال سيخنا الكوراني : إن الجبل مندرج في الأشياء التي تسبح بحمد الله بنص  وَإِن مّن شَىْء إِلاَّ يُسَبّحُ بِحَمْدَهِ  \[ الإسراء : ٤٤ \] المحمول على ظاهره عند التحقيق المستلزم لكونه حياً مدركاً حياة وإدراكاً لائقين بعالمه ونشأته، وقيل : هذا مثل لظهور اقتداره سبحانه وتعلق إرادته بما فعل بالجبل لا أن ثم تجليا وهو نظير ما قرر في قوله تعالى : أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ  \[ يس : ٨٢ \] من أن المراد أن ما قضاه سبحانه وأراد كونه يدخل تحت الوجود من غير توقف لا أن ثمة قولا. وتعقبه صاحب الفوائد بأن هذا المعنى غير مفهوم من الآية لأن تجلي مطاوع جليته أي أظهرته يقال : جليته فتجلى أي أظهرته فظهر ولا يقدر تجلي اقتداره لأنه خلاف الأصل، على أن هذا الحمل بعيد عن المقصود بمراحل. وأخرج أحمد. وعبد بن حميد. والترمذي والحاكم وصححاه. والبيهقي وغيرهم من طرق عن أنس بن مالك **«أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ هذه الآية  فَلَمَّا تجلى رَبُّهُ  الخ قال هكذا وأشار باصبعيه ووضع طرف إبهامه على أنملة الخنصر وفي لفظ على المفصل الأعلى من الخنصر فساخ الجبل »** وعن ابن عباس أنه قال ما تجلى منه سبحانه للجبل إلا قدر الخنصر فجعله تراباً، وهذا كما لا يخفى من المتشابهات التي يسلك فيها طريق التسليم وهو أسلم وأحكم أو التأويل بما يليق بجلال ذاته تعالى. وقرأ حمزة. والكسائي  دَكَّاء  بالمد أي أرضا مستوية، ومنه قولهم ناقة دكاء للتي لم يرتفع سنامها. وقرأ يحيى بن وثاب  دَكّاً  بضم الدال والتنوين جمع دكاء كحمر وحمراء أي قطعا دكا فهو صفة جمع، وفي شرح التسهيل لأبي حيات أنه أجرى مجرى الأسماء فاجرى على المذكر  وَخَرَّ موسى  أي سقط من هول ما رأى، وفرق بعضهم بين السقوط والخرور بأن الأول مطلق والثاني سقوط له صوت كالخرير  صَعِقًا  أي صاعقا وصائحا من الصعقة، والمراد أنه سقط مغشياً عليه عند ابن عباس. 
والحسن رضي الله تعالى عنهم. وميتا عند قتادة. 
روي أنه بقي كذلك مقدار جمعة، وعن ابن عباس أنه عليه السلام أخذته الغشية عشية يوم الخميس يوم عرفة إلى عشية يوم الجمعة، ونقل بعض القصاصين أن الملائكة كانت تمر عليه حينئذ فيلكزونه بارجلهم ويقولون يا ابن النساء الحيض أطمعت في رؤية رب العزة وهو كلام ساقط لا يعول عليه بوجه، فإن الملائكة عليهم السلام مما يجب تبرئتهم من إهانة الكليم بالوكز بالرجل والغضب في الخطاب  فَلَمَّا أَفَاقَ  بأن عاد إلى ما كان عليه قبل وذلك بعود الروح إليه على ما قال قتادة أو بعود الفهم والحس على ما قال غيره، والمشهور أن الإفاقة رجوع العقل والفهم إلى الإنسان بعد ذهابهما عنه بسبب من الأسباب، ولا يقال للميت إذا عادت إليه روحه أفاق وإنما يقال ذلك للمغشى عليه ولهذا اختار الأكثرون ما قاله الحبر  قَالَ  تعظيماً لأمر الله سبحانه  سبحانك  أي تنزيهاً لك من مشابهة خلقك في شيء، أو من أن يثبت أحد لرؤيتك على ما كان عليه قبلها، أو من أن أسألك شيئاً بغير اذن منك  تُبْتُ إِلَيْكَ  من الاقدام على السؤال بغير أذن، وقيل : من رؤية وجودي والميل مع ارادتي  وَأَنَاْ أَوَّلُ المؤمنين  بعظمتك وجلالك أو بأنه لا يراك أحد في هذه النشأة فيثبت على ما قيل، وأراد كما قال الكوراني أنه أول المؤمنين بذلك عن ذوق مسبوق بعين اليقين في نظره، وقبل : أراد أول المؤمنين بأنه لا يجوز السؤال بغير إذن منك. 
واستدل أهل السنة المجوزون لرؤيته سبحانه بهذه الآية على جوازها في الجملة، واستدل بها المعتزلة النفاة على خلاف ذلك وقامت الحرب بينهما على ساق، وخلاصة الكلام في ذلك أن أهل السنة قالوا : إن الآية تدل على إمكان الرؤية من وجهين. الأول أن موسى عليه السلام سألها بقوله : رَبّ أَرِنِى  الخ، ولو كانت مستحيلة فإن كان موسى عليه السلام عالماً بالاستحالة فالعاقل فضلاً عن النبي مطلقاً فضلاً عمن هو من أولي العزم لا يسأل المحال ولا يطلبه، وإن لم يكن عالماً بذلك لزم أن يكون آحاد المعتزلة ومن حصل طرفا من علومهم أعلم بالله تعالى وما يجوز عليه وما لا يجوز من النبي الصفى، والقول بذلك غاية الجهل والرعونة، وحيث بطل القول بالاستحالة تعين القول بالجواز، والثاني أن فيها تعليق الرؤية على استقرار الجبل وهو ممكن في نفسه وما علق على الممكن ممكن. 
واعترض الخصوم الوجه الأول بوجوه. الأول أنا لا نسلم أن موسى عليه السلام سأل الرؤية وإنما سأل العلم الضروري به تعالى إلا أنه عبر عنه بالرؤسة مجازاً لما بينهما من التلازم، والتعبير بأحد المتلازمين عن الآخر شائع في كلامهم، وإلى هذا ذهب أبو الهذيل بن العلاف وتابعه عليه الجبائي وأكثر البصريين. الثاني أنا سلمنا أنه لم يسأل العلم بل سأل الرؤية حقيقة لكنا نقول : إنه سأل رؤية علم من أعلام الساعة بطريق حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه فمعنى  أَرِنِى أَنظُرْ إِلَيْكَ  أرني أنظر إلى علم من أعلامك الدالة على الساعة، وإلى هذا ذهب الكعبي والبغداديون، الثالث أنا سلمنا أنه سأل رؤية الله تعالى نفسه حقيقة ولكن لم يكن ذلك لنفسه عليه السلام بل لدفع قومه القائلين  أَرِنَا الله جَهْرَةً  \[ النساء : ١٥٣ \] وإنما أضاف الرؤية إليه دونهم ليكون منعه أبلغ في دفعهم وردعهم عما سألوه تنبيهاً بالأعلى على الأدنى، وإلى هذا ذهب الجاحظ ومتبعوه، الرابع أنا سلمنا أنه سأل لنفسه لكن لا نسلم أن ذلك ينافي العلم بالإحالة إذ المقصود من سؤالها إنما هو أن يعلم الإحالة بطريق سمعي مضاف إلى ما عنده من الدليل العقلي لقصد التأكيد، وذلك جائز كما يدل عليه طلب إبراهيم عليه السلام إراءة كيفية إحياء الموتى، وقوله : ولكن لّيَطْمَئِنَّ قَلْبِى  \[ البقرة : ٢٦٠ \] وإلى ذلك ذهب أبو بكر الأصم، الخامس أنا سلمنا أن سؤال الرؤية ينافي العلم بالإحالة لكنا نلتزم القول بعدم العلم وهو غير قادح في نبوته عليه السلام فإن النبوة لا تتوقف على العلم بجميع العقائد الحقة أو جميع ما يجوز عليه تعالى وما لا يجوز بل ما يتوقف عليه الغرض من البعثة والدعوة إلى الله تعالى وهو وحدانيته وتكليف عباده بالأوامر والنواهي تحريضاً لهم على النعم المقيم، وليس امتناع الرؤية من هذا القبيل، ويؤيد ذلك أنه سأل وقوع الرؤية في الدنيا وهي غير واقعة عندنا وعندكم، ونسب هذا القول إلى الحسن منا وهو غريب منه. 
السادس أنا سلمنا العلم بالإحالة لكن لا نسلم امتناع السؤال وإنما يمتنع أن لو كان محرماً في شرعه لم لا يجوز أن لا يكون محرماً ؟، السابع أنا سلمنا الحرمة لكن لا نسلم أن ذلك كبيرة لم لا يجوز أن يكون صغيرة وهي غير ممتنعة على الأنبياء عليهم السلام ؟. 
وتكلموا على الوجه الثاني من وجهين : الأول أنا لا نسلم أنه علق الرؤية على أمر ممكن لأن التعليق لم يكن على استقرار الجبل حال سكونه وإلا لوجدت الرؤية ضرورة وجود الشرط لأن الجبل حال سكونه كان مستقراً بل على استقراره حال حركته وهو محال لذاته، والثاني أنا وإن سلمنا أن استقرار الجبل ممكن لكن لا نسلم أن المعلق بالممكن ممكن فإنه يصح أن يقال : إن انعدم المعلوم انعدم العلة، والعلة قد تكون ممتنعة العدم مع إمكان المعلول في نفسه كالصفات بالنسبة إلى الذات عند المتكلمين، والعقل الأول بالنسبة إليه تعالى عند الحكماء، فيجوز أن تكون الرؤية الممتنعة متعلقة بالاستقرار الممكن، والسر في جواز ذلك أن الارتباط بين المعلق والمعلق عليه إنما هو بحسب الوقوع بمعنى أنه إن وقع عدم المعلول وقع عدم العلة، والممكن الذاتي قد يكون ممتنع الوقوع كالممتنع الذاتي فيجوز التعليق بينهم

### الآية 7:144

> ﻿قَالَ يَا مُوسَىٰ إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالَاتِي وَبِكَلَامِي فَخُذْ مَا آتَيْتُكَ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ [7:144]

قَالَ يَا موسى  استئناف مسوق لتسليته عليه السلام من عدم الإجابة إلى سؤاله على ما اقتضته الحكمة كأنه قيل : إن منعتك الرؤية فقد أعطيتك من النعم العظام ما أعطيتك فاغتنمه وثابر على شكره  إِنْى اصطفيتك  أي اخترتك وهو افتعال من الصفوة بمعنى الخيار والتأكد للاعتناء بشأن الخبر  عَلَى الناس  الموجودين في زمانك وهذا كما فضل قومه على عالمي زمانهم في قوله سبحانه : يابنى إسراءيل اذكروا نِعْمَتِى التى أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنّى فَضَّلْتُكُمْ عَلَى العالمين  \[ البقرة : ٤٧ \]  برسالاتي  أي بأسفار التوراة. وقرأ أهل الحجاز. وروح برسالتي  وبكلامي  أي بتكليمي إياك بغير واسطة. أو الكلام على حذف مضاف أي بإسماع كلامي والمراد فضلتك بمجموع هذين الأمرين فلا يرد هارون عليه السلام لأنه لم يكن كليماً على أن رسالته كانت تبعية أيضاً وكان مأموراً باتباع موسى عليه السلام وكذلك لا يرد السبعون الذين كانوا معه عليه السلام في هذا الميقات في قول لأنهم وإن سمعوا الخطاب إلا أنهم ليس لهم من الرسالة شيء على أن المقصود بالتكليم الموجه إليه الخطاب هو موسى موسى عليه السلام دونهم وبتخصيص الناس بماعلمت خرج النبي صلى الله عليه وسلم فلا يرد أن مجموع الرسالة والتكليم بغير واسطة وجد له عليه الصلاة والسلام أيضاً على الصحيح، على علي إنا لو قلنا بأن التكليم بغير واسطة مخصوص به عليه السلام من بين الأنبياء صلى الله عليه وسلم لا يلزم منه تفضيله من كل الوجوه على غيره كنبينا عليه الصلاة والسلام فقد يوجد في الفاضل ما لا يوجد في الأفضل وإنما كان الكلام بلا واسطة سبباً للشرف بناء على العرف الظاهر وقد قالوا شتان بين من اتخذه الملك لنفسه حبيباً وقربه إليه بلطفه تقريباً وبين من ضرب له الحجاب والحجاب وحال بينه وبين المقصود بواب ونواب، على أن من ذاق طعم المحبة ولو بطرف اللسان يعلم مافي تكليم المحبوب بغير واسطة من اللطف العظيم والبر الجسيم، وكلامه جل شأنه لموسى عليه السلام في ذلك الميقات كثير على ما دلت عليه الآثار، وقد سبق لك ما يدل على كميته من حديث أبي هريرة. وأخرج الحكيم الترمذي في نوادر الأصول، والبيهقي من طريق جويبر عن الضحاك عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال :**«إن الله تعالى شأنه ناجى موسى عليه السلام بمائة ألف وأربعين ألف كلمة في ثلاثة أيام فلما سمع كلام الآدميين مقتهم لما وقع في مسامعه من كلام الرب عز وجل فكان فيما ناجاه أن قال : يا موسى إنه لم يتصنع المتصنعون بمثل الزهد في الدنيا ولم يتقرب إلى المتقربون بمثل الورع عما حرمت عليهم ولم يتعبد المتعبدون بمثل البكاء من خشيتي فقال موسى : يا رب وإله البرية كلها ويا مالك يوم الدين ويا ذا الجلال والإكرام ماذا أعددت لهم وماذا جزيتهم ؟ قال : أما الزاهدون في الدنيا فإني أبيحهم جنتي حتى يتبوأوا فيها حيث شاءوا وأما الورعون عما حرمت عليهم فإذا كان يوم القيامة لم يبق عبد إلا ناقشته الحساب وفتشت عما في يديه إلا الورعون فإنى أجلهم وأكرمهم وأدخلهم الجنة بغير حساب، وأما الباكون من خشيتي فأولئك لهم الرفيق الأعلى لا يشاركهم فيه أحد »**. 
وأخرج آدم بن أبي إياس في كتاب العلم عن ابن مسعود قال : لما قرب الله تعالى موسى نجياً أبصر في ظل العرض رجلاً فغبطه بمكانه فسأله عنه فلم يخبره باسمه وأخبره بعلمه فقال له : هذا رجل كان لا يحسد الناس على ما أتاهم الله تعالى من فضله، براً بالوالدين، لا يمشي بالنميمة ثم قال الله تعالى : يا موسى ما جئت تطلب ؟ قال : جئت أطلب الهدي يا رب. قال : قد وجدت يا موسى. فقال : رب اغفر لي ما مضى من ذنوبي وما غبر وما بين ذلك وما أنت أعلم به مني وأعوذ بك من وسوسة نفسي وسوء عملي فقيل له : قد كفيت يا موسى. قال : يا رب أي العمل أحب إليك أن أعمله ؟ قال : اذكرني يا موسى. قال رب : أي عبادك أتقى ؟ قال : الذي يذكرني ولا ينساني. قال رب : أي عبادك أغنى ؟ قال : الذي يقنع بما يؤتى. قال رب : أي عبادك أفضل ؟ قال : الذي يقضي بالحق ولا يتبع الهوى. قال : رب أي عبادك أعلم ؟ قال : الذي يطلب علم الناس إلى علمه لعله يسمع كلمة تدله على هدي أو ترده عن ردي. قال : رب أي عبادك أحب إليك عملاً ؟ قال : الذي لا يكذب لسانه، ولا يزني فرجه، ولا يفجر قلبه. قال : رب ثم أي على أثر هذا ؟ قال : قلب مؤمن في خلق حسن. قال رب : أي عبادك أبغض إليك ؟ قال : قلب كافر في خلق سيء. قال : رب ثم أي على أثر هذا ؟ قال : جيفة بالليل بطال بالنهار، وأخرج البيهقي في الأسماء والصفات. وأبو يعلى. وابن حبان. والحاكم وصححه عن أبي سعيد الخدري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : قال موسى : يا رب علمني شيئاً أذكرك به وأدعوك به ؟ قال : قل يا موسى لا إله إلا الله. قال : يا رب كل عبادك يقول هذا. قال : قل لا إله إلا الله. قال : لا إله إلا أنت يا رب. إنما أريد شيئاً تخصني به. قال : يا موسى لو أن السموات السبع وعامرهن غيري والأرضين السبع في كفة ولا إله إلا الله في كفة مالت بهن لا إله إلا الله. 
وأخرج الحيكم الترمذي في نوادر الأصول عن أبي هريرة قال : لما ارتقى موسى طور سينا رأى الجبار في أصبعه خاتماً فقال له : هل مكتوب عليه شيء من أسمائي أو كلامي ؟ قال : لا. قال فاكتب عليه  لكل أجل كتاب  \[ الرعد : ٣٨ \]. 
وأخرج ابن أبي حاتم عن العلاء بن كثير قال : إن الله تعالى قال : يا موسى أتدري لم كلمتك ؟ قال : لا يا رب قال : لأني لم أخلق خلقاً تواضع لي تواضعك. وللقصاص أخبار كثيرة موضوعة في أسئلة موسى عليه السلام ربه وأجوبته جل شأنه له لا ينبغي لمسلم التصديق بها  فَخُذْ مَا ءاتَيْتُكَ  أي أعطيتك من شرف الاصطفاء  وَكُنْ مّنَ الشاكرين  أي معدوداً في عدادهم بأن يكون لك مساهمة كاملة فيهم، وحاصله كن بليغ الشكر فإن ما أنعمت به عليك من أجل النعم. أخرج ابن أبي شيبة عن كعب أنه قال قال موسى عليه السلام : يا رب دلني على عمل إذا عملته كان شكراً لك فيما اصطنعت إلي، قال : يا موسى قل لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير. قال : فكان موسى أراد من العمل ما هو أنهك لجسمه مما أمر به فقال له : يا موسى لو أن السموات البسع الخبر وهو في معنى ما في خبر أبي سعيد. 
( هذا ومن باب الإشارة ) : في الآيات : قَالَ يَا موسى إني اصطفيتك عَلَى الناس برسالاتي وبكلامي  دون رؤيتي على ما يقوله نفاة الرؤية  فَخُذْ مَا ءاتَيْتُكَ  بالتمكين  وَكُنْ مّنَ الشاكرين  \[ الأعراف : ١٤٤ \] بالاستقامة في القيام بحق العبودية التي لا مقام أعلا منها
لا تدعني إلا بيا عبدها \*\*\* فإنه أشرف أسمائي
وبالشكر تزداد النعم كما نطق بذلك الكتاب

### الآية 7:145

> ﻿وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِهَا ۚ سَأُرِيكُمْ دَارَ الْفَاسِقِينَ [7:145]

وَكَتَبْنَا لَهُ فِى الالواح مِن كُلّ شَىْء  يحتاجون إليه من الحلال والحرام والمحاسن والقبائح على ما قال الرازي وغيره، وما أخرجه الطبراني. والبيهقي في الدلائل عن محمد بن يزيد الثقفي قال : اصطحب قيس بن خرشة وكعب الأحبار حتى إذا بلغا صفين وقف كعب ثم نظر ساعة ثم قال : ليهراقن بهذه البقعة من دماء المسلمين شيء لا يهراق ببقعة من الأرض مثله فقال قيل : ما يدريك فإن هذا من الغيب الذي استأثر الله تعالى به ؟ فقال كعب : ما من الأرض شبر إلا مكتوب في التوراة التي أنزل الله تعالى على موسى ما يكون عليه وما يخرج منه إلى يوم القيامة ظاهر في أن كل شيء أعم مما ذكر، ولعل ذكر ذلك من باب الرمز كما ندعيه في القرآن  مَّوْعِظَةً وَتَفْصِيلاً لّكُلّ شَىْء  بدل من الجار والمجرور، أي كتبنا له كل شيء من المواعظ وتفصيل الأحكام، وإلى هذا ذهب غير واحد من المعربين، وهو مشعر بأن  مِنْ  مزيدة لا تبعيضية، وفي زيادتها في الإثبات كلام، قيل : ولم تجعل إبتدائية حالاً من موعظة وموعظة مفعول به لأنه ليس له كبير معنى، ولم تجعل موعظة مفعول له وإن استوفى شرائطه لأن الظاهر عطف تفصيلاً عن موعظة، وظاهر أنه لا معنى لقولك كتبنا له من كل شيء لتفصيل كل شيء، وأما جعله عطفاً على محل الجار والمجرور فبعيد من جهة اللفظ والمعنى. 
والطيبي اختار هذا العطف وأن  مِنْ  تبعيضية وموعظة وحدها بدل، والمعنى كتبنا بعض كل شيء في الألواح من نحو السور والآيات وغيرهما موعظة وكتبنا فيها تفصيل كل شيء يحتاجون إليه من الحلال والحرا ونحو ذلك، وفي ذلك اختصاص الإجمال والتفصيل بالموعظة للإيذان بأن الاهتمام بهذا أشد والعناية بها أتم، ولكونها كذلك كثر مدح النبي صلى الله عليه وسلم بالبشير النذير، وإشعار بأن الموعظة مما يجب أن يرجع إليه في كل أمر يذكر به، ألا يرى إلى أن أكثر الفواصل التنزيلية والردود على هذا النمط نحو  أَفَلاَ تَتَّقُونَ  \[ الأعراف : ٦٥ \]  أَفَلاَ تَتَذَكَّرُونَ  \[ الأنعام : ٨٠ \] وإلى سورة الرحمن كيف أعيد فيها ما أعيد وذلك ليستأنف السامع به ادكاراً واتعاظاً ويجدد تنبيهاً واستيقاظاً، وأنت تعلم أن البعد الذي أشرنا إليه باق على حاله، وقوله سبحانه : لّكُلّ شَىْء  إما متعلق بما عنده أو بمحذوف كما قال السمين وقع صفة له، واختلف في عدد الألواح وفي جوهرها ومقدارها وكاتبها فقيل كانت عشرة ألواح، وقيل : سبعة، وقيل : لو حين، قال الزجاج : ويجوز أن يقال في اللغة للوحين ألواح وأنها كانت من زمرد أخضر، أمر الرب تعالى جبريل عليه السلام فجاء بها من عدم، وروى ذلك عن مجاهد، وأخرج أبو الشيخ عن ابن جريرج قال : أخبرت أن الألواح كانت من زبرجد، وعن سعيد بن جبير قال : كانوا يقولون إنها كانت من ياقوتة وأنا أقول : إنها كانت من زمرد، وأخرج ابن أبي حاتم وغيره عن جعفر بن محمد عن أبيه عن جده عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال :
**«الألواح التي أنزلت على موسى كانت من سدر الجنة كان طول اللوح اثني عشر ذراعاً »** وعن الحسن أنها كانت من خشب نزلت من السماء، وأن طول كل عشرة أذرع، وقيل : أمر الله تعالى موسى عليه السلام بقطعها من صخرة صماء لينها له فقطعها بيده وسقفها بأصابعه ولا يخفى أن أمثال هذا يحتاج إلى النقل الصحيح وإلا فالسكوت أولى إذ ليس في الآية ما يدل عليه، والمختار عندي أنها من خشب السدر إن صح السند إلى سلسلة الذهب، والمشهور عن ابن جريج أن كاتبها جبريل عليه السلام كتبها بالقلم الذي كتب به الذكر، والمروي عن علي كرم الله تعالى وجهه. ومجاهد. وعطاء. وعكرمة. وخلق كثير أن الله تعالى كتبها بيده وجاء أنها كتبت وموسى عليه السلام يسمع صريف الأقلام التي كتبت بها وهو المأثور عن الأمير كرم الله تعالى وجهه. وجاء عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما أنه قال : خلق الله تعالى آدم بيده وخلق جنة عدن بيده وكتب التوراة بيده، ثم قال لأشياء كوني فكانت، وأخرج عبد بن حميد عن وردان بن خالد قال : خلق الله تعالى آدم بيده وخلق جبريل بيده وخلق القلم بيده وخلق عرشه بيده وكتب الكتاب الذي عنده لا يطلع عليه غيره بيده وكتب التوراة بيده وهذا كله من قبيل المتشابه، وفي بعض الآثار أنها كتبت قبل الميقات وأنزلت على ما قيل وهي سبعون وقر بعير يقرأ الجزء منه في سنة لم يقرأها إلا أربعة نفر موسى. ويوشع وعزير. وعيسى عليهم السلام. ومما كتب فيها كما أخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس ذكر النبي صلى الله عليه وسلم وذكر أمته وما ادخر لهم عنده وما يسر عليهم في دينهم وما وسع عليهم فيما أحل لهم حتى إنه جاء أن موسى عليه السلام عجب من الخير الذي أعطاه الله تعالى محمداً صلى الله عليه وسلم وأمته وتمنى أن يكون منهم. 
وأخرج ابن مردويه. وأبو نعيم في الحلية وغيرهما عن جابر بن عبد الله قال :**«سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : كان فيما أعطى الله تعالى موسى في الأرواح يا موسى لا تشرك بي شيئاً فقد حق القول مني لتلفحن وجوه المشركين النار، وأشكر لي ولوالديك أقك المتألف وأنسئك في عمرك وأحيك حياة طيبة وأقلبك إلى خير منها، ولا تقتل النفس التي حرم الله تعالى إلا بالحق فتضيق عليه الأرض برحبها والسماء بأقطارها وتبوء بسخطي والنار، ولا تخلف باسمي كاذباً ولا آثماً فإني لا أطهر ولا أزكى من لم ينزهني ويعظم أسمائي، ولا تحسد الناس على ما أعطيتهم من فضلي ولا تنفس عليه نعمتي ورزقي فإن الحاسد عدو نعمتى راد لقضائي ساخط لقسمتي التي أقسم بين عبادي ومن يكون كذلك فلست منه وليس مني، ولا تشهد بما لم يع سمعك ويحفظ عقلك ويعقد قلبك فإني واقف أهل الشهادات على شهاداتهم يوم القيامة ثم سائلهم عنها سؤالاً حثيثاً، ولا تزن ولا تسرق، ولا تزن بحلية جارك فأحجب عنك وجهي وتغلق عنك أبواب السماء، وأحب للناس ما تحب لنفسك، ولا تذبحن لغيري فإني لا أقبل من القربان إلا ما ذكر عليه اسمي وكان خالصاً لوجهي، وتفرغ لي يوم البست وفرغ لي نفسك وجميع أهل بيتك ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن الله تعالى جعل السبت لموسى عليه السلام عيداً، واختار لنا الجمعة فجعلها عيداً »**
 فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ  أي بجد وحزم قاله ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، والجملة على إضمار القول عطفاً على كتبنا وحذف القول كثير مطرد، والداعي لهذا التقدير كما قال العلامة الثاني رعاية المناسبة لكتبنا له لأنه جاء على الغيبة، ولو كان بدله كتبنا لك لم يحتج إلى تقدير، وأما حديث عطف الإنشاء على الأخبار فلا ضير فيه لأنه يجوز إذا كان بالفاء. 
وقيل : هو بدل من قوله سبحانه : فَخُذْ مَا ءاتَيْتُكَ  \[ الأعراف : ١٤٤ \] وضعف بأن فيه الفصل بأجنبي وهو جملة كتبنا المعطوفة على جملة  قَالَ  \[ الأعراف : ١٤٤ \] وهو تفكيك للنظم والضمير المنصوب للألواح أو لكل شيء فإنه بمعنى الأشياء والعموم لا يكفي في عود ضمير الجماعة بدون تأويله بالجمع، وجوز عوده للتوراة بقرينة السياق، والقائل بالبدلية جعله عاداً إلى الرسالات ؛ والجار والمجرور متعلق بمحذوف وقع حالاً من الفاعل أي ملتبساً بقوة، وجوز أن يكون حالاً من المفعول أي ملتبسة بقوة براهينها، والأول أوضح، وأن يكون صفة مفعول مطلق أي أخذاً بقوة. 
 وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُواْ بِأَحْسَنِهَا  أي أحسنها فالباء زائدة كما في قوله :
سود المحاجر لا يقر أن بالسور \*\*\* ويحتمل أن تكون بالباء أصلية وهو الظاهر، وحينئذ فهي إما متعلقة بيأخذوا بتضمينه معنى يعملوا أو هو من الأخذ بمعنى السيرة، ومنه أخذ أخذهم أي سار سيرتهم وتخلق بخلائقهم كما نقول وإما متعلقة بمحذوف وقع حالاً ومفعول يأخذوا محذوف أي أنفسهم كما قيل، والظاهر أنه مجزوم في جواب الأمر فيحتاج إلى تأويل لأنه لا يلزم من أمرهم أخذهم، أي إن تأمرهم ويوفقهم الله تعالى يأخذوا، وقيل : بتقدير لام الأمر فيه بناء على جواز ذلك بعد أمر من القول أو ما هو بمعناه كما هنا، وإضافة أفعل التفضيل هنا عند غير واحد كإضافته في زيد أحسن الناس وهي على المشهور محضة على معنى اللام، وقيل : إنها لفظية ويوهم صنيع بعضهم أنها على معنى في وليس به ؛ والمعنى بأحسن الأجزاء التي فيها، ومعنى أحسنيتها اشتمالها على الأحسن كالصبر فإنه أحسن بالإضافة إلى الانتصار، أي مرهم يأخذوا بذلك على طريق الندب والحث على الأفضل كقوله تعالى :
 واتبعوا أَحْسَنَ مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم  \[ الزمر : ٥٥ \] أو المعنى بأحسن أحكامها والمراد به الواجبات فإنها أحسن من المندوبات والمباحات أو حي والمندوبات على ما قيل فإنها أحسن من المباحات. 
وقيل : إن الأحسن بمعنى البالغ في الحسن مطلقاً لا بالإضافة وهو المأمور به ومقابله المنهي عنه، وإلى هذا يشير كلام الزجاج حيث قال : أمروا بالخير ونهوا عن الشر وعرفوا ما لهم وما عليهم فقيل : وَأْمُرْ قَوْمَكَ  الخ فافعل نظيره في قولهم : الصيف أحر من الشتاء فإنه بمعنى الصيف في حره أبلغ من الشتاء في برده إذ تفضيل حرارة الصيف على حرارة الشتاء غير مرادة بلا شبهة ويقال هنا : المأمور به أبلغ في الحسن من المنهي عنه في القبح. 
وتفصيل ما في المقام على ما ذكره الدماميني في تعليقه على المصابيح ونقله عنه الشهاب أن لأفعل أربع حالات. إحداها : وهي الحالة الأصلية أن يدل على ثلاثة أمور : الأول : اتصاف من هو له بالحدث الذي اشتق منه وبهذا كان وصفاً، الثاني : مشاركة مصحوبة في تلك الصفة، الثالث : مزية موصوفة على مصحوبة فيها، وبكل من هذين الأمرين فارق غيره من الصفات، وثانيتها : أن يخلع عنه ما امتاز به من الصفات ويتجرد للمعنى الوصفي، وثالثتها : أن تبقى عليه معانيه الثلاثة ولكن يخلع عنه قد المعنى الثاني ويخلفه قيد آخر، وذلك أن المعنى الثاني وهو الاشتراك كان مقداً بتلك الصفة التي هي المعنى الأول فيصير مقيداً بالزيادة التي هي المعنى الثالث، ألا ترى أن المعنى في قولهم العسل أحلى من الخل أن للعسل حلاوة وأن تلك الحلاوة ذات زيادة وأن زيادة حلاوة العسل أكثر من زيادة حموضة الخل، وقد قال ذلك ابن هشام في حواشي التسهيل وهو بديع جداً، ورابعتها : أن يخلع عنه المعنى الثاني وهو المشاركة وقيد المعنى الثالث وهو كون الزيادة على مصاحبه فيكون للدلالة على الاتصاف بالحدث وعلى زيادة مطلقة لا مقيدة وذلك في نحو يوسف أحسن إخوته انتهى. وعدم اشتراك المأمور به والمنهي عنه في الحسن المراد مما لا شبهة فيه وإن كان الحسن مطلقاً كما في **«البحر »** مشتركاً فإن المأمور به أحسن من حيث الامتثال وترتب الثواب عليه والمنهي عنه حسن باعتبار الملاذ والشهوة. وقال قطرب كما نقله عنه محيي السنة : المعنى يأخذوا بحسنها وكلها حسن، وهو ظاهر في حمل أفعل على الحالة الثانية، وقيل : المعنى يأخذوا بها وأحسن صلة وليس له من القبول عائد. 
وقال الجبائي : المراد يأخذوا بالناسخ دون المنسوخ، وقيل : الأخذ بالأحسن هو أن تحمل الكلمة المحتملة لمعنيين أو لمعان على أشبه محتملاتها بالحق وأقربها للصواب، ولا ينبغي أن يحمل الأخذ على الشروع كما في قولك أخذ زيد يتكلم أي شرع في الكلام، والأحسن على العقائد فيكون المراد أمرهم ليشرعوا بالتحلي بالعقائد الحقة وهي لكو

### الآية 7:146

> ﻿سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لَا يُؤْمِنُوا بِهَا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لَا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا ۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ [7:146]

سَأَصْرِفُ عَنْ ءاياتي الذين يَتَكَبَّرُونَ فِي الارض  استئناف مسوق على ما قال شيخ الإسلام لتحذيرهم عن التكبر الموجب لعدم التفكر في الآيات التي كتبت في ألواح التوراة المتضمنة للمواعظ والأحكام أو ما يعمها وغيرها من الآيات التكوينية التي من جملتها ما وعدوا إراءته من دار الفاسقين، ومعنى صرفهم عنها منعهم بالطبع على قلوبهم فلا يكادون يتفكرون فها ولا يعتبرون بها لإصرارهم على ما هم عليه من التكبر والتجبر كقوله سبحانه : فَلَمَّا زَاغُواْ أَزَاغَ الله قُلُوبَهُمْ  \[ الصف : ٥ \] أي سأطبع على قلوب الذين يعدون أنفسهم كبراء ويرون أن لهم ارتفاعاً ف العالم السفلي ومزية على الخلق فلا ينتفعون بآياتي ولا يغتنمون مغانم آثارها فلا تسلكوا مسلكهم فتكونوا أمثالهم، وقيل : هو جواب سؤال مقدر ناشىء من الوعد بإدخال أرض الجبابرة والعمالقة على أن المراد بالآيات ما تلي آنفاً ونظائره وبالصرف عنها إزالة المتكبرين عن مقام معارضتها وممانعتها لوقوع أخبارها وظهور أحكامها وآثارها بإهلاكهم على يد موسى أو يوشع عليهما السلام، كأنه قيل : كيف ترى دارهم وهم فيها ؟ فقيل لهم : سأهلكهم، وإنما عدل إلى الصرف ليزدادوا ثقة بالآيات واطمئناناً بها ؛ وعلى هذين القولين يكون الكلام مع موسى عليه السلام، والآية متعلقة إما بقوله سبحانه : سأوريكم  \[ الأعراف : ١٤٥ \] وإما بما تقدمه على الوجه الذي أشير إليه آنفاً، وجوز الطيبي كونها متصلة بقوله تعالى : وَأَمَرُّ  \[ الأعراف : ١٤٥ \] الخ على معنى الأمر كذلك ؛ وأما الإرادة فإني سأصرف عن الأخذ بآياتي أهل الطبع والشقاوة، وقيل : الكلام مع كافري مكة والآية متصلة بقوله عز شأنه : أَوَلَمْ يَهْدِ لِلَّذِينَ يَرِثُونَ الارض مِن بَعْدِ أَهْلِهَا  \[ الأعراف : ١٠٠ \] الآية، وإيراد قصة موسى عليه السلام وفرعون للاعتبار أي سأصرف المتكبرين عن إبطال الآيات وإن اجتهدوا كما فعل فرعون فعاد عليه فعله بعكس ما أراد، وقيل : إن الآية على تقدير كون الكلام مع قوم رسول الله صلى الله عليه وسلم اعتراض في خلاف ما سيق للاعتبار ومن حق من ساق قصة له أن ينبه على مكانه كلما وجد فرصة التمكن منه، وتقديم الجار والمجرور على المفعول الصريح لإظهار الاعتناء بالمقدم والتشويق إلى المؤخر مع أن في المؤخر نوع طول يخل تقديمه بتجاوب أطراف النظم الجليل، واحتج بالآية بعض أصحابنا على أن الله تعالى قد يمنع عن الإيمان ويصد عنه وهو ظاهر على تقرير أن يراد بالصرف المنع عن الإيمان وليس بمتعين كما علمت، وقد خاض المعتزلة في تأويلها فأولوها بوجوه ذكرها الطبرسي  بِغَيْرِ الحق  إما صلة للتكبر على معنى يتكبرون ويتعززون بما ليس بحق وهو دينهم الباطل وظلمهم المفرط أو متعلق بمحذوف هو حال من فاعله أي يتكبرون ملتبسين بغير الحق ومآله يتكبرون غير محقين لأن التكبر بحق ليس إلا لله تعالى كما في الحديث القدسي الذي أخرجه أبو داود عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه
**«الكبرياء ردائي والعظمة إزاري فمن نازعني في واحد منهما قذفته في النار »**. وقيل : المراد أنهم يتكبرون على من لا يتكبر كالأنباء عليهم السلام لأنه الذي يكون بغير حق، وأما التكبر على المتكبر فهو بحق لما في الأثر التكبر على المتكبر صدقة، وأنت تعلم أن هذا صورة تكبر لا تكبر حقيقة فلعل مراد هذا القائل : إن التقييد بما ذكر لإظهار أنهم يتكبرون حقيقة. 
 وَإِن يَرَوْاْ كُلَّ ءايَةٍ لاَّ يُؤْمِنُواْ بِهَا  عطف على يتكبرون داخل معه في حكم الصلة، والمراد بالآية إما المنزلة فالمراد برؤيتها مشاهدتها والإحساس بها بسماعها أو ما يعمها وغيرها من المعجزات، فالمراد برؤيتها مطلق المشاهدة المنتظمة للسماع والإبصار، وفسر بعضهم الآيات فيما تقدم بالمنصوبة في الآفاق والأنفس، والآية هنا بالمنزلة أو المعجزة لئلا يتوهم الدور على ما قيل فليفهم، وجوز أن يكون عطفاً على سأصرف للتعليل على منوال قوله سبحانه : وَلَقَدْ ءاتَيْنَا دَاوُودُ وسليمان عِلْماً وَقَالاَ الحمد لِلَّهِ  \[ النمل : ١٥ \] على رأي صاحب المفتاح، وأياً ما كان فالمراد عموم النفي لا نفي العموم أي كفروا بكل أية آية  وَإِن يَرَوْاْ سَبِيلَ الرشد  أي طريق الهدى والسداد  لاَ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً  أي لا يتوجهون إليه ولا يسلكونه أصلاً لاستيلاء الشيطنة عليهم. 
وقرأ حمزة. والكسائي  الرشد  بفتحتين، وقرىء  الرشاد  وثلاثها لغات كالسقم والسقم والسقام، وفرق أبو عمرو كما قال الجبائي بين الرشد والرشد بأن الرشد بالضم الصلاح في الأمر والرشد بالفتح الاستقامة في الدين، والمشهور عدم الفرق  وَإِن يَرَوْاْ سَبِيلَ الغى  أي طريق الضلال  يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً  أي يختارونه لأنفسهم مسلكاً مستمراً لا يكادون يعدلون عنه لموافقته لأهوائهم وإفضائه بهم إلى شهواتهم  ذلك  أي المذكور من التكبر وعدم الإيمان بشيء من الآيات وإعراضهم عن سبيل الهدى وإقبالهم التام إلى سبيل الضلال حاصل  بِأَنَّهُمْ  أي بسبب أنهم  كَذَّبُواْ باياتنا  الدالة على بطلان ما اتصفوا به من القبائح وعلى حقية أضدادها  وَكَانُواْ عَنْهَا غافلين  غير معتدين بها فلا يتفكرون فيها وإلا لما فعلوا ما فعلوا من الأباطيل، وجوز غير واحد أن يكون ذلك إشارة إلى الصرف، وما فيه من البحث يدفع بأدنى عناية كما لا يخفى على من مدت إليه العناية أسبابها، وأياً ما كان فاسم الإشارة مبتدأ والجار والمجرور متعلق بمحذوف وقع خبراً عنه كما أشرنا إليه. 
وقيل : محل اسم الإشارة النصب على المصدر أي سأصرفهم ذلك الصرف بسبب تكذيبهم بآياتنا وغفلتهم عنها، ولا مانع من كون العامل أصرف المقدم لأن الفاصل ليس بأجنبي. 
( هذا ومن باب الإشارة ) : سَأَصْرِفُ عَنْ ءاياتي الذين يَتَكَبَّرُونَ فِي الارض بِغَيْرِ الحق  \[ الأعراف : ١٤٦ \] هم الذين في مقام النفس فيكون تكبرهم حجاباً لهم عن آيات الله تعالى وأما المتكبرون بالحق وهم الذي فنيت صفاتهم وظهرت عليهم صفات مولاهم فليسوا بمحجوبين ولا يعد تكبرهم مذموماً لأنه ليس تكبرهم حقيقة وإنما حظهم منه كونهم مظهراً له.

### الآية 7:147

> ﻿وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَلِقَاءِ الْآخِرَةِ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ ۚ هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [7:147]

والذين كَذَّبُواْ باياتنا وَلِقَاء الاخرة  أي لقائهم الدار الآخرة على أنه من إضافة المصدر إلى المفعول وحذف الفاعل أو لقائهم ما وعده الله تعالى في الآخرة من الجزاء على أن الإضافة إلى الظرف على التوسع. والمفعول مقدر كالفاعل ومحل الموصول في الاحتمالين الرفع على الابتداء، وقوله تعالى : حَبِطَتْ أعمالهم  خبره أي ظهر بطلان أعمالهم التي كانوا عملوها من صلة الأرحام وإغاثة الملهوفين بعدما كانت مرجوة النفع على تقدير إيمانهم بها، وحاصله أنهم لا ينتفعون بأعمالهم وإلا فهي أعراض لا تحبط حقيقة  هَلْ يُجْزَوْنَ  أي لا يجزون يوم القيامة. 
 إِلاَّ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ  أي إلا جزاء ما استمروا على عمله من الكفر والمعاصي وتقدير هذا المضاف لظهور أن المجزي ليس نفس العمل، وقيل : إن أعمالهم تظهر في صور ما يجزون به فلا حاجة إلى التقدير، وهذه الجملة مستأنفة، وقيل : هي الخبر والجملة السابقة في موضع الحال بإضمار قد، واحتجت الأشاعرة على ما قيل بهذه الآية على فساد قول أبي هاشم أن تارك الواجب يستحق العقاب وإن لم يصدر عنه فعل الضد لأنها دلت على أنه لا جزاء إلا على عمل وترك الواجب ليس به. 
وأجاب أبو هاشم بأني لا أسمي ذلك العقاب جزاء، ورد بأن الجزاء ما يجزي أي يكفي في المنع عن المنهي عنه والحث على المأمور به والعقاب على ترك الواجب كاف في الزجر عن ذلك الترك فكان جزاء. 
( هذا ومن باب الإشارة ) : والذين كَذَّبُواْ بئاياتنا وَلِقَاء الآخرة  \[ الأعراف : ١٤٧ \] حيث حجبوا بصفاتهم وأفعالهم حبطت أعمالهم فلا تقربهم شيئاً

### الآية 7:148

> ﻿وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَىٰ مِنْ بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ ۚ أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لَا يُكَلِّمُهُمْ وَلَا يَهْدِيهِمْ سَبِيلًا ۘ اتَّخَذُوهُ وَكَانُوا ظَالِمِينَ [7:148]

واتخذ قَوْمُ موسى مِن بَعْدِهِ  أي من بعد ذهابه إلى الجبل مناجاة ربه سبحانه  مِنْ حُلِيّهِمْ  جمع حلي كثدي وثدي وهو ما يتخذ للزينة ويتحلى به من الذهب والفضة، والجار والمجرور متعلق باتخذ كمن بعده من قبله ولا ضير في ذلك لاختلاف معنى الجارين فإن الأول للابتداء والثاني للتبعيض، وقيل : للابتداء أيضاً، وتعلقه بالفعل بعد تعلق الأول به واعتباره معه، وقيل : الجار الثاني متعلق بمحذوف وقع حالاً مما بعده إذ لو تأخر لكان صفة له، وإضافة الحلي إلى ضمير القوم لأدنى ملابسة لأنها كانت للقبط فاستعاروها منهم قبيل الغرق فبقيت في أيديهم وقيل : إنها على ما يتبادر منها بناءً على أن القوم ملكوها بعد أن ألقاها البحر على الساحل بعد غرق القبط أو بعد أن استعاروها منهم وهلكوا. قال الإمام : روي أنه تعالى لما أراد إغراق فرعون وقومه لعلمه أنه لا يؤمن أحد منهم أمر موسى عليه السلام بني إسرائيل أن يستعيروا حلي القبط ليخرجوا خلفهم لأجل المال أو لتبقى أموالهم في أيديهم. 
واستشكل ذلك بكونه أمراً بأخذ مال الغير بغير حق، وإنما يكون غنيمة بعد الهلاك مع أن الغنائم لم تكن حلالاً لهم لقوله صلى الله عليه وسلم :**«أعطيت خمساً لم يعطهن أحد قبلي أحلت لي الغنائم »** الحديث على أن ما نقل عن القوم في سورة طه \[ ٨٧ \] من قولهم : حُمّلْنَا أَوْزَاراً مّن زِينَةِ القوم  يقتضي عدم الحل أيضاً. 
وأجيب بأن ذلك أن تقول : إنهم لما استعبدوهم بغير حق واستخدموهم وأخذوا أموالهم وقتلوا أولادهم ملكهم الله تعالى أرضهم وما فيها، فالأرض لله تعالى يورثها من يشاء من عباده، وكان ذلك بوحي من الله تعالى لا على طريق الغنيمة، ويكون ذلك على خلاف القياس وكم في الشرائع مثله، والقول المحكي سيأتي إن شاء الله تعالى ما فيه، وهذه الجملة كما قال الطيبي عطف على قوله سبحانه : وواعدنا موسى  \[ الأعراف : ١٤٢ \] عطف قصة على قصة. 
وقرأ حمزة. والكسائي  حُلِيّهِمْ  بكسر الحاء اتباعاً لكسر اللام كدلي وبعض  حُلِيّهِمْ  على الأفراد وقوله سبحانه : عِجْلاً  مفعول اتخذ بمعنى صاغ وعمل، أخر عن المجرور لما مر آنفاً، وقيل : إن اتخذ متعد إلى اثنين وهو بمعنى صير والمفعول الثاني محذوف أي إلهاً، والعجل ولد البقر خاصة وهذا كما يقال لولد الناقة حوار ولولد الفرس مهر ولولد الحمار جحش ولولد الشاة حمل ولولد العنز جدي ولولد الأسد شبل ولولد الفيل دغفل ولولد الكلب جرو ولولد الظبي خشف ولولد الأروية غفر ولولد الضبع فرعل ولولد الدب ديسم ولولد الخنزير خنوص ولولد الحية حربش ولولد النعام رأل ولولد الدجاجة فروج ولولد الفأر درص ولولد الضب حسل إلى غير ذلك، والمراد هنا ما هو على صورة العجل. 
وقوله تعالى : جَسَداً  بدل من عجلاً أو عطف بيان أو نعت له بتأويل متجسداً، وفسر ببدن ذي لحم ودم، قال الراغب : الجسد كالجسم لكنه أخص منه، وقيل : إنه يقال لغير الإنسان من خلق الأرض ونحوه، ويقال أيضاً لما له لون والجسم لما لا يبين له لون كالهواء، ومن هنا على ما قيل قيل للزعفران الجساد ولما أشبع صبغه من الثياب مجسد، وجاء المجسد أيضاً بمعنى الأحمر، وبعض فسر الجسد به هنا فقال : أي أحمر من ذهب  لَّهُ خُوَارٌ  هو صوت البقر خاصة كالثغار للغنم واليعار للمعز والنبيب للتيس والنباح للكلب والزئير للأسد والعواء والوعوعة للذئب والضباح للثعلب والقباع للخنزير والمؤاء للهرة، والنهيق والسحيل للحمار والصهيل والضبح والقنع والحنحمة للفرس والرغاء للناقة والصني للفيل والبتغم للظبي والضعيب للأرنب والعرار للظليم والصرصرة للبازي والعقعقة للصقر والصفير للنسر والهدير للحمام والسجع للقمري والسقسقة للعصفور والنعيق والنعيب للغراب والصقاء والزقاء للديك والقوقاء والنقيقة للدجاجة والفحيح للحية والنقيق للضفدع والصبىء للعقرب والفأرة والصرير للجراد إلى غير ذلك. 
وعن علي كرم الله تعالى وجهه أنه قرأ  جؤار  بجيم مضمومة وهمزة، وهو الصوت الشديد، ومثله الصياح والصراخ. والجار والمجرور متعلق بمحذوف وقع خبراً مقدماً وخوار مبتدأ، والجملة في موضع النعت لعجلاً. 
روي أن السامري لما صاغ العجل ألقى في فمه من تراب أثر فرس جبريل عليه السلام فصار حياً، وذكر بعضهم في سر ذلك أن جبريل عليه السلام لكونه الروح الأعظم سرت قوة منه إلى ذلك التراب أثرت ذلك الأثر بإذن الله تعالى لأمر يريده عز وجل، ولا يلزم من ذلك أن يحيا ما يطؤه بنفسه عليه السلام لأن الأمر مربوط بالإذن وهو إنما يكون بحسب الحكم التي لا يعلمها إلا الحكيم الخبير فتدبر. وإلى القول بالحياة ذهب كثير من المفسرين، وأيد بأن الخوار إنما يكون للبقر لا لصورته، وبأن ما سيأتي إن شاء الله تعالى في سورة طه كالصريح فيما دل عليه الخبر. وقال جمع من مفسري المعتزلة : إن العجل كان بلا روح وكان السامري قد صاغه مجوفاً ووضع في جوفه أنابيب على شكل مخصوص وجعله في مهب الريح فكانت تدخل في تلك الأنابيب فيسمع لها صوت يشبه خوار العجل ولذلك سمي خواراً. وما في طه سيأتي إن شاء تعالى الكلام فيه. واختلف في هذا الخوار فقيل : كان مرة واحدة، وقيل : كان مرات كثيرة، وكانوا كلما خار سجدوا له وإذا سكت رفعوا رؤوسهم. وعن السدي أنه كان يخور ويمشي. وعن وهب نفي الحركة، والآية ساكتة عن إثباتها، وليس في الأخبار ما يعول عليه فالتوقف عن إثبات المشي أولى، وليست هذه المسألة من المهمات، وإنما نسب الاتخاذ إلى قوم موسى عليه السلام وهو فعل السامري لأنهم رضوا به وكثيراً ما ينسب الفعل إلى قوم مع وقوعه من واحد منهم فيقال : قتل بنو فلان قتيلاً والقاتل واحد منهم، وقيل : لأن المراد اتخاذهم إياه إلهاً، فالمعنى صيروه إلهاً وعبدوه، وحينئذٍ لا تجوز في الكلام لأن العبادة له وقعت منهم جميعاً. 
قال الحسن : كلهم عبدوا العجل إلا هارون عليه السلام، واستثنى آخرون غيره معه، وعلى القول الأول قيل : لا بد من تقدير فعبدوه ليكون ذلك مصب الإنكار لأن حرمة التصوير حدثت في شرعنا على المشهور ولأن المقصود إنكار عبادته  خُوَارٌ أَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّهُ لاَ يُكَلّمُهُمْ وَلاَ يَهْدِيهِمْ سَبِيلاً  تقريع لهم وتشنيع على فرط ضلالهم وإخلالهم بالنظر، أي ألم يروا أنه لا يقدر على ما يقدر عليه آحاد البشر من الكلام وإرشاد السبيل بوجه من الوجوه فكيف عدلوه بخالق الأجسام والقوى والقدر، وجعله بعضهم تعريضاً بالإله الحق وكلامه الذي لا ينفد وهدايته الواضحة التي لا تجحد، وقيل : إنه تعريض بالله تعالى وبكلامه مع موسى عليه السلام وهدايته لقومه  اتخذوه  تكرار لجميع ما سلف من الاتخاذ على الوجه المخصوص المشتمل على الذم، وهو من باب الكناية على أسلوب :أن يرى مبصر ويسمع واع  أي أقدموا على ما أقدموا عليه من الأمر المنكر. وَكَانُواْ ظالمين  اعتراض تذييلي أي إن دأبهم قبل ذلك الظلم ووضع الأشياء في غير موضعها فليس ببدع منهم هذا المنكر العظيم، وكرر الفعل ليبني عليه ذلك، وقيل : الجملة في موضع الحال أي اتخذوه في هذه الحالة المستمرة لهم. 
( هذا ومن باب الإشارة ) : واتخذ قَوْمُ موسى مِن بَعْدِهِ مِنْ حُلِيّهِمْ عِجْلاً  صنعه لهم السامري وكان من قوم يعبدون العجل أو ممن رآهم فوقع في قلبه لسوء استعداده حبه وأضمر عبادته واختار صياغته من حليهم ليكون ميلهم إليه أتم لأن قلب الإنسان يميل حيث ماله سيما إذا كان ذهباً أو فضة، وكثير من الناس اليوم عبيد الدرهم والدينار وهما العجل المعنوي لهم وإن لم يسجدوا له وأكثر الأقوال أن ذلك العجل صار ذا لحم ودم وإليه الإشارة بقوله سبحانه : جَسَداً لَّهُ خُوَارٌ  \[ الأعراف : ١٤٨ \] وفي كلام الشيخ الأكبر قدس سره أنه صار ذا روح بواسطة التراب الذي وطئه الروح الأمين ولم يصرح بكونه ذا لحم ودم
( هذا ومن باب الإشارة ) : أَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّهُ لاَ يُكَلّمُهُمْ  بما ينفعهم ولا يهديهم سبيلاً إلى الحق  اتخذوه وَكَانُواْ ظالمين  \[ الأعراف : ١٤٨ \] حيث عدلوا عن عبادة الحق إلى عبادة غيره في نظرهم

### الآية 7:149

> ﻿وَلَمَّا سُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ وَرَأَوْا أَنَّهُمْ قَدْ ضَلُّوا قَالُوا لَئِنْ لَمْ يَرْحَمْنَا رَبُّنَا وَيَغْفِرْ لَنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ [7:149]

وَلَمَّا سُقِطَ فَى أَيْدِيهِمْ  أي ندموا كما روي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، وجعله غير واحد كناية عن شدة الندم وغايته لأن النادم إذا اشتد ندمه عض يده غماً فتصير يده مسقوطاً فيها، وأصله سقط فوه أو عضه في يده أي وقع ثم حذف الفاعل وبنى الفعل للمفعول به فصار سقط في يده كقولك : مر بزيد، وقرأ ابن السميقع سقط بالبناء للفاعل على الأصل، واليد على ما ذكر حقيقة، وقال الزجاج : معناه سقط الندم في أنفسهم وجعل القطب ذلك من باب الاستعارة التمثيلية حيث شبه حال الندم في النفس بحال الشيء في اليد في التحقيق والظهور ثم عبر عنه بالسقوط في اليد ولا لطف للاستعارة التصريحية فيه، وقال الواحدي : إنه يقال لما يحصل وإن لم يكن في اليد وقع في يده وحصل في يده مكروه فيشبه ما يحصل في النفس وفي القلب بما يرى بالعين، وخصت اليد لأن مباشرة الأمور بها كقوله تعالى : ذلك بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ  \[ الحج : ١٠ \] أو لأن الندم يظهر أثره بعد حصوله في القلب في اليد لعضها والضرب بها على أختها ونحو ذلك فقد قال سبحانه في النادم : فَأَصْبَحَ يُقَلّبُ كَفَّيْهِ  \[ الكهف : ٤٢ \]  وَيَوْمَ يَعَضُّ الظالم  \[ الفرقان : ٢٧ \]، وقيل : من عادة النادم أن يطأطىء رأسه ويضع ذقنه على يده بحيث لو أزالها سقط على وجهه فكأن اليد مسقوط فيها، و  فِى  بمعنى على، وقيل : هو من السقاط وهو كثرة الخطأ، وقيل : من السقيط وهو ما يغشى الأرض بالغدوات شبه الثلج لا ثبات له، فهو مثل لمن خسر في عاقبته ولم يحصل على طائل من سعيه، وعد بعضهم سقط من الأفعال التي لا تتصرف كنعم وبئس. 
وقرأ ابن أبي عبلة  اسقط  على أنه رباعي مجهول وهي لغة نقلها الفراء. والزجاج، وذكر بعضهم أن هذا التركيب لم يسمع قبل نزول القرآن، ولم تعرفه العرب، ولم يوجد في أشعارهم وكلامهم فلذا خفي على الكثير وأخطأوا في استعماله كأبي حاتم. وأبي نواس، وهو العالم النحرير ولم يعلموا ذلك ولو علموه لسقط في أيديهم  أَيْدِيهِمْ وَرَأَوْاْ أَنَّهُمْ قَدْ ضَلُّواْ  أي تبينوا ضلالهم باتخاذ العجل وعبادته كأنهم قد أبصروه بعيونهم قيل : وتقديم ذكر ندمهم على هذه الرؤية مع كونه متأخراً عنها للمسارعة إلى بيانه والإشعار بغاية سرعته كأنه سابق على الرؤية. 
وقال القطب في بيان تأخير تبين الضلال عن الندم مع كونه سابقاً عليه : إن الانتقال من الجزم بالشيء إلى تبين الجزم بالنقيض لا يكون دفعياً في الأغلب بل إلى الشك ثم الظن بالنقيض ثم الجزم به ثم تبينه، والقوم كانوا جازمين بأن ما هم عليه صواب والندم عليه ربما وقع لهم في حال الشك فيه فقد تأخر تبين الضلال عنه انتهى، فافهم ولا تغفل  قَالُواْ لَئِن لَّمْ يَرْحَمْنَا رَبُّنَا  بإنزال التوبة المكفرة  وَيَغْفِرْ لَنَا  بالتجاوز عن خطيئتنا، وتقديم الرحمة على المغفرة مع أن التخلية حقها أن تقدم على التحلية قيل : إما للمسارعة إلى ما هو المقصود الأصلي وإما لأن المراد بالرحمة مطلق إرادة الخير بهم وهو مبدأ لإنزال التوبة المكفرة لذنوبهم، واللام في  لَئِنْ  موطئة للقسم أي والله لئن الخ، وفي قوله سبحانه : لَنَكُونَنَّ مِنَ الخاسرين  لجواب القسم كما هو المشهور. 
وقرأ حمزة. والكسائي  عَنْهُ وَقَالُواْ لَنَا  بالتاء الفوقية و  رَبَّنَا  بالنصب على النداء ؛ وما حكى عنهم من الندامة والرؤية والقول كان بعد رجوع موسى عليه السلام من الميقات كما ينطق به ما سيأتي إن شاء الله تعالى في طاه، وقدم ليتصل ما قالوه بما فعلوه. 
( هذا ومن باب الإشارة ) : وَلَمَّا سُقِطَ فَى أَيْدِيهِمْ  أي ندموا عند جروع موسى الروح  قَالُواْ لَئِن لَّمْ يَرْحَمْنَا رَبُّنَا  بجذبات العناية  وَيَغْفِرْ لَنَا  بأن يستر صفاتنا بصفاته سبحاته وتعالى : لَنَكُونَنَّ مِنَ الخاسرين  \[ الأعراف : ١٤٩ \] رأس مال هذه النشأة وهو الاستعداد.

### الآية 7:150

> ﻿وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَىٰ إِلَىٰ قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا قَالَ بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِي مِنْ بَعْدِي ۖ أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ ۖ وَأَلْقَى الْأَلْوَاحَ وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ ۚ قَالَ ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكَادُوا يَقْتُلُونَنِي فَلَا تُشْمِتْ بِيَ الْأَعْدَاءَ وَلَا تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ [7:150]

وَلَمَّا رَجَعَ موسى إلى قَوْمِهِ غضبان  مما حدث منهم  أَسَفاً  أي شديد الغضب كما قال أبو الدرداء. ومحمد القرظي. وعطاء. والزجاج. أو حزيناً على ما روي عن ابن عباس. والحسن. وقتادة رضي الله تعالى عنهم، وقال أبو مسلم : الغضب والأسف بمعنى والتكرير للتأكيد. 
 وقال الواحدي : هما متقاربان فإذا جاءك ما تكره ممن هو دونك غضبت وإذا جاءك ممن هو فوقك حزنت، فعلى هذا كان موسى عليه السلام غضبان على قومه باتخاذهم العجل حزيناً لأن الله تعالى فتنهم، وقد أخبره سبحانه بذلك قبل رجوعه، ونصب الوصفين على أنهما حالان مترادفان أو متداخلان بأن يكون الثاني حالاً من الضمير المستتر في الأول، وجوز أبو البقاء أن يكون بدلاً من الحال الأولى وهو بدل كل لا بعض كما توهم. 
 قَالَ بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِى مِن بَعْدِى  خطاب إما لعبدة العجل وإما لهارون عليه السلام ومن معه من المؤمنين أي بئسما ما فعلتم بعد غيبتي حيث عبدتم العجل بعدما رأيتم مني من توحيد الله تعالى ونفى الشركاء عنه سبحانه وإخلاص العبادة له جل جلاله، أو بئسما قمتم مقامي حيث لم تراعوا عهدي ولم تكفوا العبدة عما فعلوا بعد ما رأيتم مني من حملهم على التوحيد وكفهم عما طمحت نحوه أبصارهم من عبادة البقر حين قالوا  اجعل لنا إلها كما لهم آلهة  \[ الأعراف : ١٣٨ \]. 
وجوز أن يكون على الخطاب للفريقين على أن المراد بالخلافة الخلافة فيما يعم الأمرين اللذين أشير إليهما ولا تكرار في ذكر  مِن بَعْدِى  بعد  خَلَفْتُمُونِى  لأن المراد من بعد ولايتي وقيامي بما كنت أقوم إذ بعديته على الحقيقة إنما تكون على ما قيل بعد فراقه الدنيا، وقيل : إن  مِن بَعْدِى  تأكيد من باب رأيته بعيني وفائدته تصوير نيابة المستخلف ومزاولة سيرته كما أن هنالك تصوير الرؤية وما يتصل بها، و  مَا  نكرة موصوفة مفسرة لفاعل بئس المستكن فيه والمخصوص بالذم محذوف أي بئس خلافة خلفتمونيها من بعدي خلافتكم، والذم فيما إذا كان الخطاب لهارون عليه السلام ومن معه من المؤمنين ليس للخلافة نفسها بل لعدم الجري على مقتضاها، وأما إذا كان للسامري وأشياعه فالأمر ظاهر  أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبّكُمْ  أي أعجلتم عما أمركم به ربكم وهو انتظار موسى عليه السلام حال كونهم حافظين لعهده وما وصاهم به فبنيتم الأمر على أن الميعاد قد بلغ آخره ولم أرجع إليكم فحدثتم أنفسكم بموتي فغيرتم. روي أن السامري قال لهم حين أخرج لهم العجل، وقال : إن هذا إلهكم وإله موسى إن موسى لن يرجع وإنه قد مات. وروي أنهم عدوا عشرين يوماً بلياليها فجعلوها أربعين ثم أحدثوا ما أحدثوا. 
والمعروف تعدي  عَجَلٍ  بعن لا بنفسه فيقال : عجل عن الأمر إذا تركه غير تام ونقيضه تم عليه وأعجله عنه غيره وضمنوه هنا معنى السبق وهو كناية عن الترك فتعدى تعديته ولم يضمن ابتداء معنى الترك لخفاء المناسبة بينهما وعدم حسنها. وذهب يعقوب إلى أن السبق معنى حقيقي له من غير تضمين، والأمر واحد الأوامر. وعن الحسن أن المعنى أعجلتم وعد ربكم الذي وعدكم من الأربعين فالأمر عليه واحد الأمور والمراد بهذه الأربعين على ما ذكره الطيبي غير الأربعين التي أشار الله تعالى إليها بقوله سبحانه : فَتَمَّ ميقات رَبّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً  \[ الأعراف : ١٤٢ \] وسيأتي تتمة الكلام في ذلك قريباً إن شاء الله تعالى. 
 وَأَلْقَى الالواح  أي وضعها على الأرض كالطارح لها ليأخذ برأس أخيه مما عراه من فرط الغيرة الدينية وكان عليه السلام شديد الغضب لله سبحانه. فقد أخرج أبو الشيخ عن زيد بن أسلم أنه عليه السلام كان إذا غضب اشتعلت قلنسوته ناراً. وقال القاضي ناصر الدين : أي طرحها من شدة الغضب وفرط الضجرة حمية للدين، ثم نقل أنه انكسر بعضها حين ألقاها، واعترض عليه أفضل المتأخرين شيخ مشايخنا صبغة الله أفندي الحيدري بأن الحمية للدين إنما تقتضي احترام كتاب الله تعالى وحمايته أن يلحق به نقص أو هوان بحيث تنكسر ألواحه ثم قال : والصواب أن يقال : إنه عليه السلام لفرط حميته الدينية وشدة غضبه لله تعالى لم يتمالك ولم يتماسك أن وقعت الألواح من يده بدون اختيار فنزل ترك التحفظ منزلة الإلقاء الاختياري فعبر به تغليظاً عليه عليه السلام فإن حسنات الأبرار سيآت المقربين انتهى. 
وتعقبه العلامة صالح أفندي الموصلي عليه الرحمة بأنه لا يخفى أن هذا الإيراد إنما نشأ من جعل قول القاضي حمية للدين مفعولاً له لطرحها وهو غير صحيح، فقد صرح في أوائل تفسيره لسورة طه بأن الفعل الواحد لا يتعدى لعلتين وإنما هو مفعول له لشدة الغضب وفرط الضجرة على سبيل التنازع، والتوجيه الذي ذكر للآية هو ما أراده القاضي وتفسيره الإلقاء بالطرح لا ينافي ذلك على ما لا يخفى ا ه، وأقول أنت تعلم أن كون هذا التوجيه هو ما أراده القاضي غير بين ولا مبين على أن حديث كون التعبير بالإلقاء تغليظاً عليه عليه السلام منحط عن درجة القبول جداً إذ ليس في السباق ولا في السياق ما يقضي بكون المقام عتاب موسى عليه السلام ليفتي بهذا التغليظ نظراً إلى مقامه صلى الله عليه وسلم بل المقام ظاهر في الحط على قومه كما لا يخفى على من له أدنى حظ من رفيع النظر، والذي يراه هذا الفقير ما أشرنا إليه أولاً. وحاصله أن موسى عليه السلام لما رأى من قومه ما رأى غضب غضباً شديداً حمية للدين وغيرة من الشرك برب العالمين فعجل في وضع الألواح لتفرغ يده فيأخذ برأس أخيه فعبر عن ذلك الوضع بالإلقاء تفظيعاً لفعل قومه حيث كانت معاينته سبباً لذلك وداعياً إليه مع ما فيه من الإشارة إلى شدة غيرته وفرط حميته وليس في ذلك ما يتوهم منه نوع إهانة لكتاب الله تعالى بوجه من الوجوه، وانكسار بعض الألواح حصل من فعل مأذون فيه ولم يكن غرض موسى عليه السلام ولا مر بباله ولا ظن ترتبه على ما فعل، وليس هناك إلا العجلة في الوضع الناشئة من الغيرة لله تعالى، ولعل ذلك من باب
 وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبّ لترضى  \[ طه : ٨٤ \] واختلفت الروايات في مقدار ما تكسر ورفع، وبعضهم أنكر ذلك حيث أن ظاهر القرآن خلافه. نعم أخرج أحمد وغيره. وعبد بن حميد. والبزار. وابن أبي حاتم. وابن حبان. والطبراني وغيرهم عن ابن عباس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم **«يرحم الله تعالى موسى ليس المعاين كالمخبر أخبره ربه تبارك وتعالى أن قومه فتنوا بعده فلم يلق الألواح فلما رآهم وعاينهم ألقى الألواح فتكسر منها ما تكسر »** فتأمل ولا تغفل، وما روي عن ابن عباس أن موسى عليه السلام لما ألقى الألواح رفع منها ستة أسباع وبقي سبع، وكذا ما روي عن غيره نحوه مناف لما روي فيما تقدم من أن التوراة نزلت سبعين وقرا يقرأ الجزء منهفي سنة لم يقرأها إلا أربعة نفر. موسى. ويوشع. وعزير. وعيسى عليهم السلام. وكذا لما يذكر بعد من قوله تعالى : أَخَذَ الالواح  \[ الأعراف : ١٥٤ \] فإن الظاهر منه العهد. والجواب بأن الرفع لما فيها من الخط دون الألواح خلاف الظاهر والله تعالى أعلم بحقيقة الحال  وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ  أي بشعر رأس هارون عليه السلام لأنه الذي يؤخذ ويمسك عادة ولا ينافي أخذه بلحيته كما وقع في سورة طه أو أدخل فيه تغليباً  يَجُرُّهُ إِلَيْهِ  ظناً منه عليه السلام أنه قصر في كفهم ولم يتمالك لشدة غضبه وفرط غيظه أن فعل ذلك وكان هارون أكبر من موسى عليهما السلام بثلاث سنين إلا أن موسى أكبر منه مرتبة وله الرسالة والرياسة استقلالاً وكان هارون وزيراً له وكان عليه السلام حمولاً ليناً جداً ولم يقصد موسى بهذا الأخذ إهانته والاستخفاف به بل اللوم الفعلي على التقصير المظنون بحكم الرياسة وفرط الحمية، والقول بأنه عليه السلام إنما أخذ رأس أخيه ليساره ويستكشف منه كيفية الواقعة مما يأباه الذوق كما لا يخفى على ذويه، ومثله القول بأنه إنما كان لتسكين هارون لما رأى به من الجزع والقلق، وقال أبو علي الجبائي : إن موسى عليه السلام أجرى أخاه مجرى نفسه فصنع به ما يصنع الإنسان به عند شدة الغضب، وقال الشيخ المفيد من الشيعة : إن ذلك للتألم من ضلال قومه وإعلامهم على أبلغ وجه عظم ما فعلوه لينزجروا عن مثله ولا يخفى أن الأمر على هذا من قبيل :غيري جنى وأنا المعاقب فيكم  فكأنني سبابة المتندمولعل ما أشرنا إليه هو الأولى. وجملة  يَجُرُّهُ  في موضع الحال من ضمير موسى أو من رأس أو من أخيه لأن المضاف جزء منه وهو أحد ما يجوز فيه ذلك، وضعفه أبو البقاء  قَالَ  أي هارون مخاطباً لموسى عليه السلام إزاحة لظنه  ابن أُمَّ  بحذف حرف النداء لضيق المقام وتخصيص الأم بالمذكر مع كونهما شقيقين على الأصح للترقييق، وقيل : لأنها قامت بتربيته وقاست في تخليصه المخاوف والشدائد، وقيل : إن هارون عليه السلام كانت آثار الجمال والرحمة فيه ظاهرة كما ينبىء عنه قوله تعالى : وَوَهَبْنَا لَهُ مِن رَّحْمَتِنَا أَخَاهُ هارون نَبِيّاً  \[ مريم : ٥٣ \] وكان مورده ومصدره ذلك، ولذا كان يلهج بذكر ما يدل على الرحمة، ألا ترى كيف تلطق بالقوم لما قدموا على ما قدموا فقال : يا قوم إِنَّمَا فُتِنتُمْ بِهِ وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرحمن  \[ طه : ٩٠ \] ومن هنا ذكر الأم ونسب إليها لأن الرحمة فيها أتم ولولاها ما قدرت على تربية الولد وتحمل المشاق فيها وهو منزع صوفي كما لا يخفى، واختلف في اسم أمهما عليهما السلام فقيل : محيانة بنت يصهر بن لاوى، وقيل : يوحانذ، وقيل : يارخا، وقيل : يازخت، وقيل : غير ذلك، ومن الناس من زعم أن لاسمها رضي الله تعالى عنها خاصية في فتح الأقفال وله رياضة مخصوصة عند أرباب الطلاسم والحروف وما هي إلا رهبانية ابتدعوها ما أنزل الله تعالى بها من كتاب. 
وقرأ ابن عامر. وحمزة. والكسائي. وأبو بكر عن عاصم هنا وفي طه  ابن أُمَّ  بالكسر وأصله ابن أمي فحذفت الياء اكتفاء بالكسرة تخفيفاً كالمنادى المضاف إلى الياء. 
وقرأ الباقون بالفتح زيادة في التخفيف أو تشبيهاً بخمسة عشر  إِنَّ القوم  الذين فعلوا ما فعلوا  استضعفونى  أي استذلوني وقهروني ولم يبالوا بي لقلة أنصاري  وَكَادُواْ يَقْتُلُونَنِى  وقاربوا قتلي حين نهيتهم عن ذلك ؛ والمراد أني بذلت وسعي في كفهم ولم آل جهداً في منعهم  فَلاَ تُشْمِتْ بِىَ الاعداء  أي فلا تفعل ما يشمتون بي لأجله فإنهم لا يعلمون سر فعلك، والشماتة سرور العدو بما يصيب المرء من مكروه. 
وقرىء  فَلاَ تُشْمِتْ بِىَ الاعداء  بفتح حرف المصارعة وضم الميم ورفع الأعداء حطهم الله تعالى وهو كناية عن ذلك المعنى أيضاً على حد لا أرينك ههنا. والمراد من الأعداء القوم المذكورون إلا أنه أقيم الظاهر مقام ضميرهم ولا يخفى سره  وَلاَ تَجْعَلْنِى مَعَ القوم \* الظالمين  أي لا تجعلني معدوداً في عدادهم ولا تسلك بي سلوكك بهم في المعاتبة، أو لا تعتقدني واحداً من الظالمين مع براءتي منهم ومن ظلمهم، فالجعل مثله في قوله تعالى : وَجَعَلُواْ الملئكة الذين هُمْ عِبَادُ الرحمن إناثا  \[ الزخرف : ١٩ \]. 
( هذا ومن باب الإشارة ) : وَلَمَّا رَجَعَ موسى إلى قَوْمِهِ  وهم الأوصاف الإنسانية  غضبان  مما عبدت صفات القلب عجل الدنيا  أَسَفاً  على ما فات لها من عبادة الحق { قَالَ بِئْسَمَا خَلَفْتُمُون

### الآية 7:151

> ﻿قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِأَخِي وَأَدْخِلْنَا فِي رَحْمَتِكَ ۖ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ [7:151]

قَالَ  استئناف مبني على سؤال نشأ من حكاية الاعتذار كأنه قيل فماذا قال موسى عليه السلام عند اعتذار أخيه ؟ فقيل : قال  رَبّ اغفر لِى  ما فعلت بأخي قبل جلية الحال وحسنات الأبرار سيئات المقربين  وَلاخِى  إن كان اتصف بما يعد ذنباً بالنسبة إليه في أمر أولئك الظالمين، وفي هذا الضم ترضية له عليه السلام ورفع للشماتة عنه، والقول بأنه عليه السلام استغفر لنفسه ليرضي أخاه ويظهر للشامتين رضاه لئلا تتم شماتتهم به ولأخيه للإيذان بأنه محتاج إلى الاستغفار حيث كان يجب عليه أن يقاتلهم لي فيه توقف ولا يخفى وجهه.  وَأَدْخِلْنَا  جميعاً. . 
 فِي رَحْمَتِكَ  الواسعة بمزيد الأنعام علينا، وهذا ما يقتضيه المقابلة بالمغفرة، والعدول عن ارحمنا إلى ما ذكر  وَأَنتَ أَرْحَمُ الرحمين  فلا غرو في انتظامنا في سلك رحمتك الواسعة في الدنيا والآخرة، والجملة اعتراض تذييلي مقرر لمضمون ما قبله، وادعى بعضهم أن فيه إشارة إلى أنه سبحانه استجاب دعاءه وفيه خفاء. 
( هذا ومن باب الإشارة ) : قال رب اغفر لي ولأخي  استر صفاتنا وأدخلنا في رحمتك بإفاضة الصفات الحقة علينا  وَأَنتَ أَرْحَمُ الرحمين  \[ الأعراف : ١٥١ \] لأن كل رحمة فهو شعاع نور رحمتك

### الآية 7:152

> ﻿إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَذِلَّةٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۚ وَكَذَٰلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ [7:152]

إِنَّ الذين اتخذوا العجل  أي بقوا على اتخاذه واستمروا عليه كالسامري وأشياعه كما يفصح عنه كون الموصول الثاني عبارة عن التائبين فإن ذلك صريح في أن الموصول الأول عبارة عن المصرين  سَيَنَالُهُمْ  أي سيلحقهم ويصيبهم في الآخرة جزاء ذلك  غَضَبَ  عظيم لا يقادر قدره مستتبع لفنون العقوبات لعظم جريمتهم وقبح جريرتهم  مّن رَّبّهِمُ  أي مالكهم، والجار والمجرور متعلق بينالهم، أو بمحذوف وقع نعتاً لغضب مؤكداً لما أفاده التنوين من الفخامة الذاتية بالفخامة الإضافية أي كائن من ربهم  وَذِلَّةٌ  عظيمة  وَقَالَ إِنَّمَا اتخذتم  وهي على ما أقول : الذلة التي عرتهم عند تحريق إلههم ونسفه في أليم نسفاً مع عدم القدرة على دفع ذلك عنه، وقيل : هي ذلة الاغتراب التي تضرب بها الأمثال والمسكنة المنتظمة لهم ولأولادهم جميعاً، والذلة التي اختص بها السامري من الانفراد عن الناس والابتلاء بلا مساس، وروي أن بقاياهم اليوم يقولون ذلك وإذا مس أحدهم أحد غيرهم حمجميعاً في الوقت، ولعل ما ذكرناه أولى والرواية لم نر لها أثراً، وإيراد ما نالهم بالسين للتغليب، وقيل : وإليه يشير كلام أبي العالية المراد بهم التائبون، وبالغضب ما أمروا به من قتل أنفسهم، وبالذلة إسلامهم أنفسهم لذلك واعترافهم بالضلال، واعتذر عن السين بأن ذلك حكاية عما أخبر الله تعالى به موسى عليه السلام حين أخبره بافتتان قومه واتخاذهم العجل فإنه قال له : سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ  الخ فيكون سابقاً على الغضب، وجعل الكلام جواب سؤال مقدر وذلك أنه تعالى لما بين أن القوم ندموا على عبادتهم العجل بقوله سبحانه : وَلَمَّا سُقِطَ فَى أَيْدِيهِمْ وَرَأَوْاْ أَنَّهُمْ قَدْ ضَلُّواْ  \[ الأعراف : ١٤٩ \] والندم توبة ولذلك عقبوه بقولهم : لئن لم يرحمنا ربنا ويغفر لنا  \[ الأعراف : ١٤٩ \] وذكر عتاب موسى لأخيه عليهما السلام ثم استغفاره اتجه لسائل أن يقول : يا رب إلى ماذا يصير أمر القوم وتوبتهم واستغفار نبي الله تعالى وهل قبل الله تعالى توبتهم ؟ فأجاب  إِنَّ الذين اتخذوا العجل سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ  أي نقم قبل توبة موسى وأخيه وغفر لهما خاصة وكان من تمام توبة القوم أن الله سبحانه أمرهم بقتل أنفسهم فسلموها للقتل، فوضع الذين اتخذوا العجل موضع القوم إشعاراً بالعلية. وتعقب بأن سياق النظم الكريم وكذا سباقه ناب عن ذلك نبواً ظاهراً كيف لا وقوله تعالى : وكذلك نَجْزِى المفترين  ينادي على خلافه فإنهم شهداء تائبون فكيف يمكن وصفهم بعد ذلك بالافتراء وأيضاً ليس يجزي الله تعالى كل المفترين بهذا الجزاء الذي ظاهره قهر وباطنه لطف ورحمة إلا أن يقال : يكفي في صحة التشبيه وجود وجه الشبه في الجملة ولا بد من التزام ذلك على الوجه الذي ذكرناه أيضاً ؛ وما ذكر في تحرير السؤال والجواب مما تمجه أسماع ذوي الألباب. 
وقال عطية العوفي : المراد سينال أولاد الذين عبدوا العجل وهم الذين كانوا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأريد بالغضب والذلة ما أصاب بني النضير وقريظة من القتل والجلاء، أو ما أصابهم من ذلك ومن ضرب الجزية عليهم، وفي الكلام على هذا حذف مضاف وهو الأولاد، ويحتمل أن لا يكون هناك وهو من تعيير الأبناء بما فعل الآباء، ومثله في القرآن كثير. وقيل : المراد بالموصول المتخذون حقيقة وبالضمير في ينالهم أخلافهم وبالغضب الغضب الأخروي وبالذلة الجزية التي وضعها الإسلام عليهم أو الأعم منها ليشمل ما ضربه بختنصر عليهم. وتعقب ذلك أيضاً بأنه لا ريب في أن توسيط حال هؤلاء في تضاعيف بيان حال المتخذين من قبيل الفصل بين الشجر ولحائه، والمراد بالمفترين المفترون على الله تعالى، وافتراء أولئك عليه سبحانه قول السامري في العجل  هذا إلهكم وإله موسى  \[ طه : ٨٨ \] ورضاهم به ولا أعظم من هذه الفرية ولعله لم يفتر مثلها أحد قبلهم ولا بعدهم. وعن سفيان بن عيينة أنه قال : كل صاحب بدعة ذليل وتلا هذه الآية. 
( هذا ومن باب الإشارة ) : إِنَّ الذين اتخذوا العجل  أي عجل الدنيا إلهاً  سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ مّن رَّبّهِمْ  وهو عذاب الحجاب وذلة في الحياة الدنيا باستعباد هذا الفاني المدني لهم  وكذلك نَجْزِى المفترين  \[ الأعراف : ١٥٢ \] الذين يفترون على الله تعالى فيثبتون وجوداً لما سواه.

### الآية 7:153

> ﻿وَالَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئَاتِ ثُمَّ تَابُوا مِنْ بَعْدِهَا وَآمَنُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ [7:153]

والذين عَمِلُواْ السيئات  أي سيئة كانت لعموم المغفرة ولأنه لا داعي للتخصيص  ثُمَّ تَابُواْ  عنها  مِن بَعْدِهَا  أي من بعد عملها وهو تصريح بما تقتضيه ثم  وَءامَنُواْ  أي واشتغلوا بالإيمان وما هو مقتضاه وبه وتمامه من الأعمال الصالحة ولم يصروا على ما فعلوا كالطائفة الأولى، وهو عطف على تابوا، ويحتمل أن يكون حالاً بتقدير قد، وإياً ما كان فهو على ما قيل : من ذكر الخاص بعدم العام للاعتناء به لأن التوبة عن الكفر هي الإيمان فلا يقال : التوبة بعد الإيمان كيف جاءت قبله. 
وقيل : حيث كان المراد بالإيمان ما تدخل فيه الأعمال يكون بعد التوبة. وقيل : المراد به هنا التصديق بأن الله تعالى يغفر للتائب أي ثم تابوا وصدقوا بأن الله تعالى يغفر لمن تاب  إِنَّ رَبَّكَ مِن بَعْدِهَا  أي من بعد التوبة المقرونة بما لا تقبل بدونه وهو الإيمان، ولم يجعل الضمير للسيئات لأنه كما قال بعض المحققين لا حاجة له بعد قوله سبحانه : ثُمَّ تَابُواْ مِن بَعْدِهَا  لا لأنه يحتاج إلى حذف مضاف ومعطوف من عملها والتوبة عنها لأنه لا معنى لكونه بعدها إلا ذلك  لَغَفُورٌ  لذنوبهم وإن عظمت وكثرت  رَّحِيمٌ  مبالغ في إفاضة فنون الرحمة عليهم، والموصول مبتدأ وجملة  إِنَّ رَبَّكَ  الخ خبر والعائد محذوف، والتقدير عند أبي البقاء لغفور لهم رحيم بهم، والتعرض لعنوان الربوبية مع الإضافة لضميره عليه الصلاة والسلام للتشريف، وقيل : الخطاب للتائب، ولا يخفى لطف ذلك أيضاً، وفي الآية إعلام بأن الذنوب وإن جلت وعظمت فإن عفو الله تعالى وكرمه أعظم وأجل، وما ألطف قول أبي نواس غفر الله تعالى له :يا رب إن عظمت ذنوبي كثرة  فلقد علمت بأن عفوك أعظمإن كان لا يرجوك إلا محسن  فبمن يلوذ ويستجير المجرمومما ينسب للإمام الشافعي رضي الله تعالى عنه :ولما قسا قلبي وضاقت مذاهبي  جعلت الرجا ربي لعفوك سلماًتعاظمني ذنبي فلما قرنته  بعفوك ربي كان عفوك أعظماً ويعجبني قول بعضهم : وما أولى هذا المذنب به :أنا مذنب أنا مخطىء أنا عاصي  هو غافر هو راحم هو عافيقابلتهن ثلاثة بثلاثة  وستغلبن أوصافه أوصافي( هذا ومن باب الإشارة ) : والذين عَمِلُواْ السيئات ثُمَّ تَابُواْ  رجعوا إليه سبحانه وتعالى بمجاهدة نفوسهم وإفنائها إن ربك من بعدها لغفور فيستر صفاتهم  رحيم  \[ الأعراف : ١٥٣ \] فيفيض عليهم من صفاته

### الآية 7:154

> ﻿وَلَمَّا سَكَتَ عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ أَخَذَ الْأَلْوَاحَ ۖ وَفِي نُسْخَتِهَا هُدًى وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ [7:154]

وَلَمَّا سَكَتَ عَن مُّوسَى الغضب  شروع في بيان بقية الحكاية أثر ما بين تحزب القوم إلى مصر وتائب، والإشارة ما لكل منهما إجمالاً، أي ولما سكت عنه الغضب باعتذار أخيه وتوبة القوم، وهذا صريح في أن ما حكى عنهم من الندم وما بتفرع عليه كان بعد مجىء موسى عليه السلام، وقيل : المراد ولما كسرت سورة غضبه عليه السلام وقل غيظه باعتذار أخيه فقط لا أنه زال غضبه بالكلية لأن توبة القوم ما كانت خالصة بعد، وأصل السكوت قطع الكلام، وفي الكلام استعارة مكنية حيث شبه الغضب بشخص ناه آمر وأثبت له السكوت على طريق التخييل، وقال السكاكي : إن فيه استعارة تبعية حيث شبه سكون الغضب وذهاب حدته بسكون الآمر الناهي والغضب قرينتها، وقيل : الغضب استعارة بالكناية عن الشخص الناطق والسكوت استعارة تصريحية لسكون هيجانه وغليانه فيكون في الكلام مكنية قرينتها تصريحية لا تخييلية، وإيا ما كان ففي الكلام مبالغة وبلاغة لا يخفى علو شأنهما، وقال الزجاج : مصدر سكت الغضب السكتة ومصدر سكت الرجل السكوت وهو يقتضي أن يكون سكت الغضب فعلاً على حدة ؛ وقيل ونسب إلى عكرمة : إن هذا من القلب وتقديره ولما سكت موسى عن الغضب، ولا يخفى أن السكوت كان أجمل بهذا القائل إذ لا وجه لما ذكره. 
وقرأ معاوية بن قرة  سَكَنَ  والمعنى على ذلك ظاهر إلا أنه على قراءة الجمهور أعلى كعباً عند كل ذي طبع سليم وذوق صحيح، وقرىء  سَكَتَ  بالبناء لما لم يسم فاعله والتشديد للتعدية و  أسكت  بالبناء لذلك أيضاً على أن المسكت هو الله تعالى أو أخوه أو التائبون  الغضب أَخَذَ الالواح  التي ألقاها  وَفِى نُسْخَتِهَا  أي فيما نسخ فيها وكتب، ففعلة بمعنى مفعول كالخطبة، والنسخ الكتابة، والإضافة بيانية أو بمعنى في، وإلى هذا ذهب الجبائي وأبو مسلم وغيرهما، وقيل : معنى منسوخة ما نسخ فيها من اللوح المحفوظ، وقيل : النسخ هنا بمعنى النقل، والمعنى فيما نقل من الألواح المنكسرة. وروي عن ابن عباس. وعمرو بن دينار أن موسى عليه السلام لما ألقى الألواح فتكسر منها ما تكسر صام أربعين يوماً فرد عليه ما ذهب في لوحين وفيهما ما في الأول بعينه فكأنه نسخ من الأول  هُدًى  أي بيان للحق عظيم  وَرَحْمَةً  جليلة بالإرشاد إلى ما فيه الخير والصلاح  لّلَّذِينَ هُمْ لِرَبّهِمْ يَرْهَبُونَ  أي يخافون أشد الخوف، واللام الأولى متعلقة بمحذوف وقع صفة لما قبله أو هي لام الرجل أي هدى ورحمة لأجلهم، والثانية لتقوية عمل الفعل المؤخر كما في قوله سبحانه : إِن كُنتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ  \[ يوسف : ٤٣ \] أو هي لام العلة والمفعول محذوف أي يرهبون المعاصي لأجل ربهم لا للرياء والسمعة، واحتمال تعلقها بمحذوف أي يخشون لربهم كما ذهب إليه أبو البقاء بعيد. 
( هذا ومن باب الإشارة ) : ولما سكت عن موسى الغضب أخذ الألواح الربانية، وفي نسختها هدى إرشاد إلى الحق  وَرَحْمَةٌ لّلَّذِينَ هُمْ لِرَبّهِمْ يَرْهَبُونَ  \[ الأعراف : ١٥٤ \] يخافون لحسن استعدادهم،

### الآية 7:155

> ﻿وَاخْتَارَ مُوسَىٰ قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا لِمِيقَاتِنَا ۖ فَلَمَّا أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ قَالَ رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِيَّايَ ۖ أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ مِنَّا ۖ إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَنْ تَشَاءُ وَتَهْدِي مَنْ تَشَاءُ ۖ أَنْتَ وَلِيُّنَا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا ۖ وَأَنْتَ خَيْرُ الْغَافِرِينَ [7:155]

واختار موسى قَوْمَهُ  تتمة لشرح أحوال بني إسرائيل، وقال البعض : إنه شروع في بيان كيفية استدعاء التوبة وكيفية وقوعها  واختار  يتعدى إلى اثنين ثانيهما مجرور بمن وقد حذفت هنا وأوصل الفعل والأصل من قومه، ونحوه قول الفرزدق :منا الذي اختير الرجال سماحة  وجوداً إذا هب الرياح الزعازع**وقوله الآخر :**
فقلت له : اخترها قلوصاً سمينة  ونابا علا بامثل نابك في الحياوقوله سبحانه : سَبْعِينَ رَجُلاً  مفعول أول لاختار على المختار وأخر عن الثاني لما مر مراراً، وقيل : بدل بعض من كل، ومنعه الأكثرون بناءاً على أن المبدل منه في نية الطرح والاختيار لا بد له من مختار ومختار منه وبالطرح يسقط الثاني، وجوزه أبو البقاء على ضعف ويكون التقدير سبعين منهم، وقيل : هو عطف بيان  لميقاتنا  ذهب أبو علي. وأبو مسلم وغيرهما من مفسري السنة والشيعة إلى أنه الميقات الأول وهو الميقات الكلامي قالوا : إنه عليه السلام اختار لذلك من اثني عشر سبطاً من كل سبط ستة حتى تتاموا اثنين وسبعين فقال عليه السلام : ليتخلف منكم رجلان فتشاحوا فقال : لمن قعد منكم مثل أجر من خرج فقعد كالب ويوشع، وروي أنه لم يصب إلا ستين شيخاً فأوحى الله تعالى أن يختار من الشبان عشرة فاختارهم فأصبحوا شيوخاً، وقيل : كانوا أبناء ما عدا العشرين ولم يتجاوزوا الأربعين فذهب عنهم الجهل والصبا فأمرهم موسى عليه السلام أن يصوموا ويتطهروا ويطهروا ثيابهم ثم خرج بهم إلى طور سيناء فلما دنا من الجبل وقع عليه عمود الغمام حتى تغشى الجبل كله ودنا موسى ودخل فيه، وقال للقوم : ادنوا فدنوا حتى إذا دخلوا الغمام وقعوا سجداً فسمعوه وهو سبحانه يكلم موسى يأمره وينهاه افعل ولا تفعل ثم انكشف الغمام فأقبلوا إليه فطلبوا الرؤية فوعظهم وكان ما كان، وذهب آخرون وهو المروى عن الحسن إلى أنه غير الميقات الأول قالوا : إن الله سبحانه أمر موسى عليه السلام أن يأتيه في أناس من بني إسرائيل يعتذرون إليه من عبادة العجل فاختار من اختاره فلما أتوا الطور قالوا ما قالوا، وروي ذلك عن السدي، وعن ابن إسحاق أنه عليه السلام إنما اختارهم ليتوبوا إلى الله تعالى ويسألوه التوبة على من تركوا وراءهم من قومهم. ورجح ذلك الطيبي مدعياً أن الأول خلاف نظم الآيات وأقوال المفسرين. أما الأول فلما قال الإمام : إنه تعالى ذكر قصة ميقات الكلام وطلب الرؤية ثم أتبعها بقصة العجل وما يتصل بها فظاهر الحال أن تكون هذه القصة مغايرة للمتقدمة إذ لا يليق بالفصاحة ذكر بعض القصة ثم النقل إلى أخرى ثم الرجوع إلى الأولى وإنه اضطراب يصان عنه كلامه تعالى، وأيضاً ذكر بعض القصة ثم النقل إلى أخرى ثم الرجوع إلى الأولى وإنه اضطراب يصان عنه كلامه تعالى، وأيضاً ذكر في الأولى خرور موسى عليه السلام صعقاً، وفي الثانية قوله بعد أخذ الرجفة : لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُم ، وأيضاً لو كانت الرجفة بسبب طلب الرؤية لقيل : أتهلكنا بما قال السفهاء وضم إليه الطيبي أنه تعالى حيث ذكر صاعقتهم لم يذكر صعق موسى عليه السلام وبالعكس فدل على التغاير، وأما الثاني فلما نقل عن السدي مما ذكرناه آنفاً، وتعقب ما ذكر في الترجيح أولاً صاحب الكشف بأن الإنصاف أن المجموع قصة واحدة في شأن ما من على بني إسرائيل بعد إنجائهم من تحقيق وعد إيتاء الكتاب وضرب ميقاته وعبادة العجل وطلب الرؤية كان في تلك الأيام، وفي ذلك الشأن فالبعض مربوط بالبعض بقي إيثار هذا الأسلوب وهو بين لأن الأول في شأن الامتنان عليهم وتفضيلهم كيف وقد عطف
 واعدنا  \[ الأعراف : ١٤٢ \] على  أنجيناكم  \[ الأعراف : ١٤١ \] وقد بين أنه تبيين للتفضيل، وتعقيب حديث الرؤية مستطرد للفرق بين الطلبين عندنا وليلقمهم الحجر عند المعتزلي. والثاني في شأن جنايتهم بعد ذلك الإحسان البالغ باتخاذ العجل والملاحة والافتراق من لوازم النظم، وتعقب ما ذكر فيه ثانياً بأن قول السدي وحده لا يصلح رداً كيف وهذا يخالف ما نقله محيي السنة في قوله سبحانه : لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُم  إنهم كانوا له وزراء مطيعين فاشتد عليه عليه السلام فقدهم فرحمهم وخاف عليهم الفوت وأين  لَن نُّؤْمِنَ لَكَ  \[ البقرة : ٥٥ \] من الطاعة وحسن الاستئزار قال : ثم الظاهر من قوله تعالى : فَقَالُواْ أَرِنَا الله جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ الصاعقة بِظُلْمِهِمْ ثُمَّ اتخذوا العجل  \[ النساء : ١٥٣ \] إن اتخاذ العجل متأخر عن مقالتهم تلك خلاف ما نقل عن السدي والحمل على تراخي الرتبة لا بد له من سند كيف ولا ينافي التراخي الزماني فلا بد من دليل يخصه به، هذا وقد اعترف المفسرون في سورة طه بأنه اختار سبعين لميقات الكلام ذكروه في قوله تعالى : وَمَا أَعْجَلَكَ عَن قَومِكَ ياموسى  \[ طه : ٨٣ \] وما اعتذر عنه الطيبي بأن اختيار السبعين كان مرتين وليس في النقل أنهم كانوا معه عند المكالمة وطلب الرؤية فظاهر للمنصف سقوطه انتهى. 
وذكر القطب في توهين ما نقل عن السدي بأن الخروج للاعتذار إن كان بعد قتل أنفسهم ونزول التوبة فلا معنى للاعتذار، وإن كان قبل قتلهم فالعجب من اعتذار ثمرته قتل الأنفس، ثم قال : ولا ريب أن قصة واحدة تتكرر في القرآن يذكر في سورة بعضها، وفي أخرى بعض أخر وليس ذلك إلا لتكرار اعتبار المعتبرين بشيء من تلك القصة فإذا جاز ذكر قصة في سور متعددة في كل سورة شيء منها فلم لا يجوز ذلك في مواضع من سورة واحدة لتكرر الاعتبار ا ه، وهو ظاهر في ترجيح ما ذهب إليه الأولون، وأنا أقول : إن القول بأن هذا الميقات هو الميقات الأول ليس بعاطل من القول وبه قال جمع كما أشرنا إليه، وكلامنا في البقرة ظاهر فيه إلا أن الإنصاف أن ظاهر النظم هنا يقتضي أنه غيره وما ذكره صاحب الكشف لا يقتضي أنه ظاهر في خلافه، وإلى القول بالغيرية ذهب جل من المفسرين. 
فقد أخرج عبد بن حميد من طريق أبي سعد عن مجاهد أن موسى عليه السلام خرج بالسبعين من قومه يدعون الله تعالى ويسألونه أن يكشف عنهم البلاء فلم يستجب لهم فعلم موسى أنهم أصابوا من المعصية ما أصاب قومهم، قال أبو سعد : فحدثني محمد بن كعب القرظي أنه لم يستجب لهم من أجل أنهم لم ينهوهم عن المنكر ولم يأمروهم بالمعروف. 
وأخرج عبد بن حميد عن الفضل بن عيسى بن أخي الرقاشي أن بني إسرائيل قالوا ذات يوم لموسى عليه السلام ألست ابن عمنا ومنا وتزعم أنك كلمت رب العزة ؟ فإنا لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حتى نَرَى الله جَهْرَةً فلما أبوا إلا ذلك أوحى الله تعالى إلى موسى أن اختر من قومك سبعين رجلاً فاختار سبعين خيرة ثم قال لهم : اخرجوا فلما برزوا جاءهم ما لا قبل لهم به الخبر. وهو ظاهر في أن هذا الميقات ليس هو الأول. نعم إنه مخالف لما روي عن السدي لكنهما متفقان على القول بالغيرية ويوافق السدي في ذلك الحسن أيضاً فليس هو متفرداً بذلك كما ظنه صاحب الكشف، وما ذكره من مخالفة كلام السدي لما نقله محيي السنة في حيز المنع، وقوله : فإنا لن نؤمن لك الخ يظهر جوابه مما ذكرناه في البقرة عند هذه الآية من الاحتمالات، والقول بأن الاختيار كان مرتين غير بعيد وبه قال بعضهم، وما ذكره القطب من الترديد في الخروج للاعتذار ظاهر بعض الروايات عن السدي يقتض تعين الشق الأول منه. فقد أخرج ابن أبي حاتم عنه أنه قال : انطلق موسى إلى ربه فكلمه فلما كلمه قال : مَا أَعْجَلَكَ عَن قَومِكَ ياموسى موسى  \[ طه : ٨٣ \] فأجابه موسى بما أجابه فقال سبحانه : فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ  \[ طه : ٨٥ \] الآية فرجع موسى إلى قومه غضبان أسفاً فأبى الله تعالى أن يقبل توبتهم إلا بالحال التي كرهوا ففعلوا ثم أن الله تعالى أمر موسى عليه السلام أن يأتيه في ناس من بني إسرائيل يعتذرون من عبادة العجل فوعدهم موعداً فاختار موسى سبعين رجلاً الخ وهو كما ترى ظاهر فيما قلناه، والقول بأنه لا معنى للاعتذار بعد قل أنفسهم ونزول التوبة أجيب عنه بأن المعنى يحتمل أن يكون طلباً لزيادة الرضى واستنزال مزيد الرحمة، ويحتمل أن يكونوا أمروا بذلك تأكيداً للإيذان بعظم الجناية وزيادة فيه وإشارة إلى أنه بلغ مبلغاً في السوء لا يكفي في العفو عنه قتل الأنفس بل لا بد فيه مع ذلك الاعتذار، ويمكن أن يقال إنه كان قبل قتلهم أنفسهم : والسر في أنهم أمروا به أن يعلموا أيضاً عظم الجناية على أتم وجه بعدم قبوله والله تعالى أعلم  فَلَمَّا أَخَذَتْهُمُ الرجفة  أي الصاعقة أو رجفة الجبل فصعقوا منها والكثير على أنهم ماتوا جميعاً ثم أحياهم الله تعالى، وقيل : غشي عليهم ثم أفاقوا وذلك لأنهم قالوا :
 لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللهَ جَهْرَةً  \[ البقرة : ٥٥ \] على ما في بعض الروايات أو ليتحقق عند القائلين ذلك من قومهم مزيد عظمته سبحانه على ما في البعض الآخر منها، أو لمجرد التأديب على ما في خبر القرظي، والظاهر أن قولهم : لن نؤمن الخ صدر منهم في ذلك المكان لا بعد الرجوع كما قيل : ونقلناه في البقرة وحينئذٍ يبعد على ما قيل القول بأن هذا الميقات هو الميقات الأول لأن فيه طلب موسى عليه السلام الرؤية بعد كلام الله تعالى له من غير فصل على ما هو الظاهر فكون هذا الطلب بعده، وبعيد أن يطلبوا ذلك بعد أن رأوا ما وقع لموسى عليه السلام. وما أخرجه ابن أبي الدنيا : وابن جرير وغيرهما عن علي كرم الله تعالى وجهه أنه قال : لما حضر أجل هارون أوحى الله تعالى إلى موسى عليه السلام أن انطلق أنت وهارون وابنه إلى غار في الجبل فإنا قابضو روحه فانطلقوا جميعاً فدخلوا الغار فإذا سرير فاضطجع عليه موسى ثم قام عنه فقال : ما أحسن هذا المكان يا هارون فاضطجع عليه هارون فقبض روحه فرجع موسى وابن أخه إلى بني إسرائيل حزينين فقالوا له : أين هارون : قال مات ؟ قالوا : بل قتلته كنت تعلم إنا نحبه فقال لهم : ويلكم أقتل أخي وقد سألته الله تعالى وزيراً ولو أني أردت قتله أكان ابنه يدعني. قالوا بلى : قتلته حسداً، قال : فاختاروا سبعين رجلاً فانطلق بهم فمرض رجلان في الطريق فخط عليهما خطاً فانطلق هو وابن هارون. وبنو إسرائيل حتى انتهوا إلى هارون فقال : يا هارون من فتلك ؟ قال : لم يقتلني أحد ولكني مت قالوا : ما تعصى يا موسى ادع لنا ربك يجعلنا أنبياء فأخذتهم الرجفة فصعقوا وصعق الرجلان اللذان خلفوا وقام موسى عليه السلام يدعو ربه فأحياهم الله تعالى فرجعوا إلى قومهم أنبياء لا يكاد يصح فيما أرى لتظافر الآثار بخلافه وإباء ظواهر الآيات عنه. 
 قَالَ رَبّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُم مّن قَبْلُ  عرض للعفو السابق لاستجلاب العفو اللاحق يعني أنك قدرت على إهلاكهم قبل ذلك بحمل فرعون على إهلاكهم وبإغراقهم في البحر وغيرهما فترحمت عليهم ولم تهلكهم فارحمهم الآن كما رحمتهم من قبل جرياً على مقتضى كرمك وإنما قال : وإياي  تسليماً منه وتواضعاً، وقيل : أراد بقوله : أَبَوَيْكَ مِن قَبْلُ  حين فرطوا في النهي عن عبادة العجل وما فارقوا عبدته حين شاهدوا إصرارهم عليها أي لو شئت إهلاكهم بذنوبهم إذ ذاك وإياي أيضاً حين طلبت منك الرؤية، وقيل : حين قتل القبطي لأهلكتنا، وقيل : هو تمن منه عليه السلام للإهلاك جميعاً بسبب محبته أن لا يرى ما يرى من مخالفتهم له مثلاً أو بسبب آخر وفيه دغدغة { أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السفهاء مِنّ

### الآية 7:156

> ﻿۞ وَاكْتُبْ لَنَا فِي هَٰذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ ۚ قَالَ عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاءُ ۖ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ ۚ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ [7:156]

واكتب لَنَا  أي أثبت واقسم لنا  فِى هذه الدنيا  التي عرانا فيها ما عرانا  حَسَنَةٌ  حياة طيبة وتوفيقا للطاعة. 
وقيل : ثناءاً جميلاً وليس بجميل، وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن المراد اقبل وفادتنا وردنا بالمغفرة والرحمة  وَفِي الاخرة  أي واكتب لنا أيضاً في الآخرة حسنة وهي المثوبة الحسنى والجنة. 
قيل : إن هذا كالتأكيد لقوله : اغفر وارحم  إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ  أي تبنا إليك من هاد يهود إذا رجع وتاب كما قال :
إني امرىء مما جنيت هائد \*\*\* ومن كلام بعضهم :
يا راكب الذنب هدهد \*\*\* واسجد كأنك هدهد
وقيل : معناه مال، وقرأ بن علي رضي الله تعالى عنهما  هُدْنَا  بكسر الهاء من هاد يهيد إذا حرك، وأخرج ابن المنذر. وغيره عن أبي وجرة السعدي أنه أنكر الضم وقال : والله لا أعلمه في كلام أحد من العرب وإنما هو هدنا بالكسر أي ملنا وهو محجوج بالتواتر، وجوز على هذه القراءة أن يكون الفعل مبنياً للفاعل والمفعول بمعنى حركنا أنفسنا أو حركنا غيرنا، وكذا على قراءة الجماعة، والبناء للمفعول عليها على لغة من يقول : عود المريض، ولا بأس بذلك إذا كان الهود بمعنى الميل سوى أن تلك لغة ضعيفة، وممن جوز الأمرين على القراءتين الزمخشري. وتعقبه السمين بأنه متى حصل الالتباس وجوب أن يأتي بحركة تزيله فيقال : عقت إذا عاقك غيرك بالكسر فقط أو الاشمام إلا أن سيبويه جوز في نحو قيل الأوجه الثلاثة من غير احتراز، والجملة تعليل لطلب المغفرة والرحمة، وتصديرها بحرف التحقيق لاظهار كمال النشاط والرغبة في مضمونها  قَالَ  استئناف بياني كأنه قيل : فماذا قال الله تعالى له بعد دعائه ؟ فقيل : قال : عَذَابِى أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاء  أي شأني أصيب بعذابي من أشاء تعذيبه من غير دخل لغيري فيه. 
وقرأ الحسن. وعمرو الأسود  مِنْ \* أَسَاء  بالسين المهملة ونسبت إلى زيد بن علي رضي الله تعالى عنهما وأنكر بعضهم صحتها  وَرَحْمَتِى وَسِعَتْ كُلَّ شَىْء  أي شأنها أنها واسعة تبلغ كل شيء ما من مسلم ولا كافر ولا مطيع ولا عاص إلا وهو متقلب في الدنيا بنعمتي، وفي نسبة الإصابة إلى العذاب بصيغة المضارع ونسبة السعة إلى الرحمة بصيغة الماضي إيذان بأن الرحمة مقتضي الذات وأما العذاب فمقتضى معاصي العباد، والمشيئة معتبرة في جانب الرحمة أيضاً، وعدم التصريح بها قيل : تعظيماً لأمر الرحمة، وقيل : للاشعار بغاية الظهور، ألا ترى إلى قوله تعالى : فَسَأَكْتُبُهَا  فإنه متفرع على اعتبار المشيئة كما لا يخفى، كأنه قيل : فإذا كان الأمر كذلك أي كما ذكر من إصابة عذابي وسعة رحمتي لكل من أشاء فسأثبتها إثباتاً خاصاً  لّلَّذِينَ يَتَّقُونَ  أي الكفر والمعاصي أما ابتداءاً أو بعد الملابسة  وَيُؤْتُونَ الزكواة  المفروضة عليهم في أموالهم وقيل المعنى يطيعون الله ورسوله صلى الله عليه وسلم والظاهر خلافه، وتخصيص إيتاء الزكاة بالذكر مع اقتضاء التقوى له للتعريض بقوم موسى عليه السلام لأن كان شاقا عليهم لمزيد حبهم للدنيا، ولعل الصلاة إنما لم تذكر مع انافتها على سائر العبادات وكونها عماد الدين اكتفار منها بالاتقاء الذي هو عبارة عن فعل الواجبات بأسرها وترك المنهيات عن آخرها  والذين هُم بئاياتنا  كلها كما يفيده الجمع المضاف  يُؤْمِنُونَ  إيماناً مستمراً من غير اخلال بشيء منها، وتكرير الموصول مع أن المراد به عين ما أريد بالموصول الأول دون أن يقال ويؤمنون بآياتنا عطفاً على ما قبله كما سلك في سابقه قيل : لما أشير إليه من القصر بتقديم الجار والمجرور أي هم بجميع آياتنا يؤمنون لا ببعضها دون بعض، وفيه تعرض بمن آمن ببعض وكفر ببعض كقوم موسى عليه السلام. 
واختلف في توجيه هذا الجواب فقال شيخ الإسلام : لعل الله تعالى حين جعل توبة عبدة العجل بقتلهم أنفسهم وكان الكلام الذي أطمع السبعين في الرؤية في ذلك ضمن موسى عليه السلام دعاءه التخفيف والتيسير حيث قال : واكتب لَنَا فِى هذه الدنيا حَسَنَةً  أي خصلة حسنة عارية عن المشقة والشدة فإن في القتل من العذاب الشديد ما لا يخفى فأجابه سبحانه بأن عذابي أصيب به من أشاء وقومك ممن تناولته مشيئتي ولذلك جعلت توبتهم مشوبة بالعذاب الدنيوي ورحمتي وسعت كل شيء وقد نال قومك نصيب منها في ضمن العذاب الدنيوي وسأكتب الرحمة خالصة غير مشوبة بالعذاب الدنيوي كما دعوت لمن صفتهم كيت وكيت لا لقومك لأنهم ليسوا كذلك فيكفيهم ما قدر لهم من الرحمة وإن كانت مقارنة العذاب، وعلى هذا فموسى عليه السلام لم يستجب له سؤاله في قومه ومن الله تعالى بما سأله على من آمن بمحمد صلى الله عليه وسلم. 
وفي بعض الآثار أنه عليه السلام لما أجيب بما ذكر قال : أتيتك يا رب بوفد من بني إسرائيل فكانت وفادتنا لغيرنا. وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما دعا موسى ربه سبحانه فجعل دعاءه لمن آمن بمحمد عليه الصلاة والسلام واتبعه، وفي رواية أخرى رواها جمع عنه سأل موسى ربه مسألة فاعطاها محمداً صلى الله عليه وسلم وتلا الآية، لكن لا يخفى أن ما قرره هذا الشيخ بعيد. وقال صاحب الكشف في ذلك : كأنه لما سأل موسى عليه السلام لنفسه ولقومه خير الدارين أجيب بأن عذابي لغير التائبين ان شئت ورحمتي الدنيوية تعم التائب وغيره وأما الجمع بين الرحمتين فهو للمستعدين فإن تاب من دعوت لهم وثبتوا كأعقابهم نالتهم الرحمة الخاصة الجامعة وأثر فيهم دعاؤك وإن داوموا على ما هم فيه بعدوا عن القبول، والغرض ترغيبهم على الثبات على التوبة والعمل الصالح وتحذيرهم عن المعاودة عما فرط منهم مع التخلص إلى ذكر النبي صلى الله عليه وسلم والحث على اتباعه أحسن تخلص وحث يحير الألباب ويبدي للمتأمل فيه العجب العجاب، وإلى بعض هذا يشير كلام الزمخشري. 
وقال العلامة الطيبي في توجيهه : إن هذا الجواب وارد على الأسلوب الحكيم، وقوله سبحانه : عَذَابِى  الخ كالتمهيد للجواب، والجواب  فَسَأَكْتُبُهَا  الخ، وذلك أن موسى عليه السلام طلب الغفران والرحمة والحسنة في الدارين لنفسه ولأمته خاصة بقوله : واكتب لَنَا  وعلله بقوله : إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ  فأجابه الرب سبحانه بأن تقييدك المطلق ليس من الحكمة فإن عذابي من شأنه أنه تابع لمشيئتي فأمتك لو تعرضوا لما اقتضت الحكمة تعذيب من باشره لا ينفعهم دعاؤك لهم وإن رحمتي من شأنها أن تعم في الدنيا الخلق صالحهم وطالحهم مؤمنهم وكافرهم فالحسنة الدنيوية عامة فلا تختص بأمتك فتخصيصها تحجير للواسع وأما الحسنة الأخروية فهي للموصوفين بكذا وكذا، وجعل  فَسَأَكْتُبُهَا  كالقول بالموجب لأنه عليه السلام طلب ما طلب وجعل العلة ما جعل فضم الله تعالى ما ضم، يعني أن الذي يوجب اختصاص الحسنتين معا هذه الصفات المتعددة لا التوبة المجردة، ثم ذكر أن ترتيب هذا على ما قبله بالفاء على منوال قوله تعالى جواباً عن قول إبراهيم عليه السلام : وَمِن ذُرّيَّتِى قَالَ لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظالمين  \[ البقرة : ١٢٤ \] وأيد هذا التقرير بما روي عن الحسن. وقتادة وسعت رحمته في الدنيا البر والفاجر وهي يوم القيامة للمتقين خاصة ا ه ما أريد منه، وما ذكره من حديث التحجر في القلب منه شيء فإن الظاهر أن ما في دعاء موسى عليه السلام ليس منه وإنما التحجر في مثل ما أخرجه أحمد. وأبو داود عن جندب عن عبد الله البجلي قال :**«جاء اعرابي فأناخ راحلته ثم عقلها وصلى خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم نادى اللهم ارحمني ومحمداً ولا تشرك في رحمتنا أحداً فقال رسول الله عليه الصلاة والسلام : لقد حظرت رحمة واسعة إن الله خلق مائة رحمة فأنزل رحمة يتعاطف بها الخلق جنها وانسها وبهائمها وعنده تسعة وتسعون »**. وأنا أقول : قد يقال : إن موسى عليه السلام إنما طلب على أبلغ وجه المغفرة والرحمة الدنيوية والأخروية له ولقومه وتعليل ذلك بالتوبة مما لا شك في صحته، ولا يفهم من كلامه عليه السلام أنه طلب للقوم كيف كانوا وفي أي حالة وجدوا وعلى أي طريقة سلكوا فإن ذلك مما لا يكاد يقع ممن له أدنى معرفة بربه فضلاً عن مثله عليه السلام، وإنما هذا الطلب لهم من حيث إنهم تائبون راجعون إليه عز شأنه، ولا يبعد أن يقال باستجابة دعائه بذلك بل هي أمر مقطوع به بالنسبة إليه صلى الله عليه وسلم ؛ وكيف يشك في أنه غفر له ورحم وأوتي خير الدارين وهو هو وأما بالنسبة إلى قومه فالظاهر أن التائب منهم أوتي خير الآخرة لأن هذه التوبة إن كانت هي التوبة بالقتل فقد جاء عن الزهري أن الله تعالى أوحي إلى موسى بعد أن كان ما كان ما يحزنك ؟ أما من قتل منكم فحي يرزق عندي وأما من بقي فقد قبلت توبته فسر بذلك موسى وبنو اسرائيل، وإن كانت غيرها فمن المعلوم أن التوبة تقبل بمقتضى الوعد المحتوم، وخير من قبلت توبته في الآخرة كثير، وأما خير الدنيا فقد نطقت الآيات بأن القوم غرقي فيه، ويكفي في ذلك قوله تعالى :
 يابنى إسراءيل اذكروا نِعْمَتِى التى أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنّى فَضَّلْتُكُمْ عَلَى العالمين  \[ البقرة : ٤٧ \]. 
وحينئذ فيمكم أن يقال في توجيه الجواب : أنه سبحانه لما رأى من موسى عليه السلام شدة القلق والاضطراب ولهذا بالغ في الدعاء خشية من طول غضبه تعالى على من يشفق عليه من ذلك سكن جل شأنه روعته وأجاب طلبته بأسلوب عجيب، وطريق بديع غريب فقال سبحانه له : عَذَابِى  أي الذي تخشى أن تصيب بعض نباله التي أرميها بيد جلالي عن قسى إرادتي من دعوت له أصيب به من أشاء فلا يتعين قومك الذين تخشى عليهم ما تخشى لأن يكون غرضاً له بعد أن تابوا من الذنب وتركوا فعله  وَرَحْمَتِى وَسِعَتْ كُلَّ شَىْء  إنساناً كان أو غيره مطيعاً كان أو غيره فما من شيء إلا وهو داخل فيها سابح في تيارها أو سايح في فيافيها بل ما من معذب إلا ويرشح عليه ما يرشح منها ولا أقل من أني لم أعذبه بأشد مما هو فيه مع قدرتي عليه فطب نفسا وقرعينا فدخول قومك في رحمة وسعت كل شيء ولم تضق عن شيء أمر لا شك فيه ولا شبهة تعتريه كيف وقد هادوا إلى ووفدوا على أفتري أني أضيق الواسع عليهم وأوجه نبال الخيبة إليهم وأردهم بخفى حنين فيرحع كل منهم صفر الكفين ؟ لا أراني أفعل بل إني سأرحمهم وأذخب عنهم ما أهمهم وأكتب الحظ الأوفر من رحمتي لأخلافهم الذين يأتون آخر الزمان ويتصفون بما يرضيني ويقومون بأعباء ما يراد منهم، وإلى ذلك الإشارة بقوله سبحانه : فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ  الخ، ولعل تقديم وصف العذاب دون وصف الرحمة ليفرغ ذهنه عليه السلام مما يخاف منه مع أن في عكس هذا الترتيب ما يوجب انتشار النظم الكريم ؛ ووصف أخلاقهم بما وصفوا به لاستنهاض همهم إلى الاتصاف بما يمكن اتصافهم به منه أو إلى الثبات عليه، ولم يصرح في الجواب بحصول السؤال بأن يقال : قد أوتيت سؤلك يا موسى مثلا اختياراً لما هو أبلغ فيه، وهذا الذي ذكرناه وإن كان لا يخلو عن شيء إلا أنه أولى من كثير مما وقفنا عليه من كلام المفسرين وقد تقدم بعضه، وأقول بعد هذا كله : خير الاحتمالات ما تشهد له الآثار وإذا صح الحديث فهو مذهبي فتأمل. والسين في  سأكتبها  يحتمل أن تكون للتأكيد، ويحتمل أن تكون للاستقبال كما لا يخفي وجهه على ذوي الكمال. 
( هذا ومن باب الإشارة ) :{ واكتب لنا

### الآية 7:157

> ﻿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ ۚ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ ۙ أُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [7:157]

الذين يَتَّبِعُونَ الرسول  الذي أرسله الله تعالى لتبليغ الأحكام  النبى  / أي الذي أنبأ الخلق عن الله تعالى فالأول تعتبر فيه الإضافة إلى الله تعالى والثاني تعتبر فيه الإضافة إلى الخلق، وقدم الأول عليه لشرف وتقدم إرسال الله تعالى له على تبليغه، وإلى هذا ذهب بعضهم، وجعلوا إشارة إلى أن الرسول والنبي هنا مراد بهما معناهما اللغوي لاجرائهما على ذات واحدة كما أنهما كذلك في قوله تعالى : وَكَانَ رَسُولاً نَبِيًّا  \[ مريم : ٥٤ \]، وفسر في الكشاف الرسول بالذي يوحى إليه كتاب والنبي بالذي له معجزة، ويشير إلى الفرق بين الرسول والنبي بأن الرسول من له كتاب خاص والنبي أعم. وتعقبه في الكشف بأن أكثر الرسل لم يكونوا أصحاب كتاب مستقل كاسمعيل. ولوط. والياس عليهم السلام وكم وكم ثم قال : والتحقيق أن النبي هو الذي ينبىء عن ذاته تعالى وصفاته وما لا تستقل العقول بدرايته ابتداء بلا واسطة بشر، والرسول هو المأمور مع ذلك باصلاح النوع، فالنبوة نظر فيها إلى الأنبار عن الله تعالى والرسالة إلى المبعوث إليهم، والثناي وإن كان أخص وجودا إلا أنهما مفهومان مفترقان ولهذا لم يكن رسولاً نبيا مثل انسان هيوان ا ه. 
وفيه مخالفة بينة لما ذكر أولاً، ولا حجر في الاعتبار. نعم ما ذكروه مدفوع بأن الفرق المذكور مع تغاير المفهومين على كل حال من عرف الشرع والاستعمال، واما في الوضع والحقيقة اللغوية فهما عامان. وقد ورد في القرآن بالاستعمالين فلا تعارض بينهما. 
ولا يرد أن ذكر النبي العام بعد الخاص لا يفيد والمعروف في مثل ذلك العكس، ولا يخفى أن المراد بهذا الرسول النبي نبينا صلى الله عليه وسلم  النبى الامى  أي الذي لا يكتب ولا يقرأ، وهو على ما قال الزجاج نسبة إلى أمة العرب لأن الغالب عليهم ذلك. وروى الشيخان وغيرهما عن ابن عمر قال :**«قال : رسول الله صلى الله عليه وسلم إنا أمة أمية لا نكتب ولا نحسب »** أو إلى أم القرى لأن أهلها كانوا كذلك، ونسب ذلك إلى الباقر رضي الله تعالى عنه أو إلى أمه كأنه على الحالة التي ولدته امه عليها، ووصف عليه الصلاة والسلام بذلك تنبيهاً على أن كمال علمه مع حاله احدى معجزاته صلى الله عليه وسلم فهو بالنسبة إليه بأبي هو وأمي عليه الصلاة والسلام صفة مدح، وأما بالنسبة إلى غيره فلا، وذلك كصفة التكبير فإنها صفة مدح لله عز وجل وصفة ذم لغيره. 
واختلف في أنه عليه الصلاة والسلام هل صدر عنه الكتابة في وقت أم لا ؟ فقيل : نعم صدرت عنه عام الحديبية فكتب الصلح وهي معجزة أيضاً له صلى الله عليه وسلم وظاهر الحديث يقتضيه، وقيل : لم يصدر عنه أصلاً وإنما أسندت إليه في الحديث مجازاً. 
وجاء عن بعض أهل البيت رضي الله تعالى عنهم أنه صلى الله عليه وسلم كان تنطق له الحروف المكتوبة إذا نظر فيها، ولم أر لذلك سنداً يعول عليه، وهو صلى الله عليه وسلم فوق ذلك. نعم أخرج أبو الشيخ من طريق مجاهد قال حدثني عون بن عبد الله بن عتبة عن أبيه قال :**«ما مات النبي صلى الله عليه وسلم حتى قرأ وكتب فذكرت هذا الحديث للشعبي فقال : صدق سمعت أصحابنا يقولون ذلك »** وقيل : الأمي نسبة إلى الأم بفتح الهمزة بمعنى القصد لأنه المقصود وضم الهمزة من تغيير النسب، ويؤيده قراءة يعقوب  الامى  بالفتح وإن احتملت أن تكون من تغيير النسب أيضاً، والموصول في محل جر بدل من الموصول الأول، هو أما بدل كل على أن المراد منه هؤلاء المعهودين أو بعض على أنه عام ويقدر حينئذ منهم، وجوز أن يكون نعتاً له، ويحتمل أن يكون في محل نصب على القطع وإضمار ناصب له، وأن يكون في محل رفع على أنه خبر مبتدأ محذوف، وقيل : على أنه مبتدأ خبره جملة  يَأْمُرُهُم  أو  أُوْلَئِكَ هُمُ المفلحون  وكلاهما خلاف المتبادر من النظم  الذى يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا  باسمه ونعوته الشريفة بحيث لا يشكون أنه هو، ولذلك عدل عن أن يقال : يجدون اسمه أو وصفه مكتوباً  عِندَهُمُ  ظرف لمكتوبا الواقع حالا أو ليجدون، وذكر لزيادة التقرير وأن شأنه عليه الصلاة والسلام حاضرة عندهم لا يغيب عنهم أصلا  فِي التوراة والإنجيل  اللذين يعتمد بهما بنو اسرائيل سابقاً ولاحقاً، وكأنه لهذا المعنى اقتصر عليهما وإلا فهو صلى الله عليه وسلم مكتوب في الزبور أيضاً، أخرج ابن سعد. والدارمي في مسنده. والبيهقي في الدلائل. وابن عساكر عن عبد الله بن سلام قال :**«صفة رسول الله صلى الله عليه وسلم في التوراة يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهداً ومبشراً ونذيراً وحرزاً للأميين أنت عبدي ورسولي سميتك المتوكل ليس بفظ ولا غليظ ولا سخاب في الأسواق ولا يجزي بالسيئة ولكن يعفو ويصفح ولن يقيضه الله تعالى حتى يقيم به الملة العوجاء حتى يقولوا لا آله إلا الله ويفتح أعيناً عمياً وآذاناً صماً وقلوباً غلفاً »**، ومثله من رواية البخاري وغيره عن عبد الله بن عمرو بن العاص، وجاء من حديث أخرجه ابن سعد. وابن عساكر من طريقذ موسى بن يعقوب الربعي عن سهل مولى خيثمة قال :«قرأت في الإنجيل محمد صلى الله عليه وسلم أنه لا قصير ولا طويل أبيض ذو ضفيرتين بين كتفيه خاتم لا يقبل الصدقة وبركب الحمار. 
والبعير ويحلب الشاة ويلبس قميصاً مرقوعاً ومن فعل ذلك فقد برىء من الكبر وهو يفعل ذلك وهو من ذرية إسماعيل اسمه أحمد ». 
وجاء من خبر أخرجه البيهقي في الدلائل عن وهب بن منبه قال :**«إن الله تعالى أوحى في الزبور يا داود إنه سيأتي من بعدك نبي اسمه أحمد ومحمد لا أغضب عليه أبداً ولا يعصيني أبداً وقد غفرت له قبل أن يعصيني ما تقدم من ذنبه وما تأخر وأمته مرحومة أعطيتهم من النوافل مثل ما أعطيت الأنبياء وافترضت عليهم الفرائض التي افترضت على الأنبياء والرسل حتى يأتوني يوم القيامة ونورهم مثل نور الأنبياء وذلك أني افترضت عليهم أن يتطهروا إلى كل صلاة كما افترضت على الأنبياء قبلهم وأمرتهم بالغسل من الجنابة كما أمرت الأنبياء قبلهم وأمرتهم بالحج كما أمرت الأنبياء قبلهم وأمرتهم باجلهاد كما أمرت الرسل قبلهم يا داود إني فضلت محمداً وأمته على الأمم كلهم، أعطيتهم ست خصال لم أعطها غيرهم من الأمم، لا أؤاخذهم بالخطأ والنسيان وكل ذنب ركبوه على غير عمد إذا استغفروني منه غفرته وما قدموا لآخرتهم من شيء طيبة به أنفسهم عجلته لهم اضعافاً مضاعفة ولهم عندي أضعاف مضاعفة وأفضل من ذلك، وأعطيتهم على المصائب إذا صبروا وقالوا : إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجعون  \[ البقرة : ١٥٦ \] الصلاة والرحمة والهدى إلى جنات النعيم، فإن دعوني استجبت لهم فإما أن يروه عاجلاً وإما أن أصرف عنهم سوءاً وإما أن أدخره لهم في الآخرة، يا داود من لقيني من أمة محمد يشهد أن لا إله إلا أنا وحدي لا شريك لي صادقاً بها فهو معي في جنتي وكرامتي ومن لقيني وقد كذب محمداً وكذب بما جاء به واستهزأ بكتابي صببت عليه من قبره العذاب صبا وضربت الملائكة وجهه ودبره عند منشره في قبره ثم أدخله في الدرك الأسفل من النار »** إلى غير ذلك من الأخبار الناطقة بأنه صلى الله عليه وسلم مكتوب في الكتب الإلهية. والظرفان متعلقان بيجدونه أو بمكتوبا. وذكر الإنجيل قبل نزوله من قبيل ما نحن فيه من ذكر النبي صلى الله عليه وسلم والقرآن الكريم قبل مجيئهما. 
 يَأْمُرُهُم بالمعروف وينهاهم عَنِ المنكر  كلام مستأنف، وهو على ما قيل متضمن لتفصيل بعض أحكام الرحمة التي وعد فيما سبق بكتبها إجمالاً إذا ما أشارت إليه المتعاطفات من آثار الرحمة والواسعة، وجوز كونه في محل نصب على أنه حال مقدرة من مفعول يجدونه أو من النبي أو من المستكن في مكتوباً، وقيل : هو مفسر لمكتوبا أي لما كتب، والمراد بالمعروف قيل الإيمان، وقيل : ما عرف في الشريعة، والمراد بالمنكر ضد ذلك  وَيُحِلُّ لَهُمُ الطيبات وَيُحَرّمُ عَلَيْهِمُ الخبئث  فسر الأول بالأشياء التي يستطيبها الطبع كالشحوم، والثاني بالأشياء التي يستخبثها كالدم، فتكون الآية دالة على أن الأصل في كل ما تستطيبه النفس وستلذه الطبع الحل وفي كل ما تستخبثه النفس ويكرهه الطبع الحرمة إلا لدليل منفصل، وفسر بعضهم الطيب بما طاب في حكم الشرع والخبيث بما خبث فيه كالربا والرشوة. 
وتعقب بأن الكلام حينئذ يحل ما يحكم بحله ويحرم ما يحكم بحرمته ولا فائدة فيه. وردوه بأنه يفيد فائدة وأي فائدة لأن معناه أن الحل والحرمة بحكم الشرع لا بالعقل والرأي، وجوز بعضهم كون الخبيث بمعنى ما يستخبث طبعاً أو ما خبث شرعاً وقال كالدم أو الربا ومثل للطيب بالشحم وجعل ذلك مبينا على اقتضاء التحليل سبق التحريم والشحم كان محرماً عند بني اسرائيل، وعلى اقتضاء التحريم سبق التحليل وجعل الدم وأخيه مما حرم على هذا لأن الأصل في الأشياء الحل، ولا يرد  أَحَلَّ الله البيع وَحَرَّمَ الرباا  \[ البقرة : ٢٧٥ \] لأنه لرد قولهم  إِنَّمَا البيع مِثْلُ الرباا  \[ البقرة : ٢٧٥ \] أو لأن المراد ابقاؤه على حله لمقابلته بتحريم الربا، ودفع بهذا ما توهم من عدم الفائدة  وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ والاغلال التى كَانَتْ عَلَيْهِمْ  أي يخفف عنهم ما كلفوه من التكاليف الشاقة كقطع موضع النجاسة من الثواب أو منه ومن البدن، واحراق الغنائم، وتحريم السبت، وقطع الأعضاء الخاطئة، وتعين القصاص في العمد والخطأ من غير شرع الدية فإنه وان لم يكن مأموراً به في الألواح إلا أنه شرع بعد تشديداً عليهم على ما قيل، وأصل الأصر الثقل الذي يأصر صاحبه عن الحراك، والاغلال جمع غل بضم الغين وهي في الأصل كما قال ابن الأثير الحديدة التي تجمع يد الأسير إلى عنقه ويقال لها جامعة أيضاً، ولعل غير الحديد إذا جمع به يد إلى عنق يقال له ذلك أيضاً، والمراد منهما هنا ما علمت وهو المأثور عن كثير من السلف، ولا يخفى ما في الآية من الاستعارة. 
وجوز أن يكون هناك تمثيل، وعن عطاء كانت بنو إسرائيل إذا قامت تصلي لبسوا المسوح وغلوا أيديهم إلى أعناقهم وربما ثقب الرجل ترقوته وجعل فيها طرف السلسلة وأوثقها على السارية يحبس نفسه على العبادة وعلى هذا فالاغلال يمكن أن يراد حقيقته، وقرأ ابن عامر  آصارهم  على الجمع وقرأ  عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ  بالفتح على المصدر وبالضم على الجمع أيضاً  فالذين ءامَنُواْ بِهِ  أي صدقوا برسالته ونبوته  وَعَزَّرُوهُ  أي عظموه ووقروه كما قال ابن عباس رضي الله تعالى عتهما، وقال الراغب : التعزير النصرة مع التعظيم، والتعزير الذي هو دون الحد يرجع إليه لأنه تأديب والتأذيب نصرة لأن أخلاق السوء أعداء ولذا قال في الحديث :**«انصر أخاك ظالماً أو مظلوماً فقيل كيف أنصره ظالماً ؟ فقال عليه الصلاة والسلام : تكفه عن الظلم »** وأصلح عند غير وأحد المنع والمراد منعوه حتى لا يقوى عليه عدو، وقرىء  عزروه  بالتخفيف  وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ  على أعدائه في الدين وعطف هذا على ما قبله ظاهر على ما روي عن الحبر وكذا على ما قاله الجمع إذ الأول عليه من قبيل درء المفاسد وهذا من قبيل جلب المصالح، ومن فسر الأول بالتعظيم مع التقوية أخذا من كلام الراغب قال هنا نصروه لي أي قصدوا بنصره وجه الله تعالى واعلاء كلمته فلا تكرار خلافاً لمن توهمه  واتبعوا النور الذى أُنزِلَ مَعَهُ  وه

### الآية 7:158

> ﻿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۖ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ ۖ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ [7:158]

قُلْ يا\* أَيُّهَا الناس \* إِنّى رَسُولُ الله إِلَيْكُمْ جَمِيعًا  لما حكى ما في الكتابين من نعوته صلى الله عليه وسلم وشرف من يتبعه على ما عرفت، أمر عليه الصلاة والسلام بأن يصدع بما فيه تبكيت لليهود الذين حرموا اتباعه وتنبيه لسائر الناس على افتراء من زعم منهم أنه صلى الله عليه وسلم مرسل إلى العرب خاصة، وقيل : إنه أمر له عليه الصلاة والسلام ببيان أن سعادة الدارين المشار إليهما فيما تقدم غير مختصة بمن اتبعه من أهل الكتابين بل شاملة لكل من يتبعه كائناً من كان وذلك ببيان عموم رسالته صلى الله عليه وسلم وهي عامة للثقلين كما نطقت به النصوص حتى صرحوا بكفر منكره وما هنا لا يأبى ذلك، والمفهوم فيه غير معتبر عند القائل به لفقد شرطه وهو ظاهر  الذى لَهُ مُلْكُ \* السموات والارض  في موضع نصب باضمار أعني أو نحوه أو رفع على إضمار هو. 
وجوز أن يكون في موضع جر على أنه صفة للاسم الجليل أو بدل منه، واستبعد ذلك أبو البقاء لما فيه من الفصل بينهما، وأجيب بأنه مما ليس بأجنبي وفي حكم ما لا يكون فيه فصل ورجح الأول بالفخامة إذ يكون عليه جملة مستقلة مؤذنة بأن المذكور علم في ذلك أي اذكر من لا يخفى شأنه عند الموافق والمخالف، وقيل : هو مبتدأ خبره  لاَ إله إِلاَّ هُوَ  وهو على الوجوه الأول بيان لما قبله وجعله الزمخشري مع ذلك بدلاً من الصلة وقد نص على جواز هذا النحو سيبويه وذكر العلامة أن سوق كلامه يشعر بأنه بدل اشتمال، ووجه البيان أن من ملك العالم علويه وسفليه هو الإله فبينهما تلازم يصحح جعل الثاني مبيناً للأول وليس المراد بالبيان الإثبات بالدليل حتى يقال الظاهر العكس لأن الدليل على تفرده سبحانه بالألوهية ملكه للعالم بأسره مع أنه يصح أن يجعل دليلاً عليه أيضاً فيقال الدليل على أنه جل شأنه المالك المتصرف في ذلك انحصار الألوهية فيه إذ لو كان إنه غيره لكان له ذلك، واعترض أبو حيان القول بالبدلية بأن إبدال الجمل من الجمل غير المشتركة في عامل لا يعرف، وتعقب بأن أهل المعاني ذكروه وتعريف التابع بكل ثان أعرب بإعراب سابقه ليس بكلي، وقوله سبحانه : يُحْيىِ وَيُمِيتُ  لزيادة تقرير إلهيته سبحانه، وقيل : لزيادة اختصاصه تعالى بذلك وله وجه وجيه والفاء في قوله عز شأنه : قُلْ ياأيها الناس  لتفريع الأمر على ما تقرر من رسالته صلى الله عليه وسلم وإيراد نفسه الكريمة عليه الصلاة والسلام بعنوان الرسالة على طريق الالتفات إلى الغيبة للمبالغة في إيجاب الامتثال ووصف الرسول بقوله تعالى : النبى الامى  لمدحه ولزيادة تقرير أمره وتحقيق أنه المكتوب في الكتابين  الذى يُؤْمِنُ بالله وكلماته  ما أنزل عليه وعلى سائر الرسل عليهم السلام من كتبه ووحيه، وقرىء  وَكَلِمَتُهُ  على أرادة الجنس أو القرآن أو عيسى عليه السلام كما روى ذلك عن مجاهد تعريضاً لليهود وتنبيهاً على أن من لم يؤمن به عليه السلام لم يعتبر إيمانه، والاتيان بهذا الوصف تحمل أهل الكتابين على الامتثال بما أمروا به والتصريح بالايمان بالله تعالى للتبيه على أن الأيمان به سبحانه لا ينفك عن الايمان بكلماته ولا يتحقق إلا به ولا يخفى ما في ههذ الآية من إظهار النصفة والتفادي عن العصبية للنفس وجعلوا ذلك نكتة للالتفات وإجراء هاتيك الصفات  واتبعوه  أي في كل ما يأتي وما يذر من أمور الدين.  لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ  علة للفعلين أو حال من فاعليهما أي رجاء لاهتدائكم إلى المطلوب أو زاجين له، وفي تعليقه بهما إيذان بأن من صدقة ولم يتبعه بالتزام شرعه فهو بعد في مهامه الضلال.

### الآية 7:159

> ﻿وَمِنْ قَوْمِ مُوسَىٰ أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ [7:159]

وَمِن قَوْمِ مُوسَى  يعني بني إسرائيل  أُمَّةٍ  جماعة عظيمة  يَهْدُونَ  الناس  بالحق  أي محقين على أن الباء للملابسة، والجار والمجرور في موضع الحال أو بكلمة الحق على أن الباء للآلة والجار لغو  وَبِهِ  أي بالحق  يَعْدِلُونَ  في الأحكام الجارية فيما بينهم، وصيغة المضارع في الفعلين للإيذان بالاستمرار التجديدي، واختلف في المراد منهم فقيل أناس كانوا كذلك على عهد موسى صلى الله عليه وسلم والكلام مسوق لدفع ما عسى يوهمه تخصيص كتب الرحمة والتقوى والايمان بالآيات بمتبعي رسول الله صلى الله عليه وسلم من حرمان أسلاف قوم موسى عليه السلام في كل خير وبيان إن كلهم ليسوا كما حكيت أحوالهم بل منهم الموصوفون بكيت وكيت، وصيغة المضارع لحكاية الحال الماضية. 
واختار هذا شيخ الإسلام ولا يبعد عندي أن يكون ذلك بياناً لقسم آخر من القوم مقابل لما ذكره موسى عليه السلام في قوله : أَتُهْلِكُنَابما فَعَلَ السفهاء مِنَّا  \[ الأعراف : ١٥٥ \] فيه تنيص على أن من القوم من لم يفعل، وقيل : أناس وجدوا على عهد نبينا صلى الله عليه وسلم موصوفون بذلك كعبد الله بن سلام وأضرابه ورجحه الطيبي بأنه أقرب الوجوه، وذلك أنه تعالى لما أجاب عن دعاء موسى عليه السلام بقوله تعالى : فَسَأَكْتُبُهَا  إلى قوله سبحانه : الذين يَتَّبِعُونَ الرسول النبى الامى  \[ الأعراف : ١٥٦، ١٥٧ \] الخ ثم أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يصدع بما فيه تبكيت لليهود وتنبيه على افترائهم فيما يزعمونه في شأنه عليه السلام مع إظهار النصفة وذلك بقوله تعالى : قُلْ يا\* أَيُّهَا الناس  \[ الأعراف : ١٥٨ \] الخ وقوله سبحانه : فَئَامِنُواْ  \[ الأعراف : ١٥٨ \] الخ عقب ذلك بقوله عز شأنه : وَمِن قَوْمِ مُوسَى  الخ، والمعنى أن بعض هؤلاء الذين حكينا عنهم ما حكينا آمنوا وأنصفوا من أنفسهم يهدون الناس إلى أنه عليه الصلاة والسلام الرسول الموعود ويقولون لهم : هذا الرسول النبي الأمي الذي نجده مكتوباً عندنا في التوراة والإنجيل ويعدلون في الحكم ولا يجورون ولكن أكثرهم ما أنصفوا ولبسوا الحق بالباطل وكتموه وجاروا في الأحكام فيكون ذكر هذه الفرقة تعريضاً بالأكثر. 
واعترض بأن الذين آمنوا من قوم موسى على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم كانوا قليلين ولفظ أمته يدل على الكثرة، وأيضاً إن هؤلاء قد مر ذكرهم فيما سلف، وأجيب بأن لفظ الأمة قد يطلق على القليل لا سيما إذا كان له شأن بل قد يطلق على الواحد إذا كان كذلك كما في قوله تعالى : إِنَّ إبراهيم كَانَ أُمَّةً  \[ النحل : ١٢٠ \] وبأن ذكرهم هنا لما أشير إليه من النكتة لا يأبى ذكرهم فيما سلف لغير تلك النكتة وتكرار الشيء الواحد لاحتلاف الأغراض سنة مشهورة في الكتاب على أنه قد قيل : إنهم فيما تقدم قد وصفوا بما هو ظاهر في أنهم مهتدون وهنا قد وصفوا بما هو ظاهر في أنهم هادون فيحصل من الذكرين أنهم موصوفون بالوصفين. 
نعم يبقى الكلام في نكتة الفصل ولعلها لا تخفى على المتدبر، وقيل هم قوم من بني إسرائيل وجدوا بين موسى ونبينا محمد عليهما الصلاة والسلام وهم الآن موجودون أيضاً، فقد أخرج ابن جرير وغيره عن ابن جريج أنه قال : بلغني أن بني إسرائيل لما قتلوا أنبياءهم وكفروا وكانوا اثني عشر سبطاً تبرأ سبط منهم مما صنعوا واعتذروا وسألوا الله أن يفرق بينهم وبينهم ففتح الله تعالى لهم نفقاً في الأرض فساروا فيه حتى خرجوا من وراء الصين فهم هنالك حنفاء يستقبلون قبلتنا، وإليهم الإشارة كما قال ابن عباس بقوله تعالى : وَقُلْنَا مِن بَعْدِهِ لِبَنِى إسراءيل اسكنوا الارض فَإِذَا جَاء وَعْدُ الاخرة جِئْنَا بِكُمْ لَفِيفًا  \[ الإسراء : ١٠٤ \] وفسر وعد الآخرة بنزول عيسى عليه السلام وقال : إنهم ساروا في السرب سنة ونصفاً. 
وذكر مقاتل كما روى أبو الشيخ أن الله تعالى أجرى معهم نهر أو جعل لهم مصباحاً من نور بين أيديهم وأن أرضهم التي خرجوا إليها تجتمع فيها الهوام والبهائم والسباع مختلطين وأن النبي صلى الله عليه وسلم أتاهم ليلة المعراج ومعه جبريل عليه السلام فآمنوا به وعلمهم الصلاة، وعن الكلبي. والضحاك. والربيع أنه عليه الصلاة والسلام علمهم الزكاة وعشر سور من القرآن نزلت بمكة وأمرهم أن يجمعوا ويتركوا السبت وأقرؤه سلام موسى عليه السلام فرد النبي عليه الصلاة والسلام اللاسم، وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي أنه قال بينكم وبينهم نهر من رمل يجري، وضعف هذه الحكمة ابن الخازن وأنا لا أراها شيئاً ولا أظنك تجد لها سنداً يعول عليهم ولو ابتغيت نفقاً في الأرض أو سلماً في السماء.

### الآية 7:160

> ﻿وَقَطَّعْنَاهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْبَاطًا أُمَمًا ۚ وَأَوْحَيْنَا إِلَىٰ مُوسَىٰ إِذِ اسْتَسْقَاهُ قَوْمُهُ أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ ۖ فَانْبَجَسَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا ۖ قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ ۚ وَظَلَّلْنَا عَلَيْهِمُ الْغَمَامَ وَأَنْزَلْنَا عَلَيْهِمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَىٰ ۖ كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ ۚ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَٰكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ [7:160]

وقطعناهم  أي قوم موسى عليه السلام لا الأمة المذكورة كما يوهمه القرب  \*وقطع  يقرأ مشدداً ومخففاً والأول هو المتواتر ويتعدى لواحد وقد يضمن معنى صير فيتعدى لاثنين فقوله تعالى : وقطعناهم اثنتى عَشْرَةَ  حال أو مفعول ثان، أي فرقناهم معدودين بهذا العدد أو صيرناهم اثنتي عشرة أمة يتميز بعضها عن بعض، وقوله سبحانه وتعالى : \*أسباطا  كما قال ابن الحاجب في **«شرح المفصل »** بدل من العدد لا تمييز له وإلا لكانوا ستة وثلاثين، وعليه فالتمييز محذوف أي فرقة أو نحوه، قال الحوفي : إن صفة التمييز أقيمت مقامه والأصل فرقة اسباطا، وجوز أن يكون تمييزاً لأن مفرد تأويلاً، فقد ذكروا أن السبط مفرداً ولد الولد أو ولد البنت أو الولد أو القطعة من الشيء أقوال ذكرها ابن الأثير، ثم استعمل في كل جماعة من بني إسرائيل كالقبيلة في العرب، ولعله تسمية لهم باسم أصلهم كتميم، وقد يطلق على كل قبيلة منهم أسباط أيضاً كما غلب الأنصار على جمع مخوص فهو حينئذ بمعنى الحي والقبيلة فلهذا وقع موقع المفرد في التمييز وهذا كما ثنى الجمع في قول أبي النجم يصف رمكة تعودت الحرب :تبقلت في أول التبقل  بين رماحي مالك ونهشلوتأنيث اثنتي مع أن المعدود مذكر وما قبل الثلاثة يجري على أصل التأنيث والتذكير لتأويل ذلك بمؤنث وهو ظاهر مما قررنا، وقرأ الأعمل وغيره  اثنتى عَشْرَةَ  بكسر الشين وروى عنه فتحها أيضاً والكسر لغة تميم والسكون لغة الحجاز، وقوله سبحانه : أُمَمًا  بدل بعد بدل من اثنتي عشرة لا من أسباط على تقدير أن يكون بدلاً لأنه لا يبدل من البدل، وجوز كونه بدلاً منه إذا لم يكن بدلاً ونعتاً إن كان كذلك أو لم يكن  وَأَوْحَيْنَا إلى مُوسَى إِذِ استسقاه قَوْمُهُ  حين استولى عليه العطش في التيه  أَنِ اضرب بّعَصَاكَ الحجر  تفسير لفعل الإيحاء  فَانٍ  بمعنى أي، وجوز أبو البقاء كونها مصدرية  فانبجست  أي انفجرت كمات قال ابن عباس وزعم الطبرسي أن الانبجاس خروج الماء بقلة والانفجار خروجه بكثرة، والتعبير بهذا تارة وبالأخرى أخرى باعتبار أول الخروج وما انتهى إليه والعطف على مقدر ينسحب عليه الكلام أي فضرب فانبجست وحذف المعطوف عليه لعدم الالباسا وللإشارة إلى سرعة الامتقال حتى كأن الإيحاء وضربه أمر واحد وأن الانبجاس بأمر الله تعالى حتى كأن فعل موسى عليه السلام لا دخل فيه. 
وذكر بعض المحققين أن هذه الفاء على ما قرر فصيحة وبعضهم يقدر شرطاً في الكلام فإذا ضربت فقد انبجست  مِنْهُ اثنتا عَشْرَةَ عَيْنًا  وهو غير لائق بالنظم الجليل  قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ  أي سبط، والتعبير عنهم بذلك للإيذان بكثرة كل واحد من الأسباط، وأنا إما جمع أو اسم جمع، وذكر السعد أن أهل اللغة يسمون اسم الجمع جمعاً، و  عِلْمٍ  بمعنى عرف الناصب مفعولاً واحداً أي قد عرف  مَّشْرَبَهُمْ  أي عينهم الخاصة بهم، ووجه الجمع ظاهر  وَظَلَّلْنَا عَلَيْهِمُ الغمام  أي جعلنا ذلك بحيث يلقى عليهم ظله ليقيهم من حر الشمس وكان يسير يسيرهم ويسكن بإقامتهم  وَأَنزَلْنَا عَلَيْهِمُ المن والسلوى  أي الترنجبين والسماني فكان الواحد منهم يأخذ ما يكفيه من ذلك  كُلُواْ  أي قلنا أو قائلين لهم كلوا. 
 مِن طَيّبَاتِ مَا رزقناكم  أي مستلذاته، و  مَا  موصولة كانت أو موصوفة عبارة عن المن والسلوى  وَمَا ظَلَمُونَا  عطف على محذوف للإيجاز والإشعار بأنه أمر محقق غني عن التصريح أي فظلموا بأن كفروا بهذه النعم الجليلة وما ظلمونا بذلك  ولكن كَانُواْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ  بالكفر إذ لا يتخطاهم ضرره، وتقديم المفعول لإفادة القصر الذي يقتضيه النفي السابق، وفي الكلام من التهكم والإشارة إلى تماديهم على ما هم فيه ما لا يخفى.

### الآية 7:161

> ﻿وَإِذْ قِيلَ لَهُمُ اسْكُنُوا هَٰذِهِ الْقَرْيَةَ وَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ وَقُولُوا حِطَّةٌ وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا نَغْفِرْ لَكُمْ خَطِيئَاتِكُمْ ۚ سَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ [7:161]

وَإِذْ قِيلَ لَهُمُ  معمول لا ذكر، وإيراد الفعل هنا مبنياً للمفعول جرياً على سنن الكبرياء مع الإيذان بأن الفاعل غني عن التصريح أي اذكر لهم وقت قولنا لأسلافهم  اسكنوا هذه القرية  القريبة منكم وهي بيت المقدس أو أريجاء، والنصب مبني على المفعولية كسكنت الدار على الظرفية اتساعاً والتعبير بالسكنى هنا للإيذان بأن المأمور به في البقرة الدخول بقصد الإقامة أي أقيموا في هذه القرية  وَكُلُواْ مِنْهَا  أي مطاعمها وثمارها أو منها نفسها على أن من تبعيضية أو ابتدائية  حَيْثُ شِئْتُمْ  أي من نواحيها من غير أن يزاحمكم أحد ؛ وجيء بالواو هنا وبالفاء في البقرة لأنه قيل هناك ادخلوا ذكر التعقيب معه وهنا اسكنوا والسكنى أمر ممتد والأكر معه لا بعده، وقيل : إن إذا تفرع المسبب عن السبب اجتمعا في الوجود فيصح الاتيان بالواو والفاء، وفيه أن هذا إنما يدل على صحة العبارتين وليس السؤال عن ذلك، وذكر  رَغَدًا  \[ البقرة : ٥٨ \] هناك لأن الأكل في أول الدخول يكون ألذ وبعد السكنى واعتباره لا يكون كذلك وقيل : إنه اكتفى بالتعبير باسكنوا عن ذكره لأن الأكل المستمر من غير مزاحم لا يكون إلا رغداً واسعاً، وإلى الأول ذهب صاحب اللباب، ويرد على القولين أنه ذكر  رَغَدًا  \[ البقرة : ٣٥ \] مع الأمر بالسكنى في قصة آدم عليه السلام، ولعل الأمر في ذلك سهل  وَقُولُواْ حِطَّةٌ وادخلوا الباب سُجَّدًا  مر الكلام فيه في البقرة غير أن ما فيها عكس ما هنا في التقديم والتأخير ولا ضير في ذلك لأن المأمور به هو الجمع بين الأمرين من غير اعتبار الترتيب بينهما، وقال القطب : فائدة الاختلاف التنبيه على حسن تقديم كل من المذكورين على الآخر لأنه لما كان المقصود منهما تعظيم الله تعالى وإظهار الخشوع والخشوع لم يتفاوت الحال في التقديم والتأخير  نَّغْفِرْ لَكُمْ  جزم في جواب الأمر. وقرأ نافع. وابن عامر. ويعقوب  لَّمْ تَغْفِرْ  بالتاء والبناء للمفعول و  \*خطيآتكم  بالرفع والجمع غير ابن عامر فإنه وحد، وقرأ أبو عمرو  لَكُمْ خطاياكم  كما في صورة \[ البقرة :\]، وبين القطب فائدة الاختلاف بين ما هناك وبين ما هنا على القراءة المشهورة بأنها الإشارة إلى أن هذه الذنوب سواء كانت قليلة أو كثيرة فهي مغفور بعد الاتيان بالمأمور به، وطرح الواو هنا من قوله سبحانه وتعالى : سَنَزِيدُ المحسنين  إشارة إلى أن هذه الزيادة تفضل محض ليس في مقابلة ما أمروا به كما قيل. 
والمراد أن امتثالهم جازاه الله تعالى بالغفران وزاد عليه وتلك الزيادة فضل محض منه تعالى فقد يدخل في الجزاء صورة لترتبه على فعلهم وقد يخرج عنه لأن زيادة على ما استحقوه، ولذا قرن بالسين الدالة على أنه وعد وتفضل، ومفعول نزيد محذوف أي ثواباً وزيادة منهم في قوله تعالى شأنه :

### الآية 7:162

> ﻿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَظْلِمُونَ [7:162]

فَبَدَّلَ الذين ظَلَمُواْ مِنْهُمْ  لزيادة البيان أي بدل الذي ظلموا من هؤلاء بما أمروا به من التوبة والاستغفار حيث أعرضوا عنه ووضعوا موضعه  قَوْلاً  آخر مما لا يخير فيه  غَيْرَ الذى قِيلَ لَهُمْ  وأمروا بقوله و  غَيْرِ  نعت للقول وصرح بالمغايرة مع دلالة التبديل عليها تحقيقاً للمخالفة وتنصيصاً على المغايرة من كل وجه  فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ  إثر ما فعلوا ما فعلوا من غير تأخير  رِجْزًا مّنَ السماء  عذاباً كائناً منها وهو الطاعون في رواية. 
 بِمَا كَانُواْ يَظْلِمُونَ  أي بسبب ظلمهم المستمر السابق واللاحق، وهذا بمعنى ما في البقرة لأن ضمير عليهم للذين ظلموا والإرسال من فوق إنزال، والتصريح بهذا التعليل لما أن الحكم هنا مرتب على المضمر دون الموصول بالظلم كما في البقرة، وأما التعليل بالفسق بعد الإشعار بعلية الظلم هناك فللإيذان بأن ذلك فسق وخروج عن الطاعة وغلو في الظلم وأن تعذيبهم بجميع ما ارتكبوا من القبائح كما قيل وقال القطب في وجه المغايرة : إن الإرسال مشعر بالكثرة بخلاف الإنزال فكأنه أنزل العذاب القليل ثم جعل كثيراً وإن الفائدة في ذكر الظلم والفسق في الموضعين الدلالة على حصولهما فيهم معاً، وقد تقدم لك في وجوه المغايرة بين آية البقرة وهذه الآية ما ينفعك تذكره فتذكر.

### الآية 7:163

> ﻿وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا وَيَوْمَ لَا يَسْبِتُونَ ۙ لَا تَأْتِيهِمْ ۚ كَذَٰلِكَ نَبْلُوهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ [7:163]

وسألهم  عطف على اذكر المشار إليه فيما تقدم آنفاً، والخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم، وضمير الغيبة لمن بحضرته عليه الصلاة والسلام من نسل اليهود أي واسأل اليهود المعاصرين لك سؤال تقريع وتقرير بتقدم تجاوزهم لحدود الله تعالى، والمراد إعلامهم بذلك لأنهم كانوا يخفونه، وفي الإطلاع عليه مع كونه عليه الصلاة والسلام ليس ممن مارس كتبهم أو تعلمه من علمائهم ما يقضي بأن ذلك عن وحي فيكون معجزة شاهدة عليهم  وَسْئَلْهُمْ عَنِ القرية  أي عن خبرها وحالها وما وقع بأهلها من ثالثة الأثافي، والمراد بالسؤال عن ذلك بما يعم السؤال عن النفس وعن الأهل أو الكلام على تقدير مضاف، والمراد عن حال أهل القرية، وجوز التجوز فيها، وهي عند ابن عباس وابن جبير إيلة قرية بين مدين والطور. 
وعن ابن شهاب هي طبرية، وقيل : مدين وهي رواية عن الحبر، وعن ابن زيد أنها مقتاً بين مدين وعينونا  التى كَانَتْ حَاضِرَةَ البحر  أي قريبة منه مشرفة على شاطئه  إِذْ يَعْدُونَ فِى السبت  أي يظلمون ويتجاوزون حدود الله تعالى بالصيد يوم البست أو بتعظيمه، وإذ بدل من المسؤول عنه بدل اشتمال أو ظرف للمضاف المصدر، قيل : واحتمال كونه ظرفاً لكانت أو حاضرة ليس بشيء إذ لا فائدة بتقييد الركون أو الحضور بوقت العدوان وضمير يعدون للأهل المقدر أو المعلوم من الكلام، وقيل : إلى القرية على سبيل الاستخدام، وقرىء  يَعْدُونَ  بمعنى يعتدون أدغمت التاء في الدار ونقلت حركتها إلى العين  \*ويعدون  من الإعداد حيث كانوا يعدون آلات الصيد يوم السبت وهم منهيون عن الاشتغال فيه بغير العبادة  إِذْ تَأْتِيهِمْ  ظرف ليعدون أو بدل بعد بدل، وإلى الأول ذهب أكثر المعربين، وهو الأولى لأن السؤال عن عدوانهم أبلغ في التقريع، وحيتان جمع حوت أبدلت الواو ياءاً لسكونها وانكسار ما قبلها كنون ونينات لفظاً ومعنى وإضافتها إليهم باعتبار أن المراد الحيتان الكائنة في تلك الناحية التي هم فيها، وقيل : للإشعار باختصاصها بهم لاستقلالها بما لا يكاد يوجد في سائر أفراد الجنس من الخواص الخارقة للعادة، ولا يخفى بعده  حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ  ظرف لتأتيهم أي تأتيهم يوم تعظيمهم لأمر السب، وهو مصدر سبتت اليهود إذا عظمت يوم السبت بترك العمل والتفرغ للعبادة فيه، وقيل : اسم لليوم والإضافة لاختصاصهم بأحكام فيه، ويؤيد الأول قراءة عمرو بن عبد العزيز  يَوْمٍ ، وكذا التفي الآتي  سَبْتِهِمْ شُرَّعًا  أي ظاهرة على وجه الماء كما قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قريبة من الساحل، وهو جمع شارع من شرع عليه إذا دنا وأشرف، وفي الشرع معنى الإظهار والتبيين، وقيل : حيتان شرع رافعة رؤسها كأنه جعل ذلك إضهاراً وتبييناً، وقيل : المعنى متتابعة ونسب إلى الضحاك، والظاهر أنها ظاهرة وهو نصب على الحال من الحيتان  وَيَوْمَ لاَ يَسْبِتُونَ  أي لا يراعون أمر السب وهو على حد قوله :على لا حب لا يهتدي بمناره  إذ المقصود انتفاء السبت والمراعاة.وقرأ علي كرم الله تعالى وجهه  لاَ يَسْبِتُونَ  بضم حرف المضارعة من أسبت إذا دخل في السبت كاصبح إذا دخل في الصباح، وعن الحسن أنه قرأ لا يسبتون على البناء للمفعول بمعنى لا يدخلون في السبت ولا يؤمرون فيه بما أمروا به يوم السبت، وقرىء  لاَ يَسْبِتُونَ  بضم الباء والظرف متعلق بقوله سبحانه : لاَ تَأْتِيهِمْ  أي لا تأتيهم يوم لا يسبتون كما كانت تأتيهم يوم السبت حذراً من صيدهم لاعتيادها أحوالهم وأن ذلك لمحض تقدير العزيز العليم، وتغيير البسك حيث قدم الظرف على الفعل ولم يعكس لما أن الإتيان يوم سبتهم مظنة كما قيل : لأن يقال فماذا حالها يوم لا يسبتون ؟ فقيل : يوم لا يسبتون لا تأتيهم  كذلك نَبْلُوهُم  أي نعاملهم معاملة المختبرين لهم ليظهر منهم ما يظهر فنؤاخذهم به، وصيغة المضارع لحكاية الحال الماضية لاستحشار صورتها والتعجيب منها، والإشارة إما إلى الابتلاء السابق أو إلى الابتلاء المذكور بعد كما مر غير مرة ؛ وقيل : الإشارة إلى الاتيان يوم السبت وهي متصلة بما قبل أي لا تأتيهم كذلك الاتيان يوم السبت، والكاف في موضع نصب على الحال عند الطبرسي، وجوز أن يكون متعلقاً بمحذوف وقع صفة لمصدر مقدر أي إتياناً كائناً كذلك، وجملة نبلوهم استئناف مبني على السؤال عن حكم اختلاف حال الحيتان بالاتيان تارة وعدمه أخرى  بِمَا كَانُواْ يَفْسُقُونَ  أي بسبب فسقهم المستمر في كل ما يأتون ويذرون، وهو متعلق بماعنده، وتعلق إذ يعدون بنبلوهم وبما يبعدون على معنى نبلوهم وقت العدوان بالفسق مما لا ينبغي تخريج كتاب الله تعالى الجليل عليه. 
( هذا ومن باب الإشارة ) : قالوا : وَسْئَلْهُمْ عَنِ القرية  أي عن أهل قرية الجسد وهم الروح والقلب والنفس الأمارة وتوابعها  التى كَانَتْ حَاضِرَةَ البحر  أي مشرفة على شاطىء بحر البشرية  إِذْ يَعْدُونَ فِى السبت  يتجاوزون حدود الله تعالى يوم يحرم عليهم تناول بعض الملاذ النفسانية والعادي من أولئك الأهل إنما هو النفس الأمارة فإنها في مواسم الطاعات والكف عن الشهوات كشهر رمضان مثلاً حريصة على تناول ما نهيت عنه والمرء حريص على ما منع  إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ  وهي الأمور التي نهوا عن تناولها  يَوْمَ سَبْتِهِمْ  الذي أمروا بتعظيمه شرعاً قريبة المأخذ  وَيَوْمَ لاَ يَسْبِتُونَ لاَ تَأْتِيهِمْ  بأن لا يتهيأ لهم ما يريدونه  كذلك نَبْلُوهُم  نعاملهم معاملة من يختبرهم  بِمَا كَانُواْ يَفْسُقُونَ  \[ الأعراف : ١٦٣ \] أي بسبب فسقهم المستمر طبعاً. 
قال بعضهم : ما كان ما قص الله تعالى إلا كحال الإسلاميين من أهل زماننا في اجتماع أنواع الحظوظ النفسانية من المطاعم والمشارب والملاهي والمناكح ظاهرة في الأسواق والمحافل في الأيام المعظمة كالأعياد والأوقات المباركة كأوقات زيارة مشاهد الصالحين المعلومة المشهورة بين الناس

### الآية 7:164

> ﻿وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا ۙ اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا ۖ قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَىٰ رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ [7:164]

وَإِذْ قَالَتِ  عطف على  إذ يعدون  \[ الأعراف : ١٦٣ \] مسوق لبيان تماديهم في العدوان وعدم انزجارهم عنه بعد العظات والإنذارات. 
قال العلامتان الطيبي والتفتازاني : ولا يجوز أن يكون معطوفاً على  إذ تأتيهم  \[ الأعراف : ١٦٣ \] وإن كان أقرب لفظاً لأنه إما بدل أو ظرف فيلزم أن يدخل هؤلاء القائلون في حكم أهل العدوان وليس كذلك، وهذا على ما قيل على تقدير الظرفية ظاهر، وأما على تقدير الإبدال فلأن البدل أقرب إلى الاستقلال، واستظهر في بيان وجه ذلك ان زمان القول بعد زمان العدوان ومغاير له واعتبار كونه ممتدا كسنة مثلا يقع فيه ذلك كله تكلف من غير مقتض، والقول بأن العطف على ذاك يشعر أو يوهم أن القائلين من العادين في السبت لا من مطلق أهل القرية فيه ما فيه  أُمَّةٌ مّنْهُمْ  أي جماعة من صلحائهم الذين لم يألوا جهداً في عظتهم حين يئسوا من احتمال القبول لآخرين لم يقلعوا عن التذكير رجاء النفع والتأثير  لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا الله مُهْلِكُهُمْ  أي مستأصلهم بالكلية ومطهر وجه الأرض منهم  أَوْ مُعَذّبُهُمْ عَذَاباً شَدِيدًا  دون الاستئصال بالمرة، وقيل مهلكهم في الدنيا أو معذبهم في الآخرة لعدم إقلاعهم عما هم عليه من الفسق والترديد لمنع الخلو على هذا، وإيثار صيغة اسم الفاعل في الشقين للدلالة على تحقق كل من الاهلاك والتعذيب وتقررهما البتة كأنهما واقعان، وإنما قالوا ذلك مبالغة في أن الوعظ لا ينجع فيهم إذ المقصود لا تعظوا أو أتعظون فعدل عنه إلى السؤال عن السبب لاستغرابه لأن الأمر العجيب لا يدري سببه أو سؤالا عن حكمة الوعظ ونفعه، وقيل : إن هذا تقاول وقع بين الصلحاء الواعظين كأنه قال بعضهم لبعض : لم نشتغل بما لا يفيد، ويحتمل على كلا القولين أن ذلك صدر من القائل بمحضر من القوم فيكون متضمناً لحثهم على الاتعاظ فإن بت القول بهلاكهم أو عذابهم مما يلقي في قلوبهم الخوف والخشية، وقيل قائلو ذلك المعتدون في السبت قالوا : تهكما بالناصحين المخوفين لهم بالهلاك والعذاب، وفيه بعد كما ستقف عليه قريباً إن شاء الله تعالى  قَالُواْ  أي المقول لهم ذلك  مَعْذِرَةً إلى رَبّكُمْ  أي نعظهم معذرة إليه تعالى على أنه مفعول له وهو الأنسب بظاهر قولهم : لم تعظون أو نعتذر معذرة على أنه مفعول مطلق لفعل محذوف، وقيل : هو مفعول به للقول وهو وإن كان مفرداً في معنى الجملة لأنه الكلام الذي يعتقذر به. والمعذرة في الأصل بمعنى العذر وهو التنصل من الذنب، وقال الأزهري : إنه بمعنى الاعتذار، وعداه بإلى لتضمنه معنى الانهاء والإبلاغ، وفي إضافة الرب إلى ضمير المخاطبين نوع تعريض بالسائلين، وهذا الجواب على القولين الأولين ظاهر وعلى الأخير قيل إنه من تلقى السائل بغير ما يترقب فهو من الأسلوب الحكيم، وقرأ من عدا حفص. 
والمفضل  مَعْذِرَةً  بالرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف أي موعظتنا معذرة إليه تعالى حتى لا ننسب إلى نوع تفريط في النهي عن المنكر  وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ  عطف على معذرة أي ورجاء أن يتقوا بعض التقاة فإن اليأس المحقق لا يحصل إلا بالهلاك، قال شيخ الإسلام : وهذا صريح في أن القائلين لم تعظون الخ ليسوا من الفرقة الهالكة وإلا لوجب الخطاب ا ه. 
وقد يوجه ذلك على ذلك القول بأنه التفات أو مشاكلة لتعبيرهم عن أنفسهم في السؤال بقوم وإما لجعله باعتبار غير الطائفة القائلين إلا أن كل ذلك خلاف الظاهر. 
( هذا ومن باب الإشارة ) : وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مّنْهُمْ  وهي القلب وأتباعه للأمة الواعظة وهي الروح وأتباعها  لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا  وهم النفس الأمارة وقواها  الله مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذّبُهُمْ عَذَاباً شَدِيدًا  على  قَالُواْ مَعْذِرَةً إلى ربكم  أي نعظهم معذرة إليه تعالى وذلك أنا خلقنا آمرين بالمعروف ناهين عن المنكرة فنريد أن نقضي ما علينا ليظهر أنا ما تغيرنا عن أوصافنا  ولعلهم يتقون  \[ الأعراف : ١٦٤ \] لأنهم قابلون لذلك بحسب الفطرة فلا نيأس من تقواهم

### الآية 7:165

> ﻿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ [7:165]

فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكّرُواْ بِهِ  أي تركوا ما ذكرهم به صلحاؤهم ترك الناسي للشيء وأعرضوا عنه إعراضاً كلياً، فما موصولة وجوز أن تكون مصدرية، وهو خلاف الظاهر. 
والنسيان مجاز عن الترك، واستظهر أنه استعارة حيث شبه الترك بالنسيان بجامع عدم المبالاة، وجوز أن يكون مجازاً مرسلاً لعلاقة السببية، ولم يحمل على ظاهره كما قال بعضهم المحققين لأنه غير واقع ولأنه لا يؤاخذ بالنسيان ولأن الترك عن عمد هو الذي يترتب عليه انجاء الناهين في قوله سبحانه وتعالى :
 أَنجَيْنَا الذين يَنْهَوْنَ عَنِ السوء  إذ لم يمتثلوا أمرهم بخلاف ما لو نسوه فإنه كان يلزمهم تذكيرهم وظاهر الآية ترتب الانجاء على النسيان وهو في الحقيقة مرتب على النسيان والتذكير، وما في حيز الشرط مشير إليهما فكأنه قيل : فلما ذكر المذكرون ولم يتذكر المعتدون وأعرضوا عما ذكروا به أنجينا الأولين وأخذنا الآخرين، وعنوان النهي عن السوء شامل للذين قالوا  لم تعظون  \[ الأعراف : ١٦٤ \] الخ وللمقول لهم ذلك، أما شموله للمقول لهم فواضح وأما شموله للقائلين فلأنهم نهوا أيضاً إلا أنهم رأوا عدم النفع فكفوا وذلك لا يضرهم فقد نصوا على أنه إذا علم الناهي حال المنهى وأن النهي لا يؤثر فيه سقط عنه النهي وربما وجب الترك على ما قال الزمخشري لدخوله في باب العبث، ألا ترى أنك لو ذهبت إلى المكاسين القاعدين على الطريق لأخذ أموال الفقراء وغيرهم بغير حق لتعظهم وتكفهم عما هم عليه كان ذلك عبثاً منك ولم يكن إلا سبباً للتلهي بك، ولم يعرض أولئك كما أعرض هؤلاء لعدم بلوغهم في اليأس كما بلغ إخوانهم أو لفرط حرصهم وجدهم في أمرهم كما وصف الله تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم بقوله تعالى : فَلَعَلَّكَ باخع نَّفْسَكَ على ءاثارهم  \[ الكهف : ٦ \]. 
وروي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه قال : لا أدري ما فعلت الفرقة الساكتة وعنى بهم القائلين ومنشأ قوله هذا كما نطقت به بعض الروايات أنه سمع قوله سبحانه : أَنجَيْنَا الذين يَنْهَوْنَ عَنِ السوء  وقوله جل وعلا : وَأَخَذْنَا الذين ظَلَمُواْ  أي بالاعتداء ومخالفة الأمر ولم يغص رضي الله تعالى عنه مع أنه الغواص فقال له عكرمة : جعلني الله فداك ألا تراهم كيف أنكروا وكرهوا ما القوم عليه وقالوا ما قالوا وإن لم يقل الله سبحانه أنجيتهم لم يقل أهلكتهم فأعجبه قوله وأمر له ببردين وقال : نجت الساكتة، ونسب الطبرسي إليه رضي الله تعالى عنه قولين آخرين في الساكتة أحدهما القول بالتوقف وثانيهما القول بالهلاك وبه قال ابن زيد، وروي عن أبي عبد الله رضي الله تعالى عنه فالمأخوذ حينئذ الساكتون والظالمون  بِعَذَابٍ بَئِيسٍ  أي شديد وفسره الحبر بما لا رحمة فيه ويرجع إلى ما ذكر، وهو فعيل إما وصف أو مصدر كالنكير وصف به مبالغة، والأكثرون على كونه وصفاً من بؤس يبؤس بأساً إذا اشتد. 
 وقال الراغب : البؤس والبأس والبأساء الشدة والمكروه إلا أن البؤس في الفقرة والحرب أكثر والبأس والبأساء في النكاية، وقرأ أبو بكر  \*بيئس  على فيعل كضيغم وهو من الأوزان التي تكون في الصفات والأسماء، والياء إذا زيدت في المصدر هكذا تصيره اسما أو صفة كصقل وصيقل وعينه مفتوحة في الصحيح مكسورة في المعتل كسيد، ومن هنا قيل في قراءة عاصم في رواية عنه  بيئس  بكسر الهمزة إنها ضعيفة رواية ودراية ويخففها أن المهموز أخو المعتل، وقرأ ابن عامر  بالالقاب بِئْسَ  بكسر الباء وسكون الهمزة على أن أصله بئس بباء مفتوحة وهمزة مكسورة كحذر فسكن للتخفيف كما قالوا في كبد كبد وفي كلمة كلمة، وقرأ نافع  بيس  على قلب الهمزة ياء كما قلبت في ذيب لسكونها وانكسار ما قبلها، وقيل : إن هاتين القراءتين مخرجتان على أن أصل الكلمة بئس التي هي فعل دم جعلت اسماً كما في قيل وقال، والمعنى بعذاب مذموم مكروه، وقرىء  بيس  كريس وكيس على قلب الهمزة ياء ثم ادغامها في الياء، وقيل : على أنه من البؤس بالواو وأصله بيوس كميوت فأعل اعلاله و  بيس  على التخفيف كهين و  \*بائس  بزنة اسم الفاعل أي ذو بأس وشدة، وقرىء غير ذلك، وأوصل بعضهم ما فيه من القراءات إلى ست وعشرين، وتنكير العذاب للتفخيم والتهويل  السماء بِمَا كَانُواْ يَفْسُقُونَ  متعلق بأخذنا كالباء الأولى ولا ضير فيه لاختلافهما معنى أي أخذناهم بما ذكر من العذاب بسبب فسقهم المستمر، ولا مانع من أن يكون ذلك سبباً للأخذ كما كان سبباً للابتداء وكذا لا مانع من تعليله بما ذكر بعد تعليله بالظلم الذي في حيز الصلة لأن ذلك ظلم أيضاً، ولم يكتف بالأولى لما لا يخفى. 
( هذا ومن باب الإشارة ) : فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكّرُواْ بِهِ  لغلبة الشقوة عليهم  أَنجَيْنَا الذين يَنْهَوْنَ عَنِ السوء  وهم الروح والقلب واتباعهما فإنهم كلهم نهوا عن ذلك إلا أن بعضهم مل وبعضهم لم يمل  وَأَخَذْنَا الذين ظَلَمُواْ بِعَذَابٍ بَئِيسٍ  أي شديد وهو عذاب حرمان قبول الفيض  بِمَا كَانُواْ يَفْسُقُونَ  \[ الأعراف : ١٦٥ \] أي بسبب تماديهم على الخروج عن الطاعة

### الآية 7:166

> ﻿فَلَمَّا عَتَوْا عَنْ مَا نُهُوا عَنْهُ قُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ [7:166]

فَلَمَّا عَتَوْاْ  أي تكبروا  عَن مَّا نُهُواْ عَنْهُ  أي عن ترك ذلك ففي الكلام تقدير مضاف إذ التكبر والأباء عن المنهى عنه لا يذم  قُلْنَا لَهُمْ كُونُواْ قِرَدَةً خاسئين  صاغرين أذلاء مبعدين عن كل خير والأمر تكويني لا تكليفي لأنه ليس في وسعهم حتى يكلفوا به، وهذا كقوله تعالى : إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَىْء إِذَا أَرَدْنَاهُ أَن نَّقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ  \[ النحل : ٤٠ \] في أنه يحتمل أن يكون هناك قول وأن يكون الغرض مجرد التمثيل، والظاهر أن الله تعالى أوقع بهم نكالا في الدنيا غير المسخ فلم يقلعوا عما كانوا عليه فمسخهم قردة. 
وجوز أن يكون المراد بالعذاب البئيس هو المسخ وتكون هذه الآية تفصيلاً لما قبلها. روي عن ابن عباس أن اليهود إنما افترض عليهم اليوم الذي افترض عليكم وهو يوم الجمعة فخالفوا إلى يوم السبت واختاروه فحرم عليهم الصيد فيه وابتلوا به فكانت الحيتان تأتيهم يوم السبت شرعاً بيضاً سماناً حتى لا يرى الماء من كثرتها فمكثوا ما شاء الله تعالى لا يصيدون ثم أتاهم الشيطان فقال : إنما نهيتم عن أخذها يوم السبت فاتخذوا الحياض والشبكات فكانوا يسوقون الحيتان إليها فيه ثم يأخذونها يوم الأحد، وفي رواية أن رجلاً منهم أخذ حوتاً فحزمه بخيط ثم ضرب له وتدا في الساحل وربطه فيه وتركه في الماء فلما كان الغد جاء فأخذخ وأكله فلاموه على ذلك فلما لم يأته العذاب أخذ في السبت القابل حوتين وفعل ما فعل ولم يصبه شيء فلما رأوا أن العذاب لا يعاجلهم تجاسروا فأخذوا وملحوا وباعوا وكانوا نحوا من اثنى عشر ألفا أو من سبعين ألفا فصار أهل القرية أثلاثاً كما قص الله تعالى فقال المسلمون للمعتدين نحن لا نساكنكم فقسموا القرية بجدار للمسلمين باب وللمعتدين باب وكانت القصة في زمن داود عليه السلام فلعنهم فأصبح المسلمون ذات يوم ولم يخرج من المعتدين أحد فقالوا : إن لهؤلاء لشأنا لعل الخمر غلبتهم فعلوا على الجدار فإذا القوم قردة ففتحوا الباب ودخلوا عليهم فعرفت القردة أنسابها من الانس ولم تعرف الإنس انسابهم منها فجعلت تأتي إلى نسيبها فتشم ثيابه وتبكي فيقول : ألم ننهكم فتقول القردة برأسها نعم ثم ماتوا بعد ثلاث. وعن قتادة أن الشبان صاروا قردة والشيوخ خنازير، وعن مجاهد أنه مسخت قلوبهم فلم يوفقوا لفعهم الحق. وأخرج ابن جرير وغيره عن الحسن قال : كان حوتاً حرمه الله عليهم في يوم وأحله لهم فيما سوى ذلك فكان يأتيهم في اليوم الذي حرمه الله تعالى عليهم كأنه المخاض ما يمتنع من أحد فجعلوا يهمون ويمسكون وقلما رأيت أحداً أكثر الاهتمام بالذنب إلا واقعة حتى أخذوه فأكلوا والله أوخم أكله أكلها قوم أثقلها خزيا في الدنيا وأطولها عذاباً في الآخرة وايم الله تعالى ما حوت أخذه قوم فأكلوه أعظم عند الله تعالى من قتل رجل مؤمن وللمؤمن أعظم حرمة عند الله سبحانه من حوت ولكن الله عز وجل جعل موعد قوم الساعة والساعة أدهى وأمر. 
وأخرج عبد بن حميد عن عكرمة أنه كان على شاطىء البحر الذي هم عنده ضمان من حجارة مستقبلان الماء يقال لأحدهما لقيم وللآخرة لقمانة فأوحى الله تعالى إلى السمك إن حج يوم السبت إلى الصنمين وأوحى إلى أهل القرية إني قد أمرت السمك أن يحجوا إلى الصنمين يوم السبت فلا تتعرضوه فيه فإذا ذهب اليوم فشأنكم به فصيدوه فابتلى القوم ووقع منهم ما مسخوا به قردة وفي القلب من صحة هذا الأثر شيء ولعله لا صحة له كما لا يخفى على من يعرف معنى الحج من المصلين، ويشبه هذين الصنمين عين حق لأن( [(١)](#foonote-١) ) قرب جزيرة الحديثة من العراق وهي قريبة من شاطىء الفرات السمك يزورها في أيام مخصوصة من السنة حتى يخيل أنه لم يبق في بطن الفرات حوت إلا قذف إليها فيصيد أهل ذلك الصقع منه ما شاء الله تعالى وينقلونه إلى الجزائر والقرى القريبة منهم كألوس وحبة وعانات وهيت ثم ينقطع فلا ترى سمكة في العين بعد تلك الأيام إلى مثلها من قابل وسبحان الفعال لما يريد، واستدل بعض أهل العلم بقصة هؤلاء المعتدين على حرمة الحيل في الدين، وأيد ذلك بما أخرجه ابن بطة عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :**«لا ترتكبوا ما ارتكب اليهود فتستحلوا محارم الله تعالى بأدنى الحيل »**. 
( هذا ومن باب الإشارة ) : فَلَمَّا عَتَوْاْ عَن مَّا نُهُواْ عَنْهُ  أي أبوا أن يتركوا ذلك  قُلْنَا لَهُمْ كُونُواْ قِرَدَةً خاسئين  \[ الأعراف : ١٦٦ \] أي جعلنا طباعهم كطباعهم وذلك فوق حرمان قبول الفيض
١ - قوله عين حق لأن الخ كذا بالأصل ونص في مسودة المؤلف مطموسة لا يعلم هل هي حقلان أو عفلان أو لا فحرر اهـ..

### الآية 7:167

> ﻿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلَىٰ يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذَابِ ۗ إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ الْعِقَابِ ۖ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ [7:167]

وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ  منصوب بمضمر معطوف على قوله سبحانه : واسئلهم  \[ الأعراف : ١٦٣ \] وتأذن تفعل من الاذن وهو بمعنى آذن أي أعلم والتفعل يجيء بمعنى الافعال كالتوعد والايعاد، وإلى هذا يؤول ما روي عن ابن عباس من أن المعنى قال ربك، وفسره، بعضهم بعزم وهو كناية عنه أو مجاز لأن العازم على الأمر يشاور نفسه في الفعل والترك ثم يجزم فهو يطلب من النفس الاذن فيه، وفي الكشف لو جعل بمعنى الاستئذان دون الايذان كأنه يطلب الاذن من نفسه لكان وجهاً، وحيث جعل بمعنى عزم وكان العازم جازماً فسر عزم بجزم وقضى فافاد التأكيد فلذا أجرى مجرى القسم، وأجيب بما يجاب به وهو هنا  رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ  وجاء عزمت عليك لتفعلن، ولا يرد على هذا أنه مقتضى لجواز نسبة العزم إليه تعالى وقد صرح بمنع ذلك لأن المنع مدفوع فقد ورد عزمة من عزمات الله تعالى  عَلَيْهِمْ  أي اليهود لا المعتدين الذين مسخوا قردة إذ لم يبقوا كما علمت، ويحتمل عود الضمير عليهم بناء على ما روي عن الحسن. والمراد حينئذ هم وأخلافهم، وعوده إلى اليهود والنصارى ليس بشيء وإن روي عن مجاهد، والجار متعلق بيبعثن على معنى يسلط عليهم البتة  إلى يَوْمِ القيامة  أي إلى انتهاء الدنيا وهو متعلق بيبعث، وقيل : بتأذن وليس بالوجه ولا يصح كما لا يخفى تعلقه بالصلة في قوله سبحانه : مَن يَسُومُهُمْ  يذيقهم ويوليهم  سُوء العذاب  كالادلال. وضرب الجزية. وعدم وجود منعة لهم. وجعلهم تحت الأيدي وغير ذلك من فنون العذابد وثد بعث الله تعالى عليهم بعد سليمان عليه الصلاة والسلام بخت نصر فخرب ديارهم وقتل مقاتلتهم وسبى نساءهم وذراريهم وضرب الجزية على من بقي منهم وكانوا يؤدونها إلى المجوس حتى بعث النبي صلى الله عليه وسلم ففعل ما فعل ثم ضرب الجزية عليهم فلا تزال مضروبة إلى آخر الدهر. 
ولا ينافي ذلك رفعها عند نزول عيسى عليه الصلاة والسلام لأن ذلك الوقت ملحق بالآخرة لقربه منها أو لأن معنى رفعه عليه السلام إياها عنهم أنه لا يقبل منهم إلا الإسلام ويخيرهم بينه وبين السيف فالقوم حينئذ إما مسلمون أو طعمة لسيوفهم فلا اسكال، وما يحصل لهم زمن الدجال مع كونه ذلافي نفسه غمامة صيف على أنهم ليسوا يهود حين التبعية  إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ العقاب  لما شاء سبحانه أن يعاقبه في الدنيا ومنهم هؤلاء، وقيل : في الآخرة، وقيل : فيهما وَإِنَّهُ لَغَفُورُ رحيمٌ } لمن تاب وآمن. 
( هذا ومن باب الإشارة ) : وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ  أي اقسم  لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إلى يَوْمِ القيامة  أي قيامتهم  مَن يَسُومُهُمْ  وهو التجلي الجلالي
 سُوء العذاب  \[ الأعراف : ١٦٧ \] وهو عذاب القهر وذل اتباع الشهوات

### الآية 7:168

> ﻿وَقَطَّعْنَاهُمْ فِي الْأَرْضِ أُمَمًا ۖ مِنْهُمُ الصَّالِحُونَ وَمِنْهُمْ دُونَ ذَٰلِكَ ۖ وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ [7:168]

وقطعناهم  أي فرقنا بني اسرائيل أو صيرناهم  فِى الارض  وجعلنا كل فرقة منهم في قطر من أقطارها بحيث لا يكاد يخلو قطر منهم تكملة لأدبارهم حتى لا يكون لهم شوكة وهذا من مغيبات القرآن كالذي تضمنته الآية قبل، وقوله سبحانه : أُمَمًا  إما مفعول ثان لقطعنا وإما حال من مفعوله  مّنْهُمُ الصالحون  وهم كما قال الطبري من آمن بالله تعالى ورسوله وثبت على دينه قبل بعث عيسى عليه الصلاة والسلام وقيل هم الذين أدركوا النبي صلى الله عليه وسلم وآمنوا به ونسب ذلك إلى ابن عباس. ومجاهد، وقيل : هم الذين وراء الصين وهو عندي وراء الصين، والجار متعلق بمحذوف خبر مقدم والصالحون مبتدأ، وجوز أن يكون فاعلاً للظرف والجملة في موضع النصب صفة لأمم على الاحتمالين، وجوز أن تكون في موضع الحال وهي بدل من أمم على الاحتمال الثاني وأن تكون صفة موصوف مقدر هو البدل على الأول أي قوماً منهم الصالحون  وَمِنْهُمْ دُونَ ذلك  أي منحطون عن أولئك الصالحين غير بالغين منزلتهم في الصلاح وهم الذين امتثلوا بعض الأوامر وخالفوا بعضاً مع كونهم مؤمنين، وقيل : هم الكفرة منهم بناء على أن المراد بالصلاح الإيمان، وقيل : المراد بهم ما يشمل الكفرة والفسقة، والجار متعلق بمحذوف خبر مقدم و  دُونِ  على ما ذكره الطبرسي مبتدأ إلا أنه بقي مفتوحاً لتمكنه في الظرفية مع إضافته إلى المبنى، ومثله على قول أبي الحسن  بَيْنِكُمْ  في قوله سبحانه : لَقَد تَّقَطَّعَ بَيْنَكُمْ  \[ الأنعام : ٩٤ \] أو المبتدأ محذوف والظرف صفته أي ومنهم أناس أو فرقة دون ذلك، ومن المشهور عند النحاة أن الموصوف بظرف أو جملة يطرد حذفه إذا كان بعض اسم مجرور بمن أو في مقدم عليه كما في منا أقام ومنا ظعن، ومحط الفائدة الانقسام إلى أن هؤلاء منقسمون إلى قسمين، ومن الناس من تكلف في مثل هذا التركيب لجعل الظرف الأول صفة مبتدأة محذوف، وجعل الظرف الثاني خبراً لما ظنه داعياً لذلك، وليس بشيء، والإشارة للصالحين، وقد ذكروا أن اسم الإشارة المفرد قد يستعمل للمثنى والمجموع وقد مرت الإشارة إليه، وقيل : أشير به إلى الصلاح كما يقتضيه ظاهر الأفراد ويقدر حينئذ مضاف وهو أهل مثلا  وبلوناهم بالحسنات  الخصب والعافية  والسيئات  الجدب والشدة  لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ  أي يتوبون عما كانوا عليه مما نهوا عنه. 
( هذا ومن باب الإشارة ) : وقطعناهم  أي فرقنا بني إسرائيل الروح  فِى الأرض  أي أرض البدن  أُمَمًا  جماعات  مّنْهُمُ الصالحون  أي الكاملون في الصلاح كالعقل  وَمِنْهُمْ دُونَ ذلك  فيه كالقلب ومن جعل القلب أكمل من العقل عكس الأمر  وبلوناهم بالحسنات والسيئات  تجليات الجمال والجلال  لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ  \[ الأعراف : ١٦٨ \] بالفناء إلينا

### الآية 7:169

> ﻿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتَابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَٰذَا الْأَدْنَىٰ وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا وَإِنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ ۚ أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثَاقُ الْكِتَابِ أَنْ لَا يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ وَدَرَسُوا مَا فِيهِ ۗ وَالدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ ۗ أَفَلَا تَعْقِلُونَ [7:169]

فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ  أي المذكورين، وقيل : الصالحين  خَلْفٌ  أي بدل سوء مصدر نعت به ولذلك يقع على الواحد والجمع، وقيل : هو اسم جمع وهو مراد من قال : إنه جمع وهو شائع في الشر، ومنه سكت ألفاً ونطق خلفاً والخلف بفتح اللام في الخير وادعى بعضهم الوضع لذلك، وقيل : هما بمعنى وهو من يخلف غيره صالحاً كان أو طالحاً، ومن مجيء الساكن في المدح قول حسان :لنا القدم الأولى إليك وخلفنا  لأولنا في طاعة الله تابع**ومن مجيء المتحرك في الذم قول لبيد :**ذهب الذين يعاش في أكنافهم  وبقيت في خلف كجلد الأجربوعن البصريين أنه يجوز التحريك والسكون في الردى وأما الجيد فبالتحريك فقط ووافقهم أهل اللغة إلا القراء وأبا عبيدة واشتقاقه إما من الخلافة أو من الخلوف وهو الفساد والتغير ومنه خلوف فم الصائم، وقال أبو حاتم : الخلف بالسكون الأولاد الواحد والجمع فيه سواء والخلف بالفتح البدل ولدا كان أو غريباً ؛ والأكثرون على أن المراد بهؤلاء الخلف الذين كانوا في عصر رسول الله صلى الله عليه وسلم وحينئذ لا يصح تفسير الصالحين بمن آمن به عليه الصلاة والسلام، والظاهر أنهم من اليهود وعن مجاهد أنهم النصارى وليس بذاك  وَرِثُواْ الكتاب  أي التوراة والوراثة مجاز عن كونها في أيديهم وكونهم واقفين على ما فيها بعد أسلافهم. 
وقرأ الحسن  وَرِثُواْ  بالضم والتشديد مبنياً لما لم يسم فاعله والجملة على القراءتين في موضع الصفة لخلف وقوله سبحانه : يَأْخُذُونَ عَرَضَ هذا الادنى  استئناف مسوق لبيان ما يصنعون باكلتاب بعد وراثتهم إياه. وقال أبو البقاء. حال من الضمير في ورثوا واستظهره بعضهم ويكفي مقارنته لبعض زمان الوراثة لامتداده، والغرض ما لا ثبات له ومنه استعار المتكلمون العرض لمقابل الجوهر. وفي النهاية العرض بالفتح متاع الدنيا وحطامها، وقال أبو عبيدة : هو غير النقدين من متاعها وبالسكون المال والقيم، و  الادنى  صفة لمحذوف أي الشيء الأدنى والمراد به الدنيا وهو من الدنو للقرب بالنسبة إلى الآخرة، وكونها من الدناءة خلاف الظاهر وان كان ذلك ظاهراً فيها لأنه مهموز، والمراد بهذا العرض ما يؤخذونه من الرشا في الحكومات وعلى تحريف الكلام  وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا  ولا يؤاخذنا الله تعالى بذلك ويتجاوز عنا، والجملة عطف على ما قبلها واحتمال الحالية يحتاج إلى تقدير مبتدأ من غير حاجة ظاهرة والفعل مسند إلى الجار والمجرور ؛ وجوز أن يكون مسنداً إلى ضمير يأخذون : وَإِن يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مّثْلُهُ يَأْخُذُوهُ  في موضع الحال قيل من ضمير يقولون، والقول بمعنى الاعتقاد أي يرجون المغفرة وهم مصرون على الذنب عائدون إلى مثله غير تائبين عنه، وقيل : من ضمير لنا والمعنى على ذلك والأول أظهر، والقول بأن تقييد القول بذلك لا يستلزم تقييد المغفرة به والمطلوب الثاني والثاني مكتفل به لا يخلو عن نظر. 
واختار الحلبي والسفاقسي أن الجملة مستأنفة لا لأن الجملة الشرطية لا تقع حالا إذ وقوعها مما لا شك في صحته بل لأن في القول بالحالية نزغة اعتزالية ولا يخفى أن الأمر وإن كان كذلك إلا أن الحالية أبلغ لأن رجاءهم المغفرة في حال يضادها أوفق بالانكار عليهم فافهم  أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِم مّيثَاقُ الكتاب  أي الميثاق المذكور في التوراة فالإضافة على معنى في، ويجوز أن تكون اختصاصية على معنى اللام ويؤول المعنى إلى ما ذكر، وال في الكتاب للعهد، وقوله سبحانه : أَن لاَّ يِقُولُواْ عَلَى الله إِلاَّ الحق  عطف بيان للميثاق، وقيل : بدل منه، وقيل : إنه مفعول لأجله، وقيل : إنه متعلق بميثاق بتقدير حرف الجر أي بأن لا يقولونا، وجوز في  ءانٍ  أن تكون مصدرية وأن تكون مفسرة لميثاق لأنه بمعنى القول، وفي  لا  أن تكون ناهية وأن تكون نافية واعتبار كل مع ما يصح معه مفوض إلى ذهنك، والمراد من الآية توبيخ أولئك الورثة على بتهم القول بالمغفرة مع إصرارهم على ما هم عليه. وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنهم وبخوا على إيجابهم على الله تعالى غفران ذنوبهم التي لا يزالون يعودون إليها ولا يتوبون منها، وجاء البت من السين فإنها للتأكيد كما نص عليه المحققون، وقد عرض الزمخشري عامله الله تعالى بعدله في تفسير هذه الآية بأهل السنة، وزعم أن مذهبهم هو مذهب اليهود بعينه حيث جوزوا غفران الذنب من غير توبة، ونقل عن التوراة من ارتكب ذنباً عظيماً فإنه لا يغفر له إلا بالتوبة، وأنت تعلم أن اليهود أكدوا القول بالغفران وأهل السنة لا يجزمون في المطيع بالغفران فضلاً عن العاصي بما هو حق الله تعالى فضلاً عمن عصاه سبحانه فيما هو من حقوق العباد فالموجبون على الله تعالى وإن كان بالنسبة إلى التائب أقرب إليهم فهل ما ادعاه إلا من قبيل ما جاء في المثل رمتني بدائها وانسلت وما نقله عن التوراة إن كان استنباطاً من الآية فلا تدل على ما في الكشف إلا على تحريفهم ما في التوراة من نعت النبي صلى الله عليه وسلم وآية الرجم ونحو ذلك من تسهيلاً تهم على الخاصة وتخفيفاتهم على العامة يأخدون الرشا بذلك والتقول على الله عظيمة وإن كان قد قرأ التوراة التي لم تحرف وأنها هي تعين الحمل على الشرك بقواطع من كتاب الله تعالى الكريم أو يكون ذلك لهم وهذا لهذه الأمة المرحومة خاصة، وقد سلم هو نحوا منه في قوله سبحانه :
 يَغْفِرْ لَكُمْ مّن ذُنُوبِكُمْ  \[ الأحقاف : ٣١ \] وقد أطبق أهل السنة على ذم المتمني على الله، ورووا عن شداد بن أوس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :**«الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله سبحانه »** ومن هنا قيل : إن القوم ذمو بأكلهم أموال الناسبالباطل وإتباع أنفسهم هواها وتمنيهم على الله سبحانه ووبخوا على افترائهم على الله في الأحكام التي غيروها وأخذوا عرض هذا الأدنى على تغييرها فكأنه قيل : الم يؤخذ عليهم الميثاق المذكور في كتابهم أن لا يقولوا على الله تعالى في وقت من الأوقات إلا الحق الذي تضمنه الكتاب فلم حكموا بخلافه وقالوا : هو من عند الله وما هو من عند الله ليشتروا به ثمناً فليلاً ؟ وفيه مع مخالفته لما روي عن الحبر مخالفة للظاهر. وقرأ الجحدري  أَن لا \* تَقُولُواْ  بالخطاب على الالتفات  وَدَرَسُواْ مَا فِيهِ  أي قرأوه فهم ذاكرون لذلك، وهو عطف على  أَلَمْ يُؤْخَذْ  من حيث المعنى وإن اختلفا خبراً وانشاءاً إذ المعنى أخذ عليهم ميثاق الكتاب ودرسوا الخ، وجوز كونه عطفاً على  الَمْ \* يُؤْخَذْ  والاستفهام التقريري داخل عليهما وهو خلاف الظاهر أو على ورثوا وتكون جملة  أَلَمْ يُؤْخَذْ  معترضة وما قبلها حالية أو يكون المجموع اعتراضاً كما قيل ولا مانع منه خلا ان الطبرسي نقل عن بعضهم تفسير درسوا على هذا الوجه من العطف بتركوا وضيعوا وفيه بعد. 
وقيل : إن الجملة في موضع الحال من ضمير يقولوا باضمار قد أي أخذ عليهم الميثاق بأن لا يقولوا على الله إلا الحق الذي تضمنه كتابهم في حال دراستهم ما فيه وتذكرهم له وهو كما ترى. وقرأ السلمي  \*ادارسوا  بتشديد الدال وألف بعدها وأصله تدارسوا فادغمت التاء في الدال واجتلبت لها همزة الوصل.  فِيهِ والدار الاخرة خَيْرٌ لّلَّذِينَ يَتَّقُونَ  الله تعالى ويخافون عقابه فلا يفعلون ما فعل  أَفَلاَ تَعْقِلُونَ  فتعلموا ذلك ولا تستبدلوا الأدنى المؤدي إلى العذاب بالنعيم المقيم، وهو خطاب لأولئك المأخوذ عليهم الميثاق الآخذين لعرض هذا الأدنى ؛ وفي الالتفات تشديد للتوبيخ، وقيل : هو خطاب للمؤمنين ولا التفات فيه. 
وقرأ جمع بالياء على الغيبة وبالتاء وقرأ نافع. وابن عامر. وابن ذكوان. وأبو جعفر. وسهل. ويعقوب. وحفص. وهذه الآية ظاهرة في التوبيخ على الأخذ، وجعل بعضهم قوله سبحانه : أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِم  الخ توبيخاً على ذلك القول ففي الآية ما هو من قبيل ما فيه اللف والنشر. 
( هذا ومن باب الإشارة ) : فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ  وهي النفس وقواها  وَرِثُواْ الكتاب  وهو ما ألهم الله تعالى العقل والقلب  يَأْخُذُونَ عَرَضَ هذا الادنى  وهي الشهوات الدنية واللذات الفانية ويجعلون ما ورثوه ذريعة إلى أخذ ذلك  وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا  ولا بد لأنا واصلون كاملون وهذا حال كثير من متصوفة زماننا فإنهم يتهافتون على الشهوات تهافت الفراش على النار ويقولون : إن ذلك لا يضرنا لأنا واصلون. 
وحكي عن بعضهم أنه يأكل الحرام الصرف ويقول : إن النفي والإثبات يدفع ضرره وهو خطأ فاحش وضلال بين أعاذنا الله تعالى وإياكم من ذلك. وأعظم منه اعتقاد حل أكل مثل الميتة من غير عذر شرعي لأحدهم ويقول : كل منا بحر والبحر لا ينجس ولا يدري هذا الضال أن من يعتقد ذلك أنجس من الكلب والخنزير. ومنهم يحكي عن بعض الكاملين المكملين من أهل الله تعالى ما يؤيد به دعواه وهو كذب لا أصل له وحاشا ذلك الكامل مما نسب إليه حاشا  وَإِن يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مّثْلُهُ يَأْخُذُوهُ  أي إنهم مصرون على هذا الفعل القبيح  أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِم مّيثَاقُ الكتاب  الوارد فيما ألهمه الله تعالى العقل والقلب  أَن لاَّ يِقُولُواْ عَلَى الله إِلاَّ الحق  فكيف عدلوا عنه  وَدَرَسُواْ مَا فِيهِ  مما فيه رشادهم  والدار الاخرة  المشتملة على اللذات الروحانية  خير للذن يتقون  \[ الأعراف : ١٦٩ \] عرض هذا الأدنى

### الآية 7:170

> ﻿وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ [7:170]

والذين يُمَسّكُونَ بالكتاب  أي يتمسكون به في أمور دينهم يقال : مسك بالشيء وتمسك به بمعنى، قال مجاهد. وابن زيد : هم الذين آمنوا من أهل الكتاب كعبد الله بن سلام وأصحابه تمسكوا بالكتاب الذي جاء به موسى عليه السلام فلم يحرفوه ولم يكتموه ولم يتخذوه مأكلة وقال عطاء : هم أمة محمد صلى الله عليه وسلم والمراد من الكتاب القرآن الجليل الشأن، وقرأ أبو بكر. وحم يُمَسّكُونَ  التخفيف من الإمساك، وابن مسعود  \*استمسكوا ، وأبي  \*مسكوا  وفي ذلك موافقة لقوله تعالى : بالكتاب وَأَقَامُواْ الصلاة  ولعل التغيير في المشهور للدلالة على أن التمسك أمر مستمر في جميع الأزمنة بخلاف الإقامة فإنها مختصة بالأوقات المخصوصة، وتخصيصها بالذكر من بين سائر العبادات مع دخولها بالتمسك بالكتاب لانافتها عليها لأنها عماد الدين، ومحل الموصول إما الجر عطفاً على  للذين يتقون  \[ الأعراف : ١٦٩ \]، وقوله تعالى : أَفَلاَ تَعْقِلُونَ  \[ الأعراف : ١٦٩ \] اعتراض مقرر لما قبله، والاعتراض قد يقرن بالفاء كقوله :فاعلم فعلم المرء ينفعه  أن سوف يأتي كل ما قدراوإما الرفع على الابتداء والخبر قوله سبحانه : إِنَّا لاَ نُضِيعُ أَجْرَ المصلحين  والرابط إما الضمير المحذوف كما هو رأي جمهور البصريين أي أجر المصلحين منهم وإما الألف واللام كما هو رأي الكوفيين فإنها كالعوض عن الضمير فكأنه قيل مصلحيهم، وأما العموم في المصلحين فإنه على المشهور من الروابط ومنه نعم الرجل زيد على أحد الأوجه أو وضع الظاهر موضع المضمر بناء على أن الأصل لا نضيع أجرهم إلا أنه غير لما ذكر تنبيهاً على أن الصلاح كالمانع من التضييع لأن التعليق بالمشتق يفيد علية مأخذ الاشتقاق فكأنه قيل : لا نضيع أجرهم لصلاحهم. 
وقيل : الخبر محذوف والتقدير والذين يمسكون بالكتاب مأجورون أو مثابون، وقوله سبحانه : إِنَّا لاَ نُضِيعُ  الخ حينئذ اعتراض مقرر لما قبله
( هذا ومن باب الإشارة ) : والذين يُمَسّكُونَ بالكتاب  أي يتمسكون بما ألهمه الله تعالى العقل والقلب من الحكم والمعارف  والذين يُمَسّكُونَ  ولم يألوا جهداً في الطاعة  إِنَّا لاَ نُضِيعُ أَجْرَ المصلحين  \[ الأعراف : ١٧٠ \] منهم وأجرهم متفاوت حسب تفاوت الصلاح حتى إنه ليصل إلى ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر

### الآية 7:171

> ﻿۞ وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ وَظَنُّوا أَنَّهُ وَاقِعٌ بِهِمْ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ [7:171]

وَإِذ نَتَقْنَا الجبل فَوْقَهُمْ  عطف على ما قبل بتقدير اذكر والنتق الرفع كما روي عن ابن عباس. وإليه ذهب ابن الأعرابي، وعن أبي مسلم أنه الجذب، ومنه نتقت الغرب من البئر، وعن أبي عبيدة أنه القلع وما روي عن الحبر أوفق بقوله سبحانه : وَرَفَعْنَا فَوْقَهُمُ الطور  \[ النساء : ١٥٤ \] وعلى القولين الأخيرين يضمن معنى الرفع ليتطابق الآيتان، والمراد بالجبل الطور أو جبل غيره وكان فرسخاً في فرسخ كمعسكر القوم فأمر الله تعالى جبريل عليه السلام لما توقفوا عن أخذ التوراة وقبولها إذ جاءتهم جملة مشتملة على ما يستثقلونه فقلعه من أصله ورفعه عليهم  كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ  أي غمامة أو سقيفة ؛ وفسرت بذلك مع أنها كل ما علا وأظل لأجل حرف التشبيه إذ لولاه لم يكن لدخوله وجه و  فَوْقَ  ظرف لنتقنا أو حال من الجبل مخصصة على ما قيل للرفع ببعض جهات العلو، والجملة الاسمية بعد في موضع الحال أيضاً أي مشابها ذلك  وَظَنُّواْ  أي تيقنوا  أَنَّهُ وَاقِعٌ بِهِمْ  أي ساقط عليهم إن لم يقبلوا يوعدون بذلك بهذا الشرط والصادق لا يتخلف ما أخبر به لكن لما لم يكن المفعول واقعاً لعدم شرطه أشبه المظنون الذي قد يتخلف فلهذاسمي ذلك ظناً. 
وقيل : تيقنوا ذلك لأن الجبل لا يثبت في الجو، واعترض بأن عدم ثبوته فيه لا يقتضي التيقن لأنه على جري العادة وأما على خرقها فالثابت الثبوت والواقع عدم الوقوع ويكون ذلك كرفعه فوقهم ووقوفه هناك حتى كان ما كان منهم، والحق أن المتيقن لهم الوقوع إن لم يقبلوا لكونه المعلق عليه، ففي الأثر أن بني إسرائيل أبوا أن يقبلوا التوراة فرفع الجبل فوقهم، وقيل : إن قبلتم وإلا ليقعن عليكم فوقع كل منهم ساجداً على حاجبه الأيسر وهو ينظر بعينه اليمنى إلى الجبل فرقاً من سقوطه فلذلك لا ترى يهودياً يسجد إلا على حاجبه الأيسر ويقولون : هي السجدة التي رفعت عنا بها العقوبة وامتثلوا ما أمروا به ولا يقدح في ذلك احتمال الثبوت على خرق العادة كما لا يقدح فيه عدم الوقوع إذا قبلوا، ألا ترى إلى أنه يتيقن احتراق ما وقع في النار مع إمكان عدمه كما في قصة الخليل عليه الصلاة والسلام، وذهب الرماني. والجبائي إلى أن الظن على بابه، والمراد قوي في نفوسهم أنه واقع، واختاره بعض المحققين، والجملة مستأنفة، وجوز أن تكون معطوفة على نتقنا أو حالاً بتقدير قد كما قال أبو البقاء  خُذُواْ  أي وقلنا خذوا أو قائلين خذوا  مَا ءاتيناكم  من الكتاب  بِقُوَّةٍ  أي بجد وعزم على تحمل مشاقه، والجار والمجرور متعلق بمحذوف وقع حالاً من الواو، والمراد خذوا ذلك مجدين  واذكروا مَا فِيهِ  أي اعملوا به ولا تتركوه كالمنسي وهو كناية عن ذلك أو مجاز. 
وقرأ ابن مسعود  \*وتذكروا  وقرىء واذكروا بمعنى وتذكروا  قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ  بذلك قبائح الأعمال ورذائل الأخلاق أو راجين أن تنتظموا في سلك المتقين. 
وجوز أن يراد بما آتيناكم الآية العظيمة أعني نتق الجبل أي خذوا ذلك إن كنتم تطيقونه كقوله تعالى  إِنِ استطعتم أَن تَنفُذُواْ مِنْ أقطار \* السموات والارض \*فانفذوا  \[ الرحمن : ٣٣ \] واذكروا ما فيه من القدرة الباهرة والإنذار، وعلى هذا فالمراد من نتق الجبل إظهار العجز لا غير، والكلام نظير قولك لمن يدعي الصرعة والقوة بعد ما غلبته : خذه مني، وحاصله إن كنتم تطلبون آية قاهرة وتقترحونها فخذوا ما آتيناكم إن كنتم تطيقونه، ولا يخفى أن ذلك خلاف الظاهر والآثار على خلافه. 
( هذا ومن باب الإشارة ) : وَإِذ نَتَقْنَا الجبل فَوْقَهُمْ  وهو جبل الأمر الرباني والقهر الإلهي  كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ  غمامة عظيمة  وَظَنُّواْ أَنَّهُ وَاقِعٌ بِهِمْ  إن لم يقبلوا أحكام الله سبحانه  خُذُواْ مَا ءاتيناكم بِقُوَّةٍ  بجد وعزيمة  واذكروا مَا فِيهِ  من الأسرار  لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ  \[ الأعراف : ١٧١ \] تنتظمون في سلك المتقين على اختلاف مراتب تقواهم.

### الآية 7:172

> ﻿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَىٰ أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ ۖ قَالُوا بَلَىٰ ۛ شَهِدْنَا ۛ أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَٰذَا غَافِلِينَ [7:172]

وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ  منصوب بمضمر على طرز ما سلف في نظائره وهو معطوف على ما قبل مسوق لإلزام اليهود بمقتضى الميثاق العام فإن منهم من أشرك فقال : عزير بن الله عز اسمه بعد إلزامهم بالميثاق المخصوص بهم والاحتجاج عليهم بالحجج السمعية والعقلية ومنعهم عن التقليد، وبعضهم جوز أن يكون تذييلاً تعميماً بعد التخصيص وإظهاراً لتمادي هؤلاء اليهود في الغي ومنعهم عن التقليد، وبعضهم جوز أن يكون تذييلاً تعميماً بعد التخصيص وإظهاراً لتمادي هؤلاء اليهود في الغي بعد أخذ الميثاق الخاص المدلول عليه بقوله سبحانه : وَإِذ نَتَقْنَا الجبل  \[ الأعراف : ١٧١ \] لقوله جل وعلا : وَإِذَا أَخَذْنَا ميثاقكم وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطور  \[ البقرة : ٦٣ \]، وعليه فلا عطف وهو أظهر من التذييل نظراً إلى ظاهر اللفظ وأولى منه إذا خص العام بالمشركين كما قيل، وقد يقال : إن الآية مسوقة لبيان أخذ ميثاق سابق من جميع الخلق مؤمنهم وكافرهم قبل هذه النشأة بما هو أهم الأمور والأصل الأصيل لجميع التكليفات على وجه خال مما يشبه الإكراه متضمن لإلزام المشركين المعاصرين له صلى الله عليه وسلم ورفع احتجاجهم ما كانوا بعد الإشارة إلى أخذ ميثاق من قوم مخصوصين في هذه النشأة على وجه هو أشبه الأشياء بالإكراه بما الظاهر فيه أنه من الأعمال لأن القوم إذ ذاك كانوا مقرين بالربوبية بل بها وبرسالة موسى عليه السلام فلم يكن حاجة إلى نتق الجبل فوقهم لذلك ولو قال قائل : إن ذكر ذلك خلال الآيات المتعلقة باليهود من باب الاستطراد والمناسبة فيه ظاهرة لم يبعد لكن الأول وهو الذي جرى عليه أكثر متأخري المفسرين أي واذكر لهم أو للناس إذ أخذ ربك  مِن بَنِى \* ءادَمَ  المراد بهم الذين ولد لهم مؤمنين كانوا أو كفاراً نسلاً بعد نسل سوى من لم يولد له بسبب من الأسباب وتخصيصهم بأسلاف اليهود الذي أشركوا بالله تعالى حيث قالوا ما قالوا مما لا يكاد يلتفت إليه. 
وإيثار الأخذ على الإخراج للإيذان بشأن المأخوذ إذ ذاك لما فيه من الأنباء عن الاجتباء والاصطفاء وهو السبب في إسناده في اسم الرب بطريق الالتفات مع ما فيه من التمهيد للاستفهام الآتي، وإضافته إلى ضميره عليه الصلاة والسلام للتشريف، وقيل : إن إيثار الأخذ على الإخراج لمناسبة ما تضمنته الآية من الميثاق فإن الذي يناسبه هو الأخذ دون الإخراج، والتعبير بالرب لما أن ذلك الأخذ باعتبار ما يتبعه من آثار الربوبية، واستأنس بعضهم بمغايرة أسلوب هذا الكلام بما فيه من الالتفات لما قبله من قوله سبحانه وتعالى : وَإِذ نَتَقْنَا  \[ الأعراف : ١٧١ \] ولما بعده من قوله تعالى : واتل عَلَيْهِمْ نَبَأَ الذى ءاتيناه ءاياتنا  \[ الأعراف : ١٧٥ \] لكونه استطرادياً، وقوله تعالى : مِن ظُهُورِهِمْ  بدل من بني آدم بدل البعض من الكل بتكرير الجار كما في قوله سبحانه وتعالى :
 لِلَّذِينَ استضعفوا لِمَنْ ءامَنَ  \[ الأعراف : ٧٥ \] وقيل : بدل اشتمال وإليه ذهب أبو البقا، ء وبينه بعضهم بأن بدل الاشتمال ما يكون بينه وبين المبدل منه ملابسة بحيث توجب النسبة إلى المتبوع النبسة إلى التابع إجمالاً نحو أعجبني زيد علمه فإنه يعلم ابتداء أن زيداً معجب باعتبار صفاته لا باعتبار ذاته وتتضمن نسبة الأعجاب إليه نسبته إلى صفة من صفاته إجمالاً، ونسبة الأخذ الذي هو بمعنى الإخراج هنا إلى بنء آدم نسبة إلى ظهورهم إجمالاً لأنه يعمل ابتداء أن بني آدم ليسوا مأخوذين باعتبار ذواتهم بل باعتبار أجسادهم وأعضائهم وتتضمن نسبة الأخذ إليهم نسبته إلى أعضائهم إجمالاً، وادعى أن القول به أولى من القول ببدل البعض لأن النسبة إلى المبدل منه الكل تكون تامة وتحصل بها الفائدة بدون ذكر البدل نحو أكلت الرغيف نصفه فإن النبسة تامة لو لم يذكر النصف ولا شك أن النسبة هنا ليست تامة بدون ذكر البدل. وأيضاً أن الظهور ليس بعض بني آدم حقيقة بل بعض أعضائهم ولا يخفى ما في ذلك من النظر. و  مِنْ  في الموضعين ابتدائية، وفيه مزيد تقرير لابتنائه على البيان بعد الإبهام والتفصيل غب الإجمال، قيل : وتنبيه على أن الميثاق قد أخذ منهم وهم في أصلاب الآباء ولم يستودعوا في أرحام الأمهات وقوله تعالى : ذُرّيَّتُهُم  مفعول  أَخَذَ  أخر عن المفعول بواسطة الجار لاشتماله على ضمير راجع إليه فيلزم بالتقديم رجوع الضمير إلى متأخر لفظاً ورتبة وهو لا يجوز إلا في مواضع ليس هذا منها ولمراعاة أصالته ومنشئيته ولمامر غير مرة من التشويق إلى المؤخر. وقرأ نافع وأبو عمرو. وابن عامر. ويعقوب  \*ذرياتهم  والمراد أولادهم على العموم، ومن خص بني آدم بأسلاف اليهود على ما مر خص هذا بأخلافهم وفيه ما فيه، والإشكال المشهور وهو أن كل الناس يصدق عليه بنو آدم وذريته فيتحد المخرج والمخرج منه مدفوع بظهور أن المراد إخراج الفروع من الأصول حسب ترتب الولاد ولا يتوقف التخلص عنه على القول بذلك التخصيص. 
 ذُرّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ  أي أشهد كل واحد من أولئك الذرية المأخوذين من ظهور آبائهم على أنفسهم لا على غيرهم تقريراً لهم بربوبيته سبحانه وتعالى التامة قائلاً لهم : أَلَسْتَ بِرَبّكُمْ  أي مالك أمركم ومربيكم على الإطلاق من غير أن يكون لأحد مدخل في شأن من شؤنكم  قَالُواْ  في جوابه سبحانه وتعالى  بلى شَهِدْنَا  أي على أنفسنا بأنك ربنا لا رب لنا غيرك والمراد اقررنا بذلك، وجاء أن القاضي شريح قال لمقر عنده شهد عليك ابن أخت خالتك، ومن هنا قال الجلال السيوطي : إن هذه الآية أصل في الإقرار و  بلى  حرف جواب وألفها أصلية عند الجمهور، وقال جمع : الأصل بل والألف زائدة وبعض أولئك يقول : إنها لتأنيث الكلمة كالتاء في ثمت وربت لأنها أميلت ولو لم تكن للتأنيث لكانت زائدة لمجرد التكثير كالف قبعثري وتلك لا تمال، وتختص بالنفي فلا تقع إلا في جوابه فتفيد إبطاله سواء كان مجرداً أو مقروناً بالاستفهام حقيقياً كان أو تقريرياً، وقد أجروا النفي مع التقرير مجرى النفي المجرد في رده ببلى كما في هذه الآية، ولذلك قال ابن عباس وغيره لو قالوا نعم لكفروا. 
ووجهه أن نعم تصديق للمختبر بنفي أو إيجاب، ولذلك قال جماعة من الفقاء : لو قال أليس لي عليك ألف ؟ فقال : بلى لزمته ؛ ونعم لا. وقال آخرون : تلزمه فيهما وجروا فيه على مقتضى العرف لا اللغة. 
ونازع السهيلي وجماعة في المحكى عن الحبر وغيره متمسكين بأن الاستفهام التقريري موجب ولذلك امتنع سيبويه من جعل  أَمْ  متصلة على ما قيل في قوله تعالى : أَفلاَ تُبْصِرُونَ أَمْ أَنَا خَيْرٌ مّنْ  \[ الزخرف : ٥١، ٥٢ \] فإنها لا تقع بعد الإيجاب وإذا ثبت أنه إجياب فنعم بعد الإيجاب تصديق له، قال ابن هشام : ويشكل عليهم أن بلى لا يجاب بها الإيجاب وذلك متفق عليه و  بلى قَدْ جَاءتْكَ ءاياتى  \[ الزمر : ٥٩ \] متقدم فيه ما يدل على النفي لكن وقع في الحديث ما يقتضي أنها يجاب بها الاستفهام المجرد ففي **«صحيح البخاري »** أنه صلى الله عليه وسلم قال لأصحابه :" أترضون أن تكونوا رفع أهل الجنة ؟ قالوا : بلى " وفي **«صحيح مسلم »** أنه صلى الله عليه وسلم قال :" أنت الذي لقيتني بمكة فقال له المجيب : بلى " وليس لهؤلاء أن يحتجوا بذلك لأنه قليل فلا يتخرج عليه التنزيل انتهى. وأجاب البدر الدماميني بأنه لا إشكال في الحقيقة فإن هؤلاء راعوا صورة النفي المنطوق به فيجاب ببلى حيث يراد إبطال النفي الواقع بعد الهمزة وجوزوا الجواب بنعم على أنه تصديق لمضمون الكلام جميعه الهمزة ومدخولها وهو إيجاب كما سلف ودعواه الاتفاق مناقش فيها أما إن أراد الإيجاب المجرد من النفي بالمرة فقد حكى الرضى الخلاف فيه، وذكر أن بعضهم أجاز استعمالها بعده تمسكاً بقوله :وقد بعدت بالوصل بيني وبينها  بلى إن من زار القبور ليبعداوإن أراد ما هو الأعم حتى يشمل التقرير المصاحب للنفي فالخلاف فيه موجود مشهور ذكره هو في حرف النون انتهى، ولا يخفى أن البيت شاذ كما صرح به الرضى، والمذكور في بحث النون أن جماعة من المتقدمين والمتأخرين منهم الشلوبين قالوا : إنه إذا كان قبل النفي استفهام فإن كان على حقيقته فجوابه كجواب النفي المجرد وإن كان مراداً به التقرير فالأكثر أن يجاب بما يجاب به النفي رعياً للفظه، ويجوز عند أمن اللبس أن يجاب بما يجاب به الإيجاب رعياً لمعناه وعلى ذلك قول الأنصار للنبي صلى الله عليه وسلم نعم وقد قال لهم : ألستم ترون لهم ذلك وقول جحدر :أليس الليل يجمع أم عمرو  وإيانا فداك بنا تدانينعم وأرى الهلال كما تراه  ويعلوها النهار كما علانيوعلى ذلك جرى كلام سيبويه، وقال ابن عصفور : أجرت العرب التقرير في الجواب مجرى النفي المحض وإن كان إيجاباً في المعنى فإذا قيل : ألم أعطك درهماً قيل في تصديقه : نعم وفي تكذيبه بلى، وذلك لأن المقرر قد يوافقك فيما تدعيه وقد يخالفك فإذا قال : نعم لم يعلم هل أراد نعم لم تعطني على اللفظ أو نعم أعطيتني على المعنى فلذلك أجابوه على اللفظ ولم يلتفتوا إلى المعنى. وأما نعم في بيت جحدر فجواب لغير مذكور وهو ما قدره اعتقاده من أن الليل يجمعه وأم عمرو وجاز ذلك لأمن اللبس لعلمه أن كل أحد يعلم أن الليل يجمعه مع أن عمرو، أو هو جواب لقوله : وأرى الهلال قدم عليه وأما قول الأنصار : فجاز لأمن الليس لأنه قد علم أنهم يريدون نعم يعرف لهم ذلك، وعلى هذا يحمل استعماله سيبويه لها بعد التقرير انتهى. 
والأحسن أن تكون نعم في البيت جواباً لقوله : فذاك بنا تداني، ثم قال ابن هشام : ويتحرر على هذا أنه لو أجيب  أَلَسْتَ بِرَبّكُمْ  بنعم لم يكف في الإقرار لأنه سبحانه وتعالى أوجب في الإقرار بما يتعلق بالربوبية ما لا يحتمل غير المعنى المراد من المقر، ولهذا لا يدخل في الإسلام بقوله لا إله إلا الله برفع إله لاحتماله لنفي الوحدة، ولعل ابن عباس رضي الله تعالى عنهما إنما قال : إنهم لو قالوا : نعم لم يكن إقراراً وافياً، وجوز الشلوبين أن يكون مراده رضي الله تعالى عنه أنهم لو قالوا نعم جواباً للملفوظ على ما هو الأفصح لكان كفراً إذ لأصل تطابق السؤال والجواب لفظاً، وفيه نظر لأن التكفير لا يكون بالاحتمال، والكلام عند جمع تمثيل لخلقه تعالى الخلق جميعاً في مبدأ الفطرة مستعدين للاستدلال بالأدلة الآفاقية والأنفسية المؤدية إلى التوحيد كما نطق به قوله صلى الله عليه وسلم :
كل مولود يولد على الفطرة \*\*\* الحديث مبني على تشبيه الهيئة المنتزعة من تعريضه سبحانه وتعالى إياهم لمعرفة ربوبيته ووحدانيته بعد تمكينهم منها بما ركز فيهم من العقول والبصائر ونصب لهم في الآفاق والأنفس من الدلائل تمكيناً تاماً ومن تمكنهم منها تمكناً كاملاً وتعرضهم لها تعرضاً قوياً بهيئة منتزعة من حمله تعالى إياهم على الاعتراف بها بطريق الأمر ومن مسارعتهم إلى ذلك من غير تلعثم أصلاً من غير أن يكون هناك أخذ وإشهاد وسؤال وجواب، ونظير ذلك في قول ما في قوله سبحانه وتعالى :
 فَقَالَ لَهَا وَلِلاْرْضِ ائتيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ  \[ فصلت : ١١ \] ومن ذلك سائر ما يحكى عن الحيوان والجماد كقوله :شكا إلى جملي طول السري  مهللاً رويداً فكلانا مبتلي**وقوله :**
امتلأ الحوض

### الآية 7:173

> ﻿أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ ۖ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ [7:173]

أَوْ تَقُولُواْ  في ذلك اليوم  أَوْ تَقُولُواْ إِنَّمَا أَشْرَكَ ءابَاؤُنَا  أي إن آباءنا هم اخترعوا الإشراك وهم سنوه من قبل زماننا  وَكُنَّا  نحن  ذُرّيَّةً مّن بَعْدِهِمْ  لا نهتدي إلى سبيل التوحيد  أَفَتُهْلِكُنَا  أي أتؤاخذنا فتهلكنا اليوم بالعذاب  بِمَا فَعَلَ المبطلون  من آبائنا المضلين لا نراك تفعل. و  أَوْ  لمنع الخلو دون الجمع، وفعل القول عطف على نظيره. وقرأهما أبو عمرو بالياء على الغيبة لأن صدر الكلام عليها، ووجه قراءة الخطاب ما علمت. وقال البعض : إن ذاك لقول الرب تعالى ربكم وإنما وإنما لم يسع القوم هذا القول ون ما ذكر من استعدادهم يضيق عليهم المسالك إليه إذ التقليد عند قيام الدلائل والقدرة على الاستدلال بها مما لا مساغ إليه أصلاً. هذا والذي عليه المحدثون والصوفية قاطبة أن الله تعالى أخذ من العباد بأسرهم ميثاقاً قالياً قبل أن يظهروا بهذه البنية المخصوصة وأن الإخراج من الظهور كان قبل أيضاً. 
فقد أخرج أحمد. والنسائي. وابن جرير. وابن مردويه. والحاكم وصححه. والبيهقي في الأسماء والصفات عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال :**«إن الله تعالى أخذ الميثاق من ظهر آدم بنعمان يوم عرفة فاخرج من صلبه كل ذرية ذرأها فنشرها بين يديه كالذر ثم كلمهم قبلاً ألست بربكم ؟ قالوا : بلى شهدنا »**. أخرج مالك في الموطى. وأحمد. وعبد بن حميد. والبخاري في التاريخ. وأبو داود. والترمذي وحسنه. والنسائي. وابن جرير وخلق كثير عن مسلم بن يسار الجهني أن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه سئل عن هذه الآية  وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ  \[ الأعراف : ١٧٢ \] الخ فقال :**«سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عنها فقال : إن الله تعالى خلق آدم ثم مسح ظهره بيمينه فاستخرج منه ذرية فقال : خلقت هؤلاء للجنة وبعمل أهل الجنة يعملون ثم مسح ظهره فاستخرج منه ذرية فقال : خلقت هؤلاء للنار وبعمل أهل النار يعملون فقال الرجل : يا رسول الله ففيم العمل ؟ فقال : إذا خلق العبد للجنة استعمله بعمل أهل الجنة حتى يموت على عمل من أعمال أهل الجنة فيدخله الله الجنة وإذا خلق العبد للنار استعمله بعمل أهل النار حتى يموت على عمل من أعمال أهل النار فيدخله الله تعالى النار »** والبيضاوي حمل الآية في تفسيره على التمثيل وكذا في شرحه للمصابيح وذكر فيه أن ظاهر حديث عمر رضي الله تعالى عنه لا يساعد ذلك ولا ظاهر الآية لأنه سبحانه وتعالى لو أراد أن يذكر أنه استخرج الذرية من صلب آدم دفعة واحدة لا على توليد بعضهم من بعض على مر الزمان لقال : وإذ أخذ ربك من ظهر آدم ذريته، والتوفيق بينهما أن يقال : المراد من بني آدم في الآية وأولاده وكأنه صار اسماً للنوع كالإنسان والبشر، والمراد بالإخراج توليد بعضهم من بعض على مر الزمان واقتصر في الحديث على ذكر آدم اكتفاء بذكر الأصل عن ذكر الفرع، وقوله عليه الصلاة والسلام في الحديث
**«مسح ظهر آدم »** يحتمل أن يكون الماسح الملك الموكل على تصوير الأجنة وتخليقها وجمع موادها وأسند إلى الله تعالى لأنه الآمر كما أسند التوفي إليه قوله تعالى : يَتَوَفَّى الانفس حِينَ مِوْتِهَا  \[ الزمر : ٤٢ \] والمتوفي لها هو الملك لقوله تعالى : تتوفاهم الملائكة  \[ النحل : ٢٨ \] ويحتمل أن يكون الماسح هو الله تعالى ويكون المسح من باب التمثيل، وقيل : هو من المساحة بمعنى التقدير كأنه قال : قدر ما ف ظهره من الذرية انتهى كلامه. وقال بعضهم : ليس المعنى في الحديث أنه تعالى أخرج الكل من ظهر آدم عليه السلام بالذات بل أخرج من ظهره أبناءه الصلبية ومن ظهورهم أبناءهم الصلبية وهكذا إلى آخر السلسلة لكن لما كان المظهر الأصلي ظهره عليه الصلاة والسلام وكان مساق الحديث بيان حال الفريقين إجمالاً من غير أن يتعلق بذكر الوسائط غرض علمي نسب إخراج الكل إليه، وأما الآية الكريمة فحيث كانت مسوقة للاحتجاج على الكفرة المعاصرين لرسول الله صلى الله عليه وسلم وبيان عدم إفادة الاعتذار بإسناد الإشراك إلى آبائهم اقتضى الحال نسبة إخراج كل واحد منهم إلى ظهر أبيه من غير تعرض لإخراج الأبناء الصلبية لآدم عليه السلام من ظهره قطعاً، وعدم بيان الميثاق في الخبر العمري ليس بياناً لعدمه ولا مستلزماً له اه. 
وأنت تعلم أن التأويل الذي ذكره البيضاوي يأبى عنه كل الآباء حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما وأن ما ذكره البعض من أن مساق الحديث بيان حال الفريقين إجمالاً يأباه ظهور عدم كون السؤال عن حالهما ليساق الحديث لبيانه فإن الظاهر أن الصحابي إنما سأله عليه الصلاة والسلام عما أشكل عليه من معنى الآية أن الاشهاد هل هو حقيقة أم على الاستعارة ؟ فلما أجابه صلى الله عليه وسلم بما عرف منه ما أراده سكت لأنه كان بليغاً ولو أشكل عليه من جهة أخرى لكان الواجب بيان تلك الجهة وكذا فهم الفاروق رضي الله تعالى عنه. 
ومن هنا يعلم أن قول الإمام أن ظاهر الآية يدل على إخراج الذرية من ظهر بني آدم، وليس فيها ما يدل على أنهم أخرجوا من صلب آدم ولا ما يدل على نفيه إلا أن الخبر دل عليه فيثبت خروجهم من آدم بالحديث ومن بنيه بالآية لا يطابق سياق الحديث كما لا يخفى، وقال الشيخ شهاب الدين التوربشتي : إنما جد كثير من أهل العلم في الهرب عن القول في معنى الآية بما يقتضيه ظاهر خبر الحبر لمكان قول سبحانه :
 أَن تَقُولُواْ يَوْمَ القيامة إِنَّا كُنَّا عَنْ هذا غافلين  \[ الأعراف : ١٧٢ \] فقالوا : إن كان هذا الإقرار عن اضطرار حيث كوشفوا بحقيقة الأمر وشاهدوه عين اليقين فلهم ذلك اليوم أن يقولوا : شهدنا يومئذ فلما زال عنا علم الضرورة ووكلنا إلى آرائنا كان منا من أصاب ومنا من أخطأ وإن كان عن استدلال ولكنهم عصموا عنده من الخطأ فلهم أيضاً أن يقولوا : أيدنا يوم الإقرار بتوفيق وعصمه وحرمناهما من بعد ولو امددنا بهما أبداً لكانت شهادتنا في كل حين كشهادتنا في اليوم الأول فيتعين حينئذ أن يراد بالميثاق ما ركب الله تعالى فيهم من العقول وآتاهم من البصائر لأنها هي الحجة البالغة والمانعة عن قولهم  إنا كنا  \[ الأعراف : ١٧٢ \] الخ لأن الله تعالى جعل الإقرار والتمكن من معرفة ربوبيته ووحدانيته سبحانه حجة عليهم في الإشراك كما جعل بعث الرسول حجة عليهم في الايمان بما أخبر عنه من الغيوب انتهى. 
وحاصله أنه لو لم تؤول الآية بما ذكر يلزم أن لا يكون محجوجين يوم القيامة، وقد أجيب عنه باختبار كل من الشقين ورفع محذوره. أما الأول : فبأن يقال : إذا قالوا شهدنا يومئذ فلما زال علم الضرورة ووكلنا إلى آرائنا كان كذا أيها الكذابون متى وكلتم إلى إرائكم ألم نرسل رسلنا تترى ليوقظكم عن سنة الغفلة ؟ وأما الثاني : فبأن يقال : إن هذا مشترك الالزام فإنه إذا قيل لهم : ألم نمنحكم العقول والبصائر : فلهم أن يقولوا ؟ فإذا حرمنا اللطف والتوفيق فأي منفعة لنا في العقل والبصيرة ؟ وذكر محيى السنة في جواب أنه كيف تلزم الحجة ولا أحد يذكر ذلك الميثاق أن الله تعالى قد أوضح الدلائل على وحدانيته وصدق رسله فيما أخبروا به فمن أنكره كان معانداً ناقضاً للعهد ولزمته الحجة ونسيانه وعدم حفظه لا يسقط الاحتجاج بعد إخبار المخبر الصادق، ولا يخفى ما فيخ، ولهذا أجاب بعضهم بأن قوله تعالى : أَن تَقُولُواْ  \[ الأعراف : ١٧٢ \] الخ ليس مفعولاً له لقوله تعالى : وَأَشْهَدَهُمْ  \[ الأعراف : ١٧٢ \] وما يتفرع عليه من قولهم  بلى شَهِدْنَا  \[ الأعراف : ١٧٢ \] حتى يجب كون ذلك الإشهاد والشهادة محفوظاً لهم في إلزامهم بل لفعل مضمر ينسحب عليه الكلام، والمعنى فعلنا ما فعلنا من الأمر بذكر الميثاق وبيانه كراهة أن تقولوا أو لئلا تقولوا أيها الكفرة يوم القيامة إنا كنا غافلين عن ذلك الميثاق لم ننبه عليه في دار التكليف وإلا لعملنا بموجبه، هذا على قراءة الجمهور، أما على القراءة الأخرى فهو مفعول له لنفس الأمر المضمر العامل في  إِذْ \* أَخَذَ  \[ الأعراف : ١٧٢ \] والمعنى اذكر لهم الميثاق المأخوذ منهم فيما مضى لئلا يعتذروا يوم القيامة بالغفلة عنه أو بتقليد الآباء، ثم قال : هذا على تقدير كون  شهدنا  \[ الأعراف : ١٧٢ \] من كلام الذرية وهو الظاهر فإما على تقدير كونه من كلام الله تعالى فهو العامل في
 أَن تَقُولُواْ  \[ الأعراف : ١٧٢ \] ولا محذور أصلاً والمعنى شهدنا قولكم هذا لئلا تقولوا يوم القيامة الخ لأنا نردكم ونكذبكم حينئذ انتهى. 
ولا يخفى أن ما ذكره أولاً من تعلق  ءانٍ  وما بعدها بفعل مضمر ينسحب عليه الكلام أو بنفس الفعل المضمر العامل في  إِذْ  وضاح في دفع السؤال الذي أشرنا إليه، وإنه لعمري في غاية الحسن إلا أن الظاهر تعلقه بالاشهاد وما يتفرع عليه، وأرى الجواب مع عدم العدول عنه لا يخلو عن العدول عنه، ويؤيد ماذكره ثانياً من كون  شَهِدْنَا  \[ الأعراف : ١٧٢ \] من كلام الله تعالى وكونه العامل ما أخرجه ابن عبد البر في التمهيد من طريق السدي عن أبي مالك. وعن أبي صالح عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما. وعن مرة الهمداني عن ابن مسعود وناس من الصحابة أنهم قالوا في الآية : لما أخرج الله تعالى آدم من الجنة قبل تهبيطه من السماء مسح صفح ظهره اليمنى فأخرج منه ذرية بيضاء مثل اللؤلؤ كهيئة الذر فقال لهم : ادخلوا الجنة برحمتى ومصح صفحة ظهره اليسرى فأخرج منه ذرية سوداء كهيئة الذر فقال : ادخلوا النار ولا أبالي فذلك قوله تعالى : أصحاب اليمين وأصحاب الشمال ثم أخذ منهم الميثاق فقال : ألست بربكم ؟ قالوا : بلى  \[ الأعراف : ١٧٢ \] فأعطاه طائفة طائعين وطائفة كارهين على وجه التقية فقال : هو والملائكة  شَهِدْنَا أَن تَقُولُواْ يَوْمَ القيامة  \[ الأعراف : ١٧٢ \] الحديث، وفيه مخالفة لما روى عن الحبر أولاً من أن الأخذ كان بنعمان إذ هو ظاهر في كون ذلك بعد الهبوط وهذا ظاهر في كونه كان قبل، وفي بعض الأخبار مايقتضي أنه كان إذ كان عرضه سبحانه على الماء، فقد أخرج عبد بن حميد. والحكيم الترمذي في نوادر الأصول. والطبراني. وأبو الشيخ في العظمة. وابن مردويه عن أبي أمامة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :**«خلق الله تعالى الخلق وقضى القضية وأخذ ميثاق النبيين وعرشه على الماء فأخذ أهل اليمين بيمينه وأخذ أهل الشمال بيده الأخرى وكلتا يدي الرحمن يمين فقال : يا أصحاب اليمين فاستجابوا له فقالوا له : لبيك ربنا وسعديك قال : ألست بربكم ؟ قالوا : بلى. قال : يا أصحاب الشمال فاستجابوا له فقالوا له لبيك ربنا وسعديك قال : ألست بربكم ؟ قالوا : بلى »** فخلط بعضهم ببعض الخبر، وذكر بعضهم أنه كان بالهند حيث هبط آدم عليه السلام، وآخرون أنه كان في موضع الكعبة وأن الذرية المخرجة من ظهر آدم عليه السلام كالذر أحاطت به، وجعل المحل الذي شغلته إذ ذاك حرماً، وليس لهذا سند يعول عليه، والتوفيق بين هذه الروايات مشكل إلا أن يقال بتعدد أخذ الميثاق، وإليه ذهب السادة السوفية قدس الله تعالى أسرارهم، لكن يشعر كلامهم باختلاف النوع، فقد قال بعضهم : رأيت من يستحضر قبل ميثاق
 أَلَسْتَ  \[ الأعراف : ١٧٢ \] ستة مواطن أخرى ميثاقية فذكرت ذلك لشيخنا رضي الله تعالى عنه فقال : إن قصد القائل بالحضرات الستة التي عرفها قبل ميثاق  أَلَسْتَ  الكليات فمسلم، وأما إن أراد جملة الحضرات

### الآية 7:174

> ﻿وَكَذَٰلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ وَلَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ [7:174]

وَكَذَلِكَ نفَصّلُ الايات  أي ذلك التفصيل البليغ المستتبع للمنافع الجليلة نفصلها لا غير ذلك. 
 وَلَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ  عما هم عليه من الإصرار على الباطل نفعل التفصيل المذكور، وقيل : المعنى ولعلهم يرجعون إلى الميثاق الأول فيذكرونه ويعملون بمقتضاه نفعل ذلك، وأياً ما كان فالواو ابتدائية كالتي قبلها، وجوز أن تكون عاطفة على مقدر أي ليقفوا على ما فيها من المرغبات والزواجر، أو ليظهر الحق ولعلهم يرجعون، وقيل : إنها سيف خطيب.

### الآية 7:175

> ﻿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ [7:175]

واتل عَلَيْهِمْ  تعطف على المضمر العامل في  إِذْ أَخَذَ  \[ الأعراف : ١٧٢ \] وارد على نمط الأنباء عن الحور بعد الكور، أي واقرأ على اليهود أو على قومك كما في الخازن  نَبَأَ الذى ءاتيناه ءاياتنا  أي خبره الذي له شأن وخطر، وهو كما روى ابن مردويه وغيره من طرق عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما بلعم بن باعوراء وفي لفظ بلعام بن باعر وكان من الكنعانيين، وفي رواية عنه. وعن أبي طلحة أنه من بني إسرائل، وأخرج ابن عساكر عن ابن شهاب أنه أمية بن أبي الصلت. 
وأخرج أبو الشخ عن الحبر أنه رجل من بني إسرائيل له زوجة تدعى البسوس، وفي رواية أخرى أخرجها ابن أبي حاتم عنه أنه النعمان بن صيفي الراهب، وكونه إسرائيلياً أنسب بالمقام كما لا يخفى، والأشهر أنه بلعام أو بلعم وكان قد أوتي علماً ببعض كتب الله تعالى، ودون ذلك في الشهرة أنه أمية وكان قد قرأ بعض الكتب  فانسلخ مِنْهَا  أي من تلك الآيات انسلاخ الجلد من الشاة، والمراد أنه خرج منها بالكلية بأن كفر بها ونبذها وراء ظهره، وحقيقة السلخ كشط الجلد وإزالته بالكلية عن المسلوخ عنه، ويقال لكل شيء فارق شيئاً على أتم وجه انسلخ منه، وف التعبير به ما لا يخفى من المبالغة، واستأنس بعضهم بهذه الآية لأن العلم لا ينزع من الرجال حيث قال سبحانه وتعالى : فانسلخ مِنْهَا  ولم يقل عز شأنه فانسلخت منه  فَأَتْبَعَهُ الشيطان  أي لحقه وأدركه كما قال الراغب بعد أن لم يكن مدركاً له لسبقه بالإيمان والطاعة، وقال الجوهري يقال : أتبعت القوم إذا سبقوك فلحقتهم وكأن المعنى جعلتهم تابعين لي بعد ما كنت تابعاً لهم، وفيه حينئذٍ مبالغة في اللحوق إذ جعل كأنه إمام للشيطان والشيطان يتبعه وهو من الذم بمكان، ونظيره في ذلك قوله :
وكان فتى من جند إبليس فارتقى \*\*\* به الحال حتى صار إبليس من جنده
وصرح بعضهم بأن معناه استتبعه أي جعله تابعاً له، وهو على ما قيل متعد لمفعولين حذف ثانيهما أي أتبعه خطواته. وقرىء  فَأَتْبَعَهُ  من الافتعال  فَكَانَ مِنَ الغاوين  فصار من زمرة الضالين الراسخين في الغواية بعد أن كان مهتدياً، وكيفية ذلك على القول بأنه بلعام أن موسى عليه السلام لما قصد حرب الجبارين أتى قوم بلعام إليه وكان عنده اسم الله تعالى الأعظم فقالوا له : إن موسى عليه الصلاة والسلام رجل حديد وإن معه جنوداً كثيرة وإنه قد جاء ليخرجنا من أرضنا فادع الله تعالى أن يرده عنا، فقال : ويلكم نبي الله تعالى ومعه الملائكة والمؤمنون فكيف أدعو عليهم وأنا أعلم من الله تعالى ما أعلم وإني إن فعلت ذهبت دنياي وآخرتي فألحوا عليه، فقال : حتى أوامر ربي فأتى في المنام وقيل له : لا تفعل فأخبر قومه فأهدوا له هدية فقبلها ولم يزالوا يتضرعون إليه حتى فتنوه فجعل يدعو على موسى عليه الصلاة والسلام وقومه إلا أن الله تعالى جعل يصرف لسانه إلى الدعاء على قومه نفسه، فقالوا له : يا بلعام أتدري ما تصنع إنك تدعو علينا، فقال : هذا أمر قد غلب الله تعالى عليه فاندلع لسانه ووقع على صدره، فقال : يا قوم قد ذهبت مني الدنيا والآخرة ولم يبق إلا المكر والحيلة جملوا النساء وأرسلوهن وأمروهن أن لا يمنعن أنفسهن فإن القوم سفر وإن الله سبحانه وتعالى يبغض الزنا وإن هم وقعوا فيه هلكوا ففعلوا ذلك فافتتن زمرى بن شلوم رأس سبط شمعون بن يعقون بامرأة منهن تسمى كستى بنت صور فنهاه موسى عليه السلام عن الفاحشة فأبى وأدخلها قبته وزنا بها فوقع فيهم الطاعون حتى هلك منهم سبعون ألفاً ولم يرتفع حتى قتلهما فنحاص بن العيزار بن هارون وكان غائباً أول الأمر. 
وعن مقاتل أن ملك البلقاء قال له : ادع الله تعالى على موسى عليه السلام، فقال : إنه من أهل ديني ولا أدعو عليه فنصب له خشبة ليصلبه عليها فدعا بالاسم الأعظم أن لا يدخل الله تعالى موسى عليه السلام المدينة فاستجيب له ووقع بنو إسرائيل في التيه، فقال موسى : يا رب بأي ذنب هذا ؟ فقال سبحانه وتعالى : بدعاء بلعام، فقال : رب كما سمعت دعاؤه علي فاسمع دعائي عليه فدعا الله جل شأنه أن ينزع عنه الاسم الأعظم والإيمان فنزع الله تعالى عنه المعرفة وسلخه منها فخرجت من صدره كحمامة بيضاء. ورد هذا بأن التيه كان روحاً وراحة لموسى عليه السلام وإنما عذب به بنو إسرائيل وقد كان ذلك بدعائه عليه السلام، على أن في الدعاء بسلب الإيمان مقالاف، وأنا أعجب لم لم يدع هذا الشقي بالاسم الأعظم الذي كان يعلمه على ملك البلقاء ليخلص من شره ؟ ودعا على موسى عليه السلام ما هي إلا جهالة سوداء، وجاء في كلام أبي المعتمر أنه كان قد أوتي النبوة، ويرده أن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام لا يجوز عليهم الكفر عند أحد من العقلاء وكأن مراده من النبوة ما أوتيه من الآات، وذلك كقوله صلى الله عليه وسلم :**«من حفظ القرآن فقد طوى النبوة بين جنبيه »**. وأخرج ابن المنذر عن مالك بن دينار أنه كان من علماء بني إسرائيل وكان موسى عليه السلام يقدمه في الشدائد ويكرهه وينعم عليه فبعثه إلى ملك مدين دعوهم إلى الله تعالى وكان مجاب الدعوة فترك دين موسى عليه السلام واتبع دين الملك، وهذه الرواية عندي أولى مما تقدم بالقبول، وأما على القول بأنه أمية فهو أنه كان قد قرأ الكتب القديمة وعلم أن الله تعالى مرسل رسولاً فرجاً أن يكون هو ذلك الرسول، فاتفق أن خرج إلى البحرين وتنبأ رسول الله صلى الله عليه وسلم فأقام هناك ثماني سنين ثم قدم فلقي رسول الله صلى الله عليه وسلم في جماعة من أصحابه فدعاه إلى الإسلام، وقرأ عليه سورة يس حتى إذا فرغ منها وثب أمية يجر رجليه فتبعته قريش تقول : ما تقول يا أمية ؟ فقال : أشهد أنه على الحق قالوا : فهل نتبعه ؟ قال : حتى أنظر في أمره فخرج إلى الشام وقدم بعد وقعة بدر يريد أن يسلم فلما أخبر بها ترك الإسلام وقال : لو كان نبياً ما قتل ذوي قرابته فذهب إلى الطائف ومات به فأتت أخته الفارعة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فسألها عن وفاته فذكرت له أنه أنشد عند موته :
كل عيش وإن تطاول دهرا \*\*\* صائر مرة إلى أن يزولا
ليتني كنت قبل ما قد بدا لي \*\*\* في قلال الجبال أرعى الوعولا
إن يوم الحساب يوم عظيم \*\*\* شاب فيه الصغير يوماً ثقيلاً
ثم قال لها عليه الصلاة والسلام : أنشديني من شعر أخيك فأنشدته :
لك الحمد والنعماء والفضل ربنا \*\*\* ولا شيء أعلى منك جداً وأمجد
مليك على عرض السماء مهيمن \*\*\* لعزته تعنو الوجوه وتسجد
من قصدة طويلة أتت على آخرها، ثم أنشدته قصيدته التي يقول فيها :
وقف الناس للحساب جميعا \*\*\* فشقي معذب وسعيد
**والتي فيها :**
عند ذي العرش يعرضون عله \*\*\* يعلم الجهر والسرار الخفيا
يوم يأتي الرحمن وهو رحيم \*\*\* إنه كان وعده مأتيا
رب إن تعف فالمعافاة ظني \*\*\* أو تعاقب فلم تعاقب بريا
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن أخاك آمن شعره وكفر قلبه، وأنزل الله تعالى الآية. وأما على القول بأنه النعمان فهو أنه كان قد ترهب في الجاهلية ولبس المسوح فقدم المدينة فقال للنبي صلى الله عليه وسلم : ما هذا الذي جئت به ؟ فقال عليه الصلاة والسلام : الحنيفية دين إبراهيم عليه السلام. قال : فأنا عليها. فقال عليه الصلاة والسلام : لست عليها ولكنك أدخلت فيها ما ليس منها. فقال : أمات الله تعالى الكاذب منا طريداً وحيداً، ثم خرج إلى الشام وأرسل إلى المنافقين أن استعدوا السلاح، ثم أتى قيصر وطلب منه جنداً ليخرج النبي صلى الله عليه وسلم من المدينة فمات بالشام طريداً وحيداً. 
وأما على القول بأنه زوج البسوس، فقد أخرج ابن أبي حاتم. وأبو الشيخ عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه رجل أعطى ثلاث دعوات مستجابات، وكانت له امرأة تدعى البسوس له منها ولد فقالت : اجعل لي منها واحدة. 
قال : فما الذي تريدين ؟ قالت : ادع الله تعالى أن يجعلني أجمل امرأة في بني إسرائيل فدعا الله تعالى فجعلها أجمل امرأة فيهم، فلما علمت أن ليس فيهم مثلها رغبت عنه وأرادت شيئاً آخر فدعا الله تعالى أن يجعلها كلبة فصارت كلبة فذهبت دعوتان، فجاء بنوها فقالوا : ليس بنا على هذا قرار قد صارت أمنا كلبة يعيرنا الناس بها فادع الله تعالى أن يردها إلى الحال التي كانت عليها فدعا فعادت كما كانت فذهبت الدعوات الثلاث فيها، ومن هنا يقال : أشأم من البسوس، وفي الخازن أن البسوس اسم لذلك الرجل، وليس بشيء، وهذه الرواية لا يساعد عليها نظم القرآن الكريم كما لا يخفى، والذي نعرفه أن البسوس التي يضرب بها المثل هي بنت منقذ التميمية خالة جساس بن مرة بن ذهل الشيباني قاتل كليب، وفي قصتها طول وقد ذكرها الميداني وغيره. 
 وعن الحسن. وابن كيسان أن المراد بهذا الذي أوتي الآيات فانسلخ منها منافقو أهل الكتاب الذين كانوا يعرفون النبي صلى الله عليه وسلم كما يعرفون أبناءهم ولم يؤمنوا به صلى الله عليه وسلم إيماناً صحيحاً، ويبعد ذلك إفراد الموصول وعن قتادة أن هذا مثل لمن عرض عليه الهدى واستعد له فأعرض عنه وأبى أن يقبله، وفيه بعد ومخالفة للروايات المشهورة، وأوهن الأقوال عندي قول أبي مسلم : إن المراد به فرعون والمراد بالآيات الحجج والمعجزات الدالة على صدق موسى عليه السلام، وكأنه قيل : واتل عليهم نبأ فرعون إذ آتيناه الحجج الدالة على صدق موسى عليه السلام فلم يقبلها. 
( ومن باب الإشارة ) : في الآيات : واتل عَلَيْهِمْ نَبَأَ الذي ءاتيناه ءاياتنا فانسلخ مِنْهَا  \[ الأعراف : ١٧٥ \] إشارة إلى من ابتلى بالحور بعد الكور بأن سلك حتى ظهر له ما ظهر ثم رجع من الطريق لسوء استعداده وغلبة الشقاوة والعياذ بالله تعالى عليه، وفي التعبير بانسلخ ما لا يخفى  وَلَوْ شِئْنَا لرفعناه بها  إلى حظيرة القدس  ولكنه أخلد إِلَى الأرض  أي مال إلى أرض الطبية السفلية  واتبع هَوَاهُ  في إيثار السوى  فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الكلب  في أخس أحواله  إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ  بالزجر  يَلْهَثْ  يدلع لسانه مع التنفس الشديد  أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَث  \[ الأعراف : ١٧٦ \] أيضاً. والمراد أنه يلهث دائماً وكأنه إشارة إلى أن هذا المنسلخ لا يزال يطلق لسانه في أهل الكمال سواء زجر عن ذلك أو لم يزجر

### الآية 7:176

> ﻿وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَٰكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ ۚ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ۚ ذَٰلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا ۚ فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ [7:176]

وَلَوْ شِئْنَا لرفعناه بِهَا  كلام مستأنف مسوق لبيان ما ذكر من الانسلاخ وما يتبعه، وضمير  \*رفعناه  للذي وضمير  بِهَا  للآيات، والباء سببية، ومفعول المشيئة محذوف هو مضمون الجزاء كما هو القاعدة المستمرة، أي لو شئنا رفعه لرفعناه إلى منازل الأبرار بسبب تلك الآيات والعمل بما فيها ؛ وقيل : الضمير المنصوب للكفر المفهوم من الكلام السابق، أي لو شئنا لأزلنا الكفر بالآيات، فالرفع من قولهم : رفع الظلم عنا وهو خلاف الظاهر جداً وإن روي عن مجاهد، ومثله بل أبعد وأبعد ما نقل عن البلخي. والزجاج من إرجاع ضمير بها للمعصية. 
 ولكنه أَخْلَدَ إِلَى الارض  أي ركن إلى الدنيا ومال إليها، وبذلك فسره السدي. وابن جبير، وأصل الإخلاد اللزوم للمكان من الخلود، ولما في ذلك من الميل فسر به، وتفسير الأرض بالدنيا لأنها حاوة لملاذها وما يطلب منها. 
وقال الراغب : المعنى ركن إلى الأرض ظاناً أنه مخلد فيها، وفسر غير واحد الأرض بالسفالة  واتبع  في إيثار الدنيا وأعرض عن مقتضى تلك الآيات الجليلة، وفي تعليق الرفع بالمشيئة ثم الاستدراك عنه بفعل العبد تنبيه كما قال ناصر الدين : على أن المشيئة سبب لفعله المؤدى إلى رفعه وأن عدمه دليل عدمها دلالة انتفاء المسبب على انتفاء سببه، وأن السبب الحقيقي هو المشيئة ؛ وأن ما نشاهده من الأسباب وسائط معتبرة ف حصول المسبب من حيث إن المشيئة تعلقت به كذلك، وكان من حقه كما قال أن يقول : ولكنه أعرض عنها، فأوقع موقعه ما ذكر مبالغة لأنه كناية عنه والكناية أبلغ من التصريح، وتنبيهاً على ما حمله عليه وأن حب الدنيا رأس كل خطيئة، وما ألطف نسبة إتيان الآيات والرفع إليه تعالى ونسبة الانسلاخ والإخلاد إلى العبد مع أن الكل من الله تعالى إذ فه من تعليم العباد حسن الأدب ما فيه، ومن هنا قال صلى الله عليه وسلم :" اللهم إن الخير بيديك والشر ليس إليك ". والزمخشري لما رأى أن ظاهر الآية مخالف لمذهبه دال على وقوع الكائنات بمشيئة الله تعالى أخلد إلى التأويل، فجعل المشيئة مجازاً عن سببها وهو لزوم العمل بالآات بقرينة الاستدراك بما هو فعل العبد المقابل للزوم الآيات وهو الإخلاد إلى الأرض، أي ولو لزمها لرفعناه وهو من قبيل نزع الخف قبل الوصول إلى الماء والمصير إلى المجاز قبل أوانه لجواز أن يكون  لَوْ \* شِئْنَا  باقياً على حقيقته و  أَخْلَدَ إِلَى الارض  مجازاً عن سببه الذي هو عدم مشيئة الرفع بل الإخلاد، ولم عتمد على عكازته لفوت المقابلة حينئذٍ، وفي **«الكشف »** أن حمل المشيئة على ما هي مسببة عنه في زعمه ليس أولى من حمل الإخلاد على ما هو مسبب عنه في زعمنا كيف وقوله سبحانه وتعالى : وَلَوْ شِئْنَا  استدراك لقوله :
 فانسلخ مِنْهَا  \[ الأعراف : ١٧٥ \] على أن الإخلاد هو الميل، والإرادة والميل ونحوهما من المعاني ليست من أفعال العباد بالاتفاق نعم الجزم المقارن من فعل القلب فعل القلب عندهم، ثم قوله سبحانه وتعالى : مَن يَهْدِ الله  \[ الأعراف : ١٧٨ \] وقوله تعالى : وَلَقَدْ ذَرَأْنَا  \[ الأعراف : ١٧٩ \] يؤكدان ما عليه أهل السنة أبلغ تأكيد ولكن الزمخشري لا يعبأ بذلك( [(١)](#foonote-١) )  فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الكلب  وهو الحيوان المعروف وجمعه أكلب وكلاب وكلابات كما قال ابن سيده وكليب كعبيد وهو قليل ويجمع أكلب على أكالب ؛ وبه يضرب المثل في الخساسة لأنه يأكل العذرة ويرجع في قيئه والجيفة أحب إليه من اللحم الغريض( [(٢)](#foonote-٢) ) نعم هو أحسن من الرجل السوء، ومما ينسب إلى الشافعي رضي الله تعالى عنه :
ليت الكلاب لنا كانت مجاورة \*\*\* وليتنا ما نرى ممن نرى أحداً
إن الكلاب لتهدأ في مرابضها \*\*\* والناس ليس بهاد شرهم أبداً
وفي شعب الإيمان للبيهقي عن الفقيه منصور أنه كان نشد لنفسه :
الكلب أحسن عشرة \*\*\* وهو النهاية في الخساسة
ممن ينازع في الريا \*\*\* سة قبل أوقات الرياسة
والمثل بمعنى الصفة كما قال غير واحد فصفته كصفة الكلب، وقيل المراد أنه كالكلب في الخسة  إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ  أي شددت عليه وطردته  يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ  على حاله  يَلْهَثْ  أي أنه دائم اللهث على كل حال، واللهث ادلاع اللسان بالنفس الشديد وذلك طبع في الكلب لا يقدر على نغص الهواء المتسخن وجلب الهواء البارد بسهولة لضعف قلبه وانقطاع فؤاده بخلاف سائر الحيوانات فإنها لا تحتاج إلى النفس الشديد ولا يلحقها الكرب والمضايقة إلا عند التعب والإعياء، وإيثار الجملة الاسمية على الفعلية بأن يقال : فصار مثله كمثل الخ للإيذان بدوام اتصافه بتلك الحالة الخسيسة وكمال استمراره عليها، والخطاب في فعلي الشرط لكل أحد ممن له حظ من الخطاب فإنه أدخل في إشاعة فظاعة حاله، والجملتان الشرطيتان قيل لا محل لهما من الإعراب لأنهما تفصيل لما أجمل في المثل وتفسير لما أبهم فيه ببيان وجه الشبه على منهاج قوله تعالى : خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ  \[ آل عمران : ٥٩ \] أثر قوله سبحانه وتعالى : إِنَّ مَثَلَ عيسى عِندَ الله كَمَثَلِ ءادَمَ  \[ آل عمران : ٥٩ \] وقيل : إنهما ف محل النصب على الحالية من الكلب بناءً على تحولهما إلى معنى التسوية كما تحول الاستفهام إلى ذلك في قوله تعالى : سَوَاء عَلَيْهِمْ ءأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ  \[ البقرة : ٦ \] كأنه قيل لاهثاً في الحالين، والجملة الشرطة كما قدمنا تقع حالاً مطلقاً، وقال صاحب الضوء : إنها لا تكاد تقع كذلك بتمامها بل إذا أريد وقوعها حالاً جعلت خبراً عن ذي الحال نحو جاءني زيد وهو أن تسأله يعطك فتجعل جملة اسمية مع الواو لأن الشرط لصدارته لا يكاد يرتبط بما قبله إلا أن يكون هناك فضل قوة. 
نعم جوز إذا أخرجتها عن حقيقتها سواء عطف عليها النقيض وحينئذٍ يجب ترك الواو كما فيما نحن فيه أو لم يعطف وحينئذٍ يجب الواو لئلا يحصل الالتباس بالشرط الحقيقي نحو آتيك وإن لم تأتني، والتشبيه قيل من تشبيه المفرد بالمفرد، وقيل وعليه كثير من المحققين أنه تشبيه للهيئة المنتزعة مما عراه بعد الانسلاخ من سوء الحال واضطرام القلب ودوام القلق والاضطراب وعدم الاستراحة بحال من الأحوال بالهيئة المنتزعة مما ذكر ف حال الكلب، وجاء وقد أشرنا إليه سابقاً أن بلعام لما دعا على موسى عليه السلام خرج لسانه فتدلى على صدره وجعل يلهث كالكلب إلى أن هلك فوجه الشبه إما عقلي أو حسي  ذلك  إشارة إلى وصف الكلب أو المنسلخ من الآيات وما فيه من الإيذان بالبعد لما مر غير مرة. 
  مَثَلُ القوم الذين كَذَّبُواْ \* باياتنا  يريد كما روي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أهل مكة كانوا يتمنون هادياً يهديهم وداعياً يدعوهم إلى طاعة الله تعالى ثم لما جاءهم من لا يشكون في صدقه وأمانته كذبوه وأعرضوا عن الآيات ولم يؤمنوا بها أو اليهود كما قال غير واحد حيث قرأوا نعت النبي صلى الله عليه وسلم في التوراة وذكر القرآن المعجز وما فيه فصدقوه وبشروا الناس باقتراب مبعثه وكانوا يستفتحون به فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به فانسلخوا من حكم التوراة أو الأعم من هؤلاء وهؤلاء من كل من اتصف بهذا العنوان كما في الخازن وبه أقول، ويدخل اليهود في ذلك دخولاً أولياً  فاقصص القصص  القصص مصدر سمي به المفعول كالسلب، واللام فيه للعهد، والفاء لترتيب ما بعدها على ما قبلها أي إذا تحقق أن المثل المذكور مثل هؤلاء المكذبين فاقصص ذلك عليهم  لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ  فينزجرون عما هم عليه من الكفر والضلال، والجملة في موضع الحال من ضمير المخاطب أو في موضع المفعول له أي فاقصص راجياً لتفكرهم أو رجاءاً لتفكرهم. 
١ - لطافته لا تخفى على إنسان اهـ منه..
٢ - هو بالغين المعجمة ما لان من اللحم أي الطري..

### الآية 7:177

> ﻿سَاءَ مَثَلًا الْقَوْمُ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَأَنْفُسَهُمْ كَانُوا يَظْلِمُونَ [7:177]

سَاء مَثَلاً  استئناف مسوق لبيان كمال قبح المكذبين بعد البيان السابق، وساء بمعنى بئس وفاعلها مضمر ومثلاً تمييز مفسر له، ويستغني بتذكير التمييز وجمعه وغيرهما عن فعل ذلك بالضمير، وأصلها التعدي لواحد، والمخصوص بالذم قوله سبحانه وتعالى : القوم الذين كَذَّبُواْ \* باياتنا  وحيث وجب صدق الفاعل والتمييز والمخصوص على شيء واحد والمثل مغاير للقوم لزم تقدير محذوف من المخصوص وهو الظاهر أو التمييز أي ساء مثلاً مثل القوم أو ساء أهل مثل القوم. 
وفي الحواشي الشهابية أنه قرىء بإضافة  مَثَلُ  بفتحتين و  مَثَلُ  بكسر فسكون للقوم ورفعه فساء للتعجب وتقديرها على فعل بالضم كقضو الرجل و  مَثَلُ القوم  فاعل أي ما أسوأهم، والموصول في محل جر صفة للقوم أو هي بمعنى بئس  وَمَثَلُ  فاعل والموصول هو المخصوص في محل رفع بتقدير مضاف أي مثل الذين الخ. 
وقدر أبو حيان في هذه القراءة تمييزاً، ورده السمين بأنه لا يحتاج إلى التمييز إذا كان الفاعل ظاهراً حتى جعلوا الجمع بينهما ضرورة، وفيه ثلاثة مذاهب المنع مطلقاً والجواز كذلك والتفصيل فإن كان مغايراً جاز نحو نعم الرجل شجاعاً زيد وإلا امتنع، وبعضهم يجعل المخصوص محذوفاً وفي كونه ما هو خلاف وإعادة القوم موصوفاً بالموصول مع كفاية الضمير بأن يقال ساء مثلاً مثلهم للإيذان بأن مدار السوء ما في حيز الصلة وليربط قوله سبحانه وتعالى : وَأَنفُسَهُمْ كَانُواْ يَظْلِمُونَ  به فإنه إما معطوف على كذبوا داخل معه في حكم الصلة بمعنى جمعوا بين أمرين قبيحين التكذيب وظلمهم أنفسهم خاصة أو منقطع عنه بمعنى وما ظلموا إلا أنفسهم فإن وبالها لا يتخطاها، وأياً ما كان ففي ذلك لمح إلى أن تكذيبهم بالآيات متضمن للظلم بها وأن ذلك أيضاً معتبر في القصر المستفاد من التقديم، وصرح الطيبي والقطب وغيرهما أن الجملة على تقدير الانقطاع تذييل وتأكيد للجملة التي قبلها، ويشعر كلام بعضهم أن تقديم المفعول على الوجه الأول لرعاية الفاصلة وعلى الوجه الثاني للإشارة إلى التخصيص وأن سبب ظلمهم أنفسهم هو التكذيب، وفيه خفاء كما لا يخفى، هذا ثم أن هذه الآيات مما تري علماء السوء بثالثة الأثافي، وقد ذكر مولانا الطيبي طيب الله ثراه أن من تفكر في هذا المثل وسائر الأمثال المضروبة في التنزيل في حق المشركين والأصنام من بيت العنكبوت والذباب تحقق له أن علماء السوء أسوأ وأقبح من ذلك فما أنعاه من مثل عليهم وما هم فييه من التهالك في الدنيا مالها وجاهها والركون إلى لذاتها وشهواتها من متابعة النفس الأمارة وإرخاء زمامها في مرامها عافانا الله تعالى والمسلمين من ذلك. 
ونقل عن مولانا شيخ الإسلام شهاب الدين السهروردي أنه كتب إلى الإمام فخر الدين الرازي تغمدهما الله تعالى برضوانه من تعين في الزمان لنشر العلم عظمت نعمة الله تعالى عليه فينبغي للمتيقظين الحذاق من أرباب الديانات أن يمدوه بالدعاء الصالح ليصفي الله تعالى مورد علمه بحقائق التقوى ومصدره من شوائب الهوى إذ قطرة من الهوى تكدر بحراً من العلم ونوازع الهوى المركوز في النفوس المستصحبة إياه من محتدها من العالم السفلي إذا شابت العلم حطته من أوجه وإذا صفت مصادر العلم وموارده من الهوى أمدته كلمات الله تعالى التي ينفد البحر دون نفادها ويبقى العلم على كمال قوته، وهذه رتبة الراسخين في العلم لا المترسمين به وهم ورثة الأنبياء عليهم السلام كر عملهم على علمهم وتناوب العلم والعمل فيهم حتى صفت أعمالهم ولطفت وصارت مسامرات سرية ومحاورات روحية وتشكلت الأعمال بالعلوم لكان لطافتها وتشكلت العلوم بالأعمال لقوة فعلها وسرايتها إلى الاستعدادات، وفي اتباع الهوى إخلاد إلى الأرض قال تعالى : وَلَوْ شِئْنَا لرفعناه بِهَا ولكنه أَخْلَدَ إِلَى الارض واتبع هَوَاهُ  \[ الأعراف : ١٧٦ \] فتطهير نور الفكرة عن رذائل التخيلات والارتهان بالموهومات التي أورثت العقول الصغار والمداهنة للنفوس القاصرة هو من شأن البالغين من الرجال فتصحب نفوسهم الطاهرة الملأ الأعلى فتسرح في ميادين القدس، فالنزاهة النزاهة من محنة حطام الدنيا والفرار الفرار من استحلاء نظر الخلق وعقائدهم فتلك مصارع الأدوان، وطالب الرفيق الأعلى مكلم محدث، والتعريفات الإلهية واردة عليه لمكان علمه بصورة الابتلاء واستئصاله شأفة الابتلاء بصدق الالتجاء وكثرة ولوجه في حريم القرب الإلهي وانغماسه مع الأنفاس في بحار عين اليقين وغسله نفث دلائل البرهان بنور العيان فالبرهان للأفكار لا للأسرار إلى آخر ما قال، ويا لها من موعظة حكيم ونصيحة حميم نسأل الله تعالى أن يهدينا لما أشارت إليه.

### الآية 7:178

> ﻿مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي ۖ وَمَنْ يُضْلِلْ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ [7:178]

من ْيهد الله فهو ، 
تذييل وتأكيد لما تضمنته القصة السابقة على ما يشير إليه كلام بعضهم. وقال آخر : إنه تعالى لما أمر نبيه صلى الله عليه وسلم بأن يقص على أولئك الضالين قصص أخيهم ليتفكروا ويتركوا ما هم عليه عقب ذلك بتحقيق أن الهداية والضلالة من جهته سبحانه وتعالى وإنما العظة والتذكير من قبيل الوسائط العادية في حصول الاهتداء لكونها دواعي إلى صرف المكلف اختياره نحو تحصيله حسبما نيط به خلق الله تعالى إياه، والمراد بهذه الهداية ما يوجب الاهتداء قطعاً لا لأن حقيقتها الدلالة الموصلة إلى البغية كما يوهمه كلام بعض الأصحاب بل لأنها الفرد الكامل من حقيقة الهداية التي هي الدلالة إلى ما يوصل لإسنادها إلى الله تعالى وتفريع الاهتداء عليها ومقابلتها بالضلال وما معه ولا يخفى أن الهداية بهذا المعنى يلزمها الاهتداء فيكون الإخبار باهتداء من هداه الله تعالى على ما قيل على حد الإخبار في شعري شعري وهو يفيد تعظيم شأن الاهتداء وأنه في نفسه كمال جسيم ونفع عظيم وأنه كاف في نيل كل شرف في الأولى والعقبى. 
واختار بعض المحققين أنه ليس المقصود مجرد الإخبار بما ذكر ليتوهم عدم الإفادة بحسب الظاهر ويصار إلى توجيهه بذلك بل هو قصر الاهتداء على من هداه الله تعالى حسبما يقضي به تعريف الخبر، فالمعنى من يخلق فيه الاهتداء فهو المهتدي لا غير كائناً من كان ولا يخلو عن حسن إلا أنه قد يقال : إن الأول أوفق بالمقابل، وإفراد المهتدي لا غير كائناً من كان ولا يخلو عن حسن إلا أنه قد يقال : إن الأول أوفق بالمقابل، وإفراد المهتدي رعاية للفظ  منْ ، وجمع الخاسرين رعاية لمعناها للإيذان بأن الحق واحد وطرق الضلال متشعبة، وفي الآية تصريح بأن الهدى والضلال من الله تعالى فسبحان من أضل المعتزلة.

### الآية 7:179

> ﻿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ ۖ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا ۚ أُولَٰئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ ۚ أُولَٰئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ [7:179]

وَلَقَدْ ذَرَأْنَا  كلام مستأنف مقرر لمضمون ما قبله بطريق التذييل، والذرأ بالهمزة الخلق وبذلك فسره ابن عباس رضي الله تعالى عنهما وغيره أي والله تعالى لقد خلقنا  لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مّنَ الجن والإنس  وهم المصرون على الكفر في علمه سبحانه وتعالى، واللام للعاقبة عند الكثير كما في قوله تعالى : رَبَّنَا إِنَّكَ ءاتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلاَهُ زِينَةً وَأَمْوَالاً فِى الحياة الدنيا رَبَّنَا لِيُضِلُّواْ عَن سَبِيلِكَ  \[ يونس : ٨٨ \] وقول الشاعر :له ملك ينادي كل يوم  لدوا للموت وابنوا للخرابوفي **«الكشاف »** أنهم جعلوا لإغراقهم في الكفر وشدة شكائمهم فيه وأنه لا يتأتى منهم إلا أفعال أهل النار مخلوقين للنار دلالة على توغلهم في الموجبات وتمكنهم فيما يؤهلهم لدخولها، وأشار إلى أن ذلك تذييل لقصة اليهود بعد ما عد من قبائحهم تسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم كأنه قيل : إنهم من الذين لا ينجع فيهم الإنذار فدعهم واشتغل بأمر نفسك ومن هو على دينك في لزوم التوحيد، والآية على ما قال من باب الكناية الإيمائية عند القطب قدس سره ويفهم كلامه أن الذي دعا الزمخشري إلى ذلك لزوم كون الكفر مراداً لله تعالى إذا أريد الظاهر وهو خلاف مذهبه، وأنت تعلم أن الكثير من أهل السنة تأولوا الآية بحمل اللام على ما علمت لقوله تعالى : وَمَا خَلَقْتُ الجن والإنس إِلاَّ \* لِيَعْبُدُون  \[ الذاريات : ٥٦ \] فإن تعليل الخلق بالعباد يأبى تعليله بجهنم ودخولها، نعم ذهب ابن عطية منا إلى الحمل على الظاهر وكون اللام للتعليل، وادعى أناس أن التأويل مخالف للأحاديث الواردة في الباب كبعض الأحاديث السابقة في آية أخذ الميثاق، وما أخرجه الإمام أحمد في مسنده عن عبد الرحمن بن قتادة قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول :" إن الله تعالى خلق آدم عليه السلام ثم أخذ الخلق من ظهره فقال هؤلاء في الجنة ولا أبالي وهؤلاء في النار ولا أبالي قال قائل : فعلى ماذا العمل ؟ قال : على موافقة القدر " وما أخرجه محيي السنة عن عائشة أم المؤمنين رضي الله تعالى عنها قالت : أدرك النبي صلى الله عليه وسلم جنازة صبي من صبيان الأنصار فقلت : يا رسول الله صلى الله عليه وسلم طوبى له عصفور من عصافير الجنة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" وما يدريك إن الله تعالى خلق الجنة وخلق لها أهلاً وهم في أصلاب آبائهم وخلق النار وخلق لها أهلاً وهم في أصلاب آبائهم " إلى غير ذلك. 
وإلى هذا ذهب الطيبي وأيده بما أيده وادعى أن فائدة القسم التنبيه على قلع شبه من عسى أن يتصدى لتأويل الآية وتحريف النص القاطع، ونقل عن الإمام أن الآية حجة لصحة مذهب أهل السنة في مسألة خلق الأعمال إرادة الكائنات لأنه سبحانه وتعالى صرح بأنه جل وعلا خلق كثيراً من الجن والإنس لجهنم ولا مزيد لبيان الله تعالى، ولا يخفى أن الحمل على الظاهر مخالف لظاهر الآية التي ذكرناها، وفي الكتاب الكريم كثير مما يوافقها على أن التعليل الحقيقي لأفعاله تعالى يمنع عنه في المشهور الإمام الأشعري وأصحابه. 
وقال بعض الجلة : المراد بالكثير الذين حقت عليهم الكلمة الأزلية بالشقاوة ولكن لا بطريق الجبر من غير أن يكون من قبلهم ما يؤدي إلى ذلك بل لعلمه سبحانه وتعالى بأنهم لا يصرفون اختيارهم نحو الحق أبداً بل يصرون على الباطل من غير صارف يلويهم ولا عاطف يثنيهم من الآيات والنذر، فبهذا الاعتبار جعل خلقهم مغياً بجهنم كما أن جمع الفريقين باعتبار استعدادهم الكامل الفطري للعبادة وتمكنهم التام منها جعل خلقهم مغياً بها كما نطق به قوله سبحانه وتعالى : وَمَا خَلَقْتُ الجن والإنس إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ  \[ الذاريات : ٥٦ \] انتهى، وعندي أنه لا محيص من التأويل في هذا المقام فتدبر ولا تغفل، ثم إن الجار الأول متعلق بما عنده وتقديمه على المفعول الصريح لما في توابعه من نوع طول يؤدي توسيطه بما بينهما وتأخيرهم عنهما إلى الإخلال بجزالة النظم الجليل، والجار الثاني متعلق بمحذوف وقع صفة لكثير، وتقديم الجن لأنهم أعرف من الإنس في الاتصاف بما ذكر من الصفات وأكثر عدداً وأقدم خلقاً ولا يشكل أنهم خلقوا من النار فلا يشق عليهم دخولها ولا يضرهم شيئاً لأنا نقول في دفع ذلك على علاته خلقهم من النار بمعنى أن الغالب عليهم الجزء الناري لا يأبى تضررهم بها فإن الإنس خلقوا من الطين ويتضررون به، ويوضح ذلك أن حقيقة النار لم تبق فيهم على ما هي عليه قبل خلقهم منها كما أن حقيقة الطين لم تبق في الإنس على ما هي عليه قبل خلقهم منها على أن المخلوق من نار هو البدن والمعذب هو الروح وليست مخلوقة منها وعذاب الروح في قالب ناري معقول كعذابها في قالب طيني، وقوله تعالى : لَهُمْ قُلُوبٌ  في محل النصب على أنه صفة أخرى لكثير، وقوله سبحانه وتعالى : لاَّ يَفْقَهُونَ بِهَا  في محل الرفع على أنه صفة لقلوب مبينة لكونها غير معهودة مخالفة لسائر أفراد الجنس فاقدة لما ينبغي أن يكون أو هي مؤكدة لما يفيده تنكيرها وإبهامها من كونها كذلك، وأريد بالقلب اللطيفة الإنسانية، وبالفقه الفهم وهو المعنى اللغوي له، يقال : فقه بالكسر أي فهم وفقه بالضم إذا صار فقيهاً أي فهماً أو عالماً بالفقه بالمعنى العرفي المبين في كتب الأصول، والفعل هنا متعد إلا أنه حذف مفعوله للتعميم أي لهم قلوب ليس من شأنها أن يفهموا بها شيئاً مما شأنه أن يفهم فيدخل فيه ما يليق بالمقام من الحق ودلائله دخولاً أولياً، وكذا الكلام في قوله جل وعلا : وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لاَّ يُبْصِرُونَ بِهَا  فيقال : المراد لا يبصرون بها شيئاً من المبصرات فيندرج فيه الشواهد التكوينية الدالة على الحق اندراجاً أولياً، وكذا يقال في قوله تبارك وتعالى : وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لاَّ يُبْصِرُونَ بِهَا  حيث يراد لا يسمعون بها شيئاً من المسموعات فيتناول الآيات التنزيلية على طرز ما سلف، وأمر الوصفية في الأخيرين مثله في الأول، والمراد بالإبصار والسماع المنفيين ما يختص بالعقلاء من الإدراك على ما هو وظيفة الثقلين لا ما يتناول مجرد الإحساس بالشبح والصوت كما هو وظيفة الإنعام، وجاء في كلامهم نحو فلان لا يسمع الخنا أي لا يعتني به ولا يصرف سمعه إليه ولا يقبله، ومن ذلك قول الشاعر :وعوراء الكلام صممت عنها  وإني لو أشاء لها سميعوفي إعادة الخبر في الجملتين المعطوفتين مع انتظام الكلام بدون ذلك بأن يقال : وأعين لا يبصرون بها وآذان لا يسمعون بها ما لا يخفى من تقرير سوء حالهم، وكذا في إثبات المشاعر الثلاثة لهم ثم وصف كل بما وصف به دون سلبها عنهم ابتداءً بأن يقال : ليس لهم قلوب يفقهون بها ولا أعين يبصرون بها ولا آذان يسمعون بها ما لا يخفى على ما قيل من الشهادة بكمال رسوخهم في الجهل والغواية، وتفسير الآية على هذا الوجه واعتبار حذف المفعول لما ذكرنا من الأفعال الثلاثة هو الذي اختاره بعض المحققين لما فه من الإفصاح بكنه حالهم على ما ىشار إليه، واختار بعضهم التخصيص أي لا يفقهون الحق ودلائله ولا يبصرون ما خلق الله تعالى إبصار اعتبار ولا يسمعون الآيات والمواعظ سماع تأمل وتفكر، وأياً ما كان فالمراد أنهم لم يصرفوا ما خلق لهم لما خلق له فكأنهم خلقوا كذلك، ولو أريدت الحقيقة لم يتوجه الذم ولم تقم الحجة ؛ ومن ادعاها قال : إن ذلك بسبب إفاضة الحكيم حسب الاستعداد الأزلي الغير المجعول فالذم بذلك لادلالته على سوء الاستعداد لأنه كالأثر له، وبالجملة لا تقوم الآية دللاً للجبر الصرف ولو ضم إليها ما قبل، والجبر المتوسط مما قال به أهل الحق وهو لبن خالص أخرج من بين فرث ودم، وحاصله عند بعض المشايخ أن العبد مختار مجبور باختاره، ولعل كلام حجة الإسلام الغزال حث قال من كلام طول : فإن قلت : إني أجد في نفسي أني إن شئت الفعل فعلت وإن شئت الترك تركت فكون فعلي حاصلاً بي ولا بغيري، أجبنا وقلنا : هب إنك وجدت من نفسك ذلك إلا أنا نقول : وهل تجد من نفسك إنك إن شئت أن تشاء شئت وإن شئت أن لا تشأ لم تشأ ؟ ما أظنك تقول ذلك وإلا لذهب الأمر فيه إلى ما لا ينهاية له فلا مشيئتك بك ولا حصول فعلك بعد حصول مشيئتك بك وإنما أنت مضطر في صورة مختار انتهى. 
يرجع إلى ما ذكرنا، وقد استوفينا الكلام في هذا البحث في كتابنا الأجوبة العراقية عن الأسئلة الإيرانية وهو لعمري من مشكلات المباحث التي سأل عنها الإيرانون. 
 أولئك  أي الموصوفن بالأوصاف المذكورة  كالانعام  أي في انتفاء الشعور على الوجه المذكور، وقيل في أن مشاعرهم متوجهة إلى أسباب التعيش مقصورة عليها وكأن وجه الشبه مدرك مما قبل فتكون الجملة كالتأكيد له فلذا فصلت عنه  بَلْ هُمْ أَضَلُّ  من الأنعام لأنها تدرك ما من شأنها أن تدركه من المنافع والمضار فتجهد في جلبها وسلبها غاية ما يمكنها وهؤلاء ليسوا كذلك حيث لم يميزوا بين المنافع والمضار بل يعكسون الأمر فيتركون النعيم ويقدمون على العذاب الأليم، وقيل : لأنها إذا زجرت انزجرت وإذا أرشدت إلى طريق اهتدت وهؤلاء لا يهتدون إلى شيء من الخيرات. وقيل : لأنها لم تعط قدرة على تحصيل الفضائل وهؤلاء أعطوا ولم ينتفعوا بما أعطوا، ولأنها وإن لم تكن مطيعة لم تكن عاصية وهؤلاء عصاة فهم أسوأ حالاً منها. وقال بعضهم : لأنها تعرف صاحبها وتذكره وتطيعه وهؤلاء لا يعرفون ربهم ولا يذكرونه ولا يطيعونه، وبالجملة كون هؤلاء أضل مما لا شك فيه ووجوه ذلك كثيرة ولا تنافي بين الخبرين كما لا يخفى. 
 أولئك  أي المنعوتون بما ذكر من مثلية الأنعام والشرية منها  هُمُ الغافلون  أي الكاملون في الغفلة عما فيه صلاحهم. وقال عطاء : عما أعد الله تعالى لأوليائه من الثواب ولأعدائه من العقاب، وجعل بعضهم هذه الجملة كالبان للجملة قبلها فلذا فصلت عنها. 
( ومن باب الإشارة ) : وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مّنَ الجن والإنس  وهم مظاهر القهر  لَهُمْ قُلُوبٌ لاَّ يَفْقَهُونَ بِهَا  الأسرار  وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لاَّ يُبْصِرُونَ بِهَا  الحجج الكونية  وَلَهُمْ ءاذان لاَّ يسمعون بِهَا  الآيات التنزيلية فهم صم بكم عمي  أُوْلَئِكَ كالأنعام  ليس لهم هم إلا الأكل والشرب  بَلْ هُمْ أَضَلُّ  \[ الأعراف : ١٧٩ \] منها لأنهم لا ينزجرون إذا زجروا ولا يهتدون إذا أرشدوا. 
ومما يستبعد من طريق العقل ما نقله الإمام الشعراني عن شيخه علي الخواص قدس سره أن البهائم مكلفون محتجاً بقوله تعالى : وَمَا مِن دَابَّةٍ فِى الأرض وَلاَ طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلاَّ أُمَمٌ أمثالكم  \[ الأنعام : ٣٨ \] مع قوله تعالى : وَإِن مّنْ أُمَّةٍ إِلاَّ خَلاَ فِيهَا نَذِيرٌ  \[ فاطر : ٢٤ \] وبما ورد عنه صلى الله عليه وسلم :**«إنه ليؤخذ للشاة الجماء من الشاة القرناء »**
وهذا وإن كان في الشاة لكن لا قائل بالفرق، ونقل عنه القول بأن كل ما في الوجود من حيوان ونبات وجماد حي دراك، ثم قال : فقلت له فهل تشبيه الحق تعالى من ضل من عباده بالأنعام بيان لنقص الأنعام عن الإنسان أم لكمالها في العلم بالله تعالى ؟ فقال رضي الله تعالى عنه : لا أعلم، ولكني سمعت بعضهم يقول : ليس تشبيههم بالأنعام نقصاً وإنما هو لبيان كمال مرتبتها في العلم بالله عز وج

### الآية 7:180

> ﻿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَىٰ فَادْعُوهُ بِهَا ۖ وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ ۚ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [7:180]

وَللَّهِ الاسماء الحسنى  قل : تنبيه للمؤمنين على كيفية ذكره تعالى وكيفية المعاملة مع المخلين بذلك الغافلين عنه سبحانه وتعالى وعما يليق بشأنه عز شأنه إثر بيان غفلتهم التامة وضلالتهم الطامة، وسيأتي إن شاء الله تعالى وجه آخر لذكر ذلك. 
والمراد بالأسماء كما قال حجة الإسلام الغزالي وغيره الألفاظ المصوغة الدالة على المعاني المختلفة، والحسنى تأنيث الأحسن أفعل تفضيل، ومعنى ذلك أنها أحسن الأسماء وأجلها لأنبائها عن أحسن المعاني وأشرفها، وقيل : المراد بالأسماء الصفات ويكون من قولهم طار اسمه في البلاد أي صييته ونعته، والجمهور على الأول لقوله عز اسمه : فادعوه بِهَا  لأنه إما من الدعوة بمعنى التسمية كقولهم : دعوته زيداً أو بزيد أي سميته أو من الدعاء بمعنى النداء كقولهم : دعوت زيداً أي ناديته، وعلى التقديرين إنما يلائم ظاهر المعنى الأول على ما قيل. 
 وَذَرُواْ الذين يُلْحِدُونَ فِى أَسْمائِهِ  أي يميلون وينحرفون فيها عن الحق إلى الباطل يقال : ألحد إذا مال عن القصد والاستقامة، ومنه لحد القبر لكونه في جانبه بخلاف الضريح فإنه في وسطه، وقرأ حمزة هنا وفي فصلت  يُلْحِدُونَ  بالفتح من الثلاثي والمعنى واحد، وروى أبو عبيدة عن الأحمر أن ألحد بمعنى مارى وجادل، ولحد بمعنى مال وانحرف، واختار الواحدي قراءة الجمهور قال : ولا يكاد يسمع لأحد بمعنى ملحد، والإلحاد في أسمائه سبحانه أن يسمى بما لا توقيف فيه أو بما يوهم معنى فاسداً كما في قول أهل البدو يا أبا المكارم، يا أبيض الوجه يا سخي ونحو ذلك، فالمراد بالترك المأمور به الاجتناب عن ذلك، وبأسمائه ما أطلقوه عليه تعالى وسموه به على زعمهم لا أسماؤه تعالى حقيقة، وعلى ذلك يحمل ترك الإضمار بأن يقال : يلحدون بها، وما قيل : إنه أريد بالأسماء التسميات فلذا ترك الإضمار ليس بشيء، ومن فسر الإلحاد في الأسماء بما ذكر ذهب إلى أن أسماء الله تعالى توقيفية يراعي فيها الكتاب والسنة والإجماع فكل اسم ورد في هذه الأصول جاز أطلاقه عليه جل شأنه وما لم يرد فيها لا يجوز إطلاقه وإن صح معناه، وبهذا صرح أبو القاسم القشيري في مفاتيح الحجج ومصابيح النهج، وفي أبكار الأفكار للآمدي ليس مأخذ جواز تسميات الأسماء الحسنى دليلاً عقلياً ولا قياساً لفظياً وإلا لكان تسمية الرب تعالى فقيهاً عاقلاً مع صحة معاني هذه التسميات في حقه وهي العلم والفقه أولى من تسميته سبحانه وتعالى بكثير مما يشكل ظاهره بل مأخذ ذلك إنما هو الإطلاق والإذن من الشارع فكل ما ورد الإذن به منه جوزناه وما ورد المنع منه منعناه وما لم يوجد فيه إطلاق ولا منع فقد قال بعض أصحابنا بالمنع منه وليس القول بالمنع مع عدم وروده أولى من القول بالجواز مع عدم وروده إذ المنع والجواز حكمان، وليس إثبات أحدهما مع عدم الدليل أولى من الآخر بل الحق في ذلك هو الوقف وهو أنا لا نحكم بجواز ولا منع والمتبع في ذلك كله الظواهر الشرعية كما هو المتبع في سائر الأحكام وهو أن يكون ظاهراً في دلالته وفي صحته ولا يشترط فيه القطع كما ذهب إليه بعض الأصحاب لكون المنع والجواز من الأحكام الشرعية، والتفرقة بين حكم وحكم في اشتراط القطع في أحدهما دون الآخر تحكم لا دليل عليه انتهى، وأنت تعلم أن المشهور التفرقة بين الأحكام الأصولية الاعتقادية والأحكام الفرعية العملية كما سنشير إليه إن شاء الله تعالى قريباً، وخلاصة الكلام في هذا المقام أن علماء الإسلام اتفقوا على جواز إطلاق الأسماء والصفات على الباري تعالى إذا ورد بها الإذن من الشارع وعلى امتناعه إذا ورد المنع عنه، واختلفوا حيث لا إذن ولا منع في جواز إطلاق ما كان سبحانه وتعالى متصفاً بمعناه ولم يكن من الأسماء الأعلام الموضوعة في سائر اللغات إذ ليس جواز إطلاقها عله تعالى محل نزاع لأحد، ولم يكن إطلاقه موهماً نقصاً بل كان مشعراً بالمدح فمنعه جمهور أهل الحق مطلقاً للخطر، وجوزه المعتزلة مطلقاً، ومال إليه القاض أبو بكر لشيوع إطلاق نحو خدا وتكرى من غير نكير فكان إجماعاً، ورد بأن الإجماع كاف في الإذن الشرعي إذا ثبت. 
واعترضه أيضاً أمام الحرمين بأنه قول بالقياس وهو حجة في العمليات والأسماء والصفات من العمليات، وروى بعضهم عنه التوقف، وذكر في **«شرح المواقف »** أن القاضي أبا بكر ذهب إلى أن كل لفظ دل على معنى ثابت لله تعالى جاز إطلاقه عليه إذا لم يكن موهماً لما لا يليق بذاته تعالى، ثم قال : وقد يقال : لا بد مع نفي ذلك الإيهام من الإشعار بالتعظيم حتى يصح الإطلاق بلا توقف وجعل مذهب المعتزلة غير مذهبه والمشهور ما ذكرناه. 
وفصل الغزالي قدس سره فجوز إطلاق الصفة وهو ما دل على معنى زائد على الذات ومنع إطلاق الاسم وهو ما يدل على نفس الذات محتجاً بإباحة الصدق واستحبابه والصفة لتضمنها النسبة الخبرية راجعة إليه وهي لا تتوقف إلا على تحقق معناها بخلاف الاسم فإنه لا يتضمن النسبة الخبرية وأنه ليس إلا للأبوين أو من يجري مجراهما. وأجيب بأن ذلك حيث لا مانع من استعمال اللفظ الدال على تلك النسبة والخطر قائم، وأين التراب من رب الأرباب ؟. 
واختار جمع من المتأخرين مذهب الجمهور قالوا : فيطلق ما سمع على الوجه الذي سمع ولا يتجاوز ذلك إلا ف التعرف والتنكر سواء أوهم كالصبور والشكور والجبار والرحيم أو لم يوهم كالقادر والعالم، والمراد بالسمعي ما ورد به كتاب أو سنة صحيحة أو إجماع لأنه غير خارج عنهما في التحقيق بخلاف الضعيفة والقياس أيضاً إن قلنا : إن المسألة من العلميات أما إن قلنا : إنها من العمليات فالسنة الضعيفة كالحسنة إلا الواهية جداً، والقياس كالإجماع، وأطلق بعضهم المنع في القياس وهو الظاهر لاحتمال إيهام أحد المترادفين دون الآخر. 
وجعل بعضهم من الثابت بالقياس المترادفات من لغة أو لغات، وليس بذاك، ومن الثابت بالإجماع الصانع والموجود والواجب والقديم، قيل : والعلة، وقيل : الصانع والقديم مسموعان كالحنان والمنان، ونص بعض المحققين على أنه يمنع إطلاق غير المضاف إذا كان مرادفاً للمضاف المسموع قياساً كما يمنع إطلاق ما ورد على وجه المشاكلة والمجاز، وأنه لا يكفي ورود الفعل والمصدر ونحوهما في صحة إطلاق الوصف فلا يطلق الحارث والزارع والرامي والمستهزىء والمنزل والماكر عليه سبحانه وتعالى وإن جاءت آيات تشعر بذلك. 
هذا ومن الناس من قال : إن الألفاظ الدالة على الصفات ثلاثة أقسام : الأول ما يدل على صفات واجبة وهو أصناف : منها ما يصح إطلاقه مفرداً لا مضافاً نحو الموجود والأزلي والقديم وغيرها، ومنها ما يصح إطلاقه مفرداً ومضافاً إلى ما لا هجنة فيه نحو الملك والمولى والرب والخالق. ومنها ما يصح مضافاً غير مفرد نحو يا منشىء الرفات ومقيل العثرات، والثان ما يدل على صفات ممتنعة نحو اليد والوجه والنزول والمجىء فلا يصح إطلاقه البتة، وإن ورد به السمع كان التأويل من اللوازم. والثالث ما لا يدل على صفات واجبة ولا ممتنعة بل يدل على معان ثابتة نحو المكر والخداع وأمثالهما فلا يصح إطلاقه إلا إذا ورد التوقيف، ولا يقال : يا مكار يا خداع البتة وإن كان مذكوراً ما يدل عله كقوله تعالى : وَمَكَرُواْ وَمَكَرَ الله  \[ آل عمران : ٥٤ \] انتهى، ولا يخفى ما فيه. وذكر الطيبي أن الحق الاعتماد في الإطلاق على الإطلاق على التوقيف، وأن كل ما أذن الشارع أن يدعي به الله عز وجل سواء كان مشتقاً أو غير مشتق فهو اسم، وكل ما نسب إليه سبحانه وتعالى من غير ذلك الوجه سواء كان مؤولاً أو غير مؤول فهو وصف ؛ وجعل الحي وصفاً والكريم اسماً وادعى أنه يقال يا كريم ولا يقال يا حي مع ورود اللفظين فيه سبحانه وتعالى فيما أخرجه أبو داود. والترمذي من حديث سلمان رضي الله تعالى عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال :**«الله تعالى حي كريم يستحي إذا رفع العبد يده أن يردها صفراً حتى يضع فيها خيراً »** وذكر أن التعريف في الأسماء للعهد وأنه لا بد من المعهود لأنه سبحانه وتعالى أمر بالدعاء بها ونهى عن الدعاء بغيرها وأوعد على ذلك. 
وروى الشيخان وغيرهما من حديث أبي هريرة أنه صلى الله عليه وسلم قال :**«إن لله تعالى تسعة وتسعين اسماً من حفظها دخل الجنة »** وفي رواية أحصاها، وفي أخرى **«إن لله تعالى تسعة وتسعين اسماً مائة إلا واحداً »** وأوتي فيه بالفذلكة والتأكيد لئلا يزاد على ما ورد. وجاءت معدودة في بعض الروايات بقوله عليه الصلاة والسلام **«هو الله لا إله إلا هو الرحمن الرحيم الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن العزيز الجبار المتكبر الخالق الباريء المصور الغفار القهار الوهاب الرزاق الفتاح العليم القابض الباسط الخافض الرافع المعز المذل السميع البصير الحكم العدل اللطيف الخبير الحليم العظيم الغفور الشكور العلي الكبير الحفيظ المقيت الحسيب الجليل الكريم الرقيب المجيب الواسع الحكيم الودود المجيد الباحث الشهيد الحق الوكيل القوي المتين الولي الحميد المحصي المبدىء المعيد المحيي المميت الحي القيوم الواجد الماجد الواحد الصمد القادر المقتدر المقدم المؤخر الأول الآخر الظاهر الباطن الوالي المتعال البر التواب المنتقم العفو الرؤوف مالك الملك ذو الجلال والإكرام المقسط الجامع الغني المغني المانع الضار النافع النور الهادي البديع الباقي الوارث الرشيد الصبور »**. ونقل عن أهل البيت رضي الله تعالى عنهم غير ذلك وأخذوها من القرآن ؛ وجاء أيضاً عندنا ما يخالف هذه الرواية في بعض الأسماء. 
وذكر غير واحد من العلماء أن هذه الأسماء منها ما يرجع إلى صفة فعلية ومنها ما يرجع إلى صفة نفسية ومنها ما يرجع إلى صفة سلبية. ومنها ما اختلف في رجوعه إلى شيء مما ذكر وعدم رجوعه وهو الله والحق أنه اسم للذات وهو الذي إليه يرجع الأمر كله، ومن هنا ذهب الجل إلى أنه الاسم الأعظم، وتنقسم قسمة أخرى إلى ما لا يجوز إطلاقه على غيره سبحانه وتعالى كالله والرحمن وما يجوز كالرحيم والكريم وإلى ما يباح ذكره وحده كأكثرها وإلى ما لا يباح ذكره كذلك كالمميت والضار فإنه لا يقال : يا مميت يا ضار بل يقال : يا محيي يا مميت ويا نافع يا ضار، والذي أراه أنه لا حصر لأسمائه عزت أسمائه في التسعة والتسعين، ويدل على ذلك ما أخرجه البيهقي عن ابن مسعود قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :**«من أصابه هم أو حزت فليقل : اللهم إني عبدك وابن عبدك وابن أمتك ناصيتي في يدك ماض في حكمك عدل في قضاؤك أسألك بكل اسم هو لك سميت به نفسك أو أنزلته في كتابك أو علمته أحداً من خلقك أو استأثت به في علم الغيب عندك أن تجعل القرآن ربيع قلبي ونور صدري وذهاب همي وجلاء حزني »** الحديث، وهو صريح في عدم الحصر لمكان أو وأو. 
وحكى محيي الدين النووي اتفاق العلماء على ذلك وأن المقصود من الحديث الإخبار بأن هذه التسعة والتسعين من أحصاها دخل الجنة وهو لا ينافي أن له تعالى أسماء غيرها غير موصوفة بذلك. 
ونقل أبو بكر بن العربي عن بعضهم أن له سبحانه وتعالى ألف اسم ثم قال : وهذا قليل وهو كما قال. وعن بعضهم أنها أربعة آلاف، وعن بعض الصوفية أنها لا تكاد تحصى، والمختار عندي عدم توقف إطلاق الأسماء المشتقة الراجعة إلى نو

### الآية 7:181

> ﻿وَمِمَّنْ خَلَقْنَا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ [7:181]

وَمِمَّنْ خَلَقْنَا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بالحق وَبِهِ يَعْدِلُونَ  قيل بيان إجمالي لحال من عدا المذكورين من الثقلين الموصوفين بما ذكر من الضلال على أتم وجه، وهو عند جمع من المحققين على ما ظهر للعلامة الطيبي عطف على جملة  وَلَقَدْ ذَرَأْنَا  \[ الأعراف : ١٧٩ \] وقوله سبحانه وتعالى : يَهْدُونَ  الخ إذا أخذ بجملته وزبدته كان كالمقابل لقوله تعالى : لَهُمْ قُلُوبٌ  إلى  هُمُ الغافلون  \[ الأعراف : ١٧٩ \] وكلتا الآيتين كالنشر لقوله عز شأنه : مَن يَهْدِ الله فَهُوَ المهتدى وَمَن يُضْلِلْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الخاسرون  \[ الأعراف : ١٧٨ \] وهو كالتذييل لحديث الذي أوتي آيات الله تعالى والأسماء العظام فانسلخ منها وقوله تعالى : وَللَّهِ الاسماء الحسنى  \[ الأعراف : ١٨٠ \] اعتراض لمناسبة حديث الأسماء حديث أسماء الله تعالى العظام التي أوتيها ذلك المنسلخ كما في بعض الروايات وقد تعلق بقوله عز شأنه : أُوْلَئِكَ هُمُ الغافلون  \[ الأعراف : ١٧٩ \] باعتبار أنه كالتنبيه على أن الموجب لدخول جهنم هو الغفلة عن ذكر الله تعالى وعن أسمائه الحسنى، وأرباب الذوق والمشاهدة يجدون ذلك من أرواحهم لأن القلب إذا غفل عن ذكر الله تبارك وتعالى وأقبل على الدنيا وشهواتها وقع في نار الحرص ولا يزال يهوى من ظلمة إلى ظلمة حتى ينتهي إلى درجات الحرمان، وبخلاف ذلك إذا انفتح على القلب باب الذكر فإنه يقع في جنة القناعة ولا يزال يترقى من نور إلى نور حتى ينتهي إلى أعلا درجات الإحسان،  وَمِنْ  أما نكرة موصوفة أو بمعنى الذي، والمراد بعض من خلقنا أو بعض ممن خلقنا طائفة جليلة كثيرة يهدون الناس ملتبسين بالحق أو يهدونهم بكلمة الحق ويدلونهم على الاستقامة وبالحق يحكمون في الحكومات الجارية فيما بينهم ولا يجورون فيها. أخرج ابن جرير وغيره عن ابن جريج أنه قال : ذكر لنا **«أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : هذه أمتي »**. وأخرج عن قتادة أنه قال : بلغنا أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول إذا قرأ هذه الآية :**«هذه لكم وقد أعطى القوم بين أيديكم مثلها ومن قوم موسى أمة يهدون بالحق وبه يعدلون »**. وأخرج ابن أبي حاتم عن الربيع قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :**«إن من أمتي قوماً على الحق حتى ينزل عيسى ابن مريم عليه السلام »**. وروى الشيخان عن معاوية والمغيرة بن شعبة قالا : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :**«لا تزال من أمتي أمة قائمة بأمر الله تعالى لا يضرهم من خذلهم حتى يأتي أمر الله تعلى وهم على ذلك »**. واستدل الجبائي بالآية على صحة الإجماع في كل عصر سواء في ذلك عصر النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة رضي الله تعالى عنهم وغيره إذ لو اختص لم يكن لذكره فائدة لأنه معلوم، وعلى أنه لا يخلو عصر عن مجتهد إلى قيام الساعة لأن المجتهدين هم أرباب الإجماع، قيل : وهو مخالف لما روى من أنه لا تقوم الساعة إلا على أشرار الخلق، ولا تقوم الساعة حتى لا يقال في الأرض الله، وأجيب بأن ذلك الزمان ملحق بيوم القيامة لمعانقته له، والمراد عدم خلو العصر عن مجتهد فيما عداه، وقيل : المراد من الخبرين الإشارة إلى غلبة الشر فلا ينافي وجود النزر من أهل ذلك العنوان، والواحد منهم كاف وهو حينئذ الأمة، والاقتصار على نعتهم بهداية الناس للإيذان بأن اهتداءهم في أنفسهم أمر محقق غني عن التصريح. 
( ومن باب الإشارة ) : وَمِمَّنْ خَلَقْنَا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بالحق وَبِهِ يَعْدِلُونَ  \[ الأعراف : ١٨١ \] وهم المرشدون الكاملون

### الآية 7:182

> ﻿وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ [7:182]

والذين كَذَّبُواْ بئاياتنا  ولم تنفعهم هداية الهادين كأهل مكة وغيرهم، واقتصر بعضهم على الأولين والعموم أولى، وإضافة الآيات إلى ضمير العظمة لتشريفها واستعظام الإقدام على تكذيبها، والموصول في محل الرفع على أنه مبتدأ خبره جملة  سَنَسْتَدْرِجُهُم  أي سنستدنيهم البتة إلى الهلاك شيئاً فشيئاً، وجوز أن يكون في محل النصب بفعل محذوف يفسره المذكور، والاستدراج استفعال من الدرجة بمعنى النقل درجة بعد درجة من سفل إلى علو فيكون استصعاداً أو بالعكس فيكون استنزالاً وقد استعمله الأعشى في قوله :فلو كنت في جب ثمانين قامة  ورقيت أسباب السماء بسلمليستدرجنك القول حتى تهره  وتعلم أني عنكم غير مفحمفي مطلق معناه، وقال بعضهم : هو استفعال من درجة إما بمعنى صعد ثم اتسع فيه فاستعمل في كل نقل تدريجي سواء كان بطريق الصعود أو الهبوط أو الاستقامة، وإما بمعنى مشى مشياً ضعيفاً ومنه درج الصبي وإما بمعنى طوى ومنه أدرج الكتاب ثم استعير لطلب كل نقل تدريجي من حال إلى حال من الأحوال الملائمة للمنتقل الموافقة لهواه، واستدراجه تعالى إياهم بإدرار النعم عليهم مع إنهماكهم في الغي، ولذا قيل : إذا رأيت الله تعالى أنعم على عبد وهو مقيم على معصيته فاعلم أنه مستدرج، وهذا يمكن حمله على الاستصعاد باعتبار نظرهم وزعمهم أن متواترة النعم إثرة من الله تعالى وهو الظاهر، وعلى الاستنزال باعتبار الحقيقة فإن الجبلة الإنسانية في أصل الفطرة سليمة متهيئة لقبول الحق لقضية كل مولود يولد على الفطرة فهو في بقاع التمكن على الهدي والدين فإذا أخلد إلى الأرض واتبع الشهوات وارتكب المعاصي والسيآت ينزل درجة درجة إلى أن يصير أسفل السافلين، وأياً ما كان فليس المطلوب إلا تدرجهم في مدراج المعاصي إلى أن يحق عليهم كلمة العذاب الأخروي أو الدنيوي على ما قيل على أفظع حال وأشنعها وإدرار النعم وسيلة إلى ذلك  مّنْ حَيْثُ لاَ يَعْلَمُونَ  أنه كذلك بل يحسبون أنه إثرة من الله تعالى، وقيل : لا يعلمون ما يراد بهم، والجار والمجرور متعلق بمضمر وقد صفة لمصدر الفعل المذكور أي سنستدرجهم استدراجاً كائناً من حيث لا يعلمون. 
( ومن باب الإشارة ) : والذين كَذَّبُواْ بئاياتنا  كالمنكرين على هؤلاء الأمة  سَنَسْتَدْرِجُهُم مّنْ حَيْثُ لاَ يَعْلَمُونَ  \[ الأعراف : ١٨٢ \] أنا سنستدرجهم

### الآية 7:183

> ﻿وَأُمْلِي لَهُمْ ۚ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ [7:183]

وَأُمْلِى لَهُمْ  أي مهلهم والواو للعطف وما بعده معطوف على  سنستدرجهم  \[ الأعراف : ١٨٢ \] غير داخل في حكم السين لما أن الإمهال ليس من الأمور التدريجية كالاستدراج الحاصل في نفسه شيئاً فشيئاً بل هو مما يحصل دفعة والحاصل بطريق التدريج آثاره وأحكامه ليس إلا، ويلوح بذلك تغيير التعبير بتوحيد الضمير مع ما فيه من الافتنان المنبىء عن مزيد الاعتناء بمضمون الكلام لابتنائه على تجديد القصة والعزيمة، وجعله غير واحد داخلاً في حكمها، ولا يخفى التوحيد حينئذ، وقيل : إنه كلام مستأنف أي وأنا أملي لهم، والخروج من ذلك الضمير إلى ضمير المتكلم المفرد شبيه الالتفات واستظهر أنه من التلوين. 
وما قيل : إن هذا للإشعار بأن الإمهال بمحض التقدير الإلهي وذاك للإشارة إلى أن الاستدراك بتوسط المدبرات ليس بشيء لمكان  وَلاَ يَحْسَبَنَّ الذين \* كَفَرُواْ أَنَّمَا نُمْلِى لَهُمْ خَيْرٌ لاِنفُسِهِمْ  \[ آل عمران : ١٨٧ \]  إِنَّ كَيْدِى مَتِينٌ  تقرير للوعيد وتأكيد له، والمتين من المتانة بمعنى الشدة والقوة، ومنه المتن للظهر أو اللحم الغليظ في جانبي الصلب، وفسر ابن عباس رضي الله تعالى عنهما الكيد بالمكر. وفسره بعضهم بالاستدراك والإملاء مع نتيجتهما، وتسميته كيداً لما أن ظاهره لطف وباطنه قهر، وبعضهم بنفس الأخذ فقط فتسميته حينئذ بذلك قيل : لكون مقدماته كذلك، وقيل : لنزوله بهم من حيث لا يشعرون، وإياماً كان فالمعنى إن كيدي قوي لا يدافع بقوة ولا بحيلة، والآية حجة لأهل السنة في مسألة القضاء والقدر. وادعى بعض المفسرين أنها نزلت في المستهزئين من قريش أمهلهم الله تعالى ثم أخذهم في يوم بدر، ثم إنه سبحانه وتعالى لما بالغ في تهديد الملحدين المعرضين الغافلين عن آياته والايمان برسوله عليه الصلاة والسلام عقب ذلك على ما قيل بالجواب عن شبهتهم وإنكار عدم تفكرهم
**فقال عز من قائل :**
( ومن باب الإشارة ) : وَأُمْلِى لَهُمْ  أمهلهم  إِنَّ كَيْدِى  أخذي  مَتِينٌ  \[ الأعراف : ١٨٣ \] شديد، وقد جرت عادة الله تعالى في المنكرين على أوليائه أن يأخذهم أشد أخذ وقد شاهدنا ذلك كثيراً نعوذ بالله تعالى من مكره.

### الآية 7:184

> ﻿أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا ۗ مَا بِصَاحِبِهِمْ مِنْ جِنَّةٍ ۚ إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ [7:184]

( أو لم يتفكروا ما بصاحبهم من جنة ) فالهمزة للإنكار والتوبيخ والواو للعطف على مقدر يستدعيه السياق والسباق والخلاف في مثل هذا التركيب مشهور وقد تقدمت الإشارة إليه
و ( ما ) قال أبو البقاء تحتمل أن تكون إستفهامية إنكارية في محل الرفع بالإبتداء والخبر ( بصاحبهم ) وأن تكون نافية إسمها ( جنة ) وخبرها ( بصاحبهم ) وجوز أن تكون موصولة وفيه بعد والجنة مصدر كالجلسة بمعنى الجنون وليس المراد به الجن كما في قوله تعالى ( من الجنة والناس ) لأنه يحتاج إلى تقدير مضاف أي مس جنة أو تخبطها والتنكير للتقليل والتحقير والتفكر التأمل وأعمال الخاطر في الأمر وهو من أفعال القلوب فحكمه حكمها في أمر التعليق ومحل الجملة على الوجهين النصب على نزع الخافض ومحل الموصول نصب على ذلك في الوجه الأخير أي أكذبوا ولم يتفكروا في أي شيء من جنون ما كائن بصاحبهم الذي هو أعظم الهادين للحق وعليه أنزلت الآيات أو في أنه ليس بصاحبهم من جنة حتى يؤديهم التفكر في ذلك إلى الوقوف على صدقه وصحة نبوته فيؤمنوا به وبما أنزل عليه من الأيات أو في الذي بصاحبهم من جنة بزعمهم ليعلموا أن ذلك ليس من الجنة في شيء فيؤمنوا واختار الطبرسي أن الكلام قد تم عند قوله تعالى ( أولم يتفكروا ) أي أكذبوا ولم يتفكروا في أقواله وأفعاله أو أولم يفعلوا التفكر ثم ابتدىء فقيل أي شيء بصاحبهم من جنة ما على طريقة الإنكار والتعجيب والتبكيت أو قيل ليس بصاحبهم شيء منها والمراد بصاحبهم رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم والتعبير عنه عليه الصلاة والسلام بذلك لتأكيد النكير وتشديده لأن الصحبة مما يطلعهم على نزاهته صلى الله تعالى عليه وسلم عن شائبة مما ذكر والتعرض لنفي الجنون عنه عليه الصلاة والسلام مع وضوح إستحالة ثبوته له لما أن المتكلم بما هو خارق لا يصدر إلا عمن به مس من الجنة كيفما اتفق من غير أن يكون له أصل أو عمن له تأييدا إلهي يخبر به عن الغيوب وإذ ليس به عليه الصلاة والسلام شيء من الأول تعين الثاني وأخرج ابن جرير وغيره عن قتادة قال ذكر لنا أن نبي الله صلى الله تعالى عليه وسلم قام على الصفا فدعا قريشا فخذا فخذا يا بني فلان يحذرهم بأس الله تعالى ووقائعه إلى الصباح حتى قال قائلهم إن صاحبكم هذا لمجنون بات يهوت حتى أصبح فأنزل الله تعالى الآية وعليه فالتصريح بنفي الجنون للرد على عظيمتهم الشنعاء عند من له أدنى عقل والعبير بصاحبهم وارد على مشاكلة كلامهم مع ما فيه من النكتة السالفة وذكر بعضهم في سبب النزول أنهم كانوا إذا رأوا ما يعرض له صلى الله تعالى عليه وسلم من برحاء الوحي قالوا جن فنزلت :**«إن هو إلا نذير مبين »** تقرير لما قبله وتكذيب لهم فيما يزعمونه حيث تبين فيه حقيقة حاله صلى الله تعالى عليه وسلم أي ما هو عليه الصلاة والسلام إلا مبالغ في الإنذار مظهر له غاية الإظهار ثم لما كان أمر النبوة مفرعا على التوحيد ذكر سبحانه ما يدل عليه فقال جل شأنه

### الآية 7:185

> ﻿أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ وَأَنْ عَسَىٰ أَنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ ۖ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ [7:185]

أَوَ لَمْ يَنظُرُواْ فِى مَلَكُوتِ السموات والارض  فهو مسوق للإنكار والتوبيخ بإخلالهم بالتأمل بالآيات التكوينية إثر مانعي عليهم مانعي، والهمزة هنا كالهمزة فيما قبل، والواو للعطف على مقدر كما تقدم أو على الجملة المنفية بلم، والملكوت الملك العظيم، أي أكذبوا أو لم يتفكروا فيما ذكر ولم ينظروا نظر تأمل واستدلال فيما يدل على كمال قدرة الصانع ووحدة المبدع وعظيم شأن المالك ليظهر لهم صحة ما يدعوهم إليه ذاك الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم، وكأن التعبير بالنظر هنا دون التفكر الذي عبر به فيما قبل للإشارة إلى أن الدليل هنا أوضح منه فيما تقدم. وقوله سبحانه وتعالى : وَمَا خَلَقَ الله مِن شَىْء  يحتمل أن يكون عطفاً على ملكوت وتخصيصه بالسموات والأرض لكما لظهور عظم الملك فيهما، وأن يكون عطفاً على المضاف هو إليه فيكون منسحباً على الجميع، والتعميم لاشتراك الكل في عظم الملك في الحقيقة، و  مِن شَىْء  بيان  لَّمّاً ، وفي ذلك تنبيه على أن الدلالة على التوحيد غير مقصورة على السموات والأرض بل كل ذرة من ذرات العالم دليل على توحيده :
وفي كل شيء له آية \*\*\* تدل على أنه واحد
وهذا أمر متفق عليه عند العقلاء. نعم منهم من جعل وجه الدلالة الحدوث وهو الذي عليه معظم المتكلمين، ومنهم من جعل وجهها الإمكان وهو الذي عليه الفلاسفة واختاره بعض المتكلمين، ورجح الأول قطب عصره الشيخ خالد المجددي قدس سره في تعليقاته على حواشي عبد الحكيم على الخيالي فارجع إليها، وقوله تعالى : وَأَنْ عسى أَن يَكُونَ قَدِ اقترب أَجَلُهُمْ  عطف على ملكوت فهو معمول لينظروا لكن لا يعتبر فيه بالنظر إليه أنه للاستدلال بناء على ما قالوا : إن قيد المعطوف عليه لا يلزم ملاحظته في المعطوف، وقد تقدم الكلام في ذلك، وأن مخففة من الثقيلة واسمها ضمير الشأن وخبرها عسى مع فاعلها الذي هو  أَن يَكُونَ ، وخبر ضمير الشأن لا يشترط فيه الخبرية ولا يحتاج إلى التأويل كما نص عليه المحققون فلا معنى للمناقشة في ذلك، واسم يكون أيضاً ضمير الشأن والخبر  قَدِ اقترب أَجَلُهُمْ ، ولم يجعلوا هذا من باب التنازع لأن تنازع كان وخبرها مما لم يعهد لا لأن ذلك خلاف الأصل لما فيه من الإضمار قبل الذكر لأن ذلك لازم على جعل الاسم ضمير الشأن ولا ضير في كل، وأمر التكرار فيما ذكرنا سهل فلا يرتكب له خلاف المعهود خلافاً للقطب الرازي، وجوز أبو البقاء أن تكون مصدرية، وتعقب بأنها لا توصل إلا بالفعل المتصرف وعسى ليست كذلك، والمعنى أو لم ينظروا في اقتراب آجالهم وتوقع حلولها فيسارعوا إلى طلب الحق والتوجه إلى ما ينجيهم قبل مغافصة الموت ومفاجأته ونزول العذاب، فالمراد بأجلهم أجل موتهم، وجوز أن يكون عبارة عن الساعة، والإضافة إلى ضميرهم لملابستهم لها من جهة إنكارهم إياها وبحثهم عنها، وقوله جل وعلا : فَبِأَيّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ  قطع لاحتمال إيمانهم رأساً ونفي له بالكلية بعد إلزام الحجة والإرشاد إلى النظر، والباء متعلقة بيؤمنون، وضمير بعده للقرآن على ما ذهب إليه غالب المفسرين وهو معلوم من السياق، والحديث بمعنى الكلام فلا دليل في الآية لمن يزعم حدوث القرآن، وقيل : ولئن سلمنا كونه دليلاً يراد من القرآن الألفاظ وهي محدثة على المشور، والمعنى إذا لم يؤمنوا بالقرآن وهو النهاية في البيان فبأي كلام يؤمنون بعده، وقيل : الضمير للآيات على حذف المضاف المفهوم من
 كَذَّبُوا  والتذكير باعتبار كونها قرآناً أو بتأويلها بالمذكور أو إجراء الضمير مجرى اسم الإشارة. 
والمعنى أكذبوا بالآيات ولم يتفكروا فيما يوجب تصديقها من أحواله عليه الصلاة والسلام وأحوال المصنوعات فبأي حديث بعد تكذيبها يؤمنون، وفيه بعد، وقيل : إنه يعود على الرسول صلى الله عليه وسلم بتقدير مضاف أيضاً أي بعد حديثه يؤمنون وهو أصدق الناس، وقيل : المراد بعد هذا الحديث، وقيل : بعد الأجل أي كيف يؤمنون بعد انقضاء أجلهم ؟، وجعل الزمخشري ذلك مرتبطاً بقوله تعالى : وَأَنْ عسى  الخ ارتباط التسبب عنه، والضمير للقرآن كأنه قيل : لعل أجلهم قد اقترب فما بالهم لا يبادرون الإيمان بالقرآن قبل الموت وماذا ينظرون بعد وضوح الحق وبأي حديث أحق منه يريدون أن يئمنوا، وتقدير ما قدر عند **«صاحب الكشف »** ليس لأنه لا بد من تقديره ليستقيم الكلام بل للتنبيه على معنى الاستبطاء الذي في ضمن أي، وأنه ليس بعد هذا البيان الواضح أمر ينتظر
**\[ بم وقوله عز شأنه :**
( ومن باب الإشارة ) : أَوَ لَمْ يَنظُرُواْ في مَلَكُوتِ السموات والأرض وَمَا مّنَ الله مِن شيء  \[ الأعراف : ١٨٥ \] وهي الآيات التكوينية، وقد تقدم معنى الملكوت وهو في مصطلح الصوفية قدس الله تعالى أسرارهم عبارة عن عالم الغيب المختص بالأرواح والنفوس وفسروا الملك بعالم الشهادة من المحسوسات الطبيعية كالعرش والكرسي وغيرهما وكل جسم يتركب من الاستقصاآت

### الآية 7:186

> ﻿مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَا هَادِيَ لَهُ ۚ وَيَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ [7:186]

وقوله عزَّ شأنه  مَن يُضْلِلِ الله فَلاَ هَادِيَ لَهُ  استئناف مقرر لما قبله مبني على الطبع على قلوبهم، والمراد استمرا رالنفي لا نفي الاستمرار، وقوله سبحانه وتعالى : وَيَذَرُهُمْ فِى \* طغيانهم  بالياء والرفع على الاستئناف أي وهو يذرهم، وقرأ غير واحد بنون العظمة على طريقة الالتفات أي ونحن نذرهم، وقرأ حمزة. والكسائي بالياء والجزم عطفاً على محل الجملة الاسمية الواقعة جواب الشرط كأنه قيل : من يضلل الله لا يهده أحد ويذرهم، ويحتمل أن يكون ذلك تسكيناً للتخفيف كما قرىء  يشعركم  \[ الأنعام : ١٠٩ \] و  ينصركم  \[ الملك : ٢٠ \] وقد روى الجزم مع النون عن نافع. وأبي عمرو في الشواذ، وتخريجه على أحد الاحتمالين، وقوله تبارك وتعالى : يَعْمَهُونَ  حال من مفعول يذرهم، والعمه التردد في الضلال والتحير أو أن لا يعرف حجة، وإفراد الضمير في حيز النفي رعاية للفظ  مِنْ  وجمعه في حيز الإثبات رعاية لمعناها للتنصيص على شمول النفي والإثبات للكل كما قيل هذا. 
( ومن باب الإشارة ) : مَن يُضْلِلِ الله فَلاَ هَادِيَ لَهُ  إذ لا هادي سواه سبحانه.

إلى الماء يسعى من يغص بلقمة  إلى أين يسعى من يغص بماء وَيَذَرُهُمْ فِى طغيانهم يَعْمَهُونَ  \[ الأعراف : ١٨٦ \] يترددون لأن استعدادهم يقتضي ذلك، والله تعالى الموفق.

### الآية 7:187

> ﻿يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا ۖ قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي ۖ لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ ۚ ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۚ لَا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً ۗ يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا ۖ قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ [7:187]

ثم لما تقدم ذكر اقتراب أجلهم عقبه سبحانه بذكر سؤالهم عن الساعة فقال تعالى : يَسْئَلُونَكَ عَنِ الساعة  وقيل هو استئناف مسوق لبيان بعض طغيانهم وضلالهم، والساعة في الأصل اسم لمقدار قليل من الزمان غير معين، وهي عند المنجمين جزء من أربعة وعشرين جزءاً من الليل والنهار، وتنقسم إلى معوجة ومستوية، وتطلق في عرف الشرع على يوم موت الخلق وعلى يوم قيام الناس لرس العالمين، وفسروها بيوم القيامة، ولعل المراد منه أحد ذينك اليومين وإن كان المشهور فيه اليوم الآخر، والظاهر أن المسؤول عنه اليوم الأول، وإليه ذهب الزجاج، والساعة في ذلك من الأسماء الغالبة، ووجه إطلاقها عليه وكذا على وقت القيام ظاهر إن أريد زمان الموت أو زمان القيام بدون ملاحظة الامتداد لظهور أنه قدر يسير في نفسه، وإن أريد الزمان الممتد فاطلاقها عليه إما لمجيئه بغتة كما قيل، أو لأنه يدهش من يأتيهم فيقل عندهم أو يقلل ما قبله، أو لأنه على طوله قدر يسير عند الله تعالى، أو لسرعة حسابه، وجوز أن يكون تسميته بذلك من باب التسمية بالضد تمليحا كما يسمى الأسود كافوراً، والسائل عن ذلك أناس من اليهود، فقد أخرج ابن اسحق وغيره عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال قال : حمل بن أبي قشير. وسمول بن زيد لرسول الله صلى الله عليه وسلم : أخبرنا متى الساعة إن كنت نبياً كما تقول فإنا نعلم متى هي ؟ وكان ذلك امتحاناً منهم مع علمهم أنه تعالى قد استأثر بعلمها فأنزل الله تعالى الآية. وذهب بعض إلى أن السائل قريش، فقد أخرج عبد بن حميد. وابن جرير عن قتادة أن قريشاً قالوا : يا محمد أسر إلينا متى الساعة لما بيننا وبينك من القرابة ؟ فنزلت. 
**وقوله سبحانه :**
 أَيَّانَ مرساها  بفتح همزة أيان. وقرأ السلمي بكسرها وهو لغة فيها، وهي ظرف زمان متضمن لمعنى الاستفهام ويليها المبتدأ أو الفعل المضارع دون الماضي بخلاف متى حيث يليها كلاهما، والتحقيق أنها بسيطة مرتجلة، وقيل : اشتقاقها من أي وهي فعلان منه لأن معناه أي وقت، وأي فعل، وأي من أويت بمعنى رجعت لأن باب طويت وشويت أضعاف باب حييت ووعيت ولقربه منه معنى لأن البعض آو إلى الكل ومستند إليه. وأصله على هذا أوي فقلبت الواو ياء وأدغمت في الياء فصار أيا وإنما لم تجعل أيان فعلالا من أين لأنها ظرف زمان وأين ظرف مكان، ومن الناس من زعم أن أصلها أي أوان أو أي آن وليس بشيء. 
وتعقب في الكشف حديث الاشتقاق من أي بأنه مخالف لما ذكره الزمخشري في سورة النمل ولو سمي به لكان فعالاً من آن يئين ولا تصرف، ثم قال : والوجه ما ذكره هناك لأن الاشتقاق في غير المتصرفة لا وجه له. 
ثم إنه ليس اشتقاقه من أي أو لي من اشتقاقه من الأين بمعنى الحينونة لأن أيان زمان وكأنه غره الاستفهام وليس بشيء لأنه بالتضمين كما في متى ونحوه ؛ وكذلك اشتقاق أي من أويت لا وجه له إلا أن الأظهر أنه يجوز الصرف وعدمه كما في حمار قبان ا ه. 
وأجيب بأن ما ذكر أمر قدروه للامتحان وليعلم حكمها إذا سمي بها فلا ينافي ما ذكره الزمخشري وكذا لا ينافي التحقيق فتأمل، وأياً ما كان فهي في محل الرفع على أنها خبر مقدم ومرساها مبتدأ مؤخر ؛ وهو مصدر ميمي من أرساه إذا أثبته وأقره أي متى إثباتها وتقريرها، ولا يكاد يستعمل الإرساء إلا في الشيء الثقيل كما في قوله تعالى : والجبال أرساها  \[ النازعات : ٣٢ \] ومنه مرساة السفن، ونسبته هنا إلى الساعة باعتبار تشبيه المعاني بالأجسام. 
وجوز بعضهم أن يكون اسم زمان، ولا يرد عليه أنه يلزم أن يكون للزمان زمان، وفي جوازه خلاف الفلاسفة لأنه يؤول بمتى وقوع ذلك، والجملة قيل في محل النصب على المفعولية به لقول محذوف وقع حالا من ضمير يسألونك أي يسألونك قائلين أيان مرساها، وقيل في محل الجر على البدلية عن الساعة. 
والتحقيق عند بعض جلة المحققين أن محلها النصب بنزع الخافض لأنها بدل من الجار والمجرور لا من الجرور فقط، وفي تعليق السؤال بنفس الساعة أولا وبوقت وقوعها ثانياً تنبيه على أن المقصد الأصلي من السؤال نفسها باعتبار حلولها في وقتها المعين باعتبار كونه محلا لها، وما في الجواب أعني قوله سبحانه : قُلْ إِنَّمَا \* عِلْمُهَا عِندَ رَبّى  مخرج على ذلك أيضاً أي إن علمها بالاعتبار المذكور عنده سبحانه لا غير فلا حاجة إلى أن يقال : إنما علم وقت إرسائها عنده عز وجل، وبعضهم حيث غفل عن النكتة المشار إليها حمل النظم الجليل على حذف المضاف، وإليه يشير كلام أبي البقاء، ومعنى كون ذلك عنده عز وجل خاصة أنه استأثر به حيث لم يخبر أحداً به من ملك مقرب أو نبي مرسل، والتعرض لعنوان الربوبية مع الإضافة إلى ضميره صلى الله عليه وسلم قيل للإيذان بأن توفيقه عليه الصلاة والسلام للجواب على الوجه المذكور من باب التربية والإرشاد وهو أولى مما سنشير إليه إن شاء الله تعالى، وقوله سبحانه : لاَ يُجَلّيهَا لِوَقْتِهَا إِلاَّ هُوَ  بيان لاستمرار خفائها إلى حين قيامها واقناط كلي عن إظهار أمرها بطريق الأخبار، والتجلية الكشف والإظهار، واللام لام التوقيت واختلف فيها فقيل هي بمعنى في، وقال ابن جني : بمعنى عند، وقال الرضى : هي اللام المفيدة للاختصاص، وهو على ثلاثة أضرب أما أن يحتص الفعل بالزمان لوقوعه فيهوإلا فحسب القرينة، وفسرها هنا غير واحد بفي. 
والمعنى لا يكشف عنها ولا يظهر للناس أمرها الذي تسألون عنه إلا الرب سبحانه بالذات من غير أن يشعر به أحد من المخلوقين فيتوسط في إظهاره لهم لكن لا بأن لا يخبرهم بوقتها كما هو المسؤول بل بأن يقيمها فيعلموها على أتم وجه، والجار والمجرور متعلق بالتجلية وهو قيد لها بعد ورود الاستثناء كأنه قيل : لا يجليها إلا هو في وقتها إلا أنه قدم للتنبيه من أول الأمر على أن تجليها ليس بطريق الأخبار بوقتها بل باظهار عينها في وقتها الذي يسألون عنه، وقوله تعالى : ثَقُلَتْ فِى \* السماوات والارض  استئناف كما قبله مقرر لما سبق، والمراد كبرت وعظمت على أهلهما حيث لم يعلموا وقت وقوعها. وعن السدى أن من خفي عليه علم شيء كان ثقيلاً عليه، وعن قتادة أن المعنى عظمت على أهل السموات والأرض حيث يشفقون منها ويخافون شدائدها، وفي رواية أخرى عنه أن المراد ثقل علمها عليهم فلا يعلمونها، ويرجع إلى ما ذكر أولا، وقيل : المعنى ثقلت عنذ الوقوع على نفس السموات حتى انشقت وانتثرت تجومها وكورت شمسها وعلى نفس الأرض حتى سيرت جبالها وسجرت بحارها وكان ما كان فيها، وإلى ذلك يشير ما روي عن ابن جريج وعليه فلا يحتاج إلى تقدير مضاف، وكلمة في على سائر الأوجه استعارة منبهة على تمكن الفهل كما لا يخفى  لاَ تَأْتِيكُمْ إِلاَّ بَغْتَةً  أي إلا فجأة على حين غفلة، أخرج الشيخان عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال :**«قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لتقومن الساعة وقد نشر رجلان ثوبهما فلا يتبايعانه ولا يطويانه ولتقومن الساعة وقد انصرف الرجل بلبن لقحته فلا يطعمه ولتقومن الساعة وهو يليط حوضه فلا يسقي فيه ولتقومن الساعة وقد رفع أكلته إلى فيه فلا يطعمها »**  يَسْئَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِىٌّ عَنْهَا  أي عالم بها كما قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما فيما أخرجه عنه ابن المنذر وغيره ف حفي  فعيل من حفي عن الشيء إذا بحث عن تعرف حاله، وذكر بعضهم أن الحفاوة في الأصل الاستقصاء في الأمر للاعتناء به قال الأعشى :

فإن تسألوا عني فيا رب سائل  حفي عن الأعشى به حيث أصعداومنه احفاء الشارب، وتطلق أيضاً على البر واللطف كما قال تعالى : إِنَّهُ كَانَ بِى حَفِيّاً  \[ مريم : ٤٧ \]، والمعنى المراد هنا متفرع على المعنى الأول لأن من بحث عن شيء وسأل منه استحكم علمه به فاريد به لازم معناه مجازاً أو كناية وعدى الوصف بعن اعتباراً لأصل معناه وهو السؤال والبحث، وقيل : لأنه ضمن معنى الكشف ولولا ذلك لعدي بالباء، وجوز أبو البقاء أن تكون عن بمعنى الباء، وروي عن الحبر. 
وابن مسعود أنهما قرآ بها. 
والجملة التشبيهية في محل نصب على أنها حال من مفعول يسألونك أي مشبها حالك عندهم بحال من هو حفي، وقيل : إن عنها متعلق بيسألونك، والجملة التشبيهية معترضة وصلة  حَفِىٌّ  محذوفة أي بها أو بهم بناء على ما قيل : إن حفي من الحفاوة بمعنى الشفقة فإن قريشاً قالوا له عليه الصلاة والسلام : إن بيننا وبينك قرابة فقل لنا متى الساعة ؟ وروى ذلك عن قتادة وترجمات القرآن أيضاً، والمعنى عليهم أنهم يظنون أن عندك علمها لكن تكتمه فلشفقتك عليهم طلبوا منك أن تخصهم به وتعلق  عَنْ  على هذا الوجه بمحذوف كتخبرهم وتكشف لهم عنها بعيد، وقيل : هو من حفي بالشيء إذا فرح به، وروي ذلك عن مجاهد. والضحاك وغيرهما، والمعنى كأنك فرح بالسؤال عنها تحبه، و  عَنْ  على هذا متعلقة بحفى كما قيل : لتضمنه معنى السؤال، والكلام على ما قال شيخ الإسلام استئناف مسوق لبيان خطئهم في توجيه السؤال إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بناء على زعمهم أنه عليه الصلاة والسلام عالم بالمسؤول عنه أو أن العلم بذلك من مقتضيات الرسالة أثر بيان خطئهم في أصل السؤال باعلام بيان المسؤول عنه، وفي الانتصاف في تويجه تكرير يسألونك أن المعهود في أمثال ذلك أن الكلام إذا بني على مقصد وعرض في أثنائه عارض فأريد الرجوع لتتمة المقصد الأول وقد بعد عهده طرى ذكره لتتصل النهاية بالبداية، وهنا لما ابتدأ الكلام بقوله سبحانه : يَسْئَلُونَكَ عَنِ الساعة أَيَّانَ مرساها  ثم اعترض ذكر الجواب بقل إلى بغتة أريد تتمة سؤالهم عنها بوجه من الإنكار عليهم وهو المضمن في قوله سبحانه : كَأَنَّكَ حَفِىٌّ عَنْهَا  وهو شديد التعلق بالسؤال وقد بعد عهده فطرى ذكره ليليه تمامه، ولا تراه أبداً يطري إلا بنوع من الإجمال، ومن ثم لم يذكر المسؤول عنه وهو الساعة اكتفاء بما تقدم، ثم لما كرر جل وعلا السئال لهذه الفائدة كرر الجواب أيضاً مجملاً فقال عز من قائل : قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ الله  ومنه يعلم وجه ذكر الاسم الجليل هنا، وذكر المحقق الأول أنه عليه الصلاة والسلام أمر باعادة الجواب الأول تأكيداً للحكم وتقريراً له واسعاراً بعلته على الطريق البرهانية بإيراد اسم الذات المنبىء عن استتباعها لصفات الكمال التي من جملتها العلم وتمهيداً للتعريض بجهلهم بقوله تعالى : ولكن أَكْثَرَ الناس لاَ يَعْلَمُونَ  وزعم الجبائي أن السؤال الأول كان عن وقت قيام الساعة وهذا السؤال كان عن كيفيتها وتفصيل ما فيها من الشدائد والأحوال قيل : ولذلك خص جوابه باسم الذات إذ هو أعظم الأسماء مهابة، وإلى ذلك ذهب النيسابوري ونقل عن الإمام وغيره، ولا أرى لهم مسنداً في ذلك، ومفعول العلم على ما يشير إليه كلام بعضهم محذوف أي لا يعلمون ما ذكر من اختصاص علمها به تعالى فبعضهم ينكرها رأساً فلا يسأل عنها إلا متلاعباً، وبعضهم يعلم أنها واقعة البتة ويزعم أنك واقف على وقت وقوعها فيسأل جهلاً، وبعضهم يزعم أن العلم بذلك من مقتضيات الرسالة فيتخذ السؤال ذريعة إلى القدح فيها، والواقف على جلية الحال ويسأل امتحانا ملحق بالجاهلين لعدم عمله بعلمه هذا، وإنما أخفي سبحانه أمر الساعة لاقتضاء الحكم ال

### الآية 7:188

> ﻿قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ ۚ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ ۚ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ [7:188]

قُلْ لاَ أَمْلِك لِنَفْسِى نَفْعاً ولاَ ضراً  أي لا أملك لأجل نفسي جلب نفع مّا ولا دفع ضرر مّا. 
والجار والمجرور كما قال أبو البقاء إما متعلق بأملك أو بمحذوف وقع حالا من نفعا. والمراد لا أملك ذلك في وقت من الأوقات  إِلاَّ مَا شَاء الله  أي إلا وقت مشيئته سبحانه بأن يمكنني من ذلك فإنني حينئذ أملكه بمشيئته، فالاستثناء متصل وفيه دليل كما قال الشيخ إبراهيم الكوراني على أن قدرة العبد مؤثرة بإذن الله تعالى ومشيئته، وقيل : الاستثناء منقطع أي لكن ما شاء الله تعالى من ذلك كائن، وفيه على هذا من اظهار العجز ما لا يخفى، والكلام مسوق لإثبات عجزه عن العلم بالساعة على أتم وجه، وإعادة الأمر لاظهار العناية بشأن الجواب والتنبيه على استقلاله ومغايرته للأول  وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الغيب  أي الذي من جملته ما بين الأشياء من المناسبات المصححة عادة للسببية والمسببية ومن المباينات المستتبعة للمدافعة والممانعة  لاَسْتَكْثَرْتُ مِنَ الخير  أي لحصلت كثيراً من الخير الذي نيط بترتيب الأسباب ورفع الموانع  وَمَا مَسَّني \* السوء  أي السوء الذي يمكن التفصي عنه بالتوقي عن موجباته والمدافعة بموانعه وإن كان منه ما لا مدفع له وكأن عدم مس السوء من توابع استكثار الخير في الجملة، ولذا لم يسلك في الجملة الثانية نحو مسلك الجملة الأولى، والاستلزام في الشرطية لا يلزم أن يكون عقلياً وكلياً بل يكفي أن يكون عاديا في البعض. وقد حكم غير واحد أنه في الآية من العادي، وبذلك دفع الشهاب ما قيل : إن العلم بالشيء لا يلزم منه القدرة عليه ومنشؤه الغفلة عن المراد. 
وحمل الخير والسوء على ما ذكر هو الذي ذهب إليه جلة المحققين. وفسر بعض الأول بالربح في التجارة والفوز بالخصب. والثاني بضد ذلك بناء على ما روي عن الكلبي أن أهل مكة قالوا، يا محمد ألا تخبرنا بالسعر الرخيص قبل أن يغلو فنشتري فنربح، وبالأرض التي تريد أن تجدب فنرتحل منها إلى ما قد أخصب فنزلت. 
وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما تفسير الأول بالربح في التجارة والثاني بالفقرة، وقيل : الأول الجواب عن السؤال والثاني التكذيب، وقيل : الأول الاشتغال بدعوة من سبقت له السعادة، والثاني النصب الحاصل من دعوة من حقت عليه كلمة العذاب. 
وقيل : ونسب إلى مجاهد. وابن جريج المراد من الغيب الموت، ومن الخير الاكثار من الأعمال الصالحة، ومن السوء ما لم يكن كذلك، وقيل : غير ذلك، والكل كما ترى ومنها ما لا ينبغي أن يخرج عليه التنزيل، وقدم ذكر الخير على ذكر السوء لمناسبة ما قبل حيث قدم فيه ذكر النفع على ذكر الضر وسلك في ذكرهما هناك كذلك مسلك الترقي على ما قيل : فإن دفع المضار أهم من جلب المنافع، وذكر النيسابوري أن أكثر ما جاء في القرآن إذ يؤتي بالضر والنفع معا تقديم لفظ الضر على النفع وهو الأصل لأن العابد إنما يعبد معبوده خوفاً من عقابه أولا ثم يعبده طمعا في ثوابه ثانياً كما يشير إلى ذلك قوله تعالى :
 يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً  \[ السجدة : ١٦ \] وحيث تقدم النفع على الضر كان ذلك لسبق لفظ تضمن معني نفع كما في هذه السورة حيث تقدم آنفاً لفظ الهداية على الضلال في قوله تعالى : مَن يَهْدِ الله فَهُوَ المهتدى وَمَن يُضْلِلْ  \[ الأعراف : ١٧٨ \] الخ وفي الرعد تقدم ذكر الطوع في قوله سبحانه : طَوْعًا وَكَرْهًا  وهو نفع، وفي الفرقان تقدم العذب في قوله جل وعلا : هذا عَذَابٌ \* فُرَاتٌ  \[ الفرقان : ٥٣ \] وهو نفع، وفي سبأ تقدم البسط في قوله تبارك اسمه : رَبّى يَبْسُطُ الرزق لِمَن يَشَاء وَيَقْدِرُ  \[ سبأ : ٣٦ \] وليقس على هذا غيره، وابن جريح يفسر النفع هنا بالهدى والضر بالضلال، وبه تقوى نكتة التقديم التي اعتبرها هذا الفاضل فيما نحن فيه كما لا يخفى. 
واستشكلت هذه الآية مع ما صح أنه صلى الله عليه وسلم أخبر بالمغيبات الجمة وكان الأمر كما أخبر، وعد ذلك من أعظم معجزاته عليه الصلاة والسلام، واختلف في الجواب فقيل : المفهوم من الآية نفي علمه عليه الصلاة والسلام إذ ذاك بالغيب المفيد لجلب المنافع ودفع المضار التي لا علاقة بينها وبين الأحكام والشرائع وما يعلمه صلى الله عليه وسلم من الغيوب ليس من ذلك النوع وعدم العلم به مما لا يطعن في منصبه الجليل عليه الصلاة والسلام. 
وقد أخرج مسلم عن أنس. وعائشة رضي الله تعالى عنهما أنه صلى الله عليه وسلم مر بقوم يلقحون فقال : عليه الصلاة والسلام :**«لو لم تفعلوا لصلح »** فلم يفعلوا فخرج شيصاً فمر بهم صلى الله عليه وسلم فقال : ما لقحتم ؟ قالوا : قلت كذا وكذا قال :**«أنتم أعلم بأمر دنياكم »** وفي رواية أخرى له أنه عليه الصلاة والسلام قال حين ذكر له أنه صار شيصا :**«إن كان شيء من أمر دنياكم فشأنكم، وإن كان من أمر دينكم فإلى »** وقد عد عدم علمه صلى الله عليه وسلم بأمر الدنيا كمالا في منصبه إذ الدنيا بأسرها لا شيء عند ربه. 
وقيل : المراد نفي استمرار علمه عليه الصلاة والسلام الغيب، ومجيء  كَانَ  للاستمرار شائع، ويلاحظ الاستمرار أيضاً في الاستكثار وعدم المس. وقيل : المراد بالغيب وقت قيام الساعة لأن السؤال عنه وهو عليه الصلاة والسلام لم يعلمه ولم يخبر به أصلاً، وحينئذ يفسر الخير والسوء بما يلائم ذلك كتعليم السائلين وعدم الطعن في أمر الرسالة من الكافرين، وقيل : أل في الغيب للاستغراق وهو صلى الله عليه وسلم لم يعلم كل غيب فان من الغيب ما تفرد الله تعالى به كمعرفة كنه ذاته تبارك وتعالى وكمعرفة وقت قيام الساعة على ما تدل عليه الآية. 
وفي لباب التأويل للخازن في الجواب عن ذلك أنه يحتمل أن يكون هذا القول منه عليه الصلاة والسلام على سبيل التواضع والأدب، والمعنى لا أعلم الغيب ألا أن يطلعني الله تعالى عليه ويقدره لي، ويحتمل أن يكون قال ذلك قبل أن يطلعه الله تعالى على الغيب فلما اطلعه أخبر به، أو يكون خرج هذا الكلام مخرج الجواب عن سؤالهم ثم بعد ذلك أظهره الله تعالى على أشياء من المغيبات ليكون ذلك معجزة له ودلالة على صحة نبوته صلى الله عليه وسلم انتهى، وفيه تأمل ؛ وكلام بعض المحققين يشير إلى ترجيح الأول. 
ومعنى قوله سبحانه : أَنَّ أَبَاكُمْ \* إِلاَّ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ  على ذلك ما أنا إلا عبد مرسل للإنذار والبشارة وشأني حيازة ما يتعلق بهما من العلوم لا الوقوف على الغيوب التي لا علاقة بينها وبينهما وقد كشفت من أمر الساعة ما يتعلق به الانذار من مجيئها لا محالة واقترابها وأما تعيين وقتها فليس مما يستدعيه الإنذار بل هو مما يقدح فيه لما مر من أن إبهامه ادعى إلى الطاعة وأزجر عن المعصية، وتقديم النذير لأن المقام مقام انذار  ياقوم \* يُؤْمِنُونَ  أي يصدقون بما جئت به، والجار اما متعلق بالوصفين جميعاً والمؤمنون ينتفعون بالإنذار كما ينتفعون بالتبشير واما متعلق بالأخير ومتعلق الأول محذوف أي نذير للكافرين، وحذف ليطهر اللسان منهم. 
وأراد بعضهم من الكافرين المستمرين على الكفر ومن مقابلهم الذين يؤمنون في أي وقت كان وحينئذ في الآية ترغيب للكفرة في أحداث الإيمان وتحذير عن الاصرار على الكفر والطغيان.

### الآية 7:189

> ﻿۞ هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا ۖ فَلَمَّا تَغَشَّاهَا حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا فَمَرَّتْ بِهِ ۖ فَلَمَّا أَثْقَلَتْ دَعَوَا اللَّهَ رَبَّهُمَا لَئِنْ آتَيْتَنَا صَالِحًا لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ [7:189]

هُوَ الذى خَلَقَكُمْ  استئناف لبيان ما يقتضي التوحيد الذي هو المقصد الأعظم، وإيقاع الموصول خبراً لتفخيم شأن المبتدأ أي هو سبحانه ذلك العظيم الشأن الذي خلقكم جميعاً وحده من غير أن يكون لغيره مدخل في ذلك أصلاً  مّن نَّفْسٍ واحدة  وهو آدم عليه السلام على ما نص عليه الجمهور  وَجَعَلَ مِنْهَا  / أَى من جنسها كما في قوله سبحانه : جَعَلَ لَكُمْ مّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا  \[ الشورى : ١١ \] فمن ابتدائية والمشهور أنها تبعيضية أي من جسدها لما يروى أنه سبحانه خلق حواء من ضلع آدم عليه السلام اليسرى، والكيفية مجهولة لنا ولا يعجز الله تعالى شيء، والفعل معطوف على صلة الموصول داخل في حكمها ولا ضير في تقدم مضمونه على مضمون الأول وجوداً لما أن الواو لا تستدعي الترتيب فيه، وهو إما بمعنى صير فقوله سبحانه : زَوْجَهَا  مفعوله الأول والثاني هو الظرف المقدم واما بمعني انشأ والظرف متعلق به قدم على المفعول الصريح لما مر مراراً أو بمحذوف وقع حالا من المفعول  لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا  علة غائية للجعل أي ليستأنس بها ويطمئن إليها، والضمير المستكن للنفس، وكان الظاهر التأنيث لأن النفس من المؤنثات السماعية ولذا أنثت صفتها إلا أنه ذكر باعتبار أن المراد منها آدم ولو أنث على الظاهر لتوهم نسبة السكون إلى الأنثى والمقصود خلافه، وذكر الزمخشري أن التذكير أحسن طباقاً للمعنى وبينه في الكشف بأنه لما كان السكون مفسراً بالميل وهو متناول للميل الشهواني الذي هو مقدمة التغشي لا سيما وقد أكد بالفاء في قوله تعالى : \*فَلَمصا تغشاها  والتغشي منسوب إلى الذكر لا محالة كان الطباق في نسبته أيضاً إليه وإن كان من الجانبين، وفيه إيماء إلى أن تكثير النوع علة المؤانسة كما أن الوحدة علة الوحشة، وأيضاً لما جعل المخلوق أولا الأصل كان المناسب أن يكون جعل الزوج لسكونه بعد الاستيحاش لا العكس فإنه غير ملائم لفظاً ومعنى، لكن ذكر ابن الشحنة أن النفس إذا أريد به الإنسان بعينه فمذكر وإن كان لفظه مؤنث، وجاء ثلاثة أنفس على معنى ثلاثة أشخاص وإذا أريد بها الروح فهي مؤنثة لا غير وتصغيرها نفيسة فليفهم. والضمير المنصوب من تغشاها للزوج وهو بمعنى الزوجة مؤنث، والتغشي كناية عن الجماع أي فلما جامعها  فَلَمَّا تَغَشَّاهَا حَمَلَتْ حَمْلاً خَفِيفًا  أي محمولاً خفيفاً وهو الجنين عند كونه نطفة أو علقة أو مضغة فإنه لا ثقل فيه بالنسبة إلى ما بعد ذلك من الأطوار، فنصب حملا على أنه مفعول به وهو بفتح الحاء ما كان في بطن أو على شجر وبالكسر خلافه. وقد حكى في كل منهما الكسر والفتح. 
وجوز أن يكون هنا مصدراً منصوباً على أنه مفعول مطلق، وأن يراد بالخفة عدم التأذي أي حملت حملاً خف عليها ولم تلق منه ما تلقي بعض الحوامل من حملهن من الكرب والأذية  فَمَرَّتْ بِهِ  أي استمرت به كما قرأ به ابن عباس. والضحاك. والمراد بقيت به كما كانت قبل حيث قامت وقعدت وأخذت وتركت وهو معنى لا غبار فيه. والقول بأنه من القلب أي فاستمر بها حملها من القلب عند النقاد، وقرأ أبو العالية وغيره  \*مرت  بالتخفيف فقيل : إنه مخفف مرت كما يقال : ظلت في ظللت، وقيل : هو من المرية أي الشك أي شكت في أمر حملها. 
وقرأ ابن عمر والجحدري  \*فمارت  من ماريمور إذا جاء وذهب فهي بمعنى قراءة الجمهور أو هي من المرية كقراءة أبي العالية ووزنه فاعلت وحذفت لامه للساكنين  بِهِ فَلَمَّا أَثْقَلَت  أي صارت ذات ثقل بكبر الحمل في بطنها فالهمزة فيه للصيرورة كقولهم أتمر وألبن أي صار ذا تمر ولبن، وقيل : إنها للدخول في زمان الفعل أي دخلت في زمان الثقل كاصبح دخل في الصباح والأول أظهر، والمتبادر من الثقل معناه الحقيقي، والتقابل بينه وبين المعنى الأول للخفة ظاهر، وقد يراد به الكرب ليقابل الخفة بالمعنى الثاني لكن المتبادر في الموضعين المعنى الحقيق، وقرىء  أَثْقَلَت  بالبناء للمفعول والهمزة للتعدية أي أثقلها حملها  دَّعَوَا الله  أي آدم وحواء عليهما السلام لما خاقا عاقبة الأمر فاهتما به وتضرعا إليه عز وجل  رَبُّهُمَا  أي مالك أمرهما الحقيق بأن يخص به الدعاء. 
وفي هذا إشارة إلى أنهما قد صدرا به دعاءهما وهو المعنود منهما في الدعاء، ومتعلق الدعاء محذوف لإيذان الجملة القسمية به، أي دعواه تعالى أن يؤتيهما صالحاً وعداً بمقابلته الشكر على سبيل التوكيد القسمي وقالا أو قائلين  لَئِنْ \* ءاتَيْنَا \* صالحا  أي نسلاً من جنسنا سوياً، وقيل : ولداً سليماً من فساد الخلقة كنقص بعض الأعضاء ونحو ذلك وعليه جماعة. وعن الحسن غلاماً ذكراً وهو خلاف الظاهر  لَنَكُونَنَّ  نحن أو نحن ونسلنا  مِنَ الشاكرين  الراسخين في الشكر لك على إيتائك. وقيل : على نعمائك التي من جملتها هذه النعمة. 
وجوز أن يكون ضمير آتيتنا لهما ولكل من يتناسل من ذريتهما وليس بذلك. 
( هذا ومن باب الإشارة ) : في الآيات : هُوَ الذي خَلَقَكُمْ مّن نَّفْسٍ واحدة  وهي الروح  وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَهِىَ القلب لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا  أي ليميل إليها ويطمئن فكانت الروح تشم من القلب نسائم نفحان الألطاف  فَلَمَّا تَغَشَّاهَا  أي جامعها وهو إشارة إلى النكاح الروحاني والصوفية يقولون : إنه سائر في جميع الموجودات ما ترى في خلق الرحمن من تفاوت  حَمَلَتْ حَمْلاً خَفِيفًا  في البداية بظهور أدنى أثر من آثار الصفات البشرية في القلب الروحاني  فَلَمَّا أَثْقَلَت  كبرت وكثرت آثار الصفات  دَّعَوَا الله رَبَّهُمَا  لأنهما خافا من تبدل الصفات الروحانية النورانية بالصفات النفسانية الظلمانية  لَئِنْ ءاتَيْتَنَا صالحا  للعبودية  لَنَكُونَنَّ مِنَ الشاكرين  \[ الأعراف : ١٨٩ \]

### الآية 7:190

> ﻿فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا ۚ فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ [7:190]

فَلَمَّا ءاتاهما صالحا  وهو ما سألاه أصالة من النسل أو ما طلباه أصالة واستتباعاً من الولد وولد الولد ما تناسلوا  جَعَلاَ  أي النسل الصالح السوي، وثنى الضمير باعتبار أن ذلك النسل صنفان ذكر وأنثى وقد جاء أن حواء كانت تلد في كل بطن كذلك  لَهُ  أي لله سبحانه وتعالى  شُرَكَاء  من الأصنام والأوصان  فِيمَا ءاتاهما  من الأولاد حيث أضافوا ذلك إليهم، والتعبير  بِمَا  لأن هذه الإضافة عند الولادة والأولاد إذ ذاك ملحقون بما لا يعقل. 
وقيل : المراد بالموصول ما يعم سائر النعم فإن المشركين ينسبون ذلك إلى آلهتهم، ووجه العدول عن الإضمار حيث لم يقل شركاء فيه على الوجهين ظاهر، وإسناد الجعل للنسل على حد بنو تميم قتلوا فلاناً  فتعالى الله عَمَّا يُشْرِكُونَ  تنزيه فيه معنى التعجب، والفاء لترتيبه على ما فصل من قدرته سبحانه عز وجل وآثار نعمته الزاجرة عن الشرك الداعية إلى التوحيد، وضمير الجمع لأولئك النسل الذين جعلوا لله شركاء وفيه تغليب المذكر على المؤنث وإيذان بعظم شركهم، والمراد بذلك إما التسمية أو مطلق الإشراك، و  مَا  إما مصدرية أي عن إشراكهم أو موصولة أو موصوفة أي عما يشركون به تعالى، وهذه الآية عندي من المشكلات ؛ وللعلماء فيها كلام طويل ونزاع عريض وما ذكرناه هو الذي يشير إليه كلام الجبائي وهو مما لا بأس به بعد إغضاء العين عن مخالفته للمرويات سوى تثنية الضمير تارة وجمعه أخرى مع كون المرجع مفرداً لفظاً ولم نجد ذلك في الفصيح. 
واختار غير واحد أن في جعلا وآتاهما بعد مضافاً محذوفاً وضمير التثنية فيهما لآدم وحواء على طرز ما قيل أي جعل أولادهما فيما آتى أولادهما من الأولاد وإنما قدروه في موضعين ولم يكتفوا بتقديره في الأول وإعادة الضمير من الثاني على المقدر أولاً لأن الحذف لم تقم عليه قرينة ظاهرة فهو كالمعدوم فلا يحسن عود الضمير عليه، والمراد بالشرك فيما آتى الأولاد تسمية كل واحد من أولادهم بنحو عبد العزي وعبد شمس. 
واعترض أولاً : بأن ما ذكر من حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه إنما يصار إليه فيما يكون للفعل ملابسة ما بالمضاف إليه أيضاً بسرايته إليه حقيقة أو حكماً ويتضمن نسبته إليه صورة مزية يقتضيها المقام كما في قوله تعالى : وَإِذْ أنجيناكم مّنْ ءالِ فِرْعَونَ  \[ الأعراف : ١٤١ \] الآية فإن الانجاء منهم مع أن تعلقه حقيقة ليس إلا بأسلاف اليهود وقد نسب إلى أخلافهم بحكم سرايته إليهم توفية لمقام الامتنان حقه وكذا يقال في نظائره وهنا ليس كذلك إذ لا ريب في أن آدم وحواء عليهما السلام بريئان من سراية الجعل المذكور إليهما بوجه من الوجوه فلا وجه لإسناده إليهما صورة، وثانياً : بأن إشاركهم بإضافة أولادهم بالعبودية إلى أصنامهم من لازم اتخاذ تلك الأصنام آلهة ومتفرع له لا أمر حدث عنهم لم يكن قبل فينبغي أن يكون التوبيخ على هذا دون ذلك، وثالثاً : بأن إشراك أولادهما لم يكن حين آتاهما الله تعالى صالحاً بل بعده بأزمنة متطاولة، ورابعاً : بأن إجراء جعلا على غير ما أجري عليه الأول والتعقيب بالفاء يوجب اختلال النظم الكريم. 
وأجيب عن الأول : بأن وجه ذلك الإسناد الإيذان بتركهما الأولى حيث أقدما على نظم أولادهما في سلك أنفسهما والتزما شكرهم في ضمن شكرهما وأقسما على ذلك قبل تعرف أحوالهم ببيان أن إخلالهم بالشكر الذي وعداه وعداً مؤكداً باليمين بمنزلة إخلالهما بالذات في استيجاب الحنث والخلق مع ما فيه من الإشعار بتضاعف جنايتهم أنهم يجعلهم المذكور أوقعوهما في ورطة الحنث والخلف وجعلوهما كأنهما باشراه بالذات فجمعوا بين الجناية مع الله تعالى والجناية عليهما السلام، وعن الثاني : بأن المقام يقتضي التوبيخ على هذا لأن لما ذكر ما أنعم سبحانه وتعالى به عليهم من الخلق من نفس واحدة وتناسلهم وبخهم على جهلهم وإضافتهم تلك النعم إلى غير معطيها وإسنادها إلى من لا قدرة له على شيء ولم يذكر أولاً أمراً من أمور الألوهية قصداً حتى يوبخوا على اتخاذ الآلهة، وعن الثالث : بأن كلمة لما ليست للزمان المتضايق بل الممتد فلا يلزم أن يقع الشرط والجزاء في يوم واحد أو شهر أو سنة بل يختلف ذلك باختلاف الأمور كما يقال : لماظهر الإسلام طهرت البلاد من الكفر والإلحاد، وعن الرابع : بما حرره **«صاحب الكشف »** في اختيار هذا القول وإيثاره على القول بأن الشرك راجع لآدم وحواء عليهما السلام وليس المتعارف بل ما نقل من تسمية الولد عبد الحرث وهو أن الظاهر أن قوله تعالى : هُوَ الذى خَلَقَكُمْ مّن نَّفْسٍ واحدة  \[ الأعراف : ١٨٩ \] خطاب لأهل مكة وأنه بعدماختمت قصة اليهود بما ختمت تسلية وتشجيعاً للنبي صلى الله عليه وسلم وحملا له على التثبت والصبر اقتداء بإخوته من أولى العزم عليه وعليهم الصلاة والسلام لا سيما مصطفاه وكليمه موسى عليه السلام فإن ما قاساه من بني إسرائيل كان شديد الشبه بما كان يقاسيه صلى الله عليه وسلم من قريش وذيلت بما يقتضي العطف على المعنى الذي سيق له الكلام أولاً أعني قوله سبحانه وتعالى : وَمِمَّن \* خَلَقْنَا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بالحق  \[ الأعراف : ١٨١ \] وقع التخلص إلى ذلك أهل مكة في حاق موقعه فقيل : والذين كَذَّبُواْ بئاياتنا سَنَسْتَدْرِجُهُم  \[ الأعراف : ١٨٢ \] وذكر سؤالهم عما لا يعنيهم فلما أريد بيان أن ذلك مما لا يهمكم وإنما المهم إزالة ما أنتم عليه منغمسون فيه من أوضار الشرك والآثام مهد له
 هو الذي خلقكم  \[ الأعراف : ١٨٩ \] مضمناً معنى الامتنان والمالكية المقتضيين للتوحيد والعبودية ثم قيل : فَلَمَّا ءاتاهما صالحا جَعَلاَ لَهُ شُرَكَاء  أي جعلتم يا أولادهما ولقد كان لكم في أبويكم أسوة حسنة في قولهما : لَئِنْ ءاتَيْتَنَا صالحا لَّنَكُونَنَّ مِنَ الشاكرين  \[ الأعراف : ١٨٩ \] وكأن المعنى والله تعالى أعلم فلما آتاهما صالحاً ووفيا بما وعدا به ربهما من القيام بموجب الشكر خالفتم أنتم يا أولادهما فأشركتم وكفرتم النعمة، وفي هذا الالتفات ثم إضافة فعلهم إلى الأبوين على عكس ما جعل من خلق الأب وتصويره في معرض الامتنان متعلقاً بهم إيماء إلى غاية كفرانهم وتماديهم في الغي، وعليه ينطبق قوله سبحانه : فتعالى الله عَمَّا يُشْرِكُونَ  ثم قال : فظهر أن ءجراء جعلا له على غير ما أجحري عليه الأول، والتعقيب بالفاء لا يوجب اختلال النظم بل يوجب التئامه اه، والانصاف أن الأسئلة قوية والآية على هذا الوجه من قبيل اللغز، وعن الحسن. وقتادة أن ضمير جعلا وآتاهما يعود على النفس وزوجها من ولد آدم لا إلى آدم وحواء عليهما السلام، وهو قول الأصم قال : ويكون المعنى في قوله سبحانه وتعالى : خَلَقَكُمْ مّن نَّفْسٍ واحدة  \[ الأعراف : ١٨٩ \] خلق كل واحد منكم من نفس واحدة وخلق لكل نفس زوجاً من جنسها فلما تغشى كل نفس زوجها حملت حملاً خفيفاً وهو ماء الفحل فلما أثقلت بمصير ذلك الماء لحماً ودماً وعظماً دعا الرجل والمرأة ربهما لئن آتيتنا صالحاً أي ذكرا سوياً لنكونن من الشاكرين وكانت عادتهم أن يئدوا البنات فلما آتاهما أي فلما أعطى الله تعالى الأب والأم ما سألاه جعلا له شركاء فسميا عبد اللات وعبد العزى وغير ذلك ثم رجعت الكناية في قوله سبحانه وتعالى : فتعالى الله عَمَّا يُشْرِكُونَ  إلى الجميع ولا تعلق للآية بآدم وحواء عليهما السلام أصلاً، ولا يخفى أن المتبادر من صدرها آدم وحواء ولا يكاد يفهم غيرهما رأساً نعم اختار ابن المنير ما مآله هذا في الانتصاف وادعى أنه أقرب وأسلم مما تقدم وهو أن يكون المراد جنسي الذكر والأنثى ولا يقصد معين من ذلك ثم قال : وكأن المعنى والله تعالى أعلم هو الذي خلقكم جنساً واحداً وجعل أزواجكم منكم أيضاً لتسكنوا إليهن فلما تغشى الجنس الذي هو الذكر الجنس الذي هو الأنثى جرى من هذين الجنسين كيت وكيت، وإنما نسب هذه المقالة إلى الجنسو إن كان فيهم الموحدون لأن المشركين منهم فجاز أن يضاف الكلام إلى الجنس على طريقة قتل بنو تميم فلاناً وإنما قتلهم بعضهم، ومثله قوله تعالى : وَيَقُولُ الإنسان أَإِذَا مَا مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيّاً  \[ مريم : ٦٦ \] و  قُتِلَ الإنسان مَا أَكْفَرَهُ  \[ عبس : ١٧ \] إلى غير ذلك وتعقب بأن فيه إجراء جميع ألفاظ الآية على الأوجه البعيدة. 
وعن أبي مسلم أن صدر الآية ادم وحواء كما هو الظاهر إلا أن حديثهما ما تضمنه قوله سبحانه وتعالى :
 هُوَ الذى خَلَقَكُمْ مّن نَّفْسٍ واحدة وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا  \[ الأعراف : ١٨٩ \] وانقطع الحديث ثم خص المشركين من أولاد آدم بالذكر، ويجوز أن يذكر العموم ثم يخص البعض بالذكر، وهو كما ترى. وقيل : يجوز أن يكون ضمير جعلا لآدم وحواء كماهو الظاهر والكلام خارج مخرج الاستفهام الإنكاري والكناية في  فتعالى  الخ للمشكرين، وذلك أنهم كانوا يقولون : إن آدم عليه السلام كان يعبد الأصنام ويشرك كما نشرك فرد عليهم بذلك ونظير هذا أن ينعم رجل على آخر بوجوه كثيرة من الإنعام ثم يقال لذلك المنعم : إن الذي أنعمت عليه يقصد إيذاءك وإيصال الشر إليك فيقول : فعلت في حقه كذا وكذا وأحسنت إليه بكذا وكذا ثم إنه يقابلني بالشر والإساءة ومراده أنه بريء من ذلك ومنفي عنه. وقيل : يحتمل أن يكون الخطاب في  خَلَقَكُمْ  لقريش وهم آل قصي فإنهم خلقوا من نفسي قصي وكان له زوج من جنسه عربية قريشية وطلباً من الله تعالى الولد فأعطاهما أربعة بنين فسمياهم عبد مناف وعبد شمس وعبد العزى وعبد الدار يعني بها دار الندوة ويكون الضمير في  يُشْرِكُونَ  لهما ولأعقابهما المقتدين بهما وأيد ذلك بقوله في قصة أم معبد :فيا لقصي ما زوى الله عنكم  به من فخار لا يباري وسوددواستبعد ذلك في **«الكشف »** بأن المخاطبني لم يخلقوا من نفس قصي لا كلهم ولا كلهم وإنما هو مجمع قريش وبأن القول بأن زوجه قرشية خطأ لأنها إنما كانت بنت سيد مكة من خزاعة وقريش إذ ذاك متفرقون ليسوا في مكة، وأيضاً من أين العلم إنهما وعداً عند الحمل أن يكونا شاكرين لله تبارك وتعالى ولا كفران أشد من الكفر الذي كانا فيه. وما مثل من فسر بذلك إلا كمن عمر قصراً فهدم مصراً، وأما البيت فإنما خص فيه بنو قصي بالذكر لأنهم ألصق برسول الله صلى الله عليه وسلم أو لأنه لما كان سيدهم وأميرهم شمل ذكره الكل شمول فرعون لقومه ومعلوم أن الكل ليسوا من نسل فرعون اه. وأجيب عن قوله : من أين العلم الخ بأنه من إعلام الله تعالى إن كان ذلك هو معنى النظم، ومنه يعلم أن كون زوجته غير قرية في حيز المنعم. نعم في كون قصي هو أحد أجداد النبي صلى الله عليه وسلم كان مشركاً مخالفة لما ذهب إليه جمع من أن أجداده عليه الصلاة والسلام كلهم غير مشركين، وقيل : إن ضمير له للولد، والمعنى أنهما طلبا من الله تعالى أمثالاً للولد الصالح الذي أتاهما، وقيل : هو لإبليس، والمعنى جعلا لإبليس، والمعنى جعلا لإبليس شركاء في اسمه حيث سميا ولدهما بعبد الحرث، وكلا القولين ردهما الآمدي في أبكار الأفكار، وهما لعمري أوهن من بيت العنكبوت لكني ذكرتهما استيفاء للأقوال، وذهب جماعة من السلف كابن عباس. 
ومجاه. وسعيد بن المسيب وغيرهم إلى أن ضمير  جَعَلاَ  يعود آدم وحواء عليهما السلام، والمراد بالشرك بالنسبة إليهما غير ال

### الآية 7:191

> ﻿أَيُشْرِكُونَ مَا لَا يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ [7:191]

يُشْرِكُونَ أَيُشْرِكُونَ  به تعالى  مَا لاَ يَخْلُقُ شَيْئاً  أي ما لا يقدر على أن يخلق شيئاً من الأشياء أصلاً ومن حق المعبود أن يكون خالقاً لعابده لا محالة وعنى  بِمَا  الأصنام، وإرجاع الضمير إليها مفرداً لرعاية لفظها كما أن إرجاع ضمير الجمع إليهما من قوله سبحانه وتعالى : وَهُمْ يُخْلَقُونَ  لرعاية معناها وإيراد ضمير العقلاء مع أن الأصنام مما لا يعقل إنما هو بحسب اعتقادهم فيها وإجرائهم لها مجرى العقلاء وتسميتهم لها آلهة. 
والجملة عطف على  لاَّ يَخْلُقُ ، والجمع بين الأمرين لإبانة كمال منافاة حال ما أشركوه لما اعتقدوه فيه وإظهار غاية جهلهم، وعدم التعرض للخالق للإيذان بتعينه والاستغناء عن ذكره تعالى

### الآية 7:192

> ﻿وَلَا يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْرًا وَلَا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ [7:192]

وَلاَ يَسْتَطِيعُونَ  أي الأصنام  لَهُمْ  أي للمشركين الذين عبدوهم  نَصْراً  أي نصراً ما إذا أحزنهم أمرهم وخطب ملم  وَلاَ أَنفُسَهُمْ يَنصُرُونَ  إذا اعتراهم حادثة من الحوادث أي لا يدفعونها عن أنفسهم، وإيراد النصر للمشاكلة وهو مجاز في لازم معناه وهذا لتأكيد العجز والاحتياج المنافيين لاستحقاق الألوهية، ووصفوا فيما تقدم بالمخلوقية لكونهم أهلاً لها ولم يوصفوا هنا بالمنصورية لأنهم ليسوا أهلاً لها.

### الآية 7:193

> ﻿وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدَىٰ لَا يَتَّبِعُوكُمْ ۚ سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنْتُمْ صَامِتُونَ [7:193]

وقوله سبحانه وتعالى : وَإِن تَدْعُوهُمْ إِلَى الهدى لاَ يَتَّبِعُوكُمْ  بيان لعجزهم عما هو أدنى من النصر المنفي عنهم وأيسر وهو مجرد الدلالة على البغية والإرشاد إلى طريق حصولها من غير أن تحصل للطالب. والخطاب للمشركين بطريق الالتفات بدلالة ما بعد، وفيه إيذان بمزيد الاعتناء بأمر التوبيخ والتبكيت، أي وإن تدعوا الأصنام أيها المشركون إلى أن يرشدوكم إلى ما تاحصلون به المطالب أو تنجون به عن المكاره لا يتبعوكم إلى مرادكم ولا يجيبوكم ولا يقدرون على ذلك. وقرأ نافع  يَتَّبِعُوكُمْ  بالتخفيف وقوله تعالى :
 سَوَاء عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنتُمْ صامتون  استئناف مقر لمضمون ما قبله ومبين لكيفية عدم الاتباع، أي مستو عليكم في عدم الإفادة دعاؤكم لهم وسكوتكم فإنه لا يتغير حالكم في الحالين كما لا يتغير حالهم بحكم الجمادية، وكان الظاهر الإتيان بالفعل فيما بعد  أَمْ  لأن ما في حيز همزة التسوية مؤول بالمصدر، لكنه عدل عن ذلك للإيذان بأن إحداث العدوة مقابل باستمرار الصمات، وفيه من المبالغة ما لا يخفى، وقيل : إن الاسمية بمعنى الفعلية وإنما عدل عنها لأنها رأس فاصلة وفيه أنه لو قيل تصمتون تم المراد. 
وقيل : أن ضمير  تَدْعُواْ  للنبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنين أو له عليه الصلاة والسلام وجمع للتعظيم، وضمير المفعولين للمشركين، والمراد بالهدي دين الحق أي إن تدعوا المشركين إلى الإسلام لا يتبعوكم أي لم يحصلوا ذلك منكم ولم يتصفوا به، وتعقب بأنه مما لا يسعده سباق النظم الكريم وسياقه أصلاً على أنه لو كان كذلك لقيل عليهم مكان عليكم كما في قوله تعالى : سَوَاء عَلَيْهِمْ ءأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ  \[ البقرة : ٦ \] فإن استواء الدعاء وعدمه إنما هو بالنسبة للمشركين لا بالنسبة إلى الداعين فإنهم فائزون بفضل الدعوة، ولعل رواية ذلك عن الحسن غير ثابتة، والطبرسي حاطب ليل.

### الآية 7:194

> ﻿إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ ۖ فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ [7:194]

إِنَّ الذين تَدْعُونَ  تقريري لما قبله من عدم اتباعهم لهم، والدعاء اما بمعنى العبادة تسمية لها بجزئها، أو بمعنى التسمية كدعوته زيداً ومفعولاه محذوفان أي إن الذين تعبدونهم  مِن دُونِ الله  أو تسمونهم آلهة من دونه سبحانه وتعالى : عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ  أي مماثلة لكم من حيث أنها مملوكة لله تعالى مسخرة لأمره عاجزة عن النفع والضر كما قال الأخفش، وتشبيهاً بهم في ذلك مع كون عجزها عنهما أظهر وأقوى من عجزهم إنما هو لاعترافهم بعجز أنفسهم وزعمهم قدرتها عليهما إذ هو الذي يدعوهم إلى عبادتها والاستعانة بها، وقيل : يحتمل أنهم لما نحتوا الأصنام بصور الأناسي قال سبحانه لهم : إن قصارى أمرهم أن يكونوا أحياء عقلاء أمثالكم فلا يستحقون عبادتكم كما لا يستحق بعضكم عبادة بعض فتكون المثلية في الحيوانية والعقل على الفرض والتقدير لكونهم بصورة الأحياء العقلاء، وقرأ سعيد بن جبير  إِنَّ الذين تَدْعُونَ  بتخفيف إن ونب عباداً أمثالكم، وخرجها ابن جني على أن إن نافية عملت عمل ما الحجازية وهو مذهب الكسائي وبعض الكوفيين. واعترض أولاً : بأنه لم يثبت مثل ذلك، وثانياً : بأنه يقتضي نفي كونهم عباداً أمثالهم، والقراءة المشهورة تثبته فتتناقض القراءتان، وأجيب عن الأول : بأن القائل به يقول : إنه ثابت في كلام العرب كقوله :أن هو مستولياً على أحد  إلا على أضعف المجانينوعن الثاني : أنه لا تناقض لأن المشهورة تثبت المثلية من بعض الوجوه وهذه تنفيها من كل الوجوه أو من وجه آخر فإن الأصنام جمادات مثلاً والداعين ليسوا بها، وقيل : إنها إن المخففة من المثقلة وإنها على لغة من نصب بها الجزئين كقوله :إذا اسود جنح الليل فلتأت ولتكن  خطاك خفافا أن حراسنا أسدافي رأي ولا يخفى، أن إعمال المخففة ونصب جزئيهما كلاهما قليل ضعيف، ومن هنا قيل : إنها مهملة وخبر المبتدأ محذوف وهو الناصب لعباداً و  أمثالكم  على القراءتين نعت لعباد عليهما أيضاً، وقرىء  ءانٍ  بالتشديد و  عِبَادًا  بالنصب على أنه حال من العائد المحذوف و  أمثالكم  بالرفع على أنه خبر أن، وقرىء به مرفوعاً في قراءة التخفيف ونصب  عِبَادِ  وخرج ذلك على الحالية والخبرية أيضاً  فادعوهم فَلْيَسْتَجِيبُواْ لَكُمْ  تحقيق لمضمون ما قبله بتعجيزهم وتبكيتهم أي دافعوهم في رفع ضر أو جلب نفع  إِن كُنتُمْ صادقين  في زعمكم أنهم قادرون على ما أنتم عاجزون عنه
( هذا ومن باب الإشارة ) : إِنَّ الذين تَدْعُونَ مِن دُونِ الله  كائناً ما كان  عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ  في العجز وعدم التأثير  فادعوهم  إلى أي أمر كان  فَلْيَسْتَجِيبُواْ لَكُمْ إِن كُنتُمْ صادقين  \[ الأعراف : ١٩٤ \] في نسبة التأثير إليهم

### الآية 7:195

> ﻿أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَا ۖ أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِهَا ۖ أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِهَا ۖ أَمْ لَهُمْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا ۗ قُلِ ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ كِيدُونِ فَلَا تُنْظِرُونِ [7:195]

وقوله تعالى : أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَا  الخ تبكيت إثر تبكيت مؤكد لما يفيده الأمر التعجيزي من عدم الاستجابة ببيان فقدان آلاتها بالكلية، وقيل : إنه على الاحتمال الأول في المماثلة كر على المثلية بالنقض لأنهم أدون منهم، وعبادة الشخص من هو مثله لا تليق فكيف من هو دونه، وعلى الاحتمال الثاني فيها عود على الفرض المبني عليه بالمثلية بالإبطال، وعلى قراءة التخفيف وإرادة النفي تقرير لنفي المماثلة بإثبات القصور والنقصان، ووجه الإنكار إلى كل واحد من تلك الآلات الأربع على حدة تكريراً للتبكيت وتثنية للتقريع وإشعاراً بأن انتفاء كل واحد منها بحيالها كاف في الدلالة على استحالة الاستجابة وليس المراد أن من لم يكن له هذه لا يستحق الألوهية وإنما يستحقها من كانت له ليلزم أما نفي استحقاق الله تبارك وتعالى لها أو إثبات ذلك له كما ذهب إليه بعض المجسمة واستدل بالآية عليه بل مجرد إثبات العجز، ومن ذلك يعلم نفي الاستحقاق، ووصفه الأرجل بالمشي بها للإيذان بأن مدار الإنكار هو الوصف وإنما وجه إلى الأرجل لا إلى الوصف بأن يقال : أيمشون بأرجلهم لتحقيق أنها حيث لم يظهر منها ما يظهر من سائر الأرجل فهي ليست بأرجل في الحقيقة، وكذا الكلام فيما بعد من الجوارح الثلاثة الباقية، وكلمة  أَمْ  في قوله تعالى : أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِهَا  منقطعة وما فيها من الهمزة لما مر من التبكيت، وبل للإضراب المفيد للانتقال من فن منه بعد تمامه إلى آخر منه مما تقدم، والبطش الأخذ بقوة. 
وقرأ أبو جعفر  يَبْطِشُونَ  بضم الطاء وهو لغة فيه، والمعنى بل ألهم أيد يأخذون بها ما يريدون أو يدفعون بها عنكم، وتأخير هذا عمله قبله كما قال شيخ الإسلام لما أن المشي حالهم في أنفسهم والبطش حالهم بالنسبة إلى الغير، وأما تقديم ذلك على قوله تعالى : أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ ءاذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا  مع أن الكل سواء في أنها من أحوالهم بالنسبة إلى الغير فلمراعاة المقابلة بين الأيدي والأرجل ولأن انتفاء المشي والبطش أظهر والتبكيت به أقوى، وأما تقديم الأعين على الآذان فلأنا أشهر منها وأظهر عيناً وأثراً، وكون الإبصار بالعين والسماع بالأذان جار على الظاهر المتعارف. واستدل بالآية من قال : إن الله تعالى أودع في بعض الأشياء قوة بها تؤثر إذا أذن الله تعالى لها خلافاً لمن قال : إن التأثير عندها لا بها. وزعم أن ذلك القول قريب إلى الكفر وليس كما زعم بل هو الحق الحقيق بالقبول  قُلِ ادعوا شُرَكَاءكُمْ  أمر له صلى الله عليه وسلم بأن يناصبهم المحاجة ويكرر عليهم التبكيت بعد أن بين شركاءهم لا يقدرون على شيء أصلاً، أي أدعوا شركاءكم واستعينوا بهم على  ثُمَّ كِيدُونِ  جميعاً أنتم وشركاؤكم وبالغوا في ترتيب ما تقدرون عليه من مبادي المكر والكيد  فَلاَ تُنظِرُونِ  فلا تمهلوني ساعة بعد ترتيب مقدمات الكيد فإني لا أبالي بكم أصلاً، وياء المتكلم في الفعلين مما لا يثبتوها خطأ، وقرأ أبو عمرو بإثبات ياء كيدون وصلاً وحذفها وقفا، وهشام بإثباتها في الحالين والباقون بحذفها فيهما. وفي هود  فَكِيدُونِى جَمِيعًا  \[ هود : ٥٥ \] بإثبات الياء مطلقاً عند الجميع، وأما ياء  فَلاَ تُنظِرُونِ  فقد قال الأجوهري : إنهم حذفوها لا غير. 
( هذا ومن باب الإشارة ) : أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَا  استفهام على سبيل الإنكار أي ليس لهم أرجل يمشون بها بل بالله عز وجل إذ هو الذي يمشيهم وكذا يقال فيها بعد  قُلِ ادعوا شُرَكَاءكُمْ ثُمَّ كِيدُونِ  \[ الأعراف : ١٩٥ \] إن استطعتم

### الآية 7:196

> ﻿إِنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ ۖ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ [7:196]

إِنَّ وَلِيّىَ الله الذى نَزَّلَ الكتاب  تعليل لعدم المبالاة المنفهم من السوق انفهاماً جلياً، وأل في الكتاب للعهد والمراد منه القرآن، ووصفه سبحانه بتنزيل الكتاب للإشعار بدليل الولاية، وكأنه وضع نزل الكتاب موضع أرسلني رسولاً ولا شك أن الإرسال يقتضي الولاية والنصرة، وقيل : إن في ذلك إشارة إلى علة أخرى لعدم المبالاة كأنه قيل : لا أبالي بكم وبشركائكم لأن وليي هو الله تعالى الذي نزل الكتاب الناطق بأنه وليي وناصري وبأن شركاءكم لا يستطيعون نصر أنفسهم فضلاً عن نصركم، وقوله سبحانه وتعالى : وَهُوَ يَتَوَلَّى الصالحين  تذييل مقرر لمضمون ما قبله، أي ومن عادته جل شأنه أن ينصر الصالحين من عباده ولا يخذلهم وقال الطيبي : إنما خص اسم الذات بتنزيل الكتاب وجعلت الآية تعليلاً للدلالة على تفخيم أمر المنزل وأنه الفارق بين الحق والباطل وأنه المجلي لظلمات الشرك والمفحم لألسن أرباب البيان والمعجز الباقي في كل أوان وهو النور المبين والحبل المتين وبه أصلح الله تعالى شؤون رسوله صلى الله عليه وسلم حيث كمل به خلقه وأقام به أوده وأفسد به الأباطيل المعطلة، ومن ثم جيء بقوله سبحانه وتعالى : وَهُوَ  الخ كالتذييل والتقرير لما سبق والتعريض بمن فقد الصلاح بالخذلان والمحق، والمعنى إن وليي الذي نزل الكتاب المشهور الذي تعرفون حقيقته ومثله يتولى الصالحين وبخذل غيرهم، ولا يخفى أن ما ذكر أولاً في أمر الوصفية أنسب بالمقام وأمر التذييل مما لا مرية فيه، وهذه الآية مماجربت المداومة عليها للحفظ من الأعداء وكانت ورد الوالد عليه الرحمة في الأسحار وقد أمره بذلك بعض الأكابر في المنام، والجمهور على تشديد الياء الأولى من  وَلِيُّ  وفتح الثانية ويقرأ بحذفها في اللفظ لسكونها وسكون ما بعدها، وبفتح الأولى ولا ياء بعدها وحذف الثانية من اللفظ تخفيفاً. 
( هذا ومن باب الإشارة ) : إِنَّ وَلِيّىَ الله  حافظي ومتولي أمري  الذى نَزَّلَ الكتاب وَهُوَ يَتَوَلَّى الصالحين  \[ الأعراف : ١٩٦ \] أي من قام به في حال الاستقامة.

### الآية 7:197

> ﻿وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكُمْ وَلَا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ [7:197]

والذين تَدْعُونَ مِن دُونِهِ  أي تعبدونهم أو تدعونهم من دونه سبحانه وتعالى للاستعانة بهم على حسبما أمرتكم به  لاَ يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكُمْ  في أمر من الأمور ويدخل في ذلك الأمر المذكور دخولاً أولياً، وجوز الاقتصار عليه  وَلاَ أَنفُسَهُمْ يَنصُرُونَ  إذا أصيبوا بحادثة.

### الآية 7:198

> ﻿وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدَىٰ لَا يَسْمَعُوا ۖ وَتَرَاهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ [7:198]

وَإِن تَدْعُوهُمْ إِلَى الهدى  أي إلى أن يهدوكم إلى ما تحصلون به مقاصدكم مطلقاً أو في خصوص الكيد المعهود  لاَ يَسْمَعُواْ  أي دعاءكم فضلاً عن المساعدة والإمداد، وهذا أبلغ من نفي الاتباع، وحمل السماع على القبول كما في سمع الله لمن حمده كما زعمه بعضهم ليس بشيء، وقوله سبحانه وتعالى : وَتَرَاهُمْ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لاَ يُبْصِرُونَ  بيان لعجزهم عن الإبصار بعد بيان عجزهم عن السمع، وبهذا على ما قيل تم التعليل لعدم المبالاة فلا تكرار أصلاً، وقال الواحدي : إن ما مر للفرق بين من تجوز عبادته وغيره، وهذا جواب ورد لتخويفهم له صلى الله عليه وسلم بآلهتهم، والرؤية بصرية، وجملة ينظرون في موضع الحال من المفعول الراجع للأصنام، والجملة الاسمية حال من فاعل ينظرون، والخطاب لكل واحد من المشركين، والمعنى وترى الأصنام رأي العين يشبهون الناظر إليك ويخيل لك أنهم يبصرون لما أنهم صنع لهم أعين مركبة بالجواهر المتلألئة وصورت بصورة من قلب حدقته إلى الشيء ينظر إليه والحال أنهم غير قادرين على الإبصار، وتوجيه الخطاب إلى كل واحد من المشركين دون الكل من حيث هو كل كالخطابات السابقة للإيذان بأن رؤية الأصنام على الهيئة المذكورة لا يتسنى للكل معاً بل لكل من يواجهها. 
وذهب غير واحد إلى أن الخطاب في  تَرَاهُمْ  لكل واقف عليه، وقيل للنبي صلى الله عليه وسلم، وضمير الغيبة على حاله أو للمشركين على أن التعليل قد تم عند قوله تعالى : لاَ يَسْمَعُواْ  أي وترى المشركين ناظرين إليك والحال أنهم لا يبصرونك كما أنت عليه أو لا يبصرون الحجة كما قال السدي، ومجاهد. ونقل عن الحسن أن الخطاب في  وَإِن تَدْعُوهُمْ  للمؤمنين على أن التعليل قد تم عند قوله سبحانه وتعالى : يُنصَرُونَ  \[ الأعراف : ١٩٧ \] أي وإن تدعوا أيها المؤمنون المشركين إلى الإسلام لا يلتفتوا إليكم ولا يقبلوا منكم، وعلى هذا يحسن تفسير السماع بالقبول، وجعل  وَتَرَاهُمْ  خطاباً لسيد المخاطبين بطريق التجريد، وفي الكلام تنبيه على أن ما فيه عليه الصلاة والسلام من شواهد النبوة ودلائل الرسالة من الجلاء بحيث لا يكاد يخفى على الناظرين. 
وجوز بعضهم أن تكون الرؤية علمية وما كان في موضع المفعول الثاني والأول أولى. 
( هذا ومن باب الإشارة ) : وَتَرَاهُمْ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لاَ يُبْصِرُونَ  \[ الأعراف : ١٩٨ \] الحق ولا حقيقتك لأنهم عمي القلوب في الحقيقة، والضمير للكفار

### الآية 7:199

> ﻿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ [7:199]

خذ العفو  أي عفا وسهل وتيسر من أخلاق الناس وإلى هذا ذهب ابن عمر وابن الزبير وعائشة ومجاهد رضي الله تعالى عنهم وغيرهم وأخرجه ابن أبي الدنيا عن إبراهيم بن آدم مرفوعا إلى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم والأخذ مجاز عن القبول والرضا أي ارض من الناس بما تيسر من أعمالهم وما أتى منهم وتسهل من غير كلفة ولا تطلب منهم الجهد وما يشق عليهم حتى لا ينفروا ومن ذلك قوله : خذي العفو مني تستديمي وجوز أن يراد بالعفو ظاهره أي خذ العفو عن المذنبين والمراد اعف عنهم وفيه إستعارة مكنية إذ شبه العفو بأمر محسوس يطلب فيؤخذ وإلى هذا ذهب جمع من السلف ويشهد له ما أخرجه ابن جرير وابن المنذر وغيرهما عن الشعبي قال : لما أنزل الله تعالى  خذ العفو  إلى آخره قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم : ما هذا يا جبريل قال : لا أدري حتى أسأل العالم فذهب ثم رجع فقال : إن الله تعالى أمرك أن تعفو عمن ظلمك وتعطي من حرمك وتصل من قطعك وأخرج ابن مردويه عن جابر نحو ذلك ولعل زبدة الحديث مفسرة لزبدة الآية وإلا فالتطبيق مشكل كما لا يخفى وتكلف القطب لتطبيق ألفاظه على ألفاظها وفيه خفاء وعن ابن عباس المراد بالعفو ما عفى من أموال الناس أي خذ أي شيء أتوك به وكان هذا قبل فرض الزكاة وقيل : العفو ما فضل عن النفقة من المال وبذلك فسره الجوهري وإليه ذهب السدي فقد أخرج أبو الشيخ عنه أنه قال : نزلت هذه الآية فكان الرجل يمسك من ماله ما يكفيه ويتصدق بالفضل فنسخها الله تعالى بالزكاة  وأمر بالمعروف  أي بالمعروف المستحسن من الأفعال فإن ذلك أقرب إلى قبول الناس من غير نكير وفي لباب التأويل أن المراد وأمر بكل ما أمرك الله تعالى به وعرفته بالوحي وقال عطاء : المراد بالعرف كلمة لا إله إلا الله وهو تخصيص من غير داع  وأعرض عن الجاهلين  أي ولا تكافيء السفهاء بمثل سفههم ولا تمترهم واحلم عليهم وأغض بما يسوءك منهم وعن السدي أن هذا أمر بالكف عن القتال ثم نسخ بآيته ولا ضرورة إلى دعوى النسخ في الآية كما لا يخفى على المتدبر وقد ذكر غير واحد أنه ليس في القرآن آية أجمع لمكارم الأخلاق من هذه الآية وزبدتها كما قالوا تحري حسن المعاشرة مع الناس وتوخي بذل المجهود في الإحسان إليهم والمداراة منهم والإغضاء عن مساويهم وجعلوا نحو ذلك زبدة الخبر إلا أن القرآن مادته عامة ومادته خاصة وقد علم كل أناس مشربهم ولا يخفى حسن موقع هذا الأمر بعد ما عد من أباطيل المشركين وقبائحهم ما لا يطاق حمله وإذ قيل : بأن الجاهلين موضوع موضع ضمير أولئك المشركين حيث أن الكلام فيهم تسجيلا عليهم بعدم الإرعواء وإقناطا كليا منهم التأمت أطراف الكلام غاية الإلتئام هذا وعن ابن زيد أنه لما نزل قوله تعالى : وأعرض عن الجاهلين  قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم : كيف يا رب والغضب فنزل قوله سبحانه وتعالى : وإما ينزغنك من الشيطان نزغ . 
ومن باب الإشارة : خذ العفو  أي السهل الذي يتيسر لهم ولا تكلفهم ما يشق عليهم  وَأْمُرْ بالعرف  أي بالوجه الجميل،  وَأَعْرِض عن الجاهلين  \[ الأعراف : ١٩٩ \] فلا تكافئهم بجهلهم. عن جعفر الصادق رضي الله تعالى عنه ليس في القرآن آية أجمع لمكارم الأخلاق من هذه الآية قيل وذلك لقوة دلالتها على التوحيد فإن من شاهد مالك النواصي وتصرفه في عباده وكونهم فيما يأتون ويطرون به سبحانه وتعالى لا بأنفسهم لا يشاقهم ولا يداقهم في تكاليفهم ولا يغضب في الأمر والنهي ولا يتشدد ويحلم عنهم،

### الآية 7:200

> ﻿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ ۚ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ [7:200]

وَإِمَّا يَنَزَغَنَّكَ مِنَ الشيطان نَزْغٌ  النزغ والنسغ والنخس بمعنى وهو إدخال الإبرة أو طرف العصا أو ما يشبه ذلك في الجلد، وعن ابن زيد أنه يقال : نزغت ما بن القوم إذا أفسدت ما بينهم، وقال الزجاج : هو أدنى حركة تكون، ومن الشيطان وسوسته، والمعنى الأول هو المشهور، وإطلاقه على وسوسة الشيطان مجاز حيث شبه وسوسته إغراء للناس على المعاصي وإزعاجاً بغرز السائق ما يسوقه، وإسناد الفعل إلى المصدر مجازي كما في جد جده، وقيل : النزغ بمعنى النازغ فالتجوز في الطرف، والأول أبلغ وأولى، أي إما يحملنك من جهة الشيطان وسوسة ما على خلاف ما أمرت به من اعتراء غضب أو نحوه  فاستعذ بالله  فاستجربه والتجىء إليه سبحانه وتعالى في دفعه عنك  إِنَّهُ سَمِيعٌ  سمع على أكمل وجه استعاذتك قولاً  عَلِيمٌ  يعلم كذلك تضرعك إليه قلباً في ضمن القول أو بدونه فيعصمك من شره، أو سمع أي مجيب دعاءك بالاستعاذة عليم بما فيه صلاح أمرك فيحملك عليه، أو سميع بأقوال من آذاك عليم بأفعاله فيجازيه عليها، والآية على ما نص عليه بعض المحققين من باب  لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ  \[ الزمر : ٦٥ \] فلا حجة فيها لمن زعم عدم عصمة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام من وسوسة الشيطان وارتكاب المعاصي. وفي **«صحيح مسلم »** عن ابن مسعود قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" ما منكم من أحد إلا وقد وكل به قرينه من الجن وقرينه من الملائكة قالوا : وإياك يا رسول الله قال : وإياي إلا أن الله تعالى أعانني عليه فأسلم فلا يأمرني إلا بخير " وقال آخرون : إن نزغ الشيطان بالنسبة إليه صلى الله عليه وسلم مجاز عن اعتراء الغضب المقلق للنفس، وفي الآية حينئذٍ زيادة تنفير عن الغضب وفرط تحذير عن العمل بموجبه، ولذا كرر صلى الله عليه وسلم النهي عنه كما جاء في الحديث، وفي الأمر بالاستعاذة بالله تعالى تهويل لذلك وتنبيه على أنه من الغوائل التي لا يتخلص من مضرتها إلا بالالتجاء إلى حرم عصمته عز وجل. 
( هذا ومن باب الإشارة ) : وَإِمَّا يَنَزَغَنَّكَ مِنَ الشيطان نَزْغٌ فاستعذ بالله  \[ الأعراف : ٢٠٠ \] بالشهود والحضور فإنك ترى حينئذ أن لا فعل لغيره سبحانه، وهذا إشارة إلى ما يعتري الإنسان أحياناً من الغضب وإيماء إلى علاجه بالاستعاذة قال بعضهم : إن الغضب إنما يهيج بالإنسان إذا استقبح من المغضوب عليه عملاً من الأعمال ثم اعتقد في نفسه كونه قادراً وفي المغضوب عليه كونه عاجزاً، وإذا انكشف له نور من عالم العقل عرف أن المغضوب عليه إنما أقدم على ذلك العمل لأن الله تعالى خلق فيه داعية وقد سبقت عليه الكلمة الأزلية فلا سبيل له إلى تركه وحينئذ يتغير غضبه. وقد ورد من عرف سر الله تعالى في القدر هانت عليه المصائب، الاستعاذة بالله تعالى في المعنى طلب الالتجاء إليه باستكشاف ذلك النور،

### الآية 7:201

> ﻿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ [7:201]

إِنَّ الذين اتقوا  استئناف مقرر لما قبله من الأمر ببيان أن الاستعاذة سنة مسلوكة للمتقين والإخلال بها شنشنة الغاوين، أي إن الذين اتصفوا بتقوى الله تعالى  إِذَا مَسَّهُمْ طائف مّنَ الشيطان  أي لمة منه كما روي عن ابن عباس، وتنوينه للتحقير، والمراد وسوسة ما، وهو اسم فاعل من طاف بالشيء إذا دار حوله، وجعل الوسوسة طائفاً للإيذان بأنها وإن مست لا تؤثر فهم فكأنها طافت حولهم ولم تصل إليهم. 
وجوز أن يكون من طاف طيف الخيال إذا ألم في المنام فالمراد به الخاطر. وذهب غير واحد إلى أن المراد بالطائف الغضب. وقرأ ابن كثير. وأبو عمرو. والكسائي. ويعقوب ( طيف ) على أنه مصدر أو تخفيف من طيف من الواوي أو اليائي كهين ولين. والمراد بالشيطان الجنس لا إبليس فقط ولذا جمع ضميره فيما سيأتي  تَذَكَّرُواْ  أي ما أمر الله تعالى به ونهى عنه، أو الاستعاذة به تعالى والالتجاء إليه سبحانه وتعالى، أو عداوة الشيطان وكده  \*فَإذَاهُمْ  بسبب ذلك التذكر  هُم مُّبْصِرُونَ  مواقع الخطأ ومناهج الرشد فيحترزون عما يخالف أمر الله تعالى وينجون عما لا يرضيه سبحانه وتعالى، والظاهر أن المراد من الموصول من اتصف بعنوان الصلة مطلقاً، وقال بعض المحققين : إن الخطاب في قوله سبحانه وتعالى : وَإِمَّا يَنَزَغَنَّكَ  \[ الأعراف : ٢٠٠ \] الخ أما أن يكون مختصاً برسول الله صلى الله عليه وسلم كما هو الظاهر فالمناسب أن يراد بالمتقين المرسلون من أولي العزم، أو يكون عاماً على طريقة **«بشر المشائين إلى المساجد بالنور التام يوم القيامة »**، أو خاصاً يراد به العام نحو  يا أيُّهَا النبى إِذَا طَلَّقْتُمُ النساء  \[ الطلاق : ١ \] فالمتقون حينئذٍ الصالحون من عباد الله تعالى انتهى. ولا يخفى أن الملازمة في الشرطية الأولى في حيز المنع والعموم هو المتبادر على كل حال، وزعم بعضهم أن المراد بالمتقين المنسوب إليهم المس غير الأنبياء عليهم السلام، وجعل الخطاب فيما سبق خاصاً بالسيد الأعظم صلى الله عليه وسلم وادعى أن النزغ أول الوسوسة والمس لا يكون إلا بعد التمكن، ثم قال : ولذا فصل الله سبحانه وتعالى بين النبي عليه الصلاة والسلام وغيره من سائر المتقين فعبر في حقه عليه الصلاة والسلام بالنزغ وفي حقهم بالمس، وقد يقال : إن اهتمام الشيطان في الوسوسة للكامل أكمل من اهتمامه في الوسوسة لمن دونه فلذا عبر أولاً بالنزغ وثانياً بالمس. 
( هذا ومن باب الإشارة ) : إِنَّ الذين اتقوا  الشرك  إِذَا مَسَّهُمْ طائف مّنَ الشيطان  لمة منه بنسبة الفعل إلى غيره سبحانه وتعالى : تَذَكَّرُواْ  مقام التوحيد ومشاهدة الأفعال من الله تعالى  فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ  \[ الأعراف : ٢٠١ \] فعالية الله تعالى لا شيطان ولا فاعل غيره سبحانه في نظرهم

### الآية 7:202

> ﻿وَإِخْوَانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي الْغَيِّ ثُمَّ لَا يُقْصِرُونَ [7:202]

وإخوانهم  أي إخوان الشياطن الذين لم يتقوا وذلك معنى الإخوة بينهم، وهو مبتدأ وقوله سبحانه وتعالى : يَمُدُّونَهُمْ فِى الغى  خبره، والضمير المرفوع للشياطين والمنصوب للمبتدأ، أي تعاونهم الشياطين في الضلال وذلك بأن يزينوه لهم ويحملوهم عليه، والخبر على هذا جار على غير من هو له وفي أنه هل يجب إبراز الضمير أولا يجب في مثل ذلك خلاف بين أهل القريتين كالصفة المختلف فيها بينهم، وقيل : إن الضمير الأول للإخوان والثاني للشياطين، والمعنى وإخوان الشياطين يمدون الشياطين بالاتباع والامتثال، وعلى هذا يكون الخبر جارياً على من هو له، والجار والمجرور متعلق بما عنده، وجوز أن يكون في موضع الحال من الفاعل أو من المفعول. وقرأ نافع  يَمُدُّونَهُمْ  بضم الياء وكسر الميم من الإمداد والجمهور على فتح الياء وضم الميم. 
قال أبو علي في الحجة بعد نقل ذكر ذلك : وعامة ما جاء في التنزيل مما يحمد ويستحب أمددت على أفعلت كقوله تعالى : أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِن مَّالٍ وَبَنِينَ  \[ المؤمنون : ٥٥ \]  وأمددناهم بفاكهة  \[ الطور : ٢٢ \] و  أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٍ  \[ النمل : ٣٦ \] وما كان بخلافه على مددت قال تعالى : وَيَمُدُّهُمْ فِي طغيانهم يَعْمَهُونَ  \[ البقرة : ١٥ \] وهكذا يتكلمون بما يدل على أن الوجه فتح الياء كما ذهب إليه الأكثر، ووجه قراءة نافع أنه مثل  فَبَشّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ  \[ آل عمران : ٢١ \]  فَسَنُيَسّرُهُ للعسرى  \[ الليل : ١٠ \] وقرأ الجحدري ( يمادونهم } من باب المفاعلة وهي هنا مجازية كأنهم كان الشاطين يعينونهم بالإغراء وتهوين المعاصي عليهم وهؤلاء يعينون الشياطين بالاتباع والامتثال
 ثُمَّ لاَ يُقْصِرُونَ  أي لا يمسكون ولا يكفون عن إغوائهم حتى يردوهم بالكلية فهو من أقصر إذا أقلع وأمسك كما في قوله :
سما لك شوق بعد ما كان أقصرا \*\*\* وجوز أن يكون الضمير للإخوان. وروي ذلك عن ابن عباس. والسدي وإليه ذهب الجبائي، أي ثم لا يكف هؤلاء عن الغي ولا يقصرون كالمتقين، وجوز أيضاً أن يراد بالإخوان الشياطين وضمير الجمع المضاف إليه أولاً والمفعول ثانياً والفاعل ثالثاً يعود إلى الجاهلين في قوله سبحانه وتعالى : وَأَعْرِض عَنِ الجاهلين  \[ الأعراف : ١٩٩ \] أي وإخوان الجاهلين وهم الشياطين يمدون الجاهلين في الغي ثم لا يقصر الجاهلون عن ذلك، والخبر على هذا أيضاً جار على ما هو له كما في بعض الأوجه السابقة والأول أولى رعاية للمقابلة. وقرأ عيسى بن عمر  يُقْصِرُونَ  بفتح الياء وضم الصاد من قصر وهو مجاز عن الإمساك أيضاً. 
( هذا ومن باب الإشارة ) : وإخوانهم  أي إخوان الشياطين من المحجوبين  يمدونهم  الشياطين في الغي وهو نسبة الفعل إلى سوى  ثُمَّ لاَ يُقْصِرُونَ  \[ الأعراف : ٢٠٢ \] عن العناد والمراء والجدل،

### الآية 7:203

> ﻿وَإِذَا لَمْ تَأْتِهِمْ بِآيَةٍ قَالُوا لَوْلَا اجْتَبَيْتَهَا ۚ قُلْ إِنَّمَا أَتَّبِعُ مَا يُوحَىٰ إِلَيَّ مِنْ رَبِّي ۚ هَٰذَا بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ [7:203]

وَإِذَا لَمْ تَأْتِهِم بِئَايَةٍ  من القرآن عند تراخي الوحي كما روي عن مجاهد. وقتادة. والزجاج، أو بآية مقترحة كما روي عن ابن عباس. والجبائي. وأبي مسلم  قَالُواْ لَوْلاَ اجتبيتها  أي هلا جمعتها ولفقتها من عند نفسك افتراء، أو هلا أخذتها من الله تعالى بطلب منه، وهو تهكم منهم لعنهم الله تعالى، ومما ذكرنا علم أن لاجتبى معنيين جمع وأخذ ويختلف المراد حسب الاختلاف في تفسير الآية، وعن علي بن عيسى أن الاجتباء في الأصل الاستخراج ومنه جباية الخراج، وقيل : أصله الجمع من جبيت الماء في الحوض جمعته، ومنه قيل للحوض جابية لجمعه الماء، وإلى هذا ذهب الراغب، وف **«الدر المصون »** جبى الشيء جمعه مختاراً ولذا غلب اجتبيته بمعنى اخترته. 
وقال الفراء يقال اجتبيت الكلام واختلقته وارتجلته إذا افتعلته من قبل نفسك وكذا اخترعته عند أبي عبيدة، وقال ابن زيد : هذه الأحرف تقولها العرب للكلام يبتديه الرجل لم يكن أعده قبل ذلك في نفسه، ومن جعل الأصل شيئاً لا ينكر الاستعمال في الآخر مجازاً كما لا يخفى  قُلْ  رداً عليهم  إِنَّمَا أَتَّبِعُ مَا يِوحَى إِلَىَّ مِن رَّبّى  من غير أن يكون لي دخل ما في ذلك أصلاً على معنى تخصيص حاله عليه الصلاة والسلام باتباع ما يوحى إليه بتوجيه القصر إلى نفس الفعل بالنسبة إلى مقابله الذي كلفوه إياه عليه الصلاة والسلام لا على معنى تخصيص اتباعه صلى الله عليه وسلم بما يوحى إليه بتوجيه القصر بالقياس إلى مفعول آخر كما هو الشائع في موارد الاستعمال كأنه قل : ما أفعل إلا اتباع ما يوحى إلي منه تعالى دون الاختلاف والاقتراح، وفي التعرض لعنوان الربوبية مع الإضافة إلى ضميره عليه الصلاة والسلام ما لا يخفى  هذا  إشارة إلى القرآن الجليل المدلول عليه بما يوحى إليّ  بَصَائِرُ مِن رَّبّكُمْ  أي بمنزلة البصائر للقلوب بها تبصر الحق وتدرك الصواب، أو حجج بينة وبراهين نيرة تغني عن غيرها فالكلام خارج مخرج التشبيه البليغ، وقد حققت ما فيه على الوجه الأتم في الطراز المذهب، أو فيه مجاز مرسل حيث أطلق المسبب على السبب، وجوز أن تكون البصائر مستعارة لإرشاد القرآن الخلق إلى إدراك الحقائق، وهذا مبتدأ وبصائر خبره، وجمع خبر المفرد لاشتماله على آيات وسور جعل كل منها بصيرة، و  مِنْ  متعلقة بمحذوف وقع صفة لبصائر مفيدة لفخامتها أي بصائر كائنة منه تعالى، والتعرض لوصف الربوبية مع الإضافة إلى ضميرهم لتأكيد وجوب الإيمان بها، وقوله سبحانه وتعالى : وَهُدًى وَرَحْمَةٌ  عطف على بصائر، وتنوينهما للتفخيم، وتقديم الظرف عليهما وتعقبهما بقوله تعالى : لّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ  كما قال شيخ الإسلام للإيذان بأن كون القرآن بصائر متحقق بالنسبة إلى الكل وبه تقوم الحجة على الجميع، وأما كونه البعض من أن الثلاثة للمؤمنين، فقد قال النيسابوري في التفسير : إن البصائر لأصحاب عين اليقن والهدى لأرباب علم اليقين والرحمة لغيرهم من الصالحين المقلدين على أتم وجه والجميع لقوم يؤمنون، وذكر نحو ذلك الخازن وادعى أنه من اللطائف وهو خلاف الظاهر بل لا يكاد يسلم، وهذه الجملة على ما يظهر من تمام القول المأمور به. 
واحتج بالآية من لم يجوز الاجتهاد للنبي صلى الله عليه وسلم وفيه نظر. 
( هذا ومن باب الإشارة ) : و  قَالُواْ لَوْلاَ اجتبيتها  أي جمعتها من تلقاء نفسك  قُلْ إِنَّمَا أَتَّبِعُ مَا يُوحِى إِلَىَّ مِنْ رَبّى  \[ الأعراف : ٢٠٣ \] لأني قائم به لا بنفسي

### الآية 7:204

> ﻿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ [7:204]

وَإِذَا قُرِىء القرءان فاستمعوا لَهُ وَأَنصِتُواْ  إرشاد إلى طريق الفوز بما أشير إليه من المنافع الجليلة التي ينطوي عليها القرآن، والاستماع معروف ؛ واللام يجوز أن تكون أجلية وأن تكون بمعنى إلى وأن تكون صلة، أي فاستمعوه، والإنصات السكوت يقال : نصت ينصت وأنصت وانتصت إذا سكت والاسم النصتة بالضم، ويقال كما قال الأزهري : أنصته وأنصت له إذا سكت له واستمع لحديثه، وجاء أنصته إذا أسكته، والعطف للاهتمام بأمر القرآن، وعلل الأمر بقوله سبحانه وتعالى : لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ  أي لكي تفوزوا بالرحمة التي هي أقصى ثمراته، والآية دليل لأبي حنيفة رضي الله تعالى عنه في أن المأموم لا يقرأ في سرية ولا جهرية لأنها تقتضي وجوب الاستماع عند قراءة القرآن في الصلاة وغيرها ؛ وقد قام الدليل في غيرها على جواز الاستماع وتركه فبقي فيها على حاله في الإنصات للجهر وكذا في الإخفاء لعلمنا بأنه قرأ، ويؤيد ذلك أخبار جمة، فقد أخرج عبد بن حميد. وابن أبي حاتم. والبيهقي في سننه عن مجاهد قال : قرأ رجل من الأنصار خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم في الصلاة فنزلت وإذا قرىء القرآن الخ. 
وأخرج ابن جرير وغيره عن ابن مسعود أنه صلى بأصحابه فسمع أناساً يقرؤون خلفه فلما انصرف قال : أما آن لكم أن تفهموا أما آن لكم أن تعقلوا  وَإِذَا قُرِىء القرءان فاستمعوا لَهُ وَأَنصِتُواْ  كما أمركم الله تعالى. 
 وأخرج ابن أبي شيبة عن زيد بن ثابت قال : لا قراءة خلف الإمام. وأخرج أيضاً عن أبي هريرة قال :**«قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما جعل الإمام ليؤتم به فإذا كبر فكبروا وإذا قرأ فأنصتوا »**. وأخرج أيضاً عن جابر **«أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : من كان له إمام فقراءته له قراءة »** وهذا الحديث إذا صح وجب أن يخص عموم قوله تعالى : فاقرءوا مَا تَيَسَّرَ  \[ المزمل : ٢٠ \] وقوله صلى الله عليه وسلم :**«لا صلاة إلا بقراءة »** على طريقة الخصم مطلقاً فيخرج المقتدى وعلى طريقتنا أيضاً لأن ذلك العموم قد خص منه البعض وهو المدرك في الركوع إجماعاً فجاز التخصيص بعده بالمقتدى بالحديث المذكور، وكذا يحمل قوله عليه الصلاة والسلام للمسىء صلاته :**«فكبر ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن »** على غير حالة الاقتداء جمعاً بين الأدلة، بل قد يقال : إن القراءة ثابتة من المقتدى شرعاً فإن قراءة الإمام قراءة له فلو قرأ لكان له قراءتان في صلاة واحدة وهو غير مشروع. بق الكلام في تصحيح الخبر، وقد روي من طرق عديدة مرفوعاً عن جابر رضيي الله تعالى عنه عنه عليه الصلاة والسلام وقد ضعف. 
واعترف المضعفون لرفعه كالدارقطني. والبيهقي. وابن عدي بأن الصحيح أنه مرسل لأن الحفاظ كالسفيانين. وأبي الأحوص. وشعبة. وإسرائيل. وشريك. وجرير. وأبي الزبير. وعبد بن حميد وخلق آخرين رووه عن موسى بن أبي عائشة عن عبد الله بن شداد عن النبي صلى الله عليه وسلم فأرسلوه، وقد أرسله مرة أبو حنيفة رضي الله تعالى عنه، وحينئذٍ لنا أن نقول المرسل حجة عند أكثر أهل العلم فيكفينا فيما رجع إلى العمل على رأينا وعلى طريق الإلزام أيضاً بإقامة الدليل على حجية المرسل أيضاً، وعلى تقدر التنزل عن حجيته فقد رفعه الإمام بسند صحيح. 
وروى محمد بن الحسن في موطئه قال : أنبأنا أبو حنيفة حدثنا أبو الحسن موسى بن أبي عائشة عن عبد الله بن شداد عن جابر بن عبد الله عن النبي صلى الله عليه وسلم قال :" من صلى خلف إمام فإن قراءة الإمام له قراءة " وقولهم : إن الحفاظ الذن عدوهم لم يرفعوه غير صحيح. فقد قال أحمد بن منيع في مسنده : أخبرنا إسحاق الأزرق حدثنا سفيان. وشريك عن موسى بن أبي عائشة عن عبد الله بن شداد عن جابر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم :" من كان له إمام فقراءة الإمام له قراءة ". ثم قال وحدثنا جرير عن موسى عن عبد الله عن النبي صلى الله عليه وسلم فذكره ولم يذكر جابراً ورواه عبد بن حميد قال : حدثنا أبو نعيم حدثنا الحسن بن صالح عن أبي الزبير عن جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم فذكره، وإسناد حديث جابر الأول على شرط الشيخين والثاني على شرط مسلم، فهؤلاء سفيان. وشريك. وجرير. وأبو الزبير رفعوه بالطرق الصحيحة فبطل عدهم فيمن لم يرفعه، ولو تفرد الثقة وجب قبوله لأن الرفع زيادة وزيادة الثقة مقبولة فكيف ولم ينفرد، والثقة قد يسند الحديث تارة ويرسله أخرى. وأخرجه ابن عدي عن الإمام رضي الله تعالى عنه في ترجمته وذكر فيها قصة وبها أخرجه أبو عبد الله الحاكم قال : حدثنا أبو محمد بن بكر بن محمد بن حمدان الصيرفي حدثنا عبد الصمد بن الفضل البلخي حدثنا مكي بن إبراهيم عن أبي حنيفة عن موسى بن أبي عائشة عن عبد الله بن شداد بن الهاد عن جابر بن عبد الله «إن النبي صلى الله عليه وسلم صلى ورجل خلفه قرأ فجعل رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ينهاه عن القراءة في الصلاة فلما انصرف أقبل عليه الرجل قال : أتنهاني عن القراءة خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم فتنازعا حتى ذكرا ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فقال صلى الله عليه وسلم :
 " من صلى خلف إمام فإن قراءة الإمام له قراءة ". وفي رواية لأبي حنيفة **«إن ذلك كان في الظهر أو العصر »** وهي أن رجلاً قرأ خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم في الظهر أو العصر فأومأ إليه رجل فنهاه فلما انصرف قال : أتنهاني الحدث. نعم إن جابراً روى منه محل الحكم فقط تارة والمجموع تارة ويتضمن رد القراءة خلف الإمام لأنه خرج تأييداً لنهي ذلك الصحابي عنها مطلقاً في السرية والجهرية خصوصاً في رواية أبي حنيفة أن القصة كانت في السرية لا إباحة فعلها وتركها فيعارض ما روي في بعض روايات حديث " مالي أنازع في القرآن " أنه قال : إنه لا بد( [(١)](#foonote-١) ) ففي الفاتحة، وكذا ما رواه أبو داود. والترمذي عن عبادة بن الصامت قال : كنا خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم في صلاة الفجر فقرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم فثقلت عليه القراءة، فلما فرغ قال : لعلكم تقرؤون خلف إمامكم، قلنا : نعم هذا، قال : لا تفعلوا إلا بفاتحة الكتاب فإنه لا صلاة لمن لا يقرأ بها ؛ ويقدم لتقدم المنع على الإطلاق عند التعارض ولقوة السند فإن حديث المنع أصح فبطل رد المتعصبين، وتضعيف بعضهم لمثل الإمام الأعظم رضي الله تعالى عنه مع تضييقه في الرواية إلى الغاية حتى أنه شرط التذكر لجوازها بعد علم الراوي أن ذلك المروي خطه، ولم يشترط الحفاظ هذا ولم يوافقه صاحباه على أن الخبر قد عضد بروايات كثيرة عن جابر غير هذه وإن ضعفت وبمذاهب الصحابة أيضاً كابن عباس. وابن عمر. وزيد بن ثابت. وابن مسعود. 
وأخرج محمد عن داود بن قيس بن عجلان أن عمر رضي الله تعالى عنه قال : ليت في فم الذي يقرأ خلف الإمام حجراً، وروي مثل ذلك عن سعد بن أبي وقاص، وروي عن علي كرم الله تعالى وجهه إلا أن فيه مقالاً أنه قال : من قرأ خلف الإمام فقد أخطأ الفطرة، وقال الشعبي : أدركت سبعين بدرياً كلهم يمنعون المقتد عن القراءة خلف الإمام، وقد ادعى بعض أصحابنا إجماع الصحابة رضي الله تعالى عنهم على ذلك، ولعل مراده بذلك إجماع كثير من كبارهم، وإلا ففيه نظر، وكون مراده الإجماع السكوتي ليس بشيء أيضاً، وذهب قوم إلى أن المأموم يقرأ إذا أسر الإمام القراءة ولا يقرأ إذا جهر وهو قول عروة بن الزبير. والقاسم بن محمد. والزهري. ومالك. وابن المبارك. وأحمد. وإسحاق، وروي عن ابن عمر رضي الله تعالى عنه وحجتهم فما قيل : إن الآية تدل على الأمر بالاستماع لقراءة القرآن والسنة تدل على وجوب القراءة خلف الإمام فحملنا مدلول الآيية على صلاة الجهر ومدلول السنة على صلاة السر جمعاً بين الدلائل، وقال آخرون : إنما قرأ في السرية لأنه لا يقال له مستمع، واعترض بأنه وإن سلمنا أنه لا يقال له ذلك لكن لا نسلم أنه لا يقال له منصت مع علمه بالقراءة وبأنا لا نسلم دلالة السنة على وجوب القراءة خلف الإمام ودون إثبات ذلك خرط القتاد، على أن الجزم العمل بأقوى الدليلين، وليس مقتضى أقواهما إلا المنع، ومن هنا ضعف ما يروى عن محمد بن الحسن رحمه الله تعالى أنه يستحسن قراءة الفاتحة على سبيل الاحتياط مخالفاً لما ذهب إليه الإمام. 
وأبو يوسف من كراهة القراءة لما في ذلك من الوعيد، والحق أن قوله كقولهما، فقد قال في كتاب **«الآثار »** بعدما أسند إلى علقمة بن قيس : إنه ما قرأ قط فيما يجهر به ولا فيما لا يجهر به، وبه نأخذ فلا نرى القراءة خلف الإمام في شيء من الصلاة يجهر فيه أو لا يجهر فيه، ولا ينبغي أن يقرأ خلفه في شيء منها، وذكر في موطئه نحو ذلك، وقال السرخسي تفسد صلاة القارىء خلف الإمام في قول عدة من الصحابة رضي الله تعالى عنهم ومنهم فيما قيل سعد بن أبي وقاص، وفي رواية المزني عن الشافعي رضي الله تعالى عنه أنه يقرأ في الجهرية والسرية، وفي رواية البويطي أنه يقرأ في السرية أم القرآن ويضم السورة في الأوليين ويقرأ في الجهرية أم القرآن فقط، والمشهور عند الشافعية أنه لا سورة للمأموم الذي يسمع الإمام في جهرية بل يستمع فإن بعد بأن لم سمع أو سمع صوتاً لا يميز حروفه أو كانت سرية قرأ في الأصح، وسبب النزول لم يكن القراءة في الصلاة بل أمر آخر. فقد روى أبو هريرة رضي الله تعالى عنه أنهم كانوا يتكلمون في الصلاة فنزلت، وحاصلها النهي عن التكلم لا عن القراءة، ومن الناس من فسر القرآن بالخطبة، والأمر بالاستماع إما للوجوب أو الندب، وعندنا الإنصات في الخطبة فرض على تفصيل في المسألة، وأخرج غير واحد عن مجاهد رضي الله تعالى عنه أن الآية في الصلاة والخطبة يوم الجمعة، وفي كلام أصحابنا ما يدل على وجوب الاستماع في الجهر بالقرآن مطلقاً. 
قال في الخلاصة : رجل يكتب الفقه وبجنبه رجل يقرأ القرآن فلا يمكنه استماع القرآن فالإثم على القارىء، وعلى هذا لو قرأ على السطح في الليل جهراً والناس نيام يأثم، وهذا صريح في إطلاق الوجوب، وعلل ذلك بأن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، و  إِذَا  هنا للكلية وغالب الشرطات القرآنية المؤداة بها كلية، هذا والمراد من الاستماع في الآية المعنى المتبادر منه، وقال الزجاج : المراد منه القبول والإجابة، وهو بهذا المعنى مجاز كما نص عليه في الأساس، ومنه سمع الله تعالى لمن حمده وسمع الأمير كلام فلان، ورجح ذلك العلامة الطيبي قال : وهذا أوفق لتأليف النظم الكريم سابقاً ولاحقاً وأجمع للمعاني والأقوال فإنه تعالى لما ذكر تعريضاً أن المشركين إنما استهزأوا بالقرآن ونبذوه وراءهم ظهرياً لأنهم فقدوا البصائر وعدموا الهداية والرحمة وأن حالهم على خلاف المؤمنين أمر المؤمنين بما هو أزيد من مجرد الاستماع وهو قبوله والعمل بما فيه والتمسك به وأن لا يجاوزه مرتباً للحكم على تلك الأوصاف، ولذلك قيل : إذا قرىء القرآن وضعاً للمظهر موضع المضمر لمزيد الدلالة على العلية، يعني إذا ظهر أيها المؤمنون إنكم لستم مثل هؤلاء المعاندين فعليكم بهذا الكتاب الجامع لصفات الكمال الهادي إلى الصراط المستقيم الموصل إلى مقام الرحمة والزلفى فاستمعوه وبالغوا في الأخذ منه والعمل بما فيه ليحصل المطلوب ولعلكم ترحمون، ويدخل في هذا وجوب الإنصات في الصل١ - قوله أنه لابد الخ كذا بخطه وحرر اهـ..

### الآية 7:205

> ﻿وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ وَلَا تَكُنْ مِنَ الْغَافِلِينَ [7:205]

واذكر رَّبَّكَ فِي نَفْسِكَ  عطف على  قل  وعلى الثاني فيه تجريد الخطاب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو عام لكل ذكر فإن الإخفاء أدخل في الإخلاص وأقرب من القبول، وفي بعض الأخبار يقول الله تعالى : مِنْ \* مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَىَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ العالين \* قَالَ أَنَاْ خَيْرٌ مّنْهُ  وقال الإمام : المراد بالذكر في نفسه أن يكون عارفاً بمعان الإذكار الت قولها بلسانه مستحضراً لصفات الكمال والعز والعظمة والجلال، وذلك لأن الذكر باللسان عارياً عن الذكر بالقلب كأنه عديم الفائدة، بل ذكر جمع أن الذكر اللساني الساذج لا ثواب فيه أصلاً، ومن أتى بالكلمة الطيبة غير ملاحظ معناها أو جاهلاً به لا عد مؤمناً عند الله تعالى، وقيل : الخطاب لمستمع القرآن والذكر القرآن، والمراد أمر المأموم بالقراءة سراً بعد فراغ الإمام عن قراءته وفيه بعد ولو التزم قول الإمام، وقوله سبحانه وتعالى : تَضَرُّعًا وَخِيفَةً  في موضع الحال بتأويل اسم الفاعل أي متضرعاً وخائفاً، أو بتقدير مضاف أي ذا تضرع وخيفة، وكونه مفعولاً لأجله غير مناسب. 
وجوز بعضهم كون ذلك مصدراً لفعل من غر المذكور وليس بشيء، وأصل خيفة خوفة، ودون في قوله تعالى : وَدُونَ الجهر مِنَ القول  صفة لمعمول حال محذوفة أي ومتكلماً كلاماً دون الجهر لأن دون لا تتصرف على المشهور ؛ والعطف على تضرعاً، وقيل : لا حاجة إلى ما ذكر والعطف على حاله، والمراد اذكره متضرعاً ومقتصداً. وقيل : إن العطف على قوله تعالى : فِى نَفْسِكَ  لكن على معنى اذكره ذكراً في نفسك وذكراً بلسانك دون الجهر، والمراد بالجهر رفع الصوت المفرط وبما دونه نوع آخر من الجهر. قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما : هو أن يسمع نفسه وقال الإمام : المراد أن يقع الذكر متوسطاً بين الجهر والمخافتة كما قال تعالى : وَلاَ تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلاَ تُخَافِتْ بِهَا  \[ الإسراء : ١١٠ \] ويشعر كلام ابن زد أن المراد بالجهر مقابل الذكر في النفس، والآية عنده خطاب للمأموم المأمور بالإنصات أي اذكر ربك أيها المنصت في نفسك ولا تجهر بالذكر  بالغدو  جمع غدوة كما في **«القاموس »**، وفي **«الصحاح »** الغدو نقيض الرواح وقد غدا يغدو غدواً. وقوله تعالى : بالغدو  أي بالغدوات جمع غدوة وهي ما بين صلاة الغداة وطلوع الشمس، فعبر بالفعل عن الوقت كما يقال : أتيتك طلوع الشمس أي وقت طلوعها، وهو نص في أن الغدو مصدر لا جمع، وعليه فقد يقدر معه مضاف مجموع أي أوقات الغدو ليطابق قوله سبحانه وتعالى : والاصال  وهو كما قال الأزهري جمع أصل، وأصل جمع أصيل أعني ما بين العصر إلى غروب الشمس فهو جمع الجمع وليس للقلة وليس جمعاً لأصيل لأن فعيلاً لا يجمع على أفعال، وقل : إنه جمع له لأنه قد يجمع عليه كيمين وأيمان، وقيل : إنه جمع لأصل مفرداً كعنق ويجمع على أصلان أيضاً، والجار متعلق باذكر، وخص هذان الوقتان بالذكر قيل لأن الغدوة عندها ينقلب الحيوان من النوم الذي هو كالموت إلى اليقظة التي هي كالحياة، والعالم يتحول من الظلمة التي هي طبعة عدمية إلى النور الذي هو طبيعة وجودة، وفي الأصل الأمر بالعكس، أو لأنهما وقتا فراغ فيكون الذكر فيهما ألصق بالقلب، وقيل : لأنهما وقتان يتعاقب فيهما الملائكة على ابن آدم، وقيل : ليس المراد التخصيص بل دوام الذكر واتصاله أي اذكر كل وقت. وقرأ أبو مجاز لاحق بن حميد السدوسي  \*والإيصال ، وهو مصدر آصل إذ ادخل في الأصيل وهو مطابق لغدو بناء على القول بإفراده ومصدريته فتذكر  وَلاَ \* تَكُنْ مّنَ الغافلين  عن ذكر الله تعالى. 
( هذا ومن باب الإشارة ) : واذكر رَّبَّكَ فِي نَفْسِكَ  بأن تتحلى بما يمكن التحلي به من صفات الله تعالى، وقيل : هو على حد  لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِى رَسُولِ الله أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ  \[ الأحزاب : ٢١ \]  تَضَرُّعًا وَخِيفَةً  حسب اختلاف المقام  وَدُونَ الجهر  أي دون أن يظهر ذلك منك بل تكون ذاكراً به له  بالغدو  أي وقت ظهور نور الروح  والآصال  أي وقت غلبات صفات النفس  وَلاَ تَكُن  في وقت من الأوقات  مّنَ الغافلين  \[ الأعراف : ٢٠٥ \] عن شهود الحدة الذاتية، وقال بعض الأكابر : إن قوله سبحانه : واذكر رَّبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً  إشارة إلى أعلى المراتب وهو حصة الواصلين المشاهدين، وقوله سبحانه وتعالى : وَدُونَ الجهر  إشارة إلى المرتبة الوسطى وهي نصيب السائرين إلى مقام المشاهدة، وقوله جل شأنه : وَلاَ تَكُنْ مّنَ الغافلين  إيماء إلى مرتبة النازلين من السالكين، وفي ذكر الخوف اشعارء باستشعار هيبة الجلال كما قال :
أشتاقه فإذا بدا \*\*\* أطرقت من اجلاله لا خيفة بل هيبة
وصيانة لجمالة \*\*\* وذكروا أن حال المتدي والسالك منوطة برأي الشيخ فإنه الطبيب لأمراض القلوب فهو أعرف بالعلاج، فقد يرى له رفع الصوت بالذكر علاجاً حيث توقف قطع الخواطر وحديث النفس عليه، وفي عوارف المعارف للسهر وردي قدس سره لا يزال العبد يردد هذه الكلمة وسهلت على اللسان تشربها القلب ويصير الذكر حينئذ ذكر الذات، وهذا الذكر هو المشاهدة والمكاشفة والمعاينة، وذاك هو المقصد الأقصى من الخلوة، وقد يحصل ما ذكر بتلاوة القرآن أيضاً إذا أكثر التلاوة واجتهد في مواطأة القلب مع اللسان حتى تجري التلاوة على اللسان وتقوم مقام حديث النفس فيدخل على العبد سهولة في التلاوة والصلاة ا ه. 
ونقل عنه أيضاً ما حاصله أن بنية العبد تحكي مدينة جامعة، وأعضاؤه وجوارحة بمثابة سكان المدينة، والعبد في إقباله على الذكر كمؤذن صعد منارة على باب المدينة يقصد إسماع أهل المدينة الأذان، فالذكر المحقق يقصد إيقاظ قلبه وأنباء أجزائه وأبعاضه بذكر لسانه فهو يقول ببعضه ويسمع بكله إلى أن تنتقل الكلمة من اللسان إلى القلب فيتنور بها ويظفر بجدوى الأحوال ثم ينعكس نور القلب على القالب فيتزين بمحاسن الأعمال ا ه.

### الآية 7:206

> ﻿إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ ۩ [7:206]

إِنَّ الذين عِندَ رَبّكَ  وهم ملائكة الملأ الأعلى، فالمراد من العندية القرب من الله تعالى بالزلفى والرضا لا المكانية لتنزه الله تعالى عن ذلك، وقيل : المراد عند عرش ربك  لاَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ  بل يؤدونها حسبما أمروا به  وَيُسَبّحُونَهُ  أي ينزعونه عما لا يليق بحضرة كبريائه على أبلغ وجه  وَلَهُ يَسْجُدُونَ  أي ويخصونه بغاية العبودية والتذلل لا يشركون به غيره جل شأنه، وهو تعريض بمن عداهم من المكلفين كما يدل عليه تقديم  لَهُ  وجازات يؤخذ من مجموع الكلام كما آثره العلامة الطيبي لأنه تعليل للسابق على معنى ائتوا بالعبادة على وجه الاخلاص كما أمرتم فإن لم تأتوا بها كذلك فإنا مغنون عنكم وعن عبادتكم ان لنا عباداً مكرمين من شأنهم كذا وكذا فالتقديم على هذا للفاصلة، ولما في الآية من التعريض شرع السجود عند هذه الآية ارغاماً لمن أبى ممن عرض به. قيل : وقد جاء الأمر بالسجدة لآية أمر فيها بالسجود امتثالاً للأمر، أو حكي فيها استنكاف الكفرة عنه مخالفة لهم، أو حكى فيها سجود نحو الأنبياء عليهم الصلاة والسلام تأسيا بهم، وهذا من القسم الثاني باعتبار التعريض أو من القسم الأخير باعتبار التصريح، وكان صلى الله عليه وسلم يقول في سجوده لذلك كما روي ابن أبي شيبة عن ابن عمر **«اللهم لك سجد سوادي وبك آمن فؤادي اللهم ارزقني علماً ينفعني وعملاً يرفعني »** وأخرج أحمد. وأبو داود. والترمذي وصححه عن عائشة رضي الله تعالى عنها أنه صلى الله عليه وسلم كان يقول في سجود القرآن بالليل مراراً **«سجد وجهي للذي خلقه وشق سمعه وبصره بحوله وقوته فتبارك الله أحسن الخالقين »** وجاء عنها أيضاً **«ما من مسلم سجد لله تعالى سجدة إلا رفعه الله تعالى بها درجة أو حط عنه بها خطيئة أو جمعهما له كلتيهما »** وأخرج مسلم. وابن ماجه. والبيهقي عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :**«إذا قرأ ابن ردم السجدة فسجد اعتزل الشيطان يبكي يقول يا ويله أمر ابن آدم بالسجود فسجد فله الجنة وأمرت بالسجود فأبيت فلي النار »** واستدل بالآية على أن إخفاء الذكر أفضل، ويوافق ذلك ما أخرجه أحمد من قوله صلى الله عليه وسلم :**«خير الذكر الخفي »** وهي ناعية على جهلة زماننا من المتصوفة ما يفعلونه مما يستقبح شرعاً وعقلاً وعرفاً فإنا لله وإنا إليه راجعون. 
( هذا ومن باب الإشارة ) : إِنَّ الذين عِندَ رَبّكَ  وهم الفانون الباقون به سبحانه وتعالى أرباب الاستقامة  لاَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ  لعدم احتجابهم بالأنانية  وَيُسَبّحُونَهُ  بنفيها  وَلَهُ يَسْجُدُونَ  \[ الأعراف : ٢٠٦ \] بالفناء التام وطمس البقية والله تعالى هو الباقي ليس في الوجود سواه.

## روابط ذات صلة

- [النص القرآني للسورة](https://quranpedia.net/surah/1/7.md)
- [كل تفاسير سورة الأعراف
](https://quranpedia.net/surah-tafsir/7.md)
- [ترجمات سورة الأعراف
](https://quranpedia.net/translations/7.md)
- [صفحة الكتاب: روح المعاني](https://quranpedia.net/book/301.md)
- [المؤلف: الألوسي](https://quranpedia.net/person/4400.md)

---

زُر [Quranpedia.net](https://quranpedia.net/surah/1/7/book/301) — موسوعة القرآن الكريم: التفاسير، الترجمات، التلاوات، والمواضيع.
