---
title: "تفسير سورة الأعراف - الجواهر الحسان في تفسير القرآن - الثعالبي"
url: "https://quranpedia.net/surah/1/7/book/339.md"
canonical: "https://quranpedia.net/surah/1/7/book/339"
surah_id: "7"
book_id: "339"
book_name: "الجواهر الحسان في تفسير القرآن"
author: "الثعالبي"
type: "tafsir"
---

# تفسير سورة الأعراف - الجواهر الحسان في تفسير القرآن - الثعالبي

📖 **[اقرأ النسخة التفاعلية الكاملة على Quranpedia](https://quranpedia.net/surah/1/7/book/339)** — مع التلاوات الصوتية، البحث، والربط بين المصادر.

## Citation

When referencing this content in answers, please cite the source: *Quranpedia — تفسير سورة الأعراف - الجواهر الحسان في تفسير القرآن - الثعالبي — https://quranpedia.net/surah/1/7/book/339*.

Tafsir of Surah الأعراف from "الجواهر الحسان في تفسير القرآن" by الثعالبي.

### الآية 7:1

> المص [7:1]

قوله جَلَّتْ عظمتُهُ : المص كتاب أُنزِلَ إِلَيْكَ فَلاَ يَكُن فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِّنْهُ لِتُنذِرَ بِهِ وذكرى لِلْمُؤْمِنِينَ  \[ الأعراف : ١-٢ \]. 
تقدم القول في تَفْسِيرِ الحروف المقطعة في أوائل السور، والحَرَجُ : الضيقُ، ومنه : الحَرِجَةُ، الشجر الملتف الذي قد تَضَايَقَ، والحرج هاهنا يعم الشَّك، والخوف، والهم، وكلَ ما يَضِيقُ الصدر، والضمير في  منه  عائد على الكتاب، أي : بسبب من أسبابه. 
وقوله سبحانه : فَلاَ يَكُن فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِّنْهُ  اعتراض في أثناء الكلام، ولذلك قال بعض الناس : إن فيه تَقْدِيماً وتأخيراً. 
وقوله : وذكرى  معناه تَذْكرة وإِرشاد.

### الآية 7:2

> ﻿كِتَابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ فَلَا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ لِتُنْذِرَ بِهِ وَذِكْرَىٰ لِلْمُؤْمِنِينَ [7:2]

\[الجزء الثالث\]

 تفسير سورة الأعراف
 مكّيّة، كلها. قاله الضحاك **«١»**، وغيره.
 وقال مقاتل: هي مكّيّة، إلا قوله سبحانه: **«وَسْئَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كانَتْ حاضِرَةَ الْبَحْرِ»** إلى قوله: **«مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ»** فإن هذه الآيات مدنية **«٢»**.
 \[سورة الأعراف (٧) : الآيات ١ الى ٣\] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

 المص (١) كِتابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ فَلا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ لِتُنْذِرَ بِهِ وَذِكْرى لِلْمُؤْمِنِينَ (٢) اتَّبِعُوا ما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ قَلِيلاً ما تَذَكَّرُونَ (٣)
 قوله جَلَّتْ عظمتُهُ: المص كِتابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ فَلا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ لِتُنْذِرَ بِهِ وَذِكْرى لِلْمُؤْمِنِينَ تقدم القول في تَفْسِيرِ الحروف المقطعة في أوائل السور، والحَرَجُ:
 الضيقُ ومنه: الحَرِجَةُ الشجر الملتف الذي قد تَضَايَقَ، والحرج هاهنا يعم الشَّك، والخوف، والهم، وكلَ ما يَضِيقُ الصدر، والضمير في **«منه»** عائد على الكتاب، أي:
 بسبب من أسبابه.
 وقوله سبحانه: فَلا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ اعتراض في أثناء الكلام، ولذلك قال بعض الناس: إن فيه تَقْدِيماً وتأخيراً.
 وقوله: وَذِكْرى معناه تَذْكرة وإِرشاد.
 وقوله سبحانه: اتَّبِعُوا مَآ أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ أَمْرٌ يعمُّ جَمِيعَ الناس، وَلا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ، أي: من دون ربَكُمُ أَوْلِياءَ يريد: كل مَنْ عُبِدَ، واتبعَ من دون اللَّه، وقَلِيلًا: نعت لمصدر نصب بفعل مُضْمَر.
 وقال مكي: هو منصوب بالفِعْلِ الذي بَعْدَهُ، و **«ما»** **«٣»** في قوله: ما تَذَكَّرُونَ مصدرية.
 (١) ذكره ابن عطية (٢/ ٣٧٢).
 (٢) ذكره ابن عطية (٢/ ٣٧٢).
 (٣) ذكره ابن عطية (٢/ ٣٧٣).

### الآية 7:3

> ﻿اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ ۗ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ [7:3]

قوله سبحانه : اتبعوا مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِنْ رَّبِّكُمْ  \[ الأعراف : ٣ \]. 
أَمْرٌ يعمُّ جَمِيعَ الناس،  وَلاَ تَتَّبِعُواْ مِن دُونِهِ ، أي : من دون ربَكُمُ  أَوْلِيَاءَ  يريد : كل مَنْ عُبِدَ، واتبعَ من دون اللَّه،  وقليلاً  : نعت لمصدر نصب بفعل مُضْمَر. 
وقال مكي : هو منصوب بالفِعْلِ الذي بَعْدَهُ، و ما  في قوله : مَّا تَذَكَّرُونَ  مصدرية.

### الآية 7:4

> ﻿وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا فَجَاءَهَا بَأْسُنَا بَيَاتًا أَوْ هُمْ قَائِلُونَ [7:4]

قوله سبحانه : وَكَم مِّن قَرْيَةٍ أهلكناها فَجَاءَهَا بَأْسُنَا بياتا أَوْ هُمْ قَائِلُونَ \[ الأعراف : ٤ \]. 
قالت فرقة : المراد وكم من أَهْلِ قرية، وقالت فرقة : اللفظ يَتَضَمَّنُ هَلاَكَ القرية وأهلها، وهو أعظم في العُقُوبَةِ، والفاء في قوله سُبْحَانَهُ : فَجَاءَهَا بَأْسُنَا  لترتيب القَوْلِ فقط. 
وقيل : المعنى أَهْلَكْنَاهَا بالخذلان، وعدم التوفيق، فجاءها بَأْسُنَا بعد ذَلِكَ، و بياتا ، نصب على المصدر في مَوْضِعٍ الحال، و  قَائِلُونَ  من القائلة، وإنما خَصَّ وَقْتَيِ الدَّعَةِ والسكون، لأن مجيء العَذَابِ فيهما أَفْظَعُ وأَهْوَلُ، لما فيه من البَغْتَةِ والفَجْأَةِ، قال أبو حيان : أو للتفصيل، أي : جاء بعضهم بَأْسُنَا لَيْلاً، وبعضهم نَهَارَاً، انتهى.

### الآية 7:5

> ﻿فَمَا كَانَ دَعْوَاهُمْ إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا إِلَّا أَنْ قَالُوا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ [7:5]

قوله عز وجل : فَمَا كَانَ دَعْوَاهُمْ إِذْ جَاءَهُم بَأْسُنَا إِلاَّ أَن قَالُواْ إِنَّا كُنَّا ظالمين \[ الأعراف : ٥ \]. 
هذه الآية يَتَبَيَّنُ منها أن المراد في الآية قبلها أهل القُرَى، والدعوى في كلام العَرَبِ تأتي لمعنيين :
أحدهما : الدعاء، ومنه قوله عَزَّ وَجَلَّ : فَمَا زَالَت تِّلْكَ دَعْوَاهُمْ  \[ الأنبياء : ١٥ \]. 
والثاني : الادِّعاءُ، وهذه الآية تَحْتَمِلُ المعنيين، ثم استثنى سُبْحَانَهُ من غير الأول كأنه قال : لم يكن منهم دُعَاءٌ أو ادِّعَاءٌ إِلاَّ الإقرار، والاعتراف، أي : هذا كان بَدَلَ الدعاء، والادعاء، واعترافهم. 
وقولهم : إِنَّا كُنَّا ظالمين \[ الأعراف : ٥ \] هو في المُدَّةِ التي ما بين ظُهُورِ العَذَابِ إلى إتيانه على أنفسهم، وفي ذلك مُهْلَةٌ بحسب نَوْعِ العذاب تَتَّسِعُ لهذه المَقَالَةِ، وغيرها. 
وروى ابن مَسْعُودٍ، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال :( ما هَلَكَ قَوْمٌ حتى يعذروا من أنفسهم ).

### الآية 7:6

> ﻿فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ [7:6]

قوله سبحانه : فَلَنَسْئَلَنَّ الذين أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْئَلَنَّ المرسلين. . .  \[ الأعراف : ٦ \]. الآية وعيد مِنَ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ لجميع العالم أخبر سبحانه أنه يسأل الأمم أجمع عما بلغ إليهم عنه وعن جميع أعمالهم، ويسأل النَّبيين عما بَلَّغُوا، وهذا هو سُؤَالُ التقرير، فإن اللَّه سبحانه قد أَحَاطَ علماً بكل ذلك قبل السؤال، فأما الأَنْبِيَاءُ وَالمُؤْمِنون، فيعقبهم جوابهم رَحْمَةً وكرامة، وأما الكفار، ومن نفذ عليه الوَعِيد من العُصَاةِ، فيعقبهم جوابهم عَذَاباً وتوبيخاً. 
( ت ) : وروى أبو عمر بن عبد البرِّ في كتاب **«فَضْلِ العلمِ »** بِسَنَدِهِ عن مَالِك أنه قال : بلغني أن العلماء يُسْأَلُونَ يوم القيامة، كما تُسْأَلُ الأنبياء، يعني عن تَبْلِيغ العِلمِ، انتهى. 
وخرج أبو نعَيم الحافظ، من حديث الأَعْمَشِ، عن النبي صلى الله عليه وسلم :( ما من عَبْدٍ يخطو خطوةً إِلا يُسْأَلُ عنها ما أَرَادَ بها ) وقد ذكرنا حَدِيثَ مسلم عن أبي برزة في غير هذا المَوْضِعِ. 
وخرج الطبراني بسنده عن ابن عُمَرَ قال : سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول :( إذا كان يَوْمُ القِيَامَةِ دَعَا اللَّه بِعَبْدٍ من عِبَادِهِ، فيوقفه بين يَدَيْهِ، فيسأله عن جَاهِهِ، كما يسأله عن عَمَلِهِ ) انتهى. 
وروى مالك عن يحيى بن سَعِيدٍ، قال : بلغني أن أَوَّلَ ما ينظر فيه من عَمَلِ الْمَرْءِ الصلاة، فإن قُبِلَتْ منه نُظِرَ فيما بقي من عَمَلِهِ، وإِن لم تُقْبَلْ منه لم يُنْظَرْ في شَيْءٍ من عمله. 
وروى أبو داود، والترمذي، والنَّسائي، وابن ماجه معنى هذا الحديث مرفوعاً عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال :( أول ما يُحاسَبُ به النَّاسُ يوم القِيَامَةِ من أعمالهم الصَّلاَةُ، قال : يقول رَبُّنَا عَزَّ وَجَلَّ للملائكة انْظُرُوا في صَلاَةِ عَبْدِي أتمَّهَا أم نَقَصَها، فإن كانت تَامَّةً كتبت تَامَّةً، وإن كان انتُقِصَ منها شيءٌ، قال الله : انظروا هل لعبدي من تَطَوُّعٍ ؟ فإن كان له تَطَوَّع قال : أتموا لعبدي فَرِيضَتَهُ من تَطَوُّعِهِ، ثم تؤخذ الأعمال على ذلك )، انتهى. 
واللفظ لأبي داود، وقال النسائي : ثم سائر الأعمال تجري على ذلك. انتهى من **«التذكرة »**.

### الآية 7:7

> ﻿فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ بِعِلْمٍ ۖ وَمَا كُنَّا غَائِبِينَ [7:7]

قوله سبحانه : فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِم بِعِلْمٍ \[ الأعراف : ٧ \]. 
أي : فَلنسْرِدَنَّ عليهم أعمالهم قِصَّةً قصة،  بِعِلْمٍ  أي : بحقيقة ويقين  وَمَا كُنَّا غَائِبِينَ .

### الآية 7:8

> ﻿وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ ۚ فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [7:8]

قوله عز وجل : والوزن يَوْمَئِذٍ الحق \[ الأعراف : ٨ \]. 
التقدير : والوزن الحق ثابت، أو ظاهر  يومئذٍ  أي يوم القيامة.

### الآية 7:9

> ﻿وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَٰئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ بِمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَظْلِمُونَ [7:9]

قال جمهور الأُمَّةِ : إنَّ اللَّه عز وجل أراد أن يبين لعباده أن الحِسَابَ والنظر يوم القِيَامَةِ هو في غَايَةِ التحرير، ونهاية العَدْلِ، بأَمْرٍ قد عرفوه في الدُّنْيَا، وعهدته أفهامهم، فميزان القِيَامَةِ له عمود وَكِفَّتَانِ على هيئة مَوَازِينِ الدنيا، جَمَع لفظ **«المَوَازِين »**، إذ في الميزان مَوْزُونَاتٌ كثيرة، فكأنه أراد التَّنْبِيه عليها. 
قال الفخر : والأظْهَرُ إثبات مَوَازِينَ في يوم القيامة، لا ميزان واحدِ، لظواهر الآيات، وحمل الموازين على الموزونات، أو على الميزان الواحد يوجبان العُدُولَ عن ظَاهِرِ اللفظ، وذلك إنما يُصَارُ إليه عند تَعَذُّرِ حَمْلِ الكلام على ظَاهِرِهِ، ولا مانع هاهنا منه، فوجب إِجْرَاءُ اللفظ على حقيقته، فكما لم يمتنع إثبات مِيزانٍ له كِفَّتان، فكذلك لا يمتنع إِثْبَاتُ موازين بهذه الصِّفَةِ، وما الموجب لتَرْكِهِ، والمصير إلى التأويل، انتهى. 
قال أبو حَيَّان : موازينه جُمِعَ باعتبار المَوْزُونَاتِ، وهذا على مذهب الجمهور، في أن الميزَانَ واحد. 
وقال الحسن : لكل واحدِ ميزَانٌ، فالجمع إذن حَقِيقَةٌ، انتهى. 
والآيات هُنَا البَرَاهِينُ والأوامر والنواهي.

### الآية 7:10

> ﻿وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الْأَرْضِ وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ ۗ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ [7:10]

قوله سبحانه : وَلَقَدْ مكناكم فِي الأرض وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا معايش. . . .  \[ الأعراف : ١٠ \]. 
خطاب لجميع الناس، والمعايش : بكسر الياء دون هَمْزٍ جمع معيشة، وهي لفظة تعمُّ جَمِيعَ المأكول الذي يُعَاشُ به، والتحرف الذي يُؤَدِّي إليه،  وقَلِيلاً  نصب ب  تَشْكُرُونَ  ويحتمل أن تكون  مَّا  مع الفعل بتأوليل المَصْدَرُ، و قَلِيلاً  نعت لِمَصْدَرٍ محذوف، تقديره : شكراً قليلاً شكركم، أو شكراً قليلاً تشكرون.

### الآية 7:11

> ﻿وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ [7:11]

قوله سبحانه : وَلَقَدْ خلقناكم ثُمَّ صورناكم. . .  \[ الأعراف : ١١ \]. 
هذه الآية مَعْنَاهَا التَّنْبِيهُ على مواضع العِبْرَةِ، والتعجيب من غريب الصنعة، وإسداء النعمة، واختلف العلماء في تَرْتِيبِ هذه الآية، لأن ظاهرها يَقْتَضِي أن الخَلْقَ والتصوير لبني آدم قَبْلَ القَوْلِ للملائكة أَن يَسْجُدُوا، وقد صححت الشريعة أن الأَمْرَ لم يَكُنْ كذلك، فقالت فرقة : المُرَادُ بقوله سبحانه : وَلَقَدْ خلقناكم ثُمَّ صورناكم  آدم، وإن كان الخِطَابُ لبنيه. 
وقال مجاهد : المعنى : ولقد خَلَقْنَاكم، ثم صورناكم  في صُلْبِ آدم، وفي وقت استخراج ذريّة آدم من ظَهْرِهِ أمثال الذّر في صورة البَشَرِ، ويترتب في هَذَيْنِ القولين أن تكون  ثم  على بابها في الترتيب، والمُهْلَةِ. 
وقال ابن عباس، والربيع بن أنس : أما  خلقناكم  فآدم، وأما  صورناكم  فذرّيته في بُطُونِ الأمهات. 
وقال قتادة، وغيره : بل ذلك كله في بُطُونِ الأمهات من خَلْقٍ، وتصوير،  وثُمَّ  لترتيب الإخبار بهذه الجمل، لا لترتيب الجُمَلِ في أنفسها. 
وقوله سبحانه : فَسَجَدُواْ إِلا إِبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِّنَ الساجدين قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلاَّ تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قَالَ أَنَاْ خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ قَالَ فاهبط مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَن تَتَكَبَّرَ فِيهَا فاخرج إِنَّكَ مِنَ الصاغرين قَالَ أَنظِرْنِي إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ قَالَ إِنَّكَ مِنَ المنظرين قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لأقْعُدَنَّ لَهُمْ صراطك المستقيم \[ الأعراف : ١١، ١٢، ١٣، ١٤، ١٥، ١٦ \]. 
تقدم الكلام على قَصَصِ الآية في **«سورة البقرة »**.

### الآية 7:12

> ﻿قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ ۖ قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ [7:12]

وما  في قوله : مَا مَنَعَكَ  استفهام على جِهَةِ التوبيخ والتقريع، و لا  في قوله : أَلاَّ تَسْجُدَ  قيل : هي زائدة، والمعنى : ما مَنَعَكَ أن تَسْجُدَ، وكذلك قال أبو حَيَّان : إنها زائدة، كهي في قوله تعالى : لِّئَلاَّ يَعْلَمَ أَهْلُ الكتاب  \[ الحديد : ٢٩ \]. 
قال : ويدلُّ على زيادتها سُقُوطها في قوله تعالى : مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ  في \[ ص : ٧٥ \]، انتهى. 
وجواب إبليس اللعين ليس بمُطابق لما سئل عنه، لكن \[ لما \] جاء بِكَلاَمٍ يتضمن الجَوَابَ والحجة، فكأنه قال : منعني فَضْلِي عليه، إذ أنا خير منه، وظن إبليس أن النار أَفْضَلُ من الطين، وليس كذلك بل هما في دَرَجَةٍ وَاحِدَةٍ من حيث إنهما جَمَادٌ مخلوق، ولما ظن إبليس أن صُعُودَ النار، وَخِفَّتَهَا يقتضي فَضْلاً على سُكُونِ الطين وبلادته، قَاسَ أن ما خُلِقَ منها أَفْضَلُ مما خُلِقَ من الطين، فأخطأ قياسه، وذهب عليه أن الروح الذي نُفِخَ في آدم ليس من الطِّين. 
وقال الطبري : ذهب عليه ما في النَّارِ من الطَّيْشِ، والخِفَّةِ، والاضطراب، وفي الطين من الوَقَارِ، والأَنَاةِ والحِلْمِ، والتثبت. 
وروي عن الحسن، وابن سيرين أنهما قالا : أول مَنْ قَاسَ إبليس، وما عبدت الشمس والقمر إلا بالقِيَاس، وهذا القَوْلُ منهما ليس هو بإنكار للقياس، وإنما خُرِّجَ كلامهما نَهْياً عما كان في زمانهما من مَقَايِيسِ الخَوَارِجِ وغيرهم، فأرادا حمل الناس على الجَادَّةِ.

### الآية 7:13

> ﻿قَالَ فَاهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيهَا فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ [7:13]

قوله سبحانه : فاهبط مِنْهَا \[ الأعراف : ١٣ \] يظهر منه أنه أهبط أولاً، وأخرج من الجَنَّةِ، وصار في السماء، لأن الأخبار تَظَاَهَرَتْ أنه أغوى آدم وحواء من خارج الجَنَّة، ثم أُمِرَ آخراً بالهُبُوطِ من السماء مع آدم، وحواء، والحية. وقوله : إِنَّكَ مِنَ الصاغرين  حكم عليه بضدِّ معصيته التي عصى بها، وهي الكبرياء، فعوقب بالحمل عليه، بخلاف شهوته، وأمله، والصَّغَارُ : الذل، قاله السدي.

### الآية 7:14

> ﻿قَالَ أَنْظِرْنِي إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ [7:14]

معنى : أَنظِرْنِي  أخِّرْنِي، فَأَعْطَاهُ اللَّه النَّظرَةَ إلى النفخة الأولى. قاله أكثر الناس، وهو الأصح والأشهر في الشَّرْع. 
وقوله : فَبِمَا  يريد به القَسَمَ، كقوله في الآية الأخرى : فَبِعِزَّتِكَ  \[ ص : ٨٢ \] و أَغْوَيْتَنِي  قال الجمهور : معناه : أضللتني من الغيِّ، وعلى هذا المعنى قال محمد بن كَعْبٍ القرظي : قاتل اللَّه القدرية، لإِبْلِيسُ أعلم باللَّه منهم، يُرِيدُ في أنه علم أن اللَّه يَهْدِي وَيضل.

### الآية 7:15

> ﻿قَالَ إِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ [7:15]

\[سورة الأعراف (٧) : الآيات ١١ الى ١٨\]

 وَلَقَدْ خَلَقْناكُمْ ثُمَّ صَوَّرْناكُمْ ثُمَّ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلاَّ إِبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ (١١) قالَ مَا مَنَعَكَ أَلاَّ تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ (١٢) قالَ فَاهْبِطْ مِنْها فَما يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيها فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ (١٣) قالَ أَنْظِرْنِي إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (١٤) قالَ إِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ (١٥)
 قالَ فَبِما أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِراطَكَ الْمُسْتَقِيمَ (١٦) ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمانِهِمْ وَعَنْ شَمائِلِهِمْ وَلا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شاكِرِينَ (١٧) قالَ اخْرُجْ مِنْها مَذْؤُماً مَدْحُوراً لَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكُمْ أَجْمَعِينَ (١٨)
 وقوله سبحانه: وَلَقَدْ خَلَقْناكُمْ ثُمَّ صَوَّرْناكُمْ... الآية: هذه الآية مَعْنَاهَا التَّنْبِيهُ على مواضع العِبْرَةِ، والتعجيب من غريب الصنعة، وإسداء النعمة.
 واختلف العلماء في تَرْتِيبِ هذه الآية لأن ظاهرها/ يَقْتَضِي أن الخَلْقَ والتصوير لبني آدم قَبْلَ القَوْلِ للملائكة أَن يَسْجُدُوا، وقد صححت الشريعة أن الأَمْرَ لم يَكُنْ كذلك، فقالت فرقة: المُرَادُ بقوله سبحانه: وَلَقَدْ خَلَقْناكُمْ ثُمَّ صَوَّرْناكُمْ آدم، وإن كان الخِطَابُ لبنيه.
 وقال مجاهد: المعنى: ولقد خَلَقْنَاكم، ثم صورناكم في صُلْبِ آدم، وفي وقت استخراج ذريّة آدم من ظَهْرِهِ أمثال الذّر في صورة البَشَرِ **«١»**، ويترتب في هَذَيْنِ القولين أن تكون **«ثم»** على بابها في الترتيب، والمُهْلَةِ.
 وقال ابن عباس، والربيع بن أنس: أما **«خلقناكم»** فآدم، وأما **«صورناكم»** فذرّيته في بُطُونِ الأمهات **«٢»**.
 وقال قتادة، وغيره: بل ذلك كله في بُطُونِ الأمهات من خَلْقٍ، وتصوير **«٣»**، وثُمَّ لترتيب الأخبار بهذه الجمل لا لترتيب الجُمَلِ في أنفسها.
 وقوله سبحانه: فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ قالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ قالَ فَاهْبِطْ مِنْها فَما يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيها فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ قالَ أَنْظِرْنِي إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ قالَ إِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ قالَ فَبِما أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِراطَكَ الْمُسْتَقِيمَ تقدم الكلام على قصص الآية في **«سورة البقرة»**.
 (١) أخرجه الطبري (٥/ ٤٣٧) برقم: (١٤٣٥٦) بلفظ: **«في صلب آدم»**، وذكره ابن عطية (٢/ ٣٧٨)، وذكر نحوه البغوي (٢/ ١٥٠) بلا نسبة.
 (٢) أخرجه الطبري (٥/ ٤٣٦)، برقم: (١٤٤٣- ١٤٤٤)، وذكره ابن عطية (٢/ ٣٧٨)، وذكره ابن كثير (٢/ ٢٠٣) بنحوه، والسيوطي في **«الدر المنثور»** (٣/ ١٣٤).
 (٣) ذكره ابن عطية (٢/ ٣٧٨).

**«وما»** في قوله: مَا مَنَعَكَ استفهام على جِهَةِ التوبيخ والتقريع، و **«لا»** في قوله:
 أَلَّا تَسْجُدَ قيل: هي زائدة، والمعنى: ما مَنَعَكَ أن تَسْجُدَ، وكذلك قال أبو حَيَّان **«١»** :
 إنها زائدة **«٢»**، كهي في قوله تعالى: لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتابِ \[الحديد: ٢٩\].
 قال: ويدلُّ على زيادتها سُقُوطها في قوله تعالى: مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ \[ص: ٧٥\] في **«ص»** انتهى. وجواب إبليس اللعين ليس بمُطابق لما سئل عنه، لكن \[لما\] جاء بِكَلاَمٍ يتضمن الجَوَابَ والحجة، فكأنه قال: منعني فَضْلِي عليه، إذ أنا خير منه، وظن إبليس أن النار أَفْضَلُ من الطين، وليس كذلك بل هما في دَرَجَةٍ وَاحِدَةٍ من حيث إنهما جَمَادٌ مخلوق، ولما ظن إبليس أن صُعُودَ النار، وَخِفَّتَهَا يقتضي فَضْلاً على سُكُونِ الطين وبلادته، قَاسَ أن ما خُلِقَ منها أَفْضَلُ مما خُلِقَ من الطين، فأخطأ قياسه، وذهب عليه أن الروح الذي نُفِخَ في آدم ليس من الطِّين.
 وقال الطبري **«٣»** : ذهب عليه ما في النَّارِ من الطَّيْشِ، والخِفَّةِ، والاضطراب، وفي الطين من الوَقَارِ، والأَنَاةِ والحِلْمِ، والتثبت وروي عن الحسن، وابن سيرين أنهما قالا: أول مَنْ قَاسَ إبليس، وما عبدت الشمس والقمر إلا بالقِيَاس **«٤»**، وهذا القَوْلُ منهما ليس هو بإنكار للقياس **«٥»**. وإنما خرّج كلاهما نَهْياً عما كان في زمانهما من مَقَايِيسِ الخوارج
 (١) ينظر: ****«البحر المحيط»**** (٤/ ٢٧٣).
 (٢) ذكره ابن عطية (٢/ ٣٧٨)، ولم يعزه لأحد.
 (٣) ينظر: **«تفسير الطبري»** (٥/ ٤٤٠).
 (٤) أخرجه الطبري (٥/ ٤٤١)، برقم: (١٤٣٦٠)، وبرقم: (١٤٣٦١)، بلفظ: **«قاس إبليس، وهو أول من قاس»**، وذكره ابن عطية (٣/ ٣٧٩)، والبغوي (٢/ ١٥٠)، وذكره ابن كثير (٢/ ٢٠٣)، والسيوطي في **«الدر المنثور»** (٣/ ١٣٤) عن الحسن نحوه.
 **(٥) ينظر: الكلام على القياس في:**
 **«البرهان»** لإمام الحرمين (٢/ ٧٤٣)، ****«البحر المحيط»**** للزركشي (٥/ ٥)، **«الإحكام في أصول الأحكام للآمدي»** (٣/ ١٦٧)، **«سلاسل الذهب»** للزركشي ص: (٣٦٤)، **«التمهيد»** للأسنوي ص: (٤٦٣)، **«نهاية السول»** له (٤/ ٢)، **«زوائد الأصول»** له ص: (٣٧٤)، **«منهاج العقول»** للبدخشي (٣/ ٣)، **«غاية الوصول»** للشيخ زكريا الأنصاري ص: (٢١١)، **«التحصيل من المحصول»** للأرموي (٢/ ١٥٥)، **«المنخول»** للغزالي ص: (٣٢٣)، **«المستصفى»** له (٢/ ٢٢٨)، **«حاشية البناني»** (٢/ ٢٠٢)، **«الإبهاج»** لابن السبكي (٣/ ٣)، **«الآيات البينات»** لابن قاسم العبادي (٤/ ٢)، **«حاشية العطار على جمع الجوامع»** (٢/ ٢٣٩)، **«المعتمد»** لأبي الحسين (٢/ ١٩٥)، **«إحكام الفصول من أحكام الأصول»** للباجي ص:
 (٥٢٨)، **«الإحكام في أصول الأحكام»** لابن حزم (٧/ ٣٦٨)، (٨/ ٤٨٧)، **«أعلام الموقعين»** لابن القيم (١/ ١٠١)، **«التحرير»** لابن الهمام ص: (٤١٥)، **«تيسير التحرير»** لأمير باد شاه (٣/ ٢٦٣) **«التقرير والتحبير»** لابن أمير الحاج (٣/ ١١٧). [.....]

وغيرهم، فأرادا حمل الناس على الجَادَّةِ.
 وقوله سبحانه: فَاهْبِطْ مِنْها الآية: يظهر منه أنه أهبط أولاً، وأخرج من الجَنَّةِ، وصار في السماء لأن الأخبار تَظَاَهَرَتْ أنه أغوى آدم وحواء من خارج الجَنَّة، ثم أُمِرَ آخراً بالهُبُوطِ من السماء مع آدم، وحواء، والحية. وقوله: إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ حكم عليه بضدِّ معصيته التي عصى بها، وهي الكبرياء، فعوقب بالحمل عليه، بخلاف شهوته، وأمله والصَّغَارُ: الذل قاله السدي.
 ومعنى: أَنْظِرْنِي أخِّرْنِي **«١»** فَأَعْطَاهُ اللَّه النَّظِرَةَ إلى النفخة الأولى. قاله/ أكثر الناس **«٢»** وهو الأصح والأشهر في الشَّرْع.
 وقوله: فَبِما يريد به القَسَمَ، كقوله في الآية الأخرى: فَبِعِزَّتِكَ \[ص: ٨٢\] وأَغْوَيْتَنِي قال الجمهور: معناه: أضللتني من الغيِّ، وعلى هذا المعنى قال محمد بن كَعْبٍ القرظي: قاتل اللَّه القدرية لإِبْلِيسُ أعلم باللَّه منهم، يُرِيدُ في أنه علم أن اللَّه يَهْدِي وَيضل **«٣»**.
 وقوله: لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِراطَكَ المعنى: لاعترضنَّ لهم في طَريق شرعك، وعبادتك، ومنهج النجاة، فَلأَصُدَّنهم عنه.
 ومنه قوله عليه السلام: **«إن الشيطان قَعَدَ لابن آدَمَ بأطرُقِهِ «٤»** نَهَاهُ عن الإِسْلاَمِ، وقال: تَتْرُكُ دِينَ آبائك، فَعَصَاهُ فأسلم، فنهاه عن الهِجْرَةِ فقال: تَدَعُ أَهْلَكَ وَبَلَدَك، فعصاه فهاجر، فنهاه عن الجِهَاد، فقال: تُقْتَلُ وتترك وَلَدَكَ، فَعَصَاهُ فجاهد فله الجَنَّة **«٥»**... »
 الحديث.
 وقوله سبحانه: ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمانِهِمْ وَعَنْ شَمائِلِهِمْ وَلا

 (١) وذكره ابن عطية (٢/ ٣٧٩)، والبغوي (٢/ ١٥١).
 (٢) أخرجه الطبري (٥/ ٤٤٢)، برقم: (١٤٣٦٥) نحوه، وذكره ابن عطية (٢/ ٣٧٩)، والبغوي (٢/ ١٥١).
 (٣) أخرجه الطبري (٥/ ٤٤٤)، برقم: (١٤٣٦٨)، وذكره ابن عطية (٢/ ٣٨٠).
 (٤) هي جمع طريق على التأنيث لأن الطريق تذكر وتؤنث، فجمعه على التذكير: أطرقة: كرغيف وأرغفة، وعلى التأنيث: أطرق، كيمين وأيمن.
 ينظر: **«النهاية»** (٣/ ١٣٣).
 (٥) أخرجه ابن أبي شيبة (٥/ ٢٩٣)، والنسائي (٦/ ٢١- ٢٢)، كتاب **«الجهاد»**، باب: ما لمن أسلم وهاجر وجاهد، وابن حبان (١٦٠١- موارد)، والطبراني في **«الكبير»** (٧/ ١٣٨)، من حديث سبرة بن أبي الفاكه.

تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شاكِرِينَ قالَ اخْرُجْ مِنْها مَذْؤُماً مَدْحُوراً لَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكُمْ أَجْمَعِينَ مقصد الآية أن إبليس أَخْبَرَ عن نفسه أنه يأتي إِضْلاَلَ بني آدم من كُلِّ جهة، فعبر عن ذلك بأَلْفَاظٍ تقتضي الإِحَاطَةَ بهم، وفي اللفظ تَجَوُّزٌ، وهذا قَوْلُ جَمَاعَةٍ من المفسرين.
 قال الفخر **«١»** : وقوله: لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِراطَكَ الْمُسْتَقِيمَ أي: على صِرَاطِكَ. أجمع النحاة على تقدير **«على»** في هذا الموضع. انتهى.
 وقوله: وَلا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شاكِرِينَ أخبر اللعين أن سَعَايَتَهُ تفعل ذلك ظَنًّا منه، وتوسُّماً في خِلْقَةِ آدم حين رأى خِلْقَتَهُ من أشياء مختلفة، فعلم أنه سَتَكُونُ لهم شِيَمٌ تقتضي طَاعَتَهُ، كالغِلِّ، والحَسَدِ، والشهوات، ونحو ذلك.
 قال ابن عباس، وقتادة: إلا أن إبليس لم يَقُلْ: إنه يأتي بني آدم من فَوْقِهِمْ، ولا جعل اللَّه له سبيلاً إلى أن يَحُولَ بينهم وبين رحمة اللَّه وعفوه ومَنِّهِ، وما ظنه إبليس صدقه اللَّه عز وجل **«٢»**.
 ومنه قوله سبحانه: وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقاً مِنَ الْمُؤْمِنِينَ \[سبأ: ٢٠\] فجعل أكثر العالم كفرة، ويبيّنه قوله صلّى الله عليه وسلّم في الصَّحيح: **«يَقُولُ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ: يا آدَمُ أَخْرِجْ بَعْثَ النَّارِ، فيقول: يا رَبِّ وَمَا بَعْثُ النَّارِ، فيقول: مِنْ كُلِّ أَلْفٍ تِسْعمَائةً وتِسْعَةً وتَسْعِينَ إلى النَّارِ، وواحداً إلى الجَنَّةَ»** **«٣»**.
 ونحوه مما يخصُّ أمة نبينا محمد صلّى الله عليه وسلّم: **«ما أنتم في الأمم إلا كالشَّعرة البَيْضَاءِ في الثور الأسود»** **«٤»** وشاكِرِينَ معناه: مُؤْمنين لأن ابن آدم لا يَشْكُرُ نعمة اللَّه إلا بأن يُؤمن. قاله ابن عباس وغيره **«٥»**.
 وقوله سبحانه: اخْرُجْ مِنْها أي: من الجنة مَذْؤُماً أي مَعِيباً مَدْحُوراً أي:
 مقصيًّا مبعداً.
 لَمَنْ تَبِعَكَ بفتح اللام هي لام قسم.

 (١) ينظر: ****«تفسير الرازي»**** (١٤/ ٣٢).
 (٢) ينظر: ****«تفسير الرازي»**** (١٤/ ٣٢).
 (٣) تقدم تخريجه.
 (٤) تقدم تخريجه.
 (٥) ذكره ابن عطية (٢/ ٣٨١).

### الآية 7:16

> ﻿قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ [7:16]

قوله : لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صراطك  \[ الأعراف : ١٦ \]
المعنى : لأعترضنَّ لهم في طَريق شرعك، وعبادتك، ومنهج النجاة، فَلأَصُدَّنهم عنه. 
ومنه قوله عليه السلام :( إن الشيطان قَعَدَ لابن آدَمَ بأطرُقِهِ نَهَاهُ عن الإِسْلاَمِ، وقال : تَتْرُكُ دِينَ آبائك، فَعَصَاهُ فأسلم، فنهاه عن الهِجْرَةِ، فقال : تَدَعُ أَهْلَكَ وَبَلَدَك، فعصاه فهاجر، فنهاه عن الجِهَاد، فقال : تُقْتَلُ وتترك وَلَدَكَ، فَعَصَاهُ فجاهد فله الجَنَّة ) الحديث. 
وقوله سبحانه : ثُمَّ لأَتِيَنَّهُم مِّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أيمانهم وَعَن شَمَائِلِهِمْ وَلاَ تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شاكرين قَالَ اخرج مِنْهَا مَذْءُوماً مَّدْحُوراً لَّمَن تَبِعَكَ مِنْهُمْ لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنكُمْ أجْمَعِينَ \[ الأعراف : ١٧-١٨ \]. 
مقصد الآية أن إبليس أَخْبَرَ عن نفسه أنه يأتي إِضْلاَلَ بني آدم من كُلِّ جهة، فعبر عن ذلك بأَلْفَاظٍ تقتضي الإِحَاطَةَ بهم، وفي اللفظ تَجَوُّزٌ، وهذا قَوْلُ جَمَاعَةٍ من المفسرين. 
قال الفخر : وقوله : لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صراطك المستقيم \[ الأعراف : ١٦ \] أي : على صِرَاطِكَ، أجمع النحاة على تقدير **«على »** في هذا الموضع، انتهى.

### الآية 7:17

> ﻿ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ ۖ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ [7:17]

قوله : وَلاَ تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شاكرين \[ الأعراف : ١٧ \] أخبر اللعين أن سَعَايَتَهُ تفعل ذلك ظَنًّا منه، وتوسُّماً في خِلْقَةِ آدم حين رأى خِلْقَتَهُ من أشياء مختلفة، فعلم أنه سَتَكُونُ لهم شِيَمٌ تقتضي طَاعَتَهُ، كالغِلِّ، والحَسَدِ، والشهوات، ونحو ذلك. 
قال ابن عباس، وقتادة : إلا أن إبليس لم يَقُلْ : إنه يأتي بني آدم من فَوْقِهِمْ، ولا جعل اللَّه له سبيلاً، إلى أن يَحُولَ بينهم وبين رحمة اللَّه وعفوه ومَنِّهِ، وما ظنه إبليس صدقه اللَّه عز وجل. 
ومنه قوله سبحانه : وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فاتبعوه إِلاَّ فَرِيقاً مِّنَ المؤمنين  \[ سبأ : ٢٠ \] فجعل أكثر العَالَم كَفَرَةً، ويُبَيِّنُهُ قوله صلى الله عليه وسلم في الصَّحيح :( يَقُولُ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ : يا آدَمُ أَخْرِجْ بَعْثَ النَّارِ، فيقول : يا رَبِّ وَمَا بَعْثُ النَّارِ، فيقول : مِنْ كُلِّ أَلْفٍ تِسْعمَائةً وتِسْعَةً وتَسْعِينَ إلى النَّارِ، وواحداً إلى الجَنَّةَ )، ونحوه مما يخصُّ أمة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم :( ما أنتم في الأمم إلا كالشَّعرة البَيْضَاءِ في الثور الأَسْوَدِ )، و  شاكرين  معناه : مُؤْمنين، لأن ابن آدم لا يَشْكُرُ نعمة اللَّه إلا بأن يُؤمن، قاله ابن عباس وغيره.

### الآية 7:18

> ﻿قَالَ اخْرُجْ مِنْهَا مَذْءُومًا مَدْحُورًا ۖ لَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكُمْ أَجْمَعِينَ [7:18]

قوله سبحانه : اخرج مِنْهَا  أي : من الجنة  مَذْءُوماً  أي مَعِيباً،  مَّدْحُوراً ، أي مقصيًّا مبعداً. 
 لَّمَن تَبِعَكَ  بفتح اللام هي لام قَسَم. 
وقال أبو حيان : الظاهر أنها المُوَطِّئة لِلْقَسَمِ، و من  شرطية في موضع رَفَعٍ بالابتداء، وحذف جواب الشرط لدلالة جَوَابِ القَسَم عليه، ويجوز أن تكون لام ابتداء، و من  موصولة في مَوْضَعِ رَفْعٍ بالابتداء، والقَسَمُ المحذوف، وجوابه، وهو  لأملأن  في موضع خبرها، انتهى. 
وقال الفَخْر : وقيل : مَذْءُوماً ، أي : محقوراً، فالمَذْؤومُ المحتقر، قاله الليث. 
وقال ابن الأنباري : المَذْؤُومُ المذموم. 
وقال الفَرّاءُ : أَذْأَمْتُهُ إِذا عَيَّبْتُهُ، انتهى. 
وباقي الآية بَيِّنٌ اللهم إنا نَعُوذُ بك من جَهْدِ البَلاَءِ، وسوء القَضَاءِ، ودَرك الشَّقَاء، وشَمَاتَة الأعداء.

### الآية 7:19

> ﻿وَيَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ فَكُلَا مِنْ حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَٰذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ [7:19]

قوله جل وعلا : وَيَا آدَمُ اسكن أَنتَ وَزَوْجُكَ الجنة فَكُلاَ مِنْ حَيْثُ شِئْتُمَا وَلاَ تَقْرَبَا هذه الشجرة فَتَكُونَا مِنَ الظالمين \[ الأعراف : ١٩ \]. 
إذا أُمِرَ الإنسان بِشَيْءٍ، وهو متلبس فيه، فإنما المقصد من ذلك أن يستمر على حاله، ويتمادى في هَيْئَتِهِ. 
وقوله سبحانه لآدم : اسكن  هو من هذا البَابِ، وقد تَقَدَّمَ الكلام في **«سورة البقرة »** على الشَّجَرَةِ وتعيينها، وقوله سبحانه : هذه  قال ( م ) : الأَصْلُ هَذِي، وَالهَاءُ بَدَلٌ من الياء، ولذلك كسرت الذال، إذ ليس في كلامهم هاء تأنيث قبلها كسرة، انتهى.

### الآية 7:20

> ﻿فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِنْ سَوْآتِهِمَا وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَٰذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ [7:20]

قوله عز وجل : فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشيطان لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِن سوءاتهما \[ الأعراف : ٢٠ \]. 
الوَسْوَسَةُ : الحديث في إخفاء همساً وإسْرَاراً من الصوت، والوسواس صَوْتُ الحلِيِّ، فشبه الهمس به، وسمي إِلْقَاءُ الشيطان في نَفْسِ ابن آدم وَسْوَسَةً، إذ هي أَبْلَغُ الإسرار وأخفاه، هذا في حال الشيطان معنا الآن، وأما مع آدم، فممكن أن تكون وَسْوَسَة بمُحَاوَرَةٍ خفية، أو بإلقاء في نَفْسٍ، واللام في  ليبدي  هي في قول الأكثرين لام الصَّيْرُورَةِ، والعاقبة، ويمكن أن تكون لام **«كي »** على بابها. 
و مَا وُورِيَ  معناه : ما ستر من قولك : وارى يُوَارِي إذا ستر، والسَّوْأَةُ الفَرْجُ والدُّبر، ويشبه أن يسمى بذلك، لأن منظره يسوء. 
وقالت طائفة : إن هذه العِبَارَةَ إنما قصد بها أنها كُشِفَتْ لهما مَعَائِبهما، وما يسوؤهما، ولم يقصد بها العورة، وهذا القَوْلُ محتمل، إلا أن ذِكْرَ خَصْفِ الوَرَقِ يَرُدُّهُ، إلا أن يُقَدَّرَ الضمير في  عَلَيْهِمَا  عائد على بدنيهما فيصحّ. 
وقوله سبحانه : وَقَالَ مَا نهاكما. . .  هذا القول المَحْكِيُّ عن إبليس يدخله من التأويل ما دَخَلَ الوَسْوَسَةَ، فممكن أن يقول هذا مخاطبةً وحِوَاراً، وممكن أن يقولها إلْقَاءً في النفس، وَوَحْياً. 
و  إلا أَن  تقديره عن سيبويه والبصريين : إلا كراهِيَة أن، وتقديره عند الكوفيين " إلا أن لا " على إضمار **«لا »**، ويرجح قَوْلُ البصريين أن إضمار الأسماء أَحْسَنُ من إِضْمَارِ الحروف. 
وقرأ جمهور الناس  مَلَكَيْنِ  بفتح اللام، وقرأ ابن عباس : مَلِكَيْنِ  بكسرها، ويؤيده قوله : وَمُلْكٍ لاَّ يبلى  \[ طه : ١٢٠ \] وقال بعض الناس : يؤخذ من هذه الألفاظ أن الملائكة أَفْضَلُ من البَشَرِ، وهي مسألة اختلف النَّاسُ فيها، وتمسَّكَ كل فريق بِظَوَاهِرَ من الشريعة، والفضل بِيَدِ اللَّه يؤتيه من يَشَاءُ.

### الآية 7:21

> ﻿وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ [7:21]

و قَاسَمَهُمَا \[ الأعراف : ٢١ \] أي : حلف لهما باللَّه، وهي مُفَاعلة، إذ قبول المحلوف له اليمين كالقسم.

### الآية 7:22

> ﻿فَدَلَّاهُمَا بِغُرُورٍ ۚ فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ ۖ وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُلْ لَكُمَا إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُبِينٌ [7:22]

قوله عز وجل : فدلاهما بِغُرُورٍ \[ الأعراف : ٢٢ \]. 
قال ( ع ) : يشبه عندي أن تكون هذه اسْتعَارَةً من الرَّجُلِ يدلي آخر من هُوَّةٍ بحبل قد أَرمَ أو سَبَبٍ ضعيف يغترُّ به، فإذا تَدَلَّى به، وتوركَ عليه، انقطع به، وهلك، فيشبه الذي يغرُّ بالكلام حتى يصدقه، فيقع في مصيبة، بالذي يُدْلي من هوة بِسَبَبٍ ضعيف. 
وقوله سبحانه : بَدَتْ \[ الأعراف : ٢٢ \] قيل : تمزقت عنهما ثياب الجنة وملابسها، وَتَطَايَرَتْ تَبرِّياً منهما، و  يَخْصِفَانِ  معناه : يلصقانها، والمخصف الأشفى، وضم الورق بعضه إِلَى بَعْضٍ أشبه بالخَرَزِ منه بالخياطة. 
قال البخاري : يَخْصِفَانِ يؤلفان الوَرَقَ بعضه إلى بعض، انتهى. وهو معنى ما تقدم. 
وروى أبيٌّ عن النبي صلى الله عليه وسلم أن " آدم عليه السلام كان يَمْشي في الجنة كأنه النخلة السَّحُوقُ، فلما أَكَلَ من الشجرة وَبَدَتْ له حاله فَرَّ على وَجْهِهِ، فأخذت شجرة بِشَعَرِ رَأْسِهِ، فقال لها :**«أرسليني »** فقالت : ما أنا بمرسلتك، فناداه ربه جَلَّ وَعَلاَ أَمِنِّي تفرُّ يا آدم ؟ فقال : لا يَا رَبّ، ولكن أَسْتَحْيِيكَ، فقال : أما كان لك فيما مَنَحْتُكَ من الجنة مندوحة عما حرمت عليك ؟ قال : بلى يا رب، ولكن وَعِزَّتَكَ مَا ظَنَنْتُ أن أحداً يَحْلِفُ بك كَاذِباً، قال : فبعزَّتي لأهبطنك إِلى الأَرْضِ، ثم لا تنال العَيْشَ إلا كدًّا ". 
وقوله : عَن تِلْكُمَا  يريد بِحَسَبِ اللفظ أنه إنما أشار إلى شَجَرَةٍ مخصوصة،  وَأَقُل لَّكُما إِنَّ الشيطان لَكُمَا عَدُوٌ مُّبِينٌ  إشارة إلى الآية التي في **«طه »** في قوله : فَلاَ يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الجنة فتشقى  \[ طه : ١١٧ \] وهذا هو العَهْد الذي نَسِيَهُ آدم على مَذْهَبِ من جعل النسيان على بابه.

### الآية 7:23

> ﻿قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ [7:23]

قولهما : رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا \[ الأعراف : ٢٣ \] اعتراف من آدَمَ وحواء عليهما السلام وطَلَبٌ للتوبة، والستر، والتغمُّد بالرحمة، فطلب آدم هذا، فأجيب، وطلب إبليس النَّظِرَةَ، ولم يطلب التَّوْبَة، فوكل إلى سوء رأيه، قال الضحاك وغيره : هذه الآية هي الكَلِمَاتُ التي تلقى آدم من رَبِّهِ.

### الآية 7:24

> ﻿قَالَ اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ ۖ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَىٰ حِينٍ [7:24]

قوله عز وجل : قَالَ اهبطوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ \[ الأعراف : ٢٤ \]. 
المُخَاطَبَةُ بقوله : اهبطوا ، قال : أبو صَالِحٍ، والسدي، والطبري، وغيرهم : هي لآدم، وحوّاء، وإبليس، والحية. 
وقالت فرقة : هي مخاطبة لآدم وذريته، وإبليس وذريته. 
قال ( ع ) : وهذا ضَعِيفٌ لعدمهم في ذلك الوَقْت. 
( ت ) : وما ضعفه رحمه اللَّه صَحَّحَهُ في **«سورة البقرة »**، فتأمله هناك، وعداوة الحية معروفة. 
روى قتادة عن النبي صلى الله عليه وسلم :( ما سَالَمْنَاهُنَّ مُنْذُ حَارَبْنَاهُنَّ ).

### الآية 7:25

> ﻿قَالَ فِيهَا تَحْيَوْنَ وَفِيهَا تَمُوتُونَ وَمِنْهَا تُخْرَجُونَ [7:25]

وقال بعض الناس: يؤخذ من هذه الألفاظ أن الملائكة أَفْضَلُ من البَشَرِ، وهي مسألة اختلف النَّاسُ فيها، وتمسَّكَ كل فريق بِظَوَاهِرَ من الشريعة، والفضل بِيَدِ اللَّه يؤتيه من يشاء.
 وقاسَمَهُما أي: حلف لهما باللَّه، وهي مُفَاعلة، إذ قبول المحلوف له اليمين كالقسم.
 \[سورة الأعراف (٧) : الآيات ٢٢ الى ٢٥\]
 فَدَلاَّهُما بِغُرُورٍ فَلَمَّا ذاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُما سَوْآتُهُما وَطَفِقا يَخْصِفانِ عَلَيْهِما مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَناداهُما رَبُّهُما أَلَمْ أَنْهَكُما عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُلْ لَكُما إِنَّ الشَّيْطانَ لَكُما عَدُوٌّ مُبِينٌ (٢٢) قالا رَبَّنا ظَلَمْنا أَنْفُسَنا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنا وَتَرْحَمْنا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ (٢٣) قالَ اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتاعٌ إِلى حِينٍ (٢٤) قالَ فِيها تَحْيَوْنَ وَفِيها تَمُوتُونَ وَمِنْها تُخْرَجُونَ (٢٥)
 وقوله عز وجل: فَدَلَّاهُما بِغُرُورٍ قال: ع»
 : يشبه عندي أن تكون هذه اسْتعَارَةً من الرَّجُلِ يدلي آخر من هُوَّةٍ بحبل قد أَرمَ أو سَبَبٍ ضعيف يغترُّ به، فإذا تَدَلَّى به، وتوركَ عليه، انقطع به، وهلك، فيشبه الذي يغرُّ بالكلام حتى يصدقه، فيقع في مصيبة بالذي يُدْلي من هوة بِسَبَبٍ ضعيف.
 وقوله سبحانه: بَدَتْ قيل: تمزقت عنهما ثياب الجنة وملابسها، وتطايرت تبرّيا منهما، ويَخْصِفانِ معناه: يلصقانها، والمخصف الأشفى **«٢»** وضم الورق بعضه إِلَى بَعْضٍ أشبه بالخَرَزِ منه بالخياطة.
 قال البخاري: يَخْصِفَانِ يؤلفان الوَرَقَ بعضه إلى بعض/ انتهى. وهو معنى ما تقدم.
 وروى أبيٌّ عن النبي صلّى الله عليه وسلّم أن آدم عليه السلام كان يَمْشي في الجنة كأنه النخلة السَّحُوقُ **«٣»** فلما أَكَلَ من الشجرة وَبَدَتْ له حاله فَرَّ على وَجْهِهِ، فأخذت شجرة بِشَعَرِ رَأْسِهِ، فقال لها: **«أرسليني»** فقالت: ما أنا بمرسلتك، فناداه ربه جَلَّ وَعَلاَ أَمِنِّي تفرُّ يا آدم؟
 فقال: لا يَا رَبّ، ولكن أَسْتَحْيِيكَ، فقال: أما كان لك فيما مَنَحْتُكَ من الجنة مندوحة عما حرمت عليك. قال: بلى يا رب، ولكن وَعِزَّتَكَ مَا ظَنَنْتُ أن أحداً يَحْلِفُ بك كاذبا، قال:

 (١) ينظر: **«المحرر الوجيز»** (٢/ ٣٨٥).
 (٢) الإشفى: فعلى، وهو أداة للإسكاف، والجمع: أشافي.
 ينظر: **«لسان العرب»** (٨٥) (أشف).
 (٣) أي: الطويلة التي بعد ثمرها على المجتني. ينظر: **«النهاية»** (٢/ ٣٤٧).

### الآية 7:26

> ﻿يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا ۖ وَلِبَاسُ التَّقْوَىٰ ذَٰلِكَ خَيْرٌ ۚ ذَٰلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ [7:26]

قوله سبحانه : يا بني ءَادَمَ قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاساً يواري سوءاتكم \[ الأعراف : ٢٦ \]. 
خِطَابٌ لجميع الأمم وَقْتَ النبي صلى الله عليه وسلم، والسَّبَب والمراد : قريش، ومَنْ كان مِنَ العَرَبِ يتعرَّى في طَوَافِهِ بالبيت. 
قال مجاهد : ففيهم نَزَلَتْ هذه الأربع آيات. 
وقوله : أَنزَلْنَا  يحتمل التَّدْرِيجَ أَي : لما أنزل المَطَر، فكان عنه جميع ما يلبس، ويحتمل أن يريد ب  أَنزَلْنَا  خلقنا، كقوله : وَأَنزَلَ لَكُم مِّنَ الأنعام ثمانية أزواج  \[ الزمر : ٦ \]،  وَأَنزَلْنَا الحديد  \[ الحديد : ٢٥ \] و لِبَاساً  عام في جميع ما يُلْبَسُ، و  يواري \[ الأعراف : ٢٦ \] : يستر. 
وقرأ الجمهور : وريشاً ، وقرأ عاصم، وأبو عمرو  وريشاً  وهما عِبَارَتَانِ عن سَعَةِ الرزق، ورفاهة العَيْشِ، وَجَوْدَةِ الملبس والتمتع. 
وقال البخاري : قال ابن عباس : وريشاً : المال انتهى. 
وقرأ نافع، وغيره : ولباسَ  بالنصب. 
وقرأ حمزة، وغيره بالرفع، وقوله : ذلك مِنْ آيات الله  إشارة إلى جَمِيعِ ما أنزل اللَّه من اللِّبَاسِ والرِّيشِ، وحكى النَّقَّاشُ : أن الإِشَارَةَ إِلى لِبَاسِ التَّقوى، أي : هو في العبد آية، أي : علامة وأمارة من اللَّه تعالى، أنه قد رَضِيَ عنه، ورحمه. 
وقال ابن عَبَّاسٍ : لباس التقوى هو السَّمْتُ الحَسَنُ في الوَجْهِ، وقاله عثمان بن عفان على المنبر. 
وقال ابن عَبَّاسٍ أيضاً : هو العَمَلُ الصالحَ. 
وقال عُرْوَةُ بن الزبير : هو خَشْيَةُ اللَّه، وقيل : هو لباس الصوف، وكل ما فيه تواضع لله عز وجل. 
وقال الحَسَنُ : هو الوَرَعُ، وقال معبد الجهني : هو الحَيَاءُ، وقال ابن عَبَّاسٍ أيضاً : لِبَاسُ التقوى العفة. 
قال ( ع ) وهذه كلها مثل، وهي من لباس التقوى، و لَعَلَّهُمْ  تَرَجٍّ بحسبهم، ومبلغهم من المعرفة.

### الآية 7:27

> ﻿يَا بَنِي آدَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآتِهِمَا ۗ إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ ۗ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ [7:27]

قوله عز وجل : يا بني آدَمَ لاَ يَفْتِنَنَّكُمُ الشيطان كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُم مِّنَ الجنة \[ الأعراف : ٢٧ \]. 
خطاب لجميع العالم، والمقصود بها في ذلك الوَقْتِ مَنْ كان يطوف من العَرَبِ بالبيتِ عُرْيَاناً. 
قيل : كانت العَرَبُ تَطُوفُ عُرَاةً إِلا الحُمْس، وهم قريش، ومن وَالاَهَا، وهذا هو الصحيح، ثم نودي ب **«مكة »** في سنة تسع : لا يحجّ بعد العام مُشْرِكٌ، ولا يطوف بالبيت عريان، والفتنة في هذه الآية الاسْتِهْوَاءُ، والغَلَبَةُ على النفس، وأضاف الإِخْرَاجَ في هذه الآية إلى إبليس تجوُّزاً لما كان هو السَّبَب في ذلك. 
قال أبو حيان : كَمَا أَخْرَجَ  **«كما »** في موضع نَصْبٍ، أي : فتنة، مثل فتنة إِخْرَاجِ أبويكم، انتهى. 
وقوله سبحانه : إِنَّهُ يَرَاكُمْ. . .  زيادة في التحذير، وإعلام بأن اللَّه عز وجل قد مَكَّنَ إبليس من بَني آدَمَ في هذا القدر، وبحسب ذلك يَجِبُ أن يكون التَّحَرُّزُ بِطَاعَةِ اللَّه عز وجل، وقَبِيلُ الشيطانُ يُرِيدُ نوعه، وصنفه، وذريته، والشيطان مَوْجُودٌ، وهو جسم. 
قال النووي : وروينا في كتاب ابن السّني عن أَنَسٍ قال : قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم :( ستر ما بين أَعْيُنِ الجِنِّ وَعَوْرَاتِ بَنِي آدَمَ أَنْ يَقُولَ الرَّجُلُ المُسْلِمُ إِذَا أَراد أن يطرح ثِيَابَهُ : بسم اللَّه الذي لا إله إِلاَّ هُوَ ) انتهى. 
وعن علي رضي اللَّه عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :( ستر ما بين الجنِّ وعَوْرَاتِ بني آدَمَ إِذا دَخَلُوا الكُنُفَ أَن يقولوا : بسم اللَّه ) رواه الترمذي، وقال : إسناده ليس بالقَوِيِّ. 
قال النووي : قال العلماء من المحدثين والفقهاء وغيرهم : يجوز ويُسْتَحَبُّ العَمَلُ في الفَضَائِلِ، والترغيب، والترهيب بالحديث الضعيف ما لم يكن موضوعاً، وأما الأحكام كالحَلاَلِ، والحرام، والبيع، والنكاح، والطلاق، وغير ذلك فلا يُعْمَلُ فيها إلا بالحديث الصحيح، أو الحسن، إلا أن يكون في احْتِيَاطٍ في شيء من ذلك، كما إذا ورد حديث ضعيف بكَرَاهِةِ بعض البيوع، أو الأنكحة، فإن المستحبَّ أن يتنزَّه عنه، ولكن لا يَجِبُ انتهى. 
ونحوه لأبي عمر بن عبد البر في كتاب **«فضل العلم »**. 
ثم أخبر عز وجل أنه صَيَّرَ الشياطين أولياء، أي : صحابة، ومتداخلين للكفرة الذين لا إيمان لهم.

### الآية 7:28

> ﻿وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا ۗ قُلْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ ۖ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ [7:28]

قوله : وإذا فَعَلُوا \[ الأعراف : ٢٨ \] وما بعده دَاخِلٌ في صفة الذين لا يؤمنون، والفاحشة في هذه الآية، وإن كان اللفظ عَامّاً هي كَشْفُ العَوْرَةِ عند الطَّوَافِ، فقد روي عن الزهري أنه قال : إن في ذلك نزلت هذه الآية، وقاله ابنَ عَبَّاسٍ ومجاهد.

### الآية 7:29

> ﻿قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ ۖ وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ ۚ كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ [7:29]

قوله عز وجل : قُلْ أَمَرَ رَبِّي بالقسط \[ الأعراف : ٢٩ \]. 
تضمن معنى أقسطوا، ولذلك عطف عليه قوله : وَأَقِيمُواْ  حملاً على المعنى، والقِسْطُ العَدْلُ، واختلف في قوله سبحانه : وَأَقِيمُواْ وُجُوهَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ  فقال مجاهد، والسدي : أراد إلى الكعبة، والمقصد على هذا شَرْعُ القبلة والتزامها. 
وقيل : أراد الأمر بإحضار النية لله في كُلِّ صَلاَةٍ، والقصد نحوه، كما تقول : وَجَّهْتُ وَجْهِي لله قاله الربيع. 
وقيل : المراد إبَاحَةُ الصلاة في كُلِّ موضع من الأرض، أي : حيث ما كنتم فهو مَسْجِدٌ لكم، تلزمكم عند الصَّلاَةِ إقامة وجوهكم فيه لله عز وجل. 
وقوله سبحانه : كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ  قال ابن عَبِّاسٍ، وقتادة، ومجاهد : المعنى كما أوجدكم، واخترعكم، كذلك يعيدكم بعد الموتِ، والوقف على هذا التأويل تعودون، و فريقاً  نصب ب **«هدى »** والثاني منصوب بِفِعْلٍ تقديره : وعذب فريقاً، وقال جابر بن عبد اللَّه وغيره، وروي معناه عن النبي صلى الله عليه وسلم أن المُرَادَ الإعلام بأن مَنْ سَبَقَتْ له من اللَّه الحُسْنَى، ومن كتب سعيداً كان في الآخِرَةِ سَعِيداً، ومن كتب عليه أنه من أَهْلِ الشَّقَاءِ، كان في الآخرة شَقِيًّا، ولا يتبدَّل من الأمور التي أحكمها وَدَبَّرَهَا، وأنفذها شيء، فالوقف في هذا التأويل في قوله : تَعُودُونَ  غير حسن.

### الآية 7:30

> ﻿فَرِيقًا هَدَىٰ وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلَالَةُ ۗ إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ [7:30]

وَفَرِيقاً  على هذا التأويل نصب على الحال، والثاني عطف على الأول. 
 وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُم مُّهْتَدُونَ  معناه : يظنُّونَ. 
قال الطبري : وهذه الآية دَلِيلٌ على خَطَأ من زَعَمَ أن اللَّه لا يعذب أحداً على معصية ركبها، أو ضلالة، اعتقدها إلا أن يأتيها على عِلْمٍ منه بموضع الصواب.

### الآية 7:31

> ﻿۞ يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا ۚ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ [7:31]

قوله سبحانه : يا بني آدَمَ خُذُواْ زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ \[ الأعراف : ٣١ \]. 
هذا خطاب عَامٌ لجميع العالم كما تقدم، وأمروا بهذه الأَشْيَاءِ بسبب عصيان حاضري ذلك الوقت من مُشْرِكِي العَرَبِ فيها، والزينة الثياب الساترة، قاله مجاهد وغيره. و عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ  أي : عند كل مَوْضِعِ سُجُودٍ، فهي إشارة إلى الصلوات، وستر العورة فيها. 
( ت ) : ومن المستحسن هنا ذكر شيء مما جاء في اللِّبَاسِ، فمن أحسن الأحاديث في ذلك، وأصحها ما رواه مالِكٌ في **«الموطأ »** عن أبي سَعيدٍ الخدري، قال : سمعت رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم يقول :( إنَّ أُزْرَةَ المُؤْمِنِ إِلى أَنْصَافِ سَاقَيْهِ، لا جُنَاحَ عليه فيما بينه وبَيْنَ الكَعْبَيْنِ، ما أَسْفَلَ من ذَلِكَ، ففي النَّارِ ) قال ذلك ثلاث مرات :( لاَ يَنْظُرُ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ إِلَى مَنْ جَرَّ إزَارَهُ بَطَراً ). 
وحدث أبو عمر في **«التمهيد »** بسنده عن ابن عُمَرَ قال : فيما قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم في الإزَارِ فهو في القَمِيصِ، يعني ما تَحْتَ الكَعْبَيْنِ من القَمِيصِ في النار، كما قال في الإزَارِ، وقد روى أبو خيثمة زهير بن مُعَاوِيةَ قال : سمعت أَبا إِسْحَاقَ السبيعي يقول : أدركتهم وقمصهم إلى نِصْفِ الساق أو قريب من ذلك، وكُمُّ أحدهم لا يُجَاوِزُ يَدَهُ، انتهى. 
وروى أبو داود عن أسماء بنت يَزِيدَ قالت : كانت يَدُ كُمِّ قَمِيصِ رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم إلى الرّسْغ، وأما أحبُّ اللِّبَاسِ فما رواه أبو داود عن أم سلمة، قالت : كان أحبّ الثياب إلى رَسُولِ اللَّه صلى الله عليه وسلم القميص، انتهى. 
وجاء في المُسْبِلِ وَعيدٌ شديد، وعنه صلى الله عليه وسلم أنه قال لرجل أَسْبَلَ إزاره :( إن هذا كان يصلي وهو مُسْبِلٌ إزَارَهُ، وإِن اللَّه لا يَقْبَلُ صَلاَةَ رَجُلٍ مسبل إزاره ) رواه أبو داود، انتهى. 
وقوله سبحانه : وَكُلُواْ واشربوا  إباحة لما التزموه من تَحْرِيمِ اللحم، والودك في أيام المواسم، قاله ابن زَيْدٍ وغيره، ويدخل في ذلك البَحِيرَةُ والسائبة، ونحو ذلك، نصّ على ذلك قَتَادَةُ. 
وقوله سبحانه : وَلاَ تُسْرِفُواْ  معناه : ولا تفرطوا، قال أهل التأويل : يريد تُسْرِفُوا بأن تحرموا ما لم يُحَرِّمِ اللَّه عز وجل، واللفظةَ تَقْتَضِي النهي عن السَّرَفِ مُطْلَقاً، ومن تَلَبَّسَ بفعلٍ مباح، فإن مشى فيه على القَصْدِ، وأوسط الأمور، فحسن، وإن أفْرَطَ جعل أيضاً من المسرفين، وقال ابن عَبَّاس في هذه الآية : أحلَّ اللَّه الأكل والشرب ما لم يكن سَرَفاً أو مخيلة. 
قال ابن العربي : قوله تعالى : وكُلُواْ واشربوا وَلاَ تُسْرِفُواْ  الإِسْرَافُ تَعَدِّي الحد، فنهاهم سبحانه عن تعدي الحَلاَل إلى الحرام. 
وقيل :\[ لا يزيد \] على قَدْرِ الحاجة، وقد اختلف فيه على قولين، فقيل حرام. 
وقيل : مكروه، وهو الأصح. 
فإن قدر الشبع يختلف باختلاف البُلْدَانِ، والأَزْمَانِ، والإِنسان، والطعمان، انتهى من **«أحكام القرآن »**.

### الآية 7:32

> ﻿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ ۚ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ ۗ كَذَٰلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ [7:32]

قوله سبحانه : قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ الله التي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ \[ الأعراف : ٣٢ \]. 
أي : قل لهم على جِهَةِ التوبيخ، وَزِينَةُ اللَّه هي ما حَسَّنته الشَّرِيعَةُ، وقررته، وزِينَةُ الدنيا كل ما اقتضته الشَّهْوَةُ، وطلب العلو في الأرض، كالمَالِ والبنين، 
و الطَّيِّبَاتُ  قال الجمهور : يريد المُحَلّلات. 
وقال الشافعي وغيره : هي المُسْتَلَذَّاتُ أي : من الحلال، وإنما قاد الشَّافعي إلى هذا تحريمه المستقذرات كالوَزَغِ ونحوهَا، فإنه يقول : هي من الخَبَائِث. 
( ت ) وقال مكي : المعنى قل مَنْ حَرَّمَ زينة اللَّه، أي : اللِّبَاس الذي يزين الإنسان بأَن يستر عَوْرَتهُ، ومن حرم الطيبات من الرزق المُبَاحَةِ. 
وقيل عنى بذلك ما كَانَتِ الجَاهِلِيَّةُ تحرمه من السوائب والبَحَائِر، انتهى. 
وقوله سبحانه : قُلْ هِي لِلَّذِينَ آمَنُواْ فِي الحياة الدنيا خَالِصَةً يَوْمَ القيامة \[ الأعراف : ٣٢ \]. 
قال ابن جُبَيْرٍ : المعنى قل هي للذين آمَنُوا في الحَيَاةِ الدنيا، يَنْتَفِعُونَ بها في الدُّنْيَا، ولا يتبعهم إثمها يوم القِيَامَةِ، وقال ابن عباس، والضحاك، والحسن، وقتادة، وغيرهم : المعنى هو أن يخبر صلى الله عليه وسلم أن هذه الطَّيبات المَوْجُودَاتِ هي في الحياة الدنيا للذين آمنوا، وإن كانت أيْضاً لغيرهم معهم، وهي يوم القيامة خالصة لهم، أي : لا يشركهم أحد في استعمالها في الآخرة، 
وقرأ نافع وحده  خالصةٌ  بالرفع، والباقون بالنَّصْب. 
وقوله سبحانه : كذلك نُفَصِّلُ الآيات لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ  أي : كما فَصَّلنا هذه الأشياء المتقدمة الذِّكر،  نُفَصِّلُ الآيات  أي : نبين الأمَارَاتِ، والعَلاَمَاتِ، والهِدَايَاتِ لقوم لهم علم ينتفعون به.

### الآية 7:33

> ﻿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ [7:33]

قوله عز وجل : قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الفواحش مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ. . .  \[ الأعراف : ٣٣ \]. 
لما تقدم إنكار ما حرمه الكُفَّار بآرائهم أتبعه بذِكْرِ ما حرم اللَّه عز وجل، والفَوَاحِشُ في اللغة ما فَحُشَ وشنع، وأصله من القُبْحِ في النظر، وهي هنا إنما هي إشارة إلى ما نص الشرع على تحريمه، فكل ما حرمه الشَّرْعُ، فهو فاحش، و الإثم  لفظ عام في جَمِيعِ الأفعال والأقوال التي يَتَعَلَّقُ بمرتكبها إثم، هذا قول الجمهور، وقال بعض الناس : هي الخَمْرُ، وهذا قول مردود، لأن هذه السورة مَكيّة، وإنما حرمت الخَمْرُ ب ( المدينة ) بعد أُحد،  والبغي \[ الأعراف : ٣٣ \] التعدي، وتجاوز الحد. 
 وَأَن تَقُولُواْ عَلَى الله مَا لاَ تَعْلَمُونَ  من أنه حرم البَحِيرَةَ والسائبة ونحوه.

### الآية 7:34

> ﻿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ ۖ فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً ۖ وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ [7:34]

قوله سبحانه : وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ \[ الأعراف : ٣٤ \]. 
المعنى : ولكل أمة أجل مُؤَقَّت لمجيء العَذَابِ إذا كفروا، وخالفوا أَمْرَ ربهم، فأنتم أيتها الأمة كذلك، قاله الطبري وغيره. 
وقوله : سَاعَةً  لفظ عيّن به الجزء القليل من الزمان، والمراد جميع أجزائه، والمعنى : لا يستأخرون سَاعَة، ولا أقل منها، ولا أكثر.

### الآية 7:35

> ﻿يَا بَنِي آدَمَ إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي ۙ فَمَنِ اتَّقَىٰ وَأَصْلَحَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ [7:35]

قوله عز وجل : يا بني آدَمَ إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آياتي فَمَنِ اتقى وَأَصْلَحَ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ والذين كَذَّبُواْ بآياتنا واستكبروا عَنْهَا أُوْلَئِكَ أصحاب النار هُمْ فِيهَا خالدون \[ الأعراف : ٣٥ \]. 
الخِطَابُ في هذه الآية لجميع العالم، و( إن ) هي الشرطية دخلت عليها **«ما »** مؤكدة، وكان هذا الخطاب لجميع الأُمم قَدِيمِها وحَدِيثِهَا، هو متمكن لهم، ومتحصِّل منه لحاضري نبينا محمد صلى الله عليه وسلم أن هذا حُكْمُ اللَّه في العالم منذ أنشأه،  ويَأْتِيَنَّكُمْ  مستقبل وُضِعَ موضع ماضٍ ليفهم أن الإتيان بَاقٍ وَقْتَ الخطاب، لِتَقْوَى الإشارة بصِحَّةِ النبوءة إلى نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، وهذا على مُرَاعَاةِ وَقْتِ نزول الآية. 
وأسند الطَّبَري إلى أبي سَيَّارٍ السُّلمي قال :" إن اللَّه سبحانه خَاطَبَ آدم وذُريته، فقال : يا بني آدَمَ إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ. . .  \[ الأعراف : ٣٥ \] قال : ثم نَظَر سبحانه إلى الرُّسُل، فقال : يا أيها الرسل كُلُواْ مِنَ الطيبات واعملوا صالحا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ وَإِنَّ هذه أُمَّتُكُمْ أُمَّةً واحدة وَأَنَاْ رَبُّكُمْ فاتقون. . .  \[ المؤمنون : ٥١، ٥٢ \] " الحديث. 
قال ( ع ) : ولا مَحَالَةَ أن هذه المُخَاطَبَة في الأزل. 
وقيل : المراد بالرسل نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، ذَكَرَهُ النقاش  ويَقُصُّونَ  أي : يسردون، ويوردون، و( الآيات ) لَفْظٌ جامع لآيات الكُتُب المنزلة، وللعلامات التي تقترن بالأنبياء، ونفي الخوف والحزن يعم جَمِيعَ أنواع مَكَارِهِ النَفس وأَنْكَادِهَا.

### الآية 7:36

> ﻿وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا أُولَٰئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ ۖ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ [7:36]

نص مكرر لاشتراكه مع الآية ٣٥:قوله عز وجل : يا بني آدَمَ إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آياتي فَمَنِ اتقى وَأَصْلَحَ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ والذين كَذَّبُواْ بآياتنا واستكبروا عَنْهَا أُوْلَئِكَ أصحاب النار هُمْ فِيهَا خالدون \[ الأعراف : ٣٥ \]. 
الخِطَابُ في هذه الآية لجميع العالم، و( إن ) هي الشرطية دخلت عليها ****«ما »**** مؤكدة، وكان هذا الخطاب لجميع الأُمم قَدِيمِها وحَدِيثِهَا، هو متمكن لهم، ومتحصِّل منه لحاضري نبينا محمد صلى الله عليه وسلم أن هذا حُكْمُ اللَّه في العالم منذ أنشأه،  ويَأْتِيَنَّكُمْ  مستقبل وُضِعَ موضع ماضٍ ليفهم أن الإتيان بَاقٍ وَقْتَ الخطاب، لِتَقْوَى الإشارة بصِحَّةِ النبوءة إلى نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، وهذا على مُرَاعَاةِ وَقْتِ نزول الآية. 
وأسند الطَّبَري إلى أبي سَيَّارٍ السُّلمي قال :" إن اللَّه سبحانه خَاطَبَ آدم وذُريته، فقال : يا بني آدَمَ إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ...  \[ الأعراف : ٣٥ \] قال : ثم نَظَر سبحانه إلى الرُّسُل، فقال : يا أيها الرسل كُلُواْ مِنَ الطيبات واعملوا صالحا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ وَإِنَّ هذه أُمَّتُكُمْ أُمَّةً واحدة وَأَنَاْ رَبُّكُمْ فاتقون...  \[ المؤمنون : ٥١، ٥٢ \] " الحديث. 
قال ( ع ) : ولا مَحَالَةَ أن هذه المُخَاطَبَة في الأزل. 
وقيل : المراد بالرسل نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، ذَكَرَهُ النقاش  ويَقُصُّونَ  أي : يسردون، ويوردون، و( الآيات ) لَفْظٌ جامع لآيات الكُتُب المنزلة، وللعلامات التي تقترن بالأنبياء، ونفي الخوف والحزن يعم جَمِيعَ أنواع مَكَارِهِ النَفس وأَنْكَادِهَا. ---

### الآية 7:37

> ﻿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَىٰ عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ ۚ أُولَٰئِكَ يَنَالُهُمْ نَصِيبُهُمْ مِنَ الْكِتَابِ ۖ حَتَّىٰ إِذَا جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا يَتَوَفَّوْنَهُمْ قَالُوا أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ۖ قَالُوا ضَلُّوا عَنَّا وَشَهِدُوا عَلَىٰ أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ [7:37]

قوله سبحانه : فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افترى عَلَى الله كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بآياته. . .  \[ الأعراف : ٣٧ \]
هذه الآية وَعِيدٌ واستفهام على جهة التقرير، أي : لا أحد أظلم منه، والكتاب هو اللوح المَحْفُوظُ في قول الحَسَنِ وغيره. 
وقيل : ما تكتبه الحَفَظَةُ، ونصيبهم من ذلك هو الكُفْرُ وَالمَعَاصي، قاله مجاهد، وغيره. 
وقيل : هو القرآن، وحَظُّهم فيه سَوَادُ الوجوه يوم القيامة. 
وقال الربيع بن أنس، وغيره : المعنى بالنصيب مَا سَبَقَ لهم في أُم الكتاب من رِزْق، وعمر، وخير وشر في الدنيا، ورجحه الطبري. 
واحتج له بقوله تعالى بعد ذلك : حتى إِذَا جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا  أي : عند انقضاء ذلك، فكان معنى الآية على هذا التأويل : أولئك يتمتعون، ويتصرَّفُونَ في الدنيا بِقَدْرِ ما كتب لهم حتى إِذا جاءتهم رُسُلنا لموتهم، وهذا تأويل جَمَاعَةٍ، وعلى هذا يترتّبُ ترجيحُ الطبري. 
وقالت فرقة : رُسُلُنَا  يريد بهم مَلاَئِكَةَ العَذَابِ يوم القيامة، و يَتَوَفَّوْنَهُمْ  معناه عندهم يستوفونهم عَدَداً في السوق إلى جهنم. 
وقوله سبحانه حكايةً عن الرسل  أَيْنَ مَا كُنتُمْ تَدْعُونَ  استفهام تقرير، وتوبيخ، وتوقيف على خِزْيٍ،  وتَدْعُونَ  معناه : تعبدون، وتؤمِّلُون. 
وقولهم : ضَلُّواْ عَنَّا  معناه : هلكوا، وتلفوا، وفقدوا. 
ثم ابتدأ الخبر عن المشركين بقوله سبحانه : وَشَهِدُواْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُواْ كافرين .

### الآية 7:38

> ﻿قَالَ ادْخُلُوا فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ فِي النَّارِ ۖ كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَهَا ۖ حَتَّىٰ إِذَا ادَّارَكُوا فِيهَا جَمِيعًا قَالَتْ أُخْرَاهُمْ لِأُولَاهُمْ رَبَّنَا هَٰؤُلَاءِ أَضَلُّونَا فَآتِهِمْ عَذَابًا ضِعْفًا مِنَ النَّارِ ۖ قَالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلَٰكِنْ لَا تَعْلَمُونَ [7:38]

قوله سبحانه : قَالَ ادخلوا فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُم مِّنَ الجن والإنس فِي النار \[ الأعراف : ٣٨ \]. 
هذه حكاية ما يَقُولُ اللَّه سبحانه لهم يَوْمَ القيامة، بواسطة ملائكة العَذَابِ، نسأل اللَّه العافية. وعبر عن يقول ب **«قال »** لتحقُّق وقوع ذلك، وصدق القصة، وهذا كثير، و خَلَتْ  حكاية عن حَالِ الدنيا، أي : ادخلوا في النَّار في جملة الأمم السابقة لكم في الدنيا الكافرة. 
( ت ) : وكذا قدره أبو حَيَّانَ في جملة  أمم ، قال : وقيل : في  بمعنى ( مع ) أي : مع أمم، وتقدم له في **«سورة البقرة »** أن  في  تجيء للمُصَاحَبَةِ، كقوله تعالى : ادخلوا فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ  انتهى. 
وقدم ذِكْرَ الجن، لأنهم أَعْرَقُ في الكفر، وإبليس أَصْلُ الضلال والإغواء، وهذه الآية نص في أن كفرة الجنِّ في النار، والذي يقتضيه النظر أن مُؤمنيهم في الجَنَّةِ، لأنهم عُقَلاَءُ، مُكَلَّفُونَ، مبعوث إليهم، آمنوا وصدقوا، وقد بَوَّب البخاري رحمه اللَّه باباً في ذِكْرِ الجن، وثوابهم، وعقابهم. 
وذكر عبد الجليل : أن مؤمني الجن يكونون تُرَاباً كالبهائم، وذكر في ذلك حديثاً مجهولاً، وما أَراه يصحُّ. واللَّه أعلم، والأِخْوَةُ في هذه الآية أِخْوَةُ الملة. 
قال ( ص ) : في النار  متعلق ب ( خَلَتْ )، أو بمحذوف، وهو صفة لأمم أي : في أمم سابقة، في الزمان كائنة، من الجن والإنس كائنة في النار، ويحتمل أن يتعلق بادخلوا على أن **«في »** الأولى بمعنى **«مع »**، والثانية للظرفية، وإذا اختلف مَدْلُول الحرفين، جاز تعلقهما بمحلٍّ واحد، انتهى. 
و اداركوا  معناه : تلاحقوا، أصله : تداركوا أدغم فجلبت ألف الوَصْل، 
وقال البخاري : اداركوا  اجتمعوا، انتهى. 
وقوله سبحانه : قَالَتْ أُخْرَاهُمْ لأولاهم \[ الأعراف : ٣٨ \] معناه : قالت الأمم الأخيرة التي وجدت ضلالات متقررة، وسنناً كاذبةً مستعملة للأولى التي شرعت ذلك، وافترت على اللَّه، وسَلَكَتْ سبيل الضَّلال ابتداءً  رَبَّنَا هَؤُلاءِ أَضَلُّونَا  أي : طرقوا لنا طُرُقَ الضلال،  قَالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ  أي : عذاب مشدَّد على الأول، والآخر  ولكن لاَّ تَعْلَمُونَ  أي المقادر، وصور التضعيف.

### الآية 7:39

> ﻿وَقَالَتْ أُولَاهُمْ لِأُخْرَاهُمْ فَمَا كَانَ لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ [7:39]

قوله سبحانه : وَقَالَتْ أولاهم لأُخْرَاهُمْ فَمَا كَانَ لَكُمْ عَلَيْنَا مِن فَضْلٍ \[ الأعراف : ٣٩ \]. 
أي : قد اسْتَوَتْ حالنا وحالكم  فَذُوقُواْ العذاب  باجْترَامِكُمْ، وهو من كلام الأمة المتقدمة للمتأخّرة، وقيل قوله : فَذُوقُواْ  هو من كَلاَمِ اللَّه عز وجل لجميعهم.

### الآية 7:40

> ﻿إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَلَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّىٰ يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ ۚ وَكَذَٰلِكَ نَجْزِي الْمُجْرِمِينَ [7:40]

قوله سبحانه : إِنَّ الذين كَذَّبُواْ بآياتنا واستكبروا عَنْهَا لاَ تُفَتَّحُ لَهُمْ أبواب السماء وَلاَ يَدْخُلُونَ الجنة \[ الأعراف : ٤٠ \]. 
هذه الآية عامة في جميع الكَفَرَةِ قديمهم وحديثهم، قرأ نافع وغيره : لا تُفَتَّح  بتشديد التاء الثانية، وقرأ أبو عمرو : تُفْتّح  بالتاء أيضاً وسكون الفاء، وتخفيف الثانية، وقرأ حمزة  يفتح  بالياء من أسفل، وتخفيف التاء، ومعنى الآية : لا يرتفع لهم عَمَلٌ، ولا روح، ولا دعاء، فهي عامة في نفي ما يوجب للمؤمنين قاله ابن عباس، وغيره. 
ثم نفى سبحانه عنهم دُخُولَ الجنة، وعلق كونه بِكَوْنٍ محال، وهو أن يدخل الجمل في ثُقْبِ الإبرة حيث يدخل الخَيْطُ، والجمل كما عهد، والسَّمّ كما عهد، وقرأ جمهور المسلمين  الجمل  واحد الجمال، وقرأ ابن عباس وغيره : الجُمّل  بضم الجيم وتشديد الميم، وهو حَبْلُ السفينة، والسَّمُّ : الثقب من الإبرة وغيرها. و كذلك  أي : وعلى هذه الصفة، وبمثل هذا الحتم، وغيره نجزي الكفرة وأهل الجَرَائِمِ على اللَّه.

### الآية 7:41

> ﻿لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهَادٌ وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ ۚ وَكَذَٰلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ [7:41]

لَهُم مِّن جَهَنَّمَ مِهَادٌ \[ الأعراف : ٤١ \] أي : فراش، ومسكن، ومضجع يتمهَّدُونه، وهي لهم  غَوَاشٍ  جمع غاشية، وهي ما يَغْشَى الإنسان أي : يغطيه، ويستره من جهة فَوْق.

### الآية 7:42

> ﻿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا أُولَٰئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ ۖ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ [7:42]

قوله سبحانه : لاَ نُكَلِّفُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا أولئك أصحاب الجنة هُمْ فِيهَا خالدون \[ الأعراف : ٤٢ \]. 
هذه آية وعد مخبرةٌ أن جميع المؤمنين هم أصْحَابُ الجنة، ولهم الخُلْدُ فيها، ثم اعترض فيها القَوْل بعقب الصِّفَةِ التي شرطها في المؤمنين باعتراض يُخَفِّفُ الشرط، ويرجي في رحمة اللَّه، ويعلم أن دينه يُسْر، وهذه الآية نصٌّ في أن الشريعة لا يَتَقَرَّرُ من تكاليفها شَيْءٌ لا يُطَاقُ، وقد تقدم ذلك في **«سورة البقرة »**. 
**«والوُسْعُ »** معناه : الطاقة، وهو القدر الذي يَتَّسِعُ له البشر.

### الآية 7:43

> ﻿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ ۖ وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَٰذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ ۖ لَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ ۖ وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ [7:43]

قوله سبحانه : وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ \[ الأعراف : ٤٣ \] هذا إخبار من اللَّه عز وجل أنه ينقي قُلُوبَ ساكني الجنة من الغِلِّ، والحِقْدِ، وذلك أن صاحب الغل مُعَذَّبٌ به، ولا عذاب في الجَنَّةِ. 
وورد في الحديث :" الغلُّ على بَابِ الجنة كَمَبَارِكِ الإِبِلِ قد نَزَعَهُ اللَّه من قُلُوبِ المُؤْمِنِينَ "، والغل الحِقْدُ والإِحنة الخَفِيَّةُ في النفس  وَقَالُواْ الحمد لِلَّهِ الذي هدانا لهذا  الإِشارة ب( هذا ) يتجه أن تكون إلى الإيمان، والأعمال الصالحات المؤدية إلى الجنة، ويحتمل أن تكون إلى الجنة نَفْسِهَا، أي : أرشدنا إلى طرقها، وقرأ ابن عامر وَحْدَهُ : ما كنا لنهتدي  بسقوط الواو، وكذلك هي في مَصَاحِف أهل الشام، ووجهها أن الكَلاَمَ مُتَّصِلٌ، مرتبط بما قبله، ولما رأوا تصديق ما جاءت به الأنبياء عن اللَّه سبحانه، وَعَايَنُوا إنجاز المواعيد قالوا : لَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بالحق وَنُودُواْ  أي : قيل لهم بِصِيَاحٍ، وهذا النداء من قِبَلِ اللَّه، ( وأن ) مفسرة لمعنى النداء، بمعنى : أي. 
وقوله : بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ  لا على طَرِيق وجوب ذلك على اللَّه تعالى، لكن بقرينة رحمته، وتغمده، والأعمال أمارة من اللَّه سبحانه وطريق إلى قوة الرَّجَاء، ودخولُ الجَنَّة إنما هو بِمُجَرَّدِ رحمته، والقَسْمُ فيها على قدر الأعمال. و( أورثتم ) مشيرة إلى الأَقْسَام.

### الآية 7:44

> ﻿وَنَادَىٰ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابَ النَّارِ أَنْ قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقًّا فَهَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا ۖ قَالُوا نَعَمْ ۚ فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَنْ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ [7:44]

قوله سبحانه : وَنَادَى أصحاب الجنة أصحاب النار أَن قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقّاً. . .  \[ الأعراف : ٤٤ \]. 
هذا النداء من أهل الجنة لأهل النار تَقْرِيعٌ، وتوبيخ، وزيادة في الكَرْبِ، وهو بأن يشرفوا عليهم، ويخلق الإدراك في الأسماع والأبصار. 
وقوله سبحانه : فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ  أي : أعلم معلم، والظالمون هنا هم الكافرون. 
( ت ) : حكي عن غير وَاحِدٍ أن طاووس دخل على هشام بن عبد الملِكِ فقال له : اتّقِ لله، واحْذَرْ يوم الأذان، فقال : وما يوم الأذان ؟ فقال قوله تعالى : فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَن لَّعْنَةُ الله عَلَى الظالمين  فصعق هشام، فقال طاووس : هذا ذُلُّ الوَصْفِ، فكيف ذل المُعَايَنَةِ، انتهى.

### الآية 7:45

> ﻿الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا وَهُمْ بِالْآخِرَةِ كَافِرُونَ [7:45]

قوله سبحانه : وَيَبْغُونَهَا عِوَجاً \[ الأعراف : ٤٥ \]. 
أي : يطلبونها، أو يطلبون لها، والضمير في  يَبْغُونَهَا  عائد على السَّبيل.

### الآية 7:46

> ﻿وَبَيْنَهُمَا حِجَابٌ ۚ وَعَلَى الْأَعْرَافِ رِجَالٌ يَعْرِفُونَ كُلًّا بِسِيمَاهُمْ ۚ وَنَادَوْا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ ۚ لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ [7:46]

قوله سبحانه : وَبَيْنَهُمَا حِجَابٌ وَعَلَى الأعراف رِجَالٌ يَعْرِفُونَ كُلاًّ بسيماهم \[ الأعراف : ٤٦ \]. 
 وَبَيْنَهُمَا  : أي : بين الجنة والنار، ويحتمل بين الجَمْعَيْنِ، والحِجَابُ هو السور الذي ذكره اللَّه عز وجل في قوله : فَضُرِبَ بَيْنَهُم بِسُورٍ لَّهُ بَابٌ  \[ الحديد : ١٣ \]. 
قاله ابن عباس، وقال مجاهد : الأعراف \[ الأعراف : ٤٦ \] حجاب بين الجنة والنار. 
وقال ابن عباس أيضاً : هو تَلٌّ بين الجنة والنار، وذكر الزَّهْرَاوِيُّ حديثاً أَن رَسُولَ اللَّه صلى الله عليه وسلم قال :( إن أُحُداً جَبَلٌ يحبنا ونحبُّه، وإِنَّه يَوْمَ القِيَامَةِ يمثلُ بينَ الجَنَّةِ وَالنَّارِ، يَحْتَبِسُ عَلَيْهِ أَقْوَامٌ، يعرفون كُلاًّ بِسِيماهُمْ، هُمْ إِن شَاءَ اللَّه من أَهْلِ الجَنَّةِ ). و الأعراف  جمع عرف، وهو المرتفع من الأرض، ومنه عُرْفُ الفرس، وعرف الديك لعلوِّهُمَا. 
وقال بعض الناس : سُمِّيَ الأعراف أَعرافاً، لأن أصحابه يعرفون الناس. 
قال ( ع ) : وهذه عُجْمَةٌ، وإنما المراد على أعراف ذلك الحِجَاب، أي أعاليه. 
وقوله : رِجَالٌ  قال الجمهور : إنهم رِجَالٌ من البَشَرِ، ثم اختلفوا في تعيينهم، فقال شرحبيل بن سَعْدٍ : هم المستشهدون في سَبِيلِ اللَّه الذين خَرَجُوا عُصَاةً لآبائِهِم. 
وذكر الطَّبَرِيُّ في ذلك حَدِيثاً عن النبي صلى الله عليه وسلم وأنه تعادل عُقُوقُهم، واستشهادهم. 
وقال ابن عباس، وغيره : هم قوم اسْتَوَتْ حَسَنَاتُهُمْ وسيئاتهم. 
ووقع في **«مسند خيثمة بن سليمان »** في آخر الجزء الخامس عشر عن جَابِرِ بن عَبْدِ اللَّه، قال : قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم :( تُوضَعُ المَوَازِينُ يوم القيامة، فتوزن الحَسَنَاتُ والسَّيِّئَاتُ، فَمَنْ رَجَحَتْ حَسَنَاتُهُ على سيئاته مِثْقَالَ صُؤَابَةٍ دخل الجَنَّةَ، ومن رَجَحَتْ سيئاته على حَسَنَاتِهِ مِثْقَالَ صُؤَابَةٍ دخل النار، قيل : يا رَسُولَ اللَّه، فمن استوت حَسَنَاتُهُ وسيئاته ؟ قال : أولئك أصحاب الأَعْرَافِ لم يَدْخُلوها وهم يَطْمَعُون ). وقيل غير هذا من التَّأويلات. 
قال ( ع ) : واللازم من الآية أن على أعراف ذلك السُّور، أو على مواضع مرتفعة عن الفَرِيقَيْنِ حيث شاء اللَّه تعالى رِجَالاً مِنْ أَهْلِ الجَنَّةِ يتأخر دخولهم، ويقع لهم ما وصف من الاعتبار. 
و  يَعْرِفُونَ كُلاًّ بسيماهم ، أي : بِعَلاَمَاتِهِمْ من بياض الوجوه، وحُسْنِهَا في أهل الجنة، وسَوَادِهَا وقبحها في أهل النَّارِ إلى غير ذلك في حَيِّزِ هؤلاء، وحيز هؤلاء. 
وقوله صلى الله عليه وسلم :( لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ ) المراد به : أهل الأعراف فقط، وهو تأويل ابن مَسْعُودٍ، والسدي، وقتادة، والحسن، وقال : واللَّه ما جعل اللَّه ذلك الطَّمَعَ في قلوبهم إلا لخير أَرَادَهُ بهم. 
قال ( ع ) : وهذا هو الأظهر الأليق مما قيل في هذه الآية، ولا نَظَرَ لأَحَدٍ مع قول النبي صلى الله عليه وسلم.

### الآية 7:47

> ﻿۞ وَإِذَا صُرِفَتْ أَبْصَارُهُمْ تِلْقَاءَ أَصْحَابِ النَّارِ قَالُوا رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ [7:47]

قوله سبحانه : وَإِذَا صُرِفَتْ أبصارهم \[ الأعراف : ٤٧ \]. 
أي : أبصار أصحاب الأعراف، فهم يسلمون على أصحاب الجنة، وإذا نظروا إلى النار، وأهلها،  قالوا رَبَّنَا لاَ تَجْعَلْنَا مَعَ القوم الظالمين  قاله ابن عباس، وجماعة من العلماء.

### الآية 7:48

> ﻿وَنَادَىٰ أَصْحَابُ الْأَعْرَافِ رِجَالًا يَعْرِفُونَهُمْ بِسِيمَاهُمْ قَالُوا مَا أَغْنَىٰ عَنْكُمْ جَمْعُكُمْ وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ [7:48]

قوله سبحانه : ونادى أصحاب الأعراف رِجَالاً يَعْرِفُونَهُم بسيماهم \[ الأعراف : ٧٨ \]. 
يريد من أهل النار،  مَا أغنى عَنكُمْ جَمْعُكُمْ ،  ما  استفهام بمعنى التَقْرِيرِ، والتوبيخ، و ما  الثانية مصدرية، و جمعكم  لفظ يعم المال والأَجْنَادَ والخَوَلَ.

### الآية 7:49

> ﻿أَهَٰؤُلَاءِ الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ لَا يَنَالُهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ ۚ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلَا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ [7:49]

قوله سبحانه : أهؤلاء الذين أَقْسَمْتُمْ لاَ يَنَالُهُمُ الله بِرَحْمَةٍ ادخلوا الجنة \[ الأعراف : ٤٩ \]. 
أهل الأعراف هم القائلون : أهؤلاء  إشارة إلى أهل الجنة، والذين خوطبوا هم أهل النار، والمعنى : أهؤلاء الضُّعَفَاء في الدنيا الذين حَلَفْتُمْ أن اللَّه لا يَعْبأ بهم، قيل لهم : ادخلوا الجنة. 
وقال النقاش : اقسم أهْلُ النَّارِ أن أصحاب الأعراف داخلون النَّارَ معهم، فنادتهم المَلاَئِكَةُ : أهؤلاء ، ثم نادت أصحاب الأَعْرَافِ : ادخلوا الجنة . 
وقرأ عكرمة : ادخلوا الجَنَّة  على الإخْبَارِ بفعل مَاضٍ.

### الآية 7:50

> ﻿وَنَادَىٰ أَصْحَابُ النَّارِ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنَا مِنَ الْمَاءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ ۚ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى الْكَافِرِينَ [7:50]

قوله سبحانه : ونادى أصحاب النار أصحاب الجنة أَنْ أَفِيضُواْ عَلَيْنَا مِنَ الماء. . .  \[ الأعراف : ٥٠ \]. 
لفظة النداء تتضمن أن أهل النار وَقَعَ لهم علم بأن أهل الجَنَّة يسمعون نِدَاءَهُمْ، وجائز أن يكون ذلك، وهم يرونهم بإِدراك يجعله اللَّه لهم عَلَى بُعْدِ السُّفْلِ من العلو، وجائز أن يكون ذلك، وبينهم السُّورُ والحجاب المتقدم الذِّكْر. 
وروي أن ذلك النداء هو عند اطِّلاَع أهل الجنة عليهم. 
وقوله سبحانه : أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ الله \[ الأعراف : ٥٠ \] إشارة إِلى الطعام، قاله السدي. 
فيقول لهم أهل الجنة : إن اللَّه حَرَّمَ طعام الجَنَّةِ وشَرَابَهَا على الكافرين، وإجابة أهل الجنة بهذا الحُكْمِ هو عن أَمْرِ اللَّه تعالى.

### الآية 7:51

> ﻿الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَهْوًا وَلَعِبًا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا ۚ فَالْيَوْمَ نَنْسَاهُمْ كَمَا نَسُوا لِقَاءَ يَوْمِهِمْ هَٰذَا وَمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ [7:51]

ومعنى قوله تعالى : الذين اتخذوا دِينَهُمْ لَهْواً \[ الأعراف : ٥١ \]، أي بالإِعْرَاضِ والاستهزاء بِمَنْ يدعوهم إلى الإسلام. 
 وَغَرَّتْهُمُ الحياة الدنيا  أي : خدعتهم بزخرفها، واعتقادهم أنها الغَايَةُ القصوى، 
وقوله : فاليوم ننساهم  هو من إخبار اللَّه عز وجل عما يَفْعَلُ بهم، والنسيان هنا بمعنى التَّرْكِ، أي : نتركهم في العذاب، كما تركوا النَّظَر للقاء هذا اليوم، قاله ابن عباس وجماعة. 
و ما كانوا  عطف على  ما  من قوله : كما نسوا ، ويحتمل أن تقدر ( ما ) الثانية زائدة، ويكون قوله : و كانوا  عَطْفاً على قوله : نسوا .

### الآية 7:52

> ﻿وَلَقَدْ جِئْنَاهُمْ بِكِتَابٍ فَصَّلْنَاهُ عَلَىٰ عِلْمٍ هُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ [7:52]

قوله سبحانه : وَلَقَدْ جئناهم بكتاب \[ الأعراف : ٥٢ \]، الضمير في  جئناهم  لمن تَقَدَّم ذكره، و( الكتاب ) اسم جنس، واللام في  لقد  لام قَسَم. 
وقال يحيى بن سلام : بل الكلام تَمَّ في  يَجْحَدُونَ \[ الأعراف : ٥١ \]، وهذا الضمير لمكذبي نبينا مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم وهو ابتداء كلام آخر، والمراد بالكتاب القرآن، و  على عِلْمٍ \[ الأعراف : ٥٢ \] معناه : على بَصِيرَةٍ.

### الآية 7:53

> ﻿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ ۚ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ فَهَلْ لَنَا مِنْ شُفَعَاءَ فَيَشْفَعُوا لَنَا أَوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ ۚ قَدْ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ [7:53]

قوله سبحانه : هَلْ يَنظُرُونَ \[ الأعراف : ٥٣ \]. 
أي ينتظرون  إِلاَّ تَأْوِيلَهُ ، أي مآله وعاقبته يوم القيامة، قاله ابن عباس وغيره. 
وقال السدي : مآله في الدنيا وقعة بَدْرٍ وغيرها، ويوم القيامة أيضاً، ثم أخبر تعالى أن مآل حال هذا الدين يوم يأتي يَقَعُ معه نَدَمُهُمْ، ويقولون تأسُّفاً على ما فاتهم من الإيمان : قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بالحق ، فالتأويل على هذا من آل يؤول،  وَنَسُوهُ  يحتمل أن يكون بمعنى الترك، وباقي الآية بَيِّنٌ. 
( ت ) : وهذا التقرير يُرَجِّحُ تأويل ابن سلام المتقدم.

### الآية 7:54

> ﻿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَىٰ عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ ۗ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ ۗ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ [7:54]

قوله سبحانه : إِنَّ رَبَّكُمُ الله الذي خَلَقَ السموات والأرض فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ. . .  \[ الأعراف : ٥٤ \]. 
خطاب عام يقتضي التوحيد، والحجة عليه بدلائله، وجاء في التفسير، والأحاديث أن اللَّه سبحانه ابتدأ الخَلْقَ يوم الأَحدِ، وكملت المَخْلُوقَاتُ يوم الجمعة، وهذا كله والساعة اليَسِيرَةُ في قُدْرَةِ اللَّه سبحانه سواء. 
قال ( م ) : فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ  **«ستة »** أصلها سِدْسَة، فأبدلوا من السِّين تاء، ثم أدغموا الدال في التاء، وتصغيره سديس وسديسة، انتهى. 
وقوله سبحانه : ثم استوى عَلَى العرش  معناه عند أبي المعالي وغيره من حُذَّاق المتكلمين : الملك، والسلطان، وخصّ العرش بالذِّكْرِ تشريفاً له، إذ هو أَعْظَمُ المخلوقات. 
وقوله سبحانه : أَلاَ لَهُ الخلق والأمر ،  ألا  : استفتاح كلام، وأخذ المفسرون **«الخَلْق »** بمعنى المخلوقات، أي : هي كلها مِلْكُهُ، واختراعه، وأخذوا الأمر مَصْدَراً من أمر يأمر. 
قال ( ع ) : ويحتمل أن تؤخذ لفظة **«الخَلْقِ »** على المصدر من : خلق يخلق خَلْقاً، أي : له هذه الصفة، إذ هو المُوجِدُ للأشياء بعد العَدَمِ، ويؤخذ الأمر على أنه واحد الأمورِ، فيكون بمنزلة قوله : وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الأمر كُلُّهُ  \[ هود : ١٢٣ \]  وَإِلَى الله تُرْجَعُ الأمور \[ الحديد : ٥ \]، وكيف ما تَأَوَّلَتِ الآية، فالجميع للَّه سبحانه. 
و تبارك \[ الأعراف : ٥٤ \] معناه : عظم، وتعالى، وكثرت بركاته، ولا يوصف بها إلا اللَّه سبحانه. 
و  تبارك \[ الأعراف : ٥٤ \] لا يَتَصَرَّفُ في كلام العرب، فلا يقال منه : يتبارك، و العالمين  جمع عالم.

### الآية 7:55

> ﻿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً ۚ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ [7:55]

قوله عز وجل : ادعوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ المعتدين \[ الأعراف : ٥٥ \]. 
هذا أمر بالدعاء، وتعبد به، ثم قرن سبحانه بالأَمْرِ به صفات تحسن معه. وقوله : تَضَرُّعاً  معناه بخشوع، واستكانة، والتضرع لفظة تَقْتَضِي الجَهْرَ، لأن التضرع إنما يكون بإشَارَاتِ جوارح وهيئات أعضاء تقترن بالطلب،  وَخُفْيَةً  يريد في النفس خاصة، وقد أثنى اللَّه سبحانه على ذلك في قوله سبحانه : إِذْ نادى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيّاً  \[ مريم : ٣ \]، ونحو هذا قول النبي صلى الله عليه وسلم :( خَيْرُ الذِّكْرِ الخَفِيُّ ) والشريعة مقررة أن السر فيما لم يفرض من أعمال البر أعظم أَجْراً من الجَهْرِ. 
( ت ) : ونحو هذا لابن العربي لما تكلَّمَ على هذه الآية، قال : الأَصْلُ في الأعمال الفرضية الجَهْرُ، والأصل في الأعمال النَّفْلية السِّرُّ، وذلك لما يتطرق إلى النفل من الرِّيَاءِ، والتَّظَاهُر بذلك في الدنيا، والتفاخر على الأصحاب بالأعمال، وقلوب الخَلْقِ جُبِلَتْ بالمَيْلِ إلى أهل الطاعة، انتهى من **«الأحكام »**. 
وقوله سبحانه : إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ المعتدين  يريد في الدعاء، وإن كان اللفظ عامّاً، والاعتداء في الدعاء على وجوه منها : الجَهْرُ الكثير، والصياح، وفي **«الصحيح »** عنه صلى الله عليه وسلم :( أيها النَّاسُ أرْبعُوا على أَنفُسِكُمْ إِنَّكُمْ لاَ تَدْعُونَ أَصَمَّ وَلاَ غَائِباً ). ومنها : أن يدعو في مُحَالٍ، ونحو هذا من التشطُّط، وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قالُّ :( سَيَكُونُ قَوْمٌ يَعْتَدُونَ في الدُّعَاءِ، وحَسْبُ المرء أن يَقُولَ : اللَّهُمَّ إني أَسْأَلُكَ الجَنَّةَ وَمَا قَرَّب إِلَيْهَا من قَوْلٍ، أو عَمَلٍ، وأَعُوذُ بك من النَّارِ، وما قَرَّبَ إلَيْهَا مِنْ قَوْلِ، أو عَمَلٍ ). وقال البخاري : إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ المعتدين  أي : في الدعاء وغيره، انتهى. 
( ت ) : قال الخطابي : وليس معنى الاعْتِدَاءِ الإكثار، فقد جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال :( إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ المُلِحِّينَ في الدّعاءِ )، وقال :( إِذَا دَعَا أَحَدُكُمْ فَلْيَسْتَكْثرْ، فإنما هُوَ يَسْأَلُ رَبَّهُ ) انتهى. 
وروى أبو داود في **«سُنَنَهِ »** عن عبد اللَّه بن مُغَفَّل، قال : سمعت رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم يقول :( سَيَكُونُ في هَذِهِ الأُمَّةِ قوم يَعْتَدُونَ في الطُّهْرِ وَالدُّعَاءِ ) انتهى.

### الآية 7:56

> ﻿وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا ۚ إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ [7:56]

قوله سبحانه : وَلاَ تُفْسِدُواْ فِي الأرض. . .  \[ الأعراف : ٥٦ \]. 
ألفاظها عامة تتضمن كل فَسَادٍ قَلّ أو كثر بعد صَلاَحٍ قل أو كثر، والقَصْدُ بالنهي هو \[ على \] العموم، وتخصيص شيء دون شَيْءٍ، في هذا تحكم، إلا أن يُقَالَ على جهة المثال. 
وقوله سبحانه : وادعوه خَوْفًا وَطَمَعاً  أمر بأن يكون الإنسان في حالة تقرب، وتحرز، وتأميل للَّه عز وجل حتى يَكُونَ الخَوْفُ والرجاء كالجَنَاحَيْنِ للطير يَحْمِلاَنِهِ في طريق استقامة، وإن انفرد أحدهما هَلَكَ الإنسان. 
وقد قال كثير من العلماء : ينبغي أن يَغْلِبَ الخَوْفُ الرَّجَاءَ طُولَ الحياة، فإذا جاء المَوْتُ غلب الرَّجَاءُ. 
وقد رأى كثير من العلماء أن يكون الخَوْفُ أغلب على المَرْءِ بكثير، وهذا كله طَرِيقُ احتياط، ومنه تَمَنَّي الحسن البصري أَن يَكون الرَّجُل الذي هو آخِرُ مَنْ يدخل الجَنَّةَ، وتمنى سَالِمٌ مولى أبي حذيفة أن يكون من أَصْحَابِ الأَعْرَافِ. 
ثم آنسَ سبحانه بقوله : إِنَّ رَحْمَتَ الله قَرِيبٌ مِّنَ المحسنين .

### الآية 7:57

> ﻿وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ ۖ حَتَّىٰ إِذَا أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالًا سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَنْزَلْنَا بِهِ الْمَاءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ ۚ كَذَٰلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتَىٰ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ [7:57]

قوله سبحانه : وَهُوَ الذي يُرْسِلُ الرياح بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالاً. . .  \[ الأعراف : ٥٧ \]. 
هذه آية اعتبار، واستدلال، وقرأ عاصم  الرياح  بالجَمْعِ،  بُشْراً  بالباء المضمومة والشين الساكنة، وروي عنه  بُشُرا  بضم الباء والشين، ومن جمع الريح في هذه الآية، فهو أسعد، وذلك أن الرِّيَاحَ حيث وَقَعَتْ في القرآن فهي مقترنة بالرحمة، كقوله : وَمِنْ آياته أَن يُرْسِلَ الرياح مبشرات  \[ الروم : ٤٦ \] وأكثر ذِكْرِ الريح مفردة إنما هو بقرينة عَذَابٍ، كقوله سبحانه : وَفِي عَادٍ إِذْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الريح العقيم  \[ الذاريات : ٤١ \] وقد تقدم إيضاح هذا في **«سورة البقرة »**، ومن قرأ في هذه الآية  الريح  بالإفراد، فإنما يريد به اسْمَ الجِنْسِ، وأيضاً فتقييدها ب  بشرا  يزيل الاشتراك، والإِرْسَالُ في الريح هو بمعنى الإجراءِ والإطلاق، و نُشْرَا ً، أي : تَنْشُرُ السحابَ، وأما  بُشُرا  بضم الباء والشين، فجمع بَشِير، كنذير، ونُذُر، والرحمة في هذه الآية المَطَرُ، و بَيْنَ يَدَيْ ، أي : أمام رحمته وقدامها، و أَقَلَّتْ  معناه : رفعته من الأرض، واسْتَقَلَّتْ به، و ثِقَالاً  معناه من الماء، والعَرَبُ تَصِفُ السحاب بالثّقَلِ، والرِّيحُ تَسُوقُ السحاب من ورائه فهو سوق حقيقة، والضمير في  سقناه \[ الأعراف : ٥٧ \] عائد على السحاب، ووصف البلد بالمَوْتِ استعارة بسبب شعثه وجذوبته. 
والضمير في قوله  فَأَنزَلْنَا بِهِ  يحتمل أن يَعُودَ على السحاب، أي منه، ويحتمل أن يعود على البلد، ويحتمل أن يعود على الريح. 
وقوله تبارك وتعالى : كذلك نُخْرِجُ الموتى  يحتمل مقصدين :
أحدهما : أن يراد كهذه القُدْرَةِ العظيمة هي القدرة على إِحْيَاءِ الموتى، وهذا مثال لها. 
الثاني : أن يراد أن هكذا نَصْنَعُ بالأموات من نزول المَطَرِ عليهم، حتى يحيوا به، حَسَبَ ما وردت به الآثار، فيكون الكَلاَمُ خبراً لا مثالاً.

### الآية 7:58

> ﻿وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ ۖ وَالَّذِي خَبُثَ لَا يَخْرُجُ إِلَّا نَكِدًا ۚ كَذَٰلِكَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ [7:58]

قوله سبحانه : والبلد الطيب يَخْرُجُ نَبَاتُهُ. . .  \[ الأعراف : ٥٨ \]. 
آية مُتَمِّمَةٌ للمعنى الأول في الآية قبلها، معرفة بِعَادَةِ اللَّه سبحانه في إنبات الأرضين، فمن أراد أن يجعلها مِثَالاً لقلب المؤمن، وقلب الكافر، كما هو محكي عن ابن عَبَّاسٍ، ومجاهد، وقتادة، والسدي، فذلك مترتب، لكن أَلْفَاظَ الآية لا تقتضي أن المَثَل قصد به ذلك، و الطيب  : هو الجَيِّدُ التُّرَابِ الكريمُ الأَرْضِ وخص  بإذن ربه  مَدْحاً وتشريفاً، وهذا كما تقول لمن تغضُّ منه : أنت كما شَاءَ اللَّه، فهي عبارة تعطي مُبَالَغَةً في مَدْحٍ أو ذم. و الخبيث  هو السّبَاحُ ونحوها من رَدِيء الأرض. 
والنَّكدُ العَسِيرُ القليل،  كذلك نُصَرِّفُ الآيات لقوم  أي هكذا نبين الأمور، و يَشْكُرُونَ  معناه : يؤمنون ويثنون بآلاءِ اللَّه سبحانه.

### الآية 7:59

> ﻿لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَىٰ قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَٰهٍ غَيْرُهُ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ [7:59]

قوله عز وجل : لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إلى قَوْمِهِ فَقَالَ يا قوم اعبدوا الله مَا لَكُم مِّنْ إله غَيْرُهُ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ قَالَ الملأ مِن قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي ضلال مُّبِينٍ قَالَ يا قوم لَيْسَ بِي ضلالة ولكني رَسُولٌ مِّن رَّبِّ العالمين أُبَلِّغُكُمْ رسالات رَبِّي وَأَنصَحُ لَكُمْ وَأَعْلَمُ مِنَ الله مَا لاَ تَعْلَمُونَ \[ الأعراف : ٥٩ و ٦٠ و ٦١ و ٦٢ \]. 
قال الطبري : أقسم اللَّه تعالى أنه أرسل نوحاً، وكذا قال أبو حيان : لقد  اللام جواب قسم محذوف، انتهى. 
و غَيْرُهُ  بالرفع بَدَلٌ من قوله : مِّنْ إله ، لأنه في موضع رَفْعٍ، ويجوز أن يكون نَعْتاً على الموضع، لأن التقدير، ما لكم إله غيره.

### الآية 7:60

> ﻿قَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ [7:60]

المَلأُ  الجماعة من الأشراف. 
قيل : إنهم مأخوذون من أنهم يملؤون النَّفْسَ والعَيْنَ، ويحتمل من أنه إذا تمالؤوا على أَمْر تمّ. 
وقولهم : إِنَّا لَنَرَاكَ  يحتمل من رُؤْيَةِ البصر، ويحتمل من رؤية القَلْبِ، وهو أظهر. 
و فِي ضلال  أي في تَلَفٍ وجهالة بما تسلك.

### الآية 7:61

> ﻿قَالَ يَا قَوْمِ لَيْسَ بِي ضَلَالَةٌ وَلَٰكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ [7:61]

قوله : لهم جَوَابٌ عن هذا  لَيْسَ بي ضلالة  مبالغة في حُسْنِ الأدب، والإعراض عن الجَفَاءِ منهم، وتناول رفيق، وسعة صدر حَسْبَ ما تقتضيه خُلُقُ النبوءة. 
وقوله : وَلَكِنِّي رَسُولٌ  تعرض لمن يريد النظر، والبَحْثَ، والتأمل في المعجزة.

### الآية 7:62

> ﻿أُبَلِّغُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَأَنْصَحُ لَكُمْ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ [7:62]

قوله عليه السلام : وَأَعْلَمُ مِنَ الله مَا لاَ تَعْلَمُونَ \[ الأعراف : ٦٢ \]. 
لفظ مُضَمَّنُهُ الوَعِيد، لاسيما وهم لم يسمعوا قَطُّ بأمة عذبت.

### الآية 7:63

> ﻿أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جَاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلَىٰ رَجُلٍ مِنْكُمْ لِيُنْذِرَكُمْ وَلِتَتَّقُوا وَلَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ [7:63]

قوله : أَوَ عَجِبْتُمْ أَن جَاءَكُمْ ذِكْرٌ مِّن رَّبِّكُمْ على رَجُلٍ مِّنْكُمْ لِيُنذِرَكُمْ وَلِتَتَّقُواْ وَلَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ فَكَذَّبُوهُ فأنجيناه والذين مَعَهُ فِي الفلك وَأَغْرَقْنَا الذين كَذَّبُواْ بآياتنا إِنَّهُمْ كَانُواْ قَوْماً عَمِينَ \[ الأعراف : ٦٣ و٦٤ \]. 
الاستفهام هنا على جِهَةِ التقرير والتوبيخ، وقوله : على رَجُلٍ مِّنكُمْ \[ الأعراف : ٦٣ \] قيل : على  بمعنى ( مع ). 
وقيل : هو على حَذْفِ مضاف، تقديره : على لسان رجل، ويحتمل أن يكون معناه منزَّل على رَجُلٍ منكم، إذا كل ما يأتي من اللَّه سبحانه فله حُكْمُ النزول، و لَعَلَّكُمْ  تَرَجٍّ بحسب حال نوح ومعتقده.

### الآية 7:64

> ﻿فَكَذَّبُوهُ فَأَنْجَيْنَاهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا ۚ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا عَمِينَ [7:64]

قوله سبحانه : فأنجيناه والذين مَعَهُ فِي الفلك. . .  \[ الأعراف : ٦٤ \]. 
وفي التفسير : أن الذين كانوا مع نوح في السفينة أربعون رَجُلاً، وقيل : ثمانون رجلاً وثمانون امرأة، وقيل : عشرة، وقيل : ثمانية، قاله قتادة. 
وقيل : سبعة واللَّه أعلم. 
وفي كثير من كتب الحديث، التِّرْمذِيِّ وغيره أن جَمِيعَ الخَلْقِ الآن من ذُرِّيَّةِ نوح عليه السلام، وقوله : عَمِينَ  جمع عَمٍ، ويريد عَمِيَّ البَصَائر، وأتى في حديث الشفاعة وغيره أن نُوحاً أَوَّلُ الرسل.

### الآية 7:65

> ﻿۞ وَإِلَىٰ عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا ۗ قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَٰهٍ غَيْرُهُ ۚ أَفَلَا تَتَّقُونَ [7:65]

قوله سبحانه : وإلى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا قَالَ يا قوم اعبدوا الله مَا لَكُمْ مِّنْ إله غَيْرُهُ أَفَلاَ تَتَّقُونَ قَالَ الملأ الذين كَفَرُواْ مِن قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي سَفَاهَةٍ وِإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الكاذبين قَالَ يا قوم لَيْسَ بِي سَفَاهَةٌ ولكني رَسُولٌ مِّن رَّبِّ العالمين أُبَلِّغُكُمْ رسالات رَبِّي وَأَنَاْ لَكُمْ نَاصِحٌ أَمِينٌ \[ الأعراف :\[ ٦٥ و ٦٦ و ٦٧ و ٦٨ \]. 
 عاد  اسم الحَيِّ، وهم عَرَبٌ فيما يذكر، و أخاهم  نصب ب**«أرسلنا »**، وهو معطوف على نوح، وهذه أيضاً نذارة من هود عليه السلام، وقوله : أَفَلاَ تَتَّقُونَ  استعطاف إلى التقوى، والإيمان.

### الآية 7:66

> ﻿قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي سَفَاهَةٍ وَإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الْكَاذِبِينَ [7:66]

نص مكرر لاشتراكه مع الآية ٦٥:قوله سبحانه : وإلى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا قَالَ يا قوم اعبدوا الله مَا لَكُمْ مِّنْ إله غَيْرُهُ أَفَلاَ تَتَّقُونَ قَالَ الملأ الذين كَفَرُواْ مِن قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي سَفَاهَةٍ وِإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الكاذبين قَالَ يا قوم لَيْسَ بِي سَفَاهَةٌ ولكني رَسُولٌ مِّن رَّبِّ العالمين أُبَلِّغُكُمْ رسالات رَبِّي وَأَنَاْ لَكُمْ نَاصِحٌ أَمِينٌ \[ الأعراف :\[ ٦٥ و ٦٦ و ٦٧ و ٦٨ \]. 
 عاد  اسم الحَيِّ، وهم عَرَبٌ فيما يذكر، و أخاهم  نصب ب****«أرسلنا »****، وهو معطوف على نوح، وهذه أيضاً نذارة من هود عليه السلام، وقوله : أَفَلاَ تَتَّقُونَ  استعطاف إلى التقوى، والإيمان. ---

### الآية 7:67

> ﻿قَالَ يَا قَوْمِ لَيْسَ بِي سَفَاهَةٌ وَلَٰكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ [7:67]

نص مكرر لاشتراكه مع الآية ٦٥:قوله سبحانه : وإلى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا قَالَ يا قوم اعبدوا الله مَا لَكُمْ مِّنْ إله غَيْرُهُ أَفَلاَ تَتَّقُونَ قَالَ الملأ الذين كَفَرُواْ مِن قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي سَفَاهَةٍ وِإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الكاذبين قَالَ يا قوم لَيْسَ بِي سَفَاهَةٌ ولكني رَسُولٌ مِّن رَّبِّ العالمين أُبَلِّغُكُمْ رسالات رَبِّي وَأَنَاْ لَكُمْ نَاصِحٌ أَمِينٌ \[ الأعراف :\[ ٦٥ و ٦٦ و ٦٧ و ٦٨ \]. 
 عاد  اسم الحَيِّ، وهم عَرَبٌ فيما يذكر، و أخاهم  نصب ب****«أرسلنا »****، وهو معطوف على نوح، وهذه أيضاً نذارة من هود عليه السلام، وقوله : أَفَلاَ تَتَّقُونَ  استعطاف إلى التقوى، والإيمان. ---

### الآية 7:68

> ﻿أُبَلِّغُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَأَنَا لَكُمْ نَاصِحٌ أَمِينٌ [7:68]

نص مكرر لاشتراكه مع الآية ٦٥:قوله سبحانه : وإلى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا قَالَ يا قوم اعبدوا الله مَا لَكُمْ مِّنْ إله غَيْرُهُ أَفَلاَ تَتَّقُونَ قَالَ الملأ الذين كَفَرُواْ مِن قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي سَفَاهَةٍ وِإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الكاذبين قَالَ يا قوم لَيْسَ بِي سَفَاهَةٌ ولكني رَسُولٌ مِّن رَّبِّ العالمين أُبَلِّغُكُمْ رسالات رَبِّي وَأَنَاْ لَكُمْ نَاصِحٌ أَمِينٌ \[ الأعراف :\[ ٦٥ و ٦٦ و ٦٧ و ٦٨ \]. 
 عاد  اسم الحَيِّ، وهم عَرَبٌ فيما يذكر، و أخاهم  نصب ب****«أرسلنا »****، وهو معطوف على نوح، وهذه أيضاً نذارة من هود عليه السلام، وقوله : أَفَلاَ تَتَّقُونَ  استعطاف إلى التقوى، والإيمان. ---

### الآية 7:69

> ﻿أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جَاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلَىٰ رَجُلٍ مِنْكُمْ لِيُنْذِرَكُمْ ۚ وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ وَزَادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَسْطَةً ۖ فَاذْكُرُوا آلَاءَ اللَّهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ [7:69]

قوله : أَوَ عَجِبْتُمْ أَن جَاءَكُمْ ذِكْرٌ مِّن رَّبِّكُمْ على رَجُلٍ مِّنكُمْ لِيُنذِرَكُمْ واذكروا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاء مِن بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ وَزَادَكُمْ فِي الخلق بَصْطَةً فاذكروا آلاءَ الله لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ قالوا أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ الله وَحْدَهُ وَنَذَرَ مَا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنا إِن كُنتَ مِنَ الصادقين \[ الأعراف :\[ ٦٩ و ٧٠ \]. 
قوله : وَزَادَكُمْ فِي الخلق  أي في الخِلْقَةِ، والبَسْطَةُ الكمال في الطول والعَرْضِ. 
وقيل : زادكم على أهل عصركم. 
وقال الطبري : زادكم على قَوْمِ نوح، وقاله قتادة. 
قال ( ع ) : واللفظ يقتضي أن الزيادة على جَمِيع العَالم، وهو الذي يقتضيه ما يذكر عنهم. 
وروي أن طُولَ الرجل منهم كان مائة ذِرَاعٍ، وطول أقصرهم سِتُّون ونحوها. والآلاء جميع **«إلى »** على مثل **«معي »**، وهي النعمة والمنة. 
قال الطبري :" وعاد " هؤلاء فيما حدث ابن إِسْحاقَ من ولد عاد بن إرم بن عوض بن سَام بن نوح، وكانت مَسَاكنهم **«الشّحر »** من أرض **«اليمن »** وما وَالى **«حَضْرَمَوْتَ »** إلى **«عمان »**. 
قال السدي : وكانوا بالأَحْقَافِ، وهي الرمال، وكانت بلادهم أَخْصَبَ بلاد، فردها اللَّه صحارى. 
وقال علي بن أبي طالب رضي اللَّه عنه : إن قبر هُودٍ عليه السلام هنالك في كَثِيبٍ أحمر تُخَالطه مدرة ذات أَراكٍ وسِدْر، وكانوا قد فشوا في جميع الأَرْض، وملكوا كثيراً بِقُوَّتِهِمْ وعَدَدِهِمْ، وظَلَمُوا النَّاسَ، وَكَانُوا ثَلاَثَةَ عَشَرَ قَبِيلَةً، وكانوا أَصْحَابَ أَوثان، فبعث اللَّه إليهم هُوداً من أفضلهم وأوسطهم نَسَباً، فدعاهم إِلى تَوْحِيدِ اللَّه سبحانه وإلى تَرْكِ الظُّلْمِ. 
قال ابن إسحاق : ولم يأمرهم فيما يذكر بِغَيْرِ ذلك، فكذبوه وعتوا، واستمروا على ذلك إلى أن أراد اللَّه إنفاذ أمره أمْسَكَ عنهم المَطَرَ ثلاث سنين، فشقوا بذلك، وكان الناس في ذلك الزمان إذا دهمهم أمر، فزعوا إلى المسجد الحرام بمكَّة، فدعوا اللَّه فيه تَعْظِيماً له مؤمنهم وكافرهم، وأهل **********«مكة »********** يومئذٍ العَمَالِيقُ، وسيدهم رجل يسمى معاوية بن بَكْرٍ، فاجتمعت عاد على أن تجهز منهم وَفداً إلى **********«مكة »********** يَسْتَسْقُونَ اللَّه لهم، فبعثوا قيل بن عتر، ولقيم بن هزال، وعتيل بن ضد بن عاد الأكبر، ومرثد بن سعد، وكان هذا مؤمناً يكتم إيمانه، وجلهمة بن الخيبري في سَبْعِينَ رَجُلاً من قومهم، فلما قدموا **********«مكة »********** نَزَلُوا على معاوية بن بكر، وهو بظاهر **********«مكة »********** خارج الحَرَمِ، فأنزلهم، وأقاموا عنده شَهْراً يشربون الخَمْرَ، وتغنيهم الجَرَادَتَانِ قَيْنَتَا معاوية، ولما رأى معاوية إقامتهم، وقد بعثهم عَادٌ لِلْغَوْثِ أشفق على عَادٍ، وكان ابن أختهم أمه : كلهدة ابنة الخيبرى أخت جلهمة، وقال : هَلَكَ أخوالي، وشق عليه أن يأمر أَضْيَافَهُ بالانصراف عنه، فشكا ذلك إلى قَيْنَتَيْهِ، فقالتا : اصنع شِعْراً نغني به، عسى أَن نُنَبِّهَهُمْ، فقال :\[ الوافر \]

أَلاَ يَا قَيْلُ وَيْحَكَ قُمْ فَهَيْنِمْ  لَعَلَّ اللَّهَ يُصْبِحُنَا غَمَامَافَيَسْقِي أَرْضَ عَادٍ إنَّ عَاداً  قَدَ أمسوا لاَ يُبَينُونَ الكَلاَمَامِنَ العَطَشِ الشَّدِيدِ فَلَيْسَ نَرْجُو  بِهِ الشَّيْخَ الكَبِيرَ وَلاَ الغُلاَمَاوَقَدْ كَانَتْ نِسَاؤُهُمُ بِخَيْر  فَقَدْ أَمْسَتْ نِسَاؤُهُمُ عياماوَإِن الوُحْشَ تَأْتِيهِمْ جَهَاراً  وَلاَ تخشى لِعَادِّ سِهَامَاوَأَنْتُمْ هَاهُنَا فِيمَا اشْتَهَيْتُم  نَهَارَكُمُ وَلَيْلَكُمُ التَّمَامَافَقُبِّحَ وَفْدُكُمْ مِنْ وَفْدِ قَوْمِ  وَلاَ لُقُّوا التَّحِيَّةَ وَالسَّلاَمَافغنت به الجَرَادَتَانِ، فلما سمعه القَوْمُ قال بعضهم : يا قوم إنما بعثكم قومكم لما حَلَّ بهم، فادخلوا هذا الحَرَمَ، وادعوا لَعَلَّ اللَّه يغيثهم، فخرجوا لذلك، فقال لهم مرثد بن سعد : إنكم واللَّه ما تسقون بدعائكم، ولكنكم إن أطعتم نبيكم وآمنتم سقيتم، وأظهر إيمانه يومئذٍ، فَخَالَفَهُ الوَفْدُ، وقالوا لمعاوية بن بكر وأبيه بكر : أحْبِسَا عنا مرثداً، ولا يدخل معنا الحَرَم، فإنه قد اتبع هُوداً، ومَضَوْا إلى الحرم، فاستسقى قيل بن عتر، وقال : يا إلهنا إن كان هود صادقاً، فاسقنا، فإنا قد هلكنا، فأنشأ اللَّه تعالى سحائب ثَلاَثاً بيضاء وحمراء وسوداء، ثم نادى مُنَادٍ من السماء : يَا قَيْلُ اختر لنفسك ولقومك من هذه السحائب ما شِئْتَ، فقال قيل : قد اخترت السَّوداء فإنها أكثرهن مَاءً، فنوديقد اخترت رَمَاداً رَمْدداً  لاَ تُبْقُي مِنْ عَادٍ أَحَدَالا وَالِداً وَلاَ وَلَداً  إِلاَّ جَعَلْتُهُمْ هَمَدَاوساق اللَّه السَّحَابَةَ السوداء التي اختارها قيل إلى عاد حتى خرجت عليهم من وَادٍ لهم يقال له : المُغِيثُ، فلما رأوها، قالوا  هذا عَارِضٌ ممطرنا \[ الأحقاف : ٢٤ \]، حتى عرفت أنها ريح امرأة منهم يقال لها : مهدر، فصاحت وصعقت، فلما أفاقت قيل لها : ما رأيت ؟ قالت : رأيت ريحاً فيها كَشُهبِ النار، أمامها رجال يَقُودُونَهَا، فسخرها اللَّه عليهم سَبْعَ ليال، وثمانية أيام حُسْوماً، والحُسُوم : الدائمة، فلم تَدَعْ من عَادٍ أحداً إلا هلك، فاعتزل هود، ومن معه من المُؤْمنين في حَظِيرَةٍ ما يصيبه من رِيحٍ إلا ما يلتذ به. 
قال ( ع ) : وهذا قصص وقع في **«تفسير الطبري »** مطولاً وفيه اختلاف، فاقتضبت عيون ذلك بحسب الإيجاز، وفي خبرهم : أن الريح كانت تَدْمَغُهُمْ بالحِجَارَةِ، وترفع الظَّعِينَةَ عليها المرأة حتى تلقيها في البحر. 
وفي خبرهم : أن أقوياءهم كان أحدهم يسدّ بنفسه مَهَبَّ الريح حتى تَغْلبَهُ فتلقيه في البَحْر، فيقوم آخر مكانه حتى هَلَكَ الجَمِيعُ. وقال زيد بن أسلم : بلغني أن ضَبُعاً رَبَّتْ أولادها في حِجَاجِ عَيْنِ رَجُلٍ منهم. 
وفي خبرهم : أن اللَّه سبحانه لما أهلكهم بَعَثَ طيراً، فنقلت جِيفَهُمْ حتى طرحتها في البَحْرِ، فذلك قوله سبحانه : فَأْصْبَحُواْ لاَ يرى إِلاَّ مَسَاكِنُهُمْ  \[ الأحقاف : ٢٥ \] وفي بعض ما رُويَ من شأنهم أن الريح لم تُبْعَثْ قط إلا بِمِكْيَالٍ إلا يومئذٍ، فإنها عَتَتْ على الخَزَنَةِ، فغلبتهم، فذلك قوله سبحانه : فأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ  \[ الحاقة : ٦ \] وروي أن هوداً لما هلكت عاد نزل بمن آمَنَ معه إلى **********«مكة »********** فكانوا بها حتى مَاتُوا، فاللَّه أعلم أي ذلك كَانَ.

### الآية 7:70

> ﻿قَالُوا أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ وَنَذَرَ مَا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا ۖ فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ [7:70]

قولهم : أجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ. . . \[ الأعراف : ٧٠ \] ظاهر قولهم وحده أنهم أنكروا أن يتركوا أصنامهم، ويفردون العبادة للَّه مع إقرارهم بالإله الخَالِقِ المُبْدِعِ، وهذا هو الأظهر فيهم، وفي عباد الأوثان كلهم، ولا يجحد ربوبية اللَّه تعالى من الكَفَرَةِ إلا مَنْ أفرطت غباوته. 
وقولهم : فأْتِنَا بِمَا تَعِدُنا  تَصْمِيمٌ على التكذيب، واستعجالٌ للعقوبة.

### الآية 7:71

> ﻿قَالَ قَدْ وَقَعَ عَلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ رِجْسٌ وَغَضَبٌ ۖ أَتُجَادِلُونَنِي فِي أَسْمَاءٍ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا نَزَّلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ ۚ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ [7:71]

قوله سبحانه : قَالَ قَدْ وَقَعَ عَلَيْكُمْ مِّن رَّبِّكُمْ رِجْسٌ وغَضَبٌ أَتُجَادِلُونَنِي في أَسْماءٍ سَمَّيْتُمُوهَا أَنتُمْ وَآبَاؤُكُم مَّا نَزَّلَ اللَّهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ فانْتَظِرُواْ إِنِّي مَعَكُمْ مِّنَ المُنتَظِرِينَ فَأَنْجَيْنَاهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِّنَّا. . .  \[ الأعراف : ٧١ و ٧٢ \]. 
أعلمهم بأن القَضَاءَ قد نَفذ، وحَلَّ عليهم الرجس، وهو السخط والعذاب. 
وقوله : أَتُجَادِلُونَنِي في أَسْماءٍ سَمَّيْتُمُوهَا \[ الأعراف : ٧١ \] أي : في مسمَّيات سميتموها آلهة.

### الآية 7:72

> ﻿فَأَنْجَيْنَاهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَقَطَعْنَا دَابِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا ۖ وَمَا كَانُوا مُؤْمِنِينَ [7:72]

وقَطَعْنَا دَابِرَ \[ الأعراف : ٧٢ \] استعارة تُسْتَعْمَلُ فيمن يُسْتأصَل بالهلاك، والدابر : الذي يَدْبُرُ القوم، ويأتي خَلْفَهُمُ، فإذا انتهى القطع والاستئصال إلى ذلك، فلم يبق أحد، وقوله : كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا  دالّ على المعجزة، وإن لم تتعين. 
( ت ) : ومن مُعْجِزَاتِهِ قوله : فَكِيدُونيِ جَمِيعاً ثُمَّ لا تُنظِرونِ  \[ هود : ٥٥ \] على ما سيأتي إن شاء الله في موضعه.

### الآية 7:73

> ﻿وَإِلَىٰ ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا ۗ قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَٰهٍ غَيْرُهُ ۖ قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ ۖ هَٰذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً ۖ فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ ۖ وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ [7:73]

قوله سبحانه : وإلى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحَاً قَالَ يا قوم اعْبُدُواْ اللَّهَ مَا لَكُمْ مِّنْ إله غَيْرُهُ قَدْ جَاءَتْكُم بَيِّنَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ هذه نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً فَذَرُوهَا تَأَكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ وَلاَ تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأَخُذَكُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ \[ الأعراف : ٧٣ \] قرأ الجمهور : و إلى ثَمُودَ  بغير صَرْفٍ، على إرادة القبيلة، وقرأ يحيى بن وثَّاب والأعمشُ : وإلى ثَمُودٍ  بالصرف، على إرادة الحيِّ، والقراءتان فصيحتان، مستعملتان، وقد قال تعالى : أَلاَ إِنَّ ثَمُودَا كَفَرُواْ رَبَّهُمْ  \[ هود : ٦٨ \]، و أَخاهُمْ  عطْفٌ على **«نوح »**، والمعنى : وأرسلنا إِلى ثمود أخاهم، وهي أخوَّة نسب، وهم قومٌ عربٌ، فَهُودٌ وَصَالِحٌ عربيَّان، وكذلك إِسماعيل وشُعَيْب، كذا قال الناس، وفي أمر إِسماعيل نَظَرٌ. 
( ت ) : النظرُ الذي أشار إليه لا يخفى عليك، وذلك أن إِسماعيل والدهُ إبراهيم عليه السلام أَعْجميٌّ، وتعلَّم إسماعيل العربيةَ من العرب الَّذين نَزَلُوا عليه بمكَّة، حَسَب ما ذكره أهْل السيرة، فهذا وجْهُ النظر الذي أشار إليه، وفي نظره رحمه الله نَظَرٌ يمنعني مِنَ البَحْث معه ما أنا له قاصدٌ من الإيجاز والاختصار، دون البَسْط والانتشار، نَعَمْ خَرَّج أبو بكر الآجُرِّيُّ من حديث أَبي ذر رضي اللَّه عنه عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ :( وأَرْبَعَةٌ من العَرَبِ : هُودٌ، وَشُعَيْبٌ، وَصالحٌ وَنَبيُّكَ، يَا أَبَا ذَرًّ ) انتهى. ولم يذكر إِسماعيل، فهذا الحَديثُ قد يَعْضُدُ ما قاله ( ع ) : وصالحٌ عليه السلام هو صالحُ بنُ عُبَيْدِ بن عَابِرِ بنْ إِرَمَ بْنِ سَامِ بْنِ نُوحٍ، كذا ذكر مكِّيٌّ. 
قال وهْبٌ : بعثه اللَّه حين راهق الحُلُمَ، ولمَّا هلك قومُهُ، ارتحل بمَنْ معه إِلى مكَّة، فأقاموا بها حتى ماتوا، فقُبُورُهُمْ بَيْنَ دار الندوة والحِجْر، أي : كما ارتحلَ هودٌ بمَنْ معه إِلى مكَّة صلوات اللَّه وسلامه عليهم أجمعين. 
وقوله : قَدْ جَاءَتْكُم بَيِّنَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ \[ الأعراف : ٧٣ \]. 
أي : آيةٌ أو حجة أو موعظة بيِّنة من ربكم، قال بعض الناس : إِن صالحاً جاء بالناقة من تلقاء نَفْسه. 
وقال الجمهور : بل كانَتْ مقْتَرَحَةً، وهذا أليقُ بما ورد في الآثارِ من أمرهم، رُوِيَ أنَّ قومه طَلَبُوا منْهُ آية تضْطَرُّهم إِلى الإِيمان، وقالوا : يا صالح، إن كنْتَ صادقاً، فادع لنا ربَّكَ يُخْرِجْ لنا من هذه الهَضْبَةِ، وفي بعضِ الروايات مِنْ هذه الصَّخْرَةِ -لِصَخَّرةٍ بالحِجْر- نَاقَةً عُشَراءَ، فَدَعَا اللَّهَ، فتمخَّضت تلك الهَضْبةُ، وانشقت عن ناقةٍ عظيمة، وروي أنها كانَتْ حاملاً، فولدَتْ سَقَبَها المشهور. 
ورُوِيَ أنه خرج معها فَصِيلُها من الصخْرة. 
وقيل لها : نَاقَةُ اللَّهِ ، تشريفاً لها، وتخصيصاً، وهي إِضافةُ خَلْقٍ إلى خالقِ، وجعل اللَّه لها شِرْباً يوماً، ولهم شِرْب يومٍ، وكانت آية في شُرْبها وحَلْبها. 
قال المفسِّرون : كانت خلقاً عظيماً تأتي إِلى الماء بين جبلين، فيزحمانها من العَظْم، وقاسَمَتْ ثمود في الماء يوماً بيومٍ، فكانت الناقةُ تَرِدُ يومها، فتستوفي ماءَ بئْرهم شُرْباً، ويحلبونها ما شَاؤوا من لَبَنٍ، ثُم تمكُثُ يوماً، وترد بعد ذلك غِبًّا، فاستمر ذلك ما شاء اللَّه حتى ملَّتها ثمود، وقالوا : مَا نَصْنَعُ باللَّبَنِ ؟ الماءُ أَحبُّ إِلينا منه، وكان سببُ المَلَلِ فيما روي : أنها كانَتْ تصيفُ في بطن الوادِي، وادي الحجر وَتَشْتُو في ظاهره، فكانت مواشيهم تفرُّ منها، فتمالؤوا على مَلَلِ الناقةِ، وَرُوِيَ أن صالحاً أوحى اللَّه إِلَيْهِ أَنَّ قومك سَيَعْقُرونَ الناقة، وينزلُ بهم العذابَ عند ذلك، فأخبرهم بذلك، فقالوا : عِيَاذاً بِاللَّهِ أنْ نفعل ذلك، فقال : إِنْ لم تفعلوا أنْتُمْ أوْشَكَ أنْ يولَدَ فيكم مَنْ يفعله، وقال لهم صفةَ عَاقِرِها : أَحْمرُ، أشْقَرُ، أَزْرَقُ، فَوُلِدَ قُدَارٌ على الصفة المذكورة، فكان الذي عَقَرها بالسيف، وقيل : بالسهم في ضَرْعها، وهَرَب فَصِيلها عند ذلك، حتَّى صَعِدَ على جبلٍ يقال له القَارة، فَرَغَا ثلاثاً، فقال : يا صَالحُ، هذا ميعادُ ثلاثةِ أيامٍ للعذابِ، وأمرهم قبل رُغَاءِ الفَصِيل أنْ يطلبوه عسى أنْ يصلوا إِلَيْهِ، فيندفع عنهم العذابُ به، فرامُوا الصعودَ إِلَيْهِ في الجبل فارتفع الجبلُ في السماء، حتى ما تناله الطيرُ، وحينئذٍ رغا الفصيلُ، وروي أنَّ صالحاً عليه السلام قال لهم، حين رغا الفَصيلُ : سَتَصْفَرُّ وجوهُكم في اليوم الأولَ، وتحمرُّ في الثاني، وتسودُّ في الثالث، فلمَّا ظهرت العلامَاتُ التي قال لهم، أيْقَنُوا بالهلاك، واستعدوا، ولَطَّخُوا أبدانهم بالمُرِّ، وحفروا القبورَ، وتحنَّطوا وتكفَّنوا في الأنطاع، فأَخذتْهم الصيحةُ، وخرج صالحٌ ومَنْ آمن معه، حتى نَزَلَ رَمْلَةَ فلسطينَ، وقد أكثر الناسُ في هذا القصص، وهذا القَدْر كافٍ، وَمِنْ أراد استيفاء هذا القصص، فليطالِعِ الطبريَّ. 
قال ( ع ) : وبلادُ ثَمُود هِيَ بَيْنَ الشامِ والمدينة، وهي التي مَرَّ بها رسولُ اللَّه صلى الله عليه وسلم مع المسلمين في غَزْوَةِ تَبُوك فقال :( لاَ تَدْخُلُوا مَسَاكِنَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ إِلاَّ أَنَّ تَكُونُوا بَاكينَ أَنْ يُصِيبَكُمْ مِثْلُ مَا أَصَابَهُمْ )، ثُمَّ اعتجر بِعمامَةٍ، وَأَسْرَعَ السَّيْرَ، حتى جَازَ الوَادِي صلى الله عليه وسلم. 
( ت ) : ولفظُ البخاريِّ :" ثُمَّ قَنَّعَ رَأْسَهُ، وَأَسْرَعَ السَّيْرَ. . . " الحديث.

### الآية 7:74

> ﻿وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ عَادٍ وَبَوَّأَكُمْ فِي الْأَرْضِ تَتَّخِذُونَ مِنْ سُهُولِهَا قُصُورًا وَتَنْحِتُونَ الْجِبَالَ بُيُوتًا ۖ فَاذْكُرُوا آلَاءَ اللَّهِ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ [7:74]

قوله سبحانه : واذكروا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِن بَعْدِ عَادٍ وَبَوَّأَكُمْ فِي الأرض. . .  \[ الأعراف : ٧٤ \]. 
 وبَوَّأَكُمْ  : معناه مكَّنكم، وهي مستعملة في المكانِ وظروفِهِ، و**«القُصُور »** : جمع قَصْر، وهي الديارُ التي قصرت على بقاع من الأرض مخصوصةٍ، بخلاف بُيُوت العمود، وقُصِرَتْ على الناس قصراً تامًّا، و**«النحْتُ »** : النَّجْرُ والقَشْر في الشيء الصُّلْب، كالحَجَر والعُودِ، ونَحْوه، وكانوا ينحتون الجبالَ لطولِ أعمارِهِمْ، وَ تَعْثَوْا  معناه تُفْسِدُوا. 
قال أبو حيان : و مُفْسِدِينَ  : حالٌ موكِّدة، انتهى.

### الآية 7:75

> ﻿قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ أَتَعْلَمُونَ أَنَّ صَالِحًا مُرْسَلٌ مِنْ رَبِّهِ ۚ قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلَ بِهِ مُؤْمِنُونَ [7:75]

الَّذِينَ استكبروا \[ الأعراف : ٧٥ \] هم الأشرافُ والعظماء الكَفَرة، و للَّذِينَ استضعفوا  هم العامة، والأَغْفَالُ في الدنيا، وهم أتْبَاعُ الرُّسُلِ، وقولهم : أَتَعْلَمُونَ  : استفهام، على معنى الاستهزاء والاستخفاف، فأجاب المؤمنون بالتصديق والصَّرامة في دين اللَّه، فحملت الأنفةُ الأشرافَ عَلى مناقَضَةِ المؤمنين في مَقَالَتهم، واستمروا على كُفْرِهم.

### الآية 7:76

> ﻿قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا بِالَّذِي آمَنْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ [7:76]

\[سورة الأعراف (٧) : الآيات ٧٤ الى ٧٩\]

 وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفاءَ مِنْ بَعْدِ عادٍ وَبَوَّأَكُمْ فِي الْأَرْضِ تَتَّخِذُونَ مِنْ سُهُولِها قُصُوراً وَتَنْحِتُونَ الْجِبالَ بُيُوتاً فَاذْكُرُوا آلاءَ اللَّهِ وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (٧٤) قالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ أَتَعْلَمُونَ أَنَّ صالِحاً مُرْسَلٌ مِنْ رَبِّهِ قالُوا إِنَّا بِما أُرْسِلَ بِهِ مُؤْمِنُونَ (٧٥) قالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا بِالَّذِي آمَنْتُمْ بِهِ كافِرُونَ (٧٦) فَعَقَرُوا النَّاقَةَ وَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ وَقالُوا يا صالِحُ ائْتِنا بِما تَعِدُنا إِنْ كُنْتَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ (٧٧) فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دارِهِمْ جاثِمِينَ (٧٨)
 فَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقالَ يا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسالَةَ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ وَلكِنْ لا تُحِبُّونَ النَّاصِحِينَ (٧٩)
 وقوله سبحانه: وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفاءَ مِنْ بَعْدِ عادٍ وَبَوَّأَكُمْ فِي الْأَرْضِ...
 الآية: بَوَّأَكُمْ: معناه مكَّنكم، وهي مستعملة في المكانِ وظروفِهِ، و **«القُصُور»** : جمع قَصْر، وهي الديارُ التي قصرت على بقاع من الأرض مخصوصةٍ بخلاف بُيُوت العمود، وقُصِرَتْ على الناس قصراً تامًّا، و **«النحْتُ»** : النَّجْرُ والقَشْر في الشيء الصُّلْب كالحَجَر والعُودِ، ونَحْوه، وكانوا ينحتون الجبالَ لطولِ أعمارِهِمْ، وَ (تَعْثَوْا) معناه تُفْسِدُوا.
 قال أبو حيان **«١»** : ومُفْسِدِينَ: حال موكّدة. انتهى.
 والَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا هم الأشرافُ والعظماء الكَفَرة، و **«الَّذِينَ استضعفوا»** : هم العامة والأَغْفَالُ في الدنيا، وهم أتْبَاعُ الرُّسُلِ، وقولهم: أَتَعْلَمُونَ: استفهام على معنى الاستهزاء والاستخفاف، فأجاب المؤمنون بالتصديق والصَّرامة في دين اللَّه، فحملت الأنفةُ الأشرافَ عَلى مناقَضَةِ المؤمنين في مَقَالَتهم، واستمروا على كُفْرِهم.
 وقوله سبحانه: فَعَقَرُوا النَّاقَةَ يقتضي بتشريكهم أجمعين في الضمير أن عقر الناقة كان على تَمَالُؤٍ منهمْ واتفاقٍ، وكذلك رُوِيَ أنَّ قُدَاراً لم يعقرها حتّى كان يستشير، وعَتَوْا: معناه: خَشُنُوا وصَلُبُوا، ولم يذعنوا للأمر والشرعِ، وصمَّموا على تكذيبه، واستعجلوا النِّقْمة بقولهم: ائْتِنا بِما تَعِدُنا، فحلّ بهم العذاب، والرَّجْفَةُ: ما تؤثِّره الصيحةُ أو الطَّامَّة التي يُرْجَفُ بها الإِنسانُ، وهو أن يتحرَّك ويضْطَرِب/، ويرتَعِدَ ومنه:
 **«فرجع بها رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يَرْجُفُ فُؤَادُهُ»** وروي أنَّ صيحة ثَمُود كان فيهَا مِنْ كلِّ صوتٍ مهولٍ، وكانت مُفْرَطة شقّت قلوبهم، فجثموا على صدورهم، والجاثم اللّاطئ **«٢»** بالأرض
 - وأحمد (٢/ ٩، ٥٨)، والحميدي (٢/ ٢٩٠) برقم: (٦٥٣) كلهم من طريق عبد الله بن دينار، عن ابن عمر.
 (١) ينظر: **«البحر المحيط»** (٤/ ٣٣٢).
 (٢) لطأت بالأرض ولطئت أي: لزقت.
 ينظر: **«اللسان»** (٤٠٣٨) (لطا).

### الآية 7:77

> ﻿فَعَقَرُوا النَّاقَةَ وَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ وَقَالُوا يَا صَالِحُ ائْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ [7:77]

قوله سبحانه : فَعَقَرُواْ النَّاقَةَ \[ الأعراف : ٧٧ \]. 
يقتضي بتَشْريكهم أجميعن في الضمير أن عقر الناقة كان على تَمَالُؤٍ منهمْ واتفاقٍ، وكذلك رُوِيَ أنَّ قُدَاراً لم يعقْرها حتى كان يستشيرُ، و عَتَوْاْ  معناه : خَشُنُوا وصَلُبُوا، ولم يذعنوا للأمر والشرعِ، وصمَّموا على تكذيبه، واستعجلوا النِّقْمة بقولهم : ائتنا بِمَا تَعِدُنَا ، فحلَّ بهم العذابُ.

### الآية 7:78

> ﻿فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ [7:78]

الرَّجْفَةُ \[ الأعراف : ٧٨ \] ما تؤثِّره الصيحةُ أو الطَّامَّة التي يُرْجَفُ بها الإِنسانُ، وهو أن يتحرَّك ويضْطَرِب، ويرتَعِدَ، ومنه :" فَرَجَعَ بِهَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَرْجُفُ فُؤَادُهُ " وروي أنَّ صيحة ثَمُود كان فيهَا مِنْ كلِّ صوتٍ مهولٍ، وكانت مُفْرَطة شقَّتْ قلوبَهُمْ، فجثموا على صدورهم، والجِاثم اللاَّطئ بالأرض على صَدْره، و جَاثِمِينَ  : معناه : باركين، قَدْ صُعِقَ بهم، وهو تشبيه بجُثُوم الطير، وجُثُوم الرماد، وقال بعض المفسرين : معناه : حميماً محترقين، كالرماد الجاثم، وذهب صاحبُ هذا القول إلى أن الصيحة اقترن بها صواعقُ مُحْرِقَةٌ، وروي أن الصيحةَ أصابَتْ كلَّ مَنْ كان منهم في شَرْق الأرض وغَرْبِهَا إِلاَّ رَجُلاً كان في الحَرَم، فمنعه الحرمُ، ثُمَّ هَلَكَ بَعْدَ خروجه من الحَرَم، ففي **«مُصَنَّف أبي داود »**، قيل : يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَنْ ذَلِكَ الرَّجُلُ ؟ قَالَ :" أبُو رُغَالٍ "، وذكر الطبريُّ أيضاً عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم، وهذا الخبر يردُّ ما في السير من أَنَّ أَبا رُغَالٍ هو دليلُ الفِيل.

### الآية 7:79

> ﻿فَتَوَلَّىٰ عَنْهُمْ وَقَالَ يَا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَةَ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ وَلَٰكِنْ لَا تُحِبُّونَ النَّاصِحِينَ [7:79]

قوله : فَتَوَلَّى عَنْهُمْ \[ الأعراف : ٧٩ \]. 
أي : تولَّى عنهم وقت عَقْر الناقة، وذلك قبل نزول العذاب، وكذلك رُوِيَ أنه عليه السلام خَرَجَ مِنْ بين أظهرهم قبل نزول العذاب، وهو الذي تقتضيه مخاطبته لهم، ويحتمل أن يكون خطابُهُ لهم وهُمْ موتى، على جهة التفجُّع عليهم، وذكر حالهم أو غير ذلك، كما خاطب النبيُّ صلى الله عليه وسلم أهْل قليب بَدْر، قال الطبريُّ : وقيل : إنه لم تَهْلِكْ أُمَّة، ونبيُّها معها، ورُوِيَ أنه ارتحلَ بمَنْ معه حتَّى جاء مكَّة، فأقام بها حتى مات، ولفظ التولِّي يقتضي اليأْس مِنْ خَيْرهم، واليقينَ في إِهلاكهم، وقوله : ولكن لاَّ تُحِبُّونَ الناصحين  : عبارةٌ عن تغليبهم الشهواتَ عَلَى الرأْي السديد، إذ كلامُ الناصح صَعْبٌ مُضادٌّ لشهوة الذي يُنصحُ، ولذلك تقول العرب : أمْرُ مُبْكِيَاتِكَ لاَ أَمْرُ مُضْحِكَاتِكَ.

### الآية 7:80

> ﻿وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ [7:80]

قوله سبحانه : وَلُوطاً إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الفاحشة مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِّنَ العالمين إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرجال شَهْوَةً مِّن دُونِ النساء بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ مُّسْرِفُونَ وَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلاَّ أَن قالوا أَخْرِجُوهُمْ مِّن قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ فَأَنجَيْنَاهُ وَأَهْلَهُ إِلاَّ امرأته كَانَتْ مِنَ الغابرين وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِم مَّطَراً فانظر كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ المجرمين \[ الأعراف : ٨٠ و ٨١ و ٨٢ و ٨٣ و ٨٤ \]. 
لوطٌ عليه السلام بعثه اللَّه سبحانه إِلى أُمَّة تسَّمى **«سَدُومَ »**، ورُوِيَ أَنه ابنُ أَخِي إِبراهيمَ عليه السلام، ونَصْبُه : إما ب **«أرسلنا »** المتقدِّم في الأنبياء، وإما بفعل محذوف، تقديره : واذكر لوطاً، و الفَاحِشَةَ  : إتيان الذكور في الأَدْبَارِ، ورُوِيَ أنه لم تكُنْ هذه المعصيةُ في أُمَّة قبلهم، وحُكْم هذه الفاحشة، عند مالك وغيره : الرجْمُ، أُحْصِنَ أم لم يُحْصن، وحرَّقُ أبو بكر الصديقُ رضي اللَّه عنه رجُلاً عَمِلَ قومِ لوط، وقرأ نافع وغيره : إَنَّكُمْ  على الخبر، كأنه فَسَّر الفاحشة، والإِسرافُ : الزيادةُ الفاسدةُ، ولم تكُنْ مراجعةُ قومه باحتجاج منهم، ولا بمدافعة عقليَّة، وإِنما كانَتْ بكُفْر وخِذْلان.

### الآية 7:81

> ﻿إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّسَاءِ ۚ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ [7:81]

نص مكرر لاشتراكه مع الآية ٨٠:قوله سبحانه : وَلُوطاً إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الفاحشة مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِّنَ العالمين إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرجال شَهْوَةً مِّن دُونِ النساء بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ مُّسْرِفُونَ وَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلاَّ أَن قالوا أَخْرِجُوهُمْ مِّن قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ فَأَنجَيْنَاهُ وَأَهْلَهُ إِلاَّ امرأته كَانَتْ مِنَ الغابرين وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِم مَّطَراً فانظر كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ المجرمين \[ الأعراف : ٨٠ و ٨١ و ٨٢ و ٨٣ و ٨٤ \]. 
لوطٌ عليه السلام بعثه اللَّه سبحانه إِلى أُمَّة تسَّمى ****«سَدُومَ »****، ورُوِيَ أَنه ابنُ أَخِي إِبراهيمَ عليه السلام، ونَصْبُه : إما ب ****«أرسلنا »**** المتقدِّم في الأنبياء، وإما بفعل محذوف، تقديره : واذكر لوطاً، و الفَاحِشَةَ  : إتيان الذكور في الأَدْبَارِ، ورُوِيَ أنه لم تكُنْ هذه المعصيةُ في أُمَّة قبلهم، وحُكْم هذه الفاحشة، عند مالك وغيره : الرجْمُ، أُحْصِنَ أم لم يُحْصن، وحرَّقُ أبو بكر الصديقُ رضي اللَّه عنه رجُلاً عَمِلَ قومِ لوط، وقرأ نافع وغيره : إَنَّكُمْ  على الخبر، كأنه فَسَّر الفاحشة، والإِسرافُ : الزيادةُ الفاسدةُ، ولم تكُنْ مراجعةُ قومه باحتجاج منهم، ولا بمدافعة عقليَّة، وإِنما كانَتْ بكُفْر وخِذْلان. ---

### الآية 7:82

> ﻿وَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا أَخْرِجُوهُمْ مِنْ قَرْيَتِكُمْ ۖ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ [7:82]

و يَتَطَهَّرُونَ  : معناه : يتنزَّهون عن حالنا وعادَتِنا. 
قال قتادة : عَابُوهم بِغَيْرِ عَيْبٍ، وذمُّوهم بغير ذَمٍّ.

### الآية 7:83

> ﻿فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ [7:83]

استثنى اللَّه سبحانه امرأة لوطٍ عليه السلام من الناجينَ، وأخبر أنها هَلَكَتْ، والغابِرُ : هو الباقي، هذا هو المشهور في اللغة، وقد يجيء الغَابِرُ بمعنى الماضِي، وكذلك حَكَى أهل اللغةُ **«غَبَرَ »** بمعنى بَقِيَ، وبمعنى **«مضى »**.

### الآية 7:84

> ﻿وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا ۖ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ [7:84]

قوله : وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِم مَّطَراً. . .  \[ الأعراف : ٨٤ \]، أي : بحجارةٍ، ورُوِيَ أنَّ اللَّه تعالى بعث جبريل، فاقتلعها بجناحِهِ، وهي ستُّ مدن. 
وقيل خمسٌ، وقيل : أربع، فرفعها حتَّى سمع أَهْلُ السماء الدنيا صُرَاخَ الدِّيَكَة، وَنُبَاحَ الكِلاَبِ، ثم عكَسَها، وَرَدَّ أعلاها أَسْفَلَهَا، وأرسلها إِلى الأرض، وتبعتهم الحِجَارَةُ مع هذا، فأهلكَتْ مَنْ كان منهم، مَنْ كان في سَفَر، أو خارجاً من البقع المرفوعةِ، وقالت امرأَةُ لوط، حين سَمِعَتِ الوَجْبَة : وَاقَوْمَاهُ، والتفتت، فأصابتها صخْرَةٌ فَقَتَلَتْهَا.

### الآية 7:85

> ﻿وَإِلَىٰ مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا ۗ قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَٰهٍ غَيْرُهُ ۖ قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ ۖ فَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا ۚ ذَٰلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ [7:85]

قوله سبحانه : وإلى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْباً قَالَ يَا قَوْمِ اعبدوا الله مَا لَكُمْ مِّنْ إله غَيْرُهُ قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ فَأَوْفُواْ الكيل والميزان وَلاَ تَبْخَسُواْ الناس أَشْيَاءَهُمْ وَلاَ تُفْسِدُواْ فِي الأرض بَعْدَ إِصْلاَحِهَا. . .  \[ الأعراف : ٨٥ \]. 
قيل في  مَدْيَنَ  إِنه اسم بلد وقُطْرٍ، وقيل : اسم قبيلةٍ، وقيل : هم مِنْ ولد مَدْيَنَ بْنِ إِبراهيمَ الخليلِ، وهذا بعيدٌ، ورُوِي أَنَّ لوطاً هو جَدُّ شعيبٍ لأُمِّه. 
وقال مكِّيّ : كان زوجَ بنْتِ لُوطٍ، و أَخَاهُمْ  : منصوبٌ ب ( أرسلنا ) في أول القصص، و**«البيِّنة »** : إشارة إِلى معجزته،  وَلاَ تَبْخَسُواْ  معناه ولا تظلموا، ومنْه قولهم : تَحْسَبُهَا حَمْقَاءَ، وَهِيَ بَاخِسٌ، أي : ظالمة خادعة، وقال في **«سورة هود »** : البَخْس : النَّقْصَ. 
( ت ) : ويحتمل واللَّه أعلم أنَّ البَخْسَ هو ما اعتاده النَّاسُ من ذَمِّ السِّلَع، ليتوصَّلوا بذلك إلى رُخَصها، فتأمَّله، واللَّه أعلم بما أراد سبحانه. 
قال أبو حَيانَ : ولا تَبْخَسُوا  : متعدٍّ إلى مفعولين، تقول : بَخَسْتُ زَيْداً حَقَّهُ، أي : نقصته إياه، انتهى. 
و أَشْيَاءَهُمْ  : يريد أمتعتهم وأموالهم،  وَلاَ تُفْسِدُواْ  : لفظٌ عامٌّ في دقيق الفساد وجليله، وكذلك الإصلاح عامٌّ،  ذلكم خَيْرٌ لَّكُمْ ، أيْ : عند اللَّه  إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ ، أي : بشرط الإِيمان والتوحيد، وإِلا فلا ينفع عَمَلٌ دون إِيمانٍ.

### الآية 7:86

> ﻿وَلَا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِرَاطٍ تُوعِدُونَ وَتَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِهِ وَتَبْغُونَهَا عِوَجًا ۚ وَاذْكُرُوا إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلًا فَكَثَّرَكُمْ ۖ وَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ [7:86]

وَلاَ تَقْعُدُواْ بِكُلِّ صِرَاطٍ. . .  \[ الأعراف : ٨٦ \]. 
قال السديُّ : هذا نهيٌ عن العَشَّارين والمتغلِّبين ونحوه مِنْ أخْذ أموال الناس بالباطِل، و**«الصِّرَاطُ »** : الطريقُ، وذلك أنهم كانوا يكثرون من هذا، لأنه من قبيل بَخْسهم ونَقْصهم الكيلَ والوزْنَ، وقال أبو هريرة رضي اللَّه عنه : هو نهْيٌ عن السَّلْبِ وقطْع الطرقِ، وكان ذلك مِنْ فعلهم. 
وروي في ذلك حديثٌ عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم، وما تقدَّم من الآية يؤيِّد هذين القولَيْنِ، وقال ابنْ عَبَّاس وغيره : قوله : وَلاَ تَقْعُدُواْ  نهيٌّ لهم عمَّا كانوا يفعلونه مِنْ رَدِّ الناس عَنْ شُعَيْب، وذلك أنهم كانوا يَقْعُدونَ على الطُّرُقات المفضية إلى شُعَيبٍ، فيتوعَّدون مَنْ أَراد المجيءَ إِلْيه، ويصُدُّونه، وما بعد هذا مِنَ الألفاظ يشبه هذا مِنَ القول، والضميرُ في  به  يحتمل أنّ يعود على اسم اللَّه، وأنْ يعود على شُعَيْب في قول مَنْ رأى القعودَ على الطُّرُق للرَّدِّ عن شعيب، قال الداوديُّ : وعن مجاهد  وتَبْغُونَهَا عِوَجاً  : يلتمسون لها الزيْغَ، انتهى. 
ثم عدَّد عليهم نِعَمَ اللَّه تعالَى، وأنه كَثَّرهم بعد قلَّةِ عددٍ. 
وقيل : أغناهم بعد فَقْر، ثم حذرهم ومثَّل لهم بمن امتحن من الأممِ.

### الآية 7:87

> ﻿وَإِنْ كَانَ طَائِفَةٌ مِنْكُمْ آمَنُوا بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ وَطَائِفَةٌ لَمْ يُؤْمِنُوا فَاصْبِرُوا حَتَّىٰ يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَنَا ۚ وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ [7:87]

قوله : وَإِن كَانَ طَائِفَةٌ مِّنكُمْ آمَنُواْ بالذي أُرْسِلْتُ بِهِ وَطَائِفَةٌ لَّمْ يْؤْمِنُواْ فاصبروا. . .  \[ الأعراف : ٨٧ \]. 
قوله : فاصبروا  تهديدٌ للطائفة الكافرة.

### الآية 7:88

> ﻿۞ قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ يَا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا ۚ قَالَ أَوَلَوْ كُنَّا كَارِهِينَ [7:88]

قولهم : أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا \[ الأعراف : ٨٨ \] معناه : أو لتَصِيرُنّ، و**«عَادَ »** في كلام العرب على وجهين :
أحدُهُمَا : عَادَ الشَّيْءُ إِلى حالٍ قد كان فيها قبل ذلك، وهي على هذا الوجه لا تتعدى، فإِن عُدِّيَتْ، فبحرف، ومنه قول الشاعر :\[ الطويل \]

أَلاَ لَيْتَ أَيَّامَ الشَّبَابِ جَدِيدُ  وَعُمْراً تولى يا بُثَيْنُ يَعُودُومنْه قوله تعالى : وَلَوْ رُدُّواْ لَعَادُواْ لِمَا نُهُواْ عَنْهُ  \[ الأنعام : ٢٨ \]. 
والوجه الثاني : أنْ تكون بمعنى **«صَارَ »**، وعاملةً عملَهَا، ولا تتضمَّن أن الحال قد كانَتْ متقدِّمة، ومنه قول الشاعر :\[ البسيط \]تِلْكَ المَكَارِمُ لاَ قَعْبَانِ مِنْ لَبَنٍ  شِيبَا بِمَاءٍ فَعَادَا بَعْدُ أَبْوَالاَ**ومنه قول الآخر :**
وَعَادَ رَأْسِي كالثَّغامَةِ\*\*\*
ومنه قوله تعالى : حتى عَادَ كالعرجون القديم  \[ يس : ٣٩ \]. عَلى أن هذه محتملةٌ بقوله في الآية : أَوْ لَتَعُودُنَّ ، وشعيبٌ عليه السلام لَمْ يَكُ قطُّ كافراً، فيقتضي أنها بمعنى **«صار »**، وأما في جهة المؤمنين به بَعْدَ كُفْرهم، فيترتَّب المعنى الآخر، ويخرج عنه شعيبٌ. 
 وقوله : أَوَلَوْ كُنَّا كارهين \[ الأعراف : ٨٨ \] توقيفٌ منه لهم على شِنْعَة المعصيةِ، وطَلَبٌ أن يقروا بألسنتهم بإِكراهِ المُؤْمنين على الإِخراج ظُلْماً وغشماً.

### الآية 7:89

> ﻿قَدِ افْتَرَيْنَا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا إِنْ عُدْنَا فِي مِلَّتِكُمْ بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللَّهُ مِنْهَا ۚ وَمَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَعُودَ فِيهَا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّنَا ۚ وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا ۚ عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا ۚ رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ [7:89]

قال ( ص ) : قَدِ افترينا \[ الأعراف : ٨٩ \] هو بمعنى المستقبل، لأنه سَدَّ مسد جواب الشرط، وهو : إِنْ عُدْنَا  أو هو جوابه، على قول، انتهى. 
وقوله : إِلاَّ أَن يَشَاءَ الله رَبُّنَا  يحتملُ أن يريد إلاَّ أنْ يسبق علينا في ذلك مِنَ اللَّه سابقُ سُوء، وينفذ منه قضاءٌ لا يُرَدُّ. 
قال ( ع ) : والمُؤمنون هم المجوزون لذلك، وأما شُعَيْبٌ، فقد عصمته النبوءة، وهذا أظهر ممَّا يحتملُ القول، ويحتمل أنْ يريد استثناء ما يمكن أن يتعبَّد اللَّهُ به المؤمنين ممَّا يفعله الكُفَّارُ مِنَ القربات. 
وقيل : إِنَّ هذا الاستثناء إِنما هو تَسَنُّنٌ وَتَأَدُّبٌ، وقوله : وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا  : معناه : وَسِعَ عِلْمُ رَبنا كلَّ شيء، كما تقول : تَصَبَّبَ زَيْدٌ عَرَقاً أَيْ : تصبَّب عَرَقُ زيدٍ، وَ وَسِعَ  بمعنى **«أحاط »**، وقوله : افتح  معناه : احكم، وقوله : عَلَى الله تَوَكَّلْنَا  استسلام للَّه سبحانه، وتمسُّكٌ بلطفه، وذلك يؤيِّد التأويل الأول في قوله : إِلاَّ أَن يَشَاءَ الله رَبُّنَا \[ الأعراف : ٨٩ \].

### الآية 7:90

> ﻿وَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَئِنِ اتَّبَعْتُمْ شُعَيْبًا إِنَّكُمْ إِذًا لَخَاسِرُونَ [7:90]

قوله سبحانه : وَقَالَ الملأ الذين كَفَرُواْ مِن قَوْمِهِ لَئِنِ اتبعتم شُعَيْبًا. . .  \[ الأعراف : ٩٠ \]. 
أي : قال الملأُ لتباعهم ومُقَلِّديهم.

### الآية 7:91

> ﻿فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ [7:91]

الرجفة  : الزلزلةُ الشديدةُ التي يَنَالُ الإِنسانَ معها اهتزاز وارتعاد واضطراب، فيحتملُ أنَّ فرقةً من قومٍ شُعَيْب هلكَتْ بالرجفة، وفرقةً بالظُّلَّة، ويحتمل أن الظُّلَّة والرَّجْفَة كانتا في حِينٍ واحدٍ. 
( ت ) : والرجفةُ هي الصَّيْحة يَرْجُفُ بسببها الفؤاد، وكذلك هو مصرَّح بها في قصَّة قوم شُعَيْب في قوله سبحانه : وَأَخَذَتِ الذين ظَلَمُواْ الصَّيْحَةُ. . .  \[ هود : ٩٤ \].

### الآية 7:92

> ﻿الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا ۚ الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كَانُوا هُمُ الْخَاسِرِينَ [7:92]

قوله سبحانه : كَأَن لَّمْ يَغْنَوْاْ فِيهَا \[ الأعراف : ٩٢ \] الضميرْ في قوله  فيها  عائدٌ على دارِهِمْ، وَ( يَغْنُوا ) : معناه : يقيمونَ بنَعْمَة وخَفْضِ عيش، وهذا اللفظ فيه قوَّةُ الإِخبار عن هلاكهم، ونزولِ النقمةِ بهم، والتنبيه عَلَى العبرة والاتعاظ بهم، ونحوُ هذا قولُ الشاعر :\[ الطويل \]

كَأَنْ لَمْ يَكُنْ بَيْنَ الحَجُونِ إِلَى الصَّفَا  أَنِيسٌ وَلَمْ يَسْمُرْ بِمَكَّةَ سَامِرُقال ( ع ) : فَغَنيتُ في المكان، إنما يقالُ في الإِقامة التي هي مقترنةٌ بتنعُّم وعيشٍ مرضيٍّ.

### الآية 7:93

> ﻿فَتَوَلَّىٰ عَنْهُمْ وَقَالَ يَا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ ۖ فَكَيْفَ آسَىٰ عَلَىٰ قَوْمٍ كَافِرِينَ [7:93]

قوله : يا قوم لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رسالات رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ \[ الأعراف : ٩٣ \]. 
كلامٌ يقتضي حزناً وإِشفاقاً، لَمَّا رأى هلاكَ قومه، إِذْ كان أمله فيهم غَيْرَ ذلك، ولمَّا وجد في نفسه ذلك، طَلَب أنْ يثير في نفسه سَبَبَ التسلِّي عنهم، فجعل يعدِّد معاصيهم وإِعراضهم، ثم قال لنفسه لمَّا نظر وفكَّر : فَكَيْفَ آسى على قَوْمٍ كافرين ، ونحو هذا قوله صلى الله عليه وسلم لأَهْل قليب بَدْرٍ، و آسى  معناه : أحزن. 
قال مَكِّيٌّ : وسار شعيبٌ بمن معه حتَّى سكن مَكَّة إِلَى أنْ ماتوا بها.

### الآية 7:94

> ﻿وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا أَخَذْنَا أَهْلَهَا بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ [7:94]

قوله سبحانه : وَمَآ أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِّن نَّبِيٍّ إِلا أَخَذْنَا أَهْلَهَا بالبأساء والضراء لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ \[ الأعراف : ٩٤ \]. 
أخبر سبحانه أنَّه ما بعث نبيًّا في قرية، وهي المدينةُ إِلاَّ أخذ أهلها المكذِّبين له  بالبأساء ، وهي المصائبُ في المال، وعوارضُ الزَّمَن  والضَّرَّاءِ  وهي المصائبُ في البدن، كالأمراض ونحوها،  لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ ، أي : ينقادون إلى الإِيمان، وهكذا قولهم : الحُمَّى أَضْرَعَتْنِي لَكَ.

### الآية 7:95

> ﻿ثُمَّ بَدَّلْنَا مَكَانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ حَتَّىٰ عَفَوْا وَقَالُوا قَدْ مَسَّ آبَاءَنَا الضَّرَّاءُ وَالسَّرَّاءُ فَأَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ [7:95]

ثُمَّ بَدَّلْنَا مَكَانَ السيئة \[ الأعراف : ٩٥ \]. 
وهي البأساءُ والضرَّاءُ  الحسنة ، وهي السرَّاء والنِّعمة  حتى عَفَواْ  : معناه : حتى كَثُرُوا، يقال : عَفَا النباتُ والرِّيشُ، إِذا كَثُر نباتُهُ، ومنه قوله صلى الله عليه وسلم :( أحْفُوا الشَّوَارِبَ، وَأعْفُوا اللحى ) ولما بدَّل اللَّه حالهم بالخَيْر، لُطْفاً بهم فَنَمْوا، رأوا أن إِصابة الضَّرَّاء والسَّرَّاء إنما هي بالاتِفاق، وليستْ بقَصْد، كما يخبر به النبيُّ، واعتقدوا أنَّ ما أصابهم مِنْ ذلك إِنما هو كالاتفاق الذي كان لآبائهم، فجعلوه مثالاً، أي : قد أصاب هذا آباءنا، فلا ينبغي لنا أنْ نُنْكَره، ثم أخبر سبحانه، أنه أخذ هذه الطوائفَ الَّتي هذا معتَقَدُها، وقوله : بَغْتَةً  أي : فجأَةً وأخْذَةَ أَسَفٍ، وبَطْشاً، للشقاء السابق لهم في قديم علمه سبحانه.

### الآية 7:96

> ﻿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىٰ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَٰكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ [7:96]

قوله تعالى : وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ القرى ءَامَنُواْ واتقوا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بركات مِّنَ السماء والأرض \[ الأعراف : ٩٦ \]. 
أي : مِنْ بركاتِ المطرِ والنباتِ، وتسخير الرياحِ والشمْسِ والقمر في مصالح العبادِ، وهذا بحَسَب ما يدركُه نَظَر البشر، وللَّه سبحانه خُدَّامٌ غير ذلك لا يحصى عددهم، وما في عِلْم اللَّه أكْثَرُ.

### الآية 7:97

> ﻿أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَىٰ أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا بَيَاتًا وَهُمْ نَائِمُونَ [7:97]

قوله سبحانه : أَفَأَمِنَ أَهْلُ القرى أَن يَأْتِيَهُم بَأْسُنَا بياتا وَهُمْ نَائِمُونَ. . .  \[ الأعراف : ٩٧ \]. 
تتضمَّن وعيداً للكافرين المعاصرين لنبيِّنا محمد صلى الله عليه وسلم، لأنه لما أخبر عما فعل في الأمم الخالية، قال :" ومن يُأمِّنُ هؤلاء أنْ ينزلَ بهم مثلُ ما نَزَلَ بأولئك "، وهذا استفهام على جهة التوقيف، والبأسُ : العذابُ.

### الآية 7:98

> ﻿أَوَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَىٰ أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ [7:98]

نص مكرر لاشتراكه مع الآية ٩٧:قوله سبحانه : أَفَأَمِنَ أَهْلُ القرى أَن يَأْتِيَهُم بَأْسُنَا بياتا وَهُمْ نَائِمُونَ...  \[ الأعراف : ٩٧ \]. 
تتضمَّن وعيداً للكافرين المعاصرين لنبيِّنا محمد صلى الله عليه وسلم، لأنه لما أخبر عما فعل في الأمم الخالية، قال :" ومن يُأمِّنُ هؤلاء أنْ ينزلَ بهم مثلُ ما نَزَلَ بأولئك "، وهذا استفهام على جهة التوقيف، والبأسُ : العذابُ. ---

### الآية 7:99

> ﻿أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ ۚ فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ [7:99]

مَكْرَ الله \[ الأعراف : ٩٩ \] هي إضافة مخلوقٍ إلى خالقٍ، والمراد فِعْلٌ يعاقب به مَكَرة الكَفَرةِ، والعربُ تسمِّي العقوبةَ باسْمِ الذنْب.

### الآية 7:100

> ﻿أَوَلَمْ يَهْدِ لِلَّذِينَ يَرِثُونَ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ أَهْلِهَا أَنْ لَوْ نَشَاءُ أَصَبْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ ۚ وَنَطْبَعُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ [7:100]

قوله سبحانه : أَوَلَمْ يَهْدِ لِلَّذِينَ يَرِثُونَ الأرض مِن بَعْدِ أَهْلِهَا. . .  \[ الأعراف : ١٠٠ \]. 
هذه ألِفُ تقريرٍ دَخَلَتْ على واو العطف، و يَهْدي  : معناه : يبيَّن، فيحتملُ أنْ يكون المبيِّن اللَّه سبحانه، ويحتملُ أنْ يكون المبيِّن قولَهُ : أَن لَّوْ نَشَاءُ ، أي عِلْمُهُمْ بذلك، وقال ابنُ عباس، ومجاهد، وابن زيد : يهْدِي  : معناه : يتبيَّن، وهذه أيضاً آيةُ وعيد، أي : أَلَمْ يظهر لوارثي الأرض بَعْد أولئك الذين تقدَّم ذكرهم، وما حَلَّ بهم أنا نَقْدِرُ لو شئناً أصبناهم بذنوبهم، كما فعلنا بمن تقدَّم، وفي العبارة وعْظٌ بحالِ مَنْ سلف من المُهْلَكِين.

### الآية 7:101

> ﻿تِلْكَ الْقُرَىٰ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَائِهَا ۚ وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا بِمَا كَذَّبُوا مِنْ قَبْلُ ۚ كَذَٰلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِ الْكَافِرِينَ [7:101]

قوله سبحانه : تِلْكَ القرى نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنبَائِهَا وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُم بالبينات فَمَا كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْ بِمَا كَذَّبُواْ مِن قَبْلُ كذلك يَطْبَعُ الله على قُلُوبِ الكافرين \[ الأعراف : ١٠١ \]. 
 تلك  ابتداءٌ، و القرى  قال قوم : هو نعْتٌ، والخبر  نَقْصُّ ، وعندي : أن  أهل القرَى  هِي خَبَر الابتداءِ، وفي ذلك معنى التعظيمِ لها، ولِمُهْلِكِها، وهذا كما قيل في قوله تعالى : ذلك الكتاب  \[ البقرة : ٢ \] وكما قال عليه السلام :( أُولَئِكَ الملأ ) وكقول ابن أبي الصلت :\[ البسيط \]
تِلْكَ المَكَارِمُ\*\*\*
وهذا كثير. 
ثم ابتدأ سبحانهُ الخبر عن جميعهم بقوله : وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُم بالبينات فَمَا كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْ بِمَا كَذَّبُواْ مِن قَبْلُ ، هذا الكلامُ يحتملُ وجوهاً من التأويل :
أحدها : أنْ يريد أنَّ الرسول جاء لكلِّ فريقٍ منهم، فكذَّبوه لأول أمره، ثم استبانت حجته، وظهَرتِ الآياتُ الدالَّة على صدقه، مع استمرار دعوته. ، فلَجُّوا هم في كفرهم، ولم يؤمنوا بما سَبَقَ به تكذيبُهم. 
والثاني : من الوجوه : أنْ يريد : فما كان آخرهم في الزّمنِ لِيُؤْمِنَ بما كَذَّب به أوَّلهم في الزمَنِ، بل مشى بعضهم على سَنَن بعضٍ في الكُفْرِ، أشار إِلى هذا التأويلِ النَّقَّاش. 
والثالث : أنَّ هؤلاء لَوْ رُدَّوا من الآخرة إلى الدنيا، لم يكُنْ منهم إِيمانٌ، قاله مجاهد، وقرنه بقوله : وَلَوْ رُدُّواْ لَعَادُواْ لِمَا نُهُواْ عَنْهُ  \[ الأنعام : ٢٨ \]. 
والرابع : أنه يحتمل : فما كانوا ليُؤْمنوا بما سَبَق في عِلم اللَّه سبحانه، أنهم مُكَذِّبون به، وذكَرَ هذا التأويلَ المفسِّرون.

### الآية 7:102

> ﻿وَمَا وَجَدْنَا لِأَكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ ۖ وَإِنْ وَجَدْنَا أَكْثَرَهُمْ لَفَاسِقِينَ [7:102]

قوله سبحانَه : وَمَا وَجَدْنَا لأَكْثَرِهِم مِّنْ عَهْدٍ. . .  \[ الأعراف : ١٠٢ \]
أخبر سبحانه أنه لم يجدْ لأكثرهم ثبوتاً على العَهْد الذي أخذه سبحانه على ذريِّة آدم وقْتَ استخراجهم من ظهره، قاله أبو العالية عن أبيِّ بنْ كَعْب، ويحتمل أن يكون المعنى : وما وجدنا لأكثرهم التزامَ عَهْدٍ، وقبولَ وصاةٍ ممَّا جاءتهم به الرسُلُ عن اللَّه، ولا شَكَروا نعم اللَّه عزَّ وجلَّ. 
قال ( ص ) : لأَكْثَرِهِم  : يحتمل أن يعود على ( النَّاس ) أو على  أَهْلُ القرى  أو **«الأُمم الماضية »**، انتهى.

### الآية 7:103

> ﻿ثُمَّ بَعَثْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ مُوسَىٰ بِآيَاتِنَا إِلَىٰ فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَظَلَمُوا بِهَا ۖ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ [7:103]

قوله سبحانه : ثُمَّ بَعَثْنَا مِن بَعْدِهِم موسى بآياتنا إلى فِرْعَوْنَ وَمَلإِيْهِ فَظَلَمُواْ بِهَا. . .  \[ الأعراف : ١٠٣ \] في هذه الآية : عامٌّ في التسْع وغيرِهَا، والضميرُ في  مِنْ بعدهم  عائدٌ على الأنبياءِ المتقدِّم ذكْرُهم، وعلى أممِهِمْ. 
وقوله سبحانه : فانظر كَيْفَ كَانَ عاقبة المفسدين \[ الأعراف : ١٠٣ \] : فيه وعيدٌ، وتحذيرٌ للكَفَرة المعاصرين لنبيِّنا محمد صلى الله عليه وسلم.

### الآية 7:104

> ﻿وَقَالَ مُوسَىٰ يَا فِرْعَوْنُ إِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ [7:104]

قوله سبحانه : وَقَالَ موسى يا فرعون إِنِّي رَسُولٌ مِّن رَّبِّ العالمين حَقِيقٌ عَلَي أَن لا أَقُولَ عَلَى الله إِلاَّ الحق \[ الأعراف : ١٠٤ و ١٠٥ \]. 
قرأ نافعٌ وحده : عَلَيَّ  بإِضافة ****«علي »**** إِليه، وقرأ الباقون :****«علي »**** بسكون الياء.

### الآية 7:105

> ﻿حَقِيقٌ عَلَىٰ أَنْ لَا أَقُولَ عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ ۚ قَدْ جِئْتُكُمْ بِبَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَرْسِلْ مَعِيَ بَنِي إِسْرَائِيلَ [7:105]

قال الفارسيُّ : معنى هذه القراءة أنَّ **«عَلَي »** وضعتْ موضع الباء، كأنه قال : حقيقٌ بأن  لا أقولَ على اللَّه إِلاَّ الحَقَّ. قال قوم : حقيقٌ  صفةٌ ل( رَسُولٌ )، تم عندها الكلامُ، و**«عَليَّ »** : خبرٌ مقدّمٌ و أَن لاَّ أقول  : ابتداءٌ، وإِعراب **«أَنْ »**، على قراءة مَنْ سكَّن الياء خفْضٌ، وعلى قراءة من فتحها مشدَّدةً : رَفْعٌ، وفي قراءة عبد اللَّه : حَقيقٌ. . . أن لا ، وهذه المخاطَبَةُ إِذا تأَمَّلْتَ غايةٌ في التلطُّف، ونهايةٌ في القول الليِّن الذي أُمِرَ به عليه السلام، وقوله : قَدْ جِئْتُكُم بِبَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ فَأَرْسِلْ مَعِيَ بَنِي إسرائيل قَالَ إِن كُنتَ جِئْتَ بِآيَةٍ فَأْتِ بِهَا إِن كُنتَ مِنَ الصادقين \[ الأعراف : ١٠٥ و ١٠٦ \] البينة : هنا إشارةٌ إلى جميع آياته، وهي على المُعْجزة منْها أدلُّ، وهذا من موسى عليه السلام عَرْضُ نبوءته، ومنْ فرعون استدعاءُ خَرْق العادة الدالِّ على الصدْقِ، وظاهرُ هذه الآية وغيرها أنَّ موسى عليه السلام لم تَنْبَنِ شريعته إِلا على بني إسرائيل فقَطْ، ولَمْ يَدْعُ فرعونَ وقومه إِلا إِلى إِرسال بني إِسرائيل، وذكره :
 لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يخشى  \[ طه : ٤٤ \].

### الآية 7:106

> ﻿قَالَ إِنْ كُنْتَ جِئْتَ بِآيَةٍ فَأْتِ بِهَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ [7:106]

نص مكرر لاشتراكه مع الآية ١٠٥:قال الفارسيُّ : معنى هذه القراءة أنَّ ****«عَلَي »**** وضعتْ موضع الباء، كأنه قال : حقيقٌ بأن  لا أقولَ على اللَّه إِلاَّ الحَقَّ. قال قوم : حقيقٌ  صفةٌ ل( رَسُولٌ )، تم عندها الكلامُ، و****«عَليَّ »**** : خبرٌ مقدّمٌ و أَن لاَّ أقول  : ابتداءٌ، وإِعراب ****«أَنْ »****، على قراءة مَنْ سكَّن الياء خفْضٌ، وعلى قراءة من فتحها مشدَّدةً : رَفْعٌ، وفي قراءة عبد اللَّه : حَقيقٌ... أن لا ، وهذه المخاطَبَةُ إِذا تأَمَّلْتَ غايةٌ في التلطُّف، ونهايةٌ في القول الليِّن الذي أُمِرَ به عليه السلام، وقوله : قَدْ جِئْتُكُم بِبَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ فَأَرْسِلْ مَعِيَ بَنِي إسرائيل قَالَ إِن كُنتَ جِئْتَ بِآيَةٍ فَأْتِ بِهَا إِن كُنتَ مِنَ الصادقين \[ الأعراف : ١٠٥ و ١٠٦ \] البينة : هنا إشارةٌ إلى جميع آياته، وهي على المُعْجزة منْها أدلُّ، وهذا من موسى عليه السلام عَرْضُ نبوءته، ومنْ فرعون استدعاءُ خَرْق العادة الدالِّ على الصدْقِ، وظاهرُ هذه الآية وغيرها أنَّ موسى عليه السلام لم تَنْبَنِ شريعته إِلا على بني إسرائيل فقَطْ، ولَمْ يَدْعُ فرعونَ وقومه إِلا إِلى إِرسال بني إِسرائيل، وذكره :
 لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يخشى  \[ طه : ٤٤ \]. ---

### الآية 7:107

> ﻿فَأَلْقَىٰ عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ [7:107]

قوله : فألقى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُّبِينٌ \[ الأعراف : ١٠٧ \]. 
روي أن موسى قَلِقَ به، وبمجاورته فرعون، فقال لأعوانِهِ : خذوه، فألقى موسَى العصا، فصارَتْ ثعباناً، وهمَّت بفرعون، فَهَرَبَ منْها. 
وقَالَ السّديُّ : إِنه أَحَدَث، وقال : يا موسى كُفَّهُ عني، فَكفَّه، وقال نحوه سعيدُ بنُ جبير، ويقال : إن الثعبان وضع أسفل لَحْيَيْهِ في الأرض وأعلاهما في أعلى شرفات القصر. والثعبان : الحَيَّة الذَّكَر وهو أهولُ وأجَرأُ، قاله الضحاك، وقال قتادة : صارَتْ حَيَّةً أشْعَرَ ذَكَراً، وقال ابن عباس : غرزَتْ ذَنَبها في الأرض، ورفَعَتْ صدْرَها إِلى فرعون، وقوله : مُّبِينٌ  معناه : لا تَخْييلَ فيه، بل هو بَيِّن، إنه ثعبانٌ حقيقة.

### الآية 7:108

> ﻿وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِيَ بَيْضَاءُ لِلنَّاظِرِينَ [7:108]

وَنَزَعَ يَدَهُ \[ الأعراف : ١٠٨ \]. 
معناه : مِنْ جيبه، أو من كُمِّه، حسب الخلافِ في ذلك. 
وقوله : فَإِذَا هِيَ بَيْضَاءُ للناظرين ، قال مجاهد : كاللبن أَو أَشَدَّ بياضاً، وروي أنها كانت تظهر منيرةً شفَّافةً كالشَّمْس تأْتَلِقُ، وكان موسى عليه السلام آدَمَ أَحْمَرَ إِلى السوادِ، ثم كان يَرُدُّ يده، فترجع إِلى لون بَدَنِهِ. 
قال ( ع ) : فهاتان الآيتان عرضهما عليه السلام للمعارَضَة، ودعا إلى اللَّه بهما، وخَرَق العادة بهما. 
( ت ) : وظاهر الآية كما قال، وليس في الآية ما يَدُلُّ على أنه أراد بإلقاء العصا الانتصار والتخويفَ، كما يعطيه ما تقدَّم ذكْرُهُ من القصص.

### الآية 7:109

> ﻿قَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ إِنَّ هَٰذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ [7:109]

وقوله عز وجل : قَالَ الملأ مِن قَوْمِ فِرْعَوْنَ إِنَّ هذا لساحر عَلِيمٌ يُرِيدُ أَن يُخْرِجَكُم مِّنْ أَرْضِكُمْ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ \[ الأعراف : ١٠٩ و ١١٠ \]. 
لا محالةَ أنهم خافوا أمْرَ موسى، وجالَتْ ظنونهم كُلَّ مجالٍ.

### الآية 7:110

> ﻿يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ ۖ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ [7:110]

وقوله : فَمَاذَا تَأْمُرُونَ  الظاهرُ أنه من كلام المَلإ بعضِهِمْ لبعض، وقيل : إنه من كلام فرعونَ لهم، وَرَوى كَرْدم عَنْ نافعٍ : تَأْمُرُون  بكسر النون وكذلك في **«الشعراء »** \[ الشعراء : ٣٥ \]. 
و ما  : استفهامُ، و ذَا  : بمعنى الَّذي، فهما ابتداءٌ وخبرٌ، وفي  تأمرون  : ضميرٌ عائدٌ على الذي، تقديرُهُ : تَأْمُرونَ به، ويجوز أنْ تجعل  مَاذَا  بمنزلةِ اسم واحدٍ في موضع نصب ب  تأمرون  ولا يضمر فيه، على هذا.

### الآية 7:111

> ﻿قَالُوا أَرْجِهْ وَأَخَاهُ وَأَرْسِلْ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ [7:111]

قوله : قَالُواْ أَرْجِهْ وَأَخَاهُ وَأَرْسِلْ فِي المدائن حاشرين يَأْتُوكَ بِكُلِّ ساحر عَلِيمٍ \[ الأعراف : ١١١ و ١١٢ \]. 
أشار المَلأُ على فرعونَ بأن يؤخِّر موسى وهارون، وَيَدَعَ النظر في أمرهما، وَيَجْمَعَ السحرةَ، وحكَى النَّقَّاش، أنه لم يكن يجالسُ فرعونَ وَلَدُ غِيَّةٍ، وإنما كانوا أشرافاً، ولذلك أشاروا بالإِرجاء، ولم يشيروا بالقَتْل، وقالوا : إنْ قتلته، دخلَتْ على الناسِ شُبْهَةٌ، ولكنِ اغلبه بالحجة.

### الآية 7:112

> ﻿يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَاحِرٍ عَلِيمٍ [7:112]

نص مكرر لاشتراكه مع الآية ١١١:قوله : قَالُواْ أَرْجِهْ وَأَخَاهُ وَأَرْسِلْ فِي المدائن حاشرين يَأْتُوكَ بِكُلِّ ساحر عَلِيمٍ \[ الأعراف : ١١١ و ١١٢ \]. 
أشار المَلأُ على فرعونَ بأن يؤخِّر موسى وهارون، وَيَدَعَ النظر في أمرهما، وَيَجْمَعَ السحرةَ، وحكَى النَّقَّاش، أنه لم يكن يجالسُ فرعونَ وَلَدُ غِيَّةٍ، وإنما كانوا أشرافاً، ولذلك أشاروا بالإِرجاء، ولم يشيروا بالقَتْل، وقالوا : إنْ قتلته، دخلَتْ على الناسِ شُبْهَةٌ، ولكنِ اغلبه بالحجة. ---

### الآية 7:113

> ﻿وَجَاءَ السَّحَرَةُ فِرْعَوْنَ قَالُوا إِنَّ لَنَا لَأَجْرًا إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ [7:113]

قوله سبحانه : وَجَاءَ السحرة فِرْعَوْنَ قَالْواْ إِنَّ لَنَا لأَجْرًا إِن كُنَّا نَحْنُ الغالبين قَالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ لَمِنَ المقربين \[ الأعراف : ١١٣ و ١١٤ \]. 
( الأَجر ) هنا : الأجْرَةُ. 
واختلف الناسُ في عدد السَّحَرة على أقوالٍ كثيرةٍ ليس لها سَنَدٌ يوقَفُ عنده، والحاصلُ من ذلك أنهم جَمْعٌ عظيمٌ.

### الآية 7:114

> ﻿قَالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ [7:114]

نص مكرر لاشتراكه مع الآية ١١٣:قوله سبحانه : وَجَاءَ السحرة فِرْعَوْنَ قَالْواْ إِنَّ لَنَا لأَجْرًا إِن كُنَّا نَحْنُ الغالبين قَالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ لَمِنَ المقربين \[ الأعراف : ١١٣ و ١١٤ \]. 
( الأَجر ) هنا : الأجْرَةُ. 
واختلف الناسُ في عدد السَّحَرة على أقوالٍ كثيرةٍ ليس لها سَنَدٌ يوقَفُ عنده، والحاصلُ من ذلك أنهم جَمْعٌ عظيمٌ. ---

### الآية 7:115

> ﻿قَالُوا يَا مُوسَىٰ إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ نَحْنُ الْمُلْقِينَ [7:115]

قوله تعالى : قَالُواْ يا موسى إِمَّا أَن تُلْقِيَ وَإِمَّا أَن نَّكُونَ نَحْنُ الملقين قَالَ أَلْقَوْاْ فَلَمَّا أَلْقُوْاْ سَحَرُواْ أَعْيُنَ الناس \[ الأعراف : ١١٥ و ١١٦ \] وخيَّر السحرةُ موسى في أن يتقدَّم في الإِلقاء أو يتأخَّر، وهذا فعْلُ المُدِلِّ الواثقِ بِنَفْسِهِ، والظاهرُ أنَّ التقدُّم في التخْييلاتِ وَالمَخَارِيقِ أنْجَحُ، لأنَّ بديهتها تمضِي بالنفُوس، فليظهر اللَّه أمر نبوءة موسَى، قوى نفسه ويقينه، وِوَثقَ بالحَقِّ، فأعطاهم التقدُّم، فَنَشَطُوا وَسُرُّوا حتَّى أظهر اللَّه الحَق، وأَبطَلَ سعيهم.

### الآية 7:116

> ﻿قَالَ أَلْقُوا ۖ فَلَمَّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ [7:116]

قوله سبحانه : سَحَرُواْ أَعْيُنَ الناس  : نصٌّ في أن لهم فِعْلاً ما زائداً على ما يُحْدِثُونه من التزْوِيقِ،  واسترهبوهم  بمعنى : أرهبوهم، أي : فزَّعوهم، ووصف اللَّه سبحانه سِحْرَهُمْ ب **«العَظِيم »**، ومعنى ذلك مِنْ كثرته، ورُوِي أنهم جَلَبُوا ثَلاَثِمَائَةٍ وَسِتِّينَ بعيراً موقُورَةً بالْحِبَالِ، والعِصِيِّ، فلما أَلْقَوْهَا، تحرَّكت، ومَلأَت الوادِيَ، يركَبُ بعضُها بعضاً فاستهول النَّاس ذلك، واسترْهَبَهم، قال الزَّجَّاج : قيل : إنهم جعلوا فيها الزِّئْبَقَ، فكانَتْ لا تستقرُّ.

### الآية 7:117

> ﻿۞ وَأَوْحَيْنَا إِلَىٰ مُوسَىٰ أَنْ أَلْقِ عَصَاكَ ۖ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ [7:117]

قوله سبحانه : وَأَوْحَيْنَا إلى مُوسَى أَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ \[ الأعراف : ١١٧ \]. 
وروي أن موسى عليه السلام لَمَّا كان يَوْمُ الجمعِ، خَرَجَ متَّكِئاً على عصاه، ويُدُه في يَدِ أخيه، وقد صُفَّ له السحرةُ في عَدَدٍ عظيم، حَسْبما ذُكِر، فلما  أَلْقَوْا  واسترهَبُوا، أَوحَى اللَّه إِليه،  أَنْ أَلْقِ ، فألقى عصاه فإِذا هي ثعبانٌ مبينٌ، فعَظُم حتَّى كان كالجَبَل. 
وروي أن السحرة، لَمَّا أَلْقَوْا، وألقى موسَى، جعلوا يَرْقَوْنَ، وجَعَلَتْ حبالُهم تَعْظُمْ وجعلَتْ عصا موسى تَعْظُمُ حتى سدَّت الأُفُقَ، وابتلعت الكُلَّ، ورُوِي أن الثعبانَ استوفى تلك الحِبَالَ والعِصيَّ أَكْلاً، وأعْدَمها اللَّه عزَّ وجلَّ، ومَدَّ موسى يده إِلى فمه، فعاد عصا كما كان، فعلم السَّحَرَةُ حينئذٍ أنَّ ذلك ليس من عند البَشَر، فَخَرُّوا سُجَّداً مؤمنين باللَّه ورسولِهِ، و تَلْقَفُ  معناه : تبتلع وتَزْدَرِد، وقرأ ابن جبير :**«تَلْقُم »** بالميم.

### الآية 7:118

> ﻿فَوَقَعَ الْحَقُّ وَبَطَلَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [7:118]

قوله سبحانه : فَوَقَعَ الحق. . .  \[ الأعراف : ١١٨ \]
أيْ : نَزلَ ووُجِد، وقال أبو حيان : فوقع، أي : فظهر، و الحَقُّ  : يريدُ به سطوعَ البرهانِ، وظهورَ الإعجاز، و مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ  لفظٌ يعمُّ سحْرَ السحرة، وسعْيَ فرعونَ، وشيعتِهِ.

### الآية 7:119

> ﻿فَغُلِبُوا هُنَالِكَ وَانْقَلَبُوا صَاغِرِينَ [7:119]

الضميرُ في قوله : فغلبوا \[ الأعراف : ١١٩ \]. 
عائدٌ على جميعهم أيضاً، وفي قوله : وانقلبوا صاغرين ، إِنْ قَدَّرَنا انقلاب الجمع قبل إِيمان السحرة، فهم في الضمير، وإِن قدَّرناه بعد إِيمانهم، فليسوا في الضمير، ولا لحقهم صَغَارٌ، لأنهم آمنوا واستشهدوا رَضِيَ اللَّه عنهم.

### الآية 7:120

> ﻿وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ [7:120]

قوله سبحانه : وَأُلْقِيَ السحرة ساجدين قَالُواْ آمَنَّا بِرَبِّ العالمين رَبِّ موسى وهارون قَالَ فِرْعَوْنُ ءَامَنتُمْ بِهِ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّ هذا لَمَكْرٌ مَّكَرْتُمُوهُ فِي المدينة لِتُخْرِجُواْ مِنْهَا أَهْلَهَا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ لأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُم مِّنْ خِلاَفٍ ثُمَّ لأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ \[ الأعراف : ١٢٠ و ١٢١ و ١٢٢ و ١٢٣ و ١٢٤ \] لما رأَى السحرةُ مِنْ عظيم القُدْرة ما تيقَّنوا به نبوءة موسى، آمنوا بقلوبهم، وانضاف إِلى ذلك الاستهوال والاستعظام والفَزَعُ مِنْ قدرة اللَّه عزَّ وجَلَّ، فخرُّوا للَّه سبحانه مُتَطَارِحِينَ قائلين بألسِنَتِهِمْ : آمَنَّا بِرَبِّ العالمين رَبِّ موسى وهارون \[ الأعراف : ١٢١ \]. 
قال ( ع ) : وهارونُ أخو موسى أسَنُّ منه بثلاثِ سِنِينَ.

### الآية 7:121

> ﻿قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ [7:121]

نص مكرر لاشتراكه مع الآية ١٢٠:قوله سبحانه : وَأُلْقِيَ السحرة ساجدين قَالُواْ آمَنَّا بِرَبِّ العالمين رَبِّ موسى وهارون قَالَ فِرْعَوْنُ ءَامَنتُمْ بِهِ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّ هذا لَمَكْرٌ مَّكَرْتُمُوهُ فِي المدينة لِتُخْرِجُواْ مِنْهَا أَهْلَهَا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ لأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُم مِّنْ خِلاَفٍ ثُمَّ لأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ \[ الأعراف : ١٢٠ و ١٢١ و ١٢٢ و ١٢٣ و ١٢٤ \] لما رأَى السحرةُ مِنْ عظيم القُدْرة ما تيقَّنوا به نبوءة موسى، آمنوا بقلوبهم، وانضاف إِلى ذلك الاستهوال والاستعظام والفَزَعُ مِنْ قدرة اللَّه عزَّ وجَلَّ، فخرُّوا للَّه سبحانه مُتَطَارِحِينَ قائلين بألسِنَتِهِمْ : آمَنَّا بِرَبِّ العالمين رَبِّ موسى وهارون \[ الأعراف : ١٢١ \]. 
قال ( ع ) : وهارونُ أخو موسى أسَنُّ منه بثلاثِ سِنِينَ. ---

### الآية 7:122

> ﻿رَبِّ مُوسَىٰ وَهَارُونَ [7:122]

نص مكرر لاشتراكه مع الآية ١٢٠:قوله سبحانه : وَأُلْقِيَ السحرة ساجدين قَالُواْ آمَنَّا بِرَبِّ العالمين رَبِّ موسى وهارون قَالَ فِرْعَوْنُ ءَامَنتُمْ بِهِ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّ هذا لَمَكْرٌ مَّكَرْتُمُوهُ فِي المدينة لِتُخْرِجُواْ مِنْهَا أَهْلَهَا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ لأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُم مِّنْ خِلاَفٍ ثُمَّ لأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ \[ الأعراف : ١٢٠ و ١٢١ و ١٢٢ و ١٢٣ و ١٢٤ \] لما رأَى السحرةُ مِنْ عظيم القُدْرة ما تيقَّنوا به نبوءة موسى، آمنوا بقلوبهم، وانضاف إِلى ذلك الاستهوال والاستعظام والفَزَعُ مِنْ قدرة اللَّه عزَّ وجَلَّ، فخرُّوا للَّه سبحانه مُتَطَارِحِينَ قائلين بألسِنَتِهِمْ : آمَنَّا بِرَبِّ العالمين رَبِّ موسى وهارون \[ الأعراف : ١٢١ \]. 
قال ( ع ) : وهارونُ أخو موسى أسَنُّ منه بثلاثِ سِنِينَ. ---

### الآية 7:123

> ﻿قَالَ فِرْعَوْنُ آمَنْتُمْ بِهِ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ ۖ إِنَّ هَٰذَا لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ فِي الْمَدِينَةِ لِتُخْرِجُوا مِنْهَا أَهْلَهَا ۖ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ [7:123]

قولُ فرعون : آمَنتُمْ بِهِ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ \[ الأعراف : ١٢٣ \] : دليلٌ عَلى وَهَنِهِ، وضَعْف أمره، لأنه إِنما جعل ذَنْبَهُمْ عَدَمَ إِذنه، والضميرُ في  به  يحتمل أن يعود على اسم اللَّه سبحانه، ويحتملُ أنْ يعود على موسى عليه السلام، وعنَّفهم فرعونُ على الإِيمان قبل إِذْنِهِ، ثم ألزمهم أنَّ هذا كان عن اتفاق منهم، وروي في ذلك عن ابن عباس، وابن مسعود، أن موسى اجتمع مع رَئِيس السَّحَرة، واسْمُهُ شَمْعُونُ، فقال له موسى : أَرَأَيْتَ إِنْ غَلَبْتُكُمْ، أتؤمنُونَ بي، فقالَ : نَعَمْ، فَعَلِمَ بذلك فرعونُ، فلهذا قال : إِن هذا لمكْرٌ مكَرْتُمُوه في المدينة ، ثم توعَّدهم.

### الآية 7:124

> ﻿لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ ثُمَّ لَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ [7:124]

وأَبطَلَ سعيهم، وقوله سبحانه: سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ: نصٌّ في أن لهم فِعْلاً ما زائداً على ما يُحْدِثُونه من التزْوِيقِ، وَاسْتَرْهَبُوهُمْ بمعنى: أرهبوهم، أي: فزَّعوهم، ووصف اللَّه سبحانه سِحْرَهُمْ ب **«العَظِيم»**، ومعنى ذلك مِنْ كثرته، ورُوِي أنهم جَلَبُوا ثَلاَثِمَائَةٍ وَسِتِّينَ بعيراً موقُورَةً بالْحِبَالِ، والعِصِيِّ، فلما أَلْقَوْهَا، تحرَّكت، ومَلأَت الوادِيَ، يركَبُ بعضُها بعضاً فاستهول النَّاس ذلك، واسترْهَبَهم، قال الزَّجَّاج: قيل: إنهم جعلوا فيهم الزِّئْبَقَ، فكانَتْ لا تستقرّ **«١»**.
 \[سورة الأعراف (٧) : الآيات ١١٧ الى ١١٩\]
 وَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى أَنْ أَلْقِ عَصاكَ فَإِذا هِيَ تَلْقَفُ ما يَأْفِكُونَ (١١٧) فَوَقَعَ الْحَقُّ وَبَطَلَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (١١٨) فَغُلِبُوا هُنالِكَ وَانْقَلَبُوا صاغِرِينَ (١١٩)
 وقوله سبحانه: وَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى أَنْ أَلْقِ عَصاكَ فَإِذا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ:
 وروي أن موسى عليه السلام لَمَّا كان يَوْمُ الجمعِ، خَرَجَ متَّكِئاً عى عصاه، ويُدُه في يَدِ أخيه، وقد صُفَّ له السحرةُ في عَدَدٍ عظيم/، حَسْبما ذُكِر، فلما أَلْقَوْا واسترهَبُوا، أَوحَي اللَّه إِليه أَنْ أَلْقِ، فألقى عصاه فإِذا هي ثعبانٌ مبينٌ، فعَظُم حتَّى كان كالجَبَل.
 وروي أن السحرة، لَمَّا أَلْقَوْا، وألقى موسَى، جعلوا يَرْقَوْنَ، وجَعَلَتْ حبالُهم تَعْظُمْ وجعلَتْ عصا موسى تَعْظُمُ حتى سدَّت الأُفُقَ، وابتلعت الكُلَّ، ورُوِي أن الثعبانَ استوفى تلك الحِبَالَ والعِصيَّ أَكْلاً، وأعْدَمها اللَّه عزَّ وجلَّ، ومَدَّ موسى يده إِلى فمه، فعاد عصا كما كان، فعلم السَّحَرَةُ حينئذٍ أنَّ ذلك ليس من عند البَشَر، فَخَرُّوا سُجَّداً مؤمنين باللَّه ورسوله، وتَلْقَفُ معناه: تبتلع وتَزْدَرِد، وقرأ ابن جبير **«٢»** :**«تَلْقُم»** بالميم.
 وقوله سبحانه: فَوَقَعَ الْحَقُّ... الآية: أيْ: نَزلَ ووُجِد، وقال أبو حيان **«٣»** :
 فوقع، أي: فظهر، و **«الحَقُّ»** : يريدُ به سطوعَ البرهانِ، وظهور الإعجاز، وما كانُوا يَعْمَلُونَ لفظٌ يعمُّ سحْرَ السحرة، وسعْيَ فرعونَ، وشيعتِهِ، والضميرُ في قوله: فَغُلِبُوا:
 عائدٌ على جميعهم أيضاً، وفي قوله: وَانْقَلَبُوا صاغِرِينَ، إِنْ قَدَّرَنا انقلاب الجمع قبل إِيمان السحرة، فهم في الضمير، وإِن قدَّرناه بعد إِيمانهم، فليسوا في الضمير، ولا لحقهم صَغَارٌ لأنهم آمنوا واستشهدوا رضي الله عنهم.
 \[سورة الأعراف (٧) : الآيات ١٢٠ الى ١٢٧\]
 وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ ساجِدِينَ (١٢٠) قالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعالَمِينَ (١٢١) رَبِّ مُوسى وَهارُونَ (١٢٢) قالَ فِرْعَوْنُ آمَنْتُمْ بِهِ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّ هذا لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ فِي الْمَدِينَةِ لِتُخْرِجُوا مِنْها أَهْلَها فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (١٢٣) لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ ثُمَّ لَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ (١٢٤)
 قالُوا إِنَّا إِلى رَبِّنا مُنْقَلِبُونَ (١٢٥) وَما تَنْقِمُ مِنَّا إِلاَّ أَنْ آمَنَّا بِآياتِ رَبِّنا لَمَّا جاءَتْنا رَبَّنا أَفْرِغْ عَلَيْنا صَبْراً وَتَوَفَّنا مُسْلِمِينَ (١٢٦) وَقالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ أَتَذَرُ مُوسى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ قالَ سَنُقَتِّلُ أَبْناءَهُمْ وَنَسْتَحْيِي نِساءَهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قاهِرُونَ (١٢٧)

 (١) ذكره ابن عطية (٢/ ٤٣٩).
 (٢) ينظر: **«المحرر الوجيز»** (٢/ ٤٣٩)، وقال أبو عبيد: ويقال: لفق ولقم ولهم بمعنى واحد.
 (٣) ينظر: **«البحر المحيط»** (٤/ ٣٦٤).

وقوله سبحانه: وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ ساجِدِينَ قالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعالَمِينَ رَبِّ مُوسى وَهارُونَ قالَ فِرْعَوْنُ آمَنْتُمْ بِهِ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّ هذا لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ فِي الْمَدِينَةِ لِتُخْرِجُوا مِنْها أَهْلَها فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ ثُمَّ لَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ، لما رأَى السحرة من عظيم القدرة ما تيقّنوا به نبوَّة موسى، آمنوا بقلوبهم، وانضاف إِلى ذلك الاستهوال والاستعظام والفَزَعُ مِنْ قدرة اللَّه عزَّ وجَلَّ، فخرُّوا للَّه سبحانه مُتَطَارِحِينَ قائلين بألسِنَتِهِمْ: آمَنَّا بِرَبِّ الْعالَمِينَ رَبِّ مُوسى وَهارُونَ.
 قال ع **«١»** : وهارونُ أخو موسى أسَنُّ منه بثلاثِ سِنِينَ، وقولُ فرعون: آمَنْتُمْ بِهِ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ: دليلٌ عَلى وَهَنِهِ، وضَعْف أمره لأنه إِنما جعل ذَنْبَهُمْ عَدَمَ إِذنه، والضمير في **«به»** يحتمل أن يعود على اسم اللَّه سبحانه، ويحتملُ أنْ يعود على موسى عليه السلام، وعنَّفهم فرعونُ على الإِيمان قبل إِذْنِهِ، ثم ألزمهم أنَّ هذا كان عن اتفاق منهم، وروي في ذلك عن ابن عباس، وابن مسعود، أن موسى اجتمع مع رَئِيس السَّحَرة، واسْمُهُ شَمْعُونُ، فقال له موسى: أَرَأَيْتَ إِنْ غَلَبْتُكُمْ أتؤمنُونَ بي، فقالَ: نَعَمْ، فَعَلِمَ بذلك فرعونُ فلهذا قال: إِن هذا لمكْرٌ مكَرْتُمُوه في المدينة، ثم توعَّدهم **«٢»**.
 وقوله سبحانه: قالُوا إِنَّا إِلى رَبِّنا مُنْقَلِبُونَ وَما تَنْقِمُ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِآياتِ رَبِّنا لَمَّا جاءَتْنا.. الآية: هذا استسلامٌ مِنْ مؤمني السَّحرة، واتكالٌ على اللَّه سبحانه، وثقةٌ بما عنده، وقرأ الجمهور **«٣»** :**«تنْقِمُ»** - بكسر القاف-، ومعناه: وما تَعُدّ علينا ذنباً تؤاخذُنا به إِلاَّ أنْ آمنا، قال ابنُ عبَّاس وغيره فيهم: أَصْبَحُوا سَحَرَةً، وَأَمْسَوْا شُهَدَاءَ **«٤»**، قال ابن عباسٍ:
 لما آمنت السحرةُ اتبع موسى سِتُّمِائَةِ أَلْفٍ من بني إِسرائيل **«٥»**، وقولُ ملإِ فرعونَ:

 (١) ينظر: ****«المحرر الوجيز»**** (٢/ ٤٤٠). [.....]
 (٢) أخرجه الطبري (٦/ ٢٤) برقم: (١٤٩٦٣)، وذكره ابن عطية (٢/ ٤٤٠)، وابن كثير (٢/ ٢٣٨).
 (٣) ينظر: ****«المحرر الوجيز»**** (٢/ ٤٤١)، و **«البحر المحيط»** (٤/ ٣٦٦).
 (٤) أخرجه الطبري (٦/ ٢٥) برقم: (١٤٩٦٥)، وذكره ابن كثير (٢/ ٢٣٨).
 (٥) ذكره ابن عطية (٢/ ٤٤١)، والبغوي (٢/ ١٩٠).

### الآية 7:125

> ﻿قَالُوا إِنَّا إِلَىٰ رَبِّنَا مُنْقَلِبُونَ [7:125]

قوله سبحانه : قَالُواْ إِنَّا إلى رَبِّنَا مُنقَلِبُونَ وَمَا تَنقِمُ مِنَّا إِلا أَنْ آمَنَّا بآيات رَبِّنَا لَمَّا جَاءَتْنَا. .  \[ الأعراف : ١٢٥ و ١٢٦ \]. 
هذا استسلامٌ مِنْ مؤمني السَّحرة، واتكالٌ على اللَّه سبحانه، وثقةٌ بما عنده.

### الآية 7:126

> ﻿وَمَا تَنْقِمُ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِآيَاتِ رَبِّنَا لَمَّا جَاءَتْنَا ۚ رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ [7:126]

قرأ الجمهور : تنْقِمُ  بكسر القاف، ومعناه : وما تَعُدّ علينا ذنباً تؤاخذُنا به إِلاَّ أنْ آمنا، قال ابنُ عبَّاس وغيره فيهم : أَصْبَحُوا سَحَرَةً، وَأَمْسَوْا شُهَدَاءَ، قال ابن عباسٍ : لما آمنت السحرةُ اتبع موسى سِتُّمِائَةِ أَلْفٍ من بني إِسرائيل.

### الآية 7:127

> ﻿وَقَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ أَتَذَرُ مُوسَىٰ وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ ۚ قَالَ سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءَهُمْ وَنَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ [7:127]

قولُ ملأ فرعونَ : أَتَذَرُ موسى وَقَوْمَهُ. . .  \[ الأعراف : ١٢٧ \]. 
مقالةٌ تتضمَّن إِغراء فرعون وتحريضَهُ، وقولُهم : وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ ، رُويَ أن فرعون كان في زمنه للناس آلهةٌ مِنْ بقرٍ، وأصنامٍ، وغير ذلك، وكان فرعونُ قَدْ شَرَع ذلك، وَجَعل نَفْسَه الإله الأَعلَى فقوله على هذا  أَنَاْ رَبُّكُمُ الأعلى  \[ النازعات : ٢٤ \] إنما يريدُ : بالنَّسْبة إِلى تلك المعبودات. 
وقيل : إِن فرعون كان يعبد حَجَراً يعلِّقه في صَدْره. كأنه ياقوتَةٌ أو نحوها، وعن الحسنِ نحوه، وقوله : سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءَهُمْ ، المعنى : سنستمرُّ عَلى ما كنا عليه مِنْ تعذيبهم، وقوله : وَإِنَّا فَوْقَهُمْ ، يريد : في المنزلة، والتمكُّن من الدنيا، و  قاهرون  : يقتضي تحقير أمرهم، أي : هم أقلُّ من أن يُهتمَّ بهم. قلت : وهذا من عَدُوِّ الله تجلُّدٌ، وإِلاَّ فقد قال فيما أخبر الله سبحانه به عنه : إِنَّ هَؤُلاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ وَإِنَّهُمْ لَنَا لَغَائِظُونَ وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حاذرون  \[ الشعراء : ٥٤، ٥٥، ٥٦ \].

### الآية 7:128

> ﻿قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا ۖ إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ ۖ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ [7:128]

قوله سبحانه : قَالَ موسى لِقَوْمِهِ استعينوا بالله واصبروا. . . \[ الأعراف : ١٢٨ \]. 
لما قال فرعونُ  سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءهُمْ  وتوعدهم، قال موسى لبني إسرائيل، يثبتهم، ويعدهم عن اللَّه تعالى : استعينوا بالله ، و الأرض  هنا : أرضُ الدنيا، وهو الأظهرُ، وقيل : المراد هنا أرضُ الجَنَّة، وأما في الثانية، فأرض الدنيا لا غير، والصَّبْرُ في هذه الآية : يعمُّ الانتظارَ الذي هو عبادةٌ، والصَّبْرَ في المناجزاتِ، والبأْسَ.

### الآية 7:129

> ﻿قَالُوا أُوذِينَا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنَا وَمِنْ بَعْدِ مَا جِئْتَنَا ۚ قَالَ عَسَىٰ رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ [7:129]

قولهم : أُوذِينَا مِن قَبْلِ أَن تَأْتِيَنَا \[ الأعراف : ١٢٩ \]. 
يعنون به الذَّبْحَ الذي كان في المُدَّة التي كانَ فِرْعَون يتخوَّف فيها أنْ يولَدَ المولودُ الذي يُخَرِّبُ ملكه،  وَمِن بَعْدِ مَا جِئْتَنَا ، يعنون به وعيدَ فِرْعَونَ، وسائِرَ ما كان خلالَ تلك المدَّة، من الإخافة لهم. 
وقال ابنُ عباس والسدّيُّ : إنما قالت بنو إسرائيل هذه المقالَة، حين اتبعهم فرعون، واضْطَرَّهم إِلى البحر. 
قال ( ع ) : وبالجملة فهو كلامٌ يجري مع المعهودِ مِنْ بني إِسرائيل، مِن اضطرابهم على أنبيائهم، وقلَّةِ يقينهم، واستعطاف موسى لهم بقوله : عسى رَبُّكُمْ أَن يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ ، ووعده لهم بالاستخلاف في الأرض، يدُلَّ على أنه يستدعي نفوساً نافرةً، ويقوِّي هذا الظنَّ في جهة بني إِسرائيل سلوكُهم هذا السبيلَ في غَيْر مَا قصَّةٍ، وقوله : فَيَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ  تنبيهٌ وحضٌّ على الاستقامة، ولقد استخلفوا في مِصْرَ في زمن دَاوُدَ وسليمانَ، وقد فتحوا بَيْتَ المَقْدِسِ مع يُوشَعَ.

### الآية 7:130

> ﻿وَلَقَدْ أَخَذْنَا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ [7:130]

قوله سبحانه : وَلَقَدْ أَخَذْنَا آلَ فِرْعَوْنَ بالسنين \[ الأعراف : ١٣٠ \]. 
أي : بالجُدُوب والقُحُوطِ، وهذه سِيرَةُ اللَّه في الأممِ، وقوله : وَنَقْصٍ مِّنَ الثمرات ، أي : حتى رُوِيَ أن النخلة مِنْ نخلهم لا تَحْمَلُ إِلا ثمرةً واحدةً، وقال نحوه رجاءُ بْنُ حَيْوَة، وفعل اللَّه تعالى بهم هذا، لينيبوا ويَزْدَجِرُوا عَمَّا هم عليه من الكُفْرِ، إِذ أحوالُ الشدَّة ترقُّ معها القلوبُ، وترغبُ فيما عند اللَّه سبحانه.

### الآية 7:131

> ﻿فَإِذَا جَاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قَالُوا لَنَا هَٰذِهِ ۖ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسَىٰ وَمَنْ مَعَهُ ۗ أَلَا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ [7:131]

قوله عزَّ وجلَّ : فَإِذَا جَاءتْهُمُ الحسنة قَالُواْ لَنَا هذه وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُواْ بموسى وَمَن مَّعَهُ. . .  \[ الأعراف : ١٣١ \]. 
كان القَصْدُ في إِصابتهم بِالقَحْط والنقْصِ في الثمراتِ أن ينيبوا ويرجعوا، فإذا هم قد ضَلُّوا، وجعلوها تشاؤماً بموسى، فكانوا إِذَا اتفق لهم اتفاق حسنٌ في غَلاَّت ونحوها، قالوا : هذه لنا، وبسببنا، وإذا نالهم ضُرٌّ، قالوا : هذا بسبب موسى وشُؤْمِهِ، قاله مجاهد وغيره، وقرأ الجمهور  يَطَّيَّرُوا  بالياء وشدِّ الطاء والياءِ الأخيرة، وقرأ طلحةُ بنُ مُصَرِّفٍ وغيره : تَطِيرُوا  بالتاء وتخفيف الطاء، وقرأ مجاهدٌ :( تَشَاءَمُوا بمُوسَى ) بالتاء من فوق وبلفظ الشؤم. 
وقوله سبحانه : أَلا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِندَ الله  معناه : حظُّهم ونصيبهم، قاله ابن عباس، وهو مأخوذ من زَجْر الطَّيْرِ، فسُمِّيَ ما عند اللَّه من القدر للإِنسان طائراً، لما كان الإِنسان يعتقدُ أنَّ كل ما يصيبه إِنما هو بحَسَب ما يراه في الطَّائِرِ، فهي لفظةٌ مستعارةٌ.

### الآية 7:132

> ﻿وَقَالُوا مَهْمَا تَأْتِنَا بِهِ مِنْ آيَةٍ لِتَسْحَرَنَا بِهَا فَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ [7:132]

مهما \[ الأعراف : ١٣٢ \] أصلها عنْدَ الخليل، مَامَا، فأبدلت الألف الأولى هاء، وقال سيبوَيْهِ : هي ( مَهْ مَا ) خُلِطَتَا، وهي حَرْفٌ واحدٌ لمعنًى واحدٍ. 
وقال غيره : معناها :( مَهُ )، أي : كُفَّ، و( ما ) : جزاءٌ، ذكره الزَّجَّاجُ، وهذه الآيةُ تتضمَّن طغيانهم، وعتوهم، وقَطْعَهم على أنفسهم بالكُفْر البَحْتِ.

### الآية 7:133

> ﻿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ وَالْجَرَادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفَادِعَ وَالدَّمَ آيَاتٍ مُفَصَّلَاتٍ فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا مُجْرِمِينَ [7:133]

قوله سبحانه : فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطوفان. . .  \[ الأعراف : ١٣٣ \]. 
 الطُّوفانُ  مصْدَر مِنْ قولكّ : طَافَ يَطُوفُ، فهو عامٌ في كلِّ شيء يطُوفُ، إِلاَّ أن استعمال العَرَب له كثيرٌ في الماءِ والمَطَر الشديد، قال ابن عبَّاس وغيره : الطُّوفَان في هذه الآية : هو المطر الشديدُ، أصابهم وتوالى عليهم حتَّى هدَّم بيوتَهُمْ وضيَّق عليهم، وقيل : طَمَّ فَيْضُ النِّيلِ عليهم، ورُوي في كيفيَّته قصصٌ كثيرةٌ، وقالتْ عائشة رضي اللَّه عنها، عن النَبيِّ صلى الله عليه وسلم :( إِنَّ الطُّوفان المراد في هذه الآية هو المَوْتُ )، قُلْتُ : ولو صحَّ هذا النقلُ، لم يبق مُجْمَلاً، وروي أن اللَّه عز وجل لما والى عليهم المطر، غَرِقَتْ أرضهم، وامتنعوا من الزراعة قالوا : يا موسى ادع لنا ربك في كَشْف هذا الغَرَقِ، ونحن نؤمنُ، فدعا، فكَشَفَه اللَّه عنْهم، فأنبتتِ الأرضُ إنباتاً حسناً، فنكَثُوا، وقالوا : ما نودُّ أنَّا لم تمْطَرْ، وما هذا إِلا إِحسانٌ مِنَ اللَّه إِلينا، فبعث اللَّه علَيْهم حينئذٍ  الجَرَادَ ، فأكل جميعَ ما أنبتَتِ الأرض، فروى ابنُ وَهْبٍ، عن مالكٍ، أنه أكل حتى أبوابَهم، وأكل الحديدَ والمساميرَ، وضيَّق عليهم غايةَ التضْييق، وترك اللَّهُ مِنْ نباتهم ما يَقُومُ به الرَّمق، فقالوا لموسى : ادع لنا ربَّك في كشف الجراد، ونحن نؤمن، فدعا اللَّه فكَشَفه، ورجعوا إِلى كفرهم، فبعث اللَّه عليه القُمَّل، وهي الدبى صغارُ الجَرَادِ، الذي يثب ولا يطير، قاله ابن عباس وغيره، وقرأ الحسن : القَمْل  بفتح القاف، وسكون الميم، فهي على هذا القَمْلُ المعروفُ، وروي أن موسى مشى بعصاه إِلى كثيب أَهِيلٍ، فضربَهُ، فانتشر كُلُّه قُمَّلاً في مِصْر، ثم أنهم قالوا : ادع في كَشْفِ هذا، فدعا فرَجَعُوا إلى طُغْيَانهم، وكُفرهم، فبعَثَ اللَّه عَلَيْهم  الضَّفَادَع ، فكانَتْ تدخلُ في فرُشِهِمْ، وبَيْن ثيابهم، وإِذا هَمَّ الرجُلُ أن يتكلَّم، وَثَبَ ضفْدَعٌ في فَمِهِ. 
قال ابن جُبَيْر : كان الرجُلُ يجلسُ إلى ذقنه في الضفادع. 
وقال ابنُ عبَّاس : لما أُرْسِلَتِ الضفادِعُ عليهم، وكانَتْ بَرِّيَّةً، سمعتْ وأطاعت، فَجعلتْ تقذفُ أنفسها في القُدُور، وهي تغلي، فأثابها اللَّه بحُسْن طاعتها بَرْدَ الماء، فقالوا : يا موسى، ادع في كَشْف هذا فدعا، فكشفَ، فرجَعُوا إِلى كُفْرهم، فبعث اللَّه عليهم  الدَّم ، فرجع ماؤهم الذي يستقونه، ويَحْصُلُ عندهم دماً، فرويَ أنه كان يَسْتَقِي القبْطِيُّ والإسرائيليُّ بإِناء واحدٍ، فإِذا خرج الماء، كان الذي يلي القِبْطِيَّ دماً، والذي يلي الإِسرائيليَّ ماءً إِلى نحو هذا، وشبهه، من العذاب بالدَّمِ المنقلبِ عن الماء، هذا قول جماعة من المتأوِّلين. 
وقال زيدُ بن أسْلَمَ : إِنما سلط عليهم الرُّعَاف، فهذا معنى قوله : والدم ، وقوله : آيَاتٍ مُّفَصَّلاَتٍ  التفصيل : أصله في الأجرام : إِزالة الاتصال، فهو تفريقُ شيئَيْن، فإِذا استعمل في المعاني، فيراد به أنه فُرِقَ بينها، وأُزِيلَ اشتباكها وإِشكالها، فيجيء من ذلك بيانها. 
وقالتْ فرقةٌ : مُّفَصَّلاَتٍ  يراد بها : مفرَّقات في الزمَن. 
قال الفخر : قال المفسِّرون : كان العذابُ يبقى عليهم من السَّبْت إِلى السَّبْت، وبَيْنَ العذابِ والعذابِ شَهْرٌ، وهذا معنى قوله : آيَاتٍ مُّفَصَّلاَتٍ ، على هذا التأويل، \[ أي : فصلَ بين بعضها وبَعْضٍ بزمانٍ تمتحنُ فيه أحوالهم، ويُنْظَرُ، أيقبلون الحُجَّة والدليلَ، أم يستمرُّون على الخلاف والتقليد \] انتهى.

### الآية 7:134

> ﻿وَلَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ الرِّجْزُ قَالُوا يَا مُوسَى ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِنْدَكَ ۖ لَئِنْ كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ وَلَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِي إِسْرَائِيلَ [7:134]

قوله عز وجل : وَلَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ الرجز قَالُواْ يا موسى ادع لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِندَكَ. . .  \[ الأعراف : ١٣٤ \]. 
 الرّجز  : العذابُ، والظاهر من الآية أنَّ المراد بالرجْزِ هنا العذابُ المتقدِّم الذكْر من الطُّوفان والجراد وغيره. 
وقال قوم : الرجْزَ هنا طاعونٌ أنزل اللَّه بهم، واللَّه أعلم، وهذا يحتاجُ إلى سندٍ، وقولهم : بِمَا عَهِدَ عِندَكَ  لفظ يعمُّ جميع الوسائل بَيْنَ اللَّه وبَيْنَ موسى من طاعةٍ من موسى ونعمةٍ من اللَّه تبارك وتعالى، ويحتمل أنْ يكون ذلك منهم على جهَةِ القَسَمِ على موسَى، وقولُهم : لَئِن كَشَفْتَ  أي : بدعائك،  لَنُؤْمِنَنَّ   وَلَنُرْسِلَنَّ  قسمٌ وجوابُه، وهذا عهدٌ من فرعونَ وَمَلَئِهِ، وروي أنه لما انكشف العذابُ، قال فرعون لموسى : اذهب ببني إسرائيل حيْثُ شِئْتَ، فخالفه بعْضُ مَلَئِهِ، فرجع ونكث.

### الآية 7:135

> ﻿فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ الرِّجْزَ إِلَىٰ أَجَلٍ هُمْ بَالِغُوهُ إِذَا هُمْ يَنْكُثُونَ [7:135]

إذا  هنا للمفاجأة، والأَجَلُ : يراد به غايةُ كُلِّ واحد منهم بما يخصُّه من الهلاكِ والموتِ، كما نقول : أخَّرْتُ كذا إِلى وقْتٍ، وأنْتَ لا تريد وقْتاً بعينه، فاللفظ متضمِّن توعُّداً مَّا.

### الآية 7:136

> ﻿فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ [7:136]

وَكَانُواْ عَنْهَا غافلين \[ الأعراف : ١٣٦ \] أي : غافلين عما تضمَّنته الآيات من النجاة والهدى.

### الآية 7:137

> ﻿وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا ۖ وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنَىٰ عَلَىٰ بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا صَبَرُوا ۖ وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُوا يَعْرِشُونَ [7:137]

قوله تعالى : وَأَوْرَثْنَا القوم الذين كَانُواْ يُسْتَضْعَفُونَ مشارق الأرض ومغاربها. . .  \[ الأعراف : ١٣٧ \]
 الذين كَانُواْ يُسْتَضْعَفُونَ  كنايةٌ عن بني إسرائيل، و مشارق الأرض ومغاربها . قال الحسنُ وغيره : هي الشامُ، وقالتْ فرقة : يريد الأرضَ كلَّها، وهذا يتَّجه إِمَّا على المَجازِ، لأنه ملَّكهم بلاداً كثيرة، وإِما على الحقيقة في أَنَّه ملك ذرِّيَّتهم، وهمْ سليمانُ بنُ دَاوُدٌ، ويترجَّح التأويل الأَول بوَصْف الأرض بأنها التي بَارَكَ فيها سبحانه. 
وقوله سبحانه : وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الحسنى ، أي : ما سبق لهم في علمه وكلامِهِ في الأزلِ من النَّجَاة من عدوِّهم، والظهور عليه، قاله مجاهد، و يَعْرِشُونَ  قال ابن عباس ومجاهد : معناه يبنون. 
قال ( ع ) : رأيتُ للحسنِ البصريِّ رحمه اللَّه، أنَّه احتجَّ بقوله سبحانه : وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ. . .  إلى آخر الآية، على أنه ينبغي أَن لاَّ يخرج عن ملوك السُّوء، وإِنما ينبغي أنْ يُصْبَر عليهم، فإِن اللَّه سبحانه يدمِّرهم، ورأَيْتُ لغيره، أنه إِذا قابل الناسُ البلاء بمثله، وَكَّلَهُمُ اللَّهُ إلَيْه، وإِذا قابلوه بالصبر، وانتظارِ الفَرَجِ، أتى اللَّه بالفَرَج، ورُوِي هذا أيضاً عن الحسن.

### الآية 7:138

> ﻿وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْا عَلَىٰ قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَىٰ أَصْنَامٍ لَهُمْ ۚ قَالُوا يَا مُوسَى اجْعَلْ لَنَا إِلَٰهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ ۚ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ [7:138]

قوله سبحانه : وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إسرائيل البحر \[ الأعراف : ١٣٨ \]. 
أي : بَحْرَ القُلْزُم،  فَأَتَوْاْ على قَوْمٍ ، قيل : هم الكَنْعَانِيُّونَ. 
وقيل : هم مِنْ لَخْم وجُذام، والقَوْمُ في كلام العرب : هم الرجَالُ خاصَّة  يَعْكُفُونَ ، العُكُوفُ : الملازمة  على أَصْنَامٍ لَّهُمْ ، قيل كانت بقراً. 
وقال ابن جُرَيْج : كانت تماثيلَ بقرٍ من حجارةٍ وعيدانٍ ونحوها، وذلك كان أوَّل فتنةِ العِجْل، وقولهُم : اجعل لَّنَا إلها كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ ، يظهر منه استحسانهم لمَا رَأَوْه من تلك الآلهة، بجهلهم، فأرادوا أنْ يكون ذلك في شَرْع موسى، وفي جملة ما يُتقرَّبُ به إِلى اللَّه، وإِلاَّ فبعيدٌ أن يقولوا لموسَى : اجعل لنا صنماً نُفْرِدُهُ بالعبادة ونَكْفُر بربِّك، وعلى هذا الذي قُلْتُ يقعُ التشابهُ الذي نصَّه النبيُّ صلى الله عليه وسلم في قَوْلِ أَبي واقِدٍ اللِّيْثِّي " اجعل لَنَا، يَا رَسُولَ اللَّه، ذَاتَ أَنْوَاطٍ، كَمَا لَهُمْ ذَاتُ أَنْوَاطٍ "، فأنكره النبيُّ صلى الله عليه وسلم وَقَالَ :( اللَّهُ أَكْبَر ! قُلْتُمْ واللَّهَ كَمَا قَالَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ،  اجعل لَّنَا إلها كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ  : لَتَّتبعُنَّ سنَنَ مَنْ قَبْلَكُمْ. . . . ) الحديث، ولم يقصد أبو واقدٍ بمقالته فساداً، وقال بعضُ الناسَ، كان ذلك من بني إسرائيل كفراً، ولفظةً ( الإله ) تقتضي ذلك، وهذا محتملٌ، وما ذكرتُهُ أولاً أصحُّ، واللَّه أعلم. 
قلتُ : وقولهم هذا  إلهكم وإله موسى  \[ طه : ٨٨ \]، وجواب موسى هنا يقوِّي الاحتمال الثاني، نعم : الَّذي يجب أن يعتقد أنَّ مِثْلَ هذه المقالاتِ إنما صَدَرَتْ مِنْ أشرارهم وقريبي العَهْد بالكُفْر، قال الشيخُ الحافظُ أبو القاسِمِ عَبْدُ الرحمن بْنُ عبْدِ اللَّهِ الخَثْعَمِيُّ ثم السُّهَيْليُّ، ذكر النَّقَّاش في قوله تعالى : فَأَتَوْاْ على قَوْمٍ يَعْكُفُونَ على أَصْنَامٍ لَّهُمْ ، أنهم كانوا مِنْ لَخْمٍ، وكانو يعبُدُون أصناماً على صور البقر، وأنَّ السامِريَّ كان أصله منهم، ولذلك نزع إِلى عبادة العجْلِ، انتهى، واللَّه أعلم، وهذا هو معنى ما تقدَّم من كلام ( ع ).

### الآية 7:139

> ﻿إِنَّ هَٰؤُلَاءِ مُتَبَّرٌ مَا هُمْ فِيهِ وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [7:139]

قوله : إِنَّ هَؤُلاءِ مُتَبَّرٌ مَّا هُمْ فِيهِ \[ الأعراف : ١٣٩ \] أي : مُهْلَكٌ، مُدَمَّر، رديءُ العاقبة، والتَّبَار : الهلاكُ، وإِنَا مُتَبَّرٌ، أي : مكسورٌ، وكسارته تِبْرٌ، ومنه : تِبْرُ الذَّهَبِ، لأنه كسارة، وقوله : مَّا هُمْ فِيهِ  يعمُّ جميع أحوالهم و بَاطَلٌ  معناه : فاسدٌ ذاهبٌ مضحملٌّ.

### الآية 7:140

> ﻿قَالَ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِيكُمْ إِلَٰهًا وَهُوَ فَضَّلَكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ [7:140]

و أَبْغِيكُمْ \[ الأعراف : ١٤٠ \] معناه : أطلبُ، ثم عدَّد عليهم سبحانه في هذه الآية النِّعَمَ التي يجبُ من أجلها أَن لاَّ يكفروا به، ولا يَرْغَبُوا في عبادة غيره.

### الآية 7:141

> ﻿وَإِذْ أَنْجَيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ ۖ يُقَتِّلُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ ۚ وَفِي ذَٰلِكُمْ بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ [7:141]

قال : وَإِذْ أنجيناكم مِّنْ آلِ فِرْعَونَ. . . \[ الأعراف : ١٤١ \]. 
و يَسُومُونَكُمْ  معنا : يحمِّلُونكم، ويكلِّفونكم، ومساوَمَةُ البيع تنظر إِلى هذا، فإِنْ كلَّ واحد من المتساوِمَيْن يكلِّف صاحبه إِرادَتُه، ثم فَسَّرَ : سوء العذاب  بقوله : يُقَتِّلُونَ أَبْنَاءَكُمْ. . . .

### الآية 7:142

> ﻿۞ وَوَاعَدْنَا مُوسَىٰ ثَلَاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ۚ وَقَالَ مُوسَىٰ لِأَخِيهِ هَارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلَا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ [7:142]

قوله سبحانه : وواعدنا موسى ثلاثين لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ. . .  \[ الأعراف : ١٤٢ \]. قال ابن عباس وغيره : الثلاثون ليلةً هي شَهْرُ ذي القَعْدَة، وأن العَشْرَ هي عَشْرُ ذي الحِجَّة، وروي أن الثلاثين إِنما وعد بأن يصومَهَا، وأَنَّ مدة المناجاة هِيَ العَشْر، وحيث ورد أنَّ المواعدة أربعُونَ ليلةً، فذلك إِخبار بجملة الأمْر، وهو في هذه الآية إِخبار بتفصيله، والمعنى في قوله : وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ \[ الأعراف : ١٤٢ \] أنه خلق لَهُ إِدراكاً سَمِعَ به الكلام القائِمَ بالذاتِ القديمِ الذي هو صفةُ ذاتٍ، وكلامُ اللَّه سبحانه لا يشبه كلامَ المخلوقين، وليسَ في جهة مِنَ الجهاتِ، وكما هو موجودٌ لا كالموجودات، ومعلومٌ لا كالمعلومات، كذلك كلامه لا يُشْبِهُ الكلامَ الذي فيه علاماتُ الحدوثِ.

### الآية 7:143

> ﻿وَلَمَّا جَاءَ مُوسَىٰ لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ ۚ قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَٰكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي ۚ فَلَمَّا تَجَلَّىٰ رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَىٰ صَعِقًا ۚ فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ [7:143]

جَوابُ  لَمَّا  في قوله : قَالَ ، والمعنى أنَّه لمَّا كلَّمه اللَّه عزَّ وجلَّ، وخصَّه بهذه المرتبة، طَمَحَتْ همته إِلى رُتْبة الرؤْية، وتشوَّق إِلى ذلك، فسأل ربَّه الرؤية، ورؤيةُ اللَّه عز وجلَّ عند أهل السنة جائزةٌ عقْلاً، لأنه من حيثُ هو موجودٌ تصحُّ رؤيته، قالوا : لأن الرؤية للشَّيْءِ لا تتعلَّق بصفةٍ مِنْ صفاته أَكْثَرَ من الوُجُود، فموسى عليه السلام لم يسأَلْ ربَّه محالاً، وإِنما سأله جائزاً. 
وقوله سبحانه : لَن تَرَانِي ولكن انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ. . . . 
ليس بجواب مَنْ سأل محَالاً، و( لَنْ ) تنفي الفعْلَ المستقبَلَ، ولو بقينا مع هذا النفْي بمجرَّده لقضينا أنه لا يَرَاهُ موسى أبداً، ولا في الآخرةِ، لكنْ ورد من جهة أخرى بالحديثِ المتواتر، أنَّ أهل الإِيمانَ يَرَوْنَ اللَّه يوم القيامة، فموسى عليه السلام أحرَى برؤيته، قُلْتُ : وأيضاً قال تعالى : وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ إلى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ  \[ القيامة : ٢٢ و ٢٣ \] فهو نصٌّ في الرؤية بيَّنه صلى الله عليه وسلم. 
ففي ( الترمذي ) عن ابن عمر، قال : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم ( إِنَّ أدنى أَهْلِ الجَنَّةِ مَنْزِلَةً لَمَنْ يَنْظُرُ إلى جنَانِهِ وَأَزْوَاجِهِ وَنَعِيمِهِ وَخَدَمِهِ وَسُرُرِهِ مَسِيرَةَ أَلْفِ سَنَةٍ، وَأَكْرَمُهُمْ على اللَّهِ مَنْ يَنْظُرُ إِلى وَجْهِهِ غُدْوَةً وعَشيَّةً )، ثم قرأ رسُول اللَّه صلى الله عليه وسلم : وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ إلى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ  \[ القيامة : ٢٢، ٢٣ \] قال أبو عيسى : وقد روي هذا الحديثُ مِنْ غير وجه مرفوعاً، وموقوفاً، انتهى. 
قال مجاهد وغيره : إن اللَّه عز وجل قال له : يا موسى، لن تراني، ولكنّ سأتجلَّى للجَبَل، وهو أقوى منك، وأَشَدُّ، فإِن استقر وأطاقَ الصبْرَ لهيبتي، فسَتُمْكِنُكَ أَنْتَ رؤيتي. 
قال ( ع ) : فعلى هذا إِنما جعل اللَّه الجَبَل مثالاً، قلتُ : وقول ( ع ) : ولو بَقِينَا مَعَ هذا النفْي بمجرَّده، لَقَضَيْنَا أنَّه لا يراه موسَى أبداً ولا في الآخرة، قولٌ مرجوحٌ لم يتفطَّن له رحمه اللَّه، والحقُّ الذي لا شَكَّ فيه أَنَّ  لن  لا تقتضي النفْيَ المؤبَّد. 
قال بدْرُ الدين أبو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ مالِكٍ في شرح " التَّسْهِيلِ " : وَ( لَنْ ) كغيرها من حروفِ النفي في جواز كون استقبال المنفيِّ بها منقَطعاً عنْدَ حَدٍّ وغَيْرَ منقطعٍ، وذكر الزمخشريُّ في " أُنْمُوذجِهِ " أَنَّ ( لَنْ ) لتأبيدِ النفْي، وحاملُهُ على ذلك اعتقادُهُ أنَّ اللَّه تعالى لا يُرَى، وهو اعتقادٌ باطلٌ، لصحَّةَ ثبوتِ الرؤية عن رَسُولِ اللَّه صلى الله عليه وسلم، واستدل على عدم اختصاصها بالتأبيد بمجيء استقبال المنْفِيِّ بها مُغَيًّا إِلى غايةٍ ينتهي بانتهائها، كما في قوله تعالى : قَالُواْ لَن نَّبْرَحَ عَلَيْهِ عاكفين حتى يَرْجِعَ إِلَيْنَا موسى  \[ طه : ٩١ \] وهو واضح، انتهى. ونحوه لابْنِ هشامٍ، ولفظه : ولا تفيدُ ( لَنْ ) توكيدَ المنفيِّ، خلافاً للزمخشريِّ في **«كشافه »**، ولا تأْبِيدَهُ، خلافاً له في **«أنموذجه »**، وكلاهما دعوى بلا دليلٍ، قيل : ولو كانَتْ للتأبيدِ، لم يقيد منفيُّها ب **«اليوْم »** في  فَلَنْ أُكَلِّمَ اليوم إِنسِيّاً  \[ مريم : ٢٦ \] ولكان ذكْرُهُ **«الأَبَدَ »** في  وَلَن يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا  \[ البقرة : ٩٥ \] تَكْراراً، والأصل عدمه، انتهى من **«المغني »**. 
وقوله سبحانه : فَلَمَّا تجلى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ \[ الأعراف : ١٤٣ \] التجلِّي : هو الظهورُ منْ غير تشبيهٍ ولا تكييفٍ، وقوله : جَعَلَهُ دَكّاً  المعنى : جعله أرضاً دكًّا، يقال : ناقةٌ دَكَّاء، أَيْ : لا سنامَ لها،  وَخَرَّ موسى صَعِقاً ، أي : مغشيًّا عليه، قاله جماعة من المفسِّرين. 
قال ( ص ) : وَخَرَّ  معناه سقَطَ، وقوله : سبحانك ، أي : تنزيهاً لك، كذا فسَّره النبيُّ صلى الله عليه وسلم، وقوله : تُبْتُ إِلَيْكَ  معناه : منْ أن أسألك الرُّؤْية في الدنيا، وأنْتَ لا تبيحها فيها. 
قال ( ع ) : ويحتمل عنْدي أنه لفظ قاله عليه السلام، لشدَّة هَوْل المَطْلَعَ، ولم يعن التَّوْبَة مِنْ شيء معيَّن، ولكنَّه لفظٌ لائقٌ بذلك المقامِ، والذي يتحرَّز منه أَهْلُ السنة أنْ تكون تَوْبَةً من سؤال المُحَال، كما زعَمَتِ المعتزلةُ، وقوله : وَأَنَاْ أَوَّلُ المؤمنين ، أي : مِنْ قومه، قاله ابن عباس وغيره، أَو مِنْ أَهْلِ زمانه، أنْ كان الكُفْر قد طَبَّق الأرض، أو أولُ المؤمنين بأنك لا ترى في الدنيا، قاله أبو العالية.

### الآية 7:144

> ﻿قَالَ يَا مُوسَىٰ إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالَاتِي وَبِكَلَامِي فَخُذْ مَا آتَيْتُكَ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ [7:144]

قوله سبحانه : فَخُذْ مَا آتَيْتُكَ وَكُنْ مِّنَ الشاكرين \[ الأعراف : ١٤٤ \]. 
فيه تأديبٌ، وتقنيعٌ، وحملٌ على جادَّة السلامة، ومثالٌ لكلِّ أحدٍ في حاله، فإِن جميع النِّعم من عند اللَّه سبحانه بمْقدَارٍ، وكُلُّ الأمور بِمَرْأًى منه ومَسْمَعٍ.

### الآية 7:145

> ﻿وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِهَا ۚ سَأُرِيكُمْ دَارَ الْفَاسِقِينَ [7:145]

وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الألواح مِن كُلِّ شَيْءٍ \[ الأعراف : ١٤٥ \] أي : مِنْ كل شيءٍ يَنْفَعُ في معنى الشرْع، وقوله : وَتَفْصِيلاً لِّكُلِّ شَيْءٍ  مثُلُه، وقوله : بِقُوَّةٍ ، أي : بجدٍّ وصبرٍ عليها، قاله ابن عباس، وقوله : بِأَحْسَنِهَا  يحتملُ معنيين. 
أحدهما : التفضيلُ، كما إِذا عرض مثلاً مباحانِ، كالعفو والقِصَاصِ، فيأخذون بالأحْسنِ منهما. 
والمعنى الثاني : يأخذون بَحَسن وَصْفِ الشريعة بجملتها، كما تقول : اللَّه أَكْبَرُ، دون مقايسة. 
وقوله سبحانه : سَأُوْرِيكُمْ دَارَ الفاسقين \[ الأعراف : ١٤٥ \]. 
الرؤية هنا : رؤيةُ عَيْن، هذا هو الأظهر، إِلا أن المعنى يتضمَّن الوعد للمؤمنين، والوعِيدَ للفاسقين، و دارٌ الفاسقين  قيل : هي مِصْرُ، والمراد آل فرعون، وقيل : الشام، والمراد العَمَالِقَةُ، وقيل : جَهَنَّم، والمرادُ الكَفَرَةُ بموسى، وقيل غير هذا ممَّا يفتقرُ إِلى صحة إِسناد.

### الآية 7:146

> ﻿سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لَا يُؤْمِنُوا بِهَا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لَا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا ۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ [7:146]

قوله تعالى : سَأَصْرِفُ عَنْ آياتي الذين يَتَكَبَّرُونَ فِي الأرض. . .  \[ الأعراف : ١٤٦ \]. 
المعنى : سأَمْنَعُ وأصُدُّ، قال سفيان بن عُيَيْنَة : الآياتُ هنا كلُّ كتابٍ منزَّل. 
( ع ) : والمعنى عن فَهْمِها وتصدِيقها، وقال ابن جُرَيْج، الآياتُ : العلامات المنصوبة الدالَّة على الوحدانية، والمعنى : عن النظر فيها، والتفكُّر والاستدلال بها، واللفظُ يعمُّ الوجْهَيْن، والمتكبِّرون في الأرض بغير الحَقِّ : هم الكُفَّار، قُلْتُ : ويدخل في هذا المعنى مَنْ تشبَّهَ بهم من عُصَاة المؤمنين، والمعنى في هذه الآية : سأجْعَلُ الصَّرْف عن الآيات، عقوبةً للمتكبِّرين على تكبُّرهم، وقوله : وَإِن يَرَوْاْ كُلَّ آيَةٍ لاَّ يُؤْمِنُواْ بِهَا  حَتْمٌ من اللَّه على الطائفةِ التي قَدَّر عليهم أَن لاَّ يؤمنوا، وقوله : ذلك  : إِشارة إِلى الصَّرْف المتقدِّم.

### الآية 7:147

> ﻿وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَلِقَاءِ الْآخِرَةِ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ ۚ هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [7:147]

قوله سبحانه : والذين كَذَّبُواْ بآياتنا وَلِقَاءِ الآخرة. . .  \[ الأعراف : ١٤٧ \]. 
هذه الآية مؤكَّدة للتي قبلها، وفيها تهديدٌ.

### الآية 7:148

> ﻿وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَىٰ مِنْ بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ ۚ أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لَا يُكَلِّمُهُمْ وَلَا يَهْدِيهِمْ سَبِيلًا ۘ اتَّخَذُوهُ وَكَانُوا ظَالِمِينَ [7:148]

قوله سبحانه : واتخذ قَوْمُ موسى مِن بَعْدِهِ مِنْ حلِيِّهِمْ عِجْلاً جَسَداً لَّهُ خُوَارٌ \[ الأعراف : ١٤٨ \]. 
الخُوَارُ : صَوْتُ البقر، وقرأَتْ فرقة : لَهُ  جُؤَارٌ  -بالجيم-، أيْ : صِيَاحٌ، ثم بيَّن سبحانه سُوءَ فِطَرهم، وقرَّر فساد اعتقادهم بقوله : أَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّهُ لاَ يُكَلِّمُهُمْ. . . ، وقوله : وَكَانُواْ ظالمين  إِخبارٌ عن جميع أحوالهم، ماضياً، وحالاً، ومستقبلاً، وقد مَرَّ في **«البقرة »** قصَّة العِجْلِ، فأغنى عن إِعادته.

### الآية 7:149

> ﻿وَلَمَّا سُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ وَرَأَوْا أَنَّهُمْ قَدْ ضَلُّوا قَالُوا لَئِنْ لَمْ يَرْحَمْنَا رَبُّنَا وَيَغْفِرْ لَنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ [7:149]

قال أبو عُبَيْدة : يقال لمن نَدِمَ على أمْرٍ، وعَجَز عنه : سُقِطَ في يَدِهِ، وقولُ بني إِسرائيل : لَئِن لَّمْ يَرْحَمْنَا رَبُّنَا \[ الأعراف : ١٤٩ \]، إِنما كان بَعْدَ رجوعِ موسى، وتَغَييرِهِ عليهم، ورؤيتِهِمْ أنهم قد خَرَجُوا من الدِّين، ووقعوا في الكُفْر.

### الآية 7:150

> ﻿وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَىٰ إِلَىٰ قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا قَالَ بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِي مِنْ بَعْدِي ۖ أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ ۖ وَأَلْقَى الْأَلْوَاحَ وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ ۚ قَالَ ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكَادُوا يَقْتُلُونَنِي فَلَا تُشْمِتْ بِيَ الْأَعْدَاءَ وَلَا تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ [7:150]

قوله سبحانه : وَلَمَّا رَجَعَ موسى إلى قَوْمِهِ غضبان أَسِفاً \[ الأعراف : ١٥٠ \]. 
يريد : رجَعَ من المُنَاجَاة، والأَسَفُ، قد يكون بمعنى الغَضَبِ الشديدِ، وأكثرُ ما يكونُ بمعنى الحُزْن، والمعنيانِ مترتبان هنا. 
وعبارةُ ( ص ) : غضبان  : صفةُ مبالغةٍ، والغَضَبُ غَلَيَانُ القَلْب، بسبب ما يؤلم و أَسِفاً  : مِنْ أَسِفَ، فهو أَسِفٌ، كَفَرِقَ فهو فَرِقٌ، يدل على ثبوت الوصف، ولو ذُهِبَ به مَذْهَبُ الزمان، لقيل : آسِف، على وزن فَاعِل، والأَسَفُ : الحزنُ، انتهى. 
وقوله تعالى : أَعَجِلْتُمْ ، معناه : أسابقتم قضاء رَبِّكُم، واستعجلتم إِتْيَانِي قبل الوقت الذي قدر به، قال سعيد بن جُبَيْر، عن ابن عباس : كان سببُ إِلقائه الأَلْوَاحَ غَضَبَهُ على قومه في عبادتهم العِجْل، وَغَضَبَهُ على أخيه في إِهمال أَمرهم. 
قال ابن عباس : لمَّا ألقاها، تكسَّرت، فَرُفِعَ أكثَرُها الذي فيه تفصيلُ كلِّ شيء، وبقي الذي في نُسْخَتِهِ الهدى والرحمة، وهو الذي أخذ بعد ذلك، قال ابن عبَّاس : كانت الألواح مِنْ زُمُرُّدِ، وقيل : من ياقوتٍ، وقيل : من زَبَرْجَدٍ، وقيل : من خشبٍ، واللَّه أعلم. 
وقوله : ابن أُمَّ  استعطافٌ برحمِ الأمِّ، إذ هو ألْصَقُ القراباتِ، وقوله : وكَادُواْ ، معناه : قاربوا، ولم يَفْعَلُوا.

### الآية 7:151

> ﻿قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِأَخِي وَأَدْخِلْنَا فِي رَحْمَتِكَ ۖ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ [7:151]

قوله : وَلاَ تَجْعَلْنِي مَعَ القوم الظالمين  يريد : عَبَدَةَ العجْلِ.

### الآية 7:152

> ﻿إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَذِلَّةٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۚ وَكَذَٰلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ [7:152]

قوله سبحانه : إِنَّ الذين اتخذوا العجل سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَذِلَّةٌ فِي الحياة الدنيا \[ الأعراف : ١٥٢ \]. 
وقد وقع ذلك النَّيْلُ بهم في عَهْدِ موسى عليه السلام، فالغضبُ والذِّلَّة هو أمرهم بقَتْل أنفسهم، وقال بعض المفسِّرين : الذِّلَّة : الجِزْيَة، ووَجْه هذا القول أن الغضب والذِّلَّة بقيتْ في عَقِبِ هؤلاء، وقال ابن جُرَيْج : الإِشارةُ إلى من مات من عَبَدة العجْل قبل التوبة بقَتْل الأنْفُس، وإِلى مَنْ فَرَّ، فلم يكُنْ حاضراً وقت القَتْلِ، والغَضَبُ من اللَّه عزَّ وجلَّ، إِن أخذ بمعنى الإِرادة، فهو صفةُ ذات، وإِن أُخِذ بمعنى العقوبةِ وإِحلالِ النِّقْمة، فهو صفةُ فِعْلٍ، وقوله : وكذلك نَجْزِي المفترين . المرادُ أَولاً أولئك الَّذين افتَرْوا عَلَى اللَّه سبحانَهُ في عبَادة العِجْل، وتكونُ قوَّة اللفظ تَعُمُّ كُلَّ مفترٍ إلى يوم القيامة، وقد قال سفيان بن عُيَيْنَة وأبو قِلاَبة وغيرهما : كلُّ صاحب بدعة أو فِرْيَة ذليلٌ، واستدلوا بالآية.

### الآية 7:153

> ﻿وَالَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئَاتِ ثُمَّ تَابُوا مِنْ بَعْدِهَا وَآمَنُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ [7:153]

قوله سبحانه : والذين عَمِلُواْ السيئات. . .  \[ الأعراف : ١٥٣ \]. 
تضمَّنت وعداً بأن اللَّه سبحانه يغفرُ للتائبين.

### الآية 7:154

> ﻿وَلَمَّا سَكَتَ عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ أَخَذَ الْأَلْوَاحَ ۖ وَفِي نُسْخَتِهَا هُدًى وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ [7:154]

قرأ معاوية بنُ قُرَّة  وَلَمَّا سَكَنَ عَنْ مُوسَى الغَضَبُ \[ الأعراف : ١٥٤ \] قال أبو حَيَّان : واللام في  لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ  مُقَوِّية لوصولِ الفعْلِ، وهو  يَرْهَبُونَ  إلى مفعوله المتقدِّم. 
وقال الكوفيُّون : زائدةٌ، وقال الأخفشُ : لام المفعول له، أي : لأجْلِ ربِّهم، انتهى. 
قلْتُ : قال ابنُ هِشَامٍ في **«المُغْني »** : ولام التقْويَةِ هي المَزِيدَةُ لتقويةٍ عاملٍ ضَعُفَ، إِما لتأخيرٍ، نحو : لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ ، و إِن كُنتُمْ لِلرُّءْيَا تَعْبُرُونَ  \[ يوسف : ٤٣ \] أو لكَوْنِهِ فرعاً في العمل، نحو : مُصَدِّقاً لِّمَا مَعَهُمْ  \[ البقرة : ٩١ \]  فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ  \[ هود : ١٠٧ \] وقد اجتمع التأخيرُ والفرعيةُ في : وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شاهدين  \[ الأنبياء : ٧٨ \] انتهى.

### الآية 7:155

> ﻿وَاخْتَارَ مُوسَىٰ قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا لِمِيقَاتِنَا ۖ فَلَمَّا أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ قَالَ رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِيَّايَ ۖ أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ مِنَّا ۖ إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَنْ تَشَاءُ وَتَهْدِي مَنْ تَشَاءُ ۖ أَنْتَ وَلِيُّنَا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا ۖ وَأَنْتَ خَيْرُ الْغَافِرِينَ [7:155]

قوله : واختار موسى قَوْمَهُ. . .  \[ الأعراف : ١٥٥ \]. 
قال الفَخْرُ : قال جماعة النحوِّيين : معناه : واختار موسى مِنْ قومه، فحذف ( مِنْ )، يقال : اخترت مِنَ الرجالِ زيْداً، واخترْتُ الرجالَ زَيْداً، انتهى. 
قال ( ع ) : معنى هذه الآية أَن موسى عليه السلام اختار مِنْ قومه هذه العِدَّة، لَيَذْهَبَ بهم إِلى مَوْضِعِ عبادةٍ وابتهالٍ ودعاءٍ، فيكون منه ومنهم اعتذار إِلى اللَّه سبحانه مِنْ خطأِ بني إِسرائيل في عبادةِ العِجْلِ، وقد تقدَّم في **«سورة البقرة »** \[ البقرة : ٥١ \] قصصهم، قالتْ فرقة من العلماء : إِنَّ موسى عليه السلام لمَّا أعلمه اللَّه سبحانه بعبادة بني إِسرائيل العِجْلَ، وبصفته، قالَ موسى : أيْ ربِّ، ومَنْ اختاره ؟ قَالَ : أنا، قال موسى : فأنْتَ، يا ربِّ، أضْلَلْتهُمْ،  إِنْ هِيَ إِلاَّ فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَن تَشَاءُ  أيْ : إِنَّ الأمور بيدك تفْعلُ ما تريدُ.

### الآية 7:156

> ﻿۞ وَاكْتُبْ لَنَا فِي هَٰذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ ۚ قَالَ عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاءُ ۖ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ ۚ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ [7:156]

قوله سبحانه : واكتب لَنَا فِي هذه الدنيا حَسَنَةً. . .  \[ الأعراف : ١٥٦ \]. 
 اكتب  معناه : أَثْبتْ واقض، والكَتْب : مستعملٌ في كلِّ ما يخلَّد، و حَسَنَةً  : لفظ عامٌّ في كل ما يحسن في الدنيا من عاقبة وطاعة للَّه سبحانه، وغَيْرِ ذلك، وحَسَنَةُ الآخرةِ : الجَنَّة، لا حَسَنَةَ دونها، ولا مرمى وراءها، و هُدْنَا  -بضم الهاء- معناه : تُبْنَا. 
وقوله سبحانه : قَالَ عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاءُ ، يحتمل أن يريد ب **«العذاب »** الرجفةَ التي نزلَتْ بالقوم، ثم أخبر سبحانه عن رحمته، ويحتملُ وهو الأظهر : أن الكلام قصد به الخَبَرُ عن عذابه، وعن رحمته، وتصريف ذلك في خليقته، كما يشاء سبحانه، ويندرجُ في عمومِ العذابِ أصحابُ الرجفة، وقرأ الحسنُ بنُ أبي الحسن، وطَاووُسٌ، وعَمْرُو بن فائدٍ :( مَنْ أَسَاءَ ) من الإِساءة، ولا تعلُّق فيه للمعتزلة، وأطنب القُرَّاء في التحفُّظ من هذه القراءَةِ، وَحَمَلَهُمْ على ذلك شُحُّهم على الدِّين. 
وقوله سبحانه : وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ  قال بعض العلماء : هو عمومٌ في الرحمة، وخصوصٌ في قوله : كُلَّ شَيْءٍ  والمراد : مَنْ قد سبق في عِلْم اللَّه أن يرحمهم، وقوله سبحانه : فَسَأَكْتُبُهَا  أي : أقدِّرها وأقضيها. 
وقال نَوْفٌ البِكَالِيُّ : إِن موسى عليه السلام قال : يا رَبِّ، جعلْتَ وِفَادَتِي لأمَّة محمَّد عليه السلام، وقوله : وَيُؤْتُونَ الزكاة  الظاهر : أنها الزكاةُ المختصَّة بالمالِ، وروي عن ابن عباس، أن المعنى : يؤتون الأعمالَ التي يزكُّون بها أنفسهم.

### الآية 7:157

> ﻿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ ۚ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ ۙ أُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [7:157]

قوله سبحانه : الذين يَتَّبِعُونَ الرسول النبي الأمي. . .  \[ الأعراف : ١٥٧ \]. 
هذه ألفاظٌ أخرجَت اليهودَ والنصارى مِنَ الاشتراك الذي يظهر في قوله : فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ \[ الأعراف : ١٥٦ \] وخلُصَتْ هذه العِدَةُ لأُمة محمَّد صلى الله عليه وسلم، قاله ابن عباس وغيره. 
قلْتُ : وهذه الآيةُ الكريمة مُعْلِمَةٌ بشَرَف هذه الأمَّة على العُمُوم في كلِّ مَنْ آمَنَ باللَّه تعالى، وأقرَّ برسَالة النبيِّ صلى الله عليه وسلم، ثم هم يتفاوتون بعدُ في الشرف، بحَسَب تفاوتهم في حقيقة الاتباعية للنبيِّ صلى الله عليه وسلم. 
قال الغَزَّالِيُّ رحمه اللَّه في **«الإِحياء »** : وإِنما أُمَّتُه صلى الله عليه وسلم مَنِ اتبعه، وما اتبعه إِلاَّ مَنْ أعرض عن الدنيا، وأَقْبَلَ على الآخرةِ، فإِنه عليه السلام ما دَعَا إِلاَّ إِلى اللَّهِ، واليَوْمِ الآخِرِ، وما صَرَفَ إِلاَّ عن الدنيا والحظوظِ العاجلةِ، فبقدْرِ ما تُعْرِضُ عن الدنيا، وتُقْبِلُ على الآخرة، تَسْلُكُ سبيله الذي سَلَكَهُ صلى الله عليه وسلم، وبقَدْرِ ما سَلَكْتَ سبيله، فقد اتبعته، وبقَدْر ما اتبعتَهُ، صِرْتَ من أمته، وبقَدْرِ ما أَقبلْتَ على الدنيا، عَدَلْتَ عن سبيله، ورغبْتَ عَنْ متابعته، والتحقت بالذين قال اللَّه تعالى فيهم : فَأَمَّا مَن طغى وَآثَرَ الحياة الدنيا فَإِنَّ الجحيم هِيَ المأوى  \[ النازعات : ٣٧، ٣٨، ٣٩ \]، انتهى. 
فإن أردتَّ اتباع النبيِّ صلى الله عليه وسلم على الحقيقة، واقتفاء أثره، فابحث عن سيرته وخُلُقه في كتب الحديث والتفسير. 
قال ابنُ القَطَّان في تصنيفه الذي صنَّفه في **«الآيات والمعجزات »** : والقول الوجيز في زُهْدِهِ وعبادتِهِ وَتَوَاضُعِهِ وسائرِ حُلاَه وَمعَاليه صلى الله عليه وسلم : أنه مَلَكَ مِنْ أقْصَى اليمن إلى صحراء عمان إِلى أقصى الحجاز، ثم تُوُفِّيَ عليه السلام، وعليه دَيْنٌ، ودِرْعُهِ مَرْهونةٌ في طَعَام لأهله، ولم يتركْ ديناراً ولا درهماً، ولا شَيَّد قَصْراً، ولا غَرَس نَخْلاً، ولا شَقَّقَ نَهْراً، وكان يأكل على الأرْضِ، ويجلسُ على الأرض، ويَلْبَسُ العَبَاءة، ويجالسُ المَساكين، ويَمْشِي في الأسواق، ويتوسَّد يَدُه، ويلعقُ أصابعه، ويُرقِّع ثوبه، ويَخْصِفُ نَعْلَه، ويُصْلِح خُصَّه، ويمهنُ لأهله، ولا يأكل متْكِئاً، ويقول :( أَنَا عَبْدٌ آكُلُ كَمَا يَأْكُلُ العَبْد )، ويقتصُّ من نفْسه، ولا يرى ضاحكاً مِلْء فِيهِ، ولو دُعِيَ إِلى ذراعٍ لأجاب، ولو أُهْدِيَ إِليه كُرَاعٌ لَقِبل، لا يأكلُ وحده، ولا يَضْرِبُ عبده، ولا يمنعُ رفْده، ولا ضَرَبَ قطُّ بيدِهِ إِلاَّ في سَبِيل اللَّه، وقام للَّه حتَّى تَوَرَّمَتْ قدماه، فقيل له : أتَفْعَلُ هذا وقد غَفَرَ اللَّه لك مَا تَقدَّم من ذنبك وما تأخَّرَ ؟ فقال :( أفَلاَ أَكُونُ عَبْداً شَكُوراً )، وكان يُسْمَعُ لِجَوْفه أَزِيزٌ، كأزيز المِرْجَلِ من البكاءِ، إِذا قام بالليل صلى الله عليه وسلم وعلى آله وأتباعه صلاةً دائمةً إلى يوم القيامة، انتهى. 
وقال الفَخْر : قوله تعالى : الذين يَتَّبِعُونَ الرسول. . .  \[ الأعراف : ١٥٧ \]. 
قال بعضهم : الإِشارة بذلك إِلى مَنْ تقدَّم ذكْرُه من بني إِسرائيل، والمعنى : يتبعونه باعتقاد نبوَّته، من حيث وَجَدُوا صفتَهُ في التوراة، وسيجدونه مكتوباً في الإِنجيل، وقال بعضهم : بل المرادُ مَنْ لحق مِنْ بني إِسرائيل أيام النبيِّ صلى الله عليه وسلم، فبيَّن تعالى أن هؤلاء اللاحقين لا تكتب لهم رحمةُ الآخرة إِلاّ إذا اتبعوا النبيَّ الأُميُّ. 
قال الفخْر : وهذا القول أقربُ، وقوله : يَجِدُونَهُ ، أي : يجدون صفة نبيِّنا محمد صلى الله عليه وسلم ونعته، ففي ****«البخاريِّ »**** وغيره، عن عبد اللَّه بن عمرو، أنَّ في التوراة مِنْ صفة النبيِّ صلى الله عليه وسلم :"  يَأيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً \[ الأحزاب : ٤٥ \] وَحِرْزاً لِلأُمِيِّيِّن، أنْتَ عَبْدِي وَرَسُولي، سَمَّيْتُكَ المُتَوَكِّلَ، لَيْسَ بِفَظٍّ، وَلاَ غَلِيظٍ، وَلاَ صخَّاب في الأَسْوَاق، وَلاَ يَجْزي بالسَّيِّئَةِ السَّيِّئَةَ، وَلَكِنْ يَعْفُو، وَيَصْفَحُ، وَلَنْ أَقْبِضَهُ حتى أُقِيمَ بِهِ المِلَّةَ العَوْجَاء، بأنْ يَقُولُوا : لاَ إله إِلاَّ اللَّهُ، فَنُقِيمُ بِهِ قُلُوباً غُلْفاً، وآذَاناً صُمًّا، وَأَعْيُناً عُمْياً "، وفي ****«البخاريِّ »**** :**«فَيَفْتَحُ بِهِ عُيُونَاً عُمْياً، وآذاناً صُمًّا، وقُلُوباً غُلْفاً »**، ونصَّ كعب الأحبار نحو هذه الألفاظ إِلاَّ أنه قال :**«قُلُوباً غُلُوفاً، وآذناً صُمُوماً »**. 
وقوله سبحانه : يَأْمُرُهُم بالمعروف. . .  \[ الأعراف : ١٥٧ \]. 
يحتملُ أن يكون ابتداء كلامٍ وُصِفَ به النبيُّ صلى الله عليه وسلم، ويحتملُ أن يكون متعلِّقاً ب **«يجدونه »** في موضع الحال على تجوُّزٍ، أي : يجدونه في التوراةِ آمراً، بشرط وجوده، والمعروف : ما عُرِفَ بالشرع، وكلُّ معروف من جهة المروءة، فهو معروفٌ بالشرع، فقد قال صلى الله عليه وسلم :( بُعِثْتُ لأُتَمِّمَ مَحَاسِنَ الأَخْلاَقِ ) و المنكر  : مقابله، وَ الطيبات ، عند مالك : هي المحلَّلات، و  الخبائث  هي المحرَّمات، وكذلك قال ابن عباس، والإِصْرُ الثَّقْل، وبه فَسَّرَ هنا قتادةُ وغيره، والإِصْر أيضاً : العَهْد، وبه فسر ابنُ عباس وغيره، وقد جَمَعَتْ هذه الآيةُ المعنيين، فإِن بني إِسرائيل قد كان أخذ عليهم العَهْدُ بأن يقوموا بأعمال ثقال، فَوَضَعَ عنهم نبيُّنا محمَّد صلى الله عليه وسلم، وقال ابن جُبيْر : الإِصْر : شدَّة العبادة، وقرأ ابن عامر : آصارَهُمْ  بالجمع، فمَنْ وحَّد **«الإصر »**، فإنما هو اسمُ جنْس عِنده، يراد به الجمعُ،  والأغلال التي كَانَتْ عَلَيْهِمْ  عبارةٌ مستعارَةٌ أيضاً لتلك الأثقال، كَقَطْعِ الجِلْدِ من أثر البَوْلِ، وأن لا ديةَ، ولا بدَّ من قَتْل القاتل، إلى غير ذلك، هذا قول جمهور المفسِّرين، وقالَ ابن زَيْدٍ : إنما المراد هنا ب  الأغلال  قولُ اللَّه عزَّ وجلَّ في اليهود : غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ  \[ المائدة : ٦٤ \]، فمنْ آمن بنبينا محمَّد صلى الله عليه وسلم، زالَتْ عنه الدعوةُ، وتغليلها، ومعنى  عَزَّرُوهُ  : أي : وقَّروه، فالتعْزيرُ والنصْرُ : مشاهدةٌ خاصَّة للصحابة، واتباع النور : يشترك فيه معهم المؤمنون إلى يوم القيامة، والنُّورُ : كنايةٌ عن جُمْلة الشرع، وشَبَّه الشرعَ والهدى بالنور، إِذ القلوبُ تستضيء به، كما يستضيء البَصَرُ بالنُّور.

### الآية 7:158

> ﻿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۖ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ ۖ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ [7:158]

قوله سبحانه : قُلْ يا أيها الناس إِنِّي رَسُولُ الله إِلَيْكُمْ جَمِيعًا \[ الأعراف : ١٥٨ \]. 
هذا أمر من اللَّه سبحانه لنبيِّه بإشهار الدعوة العامَّة، وهذه من خصائصه صلى الله عليه وسلم مِنْ بين سائر الرسُلِ، فإِنه صلى الله عليه وسلم بُعِثَ إِلى الناس، كافَّة، وإِلى الجنِّ، وكلُّ نبيٍّ إِنما بعث إِلى فرقة دون العُمُوم. 
وقوله سبحانه : فَآمِنُواْ بالله وَرَسُولِهِ. . .  حَضٌّ على اتباع نبينا محمَّد صلى الله عليه وسلم، وقوله : الذي يُؤْمِنُ بالله وكلماته ، أيْ : يصدق باللَّه وكلماته، والكلماتُ هنا : الآياتُ المنزلة مِنْ عند اللَّه، كالتوراة والإنجيل، وقوله : واتبعوه  لفظ عامٌّ يدخل تحته جميعُ إلزامات الشريعة، جعلنا اللَّه مِنْ متَّبعيه على ما يلزم بمنِّه ورحمته. 
قُلْتُ : فإِن أردتَّ الفوْزَ أيُّها الأَخُ، فعَلَيْكَ باتباع النبيِّ صلى الله عليه وسلم، وتعظيمِ شريعته، وتعظيم جَمِيعِ أسبابه. 
قال عِيَاضٌ : وَمِنْ إِعظامه صلى الله عليه وسلم وإِكبارهِ إِعظام جميع أَسبابه، وإِكْرَامُ مشاهده وأَمْكِنَتِهِ، ومعاهِدِهِ، ومعالمه عليه السلام، أَوْ عُرِفَ به، حُدِّثْتُ أن أبا الفَضْل الجوهري، لمَّا وَرَدَ المدينةَ زائراً، وقَرُبَ من بيوتها، ترجَّل، ومشى باكياً منشداً :\[ الطويل \]

\[ وَلَمَّا رَأَيْنَا \] رَسْمَ مَنْ لَمْ يَدَعْ لَنَا  فُؤَاداً لِعِرْفَانِ الرُّسُومَ وَلاَ لُبَّانَزَلْنَا عَنِ الأَكْوَارِ نَمْشِي كَرَامَةً  لِمَنْ بَانَ عَنْهُ أَنْ نَلُمَّ بِهِ رَكْبَاوحُكِيَ عن بعض المريدين، أنه لما أشْرَفَ على مدينة الرسول عليه السلام، أنشأ يقُولُ :\[ الكامل \]رُفِعَ الحِجَابُ لَنَا فَلاَحَ لِنَاظِرِي  قَمَرٌ تَقَطَّعُ دُونَهُ الأَوْهَامُوَإِذَا المَطِيُّ بِنَا بَلَغْنَ مُحَمَّداً  فَظُهُورُهُنَّ على الرِّجَالِ حَرَامُقَرَّبْنَنَا مِنْ خَيْرِ مَنْ وَطِئَ الحَصَى  فَلَهَا عَلَيْنَا حُرْمَةٌ وَذِمَامُوحُكِيَ عن بعض المشايِخِ، أنه حجَّ ماشياً، فقيل له في ذلك، فقال : العَبْدُ الآبِقُ \[ يأتي \] إلى بيت مولاه راكباً ؟ لو قَدْرَتُ أَنْ أَمْشِيَ على رأسِي، ما مَشَيْتُ على قدَمي. 
قال عياضَ : وجديرٌ لمواطَنَ عُمِرَتْ بالوحْيِ، والتنزيل\* وتردَّد فيها جبريلُ وميكائيل\* وعَرَجَتْ منها الملائكةُ والرُّوح\* وضجَّتْ عرصاتها بالتقديس والتسبيح\* واشتملَتْ تربتها على جَسَد سَيِّد البَشَر\* وانتشر عنْهَا مِنْ دِينِ اللَّه وسنة رسُوله ما انتشر\* مدارسُ وآيات\* ومَسَاجِدُ وصَلَوَات\* ومَشَاهِدُ الفَضَائِلِ والخَيْرَات\* ومعاهدُ البراهين والمُعْجِزَات\* أنْ تعظَّم عَرَصَاتها، وتُتَنَسَّمَ نفحاتها\* وتُقَبَّلَ ربُوعُها وجدراتُها\* :\[ الكامل \]يَا دَارَ خَيْر المُرْسَلِينَ ومَنْ بِه  هَدْيُ الأَنَامُ وَخُصَّ بِالآيَاتِعِنْدِي لأَجْلِكَ لَوْعَةٌ وَصَبَابَةٌ  وَتَشَوُّقٌ مُتَوَقِّدُ الجَمَرَاتِالأبيات، انتهى من **«الشفا »**.

### الآية 7:159

> ﻿وَمِنْ قَوْمِ مُوسَىٰ أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ [7:159]

قوله سبحانه : وَمِن قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ \[ الأعراف : ١٥٩ \]. 
أي : يرشدُونَ أنفسهم، وهذا الكلامُ يحتملُ أنْ يريد به وصْفَ المؤمنين منهم، على عهد موسى، وما والاَهُ مِنَ الزمَنِ، فأخبر سبحانه، أنه كان في بني إسرائيل على عتوِّهم وخلافِهِمْ مِنَ اهتدى واتقى وعَدَلَ، ويحتمل أنْ يريد الجماعةَ التي آمَنَتْ بنبيِّنا محمد صلى الله عليه وسلم من بني إسرائيل، على جهة الاستجلاب لإيمان جميعهم.

### الآية 7:160

> ﻿وَقَطَّعْنَاهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْبَاطًا أُمَمًا ۚ وَأَوْحَيْنَا إِلَىٰ مُوسَىٰ إِذِ اسْتَسْقَاهُ قَوْمُهُ أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ ۖ فَانْبَجَسَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا ۖ قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ ۚ وَظَلَّلْنَا عَلَيْهِمُ الْغَمَامَ وَأَنْزَلْنَا عَلَيْهِمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَىٰ ۖ كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ ۚ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَٰكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ [7:160]

قوله : أَسْبَاطًا  بَدلٌ من  اثنتي ، والتمييزُ الذي بَيْنَ العَدَدَ محذوفٌ تقديره : اثنتي عَشْرَةَ فرقةً أو قِطْعَةً أسباطاً. 
وقوله سبحانه : وَأَوْحَيْنَا إلى مُوسَى إِذِ استسقاه قَوْمُهُ أَنِ اضرب بِّعَصَاكَ الحجر فانبجست مِنْهُ اثنتا عَشْرَةَ عَيْنًا قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَّشْرَبَهُمْ وَظَلَّلْنَا عَلَيْهِمُ الغمام. . .  \[ الأعراف : ١٦٠ \]. 
 انبجست  بمعنى انفجرت، وقد تقدَّم الكلامُ على هذه المعاني في **«البقرة »**.

### الآية 7:161

> ﻿وَإِذْ قِيلَ لَهُمُ اسْكُنُوا هَٰذِهِ الْقَرْيَةَ وَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ وَقُولُوا حِطَّةٌ وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا نَغْفِرْ لَكُمْ خَطِيئَاتِكُمْ ۚ سَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ [7:161]

فَانْبَجَسَتْ مِنْهُ اثْنَتا عَشْرَةَ عَيْناً قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُناسٍ مَشْرَبَهُمْ وَظَلَّلْنا عَلَيْهِمُ الْغَمامَ... الآية:
 فَانْبَجَسَتْ: بمعنى انفجرت، وقد تقدَّم الكلامُ على هذه المعاني في **«البقرة»**.
 \[سورة الأعراف (٧) : الآيات ١٦١ الى ١٦٢\]
 وَإِذْ قِيلَ لَهُمُ اسْكُنُوا هذِهِ الْقَرْيَةَ وَكُلُوا مِنْها حَيْثُ شِئْتُمْ وَقُولُوا حِطَّةٌ وَادْخُلُوا الْبابَ سُجَّداً نَغْفِرْ لَكُمْ خَطِيئاتِكُمْ سَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ (١٦١) فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ قَوْلاً غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِجْزاً مِنَ السَّماءِ بِما كانُوا يَظْلِمُونَ (١٦٢)
 وقوله سبحانه: وَإِذْ قِيلَ لَهُمُ اسْكُنُوا هذِهِ الْقَرْيَةَ وَكُلُوا مِنْها حَيْثُ شِئْتُمْ وَقُولُوا حِطَّةٌ وَادْخُلُوا الْبابَ سُجَّداً نَغْفِرْ لَكُمْ خَطِيئاتِكُمْ سَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِجْزاً مِنَ السَّماءِ بِما كانُوا يَظْلِمُونَ: القَرْيَةُ هي بيْتُ المقدس.
 وقيل: أريحا، و **«بدّل»** : معناه غيّر اللّفظ.
 \[سورة الأعراف (٧) : الآيات ١٦٣ الى ١٦٦\]
 وَسْئَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كانَتْ حاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعاً وَيَوْمَ لا يَسْبِتُونَ لا تَأْتِيهِمْ كَذلِكَ نَبْلُوهُمْ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ (١٦٣) وَإِذْ قالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْماً اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذاباً شَدِيداً قالُوا مَعْذِرَةً إِلى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (١٦٤) فَلَمَّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذابٍ بَئِيسٍ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ (١٦٥) فَلَمَّا عَتَوْا عَنْ ما نُهُوا عَنْهُ قُلْنا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ (١٦٦)
 وقوله سبحانه: وَسْئَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كانَتْ حاضِرَةَ الْبَحْرِ... الآية: قال بعضُ المتأوِّلين: إِن اليهود المعاصرين للنبيّ صلّى الله عليه وسلّم قَالُوا: إِنَّ بني إِسرائيل لم يَكُنْ فيهم عصْيانٌ، ولا معاندةٌ لمَا أُمرُوا به، فنزلَتْ هذه الآيةُ موبِّخة لهم، فسؤالهم إِنَّما هو على جهة التوبيخِ، والقريةُ هنا: أَيْلَةُ، قاله **«١»** ابن عباس وغيره، وقيل: مَدْيَن، و **«حاضِرة البَحْر»**، أي: البحر فيها حاضرٌ، ويحتملُ أنْ يريد معنى **«الحاضرة»** على جهة التعظيم لها، أي:
 هي الحاضرة في مدن البحر، ويَعْدُونَ: معناه: يخالفون الشرع من عدا يعدو، وشُرَّعاً، أي: مقبلة إِليهم مُصْطَفَّة، كما تقولُ: شُرِعَتِ الرماحُ إِذا مُدَّتْ مصطَفَّة، وعبارةُ البخاري/ شُرَّعاً أيْ: شوارِعَ انتهى.
 والعامل في قوله: وَيَوْمَ لاَ يَسْبِتُونَ قولُهُ: لاَ تَأْتِيهِمْ، وهو ظرفٌ مقدّم،

 (١) أخرجه الطبري (٦/ ٩١) برقم: (١٥٢٦٣)، وذكره ابن عطية (٢/ ٤٦٧)، والبغوي (٢/ ٢٠٨)، وابن كثير (٢/ ٢٥٧)، والسيوطي (٣/ ٢٥١)، وعزاه لابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبي الشيخ.

### الآية 7:162

> ﻿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَظْلِمُونَ [7:162]

فَبَدَّلَ الذين ظَلَمُواْ مِنْهُمْ قَوْلاً غَيْرَ الذي قِيلَ لَهُمْ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِجْزاً مِّنَ السماء بِمَا كَانُواْ يَظْلِمُونَ \[ الأعراف : ١٦٢ \]. 
 القَرْيَةُ  هي بيْتُ المَقْدِسِ، وقيل : أَرِيحَاء، و بَدَّلَ  : معناه غَيَّرَ اللَّفْظَ.

### الآية 7:163

> ﻿وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا وَيَوْمَ لَا يَسْبِتُونَ ۙ لَا تَأْتِيهِمْ ۚ كَذَٰلِكَ نَبْلُوهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ [7:163]

قوله سبحانه : وَسْئَلْهُمْ عَنِ القرية التي كَانَتْ حَاضِرَةَ البحر. . .  \[ الأعراف : ١٦٣ \]. 
قال بعضُ المتأوِّلين : إِن اليهودَ المعاصرينَ للنبيِّ صلى الله عليه وسلم قَالُوا : إِنَّ بني إِسرائيل لم يَكُنْ فيهم عصْيانٌ، ولا معاندةٌ لمَا أُمرُوا به، فنزلَتْ هذه الآيةُ موبِّخة لهم، فسؤالهم إِنَّما هو على جهة التوبيخِ، والقريةُ هنا : أَيْلَةُ، قاله ابن عباس وغيره، وقيل : مَدْيَن، و( حاضِرة البَحْر )، أي : البحر فيها حاضرٌ، ويحتملُ أنْ يريد معنى **«الحاضرة »**، على جهة التعظيم لها، أي : هي الحاضرةُ في مُدُن البَحْر، و يَعْدُونَ  معناه : يخالفون الشرْعَ، مِنْ عَدَا يَعْدُو، و شُرَّعاً ، أي : مقبلة إِليهم مُصْطَفَّة، كما تقولُ : شُرِعَتِ الرماحُ إِذا مُدَّتْ مصطَفَّة، وعبارةُ البخاري  شُرَّعاً  أيْ : شوارِعَ، انتهى. 
والعامل في قوله : وَيَوْمَ لاَ يَسْبِتُونَ  قولُهُ : لاَ تَأْتِيهِمْ ، وهو ظرفٌ مقدَّم، ومعنى قوله  كذلك  الإشارةُ إلى أمر الحُوت، وفِتنَتِهِمْ به، هذا على من وَقَفَ على  تَأْتِيهِمْ ، ومن وقف على  كذلك ، فالإشارة إِلى كثرة الحيتانِ  شُرَّعاً ، أي : فما أتى منها يَوْمَ لا يسبتُونَ، فهو قليلٌ، و نَبْلُوهُم ، أي : نمتحنهم بِفِسْقهم وعِصْيانهم، وقد تقدَّم في **«البقرة »** قصصهم.

### الآية 7:164

> ﻿وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا ۙ اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا ۖ قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَىٰ رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ [7:164]

قوله سبحانه : وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِّنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا الله مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَاباً شَدِيدًا \[ الأعراف : ١٦٤ \]. 
قال جمهور المفسِّرين : إن بني إِسرائيل افترقت ثلاثَ فرقٍ : فرقةٌ عصَتْ، وفرقةٌ نهَتْ، وجاهَرَتْ وتكلَّمَت واعتزلت، وفرقةٌ اعتزلت، ولم تَعْصِ ولم تَنْهِ، وأن هذه الفرقة لما رأتْ مجاهرة الناهية، وطُغيانَ العاصيةِ وعَتُوَّهَا، قالَتْ للناهية : لِمَ تَعِظُونَ قَوْماً ، يريدونّ : العاصيةَ  الله مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ ، فقالت الناهية : موعظتنا معذرة إِلى اللَّه، أي : إِقامة عُذْر، ومعنى  مُهْلِكُهُمْ ، أيُّ : في الدنيا،  أَوْ مُعَذِّبُهُمْ ، \[ أي \] : في الآخرةِ.

### الآية 7:165

> ﻿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ [7:165]

الضمير في قوله : نَسُواْ \[ الأعراف : ١٦٥ \] للمَنْهِيين، وهو تَرْكٌ سُمِّيَ نِسياناً مبالغةً، و( ما ) في قوله : مَا ذُكِّرُواْ بِهِ  بمعنى الَّذي، و السُّوءِ  لفظ عامٌّ في جميع المعاصي، إِلاَّ أنَّ الذي يختصُّ هنا بحَسَب قصص الآيةِ هو صَيْدُ الحوتِ، و  الذين ظَلَمُواْ  : هم العاصُونَ، وقوله : بِعَذَابٍ بَئِيسٍ  معناه : مؤلمٌ موجِعٌ شديدٌ، واختلف في الفرقة التي لم تَعْصِ ولم تَنْهَ، فقيل : نَجَتْ مع الناجين، وقيل : هلَكَتْ مع العاصين. 
وقوله : بِمَا كَانُواْ يَفْسُقُونَ ، أي : لأجل ذلك، وعقوبةً عليه، والعُتُوُّ الاستعصاء وقلَّة الطواعية.

### الآية 7:166

> ﻿فَلَمَّا عَتَوْا عَنْ مَا نُهُوا عَنْهُ قُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ [7:166]

قوله سبحانه : قُلْنَا لَهُمْ كُونُواْ \[ الأعراف : ١٦٦ \]، يحتمل أن يكون قولاً بلفظ مِنْ مَلَك أسْمَعَهم، فكَانَ أذْهَبَ في الإِعراب والهَوْلِ والإِصغارِ، ويحتمل أن يكون عبَارةً عن القُدْرة المكوِّنة لهم  قردة خاسئين  معناه مبعدين، ف  خاسئين  : خبر بعد خبرٍ، فهذا اختيار أبي الفَتْح، وضعَّف الصفَة، فرُوِيَ أنَّ الشباب منهم مُسِخُوا قردةً، والرجالَ الكبارَ مُسِخَوا خنازير.

### الآية 7:167

> ﻿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلَىٰ يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذَابِ ۗ إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ الْعِقَابِ ۖ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ [7:167]

قوله سبحانه : وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إلى يَوْمِ القيامة مَن يَسُومُهُمْ سُوءَ العذاب \[ الأعراف : ١٦٧ \]. 
معنى هذه الآية : وإِذْ علم اللَّه لَيَبْعَثَنَّ، وتقتضي قوَّة الكلام، أنَّ ذلك العلْمَ منه سبحانه مقترِنٌ بإنفاذٍ وإمِضاء، كما تقول في أمر عَزَمْتَ عليه : عَلِمَ اللَّهُ لأَفْعَلَنَّ. 
وقال الطبريُّ وغيره : تَأَذَّنَ  معناهُّ : أعْلَمَ، وقال مجاهد : تَأَذَّنَ  معناه : أَمَرَ وقالت فرقة : معنى  تَأَذَّنَ  : تَأَلَّى، والضمير في  عَلَيْهِمْ ، لبني إِسرائيل، وقوله : مَن يَسُومُهُمْ  قال ابن عباس : هي إشارةٌ إِلى محمَّد صلى الله عليه وسلم وأُمَّتِهِ، يسومُونَ اليهودَ سُوءَ العذاب. 
قال ( ع ) : والصحيح أنَّ هذا حالهم في كل قُطْر، ومَعَ كُلِّ مِلَّة، و يَسُومُهُمْ  : معناه : يكَلِّفهم ويحمِّلهم، و سُوءَ العذاب  : الظاهر منه : أنه الجِزْيَةُ، والإذلالُ، وقد حتم اللَّه علَيْهم هذا، وحَطَّ مُلْكَهم، فليس في الأرض رايَةٌ ليهوديٍّ، ثم حَسُنَ في آخر الآية التنبيهُ على سرعة العِقَاب، والتخويفُ لجميعِ الناسِ، ثم رجى سبحانه بقوله : وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ ، لطفاً منه بعباده جلَّ وعَلا.

### الآية 7:168

> ﻿وَقَطَّعْنَاهُمْ فِي الْأَرْضِ أُمَمًا ۖ مِنْهُمُ الصَّالِحُونَ وَمِنْهُمْ دُونَ ذَٰلِكَ ۖ وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ [7:168]

وقطعناهم فِي الأرض \[ الأعراف : ١٦٨ \]، معناه : فرَّقناهم في الأرض. 
قال الطبريُّ عن جماعة من المفسِّرين : ليس في الأرض بقعةً إِلاَّ وفيها مَعْشَرٌ من اليهودِ، والظاهر في المُشَارَ إِليهم بهذه الآية، أنهم الذين بعد سُلَيْمَانَ وَقْتَ زوالِ مُلْكهم، والظاهر أنهم قبل مُدَّة عيسى عليه السلام، لأنهم لم يكُنْ فيهم صالحٌ بعد كُفْرهم بعيسَى صلى الله عليه وسلم، و بلوناهم ، معناه : امتحناهم  بالحسنات ، أي : بالصِّحَّة والرخاءِ، ونحو هذا ممَّا هو بَحَسَب رأي ابْن آدم ونَظَرِه، و السيئات  : مقابلات هذه،  لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ  إِلى الطاعة.

### الآية 7:169

> ﻿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتَابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَٰذَا الْأَدْنَىٰ وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا وَإِنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ ۚ أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثَاقُ الْكِتَابِ أَنْ لَا يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ وَدَرَسُوا مَا فِيهِ ۗ وَالدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ ۗ أَفَلَا تَعْقِلُونَ [7:169]

قوله سبحانه : فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُواْ الكتاب. . .  \[ الأعراف : ١٦٩ \]. 
 خَلَفَ  معناه : حَدَثَ خَلْفَهم وبعدهم، و خَلْفٌ  -بإِسكان اللام- يستعمل في الأشهر : في الذَّمِّ. 
وقوله سبحانه : يَأْخُذُونَ عَرَضَ هذا الأدنى  إشارةٌ إِلى الرّشَى والمكاسب الخبيثة، والعَرَضُ : ما يَعْرِضُ وَيعنُّ، ولا يثبُتُ، والأَدنَى : إِشارةٌ إِلَى عيشِ الدنيا، وقولهم : سَيُغْفَرُ لَنَا  ذمٌّ لهم باغترارهم، وقولهِمْ  سَيُغْفَرُ لَنَا ، مع علمهم بما في كتاب اللَّهِ، مِنَ الوعيد على المعاصي، وإِصرارِهِم، وأنَّهم بحالٍ إِذا أمكنَتْهم ثانيةً ارتكبوها، فهؤلاء عَجَزَةٌ، كما قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم :( والعَاجِزُ مَنْ أَتْبَعَ نَفْسَهُ هَوَاهَا، وتمنى عَلَى اللَّهِ )، فهؤلاءِ قطعوا بالمغفرة وهم مُصِرُّون، وإِنما يقول : سَيُغْفَرُ لَنَا  مَنْ أقلع ونَدِمَ. 
وقوله سبحانه : أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِم مِّيثَاقُ الكتاب. . .  \[ الأعراف : ١٦٩ \]. 
تشديدٌ في لزوم قول الحقِّ على اللَّه في الشَّرْع والأحكام، وقوله : وَدَرَسُواْ مَا فِيهِ  معطوفٌ على قوله : أَلَمْ يُؤْخَذْ ، لأنه بمعنى المُضِيِّ، والتقديرُ : أَلَيْسَ قد أُخِذَ عليهم ميثاقُ الكتابِ، ودَرَسُوا ما فيه، وبهذَيْنِ الفعْلَيْنِ تقومُ الحجَّة عليهم في قولهم الباطَل، وقرأ أبو عبد الرحمن السُّلَمِيُّ : ودرسوا مَا فِيه \[ الأعراف : ١٦٩ \]. 
ثم وعظ وذكَّر تبارَكَ وتعالى بقوله : والدار الآخرة خَيْرٌ لِّلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ  وقرأ أبو عمرو :( أَفَلاَ تَعْقِلُونَ ) بالياء من أسْفَلُ.

### الآية 7:170

> ﻿وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ [7:170]

قوله سبحانه : والذين يُمَسِّكُونَ بالكتاب \[ الأعراف : ١٧٠ \] عطْفٌ على قوله : لِّلَّذِينَ يَتَّقُونَ ، وقرأ عاصمٌ وحْده، في رواية أبي بَكْرٍ  يُمْسِكُونَ  بسكون الميم، وتخفيف السين، وقرأ الأعمش : والَّذينَ استمسكوا .

### الآية 7:171

> ﻿۞ وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ وَظَنُّوا أَنَّهُ وَاقِعٌ بِهِمْ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ [7:171]

قوله عز وجل : وَإِذ نَتَقْنَا الجبل فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ \[ الأعراف : ١٧١ \]. 
 نَتَقْنَا  معناه : اقتلعنا ورفَعْنا، وقد تقدَّم قصص الآية في **«البقرة »**. 
وقوله سبحانه : واذكروا مَا فِيهِ  أي : تدبَّروه واحفظوا أوامره ونواهيه، فما وَفَّوْا.

### الآية 7:172

> ﻿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَىٰ أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ ۖ قَالُوا بَلَىٰ ۛ شَهِدْنَا ۛ أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَٰذَا غَافِلِينَ [7:172]

قوله سبحانه : وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظهورهم ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتَ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بلى شَهِدْنَا. . .  \[ الأعراف : ١٧٢ \]. 
قوله : مِن ظُهُورِهِمْ  قال النُّحاة : هو بدلُ اشتمال من قوله : مِن بَنِي آدَمَ ، وتواترتِ الأحاديثُ في تفسير هذه الآية عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم مِنْ طُرُقٍ :" أن اللَّه عزَّ وجلَّ استخرج مِنْ ظَهْرِ آدَمَ عليه السلام نَسَمَ بنيه، ففي بعض الروايات كالذَّرِّ، وفي بعضها : كالخَرْدَلِ "، وقال محمد بن كَعْب : إِنها الأرواحُ جُعلَتْ لها مِثَالاَتٌ، وروي عن عبد اللَّه بن عمر، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قَالَ :( أُخِذُوا مِنْ ظَهْرِ آدَمَ، كَمَا يُؤْخَذُ بالمُشْطِ مِنَ الرَّأْس، وَجَعَلَ اللَّهُ لَهُمْ عَقُولاً كَنَمْلَةِ سُلَيْمَانَ، وَأَخَذَ عَلَيْهِمُ العَهْدَ بِأَنَّهُ رَبُّهُمْ، وَأَنْ لاَ إله غَيْرُهُ، فَأَقَرُّوا بِذَلِكَ، والتزموه، وَأَعْلَمَهُمْ أَنَّهْ سَيَبْعَثُ الرُّسْلَ إِلَيْهِمْ مُذَكِّرَةً وداعيةً، فشهد بعضُهم على بعض، وشهد اللَّه عليهم وملائكته ). 
قال الضحَّاك بنُ مُزَاحِمٍ : من مات صَغيراً، فهو على العَهْدِ الأول، ومَنْ بَلَغَ، فقد أخذه العهدُ الثَّاني، يعني الذِي في هذه الحياة المعقولة الآنَ. 
وقوله  شَهِدْنَا  يحتملُ أن يكون مِنْ قَوْلَ بَعْضِ النَّسمِ لبعضٍ، فلا يَحْسِنُ الوقْفُ على قوله : بلى ، ويحتمل أن يكون قوله : شَهِدْنَا  من قول الملائكة، فيحسن الوقْفُ على قوله : بلى . 
قال السديُّ : المعنى : قال اللَّه وملائكته : شَهِدْنَا ورواه عبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ، عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم.

### الآية 7:173

> ﻿أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ ۖ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ [7:173]

قوله سبحانه : أَن تَقُولُواْ يَوْمَ القيامة إِنَّا كُنَّا عَنْ هذا غافلين. . .  المعنى : لِئَلاَّ تقولُوا، أَوْ مخافَةَ أنْ تقولوا، والمعنى في هذه الآية : أنَّ الكَفَرَة لو لم يؤخذ عليهم عَهْدٌ، ولا جاءَهُمْ رسولٌ مذكِّر بما تضمَّنه العَهْد من توحيد اللَّه وعبادته، لكانَتْ لهم حُجَّتَان :
إحداهما : أنّ يقُولُوا كُنَّا عن هذا غافلين. 
والأخرى : كنا تباعاً لأسلافنا، فكَيْفَ نَهْلِكُ، والذنْبُ إنما هو لِمَنْ طَرَّق لنا وأضلَّنا، فوقَعَ شهادَةُ بعضهم على بعضُ، وشهادةُ الملائكة عَلَيْهمِ، لتنقطع لهم هذه الحجةُ.

### الآية 7:174

> ﻿وَكَذَٰلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ وَلَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ [7:174]

وقوله سبحانه: وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتابِ عطْفٌ على قوله: لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ، وقرأ عاصمٌ وحْده في رواية أبي بَكْرٍ **«يُمْسِكُونَ»** **«١»** - بسكون الميم، وتخفيف السين-، وقرأ الأعمش **«٢»** :**«والّذين استمسكوا»**.
 \[سورة الأعراف (٧) : الآيات ١٧١ الى ١٧٤\]
 وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ وَظَنُّوا أَنَّهُ واقِعٌ بِهِمْ خُذُوا ما آتَيْناكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا ما فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٧١) وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى شَهِدْنا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هذا غافِلِينَ (١٧٢) أَوْ تَقُولُوا إِنَّما أَشْرَكَ آباؤُنا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنا بِما فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ (١٧٣) وَكَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ وَلَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (١٧٤)
 وقوله عز وجل: وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ، نَتَقْنَا: معناه: اقتلعنا ورفَعْنا، وقد تقدَّم قصص الآية في **«البقرة»**، وقوله سبحانه: وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ، أي:
 تدبَّروه واحفظوا أوامره ونواهيه، فما وَفَّوْا.
 وقوله سبحانه: وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى شَهِدْنا... الآية، قوله: مِنْ ظُهُورِهِمْ قال النُّحاة: هو بدلُ اشتمال من قوله: مِنْ بَنِي آدَمَ، وتواترتِ الأحاديثُ في تفسير هذه الآية عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم مِنْ طُرُقٍ: **«أن اللَّه عزَّ وجلَّ استخرج مِنْ ظَهْرِ آدَمَ عليه السلام نَسَمَ بنيه، ففي بعض الروايات كالذَّرِّ، وفي بعضها: كالخَرْدَلِ»**.
 وقال محمد بن كَعْب: إِنها الأرواحُ **«٣»** جُعلَتْ لها مِثَالاَتٌ، وروي عن عبد اللَّه بن عمر، عن النبي صلّى الله عليه وسلّم أنه قَالَ: **«أُخِذُوا مِنْ ظَهْرِ آدَمَ كَمَا يؤخذ بالمشط من الرّأس «٤»**،

 (١) وقراءة أبي بكر من الإمساك، أي: يأخذون بما فيه من حلال وحرام. وحجته قوله تعالى: فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ [المائدة: ٤]، وقوله: أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ [الأحزاب: ٣٧] ولم يقل: مسّك.
 ينظر: **«السبعة»** (٢٩٧)، و **«الحجة»** (٤/ ١٠٢- ١٠٣)، و **«إعراب القراءات»** (١/ ٢١٤)، و **«حجة القراءات»** (٣٠١)، و **«شرح الطيبة»** (٤/ ٣١٤)، و **«العنوان»** (٩٨)، و **«معاني القراءات»** (١/ ٤٢٨)، و **«شرح شعلة»** (٣٩٨).
 (٢) وقرأ بها عبد الله، كما في **«الكشاف»** (٢/ ١٧٥)، وينظر: **«المحرر الوجيز»** (٢/ ٤٧٣)، و **«البحر المحيط»** (٤/ ٤١٦)، و **«الدر المصون»** (٣/ ٣٦٨).
 (٣) أخرجه الطبري (٦/ ١١٦) برقم: (١٥٣٨٧)، والسيوطي (٣/ ٢٥٩).
 (٤) ذكره السيوطي في **«الدر المنثور»** (٣/ ٢٥٩)، وعزاه إلى ابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبي الشيخ، واللالكائي في **«السنة»**.

### الآية 7:175

> ﻿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ [7:175]

قوله سبحانه : واتل عَلَيْهِمْ نَبَأَ الذي آتيناه آياتنا \[ الأعراف : ١٧٥ \]. 
قال ابن عباس : هو رجُلٌ من الكَنْعَانِيِّينَ الجَبَّارِين، اسمه بَلْعَمُ بْنُ باعُوراء، وقيل : بَلْعَامُ بْنُ باعِر، وقيل : غير هذا، وكان في جملة الجَبَّارِين الذي غَزَاهُمْ موسى عليه السلام، فَلَما قَرُبَ منهم موسى، لجؤوا إِلى بَلْعَام، وكانَ صالِحاً مستجابَ الدَّعْوة، وقيل : كان عنْدَهُ علْم مِنْ صُحُف إِبراهيم ونحوها. 
وقيل : كان يعلم اسم اللَّه الأَعظمَ، قاله ابنُ عبَّاس أيضاً، وهذا الخلافُ هو في المراد بقوله : آتيناه آياتنا ، فقال له قومُه : ادع اللَّه على موسى وعَسْكَره، فقالَ لَهُمْ : وَكَيْفَ أدعو عَلَى نَبِيٍّ مُرْسَلٍ، فما زالوا به حتى فَتَنُوهُ، فخَرَجَ حتى أشْرَفَ عَلَى جَبَلٍ يرى منه عَسْكَرَ موسى، وكان قد قال لِقَوْمِهِ : لا أفعَلُ حتى أستأْمِرَ رَبِّي، فَفَعَلَ، فنُهِيَ عن ذلك، فقال لهم : قد نُهِيتُ، فما زالوا به حتَّى قال : سأَسْتَأْمِرُ ثانيةً، ففعل، فسكَتَ عنه، فأخبرهم، فقالوا له : إِن اللَّه لَمْ يَدَعْ نَهْيَكَ إِلا وقدْ أَراد ذلك، فخَرَجَ، فلما أشْرَفَ على العَسْكَر، جَعَلَ يدْعُو على موسَى، فتحوَّل لسانُهُ بالدعاءِ لموسى، والدعاءِ على قومه، فقالوا له : ما تقولُ ؟ فقال : إِني لا أمْلِكُ هذا، وعَلِمَ أنه قد أخطأ، فَرُوِيَ أنه قد خرج لِسَانُه على صدره، فقال لقومه : إِني قَدْ هَلَكْتُ، ولكِنْ لَمْ يَبْقَ لكم إِلا الحِيلَة، فأخرجوا النِّسَاء إِلى عَسْكَرِ موسى عَلَى جهة التَّجْرِ وغيره، ومُرُوهُنَّ أَلا تَمْتَنِع امرأة مِنْ رجل، فإِنهم إِذا زَنَوْا هلَكُوا، ففعلُوا، فخرج النِّسَاء، فزنى بهِنَّ رجالٌ \[ مَنْ \] بني إِسرائيل، وجاء فِنْحَاصُ بْنُ العِيزَارِ بْنِ هَارُونَ، فانتظم بُرمْحه امرأة ورجُلاً من بني إِسرائيل، ورفعهما على أعلى الرَمْحِ، فوقع في بني إِسرائيل الطاعونُ، فمات منهم في ساعةٍ \[ واحدةٍ \] سبْعُونَ ألْفاً. 
ثم ذَكَرَ المعتمِرُ عن أبيه : أنَّ موسى عليه السلام قَتَلَ بعد ذلك الرَّجُلَ المُنْسَلِخَ مِنْ آيات اللَّه. 
قال المَهْدَوِيُّ : رُوِيَ أنه دعا على مُوَسَى أَلاَّ يَدْخُلَ مدينةَ الجَبَّارين، فأجيب، ودعا عليه موسى أَنْ ينسى اسم اللَّهِ الأعْظَمَ، فأجيبَ، وفي هذه القصَّة رواياتٌ كثيرةً تحتاجُ إِلى صحَّة إِسناد، و فانسلخ  : عبارةٌ عن البراءةِ منها، والانفصال والْبُعْدِ، كالمُنْسَلِخ من الثياب والجِلْد، و فأَتْبَعَهُ الشيطانُ ، أيْ : صيَّره تابِعاً، كذا قال الطبريُّ : إَما لضلالةٍ رَسَمَها له، وإِما لنفسه، و مِنَ الغاوين ، أي : مِنَ الضالين .

### الآية 7:176

> ﻿وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَٰكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ ۚ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ۚ ذَٰلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا ۚ فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ [7:176]

وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا \[ الأعراف : ١٧٦ \] قال ابن عباس وجماعة : معنى  لرفعناه  لشرَّفنا ذكْرَه، ورفَعْنَا منزلته لدينا، بهذه الآيات الَّتي آتيناه،  ولكنه أخلد إِلى الأرْضِ ، أي : تقاعَسَ إلى الحضيض الأسفَلِ الأخسِّ من شهوات الدنيا ولذَّاتها، وذلك أنَّ الأرض وما ارتكن فيها : هي الدنيا وكلُّ ما عليها فانٍ، ومَنْ أخلد إِلى الفاني، فقد حرم حظَّ الآخرة الباقية. 
( ت ) : قال الهَرَوِيُّ : قوله  أَخْلَدَ إِلَى الأرض  معناه : سكَنَ إِلى لَذَّاتها،  واتبع هواه  يقال : أخلد إِلى كَذَا، أي : رَكَنَ إِليه واطمأَنَّ به، انتهى. 
قال عَبْدُ الحَقِّ الإِشْبِيليُّ رحمه اللَّه في **«العاقبة »** : واعلم رحمك اللَّه، أَنَّ لسوء الخاتمة أعاذنا اللَّه منْها أسباباً، ولها طرقٌ وأبوابٌ، أعظمها : الإِكبابُ على الدنيا، والإِعراضُ عن الآخرة، وقد سَمِعْتَ بقصَّة بَلْعَام بْنِ بَاعُورَاءَ، وما كان آتاه اللَّه تعالى من آياته، وأطلعه عليه من بيِّناته، وما أراه من عجائب مَلَكُوته، أخْلَدَ إِلى الأرض، واتبع هواه، فسَلَبَه اللَّه سبحانه جَمِيعَ ما كان أَعطاه، وتَرَكَه مع مَنِ استماله وأغواه، انتهى. 
وقوله : فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الكلب ، شُبِّه به في أنه كان ضالاًّ قبل أن يُؤتى الآياتِ، ثم أُوتِيَها، فكان أيضاً ضالاًّ لَم تنفَعْه، فهو كالكَلْب في أنَّه لا يفارِقُ اللَّهَثَ في كلِّ حال، هذا قول الجمهور. 
وقال السدِّيُّ وغيره : إِنَّ هذا الرجل عُوقِبَ في الدنيا، فإِنه كان يَلْهَثُ كما يَلْهَثُ الكَلْبُ، فشُبِّه به صورةً وهيئةً، وذكر الطبريُّ، عن ابن عباس، أنَّ معنى : إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ  : إنْ تَطْرَدهُ. 
وقوله : ذلك مَثَلُ القوم الذين كَذَّبُواْ بآياتنا ، أي : هذا المَثَلُ، يا محمد، مثَلُ هؤلاء الذين كانوا ضالِّين قَبْلَ أن تأتيهم بالهدى والرِّسالة، ثم جئتهم بها، فَبَقُوا على ضلالتهم، ولم ينتفِعُوا بذلك، فَمَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الكَلْبِ. 
وقوله : فاقصص القصص ، أي : اسرد عليهم ما يعلمون أنَّه من الغيوب الَّتي لا يعلمها إِلا أهْل الكتب الماضية، ولَسْتَ منهم،  لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ  في ذلك، فيؤمنوا.

### الآية 7:177

> ﻿سَاءَ مَثَلًا الْقَوْمُ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَأَنْفُسَهُمْ كَانُوا يَظْلِمُونَ [7:177]

وَجَعَلَ اللَّهُ لَهُمْ عَقُولاً كَنَمْلَةِ سُلَيْمَانَ، وَأَخَذَ عَلَيْهِمُ العَهْدَ بِأَنَّهُ رَبُّهُمْ، وَأَنْ لاَ إله غَيْرُهُ، فَأَقَرُّوا بِذَلِكَ، والتزموه وَأَعْلَمَهُمْ أَنَّهْ سَيَبْعَثُ الرُّسْلَ إِلَيْهِمْ مُذَكِّرَةً وداعيةً، فشهد بعضُهم على بعض، وشهد اللَّه عليهم وملائكته» **«١»** قال الضحَّاك بنُ مُزَاحِمٍ: من مات صَغيراً، فهو على العَهْدِ الأول، ومَنْ بَلَغَ، فقد أخذه العهدُ الثَّاني، يعني الذِي في هذه الحياة المعقولة الآنَ.
 وقوله/ شَهِدْنا يحتملُ أن يكون مِنْ قَوْلَ بَعْضِ النَّسمِ لبعضٍ، فلا يَحْسِنُ الوقْفُ على قوله: بَلى، ويحتمل أن يكون قوله: شَهِدْنا من قول الملائكة، فيحسن الوقْفُ على قوله: بَلى.
 قال السديُّ: المعنى: قال اللَّه وملائكته **«٢»** : شَهِدْنَا ورواه عبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ، عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم.
 وقوله سبحانه: أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هذا غافِلِينَ... الآية: المعنى:
 لِئَلاَّ تقولُوا، أَوْ مخافَةَ أنْ تقولوا، والمعنى في هذه الآية: أنَّ الكَفَرَة لو لم يؤخذ عليهم عَهْدٌ، ولا جاءَهُمْ رسولٌ مذكِّر بما تضمَّنه العَهْد من توحيد اللَّه وعبادته، لكانَتْ لهم حُجَّتَان:
 إحداهما: أنّ يقُولُوا كُنَّا عن هذا غافلين.
 والأخرى: كنا تباعاً لأسلافنا، فكَيْفَ نَهْلِكُ، والذنْبُ إنما هو لِمَنْ طَرَّق لنا وأضلَّنا، فوقَعَ شهادَةُ بعضهم على بعضُ، وشهادةُ الملائكة عليهم، لتنقطع لهم هذه الحجة.
 \[سورة الأعراف (٧) : الآيات ١٧٥ الى ١٧٧\]
 وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْناهُ آياتِنا فَانْسَلَخَ مِنْها فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطانُ فَكانَ مِنَ الْغاوِينَ (١٧٥) وَلَوْ شِئْنا لَرَفَعْناهُ بِها وَلكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَواهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (١٧٦) ساءَ مَثَلاً الْقَوْمُ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَأَنْفُسَهُمْ كانُوا يَظْلِمُونَ (١٧٧)
 وقوله سبحانه: وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْناهُ آياتِنا.

 (١) أخرجه الطبري (٦/ ١١١- ١١٢) برقم: (١٥٣٦٣)، وذكره ابن عطية (٢/ ٤٧٥)، وابن كثير (٢/ ٢٦٢)، والسيوطي (٣/ ٢٦١- ٢٦٢)، وعزاه لابن جرير.
 (٢) أخرجه الطبري (٦/ ١١٦) برقم: (١٥٣٨٤)، وذكره ابن عطية (٢/ ٤٧٦)، والبغوي (٢/ ٢١٢).

قال ابن عباس: هو رجُلٌ من الكَنْعَانِيِّينَ الجَبَّارِين، اسمه بَلْعَمُ بْنُ باعُوراء **«١»**، وقيل:
 بَلْعَامُ بْنُ باعِر.
 وقيل: غير هذا، وكان في جملة الجَبَّارِين الذي غَزَاهُمْ موسى عليه السلام، فَلَما قَرُبَ منهم موسى، لجؤوا إِلى بَلْعَام، وكانَ صالِحاً مستجابَ الدَّعْوة، وقيل: كان عنْدَهُ علْم مِنْ صُحُف إِبراهيم ونحوها.
 وقيل: كان يعلم اسم اللَّه الأَعظمَ، قاله ابنُ عبَّاس **«٢»** أيضاً، وهذا الخلافُ هو في المراد بقوله: آتَيْناهُ آياتِنا، فقال له قومُه: ادع اللَّه على موسى وعَسْكَره، فقالَ لَهُمْ:
 وَكَيْفَ أدعو عَلَى نَبِيٍّ مُرْسَلٍ، فما زالوا به حتى فَتَنُوهُ، فخَرَجَ حتى أشْرَفَ عَلَى جَبَلٍ يرى منه عَسْكَرَ موسى، وكان قد قال لِقَوْمِهِ: لا أفعَلُ حتى أستأْمِرَ رَبِّي، فَفَعَلَ، فنُهِيَ عن ذلك، فقال لهم: قد نُهِيتُ، فما زالوا به حتَّى قال: سأَسْتَأْمِرُ ثانيةً، ففعل، فسكَتَ عنه، فأخبرهم، فقالوا له: إِن اللَّه لَمْ يَدَعْ نَهْيَكَ إِلا وقدْ أَراد ذلك، فخَرَجَ، فلما أشْرَفَ على العَسْكَر، جَعَلَ يدْعُو على موسَى، فتحوَّل لسانُهُ بالدعاءِ لموسى، والدعاءِ على قومه، فقالوا له: ما تقولُ؟ فقال: إِني لا أمْلِكُ هذا، وعَلِمَ أنه قد أخطأ، فَرُوِيَ أنه قد خرج لِسَانُه على صدره، فقال لقومه: إِني قَدْ هَلَكْتُ، ولكِنْ لَمْ يَبْقَ لكم إِلا الحِيلَة، فأخرجوا النِّسَاء على عَسْكَرِ موسى عَلَى جهة التَّجْرِ وغيره، ومُرُوهُنَّ أَلا تَمْتَنِع امرأة مِنْ رجل، فإِنهم إِذا زَنَوْا هلَكُوا، ففعلُوا، فخرج النِّسَاء، فزنى بهِنَّ رجالٌ \[مَنْ\] بني إِسرائيل، وجاء فِنْحَاصُ بْنُ العِيزَارِ بْنِ هَارُونَ، فانتظم بُرمْحه امرأة ورجُلاً من بني إِسرائيل، ورفعهما على الرَمْحِ، فوقع في بني إِسرائيل الطاعونُ، فمات منهم في ساعةٍ \[واحدةٍ\] سبْعُونَ ألْفاً، ثم ذَكَرَ المعتمِرُ عن أبيه: أنَّ موسى عليه السلام قَتَلَ بعد ذلك الرَّجُلَ المُنْسَلِخَ مِنْ آيات اللَّه.
 قال المَهْدَوِيُّ: رُوِيَ أنه دعا على مُوَسَى أَلاَّ يَدْخُلَ مدينةَ الجَبَّارين فأجيب، ودعا عليه موسى أَنْ ينسى اسم اللَّهِ الأعْظَمَ فأجيبَ، وفي هذه القصَّة رواياتٌ كثيرةً تحتاجُ إِلى صحّة إسناد، وفَانْسَلَخَ: عبارةٌ عن البراءةِ منها، والإنفصال والْبُعْدِ، كالمُنْسَلِخ من الثياب والجلد، وفَأَتْبَعَهُ الشَّيْطانُ، أيْ: صيَّره تابِعاً كذا قال الطبريُّ: إما لضلالة رسمها له، وإما لنفسه، ومِنَ الْغاوِينَ، أي: مِنَ الضالين، وَلَوْ شِئْنا لَرَفَعْناهُ بِها، قال ابن

 (١) أخرجه الطبري (٦/ ١١٩) برقم: (١٥٣٩٨، ١٥٤٠١) بنحوه، وذكره ابن عطية (٢/ ٤٧٦)، والبغوي (٢/ ٢١٣) بنحوه، وابن كثير (٢/ ٢٦٤)، والسيوطي (٣/ ٢٦٦)، وعزاه لابن المنذر وابن أبي حاتم.
 (٢) أخرجه الطبري (٦/ ١٢١) برقم: (١٥٤٢٣)، وذكره ابن عطية (٢/ ٤٧٧)، والبغوي (٢/ ٢١٥).

عباس وجماعة: معنى **«لرفعناه»** لشرَّفنا/ ذكْرَه، ورفَعْنَا منزلته لدينا بهذه الآيات **«١»** الَّتي آتيناه، ولكنه أخلد إِلى الأرْضِ، أي: تقاعَسَ إلى الحضيض الأسفَلِ الأخسِّ من شهوات الدنيا ولذَّاتها وذلك أنَّ الأرض وما ارتكن فيها: هي الدنيا وكلُّ ما عليها فانٍ، ومَنْ أخلد إِلى الفاني، فقد حرم حظَّ الآخرة الباقية.
 ت: قال الهَرَوِيُّ: قوله: أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ: معناه: سكَنَ إِلى لَذَّاتها، واتبع هواه، يقال: أخلد إِلى كَذَا، أي: رَكَنَ إِليه واطمأَنَّ به. انتهى.
 قال عَبْدُ الحَقِّ الإِشْبِيليُّ رحمه اللَّه في **«العاقبة»** : واعلم رحمك اللَّه أَنَّ لسوء الخاتمة أعاذنا اللَّه منْها أسباباً، ولها طرقٌ وأبوابٌ، أعظمها: الإِكبابُ على الدنيا، والإِعراضُ عن الآخرة، وقد سَمِعْتَ بقصَّة بَلْعَام بْنِ بَاعُورَاءَ، وما كان آتاه اللَّه تعالى من آياته وأطلعه عليه من بيِّناته وما أراه من عجائب مَلَكُوته، أخْلَدَ إِلى الأرض، واتبع هواه فسَلَبَه اللَّه سبحانه جَمِيعَ ما كان أَعطاه وتَرَكَه مع مَنِ استماله وأغواه. انتهى.
 وقوله: فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ، شُبِّه به في أنه كان ضالاًّ قبل أن يُؤتى الآياتِ، ثم أُوتِيَها، فكان أيضاً ضالاًّ لَم تنفَعْه، فهو كالكَلْب في أنَّه لا يفارِقُ اللَّهَثَ في كلِّ حال هذا قول الجمهور.
 وقال السدِّيُّ وغيره: إِنَّ هذا الرجل عُوقِبَ في الدنيا، فإِنه كان يَلْهَثُ كما يَلْهَثُ الكَلْبُ، فشُبِّه به صورةً **«٢»** وهيئةً، وذكر الطبريُّ، عن ابن عباس أنَّ معنى: إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ: إنْ تَطْرَدهُ **«٣»**.
 وقوله: ذلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا، أي: هذا المَثَلُ، يا محمد، مثَلُ هؤلاء الذين كانوا ضالِّين قَبْلَ أن تأتيهم بالهدى والرِّسالة، ثم جئتهم بها، فَبَقُوا على ضلالتهم، ولم ينتفِعُوا بذلك، فَمَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الكَلْبِ.
 وقوله: فَاقْصُصِ الْقَصَصَ، أي: اسرد عليهم ما يعلمون أنَّه من الغيوب الَّتي لا يعلمها إِلا أهْل الكتب الماضية ولَسْتَ منهم لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ في ذلك فيؤمنوا.

 (١) أخرجه الطبري (٦/ ١٢٥) برقم: (١٥٤٣٦)، وذكره ابن عطية (٢/ ٤٧٨)، والبغوي (٢/ ٢١٥- ٢١٦) بنحوه، والسيوطي (٣/ ٢٦٧) بنحوه، وعزاه لابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبي الشيخ.
 (٢) أخرجه الطبري (٦/ ١٢٨) برقم: (١٥٤٥٢) بنحوه، وذكره ابن عطية (٢/ ٤٧٨).
 (٣) أخرجه الطبري (٦/ ١٢٧) برقم: (١٥٤٤٩) بنحوه، وذكره ابن عطية (٢/ ٤٧٨).

### الآية 7:178

> ﻿مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي ۖ وَمَنْ يُضْلِلْ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ [7:178]

قوله سبحانه : مَن يَهْدِ الله فَهُوَ المهتدي وَمَن يُضْلِلْ فأولئك هُمُ الخاسرون \[ الأعراف : ١٧٨ \]. 
القول فيه : أن ذلك كلَّه من عند اللَّه : الهدايةُ منه وبخَلْقه واختراعه، وكذلك الإِضلال، وفي الآيةِ تعجيبٌ مِنْ حال المذْكُورين.

### الآية 7:179

> ﻿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ ۖ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا ۚ أُولَٰئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ ۚ أُولَٰئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ [7:179]

قوله سبحانه : وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِّنَ الجن والإنس \[ الأعراف : ١٧٩ \]. 
هذا خبرٌ من اللَّه تعالى أنه خَلَق لسكنى جهنم والاحتراق فيها كثير، وفي ضِمْنه وعيدٌ للكفَّار، و ذرأ  معناه : خَلَق وأوْجَدَ، مع بَثٍّ ونَشْرٍ. 
وقوله سبحانه : لَهُمْ قُلُوبٌ لاَّ يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لاَّ يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لاَّ يَسْمَعُونَ بِهَا أولئك كالأنعام بَلْ هُمْ أَضَلُّ. . . ، لما كانَتْ هذه الطائفةُ الكافرةُ المُعْرِضَةُ عن النَّظَر في آيات اللَّه، لم ينفعْهم النظَرُ بالقَلْب، ولا بالعَيْن، ولا ما سَمِعُوه من الآيات والمواعظ، استوجبوا الوصْفَ بأنهم لا يفقهون، ولا يُبْصرون، ولا يَسْمعون، والفِقْه : الفَهْم،  أولئك كالأنعام  في أنَّ الأنعام لا تَفْقَهُ الأشياء، ولا تعقلُ المقاييسِ، ثم حَكَم سبحانه عَلَيْهم بأنهم أضَلُّ، لأن الأنعام تلك هِيَ بِنْيَتُها وخِلْقَتُها، وهؤلاءِ مُعَدُّونَ للفَهْم والنظر، ثم بَيَّنَ سبحانه بقوله : أولئك هُمُ الغافلون  الطريق الذي به صاروا أضَلَّ من الأنعام، وهو الغَفْلة والتقصير. 
قال الفَخْر : أمَّا قوله تعالى : أولئك كالأنعام بَلْ هُمْ أَضَلُّ ، فتقريره : أن الإِنسان وسائر الحيوانات مُتشَاركةٌ في قُوَى الطَّبيعة، الغَاذِيَةِ، والنامية، والمُوَلِّدةِ، ومتشاركَةٌ أيضاً في منافع الحواسِّ الخَمْسِ، الباطنةِ والظاهرةِ، وفي أحوالِ التخيُّل، والتفكُّر، والتذكُّر، وإِنما حَصَل الامتياز بيْنَ الإِنسان، وسائِرِ الحيواناتِ، في القوَّة العقليَّة والفكْريَّة التي تهديه إِلى معرفة الحقِّ، فلما أعرضَ الكُفَّار عن أحْوالِ العَقْلِ والفكْرِ، ومعرفةِ الحقِّ، كانوا كالأنعام، بل هم أضلُّ، لأن الحيواناتِ لا قدرةَ لها على تحْصيلِ هذهِ الفضائل، وقد قال حَكِيمُ الشُّعَراء :\[ البسيط \]

الرُّوحُ مِنْ عِنْدَ رَبِّ العَرْشِ مَبْدَؤُه  وَتُرْبَةُ الأَرْضِ أَصْلُ الجِسْمِ والبَدَنِقَدْ أَلَّفَ المَلِكُ الجَبَّارُ بَيْنَهُمَا  لِيَصْلُحَا لِقَبُولِ الأَمْرِ والْمِحَنِفَالرُّوحُ فِي غُرْبةٍ وَالجِسْمُ في وَطَن  فَلْتَعْرِفَنَّ ذِمَامَ النَّازِحِ الوَطنِانتهى.

### الآية 7:180

> ﻿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَىٰ فَادْعُوهُ بِهَا ۖ وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ ۚ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [7:180]

قوله سبحانه : وَللَّهِ الأسماء الحسنى فادعوه بِهَا. . .  \[ الأعراف : ١٨٠ \]. 
السببُ في هذه الآية على ما روي، أن أبَا جهلٍ سمع بعْضَ أصحاب النبيِّ صلى الله عليه وسلم يقرأ، فيذكُر اللَّه تعالَى في قراءته، وَمَرَّةَ يَذْكُر الرحمن، ونَحْوَ ذلك، فقال : محمَّدٌ يَزعم أنَّ الإله واحِدٌ، وهو إِنما يعبدُ آلهةً كثيرةً، فنزلَتْ هذه الآية، ومِنْ أسماء اللَّه تعالى ما ورد في القُرآن، ومنها ما ورد في الحديث، وتواتَرَ، هذا هو الذي ينبغي أَنْ يُعْتَمدَ عليه. 
وقوله سبحانه : وَذَرُواْ الذين يُلْحِدُونَ فِي أسمائه  قال ابن زيد : معناه : اتركوهم، فالآية على هذا منسوخةٌ، وقيل : معناه : الوعيدُ، كقوله سبحانه : ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً  \[ المدثر : ١١ \] و ذَرْهُمْ يَأْكُلُواْ وَيَتَمَتَّعُواْ  \[ الحجر : ٣ \] يقال :( أَلْحَد ) وَ( لَحَدَ ) بمعنى جَارَ، ومَالَ، وانحرف، و( ألْحَدَ ) : أشهرُ، ومنه لَحْدُ القَبْرِ، ومعنى الإِلحاد في أسماء اللَّه عزَّ وجلَّ : أنْ يسمُّوا اللاَّتَ نظيرَ اسم اللَّه تعالى، قاله ابن عباس، والعُزَّى نظيرَ العزيزِ، قاله مجاهد، ويسمُّون اللَّه أباً، ويسمُّون أوثانهم أرْباباً. 
وقوله سبحانه : سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ \[ الأعراف : ١٨٠ \] وعيدٌ محضٌ.

### الآية 7:181

> ﻿وَمِمَّنْ خَلَقْنَا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ [7:181]

قوله سبحانه : وَمِمَّنْ خَلَقْنَا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بالحق وَبِهِ يَعْدِلُونَ والذين كَذَّبُواْ بآياتنا سَنَسْتَدْرِجُهُم مِّنْ حَيْثُ لاَ يَعْلَمُونَ \[ الأعراف : ١٨١ \]، الآية تتضمَّن الإِخبار عن قَوْمٍ أهْلِ إِيمانٍ واستقامةٍ وهدايةٍ، وظاهُرها، يقتضي كُلَّ مُؤْمِنٍ كان مِنْ لَدُنْ آدم عليه السلام إِلى قيام الساعة، ورُوِيَ عن كثيرٍ من المفسِّرين : أنها في أمَّة نبيِّنا محمَّد صلى الله عليه وسلم، ورُوِيَ في ذلك حديثٌ أنَّ : النبي صلى الله عليه وسلم قَالَ :( هَذِهِ الآيَةُ لَكُمْ ).

### الآية 7:182

> ﻿وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ [7:182]

قوله سبحانه : والذين كَذَّبُواْ بآياتنا \[ الأعراف : ١٨٢ \]. 
وعيد، والإِشارة إِلى الكُفَّار، و سَنَسْتَدْرِجُهُم  معناه : سنُسوقهم شيئاً بعد شَيْءٍ، ودرجةً بعد درجةٍ، بالنِّعم عليهم، والإِمهال لهم، حتى يغترُّوا ويظنُّوا أنهم لا ينالُهم عقابٌ، وقوله : مِّنْ حَيْثُ لاَ يَعْلَمُونَ ، أيْ : من حيث لا يَعْلَمُون أنه استدراج لهم، وهذه عقوبةٌ لهم مِنَ اللَّه سبحانه عَلَى التَّكْذِيبِ لِمَا حَتمَ عليهم بالعذاب، أملي لهم ليزدادوا إثماً.

### الآية 7:183

> ﻿وَأُمْلِي لَهُمْ ۚ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ [7:183]

قوله : وَأُمْلِي  : معناه أُؤخِّرُ ملاَوَةً من الدهر، أي : مُدَّةً و مَتِينٌ  : معناه قويٌّ.

### الآية 7:184

> ﻿أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا ۗ مَا بِصَاحِبِهِمْ مِنْ جِنَّةٍ ۚ إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ [7:184]

قوله سبحانه : أَوَ لَمْ يَتَفَكَّرُواْ مَا بِصَاحِبِهِم مِّن جِنَّةٍ. . .  \[ الأعراف : ١٨٤ \]. 
الآية تقريرٌ يقارنه توبيخٌ للكُفَّار، والوَقْف على قوله : أَوَ لَمْ يَتَفَكَّرُواْ ، ثم ابتدأ القولَ بنَفْي ما ذكروه، فقال : مَا بِصَاحِبِهِم مِّن جِنَّةٍ  أي : بمحمَّد صلى الله عليه وسلم، ويحتملُ أنْ يكون المعنى : أو لم يتفكَّروا أنه ما بصاحبهم مِنْ جِنَّةٍ، ويظهر مِنْ رصف الآية أنها باعثةٌ لهم على الفِكْرة في أَمره صلى الله عليه وسلم وأنه ليس به جنَّةٌ كما أحالهم بعد هذه الآية على النَّظَرْ. 
وقال الفَخْر : قوله تعالَى : أَوَ لَمْ يَتَفَكَّرُواْ  أمر بالفِكْرِ والتأمُّل والتدُّبر، وفي اللفظ محذوفٌ، والتقدير : أو لم يتفكروا فيعلَمُوا مَا بِصَاحِبهمْ منْ جِنَّة، والجِنَّة : حالَةٌ مِنَ الجُنُون، كَالجِلْسَةِ، ودخولُ  مِنْ  في قوله : مِّن جِنَّةٍ  ينفي أنواع الجنون، انتهى.

### الآية 7:185

> ﻿أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ وَأَنْ عَسَىٰ أَنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ ۖ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ [7:185]

قوله سبحانه : أَوَ لَمْ يَنظُرُواْ فِي مَلَكُوتِ السموات والأرض. . .  \[ الأعراف : ١٨٥ \]. 
النَّظَرُ هنا بالقَلْب عِبْرَة وفكراً، و مَلَكُوتِ  : بناءُ عظمةٍ ومبالغةٍ. 
وقوله : وَمَا خَلَقَ الله مِن شَيْءٍ  : لفظٌ يعمُّ جميع ما ينظر فيه، ويستدلُّ به من الصنعة الدالَّة على الصانع، ومِنْ نَفْس الإِنسان وحواسَّه ومواضِعِ رزْقه، والشَّيْءُ : واقعٌ على الموجودات،  وَأَنْ عَسَى  : عطْفٌ على قوله : فِي مَلَكُوتِ ، والمعنى : توقيفُهُمْ علَى أنْ لم يَقَعْ لهم نَظَرٌ في شيء من هذا، ولا في أنهم قَرُبَتْ آجالُهُمْ، فماتُوا، فَفَاتَ أوانُ التدَارُكِ، ووجَبَ عليهم المحذورُ، ثم وقفهم  فبِأَيِّ حديثٍ  أو أمْرٍ يقعُ إيمانُهم وتَصْدِيقُهم، إِذا لم يقع بأمْرٍ فيه نجاتُهم، ودخولُهم الجَنَّةَ، ونحو هذا المعنى قولُ الشاعر :\[ الطويل \]
وَعنْ أَيّ نَفْسٍ دُونَ نَفْسِي أُقَاتِلُ\*\*\*
والضمير في  بَعْدَهُ  يراد به القُرْآن، وقيل : المراد به النبيُّ صلى الله عليه وسلم، وقصَّتُهُ وأمْرُهُ أجْمَعَ، وقيل : هو عائد على الأجَلِ، أي : بعد الأجل، إِذ لا عَمَلَ بعد الموت.

### الآية 7:186

> ﻿مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَا هَادِيَ لَهُ ۚ وَيَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ [7:186]

قوله سبحانه : مَن يُضْلِلِ الله فَلاَ هَادِيَ لَهُ. . .  \[ الأعراف : ١٨٦ \]. 
هذا شرطٌ وجوابٌ، مضمَّنه اليأْسُ منهم، والمَقْتُ لهم، لأن المراد أَنَّ هذا قد نزل بهم، والطغيان : الإفراطُ في الشيء، وكأنه مستعملٌ في غير الصَّلاح، والعَمَهُ : الحَيْرَةُ.

### الآية 7:187

> ﻿يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا ۖ قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي ۖ لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ ۚ ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۚ لَا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً ۗ يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا ۖ قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ [7:187]

قوله سبحانه : يَسْئَلُونَكَ عَنِ الساعة \[ الأعراف : ١٨٧ \]. 
قال قتادة : السائِلُونَ : هم قريش، وقال ابن عباس : هم أحبار اليهود. 
( ت ) : وفي **«السِّيرَة »** لابنِ هشامٍ : أَن السائلين من أحبار اليهود : حَمَلُ بْنُ أبي قُشَيْرٍ، وَسَمَوْألُ بْنُ زَيْدٍ، انتهى. 
و الساعة  : القيامة مُوِّتَ كُلّ من كان حَيًّا حينئذٍ، وبُعِث الجميع، و أَيَّانَ  : معناه مَتَى، وهي مبنيَّةٌ على الفتْحِ، قال الشاعر :\[ الرجز \]

أَيَّانَ تَقْضِيَ حَاجَتِي أَيَّانَا  أَمَا ترى \[ لِفعْلِهَا \] أَبَانَاو مرساها  معناه : مُثْبَتُها ومُنْتَهَاها، مأخوذٌ من : أرسى يُرْسِي، ف  مُرْسَاهَا  : رَفْعٌ بالابتداء، والخبرُ  أَيَّانَ ، وعبارة البخاريِّ : أَيَّانَ مرساها  : مَتَى خروجُها. انتهى. و يُجَلِّيهَا  : معناه يُظْهرها. 
وقوله سبحانه : ثَقُلَتْ فِي السموات والأرض. . .  قيل : معناه ثَقُلَ أنْ تُعْلَم ويُوقَفَ عَلى حقيقةٍ وَقْتها، وقال الحسنُ بن أبي الحَسَن : معناه : ثَقُلَتْ هيئتها، والفزعُ عَلَى أَهْل السموات والأرض،  لاَ تَأْتِيكُمْ إِلاَّ بَغْتَةً ، أي : فجأةً. 
وقوله سبحانه : يَسْئَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا ، قالَ ابن عبَّاس وغيره : المعنى  يسألونك كأنكَ حَفِيٌّ ، أي : مُتْحَفٌ ومُهْتَبِلٌ بهم، وهذا ينحُو إلى ما قالَتْ قريشٌ : يا محمَّدُ، إِنا قرابَتُكَ، فأخبرْنا بوَقْت السَّاعة. 
وقال ابن زَيْد وغيره : معناه : كأنك حفيٌّ في المسألة عَنْها، والاشتغالِ بها، حتى حصَّلَتْ علمها، وقرأ ابن عبَّاس فيما ذكر أبو حاتم : كأَنَّكَ حَفِيٌّ عنِهَا . 
وقوله سبحانه : ولكن أَكْثَرَ الناس لاَ يَعْلَمُونَ  قال الطَّبريُّ : معناه لا يعلمُونَ أنَّ هذا الأَمْرَ لا يعلمه إِلا اللَّهُ، بل يظنُّ أكثرهم أنه ممَّا يعلمه البَشَرُ.

### الآية 7:188

> ﻿قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ ۚ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ ۚ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ [7:188]

قوله سبحانه : قُل لاَّ أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلاَ ضَرّاً إِلاَّ مَا شَاءَ الله. . .  \[ الأعراف : ١٨٨ \]. 
هذا أمر بأنْ يبالِغَ في الاستسلام، ويتجَّردَ من المشاركةِ في قُدْرة اللَّه، وغَيْبِه، وأنَّ يصفَ نفسه لهؤلاءِ السائلين، بأنه لا يملكُ من منافع نفسه ومضارِّها إِلا مَا سَنَّى اللَّه وشاءَ ويَسَّر، وهذا الاستثناءُ منقطعٌ، وأخبر أنه لو كان يَعْلَمُ الغَيْبَ، لعمل بحَسَب ما يأتي، واستعد لكلِّ شيءٍ استعداد مَنْ يعلم قَدْرَ ما يَسْتَعِدُّ له، وهذا لفظٌ عامٌّ في كل شيء. 
وقوله : وَمَا مَسَّنِيَ السوء  يحتمل وجْهين، وبكليهما، قيل. أحدهما : أن  ما  معطوفةٌ على قوله : لاَسْتَكْثَرْتُ  أي : وَلَمَا مسني السوءُ. 
والثاني : أن يكون الكلامُ مقطوعاً تَمَّ في قوله : لاَسْتَكْثَرْتُ مِنَ الخير  وابتدأ يخبرُ بنَفْي السوءِ عنه، وهو الجُنُون الذي رَمَوْهُ به. 
قال مؤرِّجٌ السَّدُوسيُّ : السوء  الجنون، بلغة هُذَيْلٍ. 
( ت ) : وأما على التأويل الأول، فلا يريد ب **«السوء »** الجنونَ، ويترجَّح الثاني بنحو قوله سبحانه : مَا بصاحبكم مِّن جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلاَّ نَذِيرٌ لَّكُمْ. . .  \[ سبأ : ٤٦ \]، و لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ \[ الأعراف : ١٨٨ \] يحتملُ معنيين :
أحدهما : أنْ يريد : لقومٍ يُطْلَبُ منهم الإِيمانُ، وهؤلاء الناسُ أجمع. 
والثاني : أن يخبر أنه نذير، ويتمُّ الكلام، ثم يبتدئ يخبر أنه بشيرٌ للمؤمنين به، ففي هذا وعْدٌ لمن حصل إِيمانه.

### الآية 7:189

> ﻿۞ هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا ۖ فَلَمَّا تَغَشَّاهَا حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا فَمَرَّتْ بِهِ ۖ فَلَمَّا أَثْقَلَتْ دَعَوَا اللَّهَ رَبَّهُمَا لَئِنْ آتَيْتَنَا صَالِحًا لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ [7:189]

قوله جلَّت عظمته : هُوَ الذي خَلَقَكُمْ مِّن نَّفْسٍ واحدة. . .  \[ الأعراف : ١٨٩ \]. 
قال جمهورُ المفسِّرين : المراد بالنَّفْسِ الواحدة : آدم عليه السلام، وبقوله : وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا  حَوَّاء، وقولُه : مِنْهَا  هو ما تقدَّمَ ذكْره مِنْ أنَّ آدمَ نام، فاستخرجت قصرى أضلاعِهِ، وخُلِقَتْ منها حَوَّاءُ. 
وقوله : لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا ، أي : ليأنسَ، ويطمئنَّ، وكان هذا كلُّه في الجنة. 
ثم ابتدأ بحالةٍ أخرَى، وهي في الدنيا بعد هبوطهما، فقال : فَلَمَّا تَغَشَّاهَا ، أي : غَشِيَها، وهي كناية عن الجِمَاع، والحَمْلُ الخفيف : هو المنيُّ الذي تحمله المرأة في رَحِمِهَا. 
وقوله : فَمَرَّتْ بِهِ  أي : استمرت به، وقرأَ ابنُ عبَّاس : فاستمرت بِهِ ، وقرأ ابن مسعود : فاستمرت بِحَمْلِهَا ، وقرأ عبد اللَّه بن عمرو بن العاص : فَمَارَتْ بِهِ ، أي جاءَتْ به، وذهَبَتْ، وتصرَّفَت، كما تقولُ : مَارَتِ الرِّيحُ مَوْراً، و أَثْقَلَت  : دخلَتْ في الثِّقل، كما تقول : أصْبَحَ وأمْسَى، والضمير في قوله  دَّعَوَا ، على هذا التأويل : عائدٌ على آدم وحوَّاء، وروي في قصص ذلك، أن الشيطانَ أشار عَلَى حواء، أن تُسَمِّيَ هذا المولودَ **«عَبْدَ الحَارث »**، وهو اسْمُ إبليسَ، وقال لها : إِن لم تفعلي قَتَلْتُهُ، فزعموا أنهما أطاعاه، حرْصاً علَى حياة المولود، فهذا هو الشِّرك الذي جَعَلاَ لِلَّهِ، في التسمية فَقَطْ. 
وقال الطبريُّ والسديُّ في قوله : فتعالى الله عَمَّا يُشْرِكُونَ \[ الأعراف : ١٩٠ \] كلامٌ منفصلٌ من خَبَرِ آدم وحَوَّاء، يراد به مشركُو العرب. 
( ت ) : وينزه آدم وحواء عن طاعتهما لإبليس، ولم أقِفْ بَعْدُ على صحَّة ما رُوِيَ في هذه القِصَصِ، ولو صَحَّ، لوجب تأويله. 
نَعَمْ، روى الترمذيُّ عن سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ، عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ :( لَمَّا حَمَلَتْ حَوَّاءُ، طَافَ بِهَا إبْلِيسُ، وكانَ لا يَعيشُ لَهَا وَلَدٌ، فَقَالَ لَهَا : سَمِّيهِ عَبْدَ الحَارِثِ، فَسَمَّتْهُ عَبْدَ الحَارِثِ، فَعَاشَ ذَلِكَ، وَكَانَ ذَلِكَ مِنْ وَحْيِ الشَّيْطَان، وأَمْرِهِ ) قال الترمذيُّ : هذا حديثٌ حسنٌ غريبٌ، انفرد به عُمَرُ بنُ إبراهيم، عن قَتَادَةَ، وعمرُ شَيْخٌ بصريٌّ، انتهى. 
وهذا الحديثُ ليس فيه أنهما أطاعاه، وعلى كلِّ حالٍ : الواجبُ التوقُّفْ، والتنزيهُ لِمَنْ اجتباه اللَّه، وحُسْنُ التأويل ما أمكن. 
وقد قال ابنُ العربيِّ في توهينِ هذا القَوْل وتزييفِهِ : وهذا القولُ ونحوه مذكُورٌ في ضعيف الحديثِ في الترمذيِّ وغيره، وفي الإِسرائيليات التي لَيْسَ لها ثباتٌ، ولا يعوِّل عليها مَنْ له قَلْبٌ، فإِنَّ آدم وحواء -وإِن كانا غرَّهما باللَّهِ الغَرُورُ- فلا يُلْدَغُ المؤْمِنُ مِنْ حجرٍ مرّتين، وما كانا بعْدَ ذلك لِيقْبَلاَ له نُصْحاً، ولا يسمعا له قَوْلاً، والقولْ الأشبه بالحَقِّ : أن المراد بهذا جنْسُ الآدميين، انتهى من **«الأحكام »**.

### الآية 7:190

> ﻿فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا ۚ فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ [7:190]

قال ( ع ) : وقوله  صالحا  : قال الحَسَن : معناه : غُلاَماً، وقال ابن عباس، وهو الأظهر : بَشَراً سَوِّياً سليماً. 
وقال قومٌ : إنما الغَرَضُ من هذه الآية تعديدُ النعمة في الأزواج، وفي تسهيل النَّسْل والولادةِ، ثم ذكر سُوءَ فعْلِ المشركينَ المُوجبِ للعقابِ، فقال مخاطباً لجميع الناس : هُوَ الذي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ واحدة وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا \[ الأعراف : ١٨٩ \] يريد : آدم وحواء، أي : استمرت حالُكم واحداً واحداً كذلك، فهذه نعمةٌ يختصُّ كلُّ واحد بجزء منْها، ثم جاء قوله : فَلَمَّا تَغَشَّاهَا. . .  إلى آخر الآية، وصفاً لحالِ الناس واحداً واحداً، أي : هكذا يفعلون، فإِذا آتاهم اللَّه ولداً صالحاً سليماً كما أرادوه، صرفوه عن الفِطْرة إِلى الشرك، فهذا فِعْلُ المشركين. 
قال ابنُ العَرَبِيِّ في **«أحكامه »** : وهذا القول هو الأشبه بالحقِّ وأقربُ للصدق، وهو ظاهر الآية، وعمومها الذي يشملُ جميعَ متناولاتها، ويسلم فيها الأنبياءُ عن النّقصِ الذي لا يليقُ بجهَّال البَشَرُ، فكيف بسادَاتِهِمْ، وأنبيائهم ؟ ! انتهى. 
وهو كلامٌ حسنٌ، وباللَّه التوفيق، وقرأ نافعٌ، وعاصم، في رواية أبي بَكْر : شركاً  بكسر الشين، وسكون الراء على المصدر، وقرأ ابن كثير، وأبو عمرو، وحمزة، والكسائيُّ، وحفصٌ عن عاصم :( شُرَكَاء ) على الجمع، وهي بينة، على هذا التأويل الأخير، وقلقةٌ على قول من قال : إن الآية الأولى في آدم وحواء، وفي مُصْحَف أَبيٍّ بن كَعْب : فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحاً أَشْرَكَا فِيهِ .

### الآية 7:191

> ﻿أَيُشْرِكُونَ مَا لَا يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ [7:191]

قوله : أَيُشْرِكُونَ مَا لاَ يَخْلُقُ شَيْئاً. . .  \[ الأعراف : ١٩١ \]. 
ذهب بعضُ من قال بالقول الأول إلى أنَّ هذه الآية في آدم وحواء على ما تقدَّم، وفيه قَلقٌ وتعسُّفٌ من التأويل في المعنى وإِنما تنسق هذه الآياتُ، ويَرُوقُ نَظْمها، ويتناصَرُ معناها على التأويل الأخير، فإِنهم قالوا : إن الآية في مُشْركي الكُفَّار الذي يُشْركُون الأصنام في العبادة، وإِياها يراد في قوله : مَا لاَ يَخْلُقُ ، وعبَّر عن الأصنام بها كأنها تَعْقِلُ على اعتقاد الكُفَّار فيها، وبحسب أسمائها،  ويُخْلَقُونَ  : معناه : يُنْحَتُونَ ويُصْنَعُونَ، يعني : الأصنام، ويحتملُ أن يكونَ المعنى : وهؤلاء المشركُونَ يُخْلَقُونَ، أي : فكان حقُّهم أن يعبدوا خالِقَهُمْ، لا مَنْ لا يخلق شيئاً، وقرأ أبو عبد الرحمن : عَمَّا تُشْرِكُونَ  بالتاء مِنْ فوقُ  أَتُشْركُونَ .

### الآية 7:192

> ﻿وَلَا يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْرًا وَلَا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ [7:192]

الاستثناءُ منقطعٌ، وأخبر أنه لو كان يَعْلَمُ الغَيْبَ، لعمل بحَسَب ما يأتي، واستعد لكلِّ شيءٍ استعداد مَنْ يعلم قَدْرَ ما يَسْتَعِدُّ له، وهذا لفظٌ عامٌّ في كل شيء.
 وقوله: وَما مَسَّنِيَ السُّوءُ يحتمل وجْهين، وبكليهما قيل.
 أحدهما: أن **«ما»** معطوفةٌ على قوله: لَاسْتَكْثَرْتُ أي: وَلَمَا مسني السوءُ.
 والثاني: أن يكون الكلامُ مقطوعاً تَمَّ في قوله: لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وابتدأ يخبرُ بنَفْي السوءِ عنه، وهو الجُنُون الذي رَمَوْهُ به.
 قال مؤرِّجٌ السَّدُوسيُّ **«١»** : السُّوءُ الجنون بلغة هُذَيْلٍ.
 ت: وأما على التأويل الأول، فلا يريد ب **«السوء»** الجنونَ، ويترجَّح الثاني بنحو قوله سبحانه: مَا بِصاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ لَكُمْ... \[سبأ: ٤٦\] الآية، ولِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ: يحتملُ معنيين:
 أحدهما: أنْ يريد: لقومٍ يُطْلَبُ منهم الإِيمانُ، وهؤلاء الناسُ أجمع.
 والثاني: أن يخبر أنه نذير، ويتمُّ الكلام، ثم يبتدىء يخبر أنه بشيرٌ للمؤمنين به، ففي هذا وعد لمن حصل إيمانه.
 \[سورة الأعراف (٧) : الآيات ١٨٩ الى ١٩٣\]
 هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْها زَوْجَها لِيَسْكُنَ إِلَيْها فَلَمَّا تَغَشَّاها حَمَلَتْ حَمْلاً خَفِيفاً فَمَرَّتْ بِهِ فَلَمَّا أَثْقَلَتْ دَعَوَا اللَّهَ رَبَّهُما لَئِنْ آتَيْتَنا صالِحاً لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ (١٨٩) فَلَمَّا آتاهُما صالِحاً جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ فِيما آتاهُما فَتَعالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (١٩٠) أَيُشْرِكُونَ ما لا يَخْلُقُ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ (١٩١) وَلا يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْراً وَلا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ (١٩٢) وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدى لاَ يَتَّبِعُوكُمْ سَواءٌ عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنْتُمْ صامِتُونَ (١٩٣)
 وقوله: جلّت عظمته: وهُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ... الآية.
 قال جمهورُ المفسِّرين: المراد بالنَّفْسِ الواحدة: آدم عليه السلام، وبقوله: وَجَعَلَ مِنْها زَوْجَها حَوَّاء، وقولُه: مِنْها هو ما تقدَّمَ ذكْره مِنْ أنَّ آدمَ نام، فاستخرجت قصرى أضلاعِهِ، وخُلِقَتْ منها حوّاء.

 (١) مؤرج بن عمرو بن الحارث، من بني سدوس بن شيبان، أبو فيد: عالم بالعربية والأنساب، من أعيان أصحاب الخليل بن أحمد، من أهل **«البصرة»**. كان له اتصال بالمأمون العباسي، ورحل معه إلى خراسان، فسكن مدة، ب **«مرو»**، وانتقل إلى **«نيسابور»**. من كتبه **«جماهير القبائل»** و **«حذف من نسب قريش»**، و **«غريب القرآن»** وكتاب **«الأمثال»** و **«المعاني»** وله شعر جيد.
 ينظر: ترجمته في **«الأعلام»** (٧/ ٣١٨) (٢٥٦٩).

وقوله: لِيَسْكُنَ إِلَيْها، أي: ليأنسَ، ويطمئنَّ، وكان هذا كلُّه في الجنة.
 ثم ابتدأ بحالةٍ أخرَى، وهي في الدنيا بعد هبوطهما، فقال: فَلَمَّا تَغَشَّاها، أي:
 غَشِيَها، وهي كناية عن الجماع، والحمل الخفيف: هو المنيُّ الذي تحمله المرأة في رَحِمِهَا.
 وقوله: فَمَرَّتْ بِهِ أي: استمرت به، وقرأَ ابنُ عبَّاس: **«فاستمرت بِهِ»**، وقرأ ابن **«١»** مسعود: **«فاستمرت بِحَمْلِهَا»** وقرأ عبد اللَّه بن عمرو بن **«٢»** العاص: **«فَمَارَتْ بِهِ»**، أي جاءَتْ به، وذهَبَتْ، وتصرَّفَت كما تقولُ: مَارَتِ الرِّيحُ مَوْراً، وأَثْقَلَتْ: دخلَتْ في الثِّقل، كما تقول: أصْبَحَ وأمْسَى، والضمير في قوله دَعَوَا، على هذا التأويل: عائدٌ على آدم وحوَّاء، وروي في قصص ذلك/ أن الشيطانَ أشار عَلَى حواء، أن تُسَمِّيَ هذا المولودَ **«عَبْدَ الحَارث»**، وهو اسْمُ إبليسَ، وقال لها: إِن لم تفعلي قَتَلْتُهُ، فزعموا أنهما أطاعاه حرْصاً علَى حياة المولود، فهذا هو الشِّرك الذي جَعَلاَ لِلَّهِ، في التسمية فَقَطْ.
 وقال الطبريُّ والسديُّ **«٣»** في قوله: فَتَعالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ كلامٌ منفصلٌ من خَبَرِ آدم وحَوَّاء، يراد به مشركُو العرب **«٤»**.
 ت: وينزه آدم وحواء عن طاعتهما لإبليس، ولم أقِفْ بَعْدُ على صحَّة ما رُوِيَ في هذه القِصَصِ، ولو صَحَّ، لوجب تأويله، نَعَمْ روى الترمذيُّ عن سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ **«٥»**، عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم قَالَ: لَمَّا حَمَلَتْ حَوَّاءُ، طَافَ بِهَا إبْلِيسُ، وكانَ لا يَعيشُ لَهَا وَلَدٌ، فَقَالَ لَهَا: سَمِّيهِ عَبْدَ الحَارِثِ، فَسَمَّتْهُ عَبْدَ الحَارِثِ، فَعَاشَ ذلك، وكان ذلك من

 (١) ينظر: ****«المحرر الوجيز»**** (٢/ ٤٨٦)، و ****«البحر المحيط»**** (٤/ ٤٣٧).
 (٢) قال أبو الفتح: والمعنى واحد.
 ينظر: **«المحتسب»** (١/ ٢٧٠)، و ****«المحرر الوجيز»**** (٢/ ٤٨٦)، و ****«البحر المحيط»**** (٤/ ٤٣٧)، وزاد نسبتها إلى الجحدري، وينظر: **«الدر المصون»** (٣/ ٣٨٢). وقد نسبها ابن خالويه في **«مختصره»** ص:
 (٥٣) إلى ابن أبي عمار.
 (٣) ينظر: **«تفسير الطبري»** (٦/ ١٤٦). [.....]
 (٤) أخرجه الطبري (٦/ ١٤٨) برقم: (١٥٥٤٢) بنحوه، وذكره ابن عطية (٢/ ٤٨٧)، والسيوطي (٣/ ٢٧٩)، وعزاه لعبد الرزاق، وابن جرير، وابن أبي حاتم، وابن المنذر، وأبي الشيخ.
 (٥) هو: سمرة بن جندب بن هلال بن حريج بن مرة بن حرب بن عمرو بن جابر أبو سليمان الفزاري، سكن **«البصرة»**، قدمت به أمه المدينة بعد موت أبيه، فتزوجها رجل من الأنصار اسمه: مري بن سنان بن ثعلبة، وكان في حجره إلى أن صار غلاما، وكان رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يعرض غلمان الأنصار كل سنة، فمرّ به غلام فأجازه في البعث، وعرض عليه سمرة بعده فرده، فقال سمرة: لقد أجزت هذا ورددتني، ولو صارعته لصرعته قال: فدونكه فصارعه، فصرعه سمرة، فأجازه من البعث. قيل: أجازه يوم أحد، والله أعلم...

وَحْيِ الشَّيْطَان، وأَمْرِهِ، قال الترمذيُّ: هذا حديثٌ حسنٌ **«١»** غريبٌ، انفرد به عُمَرُ بنُ إبراهيم **«٢»**، عن قَتَادَةَ، وعمرُ شَيْخٌ بصريٌّ. انتهى.
 وهذا الحديثُ ليس فيه أنهما أطاعاه، وعلى كلِّ حالٍ: الواجبُ التوقُّفْ، والتنزيهُ لِمَنْ اجتباه اللَّه، وحُسْنُ التأويل ما أمكن، وقد قال ابنُ العربيِّ في توهينِ هذا القَوْل وتزييفِهِ:
 وهذا القولُ ونحوه مذكُورٌ في ضعيف الحديثِ في الترمذيِّ وغيره، وفي الإِسرائيليات التي لَيْسَ لها ثباتٌ، ولا يعوِّل عليها مَنْ له قَلْبٌ، فإِنَّ آدم وحواء- وإِن كانا غرَّهما باللَّهِ الغرور- فلا يلدغ المؤمن من جحر مرّتين، وما كانا بعْدَ ذلك لِيقْبَلاَ له نُصْحاً، ولا يسمعا له قَوْلاً، والقولْ الأشبه بالحَقِّ: أن المراد بهذا جنْسُ الآدميين. انتهى من **«الأحكام»**.
 قال **«٣»** ع: وقوله صالِحاً: قال الحَسَن: معناه: غُلاَماً **«٤»**، وقال ابن عباس وهو الأظهر: بَشَراً سَوِّياً **«٥»** سليماً.
 وقال قومٌ: إنما الغَرَضُ من هذه الآية تعديدُ النعمة في الأزواج، وفي تسهيل النَّسْل والولادةِ، ثم ذكر سُوءَ فعْلِ المشركينَ المُوجبِ للعقابِ، فقال مخاطباً لجميع الناس: هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْها زَوْجَها يريد: آدم وحواء، أي: واستمرّت

 - توفي قيل: سنة ٥٨ هـ، وقيل: ٥٩ هـ ب **«البصرة»**.
 ينظر ترجمته في: **«أسد الغابة»** (٢/ ٤٥٤)، **«الإصابة»** (٣/ ١٣٠)، **«الثقات»** (٣/ ١٧٤)، **«الاستيعاب»** (٢/ ٦٥٣)، **«الإكمال»** (٢/ ٦٧)، **«الأعلام»** (٣/ ١٣٩)، **«العبر»** (١/ ٦٥)، **«الكاشف»** (١/ ٤٠٣)، **«بقي بن مخلد»** (٣٥)، **«الرياض المستطابة»** (١٠٧)، **«التاريخ الكبير»** (٤/ ١٧٦)، **«تجريد أسماء الصحابة»** (١/ ٢٣٩)، **«التاريخ الصغير»** (١/ ١٠٦- ١٠٧)، **«الوافي بالوفيات»** (١٥/ ٦١١)، **«تاريخ جرجان»** (٢٣٩)، **«التحفة اللطيفة»** (١٩٣)، **«الطبقات الكبرى»** (٩/ ٨٩)، **«سير أعلام النبلاء»** (٣/ ١٨٣).
 (١) أخرجه الترمذي (٥/ ٢٦٧- ٢٦٨) كتاب **«التفسير»** باب: **«ومن سورة الأعراف»**، حديث (٣٠٧٧)، من طريق عمر بن إبراهيم، عن قتادة، عن الحسن، عن سمرة به.
 وقال الترمذي: هذا حديث حسن غريب، لا نعرفه مرفوعا إلّا من حديث عمر بن إبراهيم، عن قتادة، ورواه بعضهم عن عبد الصمد ولم يرفعه عمر بن إبراهيم شيخ بصري.
 (٢) عمر بن إبراهيم العبدي أبو حفص البصري، صاحب الهروي بفتح الهاء. عن قتادة، وعنه ابنه الخليل وعبّاد بن العوّام، وثقه ابن معين في رواية الدارمي، وقال ابن عدي: حديثه عن قتادة مضطرب.
 ينظر ترجمته في: **«الخلاصة»** (٢/ ٢٦٥) (٥١٢٢).
 (٣) ينظر: **«المحرر الوجيز»** (٢/ ٤٨٦).
 (٤) أخرجه الطبري (٦/ ١٤٣) برقم: (١٥٥١٧)، وذكره ابن عطية (٢/ ٤٨٦)، وابن كثير (٢/ ٢٧٤)، والسيوطي (٣/ ٢٧٨)، وعزاه لعبد الرزاق، وابن المنذر، وابن أبي حاتم.
 (٥) ذكره ابن عطية (٢/ ٤٨٦)، وابن كثير (٢/ ٢٧٤).

حالُكم واحداً واحداً كذلك، فهذه نعمةٌ يختصُّ كلُّ واحد بجزء منْها، ثم جاء قوله: فَلَمَّا تَغَشَّاها... إلى آخر الآية، وصفاً لحالِ الناس واحداً واحداً، أي: هكذا يفعلون، فإِذا آتاهم اللَّه ولداً صالحاً سليماً كما أرادوه، صرفوه عن الفِطْرة إِلى الشرك، فهذا فِعْلُ المشركين.
 قال ابنُ العَرَبِيِّ في **«أحكامه»** وهذا القول هو الأشبه بالحقِّ وأقربُ للصدق، وهو ظاهر الآية، وعمومها الذي يشملُ جميعَ متناولاتها، ويسلم فيها الأنبياءُ عن النّقصِ الذي لا يليقُ بجهَّال البَشَرُ، فكيف بسادَاتِهِمْ، وأنبيائهم؟! انتهى، وهو كلامٌ حسنٌ وباللَّه التوفيق.
 وقرأ نافعٌ **«١»**، وعاصم في رواية أبي بَكْر: **«شركاً»** - بكسر الشين، وسكون الراء- على المصدر، وقرأ ابن كثير، وأبو عمرو، وحمزة، والكسائيُّ، وحفصٌ عن عاصم:
 **«شُرَكَاء»** على الجمع، وهي بينة على هذا التأويل الأخير، وقلقةٌ على قول من قال: إن الآية الأولى في آدم وحواء، وفي مُصْحَف أَبيٍّ بن **«٢»** كَعْب: **«فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحاً أَشْرَكَا فِيهِ»**.
 وقوله: أَيُشْرِكُونَ مَا لاَ يَخْلُقُ شَيْئاً... الآية: ذهب بعضُ من قال بالقول الأول إلى أنَّ هذه الآية في آدم وحواء على ما تقدَّم، وفيه قَلقٌ وتعسُّفٌ من التأويل/ في المعنى وإِنما تنسق هذه الآياتُ، ويَرُوقُ نَظْمها، ويتناصَرُ معناها على التأويل الأخير، فإِنهم قالوا:
 إن الآية في مُشْركي الكُفَّار الذي يُشْركُون الأصنام في العبادة، وإِياها يراد في قوله: مَا لاَ يَخْلُقُ، وعبَّر عن الأصنام ب هُمْ كأنها تَعْقِلُ على اعتقاد الكُفَّار فيها وبحسب أسمائها، ويُخْلَقُونَ: معناه: يُنْحَتُونَ ويُصْنَعُونَ، يعني: الأصنام، ويحتملُ أن يكونَ المعنى، وهؤلاء المشركُونَ يُخْلَقُونَ أي: فكان حقُّهم أن يعبدوا خالِقَهُمْ، لا مَنْ لا يخلق شيئاً، وقرأ أبو عبد الرحمن: **«عَمَّا تُشْرِكُونَ»** **«٣»** بالتاء مِنْ فوقُ **«أَتُشْركُونَ»**.
 وقوله سبحانه: وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدى لاَ يَتَّبِعُوكُمْ سَواءٌ عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنْتُمْ صامِتُونَ، من قال: إن الآياتِ في آدم عليه السلام، قال: هذه مخاطبة مستأنفة

 (١) ينظر: **«السبعة»** (٢٩٩)، و **«الحجة»** (٤/ ١١١)، و **«إعراب القراءات»** (٢/ ٢١٦)، و **«حجّة القراءات»** (٣٠٤)، و **«إتحاف فضلاء البشر»** (٢/ ٧١)، و **«العنوان»** (٩٨) و **«شرح الطيبة»** (٤/ ٣١٨)، و **«شرح شعلة»** (٤٠)، و **«معاني القراءات»** (١/ ٤٣١).
 (٢) ينظر: ****«المحرر الوجيز»**** (٢/ ٤٨٧)، و ****«البحر المحيط»**** (٤/ ٤٣٨).
 (٣) ينظر: **«الشواذ»** ص: (٥٣)، و ****«المحرر الوجيز»**** (٢/ ٤٨٨)، و ****«البحر المحيط»**** (٤/ ٤٣٨)، و **«الدر المصون»** (٣/ ٣٨٣).

### الآية 7:193

> ﻿وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدَىٰ لَا يَتَّبِعُوكُمْ ۚ سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنْتُمْ صَامِتُونَ [7:193]

قوله سبحانه : وَإِن تَدْعُوهُمْ إِلَى الهدى لاَ يَتَّبِعُوكُمْ سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنتُمْ صامتون ، من قال : إن الآياتِ في آدم عليه السلام، قال : هذه مخاطبة مستأنفة للنبيِّ صلى الله عليه وسلم، وأمته في أمْر الكُفَّار المعاصرين للنبي صلى الله عليه وسلم، ومَنْ قال بالقولِ الآخَر، قال : إِن هذه مخاطبةٌ للمؤمنين والكُفَّار، على قراءة مَنْ قرأ : أَيُشْرِكُونَ  بالياء من تَحت، وللكفَّار فقطْ على قراءة مَنْ قرأ بالتاء من فوق على جهة التوقيفِ، أيْ : هذا حالُ الأصنام معكم، إنْ دعوتموهم، لم يجيبُوكُمْ.

### الآية 7:194

> ﻿إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ ۖ فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ [7:194]

قوله سبحانه : إِنَّ الذين تَدْعُونَ مِن دُونِ الله عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ فادعوهم فَلْيَسْتَجِيبُواْ لَكُمْ إِن كُنتُمْ صادقين. . .  \[ الأعراف : ١٩٤ \]. 
مخاطبةٌ للكفَّار في تحقير شأْن أصنامهم، وقوله : فادعوهم  أي : فاختبروا، فإن لم يستجيبوا، فهم كما وصفنا.

### الآية 7:195

> ﻿أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَا ۖ أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِهَا ۖ أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِهَا ۖ أَمْ لَهُمْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا ۗ قُلِ ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ كِيدُونِ فَلَا تُنْظِرُونِ [7:195]

قوله سبحانه : أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَآ أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِهَآ أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِهَآ أَمْ لَهُمْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ. . .  \[ الأعراف : ١٩٥ \]. 
الغرض من هذه الآية  أَلَهُمْ  حواس الحَيِّ وأوصافه، فإِذا قالوا :( لا )، حكموا بأنها جماداتٌ من غير شكٍّ، لا خَيْرَ عندها. 
قال الزّهْراوِيُّ : المعنى : أنتم أفضلُ منهم بهذه الجوارح النافعة، فكيف تعبدونهم، ثُمَّ أمر سبحانه نبيَّه عليه السلام أنْ يعجزهم بقوله : قُلِ ادعوا شُرَكَاءَكُمْ ، أي : استنجدوهم واستنفروهم إِلى إِضْرَارِي وكَيْدي، ولا تؤخِّروني، المَعْنَى : فإِن كانوا آلهةً، فسيظهر فعلكم.

### الآية 7:196

> ﻿إِنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ ۖ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ [7:196]

َولَمَّا أحالهم على الاستنجاد بآلهتهم في ضَرَره، وأراهم أنَّ اللَّه سبحانه هو القَادِرُ عَلَى كُلِّ شيء لاَ تلك، عقَّب ذلك بالاِستناد إِلى اللَّه سبحانه، والتوكُّلِ عليه، والإِعلام بأنه وليُّه وناصره، فقال : إِنَّ وَلِيِّيَ الله الذي نَزَّلَ الكتاب وَهُوَ يَتَوَلَّى الصالحين \[ الأعراف : ١٩٦ \].

### الآية 7:197

> ﻿وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكُمْ وَلَا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ [7:197]

قوله : والذين تَدْعُونَ مِن دُونِهِ لاَ يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكُمْ وَلا أَنفُسَهُمْ يَنصُرُونَ \[ الأعراف : ١٩٧ \]. 
إِنما تكرَّر القولُ في هذا، وترَّددت الآياتُ فيه، لأن أمر الأصنام وتعظيمها كان متمكِّناً من نفوس العرب في ذلك الزَمانِ، ومستولياً علَى عقولها، فأوعب القولَ في ذلك، لُطْفاً منه سبحانه بهم.

### الآية 7:198

> ﻿وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدَىٰ لَا يَسْمَعُوا ۖ وَتَرَاهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ [7:198]

قوله : وَإِن تَدْعُوهُمْ إِلَى الهدى لاَ يَسْمَعُواْ. . .  \[ الأعراف : ١٩٨ \]. 
قالت فرقةٌ : هذا خطابٌ للنبيِّ صلى الله عليه وسلم، وأمته في أمر الكُفَّار، والهاءُ والميمُ في قوله : تدعوهم  للكفَّار، ووصفهم بأنهم لا يَسْمَعُونَ، ولا يبصرون، إِذ لم يتحصَّل لهم عن النَّظَر والاستماع فائدةٌ، قاله مجاهدٌ والسدِّي. 
وقال الطبريُّ : المرادُ بالضمير المذكور : الأصنامُ، ووصْفُهم بالنظر كنايةً عن المحاذاة والمقابلة، ولِمَا فيها من تخييلِ النَّظَر، كما تقول : دَارُ فُلاَنٍ تَنْظُر إِلى دار فلان.

### الآية 7:199

> ﻿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ [7:199]

قوله سبحانه : خُذِ العفو وَأْمُرْ بالعرف. . . \[ الأعراف : ١٩٩ \]. 
وصيَّةٌ من اللَّه سبحانه لنبيِّه عليه السلام تعمُّ جميع أمته، وأَخْذٌ بجميع مكَارِم الأخلاقِ. 
قال الجمهور : معنى  خُذِ العفو  إقبل من الناس في أخلاقهم وأقوالهم ومعاشرتهم ما أتى عَفْوا دون تكلُّف، فالعَفْوُ هنا : الفَضْل والصفو. 
قال مكِّيٌّ : قوله تعالى : خُذِ العفو وَأْمُرْ بالعرف. . . ، قال بعض أهْل المعاني، في هذه الآية بيانُ قولِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم :( أُوتِيتُ جَوَامِعَ الكَلَمِ )، فهذه الآية قد جَمَعَتْ مَعَانِ كثيرةً، وفوائدَ عظيمةً، وجمعتْ كلَّ خُلُقٍ حَسَن، لأَنَّ في أخذ العَفْوِ صلَةُ القاطعينِ، والصفْحَ عن الظالِمينَ، وإِعطاءَ المانعين، وفي الأَمر بالمعروف تَقْوَى اللَّه وطاعته، وصِلة الرحِمِ، وصَوْن الجوارحِ عن المحرِّمات، وسمَّي هذا ونحوه عُرْفاً، لأن كلَّ نَفْس تعرفه، وتركَنُ إِليه، وفي الإِعراض عن الجاهلين : الصبرُ، والحِلْم، وتنزيهُ النفْس عن مخاطبةِ السفيه، ومنازعةِ اللَّجوج، وغيرُ ذلك من الأفعال المرضية، انتهى من **«الهداية »**. 
وقوله : وَأْمُرْ بالعرف  معناه : بكلِّ ما عرفَتْه النفوسُ ممَّا لا تردُّه الشريعة، ومِنْ ذلك :" أَنْ تُعْطِيَ مَنْ حَرَمَكَ، وتَصِلَ مَنْ قَطَعَكَ، وتَعْفُوَ عَمَّنَ ظَلَمَكَ. . . " الحديث، فالعُرْفُ بمعنى المعروف.

### الآية 7:200

> ﻿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ ۚ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ [7:200]

قوله عز وجل : وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ الشيطان نَزْغٌ فاستعذ بالله إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ \[ الأعراف : ٢٠٠ \]. 
هذه الآية وصِيَّة من اللَّه سبحانه لنبيِّه صلى الله عليه وسلم تعمُّ أمته رجُلاً رجلاً، والنَّزْغ : حركةٌ فيها فسادٌ، قلَّما تستعملُ إِلا في فَعْلِ الشيطان، لأن حركته مسرِعَةٌ مفسدة، ومنه قولُ النبيِّ صلى الله عليه وسلم :( لاَ يُشِرْ أَحَدُكُمْ عَلَى أخِيهِ بالسِّلاَح، لاَ يَنْزَغِ الشَّيْطَانُ في يَدِهِ )، فالمعنى في هذه الآية : فإِمَّا تَلُمَّنَّ بك لَمَّةٌ من الشيطان، فاستعذ باللَّه، وعبارة البخاريِّ :( يَنْزَغَنَّكَ ) يستَخِفَنَّكَ، انتهى. 
وَنَزْغُ الشيطان عامٌّ في الغَضَبِ، وتحسينِ المعاصِي، واكتساب الغوائل، وغير ذلك، وفي **«جامع الترمذيِّ »** عن النبي صلى الله عليه وسلم قالَ :( إِن لِلْمَلَكِ لَمَّةً، وللشَّيْطَانِ لَمَّةً. . . . ) الحديث. 
قال ( ع ) : عن هاتين اللَّمّتَيْنِ : هي الخواطِرُ من الخير والشر، فالآخِذُ بالواجبِ يلقى لَمَّةَ المَلَك بالامتثال والاستدامة، وَلَمَّةَ الشيطانِ بالرفْضِ والاستعاذة، واستعاذ : معناه : طَلَب أَنْ يُعَاذَ، وعَاذَ : معناه : لاذ، وانضوى، واستجار. 
قال الفَخْر : قال ابنُ زيد :" لما نَزَل قوله تعالى : وَأَعْرِض عَنِ الجاهلين  قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم :( كَيْفَ يَا رَبِّ، والغَضَبُ ؟ ) فَنَزَل قولُه : وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ الشيطان نَزْغٌ  "، وقوله : إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ  يدلُّ علَى أن الاستعاذة لا تفيدُ إِلاَّ إِذا حضر في القَلْبِ العِلْمُ بمعنى الاستعاذة، فكأنه تعالَى قال : اذكر لَفْظَ الاستعاذة بلسانك، فإني سميعٌ، واستحضر معاني الاستعاذة بِعَقْلِكَ وقَلْبِك، فإِني عَليمٌ بما في ضَمِيركَ، وفي الحقيقة : القوْلُ اللسانيُّ دون المعارفِ العقليَّة، عديمُ الفائدة والأثر، انتهى.

### الآية 7:201

> ﻿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ [7:201]

قوله سبحانه : إِنَّ الذين اتقوا إِذَا مَسَّهُمْ طائف مِّنَ الشيطان تَذَكَّرُواْ. . .  \[ الأعراف : ٢٠١ \]. 
خرَجَتْ مَخْرَجَ المَدْحِ للمتقين، والتقوى هاهنا عامَّة في اتقاء الشِّرْك والمعاصِي، وقرأ ابن كثير وغيره : طَيْفٌ . 
قال أبو عليٍّ : الطائفُ كالخَاطِرِ، والطَّيْف كالخطْرة، وقوله : تَذَكَّرُواْ  إشارة إِلى الاستعاذة المأمور بها، وإِلى ما للَّه عزَّ وجلَّ من الأوامر والنواهي في النازلة التي يقع تعرُّض الشيطانِ فيها، وقرأ ابنُ الزُّبَيْر : مِن الشَّيْطَان تَأَمَّلُوا فإِذَا هُمْ ، وفي مُصْحَفِ أُبَيِّ بنِ كَعْبٍ  إِذَا طَافَ مِنَ الشَّيْطَانِ طَائِفٌ تَأَمَّلُوا ، وقوله : مُّبْصِرُونَ  من البصيرة، أي : فإِذا هم قد تبيَّنوا الحقَّ، ومالوا إليه.

### الآية 7:202

> ﻿وَإِخْوَانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي الْغَيِّ ثُمَّ لَا يُقْصِرُونَ [7:202]

الضميرُ في  إخوانهم \[ الأعراف : ٢٠٢ \] عائدٌ على الشياطين، وفي  يَمُدُّونَهُمْ  عائدٌ على الكُفَّار، وهم المرادُ ب **«الإِخوان »**، هذا قول الجمهور. 
قال ( ع ) : وقرأ جميعُ السبعة غير نافع : يَمُدُّونَهُمْ ، من مَدَدتُّ، وقرأ نافعٌ : يَمِدُّونَهُمْ ، من أَمْدَدتْ. 
قال الجمهور : هما بمعنًى واحدٍ، إلا أن المستعمَلَ في المحبوب **«أَمَدَّ »**، والمستعملَ في المكروه **«مَدَّ »**، فقراءة الجماعةِ جارِيَةٌ على المنهَاج المستعمل، وقراءةُ نافع هي مقيَّدة بقوله : فِي الغي ، كما يجوز أَنّ تقيِّد البِشَارَةَ، فتقول : بَشَّرْتُهُ بشرٍّ وَمَدُّ الشياطينِ للكَفَرَةَ، أيْ : ومَنْ نَحا نحوهم، هو بالتزيين لهم، والإِغواءِ المتتابعِ، وقوله : ثُمَّ لاَ يُقْصِرُونَ  من أَقْصَرَ، والضميرُ عائدٌ على الجميع، أي : هؤلاء لا يقصرون عن الإغواء، وهؤلاء لا يُقْصِرُونَ في الطاعة للشياطين.

### الآية 7:203

> ﻿وَإِذَا لَمْ تَأْتِهِمْ بِآيَةٍ قَالُوا لَوْلَا اجْتَبَيْتَهَا ۚ قُلْ إِنَّمَا أَتَّبِعُ مَا يُوحَىٰ إِلَيَّ مِنْ رَبِّي ۚ هَٰذَا بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ [7:203]

قوله سبحانه : وَإِذَا لَمْ تَأْتِهِم بِآيَةٍ قَالُواْ لَوْلاَ اجتبيتها \[ الأعراف : ٢٠٣ \]. 
سببها فيما رُوِيَ أن الوَحْيَ كان يتأخَّر أحياناً، فكان الكُفَّار يقولون : هَلاَّ اجتبيتها ؟ أي : اخترتها، فأمره اللَّه عزَّ وجلَّ، أنْ يجيب بالتسْلِيمِ للَّه، وأَنَّ الأمر في الوحْي إِليه ينزِّله متى شاء، ثم أشار بقوله : هذا بَصَائِرُ  إلى القرآن، أي : علاماتُ هُدًى، وأنوارٌ تستضيء القلوبُ به.

### الآية 7:204

> ﻿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ [7:204]

قوله سبحانه : وَإِذَا قُرِئ القرآن فاستمعوا لَهُ وَأَنصِتُواْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ \[ الأعراف : ٢٠٤ \]. 
ذكر الطبريُّ وغيره، أَن أصحاب النبيِّ صلى الله عليه وسلم كانوا بمكَّةَ يتكلَّمون في المكتوبةِ بحوائجهم، فنزلتِ الآية أمْراً لهم بالاستماع والإنصات في الصَّلاة، وأما قولُ من قال : إِنها في الخُطْبة، فضعيفٌ، لأن الآية مكِّيَّة، والخُطْبَة لم تُكنْ إِلا بعد الهِجْرة، وألفاظ الآية على الجملة تتضمَّن تعظيم القُرْآن وتوقيرَهُ، وذلك واجبٌ في كل حالة، والإِنصاتُ : السكوتُ. 
قال الزجَّاج : ويجوز أن يكون : فاستمعوا لَهُ وَأَنصِتُواْ ، أي : اعملوا بما فيه، ولا تجاوزوه. 
قال ابنُ العربيِّ في **«أحكامه »** : روى الترمذيُّ، وأبو داود، عن عُبَادَة بْنِ الصَّامِتِ، قال :" صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم صَلاَةَ الصُّبْحِ، فَثَقُلَتْ عَلَيْهِ القِرَاءَةُ، فَلَمَّا انصرف، قَالَ :( إِنَّي لأَرَاكُمْ تَقْرَؤونَ وَرَاءَ إمامكم، قُلْنَا : يَا رَسُولَ اللَّهِ، أيْ وَاللَّهِ، فَقَالَ : لاَ تَفْعَلُوا إِلاَّ بِأُمِّ القُرْآنِ، فإِنَّه لاَ صَلاَةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ بِهَا ". 
وقد رَوَى الناسُ في قراءة المأمومين خَلْفَ الإِمام بفاتحةِ الكِتَاب أحاديثَ كثيرةً، وأعظمهم في ذلك اهتبالا الدارقطنيُّ، وقد جمع البخاريُّ في ذلك جزءًا، وكان رَأْيُهُ قراءةَ الفَاتحَةِ خلْفَ الإِمامِ في الصلاة الجهريَّة، وهي إِحدى روايات مالكٍ، وهو اختيارُ الشافعيِّ، انتهى. 
وقد تقدَّم أول الكتابِ ما اختاره ابنُ العَرَبِيّ.

### الآية 7:205

> ﻿وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ وَلَا تَكُنْ مِنَ الْغَافِلِينَ [7:205]

قوله سبحانه : واذكر رَّبَّكَ فِي نَفْسِكَ. . .  \[ الأعراف : ٢٠٥ \]. 
مخاطَبةٌ للنبيِّ صلى الله عليه وسلم، وتعمُّ جميعَ أمته، وهو أمر من اللَّه تعالَى بذكْره وتسبيحِهِ وتقديسِهِ، والثناءِ عليه بمحامدِهِ، والجمهورُ على أن الذِّكْر لا يكون في النفْسِ، ولا يراعَى إِلا بحركة اللسَانِ، ويُدلُّ على ذلك من هذه الآية قوله : وَدُونَ الجهر مِنَ القول ، وهذه مرتبةُ السرِّ، والمخافتة. 
وقال الفَخْر : المراد بقوله تعالى : واذكر رَّبَّكَ فِي نَفْسِكَ ، كونُه عارفاً بمعاني الأذكار التي يقولها بلسانه، مستحضراً لصفاتِ الجلالِ والعظمة، وذلك أن الذكْرَ باللِّسَان، إِذَا كان عارياً عن الذكْر بالقلْب، كان عدِيمَ الفائدة، ألاَ تَرَى أن الفقهاء أجمَعُوا على أنَّ الرجُلَ، إِذا قال : بِعْتُ واشتريت مع أنَّه لاَ يَعْرفُ معانِي هذه الألفاظ، ولا يفهم منها شيئاً، فإِنه لا ينعقد البَيْعُ والشراءُ، فكذلك هنا، قال المتكلِّمون : وهذه الآية تدُلُّ على إثبات كلامِ النفْس. 
وقوله تعالى : وَلاَ تَكُن مِّنَ الغافلين ، يدُلُّ على أن الذكْرَ القلبيَّ يجبُ أن يكون دائماً، وأن لاَّ يغفُلَ الإنسان لحظةً عن استحضار جلالِ اللَّهِ وكبريائِهِ بقَدْر الطاقةِ البشريَّة، وتحقيقُ القول في هذا أنَّ بَيْنَ الرُّوحِ والبدنِ عَلاَقةً عجيبةً، لأَن كلَّ أثر يحصُلُ في البدَنَ يصْعَدُ منه نتائجُ إِلى الرّوحِ، أَلاَ تَرَى أنَّ الإِنسان إِذا تخيَّل الشيء الحامِضَ، ضَرَسَ منه، وإِذا تخيل حالَةً مكروهةً، أو غَضِبَ، سَخِنَ بدنه، انتهى.  تَضَرُّعًا  : معناه : تذُّلَلاً وخُضُوعاً، البخاريُّ : و وَخِيفَةً ، أي : خوفاً، انتهى. 
وقوله : بالغدو والأصال  : معناه : دَأَباً، وفي كلِّ يوم، وفي أطرافِ النهارِ،  وَلاَ تَكُن مِّنَ الغافلين  تنبيهٌ منه عزَّ وجلَّ، ولما قال سبحانه : وَلاَ تَكُن مِّنَ الغافلين  : جَعَل بعد ذلك مثالاً من اجتهاد الملائِكَةِ، لِيَبْعَثَ على الجِدِّ في طاعة اللَّهِ سبحانه. 
( ت ) : قال صاحبُ **«الكلم الفارقية »** : غفلةُ ساعةٍ عَنْ ربِّك مَكْدَرَة لمرآةِ قَلْبِكَ، فكَيْفَ بِغَفْلَة جميعِ عُمْرك، انتهى. 
قال ابن عطاء اللَّهِ رحمه اللَّه : لا تتركُ الذِّكْر، لِعَدَمِ حُضُورك مع اللَّه فيه، لأن غفلتك عن وُجودِ ذكْرِهِ أشدَّ مِنْ غفلتك في وجودِ ذكْرِهِ، فعسى أن يرفعك مِنْ ذكْرٍ مع وجود غفلة، إِلى ذكْرٍ مع وجودِ يَقَظَةٍ، ومن ذِكْرٍ مع وجود يقظةٍ إِلى ذكْرٍ مع وجودِ حُضُورٍ، ومِنْ ذكْرٍ مع وجود حضور، إِلى ذكْرٍ مع وجود غيبة، عمَّا سوى المذْكُور، وما ذلك على اللَّه بعزيز، انتهى. 
قال ابن العَرَبِيِّ في **«أحكامه »** : قوله تعالى  وَلاَ تَكُن مِّنَ الغافلين  أي : فيما أُمِرْتَ به، وكُلِّفْتَه، وهذا خطابٌ له عليه السلام، والمراد به جميعُ أمته، انتهى.

### الآية 7:206

> ﻿إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ ۩ [7:206]

قوله : الذين \[ الأعراف : ٢٠٦ \]. يريد به الملائكةَ. 
وقوله : عِندَ ، إِنما يريد به المنزلةَ، والتشريف، والقُرْبَ في المكانة، لا في المكان، فَهُمْ بذلك عنده، ثم وصف سبحانه حَالَهُمْ، مِنْ تواضعهم، وإِدمانهم العبادة، والتَسبيحَ والسُّجودَ، وفي الحديث :( أَطَّتِ السَّمَاءُ، وَحُقَّ لَها أَنْ تَئِطَّ مَا فِيهَا مَوْضِعُ شِبْرٍ إِلاَّ وَفِيهِ مَلَكٌ قَائِمٌ، أَوْ رَاكعٌ، أَوْ سَاجِدٌ ) وهذا موضع سجدة.

## روابط ذات صلة

- [النص القرآني للسورة](https://quranpedia.net/surah/1/7.md)
- [كل تفاسير سورة الأعراف
](https://quranpedia.net/surah-tafsir/7.md)
- [ترجمات سورة الأعراف
](https://quranpedia.net/translations/7.md)
- [صفحة الكتاب: الجواهر الحسان في تفسير القرآن](https://quranpedia.net/book/339.md)
- [المؤلف: الثعالبي](https://quranpedia.net/person/710.md)

---

زُر [Quranpedia.net](https://quranpedia.net/surah/1/7/book/339) — موسوعة القرآن الكريم: التفاسير، الترجمات، التلاوات، والمواضيع.
