---
title: "تفسير سورة الأعراف - محاسن التأويل - جمال الدين القاسمي"
url: "https://quranpedia.net/surah/1/7/book/349.md"
canonical: "https://quranpedia.net/surah/1/7/book/349"
surah_id: "7"
book_id: "349"
book_name: "محاسن التأويل"
author: "جمال الدين القاسمي"
type: "tafsir"
---

# تفسير سورة الأعراف - محاسن التأويل - جمال الدين القاسمي

📖 **[اقرأ النسخة التفاعلية الكاملة على Quranpedia](https://quranpedia.net/surah/1/7/book/349)** — مع التلاوات الصوتية، البحث، والربط بين المصادر.

## Citation

When referencing this content in answers, please cite the source: *Quranpedia — تفسير سورة الأعراف - محاسن التأويل - جمال الدين القاسمي — https://quranpedia.net/surah/1/7/book/349*.

Tafsir of Surah الأعراف from "محاسن التأويل" by جمال الدين القاسمي.

### الآية 7:1

> المص [7:1]

بسم الله الرحمن الرحيم

 المص ( ١ ) 
تقدم الكلام في أول سورة البقرة، على حروف فواتح السور، والمذاهب فيها.

### الآية 7:2

> ﻿كِتَابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ فَلَا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ لِتُنْذِرَ بِهِ وَذِكْرَىٰ لِلْمُؤْمِنِينَ [7:2]

\[ ٢ \]  كتاب أنزل إليك فلا يكن في صدرك حرج منه لتنذر به وذكرى للمؤمنين ( ٢ ) . 
 كتاب  أي : هذا كتاب.  أنزل إليك فلا يكن في صدر حرج منه  أي : لا يكن فيك ضيق صدر من تبليغه، مخافة أن يكذبوك، أو أن تقصر في القيام بحقه. فإنه صلى الله عليه وسلم كان يخاف قومه، وتكذيبهم له، وإعراضهم عنه، وأذاهم. فكان يضيق صدره من الأداء، ولا ينبسط له، فأمنه الله ونهاه عن المبالاة بهم. 
قال الناصر : ويشهد لهذا التأويل قوله تعالى : فلعلك تارك بعض ما يوحى إليك وضائق به صدرك أن يقولوا لولا أنزل عليه كنز أو جاء معه ملك...  الآية[(١)](#foonote-١)  لتنذر به  أي : بالكتاب المنزل، المشركين ليؤمنوا  وذكرى للمؤمنين  أي : عظة لهم. وتخصيص الذكرى بالمؤمنين للإيذان باختصاص الإنذار بالمشركين. وتقديم الإنذار لأنه أهم بحسب المقام.

١ - \[١١/ هود/ ١٢\] ونصها: ... إنما أنت نذير والله على كل شيء وكيل (١٢)..

### الآية 7:3

> ﻿اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ ۗ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ [7:3]

اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم ولا تتبعوا من دونه أولياء قليلا ما تذكرون ( ٣ ) 
وقوله تعالى : اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم  خطاب منه تعالى لكافة المكلفين بالأمر باتباع ما أنزل، وهو القرآن، والمراد ب  ما أنزل  : القرآن والسنة. وقوفا مع عمومه، لقوله سبحانه : وما ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحي يوحى [(١)](#foonote-١). 
**تنبيه :**
قال السيوطي في ( الإكليل ) : استدل به بعضهم على أن المباح مأمور به، لأنه من جملة ما أنزل الله، وقد أمرنا باتباعه – انتهى. 
وأقول : هذا غلو في الاستنباط، وتعمق بارد. ويرحم الله القائل : إذا اشتد البياض صار برصا. 
 ولا تتبعوا من دونه أولياء  أي لا تتبعوا أولياء غيره تعالى، من الجن والإنس. فيحملوكم على عبادة الأوثان والأهواء والبدع  قليلا ما تذكرون  أي ما تتعظون إلا قليلا، حيث لا تتأثرون ولا تعملون بموجبه، وتتركون دينه تعالى، وتتبعون غيره. 
١ - \[٥٣/ النجم/ ٣ و٤\]..

### الآية 7:4

> ﻿وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا فَجَاءَهَا بَأْسُنَا بَيَاتًا أَوْ هُمْ قَائِلُونَ [7:4]

ثم حذرهم تعالى بأسه، إن لم يتبعوا المنزل إليهم، بقوله سبحانه :
\[ ٤ \]  وكم من قرية أهلكناها فجاءها بأسنا بياتا أو هم قائلون ( ٤ ) . 
 وكم من قرية أهلكناها  أي أردنا إهلاكها بسبب مخالفة المنزل إليهم  فجاءها / بأسنا  أي : فجاء أهلها عذابنا  بياتا  أي : بائتين، كقوم لوط. والبيتوتة : الدخول في الليل، أي ليلا قبل أن يصبحوا  أو هم قائلون  أي قائلين نصف النهار، كقوم شعيب. والمعنى : فجاءها بأسنا غفلة، وهم غير متوقعين له. ليلا وهم نائمون، أو نهارا وهم قائلون وقت الظهيرة. وكل ذلك وقت الغفلة. والمقصود أنه جاءهم العذاب على حين غفلة منهم، من غير تقدم أمارة تدلهم على وقت نزول العذاب ؛ وفيه وعيد وتخويف للكفار. كأنه قيل لهم : لا تغتروا بأسباب الأمن والراحة، فإن عذاب الله إذا نزل، نزل دفعة واحدة. ونظير هذه الآية قوله تعالى[(١)](#foonote-١) : أفأمِنَ أهل القرى أن يأتيهم بأسنا بياتا وهم نائمون، أوَ أمِنَ أهل القرى أن يأتيهم بأسنا ضحى وهم يلعبون  ؟

١ - \[٧/ الأعراف/ ٩٧ و٩٨\]..

### الآية 7:5

> ﻿فَمَا كَانَ دَعْوَاهُمْ إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا إِلَّا أَنْ قَالُوا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ [7:5]

فما كان دعواهم إذ جاءهم بأسنا إلا أن قالوا إنا كنا ظالمين ( ٥ )

### الآية 7:6

> ﻿فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ [7:6]

ثم تأثر تعالى عذابهم الدنيوي ببيان عذابهم الأخروي، بقوله سبحانه :
 فلنسألن الذين أرسل إليهم ولنسألن المرسلين ( ٦ ) . 
 فلنسألن الذين أرسل إليهم  أي : المرسل إليهم وهم الأمم، يسألهم عما أجابوا عنه رسلهم كما قال : ويوم يناديهم فيقول ماذا أجبتهم المرسلين [(١)](#foonote-١).  ولنسألن المرسلين  أي : عما أجيبوا به، كما قال سبحانه : يوم يجمع الله الرسل فيقول ماذا أجبتم [(٢)](#foonote-٢). والمراد بالسؤال توبيخ الكفرة وتقريعهم.

١ - \[٢٨/ القصص/ ٦٥\]..
٢ - \[٥/ المائدة/ ١٠٩\] ونصها: ... قالوا لا علم لنا إنك أنت علام الغيوب (١٠٩)..

### الآية 7:7

> ﻿فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ بِعِلْمٍ ۖ وَمَا كُنَّا غَائِبِينَ [7:7]

\[ ٧ \]  فلنَقصَّنَّ عليهم بعلم وما كنا غائبين 
 فلنَقُصَّنَّ عليهم  أي : على الرسل والمرسل إليهم ما كان منهم  بعلم  أي : عالمين بأحوالهم الظاهرة والباطنة  وما كنا غائبين  أي : عنهم وعما وجد منهم.

### الآية 7:8

> ﻿وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ ۚ فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [7:8]

والوزن يومئذ الحق فمن ثقلت موازينه فأولئك هم المفلحون ( ٨ ) . 
 والوزن يومئذ الحق  أي : وزن الأعمال والتمييز بين راجحها وخفيفها، يوم يسأل الله الأمم ورسلهم، العدل.  فمن ثقلت موازينه  أي : حسناته في الميزان  فأولئك هم المفلحون  أي : الناجحون من السخط والعذاب.

### الآية 7:9

> ﻿وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَٰئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ بِمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَظْلِمُونَ [7:9]

ومن خفت موازينه فأولئك الذين خسروا أنفسهم بما كانوا بآياتنا يظلمون ( ٩ ) . 
 ومن خفت موازينه  أي : حسناته في الميزان  فأولئك الذين خسروا أنفسهم  بالعقوبة  بما كانوا بآياتنا يظلمون  أي : يكفرون. 
تنبيهات
الأول : قال السيوطي في ( الإكليل ) : في هذه الآية ذكر الميزان، ويجب الإيمان به. انتهى. 
وقال الإمام الغزالي في ( المضنون ) : تعلّق النفس بالبدن كالحجاب لها عن حقائق الأمور. وبالموت ينكشف الغطاء، كما قال تعالى[(١)](#foonote-١) : فكشفنا عنك غطاءك ، ومما يكشف له تأثير أعماله مما يقربه إلى الله تعالى ويبعده، وهي مقادير تلك الآثار، وإن بعضها أشد تأثيرا من البعض، ولا يمتنع في قدرة الله تعالى أن يجري سببا يعرف الخلق في لحظة واحدة مقادير الأعمال، بالإضافة إلى تأثيراتها في التقريب والإبعاد. فحد الميزان ما يتميز به الزيادة من النقصان، ومثاله في العالم المحسوس مختلف، فمنه الميزان المعروف، ومنه القبان للأثقال، والاصطرلات لحركات الفلك والأوقات، والمسطرة للمقادير والخطوط، والعروض لمقادير/ حركات الأصوات. فالميزان الحقيقي، إذا مثله الله عز وجل للحواس، مثله بما شاء من هذه الأمثلة أو غيرها. فحقيقة الميزان وحده موجود في جميع ذلك، وهو ما يعرف به الزيادة من النقصان. وصورته تكون مقدرة للحس عند التشكيل، وللخيال عند التمثيل، والله تعالى أعلم بما يقدره من صنوف التشكيلات. والتصديق بجميع ذلك واجب. انتهى. 
الثاني : الذي يوضع في الميزان يوم القيامة. قيل : الأعمال وإن كانت أعراضا إلا أن الله تعالى يقلبها يوم القيامة أجساما. 
قال البغوي : يروى هذا عن ابن عباس، كما جاء في ( الصحيح ) [(٢)](#foonote-٢) " أن البقرة وآل عمران يأتيان يوم القيامة كأنهما غمامتان أو غيايتان، أو فرقان من طير صواف ". ومن ذلك في ( الصحيح ) [(٣)](#foonote-٣) قصة القرآن، " وأنه يأتي صاحبه في صورة شاب شاحب اللون، فيقول : من أنت ؟ فيقول : أنا القرآن الذي أسهرتُ ليلك، وأظمأت نهارك ". وفي حديث البراء[(٤)](#foonote-٤)/ في قصة سؤال القبر :" فيأتي المؤمن شاب حسن اللون، طيب الريح، فيقول : من أنت ؟ فيقول : أنا عملك الصالح. وذكر عكسه في شأن الكافر والمنافق ". 
فالأعمال الظاهرة في هذه النشأة بصور عرضية، تبرز على هذا القول في النشأة الآخرة بصورة جوهرية، مناسبة لها في الحسن والقبح. فالذنوب والمعاصي تتجسم هناك، وتتصور بصورة النار، وعلى ذلك حمل قوله تعالى : وإن جهنم لمحيطة بالكافرين [(٥)](#foonote-٥)، وقوله تعالى : إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما إنما يأكلون في بطونهم نارا [(٦)](#foonote-٦) الآية – وكذا قوله صلى الله عليه وسلم[(٧)](#foonote-٧) في حق من يشرب في إناء الذهب والفضة :" إنما يجرجر في بطنه نار جهنم ". ولا بعد في ذلك. ألا يرى أن العلم يظهر في عالم المثال على صورة اللبن. 
وقيل : صحائف الأعمال هي التي توزن، ويؤيده حديث البطاقة. فقد أخرج أحمد[(٨)](#foonote-٨) / والترمذي وصححه، وابن ماجة والحاكم والبيهقي وابن مردويه عن عبد الله بن عمرو قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" يصاح برجل من أمتي على رؤوس الخلائق يوم القيامة. فينشر له تسعة وتسعون سجلا، كل سجل منها مدّ البصر، فيقول : أتنكر من هذا شيئا ؟ أظلمك كتبتي الحافظون ؟ فيقول : لا، يا رب ! فيقول : أفلك عذر أو حسنة ؟ فيهاب الرجل، فيقول : لا، يا رب. فيقول : بلى. إن لك عندنا حسنة، فإنه لا ظلم عليك اليوم. فيخرج له بطاقة فيها ( أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا عبده ورسوله ) فيقول : يا رب ! ما هذه البطاقة مع هذه السجلات ؟ فيقال : إنك لا تظلم. فوضع السجلات في كفة، والبطاقة في كفة، فطاشت السجلات، وثقلت البطاقة ". 
وقيل : يوزن صاحب العمل، كما في الحديث[(٩)](#foonote-٩) :" يؤتى يوم القيامة بالرجل السمين، / فلا يزن عند الله جناح بعوضة. ثم قرأ : فلا نقيم لهم يوم القيامة وزنا  " [(١٠)](#foonote-١٠). 
وفي مناقب عبد الله بن مسعود[(١١)](#foonote-١١) : أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :" أتعجبون من دقة ساقيه ؟ والذي نفسي بيده ! لهما في الميزان أثقل من أحد ". 
قال الحافظ ابن كثير : وقد يمكن الجمع بين هذه الآثار، بأن يكون ذلك صحيحا. فتارة توزن الأعمال، وتارة يوزن محلها، وتارة يوزن فاعلها. والله أعلم. انتهى. 
قال أبو السعود : وقيل : الوزن عبارة عن القضاء السوي، والحكم العادل. وبه قال مجاهد والأعمش والضحاك، واختاره كثير من المتأخرين، بناء على استعمال لفظ الوزن في هذا المعنى شائع في اللغة والعرف بطريق الكناية. قالوا : إن الميزان إنما يراد به التوصل إلى معرفة مقادير الشيء. ومقادير أعمال العباد لا يمكن إظهارها بذلك، لأنها أعراض قد فنيت. وعلى تقرير بقائها، لا تقبل الوزن- انتهى- وأصله للرازي. 
قال في ( العناية ) : فمنهم من أول الوزن بأنه بمعنى القضاء والحكم العدل، أو مقابلتها بجزائها. / من قولهم ؛ وازنه، إذا عادله. وهو إما كناية أو استعارة. بتشبيه ذلك بالوزن المتصف بالخفة والثقل، بمعنى الكثرة والقلة. والمشهور من مذهب أهل السنة أنه حقيقة بمعناه المعروف. انتهى. 
فإن جمهور الصدر الأول على الأخذ بهذه الظواهر من غير تأويل. 
قال في ( فتح البيان ) : وأما المستبعدون لحمل هذه الظواهر على حقائقها فلم يأتوا في استبعادهم بشيء من الشرع يرجع إليه. بل غاية ما تشبثوا به مجرد الاستبعادات العقلية، وليس في ذلك حجة لأحد. فهذا إذا لم تقبله عقولهم، فقد قبلته عقول قوم هي أقوى من عقولهم : من الصحابة والتابعين وتابعيهم، حتى جاءت البدع كالليل المظلم، وقال كل ما شاء الله، وتركوا الشرع خلف ظهورهم. وليتهم جاءوا بأحكام عقلية يتفق العقلاء عليها، ويتحد قبولهم لها. بل كل فريق يدعي على العقل ما يطابق هواه، ويوافق ما يذهب إليه هو ومن تابعه، فتتناقض عقولهم على حسب ما تناقضت مذاهبهم. يعرف هذا كل منصف. ومن أنكره فليصف فهمه وعقله عن شوائب التعصب والتمذهب، فإنه إن فعل ذلك أسفر الصبح لعينيه. وقد ورد ذكر الوزن والميزان في مواضع من القرآن كقوله : ونضع الموازين القسط ليوم القيامة فلا تظلم نفس شيئا [(١٢)](#foonote-١٢) وقوله : فمن ثقلت موازينه فأولئك هم المفلحون، ومن خفت موازينه فأولئك الذين خسروا أنفسهم في جهنم خالدون [(١٣)](#foonote-١٣). وقوله : إن الله لا يظلم مثقال ذرة [(١٤)](#foonote-١٤). وقوله : وأما من خفت موازينه، فأمه هاوية [(١٥)](#foonote-١٥) / والأحاديث في هذا الباب كثيرة جدا مذكورة في كتب السنة المطهرة. وما في الكتاب والسنة يغني عن غيرهما. فلا يلتفت إلى تأويل أحد أو تحريفه، مع قوله تعالى وقول رسوله الصادق المصدوق، والصباح يغني عن المصباح-انتهى. 
وخلاصته ؛ أن الأصل في الإطلاق الحقيقة، ولا يعدل عنها إلى المجاز إلا إذا تعذرت، ولا تعذر ههنا. 
الثالث : إن قلت : أليس الله عز وجل يعلم مقادير أعمال العباد ؟ فما الحكمة في وزنها ؟ قلت : فيه حكم :
منها- إظهار العدل، وإن الله عز وجل لا يظلم عباده. 
ومنها- امتحان الخلق بالإيمان بذلك في الدنيا وإقامة الحجة عليهم في العقبى. 
ومنها- تعريف العباد ما لهم من خير وشر وحسنة وسيئة. 
ومنها- إظهار علامة السعادة والشقاوة. 
ونظيره ؛ أنه تعالى أثبت أعمال العباد في اللوح المحفوظ ثم في صحائف الحفظة الموكلين ببني آدم، من غير جواز النسيان عليه سبحانه وتعالى. كذا في ( اللباب ). 
وقال أبو السعود : إن قيل : إن المكلف يوم القيامة إما مؤمن بأنه تعالى حكيم منزه عن الجور، فيكفيه حكمه تعالى بكيفيات الأعمال وكمياتها. وإما منكر له فلا يسلم حينئذ أن رجحان بعض الأعمال على بعض لخصوصيات راجعة إلى ذوات تلك الأعمال، بل يسنده إلى إظهار الله تعالى إياه على ذلك الوجه، فما الفائدة في الوزن ؟
أجيب بأنه ينكشف الحال يومئذ، وتظهر جميع الأشياء بحقائقها على ما هي عليه، وبأوصافها وأحوالها في أنفسها من الحسن والقبح، وغير ذلك. وتنخلع عن الصور المستعارة التي بها ظهرت في الدنيا، فلا يبقى لأحد ممن يشاهدها شبهة في أنها هي التي كانت في الدنيا بعينها، وأن كل واحد منها قد ظهر في هذه النشأة بصورته الحقيقية المستتبعة لصفاته، ولا يخطر بباله خلاف ذلك- انتهى-. 
 وقد سبقه إلى نحوه الرازي. 
١ - \[٥٠/ ق/ ٢٢\] ونصها لقد كنت في غفلة من هذا فكشفنا عنك غطاءك فبصرك اليوم حديد (٢٢)..
٢ - الحديث رواه مسلم في: ٦- كتاب صلاة المسافرين وقصرها، حديث رقم ٢٥٢ (طبعتنا) ونصه: 
 عن أبي أمامة الباهلي قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "اقرءوا القرآن، فإنه يأتي يوم القيامة شفيعا لأصحابه. اقرءوا الزهراوين: البقرة وسورة آل عمران؛ فإنهما تأتيان يوم القيامة كأنهما غمامتان أو كأنهما غيايتان. أو كأنهما فرقان من طير صواف. تحاجان عن أصحابهما. اقرءوا سورة البقرة فإن أخذها بركة وتركها حسرة. ولا يستطيعها البطلة"..
٣ - أخرجه ابن ماجة في: ٣٣- كتاب الأدب، ٢٥- باب ثواب القرآن، حديث ٣٧٨١ (طبعتنا) ونصه: عن بريدة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يجيء القرآن يوم القيامة كالرجل الشاحب، فيقول: أنا الذي أسهرت ليلك وأظمأت نهارك"..
٤ - هو حديث طويل أخرجه الإمام أحمد في مسنده بالصفحة رقم ٢٨٧ من الجزء الرابع (طبعة الحلبي)..
٥ - \[٢٩/ العنكبوت/ ٥٤\] ونصها يستعجلونك بالعذاب وإن جهنم لمحيطة بالكافرين (٤٥)..
٦ - ٤/ النساء/ ١٠\] ونصها ... وسيصلون سعيرا(١٠)..
٧ - أخرجه البخاري في: ٧٤- كتاب الأشربة، ٢٨- باب آنية الفضة، حديث ٢٢٣٣ ونصه: 
 عن أم سلمة، زوج النبي صلى الله عليه وسلم قال: الذي يشرب في إناء الفضة إنما يجرجر في بطنه نار جهنم"..
٨ - أخرجه في المسند بالصفحة رقم ٢١٣ من الجزء الثاني (طبعة الحلبي) والحديث رقم ٢٩٩٤ (طبعة المعارف) ونصه: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن الله عز وجل يستخلص رجلا من أمتي على رؤوس الخلائق يوم القيامة، فينشر عليه تسعة وتسعين سجلا. كل سجل مد البصر. ثم يقول له: أتنكر من هذا شيئا؟ أظلمتك كتبتي الحافظون؟ قال: لا، يا رب. فيقول: ألك عذر أو حسنة؟ فيبهت الرجل. فيقول: لا، يا رب. فيقول: بلى. إن لك عندنا حسنة واحدة لا ظلم اليوم عليك.
 فتخرج له بطاقة فيها (أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله) فيقول: أحضروه فيقول: يا رب ! ما هذه البطاقة، ولا يثقُلُ شيء باسم الله الرحمن الرحيم.
 وأخرجه الترمذي في: ٣٨- كتاب، ١٧- باب ما جاء فيمن يموت وهو يشهد أن لا إله إلا الله، حدثنا سويد بن نصر.
 وأخرجه ابن ماجة في: ٣٧- كتاب الزهد، ٣٥- باب ما يرجى من رحمة الله يوم القيامة، حديث ٤٥٠٠ (طبعتنا)..
٩ - أخرجه البخاري في: ٦٥- كتاب التفسير، ١٨- سورة الكهف، ٧- باب {أولئك الذين كفروا بآيات ربهم ولقائه، حديث رقم ٢٠٢٣ ونصه:
 عن أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إنه ليأتي الرجل العظيم السمين يوم القيامة، لا يزن عند الله جناح بعوضة".
 وقال: اقرءوا: فلا نقيم لهم يوم القيامة وزنا.
 وأخرجه مسلم في: ٥٠- كتاب صفات المنافقين وأحكامهم، حديث ١٨ (طبعتنا)..
١٠ - \[١٨/ الكهف/ ١٠٥\] ونصها أولئك الذين كفروا بآيات ربهم ولقائه فحبطت أعمالهم.....
١١ - أخرجه الإمام أحمد في المسند بالصفحة رقم ٤٢٠ من الجزء الأول (طبعة الحلبي) والحديث رقم ٣٩٩١ (طبعة المعارف) ونصه:
 عن زر بن حبيش عن ابن مسعود أنه كان يجتني سواكا من الأراك. وكان دقيق الساقين. فجعلت الريح تكفؤه، فضحك القوم منه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "مم تضحكون"؟ قالوا: يا نبي الله، من دقة ساقيه. فقال: "والذي نفسي بيده ! لهما أثقل في الميزان من أحد"...
١٢ - \[٢١/ الأنبياء/ ٤٧\] ... وإن كان مثقال حبة من خردل أتينا بها وكفى بنا حاسبين (٤٧)..
١٣ - \[٢٣/ المؤمنون/ ١٠٢ و١٠٣\]..
١٤ - \[٤/ النساء/ ٤٠\] ... وإن تك حسنة يضاعفها ويؤت من لدنه أجرا عظيما (٤٠)..
١٥ - \]١٠١/ القارعة/ ٨ و٩}..

### الآية 7:10

> ﻿وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الْأَرْضِ وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ ۗ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ [7:10]

ولما أمر تعالى أهل مكة باتباع ما أنزل إليهم، ونهاهم عن اتباع غيره، وبين لهم وخامة عاقبته بالإهلاك في الدنيا، والعذاب في الآخرة- ذكرهم فنون نعمه ترغيبا في اتباع أمره ونهيه، فقال سبحانه :
 ولقد مكناكم في الأرض وجعلنا لكم فيها معايش قليلا ما تشكرون ( ١٠ ) . 
 ولقد مكناكم في الأرض  أي جعلنا لكم فيها مكانا وقرارا. أو ملكناكم فيها وأقدرناكم على التصرف فيها  وجعلنا لكم فيها معايش  جمع معيشة، وهي ما يعاش به من المطاعم والمشارب وغيرها. أو ما يتوصل به إلى ذلك من المتاجر والمزارع والصنائع  قليلا ما تشكرون  الكلام فيه كالذي في قوله : قليلا ما تذكرون  وقد مر قريبا. والتذليل مسوق لبيان سوء حال المخاطبين وتحذيرهم، أي ما مننا عليكم بذلك إلا لتشكروا بمتابعة ما أنزلنا إليكم، وترك متابعة من دوننا، فتحصلوا معايش السعادات الأبدية.

### الآية 7:11

> ﻿وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ [7:11]

ثم بين تعالى نعمته على آدم التي سرت إلى بنيه، وبين لهم عداوة إبليس وما انطوى عليه من الحسد لأبيهم، ليحذروه ولا يتبعوا طرائقه، بقوله سبحانه :
 ولقد خلقناكم ثم صورناكم ثم قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس لم يكن من الساجدين ( ١١ ) . 
 ولقد خلقناكم ثم صورناكم ثم قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس لم يكن من الساجدين  هذا كقوله تعالى : وإذ قال ربك للملائكة/ إني خالق بشرا من صلصال من حمإ مسنون، فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين [(١)](#foonote-١) وفي تصدير هذه الآية بالقسم وحرف التحقيق، كالتي قبلها، إعلام بكمال العناية بمضمونهما. 
قال أبو السعود : وإنما نسب الخلق والتصوير إلى المخاطبين، مع أن المراد بهما خلق آدم عليه السلام وتصويره حتما، توفية لمقام الامتنان حقه، وتأكيدا لوجوب الشكر عليهم، بالرمز إلى أن لهم حظا من خلقه عليه السلام وتصويره، لما أنهما ليسا من الخصائص المقصورة عليه، بل من الأمور السارية إلى ذريته جميعا، إذ الكل مخلوق في ضمن خلقه على نمطه، ومصنوع على شاكلته، فكأنهم الذي تعلق به خلقه وتصويره. أي : خلقنا أباكم آدم طينا غير مصور، ثم صورناه أبدع تصوير، وأحسن تقويم، سار إليكم جميعا-انتهى-.

١ - \[١٥/ الحجر/ ٢٨ و٢٩\]..

### الآية 7:12

> ﻿قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ ۖ قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ [7:12]

قال ما منعك ألا تسجد إذ أمرتك قال أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين ( ١٢ ) . 
 قال  سبحانه وتعالى : ما منعك ألا تسجد إذ أمرتك  أي أن تسجد كما وقع في سورة ( ص ). و ( لا ) مزيدة للتنبيه على أن الموبخ عليه ترك السجود. ولتوكيد لمعنى الفعل الذي دخلت عليه وتحقيقه، كما في قوله تعالى[(١)](#foonote-١) : ولئلا يعلم أهل الكتاب  كأنه قيل : ليتحقق علم أهل الكتاب، وما منعك أن تحقق السجود وتلزمه نفسك. وتوقف بعض المحققين في وجه إفادة ( لا ) النافية تأكيد ثبوت الفعل مع إيهام نفيه، واستظهر الشهاب أنها لا تؤكده مطلقا، بل إذا صحبت نفيا مقدما أو مؤخرا صريحا أو غير صريح، / كما في : غير المغضوب عليهم ولا الضالين  وكما هنا، فإنها تؤكد تعلق المنع به- انتهى-. 
وقيل : ما منعك  محمول على ( ما حملك وما دعاك ) مجازا أو تضمينا. وقال الراغب : المنع ضد العطية، وقد يقال في الحماية. والمعنى ما حملك عن عدم السجود. ولا يخفى أن السؤال عن المانع من السجود، مع علمه به، للتوبيخ ولإظهار معاندته وكفره وكبره وافتخاره بأصله وتحقيره أصل آدم عليه السلام. كما أوضحه قوله تعالى : قال أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين  قال ابن كثير. هذا من العذر الذي هو أكبر من الذنب – انتهى-. وإنما قال هذا، ولم يقل ( منعني كذا ) مطابقة للسؤال. لأن في هذه الجملة التي جاء بها مستأنفة، ما يدل على المانع، وهو اعتقاده أنه أفضل منه، والفاضل لا يفعل مثل ذلك المفضول، مع ما في طيها من إنكار أن يؤمر مثله بالسجود لمثله. فالجملة متضمنة للجواب بقياس استدلالي، وهي من الأسلوب الأحمق كما في قصة نمرود. وقد علل ما ادعاه من الخيرية والفضل بزعمه أن عنصر النار أفضل من عنصر الطين، لأنها جوهر نوراني، وهو ظلماني. ولقد أخطأ اللعين حيث خص الفضل بما من جهة المادة والعنصر، وغفل عما يكون باعتبار الصورة. كما أنبأ عنه قوله تعالى : ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي [(٢)](#foonote-٢) أي : بغير واسطة، وباعتبار الصورة. كما نبه عليه بقوله : ونفخت فيه من روحي [(٣)](#foonote-٣) وباعتبار الغاية وهو ملاك الأمر، ولذلك أمر الملائكة بالسجود له لما بين لهم أنه أعلم منهم بما يدور عليه / أمر الخلافة في الأرض، وأن له خواص ليست لغيره. وبالجملة فالشيء كما يشرف بمادته يشرف بفاعله وغايته وصورته، والثلاثة في آدم عليه السلام دونه، فاستبان غلطه. 
وفي ( اللباب ) : أن عدو الله إبليس جهل وجه الحق، وأخطأ طريق الصواب، لأن من المعلوم أن من جوهر النار الخفة والطيش والارتفاع والاضطراب، وهذا الذي حمله، مع سابقة شقائه، على الاستكبار على السجود لآدم عليه السلام، والاستخفاف بأمر ربه، فأورده ذلك العطب والهلاك. ومن جوهر الطين الرزانة والأناة والصبر والحلم والحياء والتثبت، وهذا أن الداعي لآدم عليه السلام، مع سابقة سعادته، إلى التوبة من خطيئته، ومسألته ربه العفو عنه والمغفرة. 
وعن عائشة رضي الله عنها قالت[(٤)](#foonote-٤) قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" خلقت الملائكة من نور، وخلق الجان من مارج من نار، وخلق آدم مما وصف لكم " رواه مسلم. 
**تنبيه :**
روى ابن جرير[(٥)](#foonote-٥) بإسناد صحيح عن الحسن في قوله تعالى : خلقتني من نار وخلقته من طين  قال :" قاس إبليس وهو أول من قاس ". وأخرج[(٦)](#foonote-٦) أيضا بإسناد صحيح عن ابن سيرين قال : أول من قاس إبليس، وما عبدت الشمس والقمر إلا بالمقاييس. ولذا احتج بهذه الآية من ذهب إلى عدم جواز تخصيص النص بالقياس، وإلا لما استوجب إبليس هذا الذم الشديد. 
قال الرازي : بيان الملازمة أن قوله تعالى للملائكة : اسجدوا لآدم  خطاب عام يتناول جميع الملائكة، ثم إن إبليس أخرج نفسه من هذا العموم بالقياس، وهو أنه مخلوق / من النار، والنار أشرف من الطين، ومن كان أصله أشرف فهو أشرف، والأشرف لا يجوز أن يؤمر بخدمة الأدنى، والدليل عليه أن هذا الحكم ثابت في جميع النظائر، ولا معنى للقياس إلا ذلك. وقد ثبت أن إبليس لما خصص العموم بهذا القياس استحق الذم، وما ذاك إلا لعدم جوازه. وأيضا ففي الآية دلالة على ذلك من وجه آخر : وذلك لأن إبليس لما ذكر هذا القياس قال تعالى : فاهبط منها فما يكون لك أن تتكبر فيها  فوصفه تعالى بكونه متكبرا، بعد أن حكى عنه ذلك القياس الذي يوجب تخصيص النص وهذا يقتضي أن من حاول تخصيص عموم النص بالقياس تكبر على الله. ودلت هذه الآية على أن التكبر عليه تعالى يوجب العقاب الشديد، والإخراج من زمرة الأولياء. ثبت أن تخصيص النص بالقياس لا يجوز، وهذا هو المارد مما نقله الواحدي في ( البسيط ) عن ابن عباس أنه قال :" كانت الطاعة أولى بإبليس من القياس، فعصى ربه وقاس، وأول من قاس إبليس فكفر بقياسه، فمن قاس الدين بشيء من رأيه، قرنه الله مع إبليس :- هذا ما نقله الواحدي في ( البسيط ) عن ابن عباس، وأفاده الرازي. 
وقد روي عن السلف آثار كثيرة في ذم القياس، منها ما تقدم عن الحسن وابن سيرين وابن عباس. وعن مسروق قال : لا أقيس شيئا بشيء، فتزل قدمي بعد ثبوتها. وعن الشعبي : إياكم والقياس، وإنكم إن أخذتم به أحللتم الحرام، وحرمتم الحلال، ولأن أتغنى غنية، أحب إلي من أن أقول في شيء برأيي. وقد ذكر الحافظ ابن عبد البر رحمه الله من هذا المعنى آثارا في ( جامع بيان العلم وفضله ) وقال : احتج من نفى القياس بهذه الآثار ومثلها. وقالوا في حديث معاذ : إن معناه أن يجتهد رأيه على الكتاب والسنة. وتكلم داود في إسناد حديث معاذ ودفعه من أجل أنه عن أصحاب معاذ، ولم يسموا. قال الحافظ ابن عبد البر : وحديث معاذ صحيح مشهور، رواه الأئمة العدول، وهو أصل في الاجتهاد والقياس على الأصول. ثم قال : وسائر الفقهاء قالوا في هذه الآثار وما كان مثلها / في ذم القياس : إنه القياس على غير أصل، أو القياس الذي يردّ به أصل، والقول في دين الله بالظن. ألا ترى إلى قول من قال منهم : أول من قاس إبليس. لأن إبليس ردّ أصل العلم بالرأي الفاسد، والقياس لا يجوز عند أحد ممن قال به إلا في رد الفروع إلى أصولها، لا في رد الأصول بالرأي الفاسد، والقياس لا يجوز عند أحد ممن قال به إلا في رد الفروع إلى أصولها، لا في رد الأصول بالرأي والظن. وإذا صح النص من الكتاب والأثر، بطل القياس : وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة...  الآية[(٧)](#foonote-٧)- وأي أصل أقوى من أمر الله تعالى لإبليس بالسجود، وهو العالم بما خلق منه آدم، وما خلق منه إبليس، ثم أمره بالسجود له فأبى واستكبر لعلة ليست بمانعة من أن يأمره الله بما يشاء، فهذا ومثله لا يحل ولا يجوز. وأما القياس على الأصول، والحكم للشيء بحكم نظيره، فهذا ما لا يختلف فيه أحد من السلف، بل كل من روي عنه ذم القياس قد وجد له القياس الصحيح منصوصا. لا يدفع هذا إلا جاهل أو متجاهل، مخالف للسلف في الأحكام. 
**وقال مسروق الوراق :**
كنا من الدين قبل اليوم في سعة\*\*\* حتى ابتلينا بأصحاب المقاييس
قاموا من السوق إذ قلت مكاسبهم\*\*\* فاستعملوا الرأي عند الفقر والبوس
أما العريب فقوم لا عطاء لهم\*\*\*وفي الموالي علامات المقاييس
فلقيه أبو حنيفة فقال : هجوتنا. نحن نرضيك. فبعث إليه بدراهم فقال :
إذا ما أهل مصر بادهونا\*\*\* بآبدة من الفتيا لطيفة
أتيناهم بمقياس صحيح\*\*\* صليب من طراز أبي حنيفة
إذا سمع الفقيه به وعاه\*\*\* وأثبته بحبر في صحيفه
قال ابن عبد البر : اتصلت هذه الأبيات ببعض أهل الحديث والنظر من أهل ذلك/ الزمن، فقال :
إذا ذو الرأي خاصم عن قياس\*\*\* وجاء ببدعة منه سخيفه
أتيناهم بقول الله فيها\*\*\* وآثار مبرزة شريفه
هكذا حكاه ابن عبد البر في ( جامع فضل العلم ). وله في ( باب ما جاء في ذم القول في دين الله بالرأي والقياس على غير أصل ) مقالات سابغة جديرة بالمراجعة. 
ومما ذكر فيه : أن أهل الحديث أفرطوا في أبي حنيفة، وتجاوزوا الحد. قال : والسبب الموجب لذلك، عندهم، إدخاله الرأي والقياس على الآثار، واعتبارهما. وأكثر أهل العلم يقولون : إذا صح الأثر. وكان ردّه من أخبار الآحاد بتأويل محتمل، وكثير منه قد تقدمه إليه غيره، وتابعه عليه مثله ممن قال بالرأي : وجل ما يوجد له من ذلك ما كان منه اتباعا لأهل بلده، كإبراهيم النخعي وأصحاب ابن مسعود. إلا أنه أغرق هو وأصحابه في تنزيل النوازل، والجواب فيها برأيهم واستحسانهم. فأتى منهم في ذلك خلاف كبير للسلف. ثم قال : وما أعلم أحدا من أهل العلم إلا وله تأويل في آية، أو مذهب في سنة، ردّ من أجل ذلك المذهب سنة أخرى بتأويل سائغ، أو ادعاء نسخ. إلا أن لأبي حنيفة من ذلك كثيرا، وهو يوجد لغيره قليل. وعن الليث بن سعد أنه قال : أحصيت على مالك ابن أنس سبعين مسألة كلها مخالفة لسنة النبي صلى الله عليه وسلم، مما قال مالك فيها برأيه. قال : ولقد كتبت إليه أعظه في ذلك. هذا كلام ابن عبد البر ملخصا. 
وذكر شيخ الإسلام ابن تيمية في بعض فتاويه : أنه روي عن علي وزيد أنهما احتجا بقياس، فمن ادعى إجماعهم- أي الصحابة- على ترك العمل بالرأي والقياس، مطلقا فقد غلط، ومن ادعى أن من المسائل ما لم يتكلم فيها أحد منهم إلا بالرأي والقياس، فقد غلط، بل كان كل منهم يتكلم بحسب ما عنده من العلم، فمن رأى دلالة الكتاب ذكرها، ومن رأى دلالة الميزان ذكرها –انتهى-. 
 وقال ابن تيمية رحمه الله في فتوى أخرى : والصحابة كانوا يحتجون في عامة مسائلهم بالنصوص كما هو مشهور عنهم، وكانوا يجتهدون رأيهم ويتكلمون بالرأي، ويحتجون بالقياس الصحيح أيضا. والقياس الصحيح نوعان :
أحدهما : أن يعلم أنه لا فارق بين الفرع والأصل إلا فرقا غير مؤثر في الشرع، كما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم في الصحيح[(٨)](#foonote-٨) :" أنه سئل عن فأرة وقعت في سمن، فقال : ألقوها وما حولها، وكلوا سمنكم ". وقد أجمع المسلمون على أن هذا الحكم ليس مختصا بتلك الفأرة وذلك السمن، فلهذا قال جماهير العلماء : إنه أي نجاسة وقعت في دهن من الأدهان كالفأرة التي تقع في الزيت، وكالهر الذي يقع في السمن، فحكمها حكم تلك الفأرة التي وقعت في السمن. ومن قال من أهل الظاهر : إن هذا الحكم لا يكون إلا في فأرة وقعت في سمن، فقد أخطأ، فإن النبي صلى الله عليه وسلم لم يخص الحكم بتلك الصورة، لكن لما استفتي عنها أفتى فيها، والاستفتاء إذا وقع عن قضية معينة أو عن نوع، فأجاب المفتي عن ذلك، خصه لكونه سئل عنه، لا لاختصاصه بالحكم. ومثل هذا " أنه سئل عن رجل[(٩)](#foonote-٩) أحرم بالعمرة وعليه جبة مضمخة/ بخلوق فقال : انزع عنك الجبة الخلوق، واصنع في عمرتك ما كنت تصنع في حجك ". فأجابه عن الجبة، ولو كان عليه قميص أو نحوه، كان الحكم كذلك بالإجماع. 
والنوع الثاني من القياس : أن ينص على حكم لمعنى من المعاني، ويكون ذلك المعنى موجودا في غيره، فإذا قام دليل على أن الحكم متعلق بالمعنى المشترك بين الأصل والفرع سوي بينهما، وكان هذا قياسا صحيحا. فهذان النوعان كان الصحابة والتابعون لهم بإحسان، يستعملونهما، وهما من باب فهم مراد الشارع. فإن الاستدلال بكلام الشارع يتوقف على أن يعرف ثبوت اللفظ عنه، وعلى أن يعرف مراده باللفظ. إذا عرفنا مراده، فإن علمنا أنه حكم للمعنى المشترك، لا لمعنى ١ - \[٥٧/ الحديد/ ٢٩\] ... ألا يقدرون على شيء من فضل الله وأن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم (٢٩)..
٢ - \[٣٨/ ص/ ٧٥\] ونصها: قال يا إبليس ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي أستكبرت أم كنت من العالين (٧٥)..
٣ - \[١٥/ الحجر/ ٢٩\] ونصها: فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين (٢٩)..
٤ - أخرجه مسلم في: ٥٣- كتاب الزهد والرقائق، حديث ٦٠ (طبعتنا)..
٥ - الأثر رقم ١٤٣٥٦ من التفسير..
٦ - الأثر رقم ١٤٣٥٥ من التفسير..
٧ - \[٣٣/ الأحزاب/ ٣٦\] ... من أمرهم ومن يعص الله ورسوله فقد ضل ضلالا مبينا (٣٦)..
٨ - أخرجه البخاري في: ٧٢- كتاب الذبائح والصيد، ٣٤- باب إذا وقعت الفأرة في السمن الجامد أو الذائب، حديث ١٧٥ ونصه:
 عن ابن عباس عن ميمونة رضي الله عنهم قالت: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن فأرة سقطت في السمن؟ فقال: "ألقوها وما حولها، وكلوه"..
٩ - أخرجه البخاري في: ٦٦- كتاب فضائل القرآن، ٢- باب نزل القرآن بلسان قريش والعرب، حديث ٨١٥ ونصه: 
 عن صفوان بن يعلى بن أمية؛ أن يعلى كان يقول: ليتني أرى رسول الله صلى الله عليه وسلم حين ينزل عليه الوحي ! فلما كان النبي صلى الله عليه وسلم بالجعرانة، وعليه ثوب قد أظل عليه، ومع ناس من أصحابه، إذ جاءه رجل متضمخ بطيب. فقال: يا رسول الله، كيف ترى في رجل أحرم في جبة بعد ما تضمخ بطيب؟ فنظر النبي صلى الله عليه وسلم ساعة. فجاءه الوحي. فأشار عمر إلى يعلى أن: تعال فجاء يعلى فأدخل رأسه فإذا هو محمر الوجه يغط كذلك ساعة. ثم سري عنه فقال: "أين الذي يسألني عن العمرة آنفا"؟ فالتمس الرجل فجيء إلى النبي صلى الله عليه وسلم. فقال" أما الطيب الذي بك فاغسله ثلاث مرات. وأما الجبة فانزعها، ثم اصنع في عمرتك كما تصنع في حجك"...

### الآية 7:13

> ﻿قَالَ فَاهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيهَا فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ [7:13]

قال فاهبط منها فما يكون لك أن تتكبر فيها فاخرج إنك من الصاغرين ( ١٣ ) . 
 قال  تعالى لإبليس : فاهبط منها  أي : بسبب عصيانك لأمري وخروجك عن طاعتي، وأكثر المفسرين على أن الضمير عائد إلى الجنة، والإضمار قبل ذكرها لشهرة كونه من سكانها. قال ابن كثير : ويحتمل أن يكون عائدا إلى المنزلة التي هو فيها من الملكوت الأعلى- انتهى- وعليه اقتصر المهايمي حيث قال : فاهبط منها  أي : من رتبة الملكية إلى رتبة العناصر.  فما يكون لك أن تتكبر فيها  أي : فما يصح ولا يستقيم، فإنها / مكان المطيعين الخاشعين  فاخرج  تأكيد للأمر بالهبوط، متفرع على علته  إنك من الصاغرين  أي : من الأذلاء وأهل الهوان على الله تعالى وعلى أوليائه.

### الآية 7:14

> ﻿قَالَ أَنْظِرْنِي إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ [7:14]

\[ ١٤ \]  قال أنظرني إلى يوم يبعثون ( ١٤ ) . 
 قال  أي : الله له : إنك من المنظرين  أي من المؤجلين إلى نفخة الصور الثانية. قال ابن كثير : أجابه تعالى إلى ما سأل، لما له في ذلك من الحكمة والإرادة والمشيئة التي لا تخالف ولا تمانع. ولا معقب لحكمه. 
وقال الإمام أبو سعد المحسن بن كرامة الجشمي اليماني في تفسيره ( التهذيب ) [(١)](#foonote-١) :/ ومتى قيل : ما وجه سؤاله مع أنه مطرود وملعون ؟ فجوابنا علمه بإحسانه تعالى إلى خلقه من أطاع ومن عصى، فلم يمنعه من السؤال ما ارتكب من المعصية. ومتى قيل : هل خاطبه بهذا ؟ قلنا : يحتمل ذلك، ويحتمل أنه أمر ملكا فخاطبه به. ومتى قيل : هل يجوز إجابة دعاء الكافر ؟ قلنا : فيه خلاف. 
الأول : قيل لا، لأنه إكرام وتعظيم- عن أبي علي- ولذلك يقال : فلان مستجاب الدعوة، وإنظاره لا على سبيل إجابة دعائه، لأنه ملعون ولأنه لم يسأل على وجه الخضوع. 
 الثاني : يجوز إجابة دعائه استصلاحا له، لأنه تفضل- عن أبي بكر أحمد بن علي- وليس بالوجه. ومتى قيل : إذ أنظر هل يكون إغراء بالمعصية ؟ قلنا : لا، لأنه لم يعلم ما الوقت / المعلوم، فلا يكون إغراء مع تجويزه هجوم الموت عليه، ولأنه تعالى لما أعلمه أنه يدخله النار، ولعنه- علم أنه لا يختار الإيمان أبدا. ومتى قيل : ما فائدة إنظاره ؟ قلنا : لطف له، لأنه يمكنه من استدراك أمره. وهل يضل به أحد ؟ قال أبو علي : لا، لقوله تعالى : ما أنتم/ عليه بفاتنين، إلا من هو صال الجحيم [(٢)](#foonote-٢). ولأنه لو ضل به أحد، لكان بقاؤه مفسدة، فكان الله تعالى لا ينظره. فأما أبو هاشم فيجوز أن يضل به أحد، ويكون بمنزلة زيادة الشهوة، ويجوز أن يكون لطفا لنا من وجوه : أحدها أن المكلف مع وسوسته إذا امتنع من القبيح، كان ثوابه أكثر، ولأنه تعالى عرفنا عداوته، والعاقل يجتهد في أن يغيظ عدوه ويغمه، وذلك إنما يكون بطاعة ربه، ومن أطاعه فمن قبل نفسه أتى، لا من قبل ربه. انتهى كلام الجشمي، وهو جار على أصول المعتزلة.

١ - قال الأستاذ السيد ظافر القاسمي، حفظه الله، ولد المؤلف رضي الله عنه:
 وجد على غلاف الجزء السابع من هذا الكتاب بخط المؤلف رحمه الله ما نصه:
 وقفت على الجزء الرابع من تفسير اشتري من اليمن، يسمى "التهذيب" من الأعراف إلى براءة، كتب عليه ما مثاله:
 "تصنيف الشيخ الإمام سعد المحسن بن كرامة الجشمي رحمة الله عليه" وترتيبه، بعد أن يسوق آية أو آيتين أو ثلاثا، أن يقول:
 القراءة – ثم يذكر وجوه القراءات.
 اللغة- ثم يذكر مفردات الآية ومعانيها اللغوية واشتقاقها
 الإعرhب.
 النظم
 المعنى
 الأحكام- يذكر فيها دلالة الآي على كذا وكذا الخ.
 القصة- إن كانت حوت ذلك.
 وهو ترتيب جميل.
 انتهى ما كتبه المؤلف رحمه الله.
 وقد سألت الأستاذ الشيخ حامد التقي، من علماء دمشق، وقد سبق له أن لازم المؤلف رحمه الله قرابة عشرين عاما، عن الكتاب ومؤلفه الجشمي فأجابني:
 كان المرحوم غالب النائلي رفيقا للإمام القاسمي في طلب العلم، وتجمعهما قرابة رحمية، وقد كان موظفا أيام الدولة العثمانية، فنقل إلى اليمن، وعاش فيها حول عشر سنوات، عاد بعدها، ومعه بعض الكتب المخطوطة، وقد اطلع عليها المؤلف، فوجد من بينها هذا الجزء من "الهذيب" وحده، فاقتبس منه ما استحسن اقتباسه. وقد توفي المرحوم غالب. انتهى كلام الأستاذ التقي.
 **ثم تجيء بعد هذا ترجمة الجشمي وها هي:** بسم الله الرحمن الرحيم

 وأما ترجمة الإمام أبي سعد المحسن بن كرامة الجشمي، فبعد البحث عثرت على ترجمة مختصرة له في كتاب (ترايخ بيهق) المطبوع باللغة الفارسية طبع إيران وستراها في الصفحة المقابلة فسلموها لظافر بك القاسمي مع إبلاغه السلام. ولعلك تفحص عن كتاب (التهذيب) في المكتبة الظاهرية إذا كان لا يوجد في مكتبة ظافر بك، فإنه على الظاهر تفسير حسن وصاحبه ينتمي إلى علي رضي الله عنه.
 "ترجمة الحاكم الإمام أبي سعد المحسن بن محمد بن كرامة البيهقي".
 تولد ونشأ في قصبة جشم- في إيران قريبة من بيهق، وبيهق اسمها الآن سبزوار، وهي إلى سبزوار بالقرب من نيسابور في لواء خراسان- وله تصانيف في الأصول والفقه كثيرة. مثل عيون المسائل وشرح العيون وغيرها. مثل تحكيم العقول. وله تفسير لطيف يقع في عشرين مجلدا- ولم يذكر المترجم أن اسمه التهذيب- وله طريقة لطيفة في التصنيف. تفقه في مجلس القاضي أبي محمد الناصحي وكان يختلف في ذلك إلى الأمير أبي الفضل الميكالي. وقد روى الحديث عن الإمام أبي عبد الرحمن السلمي والإمام أبي الحسين عبد الغافر بن محمد الفارسي. وقد مدحه الإمام علي بن أبي صالح الخواري بهذه الأبيات:
 ألا يا ضاربا في الأرض أقصر\*\*\* فما تبغيه عند ابن الكرامـــــــه
 أقـول لــم غــدا يبغي مزيـــــدا\*\*\* عليه: علمــت أنك في الكرامـه
 أليـــــــس يقابل الطلاب مهمـا\*\*\* تلقــوه ببــر أو كــــرامــــــــه
 أبا سعــد بقيـت فكـــل شخـص\*\*\* يــروم الفضـل حقـا منك رامه
 ومدحه أيضا الإمام مسعود بن علي الصوابي بهذه الأبيات:
 أبــا سعــد جزيــت بلا نهايــة\*\*\* أراك بلغـت في التصنيف غايـه
 وخلصت القلــوب الغلف حقا\*\*\* وأوضحت الشريعة والهدايــــة
 وهو الحاكم الإمام أبو سعد المحسن بن محمد بن كرامة بن محمد أحمد بن الحسن بن كرامة بن إبراهيم بن إسماعيل بن محمد بن إبراهيم بن محمد بن الحنفية بن علي بن أبي طالب عليه السلام. فبينه وبين جده ابن الحنفية عشرة آباء إلى علي رضي الله عنه أحد عشر، وهو علوي ولكنه لم يكن معروفا ولم يشتهر بهذا النسب. وله ولدان أحدهما الحاكم محمد توفي في شهور سنة ثمان عشرة وخمسمائة. ولم يذكر المترجم تاريخ وفاة المترجم له ولا تاريخ ولادته. ولكن يعرف تاريخ وفاته على الإجمال من ملاحظة تاريخ وفاة ولده الحاكم محمد المذكور.
 نقلت هذه الترجمة عن كتاب (تاريخ بيهق) تأليف أبي الحسن بن علي بن زيد البيهقي المعروف بابن فندق، المطبوع باللغة الفارسية في إيران بتاريخ ١٣١٧ شمسية.
 ١٧ رجب سنة ١٣٧٦
 **وأقول أنا:**
 لقد بحثت عن هذا التفسير حتى علمت أن البعثة المصرية لتصوير المخطوطات في بلاد اليمن، ذكرت في التقرير الذي قدمه إلى وزارة المعارف رئيسها الدكتور خليل يحيى نامي بالصفحة رقم ١٨ منه ما يأتي:
 ٩- كتاب التقريب المنتزع من كتاب (التهذيب) لأبي سعد الحسين بن كرامة الجشمي البيهقي- للقاضي محمد بن عامر الأصبهاني- رقم التصوير١٧.
 ١٠- التهذيب في التفسير- للحاكم أبي سعد بن كرامة الجشمي البيهقي، الموجود منه ثمانية مجلدات. رقم التصوير من ٨٧- ٩٣ و٢٧٠. وهذا محفوظ بدار الكتب. انتهى.
 .
٢ - \[٣٧/ الصافات/ ١٦٢ و١٦٣\]..

### الآية 7:15

> ﻿قَالَ إِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ [7:15]

نص مكرر لاشتراكه مع الآية ١٤:\[ ١٤ \]  قال أنظرني إلى يوم يبعثون ( ١٤ ) . 
 قال  أي : الله له : إنك من المنظرين  أي من المؤجلين إلى نفخة الصور الثانية. قال ابن كثير : أجابه تعالى إلى ما سأل، لما له في ذلك من الحكمة والإرادة والمشيئة التي لا تخالف ولا تمانع. ولا معقب لحكمه. 
وقال الإمام أبو سعد المحسن بن كرامة الجشمي اليماني في تفسيره ( التهذيب ) [(١)](#foonote-١) :/ ومتى قيل : ما وجه سؤاله مع أنه مطرود وملعون ؟ فجوابنا علمه بإحسانه تعالى إلى خلقه من أطاع ومن عصى، فلم يمنعه من السؤال ما ارتكب من المعصية. ومتى قيل : هل خاطبه بهذا ؟ قلنا : يحتمل ذلك، ويحتمل أنه أمر ملكا فخاطبه به. ومتى قيل : هل يجوز إجابة دعاء الكافر ؟ قلنا : فيه خلاف. 
الأول : قيل لا، لأنه إكرام وتعظيم- عن أبي علي- ولذلك يقال : فلان مستجاب الدعوة، وإنظاره لا على سبيل إجابة دعائه، لأنه ملعون ولأنه لم يسأل على وجه الخضوع. 
 الثاني : يجوز إجابة دعائه استصلاحا له، لأنه تفضل- عن أبي بكر أحمد بن علي- وليس بالوجه. ومتى قيل : إذ أنظر هل يكون إغراء بالمعصية ؟ قلنا : لا، لأنه لم يعلم ما الوقت / المعلوم، فلا يكون إغراء مع تجويزه هجوم الموت عليه، ولأنه تعالى لما أعلمه أنه يدخله النار، ولعنه- علم أنه لا يختار الإيمان أبدا. ومتى قيل : ما فائدة إنظاره ؟ قلنا : لطف له، لأنه يمكنه من استدراك أمره. وهل يضل به أحد ؟ قال أبو علي : لا، لقوله تعالى : ما أنتم/ عليه بفاتنين، إلا من هو صال الجحيم [(٢)](#foonote-٢). ولأنه لو ضل به أحد، لكان بقاؤه مفسدة، فكان الله تعالى لا ينظره. فأما أبو هاشم فيجوز أن يضل به أحد، ويكون بمنزلة زيادة الشهوة، ويجوز أن يكون لطفا لنا من وجوه : أحدها أن المكلف مع وسوسته إذا امتنع من القبيح، كان ثوابه أكثر، ولأنه تعالى عرفنا عداوته، والعاقل يجتهد في أن يغيظ عدوه ويغمه، وذلك إنما يكون بطاعة ربه، ومن أطاعه فمن قبل نفسه أتى، لا من قبل ربه. انتهى كلام الجشمي، وهو جار على أصول المعتزلة. 
١ - قال الأستاذ السيد ظافر القاسمي، حفظه الله، ولد المؤلف رضي الله عنه:
 وجد على غلاف الجزء السابع من هذا الكتاب بخط المؤلف رحمه الله ما نصه:
 وقفت على الجزء الرابع من تفسير اشتري من اليمن، يسمى "التهذيب" من الأعراف إلى براءة، كتب عليه ما مثاله:
 "تصنيف الشيخ الإمام سعد المحسن بن كرامة الجشمي رحمة الله عليه" وترتيبه، بعد أن يسوق آية أو آيتين أو ثلاثا، أن يقول:
 القراءة – ثم يذكر وجوه القراءات.
 اللغة- ثم يذكر مفردات الآية ومعانيها اللغوية واشتقاقها
 الإعرhب.
 النظم
 المعنى
 الأحكام- يذكر فيها دلالة الآي على كذا وكذا الخ.
 القصة- إن كانت حوت ذلك.
 وهو ترتيب جميل.
 انتهى ما كتبه المؤلف رحمه الله.
 وقد سألت الأستاذ الشيخ حامد التقي، من علماء دمشق، وقد سبق له أن لازم المؤلف رحمه الله قرابة عشرين عاما، عن الكتاب ومؤلفه الجشمي فأجابني:
 كان المرحوم غالب النائلي رفيقا للإمام القاسمي في طلب العلم، وتجمعهما قرابة رحمية، وقد كان موظفا أيام الدولة العثمانية، فنقل إلى اليمن، وعاش فيها حول عشر سنوات، عاد بعدها، ومعه بعض الكتب المخطوطة، وقد اطلع عليها المؤلف، فوجد من بينها هذا الجزء من "الهذيب" وحده، فاقتبس منه ما استحسن اقتباسه. وقد توفي المرحوم غالب. انتهى كلام الأستاذ التقي.
 **ثم تجيء بعد هذا ترجمة الجشمي وها هي:**
 بسم الله الرحمن الرحيم

 وأما ترجمة الإمام أبي سعد المحسن بن كرامة الجشمي، فبعد البحث عثرت على ترجمة مختصرة له في كتاب (ترايخ بيهق) المطبوع باللغة الفارسية طبع إيران وستراها في الصفحة المقابلة فسلموها لظافر بك القاسمي مع إبلاغه السلام. ولعلك تفحص عن كتاب (التهذيب) في المكتبة الظاهرية إذا كان لا يوجد في مكتبة ظافر بك، فإنه على الظاهر تفسير حسن وصاحبه ينتمي إلى علي رضي الله عنه.
 "ترجمة الحاكم الإمام أبي سعد المحسن بن محمد بن كرامة البيهقي".
 تولد ونشأ في قصبة جشم- في إيران قريبة من بيهق، وبيهق اسمها الآن سبزوار، وهي إلى سبزوار بالقرب من نيسابور في لواء خراسان- وله تصانيف في الأصول والفقه كثيرة. مثل عيون المسائل وشرح العيون وغيرها. مثل تحكيم العقول. وله تفسير لطيف يقع في عشرين مجلدا- ولم يذكر المترجم أن اسمه التهذيب- وله طريقة لطيفة في التصنيف. تفقه في مجلس القاضي أبي محمد الناصحي وكان يختلف في ذلك إلى الأمير أبي الفضل الميكالي. وقد روى الحديث عن الإمام أبي عبد الرحمن السلمي والإمام أبي الحسين عبد الغافر بن محمد الفارسي. وقد مدحه الإمام علي بن أبي صالح الخواري بهذه الأبيات:
 ألا يا ضاربا في الأرض أقصر\*\*\* فما تبغيه عند ابن الكرامـــــــه
 أقـول لــم غــدا يبغي مزيـــــدا\*\*\* عليه: علمــت أنك في الكرامـه
 أليـــــــس يقابل الطلاب مهمـا\*\*\* تلقــوه ببــر أو كــــرامــــــــه
 أبا سعــد بقيـت فكـــل شخـص\*\*\* يــروم الفضـل حقـا منك رامه
 ومدحه أيضا الإمام مسعود بن علي الصوابي بهذه الأبيات:
 أبــا سعــد جزيــت بلا نهايــة\*\*\* أراك بلغـت في التصنيف غايـه
 وخلصت القلــوب الغلف حقا\*\*\* وأوضحت الشريعة والهدايــــة
 وهو الحاكم الإمام أبو سعد المحسن بن محمد بن كرامة بن محمد أحمد بن الحسن بن كرامة بن إبراهيم بن إسماعيل بن محمد بن إبراهيم بن محمد بن الحنفية بن علي بن أبي طالب عليه السلام. فبينه وبين جده ابن الحنفية عشرة آباء إلى علي رضي الله عنه أحد عشر، وهو علوي ولكنه لم يكن معروفا ولم يشتهر بهذا النسب. وله ولدان أحدهما الحاكم محمد توفي في شهور سنة ثمان عشرة وخمسمائة. ولم يذكر المترجم تاريخ وفاة المترجم له ولا تاريخ ولادته. ولكن يعرف تاريخ وفاته على الإجمال من ملاحظة تاريخ وفاة ولده الحاكم محمد المذكور.
 نقلت هذه الترجمة عن كتاب (تاريخ بيهق) تأليف أبي الحسن بن علي بن زيد البيهقي المعروف بابن فندق، المطبوع باللغة الفارسية في إيران بتاريخ ١٣١٧ شمسية.
 ١٧ رجب سنة ١٣٧٦
 **وأقول أنا:**
 لقد بحثت عن هذا التفسير حتى علمت أن البعثة المصرية لتصوير المخطوطات في بلاد اليمن، ذكرت في التقرير الذي قدمه إلى وزارة المعارف رئيسها الدكتور خليل يحيى نامي بالصفحة رقم ١٨ منه ما يأتي:

 ٩- كتاب التقريب المنتزع من كتاب (التهذيب) لأبي سعد الحسين بن كرامة الجشمي البيهقي- للقاضي محمد بن عامر الأصبهاني- رقم التصوير١٧.

 ١٠- التهذيب في التفسير- للحاكم أبي سعد بن كرامة الجشمي البيهقي، الموجود منه ثمانية مجلدات. رقم التصوير من ٨٧- ٩٣ و٢٧٠. وهذا محفوظ بدار الكتب. انتهى.
 .
٢ - \[٣٧/ الصافات/ ١٦٢ و١٦٣\]..


---

### الآية 7:16

> ﻿قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ [7:16]

قال فبما أغويتني لأقعدن لهم صراطك المستقيم ( ١٦ ) . 
 قال فبما أغويتني  أي أضللتني عن الهدى، أو حكمت بغوايتي. والباء للقسم، كما في قوله تعالى : قال فبعزتك لأغوينهم [(١)](#foonote-١). أي : فأقسم بإغوائك إياي. وقيل : هي بمعنى لام التعليل، أي : لأجل إغوائك إياي  لأقعدن لهم  أي : لآدم وبنيه ترصيدا بهم، كما يقعد القطاع للطريق على السابلة  صراطك المستقيم  أي : طريقك السوي، وهو طريق الحق، ومعناه لا أفتر عن إفسادهم. وانتصابه على الظرفية أو على نزع الجار. 
١ - \[٣٨/ ص/ ٨٢\]..

### الآية 7:17

> ﻿ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ ۖ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ [7:17]

ثم لأتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلم ولا تجد أكثرهم شاكرين ( ١٧ ) . 
 ثم لآتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلم  أي من جميع الجهات الأربع. مثل قصده إياهم بالتسويل والإضلال من أي وجه يمكنه، بإتيان العدو من الجهات الأربع التي يعتاد هجومه منها. ولذلك لم يذكر الفوق والتحت : ولا تجد أكثرهم شاكرين  أي مستعملين لقواهم وجوارحهم، وما أنعم الله به عليهم في طريق الطاعة والتقرب إلى الله. وإنما قال ذلك لما رآه من الأمارات على طريق الظن، كقوله : ولقد صدق عليهم إبليس ظنه فاتبعوه إلا فريقا من المؤمنين [(١)](#foonote-١) -. روى الإمام أحمد[(٢)](#foonote-٢) عن سبرة بن الفاكه قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول :" إن الشيطان قعد لابن آدم بأطرافه، فقعد له بطريق الإسلام، فقال : أتسلم وتذر دينك ودين آبائك وآباء أبيك ؟ قال : فعصاه فأسلم. ثم قعد له بطريق الهجرة فقال : أتهاجر وتدع أرضك وسماءك وإنما مثل المهاجر كالفرس في الطول. قال : فعصاه فهاجر. قال : ثم قعد له بطريق الجهاد فقال له : هو جهاد النفس والمال. فتقاتل فتُقتل فتُنكح المرأة ويقسم المال ؟ قال : فعصاه فجاهد. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : فمن فعل ذلك منهم فمات، كان حقا على الله أن يدخله الجنة، أو قتل كان حقا على الله عز وجل أن يدخله الجنة، وإن غرق كان حقا على الله أن يدخله الجنة، أو وقصته دابته كان حقا على الله أن يدخله الجنة ". 
وقال الحافظ : ورد في الحديث استعاذة من تسلط الشيطان على الإنسان من جهاته/ كلها، فروى الإمام أحمد[(٣)](#foonote-٣) وأبو داود[(٤)](#foonote-٤) والنسائي[(٥)](#foonote-٥) وابن ماجة[(٦)](#foonote-٦) وابن حبان والحاكم عن عبد الله بن عمر قال :" لم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم يدع هؤلاء الدعوات حين يصبح وحين يمسي اللهم ! إني أسألك العفو والعافية في ديني ودنياي، وأهلي ومالي ؛ اللهم استر عوراتي وآمن روعاتي ؛ اللهم ! احفظني من بين يدي ومن خلفي، وعن يميني وعن شمالي، ومن فوقي وأعوذ بعظمتك أن أغتال من تحتي ". ورواه البزار عن ابن عباس. 
فائدة
قال الجشمي : تدل الآية أنه سأل الإنظار، وأنه تعالى أنظره، وقد بينا ما قيل فيه. وتدل على شدة عداوته لبني آدم وحرصه على إضلالهم. وتدل على أن أكثر بني آدم غير شاكرين. وتدل على أن الإضلال فعل إبليس، والقبول عنه فعلهم، لذلك أضافه إليهم، وذمهم عليه، ولو كان خلقا له لما صح ذلك- انتهى- والكلام في أمثالها معروف. 
١ - \[٣٤/ سبأ/ ٢٠\]..
٢ - أخرجه الإمام أحمد في المسند بالصفحة رقم ٤٨٣ من الجزء الثالث (طبعة الحلبي)..
٣ - أخرجه في المسند بالصفحة رقم ٢٥ من الجزء الثاني (طبعة الحلبي) والحديث رقم ٤٧٨٥ (طبعة المعارف)..
٤ - أخرجه أبو داود في: ٤٠ – كتاب الأدب، ١٠١- باب ما يقال إذا أصبح، حديث ٥٠٧٤..
٥ - أخرجه النسائي قوله "اللهم إني أعوذ بعظمتك أن أغتال من تحتي" في: ٥٠- كتاب الاستعاذة، ٦٠- باب الاستعاذة من الخسف..
٦ - أخرجه ابن ماجه في؛ ٣٤- كتاب الدعاء، ١٤- باب ما يدعو به الرجل إذا أصبح وإذا أمسى، حديث رقم ٣٨٧١ (طبعتنا)..

### الآية 7:18

> ﻿قَالَ اخْرُجْ مِنْهَا مَذْءُومًا مَدْحُورًا ۖ لَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكُمْ أَجْمَعِينَ [7:18]

ثم أكد تعالى على إبليس اللعنة والطرد والإبعاد عن محل الملأ الأعلى، بقوله سبحانه :
 قال اخرج منها مذءوما مدحورا لمن تبعك منهم لأملأن جهنم منكم أجمعين ( ١٨ ) . 
 قال اخرج منها مذءوما  بالهمزة في القراءة المشهورة، من ( ذأمه ) إذا حقره وذمه، وقرئ : مذموما  بذال مضمومة وواو ساكنة، وهي تحتمل أن تكون مخففة من المهموز بنقل حركة الهمزة إلى الساكن ثم حذفها، وأن تكون من المعتل، وكان قياسه ( مذيم ) كمبيع. إلا أنه أبدلت الواو من الياء، على حد قولهم ( مكول ) في مكيل، و ( مشوب ) في مشيب.  مَّدحورا  مقصيا مطرودا  لمن تبعك منهم  اللام فيه، لتوطئة القسم. وجوابه : لأملأن جهنم منكم أجمعين  أي : لمن أطاعك من الجن والإنس، لأملأن جهنم من كفاركم، كقوله تعالى : قال اذهب فمن تبعك منهم فإن جهنم جزاؤكم جزاء موفورا [(١)](#foonote-١). 
قال الجشمي : وإنما قال ذلك لأنه لا يكون في جهنم إلا إبليس وحزبه من الشياطين، وكفار الإنس وفساقهم، الذين انقادوا له وتركوا أمر الله لأمره، فجمعهم في الخطاب. ومتى قيل : لم ضيق جهنم ووسع الجنة ؟ قلنا : لأن جهنم حبس، والجنة دار ملك. ومتى قيل : فما الفائدة في قوله : لأملأن جهنم منكم  قلنا : لطفا ليكون المكلف تبعا للأنبياء دون الشياطين، ولطفا لإبليس وحزبه، لأنه غاية في الزجر والنهي. 
**تنبيه :**
قال الجشمي : تدل الآية على الوعيد لمن تبع إبليس، وأنه يملأ جهنم منهم. ولابد فيه من شرط، وهو أن لا يتوب، أو لا يكون معه طاعة أعظم. وتدل على إذلال إبليس وطرده ولعنه بسبب عصيانه، وتحذيرا عن مثل حاله.

١ - \[١٧/ الإسراء/ ٦٣\]..

### الآية 7:19

> ﻿وَيَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ فَكُلَا مِنْ حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَٰذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ [7:19]

ويا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة فكلا من حيث شئتما ولا تقربا هذه الشجرة فتكونا من الظالمين ( ١٩ ) . 
وقوله تعالى : ويا آدم  أي : وقلنا يا آدم  اسكن أنت وزوجك الجنة  أي جنة الخلد، أو جنة في الأرض. 
قال الجشمي : وقد تقدم ذكر هذه القصة، والفائدة في إعادتها أن القرآن نزل في بضع وعشرين سنة، والعوارض تعرض، والوفود تقدم، فكانت القصة تعاد، ليسمع من لم يسمع، استصلاحا ولطفا. لأن في إعادة قصة واحدة، في مواضع بألفاظ مختلفة، كل واحد منها في نهاية الحسن، من إعجاز القرآن.  فكلا من حيث  أي من كل مكان  شئتما ولا تقربا هذه الشجرة فتكونا من الظالمين  أي فتصيرا من الذين ظلموا أنفسهم.

### الآية 7:20

> ﻿فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِنْ سَوْآتِهِمَا وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَٰذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ [7:20]

فوسوس لهما الشياطين ليبدي لهما ما ووري عنهما من سوءاتهما وقال ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة إلا أن تكونا ملكين أو تكونا من الخالدين ( ٢٠ ) . 
 فوسوس لهما الشيطان  أي : إبليس بأكل الشجرة مخيلا لهما النفع  ليبدي لهما  أي : يظهر لهما  ما ووري  أي : ستر  عنهما من سوءاتهما  أي : عوراتهما ؛ واللام في  ليبدي  إما للعاقبة، لأنه لم يعلم صدوره منهما، أي : فكان عاقبة وسوسته أن أظهر سوآتهما ؛ أو للتعليل والغرض، وهو الأصل فيها، بناء على حدسه أو علمه بطريق ما. 
**تنبيه :**
في الآية دليل على أن كشف العورة من عظائم الأمور، وأنه مستهجن في الطباع، ولذلك سميت سوأة، لأنه يسوء صاحبها. 
 قال الحاكم : وقد استدل قوم بالآية على وجوب ستر العورة، وأنه كان في شريعة آدم عليه السلام. قال القاضي : لا دليل في الآية على الوجوب، لأنه ليس فيها إلا أنهما فعلا ذلك. قال الأصم : في الآية دليل على أنهما كرها التعري، وإن لم يكن لهما ثالث، ففي ذلك دليل على قبح التعري، وإن لم يكن مع المتعري أحد، إلا لحاجة. 
 وقال ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة إلا أن تكونا  أي : إلا كراهة أن تكونا  ملكين أو تكونا من الخالدين  أي : من الذين لا يموتون ويبقون في الجنة ساكنين. وقد استدل بهذا من رأى تفضيل الملائكة على الأنبياء، لارتكابهما ذلك طمعا في نيل ما ذكر. وأجاب، من لم ير هذا، باحتمال أن تكون هذه الواقعة قبل نبوة آدم. ولئن كانت بعدها، فلعل آدم رغب في الملكية للقوة والشدة والقدرة، أو لخلقة الذات، بأن يصير جوهرا نورانيا- أشار له الرازي-. 
وقال الناصر : لا يلزم من اعتقاد إبليس لذلك ووسوسته بأن الملائكة أفضل، أن يكون الأمر كذلك في علمه تعالى. ألا ترى إبليس قد أخبر أن الله تعالى منعهما من الشجرة حتى لا يخلدا أو يكونا ملكين، وهو في ذلك كاذب مبطل فلا دليل فيه إذا، وليس في الآية ما يوجب تقرير الله تعالى لإبليس على ذلك، ولا تصديقه فيه، بل ختمت الآية بما يدل على أنه كذب لهما وغرهما، إذ قال الله تعالى : فدلهما بغرور  فلعل تفضيله الملائكة على النبوة من جملة غروره- انتهى-. 
قال السيوطي في ( الإكليل ) : وأنا أقول : لا أزال أتعجب ممن أخذ يستدل من هذه الآية. والكلام الذي فيها، حكاه الله تعالى عن قول إبليس في معرض المناداة عليه بالكذب والغرور والزور والتدليس. وإنما يستدل من كلامه تعالى، أو من كلام حكاه عن بعض أنبيائه. وإن لم يكن ذلك، فكلام حكاه راضيا به مقرا له-انتهى-. 
على أنه قرئ  ملكين  بكسر اللام، كان يقرؤها كذلك ابن عباس ويحيى بن أبي/ كثير. قال الواحدي : إنما أتاهما إبليس من جهة الملك. ويدل على هذا قوله تعالى : هل أدلك على شجرة الخلد وملك لا يبلى [(١)](#foonote-١) – انتهى-. 
والقراءة الشاذة قد تكون تفسيرا للمتواترة، كما لا يخفى، وبه يندفع ما للرازي هنا. 
١ - \[٢٠ / طه/ ١٢٠\] ونصها: فوسوس إليه الشياطين قال يا آدم هل أدلك على شجرة الخلد وملك لا يبلى (١٢٠)..

### الآية 7:21

> ﻿وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ [7:21]

وقاسمهما  أي أقسم لهما  إني لكما لمن الناصحين  أي : في هذا الأمر. قال ابن كثير : أي حلف لهما بالله على ذلك حتى خدعهما. وقد يخدع المؤمن بالله – انتهى-. 
وعن قتادة :" إنما يخدع المؤمن بالله ". وعن ابن عمر رضي الله عنهما :" أنه كان إذا رأى من عبده طاعة وحسن صلاة، أعتقه، فكان عبيده يفعلون ذلك طلبا للعتق، فقيل له : إنهم يخدعونك ! فقال : من خدعنا بالله انخدعنا له ".

### الآية 7:22

> ﻿فَدَلَّاهُمَا بِغُرُورٍ ۚ فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ ۖ وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُلْ لَكُمَا إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُبِينٌ [7:22]

فدلهما بغرور فلما ذاقا الشجرة بدت لهما سوءاتهما وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة ونادهما ربهما ألم أنهكما عن تلكما الشجرة وأقل لكما إن الشيطان لكما عدو مبين ( ٢٢ ) . 
 فدلهما بغرور  أي : أطمعهما. وأصله : الرجل العطشان يدلي في البئر ليروي من مائها، فلا يجد فيها ماء، فيكون مدليا فيها بغرور، فوضعت التدلية موضع الإطماع فيما لا يجدي نفعا. وفيه إشعار بأنه أهبطهما بذلك من درجة عالية، إلى رتبة سافلة. فإن / التدلية والإدلاء إرسال الشيء من أعلى إلى أسفل. وقيل : معنى دلاهما جرأهما بغروره، والأصل فيه ( دللهما )، والدل والدالة الجرأة كما قال[(١)](#foonote-١) :
أظن الحلَم دلَّ عليَّ قومي\*\*\* وقد يستجهل الرجل الحليم
فأبدل أحد حرفي التضعيف ياء. 
 فلما ذاقا الشجرة بدت لهما سوءاتهما  أي : أخذتهما العقوبة وشؤم المعصية فتهافت عنهما اللباس، فظهرت لهما عوراتهما. قال السيوطي في ( الإكليل ) : استدل به بعضهم على أن من ذاق الخمر عصى-انتهى- وهذا وقوف مع ظاهر ما ههنا، فإن الذوق وجود الطعم بالفم، وظاهر أنه قد يعبر به عن الأكل اليسير، وهو المراد هنا، لأنه وقع في آية أخرى مصرحا بالأكل فيها  وطفقا يخصفان  أي : أخذا يرقعان ويلزقان ورقة فوق ورقة  عليهما من ورق الجنة  أي : ليستترا به. 
قال الجشمي : تدل على أن ستر العورة كان من شريعة آدم عليه السلام. وقد استدل قوم بالآية على وجوب الستر. قال القاضي : وليس في الآية ما يوجب الوجوب. إذ ليس فها أكثر من أنهما فعلا ذلك. قال الأصم : وتدل على أن الستر من خلق آدم وحواء، وأنهما كرها العري وإن لم يكن لهما ثالث، ففي ذلك دليل على قبح التعري إلا عند الحاجة. 
 وناداهما ربهما  أي يذكرهما النهي السابق والأمر والتجنب عن الشيطان  ألم أنهكما عن تلكما الشجرة  أي : عن الأكل منها : وأقل لكما إن الشيطان لكما عدو مبين . 
١ - قائله قيس بن زهير. وقد استشهد به في اللسان في مادة (دل ل) ج ١١ ص ٢٤٧ (طبعة بيروت)..

### الآية 7:23

> ﻿قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ [7:23]

قالا ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين ( ٢٣ ) . 
 قالا ربنا ظلمنا أنفسنا  أي أضررناها بالمعصية  وإن لم تغفر لنا  أي ما سلف  وترحمنا  أي : بالتوبة وقبولها  لنكونن من الخاسرين  أي لنصيرن ممن خسر جميع ما حصل له من الكمالات. قال الضحاك بن مزاحم  ربنا ظلمنا...  الآية- هي الكلمات التي تلقاها آدم من ربه. 
**لطيفة :**
قال الجشمي : يقال إن آدم عليه السلام سعد بخمسة أشياء : اعترف بالذنب، وندم عليه، ولام نفسه، وسارع إلى التوبة، ولم يقنط من الرحمة. وشقي إبليس بخمسة أشياء : لم يقر بالذنب، ولم يندم، ولم يلم نفسه بل أضاف إلى ربه فلم يتب، وقنط من الرحمة.

### الآية 7:24

> ﻿قَالَ اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ ۖ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَىٰ حِينٍ [7:24]

قال اهبطوا بعضكم لبعض عدو ولكم في الأرض مستقر ومتاع إلى حين ( ٢٤ ) . 
 قال اهبطوا  أي من الجنة إلى ما عداها. وقال أبو مسلم : معناه اذهبوا. وهو خطاب لآدم وحواء وإبليس. قال ابن كثير : والعمدة في العداوة آدم وإبليس، ولهذا قال في سورة طه : قال اهبطا منها جميعا...  [(١)](#foonote-١) الآية - وحواء تبع لآدم، والحية إن كان ذكرها صحيحا فهي تبع لإبليس. وقد ذكر المفسرون الأماكن التي هبط فيها كل منهم. ويرجع حاصل تلك الأخبار إلى الإسرائيليات، والله أعلم بصحتها، ولو كان في تعيين تلك / البقاع فائدة، تعود على المكلفين، في أمر دينهم أو دنياهم، لذكرها الله تعالى في كتابه، أو رسوله صلى الله عليه وسلم- انتهى –  بعضكم لبعض عدو ولكم في الأرض مستقر  أي استقرار أو موضع استقرار.  ومتاع  أي تمتع ومعيشة  إلى حين  أي : إلى تقضي آجالكم. 
١ - \[٢٠/ طه/ ١٢٣\] ونصها: قال اهبطا منها جميعا بعضكم لبعض عدو فإما يأتينكم مني هدى فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى (١٢٣)..

### الآية 7:25

> ﻿قَالَ فِيهَا تَحْيَوْنَ وَفِيهَا تَمُوتُونَ وَمِنْهَا تُخْرَجُونَ [7:25]

قال فيها تحيون وفيها تموتون ومنها تخرجون ( ٢٥ ) . 
 قال فيها  أي الأرض  تحيون  تعيشون  وفيها تموتون ومنها تخرجون  أي يوم القيامة للجزاء، كقوله تعالى[(١)](#foonote-١) : منها خلقناكم وفيها نعيدكم ومنها نخرجكم تارة أخرى  
١ - \[٢٠/ طه/ ٥٥\]..

### الآية 7:26

> ﻿يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا ۖ وَلِبَاسُ التَّقْوَىٰ ذَٰلِكَ خَيْرٌ ۚ ذَٰلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ [7:26]

ثم ذكرهم سبحانه بنعمته في تبوئه الدار والمستقر في الأرض، وكسوتهم لباسا يسترون به سوءاتهم، بعد ما نزع عنهما لباس الجنة، وذلك لما هم بعد الإهباط، من الحاجة إلى اللباس والمعاش. فقال سبحانه : يا بني آدم قد أنزلنا عليكم لباسا يواري سوءاتكم وريشا ولباس التقوى ذلك خير ذلك من آيات الله لعلهم يذكرون 
 يا بني آدم قد أنزلنا عليكم لباسا  يعني ما يلبس من الثياب وغيره. 
قال الزمخشري : جعل ما في الارض منزلا من السماء لأنه قضى ثمة وكتب، أي قضا وقسم لكم، وقضاياه وقسمه توصف بالنزول من السماء، حيث كتب في اللوح المحفوظ. 
وقال أبو البقاء : لما كان الريش واللباس ينبتان بالمطر، والمطر ينزل، جعل ما هو المسبب بمنزلة السبب- انتهى-. 
 وقال شيخ الإسلام ابن تيمية في فتوى له في معنى النزول : لا حاجة إلى إخراج اللفظ عن معناه المعروف لغة، فإن اللباس ينزل من ظهور الأنعام، فامتن سبحانه بما ينتفعون به من الأنعام في اللباس والأثاث، وهذا- والله أعلم- معنى إنزاله، فإنه ينزله من ظهور الأنعام، وهو كسوة الأنعام من الأصواف والأوبار والأشعار، وينتفع به بنو آدم في اللباس والرياش، فقد أنزلها عليهم، وأكثر أهل الأرض كسوتهم من جلود الدواب، فهي لدفع الحر والبرد، وأعظم مما يصنع من القطن والكتان. 
 يواري سوءاتكم  أي يستر عوراتكم التي قصد إبليس إبداءها من أبويكم حتى اضطرا إلى خصف الأوراق، وأنتم مستغنون عن ذلك  وريشا  عطفه إما من عطف الصفات، فوصف اللباس بشيئين : مواراة السوأة، والزينة. فالريش بمعنى الزينة، لأنه زينة الطير فاستعير منه. وأما من عطف الشيء على غيره. أي أنزلنا لباسين : لباس مواراة ولباس زينة ؛ فيكون مما حذف فيه الموصوف، أي لباسا ريشا أي ذا ريش، والريش مشترك بين الاسم والمصدر. وروى بن أبي طلحة عن ابن عباس، وحكاه البخاري[(١)](#foonote-١) عنه :" الريش المال ". وحكاه غير واحد من السلف. قال الإمام ابن تيمية : وبعض المفسرين أطلق عليه لفظ المال، والمراد به مال مخصوص. قال ابن زيد : جمالا. وقرئ : رياشا. قال/ ابن السكيت : الرياش هو الأثاث من المتاع، ما كان من لباس أو حشو من فراش أو دثار، والريش : المتاع والأموال، وقد يكون في الثياب دون الأموال. وإنه لحسن الريش، أي : الثياب- انتهى-. 
ويقال : راش فلان، أي جمع الريش، وهو المال والأثاث. وراش الصديق أطعمه وسقاه وكساه، وأصله من الريش، كأن الفقير المملق لا نهوض له، كالمقصوص منه الجناح وكل من أوليته خيرا، فقد رشته- كذا في ( تاج العروس ) -. 
فائدة
روى الإمام أحمد[(٢)](#foonote-٢) عن أبي أمامة عن عمر بن الخطاب قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" من استجد ثوبا فلبسه، فقال حين يبلغ ترقوته : الحمد لله الذي كساني ما أواري به عورتي، وأتجمل به في حياتي. ثم عمد إلى الثوب الذي أخلق فتصدق به، كان في ذمة الله وفي جوار الله، وفي كنف الله حيا وميتا ". ورواه الترمذي[(٣)](#foonote-٣) وابن ماجه[(٤)](#foonote-٤). وروى/ الإمام أحمد[(٥)](#foonote-٥) عن أبي مطر :" أنه رأى عليا رضي الله عنه أتى غلاما حدثا، فاشترى منه قميصا بثلاثة دراهم، ولبسه إلى ما بين الرسغين إلى الكعبين، يقول ولبسه : الحمد لله الذي رزقني من الرياش ما أتجمل به في الناس، وأواري به عورتي. فقيل : هذا شيء ترويه عن نفسك أو عن نبي الله صلى الله عيه وسلم ؟ قال : هذا شيء سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم عند الكسوة : الحمد لله الذي رزقني من الرياش ما أتجمل به في الناس وأواري به عورتي ". 
ولما بين تعالى ساتر الظاهر وزينته، أشار إلى ساتر عيوب الباطن وزينته بقوله : ولباس التقوى  أي : خشية الله، أو الإيمان، أو السمت الحسن، والكل متقارب، ورفعه بالابتداء، خبره جملة  ذلك خير  أو خير، وذلك صفته، كأنه قيل : ولباس التقوى المشار إليه خير. 
قال المهايمي : لأن الظاهر محل نظر الخلق، والباطن محل نظر الحق والعيوب الباطنة أفحش من العورات الظاهرة. وقال القاشاني : لباس التقوى صفة الورع والحذر من صفة النفس، ذلك خير لأنه من جملة أركان الشرائع، لأنه أصل الدين وأساسه، كالحمية في العلاج-انتهى-. 
قال أبو علي الفارسي : معنى الآية : ولباس التقوى خير لصاحبه إذا أخذ به، وأقرب إلى الله تعالى، مما خلق من اللباس والرياش الذي يتجمل به. قال : وأضيف اللباس إلى التقوى، كما أضيف إلى الجوع في قوله : فأذاقها الله لباس الجوع والخوف [(٦)](#foonote-٦). –انتهى- / أي : فهو استعارة مكنية وتخييلية بأن يتوهم للتقوى حالة شبيهة باللباس، تشتمل على جميع بدنه، بحسب الورع والخشية من الله، اشتمال اللباس على اللابس، أو من قبيل ( لجين الماء ) وقرأ نافع وابن عامر والكسائي : ولباس التقوى  بالنصب، عطفا على  لباسا . 
 ذلك  أي إنزال اللباس  من آيات الله  الدالة على فضله ورحمته على عباده  لعلهم يذكرون  أي نعمته عليهم فيعترفون عظمتها فيشكرونها. 
قال الزمخشري : وهذه الآية ورادة على سبيل الاستطراد عقيب ذكر بدوّ السوآت، وخصف الأوراق عليها، إظهارا للمنة فيما خلق من اللباس، ولما في العري، وكشف العورة من المهانة والفضيحة، وإشعارا بأن التستر باب عظيم من أبواب التقوى. 
**تنبيه :**
قال الجشمي : تدل الآية على عظيم نعمه تعالى بهذه النعم التي عدها. وذهب علي بن موسى القمي إلى أنها تدل على وجوب ستر العورة. وقال آخرون : لا تدل، وليس في الظاهر إلا الإنعام به من حيث نفي الحر والبرد وستر العورة والتجمل به، فأما أنه واجب، فبعيد. ولو ثبت وجوبه عليه، احتجنا إلى وجوبه في شريعتنا إلى دليل مستأنف. وقد ثبت في هذه الشريعة وجوبه بالخبر المستفيض والإجماع، فلا حاجة إلى الرجوع إلى شيعة أخرى وتدل على أنه تعالى، كما أنعم بنعم الدنيا، أنعم بنعم الدين، فإن الأقرب أن لباس التقوى العلم والعمل الصالح، فكأنه ضم إلى نعم الدنيا نعم الدين التي بها يحصل الفوز بالثواب، فتحصل نعمة الدارين.

١ - أخرجه البخاري في: ٥٩- كتاب بدء الخلق، ١- خلق آدم صلوات الله عليه وذريته ونصه:
 قال ابن عباس: لما عليها حافظ: إلا عليها حافظ. كبد: في شدة خلق. ورياشا (وريشا): المال ص ٧٧.
 وفقي: ٦٥- كتاب التفسير، ٧- سورة الأعراف. ونصه:
 قال ابن عباس: ورياشا، المال.
 وانظر كتابنا (معجم غريب القرآن، مستخرجا من صحيح البخاري) مادة (ر ي ش) ص ٧٧..
٢ - أخرجه في المسند بالصفحة رقم ٤٤ من الجزء الأول (طبعة الحلبي) والحديث رقم ٣٠٥ (طبعة المعارف).
٣ - وأخرجه الترمذي في: ٢٢- كتاب اللباس، ٢٩- باب ما يقول إذا لبس ثوبا جديدا. ونصه:
 عن أبي سعيد قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا استجد ثوبا سماه باسمه (عمامة أو قميصا أو رداء) ثم يقول: "اللهم ! لك الحمد. أنت كسوتنيه. أسألك خيره وخير ما صنع له. وأعوذ بك من شره وشر ما صنع له".
 قال: وفي الباب عن عمر وابن عمر..
٤ - وأخرجه ابن ماجة في: ٢٢- كتاب اللباس، ٢- باب ما يقول الرجل إذا لبس ثوبا جديدا، حديث رقم ٣٥٥٧ (طبعتنا) ونصه كنص المسند..
٥ - أخرجه في المسند بالصفحة رقم ١٥٧ من الجزء الأول (طبعة الحلبي) والحديث رقم ١٣٥٤ (طبعة المعارف)..
٦ - \[١٦/ النحل/ ١١٢\] ونصها: وضرب الله مثلا قرية كانت آمنة مطمئنة يأتيها رزقها رغدا من كل مكان فكفرت بأنعم الله فأذاقها الله لباس الجوع والخوف بما كانوا يصنعون (١١٢)..

### الآية 7:27

> ﻿يَا بَنِي آدَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآتِهِمَا ۗ إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ ۗ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ [7:27]

يا بني آدم لا يفتننكم الشيطان كما أخرج أبويكم من الجنة ينزع عنهما لباسهما ليريهما سوءاتهما إنه يراكم هو وقبيله من حيث لا ترونهم إنا جعلنا الشياطين أولياء للذين لا يؤمنون ( ٢٧ ) . 
 يا بني آدم لا يفتننكم الشيطان  أي لا يخدعكم عن دخول الجنة، بنزع لباس/ الشريعة والتقوى عنكم، فيخرجكم من نظر الله بالرحمة إليكم  كما أخرج أبويكم  نعت لمصدر محذوف، أي لا يفتننكم فتنة مثل إخراج أبويكم  ينزع عنهما لباسهما  أي الظاهر بسبب نزع لباس التقوى : ليريهما سوءاتهما  أي الظاهرة الدالة على السوأة الباطنة. وجملة  ينزع  حال من  أبويكم  أو من فاعل  أخرج ، أي : أخرجهما نازعا لباسهما، بأن كان سببا في أن نزع عنهما ؛ وصيغة المضارع لاستحضار الصورة. 
**تنبيهان :**
الأول : قال السيوطي في ( الإكليل ) : استدل بالآيتين من قال : إن العورة هي السوأتان خاصة. -انتهى-. 
الثاني : قال الإمام الرازي : اعلم أن المقصود من ذكر قصص الأنبياء عليهم السلام حصول العبرة لمن يسمعها، فكأنه تعالى لما ذكر قصة آدم، وبين فيها شدة عداوة الشيطان لآدم وأولاده، أتبعها بأن حذر أولاده من قبول وسوسة الشيطان، فقال : يا بني ءادم...  الآية- وذلك لأن الشيطان لما بلغ أثر كيده، ولطف وسوسته وشدة اهتمامه، إلى أن قدر عل إلقاء آدم في الزلة الموجبة لإخراجه من الجنة- فبأن يقدر على أثار هذه المضار في حق بني آدم أولى. فبهذا الطريق حذر تعالى بني آدم بالإحتراز عن وسوسته. 
وقوله تعالى : إنه يراكم هو وقبيله  أي : جنوده من الشياطين  من حيث لا ترونهم  أي من مكان لا ترونهم فيه. والجملة استئناف لتعليل النهي، تأكيد التحذير من فتنته بأنه بمنزلة العدو المداجي، يكيدكم ويغتالكم من حيث لا تشعرون. عن مالك بن دينار : إن عدوا يراك ولا تراه، لشديد المؤنة، إلا من عصم الله. 
**تنبيه :**
قال السيوطي في ( الإكليل ) : قال ابن الفرس : استدل بها بعضهم على أن الجن لا يرون وأن من قال إنهم يرون فهو كافر- انتهى- ومراده بالبعض، المعتزلة، ولذا/ قال الزمخشري : فيه دليل بين أن الجن لا يرون ولا يظهرون للإنس، وأن إظهارهم أنفسهم ليس في استطاعتهم، وأن زعم من يدعي رؤيتهم زور ومخرقة – انتهى-. 
وقال الجشمي : تدل على بطلان قول العامة إن الشيطان يتصور لنا ونراه. ثم قال : ومتى قيل : أليس يرون زمن الأنبياء، ويرى المعاين الملك ؟ فجوابنا : أنه يزداد قوة الشعاع، - أو تتكاثف أبدانهم، فيكون معجزة للنبي-انتهى-. 
وأجاب أهل السنة كما في ( العناية ) : بأنه قد ثبتت رؤيتهم، بالأحاديث الصحيحة المشهورة، وهي لا تعارض ما في الآية. لأن المنفي فيها رؤيتهم إذا لم يتمثلوا لنا. 
وقال في ( فتح البيان ) : وقد استدل جماعة من أهل العلم بهذه الآية على أن رؤية الشيطان غير ممكنة، وليس في الآية ما يدل على ذلك. وغاية ما فيها أنه يرانا من حيث لا نراه وليس فيها أنا لا نراه أبدا، فإن انتفاء الرؤية منا له، في وقت رؤيته لنا، لا يستلزم انتفاءها مطلقا. والحق جواز رؤيتهم كما هو ظاهر الأحاديث الصحيحة، وتكون الآية مخصوصة بها، فيكونون مرئيين في بعض الأحيان لبعض الناس دون بعض- انتهى-. 
وقد أوضح الغزالي رحمه الله رؤيا الجن والشياطين برؤيا الملائكة حيث قال في ( الركن الثاني ) : الملائكة والجن والشياطين جواهر قائمة بأنفسها مختلفة بالحقائق اختلافا يكون بين الأنواع. ثم قال ويمكن أن تشاهد هذه الجواهر – أعني جواهر الملائكة – وإن كانت غير محسوسة. وهذه المشاهدة على ضربين : إما على سبيل التمثيل، كقوله تعالى : فتمثل لها بشرا سويا [(١)](#foonote-١). وكما كان النبي عليه الصلاة والسلام[(٢)](#foonote-٢)، يرى جبريل في صورة دحية الكلبي. 
 والقسم الثاني أن يكون لبعض الملائكة بدن مخصوص، كما أن نفوسنا غير محسوسة ولها بدن محسوس هو محل تصرفها وعالمها الخاص بها، فكذلك بعض الملائكة، وربما كان هذا البدن المحسوس موقوفا على إشراق نور النبوة، كما أن محسوسات عالمنا هذا موقوفة عند الإدراك على إشراق نور الشمس، وكذا في الجن والشياطين-انتهى-. 
وقوله تعالى : إنا جعلنا الشياطين أولياء للذين لا يؤمنون  قال الزجاج : يعني سلطانهم عليهم : يزيدون في غيهم- انتهى- والجملة تعليل آخر للنهي، وفيه تحذير أبلغ من الأول. 
١ - \[١٩/ مريم/ ١٧\] ونصها: فاتخذت من دونهم حجابا فأرسلنا إليها روحنا فتمثل لها بشرا سويا (١٧)..
٢ - أخرجه في المسند بالصفحة ١٠٧ من الجزء الثاني (طبعة الحلبي) والحديث رقم ٥٨٥٦ ٥٨٥٧ (طبعة المعارف) ونصهما: 
 عن يحيى بن يعمر. قلت لابن عمر: إن عندنا رجالا يزعمون أن الأمر بأيديهم، فإن شاءوا عملوا وإن شاءوا لم يعملوا؟ فقال: أخبرهم أني منهم بريء. وأنهم مني برءاء. ثم قال: جاء جبريل صلى الله عليه وسلم فقال: يا محمد ! ما الإسلام؟ فقال: "تعبد الله لا تشكر به شيئا. وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة وتصوم رمضان وتحج البيت" قال: فإذا فعلت ذلك فأنا مسلم؟ قال"نعم" قال: صدقت. فما الإحسان؟ قال "تخشى الله كأنك تراه، فإلا تكن تراه فإنه يراك" قال: فإذا فعلت ذلك فأنا محسن؟ قال "نعم" قال: صدقت. قال: فما الإيمان؟ قال "تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله والبعث من بعد الموت والجنة والنار والقدر كله" قال: فإذا فعلت ذلك فأنا مؤمن؟ قال "نعم" قال: صدقت. 
 وعن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم، مثله. قال: وكان جبريل عليه السلام يأتي النبي صلى الله عليه وسلم في صورة دحية..

### الآية 7:28

> ﻿وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا ۗ قُلْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ ۖ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ [7:28]

وإذا فعلوا فاحشة قالوا وجدنا عليها ءاباءنا والله أمرنا بها قل إن الله لا يأمر بالفحشاء أتقولون على الله ما لا تعلمون ( ٢٨ ) . 
 وإذا فعلوا فاحشة  أي : ما تناهى قبحه من الذنوب، كالشرك وكشف العورة في الطواف  قالوا وجدنا عليها ءاباءنا والله أمرنا بها  أي ؟ إذا فعلوها اعتذروا بأن آباءهم كانوا يفعلونها، فاقتدوا بهم، وبأن الله أمرهم بأن يفعلوها، حيث أقرنا عليها، إذ لو كرهها لنقلنا عنها، وهما باطلان، لأن أحدهما تقليد للجهال، التقليد ليس بطريق العلم، والثاني افتراء على ذي الجلال. 
قال الشهاب. في قوله تعالى : والله أمرنا  : مضاف مقدر، أي أمر آباءنا، فلا يقال الظاهر أمرهم بها، والعدول عن الظاهر إشارة إلى ادعاء أن أمر آبائهم أمر لهم.  قل إن الله لا يأمر بالفحشاء  أي : هذا الذي تصنعونه فاحشة منكرة، والله لا يأمر بمثل ذلك، لأن عادته سبحانه وتعالى جرت على الأمر بمحاسن الأفعال والحث على مكارم الخصال  أتقولون على الله ما لا تعلمون  إنكار لإضافتهم الأمر بالفحشاء إليه سبحانه، يتضمن النهي عن الافتراء عليه تعالى، وفيه شهادة على أن مبنى قولهم على الجهل المفرط. قال الشهاب : ولا دليل في الآية لمن نفى القياس، بناء على أن ما يثبت به مظنون لا معلوم، لأنه مخصوص في عمومها بإجماع الصحابة ومن يعتد به، أو بدليل آخر. 
**تنبيه :**
قال مجاهد[(١)](#foonote-١) :" كان المشركون يطوفون بالبيت عراة، يقولون : نطوف كما ولدتنا أمهاتنا، فتضع المرأة على قبلها النسعة أو الشيء وتقول :
اليوم يبدوا بعضه أو كله \*\*\* وما بدا منه فلا أحله
فأنزل الله  وإذا فعلوا فاحشة..  الآية- قال ابن كثير : كانت العرب، ما عدا قريشا، لا يطوفون بالبيت في ثيابهم التي لبسوها، يتأولون في ذلك أنهم لا يطوفون في ثياب عصوا الله فيها. وكانت قريش- وهم الحمس- يطوفون في ثيابهم، ومن أعاره أحمسي ثوبا طاف فيه، ومن معه ثوب جديد طاف فيه ثم يلقيه، فلا يتملكه أحد، ومن لم يجد ثوبا جديدا، ولا أعاره أحمسي ثوبا ؛ / طاف عريانا، وربما كانت امرأة، فتطوف عريانة، فتجعل على فرجها شيئا ليستره بعض الستر، فتقول : اليوم يبدو- البيت- وأكثر ما كان النساء يطفن بالليل، وكان هذا شيئا قد ابتدعوه من تلقاء أنفسهم، واتبعوا فيه آباءهم، ويعتقدون أن فعل آبائهم مستند إلى أمر من الله وشرع، فأنكر تعالى عليهم ذلك. 
وذكر السيوطي في ( الإكليل ) عن ابن عباس أيضا :" أنها نزلت في طوافهم بالبيت عراة "، رواه أبو الشيخ وغيره. قال : ففيها وجوب ستر العورة في الطواف. 
**تنبيهات :**
الأول : ذهب المعتزلة إلى أن الإرادة مدلول الأمر، ولازمة له، والفحشاء- أعني الشرور والمعاصي- غير مأمور بها بنص الآية، فلا تكون مرادة له تعالى. 
وأجاب أهل السنة بأن الأمر قد ينفك عن الإرادة، بمعنى أنه يوجد بدون الإرادة، فلا تكون الإرادة تابعة له وجودا. ومما يوضح أن الشيء قد يؤمر به ولا يكون مرادا، أن السيد إذا أراد أن يظهر على الحاضرين عصيان عبده، يأمره بالشيء ولا يريده منه. ومنها أن الأمر أمران : أمر تكويني يحصل به وجود الأشياء، وهو خطاب ( كن ) وهو تابع للإرادة، ويعم جميع الكائنات. فالطاعات والمعاصي كلها مأمورة ومرادة بهذا الأمر، ولا يتعلق بهذا الأمر الطاعة والعصيان والثواب والعقاب. لأنه يتعلق بالأشياء حال العدم. 
وأمر تشريعي تدويني : أي شرعه الله لعباده، وكلفهم به، مما دون في كتب الشريعة وبين. وهذا الأمر يتعلق به الطاعة والعصيان والثواب والعقاب والرضا والسخط. والكفر والمعاصي ليست مأمورة بهذا، وإتيان المأمور به طاعة، فيكون الكافر والفاسق مطيعين، فإنهما مأمور بهما بالأمر الأول، وليس مأمورا بهما بالأمر الثاني، حتى يكون إتيانهما طاعة. 
 قال السيلكوتي : ولا يخفى عليك أن تقسيم الأمر إلى أمرين، إنما يستقيم إذا كان قوله تعالى : إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون [(٢)](#foonote-٢) على ظاهره، كما ذهب إليه البعض. وأما إذا كان عبارة عن الإيجاد من غير أن يتعلق بها خطاب كما ذهب إليه الأشعري ومن تبعه، فلا. انتهى- والمسألة مبسوطة في محالها المعروفة. 
الثاني : قوله تعالى : قل إن الله لا يأمر بالفحشاء  جواب عن شبهتهم الثانية. ولم يذكر جوابا عن الأولى. قال الإمام : لأنها إشارة إلى محض التقليد. وقد تقرر في المعقول أنه طريقة فاسدة، لأن التقليد حاصل في الأديان المتناقضة. فلو كان التقليد حقا، لزم القول بحقية الأديان المتناقضة. فلما كان فساده ظاهرا، لم يذكره تعالى. 
الثالث : قال في ( فتح البيان ) : في هذه الآية الشريفة أعظم زاجر، وأبلغ واعظ، للمقلدة الذين يتبعون آباءهم في المذاهب المخالفة للحق، فإن ذلك من الاقتداء بأهل الكفر، لا بأهل الحق، فإنهم القائلون : إنا وجدنا ءاباءنا على أمة وإنا على ءاثارهم مقتدون [(٣)](#foonote-٣) والقائلون : وجدنا عليها ءاباءنا والله أمرنا بها . والمقلد، لولا اغتراره بكونه وجد آباءه على ذلك المذهب، مع اعتقاده بأنه الذي أمر الله به، وأنه الحق- لم يبق عليه. وهذه الخصلة هي التي بقي بها اليهودي على يهوديته، والنصراني على نصرانيته، والمبتدع على بدعته. فما أبقاهم على هذه الضلالات إلا كونهم وجدوا آباءهم في اليهودية والنصرانية والبدعة، وأحسنوا الظن بهم بأن ما هم عليه هو الحق الذي أمر الله به، ولم ينظروا لأنفسهم ولا طلبوا الحق كما يجب، ولا بحثوا عن الله كما ينبغي. وهذا هو التقليد البحت، والقصور الخالص. ثم قال : وإن من أعجب الغفلة وأعظم الذهول عن الحق، اختيار المقلدة لآراء / الرجال، مع وجود كتاب الله ووجود سنة رسوله بين ظهرانيهم، ووجود من يأخذونهما عنه بين أيديهم، ووجود آلة الفهم لديهم، وملكة العقل عندهم- انتهى-. 
١ - الأثر رقم ١٤٤٦٢ من تفسير الطبري..
٢ - \[٣٦/ يس/ ٩٢\]..
٣ - \]٤٣/ الزخرف/ ٢٣\] ونصها: وكذلك ما أرسلنا من قبلك في قرية من نذير إلا قال مترفوها....

### الآية 7:29

> ﻿قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ ۖ وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ ۚ كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ [7:29]

ولما نفى تعالى ما تقوّلوه عليه، وأخبر أنه لا يأمر بالفحشاء، بين ما أمر به بقوله تعالى :
\[ ٢٩ \]  قل أمر ربي بالقسط وأقيموا وجوهكم عند كل مسجد وادعوه مخلصين له الدين كما بدأكم تعودون ( ٢٩ ) . 
 قل أمر ربي بالقسط  أي : بالعدل. وللسلف فيه هنا وجوه : ما ظهر في العقول كونه حسنا، أو التوحيد، أو كلمة الإخلاص. وعن أبي مسلم : جميع الطاعات. قال الحاكم : وهو الوجه : ولا يخفى أن الجميع مما يشمله  القسط  فلا منافاة : وأقيموا وجوهكم عند كل مسجد  معطوف على الأمر الذي ينحل إليه المصدر مع ( أن ). أي : بأن أقسطوا وأقيموا، والمصدر ينحل إلى الماضي والمضارع والأمر، كما نقله المعرب. أو معطوف على  أمر ربي  أي : قل أقيموا. قال الجرجاني : الأمر معطوف على الخبر، لأن المقصود لفظه، أو لأنه إنشاء معنى. انتهى- و ( الوجوه ) مجاز عن الذوات. ومسجد إما مصدر، والوقت مقدر قبله، و  عند  بمعنى ( في ). أي : أقيموا ذواتكم في كل وقت سجود، وذلك بمنعها عن الالتفات إلى الغير فيه، وبمراعاة موافقة الأمر مع صدق النية، أو باستقبال القبلة فيه. وإما اسم زمان أو مكان بالمعنى اللغوي، أي في كل وقت سجود أو مكانه. والسجود على هذه الأوجه مجاز عن الصلاة، أو المسجد هو المصطلح عليه. والمعنى : في أي مسجد حضرتكم الصلاة لا تؤخروها حتى تعودوا إلى مساجدكم. والأمر على هذا الوجه للندب. قيل : وهو لا يناسب المقام. وإما على ما قبله، فهو للوجوب. 
وهذه الوجوه مستفادة مما روي عن السلف. قال في ( اللباب ) : معنى الآية في قول / مجاهد والسدي : وجهوا وجوهكم حيثما كنتم في الصلاة إلى الكعبة. وقال الضحاك : المعنى إذا حضرت الصلاة وأنتم عند المسجد فصلوا فيه، ولا يقولن أحدكم : أصلي في مسجدي، أو مسجد قومي. وقيل : معناه اجعلوا سجودكم لله خالصا. 
 وادعوه  أي : اعبدوه  مخلصين له الدين  أي : الطاعة بتخصيصها له، لأنه استحق عبادتكم بإبدائه إياكم، ولا يسعكم تركها، إذ إليه عودكم بالآخرة ؛ فإنه  كما بدأكم تعودون  أي : كما أنشأكم ابتداء، يعيدكم إليه أحياء، فيجازيكم على أعمالكم، فأخلصوا له العبادة، وإنما شبه الإعادة بالابتداء، تقريرا لإمكانها والقدرة عليها.

### الآية 7:30

> ﻿فَرِيقًا هَدَىٰ وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلَالَةُ ۗ إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ [7:30]

\[ ٣٠ \]  فريقا هدى وفريقا حق عليهم الضلالة إنهم اتخذوا الشياطين أولياء من دون الله ويحسبون أنهم مهتدون ( ٣٠ ) . 
 فريقا هدى  بأن وفقهم للإيمان  وفريق حق عليهم الضلالة  وهم الكافرون  إنهم اتخذوا الشياطين أولياء  أي : أنصارا وأربابا  من دون الله  حيث أطاعوهم فيما أمروهم به من الكفر والمعاصي  ويحسبون أنهم مهتدون  أي : إنهم على هداية وحق فيما اعتقدوا. 
الأول : قال ابن جرير[(١)](#foonote-١) : قوله تعالى : ويحسبون أنهم مهتدون  من أبين الدلالة على خطأ قول من زعم أن الله لا يعذب أحدا على معصية ركبها، أو ضلالة اعتقدها، إلا أن يأتيها بعد علم منه بصواب وجهها، فيركبها عنادا منه لربه فيها. لأن ذلك لو كان كذلك، لم يكن بين فريق الضلالة الذي ضل، وهو يحسب أنه مهتد، وفريق الهدى- فرقٌ. وقد فرّق الله تعالى بين أسمائهما وأحكامهما في هذه الآية- انتهى-. 
 وحاصله، كما قال القاضي : إن الآية دلت على أن الكافر المخطئ والمعاند سواء في استحقاق الذم. قال القاضي : وللفارق أن يحمله على المقصر في النظر، أي : يحمل الضمير في  اتخذوا  على الكافر المقصر في النظر. وأما الذين اجتهدوا وبذلوا الوسع فمعذورون، كما هو مذهب البعض- كذا في ( العناية ). 
الثاني : قال الرازي : هذه الآية تدل على أن مجرد الظن والحسبان لا يكفي في صحة الدين، بل لابد فيه من الجزم والقطع واليقين، لأنه تعالى عاب الكفار بأنهم يحسبون كونهم مهتدين. ولولا أن هذا الحسبان مذموم، لما ذمهم بذلك- انتهى-.

١ - انظر الصفحة رقم ٣٨٨ من الجزء الثاني عشر ن تفسيره (طبعة المعارف)..

### الآية 7:31

> ﻿۞ يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا ۚ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ [7:31]

قال المهايمي : ومما حسبوا فيه أنهم مهتدون بمتابعة الشيطان، تركهم التزين والتلذذ مع العبادة، فطافوا عراة. وتركهم اللحم والدسم مع الإحرام، فقال عز وجل : يا بني ءادم خذوا زينتكم عند كل مسجد وكلوا واشربوا ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين ( ٣١ ) . 
 يا بني ءادم خذوا زينتكم  أي : من اللباس  عند كل مسجد  أي : بيت بني للعبادة، على أنه اسم مكان، أو مصدر بمعنى السجود، مرادا به الصلاة والعبادة. فإن العبادة أولى أوقات التزين  وكلوا واشربوا  أيام الحج تقويا على العبادة  ولا تسرفوا  أي : إسرافا يوجب الانهماك في الشهوات ويشغل عن العبادة، أو لا تحرموا الطيبات من الرزق واللحم والدسم  إنه لا يحب المسرفين  المعتدين. 
**تنبيهات :**
الأول : كنا أسلفنا في مقدمة هذا التفسير، أن من فوائد سبب النزول الوقوف على المعنى، وإزالة الإشكال. وهذه الآية إنما أجملنا تفسيرها بما ذكرنا، لأنها نزلت في ذلك. / فقد روى مسلم[(١)](#foonote-١) عن ابن عباس قال :" كانت المرأة تطوف بالبيت وهي عريانة، فتقول : من يعيرني تطوافا[(٢)](#foonote-٢) ؟ تجعله على فرجها وتقول :
اليوم يبدو بعضه أو كله \*\*\* وما بدا منه فلا أحله
فنزلت هذه الآية  خذوا زينتكم...  الآية. 
وعند ابن جرير[(٣)](#foonote-٣) عن ابن عباس قال :" كانوا يطوفون عراة، الرجال بالنهار، والنساء بالليل، وكانت المرأة تقول :
اليوم يبدو بعضه أو كله \*\*\* وما بدا منه فلا أحله
فنزلت  خذوا زينتكم  ". قال في ( اللباب ) : وفي رواية أخرى عنه[(٤)](#foonote-٤) : فأمرهم الله تعالى أن يلبسوا ثيابهم ولا يتعروا ". وروى العوفي[(٥)](#foonote-٥) عن ابن عباس أيضا في الآية قال :" كان رجال يطوفون بالبيت عراة، فأمرهم الله بالزينة، والزينة اللباس، وهو ما يواري السوأة، وما سوى ذلك من جيد البزّ والمتاع، فأمروا أن يأخذوا زينتهم عند كل مسجد ". وأخرج أبو الشيخ عن طاووس قال : أمروا بلبس الثياب، وأخرج من وجه آخر عنه قال : الشملة/ من الزينة. وقال مجاهد :" كان حي من أهل اليمن إذا قدم أحدهم حاجا أو معتمرا يقول : لا ينبغي لي أن أطوف في ثوب قد عصيت فيه، فيقول : من يعيرني مئزرا ؟ فإن قدر عليه وإلا طاف عرايانا. فأنزل الله تعالى في ما تسمعون : خذوا زينتكم...  الآية ". وقال الزهري : إن العرب كانت تطوف بالبيت عراة إلا الحمس- وهم قريش وأحلافهم- فمن جاء من غير الحمس، وضع ثيابه، وطاف في ثوب أحمسي، ويرى أنه لا يحل له أن يلبس ثيابه. فإن لم يجد من يعيره من الحمس فإنه يلقي ثيابه، ويطوف عريانا. وإن طاف في ثياب نفسه ألقاها، إذا قضى طوافه وحرمها، أي جعلها حراما عليه ؛ فلذلك قال تعالى : خذوا زينتكم عند كل مسجد . والمراد من الزينة لبس الثياب التي تستر العورة. قال مجاهد :" ما يواري عوراتهم، ولو عباءة " - انتهى-. قال ابن كثير : هكذا قال مجاهد وعطاء وإبراهيم النخعي، وسعيد بن جبير وقتادة والسدي، والضحاك ومالك عن الزهري وغير واحد من أئمة السلف في تفسيرها :" أنها نزلت في طواف المشركين بالبيت عراة " - انتهى- فظهر أن المراد بالزينة ما يستر العورة لأنه اللازم المأمور به الذي بينه سبب النزول، دون لباس التجمل المتبادر منه، لأن المستفاد من  خذوا  هو وجوب الأخذ، ولباس التجمل مسنون- قاله الشهاب- وأقول دلّت الآية بما أفاده سبب نزولها على أن الزينة لا تختص، لغة، بالجيد من اللباس كما توهم. وبين ذلك العوفي عن ابن عباس فيما نقلناه. 
وفي ( التهذيب ) : الزينة اسم جامع لكل شيء يتزين به. ومثله في ( الصحاح ) و ( القاموس ) وعبارته : الزينة ما يتزين به. 
وقال الحراني : الزينة تحسين الشيء بغيره من لبسه أو حلية أو هيئة. 
وقال الراغب : الزينة الحقيقية ما لا يشين الإنسان في شيء من أحواله، ولا في الدنيا ولا في الآخرة-انتهى-. 
وقد نقل الرازي إجماع المفسرين على أن المراد ب  الزينة  لبس الثياب التي تستر العورة. / قال : والزينة لا تحصل إلا بالستر التام للعورات. قال : وأيضا إنه تعالى قال في الآية المتقدمة  قد أنزلنا عليكم لباسا يواري سوءاتكم وريشا  فبين أن اللباس الذي يواري السوأة من قبيل الرياش والزينة. ثم إنه تعالى أمر بأخذ الزينة في هذه الآية. فوجب أن يكون المراد من هذه الزينة هو الذي تقدم ذكره في تلك الآية. وأيضا فقوله : خذوا زينتكم  أمر، والأمر للوجوب. فثبت أن أخذ الزينة واجب، وكل ما سوى اللبس فغير واجب، فوجب حمل الزينة على اللبس عملا بالنص بقدر الإمكان. ولا يقال : إن قوله : وكلوا واشربوا  أمر إباحة، فيكون المعطوف عليه كذلك، لأنه لا يلزم من ترك الظاهر في المعطوف، تركه في المعطوف عليه. 
هذا، وقد روى الحافظ بن مردويه من حديث سعيد بن بشير والأوزاعي عن قتادة عن أنس مرفوعا :" أنها نزلت في الصلاة في النعال ". وكذا أخرجه أبو الشيخ عنه، وعن أبي هريرة : مثله. قال ابن كثير : وفي صحته نظر- والله أعلم- قلت : لا نظر، لأن ذلك مما تشمله الزينة، وقد أسلفنا في المقدمة أن قولهم :( نزلت في كذا ) لا يقصد به أن حكم الآية مخصوص به، بل مخصوصة بنوعه، فتعم ما أشبهه، فتذكر. والأحاديث في مشروعية الصلاة في النعل كثيرة جدا، منها : عن أبي مسلمة[(٦)](#foonote-٦) سعيد بن يزيد، قال :" سألت أنسا : أكان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي في نعليه ؟ قال :" نعم ". ( متفق عليه ). قال العراقي في ( شرح الترمذي ) : وممن كان يفعل ذلك- يعني لبس النعل في الصلاة- عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان وعبد الله بن مسعود وعويمر بن ساعدة وأنس بن مالك وسلمة بن الأكوع وأوس الثقفي، بن أبي رباح ومجاهد وطاووس وشريح القاضي وأبو مجلز وأبو عمر الشيباني والأسود بن يزيد وإبراهيم النخعي وإبراهيم التيمي وعلي بن الحسن وابنه أبو جعفر. انتهى. / وقد أخرج أبو داود[(٧)](#foonote-٧) من حديث أبي سعيد الخدري أنه قال : قال صلى الله عليه وسلم :" إذا جاء أحدكم إلى المسجد فلينظر فإن رأى في نعليه قذرا أو أذى فليمسحه وليصل فيهما ". 
وحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال :" رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي حافيا ومنتعلا ". أخرجه أبو داود[(٨)](#foonote-٨) وابن ماجة[(٩)](#foonote-٩). 
الثاني : دلت الآية على وجوب الستر عند الطواف، لأنه سبب النزول، قالوا : واللفظ شامل للصلاة لأنها مفعولة في المسجد. 
الثالث : حاول بعضهم استنباط التجمل عند الصلاة منها حيث قال : لما دلت على وجوب أخذ الزينة بستر العورة في الصلاة، فهم منها، في الجملة، حسن التزيين بلبس ما فيه حسن/ وجمال فيها. قال الكيا الهراسي : ظاهر الآية الأمر بأخذ الزينة عند كل مسجد للفضل الذي يتعلق به تعظيما للمسجد والفعل الواقع فيه، مثل الاعتكاف والصلاة والطواف. وقال ابن الفرس : استدل مالك بالآية على كراهية الصلاة في مساجد القبائل بغير أردية. واستدل بها قوم من السلف على أنه لا يجوز للمرأة أن تصلي بغير قلادة أو قرطين. كذا في ( الإكليل ). والأخير في الغلو في النزع. وقال ابن كثير : ولهذه الآية وما ورد في معناها من السنة، يستحب التجمل عند الصلاة، ولا سيما يوم الجمعة ويوم العيد. والطيب لأنه من الزينة. والسواك لأنه من تمام ذلك. ومن أفضل اللباس البياض لما روى الإمام أحمد[(١٠)](#foonote-١٠) وأبو داود[(١١)](#foonote-١١) والترمذي[(١٢)](#foonote-١٢) عن ابن عباس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" البسوا من ثيابكم البياض فإنها من خير ثيابكم وكفنوا فيها موتاكم. وإن من خير أكحالكم الإثمد، يجلوا البصر وينبت الشعر " ولأحمد[(١٣)](#foonote-١٣) وأهل ( السنن )، عن سمرة بن جندب قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" عليكم بالثياب البيض فالبسوها فإنها أطهر وأطيب، وكفنوا فيها موتاكم ". وروى الطبراني بسند صحيح عن قتادة عن محمد بن سيرين :" أن تميما الداري اشترى رداء بألف، وكان يصلي فيه ". 
الرابع : وجه تأثر الأمر بأخذ الزينة، بالأمر بالأكل والشرب في قوله تعالى : وكلوا واشربوا  ما رواه الكلبي :" أن بني عامر كانوا لا يأكلون في أيام حجهم إلا قوتا، ولا يأكلون دسما، يعظمون بذلك حجهم. فقال المسلمون نحن أحق أن نفعل ذلك يا رسول الله. / فأنزل الله عز وجل : وكلوا واشربوا  ؟. وقال السدي :" كان الذين يطوفون بالبيت عراة يحرمون عليهم الودك ما أقاموا في الموسم. فقال الله تعالى لهم : وكلوا واشربوا...  الآية ". 
الخامس : فسر الإسراف بمجاوزة الحد فيما أحل، وذلك بتحريمه، وقال الجشمي اليمني في تفسيره ( التهذيب ) : تدل الآية على المنع من الإسراف. وذلك على وجهين :
أولهما : إنفاق في معصية كالفخار واللعب والزنى والخمر ونحوها. وثانيهما : أن يتعدى الحدود وذلك مختلف بحال اليسار والإعسار. لأن من له قدر يسير، لو أنفقه في ضيافة أو طيب أو ثياب خز، وهو وعياله يحتاجون إليه، فهو سرف محرم. ومثله في الموسرين لا يقبح ولا يكون سرفا. وتدل على أن الأشياء على الإباحة. والعقل يدل على ذلك. لأنه تعالى خلقه لمنافعهم. والسمع ورد مؤكدا ولذلك قال : من حرم  مطالبا بدليل سمعي ١ه. 
وقد روى الإمام أحمد[(١٤)](#foonote-١٤) عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :" كلوا واشربوا والبسوا وتصدقوا من غير مخيلة ولا سرف، فإن الله يحب أن يرى نعمته على عبده ". وأخرج النسائي[(١٥)](#foonote-١٥) وابن ماجة [(١٦)](#foonote-١٦)نحوه. 
وقال البخاري[(١٧)](#foonote-١٧) : قال ابن عباس :" كل ما شئت والبس ما شئت ما أخطأتك اثنتان. / سرف أو مخيلة ". ورواه ابن جرير[(١٨)](#foonote-١٨) عنه أيضا بلفظ :" أحل الله الأكل والشرب ما لم يكن سرفا أو مخيلة ". قال الشهاب : هذا ( أي ما قاله ابن عابس ) لا ينافي ما ذكره الثعالبي وغيره من الأدباء ؛ أنه ينبغي للإنسان أن يأكل ما يشتهي، ولبس ما يشتهيه الناس، كما قيل :
نصيحة نصيحة \*\*\* قالت بها الأكياس
كل ما اشتهيت والبس \*\*\* ن ما اشتهته الناس
فإنه لترك ما لم يعتد بين الناس، وهذا لإباحة كل ما اعتادوه. و ( المخيلة : لكبر ). و ( ما ) دوامية زمانية. و ( أخطأتك ) من قولهم أخطأ فلان كذا، إذا عدمه. وفي ( الأساس ) : من المجاز لن يخطئك ما كتب لك، وأخطأ المطر الأرض : لم يصبها، وتخاطأته النبل : تجاوزته وتخطأته. انتهى. 
وفي قوله تعالى : إنه لا يحب المسرفين  وعيد وتهديد لمن أسرف في هذه الأشياء لأن من لم يحبه الله لم يرض عنه. 
السادس : تناقل المفسرون وغيرهم ما قيل إن قوله تعالى : وكلوا واشربوا  الآية- جمع الطب كله. وأصله ما حكاه الزمخشري والكرماني في ( عجائبه ) ؛ أن الرشيد كان له طبيب نصراني حاذق، فقال لعلي بن الحسين بن واقد : ليس في كتابكم من علم الطب شيء والعلم علمان : علم الأبدان، وعلم الأديان. فقال له : قد جمع الله الطب كله في نصف آية من كتابه. قال : وما هي ؟ قال : قوله تعالى "  وكلوا واشربوا ولا تسرفوا ، فقال النصراني : ولا يؤثر من رسولكم شيء في الطب ! فقال : قد جمع رسولنا صلى الله عليه وسلم الطب في ألفاظ يسيرة. قال : وما هي ؟ قال قوله[(١٩)](#foonote-١٩) :" المعدة بيت الداء، والحمية / رأس الدواء، وأعط كل بدن ما عودته ". فقال النصراني : ما ترك كتابكم ولا نبيكم لجالينوس طبا. 
قال في ( العناية ) : وترك بعضهم تمام القصة، لأن في ثبوت هذا الحديث كلاما للمحدثين. وفي ( شعب الإيمان ) للبيهقي عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" المعدة حوض البدن، والعروق إليها واردة،

١ - أخرجه مسلم في: ٥٤- كتاب التفسير، حديث ٢٥ (طبعتنا)..
٢ - تطوافا: هو ثوب تلبسه المرأة تطوف به. وكان أول الجاهلية يطوفون عراة ويرمون ثيابهم ويتركونها ملقاة على الأرض ولا يأخذونها أبدا. ويتركونها تداس بالأرجل حتى تبلى، ويسمى اللقاء. حتى جاء الإسلام فأمر الله تعالى بستر العورة، فقال تعالى: خذوا زينتكم عند كل مسجد. وقال النبي صلى الله عليه وسلم "لا يطوف بالبيت عريان"..
٣ - الأثر رقم ١٤٥٠٤..
٤ - الأثر رقم ١٤٥٠٧..
٥ - الأثر رقم ١٤٥٠٨ من التفسير ابن جرير..
٦ - أخرجه البخاري في: ٨- كتاب الصلاة، ٢٤- باب الصلاة في النعال حديث رقم ٢٥٦..
٧ - أخرجه أبو داود في: ٢- كتاب الصلاة، ٨٨- باب الصلاة في النعل، حديث ٦٥٠ ونصه: 
 عن أبي سعيد الخدري قال: بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي بأصحابه، إذ خلع نعليه فوضعهما عن يساره. فلما رأى ذلك القوم ألقوا نعالهم.
 فلما قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاته قال: "ما حملكم على إلقائكم نعالكم"؟ قالوا: رأيناك ألقيت نعليك فألقينا نعالنا. فقال صلى الله عليه وسلم: "إن جبريل عله الصلاة والسلام، أتاني فأخبرني أن فيهما قذرا" وقال: "إذا جاء أحدكم إلى المسجد فلينظر. فإن رأى في نعليه قذرا أوأذى، فليمسحه وليصل فيهما"..
٨ - أخرجه أبو داود في: ٢- كتاب الصلاة، ٨٨- باب الصلاة في النعل، حديث ٦٥٣..
٩ - أخرجه ابن ماجة في: ٥- كتاب إقامة الصلاة والسنة فيها، ٦٦- باب الصلاة في النعال، حديث ١٠٣٨ (طبعتنا)..
١٠ - أخرجه في المسند بالصفحة رقم ٢٤٧ من الجزء الأول (طبعة الحلبي) والحديث رقم ٢٢١٩ (طبعة المعارف)..
١١ - أخرجه أبو داود في: ٢٧- كتاب الطب، ١٤- باب في الأمر بالكحل، حديث ٣٨٧٨..
١٢ - أخرجه الترمذي في: ٨- كتاب الجنائز، ١٨- باب ما يستحب من الأكفان..
١٣ - أخرجه في المسند بالصفحة رقم ١٣ من الجزء الخامس (طبعة الحلبي)..
١٤ - أخرجه في المسند بالصفحة رقم ١٨١ من الجزء الثاني (طبعة الحلبي) الحديث رقم ٦٦٩٥ (طبعة المعارف)..
١٥ - أخرجه النسائي في: ٢٣- كتاب الزكاة، ٦٦- باب الاختيال في الصدقة..
١٦ - أخرجه ابن ماجة في: ٣٢- كتاب اللباس، ٢٣- باب البس ما شئت، ما أخطأك سرف أو مخيلة، حديث رقم ٣٦٠٥ (طبعتنا)..
١٧ - أخرجه البخاري في: ٧٧- كتاب اللباس، ١- باب قول الله تعالى: قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده..
١٨ - الأثر رقم ١٤٥٢٩ من التفسير..
١٩ - قال في كشف الخفاء، رقم ٢٣٢٠ ما يأتي:
 قال في (المقاصد): لا يصح رفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم. بل هو من كلام الحارث بن كلدة طبيب العرب، أو غيره..

### الآية 7:32

> ﻿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ ۚ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ ۗ كَذَٰلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ [7:32]

ثم رد تعالى على من حرم شيئا من المآكل والمشارب والملابس، من تلقاء نفسه من غير شرع من الله، تأكيدا لما سبق، بقوله سبحانه :
\[ ٣٢ \]  قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق قل هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا خالصة يوم القيامة كذلك نفصل الآيات لقوم يعلمون ( ٣٢ ) . 
 قل  أي لهؤلاء المشركين الذين يحرمون ما يحرمون بآرائهم الفاسدة وابتداعهم  من حرم زينة الله  أي من الثياب وسائر ما يتجمل به  التي أخرج لعباده  من النبات كالقطن والكتان، والحيوان كالحرير والصوف، والمعادن كالدروع. هكذا عمم المفسرون هنا. ووجهه أن تخصيصه يغني عنه ما مرّ  والطيبات من الرزق  أي المستلذات من المآكل والمشارب. 
قال المهايمي : يعني إن زعموا أن التزين والتلذذ ينافيان التذلل الذي هو العبادة، فيحرمان معها، فأعلمهم أنه قد أخرجها لعباده الذين خلقهم لعبادته ليتزينوا بها حال العبادة، فعل عبيد الملوك إذا حضروا خدمتهم، ولا ينافي ذلك تذللهم لهم، وكذلك الطيبات التي خلقها لتطييب قلوب عباده ليشكروه، والشكر عبادة، فلا ينافي التلذذ العبادة، بل قد يكون داعية إليها. انتهى. 
 تنبيهات
الأول- فسرت ( الطيبات ) ب ( الحلال )، وفسرت ب ( اللحم والدسم ) الذي كانوا يحرمونه أيام الحج كما تقدم، وفسرت ب ( البحائر والسوائب ) كما قال تعالى[(١)](#foonote-١) : قل أرأيتم ما أنزل الله لكم من رزق فجعلتم منه حراما وحلالا . وظاهر أن لفظ الآية أعم من ذلك، وإن كان يدخل فيه ما ذكر دخولا أوليا، لأنها إنما وردت نعيا عليهم فيه، والعبرة بعموم اللفظ. 
قال الرازي : لفظ ( الزينة ) يتناول جميع أنواع التزين، ومنه تنظيف البدن، ومنه المركوب، ومنه أنواع الحلي ( يعني للنساء ). ثم قال : ويدخل تحت  الطيبات  كل ما يستلذ ويشتهى من أنواع المأكولات والمشروبات، ويدخل تحته التمتع بالنساء والطيب. وقد رد النبي صلى الله عليه وسلم [(٢)](#foonote-٢)على عثمان بن مطعون، ما هم به من الاختصاء والتبتل. 
الثاني : دلت الآية على أن الأصل في المطاعم والملابس وأنواع التجملات الإباحة، لأن الاستفهام في  من  لإنكار تحريمها على وجه بليغ ؛ لأن إنكار الفاعل يوجب إنكار الفعل لعدمه بدونه. 
الثالث : في الآية رد على من تورع من أكل المستلذات ولبس الملابس الرقيقة، لأنه لا زهد في ترك الطيب منها، ولهذا جاءت الآية معنونة بالاستفهام المتضمن للإنكار على من حرم ذلك على نفسه، أو حرمه على غيره. وما أحسن ما قال ابن جرير الطبري : لقد أخطأ / من آثر لباس الشعر والصوف، على لباس القطن والكتان، مع وجود السبيل إليه من حله، ومن أكل البقول والعدس، واختاره على خبز البر، ومن ترك أكل اللحم خوفا من عارض الشهوة – انتهى.. 
الرابع : قال ابن الفرس : واستدل بالآية من أجاز لبس الحرير والخز للرجال. وقد أخرج ابن أبي حاتم عن سنان بن سلمة أنه كان يلبس الخز، فقال له الناس : مثلك يلبس هذا ؟ فقال لهم : من ذا الذي يحرم زينة الله التي أخرج لعباده ؟ ولكن أخرج عن طاووس أنه قرأ هذه الآية وقال : لم يأمرهم بالحرير ولا بالديباج، ولكنهم كانوا إذا طاف أحدهم وعليه ثيابه ضرب وانتزعت عنه. كذا في ( الإكليل ). 
أقول : عدم شمول الآية للحرير غني عن البيان، لأن ما خصه الدليل لا يتناوله العام. والأحاديث في تحريم الحرير لا تحصى كثرة، فاستنباط حله منها مردود على زاعمه. 
 قل هي  أي زينة الله والطيبات، مخلوقة  للذين آمنوا في الحياة الدنيا  بالأصالة، والكفرة وإن شاركوهم فيها فتبع  خالصة يوم القيامة  أي : لا يشاركهم فيها غيرهم ؛ لأن الله حرم الجنة على الكافرين. وانتصابها على الحالية. وقرئ بالرفع، أي على أنه خبر بعد خبر. 
**لطيفة :**
قال المهايمي : إنما خلقت للمؤمنين ليعلموا بها لذات الآخرة، فيرغبوا فيها مزيد رغبة، لكن شاركهم الكفرة فيها لئلا يكون هذا الفرق ملجئا له إلى الإيمان. فإذا ذهب هذا المعنى، تصير خالصة لهم يوم القيامة، فلو حرمت على المؤمنين لكانت مخلوقة للكافرين، وهو خلاف مقتضى الحكمة. وإن خلقت للمؤمنين فأولى أوقات الانتفاع بها وقت جريانهم على مقتضى الإيمان، وهو العبادة والتقوى، ولكن من غير انهماك في الشهوات. 
 كذلك نفصل الآيات لقوم يعلمون  أي الحكمة في خلق الأشياء، واستعمال / الأشياء على نهج ينفع ولا يضر. فإن زعموا أنه يخاف من التزين والتلذذ الوقوع في الكبر، والانهماك في الشهوات، فيحرمان على أهل العبادة.

١ - \[١٠/ يونس/ ٥٩\] ... قل أالله أذن لكم أم على الله تفترون (٥٩)..
٢ - جاء في طبقات ابن سعد (ج ٣ ص ٣٩٤، طبعة بيروت) قال: أخبرنا سليمان بن داود الطيالسي قال: أخبرنا إبراهيم بن سعد عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن سعد بن أبي وقاص قال: لقد ردّ رسول الله صلى الله عليه وسلم على عثمان بن مظعون، التبتل. ولو أذن في ذلك، لاختصى..

### الآية 7:33

> ﻿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ [7:33]

\[ ٣٣ \]  قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم والبغي بغير الحق وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون ( ٣٣ ) . 
 قل  إنهما من المنافع الخالصة في أنفسهما. والإفضاء احتمال غير محقق. فإذا أفضى، فالحرام هو المفضى إليه بالذات لأنه  إنما حرم ربي الفواحش  أي : ما تفاحش قبحه من الذنوب، أي تزايد ( وهي الكبائر ) وهي ما يتعلق بالفروج  ما ظهر منها وما بطن  أي : ما جاهر به بعضهم بعضا، وما ستره بعضهم عن بعض، وما ظهر من أفعال الجوارح، وما بطن من أفعال القلوب  والإثم  أي : ما يوجب الإثم، وهو عام لكل ذنب. وذكره للتعميم بعد التخصيص. ويقال : إن الإثم هو الخمر، قال الشاعر[(١)](#foonote-١) :
نهانا رسول الله أن نقرب الزنى\*\*\* وأن نشرب الإثم الذي يوجب الوزرا
وأنشد الأخفش[(٢)](#foonote-٢) :
شربت الإثم حتى ضل عقلي\*\*\* كذلك الإثم تذهب بالعقول
وهو منقول عن ابن عباس والحسن. وذكره أهل اللغة كالأصمعي وغيره. قال الحسن : ويصدقه قوله تعالى : قل فيهما إثم كبير [(٣)](#foonote-٣). وقال ابن الأنباري : لم تسمّ العرب الخمر / إثما في جاهلية ولا إسلام، والشعر المذكور موضوع، وردّ بأنه مجاز، لأنه سببه. وقال أبو حيان : هذا التفسير غير صحيح هنا، لأن السورة مكية، ولم تحرم الخمر إلا بالمدينة بعد أحُد، وقد سبقه إلى هذا غيره. وأيضا، الحصر يحتاج إلى دليل. كذا في ( العناية )  والبغي  أي : الاستطالة على الناس وظلمهم. إنما أفرده بالذكر، مع دخوله فيما قبله، للمبالغة في الزجر عنه. وذلك لأن تخصيصه بالذكر يقتضي أنه تميز من بينها حتى عدّ نوعا مستقلا  بغير الحق  متعلق ب ( البغي )، مؤكد له معنى. وقيل : البغي قد يخرج عن كونه ظلما إذا كان بسبب جائز في الشرع، كالقصاص، إلا أن مثله لا يسمى بغيا حقيقة، بل مشاكلة  و  قد حرم  أن تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا  أي : برهانا أي : ما لم يقم عليه حجة. قال الزمخشري : فيه تهكم، لأنه لا يجوز أن ينزل برهانا بأن يشرك به غيره. وفي ( العناية ) : إنما جاء التهكم من حيث إنه يوهم أنه لو كان عليه سلطان لم يكن محرما، دلالة على تقليدهم في الغي. والمعنى على نفي الإنزال والسلطان معا على الوجه الأبلغ- انتهى-. قال الرازي : وهذه الآية من أقوى الدلائل على أن القول بالتقليد باطل. وتبعه القاضي فقال : في الآية تنبيه على تحريم اتباع ما لم يدل عليه برهان  و  قد حرم عليكم  أن تقولوا على الله ما لا تعلمون  أي : تتقولوا عليه، وتفتروا الكذب في التحليل والتحريم، أو في الشرك. 
**تنبيه :**
قال الجشمي : تدل الآية على تحريم جميع الذنوب، لأن قوله : الفواحش والإثم  يشتمل على الصغير والكبير، والأفعال القبيحة، والعقود المخالفة للشرع، والأقاويل الفاسدة، والاعتقادات الباطلة. ودخل في قوله : ما ظهر منها وما بطن  أفعال الجوارح، وأفعال القلوب / والخيانات، والمكر، والخديعة. ودخل تحت قوله : والبغي  كل ظلم يتعدى على الغير، فيدخل فيه ما يفعله البغاة والخوارج، والأمراء إذا انتصروا بغير حق. ودخل تحت قوله : وأن تشركوا  تحريم كل شرك وعبادة لغير الله. ودخل تحت قوله : وأن تقولوا  كل بدعة وضلالة وفتوى بغير حق، وشهادة زور ونحوه. فالآية جامعة في المحرمات، كما أن ما قبلها جامعة في المباحات. وفيه تعليم للآداب، دينا ودنيا، وتدل على بطلان التقليد، لأنه أوجب اتباع الحجة، وقوله : ما لم ينزل به سلطانا ، والسلطان الحجة. وتدل على أن لكل أحد وقت حياة، ووقت موت، لا يجوز فيه التقديم والتأخير، فيبطل قول من يقول : المقتول مات قبل أجله. انتهى.

١ - لم أقف على هذا البيت في محل ما، ولم أعرف اسم هذا الشاعر..
٢ - استشهد به في اللسان، مادة (ا ث م) بالصفحة رقم ٦ من المجلد الثاني عشر (طبعة بيروت)..
٣ - \[٢/ البقرة/ ٢١٩\] ونصها: يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس وإثمهما أكبر من نفعها ويسألونك ماذا ينفقون قل العفو كذلك يبين الله لكم الآيات لعلكم تتفكرون (٢١٩)..

### الآية 7:34

> ﻿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ ۖ فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً ۖ وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ [7:34]

ثم أوعد تعالى أهل مكة بالعذاب النازل في أجل معلوم عنده سبحانه، كما نزل بالأمم، فقال تعالى :
\[ ٣٤ \]  ولكل أمة أجل فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون ( ٣٤ ) . 
 ولكل أمة أجل  أي : مدة أو وقت لنزول العذاب بهم  فإذا جاء أجلهم  أي : ميقاتهم المقدر لهم  لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون  أي : لا يتركون بعد الأجل شيئا قليلا من الزمان، ولا يهلكون قبله كذلك. والساعة مثل في غاية القلة من الزمان. 
لطائف
١- وقع هذا التركيب في موضع من التنزيل، وفيه بحث مشهور : وهو أنه لما كان الظاهر عطف  لا يستقدمون  على  لا يستأخرون  كما أعربه الحوفي وغيره، أورد عليه أنه فاسد، لأن ( إذا ) إنما يترتب عليها الأمور المستقبلة لا الماضية، والاستقدام حينئذ بالنسبة إلى محل الأجل متقدم عليه، فكيف يترتب عليه ما تقدمه ؟ ويصير باب الإخبار / بالضروري الذي لا فائدة فيه، كقولك : إذا قمت فيما يأتي، لم يتقدم قيامك فيما مضى. وأجيب بأن المراد بالمجيء الدنوّ، بحيث يمكن التقدم في الجملة، كمجيء اليوم الذي ضرب لهلاكهم ساعة فيه. وقيل : إن جملة  لا يستقدمون  مستأنفة. وقيل : إنها معطوفة على الشرط وجوابه، أو على القيد والمقيد. أو أن مجموع ( لا يستأخرون ولا يستقدمون ) كناية عن أنهم لا يستطيعون تغييره. والتحقيق أنه عطف على  يستأخرون  لكن لا لبيان انتفاء التقدم، مع إمكانه في نفسه كالتأخر، كما يتوهم، بل للمبالغة في انتفاء الأخر. يعني أن التأخر مساو للتقدم في الاستحالة، ولذا نظم معه في سلك، كما في قوله سبحانه[(١)](#foonote-١) : وليست التوبة للذين يعملون السيئات حتى إذا حضر أحدهم الموت قال إني تبت الآن. ولا الذين يموتون وهم كفار  فإن من مات كافرا مع ظهور أن لا توبة له رأسا، قد نظم في عدم القبول، في سلك من سوفها إلى حضور الموت. إذانا بتساوي وجود التوبة حينئذ وعدمها بالمرة. 
٢- تقديم بيان انتفاء الاستئخار، لما أن المقصود بالذات بيان عدم خلاصهم من العذاب وأما ( ما ) في قوله تعالى : ما تسبق من أمة أجلها وما يستئخرون [(٢)](#foonote-٢) من سبق ( السبق ) في الذكر ؛ فلما أن المراد هناك بيان سر تأخير إهلاكهم مع استحقاقهم له، حسبما ينبئ عنه قوله تعالى : ذرهم يأكلوا ويتمتعوا ويلههم الأمل، فسوف يعلمون [(٣)](#foonote-٣). فالأهم هناك بيان انتفاء السبق. 
٣- صيغة الاستفعال للإشعار بعجزهم وحرمانهم عن ذلك، مع طلبهم له، أفاده أبو السعود.

١ - \[٤/ النساء/ ١٨\] ... أولئك أعتدنا لهم عذابا أليما (١٨)..
٢ - \[١٥/ الحجر/ ٥\]. و\[٢٣/ المؤمنون/ ٤٣\]..
٣ - \[١٥/ الحجر/ ٣\]..

### الآية 7:35

> ﻿يَا بَنِي آدَمَ إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي ۙ فَمَنِ اتَّقَىٰ وَأَصْلَحَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ [7:35]

ثم أنذر تعالى بني آدم بأنه سيبعث إليهم رسلا يهدونهم، وبشر وأنذر بقوله سبحانه :
 يا بني ءادم إما يأتينكم رسل منكم يقصون عليكم آياتي فمن اتقى وأصلح فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون .
 يا بني ءادم إما يأتينكم رسل منكم يقصون عليكم آياتي  شرط ذكره بحرف الشك، للتنبيه على أن إتيان الرسل أمر جائز غير واجب. وضمت إليها ( ما ) لتأكيد معنى الشرط، ولذلك أكد فعلها بالنون الثقيلة أو الخفيفة، والمراد ببني آدم جميع الأمم، وهو حكاية لما وقع مع كل قوم. وليس المراد بالرسل نبينا صلى الله عليه وسلم وببني آدم أمته، كما قيل، فإنه خلاف الظاهر- كذا في ( القاضي وحواشيه ) - وجواب الشرط قوله تعالى : فمن اتقى  أي التكذيب  وأصلح  أي عمله  فلا خوف عليهم  من العذاب  ولا هم يحزنون  في الآخرة.

### الآية 7:36

> ﻿وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا أُولَٰئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ ۖ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ [7:36]

\[ ٣٦ \]  والذين كذبوا بآياتنا واستكبروا عنها أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون ( ٣٦ ) . 
 والذين كذبوا بآياتنا واستكبروا  أي تكبروا  عنها  فلم يؤمنوا بها  أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون  :
**تنبيه :**
قال الجشمي : تدل الآية على وجوب اتباع الرسل، وقبول ما يؤدون. وتدل على أن الصلاح في الرسل أن تكون من جملة من بعث إليهم، لأنهم يكونون بطريقته أعرف، ومن النفار عنه أبعد، وإلى السكون إليه أقرب. وتدل على أن الغرض بالرسول ما يؤدي من الأدلة، فلذلك قلنا لا يجوز أن يكون رسولا إلا ومعه ما يؤديه : وتدل على أن الجنة تنال بشيئين :/ بالأعمال الصالحة، واتقاء المعاصي، فبطل قول المرجئة. وتدل على أن المؤمن في الآخرة لا يخاف ولا يحزن، خلاف ما يقوله الأحسدية ( كذا ) والحشوية- هكذا قاله أكثر أصحابنا-. 
وقال أبو بكر أحمد بن علي : قوله : فلا خوف عليهم  كقول الطبيب للمريض ( لا بأس عليك ) يعني أن أمره يؤول إلى العافية. وليس هذا بالوجه لأنه نفى الخوف والحزن مطلقا. وتدل على الوعيد للمكذبين، كما تدل على الوعد للمطيعين، ترغيبا وترهيبا. وتدل على أن التقوى والصلاح والتكذيب فعل العبد، فبطل قولهم في المخلوق والاستطاعة. انتهى كلامه رحمه الله.

### الآية 7:37

> ﻿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَىٰ عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ ۚ أُولَٰئِكَ يَنَالُهُمْ نَصِيبُهُمْ مِنَ الْكِتَابِ ۖ حَتَّىٰ إِذَا جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا يَتَوَفَّوْنَهُمْ قَالُوا أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ۖ قَالُوا ضَلُّوا عَنَّا وَشَهِدُوا عَلَىٰ أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ [7:37]

ثم ذكر تعالى وعيد المكذبين الذين تقدم ذكرهم، بقوله سبحانه :
\[ ٣٧ \]  فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو كذّب بآياته أولئك ينالهم نصيبهم من الكتاب حتى إذا جاءتهم رسلنا يتوفونهم قالوا أين ما كنتم تدعون من دون الله قالوا ضلوا عنا وشهدوا على أنفسهم أنهم كانوا كافرين ( ٣٧ ) . 
 فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو كذّب بآياته  أي ممن تقول على الله كذبا بالتحليل والتحريم، أو بنسبة الولد والشريك، أو كذب بآياته المنزلة  أولئك ينالهم نصيبهم من الكتاب  أي يصيبهم حظهم من الرزق والعمر وغير ذلك. أي مع ظلمهم وافترائهم وتكذيبهم، لا يحرمون ما قدر لهم من العمر والرزق إلى انقضاء آجالهم. وفي الآية وجوه أخر، هذا أظهرها وأقواها في المعنى، وتتمة الآية تدل عليه، وحينئذ تتلاقى مع نظائرها، كقوله تعالى : قل إن الذين يفترون على الله الكذب لا يفلحون، متاع في الدنيا ثم إلينا مرجعهم ثم نذيقهم العذاب الشديد بما كانوا يكفرون [(١)](#foonote-١) / وقوله تعالى : ومن كفر فلا يحزنك كفره إلينا مرجعهم فننبئهم بما عملوا، إن الله عليم بذات الصدور، نمتعهم قليلا...  [(٢)](#foonote-٢) الآية –  حتى إذا جاءتهم رسلنا يتوفونهم  أي : ملائكة الموت تقبض أرواحهم  قالوا أين ما كنتم تدعون من دون الله  أي : أين الآلهة التي كنتم تعبدونها ليكونوا لكم شفعاء، فلا نراهم يخلصونكم مما تحقق عليكم من هذه الشدائد. وفائدة السؤال وجهان : توبيخ وتبكيت لهم يزيدهم غما إلى غم، ولطف بالمكلف لأنه إذا تصور ذلك صرفه عن التكذيب. و ( ما ) وقعت موصولة ب  أين  في خط المصحف العثماني، ومقتضى الاصطلاح الفصل لأنها موصولة  قالوا ضلوا عنا  أي : غابوا عنا فلم يخلصونا من شيء  وشهدوا على أنفسهم أنهم كانوا كافرين  أي : عابدين لما لا يستحق العبادة. اعترفوا بأنهم لم يكونوا على شيء فيما كانوا عليه، وأنهم لم يحمدوه في العاقبة.

١ - \[١٠/ يونس/ ٦٩ و٧٠\]..
٢ - \[٣١/ لقمان/ ٢٣ و٢٤\] ... ثم نضطرهم إلى عذاب غليظ (٢٤)..

### الآية 7:38

> ﻿قَالَ ادْخُلُوا فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ فِي النَّارِ ۖ كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَهَا ۖ حَتَّىٰ إِذَا ادَّارَكُوا فِيهَا جَمِيعًا قَالَتْ أُخْرَاهُمْ لِأُولَاهُمْ رَبَّنَا هَٰؤُلَاءِ أَضَلُّونَا فَآتِهِمْ عَذَابًا ضِعْفًا مِنَ النَّارِ ۖ قَالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلَٰكِنْ لَا تَعْلَمُونَ [7:38]

\[ ٣٨ \]  قال ادخلوا في أمم قد خلت من قبلكم من الجن والإنس في النار كلما دخلت أمة لعنت أختها حتى إذا اداركوا فيها جميعا قالت أخراهم لأولاهم ربنا هؤلاء أضلونا فآتهم عذابا ضعفا من النار قال لكل ضعف ولكن لا تعلمون ( ٣٨ ) . 
 قال  أي الله سبحانه، لهم في الآخرة  ادخلوا في أمم قد خلت  أي في جملة أمم قد مضت  من قبلكم من الجن والإنس  يعني كفار الأمم الماضية من النوعين  في النار  متعلق ب  ادخلوا   كلما دخلت أمة  أي في النار  لعنت أختها  أي التي / قبلها لضلالها بها، كما قال الخليل عليه الصلاة والسلام[(١)](#foonote-١) : ثم يوم القيامة يكفر بعضكم ببعض...  الآية-  إذا اداركوا فيها جميعا  أي تداركوا، بمعنى تلاحقوا واجتمعوا في النار  قالت أخراهم  وهم الأتباع  لأولاهم  أي : لأجل أولاهم، إذ الخطاب مع الله سبحانه، لا معهم. قال ابن كثير : أي قالت أخراهم دخولا وهم الأتباع، لأولاهم وهم المتبَعون، لأنهم أشد جرما من أتباعهم، فدخلوا قبلهم، فيشكوهم الأتباع إلى الله يوم القيامة، لأنهم هم الذين أضلوهم عن سواء السبيل، فيقولون : ربنا هؤلاء أضلونا  أي سنّوا لنا الضلال، ودعوا إليه، فاقتدينا بهم  فآتهم عذابا ضعفا من النار  أي مضاعفا لأنهم ضلوا وأضلوا  قال  أي تعالى : لكل ضعف  أي عذاب مضاعف. أما القادة والرؤساء فبالضلال والإضلال. وأما الأتباع والسفلة، فبالضلال وتقليد أهل الضلال، مع وجود الهادين بالبراهين القاطعة  ولكن لا تعلمون  أي مالكم، أو ما لكل فرقة. وقرئ بالياء. وعليها، فهو تذييل لم يقصد إدراجه في الجواب.

١ - \[٢٩/ العنكبوت/ ٢٥\] ونصها: وقال إنما اتخذتم من دون الله أوثانا مودة بينكم في الحياة الدنيا ثم يوم القيامة يكفر بعضكم ببعض ويلعن بعضكم بعضا ومأواكم النار وما لكم من ناصرين (٢٥)..

### الآية 7:39

> ﻿وَقَالَتْ أُولَاهُمْ لِأُخْرَاهُمْ فَمَا كَانَ لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ [7:39]

\[ ٣٩ \]  وقالت أولاهم لأخراهم فما كان لكم علينا من فضل فذوقوا العذاب بما كنتم تكسبون  ( ٣٩ ). 
 وقالت أولاهم لأخراهم فما كان لكم علينا من فضل  أي لا فضل لكم علينا في ترك الكفر والضلال حتى يكون عذابنا مضاعفا دونكم، فقد ضللتم كما ضللنا، فنحن وإياكم متساوون في الضلال واستحقاق العذاب. وقوله تعالى : فذوقوا العذاب بما كنتم تكسبون  من قول القادة، أو من قول الله تعالى للفريقين، وهو أظهر. 
 **تنبيه :**
قال الجشمي : تدل الآية على أن الكفار والضلال والمبتدعة، وإن تناصروا وتعاونوا على ضلالتهم، وتوادوا في الدنيا، فإنهم في الآخرة يتلاعنون ويتقاطعون ويسألون العذاب لمن أضلهم. وتدل على فساد التقليد، والاغترار بقول علماء السوء. وتدل عل أن اشتراكهم في العذاب لا يوجب لهم راحة، بخلاف الاشتراك في محن الدنيا. وتدل على أن ذلك الإضلال فعلهم، فيبطل قول المجبرة في المخلوق، والهدى والضلال.

### الآية 7:40

> ﻿إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَلَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّىٰ يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ ۚ وَكَذَٰلِكَ نَجْزِي الْمُجْرِمِينَ [7:40]

\[ ٤٠ \]  إن الذين كذبوا بآياتنا واستكبروا عنها لا تفتح لهم أبواب السماء ولا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط وكذلك نجزي المجرمين ( ٤٠ ) . 
 إن الذين كذبوا بآياتنا واستكبروا عنها لا تفتح لهم أبواب السماء  أي لا تفتح لأعمالهم، ولا لدعائهم، ولا لشيء مما يريدون به طاعة الله. أي لا يقبل ذلك منهم، لأنه ليس صالحا ولا طيبا. وقد قال سبحانه : إليه يصعد الكلم الطيب، والعمل الصالح يرفعه [(١)](#foonote-١) قال ابن عباس :" أي لا يرفع لهم منها عمل صالح، ولا دعاء " - رواه جماعة عنه. وقال مجاهد وابن جبير. أو المعنى : لا تنزل عليهم البركة والرحمة، ولا يغاثون، لأنه أجرى العادة بإنزال الرحمة من السماء، كما في قوله : ففتحنا أبواب السماء بماء منهمر[(٢)](#foonote-٢)  / أو المعنى : لا يؤذن لهم في صعود السماء ولا يطرق لهم إليها ليدخلوا الجنة، على ما روي أن الجنة في السماء. أو المعنى لا تفتح لأرواحهم، إذا ماتوا، أبواب السماء، كما تفتح لأرواح المؤمنين- رواه الضحاك عن ابن عباس- ورواه ابن جرير[(٣)](#foonote-٣) عن البراء ؛ " أن رسول الله صلى الله صلى الله عليه وسلم ذكر قبض روح الفاجر، وأنه يصعد بها إلى السماء، فيصعدون بها، فلا يمرون على ملأ من الملائكة إلا قالوا : ما هذا الروح الخبيث ؟ فيقولون فلان ! ( بأقبح أسمائه التي كان يدعى بها في الدنيا ) حتى ينتهوا بها إلى السماء، فيستفتحون له، فلا يفتح له. ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم  لا تفتح لهم أبواب السماء...  الآية " - قال ابن كثير : هكذا رواه. وهو قطعة من حديث طويل، رواه الإمام أحمد[(٤)](#foonote-٤) مطولا وأبو داود والنسائي وابن ماجة من طرق. 
 **تنبيهات :**
الأول : قال الشهاب كون السماء لها أبواب، وأنها تفتح للدعاء الصالح، وللأعمال الصاعدة أو للأرواح- وارد في النصوص القرآنية، والأحاديث النبوية، فلا حاجة إلى تأويل. انتهى. 
 وهذا على قاعدة أهل الظاهر في مثل ذلك، إلا أن الإطلاق لا ينحصر في الحقيقة. والتنزيل الكريم، إنما ورد على مناح للعرب معروفة في لسانهم- والله أعلم. 
 الثاني : التضعيف في ( تفتح ) لتكثير المفعول، لا الفعل لعدم مناسبة المقام. 
الثالث : قرئ بالتخفيف في ( تفتح } وبالتخفيف، والياء. وقرئ على البناء للفاعل، ونصب الأبواب، عل أن الفعل للآيات مجازا، وبالياء على أنه لله تعالى. 
 ولا يدخلون الجنة حتى يلج  أي يدخل  الجمل في سم الخياط  أي ثقب الإبرة، وهو غير ممكن، فكذا دخولهم. 
لطائف
الأولى : قرأ الجمهور  الجمل  بفتح الجيم والميم، وفسروه : بأنه الجمل المعروف وهو البعير. قال الفراء : الجمل زوج الناقة. وقال شمر : البكر والبكرة بمنزلة الغلام والجارية، والجمل والناقة بمنزلة الرجل والمرأة. وقرئ في الشواذ  الجمّل  كسكََّر وصُرَد وقُفل وعُنق وجبل بمعنى حبل السفينة الغليظ الذي يقال له ( القلس ). 
وقال أبو البقاء : يقرأ في الشاذ بسكون الميم، والأحسن أن يكون لغة، لأن تخفيف المفتوح ضعيف ؛ ويقرأ بضم الجيم وفتح الميم وتشديدها، وهو الحبل الغليظ، وهو جمع إلا أن الميم ساكنة، وذلك على تخفيف المضموم- انتهى-. 
وذكر الكوارشي أن القراءات المذكورة كلها لغات في البعير ما عدا " جُمَّلا " كسكّر وقفل، ونوقش في ذلك – انتهى-. 
وقراءته ( كسكّر ) على معنى الحبل المذكور، رواها مجاهد وعكرمة عن ابن عباس، واختارها سعيد بن جبير. 
قال الزمخشري : وعن ابن عباس رضي الله عنه، أن الله أحسن تشبيها من أن يشبه بالجمل، أن الحبل مناسب للخيط الذي يسلك في سم الإبرة، والبعير لا يناسبه. إلا أن قراءة العامة أوقع، لأن سمّ الإبرة مثل في ضيق المسلك، يقال : أضيق من خرت الإبرة. / وقالوا للدليل الماهر ( خريت ) للابتداء به في المضايق المشبهة بأخرات الإبر ؛ والجمل مثل في عظم الجرم، قال[(٥)](#foonote-٥) :
 \* جسم الجمال وأحلام العصافير \*
إن الرجال ليسوا بجزر تراد منهم الأجسام، فقيل : لا يدخلون الجنة حتى يكون ما لا يكون أبدا من ولوج هذا الحيوان، الذي لا يلج إلا في باب واسع، في ثقب الإبرة. 
وعن ابن مسعود :" أنه سئل عن الجمل ؟ فقال : زوج الناقة "، استجهالا للسائل، وإشارة إلى أن طلب معنى آخر تكلف- انتهى-. 
وحاصله أن الجمل لما كان مثلا في عظم الجسم، لأنه أكبر الحيوانات جسما عند العرب، وخرق الإبرة مثلا في الضيق، ظهر التناسب. على أن في إيثار الجمل، وهو مما ليس من شأنه الولوج في سم الإبرة، مبالغة في استبعاد دخولهم الجنة. 
الثانية :( السم ) : الثقب الضيق. قال أبو البقاء : بفتح السين وضمها، لغتان-انتهى. وصرح بالتثليث فيه، وفي القاتل المعروف، صاحب ( القاموس ) وغيره، إلا أنهم قالوا : المشهور في الثقب الفتح كما في التنزيل. والأفصح في القاتل الضم. 
 قال العلامة الفاسي : قال الزبيدي : لم أر من تعرض لكسرهما، وكأنها عامية. 
قلت : قال الزمخشري : وقرئ  في سم الخياط  بالحركات الثلاث، وكفى به مرجعا. 
الثالثة : الخياط  ككتاب ومنبر، ما خيط به الثوب، والإبرة- كذا في ( القاموس ) قال الزمخشري : وقرأ عبد الله ( في سم المخيط ). قال الشهاب : بكسر الميم وفتحها، كما ذكره المعرب، وهي قراءة شاذة. 
الرابعة : قال السيوطي في ( الإكليل ) : في قوله تعالى : حتى يلج الجمل… الخ  جواز فرض المحال، والتعليق عليه كما يقع كثيرا للفقهاء- انتهى-. 
والتعليق على المحال معروف في كلام العرب، كقوله :
إذا شاب الغراب أتيت أهلي \*\*\* وصار القار كاللبن الحليب
وقوله تعالى : وكذلك  أي مثل ذلك الجزاء الفظيع  نجزي المجرمين .

١ - \[٣٥/ فاطر/ ١٠\] من كان يريد العزة فلله العزة جميعا... والذين يمكرون السيئات لهم عذاب شديد ومكر أولئك هو يبور (١٠)..
٢ - \[٥٤/ القمر/ ١١\]..
٣ - الأثر رقم ١٤٦١٤ من التفسير..
٤ - هأنذا أثبت هذا الحديث مطولا. فقد رواه في المسند بالصفحتين ٢٨٧ و٢٨٨ من الجزء الرابع (طبعة الحلبي) ونصه: 
 وعن البراء بن عازب قال: "خرجنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في جنازة رجل من الأنصار. فانتهينا إلى القبر ولما يلحد. فجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم وجلسنا حوله وكأن على رءوسنا الطير. وفي يده عود ينكت في الأرض فرفع رأسه فقال "استعيذوا بالله من عذاب القبر" مرتين أو ثلاثا ثم قال "إن العبد المؤمن إذا كان في انقطاع من الدنيا وإقبال من الآخرة، نزل إليه ملائكة من السماء بيض الوجوه كأن وجوههم الشمس. معهم كفن من أكفان الجنة، وحنوط من حنوط الجنة، حتى يجلسوا منه مدّ البصر. ثم يجيء ملك الموت، عليه السلام، حتى يجلس عند رأسه. فيقول: أيتها النفس الطيبة ! اخرجي إلى مغفرة من الله ورضوان. قال فتخرج تسيل كما تسيل القطرة من في السقاء فيأخذها. فإذا أخذها، لم يدعوها في يده طرفة عين حتى يأخذوها. فيجعلوها في ذلك الكفن وفي ذلك الحنوط. ويخرج منها كأطيب نفحة مسك وجدت على الأرض. قال فيصعدون بها. فلا يمرون (يعني بها) على ملائكة من الملائكة إلا قالوا: ما هذا الروح الطيب؟ فيقولون: فلان بن فلان (بأحسن أسمائه التي كانوا يسمونه بها في الدنيا) حتى ينتهوا بها إلى السماء. فيستفتحون له فيفتح لهم. فيشيعه من كل سماء مقربوه إلى السماء التي تليها، حتى ينتهي بها إلى السماء السابعة. فيقول الله عز وجل: اكتبوا كتاب عبدي في عليين، وأعيدوه إلى الأرض. فإني منها خلقتهم وفيها أعيدهم ومنها أخرجهم تارة أخرى.
 قال فتعاد روحه في جسده فيأتيه ملكان فيجلسانه فيقولان له: من ربك؟ فيقول: ربي الله. فيقولان له: وما دينك؟ فيقول: ديني الإسلام. فيقولان له: ما هذا الرجل الذي بعث فيكم؟ فيقول: رسول الله صلى الله عليه وسلم. فيقولان له: وما علمك؟ فيقول: قرأت كتاب الله فآمنت به وصدقت.
 فينادي مناد من السماء: أن صدق عبدي. فافرشوه من الجنة وألبسوه من الجنة وافتحوا له بابا إلى الجنة. 
 قال فيأتيه من روحه وطيبها، ويفسح له في قبره مدّ بصره.
 قال ويأتيه رجل حسن الوجه، حسن الثياب، طيب الريح، فيقول ابشر بالذي يسرك هذا يومك الذي كنت توعده. فيقول له: من أنت؟ فوجهك الوجه يجيء بالخير. فيقول: أنا عملك الصالح. فيقول: رب ! أقم الساعة حتى أرجع إلى أهلي ومالي. 
 قال، وإن العبد الكافر إذا كان في انقطاع من الدنيا وإقبال من الآخرة، نزل إليه من السماء ملائكة سود الوجوه، معهم المسوح. فيجلسون منه مدّ البصر. ثم يجيء ملك الموت حتى يجلس عند رأسه فيقول: أيتها النفس الخبيثة ! اخرجي إلى سخط من الله وغضب.
 قال فتفرق في جسده. فينتزعها كما ينتزع السفود من الصوف المبلول. فيأخذها. فإذا أخذها لم يدعوها في يده طرفة عين حتى يجعلوها في تلك المسوح. ويخرج منها كأنتن ريح جيفة وجدت على وجه الأرض. فيصعدون بها. فلا يمرون بها على ملأ من الملائكة إلا قالوا: ما هذا الروح الخبيث؟ فيقولون: فلان بن فلان (بأقبح أسمائه التي كان يسمى بها في الدنيا) حتى ينتهي بها إلى السماء الدنيا. فيستفتح له فلا يفتح له".
 ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا تفتح لهم أبواب السماء ولا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط. فيقول الله عز وجل: اكتبوا كتابه في سجين، في الأرض السفلى. فتطرح روحه طرحا.
 ثم قرأ: ومن يشرك بالله فكأنما خر من السماء فتخطفه الطير أو تهوي به الريح في مكان سحيق. "فتعاد روحه في جسده. ويأتيه ملكان فيجلسانه ويقولان له: من ربك؟ فيقول: هاه هاه. لا أدري. فيقولان له ما يدينك؟ فيقول: هاه هاه. لا أدري. فيقولان له: ما هذا الرجل الذي بعث فيكم؟ فيقول هاه هاه. لا أدري. فينادي مناد من السماء: أن كذب. فافرشوا له من النار. وافتحوا له بابا إلى النار. فيأتيه من حرّها وسمومها. ويضيق عليه قبره حتى تختلف فيه أضلاعه. ويأتيه رجل قبيح الوجه، قبيح الثياب، منتن الريح، فيقول: أبشر بالذي يسوءك. هذا يومك الذي كنت توعده. فيقول: من أنت؟ فوجهك الوجه يجيء بالشر. فيقول: أنا عملك الخبيث. فيقول: رب ! لا تقم الساعة".
 وأخرجه أبو داود في: ٣٩- كتاب السنة، ٢٤- باب في المسألة في القبر وعذاب القبر، حديث ٤٧٥٣..
٥ - صدر البيت: 
 \* لا بأس بالقوم من طول ومن عظم \* 
 وقائله حسان بن ثابت الأنصاري، ورواية العجز في الديوان:
 \* جسم البغال وأحلام العصافيــــر \*
 قاله من قصيدة يهجو بها النجاشي الشاعر ومطلعها:
 حار بن كعب ألا الأحلام تزجركم \*\*\* عنا وأنتم من الجـــوف الجمـــاخير
 قوله: تزجركم عنا، أي عن هجائنا. والجوف، جمع أجوف، هو واسع الجوف. والجماخير جمع جمخور، وهو والواسع الجوف أيضا. والمراد الضعفاء المستريحون..

### الآية 7:41

> ﻿لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهَادٌ وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ ۚ وَكَذَٰلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ [7:41]

\[ ٤١ \]  لهم من جهنم مهاد ومن فوقهم غواش وكذلك نجزي الظالمين ( ٤١ ) . 
 لهم من جهنم مهاد  أي : فرش من تحتهم  ومن فوقهم غواش  أي أغطية، إذ أحاطت بهم الخطيئة  وكذلك نجزي الظالمين  أي بالكفر، وإنما عبر عنهم بالمجرمين تارة، وبالظالمين أخرى، إشعارا بأنهم بتكذيبهم الآيات، اتصفوا بكل واحد من ذينك الوصفين القبيحين. وذكر الجرم مع الحرمان من دخول الجنة، والظلم مع التعذيب بالنار الذي هو أشد من الحرمان المذكور- تنبيها على أنه أعظم الجرائم.

### الآية 7:42

> ﻿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا أُولَٰئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ ۖ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ [7:42]

ثم تأثر تعالى وعيده بوعده، على سنته في تنزيله الكريم، فقال سبحانه : والذين آمنوا وعملوا الصالحات لا نكلف نفسا إلا وسعها أولئك أصحاب الجنة هم فيها خالدون ( ٤٢ ) . 
 والذين آمنوا وعملوا الصالحات لا نكلف نفسا إلا وسعها أولئك أصحاب الجنة هم فيها خالدون  مبتدأ، وفي الخبر وجهان :
أحدهما : لا نكلف نفسا إلا وسعها ، والتقدير ( منهم )، فحذف العائد، كما حذف في قوله : ولمن صبر وغفر إن ذلك لمن عزم الأمور [(١)](#foonote-١). 
والثاني : أن الخبر  أولئك أصحاب الجنة  و  لا نكلف  معترض بينهما- انتهى- وعلى الثاني اقتصر غير واحد من المحققين. قالوا : وسر الاعتراض، الترغيب في اكتساب ما يؤدي إلى النعيم المقيم ببيان سهولة مناله، وتيسير تحصيله. والذي حسنه سبق العمل الصالح قبله. أي وإذا علم أن مبنى التكليف على الوسع، زادت الرغبة في ذلك الاكتساب، لحصوله بما فيه يسر لا عسر. 
**لطيفة :**
الوسع : ما يقدر عليه الإنسان بسهولة ويستمر. قاله الرازي، أخذا من قول معاذ في الآية يسرها لا عسرها قال : وأما أقصى الطاقة فيسمى جهدا لا وسعا. وغلط من ظن أن الوسع بذل المجهود. 
قلت : في ( القاموس ) : الوسع ( مثلثة ) الجدة والطاقة كالسعة. وفيه : الجهد الطاقة ( ويضم ) والمشقة- انتهى-. 
قال ابن الأثير : الجهد ( بالفتح ) المشقة، وقيل : المبلغة والغاية، وبالضم الوسع والطاقة، / وقيل : هما لغتان في الوسع والطاقة، فأما في المشقة والغاية، فالفتح لا غير- انتهى- وبه يعلم أن ما جرى عليه الرازي قول للغويين، وليس وفاقا.

١ - \[٤٢/ الشورى/ ٤٣\]..

### الآية 7:43

> ﻿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ ۖ وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَٰذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ ۖ لَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ ۖ وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ [7:43]

\[ ٤٣ \]  ونزعنا ما في صدورهم من غل تجري من تحتهم الأنهار وقالوا الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله لقد جاءت رسل ربنا بالحق ونودوا أن تلكم الجنة أورثتموها بما كنتم تعملون ( ٤٣ ) . 
 ونزعنا ما في صدورهم من غل  أي نخرج من قلوبهم أسباب الحقد والحسد والعداوة، أو نطهرها منها، حتى لا يكون بينهم إلا التواد والتعاطف. وصيغة الماضي للإيذان بتحققه وتقرره  تجري من تحتهم الأنهار وقالوا الحمد لله الذي هدانا لهذا  أي لما جزاؤه هذا، أي : لأسباب هذا العلو، بإرسال الرسل والتوفيق للعمل  وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله  أي ما كنا لنرشد لذلك العمل الذي هذا ثوابه، لولا أن وفقنا الله بدلائله وألطافه وعنايته  لقد جاءت رسل ربنا بالحق  أي : فاهتدينا بإرشادهم. قال الزمخشري : يقولون ذلك، أي  الحمد لله…  سرورا واغتباطا بما نالوا، وتلذذا بالتكلم به، لا تقربا ولا تعبدا، كما ترى من رزق خيرا في الدنيا يتكلم بنحو ذلك، ولا يتمالك أن لا يقوله، للفرح والتوبة  ونودوا أن تلكم الجنة أورثتموها بما كنتم تعملون  أي : أعطيتموها بسبب أعمالكم في الدنيا. فالميراث مجاز عن الإعطاء، تجوز به عنه إشارة إلى أن السبب فيه ليس موجبا، وإن كان سببا بحسب الظاهر، كما أن الإرث ملك بدون كسب، وإن كان النسب مثلا سببا له. وعلى ما تقرر، فلا يقال إنه معارض لما ثبت في ( الصحيحين ) [(١)](#foonote-١) من قوله صلى الله عليه وسلم : واعلموا أن أحدكم لن يدخله عمله الجنة ! قالوا / ولا أنت يا رسول الله ؟ قال : ولا أنا، إلا أن يتغمدني الله برحمة منه وفضل ". ولا يحتاج إلى الجواب عنه، ولا أن يقال الباء للعوض لا للسبب. وهذا تنجيز للوعد بإثابة المطيع، لا بالاستحقاق والاستيجاب، بل هو بمحض فضله تعالى، كالإرث- كذا في ( العناية ). 
وروى الإمام مسلم[(٢)](#foonote-٢) عن أبي سعيد وأبي هريرة رضي الله عنهما ؛ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :" إذا دخل أهل الجنة نادى مناد إن لكم أن تحيوا فلا تموتوا أبدا، وإن لكم أن تصحوا فلا تسقموا أبدا، وإن لكم أن تشبوا فلا تهرموا أبدا، وإن لكم أن تنعموا فلا تبأسوا أبدا. فذلك قوله عز وجل : ونودوا أن تلكم الجنة...  الآية ".

١ - أخرجه البخاري في: ٨١- كتاب الرقاق، ١٨- باب القصد والمداومة على العمل، حديث ٢٤٢٧ ونصه:
 عن عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال "سدّدوا وقاربوا وأبشروا، فإنه لا يدخل أحدا الجنة عمله قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال "ولا أنا، إلا أن يتغمدني الله بمغفرة ورحمة".
 وأخرجه مسلم في: ٥٠- كتاب صفات المنافقين وأحكامهم، حديث ٧٨ (طبعتنا)..
٢ - أخرجه مسلم في: ٥١ – كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها، حديث ٢٢ (طبعتنا) ونصه:
 عن أبي سعيد الخدري وأبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ينادي مناد: إن لكم أن تصحوا فلا تسقموا أبدا. وإن لكم أن تحيوا فلا تموتوا أبدا. وإن لكم أن تشبوا فلا تهرموا أبدا. وإن لكم أن تنعموا فلا تبأسوا أبدا".
 فذلك قوله عز وجل: ونودوا أن تلكم الجنة أورثتموها بما كنتم تعملون..

### الآية 7:44

> ﻿وَنَادَىٰ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابَ النَّارِ أَنْ قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقًّا فَهَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا ۖ قَالُوا نَعَمْ ۚ فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَنْ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ [7:44]

\[ ٤٤ \]  ونادى أصحاب الجنة  أي إذا استقروا في منازلهم  أصحاب النار  توبيخا / وتحسيرا لهم  أن قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقا  حيث نلنا هذه المراتب العالية : فهل وجدتم ما وعد ربكم حقا  من تنزيلكم إلى أسفل سافلين، لاستكباركم على الآيات والرسل  قالوا نعم  أي وجدناه حقا  فأذّنَ  أي نادى  مؤذن بينهم  أي بين الفريقين ليسمعهم، زيادة في شماتة أحد الفريقين وندامة الآخر  أن لعنة الله على الظالمين .

### الآية 7:45

> ﻿الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا وَهُمْ بِالْآخِرَةِ كَافِرُونَ [7:45]

\[ ٤٥ \]  الذين يصدون عن سبيل الله ويبغونها عوجا وهم بالآخرة كافرون ( ٤٥ ) . 
 الذين يصدون عن سبيل الله  أي : يمنعون أنفسهم وغيرهم عن دينه القويم الذي بينه على ألسنة رسله لمعرفته وعمارة الدارين  ويبغونها عوجا  أي : يبغون لها زيغا وميلا عما هي عليه، حتى لا يتبعها أحد { وهم بالآخرة كافرون أي وهم بلقاء الله في الدار الآخرة جاحدون لا يؤمنون به، فلهذا لا يبالون، فيأتون المنكر من القول والعمل، لأنهم لا يرجون حسابا عليه ولا عقابا، فهم شر الناس.

### الآية 7:46

> ﻿وَبَيْنَهُمَا حِجَابٌ ۚ وَعَلَى الْأَعْرَافِ رِجَالٌ يَعْرِفُونَ كُلًّا بِسِيمَاهُمْ ۚ وَنَادَوْا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ ۚ لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ [7:46]

\[ ٤٦ \]  وبينهما حجاب وعلى الأعراف رجال يعرفون كلا بسيماهم ونادوا أصحاب الجنة أن سلام عليكم لم يدخلوها وهم يطمعون ( ٤٦ ) . 
 وبينهما حجاب  أي : بين الفريقين سور وستر، أو بين الجنة والنار، ليمنع وصول أثر إحداهما إلى الأخرى. وقد سمي هذا الحجاب سورا في آية[(١)](#foonote-١)  فضرب بينهم بسور له باب باطنه فيه الرحمة وظاهره من قبله العذاب  وقوله تعالى : وعلى الأعراف/ رجال  أي على أعراف الحجاب وشرفاته وأعاليه، هو السور المضروب بينهما، جمع عرْف، مستعار من عرف الفرس، وعرف الديك. وكل ما ارتفع من الأرض عرف، فإنه بظهوره أعرف مما انخفض. 
وقد حكى المفسرون أقوالا كثيرة في رجال الأعراف، عن التابعين وغيرهم، أنهم فضلاء المؤمنين، أو هم الشهداء، أو الأنبياء، أو قوم أوذوا في سبيل الله، فاطلعوا على أعدائهم ليشمتوا بهم، فعرفوهم بسيماهم، وسلموا على أهل الجنة، واللفظ، لإبهامه، يحتمل ذلك، لأن السياق يدل على سموّ قدرهم، لا سيما بجعل منازلهم الأعراف، وهي الأعالي، والشرف، كما تقدم ومن ذكر كلهم جديرون بذلك- والله أعلم-. 
 يعرفون كلا  أي من أهل الجنة والنار  بسيماهم  أي بعلامتهم التي أعلمهم الله بها، كبياض الوجه وسواده. 
**فائدة :**
السيما مقصورة وممدودة، والسيمة والسيمياء بكسرهن العلامة. قال القاضي : السيمى فعلى من ( سام إبله ) إذا أرسلها في المرعى معلمة. أو من ( وسم ) على القلب ( كالجاه ) من ( الوجه ). انتهى. وعلى الثاني اقتصر ابن دريد  ونادوا  أي رجال الأعراف  أصحاب الجنة  أي حين رأوهم من أعرافهم، وقد عرفوهم من سيماهم أنهم أهل الجنة  أن سلام عليكم  بطريق الدعاء والتحية، أو بطريق الإخبار بنجاتهم من المكاره. والوجه الأول هو المأثور عن ابن عباس رضي الله عنه فيما رواه عنه العوفي. قال رضي الله :" أنزلهم الله بتلك المنزلة ليعرفوا من في الجنة والنار، وليعرفوا أهل النار بسواد الوجوه، ويتعوذوا بالله أن يجعلهم من القوم الظالمين، وهم في ذلك يحيون أهل الجنة بالسلام ".  لم يدخلوها وهم يطمعون  الضميران في الجملتين لأصحاب الأعراف، والأولى حال من الواو، والثانية حال من فاعل  يدخلوها ، أي نادوهم وهم لم يدخلوا الجنة بعد، حال كونهم طامعين في دخولها، مترقبين. 
 قال الجشمي رحمه الله : قيل : إذا كان أصحاب الأعراف أفاضل المؤمنين، فلم تأخر دخولهم ؟ قلنا : هم تعجلوا اللذة بالشماتة من الأعداء، وإن تأخر دخولهم، لظهور فضلهم، وجلالة طريقهم إلى منازلهم ١ه. 
ولا يبعد عندي أن يكون جملة  لم يدخلوها وهم يطمعون  حالا من  أصحاب الجنة  أي نادوهم بالسلام وهم في الموقف على طمع دخول الجنة يبشرونهم بالأمان والفوز من العذاب، إشارة إلى سبق أهل الأعراف على غيرهم في دخول الجنة، وعلو منازلهم على سواهم-والله أعلم-. 
وذهب أبو مجلز إلى أن الضميرين لأصحاب الجنة، أي : نادى أهل الأعراف أصحاب الجنة بالسلام، حال كون أصحاب الجنة لم يدخلوها. وهو وجه جيد. فالجملة الأولى حال من المفعول وهو  أصحاب الجنة  والثانية حال من فاعل  يدخلوها .

١ - \[٥٧/ الحديد/ ١٣\] ونصها: يوم يقول المنافقون والمنافقات للذين آمنوا انظرونا نقتبس من نوركم قيل ارجعوا وراءكم فالتمسوا نوارا......

### الآية 7:47

> ﻿۞ وَإِذَا صُرِفَتْ أَبْصَارُهُمْ تِلْقَاءَ أَصْحَابِ النَّارِ قَالُوا رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ [7:47]

\[ ٤٧ \]  وإذا صرفت أبصارهم تلقاء أصحاب النار قالوا ربنا لا تجعلنا مع القوم الظالمين ( ٤٧ ) . 
 وإذا صرفت أبصارهم  أي : أبصار أهل الأعراف أو أهل الجنة. 
قال الجشمي : وإنما قال  صرفت  لأن نظرهم إلى أهل النار نظرة عداوة. فلا ينظرون إلا أن تصرف وجوههم إليهم. فأما أهل الجنة فوجوههم إليهم سرورا بهم، فلا يحتاج إلى تكلف. وقيل : لأنهم مع أهل الجنة بعداء من أهل النار، فيحتاجون إلى صرف أبصارهم تلقاء أصحاب النار. ثم قال الجشمي : تدل الآية على وجوب الاجتناب من الظلمة في الدنيا، كيلا يكون معهم في الآخرة- انتهى-. 
 تلقاء أصحاب النار  أي : إلى جهتهم  قالوا  من شدة خوفهم تعوذا بالله  ربنا لا تجعلنا من القوم الظالمين  أي : في النار. وقال أبو السعود : في وصفهم / بالظلم- دون ما هم عليه حينئذ من العذاب وسوء الحال الذي هو الموجب للدعاء- إشعار بأن المحذور عندهم ليس نفس العذاب فقط، بل ما يوجبه ويؤذي إليه من الظلم.

### الآية 7:48

> ﻿وَنَادَىٰ أَصْحَابُ الْأَعْرَافِ رِجَالًا يَعْرِفُونَهُمْ بِسِيمَاهُمْ قَالُوا مَا أَغْنَىٰ عَنْكُمْ جَمْعُكُمْ وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ [7:48]

\[ ٤٨ \]  ونادى أصحب الأعراف رجالا يعرفونهم بسيماهم قالوا ما أغنى عنكم جمعكم وما كنتم تستكبرون ( ٤٨ ) . 
 ونادى أصحاب الأعراف رجالا  يعني من عظماء أهل الضلالة  يعرفونهم بسيماهم  أي : التي تدل على أعيانهم، وإن تغيرت صورهم  قالوا ما أغنى عنكم جمعكم  أي : كثرتكم أو جمعكم للأموال التي تدفع بها الآفات  وما كنتم تستكبرون  عن الحق، أو على الخلق. وقرئ  تستكثرون  من الكثرة، أي : من الأتباع الذين يستعان بهم في دفع الملمات. 
قال ابن القيم : يعني ما نفعكم جمعكم وعشيرتكم وتجرؤكم على الحق ولا استكباركم. وهذا إما نفي وإما استفهام وتوبيخ، وهو أبلغ وأفحم. ثم نظروا إلى الجنة فرأوا من الضعفاء الذين كان الكفار يسترذلونهم في الدنيا، ويزعمون أن الله لا يختصهم دونهم في الدنيا، فيقول لهم أهل الأعراف.

### الآية 7:49

> ﻿أَهَٰؤُلَاءِ الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ لَا يَنَالُهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ ۚ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلَا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ [7:49]

\[ ٤٩ \]  أهؤلاء الذين أقسمتم لا ينالهم الله برحمة ادخلوا الجنة لا خوف عليكم ولا أنتم تحزنون ( ٤٩ ) . 
 أهؤلاء  الضعفاء من المؤمنين  الذين أقسمتم لا ينالهم الله برحمة  يرفع درجاتهم في الآخرة، فها هم في الجنة يتمتعون ويتنعمون، وفي رياضها يحبرون. وقوله تعالى : ادخلوا الجنة لا خوف عليكم ولا أنتم تحزنون  أي : لا خوف عليكم من / العذاب النازل بالكفار، ولا تحزنون كحزن الكفار على فوات النعيم، وهذا من قول أصحاب الأعراف، يتآمرون بينهم بدخول الجنة بعد تبكيب أهل النار، فيقول بعضهم لبعض : ادخلوا الجنة ؛ وإما من كلام أهل الأعراف للمؤمنين، أي يقولون لهم : ادخلوا الجنة، أو من تتمة مخاطبة أهل الأعراف للرجال، كأنه قيل لهم : انظروا إلى هؤلاء الذين أقسمتم لا ينالهم الله برحمته، كيف نالوها، حيث قيل لهم من قِبَلِه تعالى : ادخلوا الجنة. وعلى كلٍّ فالجملة مبنية على قول محذوف إيجازا، للعلم به. 
**لطيفة :**
بين الزمخشري سر حبسهم على الأعراف، ثم إدخالهم الجنة أبدع بيان، فقال رحمه الله : يقال لأصحاب الأعراف : ادخلوا الجنة ، وذلك بعد أن يحبسوا على الأعراف، وينظروا إلى الفريقين، ويعرفوهم بسيماهم، ويقولوا ما يقولون. وفائدة ذلك بيان أن الجزاء على قدر الأعمال، وأن التقدم والتأخر على حسبها، وأن أحدا لا يسبق عند الله إلا بسبْقه في العمل، ولا يتخلف عنده إلا بتخلفه فيه، وليرغب السامعون في حال السابقين ويحرصوا على إحراز قصبتهم، وليتصوروا أن كل أحد يعرف ذلك اليوم بسيماه التي استوجب أن يوسم بها من أهل الخير والشر، فيرتدع المسيء عن إساءته، ويزيد المحسن في إحسانه، وليعلم أن العصاة يوبخهم كل أحد، حتى أقصر الناس عملا-انتهى-.

### الآية 7:50

> ﻿وَنَادَىٰ أَصْحَابُ النَّارِ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنَا مِنَ الْمَاءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ ۚ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى الْكَافِرِينَ [7:50]

ثم بين تعالى ذلة أهل النار وسؤالهم أهل الجنة من شرابهم وطعامهم، بعد التكبر عليهم، وبعدما أقسموا لا ينالهم الله برحمة، وأنهم يجابون إلى ذلك، بقوله سبحانه :
 ونادى أصحاب النار أصحاب الجنة أن أفيضوا علينا من الماء  أي : الذي / رحمكم الله به ليسكن حرارة النار والعطش. قال الجشمي : وذكروا لفظ ( الإفاضة ) لأن أهل الجنة أعلى مكانا.  أو مما رزقكم الله  أي : من الأطعمة والفواكه  قالوا إن الله حرمهما على الكافرين  أي : منعهما عنهم، لأنه أنعم عليهم في الدنيا، فلم يشكروه، فمنعهم نعمه في الآخرة. فالتحريم تحريم منع، لا تحريم تعبد.

### الآية 7:51

> ﻿الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَهْوًا وَلَعِبًا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا ۚ فَالْيَوْمَ نَنْسَاهُمْ كَمَا نَسُوا لِقَاءَ يَوْمِهِمْ هَٰذَا وَمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ [7:51]

**ثم وصف الكافرين بقوله :**
{ الذين اتخذوا دينهم لهوا ولعبا وغرتهم الحياة الدنيا فاليوم ننساهم كما نسوا لقاء
يومهم هذا وما كانوا بآياتنا يجحدون ( ٥١ ) }. 
 الذين اتخذوا دينهم لهوا ولعبا  أي : مما زينه لهم الشيطان. واللهو : كل ما صدّ عن الحق. واللعب : كل أمر باطل. أي : ليس دينهم في الحقيقة إلا ذلك، إذ هو دأبهم وديدنهم  وغرتهم الحياة الدنيا  بزخارفها العاجلة، فلم يعملوا  فاليوم ننساهم  أي : نتركهم ترك المنسي، فلا نرحمهم بما نرحم به من عمل للآخرة  كما نسوا لقاء يومهم هذا  أي : كما فعلوا بلقائه، فعل الناسين، فلم يخطروه ببالهم، ولم يهتموا به. 
**لطيفة :**
قال الشهاب : ننساهم  تمثيل. شبه معاملته تعالى مع هؤلاء بالمعاملة مع من لا يعتد به، ويلتفت إليه، فينسى. لأن النسيان لا يجوز على الله تعالى، أي لأنه تعالى لا يشذ عن علمه شيء، كما قال[(١)](#foonote-١) : في كتاب لا يضل ربي ولا ينسى  والنسيان يستعمل بمعنى الترك كثيرا في لسان العرب. ويصح هنا أيضا، فيكون استعارة تحقيقية، أو مجازا مرسلا ؛ وكذا نسيانهم لقاء الله أيضا، لأنهم لم يكونوا ذاكري الله حتى ينسوه، فشبه عدم إخطارهم لقاء الله والقيامة ببالهم، وقلة مبالاتهم- بحال من عرف شيئا، ثم نسيه. وليست الكاف للتشبيه، بل للتعليل، ولا مانع من التشبيه أيضا – انتهى-. 
 وقال تعالى : وما كانوا بآياتنا يجحدون  أي وكما كانوا منكرين أنها من عند الله تعالى. روى الترمذي[(٢)](#foonote-٢) عن أبي سعيد وأبي هريرة رضي الله عنهما قالا : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" يؤتى بالعبد يوم القيامة، فيقول الله : ألم أجعل لك سمعا وبصرا ومالا وولدا، وسخرت لك الأنعام والحرث، وتركتك ترأس وتربع، فكنت تظن أنك ملاقي يومك هذا ؟ قال فيقول : لا ! فيقول له : اليوم أنساك كما نسيتني ". 
وفي حديث أبي هريرة عند مسلم[(٣)](#foonote-٣) :" فيلقى العبد ربه، فيقول : أي فلْ ! ألم أكرمك وأسوّدك، وأزوجك، وأسخر لك الخيل والإبل، وأتَركْك ترأس وتربَع ؟ فيقول : بلى. قال أظننت أنك ملاقي ؟ فيقول : لا. فيقول : فإني أساك كما نسيتني " !. 
١ - \[٢٠/ طه/ ٥٢\] قال علمها عند ربي.....
٢ - أخرجه الترمذي في: ٣٥- كتاب القيامة، ٦- باب منه، حدثنا سويد بن نصر..
٣ - أخرجه مسلم في: ٥٣- كتاب الزهد والرقائق، حديث ١٦ (طبعتنا) ونصه:
 عن أبي هريرة قال: قالوا: يا رسول الله ! هل نرى ربنا يوم القيامة؟ قال "هل تضارون في رؤية الشمس في الظهيرة، ليست في سحابة"؟ قالوا؛ لا. قال "فهل تضارون في رؤية القمر ليلة البدر، ليس في سحابة"؟ قالوا: لا. قال "فوالذي نفسي بيده ! لا تضارون في رؤية ربكم إلا كما تضارون في رؤية أحدهما. قال فيلقى العبد، فيقول: أي فلْ ! ألم أكرمك وأسوّدك، وأزوجك، وأسخر لك الخيل والإبل، وأذَرْك ترأس وتربَع؟ فيقول: بلى. قال أظننت أنك ملاقي؟ فيقول: لا. فيقول: فإني أساك كما نسيتني. ثم يلقى الثالث فيقول له مثل ذلك. فيقل: يا ربِّ ! آمنت بك وبكتابك وبرسلك وصليت وصمت وتصدقت. ويثني بخير ما استطاع. فيقول: ههنا إذا. قال ثم يقال له: الآن نبعث شاهدنا عليك. ويتفكر في نفسه: من ذا الذي يشهد علي؟ فيختم على فيه. ويقال لفخذه ولحمه وعظامه: انطقي. فتنطق فخذه ولحمه وعظامه بعمله. وذلك ليعذر من نفسه.
 وذلك المنافق، وذلك الذي يسخط الله عليه"..

### الآية 7:52

> ﻿وَلَقَدْ جِئْنَاهُمْ بِكِتَابٍ فَصَّلْنَاهُ عَلَىٰ عِلْمٍ هُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ [7:52]

ولما أخبر تعالى عن خسارتهم في الآخرة ذكر أنه زاح عللهم في الدنيا بإرسال الرسل، وإنزال الكتب، فقال سبحانه :
 ولقد جئناهم بكتاب فصلناه على علم هدى ورحمة لقوم يؤمنون ( ٥٢ ) . 
 ولقد جئناهم بكتاب فصلناه  أي بينا فيه الاعتقادات والأحكام والأمور الأخروية تفصيلا مبينا  على علم  أي عالمين كيف نفصل أحكامه ومواعظه وقصصه وسائر معانيه، حتى جاء محكما قيما غير ذي عوج، وهذا كقوله تعالى : أنزله بعلمه [(١)](#foonote-١).  هدى  أي دلالة ترشدهم إلى الحق وتنجيهم من الضلالة  ورحمة  أي تنجيهم من العذاب لما فيه من الدلائل ورفع الشبه  لقوم يؤمنون  لأنهم المغتنمون لفوائده.

١ - \[٤/ النساء/ ١٦٦\] لكن الله يشهد بما أنزل إليك أنزله بعلمه والملائكة يشهدون وكفى بالله شهيدا (١٦٦)..

### الآية 7:53

> ﻿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ ۚ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ فَهَلْ لَنَا مِنْ شُفَعَاءَ فَيَشْفَعُوا لَنَا أَوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ ۚ قَدْ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ [7:53]

هل ينظرن إلا تأويله يوم يأتي تأويله يقول الذين نسوه من قبل قد جاءت رسل ربنا بالحق فهل لنا من شفعاء فيشفعوا لنا أو نرد فنعمل غير الذي كنا نعمل قد خسروا أنفسهم وضل عنهم ما كانوا يفترون ( ٥٣ ) . 
 هل ينظرون إلا تأويله  أي ما ينتظرون إلا ما يؤول إليه أمره، من تبين صدقه، بظهور ما نطق به من الوعد والوعيد. قال الشهاب. ( فالنظر ) هنا بمعنى ( الانتظار ) / لا بمعنى الرؤية. والتأويل بمعنى العاقبة، وما يقع في الخارج، وهو أصل معناه، ويطلق على التفسير أيضا. والمعنى : أنهم قبل وقوع ما هو محقق، كالمنتظرين له، لأن كل آت قريب، فهم على شرف ملاقاة ما وعدوا به. فلا يقال : كيف ينتظرونه مع جحدهم ؟ فإنهم وإن جحدوه، إلا أنهم بمنزلة المنتظرين وفي حكمهم، من حيث إن تلك الأحوال تأتيهم لا محالة  يوم يأتي تأويله  يعني يوم القيامة، لأنه يوم الجزاء، وما تؤول إليه أمورهم  يقول الذين نسوه من قبل  أي تركوه ترك المنسي، حين كان ينفعهم الذكر، فلم يؤمنوا به عند معاينة العذاب  قد جاءت رسل ربنا بالحق  أي بما هو واقع من الاعتقادات والوعد والوعيد  فهل لنا من شفعاء فيشفعوا لنا  في إزالة العذاب  أو نرد  إلى مكان العمل  فنعمل غير الذي كنا نعمل  من الجحود واللهو واللعب وأعمال الدنيا. قال عز وجل : قد خسروا أنفسهم  بصرف أعمالهم في الكفر  وضل عنهم ما كاوا يفترون  أي ذهب عنهم ما كانوا يفترون من أن معبوديهم شفعاؤهم عند الله، وعلموا أنهم كانوا في دعواهم كاذبين.

### الآية 7:54

> ﻿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَىٰ عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ ۗ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ ۗ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ [7:54]

ولما قدم سبحانه ذكر الكفار وعبادتهم غيره، سبحانه، احتج عليهم، مبينا بأفعاله أنه لا معبود سواه بقوله :
 إن ربكم الله الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش يغشى الليل النهار يطلبه حثيثا والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره ألا له الخلق والأمر تبارك الله رب العالمين ( ٥٤ ) . 
 إن ربكم الله الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام  أي إن سيدكم ومالككم ومدبركم الذي يجب أن تعبدوه أيها الناس، الذي أنشأ أعيان السماوات والأرض في مقدار ستة أيام. 
 **وفي هذه الآية مسائل :**
الأولى : قال الشهاب : اليوم في اللغة مطلق الوقت، فإن أريد هذا، فالمعنى في ستة أوقات، كقوله تعالى : ومن يولهم يومئذ دبره [(١)](#foonote-١) وإن أريد المتعارف، وهو زمان طلوع الشمس إلى غروبها، فالمعنى في مقدار ستة أيام، لأن اليوم إنما كان بعد خلق الشمس والسماوات، فيقدر فيه مضاف- انتهى-. 
وفي ( شرح القاموس ) : إن اليوم من طلوع الشمس إلى غروبها، أو من طلوع الفجر الصادق إلى غروب الشمس، وإن الثاني تعريف شرعي عند الأكثر. ونقل عن الفاسي شارحه : أن اليوم عند المنجمين من الطلوع إلى الطلوع، أو من الغروب إلى الغروب. 
ثم قال الزبيدي : ويستعمل بمعنى مطلق الزمان، نقله عن ابن هشام، وحكاه عن سيبويه في قولهم :( أنا، اليوم، أفعل كذا ) فإنهم لا يريدون يوما بعينه، ولكنهم يريدون الوقت الحاضر. قال : وبه فسروا قوله تعالى : اليوم أكملت لكم دينكم [(٢)](#foonote-٢) / ثم قال : وقد يراد باليوم الوقت مطلقا، ومنه الحديث[(٣)](#foonote-٣) :" تلك أيام الهرج ". أي وقته لا يختص بالنهار دون الليل-انتهى-. 
وإرادة الوقت مطلقا منه، عين إرادة مطلق الزمان قبله، كما يتبادر. والظاهر أن إطلاقه على المتعارف والوقت مطلقا، لغوي فيهما- كما نقله شارح ( القاموس ) - خلافا لظاهر كلام الشهاب السابق، فتثبت هذا. 
الثانية : قال ابن كثير : يخبر تعالى أنه خلق العالم، سماواته وأرضه وما بين ذلك في ستة أيام، كما أخبر بذلك في غير ما آية من القرآن ؛ والستة الأيام : الأحد والاثنين والثلاثاء والأربعاء والخميس والجمعة، وفيه اجتمع الخلق كله، وفيه خلق آدم عليه السلام. واختلفوا في هذه الأيام : هل كل يوم منها كهذه الأيام، كما هو المتبادر على الأذهان، أو كل يوم كألف سنة، كما نص على ذلك مجاهد والإمام أحمد بن حنبل ؟
فأما يوم السبت فلم يقع فيه خلق، لأنه اليوم السابع، ومنه سمي السبت، وهو القطع. فأما الحديث الذي رواه الإمام أحمد[(٤)](#foonote-٤) في ( مسنده ) عن أبي هريرة قال :" أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بيدي فقال : خلق الله التربة يوم السبت، وخلق الجبال فيها يوم الأحد، وخلق الشجر فيها يوم الاثنين، وخلق المكروه يوم الثلاثاء وخلق النور يوم الأربعاء وبث فيها الدواب يوم الخميس، وخلق آدم عليه السلام بعد العصر يوم الجمعة، آخر الخلق في / آخر ساعات من ساعات الجمعة فيما بين العصر إلى الليل " - فقد رواه مسلم[(٥)](#foonote-٥) بن الحجاج في ( صحيحه ) والنسائي، من غير وجه. وفي استيعاب الأيام السبعة، والله تعالى قد قال : في ستة أيام ، ولهذا تكلم البخاري وغير واحد من الحفاظ في هذا الحديث، وجعلوه من رواية أبي هريرة عن كعب الأحبار، ليس مرفوعا- والله أعلم-انتهى. 
وقد بسطت الكلام فيه في شرحي على ( الأربعين العجلونية ). 
الثالثة : قال القاضي : في خلق الأشياء مدرجا، مع القدرة على إيجادها دفعة- دليل للاختيار. أي لأنه لو كان بالإيجاب، لصدر دفعة واحدة. وفيه حث على التأني في الأمور. 
وقوله تعالى : ثم استوى على العرش  اعلم أن الاستواء ورد على معان اشترك لفظه فيها فجاء بمعنى الاستقرار ومنه : ثم استوى على الجودي [(٦)](#foonote-٦)، وبمعنى القصد ومنه[(٧)](#foonote-٧) : ثم استوى إلى السماء  ؛ وكل من فرغ من أمر وقصد لغيره فقد استوى له وإليه. قال الفراء : تقول العرب : استوى إلي يخاصمني، أي أقبل علي. ويأتي بمعنى الاستيلاء قال الشاعر[(٨)](#foonote-٨) :
 \* قد استوى بشر على العراق\*
 وقال آخر[(٩)](#foonote-٩) :
فلما علونا واستوينا عليهم \*\*\* تركناهم صرعى لنسر وكاسر
ويأتي بمعنى العلو، ومنه آية : فإذا استويت أنت ومن معك على الفلك [(١٠)](#foonote-١٠) : ومنه هذه الآية. 
قال البخاري في آخر ( صحيحه )، في كتاب الردّ على الجهمية، في باب قوله تعالى : وكان عرشه على الماء [(١١)](#foonote-١١). قال مجاهد : استوى، علا على العرش- انتهى-. 
وفي كتاب ( العلو ) للحافظ الذهبي : قال إسحق بن راهويه : سمعت غير واحد من المفسرين يقول : الرحمن على العرش استوى [(١٢)](#foonote-١٢) أي ارتفع. ونقل ابن جرير[(١٣)](#foonote-١٣) عن الربيع بن أنس أنه بمعنى ارتفع وقال : إنه في كل مواضعه بمعنى علا وارتفع. وأقول : لا حاجة إلى الاستكثار من ذلك، فإن الاستواء غير مجهول، وإن كان الكيف مجهولا. 
روى الإمام أحمد بن حنبل في كتابه ( الرد على الجهمية ) عن شريح بن النعمان، عن عبد الله بن نافع قال : قال مالك بن أنس : الله في السماء، وعلمه في كل مكان، لا يخلو منه شيء. 
 وروى البيهقي عن ابن وهب قال :" كنت عند مالك، فدخل رجل فقال : يا أبا عبد الله !  الرحمن على العرش استوى  كيف استوى ؟ فأطرق مالك، وأخذته الرحضاء، ثم رفع رأسه فقال : الرحمن على العرش استوى  كما وصف نفسه، ولا يقال : كيف. و ( كيف ) عنه مرفوع. وأنت صاحب بدعة- وفي رواية قال- الكيف غير معقول، والاستواء منه غير مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة ". 
قال الحافظ الذهبي في كتاب ( العلو ) - بعدما ساق هذا- ما نصه :
وهو قول أهل السنة قاطبة، أن كيفية الاستواء لا نعقلها بل نجهلها، وأن استواءه معلوم، كما أخبر في كتابه، وأنه كما يليق به، لا نتعمق ولا نتحذلق، ولا نخوض في لوازم ذلك نفيا ولا إثباتا، بل نسكت ونقف، كما وقف السلف، ونعلم أنه لو كان له تأويل، لبادر إلى بيانه الصحابة والتابعون، ولما وسعهم إقراره وإمراره، والسكوت عنه. ونعلم يقينا مع ذلك أن الله جل جلاله، لا مثل له في صفاته، ولا في استوائه، ولا في نزوله، سبحانه وتعالى عما يقول الظالمون علوا كبيرا. 
ثم قال الذهبي : قال الإمام العلم، أبو محمد عبد الله بن مسلم بن قتيبة الدينوري صاحب التصانيف الشهيرة، في كتابه ( مختلف الحديث ) : نحن نقول في قول الله تعالى : ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم [(١٤)](#foonote-١٤) أنه معهم، يعلم ما هم عليه، كما تقول للرجل وجهته إلى بلد شاسع : احذر التقصير فإني معك، يريد أنه لا يخفى علي تقصيرك. وكيف يسوغ لأحد أن يقول : إن الله سبحانه بكل مكان، على الحلول فيه، مع قوله : الرحمن على العرش/ استوى [(١٥)](#foonote-١٥) ومع قوله : إليه يصعد الكلم الطيب [(١٦)](#foonote-١٦) كيف يصعد إليه شيء هو معه، وكيف تعرج الملائكة والروح إليه وهي معه ؟ قال : ولو أن هؤلاء رجعوا إلى فطرتهم، وما ركبت عليه ذواتهم، من معرفة الخالق، لعلموا أن الله عز وجل هو العلي وهو الأعلى، وأن الأيدي ترفع بالدعاء إليه، والأمم كلها عجميها وعربيها يقول : إن الله في السماء، ما تركت على فطرها- انتهى-. 
ثم قال الذهبي أيضا : عن زيد بن هرون شيخ الإسلام، أنه قيل له : من الجهمية ؟ قال : من زعم أن  الرحمن على العرش استوى  على خلاف ما يقر في قلوب العامة، فهو جهمي. 
قال الذهبي : والعامة، مراده بهم، جمهور الأمة وأهل العلم، والذي وقر في قلوبهم من الآية، هو ما دل عليه الخطاب، مع يقينهم بأن المستوي  ليس كمثله شيء [(١٧)](#foonote-١٧) هذا هو الذي وقر في فطرهم السليمة، وأذهانهم الصحيحة. ولو كان له معنى وراء ذلك، لتفوهوا به، ولما أهملوه. ولو تأول أحد منهم الاستواء، لتوفرت الهمم على نقله، ولو نقل لاشتهر. فإن كان في بعض جهلة الأغنياء من يفهم من ( الاستواء ) ما يوجب نقصا أو قياسا للشاهد على الغائب، وللمخلوق على الخالق- فهذا نادر. فمن نطق بذلك زجر وعلم، وما أظن أن أحدا من العامة يقر في نفسه ذلك- والله أعلم- انتهى-. 
 وقال الشيخ الإمام العارف قدوة العارفين، الشيخ عبد القادر الجيلاني قدس الله روحه في كتابه ( تحفة المتقين وسبيل العارفين ) في باب اختلاف المذاهب في صفات الله عز وجل، وفي ذكر اختلاف الناس في الوقف عند قوله : وما يعلم تأويله إلا الله [(١٨)](#foonote-١٨). قال إسحاق : في العلم. إلى أن قال : والله تعالى بذاته على العرش، علمه محيط بكل مكان والوقف عند أهل الحق على قوله  إلا الله . وقد روي ذلك عن فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم. وهذا الوقف حسن لمن اعتقد أن الله بذاته على العرش، ويعلم ما في السماوات والأرض. إلى أن قال : ووقف جماعة من منكري استواء الرب عز وجل على قوله : الرحمن على العرش  وابتدأوا بقوله : استوى له ما في السماوات وما في الأرض  يريدون بذلك نفي الاستواء الذي وصف به نفسه، وهذا خطأ منهم، لأن الله تعالى استوى على العرش بذاته. 
وقال في كتابه ( الغنية ) : أما معرفة الصانع بالآيات والدلالات على وجه الاختصار، فهو أن تعرف وتتيقن أن الله واحد أحد. إلى أن قال : لا يخلو من علمه مكان، ولا يجوز وصفه بأنه في كل مكان، بل يقال إنه في السماء على العرش، كما قال جل ثناؤه : الرحمن على العرش استوى [(١٩)](#foonote-١٩) وقوله : ثم استوى على العرش الرحمن [(٢٠)](#foonote-٢٠) وقال تعالى : إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه [(٢١)](#foonote-٢١) والنبي صلى الله عليه وسلم[(٢٢)](#foonote-٢٢) حكم بإسلام الأمَة لما قال لها :" أين الله ؟ فأشارت إلى السماء ". وقال النبي صلى الله عليه وسلم[(٢٣)](#foonote-٢٣) :( في حديث أبي هريرة رضي الله عنه ) :" لما خلق الله الخلق، كتب كتابا على نفسه، وهو عنده فوق العرش، إن رحمتي غلبت غضبي ". وفي لفظ آخر :" لما قضى الله سبحانه الخلق، كتب على نفسه في كتاب، فهو عنده فوق العرش : أن رحمتي سبقت غضبي ". وينبغي إطلاق صفة الاستواء من غير تأويل، وأنه استواء الذات على العرش، لا على معنى القعود والمماسة، كما قالت المجسمة والكرامية، ولا على معنى العلو والرفعة، كما قالت الأشعرية، ولا على الاستيلاء والغلبة، كما قالت المعتزلة، لأن الشرع لم يرد بذلك، ولا نقل عن أحد من الصحابة والتابعين من السلف الصالح من أصحاب الحديث، ذلك، بل المنقول عنهم حمله / على الإطلاق. وقد روي عن أم سلمة[(٢٤)](#foonote-٢٤) زوج النبي صلى الله عليه وسلم في قوله عز وجل : الرحمن على العرش استوى [(٢٥)](#foonote-٢٥) : الكيف غير معقول، والاستواء غير مجهول، والإقرار به واجب، والجحود به كفر ". وقد أسنده مسلم بن الحجاج عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم في ( صحيحه )، وكذلك في حديث أنس بن مالك رضي الله عنه. وقال أحمد بن حنبل رحمه الله قبل موته بقريب : أخبار الصفات تمر كما جاءت، بلا تشبيه ولا تعطيل. وقال أيضا ( في رواية بعضهم ) : لست بصاحب كلام، ولا أرى الكلام في شيء من هذه الأماكن، في كتاب الله عز وجل، أو حديث عن النبي صلى الله عليه وسلم، أو عن أصحابه رضي الله عنهم، أو عن التابعين. فأما غير ذلك، فإن الكلام فيه غير محمود، فلا يقال في صفات الرب عز وجل ( كيف ) ؟ و ( لم ) ؟ لا يقول ذلك إلا شكاك. وقال أحمد رضي الله عنه ( في رواية عنه، في موضع آخر ) : نحن نؤمن بأن الله عز وجل على العرش كيف شاء، وكما شاء، بلا حد ولا صفة يبلغها واصف ويحدها حاد، لما روي عن سعيد بن المسيب، عن كعب الأحبار، قال :" قال الله تعالى في ( ١ - \[٨/ الأنفال/ ١٦\] {... إلا متحرفا لقتال أو متحيزا على فئة فقد باء بغضب من الله ومأواه جهنم وبئس المصير (١٦)..
٢ - \[٥/ المائدة/٣\] ونصها: حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به والمنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة وما آكل السبع إلا ما ذكيتم وما ذبح على النصب وأن تستقسموا بالأزلام ذلكم فسق اليوم يئس الذين كفروا من دينكم فلا تخشوهم واخشون اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا فمن اضطر في مخمصة غير متجانف لإثم فإن الله غفور رحيم (٣)..
٣ - أخرجه البخاري في: ٩٢- كتاب الفتن، ٥- باب ظهور الفتن، حديث رقم ٢٥٤٨ ونصه:
 عن أبي وائل، عن عبد الله (وأحسبه رفعه) قال: بين يدي الساعة أيام الهرج. يزول العلم ويظهر فيها الجهل..
٤ - أخرجه في المسند بالصفحة رقم ٣٢٧ من الجزء الثاني (طبعة الحلبي)..
٥ - أخرجه مسلم في: ٥٠- كتاب صفات المنافقين وأحكامهم، حديث ٢٧ (طبعتنا)..
٦ - \[١١/ هود/ ٤٤\] ونصها: وقيل يا أرض ابلعي ماءك ويا سماء أقلعي وغيض الماء وقضي الأمر واستوت على الجودي وقيل بعدا للقوم الظالمين (٤٤)..
٧ - \[٢/ البقرة/ ٢٩\] ونصها: هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا ثم استوى إلى السماء فسواهن سبع سماوات وهو بكل شيء عليم (٢٩).
 و\[٤١/ فصلت/ ١١\] ونصها: ثم استوى إلى السماء وهي دخان فقال لها وللأرض ائتيا طوعا أو كرها قالتا أتينا طائعين (١١)..
٨ - عجزه: \* من غير سيف ودم مهـــراق\*
 استشهد به في اللسان ص ٤١٤ من المجلد الرابع عشر (طبعة بيروت).
 ويقيني أن هذا البيت مصنوع مصنوع..
٩ - لم أعرف قائله ولم أجده في مكان..
١٠ - \[٢٣/ المؤمنون/ ٢٨\] ونصها: فإذا استويت أنت ومن معك على الفلك فقل الحمد لله الذي نجانا من القوم الظالمين (٢٨)..
١١ - \[٢٢/ هود/ ٧\] ونصها: وهو الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام وكان عرشه على الماء ليبلوكم أيكم أحسن عملا ولئن قلت إنكم مبعوثون من بعد الموت ليقولن الذين كفروا إن هذا إلا سحر مبين (٧)..
١٢ - \[٢٠/ طه/ ٥\]..
١٣ - الأثر رقم ٥٨٨ من التفسير (طبعة المعارف)..
١٤ - \[٥٨/ المجادلة/ ٧\] ونصها:ألم تر أن الله يعلم ما في السماوات وما في الأرض ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم ولا خمسة إلا هو سادسهم ولا أدنى من ذلك ولا أكثر إلا هو معهم أين ما كانوا ثم ينبئهم بما عملوا يوم القيامة إن الله بكل شيء عليم (٧)..
١٥ - \[٢٠/ طه/ ٥\]..
١٦ - \[٣٥/ فاطر/ ١٠\] ونصها: من كان يريد العزة فلله العزة جميعا إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه والذين يمكرون السيئات لهم عذاب شديد ومكر أولئك هو يبور (١٠)..
١٧ - \[٤٢/ الشورى/ ١١\] ونصها: فاطر السماوات والأرض جعل لكم من أنفسكم أزواجا ومن الأنعام أزواجا يذرؤكم فيه ليس كمثله شيء وهو السميع البصير (١١)..
١٨ - \[آل عمران/ ٧\] ونصها: هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا وما يذكر إلا أولوا الألباب (٧)..
١٩ - \[٢٠/ طه/٥\]..
٢٠ - \[٢٥/ الفرقان/ ٥٩\] ونصها: الذي خلق السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام ثم استوى على العرش الرحمن فسئل به خبيرا (٥٩)..
٢١ - \[٣٥/ فاطر/ ١٠\]..
٢٢ - من حديث طويل أخرجه مسلم في: ٥- كتاب المساجد ومواضع الصلاة، حديث ٣٣ (طبعتنا).
 عن معاوية بن الحكم السلمي. ونص هذه القصة، قال:
 وكانت لي جارية ترعى غنما لي قبل أحد والجوانية (موضع في شمال المدينة) فاطلعت ذات يوم فإذا الذئب قد ذهب بشاة من غنمها. وأنا رجل من بني آدم. آسف كما يأسفون. لكني صككتها صكة. فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم. فعظم ذلك علي. قلت يا رسول الله ! أفلا أعتقها؟ قال "ائتني بها" فأتيته بها. فقال لها "أين الله"؟ قالت: في السماء. قال "من أنا" قالت: أنت رسول الله. قال "أعتقها فإنها مؤمنة".
٢٣ - أخرجه البخاري في: ٩٧- كتاب التوحيد، ٥٥- باب قول الله تعالى: بل هو قرآن مجيد في لوح محفوظ، حديث ١٥٠٩..
٢٤ - لم أجد هذا الحديث..
٢٥ - \[٢٠/ طه/ ٥\]..

### الآية 7:55

> ﻿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً ۚ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ [7:55]

ولما ذكر تعالى الدلائل الدالة على كمال القدرة والحكمة، ليفردوه بالألوهية، أمرهم بأن يدعوه وحده متذللين مخلصين فقال سبحانه :
 ادعوا ربكم تضرعا وخفية إنه لا يحب المعتدين ( ٥٥ ) . 
 ادعوا ربكم تضرعا وخفية  نصب على الحال، أي : ذوي تضرع وخفية، والتضرع ( تفعل ) من ( الضراعة ) وهو الذل. والخفية ( بضم الخاء وكسرها ) مصدر خفي كرضي بمعنى اختفى، أي : استتر وتوارى. وإنما طلب الدعاء مع تينك الحالتين لأن المقصود من الدعاء أن يشاهد العبد حاجته وعجزه وفقره لربه ذي القدرة الباهرة، والرحمة الواسعة. وإذا حصل له ذلك، فلا بد من صونه عن الرياء، وذلك بالاختفاء، وتوصلا للإخلاص. 
**فوائد :**
في هذه الآية مشروعية الدعاء بشرطيه المذكورين. 
قال السيوطي في ( الإكليل ) : ومن التضرع رفع الأيدي في الدعاء، فيستحب. وقد أخرج البزار عن أنس قال :" رفع رسول الله صلى الله عليه وسلم يديه بعرفة يدعو، فقال أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم : هذا الابتهال. ثم خاضت الناقة، ففتح إحدى يديه فأخذها وهو رافع الأخرى " - انتهى-. 
وفي ( الصحيحين ) [(١)](#foonote-١) عن أبي موسى الأشعري قال :" رفع الناس أصواتهم بالدعاء، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أيها الناس ! اربعوا على أنفسكم، فإنكم لا تدعون أصم ولا غائبا. إن الذي تدعون سميع قريب... " الحديث. 
 وقال عبد الله بن المبرك عن مبارك بن فضالة عن الحسن قال :" إن كان الرجل، لقد جمع القرآن وما يشعر به الناس ؛ وإن كان الرجل، لقد فقه الفقه الكثير وما يشعر به الناس ؛ وإن كان الرجل، ليصلي الصلاة الطويلة في بيته وعند الزور وما يشعرون به. ولقد أدركنا أقواما ما كان على الأرض من عمل يقدرون أن يعملوه في السر، فيكون علانية أبدا. ولقد كان المسلمون يجتهدون في الدعاء، وما يسمع لهم صوت، إن كان إلا همسا بينهم وبين ربهم. وذلك أن الله تعالى يقول : ادعوا ربكم تضرعا وخفية  وذلك أن الله ذكر عبدا صالحا رضي فعله فقال : إذ نادى ربه نداء خفيا [(٢)](#foonote-٢) ". 
وقال ابن جريج : يكره رفع الصوت والنداء والصياح في الدعاء، ويؤمر بالتضرع والاستكانة. 
وقال الناصر في ( الانتصاف ) : وحسبك في تعين الإسرار في الدعاء اقترانه بالتضرع في الآية، فالإخلال به كالإخلال بالضراعة إلى الله في الدعاء، وإن دعاء لا تضرع فيه ولا خشوع، لقليل الجدوى. فكذلك دعاء لا خفية ولا وقار يصحبه. وترى كثيرا من أهل زمانك يعتمدون الصراخ والصياح في الدعاء خصوصا في الجوامع، حتى يعظم اللغط ويشتد، وتستك المسامع وتستد، ويهتز الداعي بالناس، ولا يعلم أنه جمع بين بدعتين : رفع الصوت في الدعاء، وفي المسجد، وربما حصلت للعوام حينئذ رقة لا تحصل مع خفض الصوت، ورعاية سمت الوقار، وسلوك السنة الثابتة بالآثار. وما هي إلا رقة شبيهة بالرقة العارضة للنساء والأطفال، ليست خارجة عن صميم الفؤاد، لأنها لو كانت من أصل، لكانت عند اتباع السنة في الدعاء. وفي خفض الصوت به، أوفر وأوفى وأزكى. فما أكثر التباس الباطل بالحق، على عقول كثيرة من الخلق. اللهم ! أرنا الحق حقا وارزقنا اتباعه وأرنا الباطل باطلا وارزقنا اجتنابه-انتهى-. 
 وقد روى الحافظ أبو الشيخ في ( الثواب ) عن أنس مرفوعا :" دعوة في السر تعدل سبعين دعوة في العلانية ". 
وقوله تعالى : إنه لا يحب المعتدين  أي : لا يحب دعاء المجاوزين لما أمروا به في كل شيء، ويدخل فيه الاعتداء بترك الأمرين المذكورين، وهما التضرع والإخفاء دخولا أوليا. 
قال السيوطي في ( الإكليل ) : في الآية كراهية الاعتداء في الدعاء. وفسره زيد بن أسلم بالجهر، وأبو مجلز بسؤال منازل الأنبياء، وسعيد بن جبير بالدعاء على المؤمن بالسر. أخرج ذلك ابن أبي حاتم. ولا يخفى أن هذا جميعه مما يشمله الاعتداء. 
وقد روى الإمام أحمد[(٣)](#foonote-٣) وأبو داود " أن سعدا سمع ابنا له يدعو وهو يقول : اللهم إني أسألك الجنة ونعيمها وإستبرقها، ونحوا من هذا، وأعوذ بك من النار وسلاسلها وأغلالها. فقال : لقد سألت الله خيرا كثيرا، وتعوذت بالله من شر كثير، وإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : إنه سيكون قوم يعتدون في الدعاء ( وفي لفظ : يعتدون في الطهور والدعاء )، وقرأ هذه الآية : ادعوا ربكم ... الآية- وإن بحسبك أن تقول : اللهم إني أسألك الجنة وما قرب إليها من قول أو عمل، وأعوذ بك من النار وما قرب إليها من قول أو عمل ". 
وروى الإمام أحمد[(٤)](#foonote-٤) وأبو داود " أن عبد الله بن مغفل سمع ابنه يقول : اللهم ! إني أسألك القصر الأبيض عن يمين الجنة إذا دخلتها. فقال : يا بني ! سل الله الجنة، وعذ به من النار، فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : يكون قوم يعتدون في الدعاء والطهور ".

١ - أخرجه البخاري في: ٥٦- كتاب الجهاد، ١٣١- باب ما يكره من رفع الصوت في التكبير، حديث رقم ١٤٢٣ ونصه:
 عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم. كنا إذا أشرفنا على واد هللنا وكبرنا ارتفعت أصواتنا. فقال النبي صلى الله عليه وسلم "أيها الناس ! اربعوا على أنفسكم، فإنكم لا تدعون أصم ولا غائبا. إنه معكم. إنه سميع قريب. تبارك اسمه وتعالى جده".
 وأخرجه مسلم في: ٤٨- كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار، حديث ٤٤ (طبعتنا)..
٢ - \[١٩/ مريم/ ٣\]..
٣ - أخرجه في المسند بالصفحة رقم ١٧٢ من الجزء الأول (طبعة الحلبي) والحديث رقم ١٤٨٣ (طبعة المعارف).
 وأخرجه أبو داود في: ٨- كتاب الوتر، ٢٣- باب الدعاء، حديث رقم ١٤٨٠..
٤ - أخرجه في المسند بالصفحة رقم ٨٧ من الجزء الرابع (طبعة الحلبي).
 وأخرجه أبو داود في: ١- كتاب الطهارة، ٤٥- باب الإسراف في الماء، حديث رقم ٩٦..

### الآية 7:56

> ﻿وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا ۚ إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ [7:56]

\[ ٥٦ \]  ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها وادعوه خوفا وطمعا إن رحمت الله قريب من المحسنين ( ٥٦ ) . 
 ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها  قال أبو مسلم : أي لا تفسدوها بعد إصلاح الله إياها، بأن خلقها على أحسن نظام، وبعث الرسل، وبين الطريق، وأبطل الكفر. 
وقال أبو حيان : هذا نهي عن إيقاع الفساد في الأرض، وإدخال ماهيته في الوجود بجميع أنواعه، من إفساد النفوس والأموال والأنساب والعقول والأديان. ومعنى  بعد إصلاحها  : بعد أن أصلح الله خلقها على الوجه الملائم لمنافع الخلق، ومصالح المكلفين. انتهى. 
 وادعوه خوفا وطمعا  أي : ذوي خوف من وبيل العقاب، نظرا إلى قصور أعمالكم ؛ وطمع فيما عنده من جزيل الثواب، نظرا إلى سعة رحمته، ووفور فضله وإحسانه.  إن رحمت الله قريب من المحسنين  أي : أن رحمته مرصدة للمحسنين الذين يتبعون أوامره، ويتركون زواجره، كما قال تعالى : ورحمتي وسعت كل شيء فسأكتبها للذين يتقون ... الآية[(١)](#foonote-١). 
لطائف
الأولى : قال في ( اللباب ) : إن قلت : قال في أول الآية  ادعوا ربكم تضرعا وخفية  وقال هنا  وادعوه ، وهذا هو عطف الشيء على نفسه، فما فائدة ذلك ؟
قلت : الفائدة فيه أن المراد بقوله تعالى : ادعوا ربكم  أي : ليكن الدعاء مقرونا / بالتضرع والإخبات. وقوله : وادعوه خوفا وطمعا  أن فائدة الدعاء أحد هذين الأمرين، فكانت الآية الأولى في بيان شرط صحة الدعاء، والآية الثانية في بيان فائدة الدعاء. وقيل : معناه كونوا جامعين في أنفسكم بين الخوف والرجاء في أعمالكم كلها، ولا تطمعوا أنكم وفيتم حق الله في العبادة والدعاء، وإن اجتهدتم فيهما. 
الثانية : في قوله تعالى : إن رحمت الله...  الآية- ترجيح للطمع على الخوف، لأن المؤمن بين الرجاء والخوف، ولكنه إذا رأى سعة رحمته وسبقها، غلب الرجاء عليه. وفيه أيضا تنبيه على ما يتوسل به إلى الإجابة، وهو الإحسان في القول والعمل. قال مطر الوراق : استنجزوا موعود الله بطاعته، فإنه قضى أن رحمته قريب من المحسنين. 
الثالثة : تذكير  قريب ، لأن ( الرحمة ) بمعنى الرحم، أو لأنه صفة لمحذوف، أي أمر قريب، أو على تشبيه ب ( فعيل )، الذي هو بمعنى ( مفعول ) أو الذي هو مصدر كالنقيض والصهيل، أو للفرق بن القريب من النسب والقريب من غيره، فإنه يقال : فلانة قريبة مني لا غير، وفي المكان وغيره يجوز الوجهان. أو لاكتسابه التذكير من المضاف إليه، كما أن المضاف يكتسب التأنيث من المضاف إليه. وقد أوصلوا توجيه تذكيره إلى خمسة عشر وجها.

١ - \[٧/ الأعراف/ ١٥٦\] ونصها: واكتب لنا في هذه الدنيا حسنة وفي الآخرة إنا هدنا إليك قال عذابي أصيب به من أشاء ورحمتي وسعت كل شيء فسأكتبها للذين يتقون ويؤتون الزكاة والذين هم بآياتنا يؤمنون (١٥٦)..

### الآية 7:57

> ﻿وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ ۖ حَتَّىٰ إِذَا أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالًا سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَنْزَلْنَا بِهِ الْمَاءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ ۚ كَذَٰلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتَىٰ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ [7:57]

ولما ذكر تعالى أنه خالق السماوات والأرض، وأنه المتصرف الحاكم المدبر المسخر، وأرشد إلى دعائه لأنه على ما يشاء قدير- نبه تعالى على أنه الرزاق، وأنه يعيد الموتى يوم القيامة، فقال سبحانه :
 وهو الذي يرسل الرياح بشرا بين يدي رحمته حتى إذا أقلت سحابا ثقالا سقناه لبلد ميت فأنزلنا به الماء فأخرجنا به من كل الثمرات كذلك نخرج الموتى لعلكم تذكرون ( ٥٧ ) . 
 وهو الذي يرسل الرياح بشرا بين يدي رحمته  أي قدام رحمته التي هي المطر، فإن الصبا تثير السحاب، والشمال تجمعه والجنوب تدرّه، والدبور تفرقه. وهذا كقوله تعالى : وهو الذي ينزل الغيث من بعد ما قنطوا وينشر رحمته [(١)](#foonote-١) وقوله سبحانه : ومن آياته أن يرسل الرياح مبشرات [(٢)](#foonote-٢). قال الثعالبي : المبشرات التي تأتي بالسحاب والغيث. 
**تنبيه :**
قال أبو البقاء : يقرأ  نشرا  بالنون والشين مضمومتين، وهو جمع، وفي واحده وجهان أحدهما ( نشور ) مثل صبور وصبر. فعلى هذا يجوز أن يكون ( فعول ) بمعنى ( فاعل )، أي : ينشر الأرض. ويجوز أن يكون بمعنى ( مفعول ) كركوب بمعنى مركوب، أي : منشورة بعد الطي، أو منشرة أي محياة، من قولك أنشر الله الميت فهو مُنْشَر، ويجوز أن يكون جمع ناشر، مثل بازل وبزل. ويقرأ بضم النون وإسكان الشين على تخفيف المضموم. ويقرأ نشرا بفتح النون وإسكان الشين، وهو مصدر نَشَرَ بعد الطي، أو من قولك أنشر الله الميت فنشر أي عاش. ونصبه على الحال، أي ناشرة، أو ذات نشر، كما تقول : جاء ركضا أي راكضا. / ويقرأ : بشرا بالباء وضمتين، وهو جمع بشير، مثل قليب وقلب. ويقرأ كذلك إلا أنه بسكون الشين على التخفيف. ويقرأ بشرى مثل حبلى. أي : ذات بشارة ويقرأ بشرا بفتح الباء وسكون الشين، وهو مصدر بشرته – أي بالتخفيف- إذا بشّرته- انتهى. 
 حتى إذا أقلت  أي حملت  سحابا ثقالا  أي من كثرة ما فيها من الماء  سقناه  أي : السحاب. قال الشهاب : السحاب اسم جنس جمعي، يفرق بينه وبين واحده بالتاء، كتمر وتمرة. وهو يذكر ويؤنث ويفرد وصفه، ويجمع. وأهل اللغة تسميه جمعا، فلذا روعي فيه الوجهان، في وصفه وضميره- انتهى. أي أرسلناه مع أن طبعه الهبوط  لبلد ميت  أي : لأجله ولمنفعته، أو لإحيائه أو لسقيه. و  ميت  قرئ مشددا ومخففا  فأنزلنا به الماء  أي الضمير. والضمير في  به  للبلد  فأخرجنا به من كل الثمرات  أي المختلفة الأنواع، مع أن ماءها واحد. والمراد  بكل الثمرات  المعتادة في كل بلد تخرج به على الوجه الذي أجرى الله العادة بها ودبرها. والضمير في ( به ) للماء أو للبلد.  كذلك  أي مثل ذلك الإخراج  نخرج الموتى  أي نحييها بعد صيرورتها رميما يوم القيامة، ينزل الله سبحانه وتعالى ماء من السماء، فتمطر الأرض أربعين يوما، فتنبت منه الأجساد في قبورها، كما ينبت الحب في الأرض  لعلكم تذكرون  أي إنما وصفنا ما وصفنا من هذا التمثيل لكي تتذكروا، من أحوال الثمرات التي أعيدت إلى حالها بعد تلفها، أحوال الآخرة، فتعلموا أن من قدر على ذلك، قدر على هذا بلا ريب. 
**تنبيه :**
من أحكام الآية كما قال الجشمي : أنها تدل على عظم نعمه تعالى علينا بالمطر، وتدل على الحجاج في إحياء الموتى بإحياء الأرض بالنبات، وتدل على أنه أراد من الجميع التذكر. وتدل على أنه أجرى العادة بإخراج النبات بالماء. وإلا فهو قادر على إخراجه من غير ماء. فأجرى العادة على وجوه دبرها عليها على ما نشاهده، لضرب من المصلحة دينا ودنيا. / ومنها إذا رأى الأرض الطيبة تزرع دون الأرض السبخة، وأنها قطع متجاورات، علم فساد التقليد، وأنه يجب أن يتفحص عن الحق حتى يعتقده. ومنها أنه إذا زرع وعلم وجوب حفظه من المبطلات، علم وجوب حفظ الأعمال الصالحة من المحبطات.

١ - \[٤٢/ الشورى/ ٢٨\] ... وهو الولي الحميد (٢٨)..
٢ - \[٣٠/ الروم/٤٦\] ... وليذيقكم من رحمته ولتجري الفلك بأمره ولتبتغوا من فضله ولعلكم تشكرون (٤٦)..

### الآية 7:58

> ﻿وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ ۖ وَالَّذِي خَبُثَ لَا يَخْرُجُ إِلَّا نَكِدًا ۚ كَذَٰلِكَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ [7:58]

\[ ٥٨ \]  والبلد الطيب يخرج نباته بإذن ربه والذي خبث لا يخرج إلا نكدا كذلك نصرف الآيات لقوم يشكرون ( ٥٨ ) . 
 والبلد الطيب  أي : الأرض الكريمة التربة  يخرج نباته بإذن ربه  أي يخرج نباته وافيا حسنا غزير النفع بمشيئته وتيسيره  والذي خبث  أي كالحرة، وهي الأرض ذات الحجارة السود. وكالسبخة ( بكسر الباء ) وهي الأرض ذات الملح  لا يخرج  أي : نباته  إلا نكدا  أي : قليلا، عديم النفع. يقال : عطاء نكد، أي قليل لا خير فيه، كذا رجل نكد. قال[(١)](#foonote-١) :
فأعط ما أعطيته طيبا\*\*\* لا خير في المنكود والناكد
**وقال :**
لا تنجز الوعد إن وعدت وإن \*\*\* أعطيت، أعطيت تافها نكدا
**تنبيه :**
قال ابن عباس في الآية :" هذا مثل ضربه الله للمؤمن والكافر ". 
وقال قتادة : المؤمن سمع كتاب الله فوعاه بعقله، وانتفع به. كالأرض الطيبة أصابها الغيث، فأنبتت. والكافر بخلاف ذلك. وهذا كما في ( الصحيحين ) [(٢)](#foonote-٢) عن أبي موسى قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم كمثل الغيث الكثير، أصاب/ أرضا، فكانت منها نقية قبلت الماء فأنبتت الكلأ والعشب الكثير، وكانت منها أجادب أمسكت الماء فنفع الله بها الناس فشربوا وسقوا وزرعوا، وأصاب منها طائفة أخرى إنما هي قيعان لا تمسك ماء ولا تنبث كلأ، فذلك مثل من فقه في دين الله ونفعه ما بعثني الله به فَعَلِمَ وعَلَّمَ، ومثل من لم يرفع بذلك رأسا، ولم يقبل هدى الله الذي أرسلت به ". 
**لطيفة :**
قال أبو البقاء : يقرأ  يخرج نباته  بفتح الياء وضم الراء ورفع النبات ويقرأ كذلك إلا أنه بضم الياء، على ما لم يسم فاعله. ويقرأ بضم الياء وكسر الراء ونصب النبات أي : فيخرج الله أو الماء. ثم قال : ويقرأ  نكدا  بفتح النون وكسر الكاف، وهو حال، ويقرأ بفتحهما على أنه مصدر أي : ذا نكد. وقرأ بفتح النون وسكون الكاف وهو مصدر أيضا، وهو لغة ويقرأ يخرج بضم الياء وكسر الراء، ونكدا مفعوله. 
 كذلك نصَرِّف الآيات  أي : نبين وجوه الحجج ونرددها ونكررها  لقوم يشكرون  يعني كما ضربنا هذا المثل، كذلك نبين الآيات الدالة على التوحيد والإيمان آية بعد آية، وحجة بعد حجة، لقوم يشكرون الله تعالى على إنعامه عليهم بالهداية، وأن جنَّبهم سبيل الضلالة. وإنما خص الشاكرين بالذكر لأنهم الذين انتفعوا بسماع القرآن.

١ - قال في اللسان: والنكد والنكدة قلة العطاء، وأن لا يهنأه من يعطاه. وأنشد البيت..
٢ - أخرجه البخاري في: ٣- كتاب العلم، ٢٠- باب فضل من عَلِمَ وعلّم، حديث ٦٨.
 وأخرجه مسلم في: ٤٣- كتاب الفضائل، حديث ١٥ (طبعتنا)..

### الآية 7:59

> ﻿لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَىٰ قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَٰهٍ غَيْرُهُ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ [7:59]

\[ ٥٩ \]  لقد أرسلنا نوحا إلى قومه فقال يا قوم اعبدوا الله مالكم من إله غيره إني أخاف عليكم عذاب يوم عظيم ( ٥٩ ) . 
 لقد أرسلنا نوحا إلى قومه  اعلم أن الله تعالى، لما ذكر في أول السورة قصة آدم، وما اتصل بها من آثار قدرته، وغرائب صنعته الدالة على توحيده وربوبيته، وأقام الحجة الدامغة على صحة البعث بعد الموت- أتبع ذلك بقصص الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وما جرى لهم مع أممهم. قال الرازي : وفيه فوائد :
 أحدها : التنبيه على أن إعراض الناس عن قبول هذه الدلائل والبينات، ليس من خواص قوم النبي صلى الله عليه وسلم، بل هذه العادة المذمومة كانت حاصلة في جميع الأمم السالفة، والمصيبة إذا عمت خفت، فكان ذكر قصصهم، وحكاية إصرارهم وعنادهم، يفيد تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم، وتخفيف ذلك على قلبه. 
ثانيها : أنه تعالى يحكي في هذه القصص أن عاقبة أمر أولئك المنكرين كان إلى اللعن في الدنيا، والخسارة في الآخرة، وعاقبة أمر المحقين إلى الدولة في الدنيا، والسعادة في الآخرة، وذلك يقوي قلوب المحقين، ويكسر قلوب المبطلين. 
وثالثها : التنبيه على أنه تعالى، وإن كان يمهل هؤلاء المبطلين، ولكنه لا يهملهم، بل ينتقم منهم على أكمل الوجوه. 
ورابعها : بيان أن هذه القصص دالة على نبوة محمد صلى الله عليه وسلم، لأنه كان أميا، وما طالع كتابا، ولا تلمذ أستاذا. فإذا ذكر هذه القصص على الوجه من غير تحريف ولا خطأ، دل ذلك على أنه إنما عرفها بالوحي من الله تعالى. 
ونوح عليه السلام هو ابن لامَكَ بن مَتُوشَالَح بن أخَنَوخَ بن يَارَدَ بن مَهْلَئِيل بن قَيْنَانَ بن أنوشَ بن شيث بن آدم عليه السلام. هكذا نسبه ابن إسحق وغير واحد من الأئمة، وأصله من التوراة. 
ومعنى  أرسلنا  بعثنا، وهو أول نبي بعثه الله بعد إدريس. كذا في ( اللباب ). وإدريس هو أخنوخ- فيما يزعمون، قاله ابن كثير- قال محمد بن إسحق : ولم يلق نبي من قومه من الأذى مثل نوح، إلا نبي قتل. وقال يزيد الرقاشي : إنما سمي نوحا لكثرة ما ناح على نفسه-انتهى-. وفيه نظر. لأنه إنما يصح ما ذكره، لو كان ( نوح ) لقبا مع وجود اسم له غيره، واللفظ عربيا، لمناسبة الاشتقاق. أما وهو اسمه الوضعي، واللفظ غير عربي، فلا. وفي كتاب ( تاويل الأسماء الواقعة في الكتب السالفة ) أن نوحا معناه راحة أو سلوان، فتثبَّتْ. 
 وكان، قبل بعثة نوح عليه السلام، قوم عرفوا الله وعبدوه خصوصا في عائلة شيث عليه السلام، ثم فسد نسل شيث أيضا، واختلطوا مع الأشرار، وامتلأت الأرض من جرائمهم، وزاغوا عن الصراط المستقيم، وصاروا يعبدون الأوثان والأصنام، فأرسل الله تعالى إليهم نوحا عليه السلام، ليدلهم على طريق الرشاد. 
قال ابن كثير : قال عبد الله بن عباس وغير واحد من علماء التفسير : كان أول ما عبدت الأصنام أن قوما صالحين ماتوا، فبنى قومهم عليهم مساجد، وصوروا صور أولئك فيها ليتذكروا حالهم وعبادتهم فيتشبهوا بهم. فلما طال الزمان جعلوا أجسادا على تلك الصور، فلما تمادى الزمان عبدوا تلك الأصنام وسموها بأسماء أولئك الصالحين : ودّا وسواعاً ويغوث ويعوق ونسرا. فلما تفاقم الأمر بعث الله سبحانه- وله الحمد والمنة- رسوله نوحا فأمرهم بعبادة الله وحده لا شريك له  فقال يا قوم  أي : الذي حقهم أن يشاركوني في كمالاتي  اعبدوا الله ما لكم من إله  أي : مستحق للعبادة في الوجود  غيره  قرئ بالحركات الثلاث، فالرفع صفة لإله، باعتبار محله الذي هو الرفع على الابتداء أو الفاعلية، وبالجر على اللفظ، وبالنصب على الاستثناء، وحكم ( غير ) حكم الاسم الواقع بعد ( إلا )، أي : ما لكم من إله إلا إياه  إني أخاف عليكم  أي : إن تركتم عبادته أو عبدتم غيره  عذاب يوم عظيم  وهو يوم القيامة إذا لقيتم الله وأنتم مشركون به، أو يوم نزول العذاب عليهم، وهو الطوفان. ووصف اليوم ب ( العظيم ) لبيان عظم ما يقع فيه، وتكميل الإنذار. 
قال الزمخشري : فإن قلت : فما موقع الجملتين بعد قوله  اعبدوا الله  قلت : الأولى- بيان لوجه اختصاصه بالعبادة، والثانية- بيان للداعي إلى عبادته، لأنه هو المحذور عقابه، دون ما كانوا يعبدونه من دون الله.

### الآية 7:60

> ﻿قَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ [7:60]

\[ ٦٠ \]  قال الملأ من قومه إنا لنراك في ضلال مبين ( ٦٠ ) . 
 قال الملأ من قومه  أي : الأشراف، أو الجماعة، أو ذوو الشارة والتجمع  إنا لنراك  أي : بأمرك بعادة الله، وترك عبادة غيره وتخويف العذاب على ترك عبادة الله، وعلى عبادة غيره  في ضلال مبين  أي : في ذهاب عن طريق الحق والصواب، لكونه خلاف ما وجدنا عليه آباءنا. قال ابن كثير : وهكذا حال الفجار، إنما يرون الأبرار في ضلالة، كقوله : وإذا رأوهم قالوا إن هؤلاء لضالون [(١)](#foonote-١).  وقال الذين كفروا للذين آمنوا لو كان خيرا ما سبقونا إليه وإذ لم يهتدوا به فسيقولون هذا إفك قديم [(٢)](#foonote-٢) إلى غير ذلك من الآيات.

١ - \[٨٣/ المطففين/ ٣٢\]..
٢ - \[٤٦/ الأحقاف/ ١١\]..

### الآية 7:61

> ﻿قَالَ يَا قَوْمِ لَيْسَ بِي ضَلَالَةٌ وَلَٰكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ [7:61]

\[ ٦١ \]  قال يا قوم ليس بي ضلالة ولكني رسول من رب العالمين ( ٦١ ) .

### الآية 7:62

> ﻿أُبَلِّغُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَأَنْصَحُ لَكُمْ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ [7:62]

\[ ٦٢ \]  أبلغكم رسالات ربي وأنصح لكم وأعلم من الله ما لا تعلمون ( ٦٢ ) 
 أبلغكم رسالات ربي  أي : ما أوحى إلي في الأوقات المتطاولة، أو في المعاني المختلفة، من الأوامر والنواهي، والمواعظ والزواجر، والبشائر والنذائر. ويجوز أن يريد رسالاته إليه وإلى الأنبياء قبله من صحف جده، إدريس، فهذا نكتة جمع ( الرسالات )، وإلا فرسالة كل نبي واحدة، وهي مصدر، والأصل فيه أن لا يجمع، فجمع لما ذكر وأنصح لكم  وأقصد صلاحكم بإخلاص  وأعلم من الله ما لا تعلمون  أي : من الأمور الغيبية التي لا تعلم إلا من طريق الوحي، أشياء لا علم لكم بها، أو أعلم من قدرته الباهرة، وشدة بطشه على أعدائه، وأن بأسه لا يرد عن القوم المجرمين ما لا تعلمونه. قال ابن كثير : وهذا شأن الرسول أن يكون مبلغا فصيحا ناصحا عالما بالله، لا يدركه أحد من خلق الله في هذه الصفات، كما جاء في ( صحيح مسلم ) [(١)](#foonote-١) " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لأصحابه يوم عرفة، وهم أوفر ما كانوا وأكثر جمعا : أيها الناس ! إنكم مسئولون عني، فما أنتم قائلون ؟ قالوا نشهد أنك قد بلغت وأدّيت ونصحت. فجعل يرفع إصبعه إلى السماء وينكسها عليهم ويقول : اللهم اشهد، اللهم اشهد ".

١ - من حديث جابر الطويل في صفة حجة النبي صلى الله عليه وسلم. أخرجه مسلم في: ١٥- كتاب الحج، حديث ١٤٧ (طبعتنا) وهذا نصه، فيما يتعلق بخطبته:
 فخطب الناس وقال "إن دماءكم وأموالكم حرام عليكم، كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا. ألا كل شيء من أمر الجاهلية، تحت قدمي موضوع. ودماء الجاهلية موضوعة. وإن أول دم أضع من دمائنا دم ابن ربيعة بن الحارث. كان مسترضعا في بني سعد فقتلته هذيل. وربا الجاهلية موضوع. وأول ربا أضع ربانا. ربا العباس بن عبد المطلب. فإنه موضوع كله. فاتقوا الله في النساء فإنكم أخذتموهن بأمان الله. واستحللتم فروجهن بكلمة الله ولكم عليهن أن لا يوطئن فرشكم أحدا تكرهونه. فإن فعلن ذلك فاضربوهن ضربا غير مبرح. ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف. وقد تركت فيكم ما لن تضلوا بعده إن اعتصمتم به. كتاب الله. وأنتم تسألون عني. فما أنتم قائلون؟". قالوا: نشهد أنك قد بلغت وأدّيت ونصحت فقال بإصبعه السبابة، يرفعها إلى السماء وينكتها إلى الناس "اللهم ! اشهد. اللهم ! اشهد" ثلاث مرات....

### الآية 7:63

> ﻿أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جَاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلَىٰ رَجُلٍ مِنْكُمْ لِيُنْذِرَكُمْ وَلِتَتَّقُوا وَلَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ [7:63]

\[ ٦٣ \]  أو عجبتم أن جاءكم ذكر من ربكم على رجل منكم لينذركم ولتتقوا ولعكم ترحمون ( ٦٣ ) . 
 أو عجبتم أن جاءكم ذكر  أي : موعظة  من ربكم على رجل منكم لينذركم  أي : من العذاب إن لم تؤمنوا  ولتتقوا  أي : وليوجد منكم التقوى، وهي الخشية بسبب الإنذار  ولعلكم ترحمون  أي : ولترحموا بالتقوى إن وجدت منكم.

### الآية 7:64

> ﻿فَكَذَّبُوهُ فَأَنْجَيْنَاهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا ۚ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا عَمِينَ [7:64]

\[ ٦٤ \]  فكذبوه فأنجيناه والذين معه في الفلك وأغرقنا الذين كذبوا بآياتنا إنهم كانوا قوما عمين ( ٦٤ ) . 
 فكذبوه  أي أصروا على تكذيبه مع طول مدة إقامته فيهم ولم يؤمن معه منهم إلا قليل  فأنجيناه والذين معه في الفلك وأغرقنا الذين كذبوا بآياتنا إنهم كانوا قوما عمين  أي عن الحق، فلم يستبصروا الحق ولم يستنيروا بنور الوحي الذي هو كالشمس، ولا بظهور الآيات، ولا بآية الطوفان المغرق لهم، بعد إنذاره به، على تكذيبهم. والعمى ذهاب بصر العينين، وبصر القلب. يقال : عمي فهو أعمى وعَمٍ. كما في ( القاموس ). 
وكان من أمر نوح عليه السلام، أن قومه، لما أعرضوا عن الإيمان، وتمادوا على العصيان، وعبادة الأوثان، وطال عليه أمرهم، شكاهم إلى الله تعالى، فأوحى الله إليه أنه  لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن [(١)](#foonote-١) وهم ناس قليل، فحينئذ دعا عليهم فقال : وقال نوح رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا [(٢)](#foonote-٢). فأوحى الله إليه أن يصنع السفينة، وصار قومه يسخرون منه، ويقولون : يا نوح ! قد صرت نجارا بعد النبوة ! فقال : إن تسخروا منا فإنا نسخر منكم كما تسخرون، فسوف تعلمون من يأتيه/ عذاب يخزيه ويحل عليه عذاب مقيم [(٣)](#foonote-٣). فلما فرغ من صنع السفينة، أمره الله تعالى أن يحمل فيها من كل زوجين اثنين من أنواع الحيوانات، حتى لا ينقطع نسلها. وحشرها إليه من كل جهة. ولما رأى فوران التنور، وكان هو من العلامة بينه وبين الله تعالى في ابتداء الطوفان، ركب في الفلك هو ومن آمن معه، وحمل من كل زوجين اثنين. وأمر الله تعالى السماء أن تمطر. والأرض أن تتفجر عيونا، وارتفع الماء في هذا الطوفان فوق رؤوس الجبال، فهلك جميع ما على الأرض من جنس الحيوان، ولم يبق حيا غير أهل السفينة. 
وفي التوراة : أن الأمطار هطلت أربعين يوما وليلة دون انقطاع، حتى غمرت المياه وجه الأرض، وعلت خمسة عشر ذراعا فوق الجبال الشامخة، وهلك بالطوفان كل جسم حي. ثم أرسل الله ريحا عاصفة، فانقطعت الأمطار ونقصت المياه شيئا فشيئا، وقضى نوح سنة كاملة داخل الفلك. وحين خروجه منه بنى مذبحا للقرابين، شكرا لله تعالى، وتناسلت الناس من أولاد نوح الثلاثة : سام وحام ويافث. وتوطن سام بلاد آسية، وأقام حام بنواحي إفريقية، وسكن يافث الديار الأوربية- والله أعلم. 
**تنبيه :**
قال الجشمي : في الآيات فوائد. منها : أن نوحا دعاهم أولا إلى التوحيد. والرسول وإن حمل الشرائع، فلا طريق له إلى بيان الشرائع إلا بعد العلم بالتوحيد. ولأنهم لا ينتفعون بذلك إلا بعد اعتقاد التوحيد، فلذلك بدأ به. وجميع الرسل بدءوا بالتوحيد ثم بالشرائع. ولذلك كان أكثر حجاج نبينا عليه السلام، بمكة، في التوحيد- انتهى. 
وقال ابن كثير : بين تعالى في هذه القصة أنه انتقم لأوليائه من أعدائه، وأنجى رسوله / والمؤمنين، وأهلك أعداءهم الكافرين، كقوله : إنا لننصر رسلنا [(٤)](#foonote-٤). الآية- وهذه سنة الله في عباده، في الدنيا والآخرة، أن العاقبة للمتقين، والظفر والغلب لهم، كما أهلك قوم نوح بالغرق، نجى نوحا وأصحابه المؤمنين. قال مالك عن زيد بن أسلم : كان قوم نوح قد ضاق بهم السهل والجبل. وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم : ما عذب الله قوم نوح إلا والأرض ملأى بهم، وليس بقعة من الأرض إلا ولها مالك وحائز.

١ - \[١١/ هود/ ٣٦\] ونصها: وأوحي إلى نوح أنه لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن فلا تبتئس بما كانوا يفعلون (٣٦)..
٢ - \[٨١/ نوح/ ٢٦\]..
٣ - \[١١/ هود/ ٣٨ و٣٩\] ونصهما: ويصنع الفلك وكلما مر عليه ملأ من قومه سخروا منه قال....
٤ - \[٤٠/ غافر/ ٥١\] والذين آمنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد (٥١).....

### الآية 7:65

> ﻿۞ وَإِلَىٰ عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا ۗ قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَٰهٍ غَيْرُهُ ۚ أَفَلَا تَتَّقُونَ [7:65]

**وقوله تعالى :**
\[ ٦٥ \]  وإلى عاد أخاهم هودا قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره أفلا تتقون ( ٦٥ ) . 
 وإلى عاد  متعلق بمضمر معطوف على قوله تعالى : أرسلنا  في قصة نوح. أي وأرسلنا إلى عاد، وهي قبيلة كانت تعبد الأصنام، وكانت ذات بسطة وقوة، قهروا الناس بفضل القوة. 
قال الشهاب : عاد  اسم أبيهم سميت به القبيلة أو الحي فيجوز صرفه وعدمه، كثمود- كما ذكره سيبويه. 
قال الليث[(١)](#foonote-١) : وعاد الأولى، هم عاد بن عاديا بن سام بن نوح الذين أهلكهم الله. 
**قال زهير :**
 وأهلك لقمان بن عاد وعاديا
 وأما عاد الأخيرة، فهو بنو تميم، ينزلون رمال عالج[(٢)](#foonote-٢). 
وفي كتاب ( الأنساب ) : عاد هو ابن عوص بن إرم بن سام بن نوح، كان يعبد القمر، ويقال إنه رأى من صلبه وأولاده أربعة آلاف، وأنه نكح ألف جارية، وكانت بلادهم إرم المذكورة في القرآن، وهي من عمان إلى حضرموت. ومن أولاده شداد بن عاد صاحب المدينة المذكوروة- كذا في ( تاج العروس ) -. 
وقال ابن عرفة : قوم عاد كانت منازلهم في الرمال وهي الأحقاف. 
وقال ابن إسحاق : الأحقاف رمل فيما بين عمان إلى حضرموت. 
وقوله تعالى : أخاهم هودا  أي أخاهم في النسب، لأنه منهم، في قول النسابين. وقيل : الناس كلهم إخوة في النسب، لأنهم ولد آدم وحواء. فالمراد صاحبهم، وواحد في جملتهم، / كما يقال : يا أخا العرب، للواحد منهم، وإنما أرسل منهم، لأنهم أفهم لقوله من قول غيره، وأعرف بحاله في صدقه وأمانته وشرف أصله، وأرغب في اقتفائه. 
قال الشهاب : اشتهر أن هودا عربي، وظاهر كلام سيبويه أنه أعجمي، ويشهد له ما قيل : إن أول العرب يعرب-انتهى-. 
وهود هو- على ما قال ابن إسحق- ابن شالخ بن أرفخشد بن سام بن نوح. ويقال غير ذلك- والله أعلم-. 
وروى ابن إسحق عن عامر بن وائلة، قال :" سمعت عليا يقول لرجل من حضرموت : هل رأيت كثيبا أحمر يخالطه مدرة حمراء، ذا أراكٍ وسدرٍ كثير، بناحية كذا وكذا من أرض حضرموت، هل رأيته ؟ قال : نعم، يا أمير المؤمنين ! والله إنك لتنعته نعت رجل قد رآه ! قال : لا، ولكني قد حدثت عنه. فقال الحضرمي : وما شأنه يا أمير المؤمنين ! قال : فيه قبر هود عليه السلام " - ورواه ابن جرير[(٣)](#foonote-٣)-. قال ابن كثير : وهذا فيه فائدة أن مساكنهم كانت باليمن، فإن هودا عليه السلام دفن هناك. وقال : إنهم كانوا يأوون إلى العمد في البر، كما قال تعالى : ألم تر كيف فعل ربك بعاد، إرم ذات العماد، التي لم يخلق مثلها في البلاد [(٤)](#foonote-٤). وذلك لشدة بأسهم وقوتهم، كما قال تعالى : فأما عاد فاستكبروا في الأرض بغير الحق وقالوا من أشد منا قوة، أو لم يروا أن الله الذي خلقهم هو أشد منهم قوة، وكانوا بآياتنا يجحدون [(٥)](#foonote-٥). ولذا دعاهم هود  يا قوم  أي : الذين حقهم أن يكونوا مثلي  اعبدوا الله  أي : وحده  ما لكم من إله غيره أفلا تتقون  أي : تخافون عذابه. 
١ - صدر البيت: \* ألم تر أن الله أهلك تبعا\*
 **من قصيدته التي مطلعها:**
 ألا ليت شعري هل يرى الناس ما أرى\*\*\* من الأمر، أو يبدو لهم ما بدا ليا
 يقول: هل يرى الناس من الرشد ما أرى، أي يظهر لهم ما يظهر لي أن الناس يموتون؟
 **وفي بيت الشاهد:** 
 تبع: مالك من ملك حمير. وعاد هو أبو لقمان. وعاديا أبو السموأل، وكان له حصن بتيماء يقال له الأبلق، وهو الذي استودعه امرؤ القيس أدراعه..
٢ - في معجم البلدان (ج ٤ ص ٦٩ طبعة بيروت).
 عالج رملة بالبادية مسماة بهذا الاسم. قال أبو عبيد الله السكوني: عالج رمال بين قيد والقريات ينزلها بنو بحتر من طيء وهي متصلة بالثعلبية على طريق مكة لا ماء بها ولا يقدر أحد عليهم فيه، وهو مسيرة أربع ليال، وفيه برك إذا سالت الأودية امتلأت.
 وذهب بعضهم إلى أن رمل عالج هو متصل بوبار.
 قال ابن السكيت: إذا أكل البعير العلجان، وهو نبت، قيل: بعير عالج. وهو شجر يشبه العلندى وأغصانها صلبة، الواحدة علجانة. فيجوز أن يكون هذا الموضع سمي بذلك تشبيها له بالبعير العالج. أويكون لصلوبته يعالج المشي فيه أي يمارس..
٣ - الأثر رقم ١٤٨٠٣ من التفسير..
٤ - \[٨٩/ الفجر/ ٦-٨\]..
٥ - \[٤١/ فصلت/ ١٥\]..

### الآية 7:66

> ﻿قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي سَفَاهَةٍ وَإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الْكَاذِبِينَ [7:66]

\[ ٦٦ \]  قال الملأ الذين كفروا من قومه إنا لنراك في سفاهة وإنا لنظنك من الكاذبين ( ٦٦ ) . 
 قال الملأ الذين كفروا من قومه إنا لنراك في سفاهة  أي : في خفة حلم، وسخافة عقل، حيث تهجر دين قومك إلى دين آخر ؛ وجعلت السفاهة ظرفا على طريق المجاز، أرادوا أنه متمكن فيها، غير منفك عنها  وإنا لنظنك من الكاذبين  أي : في ادعائك الرسالة، إذ استبعدوا أن يرسل الله أحدا من أهل الأرض إليهم.

### الآية 7:67

> ﻿قَالَ يَا قَوْمِ لَيْسَ بِي سَفَاهَةٌ وَلَٰكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ [7:67]

\[ ٦٧ \]  قال يا قوم ليس بي سفاهة ولكني رسول من رب العالمين ( ٦٧ ) . 
 قال يا قوم ليس بي سفاهة ولكني رسول من رب العالمين  أي : إليكم، لإصلاح أمر نشأتيكم.

### الآية 7:68

> ﻿أُبَلِّغُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَأَنَا لَكُمْ نَاصِحٌ أَمِينٌ [7:68]

\[ ٦٨ \]  أبلغكم رسالات ربي وأنا لكم ناصح أمين ( ٦٨ ) . 
 أبلغكم رسالات ربي وأنا لكم ناصح أمين  أي : ناصح لكم فيما آمركم به من عبادة الله تعالى وحده، وأمين على تبليغ الرسالة، لا أكذب فيه.

### الآية 7:69

> ﻿أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جَاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلَىٰ رَجُلٍ مِنْكُمْ لِيُنْذِرَكُمْ ۚ وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ وَزَادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَسْطَةً ۖ فَاذْكُرُوا آلَاءَ اللَّهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ [7:69]

\[ ٦٩ \]  أو عجبتم أن جاءكم ذكر من ربكم على رجل منكم لينذركم واذكروا إذ جعلكم خلفاء من بعد قوم نوح وزادكم في الخلق بسطة فاذكروا آلاء الله لعلكم تفلحون ( ٦٩ ) . 
 أو عجبتم أن جاءكم ذكر من ربكم على رجل منكم لينذركم  أي :/ أيام الله ولقاءه، أي : لا تعجبوا واحمدوا الله على ذلك  واذكروا إذ جعلكم خلفاء من بعد قوم نوح  أي : خلفتموهم في مساكنهم، أو في الأرض بأن جعلكم ملوكا بعدهم، فإن شدّاد بن عاد ممن ملك معمورة الأرض من رمل عالج إلى شحر عمان- كذا قالوا-  وزادكم في الخلق بسطة  أي قامة وقوة  فاذكروا آلاء الله  أي : في استخلافكم، وبسطة أجرامكم، وما سواهما من عطاياه، لتخصصوه بالعبادة  لعلكم تفلحون  أي تفوزون بالفلاح. 
تنبيهان
الأول : قال الزمخشري : في إجابة الأنبياء عليهم السلام، مَنْ نَسَبَهم إلى الضلال والسفاهة، بما أجابوهم به من الكلام الصادر عن الحلم والإغضاء، وترك المقابلة بما قالوا لهم، مع علمهم بأن خصومهم أضل الناس وأسفههم- أدب حسن، وخلق عظيم. وحكاية الله عز وجل ذلك، تعليم لعباده كيف يخاطبون السفهاء، وكيف يغضون عنهم ويسبلون أذيالهم، على ما يكون منهم-انتهى-. 
وزاد القاضي : إن في ذلك كمال النصح والشفقة، وهضم النفس، وحسن المجادلة قال : وهكذا ينبغي لكل ناصح –انتهى-. 
الثاني : لا يعتمد على ما يذكره بعض المؤرخين المولعين بنقل الغرائب، بدون وضعها على محك النظر والنقد، من المبالغة في طول قوم عاد، وضخامة أجسامهم، وأن أطولهم كان مائة ذراع، وأقصرهم كان ستين ذراعا، فإن ذلك لم يقم عليه دليل عقلي ولا نقلي، وهو وهم. وأما قوله جل شانه مخاطبا لقوم عاد : زادكم في الخلق بسطة  فإنه لا يدل على ما أرادوا، وإنما يدل على عظم أجسامهم وقوتهم وشدتهم. وهذا من الأمور المعتادة. فإن الأمم ليست متساوية في ضخامة الجسم وطوله وقوته، بل تتفاوت لكن تفاوتا قريبا. ومما يدل على أن أجسام من سلف كأجسامنا، لا تتفاوت عنها تفاوتا كبيرا، مساكن ثمود / قوم صالح الباقية، وآثارهم البادية. ومثله، بل أعرق منه في الوهم، ما ينقلونه في وصف عوج بن عنق الجبار ملك بيسان، من أنه كان يحتجز بالسحاب ويشرب منه من طوله، ويتناول الحوت من قرار البحر، فيشويه بعين الشمس، يرفعه إليها. والحال أن الشمس كوكب، لا مزاج له من حر أو برد، وإنما حرارتها من انعكاس شعاعها، بمقابلة سطح الأرض والهواء، فشدة حرارتها في الأرض، وتتناقص الحرارة فيما علا عنها بمقدار الارتفاع. 
وقد أنكر العلامة ابن خلدون جميع ذلك في ( مقدمة تاريخه )، وأبان أن الذي أدخل الوهم على الناس في طول الأقدمين هو ما يشاهدونه من بعض آثارهم الجسيمة، ومصانعهم العظيمة، كأهرام مصر وإيوان كسرى، فيتخيلون لأصحابها أجساما تناسب ذلك. والحال أن عظم هذه المصانع والآثار في أمة من الأمم ناشئ عن عظم ذواتها، واتساع ممالكها، وقوة شوكتها، ونماء ثروتها، واستعانتها بالماهرين في فن جر الأثقال، فإنه يقوم بحمل ما تعجز القوى البشرية عن عشر معشاره. وأنكر أيضا ما ينقلون من قصة جنة عاد، وأنها مدينة عظيمة قصورها من الذهب، وأساطينها من الزبرجد والياقوت، وفيها أصناف الشجر والأنهار المطردة، وأنها بنيت في مدة ثلاثمائة سنة في صحاري عدن. بناها شداد بن عاد حيث سمع وصف الجنة، وأنها لما تم بناؤها، أرسل الله على أهلها صيحة، فهلكوا كلهم، وأن اسمها ( إرم ذات العماد ) وأنها المشار إليها بقوله تعالى : ألم تر كيف فعل ربك بعاد إرم ذات العماد التي لم يخلق مثلها في البلاد [(١)](#foonote-١) ويزعمون أنها لم تزل باقية في بلاد اليمن، وإنما حجبت عن الأبصار. وحيث إذ ذلك لم يرو عن الصادق الأمين فلا نعول عليه، ولا نلتفت إليه. وأغلب المولعين بنقل مثل هذه الغرائب المصنعة، هم المؤرخون الذين يعتمدون على أخبار بني إسرائيل ويقلدونهم من غير برهان ودليل والله الهادي إلى سواء السبيل- كذا أفاده بعض المحققين-.

١ - \[٨٩/ الفجر/ ٦-٨\]..

### الآية 7:70

> ﻿قَالُوا أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ وَنَذَرَ مَا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا ۖ فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ [7:70]

ثم أخبر تعالى عن تمرد عاد وطغيانهم وإنكارهم على هود عليه السلام، بقوله سبحانه :
 \[ ٧٠ \]  قالوا أجئتنا لنعبد الله وحده ونذر ما كان يعبد آباؤنا فأتنا بما تعدنا إن كنت من الصادقين ( ٧٠ ) . 
 قالوا أجئتنا لنعبد الله وحده  أي لنخصه بالعبادة  ونذر ما كان يعبد آباؤنا فأتنا بما تعدنا  أي من العذاب المدلول عليه بقوله تعالى : أفلا تتقون   إن كنت من الصادقين  أي في الإخبار بنزول العذاب.

### الآية 7:71

> ﻿قَالَ قَدْ وَقَعَ عَلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ رِجْسٌ وَغَضَبٌ ۖ أَتُجَادِلُونَنِي فِي أَسْمَاءٍ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا نَزَّلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ ۚ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ [7:71]

\[ ٧١ \]  قال قد وقع عليكم من ربكم رجس  أي عذاب. والرجس والرجز بمعنى، حتى قيل إن أحدهما مبدل من الآخر، كالأسد والأزد. وأصل معناه الاضطراب. يقال : رجست السماء : رعدت شديدا وتمخضت، وهم في مرجوسة من أمرهم، أي في اختلاط والتباس، ثم شاع في العذاب لاضطراب من حلّ به. وادعى بعضهم أن الرجس بمعنى العذاب مجاز، قال : لأنه حقيقة في الشيء القذر، فاستعير لجزائهم. وظاهر اللغة أنه حقيقة. ووجه التعبير بالمضي عما سيقع، تنزيل المتوقع كالواقع كما في  أتى أمر الله [(١)](#foonote-١)  وغضب  أي سخط لإشراككم معه من هو في غاية النقص، في أعلى كمالاته التي هي الإلهية  أتجادلونني في أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم  أي في أشياء ما هي إلا أسماء ليس تحتها مسميات، / لأنكم تسمونها آلهة، ومعنى الإلهية فيها معدوم ومحال وجوده. وهذا كقوله تعالى : ما يدعون من دونه من شيء [(٢)](#foonote-٢) كذا في ( الكشاف ). 
قال الشهاب : جعل الأسماء عبارة عن الأصنام الباطلة، كما يقال لما لا يليق : ما هو إلا مجرد اسم. فالمعنى : أتجادلونني في مسميات لها أسماء لا تليق بها، فتوجه الذم للتسمية، الخالية عن المعنى. والضمير حينئذ راجع ل  أسماء  وهي المفعول الأول للتسمية، والثاني آلهة، ولو عكس لزم الاستخدام- انتهى-. 
وقوله تعالى : ما نزل الله بها من سلطان  أي حجة ودليل على هذه التسمية، لأن المستحق للمعبودية بالذات ليس إلا من أوجد الكل، وإنها لو استحقت لكان ذلك بجعله تعالى، إما بإنزال آية أو نصب حجة وكلاهما مستحيل، فتحقق بطلان ما هم عليه. 
قال الجشمي : دلت الآية على فساد التقليد، حين ذمهم بسلوك طريقة آبائهم. وتدل على أن المعارف مكتسبة. وتدل على بطلان مذهب لا دليل عليه. ويدل قوله : أتجادلونني  على أن المبطل مذموم في جداله، والواجب عليه النظر ليعرف الحق. انتهى. 
وقال القاضي : بين تعالى أن منتهى حجتهم وسندهم، أن الأصنام تسمى آلهة من غير دليل يدل على تحقيق المسمى، وإسناد الإطلاق إلى من لا يؤبه بقوله، إظهارا لغاية جهالتهم، وفرط غباوتهم. 
 فانتظروا  أي : نزول العذاب الذي طلبتموه بقولكم : فأتنا بما تعدنا ، لأنه وضح الحق، وأنتم مصرّون على العناد  إني معكم من المنتظرين  أي : لما يحل بكم. 
قال المهايمي : فجاء منتظرهم بحيث لا ينجو منه، بمجرى العادة، أحد، وجعل من قبيل الريح التي تتقدم الأمطار، لكفرهم برياح الإرسال.

١ - \[١٦/ النحل/ ١\] ونصها: أتى أمر الله فلا تستعجلوه سبحانه وتعالى عما يشركون (١)..
٢ - \[٢٩/ العنكبوت/ ٤٢\] ونصها: إن الله يعلم ما يدعون من دونه من شيء وهو العزيز الحكيم (٤٢)..

### الآية 7:72

> ﻿فَأَنْجَيْنَاهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَقَطَعْنَا دَابِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا ۖ وَمَا كَانُوا مُؤْمِنِينَ [7:72]

\[ ٧٢ \]  فأنجيناه والذين معه برحمة منا وقطعنا دابر الذين كذبوا بآياتنا وما كانوا مؤمنين ( ٧٢ ) . 
 فأنجيناه والذين معه  أي : من آمن به، على خرق العادة  برحمة منا  ليدل على رحمتنا عليهم في الآخرة  وقطعنا دابر الذين كذبوا بآياتنا  أي استأصلناهم. قال الشهاب : قطع الدابر، كناية عن الاستئصال إلى إهلاك الجميع، لأن المعتاد في الآفة إذا أصابت الآخر أن تمر على غيره، والشيء إذا امتد أصله أخذ برمته. والدابر بمعنى الآخر  وما كانوا مؤمنين  عطف على  كذّبوا  داخل معه في حكم الصلة. 
قال الزمخشري : فإن قلت : ما فائدة نفي الإيمان عنهم في قوله : وما كانوا مؤمنين  مع إثبات التكذيب بآيات الله ؟ قلت : هو تعريض بمن آمن منهم، كمرثد بن سعد، ومن نجا مع هود عليه السلام، كأنه قال : وقطعنا دابر الذين كذبوا منهم، ولم يكونوا مثل من آمن منهم، ليؤذن أن الهلاك خص المكذبين، ونجى الله المؤمنين. انتهى. 
قال الطيبي : يعني إذا سمع المؤمن أن الهلاك اختص بالمكذبين، وعلم أن سبب النجاة هو الإيمان لا غير، تزيد رغبته فيه، ويعظم قدره عنده- انتهى-. 
قال ابن كثير : قد ذكر الله سبحانه صفة إهلاكهم في أماكن أخر من القرآن، بأنه أرسل عليهم الريح العقيم[(١)](#foonote-١)  ما تذر من شيء أتت عليه إلا جعلته كالرميم [(٢)](#foonote-٢). كما قال في الآية الأخرى : وأما عاد فأهلكوا بريح صرصر عاتية، سخرها عليهم سبع ليال وثمانية أيام حسوما فترى القوم فيها صرعى كأنهم أعجاز نخل خاوية، فهل ترى لهم من باقية [(٣)](#foonote-٣) لما تمردوا وعتوا، أهلكهم الله بريح عاتية، فكانت تحمل الرجل/ منهم، فترفعه في الهواء، ثم تنكسه على أم رأسه، فتثلغ رأسه حتى تبينه من جثته. 
وقال محمد بن إسحق[(٤)](#foonote-٤) : كانت منازل عاد وجماعتهم، حين بعث الله فيهم هودا، الأحقاف قال : و ( الأحقاف ) الرمل، فيما بين عمان إلى حضرموت، فاليمن كله. 
وكانوا مع ذلك قد فشوا في الأرض كلها. وقهروا أهلها بفضل قوتهم التي آتاهم الله. وكانوا أصحاب أوثان يعبدونها من دون الله : صنم يقال له ( صداء ) وصنم يقال له ( صمود ) وصنم يقال له ( الهباء ) : فبعث الله إليهم هودا، وهو من أوسطهم نسبا وأفضلهم موضعا، فأمرهم أن يوحدوا الله ولا يجعلوا معه إلها غيره، وأن يكفوا عن ظلم الناس. لم يأمرهم فيما يذكر، والله أعلم، بغير ذلك. فأبوا عليه وكذبوه. وقالوا[(٥)](#foonote-٥) : من أشد منا قوة . 
واتبعه منهم ناس، وهم يسير مكتتمون بإيمانهم. وكان ممن آمن به وصدقه رجل من عاد يقال له ( مرثد بن سعد بن عفير ) وكان يكتم إيمانه. فلما عتوا على الله تبارك وتعالى وكذبوا نبيهم، وأكثروا في الأرض الفساد، وتجبروا وبنوا بكل ريع آية عبثا بغير نفع، كلمهم هود فقال[(٦)](#foonote-٦) : أتبنون بكل ريع آية تعبثون، وتتخذون مصانع لعلكم تخلدون، وإذا بطشتم بطشتم جبارين، فاتقوا الله وأطيعون . 
 قالوا يا هود ما جئتنا ببينة وما نحن بتاركي آلهتنا عن قولك وما نحن لك بمؤمنين، إن نقول إلا اعتراك بعض آلهتنا بسوء [(٧)](#foonote-٧) أي : ما هذا الذي جئتنا به إلا/ جنون أصابك به بعض آلهتنا هذه التي تعيب.  قال إني أشهد الله وأشهدوا أني بريء مما تشركون، من دونه فكيدوني جميعا ثم لا تنظرون  إلى قوله[(٨)](#foonote-٨) : صراط مستقيم . 
فلما فعلوا ذلك، أمسك الله عنهم المطر من السماء ثلاث سنين، فيما يزعمون- حتى جهدهم ذلك. 
وكان الناس في ذلك الزمان إذا نزل بهم بلاء أو جهد، فطلبوا إلى الله الفرج منه، كانت طلبتهم إلى الله عند بيته الحرام بمكة، مسلمهم ومشركهم، فيجتمع بمكة ناس كثير شتى مختلفة أديانهم، وكلهم معظم لمكة يعرف حرمتها ومكانها من الله. 
قال ابن إسحق : وكان البيت في ذلك الزمان معروفا مكانه، والحرم قائم فيما يذكرون، وأهل مكة يومئذ العماليق- وإنما سموا ( العماليق ) لأن أباهم ( عمليق بن لاوذ بن سهام بن نوح ) - وكان سيد العماليق إذ ذاك بمكة، فيما يزعمون، رجلا يقال له معاوية بن بكر، وكان أبوه حيا في ذلك الزمان، ولكنه كان قد كبر، وكان ابنه يرأس قومه، وكان السؤدد والشرف من العماليق، فيما يزعمون، في أهل ذلك البيت. 
وكانت أم معاوية بن بكر، كلهدة ابنة الخبيري، رجل من عاد. فلما قحط[(٩)](#foonote-٩) المطر عن عاد وجهدوا قالوا : جهزوا منكم وفدا إلى مكة فليستسقوا لكم، فإنكم قد هلكتم ! فبعثوا قيل بن عنز ولقيم بن هزال بن هزيل، وعتيل بن صدّ بن عاد الأكبر، ومرثد بن سعد بن عفير، وكان مسلما يكتم إسلامه، وجلهمة بن الخبيري، خال معاوية بن بكر أخو أمه. 
 ثم بعثوا لقمان بن عاد بن فلان بن فلان بن صدّ بن عاد الأكبر. فانطلق كل رجل من هؤلاء القوم معه رهط من قومه، حتى بلغ عدة وفدهم سبعين رجلا. فلما قدموا مكة نزلوا على معاوية بن بكر وهو بظاهر مكة خارجا من الحرم، فأنزلهم وأكرمهم. وكانوا أخواله وصهره. 
فلما نزل وفد عاد على معاوية بن بكر، أقاموا عنده شهرا يشربون الخمر، وتغنيهم الجرادتان- قينتان لمعاوية بن بكر- وكان مسيرهم شهرا ومقامهم شهرا. 
فلما رأى معاوية بن بكر طول مقامهم، وقد بعثهم قومهم يتعوذون بهم من البلاء الذي أصابهم، شق ذلك عليه، فقال : هلك أخوالي وأصهاري ! وهؤلاء مقيمون عندي، وهم ضيفي نازلون علي ! والله ما أدري كيف أصنع بهم ؟ أستحي أن آمرهم بالخروج إلى ما بعثوا له فيظنوا أنه ضيق مني بمقامهم عندي، وقد هلك من وراءهم من قومهم جهدا وعطشا ! ! أو كما قال. 
فشكا ذلك من أمرهم إلى قينتيه الجرادتين، فقالتا : قل شعرا نغنيهم به، لا يدرون من قاله، لعل ذلك أن يحركهم !
فقال معاوية بن بكر، حين أشارتا عليه بذلك :
ألا يا قيل، ويحك ! قم فهينم\*\*\* لعل الله يصبحنا غماما[(١٠)](#foonote-١٠)
فيسقي أرض عاد، إنّ عادا\*\*\*قد امسوا لا يبينون الكلاما[(١١)](#foonote-١١)
من العطش الشديد، فليس نرجوا\*\*\* به الشيخ الكبير ولا الغلام
وقد كانت نساؤهم بخير\*\*\* فقد أمست نساؤهم عيامى[(١٢)](#foonote-١٢)
 وإن الوحش تأتيهم جهارا\*\*\* ولا تخشى لعاديّ سهاما
وأنتم ها هنا فيما اشتهيتم\*\*\* نهاركم وليلكم الثماما
فقبح وفدكم من وفد قوم \*\*\*ولا لقوا التحية والسلاما
فلما قال معاوية ذلك الشعر، غنتهم به الجرادتان. فلما سمع القوم ما غنتا به، قال بعضهم لبعض : يا قوم، إنما بعثكم قومكم يتعوذون بكم من هذا البلاء الذي نزل بهم، وقد أبطأتم عليهم ! فادخلوا هذا الحرم، واستسقوا لقومكم !
فقال لهم مرثد بن سعد بن عفير : إنكم والله لا تسقون بدعائكم، ولكن إن أطعتم نبيكم وأنبتم إليه سقيتم ! فأظهر إسلامه عند ذلك. فقال لهم جلهمة بن الخبيري خال معاوية بن بكر، حين سمع قوله، وعرف أنه قد اتبع دين هود وآمن به :
أبا سعد فإنك من قبيل\*\*\* ذوي كرم وأمك من ثمود
فإنا لن نطيعك ما بقينا \*\*\*ولسنا فاعلين لما تريد
أتأمرنا لنترك دين رفد \*\*\* ورمل وآل صدّ والعبود
ونترك دين آباء كرام \*\*\* ذوي رأي، ونتبع دين هود
ثم قالوا لمعاوية بن بكر وأبيه بكر : احبسا عنا مرثد بن سعد. فلا يقدمن معنا مكة. فإنه قد اتبع دين هود، وترك ديننا !
ثم خرجوا إلى مكة يستسقون بها لعاد. فلما ولوا إلى مكة خرج مرثد بن سعد من منزل معاوية بن بكر حتى أدركهم بها، قبل أن يدعوا الله بشيء مما خرجوا له. فلما انتهى إليهم، قام يدعو الله بمكة، وبها وفد عاد قد اجتمعوا يدعون، يقول : اللهم أعطني سؤلي وحدي ولا تدخلني في شيء مما يدعوك به وفد عاد. 
وكان قيل بن عنز رأس وفد عاد. 
وقال وفد عاد : اللهم أعط قيلا ما سألك، واجعل سؤلنا مع سؤله. 
وكان قد تخلف عن وفد عاد حين دعا، لقمان بن عاد، وكان سيد عاد. 
وقال قيل بن عنز حين دعا : يا إلهنا، إن كان هود صادقا فاسقنا، فإنا قد هلكنا. 
فأنشأ الله لهم سحائب ثلاثا : بيضاء وحمراء وسوداء، ثم ناداه مناد من السحاب : يا قيل ! اختر لنفسك ولقومك من هذه السحائب. فقال : اخترت السحابة السوداء، فإنها أكثر السحاب
ماء. فناداه مناد : اخترت رَمَادا رِمْدِدًا[(١٣)](#foonote-١٣)، لا تبقي من آل عاد أحدا، لا والدا تترك ولا ولدا، إلا جعلته همدا[(١٤)](#foonote-١٤)، إلا بني اللوذية المُهَدّى- وبنو اللوذية، بنو لقيم بن هزال بن هزيلة بن بكر، وكانوا سكانا بمكة مع أخوالهم، ولم يكونوا مع عاد بأرضهم، فهم عاد الآخرة، ومن كان من نسلهم الذين بقوا من عاد- حتى خرجت عليهم من واد يقال له ( المغيث ). 
فلما رأوها استبشروا بها وقالوا : هذا عارض ممطرنا  يقول الله  بل هو ما استعجلتم به ريح فيها عذاب أليم، تدمر كل شيء بأمر ربها [(١٥)](#foonote-١٥) أي كل شيء أمرت به. 
وكان أول من أبصر ما فيها وعرف أنها ريح، فيما يذكرون، امرأة من عاد يقال لها ( مهدد ) فلما تيقنت ما فيها صاحت ثم صعقت. فلما أفاقت قالوا : ماذا رأيت يا مهدد ؟ قالت : رأيت ريحا فيها كشهب النار، أمامها رجال يقودونها !
ف  سخَّرها  الله  عليهم سبع ليال وثمانية أيام حسوما [(١٦)](#foonote-١٦)، كما قال الله – والحسوم الدائمة- / فلم تدع من عاد أحدا إلا هلك. فاعتزل هود، فما ذكر لي، ومن معه من المؤمنين في حظيرة، ما يصيبه ومن معه من الريح، إلا ما تلين عليه الجلود وتلذ الأنفس. 
وإنها لتمرّ على عاد بالظعن بين السماء والأرض، وتدمغهم بالحجارة. وخرج وفد عاد من مكة حتى مروا بمعاوية بن بكر وأبيه، فنزلوا عليه. 
فبينما هم عنده، إذ أقبل رجل على ناقة له في ليلة مقمرة، ممسى ثالثة في مصاب عاد. فأخبرهم الخبر، فقالوا له : أين فارقت هودا وأصحابه ؟ قال : فارقتهم بساحل البحر. 
فكأنهم شكوا فيما حدثهم به، فقالت هزيلة بنت بكر : صدق، ورب الكعبة. 
قال ابن كثير : وهو سياق غريب، فيه فوائد كثير. وقد قال الله تعالى : ولما جاء أمرنا نجينا هودا والذين آمنوا معه برحمة منا ونجيناهم من عذاب غليظ [(١٧)](#foonote-١٧). 
وروى الإمام أحمد[(١٨)](#foonote-١٨) عن أبي وائل عن الحارث البكري قال :" خرجت أشكو العلاء بن الحضرمي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فمررت بالربذة، فإذا بعجوز من بني تميم منقطع بها، فقالت لي : يا عبد الله ! إن لي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حاجة، فهل أنت مبلغي إليه ؟ قال : فحملتها، فأتيت المدينة. فإذا المسجد غاص بأهله، وإذا راية سوداء تخفق، وإذا بلال متقلد السيف بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقلت : ما شأن الناس ؟ قالوا : يريد أن يبعث عمر بن العاص وجها. فجلست، فدخل منزله- أو قال رحله- فاستأذنت عليه، فأذن لي، فدخلت فسلمت، فقال : هل كان بينكم وبين تميم شيء ؟ قلت : نعم. قال وكانت لنا الدبرة عليهم، ومررت بعجوز من بني تميم منقطع بها، فسألتني أن أحملها إليك، وها هي بالباب، فأذن لها، فدخلت. فقلت : يا رسول الله ! إن رأيت أن تجعل بيننا وبين تميم حاجزا، فاجعل الدهنا. فحميت العجوز واستوفزت، وقالت : يا رسول الله ! فإلى أين تضطر/ مضرك ؟ قال قلت : إن مثلي مثل ما قال الأول :( معزاء حملت حتفها ) حملت هذه ولا أشعر أنها كانت لي خصما. أعوذ بالله ورسوله أن أكون كوافد عاد ! قال هيه، وما وافد عاد ؟ وهو أعلم بالحديث منه، ولكن يستطعمه، قلت : إن عادا قحطوا فبعثوا وافدا لهم يقال له قيل، فمر بمعاوية بن بكر فأقام عنده شهرا يسقيه الخمر، وتغنيه جاريتان يقال لهما الجرادتان، فلما مضى الشهر، خرج جبال تهامة فنادى : اللهم ! إنك تعلم أني لم أجيء إلى مريض فأداويه، ولا إلى أسير فأف

١ - يشير إلى \[٥١/ الذاريات/ ٤١\] وفي عاد إذ أرسلنا عليهم الريح العقيم (٤١)..
٢ - \[٥١/ الذاريات/ ٤٢\]..
٣ - \[٦٩/ الحاقة/ ٦-٨\]..
٤ - الأثر رقم ١٤٨٠٤ من تفسير ابن جرير الطبري..
٥ - \[٤١/ فصلت/ ١٥\] ونصها: فأما عاد فاستكبروا في الأرض بغير الحق وقالوا من أشد منا قوة أو لم يروا أن الله الذي خلقهم هو أشد منهم قوة وكانوا بآياتنا يجحدون (١٥)..
٦ - \[٢٦/ الشعراء/ ١٢٨-١٣١\]..
٧ - \[١١/ هود/ ٥٣- ٥٥\]..
٨ - \[١١/ هود/ ٥٦\] إني توكلت على الله ربي وربكم ما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها إن ربي على صراط مستقيم (٥٦)..
٩ - قحط المطر وقحط: احتبس.
١٠ - القيل معناه السيد، يطلق على كل من ملك حِمْير. ويحك كلمة ترحم. هينم أمر من (الهينمة) وهو الصوت الخفي، والمراد ادع..
١١ - قد امسوا بنقل حركة الهمزة للدال الساكنة. لا يبينون الكلاما، أي ضعفوا ومرضوا من القحط. اهـ من (العناية)..
١٢ - أعام القوم هلت إبلهم فلم يجدوا لبنا. والعيمة شدة شهوة اللبن. وعام القوم قل لبنهم من القحط. ورجل عيمان وامرأة عيمى والجمع عيام وعيامى..
١٣ - رمد رمدد أي متناه في الاحتراق والدقة..
١٤ - هامد وهمد وهميد: ميت هالك..
١٥ - \[٤٦/ الأحقاف/ ٢٤ و٢٥\] ونصها: فلما رأوه عارضا مستقبل أوديتهم قالوا... فأصبحوا لا يرى إلا مساكنهم كذلك نجزي القوم المجرمين(٢٥)..
١٦ - \[٦٩/ الحاقة/ ٧\] ونصها: سخرها عليهم سبع ليال وثمانية أيام حسوما فترى القوم فيها صرعى كأنهم أعجاز نخل خاوية (٧)..
١٧ - \[١١/ هود/ ٥٨\]..
١٨ - أخرجه في المسند بالصفحة ٤٨٢ من الجزء الثالث (طبعة الحلبي)..

### الآية 7:73

> ﻿وَإِلَىٰ ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا ۗ قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَٰهٍ غَيْرُهُ ۖ قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ ۖ هَٰذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً ۖ فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ ۖ وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ [7:73]

**وقوله تعالى :**
\[ ٧٣ \]  وإلى ثمود أخاهم صالحا قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره قد جاءتكم بينة من ربكم هذه ناقة الله لكم آية فذروها تأكل في أرض الله ولا تمسوها بسوء فيأخذكم عذاب أليم ( ٧٣ ) . 
 وإلى ثموذ  أي : وأرسلنا إلى ثمود. وهي قبيلة أخرى من العرب سموا باسم جدهم ثمود بن عار بن إرم بن سام بن نوح، وهو أخو جديس بن عابر. وكذلك قبيلة طسم، كل هؤلاء كانوا أحياء من العرب العاربة، قبل إبراهيم الخليل عليه السلام. وكانت ثمود بعد عاد، / ومساكنهم مشهورة فيما بين الحجاز والشام إلى وادي القرى وما حوله. وقد مر رسول الله صلى الله عليه وسلم على ديارهم وهو ذاهب إلى تبوك سنة تسع- نقله ابن كثير-. 
وثمود كصبور، وتضم ثاؤه، وقرئ به أيضا، وقرئ بصرفه ومنعه. أما الثاني فلأنه اسم القبيلة، ففيه العلمية والتأنيث. وأما الأول فلأنه اسم للحي، أو لأنه لما كان اسمها الجد، أو القليل من الماء كان مصروفا، لأنه علم مذكر، أو اسم جنس، فبعد النقل حكي أصله. كذا في ( العناية ). 
 أخاهم صالحا  هو – على ما قاله علماء التفسير والنسب- : ابن عبيد بن آسف بن ماسح بن عبيد بن حاذر بن ثمود : قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره  دعاهم عليه الصلاة والسلام بما يدعو به الرسل أجمعون، وهو عبادة الله وحده لا شريك له. كما قال تعالى : وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون [(١)](#foonote-١) وقال  ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت [(٢)](#foonote-٢).  قد جاءتكم بينة من ربكم  أي حجة ظاهرة للدلالة على صحة نبوتي  هذه ناقة الله لكم آية  أي خلقها حجة وعلامة على رسالتي. وأضافها إليه تفضيلا وتخصيصا. ك ( بيت الله ) ؛ أو لأنه لا مالك لها غيره تعالى، أو لأنها حجته عليهم في أنهم، إن حفظوها وأطلقوا لها رعيها وسقياها حفظوا، وإن غدروا بها أهلكوا، ولذا قال : فذروها تأكل في أرض الله  أي التي لا يملكها غيره، العشب  ولا تمسوها بسوء  أي : لا تضربوها ولا تطردوها ولا تريبوها بشيء من الأذى، ولو تأذت منها دوابكم، إكراما لآية الله  فيأخذكم عذاب أليم  أي : في الدارين لجرأتكم على آيات الله. 
١ - \[٢١/ الأنبياء/ ٢٥\]..
٢ - \[٢٦/ النحل/ ٣٦\] ونصها: ... فمنهم من هدى الله ومنهم من حقت عليه الضلالة فسيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين (٣٦)..

### الآية 7:74

> ﻿وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ عَادٍ وَبَوَّأَكُمْ فِي الْأَرْضِ تَتَّخِذُونَ مِنْ سُهُولِهَا قُصُورًا وَتَنْحِتُونَ الْجِبَالَ بُيُوتًا ۖ فَاذْكُرُوا آلَاءَ اللَّهِ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ [7:74]

\[ ٧٤ \]  واذكروا إذ جعلكم خلفاء من بعد عاد وبوأكم في الأرض تتخذون من سهولها قصورا وتنحتون الجبال بيوتا فاذكروا آلاء الله ولا تعتوا في الأرض مفسدين ( ٧٤ ) . 
 واذكروا إذ جعلكم خلفاء من بعد عاد  قال الشهاب : لم يقل : خلفاء عاد، إشارة إلى أن بينهما زمانا طويلا  وبوأكم في الارض  أي : أنزلكم في أرض الحجر. والمباءة المنزل.  تتخذون من سهولها قصورا  أي : تبنون في سهولها قصورا لتسكنوها أيام الصيف. ف ( من ) بمعنى ( في )، كقوله تعالى : نودي للصلاة من يوم الجمعة [(١)](#foonote-١). أو هي ابتدائية، أو تبعيضية، أي : تعملون القصور من مادة مأخوذة من السهل وهي الطين. والسهل خلاف الحزن، وهو موضع الحجارة والجبال  وتنحتون الجبال بيوتا  أي تسكنوها أيام الشتاء. والجبال إما مفعول ثان بتضمين ( نحت ) معنى ( اتخذ )، أو منصوب بنزع الخافض، على ما جاء في الآية الأخرى : والنحت معروف في كل صلب. ومضارعه مكسور الحاء. وقرأ الحسن بالفتح لحرف الحلق : وقرئ تنحاتون بالإشباع، ك ( ينباع )، أفاده الشهاب. 
بحث الإشباع في وسط الكلمة
أقول : بهذه القراءة يستدل على ثبوت الإشباع في وسط الكلمة لغة. ومثله ( ينباع ) المذكروة، وهي من قول عنترة[(٢)](#foonote-٢) :
 ينباع من ذفرى غضوب جسرة
 أي ينبع العرق من خلف أذن ناقة غضوب، فأشبع الفتحة لإقامة الوزن، فتولدت من إشباعها ألف. ومثله قولنا ( آمين )، والأصل ( أمين ) فأشبعت الفتحة، فتولدت فزيدت الألف لإشباع الفتحة. كما في ( شرح الشافية ). 
ومنه ( عقراب ) - قال في ( تاج العروس ) : سمع العقراب في اسم الجنس. قال[(٣)](#foonote-٣) :
أعوذ بالله من العقراب\*\*\* الشائلات عقد الأذناب
قال : وعند أهل الصرف ألف ( عقراب ) للإشباع، لفقدان ( فعلال ) بالفتح-انتهى-. 
وقوله تعالى : فاذكروا آلاء الله  نعمه عليكم لتصرفوها إلى ما خلقها لأجله  ولا تعثوا في الأرض مفسدين  بالمعاصي وعبادة غيره تعالى.

١ - \[٦٢/ الجمعة/ ٩\] ونصها: يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون (٩)..
٢ - استشهد به في اللسان (ج ٨ ص٣٤٥ بيروت) قال:
 **فأما قول عنترة:**
 ينباع مــن ذفرى غضـــب جســـرة\*\*\*زيـــافــة، مثــل الفنيـــق المكـــــدم
 فإنما أراد (ينبع) فاشبع فتحة الياء للضرورة، فنشأت بعدها (ألف).
 والبيت الرابع والثلاثون من معلقته التي مطلعها:
 هــل غـادر الشعـــراء مــن متـردم \*\*\* أم هــل عــرفـــت الـدار بعد توهم
 **ومعنى البيت كما قاله التبريزي:**
 قال ابن الأعرابي: ينباع، ينفعل. من (باع يبوع) إذا مر مرا لينا، فيه تلو. كقول الآخر:
 \* ثمت ينباع انبياع الشجاع \*
 وأنكر أن يكون الأصل فيه (ينبع).
 وقال: ينبع: يخرج كما ينبع الماء من الأرض، ولم يرد هذا. إنما أراد السيلان وتلويه على رقبتها كتلوي الحية.
 وقال غيره (كقول اللسان): هو من (نبع ينبع) ثم أشبع الفتحة فصارت ألفا.
 والذفريان الحيدان الناتئان من الأذن ومنتهى الشعر. وأول ما يعرف من البعير الذفريان.
 والغضوب والغضبي واحد. وغضوب للتكثير.
 والجسرة: الماضية في سيرها، وقيل: الجسرة: الضخمة القوية.
 والزيافة المسرعة.
 والفنيق الفحل.
 والمكدم بمعنى المكدم، والكدم العض..
٣ - لم أهتد إليه في كتاب. فمن كان على بينة منه، فليدلني عليه..

### الآية 7:75

> ﻿قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ أَتَعْلَمُونَ أَنَّ صَالِحًا مُرْسَلٌ مِنْ رَبِّهِ ۚ قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلَ بِهِ مُؤْمِنُونَ [7:75]

\[ ٧٥ \]  قال الملأ الذين استكبروا من قومه للذين استضعفوا لمن آمن منهم أتعلمون أن صالحا مرسل من ربه قالوا إنا بما أرسل به مؤمنون ( ٧٥ ) . 
 قال الملأ الذين استكبروا  أي عن الإيمان بعد ظهور آية الناقة والكلمات الناصحة  من قومه للذين استضعفوا  أي استضعفهم رؤساء الكفار واستذلوهم، إذ لم يكن لهم استكبار يمنعهم من الانقياد  لمن آمن منهم  بدل من  الذين استضعفوا  بإعادة الجار، بدل الكل، إن كان الضمير لقومه، فيدل على أن المستضعفين كانوا مؤمنين وكافرين. قال أبو السعود : والأول هو الوجه، إذ لا داعي إلى توجيه الخطاب أولا إلى جميع المستضعفين، مع أن المجاوبة مع المؤمنين منهم. على أن الاستضعاف مختص بالمؤمنين، أي قالوا للمؤمنين الذين استضعفوهم واسترذلوهم  أتعلمون  أي من آية الناقة ومن الكلمات الناصحة  أن صالحا مرسل من ربه  إليكم لعبادته تعالى وحده لا شريك له. / وهذا قالوه على سبيل السخرية والاستهزاء، لأنهم يعلمون بأنهم عالمون بذلك، ولذلك لم يجيبوهم على مقتضى الظاهر، بل عدلوا عنه، كما قال تعالى : قالوا إنا بما أرسل به مؤمنون  عدلوا عن الجواب الموافق لسؤالهم بأن يقولوا ( نعم ) أو ( إنه مرسل منه تعالى )، مسارعة إلى تحقيق الحق، وإظهار ما لهم من الإيمان الثابت المستمر الذي تنبئ عنه الجملة الاسمية، وتنبيها على أن أمر إرساله من الظهور بحيث لا ينبغي أن يسأله عنه، وإنما الحقيق بالسؤال عنه هو الإيمان به. أفاده أبو السعود. 
فهذا من الأسلوب الحكيم، وهو تلقي السائل والمخاطب بخلاف ما يترقب، تنبيها على أنه هو الذي ينبغي أن يسأل عنه.

### الآية 7:76

> ﻿قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا بِالَّذِي آمَنْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ [7:76]

\[ ٧٦ \]  قال الذين استكبروا إنا بالذي آمنتم به كافرون ( ٧٣ ) . 
 قال الذين استكبروا إنا بالذي آمنتم به كافرون  وإنما لم يقولوا : إنا بما أرسل به كافرون، إظهارا لمخالفتهم إياهم، وردّ لمقالتهم. 
قال في ( الانتصاف ) : ولو طابقوا بين الكلامين لكان مقتضى المطابقة أن يقولوا : إنا بما أرسل به كافرون، ولكن أبوا ذلك حذرا مما في ظاهره من إثباتهم لرسالته، وهم يجحدونها، وقد يصدر مثل ذلك على سبيل التهكم، كما قال فرعون : إن رسولكم الذي أرسل إليكم لمجنون [(١)](#foonote-١)، فأثبت إرساله تهكما، وليس هذا موضع التهكم، فإن الغرض إخبار كل واحد من الفريقين، المؤمنين والمكذبين، عن حاله، فلهذا خلص الكافرون قولهم عن إشعار الإيمان بالرسالة، احتياطا للكفر، وغلوا في الإصرار- انتهى-. ولذلك أنكروا آية الناقة وكذبوه في إصابة العذاب عن مسها بالسوء. كما قال تعالى : فعقروا الناقة وعتوا عن أمر ربهم وقالوا يا صالح ائتنا بما تعدنا إن كنت من المرسلين ( ٧٧ ) .

١ - \[٢٦/ الشعراء/ ٢٧\] ونصها: قال إن رسولكم الذي أرسل إليكم لمجنون (٢٧)..

### الآية 7:77

> ﻿فَعَقَرُوا النَّاقَةَ وَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ وَقَالُوا يَا صَالِحُ ائْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ [7:77]

\[ ٧٧ \]  فعقروا الناقة وعتوا عن أمر ربهم وقالوا يا صالح ائتنا بما تعدنا إن كنت من المرسلين ( ٧٧ ) . 
 فعقروا الناقة  أي نحروها. والعقر : الجرح، وأثر كالحز في قوائم الفرس والإبل. يقال : عقره بالسيف يعقره بالكسر، وعقره تعقيرا، قطع قوائمه بالسيف وهو قائم. 
قال الأزهري : العقر عند العرب كشف عرقوب البعير، ثم يجعل النحر عقرا، لأن ناحر الإبل يعقرها : ثم ينحرها. 
وفي ( اللسان ) : عَقَر الناقة وعقَّرها، إذ فعل بها ذلك حتى تسقط، فينحرها مستمكنا منها، أي : لئلا تشرد عند النحر. 
وفي الحديث :[(١)](#foonote-١) " لا عقر في الإسلام ". 
قال ابن الأثير : كانوا يعقرون الإبل على قبور الموتى، أي ينحرونها ويقولون إن صاحب القبر كان يعقر للأضياف أيام حياته، فنكافئه بمثل صنيعه بعد وفاته. كذا في ( تاج العروس ) -. 
وأسند العقر إلى جميعهم، لأنه كان برضاهم، وإن لم يباشره إلا بعضهم. ويقال للقبيلة الضخمة : أنتم فعلتم كذا وما فعله إلا واحد منهم. كذا في ( الكشاف ). 
قال أبو السعود : وفيه من تهويل الأمر وتفظيعه، بحيث أصابت غائلته الكل، ما لا يخفى.  وعتوا عن أمر ربهم  أي استكبروا عن امتثاله وهو عبادته وحده أو الحذر من مس الناقة بسوء. وزادوا في الاستهزاء : وقالوا يا صالح ائتنا بما تعدنا  أي : من العذاب على عقر الناقة. والأمر للاستعجال لأنهم يعتقدون أنه لا يتأتى ذلك، ولذا قالوا : إن كنت من المرسلين  أي فإن الله ينصر رسله على أعدائه.

١ - أخرجه أبو داود في: ٢٠- كتاب الجنائز، ٧٠- باب كراهية الذبح عند القبر، حديث رقم ٣٢٢٢..

### الآية 7:78

> ﻿فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ [7:78]

\[ ٧٨ \]  فأخذتهم الرجفة فأصبحوا في دارهم جاثمين ( ٧٨ ) . 
 فأخذتهم الرجفة  أي : الصيحة التي يحصل منها الزلزلة الشديدة بدل صوت الناقة عند عقرها، وبدل حركتها عند نزع الروح  فأصبحوا في دارهم  في بلادهم أو مساكنهم  جاثمين  أي : ساقطين على وجهوهم، هامدين لا يتحركون، ميتين بدل موت الناقة وسقوطها. والصيحة الزلزلة من آثار الريح المرسلة التي كانت رحمة فانقلبت عذابا.

### الآية 7:79

> ﻿فَتَوَلَّىٰ عَنْهُمْ وَقَالَ يَا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَةَ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ وَلَٰكِنْ لَا تُحِبُّونَ النَّاصِحِينَ [7:79]

\[ ٧٩ \]  فتولى عنهم وقال يا قوم لقد أبلغتكم رسالة ربي ونصحت لكم ولكن لا تحبون الناصحين ( ٧٩ ) . 
 فتولى  أي فأعرض صالح  عنهم وقال يا قوم لقد أبلغتكم رسالة ربي  المتضمنة لتخويف العذاب عنه  ونصحت لكم  فأمرتكم بكل خير، ونهيتكم عن كل شر  ولكن لا تحبون الناصحين  أي من الرسل والأنبياء والعلماء لمخالفتهم أهويتكم. والظاهر أن صالحا عليه السلام كان مشاهدا لما جرى عليهم، وأنه تولى عنهم، بعد ما أبصرهم جاثمين، تولي مغتم متحسر على ما فاته من إيمانهم، يتحزن لهم بقوله : يا قوم...  إلخ كذا في ( الكشاف )، أو خاطبهم خطاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أهل قليب بدر حيث قال[(١)](#foonote-١) :/ " إنا وجدنا ما وعدنا ربنا حقا فهل وجدتم ما وعد ربكم حقا ". – كما رواه البخاري- لا تحزنا، ولكن إعلاما بنصر الله له، وتحقيق رسالته، في حزنهم وتوبيخهم، فإن الأحياء ليسوا بأسمع منهم، ولكن لا يتكلمون. كما في ( الصحيح ). ويجوز عطف قوله  فتولى  على قوله : فأخذتهم الرجفة ، فيكون الخطاب لهم حين أشرفوا على الهلاك، لا بعده. فيكون عليه السلام تولى عنهم تولى ذاهب عنهم، منكر لإصرارهم حين رأى علامات نزول العذاب. والمتبادر الأول لظهور الفاء في التعقيب- والله أعلم-. 
تنبيهات
الأول : نأثر هنا ما رواه علماء التاريخ والنسب في بسط قصة ثمود. لمكان العظة والاعتبار مفصلا. وإلا، فجلي أن ما أجمله التنزيل الكريم لا غاية وراءه في ذلك، وما سكت عن بيانه من تلك القصص، فلا حاجة إلى السعي وراءه لفقد القطع به، اللهم إلا لزيادة الاتعاظ، وتقوية العبرة، ولذا صح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال[(٢)](#foonote-٢) :" حدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج ". 
وخلاصة ما رووه عن ثمود أن عادا لما هلكت، عمرت ثمود بلادها، وخلفوهم في الأرض، وكانوا في سعة ورخاء من العيش، فعتوا على الله، وأفسدوا في الأرض، وعبدوا الأوثان، فبعث الله تعالى إليهم صالحا عليه السلام، وكانوا قوما عربا، وصالح من أوسطهم نسبا، فدعاهم إلى عبادته تعالى وحده، فلم يتبعه إلا قليل منهم مستضعفون، فحذرهم وأنذرهم، فسألوه آية، واقترحوا عليه بأن يخرج لهم ناقة عشراء، تمخض من صخرة صماء، عينوها بأنفسهم، وكانت صخرة منفردة في ناحية الجبل، فلما أعطوه على ذلك عهودهم ومواثيقهم، قام صالح عليه السلام إلى صلاته، ودعا الله عز وجل، فتحركت تلك الصخرة، / ثم انصدعت عن ناقة جوفاء وبراء، يتحرك جنينها بين جنبيها، كما سألوا. فعند ذلك آمن رئيسهم جندع بن عمرو ومن كان معه على أمره، وأراد بقية أشراف ثمود أن يؤمنوا، فصدهم ذؤاب بن عمرو بن لبيد، والخباب صاحب أوثانهم، ورباب بن صعمر بن جلمس، وكان لجندع بن عمرو ابن عم له، شهاب بن خليفة بن محلاة بن لبيد بن جواس، وكان من أشراف ثمود وأفاضلها، فأراد أن يسلم أيضا فنهاه أولئك الرهط فأعطاهم، فقال في ذلك رجل من مؤمني ثمود يقال له مهوش بن عنمة بن الزميل، رحمه الله :
وكانت عصبة من آل عمرو\*\*\*إلى دين النبي دعوا شهابا
عزيز ثمود كلهم جميعا\*\*\*فهم بأن يجيب ولو أجابا
لأصبح صالح فينا عزيزا\*\*\*وماعدلوا بصاحبهم ذؤابا
ولكن الغواة من آل حجر\*\*\*تولوا بعد رشدهم ذبابا
وأقامت الناقة وفصيلها، بعدما وضعته، بين أظهرهم مدة، تشرب من بئرها يوما، وتدعه لهم يوما، وكانوا يشربون لبنها يوم شربها، يحتلبونها فيملؤون ما شؤوا من أوعيتهم وأوانيهم، كما قال في الآية الأخرى : ونبئهم أن الماء قسمة بينهم، كل شرب محتضر [(٣)](#foonote-٣) وقال تعالى : هذه ناقة لها شرب ولكم شرب يوم معلوم [(٤)](#foonote-٤). وكانت تسرح في بعض تلك الأودية، ترد من فج، وتصدر من غيره، ليسعها. لأنها كانت تتضلع من الماء، وكانت- على ما ذكر- خلقا هائلا، ومنظرا رائعا، إذا مرت بأنعامهم نفرت منها. فلما طال عليهم ذلك، واشتد تكذيبهم لصالح النبي عليه السلام، عزموا على قتلها ليستأثروا بالماء كل يوم. فيقال إنهم اتفقوا كلهم على قتلها. قال قتادة : بلغني أن الذي قتلها طاف عليهم كلهم أنهم راضون لقتلها، حتى على النساء في خدورهن. قال ابن كثير : قلت وهذا هو الظاهر لقوله تعالى : فكذبوه فعقروها فدمدم عليهم ربهم بذنبهم فسواها [(٥)](#foonote-٥)، / وقال  وآتينا ثمود الناقة مبصرة فظلموا بها [(٦)](#foonote-٦)، وقال : فعقروا الناقة [(٧)](#foonote-٧).. فأسند ذلك إلى مجموع القبيلة، فدل على رضى جميعهم بذلك- والله أعلم-. 
وذكر الإمام أبو جعفر بن جرير[(٨)](#foonote-٨)، وغيره من علماء التفسير، أن سبب قتلها أن امرأة من ثمود يقال لها ( عنيزة بنت غنم بن مجلز، تكنى بأم غنم، وهي من بني عبيد بن المهل، أخي رميل بن المهل، وكانت امرأة ذؤاب بن عمرو، وكانت عجوزا مسنة، وكانت ذات بنات حسان، وكانت ذات مال من إبل وبقر وغنم. 
وامرأة أخرى يقال لها ( صدوف بنت المحيا بن دهر بن المحيا ) سيد بني عبيد وصاحب أوثانهم في الزمن الأول. وكان الوادي يقال له ( وادي المحيا ) وهو المحيا الأكبر، جد المحيا الأصغر أبي صدوف. 
وكانت صدوف من أحسن الناس، وكانت غنية ذات مال من إبل وغنم وبقر. 
وكانتا من أشد امرأتين في ثمود عداوة لصالح، وأعظمه به كفرا. 
وكانتا تحتالان أن تعقر الناقة مع كفرهما به، لما أضرت به من مواشيهما. 
وكانت صدوف عند ابن خال لها يقال له ( صنتم بن هراوة بن سعد بن الغطريف ) من بني هلس، فأسلم وحسن إسلامه. 
وكانت صدوف قد فوضت إليه ماله، فأنفقه على من أسلم معه من أصحاب صالح، حتى رق المال. 
 فاطلعت على ذلك من إسلامه صدوف، فعاتبته على ذلك، فأظهر لها دينه، ودعاها إلى الله وإلى الإسلام فأبت عليه وبيتت[(٩)](#foonote-٩) له. فأخذت بنيه وبناته منه فغيبتهم في بني عبيد، بطنها الذي هي منه. 
وكان صنتم زوجها من بني هليل، وكان ابن خالها. فقال لها : ردّي ولدي. فقالت : حتى أنافرك إلى بني صنعان بن عبيد أو إلى بني جندع بن عبيد. فقال لها صنتم : بل أنافرك إلى بني مرداس بن عبيد. وذلك أن بني مرداس بن عبيد كانوا قد سارعوا في الإسلام وأبطأ عنه الآخرون. 
فقالت لا أنافرك إلا إلى من دعوتك إليه. 
فقال بنو مرداس : والله لتعطنّه ولده طائعة أو كارهة. 
فلما رأت ذلك أعطته إياهم. 
ثم إن صدوف وعنيزة محلتا[(١٠)](#foonote-١٠) في عقر الناقة للشقاء الذي نزل. فدعت صدوف رجلا من ثمود يقال له ( الحباب ) لعقر الناقة، وعرضت عليه نفسها بذلك إن هو فعل فأبى عليها. فدعت ابن عم لها يقال له ( مصدع بن مهرج بن المحيا ) وجعلت له نفسها على أن يعقر الناقة. وكانت من أحسن الناس، وكانت غنية كثيرة المال، فأجابها إلى ذلك. 
ودعت عنيزة بنت غنم ( قدار بن سالف بن جندع ) رجلا من أهل قرح. 
وكان قدار رجلا أحمر أزرق قصيرا. يزعمون أنه كان لزنية، من رجل يقال له ( صهياد ) ولم يكن لأبيه ( سالف ) الذي يدعى إليه. ولكنه قد ولد على فراش ( سالف ) كان يدعى له وينسب إليه. 
فقالت : أعطيتك أي بناتي شئت، على أن تعقر الناقة. 
 وكانت عنيزة شريفة من نساء ثمود، وكان زوجها ذؤاب بن عمرو، من أشراف رجال ثمود. وكان قدرا عزيزا منيعا في قومه. 
فانطلق قدار بن سالف، ومصدع بن مهرج، فاستنفرا غواة من ثمود. فاتبعهما سبعة نفر. فكانوا تسعة نفر. أحد النفر الذين اتبعوهما رجل يقال له، ( هويل بن مبلغ ) خال قدار بن سالف، أخو أمه لأبيها وأمها، وكان عزيزا في أهل حجر. و ( دعير بن غنم بن داعر ) وهو من بني خلاوة بن المهل. 
و ( دأب بن مهرج ) أخو مصدع بن مهرج. 
وخمسة لم تحفظ لنا أسماؤهم. 
فرصدوا الناقة حين صدرت عن الماء، وقد كمن لها قدار في أصل شجرة على طريقها، وكمن لها مصدع من أصل أخرى. فمرت على مصدع فرماها بسهم، فانتظم به عضلة ساقها. 
وخرجت أم غنم عنيزة وأمرت ابنتها، وكانت من أحسن الناس وجها، فأسفرت لقدار وأرته إياه. ثم ذمرته[(١١)](#foonote-١١) فشد على الناقة بالسيف فخشف[(١٢)](#foonote-١٢) عرقوبها. فخرت ورغت رغاة واحدة تحذر سقبها. ثم طعن في لبتها فنحرها. 
انطلق سقبها حتى أتى جبلا منيفا. ثم أتى صخرة في رأس الجبل فزعا ولاذ بها. واسم الجبل فيما يزعمون ( صنو ) - فأتاهم صالح، فلما رأى الناقة قد عقرت، قال انتهكتم حرمة الله، فأبشروا بعذاب الله تبارك وتعالى ونقمته. فاتبع السقب أربعة نفر من التسعة الذين عقروا الناقة، وفيهم ( مصدع بن مهرج ) فرماه مصدع بسهم، فانتظم قلبه، ثم جر برجله فأنزله، ثم ألقوا لحمه مع لحم أمه. 
فلما قال لهم صالح : ابشروا بعذاب الله ونقمته، قالوا له وهم يهزءون به : ومتى ذلك / يا صالح ؟ وما آية ذلك ؟- وكانوا يسمون الأيام فيهم : الأحد ( أول ) والإثنين ( أهون ) والثلاثاء ( وبار ) والأربعاء ( جبار ) والخميس ( مؤمن ) والجمعة ( العروبة ) والسبت ( شيار ) وكانوا عقروا الناقة يوم الأربعاء- فقال لهم صالح حين قالوا له ذلك : تصبحون غداة يوم مؤمن، يعني يوم الخميس، ووجوهكم مصفرة، ثم تصبحون يوم العروبة، يعني يوم الجمعة، ووجوهكم محمرة، ثم تصبحون يوم شيار، يعني يوم السبت، ووجوهكم مسودة. ثم يصبحكم العذاب يوم الأول، يعني يوم الأحد. 
فلما قال لهم صالح ذلك، قال التسعة الذين عقروا الناقة : هلم فلنقتل صالحا. إن كان صادقا عجلناه قبلنا، وإن كان كاذبا يكون قد ألحقناه بناقته. 
فأتوه ليلا ليبيتوه في أهله، فدمغتهم الملائكة بالحجارة. فلما أبطأوا على أصحابهم، أتوا منزل صالح فوجدوهم مشدّخين قد رضخوا بالحجارة. فقالوا لصالح : أنت قتلتهم ! ثم هموا به. فقامت عشيرته دونه ولبسوا السلاح وقالوا لهم : والله لا تقتلونه أبدا، فقد وعدكم أن العذاب نازل بكم في ثلاث، فإن كان صادقا لم تزيدوا ربكم عليكم إلا غضبا، وإن كان كاذبا فأنتم من وراء ما تريدون !
فانصرفوا عنهم ليلتهم تلك. والنفر الذين رضخهم الملائكة بالحجارة، التسعة الذين ذكرهم الله تعالى في القرآن بقوله تعالى[(١٣)](#foonote-١٣) : وكان في المدينة تسعة رهط يفسدون في الأرض ولا يصلحون  إلى قوله : لآية لقوم يعلمون . 
فأصبحوا من تلك الليلة التي انصرفوا فيها عن صالح، وجوههم مصفرة، فأيقنوا بالعذاب. وعرفوا أن صالحا قد صدقهم، فطلبوه ليقتلوه. وخرج صالح هاربا منهم حتى لجأ إلى بطن من ثمود يقال لهم ( بنو غنم ) فنزل على سيدهم رجل منهم يقال له ( نفيل ) يكنى بأبي هدب، وهو مشرك، فغيبه، فلم يقدروا عليه. 
 فغدوا على أصحاب صالح فعذبوهم ليدلوهم عليه، فقال رجل من أصحاب صالح يقال له ( ميدع بن هرم ) : يا نبي الله، إنهم يعذبوننا لندلهم عليك، أفندلهم عليك ؟ قال : نعم. فدلهم عليه ( ميدع بن هرم ). 
فلما علموا بمكان صالح، أتوا أبا هدب فكلموه فقال لهم : عندي صالح، وليس لكم إليه سبيل. فأعرضوا عنه وتركوه. وشغلهم عنه ما أنزل الله بهم من عذابه. 
فجعل بعضهم يخبر بعضا بما يرون في وجوههم حين أصبحوا من يوم الخميس، وذلك أن وجوههم أصبحت مصفرة، ثم أصبحوا يوم الجمعة ووجوههم محمرة، ثم أصبحوا يوم السبت ووجوههم مسودة. حتى إذا كان ليلة الأحد خرج صالح من بين أظهرهم ومن أسلم معه إلى الشام. فنزل رملة فلسطين وتخلف رجل من أصحابه يقال له ( ميدع بن هرم ) فنزل قرح- وهي وادي القرى، وبين القُرح وبين الحجر ثمانية عشر ميلا- فنزل على سيدهم رجل يقال له ( عمرو بن غنم ) وقد كان أكل من لحم الناقة ولم يشرك في قتلها. فقال له ميدع بن هر

١ - أخرجه البخاري في: ٢٤- كتاب الجنائز، ٨٧- باب ما جاء في عذاب القبر، حديث ٧٢٦ ونصه: 
 عن ابن عمر قال: اطلع النبي صلى الله عليه وسلم على أهل القليب فقال "هل وجدتم ما وعد ربكم حقا"؟
 فقيل له: تدعو أمواتا؟
 فقال "ما أنتم بأسمع منهم. ولكن لا يجيبون"..
٢ - أخرجه البخاري في: ٦٠- باب ما ذكر عن بني إسرائيل، حديث ١٦٢٤ ونصه: عن عبد الله بن عمرو أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "بلغوا عني ولو آية، وحدثوا عن بني إسرائيل و لا حرج، ومن كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار"..
٣ - \[٥٤/ القمر/ ٢٨\]..
٤ - \[٢٦/ الشعراء/ ١٥٥\] قال هذه ناقة لها شرب ولكم شرب يوم معلوم (١٥٥)..
٥ - \[٩١/ الشمس/ ١٤\]..
٦ - \[١٧/ الإسراء/ ٥٩\] ونصها: وما منعنا أن نرسل بالآيات إلا كذب بها الأولون وآتينا ثمود الناقة مبصرة فظلموا بها وما نرسل بالآيات إلا تخويفا (٥٩)..
٧ - \[٧/ الأعراف/ ٧٧\] ونصها: فعقروا الناقة وعتوا عن أمر ربهم وقالوا يا صالح ائتنا بما تعدنا إن كنت من المرسلين (٧٧).
٨ - انظر تفسير الطبري (جامع البيان عن تأويل القرآن) الصفحة ٥٣١ من الجزء الثاني عشر (طبعة المعارف)..
٩ - بيتت له: فكرت في الأمر وخمرته ودبرته ليلا..
١٠ - محل به: كاده واحتال في المكر به حتى يوقعه في الهلكة..
١١ - ذمرته: شجعته وحثته وحرضته..
١٢ - خشف رأسه بالحجر: شدخه. وكل ما شدخ فقد خشف..
١٣ - \[٢٧/ النمل/ ٤٨-٥٢\]..

### الآية 7:80

> ﻿وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ [7:80]

**وقوله تعالى :**
 ولوطا إذ قال لقومه أتأتون الفاحشة ما سبقكم بها من أحد من العالمين ( ٨٠ ) . 
 ولوطا  منصوب بفعل مضمر معطوف على ما سبق، أي وأرسلنا لوطا. ولفظه أعجمي معناه في العربية ( ملفوف ) أو ( مُرّ )، كما في تأويل أسماء التوراة والإنجيل- وهو فيما قاله علماء النسب والتفسير- ابن هاران بن تارح ( ويقال آزر ) وهو ابن أخي إبراهيم الخليل عليهما السلام. وكان قد آمن مع إبراهيم عليهما السلام، وهاجر معه إلى الشام، / وتوطنا بلد الكنعانيين من فلسطين، وهي الأرض المقدسة، ثم حدثت مشاجرة بين رعاتهما فنزح لوط إلى وادي الأردن، وسكن مدينة سدوم فبعثه الله إلى أهلها، وإلى ما جاورها من القرى. فصار يدعوهم إلى الله تعالى، ويأمرهم بالمعروف، وينهاهم عما كانوا يرتكبونه من المآثم والفواحش التي اخترعوها، ولم يسبقهم بها أحد من العالمين، من بني آدم، ولا غيرهم، وهو إتيان الذكور. 
قال ابن كثير : وهذا شيء لم يكن بنو آدم تعهده ولا تألفه، ولا يخطر ببالهم، حتى صنعه أهل سدوم، عليهم لعائن الله. 
قال عمر بن دينار : ما نزا ذكر على ذكر، حتى كان قوم لوط. وقال الوليد بن عبد الملك الخليفة الأموي، باني جامع دمشق : لولا أن الله عز وجل قصّ علينا خبر قوم لوط، ما ظننت أن ذكرا يعلو ذكرا. 
ثم بين تعالى إنكار لوط عليهم بقوله سبحانه : إذ قال لقومه أتأتون الفاحشة  أي الفعلة المتناهية في القبح. وقوله تعالى : ما سبقكم بها من أحد من العالمين  أي ما عملها أحد قبلكم، والباء للتعدية، من قولك ( سبقته بالكرة ) إذا ضربتها قبله، ومنه قوله عليه الصلاة والسلام [(١)](#foonote-١) " سبقك بها عكاشة ". كذا في ( الكشاف ). 
قال أبو السعود : والجملة مستأنفة، مسوقة لتأكيد النكير، وتشديد التوبيخ والتقريع. فإن مباشرة القبح قبيح، واختراعه أقبح، فأنكر تعالى عليهم أولا إتيان الفاحشة، ثم وبخهم بأنهم أول من عملها، ثم استأنف بيان تلك الفاحشة تأكيدا للإنكار السابق، وتشديدا للتوبيخ بقوله سبحانه : إنكم لتأتون الرجال شهوة من دون النساء بل أنتم قوم مسرفون ( ٨١ ) . 
١ - أخرجه البخاري في: ٨١- كتاب الرقاق، ٥٠- باب يدخل الجنة سبعون ألفا بغير حساب، حديث ١٦٠٥..

### الآية 7:81

> ﻿إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّسَاءِ ۚ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ [7:81]

\[ ٨١ \]  إنكم لتأتون الرجال شهوة من دون النساء بل أنتم قوم مسرفون ( ٨١ ) . 
 إنكم لتأتون الرجال  أي : الذين خلقهم الله ليأتوا النساء، لا ليأتيهم الرجال. / وقرئ بهمزتين صريحتين، وبتليين الثانية، بغير مدّ، وبمدّ أيضا. وفي زيادة ( إن ) و ( اللام ) مزيد توبيخ وتقريع، كأن ذلك أمر لا يتحقق صدورده عن أحد. وفي إيراد لفظ " الرجال " دون الغلمان والمرادفان ونحوهما، مبالغة في التوبيخ وتأتون، من ( أتى المرأة ) إذا غشيها. قاله الزمخشري. 
وفي ( تاج العروس ) : أتى الفاحشة : تلبّس بها، ويكنى بالإتيان عن الوطء، وهو من أحسن الكنايات، ورجل مأتي أتي فيه، ومنه قول بعض المولدين :
يأتي ويؤتى ليس ينكر ذا ؛ ولا \*\*\*هذا، كذلك إبرة الخياط
انتهى. 
وقوله تعالى : شهوة  مفعول له، أي للاشتهاء، أي لا حامل لكم عليه إلا مجرد الشهوة من غير داع آخر. ولا ذم أعظم منه، لأنه وصف لهم بالبهيمية، وأنه لا داعي لهم ن جهة العقل البتة، كطلب النسل ونحوه. أو حال، بمعنى مشتهين تابعين للشهوة، غير ملتفتين إلى السماجة. كذا في ( الكشاف )  من دون النساء  أي : مجاوزين عن مواتاة النساء اللاتي خلقن لذلك. قال أبو السعود : ويجوز أن يكون المراد من قوله : شهوة  الإنكار عليهم، وتقريعهم على اشتهائهم تلك الفعلة الخبيثة المكروهة، كما ينبئ عنه قوله تعالى : من دون النساء  أي : متجاوزين النساء اللاتي هن محال الاشتهاء كما ينبئ عنه قوله تعالى[(١)](#foonote-١) : هن أطهر لكم .  بل أنتم قوم مسرفون  إضراب عن الإنكار إلى الإخبار عنهم بالحال التي توجب ارتكاب القبائح، وتدعو إلى اتباع الشهوات. وهو أنهم قوم عادتهم الإسراف، وتجاوز الحدود في كل شيء. فمن ثم أسرفوا في باب قضاء الشهوة، حتى تجاوزوا المعتاد إلى غير المعتاد. ونحوه [(٢)](#foonote-٢) بل أنتم قوم عادون . كذا في ( الكشاف ).

١ - \[١١/ هود/ ٧٨\]..
٢ - \[٢٦/ الشعراء/ ١٦٦\]..

### الآية 7:82

> ﻿وَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا أَخْرِجُوهُمْ مِنْ قَرْيَتِكُمْ ۖ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ [7:82]

\[ ٨٢ \]  وما كان جواب قومه إلا أن قالوا أخرجوهم من قريتكم إنهم أناس يتطهرون ( ٨٢ ) . 
 وما كان جواب قومه  أي : المستكبرين في مقابلة نصحه  إلا أن قالوا/ أخرجوهم  أي : لوطا والمؤمنين معه  من قريتكم  أي : بلدكم. قال الزمخشري : يعني ما أجابوه بما يكون جوابا عما كلمهم به لوط عليه السلام من إنكار الفاحشة، وتعظيم أمرها، ووسمهم بسمة الإسراف الذي هو أصل الشر كله. ولكنهم جاءوا بشيء آخر لا يتعلق بكلامه ونصيحته، من الأمر بإخراجه ومن معه من المؤمنين من قريتهم، ضجرا بهم، وبما يسمعونه من وعظهم ونصحهم. وقولهم : إنهم أناس يتطهرون  سخرية بهم، وبتطهيرهم من الفواحش، وافتخار بما كانوا فيه من القذارة. كما يقول الشطار من الفسقة لبعض الصلحاء إذا وعظهم ( أبعدوا عنا هذا المتقشف، وأريحونا من هذا المتزهد ). 
قال ابن كثير : قال مجاهد :" يتطهرون من أدبار الرجال وأدبار النساء ". وروي مثله عن ابن عباس. 
قال السيوطي في ( الإكليل ) : فيستدل به على تحريم أدبار النساء ". أي بناء على أن تفسير الصحابي له حكم المرفوع. 
ورجح ابن القيم أنه في حكم الموقوف. 
والمسألة تقدمت مستوفاة في قوله تعال : نساؤكم حرث لكم [(١)](#foonote-١) فتذكر. 
**تنبيه :**
قال الإمام شمس الدين ابن القيم رحمه الله في كتابه ( إغاثة اللهفان ) :
قد وسم الله سبحانه الشرك والزنى واللواطة بالنجاسة والخبث في كتابه، دون سائر الذنوب، وإن كان مشتملا على ذلك. لكن الذي وقع في القرآن قوله تعالى : يا أيها الذين آمنوا إنما المشركون نجس [(٢)](#foonote-٢)، وقوله تعالى في حق اللوطية : ولوطا آتيناه حكما وعلما ونجيناه من القرية التي كانت تَّعْمل الخبائث، إنهم كانوا قوم سوء فاسقين [(٣)](#foonote-٣)، وقالت اللوطية : أخرجوا آل لوط من قريتكم إنهم أناس يتطهرون [(٤)](#foonote-٤) فأقروا، مع شركهم وكفرهم، أنهم هم الأخابث الأنجاس، وأن لوطا وآله مطهرون من ذلك، / باجتنابهم له. وقال تعالى في حق الزناة : الخبيثات للخبيثين والخبيثون للخبيثات [(٥)](#foonote-٥)، وأما نجاسة الشرك فهي نوعان نجاسة مغلظة، ونجاسة مخففة. فالمغلظة : الشرك الأكبر الذي لا يغفره الله عز وجل، فإن الله عز وجل لا يغفر أن يشكر به. والمخففة : الشرك الأصغر، كيسير الرياء، والتصنع للمخلوقات والحلف به، وخوفه ورجائه. 
ثم قال : ونجاسة الزنى واللواطة أغلظ من غيرها من النجاسات، من جهة أنها تفسد القلب، وتضعف توحيده جدا. ولهذا، أحظى الناس بهذه النجاسة أكثرهم شركا، فكلما كان الشرك في العبد أغلب، كانت هذه النجاسة والخبائث فيه أكثر. وكلما كان أعظم إخلاصا، كان منها أبعد. كما قال تعالى عن يوسف الصديق عليه السلام : كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء، إنه من عبادنا المخلصين [(٦)](#foonote-٦)، فإن عشق الصور المحرمة نوع تعبد لها بل هو من أعلى أنواع التعبد، ولا سيما إذا استولى على القلب، وتمكن منه، صار تتيّما، والتتيم : التعبد، فيصير العاشق عابدا لمعشوقه، وكثيرا ما يغلب حبه وذكره، والشوق إليه، والسعي في مرضاته، وإيثار محابّه، على حب الله وذكره، والسعي في مرضاته. بل كثير ما يذهب ذلك من قلب العاشق بالكلية، ويصير متعلقا بمعشوقه من الصور- كما هو مشاهد- فيصير المعشوق هو إله من دون الله عز وجل، يقدم رضاه وحبه على رضا الله وحبه، ويتقرب إليه ما لا يتقرب إلى الله، وينفق في مرضاته ما لا ينفقه في مرضاة الله، ويتجنب سخطه، ما لا يتجنب من سخط الله تعالى، فيصير آثر عنده من ربه، حبا وخضوعا وذلاًّ وسمعا وطاعة. ولهذا كان العشق والشرك متلازمين، وإنما حكى الله سبحانه العشق عن المشركين من قوم لوط، وعن امرأة العزيز، وكانت إذ ذاك مشركة، فكلما قوي شرك العبد، بلي بعشق الصور، وكلما قوي توحيده صرف ذلك عنه. والزاني واللواطة، كمال لذته إنما يكون مع العشق، ولا يخلو صاحبهما منه. وإنما لتنقله من محل إلى محل، لا يبقى عشقه مقصورا على محل واحد، ينقسم على سهام كثيرة، لكل محبوب نصيب من تألهه وتعبده فليس في الذنوب أفسد للقلب والدين من هاتين الفاحشتين، ولهما خاصية في تبعيد القلب من / الله، فإنهما من أعظم الخبائث، فإذا انصبغ القلب بهما بَعُُدَ ممن هو طيّب، لا يصعد إليه إلا طيّب. وكلما ازداد خبثا، ازداد من الله بعدا. ولهذا قال المسيح- فيما رواه الإمام أحمد في كتاب ( الزهد ) - :" لا يكون البطالون من الحكماء، ولا يلج الزناة ملكوت السماء ". ولما كانت هذه حال الزنى، كان قرينا للشرك في كتاب الله تعالى. قال الله تعالى : الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة والزانية لا ينكحها إلا زان أو مشرك، وحرم ذلك على المؤمنين [(٧)](#foonote-٧). 
ثم قال رحمه الله : والمقصود أن الله سبحانه وسمى الزواني والزناة خبيثين وخبيثات، وجنس هذا الفعل قد شرعت فيه الطهارة، وإن كان حلالا، وسمي فاعله جنبا، لبعده عن قراءة القرآن، وعن الصلاة، وعن المساجد، فمنع من ذلك كله حتى يتطهر بالماء. فكذلك إذا كان حراما، يبعد القلب عن الله تعالى، وعن الدار الآخرة، بل يحول بينه وبين الإيمان، حتى يحدث طهرا كاملا بالتوبة، وطهرا لبدنه بالماء. وقول اللوطية : أخرجوهم من قريتكم إنهم أناس يتطهرون  من جنس قوله سبحانه في أصحاب الأخدود : وما نقموا منهم إلا أن يؤمنوا بالله العزيز الحميد [(٨)](#foonote-٨)، وقوله تعالى : قل يا أهل الكتاب هل تنقمون منا إلا أن آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل من قبل [(٩)](#foonote-٩)، وهكذا المشرك، إنما ينقم على الموحد تجريده للتوحيد، وأنه لا يشوبه بالإشراك. وهكذا المبتدع إنما ينقم على السني تجريده متابعة الرسول، وأنه لم يشبها بآراء الرجال، ولا بشيء مما خالفها. فصبر الموحد المتبع للرسول على ما ينقمه عليه أهل الشرك والبدعة، خير له وأنفع، وأسهل عليه من صبره على ما ينقمه الله ورسوله من موافقة أهل الشرك والبدعة :
إذا لم يكن بدّ من الصبر فاصطبر\*\*\* على الحق. ذاك الصبر تحمد عقباه
-انتهى-.

١ - \[٢/ البقرة/ ٢٢٣\]..
٢ - \[٩/ التوبة/ ٢٨\]..
٣ - \[٢١/ الأنبياء/ ٧٤\]..
٤ - \[٢٧/ النمل/ ٥٦\]..
٥ - \[٢٤/ النور/ ٢٦\]..
٦ - \[١٢/ يوسف/ ٢٤\].
٧ - \[٢٤/ النور/ ٣\]..
٨ - \[٨٥/ البروج/ ٨\]..
٩ - \[٥/ المائدة/ ٥٩\]..

### الآية 7:83

> ﻿فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ [7:83]

ولما همّ قوم لوط بإخراجه ونفيه ومن معه من بين أظهرهم، أخرجه الله تعالى سالما، وأهلكهم في أرضهم صاغرين مهانين، كما أشار لذلك بقوله سبحانه :
\[ ٨٣ \]  فأنجيناه وأهله إلا امرأته كانت من الغابرين ( ٨٣ ) . 
 فأنجيناه وأهله  أي ومن يختص به من ذويه، أو من المؤمنين لطيبهم. قال ابن كثير : ولم يؤمن به أحد منهم سوى أهل بيته فقط، كما قال تعالى[(١)](#foonote-١) : فأخرجنا من كان فيها من المؤمنين، فما وجدنا فيها غير بيت من المسلمين   إلا امرأته  أي فإنا لم ننجها لخبثها. قال ابن كثير : إنما لم تؤمن به، بل كانت على دين قومها، تمالئهم عليه، وتعلمهم بمن يقدم عليه من ضيفانه بإشارات بينها وبينهم. ولهذا، لَمَّا أمِر لوط عليه السلام ليسري بأهله، أمِر أن لا يعلمها ولا يخرجها من البلد. ومنهم من يقول بل اتبعتهم، فلما جاء العذاب التفتت هي فأصابها ما أصابهم. والأظهر أنها لم تخرج من البلد، ولا أعلمها لوط، بل بقيت معهم. ولهذا قال ههنا : إلا امرأته   كانت من الغابرين  أي من الذين غبروا في ديارهم، أي بقوا فهلكوا. وقيل : من الهالكين. وهو تفسير باللازم. والتذكير للتغليب، ولبيان استحقاقها لما يستحقه المباشرون للفاحشة.

١ - \[٥١/ الذاريات/٣٥ و٣٦\]..

### الآية 7:84

> ﻿وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا ۖ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ [7:84]

\[ ٨٤ \]  وأمطرنا عليهم مطرا فانظر كيف كان عاقبة المجرمين ( ٨٤ ) . 
 وأمطرنا عليهم مطرا  أي وأرسلنا عليهم نوعا من المطر عجيبا غير متعارف، وهو مبين بقوله تعالى : وأمطرنا عليهم حجارة من سجيل [(١)](#foonote-١) أي طين متحجر. 
قال المهايمي : ولكفرهم بمطر الشرائع المحيي بإبقاء النسل وغيره، انقلب عليهم في صورة العقاب. 
 وقرأت في التوراة المعربة أن المَلَكين اللذين جاءا لوطا، عليه السلام، يخبرانه ويبشرانه بهلاك قومه، قالا له : اخرج من هذا الموضع، من لك هنا من أصهارك وبنيك وبناتك وجميع من لك، فإنا بعثنا الرب لنهلك هذه المدينة. ولما كان عند طلوع الفجر ألحّ الملكان على لوط بأخذ امرأته وابنتيه، ثم أمسكا بأيديهم جميعا وصيراهم خارج المدينة وقالا : لا يلتفت أحد منكم إلى ورائه، وتخلصا إلى الجبل. ولما أشرقت أمطر الرب من السماء على سَدُومَ وعمُورة كبريتا ونارا، وقَلَبَ تلك المدن، وكل البقعة، وجميع سكان المدن ونبْتَ الأرض، والتفتت امرأته إلى ورائها فصارت نُصُبَ ملح، وقدم إبراهيم غدوة من أرضه، فتطلع إلى جهة سدوم وعمورة، فإذا دخان الأرض صاعد كدخان الأتون-انتهى-. 
وقرأت في نبوة خزقيال عليه السلام، في الفصل السادس عشر، في بيان إثم سدوم ما نصه :
إن الاستكبار والشبع من الخبز، وطمأنينة الفراغ، كانت في سدوم وتوابعها، ولم تعضد يد البائس والمسكين، وتشامخن وصنعن الرجس أمامي، فنزعتهن كما رأيت -انتهى-. 
وقد صار موضع تلك المدن بحر ماء أجاج، لم يزل إلى يومنا هذا، ويعرف بالبحر الميت، أو بحيرة لوط. والأرض التي تليها قاحلة لا تنبت شيئا. 
قال في ( مرشد الطالبين ) بحر لوط، هو بحر سدوم، ويدعى أيضا البحر الميت، وهو بركة مالحة في فلسطين، طولها خمسون ميلا، وعرضها عشرة أميالا، وهي أوطأ من بحر الروم بنحو ١٢٥٠ قدما، وموقعها في الموضع الذي كانت عليه سدوم وعمورة وأدمة وصبوييم- انتهى-. 
وقوله : فانظر كيف كان عاقبة المجرمين  أي هؤلاء أجرموا بالكفر وعمل الفواحش، كيف أهلكناهم. والنظر تعجيبا من حالهم، وتحذيرا من أعمالهم، فإن من تستولي عليه رذيلة الدعارة، تكبحه عن التوفيق نفسا وجسدا، وتورده موارد الهلكة والبوار، جزاء ما جنى لهم اتباع الأهواء. 
 **تنبيه في حد اللوطي :**
اعلم أنه وردت السنة بقتل من لاط بذكر، ولو كان بكرا، وكذلك المفعول به، إذا كان مختارا، لحديث ابن عباس، عند أحمد[(٢)](#foonote-٢) وأبي داود[(٣)](#foonote-٣) وابن ماجة[(٤)](#foonote-٤) والترمذي[(٥)](#foonote-٥) والحاكم والبيهقي، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" من وجدتموه يعمل عمل قوم لوط، فاقتلوا الفاعل والمفعول به ". قال ابن حجر : رجاله موثقون، إلا أن فيه اختلاف. 
وأخرج ابن ماجة[(٦)](#foonote-٦) والحاكم من حديث أبي هريرة مرفوعا :" اقتلوا الفاعل والمفعول به أحصنا أو لم يحصنا " - وإسناده ضعيف-. 
قال ابن الطلاع في ( أحكامه ) : لم يثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه رجم في اللواط، ولا أنه حكم فيه. وثبت عنه أنه قال :" اقتلوا الفاعل والمفعول به " - رواه عنه ابن عباس وأبو هريرة-. 
وأخرج البيهقي أيضا عن أبي بكر :" أنه جمع الناس في حق رجل ينكح كما تنكح النساء، فسأل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك، فكان من أشدهم يومئذ قولا، عليّ بن أبي طالب قال :/ هذا ذنب لم تَعْص به أمة من الأمم إلا أمة واحدة، صنع الله بها ما قد علمتم. نرى أن نحرقه بالنار. فاجتمع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم على أن يحرقه بالنار، فكتب أبو بكر إلى خالد بن الوليد أن يحرقه بالنار ". 
وأخرج أبو داود[(٧)](#foonote-٧) عن سعيد بن جبير ومجاهد، عن ابن عباس :" في البكر يؤخذ على اللوطية، يرجم ". 
وأخرج البيهقي عن ابن عباس أيضا :" أنه سئل عن حد اللوطي فقال : ينظر أعلى بناء في القرية فيرمى منه منكسا، ثم يتبع بالحجارة ". 
وقال المنذري : حرق اللطوية بالنار أبو بكر وعليّ وعبد الله بن الزبير وهشام بن عبد الملك. 
وبالجملة، فلما ثبت أن حده القتل بقي الاجتهاد في هيأته حرقا أو تردية أو غيرهما. 
وقال بعض المحققين : إن كان اللواط مما يصح اندراجه تحت عموم أدلة الزنى فهو مخصص بما ورد فيه من القتل لكل فاعل، محصنا أو غيره. وإن كان غير داخل تحت أدلة الزنى، ففي أدلة الخاصة له ما يشفي ويكفي-انتهى-. 
وقال الإمام الجشمي اليمني : لو كان في اللواط حد معلوم لما خفي على الصحابة، حتى شاورهم في ذلك أبو بكر رضي الله عنه، لما كتب إليه خالد بن الوليد. 
وقال الإمام ابن القيّم في ( زاد المعاد ) : لم يثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه قضى في اللواط بشيء، لأن هذا لم تكن تعرفه العرب، ولم يرفع إليه صلى الله عليه وسلم، ولكن ثبت عنه أنه قال :" اقتلوا الفاعل والمفعول به " – رواه أهل ( السنن ) الأربعة إسناده صحيح- وقال الترمذي : حديث حسن، وحكم به أبو بكر الصديق، وكتب به إلى خالد، بعد مشاورة الصحابة، وكان علي كرم الله وجهه أشدهم في ذلك. 
 وقال ابن القصار وشيخنا : أجمعت الصحابة على قتله، وإنما اختلفوا في كيفية قتله. فقال أبو بكر الصديق :" يرمى من شاهق ". وقال عليّ كرم الله وجهه :" يهدم عليه حائط ". وقال ابن عباس :" يقتلان بالحجارة ". فهذا اتفاق منهم على قتله، وإن اختلفوا في كيفيته. وهذا موافق لحكمه صلى الله عليه وسلم فيمن وطئ ذات محرم، لأن الوطء في الموضعين لا يباح للواطئ بحال. ولهذا جمع بينهما في حديث ابن عباس رضي الله عنهما، فإنه روي عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال :" من وجدتموه يعمل عمل قوم لوط فاقتلوه ". وروي أيضا عنه :" من وقع على ذات رحم فاقتلوه ". وفي حديثه[(٨)](#foonote-٨) أيضا بالإسناد :" من أتى بهيمة فاقتلوه واقتلوها معه ". وهذا الحكم على وفق حكم الشارع، فإن المحرمات كلما تغلظت، تغلظت عقوبتها. ووطء من لا يباح بحال أعظم جرما من وطء من يباح في بعض الأحوال، فيكون حده أغلظ. وقد نص أحمد في إحدى الروايات عنه ؛ أن حكم من أتى بهيمة حكم اللواط سواء، فيقتل بكل حال، أو يكون حدّه حد الزاني. واختلف السلف في ذلك، فقال الحسن :" حدّه حد الزاني ". وقال أبو سلمة :" يقتل بكل حال ". وقال الشعبي والنخعي : يعزّر، وبه أخذ الشافعي ومالك وأبو حنيفة وأحمد في رواية، فإن ابن عباس أفتى بذلك، وهو راوي الحديث. انتهى. 
وقد طعن الحافظ ابن حجر في تخريج أحاديث ( الهداية ) في دعوى إجماع الصحابة على قتل اللوطي في رواية البيهقي :" أن أبا بكر جمع الصحابة فسألهم، فكان أشدهم في ذلك قولا علي، فقال : نرى أن نحرقه بالنار، فاجتمع رأيهم على ذلك ". قال ابن حجر : قلت : وهو ضعيف جدا. ولو صح لكان قاطعا للحجة. انتهى. 
وجليّ أن عقوبات القتل أعظم الحدود، فلا يؤخذ فيها إلا بالقواطع من كتاب أو سنة متواترة أو إجماع أو حديث صحيح السند والمتن، قطعيّ الدلالة. لذا كان على الحاكم بذل جهده في ذلك استبراء لدينه- والله أعلم-.

١ - \[١٥/ الحجر/ ٧٤\]..
٢ - أخره في المسند بالصفحة رقم ٣٠٠ من الجزء الأول (طبعة الحلبي) والحديث رقم ٢٧٢٣..
٣ - أخرجه أبو داود في: ٣٧- كتاب الحدود، ٢٨- باب فيمن عَمِل عَمَل قوم لوط، الحديث رقم ٤٤٦٢..
٤ - أخرجه ابن ماجة في: ٢٠- كتاب الحدود، ١٢- باب عَمِل عَمَل قوم لوط، الحديث رقم ٢٥٦١..
٥ - أخرجه الترمذي في: ١٥- كتاب الحدود، ٢٤- باب ما جاء في حد اللواطي..
٦ - الذي وقفت عليه هو حديث للترمذي أخرجه في: ١٥- كتاب الحدود، ٢٤، باب ما جاء في حد اللوطي ونصه: عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال "اقتلوا الفاعل والمفعول به" وليس فيه (أحصنا أو لم يحصنا)..
٧ - أخرجه أبو داود في: ٣٧- كتاب الحدود، ٢٨- باب فيمن عَمِل عَمَلُ قوم لوط، حديث رقم ٤٤٦٣..
٨ - أخرجه الترمذي في: ١٥- كتاب الحدود، ٢٣- باب ما جاء فيمن يقع على بهيمة..

### الآية 7:85

> ﻿وَإِلَىٰ مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا ۗ قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَٰهٍ غَيْرُهُ ۖ قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ ۖ فَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا ۚ ذَٰلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ [7:85]

\[ ٨٥ \]  وإلى مدين أخاهم شعيبا قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره قد جاءتكم بينة من ربكم فأوفوا الكيل والميزان ولا تبخسوا الناس أشياءهم ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها ذلكم خير لكم إن كنتم مؤمنين ( ٨٥ ) . 
 وإلى مدين أخاهم شعيبا  أي وأرسلنا إليهم. قال ابن إسحق : هم من سلالة مدين بن إبراهيم وشعيب هو ابن ميكيل بن يشجر بن مدين. 
قال ابن كثير : مدين تطلق على القبيلة وعلى المدينة التي بقرب معان من طريق الحجاز وهم أصحاب الأيكة. 
 قال يا قوم  أي : الذين أحب كمالهم دينا ودنيا  اعبدوا الله ما لكم من إله غيره  وهذه دعوة الرسل كلهم كما قدمنا  قد جاءتكم بينة من ربكم  أي ما تبين به الحق من الباطل. يعني دعوته وإرشاده. ومن هنا قال بعضهم : عنى بالبينة مجيء شعيب، وأنه لم تكن له آية إلا النبوة. ومن فسر البينة بالحجة والبرهان والمعجزة المحسوسة ذهابا إلى أن النبي لما كان يدعو إلى شرع يوجب قبوله، فلا بد من دليل يعلم صدقه به، وما ذلك إلا المعجزة- قال : إن معجزة شعيب لم تذكر في القرآن، وليست كل آيات الأنبياء مذكورة في القرآن. ولا يخفى أن البينة أعم من المعجزة بعرفهم، فكل من أبطلت شبهة ضلاله، وأظهرت له حجة الحق الذي يدعى إليه فقد جاءته البينة. لأن حقيقة البينة كل ما يبين الحق. فاحفظه. 
قال الجشمي : واختلفوا، فقيل : لا يجوز أن يبعث إلا ومعه شرع- عن أبي هاشم-. وقيل : يجوز أن يدعو إلى ما في العقل- عن أبي علي- انتهى. 
 وقد دلت الآيات هذه على أن شعيبا، عليه السلام، دعاهم إلى التوحيد والشرائع، على ما جرت به عادة الرسل، فمنها قوله : فأوفوا الكيل والميزان  أي فأتموهما للناس بإعطائهم حقوقهم  ولا تبخسوا الناس أشياءهم  أي : لا تنقصوهم حقوقهم فلا تخونوا الناس في أموالهم، وتأخذوها على وجه البخس، وهو نقص المكيال والميزان خفية وتدليسا كما قال تعالى[(١)](#foonote-١) : ويل للمطففين...  إلى قوله : لرب العالمين . 
يقال : بخسه حقه أي نقصه إياه، وظلمه فيه. 
قال الزمخشري : كانوا يبخسون الناس كل شيء في مبايعاتهم، أو كانوا مكاسين لا يدعون شيئا إلا مكسوه. قال زهير :
أفي كل أسواق العراق إتاوة\*\*\* وفي كل ما باع امروء مكس درهم
قال القاضي : وإنما قال  أشياءهم  للتعميم، تنبيها على أنهم كانوا يبخسون الجليل والحقير والقليل والكثير-انتهى-. 
والنهي عن النقص يوجب الأمر بالإيفاء. فقيل : في فائدة التصريح بالمنهي عنه، بيان لقبحه. 
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن زيد في قوله تعالى : ولا تبخسوا...  الآية- قال : أي لا تسموا لهم شيئا، وتعطوا لهم غير ذلك. ودلت الآية على أن إيفاء الكيل والميزان واجب على حسب ما يعتاد في صفة الكيل والوزن  ولا تفسدوا في الأرض  أي : بالكفر والظلم  بعد إصلاحها  أي : بعد ما أصلح أمرها وأهلها الأنبياء وأتباعهم الصالحون العاملون بشرائعهم من وضع الكيل والوزن والحدود والأحكام  ذلكم  إشارة إلى العمل بما أمروا به ونهوا عنه  خير لكم  في الحال لتوجه الناس إليكم بسبب حسن الأحدوثة، وفي المآل : إن كنتم مؤمنين  أي : مصدقين قولي.

١ - \[٨٣/ المطففين/ ١-٦\]..

### الآية 7:86

> ﻿وَلَا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِرَاطٍ تُوعِدُونَ وَتَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِهِ وَتَبْغُونَهَا عِوَجًا ۚ وَاذْكُرُوا إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلًا فَكَثَّرَكُمْ ۖ وَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ [7:86]

\[ ٨٦ \]  ولا تقعدوا بكل صراط توعدون وتصدون عن سبيل الله من آمن به وتبغونها عوجا واذكروا إذ كنتم قليلا فكثركم وانظروا كيف كان عاقبة المفسدين ( ٨٦ ) . 
 ولا تقعدوا بكل صراط توعدون  نهى عن قطع الطريق الحسي. أي : لا تجلسوا على كل طريق فيه ممر الناس الغرباء، تضربونهم وتخوفونهم، وتأخذون ثيابهم، وتتوعدونهم بالقتل، إن لم يعطوكم أموالهم. 
قال مجاهد :" كانوا عشارين " - أخرجه أبو الشيخ. وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي مثله. وعن ابن عباس وغير واحد أي تتوعدون المؤمنين الآتين إلى شعيب ليتبعوه. 
قال ابن كثير : والأول أظهر، لأنه قال : بكل صراط  وهو الطريق. وهذا الثاني هو قوله : وتصدون عن سبيل الله من آمن به وتبغونها عوجا  أي : تصرفونها عن دين الله وطاعته من آمن بشعيب، وتطلبون لها عوجا بإلقاء الشبه، ووصفها بما ينقصها لتغييرها  واذكروا إذ كنتم قليلا فكثركم  بالعدد والعُدَد، فاشكروا نعمة الله عليكم في ذلك  وانظروا كيف كان عاقبة المفسدين  أي : من الأمم الخالية، والقرون الماضية، وما حل بهم من العذاب والنكال باجترائهم على معاصي الله وتكذيب رسله.

### الآية 7:87

> ﻿وَإِنْ كَانَ طَائِفَةٌ مِنْكُمْ آمَنُوا بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ وَطَائِفَةٌ لَمْ يُؤْمِنُوا فَاصْبِرُوا حَتَّىٰ يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَنَا ۚ وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ [7:87]

\[ ٨٧ \]  وإن كان طائفة منكم آمنوا بالذي أرسلتُ به وطائفة لم يؤمنوا فاصبروا حتى يحكم الله بيننا وهو خير الحاكمين ( ٨٧ ) . 
 وإن كان طائفة منكم آمنوا بالذي أرسلتُ به وطائفة لم يؤمنوا  يعني وإن اختلفتم في رسالتي فصرتم فرقتين مؤمنة وكافرة  فاصبروا حتى يحكم الله بيننا  / أي : بين الفريقين بنصر المحقين على المبطلين، فهو وعد للمؤمنين، ووعيد للكافرين. 
قال الشهاب : وخطاب ( اصبروا ) للمؤمنين، ويجوز أن يكون للفريقين، أي ليصبر المؤمنون على أذى الكفار، والكفار على ما يسوؤهم من إيمانهم. أو للكافرين. أي تربصوا لتروا حكم الله بيننا وبينكم  وهو خيرالحاكمين  لأنه منزه عن الجور في حكمه، فسيجعل العاقبة للمتقين، والدمار على الكافرين.

### الآية 7:88

> ﻿۞ قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ يَا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا ۚ قَالَ أَوَلَوْ كُنَّا كَارِهِينَ [7:88]

\[ ٨٨ \]  قال الملأ الذين استكبروا من قومه لنخرجنك يا شعيب والذين آمنوا معك من قريتنا أو لتعودن في ملتنا قال أوَلو كنا كارهين ( ٨٨ ) . 
 قال الملأ الذين استكبروا من قومه  أي عن الإيمان  لنخرجنك يا شعيب والذين آمنوا معك من قريتنا أو لتعودن  أي إلى ترك دعوى الرسالة، والإقرار بها، داخلين  في ملتنا  أي ملة المشركين. 
قال الجشمي : الملة : الديانة التي تُجمع على العمل بها فرقة عظيمة. والأصل فيه تكرر الأمر، من قولهم : طريق ممل ومليل، وإذا تكرر سلوكه حتى صار معلما. ومنه الملل : تكرار الشيء على النفس حتى تضجر منه-انتهى-. 
 قال  أي شعيب  أو لو كنا كارهين  أي : أتجبروننا على ذلك، وإن كنا كارهين له ؟ مع أنه لا فائدة في الإكراه، لأن دينكم إن كان حقا، لم نكن بالإكراه منقادين له، وإن كان باطلا، لم نكن بالإكراه متصفين به، لأنه بالحقيقة صفة القلب، ولا يسري إكراهكم إليه. وكيف لا نكرهه وهو يستلزم غاية القبح والظلم.

### الآية 7:89

> ﻿قَدِ افْتَرَيْنَا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا إِنْ عُدْنَا فِي مِلَّتِكُمْ بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللَّهُ مِنْهَا ۚ وَمَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَعُودَ فِيهَا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّنَا ۚ وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا ۚ عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا ۚ رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ [7:89]

\[ ٨٩ \]  قد افترينا على الله كذبا إن عدنا في ملتكم بعد إذ نجانا الله منها وما يكون لنا أن نعود فيها إلا أن يشاء الله ربنا وسع ربنا كل شيء علما على الله توكلنا ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق وأنت خير الفاتحين ( ٨٩ ) . 
 قد افترينا على الله كذبا  أي اختلقنا عليه باطلا بأن له شريكا  إن عدنا  إلى ترك دعوى الرسالة والإقرار بها، لندخل  في ملتكم  القائلة بأن له شريكا  بعد إذ نجانا الله منها  فأرانا أنه كالإنجاء من النار  وما يكون  أي ينبغي  لنا أن نعود  أي عن دعوى الرسالة والإقرار بها فنصير  فيها إلا أن يشاء الله ربنا  أي الذي يربينا بما علم من استعدادنا ؛ لأنه  وسع ربنا كل شيء علما  أي فعلم استعداد كل واحد في كل وقت، لكن  على الله توكلنا  أي ليحفظنا عن المصير إليها.  ربنا  إن قصدوا إكراهنا عليها أو إخراجنا من قريتهم  افتح بيننا وبين قومنا بالحق  فغلبنا عليهم  وأنت خير الفاتحين  أي خير الحاكمين، فلا تغلب الظالمين وإن كثروا، على المظلومين إذا استفتحوك. 
تنبيهات
الأول : اعلم أن ظاهر قوله تعالى : أو لتعودن في ملتنا  وقوله  بعد إذ نجانا الله منها  يدل على أن شعيبا عليه السلام كان على ملتهم قبل بعثته. ومعلوم عصمة الأنبياء عن الكبائر، فضلا عن الشرك. 
وفي ( المواقف وشرحها ( : أن الأمة أجمعت على عصمة الأنبياء من الكفر قبل النبوة وبعدها، غير أن الأزارقة من الخوارج جوزوا عليهم الذنب، وكل ذنب عندهم كفر، فلزمهم تجويز الكفر. وجوّز الشيعة إظهار الكفر تقية عند خوف الهلاك، واحترازا عن إلقاء النفس في التهلكة. ومثله في ( شرح التجريد ). 
 ولما تقرر إجماع الأمة على ما ذكر، كان للعلماء في هذه الآية وجوه :
منها : أن العود المقابل للخروج، هو العود إلى ترك دعوى الرسالة والإقرار بها. والجار والمجرور حال. أي لكن منكم الخروج من قريتنا، أو العود إلى ترك دعوى الرسالة والإقرار بها، داخلين في ملتنا. هذا الوجه اقتصر عليه المهايمي، وسايرناه فيه مع تفسير تتمة الآية. 
ومنها : أن العود المذكور إلى ما خرج منه، وهو القرية. والمجرور حال كالسابق. أي ليكن منكم الخروج من قريتنا، أو العود إليها، كائنين في ملتنا. وعُدّيَ ( عاد ) ب ( في ) كأن الملة لهم بمنزلة الوعاء والمحيط بهم. 
ومنها : أن هذا القول جارٍ على ظنهم أنه كان في ملتهم، لسكوته قبل البعثة عن الإنكار عليهم. 
ومنها : أنه صدر عن رؤسائهم تلبيسا على الناس، وإيهاما لأنه كان على دينهم. وما صدر عن شعيب عليه السلام كان على طريق المشاكلة. 
ومنها : أن  لتعودُنَّ  بمعنى لتصيرن. إذ كثيرا ما يرد ( عاد ) بمعنى ( صار )، فيعمل عمل ( كان ). ولا يستدعي الرجوع إلى حالة سابقة، بل عكس ذلك، وهو الانتقال من حال سابقة، إلى حال مؤتنفة مثل ( صار ). وكأنهم قالوا- والله أعلم- لنخرجنك يا شعيب والذين آمنوا معك من قريتنا، أو لتصيرن كفارا مثلنا. 
قال الرازي : تقول العرب : قد عاد إلي من فلان مكروه، يريدون : قد صار إلي منه المكروه ابتداء. قال الشاعر[(١)](#foonote-١) :
 فإن تكن الأيام أحسن مدة \*\*\* إليّ فقد عادت لهن ذنوب
أراد : فقد صارت لهن ذنوب، ولم يرد أن ذنوبا كانت لهن قبل الإحسان- انتهى-. 
ومنه حديث معاذ[(٢)](#foonote-٢). قال له النبي صلى الله عليه وسلم :" أعُدت فتانا يا معاذ ؟ " أي صرت. 
 ومنه حديث خزيمة[(٣)](#foonote-٣) :" عاد لها النِّقاد مُجْرَنْثِما ". أي صار. 
وفي حديث كعب[(٤)](#foonote-٤) :" وددت أن هذا اللبن يعود قَطِراناً، أي صير : فقيل له : لم ذلك ؟ قلت : تتبعتْ قريش أذنابَ الإبل، وتركوا الجماعات ". 
قال الشهاب : إلا أنه قيل إنه لا يلاءم قوله : بعد إذ نجانا الله منها  إلا أن يقال بالتغليب فيه، أو يقال : النتيجة لا يلزم أن تكون بعد الوقوع في المكروه. ألا ترى إلى قوله : فأنجيناه وأهله [(٥)](#foonote-٥) وأمثاله ؟
ومنها : أن العود يطلق، ويراد به الابتداء. حققه الراغب والجاربرديّ. وغير واحد. وأنشدوا قول الشاعر :
 \* وعاد الرأس مني كالثَّغام[(٦)](#foonote-٦)\*
ومعنى الآية : لتدخلن في ملتنا، وقوله تعالى : إن عدنا  أي دخلنا- كذا في ( تاج العروس )-. 
ومنها : إبقاء صيغة العود على ظاهرها، من استدعائها رجوع العائد، إلى حال كان عليها قبل. كما يقال : عاد له، بعد ما كان أعرض عنه. إلا أن الكلام من باب التغليب. قال الزمخشري : لما قالوا : لنخرجنك يا شعيب والذين آمنوا معك  فعطفوا على ضميره، الذين / دخلوا في الإيمان منهم بعد كفرهم- قالوا  لتعودن  فغلبوا الجماعة على الواحد، فجعلوهم عائدين جمييعا، إجراء للكلام على حكم التغليب. وعلى ذلك أجرى شعيب عليه السلام جوابه فقال  إن عدنا في ملتكم بعد إذ نجانا الله منها  وهو يريد عود قومه، إلا أنه نظم نفسه في جملتهم، وإن كان بريئا من ذلك، إجراء لكلامه على حكم التغليب- انتهى-. 
ومنها : ما قاله الناصر في ( الانتصاف ) : إنه يسلم استعمال ( العود ) بمعنى ( الرجوع إلى أمر سابق )، ويجاب عن ذلك بمثل الجواب عن قوله تعالى[(٧)](#foonote-٧) : الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور، والذين كفروا أولياؤهم الطاغوت يخرجونهم من النور إلى الظلمات  والإخراج يستدعي دخولا سابقا فيما وقع الإخراج منه، ونحن نعلم أن المؤمن الناشئ في الإيمان لم يدخل قط في ظلمة الكفر، ولا كان فيها. وكذلك الكافر الأصل، خلق الله العبد متيسرا لكل واحد منهما متمكنا منه لو أراده، فعبر عن تمكن المؤمن من الكفر، ثم عدلوه عنه إلى الإيمان، إخبارا بالإخراج من الظلمات إلى النور، توفيقا من الله له، ولطفا به، وبالعكس في حق الكافر. وقد مضى نظير هذا النظر عند قوله تعالى[(٨)](#foonote-٨) : أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى  وهو من المجاز المعبر فيه عن السبب بالمسبب. وفائدة اختياره في هذه المواضع تحقيق التمكن والاختيار، لإقامة حجة الله على عباده- والله أعلم- انتهى. 
الثاني : في قوله : إلا أن يشاء الله ربنا  ردّ إلى الله تعالى مستقيم. 
قال الواحدي : والذي عليه أهل العلم والسنة في هذه الآية ؛ أن شعيبا وأصحابه قالوا : ما كنا لنرجع إلى ملتكم، بعد أن وقفنا على أنها ضلالة تكسب دخول النار، إلا أن يريد إهلاكنا. فأمورنا راجعة إلى الله، غير خارجة عن قبضته، يسعد من يشاء بالطاعة، ويشقي من يشاء بالمعصية. وهذا من شعيب وقومه استسلام لمشيئة الله. ولم تزل الأنبياء والأكابر/ يخافون العاقبة، وانقلاب الأمر. ألا ترى إلى قول الخليل[(٩)](#foonote-٩) عليه الصلاة والسلام : واجنبني وبني أن نعبد الأصنام  ؟ وكان نبينا محمد صلى الله عليه وسلم كثيرا ما يقول[(١٠)](#foonote-١٠) :" يا مقلب القلوب ! ثبت قلبي على دينك ". 
وقال الزجاج : المعنى : وما يكون لنا أن نعود فيها إلا أن يكون قد سبق في علم الله ومشيئته أن نعود فيها. وتصديق ذلك قوله : وسع ربنا كل شيء علما ، يعني أنه تعالى يعلم ما يكون، من قبل أن يكون، وما سيكون. وأنه تعالى كان عالما في الأزل بجميع الأشياء. فالسعيد من سعد في علم الله تعالى. والشقي من شقي في علم الله تعالى. 
وقال الناصر في ( الانتصاف ) : موقع قوله : وسع ربنا كل شيء علما  الاعتراف بالقصور عن علم العاقبة، والاطلاع على الأمور الغائبة. فإن العود إلى الكفر جائز في قدرة الله أن يقع من العبد. ولو وقع، فبقدرة الله ومشيئته المغيبة عن خلقه. فالحذر قائم، والخوف لازم. ونظيره قول إبراهيم عليه السلام : ولا أخاف ما تشركون به إلا أن يشاء ربي شيئا وسع ربي كل شيئ علما، أفلا تتذكرون [(١١)](#foonote-١١) لما ردّ الأمر إلى المشيئة، وهي مغيبة، مجد الله تعالى بالإنفراد بعلم الغائبات- والله أعلم. 
وقال أبو السعود : معنى  وما يكون لنا...  الآية- أي ما يصح لنا أن نعود فيها في حال من الأحوال، أو في وقت من الأوقات، إلا أن يشاء الله. أي إلا حال مشيئة الله تعالى، أو وقت مشيئته تعالى، لعودنا فيها. وذلك مما لا يكاد يكون، كما ينبئ عنه قوله تعالى : ربنا...  فإن التعرض لعنوان ربوبيته تعالى لهم، مما ينبئ عن استحالة مشيئته تعالى لارتدادهم قطعا، وكذا قوله : بعد إذ نجانا الله منها  فإن تنجيته تعالى لهم منها، من دلائل عدم مشيئته لعودهم فيها. وقيل معناه : إلا أن يشاء الله خذلاننا. فيه دليل على أن الكفر بمشيئته تعالى. وأيا ما كان، فليس المراد بذلك بيان أن العود فيها في حيز الإمكان، وخطر الوقوع، بناء على كون مشيئته تعالى كذلك. بل بيان استحالة وقوعها. كأنه قيل : وما كان لنا أن نعود فيها إلا أن يشاء الله ربنا، وهيهات ذلك. بدليل ما ذكر من موجبات عدم مشيئته تعالى له –انتهى-. 
ولا يخفى أن إفهام ذلك الاستحالة، هو باعتبار الواقع، وما يقتضيه منصب النبوة. وأما إذا لوحظ مقام الخوف والخشية، الذي هو من أعلى مقامات الخواص، فيكون ما ذكرناه أولا أدقّ، وبالقبول أحق. 
قال الإمام ابن القيم في ( طريق الهجرتين ) : قد أثنى الله سبحانه على أقرب عباده إليه بالخوف منه، فقال عن أنبيائه، بعد أن أثنى عليهم ومدحهم : إنهم كانوا يسارعون في الخيرات ويدعوننا رغبا ورهبا [(١٢)](#foonote-١٢) فالرغب الرجاء، والرهب الخوف والخشية. وقال عن ملائكته الذين قد آمنهم من عذابه : يخافون ربهم من فوقهم ويفعلون ما يؤمرون [(١٣)](#foonote-١٣) وفي ( الصحيح ) [(١٤)](#foonote-١٤) عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال :" إني أعلمكم بالله، وأشدكم له خشية ". وفي لفظ آخر :" إني أخوفكم لله وأعلمكم بما أتقي ". و " كان صلى الله عليه وسلم[(١٥)](#foonote-١٥) يصلي ولصدره أزيز كأزيز المرجَل من البكاء ". وقد قال تعالى[(١٦)](#foonote-١٦) : إنما يخشى الله من عباده العلماء  فكلما كان العبد بالله أعلم، كان له أخوف. 
الثالث : قال الفراء[(١٧)](#foonote-١٧) : أهل عمان يسمون ( القاضي ) الفاتح والفتاح. لأنه يفتح مواضع الحق، وعن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال :" ما كنت أدري قوله ؛  ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق  حتى سمعت ابنة ذي يزن تقول لزوجها : تعالَ أفاتحك، أي أحاكمك ". 
 وقال الشهاب : الفتح، بمعنى الحكم، وهي لغة لحْمَير، أو لمراد، والفتاحة ( بالضم ) عندهم الحكومة. أو هو مجاز بمعنى : أظهر وبين أمرنا، حتى ينكشف ما بيننا وبينهم، ويتميز المحق من المبطل ومنه فتح المشكل لبيانه وحله، تشبيها له بفتح الباب وإزالة الأغلاق، حتى يوصل إلى ما خلفها.

١ - لم أعرف اسمه ولم أقف على بيته..
٢ - استشهد به في اللسان، نقلا عن النهاية، في مادة (ع ود) وقال في مادة (ج ر ث م): النقاد: صغار الغنم. ومجرنثما: مجتمعا متقبضا، وإنما اجتمعت في الجدب لأنها لم تجد مرعى تنتشر فيه. وإنما لم يقل (مجرنثمة) لأن لفظ (النقاد) لفظ الاسم الواحد. كالحذار والخمار..
٣ - استشهد به في اللسان، نقلا عن النهاية، في مادة (ع و د)..
٤ استشهد به في اللسان، نقلا عن النهاية، في مادة (ع و د)..
٥ - \[٧/ الأعراف/ ٨٣\] و\[٢٧/ النمل/ ٥٧\]..
٦ - في اللسان: الثغام نبت على شكل الحليّ، وهو أغلظ منه، وأجل عودا، يكون في الجبل ينبت أخضر ثم يبيضّ إذا يبس، وله سَنِمَةٌ غليظة. ولا ينبت إلا في قنة سوداء، وهو ينبت بنجد وتهامة..
٧ - \[٢/ البقرة/ ٢٥٧\]..
٨ - \[٢/ البقرة/ ١٦\]..
٩ - \[١٤/ إبراهيم/ ٣٥\]..
١٠ - أخرجه الترمذي في: ٣٠- كتاب القدر، ٧- باب ما جاء أن القلوب بين أصبعي الرحمن..
١١ - \[٦/ الأنعام/ ٨٠\]..
١٢ - \[٢١/ الأنبياء/ ٩٠\]..
١٣ - \[١٦/ النحل/ ٥٠\]..
١٤ - أخرجه البخاري في: ٧٨- كتاب الأدب، ٧٢- باب من لم يواجه الناس بالعتاب، حديث ٢٣٤٣..
١٥ - أخرجه النسائي في: ١٣- كتاب السهو، ١٨- باب البكاء في الصلاة..
١٦ - \[٣٥/ فاطر/ ٢٨\]..
١٧ - انظر معاني القرآن للفراء، الصفحة ٣٨٥ من الجزء الأول (طبعة دار الكتب)..

### الآية 7:90

> ﻿وَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَئِنِ اتَّبَعْتُمْ شُعَيْبًا إِنَّكُمْ إِذًا لَخَاسِرُونَ [7:90]

\[ ٩٠ \]  وقال الملأ الذين كفروا من قومه لئن اتبعتم شعيبا إنكم إذا لخاسرون ( ٩٠ ) . 
 وقال الملأ الذين كفروا من قومه لئن اتبعتم شعيبا  أي فيما يأمركم به وينهاكم عنه : إنكم إذا لخاسرون  أي لجاهلون مغبونون، لاستبدالكم ضلالته بهداكم، أو لفوات ما يحصل لكم من بخس الكيل والميزان.

### الآية 7:91

> ﻿فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ [7:91]

\[ ٩١ \]  فأخذتهم الرجفة فأصبحوا في دارهم جاثمين ( ٩١ ) . 
 فأخذتهم الرجفة  أي الزلزلة الشديدة. 
قال ابن كثير : أخبر تعالى هنا أنهم أخذتهم الرجفة، كما أرجفوا شعيبا وأصحابه وتوعدوهم بالجلاء، كما أخبر عنهم في سورة هود، فقال : ولما جاء أمرنا نجينا شعيبا والذين آمنوا معه برحمة منا وأخذت الذين ظلموا الصيحة [(١)](#foonote-١) والمناسبة هناك- والله أعلم- أنهم لما تهكموا به في قولهم : أصلاتك تأمرك...  الآية[(٢)](#foonote-٢) - فجاءت الصيحة فأسكتتهم. وقال تعالى في الشعراء : فكذبوه فأخذهم عذاب يوم الظلة، إنه كان عذاب يوم عظيم [(٣)](#foonote-٣) وما ذاك إلا لأنهم قالوا له في سياق القصة : فأسقط علينا كسفا من السماء...  [(٤)](#foonote-٤) الآية/ فأخبر أنه أصابهم عذاب يوم الظلة. وقد اجتمع عليهم ذلك كله. أصابهم عذاب يوم الظلة، وهي سحابة أظلتهم، فيها شرر من نار ولهب ووهج عظيم. ثم جاءتهم صيحة من السماء، ورجفة من الأرض شديدة من أسفل منهم، فزهقت الأرواح، وفاضت النفوس، وخمدت الأجسام  فأصبحوا في دارهم  أي مدينتهم  جاثمين  أي ساقطين ميتين، لا ينتفعون برؤوس أموالهم ولا بزوائدها.

١ - \[١١/ هود/ ٩٤\]..
٢ - \[١١/ هود/ ٨٧\]..
٣ - \[٢٦/ الشعراء/ ١٨٩\]..
٤ - \[١١/ هود/ ٨٧\]..

### الآية 7:92

> ﻿الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا ۚ الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كَانُوا هُمُ الْخَاسِرِينَ [7:92]

\[ ٩٢ \]  الذين كذبوا شعيبا كأن لم يغنوا فيها الذين كذبوا شعيبا كانوا هم الخاسرين ( ٩٢ ) . 
 الذين كذبوا شعيبا كأن لم يغنوا فيها  استئناف لبيان ابتلائهم بشؤم قولهم  لنخرجنك يا شعيب والذين آمنوا معك من قريتنا  وعقوبتهم بمقابلته. والموصول مبتدأ، وخبره جملة  كأن لم يغنوا فيها  أي استؤصلوا بالمرة، وصاروا كأنهم، لما أصابتهم النقمة، لم يقيموا بديارهم، التي أرادوا إجلاء الرسول وصحبه منها. 
ثم قال تعالى مقابلا لقيلهم السابق : الذين كذبوا شعيبا كانوا هم الخاسرون  دينا ودنيا، لا الذين صدقوه واتبعوه كما زعموا. 
قال أبو السعود : استئناف آخر لبيان ابتلائهم بعقوبة قولهم الأخير. وإعادة الموصول والصلة كما هي، لزيادة التقرير، والإذان بأن ما ذكر في حيز الصلة، هو الذي استوجب العقوبتين. أي الذين كذبوه عليه السلام، عوقبوا بمقالتهم الأخيرة، فصاروا هم الخاسرون، لا المتبعون له، وبهذا القصر اكتفى عن التصريح بإنجائه عليه الصلاة والسلام، كما وقع في سورة هود من قوله تعالى : ولما جاء أمرنا نجينا شعيبا والذين آمنوا معه . 
وقال الزمخشري : في هذا الاستئناف والابتداء، وهذا التكرير، مبالغة في ردّ مقالة الملأ لأشياعهم، وتسفيه لرأيهم، واستهزاء بنصحهم لقومهم، واستعظام لما جرى عليهم. 
 وفي ( العناية ) : أن من عادة العرب الاستئناف من غير عطف، في الذم والتوبيخ. فيقولون : أخوك الذي نهب مالنا، أخوك الذي هتك سترنا- انتهى-.

### الآية 7:93

> ﻿فَتَوَلَّىٰ عَنْهُمْ وَقَالَ يَا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ ۖ فَكَيْفَ آسَىٰ عَلَىٰ قَوْمٍ كَافِرِينَ [7:93]

**وقوله تعالى :**
\[ ٩٣ \]  فتولى عنهم وقال يا قوم لقد أبلغتكم رسالات ربي ونصحت لكم فكيف آسى على قوم كافرين ( ٩٣ ) 
 فتولى عنهم  أي : أعرض عن شفاعتهم والحزن عليهم  وقال  أي : في الاعتذار  يا قوم لقد أبلغتكم رسالات ربي  أي بالأمر والنهي  ونصحت لكم  أي : حذرتكم من عذاب الله، ودعوتكم إلى التوبة والإيمان بما يفيد ربح الدارين، ويمنعكم خسرانهما، لكنكم كفرتم  فكيف آسى  أي : أحزن حزنا شديدا  على قوم كافرين  أي بالله إن هلكوا، فضلا عن أن أشتغل بشفاعتهم. يعني أنه لا يأسى عليهم، لأنهم ليسلوا أحقاء بالأسى. 
**تنبيه :**
قال الجشمي : من أحكام الآية أنها تدل على أن قوم شعيب أهلكوا بعذاب الاستئصال، لما لم يقبلوا نصيحة نبيهم. فتدل على وجوب قبول النصيحة في الدين. وتدل على أنه لا يجوز الحزن على هلاك الكفرة والظلمة، بل يجب أن يحمد الله ويشكر. كما قال تعالى : فقطع دابر القوم الذين ظلموا، والحمد لله رب العالمين [(١)](#foonote-١). 
**لطيفة :**
ذكروا أن شعيبا، عليه السلام، يقال له خطيب الأنبياء لفصاحة عبارته، وجزالة موعظته وأصله ما أخرجه ابن عساكر عن ابن عباس رضي الله عنهما قال :" كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا ذكر شعيبا يقول : ذاك خطيب الأنبياء، لحسن مراجعته قومه ". 
 والمراجعة ( مفاعلة ) من الرجوع، وهي مجاز عن المحاورة. يقال : راجعه القول. وإنما عنى النبي صلى الله عليه وسلم ما ذكر في هذه السورة، كما يعلم بالتأمل فيه. كذا في ( العناية ). 
١ - \[٦/ الأنعام/ ٤٥\]..

### الآية 7:94

> ﻿وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا أَخَذْنَا أَهْلَهَا بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ [7:94]

ثم أشار تعالى إلى أحوال سائر الأمم مع أنبيائهم إجمالا، إثر بيان الأمم المذكورة تفصيلا، فقال سبحانه :
\[ ٩٤ \]  ما أرسلنا في قرية من نبي إلا أخذنا أهلها بالبأساء والضراء لعلهم يضرعون ( ٩٤ ) . 
 ما أرسلنا في قرية من نبي  أي كذبه أهلها  إلا أخذنا أهلها  أي قبل الإهلاك الكلي  بالبأساء  أي شدة الفقر  والضراء  أي المرض، لاستكبارهم عن اتباع، نبيهم، وتعززهم عليه { لعلهم يضرعون ليتضرعوا ويتذللوا، ويحطوا أردية الكبر والعزة، فيؤمنوا.

### الآية 7:95

> ﻿ثُمَّ بَدَّلْنَا مَكَانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ حَتَّىٰ عَفَوْا وَقَالُوا قَدْ مَسَّ آبَاءَنَا الضَّرَّاءُ وَالسَّرَّاءُ فَأَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ [7:95]

\[ ٩٥ \]  ثم بدلنا مكان السيئة الحسنة حتى عفوا وقالوا قد مس آباءنا الضراء والسراء فأخذناهم بغتة وهم لا يشعرون ( ٩٥ ) . 
 ثم بدلنا مكان السيئة الحسنة  أي أعطيناهم- بدل ما كانوا فيه من البلاء، كالشدة والمرض- السعة والصحة  حتى عفوا  أي كثروا ونموا في أنفسهم وأموالهم. من قولهم : عفا النبات، وعفا الشحم والوبر، إذ كثرت. ومنه قوله صلى الله عليه وسلم[(١)](#foonote-١) :" وأعفوا اللحى "  وقالوا قد مس آباءنا الضراء والسراء  يعني وأبطرتهم النعمة وأشِروا، / فقالوا كفرانا لها : هذه عادة الدهر. يعاقب في الناس بين الضراء والسراء، وقد مس آباءنا نحو ذلك فصبروا على دينهم، فنحن مثلهم، نقتدي بهم، وما هو بابتلاء من الله لبعاده، تصديقا لوعد الرسل، فازدادوا كفرا بعد الإعلام القوليّ والفعليّ. والمعنى : أن الله تعالى ابتلاهم بالسيئة لينيبوا إليه، فما فعلوا. ثم بالحسنة ليشكروا، فما فعلوا. وإذا لم ينجع فيهم هذا ولا ذاك، فلم يبق إلا أن يأخذهم بالعذاب، وقد فعل. كما قال سبحانه : فأخذناهم بغتة وهم لا يشعرون  أي فأخذناهم أشد الأخذ وأفظعه، وهو أخذهم فجأة، من غير شعور منهم، ولا خطور شيء من المكاره ببالهم، كقوله تعالى : حتى إذا فرحوا بما أوتوا...  [(٢)](#foonote-٢) الآية- وفي الحديث[(٣)](#foonote-٣) :" موت الفجأة راحة للمؤمن وأخذه أسف للفاجر " رواه الإمام أحمد والبيهقي عن عائشة. مرفوعا. 
**تنبيه :**
اعتقاد أن مناوبة الضراء والسراء عادة الدهر، من غير أن يكون هناك داعية تؤدي إليها، ولا حكمة فيهما، هو من اعتقاد الكافرين. 
قال ابن كثير : المؤمن من يتفطن لما ابتلاه الله به من الضراء والسراء، فيشكر الله على السراء، ويصبر على الضراء. ولهذا جاء في الحديث[(٤)](#foonote-٤) :" لا يزال البلاء بالؤمن حتى يخرج نقيا من ذنوبه. والمنافق مثله كمثل الحمار لا يدري فيم ربطه أهله، ولا فيم أرسلوه " - أو كما قال-. 
وفي ( الصحيحين ) [(٥)](#foonote-٥) :" عجبا لأمر المؤمن. إن أمره كله خير. وليس ذاك لأحد إلا للمؤمن. إن أصابته سراء شكر، فكان خيرا له. وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرا له "..

١ - أخرجه مسلم في: ٢- كتاب الطهارة، حديث رقم ٥٢ (طبعتنا).
 والبخاري في: ٧٧/ كتاب اللباس، ٦٥- باب إعفاء اللحى، حديث رقم ٢٢٩٢..
٢ - \[٦/ الأنعام/ ٤٤\]..
٣ - أخرجه الإمام أحمد في المسند بالصفحة ١٣٦ من الجزء السادس (طبعة الحلبي)..
٤ - لم أعثر على هذا النص فيما بين يديّ من المصادر..
٥ - أخرجه مسلم في: ٣٥- كتاب الزهد والرقائق، حديث ٦٤- (طبعتنا) ولم يخرجه البخاري..

### الآية 7:96

> ﻿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىٰ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَٰكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ [7:96]

**وقوله تعالى :**
 \[ ٩٦ \]  ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض ولكن كذبوا فأخذناهم بما كانوا يكسبون ( ٩٦ ) . 
 ولو أن أهل القرى  أي القرى المهلكة  آمنوا  أي بالله ورسلهم  واتقوا  أي الكفر والمعاصي  لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض  أي لوسعنا عليهم الخير، ويسرناه لهم من كل جانب، مكان ما أصابهم من فنون العقوبات، التي بعضها من السماء، وبعضها من الأرض. ف  فتحنا  استعارة تبعية، لأنه شبه تيسير البركات عليهم بفتح الأبواب في سهولة التنازل. أو مجاز مرسل في لازمه، وهو التيسير. أو أريد ب ( بركات السماء ) المطر و ( بركات الأرض ) النبات والثمار  ولكن كذبوا  أي الرسل  فأخذناهم  أي عاقبناهم  بما كانوا يكسبون  من الكفر والمعاصي. 
**تنبيه :**
أفادت الآية قلة إيمان أهل القرى الذين أرسل فيهم الرسل، كقوله تعالى : فلولا كانت قرية آمنت فنفعها إيمانها إلا قوم يونس لما آمنوا كشفنا عنهم عذاب الخزي في الحياة الدنيا ومتعناهم إلى حين [(١)](#foonote-١). أي : ما آمنت قرية بتمامها إلا قوم يونس، فإنهم آمنوا، وذلك بعد ما عاينوا من العذاب، كما قال تعالى عنهم : فآمنوا فمتعناهم إلى حين [(٢)](#foonote-٢). 
١ -\[١٠/ يونس/ ٩٨\]..
٢ - \[ ٣٧/ الصافات/ ١٤٨\]..

### الآية 7:97

> ﻿أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَىٰ أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا بَيَاتًا وَهُمْ نَائِمُونَ [7:97]

\[ ٩٧ \]  أفأمن أهل القرى أن يأتيهم بأسنا بياتا وهم نائمون ( ٩٧ ) . 
 أفأمن أهل القرى  أي : القرى المذكورة  أن يأتيهم بأسنا  أي : عذابنا ونكالنا  بياتا  أي : ليلا، أي وقت بيات  وهم نائمون  أي حال كمال الغفلة.

### الآية 7:98

> ﻿أَوَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَىٰ أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ [7:98]

\[ ٩٨ \]  أو أمن أهل القرى أن يأتيهم بأسنا ضحى وهم يلعبون ( ٩٨ ) . 
 أو أمن أهل القرى أن يأتيهم بأسنا ضحى وهم يلعبون  أي : يخوضون في الباطل ويلهون من فرط الغفلة.

### الآية 7:99

> ﻿أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ ۚ فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ [7:99]

\[ ٩٩ \]  أفأمنوا مكر الله فلا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون ( ٩٩ ) . 
 أفأمنوا مكر الله  وهو أخذه العبد من حيث لا يحتسب  فلا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون  أي لا يأمن أحد أخذه تعالى العبد من حيث لا يشعر، مع كثرة ما رأى من أخذه العباد من حيث لا يحتسبون، إلا القوم الذين خسروا عقولهم، وأضاعوا فطرة الله تعالى التي فطر الناس عليها، والاستعداد القريب المستفاد من النظر في الآيات، فصاروا خاسرين إنسانيتهم، بل أخسّ من البهائم. وفي قوله تعالى : أفأمنوا مكر الله  تكرير للنكير في قوله : أفأمن أهل القرى  لزيادة التقرير. 
قال الزمخشري : فعلى العاقل أن يكون في خوف من مكر الله، كالمحارب الذي يخاف من عدوه الكمين، والبيات، والغيلة. وعن الربيع بن خثيم أن ابنته قالت : ما لي أرى الناس ينامون ولا أراك تنام ؟ قال : يا بنتاه ! إن أباك يخاف البيات. أراد قوله : أن يأتيهم بأسنا بياتا . -انتهى-. 
وقال الحسن البصري :" المؤمن يعمل بالطاعات وهو مشفق، وجل خائف. والفاجر يعمل بالمعاصي وهو آمن ". 
**تنبيه :**
الأمن من مكر الله كبيرة عند الشافعية، وهو الاسترسال في المعاصي، اتكالا على عفو الله- كما في ( جمع الجوامع ) -. 
 وقال الحنفية : إنه كفر كاليأس، لقوله تعالى : إنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون [(١)](#foonote-١)  فلا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون [(٢)](#foonote-٢). 
واستدل الشافعية بحديث ابن مسعود[(٣)](#foonote-٣) رضي الله عنه :" من الكبائر الأمن من مكر الله ". وما ورد من أنه كفر، محمول على التغليظ. كذا في ( العناية ). 
وروى ابن أبي حاتم والبزار عن ابن عباس رضي الله عنهما :" أنه صلى الله عليه وسلم سئل : ما الكبائر ؟ فقال : الشرك بالله، والإياس من روح الله، والأمن من مكر الله ". قال بعضهم : والأشبه أن يكون موقوفا. 
قال ابن حجر : وبكونه أكبر الكبائر، صرح ابن مسعود. كما رواه عنه عبد الرزاق والطبراني. 
قال الكمال بن أبي شريف : عطفهما- يعني الإياس والأمن- في الحديث على " الإشراك بالله " المحمول على مطلق الكفر، ظاهر في أنهما غير الكفر. 
وقال أيضا : مراد الشافعية بكونه كبيرة ؛ أن من غلب عليه الرجاء غلبة دخل بها في حد الآمن من المكر، كمن كان يأسه لإنكار سعة الرحمة ذنوبه. فينبغي أنه يكون كل منهما كافرا عند الشافعية أيضا، ويحمل عليه نص القرآن- انتهى-.

١ - \[١٢/ يوسف/ ٨٧\]..
٢ - \[٧/ الأعراف/ ٩٩\]..
٣ - لم أقف على هذا الحديث..

### الآية 7:100

> ﻿أَوَلَمْ يَهْدِ لِلَّذِينَ يَرِثُونَ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ أَهْلِهَا أَنْ لَوْ نَشَاءُ أَصَبْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ ۚ وَنَطْبَعُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ [7:100]

\[ ١٠٠ \]  أو لم يهد للذين يرثون الأرض من بعد أهلها أن لو نشاء أصبناهم بذنوبهم ونطبع على قلوبهم فهم لا يسمعون ( ١٠٠ ) . 
 أو لم يهد  أي يتبين  للذين يرثون الأرض من بعد أهلها  أي المأخوذين. 
 أن لو نشاء أصبناهم بذنوبهم  أي كما أصبنا من قبلهم فأهلكنا الوارثين كما أهلكنا المورثين  ونطبع على قلوبهم فهم لا يسمعون  أي نختم عليها فلا يقبلون موعظة ولا إيمانا. 
قال أبو البقاء : يقرأ  يهد  بالياء وفاعله  أن لو نشاء . و ( أن ) مخففة من الثقيلة. أي : أو لم يبين لهم علمهم بمشيئتنا. ويقرأ بالنون. و  أن لو نشاء  مفعوله. وقيل : فاعل ( يهدي ) ضمير اسم الله تعالى- انتهى-. 
ويؤيده قراءة النون. وجوز أن يكون ضميرا عائدا على ما يفهم مما قبله، أي : أولم يهد ما جرى للأمم السابقة. وتعدية  يهد  باللام، لأنه بمعنى ( يبين ) إما بطريق المجاز، أو التضمين. 
قال الشهاب : وإنما جعل بمعنى ( يبين )، وإن كان ( هدى ) يتعدى بنفسه، وباللام وبإلى- لأن ذلك في المفعول الثاني لا في الأول، كما هنا، فهذا استعمال آخر. وقيل : لك أن تحمل اللام على الزيادة، كما في  رَدِفَ لكم [(١)](#foonote-١) والمراد ب  الذين  أهل مكة ومن حولها، كما نقل عن ابن عباس رضي الله عنهما- انتهى-.

١ - \[٢٧/ النمل/ ٧٢\]..

### الآية 7:101

> ﻿تِلْكَ الْقُرَىٰ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَائِهَا ۚ وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا بِمَا كَذَّبُوا مِنْ قَبْلُ ۚ كَذَٰلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِ الْكَافِرِينَ [7:101]

**وقوله تعالى :**
\[ ١٠١ \]  تلك القرى نقص عليك من أنبائها ولقد جاءتهم رسلهم بالبينات فما كانوا ليؤمنوا بما كذبوا من قبل كذلك يطبع الله على قلوب الكافرين ( ١٠١ ) . 
 تلك القرى  أي المذكورة وهي قرى قوم نوح وعاد وثمود، وقوم لوط، وقوم شعيب  نقص عليك من أنبائها  مما يدل على مؤاخذتهم بذنوبهم إصرارهم عليها بعد التنبيه. 
 ثم بين تعالى أنه أعذر إليهم، بأن بين لهم الحق بالحجج على ألسنة الرسل بقوله : ولقد جاءتهم رسلهم بالبينات فما كانوا ليؤمنوا  عند مجيء الرسل بالبينات والدلائل القاطعة  بما كذبوا من قبل  أي بسبب تكذيبهم بالحق أول ما ورد عليهم، إذ تمرنوا على التكذيب، فلم تفدهم الآيات، واستوت عندهم الحالتان، كقوله : وما يشعركم أنها إذا جاءت لا يؤمنون، ونقلب أفئدتهم وأبصارهم كما لم يؤمنوا به أول مرة...  [(١)](#foonote-١) الآية - ولهذا قال  كذلك يطبع الله على قلوب الكافرين  أي من المذكورين وغيرهم، فلا يكاد يؤثر فيها الآيات والنذر، لما علم أنهم يختارون الثبات على الكفر. 
١ - \[٦/ الأنعام/ ١٠٩ و١١٠\]..

### الآية 7:102

> ﻿وَمَا وَجَدْنَا لِأَكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ ۖ وَإِنْ وَجَدْنَا أَكْثَرَهُمْ لَفَاسِقِينَ [7:102]

\[ ١٠٢ \]  وما وجدنا لأكثرهم من عهد وإن وجدنا أكثرهم لفاسقين ( ١٠٢ ) . 
 وما وجدنا لأكثرهم من عهد  أي من وفاء عهد  وإن وجدنا أكثرهم لفاسقين  أي : خارجين عن الطاعة مارقين، فلذلك أخذناهم. 
قال الزمخشري : الضمير ( للناس ) على الإطلاق، أي وما وجدنا لأكثر الناس من عهد. يعني : أن أكثر الناس نقض عهد الله وميثاقه في الإيمان والتقوى. والآية اعتراض. 
ويجوز أن يرجع الضمير إلى الأمم المذكورين، وأنهم كانوا، إذا عاهدوا الله في ضر ومخافة، لئن أنجيتنا لنؤمن، ثم نجاهم، نكثوا.

### الآية 7:103

> ﻿ثُمَّ بَعَثْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ مُوسَىٰ بِآيَاتِنَا إِلَىٰ فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَظَلَمُوا بِهَا ۖ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ [7:103]

\[ ١٠٣ \]  ثم بعثنا من بعدهم موسى بآياتنا إلى فرعون وملإيه فظلموا بها فانظر كيف كان عاقبة المفسدين ( ١٠٣ ) . 
 ثم بعثنا من بعدهم  أي : الرسل المتقدم ذكرهم، وهم نوح وهود وصالح ولوط/ وشعيب، أو الأمم المحكية من بعد هلاكهم  موسى بآياتنا  وهي العصا، واليد البيضاء، والسنون، ونقص الثمرات، والطوفان، والجراد، والقمل، والضفادع، والدم، حسبما يأتي مفصلا  إلى فرعون  وهو ملك مصر في عهد موسى  وملإيه  أي قومه  فظلموا بها  أي كفروا بها. أجرى الظلم مجرى الكفر في تعديته بالباء، وإن كان يتعدى بنفسه، لأنهما من واد واحد.  إن الشرك لظلم عظيم [(١)](#foonote-١). أو هو بمعنى الكفر مجازا أو تضمينا، أي : كفروا بها واضعين الكفر غير موضعه، وهو موضع الإيمان، لأنه أوتي الآيات لتكون موجبة للإيمان بما جاء به. فعكسوا، حيث كفروا فوضعوا الشيء في غير موضعه. أو الباء سببية، ومفعوله محذوف، أي ظلموا أنفسهم بسببها، بأن عرضوها للعذاب الخالد. أو ظلموا الناس لصدّهم عن الإيمان بها، والمراد به الاستمرار على الكفر بها إلى أن لقوا من العذاب ما لقوا، كما يشير له قوله تعالى : فانظر كيف كان عاقبة المفسدين  أي لعقائد الخلق، أفسد الله علهيم ملكهم، وآتاه أعداءهم، فأغرقهم عن آخرهم، بمرأى من موسى وقومه.

١ - \[٣١/ لقمان/ ١٣\]..

### الآية 7:104

> ﻿وَقَالَ مُوسَىٰ يَا فِرْعَوْنُ إِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ [7:104]

\[ ١٠٤ \]  وقال موسى يا فرعون إني رسول من رب العالمين ( ١٠٤ ) . 
 وقال موسى يا فرعون إني رسول من رب العالمين  أي : أرسلني إليك الذي هو خالق كل شيء وربه.

### الآية 7:105

> ﻿حَقِيقٌ عَلَىٰ أَنْ لَا أَقُولَ عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ ۚ قَدْ جِئْتُكُمْ بِبَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَرْسِلْ مَعِيَ بَنِي إِسْرَائِيلَ [7:105]

\[ ١٠٥ \]  حقيق على أن لا أقول على الله إلا الحق قد جئتكم ببينة ممن ربكم فأرسل معي بني إسرائيل ( ١٠٥ ) . 
 حقيق على أن لا أقول على الله إلا الحق  أي جدير بذلك وحريّ به، لما علمت/ من حالي. والباء و ( على ) يتعاقبان. يقال : رميت بالقوس وعلى القوس. وجاء على حال حسنة وبحال حسنة. وقرأ أبي رضي الله عنه  حقيق بأن لا أقول   قد جئتكم ببينة من ربكم  أي آية منه تشهد على صدقي فيما جئتكم به بالضرورة  فأرسل معي بني إسرائيل  روي أنه تعالى أمره أن يأتي فرعون ويقول له : إن إلهنا أمرنا أن نسير ثلاثة أيام في البرية، ونقرب له قرابين ونعبده. وقد علم تعالى أن فرعون لا يدعهم يمضون، ولكن ليظهر آياته على يد موسى، ويهلك عدوّه. فلما أتى موسى فرعون وكلمه في أن يرسل معه قومه، أنكر أمر الرب له، وقال : لماذا نعطل الشعب عن أعماله ؟ وكانوا مسخرين لفرعون في عمل اللبن، وأمر بزيادة عملهم، بأن يجمعوا التبن من أنفسهم، بعد أن كانوا يعطونه من قبل فرعون.

### الآية 7:106

> ﻿قَالَ إِنْ كُنْتَ جِئْتَ بِآيَةٍ فَأْتِ بِهَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ [7:106]

ثم طلب فرعون من موسى آية، كما قال تعالى :
\[ ١٠٦ \]  قال إن كنتَ جئتَ بآية فأتِ بها إن كنتَ من الصادقين ( ١٠٦ ) . 
 قال إن كنتَ جئتَ بآية فأتِ بها إن كنتَ من الصادقين .

### الآية 7:107

> ﻿فَأَلْقَىٰ عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ [7:107]

\[ ١٠٧ \]  فألقى عصاه فإذا هي ثعبان مبين ( ١٠٦ ) . 
 فألقى عصاه  التي هي جماد  فإذا هي  أي من غير سترة ولا معالجة سبب  ثعبان  أي حية كبيرة هائلة، فاضت عليه الحياة لتدل على فيضان الحياة العظيمة على يديه  مبين  أي ظاهر لا متخيل.

### الآية 7:108

> ﻿وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِيَ بَيْضَاءُ لِلنَّاظِرِينَ [7:108]

\[ ١٠٨ \]  ونزع يده فإذا هي بيضاء للناظرين ( ١٠٨ ) 
 ونزع يده  أي أخرج يده من درعه بعدما أدخلها فيه  فإذا هي بيضاء للناظرين  / أي بيضاء بياضا نورانيا خارجا عن العادة يجتمع عليه النظارة تعجبا من أمرها. فيدل أنه يظهر على يديه شرائع تغلب أنوارها المعنوية الأنوار الحسية، ويتقوى بها الحياة بالله.

### الآية 7:109

> ﻿قَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ إِنَّ هَٰذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ [7:109]

\[ ١٠٩ \]  قال الملأ من قوم فرعون إن هذا لساحر عليم ( ١٠٩ ) . 
 قال الملأ من قوم فرعون  أي الأشراف الذين يكرهون شرف الغير عليهم، في دفع هذه الآيات الظاهرة عن خواطر الخلق  إن هذا لساحر عليم  أي ماهر فيه.

### الآية 7:110

> ﻿يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ ۖ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ [7:110]

\[ ١١٠ \]  يريد أن يخرجكم من أرضكم  أي من أرض مصر بسحر ليتملك عليها  فماذا تأمرون  أي تشيرون في أمره. وهذا من تمام الحكاية عن قول الملأ، أو مستأنف من قول فرعون، تقديره فقال : ماذا تأمرون ؟ ويدل عليه قوله تعالى : قالوا أرجه وأخاه وأرسل في المدائن حاشرين ( ١١١ ) .

### الآية 7:111

> ﻿قَالُوا أَرْجِهْ وَأَخَاهُ وَأَرْسِلْ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ [7:111]

\[ ١١١ \]  قالوا أرجه وأخاه وأرسل في المدائن حاشرين ( ١١١ ) . 
 قالوا أرجه وأخاه  أي أخّر أمرهما، وأصدرهما عنك، حتى ترى رأيك فيهما، وتدبر شأنهما، لئلا تنسب إلى الظلم الصريح. 
قال أبو منصور : والأمر بالتأخير دل على أنه تقدم منه أمر آخر، وهو الهم بقتله، فقالوا أخره ليتبين حاله للناس. وأصل  حاشرين  أي من يحشر لك السحرة ويجمعهم.

### الآية 7:112

> ﻿يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَاحِرٍ عَلِيمٍ [7:112]

\[ ١١٢ \]  يأتوك بكل ساحر عليم ( ١١٢ ) 
 يأتوك بكل ساحر  وقرئ  سحّار   عليم  أي ماهر في باب السحر، ليعارضوا موسى بنظير ما أراهم من البينات. 
**تنبيه :**
قال الجشمي : تدل الآية على عظيم معجزة موسى، وتدل على جهل فرعون وقومه، حيث لم يعلموا أن قلب العصا حية تسعى لا يقدر عليه غير الله تعالى، حتى نسبوه إلى السحر. وتدل على أن عادة البشر، أن من رأى أمرا عظيما أن يعارضه. فلذلك دعا فرعون بالسحرة. فدل على أن العرب لو قدروا على مثل القرآن، لعارضوه. وتدل على أن الطريق في المعجزات، المعارضة بإتيان مثله، ولذلك قال تعالى في القرآن : فأتوا بسورة مثله [(١)](#foonote-١) ولذلك لم يتكلف فرعون وقومه غير المعارضة وإيقاع الشبه. وتدل أنهم أنكروا أمره محافظة على الملك والمال، لذلك قالوا : يريد أن يخرجكم من أرضكم  فيدل على أن من أقوى الدواعي إلى ترك الدين، المحافظة على الرياسة والمال والجاه، كما هو عادة الناس في هذا الزمن. انتهى.

١ - \[١٠/ يونس/ ٣٨\]..

### الآية 7:113

> ﻿وَجَاءَ السَّحَرَةُ فِرْعَوْنَ قَالُوا إِنَّ لَنَا لَأَجْرًا إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ [7:113]

ثم تسابقت شُرط فرعون، فحشروهم. كما قال تعالى :
 وجاء السحرة فرعون قالوا إن لنا لأجرا إن كنا نحن الغالبين .

### الآية 7:114

> ﻿قَالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ [7:114]

\[ ١١٤ \]  قال نعم وإنكم لمن المقربين ( ١١٤ ) . 
 قال نعم وإنكم لمن المقربين  ولما توثقوا من فرعون.

### الآية 7:115

> ﻿قَالُوا يَا مُوسَىٰ إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ نَحْنُ الْمُلْقِينَ [7:115]

\[ ١١٥ \]  قالوا يا موسى إما أن تلقي وإما أن نكون نحن الملقين ( ١١٥ ) . 
 قالوا يا موسى إما أن تلقي وإما أن نكون نحن الملقين  أي أول من ألقى، كما في الآية الأخرى. قيل : خيروا موسى إظهارا للجلادة، فلم يبالوا بتقدمه أو تأخره. 
وقال الزمخشري : تخييرهم إياه أدب حسن، راعوه معه، كما يفعل أهل الصناعات إذا التقوا، كالمتناظرين قبل أن يتخاوضوا في الجدال، والمتصارعين قبل أن يتآخذوا للصراع.

### الآية 7:116

> ﻿قَالَ أَلْقُوا ۖ فَلَمَّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ [7:116]

\[ ١١٦ \]  قال ألقوا فلما ألقوا سحروا أعين الناس واسترهبوهم وجاءو بسحر عظيم ( ١١٦ ) . 
 قال  أي : موسى لهم  ألقوا  أي ما أنتم ملقون. وإنما سوغ لهم التقدم إزدراء لشأنهم، وقلة مبالاة بهم، وثقة بما كان بصدده من التأييد الإلهي، وأن المعجزة لن يغلبها سحر أبدا  فلما ألقوا سحروا أعين الناس  أي خيلوا لها ما ليس في الواقع  واسترهبوهم  أي وخوفوهم وأفزعوهم بما فعلوا من السحر، كما في الآية الأخرى[(١)](#foonote-١) : فإذا حبالهم وعصيهم يخيل إليه من سحرهم أنها تسعى، فأوجس في نفسه خيفة موسى، قلنا لا تخف إنك أنت الأعلى   وجاءو بسحر عظيم  أي : في باب السحر، أو في عين من رآه، فإنه ألقى كل واحد عصاه، فصارت العصي ثعابين. 
**تنبيه :**
قال الجشمي : تدل الآيات على أن القوم أتوا بما في وسعهم من التمويه، وكان الزمان زمان سحر، والغالب عليهم الاشتغال به، فأتى موسى عليه السلام من جنس ما هم فيه :/ ما لم يقدر عليه أحد، ليعلموا أنه معجز وليس بسحر. وهكذا ينبغي في المعجزات أن تكون من جنس ما هو شائع في القوم، ويتعذر عليهم مثله. وكان الطب هو الغالب في زمن عيسى، فجاء بإحياء الميت، وإبراء الأكمه والأبرص، وليس ذلك في وسع طبيب. وكان الغالب في زمن نبينا عليه السلام الفصاحة والخطب والشعر، فجاء القرآن وتحداهم به. وتدل على أنهم بالحيل جعلوا الحبال والعصي متحركة، حتى أوهموا أنها أحياء. ولكن لما وقف على أصل ما فعلوه وعلم، وكان مثله مقدورا لكل من يتعاطى صناعتهم، عُلم أنه شعبذة، ولهذا تتفارق المعجزة والشعبذة، أنه يوقف على أصلها، ويمكن إتيان مثلها، ويخفى أمرها، بخلاف المعجزة. 
ثم قال : وتدل على اعتراف فرعون بالذل والضعف، حيث استغاث بهم وبمهنتهم لدفع مكروه. انتهى.

١ - \[٢٠/ طه / ٦٦/ و٦٨\]..

### الآية 7:117

> ﻿۞ وَأَوْحَيْنَا إِلَىٰ مُوسَىٰ أَنْ أَلْقِ عَصَاكَ ۖ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ [7:117]

\[ ١١٧ \]  وأوحينا إلى موسى أن ألق عصاك فإذا هي تلقف ما يأفكون ( ١١٧ ) 
 وأوحينا إلى موسى أن ألق عصاك فإذا هي تلقف  أي تبتلع  ما يأفكون  أي ما يلقونه ويوهمون أنه حق، وهو باطل.

### الآية 7:118

> ﻿فَوَقَعَ الْحَقُّ وَبَطَلَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [7:118]

\[ ١١٨ \]  فوقع الحق وبطل ما كانوا يعملون ( ١١٨ ) . 
 فوقع الحق  أي ثبت الإعجاز  وبطل ما كانوا يعملون  أي من السحر لإبطال الإعجاز.

### الآية 7:119

> ﻿فَغُلِبُوا هُنَالِكَ وَانْقَلَبُوا صَاغِرِينَ [7:119]

\[ ١١٩ \]  فغلبوا هنالك وانقلبوا صاغرين ( ١١٩ ) 
 فغلبوا هنالك  أي في مكان الوعد الذي اجتمع فيه أهل مصر بدعوته، لظنه غلبة السحرة  وانقلبوا  أي رجعوا  صاغرين  أي : ذليلين.

### الآية 7:120

> ﻿وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ [7:120]

غلبة السحرة وَانْقَلَبُوا أي رجعوا صاغِرِينَ أي: ذليلين.
 القول في تأويل قوله تعالى: \[سورة الأعراف (٧) : آية ١٢٠\]
 وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ ساجِدِينَ (١٢٠)
 وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ ساجِدِينَ
 القول في تأويل قوله تعالى: \[سورة الأعراف (٧) : آية ١٢١\]
 قالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعالَمِينَ (١٢١)
 قالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعالَمِينَ.
 القول في تأويل قوله تعالى: \[سورة الأعراف (٧) : آية ١٢٢\]
 رَبِّ مُوسى وَهارُونَ (١٢٢)
 رَبِّ مُوسى وَهارُونَ.
 قال الجشمي: دلت الآية على أن السحرة عرفوا أن أمر العصا ليس من جنس السحر، فآمنوا في الحال. وتدل على أنهم بتلك الآيات استدلوا على التوحيد والنبوة، لذلك اعترفوا بهما.
 القول في تأويل قوله تعالى: \[سورة الأعراف (٧) : آية ١٢٣\]
 قالَ فِرْعَوْنُ آمَنْتُمْ بِهِ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّ هذا لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ فِي الْمَدِينَةِ لِتُخْرِجُوا مِنْها أَهْلَها فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (١٢٣)
 قالَ فِرْعَوْنُ آمَنْتُمْ بِهِ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّ هذا أي الصنع لَمَكْرٌ أي حيلة مَكَرْتُمُوهُ أي دبرتموه أنتم وموسى فِي الْمَدِينَةِ أي في مصر قبل الخروج للميعاد لِتُخْرِجُوا مِنْها أَهْلَها فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ وعيد أجمله ثم فصله بقوله:
 القول في تأويل قوله تعالى: \[سورة الأعراف (٧) : آية ١٢٤\]
 لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ ثُمَّ لَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ (١٢٤)
 لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ أي من كل جانب، عضوا مغايرا للآخر، كاليد من أحدهما، والرجل من آخر.

### الآية 7:121

> ﻿قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ [7:121]

غلبة السحرة وَانْقَلَبُوا أي رجعوا صاغِرِينَ أي: ذليلين.
 القول في تأويل قوله تعالى: \[سورة الأعراف (٧) : آية ١٢٠\]
 وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ ساجِدِينَ (١٢٠)
 وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ ساجِدِينَ
 القول في تأويل قوله تعالى: \[سورة الأعراف (٧) : آية ١٢١\]
 قالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعالَمِينَ (١٢١)
 قالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعالَمِينَ.
 القول في تأويل قوله تعالى: \[سورة الأعراف (٧) : آية ١٢٢\]
 رَبِّ مُوسى وَهارُونَ (١٢٢)
 رَبِّ مُوسى وَهارُونَ.
 قال الجشمي: دلت الآية على أن السحرة عرفوا أن أمر العصا ليس من جنس السحر، فآمنوا في الحال. وتدل على أنهم بتلك الآيات استدلوا على التوحيد والنبوة، لذلك اعترفوا بهما.
 القول في تأويل قوله تعالى: \[سورة الأعراف (٧) : آية ١٢٣\]
 قالَ فِرْعَوْنُ آمَنْتُمْ بِهِ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّ هذا لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ فِي الْمَدِينَةِ لِتُخْرِجُوا مِنْها أَهْلَها فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (١٢٣)
 قالَ فِرْعَوْنُ آمَنْتُمْ بِهِ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّ هذا أي الصنع لَمَكْرٌ أي حيلة مَكَرْتُمُوهُ أي دبرتموه أنتم وموسى فِي الْمَدِينَةِ أي في مصر قبل الخروج للميعاد لِتُخْرِجُوا مِنْها أَهْلَها فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ وعيد أجمله ثم فصله بقوله:
 القول في تأويل قوله تعالى: \[سورة الأعراف (٧) : آية ١٢٤\]
 لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ ثُمَّ لَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ (١٢٤)
 لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ أي من كل جانب، عضوا مغايرا للآخر، كاليد من أحدهما، والرجل من آخر.

### الآية 7:122

> ﻿رَبِّ مُوسَىٰ وَهَارُونَ [7:122]

\[ ١٢٢ \]  رب موسى وهارون ( ١٢٢ ) . 
 رب موسى وهارون  :
قال الجشمي : دلت الآية على أن السحرة عرفوا أن أمر العصا ليس من جنس السحر، فآمنوا في الحال. وتدل على أنهم بتلك الآيات استدلوا على التوحيد والنبوة، لذلك اعترفوا بهما.

### الآية 7:123

> ﻿قَالَ فِرْعَوْنُ آمَنْتُمْ بِهِ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ ۖ إِنَّ هَٰذَا لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ فِي الْمَدِينَةِ لِتُخْرِجُوا مِنْهَا أَهْلَهَا ۖ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ [7:123]

\[ ١٢٣ \]  قال فرعون آمنتم به قبل أن آذن لكم إن هذا لمكر مكرتموه في المدينة لتخرجوا منها أهلها فسوف تعلمون ( ١٢٣ ) . 
 قال فرعون آمنتم به قبل أن آذن لكم إن هذا  أي الصنع  لمكر  أي حيلة  مكرتموه  أي دبرتموه أنتم وموسى  في المدينة  أي في مصر قبل الخروج للميعاد  لتخرجوا منها أهلها فسوف تعلمون  وعيد أجمله ثم فصله بقوله :
 لأقطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف ثم لأصلبنكم أجمعين .

### الآية 7:124

> ﻿لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ ثُمَّ لَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ [7:124]

\[ ١٢٤ \]  لأقطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف ثم لأصلبنكم أجمعين ( ١٢٤ ) . 
 لأقطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف  أي من كل جانب، عضوا مغايرا للآخر، / كاليد من أحدهما، والرجل من آخر. 
قال الشهاب من خلاف ، حال، أي مختلفة. وقيل  من  تعليلية متعلقة بالفعل، أي لأجل خلافكم، وهو بعيد. 
 ثم لأصلبنكم أجمعين  أي تفضيحا لكم، وتنكيلا لأمثالكم.

### الآية 7:125

> ﻿قَالُوا إِنَّا إِلَىٰ رَبِّنَا مُنْقَلِبُونَ [7:125]

\[ ١٢٥ \]  قالوا إنا إلى ربنا منقلبون ( ١٢٥ ) . 
 قالوا إنا إلى ربنا منقلبون  أي فلا نبالي بما تهددنا به، لأنه هو الذي يقربنا إلى من آمنا به، فيحينا بحياة خير من الحياة الدنيوية.

### الآية 7:126

> ﻿وَمَا تَنْقِمُ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِآيَاتِ رَبِّنَا لَمَّا جَاءَتْنَا ۚ رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ [7:126]

\[ ١٢٦ \]  وما تنقِم منا إلا أن آمنا بآيات ربنا لما جاءتنا  أي ما تعيب منا إلا الإيمان بآيات الله. أي وما عبته وأنكرته هو أعظم محاسننا، لأنه خير الأعمال، وأعظم المناقب، فلا نعدل عنه طلبا لمرضاتك  ربنا أفرغ علينا صبرا  أي أفض علينا صبرا واسعا لنثبت على دينك  وتوفنا مسلمين  أي ثابتين على الإسلام.

### الآية 7:127

> ﻿وَقَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ أَتَذَرُ مُوسَىٰ وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ ۚ قَالَ سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءَهُمْ وَنَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ [7:127]

\[ ١٢٧ \]  وقال الملأ من قوم فرعون أتذر موسى وقومه ليفسدوا في الأرض ويذرك وآلهتك قال سنقتّل أبناءهم ونستحي نساءهم وإنا فوقهم قاهرون ( ١٢٧ ) . 
 وقال الملأ من قوم فرعون  أي خوفا من انقلاب الخلائق عليهم حين رأوا/ السحرة جاهروا بالإسلام، ولم يبالوا بالتوعد  أتذر  أي أتترك  موسى وقومه ليفسدوا في الأرض  أي في أرض مملكتك بتغيير الناس عنك  ويذرك وآلهتك  الآلهة جمع ( إله )، بمعنى المعبود. وكان للمصريين آلهة كثيرة منها المسمى ( أوسيرس ) وكانوا يعتقدون أن روحه توجد في الثور المسمى ( أبيس )، فيعبدونه أيضا، ويعبدون كثيرا من الحيوانات. وكانوا يعبدون الظلام أيضا، ويعبدون ( بعلز بوب ) صنم ( عقرون ) يعتقدون أن وظيفته طرد الذبان. وبالجملة فقد فاقا كل من سواهم في الضلال، فكانوا يسجدون للشمس والقمر والنجوم والأشخاص البشرية والحيوانات، حتى الهوامّ وأدنى حشرات الأرض. هكذا حكى عنهم بعض المدققين. 
وقد ذكر الشهرستاني في ( الملل والنحل ) أن فرعون كان أول أمره على مذهب الصابئة، ثم انحرف عن ذلك، وادعى لنفسه الربوبية، إذ رأى في نفسه قوة الاستعمال والاستخدام. انتهى. 
وتقدم في سورة البقرة بيان مذهب الصابئة. فتذكر. 
وقال بعضهم : إن كلمة ( الآلهة ) لفظة اصطلاحية عند العبارنيين، يراد بها القضاة والحكام الذين يقضون بأمر الله، وأنها لو حملت على هذا ههنا، لم يبعد، ويكون المعنى : ويذرك وقضاتك وذي أمرك، ويكون الغرض من ذكرهم معه تهويل الأمر وإلهاب قلب فرعون على موسى، وإثارة غضبه. وقد صرح غير واحد بوقوع ألفاظ من غير العربية في القرآن، كما نقله السيوطي في النوع الثامن والثلاثين من ( الإتقان ) - انتهى- والأظهر ما قدمناه أولا.  قال سنقتل  قرئ بالتخفيف والتشديد  أبناءهم  المولودين  ونستحيي  أي نستبقي  نساءهم  أي للاستخدام  وإنا فوقهم قاهرون  أي بالغلبة والقدرة عليهم، ففعلوا بهم ذلك، فشكا بنو إسرائيل.

### الآية 7:128

> ﻿قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا ۖ إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ ۖ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ [7:128]

\[ ١٢٨ \]  قال موسى لقومه استعينوا بالله واصبروا إن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين ( ١٢٨ ) . 
 قال موسى لقومه استعينوا بالله واصبروا  أي على آذاهم  إن الأرض لله يورثها  أي يعطيها }  من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين  يعني أن النصر والظفر للمتقين على عدوهم. وكان تعالى وعد موسى بأنه سيطرد المصريين من أرضهم، ويهلكهم وينجي قومه من عذاب آل فرعون لهم. 
**تنبيه :**
قال الجشمي : تدل الآيات على أن قوم فرعون، لما عجزوا عن موسى في آياته، عدلوا إلى إغراء فرعون بموسى، وأوهموه أن تركه فساد في الأرض، وأنه عند ذلك أوعده. وذلك من أدلّ الدليل على نبوة موسى، لأن قتل صاحب المعجزة لا يقدح في معجزته، ولهذا قال مشايخنا : إن العرب لما عدلوا عن معارضة القرآن، التي في إيرادها إبطال أمر النبي صلى الله عليه وسلم، إلى القتال، الذي لا يفيد ذلك- دلّ على عجزهم. وهكذا حال كل ضالّ مبتدع، إذا أعيته الحجة، عدل إلى التهديد والوعيد. وتدل على أن عند الخوف من الظلمة يجب الفزع إلى الله تعالى، والاستعانة به، والصبر. ولا مفزع إلا في هذين : وهو الانقطاع إلى الله تعالى بطلب المعونة في الدفع، واللطف له في الصبر. وتدل على أن العاقبة المحمودة تنال بالتقوى، وهي اتقاء الكبائر والمعاصي، انتهى.

### الآية 7:129

> ﻿قَالُوا أُوذِينَا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنَا وَمِنْ بَعْدِ مَا جِئْتَنَا ۚ قَالَ عَسَىٰ رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ [7:129]

\[ ١٢٩ \]  قالوا أوذينا من قبل أن تأتينا ومن بعد ما جئتنا قال عسى ربكم أن يهلك عدوكم ويستخلفكم في الأرض فينظر كيف تعملون ( ١٢٩ ) . 
 قالوا  أي قوم موسى  أوذينا من قبل أن تأتينا ومن بعد ما جئتنا  أي فعلوا / بنا من الهوان والإذلال من قبل بعثتك وبعدها. ثم صرح لهم موسى بما رمز إليه من البشارة قبل  قال عسى ربكم أن يهلك عدوكم  أي فرعون وجنوده  ويستخلفكم في الأرض فينظر كيف تعملون  أي فيرى الكائن منكم من العمل، حسنه وقبيحه، وشكر النعمة وكفرانها، ليجازيكم على حسب ما يوجد منكم.

### الآية 7:130

> ﻿وَلَقَدْ أَخَذْنَا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ [7:130]

ثم بين تعالى ما أحل بفرعون وقومه من الضراء، لما تأبى عن إجابة موسى وإرسال قومه معه، بقوله سبحانه :
\[ ١٣٠ \]  ولقد أخذنا آل فرعون بالسنين ونقص من الثمرات لعلهم يذكرون ( ١٣٠ ) 
 ولقد أخذنا آل فرعون بالسنين  أي بالجدب والقحط  ونقص من الثمرات لعلهم يذَّكَّرون  أي يتعظون فيرجعوا عما هم فيه من الكفر إلى موسى. وذلك لأن الشدة ترقق القلوب، وترغب في الضراعة إلى الله تعالى. 
قال الجشمي : تدل الآية على أن الشدة والبؤس قد يكونان لطفا وصلاحا في الدين، لذلك قال : لعلهم يذكرون . ا ه.

### الآية 7:131

> ﻿فَإِذَا جَاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قَالُوا لَنَا هَٰذِهِ ۖ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسَىٰ وَمَنْ مَعَهُ ۗ أَلَا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ [7:131]

ثم بين تعالى أنهم مع تلك المحن عليهم، والشدائد، لم يزدادوا إلا تمردا وكفرا، فقال تعالى :
\[ ١٣١ \] { فَإِذَا جَاءَتْهُمْ الْحَسَنَةُ قَالُوا لَنَا هَذِهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسَى وَمَنْ مَعَهُ أَلا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ ( ١٣١ )
 فإذا جاءتهم الحسنة  أي الصحة والخصب  قالوا لنا هذه  أي لأجلنا واستحقاقنا، ولم يروا ذلك من فضل الله عليهم، فيشكروه على إنعامه  وإن تصبهم سيئة  شدة  يطيروا بموسى ومن معه  أي يتشاءموا. وأصله ( يتطيروا ). يعني أنهم يقولون :/ هذه بشؤمهم  ألا إنما طائرهم عند الله  أي شدتهم، وما طار إليهم من القضاء والقدر، عند الله، لا عند غيره، أي من قبله تعالى : ولكن أكثرهم لا يعلمون  أي أن ما أصابهم من الله تعالى، فيقولون ما يقولون، مما حكي عنهم

### الآية 7:132

> ﻿وَقَالُوا مَهْمَا تَأْتِنَا بِهِ مِنْ آيَةٍ لِتَسْحَرَنَا بِهَا فَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ [7:132]

ثم أخبر تعالى عن شدة تمرد فرعون وقومه وعتوهم. بقوله سبحانه :
\[ ١٣٢ \]  وقالوا مهما تأتنا به من آية لتسحرنا بها فما نحن لك بمؤمنين ( ١٣٢ ) . 
 وقالوا مهما تأتنا به من آية لتسحرنا بها فما نحن لك بمؤمنين  أي بمصدقين بالرسالة.

### الآية 7:133

> ﻿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ وَالْجَرَادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفَادِعَ وَالدَّمَ آيَاتٍ مُفَصَّلَاتٍ فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا مُجْرِمِينَ [7:133]

\[ ١٣٣ \]  فأرسلنا عليهم الطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم آيات مفصلات فاستكبروا وكانوا قوما مجرمين ( ١٣٣ ) . 
 فأرسلنا عليهم الطوفان  أي على آل فرعون. وأما قوم موسى فلطف تعالى بهم، فلم ينلهم ولا محا لهم سوء من الطوفان ولا غيره. والطوفان ( لغة ) هو المطر الغالب، ويطلق على كل حادثة تطيف بالإنسان وتحيط به. فعمّ الطوفان الصحراء وأتلف عشبها، وكسر شجرها، وتواصلت الرعود والبروق، ونيران الصواعق في جميع أرض مصر  والجراد  فأكل جميع عشب أرض مصر والثمر، مما تركه الطوفان، حتى لم يبق شيء من ثمرة ولا خضرة في الشجرة، ولا عشب في الصحراء  والقمل  فعم أرض مصر، وكان على الناس والبهائم، وهو بضم وتشديد ك ( سكر ) صغار الذرّ، أو شيء صغير بجناح أحمر. أو دواب صغار من جنس القردان، أو الدبي الذي لا أجنحة له، وهو الجراد الصغار. 
قال أبو البقاء : القمل  يقرأ بالتشديد والتخفيف مع فتح القاف وسكون الميم. قيل : هما لغتان. وقيل هما القمل المعروف في الثياب ونحوهما، والمشدد يكون في الطعام- انتهى. 
 وردّ ابن سيده، وتبعه المجد في ( القاموس ) القول بأن المراد به قمل الناس.  والضفادع  فصعدت من الأنهار والخلج والمناقع، وغطت أرض مصر  والدم  فصارت مياه مصر جميعها دما عبيطا، ومات السمك فيها، وأنتنت الأنهار، ولم يستطع المصريون أن يشربوا منها شيئا  آيات مفصلات  أي مبينات لا يشكل على عاقل أنها آيات الله تعالى ونقمته، أو مفرقات بعضها إثر بعض.  وآيات  حال من المنصوبات قبل  فاستكبروا  أي عن الإيمان، فلم يؤمنوا لموسى، ويرسلوا معه بني إسرائيل  وكانوا قوما مجرمين  أي عاصين كافرين. 
قال الجشمي : تدل الآية على عناد القوم، وإصرارهم على الكفر وجهلهم، حيث عاهدوا في كل آية يأتي بها على صدقه وإثبات العهد، أنهم لا يؤمنون بها. وليس هذا عادة من غرضه الحق. وتدل على ذم من يرى الآيات ولا يتفكر فيها. وتدل على وجوب التدبر في الآيات. انتهى.

### الآية 7:134

> ﻿وَلَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ الرِّجْزُ قَالُوا يَا مُوسَى ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِنْدَكَ ۖ لَئِنْ كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ وَلَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِي إِسْرَائِيلَ [7:134]

\[ ١٣٤ \]  ولما وقع عليهم الرجز قالوا يا موسى ادع لنا ربك بما عهد عندك لئن كشفت عنا الرجز لنؤمنن لك ولنرسلن معك بني إسرائيل ( ١٣٤ ) . 
 ولما وقع عليهم الرجز  أي نزل بهم العذاب المفصل  قالوا يا موسى ادع لنا ربك بما عهد عندك  أي بعهده عندك، وهو النبوة. ف ( ما ) مصدرية. 
قال الشهاب : سميت النبوة عهدا، لأن الله عهد إكرام الأنبياء بها، وعهدوا إليه تحمل أعبائها، أو لأن لها حقوقا تحفظ، كما تحفظ العهود. أو لأنها بمنزلة عهد ومنشور من الله تعالى – انتهى-. 
 إن كشفت عنا الرجز لنؤمنن لك ولنرسلن معك بني إسرائيل  أي الذين أرسلت لطلبهم، يعبدوا ربهم تعالى.

### الآية 7:135

> ﻿فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ الرِّجْزَ إِلَىٰ أَجَلٍ هُمْ بَالِغُوهُ إِذَا هُمْ يَنْكُثُونَ [7:135]

\[ ١٣٥ \]  فلما كشفنا عنهم الرجز إلى أجل هم بالغوه إذا هم ينكثون ( ١٣٥ ) . 
 فلما كشفنا عنهم الرجز إلى أجل هم بالغوه  يعني إلى الوقت الذي أجل لهم، وهو وقت إهلاكهم بالغرق في اليم  إذا هم ينكثون  أي ينقضون العهد الذي التزموه، فلم يفوا به. فإن فرعون كان كلما حل بمصر نقمة مما تقدم، يدعو موسى، ويطلب منه أن يشفع إلى الله بكشفها. ويعده أنها إذا كشفت أطلق شعبه لعبادته تعالى، حتى إذا كشفت أخلف ما وعد، وقسا قلبه. ولما لم يتعظوا بما شاهدوه مما تقدم، أتتهم النقمة القاضية، كما قال تعالى : فانتقمنا منهم فأغرقناهم في اليم بأنهم كذبوا بآياتنا وكانوا عنها غافلين ( ١٣٦ )

### الآية 7:136

> ﻿فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ [7:136]

\[ ١٣٦ \]  فانتقمنا منهم فأغرقناهم في اليم بأنهم كذبوا بآياتنا وكانوا عنها غافلين ( ١٣٦ ) . 
 فانتقمنا منهم فأغرقناهم في اليم  أي بالبحر  بأنهم كذبوا بآياتنا وكانوا عنها غافلين  أي كان إغراقهم بسبب تكذيبهم بآيات الله تعالى وإعراضهم، وعدم تفكرهم ومبالاتهم بها. وقد روي أن فرعون، بعد أن أبصر ما أبصر من الضربات الربانية على مصر، أذن لموسى وقومه أن يخرجوا من مصر، ليقيموا عبادة الله تعالى حيث شاؤوا، فارتحل بنو إسرائيل على عجل ليلا، وساروا بكل ما معهم من غنم وبقر ومواش، من عين شمس إلى " سكوت " وسلكوا طريق برية البحر الأحمر. ولما سمع فرعون بارتحالهم، ندم على ما فعل، من إطلاقهم من خدمته، فجمع جيشه ومراكبه الحربية، ولحقهم فأدركهم، وكانوا قد وصلوا إلى شاطئ البحر الأحمر. حينئذ خاف الإسرائيليون، وأخذوا يتذمرون على موسى، فقال لهم : لا تخافوا، إن الله معنا. ثم أمر تعالى موسى، فمد يده إلى البحر الأحمر، فانشق ماؤه، وصار فيه طريق واسعة، وأرسل الله ريحا شرقية شديدة، فيبس قعره، فعبر فيه الإسرائيليون، / والماء عن يمينهم وشمالهم، فتبعهم فرعون وجنوده وتوسطوا البحر، فمدّ موسى يده، بإذن الله، على البحر، فارتد ماؤه سريعا، وغمر فرعون وجنوده ومراكبه، فغرقوا جميعا، ثم طفت جيفهم على وجه الماء، وانقذفت إلى الساحل، فشاهدها الإسرائيليون عيانا. هذا ملخص ما روي هنا. 
**تنبيه :**
قال الجشمي : تدل الآية أنه تعالى أهلكهم بعد أن أزاح العلة بالآيات، وتدل على أن ما أصابهم كان عقوبة وجزاء على فعلهم، وتدل على قبح الاعتراض على آيات الله، وتدل على وجوب النظر، وتدل على أن النكث فعلهم والإعراض، فلذلك عاقبهم عليهما. انتهى.

### الآية 7:137

> ﻿وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا ۖ وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنَىٰ عَلَىٰ بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا صَبَرُوا ۖ وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُوا يَعْرِشُونَ [7:137]

\[ ١٣٧ \]  وأورثنا القوم الذين كانوا يستضعفون مشارق الأرض ومغاربها التي باركنا فيها وتمت كلمت ربك الحسنى على بني إسرائيل بما صبروا ودمرنا ما كان يصنع فرعون وقومه وما كانوا يعرشون ( ١٣٧ ) . 
 وأورثنا القوم الذين كانوا يستضعفون  أي بالاستعباد وقتل الأبناء. وفي التعبير عنهم بهذا، إظهار لكمال لطفه تعالى بهم، وعظيم إحسانه إليهم، في رفعهم من حضيض المذلة إلى أوج العزة  مشارق الأرض ومغاربها  أي الأرض المقدسة، أي جوانبها الشرقية والغربية، حيث ملكها بنو إسرائيل بعد الفراعنة والعمالقة، وتصرفوا في أكنافها حيث شاءوا. وقوله تعالى : التي باركنا فيها  أي بالخصب وسعة الأرزاق  وتمت كلمت ربك الحسنى على بني إسرائيل  أي مضت واستمرت عليهم، وهي وعده إياهم بالنصر والتمكين  بما صبروا  أي بسبب صبرهم على الشدائد التي كابدوها من فرعون وقومه. 
 قال الزمخشري : وحسبك به حاثا على الصبر، ودالاًّ على أن من قابل البلاء بالجزع، وكله الله إليه. ومن قابله بالصبر، وانتظار النصر، ضمن الله له الفرج. 
وعن الحسن : عجبت ممن خفّ كيف خفّ، وقد سمع قوله تعالى – وتلا الآية- ومعنى ( خفّ ) ظاش جزعا وقلة صبر، ولم يرزن أولى الصبر. 
 ودمرنا  أي خربنا وأهلكنا  ما كان يصنع فرعون وقومه  أي ما كانوا يعملون ويسوّون من العمارات وبناء القصور  وما كانوا يعرشون  ( بكسر الراء وضمها ) أي من الجنات. أو ما كانوا يرفعون من الأبنية المشيدة في السماء، كصرح هامان. وهذا كما قال تعالى : ونريد أن نَمُنَّ على الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمة ونجلعهم الوارثين، ونمكن لهم في الأرض ونري فرعون وهامان وجنودهما منهم مَّا كانوا يحذرون [(١)](#foonote-١). وقال تعالى : كم تركوا من جنات وعيون، وزروع ومقام كريم، ونعمة كانوا فيها فاكهين، كذلك وأورثناها قوما آخرين [(٢)](#foonote-٢). 
قال الزمخشري : وهذا آخر ما اقتص الله من نبأ فرعون والقبط، وتكذيبهم بآيات الله : وظلمهم ومعاصيهم. ثم أتبعه اقتصاص نبأ بني إسرائيل، وما أحدثوه بعد إنقاذهم من مُلكةِ فرعون، واستعباده، ومعاينتهم الآيات العظام، ومجاوزتهم البحر : من عبادة البقر، وطلب رؤية الله جهرة، وغير ذلك من أنواع الكفر والمعاصي، ليعلم حال الإنسان وأنه، كما وصفه،  لظلوم كَفَّار [(٣)](#foonote-٣) جهول كنود، إلا من عصمه الله  وقليل من عبادي الشكور [(٤)](#foonote-٤) وليسلّي رسول الله صلى الله عليه وسلم مما رأى من بني إسرائيل بالمدينة، فقال تعالى : وجاوزنا ببني إسرائيل البحر فأتوا على قوم يعكفون على أصنام لهم قالوا يا موسى اجعل لنا إلها كما لهم آلهة قال إنكم قوم تجهلون ( ١٣٨ ) .

١ - \[٢٨/ القصص/ ٥ و٦\]..
٢ - \[٤٤/ الدخان/ ٢٥- ٢٨\]..
٣ - \[١٤/ إبراهيم/ ٣٤\]..
٤ - \[٣٤/ سبأ/ ١٣\]..

### الآية 7:138

> ﻿وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْا عَلَىٰ قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَىٰ أَصْنَامٍ لَهُمْ ۚ قَالُوا يَا مُوسَى اجْعَلْ لَنَا إِلَٰهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ ۚ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ [7:138]

\[ ١٣٨ \]  وجاوزنا ببني إسرائيل البحر فأتوا على قوم يعكفون على أصنام لهم قالوا يا موسى اجعل لنا إلها كما لهم آلهة قال إنكم قوم تجهلون ( ١٣٨ ) . 
 وجاوزنا ببني إسرائيل البحر  أي أغرق فيه أعداءهم، وهو بحر القلزم ك ( قنفذ )، بلد كان في شرقي مصر، قرب جبل الطور، أضيف إليه، لأنه على طرفه، ويعرف البلد الآن ب ( السويس ) ومن زعم أن البحر هو نيل مصر، فقد أخطأ، كما في ( العناية ).  فأتوا على قوم يعكفون  قرئ بضم الكاف وكسرها  على أصنام لهم  أي يواظبون على عبادتها ويلازمونها  قالوا يا موسى اجعل لنا إلها  أي صنما نعكف عليه  كما لهم آلهة  أي أصنام يعكفون عليها  قال إنكم قوم تجهلون  أي شأن الألوهية وعظمتها، وأنه لا يستحقها إلا الله وحده. 
قال البغوي رحمه الله : ولم يكن ذلك شكا من بني إسرائيل في وحدانية الله تعالى، وإنما معناه اجعل لنا شيئا نعظمه، ونتقرب بتعظيمه إلى الله تعالى. وظنوا أن ذلك لا يضر بالديانة، وكان ذلك لشدة جهلهم. انتهى.

### الآية 7:139

> ﻿إِنَّ هَٰؤُلَاءِ مُتَبَّرٌ مَا هُمْ فِيهِ وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [7:139]

\[ ١٣٩ \]  إن هؤلاء مُتَبَّرٌ ما هم فيه وباطل ما كانوا يعملون ( ١٣٩ ) . 
 إن هؤلاء  يعني عبدة تلك التماثيل  مُتَبَّرٌ  أي مهلك  ما هم فيه  أي من الشرك  وباطل ما كانوا يعملون  أي عبادة الأصنام، وإن كان قصدهم بذلك التقرب إلى الله تعالى، فإنه كفر محض. 
قال الرازي : أجمع كلّ الأنبياء، عليهم السلام، على أن عبادة غير الله تعالى كفر، سواء اعتقد في ذلك الغير كونه إلها للعالم، أو اعتقد أن عبادته تقرب إلى الله تعالى، لأن العبادة نهاية التعظيم، فلا تليق إلا بمن يصدر منه غاية الانعام، وهي بخلق الجسم والحياة والشهوة / والقدرة والعقل وخلق الأشياء المنتفع بها. والقادر على هذه الأشياء ليس إلا الله تعالى، فوجب أن لا تليق العبادة إلا به. انتهى. 
وعن أبي واقد الليثي رضي الله عنه :" أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما خرج إلى غزوة حنين مرّ بشجرة للمشركين كانوا يعلّقون عليها أسلحتهم يقال لها ( ذات أنواط ) فقالوا ؛ يا رسول الله ! اجعل لنا ذات أنواط، كما لهم ذات أنواط. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" سبحان الله " ! هذا كما قال قوم موسى  اجعل لنا إلها كما لهم آلهة  والذي نفسي بيده ! لتركبنّ سنن من كان قبلكم " – أخرجه الإمام أحمد[(١)](#foonote-١) والترمذي[(٢)](#foonote-٢) وابن جرير وغيرهم-. 
قال الإمام أبو بكر الطرطوشي المالكيّ : انظروا رحمكم الله أينما وجدتم سدرة أو شجرة يقصدها الناس، ويعظمونها، ويرجون البرء، والشفاء من قِبَلِهَا، ويضربون بها المسامير والخرق، فهي ذات أنواط، فاقطعوها. 
وقال الحافظ أبو شامة الشافعي الدمشقي في كتاب ( البدع والحوادث ) : وقد عم الابتلاء بتزيين الشيطان للعامة تخليق الحيطان والعمد، فيفعلون ذلك ويحافظون عليه، مع تضييعهم فرائض الله وسننه، ويظنون أنهم متقربون بذلك، ثم يتجاوزون هذا إلى أن يعظُم وقع تلك الأماكن في قلوبهم، فيعظِّمونها، ويرجون الشفاء لمرضاهم، وقضاء حوائجهم، بالنذر لها، وهي من بين عيون وشجر وحائط وحجر. ثم شرح شجرة مخصوصة فقال : ما أشبهها بذات أنواط، التي في الحديث. 
وروى ابن وضاح في ( كتابه ) قال : سمعت عيسى بن يونس يقول : أمر عمر بن الخطاب رضي الله عنه بقطع الشجرة التي بويع تحتها النبي صلى الله عليه وسلم فقطعت، لأن الناس كانوا يذهبوا فيصلون تحتها، فخاف عليهم الفتنة. ولهذا البحث تتمة مهمة في ( إغاثة اللهفان ) لابن القيم. فلتنظر.

١ - أخرجه في المسند بالصفحة رقم ٢١٨ من الجزء الخامس (طبعة الحلبي)..
٢ - أخرجه الترمذي في: ٣١- كتاب الفتن، ١٨- باب ما جاء لتركبن سنن من كان قبلكم..

### الآية 7:140

> ﻿قَالَ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِيكُمْ إِلَٰهًا وَهُوَ فَضَّلَكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ [7:140]

\[ ١٤٠ \]  قال أغَيْرَ الله أبْغِيكم إلها وهو فضلكم على العالمين ( ١٤٠ ) . 
 قال  أي موسى، مذكرا لقومه نعمه تعالى عليهم، الموجبة لتخصيصه تعالى بالعبادة  أغَيْرَ الله أبْغِيكم إلها  أي أطلب لكم معبودا. يقال : أبغاه الشيء طلبه له، ك ( بغاه إياه )، يتعدى إلى مفعولين، وليس من باب الحذف والإيصال. وفي الحديث[(١)](#foonote-١) :" أبغني أحجارا أستطيب بها "، بهمزة القطع والوصل. وقال الشاعر[(٢)](#foonote-٢) :
وكم آمل من ذي غنى وقرابة \*\*\* لتبغيَه خيرا وليس بفاعل
والاستفهام في الآية للإنكار والتعجب والتوبيخ  وهو فضلكم على العالمين  أي والحال، أنه تعالى خصكم بنعم لم يعطها غيركم.

١ - أخرجه البخاري في: ٤- كتاب الوضوء، ٢٠- باب الاستنجاء بالحجارة، حديث رقم ١٢٦..
٢ - استشهد به في اللسان في مادة (ب غ ي) بالصفحة رقم ٧٦ من الجزء الرابع عشر (طبعة بيروت). قال: وبغيتك الشيء: طلبته لك. ومنه قول الشاعر. وساق البيت..

### الآية 7:141

> ﻿وَإِذْ أَنْجَيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ ۖ يُقَتِّلُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ ۚ وَفِي ذَٰلِكُمْ بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ [7:141]

\[ ١٤١ \]  وإذ أنجيناكم من آل فرعون يسومونكم سوء العذاب يقتّلون أبناءكم ويستحيون نساءكم وفي ذلكم بلاء من ربكم عظيم ( ١٤١ ) . 
 وإذ أنجيناكم من آل فرعون  أي : من فرعون وقومه  يسومونكم سوء العذاب  أي يكلفونكم إياه، أو يولونكم إياه، يقال : سامه الأمر يسومه، كلفه إياه وجشمه وألزمه. أو أولاه إياه  يقتّلون أبناءكم ويستحيون نساءكم وفي ذلكم بلاء من ربكم عظيم  أي فنجاكم منه وحده، من غير شفاعة أحد. 
**تنبيه :**
قال الجشمي : تدل الآية على أن هلاك الأعداء نعمة من الله يجب مقابلتها بالشكر، وتدل على أن المحن في الأولاد والأهل بمنزلة المحن في النفس، ويجري مجراه. انتهى.

### الآية 7:142

> ﻿۞ وَوَاعَدْنَا مُوسَىٰ ثَلَاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ۚ وَقَالَ مُوسَىٰ لِأَخِيهِ هَارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلَا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ [7:142]

\[ ١٤٢ \]  وواعدنا موسى ثلاثين ليلة وأتممناها بعشر فتم ميقات ربه أربعين ليلة وقال موسى لأخيه هارون اخلفني في قومي وأصلح ولا تتبع سبيل المفسدين ( ١٤٢ ) . 
 وواعدنا موسى ثلاثين ليلة وأتممناها بعشر فتم ميقات ربه أربعين ليلة . 
روي أن بني إسرائيل لما خرجوا من مصر، نزلوا في برية طور سيناء، وكانت مدة خروجهم إلى أن نزلوا شهرا ونصفا. ولما نزلوا تلقاء الجبل، صعد موسى إليه، وسمع كلامه تعالى وأوامره ووصاياه. ثم انحدر موسى إلى قومه، وأعلمهم بما أمروا به، وصاروا يشاهدون على الجبل ضباب، وصوت رعود، وبروقا. ثم أمر تعالى موسى أن يصعد إلى الجبل ليؤتيه الشرائع التي كتبها على قومه. فصعد موسى الجبل، وكان مغطى بالغمام، فدخل موسى في وسط الغمام وأقام في الجبل أربعين يوما، لم يأكل ولم يشرب، لِمَا أمِدَّ من القوة الروحانية، والتجليات القدسية، وأوتي في برهتها الألواح التي كتبت فيها شرائعهم، ولما رجع إلى قومه، كان على وجهه أشعة نور مدهشة، فخافوا من الدنو منه، فجعل على وجهه برقعا، فكان إذا صعد الجبل للمناجاة، رفعه، وإذا أتاهم وضعه. والله أعلم. 
 وقال موسى لأخيه هارون  أي حين توجه للمناجاة  اخلفني في قومي  أي : كن خليفتي فيهم  وأصلح ولا تتبع سبيل المفسدين  أي لا تتبع من سلك الإفساد، ولا تطع من دعاك إليه. 
**تنبيه :**
قال الجشمي : تدل الآية على أنه استخلف هرون عند خروجه، لما رأى أنهم أشد طاعة له، وأكثر قبولا منه، ومخاطبات موسى عليه السلام لهرون وجوابه له كقوله : أفعصيتَ أمري [(١)](#foonote-١) وقول هرون  ولا تأخذ بلحيتي [(٢)](#foonote-٢)  فلا تُشْمِتْ بي الأعداء [(٣)](#foonote-٣) كل ذلك كالدال على أن موسى كان يختص بنوع من الولاية، وإن اشتركا في النبوة. والظاهر أنه استخلفه على أن يرجع، لأنه المعقول من الاستخلاف عند الغيبة. وتدل على أنه يجوز أن ينهاه عن شيء يعلم أنه لا يفعله، ويأمره بما يعلم أنه سيفعله، عظة له، واعتبارا لغيره، وتأكيدا ومصلحة للجميع. انتهى.

١ - \[٢٠/ طه/ ٩٣\]..
٢ - \[٢٠/ طه/ ٩٤\]..
٣ - \[٧/ الأعراف/ ١٥٠\]..

### الآية 7:143

> ﻿وَلَمَّا جَاءَ مُوسَىٰ لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ ۚ قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَٰكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي ۚ فَلَمَّا تَجَلَّىٰ رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَىٰ صَعِقًا ۚ فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ [7:143]

\[ ١٤٣ \]  ولما جاء موسى لميقاتنا وكلمه ربه قال رب أرني أنظر إليك قال لن تراني ولكن انظر إلى الجبل فإن استقر مكانه فسوف تراني فلما تجلى ربه للجبل جعله دكا وخر موسى صعقا فلما أفاق قال سبحانك تبتُ إليك وأنا أول المؤمنين ( ١٤٣ ) . 
 ولما جاء موسى لميقاتنا  أي حضر الجبل لوقتنا الذي وقَّتنا له وحددنا  وكلمه ربه  أي خاطبه من غير واسطة ملَك  قال رب أرني أنظر إليك قال لن تراني ولكن انظر إلى الجبل فإن استقر مكانه فسوف تراني  أي لن تطيق رؤيتي، لأن هذه البنية الآدمية في هذه النشأة الدنيوية، لا طاقة لها بذلك، لعدم استعدادها له. بل ما هو أكبر جرما، وأشد خلقا وصلابة – وهو الجبل- لا يثبت لذلك، بل يندكّ. ولذا قال تعالى : ولكن انظر إلى الجبل  أي الذي هو أقوى منك  فإن استقر  أي ثبت مكانه، حين أتجلى له، ولم يتزلزل  فسوف تراني ، أي تثبت لرؤيتي، إذا تجليت عليك، وإلا فلا طاقة. وفيه من التلطيف بموسى، والتكريم له، والتنزل القدسيّ- ما لا يخفى  فلما تجلى ربه للجبل  أي : ظهر له وبانَ- قاله الزجاج-  جعله  أي : التجلي  دكًّا  / أي مفتّتا، فلم يستقر مكانه. فنبه تعالى على أن الجبل، مع شدته وصلابته، إذا لم يستقر، فالآدمي مع ضعف بنيته أولى بأن لا يستقر. وفيه تسكين لفؤاد موسى، بأن المانع من الانكشاف الإشفاق عليه، وأما أن المانع محالية الرؤية، فليس في القرآن إشارة إليه  وخَّر  أي وقع  موسى صعقا  أي مغشيا عليه من هول ما رأى  فلما أفاق قال سبحانك تبتُ إليك  أي من الإقدام على سؤالي الرؤية  وأنا أول المؤمنين  أي بأنه لا يستقر لرؤيتك أحد في هذه النشأة. 
قال في ( الانتصاف ) : إنما سبح موسى عليه السلام لما تبين له من أن العلم قد سبق بعدم وقوع الرؤية في الدنيا، والله تعالى مقدس عن وقوع خلاف معلومه، وعن الخلف في خبره الحق وقوله الصدق. فلما تبين أن مطلوبه كان خلاف المعلوم، سبح الله، وقدس علمه وخبره عن الخلف. وأما التوبة في حق الأنبياء فلا تستلزم كونها عن ذنب، لأن منصبهم الجليل ينبغي أن يكون منزها مبرأ من كل ما ينحط به. ولا شك أن التوقف في سؤال الرؤية على الإذن كان أكمل. وقد ورد :( سيئات المقربين، حسنات الأبرار ). 
**تنبيه :**
قال المتكلمون : دلت الآية على جواز رؤيته تعالى من وجهين :
الأول : أن سؤال موسى عليه السلام الرؤية يدل على إمكانها. لأن العاقل، فضلا عن النبي صلى الله عليه سلم، لا يطلب المحال. ولا مجال للقول بجهل موسى عليه السلام بالاستحالة، فإن الجاهل بما لا يجوز على الله، لا يصلح للنبوة. إذ الغرض من النبوة هداية الخلق إلى العقائد الحقة، والأعمال الصالحة. ولا ريب في نبوة موسى عليه السلام، وأنه من أولي العزم. 
الثاني : أنه تعالى علق الرؤية على استقرار الجبل، وهو أمر ممكن في نفسه. والمعلق على الممكن ممكن، لأن معنى التعليق الإخبار بوقوع المعلق عند وقوع المعلق به. والمحال لا يثبت على شيء من التقادير الممكنة. 
 وأما زعم المعتزلة أن الرؤية مجاز عن العلم الضروري، فمعنى قوله : أرني  أي : اجعلني عالما بك علما ضروريا- خلاف الظاهر. فإن النظر الموصول : ب ( إلى ) نص في الرؤية البصرية فلا يترك بالاحتمال، مع أن طلب العلم الضروري لمن يخاطبه ويناجيه غير معقول. وكذا زعمهم أن موسى عليه السلام، كان سألها لقومه، حيث قالوا[(١)](#foonote-١) : لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة ، فسأل ليعلموا امتناعها- فإنه خلاف الظاهر، وتكلُّف يذهب رونق النظم، فترده ألفاظ الآية. وقد ثبت وقوع رؤيته تعالى في الآخرة، بالكتاب والسنة، أما الكتاب فلقوله تعالى[(٢)](#foonote-٢) : وجوه يومئذ نّاضرة إلى ربها ناظرة  ؛ وأما السنة فلا تحصى أحاديثها ولكن إذا أصيب أحد بداء المكابرة في الحق الصراح، عسر إقناعه مهما قوي الدليل وعظمت الحجة. 
قال في ( فتح البيان ) : رؤيته في الآخرة، ثبتت بها الأحاديث المتاوترة تواترا لا يخفى على من يعرف السنة المطهرة. والجدال في مثل هذا والمراوغة لا تأتي بفائدة. ومنهج الحق واضح. ولكن الاعتقاد لمذهب نشأ الإنسان عليه، وأدرك عليه أباه، وأهل بلده مع عدم التنبه لما هو المطلوب من العباد من هذه الشريعة المطهرة- يوقع في التعصب. والمتعصبُ، وإن كان بصره صحيحا، فبصيرته عمياء، وأذنه عن سماع الحق صماء، يدفع الحق وهو أنه ما دفع غير الباطل، ويحسب أن ما نشأ عليه هو الحق، غفلة منه، وجهلا بما أوجبه الله عليه من النظر الصحيح، وتلقي ما جاء به الكتاب والسنة بالإذعان والتسليم. وما أقل المنصفين بعد ظهور هذه المذاهب في الأصول والفروع، فإنه صار بها باب الحق مرتجا، وطريق الإنصاف مستوعرة، والأمر لله سبحانه والهداية :
يأبى الفتى إلا اتْبَاع الهوى\*\*\* ومنهج الحق له واضح
\- انتهى-. 
وهذا تعريض بالمعتزلة، وفي مقدمتهم الزمخشري، وقد انتقل، عفا الله عنه- أخيرا إلى/ هجاء أهل السنة بما أنشده :
لجماعة سمَوا هواهم سنةَ \*\*\* وجماعة حمر لعمري موكَفهْ
قد شبَّهوه بخلقه وتخوَّفوا \*\*\* شُنْعَ الورى فتستروا بالبَلْكَفَهْ
والبلكفة نحْتُ، كالبسملة، أي بقولهم ( بَلاَ كَيْفَ ). 
قال في ( الانتصاف ) : ولولا الاستنان بحسّان بن ثابت الأنصاريّ، صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم وشاعره، والمنافح عنه، وروح القدس معه، لقلنا لهؤلاء المتلقبين : ب ( العدلية ) وب ( الناجين ) سلاما، ولكن كما نافح حسان عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أعداءهم، فنقول :
وجماعة كفروا برؤية ربهم\*\*\* حقا ووعدُ الله ما لن يُخلفَه
وتلقبوا عدْلِيَّه. قلنا : أجل \*\*\* عدلوا بربهم. فحَسْبُهمو سفه 
وتلقَّبُوا الناجين. كلاَّ ! إنهم\*\*\* إن لم يكونوا في لَضًى فعلى شفه
**وقال أبو حيان في الرد عليه :**
شبهت جهلاً صدرَ أمة أحمدٍ\*\*\* وذوي البصائر بالحمير المُوكفه
وجب الخسارُ عليك. فانظر منصفا \*\*\* في آية الأعراف فهي المُنصِفهْ 
أتُرى الكليمَ أتى بجهلٍ ما أتى \*\*\* وأتى شيوخك ما أتوْا عن معرفه
إن الوجوهَ إليه ناظرة. بذا\*\*\* جاء الكتاب. فقلتم : هذا سَفَهْ
نطق الكتاب وأنت تنطق بالهوى\*\*\* فهوى الهوى بك في المهاوي المتلفه
**وقال العلامة الجاربرديّ :**
عجبا لقوم ظالمين تستروا\*\*\* بالعدل. ما فيهم لعمري معرفه
قد جاءهم من حيث لا يدرونه\*\*\* تعطيلُ ذاتِ الله معْ نقِي الصفَهْ
وقد ساق السبكيّ في ( طبقاته ) في ترجمة الجاربرديّ عدة قصائد ومقاطيع في الردّ عليه.

١ - \[٢/ البقرة/ ٥٥\]..
٢ - \[٧٥/ القيامة/ ٢٢ و٢٣\]..

### الآية 7:144

> ﻿قَالَ يَا مُوسَىٰ إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالَاتِي وَبِكَلَامِي فَخُذْ مَا آتَيْتُكَ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ [7:144]

ثم ذكر الله تعالى أنه خاطب موسى باصطفائه، بقوله سبحانه :
 \[ ١٤٤ \]  قال يا موسى إني اصْطَفيْتكَ على الناس برسالتي وبكلامي فخذ ما آتيتك وكن من الشاكرين ( ١٤٤ ) . 
 قال يا موسى إني اصْطَفيْتكَ على الناس  أي اخترتك على أهل زمانك، وآثرتك عليهم  برسالتي وبكلامي  أي : وبتكليمي إياك  فخذ ما آتيتك  أي ما أعطيتك من شرف النبوة والمناجاة  وكن من الشاكرين  أي على النعمة في ذلك.

### الآية 7:145

> ﻿وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِهَا ۚ سَأُرِيكُمْ دَارَ الْفَاسِقِينَ [7:145]

\[ ١٤٥ \]  وكتبنا له في الألواح من كل شيء موعظة وتفصيلا لكل شيء فخُذها بقوة وأْمُرْ قومَك يأخذوا بأحسنها سأوريكم دار الفاسقين ( ١٤٥ ) . 
 وكتبنا له في الألواح من كل شيء  من الحلال والحرام  فخُذها بقوة  أي بعزم على العمل بما فيها  وأْمُرْ قومَك يأخذوا بأحسنها  أي بما أمروا به دون ما نهوا عنه  سأوريكم دار الفاسقين  وهي الأرض التي وعدوا بها من فلسطين، فإنهم لم يعطوها إلا بعد أربعين سنة من خروجهم من مصر، وبقائهم في البرية. فإن موسى عليه السلام، لما مات، خلفه يشوع بن نون، فحارب الأمم والملوك الذين كانوا يسكنون أرض كنعان، وفتح بلادهم، وصارت ملكاً للإسرائيليين. 
**تنبيه :**
قال الجشمي[(١)](#foonote-١) : تدل الآية على حدوث كلامه، لأن قوله  اصطفيتُك  أي اختصصتك به، ولو كان قديما لكان موسى وغيره سواء، ولما صحَّ الاختصاص. ويدل/ قوله  وكتبنا  أنه أعطاه التوراة مكتوبة في الألواح عند الميقات، لتكون محروسة، وليبلغه الحاضرون إلى الباقين، ليقع لهم العلم ضرورة. ويدل على أن في التوراة شرائع، وجميع ما يحتاج إليه. ويدل قوله  بقوة  أن العبد قادرعلى الفعل قبل الفعل، وأنه يفعل بقدرة. انتهى.

١ - لا تنس قول المؤلف رضي الله عنه، لما ساق أول ما نقله من كتاب (التهذيب) عن مؤلفه الجشمي، لا تنس ما قاله بالصفحة رقم ٥٠٢. ونصه (وهو جار على أصول المعتزلة) وهذا من هذا. فتنبه..

### الآية 7:146

> ﻿سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لَا يُؤْمِنُوا بِهَا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لَا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا ۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ [7:146]

\[ ١٤٦ \]  سأصرف عن آياتي الذين يتكبرون في الأرض بغير الحق وإن يروا كل آية لا يؤمنوا بها وإن يَرَوْا سبيل الرشد لا يتخذوه سبيلا وإن يروا سبيل الغيّ يتخذوه سبيلا ذلك بأنهم كذبوا بآياتنا وكانوا عنها غافلين ( ١٤٦ ) . 
 سأصرف عن آياتي الذين يتكبرون في الأرض  أي سأمنع فهم الحجج والأدلة الدالة على عظمتي وشريعتي وأحكامي، قلوب المتكبرين عن طاعتي، والمتكبرين على الناس. أي فكما استكبروا أذلهم الله بالجهل، كقوله تعالى : ونقلب أفئدتهم وأبصارهم كما لم يؤمنوا به أول مرة [(١)](#foonote-١) وقوله تعالى : فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم [(٢)](#foonote-٢). وقوله تعالى : بغير الحق  إما صلة للفعل، أي يتكبرون بما ليس بحق، وهو دينهم الباطل. أو حال من فاعله، أي يتكبرون غير محقين  وإن يروا كل آية  أي حجة من الآيات والحجج المنزلة عليهم  لا يؤمنوا بها  تكبرا عليها  وإن يَرَوْا سبيل الرشد  يعني طريق الحق والهدى والاستقامة واضحا ظاهرا  لا يتخذوه سبيلا  أي طريقا يميلون إليه  ذلك  أي الصرف عن الآيات، أو اتخاذهم الغي سبيلا  بأنهم كذبوا بآياتنا وكانوا عنها غافلين  أي : لا هين لا يتفكرون فيها، ولا يتعظون بها. أو غافلين عما ينزل بهم من مخافة الرسل.

١ - \[٦/ الأنعام/ ١١٠\]..
٢ - \[٦١/ الصف/ ٥\]..

### الآية 7:147

> ﻿وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَلِقَاءِ الْآخِرَةِ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ ۚ هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [7:147]

**ثم بين وعيد المكذبين بقوله :**
 \[ ١٤٧ \]  والذين كذبوا بآياتنا ولقاء الآخرة حبطت أعمالهم هل يجزون إلا ما كانوا يعملون ( ١٤٧ ) . 
 والذين كذبوا بآياتنا ولقاء الآخرة  أي القيامة، وهي الكرّة الثانية. سميت ( آخرة ) لتأخرها عن الدنيا  حبطت أعمالهم  أي بطلت، فلم تعقب نفعا. والمراد جزاء أعمالهم، لأن الحابط إنما يصح في المنتظَر، دون ما تقضى، وهذا كقوله : ليُروا أعمالهم [(١)](#foonote-١)  هل يجزون إلا ما كانوا يعملون  أي إلا جزاء عملهم من الكفر والمعاصي. 
**تنبيه :**
ذهب بعضهم إلى أن قوله تعالى : سأصرف عن آياتي  الخ كلام مع قوم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو متصل بما سبق من قصصهم، وهو  أوَ لمَ يهْدِ...  الخ. 
وإيراد قصة موسى وفرعون للاعتبار. 
وقال الكعبيّ وأبو مسلم الأصفهاني : إن هذا كلام تمام لما وعد الله موسى عليه السلام به من إهلاك أعدائه. ومعنى صرفهم إهلاكهم، فلا يقدرون على منع موسى من تبليغها، ولا على منع المؤمنين من الإيمان بها، وهو شبيه بقوله : بَلِّغ ما أنزل إليك من ربك، وإن لم تفعل فما بلغتَ رسالتَهُ، والله يعصمُكَ من الناس [(٢)](#foonote-٢) فأراد تعالى أن يمنع أعداء موسى عليه السلام من إيذائه، ومنعه من القيام بما يلزمه في تبليغ النبوة والرسالة. انتهى. والله أعلم. 
١ - \[٩٩/ الزلزلة/ ٦\]..
٢ - \[٥/ المائدة/ ٦٧\]..

### الآية 7:148

> ﻿وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَىٰ مِنْ بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ ۚ أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لَا يُكَلِّمُهُمْ وَلَا يَهْدِيهِمْ سَبِيلًا ۘ اتَّخَذُوهُ وَكَانُوا ظَالِمِينَ [7:148]

\[ ١٤٨ \]  واتخذ قوم موسى من بعده من حليِّهِم عجلا جسدا له خوار ألم يروا أنه لا يكلمهم ولا يهديهم سبيلا، اتخذوه وكانوا ظالمين ( ١٤٨ ) . 
 واتخذ قوم موسى من بعده من حليِّهِم عجلا جسدا له خوار  يخبر تعالى عن/ ضلال من ضل من بني إسرائيل، في عبادتهم العجل الذي اتخذه لهم السامري من حليّ القبط، الذي كانوا استعاروه منهم، فشكل لهم منه عجلا، جسدا لا روح فيه. وقد احتال بإدخال الريح فيه، حتى صار يسمع له خوار، أي صوت كصوت البقر. وإنما أضاف الصوت إليه، لأنه كان محله عند دخول الريح جوفه. وكان هذا منهم بعد ذهاب موسى لميقات ربه تعالى وأعلمه الله تعالى بذلك وهو على الطور، حيث يقول إخبارا عن نفسه الكريمة : فإنا قد فتنا قومك من بعدك وأضلهم السامري [(١)](#foonote-١). 
**لطائف :**
قال الزمخشري : فإن قلت : لم قيل  واتخذ قوم موسى... عجلا  والمتخذ هو السامري ؟ قلت : فيه وجهان :
أحدهما : أن ينسب الفعل إليهم، لأن رجلا منهم باشره، ووُجد فيما بين ظهارنيهم، كما يقال :( بنو تميم قالوا كذا وفعلوا كذا ) والقائل والفاعل واحد. ولأنهم كانوا مريدين لاتخاذه، راضين به، فكأنهم أجمعوا عليه. 
والثاني : أن يراد : واتخذوه إلها وعبدوه. فإن قلت : لم قال : من حليهم  ولم يكن الحلي لهم، إنما كانت عواري في أيديهم ؟ قلت : الإضافة تكون بأدنى ملابسة، وكونها في أيديهم عواري، كفى به ملابسة. على أنهم قد ملكوها بعد المهلَكين، كما قال تعالى : وأورثناها بني إسرائيل [(٢)](#foonote-٢) انتهى. 
قال النسفيّ : وفيه دليل على أن من حلف أن يدخل دار فلان، فدخل دارا استعارها، يحنث. وأن الاستيلاء على أموال الكفار يوجب زوال ملكهم عنها –انتهى-. 
والحلي بضم الحاء والتشديد، جمع  حَلْي  بفتح فسكون، ك ( ثَدْي و ثُدِيّ ) وهو اسم لما يتحسّن به من الذهب والفضة. 
 وقوله تعالى : ألم يروا أنه لا يكلمهم ولا يهديهم سبيلا  تقريع على فرط ضلالهم وإخلالهم بالنظر. والمعنى : ألم يروا، حين اتخذوه إلها، أنه لا يقدر على كلام، ولا على إرشاد سبيل، كآحاد البشر ؟ فهو جماد لا ينفع ولا يضر. فكيف يكون إلها ؟
وقوله تعالى : اتخذوه  تكرير لتأكيد الذم، أي : اتخذوه إلها وعبدوه.  وكانوا ظالمين  أي : واضعين الأشياء في غير مواضعها. والجملة إما استئنافية، أو اعتراض تذييلي للإخبار بأن ذلك دأبهم وعادتهم قبل ذلك، فلا ينكر هذا منهم. أو حالية، أي : اتخذوه في هذه الحالة المستقرة لهم. 
**تنبيه :**
قال الجشمي : تدل الآية على صحة الحجاج في الدين، وأنه تعالى دلهم، في بطلان اتخاذ العجل إلها، بأنه لا يتكلم ولا يهدي، وإنما ذكر الكلام لأن الخوار تنفد فيه الحيلة، ولا تنفد في الكلام. وتدل على أن إزالة الشبه في الدين واجب، كما أزالها الله تعالى. وتدل على أن القوم كانوا جهالا غير عارفين حقيقة الأشياء، لذلك عبدوا العجل. وتدل على أن تلك الحليّ كانت ملكا لبني إسرائيل، لذلك قال  حُلِيِّهم . فإن ثبت أنهم استعاروه، فيدل على زوال ملكهم، وانتقال الملك إلى بني إسرائيل، كما تملك أموال أهل الحرب. وتدل على أن الاتخاذ فعلهم[(٣)](#foonote-٣).

١ - \[٢٠/ طه/ ٨٥\]..
٢ - \[٢٦/ الشعراء/ ٥٩\]..
٣ - انظر: الصفحة رقم ٦٣٦، الحاشية رقم (١)..

### الآية 7:149

> ﻿وَلَمَّا سُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ وَرَأَوْا أَنَّهُمْ قَدْ ضَلُّوا قَالُوا لَئِنْ لَمْ يَرْحَمْنَا رَبُّنَا وَيَغْفِرْ لَنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ [7:149]

\[ ١٤٩ \]  ولما سُقط في أيديهم ورأوا أنهم قد ضلوا قالوا لئن لَّم يَرْحَمْنا ربنا ويغفر لنا لنكونن من الخاسرين ( ١٤٩ ) . 
 ولما سُقط في أيديهم  أي : ندموا على عبادة العجل  ورأوا  أي علموا وأيقنوا  أنهم قد ضلوا  أي : عن الحق والهدى  قالوا لئن لم يرحمنا ربنا  أي بقبول توبتنا  ويغفر لنا  أي : ما قدمنا من عبادة العجل  لنكونن من الخاسرين  أي : بالعقوبة. أي : ممن خسروا أعمالهم وأعمارهم. 
 **لطيفة :**
يقال للنادم على ما فعل، الحَسِر على ما فَرَطَ منه ( قد سُقط في يده ) و ( أسقط ) مضمومتين- قاله الزجاج-. 
وقال الفراء : يقال سُقط في يده وأسقط، من الندامة، و ( سُقِطَ ) أكثر وأجود. 
وأنكر أبو عمرو ( أُسقط ) بالألف، وجوزه الأخفش. 
قال الزمخشري : من شأن من اشتد ندمه وحسرته، أن يعض يده غما، فتصير يده مسقوطا فيها، لأن فاه قد وقع فيها. 
وقال الزجاج : معناه : سقط الندم في أيديهم، أي في قلوبهم وأنفسهم. كما يقال : حصل في يد مكروه، وإن كان محالا أن يكون في اليد، تشبيها لما يحصل في القلب وفي النفس، بما يحصل في اليد، ويرى بالعين- انتهى-. 
وقال الفارسي : أي : ضربوا أكفهم على أكفهم من الندم. فإن صح ذلك فهو إذن من السقوط. 
وفي ( العباب ) : هذا نظم لم يسمع به قبل القرآن، ولا عرفته العرب، والأصل فيه نزول الشيء من أعلى إلى أسفل، ووقوعه على الأرض، ثم اتسع فيه فقيل للخطأ من الكلام ( سقط ) لأنهم شبهوه، بما لا يحتاج إليه، فيسقط. وذكر اليد لأن الندم يحدث في القلب، وأثره يظهر في اليد، كقوله تعالى : فأصبح يقلب كفيه على ما أنفق فيها [(١)](#foonote-١) ولأن اليد هي الجارحة العظمى، فربما يسند إليها ما لم تباشره، كقوله تعالى : ذلك بما قدّمت يداك [(٢)](#foonote-٢) - انتهى-. 
وعليه، فيكون  سقط  من السقاط، وهو كثرة الخطأ كما قال :
كيف يرجون سقاطي بعد ما \*\*\* لفع الرأس بياض وصلع
وقيل : من عادة النادم أن يطأطئ رأسه، ويضعه على يده، معتمدا عليه، وتارة/ يضعها تحت ذقنه، وشطر من وجهه على هيأة لو نزعت يده لسقط على وجهه، فكانت اليد مسقوطا فيها، لتمكن السقوط فيها. ويكون قوله : سقط في أيديهم  بمعنى سقط على ايديهم، كقوله : ولأصلبنكم في جذوع النخل [(٣)](#foonote-٣) أي عليها : و  سقط  عده بعضهم من الأفعال التي تتصرف، ك ( نعم وبئس ). وقرئ  سَقَطَ  معلوما، أي الندم، أو العض، أو الخسران، وكله تمثيل. وقرء  أُسْقِطَ  رباعيّ مجهول، وهي لغة نقلها الفراء والزجاج، كما قدمنا.

١ - \[١٨/ الكهف/ ٤٢\]..
٢ - \[٢٢/ الحج/ ١٠\]..
٣ - \[٢٠/ طه/ ٧١\]..

### الآية 7:150

> ﻿وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَىٰ إِلَىٰ قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا قَالَ بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِي مِنْ بَعْدِي ۖ أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ ۖ وَأَلْقَى الْأَلْوَاحَ وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ ۚ قَالَ ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكَادُوا يَقْتُلُونَنِي فَلَا تُشْمِتْ بِيَ الْأَعْدَاءَ وَلَا تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ [7:150]

ثم ين تعالى ما جرى من موسى عليه السلام بعد رجوعه من الميقات. وكان أعلمه تعالى بفتنة قومه. فقال سبحانه :
\[ ١٥٠ \]  ولما رجع موسى إلى قومه غضبان أسفا قال بئسما خلفتموني من بعدي، أعجلتم أمر ربكم وألقى الألواح وأخذ برأس أخيه يجره إليه قال ابن أم إن القوم استضعفوني وكادوا يقتلونني فلا تشمت بي الأعداء ولا تجعلني مع القوم الظالمين ( ١٥٠ ) . 
 ولما رجع موسى إلى قومه غضبان أسفا  أي : شديد الغضب على قومه لعبادتهم العجل، وحزينا أي على أن ما فاته من مناجاة ربه  قال بئسما خلفتموني من بعدي  أي بئسما عملتم خلفي، أو قمتم مقامي، وكنتم خلفائي من بعدي. والخطاب إما لعبدة العجل، من السامري وأشياعه. أو لوجوه بني إسرائيل، وهم هارون عليه السلام والمؤمنون معه. ويدل عليه قوله : اخلفني في قومي [(١)](#foonote-١)، وعلى التقدير الأول يكون المعنى : بئسما خلفتموني حيث لم تمنعوا من عبادة غير الله تعالى- قاله الرازي : أعجلتم أمر ربكم  أي : ميعاده الذي/ وعدنيه من الأربعين، فلم تصبروا إلى تمامها. وكانوا استبطأوا نزوله من الجبل، فتآمورا في صنع وثن يعبدونه، وينضمون إليه، وفعلوا ذلك، وجعلوا يغنون ويرقصون ويأكلون ويشربون ويلعبون حوله ويقولون : هذا الإله الذي أخرجنا من مصر- عياذا بالله-. وقال أبو مسلم : معناه سبقتم أمر الله، فعبدتم ما لم يأمركم به  وألقى الألواح  أي طرحها من شدة الغضب، وفرط الضجرة، بين يديه فتكسرت. وهي ألواح من حجارة كتب فيها الشرائع والوصايا الربانية. وإنما ألقاها، عليه السلام، لما لحقه من فرط الدهش عند رؤيته عكوفهم على العجل. فإنه، عليه السلام، لما نزل من الجبل، ودنا من محلتهم، رأى العجل ورقصهم حوله، اتقد غضبه فألقاها غضبا لله، وحمية لدينه. وكان هو في نفسه حديدا، شديد الغضب. وكان هارون ألين منه جانبا، ولذلك كان محببا إلى قومه. 
**تنبيه :**
قال السيوطي في ( الإكليل ) : استدل ابن تيمية بقوله تعالى : وألقى الألواح  على أن من ألقى كتابا على يده، إلى الأرض، وهو غضبان، لا يلام-انتهى-. وهوظاهر.  وأخذ برأس أخيه  أي بشعره  يجره إليه  ظنا أن يكون قصر في نهيهم، كما قال في الآية الأخرى : قال يا هارون ما منعك إذ رأيتهم ضلوا، ألا تتبعن، أفعصيت أمري، قال يبنؤمَّ لا تأخذ بلحيتي ولا برأسي [(٢)](#foonote-٢). وقال ههنا : قال ابن أَمَّ  قرئ بالفتح والكسر، وأصله يا ابن أمي، خفف بحذف حرف النداء والياء، وذكر الأمر ليرققه عليه. وقوله : إن القوم استضعفوني وكادوا يقتلونني  إزاحة لتوهم التقصير في حقه. والمعنى : بذلت وسعي في كفّهم حتى قهروني واستضعفوني،  فلا تشمت بي الأعداء  أي بالإساءة إليّ. والشماتة سرور الأعداء بما يصيب المرء  ولا تجعلني مع القوم الظالمين  أي في عقوبتك لي، في عدادهم. أو لا تعتقد أني منهم، مع براءتي وعدم تقصيري. 
 قال الجشمي : تدل الآية على أن الأمر بالمعروف قد يسقط في حال الخوف على النفس، وفي الحال الذي يعلم أنه لا ينفع. لذلك قال هرون  اسْتضْعَفوني . وتدل على أن الغضب والأسف على المبتدع محمود في الدين. انتهى.

١ - \[٧/ الأعراف/ ١٤٢\]..
٢ - \[٢٠/ طه/ ٩٤\]..

### الآية 7:151

> ﻿قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِأَخِي وَأَدْخِلْنَا فِي رَحْمَتِكَ ۖ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ [7:151]

\[ ١٥١ \]  قال رب اغفر لي ولأخي وأدخلنا في رحمتك وأنت أرحم الراحمين ( ١٥١ ) . 
 قال  أي موسى عليه السلام، متضرعا إلى ربه، استنزالا لرحمته، وتعوذا بمغفرته من سخطه. ولا يخفى اقتضاء المقام لذلك  رب اغفر لي ولأخي وأدخلنا في رحمتك وأنت أرحم الراحمين  وقال الزمخشري : لما اعتذر إليه أخوه، وذكر له شماتة الأعداء قال  رب اغفر لي ولأخي  ليرضي أخاه، ويظهر لأهل الشماتة رضاه عنه، فلا تتم لهم شماتتهم. واستغفر لنفسه مما فرط منه إلى أخيه، ولأخيه أن عسى فرّط في حسن الخلافة، وطلب أن لا يتفرقا عن رحمته، ولا تزال منتظمة لهما في الدنيا والآخرة.

### الآية 7:152

> ﻿إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَذِلَّةٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۚ وَكَذَٰلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ [7:152]

\[ ١٥٢ \]  إن الذين اتخذوا العجل سَيَنَالُهُم غضب من ربهم وذلة في الحياة الدنيا وكذلك نجزي المفترين ( ١٥٢ ) 
 إن الذين اتخذوا العجل سَيَنَالُهُم غضب من ربهم وذلة في الحياة الدنيا وكذلك نجزي المفترين  أي من افترى بدعة، فإن ذل البدعة، ومخالفة الرسالة على كتفه كما قال الحسن البصري : إن ذل البدعة على أكتافهم، وإن هملجت بهم البغال، وطقطقت بهم البراذين. وهكذا روى أيوب عن أبي قلابة الجرميّ أنه قرأ هذه الآية  وكذلك نجزي المفترين  قال : هي والله لكل مفتر إلى يوم القيامة. وقال سفيان بن عيينة : كل صاحب بدعة ذليل.

### الآية 7:153

> ﻿وَالَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئَاتِ ثُمَّ تَابُوا مِنْ بَعْدِهَا وَآمَنُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ [7:153]

ثم نبه تعالى عباده وأرشدهم إلى أنه يقبل التوبة من أي ذنب كان، ولو كفرا بقوله :
 والذين عملوا السيئات ثم تابوا من بعدها وآمنوا إن ربك من بعدها لغفور رحيم ( ١٥٣ ) . 
 والذين عملوا السيئات ثم تابوا من بعدها  إلى الله  وآمنوا  أي أخلصوا الإيمان  إن ربك من بعدها لغفور رحيم  أي : محّاء لذنوبهم. منعم عليهم بالجنة.

### الآية 7:154

> ﻿وَلَمَّا سَكَتَ عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ أَخَذَ الْأَلْوَاحَ ۖ وَفِي نُسْخَتِهَا هُدًى وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ [7:154]

\[ ١٥٤ \]  ولما سكت عن موسى الغضب أخذ الألواح وفي نُسختها هدى ورحمة للذين هم لربهم يرهبون ( ١٥٤ ) . 
 ولما سكت  أي سكن  عن موسى الغضب أخذ الألواح  أي التي كان ألقاها من شدة الغضب فتكسرت  وفي نُسختها  أي فيما نسخ منها، أي كتب : و ( النسخة ) فعلة بمعنى مفعول، كالخطبة  هدى ورحمة  بالشرائع والوصايا الربانية، المرشدة لما فيه الخير والصلاح  للذين هم لربهم يرهبون  أي يخشون. 
لطيفتان
الأولى : قال أبو السعود : في هذا النظم الكريم، يعني قوله تعالى : ولما سكت عن موسى الغضب ، من البلاغة والمبالغة بتنزيل الغضب، الحامل له على ما صدر عنه من الفعل والقول، منزلة الآمر بذلك، المغزي عليه، بالتحكم والتشديد، والتعبير عن سكونه بالسكوت- ما لا يخفى. انتهى. 
وأصله للزمخشري حيث قال : هذا مثل. كأن الغضب كان يغريه على ما فعل، ويقول له : قل لقومك كذا، وألق الألواح. وجرّ برأس أخيك إليك، فترك النطق بذلك، وقطع الإغراء. ولم يستحسن هذه الكلمة ولم يستفصحها كل ذي طبع سليم، وذوق/ صحيح- إلا لذلك ؛ ولأنه من قبيل شعب البلاغة. وإلا، فما لقراءة معاوية بن قرة  ولما سكنَ عن مُّوسى الغضب  لا تجد النفس عندها شيئا من تلك الهزة، وطرَفا من تلك الروعة ؟ انتهى. 
ومراده بالمثل كونه استعارة مكنية، حيث شبه الغضب بشخص آمر ناه، وأثبت له السكوت تخييلا. 
وعدّ بعض أهل العربية الآية من المقلوب، أي من نمط قلب الحقيقة إلى المجاز، وكأن الأصل ( ولما سكت موسى عن الغضب ) كما في خرق الثوب المسمار. 
قال في ( الانتصاف ) والتحقيق أنه ليس منه، وأن هذا القلب أشرف وأفصح، لما فيه من المعنى البليغ، وهو أن الغضب كان متمكنا من موسى، حتى كأنه كان يصرفه في أوامره. ومثل هذه النكتة الحسناء، لا تلقي في ( خرق الثوب المسمار ). انتهى. 
وقرئ سكن وسكت وأسكت أي أسكته الله أو أخوه باعتذاره إليه. 
الثانية : اللام في  للذين  متعلقة بمحذوف، صفة ( لرحمة ) أي كائنة لهم. أو هي لام الأجل، أي هدى ورحمة لأجلهم : واللام في  لربهم  لتقوية عمل الفعل المؤخر كما في قوله تعالى : إن كنتم للرؤيا تعبرون [(١)](#foonote-١) أو هي أيضا لام العلة، والمفعول محذوف. أي يرهبون المعاصي لأجل ربهم، لا للرياء والسمعة. أفاده أبو السعود.

١ - \[١٢/ يوسف/ ٤٣\]..

### الآية 7:155

> ﻿وَاخْتَارَ مُوسَىٰ قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا لِمِيقَاتِنَا ۖ فَلَمَّا أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ قَالَ رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِيَّايَ ۖ أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ مِنَّا ۖ إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَنْ تَشَاءُ وَتَهْدِي مَنْ تَشَاءُ ۖ أَنْتَ وَلِيُّنَا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا ۖ وَأَنْتَ خَيْرُ الْغَافِرِينَ [7:155]

\[ ١٥٥ \]  واختار موسى قومه سبعين رجلا لِّميقاتنا فلما أخذتهم الرجفة قال رب لو شئت أهلكتهم من قبل وإياي أتهلكنا بما فعل السفهاء منا إن هي إلا فتنتك تضل بها من تشاء وتهدي من تشاء أنت ولينا فاغفر لنا وارحمنا وأنت خير الغافرين ( ١٥٥ ) . 
 واختار موسى قومه سبعين رجلا لِّميقاتنا فلما أخذتهم الرجفة قال رب / لو شئت أهلكتهم من قبل وإياي أتهلكنا بما فعل السفهاء منا  روى محمد بن إسحاق أن موسى عليه السلام، لما رجع إلى قومه فرأى ما هم فيه من عبادة العجل، وقال لأخيه وللسامري ما قال، وحرق العجل، وذرّاه في اليمّ، اختار من بني إسرائيل سبعين رجلال، الخير فالخير، وقال : انطلقوا إلى الله، فتوبوا إليه مما صنعتم واسألوه التوبة على من تركتم وراءكم من قومكم، صوموا وتطهروا، وطهروا ثيابكم. فخرج بهم على طور سيناء لميقات وقَّته له ربه، وكان لا يأتيه إلا بإذن منه وعلم، فقال له السبعون- فيما ذكر لي- حين صنعوا ما أمرهم به، وخرجوا معه للقاء ربه، لموسى : اطلب لنا نسمع كلام ربنا، فقال : أفعل. فلما دنا موسى من الجبل، وقع عليه عمود الغمام حتى تغشى الجبل كله، ودنا موسى فدخل فيه، وقال لقوم : ادنوا. وكان موسى إذا كلمه الله وقع على جبهة موسى نور ساطع، لا يستطيع أحد من بني آدم أن ينظر إليه، فضرب دونه بالحجاب. ودنا القوم حتى إذا دخلوا في الغمام وقعوا سجودا، فسمعوه وهو يكلم موسى، يأمره وينهاه، افعل ولا تفعل، فلما فرغ إليه من أمره، وانكشف عن موسى الغمام، أقبل إليهم، فقالوا لموسى : لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة فأخذتكم الصاعقة [(١)](#foonote-١) وهي الصاعقة التي يحصل منها الاضطراب الشديد، فماتوا جميعا، فقام موسى يناشد ربه ويدعوه ويرغب إليه ويقول : رب لو شئت أهلكتهم من قبل وإياي  قد سفهوا، أتهلك من ورائي من بني إسرائيل ؟. 
وفي رواية السديّ : فقام موسى يبكي ويقول : يا رب ! ماذا أقول لبني إسرائيل إذا لقيتهم، وقد أهلكت خيارهم،  رب لو شئت أهلكتهم من قبل وأياي . 
وقال ابن إسحق : اخترت منهم سبعين رجلا، الخير فالخير، أرجع إليهم، وليس معي رجل منهم واحد، فما الذي يصدقونني أو يأمنونني عليه بعد هذا ؟ وعلى هذا فالمعنى : لو شئت أهلكتهم من قبل خروجنا، فكان بنو إسرائيل يعاينون ذلك ولا يتهمونني. 
وقال الزجاج : المعنى لو شئت أمتَّهم من قبل أن تبتليهم، بما أوجب عليهم الرجفة. انتهى. 
 قال ابن القيم في ( إغاثة اللهفان ) بعد نقل كلام من ذكرنا : وهؤلاء كلهم حاموا حول المقصود، والذي يظهر- والله أعلم بمراده ومراد نبيه- أن هذا استعطاف من موسى عليه السلام لربه، وتوسل إليه بعفوه عنهم من قبل، حتى عبد قومهم العجل، ولم ينكروا عليهم. يقول موسى : إنهم قد تقدم منهم ما يقتضي هلاكهم، ومع هذا فوسعهم عفوك ومغفرتك، ولم تهلكهم، فليسعهم اليوم ما وسعهم من قبل. وهذا كمن واخذه سيده بجرم يقول : لو شئت واخذتني قبل هذا بما هو أعظم من هذا الجرم، ولكن وسعني عفوك أولا، فليسعني اليوم. ثم قال نبي الله : أتهلكنا بما فعل السفهاء منا ؟ فقال ابن الأنباري وغيره : هذا استفهام على معنى الجحد، أي لست تفعل ذلك. والسفهاء هنا عبدة العجل. 
قال الفراء : ظن موسى أنهم أهلكوا باتخاذ قومهم العجل، فقال : أتهلكنا بما فعل السفهاء منا ؟ وإنما كان إهلاكهم بقوله : أرنا الله جهرة . انتهى. 
واستظهار أن هذا استفهام استعطاف، سبقه إليه المبرّد. 
**تنبيه :**
قال في ( اللباب ) : معظم الروايات أنهم ماتوا بسبب تلك الرجفة، أي ثم أحيوا. وقال وهب بن منبه : لم تكن تلك الرجفة موتا، ولكن القوم لما رأوا تلك الهيأة، أخذتهم الرعدة وقلقوا ورجفوا، حتى كادت أن تبين مفاصلهم فلما رأى موسى ذلك، راحمهم وخاف عليهم الموت، واشتد عليه فقدهم، وكانوا له وزراء على الخير، سامعين له مطيعين، فعند ذلك دعا موسى وبكى وناشد ربه، فكشف الله عنهم تلك الرجفة، فاطمأنوا وسمعوا كلام الله. والله أعلم. 
 إن هي إلا فتنتك تضل بها من تشاء  أي ما الفتنة التي وقع فيها السفهاء إلا اختبارك وابتلاؤك وامتحانك لعبادك فأنت ابتليتهم وامتحنتهم، فالأمر كله لك وبيدك. لا يكشفه إلا أنت. كما لم يمتحن به ويختبر إلا أنت. فنحن عائذون بك/ منك، ولاجئون منك إليك. يعني إن الأمر إلا أمرك، والحكم إلا لك، فما شئت كان، تضل من تشاء، وتهدي من تشاء. 
قال الواحدي : هذه الآية من الحجج الظاهرة على القدرية، التي لا يبقى لهم معها عذر.  أنت ولينا  أي متولي أمورنا القائم بها  فاغفر لنا وارحمنا وأنت خير الغافرين .

١ - \[٢/ البقرة/ ٥٥\]..

### الآية 7:156

> ﻿۞ وَاكْتُبْ لَنَا فِي هَٰذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ ۚ قَالَ عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاءُ ۖ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ ۚ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ [7:156]

\[ ١٥٦ \] { واكتب لنا في هذه الدنيا حسنة وفي الآخرة إنا هدنا إليك قال عذابي أصيب به من أشاء ورحمتي وسعت كل شيء فسأكتبها للذين يتقون ويؤتون الزكاة والذين هم بآياتنا يؤمنون ( ١٥٦ ). 
 واكتب لنا في هذه الدنيا حسنة  أي أثبت لنا فيها خصلة حسنة، كالعافية والحياة الطيبة، والتوفيق للطاعة  وفي الاخرة  أي حسنة أيضا، وهي المثوبة الحسنى والجنة.  إنا هدنا إليك  أي تبنا إليك للطاعة ؟ يقال : هاد إليه يهود، إذا رجع وتاب، فهو هائد. ولبعضهم :
يا راكب الذنب هُدْ، هُدْ \*\*\* واسجد كأنك هُدْهدْ
**وقال آخر :**
 \* إني امرؤ مما جنيت هائد \*
قال أبو البقاء : المشهور ضم الهاء، وهو من ( هاد يهود ) إذا تاب. بكسرها، من ( هاد يهيد ) إذا تحرك أو حرك، أي حركنا إليك نفوسنا، وعلى القراءتين يحتمل الوجهين، البناء للفاعل وللمفعول، بمعنى ملنا أو أمالنا غيرنا، أو حركنا أنفسنا، أو حركنا غيرنا، وذلك لاتحاد الصيغة وصحة المعنى، وإن اختلف التقدير. 
 قال  استئناف وقع جوابا عن سؤال ينساق إليه الكلام، كأنه قيل : فماذا قال تعالى في جواب دعاء موسى ؟ فقيل قال : عذابي أصيب به من أشاء  أي تعذيبه من العصاة  ورحمتي وسعت كل شيء  تطلق الرحمة على التعطف والمغفرة والإحسان والجنة، / كما قال تعالى : يدخل من يشاء في رحمته [(١)](#foonote-١) ولعلها هي المراد هنا، بدليل مقابلتها ب ( العذاب ) قبل، كما قابل الآية التي ذكرناها بقوله : والظالمين أعد لهم عذابا أليما [(٢)](#foonote-٢) والله أعلم.  فسأكتبها  أي هذه الرحمة  للذين يتقون  أي الكفر والشرك والفواحش  ويؤتون الزكاة  أي يعطون زكاة أموالهم  والذين هم بآياتنا  أي بكتابنا ورسولنا  يؤمنون  أي يصدقون. 
**تنبيه :**
قال الجشمي : تدل الآية على حسن سؤال نعيم الدنيا، كما يحسن سؤال نعيم الآخرة، وتدل على أن الواجب على الداعي أن يقرن بدعائه التوبة والإخلاص، لذلك قالوا  إنا هدنا إليك . وتدل على أنه تعالى ينعم على البر والفاجر، ويخص بالثواب المؤمن، فلذلك فصل. ومن تأمل هذا السؤال والجواب، عرف عظيم محل هذا البيان، لأنه عليه السلام، سأل نعيم الدنيا والدين عقيب الرجفة، فكان من الجواب أن العذاب خاصة يصاب به من يستحقه، فأما النعم فما كان من باب الدنيا يسع كل شيء يصحّ عليه التنعم. وما كان من باب الآخرة يكتب لمن له صفات ذكرها. وتدل على أن الرحمة لا تنال بمجرد الإيمان الذي هو التصديق، حتى ينضم إليه الطاعات، فيبطل قول المرجئة.

١ - \[٧٦/ الإنسان/ ٣١\]..
٢ - \[٧٦/ الإنسان/ ٣١\]..

### الآية 7:157

> ﻿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ ۚ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ ۙ أُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [7:157]

\[ ١٥٧ \]  الذين يتبعون الرسول النبي الأمي الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم فالذين آمنوا به وعزروه ونصروه واتبعوا النور الذي أنزل معه أولئك هم المفلحون ( ١٥٧ ) . 
 الذين  بدل من الموصول الأول، بدل الكل، أو منصوب على المدح، أو مرفوع/ عليه، أي أعني الذين أو هم الذين  يتبعون الرسول  أي الذي أرسل إلى الخلائق لتكميلهم  النبي  أي الذي نبئ بأكمل الاعتقادات والأعمال والأخلاق والأحوال والمقامات من جهة الوحي  الأمي  أي الذي لم يحصل علما من بشر  الذي يجدونه مكتوبا  أي باسمه ( محمد وأحمد ) ونعوته  عندهم  زيد هذا لزيادة التقرير، وأن شأنه عليه الصلاة والسلام حاضر عندهم لا يغيب عنهم أصلا  في التوراة والإنجيل يأمرهم بالمعروف  يعني الإيمان بالله. ووحدانيته والشرائع ومكارم الأخلاق، لأن جميع ذلك تعرف صحته إما بالعقل وإما بالشرع  وينهاهم عن المنكر  يعني الكفر والشرك والمعاصي ومساوئ الأخلاق، لأن العقل والشرع ينكره  ويحل لهم الطيبات  أي التي حرمت عليهم لمعاصيهم  ويحرم عليهم الخبائث  أي التي كانوا يتناولونها كالخنزير والميتة والدم- هذا في باب المأكولات  ويضع عنهم إصرهم  أي الأمر الذي يثقل عليهم من التكاليف الشاقة  والأغلال التي كانت عليهم  جمع ( غل ) بالضم، وهو ما يوضع في العنق أو اليد من الحديد، يستعار للشرائط الحرجة والمواثيق الشديدة، أي يخفف عنهم ما كلفوه منها- وهذا في باب العبادات  فالذين آمنوا به  أي بالنبي الأمي وهو محمد صلى الله عليه وسلم  وعزروه  أي عظموه ووقروه  ونصروه  أي على أعدائه في الدين فمنعوهم عنه  واتبعوا النور الذي معه  وهو القرآن، فأحلوا حلاله، وحرموا حرامه. 
ولا يقال : القرآن أنزل مع جبريل، فما معنى  أنزل معه  ؟ لأن المراد مع نبوته، لأن استنباءه كان مصحوبا بالقرآن مشفوعا به. ويجوز أن يعلق ب ( اتبعوا ) أي واتبعوا القرآن المنزل مع اتباع النبي، والعمل بسنته، وبما أمر ونهى عنه، فيكون أمرا بالعمل بالكتاب والسنة، أو هو حال، أي اتبعوا القرآن كما اتبعه، مصاحبين له في اتباعه. وفي التعبير عن القرآن ب  النور  المنبئ عن كونه ظاهرا بنفسه لإعجازه، ومظهرا لغيره من الأحكام، لمناسبة الاتباع  أولئك هم المفلحون  الفائزون بالرحمة، والناجون من النقمة. 
 تنبيهات
الأول : يظهر من سياق الآية أن قوله تعالى : قال عذابي...  الخ جواب لموسى عليه السلام، وذلك أنه دعا بالمغفرة لقومه أجمعين، كتابة حسنتي الدنيا والآخرة لهم، فأجيب أولا بأن ذلك لا يحصل لقومه كلهم، برًّا أو فاجرا، لما سبق من تقديره سبحانه العذاب لمن يشاء من الفجار حكمة منه وعدلا. ولذلك قرأ الحسن وزيد بن علي هنا ( لمن أساء ) فعل ماض من ( الإساءة )، وفي طيه أن ما أصاب قومه من الرجفة هو من عذابه تعالى، الذي شاء إصابتهم به لأفاعيلهم. وثانيا : إنه لا يستأهل كتابة الحسنتين إلا المتقون المتصدقون المؤمنون بالآيات، المتبعون النبي الأمي، فمن استقام على هذه الشرائط، كتب له ذلك. ولا يقال- على هذا- كيف يتبعونه ولم يدركوا زمنه ؟ لأنا نقول : الاتباع أعم من الاتباع ( بالقوة )، وذلك بالإيمان به إجمالا، حسبما أشار له الكتابان لمن تقدم موته على زمن بعثته، وإما ( بالفعل ) لمن لحق زمان بعثته. وفيه تبشير لموسى بالنبي صلى الله عليه وسلم، وتعريف له بشأنه، وإعلام بشأنه، بأن كتابة الرحمة موقوفة على اتباعه. وعليه فيكون قوله تعالى : الذين يتبعون  بدلا من الموصول الأول، بدل الكل. أو منصوب على المدح، أو مرفوع عليه. أي : أعني الذين، أو هم الذين. 
وقال بعضهم : إن جواب موسى ينتهي إلى قوله تعالى : الذين هم بآياتنا يؤمنون  وما بعده مستأنف، فكأنه تعالى أعلم موسى بأنه ذو عذاب، يصيب به من يشاء، كما أصاب أصحاب الرجفة. وذو رحمة واسعة، تكتب للمتقين المتصدقين المؤمنين بالآيات، أي فأمر قومك بأن يكونوا من الفريق المرحوم بالمشي على هذا الوصف المرقوم. ثم استأنف تعالى الإخبار عمن يتبع النبي الأمي بأنهم المفلحون حقا، وعليه فيكون قوله تعالى : الذين يتبعون  مبتدأ خبره  أولئك هم المفلحون ، وتكون القصة استتبعت أعقاب بني إسرائيل، بأنهم إذا اتبعوا النبي الأمي، كانوا هم المفلحين. 
 وجوز بعضهم أن يكون قوله تعالى : قال عذابي  ارتجال خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم. قصد به إعلام أهل الكتاب المعاصرين له، صلى الله عليه وسلم بأنهم إذا اتبعوه وآمنوا به وصدقوه، حقت لهم رحمته تعالى الواسعة، وإلا فلا يأمنوا أن يصابوا بانتقامه تعالى، كما جرى لأسلافهم. وفي ذلك كله من التنويه بشأن النبي صلى الله عليه وسلم وأتباعه المتقين، ما لا يخفى. 
الثاني : تطلق الرحمة على التعطف والمغفرة والإحسان- هذا ما ذكر في اللغة. وعندي أن القرآن الكريم قد تطلق فيه على الجنة، كما قال تعالى : يدخل من يشاء في رحمته [(١)](#foonote-١) بدليل المقابلة بقوله : والظالمين أعد لهم عذابا أليما [(٢)](#foonote-٢) فلعل الرحمة في قوله تعالى هنا : ورحمتي وسعت كل شيء  بمعنى الجنة، بدليل مقابلتها بالعذاب قبل. والله أعلم. 
وقال أبو منصور : ما من أحد مسلم وكافر، إلا وعليه من آثار رحمته في هذه الدنيا. بها يتعيشون ويؤاخون ويوادّون، وفيها ينقلبون، لكنها للمؤمنين خاصة في الآخرة، لا حظّ للكافر فيها. وذلك قوله : فسأكتبها للذين يتقون [(٣)](#foonote-٣) أي : معصية الله، والخلاف له،  ويؤتون الزكاة ، كقوله تعالى : قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق، قل هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا خالصة يوم القيامة [(٤)](#foonote-٤) جعل طيبات الدنيا ونعيمها مشتركة بين المسلم والكافر، لكنها للذين آمنوا واتقوا الشرك خاصة في الآخرة ويحتمل قوله- والله أعلم-.  واكتب لنا في هذه الدنيا حسنة وفي الآخرة [(٥)](#foonote-٥) أنهم سألوا الرحمة، فقال : سأكتبها للذين يتقون معاصي الله ومخالفته. انتهى. 
 الثالث : إنما أفرد  الزكاة  بالذكر، مع دخولها في التقوى قبل، لعلوها وشرفها، فإنها عنوان الهداية، ولأنها كانت أشق عليهم، فذكرها لئلا يفرطوا فيها. 
الرابع : كونه صلى الله عليه وسلم لا يكتب ولا يقرأ، أمر مقرر مشهور. وهل صدر عنه ذلك في كتابة صلح الحديبية كما هو ظاهر الحديث المشهور[(٦)](#foonote-٦)، أو أنه لم يكتب، وإنما أسند إليه مجازا، أو أنه صدر منه ذلك معجزة ؟- انظر في ( فتح الباري ) تفصيله-. 
و  الأمي  نسبة إلى أمة العرب، لأن الغالب عليهم كان ذلك، كما في الحديث[(٧)](#foonote-٧) " إنا أمة أمية لا نكتب ولا نحسب " وأما نسبته إلى ( أم القرى ) فلأن أهلها كانوا كذلك. أو إلى ( أمه ) كأنه على الحالة التي ولدته أمه عليها. وقيل : إنه منسوب ( إلى الأم ) - بفتح الهمزة- بمعنى القصد، لأنه المقصود، وضم الهمزة من تغيير النسب. ويؤديه قراءة يعقوب  الأميّ  - بفتح الهمزة- وإن احتملت أن تكون من تغيير النسب أيضا. وإنما وصفه تعالى به تنبيها على أن كمال علمه مع حاله إحدى معجزاته. فهي له مدح وعلوّ كعب، لأنها معجزة له كما قال البوصيريّ. 
 \* كفاك بالعلم في الأميّ معجزة\*
كما أن صفة التكبر لله مادحة، وفي غيره ذامة، كذا في ( العناية ). 
الخامس : في قوله تعالى : الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل  إشارة إلى بشائر الأنبياء عليهم السلام، بنبوته صلى الله عليه وسلم. 
قال الماورديّ في ( أعلام النبوة ) في الباب الخامس عشر في بشائر الأنبياء بنبوته عليه الصلاة والسلام :
 إن لله تعالى عونا على أوامره، وإغناء عن نواهيه، فكأن أنبياء الله تعالى معانون على تأسيس النبوة، بما تقدمه من بشائرها، وتبديه من أعلامها وشعائرها، ليكون السابق مبشرا ونذيرا، واللاحق مصدقا وظهيرا، فتدوم بهم طاعة الخلق، وينتظم بهم استمرار الحق. وقد تقدمت بشائر من سلف من الأنبياء، بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم، مما هو حجة على أممهم ومعجزة تدل على صدقه عند غيرهم، بما أطلعه الله تعالى على غيبه، ليكون عونا للرسول، وحثا على القبول. فمنهم من عيّنه باسمه، ومنهم من ذكره بصفته، ومنهم من عزاه إلى قومه، ومنهم من أضافه إلى بلده، ومنهم من خصه بأفعاله، ومنهم من ميّزه بظهوره وانتشاره. وقد حقق الله تعالى جميعها فيه، حتى صار جليا بعد الاحتمال ويقينا بعد الارتياب، ثم سرد الماورديّ البشائر من نصوص كتبهم. 
وجاء في ( إظهار الحق ) ما نصه : إن الإخبارات الواقعة في حق محمد صلى الله عليه وسلم، توجد كثيرة إلى الآن أيضا، مع وقوع التحريفات في هذه الكتب. ومن عرف أولا طريق إخبار النبي المتقدم، عن النبي المتأخر، على ما عرفت في الأمر الثاني- يعني في كلامه- ثم نظر ثانيا بنظر الإنصاف إلى هذه الإخبارات، وقابلها بالإخبارات التي نقلها الإنجيليون في حق عيسى عليه السلام، جزم بأن الإخبارات المحمدية في غاية القوة. 
وجاء في ( منية الأذكياء في قصص الأنبياء ) ما نصه : إن نبينا عليه الصلاة والسلام قد بشرت به الأنبياء السالفون، وشهدوا بصدق نبوته، ووصفوه وصفا رفع كل احتمال، حيث صرحت باسمه وبلده وجنسه وحليته وأطواره وسمته. غير أن أهل الكتاب حذفوا اسمه- يعني من نسخهم الأخيرة- إلا أن ذلك لم يجدهم نفعا، لبقاء الصفات التي اتفق عليها المؤرخون من كل جنس وملة وهي أظهر دلالة من الاسم على المسمى، إذ قد يشترك اثنان في اسم، ويمتنع اشتراك اثنين في جميع الأوصاف. لكن من أمد غير بعيد، قد شرعوا في تحريف بعض الصفات، ليبعد صدقها على النبي عليه الصلاة والسلام. فترى كل نسخة متأخرة تختلف عما قبلها في بعض المواضع، اختلافا لا يخفى على اللبيب أمره، ولا ما قصد/ به، ولم يفدهم ذلك غير تقوية الشبهة عليهم لانتشار النسخ بالطبع، وتيسر المقابلة بينها. وها نحن نورد شذرة من البشائر لديهم :
فمنها : في الباب السادس عشر من سفر التكوين في حق هاجر هكذا :
١١- وقال لها ملاكُ الربّ أنت حُبلى فتلدين ابنا. وتدعين اسمه إسماعيل لأن الرب قد سمع لمذلتك. 
١٢- وإنه يكون إنسانا وشيا. يده على كل واحد يد كل واحد عليه. وأمام جميع خوته يسكن. 
هذه بشارة بمحمد صلى الله عليه وسلم، لا بجده إسماعيل، لأن اسماعيل عليه السلام، لم تكن يده فوق يد الجميع، ولا كانت يد الجميع مبسوطة إليه بالخصوص. بل في التوراة أن إسماعيل وأمه هاجر أُخرجا من وطنهما مكرهين، ولم يرث إسماعيل مع إسحق، وكان الملك والنبوة في بني إسحق، وكان إسماعيل في البراري العطاش، ولم يسمع أن الأمم دانت لهم، حتى بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم، فدانت له الملوك، وخضعت له الأمم، وعلت يده وأيدي بني إسماعيل على كل يد، وصارت يد كل بهم فكان ذكر إسماعيل مقصودا به ولده. كما أن في مواضع كثيرة من التوراة، ذكر يعقوب، والمقصود بالذكر ولد يعقوب. فمن ذلك قوله في السفر الخامس :( يا إسرائيل ! ألا تخشى الله ربكَ، وتسلُك في سبيله وتعمل له ) ؟ فهذا خطاب لبني إسرائيل باسم أبيهم، وكذلك قوله لقوم موسى :( اسمع إسرائيل، ثم احفظ، واعمل

١ - \[٧٦/ الإنسان/ ٣١\]..
٢ -\[٧٦/ الإنسان/ ٣١\]..
٣ - \[٧/ الأعراف/ ١٥٦\]..
٤ - \[٧/ الأعراف/ ٣٢\]..
٥ - \[٧/ الأعراف/ ١٥٦\]..
٦ - أخرجه البخاري في: ٥٤- كتاب الشهادات، ١٥- باب الشروط في الجهاد والمصالحة مع أجل الحرب وكتابة الشروط، حديث رقم ٨٨١ ورقم ٨٨٢..
٧ - أخرجه البخاري قي: ٢٠- كتاب الصوم، ١٣- باب قول النبي صلى الله عليه وسلم "لا نكتب ولا نحسُب" حديث رقم ٩٦٨..

### الآية 7:158

> ﻿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۖ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ ۖ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ [7:158]

قل يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعا الذي له ملك السماوات والأرض لا إله إلا هو يحي ويميت فآمنوا بالله ورسوله النبي الأمي الذي يؤمن بالله وكلماته واتبعوه لعلكم تهتدون ( ١٥٨ ) . 
 قل يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعا  أي كافة  الذي له ملك السماوات والأرض لا إله إلا هو يحي ويميت  نعوت للفظ الجلالة، أي الذي أرسلني هو خالق كل شيء وربه ومليكه الذي بيده الملك والإحياء والإماتة. والآية نص في عموم بعثته للأحمر والأسود، والعربي والعجمي. وفي الحديث :" أعطيت خمسا لم يعطهن نبي قبلي- ولا أقولهن فخرا- بعثت إلى الناس كافة، الأحمر والأسود ؛ ونصرت بالرعب مسيرة شهر ؛ وأحلت لي الغنائم، ولم تحل لأحد قبلي ؛ وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا، وأعطيت الشفاعة، فأخرتها لأمتي، فهي لمن لا يشرك بالله شيئا ". رواه الإمام أحمد[(١)](#foonote-١) عن ابن عباس / مرفوعا، ورواه [(٢)](#foonote-٢)أيضا عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال : قال رسول صلى الله عليه وسلم :" لقد أعطيت الليلة خمسا ما أعطيهن أحد قبلي. أما أنا فأرسلت إلى الناس كلهم عامة، وكان من قبلي إنما يرسل إلى قومه ؛ ونصرت على العدو بالرعب، ولو كان بيني وبينهم مسيرة شهر لملىء منه رعبا ؛ وأحلت لي الغنائم، آكلها ؛ وكان من قبلي يعظمون أكلها، كانوا يحرقونها ؛ وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا، أينما أدركتني الصلاة تمسحت وصليت وكان من قبلي يعظمون ذلك، إنما كانوا يصلون في بيعهم وكنائسهم ؛ والخامسة هي ما هي ! قيل لي : سل، فإن كل نبي قد سأل، فأخرت مسألتي إلى يوم القيامة، فهي لكم، ولمن يشهد أن لا إله إلا الله ". 
قال الحافظ ابن كثير : إسنادهما جيد قوي. 
وروى الإمام أحمد بمعناه عن ابن عمر وأبي موسى، وهو ثابت في ( الصحيحين ) [(٣)](#foonote-٣) عن جابر. 
وأخرج مسلم[(٤)](#foonote-٤) عن أبي موسى قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" والذي نفسي بيده ! لا يسمع بي رجل من هذه الأمة، يهوديّ ولا نصرانيّ، ثم لا يؤمن بي إلا دخل النار ".  فآمنوا بالله ورسوله النبي الأمي  أي الذي نبئ ما يرشد الخلائق كلهم، مع كونه أميا. وفي نعته بذلك زيادة تقرير أمره وتحقيق أنه المكتوب في الكتابين  الذي يؤمن بالله وكلماته  أي ما أنزل عليه وعلى من تقدمه من الرسل من كتبه ووحيه  واتبعوه لعلكم تهتدون . 
١ - أخرجه في المسند بالصفحة رقم ٣٠١ من الجزء الأول (طبعة الحلبي) والحديث رقم ٢٧٤٢ (طبعة المعارف)..
٢ - أخرجه في المسند بالصفحة رقم ٢٢٢ من الجزء الثاني (طبعة الحلبي) والحديث رقم ٧٠٦٨ (طبعة المعارف)..
٣ - أخرجه البخاري في؛ ٨- كتاب الصلاة، ٥٦- باب قول النبي صلى الله عليه وسلم "جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا" حديث رقم ٢٣١. 
 ومسلم في: ٥- كتاب المساجد ومواضع الصلاة، حديث رقم ٣ (طبعتنا)..
٤ - أخرجه مسلم في: ١- كتاب الإيمان، حديث رقم ٢٤٠ (طبعتنا)..

### الآية 7:159

> ﻿وَمِنْ قَوْمِ مُوسَىٰ أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ [7:159]

ومن قوم موسى أمة يهدون بالحق وبه يعدلون ( ١٥٩ ) . 
 ومن قوم موسى أمة يهدون بالحق  أي : موقنين ثابتين، يهدون الناس بكلمة الحق، ويدلونهم على الاستقامة، ويرشدونهم  وبه يعدلون  وبالحق يعدلون بينهم في الحكم، لا يجورون. والآية سيقت لدفع ما عسى يوهمه تخصيص كتب الرحمة والتقوى والإيمان بمتبعي رسول الله صلى الله عليه وسلم من حرمان أسلاف آمنوا بالنبي صلى الله عليه وسلم. ويأباه أنه قد مرّ ذكرهم فيما سلف. أفاده أبو السعود. 
وهذه الآية كقوله تعالى : من أهل الكتاب أمة قائمة يتلون آيات الله آناء الليل وهم يسجدون [(١)](#foonote-١)، وقوله تعالى : وإن من أهل الكتاب لمن يؤمن بالله وما أنزل إليكم وما أنزل إليهم خاشعين لله لا يشترون بآيات الله ثمنا قليلا، أولئك لهم أجرهم عند ربهم، إن الله سريع الحساب [(٢)](#foonote-٢). 
١ - \[٣/ آل عمران/ ١١٣\]..
٢ - \[٣/ آل عمران/ ١١٩\]..

### الآية 7:160

> ﻿وَقَطَّعْنَاهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْبَاطًا أُمَمًا ۚ وَأَوْحَيْنَا إِلَىٰ مُوسَىٰ إِذِ اسْتَسْقَاهُ قَوْمُهُ أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ ۖ فَانْبَجَسَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا ۖ قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ ۚ وَظَلَّلْنَا عَلَيْهِمُ الْغَمَامَ وَأَنْزَلْنَا عَلَيْهِمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَىٰ ۖ كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ ۚ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَٰكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ [7:160]

\[ ١٦٠ \]  وقطعناهم اثنتي عشرة أسباطا أمما وأوحينا إلى موسى إذ استسقاه قومه أن اضرب بعصاك الحجر فانبجست منه اثنتا عشرة عينا قد علم كل أناس مشربهم وظللنا عليهم الغمام وأنزلنا عليهم المن والسلوى كلوا من طيبات ما رزقناكم وما ظلمونا ولكن كانوا أنفسهم يظلمون ( ١٦٠ ) . 
 وقطعناهم  أي قوم موسى  اثنتي عشرة أسباطا  أي صيرناهم قطعا، أي فرقا، وميزنا بعضهم من بعض. والأسباط : أولاد الولد، وكانوا اثنتي عشرة قبيلة، من اثني عشر/ ولدا، من ولد يعقوب عليه السلام  أمما  أي عظيمة وجماعة كثيفة العدد  وأوحينا إلى موسى إذ استسقاه قومه  أي في التيه  أن اضرب بعصاك الحجر  فضربه  فانبجست  أي انفجرت  منه اثنتا عشرة عينا  بعدد الأسباط  قد علم كل أناس  أي سبط منهم  مشربهم وظللنا عليهم الغمام  في التيه من حرّ الشمس  وأنزلنا عليهم المن والسلوى كلوا من طيبات ما رزقناكم وما ظلمونا ولكن كانوا أنفسهم يظلمون  حيث أوجبوا لها العذاب الدائم.

### الآية 7:161

> ﻿وَإِذْ قِيلَ لَهُمُ اسْكُنُوا هَٰذِهِ الْقَرْيَةَ وَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ وَقُولُوا حِطَّةٌ وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا نَغْفِرْ لَكُمْ خَطِيئَاتِكُمْ ۚ سَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ [7:161]

\[ ١٦١ \]  وإذ قيل لهم اسكنوا هذه القرية وكلوا منها حيث شئتم وقولوا حطة وادخلوا الباب سجدا نغفر لكم خطيئتكم سنزيد المحسنين ( ١٦١ ) . 
 { وإذ قيل لهم اسكنوا هذه القرية  يعني بيت المقدس، والقائل موسى عليه السلام، دعاهم إلى دخول بيت المقدس. أو يوشع، فإنه دعاهم، بعد وفاة موسى، إلى غزو بيت المقدس  وكلوا منها حيث شئتم وقولوا حطة  أي قولوا حط عنا ذنوبنا، وقيل : أمروا بكلمة إذا قالوها حط عنهم أوزارهم  وادخلوا الباب  أي باب القرية  سجدا  أي ساجدين أو خاضعين. أمروا بأن يدخلوها بالتواضع، وكان ذلك شرطا في قبول فعلهم  نغفر لكم خطيئتكم سنزيد المحسنين .

### الآية 7:162

> ﻿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَظْلِمُونَ [7:162]

\[ ١٦٢ \]  فبدل الذين ظلموا منهم قولا غير الذي قيل لهم فأرسلنا عليهم رجزا من السماء بما كانوا يظلمون ( ١٦٢ ) . 
 فبدل الذين ظلموا منهم قولا غير الذي قيل لهم فأرسلنا عليهم رجزا  / أي عذابا  من السماء بما كانوا يفسقون  وقد تقدم تفسير هذا كله في سورة البقرة[(١)](#foonote-١) بما يغني عن إعادته.

١ - يشير إلى قوله تعالى في: \[٢/ البقرة/ ٥٩\] صفحة رقم ١٣٣ من التفسير. حسب ترقيم الطبعة القديمة..

### الآية 7:163

> ﻿وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا وَيَوْمَ لَا يَسْبِتُونَ ۙ لَا تَأْتِيهِمْ ۚ كَذَٰلِكَ نَبْلُوهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ [7:163]

وسألهم عن القرية التي كانت حاضرة البحر إذ يعدون في السبت إذ تأتيهم حيتانهم يوم سبتهم شُرَّعا ويوم لا يسبتون لا تأتيهم كذلك نبلوهم بما كانوا يفسقون ( ١٦٣ ) . 
 وسألهم عن القرية التي كانت حاضرة البحر إذ يعدون في السبت إذ تأتيهم حيتانهم يوم سبتهم شُرَّعا ويوم لا يسبتون لا تأتيهم كذلك نبلوهم بما كانوا يفسقون  هذا السياق هو بسط لقوله تعالى : ولقد علمتم الذين اعتدوا منكم في السبت فقلنا لهم كونوا قردة خاسئين [(١)](#foonote-١). فقوله تعالى : وسألهم  عطف على ( اذكر ) المقدر عند قوله  وإذ قيل  أي واسأل اليهود المعاصرين لك، سؤال تقريع وتقرير، بقديم كفرهم وتجاوزهم حدود الله، وإعلاما بأن هذا من علومهم التي لا تعلم إلا بكتاب أو وحي، فإذا أعلمهم به من لم يقرأ كتابهم، علم أنه من جهة الوحي. 
وقال ابن كثير : واسأل هؤلاء اليهود بحضرتك عن قصة أصحابهم الذين خالفوا أمر الله، ففجأتهم نقمته على صنيعهم واعتدائهم واحتيالهم في المخالفة، وحذّر هؤلاء من كتمان صفتك التي يجدونها في كتبهم، لئلا يحل بهم ما حل بإخوانهم وسلفهم. 
و ( هذه القرية ) هي أيلة، بين مدين والطور، وقيل هي متنا، بين مدين وعينونا. ومعنى كونها  حاضرة البحر  أنها قريبة منه، راكبة لشاطئه. 
 وقوله تعالى : إذ يعدون في السبت  أي يتجاوزون حد الله فيه، وهو اصطيادهم في يوم السبت، وقد نهوا عنه، فقد أخذت عليهم العهود والمواثيق أن يحفظوا السبوت من عمل ما. 
و ( الحيتان ) السمك، وأكثر ما تستعمل العرب الحوت، في معنى السمكة. 
و ( شُرَّعا } جمع شارع، من ( شرع ) بمعنى دنا. يقال : شرع علينا فلان، إذا دنا منا، وأشرف علينا. وشرعت على فلان في بيته، فرأيته يفعل كذا، وهو حال من  حيتانهم  أي تأتيهم يوم سبتهم ظاهرة على وجه الماء، قريبة من الساحل، ويوم لا يسبتون لا تأتيهم أصلا إلى السبت المقبل. 
قرئ  يسبتون  ثلاثيا، ومزيدا فيه، من ( أسبت ) معلوما ومجهولا أيضا، بمعنى لا يدخلون في السبت، ولا يدار عليهم. 
وقوله تعالى : كذلك نبلوهم  أي مثل ذلك البلاء العجيب الفظيع، نختبرهم بإظهار السمك لهم على ظهر الماء، في اليوم المحرم عليهم صيده، وإخفائه عنهم في اليوم الحلال لهم صيده، أي نعاملهم معاملة من يختبرهم، بسبب فسقهم، فيظهر عدوانهم، فيستحقون المؤاخذة. 
١ - \[٢/ البقرة/ ٦٥\]..

### الآية 7:164

> ﻿وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا ۙ اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا ۖ قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَىٰ رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ [7:164]

ثم بين تعالى تماديهم في العدوان، وعدم انزعاجهم عنه، بعد العظات والإنذارات، بقوله سبحانه :
\[ ١٦٤ \]  وإذ قالت أمة منهم لم تعظون قوما الله مهلكهم أو معذبهم عذابا شديدا قالوا معذرة إلى ربكم ولعلهم يتقون ( ١٦٤ ) . 
 وإذ قالت أمة منهم  أي جماعة من صلحائهم، يحاورون فريقا ممن دأب في عظتهم  لم تعظون قوما الله مهلكهم  أي : مخترمهم ومطهر الأرض منهم  أو معذبهم/ عذابا شديدا  أي بل معذبهم عذابا شديدا، إذ مجرد الإهلاك قد يوجد معه لطف، وأما شدة العذاب فتلك القاصمة  قالوا  أي : الوعاظ  معذرة إلى ربكم  أي نعظهم معذرة إليه تعالى، لئلا ننسب إلى التفريط في وصيته بالنهي عن المنكر. وقرئ بالرفع. أي موعظتنا معذرة  ولعلهم يتقون  أي ورجاء في أن يتقوا فيتوبوا فينجوا من الإهلاك.

### الآية 7:165

> ﻿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ [7:165]

\[ ١٦٥ \]  فلما نسوا ما ذكروا به أنجينا الذين ينهون عن السوء وأخذنا الذين ظلموا بعذاب بئيس بما كانوا يفسقون ( ١٦٥ ) . 
 فلما نسوا ما ذكروا به  أي فلما تركوا ما ذكرهم به صلحاؤهم، ترك الناسي لشيء، وأعرضوا عنه إعراضا كليا، بحيث لم يخطر ببالهم شيء من تلك المواعظ أصلا  أنجينا الذين ينهون عن السوء وأخذنا الذين ظلموا  أي : المرتكبين المنكر }. 
 بعذاب بئيس  أي : شديد، وزنا ومعنى  بما كانوا يفسقون  بفعل المنكر.

### الآية 7:166

> ﻿فَلَمَّا عَتَوْا عَنْ مَا نُهُوا عَنْهُ قُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ [7:166]

\[ ١٦٦ \]  فلما عتوا عن ما نهوا عنه قلنا لهم كونوا قردة خاسئين ( ١٦٦ ) . 
 فلما عتوا عن ما نهوا عنه  أي تكبروا وأبوا أن يتركوا ما نهوا عنه  قلنا لهم كونوا قردة خاسئين  أي صاغرين أذلاء، بعداء من الناس. 
قال الزجاج : أمروا بأن يكونوا كذلك بقول سمع. 
وقال غيره : المراد بالأمر هو الأمر التكويني، لا القولي، أي : التكليفي، لأنه ليس في وسعهم حتى يؤمروا به. وفي الكلام استعارة تخييلية. شبه تأثير قدرته تعالى في المراد من غير توقف، ومن غير مزاولة عمل واستعمال آلة، بأمر المطاع للمطيع، في حصول المأمور به، من غير توقف. كذا في ( العناية ). 
 وظاهر الآية يقتضي أن الله تعالى عذبهم أولا بعذاب شديد، فعتوا بعد ذلك، فمسخهم. ويجوز أن تكون الآية الثانية تقريرا وتفصيلا لما قبلها. 
**تنبيهات :**
الأول : قال الجشمي : تدل الآية على أنهم تعبدوا بتحريم الصيد يوم السبت. وأنه شدد التكليف عليهم بظهورها يومئذ، وأنهم خالفوا أمر الله، وهذا القدر يقتضيه الظاهر. ومتى قيل : أفظهور الحيتان يوم السبت دون غيره من الأيام، هل كانت معجزة. قلنا : اختلفوا فيه. فقيل : كان معجزة لنبي ذلك الزمان، لأنه لا يتفق للسمك أن يأتي الأنهار كثيرا في يوم واحد، ولا يظهر في سائر الأيام. فإن كان كذلك، فلا بد أن الله تعالى قوّى دواعي الحيتان يوم السبت، فظهروا. وصرفهم في سائر الأيام، فلم يظهروا، فكانت معجزة. وقيل : كانت جرت عادتهم بترك الصيد يوم السبت، فعلموا ذلك فكثروا في ذلك اليوم على عادتهم، كما اعتاد الدواب كثيرا من الأشياء. انتهى. 
**وقد روي في اعتدائهم في السبت روايات :**
منها : أنهم تحيلوا لاصطياد الحيتان فيه بوضع الحبائل والبرك قبل يوم السبت، حتى إذا جاءت يوم السبت على عادتها في الكثرة، نشبت بتلك الحبائل، فلم تخلص منها يومها، فإذا كان الليل، أخذوها بعد انقضاء السبت. 
ومنها : أنهم كانوا يأخذونها يوم السبت بالفعل، ولكن يأكلونها في غيره من الأيام، فتأول لهم الشيطان أن النهي عن الأكل فيه منها، لا عن صيدها. فنهتهم طائفة منهم عن ذلك وقالت : ما نراكم تصبحون حتى يصبحكم الله بخسف، أو قذف، أو بعض ما عنده من العذاب. فلما أصبحوا وجدوهم أصابهم من المسخ ما أصابهم، وإذا هم قردة- رواه عبد الرزاق وابن جرير- وثمة روايات أخر. 
وروي عن مجاهد أنهم مسخت قلوبهم، لا أبدانهم- والله أعلم-. 
الثاني : استدل بهذه القصة على تحريم الحيل. 
 قال الإمام ابن القيم في ( إغاثة اللهفان ) : ومن مكايد الشيطان التي كاد بها الإسلام وأهله، الحيل والمكر والخداع، الذي يتضمن تحليل ما حرم الله، وإسقاط ما فرضه، ومضادته في أمره ونهيه. وهي من الرأي الباطل الذي اتفق السلف على ذمه. فإن الرأي رأيان : رأي يوافق النصوص، وتشهد له بالصحة والاعتبار، وهو الذي اعتبره السلف، وعملوا به. ورأي يخالف النصوص، وتشهد له بالإبطال والإهدار، فهو الذي ذموه وأنكروه. وكذلك الحيل نوعان : نوع يتوصل به إلى فعل ما أمر الله تعالى به، وترك ما نهى عنه، والتخلص من الحرام، وتخليص المحق من الظالم المانع له، وتخليص المظلوم من يد الظالم الباغي، فهذا النوع محمود، يثاب فاعله ومعلمه. ونوع يتضمن إسقاط الواجبات، وتحليل المحرمات، وقلب المظلوم ظالما، والظالم مظلوما، والحق باطلا، والباطل حقا، فهذا الذي اتفق السلف على ذمه، وصاحوا بأهله من أقطار الأرض. 
ثم ساق الوجوه العديدة على تحريمه وإبطاله. وقال في سادسها :
إن الله تعالى أخبر عن أهل السبت من اليهود بمسخهم قردة لما احتالوا على إباحة ما حرمه الله تعالى عليهم من الصيد، بأن نصبوا الشباك يوم الجمعة، فلما وقع فيها الصيد، أخذوه يوم الأحد. قال بعض الأئمة : ففي هذا زجر عظيم لمن يتعاطى الحيل على المناهي الشرعية، ممن يتلبس بعلم الفقه، وهو غير فقيه، إذ الفقيه من يخشى الله تعالى بحفظ حدوده، وتعظيم حرماته، والوقوف عندها. ليس المتحيلَ على إباحة محارمه، وإسقاط فرائضه. ومعلوم أنهم لم يستحلوا ذلك تكذيبا لموسى عليه السلام وكفرا بالتوراة، وإنما هو استحلال تأويل. واحتيال ظاهره ظاهر الإيفاء، وباطنه باطن الاعتداء، ولهذا – والله أعلم- مسخوا قردة، لأن صور القردة فيها شبه من صورة الإنسان، وفي أوصافه شبه منهم، وهو مخالف له في الحد والحقيقة. فلما نَسَخَ أولئك المعتدون دين الله تعالى بحيث لم يتمسكوا إلا بما يشبه الدين في بعض ظاهره، دون حقيقته، مسخهم الله تعالى قردة يشبهونهم في بعض ظواهرهم، دون الحقيقة، جزاء وفاقا. 
 ثم روى في عاشرها عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم[(١)](#foonote-١) : لا ترتكبوا ما ارتكبت اليهود، وتستحلوا محارم الله بأدنى الحيل ". 
الثالث : دلت الآيات على أن أهل هذه القرية صاروا إلى ثلاث فرق : فرقة ارتكبت المحذور، واحتالوا على صيد السمك يوم السبت، كما بينا. وفرقة نهت عن ذلك واعتزلتهم. وفرقة سكتت فلم تفعل ولم تنه، ولكنها قالت للمنكرة : لم تنهون هؤلاء، وقد علمتم أنهم قد هلكوا واستحقوا العقوبة من الله فلا فائدة في نهيكم إياهم ؟ فأجابتها المنكرة : بأنا نفعل ذلك اعتذار إلى ربنا فيما أخذ علينا من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. ثم نص تعالى على نجاة الناهين، وهلاك الظالمين. 
وقال ابن كثير : وسكت عن الساكتين، لأن الجزاء من جنس العمل، فهم لا يستحقون مدحا فيمدحوا ولا ارتكبوا عظيما فيذموا، ومع هذا فقد اختلف الأئمة فيهم : هل كانوا من الهالكين، أو من الناجين ؟ على قولين : ويروى أن ابن عباس كان توقف فيهم، ثم صار إلى نجاتهم، لما قال له غلامه عكرمة : ألا ترى أنهم قد كرهوا ما هم عليه، وخالفوهم، وقالوا : لم تعظون قوما الله مهلكهم  ؟ فكساه حلة. 
الرابع : دل قوله تعالى : قالوا معذرة إلى ربكم ولعلهم يتقون  على أن النهي عن المنكر لا يسقط. ولو علم المنكر عدم الفائدة فيه. إذ ليس من شرطه حصول الامتثال عنه، ولو لم يكن فيه إلا القيام بركن عظيم من أركان الدين، والغيرة على حدود الله، والاعتذار إليه تعالى، إذ شدد في تركه- لكفاه فائدة.

١ - رواه أبو عبد الله بن بطة: انظر: الجزء الأول من (إغاثة اللهفان) ص ٣٤٨ (طبعة مصطفى الحلبي) عام ١٣٥٧ هـ..

### الآية 7:167

> ﻿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلَىٰ يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذَابِ ۗ إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ الْعِقَابِ ۖ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ [7:167]

ولما ذكر تعالى بعض مساوئ اليهود، تأثره ببيان أنه حكم عليهم بالذل والصغار إلى يوم القيامة فقال سبحانه :
 \[ ١٦٧ \]  وإذ تأذن ربك ليبعثن عليهم إلى يوم القيامة من يسومهم سوء العذاب إن ربك لسريع العقاب وإنه لغفور رحيم ( ١٦٨ ) . 
 وإذ تأذن ربك  أي آذن، ( كتوعد بمعنى أوعد ). من ( الإيذان ) بمعنى ( الإعلام ) أجري مجرى فعل القسم، كعلم الله، وشهد الله. ولذلك أجيب بما يجاب به القسم، وهو قوله : ليبعثن عليهم  والمعنى : وإذ حتم ربك وحكم، ليسلطن على اليهود  إلى يوم القيامة من يسومهم سوء العذاب  كالإذلال وضرب الجزية وغير ذلك، بسبب عصيانهم ومخالفتهم أوامر الله وشرعه، واحتيالهم على المحارم. وقد بعث الله تعالى، بعد سليمان عليه السلام، بختنصر مالك بابل، فخرب ديارهم، وقتل مقاتلتهم، وسبى نساءهم وذراريهم، وضرب الجزية على من بقي منهم، وجلا كثيرا منهم إلى بابل- قصبة مملكته- وأقاموا فيها سبعين سنة، إلى أن صاروا جميعا تحت سلطة الرومان، بعد ولادة عيسى عليه السلام بإحدى وسبعين سنة، واستؤصلوا من أرضهم، وتفرقوا في البلاد شذر مذر، صاغرين مقهورين. ومن ها هنا، استدل من استدل بأنهم لا يكون لهم دولة ولا عز، وباتصال ذلهم.  إن ربك لسريع العقاب  لمن أقام على كفره، ونبذ وصاياه  وإنه لغفور رحيم  أي لمن تاب وآمن وعمل صالحا.

### الآية 7:168

> ﻿وَقَطَّعْنَاهُمْ فِي الْأَرْضِ أُمَمًا ۖ مِنْهُمُ الصَّالِحُونَ وَمِنْهُمْ دُونَ ذَٰلِكَ ۖ وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ [7:168]

ثم أخبر تعالى عن تبددهم في الأقطار بقوله :
\[ ١٦٨ \]  وقطعناهم في الأرض أمما منهم الصالحون ومنهم دون ذلك وبلوناهم بالحسنات والسيئات لعلهم يرجعون ( ١٦٨ ) . 
 وقطعناهم في الأرض أمما  أي فرقنا بني إسرائيل في الأرض، وجعلنا كل فرقة/ منهم في قطر من أقطارها، بحيث لا تخلو ناحية منها، منهم، تكملة لإدبارهم، حتى لا تكون لهم شوكة  منهم الصالحون ومنهم دون ذلك  أي من ينحط عن درجة الصلاح، لكفر أو فسق  وبلوناهم بالحسنات والسئات  أي بالنعم والنقم التي هي أمثلة جزاء الصلاح والفسق  لعلهم يرجعون  أي عن أسباب السيئات إلى الحسنات.

### الآية 7:169

> ﻿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتَابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَٰذَا الْأَدْنَىٰ وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا وَإِنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ ۚ أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثَاقُ الْكِتَابِ أَنْ لَا يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ وَدَرَسُوا مَا فِيهِ ۗ وَالدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ ۗ أَفَلَا تَعْقِلُونَ [7:169]

\[ ١٦٩ \]  فخلف من بعدهم خلْفٌ ورثوا الكتاب يأخذون عرض هذا الأدنى ويقولون سيغفر لنا وإن يأتهم عرض مثله يأخذوه ألم يؤخذ عليهم ميثاق الكتاب أن لا يقولوا على الله إلا الحق ودرسوا ما فيه والدار الآخرة خير للذين يتقون أفلا تعقلون ( ١٦٩ ) . 
 فخَلَفَ من بعدهم  أي من بعد هؤلاء المذكورين  خلفٌ  أي بدل سوء. والمراد بهم الذين كانوا في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم. و ( الخلف ) مصدر، ولذا يوصف به المفرد وغيره، وقد شاع في الطالح، ومفتوح اللام ب ( الصالح )، وربما جاء عكسه  ورثوا الكتاب  أي التوراة من أسلافهم المختلفين، يقرؤونها ويقفون على ما فيها من الأوامر والنواهي، والتحليل والتحريم، ولا يعملون بها كما قال : يأخذون عرَضَ هذا الأدْنَى  أي حطام هذا الشيء الأدنى، يريد الدنيا، وما يتمتع به منها. وفي قوله : هذا الأدنى  تخسيس وتحقير. و ( العرض ) بفتح الراء، ما لا ثبات له، ومنه استعار المتكلمون ( العرض ) لمقابل ( الجوهر ). و ( الأدنى ) إما من الدنو، بمعنى القرب، لأنه عاجل قريب بالنسبة إلى الآخرة. وإما من دنو الحال وسقوطها وقلتها  ويقولون سيُغْفَرُ لنا  أي يعتاضون عن بذل الحق ونشره، بعرض الحياة الدنيا، ويتحكمون على الله تعالى بأنه لا يؤاخذهم بما أخذوا  وإن يأتهم عرض مثله يأخذوه  الواو للحال، أي يرجون المغفرة، وهم مصرون / عائدون إلى مثل فعلهم، غير تائبين، كلما لاح لهم مثل الأول أخذوه.  ألم يؤخذ عليهم ميثاق الكتاب  أي الميثاق الوارد فيه  أن لاَّ يقولوا على الله إلا الحق  أي فلو صح ما تحكموا به على الله، لم يكن لأخذ هذا الميثاق معنى. 
ثم أخبر تعالى أن أخذهم ليس عن جهلهم بذلك الميثاق بقوله : ودرسوا ما فيه  أي قرأوا ما في الكتاب من الميثاق مرة بعد مرة  والدار الآخرة خير  أي من ذلك العرض الخسيس  للذين يتقون  أي أخذ هذا الأدنى بدل كتم الحق  أفلا تعقلون  أي فتعلموا ذلك، فلا تستبدلوا الأدنى المؤدي إلى العقاب، بالنعيم المخلد. وقرئ بالياء. وفي الالتفات تشديد للتوبيخ.

### الآية 7:170

> ﻿وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ [7:170]

ثم أثنى تعالى على من تمسك بكتابه الذي يقوده إلى اتباع رسوله محمد صلى الله عليه وسلم، كما هو مكتوب فيه، بقوله سبحانه :
\[ ١٧٠ \]  والذين يمسّكون بالكتاب  أي يتمسكون به في أمور دينهم. يقال : مسّك بالشيء وتمسك به. وقرئ يُمسكون، من ( الإمساك ) وتمسكوا واستمسكوا  وأقاموا الصلاة إنا لا نضيع أجر المصلحين  من وضع الظاهر موضع المضمر، تنبيها على أن الإصلاح كالمانع من التضييع، لأن التعليق بالمشتق يفيد علة مأخذ الاشتقاق، فكأنه قيل : لا نضيع أجرهم لإصلاحهم. فإن قلت : التمسك بالكتاب يشتمل على كل عبادة، ومنها إقامة الصلاة، فكيف أفردت ؟ أجيب : بأن إفرادها، إظهاراً لمزية الصلاة- لكونها عماد الدين، وفارقة بين الكفر والإيمان. 
قال الجشمي : تدل الآية على وعيد المعرض عن الكتاب، ووعد من تمسّك به، تنبيها / لنا وتحذيرا عن سلوك طريقتهم. وتدل على أن الاستغفار باللسان، وتمني المغفرة لا ينفع حتى يكون معهما التوبة والعمل.

### الآية 7:171

> ﻿۞ وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ وَظَنُّوا أَنَّهُ وَاقِعٌ بِهِمْ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ [7:171]

\[ ١٧١ \]  وإذ نتقنا الجبل فوقهم كأنه ظلة وظنوا أنه واقع بهم خذوا ما آتيناكم بقوة واذكروا ما فيه لعلم تتقون ( ١٧١ ) . 
 وإذ نتقنا الجبل فوقهم  أي رفعناه  كأنه ظلة  أي سحابة  وظنوا أنه واقع بهم  أي ساقط عليهم، لأن الجبل لا يثبت في الجو  خذوا ما آتيناكم  أي وقلنا، أو قائلين : خذوا ما آتيناكم من أحكام التوراة  بقوة  أي عزيمة وجد  واذكروا ما فيه  أي بالعمل ولا تتركوه كالمنسي  لعلكم تتقون  أي مساوئ الأعمال، أو راجين أن تنظموا في سلك المتقين. وهذه الآية كقوله تعالى : ورفعنا فوقهم الطور [(١)](#foonote-١). 
وقد روي عن ابن عباس وغيره من السلف :" أنهم راجعوا موسى في فرائض التوراة وشرائعها، حتى رفع الله الجبل فوق رؤوسهم، فقال لهم موسى : ألا ترون ما يقول ربي عز وجل ؟ لئن لم تقبلوا التوراة بما فيها، لأرمينكم بهذا ! فخروا سجَّدا، فرقا من أن يسقط عليهم " - رواه النسائي[(٢)](#foonote-٢) وسنيد-.

١ - \[٤/ النساء/ ١٥٤\]..
٢ - لم أهتد إليه..

### الآية 7:172

> ﻿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَىٰ أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ ۖ قَالُوا بَلَىٰ ۛ شَهِدْنَا ۛ أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَٰذَا غَافِلِينَ [7:172]

\[ ١٧٢ \]  وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألستُ بربكم قالوا بلى شهدنا أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين ( ١٧٢ ) . 
 وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم  أي أخرج من أصلابهم / نسلهم على ما يتوالدون قرنا بعد قرن، من أنهم كانوا نطفة قذفت إلى رحم الأمهات، ثم جعلت علقة، ثم مضغة، ثم أنشأهم بشرا سويا حيا مكلفا، فجعل خلقه إياهم كذلك، إخراجا من أصلابهم، لأن أصلهم خرج منها. و  من ظهورهم  بدل من  بني آدم  بدل البعض. وقرئ ( ذرياتهم )  وأشهدهم على أنفسهم  أي أشهد كل واحدة من أولئك الذريات المأخوذين من ظهور آبائهم على نفسها، تقريرا لهم بربوبيته التامة. 
قال الجشمي : أي أشهدهم على أنفسهم بما ركب فيهم من دلائل وحدانيته، وعجائب خلقته، وغرائب صنعته، من أعضاء سوية، وحواس مدركة، وجوارح ظاهرة، وأعصاب وعروق وغير ذلك، مما يعلمه من تفكر فيه، وكلها تدل عليه وعلى صفاته ووحدانيته، فبالإشهاد بالأدلة، صار كأنه أشهدهم بقوله. 
وقوله تعالى : ألستُ بربكم  على إرادة القول، أي قائلا : ألست بربكم، ومالك أمركم ومربيكم على الإطلاق، من غير أن يكون لأحد مدخل في شأن من شؤونكم، فينتظم استحقاق المعبودية، ويستلزم اختصاصه به تعالى : قالوا بلى شهدنا  أي على أنفسنا بأنك ربنا وإلهنا لا رب غيرك، لأنهم بما ظهر عليهم من آثار الصنعة، صاروا كأنهم قالوا  بلى ، وإن لم يكن هناك قول باللسان. فالآية من باب التمثيل المعروف في كلام العرب. مثل تعالى خلقهم على فطرة التوحيد، وإخراجهم من ظهور آبائهم، شاهدين بروبيته شهادة لا يخالجها ريب، بحمله إياهم على الاعتراف بها بطريق الأمر، ومسارعتهم إلى ذلك من غير تلعثم أصلا. والقصد من الآية الاحتجاج على المشركين بمعرفتهم تعالى معرفة فطرية، لازمة لهم لزوم الإقرار منهم والشهادة. قال تعالى : فأقم وجهك للدين حنيفا فطرت الله التي فطر الناس عليها، لا تبديل لخلق الله [(١)](#foonote-١) والفطرة هي معرفة ربوبيته. 
 وفي ( الصحيحين ) [(٢)](#foonote-٢) عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" ما من مولود إلا يولد على الفطرة فأبواه يهوّدانه أو ينصرانه أو يمجسانه كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء. هل تحسون فيها من جدعاء ؟ ". 
والجمعاء سالمة الأذن، والجدعاء مقطوعتها. 
وفي ( صحيح مسلم ) [(٣)](#foonote-٣) عن عياض بن حمار قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" يقول الله إني خلقت عبادي حنفاء فجاءتهم الشياطين، فاجتالتهم عن دينهم، وحرمت عليهم ما أحللت لهم ". 
وروى الطبري عن الحسن عن الأسود بن سريع قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" كل نسمة تولد على الفطرة حتى يعرب عنها لسانها فأبواها يهودانها أو ينصرانها ". 
قال الحسن : والله لقد قال الله في كتابه :{ وإذ أخذ ربك من بني آدمَ... { الآية " - رواه الإمام أحمد[(٤)](#foonote-٤) والنسائي، بدون استشهاد الحسن بالآية. 
وأما الأخبار المروية في إخراج الذرية من صلب آدم عليه السلام، وتكليمه تعالى إياهم ونطقهم، ثم إعادتهم إلى صلب أبيهم- فغير صحيحة الإسناد. وما حسُن إسناده منها فغير صريح في ذلك، بل هو أقرب إلى ألفاظ الآية، كما بينه الحافظ ابن كثير. قال رحمه الله :
ومن ثم قال قائلون من السلف والخلف : إن المراد بهذا الإشهاد فطرهم على التوحيد، كما تقدم في حديث أبي هريرة وعياض والأسود. وقد فسر الحسن الآية بذلك. 
قالوا : ومعنى  أشهدهم  أي أوجدهم شاهدين بذلك، قائلين له حالا وقالا. والشهادة/ تارة تكون بالقول، كقوله : قالوا شهدنا على أنفسنا [(٥)](#foonote-٥) الآية- وتارة تكون حالا كقوله تعالى : ما كان للمشركين أن يَعمُروا مساجد الله شاهدين على أنفسهم بالكفر [(٦)](#foonote-٦) أي حالهم شاهدا عليهم بذلك، لأنهم قائلون ذلك. وكذا قوله تعالى : وإنه على ذلك لشهيد [(٧)](#foonote-٧) كما أن السؤال تارة يكون بالقال، وتارة يكون بالحال، كقوله : وآتاكم من كل ما سألتموه [(٨)](#foonote-٨). 
قالوا : ومما يدل على أن المراد هذا، أن جعل الإشهاد حجة عليهم في الإشراك، فلو كان قد وقع هذا كما قاله من قاله، لكان كل أحد يذكره ليكون حجة عليه. فإن قيل : إخبار الرسول صلى الله عليه وسلم به كاف في وجوده، فالجواب : أن المكذبين من المشركين يكذبون بجميع ما جاءتهم به الرسل من هذا وغيره. وهذا جعل حجة مستقلة عليهم، فدل على أنه الفطرة التي فطروا عليها من الإقرار بالتوحيد. 
 أن تقولوا  أي كراهة أن تقولوا : يوم القيامة  أي الذي يسأل فيه عن الربوبية والتوحيد  إنا كنا عن هذا  أي عن ربوبيته وتوحيده  غافلين  أي لم تنبه عليه. فإنهم حيث جبلوا على ما ذكر، صاروا محجوبين عاجزين عن الاعتذار بذلك. إذ لا سبيل لأحد إلى إنكار ما ذكر من خلقهم على الفطرة السليمة.

١ - \[٣٠/ الروم/ ٣٠\]..
٢ - أخرجه البخاري في: ٢٣- كتاب الجنائز، ٨٠- باب إذا أسلم الصبي فمات هل يصلى عله، وهل يعرض على الصبي الإسلام، حديث ٧١٦.
 وأخرجه مسلم في: ٤٦- كتاب القدر، حديث رقم ٢٢- ٢٤ (طبعتنا)..
٣ - أخرجه في؛ ٥١- كتاب الجنة وصفه نعيمها وأهلها، حديث رقم ٦٣- (طبعتنا) ضمن حديث طويل..
٤ - أخرجه في المسند بالصفحة رقم ٤٣٥ من الجزء الثالث (طبعة الحلبي)..
٥ - \[٦/ الأنعام/ ١٣٠\]..
٦ - \[٩/ التوبة/ ١٦\]..
٧ - \[١٠٠/ العاديات/ ٧\]..
٨ - \[١٤/ إبراهيم/ ٣٤\]..

### الآية 7:173

> ﻿أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ ۖ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ [7:173]

\[ ١٧٣ \]  أو تقولوا إنما أشرك آباؤنا من قبل وكنا ذرية من بعدهم أفتهلكنا بما فعل المبطلون ( ١٧٣ ) . 
 أو تقولوا إنما أشرك آباؤنا  أي سنوا الإشراك واخترعوه  من قبل  أي من قبل زماننا  وكنا ذرية من بعدهم  أي فنشأنا على طريقتهم، احتجاجا بالتقليد، / وتعويلا عليه، فقد قطعنا العذر بما بينا من الآيات  أفتهلكنا بما فعل المبطلون  أي أتؤاخذنا بما فعل آباؤنا من الشك، وأسسوا من الباطل، أو بفعل آبائنا الذين أبطلوا تأثير العقول، وأقوال الرسول ؟ والاستفهام للإنكار، أي أنت حكيم لا تأخذ الأبناء بفعل الآباء، وقد سلكنا طريقهم والحجة عليه بما شرعوا لنا من الباطل. والمعنى : أزلنا الشبهتين بأن الإقرار بالربوبية والتوحيد، هو في أصل فطرتكم، فلم لم ترجعوا إليه عند دعوة العقول والرسل ؟ والفطرة أكبر دليل، فهي تسد باب الاعتذار بوجه ما. لا سيما والتقليد عند قيام الدلائل، والقدرة على الاستدلال بها، مما لا مساغ له أصلا. 
**تنبيهات :**
الأول : وافق الإمام ابن كثير، في هذا المقام أيضا الجشمي في ( تفسيره )، قال :
ويروي أصحاب الحديث عن أسلافهم من الآثار موقوفة ومرفوعة، ويجعلون ذلك تأويلا للآية، وهو أنه تعالى مسح ظهر آدم، فأخرج منه ذريته، أمثال الذر ؛ فقال : ألست بربكم ؟ فقالوا : بلى طائعين. ثم أعادهم في صلب آدم. وإن تأويل الآية على ذلك. 
قال : وقد ذكر مشايخنا رحمهم الله أن ذلك فاسد، وأن ظاهر الآية يخالف ذلك، وذكروا في الرواية ما نذكره. قالوا : فمما يدل على فساده وجوه. 
منها : أنه لو كان حال كما ذكروا لذكرناه، لأن مثل ذلك الأمر العظيم لا ينساه العاقل، خصوصا إذا كان إشهادا عليه، ليعمل به. 
ومنها : ما ذكره شيخنا أبو علي، أن ظهر آدم لا يسع هذا الجمع العظيم، وهذا شنيع من الكلام. 
ومنها : أنه ذكر أنه خلقنا من نطفة، وكل ولد ولد من أب ومن نطفة، فلو خلقهم ابتداء لا من شيء، لم يصح ذلك. 
ومنها : أن الجزء الواحد، لا يجوز أن يكون حيا عاقلا، لأن تلك البنية، لا تحمل الحياة، فلا بد من أن يكون مؤلفا من أجزاء، وحينئذ لا يصح أن يكون الجميع في ظهر آدم. 
 ومنها : أنه يفتح باب التناسخ، والقول بالرجعة، لأن لهم أن يقولوا : إذا جاز الإعادة ثمة، لم ينكر التناسخ. 
ومنها : أنه لا بد أن يكون فيه فائدة، وفائدته أن يذكره ليجري على تلك الطريقة، وإذا لم يذكره بطلت فائدته. 
ومنها : أن الاعتراف لا يصح إلا وقد تقدم حال لهم عرفوا ذلك، فكيف يصح في ابتداء الخلق، إلى غير ذلك مما لا يقبله العقل. 
ثم قال : قال مشايخنا رحمهم الله : والآية ظاهرها بخلاف قولهم من وجوه :
منها : أنه قال : وإذ أخذ ربك من بني آدم  ولم يقل ( من آدم ). وقال : من ظهورهم  لم يقل ( من ظهره ). وقال  ذريتهم  ولم يقل ( ذريته ). 
ومنها : أنه قال : أن تقولوا  يعني فعل ذلك، لكيلا تقولوا : إنا كنا عن هذا غافلين . وأي غفلة أعظم من أن جميع العقلاء لا يذكرون شيئا من ذلك. 
ومنها : أنه قال : إنما أشرك آباؤنا  ولم يكن لهم يومئذ أب مشرك. وكل ذلك يبين فساد ما قالوا. ولم يصحح أحد من مشايخنا هذه الرواية، ولا قَبِلها، بل ردها. غير أبي أحمد بن علي، فإنه جوّز ذلك من غير قطع على صحته. غير أنه قال : ليس ذلك بتأويل الآية، وذكر أن فائدت ذلك أن يجروا على الأعراق الكريمة في شكر النعمة، والإقرار بالربوبية. كما قال : إنهم ولدوا على الفطرة. قال : وأخرجهم كالذر ثم ألهمهم حتى قالوا. انتهى ما قاله الجشمي. 
الثاني : تدل الآية على فساد التقليد في الدين، وتدل على أنه تعالى أزال العذر، وأزاح العلة، وبعدها لا يعذر أحد. ذكره الجشمي. 
الثالث : استدل بهذه الآية والأحاديث المتقدمة في معناها، أن معرفته تعالى فطرية ضرورية ؛ قال تعالى[(١)](#foonote-١) : قالت لهم رسلهم أفي الله شك  وقال تعالى[(٢)](#foonote-٢) : ولئن سألتهم / مَّن خلق السماوات والأرض ليقولن الله . [(٣)](#foonote-٣) قل من رب السماوات السبع ورب العرش العظيم، سيقولون لله قل أفلا تتقون . 
وعن عمران بن حصين قال : قال النبي صلى الله عليه وسلم لأبي :" يا حصين : كم تعبد اليوم إلها ؟ قال أبي : سبعة ستا في الأرض، وواحدا في السماء ! قال : فأيهم تُعِدُّ لرغبتك ورهبتك ؟ قال : الذي في السماء " - رواه الترمذي[(٤)](#foonote-٤)- فالله تعالى فطر الخلق كلهم على معرفته فطرة توحيد، حتى من خلق مجنونا مطبقا مصطلما لا يفهم شيئا، ما يحلف إلا به، ولا يلهج لسانه بأكثر من اسمه المقدس، فطرة بالغة. 
قال التقى ابن تيمية : إن الإقرار والاعتراف بالخالق فطريّ ضروريّ في نفوس الناس. وإن كان بعض الناس قد يحصل له ما يفسد فطرته، حتى يحتاج إلى نظر يحصل له به المعرفة وهذا قول جمهور الناس، وعليه حذاق النظار ؛ أن المعرفة تحصل بالضرورة، وقد تحصل بالنظر لمن فسدت فطرته، كما اعترف بذلك خلائق من أئمة المتكلمين. 
وقال أيضا : ذهب طوائف من النظار إلى أن معرفة الله واجبة، ولا طريق لها إلا بالنظر فأوجبوا النظر على كل أحد. وهذا القول إنما اشتهر في الأئمة عن المعتزلة ونحوهم. ولهذا قال أبو جعفر السمناني وغيره : إيجاب الأشعري النظر في المعرفة بقية بقيت عليه من الاعتزال. 
وذكر رحمه الله أن الذي يدل عليه كلام الأئمة والسلف – وهو أعدل الأقوال- أن النظر يجب في حال دون حال، وعلى شخص دون شخص. فوجبوه من العوارض التي تجب على بعض الناس في بعض الأحوال، لا من اللوازم العامة. والذين أوجبوا النظر ليس معهم ما يدل على عموم وجوبه، إنما يدل أنه قد يجب، كقوله تعالى[(٥)](#foonote-٥) : قل انظروا ماذا في السماوات/ والأرض  وقوله[(٦)](#foonote-٦) : فلينظر الإنسان مم خلق  فإنه خطاب مع المتكبرين الجاحدين، أمروا بالنظر، ليعرفوا الحق، ويقرّوا به، ولا ريب أن النظر يجب على هؤلاء. 
قال أبو حيان التوحيدي في ( مقابساته ) في المقابسة الثانية والأربعين : قيل لأبي الخير : حدثنا عن معرفة الله، تقدس وعلا، ضرورة هي أم استدلال، فإن المتكلمين في هذا اختلفوا اختلافا شديدا، وتنابذوا عليه تنابذا بعيدا، ونحب أن يحصل لنا جواب، فيفسر على حد الاختصار مع البيان. 
فقال : هي ضرورة من ناحية العقل، واستدلال من ناحية الحسّ. ولما كان كل مطلوب من العلم إما أن يطلب بالعقل في المعقول، أو بالحس في المحسوس، ساغ أن يظن مرة أن معرفته تعالى اكتساب واستدلال، لأن الحس يتصفح ويستقوي بمؤازرة العقل ومظاهرته وتحصيله. وأن يظن تارة أنها ضرورة، فإن العقل السليم من الآفة، البريء من العاهة، يحث على الاعتراف بالله تقدس اسمه، ويحظر على صاحبه جحده وإنكاره والتشكك فيه، لكن ضرورة لائقة بالعقل. لأن ضرورة العقل ليست كضرورة الحس. لأن ضرورة الحس فيها جذب واختيار، وحمل وإكراه. وضرورة العقل لطيفة جدا. لأنه يعظ ويلاطف وينصح ويخفف. 
ثم ضرب مثلا لطيفا، وقال بعده : فعلى هذا، فإن الله تقدس اسمه، معروف عند العقل بالاضطرار، لا ريب عنده في وجوده، ومستدل عليه عند الحس، لأنه يستحيل كثيرا، ولا يثبت أصلا، فمن استدل ترقى من الجزئيات. ومن ادعى الاضطرار انحدر من الكليات. وكلا الطريقين قد وضح بهذا الاعتبار، وكفي مؤونة الخبط والإكثار. فأما ما ينظر منه في الدال، فلا يرث منه إلا الشك والفرقة والحمية والعصبية. وهناك للهوى ولادة وحضانة، وللباطل استيلاء وجولة، وللحيرة ركود وإقامة. أخذ الله بأيدينا، وكفانا الهوى الذي يؤذينا-انتهى.

١ - \[١٤/ إبراهيم/ ١٠\]..
٢ - \[٣١/ لقمان/ ٢٥\] و\[٣٩/ الزمر/ ٣٨\]..
٣ - \[٢٣/ المؤمنون/ ٨٦ و٨٧\]..
٤ - أخرجه في: ٤٥- كتاب الدعوات، ٦٩- باب حدثنا أحمد بن منيع..
٥ - \[١٠/ يونس/ ١٠١\]..
٦ - \[٨٦/ الطارق/ ٥\]..

### الآية 7:174

> ﻿وَكَذَٰلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ وَلَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ [7:174]

**وقوله تعالى :**
 \[ ١٧٤ \]  وكذلك نفصل الآيات ولعلهم يرجعون ( ١٧٤ ) . 
 وكذلك نفصل الآيات ولعلهم يرجعون  أي مثل ما ذكرنا، نبين الأدلة والحجج، ليرجعوا إلى الحق.

### الآية 7:175

> ﻿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ [7:175]

\[ ١٧٥ \]  واتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا فانسلخ منها فأتبعَه الشيطان فكان من الغاوين ( ١٧٥ ) . 
 واتل عليهم  أي على قومك أو على اليهود  نبأ الذي آتيناه آياتنا  أي علم الكتاب، فلطف به حتى تعلم وفهم المعاني، وصار عالما بها  فانسلخ منها  بأن نزع العلم عنه، فكفر بها، وخرج منها خروج الحية من جلدها  فأتبعه الشيطان  أي فلحقه وأدركه وصار قرينا له حتى أضله  فكان من الغاوين .

### الآية 7:176

> ﻿وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَٰكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ ۚ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ۚ ذَٰلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا ۚ فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ [7:176]

\[ ١٧٦ \]  ولو شئنا لرفعناه بها  ولكنه أخلد إلى الأرض واتبع هواه فمثله كمثل الكلب إن تَحْمِل عليه يلهَث أو تتركه يلهث ذلك مثل القوم الذين كذبوا بآياتنا فاقصص القصَصَ لعلهم يتفكرون ( ١٧٦ ) }. 
 ولو شئنا لرفعناه بها  أي لعظمناه بالعمل بها  ولكنه أخلد إلى الأرض  أي مال إلى الدنيا، ورغب فيها  واتبع هواه فمثله كمثل الكلب إن تَحْمِل عليه يلهَث  وذلك لأنه استوى في حقه إيتاء الآيات، والتكليف بها، والتعظيم من أجلها، وعدم ذلك. كالكلب يدلع لسانه بكل حال، إن تحمل عليه، أي/ تشدّ عليه وتهيجه، أو تتركه غير متعرض له بالحمل عليه، فلهثه موجود في الحالتين جميعا  ذلك مثل القوم الذين كذبوا بآياتنا  أي من التوراة أو غيرها  فاقصص القصَصَ لعلهم يتفكرون .

### الآية 7:177

> ﻿سَاءَ مَثَلًا الْقَوْمُ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَأَنْفُسَهُمْ كَانُوا يَظْلِمُونَ [7:177]

\[ ١٧٧ \]  ساء مثلا القوم الذين كذبوا بآياتنا وأنفسهم كانوا يظلمون ( ١٧٧ ) 
 ساء مثلا  أي ما مثل به  القوم الذين كذبوا بآياتنا  أي حيث شبهوا بالكلاب، إما في استواء الحالتين في النقصان، وأنهم ضالون، وعظوا أم لم يوعظوا كما قدمنا. وإما في الخسة، فإن الكلاب لا همة لها إلا في تحصيل أكلة أو شهوة، فمن خرج عن حيز الهدي والعلم، وأقبل على هواه، صار شبيها بالكلب، وبئس المثل مثله. ولهذا ثبت في ( الصحيح ) عنه صلى الله عليه وسلم قال[(١)](#foonote-١) :" ليس لنا مثل السوء. العائد في هبته كالكلب يعود في قيئه ".  وأنفسهم كانوا يظلمون  اعلم أن من السلف من ذهب إلى أن هذه الآية مثل ضربه الله لمن عرض عليه الإيمان فأبى أن يقبله وتركه، وهو قول قتادة وعكرمة واختاره أبو مسلم، حيث قال : قوله : آتيناه آياتنا  أي بيناها، فلم يقبل، وعرى منها. وسواء قولك : انسلخ وعرى وتباعد. وهذا يقع على كل كافر لم يؤمن بالأدلة، وأقام على الكفر. قال : ونظيره قوله تعالى : يا أيها الذين أوتوا الكتاب آمنوا بما نزلنا مصدقا لما معكم [(٢)](#foonote-٢) وقال في حق فرعون : ولقد أريناه آياتنا كلها فكذب وأبى [(٣)](#foonote-٣) : ومنهم من ذهب إلى أن الموصول فيها أريد به معين، فروي عن عبد الله بن عمر وسعيد بن المسيب وزيد بن / أسلم وأبي روق أنه أمية بن أبي الصلت، فإنه كان قد قرأ الكتب، وعلم أن الله مرسل رسولا في ذلك الوقت، ورجا أن يكون هو، فلما أرسل الله محمدا عليه الصلاة والسلام، حسده، ثم مات كافرا، ولم يؤمن بالنبي صلى الله عليه. وهو الذي قال فيه رسول الله[(٤)](#foonote-٤) :" إنه آمن شعره وكفر قلبه " يريد أن شعره كشعر المؤمنين، وذلك أنه يوحد الله في شعره، ويذكر دلائل توحيده. 
وقيل : نزلت في أبي عامر الراهب، الذي سماه النبي صلى الله عليه سلم ( الفاسق )، كان يترهب في الجاهلية. فلما جاء الإسلام خرج إلى الشام، وأمر المنافقين باتخاذ مسجد الضرار والشقاق، وأتى قيصر واستنجده على النبي صلى الله عليه وسلم، فمات هناك طريدا وحيدا. وهو قول سعيد بن المسيب. 
وقيل نزلت في منافقي أهل الكتاب. كانوا يعرفون النبي صلى الله عليه وسلم، فأنكروه. عن الحسن والأصم. 
وقيل : إنه فرعون. والآيات آيات موسى، كأنه لما اقتص أنباء بني إسرائيل عاد إلى قصة فرعون وضرب له المثل. 
ومن الأقوال التي تناقلها المفسرون أنها نزلت في بلعام بن بعور، ويحكون عنه قصة لم ترو في جوامع الآثار الصحيحة عندنا، ولا هي مطابقة لما عند أهل الكتاب. فقد ذكر نبؤه في الفصل الثاني والعشرين والثالث والعشرين من سفر العدد، من تاريخ التوراة، بغير ما يرويه المفسرون عنه. ثم رأيت الجشمي لم يصحح ذلك، فحمدت المولى على الموافقة. وعبارته :
 " وعن مجاهد قال : هو نبي يقال له بلعم. رشاه قومه فكفر. وهذا لا يجوز، لأن الأنبياء لا يجوز عليهم الكفر. لأن ذلك ينفر الخلق عن الأنبياء، والقبول منهم، ويحقرهم/ في النفوس، ولأنهم حجج الله على خلقه، اصطفاهم. فالأقرب أنه لا يصح عن مجاهد " – انتهى- وهو كذلك لأن من قرأ نبأه في السفر المتقدم، رأى من ثباته، وعدم موافقته لبالاق، ملك مؤاب، على ما أراده منه- ما يبرئه عن ذلك. 
**تنبيه :**
قال الجشمي : إن قيل : كيف تتصل الآية بما قبلها ؟ قلنا : على القول بأنه عنى بها فرعون فقد اتصلت قصته بقصة بني إسرائيل. وقيل لما نهى عن تقليد الآباء في الدين، بين في هذه الآية حال علماء السوء، الذين يختارون الدنيا على الآخرة. نهيا عن تقليدهم واتباعهم، كما نهى عن تقليد الآباء. وقيل : لما تقدم ذكر أخذ الميثاق، بين حال من آتاه الله الآيات فانسلخ منها ولم يتبعها. اه.

١ - أخرجه البخاري في: ٥١- كتاب الهبة، ٣٠- باب لا يحل لأحد أن يرجع في هبته وصدقته، حديث رقم ١٢٦٤ عن ابن عباس.
 وأخرجه مسلم في: ٢٤- كتاب الهبات، حديث ٥-٨ (طبعتنا)..
٢ - \[٤/ النساء/ ٤٧\]..
٣ - \[٢٠/ طه/ ٥٦\]..
٤ - في كشف الخفاء رقم ١٩، رواه أبو بكر بن الأنباري في كتاب المصاحف، والخطيب وابن عساكر عن ابن عباس. قال المناوي: وسند الحديث ضعيف..

### الآية 7:178

> ﻿مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي ۖ وَمَنْ يُضْلِلْ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ [7:178]

\[ ١٧٨ \]  من يهد الله فهو المهتدي ومن يضلل فأولئك هم الخاسرون ( ١٧٨ ) . 
 من يهد الله فهو المهتدي ومن يضلل فأولئك هم الخاسرون  قال أبو السعود : لما أمر النبي صلى الله عليه وسلم بأن يقص قصص المنسلخ على هؤلاء الضالين الذين مثلهم كمثله، ليتفكروا فيه، ويتركوا ما هم عليه من الإخلاد إلى الضلالة، ويهتدوا إلى الحق- عقب ذلك بتحقيق أن الهداية والضلالة من جهة الله عز وجل، وإنما العظة والتذكير من قبيل الوسائط العادية في حصول الاهتداء، من غير تأثير لها فيه، سوى كونها دواعي إلى صرف العبد اختياره نحو تحصيله، حسبما نيط به خلق الله تعالى إياه، كسائر أفعال العباد.

### الآية 7:179

> ﻿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ ۖ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا ۚ أُولَٰئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ ۚ أُولَٰئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ [7:179]

\[ ١٧٩ \]  ولقد ذرأنا لجهنم كثيرا من الجن والإنس لهم قلوب لا يفقهون بها ولهم أعين لا يبصرون بها ولهم آذان لا يسمعون بها أولئك كالأنعام بل هم أضل أولئك هم الغافلون ( ١٧٩ ) . 
 ولقد ذرأنا  أي خلقنا  لجهنم  أي لدخولها والتعذيب بها  كثيرا من الجن والإنس  وهم الكفار من الفريقين، الموصوفون بقوله تعالى : لهم قلوب لا يفقهون بها  أي آيات الله الهادية إلى الكمالات  ولهم أعين لا يبصرون بها  أي دلائل وحدته، بَصَرَ اعتبار  ولهم آذان لا يسمعون بها  أي الآيات والمواعظ سماع تدبر واتعاظ، يعني أنهم لا ينتفعون بشيء من هذه الجوارح التي جعلها الله سببا للهداية، كما قال تعالى[(١)](#foonote-١) : وجعلنا لهم سمعا وأبصارا وأفئدة فما أغنى عنهم سمعهم ولا أبصارهم ولا أفئدتهم من شيء إذ كانوا يجحدون بآيات الله .  أولئك كالأنعام  أي السارحة التي لا تنتفع بهذه الحواس منها، إلا في الذي يقيتها، كقوله تعالى : ومثل الذين كفروا كمثل الذي يَنْعِقُ بما لا يسمع إلا دعاء ونداء [(٢)](#foonote-٢) أي ومثلهم في حال دعائهم إلى الإيمان، كمثل الأنعام إذا دعاها راعيها، لا تسمع إلا صوته، ولا تفقه ما يقول. وقوله تعالى : بل هم أضل  أي الأنعام، إذ ليس للأنعام قوة تحصيل تلك الكمالات ودفع تلك النقائص. وهم مع ما لهم من تلك القوة قد خلوا عن الكمالات، وعن دفع أضدادها، فكانوا أردأ حالا منها، لنقصهم مع وجود قوة الكمال فيهم. وأيضا : الأنعام تبصر منافعها ومضارها، فتلزم بعض ما تبصره. وهؤلاء، أكثرهم يعلم أنه معاند، فيقدم على النار. وأيضا : الأنعام قد تستجيب لراعيها، وإن لم تفقه كلامه، بخلاف هؤلاء، وأيضا : إنها تفعل ما خلقت له، إما بطبعها، وإما بتسخيرها، بخلاف هؤلاء : فإنهم خلقوا ليعبدوا الله، ويوحدوه، / فكفروا به وأشركوا  أولئك هم الغافلون  أي عن تلك الكمالات والنقائص، ليهتموا بتحصيلها ودفعها، اهتمامهم لجر المنافع الدنيوية، ودفع مضارّها. 
**تنبيه :**
قال أبو السعود : المراد بهؤلاء الذين ذرئوا لجهنم، الذين حقت عليهم الكلمة الأزلية بالشقاوة، لكن لا بطريق الجبر، من غير أن يكون من قبلهم ما يؤدي إلى ذلك، بل لعلمه تعالى بأنهم لا يصرفون اختيارهم نحو الحق أبدا، بل يصرون على الباطل من غير صارف يلويهم ولا عاطف يثنيهم من الآيات والنذر. فبهذا الاعتبار جعل خلقهم مغيا بها، كما نطق به قوله تعالى[(٣)](#foonote-٣) : وما خَلقتُ الجن والإنس إلا ليعبدون .

١ - \[٤٦/ الأحقاف/ ٢٦\]..
٢ - \[٢/ البقرة/ ١٧١\]..
٣ - \[٥١/ الذاريات/ ٥٦\]..

### الآية 7:180

> ﻿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَىٰ فَادْعُوهُ بِهَا ۖ وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ ۚ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [7:180]

وقوله تعالى :\[ ١٨٠ \]  ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها وذروا الذين يلحدون في أسمائه سيجزون ما كانوا يعملون ( ١٨٠ ) . 
 ولله الأسماء الحسنى  روى مقاتل ؛ " أن رجلا دعا الله في صلاته، ودعا الرحمن. فقال بعض المشركين : إن محمدا وأصحابه يزعمون أنهم يعبدون ربا واحدا، فما بال هذا يدعو اثنين ؟ فنزلت الآية ". و  الحسنى  تأنيث ( الأحسن ). والمعنى : لله الأسماء التي هي أحسن الأسماء وأجملها، إنبائها عن أحسن المعاني وأشرفها  فادعوه بها وذروا الذين يلحدون في أسمائه  أي يميلون عن الإقرار بها ويجحدونها، ويعدلون عنها كفرا بها. كقوله تعالى[(١)](#foonote-١) : وإذا قيل لهم اسجدوا للرحمان قالوا وما الرحمان أنَسْجُد لما تأمُرُنا وزادَهُم نُفُورا  أي زادهم ذكر الرحمن نفورا. ولذا قال تعالى[(٢)](#foonote-٢) : سيجزون ما كانوا يعملون  يعني في الآخرة، من جحدهم إياها ونفورهم عن الإيمان بها. 
 **تنبيهات :**
الأول : قال السيد محمد بن المرتضى اليماني في ( إيثار الحق ) : مقام معرفة كمال هذا الرب الكريم. وما يجب له من نعوته وأسمائه الحسنى، من تمام التوحيد، الذي لا بد منه. لأن كمال الذات بأسمائها الحسنى، ونعوتها الشريفة. ولا كمال لذات لا نعت لها ولا اسم. ولذلك عدّ مذهب الملاحدة في مدح الرب بنفيها، من أعظم مكائدهم للإسلام. فإنهم عكسوا المعلوم عقلا وسمعا. فذموا الأمر المحمود، ومدحوا الأمر المذموم، القائم مقام النفي والجحد المحض. وضادّوا كتاب الله ونصوصه الساطعة. قال الله جل جلاله : ولله الأسماء الحسنى...  الآية. وقال[(٣)](#foonote-٣) : قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمان  الآية- فما كان منها منصوصا في كتاب الله، وجب الإيمان به على الجميع، والإنكار على من جحده، أو زعم أن ظاهره اسم ذم لله سبحانه. وما كان في الحديث وجب الإيمان به على من عرف صحته. وما نزل عن هذه المرتبة، أو كان مختلفا في صحته، لم يصح استعماله. فإن الله أجل من أن يسمى باسم لم يتحقق أنه تسمى به. انتهى. 
الثاني : روى الشيخان[(٤)](#foonote-٤) عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" إن لله تسعة وتسعين اسما، من حفظها دخل الجنة، والله وتر يحب الوتر ". وفي رواية :" من أحصاها ". قال البخاري[(٥)](#foonote-٥) : أحصيناه : حفظناه وأخرجه الترمذي[(٦)](#foonote-٦) وزاد سوق الأسماء معدودة :/ ثم قال : ولا نعلم في كثير من الروايات ذكر الأسماء إلا في هذا الحديث. ورواه ابن ماجة[(٧)](#foonote-٧) أيضا : فسرد الأسماء بزيادة ونقصان. 
قال الحافظ ابن كثير : والذي عول عليه جماعة من الحفاظ ؛ أن سرد الأسماء في هذا الحديث مدرج فيه، وإنما ذلك كما رواه الوليد بن مسلم وعبد الملك بن محمد الصنعاني عن زهير بن محمد أنه بلغه عن غير واحد من أهل العلم أنهم قالوا ذلك. أي أنهم جمعوها من القرآن. كما روي عن جعفر بن محمد وسفيان بن عيينة وأبي زيد اللغوي. انتهى. 
وقال النووي : اتفق العلماء على أن هذا الحديث ليس فيه حصر لأسمائه سبحانه وتعالى. وليس معناه أنه ليس له أسماء غير هذه التسعة والتسعين، وإنما المقصود من الحديث الإخبار عن دخول الجنة بإحصائها، لا الإخبار بحصرها. ولهذا جاء في الحديث الآخر[(٨)](#foonote-٨) :" أسألك بكل اسم سميت به نفسك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك ". وقد ذكر الحافظ أبو بكر ابن العربي المالكي عن بعضهم ؛ أن لله ألف اسم. انتهى. 
وقال السيد اليماني[(٩)](#foonote-٩) في ( إيثار الحق ) : عادة المتكلمين أن يقتصروا هنا على اليسير من الأسماء، ولا ينبغي ترك شيء منها، ولا اختصاره ! فإن ذلك كالاختصار للقرآن الكريم. ولو كان منها شيء لا ينبغي اعتقاده ولا ذكره، ما ذَكَره الله تعالى في القرآن العظيم. وعادة بعض المحدثين أن يوردوا جميع ما ورد في الحديث المشهور في تعدادها، مع الاختلاف الشهير في صحته. وحسبك أن البخاري ومسلما تركا تخريجه مع رواية أوله. واتفاقهما على ذلك يشعر بقوة العلة فيه، ولكن الأكثرين اعتمدوا ذلك تعرضا لفضل الله العظيم في وعده، من أحصاها، بالجنة كما اتفق على صحته. وليس يستيقن إحصاؤها بذلك إلا لو لم يكن لله سبحانه اسم غير تلك الأسماء. فأما إذا كانت أسماؤه سبحانه أكثر من أن تحصى، بطل اليقين بذلك، وكان الأحسن الاقتصار على ما في كتاب الله، وما اتفق على صحته بعد ذلك، وهو النادر وقد/ ثبت أن أسماء الله تعالى أكثر من ذلك المروي بالضرورة والنص. أما الضرورة، فإن في كتاب الله أكثر من ذلك. وأما النص، فحديث ابن مسعود رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال[(١٠)](#foonote-١٠) :" ما قال عبد أصابه همّ أو حزن : اللهم إني عبدك وابن عبدك وابن أمَتِك، ناصيتي بيدك، ماض فيَّ حكمك، عدل فيَّ قضاؤك. أسألك بكل اسم هو لك سميت به نفسك، أو أنزلته في كتابك، أو علمته أحدا من خلقك، أو استأثرت به في علم الغيب، أن تجعل القرآن ربيع قلبي، ونور صدري، وجلاء حزني، وذهاب همي وغمي، إلا أذهب الله همه وغمه، وأبدله مكان حزنه فرحا " - رواه أحمد، وأبو عوانة في ( صحيحه ) وأبو يعلى والبزار. 
ثم أخذ اليماني يذكر ما وجده من الأسماء منصوصا، غير معرج على التقليد. فانظره في ( إيثار الحق )، فإنه جوّد البحث بمنزع شريف. 
الثالث : قال بعض مفسري الزيدية في قوله تعالى : فادعوه بها  : المعنى سموه بها، وفي ذلك أمر بدعائه بالأسماء الحسنى، وهو أمر ندب إذا حمل على التلاوة بالتسعة والتسعين، وحث على ذلك في الحديث عنه صلى الله عليه وسلم. وإن أريد التسمية بما فيه مدح، دون ما فيه إلحاد، فذلك وجوب. 
الرابع : قال السيد اليماني في ( إيثار الحق ) : هل يجوز تسمية محامد الرب تعالى وأسمائه الحسنى صفات له سبحانه وتعالى ؟ قال الله تعالى : ولله المثل الأعلى [(١١)](#foonote-١١) وذكر أهل التفسير واللغة أنه الوصف الأعلى، وكذلك جاء في كلام عليّ عليه السلام أنه قال : فعليك أيها السائل بما دل عليه القرآن من صفته- ذكره السيد أبو طالب في ( الأمالي ) بإسناده، والسيد الرضى في ( النهج ) كلاهما في جوابه عليه السلام، على الذي قاله له :/ صف لنا ربنا- وهذا لا يعارض قوله عز وجل : سبحانه وتعالى عما يصفون [(١٢)](#foonote-١٢) لأنه لم ينزه ذاته عن الوصف مطلقا، حتى يعم الوصف الحسن، وإنما ينزه عن وصفهم له بالباطل القبيح. انتهى.

١ - \[٢٥/ الفرقان/ ٦٠\]..
٢ - \[١٧/ الإسراء/ ١١٠\]..
٣ - \[١٧/ الإسراء/ ١١٠\]..
٤ - أخرجه البخاري في: ٨٠- كتاب الدعوات، ٦٨- باب لله مائة اسم غير واحد، حديث رقم ١٣١٣.
 وأخرجه مسلم في: ٤٨- كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار، حديث رقم ٥ و٦ (طبعتنا)..
٥ - أخرجه في: ٩٧- كتاب التوحيد، ١٢- باب إن لله مائة اسم إلا واحدا..
٦ - أخرجه الترمذي في: ٤٥- كتاب الدعوات، ٨٢- باب حدثنا يوسف بن حماد البصري..
٧ - أخرجه ابن ماجة في: ٣٤- كتاب الدعاء، ١٠- باب أسماء الله عز وجل، حديث ٣٨٦٠ و٣٨٦١ (طبعتنا)..
٨ - من حديث طويل أخرجه الإمام أحمد في المسند بالصفحة رقم ٣٩١ من الجزء الأول (طبعة الحلبي) والحديث رقم ٣٧١٢ (طبعة المعارف)..
٩ - الصفحة رقم ١٧٩. ؟؟.
١٠ - أخرجه الإمام أحمد في المسند بالصفحة رقم ٣٩١ من الجزء الأول (طبعة الحلبي) والحديث رقم ٣٨١٢ (طبعة المعارف)..
١١ - أخرجه الإمام أحمد في المسند بالصفحة رقم ٣٩١ من الجزء الأول (طبعة الحلبي) والحديث رقم ٣٨١٢ (طبعة المعارف)..
١٢ - \[٦/ الانعام/ ١٠٠\]..

### الآية 7:181

> ﻿وَمِمَّنْ خَلَقْنَا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ [7:181]

**وقوله تعالى :**
\[ ١٨١ \]  وممن خلقنا أمة يهدون بالحق وبه يعدلون ( ١٨١ ) . 
 وممن خلقنا  أي للجنة، لأنه في مقابلة  ولقد ذرأنا لجهنم [(١)](#foonote-١) - قاله النسفي-  أمة يهدون بالحق  أي يدعون إليه  وبه يعدلون  أي يعملون ويقضون. وقد جاء في الآثار ؛ أن المراد بالأمة، هذه الأمة المحمدية. وقال قتادة : بلغنا " أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا قرأ هذه الآية يقول : هذه لكم، وقد أعطي القوم بين أيديكم مثلها ". وعن الربيع بن أنس- في هذه الآية- قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" إن من أمتي قوما على الحق، حتى ينزل عيسى ابن مريم متى ما نزل ". وفي ( الصحيحين ) [(٢)](#foonote-٢) عن معاوية قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين، لا يضرهم من خذلهم، ولا من خالفهم، حتى تقوم الساعة ". وفي رواية : حتى يأتي أمر الله وهم على ذلك ". 
قال الشهاب : استدل بالآية على أن الإجماع حجة في كل عصر، وعلى أنه لا يخلو عصر من مجتهد إلى قيام الساعة. 
١ - \[٧/ الأعراف/ ١٧٩\]..
٢ - أخرجه البخاري في: ٩٦- كتاب الاعتصام، ١٠- باب قول النبي صلى الله عليه وسلم "لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق يقاتلون، وهم أهل العلم" حديث رقم ٦٢.
 وأخرجه مسلم في: ٣٣- كتاب الإمارة، حديث ١٧٤ و١٧٥ (طبعتنا)..

### الآية 7:182

> ﻿وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ [7:182]

\[ ١٨٢ \]  والذين كذبوا بآياتنا سنستدرجهم من حيث لا يعلمون ( ١٨٢ ) . 
 والذين كذبوا بآياتنا سنستدرجهم من حيث لا يعلمون  أي سنأخذهم بالعذاب من طريق لا يعلمونها، أو نفتح لهم من الأحوال ما يلائم أهويتهم، ثم نهلكهم. وأصل الاستدراج : أن يتدرج إلى الشيء قليلا قليلا، تشبيها بمن يرقى درجة درجة، حتى ينتهي إلى العلو. وقيل : أصله من الدرج الذي يطوى فكأنه يطوى منزلة بعد منزلة، كما يطوى الدرج. وقيل : لأنه من الدرجة فيكون، لأنه ينحط درجة بعد درجة حتى ينتهي إلى حال الهلاك.

### الآية 7:183

> ﻿وَأُمْلِي لَهُمْ ۚ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ [7:183]

\[ ١٨٣ \]  وأمْلي لهم إن كَيْدي مَتِين ( ١٨٣ ) . 
\[ وأُملي لهم \] أي أمهلهم ليزدادوا إثما  إن كيدي متين  أي قوي شديد. والمعنيون بهذا الخطاب كفار مكة. قال في ( التنوير ) : هم أبو جهل وأصحابه المستهزئون، أخذهم الله بعذابه في يوم ( أحد )، وأهلك كل واحد بهلاك غير هلاك صاحبه. انتهى. ويدل قوله تعالى : أو لم يتفكروا ما بصاحبهم من جنة إن هو إلا نذير مبين ( ١٨٤ ) .

### الآية 7:184

> ﻿أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا ۗ مَا بِصَاحِبِهِمْ مِنْ جِنَّةٍ ۚ إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ [7:184]

\[ ١٨٤ \]  أو لم يتفكروا ما بصاحبهم من جنة إن هو إلا نذير مبين ( ١٨٤ ) . 
 أو لم يتفكروا ما بصاحبهم من جنة  أي كما يختلقون. والاستفهام للإنكار والتوبيخ. أي : أو لم يتفكروا في أنه ليس بصاحبهم الذي هو أعظم الأمة الهادية بالحق، شيء من جنة. وجوّز أن يكون الكلام تم عند قوله : أوَ لم يتفكروا  إنكارا لعدم تفكرهم في شأنه، الموقف على صدقه، وصحة نبوته. ثم ابتدأ نفي الجنة عنه تعجبا وتبكيتا. / و ( الجنة ) مصدر، كالجلسة، بمعنى الجنون، وليس المراد به الجن. كما في قوله تعالى[(١)](#foonote-١) :" من الجنة والناس }، لأنه يحوج إلى تقدير مضاف، أي مسّ جنة أو تخبطها. والتعبير عنه صلى الله عليه وسلم ب  صاحبهم  للإيذان بأن طول مصابحتهم له، مما يطلعهم على نزاهته عما ذكر، ففيه تأكيد للنكير، وتشديد له  إن هو إلا نذير  أي رسول مخوّف  مبين  أي موضح إنذاره، مبالغة في الإعذار.

١ - \[١١٤/ الناس/ ٦\]..

### الآية 7:185

> ﻿أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ وَأَنْ عَسَىٰ أَنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ ۖ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ [7:185]

ولما نعى عليهم تفكرهم في شأنه صلى الله عليه وسلم، أنكر إخلالهم في التأمل بالآيات التكوينية المنصوبة في الآفاق والأنفس، الشاهدة بصحة الآيات المنزلة، فقال سبحانه :\[ ١٨٥ \]  أوَ لم ينظروا في مَلكوت السماوات والأرض وما خلق الله من شيء وأن عسى أن يكون قد اقترب أجلهم فبأي حديث بعده يؤمنون ( ١٨٥ ) . 
 أو لم ينظروا  أي نظر استدلال  في ملكوت السماوات  من الشمس والقمر والنجوم والسحاب. والملكوت : الملك العظيم  والأرض  أي وفي ملكوت الأرض، من البحار والجبال والدواب والشجر  وما خلق الله من شيء  أي وفيما خلق الله مما يقع عليه اسم ( الشيء )، من أجناس لا يحصرها العدد، ولا يحيط بها الوصف  وأن عسى أن يكون قد اقترب أجلهم  عطف على  ملكوت . أي في احتمال أن يهلكوا عما قريب، فيفارقوا الدنيا، وهم على أتعس الأحوال  فبأي حديث بعده  أي القرآن  يؤمنون  أي إذا لم يؤمنوا به، وهو المعجز الجامع لكل ما يفيد الهداية. وفي هذا قطع لاحتمال إيمانهم رأسا، ونفي له بالكلية. 
**تنبيه :**
قال الجشمي : تدل الآية على وجوب النظر في الأدلة، وأنها طريق المعرفة. وتدل على أنه لا شيء ينظر فيه، إلا ويعرف الله تعالى به.

### الآية 7:186

> ﻿مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَا هَادِيَ لَهُ ۚ وَيَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ [7:186]

من يضلل الله فلا هادي له ويذرهم في طغيانهم يعمهون ( ١٨٦ ) . 
 من يضلل الله فلا هادي له ويذرهم في طغيانهم يعمهون  أي في كفرهم يتحيرون. يعني أن من كتب عليه الضلالة، فلا يهديه أحد، ولا يغنيه النظر، ولا الإنذار. كما قال تعالى[(١)](#foonote-١) : قل انظروا ماذا في السماوات والأرض، وما تغني الآيات والنذر عن قوم لا يؤمنون [(٢)](#foonote-٢)  ومن يرد الله فتنته فلن تملك له من الله شيئا . 
١ - \[١٠/ يونس/ ١٠١\]..
٢ - \[٥/ المائدة/ ٤١\]..

### الآية 7:187

> ﻿يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا ۖ قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي ۖ لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ ۚ ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۚ لَا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً ۗ يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا ۖ قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ [7:187]

\[ ١٨٧ \]  يسألونك عن الساعة أيان مرساها قل إنما علمها عند ربي لا يجليها لوقتها إلا هو ثقلت في السماوات والأرض لا تأتيكم إلا بغتة يسألونك كأنك حفيٌّ عنها قل إنما علمها عند الله ولكن أكثر الناس لا يعلمون ( ١٨٧ ) . 
 يسألونك عن الساعة  أي عن قيامها وحينها  أيان مرساها  أي متى إرساؤها أو وقت إرسائها، أي إثباتها وإقرارها. والرسوّ يستعمل في الأجسام الثقيلة، وإطلاقه على المعني، تشبيها لها بالأجسام  قل إنما علمها عند ربي لا يجليها لوقتها إلا هو  أي لا يظهرها في وقتها إلا هو  ثقلت في السماوات والأرض  أي عظمت وكبرت على أهلهما لهولها وما فيها من المحاسبة والمجازاة. أو ثقل علم وقتها على أهلهما. أو عظم وصفها على أهل السماوات والأرض، من انتشار النجوم، وتكوير الشمس، وتسيير الجبال  لا تأتيكم إلا بغتة  أي فجأة على حين غفلة منكم  يسألونك كأنك حفيٌّ عنها  / أي عالم بها  قل إنما علمها عند الله ولكن أكثر الناس لا يعلمون  أي أن علمها عند الله، لم يؤته أحدا من خلقه. 
**لطيفة :**
قال الزمخشري : فإن قلت. لم كرر  يسألونك  و  إنما علمها عند الله  ؟ قلت : للتأكيد، ولما جاء به من زيادة قوله : كأنك حفي عنها  وعلى هذا تكرير العلماء الحذاق في كتبهم، لا يُخلون المكرر من فائدة زائدة. انتهى. 
وقال الناصر في ( الانتصاف ) : وفي هذا النوع من التكرير نكتة لا تلفى إلا في الكتاب العزيز، وهو أجلّ من أن يشارك فيها. وذاك أن المعهود في أمثال هذا التكرير، أن الكلام إذا بُني على مقصد، واعترض في أثنائه عارض، فأريد الرجوع لتتميم المقصد الأول، وقد بعد عهده، طّي بذكر المقصد الأول، لتتصل نهايته ببدايته. وقد تقدم لذلك في الكتاب العزيز أمثال، وسيأتي، وهذا منها. فإنه لما ابتدأ الكلام بقوله : يسألونك عن الساعة أيان مرساها  ثم اعترض ذكر الجواب المضمن في قوله : قل إنما علمها عند ربي  إلى قوله  بغتة  أريد تتميم سؤالهم عنها بوجه من الإنكار عليهم، وهو المضمن في قوله : كأنك حفي عنها  وهو شديد التعلق بالسؤال، وقد بعد عهده، فطُرِّيَ ذكره تطرية عامة، ولا نراه أبدا يطري إلا بنوع من الإجمال، كالتذكرة للأول، مستغنى عن تفصيله بما تقدم. فمن ثم قيل : يسألونك  ولم يذكر المسؤول عنه، وهو  الساعة  اكتفاء بما تقدم فلما كرر السؤال لهذه الفائدة كرر الجواب أيضا مجملا، فقال : قل إنما علمها عند الله . ويلاحظ هذا في تلخيص الكلام بعد بسطه. ومن أدق ما وقفت عليه العرب في هذا النمط من التكرير لأجل بعد العهد، تطرية للذكر، قوله :
عَجِّل لنا هذا وألحقنا بذا ال \*\*\* شحم إنا قد مللناه بَجلْ
أي فقط، فذكر الألف واللام، خاتمة للأول من الرجزين، ثم لما استفتح الرجز الثاني، استبعد العهد بالأولى، فطري ذكرها، وأبقى الأول في مكانها. ومن ثم استدل ابن جنيّ. / على أن ما كان من الرجز على ثلاثة أجزاء، فهو بيت كامل، وليس بنصف، كما ذهب إليه أبو الحسن. قال : ولو كان بيتا واحدا، لم يكن عهد الأولى متباعدا، فلم يكن محتاجا إلى تكريرها. ألا ترى أن عَبيدا لما جاء بقصيدة طويلة الأبيات، وجعل آخر المصراع الأول ( أل ) لم يعدها أول المصراع الثاني، لأنها بيت واحد، فلم ير عهدها بعيدا، وذلك قول عبيد بن الأبرص الأسدي :
يا خليليّ ارْبعَا واستخبرا الْْ\*\*\* مَنزلَ الدَّارسَ عن أهل الحِلالِ
مثل سَحْق البُرْدِ عَفَّى بَعْدك الْ\*\*\* قَطْرُمَغنَاه وتَأويبُ الشَّمال
( أربعا : أقيما. الحلال : اسم امرأة. سَحق البرد : يريد مثل البرد المسحوق أي البالي. وعفى، بالتشديد : محا. القطر. المطر. مغناه. هو الموضع الذي كانوا يسكنونه. والشمال- بالفتح والكسر- من الرياح، ما مهبّه من مطلع الشمس وبنات نعش. وهي لا تكاد تهب ليلا. وتأويبها : هبوبها النهار كله ) ثم استرسل فيها كذلك بضعة عشر بيتا. فانظر هذه النكتة، كيف بالغت العرب في رعايتها، حتى عدت القريب بعيدا، والمتقاصر مديدا. فتأملها فإنها تحفة إنما تنفق عند الحذاق الأعيان، في صناعتي العربية والبيان، والله المستعان- انتهى-. 
( والقصيدة بتمامها في ( مختارات ابن الشجري ) بالصفحة رقم ٣٧ ).

### الآية 7:188

> ﻿قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ ۚ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ ۚ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ [7:188]

ثم أمره تعالى أن يخبر بعبوديته الكاملة، بما ينبئ عن عجزه عن علم الساعة بقوله سبحانه :
 قل لاَّ أملِكُ لنفسي نفعا ولا ضرا إلا ما شاء الله ولو كنتُ أعلم الغيبَ لاستكثرتُ من الخير وما مَسَّني السوءُ إن أنا إلا نذير وبشير لقومٍ يؤمنون ( ١٨٨ ) . 
 قل لاَّ أملِكُ لنفسي نفعا ولا ضَرًّا  أي لا أقدر، لأجل نفسي، على جلب نفع ما، / ولا على دفع ضرٍّ ما  إلا ما شاء الله  أي تمليكه لي من ذلك بأن يلهمنيه، فيمكنني منه، ويقدرني عليه. وهذا كقوله تعالى في سورة يونس[(١)](#foonote-١) : ويقولون متى هذا الوعد إن كنتم صادقين، قل لا أملك لنفس ضرا ولا نفعا إلا ما شاء الله، لكل أمَّة أجل .  ولو كنتُ أعلم الغيبَ لاستكثرتُ من الخير  أي النفع، بترتيب أسبابه، فكنت مثلا أعد للسنة المجدبة من المخصبة، ولوقت الغلاء من الرخص  وما مَسَّني السوءُ  أي الضر، لتوقي عن أسبابه  إن أنا إلا نذير وبشير  أي عبد أرسلتُ نذيرا وبشيرا، وما من شأني أني أعلم الغيب. وقوله تعالى : لقومٍ يؤمنون  يجوز أن يتعلق ب  نذيرٌ وبَشِيرٌ  جميعا، لأن المؤمنين هم المنتفعون بالنذارة والبشارة، أو يتعلق ب  بشيرٌ  وحده، ومتعلق النذير محذوف، أي للكافرين، وحذف للعلم به. وقال الشهاب : ليطهر اللسان منهم.

١ - \[١٠/ يونس/ ٤٨ و٤٩\]..

### الآية 7:189

> ﻿۞ هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا ۖ فَلَمَّا تَغَشَّاهَا حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا فَمَرَّتْ بِهِ ۖ فَلَمَّا أَثْقَلَتْ دَعَوَا اللَّهَ رَبَّهُمَا لَئِنْ آتَيْتَنَا صَالِحًا لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ [7:189]

ثم بين تعالى عظم جناية الكفرة في جراءتهم على الإشراك، بتذكير مبادئ أحوالهم المنافية له، بقوله سبحانه :
\[ ١٨٩ \]  هو الذي خلقكم من نفس واحدة وجعل منها زوجها ليسكن إليها فلما تغشَّاها حملت حملا خفيفا فمرَّت به فلما أثقلت دَّعَوَا الله ربهما لئن آتيتنا صالحا لَّنكونَنَّ من الشاكرين ( ١٨٩ ) . 
 هو الذي خلقكم من نفس واحدة  وهي نفس آدم عليه السلام  وجعل منها زوجها  أي من جنسها، كقوله تعالى[(١)](#foonote-١) : ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا   ليسكن إليها  أي لطمئن إليها ويميل، ولا ينفر، لأن الجنس إلى الجنس أميل، وبه آنس. وإذا كانت بعضا منه كان السكون والمحبة أبلغ، كما يسكن الإنسان/ إلى ولده، ويحبه محبة لكونه بضعة منه. وذكر  ليسكن  بعد ما أنث في قوله  واحدة  و  منها زوجها  ذهابا إلى معنى النفس، ليبين أن المراد بها آدم، ولأن الذكَر هو الذي يسكن إلى الأنثى ويتغشاها، فكان التذكير أحسن طباقا للمعنى. أفاده الزمخشري.  فلما تغشاها  أي وطئها. و ( التغشي ) كناية عن الجماع، وكذلك الغشيان والإتيان  حملت حملا خفيفا  أي خف عليها، وذلك أول الحمل، لا تجد المرأة له ألما، إنما هي النطفة، ثم العلقة، ثم المضغة  فمرَّتْ به  أي فاستمرت خفيفة، وقامت وقعدت  فلمَّا أثقلت  أي صارت ذات ثقل، لكبر الولد في بطنا  دَّعَوا الله ربَّهُما لئن آتيتنا صالحا  أي ولدا سويا قد صلح بدنه، أو غلاما  لنكونن من الشاكرين  أي على نعمائك التي منها هذه النعمة.

١ - \[٣٠/ الروم/ ٢١\]..

### الآية 7:190

> ﻿فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا ۚ فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ [7:190]

\[ ١٩٠ \]  فلما آتاهما صالحا جعلا له شركاء فيما آتاهما فتعالى الله عَمَّا يشركون  تنزيه فيه معنى التعجب. 
**تنبيه :**
هذه الآية سيقت توبيخا للمشركين في جنايتهم بالشرك، ونقضهم ميثاقهم، في جريهم على خلاف ما يعادون الله عليه. وذلك أنه تعالى ذكر ما أنعم به عليهم من الخلق من نفس واحدة، وجعل أزواجهم من أنفسهم ليأنسوا بهن. ثم إنشائه إياهم بعد الغشيان، متدرجين في أطوار الخلق من العدم إلى الوجود، ومن الضعف إلى القوة. ثم بين إعطاءهم المواثيق إن آتاهم ما يطلبون وولد لهم ما يشتهون، ليكونن من الشاكرين. ثم أخبر عن غدرهم وكفرانهم هذه النعم، التي امتن سبحانه بها عليهم، ونقضهم ميثاقهم في إفراده بالشكر، / حيث أشركوا معه غيره في ذلك. ونظير هذه الآية، في الإخبار عن تبديل المشركين نعمة الله كفرا، قوله تعالى في سورة يونس[(١)](#foonote-١) : هو الذي يُسَيِّرُكم في البَرِّ والبحر، حتى إذا كنتم في الفلكِ وجرين بهم بريح طيبة وفرحوا بها جاءتها ريح عاصف وجاءهم الموجُ من كل مكان وظنوا أنهم أحيطَ بهم دعَوُا الله مُخلصين له الدين لئن أنجيتنا من هذه لنكونن من الشاكرين، فلما أنجاهم إذا هم يَبْغون في الأرض بغير الحق  وقد ذكر المفسرون ههنا أحاديث وآثارا تفهم أن المراد بهذا السياق آدم وحواء. ولا حاجة بنا إلى روايتها لأنها واهية الإسناد معلولة، كما بينه الحافظ ابن كثير في ( تفسيره ). وتقبُّل ثُلةٍ من السلف لها وتلقيها- لا يجدي في صحتها شيئا. إذ أصلها مأخوذ من أقاصيص مسلمة أهل الكتاب، كما برهن عليه ابن كثير. وتهويل بعضهم بأنها مقتبسة من مشكاة النبوة، إذ أخرجها فلان وفلان، من تنميق الألفاظ لتمزيق المعاني ؛ فإن المشكاة النبوية أجل من أن يقتبس منها إلا كل ما عرفت جودته. 
إذا علمت ذلك، تبين لك أن من استند إلى تلك الأحاديث والآثار، فذهب إلى أن المراد بالنفس الواحدة وقرينتها، آدم وحواء، ثم أورد على نفسه أنهما بريئان من الشرك، وأن ظاهر النظم يقتضيه، ثم أخذ يؤوله، إما بتقدير مضاف، أي جعل أولادهما له شركاء، فيما آتى أولادهما، وإما بأن المراد جعل أحدهما وهو ( حواء ) من إطلاق المثنى وإرادة المفرد، وإما بغير ذلك- فإنه ذهب في غير مذهب. 
وقد قرر ما ارتضيناه في معنى الآية غير واحد. قال الحسن البصري، فيما روى عنه ابن جرير : إن الآية عني بها ذرية آدم، ومن أشرك منهم بعده. وفي رواية عنه : كان هذا في بعض الملل، ولم يكن بآدم. 
قال ابن كثير : والأسانيد إلى الحسن، في تفسير هذا، صحيحه، وهو من أحسن التفاسير، وأولى ما حملت عليه الآية. 
 قال : ولو كان الحديث المرفوع، في أنها في آدم وحواء، محفوظا عنده من رواية رسول الله صلى الله عليه وسلم، لما عدل عنه هو ولا غيره، لا سيما مع تقواه وورعه. فهذا يدل على أنه – إن صح- موقوف على الصحابي، لا مرفوع. انتهى. 
وقال القفال : إنه تعالى ذكر هذه القصة على تمثيل ضرب المثل، وبيان أن هذه الحالة صورة حالة هؤلاء المشركين في جهلهم، وقولهم بالشرك. وتقرير هذا الكلام، كأنه تعالى يقول : هو الذي خلق كل واحد منكم من نفس واحدة، وجعل من جنسها زوجها إنسانا يساويه في الإنسانية، فلما تغشى الزوج زوجته، وظهر الحمل، دعا الزوج والزوجة ربهما، لئن آتيتنا ولدا صالحا سويًّا لنكونن من الشاكرين لآلائك ونعمائكن فلما آتاهما الله ولدا صالحًا سوياًّ، جعل الزوج والزوجة شركاء فيما آتاهما، لأنهم تارة ينسبون ذلك الولد إلى الطبائع، كما هو قول الطبائعيين. وتارة إلى الكواكب، كما هو قول المنجمين. وتارة إلى الأصنام والأوثان، كما هو عبدة الأصنام. 
وقال الناصر في ( الانتصاف ) - متعقبا على الزمخشري- : الأسلم والأقرب، والله أعلم، أن يكون المراد جنسي الذكر والأنثى، لا يقصد فيه إلى معيّن. وكأن المعنى- والله أعلم- خلقكم جنسا واحدا، وجعل أزواجكم منكم أيضا، لتسكنوا إليهن، فلما تغشى الجنس الذي هو الذكر، الجنس الآخر، الذي هو الأنثى، جرى من هذين الجنسين كيت وكيت، وإنما نسب هذه المقالة إلى الجنس، وإن كان فيهم الموحدون، على حد ( بنو فلان قتلوا قتيلا ) يعني من نسبة ما صدر من البعض إلى الكل. 
**فائدة :**
قال بعض مفسري الزيدية : ثمرة هذه الآية أنه تعالى لما قال : فلما أثقلت  جعل حال الإثقال يخالف ما قبله، وأنه يختص فيه الدعاء لأجل أنه حال الخوف. وقد ذهب الهادي إلى أن الحامل إذا أتى عليها من الحمل ستة أشهر، كانت تصرفاتها كتصرفات المريض، / تنفذ من الثلث. وهو قول مالك والليث، واحتجا بالآية، لأنه تعالى فرق بين حال الخفة والإثقال. وقال غيرهما : تصرفها من الجميع، ما لم يأخذها الطلق. قلنا : إنه يجوز عليها بعد الستة، وضع الحمل في كل وقت. انتهى. 
ثم قال : ودلت الآية على أنه يجوز الدعاء لطلب أمور الدنيا، وإن حصول الولد مِنَّة يجب الشكر عليها. انتهى.

١ - \[١٠/ يونس/ ٢٢ و٢٣\]..

### الآية 7:191

> ﻿أَيُشْرِكُونَ مَا لَا يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ [7:191]

ثم استأنف تعالى توبيخ المشركين كافة، واستقباح إشراكهم، وإبطاله بالكلية ببيان شأن ما أشركوا به سبحانه، وتفصيل أحواله القاضية ببطلان ما اعتقدوه في حقه، بقوله سبحانه :\[ ١٩١ \]  أيُشرِكُون ما لا يَخْلقُ شيئا وهم يُخلَقُون ( ١٩١ ) . 
 أيشركون  أي بخالق الأشياء تعالى وتقدس  ما لا يخلق شيئا  أي لا يقدر على خلق شيء ما، كقوله تعالى[(١)](#foonote-١) : يا أيها الناس ضرب مثل فاستمعوا له إن الذين تدعون من دون الله لن يخلقوا ذبابا ولو اجتمعوا له  أي : ومَنْ هذه صفته كيف يعبد ؟ ومن حق المعبود أن يكون خالقا لعابده لا محالة  وهم يخلقون  أي بل هم مخلوقون مصنوعون، كما قال الخليل[(٢)](#foonote-٢) عليه الصلاة والسلام : أتعبدون ما تنحتون .

١ - \[٢٢/ الحج/ ٧٣\]..
٢ - \[٣٧/ الصافات/ ٩٥\]..

### الآية 7:192

> ﻿وَلَا يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْرًا وَلَا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ [7:192]

\[ ١٩٢ \]  ولا يستطيعون لهم نصرا ولا أنفسهم ينصرون ( ١٩٢ ) 
 ولا يستطيعون لهم  أي لعبدتهم إذا حزبهم أمر  نصرا  أي بجلب نفع، أو دفع ضر  ولا أنفسهم ينصرون  إذا اعترتهم حادثة من الحوادث، كما قال تعالى : وإن يسلُبْهُمُ الذباب شيئا لا يَسْتنْقِذوهُ منه [(١)](#foonote-١) وكما كان الخليل عليه الصلاة والسلام يكسر أصنام قومه، ويهينها غاية الإهانة. 
وقد حكى ابن كثير أن معاذ بن عمرو بن الجموح، ومعاذ بن جبل رضي الله عنهما أسلما لما قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة، وكانا شابين، فكانا يعودان في الليل على أصنام المشركين، يكسرانها ويتلفانها، ويتخذانها حطبا للأرامل، ليعتبر قومهما. وكان لعمرو بن الجموح- وكان سيدا في قومه- صنم يعبده ويطيّبه، فكانا يجيئان في الليل، فينكسانه على رأسه، ويلطخانه بالعذرة. فيجيء عمرو بن الجموح، فيرى ما صنع به، فيغسله ويطيبه، ويضع عنده سيفا، ويقول له : انتصر، ثم يعودان لمثل ذلك، ويعود إلى صنيعه أيضا. حتى أخذاه مرة، فقرناه مع كلب ميت، ودلّياه في حبل بئر هناك، فلما جاء عمرو بن الجموح، ورأى ذلك، نظر فعلم أن ما كان عليه من الدين باطل، وقال :
تالله لو كنتَ إلهاً مُسْتدَنْ\*\*\*لم تك والكلبَ جميعا في قَرَنْ
( مستدن : ذليل مستعبد. والقرَن : الحبل ). 
ثم أسلم فحسن إسلامه، وقتل يوم أحد شهيدا، رضي الله عنه وأرضاه. 
( انظر سيرة ابن هشام ج ٢ ص ٩٥ طبعة الحلبي. و ص ٣٠٣ طبعة جوتنجن ). 
**تنبيه :**
قال الجشمي : تدل الآية عل صحة الحجاج في الدين، لأن قوله : أيُشركون ما لا يَخْلُقُ...  الآية- حجاج. وتدل على أن المستحق للعبادة الذي يخلق وينعم ويقدر على النفع والضر هو الله تعالى.

١ - \[٢٢/ الحج/ ٧٣\]..

### الآية 7:193

> ﻿وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدَىٰ لَا يَتَّبِعُوكُمْ ۚ سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنْتُمْ صَامِتُونَ [7:193]

\[ ١٩٣ \]  وإن تدعوهم إلى الهدى لا يتبعوكم سواء عليكم أدعوتموهم أم أنتم صامتون ( ١٩٣ ) . 
 وإن تدعوهم  أيها المشركون  إلى الهدى  أي إلى ما فيه رشاد  لا يتَّبعوكم  أي إلى مرادكم وطلبتكم  سواء عليكم أدعوتموهم أم أنتم صامتون  يعني أن هذه الأصنام لا تسمع دعاء من دعاها، كما قال إبراهيم[(١)](#foonote-١) : يا أبَتِ لم تعْبُدُ ما لا يسمع ولا يُبصر ولا يُغني عنك شيئا . وجوّز في الآية أن يكون المعنى : وإن تدعوهم إلى أن يهدوكم وتطلبوا منهم، كما تطلبون من الله، الخير والشر، لا يجيبوكم كما يجيبكم الله، لقوله تعالى[(٢)](#foonote-٢) بعدُ : فادعوهم فليستجيبوا لكم إن كنتم صادقين .

١ - \[١٩/ مريم/ ٤٢\]..
٢ - \[٧/ الأعراف/ ١٩٤\]..

### الآية 7:194

> ﻿إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ ۖ فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ [7:194]

\[ ١٩٤ \]  إن الذين تدعون من دون الله عباد أمثالكم فادعوهم فليستجيبوا لكم إن كنتم صادقين ( ١٩٤ ) . 
 إن الذين تدعون من دون الله  أي تعبدونهم وتسمونهم آلهة  عباد أمثالكم  أي مخلوقات مماثلة لكم  فادعوهم  أمر تعجيز وتبكيت. أي فادعوهم لجلب نفع، أو كشف ضر  فليستجيبوا لكم إن كنتم صادقين  أي في زعمكم أنها آلهة.

### الآية 7:195

> ﻿أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَا ۖ أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِهَا ۖ أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِهَا ۖ أَمْ لَهُمْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا ۗ قُلِ ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ كِيدُونِ فَلَا تُنْظِرُونِ [7:195]

**وقوله تعالى :**
 ألَهُمْ أرْجُلٌ يمشون بها أم لهم أيدٍ يَبْطِشُونَ بها أم لهم أعْيُنٌ يُبصرون بها أم لهم آذانٌ يَسْمَعُونَ بها قلِ ادعوا شُرَكاءكم ثم كِيدونِ فلا تُنظِرُونِ ( ١٩٥ ) . 
 ألَهُمْ أرْجُلٌ يمشون بها، أم لهم أيدٍ يَبْطِشُونَ بها، أم لهم أعْيُنٌ يُبصرون بها، / أمْ لهُمْ آذانٌ يَسْمَعُونَ بها  تبكيت إثرتبكيت، مؤكد لما يفيده الأمر التعجيزيّ، من عدم الاستجابة، ببيان فقدان آلتها بالكلية. فإن الاستجابة من الهياكل الجسمانية، إنما تتصور إذا كان لها حياة وقوى محركة. ومدركة. وما ليس له شيء من ذلك، فهو بمعزل من الأفاعيل بالمرة. كأنه قيل : ألهم هذه الآلات التي بها تتحقق الاستجابة، حتى يمكن استجابتهم لكم ؟ وقد وجه الإنكارإلى كل واحدة من هذه الآلات الأربع على حدة، تكريرا للتبكيت، وتثنية للتقريع، وإشعارا بأن انتفاء كل واحدة منها بحيالها، كافٍ في الدلالة على استحالة الاستجابة. أفاده أبو السعود. 
ويقال : إنه لما جعلهم مثلهم، كرّ على المثلية بالنقض بما ذكر، لأنهم أدون منهم، وعبادة الشخص مَن هو مثله لا تليق، فكيف من هو دونه. 
**تنبيه :**
قال الرازي : تعلق بعض أغمار المشبهة وجهَّالهم بهذه الآية، في إثبات هذه الأعضاء لله تعالى، فقالوا : إنه تعالى جعل عدم هذه الأعضاء، لهذه الأصنام، دليلا على عدم إلهيتها. فلو لم تكن هذه الأعضاء موجودة لله تعالى، لكان عدمها دليلا على عدم الإلهية، وذلك باطل. فوجب القول بإثبات هذه الأعضاء لله تعالى... الخ. 
وأقول : الظاهر أن ملحظ مثبتيها هو أن عدمها يدل على النقص، وهو محال على المولى تعالى، إذ له كل صفة كمال. ومعلوم أن في إثباتها له تعالى من آيات أخر، وأحاديث مشهورة، ما يغني عن تكلف استثباتها له تعالى من مثل هذه الآية، ولكن على المنهاج السلفي، وهو إثبات بلا تكييف، إذ من كيّف فقد مثّل، ومن نفى فقد عطّل. فالمشبهة كالمعطلة، والحق وراءهما، والمسألة شهيرة. 
ولما بين تعالى أن شركاءهم عاجزون، أمر تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم أن يناصبهم للمحاجّة، ويكرر عليهم التبكيب، فقال سبحانه : قلِ ادعوا شُرَكاءكم  أي استنصروا بها عليّ  ثم كِيدونِ  أي اعملوا أنتم وهم في هلاكي من حيث لا أشعر به، حتى يمكنني دفعه.  فلا تُنظِرُونِ  أي عجّلوا في كيدي، فلا تمهلوني مدة أطلع فيها على كيدكم، فإني لا أبالي بكم. وقد أثبت نافع وأبو عمرو الياء في ( كيدوني )، والباقون حذفوها. ومثله في قوله[(١)](#foonote-١) : ولا تُنْظِرونِ   ثم لا تنظِرونِ [(٢)](#foonote-٢) قال الواحديّ : والقول فيه أن الفواصل تشبه القوافي، وقد حذفوا هذه الآليات إذا كانت في القوافي، كقوله :
يلمسُ الأحلاسَ في منزلهِ \*\*\* بيديه كاليَهُودي المُصَلّ
( وأصلها المصلّي ) الذين أثبتوها، فلأن الأصل هو الإثبات. 
١ - \[١٠/ يونس/ ٧١\]..
٢ - \[١١/ هود/ ٥٥\]..

### الآية 7:196

> ﻿إِنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ ۖ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ [7:196]

\[ ١٩٦ \]  إنَّ وَلِيَّ اللهُ الذي نَزَّل الكتابَ وهو يتَوَلَّى الصالِحِينَ ( ١٩٦ ) . 
 إنَّ وَلِيَّ اللهُ الذي نَزَّل الكتابَ  تعليل لعدم المبالاة، المنفهم من السوق انفهاما جليَّا. أي : الذي يتولى حفظي ونصرتي هو الله الذي أنزل الكتاب، المشتمل على هذه العلوم العظيمة النافعة. 
قال أبو السعود : ووصفه تعالى بتنزيل الكتاب، للإشعار بدليل الولاية، والإشارة إلى علة أخرى لعدم المبالاة. كأنه قيل : لا أبالي بكم وبشركائكم، لأن وليي هو الله الذي نزل الكتاب الناطق بأنه وليي وناصري، وبأن شركاءكم لا يستطيعون نصر أنفسهم، فضلا عن نصركم. وقوله تعالى : وهو يتولى الصالحين  تذييل مقرر لما قبله. أي ومن عادته أن يتولى الصالحين من عباده، وينصرهم ولا يخذلهم. وفيه تعريض، لمن فقد الصلاح، بالخذلان والمَحْقِ. 
قال الحسن البصريّ : إن المشركين كانوا يخوّفون الرسول صلى الله عليه وسلم بآلهتهم، فقال تعالى : ادْعُوا شرَكاءَكم...  الآية- ليظهر لكم أنه لا قدرة لها على إيصال المضارّ إليّ، بوجه من الوجوه. وهذا كما قال هود عليه السلام، لما قال قومه  إن نَّقولُ إلاَّ اعْتَراكَ / بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوءٍ، قال إني أشهِدُ الله واشْهَدُوا أنّي برِيءٌ ممَّا تُشركون، من دونه فكيدوني جميعا ثم لا تُنظِرونِ، إني توكلتُ على الله ربي وربِّكُم...  [(١)](#foonote-١) الآية.

١ - \[١١/ هود/ ٥٤-٥٦\]..

### الآية 7:197

> ﻿وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكُمْ وَلَا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ [7:197]

\[ ١٩٧ \]  والذين تَدْعُونَ مِنْ دُونِه لا يَسْتَطِيعون نصْرَكُم ولا أنفُسُهُم يَنصُرُونَ ( ١٩٧ ) 
 والذين تَدْعُونَ مِنْ دُونِه لا يَسْتَطِيعون نصْرَكُم  أي لا يتولون أحدا، لأنهم لا يستطيعون نصركم  ولا أنفُسُهُم يَنصُرُونَ  أي إذا قصد إضرارهم.

### الآية 7:198

> ﻿وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدَىٰ لَا يَسْمَعُوا ۖ وَتَرَاهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ [7:198]

\[ ١٩٨ \]  وإن تدعوهم إلى الهدى لا يسمعوا وتراهم ينظرون إليكَ وهم لا يُبْصِرُونَ ( ١٩٨ ) . 
 وإن تدعوهم إلى الهدى لا يسمعوا  إذ ليس لهم سمع، وإن صوّرت لهم الآذان. كما أنه لا بصر لهم، وإن صورت لهم الأعين. كما قال  وتراهم ينظرون إليكَ  إذا صورت لهم الأعين  وهم لا يُبْصِرُونَ  لأنهم جماد عوملوا معاملة من يعقل، فعبر عنهم بضميره، لأنهم على صورٍ مصورة كالإنسان. وهذا من تمام التعليل، لعدم مبالاته بهم، فلا تكرار. 
وقال السديّ : المراد بهذا ( المشركون ) وروي عن مجاهد نحوه. أي وإن كانوا ينظرون إليك، فإنهم لا ينتفعون بالنظر والرؤية. 
قال ابن كثير : والأول أولى، وهو اختيار ابن جرير، وقاله قتادة : أي تفصيا من التفكيك، لأن المحدث عنهم الأصنام. 
**تنبيه :**
من غرائب استنباط المعتزلة قولهم في هذه الآية- والعبارة للجشميّ- ما مثاله : تدل/ الآية على أن النظر غير الرؤية، وأنه لا يقتضي الرؤية، لذلك أثبتهم ناظرين غير رائين. 
قال : ومثله قولهم نظرت إلى الهلال فلم أره. ويقسمون النظر إلى وجوه، ولا تنقسم الرؤية. 
قال : فبطل قول من يقول : إن قوله تعالى[(١)](#foonote-١)  وجوه يومئذ نَّاضرة، إلى ربِّها ناظرة  يقتضي الرؤية. انتهى. 
ولا يخفى أن الأصل في إطلاق النظر هو الرؤية والإبصار، ولذلك تتعاقب في هذا المعنى، وتترادف كثيرا. وانفكاكه عن الرؤية في هذه الآية لقرينة كون المحدَّث عنهم جمادا، ولا قرينة في الآية لتقاس على ما هنا. دع ما صح من الأخبار في وقوعها، مما هو بيان لها- فافهم-.

١ - \[٧٥/ القيامة/٢٢ و٢٣\]..

### الآية 7:199

> ﻿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ [7:199]

ثم أمر تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم بالصفح عن المشركين إذا جادلوه في شركائهم بعد هذا البيان، بقوله سبحانه :
 خُذِ العَفوَ وأمُرْ بالعُرْفِ وأعْرِضْ عَنِ الجَاهِلين ( ١٩٩ ) 
 خُذِ العَفوَ  أي مكان الغضب، ليكونوا أقبل للنصيحة  وأمُرْ بالعُرْفِ  أي بالجميل المستحسن من الأفعال، فإنها قريبة من قبول الناس من غير نكير، ولما كان الناصح لغيره، كالمعرَّض لعدوانهم، ثلَّث بما يحتاج إليه في ذلك فقال  وأعْرِضْ عَنِ الجَاهِلين  أي المصرِّين على جهلهم، فلا تكافئ السفهاء بمثل سفههم، ولا تمارهم، واحلم عنهم، وأغْضِ على ما يسوؤك منهم. 
**تنبيهان :**
الأول : قال بعض العلماء : إن سر الشريعة في الطباع والعادات، هو تأييد المستحسن/ ومحو المستقبح. وإليه الإشارة بقوله تعالى : وأمر بالمعروف وانه عن المنكر  فإن المعروف ما عرفته الطباع السليمة واستحسنته، والمنكر ما أنكرته واستقبحته. ذلك لأن غاية الشريعة راحة الخلق على حال ونظام معقولين، فلا يصح الحكم بتوحيد العادات في كل البلاد. اه
الثاني : روي عن الإمام جعفر الصادق رضي الله عنه قال : أمر الله نبيه صلى الله وسلم بمكارم الأخلاق، وليس في القرآن آية أجمع لمكارم الأخلاق منها. 
وروى البخاري عن ابن عباس :«أن عيينة بن حصن قال لعمر بن الخطاب : هي يا ابن الخطاب ! فوالله، ما تعطينا الجزل، ولا تحكم فينا بالعدل، فغضب عمر حتى هم أن يوقع به. فقال له الحر بن قيس : يا أمير المؤمنين ! إن الله قال لنبيه صلى الله عليه وسلم : خُذِ العَفوَ وأمُرْ بالعُرْفِ وأعْرِضْ عَنِ الجَاهِلين  وإن هذا من الجاهلين. 
قال ابن عباس :" والله ! ما جاوزها عمر حين تلاها عليه، وكان وقَّافاً عند كتاب الله عز وجل ".

### الآية 7:200

> ﻿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ ۚ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ [7:200]

\[ ٢٠٠ \]  وإمَّا يَنزَغنَّكَ مِنَ الشيْطَانِ نَزْغ فاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إنَّهُ سَمِيعٌ عَليمٌ ( ٢٠٠ ) . 
 وإمَّا يَنزَغنَّكَ مِنَ الشيْطَانِ نَزْغ  أي يصيبنّك من الشيطان وسوسة تثير غضبك على جهلهم وإساءتهم، وتحملك على خلاف ما أمرت فيه من العفو والأمر بالمعروف  فاسْتَعِذْ بِاللَّهِ  أي اسْتَجِرْ به، وادعه في دفعه  إنَّهُ سَمِيعٌ  أي لدعائك  عَليم  أي باستعاذتك. 
قال الزمخشري : النزغ والنسغ : الغرز والنخس، كأنه ينخس الناس حين يغريهم على المعاصي. أي فشبهت وسوسته وإغراؤه بالغرز، وهو إدخال الإبرة وطرف العصا وما يشبهه/ في الجلد، كما يفعله السائق لحث الدواب. وجعلُ النزغ نازغا مجاز بالاسناد، لجعل المصدر فاعلا، كجد جدّه. 
قال أبو السعود : وفي الأمر بالاستعاذة بالله تعالى تهويل لأمره، وتنبيه على أنه من الغوائل الصعبة التي لا يخلص من مضرتها إلا بالالتجاء إلى حرم عصمته عز وجل.

### الآية 7:201

> ﻿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ [7:201]

\[ ٢٠١ \]  إن الذين اتَّقَوْا إذا مَسَّهُمْ طائِفٌ مِّنَ الشيْطان تَذَّكرُوا فإذا هُم مُّبصِرون ( ٢٠١ ) . 
 إن الذين اتَّقَوْا إذا مَسَّهُمْ  أي أصابهم  طائِفٌ مِّنَ الشيْطان  أي وسوسة وخاطر منه  تَذَّكرُوا  أي الاستعاذة به تعالى والتوكل عليه  فإذا هُم  أي بسبب ذلك التذكر  مُّبصِرون  أي مواقع الخطأ، ومكائد الشيطان. فينتهون عنها ولا يتبعونه. وقرئ ( طيف ) على أنه مصدر، من قولهم ( طاف به الخيال يطيف طيفا )، أو تخفيف ( طيّف ) كليّن وهيّن. وهذه الآية تأكيد وتقرير لما قبلها من وجوب الاستعاذة بالله تعالى، عند نزغ الشيطان، وأن المتقين هذه عادتهم.

### الآية 7:202

> ﻿وَإِخْوَانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي الْغَيِّ ثُمَّ لَا يُقْصِرُونَ [7:202]

وقوله تعالى :\[ ٢٠٢ \]  وإخْوانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي الغَي ثمَّ لا يُقصِرُون ( ٢٠٠٢ ) . 
 وإخْوانُهُمْ  يعني وأما إخوان الشياطين من شياطين الإنس. كقوله : إن المبَذِّرينَ كانُوا إخوانَ الشيَاطِين [(١)](#foonote-١)، وهم الذين لم يتقوا ؛ فلم يتأت لهم التذكر، ولا ينفع فيهم الاستعاذة لأن الشياطين  يَمُدُّونَهُمْ فِي الغَي  أي يكونون مدداً لهم بتكثير الشبه والتزيين والتسهيل في الضلال، يعني تساعدهم الشياطين على المعاصي، وتسهلها عليهم وتحسّنها لهم ثمَّ لا يُقصِرُون  أي لا يمسكون عن إغوائهم، حتى يصرّوا و يرجعوا. يعني أن الشياطين يمدون أولياءهم من الإنس، ولا يسأمون من إمدادهم من الشر، لأن ذلك طبيعة لهم وسجية : وجوز عود الضمير ل ( الإخوان )، أي لا يرعوون عن الغيّ ولا يقصرون، وإن بولغ عليهم في الوعظ بآيات الله، وإقامة الدلائل، ورفع الشبه، وغير ذلك. وجوز أيضا أن يراد أيضا ب ( الإخوان ) الشياطين، ويرجع الضمير إلى  الجاهلين  أي وإخوان الجاهلين، وهم الشياطين، يمدون الجاهلين في الغيّ. 
قال الزمخشريّ : والأول أوجه، لأن  إخوانهم  في مقابلة  الذين اتَّقَوا .

١ - \[١٧/ الإسراء/ ٢٧\]..

### الآية 7:203

> ﻿وَإِذَا لَمْ تَأْتِهِمْ بِآيَةٍ قَالُوا لَوْلَا اجْتَبَيْتَهَا ۚ قُلْ إِنَّمَا أَتَّبِعُ مَا يُوحَىٰ إِلَيَّ مِنْ رَبِّي ۚ هَٰذَا بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ [7:203]

ثم بين تعالى، من أنواع إغوائهم، لجاجهم في طلب آيات معينة، وتعنتهم في اقتراحها، مع أن لديهم المعجزة العظمى، والخارقة الكبرى، وهي القرآن الكريم، فقال سبحانه :
\[ ٢٠٣ \]  وإذَا لمْ تأتِهم بآيةٍ قالوا لولا اجْتَبَيْتهَا قلْ إنما أتبِعُ ما يُوحَى إليَّ من رَّ بِّي هذا بَصَائِرُ من رَّبكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَة لِّقوْمِ يُؤمِنون ( ٢٠٣ ) . 
 وإذَا لمْ تأتِيهم بآيةٍ  أي مما اقترحوه  قالوا لولا اجْتَبَيْتهَا  أي هلا تكلفتها وأنشأتها من عندك  قلْ إنما أتبِعُ ما يُوحَى إليَّ من رَّ بِّي  أي فلست بمفتعل للآيات، ولا أتقدم إليه تعالى في شيء منها. ثم أرشدهم تعالى إلى أن هذا القرآن هو أعظم المعجزات، وأبين الدلالات، وأصدق الحجج والبينات، فقال سبحانه  هذا  أي القرآن  بَصَائِرُ من رَّبكُمْ  أي بمنزلة البصائر للقلوب، بها يبصر الحق، ويدرك الصواب. فالكلام على طريقة التشبيه البليغ. أو سبب البصائر، فهو مجاز مرسل. أو استعارة لإرشاده. أو المعنى : حجج بينة، وبراهين نيّرة. وإنما جمع خبر المفرد لاشتماله على آيات وسور، جعل كل منها بصيرة. والتعرض لعنوان الربوبية مع الإضافة إلى ضميرهم- لتأكيد وجوب/ الإيمان بها  وَهُدًى  أي من الضلالة وَرَحْمَة } أي من العذاب  لِّقوْمِ يُؤمِنون  أي به، فيتفكرون في حقائقه. 
**تنبيه :**
قال الجشمي : تدل الآية أنه تعالى ينزل الآيات بحسب المصلحة، لا بحسب اقتراحهم، لأن ذلك قد يكون فسادا. ويدل قوله : هذا بصائر  أن المعارف مكتسبة. وتدل أن جميع ما يقوله الرسول ويفعله من الشرع من وحيه، لذلك قال : أتبعُ ما يُوحى ألي ، ومتى قيل : هل تدل الآية على أنه لا يجتهد ولا يقيس ؟ قلنا : لا ! لأن القياس والاجتهاد إذا كان متعبدا به، فاتباعه اتباع الوحي. كالعاميّ يقبل من المفتي، والعالم يجتهد، ويتبع الوحي، كذلك هذا. والذي يدل عليه أن النبي صلى الله عليه وسلم لا يفعل شيئا من تلقاء نفسه حتى يؤمر به- انتهى كلامه- وفي إطلاقه تفصيل له موضع آخر.

### الآية 7:204

> ﻿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ [7:204]

\[ ٢٠٤ \]  وإذا قرئ القرآن فاستمِعُوا له وأنصِتُوا لعلكم تُرْحَمُون ( ٢٠٤ ) . 
 وإذا قرئ القرآن فاستمِعُوا له وأنصِتُوا  أي عن حديث النفس وغيره  لعلكم تُرْحَمُون  لما ذكر تعالى أن القرآن بصائر للناس وهدى ورحمة، أرشد إلى طريق الفوز بما انطوى عليه من منافعه الجليلة. أي وإذا قرئ القرآن الذي ذكرت خصائصه، فاستمعوا له، أي أصغوا إليه بأسماعكم لتفهموا معانيه، وتتدبروا مواعظه، وأنصتوا لقراءته حتى تنقضي، إعظاما له واحتراما، لكي تفوزوا بالرحمة التي هي أعظم ثمراته، لا كما يعتمده كفار قريش من قولهم : لا تسمَعُوا لهذا القرآن والْغوْا فيه [(١)](#foonote-١). 
**تنبيهات :**
الأول : ظاهر الآية يقتضي وجوب الاستماع والإنصات عند قراءة القرآن في الصلاة وغيرها، وعليه أهل الظاهر، وهو قول الحسن البصريّ وأبي مسلم الأصفهانيّ. وقد روى مسلم[(٢)](#foonote-٢) عن أبي موسى الأشعريّ قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" إنما جعل الإمام ليؤتم به، فإذا كبّر فكبّروا، وإذا قرأ فأنصتوا ". وكذا رواه أهل ( السنن ) من حديث أبي هريرة. 
وروى الإمام أحمد[(٣)](#foonote-٣) وأهل ( السنن ) عن أبي هريرة :" أن رسول الله صلى الله عليه وسلم انصرف من صلاة جهر فيها بالقراءة فقال : هل قرأ أحد منكم معي آنفا ؟ قال رجل : نعم. يا رسول الله. قال : إني أقول : ما لي أنازَع القرآن ؟ قال : فانتهى الناس عن القراءة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما جهر فيه بالقراءة من الصلاة، حين سمعوا ذلك من رسول الله صلى الله عليه وسلم " 
قال الترمذي[(٤)](#foonote-٤) هذا حديث حسن. وصححه أبو حاتم الرازيّ. نعم وردت السنة الصحيحة باستثناء الفاتحة وحدَها للمأموم. وذلك فيما رواه عبادة قال : صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم الصبح، فثقلت عليه القراءة، فلما انصرف قال : إني أراكم تقرءون وراء إمامكم ؟ قال : قلنا : يا رسول الله ! إي والله. قال : لا تفعلوا إلا بأم القرآن، فإن لا صلاة لمن لا يقرأ بها " - رواه أبو داود[(٥)](#foonote-٥) والترمذي[(٦)](#foonote-٦)- وفي لفظ :" فلا تقرءوا بشيء من القرآن إذا جهرت/ به، إلا بأم القرآن " - رواه أبو داود والنسائي، والدارقطنيّ وقال : رواته كلهم ثقات. 
وأخرج ابن حبان عن أنس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" أتقرءون في صلاتكم خلف الإمام، والإمام يقرأ ؟ فلا تفعلوا، وليقرأ أحدكم بفاتحة الكتاب في نفسه ". 
وأما حديث أبي هريرة المتقدم، فلا يستدل به على عدم قراءة المأموم مطلقا، بل جهرا. لأن المنازعة إنما تكون مع جهر المأموم، لا مع إسراره. ولو سلم دخول ذلك في المنازعة لكان الاستفهام الإنكاري فيه عاما لجميع القرآن، أو مطلقا في جميعه. وحديث عبادة خاص أو مقيّد، ولا تعارض بين عام وخاص، أو مطلق ومقيد، لابتناء الأول على الثاني. وكذا يقال في عموم الآية. وفي هذا جمع بين دلالة الكتاب، وصحيح السنة، إذ جاءنا بها من جاء بالقرآن. 
الثاني : روي عن كثير من السلف أن الآية نزلت في الصلاة. وعن بعضهم : فيها وفي الخطبة يوم الجمعة. وعن بعضهم : فيهما وفي خطبة الأضحى والفطر. وقد قدمنا في مقدمة الكتاب مصطلح السلف في قولهم ( نزلت هذه الآية في كذا ) وبينّا أنه قد يراد بذلك، أن الآية تشمل ذلك الشيء لدخوله في عمومها، لا أنه سبب لنزولها، وذلك في بعض المقامات، وما هنا منه. وبتحقيق هذا يسقط ما للرازيّ هنا من أنه إذا قيل بنزولها في منع المأموم من الجهر بالقراءة، يذهب تناسب الآية مع ما قبلها من إفحام المشركين، بأن يستمعوا لقراءته، ليقفوا على إعجازه. وما للخازن ؛ بأن الآية مكية، وخطبة الجمعة والعيدين شرعتا بالمدينة-فافهمه-. 
الثالث : روى الإمام أحمد[(٧)](#foonote-٧) عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" من استمع إلى آية من كتاب الله، كتبت له حسنة مضاعفة، ومن تلاها كانت له نورا يوم القيامة ". قال ابن كثير تفرد به الإمام أحمد رحمه الله تعالى.

١ - \[٤١/ فصلت/ ٢٦\]..
٢ - أخرجه مسلم في: ٤- كتاب الصلاة، حديث ٧٧- ٨١ عن أنس و٨٢ عن عائشة و٨٦ عن أبي هريرة (طبعتنا) أما حديث أبي موسى فلم أهتد إليه..
٣ - أخرجه الإمام أحمد في المسند بالصفحة ٢٤٠ من الجزء الثاني (طبعة الحلبي) والحديث رقم ٧٢٦٨ (طبعة المعارف)..
٤ - أخرجه أبو داود في: ٢- كتاب الصلاة، ١٣١- باب القراءة في الفجر، حديث ٨٢٣..
٥ - أخرجه أبو داود في: ٢- كتاب الصلاة، ١٣١- باب القراءة في الفجر، حديث ٨٢٣..
٦ - أخرجه الترمذي في: ٢- كتاب الصلاة، ٦٩- باب لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب..
٧ - أخرجه في المسند بالصفحة رقم ٣٤١ من الجزء الثاني (طبعة الحلبي)..

### الآية 7:205

> ﻿وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ وَلَا تَكُنْ مِنَ الْغَافِلِينَ [7:205]

**وقوله تعالى :**
 \[ ٢٠٥ \]  واذكُرْ رَبَّكَ في نفسِكَ تضَرُّعًا وخِيفَة ودونَ الجَهْر من القول بالغدُوِّ والآصَال ولا تكن مّنَ الغافِلِينَ ( ٢٠٥ ) . 
 واذكُرْ رَبَّكَ في نفسِكَ تضَرُّعًا وخِيفَة ودونَ الجهر من القول بالغدُوِّ والآصَال  خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم، والمراد عامّ. أو المعنى : واذكر ربك أيها الإنسان. الأول أظهر، لأن ما خوطب به النبي صلى الله عليه وسلم ولم يكن من خصائصه، فإنه مشروع لأمته. وقد أوضح هذا آية : يَا أيُّهَا الذين آمنُوا اذكُرُوا الله ذِكرًا كثيرا، وسَبِّحُوهُ بُكرَة وأصِيلا [(١)](#foonote-١). والأمر بالذكر، قال الزمخشري : هو عام في الأذكار من قراءة القرآن والدعاء والتسبيح والتهليل وغير ذلك. وقال بعض الزيدية : هذا الأمر يحتمل الوجوب، إن فسر الذكر بالصلاة، وإن أريد الدعاء أو الذكر باللسان، فهو محمول على الاستحباب. قال : وبكل فسرت الآية. 
**ثم إنه تعالى ذكر آدابا لذكره :**
الأول : أن يكون في نفسه، لأن الإخفاء أدخل في الإخلاص، وأقرب إلى الإجابة، وأبعد من الرياء. 
الثاني : أن يكون على سبيل التضرع، وهو التذلل والخضوع والاعتراف بالتقصير، ليتحقق بذلة العبودية لعزة الربوبية. 
الثالث : أن يكون على وجه الخيفة أي الخوف والخشية من سلطان الربوبية، وعظمة الألوهية، من المؤاخذة على التقصير في العمل، لتخشع النفس، ويخضع القلب. 
 الرابع : أن يكون دون الجهر، لأنه أقرب إلى حسن التفكر. قال ابن كثير : فلهذا يستحب أن لا يكون الذكر نداءً ولا جهرا بليغا. وفي ( الصحيحين ) [(٢)](#foonote-٢) عن أبي موسى الأشعريّ رضي الله عنه قال :" رفع الناس أصواتهم بالدعاء في بعض الأسفار، فقال لهم النبي صلى الله عليه وسلم : يا أيها الناس ! اربعوا على أنفسكم، فإنكم لا تدعون أصمّ ولا غائبا. إن الذي تدعونه سميع قريب. أقرب إلى أحدكم من عنق راحلته ". قال الإمام : المراد أن يقع الذكر متوسطا بين الجهر والمخافتة، كما قال تعالى : ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها وابتغ بين ذلك سبيلا [(٣)](#foonote-٣). 
الخامس : أن يكون باللسان لا بالقلب وحده، وهو مستفاد من قوله  ودون الجهر  لأن معناه : ومتكلما كلاما دون الجهر، فيكون صفة لمعمول حال محذوفة معطوفا على  تضرعا ، أو هو معطوف على  في نفسك . أي اذكره ذكرا في نفسك، وذكرا بلسانك دون الجهر. 
السادس : أن يكون بالغدوّ والآصال، أي في البكرة والعشيّ. فتدل الآية على مزية هذين الوقتين، لأنهما وقت سكون ودعة وتعبد واجتهاد. وما بينهما، الغالب فيه الانقطاع إلى أمر المعاش. وقد روي : أن عمل العبد يصعد أول النهار وآخره، فطلب الذكر فيهما، ليكون ابتداء عمله واختتامه بالذكر. 
ثم نهى تعالى عن الغفلة عن ذكره بقوله : ولا تكن مّنَ الغافِلِينَ  أي من الذين يغفلون عن ذكر الله، ويلهون عنه، وفيه إشعار بطلب دوام ذكره تعالى، واستحضار عظمته وجلاله وكبريائه، بقدر الطاقة البشرية. 
١ - \[٣٣/ الأحزاب/ ٤١ و٤٢\]..
٢ - أخرجه في البخاري في: ٥٦- كتاب الجهاد، ١٣١- باب ما يكره من رفع الصوت بالتكبير، حديث ١٤٢٣.
 وأخرجه مسلم في: ٤٨- كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار، حديث ٤٤- ٤٧ (طبعتنا)..
٣ - \[١٧/ الإسراء/ ١١٠\]..

### الآية 7:206

> ﻿إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ ۩ [7:206]

ثم ذكر تعالى ما يقوي دواعي الذكر، وينهض الهمم إليه، بمدح الملائكة الذين يسبحون الليل النهار، لا يفترون، فقال :
\[ ٢٠٦ \]  إن الذين عند ربكَ لا يستكبرون عن عبادته ويسبحونه وله يسجدون ( ٢٠٦ ) . 
 إن الذين عند ربك  يعني الملائكة الذين هم في أعلى مقامات القرب  لا يستكبرون عن عبادته  أي لا يتعظمون عنها. وقوله : ويسبحونه وله يسجدون  أي فينبغي أن يقتدى بهم فيما ذكر عنهم، ففيه حث ولطف مرغب في ذلك. لأنه إذا كان أولئك- وهم ما هم في قرب المنزلة والعصمة- حالهم في عبادته تعالى وتسبيحه ما ذكر، فكيف ينبغي أن يكون غيرهم. 
**تنبيهات :**
الأول : قال الرازي : تمسك أبو بكر الأصم بهذه الآية في تفضيل الملائكة على البشر قال : لأنه تعالى لما أمر رسوله بالعبادة والذكر قال : إن الذين عند ربك...  الآية- أي فأنت أولى وأحق بالعبادة، والمسألة مستوفاة في كتب الكلام. واستنبط من قال بالتفضيل المذكور من الآية ؛ أنه ينبغي للعبد أن ينظر إلى من فوقه في طاعة الله تعالى. 
الثاني : قال الرازي : المشبهة تمسكوا بقوله تعالى : إن الذين عند ربك...  وقالوا : لفظ  عندك  مشعر بالجهة. ثم أجاب بما هو معروف للخلف. ويعني، سامحه الله، بالمشبهة الحنابلة، وهم براء من التشبيه، كما يعلمه من طالع عقائدهم، واقفون على حدّ النصوص بلا تشبيه ولا تعطيل، ولم ينفردوا بذلك، فقد تقدمهم من لا يحصى في هذه المسألة. راجع كتاب ( العلوّ للذهبيّ ) تعلم ما ذكرنا. 
 الثالث : قال الجشمي : تدل الآية على كون الملائكة مكلفين. وتدل على أنهم سجدوا لله. وآدم كان قبلة السجود، لأنه وصفهم بأنهم يسجدون له. 
الرابع : هذه أول سجدة في القرآن مما يشرع لتاليها ومستمعها السجود بالإجماع. وقد ورد في حديث رواه ابن ماجه[(١)](#foonote-١) عن أبي الدرداء عن النبي صلى الله عيه وسلم، " أنه عدها في سجدات القرآن ". 
وروى الشيخان[(٢)](#foonote-٢) عن عبد الله بن عمر :" أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقرأ القرآن، فيقرأ سورة فيها سجدة، فيسجد ونسجد معه، حتى ما يجد بعضنا موضعا لمكان جبهته، في غير وقت صلاة ". 
وروى مسلم[(٣)](#foonote-٣) عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" إذا قرأ ابن آدم السجدة فسجد، اعتزل الشيطان يبكي يقول : يا ويلتا ! أمر ابن آدم بالسجود فسجد، فله الجنة، وأمرتُ بالسجود فأبيت، فلي النار ". 
وروى مسلم عن ثوبان مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :" سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : عليك بكثرة السجود لله، فإنك لا تسجد لله سجدة، إلا رفعك الله بها درجة، وحط عنك بها خطيئة ". 
الخامسة : السجدة المشروعة، إن كانت لآية، أمِرَ فيها بالسجود فللأمر، أو حكي فيها/ استنكاف الكفرة عنه، فلمخالفتهم وإرغامهم، أو حكي فيها سجود الأنبياء أو الملائكة، فللتأسي بهم- كذا في ( العناية ). 
وهذا آخر ما تيسر تعليقه على سورة الأعرف، فلله الحمد على هذا التسهيل والإسعاف. ونسأله بمنه وكرمه العون على الإتمام، فإنه ذو الجلال والإكرام. 
وكان الفراغ من ذلك طلوع الشمس من يوم الثلاثاء، في ٢٦ رمضان المبارك سنة ١٣٢١ بشباك السدة العليا اليمنى من جامع السنانية. على يد الفقير جمال الدين القاسمي غفر الله له ولوالديه ولجميع المؤمنين، ورحمه وإياهم إنه أرحم الراحمين.

١ - أخرجه ابن ماجة في؛ ٥- كتاب إقامة الصلاة والسنة فيها، باب عدد سجود القرآن، حديث رقم ١٠٥٦ (طبعتنا)..
٢ - أخرجه البخاري في: ١٧/ كتاب سجود القرآن: ٨- باب من سجد لسجود القارئ، حديث رقم ٠٩٢.
 وأخرجه مسلم في: ٥- كتاب المساجد ومواضع الصلاة، حديث رقم ١٠٥ (طبعتنا)..
٣ - أخرجه مسلم في: ١- كتاب الإيمان، حديث رقم ١٣٣ (طبعتنا)..

## روابط ذات صلة

- [النص القرآني للسورة](https://quranpedia.net/surah/1/7.md)
- [كل تفاسير سورة الأعراف
](https://quranpedia.net/surah-tafsir/7.md)
- [ترجمات سورة الأعراف
](https://quranpedia.net/translations/7.md)
- [صفحة الكتاب: محاسن التأويل](https://quranpedia.net/book/349.md)
- [المؤلف: جمال الدين القاسمي](https://quranpedia.net/person/8623.md)

---

زُر [Quranpedia.net](https://quranpedia.net/surah/1/7/book/349) — موسوعة القرآن الكريم: التفاسير، الترجمات، التلاوات، والمواضيع.
