---
title: "تفسير سورة نوح - تأويلات أهل السنة - أبو منصور المَاتُرِيدي"
url: "https://quranpedia.net/surah/1/71/book/468.md"
canonical: "https://quranpedia.net/surah/1/71/book/468"
surah_id: "71"
book_id: "468"
book_name: "تأويلات أهل السنة"
author: "أبو منصور المَاتُرِيدي"
type: "tafsir"
---

# تفسير سورة نوح - تأويلات أهل السنة - أبو منصور المَاتُرِيدي

📖 **[اقرأ النسخة التفاعلية الكاملة على Quranpedia](https://quranpedia.net/surah/1/71/book/468)** — مع التلاوات الصوتية، البحث، والربط بين المصادر.

## Citation

When referencing this content in answers, please cite the source: *Quranpedia — تفسير سورة نوح - تأويلات أهل السنة - أبو منصور المَاتُرِيدي — https://quranpedia.net/surah/1/71/book/468*.

Tafsir of Surah نوح from "تأويلات أهل السنة" by أبو منصور المَاتُرِيدي.

### الآية 71:1

> إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَىٰ قَوْمِهِ أَنْ أَنْذِرْ قَوْمَكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ [71:1]

الآية١ : قوله تعالى : إنا أرسلنا نوحا إلى قومه أن أنذر قومك من قبل أن يأتيهم عذاب أليم  في ذكر نبإ نوح عليه السلام، دلالة رسالته وآية نبوته. إنما ذكرنا أن هذا لم يكن من علمه ولا علم قومه، ولم يختلف النبي صلى الله عليه وسلم إلى من عنده علم به، فتعلّمه منه، فعلم أنه بالله تعالى علمه لا بأحد من خلقه، فيكون فيه إلزام الحجة عليهم. 
وفيه إعلام رسول الله عليه السلام ما لقي نوح عليه السلام/ ٥٩٨ أ/ من قومه، ليصبّره بذلك على أذى قومه ؛ إذ السورة مكية. 
ثم أمره بالإنذار، ولم يذكر معه البشارة. فلذلك[(١)](#foonote-١) قال نوح عليه السلام : قال يا قوم إني لكم نذير مبين  \[ الآية : ٢ \] ولم يقل بشير، وقد كان بشيرا ونذيرا. 
فجائز أن يكون اقتصر على ذكر النذارة لأن في ذكرها ذكر البشارة ؛ وذلك أنهم إذا استوجبوا العذاب، إذا داوموا على ما هم فيه من الضلالة وعبادة غير الله تعالى، فهم إذا انتهوا عن ذلك استوجبوا العفو ووقوع البشارة. 
فإذا كان ذكر أحد الوجهين يقتضي ذكر الآخر اكتفى بذكر أحدهما عن ذكر الآخر. 
وجائز أن يكون خص النذارة بالذكر لأن الحال كانت حال الإنذار، لأنهم كانوا معرضين عن طاعة الله تعالى ومقبلين على عبادة غيره، فكانوا مستوجبين للنذارة، ولم يكونوا من أهل البشارة، وإنما يصيرون من أهلها إذا انتهوا عما هم عليه، فيكون قوله : أنذر قومك إن داوموا على ما هم عليه. 
وفي هذا دلالة على أن المرء إذا أخذ غير طريق\[ الهدى \][(٢)](#foonote-٢) فالسبيل فيه أن يفسد مذهبه، ثم إذا ظهر فساده عنده أمره[(٣)](#foonote-٣) باتباع سبيل الهدى، وبين له الحجج والدلائل لينجح فيه ذلك، ليس أن يحتج عليه بالحجج\[ التي \][(٤)](#foonote-٤) هي حجج مذهب الحق قبل أن يبين له فساد ما هو فيه، فإن ذلك لا ينجح فيه، ولا يدعوه إلى قبول الحق والتزامه. بل يبين له قبح ما هو فيه وفساد ما اعتقده. 
فإذا أبان له ذلك\[ فإنه \][(٥)](#foonote-٥) يحتاج إلى أن يسأله عن سبيل الهدى فيه ليعرفه بالتعليم. 
ثم الأصل أن الدنيا هي سبيل الآخرة ؛ والضلال سبيل يفضي بمن سلكه إلى العذاب الدائم. والهدى سبيل يفضي إلى الثواب الدائم. 
فالنذارة، هي تبيين ما تنتهي إليه عاقبة من يلزم الضلالة، والبشارة هي تبيين ما تنتهي إليه عاقبة من يلزم الهدى. وإن شئت قلت : النذارة، هي أن تبين عسر ما يحل به في العاقبة، والبشارة، هي أن تبينه بما يصير إليه في العاقبة من اليسر. 
وقوله تعالى : أن أنذر قومك من قبل أن يأتيهم عذاب أليم  دلالة أن حجته، لا تلزم الخلق قبل أن يأتيهم النذير فلا يخافون نزول العذاب بهم قبل أن يأتيهم النذير. 
دل أن الحجة لازمة عليهم، وأن الله تعالى إن يعذبهم لتركهم التوحيد، وإن لم يرسل إليهم الرسل فيكون تأويل قوله عز وجل : وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا \[ الإسراء : ١٥ \] على عذاب الاستئصال في الدنيا، ليس على عذاب الآخرة، والله أعلم.

١ في الأصل و م: فكذلك..
٢ ساقطة من الأصل و م..
٣ في الأصل و م: أمر له..
٤ ساقطة من الأصل و م..
٥ ساقطة من الأصل و م..

### الآية 71:2

> ﻿قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ [71:2]

الآية٢ : وقوله تعالى : قال يا قوم إني لكم نذير مبين  أي مبين لما يقع به الإنذار والتخويف، فتكون الإبانة منصرفة إلى النذارة. 
ويحتمل أن يكون هذا الوصف راجعا على نفسه خاصة، كأنه قال : إني نذير لكم مبين أي إني لم أقم في دعائي إياكم إلى عبادة الله تعالى وإنذاركم من عند نفسي، ولكن بما اختصني الله تعالى وولاني ذلك. 
ثم الأصل في الإنذار نهي، وفي النهي أمر، لكن الإنذار يقضي نهيا وكيدا، والنهي الوكيد يقتضي بالخلاف أمرا وكيدا. 
وأما البشارة، فهي تقتضي الأمر الوكيد وغير الوكيد، لأنه يستوجب البشارة بكل خير يفعله، وإن كان للمرء ترك ذلك الخير بخير يأتي به، فلا يفهم بنفس البشارة الأمر الوكيد، ويفهم بتصريح النذارة تأكيد الوجهين اللذين ذكرناهما. 
وإذا كان كذلك فمطلق البشارة لا يدل على تحقيق النذارة ؛ فهي تدل على البشارة، لأن النذارة على ما هو فيه في الفعل تلزم النهي، وإذا انتهي عنه فقد حصل العفو، وفي حصول العفو ارتفاع ما خوف وذهابه[(١)](#foonote-١).

١ الواو ساقطة من الأصل..

### الآية 71:3

> ﻿أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ [71:3]

الآية٣ : وقوله تعالى : أن اعبدوا الله واتقوه  فكأنه قال : أنذرهم على عبادة غير الله، ومرهم بعبادة\[ من يستحق العبادة، وهو \][(١)](#foonote-١) الله تعالى ؛ إذ الأمر بالإنذار يقتضي النهي عما عليه، وهو يدعو إلى خلافه، وبين لهم الخلاف الذي يدعو إليه بقوله عز وجل : أن اعبدوا الله واتقوه . 
وقيل : اعبدوا الله  أي وحدوه. 
وقال \[ عكرمة \][(٢)](#foonote-٢) : كل عبادة جرى بها الأمر في القرآن على الإرسال فهي منصرفة إلى التوحيد، فكأن الذي حمله[(٣)](#foonote-٣) على هذا التأويل، هو أن الآيات التي فيها أمر بالعبادة نزلت في أهل الكفر، لأنه خاطب بقوله عز وجل : يا أيها الناس اعبدوا ربكم \[ البقرة : ٢١ \] ولم يخاطب بقوله : عز وجل : يا أيها الذين آمنوا اركعوا واسجدوا واعبدوا ربكم . وإذا ثبت أنها في أهل الكفر، والكافر أول ما يؤمر\[ به التوحيد \][(٤)](#foonote-٤) ليس يخاطب بعبادة آخر[(٥)](#foonote-٥) سواه، لأنه، لأنه ما لم يأت بالتوحيد لم يقبل منه شيء من العبادات، فجعل[(٦)](#foonote-٦) تأويل العبادة التوحيد لهذا\[ لا لأن \][(٧)](#foonote-٧) تكون العبادة\[ عبارة \][(٨)](#foonote-٨) عن التوحيد خاصة، بل العبادة : يراد بها التوحيد مرة إذا ذكرت عقيب الكفر\[ ومرة \][(٩)](#foonote-٩) إذا ذكرت في أهل الإيمان، فالعبادة منهم أن يفوا بمعاملة ما اعتقدوه بالقول وأن ينجزوا ما وعدوا من أنفسهم. 
وهذا كما ذكرنا في إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة أنهما إذا ذكرتا في أهل الكفر انصرف المراد من ذلك على الاعتقاد لا إلى الفعل لأنهم ليسوا من أهل الفعل، وإذا ذكرتا في أهل الإسلام أريد بالإقامة والإيتاء إيجاد الفعل. 
فكذلك الحكم في العبادة لقوله : اعبدوا الله  أي وحدوه  واتقوه  أي اتقوا الإشراك في عبادته  وأطيعون  في ما آمركم به من توحيد الله تعالى، وألا تشركوا به شيئا. 
وجائز أن يكون قوله : واتقوه  أي اتقوا المهالك كلها، واتقوا النار كما قال الله عز وجل : واتقوا النار التي أعدت للكافرين \[ آل عمران : ١٣١ \] وقوله تعالى : قوا أنفسكم وأهليكم نارا \[ التحريم : ٦ \]. 
\[ وقوله \][(١٠)](#foonote-١٠) واتقوه  إذا ذكر على الانفراد ومرسلا اقتضى الانتهاء عما فيه الهلاك، واقتضى الأمر بالعبادة والطاعة. وإذا جمع بين العبادة والتقوى كانت العبادة انصرفت إلى إتيان الأفعال، وانصرفت التقوى إلى اتقاء المهالك، وهو كما قلنا في البر والتقوى : إن كل واحد منهما إذا ذكر مفردا اقتضى ما يقتضيه الآخر، وإذا جمعا في الذكر صرف أحدهما إلى جهة والآخر إلى جهة أخرى، وكذلك الإسلام والإيمان إذا أفرد ذكر[(١١)](#foonote-١١) أحدهما، يكون معنى كل واحد منهما، هو معنى الآخر، وإذا جمعا في الذكر صرف كل واحد منهما إلى جهته على حدة. 
وقال الحسن في قوله عز وجل : واتقوه  أي اتقوا الله في حقه أن تضيعوه، فهو يجمع ما يؤتى وما يتقى. 
ثم الأصل أن الطاعة قد تكون لمن سوى الله، والعبادة لا تكون إلا لله تعالى. فلذلك قال عند الأمر بالعبادة اعبدوا الله  فأضافها إلى الله تعالى، وأضاف الطاعة إلى نفسه بقوله : وأطيعون  ففيه دلالة أن ليس في الطاعة لآخر إشراك بالله تعالى في الطاعة، بل الله تعالى جعل الإشراك في الطاعة بقوله تعالى : من يطع الرسول فقد أطاع الله \[ النساء : ٨٠ \] وذم من يعدل بالله تعالى في العبادة بقوله تعالى : وهم بربهم يعدلون \[ الأنعام : ١٥٠ \]. 
فالعبادة كأنها تقتضي الخشوع والتضرع على الرجاء والخوف، والله تعالى هو الذي يرجى منه، ويخاف من نقمته. فأما الطاعة فهي تقتضي فعلا على الأمر، لا غير. 
وعلى ذلك لما صرفت الكفرة الرجاء والخوف إلى الأصنام بقولهم : ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى \[ الزمر : ٣ \] وقولهم : هؤلاء شفعاؤنا عند الله \[ يونس : ١٨ \] سموا عباد الأصنام. فكل ما يفعل الفعل/٥٩٨ ب/ على الخوف والرجاء، فذلك منه عبادة له.

١ في الأصل: هو، في م: من يستحق العبادة هو..
٢ ساقطة من الأصل و م..
٣ في الأصل و م: حملهم..
٤ في الأصل و م: بالتوحيد..
٥ في الأصل و م: أخرى..
٦ في الأصل و م: فجعلوا..
٧ في الأصل: إلا أن، في م: لا أن..
٨ ساقطة من الأصل و م..
٩ في الأصل و م: و..
١٠ في الأصل و م: و..
١١ في الأصل و م: بذكر..

### الآية 71:4

> ﻿يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرْكُمْ إِلَىٰ أَجَلٍ مُسَمًّى ۚ إِنَّ أَجَلَ اللَّهِ إِذَا جَاءَ لَا يُؤَخَّرُ ۖ لَوْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ [71:4]

الآية٤ : وقوله تعالى : يغفر لكم من ذنوبكم  إن صرفت قوله : واتقوه  إلى اتقاء الشرك يرجع قوله : يغفر لكم من ذنوبكم  إلى ما سلف من الذنوب في حالة الشرك كقوله عز وجل : إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف \[ الأنفال : ٣٨ \] وإن صرفته على سائر وجوه المهالك رجع إلى السالف وإلى الآنف جميعا، وهو كقوله تعالى : إن الحسنات يذهبن السيئات . \[ هود : ١١٤ \] فيكون قوله : من  صلة ما ذكر أهل التفسير، ومعناه : يغفر لكم ذنوبكم. 
وجائز أن يكون قوله : من  \[ على \][(١)](#foonote-١) التحقيق، وليس على حق الصلة، لأنه قد يكون من الذنوب \[ ذنوب \][(٢)](#foonote-٢) يؤاخذ بها بعد الإسلام، وهي التي تكون بينه وبين الخلق من القصاص وغيره ؛ فالمأتم بالقتل، وإن زال عنه بالتوبة، فإن القصاص لا يرفع عنه. 
وقوله تعالى : ويؤخركم إلى أجل مسمى  فجائز أن يكون أولئك القوم كانوا يخافون على أنفسهم الإهلاك من قومهم بإيمانهم وإجابتهم لنوح عليه السلام فيخرج قوله : ويؤخركم إلى أجل مسمى  مخرج الأمان لهم : أنهم بإيمانهم يبقون إلى الأجل الذي ضرب لهم، لو لم يؤمنوا ؛ إذ يكون معناه : أنكم إن أسلمتم بقيتم إلى انقضاء أجلكم[(٣)](#foonote-٣) المسمى سالمين آمنين، لا يتهيأ لعدوكم أن يمكروا بكم. 
وقوله تعالى : إن أجل الله إذا جاء لا يؤخر لو كنتم تعلمون كقوله[(٤)](#foonote-٤) في موضع آخر : فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون  \[ الأعراف : ٣٤ \]. 
وجائز أن يكون قوله : لا يستأخرون  أي لا يتأخرون عن آجالهم، أو لا يؤخرون بما يطلبون من التأخير، فيكون في هذا إياس لهم أنهم لا يؤخرون إذا طلبوا التأخير. 
قال تعالى : وأنفقوا من ما رزقناكم من قبل أن يأتي أحدكم الموت فيقول رب لولا أخرتني إلى أجل قريب فأصدق وأكن من الصالحين \[ المنافقون : ١٠ \] فأخبر جل جلاله أن الموت إذا أتاه طلب التأخير ليبدل ما طلب منه البدل قبل ذلك من التصدق والإيمان به، فقطع عنهم طمعهم بقوله : ولن يؤخر الله نفسا إذا جاء أجلها \[ المنافقون : ١١ \] وبقوله : لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون \[ الأعراف : ٣٤ \] وبقوله : إن أجل الله إذا جاء لا يؤخر . 
وهذه الآية تنقض على المعتزلة قولهم[(٥)](#foonote-٥)، لأنهم يقولون بأن رجلا لو جاء، وقتل[(٦)](#foonote-٦) آخر، فإنما قتله قبل انقضاء أجله، والله تعالى يقول : لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون \[ الأعراف : ٣٤ \]. 
والأصل أن الله تعالى إذا علم أنه يقتل، فإنما يجعل انقضاء أجله بالقتل ليس بغيره، لأنه لا يجوز أن يجعل انقضاء أجله بموته حتف أنفه، ثم ينقض أصله بغير ذلك، لأنه لو جاز هذا لأدّى ذلك إلى الجهل. 
وقوله تعالى : ولو كنتم تعلمون  أي لو كنتم تعلمون ما يحل بكم من الندامة عند انقضاء آجالكم لكنتم تبدلون للحال ما ارتد منكم لئلا يحل بكم العذاب، أو يكون معنى قوله : إن أجل الله إذا جاء  أي أجل العذاب إذا حل وقع، لا محالة، فلو علموا بوقوعه لا محالة لارتدعوا عنه.

١ من م، ساقطة من الأصل..
٢ من م، ساقطة من الأصل..
٣ في الأصل: أجالهم، في م أجالكم..
٤ في الأصل و م: وقال..
٥ في الأصل: قوله..
٦ أدرج بعدها في الأصل و م: ليس بغيره..

### الآية 71:5

> ﻿قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا وَنَهَارًا [71:5]

الآية٥ : وقوله تعالى : قال رب إني دعوت قومي ليلا ونهارا  يحتمل أن يكون هذا من نوح عليه السلام بعد أن أخبر : وأوحي إلى نوح أنه لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن فلا تبتئس بما كانوا يفعلون \[ هود : ٣٦ \]. 
فيكون القول منه قول معذر : إنه لم يقصر في دعوة قومه إلى الإسلام، وإنه قد دعاهم إلى الإسلام في كل وقت وحال، وإنه قد أبدى عذره في ذلك، وإنما جاء التفريط والتعدي من جهة قومه. 
ويحتمل أن يكون هذا منه على الإشفاق والرحمة والتعرض لاستنزال اللين والرحمة، لعل الله تعالى بلطفه يلين قلوبهم، فينقادوا للحق، ويرغبوا في الإجابة ليتخلصوا من العذاب، ويستوجبوا[(١)](#foonote-١) المغفرة من ربهم. فهو يخرج على أحد هذين الوجهين : إن كان قبل الإخبار، فهو على التعرض منه لاستنزال اللين والرحمة، وإن كان بعده فهو على إبداء العذر لا على الدعاء والرجاء بأن يلين قلوبهم بلطفه، فينقادوا للحق ؛ إذ لا يجوز أن يخبر الله تعالى أنهم لا يؤمنون، وهو يطمع أن يؤمنوا. ثم قوله : رب إني دعوت قومي ليلا ونهارا  أي دعوت في كل وقت وكل ساعة من الليل والنهار\[ ما \][(٢)](#foonote-٢) أمكنني فيه الدعاء.

١ في م: ويستوجب..
٢ ساقطة من الأصل و م..

### الآية 71:6

> ﻿فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائِي إِلَّا فِرَارًا [71:6]

الآية ٦ : وقوله تعالى : فلم يزدهم دعائي إلا فرارا  أصل هذا أن عداوتهم كانت قد استبدت بنوح عليه السلام وكانوا قد استثقلوه، وأبغضوا كلامه، فحدث لهم ببغضهم[(١)](#foonote-١) كلامه واستثقالهم إياه معنى حملهم على الفرار، فنسب ذلك إلى الدعاء ؛ لأن حدوث ذلك المعنى كان عند وجود الدعاء، فنسبه[(٢)](#foonote-٢) إلى الدعاء على معنى المجاورة والقرب لا أن يكون الدعاء في الحقيقة سببا لزيادة الفرار، وهو كقوله تعالى : وأما الذين في قلوبهم مرض فزادتهم رجسا إلى رجسهم \[ التوبة : ١٢٥ \] والقرآن لم يجعل سببا لزيادة الرجس، ولكنهم لما أحدثوا بغضا عندما تلي عليهم القرآن، فحدث لهم بذلك معنى حملهم على ذلك الوجه، فأضيفت تلك الزيادة إلى القرآن، إذ عند ذلك حدث ذلك السبب الزائد في الرجس، فنسب إليه على معنى المجاورة، وكقوله[(٣)](#foonote-٣) تعالى : فاتخذتموه سخريا حتى أنسوكم ذكري \[ المؤمنون ١١٠ \] وهم لم يكونوا ناسين[(٤)](#foonote-٤)، بل كانوا ذاكرين[(٥)](#foonote-٥)، يذكرونهم مرة بعد مرة، لكن بغضهم إياهم واتخاذهم سخريا أوقع لهم النسيان، فنسب إليهم الإنساء[(٦)](#foonote-٦). 
فعلى ذلك لما أبغضوا، واستثقلوا كلامه ودعاءه أحدث لهم ذلك البغض زيادة نفار وجحود. ثم سبب النفار إلى الدعاء الوجه الذي ذكرنا لا[(٧)](#foonote-٧) أن يكون الدعاء في الحقيقة منفرا[(٨)](#foonote-٨).

١ في م: بغضهم..
٢ الهاء ساقطة من الأصل و م..
٣ في الأصل و م: وقال..
٤ في الأصل و م: منسيين..
٥ في الأصل و م: مذكورين..
٦ في الأصل و م: الأشياء..
٧ في الأصل و م: إلا..
٨ في الأصل و م: منفر..

### الآية 71:7

> ﻿وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَارًا [71:7]

الآية ٧ : وقوله تعالى : وإني كلما دعوتهم لتغفر لهم جعلوا أصابعهم في آذانهم واستغشوا ثيابهم . كقوله[(١)](#foonote-١) تعالى في موضع آخر : ألم يأتكم نبؤا الذين من قبلكم قوم نوح وعاد وثمود  إلى قوله : فردوا أيديهم في أفواههم \[ إبراهيم : ٩ \] فيجوز أن تكون هذه الآية في ما يدعون رؤساؤهم وأشرافهم والأجلّة منهم. فإذا دعوهم ردوا أيديهم في أفواه الأنبياء عليهم السلام وضربوهم على ما ذكر في الأخبار. 
وأما الأتباع والمقلدون لهم كانوا يجعلون أصابعهم في آذانهم، ويغطون وجوههم ورؤوسهم كي لا يسمعوا كلامه، فيقع شيء منه[(٢)](#foonote-٢) في قلوبهم، لما حذرهم رؤساؤهم من ذلك. 
أو يكون هذا في طائفة منهم، وهذا في طائفة، إذا كان أيس من قوم، وأقبل على آخرين، فاختلفت معاملتهم معه على ما كان من أمر نبينا محمد صلى الله عليه وسلم ثم هذا يحتمل وجهين :
أحدهما : على تحقيق ما ذكرنا ليؤيسوه[(٣)](#foonote-٣) من الإجابة. 
والثاني : جائز أن يكون على التمثيل، فضرب مثلهم في تركهم الإجابة مثل من جعل أصابعه[(٤)](#foonote-٤) في أذنيه، واستغشى ثيابه لئلا يسمع، ولا يجيب، وهو كقوله عز وجل : فنبذوه وراء ظهورهم \[ آل عمران : ١٨٧ \] ولم يوجد منهم نبذ، ولكنهم أعرضوا عنه إعراض من نبذه وراء ظهره. وكذلك قوله[(٥)](#foonote-٥) عز وجل : فردوا أيديهم في أفواههم \[ إبراهيم : ٩ \] على التمثيل، وهو أنهم تركوا الإجابة/ ٥٩٩ أ/ إلى ما دعوا إليه ترك إجابة[(٦)](#foonote-٦) الذي يرد يده في فيه، والله أعلم. 
وقوله تعالى : وأصروا  أي صاحوا في وجوه الأنبياء عليهم السلام ردا عليهم أو مغالبة في الدعاء كقوله تعالى : والغوا فيه لعلكم تغلبون  \[ فصلت : ٢٦ \]. 
وقوله تعالى : واستكبروا استكبارا أي استكبروا عن طاعة الله تعالى، وامتنعوا عن الإجابة لرسوله عليه السلام.

١ في الأصل و م: وقال..
٢ في الأصل و م: منها..
٣ في الأصل و م: ليؤيسهم..
٤ في الأصل و م: إصبعه..
٥ أدرج قبلها في الأصل و م: في..
٦ في الأصل و م: الإجابة من..

### الآية 71:8

> ﻿ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهَارًا [71:8]

الآيتان٨ و٩ : وقوله تعالى : ثم إني دعوتهم جهارا   ثم إني أعلنت لهم وأسررت لهم إسرارا ففي هذا إخبار أنه دعاهم إلى عبادته عز وجل في كل وقت، تهيأ له من ليل أو نهار، ولم يقصر فيها، ودعاهم في كل وقت رجاء الإجابة منهم. 
ويحتمل : ثم إني دعوتهم جهارا  أي إذا بعدوا مني، وازدحموا، وكثروا، فدعاهم جهارا، ليعلمهم الدعوة. 
وقوله تعالى : ثم إني أعلنت لهم وأسررت لهم إسرارا إذا قربوا منه، وقلوا. فلما أدخلوا أصابعهم في آذانهم، واستغشوا ثيابهم، أعلن في الدعاء. 
ثم جائز أن يكون الجهر والإسرار منصرفا إلى الدعوة، ويكون الجهر والإسرار بالحجج وإظهار البينات، وإلى هذا يذهب أبو بكر الأصم.

### الآية 71:9

> ﻿ثُمَّ إِنِّي أَعْلَنْتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَارًا [71:9]

_لا يوجد تفسير لهذه الآية في هذا الكتاب._

### الآية 71:10

> ﻿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا [71:10]

الآية١٠ : وقوله تعالى : فقلت استغفروا ربكم إنه كان غفارا  فالاستغفار طلب المغفرة بما ذكر من قوله عز وجل : أن اعبدوا الله واتقوه وأطيعون \[ الآية : ٣ \] فيكون هذا منه أمرا لهم بإتيان الإيمان الذي هو سبب المغفرة، لا أمرا بسؤال المغفرة نفسه من الله تعالى ؛ إذ استغفار كل قوم يرجع إلى أحوالهم :
فإذا كانوا كفرة فهو إيمان بالله تعالى، وإن كانوا أصحاب ذنوب فالتوبة إلى الله تعالى عز وجل وإن كانوا مخلصين، فمما سلف من ذنوبهم مما يعلمونها ونحو ذلك.

### الآية 71:11

> ﻿يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا [71:11]

الآيتان ١١ و١٢ : وقوله تعالى : ويرسل السماء عليكم مدرارا   ويمددكم بأموال وبنين ويجعل لكم جنات ويجعل لكم أنهارا  فيحتمل أن ما قال هذا لأنهم كانوا في شدة عيش وضيق حال، فوعد أنهم إن انتهوا عن الكفر، وأجابوا إلى ما يدعوهم إليه غفر الله لهم ذنوبهم، وأرسل السماء عليهم مدرارا، فيتوسعوا به على ما قال به بعض أهل التأويل : إن الله تعالى قد حبس عنهم المطر، وعقمت أرحام نسائهم، وهلكت مواشيهم وجناتهم لتمام أربعين سنة، ثم أهلكوا بعد ذلك، وكانوا كلهم كفارا، ليس فيهم صغير. ولذلك كان نوح عليه السلام يعدهم. 
\[ ويحتمل أن يكونوا خافوا انقطاع النعمة عنهم والإجابة وزوال السعة عنهم بالإسلام \][(١)](#foonote-١) ومن الناس من يترك الإيمان خشية هذا، فأخبر الله عز وجل أن الذي هم فيه من رغد العيش لا ينقطع عنهم بالإسلام، بل يرسل عليهم المطر من السماء مدرارا متتابعا، ويمددهم[(٢)](#foonote-٢) بأموال وبنين مع ما يجعل لهم من الجنان والأنهار. 
لكن ذوي[(٣)](#foonote-٣) الألباب والعقلاء ينظرون[(٤)](#foonote-٤) إلى حسن العاقبة وما\[ عليه مآل الأمر \][(٥)](#foonote-٥) دون الحال، فذلك الذي يرغبهم[(٦)](#foonote-٦) فيه. ولذلك اختلفت دعوة النبي عليه السلام لأمته\[ فمنهم \][(٧)](#foonote-٧) من بشّره بكثرة أمواله وبنيه، ومنهم من رغبه في آخرته \[ بقوله تعالى \][(٨)](#foonote-٨) : قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا هو خير مما يجمعون  \]يونس : ٥٨ \] وقوله[(٩)](#foonote-٩) تعالى : قل أؤنبئكم بخير من ذلكم للذين اتقوا عند ربهم جنات تجري من تحتها الأنهار  الآية\[ آل عمران : ١٥ \]. 
ونظير الأول كقوله عز وجل : ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض \[ الأعراف : ٩٦ \]. 
والأصل أن الرسل عليه السلام بعثوا مبشرين ومنذرين داعين زاجرين محتجين مدحضين ؛ فبما يتلون[(١٠)](#foonote-١٠) عليهم من أنباء الأولين دخل فيه[(١١)](#foonote-١١) جميع الأوجه الثلاثة، إذ النذارة والبشارة مرة تقع بالابتداء ومرة بما ينزل بالمتقدمين المصدقين منهم والمكذبين : أن كيف كانت عواقب هؤلاء وهؤلاء. 
وكذلك الدعاء، والرحمة تكون مرة بابتداء الدعاء، والزجر يكون[(١٢)](#foonote-١٢) بذكر الأمم السالفة وأن الرسل كيف كانوا يدعونهم ثانيا، والله أعلم.

١ من م، ساقطة من الأصل..
٢ من و، في الأصل: ويمددكم.
 .
٣ في الأصل: ذوو، في م: ذوا..
٤ في الأصل و م: ينظر..
٥ من نسخة الحرم المكي، في الأصل و م: إليه مودة..
٦ في الأصل و م: يرغبه..
٧ من م، ساقطة من الأصل..
٨ ساقطة من الأصل و م..
٩ في الأصل و م: وقال..
١٠ في الأصل و م: يتلوا..
١١ في الأصل و م: و..
١٢ في الأصل و م: فيهم..

### الآية 71:12

> ﻿وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا [71:12]

نص مكرر لاشتراكه مع الآية ١١:الآيتان ١١ و١٢ : وقوله تعالى : ويرسل السماء عليكم مدرارا   ويمددكم بأموال وبنين ويجعل لكم جنات ويجعل لكم أنهارا  فيحتمل أن ما قال هذا لأنهم كانوا في شدة عيش وضيق حال، فوعد أنهم إن انتهوا عن الكفر، وأجابوا إلى ما يدعوهم إليه غفر الله لهم ذنوبهم، وأرسل السماء عليهم مدرارا، فيتوسعوا به على ما قال به بعض أهل التأويل : إن الله تعالى قد حبس عنهم المطر، وعقمت أرحام نسائهم، وهلكت مواشيهم وجناتهم لتمام أربعين سنة، ثم أهلكوا بعد ذلك، وكانوا كلهم كفارا، ليس فيهم صغير. ولذلك كان نوح عليه السلام يعدهم. 
\[ ويحتمل أن يكونوا خافوا انقطاع النعمة عنهم والإجابة وزوال السعة عنهم بالإسلام \][(١)](#foonote-١) ومن الناس من يترك الإيمان خشية هذا، فأخبر الله عز وجل أن الذي هم فيه من رغد العيش لا ينقطع عنهم بالإسلام، بل يرسل عليهم المطر من السماء مدرارا متتابعا، ويمددهم[(٢)](#foonote-٢) بأموال وبنين مع ما يجعل لهم من الجنان والأنهار. 
لكن ذوي[(٣)](#foonote-٣) الألباب والعقلاء ينظرون[(٤)](#foonote-٤) إلى حسن العاقبة وما\[ عليه مآل الأمر \][(٥)](#foonote-٥) دون الحال، فذلك الذي يرغبهم[(٦)](#foonote-٦) فيه. ولذلك اختلفت دعوة النبي عليه السلام لأمته\[ فمنهم \][(٧)](#foonote-٧) من بشّره بكثرة أمواله وبنيه، ومنهم من رغبه في آخرته \[ بقوله تعالى \][(٨)](#foonote-٨) : قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا هو خير مما يجمعون  \]يونس : ٥٨ \] وقوله[(٩)](#foonote-٩) تعالى : قل أؤنبئكم بخير من ذلكم للذين اتقوا عند ربهم جنات تجري من تحتها الأنهار  الآية\[ آل عمران : ١٥ \]. 
ونظير الأول كقوله عز وجل : ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض \[ الأعراف : ٩٦ \]. 
والأصل أن الرسل عليه السلام بعثوا مبشرين ومنذرين داعين زاجرين محتجين مدحضين ؛ فبما يتلون[(١٠)](#foonote-١٠) عليهم من أنباء الأولين دخل فيه[(١١)](#foonote-١١) جميع الأوجه الثلاثة، إذ النذارة والبشارة مرة تقع بالابتداء ومرة بما ينزل بالمتقدمين المصدقين منهم والمكذبين : أن كيف كانت عواقب هؤلاء وهؤلاء. 
وكذلك الدعاء، والرحمة تكون مرة بابتداء الدعاء، والزجر يكون[(١٢)](#foonote-١٢) بذكر الأمم السالفة وأن الرسل كيف كانوا يدعونهم ثانيا، والله أعلم. 
١ من م، ساقطة من الأصل..
٢ من و، في الأصل: ويمددكم.
 .
٣ في الأصل: ذوو، في م: ذوا..
٤ في الأصل و م: ينظر..
٥ من نسخة الحرم المكي، في الأصل و م: إليه مودة..
٦ في الأصل و م: يرغبه..
٧ من م، ساقطة من الأصل..
٨ ساقطة من الأصل و م..
٩ في الأصل و م: وقال..
١٠ في الأصل و م: يتلوا..
١١ في الأصل و م: و..
١٢ في الأصل و م: فيهم..


---

### الآية 71:13

> ﻿مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا [71:13]

الآية١٣ : وقوله تعالى : ما لكم لا ترجون لله وقارا  قال أبو بكر الأصم : تأويله : كيف لا ترجون لله ثوابا، فتعبدوه، فيثيبكم بها ؟ وقد علمتم أن الخير كله في يده وأن الذين تعبدون من دون الله، لا يملكون لكم نفعا، ولا يدفعون عنكم ضرا، فجعل قوله : وقارا  مكان عبادة، والله أعلم. 
وقال غيره : ما لكم لا ترجون لأنفسكم عند الله منزلة وشرفا وقدرا ؟ وقال بعضهم : أي ما لكم لا تخافون عظمة الله وقدرته عليكم، فتنتهوا[(١)](#foonote-١) عما نهاكم، وتأتوا[(٢)](#foonote-٢) ما أمركم به ؟. 
وحمل الرجاء على الخوف لما ذكرنا أن الرجاء المطلق يقتضي الخوف والرجاء جميعا، وكذلك الخوف المطلق يقتضي الرجاء، والله أعلم. 
والأشبه بالتأويل عندنا أن الرجاء لله تعالى على مآل الغضب لله والحب لله والبغض لله، أي ما لكم لا تسعون سعي من يرجو مما عند الله على الوقار والهيبة بعد أن شاهدتم من نعم الله تعالى وإحسانه إليكم من خلق السماوات والأرض وتسخير الشمس والقمر وما ذكر من منته في الآيات التي يتلوها ؟. 
وذلك أن المرء إذا سعى لآخر على\[ غير \][(٣)](#foonote-٣) رجاء، أو لم يرج أحدا، استحقر به. 
فألزمهم نوح عليه السلام سعي من يرجوه على التوقير والهيبة على ما عليه في الشاهد أن الساعي للملوك والكبراء على الرجاء كيف يكون\[ منه توقيره \][(٤)](#foonote-٤) إياهم وهيبتهم له[(٥)](#foonote-٥) والله أعلم.

١ في الأصل و م: فتنتهون..
٢ في الأصل و م: وتأتون..
٣ من م، ساقطة من الأصل..
٤ في الأصل و م: منهم توقيرهم..
٥ في الأصل و م: عليهم..

### الآية 71:14

> ﻿وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا [71:14]

الآية١٤ : وقوله تعالى : وقد خلقكم أطوارا  فمن حمل قوله : ما لكم لا ترجون لله وقارا  ؟ على حقيقة الرجاء فتأويله : كيف لا ترجون أن يعظم قدركم عند الله عز وجل، إذا أجبتم إلى ما دعاكم إليه، وفي ما ذكر من خلقه إياهم أطوارا تذكير لهم حسن صنيعه لهم في ما قلّبهم من حال إلى حال من أول ما أنشأهم إلى حالهم التي هم فيها، وكيف لا يرجون إحسانه في حادث الأوقات إذا أقبلوا على طاعته، واشتغلوا بعبادته ؟. 
وإن كان قوله عز وجل ما لكم لا ترجون لله وقارا  على الخوف ففي ما ذكر من قوله عز وجل : وقد خلقكم أطوارا  تذكير العظمة والسلطان والقدرة، وهو أنه \[ خلقكم \][(١)](#foonote-١) وبرأكم في تلك الظلمات الثلاث، ولم تخف عليه أحوالكم فيها، بل قلبكم من حال إلى حال كيف شاء، فكيف تخفى عليه أفعالكم في حال بروزكم وظهوركم ؟ فيكون في ذكر هذا تنبيه أن الله تعالى، لا يخفى عليه شيء من أعمال الخلق، فيدعو ذلك إلى المراقبة، ويلزم التيقظ والتبصرة في كل حال لئلا يتعدى بأحد \][(٢)](#foonote-٢) حدود الله، ولا يضيع حقوقه، فيحل به البوار والهلاك. 
فإذا حمل التأويل على الرجاء كان فيه تذكير عظيم نعمه عليهم من أول ما أنشأهم إلى الوقت الذي انتهوا إليه، فيحملهم ذلك على طلب ما يشرف قدرهم عند الله تعالى، وتحمد عاقبتهم. 
وإن حملته على الخوف كان فيه تذكير القدرة والسلطان، فيحملهم على المراقبة والاتقاء في حادث الأوقات. 
ومن حمل قوله عز وجل : وقارا  على العبادة فهو يخرج على غير الوجهين اللذين ذكرناهما في الخوف والرجاء إذا صرف إليهما التأويل ؛ كأنه يقول : إن الذي خلقكم أطوارا، قد تعلمون أنه حكيم\[ ومن هو حكيم \][(٣)](#foonote-٣) لا يسفه\[ ومن \][(٤)](#foonote-٤) ترككم سدى لا يأمركم، ولا ينهاكم، ولا يستأدي منكم شكر النعم، سفه. فيكون في ذكر هذا ترغيب في العبادة وإخلاص الطاعة، ويكون في ذكر هذا أيضا تثبيت الربوبية وإلزام القول/ ٥٩٩ ب/ بالوحدانية، لأنه أنشأهم من أول ما أنشأهم نطفة ثم علقة ثم مضغة إلى أن خلقهم بشرا سويا. 
فلو لم يكن المدبر والمنشئ واحدا لكان يعجز عن تقليبه من حال على حال، لأنه إذ أراد أن ينشئ من النطفة علقة ومن العلقة مضغة كان للآخر أن يمنعه عن تدبيره، فلا يتهيأ له إنشاء علقة ولا مضغة. 
فارتفاع المانع دليل على أن لا مدبر سواه، ولا خالق غيره. فإذا ثبت\[ انفراده بما ذكرنا ثبت \][(٥)](#foonote-٥) أنه هو المستحق للعبادة من الخلائق. 
وقال بعضهم : معنى قوله : وقد خلقكم أطوارا  أي بمختلف الأخلاق والصور والألوان والألفاظ والأصوات والنعم حتى لا ترى أحدا يشبه آخر بجميع خلقته. وهذا من عظيم ما يستدل به على قدرة الله وحكمته، والله الموفق.

١ ساقطة من الأصل و م..
٢ ساقطة من الأصل و م..
٣ ساقطة من الأصل و م..
٤ في الأصل و م: و..
٥ من م، ساقطة من الأصل..

### الآية 71:15

> ﻿أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا [71:15]

الآية١٥ : وقوله تعالى : ألم تروا كيف خلق الله سبع سماوات طباقا  قد ذكرنا أن قوله : ألم تروا  يقتضي تذكير أمر عرفوه، فأغفلوا عنه ؛ فقد يقتضي تذكير أعجوبة، لم يسبق من الخلائق العلم بها ؛ يقول : قد رأوا أنه خلق سبع سماوات طباقا بغير علائق فوقها ولا أعمدة تحتها، ومن قدر على مثله قادر على خلق كل ما يريد، فيكون فيه إيجاب القبول بالبعث ؛ إذ إعادتهم ليست بأعسر من خلق السماوات في تقدير عقولكم، ومن قدر على خلقهن قادر على البعث، والله الموفق.

### الآية 71:16

> ﻿وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجًا [71:16]

الآية ١٦ : وقوله تعالى : وجعل القمر فيهن نورا  منهم من يذكر أنه جعله نورا في السماء الدنيا، وأضافه إلى جملة السماوات. وقد يجوز أيضا أن يضاف الشيء إلى العدد، وإن لم يكن يوجد ذلك إلا في البعض ؛ يقال : في سبع قبائل مسجد واحد، والمسجد إذا كان واحدا، فهو لا يكون في سبع قبائل، وإنما يكون في قبيلة واحدة، ويقال : فلان يتوارى في دور قوم[(١)](#foonote-١)، وهو لا يكون متواريا في واحدة منهن، ثم أضيف التواري إلى الجملة فكذلك أضاف نور القمر إلى السماوات السبع، وإن كان القمر في سماء واحدة. 
ومنهم من ذكر أن نور القمر قد أحاط بجميع السماوات، وزعم أن وجهه إلى السماوات، وظهره إلى أهل الأرض، ولهذا ما يعمل عليه السواتر من السحاب وغيرها. فأما نور وجهه فإنه لا يستره شيء من السواتر. ولكن هذا إنما يعرف بالخبر. فإن صح عن رسوله صلى الله عليه وسلم خبر فذلك حق[(٢)](#foonote-٢)، وإلا فالإمساك عن مثله أحق. 
وقوله تعالى : وجعل الشمس سراجا  ذكر السراج ههنا مكان الضوء وفي[(٣)](#foonote-٣) موضع آخر، وهو قوله عز وجل : هو الذي جعل الشمس ضياء \[ يونس : ٥ \] فذكر في القمر النور[(٤)](#foonote-٤) وفي الشمس الضياء لأن القمر يكون في وقت الحاجة إلى النور، وذلك في ظلمة الليل. ثم الله تعالى أنشأ الليل ليسكن فيه. لكن قد يبدو للخلائق بالليل حوائج يحتاجون إلى قضائها، فمنّ الله تعالى عليهم بنور القمر ليتوصلوا بنوره إلى قضاء حوائجهم، وجعل الشمس ضياء ليختطف ضوؤها نور الليل ويغلب عليه، ولا يختطف نور النهار نور الشمس، والله أعلم.

١ أدرج في الأصل بعدها: وهو لا يكون متواريا في دور قوم..
٢ في الأصل و م: هو..
٣ الواو ساقطة من الأصل و م..
٤ في الأصل و م: نورا..

### الآية 71:17

> ﻿وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَبَاتًا [71:17]

الآية ١٧ : وقوله تعالى : والله أنبتكم من الأرض نباتا  فجائز أن يكون أضاف الإنبات إلى الأرض، ويرد ذلك إلى الأصل الذي خلق من التراب لحدوثه منه لا\[ أن \][(١)](#foonote-١) يكون خلق الجملة من التراب، وهو كقوله عز وجل : وفي السماء رزقكم \[ الذاريات : ٢٢ \] والذي لنا في السماء هو المطر لا الذي يرزق به، ولكن الذي يرزق به أصل المطر، لأنه هو الذي يتوصل به إلى الأرزاق. 
فكذلك الخلق لما كانوا من نسل آدم عليه السلام وكان هو أصلا لهم، أضيف النسل إلى الذي حدث منه الأصل. 
ويحتمل أن يكون يرجع هذا إلى كل في نفسه، وذلك لأن حياة الأبدان وقوامها بالذي يخرج من الأرض، وينبت منها من أنواع الأغذية ؛ فإذا كان قوامها بما ينبت منها فكأنما أنبتنا منها، فاستقام أن يضاف الإنبات إليها كما يستقيم أن يضاف خروج الثمار إلى الأرضين، وإن كان حدوثها من الأشجار ؛ إذ قوام الأشجار وبقاؤها بها، فنسب ما يخرج منها إلى الأرض على التقدير الذي ذكرنا. 
ففي قوله : والله أنبتكم من الأرض نباتا  على التأويل الأول إثبات القدرة على البعث وإلزام الحجة على من يجحد كونه أن يذكرهم قدرته أنه أنشأهم من الأرض، ولم يكونوا شيئا. 
فمن قدر على إنشائهم من الأرض بعد أن كانوا ترابا قادر على أن يعيدهم إلى الحالة التي كانوا عليها من كونهم بشرا سويا، وإن صاروا عظاما رفاتا، لأنهم كانوا يزعمون أن[(٢)](#foonote-٢)كيف يعادون[(٣)](#foonote-٣) خلقا جديدا بعد أن صاروا ترابا ؟. 
فاحتج عليهم بأمر الابتداء من الوجه الذي ذكرنا. 
وإن كان على التأويل الثاني ففيه تذكير بنعمه أن قد أخرج لهم من الأرض ما يتعيشون به، ويقيمون به أودهم، ليستأدي[(٤)](#foonote-٤)منهم الشكر. وفيه تذكير بقوته وسلطانه ليخوّفهم عقابه، فيتقوا سخطه، ويطلبوا مرضاته.

١ من م، ساقطة من الأصل..
٢ من م، في الأصل: أو..
٣ في الأصل و م: يعادوا..
٤ في الأصل و م: أو يستأدي..

### الآية 71:18

> ﻿ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيهَا وَيُخْرِجُكُمْ إِخْرَاجًا [71:18]

الآية ١٨ : وقوله تعالى : ثم يعيدكم فيها ويخرجكم إخراجا  فجمع بين الإعادة والإخراج بحرف الجمع، وجعل قوله، عز وجل : ويخرجكم  في موضع ثم، لأن هذا الإخراج يكون بعد الإعادة إلى الأرض، فيكون في هذا دليل أن أحد الحرفين، وهو الواو، قد يستعمل مكان : ثم.

### الآية 71:19

> ﻿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ بِسَاطًا [71:19]

الآية ١٩ : والله جعل لكم الأرض بساطا  أي جعلها كالشيء المبسوط الذي ينتفع ببسطه. ولو لم يجعلها كذلك لم يتوصلوا إلى حوائجهم ولا الانتفاع بها. ففي ذكر هذا تذكير بالله تعالى\[ بما \][(١)](#foonote-١) عليهم من عظيم المنة. 
الآية ٢٠ : وقوله تعالى : لتسلكوا منها سبلا فجاجا  قيل : الفجاج الطرق الواسعة، وقيل : السبل في السهل، والفجاج الطرق في الجبال. وهذا أيضا من عظيم نعم الله تعالى على عباده، لأن الله تعالى قدر أرزاق الخلق في البلاد، فلو لم يجعل لهم في الأرض سبلا لم يجدوا طريقا يسلكونه، فيتوصلون به إلى ما به قوام أبدانهم. فصارت الطرق المتخذة لما يسلك به فيها، فنصل إلى حوائجنا وإلى معايشنا كالدواب التي سخرت لنا، فنتوصل بها إلى حوائجنا. 
وهذا يبين لك أن ملك أقطار الأرض وتدبيرها يرجع إلى الواحد القهار، لأنه أحوج الخلق إلى الانسياب في البلاد لإقامة أودهم، وجعل لهم سببا، يتوصلون إلى ذلك. فثبت أن مالك الأقطار واحد.

١ ساقطة من الأصل و م..

### الآية 71:20

> ﻿لِتَسْلُكُوا مِنْهَا سُبُلًا فِجَاجًا [71:20]

_لا يوجد تفسير لهذه الآية في هذا الكتاب._

### الآية 71:21

> ﻿قَالَ نُوحٌ رَبِّ إِنَّهُمْ عَصَوْنِي وَاتَّبَعُوا مَنْ لَمْ يَزِدْهُ مَالُهُ وَوَلَدُهُ إِلَّا خَسَارًا [71:21]

الآية٢١ : وقوله تعالى : قال نوح رب إنهم عصوني  أي عصوني بما أمرتهم به أو في ما دعوتهم إليه. 
وقوله تعالى : واتبعوا من لم يزده ماله وولده إلا خسارا  يشبه أن يكون المتبوعون، هم الذين كثرت أموالهم وحواشيهم، واستتبعوا من دونهم، فتبعوهم، ولم يتبعوا نوحا عليه السلام وقد كان نوح يدعوهم إلى إتباعه، فأخبر أنهم لم يتبعوه، وإنما تبعوا من كثرت أمواله وأولاده ومواشيه/٦٠٠ أ/ فتكون هذه الآية في الأتباع : أنهم اتبعوا أجلتهم ورؤساءهم، ليست في رؤسائهم. وما تقدم من الآيات في أجلتهم في دعاء نوح عليه السلام إياهم إلى التوحيد وغيره. 
ويحتمل ان تكون هذه الآية في الأجلة والضعفة جميعا، فيكون قوله تعالى : واتبعوا  أي اتبعوا من تقدمهم من أهل الثروة والغنى والذين وسعت عليهم الدنيا، وبسطت لهم، ظنا منهم أنهم أحق بالله تعالى وأقرب إليه في المنزلة. 
والذي حملهم على هذا، هو أنهم لا يرون أحدا في الشاهد، ترك صلة وليه، ووصل عدوه، فيرون أنه إذا بسطت على رؤسائهم الدنيا، وسع الله تعالى عليهم، وضيق على هؤلاء لأن[(١)](#foonote-١) أولئك أقرب منزلة وأعلى حالا، وأنهم هم الأولياء، وهم لا يؤمنون بالآخرة وثوابها، فكانوا يزعمون أنه يوفر الجزاء على الأولياء والمحسنين في الدنيا، وزعموا أن من وسع عليه الدنيا، فهو أحق أن يكون وليا لله تعالى حين[(٢)](#foonote-٢) وصل إليه الجزاء فيها. فهذا الظن هو الذي حملهم على الإتباع[(٣)](#foonote-٣). 
وقوله تعالى : إلا خسارا  أي بوارا وهلاكا لذلك المتبوع، فكانت تلك النعم التي ظنوا أنهم أكرموا بها بصنيعهم سببا لخسارتهم. 
وقوله تعالى : واتبعوا من لم يزده ماله وولده إلا خسارا  كقوله : فلا تعجبك أموالهم ولا أولادهم إنما يريد الله ليعذبهم بها في الحياة الدنيا \[ التوبة : ٥٥ \]. 
ثم قد بينا تأويل شكايته إلى الله تعالى من قومه. فهذه الآية وتلك الآيات في معنى تأويل الشكاية إلى الله تعالى واحد.

١ في الأصل و م: أن..
٢ في الأصل و م: حيث..
٣ في الأصل و م: إتباع..

### الآية 71:22

> ﻿وَمَكَرُوا مَكْرًا كُبَّارًا [71:22]

الآية ٢٢ : ومكروا مكرا كبّارا  قال بعضهم : إنهم يمكرون ما يمكرون بألسنتهم حين[(١)](#foonote-١) كانوا يدعونهم إلى الكفر والصد عن سبيل الله، فكنى بالمكر عما قالوه بألسنتهم، فكان ذلك مكرا كبّارا أي قولا عظيما. 
وجائز أن يكون على حقيقة المكر، وهو أن رؤساؤهم مكروا بأتباعهم حين[(٢)](#foonote-٢) قالوا : إن هؤلاء لو كانوا أحق بالله تعالى منا لكانوا هم الذين يوسع عليهم، ويضيق علينا، فإذا وسّع علينا ثبت أنا نحن الأولياء والأصفياء دون غيرنا. وهذا منهم مكر عظيم لأنه يأخذ قلوب أولئك فيصدهم عن سبيل الله تعالى. 
وجائز أن يكون مكرهم ما ذكر أنهم كانوا يأتون بأولادهم الصغار إلى نوح عليه السلام ويقولون لهم : إياكم[(٣)](#foonote-٣) وإتباع هذا فإنه ضال مضل، فكان هذا مكرهم بصغارهم.

١ في الأصل و م: حيث..
٢ في الأصل و م: حيث..
٣ في الأصل و م: إياك..

### الآية 71:23

> ﻿وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا [71:23]

الآية ٢٣ : وقوله تعالى : وقالوا لا تذرنّ آلهتكم ولا تذرن ودا ولا سواعا  الآية ؛ هذه المقالة منهم كانت بعد أن انقادت لهم الأتباع، واتبعتهم إلى ما دعوهم إليه من الأصنام، فقالوا بعد ذلك : لا تذرن آلهتكم  لأي لا تذرن عبادتها. 
وقوله تعالى : ولا تذرنّ ودا ولا سواعا ولا يغوث ويعوق ونسرا هي أسماء الأصنام التي كانوا يعبدونها. 
ثم يحتمل أن يكون الذي بعثهم على عبادة الأصنام ما ذكره أهل التفسير أن قوم نوح اتخذوا هذه الأصنام أول ما اتخذوها على صورة رجال عبّاد، كانت هذه الأسماء أسماؤهم، فسموا الأصنام بأسماء العباد ليعتبروا بها، ويجتهدوا في العبادة إذا نظروا إليها. 
فلما مضى ذلك القرن الذي اتخذوها\[ فيه \][(١)](#foonote-١)عبرة، وخلفهم قرن بعدهم، قال لهم الشيطان : إن الذين من قبلكم كانوا يعبدون هذه الأصنام، فاعبدوها[(٢)](#foonote-٢). 
ومنهم من ذكر أن جسد آدم عليه السلام كان عند نوح، يترك كل مؤمن في زمانه يدخل، فينظر إلى جسد آدم عليه السلام ومن لم يكن مؤمنا، لم يدعه ينظر إليه. فجاء إبليس إلى الكفار، فقال : أيفخر نوح ومن آمن به عليكم بجسد آدم، وأنتم كلكم ولده، فصنع لكل قوم صنما على صورة آدم، فكانوا يعبدون تلك الصورة. 
ويحتمل[(٣)](#foonote-٣) أن يكون الذي بعثهم على ذلك، هو أنهم لم يروا أنفسهم تصلح لعبادة رب العالمين، كما يرى هؤلاء الذين يخدمون الأجلة في الشاهد ؛ لا يطمع كل واحد منهم في خدمة الملوك، ولا يرى نفسه أهلا لخدمتهم، بل يشتغل بخدمة من دونهم[(٤)](#foonote-٤) أولا على رجاء أن يقربه إلى الملك، فكذلك هؤلاء حسبوا أنهم لا يصلحون لخدمة رب العالمين، فكانوا إذا رأوا شيئا حسنا كانوا يظنون أن حسنه لمنزلة له عند الله، فكانوا يقبلون على عبادته رجاء أن يقربهم إلى الله، فجعلوا الأصنام على أحسن ما قدروا عليه، ثم اشتغلوا بخدمتها وعبادتها رجاء أن تقربهم إلى الله تعالى. 
قال عز وجل حكاية عنهم : والذين اتخذوا من دونه أولياء ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى \[ الزمر : ٣ \] وقال : ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله  \[ يونس : ١٨ \]. 
فجائز أن يكون هذا الحسبان، هو الذي حملهم على عبادتها وتعظيم شأنها، والله أعلم أي ذلك كان ؟.

١ ساقطة من الأصل و م..
٢ في الأصل و م، فعبدوها..
٣ الواو ساقطة من الأصل و م..
٤ في الأصل و م: دونه..

### الآية 71:24

> ﻿وَقَدْ أَضَلُّوا كَثِيرًا ۖ وَلَا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا ضَلَالًا [71:24]

الآية٢٤ : وقوله تعالى : وقد أضلوا كثيرا  فجائز أن يكون أريد به الكبراء أنهم أضلوا كثيرا، أي دعوا إلى الضلال، وزينوه في قلوبهم، فأضلوا سفهاءهم بذلك. 
وجائز أن يكون أريد به الأصنام، ولكن حقه، إن كان على الأصنام، أن يقول : وقد أضللن كثيرا كما قال إبراهيم عليه السلام : رب إنهن أضللن كثيرا من الناس \[ إبراهيم : ٣٦ \]. 
ولكن الإضلال من فعل الممتحنين، والأصنام ليست لها أفعال، فلما نسب إليها نسبة من يوجد[(١)](#foonote-١)منه الفعل أخرج الخطاب على الوزن الذي يخاطب به من يوجد منه هذا الفعل، وهو كقوله تعالى : وكأين من قرية عتت عن أمر ربها \[ الطلاق : ٨ \] فأضاف إلى القرية فعل أهلها، والفعل إذا أضيف\[ إلى الأهل أضيف \][(٢)](#foonote-٢) بلفظ التذكير، ثم أنّث ههنا لإضافة فعل الأهل إلى القرية \[ ولو كانت القرية \][(٣)](#foonote-٣)بحيث يكون منها الفعل لكان الخطاب، يرتفع عنها بلفظ التأنيث لا بلفظ التذكير. فحين[(٤)](#foonote-٤)أضيف إليها فعل أهلها أنّث كما يوجب لو كان الفعل متحققا منها. 
ثم الأصنام لا يتحقق منها الإضلال، ولكن معنى الإضافة ههنا هو أنها أنشئت على هيئة، لو كانت تلك الهيئة ممن يضل\[ لأضلت هي \][(٥)](#foonote-٥) كما قلنا في تأويل قوله عز وجل : وغرتهم الحياة الدنيا \[ الأنعام : ٧٠ و. . \]. 
وقوله تعالى : ولا تزد الظالمين إلا ضلالا  فهذا يشبه أن يكون بعد ما بين له أنه لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن \[ هود : ٣٦ \] فإذ قد علم أنهم لا يؤمنون لم يدع لهم بالهدى، ولكن دعا الله تعالى ليزيد في إضلالهم، ويكون الإضلال عبارة عن الهلاك، والضلال الهلاك. قال الله تعالى : وقالوا أئذا ضللنا في الأرض \[ السجدة : ١٠ \] أي أهلكنا.

١ في الأصل و م: يوجه..
٢ من م، ساقطة من الأصل..
٣ من م، ساقطة من الأصل..
٤ في الأصل و م: فحيث..
٥ في الأصل و م: لأضل هو..

### الآية 71:25

> ﻿مِمَّا خَطِيئَاتِهِمْ أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا نَارًا فَلَمْ يَجِدُوا لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْصَارًا [71:25]

الآية ٢٥ : وقوله تعالى : مما خطيئاتهم أغرقوا فأدخلوا نارا فحذف ما ههنا\[ لأنه \][(١)](#foonote-١)صلة في الكلام، ومعناه : بخطيئاتهم أو من خطيئاتهم، أغرقوا، فأدخلوا نارا في الآخرة ؛ إذ أغرقت أبدانهم وأجسامهم، وردت أرواحهم إلى النار فلم يجدوا لهم من دون الله أنصارا أي لم يجدوا لأنفسهم بعبادتهم من عبدوا من دون الله تعالى\[ أنصارا من المعبودين، لأنهم كانوا يعبدون من يعبدون من دون الله ليقربوهم[(٢)](#foonote-٢) \][(٣)](#foonote-٣) إلى الله، ويكونوا لهم شفعاء وعزا، فلم يجدوا الأمر على ما قدروا عند أنفسهم.

١ ساقطة من الأصل و م:..
٢ في نسخة الحرم المكي: ليقربهم..
٣ من نسخة الحرم المكي، في الأصل و م: فقربهم..

### الآية 71:26

> ﻿وَقَالَ نُوحٌ رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا [71:26]

الآية ٢٦ : وقوله تعالى : وقال نوح رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديّارا  قيل : تأويله : لا تذر على الأرض من الكافرين ساكن دار. وإذا لم يبق ساكن دار، فقد ماتوا جميعا، فكأنه يقول : لا تذر منهم أحدا.

### الآية 71:27

> ﻿إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلَا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا [71:27]

الآية ٢٧ : وقوله تعالى : إنك إن تذرهم يضلوا عبادك هذا كلام شنيع في الظاهر من نوح عليه السلام لأنه خارج مخرج الإنكار على الله تعالى، ولو تركهم، ولم يهلكهم. وهذا يشبه قول[(١)](#foonote-١)/ ٦٠٠ ب/ من قال : أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء \[ البقرة : ٣٠ \] وهذا أيضا خارج مخرج التكبر لله تعالى : أنه لو أبقاهم أدى ذلك إلى إضلال العباد، وفيه تقدم بين يدي الله تعالى ؛ وذلك عظيم، ولأنه ليس في شرط الألوهية إهلاك من عمله الإضلال. 
ألا ترى أن إبليس اللعين وأتباعه جل سعيهما[(٢)](#foonote-٢) في إضلال بني آدم، ثم لم يهلكوا، بل أبقوا على الوقت المعلوم ؟. 
ولكنه يجوز أن يكون دعا عليهم بعد أن أذن بالدعاء عليهم بالهلاك والبوار، فيكون الدعاء بالهلاك على تقدم الأدب. 
والأصل أن الرسل عليهم السلام بعثوا لدعاء الخلق إلى الإسلام، وكانوا في دعائهم راجين الإسلام خائفين عليهم بدوامهم على الكفر. فبما قيل لنوح عليه السلام : أنه لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن \[ هود : ٣٦ \] وقع له الإياس من إسلام من تخلف عن الإيمان، فارتفع معنى الدعاء إلى الإسلام، فجائز أن يراد[(٣)](#foonote-٣) له الإذن بعد ذلك بالدعاء عليهم بالهلاك، فيدعو إذ ذاك. 
ثم يكون قوله : إنك إن تذرهم يضلوا عبادك  خارج مخرج الإشفاق والرحمة على من معه من المؤمنين، وهو أن الذين داموا على الكفر، لو أبقوا خيف من الكفرة أن يضلوا المؤمنين، ويعيدوهم إلى ملتهم، فتكون شفقته على المسلمين داعية إلى الدعاء بالهلاك[(٤)](#foonote-٤) على الكفرة لئلا يتوصلوا إلى الإضلال. 
وقوله تعالى : ولا يلدوا إلا فاجرا كفارا وقت بلوغهم المحنة والابتلاء ؛ فحينئذ يوجد منهم الفجور لا\[ أن \][(٥)](#foonote-٥)يلدوا فجارا كفارا ؛ إذ لا صنع لهم في ذلك الوقت، وهو كقوله تعالى : إنا خلقنا الإنسان من نطفة أمشاج نبتليه  \[ الإنسان : ٢ \] أي نبتليه لوقت \[ بلوغه \][(٦)](#foonote-٦) المحنة والابتلاء لا أن نبتلي وقت ما يشاء. 
وفي هذه الآية دلالة أن الكفر قد يقع عليه اسم الفجور لأنه لو خرج قوله كفارا  مخرج التفسير لقوله : فاجرا  استقام أن يحمل تأويل قوله تعالى : وإن الفجار لفي جحيم \[ الانفطار : ١٤ \] على الكفرة.

١ من نسخة الحرم المكي، في الأصل و م: بقول..
٢ في الأصل و م: سعيه..
٣ في الأصل و م: يرد..
٤ في الأصل و م: على الهلاك، من نسخة الحرم المكي، ساقطة من الأصل و م..
٥ في الأصل و م: على الهلاك..
٦ ساقطة من الأصل و م..

### الآية 71:28

> ﻿رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَلَا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا تَبَارًا [71:28]

الآية ٢٨ : وقوله تعالى : رب اغفر لي ولوالدي ولمن دخل بيتي مؤمنا  هكذا الواجب على المرء في الدعاء والاستغفار أن يبدأ بنفسه ثم بوالديه ثم بالمؤمنين. 
ثم قوله : بيتي  قال بعضهم : أي في سفينتي، وقال بعضهم : بيتي  أي في ديني، فيكون البيت كناية عن الدين، وقال بعضهم : إنما هو بيته الذي يسكن فيه لما أطلعه الله تعالى أن من دخل بيته مؤمنا لا يعود إلى الكفر. 
قال الشيخ، رحمه الله : ثم إن أرجى الأمور للمؤمنين في الآخرة دعاء الأنبياء والملائكة عليهم السلام في الدنيا، لأنهم إنما يدعون بعد الإذن لهم بالدعاء، ولا يحتمل أن يأذن الله تعالى لهم بالدعاء، ثم لا يجيب دعوتهم. 
وذكر عن ابن عباس رضي الله عنه أنه قال : إن نوحا عليه السلام دعا دعوتين : إحداهما : للمؤمنين بالاستغفار والتوبة. والثانية : على الكفار بالبوار والتّبار. 
وقد أجيبت دعوته في ما دعا على الكفرة، فلا يجوز أن يجاب في شر الدعوتين، ثم لا يجاب في خير الدعوتين. 
وقوله تعالى : ولا تزد الظالمين إلا تبارا قيل : كسرا وذلا وصغارا، فإنه مشتق من التبر، وكل مكسور يقال : تبر فكأنه يقول : اكسر منعة الظالمين وشوكتهم. 
فإن كان التأويل هذا، فهو يقع على جميع الظلمة : من كان في وقته ومن بعده. 
وقيل : التبار الهلاك، فإن كان هذا معناه فهو على ظالمي زمانه ؛ إذ لا يجوز للأنبياء عليهم السلام أن يدعوا على قوم إلا أن يؤذن لهم بالدعاء عليهم. وإنما جاء الإذن في حق قومه. 
فأما في حق غيرهم، لم يثبت، فلا يجوز القول فيه إلا بما تواتر الخبر به عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، \[ والله أعلم \][(١)](#foonote-١).

١ من م، ساقطة من الأصل..

## روابط ذات صلة

- [النص القرآني للسورة](https://quranpedia.net/surah/1/71.md)
- [كل تفاسير سورة نوح
](https://quranpedia.net/surah-tafsir/71.md)
- [ترجمات سورة نوح
](https://quranpedia.net/translations/71.md)
- [صفحة الكتاب: تأويلات أهل السنة](https://quranpedia.net/book/468.md)
- [المؤلف: أبو منصور المَاتُرِيدي](https://quranpedia.net/person/4180.md)

---

زُر [Quranpedia.net](https://quranpedia.net/surah/1/71/book/468) — موسوعة القرآن الكريم: التفاسير، الترجمات، التلاوات، والمواضيع.
