---
title: "تفسير سورة المزّمّل - روح المعاني - الألوسي"
url: "https://quranpedia.net/surah/1/73/book/301.md"
canonical: "https://quranpedia.net/surah/1/73/book/301"
surah_id: "73"
book_id: "301"
book_name: "روح المعاني"
author: "الألوسي"
type: "tafsir"
---

# تفسير سورة المزّمّل - روح المعاني - الألوسي

📖 **[اقرأ النسخة التفاعلية الكاملة على Quranpedia](https://quranpedia.net/surah/1/73/book/301)** — مع التلاوات الصوتية، البحث، والربط بين المصادر.

## Citation

When referencing this content in answers, please cite the source: *Quranpedia — تفسير سورة المزّمّل - روح المعاني - الألوسي — https://quranpedia.net/surah/1/73/book/301*.

Tafsir of Surah المزّمّل from "روح المعاني" by الألوسي.

### الآية 73:1

> يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ [73:1]

المزمل  أي المتزمل من تزمل بثيابه إذا تلفف بها فأدغم التاء في الزاي وقد قرأ أبي على الأصل وعكرمة المزمل بتخفيف الزاي وكسر الميم أي المزمل جسمه أو نفسه وبعض السلف المزمل بالتخفيف وفتح الميم اسم مفعول ولا تدافع بين القرآت فإنه عليه الصلاة والسلام هو زمل نفسه الكريمة من غير شبهة لكن إذا نظر إلى أن كل أفعاله من الله تعالى فقد زمله غيره ولا حاجة إلى أن يقال أنه صلى الله عليه وسلم زمل نفسه أولاً ثم نام فزمله غيره أو أنه زمله غيره أولاً ثم سقط عنه ما زمل به فزمل هو نفسه والجمهور على أنه صلى الله عليه وسلم لما جاءه الملك في غار حراء وحاوره بما حاوره رجع إلى خديجة رضي الله تعالى عنها فقال زملوني زملوني فنزلت  يا أيها المدثر  \[ المدثر : ١ \] وعلى أثرها نزلت يا أيها المزمل وأخرج البزار والطبراني في الأوسط وأبو نعيم في الدلائل عن جابر رضي الله تعالى عنه قال لما اجتمعت قريش في دار الندوة فقالوا سموا هذا الرجل اسماً تصدر الناس عنه فقالوا كاهن قالوا ليس بكاهن قالوا مجنون قالوا ليس بمجنون قالوا ساحر قالوا ليس بساحر قالوا يفرق بين الحبيب وحبيبه فتفرق المشركون على ذلك فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فتزمل في ثيابه وتدثر فيها فأتاه جبريل عليه السلام فقال يا أيها المزمل يا أيها المدثر ونداؤه عليه الصلاة والسلام بذلك تأنيس له وملاطفة على عادة العرب في اشتقاق اسم للمخاطب من صفته التي هو عليها كقوله صلى الله عليه وسلم لعلي كرم الله تعالى وجهه حين غاضب فاطمة رضي الله تعالى عنها فأتاه وهو نائم وقد لصق بجنبه التراب قم أبا تراب قصداً لرفع الحجاب وطي بساط العتاب وتنشيطاً له ليتلقى ما يرد عليه بلا كسل
 : وكل ما يفعل المحبوب محبوب \*\*\* وزعم الزمخشري أنه عليه الصلاة والسلام نودي بذلك تهجيناً للحالة التي عليها من التزمل في قطيفة واستعداده للاستثقال في النوم كما يفعل من لا يهمه أمر ولا يعنيه شأن إلى آخر ما قال مما ينادى عليه كما قال الأكثرون بسوء الأدب ووافقه في بعضه من وافقه وقال صاحب الكشف أراد أنه عليه الصلاة والسلام وصف بما هو ملتبس به يذكره تقاعده فهو من لطيف العتاب الممزوج بمحض الرأفة ولينشطه ويجعله مستعداً لما وعده تعالى بقوله سبحانه : إِنَّا سَنُلْقِى عَلَيْكَ قَوْلاً ثَقِيلاً  \[ المزمل : ٥ \] ولا يربأ برسول الله صلى الله عليه وسلم عن مثل هذا النداء فقد خوطب بما هو أشد في قوله تعالى : عَبَسَ وتولى  \[ عبس : ١ \] ومثل هذا من خطاب الإدلال والترؤف لا يتقاعد ما في ضمنه من البر والتقريب عما في ضمن يا أيها النبي يا أيها الرسول من التعظيم والترحيب انتهى ولا يخفي أنه لا يندفع به سوء أدب الزمخشري في تعبيره فإنه تعالى وإن كان له أن يخاطب حبيبه بما شاء لكنا نحن لا نجري على ما عامله سبحانه به بل يلزمنا الأدب والتعظيم لجنابه الكريم ولو خاطب بعض الرعايا الوزير بما خاطبه به السلطان طرده الحجاب وربما كان العقاب هو الجواب وقيل كان صلى الله عليه وسلم متزملاً بمرط لعائشة رضي الله تعالى عنها يصلي فنودي بذلك ثناءً عليه وتحسيناً لحاله التي كان عليها ولا يأباه الأمر بالقيام بعد إما لأنه أمر بالمداومة على ذلك والمواظبة عليه أو تعليم له عليه الصلاة والسلام وبيان لمقدار ما يقوم على ما قيل نعم أورد عليه أن السورة من أوائل ما نزل بمكة ورسول الله صلى الله عليه وسلم إنما بنى على عائشة رضي الله تعالى عنها بالمدينة مع أن الأخبار الصحيحة متضافرة بأن النداء المذكور كان وهو عليه الصلاة والسلام في بيت خديجة رضي الله تعالى عنها ويعلم منه حال ما روي عن عائشة أنها سئلت ما كان تزميله صلى الله عليه وسلم قالت كان مرطاً طوله أربع عشرة ذراعاً نصفه علي وأنا نائمة ونصفه عليه وهو يصلي وكان سداه شعراً ولحمته وبراً وتكلف صاحب الكشف فقال الجواب أنه عليه الصلاة والسلام عقد في مكة فلعل المرط بعد العقد صار إليه صلى الله عليه وسلم نعم دل على أنه بعد وفاة خديجة إنما إشكال في قول عائشة نصفه علي الخ وجوابه أنه يمكن أن يكون قد بات صلى الله عليه وسلم في بيت الصديق رضي الله تعالى عنه ذات ليلة وكان المرط على عائشة وهي طفلة والباقي لطوله على النبي عليه الصلاة والسلام فحكت ذلك أم المؤمنين إذ لا دلالة على أنها حكاية ما بعد البناء فهذا ما يتكلف لصحة هذا القول انتهى وأنت تعلم أن هذا الحديث لم يقع في الكتب الصحيحة كما قاله ابن حجر بل هو مخالف لها ومثل هذه الاحتمالات لا يكتفي بها بل قال أبو حيان أنه كذب صريح وعن قتادة كان صلى الله عليه وسلم قد تزمل في ثيابه للصلاة واستعد لها فنودي بيا أيها المزمل على معنى يا أيها المستعد للعبادة وقال عكرمة المعنى يا أيها المزمل للنبوة وأعبائها والزمل كالحمل لفظاً ومعنى ويقال ازدمله أي احتمله وفيه تشبيه أجراه مراسم النبوة بتحمل الحمل الثقيل لما فيهما من المشقة وجوز أن يكون كناية عن المتثاقل لعدم التمرن وأورد عليه نحو ما أورد على وجه الزمخشري ومع صحة المعنى الحقيقي واعتضاده بالأحاديث الصحيحة لا حاجة إلى غيره كما قيل.

### الآية 73:2

> ﻿قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا [73:2]

قُمِ الليل  أي قم إلى الصلاة وقيل داوم عليها وأياً ما كان فمعمول قم مقدر والليل منصوب على الظرفية وجوز أن يكون منصوباً على التوسع والإسناد المجازي ونسب هذا إلى الكوفيين وما قيل إلى البصريين وقيل القيام مستعار للصلاة ومعنى قم صل فلا تقدير وقرأ أبو السمال بضم الميم اتباعاً لحركة القاف وقرئ بفتحها طلباً للتخفيف والكسر في قراءة الجمهور على أصل التقاء الساكنين  إِلاَّ قَلِيلاً  استثناءً من الليل.

### الآية 73:3

> ﻿نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا [73:3]

وقوله تعالى : نّصْفَهُ  بدل من قليلاً بدل الكل والضمير لليل وفي هذا الإبدال رفع الإبهام وفي الإتيان بقليل ما يدل على أن النصف المغمور بذكر الله تعالى بمنزلة الكل والنصف الفارغ وإن ساواه في الكمية لا يساويه في التحقيق  أَوِ انقص مِنْهُ  عطف على الأمر السابق والضمير المجرور لليل أيضاً مقيداً بالاستثناء لأنه الذي سيق له الكلام وقيل للنصف لقربه  قَلِيلاً  أي نقصاً قليلاً أو مقداراً قليلاً بحيث لا ينحط عن نصف النصف.

### الآية 73:4

> ﻿أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا [73:4]

أَوْ زِدْ عَلَيْهِ  عطف كما سبق وكذا الكلام في الضمير ولا يختلف المعنى على القولين فيه وهو تخييره صلى الله عليه وسلم بين أن يقوم نصف الليل أو أقل من النصف أو أكثر بيد أنه رجح الأول بأن فيه جعل معيار النقص والزيادة النصف المقارن للقيام وهو أولى من جعله النصف العاري منه بالكلية وإن تساويا كمية وجعل بعضهم الإبدال من الليل الباقي بعد الثنيا والضميرين له وقال في الإبدال من قليل ليس بسديد لهذا ولأن الحقيقي بالاعتناء الذي ينبىء عنه الإبدال هو الجزء الباقي بعد الثنيا المقارن للقيام لا للجزء المخرج العاري عنه ولا يخفي أنه على طرف التمام وكذا اعترض أبو حيان ذلك الإبدال بقوله إن ضمير نصفه حينئذٍ إما أن يعود على المبدل منه أو على المستثنى منه وهو الليل لا جائز أن يعود على المبدل منه لأنه يكون استثناء مجهول من مجهول إذ التقدير إلا قليلاً نصف القليل وهذا لا يصح له معنى البتة ولا جائز أن يعود على المستثنى منه لأنه يلغو فيه الاستثناء إذ لو قيل قم الليل نصفه أو انقص منه قليلاً أو زد عليه أفاد معناه على وجه أخصر وأوضح وأبعد عن الإلباس وفيه أنا نختار الثاني وما زعمه من اللغوية قد أشرنا إلى دفعه وأوضحه بعض الأجلة بقوله إن فيه تنبيهاً على تخفيف القيام وتسهيله لأن قلة أحد النصفين تلازم قلة الآخر وتنبيهاً على تفاوت ما شغل بالطاعة وما خلا منها الإشعار بأن البعض المشغول بمنزلة الكل مع ما في ذلك من البيان بعد الإبهام الداعي للتمكن في الذهن وزيادة التشويق وتعقب السمين الشق الأول أيضاً بأن قوله استثناء مجهول من مجهول غير صحيح لأن الليل معلوم وكذا بعضه من النصف وما دونه وما فوقه ولا ضير في استثناء المجهول من المعلوم نحو  فشربوا منه إلا قليلاً  \[ البقرة : ٢٤٩ \] بل لا ضير في إبدال مجهول من مجهول كجاءني جماعة بعضهم مشاة ومع هذا المعول عليه ما سلف وجوز أن يكون نصفه بدلاً من الليل بدل بعض من كل والاستثناء منه والكلام على نية التقديم والتأخير والأصل قم نصف الليل إلا قليلاً وضمير منه وعليه للأقل من النصف المفهوم من مجموع المستثنى منه فكأنه قيل قم أقل من نصف الليل بأن تقوم ثلث الليل أو انقص من ذلك الأقل قليلاً بأن تقوم ربع الليل أو زد على ذلك الأقل بأن تقوم النصف فالتخيير على هذا بين الأقل من النصف والأقل من الأقل والأزيد منه وهو النصف بعينه ومآله إلى التخيير بين النصف والثلث والربع فالفرق بين هذا الوجه وما ذكر قيل مثل الصبح ظاهر وفي **«الكشاف »** ما يفهم منه على ما قيل أن التخيير فيما وراء النصف أي فيما يقل عن النصف ويزيد على الثلث فلا يبلغ بالزيادة النصف ولا بالنقصان الثلث قال في **«الكشف »** وإنما جعل الزيادة دون النصف والنقصان فوق الثلث لأنهما لو بلغا إلى الكسر الصحيح لكان الأشبه أن يذكر بصريح اسميهما وأيضاً إيثار القلة ثانياً دليل على التقريب من ذلك الأقل وما انتهى إلى كسر صحيح فليس بناقص قليل في ذوق هذا المقام وكذا القول في جانب الزيادة كيف وقد بني الأمر على كونه أقل من النصف انتهى وهو وجه متكلف ونحوه فيما أرى ما سمعت قبيله وظاهر كلام بعضهم أن ذكر الثلث والربع والنصف فيه على سبيل التمثيل لا أن الأقل والأنقص والأزيد محصورات فيما ذكر وجوز أيضاً كون الكلام على نية التقديم والتأخير كما مر آنفاً لكن مع جعل الضميرين للنصف لا للأقل منه كما في ذلك والمعنى التخيير بين أمرين بين أن يقوم عليه الصلاة والسلام أقل من نصف الليل على البت وبين أن يختار أحد الأمرين وهما النقصان من النصف والزيادة عليه فكأنه قيل قم أقل من نصف الليل على البت أو انقص من النصف أو زد عليه تخييراً قيل وللاعتناء بشأن الأقل لأنه الأصل الواجب كرر على نحو أكرم إما زيدا وإما زيداً أو عمراً وتعقب بأن فيه تكلفاً لأن تقديم الاستثناء على البدل ظاهر في أن البدل من الحاصل بعد الاستثناء لأن في تقدير تأخير الاستثناء عدولاً عن الأصل من غير دليل ولأن الظاهر على هذا رجوع الضميرين إلى النصف بعد الاستثناء لأنه السابق لا النصف المطلق وأيضاً الظاهر أن النقصان رخصة لأن الزيادة نفل والاعتناء بشأن العزيمة أولى ثم فيه أنه لا يجوز قيام النصف ويرده القراءة الثابتة في السبعة  إن ربك يعلم أنك تقوم أدنى من ثلثي الليل ونصفه وثلثه  \[ المزمل : ٢٠ \] بالجر فإن استدل من جواز الأقل على جوازه لمفهوم الموافقة لزم أن يلغوا التعرض للزيادة على النصف لذلك أيضاً ولا يخفي أن بعض هذا يرد على الوجه المار آنفاً واعترض قوله الظاهر أن النقصان رخصة بأنه محل نظر إذ الظاهر أنه من قبيل  فإن أتممت عشراً فمن عندك  \[ القصص : ٢٧ \] فالتخيير ليس على حقيقته وفيه بحث وجوز أيضاً كون الإبدال من قليلاً كما قدمنا أولاً لكن مع جعل قليلاً الثاني بمعنى نصف النصف وهو الربع وضمير عليه لهذا القليل وجعل المزيد على هذا القليل أعني الربع نصف الربع كأنه قيل قم نصف الليل أو انقص من النصف قليلاً نصفه أو زد على هذا القليل قليلاً نصفه ومآله قم نصف الليل أو نصف نصفه أو زد على نصف النصف نصف نصف النصف فيكون التخيير فيما إذا كان الليل ست عشرة ساعة مثلاً بين قيام ثماني ساعات وأربع وست ولا يخفي أن الإطلاق في أو زد عليه ظاهر الإشعار بأنه غير مقيد بقليلاً إذ لو كان للاستغناء لاكتفي في أو انقص الخ بالأول أيضاً ومن هنا قيل يجوز أن تجعل الزيادة لكونها مطلقة تتمة للثلث فيكون التخيير بين النصف والثلث والربع وفيه أن جعلها تتمة الثلث لا دليل عليه سوى موافقة القراءة بالجر في نصفه وثلثه بعد وجوز الإمام أن يراد بقليلاً في قوله تعالى إلا قليلاً الثلث وقال إن نصفه على حذف حرف العطف فكأنه قيل ثلثي الليل أو قم نصفه أو انقص من النصف أو زد عليه وأطال في بيان ذلك والذب عنه ومع ذلك لا يخفي حاله وذكر أيضاً وجهاً ثانياً لا يخفي أمره على من أحاط بما تقدم خبرا نعم تفسيره القليل بالثلث مروى عن الكلبي ومقاتل وعن وهب بن منبه تفسيره بما دون المعشار والسدس وهو على ما قدمنا نصف واستدل به من قال بجواز استثناء النصف وما فوقه على ما فصل في الأصول وقال التبريزي الأمر بالقيام والتخيير في الزيادة والنقصان وقع على الثلثين من آخر الليل لأن الثلث الأول وقت العتمة والاستثناء وارد على المأمور به فكأنه قيل قم ثلثي الليل إلا قليلاً ثم جعل نصفه بدلاً من قليلاً فصار القليل مفسراً بالنصف من الثلثين وهو قليل على ما تقدم أو انقص منه أي من المأمور به وهو قيام الثلثين قليلاً أي ما دون نصفه أو زد عليه فكان التخيير في الزيادة والنقصان واقعاً على الثلثين انتهى. 
وهو كما ترى وقيل الاستثناء من إعداد الليل لا من أجزائه فإن تعريفه للاستغراق إذ لا عهد فيه والضمير راجع إليه باعتبار الأجزاء على أن هناك استخداماً أو شبهه والتخيير بين قيام النصف والناقص عنه والزائد عليه وهو بمكان من البعد وبالجملة قد أكثر المفسرون الكلام في هذه الآية حتى ذكروا ما لا ينبغي تخريج كلام الله تعالى العزيز عليه وأظهر الوجوه عندي وأبعدها عن التكلف وأليقها بجزالة التنزيل هو ما ذكرناه أولاً والله تعالى أعلم بما في كتابه الجليل الجزيل وسيأتي إن شاء الله تعالى ما يتعلق بالأمر في قوله سبحانه  قم الليل  \[ المزمل : ٢ \] الخ. 
وَرَتّلِ القرءان } أي في أثناء ما ذكر من القيام أي أقرأه على تؤدة وتمهل وتبيين حروف  تَرْتِيلاً  بليغاً بحيث يتمكن السامع من عدها من قولهم ثغر رتل بسكون التاء ورتل بكسرها إذا كان مفلجاً لم تتصل أسنانه بعضها ببعض وأخرج العسكري في المواعظ عن علي كرم الله تعالى وجهه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن هذه الآية فقال :«بينه تبييناً ولا تنثره نثر الدقل ولا تهذه هذا الشعر قفوا عند عجائبه وحركوا به القلوب ولا يكن هم أحدكم آخر السورة.

### الآية 73:5

> ﻿إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا [73:5]

إِنَّا سَنُلْقِى عَلَيْكَ  أي سنوحي إليك وإيثار الإلقاء عليه لقوله تعالى : قَوْلاً ثَقِيلاً  وهو القرآن العظيم فإنه لما فيه من التكاليف الشاقة ثقيل على المكلفين سيما على الرسول صلى الله عليه وسلم فإنه عليه الصلاة والسلام مأمور بتحملها وتحميلها للأمة وهذه الجملة المؤكدة معترضة بين الأمر بالقيام وتعليله الآتي لتسهيل ما كلفه عليه الصلاة والسلام من القيام كأنه قيل أنه سيرد عليك في الوحي المنزل تكاليف شاقة هذا بالنسبة إليها سهل فلا تبال بهذه المشقة وتمرن بها لما بعدها وادخل بعضهم في الاعتراض جملة  ورتل  الخ وتعقب بأنه لا وجه له وقيل معنى كونه ثقيلاً أنه رصين لأحكام مبانيه ومتانة معانيه والمراد أنه راجح على ما عداه لفظاً ومعنى لكن تجوز بالثقيل عن الراجح لأن الراجح من شأنه أن يكون كذلك وفي معناه ما قيل المراد كلام له وزن ورجحان ليس بالسفساف وقيل معناه أنه ثقيل على المتأمل فيه لافتقاره إلى مزيد تصفية للسر وتجريد للنظر فالثقيل مجاز عن الشاق وقيل ثقيل في الميزان والثقل إما حقيقة أو مجاز عن كثرة ثواب قارئه وقال أبو العلية والقرطبي ثقله على الكفار والمنافقين بإعجازه ووعيده وقيل ثقيل تلقيه يعني يثقل عليه صلى الله عليه وسلم والوحي به بواسطة الملك فإنه كان يوحي إليه عليه الصلاة والسلام على أنحاء منها أن لا يتمثل له الملك ويخاطبه بل يعرض له عليه الصلاة والسلام كالغشي لشدة انجذاب روحه الشريفة للملأ إلا الأعلى بحيث يسمع ما يوحى به إليه ويشاهده ويحسه هو عليه الصلاة والسلام دون من معه وفي هذه الحالة كان يحس في بدنه ثقلاً حتى كادت فخذه صلى الله عليه وسلم أن ترض فخذ زيد بن ثابت وقد كانت عليها وهو يوحى إليه وأخرج أحمد وعبد بن حميد وابن جرير وابن نصر والحاكم وصححه عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا أوحى إليه وهو على ناقته وضعت جرانها فما تستطيع أن تتحرك حتى يسري عنه وتلت أنا سنلقي عليك قولاً ثقيلاً وروى الشيخان ومالك والترمذي والنسائي عنها أنها قالت ولقد رأيته ينزل عليه الوحي في اليوم الشديد البرد فيفصم عنه وأن جبينه ليتفصد عرقاً وعلى هذا الوجه يجوز أن يكون ثقيلاً صفة لمصدر حذف فأقيم مقامه وانتصب انتصابه أي إلقاء ثقيلاً وليس صفة قولاً وقيل ذلك كناية عن بقائه على وجه الدهر لأن الثقيل من شأنه أن يبقى في مكانه وقيل ثقلة باعتبار ثقل حروفه حقيقة في اللوح المحفوظ فعن بعضهم أن كل حرف من القرآن في اللوح أعظم من جبل قاف وإن الملائكة لو اجتمعت على الحرف أن يقلوه ما أطاقوه حتى يأتي إسرافيل عليه السلام وهو ملك اللوح فيرفعه ويقله بإذن الله تعالى لا بقوته ولكن الله عز وجل طوقه ذلك وهذا مما يحتاج إلى نقل صحيح عن الصادق عليه الصلاة والسلام ولا أظن وجوده. والجملة قيل على معظم هذه الأوجه مستأنفة للتعليل فإن التهجد يعد النفس لأن تعالج ثقله فتأمل. واستدل بالآية على أنه لا ينبغي أن يقال سورة خفيفة لما أن الله تعالى سمى فيه القرآن كله قولاً ثقيلاً وهذا من باب الاحتياط كما لا يخفي.

### الآية 73:6

> ﻿إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلًا [73:6]

إِنَّ نَاشِئَةَ الليل  أي أن النفس التي تنشأ من مضجعها إلى العبادة أي تنهض من نشأ من مكانه ونشر إذا نهض وأنشد قوله
: نشأنا إلى خوص بري نيها السري  وأشرف منها مشرفات القماحدوظاهر كلام اللغويين أن نشأ بهذا المعنى لغة عربية وقال الكرماني في **«شرح البخاري »** هي لغة حبشية عربوها وأخرج جماعة نحوه عن ابن عباس وابن مسعود وحكاه أبو حيان عن ابن جبير وابن زيد وجعل ناشئة جمع ناشئ فكأنه أراد النفوس الناشئة أي القائمة ووجه الإفراد ظاهر والإضافة إما بمعنى في أو على نحو سيد غضي وهذا أبلغ أو أن قيام الليل على أن الناشئة مصدر نشأ بمعنى قام كالعاقبة وإسنادها إلى الليل مجاز كما يقال قام ليله وصام نهاره وخص مجاهد هذا القيام بالقيام من النوم وكذا عائشة ومنعت أن يراد مطلق القيام وكان ذلك بسبب أن الإضافة إلى الليل في قولهم قيام الليل تفهم القيام من النوم فيه أو القيام وقت النوم لمن قال الليل كله أو أن العبادة التي تنشأ أي تحدث بالليل على أن الإضافة اختصاصية أو بمعنى في أو على نحو مكر الليل وقال ابن جبير وابن زيد وجماعة ناشئة الليل ساعاته لأنها تنشأ أي تحدث واحدة بعد واحدة أي متعاقبة والإضافة عليه اختصاصية أو ساعاته الأول من نشأ إذا ابتدأ وقال الكسائي ناشئته أوله وقريب منه ما روى عن ابن عمر وأنس بن مالك وعلي بن الحسين رضي الله تعالى عنهم هي ما بين المغرب والعشاء  هِىَ أَشَدُّ وَطْأً  أي هي خاصة دون ناشئة النهار أشد مواطأة يواطىء قلبها لسانها إن أريد بالناشئة النفس المتهجدة أو يواطىء فيها قلب القائم لسانه إن أريد بها القيام أو العبادة أو الساعات والإسناد على الأول حقيقي وعلى هذا مجازي واعتبار الاستعارة المكنية ليس بذاك أو أشد موافقة لما يراد من الإخلاص فلا مجاز على جميع المعاني وقرأ ابن عباس وابن الزبير ومجاهد والعربيان وطاء بكسر الواو وفتح الطاء ممدوداً على أنه مصدر واطأ وطاء كقاتل قتالاً وقرأ قتادة وشبل عن أهل مكة بكسر الواو وسكون الطاء والهمز مقصوراً وقرأ ابن محصن بفتح الواو ممدوداً  وَأَقْوَمُ قِيلاً  أي وأسو مقالاً أو أثبت قراءة لحضور القلب وهدو الأصوات وقيلاً عليهما مصدر لكنه على الأول عام للأذكار والأدعية وعلى الثاني مخصوص بالقراءة ونصبه ونصب وطأ على التمييز وأخرج ابن جرير وغيره عن أنس بن مالك أنه قرأ وأصوب قيلاً فقال له رجل أنا نقرؤها وأقوم قيلاً فقال إن أصوب وأقوم وأهيأ وأشباه هذا واحد.

### الآية 73:7

> ﻿إِنَّ لَكَ فِي النَّهَارِ سَبْحًا طَوِيلًا [73:7]

إِنَّ لَكَ في النهار سَبْحَاً طَوِيلاً  أي تقلباً وتصرفاً في مهماتك واشتغالاً بشواغلك فلا تستطيع أن تتفرغ للعبادة فعليك بها في الليل واصل السبح المر السريع في الماء فاستعير للذهاب مطلقاً كما قاله الراغب وأنشدوا قول الشاعر
: أباحوا لكم شرق البلاد وغربها  ففيها لكم يا صاح سبح من السبحوهذا بيان للداعي الخارجي إلى قيام الليل بعد بيان ما في نفسه من الداعي وقيل أي إن لك في النهار فراغاً وسعة لنومك وتصرفك في حوائجك وقيل إن فاتك من الليل شيء فلك في النهار فراغ تقدر على تداركه فيه فالسبح لفراغ وهو مستعمل في ذلك لغة أيضاً لكن الأول أوفق لمعنى قولهم سبح في الماء وأنسب للمقام ثم أن الكلام على هذا إما تتميم للعلة يهون عليه أن النهار يصلح للاستراحة فليغتنم الليل للعبادة وليشكران لم يكلف استيعابهما بالعبادة أو تأكيد للاحتفاظ به بأنه إن فات لا بد من تداركه بالنهار ففيه متسع لذلك وفيه تلويح إلى معنى جعل الليل والنهار خلفة وقرأ ابن يعمر وعكرمة وابن أبي عبلة سبخاً بالخاء المعجمة أي تفرق قلب بالشواغل مستعار من سبخ الصوف وهو نقشه ونشر أجزائه وقال غير واحد خفة من التكاليف قال الأصمعي يقال سبخ الله تعالى عنك الحمى خففها وفي الحديث لا تسبخي بدعائك أي لا تخففي ومنه قوله
: فسبخ عليك الهم واعلم بأنه  إذا قدر الرحمن شيئاً فكائنوقيل السبخ المد يقال سبخي قطنك أي مديه ويقال لقطع القطن سبائخ الواحدة سبخة ومنه قول الأخطل يصف قناصاً وكلاباً. فأرسلوهن يذرين التراب كما  يذري سبائخ قطن ندف أوتاروقال **«صاحب اللوامح »** أن ابن يعمر وعكرمة فسرا سبخاً بالمعجمة بعد أن قرآ به فقالا معناه نوما أي ينام بالنهار ليستعين به على قيام الليل وقد يحتمل هذه القراءة غير هذا المعنى لكنهما فسراها فلا نتجاوز عنه اه ولعل ذلك تفسير باللازم.

### الآية 73:8

> ﻿وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا [73:8]

واذكر اسم رَبّكَ  أي ودم على ذكره تعالى ليلاً ونهاراً على أي وجه كان من تسبيح وتهليل وتحميد وصلاة وقراءة قرآن وغير ذلك وفسر الأمر بالدوام لأنه عليه الصلاة والسلام لم ينسه تعالى حتى يؤمر بذكره سبحانه والمراد الدوام العرفي لا الحقيقي لعدم إمكانه ولأن مقضي السياق أن هذا تعميم بعد التخصيص كان المعنى على ما سمعت من اعتبار ليلاً ونهاراً  وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ  أي وانقطع إليه تعالى بالعبادة وجرد نفسك عما سواه عز وجل واستغرق في مراقبته سبحانه وكان هذا أمر بما يتعلق بالباطن بعد الأمر بما يتعلق بالظاهر ولتأكيد ذلك قال سبحانه :
 تَبْتِيلاً  ونصبه بتبتل لتضمنه معنى بتل على ما قيل وقد تقدم الكلام في تحقيق ذلك عند قوله تعالى  والله أنبتكم من الأرض نباتاً  \[ نوح : ١٧ \] فتذكر فما في العهد من قدم وكيفما كان الأمر ففيه مراعاة الفواصل

### الآية 73:9

> ﻿رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا [73:9]

رَّبُّ المشرق والمغرب  مرفوع على المدح وقيل على الابتداء خبره  لاَ إله إِلاَّ هُوَ  وقرأ زيد بن علي رضي الله تعالى عنهما رب بالنصب على الاختصاص والمدح وهو يؤيد الأول وقرأ الأخوان وابن عامر وأبو بكر ويعقوب رب بالجر على أنه بدل من  ربك  وقيل على إضمار حرف القسم وجوابه لا إله إلا هو وفيه حذف حرف القسم من غير ما يسد مسده وإبقاء عمله وهو ضعيف جداً كما بين في العربية وقد نقل هذا عن ابن عباس وتعقبه أبو حيان بقوله لعله لا يصح عنه إذ فيه إضمار الجار في القسم ولا يجوز عند البصريين إلا في لفظة الجلالة الكريمة نحو الله لأفعلن كذا ولا قياس عليه ولأن الجملة المنفية في جواب القسم إذا كانت اسمية تنفي بما لا غير ولا تنفي بلا إلا الجملة المصدرة بمضارع كثيراً وبماض في معناه قليلاً انتهى وظاهر كلام ابن مالك في التسهيل إطلاق وقوع الجملة المنفية جواباً للقسم وقال في شرح الكافية أن الجملة الاسمية تقع جواباً للقسم مصدرة بلا النافية لكن يجب تكرارها إذا تقدم خبرها أو كان المبتدا معرفة نحو والله لا في الدار رجل ولا امرأة ووالله لازيد في الدار ولا عمرو ومنه يعلم أن المسألة خلافية بين هذين الإمامين وقرأ ابن عباس وعبد الله وأصحابه رب المشارق والمغارب وبجمعهما وقد تقدم الكلام في وجه الإفراد والجمع والفاء في قوله تعالى : فاتخذه وَكِيلاً  لترتيب الأمر وموجبه على اختصاص الألوهية والربوبية به عز وجل ووكيل فعيل بمعنى مفعول أي موكول إليه والمراد من اتخاذه سبحانه وكيلاً أن يعتمد عليه سبحانه ويفوض كل أمر إليه عز وجل وذكر أن مقام التوكل فوق مقام التبتل لما فيه من رفع الاختيار وفيه دلالة على غاية الحب له تعالى وأنشدوا :هواي له فرض تعطف أم جفا  ومنهله عذب تكدر أم صفاوكلت إلى المعشوق أمري كله  فإن شاءا حياني وإن شاء أتلفاومن كلام بعض السادة من رضي بالله تعالى وكيلاً وجد إلى كل خير سبيلاً.

### الآية 73:10

> ﻿وَاصْبِرْ عَلَىٰ مَا يَقُولُونَ وَاهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلًا [73:10]

واصبر على مَا يَقُولُونَ  مما يؤلمك من الخرافات كقولهم يفرق بين الحبيب وحبيبه على ما سمعت في بعض روايات أسباب النزول  واهجرهم هَجْراً جَمِيلاً  بأن تجانبهم وتداريهم ولا تكافئهم وتكل أمورهم إلى ربهم كما يعرب عنه قوله تعالى :

### الآية 73:11

> ﻿وَذَرْنِي وَالْمُكَذِّبِينَ أُولِي النَّعْمَةِ وَمَهِّلْهُمْ قَلِيلًا [73:11]

وَذَرْنِي والمكذبين  أي خل بيني وبينهم وكل أمرهم إلي فان في ما يفرغ بالك ويجلي همك ومر في أن تمام الكلام في ذلك وجوز في المكذبين هنا أن يكونوا هم القائلين ففيه وضع الظاهر موضع المضمر وسما لهم بميسم الذم مع الإشارة إلى علة الوعيد وجوز أن يكونوا بعض القائلين فهو على معنى ذرني والمكذبين منهم والآية قيل نزلت في صناديد قريش المستهزئين وقيل في المطعمين يوم بدر  أُوْلِى النعمة  أرباب التنعم وغضارة العيش وكثرة المال والولد فالنعمة بالفتح التنعم وأما بالكسر فهي الانعام وما ينعم به وأما بالضم فهي المسرة  وَمَهّلْهُمْ قَلِيلاً  أي زماناً قليلاً وهو مدة الحياة الدنيا وقيل المدة الباقية إلى يوم بدر وإياً ما كان فقليلاً نصب على الظرفية وجوز أن يكون نصباً على المصدرية أي امهالاً قليلاً والتفعيل لتكثير المفعول.

### الآية 73:12

> ﻿إِنَّ لَدَيْنَا أَنْكَالًا وَجَحِيمًا [73:12]

إِنَّ لَدَيْنَا أَنكَالاً  جمع نكل بكسر النون وفتحها وهو القيد الثقيل وقيل الشديد وقال الكلبي الإنكار الأغلال والأول أعرف في اللغة وعن الشعبي لم تجعل الأنكال في أرجلهم خوفاً من هربهم ولكن إذا أرادوا أن يرتفعوا استفلت بهم والجملة تعليل لقوله تعالى  ذرني  وما عطف عليه فكأنه قيل كل أمرهم إلي ومهلهم قليلاً لأن عندي ما انتقم به منهم أشد الانتقام انكالاً  وَجَحِيماً  ناراً شديدة الإيقاد.

### الآية 73:13

> ﻿وَطَعَامًا ذَا غُصَّةٍ وَعَذَابًا أَلِيمًا [73:13]

وَطَعَاماً ذَا غُصَّةٍ  ينشب في الحلوق ولا يكاد يساغ كالضريع والزقوم وعن ابن عباس شوك من نار يعترض في حلوقهم لا يخرج ولا ينزل  وَعَذَاباً أَلِيماً . 
 يَوْمٍ  ونوعاً آخر من العذاب مؤلماً لا يقادر قدره ولا يعرف كنهه إلا الله عز وجل كما يشعر بذلك المقابلة والتنكير وما أعظم هذه الآية فقد أخرج الإمام أحمد في الزهد وابن أبي داود في الشريعة وابن عدي في **«الكامل »** والبيهقي في **«الشعب »** من طريق حمران بن أعين عن أبي حرب بن الأسود أن النبي صلى الله عليه وسلم سمع رجلاً يقرأ أن لدينا أنكالاً الخ فصعق وفي رواية أنه عليه الصلاة والسلام نفسه قرأ أن لدينا أنكالاً فلما بلغ أليماً صعق وقال خالد بن حسان أمسى عندنا الحسن وهو صائم فأتيته بطعام فعرضت له هذه الآية أن لدينا الخ فقال أرفعه فلما كانت الليلة الثانية أتيته بطعام فعرضت له أيضاً فقال ارفعه وكذلك الليلة الثالثة فانطلق ابنه إلى ثابت البناني ويزيد الضبي ويحيى البكاء فحدثهم بحديثه فجاؤا معه فلم يزالوا به حتى شرب شربة من سويق وفي الحديث السابق إذا صح ما يقيم العذر للصوفية ونحوهم الذين يصعقون عند سماع بعض الآيات ويقعد إنكار عائشة رضي الله تعالى عنها ومن وافقها عليهم اللهم إلا أن يقال إن الإنكار ليس إلا على من يصدر منه ذلك اختياراً وهو أهل لأن ينكر عليه كما لا يخفي أو يقال صعق من الصعق بسكون العين وقد يحرك غشي عليه لا من الصعق بالتحريك شدة الصوت وذلك مما لم تنكره عائشة رضي الله تعالى عنها ولا غيرها وللإمام في الآية كلام على نحو كلام الصوفية قال أعلم أنه يمكن حمل هذه المراتب الأربعة على العقوبة الروحانية أما الأنكال فهي عبارة عن بقاء النفس في قيد التعلقات الجسمانية واللذات البدنية فإنها في الدنيا لما اكتسبت ملكة تلك المحبة والرغبة فبعد البدن يشتد الحنين مع أن آلات الكسب قد بطلت فصارت تلك كالأنكال والقيود المانعة له من التخلص إلى عالم الروح والصفاء ثم يتولد من تلك القيود الروحانية نيران روحانية فإن شدة ميلها إلى الأحوال البدنية وعدم تمكنها من الوصول إليها توجب حرقة شديدة روحانية كمن تشتد رغبته في وجدان شيء ثم أنه لا يجده فإنه يحترق قلبه عليه فذاك هو الجحيم ثم إنه يتجرع غصة الحرمان وألم الفراق فذاك هو المراد من قوله سبحانه وطعاماً ذا غصة ثم أنه بسبب هذه الأحوال بقي محروماً عن تجلي نور الله تعالى والانخراط في سلك القدسيين وذلك هو المراد بقوله عز وجل وعذاباً أليماً وتنكير عذاباً يدل على أنه أشد مما تقدم وأكمل واعلم أني لا أقول المراد بالآية ما ذكرته فقط بل أقول إنها تفيد حصول المراتب الأربعة الجسمانية وحصول المراتب الأربعة الروحانية ولا يمتنع الحمل عليهما وإن كان اللفظ بالنسبة إلى المراتب الجسمانية حقيقة وبالنسبة إلى المراتب الروحانية مجازاً لكنه مجاز متعارف مشهور انتهى وتعقب بأنه بالحمل عليهما يلزم الجمع بين الحقيقة والمجاز أو عموم المجاز من غير قرينة وليس في الكلام ما يدل عليه بوجه من الوجوه وأنت تعلم أن أكثر باب الإشارة عند الصوفية من هذا القبيل

### الآية 73:14

> ﻿يَوْمَ تَرْجُفُ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ وَكَانَتِ الْجِبَالُ كَثِيبًا مَهِيلًا [73:14]

وقوله تعالى : تَرْجُفُ الأرض والجبال  قيل متعلق بذرني وقيل صفة  عذاباً  وقيل متعلق بأليماً واختار جمع أنه متعلق بالاستقرار الذي تعلق به  لدينا  أي استقر ذلك العذاب لدينا وظهر يوم تضطرب الأرض والجبال وتتزلزل وقرأ زيد بن علي ترجف مبنياً للمفعول  وَكَانَتِ الجبال  مع صلابتها وارتفاعها  كَثِيباً  رملاً مجتمعاً من كثب الشيء إذا جمعه فكأنه في الأصل فعيل بمعنى مفعول ثم غلب حتى صار له حكم الجوامد والكلام على التشبيه البليغ وقيل لا مانع من أن تكون رملاً حقيقة  مَّهِيلاً  قيل أي رخواً ليناً إذا وطئته القدم زل من تحتها وقيل منثوراً من هيل هيلاً إذا نثر وأسيل كونه كثيباً باعتبار ما كان عليه قبل النثر فلا تنافي بين كونه مجتمعاً ومنثوراً وليس المراد أنه في قوة ذلك وصدده كما قيل.

### الآية 73:15

> ﻿إِنَّا أَرْسَلْنَا إِلَيْكُمْ رَسُولًا شَاهِدًا عَلَيْكُمْ كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَىٰ فِرْعَوْنَ رَسُولًا [73:15]

إِنَّا أَرْسَلْنَا إِلَيْكُمْ  خطاب للمكذبين أولى النعمة سواء جعلوا القائلين أو بعضهم ففيه التفات من الغيبة وهو التفات جليل الموقع أي أنا أرسلنا إليكم أيها المكذبون من أهل مكة  رَسُولاً شاهدا عَلَيْكُمْ  يشهد يوم القيامة بما صدر عنكم من الكفر والعصيان  كَمَا أَرْسَلْنَا إلى فِرْعَوْنَ رَسُولاً  هو موسى عليه السلام وعدم تعيينه لعدم دخله في التشبيه أو لأنه معلوم غني عن البيان.

### الآية 73:16

> ﻿فَعَصَىٰ فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ فَأَخَذْنَاهُ أَخْذًا وَبِيلًا [73:16]

فعصى فِرْعَوْنُ الرسول  المذكور الذي أرسلناه إليه فالتعريف للعهد الذكري والكاف في محل النصب على أنها صفة لمصدر محذوف على تقدير اسميتها أي إرسالاً مثل إرسالنا أو الجار والمجرور في موضع الصفة على تقدير حرفيتها أي إرسالاً كائناً كما والمعنى أرسلنا إليكم رسولاً  شاهداً عليكم  \[ المزمل : ١٥ \] فعصيتموه كما أرسلنا إلى فرعون رسولاً فعصاه وفي إعادة فرعون والرسول مظهرين تفظيع لشأن عصيانه وأن ذلك لكونه عصيان الرسول لا لكونه عصيان موسى وفيه أن عصيان المخاطبين أفظع وأدخل في الذم إذ زاد جل وعلا لهذا الرسول وصفاً آخر أعني شاهداً عليكم وأدمج فيه أنهم لو آمنوا كانت الشهادة لهم وقوله تعالى : فأخذناه أَخْذاً وَبِيلاً  أي ثقيلاً رديء العقبى من قولهم كلأ وبيل وخم لا يستمرأ لثقله والوبيل أيضاً العصا الضخمة ومنه الوابل للمطر العظيم قطره خارج عن التشبيه جيء به لإيذان المخاطبين بأنهم مأخوذون بمثل ذلك وأشد وأشد.

### الآية 73:17

> ﻿فَكَيْفَ تَتَّقُونَ إِنْ كَفَرْتُمْ يَوْمًا يَجْعَلُ الْوِلْدَانَ شِيبًا [73:17]

وقوله تعالى : فَكَيْفَ تَتَّقُونَ إِن كَفَرْتُمْ يَوْماً يَجْعَلُ الولدان شِيباً  مراتب على الإرسال فالعصيان ويوماً مفعول به لتتقون ما بتقدير مضاف أي عذاب أو هول يوم أبو بدونه إلا أن المعنى عليه وضمير يجعل لليوم والجملة صفته والإسناد مجازي وقال بعض الضمير لله تعالى والإسناد حقيقي والجملة صفة محذوفة الرابط أي يجعل فيه كما في قوله تعالى : واتقوا يَوْمًا لا تجزي نَفْسٌ عن نفس شيئا  \[ البقرة : ٤٨ \] وكان ظاهر الترتيب أن يقدم على قوله تعالى : كَمَا أَرْسَلْنَا  \[ المزمل : ١٥ \] إلا أنه أخر إلى هنا زيادة على زيادة في التهويل فكأنه قيل هبوا أنكم لا تؤخذون في الدنيا أخذة فرعون واضرابه فكيف تقون أنفسكم هول القيامة وما أعد لكم من الأنكال إن دمتم على ما أنتم عليه ومتم في الكفر وفي قوله سبحانه إن كفرتم وتقديره تقدير مشكوك في وجوده ما ينبه على أنه لا ينبغي أن يبقى مع إرسال هذا الرسول لأحد شبهة تبقيه في الكفر فهو النور المبين وجوز أن يكون يوماً ظرفاً لتتقون على معنى فكيف لكم بالتقوى في يوم القيامة إن كفرتم في الدنيا والكلام حينئذ للحث على الإقلاع من الكفر والتحذير عن مثل عاقبة آل فرعون قبل أن لا ينفع الندم وجوز أيضاً أن ينتصب بكفرتم على تأويل جحدتم والمعنى فكيف يرجى إقلاعكم عن الكفر واتقاء الله تعالى وخشيته وأنتم جاحدون يوم الجزاء كأنه لما قيل  يوم ترجف  \[ المزمل : ١٤ \] عقب بقوله تعالى فكيف تتقون الله إن كفرتم به فأعيد ذكر اليوم بصفة أخرى زيادة في التهويل والوجه الأول أولى قاله في **«الكشف »** وقال العلامة الطيبي في الوجه الأخير أعني انتصاب يوماً بكفرتم أنه أوفق للتأليف يعني خوفناكم بالأنكال والجحيم وأرسلنا إليكم رسولاً شاهداً يوم القيامة بكفركم وتكذيبكم وأنذرناكم بما فعلنا بفرعون من العذاب الوبيل والأخذ الثقيل فما نجع فيكم ذلك كله ولا اتقيتم الله تعالى فكيف تتقونه وتخشونه إن جحدتم يوم القيامة والجزاء وفيه أن ملاك التقوى والخشية الإيمان بيوم القيامة انتهى. ولا يخفي أن جزالة المعنى ترجح الأول وذهب جمع إلى أن الخطاب في  إنا أرسلنا  \[ المزمل : ١٥ \] إليكم عام للأسود والأحمر فالظاهر أنه ليس من الالتفات في شيء وأياً ما كان فجعل الولدان شيباً أي شيوخاً جمع أشيب قيل حقيقة فتشيب الصبيان وتبيض شعورهم من شدة يوم القيامة وذلك على ما أخرج ابن المنذر عن ابن مسعود حين يقول الله تعالى لآدم عليه السلام قم فأخرج من ذريتك بعث النار فيقول يا رب لا علم لي إلا ما علمتني فيقول الله عز وجل أخرج بعث النار من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعين فيخرجون ويساقون إلى النار سوقاً مقرنين زرقاً كالحين قال ابن مسعود فإذا خرج بعث النار شاب كل وليد وفي حديث الطبراني وابن مردويه عن ابن عباس نحو ذلك وقيل مثل في شدة الهول من غير أن يكون هناك شيب بالفعل فإنهم يقولون في اليوم الشديد يوم يشيب نواصي الأطفال والأصل في ذلك أن الهموم إذا تفاقمت على المرإ أضعفت قواه وأسرعت فيه الشيب ومن هنا قيل الشيب نوار الهموم وحديث البعث لا يأبى هذا وجوز الزمخشري أن يكون ذلك وصفاً لليوم بالطول وإن الأطفال يبلغون فيه أو أن الشيخوخة والشيب وليس المراد به التقدير الحقيقي بل وصف بالطول فقط على ما تعارفوه وإلا فهو أطول من ذك وأطول فلا اعتراض لكنه مع هذا ليس بذاك والظاهر عموم الولدان وقال السدي هم هنا أولاد الزنا وقيل هم أولاد المشركين وقرأ زيد بن علي يوم بغير تنوين نجعل بالنون فالظرف مضاف إلى جملة نجعل الخ.

### الآية 73:18

> ﻿السَّمَاءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ ۚ كَانَ وَعْدُهُ مَفْعُولًا [73:18]

السَّمَاء مُنفَطِرٌ  أي منشق وقرئ متفطر أي متشقق  بِهِ  أي بذلك اليوم والباء للآلة مثلها في قولك فطرت العود بالقدوم فانفطر به يعني أن السماء على عظمها وأحكامها تنفطر بشدة ذلك اليوم وهو له كما ينفطر الشيء بما يفطر به فما ظنك بغيرها من الخلائق وجوز أن يراد السماء مثقلة به الآن أثقالاً يؤدي إلى انفطارها لعظمه عليها وخشيتها من وقوعه كقوله تعالى  ثَقُلَتْ في السماوات  \[ الأعراف : ١٨٧ \] فالكلام من باب التخييل والانفطار كناية عن المبالغة في ثقل ذلك اليوم والمراد إفادة أنه الآن على هذا الوصف والأول أظهر وأوفق لأكثر الآيات وكان الظاهر السماء منفطرة بتأنيث الخبر لأن المشهور أن السماء مؤنثة لكن اعتبر إجراء ذلك على موصوف مذكر فذكر أي شيء منفطر به والنكتة فيه التنبيه على أنه تبدلت حقيقتها وزال عنها اسمها ورسمها ولم يبق منها إلا ما يعبر عنه بالشيء وقال أبو عمرو بن العلاء وأبو عبيدة والكسائي وتبعهم منذر بن سعيد التذكير لتأويل السماء بالسقف وكان النكتة فيه تذكير معنى السقفية والإضلال ليكون أمر الانفطار أدهش وأهول وقال أبو علي الفارسي التقدير ذات انفطار كقولهم امرأة مرضع أي ذات رضاع فجرى على طريق النسب وحكى عنه أيضاً أن هذا من باب الجراد المنتشر والشجر الأخضر وأعجاز نخل منقعر يعني أن السماء من باب اسم الجنس الذي بينه وبين مفرده تاء التأنيث وأن مفرده سماءة واسم الجنس يجوز فيه التذكير والتأنيث فجاء منفطر على التذكير وقال الفراء السماء يعني المظلة تذكر وتؤنث فجاء منفطر على التذكير ومنه قوله الشاعر
: فلو رفع السماء إليه قوما  لحقنا بالسماء وبالسحابوعليه لا حاجة إلى التأويل وإنما تطلب نكتة اعتبار التذكير مع أن الأكثر في الاستعمال اعتبار التأنيث ولعلها ظاهرة لمن له أدنى فهم وحمل الباء في به على الآلة هو الأوفق لتهويل أمر ذلك اليوم وجوز حملها على الظرفية أي السماء منفطر فيه وعود الضمير المجرور على اليوم هو الظاهر الذي عليه الجمهور وقال مجاهد يعود على الله تعالى أي بأمره سبحانه وسلطانه عز وجل فهو عنده كالضمير في قوله تعالى : كَانَ وَعْدُهُ مَفْعُولاً  فإنه له تعالى لعلمه من السباق والمصدر مضاف إلى فاعله ويجوز أن يكون لليوم كضمير به عند الجمهور والمصدر مضاف إلى مفعوله.

### الآية 73:19

> ﻿إِنَّ هَٰذِهِ تَذْكِرَةٌ ۖ فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَىٰ رَبِّهِ سَبِيلًا [73:19]

إِنَّ هذه  إشارة إلى الآيات المنطوية على القوارع المذكورة  تَذْكِرَةٌ  أي موعظة  فَمَن شَاء اتخذ إلى رَبّهِ سَبِيلاً  بالتقرب إليه تعالى بالإيمان والطاعة فإنه المنهاج الموصل إلى مرضاته عز وجل ومفعول شاء محذوف والمعروف في مثله أن يقدر من جنس الجواب أي فمن شاء اتخاذ سبيل إلى ربه تعالى اتخذ الخ وبعض قدره الاتعاظ لمناسبة ما قبل أي فمن شاء الاتعاظ اتخذ إلى ربه سبيلاً والمراد من نوى أن يحصل له الاتعاظ تقرب إليه تعالى لكن ذكر السبب وأريد مسببه فهو الجزاء في الحقيقة واختار في البحر ما هو المعروف وقال إن الكلام على معنى الوعد والوعيد.

### الآية 73:20

> ﻿۞ إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَىٰ مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطَائِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ ۚ وَاللَّهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ ۚ عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ ۖ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ ۚ عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضَىٰ ۙ وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ ۙ وَآخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ۖ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ ۚ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا ۚ وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا ۚ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ ۖ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ [73:20]

إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أدنى مِن ثُلُثَىِ الليل  أي زماناً أقل منهما استعمل فيه الأدنى وهو اسم تفضيل من دنا إذا قرب لما أن المسافة بين الشيئين إذا دنت قل ما بينهما من الأحياز فهو فيه مجاز مرسل لأن القرب يقتضي قلة الأحياز بين الشيئين فاستعمل في لازمه أو في مطلق القلة وجوز اعتبار التشبيه بين القرب والقلة ليكون هناك استعارة والإرسال أقرب وقرأ الحسن وشيبة وأبو حيوة وابن السميفع وهشام وابن مجاهد عن قنبل فيما ذكر صاحب الكامل ثلثي بإسكان اللام وجاء ذلك عن نافع وابن عامر فيما ذكر **«صاحب اللوامح »**  وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ  بالنصب عطفاً على أدنى كأنه قيل يعلم إنك تقوم من الليل أقل من ثلثيه وتقوم نصفه وتقوم ثلثه وقرأ العربيان ونافع ونصفه وثلثه بالجر عطفاً على ثلثي الليل أي تقوم أقل من الثلثين وأقل من النصف وأقل من الثلث والأول مطابق لكون التخيير فيما مر بين قيام النصف بتمامه وبين قيام الناقص منه وهو الثلث وبين قيام الزائد عليه وهو الأدنى من الثلثين والثاني مطابق لكون التخيير بين النصف وهو أدنى من الثلثين وبين الثلث وهو أدنى من النصف وبين الربع وهو أدنى من الثلث كذا قال غير واحد فلا تغفل واستشكل الأمر بأن التفاوت بين القراءتين ظاهر فكيف وجه صحة علم الله تعالى لمدلولهما وهما لا يجتمعان وأجيب بأن ذلك بحسب الأوقات فوقع كل في وقت فكانا معلومين له تعالى واستشكل أيضاً هذا المقام على تقدير كون الأمر وارداً بالأكثر بأنه يلزم أما مخالفة النبي صلى الله عليه وسلم لما أمر به أو اجتهاده والخطأ في موافقة الأمر وكلاهما غير صحيح أما الأول فظاهر لاسيما على كون الأمر للوجوب وأما الثاني فلأن من جوز اجتهاده عليه الصلاة والسلام والخطأ فيه يقول إنه لا يقر عليه الصلاة والسلام على الخطأ وأجيب بالتزام أن الأمر وارد بالأقل لكنهم زادوا حذراً من الوقوع في المخالفة وكان يشق عليهم وعلم الله سبحانه أنهم لو لم يأخذوا بالأشق وقعوا في المخالفة فنسخ سبحانه الأمر كذا قيل فتأمل فالمقام بعد محتاج إليه وقرأ ابن كثير في رواية شبل وثلثه بإسكان اللام  وَطَائِفَةٌ مّنَ الذين مَعَكَ  عطف على الضمير المستتر في تقوم وحسنه الفصل بينهما أي وتقوم معك طائفة من أصحابك  والله يُقَدّرُ الليل والنهار  لا يعلم مقادير ساعاتهما كما هي إلا الله تعالى فإن تقديم اسمه تعالى مبتدأ مبنياً عليه يقدر دال على الاختصاص على ما ذهب إليه جار الله ويؤيده قوله تعالى : عَلِمَ أَن لَّن تُحْصُوهُ  فإن الضمير لمصدر يقدر لا للقيام المفهوم من الكلام والمعنى علم أن الشأن لن تقدروا على تقدير الأوقات ولن تستطيعوا ضبط الساعات ولا يتأتى لكم حسابها بالتعديل والتسوية إلا أن تأخذوا بالأوسع للاحتياط وذلك شاق عليكم بالغ منكم  فَتَابَ عَلَيْكُمْ  أي بالترخيص في ترك القيام المقدر ورفع التبعة عنكم في تركه فالكلام على الاستعارة حيث شبه الترخيص بقبول التوبة في رفع التبعة واستعمل اللفظ الشائع في المشبه به في المشبه كما في قوله تعالى  فتاب عليكم وعفا عنكم فالآن باشروهن  \[ البقرة : ١٨٧ \] وزعم بعضهم أنه على ما يتبادر منه فقال فيه دليل على أنه كان فيهم من ترك بعض ما أمر به وليس بشيء  فاقرءوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ القرءان  أي فصلوا ما تيسر لكم من صلاة الليل عبر عن الصلاة بالقراءة كما عبر عنها بسائر أركانها وقيل الكلام على حقيقته من طلب قراءة القرآن بعينها وفيه بعد عن مقتضى السياق ومن ذهب إلى الأول قال إن الله تعالى افترض قيام مقدار معين من الليل في قوله سبحانه : قُمِ الليل  \[ المزمل : ٢ \] الخ ثم نسخ بقيام مقدار ما منه في قوله سبحانه : فَتَابَ عَلَيْكُمْ  فاقرؤا الآية فالأمر في الموضعين للوجوب إلا أن الواجب أولاً : كان معيناً من معينات وثانياً : كان بعضاً مطلقاً ثم نسخ وجوب القيام على الأمة مطلقاً بالصلوات الخمس ومن ذهب إلى الثاني قال إن الله تعالى رخص لهم في ترك جميع القيام وأمر بقراءة شيء من القرآن ليلاً فكأنه قيل فتاب عليكم ورخص في الترك فاقرؤا ما تيسر من القرآن إن شق عليكم القيام فإن هذا لا يشق وتنالون بهذه القراءة ثواب القيام وصرح جمع أن فاقرؤا على هذا أمر ندب بخلافه على الأول هذا واعلم أنهم اختلفوا في أمر التهجد فعن مقاتل وابن كيسان أنه كان فرضاً بمكة قبل أن تفرض الصلوات الخمس ثم نسخ بهن إلا ما تطوعوا به ورواه البخاري ومسلم في حديث جابر وروى الإمام أحمد ومسلم وأبو داود والدارمي وابن ماجه والنسائي عن سعد بن هشام قال قلت لعائشة يا أم المؤمنين انبئيني عن خلق رسول الله صلى الله عليه وسلم قالت ألست تقرأ القرآن قلت بلى قالت فإن خلق نبي الله تعالى القرآن قال فهممت أن أقوم ولا أسأل أحداً عن شيء حتى أموت ثم بدا لي فقلت انبئيني عن قيام رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت ألست تقرأ  يأَيُّهَا المزمل  \[ المزمل : ١ \] قلت بلى قالت : فإن الله تعالى افترض قيام الليل في أول هذه السورة فقام نبي الله وأصحابه حولاً وأمسك الله تعالى خاتمتها اثني عشر شهراً في السماء حتى أنزل الله تعالى في آخر السورة التخفيف وصار قيام الليل تطوعاً وفي رواية عنها أنه دام ذلك ثمانية أشهر وعن قتادة دام عاماً أو عامين وعن بعضهم أنه كان واجباً وإنما وقع التخيير في المقدار ثم نسخ بعد عشر سنين وكان الرجل كما قال الكلبي يقوم حتى يصبح مخافة أن لا يحفظ ما بين النصف والثلث والثلثين وقيل كان نفلاً بدليل التخيير في المقدار وقوله تعالى : ومن الليل فتهجد به نافلة لك  \[ الإسراء : ٧٩ \] حكاه غير واحد وبحثوا فيه لكن قال الإمام صاحب الكشف لم يرد هذا القائل أن التخيير ينافي الوجوب بل استدل بالاستقراء وأن الفرائض لها أوقات محدودة متسعة كانت أو ضيقة لم يفوض التحديد إلى رأي الفاعل وهو دليل حسن وأما القائل بالفرضية فقد نظر إلى اللفظ دون الدليل الخارجي ولكل وجه وأما قوله ولقوله تعالى : وَمِنَ الليل  \[ الإسراء : ٧٩ \] الخ فالاستدلال بأنه فسر  نافلة لك  \[ الإسراء : ٧٩ \] بأن معناه زائدة على الفرائض لك خاصة دون غيرك لأنها تطوع لهم وهذا القائل لا يمنع الوجوب في حقه عليه الصلاة والسلام وإنما يمنعه في حق غيره صلى الله عليه وسلم والآية تدل عليه فلا نظر فيه ثم إنه لما ذكر سبحانه في تلك السورة ومن الليل أي خص بعض الليل دون توقيت وههنا وقت جل وعلا ودل على مشاركة الأمة له عليه الصلاة والسلام قوله تعالى : وَطَائِفَةٌ مّنَ الذين مَعَكَ  نزل ما ثم على الوجوب عليه صلى الله عليه وسلم خاصة وههنا على التنفلي في حقه وحق الأمة وهذا قول سديد إلا أن قوله تعالى علم أن لن تحصوه فتاب عليكم يؤيد الأول انتهى وعنى بالأول القول بالفرضية عليه عليه الصلاة والسلام وعلى الأمة وظواهر الآثار الكثيرة تشهد له لكن في ****«البحر »**** أن قوله تعالى : وَطَائِفَةٌ مّنَ الذين مَعَكَ  دليل على أنه لم يكن فرضاً على الجميع إذ لو كان فرضاً عليهم لكان التركيب والذين معك إلا أن اعتقد أنه كان منهم من يقوم في بيته ومنهم من يقوم معه فيمكن إذ ذاك الفرضية في حق الجميع انتهى وأنت تعلم أنه لا يتعين كون من تبعيضية بل تحتمل أن تكون بيانية ومن يقول بالفرضية على الكل صدر الإسلام يحملها على ذلك دون البعضية باعتبار المعية فإنها ليست بذاك والله تعالى أعلم وأفادت الآية على القول الأخير في قوله سبحانه : فاقرؤا  الخ ندب قراءة شيء من القرآن ليلاً وفي بعض الآثار من قرأ مائة آية في ليلة لم يحاجه القرآن وفي بعضها من قرأ مائة آية كتب من القانتين وفي بعض خمسين آية والمعول عليه من القولين فيه القول الأول وقد سمعت أن الأمر عليه للإيجاب وأنه كان يجب قيام شيء من الليل ثم نسخ وجوبه عن الأمة بوجوب الصلوات الخمس فهو اليوم في حق الأمة سنة وفي ****«البحر »**** بعد تفسير فاقرؤا يصلوا وحكاية ما قيل من النسخ وهذا الأمر عند الجمهور أمر إباحة وقال الحسن وابن سيرين قيام الليل فرض ولو قدر حلب شاة وقال بن جبير وجماعة هو فرض لا بد منه ولو بمقدار خمسين آية انتهى وظاهر سياقه أن هؤلاء قائلون بوجوبه اليوم وأنه لم ينسخ الوجوب مطلقاً وإنما نسخ وجوب معين وهذا خلاف المعروف فعن ابن عباس سقط قيام الليل عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وصار تطوعاً وبقي ذلك فرضاً على رسول الله عليه الصلاة والسلام وأظن الأمر غنياً عن الاستدلال فلنطو بساط القيل والقال نعم كان السلف الصالح يثابرون على القيام مثابرتهم على فرائض الإسلام لما في ذلك من الخلوة بالحبيب والأنس به وهو القريب من غير رقيب نسأل الله تعالى أن يوفقنا كما وفقهم ويمن علينا كما من عليهم بقي ههنا بحث وهو أن الإمام أبا حنيفة رضي الله تعالى عنه استدل بقوله تعالى : فاقرءوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ القرءان  على أن الفرض في الصلاة مطلق القراءة لا الفاتحة بخصوصها وهو ظاهر على القول بأنه عبر فيه عن الصلاة بركنها وهو القراءة كما عبر عنها بالسجود والقيام والركوع في مواضع وقدر ما تيسر بآية على ما حكاه عنه الماوردي وبثلث على ما حكاه عنه ابن العربي والمسألة مقررة في الفروع وخص الشافعي ومالك ما تيسر بالفاتحة واحتجوا على وجوب قراءتها في الصلاة بحجج كثيرة منها ما نقل أبو حامد الإسفرايني عن ابن المنذر بإسناده عن أبي هريرة عنه عليه الصلاة والسلام **«لا تجزى صلاة لا يقرأ فيها بفاتحة الكتاب »** ومنها ما روي أيضاً عن أبي هريرة عنه صلى الله عليه وسلم **«كل صلاة لم يقرأ فيها بفاتحة الكتاب فهي خداج »** فهي خداج أي نقصان للمبالغة أو ذو نقصان واعترض بأن النقصان لا يدل على عدم الجواز وأجيب بأنه يدل لأن التكليف بالصلاة قائم والأصل في الثابت البقاء خالفناه عند الإتيان بها على صفة الكمال فعند النقصان وجب أن يبقى على الأصل ولا يخرج عن العهدة وأكد بقول أبي حنيفة بعدم جواز صوم يوم العيد قضاء عن رمضان مع صحة الصوم فيه عنده مستدلاً عليه بأن الواجب عليه الصوم الكامل والصوم في هذا اليوم ناقص فلا يفيد الخروج عن العهدة ومنها قوله صلى الله عليه وسلم **«لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب »** وهو ظاهر في المقصود إذ التقدير لا صلاة صحيحة إلا بها واعترض بجواز أن يكون التقدير لا صلاة كاملة فإنه لما امتنع نفي مسمى الصلاة لثبوته دون الفاتحة لم يكن بد من صرفه إلى حكم من أحكامها وليس الصرف إلى الصحة أولى من الصرف إلى الكمال وأجيب بأنا لا نسلم امتناع دخول النفي على مسماها لأن الفاتحة إذا كانت جزءاً من ماهية الصلاة تنتفي الماهية عند عدم قراءتها فيصح دخوله على مسماها وإنما يمتنع لو ثبت أنها ليست جزءاً منها وهو أول المسألة سلمناه لكن لا نسلم أن صرفه إلى الصحة ليس أولى من صرفه إلى الكمال بل هو أولى لأن الحمل على المجاز الأقرب عند تعذر الحمل على الحقيقة أولى بل واجب بالإجماع ولا شك أن الموجود الذي لا يكون صحيحاً أقرب إلى المعدوم من الموجود الذي لا يكون كاملاً ولأن الأصل بقاء ما كان وهو التكليف على ما كان ولأن جانب الحرمة أرجح لأنه أحوط ومنها أن الصلاة بدون الفاتحة توجب فوات الفضيلة الزائدة من غير ضرورة للإجماع على أن الصلاة معها أفضل فلا يجوز المصير إليه لأنه قبيح عرفاً فيكون قبيحاً شرعاً لقوله عليه الصلاة وا

## روابط ذات صلة

- [النص القرآني للسورة](https://quranpedia.net/surah/1/73.md)
- [كل تفاسير سورة المزّمّل
](https://quranpedia.net/surah-tafsir/73.md)
- [ترجمات سورة المزّمّل
](https://quranpedia.net/translations/73.md)
- [صفحة الكتاب: روح المعاني](https://quranpedia.net/book/301.md)
- [المؤلف: الألوسي](https://quranpedia.net/person/4400.md)

---

زُر [Quranpedia.net](https://quranpedia.net/surah/1/73/book/301) — موسوعة القرآن الكريم: التفاسير، الترجمات، التلاوات، والمواضيع.
